الشرح الكبير على المقنع ت التركي

المقدسي، عبد الرحمن

المُقنع لموفَّق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (541 - 620 هـ) الشرح الكبير لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (597 - 682 هـ) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد المَرْداوي (817 - 885 هـ) تحقيق الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي الدكتور: عبد الفتاح محمد الحلو

_ في المطبوع، قد وُضِع «المقنعُ» في أعلى الصفحات، ويليه «الشرح الكبير»، ويليه «الإنصاف»، مفصولًا بين كل منهم بفاصل، وقد اقتصرنا في هذه النسخة (الإلكترونية) على «المقنع» و «الشرح» فقط.

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1414 هـ - 1993 م المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756 المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

مقدمة التحقيق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق 1 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. أما بعد، فقد شهد آخر القرن السادس، والقرن السابع، حركة علمية مباركة، في خدمة مذهب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشَّيباني، رضي الله عنه، رفع لواءها المقادسة من آل قدامة، حيث يسر الله لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجَمَّاعِيليّ الدمشقيّ الصالحيّ الحنبلي، المتوفى سنة عشرين وستمائة (¬1)، أن يفرغ إلى «مختصر» أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخِرَقيّ، المتوفى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة (¬2)، فيشرحه شرحًا قَرَّت به عيونُ الفقهاء، وجمع فهه آراء الائمة وحُجَجَهم، وأقوال الصحابة والتابعين، وجعله ميدانًا رحبًا للفقه المقارن، وسمَّى كتابه «المغني»، الذي قال فيه رفيقه، وخليفتُه في رياسة المذهب بعده، ناصح الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الوهَّاب بن عبد الواحد الأنصاريّ ابن الحنبلي، المتوفى سنة أربع وثلاثين وستمائة، على ما نقلَه ابنُ رجب: بلَغ الأملَ في إتمامِه، وهو كتاب بليغ في المذهب عشر مجلدات، تَعِب عليه، وأجاد فيه، وجمَّل به المذهبَ. ونقل ابن رجب عن الحافظ ابن الدُّبَيثي، أن الشيخ عزَّ الدين اين عبد السلام كان يسْتعير «المُحَلَّى»، و «المُجَلَّى» لابن حَزْم، ويقول: ما رأيتُ في كتب الإسلام في العلم مثل المحلى والمجلى وكتاب «المغني» للشيخ مُوَفَّق الدين ابن قدامة، في جودتها، وتحقيق ما فيها. كما نقَل عنه قوله: لم تَطبْ نفسى بالفُتْيا حتى صار عندى نسخةُ المغني. وكان شرحُ مُوَفَّق الدين لـ «مختصر الخرقى» تجربة علمية مفيدة، جعلته يدقق ¬

(¬1) انظر: الترجمة الحافلة التي صدرنا بها تحقيقنا لكتاب «المغني». (¬2) انظر: ترجمته في المغني 1/ 6 وما بعدها.

[2 - الشرح الكبير لابن أبي عمر]

ألفاظه، ويحرِّرُ أحكامه، وهَدَتْه آخرَ الأمر إلى تأليف مختصر في الفقه، رتَّبه تَرْتيبًا جديدًا، وحرَّره تحريرًا فائقًا، وسماه «المُقْنع» بلغ فيه الغاية، وانصرف إليه العلماء بعده بالشرح والتعليق، بل واعتمدوه «المتن» الذي يُحفظ في فقه الحنابلة. وكان من أسْبَق الفقهاء إلى العناية بـ «المقنع» شمس الدين ابن قدامة، ابن أخي الموفق، المعروف بابن أبي عمر، فقد عرَض عليه كتاب «المقنع» وشرحه عليه، وأذن له في إقرائه، وإصلاح ما يرى أنه يحْتاج إلى إصلاح فيه، ثم شرَحه بعد ذلك في مجلَّدات، واسْتمدَّ فيه من «المغني» لعمِّه. 2 وهو شمس الدين، أبو محمد وأبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قُدامة المَقْدِسي الجَمَّاعِيلِيّ الصالحيّ الحنبليّ الخطيب الحاكم قاضي القضاة، ابن أبي عمر (*). ولد في المحرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة، بالدَّير المبارك، الذي أقامه والده بسَفْح قاسِيُون، الجبل المشرف على دمشق. بدأ مسيرته العلمية بالقراءة على والده أبي عمر، وبالتفقه على عمه موفق الدين ابن قدامة، وعنى بالحديث، وكتب بخطه الأجزاء والطباق، وأخذ الأصول عن السيف الآمدي، ودرَّس، وأفتى، وأقرأ العلم زمنا طويلا، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رياسة المذهب في عصره، بل رياسة العلم في زمانه. وله مشيخة حافلة تتمثل في: 1 - شمس الدين أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد المَقْدِسِيّ البُخارِيّ الحنْبليّ الأصوليّ، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة (¬1). أجاز له. ¬

_ (*) ترجمة شمس الدين ابن قدامة، في: ذيل مرآة الزمان، لليونيني 4/ 186 - 191، العبر، للذهبي 5/ 338، 339، تذكرة الحفاظ، للذهبي 4/ 1492، البداية والنهاية، لابن كثير 13/ 302، مرآة الجنان، لليافعي 4/ 197، 198، فوات الوفيات، لابن شاكر الكتبي 2/ 291، 292، ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب 2/ 304 - 310، النجوم الزاهرة، لابن تغرى بردى 7/ 358، شذرات الذهب، لابن العماد الحنبل 5/ 376 - 379، التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، للقنوجي 252، 253، كشف الظنون 2/ 1809، 691: Brock GI: 399, SI: 691 (¬1) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 168 - 170، سير أعلام النبلاء 22/ 255، 256.

2 - وحيد الدين أبو المعالي أسعد بن المُنَجَّى بن بركات بن المؤمّل التَّنُوخِيّ المعَرِّيّ الدمشقيّ الحنبليّ، شيخُهم، المتوفى سنة ست وستمائة (¬1). أجاز له. 3 - أبو الفضل جعفر بن علي بن هبة الله بن جعفر الهَمْدَاني الإِسْكندراني المقرئ المجود المحدِّث المُسْنِد الفقيه المالكيّ، المتوفى بدمشق سنة ست وثلاثين وستمائة (¬2). قرأ عليه. 4 - سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد البغداديّ البابَصْرِيّ الحنبليّ المسند، مدرِّس مدرسة الوزير عون الدين بن هُبَيرة، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وستمائة (¬3). قرأ عليه. 5 - أبو علي حَنْبل بن عبد الله بن فرج بن سعادة الواسطيّ راوى «المسند»، البغداديّ المُكَبِّر، المتوفى سنة أربع وستمائة ببغداد (¬4). سمع منه. 6 - ربيب الدين أبو البركات داود بن أحمد بن محمد البغداديّ الأزَجِيّ الوكيل عن القضاة الْمُسنِد ابن مُلاعِب، المتوفى سنة ست عشرة وستمائة، ودفن بسفح قاسِيُون (¬5). سمع منه. 7 - تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكِنْديّ البغداديّ المقرئ النحويّ اللُّغَويّ الحنفيّ، المتوفى سنة ثلاث عشرة وستمائة (¬6). سمع منه. 8 - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، ابن الجَوْزِيّ، شيخ الإسلام، المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة (¬7). أجاز له. 9 - جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الحَرَسْتاني ¬

(¬1) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 49، 50، سير أعلام النبلاء 21/ 436، 437. (¬2) طبقات القراء 1/ 193، سير أعلام النبلاء 23/ 36 - 39. (¬3) سير أعلام النبلاء 22/ 357 - 359. (¬4) التكملة لوفيات النفلة 2/ 125، سير أعلام النبلاء 21/ 431 - 433. (¬5) سير أعلام النبلاء 22/ 90، 91. (¬6) الجواهر المضية 2/ 216، 217، سير أعلام النبلاء 22/ 34 - 41. (¬7) انظر مقدمة تحقيق المغني صفحة 12.

الدمشقيّ الشافعيّ، مُسْنِد الشام، المفتي، قاضي القضاة، المتوفى سنة أربع عشرة وستمائة (¬1). سمع منه. 10 - مُوَفَّق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيّ الجَمَّاعيليّ الدمشقيّ الصَّالحيّ الحنبلي، عمُّه، المتوفى سنة عشرين وستمائة (¬2). تفقَّه عليه، وعرَض عليه كتاب «المقنع»، وشَرَحه عليه، وأذِن له في إقْرائه، وإصْلاحِ ما يرى أنه يحتاج إلى إصلاح فيه، ثم شرحه بعده في عشر مجلدات، واسْتمدَّ فيه من «المغني». 11 - أبو المُنَجَّى عبد الله بن عمر بن علي، ابن اللَّتّيّ، البغداديّ الحَرِيميّ الطَّاهِريّ، المُسْنِد المُعَمَّر، المتوفى سنة خمس وثلاثين وستمائة (¬3). قرأ للناس عليه. 12 - حُجَّة الدين أبو طالب عبد المحسن بن أبي العَمِيد الخَفِيفيّ الأبهَريّ الشافعيّ الصوفيّ، المتوفى سنة أربع وعشرين وستمائة بمكة (¬4). سمع منه بالمدينة. 13 - سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التَّغْلِبِي الحنبلي ثم الشافعيّ، فارس علم الكلام، الأصوليّ، المتوفى سنة إحدي وثلاثين وستمائة (¬5). أخذ عنه الأصول. 14 - أبو الحسن علي بن أبي الفتح المبارك بن الحسن الواسِطيّ البَرْجوني المقرئ، الفقيه الشافعيّ، المعروف بابن باسُويَة، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة (¬6). سمع منه بمكة. 15 - أبو حفص عمر بن محمد بن معمر البغداديّ الدَّارَقَزِّيّ المُؤدِّب، المعروف ¬

(¬1) طبقات الشافعية الكبرى 8/ 196 - 199. سير أعلام النبلاء 22/ 80 - 84. (¬2) انظر: مقدمة تحقيقنا لكتاب المغني. (¬3) سير أعلام النبلاء 23/ 15 - 17. (¬4) طبقات الشافعية الكبرى 8/ 314، سير أعلام النبلاء 22/ 259، 260. (¬5) وفيات الأعيان 3/ 293، 394، سير أعلام النبلاء 22/ 364. (¬6) التكملة لوفيات النقلة 3/ 394، 395.

بابن طَبَرْزَد، المُسْنِد الكبير، المتوفى سنة سبع وستمائة (¬1). سمع منه بإفادة أبيه وعمِّه. 16 - أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسيّ الجَمَّاعِيليّ الحنبليّ الزَّاهد المقرئ المحدِّث، شيخ الإسلام، والده، المتوفى سنة سبع وستمائة (¬2). سمع منه. 17 - أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الصيدلاني الأصْبهاني المُسنِد المُعَمَّر، سِبْط حسين بن مَنْدَه، المتوفى سنة ثلاث وستمائة (¬3). أجاز له. 18 - مجد الدين أبو المجد محمد بن الحسين بن أبي المكارم الصوفيّ القَزْوينيّ الجَوَّال القاضي المحدِّث، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وستمائة (¬4). سمع منه بمكة. 19 - ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسيّ الجَمَّاعِيليّ الصَّالحيّ، الحنبليّ الحافظ القدوة، صاجب التصانيف، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة (¬5). قرأ عليه. 20 - كمال الدين أبو الفتوح محمد بن علي بن المبارك الجَلْجَليّ البغداديّ المقْرئ الرئيس، المتوفى سنة اثنتي عشرة وستمائة (¬6). 21 - فخر الدين أبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن عَمْروك التيميّ البكْري النيسابُورِيّ الصوفيّ الزاهد، المتوفى سنة خمس عشرة وستمائة (¬7). 22 - نور الدين أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي عبد الله بن مَوْهوب البغداديّ الصوفيّ، المحدِّث، البنَّاء، المتوفى سنة اثنتى عشرة وستمائة (¬8). ¬

(¬1) سير أعلام النبلاء 21/ 507 - 512. (¬2) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 52 - 61، سير أعلام النبلاء 22/ 5 - 9. (¬3) سير أعلام النبلاء 21/ 430، 431. (¬4) التكملة لوفيات النقلة 3/ 159، سير أعلام النبلاء 22/ 249، 250. (¬5) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 236 - 240، سير أعلام النبلاء 23/ 126 - 130. (¬6) ذيل الروضتين 99، سير أعلام النبلاء 22/ 52. (¬7) التكملة لوفيات النقلة 2/ 431، سير أعلام النبلاء 22/ 89، 90. (¬8) التكملة لوفيات النقلة 2/ 340، سير أعلام النبلاء 22/ 58، 59.

23 - محمد بن هبة الله بن كامل البغداديّ الوكيل المُسْنِد الفقيه المُعَمَّر، المتوفى سنة سبع وستمائة (¬1). سمع منه. 24 - ست الكتبة نعمة بنت علي بن يحيى بن علي بن الطرَّاح، سمعتْ من جدِّها عِدَّة كتب، كما سمعتْ من غيره، وتوفيت سنة أربع وستمائة (¬2). سمع منها. وقد سمع شمس الدين بن قدامة نفسه من أصحاب السِّلَفِيّ، كما سمع من كثيرين في عصره. والناظر في مشيخة شمس الدين ابن قدامة يلْحَظُ أن كثيرا من مشايخه سمع عليهم في سِنٍّ مُبَكرة، بل إن سماعَه من بعضهم لا يتحقَّق إلا بواسطة غيره، فسماعه من الإمام أبي الفرج ابن الجَوْزيّ لا يكون إلا بإفادة عمه موفق الدين ابنِ قدامة، حيث تُوفِّي أبو الفرج في السنة التي ولد فها شمس الدين ابن قدامة، وكان موفق الدين عند ابن الجوزيّ حيث أقام، وأفاد منه (¬3). * * * واشْتغل شمس الدين ابن قدامة بالفتيا والقضاء والتدريس، وليَ قضاء القضاة في جمادى الأولى سنة أربع وستين وستمائة، على كُرْهٍ منه، وكان رحمة على المسلمين، ولولا توفيق الله له لراحت أملاك الناس لمَّا تعرَّض إليها السلطان، فقام فيها قيام المؤمنين، وأثبتها لهم، وعاداه جماعة الحكام، وعملوا في حقه المجهود، وتحدَّثوا فيه بما لا يليق، ونصره الله بحسن نيته. وزادت مدته في القضاء على اثنتى عشرة سنة، ولم يتناول معلوما، ثم عزل نفسه في آخر عمره. وذكر الذهبي أنه حدَّث نحوا من ستين سنة، وأول ما ولىَ مشيخة دار الحديث الأشرفية بالجبل، كما ولى الخطابة فيه. وكانت له اليد الطولى في معرفة الحديث ¬

(¬1) سير أعلام النبلاء 22/ 10، 11. (¬2) سير أعلام النبلاء 21/ 434، 435. (¬3) انظر مقدمة تحقيقنا لكتاب المغني صفحة 12.

والأصول والنحو وغير ذلك من العلوم الشرعية، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والمحدثين وأهل الدين، وتلمذ عليه كثيرون، نذكر منهم: 1 - زكيّ الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز بن يحيى اللَّوزي المالكيّ، سكن دمشق، وقرأ الفقه، وتقدم في الحديث، توفي سنة سبع وثمانين وستمائة (¬1). ونقل الذهبي عنه مدحه لشيخه، وذكره لصفاته الجليلة (¬2). 2 - برهان الدين أبو إسحاق بن عماد الدين عبد الحافظ بن عبد الحميد، قاضي القدس الحنبليّ، سمع منه الذهبي قصيدته التي رثى بها شيخه شمس الدين، وتوفي برهان الدين سنة ثمان عشرة وسبعمائة (¬3). 3 - تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيميَّة الحرَّاني الدمشقيّ الحنبليّ، شيخ الإسلام، المتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (¬4). وقد نقل عنه الذهبيُّ وفاة الشيخ شمس الدين بخطه، وفيها: توفي شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، وحيد الزمان حقا حقا، وفريد العصر صدقا صدقا، الجامع لأنواع المحاسن، والمعافى البرئ عن جميع النقائِص والمساوئ، القارِن بين خلَّتى العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخَلْق والخُلُق، ذو الأخلاق الزكية، والأعمال المرضيَّة، مع سلامة الصدر والطبع، واللطف والرفق، وحُسن النيَّة وطيب الطَّويَّة، حتى إن كان المتعنِّتُ ليطلب له عيبًا فيُعْوزُه. . . . إلى أن قال: وبكت عليه العيونُ بأسْرِها، وعمَّ مصابه جميع الطوائف وسائر الفرق، فأيُّ دمع ما انْسَجَم، وأى أصل ما جُذِم، وأيّ ركن ما هُدم، وأيُّ فضل ما عُدِم!! يا له من خطب ما أعظمه، وأجل ما أقدره، ومصاب ما أفخمه (¬5). ¬

(¬1) شذرات الذهب 5/ 400. (¬2) انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 306. (¬3) ذبل طبقات الحنابلة 2/ 372، 373. (¬4) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 387 - 408. (¬5) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 308.

4 - زين الدين أبو بكر أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسيّ الصَّالحيّ الحنبليّ، المتوفي سنة تسع عشرة وسبعمائة (¬1). 5 - نجم الدين إسماعيل بن إبراهيم بن الخبَّاز، يقول الذهبيّ: كتب عن مَن دَبَّ ودرَج، وجمع وكتب الكثير، توفي سنة ثلاث وسبعمائة (¬2). وجمع ابن الخبَّاز ترجمة شيخه شمس الدين وأخباره في مائة وخمسين جزءًا، وبالغ، وبقىَ كلما أثنى عليه بنعت من الفقه أو الزهد أو التواضع، سرد ما ورد في ذلك بأسانيده الطويلة الثقيلة. ثم تحوَّل إلى ذكر شيوخه فترْجمهم، ثم إلى ذكر الإمام أحمد فأورد سيرته ومحنته كلها. كما أوردها ابن الجوزيّ. ثم أورد السيرة النبوية لكونه من أمة النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الحافظ الذهبي: ما رأيت سيرة أطول منها أبدا (¬3). 6 - مجد الدين أبو الفدا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحَرَّافيّ الدمشقيّ الحنبليّ، الإمام الزاهد، شيخ المذهب، المتوفى سنة تسع وعشرين وسبعمائة (¬4). وكان يقول: ما رأت عيني مثله. 7 - أبو بكر المناوي. ذكر ابن شاكر الكُتْبِي، أنه روَى عنه (¬5). 8 - تقي الدين أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن قدامة المقدسيّ الحنبليّ، الفقيه الإمام المحدِّث، المتوفى سنة خمس عشرة وسبعمائة (¬6). لازمه وأخذ عنه الفقه والفرائض وغير ذلك. 9 - فخر الدين عبد الرحمن بن محمد بن الفخر البَعْلَبكيّ الدمشقيّ الحنبليّ الفقيه، ¬

(¬1) ملحق ذيل طبقات الحنابلة 2/ 470. (¬2) ذيل العبر، للذهبي 24. (¬3) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 304، 305. (¬4) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 408 - 410. (¬5) فوات الوفيات 2/ 292. (¬6) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 364 - 366.

المحدِّث، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة (¬1). قال فخر الدين عن شيخه شمس الدين: إنه منذ عرفه ما رآه غضب. وعرَفه نحو خمسين سنة (¬2). 10 - علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن داود، ابن العطَّار الشافعيّ المحدث، المتوفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة (¬3). روى عنه. 11 - أبو الفتح ابن الحاجب. ذكر الذهبيّ، في «معجم شيوخه» أنه كتب عن شمس الدين ابن أبي عمر، ونقله عنه ابن رجب (¬4). 12 - علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف البِرْزاليّ الدمشقي الشافعيّ، محدِّث الشام ومؤرخه، المتوفى سنة تسمع وثلاثين وسبعمائة (¬5). 13 - سعد الدين أبو محمد مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي البغداديّ المصريّ الحنبليّ، الفقيه المحدِّث، المتوفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة (¬6). تفقَّه عليه وروى عنه، وخرَّج له مشيخة، وحدَّث بها (¬7). 14 - محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مِرَى النَّووي الشافعيّ الإِمام، شيخ الإِسلام، المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة (¬8). روَى عنه في كتابه «الرخصة في القيام» له. وقال: حدثنا الشيخ الإِمام العالم المتفق على إمامته وفضله وجلالته. . . . (¬9). ¬

(¬1) ذيل العبر، للذهبي 175، 176، ذيل طبقات الحنابلة 9/ 412. (¬2) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 306. (¬3) طبقات الشافعية الكبرى 10/ 130. (¬4) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 305. (¬5) طبقات الشافعية الكبرى 10/ 381 - 383. (¬6) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 362 - 364، ذيل العبر، للذهبي 64. (¬7) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 306. (¬8) طبقات الشافعية الكبرى 8/ 395 - 400. (¬9) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 305.

[3 - الإنصاف للمرداوي]

15 - جمال الدين أبو الحجَّاج يوسف بن الزَّكيّ عبد الرحمن بن يوسف المِزِّيّ الدمشقي الشافعي، حافظ الزمان، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة (¬1). حدَّث عنه. وفي الجملة، فقد قرأ عليه كثيرون في عصره، وخرَّج له أبو الحسن ابن اللَّبَّان «مشيخة» في أحد عشر جزءًا (¬2)، ووُصِف، رضي الله عنه، بالتَّواضع مع عظمته في الصدور، وحجَّ ثلاث مرات، وحضر الفتوحات، وكان رقيق القلب، سريع الدمعة، كريم النفس، كثير الذكر والقيام بالليل، محافظا على صلاة الضحى، ويؤثر بما يأتيه من صلة الملوك وغيرهم. وكان معظما عند الملوك، وأوقع الله محبته في قلوب الخلق، وكان كثير الاهتمام بالناس، لا يكاد يعلم بمريض إلا افتقده، ولا مات أحدٌ من أهل الجبل إلا شيَّعه. توفي شمس الدين ابن قدامة ليلة الثلاثاء، سلخ ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن من الغد عند والده بسفح قاسيون، وكانت جنازته مشهودة. ورثاه نحو من ثلاثين شاعرا، كان من بينهم شمس الدين الصائغ، وعلاء الدين بن غانم، وتقيّ الدين ابن تمام، وشهاب الدين محمود، ومطلع قصيدة الشهاب محمود كاتب الدرج بدمشق (¬3): ما للوُجودِ وقد عَلاه ظلامُ … أعَراه خَطْبٌ أم عَراه مَرَامُ 3 وكما شغل «المقنع» لموفَّق الدين ابن قدامة، ابن أخيه شمس الدين ابن قدامة، فشرَحه في موسوعته التي عرفت بالشرح الكبير، شغل أيضًا علاء الدين المَرْداويّ (*)، فوضع عليه كتابًا له أهَمِّيَّة خاصة، هو «الإنصاف، في معرفة الراجح منِ الخلاف». ¬

(¬1) طبقات الشافعية الكبرى 10/ 395 - 430. (¬2) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 308. (¬3) ذيل مرآة الزمان 4/ 181، فوات الوفيات 2/ 292، ذيل طبقات الحنابلة 2/ 309. (*) لعلاء الدين المرداوي ترجمة في: الضوء اللامع، للسخاوي 5/ 225 - 227، شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي 7/ 340 - 342، البدر الطالع، للشوكاني 1/ 446، كشف الظنون 1/ 357، إيضاح المكنون 1/ 134، 331، 2/ 389، 450، 514، هدية العارفين 736، 130: Brock.S.II

ولد علاء الدين علي بن سليمان بن أحمد المَرْداويّ الدمشقيّ الصَّالحْيّ الحنبليّ، قريبًا من سنة عشرين وثمانمائة على ما يذكر السَّخاويّ، ويقطع ابن العماد الحنبليّ بأنه ولد سنة سبع عشرة، ببلدته مَرْدا (¬1). ونشأ بها، فحفظ القرآن، وابتدأ رحلته العلمية منها، حيث أخذ بها الفقه على فقيهها الشهاب أحمد بن يوسف، وانتقل في شبيبته إلى مدينة سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام، فأقام بزاوية الشيخ عمر المجوِّد، رحمه الله، وقرأ بها القرآن. وفي سنة ثمان وثلاثين -كما يظن السخاويّ- تحوَّل منها إلى دمشق، فنزل مدرسة أبي عمر، فجوَّد القرآن، بل يقال: إنه قرأ بالروايات، وقرأ «المقنع» تصحيحا، وحفظ غيره كالألفية، وأدْمَن الاشتغال، وتجرَّع تقلُّلا، أي أنه صبر على الفقر، ورضىَ بالقليل في عيشه، كما رحل إلى الحرمين، وحج مرتين، وجاور فيهما، وأخذ عن شيوخهما، ورحل إلى مصر أيضًا، فأخذ عن علمائها، وقرأوا عليه، وتكوَّنتْ له بذلك مشيخة كبيرة، نورد ما أمكننا التهدِّى إليه منها على حروف المعجم: 1 - البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مَفْلِح المقدسيّ الدمشقيّ الحنبليّ القاضي، الفقيه، الأصوليّ، صاحب المصنَّفات، المتوفى سنة أربع وثمانين وثمانمائة (¬2). حضر درسَه، وناب عنه حين جاوَر بمكة. 2 - عزُّ الدين أبو البركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكِنانيّ العسْقلاني القاهريّ الحنبليّ، قاضي القاهرة المشهور، المعروف بالعِزّ الكناني، صاحب العلم والفضل، المتوفى سنة ست وسبعين وثمانمائة (¬3)، أذن له حين قدم القاهرة في سماع الدعوى، وأكرمه، وأخذ عنه فضلاء أصحابه بإشارته، بل وحضّهم على تحصيل «الإنصاف» وغيره من تصانيفه، وأذن لمن شاء منهم، وحضر دروس القاضي، ونقل عنه في تصانيفه، واصفًا له بشيخنا. 3 - الشِّهاب أحمد بن حسن بن أحمد، ابن عبد الهادي المقدسيّ الصَّالحيّ الحنبليّ، ¬

(¬1) مردا: قرية قرب نابلس. معجم البلدان (بيروت) 5/ 104. (¬2) الضوء اللامع 1/ 152، شذرات الذهب 7/ 338، 339. (¬3) ذيل رفع الإصر 12 - 62، الضوء اللامع 1/ 205 - 207.

المتوفى بدمشق سنة ست وخمسين وثمانمائة (¬1). سمع منه. 4 - الشهاب أحمد بن عبد الله بن محمد السَّجِينيّ القاهريّ الأزهريّ الشافعيّ الفَرَضِيّ، المتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة، بمنزله ببولاق (¬2). قرأ عليه في الفرائض والحساب يسيرا. 5 - تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد الشُّمُنِّيّ القُسَنْطِينيّ الحنفيّ، شارح «المغني» لابن هشام، العلامة المفسِّر المحذث المتكلم النحويّ، المتوفى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة (¬3). قرأ عليه حين حضر إلى القاهرة «المختصر» بتمامه. 6 - الشِّهاب أحمد بن يوسف المرْدَاويّ الدمشقيّ الحنبليّ الفقيه النحويّ الحافظ لفروعِ مذهبه، المتوفى سنة خمسين وثمانمائة (¬4). أخذ عنه الفقه ببلده مَرْدَا. 7 - تقيّ الدين أبو الصدق أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف بن قُنْدس البَعْلي الحنبليّ، الإمام العلامة ذو الفنون، المتوفى سنة إحدى وستين أو اثنتين وستين وثمانمائة (¬5). لازمه في الفقه وأصوله، والعربية وغيرها، حتى كان جُلُّ انتفاعه به، وكان مما قرأه عليه بحثا وتحقيقا «المقنع» في الفقه، و «مختصر الطُّوفي» في الأصول، و «ألفية ابن مالك». 8 - الحسن بن إبراهيم الصَّفَديّ ثم الدمشقي الخَيَّاط الحنبلي. قال السَّخاويّ: قرأ عليه العلامة المَرْداويّ، ووصفه بالإمام المحدِّث المفسِّر الزاهد (¬6). أخذ عنه العربية والصرف وغيرهما. ¬

(¬1) الضوء اللامع 1/ 272، 273. (¬2) الضوء اللامع 1/ 376، 377. (¬3) شذرات الذهب 7/ 313، 314. (¬4) الضوء اللامع 2/ 252. (¬5) شذرات الذهب 7/ 300. (¬6) الضوء اللامع 3/ 92.

9 - الحِصْنيّ. قال السَّخاويّ: قرأ عليه حين حضر إلى القاهرة «المختصر» بتمامه (¬1). 10 - الزَّين ابن الطَّحَّان. قال السَّخاويّ: سمع منه (¬2). 11 - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم، ابن الحَبَّال الطرَّابُلُسِيّ الحنبليّ، سكن صالحيَّة دمشق يُقْرِئ بها القرآن والعلم، وتوفي سنة أربع وسبعين وثمانمائة (¬3). قرأ عليه «المقنع» تصحيحا، في مدرسة أبي عمر بدمشق. 12 - الزَّين أبو الفرج عهد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الصالحيّ الدمشقيّ الحنبليّ الإِمام الحافظ، علَّامة الزمان، وترجان القرآن، وهو عبد الرحمن أبو شعر، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة (¬4). أخذ عنه الفقه والنحو، وسمع منه «التفسير» للبَغَويّ، وقرأ عليه في سنة ثمان وثلاثين من «شرح ألفية العراقيّ» إلى الشَّاذّ. 13 - الشِّهاب عبد القادر بن أبي القاسم بن أبي العباس أحمد بن محمد المحْيويّ الحسَنيّ الفاسِيّ الأنصاريّ المالكيّ، قاضي الحرمين، المتوفى سنة ثمانين وثمانمائة (¬5). أخذ عنه في مجاورته بمكة. 14 - أبو الرّوح عيسى البغداديّ الفلوجيّ الحنفي، نزيل دمشق. أخذ عنه العربيَّة والصرف وغرهما. قال السَّخاويّ: وممَّن أخذ عنه العلاء المَرْداويّ، ووصفه بالعلامة الفقيه الفرضيّ الأصوليّ النحويّ الصرفيّ، المُحرِّر المُتْقِن، وإنه كان حسن التعليم، ناصحا للمتعلِّم (¬6). 15 - أبو عبد الله محمد بن أحمد الكركيّ الحنبليّ. قال السَّخاويّ: قرأ عليه ¬

(¬1) الضوء اللامع 5/ 226. (¬2) الضوء اللامع 5/ 226. (¬3) شذرات الذهب 7/ 318. (¬4) الضوء اللامع 4/ 82، 83. (¬5) الضوء اللامع 4/ 283 - 285. (¬6) الضوء اللامع 6/ 158.

«البخاريّ» وغيره (¬1). 16 - أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين المراغيّ المدنيّ الشافعيّ، المتوفى شهيدا سنة تسع وخمسين وثمانمائة (¬2). سمع عليه حين حَجَّ مرَّتين، وجاوَر فيهما. 17 - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله القَيسِيّ الدمشقيّ الشافعيّ، المحدِّث المؤرِّخ الحافظ الناظم، المعروف بابن ناصر الدين، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة (¬3). أخذ عنه علوم الحديث، سمع عليه «منظومته» وشرحها بقراءة شيخه التقيّ. 18 - الشمس محمد بن محمد السِّيليّ الحنبليّ الفرضيّ، خازن الضِّيائيّة، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة (¬4). أخذ عنه الفرائض والوصايا والحساب، وانتفع به في ذلك جدا، ولازمه أكثر من عشرين سنة، وقرأ عليه «المقنع» في الفقه بتمامه بحثا. 19 - أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد النّوَيريّ القاهريّ المالكيّ، علَّامة وقته، المتوفى بمكة سنة أربع وخمسين وثمانمائة (¬5). أخذ عنه الأصول حين لَقِيه بمكة فقرأ عليه قطعة من «كتاب ابن مفلح» فيه. بل وسمع في العَضُد عليه. وقد أخلص علاء الدين وجهته لله، وتفرغ للعلم، فوفقه الله، واجتمع بالمشايخ وجدَّ في الاشتغال، ولم يقف به الطلب عند أجل بعينه، فرغم دخوله مصر بأخرة، فإنه كما ذكرنا من قبل تلمذ لقاضيها عز الدين الكنانيّ وقرأ على الحِصْنِيّ والشُّمُنِّي. وقد نصح عز الدين الكناني تلامذته بالأخذ عنه، فقرأوا عليه الإنصاف وغيره من كتبه، وكان من أعظم تلامذته بدر الدين أبو المعالي محمد بن محمد بن أبي بكر ¬

(¬1) الضوء اللامع 5/ 226. (¬2) الضوء اللامع 7/ 162 - 165. (¬3) شذرات الذهب 7/ 243 - 245. (¬4) شذرات الذهب 7/ 328. (¬5) شذرات الذهب 7/ 292.

ابن خالد السَّعْدِيّ المصريّ الحنبليّ، قاضي القضاة، شيخ الإِسلام، العلامة الرُّحَلة، المتوفى سنة تسعمائة. يقول ابن العماد الحنبليّ: وقرأ على القاضي علاء الدين المرداويّ لمَّا توجَّه إلى القاهرة كتابَه «الإنصاف» وغيره، ولازمه، فشهد بفضله، وأذن له بالإفتاء والتدريس أيضًا (¬1). وقد يسَّر الله لعلاء الدين، وفتح عليه في التصنيف، فصنف كتبا في أنواع العلوم، وأعانه على ذلك، وخاصة في المذهب، ما اجتمع عنده من لكتب ما لعلَّه انْفَرد به مِلْكا ووَقْفًا. كما يقول السَّخاويّ (¬2). وقد تعرَّفْنا من كتبه إلى: 1 - الإنْصاف، في معرفة الرَّاجح من الخلاف. ذكره السَّخاويّ، وابن العماد الحنبليّ، والشَّوكاني، والبغداديّ. وهو هذا الكتاب الذي نقدم له. قال السَّخاويّ: عمله تصحيحا للمقنع، وتوسَّع فيه حتى صار أربع مجلَّدات، تعب فيه. وقال ابن العماد الحنبليّ: أربع مجلَّدات ضخمة على «المقنع»، وهو من كتب الإِسلام؛ فإنه سلك فيه مسلكا لم يُسْبَق إليه، بيَّن فيه الصحيحَ من المذهب، وأطال فيه الكلام، وذكر في كل مسألة ما نُقِل فيها من الكتب وكلام الأصحاب، فهو دليل على تَبَحُّرِ مصنِّفه، وسَعَة علمه، وقوّة فهمه، وكثرة اطلاعِه. 2 - التَّحْبير، في شرح التَّحرير. أي تحرير المنقول في تهذيب أو تمهيد علم الأصول. ذكره السَّخاويّ، والشَّوْكاني. وقالا: في مجلَّدين. 3 - تحرير المنقول، في تهذيب أو تمهيد علم الأصول. أي أصول الفقه. ¬

(¬1) شذرات الذهب 7/ 366، 367. (¬2) الضوء اللامع 5/ 227.

ذكره السَّخاويّ، وابن العماد الحنبليّ، والشَّوكاني، وحاجي خليفة، وبروكلمان. قال السَّخاويّ: في مجلَّد لطف. وقال ابن العماد الحنبليّ: ذكر فيه المذاهب الأربعة وغيرها، وشرَحه. تصحيح كتاب الفروع، لابن مفلح = الدُّرُّ المُنْتقَى. 4 - التنقيح المُشْبع، في تحرير أحكام المُقْنِع. ذكره السَّخاويّ، وابن العماد الحنبليّ، والبغداديّ، وبروكلمان، وهو مختصر «الإِنصاف» كما ذكر السَّخاويّ، وابن العماد. وذكره البغدادي باسم: التنقيح، في شرح إنصاف التصحيح، في الفروع. الحصون المُعَدَّة الواقية = الكنوز أو الحصون. . . . 5 - الدُّرُّ المُنْتَقَى والجوهر المجموع، في معرفة الرَّاجح من الخلاف المطلق في «الفروع»، لابن مفلح. قال السَّخاويّ: في مجلد ضخم. وطبع باسم «تصحيح الفروع» مع كتاب «الفروع». 6 - شرح الآداب. ذكره ابن العماد الحنبليّ. شرح تحرير المنقول = التحبير في شرح التحرير. 7 - شَرْح قطعة من «مختصر الطُّوفيّ» في الأصول. هكذا ذكره السَّخاويّ. 8 - فِهْرِسْت القواعد الأصوليَّة. قال السَّخاويّ: في كرَّاسة. 9 - الكُنوز أو الحصون المُعَدَّة، الواقية من كل شِدَّة، في عمَل اليوم والليلة. قال السَّخاويّ: جمع فيه قريبا من ستمائة حديث؛ الأحاديث الواردة في اسم الله الأعظم، والأدعية المطلقة المأثورة. قال: إنه جمع فيها فوق مائة حديث. مختصر الإنصاف = التنقيح المشبع.

10 - مختصر «الفروع». قال السَّخاويّ: اختصر «الفروع» مع زيادة عليها، في مجلد كبير. وذكر ابن العماد الحنبليّ أن له تصحيح الفروع. وانظر ما سبق باسم «الدر المنتقى». 11 - المنهل العَذْب الغزير، في مولد الهادي البشير النذير. ذكره السَّخاويّ. وهكذا بارك الله لعلاء الدين المرداويِّ في مكتبته وعلمه، فأمَدَّ العالم الإسلاميَّ بهذه المؤلَّفات القَيِّمة، وحرص العلماء في عصره على روايتها، وقراءتها عليه، وانتشرت في حياته، وبعد وفاته، وانتفع بها الناس. وكانت كتابته على الفتوى غاية، وخطه حسن، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وباشر نيابة الحكم دهرا طويلا، فحَسُنَتْ سيرتُه، وعَظُم أمرُه، وتنَزَّه عن مباشرة القضاء في أواخر عمره، وصار قوله حُجَّة في المذهب، يُعَوَّل عليه في الفتوى والأحكام، في جميع مملكة الإسلام. كما يقول ابن العماد الحنبليّ. يقول ابن العماد أيضًا: ما صَحِبه أحدٌ إلَّا وحصل له الخير، وكان لا يتردَّد إلى أحد من أهل الدنيا، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان الأكابر والأعيان يقصدونه لزيارته والاستفادة منه. وحَجَّ، وزار بيت المقدس مرارًا (¬1). وقال السَّخاويّ: كان فقيها حافظا لفروع المذهب، مشاركا في الأصول، بارعا في الكتابة، مديما للاشتغال والإِشْغال، مذكورا بتعفف وورع وإيثار في الأحيان للطلبة، متنزِّها عن الدخول في كثير من القضايا، بل ربما يروم الترك أصلا، فلا يُمَكِّنُه القاضي، متواضعا مصنفا، لا يأنف ممَّن يُبَيِّن له الصواب (¬2). توفي بصالحيَّة دمشق، يوم الجمعة، سادس جمادى الأولى، سنة خمس وثمانين وثمانمائة، ودفن بسفح قاسيون، قرب الروضة. * * * ¬

(¬1) شذرات الذهب 7/ 341. (¬2) الضوء اللامع 5/ 227.

[4 - تحقيق الكتب الثلاثة]

4 وإذا كان كتاب «المقنع» لموفق الدين ابن قدامة قد اعتُمد في المذهب متنا يحفظه الطلاب، ويشرحه الشارحون، ويعكف عليه الدارسون، فقد ظهر سعده منذ ألفه مؤلفه، ولذلك انصرف إليه ابن أخيه شمس الدين ابن قدامة؛ قراءة وتصحيحًا وشرحًا، واستفاد في شرحه هذا من كتاب عمه موفق الدين العلم في المذهب المسمى «المغني»، ولو أتيح لموفق الدين نفسه أن يشرح «المقنع» لكان شرحه قريبا من عمل ابن أخيه، ولذلك حظى كتاب الشرح الكبير بتقدير بالغ من علماء المذهب، ولم يسمه مؤلفه في مقدمة الكتاب كما يصنع المؤلفون عادة، وإنما وجدنا اسم الكتاب في بعض المصادر، وفي بعض مخطوطاته «الشافي»، وفي بعضها «تسهيل المطلب في تحصيل المذهب»، لكن الاسم الذي سار للكتاب وانتشر به هو «الشرح الكبير». وكان صنيع علاء الدين المرداويّ مع المقنع إكمالا وتتميما لعمل شمس الدين ابن قدامة، حيث اهتم بمواضع الخلاف في المذهب، واستطاع عن طريق مكتبته الحافلة أن يبين رأى كل مؤلف أو إمام، والمنقول عن الإمام أحمد، والمنصوص عليه، وماذا يرجح كل مصنف أو مؤلف مع ذكر كتابه، وكان عمله هذا توثيقا للمذهب، وجمعا لأقوال علمائه، وحشدا لما في مصنفاته، وبذلك استغنى مقتنيه عن الرجوع إلى مصادر كثيرة، ومراجعة مؤلفات عدة، ولذلك فإنه من تمام الفائدة أن يلحق الإنصاف بالشرح الكبير، وأن يجمع بينهما في قرَنٍ، وبذلك يجتمع نص المقنع المضبوط المحقق، إلى الشرح الكبير المحرر المدقق، إلى الإنصاف الموثق، فيصبح لدى مقتنيه ما يستطيع به أن يستغنى عن الرجوع إلى مكتبة فقهية حافلة، إلا إذا أراد التوسع والاستزادة.

[مخطوطات المقنع]

وقد اجتهدنا في تحصيل ما يوجد من مخطوطات الكتب الثلاثة (المقنع والشرح الكبير والإِنصاف)، وتيسر لنا نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم [20358 ب] لكتاب المقنع، تقع في مجلدة واحدة مجزأة إلى خمسة أجزاء؛ يبدأ الجزء الأول منها بأول الكتاب وينتهي بآخر كتاب الجنائز في الورقة 42، ويبدأ الثاني بأول كتاب الزكاة وينتهي بآخر باب أحكام الذمة في ورقة 90، وييدأ الثالث بكتاب البيع وينتهي بآخر كتاب العارية في ورقة 137، ويبدأ الرابع بكتاب الغصب وينتهي بآخر باب ميراث الغرقى ومن عمى موتهم من كتاب الفرائض، ويبدأ الجزء الخامس بباب ميراث أهل الملل إلى آخر المجلدة. وعلى الورقة، الأولى وقف نصه: أوقف وحبس وسبل وتصدق بهذا الكتاب لوجه الله سبحانه، وقف لا يباع ولا يشرى ولا يوهب كله، الفقير إليه محمد الزواوي ابن المرحوم إسماعيل بن أحمد بن علي، دونه فيه برواق حنابلي بالجامع الأزهر بمصر المحروسة محررا في يوم الخميس المبارك، لثمانية خلت من شهر صفر سنة ألف وثمانية وعشرون. وفي الورقة الأخيرة منها: تم الكتاب بحمد الله ومنه وحسن توفيقه، وكان الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء ثاني يوم من شهر رمضان المفضل سنة أربع وستون وتسعمائة، كتبه موسى بن سليمان بن أحمد بن موسى بن علي الحنبلي. والمجلدة تقع في 363 ورقة من القطع المتوسط ومسطرتها 15 سطرا كتبت بقلم معتاد واضح. وقد قابلنا عليها النسخة المطبوعة بمطابع الدجوى في القاهرة سنة 1400 هـ والتي تقع في أربعة مجلدات كبيرة وعليها حاشية منقولة من خط الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وهي من منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض. وكذلك النسخة المطبوعة بمتن كتاب المبدع لابن مفلح، وهي من منشورات المكتب الإسلامي ببيروت وتقع في عشر مجلدات من القطع المتوسط، وقد ذكر الناشر في مقدمتها أنه اعتمد على أكثر من نسخة خطية منها نسخة المؤلف وقابلها

[مخطوطات الشرح الكبير]

على المصادر المتيسرة التي أخذ عنها المؤلف. * * * وقد طبع الشرح الكبير لأول مرة مقترنا بالمغنى، ومرتبا على أبوابه، في مطبعة المنار سنة 1341 هـ، ثم طبع مفردا بعد ذلك على ترتيب المغني أيضًا، ثم صور بعد ذلك مرات عدة. وكان طبيعيا أننا حين نرجع إلى الكتاب لتحقيقه أن نعيد ترتيبه حسب الترتيب الأصلي في المخطوطات وحسب ترتيب المقنع الذي هو شرح عليه. وقد رزقنا الله من مصورات مخطوطات كتاب الشرح الكبير: في مكتبة أحمد الثالث: نسخة محفوظة برقم 1134 فقه حنبلي، وفيها: الجزء الأول، من أول الكتاب إلى آخر مسألة ويستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها. . . . في أثناء صلاة الجماعة. على الورقة الأولى منه: الجزء الأول من شرح المقنع، وتحته: هذا ملك العبد الفقير الذليل الراجي عفو ربه وثوابه الجزيل، ملكه بالبيع الشرعي، وهو جميع شرح المقنع وهو ثمان مجلدات عمر بن محمد بن أحمد الحنبلي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين. وتحته بخط دقيق: ثم انتقل إلى ملك مالكه أولًا علي بن سليمان المرداوي عفا الله عنه. وفي آخره: آخر الجزء الأول، يتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى مسألة: ويستحب تطويل الأولى. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما ووافق الفراغ من نسخه في يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الأول من شهور سنة إحدى وسبعين وسبعمائة على يد الفقير إلى الله عبد الله بن عيسى بن إبراهيم المقدسي غفر الله له آمين. كتب الجزء بقلم جيد ويقع في 278 ورقة، ومسطرته 25 سطرا. الجزء السادس، يبتدئ بكتاب العتق وينتهي بآخر باب الاستثناء في الطلاق. وعلى جانب الغلاف: الحمد لله وحده، طالع في هذا الجزء إلى باب عشرة النساء

وانتفع به أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي عفا الله عنهم بكرمه. وفي آخره: يتلوه في السابعِ باب الطلاق في الماضي والمستقبل الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم، علقه لنفسه عبد الله بن عيسى بن إبراهيم المقدسي غفر الله له ولوالديه آمين يا رب العالمين. ويقع الجزء في 267 ورقة ومسطرته 23 سطرا. الجزء السابع، ويبتدئ بباب الطلاق في الماضي والمستقبل من كتاب الطلاق وينتهي بمسألة: وإن سرق وقتل في المحاربة. . . . من كتاب الحدود، وعلى الورقة الأولى تملك نصه: ملكه العبد الفقير الحقير الذليل الراجي عفو ربه الجزيل ملكه بالبيع الشرعي وهو جميع شرح المقنع وهو ثمان مجلدات عمر بن محمد بن أحمد المرداوي الحنبلي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين آمين. وتحته بخط أصغر: ثم ملكه من باعه للكاتب أعلاه بعد وفاته كاتبه علي بن سليمان المرداوي. عامله الله تعالى بألطافه الخفية بمنه وكرمه. وآخره: تم السابع من شرح المقنع بحمد الله تعالى وعونه، ويتلوه في الثامن فصل: ومن قتل أو أتى حدا خارج الحرم، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا عمد وآله وصحبه وسلم تسليما دائما إلى يوم الدين وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. وذلك على يد أفقر عباد الله تعالى عبد الله بن عيسى بن إبراهيم بن محمد المقدسي الحنبلي عفا الله عنه وعن والديه آمين. ويقع الجزء في 297 ورقة ومسطرته 23 سطرًا بخط جيد. الجزء الثامن، يبدأ بفصل: ومن قتل أو أتى حدا خارج الحرم. . . . من كتاب الحدود. وينتهي بآخر كتاب الإقرار. وفي آخره: آخر المجلد الثامن من شرح المقنع والحمد لله كثيرا. على يسار الورقة الأولى من أعلى: يستعين بالله العظيم العلى مالكه علي بن سليمان الحنبلي. وتحته: هذا ملك العبد الفقير الحقير الذليل الراجي عفو ربه الجزيل مالكه بالبيع الشرعي وهو جميع شرح المقنع وهو ثمان مجلدات علي بن سليمان بن أحمد المرداوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين، آمين يا رب العالمين. وتحته: ملكه من بعده بالبيع الشرعي العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير عمر بن محمد بن أحمد المرداوي الحنبلي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين آمين آمين. وتحته: ثم ملكه من بعده بالبيع الشرعي العبد الفقير الذليل علي بن سليمان المرداوي

الذي كان مالكه أولًا وذلك بعد وفاة المرحوم زين الدين عمر المذكور. . . . في أواخر جمادى الآخر سنة سبع وسبعين وثمانمائة. وفي الورقة الأخيرة: وافق الفراغ من نسخه يوم الخميس حين أذان العصر ثالث شهر شعبان المبارك سنة سبع وسبعين وسبعمائة من الهجرة النبوية - عليه السلام -. وذلك بسفح جبل قاسيون على يد أفقر عباد الله وأحوجهم عبد الله بن عيسى بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود المقدسي الحنبلي المرداوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين يا رب العالمين. ويقع الجزء في 279 ورقة ومسطرته 23 سطرا. الجزء الرابع من نسخة أخرى، أوله فصل: قال الشيخ رحمه الله: ومن باع نخلا مؤبرا. . . . في أثناء كتاب السلم، وآخره آخر كتاب الغصب. وعلى غلافه: المجلد الرابع من شرح المقنع في الفقه وهو تسهيل المطلب في تحصيل المذهب. وتحت العنوان: انتقل بالبيع الصحيح الشرعي لمالكه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن عبد القادر بن عثمان الجزري الحنبلي نفع الله تعالى به بتاريخ شهر جمادى الآخرة سنة خمس وستين وسبعمائة. وبجانبه: انتقل بالبيع الشرعي إلى ملك كاتبه العبد الفقير الحقير الذليل الراجي عفو ربه الجزيل علي بن سليمان المرداوي الحنبلي المقدسي عفا الله عنه وعن جميع المسلمين بتاريخ شهر جمادى الأول سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وكان البيع المذكور أعلاه في مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر رضي الله عنه وأرضاه. وفي آخر كتاب السبق ورقة 258: كتبه أفقر عباد الله تعالى عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد غفر الله له ولجميع المسلمين. وكان الفراغ يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول سنة تسعين وستمائة والحمد لله. ومن أول كتاب العارية في ورقة 258 كتب بخط نفيس مشكول. وآخره: آخر المجلد الرابع من شرح المقنع والحمد لله وحده. والجزء يقع في 301 ورقة ومسطرته 25 سطرًا. وهذه النسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية برقم 2 فقه حنبلي. وقد اعتمدنا ما وجدناه من هذه النسخة أصلا، وأكملنا الناقص منها من النسخ التالية، وتجد أرقام الأوراق على جانبي صفحات تحقيقنا.

مكتبة لَيدن بأيرلندة: نسخة تشستر بيتي رقم 33554 MS ومنها: الجزء الأول من أول الكتاب ينقص عدد أربع ورقات من أوله يبدأ بقوله: الأمرين والله أعلم. فصل: إذا انغمس الجنب أو المحدث في ما دون القلتين. . . . وينتهي بآخر صلاة أهل الأعذار من كتاب الصلاة. كتب عليه العنوان الجزء الأول من شرح المقنع وعلى يسار العنوان: ملك إسحاق بن الشيخ داود. . . . الحنبلي المقدسي عفا الله عنه. وتحته: انتقل من ملك إسحاق بالبيع إلى ملك داود. ملك الشيخ داود اللبدي الحنبلي عفا الله عنه. وتحته: ملك الشيخ داود بن يوسف بن الغريز اللبدي المقدسي. وتحته: انتقل بالبيع الصحيح الشرعي إلى ملك مالكه محمد بن عبد الغني بن جوهر المقدسي الحنبلي. وكتب علي طرف الورقة الأخيرة من أسفل باب صلاة الجمعة إشارة إلى أن الجزء التالي يبدأ بها. والجزء يقع في 283 ورقة ومسطرته 25 سطرا كتب بقلم نسخي حسن من القرن الثامن تقديرا نقلت من أصل المصنف وقوبلت عليه ففي أعلى يسار الورقة 114 ما نصه: إلى هنا كتبته من أصل المصنف رحمه الله تعالى. وفي الورقة 74: كذا وجدته في خط المصنف رضي الله عنه. الجزء الخامس، يبدأ بباب الإِجارة، وينتهى بآخر باب الهبة والعطية. وبأعلى الورقة الأولى: الجزء الخامس من شرح المقنع في الفقه، وعليه بيان الأبواب والكتب التي يشملها الجزء وتحته تملك غير واضح. وفي آخر ورقة: آخر الجزء الخامس يتلوه في السادس كتاب الوصايا. فرغ من تعليقه العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن محمد المقدسي في السادس عشر من شهر جادى الأولى سنة ثمان عشرة وسبعمائة. ويقع الجزء في 268 ورقة ومسطرته 23 سطرا بخط نسخب جميل غير منقوط أحيانا. الجزء السابع، يبدأ بأول كتاب الإيلاء، وينتهي بآخر باب القطع في السرقة، من كتاب الحدود. على الورقة الأولى منه: الجزء السابع من شرح المقنع في الفقه وتحته بيان بالكتب التي يشتمل عليها الجزء وفي آخر الورقة الأخيرة: آخر المجلد

السابع، ويتلوه في الثامن باب حد المحاربين إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين. كتبه لنفسه الفقير إلى ربه المعترف بذنبه الراجي عفو ربه إبراهيم بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن سالم المرداوي الحنبلي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه وجميع المسلمين. والجزء يقع في 281 ورقة، مسطرته 25 سطرا. وقد أشرنا إلى هذه النسخة بالرمز «تش». في المكتبة العامة السعودية بالرياض: نسخة محفوظة برقم 86 منها: الجزء الثالث، يبدأ بأول كتاب المناسك، وينتهي بآخر مسألة: وإن كان فيها زرع لا يحصد إلا مرة. . . .، من كتاب البيع. وعلى الورقة الأولى: المجلد الثالث من شرح المقنع في الفقه وهو تسهيل المطلب في تحصيل المذهب. وتحته اسم المؤلف وبيان الكتب التي يضمها الجزء. وفي آخر ورقة: آخر الجزء الثالث من شرح المقنع للعلامة شمس الدين بن أبي عمر. . . . ويتلوه في الجزء الرابع: فصل قال: ومن باع نخلا مؤبرا وهو ما تشقق طلعه. وبعده تملكات ومقابلات غير واضحة والورقة الأولى بها تآكل في أطرافها. والجزء يقع في 316 ورقة ومسطرته 23 سطرا ومجلد بجلدة قديمة ومكتوب بخط نسخ قديم. الجزء الرابع، يبدأ بفصل ومن باع نخلا مؤبرا من كتاب البيع، وينتهي بآخر كتاب الغصب وتحت العنوان: الجزء الخامس من البيع في شرح المقنع وهو السابع والثلاثون. وفي الورقة الأخيرة بيان مقابلة على أصل مصنفه وبقيته: حسب الإمكان والطاقة بأصل المصنف رحمه الله تعالى. وآخره: آخر المجلد الرابع من شرح المقنع وكان الفراغ منه في مستهل شوال المبارك من سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. والجزء يقع في 221 ورقة ومسطرته 25 سطرًا. الجزء الثامن، ويبدأ بمسألة: ومتى امتنع السيد من الواجب عليه فطلب العبد البيع. . . . من كتاب النفقات على الأقارب، وينتهي بآخر مسألة: وهي تجمع تخييرا وترتيبا. . . . ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة. . . . من كتاب الأيمان. وعلى صفحة العنوان

المجلد الثامن من شرح المقنع في الفقه وتحته اسم المؤلف وبيان بالكتب التي يشتمل عليها وتملكات غير واضحة. ويقع الجزء في 222 ورقة، ومسطرته 25 سطرا، وخطه ردئ تصعب قراءته في أحيان كثيرة. ونرمز لهذه النسخة بالرمز «ر». الجزء الخامس من نسخة أخرى، ويبدأ بأول كتاب البيع وينتهي بباب الهبة والعطية من كتاب الوقف. وعلى الورقة الأولى: المجلد الخامس من شرح المقنع وهو تسهيل المطلب في تحصيل المذهب. وتحته اسم المؤلف. والجزء يقع في 288 ورقة مفقود من آخره بعض ورقات. ومسطرته 28 سطرًا كتبت بخط غير واضح. وقد أشرنا إلى هذه النسخة بالرمز «ر 1». الجزء الخامس من نسخة أخرى، ويبدأ بكتاب الغصب، وينتهي بآخر كتاب العتق. وعلى الورقة الأولى منه: الخامس من شرح المقنع وهو تسهيل المطلب في تحصيل المذهب. وتحته تملك غير واضح التاريخ بخط موسى بن أحمد الحجازي. والجزء يقع في 329 ورقة، ومسطرته 23 سطرا. وقد أشرنا إلى هذه النسخة بالرمز «ر 2». مكتبة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: نسخة مصورة عليها ختم الشيخ الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، إذ حصلنا عليها بواسطته، منها: الجزء الثاني، يبدأ بأول كتاب البيع، وينتهي بفصل: إذا غصب أرضا فحكمها في جواز دخول غيره إليها. . . . من كتاب الغصب. وعلى الورقة الأولى: المجلد الثاني من شرح المقنع في الفقه. وتحته اسم المؤلف وبجانبه تملكات ترجع إلى القرن الثالث

عشر. وليس في آخره ما يدل على انتهاء الجزء. وبه آثار رطوبة وتمزيق وفي الأوراق الأخيرة بياض في بعض السطور. ويقع الجزء في 221 ورقة ومسطرته ما بين 35 سطرا و 39 سطرا بقلم معتاد لعله من القرن الثالث عشر. الجزء السابع، ويبدأ بفصل: وإن لم يستطع إطعام ستين مسكينا مسلما حرًّا. . . . من كتاب الظهار، وينتهي بآخر باب ديات الأعضاء ومنافعها من كتاب الحدود. وعلى الورقة الأولى: السابع من شرح المقنع للشيخ شمس الدين بن أبي عمر. وفي آخره: آخر الجزء السابع من شرح المقنع والحمد لله وصلى الله على محمد وآله يتلوه إن شاء الله تعالى في الثامن باب حد المحاربين. بلغ العرض بأصل المصنف رحمه الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين. ويقع الجزء في 280 ورقة ومسطرته 23 سطرا كتب بخط نسخي جميل غير منقوط أحيانا. الجزء العاشر، ويبدأ بأول كتاب الصيد، وينتهي بباب الإِقرار بالمجمل، من كتاب الإقرار. وعلى الورقة الأولى: الجزء العاشر من شرح المقنع. وتحته اسم المؤلف وبيان بالكتب التي يشملها الجزء. وتاريخ يظهر منه: سبعمائة ببعلبك. وفي آخره: تم الكتاب بعون الملك الوهاب والحمد لله رب العالمين. . . . كتبه لنفسه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن بردس بن نصر البعلبكي الحنبلي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين. وافق الفراغ من نسخه عشية السبت عاشر شهر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ببعلبك حرسها الله تعالى. والجزء يقع في 265 ورقة، ومسطرته 21 سطرا، كتب بخط نسخي جميل. الجزء الثاني عشر، ويبدأ بمسألة: وإن وقف عليه حنث. . . .، من باب جامع الأيمان، وينتهي بباب الإقرار بالمجمل، من كتاب الإقرار، والموجود منه إلى أثناء باب القسمة. وعلى الورقة الأولى منه: الجزء الثاني عشر من كتاب الشافي في شرح المقنع. وتحته اسم المؤلف، وعلى يمين العنوان: ملكه أفقر عباد الله وأحوجهم إليه

أحمد بن محمد بن جمعة. . . . بن مانع عفا الله عنه الحنبلي مذهبا. . . . وتحته بيان بالكتب والأبواب التي يشتمل عليها. والقدر الموجود من الجزء يقع في 92 ورقة، ومسطرته 19 سطرا، كتب بخط نسخي جميل. ونشير إلى هذه النسخة بالرمز «ق». نسخة من مكتبة محمد بن فيصل آل سعود، ومنها: الجزء الثاني، يبدأ بباب صفة الصلاة، وينتهي يقول: وأما الحديث فقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به على أن الخبر إنما هو في التطوع فمتى شاء دخل. في فصل: وإن نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد. . . . ولا يوجد في آخرها ما يدل على انتهاء الجزء. وعلى الورقة الأولى منه: المجلد الثاني من شرح المقنع الكبير. وتحته اسم المؤلف، وتحته: هذا المجلد مما رقمه الفقير إلى الله تعالى، عبده سعد بن نبهان الحنبلي. وعلى حاشية الورقة الأولى: أول الجزء التاسع. وتحته: ملكه من فضل ربه الودود محمد بن فيصل آل سعود غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين آمين 1287 وتحته شهادة على الوقف باسم عبد العزيز بن صالح بن مرشد. وإبراهيم الفوزاني وعبد العزيز بن صالح الصيرامي سنة 1287. وعلى حاشية الورقة الأخيرة: بلغ جميعه مقابلة على أصله بقراءة محمد بن راشد الغنيمي بين يدي شيخنا محمد بن إبراهيم بن عجلان في غرة ربيع الثاني. والسنة غير واضحة وبأعلى الورقة: المجلد ثمانية وعشرون كراس. والجزء يقع في 230 ورقة من القطع الكبير ومسطرته 31 سطرا كتبت بخط جيد. ويوجد منه نسخة مصورة محفوظة بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم 8859 / ح فقه حنبلي. الجزء العاشر من نسخة أخرى، ويبدأ بباب ديات الأعضاء ومنافعها، من كتاب الديات، وينتهي بآخر فصل: ويستحب إجابة من يحلف بالله. . . .، من

كتاب الأيمان. وعلى الورقة الأولى منه: الجزء العاشر من كتاب الشافي في شرح المقنع. وتحته اسم المؤلف، وبيان بالكتب والأبواب التي يشتمل عليها، وآخره: آخر المجلد العاشر، يتلوه في الحادي عشر إن شاء الله تعالى باب جامع الأيمان، وكان الفراغ من نسخه بعد العصر من يوم عاشوراء من سنة ثمان وسبعين وسبعمائة بمدينة بعلبك المحروسة على يد الفقير الضعيف المعترف بالتقصير محمد بن إسماعيل بن محمد بن بردس بن نصر بن بردس بن رسلان الحنبلي. وفي أسفل الورقة الأخيرة: هذا الكتاب ملكه محمد بن ربيعة الحنبلي، ثم وقفه على أولاده الذكور، ويختص به الطالب منهم للعلم. . . . والجزء يقع في 264 ورقة، ومسطرته 21 سطرا، كتب بخط نسخي جميل، ويوجد منه نسخة مصورة محفوظة بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم 8857 / ح فقه حنبلي. وأشرنا إلى هذه النسخة بالرمز «ص». وقد وقفنا على نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية برقم 8 فقه حنبلي، جاء في فهارس الدار أنها من الشرح الكبير للمؤلف، وعند النظر فيها وجدنا على الورقة الأولى منها: الثاني من شرح المقنع لأبي البركات بن المنجى رحمه الله. ومضروب عليها بخطوط ومكتوب تحتها: كتاب شرح المقنع للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الحنبلي وجد اسم هذا المؤلف بكشف الظنون. وتحته: شرح المقنع جدنا شيخ الإسلام برهان الدين بن مفلح الحنبلي المترجم بالمبدع في شرح المقنع وهو. . . . بخط مؤلفه الجد المشار إليه. . . . وكلام غير واضح. وفي اخرها: آخر الجزء الثاني من شرح المقنع والحمد لله. . . . أنهاه كتابةً العبد الفقير إلى فضل ربه القدير محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل. . . . محمد بن أبي البركات البعلي الحنبلي عفا الله عنه في مدة آخرها ليلة الاثنين السادس من محرم سنة سبع وسبعين وستمائة بمدرسة شرف الإسلام بن الحنبلي عفا الله عنه لنفسه. وقد ذكر ابن رجب في طبقات الحنابلة من تصانيف المنجَّى بن عثمان بن أسعد

[مخطوطات الإنصاف]

التنوخي المتوفى سنة 695 هـ «شرح المقنع» في أربع مجلدات (¬1). والذي نرجحه أن هذا الجزء منه. ونظرًا لاتساع أطراف الكتاب فإننا لم نجد منه نسخة خطبة متكاملة نَعْتَدُّها أصلا، ولذلك فقد لفقنا من نسخه الموثوقة ما يستقيم به نص الكتاب، ونبهنا في كل موضع على بدايات النسخ في حواشي الصفحات، ليستوثق منها من يريد المراجعة. ومن مخطوطات كتاب الإنصاف: في مكتبة أحمد الثالث باستنبول: نسخة محفوظة برقم 849، ومنها: الجزء الأول، يبدأ بأول الكتاب، وينتهي بآخر باب صيد الحرم ونباته، من كتاب المناسك. وبأعلى الورقة الأولى منه: الأول من الإنصاف. وبعده بيان الكتب والأبواب التي يشتمل علجها الجزء. واخره: آخر الجزء الأول يتلوه في الجزء الثاني باب ذكر دخول مكة. ويقع الجزء في 196 ورقة، ومسطرته 33 سطرا، كتب بخط واضح بقلم نفيس من القرن التاسع. الجزء الثاني من النسخة نفسها، بيدأ بباب ذكر دخول مكة، من كتاب المناسك، وينتهي بباب أحكام أمهات الأولاد، من كتاب العتق. وعلى الورقة الأولى بيان بالكتب والأبواب التي يشتمل عليها الجزء. والجزء يقع في 309 ورقة، ومسطرته 33 سطرا. الجزء الثالث من النسخة نفسها، ويبدأ بكتاب النكاح، وينتهى بآخر باب الإقرار بالمجمل، من كتاب الإقرار. وينتهي في منتصف الورقة 235 حيث قال المؤلف: وهذا آخر ما تيسر جمعه وتصحيحه والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم نافعا للناظر فيه مصلحا ما فيه من سقم. وقد ألحق به المصنف قاعدة في صفة ¬

(¬1) انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 332، 333.

روايات المذهب. وقال في آخره: تم هذا الجزء المبارك، وهو آخر هذا الكتاب على يد الفقير إلى الله تعالى. . . . محمد بن أحمد البدماصي الحنبلي. . . . والحمد لله رب العالمين. ويقع الجزء في 276 ورقة، ومسطرته 33 سطرا. وقد اعتمدنا هذه النسخة أصلا وتجد أرقام الأوراق على جانبي صفحات تحقيقنا. ويوجد منها نسخة مصورة محفوظة برقم 10، 11، 12 اختلاف فقهاء في معهد المخطوطات العربية. في دار الكتب المصرية: نسخة محفوظة برقم 19 فقه حنبلي (طلعت)، ومنها: الجزء الأول، بيدأ بأول الكتاب، وينتهي بباب زكاة الخارج من الأرض، من كتاب الزكاة. وعلى الورقة الأولى منه: الجزء الأول من كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. وتحته اسم المؤلف، وعلى يساره: ملكه من فضل الله تعالى وكرمه محمد بن محمد بن محمد الجعدي الحنبلي، لطف الله تعالى به سنة 951. وتحته: توفي الشيخ عبد القادر مولانا شيخ الإسلام والمسلمين شهاب الدين أحمد العسكري، نهار الاثنين الخامس عشر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، ودفن بالقرب من قبر قطب الأولين الشيخ أبي عمر. . . . وفي آخره: تم الجزء الأول من تجزئة أربعة أجزاء، من كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. . . . وكان الفراغ منه يوم الثلاثاء السادس من ربيع الأول من شهور سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى عفوه ومغفرته حسن بن علي بن عبيد. . . . المرداوي المقدسي الحنبلي. . . . ويتلوه إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني باب زكاة الأثمان. وتوجد على بعض الصفحات أثر رطوبة وتآكل في أطرافها. والجزء يقع في 200 ورقة، ومسطرته 29 سطرا، كتب بخط واضح.

الجزء الثاني، ويبدأ بأثناء باب زكاة العروض، عند قوله: تنبيه: ظاهر كلام المصنف أنه سواء اتفق حولاهما أولًا. . . .، وينتهي بقوله: فائدة: لا تجوز إجارة أرض وشجر لحملها، من باب المساقاة. وينقص قدر خمس ورقات من أوله، والورقة الأخيرة منه. ويقع الجزء في 286 ورقة، ومسطرته 31 سطرا. الجزء الثالث، ويبدأ بأول باب الإجارة، وينتهي بآخر باب صريح الطلاق وكنايته، من كتاب الطلاق. وعلى الورقة الأولى منه: الجزء الثالث من كتاب الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. وتحته اسم المؤلف، وتملك نصه: ملكه من فضل الله تعالى وكرمه محمد بن محمد بن محمد الجعدي الحنبلي لطف الله تعالى به سنة 951. وفي آخر الورقة الأخيرة: آخر الجزء الثالث من تجزئة أربعة أجزاء من كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. . . . كان الفراغ منه في سادس شهر ربيع الآخر من شهور سنة ثلاثة وسبعين وثمانمائة، بصالحية دمشق المحروسة، من نسخة المصنف أبقاه الله تعالى، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد المرداوي المقدسي الحنبلي. . . . يتلوه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى: باب ما يختلف به عدد الطلاق. والجزء يقع في 235 ورقة، ومسطرته 29 سطرا. الجزء الرابع، ويبدأ بباب ما يختلف به عدد الطلاق، وينتهي بآخر الكتاب، وعلى الورقة الأولى منه رقم الجزء واسم الكتاب واسم المؤلف والتملك السابق. وفي آخره: كان الفراغ من هذه النسخة في الثالث والعشرين من جمادى الأولى، من شهور سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد بن إبراهيم المرداوي المقدسي الحنبلي. . . . بصالحية دمشق المحروسة، عن نسخة شيخنا المصنف أبقاه الله تعالى. ونشير إلى هذه النسخة بالرمز (ط). وقد طبع كتاب الإنصاف لأول مرة بمكتبة السنة المحمدية في اثني عشر مجلدا سنة 1375 هـ = 1956 م بتصحيح وتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، وقد

[منهج التحقيق]

ذكر في مقدمته أنه اعتمد على نسختين إحداهما النسخة المشار إليها سابقًا، وأنه اعتمدها أصلا للطبع، ويبدو أنه قد أكثر التصرف في النسخة؛ نظرا لكثرة الفروق بين المطبوعة والمخطوطة بالنقص والزيادة والأخير أكثر. وقد أهملنا بعض هذه الزيادات التي وجدناها مقحمة على النص أو هي كالشرح لبعض الكلمات أو النصوص. والثانية نسخة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ رحمه الله رئيس القضاة بالمملكة العربية السعودية، وقد وضع زيادات هذه النسخة بين معقوفين. وقد أشرنا إلى النسخة المطبوعة بالرمز «ا» وإلى زيادات نسخة الشيخ عبد الله بن حسن بالرمز «ش». وقد فرغنا إلى الكتب الثلاثة فدرسنا مخطوطاتها على النحو الذي يكشف عنه وصفنا السابق لها، ثم عمدنا إلى تحرير النص وضبطه ضبطا يفيد الشادى والمتعلم، بل وضبطنا نص المقنع ضبطا كاملًا، ورقمنا مسائله الواردة في الشرح الكبير مع وضعها بين قوسين، وكذلك ما أدرجه في سياق الشرح وضعناه بين قوسين ليتميز عن بقية الكلام، واجتهدنا في تنسيق الكتب الثلاثة (*) لتأتي المسائل والموضوعات متناسقة متوازية ليسهل على المطلع فيها الاستفادة منها مجتمعة، ومضينا على سبيل عملنا السابق في كتاب المغني، واستفدنا من كل ما جاء فيه، فخرجنا أحاديثها معتمدين الكتب الستة وموطأ الإمام مالك، ومسند الإِمام أحمد، وسنن الدارمي، ثم سنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي في بعض المواطن، ووثقنا ما أورده صاحب الشرح الكبير من نصوص، بالرجوع إلى المصادر التي نقل عنها، ما أتيح لنا منها ويسَّر الله الرجوع إليه، وبمراجعة ما لم يشر إليه مما هُدِينا إليه، وكذلك قمنا بتعريف ما يحتاج إلى تعريف من كلامه. وما كان لهذه الموسوعة الفقهية العظيمة أن تصدر وتوزع على طلاب العلم لولا توفيق الله سبحانه وتعالى، وعونه، ثم اهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، والذي ما أن عُرضت عليه فكرة إخراج هذه الكتب في كتاب واحد، تيسيرًا على طلاب العلم، وتوزيعها عليهم، إلا وسارع -كعادته حفظه الله- بالتوجيه بذلك، وتحمل ما يترتب على ذلك من نفقات، خدمة للعلم وطلابه، والذي ما فتئت المملكة العربية السعودية،

_ (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وقد اقتصرنا في هذه النسخة (الإلكترونية) على «المقنع» و «الشرح» فقط

وقادتها الأماجد تسير عليه؛ إشاعة للعلوم الإِسلامية، باعتبارها الدولة الإسلامية التي قامت على كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وطبقت أحكامهما، وأقامت مؤسساتها التعليمية والثقافية على منهجهما. فجزى الله خادم الحرمين الشريفين أحسن الجزاء، ووفق هذه الدولة المباركة وحكامها إلى الاستمرار في هذا المنهج السليم. ولا يفوتنا ونحن نقدم لهذه الكتب أن نذكر بالثناء والتقدير ما قام به صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وعضو هيئة التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية في القصيم من جهد في هذا السبيل، حيث بدأت الفكرة منه -وفقه الله- وأرسل لنا نموذجًا لما ينبغي أن يخرج عليه الكتاب. وكتب إلى خادم الحرمين الشريفين بذلك، واطلع على نماذج من الكتاب في تجاربه الأولى، ووجه إلى ما ينبغي عمله فيه. نسأل الله أن يجزيه خيرًا، ويوفقه إلى الاستمرار في خدمة العلم وطلابه، والتعاون مع العاملين في هذا الميدان. ونسأل الله أن يمدنا بعونه ويقوى عزائمنا لنتم هذا العمل الجليل، ونختمه بفهارس فنية شاملة، تتيح لكل طالب أن يجد بغيته فيه ويصل إلى مقصوده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. غرة شعبان 1414 هـ 13 ديسمبر 1993 م عبد الله عبد المحسن التركي عبد الفتاح محمد الحلو

[مقدمة المصنف]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وَأعِنْ قَال الشيخُ الإمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الأوْحَدُ، شَرَف الإسْلَام، قُدوَةُ الأنَامِ، مُفْتِي الْفِرَقِ، أوحَدُ الزَّمَانِ، مُوَفَّقُ الدِّينِ، أبو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ: الْحمدُ لله الْمَحمُودِ عَلَى كُلِّ حَال، الدَّائِمِ الْبَاقي بِلَا زَوَال، الْمُوجِدِ خَلْقَهُ عَلَى غَيرِ مِثَال، الْعَالِم بِعَدَدِ الْقَطر وَأموَاجِ الْبَحرِ وَذَرَّاتِ الرِّمَال، لَا يَعزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأرضِ وَلَا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الشيخُ الإمامُ العالم العاملُ، شيخُ الإسلام، قُدوةُ الأنام، بَقِيَّةُ السَّلفِ الكرام، شمسُ الدين أبو الفرج عبدُ الرحمن ابن الشيخ الإِمام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامَةَ المَقْدِسِيُّ، قَدَّسَ اللهُ رُوحَه، ونوَّر ضَرِيحَهُ، آمين، إنَّه جواد كريم: الحمدُ لله العليِّ الأعظم،

السَّمَاءِ، وَلَا تَحْتَ أطبَاقِ الْجِبَال {عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} (¬1)، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُصطَفَى، وآلِهِ خَيرِ آلٍ، صَلَاةً دَائِمَةَ بِالْغُدُوِّ وَالآصَال. أمَّا بَعْدُ؛ فَهذَا كِتَابٌ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهبِ الإمَامِ أبي عَبْدِ اللهِ أحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، اجْتهدتُ فِي جَمعِهِ وَتَرتِيبِهِ، وَإيجَازِهِ وَتَقْرِيبِهِ، وَسَطًا بَينَ الْقَصِيرِ وَالطَّويلِ، وَجَامِعًا لِأكْثَرِ الْأحكَامِ، عَرِيَّةً عَنٍ الدَّلِيلِ وَالتَّعلِيلِ؛ لِيَكْثُرَ عِلْمُهُ، وَيَقِلَّ حَجْمُهُ، وَيَسْهُلَ حِفْظُهُ وفهمُهُ، وَيَكُونَ مُقْنِعًا لِحَافِظِيهِ، نَافِعًا لِلنَّاظِرِ فِيهِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ المَسْئُولُ أنْ يُبَلِّغَنَا أمَلَنَا، وَيُصلِحَ قَوْلَنَا وَعَمَلَنَا، وَيَجْعَلَ سَعيَنَا مُقَرِّبًا إِلَيهِ، وَنَافِعًا لَدَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الجَوَادِ الأكرم، {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (¬2)، فَرَضَ طَلَبَ العِلْمِ على عبادِهِ المؤمِنين، وأمَرَهُم به في الكِتابِ المُبِين، فقال وهو أصْدَقُ القائِلِين: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي ¬

(¬1) سورة الرعد 9. (¬2) سورة العلق 4، 5.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدِّينِ} (¬1). أحمَدُه على نِعَم جَلَّلها، وَقِسَمٍ أجزَلَها، وأشْهدُ أن لَا إِله إلَّا اللهُ وَحده لا شَرِيكَ له، شَهادَةً لا يَضِلُّ مَن شَهِدَ بها ولا يَشْقَى، وكلمةً أسْتَمسِكُ بها، ومَن يُؤمن بِالله فقدِ استمسكَ بِالعُروةِ الوُثقَى (¬2). وَأشْهدُ أنَّ محمدًا عَبْدهُ ورسولُه أرسَلَه {شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (¬3). صلَّى اللهُ عليه وعلى اله وسلَّم تَسْلِيمًا كثيرًا. هذا كتابٌ جَمَعتُه في شرح «كتاب المُقْنِع»، تأليف شَيخنا الشيخِ الإِمام العالم العلَّامة، مُوَفَّقِ الدِّين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قُدامَةَ المَقْدِسيِّ، رَضِي اللهُ عَنه، اغتَمَنتُ في جَمعِهِ على كتابه «المُغْنِي»، وَذَكَرتُ فيه من غَيرِهٍ ما لم أجدهُ فيه من الفُروعِ والوُجوهِ والرِّواياتِ، ولم أتركْ من كتاب «المغني» إلا شيئًا يسيرًا من الأدلَّةِ، وَعَزَوْتُ من الأحاديثِ ما لم يَعزُ، مِمَّا أمكَنَنِي عَزْوهُ، واللهُ المسئولُ أن يَجْعَلنا مِمَّنْ رَسَخَتْ في العلم قَدَمُه، وجُبِلَ على اتباعِ الكتابِ والسُّنَّةِ لَحمُهُ ودَمُه، إِنَّه على كل شيءٍ قَدِير، وهو بالإجابَةِ جدِير، وهو حَسْبُنا ونِعمَ الوَكِيلُ. ¬

(¬1) سورة التوبة 122. (¬2) اقتباس من قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256]. (¬3) سورة الأحزاب: 46.

كتاب الطهارة

كِتَابُ الطَّهارة ـــــــــــــــــــــــــــــ كِتَابُ الطَّهارة الطَّهارةُ في اللغةِ: الوَضاءةُ والنَّزاهةُ عن الأقْذار. وهي في الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يَمنَعُ مِن الصلاةِ مِن حدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ أو غيرِه. فعندَ إِطْلاقِ [لفظ الطهارة في] (¬1) لفظِ الشارِعِ أو في كلام الفقهاء، إنَّما ينْصرِفُ إلى المَوْضوعِ (¬2) الشَّرعِيِّ دونَ اللُّغَويِّ، وكذلك كلُّ ما لَه موضوعٌ شَرْعيٌّ ولُغَويٌّ كالوُضوءِ، والصلاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والزَّكاةِ، ونحوه، إنما ينصرفُ المُطْلَق منه إلى الموضوع الشَّرعِيّ؛ لأن الظَّاهرَ مِن الشارِع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه، وكلامُ الفقهاء مَبْنِيٌّ عليه. ¬

(¬1) ساقط من: م. (¬2) في م: «الوضوء».

باب المياه

بَابُ الْمِيَاهِ وَهِىَ ثَلَاثَة أَقْسَامٍ؛ مَاءٌ طَهورٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ باب المياه (وهي ثلاثة أقسام؛ ماءٌ طَهُورٌ) وهو الطّاهِرُ في نفسِه، الذي يجوز رَفْعُ الأحْداثِ والنَّجاساتِ به، والطُّهور، بضَمِّ الطّاء، المصدرُ، قاله اليَزِيدِيُّ (¬1)، وبالفَتْح ما ذَكَرْناه، وهو من الأسماء المُتَعَدِّيَةِ، مثل ¬

(¬1) أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي النحوي اللغوي المقرئ, مؤذب الخليفة المأمون، توفي سنة اثنتين ومئتين. تاريخ العلماء النحويين 113 - 120.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الغَسُولِ. وقال بعضُ الحنفيَّة: هو لازِمٌ، بمعنى الطاهر؛ لأنَّ العَرَبَ لا تُفَرِّق بين الفاعل والفَعُول في اللُّزُوم والتَّعَدِّى، بدليلِ قاعِد وقَعُود. وهذا إن أُرِيدَ به أن الماءَ مُخْتَصٌّ بالطَّهوريَّة،؛ سيأتي في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ، وإلَّا فالنِّزاع في هذه المسألة لَفْظِيٌّ، والْأشْبَهُ قولُ أصحابِنا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي؛ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولو أراد به الطّاهِرَ لم يَكُنْ له مَزِيَّةٌ على غيره؛ لأنَّه طاهِر في حَقِّ غيرِه. ولمَّا سُئل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الوُضُوءِ بماءِ البحر، قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيتَتُهُ» (¬2). ولو لم يكُنِ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا، بمعنى المُطَهِّر، لم يَكُنْ ذلك جوابًا للقَوْمِ، حيثُ سألوه عن ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: أول باب من كتاب التيمم، وفي: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، من كتاب الصلاة. صحيح البخاري 1/ 91، 92، 119. ومسلم، في: مواضع الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 370، 371. والنسائي، في: باب التيمم بالصعيد، من كتاب الغسل والتيمم، المجتبى من السنن 1/ 172. والدارمي، في: باب الأرض كلها طهور ما خلا المقبرة والحمام، من كتاب الصلاة، وباب الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا، من كتاب السير، سنن الدارمي 1/ 322، 323، 2/ 224 - والترمذي في: باب ما جاء في الغنيمة، من أبواب السير، عارضة الأحوذي 42/ 7. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 98، 301، 351، 2/ 222، 412، 501، 3/ 304، 4/ 416، 5/ 145، 148، 161، 162، 248، 256. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الوضوء بماء البحر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 19. والترمذي، في: باب ما جاء في البحر أنه طهور، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 88. والنسائي، في: باب ماء البحر، من كتاب الطهارة، وفي: باب الوضوء بماء البحر، من كتاب المياه، وفي باب: ميتة البحر، من كتاب الصيد. المجتبى 1/ 44، 143، 7/ 183. وابن ماجه، في: باب الوضوء بماء البحر، من كتاب الطهارة، وفي: باب. الطافي من صيد البحر، من كتاب الصيد. سنن ابن ماجه 1/ 136، 137، 2/ 1081. والدارمي، في: باب الوضوء من ماء البحر، من كتاب الصلاة والطهارة، وفي: باب في صيد البحر، من كتاب الصيد. سنن الدارمي 1/ 186، 2/ 91. والإمام مالك، في: باب الطهور للوضوء، من كتاب الطهارة، وفي: باب ما جاء في صيد البحر، من كتاب الصيد. الموطأ 1/ 22، 2/ 495. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 237، 361، 378، 393، 3/ 373، 5/ 365.

1 - مسألة؛ قال: (وهو الباقي على أصل خلقته)

وَهُوَ الْباقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِه، ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّعَدِّي، إذ ليس كلُّ طاهرٍ مُطَهِّرًا، والعربُ قد فرَّقتْ بين فاعلٍ وفَعُول، قالت فاعل لمن وُجِدَ منه مَرَّةً، وفَعُولٌ لمن تكرَّر منه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَرَّقَ بينهما هاهنا، وليس إلا مِن حيثُ التَّعَدِّى واللُّزُوم. 1 - مسألة؛ قال: (وهو الباقي على أصْلِ خِلْقَته) وجملة ذلك، أن كلَّ صِفَةٍ خَلَق اللهُ عليها الماءَ؛ من حرارةٍ، أو برودةٍ، أو عُذوبةٍ، أو مُلوحةٍ، أو غيرها، سواءٌ نَزَل من السماءِ، أو نَبَع من الأرضِ، وبَقِي على أصلِ خِلْقَتِه، فهو طَهُورٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} (¬1). وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِى بالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ». رَوَاه مسلمٌ (¬2). وَرَوَى جابرٌ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه ¬

(¬1) سورة الأنفال: 11. (¬2) في: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب الصلاة، وباب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة، وباب التعوذ من شر الفتن وغيرها، من كتاب الذكر. صحيح مسلم 1/ 346، 347، 419، 4/ 2078، 2079. أخرجه البخاري، في: باب ما يقول بعد التكبير، من كتاب الأذان، وباب التعوذ من المأثم والمغرم، وباب الاستعاذة من أرذل العمر، وباب التعوذ من فتنة القبر، من كتاب الدعوات. صحيح البخاري 1/ 189، 8/ 98، 100. وأبو داود، في: باب السكتة عند الافتتاح، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180. والترمذي، في: باب حدثنا الأنصاري، من أبواب الدعاء. عارضة الأحوذى 29/ 13. والنسائي، في: باب الوضوء بماء الثلج والبرد، من كتاب الطهارة، ومن كتاب المياه، وباب الاغتسال بالثلج والبرد، وباب الاغتسال بالماء البارد، من كتاب الغسل والتيمم، وباب الدعاء بين التكبيرة والقراءة، من كتاب الافتتاح، وباب الاستعاذة من شر فتنة القبر، وباب الاستعاذة من شر فتنة الغنى، من كتاب الاستعاذة =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال في البَحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ». رَواه الإِمامُ أحمد (¬1). وقولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (¬2). وهذا قولُ أهلِ العِلْم من الصحابة، ومَن بَعْدَهم، إلَّا أنَّه رُوىَ عن ابن عمرو، أنَّه قال في ماءِ البحر: لا يُجْزِئُ من الوضوءِ، ولا من الجنابةِ، والتَّيّمُّمُ أعجَبُ إليَّ منه. ورُويَ ذلك عن عبد الله بن عمر، والأوَّل أوْلَى؛ لقولِ الله تِعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (¬3). وهذا واجدٌ للماءِ، فلا يجوز له التَّيَمُّمُ، ولحديثِ جابرٍ الذي ذكرْناه في البحرِ، ورُوىَ عن عمرَ أنَّه قال: مَن لم يُطَهِّرْه ماءُ البحرِ، فلا طَهَّرَه الله (¬4). ولأنَّه ماءٌ بَقِى على أصل خِلْقَتِه، أشْبَهَ العَذْبَ. ¬

= المجتبى 1/ 45، 46، 143، 144، 163، 2/ 100، 8/ 230، 234، وابن ماجه، في: باب افتتاح الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة، وباب ما تعوذ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الدعاء. سنن ابن ماجه 1/ 265، 2/ 1262. والدارمي، في: باب في السكتتين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 283. والإمام أحمد، في المسند 2/ 231، 494، 4/ 354، 381، 6/ 57، 207. (¬1) المسند: 3/ 373. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في بئر بضاعة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 16. والترمذي، في: باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 83. والنسائي، في: الباب الأول، وباب ذكر بئر بضاعة، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 141، 142. وابن ماجه، في: باب الحياض، من كتاب الطهارة، سنن ابن ماجه 1/ 173، 174. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 234، 308، 3/ 16، 31، 86، 6/ 172، 330. (¬3) سورة المائدة: 6. (¬4) كذا ورد هنا. وفي المغني 1/ 16، معزوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورواه الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. سنن الدارقطني 1/ 35، 36، وسنن البيهقي 1/ 4. ورواه الدارقطني عن ابن عباس. وانظر كنز العمال 9/ 396.

2 - مسألة؛ قال: (وما تغير بمكثه)

وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 2 - مسألة؛ قال: (وما تَغَيَّر بمُكْثِه) الماءُ المُتَغَيِّرُ بطُولِ المُكْثِ باقٍ على إطْلاقِه. قال ابنُ المُنْذِرِ (¬1): أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْم، على أنَّ الوُضوءَ بالماءِ المُتَغَيِّرِ الآجن (¬2) مِن غير نجاسةٍ حَلَّتْ فيه جائزٌ، سِوَى ابنِ سِيرينَ (¬3)، فإِنَّه كَرِه ذلك. ولَنا، أنَّه تَغَيَّرَ مِن غيرِ مُخالطةٍ، أَشْبَهَ التَّغَيُّر عن مُجاوَرةٍ، وقد رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تَوَضَّأ مِن بِئْرٍ كأنَّ ماءَه نُقاعَةُ الحِنّاءِ (¬4). ¬

(¬1) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الشافعي، نزيل مكة، وأحد أعلام هذه الأمة، توفي سنة تسع أو عشرة وثلاثمائة، كذا قال أبو إسحاق الشيرازي، وذكر الذهبي أن محمد بن يحيى بن عمار لقيه سنة ست عشرة وثلاثمائة. طبقات الشافعية الكبرى 3/ 102 - 108. (¬2) هو الذي يتغير بطول مكثه في المكان، من غير مخالطة شيء يغيره. المغني 1/ 23. (¬3) أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري البصري، كان فطنا، حسن العلم بالفرائض والقضاء والحساب، ورعا، أديبا، توفي سنة عشر ومائة. سير أعلام النبلاء 4/ 606 - 622. (¬4) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني. عند كلامه على حديث بئر بضاعة: قوله: وكان ماء هذه البئر كنقاعة الحناء. هذا الوصف لهذه البئر لم أجد له أصلًا. قلت: ذكره ابن المنذر، فقال: ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من بئرٍ كأن ماءه نقاعة الحناء. فلعل هذا معتمد الرافعي، وقد ذكر ابن الجوزي في تلقينه أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ من غدير ماؤه كنقاعة الحناء. وكذا ذكره ابن دقيق العيد فيما علقه على فروع ابن الحاجب. انظر: التلخيص الحبير 1/ 13 - 14.

3 - مسألة؛ قال: (أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالطحلب وورق الشجر)

أَوْ بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ؛ كَالطُّحْلُبِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ لَا يُخَالِطُهُ، كَالْعُودِ، وَالْكَافُورِ، وَالدُّهْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 3 - مسألة؛ قال: (أو بطاهِرٍ لا يمكن صونُه عنه كالطُّحْلُب وورق الشَّجرِ) وجُمْلَتُه أنَّ الماءَ المُتَغيِّر بِالطُّحْلُبِ ووَرَقِ الشجر والخَزِّ وسائرِ ما ينْبُت في الماءِ، أو يَجْرِي عليه الماءُ، أو تَحْمِله الرِّيحُ أو السُّيُولُ من التِّبْنِ والعِيدانِ، أو ما يَمُرُّ عليه الماءُ من الكِبْرِيت والْقارِ ونحوه، أو كان في الأرضِ التيِ يَقِفُ فيها الماءُ، وكذلك ما يتغيَّرُ في آنيةِ الأَدَمِ والنُّحاس ونحوه، يُعْفى عن ذلك كلِّه، ولا يخْرُجُ به الماءُ عن إطْلاقِه؛ لأنَّه يشُقُّ التَّحَرُّزُ منه. فإن أُخِذَ شيءٌ من ذلك، وأُلْقِىَ في الماء، كان حكمُه حكمَ ما أمْكَن التَّحَرُّزُ منه، على ما يأتي، وكذلك ما تغيَّر بالسَّمَكِ ونحوه من دَوابِّ البحرِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فأَشْبَهَ ما ذكرْناه. 4 - مسألة؛ قال: (أو لا يخالِطُه، كالعُود والكافُورِ والدُّهْن) على اخْتلافِ أنْواعِه، وكالعَنْبَرِ إذا لم يُسْتَهْلَكْ في الماءِ، ولم يَتَحَلَّلْ فيه، لا يخْرُجُ به الماءُ عن إطْلاقِه؛ لأنَّه تغيَّر عن مُجاوَرَةٍ، أَشْبَهَ ما لو تَرَوَّحَ برِيحِ شيءٍ إلى جانِبه. وفي معناه ما تغيَّر بالقَطِرانِ والزِّفْتِ والشَّمْعِ؛ لأنَّ فيه دُهْنِيَّةً يَتَغَيَّر بها الماءُ.

5 - مسألة؛ قال: (أو ما أصله الماء، كالملح البحري)

أَوْ مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ، كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 5 - مسألة؛ قال: (أو ما أصْلُه الماءُ، كالمِلْح البَحْريِّ) لأنَّ أصلَه الماءُ، فهو كالثَّلْجِ والبَرَدِ، فإن كان مَعْدِنِيًّا فهو كالزَّعْفَرانِ. وكذلك الماءُ المُتَغَيِّر بالتُّرابِ؛ لأنَّه يُوافِق الماءَ في صِفَتَيه، أشْبَهَ المِلْحَ.

6 - مسألة؛ قال: (أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه)

أَوْ مَا تَرَوَّحَ بِرِيحِ مَيتَةٍ إِلَى جَانِبِهِ، أَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 6 - مسألة؛ قال: (أو ما تروَّح بِرِيحِ مَيتَةٍ إلى جانبه) لا نَعْلَم في ذلك خلافًا. (أو سُخِّن بالشمس) لأنَّه سُخِّنَ بطَاهِرٍ، فلم تُكْرَهِ الطهارةُ به، لو سُخِّنَ بالحَطَبِ. وقال الشافعيُّ. تُكْرَهُ الطَّهارةُ بماءٍ قُصِدَ تَشْمِيسُه؛ لما رُويَ عن عائشة، قالت: دخَل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - , وقد سَخَّنْتُ له ماءً في الشمسِ، فقاك: «لا تَفْعَلِى يَا حُمَيراءُ؛ فَإنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (¬1). ولَنا ما ذكرْنا من القياسِ، والحديث روَاه الدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: يَرْويهِ خالدُ بنُ إسماعيل، وهو مَتْروكُ الحديثِ، وعمرو بن محمد الأعْسَمُ، وهو مُنْكَرُ الحديث. ولأنَّه لو كُرِهَ لأجْلِ الضَّرَرِ لَما اخْتلَف بقَصْدِ التَّشْمِيسِ وعَدَمِه. ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب الماء المسخن، من كتاب الطهارة، سنن الدارقطني 1/ 38، وقال: غريب جدا. والبيهقي، في: باب كراهة التطهير بالماء المشمس، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 6 وقال: وهذا، يصح. وانظر: نصب الراية 1/ 102، وإرواء الغليل 1/ 50.

7 - مسألة؛ قال: (أو بطاهر)

أَوْ بِطَاهِرٍ، فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ, وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ، غَيرُ مَكْرُوهِ الاسْتِعْمَالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 7 - مسألة؛ قال: (أو بطاهرٍ) كالحَطَبِ ونحوه، فلا تُكْرَهُ الطَّهارةُ به، لا نعْلَم فيه خلافًا، إلا ما رُوىَ عن مُجاهِدٍ (¬1)، أنَّهُ كَرِهَ الوضوءَ بالماءِ المُسَخَّنِ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لما رُوىَ عن الأسْلَعِ بنِ شَرِيك رَحّالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: أجْنَبْتُ وأنا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فجمَعْتُ حَطبًا، فأحْمَيتُ الماءَ، فاغتسلتُ، فأخبرتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم ينْكِرْه عَلَيَّ. رواه الطَّبَرَانِيُّ بمَعْناه (¬2). ولأنَّه صِفَةٌ خُلِقَ عليها الماءُ، أَشْبَهَ ما لو بَرَّدَه. (فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ، مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الأحْداثَ، ويُزِيلُ الأنْجاسَ، غَيرُ مَكْرُوهِ الاسْتِعْمالِ) لِما ذَكرْنا. ¬

(¬1) أبو الحجّاج مجاهد بن جبر، مولى بني مخزوم، من فقهاء التابعين بمكة، وكأن أعلمهم بالتفسير، ذكر الذهبي أنه توفي سنة ثلاث ومائة. طبقات الفقهاء 69، العبر 1/ 125. (¬2) في الكبير 1/ 277، وذكره في مجمع الزوائد 1/ 262، وأخرجه البيقهي، في: باب التطهير بالماء المسخن، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 5 , 6.

8 - مسألة؛ قال: (وإن سخن بنجاسة، فهل يكره استعماله، على روايتين)

وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 8 - مسألة؛ قال: (وإن سُخِّن بنجاسةٍ، فهل يُكرَه استعمالُه، على رِوايَتَين) الماءُ المُسَخَّنُ بالنَّجاسة يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقسام؛ أحدُها، أن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَتَحَقَّقَ وُصولُها إليه، فهذا نَجِسٌ إن كان يَسِيرًا؛ لما يأتي. الثاني، إن غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّها لا تصلُ إليه، فهو طاهرٌ بالأصل، ولا يُكْرَهُ اسْتِعْمالُه في أحَدِ الوَجْهين. اخْتاره الشَّريفُ أبو جعفر، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ احْتمال وُصُولِ النَّجاسةِ إليه يَبْعُدُ، أشْبَهَ غيرَ المُسَخَّنِ. والثاني يُكْرَه؛ لاحْتمال وصولِ (¬1) النَّجاسةِ. اختارَه القاضي. الثالث ما عدا ذلك، ففيه روايتان؛ إحداهما يُكْرَهُ، وهو طاهرُ المذهبِ؛ لأجلِ النجاسة. والثانية، لا يُكْرَهُ، كالتي قبلها، وكالماءِ إذا شُكَّ في نجاستِه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وذَكَر أبو الخَطّابِ في الماءِ المُسَخَّنِ بالنَّجاسةِ روايتَين على الإِطْلاق. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصلٌ: ولا يُكْرَهُ الوُضوءُ والغُسْلُ بماءِ زَمْزَمَ؛ لما رَوَى عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَف بعَرَفةَ وهو مُرْدِفٌ (¬1) أُسامَةَ بنِ زيدٍ. فَذَكَر الحديث. وفيه: ثم أفاض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فدعا بسَجْلٍ من ماءِ زمزمَ، فشَرِبَ منه، وتوضَّأ. رَواه عبدُ الله بن أحمد، في «المسند» (¬2) عن غير أبيه. وعنه: يُكْرَهُ؛ لقولِ العبّاسِ: لا أُحِلُّها للمُغْتَسِلِ. ولأنَّه أزال به مانِعًا من الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو أزال (¬3) به النَّجاسةَ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذكرْنا، وكَوْنُهُ مُبارَكًا لا يَمْنَعُ الوضوءَ به، كالماءِ الذي وَضَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدَه فيه. ¬

(¬1) في م: «مردوف». (¬2) 1/ 76. (¬3) في الأصل: «غسل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا خالطَ الماءَ طاهرٌ لم يُغَيِّره، لم يَمْنَعِ الطهارَةَ. قال شيخُنا (¬1): لا نعْلَمُ فيه خلافًا. وحُكِىَ عن أمِّ هانِئٍ، والزُّهْرِيِّ (¬2)، في كِسَرٍ بُلَّتْ في ماءٍ، غيَّرتْ لَوْنَه، أو لم تُغَيِّرْه، لا يجوزُ الوُضوءُ به (¬3). والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرْ صِفَةَ الماءِ، فلم يَمْنَعْ كبَقِيَّةِ الطّاهِراتِ، وقد اغْتَسَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو وزوجتُه من قَصْعَةٍ فيها أثَرُ العَجِين. رَواه النَّسائِىُّ (¬4). فصل: إذا وَقَع في الماءِ ماءٌ مُسْتَعْمَلٌ، عُفِىَ عن يَسِيرِه. رَواه إسحاقُ ابن منصور (¬5)، عن أحمدَ. وهذا ظاهرُ حالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابِه؛ لأنَّهم كانوا يتَوَضَّئُون من الأقْداحِ، ويغْتَسِلُون مِن الجِفانِ، وقد اغْتَسل هو وعائشةُ من إِناءٍ واحد، تخْتَلِفُ أيدِيهما فيه، كلُّ واحدٍ منهما يقولُ لصاحبِه: «أبْقِ لِي» (¬6). ومثلُ هذا لا يَسلَمُ مِن رَشاشٍ يقَع في الماءِ، ¬

(¬1) المغني 1/ 25. (¬2) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله، ابن شهاب الزهري، الإمام العالم، حافظ زمانه، توفي سنة أربع وعشرين ومائة. سير أعلاء النبلاء 5/ 326 - 350. (¬3) أخرجه الدارقطني، في: باب الماء يبل فيه الخبز، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 39. (¬4) في: باب الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها، من كتاب الطهارة، وفي: باب الاغتسال في قصعة فيها أثر العجين، من كتاب الغسل والتيمم. المجتبى 1/ 108، 166. (¬5) أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج المروزى، العالم الفقيه، وهو الذي دوَّن عن الإمام أحمد المسائل في الفقه، وتوفي سنة إحدى وخمسين ومائتين، بنيسابور. طبقات الحنابلة 1/ 113 - 115، العبر 2/ 1. (¬6) أخرجه الإمام أحمد، في المسند 6/ 91. وبنحوه أخرجه البخاري، في: باب هل يدخل الجنب يده في الإناء، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 74. ومسلم، في: باب القدر المستحب من الماء في الجنابة وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 256، 257. وأبو داود، في: باب الوضوء بفضل =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن كثُر الواقِعُ فيه وتَفاحَشَ، مَنَع، في إحْدَى الرِّوايتَين. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كان الأكْثَرُ المُسْتَعْملَ، مَنَع، وإلَّا فلا. وقال ابنُ عَقِيل: إن كان الواقِعُ بحيثُ لو كان خَلًّا غَيَّرَ الماءَ، مَنَع، وإلَّا فلا. وما ذكَرْنا من الخَبرِ وظاهرِ حالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَمْنَع مِن اعْتبارِه بالْخَلِّ، لسُرْعةِ نُفُوذِه وسِرايَتِه، فيُوثِّرُ قليلُه في الماءِ، والحديثُ دَلَّ على العَفْو عن الْيَسِيرِ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، فما عُدَّ كثيرًا، مَنَع (¬1)، وإلَّا فلا. وإن شَكَّ في كَثْرَتِه، لم يَمْنَعْ، عَمَلًا بالأصْلِ. فصل: فإن كان معه ماءٌ لا يَكْفِيه لطَهارته، فكَمَّلَه بمائِعٍ آخَرَ لم يغَيَره؛ جاز الوُضُوءُ به، فىَ إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرِ الماءَ، فلم يَمْنَعْ؛ لو كان الماءُ قَدْرًا يَكْفِيه لطَهارته. والثانية: لا يجُوزُ؛ لأنَّا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ غَسْلِ بعضِ أعْضائِه بالمائِعِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ المائِعَ اسْتُهلِكَ في الماءِ، فسَقَطَ حُكْمُه، أشْبَهَ ما لو كان الماءُ يَكْفِيه لطَهارتِه، فزادَه مائِعًا آخَرَ، وتَوَضَّأ منه، وبَقِي قَدْرُ المائِعِ. ¬

= المرأة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 18، والنسائي، في: باب الرخصة في الاغتسال بفضل الجنب، من كتاب الطهارة، وفي: باب اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد، وباب الرخصة في ذلك، من كتاب الغسل والتيمم. المجتبى 1/ 108، 166. وابن ماجه، في: باب الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 133. (¬1) سقط من: الأصل.

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، مَاء طَاهرٌ غَيرُ مُطَهِّرٍ، وَهُوَ مَا خَالطَهُ طَاهِرٌ، فغَيَّرَ اسْمَهُ، أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ، أَوْ طُبِخَ فِيهِ، فَغَيَّرَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال الشيخُ، رحمه الله: (القِسْمُ الثَّانِي، ماءٌ طاهِرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو ما خالطَهُ طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَه، أو غَلَب على أجْزائِه، أو طُبِخَ فيه فغَيَّرَه (1)). وجُمْلَتُه أَنَّ كلَّ ماءٍ خالطَه طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَهْ حتَّى صار صِبْغًا، أو خَلًّا، أو غَلَبَ على أجْزائِه فصَيَّرَه حِبْرًا، أو طُبِخَ فيه فصار يُسَمَّى (¬1) مَرَقًا، وتَغَيَّر بذلك، فهذِه (¬2) الأنْواعُ الثَّلاثةُ لا يَجُوزُ الغُسْلُ ولا الوُضُوءُ بها، لا نَعْلَمُ فيهِ خلافًا، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن أصحابِ الشافعيِّ وَجْهٌ في ماءِ الباقِلَّا المَغْلِيّ، أنَّه يجُوزُ الوُضُوءُ به، وحُكِىَ عن ابنِ أبي لَيلَى (¬3) والأصَمِّ (¬4)، جوازُ (¬5) الوضوءِ والغُسْلِ بالمِياهِ المُعْتَصَرَةِ. وسائِرُ أهلِ العِلْمِ على خلافِهم، لأنَّ الطهارةَ إنَّما تجُوزُ بالماءِ، لقولِه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (¬6). وهذا لا يَقَعُ عليه اسمُ الماءِ. ¬

(¬1) سقطت من: «م». (¬2) بياض في: م. (¬3) أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، مفتى الكوفة وقاضيها، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. سير أعلام النبلاء 6/ 310 - 316. (¬4) أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف الأصم النيسابوري، المحدث، مستد العصر، المتوفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 15/ 452 - 460. (¬5) في م: «أنَّه يجوز». (¬6) سورة المائدة 6.

9 - مسألة: (فإن غير أحد أوصافه، لونه أو طعمه أو ريحه)

فَإِنْ غَيَّرَ أحَدَ أَوْصَافِهِ؛ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 9 - مسألة: (فإن غَيَّرَ أَحَدَ أوْصافه، لَوْنَه أو طَعْمَه أو رِيحَه) ففيه رِوايَتان إحْداهما: أنَّه غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ (¬1)، واخْتِيارُ القاضي، قال: وهي المَنْصُورَةُ عندَ أصحابِنا؛ لأنَّه ماءٌ تَغَيَّر بمُخالطَةِ ما ليس بطَهُورٍ يُمْكِنُ الاحْتِرازُ عنه، أشْبَهَ ماءَ الباقِلَّا المَغْلِيَّ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ أصحابَنا لا يُفرِّقُون بينَ المَذْرُورِ كالزَّعْفَرانِ والأُشْنانِ (¬2)، وبينَ الحُبُوبِ مِن الباقِلّا والحِمَّصِ، والثَّمَرِ؛ كالتَّمْرِ (¬3) والزَّبِيبِ، والوَرَقِ ونَحْوه. وقال الشَّافعيَّةُ: ما كان مَذْرُورًا مَنَعَ إذا غَيَّر، وما عَداه لا يَمْنَعُ، إلَّا أن يَنْحَلَّ في الماء، فإن غَيَّر ولم يَنْحَلَّ لم يَسْلُبِ الطَّهُورِيَّة، كما لو تَغَيَّر بالكافُورِ. ووافَقَهُم أصحابُنا في الخَشَبِ والعِيدانِ، [وخالفُوهم في سائِرِ ما] (¬4) ذَكَرْنا، لأنَّ تَغَيُّرَ الماءِ به إنَّما كان لانْفِصالِ (¬5) أجْزاءٍ منه، وانْحِلالِها فيه، فوَجَبَ أن يَمْنَعَ كالمَذْرُورِ، وكما لو أُغْلِيَ فيه. ¬

(¬1) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي المروزي، ابن راهويه، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 109، سير أعلام النبلاء 1/ 358 - 383. (¬2) الاثنان، والاثنان من الحمض معروف، الَّذي يغسل به الأيدي. اللسان. (¬3) ساقطة من: الأصل. (¬4) في ا: «وخالفوا فيما». (¬5) في ا: «لاتصال».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا في التِّغْيِيرِ بينَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ والرَّائِحَةِ، بل سَوَّوْا بينَهم، قياسًا لبَعْضِها على بعضٍ، وشَرَط الخِرَقِيُّ (¬1) الكَثْرَةَ في الرّائحةِ دونَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ؛ لسُرْعَةِ سِرايَتِها، ونُفُوذِها، ولكَوْنِها تَحْصُل تارَةً عن مُجاوَرَةٍ، وتارةً عن مُخالطَةٍ، فاعْتُبِرَتِ الكَثْرَةُ ليُعْلَمَ أنَّها عن مُخالطَةٍ. والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّه باقٍ على طَهُورِيَّتِه، نَقَلَه عن أحمدَ جماعةٌ مِن أصْحابه (¬2)؛ أبو الحارِث (¬3)، والمَيمُونِيُّ (¬4)، وإسحاقُ بنُ منصورٍ، وهو ¬

(¬1) عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، أبو القاسم. صاحب «المختصر» المشهور في المذهب، وكان علامة ذا دين وورع. توفي بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة 2/ 75 - 118؛ تاريخ بغداد 11/ 234، المنتظم 6/ 346. وانظر: المغني، لابن قدامة 1/ 6، 7. (¬2) في م: «أصحابنا». (¬3) أبو الحارث أحمد بن محمد الصائغ، روى عن الإِمام أحمد مسائل كثيرة، بضعة عشر جزءًا، وجوَّد الرواية عنه. طبقات الحنابلة 1/ 4، 75. (¬4) أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي، كان إماما جليل القدر، صحب الإِمام أحمد من سنة خمس ومائتين إلي سنة سبع وعشرين، وعنده عنه مسائل في ستة عشر جزءًا، وتوفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 212 - 216، العبر 2/ 35.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، لأنَّ الله تعالى قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (¬1). وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ؛ لأنَّه نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْىِ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْي تَعُمُّ (¬2)، فلا يَجوزُ التَّيَمُّمُ مع وُجودِه، وكذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» (¬3). [وهذا ماءٌ؛ لأنَّه لم يَسْلُبْه اسمَه] (¬4)، ولا رِقَّتَه، ولا جَرَيانَه، أشْبَهَ المُتَغَيَّرَ بالدُّهْنِ، فإن تَغَيَّر وَصْفان من أوْصافِه أو ثلاثةٌ، وبَقِيَتْ رقَّتُه وجَرَيانُه، فذَكَر القاضي أيضًا فيه رِوايتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ الوضوءُ به؛ لما ذكرْنا، [فأشْبَهَ المُتَغَيِّرَ بالمُجاوَرَةِ] (¬5)، ولأنَّ الصَّحابةَ، رضي الله عنهم، كانوا يُسافرون وغالِبُ أسْقِيَتَهم الأَدَمُ (¬6)، وهي تُغَيِّرُ أوْصافَ الماءِ عادَةً، ولم يكونُوا يَتَيَمَّمُون معها. والثانيةُ، لا يجوزُ، لأنَّه غَلَب على الماءِ، أشْبَهَ ما لو زال (¬7) ¬

(¬1) سورة المائدة 6. (¬2) في م: «تفيد العموم». (¬3) أخرجه السيوطي في الجامع الكبير 2/ 641 بلفظ قريب مما هنا في قصة طويلة، من حديث أبي ذر، وفيه: «الصعيد الطيب كاف ما لم تجد الماء». (¬4) في م: «وهذا ماء ولأنه ماء لم يسلبه اسمه». (¬5) سقط من: الأصل. (¬6) بفتحتين، وبضمتين. (¬7) في الأصل: «أزال».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اسمُه أو طبِخ فيه، وقال ابنُ أبي مُوسى، في الَّذي تَغَيَّرَتْ إحدى صِفاتِه بطاهرٍ: يجوزُ التَّوَضُّؤُ به عند عَدَمِ الماءِ المُطْلَقِ في إحدى الرِّوايتَين، ولا يجوزُ مع وُجودِه.

10 - مسألة، قال: (أو استعمل في رفع حدث، أو طهارة مشروعة، كالتجديد، وغسل الجمعة)

أَو اسْتُعْمِلَ في رَفْعِ حَدَثٍ، أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ، كَالتَّجْدِيدِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ 10 - مسألة، قال: (أو استُعمِلَ في رفْعِ حَدَثٍ، أو طَهارةٍ مَشرْوعةٍ، كالتَّجْديدِ، وغُسْلِ الجمعةِ) اخْتَلَفَ المذهبُ في المُنْفَصِلِ مِن المُتَوَضِّئ عن الحَدَثِ، والمُغْتَسِلِ مِنَ الجَنابَةِ، فرُوىَ أنَّه طاهرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو المشهورُ مِن مذهبِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، وإحدى الرِّوايتَين

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن مالك، لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». رَواه أبو داود (¬1). ولَوْلا أنَّه يُفِيد مَنْعًا لم يَنهَ عنه، ولأنّه أزال به مانِعًا مِن الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو غَسَل به النَّجاسَةَ والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه مُطَهِّرٌ، وهو قولُ الحسنِ (¬2)، وعَطاءٍ (¬3)، ¬

(¬1) في: باب البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17، وأخرجه أيضًا البخاري، في: باب الماء الدائم، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 69. والنسائي، في: باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وباب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه، من كتاب الطهارة، وباب ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، من كتاب الغسل والتيمم. المجتبى 1/ 103، 104، 162. والإمام أحمد، في المسند 2/ 433. وبنحوه أخرجه مسلم، في: باب النهي عن البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 235، والترمذي، في: باب كراهية البول في الماء الراكد، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 86. والنسائي، في: باب الماء الدائم، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 44. وابن ماجة، في: باب النهي عن البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة 1/ 124. والدارمي، في: باب الوضوء من الماء الراكد، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 186. والإمام أحمد، في المسند 2/ 259، 265، 288، 316، 346، 362، 394، 464، 295، 3/ 341، 350. (¬2) أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، العالم العابد الناسك، توفي سنة عشر ومائة. سير أعلام النبلاء 4/ 563 - 588. (¬3) أبو محمد عطاء بن أبي رباح، من فقهاء التابعين بمكة، من أجلائهم، توفي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة. طبقات الفقهاء 69، العبر 1/ 141، 142.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والنَّخَعِيِّ (¬1)، وأهلِ الظّاهِرِ، والرِّوايةُ الأُخْرى عن مالكٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ، وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ. ويُرْوَى عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، في مَن نَسِيَ مَسْحَ رأْسِه، إذا وَجَد بَلَلًا في لِحْيَيه أجْزَأَه أن يَمْسَحَ رَأْسَه بذلك البَللِ، ولما (¬2) رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الْمَاءُ لا يُجْنِبُ» (¬3). وأنَّه - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَل مِن الجَنابةِ، فرأى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ، فعَصَر شَعَرَه عليها. رَواهما الإِمامُ أحمدُ (¬4)، ولأنَّه ماءٌ طاهِرٌ غَسَل به عُضوًا طاهِرًا، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّد به أو غَسَل به الثَّوْبَ، أو نقوَل: أدَّى به فَرْضًا، فجاز أن يُؤدِّيَ به غيرَه كالثَّوْبِ يُصَلِّي فيه مِرارًا. وقال أبو يوسفَ (¬5): هو نَجِسٌ. وهو رِوايةٌ عن أبي حنيفةَ، وذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ قولًا لأحمدَ، لأنَّ ¬

(¬1) أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، فقيه العراق، توفي سنة ست وتسعين. طبقات الفقهاء، للشيرازي 82. وقال الذهبي: توفي سنة خمس وتسعين. العبر 1/ 113. (¬2) سقطت الواو من: م. (¬3) أخرجه أبو داود، في باب الماء لا يجنب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17. والترمذي، في: باب الرخصة في فضل طهور المرأة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 82. وابن ماجة، في: باب الرخصة بفضل طهور المرأة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 132. (¬4) الأول في: المسند 6/ 330. والثاني في: المسند 1/ 243. (¬5) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري صاحب الإمام أبي حنيفة، كان إليه تولية القضاة في الآفاق من الشرق إلى الغرب في زمانه، وتوفي ببغداد سنة اثنتين وثمانين ومائة. الجواهر المضية 3/ 611 - 613.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنِ الغُسْلِ. في الماءِ الرّاكِدِ، كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه، فاقْتَضَى أنَّ الغُسْلَ فيه كالبَوْلِ، وكما لو غُسِلَ به نجاسةٌ، ولأنَّه يُسَمَّى طهارةً، والطهارةُ لا تُعْقَلُ إلَّا عن نجاسةٍ، لأنَّ تَطْهِيرَ الطاهرِ مُحال، ووَجْهُ طهارتِه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَبَّ على جابرٍ مِن وَضُوئِه، إذ كان مريضًا. وكان إذا تَوَضَّأَ يكادُون يَقْتَتِلُون على وَضُوئِه. رواهُما البخاري (¬1). ولو كان نَجِسًا لم يَجُزْ فِعْلُ ذلك. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه ونِساءَه كانوا يَغْتَسِلُون مِن الجِفانِ، ويَتوضَّئُونَ مِن الأقْداحِ، ومِثْلُ هذا لا يَسْلَم مِن رَشاشٍ يَقَعُ في الماءِ مِن الْمُسْتَعْمَل، ولو كان نَجِسًا لتَنَجَّسَ به الماءُ، ولأنَّه ماءٌ طاهرٌ لاقَى عُضوًا طاهرًا، أشْبَهَ ما لو تُبُرِّد به، والدَّلِيلُ على طهارة أعضاءِ المُحْدِثِ ¬

(¬1) في: باب استعمال فضل وضوء الناس، من كتاب الطهارة، وباب الشروط في الجهاد، من كتاب الشروط، وباب وضوء العائد للمريض، من كتاب المرضى. صحيح البخاري 1/ 95، 3/ 254، 7/ 157. والإمام أحمد في المسند 4/ 329، 330.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ». مُتَّفَقٌ - صلى الله عليه وسلم - (¬1). ولأنَّه لو مَسَّ شيئًا رَطْبًا لم يُنَجِّسْه، ولو حمَلَه مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صلاتُه. وقولُهم: إنَّه نَهَى عن الغُسْلِ فِيهِ كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه. قلنا: يكْفِي اشْتِراكُهما في أصلِ المَنْعِ مِن التَّطْهِيرِ (¬2) به، ولا يَلْزَمُ اشتراكُهما في التَّنْجِيسِ (¬3)، وإنَّما سُمِّيَ الوُضوءُ والغُسْلُ طهارةً لكَوْنِه يُطَهِّرُ مِن الذُّنُوبِ والآثامِ، كما جاء في الأخْبارِ، لما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، وجميعُ الأحْداثِ سَواءٌ فيما ذكرْنا، الغُسلُ، والوُضوءٌ، والحيضُ، والنِّفاس. وكذلك المُنْفَصِلُ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس، وباب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 79، 80. ومسلم، في: باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 282. وأبو داود، في: باب في الجنب يصافح، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 52.والترمذي، في: باب ما جاء في مصافحة الجنب، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 184، 185، والنسائي، في: باب مماسة الجنب ومجالسته، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 119، وابن ماجة، في: باب مصافحة الجنب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 178. والإمام أحمد، في المسند 2/ 235، 382، 471، 5/ 384، 402. (¬2) في م: «التطهر». (¬3) في م: «التنجس».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن غَسْلِ الميِّتِ إذا قُلْنا بطهارتِه، فأما المُنْفَصِلُ مِن غُسْلِ الذِّمِّيَّة مِن الحيضِ، فرُوىَ أنَّه مُطَهِّرٌ؛ لأنّه لم يُزِلْ مانِعًا مِن الصلاةَ، أشْبَهَ التَّبَرُّدَ (¬1)، ورُوىَ أنّه غيرُ مُطَهِّرٍ، لأنّه زال به المانِعُ مِن وَطْءِ الزَّوجِ، فأمَّا ما اغْتَسَلتْ به مِن الجنابةِ فهو مُطَهِّرٌ وَجْهًا واحدًا، لأنه لم يُؤثِّرْ شيئًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُمْنَعَ اسْتعمالُه كالمُسْلِمَةِ قبلَها (¬2). فصل: فأمّا المُسْتَعْمَلُ في طهارةٍ مَشْرُوعةٍ، كالتَّجْدِيدِ، وغُسْلِ الجُمعةِ، والإِحْرامِ، وسائرِ الاغْتِسالاتِ المُسْتحَبَّةِ، والغَسْلَةِ الثانيةِ والثالثةِ، في الوُضُوءِ (¬3)، ففيه روايتان: أظْهَرُهما طَهُورِيَّته، لأنّه لمْ يَرْفَعْ حَدَثًا، ولم يُزِلْ نَجَسًا، أشْبَهَ التَّبَرُّدَ. والثانيةُ، تُسْلَبُ طَهوريَّتُه، لأنَّه اسْتُعْمِل في طهارةٍ مشروعةٍ، أشْبَهَ المُسْتَعْمَلَ في رَفْعِ الحَدَثِ، فإنْ لم تَكُن الطهارةُ مشروعة لم يُؤثِّرْ في إناءِ اسْتِعْمالُه فيها شيئًا، كالتَّبَرُّدَ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في المُستعمَلِ في التبردِ والتَّنْظِيفِ، لأنه باقٍ على إطْلاقِه. ¬

(¬1) في م: «المتبرد». (¬2) سقط من: «م». (¬3) في م: «والوضوء».

11 - مسألة؛ قال: (أو غمس فيه يده قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثا، فهل يسلبه طهوريته؟ على روايتين)

أَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يُسْلَبُ طَهُورِيَّتَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 11 - مسألة؛ قال: (أو غَمَس فيه يدَه قائمٌ مِن نومِ اللَّيلِ قبلَ غَسْلِها ثلاثًا، فهل يَسْلُبُه طَهُورِيَّتَه؟ على روايتَينِ) المرادُ باليدِ ها هنا اليَدُ إلى الكُوعِ، لما نَذْكُره في التَّيَمُّمِ، فمتى غَمَس القائمُ مِن نومِ اللَّيلِ يَدَه في الماءِ اليسيرِ قبلَ غَسْلِها ثلاثًا، ففيه روايتان: إحداهما، لا يُسْلَبُ الطَّهورِيَّةَ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ الله تعالى، لأنَّ الماءَ قبلَ الغَمْسِ كمان طَهُورًا، فيَبْقَى على الأصْلِ، ونَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن غَمْسِ اليَدِ إنْ (¬1) كان لِوَهْمِ النَّجاسَةِ، فالوهمُ لا يُزِيلُ الطَّهوريَّةَ، كما لم يُزِلِ الطهارةَ، وإنْ كان تَعَبُّدًا اقْتَصَر على مَوْرِدِ النَّصِّ، وهو مَشْرُوعِيَّةُ الغُسْلِ. والروايةُ الثانيةُ، أنْ يُسْلَبَ الطَّهُوريَّةَ، لقَولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُمْ مِن نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهَا الإِنَاءَ ثلَاثّا، فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ». رَواه مسلمٌ، ورَواه البُخارِيّ، ولم يَذْكُر «ثلاثًا» (¬2). فلولا أنَّه ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الاستجمار وترا، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 52. ومسلم، في: باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا ثلاثًا، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تُفِيدُ منعًا لم يَنْهَ عنه ظاهرًا، وعلى [قِياسِه المُستعمَلُ في غَسْلِ الذَّكَرِ والأُنثيَينِ مِن المَذْي؛ لكَوْنِه في مَعْناه. ورُويَ عن أحمدَ روايةٌ ثالثةٌ، أنَّه] (¬1) قال: أحَبُّ إليَّ أن يُرِيقَه إذا غَمَس يَدَه فيه. وهو قولُ الحسنِ؛ ¬

= من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 233. وأبو داود، في: باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 23، 24. والترمذي، في: باب إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتَّى يغسلها، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 41، 42. والنسائي، في: باب تأويل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا}، وباب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة، وباب الأمر بالوضوء من النوم، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 12، 83، 176. وابن ماجة، في: باب الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 138، 139. والدارمي، في: باب إذا استيقظ أحدكم من منامه، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 196. والإمام مالك، في: باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 21. والإمام أحمد، في المسند 2/ 241، 253، 259، 265، 284، 316، 348، 382، 403، 455، 465، 471، 500، 507. (¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وذلك لما روَى أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ (¬1) عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فإنْ أَدْخَلَهُمَا قَبْلَ الغَسْلِ أَراقَ الماءَ» (¬2). فيَحْتَمِلُ وجوبَ إراقَتِه، فلا يجوزُ استعمالُه، لأنَّه مَأمُورٌ بإراقَتِه، أشْبَهَ الخَمْرَ، ويَحتملُ أن لا تَجِبَ إراقَتُه، ويكونُ طاهرًا غيرَ مُطَهِّرٍ كالمُستعمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ. والأوَّل اخْتيارُ ابنِ عَقِيلٍ، [وهو قَوْلُ الحسنِ. والذي يَقْتضِيه القياسُ، أَنَّا إن قُلْنا: إنَّ غَسْلَهما واجبٌ، فهو كالمُستعمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، وإن قُلنا باسْتحبابِه، فهو كالمُستعمَلِ في طهارةٍ مَسنُونَةٍ، وقد ذَكَرْناه] (¬3). وهل يكون غَمْسُ بعضِ اليدِ كغَمْسِ الجميعِ؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، لا ¬

(¬1) هو أبو حفص عمر بن إبراهيم بن عبد الله العكبرى الحنبلي، يعرف بابن المسلم، معرفته بالمذهب المعرفة العالية، وله التصانيف السائرة، توفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة 2/ 163 - 166. (¬2) روى هذه الزيادة ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 2372، وقال: منكر لا يحفظ. (¬3) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَكُون، وهو قولُ الحسنِ، لأنَّ الحديثَ وَرَد في غَمْسِ جميعِ اليدِ، وهو تَعَبُّدٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْن الشيءِ مانِعًا كَوْنُ بَعْضِه مانعًا، كما لا يلزمُ مِن كونِ الشيءِ سَبَبًا كونُ بَعْضِهِ سببًا، واللهُ أعلمُ. والثاني، حُكْمُ البَعْضِ حُكْمُ الكلِّ، لأنَّ ما تَعَلَّق المَنْعُ بجمِيعِه تعلقَ ببعضِه، كالحَدَثِ والنجاسةِ، وغَمْسُها بعدَ غَسْلِها دُونَ الثلاثِ كغمسِها قبلَ غسلِها، سَبَبًا لبَقاء النَّهْي.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ يَدِ النائِمِ مُطْلَقَةً، أو مَشْدُودَةً في جِرابٍ، أو مَكْتُوفًا؛ لعُمُومِ الأخبارِ، ولأنَّ الحُكْمَ إِذَا عُلِّق على المَظِنَّةِ لم يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الحِكْمةِ، كالعِدَّةِ الواجِبَةِ لاسْتِبْراءِ الرَّحِمِ في حَقِّ الصَّغِيرَةِ والآيِسَةِ، ورُبَّما تكونُ يَدُه نَجِسَةً قبلَ نَوْمِه، فَيَنْسَى نَجاسَتَها لطُولِ نَومِه، على أنَّ الظاهِرَ عندَ مَن أَوجَب الغَسْلَ أنَّه تَعَبُّدٌ، لا لعِلَّةِ التَّنْجِيسِ، ولهذا لم نَحْكُمْ بنَجاسةِ اليَدِ، فَيعُمُّ الوُجُوبُ كلَّ مَن تَناوَلَه الخَبَرُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجِبُ الغَسْلُ إذا كَان مَكْتُوفًا، أو كانت يدُه في جِرابٍ؛ لزَوالِ احْتِمالِ النَّجاسةِ الَّذي لأجْلِه شُرِعَ الغَسْلُ. والأولُ أَولَى؛ لما ذَكَرْنا. ولا يَجِبُ غَسْلُ اليَدِ عندَ القيامِ مِن نَوْم النَّهارِ، رِوايةً واحدةً. وَسَوَّى الحسنُ بينَ نَوْم الليلِ والنَّهارِ. ولَنا، أَنَّ في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على تَخْصِيصِه بنومِ اللَّيلِ، وهو قَوْلُه: «فإنَّ أحدَكُمْ لا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ». والمَبِيتُ يكونُ في اللَّيلِ خاصَّةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ نومِ النهارِ على نومِ اللَّيلِ؛ لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ الغَسْلَ وَجَب تَعَبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه. الثاني، أنَّ نومَ الليلِ يَطُولُ، فيكُونُ احْتِمالُ إصابةِ يَدِه للنَّجاسةِ فيه أكثَرَ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: واخْتَلَفُوا في النَّوْم الَّذي يَتَعَلَّقُ به هذا الحُكْمُ، فَذَكَر القاضي أنَّه النومُ الَّذي يَنْقضُ الوُضوءَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو ما زادَ على نِصْفِ اللَّيلِ، لأنه لا يكونُ بائِتًا إلَّا بذلك، بدَلِيلِ أنَّ مَن دَفَع مِن مُزْدَلِقَةَ قبلَ نصفِ الليلِ فعَلَيه دَمٌ، بخِلَافِ مَن دَفَع بعدَه. وما قاله يَبْطُل بمَن وافاها بعدَ نصفِ الليلِ، فإنَّه لا يَجِبُ عليه دَم، مع كَوْنِه أقَلَّ مِن نصْف الليلِ. وتَجِبُ النِّيَّةُ للغَسْلِ في أَحَدِ الوَجْهَين عندَ مَن أوْجَبَه لأنَّه طهارَةُ تعَبُّدٍ، أشْبَهَ الوُضوءَ والغُسْلَ. والثاني، لا يَفْتَقِرُ، لأنَّه عُلِّل بوَهْمِ النَّجاسةِ، ولا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تُعْتَبَرُ في حَقِيقَتِها النِّيَّةُ، فالوَهْمُ أَوْلَى. ولأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به وهو الغَسْلُ، وفِعْل المأمُورِ به يَقْتَضِي الإِجْزاءَ، ولا يَفْتَقِرُ الغَسْلُ إلى تَسْمِيَةٍ. وقال أبو الخَطّاب: يَفْتَقِرُ، قِياسًا على الوُضوءِ. وهو بَعِيدٌ، لأنَّ التَّسْمِيةَ إن وَجَبَتْ في الوُضوءِ وجبتْ تَعَبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه، لأنَّ مِن شَرْط صِحَّةِ القِياسِ كَوْنَ المَعْنَى معقولًا، يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ. والله أعلمُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في غَسْلِ اليَدَينِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُحِبُّ التَيّمَّنَ في طُهُورِه، وفي شأنِه كلِّه (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب التيمن في الوضوء والغسل، من كتاب الوضوء، وفي: باب التيمن في دخول المسجد وغيره، من كتاب الصلاة، وفي: باب التيمن في الأكل وغيره، من كتاب الأطعمة، وفي: باب يبدأ النعل باليمنى، وباب الترجيل، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 1/ 35، 116، 7/ 89، 198، 199، 211. ومسلم، في: باب التيمن في الطهور وغيره، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 226. وأبو داود، في باب في الانتعال، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 390. والترمذي، في: باب ما يستحب من التيمن في الطهور، من أبواب الجمعة وما يليه من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 3/ 86. والنسائي، في: باب بأي الرجلين يبدأ بالغسل، وباب التيمن في الطهور، من كتاب الطهارة، وفي: باب التيامن في الترجل، من كتاب الزينة. المجتبى 1/ 67، 168، 8/ 161. وابن ماجة، في: باب التيمن في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 141. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 94، 130، 147، 187، 188، 202، 210.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان القائمُ مِن نَوْمِ الليلِ صَبِيًّا أو مَجْنُونًا أو كافرًا، ففيه وَجْهان، أحدُهما، هو كالمُسْلِمِ البالِغِ العاقِلِ، لأنه لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يَدُه. والثاني، لا يُؤثِّرُ، لأنَّ الغَسْلَ وَجَب بالخِطابِ تَعَبُّدًا، ولا خِطابَ في حَقِّ هؤلاءِ، ولا تَعَبُّدَ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا وَجَدَ ماءً قَلِيلًا، وَيَداه نَجِسَتان وليس معه ما يَغْتَرِفُ به، فإن أمْكَنَه أنْ يَأْخُذَ بفِيه ويَصُبَّ على يَدَيه، أو يَغْمِسَ خِرْقَةً أو غيرَها ويَصُبَّ على يَدَيه، فَعَلَ. وإن لم يُمْكِنْه، تَيَمَّمَ؛ كَيلَا يَنْجُسَ الماءُ ويَتَنَجَّسَ به. فإن كان لم يَغْسِلْ يَدَيه مِن نومِ الليلِ، فمَن قال: إنَّ غَمْسَهما لا يُؤَثِّر. قال: يَتوضَّأُ. وَمَنْ جعلَه مُؤثِّرًا، قال: يَتَوضَّأُ ويَتيمَّمُ معه. ولو اسْتَيقَظ المَحْبُوسُ مِن نَوْمِه فلم يَدْرِ؛ أَهو مِن نومِ النهارِ أو الليلِ، لم يَلْزَمْه غَسْلُ يَدَيه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدئم الوجْوبِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن تَوَضَّأ القائِمُ مِن نومِ الليلِ مِن ماءٍ كَثِيرٍ، أو اغْتَسَل منه بغَمْسِ أعْضائِه فيه، ولم يَنْو غَسْلَ اليَدِ مِن نومِ الليل، فعندَ مَن أوْجَب النِّيَّةَ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُه، ولا يُجْزِئُه مِن غَسْلِ اليدِ مِنَ النومِ، لأنَّه لم يَنْوه، لأنَّ غَسْلَها إمّا أنَّه وَجَب تَعَبُّدًا أو لوَهْمِ النَّجاسةِ، وبَقاءُ النَّجاسةِ على العُضْو لا تَمْنَعُه مِن ارْتِفاعِ الحَدَثِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو غَسَل يَدَه أو أنْفَه في الوُضوءِ، وهو نَجسٌ، لارْتَفَع حَدَثُه. وكذلك بَقاءُ حدثٍ لا يَمْنَعُ مِن ارْتِفاعِ حدثٍ آَخَرَ، بِدَليلِ ما لو تَوضَّأ الجُنُبُ يَنْوى رَفْعَ الحدثِ الأصْغَرِ، أو اغْتَسَل يَنْوي الطهارةَ (¬1) الكُبْرَى وَحْدَها، فإنَّه يَرْتَفِعُ أحَدُ الحَدَثَينِ دُونَ الآخَرِ، وهذا لا يَخْرُجُ عن شَبَهِه بأحدِ الأَمْرَينِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا انْغَمَس الجُنُبُ أو المُحْدِثُ في ماءٍ دونَ القُلَّتَين يَنْوى رَفْعَ الحَدَثِ صار مُسْتعمَلًا، ولم يَرْتَفِعْ حَدَثُه. وقال الشافعىُّ: يصير مُسْتعَملًا ويَرتفعُ حدَثُه؛ لأنّه إنّما يصيرُ مستعمَلًا بارتفاعِ حدَثِه فيه. ولَنا، قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (¬1). والنَّهْيُ يَقْتَضِى فسادَ المَنْهيِّ عنه، ولأنَّه بأوَّلِ جزءٍ انْفَصَل عنه صار مُسْتعمَلًا، فلم يَرتَفِع الحَدَثُ عن سائِرِ البَدَنِ، كما لو اغْتَسَل به شخصٌ آخَرُ. فإن كان الماءُ قُلَّتَين فصاعِدًا، ارْتفَعَ الحَدَثُ، والماءُ باقٍ على إطْلاقِه؛ لأنَّه لا يَحْمِلُ الخَبَثَ. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 236. والنسائي، في: باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 103. وابن ماجة، في: باب الجنب ينغمس في الماء الدائم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 198.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا اجْتَمَع ماءٌ مُسْتعمَلٌ إلى قُلَّتَين مُطَهِّرَتَين صار الكلُّ طَهُورًا، لأن المُسْتعمَلَ لو كان نَجِسًا لم يُوثِّرْ في القُلَّتَين، فالمستعمَلُ أَولَى. وإن انْضَمَّ إلى ما دونَ القُلَّتَين، فلم يَبْلُغ الجميعُ قُلَّتَين، فقد ذكَرْناه. وإن بَلَغ قلَّتَين باجْتِماعِه، فكذلك. ويَحْتمِلُ أن يَزُولَ المَنْعُ لحديثِ القُلَّتَين. وإنِ انْضَمَّ مُسْتعمَلٌ إلى مُسْتعمَلٍ وَلم يَبْلُغ القلَّتَين، فالجميعُ مُستعمَلٌ، وإن بَلَغ قُلَّتَين ففِيه احْتِمالان، لما ذَكَرْنا.

12 - مسألة؛ قال: (وإن أزيلت به النجاسة، فانفصل متغيرا، أو قبل زوالها، فهو نجس)

وَإنْ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا، أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 12 - مسألة؛ قال: (وإن أُزِيلَتْ به النَّجاسَةُ، فانفَصَلَ مُتغَيِّرًا، أو قبلَ زَوالِها، فهو نَجِسٌ) أمَّا إذا انْفَصَل مُتَغَيِّرًا بالنجاسةِ فلا خِلافَ في نجاسَتِه، وأما إذا انْفَصَل غيرَ مُتَغَيِّرٍ مع بقاءِ النَّجاسةِ، فهو مَبْنِيٌّ على تَنَجُّسِ الماءِ القليل لمُجَرَّدِ مُلاقاةِ النجاسةِ مِن غيرِ تَغْيِير، وسيَأتِي حُكْمُه، إن شاء اللهُ تعالى.

13 - مسألة؛ قال: (وإن انفصل غير متغير بعد زوالها، فهو طاهر)

وَإنِ انْفَصَلَ غَيرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا، فَهُوَ طَاهِرٌ إِنْ كانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 13 - مسألة؛ قال: (وإن انْفَصَلَ غير مُتغيِّرٍ بعدَ زَوالِها، فهو طاهرٌ) روايةً واحدةً (إن كان المَحَلُّ أرْضًا). وقال أبو بكرٍ: إنما يُحْكَمُ بطهارتِه إذا كانتْ قد نَشِفَتْ أعْيانُ البَوْلِ، فإن كانتْ أعْيانُها باقِيَةً (¬1)، فجَرَى الماءُ عليها، طَهَّرَها (¬2). وفي المُنْفَصِل رِوايتان، كغيرِ الأرضٍ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الأعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِن ماءٍ» مُتَّفقٌ ¬

(¬1) في م: «قائمة». (¬2) في م: «فطهرها».

14 - مسألة؛ قال: (وإن كان غير الأرض، فهو طاهر، في أصح الوجهين)

وَإنْ كانَ غَيرَ الْأَرْضِ، فَهُوَ طَاهِرٌ في أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَىَ وَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه (¬1). أَمَرَ بذلك لتَطْهِيرِ مكانِ البولِ، فلو كان المُنْفَصِلُ نَجسًا لكان تَكْثِيرًا للنَّجاسةِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ نِشافِه (¬2) وعَدَمِه، والظاهِرُ أنَّه إنّما أمَرَ عَقِيبَ البولَ. 14 - مسألة؛ قال: (وإن كان غَيرَ الأرْضِ، فهو طاهرٌ، في أصَحِّ الوَجهَين) وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه انْفَصَل عن مَحَلٍّ محْكُومٍ بطهارَتِه، أشْبَهَ المُنْفَصِلَ مِن الأرضِ. ولأنَّ المنفصلَ بعضُ المُتَّصِلِ، والمتصلُ طاهرٌ بالإِجماعِ، كذلك المنفصلُ. والوَجْهُ الثاني، أنَّه نَجِسٌ، وهو قوُل أبي حنيفَةَ، واخَتِيارُ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّه لاقَى نَجاسَةً، أشْبَهَ ما لو انْفَصَلَ قبل زوالِها، أو وَرَدَتْ عليه. (وهل يَكُونُ طَهُورًا؟ على وَجْهَين) بناءً على المُسْتَعْمَلِ في رَفْع الحَدَثِ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب يهريق الماء على البول، من كتاب الوضوء، وفي: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: يسروا ولا وتعسروا، من كتاب الأدب. صحيح البخاري 1/ 65، 8/ 37. ومسلم، في: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 236، 237. كما أخرجه أبو داود، في: باب الأرض يصيبها البول، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 90، 91. والترمذي، في: باب ما جاء في البول يصيب الأرض، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 243،، 244 والإمام مالك، في: باب ما جاء في البول قائمًا وغيره، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 64، 65. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 239، 282، 3/ 110، 111، 167. (¬2) كذا. وصوابه «نَشْفِه». والنِّشاف، بكسر النون جمع.

15 - مسألة؛ قال: (وإن خلت بالطهارة منه امرأة، فهو طهور)

وَإنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ مِنْهُ امْرَأَةٌ، فَهُوَ طَهُورٌ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 15 - مسألة؛ قال: (وإنْ خَلَتْ بالطَّهارةِ مِنْه امرأةٌ، فهو طَهورٌ) بالأصْلِ؛ لأنَّه يَجُوزُ لها أنْ تَتَوَضَّأ به، ولغيرِها مِنَ النِّساء، أشْبَهَ الَّذي لم تَخْلُ به (ولا يجوزُ للرجلِ الطهارةُ به، في ظاهرِ المذهبِ) لما رَوَى الحَكَمُ بنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ (¬1)، قال: نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَتوضَّأ الرجلُ بفَضْلِ ¬

(¬1) الحكم بن عمرو بن مجدع، الغفاري، أبو عمرو، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتَّى مات ثم نزل البصرة، وتوفي سنة خمس وأربعين للهجرة. الإصابة 1/ 107.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طَهُورِ المرأةِ. رَواه التِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ. قال أحمدُ: جماعةٌ كَرِهُوه، منهم عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، وعبدُ الله بنُ سَرْجِس (¬2)، وخَصَصْناه بالخَلْوَةِ، لقولِ عبدِ الله بن سَرْجِس: تَوَضَّأ أَنت ها هُنا، وهي ها هُنا، فأمّا إذا خَلَتْ به، فلا تَقْرَبَنَّه. ومعنى الخَلْوَةِ أن لا يُشاهِدَها إنْسانٌ تَخْرُجُ بحُضُورِه عن الخَلْوةِ في النِّكاحِ. وذكر القاضي أنَّها لا تَخرجُ عن الخلوةِ، ما لم يُشاهِدْها رجلٌ مُسلِمٌ. وذكر ابنُ عَقِيل في معنى الخلوةِ أن لا يُشارِكَها أحدٌ في الاسْتِعْمالِ. وفيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يجوزُ للرجلِ أن يَتَطَهَّرَ به، لما رَوَتْ مَيمُونَةُ، قال: أجْنَبْتُ، فاغْتَسَلْتُ مِن جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فيها فَضْلَةٌ، فجاءَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليَغْتَسِلَ منه، فقلتُ: إنِّي ¬

(¬1) في: باب في كراهية فضل طهور المرأة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 82. كما أخرجه أبو داود، في: باب النهي عن الوضوء بفضل المرأة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 19. والنسائي، في: باب النهي عن فضل وضوء المرأة، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 146. وابن ماجه، في: باب النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 132. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 213، 5/ 66. (¬2) عبد الله بن سرجس المزني، صحابي سكن البصرة، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة. تهذيب التهذيب 5/ 232، 233.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اغْتَسَلْتُ منه. فقال: «الماءُ لَيسَ عَلَيهِ جَنَابَةٌ». رواه أبو داودَ (¬1). والظاهرُ خُلُوُّها به؛ لأنَّ العادةَ أنّ الإِنسانَ يُفَضِّلُ (¬2) الخَلْوةَ في غُسْلِ الجَنابَةِ، وهذا أَقْيَسُ، إن شاءَ اللهُ تعالى. فإن خَلَتْ به في إزالةِ النَّجاسةِ، فقال ابنُ حامدٍ: فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما، جوازُ الوُضوءِ به؛ لأنَّ الأصْلَ الجوازُ. وإن خلتْ بالطَّهارةِ في بعضِ أعْضائِها، أو في تَجْدِيدِ طهارةٍ أو اسْتِنْجاءٍ (¬3)، ففيه وجهان، أحدُهما، المَنْعُ، قياسًا على الوُضوءِ. ¬

(¬1) في: باب الماء لا يجنب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17. كما أخرجه الترمذي، في: باب الرخصة في فضل طهور المرأة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 82. وابن ماجه، في: باب الرخصة بفضل طهور المرأة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 132. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 330. والدارقطني، في: باب استعمال الرجل فضل وضوء المرأة، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 52. (¬2) في م: «يقصد». (¬3) في م: «واستنجاء».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثاني، لا يَمْنَعُ؛ لأنّ الطهارةَ المُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلى طهارةِ الحَدَثِ الكامِلَةِ. فإن خلتْ به الذِّمِّيَّةُ في غُسْلِ الحَيضِ، ففيه وجهان، أحدُهما، المنعُ كالمُسْلِمَةِ؛ لأنَّها أدْنَى منها، وأبعدُ مِن الطَّهارَةِ، وقد تَعَلَّق به إباحَةُ وَطْئِها. والثاني، الجَوازُ؛ لأنّ طَهارَتَها لا تَصِحُّ، وكذلك النِّفاسُ والجَنابَةُ. وَيَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بين الحيضِ والنفاسِ، وبينَ الجنابةِ؛ لأن الجنابةَ لم تُفِدْ إباحَةً، ولم تَصبِحَّ، فهي كالتَبّرَّدِ، واللهُ أعلمُ، وإنَّما تُؤَثِّرُ خَلْوَتُها في الماءِ اليَسِيرِ؛ لأنّ النَّجاسَةَ لا تُوثر في الماء الكثيرِ، فهذا أوْلَى، ويجوزُ غَسْلُ النَّجاسَةِ به. وذَكَرَ القاضي وجهًا، أنَّه لا يجوزُ للرجلِ غَسْلُ النجاسةِ به؛ لأنّ ما لا يجوزُ الوُضُوءُ به، لا يجوزُ غَسْلُ النَّجاسةِ به، كالخَلِّ، ويُمْكِنُ القولُ بمُوجَبِه، فإنَّ هذا يجوزُ للمرأةِ الطهارةُ به.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويجوزُ للرجلِ والمرأةِ أن يَغْتَسِلا ويَتَوَضَّئَا مِن إناءٍ واحِدٍ، مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَغْتَسِلُ هو وزَوْجَتُه مِن إناءٍ واحِدٍ، يَغتَرِفان مِنه جَميعًا. رواه البُخارِيُّ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يجوزُ رَفْعُ الحَدَثِ إلا بالماءِ، ولا يَحْصُلُ بمائِعٍ سِواه، وبهذا قال مالك، والشافعيُّ. ورُوىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، وليس بثابِتٍ أنّه كان لا يَرَى بَأسًا بالوُضُوءِ بالنَّبِيذِ. وبه قال الحسنُ. وقال عِكْرِمَةُ (¬1): النَّبِيذُ وَضُوءُ مَن لم يَجِدِ الماءَ. وقال إسحاقُ: النَّبِيذُ حُلوًا أعجبُ لي مِن التَّيمُّمِ، وجَمْعُهما أحبُّ إليَّ. وعن أبي حنيفةَ كقولِ عكرمةَ، وقِيل عنه: يجوزُ الوُضُوءُ بنَبِيذِ التَّمْرِ، إذا طُبِخَ واشْتَدَّ عندَ عَدَمِ الماءِ في السَّفَرِ، لما رَوَى ابنُ مسعودٍ، أنَّه كان مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ الجِنِّ، فأرادَ أن يُصَلِّيَ صلاةَ الفَجْرِ، فقال: «أَمعَكَ وَضُوءٌ»؟ قال: لا، معي إدَاوَةٌ فيها نَبِيذٌ. فقال: «ثَمَرَةٌ طيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ» (¬2). ولَنا، قولُه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (¬3). أوْجَب الانْتِقال إلى ¬

(¬1) هو عكرمة مولى ابن عباس، وأصله من بربر، روى أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس. توفي سنة سبع ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 70. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الوضوء بالنبيذ، من كتاب الوضوء. سنن أبي داود 1/ 20. والترمذي، في: باب الوضوء من النبيذ، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 127. وابن ماجه، في: باب الوضوء بالنبيذ، من كتاب الوضوء. سنن ابن ماجه 1/ 135، 136. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 398، 402، 449، 450، 457، 458. (¬3) سورة المائدة 6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّيمُّمِ عندَ عدمِ الماءِ. ولأنّه لا يجوزُ الوُضُوءُ به في الحَضَرِ، ولا مع وجودِ الماءِ، فأشْبَهَ الخَلَّ والمَرَقَ. وحَدِيثُهم لا يَثْبُتُ؛ لأَنَّ راويَه أبو زَيدٍ، وهو مجهُولٌ عندَ أهلِ الحديثِ، لا يُعْرَفُ له غيرُ هذا الحديثِ، ولا يُعرفُ بصُحْبَةِ عبدِ الله. قاله التِّرْمِذِيُّ (¬1)، وابنُ المُنْذِرِ. ورَوَى مسلمٌ بإسْنادِه، عن عبدِ اللهِ بنِ مسمعودٍ، قال: لم أكُنْ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ الجِنِّ، ووَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ معه (¬2). فأمّا غيرُ النَّبِيذِ، فلا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا أنّه لا يجوزُ به وُضُوءٌ ولا غُسْلٌ غيرَ ما ذَكَرْناه في الماءِ المُعْتَصَرِ فيما مضى. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: باب الوضوء من النبيذ، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 128. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 332، 333.

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَاءٌ نَجسٌ، وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالطَةِ النَّجَاسَةِ، فإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر وَهُوَ يَسِيرٌ، فَهَلْ يَنْجُسُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال، رضي اللهُ عنه: (القسْمُ الثالثُ، ماءٌ نَجِسٌّ، وهو ما تَغَيَّر بمُخالطَةِ النَّجاسةِ) كلُّ ماءٍ تَغَيَّر بمُخالطَةِ النجاسةِ فهو نَجِسٌ بالإِجْماعِ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ. (فإن لم يَتَغَيَّر، وهو يَسِيرٌ فهل يَنْجُسُ؟ على رِوايَتَين)، إحداهما، يَنْجُسُ. وهو ظاهرُ المذهبِ، رُوىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، لما رَوَى ابنُ عُمَرَ، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُسْألُ عن الماءِ يكونُ بالفَلاةِ مِن الأرضِ، وما يَنُوبُه مِن الدَّوابِّ، والسِّباعِ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ [لم يُنَجِّسْه شَيءٌ». وفي رِوايةِ:] (¬1) «لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ». رَواه الإِمامُ أحَمدُ وأبو داودَ والتِّرمِذِيُّ (¬2). وتَحْدِيدُه القُلَّتَين يَدُلُّ على تَنْجِيسِ ما ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب ما ينجس من الماء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 15. والترمذي، في: باب من أن الماء لا ينجسه شيء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 85. والنسائي، في: باب التوقيت في الماء، من كتاب الطهارة، ومن كتاب المياه. المجتبى 1/ 42، 142. وابن ماجه، في: باب مقدار الماء الذي لا ينجس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 172. والإمام أحمد، في المسند 2/ 12، 38.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ دُونَهما، وإلَّا لِم يَكُنِ التَّحْدِيدُ مُفيدًا. وصحَّ نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - القائِمَ مِن نَوْمِ الليلِ عن غمْسِ يَدِه في الماءِ قبلَ غَسْلِها (¬1)، فدَلَّ على أنَّه يُفِيدُ منعًا. وأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بغَسْلِ الإِناءِ مِن وُلُوغَ الكلبِ، وإراقَةِ سُؤْرِه (¬2)، ولم يُفَرِّق بينَ ما تَغَيَّرَ وبينَ ما لم يَتَغَيَّرْ، مع أنَّ الظاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ. والروايةُ ¬

(¬1) تقدم في صفحة 66. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الماء الذي يغسل به شعر الإِنسان إلخ، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 54. ومسلم في: باب حكم ولوغ الكلب، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 234، 235. وأبو داود، في: باب الوضوء بسؤر الكلب، من كتاب الطهارة سنن أبي داود 1/ 17، 18. والترمذي، في: باب ما جاء في سؤر الكلب، من أبواب الطهارة عارضة الأحوذي 1/ 133. والنسائي، في: باب سؤر الكلب، وفي: باب الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ الكلب فيه، وفي: باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب، من كتاب الطهارة، وفي: باب سؤر الكلب، وفي: باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 46، 47، 144، 145. وابن ماجه، في: باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 130. والدارمي، في: باب في ولوغ الكلب، من كتاب الصلاة والطهارة. سنن الدارمي 1/ 188. والإمام مالك، في: باب جامع الوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 34. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 245، 253، 265، 271، 314، 360، 398، 424، 427، 460، 480، 482، 508، 86/ 4، 5/ 56.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثانيةُ: أنَّ الماءَ لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغَيّرِ، ورُوى ذلك عن حُذَيفَةَ، وأبي هريرةَ، وابنِ عبّاسِ، والحسنِ، وهو مذهبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ (¬1)، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوىَ أيضًا عن الشّافعيِّ، لما رَوَى أبو أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المَاءُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وطَعْمِهِ ولَوْنِهِ». رَواه ابنُ ماجَه (¬2)، والدَّارَقُطْنِيُّ (¬3). ورَوَى أبو سعيدٍ، قال: قِيل يا رسولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقَى فيها الحِيَض، ولحومُ الكِلابِ والنَّتْنُ. قال: «إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (¬4)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وصَحَّحَه الإِمامُ أحمدُ. ¬

(¬1) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، إمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه، توفي سنة إحدى وستين ومائة. سير أعلام النبلاء 7/ 229 - 279. (¬2) في: باب الحياض، من كتاب الطهارة وسننها. سنن ابن ماجه 1/ 174. (¬3) في سننه، باب الماء المتغير، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 28 - 30. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في بئر بضاعة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 16. والترمذي، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 83. والنسائي، في: ذكر بئر بضاعة، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 141، 142. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 15، 16، 31، 86.

16 - مسألة؛ قال: (وإن كان كثيرا، فهو طاهر)

وَإنْ كانَ كَثِيرًا، فَهُوَ طَاهِرٌ، إلا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا، أَوْ عَذِرَة مَائِعَةً، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا، لَا يَنْجُسُ، وَالأخْرَى يَنْجُسُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 16 - مسألة؛ قال: (وإن كان كثيرًا، فهو طاهرٌ) ما لم تكُنِ النَّجاسةُ بَوْلًا أو عَذِرَةً مائِعةً (¬1)، بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ، رُوى ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ (¬2). وهو قولُ الشافعيِّ. ورُوىَ عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا كان الماءُ ذَنُوبَين، لم يَحْمِلِ الخَبَثَ. وقال عِكْرِمَةُ: ذَنُوبًا، أو ذَنُوبَين. وذهب أبو حنيفةَ، وأصْحابُه إلى أنَّ الماءَ الكثيرَ يَتَنَجَّسُ بالنجاسةِ مِن غيرِ تَغَيُّرٍ (¬3)، إلَّا أنْ يَبْلُغَ حدًّا يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ النجاسةَ لا تَصِلُ ¬

(¬1) ساقطة من: «م». (¬2) في الأصل: «عمرو». (¬3) في م: «تغيير».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إليه، واخْتَلَفُوا في حَدِّه، فقال بعضُهم: ما إذا حُرِّك أحَدُ طَرَفَيه لم يَتَحَرَّكِ الآخَرُ. وقال بعضُهم: ما بَلَغ عَشَرَةَ أذْرُعٍ في مثلِها، وما دونَ ذلك قليلٌ، وإن بَلَغ ألفَ قُلَّةٍ، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِى لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). نَهَى عن ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب الماء الدائم، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 69. ومسلم، في: باب النهي عن البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 235. كما أخرجه أبو داود، في: باب البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17. والنسائي، في: باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وباب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال فيه، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 103، 104، 162. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 433.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الاغْتِسالِ مِن الماءِ الرَّاكِدِ بعدَ البَوْلِ فيه، ولم يُفَرِّقْ بينَ قليله وكَثيرِه. ولأنَّه ماءٌ حَلَّتْ فيه نجاسةٌ لا يُؤْمَنُ انْتِشارُها إليه، أشْبَهَ اليَسِيرَ. ولَنا، خَبَرُ القُلَّتَين، وبئرِ بُضاعةَ، اللَّذان ذكرْناهُما، معَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أُخْبِرَ أنَّ بِئرَ بُضاعةَ يُلْقَى فيه الحِيَضُ والنَّتَنَ ولحومُ الكلابِ، مع أنَّ بِئْرَ بُضاعَةَ لا يَبْلُغُ الحَدَّ الذي ذَكَرُوه. قال أبو داودَ: قَدَّرْتُ بئرَ بُضاعةَ فوجَدْتُها سِتَّةَ أذْرُع، وسألْتُ الذي فَتَح لي بابَ البُسْتانِ: هل غُيِّرَ بِناؤُها؟ قال: لا. وسألتُ قَيِّمَها عن عُمْقِها، فقلتُ: أكْثَرُ ما يكون فيها الماءُ؟ فقال: إلى العانَةِ. قلت: فإذا نَقَص. قال: دُونَ العَوْرَةِ. ولأنَّه ماءٌ يبلغُ القُلَّتَين، فأشْبَهَ الزائدَ على عشرةِ أذْرُعٍ، وحديثُهم عامٌّ، وحديثُنا خاصٌّ، فيَجِبُ تَخْصِيصُه به، وحديثُهم لابُدَّ مِن تَخْصِيصِه بما زادَ على الحدِّ الذي ذَكَرُوه، فيكونُ تخصيصُه بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى مِن تَخْصِيصِه بالرَّأْىِ والتَّحكُّمِ مِن غيرِ أصلٍ، ومَا ذكروه مِن الحَدِّ تقديرٌ مِن غيرِ تَوْقِيفٍ، ولا يُصارُ إليه بغيرِ نصٍّ ولا إجماعٍ، ثم إنَّ حديثَهم خاصٌّ في البَوْلِ، وهو قَوْلُنا في إحْدَى الرِّوايَتَين، جمعًا بين الحَدِيثَين، فَنَقْصُرُ الحُكْمَ على ما تناولَه النَّصُّ، وهو البولُ؛ لأنَّ له مِن التَّأْكِيدِ والانْتِشارِ ما ليس لغيرِه.

17 - مسألة؛ قال: (إلا أن تكون النجاسة بولا، أو عذرة مائعة، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا ينجس)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ 17 - مسألة؛ قال: (إلَّا أن تكونَ النَّجاسةُ بَوْلًا، أو عَذِرَةً مائِعةً، ففيه روايَتان؛ إحْداهما، لا يَنْجُسُ) وهو كسائِرِ النَّجاساتِ، وهو اختيارُ أبي الخَطّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، ومذهبُ الشافعيِّ، وأكثرِ أهلِ العلمِ، لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ». رَواه الإِمامُ أحمد (¬1). ولأنَّ نجاسةَ بَوْلِ الآدَمِيِّ لا تَزِيدُ على نجاسةِ بولِ ¬

(¬1) تقدم صفحة 94.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الكلبِ، وهو لا يُنَجِّسُ القُلَّتَين، فهذا أَوْلَى. وحديثُ النَّهْي عن البولِ في الماءِ الدَّائِمِ لابُدَّ مِن تَخْصِيصِه بما لا يُمْكِن نَزْحُه إجْماعًا، فيكونُ تخصيصُه بخبرِ القُلَّتَين أَوْلَى مِن تخصيصِه بالرَّأْي والتَّحَكُّمِ، ولو تَعارَضا تَرَجَّحَ حديثُ القُلَّتَين؛ لِمُوافَقَتِه القِياسَ. (والرِّوايةُ الأُخْرَى، يَنْجُسُ) يُرْوى نحوُ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فَرَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه أنَّ عَلِيًّا، رَضِي اللهُ عنه، سُئل عن صَبِيٍّ بال في بِئرٍ، فأَمَرَهم بنَزْحِها. وهو قولُ الحسنِ، لما رَوَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في المَاء الدَّائِمِ الَّذِى لَا يَجْرِى، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». مُتَّفقٌ عليه (¬1). وهذا يَتَناوَلُ القليلَ والكثيرَ، وهو خاصٌّ في البولِ، فيُجْمَعُ بينه وبينَ حديثِ القُلَّتَين بحَمْلِ هذا على البولِ، وحملِ حديثِ القُلَّتَين على سائرِ النَّجاساتِ، والعَذِرَةُ المائِعَةُ في معنى البوْلِ؛ لأنَّ أجْزاءَها تَتَفَرَّقُ في الماءِ وتَنْتَشِرُ، فهي في مَعْنى البولِ، وهي أفْحَشُ. منه. وقال ابنُ أبي مُوسى: حُكمُ الرَّطْبَةِ حكمُ المائعةِ قياسًا عليها، والأوْلَى التَّفْرِيقُ بينَهما، لما ذَكَرْنا مِن المعنى. ¬

(¬1) تقدم في صفحة 101.

18 - مسألة؛ قال: (إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه لكثرته، فلا ينجس)

إلا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ، فَلَا يَنْجُسُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 18 - مسألة؛ قال: (إلَّا أن يكونَ مِمّا لا يُمْكِنُ نَزْحُه لكَثْرتِه، فلا يَنْجُسُ) لا نعلمُ خِلافًا أنَّ الماءَ الذي لا يُمْكِنُ نَزْحُه إلَّا بمَشَقَّةٍ عظيمةٍ، مِثْلَ المصانِعِ التي جُعِلتْ مَوْرِدًا للْحاجِّ، بطريقِ مكةَ، يَصْدُرُون عنها، ولا يَنْفَدُ ما فيها، أنَّها لا تَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجمعَ كلُّ مَن نحفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الماءَ الكثيرَ، كالرِّجْلِ (¬1) مِن البحرِ، ونحوه، إِذا وقعتْ فيه نجاسةٌ، فلم تُغَيِّر له لَوْنًا، ولا طَعْمًا، ولا رِيحًا، أنّه بحاله يُتَطَهَّرُ منه. ¬

(¬1) الرجل من البحر: خليجه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا فرقَ بينَ قليلِ البولِ وكثيرِه، قال مُهَنَّا (¬1): سألتُ أحمدَ عن بِئْرٍ غَزِيرَةٍ، وقعتْ فيها خِرْقَةٌ أصابَها بولٌ. قال: تُنْزَحُ؛ لأنَّ النَّجاساتِ لا فرقَ بينَ قليلها وكثيرِها، كذلك البولُ. فصل: إِذا كانتْ بئْرُ الماءِ مُلاصِقَةً لبئرٍ فيها بولٌ، أو غيرُه مِن النَّجاساتِ، وشَكّ في وُصُولِه إلى الماءِ، فالماءُ طَاهِرٌ بالأصلِ. وإن أحبَّ عِلْمَ حقيقةِ ذلك، فَلْيَطرحْ في البِئْرِ النَّجِسَةِ نِفْطًا، فإن وَجَد رائِحَتَه في الماءِ عَلِمَ وُصُولَه إليه، وإلا فَلا، وإن وَجَده مُتَغَيِّرًا تغيُّرًا يَصْلُحُ أن يكونَ منها، ولم يعلمْ له سَبَبًا آخَرَ فهو نَجِس؛ لأنَّ المُلاصَقَةَ سببٌ، فيُحالُ الحُكْمُ عليه، والأصلُ عَدَمُ ما سِواه. ولو وَجَد ماءً مُتَغَيِّرًا في غيرِ هذه الصُّورَةِ، ولم يعلمْ سببَ تَغَيُّرِه، فهو طاهرٌ وإن غلبَ على ظَنِّه نجاستُه؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ. وإن وقعتْ في الماءِ نجاسةٌ، فوجدَه متغيِّرًا تغيُّرًا يصلُحُ أن يكونَ منها، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّ الظَّاهرَ كَوْنُه منها، والأصلُ عدمُ ما سِواه، فيُحالُ الحكمُ عليه، وإن كان التَّغَيُّرُ لا يصلحُ أن يكونَ منها، لكَثْرَةِ الماءِ وقِلَّتِها، أو لمُخالفَتِه لونَها، أو طعْمَها، فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ النجاسةَ لا تصلُحُ أن تكونَ سببًا ها هنا، أشْبَهَ ما لو لم يقعْ فيه شيءٌ. ¬

(¬1) أبو عبد الله مهنا بن يحيى الشامي السلمي، من كبار أصحاب الإمام أحمد، روى عنه من المسائل ما فخر به، كتب عنه عبد الله بن أحمد مسائل كثيرة، بضعة عشر جزءًا، من رجال القرن الثالث. طبقات الحنابلة 1/ 345 - 381.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن توضَّأ مِن الماءِ القليلِ وصلَّى، ثم وجدَ فيه نجاسةً، أو توضَّأَ مِن ماءٍ كثيرٍ، ثم وجدَه مُتغيِّرَا بنجاسَةٍ، و (¬1) شَكَّ هل كان قبلَ وُضُوئِه، أو بعدَه، فالأصلُ صحَّةُ طهارتِه وصلاتِه، وإن عَلِم أنَّ ذلك قبلَ وُضوئِه بأمارَةٍ، أعادَ، وإن عَلِم أنَّ النجاسةَ قبلَ وُضوئِه، ولم يَعلمْ أكان دونَ القُلَّتَين، أو كان قُلَّتَين فنَقَص بالاسْتِعْمالِ، أعادَ؛ لأنَّ الأصلَ نَقْصُ الماء. فصل: إذا وَقَعتْ في الماءِ نجاسةٌ، فغَيَّرتْ بعضَه، فالمُتَغيَرُ نَجِسٌ، وما لم يَتَغَيَّرْ إن بَلَغ قُلَّتَين، فهو طاهرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ؛ لأنَّ الماءَ اليَسِيرَ يَنْجُسُ بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ، لما ذكرْنا. وقال ابنُ عَقِيلٍ، وبعضُ الشافعيَّةِ: يكونُ نَجِسًا وإنْ كَثُرَ، كما لو كان يسيرًا، ولأنّ المُتَغَيِّر نَجِسٌ، فينجسُ ما يُلاقِيه، وما يُلاقِي ما يُلاقيه، حتى يَنْجُسَ جميعُه، فإنِ اضْطَرَب فزال تَغَيُّرُه، طَهُرَ لزَوالِ عِلَّةِ النجاسةِ، وهي التَّغيُّرُ. ولَنا، قولُ ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا بلَغَ المَاءُ قُلَّتَين لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» (¬1). وغيرُ المُتغيِّرِ كثيرٌ، فيَدخلُ في عُمُومِ الحديثِ، ولأنَّه (¬2) ماءٌ كثيرٌ لم يَتَغَيَّر بالنجاسةِ الواقعةِ فيه، فلم يَنْجُسْ، كما لو لم يتغيَّرْ مِنه شيءٌ، ولا يصحُّ القياسُ على اليَسيرِ؛ لأنَّه لا يَدْفعُ النجاسةَ عن نفسِه. وقولهم: إنَّ المُلاصِقَ للمُتَغيِّرِ يَنْجُسُ. مَمْنوعٌ، كالمُلاصِقِ للنجاسةِ الجامدةِ، وعلى قولهم يَنْبغِي أن يَنْجُسَ البحرُ إذا تَغَيَّر جانِبُه، والماءُ الجارِي، ولا قائلَ به. فصل: قال ابنُ عَقِيل: مَن ضَرَب حيوانًا مأكُولًا، فوَقَع في ماءٍ، ثم وجَدَه مَيَتًّا، ولم يَعْلَمْ، هل مات مِن الجِراحَةِ، أو بالماءِ، فالماءُ على أصلِه في الطهارةِ، والحيوانُ على أصلِه في الحَظرِ، إلّا أن تكونَ الجراحةُ مُوجِبةً، فيكونَ الحيوانُ أيضًا مُباحًا؛ لأنّ الظاهِرَ مَوْتُه بالجَرْحِ، والماءُ طاهِر، إلّا أن يقعَ فيه دمٌ. ¬

(¬1) تقدم صفحة 94. (¬2) في م: «لكنه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا كان الماءُ قُلَّتَين، وفيه نجاسةٌ، فغَرَف منه بإنَاءٍ، فالذي في الإِناء طاهرٌ، والباقي نَجِسٌ إن قُلْنا: القُلَّتان تَحديدٌ. لأنَّه ماءٌ يسيرٌ، فيه نجاسَةٌ، وإن قلنا بالتَّقْريبِ، لم يَنْجُسْ، إلَّا أن يكونَ الإِناءُ كبيرًا يُخْرِجُه عن التَّقْرِيبِ. وإنِ ارْتَفعتِ النجاسةُ في الدَّلْو، فالماءُ الذي في الإِناءِ نَجِسٌ، والباقي طاهرٌ. ذكرها ابنُ عَقِيلٍ. فصل: وإذا اجتمعَ ماءٌ نَجِسٌ إلى ماءٍ نجسٍ، ولم يَبْلُغِ القُلَّتَين، فالجميعُ نَجِسٌ، وإن بَلَغ القُلَّتَين، فكذلك؛ لأنَّه كان نَجِسًا قبلَ الاتّصالِ، والأصلُ بقاءُ النجاسةِ. ولأنَّ اجتماعَ النَّجِس إلى النجسِ لا يُولِّدُ بينَهما طاهرًا، كما في سائرِ المَواضِعِ. ويَتَخَرَّجُ أن يَطْهُرَ إذا بَلَغ قُلَّتَين، وزال تَغَيُّرُه، وهو مذهبُ الشافعيِّ، لزوالِ علَّةِ التَّنْجِيسِ. والغَدِيران إذا كانت بينهما ساقِيَةٌ فيها ماء مُتَّصِلٌ بهما، فهما كالغدير الواحدِ، قَلَّ الماءُ أو كَثُر، فمتى تَنَجَّسَ أحدُهما، ولم يَبْلُغا القُلتَين [تنجَّسَ الآخَرُ، وإنْ بَلَغَا القُلَّتَينِ] (¬1)، لم يَتَنَجَّسْ واحدٌ منهما، إلّا أن يَتغَيَر بالنجاسةِ، كما قُلْنا في الواحدِ. ¬

(¬1) سقط من: «م».

19 - مسألة؛ قال: (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير، طهره إن لم يبق فيه تغير، وإن كان الماء النجس كثيرا، فزال تغيره بنفسه، أو بنزح بقي بعده كثير، طهر)

وَإذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ كَثِيرٌ طَهَّرَهُ، إِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ. وَإنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا، فَزَال تَغَيرهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ، بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ، طَهُرَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 19 - مسألة؛ قال: (وإذا انْضَمَّ إلى الماءِ النَّجِسِ ماءٌ طاهرٌ كَثِيرٌ، طَهَّرَه إن لم يَبْقَ فيه تَغَيُّرٌ، وإنْ كان الماءُ النَّجِسُ كثيرًا، فزال تَغَيره بنَفْسِه، أو بنَزْحٍ بَقِيَ بعدَه كثيرٌ، طَهُرَ) وجملةُ ذلك أنَّ تَطْهيرَ الماءِ النَّجِسِ ينقسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ، أحدُها، أن يكونَ الماءُ النجسُ دونَ القُلَّتَين، فتطهيرُه بالمُكاثَرَةِ بقُلَّتَين طاهرَتَين، إمَّا أن يَنْبُعَ فيه، أو يُصَبَّ فيه، أو

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَجرىَ إليها مِنْ سَاقِيةٍ، أوْ نحو ذلك، فيزولَ بهما تَغيُّرهْ إن كانْ مُتَغَيِّرًا فيَطْهُرَ، وإن لم يكنْ متغيِّرًا طَهُرَ بمُجرَّدِ المُكاثَرَةِ؛ لأنَّ القُلَّتَين تَدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِها وعمّا اتَّصَل بها، ولا تَنْجُسُ إلَّا بالتَّغَيُّرِ إذا وَرَدَتْ عليها النجاسةُ، فكذلك إذا كانت وارِدَةً، ومِن ضرورةِ الحُكْمِ بطَهارَتِهِما، طَهارةُ ما اخْتَلَط بهما. القسمُ الثاني، أن يكونَ قُلَّتَين، فإن لم يكنْ متغيرًا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالنجاسةِ، فتطهيرُه بالمُكاثَرَةِ المذكورةِ، وإن كان متغيِّرًا بها فتطهيرُه بالمكاثرةِ المذكورةِ إذا أزالتِ التَّغَيُّرَ، وبزَوالِ تغيُّرِه بنفسه؛ لأنَّ عِلَّةَ التَّنجِيسِ زالت، وهي التَّغيُّرُ، أشْبَهَ الخَمْرَةَ إذا انْقَلَبَتْ بنفسها خَلًّا. وقال ابنُ عَقِيل: يَحتمِلُ أن لا يَطْهُرَ إذا زال تغيُّرُه بنفسِه، بناءً على أنَّ النجاسةَ لا تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ. القسمُ الثالث، الزائدُ على القُلَّتَين، فإن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان غيرَ متغيِّرٍ فتطهيره بالمُكاثَرَةِ لا غيرُ، كان كان متغيَرا، فتطهيرُه بما ذَكَرنا مِن الأمرَينِ، وبأمرٍ ثالثٍ، وهو أن يُنْزَحَ منه حتى يَزُولَ التغير، ويَبْقَى بعدَ النزحِ قُلَّتانِ، فإن نَقَص عن القُلَّتَين قبل زوالِ تغيّرِه، ثم زال تَغيره، لم يَطْهُر؛ لأنّ عِلَّةَ التَّنْجِيسِ في [ما دُونَ القُلَّتَينِ] (¬1) مُجرَّدُ ملاقاةِ النجاسةِ، فلم تَزُلِ العلة بزوالِ التغييرِ، ولا يُعتَبرُ في المُكاثرةِ صَبُّ الماءِ دَفْعَةً واحدةً؛ لأنَّه لا يُمكِن ذلك، لكنْ يُوصلُه على حَسَبِ الإِمْكان في المُتابعةِ، على ما ذكرنا. ¬

(¬1) في م: «القليل».

20 - مسألة؛ قال: (فإن كوثر بماء يسير، أو بغير الماء كالتراب ونحوه، فأزال التغير، لم يطهر)

وَإنْ كُوثِرَ بمَاءٍ يَسِيرٍ، أَوْ بِغَيرِ الْمَاءِ، فَأزال التَّغْيِيَر، لَمْ يَطْهُرْ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يَطْهُرُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 20 - مسألة؛ قال: (فإن كُوثِرَ بماءٍ يَسِيرٍ، أو بغير الماءِ كالتُّرابِ ونَحوه، فأزال التَّغَيُّر، لم يَطْهُر) في أحدِ الوَجْهين؛ لأَنَّ هذا لا يَدفَعُ النجاسةَ عن نفسه، فعن غيرِه أولَى. والثاني، يَطْهُرُ؛ لأنَّ عِلَّةَ النجاسةِ زالتْ، وهو التغَير، أشْبَه ما لو زال تَغيَّره بنفسه. ولأن الماءَ اليَسِيرَ إذا لم يُؤثِّر فلا أقلَّ مِن أن يكونَ وجودُه كعدَمِه، ويَحتَمِلُ التفْرِقةَ بينَ المُكاثَرَةِ بالماءِ اليَسِيرِ وغيرِه، فإذا كُوثِرَ بالماء اليَسِيرِ طَهُرَ؛ لما ذكزنا، وإذا كُوثر بالتُّرابِ، أو غيرِه، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّ ذلك رُبّما سَتَر التغيُّرَ الحادِثَ مِن النجاسةِ، فَيُظنُّ أنه قد زال، ولم يَزُلْ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمَّا الماء الذي يقعُ فيه بول الآدَمِيِّ، إذا قُلنا بنَجاسَتِه، فلا يَطْهُرُ بالمُكاثَرَةِ بقُلَّتَين، لأنَّ القُلَّتَين بالنِّسْبَةِ إلى البولِ، كما دونَهما بالنسبةِ إلى غيرِه، لكن يَطْهُرُ بأحدِ ثلأثةِ أشياءَ، أحدُها (¬1) المُكاثرةُ بما لا يُمكِن نَزْحُه. الثاني، أن يُنْزَحَ منه حتى يزُولَ تَغَيره، وَيَبْقَى ما لا يُمكِن نَزْحُه. الثالث، أن يَزُولَ تَغَيُره بنفسِه إن كان كذلك. ذكره ابنُ عَقِيلِ. فصل: فأمّا غيرُ الماءِ مِن المَائِعاتِ إِذا وقعت فيه نجاسةٌ، ففيه ثلاثُ روايات: إحداهُنَّ، أنه يَتَنَجَّسُ وإن كَثُر، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الفَأرَةِ تموتُ في السمنِ، فقال: «إنْ كَانَ جَامِدًا فَألْقُوها وما حَوْلَها، وإنْ كَانَ مَائِعًا فَلا تَقْرَبُوه». رواه الإِمامُ أحمدُ (¬2). ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) في: المسند 2/ 233، 265، 490. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الفأرة تقع في السمن، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 328. والترمذي، في: باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن، من أبواب الأطعمة. عارضة الأحوذي 7/ 303. والنسائي، في: باب الفأرة تقع في السمن، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 157.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ونهى عنه، ولم يفرِّقْ بين قليله وكثيرِه. ولأنَّها لا تُطَهِّرُ غيرَها، فلا تدفعُ النجاسةَ عن نفسِها كاليسيرِ. والثانية، أنَّها كالماءِ، لا يَنْجُسُ منها ما بَلَغ قُلَّتَين إلا بالتَّغَيُّرِ، قياسًا على الماءِ، قال حَرب (¬1): سألتُ أحمدَ، قلتُ: كلبٌ وَلَغ في سَمنٍ وزَيتٍ؟ قال: إذا كان في آنِيَةٍ كبيرةٍ، مِثلَ حُبٍّ (¬2) أو نحوه، رَجَوْتُ أن لا يكونَ به بَأسٌ، يُوكَلُ، وإن كان في آنيةٍ صغيرةٍ فَلا يُعجِبُنِي. والثالثة، أنَّ ما أصله الماءُ، كالخَلِّ التَّمرِيِّ يَدفَعُ النجاسةَ؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الماءُ، وما لا فلا. فصل: وإِذا قُلنا: إنَّ غيرَ الماءِ مِن المائِعاتِ، كالخَلِّ ونحوه يُزِيلُ النجاسةَ، انبنَى على ذلك أنَّ الكثيرَ منه لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ، لكونِ حُكْمِه في دفع النجاسةِ حكمَ الماءِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، رجل جليل، كان يكتب بخطه مسائل سمعها من الإمام أحمد، وهو من رجال القرن الثالث. طبقات الحنابلة 1/ 145، 146. (¬2) الحُبّ: الجَرَّة أو الضخمة منها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا الماء المستعمَل في رَفْعِ الحدثِ، وما كان طاهِرًا غير مطَهِّرٍ، ففيه احتِمالان، أحدُهُما، أنه يَدفَع النجاسةَ عن نفْسِه إذا كَثر؛ لحديثِ القلَّتَين. والثاني، أنه يَنْجس، لأنَّه لا يَطْهر، أشْبَه الخَلَّ. فصل: ولا فَرقَ بينَ يسيرِ النجاسةِ وكثيرِها، ما أدرَكَه الطرفُ وما لم يدرِكْه، إلا أنَّ ما يعفَى عن يسيرِه كالدَّمِ، حكْمُ الماءِ الذي يَتَنَجس به حكمه في العَفْو عن يسيرِه. وكذلك كلُّ نجاسةٍ نَجّسَتِ الماءَ، حكمه حكمُها، لأنَّ نجاسةَ الماءِ ناشِئة عن نجاسةِ الواقعِ، وفَرعٌ عليها، في الفرع يَثْبت له حكم أصلِه. ورُوى عن الشافعيِّ أنَّ ما لا يدرِكُه الطرف مِن النجاسةِ مَعفوٌّ عنه؛ للمَشَقَّةِ الَّلاحقةِ به. ونَصَّ في موضعٍ أن الذّبابَ إذا وَقَع على خلاءٍ رَقِيقٍ، أو بول، ثم وقع على الثَّوْبِ، غُسِلَ مَوْضِعه، ونجاسة الذُّبابِ مما لا يُدركها الطرف. ولَنا، أنّ دليلَ التنجِيسِ لا يفَرِّقُ بينَ قليلِ النجاسةِ وكثيرِها، ولا بين ما يُدركه الطرفُ وما لا يدركه، فالتَّفْرِيق تَحَكم، وما ذكروه مِن المَشَقَّةِ ممنوع؛ لأنّا إنَّما نحكم بالنجاسةِ إذا عَلِمنا وصولَها، ومع العلمِ لا يفتَرِقُ القليلُ والكثيرُ في المشقَّةِ، ثم إن المشقَّةَ بمُجرَّدِها حِكْمَةٌ لا يجوز تَعَلُّق الحكْمِ بها بمجرَّدِها، وجَعلُ ما لا يدركُه الطرَّفُ ضابطًا لها إنَّما يصحُّ بالتَّوْقِيفِ، أو باعتبارِ الشّرعِ له في مَوْضِعٍ، ولم يُوجَد واحدٌ منهما.

21 - مسألة؛ قال: (والكثير ما بلغ قلتين، واليسير ما دونهما)

وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَينِ، وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 21 - مسألة؛ قال: (والكثيرُ ما بلَغَ قُلَّتَين، واليَسِيرُ ما دُونَهما) القُلَّةُ: الجَرَّةُ، سُمِّيتْ قُلَّةً لأنَّها تُقَل بالأيدي، والمراد فهنا بالقُلَّةِ قِلالُ هجَرَ (¬1)؛ لما يأتي، وإنّما جعلْنا القُلَّتَين حدًّا للكثيرِ؛ لأنَّ حديثَ ¬

(¬1) هجر: مدينة، وهي قاعدة البحرين، وقال أبو الحسن الماوردي: الذي جاء في الحديث ذكر القلال الهجرية، قيل: إنها كانت تجلب من هجر إلى المدينة، ثم انقطع ذلك فعدمت. وقيل: هجر قرية قرب المدينة، وقيل: بل عملت بالمدينة على مثل قلال هجر. معجم البلدان 4/ 953. وذكر ياقوت مواضع أخرى سميت بهجر.

22 - مسألة؛ قال: (وهما خمسمائة رطل بالعراقي)

وَهُمَا خمسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ. وَعَنْهُ، أَربَعُمِائةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــ القُلَّتَين دَلَّ على نجاسةِ ما لم يَبْلُغْهُما بطريق المفْهومِ، وعلى دَفْعِهما للنجاسةِ عن أنفُسِهما، فلذلك جَعَلْناهُما حدًّا للكثيرِ، فمتى جاء لفظُ الكثيرِ هاهُنا فالمرادُ به القُلَّتانِ. واللهُ أعلمُ. 22 - مسألة؛ قال: (وهما خَمسُمِائَةِ رَطْلٍ بالعِراقِيِّ) في ظاهرِ المذهبِ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه رُوىَ عن ابنِ جُرَيجٍ (¬1) أَنّه قال: رأيتُ قِلال هجَر، فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قربَتَين أو قربتين وشيئًا. والقِربَةُ مائةُ رِطْل بالعِراقِيِّ باتِّفاقِ القائلين بتحديدِ الماءِ بالقِربِ، والاحتياطُ أن يُجْعَلَ الشيءُ نصفًا، فكانت القُلَّتانِ بما (¬2) ذكرنا خَمسَمائةِ رِطْلٍ. ورُوى عن أحمدَ أنَّ القُلَّتَين أربَعُمائةِ رَطلٍ بالعِراقِي. رَواه عنه الأثْرَمُ، وإسماعيلُ بنُ ¬

(¬1) في م «جرير». وهو أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي، فقيه الحرم المكي، وإمام أهل الحجاز في عصره، مولده سنة ثمانين روفاته سنة خمسين ومائة. تاريخ بغداد 10/ 400، العبر 1/ 213، 214. (¬2) في الأصل: «ما».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سعيدٍ (¬1). وحكاه ابنُ المُنْذِرِ؛ لما رَوَى الجُوزجانِي (¬2)، بإسْنادِه عن يحيى بن عُقَيلِ (¬3)، قال: رأيتُ قِلال هجَرَ، وأظنُّ كلَّ قُلَّةٍ تأخذ قِربَتَين. ورُوى نحوُ ذلك عن ابنِ جُرَيج. وإنما خَصَصنا القُلَّةَ بقلالِ هجرَ؛ لوجْهين، أحدهما، ما روَى الخَطابِي (¬4) بإسنادِه إلى ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرسَلًا: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَين بِقِلالِ هجر» (¬5). والثاني، أنّ قلال هجرَ أكبرُ ما يكونُ مِنَ القلالِ، وأشْهرُها في عَصر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ذَكَره الخَطّابِيّ، فقال: هي مشهورةُ الصنعَةِ، معلومةُ المِقْدارِ، لا تَخْتَلِفُ كما لا تختلفُ الصِّيعانُ والمَكايِيلُ. فلذلك حَمَلْنا الحديثَ عليها، وعَمِلْنا بالاحتياطِ، فإذا قُلْنا: هما خَمسُمائةِ رطلٍ بالعِراقِيِّ، فذلك بالرطلِ الدِّمَشْقِيِّ، الذي هو سِتُّمائة درهمٍ، مَائة وسَبْعَةُ أرطالٍ وسُبْعُ رطلِ. ¬

(¬1) أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الشالنجي، روى الكثير عن الإمام أحمد، وكان عالما بالرأي كبير القدر عند الحنفية، توفي سنة ثلاثين ومائين، وقيل: سنة ست وأربعيين ومائتين. الجواهر المضية 1/ 406، 407، طبقات الحنابلة 1/ 104، 105. (¬2) أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عنده عن الإمام أحمد جزءان مسائل، وكان الإمام أحمد يكاتبه ويكرمه إكراما شديدا، وهو من رجال القرن الثالث. طبقات الحنابلة 1/ 98، 99. (¬3) يحيى بن عقيل (بالتصغير) الخزاعي البصري نزيل مرو، يروى عن أنس بن مالك وغيره. انظر: تهذيب التهذيب 11/ 259. (¬4) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي، الفقيه المحدث الأديب، توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. يتيمة الدهر 4/ 334 - 336، وفيات الأعيان 4/ 212 - 216، العبر 3/ 39. (¬5) معالم السنن 9، وانظر نصب الراية 1/ 110 - 112.

23 - مسألة؛ قال: (وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين)

وَهلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ أَوْ تَحدِيدٌ؟ عَلَى وَجهينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 23 - مسألة؛ قال: (وهل ذلك تَقْرِيبٌ أو تَحدِيدٌ؟ على وجْهين)، أحدُهما، أنَّه تحديدٌ، وهو اختيارُ أَبي الحسنِ الآمِدِيِّ، وظاهرُ قولِ القاضي، وأحدُ الوجْهين لأصحابِ الشافعيِّ، لأنَّ اعتبارَ ذلك احتياطٌ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وما اعتُبِرَ احتياطًا كان واجبًا، كغَسْلِ جُزءٍ مِنَ الرأسِ مع الوجهِ. ولأنّه قدر يَنفَعُ النجاسةَ [عن نفْسِه] (¬1)، فاعتُبرَ تحقيقُه كالعَدَدِ في الغَسَلاتِ. والثاني، هو تقريب، وهو الصحيحُ، لأنَّ الذين نَقَلُوا تقديرَ القِلالِ لم يَضْبِطُوها بحدٍّ، إنَّما قال ابنُ جُرَيجٍ: القُلَّةُ تَسَعُ قربَتَينِ، أو قربتينِ وشيئًا. ويحيى بنُ عُقَيلٍ قال: أظنُّها تسعُ قربتينِ. وهذا لا تحديدَ فيه، وتقديرُ القِربَةِ بمائةِ رطلٍ تقريبٌ. ولأنّ الزائدَ على القُلَّتَين، وهو الشيءُ، مَشْكوكٌ فيه (¬2)، والظاهرُ اسْتِعمالُه فيما دونَ النِّصفِ، والقِرَبُ تَخْتلِف غالبًا. وكذلك لو اشْتَرى شيئًا، أو أسْلَم في شيءٍ، وقدَّرَه بها، لم يَصِح، وقد عَلِم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الناسَ لا يَكِيلُونَ الماءَ، ولا يَزِنُونَه، فالظاهرُ أنَّه رَدَّهم إلى التقرِيبِ، فعلى هذا مَن وَجَد نجاسةً في ماءٍ فغَلَب على ظنِّه أنه مُقارِبٌ للقُلَّتَين تَوَضَّأ منه، وإلَّا فَلا. وفائدةُ الخلافِ أنَّ مَنِ اعتَبَر التحديدَ، قال: لو نَقَص الماءُ نَقْصًا يسيرًا، لم يُعفَ عنه. والقائِلون بالتقريبِ يَعفُون عن النَّقْصِ اليَسِيرِ. كان شَكَّ في بُلُوغِ الماءِ قَدرًا يَنفَعُ النجاسةَ، ففيه وجهان؛ أحدُهما، يُحكَمُ بطهازتِه؛ لأنَّ طهارتَه مُتَيَقَّنة قبلَ وقوعِ النجاسةِ فيه، فلا يَزُولُ عن اليقينِ بالشَّكِّ. والثاني، هو نَجِسٌ؛ لأنَّ الأصلَ قِلَّةُ الماءِ، فَيُبْنَى عليه، ويَلْزمُ مِن ذلك النجاسةُ. ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) سقطت من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل في الماء الجارِي: نُقِلَ عن أحمدَ ما يدُلّ على التَّفرقةِ بينَه وبينَ الواقِفِ؛ فإنَّه قال في حَوضِ الحَمّامِ: قد قِيل: إنّه بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِى. وقال في البئرِ يكونُ لها مادَّةٌ وهو واقِفٌ: ليس هو بمنزلةِ الماء الجارِي. فعلى هذا لا يَتَنَجَّسُ الجاري إلّا بالتَّغْيِيرِ؛ لأنَّ الأصل طهارتُه، ولم نعلم في تَنْجِيسِه نَصًّا ولا إجْماعًا، فبَقِيَ على الأصلِ، وقال عليه السَّلامُ: «المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ» (¬1). وقال: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحمِلِ الخَبَثَ» (¬2). وهذا يدلُّ على أنَّه لا يَنْجُسُ؛ لأنّه بِمَجْمُوعِه يزيدُ على القُلَّتَين، فإن قِيل: فالجِريَةُ منه لا تَبْلُغُ قُلَّتَين، فَتَنْجُسُ؛ لحديثِ القُلَّتَين. قُلنا: تَخْصيصُ الجِريَةِ بهذا التقدير تَحَكُّمٌ، و (¬3) لأنَّه لا يصحُّ قياسُه على الرّاكِدِ، لقُوَّتِه بجَرَيانِه وَاتِّصالِه بمادَّتِه. وهذا اختيارُ شيخِنا (¬4)، وهو الصحيحُ، إن شاءَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 96. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 94. (¬3) سقطت الواو من: «م». (¬4) انظر المغني 1/ 48.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اللهُ تعالى. وقال القاضي وأصحابُه: كلُّ جِزيةٍ مِن الماءِ الجارِى مُعتبَرةٌ بنفسِها، فإذا كانت النجاسةُ جاريةً مع الماءِ، فما أمامَها طاهر؛ لأنَّها لم تَصِلْ إليه، وما وراءَها طاهِر؛ لأنَّه لم يصل إليها، والجِرْيَةُ إن بَلَغَتْ قُلتَين، ولم تتغير، فهي طاهرةٌ، وإلَّا فهي نَجسة، كان كانتِ النجاسةُ واقفةً في النَّهْرِ، فكل جِريَةٍ تَمُرُّ عليها إن بلغتْ قُلتَين فهي طاهرة، وإلَّا فلا. قالوا: والجِريَةُ هي الماءُ الذي فيه النجاسةُ، وما قَرُبَ مِنها مِن خَلْفِها وأمامِها، ممّا العادةُ انْتِشارُها إليه، إن كانتْ مِمّا تَنْتَشِرُ، مع ما يُحاذِى ذلك فيما بينَ طَرَفَي النَّهْرِ، فإن كانتِ النجاسةُ مُمتَدَّةً، فيَنْبَغِي أن يكونَ لكلِّ جُزْءٍ منها مثلُ تلك الجِرية المُعتبَرَةِ للنجاسةِ القليلةِ؛ لأنّا لو جَعَلْنا جيعَ ما حاذَى النجاسةَ الكثيرةَ جريَةً، أفْضَى إلى تَنْجِيس النَّهْر الكبيرِ بالنجاسةِ القليلةِ، دونَ الكثيرةِ، لأنَّ ما يُحاذِي القليلةَ قليل، فيَنْجُسُ، وما يُحاذِي الكثيرةَ كثير، فلا يَنْجُسُ، وهذا ظاهرُ الفسادِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإنْ كان في جانب النَّهْرِ، أو في وَهدَةٍ منه ماءٌ واقِفٌ مائِلٌ عن سَنَنِ الماءِ، مُتّصِل بالجارِي، وكان ذلك مع الجِريَة المُقابِلَةِ له دونَ القُلَّتَين، فالجميعُ نَجسٌ؛ لأنّه ماء يسير مُتَّصِل، فيَنْجُسُ بالنجاسةِ، كالراكِدِ. فإن كان أحدُهما قُلَّتَين، لم يَنْجُس واحدٌ منهما، ما داما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُتَلاقِيَين إلَّا بالتَّغيُّرِ. فإن كانتِ النجاسةُ في الجارِي، وهو قُلَّتان، فهو طاهرٌ بكل حالٍ، وكذلك الواقِفُ. وإن كان الواقفُ قُلَّتَين، والجاري دونَ القُلَّتَين والنجاسةُ فيه، فهو نَجِس قبلَ مُلاقاتِه للواقفِ، وبعدَ مُفارقَتِه له، وطاهر في حال اتِّصالِه به. وإن كانت في الواقفِ، وهو قُلَّتان، لم يَنْجُس بحالٍ هو ولا الجاري. وإن كان دونَ القُلَّتَينِ والجاري كذلك، إلَّا أنهما بمَجْمُوعِهما قُلَّتان فصاعِدًا، وكانتِ النجاسةُ في الواقفِ، لم ينْجُسْ واحدٌ منهما، لأنّ الماءَ الذي فيه النجاسةُ مع ما يُلاقِيه لا يَزالُ كثيرًا. وإن كانت في الجارِي، فقياسُ قولِ أصحابِنا أنَّ الجميعَ نَجِسن، لأنّ الجارِيَ يَنْجُسُ قبلَ مُلاقاتِه للواقفِ، ومَرَّ على الواقفِ وهو يسِير فنَجَّسَه؛ لأنَّ الواقفَ لا يدفَعُ بن نفسِه، فعن غيرِه أولَى. ويَحتَمِلُ أن يُحكَمَ بطهارةِ الجارِي حال مُلاقاتِه للواقفِ. ولا يَتَنَجَّسُ به الواقفُ؛ لحديثِ القُلتَين،

24 - مسألة؛ قال: (وإذا شك في نجاسة الماء، أو كان نجسا فشك في طهارته، بنى على اليقين)

وإذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ، أَوْ كَانَ نَجِسًا، فَشَكَّ فِي طَهارَتِهِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو مذهبُ الشافعيِّ. هذا كلُّه إذا لم يَتغير، فإن تَغيَّر فهو نَجِس، فإن كان الجارِي مُتغيَرًا، والواقف كثيرًا، فهو طاهرٌ إن لم يَتغير، فإن تَغيَّر تَنَجّس. وكذلك الحكمُ في الجارِي إن كان الواقفُ مُتغيِّرًا. وإنْ كان بعضُ الواقفِ متغيِّرًا، وبعضُه غيرَ متغيِّر، وكان غيرُ المتغيِّر مع الجِرية المُلاقِيَةِ له قُلَّتين، لم يَنْجُس. وإن كان المُتغيِّر من الواقفِ يلي الجارِيَ، وغيرُ المتغيِّر لا يليه ولا يَتَّصِلُ به أصلًا، وكان كلُّ واحدٍ مِنهما يَسِيرًا، فيَنْبَغِي أن يكونَ الكلّ نَجِسًا؛ لأنَّ كلَّ ما يُلاقِي الماءَ النَّجِسَ يسير. وإنِ اتَّصَل به مِن ناحيةٍ، فكلّ ما لم يَتغير طاهرٌ إذا كان كثيرًا، كالغَدِيرَين إذا كان بينَهما ماء مُتَّصِلٌ بهما، فإن شَكَّ في ذلك فالماءُ طاهرٌ بالأصلِ، ويَحتملُ أن يكونَ نَجسًا. وإن كان في الماءِ قُلَّتان طاهِرتان مُتَّصِلة سابِقَة أو لاحِقَةٌ، فالمُجتمِعُ كَلّه طاهرٌ، ما لم يَتغير بالنجاسةِ؛ لأنَّ القُلَّتَين تَدفَعُ النجاسةَ عن نفسِها وعمّا اجْتَمَع إليها، وإلَّا فالجميعُ نَجِس في ظاهرِ المذهبِ. واللهُ أعلم. 24 - مسألة؛ قال: (وإذا شَكَّ في نَجاسَةِ الماءِ، أو كان نجسًا فشَكَّ في طَهارتِه، بَنَى على اليَقِينِ) إذا شَكَّ في نجاسةِ الماءِ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ، كان وجَده متغيِّرًا؛ لأنَّ التَّغيُر يَحتَمِلُ أن يكونَ بمُكْثِه، أو بما لا يَمنَعُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. وإن تيَقَّنَ نجاسَتَه، وَشَكَّ في طهارتِه، فهو نَجِسٌ؛ لما ذكرنا. وإن أخْبَره بنجاسَتِه صَبِيٌّ، أو كافرٌ، أو فاسِقٌ، لم يَلْزمه قَبُولُ خَبَرِه؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ

25 - مسألة؛ قال: (وإن اشتبه الماء الطاهر بالنجس، لم يتحر

وإنِ اشْتَبَه الْمَاءُ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ، لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهبِ، وَيَتَيَمَّمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الشّهادَةِ ولا الرِّواية، أشْبَه الطفلَ، والمجنونَ. وإن كان بالِغًا عاقِلا مُسْلِمًا مستورَ الحالِ، وعَيَّن سببَ النجاسةِ، لَزِم قَبُولُ خبرِه، رجلًا كان أو امرأةً،، حرًّا أو عبدًا، بَصِيرًا أبي صرِيرًا، لأنَّ للأعمَى طريقًا إلى العلمِ بالحِسِّ والخَبَرِ، كما لو أخْبَر بدُخُولِ وقتِ الصّلاةِ؛ وإن لم يُعَيِّنْ سَبَبَها، فقال القاضي: لا يَلْزَمُ قَبُولُ خبرِه، لاحتِمالِ اعتِقادِه نجاسةَ الماءِ بسببٍ لا يَعتَقِده المُخْبَرُ، كمَوْتِ ذُبابَةٍ عندَ الشافعيِّ، والحَنَفِيُّ يَرَى نجاسةَ الماء الكثيرِ وإن لم يَتغير، والمُوَسْوسُ يَعتَقِدُ نجاسَتَه بما لا يُنَجِّسُه، ويَحتَمِلُ أَن يَلْزَمَ قَبُولُ خَبَرِه إذا انتفَتْ هذه الاحتمالاتُ في حقه. فصل: فإن أخْبَره أنَّ كلبًا وَلَغَ في هذا الإِناءِ، ولم يَلَغْ في هذا. وقال آخَرُ: إنّما وَلَغ في هذا. حُكِمَ بنَجاسَتِهما، لأنَّه يُمكِن صِدقُهما، لكَوْنِهما في وَقْتَين، أو كانا كَلْبَين، فخَفِيَ على كلِّ واحدٍ منهما ما ظهرَ للآخَرِ. كان عَيَّنا كلبًا ووقتًا يَضِيقُ الوقتُ فيه عن شُربِه منهما، تَعارَضَ قَوْلُهما، ولم يَنْجُسْ واحدٌ منهما. كان قال أحدُهما: وَلَغ في هذا الإِناءِ. وقال الآخَرُ: نزلَ ولم يَشْرَب. قُدِّمَ قولُ المُثْبتِ، إلَّا أن يكونَ المثبِتُ. لم يَتَحَقَّقْ شُربَه، مثلَ الضَّرِيرِ الذي يُخْبِرُ عن حِسٍّ، فيُقَدَّمُ قولُ البَصِيرِ عليه. 25 - مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبَه الماءُ الطَّاهِرُ بالنَّجِسِ، لم يَتَحَرَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيهما، على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، ويَتَيَمَّمُ) وجملتُه أنَّه إذا اشْتَبهتِ الآَنِيَةُ الطاهرةُ بالنَّجِسَةِ، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحدُهما، أن يَسْتَوىَ عددُ الطاهرِ والنَّجِسِ، فلا يَجوزُ التَّحَرِّي، بغير خِلافٍ في المذهبِ فيما عَلِمنا. الثاني، أن يَكْثُرَ عَدَدُ الطاهر، فقال أبو علي النَّجَّادُ (¬1)، مِن أصحابِنا: يجوزُ التَّحَرِّي فيها. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الظاهرَ إصابة الطاهرِ. ولأنَّ جِهةَ الإباحَةِ تَرَجَّحَتْ، أشْبَه ما لو اشْتَبَهتْ عليه أخْتُه في نِساءِ بلدٍ. وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يجوزُ التَّحرِّي فيها بحالٍ، وهو قولُ ¬

(¬1) الحسين بن عبد الله النجاد الصغير البغدادي، أبو علي، كان فقيها معظما، إماما في أصول الدين وفروعه. توفي سنة ستين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة 2/ 140 - 142، العبر 2/ 321.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أكثرِ الأصحابِ، وقولُ المُزَنِي (¬1)، وأبي ثَوْرٍ (¬2). وقال الشافعيُّ: يَتحَرَّى في الحالين؛ لأنَّه شَرطٌ للصلاةِ، فجازَ التَّحرِّي فيه، كما لو اشْتَبَهتِ القِبْلَةُ والثِّيابُ. ولأنَّ الطهارةَ تُؤَدَّى باليقينِ تارةً، وبالظنِّ أخْرَى، كما قلنا بجوازِ الوُضُوءِ بالماءِ المُتَغَيِّر الذي لا يُعلَمُ سببُ تغيُّرِه (¬3). وقال ابنُ الماجِشُونَ (¬4): يتَوضّأ مِن كل واحدٍ منهما وُضوءًا ويُصلِّي به. وبه قال محمدُ بن مَسْلَمَةَ (¬5)، إلا أَنه قال بغَسْلِ ما أصابَه مِنَ الأوَّلِ، لأنَّه ¬

(¬1) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني، صاحب الإمام الشافعي، وناصر مذهبه، وصاحب المختصر توفي سنة أربع وستين ومائتين. طبقات الشافعية الكبرى 2/ 93 - 109. (¬2) أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي الفقيه، ذكر الذهبي أنه برع في العلم ولم يقلد أحدا وكانت وفاته سنة أربعين ومائتين. طبقات الشافعية الكبرى 2/ 74 - 80، العبر 1/ 431. (¬3) في الأصل: «تغييره». (¬4) أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله التميمي، مولاهم، الفقيه المالكي، كان عليه مدار الفتوى في زمانه، توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين. الدبياج المذهب 2/ 6، 7. (¬5) أبو هشام محمد بن مسلمة بن محمد، أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك، ثقة مأمون حجة في العلم توفي سنة ست ومائتين. الديباج المذهب 2/ 156.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أمكَنَه أداءُ فَرضِه بيقين، أشْبَهَ مَنْ فاتَتْه صلاةٌ مِن يومٍ ولا يَعلَمُ عَينَها، وكما لو اشْتَبَهتِ الثِّيابُ. ولَنا، أنه اشْتَبَه المُباع بالمحظُورِ فيما لا تُبِيحُه الضَّرورَةُ، فلم يَجُزِ التَّحرِّي، كما لو اشْتَبهت أخْتُه بأجْنَبِيّاتٍ، أو كما لو اسْتوَى العددُ عندَ أبي حنيفةَ، أو كان أحدُ الإِناءَين بَوْلًا عندَ الشافعيِّ، واعتَذَر أصحابُه بأنَّ البولَ لا أصلَ له في الطهارةِ. قُلنا: وهذا الماءُ قد زال عنه أصلُ (¬1) الطّهارةِ، وعلى أنَّ البولَ قد كان ماءً، فله أصلٌ في الطهارةِ، فهو كالماءِ النَّجِسِ. وقولهم: إذا كَثُرَ عددُ الطاهرِ تَرَجَّحَتِ الإِباحةُ (¬2). يَبْطُل بما لو اشْتَبَهتْ أخْتُه بمائةِ أجْنَبِيَّةٍ، وأمّا إذا اشتبهتْ أخْتُه في ¬

(¬1) في الأصل: «اسم». (¬2) في م: «الطهارة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نِساءِ مِصْرٍ، فإنه يَشُقُّ اجْتِنابُهُنَّ جميعًا، ولذلك يَجوزُ له النِّكاحُ مِن غيرِ تَحَرٍّ، بخلافِ هذا. وأما القِبْلَةُ فيُباحُ تَركُها للضَّرورةِ، وفي صلاةِ النّافلةِ، بخلافِ مسألَتِنا. وأمّا الثِّيابُ فلا يَجوزُ التَّحرِّى فيها عندَنا، على ما يأتي. وأما المُتغير فيجوزُ الوُضوءُ به، اسْتِنادًا إلى أصلِ الطهارةِ، ولا يَحتاجُ إلى تَحَرٍّ. وفي مسألتِنا عارضَ يقينُ الطهارةِ يقينَ النجاسةِ، فلم يَبْقَ له حُكْمٌ، ولهذا احتاجَ إلى التَّحرِّى، وما قاله ابنُ الماجِشُون باطِلٌ؛ لأنّه يَتَنَجَّسُ يَقِينًا، وما قاله ابنُ مَسْلَمَةَ ففيه حَرَجٌ، وَيبْطُلُ بالقِبلَةِ حيث لم يُوجِبا الصلاةَ إلى أربَعِ جِهاتٍ. واللهُ أعلمُ.

26 - مسألة؛ قال: (وهل يشترط إراقتهما أو خلطهما؟ فيه روايتان)

وَهلْ يشْتَرَطُ إِرَاقَتُهُمَا، أوْ خَلْطُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 26 - مسألة؛ قال: (وهل يُشْتَرَطُ إراقَتُهُما أو خَلْطُهُما؟ فيه رِوايَتانِ) إحداهُما، يُشْتَرَطُ، ذَكَرَه الخِرَقِيّ، لأنَّ معه ماءً طاهرًا بيقين، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّم مع وجودِه، فإذا خَلَطَهُما أو أراقَهُما جازَ له التَّيَمُّم، لأَنَّه لم يَبْقَ معه ماءٌ طاهر. والثانية، يَجوزُ التَّيَمُّم قبلَ ذلك، اخْتاره أبو بكرٍ، وهو الصحيحُ، لأنَّه غيرُ قادرٍ على اسْتِعمالِ الطاهرِ، أشْبَه ما لو كان في بِئْرٍ لا يمكِنُه الوصولُ إليه، فإنِ احتاجَ إليهما للشُّربِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لم تَجِبْ إراقَتُهُما، بغيرِ خلافٍ، لأنّه يجوزُ له التَّيَمُّم لو كانا طاهِرَين، فههُنا أولَى، فإذا أرادَ الشُّربَ تَحرَّى وشَرِب مِن الذي يَظنُّ طهارتَه، فإن لم يَغْلِبْ على ظنِّه شيء، شَرِب مِن أحدِهِما، لأنّه حالُ ضرورَةٍ، فإذا شرِبَ مِن أحدِهما، أو أكلَ مِن المُشْتَبِهةِ بالمَيتَةِ، فهل يَلْزَمُه غَسْلُ فِيهِ؟ يَحتَمِلُ وجهين، أحدُهما، لا يَلزَمُه، لأنَّ الأصلَ الطهارةُ. والثاني، يَلزَمُه، لأنَّه مَحَلّ مُنِعَ مِن اسْتِعمالِه لأجلِ النجاسةِ، فلَزِمَه غسلُ أثَرِه، كالمُتَيَقِّنِ. فإن عَلِم عينَ النَّجِسِ اسْتُحِبَّ إراقَتُه ليُزيلَ الشَّكَّ. فإن احتاجَ إلى الشُّربِ شَرِب مِن الطاهرِ وتَيَمَّم. وإن خافَ العطشَ في ثاني الحالِ، فقال القاضي: يَتوَضَّأ بالطاهرِ، ويَحبِسُ النَّجِسَ، لأنَّه غيرُ محتاجٍ إلى شُربِه في الحالِ، فلم يَجُزِ التَّيَمُّم مع وُجودِه. قال شيخُنا: والصحيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنه يَحبِسُ الطاهرَ ويَتيَمَّمُ، لأنّ وجودَ النَّجِسِ كعدَمِه عندَ الحاجةِ إلى الشُّربِ في الحالِ، فكذلك في المالِ، وخوفُ العطشِ في إباحةِ التَّيَمُّمِ كحقيقَتِه (¬1). ¬

(¬1) المغني 1/ 85.

27 - مسألة؛ قال: (وإن اشتبه طهور بطاهر، توضأ من كل واحد منهما وصلى صلاة واحدة)

وَإنِ اشْتَبَه طَاهِرٌ بِظَهُورٍ، تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ 27 - مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبَه طَهُورٌ بطاهِرٍ، تَوَضَّأَ مِن كلِّ واحدٍ مِنْهما وصَلَّى صلاةً واحدةً) لا نعلم فيه خِلافًا، لأنَّه أمكَنَه أداءُ فرضِه بيقين مِن غيرِ حَرَجٍ، فلَزِمَه (¬1) ذلك، كما لو كانا طَهُورَين فلم ¬

(¬1) في الأصل: «فلزم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَكْفِه أحدُهما، فإنِ احتاجَ إلى أحدِ الإِناءَين للشُّربِ تَحرَّى وتَوضَّأ بالطَّهورِ عندَه، وتَيَمَّم ليَحصُلَ له اليقينُ، واللهُ أعلمُ.

28 - مسألة؛ قال: (وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس، وزاد صلاة)

وَإنِ اشْتَبَهتِ الثيابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ، صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً، بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَاد صَلَاةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ 28 - مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبهتْ ثِيابٌ طاهرة بنَجِسةٍ، صَلَّى في كلِّ ثَوْبٍ صلاةً بعَدَدِ النَّجسِ، وزادَ صلاةً) ولم يَجُزِ التَّحرِّي، وهذا قولُ ابنِ الماجِشُون؛ لأنّه أمكَنه أَداءُ فَرضِه بيقين مِن غيرِ حَرَجٍ فلَزِمَه، كما لو اشْتَبَه الطاهرُ بالطَّهُورِ، وكما لو فاتَتْه صلاةٌ مِن يوم لا يعلمُ عَينَها. وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِيّ: لا يُصَلِّي في شيءٍ منها. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: يَتحَرَّى. كقَوْلِهما في الأوانِي والقِبْلَةِ. والأوَّلُ أوْلَى. والفرقُ بينَ الثيابِ والأوانِي النَّجِسَةِ مِن وجْهين؛ أحدُهما، أنَّ اسْتعمال النَّجِسِ في الأواني

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَتنَجَّسُ به، ويَمنعُ صِحَّةَ صلاتِه في الحالِ والمَالِ، بخلافِ الثِّيابِ. الثاني، أنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ يُباحُ له الصلاةُ فيه إذا لم يَجد غيرَه، بخلاف الماءِ النَّجِسِ، والفرقُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ، أحدُها، أنَّ القِبلةَ يَكثُرُ فيها الاشْتِباهُ. الثاني، أنّ الاشْتِباة هاهُنا حَصَل بتَفْرِيطِه، لأنَّه كان يُمكِنُه تَعلِيمُ النَّجِسِ، بخلافِ القِبلةِ. الثالثُ، أنَّ القِبلةَ عليها أدِلَّة مِنَ النُّجومِ وغيرِها، فيَغلِبُ على الظنِّ مع الاجتهادِ فيها الإِصابَةُ، بحيث يَبْقَى احتمالُ الخطأ وَهْمًا ضعيفًا، بخلافِ الثيابِ. فصل: فإن لم يَعلم عددَ النَّجِسِ، صَلَّى حتى يَتَيقَّنَ أنَّه صلّى في ثوبٍ طاهرٍ، فإن كَثُرَ ذلك وشَقَّ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَتحَرَّى في أصَحِّ الوجهين، دَفْعًا للمَشقَّةِ. والثاني، لا يَتحَرَّى، لأنَّ هذا يَنْدُرُ جِدًّا، فألحِقَ بالغالِبِ (¬1). ¬

(¬1) في م: «للغالب».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن سَقَط على إنسانٍ مِن طريقٍ ماءٌ، لم يَلْزَمه السُّؤالُ عنه، قال صالح (¬1): سألتُ أبي عن الرجلِ يَمُرُّ بموضِعٍ فيَقْطر عليه قَطرة أو قَطرتان؟ فقال: إنْ كان مَخْرَجًا - يعني خَلاءً- فاغْسِلْه، وإن لم يكنْ ¬

(¬1) أبو الفضل صالح بن الإمام أحمد هو أكبر أولاده، وكان سخيا، سمع من أبيه مسائل كثيرة، وولي القضاء، مولده سنة ثلاث ومائتين، ووفاته سنة ست وستين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 173 - 176.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَخْرَجًا فلا تَسألْ عنه؛ فإنّ عُمَرَ، رَضِي الله عنه، مَرَّ هو وعمرُو بنُ العاصِ على حَوضٍ، فقال عمرٌو: يا صاحبَ الحوضِ، أتَرِدُ على حوضِكَ السِّباعُ؟ فقال عمرُ: يا صاحبَ الحوض لا تُخْبرنا، فإنّا نَرِدُ عليها، وتَرِدُ علينا. رواه مالِكٌ في «المُوطَّأ» (¬1). فإن سَأَلَ، فقال ابنُ عَقِيل: لا يَلْزَمُ المَسْئُولَ رَدُّ الجوابِ؛ لخَبَرِ عمرَ. قال شيخُنا: ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمه؛ لأنَّه سُئل عن شرطِ الصلاةِ، فلَزِمَه الجوابُ، كما لو سُئل عن القِبْلَةِ. وخَبَرُ عُمَرَ يَدُلُّ على أنَّ سُؤرَ السِّباعِ طاهرٌ. واللهُ أعلمُ (¬2). ¬

(¬1) في باب الطهور للوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 23، 24، ورواه الدارقطني، في: باب الماء المتغير، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 32. (¬2) المغني 1/ 88.

باب الآنية

بَابُ الآنِيَةِ كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتعمَالُهُ، وَلَوْ كَانَ ثَمِينًا؛ كَالْجَوْهرِ، وَنَحوهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ الآنيةِ قال، رحمه الله: (كلُّ إناءٍ طاهِرٍ يُباحُ اتِّخاذُه واسْتِعْمالُه. ولَو (¬1) كان ثَمِينًا، كالجَوْهرِ ونَحوه) وجملةُ ذلك أنَّ جميعَ الآنِيَةِ الطاهرةِ مُباح اتِّخاذُها واسْتِعمالُها، سواءٌ كان ثَمِينًا؛ كالبِلَّوْرِ (¬2) والياقوتِ والزُّمُرُّدِ، أوَ ليس بثَمِين، كالعَقِيقِ والخَشَبِ والخَزَفِ والحِجارَةِ والصُّفْر (¬3) والحديدِ والأدَمِ ونحوه، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا ¬

(¬1) سقطت الواو من: «م». (¬2) في البلور لغتان: كسر الباء مع فتح اللام مثل سنور، وفتع الباء مع ضم اللام وهي مشدودة فيهما مثل تنور. (¬3) الصفر: النحاس.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنه رُوى عن ابنِ عُمَرَ أنه كَرِه الوُضوءَ في الصُّفْرِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ، وما أشْبَهَه. واختارَ ذلك أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ، لأنّ الماءَ يتغير فيها، وقال: ورُوى أن المَلائِكَةَ تَكرهُ رِيحَ النّحاسِ. وقال الشافعيُّ في أحدِ قولَيه: ما كان ثمينًا، لنَفِاسَةِ جَوْهَرِه، فهو مُحرَّم، لأنّ فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ، وكسْرَ قلوبِ الفقراءِ، أشْبَهَ الأثْمانَ، ولأنَّ تَحرِيمَ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ تَنبِيهٌ على تحرِيمِ ما هو أنفَسُ منهما. ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، قال: أتانا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ (¬1) مِن صُفْرٍ فَتَوَضَّأ. رواه البُخارِيُّ (¬2). وعن عائشةَ قالتْ: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في تَوْرٍ مِن شَبَهٍ (¬3). رواه أبو داود (¬4). وأمَّا آنِيَةُ الجواهِرِ فلا يَصحُّ قياسُها على الأثْمانِ لوجهَين، أحدُهما، أنَّ هذا لا يَعِرفُه إلّا خَواصّ الناسِ، فلا تَنكَسِرُ قلوبُ الفقراءِ لكَوْنِهم لا يَعرِفونَه. الثاني، أنَّ هذه ¬

(¬1) التور: إناء يشرب فيه. (¬2) في: باب الغسل والوضوء في الخضب والقدح والخشب والحجارة، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 61. كما أخرجه مسلم، في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة، عن عبد الله بن زيد، ولم يذكر فيه تورا من صفر. صحيح مسلم 1/ 210 - ، 211. وأبو داود، في: باب الوضوء في آنية الصفر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 23. وابن ماجه، في: باب الوضوء بالصفر، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 159. (¬3) الشبه من المعادن: ما يشبه الذهب في لونه، وهو أرفع الصفر. (¬4) في: باب الوضوء في آنية الصفر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 22.

29 - مسألة؛ قال: (إلا آنية الذهب والفضة، والمضبب بهما، فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء)

إلا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الجواهِرٍ لقِلَّتِها، لا يَحصُلُ اتِّخاذُ الآنيةِ منها إلَّا نادِرًا، ولو اتُّخِذَتْ كانت مَصُونَة، لا تُسْتَعْمَلُ ولا تَظهَرُ غالبًا، فلا تُفضِي إباحَتُها إلى اسْتِعْمالِها، بخلافِ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ، فإنَّها في مَظِنَّةِ الكَثْرَةِ، فكان التَّحريمُ مُتعلِّقًا بِالمَظِنَّةِ، فلم يَتجاوَزْه،؟ تَعَلَّقَ حكمُ التَّحريمِ في اللباس بالحريرِ، وجازَ استعمالُ القَصَبِ مِن الثيابِ وإن زادتْ قِيمَتُه على قيمةِ الحرِيرِ، ولو جعلَ فَصَّ خَاتَمِه جَوهَرةً ثَمِينة، جازَ، ولو جَعَلَه ذَهبًا، لم يَجُزْ. 29 - مسألة؛ قال: (إلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمُضَبَّبَ بِهِما، فإنَّه يَحْرُمُ اتِّخاذُها واسْتِعْمالُها على الرِّجالِ والنِّساءِ) قال شيخُنا، رحمه الله (¬1): لا يَختَلِفُ المذهبُ، فيما عَلِمْنا، في تحريمِ اتِّخاذِ آنيةِ الذهبِ ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 103.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والفضةِ، وحُكِي عن الشافعيِّ إباحَتُه؛ لتَخْصِيصِ النَّهْي بالاستعمالِ، ولأنّه لا يَلزَمُ مِن تحريمِ الاستعمالِ تحريمُ الاتِّخاذِ، كما لو اتَّخذَ الرجلُ ثيابَ الحريرِ، وذكَرَه بعضُ أصحابِنا وجهًا في المذهبِ. ولَنا، أنَّ ما حَرُمَ استِعمالُه مُطلقًا، حَرُمَ اتِّخاذُه على هَيئةِ الاستعمال كالمَلاهِي، وأمّا ثيابُ الحرِيرِ، فإنّها تُباحُ للنِّساءِ، وتُباحُ التِّجارةُ فيها، فحصَلَ الفرقُ، وأمّا تَحْرِيمُ استِعمالِها فهو قَولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وعن مُعاويةَ بنِ قُرَّةَ (¬1)، أسنه قال: لا بَأسَ بالشُّربِ مِن قَدَحِ فضَّةٍ. وعن الشافعيِّ قولٌ، أنه مَكرُوة غيرُ مُحرَّمٍ؛ لأنّ النَّهْيَ لما فيه مِن التَّشَبُّهِ بالأعاجِمِ، فلا يَقتَضِي التَّحْريمَ. وَلَنا، ما روَى حُذَيفَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّها لَهُمْ فِي الدُّنيا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ». وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: قال ¬

(¬1) معاوية بن قرة بن إياس، المزني، البصري، أبو إياس. تابعي ثقة، توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. تهذيب التهذيب 10/ 216، 217.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الذِى يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». متَّفَقٌ عليهما (¬1). فتَوَعد عليه بالنّارِ، فدَلَّ على تَحْرِيمِه. ولأنَّ في ذلك. سَرَفًا وخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوبِ الفقراءِ. دَلَّ الحديثان على تحريمِ الأكلِ والشربِ، فكذلك الطهارَةُ وسائِرُ الاستعمالِ (¬2). ولأنه إذا حَرُمَ في غيرِ العبادةِ ففيها أولَى، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ الرجالِ والنساءِ؛ لعُمُومِ النَّصِّ والمعنى فيهما، وإنَّما أبِيحَ التَّحَلِّي في حق المرأةِ لحاجَتِها إلى التَّزيُّنِ للزَّوجِ، وهذا يَخْتَصُّ الحَلْىَ، فاخْتَصَّتِ الإِباحَةُ به، وكذلك المُضَبَّبُ (¬3) بهما، فإن كان كثيرًا فهو مُحرَّم بكلِّ حالٍ، ذهبًا كان أو فِضَّةً، لحاجةٍ أو غيرِها. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو مُباح؛ لأنّه تابعٌ للمُباحِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ. ولَنا ما روَى ابنُ ¬

(¬1) أخرجهما البخاري، في باب الأكل في إناء مفضض، من كتاب الأطعمة، وفي: باب الشرب في آنية الذهب، وباب آنية الفضة، من كتاب الأشربة، وفي: باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 99، 146، 193. ومسلم، في: باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة. . . . إلخ، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1634، 1635، والنسائي، في: باب النهي عن لبس الديباج، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 175. وابن ماجه، في: باب الشرب في آنية الفضة، من كتاب الأشربة. سنن ابن ماجه 2/ 1130. والدارمي، في: باب الشرب في المفضض، من كتاب الأشربة. سنن الدارمي 2/ 121. والإمام مالك، في: باب النهي عن الشرب في آنية الفضة والنفخ في الشراب، من كتاب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -. الموطأ 2/ 924، 925. والإمام أحمد، في: 1/ 321، 6/ 98، 301، 302، 304، 306. (¬2) في الأصل: «الأعمال». (¬3) المضبب: ما صنعت له ضبة من حديد أو صُفْر أو غيرهما يُشْعَب به.

30 - مسألة؛ قال: (فإن توضأ منهما أو اغتسل، فهل تصح طهارته؟ على وجهين)

فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ عمرَ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذلِكَ، فَإنمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». رَواه الدَّارَقُطْنِي (¬1). ولأنَّ فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ، أشْبَهَ الصُّفْرَ الخالِصَ، وفارَقَ اليسيرَ، فإنّه لا يُوجَدُ فيه المعنى المُحَرَّمُ. 30 - مسألة؛ قال: (فإنْ تَوَضَّأ منهما أو اغْتَسَلَ، فهل تَصِحُّ طَهارتُه؟ على وَجْهَين) أحدُهما، تَصِحُّ طهارَتُه، اخْتارَه الخِرَقِيّ، وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي، والشَّافعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ فِعْلَ الطَّهارَةِ وماءَها لا يَتَعَلَّقُ بشيءٍ مِن ذلك، أشْبَهَ الطهارةَ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ. والثاني، لا تَصِحُّ. اختارَه أبو بكرٍ، لأنَّه اسْتَعْمَل المُجَرَّمَ في العبادةِ، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلَّى في دارٍ مَغْصُوبَةٍ. والأولُ أصحُّ. ويُفارِقُ هذا الصلاةَ في الدارِ المغصوبةِ؛ لأن القِيامَ والقُعُودَ والرُّكُوعَ والسُّجُودَ في الدار المغصوبةِ مُحَرَّم، وهي أفعالُ الصلاةِ، وأفعالُ الوُضُوءِ مِن الغَسْلِ ¬

(¬1) في: باب أواني الذهب والفضة، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 40.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والمَسْحِ ليس بمُحَرَّم؛ إذ ليس هو اسْتِعْمالًا للإِناء، وإنّما يَقعُ ذلك بعدَ رفع الماءِ مِن الإِناء وفَصْلِه عنه، فهو كما لو اغْتَرَفَ بإناءِ فِضَّةٍ في إناءٍ غيرِه وتَوَضأ منه. ولأنَّ المكانَ شَرْطٌ في الصلاةِ لا يُمكِنُ وُجُودُها إلَّا به، والإِناءُ ليس بشَرْطٍ، فهو كما لو صَلَّى وفي يَدِه خَاتَم ذَهَب. فإن جَعَل آنِيَةَ الذَّهَبِ مَصَبًّا لماءِ الوُضوءِ والغُسْلِ، يَقعُ فيه الماءُ المُنْفَصِلُ عن العُضْو، صحَّ الوُضوءُ؛ لأنَّ المُنفصِلَ الذي يَقعُ في الآنِيَةِ قد رَفَع الحَدَثَ، فلم يَبْطُلْ بوُقوعِه في الإِناءِ، ويَحْتَمِل أنْ تكونَ كالتي قبلَها، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنّ الفَخْرَ والخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوب الفقراءِ حاصِلٌ ههُنا، كحصُوله في التي قبلَها، بل هو ههُنا أبلَغُ، وفِعْلُ الطَّهارةِ يَحْصُلُ ههُنا قبلَ وصولِ الماءِ إلى الإِناءِ، وفي التي قبلَها بعدَ فَصْلِه عنه، فهي مِثْلُها في المعنى، وإن افْتَرَقا في الصُّورَةِ. فصل: فإن تَوَضَّأ بماءٍ مَغْصُوبٍ، فهو كما لو صَلَّى في ثوب مغْصُوبٍ، لا تَصِحُّ في أصَحِّ (¬1) الوَجْهَين، ووَجْهُه ما يأتي في بابِه. ¬

(¬1) في الأصل: «أحد».

31 - مسألة، قال: (إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة، كتشعيب القدح، فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال)

إلا أن تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ؛ كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ، وَنَحْوهِ، فلا بَأسَ بِهَا، إِذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالاسْتِعْمَالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 31 - مسألة، قال: (إلَّا أنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِن الفِضَّةِ، كتَشْعِيبِ القَدَحِ، فلا بَأسَ بها إذا لم يُباشِرْها بالاسْتِعْمالِ) ومِمَّن رَخَّص في ضَبَّةِ الفِضَّةِ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ (¬1)، ومَيسَرَةُ (¬2)، وطاوُس (¬3)، والشافعيُّ، ¬

(¬1) أبو عبد الله سعيد بن جبير الوالبي، مولاهم، التابعي الفقيه المفسر، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين. العبر 1/ 112. (¬2) أبو جميلة ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي صاحب راية علي، ثقة. تهذيب التهذيب 10/ 387. (¬3) أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان اليماني الجندي، من فقهاء التابعين، وكان جليلا، توفي بمكة حاجا سنة ست ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 73، العبر 1/ 130، 131.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأي، وإسحاقُ، وقال: قد وضَع عمر بنُ عبد العزيزِ فاه بينَ ضبَتّينِ. وكان ابنُ عمرَ لا يشرَبُ مِن قَدَحٍ فيه فضَّةٌ ولا ضَبَّةٌ. وكَرِهَ الشُّربَ في الإِناءِ المُفَضَّض عليُّ بنُ الحسين (¬1)، وعطاءٌ، وسالِم (¬2)، والمُطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ (¬3). ونَهَتْ عائشةُ أن يُضَبِّبَ ¬

(¬1) يعني علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين، روى عن أبيه وعمه الحسن، وأرسل عن جده - صلى الله عليه وسلم -. تهذيب التهذيب 7/ 305 - 307. (¬2) أبو عمر سالم عبد الله بن عمر بن الخطاب. من فقهاء التابعين في المدينة، كان إليه الأمر بعد سعيد بن المسيب، توفي سنة ست ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 62. (¬3) المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي، تابعي. انظر الكلام في توثيقه في: تهذيب التهذيب 10/ 178، 179.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الآنِيَةَ، أو يُحَلِّقَها بالفِضَّةِ، ونحوه قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، ولعلَّهم كَرِهُوا ما قُصِدَ به الزينَةُ، أو كان كثيرًا، فيكونُ قولُهم وقولُ الأوَّلِينَ واحدًا، ولا يكونُ في المسألةِ خلافٌ. فأمّا اليَسِيرُ كتَشْعِيبِ القَدَحِ ونَحْوه، فلا بَأسَ به؛ لما روَى أنسُ بنُ مالِكٍ، أنَّ قَدَحَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْكَسَر، فاتَّخَذ مكانَ الشَّعبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ. رواه البُخارِيُّ (¬1). قال القاضي: يُباحُ يَسِيرُ الفِضَّةِ مع الحاجةِ وعَدَمِها. لما ذكرْنا، ولأنّه ليس فيه ¬

(¬1) في: باب ما ذكر من درع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعصاه. . . إلخ، من كتاب الخمس. صحيح البخاري 4/ 101. وانظر: باب الشرب من قدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وآنيته، من كتاب الأشربة. صحيح البخاري 7/ 147.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَرَفٌ ولا خُيَلاءُ، أشْبَهَ الصُّفْرَ، إلَّا أنه كَرِه الحَلْقَةَ، لأنّها تُسْتَعْمَلُ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تُباحُ إلّا لحاجَةٍ، لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في تَشْعِيبِ القَدَحِ، وهو للحاجةِ. ومعنى ذلك أن تَدْعُوَ الحاجةُ إلى فِعْلِه، وليس معناه أن لا يَنْدَفِعَ بغيره. ويُكْرهُ مُباشَرةُ مَوْضِع الفِضَّةِ (¬1) بالاستعمالِ؛ لِئَلَّا يكونَ مُسْتَعْمِلًا للفضةِ التي جاء الوعيدُ في اسْتِعْمالِها. ¬

(¬1) في الأصل: «الضبة».

32 - مسألة؛ قال: (وثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال، ما لم تعلم نجاستها)

وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاسْتِعْمَالِ، مَا لمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 32 - مسألة؛ قال: (وثِيابُ الكُفَّارِ وأوانِيهِم طاهِرَةٌ مُباحَةُ الاسْتِعْمالِ، ما لم تُعلَمْ نَجاسَتُها) والكُفّارُ على ضَرْبَين؛ أهلِ الكتابِ، وغيرِهم، فأمَّا أهلُ الكتابِ، فيُباحُ أكلُ طعامِهم وشرابِهم، واستعمالُ آنِيَتهم، ما لم تُعْلَمْ نَجاسَتُها. قال ابنُ عَقِيل: لا تَختَلِفُ الرِّوايةُ في أنه لا يَحرُمُ استعمالُ أوانيهم؛ لقَوْلِ الله تِعالى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (¬1). وعن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّيَ جِرابٌ مِن شَحْم يومَ ¬

(¬1) سورة المائدة 5.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ خَيبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللهِ لا أُعْطِي أحدًا منه شيئًا. فالْتَفَتُّ فإذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَبَسَّمُ. روَاه مسلم (¬1). ورُويَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أضافَه يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ (¬2). من المُسْنَدِ (¬3). وتَوَضَّأ عمر مِن جَرَّةِ نَصْرانِيَّةٍ (¬4). وهل يُكْرَهُ استعمالُ أوانِيهم؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، لا ¬

(¬1) في: باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب، من كتاب الجهاد 3/ 1393. وأخرجه البخاري بمعناه، في: باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب من كتاب الخمس، وفي: باب غزوة خيبر، من كتاب المغازي، وفي باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم، من كتاب الذبائح. صحيح البخاري 6/ 114، 5/ 72، 7/ 120. وأخرجه أبو داود، في: باب إباحة الطعام في أرض العدو، من كتاب الجهاد. سنن أبي داود 2/ 60. والنسائي، في: باب ذبائح اليهود، من كتاب الضحايا. المجتبى 7/ 209. والدارمي، في: باب أكل الطعام قبل أن تقسم الغنيمة، من كتاب السير سنن الدارمي 2/ 238. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 86، 5/ 56. (¬2) الإهالة: الودك المذاب، والسنخة: المتغيرة الريح. (¬3) 3/ 211. (¬4) أخرجه الدارقطني، في: باب الوضوء بماء أهل الكتاب، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 32.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُكْرَه؛ لما ذكرْنا. والثانية، يُكْرَهُ؛ لما روَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا بأَرْضِ قوم أهلِ كتابٍ، أفنَأكُلُ في آنِيتِهم؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ وَجَدْتُمْ غَيرَهَا فَلَا تَأكُلُوا فِيهَا، وإنْ لَمْ تَجِدُوا غَيرَهَا فَاغْسِلُوهَا وكُلُوا فِيهَا». متَّفَقٌ عليه (¬1) وأقَلُّ أحْوالِ النَّهْي الكَراهَةُ. ولأنَّهم لا يَتَوَرَّعُون عن النَّجاسةِ، ولا تَسْلَمُ آنِيَتُهم مِنها، وأدْنَى ما يُؤثر ذلك الكَراهَةُ. وأمَّا ثيابُهم فما لم يَسْتَعْمِلُوه، أو ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب صيد القوس، وباب ما جاء في التصيد، وباب آنية المجوس والميتة، من كتاب الذبائح. صحيح البخاري 7/ 111، 114، 117. ومسلم، في: باب الصيد بالكلاب المعلمة، من كتاب الصيد. صحيح مسلم 3/ 1532. وأبو داود، في: باب الأكل في آنية أهل الكتاب، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 327. والترمذي، في: باب ما جاء ما يؤكل من صيد الكلب. وما لا يؤكل، من أبواب الصيد، وفي: باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين، من أبواب السير، وفي: باب ما جاء في آنية الكفار، من أبواب الأطعمة. عارضة الأحوذي 6/ 552، 7/ 51، 299. وابن ماجه، في: باب صيد الكلب، من كتاب الصيد. سنن ابن ماجه 2/ 1069، 1070. والدارمي، في: باب الشرب في آنية المشركين، من كتاب السير، سنن الدارمي 2/ 233، 234. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 184، 4/ 193، 195.

المقنع وعَنْهُ، مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاويلِ وَنَحْوهِ، لا يُصَلَّى فِيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ علا منها، كالعِمامَةِ، والثوبِ الفَوْقانِيِّ، فهو طاهِرٌ لا بَأسَ بلُبْسِه، وما لاقَى عَوْراتِهم، كالسَّراويلِ، ونَحْوه، فرُوىَ عن أحمدَ أنه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعِيدَ إذا صَلَّى فيه. وهذا قولُ القاضي. وكَرِه أبو حنيفةَ والشافعيُّ لُبْسَ الأزُرِ والسَّراويلاتِ، وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُعِيدُ؛ لأنّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ (¬1) بالشَّكِّ. الضربُ الثاني، غيرُ أهلِ الكتابِ، وهم المَجُوسُ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ، ونحوُهم، ومَن يَأكلُ لحمَ الخِنْزِيرِ مِن أهل الكتابِ في مَوْضِع يُمْكِنُهم أكْلُه، أو يَأكلُ المَيتَةَ، أو يَذْبَحُ بالسِّنِّ والظفْرِ، فحُكْمُ ثِيابِهم حُكْمُ ثيابِ أهلِ الذِّمَّةِ، عملًا بالأصلِ، وأمَّا أوانِيهِم، فقال أبو الخَطَّاب: حُكْمُها حكمُ أوانِي أهلِ الكتابِ، يُباحُ اسْتِعْمالُها ما لم يَتَحَقَّقْ نَجاسَتَها. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ. متَّفَق عليه (¬2). ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. ¬

(¬1) في الأصل: «يزال». (¬2) انظر ما أخرجه البخاري، في: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، من كتاب الطهارة، وفي: باب علامات النبوة في الإسلام، من كتاب المناقب؛ صحيح البخاري 1/ 93، 4/ 232. ومسلم، في: باب قضاء الصلاة الفائتة. . . .، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 474. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 434، 435.

وَعَنْهُ، أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتهِمْ إلا بَعْدَ غَسْلِهِ، وَلَا يُؤكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إلا الْفاكِهَةُ وَنَحْوُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: هي نَجسَةٌ، لا يُسْتَعْمَل ما اسْتَعْمَلُوه منها إلَّا بعدَ غَسْلِه؛ لحديثِ أبي ثَعْلَبَةَ، ولأَنَّ أوانِيَهم لا تَخْلُو مِن أطْعِمَتِهِم، وذَبائِحُهُم مَيتَةٌ، فتَتَنَجَّسُ بها. وهذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال في المَجُوسِ: لا يُؤكَلُ مِن طَعامِهِم إلَّا الفَاكِهَةُ؛ لأنَّ الظاهِرَ نجاسةُ آنِيتهم المستعْمَلَةِ في أطْعِمَتِهم. ومتى شَكَّ في الإِناءِ، هل اسْتَعمَلُوه، أم لا؟ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ طهارتُه، ولا نعلم خلافًا بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ لُبْس الثوبِ الذي نَسَجَه الكُفَّارُ، فإنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه إنَّما كان لِبَاسُهُم مِن نَسْجِ الكُفَّارِ، إلَّا أنَّ ابنَ أبي موسى ذكَر في «الإِرْشادِ» في وُجوبِ غَسْلِها قبلَ لُبْسِها رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، وهو الصحيحُ؛ لما ذكرْنا. والثانية، يَجِبُ؛ لتَيَقُّنِ (¬1) الطَّهارةِ. فأمَّا ثِيابُهم التي يَلْبَسُونها، فأباحَ الصلاةَ فيها الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأيِ. وقال مالِكٌ في ثوبِ الكافرِ: إن صَلَّى فيه يُعيدُ، ما دامَ في الوقتِ. ولَنا، أنَّ الأصلَ الطهارةُ، ولم يَترَجَّحِ التنجِيس فيه، أشْبَهَ ما نَسَجَه الكُفَّارُ (¬2). ¬

(¬1) في م: «ليتيقن». (¬2) في الأصل: «الكافر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وتُباحُ الصلاةُ في ثيابِ الصِّبيانِ والمُربِّياتِ، وفي ثوبِ المرأةِ الذي تَحِيضُ فيه إذا لم تَتحَقَّقْ نَجاسَتَه، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وهو حامِل أُمامَةَ بنتَ أبي العاص بنِ الرَّبِيع. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي، فإذا سَجَد وَثب الحَسنُ على ظَهْرِه (¬2). قال أصحابُنا: والتَّوَقِّي لذلك أوْلَى، لاحْتِمالِ النجاسةِ فيه. وقد روَى أبو داودَ (¬3) عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُصَلِّي في شُعُرِنا ولُحُفِنا. ولُعابُ الصبيَانِ طاهِر، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، قال: رَأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حامِلَ الحُسَينِ بنِ علي على عاتِقِه، ولُعابُه يَسِيلُ عليه (¬4). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، من كتاب الصلاة، وفي: باب رحمة الولد وتقبيله، من كتاب الأدب. صحيح البخاري 1/ 137، 8/ 8. ومسلم، في: باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 385. وأبو داود، في: باب العمل في الصلاة، من كتاب الصلاة، سنن أبي داود 1/ 210، 211. والنسائي، في: باب حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 10. والإمام مالك، في: باب جامع الصلاة، من كتاب قصر الصلاة في السفر. الموطأ 1/ 170. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 304. (¬2) انظر: باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة، من كتاب الصلاة، في سنن النسائي. المجتبى 2/ 182، والمسند، للإمام أحمد 3/ 494، 6/ 467. (¬3) في: باب الصلاة في شعر النساء، من كتاب الطهارة، وفي: باب الصلاة في شعر النساء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 88، 150. وأخرج نحوه الترمذي، في: باب كراهية الصلاة في لحف النساء، من أبواب الجمعة وبقية أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 3/ 80. (¬4) أخرجه ابن ماجه، في: باب اللعاب يصيب الثوب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 216. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 279، 406، 467.

33 - مسألة، قال: (ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ)

وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيتَةِ بِالدِّبَاغِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَجِبُ غَسْلُ الثوبِ المَصْبُوغِ في حُبِّ الصَّبَاغِ (¬1)، مُسْلِمًا كان أو كِتابِيًّا، أو كافرًا (¬2). نَصَّ عليه أحمدُ، عَمَلًا بالأصلِ، فإن عُلِمَتْ نجاسَتُه طَهُرَ بالغَسْلِ، وإن بَقِيَ اللَّوْنُ، لقَوْلِه، عليه السَّلامُ، في الدَّمِ: «المَاءُ يَكْفِيكِ، وَلا يَضُرُّكِ أثرهُ». رَواه أبو داودَ (¬3). فصل: ويُستَحَبُّ تَخْمِيرُ الأوانِي وإيكاءُ الأسْقِيَة؛ لما روَى أبو هُريرَةَ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نُغَطيِّ الإِناءَ، ونُوكِيَ السِّقاءَ (¬4). 33 - مسألة، قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ المَيتَةِ بالدِّباغِ) هذا هو الصحيحُ مِن المذهبِ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ، رُوى ذلك عن عُمَرَ وابنه، وعائشةَ، وعِمْرانَ بنِ حُصين، رَضِي اللهُ عنهم، لما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُكَيم، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كَتَبَ إلى جُهَينَةَ: «إنِّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ المَيتَةِ، فإذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هذَا فَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإهَابٍ وَلا ¬

(¬1) حب الصباغ: الوعاء الذي يصبغ فيه. (¬2) سقط من: «م». (¬3) في: باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 88. (¬4) أخرجه ابن ماجه، في: باب تخمير الإناء، من كتاب الأشربة. سنن ابن ماجه 2/ 1129. وورد الأمر بذلك من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه البخاري، في: باب تغطية الإناء، من كتاب الأشربة. صحيح البخاري 5/ 144. ومسلم، في: باب الأمر بتغطية الإناء. . . .، من كتاب الأشربة. صحيح مسلم 3/ 1594 - 1596. وأبو داود، في: باب في إيكاء الآنية، من كتاب الأشربة. سنن أبي داود 2/ 304. وابن ماجه في الموضع السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَصَبٍ». رَواه أبو داودَ (¬1). [وليس في رِواية أبي داودَ: «كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكْمُ»] (¬2). والإِمامُ أحمدُ (¬3)، وقال: إسْنادٌ جَيِّدٌ، يَرْويه يحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى عنه. وفي لفظٍ: أتانا كتابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ وفاتِه بشَهْرٍ أو شَهْرَينِ (¬4). وهو ناسِخٌ لما قبلَه، لأنّه في آخِرِ عُمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولفظُه دَالٌّ على سَبْقِ الرُّخْصَةِ، وأنَّه مُتأَخِّرٌ عنه، لقولِه: «كُنْتُ رَخَّصت لَكُمْ». وإنَّما يُؤخَذُ بالآخِرِ مِن أمرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فإن قِيل: هذا مُرْسَلٌ، لأنَّه مِن كتابٍ لا يُعْرَفُ حامِلُه. قلنا: كتابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كلَفْظِه، ولذلك لَزِمَتِ ¬

(¬1) في: باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 387. وكذلك رواه الترمذي، في: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذي 7/ 234، 235. والنسائي، في: باب ما يدبغ به جلود الميتة، من كتاب الفرع والعتيرة المجتبى 7/ 155. وابن ماجه، في: باب من قال لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1194. (¬2) بعد هذا في حاشية ش: «ولا عند أحمد؛ بل ذلك من رواية الطبراني والدارقطني». وهذا كله في الأصل بعد قوله: «عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه». (¬3) في المسند: 4/ 310، 311. (¬4) انظر ما مر في تخرج الحديث السابق. قال الترمذي: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث؛ لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: هذا آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده؛ حيث روى بعضهم فقال عن عبد الله بن حكيم عن أشياخ لهم من جهينة. عارضة الأحوذي 7/ 235، 236.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الحُجَّةُ مَن كَتَب إليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وحَصَل له البَلاغُ؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ حُجَّةً، لم تَلْزَمْهُم الإِجابَةُ، ولكان لهم عُذْرٌ في تَرْكِ الإِجابةِ؛ لِجَهْلِهم بحامِلِ الكتابِ، والأمْرُ بخلافِ ذلك. ورَوَى أبو بكرٍ الشافعيّ، بإسْنادِه، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِشَيْءٍ» (¬1). وإسْنادُه حسنٌ، ولأنَّه جُزْءٌ مِن المَيتَةِ، فحَرُمَ الانْتِفاعُ به كَسائِرِها، ولقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ} (¬2). ¬

(¬1) جمع الجوامع، للسيوطي 1/ 907. (¬2) سورة المائدة 3.

34 - مسألة؛ قال: (وهل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين)

وَهَل يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي اليابِسَاتِ بَعْدَ الدَّبْغِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 34 - مسألة؛ قال: (وهل يجوز اسْتِعْمالُه في اليابِسات بعدَ الدَّبْغِ؟ على رِوايَتَينِ) إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيم. والثانية، يجوز الانْتِفاعُ بِجِلْدِ ما كان طاهِرًا حال الحَياةِ إذا دُبِغ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَجَد شَاةً مَيِّتةً أعْطِيَتهَا (¬1) مَوْلاةٌ لِمَيمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) في الأصل: «أعطتها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى الله عليه وسلم -: «ألَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ». رواه مسلمٌ (¬1) ولأنَّ الصَّحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، لَمّا فتَحُوا فارِسَ، انْتَفَعُوا بسُرُوجِهم وأسْلِحَتهم، وذبائحُهم مَيتَةٌ، ونَجاسَتُه لا تَمنَعُ الانْتِفاعَ به، كالاصْطِيادِ بالكلبِ، وركوبِ البَغْلِ والحِمارِ. ¬

(¬1) في: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 276، 277.كما أخرجه البخاري، في: باب الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الزكاة، وفي: باب جلود الميتة قبل أن تدبغ، من كتاب البيوع، وفي: باب جلود الميتة، من كتاب الذبائح. صحيح البخاري 2/ 158، 3/ 107، 7/ 124. وأبو داود، في: باب في أهب الميتة، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 386، 387. والترمذي، في: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذي 7/ 234. والنسائي، في: باب جلود الميتة، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 151، 152. وابن ماجه، في: باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 3/ 1193. والدارمي، في: باب الاستمتاع بجلود الميتة، من كتاب الأضاحي. سنن الدارمي 2/ 86. والإمام مالك، في: باب ما جاء في جلود الميتة، من كتاب الصيد. الموطأ 2/ 498. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 262، 327، 330، 365، 366، 6/ 329. وانظره أيضًا في: 1/ 227، 277، 327، 372، 6/ 334.

35 - مسألة؛ قال: (وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهرا حال الحياة)

وَعَنْهُ، يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 35 - مسألة؛ قال: (وعنه: يَطهُرُ مِنْها جِلْدُ ما كان طاهِرًا حال الحياةِ) نصَّ أحمد على ذلك، قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما يَطْهُرُ جِلْدُ ما كان مأكُولَ اللَّحْمِ. وهو مذهبُ الأوْزاعِي (¬1)، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه رُويَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ». رواه الإِمامُ ¬

(¬1) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمر بن يحمد الأوزاعي، إمام الشاميين وفقيههم، وأحد الزهاد والكتاب المترسلين، توفي سنة سبع وخمسن ومائة. وفيات الأعيان 3/ 127، 128، العبر 1/ 227.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدُ، وأبو داودَ (¬1). فَشَبَّهَ الدِّباغَ بالذَّكاةِ، والذَّكاةُ إنّما تَعْمَلُ في مأكولِ اللَّحمِ، ولأنَّه أحدُ المُطَهِّرين للجِلْدِ، فلم يُوثِّرْ في غيرِ مَأكُولٍ كالذَّبْحِ. والأوَّلُ ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لعُمُومِ لفظِه في ذلك، ولأنَّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ» (¬2). يَتَناوَلُ المَأكُولَ وغيرَه، وخَرَجَ مِنه ما كان نَجِسًا في الحياةِ، لكَوْنِ الدَّبْغ إنَّما يُوثِّرُ في رَفْعِ نجاسةٍ حادِثةٍ بالموتِ، فتَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ العُمُومِ. وحديثُهم يَحْتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ التَّطْيِيبَ، مِن قَوْلِهم: رائِحة ذَكِيَّةٌ. أي: طيَبة. ويَحتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ الطهارةَ، فعلى هذَين التأويلَين يكون اللَّفْظُ عامًّا في كلِّ جِلْدٍ، فيَتَناولُ ما اختَلَفْنا فيه، ويَدُلُّ على التَّأويلِ الذي ذكرْنا، أنه لو أرادَ بالذَّكاةِ الذَّبْحَ لأضافَه إلى الحيوانِ كلِّه، لا إلي الجِلْدِ. فصل: فأمَّا جُلُودُ السِّباعِ، فقال القاضي: لا يجوزُ الانْتِفاعُ بها قبلَ الدِّباغِ ولا بعدَه. وبذلك قال الاوزاعِيُّ، وابنُ المُبارَكِ (¬3)، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوىَ عن عُمَر وعلي، رَضِي اللهُ عنهما، كَراهَة ¬

(¬1) لم يخرجه بهذا اللفظ إلا الإمام أحمد في: المسند 3/ 476، 5/ 6. وأخرجه النسائي بنحوه، في: باب جلود الميتة، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 153، 154. (¬2) رواه الترمذي، في: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، من أبواب اللباس، عارضة الأحوذي 7/ 232، 233. والنسائي، في: باب جلود الميته، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 153. والدارمي، في: باب الاستمتاع بجلود الميتة، من كتاب الأضاحي. سنن الدارمي 2/ 85. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 219، 270، 343. (¬3) أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي الحنظلي، الإمام الزاهد، جمع العلم والفقه والأدب، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة. الجواهر المضية 2/ 324 - 326.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةِ في جُلُودِ الثَّعالِبِ. [وأباحَ الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، وأصحابُ الرَّأي الصلاةَ في جُلُودِ الثَّعالِب؛ لأنَّ الثَّعالبَ تُفْدَى في الإِحْرامِ، فكانت مُباحَةً، ولما ثبَتَ مِنَ الدَّليلِ على طهارة جُلُود المَيتَةِ بالدِّباغِ. وجُلودُ الثَّعالبِ يُبْنَى حُكمُها على حِلِّها، وفيها رِوَايتانِ، فكذلك يُخَرَّجُ في جُلُودها، فإنْ قُلْنا بتَحرِيمها، فحُكمُ جُلُودِها حُكمُ بَقيَّةِ جُلُودِ السِّباعِ، وكذلكَ السَّنانيرُ البَرِّيَّةُ، فأمَّا الأهلِيَّةُ فمُحرَّمَةٌ. وهل تَطْهُرُ جُلودُها بالدِّباغِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ] (¬1). ورَخَّص في جلودِ السباعِ جابِرٌ. ورُوى عن ابنِ سِيرِينَ، وعُرْوَةَ (¬2)، [أنَّهما رَخَّصا] (¬3) في الرُّكوبِ على جُلُودِ النُّمُورِ. ومذهبُ الشّافعيِّ طهارةُ جلودِ الحيواناتِ كلها إلَّا الكلبَ والخِنْزِيرَ؛ لأنّه يَرى طهارَتَها في حالِ الحياةِ، وله في جِلْدِ الآدَمِيِّ وَجْهان. وقال أبو حنيفةَ: يَطْهُرُ كلُّ جلدٍ إلَّا جلدَ الخِنْزِيرِ. وحُكِي عن أبي يوسفَ طهارةُ كلِّ جلدٍ. وهو روايةٌ عن مالكٍ. ومذهبُ مَن حَكَم بطهارةِ جلُودِ (¬4) الحيواناتِ كلها؛ لعُمُومِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ». مُتَّفَق عليه. ولَنا، ما روَى أبو رَيحانَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ركُوبِ النُّمورِ. رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬5). وعن ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام، من فقهاء التابعين بالمدينة، توفي سنة أربع وتسعين. طبقات الفقهاء للشيرازي 58، 59. (¬3) في الأصل، م: «أنهم رخصوا». (¬4) سقط من: «م». (¬5) أخرجه أبو داود، في: باب في جلود النمور والسباع، من كتاب اللباس، وفي: باب ما جاء في الذهب للنساء، من كتاب الخاتم. سنن أبي داود 2/ 388، 410. والنسائي، في: باب النتف، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 123. وابن ماجه، في: باب ركوب النمور، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجة 2/ 1205. =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُعاويةَ، والمِقْدامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنْ جُلودِ السِّباعِ (¬1) والرُّكوبِ عليها. روَاه أبو داودَ، والنَّسائِي (¬2). مع [ما ذَكَرْنا من نَهْي النبيِّ] (¬3) - صلى الله عليه وسلم - عن الانْتفاعِ بشيءٍ من المَيتَةِ، فجَمعْنا بينَ هذه الأحاديثِ، وبينَ الأحاديثِ الدَّالَّةِ على طهارةِ جُلُودِ المَيتَةِ بحَمْلِها على ما كان طاهِرًا حال الحياةِ، وحَمْلِ الأحاديثِ النَّهْي على ما لم يَكُنْ طاهِرًا، لأنّه متى أمْكَن الجَمْعُ بينَ الأحاديثِ ولو مِن وجه، كان أَوْلَى مِن التَّعارُضِ بينَها، يُحقِّقُ ذلك أنَّ الدَّبْغَ إنّما يُزيلُ النجاسةَ الحادِثةَ بالموتِ، ويَرُدُّ الجلدَ إلى ما كان عليه حال الحياةِ، فإذا كان في الحياةِ نَجِسًا لم يُؤَثِّرْ فيه الدِّباغُ شيئًا، واللهُ أعلمُ. فصل: وإذا قُلْنا بطهارةِ الجِلْدِ بالدِّباغِ، لم يَحِلَّ أكْلُه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، وحُكِي عن ابنِ حامدٍ أنَّه يَحِلُّ. وهو وجهٌ لأصحابِ الشافعيِّ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ». ولأنّه معنًى يفيدُ الطهارةَ في الجِلْدِ، أشْبَهَ الذَّبْحَ. وظاهرُ قولِ الشافعيِّ، أنه إنْ كان مِن حيوانٍ مأْكُول، جازَ أكْلُه، لأنَّ الدِّباغَ بمَنْزِلَةِ الذَّكاةِ، وإلّا لم يَجُزْ؛ لأنَّ ¬

= والإِمام أحمد، في: المسند 4/ 92، 93، 99، 134. (¬1) في الأصل: «نهى عن افتراش جلود السباع». (¬2) في: باب في جلود النمور والسباع، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 388.كما رواه النسائي، في: باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 156. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 101. (¬3) في الأصل، م: «ذكرناه، ونهى النبي».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الذَّكاةَ لا تُبِيحُه، فالدِّباغُ أوْلَى. والأوَّلُ أصحُّ؛ لقَوْلِه عزَّ وجلَّ: {حُرِّمَت عَلَيكُمُ الْمَيتَة} (¬1). والجِلْدُ مِنها. ولقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيتَةِ أكْلُهَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولا يَلزَمُ مِن الطهارةِ إباحَةُ الأكل؛ بدليلِ تحرِيمِ الخبائثِ مِمّا لا يَنْجُسُ بالموتِ، وقِياسُهم لا يُقْبَلُ مع مُعارَضةِ الكتابِ والسُّنَّةِ. فصل: ويجوز بَيعُه، وإجارَتُه، والانْتِفاعُ به في كلِّ ما يُمْكِنُ، سِوَى الأكْلِ، وهو قولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ. ولا يجوز بَيعُه قبلَ الدَّبْغ، لا نَعلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ على نجاسَتِه، أشْبَهَ الخِنزِيرَ، ويَفتَقِرُ ما يُدبَغُ به إلى أن يكونَ مُنَشِّفًا للرُّطُوبةِ، مُنَقِّيًا للخَبَثِ، كالشَّبِّ (¬3) والقَرَظِ (¬4). قال ابنُ عَقِيل: يُشْتَرَطُ أن يكونَ طاهرًا؛ لأنَّها طهارةٌ مِن نجاسةٍ، فلم ¬

(¬1) سورة المائدة 3. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الزكاة، وفي: باب جلود الميتة قبل أن تدبغ، من كتاب البيوع، وفي: باب جلود الميتة، من كتاب الذبائح. البخاري 2/ 158، 3/ 107، 7/ 124. ومسلم، في: باب طهارة جلود الميتة بالدباع، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 277، 276. وأبو داود، في: باب في أهب الميتة، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 386، 387. والترمذي، في: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذي 7/ 234. والنسائي، في: باب جلود الميتة، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 151، 152. وابن ماجه، في: باب ليس جلود الميتة إذا دبغت، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1193 والدارمي، في: باب الاستمتاع بجلود الميتة، من كتاب الأضاحي. سنن الدارمي 2/ 86. والإمام مالك، في: باب ما جاء في جلود الميتة، من كتاب الصيد. الموطأ 2/ 468. والإمام أحمد، في المسند: 1/ 262، 327، 330، 365، 366، 6/ 329. وانظره أيضًا في: 1/ 227، 277، 327، 372، 6/ 334. (¬3) الشب: من الجواهر التي أنبتها الله تعالى في الأرض، يدبغ به، يشبه الزاج. (¬4) القرظ: حب يخرج في غلف كالعدس من شجر العضاه، يدبغ به.

36 - مسألة؛ قال: (ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة)

وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ الْمَأكُولِ بِالذَّكَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ تَطْهُرْ بِنَجِسٍ، كالاسْتِجْمارِ. وهل يَطْهُرُ الجِلْدُ بمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قبلَ غَسله بالماءِ؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، لا يَحصُلُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ». رواه أبو داود (¬1). ولأنَّ ما يُدبَغُ به نَجُس بمُلاقاةِ الجِلْد، فإذا انْدبغَ الجلدُ بَقِيَتِ الآلة نَجِسَةً، فَتَبْقَى نجاسةُ الجلدِ لملاقَاتِها له، فلا تَزُولُ إلَّا بالغَسْلِ. والثاني، يَطْهُرُ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ». ولأنّه طَهُرَ بانْقِلابِه، فلم يَفتَقِر إلي استعمال المِاءِ، كالخَمْرَةِ إذا انْقَلَبَتْ. وروَتْ عائشةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «طَهُورُ كُل أَدِيم دِبَاغُه» (¬2). قال شيخُنا: والأوَّلُ أَوْلَى، فإنَّ المعنى والخبرَ إنّما يَدُلّانِ على طهارةِ عَينه، وذلك لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ غَسْلِه مِن نجاسةٍ تُلاقِيه، كما لو أصابَتْه نجاسةٌ سِوَى آلةِ الدَّبْغِ، أو أصابَتْه آلةُ الدَّبْغ بعدَ فَصْلِه عنها (¬3). ولأصْحابِ الشافعي وجهان كهذَين. فصل: ولا يفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلى فِعْلٍ، فلو وَقَع جلدٌ في مَدْبَغَةٍ فانْدَبَغ، طَهُرَ؛ لأنَّها إزالةُ نجاسةٍ، فهو كالمَطَرِ يُطَهِّرُ الأرضَ النَّجِسَةَ. 36 - مسألة؛ قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ المَأْكُولِ بالذَّكاةِ) وهذا ¬

(¬1) في: باب في أهب الميتة، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 387.كما رواه النسائي، في: باب ما يدبغ به من جلود الميتة، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 154. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 334. (¬2) أورده صاحب كنز العمال وعزاه إلى أبي بكر في الغيلانيات. كنز العمال 9/ 418. وأخرجه البيهقي بلفظ: «طهور كل إهاب دباغه». السنن الكبرى 1/ 21. (¬3) انظر: المغني 1/ 96.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قولُ الشافعي. وقال أبو حنيفةَ، ومالِك: يَطْهُرُ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ذَكَاةٌ الأدِيمِ دِبَاغُهُ» (¬1). شَبَّه الدَّبْغَ بالذَّكاةِ، والدَّبْغُ يُطَهِّرُ الجِلْدَ على ما مَضَى، كذلك الذَّكاةُ. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن افْتِراشِ جُلُودِ ¬

(¬1) تقدم صفحة 166.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السِّباع وركوبِ النُّمورِ، وهو عامٌّ في المُذَكَّى وغيرِه. ولأنَّه ذَبْحٌ لا يُبِيحُ اللَّحْمَ، فلم يُطَهِّرِ الجِلْدَ، كذبحِ المَجُوسِيِّ، والخبرُ قد أجَبْنا عنه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيما مَضَى. وأما قِياسُ الذّكاةِ على الدَّبغِ فلا يصِحُّ، فإن الدَّبْغَ أقْوى؛ لأنَّه يُزيلُ الخَبَثَ والرُّطُوباتِ كلَّها، ويُطَيِّبُ الجلدَ، على وجهٍ يَتَهَيَّأُ به

37 - مسألة؛ قال: (وابن الميتة نجس؛ لأنه مائع في وعاء نجس فتنجس به، وكذلك إنفحتها في ظاهر المذهب)

وَلَبَنُ الْمَيتَةِ وَإنْفَحَتُهَا نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ للبقاءِ على وجهٍ لا يَتَغَيَّرُ، والذَّكاةُ لا يَحصُلُ بها ذلك، ولا يُسْتَغْنى بها عن الدَّبْغِ، فدَلَّ على أنَّه أقْوَى. 37 - مسألة؛ قال: (وابَنُ المَيتَةِ نَجِسٌ؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ نَجِسٍ فتَنَجَّسَ به، وكذلك إنْفَحَتُها في ظاهِرِ المذهبِ)؛ لما ذَكَرْنا وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. ورُوي أنَّها طاهرةٌ، وهو قولُ أبي حنيفةَ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وداودَ؛ لأنَّ الصحابةَ، رضي اللهُ عنهم، أكَلُوا الجُبْنَ لمّا دَخَلُوا المَدائِنَ (¬1)، وهو يُعْمَلُ بالإنْفَحَةِ (¬2)، وذَبائِحُهم مَيتَةٌ؛ لأنَّهم مَجُوسٌ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ (¬3) نَجِسٍ، أشْبَهَ ما لو حُلِبَ في إناءٍ نَجِسٍ. وأمّا المَجُوسُ فقد قِيل: إنَّهم ما كانوا يَذْبَحُون بأنْفُسِهم، وكان جَزّارُوهم اليهودَ والنَّصارَى، ولو لم يُنْقَلْ ذلك عنهم، كان الاحْتِمالُ باقِيًا (¬4)، فإنَّه قد كان فيهم اليهودُ والنَّصارَى، والأصلُ الحِلُّ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، وقد رُوي أنّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، لَمّا قَدِمُوا العراقَ كَسَرُوا جيشًا مِن أهلِ فارِسَ، بعدَ أن وَضَعُوا طَعامَهم ليأكُلُوه، فلما فَرَغَ المُسْلِمون منهم جَلَسُوا فأكَلُوا الطَّعامَ، وهو لا يَخْلُو مِن اللَّحْمِ ظاهرًا، فلو حُكِمَ بنجاسَةِ ما ذُبِحَ في بلدِهم لَما أكَلُوا مِن لَحْمِهم، وإذا حَكَمْنا بطهارةِ اللحمِ، فالجُبنُ أوْلَى، وعلى هذا لو دخلَ الإنسانُ أرضًا فيها مَجُوسٌ وأهلُ كتابٍ، كان له أكْلُ جُبْنِهم ولَحْمِهم؛ لما ذكرْنا. ¬

(¬1) المدائن: مدن مجتمعة بناها الفرس بين الفرات ودجلة، توسطوا بها مصب الفرات في دجلة، ثم تحول عنها الناس إلى الكوفة والبصرة وواسط وبغداد، وذكر ياقوت أن المسمى بهذا الاسم في زمانه بليدة شبيهة بالقرية، بينها وبين بغداد ستة فراسخ. معجم البلدان 4/ 445 - 447. (¬2) الإنفحة، بكسر الهمزة وفتح الفاء وتثقيل الحاء أكثر من تخفيفها. وهي لكل ذي كرش شيء يستخرج من بطنه أصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن. المصباح المنير. (¬3) في م: «إناء». (¬4) في م: «كافيا».

38 - مسألة؛ قال: (وعظمها وقرنها وظفرها نجس)

وَعَظْمُهَا وَقَرْنُهَا وَظُفْرُهَا نَجِسٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن ماتَتِ الدَّجاجَةُ، وفيها بَيضَةٌ قد صَلُبَ قِشْرُها، فهي طاهِرَةٌ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّة، وابنِ المُنْذِرِ. وكَرِهَها عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عُمَرَ، ومالكٌ، واللَّيثُ (¬1)، وبعضُ الشافعيةِ؛ لأنَّها جُزءٌ مِن المَيتَةِ. ولَنا، أنَّها بيضةٌ صُلْبَةُ القِشْرَةِ، مُنْفَصِلَةٌ عن المَيتَةِ، أشْبَهَتِ الوَلَدَ إذا خَرَج حيًّا مِن المَيتَةِ، وكَراهِيَةُ الصحابةِ مَحْمُولَةٌ على التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذارًا لها. وإن لم تَكْمُلِ البَيضَةُ، فقال بعضُ أصحابِنا: ما كان قِشْرُها أبْيَضَ فهو طاهِرٌ، وما لم يَبْيَضَّ فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه ليس عليه حائِلٌ حَصِينٌ. واختارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّها لا تَتَنَجَّسُ؛ لأنَّ البَيضَةَ عليها غاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ، كالجلْدِ، وهو القِشْرُ قبلَ أن يَقْوَى، فلا يَتَنَجَّسُ منها إلَّا ما لَاقَى النجاسةَ، كالسَّمْنِ الجامِدِ إذا ماتتْ فيه فأْرةٌ، إلَّا أنَّ هذه تَطْهُر إذا غُسِلتْ؛ لأنَّ لها مِن القُوَّةِ ما يَمْنَعُ دُخولَ أجْزاءِ النجاسةِ فيها، بخلافِ السَّمْنِ. واللهُ أعلمُ. 38 - مسألة؛ قال: (وعَظْمُها وقَرْنُها وظُفرُها نَجِسٌ) عِظامُ المَيتَةِ النَّجِسَةِ نَجِسَةٌ، مأكُولَةَ اللّحْمِ، أو غَيرِها كالفِيَلَةِ، لا تَطْهُرُ ¬

(¬1) أبو الحارث الليث بن سعد الفهمي، شيخ الديار المصرية وعالمها، الإمام الثقة الحجة، المتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. وفيات الأعيان 4/ 127، 128، العبر 1/ 266، 267.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِحالٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورَخَّص في الانْتِفاعِ بعظامِ الفِيَلَةِ محمدُ بن سِيرِينَ، وابنُ جُرَيجٍ؛ لِما رَوَى أبو داودَ (¬1) [بإسْنادِه عن ثوْبَانَ] (¬2)، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -[قال: «اشْتَرِ] (¬3) لفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ (¬4) وَسِوَارَينِ مِنْ عَاجٍ». وقال مالكٌ: إنَّ الفِيلَ إنْ ذُكِّيَ فعَظْمُه طاهِرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ. لأنَّ الفِيلَ مأْكُولٌ عندَه. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عِظامُ المَيتاتِ طاهِرَة؛ لأنَّ الموت لا يُحِلُّها، فلا تَنْجُسُ به، كالشَّعَرِ. ولَنا، قولُ الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ}. والعَظْمُ مِن جُمْلَتِها، فيَكُونُ مُحَرَّمًا، والفِيلُ لا يُؤْكَلُ لحمُه، فيكونُ نَجِسًا على كلِّ حالٍ، والدَّلِيلُ على تَحرِيمِه نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬5)، والفِيلُ أعْظَمُها نابًا. وحديثُ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في الانتفاع بالعاج، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 404، 405. ورواه أيضًا الإمام أحمد، في: المسند 5/ 275. (¬2) سقط من: «م». (¬3) في الأصل، م: «اشترى». (¬4) ذكرها ابن الأثير بسكون الصاد، ثم نقل عن الخطابي في المعالم قوله: إن لم تكن الثياب اليمانية فلا أدري ما هي، وما أرى أن القلادة تكون منها. ونقل عن أبي موسى: يحتمل عندي أن الرواية إنما هي العصب، بفتح الصاد، وهي أطناب مفاصل الحيوانات، وهو شيء مدور، فيحتمل أنهم كانو يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة فيقطعونه ويجعلونه شبه الخرز، فإذا يبس يتخذون منه القلائد. ونقل عنه أيضًا، عن بعض أهل اليمن، أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ منها الخرز وغير الخرز نصاب سكين وغيره، ويكون أبيض. النهاية 3/ 245. (¬5) أخرجه البخاري، في: باب ألبان الأتن، من كتاب الطب. صحيح البخاري 7/ 181، مسلم، في: باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، من كتاب الصيد. صحيح مسلم 3/ 1533. وأبو داود، في: باب النهي عن أكل السباع، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 319، 320. والترمذي، في: باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة، من أبواب الصيد، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثَوْبَانَ، قال الخَطّابِيُّ، عن الأصْمَعِيُّ (¬1): العاج: الذَّبْلُ (¬2). ويقال: هو عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفاةِ البَحْريِّةِ (¬3). وقولُهم: إنَّ العِظامَ لا يُحِلُّها الموتُ. مَمْنُوعٌ، لأنَّ الحياةَ تُحِلُّها، وكلُّ ما تُحِلُّه الحياةُ يُحِلُّه الموتُ؛ بدَلِيلِ قولِه تعالى: {قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} (¬4). ولأنَّ دليلَ الحياةِ الإحساسُ والأَلَمُ، وهو في العَظْمِ أشَدُّ مِنه في اللَّحمِ، والضِّرْسُ يأْلَمُ، ويَلْحَقُه الضَّرَسُ (¬5)، ويُحِسُّ ببَرْدِ الماءِ وحَرارتِه، وما يُحِلُّه الموتُ يَنْجُسُ، والقَرْنُ والظُّفْرُ والحافِرُ كالعَظْمِ؛ إن أُخِذَ مِن مُذَكَّى فهو طاهرٌ، وإن أُخِذ مِن حَيٍّ فهو نَجِسٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا يُقْطعُ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ ¬

= وفي: باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين، من أبواب السير، وفي: باب ما جاء في الأكل في آنية الكفار، من أبواب الأطعمة. عارضة الأحوذي 6/ 266، 7/ 50، 298. والنسائي، في: باب تحريم أكل السباع، وباب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وباب إباحة أكل لحوم الدجاج، من كتاب الصيد. المجتبى 7/ 177، 181، 182. وابن ماجه، في: باب أكل كل ذي ناب من السباع، من كتاب الصيد. سنن ابن ماجه 2/ 1077. والدارمي، في: باب ما لا يؤكل من السباع، من كتاب الأطعمة. سنن الدارمي 2/ 85. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 147، 4/ 193، 194. (¬1) أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك الأصمعي، الراوية، اللغوي، كان الرشيد يسميه شيطان الشعر، توفي سنة ست عشرة ومائتين. تاريخ العلماء النحويين 218 - 224. (¬2) في القاموس: والذبل: جلد السلحفاة البحرية أو البرية، أو عظام ظهر دابة بحرية تتخذ منها الأسورة والأمشاط. (¬3) معالم السنن 4/ 212. وفيه بعد هذا: «وأما العاج الذي تعرفه العامة فهو عظم أنياب الفيلة، وهو ميتة لا يجوز استعماله». (¬4) سورة يس 78، 79. (¬5) الضِّرس، بالتحريك: خور وكلال يصيب الضرس أو السن عند أكل الشيء الحامض. (اللسان).

39 - مسألة؛ قال: (وصوفها وشعرها وريشها طاهر)

وَصُوفُهَا وَشَعَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ مَيتَة». رواه التِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وكذلك ما يَتَساقَطُ مِن قُرُونِ الوُعُولِ في حياتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا طاهرٌ؛ لأنَّه طاهرٌ مُتَّصِلًا مع عَدَمِ الحياةِ فيه، فلم يَنْجُسْ بفَصْلِه مِن الحيوان كالشَّعَرِ. والخَبَرُ أُرِيدَ به ما يُقْطعُ مِن البَهِيمَةِ مِمّا فيه حياةٌ فيَمُوتُ بفَصْلِه، بدليلِ الشَّعَرِ، فأمّا ما لا يَنْجُسُ بالموتِ كالسَّمَكِ، فلا بأْسَ بعِظامِه؛ لأنَّه (¬2) لا يَنْجُسُ بالموتِ، فهو كالمُذَكَّى. 39 - مسألة؛ قال: (وصُوفُها وشَعَرُها ورِيشُها طاهِرٌ) يعني: شَعَرَ ما كان طاهرًا في حياتِه وصُوفَه. رُوى ذلك عن الحسنِ، وابنِ ¬

(¬1) في: باب ما قطع من الحي فهو ميت، من أبواب الصيد. عارضة الأحوذي 6/ 273. وكذلك رواه أبو داود، في: باب في صيد قطع منه قطعة، من كتاب الصيد. سنن أبي داود 2/ 100. وابن ماجه، في: باب ما قطع من البهيمة وهي حية، من كتاب الصيد. سنن ابن ماجه 2/ 1072، والدارمي، في: باب في الصيد يبين منه العضو، من كتاب الصيد. سنن الدارمي 2/ 93. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 218. (¬2) في م: «فإنه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سِيرِينَ. وبه قال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْي. ورُوى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه نَجِسٌ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه يَنْمِي مِن الحيوانِ، فنَجُسَ بمَوْتِه، كأعْضائِه. ولَنا، ما رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا بَأْسَ بِمَسْكِ (¬1) الْمَيتَةِ إذَا دُبغَ، وَصُوفِهَا وَشَعَرِهَا إذَا غُسِلَ». رواه الدّارَقُطْنِيُّ (¬2)، وقال: لم يأْتِ به إلَّا يوسُفُ بنُ السَّفْرِ، وهو ضَعِيفٌ. ولأنَّه لا تَفتَقِرُ طهارةُ مُنْفَصِلِه إلى ذَكاةِ أصْلِه، فلم يَنْجُسْ بمَوْتِه، كأجْزاءِ السَّمَكِ والجَرادِ. ولأنَّه لا حياةَ فيه، وما لا تُحِلُّه الحياةُ لا يموتُ، والدَّلِيلُ على أنَّه لا حياةَ فيه، أنَّه لو كان فيه حياةٌ لَنَجُسِ بفَصْلِه مِن الحيوانِ، في حالِ حَياتِه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فهُوَ مَيِّتٌ». رواه أبو داودَ (¬3) بمعناه. وما ذكَرُوه يَنْتقِضُ بالبَيضِ، ويُفارِقُ الأعضاءَ؛ لأنَّ فيها حياةً، ولذلكَ (¬4) تَنْجُسُ بفَصْلِها مِن الحيوانِ حال حياتِه، والنُّمُوُّ لا يَدُلُّ على الحياةِ، بدليلِ نُمُوِّ الشَّجَرِ، والرِّيشُ كالشَّعَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، فأمّا أصُولُ الرِّيشِ والشَّعَرِ، إذا نُتِفَ مِن المَيتَةِ وهو رَطْبٌ، فهو نَجِسٌ برُطُوبةِ المَيتَةِ، وهل يَطْهُرُ بالغَسْلِ؟ على ¬

(¬1) المَسْك: الجلد أو خاص بالسَّخلَة. (القاموس). (¬2) في: باب الدباغ، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 47. (¬3) انظر ما تقدم في صفحة 179، 180. (¬4) في الأصل: «وكذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَجْهَين؛ أحدُهما، يَطهُرُ كرُءُوسِ الشَّعَرِ إذا تَنَجَّس. والثاني، لا يَطهُرُ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن اللَّحْمِ لم يَكمُلْ شعرًا ولاريشًا. فصل: وشَعَرُ الآدَمِيّ طاهرٌ؛ مُنْفَصِلًا ومُتَّصِلًا، في الحياةِ والموتِ. وقال الشافعيُّ في أحدِ قوْلَيه: يَنْجُسُ بفَصْلِهِ. [ولهم في شَعَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو نَجِسٌ كعُضْوه] (¬1). ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّق شَعَرَه بينَ أصحابِه، قال أنَسٌ: لَمّا رَمَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ونَحَر نُسُكَه، ناوَلَ الحالِقَ شِقَّه الأيمَنَ، فحَلَقَه، ثم دَعا أبا طَلْحَةَ الأْنصارِيَّ، فأعطاهُ إيَّاهُ، ثم ناوَلَه الشِّقَّ الأيسَرَ، فقال: «احْلِقْ». فحَلَقَه، وأعطاه أبا طَلْحَةَ، فقال: «اقْسِمْهُ بَينَ النَّاسِ». رواه مسلم (¬2). ورُوىَ أنَّ مُعاويةَ أوْصَى ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) في: باب بيان أن السنة يوم النحر. . . . إلخ، من كتاب الحج. صحيح مسلم 3/ 948. وأبو داود، في: باب الحلق والتقصير، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 457. والترمذي، في: باب ما جاء بأي جانب الرأس يبدأ الخلق، من أبواب الحج. عارضة الأحوذي 4/ 146.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أن يُجْعَلَ نَصِيبُه منه في فِيه إذا ماتَ. وكان في قَلَنْسُوَةِ خالدٍ شَعَراتٌ مِن شَعرِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان نَجِسًا لَما ساغَ ذلك، ولَما فَرَّقَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد عَلِم أنَّهم يأْخُذُونَه يَتَبَرَّكُون به (¬1)، وما كان طاهرًا مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان طاهرًا مِمَّن سِواه، كسائِرِه. ولأنَّه شَعَرٌ مُتَّصِلُه طاهرٌ، فكذلك مُنْفَصِلُه، كشعرِ الحيواناتِ الطاهرةِ، وكذلك نَقُولُ في أعْضاءِ الآدَمِيِّ، وإن سَلَّمْنا نجاسَتَها، فإنَّها تَنْجُسُ مِن الحيواناتِ بفَصْلِها في الحياةِ، بخلافِ الشعرِ، فحَصَل الفَرْقُ. فصل: ولا يَجوزُ اسْتِعْمالُ شَعَرِ الآدَمِيِّ وإن كان طاهرًا؛ لحُرْمَتِه لا لنجاسَتِه، ذكرَه ابنُ عَقِيلٍ. فأما الصلاةُ فيه فصَحِيحةٌ. ¬

(¬1) هذا خاص بآثار الرسول - صلى الله عليه وسلم - المنفصلة من جسمه؛ كشعره، وماء وضوئه، وعرقه، ولا يجوز فعله مع غير الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلا يجوز التبرك بآثار الصالحين، لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه مع غير الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والله أعلم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وكلُّ حيوانٍ فحُكمُ شَعَرِه حكمُ بَقِيَّةِ أجْزائِه في النجاسةِ والطهارةِ، لا فَرْقَ بينَ حالةِ الحياةِ والموتِ، إلَّا أنَّ الحيواناتِ التي حَكَمْنا بطَهارتِها لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ، كالهِرِّ وما دونَها، فيها بعدَ الموتِ وَجْهان؛ أحدُهما، نجاسَتُها؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، مع وجودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لمُعارِضٍ، وهو عَدَمُ إمكانِ التَّحَرُّزِ عنها، وقد زال ذلك بالموتِ، فَتَنْتَفِي الطهارةُ. والثاني، هي طاهرةٌ. وهو أصَحُّ؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، والموتُ لا يقْتَضِي تَنْجِيسَها، فتَبْقَى طاهرةً. وما ذُكِر للوَجْهِ الأوَّلِ لا يَصِحُّ، ولا نُسَلِّمُ وجودَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ، وإن سَلَّمْناه غيرَ أنَّ الشَّرْعَ ألغاهُ، ولم يَعْتَبِرْه في موضِعٍ، فليس لنا اعتبارُه بالتَّحَكُّمِ. فصل: وهل يَجُوزُ الخَرْزُ بشَعَرِ الخِنْزِيرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، كَراهَتُه. حُكِي ذلك عن الحسنِ، وابنِ سِيرينَ، وإسحاقَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه استعمالٌ للعَينِ النَّجِسَةِ، ولا يَسلَمُ مِن التَّنْجِيسِ بها، فحَرُمَ الانْتِفاعُ بها، كجِلْدِه. والثانية، يجوزُ الخَرْزُ به. قال: وباللِّيفِ أحَبُّ إلينا. ورَخَّص فيه الحسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ،. وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ الحاجةَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَدْعُو إليه. فإذا خَرَز به شيئًا رَطْبًا، أو كانت الشَّعْرَةُ رَطْبَةً نَجُسَ، وَيَطْهُرُ بالغَسْلِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد رُوِيَ عن أحمد، أنَّه لا بأْسَ به. ولَعَلَّه قال ذلك لأنَّه لا يَسلَمُ الناسُ مِنه، وفي تَكْلِيفِ غَسْلِه إتلافُ أموالِ الناسِ. قال شيخُنا: والظَّاهِرُ أنَّ أحمدَ إنَّما عَنَى: لا بأْسَ بالخَرْزِ. فأمّا الطهارةُ فلا بُدَّ مِنها (¬1). ¬

(¬1) انظر المغني 1/ 109.

باب الاستنجاء

بَابُ الاسْتِنْجَاءِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ، وَمِنَ الِّرجْسِ النَّجِسِ، الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ باب الاستنجاء الاسْتِنْجاءُ اسْتِفْعالٌ، مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، أي: قَطَعْتُها، فكَأَنَّه قَطَع الأذَى عنه. وقال ابنُ قُتَيبَةَ (¬1): هو مَأْخُوذٌ مِن النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَع مِن الأرضِ؛ لأنَّ مَنْ أرادَ قضاءَ الحاجةِ اسْتَتَر بها. فأمّا الاسْتِجْمارُ: فهو اسْتِفْعالٌ مِن الجِمار، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُها في اسْتِجْمارِه. 40 - مسألة؛ قال، رحمه الله: (يُسْتَحَبُّ لمَنْ أرادَ دُخُولَ الخَلاءِ، أنْ يقولَ: بِسْمِ اللهِ) لما روَى عليٌّ، رَضِي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَتْرُ مَا بَينَ الجِنِّ وعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ». رواه ابنُ ماجَه والتِّرْمِذِيُّ (¬2). ويقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِثِ (¬3)، ¬

(¬1) غريب الحديث، لابن قتيبة 1/ 159، 160. (¬2) أخرجه الترمذي، في: باب ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء، من كتاب الجمعة. عارضة الأحوذي 3/ 85. وابن ماجه، في باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 109. (¬3) في القاموس: أي من ذكور الشياطين وإناثها. ونقل السيوطي عن الخطابي، أن الخبث، بضم الباء جمع خبيث. قال: وعامة أهل الحديث يقولون: الخبث. ساكنة الباء، وهو غلط، والصواب: الخبث مضمومة الباء. قال: وأما الخبث بالسكون فهو الشر. ثم أورد السيوطي الرد عليه. زهر الربى 1/ 23. وانظر ما يأتي من قول المصنف بعد قليل.

41 - مسألة؛ قال، رحمه الله: (ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله

وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ الله تِعَالى، إلا مِنْ ضَرُورَةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ ومِن الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ. لما روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دَخَل الخَلاءَ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ». مُتَّفَق عليه (¬1). وعن أبي أُمامَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَعْجِزُ أحَدُكم إذا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أنْ يَقُولَ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ». رواه ابنُ ماجَه (¬2). قال أبو عُبَيدٍ (¬3): الخُبْثُ بسُكُون الباءِ: الشَّرُّ. والخُبُثُ، بضَمِّ الخاءِ والباءِ: جَمْعُ خَبِيثٍ. والخَبائِثُ: جمعُ خَبِيثةٍ. استعاذَ مِن ذُكْرانِ الشَّياطينِ وإنَاثِهم (¬4). 41 - مسألة؛ قال، رحمه الله: (ولا يَدْخُله بشيءٍ فيه ذِكُر اللهِ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب ما يقول عند الخلاء، من كتاب الوضوء، وفي: باب الدعاء عند الخلاء، من كتاب الدعوات. صحيح البخاري 1/ 48، 8/ 88. ومسلم، في: باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 283. وأبو داود، في: باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 2. والترمذي، في: باب ما يقول إذا دخل الخلاء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 21. والنسائي، في: باب القول عند دخول الخلاء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 22. وابن ماجه، في: باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 109. والدارمي، في: باب ما يقول إذا دخل المخرج، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 171. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 99، 101، 282. (¬2) انظر رواية ابن ماجه للحديث قبل السابق. (¬3) أبو عبيد القاسم بن سلام الخزاعي اللغوي صاحب المصنفات في فنون شتى، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين. تاريخ العلماء النحويين 197 - 200. وانظر حواشيه. (¬4) غريب الحديث لأبي عبيد 2/ 92.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تعالى) لما روَى أنسٌ، قال: كان رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا دَخَل الخَلاءَ وَضَعَ خاتَمَه. رواه ابن ماجَه، والترمِذِي (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وقِيل: إنَّما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَضَعُه؛ لأنَّ فيه: «محمدٌ رسولُ اللهِ». فإنِ احْتَفَظ بما معه مِمّا فيه ذِكْر اللهِ، واحْتَرَز عليه مِن السُّقُوطِ، وأدارَ فَصَّ الخاتَمِ إلى كَفِّه، فلا بأسَ. قال أحمدُ: الخاتَمُ إذا كان فيه اسمُ اللهِ يجْعَلُه في باطِنِ كَفِّه، ويَدخُلُ الخَلاءَ. وبه قال إسحاق، ورَخَّص فيه ابنُ المُسَيَّبِ (¬2)، والحسن، وابنُ سِيرِينَ. قال أحمدُ في الرجلِ يَدخُلُ الخَلاءَ ومعه الدَّراهِمُ: أرْجُو أن لا يكونَ به بأْسٌ. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ذكر الله عزَّ وجلَّ على الخلاء والخاتم في الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 110. والترمذي، في: كتاب ما جاء في لبس الخاتم في اليمين، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذي 7/ 250. كما أخرجه أبو داود، في: باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 5. والنسائي، في: باب نزع الخاتم عند دخول الخلاء، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 155. (¬2) أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي المدني الفقيه، أحد الأعلام، توفي سنة أربع وتسعين. طبقات الفقهاء، للشيرازي 57، 58، العبر 1/ 110.

42 - مسألة؛ قال: (ويقدم رجله اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج)

وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى في الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى في الْخُرُوجِ، وَلَا يَرْفَع ثوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 42 - مسألة؛ قال: (ويُقَدِّمُ رِجْلَه اليُسْرَى في الدُّخُولِ، واليُمْنَى في الخُرُوجِ) لأنَّ اليُسْرِى للأذَى، واليُمْنَى لِما سِواه. (ولا يَرْفَعُ ثوبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرضِ)؛ لما روَى أبو داود (¬1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان إذا أرادَ الحاجَةَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرْضِ. ولأنَّ ذلك أسْتَرُ له. ¬

(¬1) في: باب كيف التكشف عند الحاجة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 4. وأخرجه أيضًا الترمذي، في: باب في الاستتار عند الحاجة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 31.

43 - مسألة: (ويعتمد على رجله اليسرى)

وَيَعْتَمِدُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 43 - مسألة: (ويَعْتَمِدُ على رِجْلِه اليُسْرَى) لِمَا روَى سُراقَةُ بنُ مالِكٍ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَتَوَكَّأ على اليُسْرَى، وأنْ نَنْصِبَ اليُمْنَى. رواه الطَّبرانِيُّ في «المُعْجَمِ» (¬1). 44 - مسألة؛ قال، رحمه الله: (ولا يتَكَلَّمُ) لما روَى عبدُ الله بنُ عُمَرَ، قال: مَرَّ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رجل، فسلَّمَ عليه، وهو يَبُولُ، فلم يَرُدَّ عليه. رواه مسلم (¬2). ولا يذْكُرُ اللهَ تعالى على حاجَتِه بلِسَانِه. رُوِي كَراهَةُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ. وقال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ: لا ¬

(¬1) المعجم الكبير 7/ 161. (¬2) في: باب التيمم، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 281. كما أخرجه أبو داود، في: باب أيرد السلام وهو يبول، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 4. والترمذي، في: باب في كراهة رد السلام غير متوضئ، من أبواب الطهارة. وفي: باب كراهية التسليم على من يبول، من أبواب الاستئذان. عارضة الأحوذي 1/ 132، 10/ 187، 188. والنسائي، في: باب السلام على من يبول، من أبواب الطهارة. المجتبى 1/ 34.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بأْسَ به. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَرُدَّ السَّلامَ الذي يجِبُ رَدُّه، فذِكْرُ الله أوْلَى. فإن عَطَس حَمِد الله بَقَلْبِه، ولم يَتَكلَّمْ. وقال ابنُ عَقِيل: فيه روايةٌ أخْرَى، أن يَحْمَدَ اللهَ بلِسَانِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذكرْناه. ورَوَى أبو سعيد الخُدْرِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَخْرُجُ الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِما يَتَحَدَّثَانِ، فإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رواه أبو داودَ (¬1)، وابنُ ماجَه (¬2). ¬

(¬1) في: باب كراهية الكلام عند الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 4. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 36. (¬2) في: باب النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث عنده، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 123.

45 - مسألة؛ قال: (ولا يلبث فوق حاجته)

وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 45 - مسألة؛ قال: (ولا يَلْبَثُ فَوْقَ حاجَتِه) لأنَّه يُقال: إنَّ ذلك يُؤذِي (¬1) الكَبِدَ، ويأْخُذُ مِنه الباسُورُ. ¬

(¬1) في م: «يدمى».

46 - مسألة؛ قال: (فإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)

وَإذَا خَرَجَ قَال: غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى، وَعَافَانِي. ـــــــــــــــــــــــــــــ 46 - مسألة؛ قال: (فإذا خَرَجَ قال: غفْرَانَكَ، الحَمْدُ لِلّهِ الذي أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وعافانِي) لما روتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا خَرَج مِن الخَلاءِ قال: «غُفْرَانَكَ». رواه التِّرمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديث حسنٌ. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَرَجَ مِن الخَلاءِ قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذى أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعَافَانِي». رواه ابنُ ماجَه (¬2). فصل: ويُستَحَبُّ أن يُغَطِّيَ رأسَه، لما رَوَت عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا دَخَلَ الخَلاءَ غَطَّى رأْسَه، وإذا أَتى أهْلَه غطى رأْسَه. رواه البَيهَقِيُّ (¬3) مِن رواية محمدِ بنِ يُونُسَ الكُدَيمِيِّ، وكان يُتَّهَمُ بوضعِ الحديثِ. ولا بأْسَ أن يبُولَ في الإِناءِ، قالت [أُمَيمَةُ بنتُ رُقَيقَةَ] (¬4): كان ¬

(¬1) في: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 21. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 7. وابن ماجه، في: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 110. والدارمي، في: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 174. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 155. (¬2) في: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 110. (¬3) في: باب تغطية الرأس عند دخول الخلاء، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 24. (¬4) في م: «أمية بنت رقية».

47 - مسألة؛ قال: (وإن كان في الفضاء أبعد)

وَإنْ كَانَ في الْفَضَاءِ أَبعَدَ، وَاسْتَتَرَ، وَارْتَادَ مَكَانًا رِخْوًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَحٌ مِن عَيدَانٍ (¬1) يَبُولُ فيه، ويَضَعُه تحتَ السَّرِيرِ. رواه أبو داودَ، والنَّسائِي (¬2). 47 - مسألة؛ قال: (وإنْ كان في الفَضاءِ أبْعَدَ) لما روَى جابِرٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إِذا أرادَ البَرازَ (¬3) انْطَلَقَ حتى لا يَراه أحدٌ. رواه أبو داودَ (¬4). 48 - مسألة؛ قال: (واسَتتَرَ وارْتادَ مكانًا رِخْوًا) لما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أَتى الغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجدْ إلَّا أن يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْه، فإنَّ الشَّيطانَ يَلْعَبُ بِمَقاعِدِ بَنِي آَدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَنْ لا فَلا حَرَجَ». رواه أبو داودَ (¬5). ويَرْتادُ مكانًا رِخوًا؛ لما روَى أبو موسى، قال: كنتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يومٍ، فأرادَ أن يَبُولَ، فأتَى دَمَثًا (¬6) في أصْلِ جِدارٍ، فبال.، ثم قال: «إذَا أرَادَ ¬

(¬1) عيدان، بفتح العين: جمع عيدانة، بفتح العين، وهي النخلة الطويلة المتجردة. وبكسر العين: جمع عود. ونقل السيوطي عن كتاب تثقيف اللسان: من كسر العين فقد أخطأ. يعني لأنه أراد جمع عود، وإذا اجتمعت العيدان لا يتأتى منها قدح يحفظ الماء، بخلاف من فتح العين فإنه يريد قدحا من خشب هذه صفته ينقر ليحفظ ما يجعل فيه. زهر الربى 1/ 31. ولم نجد هذا في تثقيف اللسان المطبوع. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الرجل يبول بالليل في الإناء، ثم يضعه عنده، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 6. والنسائي، في: باب البول في الإناء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 31. (¬3) البراز: الموضع البارز؛ سمى قضاء الحاجة به لأنها تقضي فيه. (¬4) في: باب التخلي عند قضاء الحاجة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 1. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب التباعد للبراز في الفضاء. سنن ابن ماجه 1/ 121. (¬5) أخرجه أبو داود، في: باب الاستتار في الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 8. وابن ماجه، في: باب الارتياد للغائط والبول، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 122. والدارمي، في: باب التستر عند الحاجة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 170. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 371. (¬6) الدمث: السهل اللين.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُكمْ أنْ يَبُولَ، فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ». رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬1) مِن رِواية أبي التَّيَّاحِ، عن رجلٍ كان يَصْحَبُ ابنَ عباسٍ، لم يُسَمِّه، عن أبي مُوسى. ولِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عليه البولُ. ويُستَحَبُّ أن يَبولَ قاعِدًا، لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عليه، ولأنّه أسْتَرُ وأحسَنُ. قال بنُ مسعودٍ: مِن الجَفاءِ أن تَبُولَ وأنتَ قائِمٌ. قالت عائشةُ: مَنْ حَدَّثَكُم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَبُولُ قائِمًا فَلا تُصَدِّقُوه، ما كان يَبُولُ إلَّا قاعِدًا (¬2). قال الترمِذِيُّ: هذا أصحُّ شيءٍ في الباب. وقد رُويَتِ الرُّخْصَةُ فيه عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عُمَرَ، وزَيدِ بنِ ثَابتٍ، لما روَى حُذَيفَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتىَ سُبَاطَةَ قوم، فبال قائِمًا. رواه البُخَارِيُّ، ومسلم (¬3). والأوَّلُ أوْلَى؛ لما روَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قال: رآنِي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبُولُ قائِمًا، فقال: «يا عُمَرُ، لا تَبُلْ قائِمًا». فما بُلْتُ قائمًا بعدُ. رواه ابنُ ماجَه (¬4). وعن جابرٍ، قال: ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الرجل يتبوأ لبوله، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 1. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 396، 399. (¬2) أخرجه الترمذي، في: باب النهي عن البول قائما، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 27. والنسائي، في: باب البول في البيت جالسا، من كتاب الطهارة. المجتبى من السنن 1/ 27. وابن ماجه، في: باب في البول قاعدا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 112. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 136، 192، 213. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب البول قائما وقاعدا، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 66. ومسلم، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 228. وأبو داود، في: باب البول قائما، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 6. والترمذي، في: باب الرخصة في البول قائما، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 30. والنسائي، في: باب الرخصة في الاقتراب عند الحاجة، وباب الرخصة في البول في الصحراء قائما، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 21، 26. وابن ماجه، في: باب ما جاء في البول قائما، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 111. والدارمي، في: باب في البول قائما، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 171. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 382، 402. (¬4) في: باب في البول قاعدا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 112.

49 - مسألة؛ قال: (ولا يبول في شق، ولا سرب، ولا طريق، ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة)

وَلَا يَبُولُ فِىِ شَقٍّ، وَلَا سَرَبٍ، وَلَا طَرِيقٍ، وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَبُولَ قائمًا. رواه ابنُ ماجَه (¬1). وأمَّا حديثُ حُذَيفَةَ، فلَعَلَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَ ذلك ليُبَيِّنَ الجَوازَ، أو كان في موضِعٍ لا يتمكَّنُ مِن الجلوسِ فيه. وقيل: فعَلَ ذلك لعِلَّةٍ كانت بمَأْبِضِه ليَسْتَشفِىَ به. والمَأْبِضُ ما تحتَ الرُّكبَةِ مِن كل حيوانٍ. 49 - مسألة؛ قال: (ولا يَبُولُ في شَقٍّ، ولا سَرَبٍ، ولا طَرِيقٍ، ولا ظِلٍّ نافِعٍ، ولا تحتَ شجرةٍ مُثْمِرةٍ) البَولُ في هذه المواضِعِ كلِّها مكروهٌ مَنهِيٌّ عنه، ومثلُها موارِدُ الماءِ، لما روَى عبدُ اللهِ بنُ سَرْجِسَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يُبال في الجُحْرِ. رواه أبو داودَ (¬2). قالوا لقَتادَةَ (¬3): ما يُكْرَه مِن البولِ في الجُحْرِ؟ قال: كان يُقالُ: إنّها مَساكِنُ الجِنِّ. روَاه الإمامُ أحمدُ (¬4). وقد حُكِيَ عن سعدِ بنِ عُبادَة (¬5) أنه بال في جُحْرٍ، ثم اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فسُمِعَتِ الجِنُّ تَقولُ: ¬

(¬1) في: باب في البول قاعدا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 112. (¬2) في: باب النهي عن البول في الجحر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 7. وأخرجه النسائي، في: باب كراهية البول في الجحر، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 32. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 82. (¬3) أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، حافظ العصر، وقدوة المفسرين والمحدثين، توفي سنة سبع عشرة ومائة. سير أعلام النبلاء 5/ 269 - 283. (¬4) في: المسند 5/ 82. (¬5) ذكر القصة الهيثمي، في: باب البول قائما، من كتاب الطهارة. مجمع الزوائد 1/ 206، وعزاها إلى الطبراني في الكبير، وهي فيه 6/ 19. كما ذكرها ابن حجر، في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. المطالب العالية 1/ 18.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نَحْنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الـ … ــــــخَزْرَجِ سَعْدَ بنَ عُبادَهْ ورَمَيناه بِسَهْمَيـ … ـــــــنِ فلم نُخْطِ فُؤادَهْ ولأنَّه لا يَأْمَنُ أن يكُونَ فيه حيوانٌ يَلْسَعُه. وروَى مُعاذٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَةَ، البَرَازَ في المَوَارِدِ، وقَارِعَةِ الطرَّيقِ، والظِّلِّ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (¬1). والبَولُ تحتَ الشَّجرةِ المُثْمِرَةِ يُنَجِّسُ الثَّمَرَةَ، فتُؤْذِي (¬2) مَن يأْكُلُها. فصل: ويُكْرَهُ البَولُ في الماءِ الرّاكِدِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن البولِ في الماءِ الرّاكِدِ. متَّفَقٌ عليه (¬3). فأما الجارى فلا يجُوزُ التَّغَوُّطُ فيه؛ لأنَّه ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب المواضع التي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البول فيها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 6. وابن ماجه، في: باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 119. وروى الإمام أحمد نحوه عن ابن عباس. انظر: المسند 1/ 229. (¬2) في م: «فيؤذى». (¬3) أخرجه البخاري، في: باب الماء الدائم، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 69. ومسلم، في: باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 235، 236. كما أخرجه أبو داود، في: باب البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17. والنسائي، في: باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وباب النهي عن البول في الراكد والاغتسال منه، من كتاب الطهارة، وباب ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، من كتاب الغسل والتيمم. المجتبى 1/ 103، 104، 162. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 433.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُؤذِي مَنْ مَرَّ به، فأمّا البولُ فيه، وهو كثيرٌ، فلا بأْسَ به؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النَّهْي بالماءِ الرّاكِدِ دليلٌ على أنَّ الجارِىَ بخِلافِه. ولا يبُولُ في المُغْتَسَلِ؛ لما روَى الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬1)، عن رجل صَحِبَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَمْتَشِطَ أحدُنا كلَّ يومٍ، أو يَبُولَ في مُغْتَسَلِه. وقد رُوى أنَّ عامَّةَ الوَسْواسِ منه. رواه أبو داود، وابنُ ماجَه (¬2)، وقال (¬3): سَمِعتُ عليَّ بنَ محمدٍ (¬4)، يقولُ: إنما هذا في الحَفِيرَةِ، فأمّا اليومَ فمُغْتَسَلاتُهُم الجِصُّ والصّارُوج والقِيرُ (¬5)، فإذا ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد في: المسند 4/ 111. وأبو داود، في: باب في البول في المستحم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 7. (¬2) رواه أبو داود، في: باب البول في المستحم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 7. وابن ماجة، في: باب كراهية البول في المغتسل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 111. كما رواه الترمذي، في: باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 38. والنسائي، في: باب كراهية البول في المستحم، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 33. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 56. (¬3) أي: ابن ماجه. (¬4) أي: الطنافسي. (¬5) الجص: ما تطلى به البيوت من الكلس. والصاروج: النورة وأخلاطها التي تصرج بها الحياض والحمامات. والقير: الزفت، وهو مادة سوداء تطلى بها السفن والإبل وغيرها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بال وأرْسَل عليه الماءَ، فلا بأسَ به، وقال الإمامُ أحمدُ: إن صَبَّ عليه الماءَ، وجَرَى في البالُوعَةِ، فلا بأسَ. وقد قِيل: إنَّ البُصاقَ على البولِ يُورِثُ الوَسْواسَ، وإنَّ البَولَ على النّارِ يُورِثُ السُّقْمَ. ويُكْرَه أن يَتوَضَّأ على موضع بَوْلِه، أو يَستَنْجِيَ عليه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ به. وتَوَقِّي ذلك كلِّه أوْلَى.

50 - مسألة؛ قال: (ولا يستقبل الشمس، ولا القمر)

وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 50 - مسألة؛ قال: (ولا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، ولا القمرَ) لما فيهما مِن نُورِ اللهِ، وقد رُوى أنَّ معهُما مَلائكَةً، فإنِ استتَر عنهما بشيءٍ، فلا بأْسَ. ولا يَستَقْبِلُ الريحَ؛ لِئلَّا يَتنَجَّسَ بالبولِ.

51 - مسألة؛ قال: (ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء)

وَلَا يَجُوزُ أنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ في الْفَضَاء، ـــــــــــــــــــــــــــــ 51 - مسألة؛ قال: (ولا يجوزُ أن يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ في الفَضاء) وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لما روَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أتُيتُمُ الغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، ولا تَستدْبِرُوها بِبَوْلٍ ولا غائِطٍ، ولَكِنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا». قال أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنا الشّامَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ قد بنييَتْ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فنَنْحَرِفُ عنها، ونَسْتَغْفِرُ اللهَ. مُتَّفق عليه (¬1). ولم يَقُلْ البُخَارِيُّ: «ببولٍ ولا غائِطٍ». وعن أبي هُريرَةَ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا جَلَسَ أحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَستقْبِلِ القِبْلَةَ، وَلا ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، من كتاب الوضوء، وفي: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ليس في المشرق ولا المغرب قبلة، من كتاب الصلاة. صحيح البخاري 1/ 48، 109. ومسلم، في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 224. وأبو داود، في: باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 3. والترمذي، في: باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 23. والنسائي، في: باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، وباب النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 23، 24. وابن ماجه، في: باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 115. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 421.

52 - مسألة: (وفي: استدبارها فيه، واستقبالها في البنيان، روايتان)

وَفِي اسْتِدْبَارِها فِيهِ، وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ يَسْتَدْبِرْهَا». رواه مسلمٌ (¬1). وقال عُرْوَةُ، وداودُ، ورَبِيعَةُ (¬2): يجوزُ اسْتِقْبالُها واسْتِدْبارُها؛ لما روَى جابرٌ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَستقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فرأيتُه قبلَ أن يُقْبَضَ بعامٍ يَسْتَقْبِلُها (¬3). قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وهذا دليل على النَّسْخِ. ولَنا، أحادِيثُ النَّهْي، وهي صحِيحة، وحديثُ جابرٍ يَحتَمِلُ أنَّه رآه في البُنْيانِ، أو مُستتِرًا بشيءٍ، فلا يَثْبُتُ النَّسْخُ بالاحتمالِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا، ليكونَ مُوافِقًا لما ذُكِر مِن الأحادِيثِ. 52 - مسألة: (وفي: اسْتِدْبارِها فيه، واسْتِقْبالِها في البُنْيانِ، رِوايَتانِ) وجملةُ ذلك أن اسْتِدْبارَ الكَعْبَةِ بالبَولِ والغائِطِ، فيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداها، يجُوزُ في الفَضاءِ والبُنْيانِ جميعًا؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: رَقَيتُ يومًا على بيتِ حَفْصَةَ، فرأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على حاجَتِه، ¬

(¬1) في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 224. (¬2) أبو عثمان ربيعة بن فروخ (أبي عبد الرحمن) المدني، ربيعة الرأي، أدرك الصحابة، وعنه أخذ مالك بن أنس، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة طبقات الفقهاء للشيرازي 65، العبر 1/ 183. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 3. والترمذي، في: باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 26. وابن ماجه، في: باب الرخصة في استقبال القبلة في الكنيف، وإباحتة دون الصحارى، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 117.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُستَدْبِرَ الكَعْبةَ. متَّفَق عليه (¬1). والثانية، لا يجوزُ ذلك فيهما؛ لحديثِ أبي أيُّوبَ، ولما رَوَى أبو هُرَيرةَ، عن رسولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إذا جَلَسَ أحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِه، فَلا يَسْتقْبِلِ القِبْلَةَ، وَلا يَسْتَدْبِرْهَا». رواه مسلم (¬2). والثالثة، يجُوزُ ذلك في البُنْيانِ، ولا يجوزُ في الفَضاءِ، وهو الصَّحيحُ. رُوِي جوازُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبارِها في البُنيانِ عن ابنِ عباسٍ، وابن عمرَ، رَضِي اللهُ عنهم. وبه قال مالكٍ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ؛ لحديثِ جابرٍ، ولما روَتْ عائشةُ، أن رسولَ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - ذُكِر له أنَّ قومًا يَكْرَهُون اسْتِقْبال القِبْلَةِ بفُرُوجِهم، قال رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: «أوَ قَدْ ¬

(¬1) أخرجه البُخاريّ، في: باب التبرز في البيوت، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ 1/ 49. ومسلم، في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 225.كما أخرجه التِّرمذيُّ، في: باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 26. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 13. (¬2) تقدم في صفحة 203.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَعَلُوهَا؟ اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي القِبْلَةَ». رواه أصحابُ السُّنَن (¬1). قال أبو عبدِ اللهِ: أحْسَنُ ما رُويَ في الرُّخْصَةِ حديثُ عائشةَ؛ فإنَّ كان مُرْسَلًا؛ فإنَّ مَخْرَجه حَسَنٌ. إنَّما سَمّاه أبو عبدِ اللهِ مُرْسَلًا؛ لأنَّ عِراكَ بنَ مالكٍ رواه عن عائشةَ. قال أحمدُ: ولم يَسمَعْ منها. وروَى مَرْوانُ الأصْفَرُ، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ أناخَ راحِلَتَه مُستَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثم جَلَسَ يَبُولُ إليها. فقلتُ: أبا عبدِ الرحمنِ، أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى إنَّما نُهِي عن هذا في الفَضَاءِ، أمّا إذا كان بينَك وبينَ القِبْلَةِ شيء يسْتُرُك، فلا بأسَ. رواه أبو داودَ (¬2). وهذا تَفسِيرٌ لنَهْي رسُولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - العامِّ، وفيه جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ بحَمْلِ أحاديثِ النَّهْي على الفَضاءِ، وأحاديثِ الرُّخْصَةِ على البُنْيَانِ، فيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إليه. وأمّا اسْتِقْبالُها في البُنيانِ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يجُوزُ؛ لما ذكرْنا. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. والثانية، لا يجوزُ. وهو قولُ الثّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لعُمُومِ أحاديث النَّهْي. والأوَّلُ أوْلَى. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب الرخصة في استقبال القبلة في الكنيف، وإباحته دون الصحارى، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 117. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 137، 227، 239. (¬2) في باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، من كتاب الطهارة سنن أبي داود 1/ 3.

53 - مسألة؛ قال: (فإذا فرغ مسح بيده اليسرى من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثا)

فَإِذَا فَرَغَ، مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أصْلِ ذَكَرِهِ إلَى رَأسِهِ، ثُمّ يَنْتُرُه ثَلَاثًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 53 - مسألة؛ قال: (فإذا فَرَغَ مَسَحَ بيَدِه اليُسرى مِن أصْلِ ذَكَرِه إلى رَأسِه، ثم يَنْتره ثلاثًا) فيَجعَل يَدَه على أصلِ الذكَرِ مِن تحتِ الأنثيَينِ، ثم يَسْلِته إلى رأسِه فيَنْتره (¬1) ثلاثًا برفق؛ لما روَى يَزْدَاد اليَمانِيُّ، قال: قال رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إذا بَال أحَدكمْ، فَلْيَنْتر ذَكَره ثَلاثَ مَراتٍ». رواه أحمد (¬2). ¬

(¬1) في م: «فينتر ذكره». (¬2) في: المسند 4/ 347.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب الاستبراء بعد البول، من كتاب الطهارة سنن ابن ماجه 1/ 118.

54 - مسألة؛ قال: (ولا يمس ذكره بيمينه، ولا يستجمر بها)

وَلَا يَمَسُّ فَرْجَهُ بِيَمِينهِ، وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِهَا، فَإن فَعَلَ اجْزَأهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 54 - مسألة؛ قال: (ولا يَمَسُّ ذَكَرَه بيَمِينه، ولا يَسْتَجْمِرُ بها) لما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يُمْسِكَنَّ أحَدُكمْ ذَكَرَه بِيَمِينهِ وَهُوَ يَبول، وَلا يَتَمَسَّحُ مِنَ الخَلاءِ بِيَمِينهِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). فإنَّ ¬

(¬1) أخرجه البُخاريّ، في: باب النهي عن الاستنجاء باليمين، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ 1/ 50. ومسلم، في: باب النهي عن الاستنجاء باليمين، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 225. كما أخرجه أبو داود، في: باب كراهية مسّ الذكر باليمين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 8. والترمذي، في: باب في الاستنجاء باليمين، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 32. والنسائي، في: باب النهي عن مسّ الذكر باليمين عند الحاجة، وباب النهي عن الاستنجاء باليمين، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 26، 39، 40. وابن ماجه، في: باب كراهية مسّ الذكر باليمين والاستنجاء باليمين، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 113. والدارمي، في: باب النهي عن الاستنجاء باليمين، من كتاب الطهارة. سنن الدَّارميِّ 1/ 172. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 295، 296، 300، 310، 311.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان يَستَجْمِرُ مِن غائِطٍ أخَذَ الحَجَرَ بيَسارِه، فمَسَحَ به. وإن كان مِن البَولِ أمْسَكَ ذَكَرَه بشِمالِه، ومَسَحَه على الحَجَرِ، فإنَّ كان الحجرُ صغيرًا، وَضَعَه بينَ عَقِبَيه أو بينَ أصابعِه ومسحَ عليه إن أمكَنَه، وإلَّا أمْسَكَ الحَجَرَ بيمينه ومسحَ بيَسارِه الذَّكَرَ عليه. وقيل: يُمْسِكُ الذَّكَرَ بيمينه ويَمْسَحُه بيَسارِه (¬1). والأولُ أوْلَى؛ لما ذكرْنا مِن الحديث، ولأنه ¬

(¬1) في ش بعد هذا: «وهو مذهب الشَّافعي».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إذا أمْسَكَ الحَجَرَ بيمينه، ومَسَحَ بيسارِه، لم يكنْ ماسِحًا بيمينه، ولا ممْسِكًا للذَّكَرِ بها. فإنَّ كان أقْطَعَ اليسرى أو بها مَرَض، اسْتَجْمَر بيمينه للحاجَةِ. فأمّا الاسْتِعانَة بها في الماءِ، فلا يكرَه؛ لأنَّ الحاجةَ داعِيَة إليه، فإنَّ اسْتَجْمَر بيمينه لغيرِ حاجةٍ أجْزأه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وحُكِي عن بعض أهلِ الظّاهِرِ، أنَّه لا يجْزِئه؛ لأنه مَنْهِيٌّ عنه، أشْبَهَ ما لو اسْتَنْجَى

55 - مسألة: (ثم يتحول عن موضعه؛ لئلا يتنجس بالخارج منه، ثم يستجمر، ثم يستنجي بالماء)

ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بالرَّوْثِ والرِّمَّة. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الرَّوْثَ آلةُ الاسْتِجْمارِ المُباشِرَةِ للمَحَلِّ وشَرْطه، فلم يَجُزِ استعمالُ الالةِ المَنْهِيِّ عنها فيه، واليدُ ليستِ المُباشِرَةَ للمَحَلِّ، ولا شَرْطًا فيه، إنَّما يَتَناوَلُ بها الحَجَرَ المُلاقِيَ للمَحَلِّ، فصارَ النَّهْيُ عنها نَهْيَ تَأدِيب لا يَمنَعُ الإِجْزاءَ. 55 - مسألة: (ثم يَتَحَوَّلُ عن موضِعِه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بالخارِجِ مِنه، ثم يَسْتَجْمِرُ، ثم يَستَنْجِي بالماءِ) الجَمْعُ بينَ الحَجَرِ والماءِ أفضَلُ؛ لأنَّ الحجرَ يُزيلُ ما غَلُظ مِن النَّجاسةِ، فلا تُباشِرُها يدُه، والماءُ يُزِيلُ ما بَقِيَ، قال أحمدُ: إن جمَعهما فهو أحَبُّ إليَّ؛ لما رُوى عن عائشةَ، أنَّها قالت للنِّساء: مُرْنَ أزْوَاجَكُنَّ أنْ يُتْبِعُوا الحِجارَةَ الماءَ مِن أثَرِ الغائِطِ والبَوْلِ، فإنِّي أستَحْيِيهِمْ (¬1)، وإنَّ النَّبيَّ - صَلَّى الله عليه وسلم - كان يَفْعَلُه (¬2). قال الترمِذِي: هذا حديثٌ صحيحٌ. ¬

(¬1) في م: «استحبهما». (¬2) أخرجه التِّرمذيُّ، في: باب الاستنجاء بالماء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 37. والنَّسائيُّ، في: باب الاستنجاء بالماء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 39.

56 - مسألة؛ قال: (ويجزئه أحدهما)

وَيجزئه أحَدهما، ـــــــــــــــــــــــــــــ 56 - مسألة؛ قال: (ويُجْزِئُه أحَدُهما) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِيَ عن سعدِ بنِ أبي وَقاص، وابنِ الزُّبَيرِ (¬1)، أنهما أنكَرا الاسْتِنْجاءَ بالماءِ. قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ: وهل يَفعَلُ ذلك إلَّا النِّساءُ؟ وقال عطاء: غَسْلُ الدُّبُرِ محْدَثٌ. والأول أوْلَى؛ لما روَى أنس، قال: ¬

(¬1) عبد الله بن الزُّبير بن العوام القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصِّديق، ولد عام الهجرة، أحد العبادلة، وأحد شجعان الصّحابة، بويع بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية، وقتله الحجاج سنة ثلاث وسبعين. الإصابة 4/ 89 - 95.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان النبي - صَلَّى الله عليه وسلم - يَدخُلُ الخَلاءَ فأحْمِلُ أنا وغلامٌ نَحْوي إدَاوَةً (¬1) مِن ماءٍ وعَنَزَةً (¬2)، فيَسْتَنْجِي بالماءِ. متَّفَقٌ عليه (¬3). ولما ذكرْنا مِن حديثِ عائشةَ. ورَوى أبو هُرَيرَةَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَزَلَتْ هذه الآيَةُ في أهْلِ قُباءَ {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} (¬4). قال: كانوا يَسْتَنْجُونَ بالماءِ فَنَزَلَتْ فِيهِم هذه الآيةُ». رواه أبو داودَ (¬5). ورُوى عن ابنِ (¬6) عمرَ أنّه كان لا يَفْعَلُه، ثم فَعَلَه، وقال لنافِع: إنَّا جَرَّبْناه فوَجَدْناه صالِحًا. ولأنه يُطَهِّرُ النجاسةَ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، فجازَ في محَلِّ الاستنجاءِ قِياسًا عليه. فأمّا الاقْتِصارُ على الاسْتِجْمارِ، فهو جائِز بغيرِ خلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ لما يُذْكَرُ مِن الأخْبارِ، وهو إجْماعُ الصحابةِ، رَضِي اللهُ عنهم. ومتى أرادَ الاقْتِصارَ على أحَدِهما فالماءُ أفضَلُ؛ لما روَينا مِن الأحاديثِ، ولأنه يُزِيلُ العينَ والأثَرَ، ويُطَهِّرُ المَحَلَّ، وأبلَغُ في التنظيفِ. ¬

(¬1) الإداوة: المطهرة. (¬2) العنزة؛ بالتحريك: عصا طويلة في أسفلها زج، ويقال رمح صغير. (¬3) أخرجه البُخاريّ، في: باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ 1/ 50. ومسلم، في: باب الاستنجاء بالماء من التبرز، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 227.كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الاستنجاء بالماء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 39. والدارمي، في: باب الاستنجاء بالماء، من كتاب الطهارة. سنن الدَّارميِّ 1/ 173. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 171، 203. (¬4) سورة التوبة 108. (¬5) في: باب في الاستنجاء بالماء، من كتاب الطهارة سنن أبي داود 1/ 11.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب الاستنجاء بالماء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 128. (¬6) سقط من: «الأصل».

57 - مسألة، قال: (إلا أن يعدو الخارج موضع العادة، فلا يجزئ إلا الماء)

إلا أنْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، فَلَا يُجْزِئُ إلا الْمَاءُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 57 - مسألة، قال: (إلا أن يَعْدُوَ الخارِجُ موضعَ العَادَةِ، فلا يُجْزِئُ إلا الماءُ) مِثْلُ أنْ ينْتَشِرَ إلى الصَّفْحَتَينِ، أو يَمْتَدَّ في الحَشَفَةِ كثيرًا. وبهذا قال الشَّافعي، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الاسْتِجْمارَ في المَحَلِّ المُعْتادِ رُخْصَةٌ لأجْلِ المَشَقَّةِ في غَسْلِه، لتَكَرُّرِ النجاسةِ فيه، فما لا يَتكَرَّرُ لا يُجْزِئُ فيه إلَّا الماءُ كَساقِه، ولذلك قال عليٌّ، رَضِي الله عُنه: إنَّكُم كُنتُم تَبْعَرُونَ بَعْرًا، وأنتم اليومَ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا، فأتْبِعُوا الماءَ الأحْجارَ (¬1). فأمّا قولُه، - عليه السلام -: «يَكْفِي أحَدَكُمْ ثَلاثةُ أحْجَارٍ» (¬2). يُحمَلُ على ما إذا لم يَتجاوَزْ موضعَ العادةِ؛ لما ذكرْنا. ¬

(¬1) النهاية في غريب الحديث 1/ 220. ولفظه فيها: «كانوا يبعرون بعرا، وأنتم تثلطون ثلطا». أي كانوا يتغوطون يابسًا كالبعر؛ لأنهم كانوا قليلي الأكل والمآكل، وأنتم تثلطون رقيقًا، وهي إشارة إلى كثرة المآكل وتنوعها. (¬2) أخرج معناه أبو داود، في: باب الاستنجاء بالأحجار، من كتاب الطهارة سنن أبي داود 1/ 10. والنسائي، في: باب الاجتزاء في الاستطابة كالحجارة دون غيرها، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 38. والدارمي، في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة سنن الدَّارميِّ 1/ 172. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 133.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والمرأةُ البِكْرُ كالرجلِ؛ لأنَّ عُذْرَتَها تمنعُ انْتِشارَ البَولِ. فأمّا الثَّيِّبُ، فإنَّ خَرَج البَولُ بحِدَّةٍ ولم يَنْتَشِرْ، فكذلك، وإنْ تَعَدَّى إلى مَخْرَجِ الحَيض، فقال أصحابُنا: يجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ مَخرَجَ الحَيض غير مَخْرَجِ البولِ. قال شيخنا: ويَحتَمِلُ أن لا يجبَ؛ لأنَّ هذا عادَةٌ في حقِّها، فكَفَى فيه الاستِجْمارُ، كالمُعْتادِ في غيرِها، ولأنَّ الغَسْلَ لو لَزِمَها لبَينَّهَ النَّبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - لأزْواجِه؛ لكَوْنِه مِمّا يُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه. وإن شَكَّ في انْتِشارِ الخارِجِ لم يجبِ الغَسْلُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، والأوْلَى الغَسْلُ احْتِياطًا (¬1). ¬

(¬1) المغني 1/ 218.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والأقْلَف إن كانت بَشَرَتُه لا تَخْرج مِن قلْفَتِه فهو كالمُخْتَتِنِ، وإن كان يُمْكِنُه كَشفُها كَشَفَها، فإذا بال واسْتَجْمَر أعادَها، وإن تَنَجَّسَتْ بالبَولِ لَزِمَه غَسْلُها، لو انتشر إلى مُعْظَمِ الحَشفَةِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإنِ انْسَدَّ المَخرَجُ المُعْتادُ وانْفَتَح آخرُ، لم يَجُزْ فيه الاسْتِجْمارُ، وحُكِي عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه صار مُعتادًا. ولَنا، أنَّ هذا نادِرٌ بالنِّسْبَةِ إلى سائرِ الناس، فلم يَثْبُتْ فيه أحكام الفَرْجِ، ولأنَّ لَمْسَه لا يَنقُض الوضوءَ، ولا يَتَعَلَّق بالإيلاجِ فيه شيءٌ مِن أحكامِ الوَطْءِ، أشْبَهَ سائِرَ البَدَنِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والأوْلَى أن يَبدَأ الرجلُ بالاسْتِنْجاءِ في القُبُلِ؛ لِئَلَّا تَتلَوَّثَ يدُه إذا شَرَع في الدُّبُرِ، لأنَّ قُبُلَه بارِز. فأمّا المرأةُ فهي مُخَيَّرة في البِدايه بأيهما شاءت؛ لعَدَمِ ذلك فيها. وإذا اسْتَنْجَى بالماء ثم فرَغ، استُحِبَّ له دَلْكُ يدِه بالأرض؛ لما روتْ مَيمُونَةُ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك. رواه البُخارِيّ (¬1). ويُسْتَحَبُّ أن يَمْكُثَ قليلًا قبلَ الاستِنْجاءِ، حَتَّى ينْقَطِعَ أثر البَولِ، فإنِ اسْتَنْجَى عَقِيبَ انقِطاعِه جازَ؛ لأنَّ الظاهِرَ انقِطاعُه، وقد ¬

(¬1) في: باب الغسل مرَّة واحدة، وباب المضمضة والاستنشاق في الجنابة، وباب مسح اليد بالتُّراب ليكون أنقى، من كتاب الغسل. صحيح البُخاريّ 1/ 73، 74.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قيل: إنَّ الماءَ يَقْطَعُ البولَ، ولذلك سُمِّيَ الاسْتِنْجاءُ انْتِقاصَ (¬1) الماءِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْضَحَ على فَرْجه وسَراويله بعدَ الاسْتِنْجاء، ليُزِيلَ عنه الوَسْواسَ. قال حَنْبَلٌ: سأَلتُ أحمدَ، قلتُ: أتوَضَّأ وأسْتَبْرِيء، وأجدُ في نَفْسِي أني قد أحْدَثْتُ بَعدُ؟ قال: إذا تَوَضَّأتَ فاسْتَبرِئ، ثم خُذْ كَفًّا مِن ماءٍ، فرُشَّه في فَرُجِك لا (¬2) تَلْتَفِتْ إليه، فإنَّه يَذْهَبِ إن شاءَ اللهُ. وقد روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقال: يا مُحَمَّدُ، إذا تَوَضَّأتَ فَانتضِحْ». حديث غريبٌ (¬3). ¬

(¬1) في الأصل: «استنقاص». (¬2) في الأصل: «ولا». (¬3) أخرجه التِّرمذيُّ، في: باب في النضح بعد الوضوء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 65. وابن ماجه، في: باب ما جاء في النضح بعد الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 157.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وَإذا اسْتَنْجَى بالماء لم يَحْتَجْ إلى التُّرابِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه استَعْمَلَ الترابَ مع الماءِ في الاسْتِنْجاءِ، ولا أمَرَ به.

58 - مسألة؛ قال: (ويجوز الاستجمار بكل طاهر ينقي، كالحجر، ونحوه الخشب والخرق)

وَيَجُوزُ الاسْتِجمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنْقِي؛ كَالْحَجَرِ، وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 58 - مسألة؛ قال: (ويجوزُ الاسْتِجْمارُ بكلِّ طاهرٍ يُنْقِي، كَالحَجَرِ، ونَحْوه الخَشبُ والْخِرَقُ) أمّا الاسْتِجْمارُ بالأحْجارِ، فلا خلافَ فيه، فيما علمنا، وذلك لما رُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ذَهَبَ أحَدُكُم إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فَإنَّها تُجْزِئ عَنْه». رواه أبو داودَ (¬1) أ. فأمَّا الاسْتِجْمارُ بما سِواها، كالخَشَبِ والخِرَقِ وما في معناها مِمَّا يُنْقِي، فهو جائِزٌ في الصَّحيحِ مِن المذهب، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وعنه، لا يُجْزِئُ إلَّا الأحْجارُ. اخْتارَها أَبو بكرٍ، وهو مذهبُ داودَ؛ لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالأحْجارِ، وأمْرُه يَقْتَضِي الوُجُوبَ. ولأنَّه مَوْضِعُ رُخْصَةٍ، وردَ الشرعُ فيها بآلةٍ مَخصُوصَةٍ، فوَجَبَ الاقْتِصارُ عليها، كالترابِ في التَّيَمُّمِ، وقِياسًا على رَمْي الجِمارِ. ¬

(¬1) في: باب الاستنجاء بالأحجار، من كتاب الطهارة سنن أبي داود 1/ 10. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 38. والدارمي، في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 172. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 133.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولَنا، ما روَى طاوُسٌ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أتى أحَدُكُمُ البَرَازَ، فَلْيُنَزِّه قِبْلَةَ اللهِ، فَلا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، ولْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أحْجَارٍ، أو ثَلَاثَةِ أَعْوادٍ، أو ثَلَاثِ حَثَياتٍ مِنْ تُرابٍ». رواه الدَّارَقُطْنِي (¬1)، قال: وقد رُوِيَ عن ابن عباس مرفوعًا، والصحيحُ أنه مُرسَلٌ. وفي حديثِ سَلْمانَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه لَيَنْهانا أن نَسْتَنْجِيَ بأقلَّ مِن ثَلَاثَةِ أحْجارٍ، وأن نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أو عَظْم. رواه مسلمٌ (¬2). وتَخْصِيصُ هذين بالنَّهْي يدُلُّ على أنه أرادَ الحِجَارَةَ وما قام مَقامَها، وَإلَّا لم يكنْ بتَخْصِيصِ هذين بالنَّهْي معنًى. ولأنَّه متى وَرَدَ النَّصُّ بشيءٍ لمعنًى معقول، وَجَب تَعْدِيَتُه إلى ما وُجِدَ فيه المعنى، والمعنى ههُنا إزالةُ عينِ النجاسةِ، وهذا يحصُلُ بغيرِ الأحْجارِ كحُصُولِه بها، فأمّا التَّيَمُّم فإنَّه غيرُ معقول. فصل: ويُشتَرطُ فيما يُسْتَجْمَرُ به أن يكونَ طاهِرًا، كما ذكر، فإنَّ كان نَجِسًا لم يُجْزِئْه الاسْتِجْمارُ به. وبهذا قال الشَّافعي. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه يُجَفِّفُه كالطاهِرِ. وَلَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحَجَرَين ورَوْثَةٍ ليَسْتَجْمِرَ بها، فأخذَ الحَجَرَين (¬3) وألْقَى الرَّوْثَةَ، ¬

(¬1) في: باب الاستنجاء، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 57. (¬2) في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 223. (¬3) في م: «الحجر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال: «هَذَا رِكْسٌ». يعني نَجِسًا. رواه الترمِذِي (¬1). وهذا تعليل مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَجِبُ المصيرُ إليه. ولأنَّه إزالةُ نجاسةٍ، فلا تَحْصُلُ بالنجِس كالغَسْلِ. فإنَّ اسْتَجْمَر بنَجِس، احْتَمَل أن لا يُجْزِئَه الاسْتِجْمارُ بعدَه؛ لأنَّها نَجاسة مِن خارجٍ، فلم يَجُز فيها غيرُ الماءِ، كما لو تَنَجَّسَ المَحَلُّ بها ابتداءً، ويَحتَمِلُ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّ هذه النجاسةَ تابِعة لنجاسةِ المَحَلِّ، فزالتْ بِزَوالِها. ويُشترطُ أن يكونَ ممَّا يُنْقِي؛ لأنَّ الإِنْقَاءَ شرط في الاسْتِنْجاءِ، فإنَّ كان زَلِجًا، كالزُّجاجِ والفَحْمِ الرِّخْو وشِبْهِهما مِمَّا (¬2) لا يُنْقِي أو نَدِيًّا (¬3)، لم يَجُز في الاسْتِجْمارِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به المقصودُ. ¬

(¬1) في: باب الاستنجاء بالحجرين، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 34.كما أخرجه البُخاريّ، في: باب لا يستنجى بروث، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ 1/ 51. والنَّسائيُّ، في: باب الرخصة في الاستطابة بحجرين، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 37. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 34، 338، 427، 450. (¬2) سقط من: م. (¬3) في م: «أو نديا لا ينقى».

59 - مسألة؛ قال: (إلا الروث والعظام والطعام، وما له حرمة، وما يتصل بحيوان)

إلا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَالهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 59 - مسألة؛ قال: (إلا الرَّوْثَ والعِظامَ والطُّعامَ، وما له حُرمَةٌ، وما يَتَّصِلُ بحَيَوانٍ) وجملةُ ذلك أنه لا يجُوزُ الاسْتِجْمارُ بالرَّوْثِ ولا العِظامِ ولا يُجْزِئُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبهذا قال الثَّوْرِيّ، والشافعيّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ الاسْتِجْمارُ (¬1) بهما؛ لأنَّهما يُجَفِّفان النَّجاسةَ، ويُنْقِيان المَحَلَّ، فهما كالحَجَرِ. وأباحَ مالكٌ الاستنْجاءَ بالطَّاهِرِ منهما. ولَنا، ما روَى مسلمٌ (¬2)، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بالعِظَام؛ فإنَّه زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ». ورَوَى الدَّارَقُطْنِي (¬3) أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى برَوْثٍ أو عَظْم، وقال: «إنَّهُما لا يُطَهِّرانِ». وقال: إسنادٌ صحيح. ورَوَى أبو داوُد (¬4)، عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لرُوَيفِع. بنِ ثابِتٍ: «أخْبِرِ النَّاسَ، أنه مَنِ اسْتَنْجَى برَجِيع أو عَظْم، فهُوَ بَرِئٌ مِنْ مُحَمَّدٍ». وهذا عام في الطَّاهِرِ مِنْهما وغيرِه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ ¬

(¬1) في الأصل: «الاستنجاء». (¬2) بنحوه، في: باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، من كتاب الصَّلاة. صحيح مسلم 1/ 332. وبلفظه، أخرجه التِّرمذيُّ، في: باب كراهية ما يستنجى به، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 36، 12/ 143. (¬3) في: باب الاستنجاء، من كتاب الطهارة سنن الدارقطني 1/ 56. (¬4) في: باب ما ينهى عنه أن يستنجى به، من كتاب الطهارة سنن أبي داود 1/ 9. وأخرجه الإمام أحمد، في المسند 4/ 108، 109.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعَدَمَ الإجْزاء. وكذلك الطعامُ يَحْرُمُ الاسْتِنْجاءُ به بطريقِ التنبِيهِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ النَّهْيَ عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ بكَوْنِه زادَ الجِنِّ، فَزادُنا أولَى، لكوْنِه أعْظَمَ حُرْمَةً. فإنَّ قِيل: فقد نَهَى عن الاسْتِجْمارِ باليَمِينِ، كنَهْيِه عن الاستجمارِ بهذينِ، ولم يَمْنَعْ ذلك الإِجْزاءَ. فعنه جوابان؛ أحدُهما، إنّه قد بيَّن في الحديث أنهما لا يُطَهِّران. الثاني، الفرقُ بينَهما، وهو أنَّ النَّهْيَ ههُنا لمعنًى في شَرْطِ الفِعلِ، فمَنَعَ صِحَّتَه، كالنَّهْي عن الوُضوءِ بالماءِ النَّجِس، وثَمَّ لمعنًى في آلةِ الشرط، فلم يَمْنَعْ، كالوُضوءِ مِن إناءٍ مُحَرَّم. وكذلك ما لَهُ حُرْمَةٌ؛ مِثْلُ كُتُبِ الفِقْهِ والحدِيثِ؛ لما فيه مِن هَتْكِ الشَّريعةِ والاسْتِخْفافِ بِحُرْمَتِها، فهو في الحُرْمَةِ أعْظَمُ مِن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، وكذلك ما يَتَّصِلُ بحيوانٍ كعَقِبِه ويَدِه وذَنَبِ البَهِيمةِ وصُوفِها المُتَّصِلِ بها؛ لأنَّ له حُرْمَةً، فهو كالطَّعامِ [وقد يُنَجِّس الغَيرَ] (¬1). ¬

(¬1) سقط من: «م».

60 - مسألة: (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات، إما بحجر ذي شعب أو بثلاثة)

وَلَا يُجْزِيء أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، إِمَّا بِحَجَرٍ ذِى شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 60 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ أقلُّ مِن ثلاثِ مَسَحاتٍ، إمّا بحَجَر ذي شُعَبٍ أو بثلاثةٍ) أما الاسْتِجْمارُ بثلاثةِ أحْجارٍ، فيُجْزِئ إذا حَصَل بها الإِنْقاءُ، بغيرِ خلافٍ علمْناه، لما ذكرْنا مِن النَّصِّ والإجماعِ. فأمّا الحَجَرُ الذي له ثلاثُ شُعَبٍ، فيُجْزِئ (¬1) الاسْتِجْمارُ به في ظاهِرِ المذهبِ. وهو اختيارُ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر. وعن أحمدَ رواية أخرَى، لا يُجْزِئ أقَلُّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ. وهو قولُ أبي بكرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ». رواه مسلم (¬2) و «لا يَكْفِي أحدَكُمْ دُون ثَلاثَةِ أحْجارٍ» (¬3). ولأنَّه إذا اسْتَجْمَر بالحَجَرِ تَنَجَّس، فلم يَجُزِ الاسْتِجْمارُ به ثانيًا، كالصَّغِيرِ. ولَنا، أنه اسْتَجْمَرَ ثلاثًا مُنْقِيَةً بما وُجِدَ فيه شُرُوطُ الاسْتِجْمارِ، فأجْزَأه، كما لو فَصَلَه ثلاثةَ أحجارٍ، واسْتَجْمَرَ بها، فإنَّه لا فرقَ بينَهما إلَّا فَصْلُه، ولا أثَرَ لذلك ¬

(¬1) في م: «فيجوز». (¬2) تقدم في صفحة 222 بنحوه. (¬3) تقدم في صفحة 214 بمعناه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في التَّطهيرِ، والحديثُ يَقْتَضِي ثلاثَ مَسَحاتٍ بحَجَرٍ، كما يُقال: ضَرَبْته ثلاثةَ أسْواطٍ. أي ثلاثَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ، وذلك لأنَّ معناه معقولٌ، ومُرادَه معلومٌ، والحاصلُ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ حاصِلٌ مِن ثلاثِ شُعَبٍ، ومِن مَسْحِه ذَكره في صَخْرَةٍ عَظِيمةٍ، بثَلاثةِ مَواضِعَ مِنها، فلا معنى للجُمُودِ على اللَّفْظِ مع وُجُودِ ما يُساويه. وقولُهم: إنَّ الحَجَرَ يَتَنَجَّس. قُلْنا: إنَّما يَمْسَحُ بالموضع الطاهِرِ، أشْبَهَ ما لو تَنَجَّسَ جانِبُه بغيرِ الاسْتِجْمارِ. ولأنَّه لو اسْتَجْمَرَ به ثلاثة، لحَصَلَ لكلِّ واحدٍ مِنهم مَسْحَةٌ، وقام مَقامَ ثلاثةِ أحْجارٍ، فكذلك إذا اسْتَجْمَرَ به الواحِدُ. فصل: ولو اسْتَجْمَرَ ثلاثةٌ بثلاثةِ أحْجارٍ، لكلِّ حَجَرٍ ثلاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كلُّ واحدٍ بشُعْبَةٍ مِن كُلِّ (¬1) حَجَرِ، أو اسْتَجْمَرَ بحَجَر ثم غَسَلَه، أو (¬2) كَسَر ما تَنَجَّسَ منه، ثم اسْتَجْمَرَ به ثانيًا، ثم فعل ذلك واسْتَجْمَر به ثلاثًا، أجْزأه؛ لحُصُولِ المعنى والإِنْقَاءِ. ويَحْتَمِلُ على قولِ أبي بكرٍ أن لا يُجْزئَه، جُمُودًا على اللَّفْظِ، وهو بعيدٌ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) في م: «و».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُشْتَرَطُ للاسْتِجْمارِ الإِنْقاءُ، وكمالُ العَدَدِ. ومعنى الإِنْقاء في الاسْتِجْمارِ: إزالةُ عينِ النجاسةِ وبَلَلِها، بحيث [يَرْجِعُ الحَجَرُ] (¬1) نَقِيًّا، ليس عليه أثر إلَّا شيئًا يَسِيرًا. ومعنى الإِنْقاءِ في الاسْتِنْجاءِ ذَهابُ لُزُوجَةِ النَّجاسَةِ وآثارِها. فإنَّ وُجِدَ الإِنقاءُ، ولم يَكْمُلِ العَدَدُ، لم يُجْزِئ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال مالكٌ: يُجْزِئ. وبه قال داوُد؛ لحُصُولِ المقْصُودِ، وهو الإِنْقاءُ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَن فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» (¬2). ولَنا، قَوْلُ سلْمانَ: لقد نَهانا -يعني النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نَسْتَجْمِرَ بأقَلَّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ (¬3). فأمّا قوله: «فَلا حَرَجَ». في حديثهم، يعني في تَرْكِ الوتْرِ، لا في تركِ العَدَدِ؛ لأنَّ المأمُورَ به في الخَبَرِ الوترُ، فيَعُودُ نَفْيُ الحَرجِ إليه. ¬

(¬1) في م: «يخرج». (¬2) رواه أبو داود، في: باب الاستتار في الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 8. كما أخرج نحوه في الاستجمار وترا البُخاريّ، في: باب الاستنثار في الوضوء، وباب الاستجمار وترا، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ 1/ 52. والترمذي، في: باب ما جاء في المضمضة والاستنشاق، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 44. والنَّسائيُّ، في: باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد، وباب الأمر بالاستنثار، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 38، 57. وابن ماجه، في: باب الاستنجاء بالحجارة، وباب الارتياد للبول والغائط، وباب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 114، 115، 121، 142، 143. والدارمي، في: باب التستر عند الحاجة، وباب في الاستنشاق والاستجمار، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 169، 178. والإمام مالك، في: باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 19. والإمام أحمد، في: المسند 236/ 2، 254، 277، 278، 308، 351، 356، 371، 387، 401، 463، 4/ 313، 339، 340. (¬3) تقدم صفحة 222.

61 - مسألة؛ قال: (فإن لم ينق بها، زاد حتى ينقى)

فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِهَا، زَادَ حَتَّى يُنْقِىَ. وَيَقْطَعُ عَلَى وتْرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 61 - مسألة؛ قال: (فإنَّ لم يُنْقِ بها، زادَ حتَّى يُنْقِىَ) لأنَّ المقصودَ إزالةُ آثارِ النجاسةِ، فإذا لم يُنْقِ لم يَحْصُلْ مقصودُ الاسْتِجْمارِ. 62 - مسألة؛ قال: (ويَقْطعُ على وتْرٍ) لما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ». متَّفَقٌ عليه (¬1). وهو مُسْتَحَب غيرُ واجبٍ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَل فقد أحْسَنَ، ومَنْ لا فَلا حَرَجَ». رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داوُدَ. فَيَسْتَجْمِرُ (¬2) ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا، فإنَّ أنقَى بشَفْع أجْزأ؛ لما ذكرنا. فصل: وكَيفَما حَصَل الإِنْقاءُ في الاسْتِجْمارِ أجْزأ، وذَكَر القاضي أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُمِرَّ الحَجَرَ الأوَّلَ، مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُمْنَى إلى مُوخَّرِها، ثم يُدِيرَه على اليُسْرَى، حتَّى يَصِلَ به إلى الموضِع الذي بَدَأ مِنه، ثم يُمِرَّ الثانِىَ مِن مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُسْرَى كذلك، ثُمَّ يُمِرَّ الثالثَ على المَسْرَبَةِ والصَّفْحَتَينِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوَلا يَجِدُ أحَدُكُمْ حَجَرَينِ للصفْحَتَينِ، وَحَجَرًا للمَسْرَبةِ». روَاه الدّارَقُطْنِي (¬3)، وقال: إسناد حسن. وذكر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، وابنُ عَقِيل، أنَّه يَنْبَغِي أن يَعُمَّ المَحَلَّ ¬

(¬1) تقدم في المسألة قبل السابقة. (¬2) في م: «فليستجمر». (¬3) في: باب الاستنجاء، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 56.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بكلِّ واحدٍ مِن الأحْجارِ؛ لأنَّه إذا لم يَعُمَّ به (¬1) كان تَلْفِيقًا، وتَكُونُ (¬2) مَسْحَةً واحدَة. وقالا: معنى الحديثِ البدايةُ بهذه المواضِعِ. قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه لكُلِّ جِهَةٍ مَسْحَةٌ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ. واللهُ أعلمُ (¬3). فصل: ويُجْزِئ الاسْتِجْمارُ في النّادِرِ، كإجْزائِه في المُعْتادِ. ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْه، أنَّه لا يُجْزِئُ في النّادِرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (¬4): يَحْتَمِلُ أن يكونَ قولَ مالكٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بغَسْلِ الذَّكَرِ مِن المَذْىِ، وظاهرُ الأمْرِ الوجوبُ، ولأنَّ النّادِرَ لا يَتَكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ اعْتِبارُ الماءِ فيه، فوَجَبَ كغيرِ هذا المَحَلِّ. ولَنا، أنَّ الخَبَرَ عام في الكُلِّ. ولأنّ الاسْتِجْمارَ في النّادرِ إنَّما وَجَب لما صَحِبَه مِن بِلَّةِ المُعْتادِ، ثم إنْ لم يَشُقَّ فهو في مَحَلِّ المَشَقَّةِ، فيُعْتَبَرُ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ دونَ حَقِيقَتِها، كما جازَ الاسْتِجْمارُ على نَهْرٍ جارٍ. وأمّا المَذْىُ فمُعْتادٌ كثيرٌ، ورُبَّما كان في بعض النَّاسِ أكثرَ مِن البَوْلِ، ولهذا أوْجَبَ مالِكٌ مِنه الوُضُوءَ، وهو لا يُوجِبُه مِن النّادِرِ، فيُجْزِئ فيه الاسْتِجْمارُ قياسًا على سائِرِ المُعْتادِ، والأمْرُ مَحْمُولٌ على الاسْتِجْبابِ، جَمْعًا بينَه وبينَ ما ذكرْنا. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) ساقطة من: «م». (¬2) في م: «فيكون». (¬3) المغني 1/ 210. (¬4) أبو عمر يوسف بن عبد البر بن عبد الله النمري القرطبي، شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة. الديباج المذهب 2/ 367 - 370.

63 - مسألة؛ قال: (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح)

وَيَجِبُ الاسْتِنْجَاء مِنْ كُلِّ خَارِجٍ، إلا الرِّيحَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 63 - مسألة؛ قال: (ويَجِبُ الاسْتِنْجاءُ مِن كل خارِج إلا الرِّيحَ) سَواءٌ كان معْتادًا، كالبَوْلِ والغائِطِ، أو نادِرًا كالحَصَا والدُّودِ والشَّعَرِ، رَطْبًا كان أو يابِسًا، فلو وَطِئ امْرَأتَه دونَ الفَرْجِ، فدَبَّ مَاؤه إلى فَرْجِها، ثم خَرَجَ منه، فعَلَيها (¬1) الاسْتِنْجاءُ. هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وصَرَّحَ به القاضي وغيرُه. ولو أدْخَلَ المِيلَ في ذَكَرِه ثم أخْرَجَه، لَزِمَه الاسْتِنْجاءُ؛ لأنّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فأشْبَهَ الغائِطَ المُسْتَحْجِرَ. والقياسُ أن لا يَجبَ الاسْتِنْجاء مِن ناشِفٍ لا ينَجِّسُ المَحَلَّ، وهو قول الشافعيِّ. وهَكذا (¬2) الحكْم في الطّاهِرِ، وهو المَنِيّ إذا حكَمْنا بطَهارَتِه، لأنَّ الاسْتِنْجاءَ إنَّما شُرِعَ لإزالةِ النَّجاسَةِ، ولا نَجاسَةَ ها هنا، ولأنَّه لم يَرِدْ به نَص، ولا هو في معنى المَنْصوصِ. والقولُ بوجوبِ الاسْتِنْجَاء في الجملةِ قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. وحُكِيَ عن ابنِ سِيرِينَ، في مَن صَلَّى بقَوْم ولم يَسْتَنْجِ: لا أعلمُ به بَأسًا. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ في مَن لم يَلْزَمْه الاسْتِنْجاءُ، كمَنْ تَوَضَّأ مِن نَوْم أو خُروجِ ¬

(¬1) في م: «وجب عليهما». (¬2) في م: «وهذا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِيح، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يَرَ وجوبَ الاسْتِنْجاءِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لِقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ». رواه أبو داوُدَ (¬1). ولأنَّها نَجاسَةٌ يُجْزِئ المَسْحُ فيها، فلم يَجِبْ إزالتُها كيَسِيرِ الدَّمِ. ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذهب أحَدُكُمْ إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فإنَّها تُجْزِيء عَنْهُ». رواه أبو داوُدَ (¬2) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ» روَاه مُسلِمٌ (¬3). أمْرٌ، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقال: «فإنَّها تُجْزِيء عنه». والإجْزاءُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الواجِبِ، ونَهَى عن الاقْتِصارِ على أقَلَّ مِن ثلاثةِ أَحْجارٍ، والنَّهىُ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ. وإذا حَرُمَ تَرْكُ بعضِ النَّجاسَةِ، فالجميعُ أوْلَى، فأمَّا قولُه: «لا حَرَجَ». يَعنى في تَرْكِ الوتْرِ، وقد ذكرْناه. وأمَّا الاجْتِزاءُ بالمَسْحِ فيه، فلمَشَقَّةِ الغَسْلِ؛ لتَكَرُّرِ النجاسةِ في مَحَل الاسْتِنْجاءِ. فأمّا الرِّيحُ فلا يَجِبُ لها اسْتِنْجاءٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال أبو عبدِ اللهِ: ليس في الرِّيح اسْتِنْجاء في كتابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رسولِه، وقد رُوى عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَال: «مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيح فَلَيسَ مِنَّا». رواه الطَّبرانِيُّ، في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» (¬4). وعن زَيدِ بن ¬

(¬1) تقدم في صفحة 229. (¬2) تقدم في صفحة 222 من حديث سلمان. (¬3) تقدم في صفحة 222. (¬4) انظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي 4/ 1352.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أسْلَمَ (¬1)، في قولِه تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}: إذا قُمْتُمْ مِن النَّوْمِ (¬2). ولم يأمُرْ بغيرِه، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجِبُ، ولأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرعِ، ولم يَرِدْ فيه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنى المَنْصُوص. ولأنَّها ليست نَجِسَةً، ولا تَصْحَبُها نَجاسَةٌ، فلا يَجِبُ غَسْلُ المَحَلِّ مِنها، كسائِرِ المَحالِّ الطّاهِرَةِ. ¬

(¬1) أبو عبد الله في زيد بن أسلم العدوي العمرى مولاهم، كان له حلقة للعلم في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وله «تفسير». توفي سنة ست وثلاثين ومائة. سير أعلام النبلاء 5/ 316. (¬2) انظر. تفسير الطبرى 6/ 112، تفسير القرطبي 6/ 82.

64 - مسألة؛ قال: (فإن توضأ قبله، فهل يصح وضوءه؟ على روايتين)

فَإِنْ تَوَضَّأ قَبْلَهُ فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 64 - مسألة؛ قال: (فإن تَوَضَّأ قبلَه، فهل يَصِحُّ وُضُوءُه؟ على رِوايَتَين) يَعني: إن تَوَضَّأ قبل الاسْتِنْجَاءِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّها طَهارَةٌ يُبْطِلُها الحَدَثُ، فاشْتُرِطَ تَقْدِيمُ الاسْتِنْجاءِ عليها، كالتَّيِمُّمِ.

وَإنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَجْهًا وَاحِدًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ والثانيةُ، يصِحُّ. وهي أصَحُّ، وهي مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنها إزالةُ نَجاسَةٍ، فلم تُشترَطْ لصِحَّةِ الطهارَةِ، كالتي على غيرِ الفَرْجِ. فعلى هذه الرِّواية إن قَدَّمَ التيَّمِّمَ خُرِّجَ على الرِّوايَتَين؛ إحْداهما، يَصِحُّ، قياسًا على الوُضُوءِ. والثانيةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، وإنَّما تُسْتَباحُ به الصَّلاةُ، فلا (¬1) تُباحُ مع قِيامِ المانِع، كما لو تَيَمَّمَ قبلَ الوَقْتِ، ¬

(¬1) في م: «ولا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقيل في التَّيَمُّمِ: لا يَصِحُّ. وَجْهًا واحدًا؛ لما ذَكَرْنا. وإن كانت النجاسةُ على غيرِ الفَرْجِ، فهو كما لو كانت على الفرجِ، ذَكَرَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لِما ذكرْنا مِن العِلَّةِ. قال شيخُنا: والأشْبَهُ التَّفْرِيقُ بينَهما، كما افْتَرَقا في طَهارَةِ الماءِ، ولأنَّ نجاسةَ الفَرْجِ سَبَبُ وجوبِ التَّيَمُّمِ، فجازَ أن يكونَ بَقاؤُها مانِعًا مِنه، بخلافِ سائِرِ النَّجاساتِ (¬1). واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) المغني 1/ 156.

باب السواك، وسنة الوضوء

بَابُ السِّوَاكِ، وَسنَّةِ الْوُضُوءِ السِّوَاكُ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الأوْقَاتِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ باب السِّواك وسُنَّة الوضوء 65 - مسألة؛ قال: (والسِّواكُ مَسْنُونٌ في جميع الأوقاتِ) لا نَعْلَمُ خلافًا في استحْبابِه وتَأكُّدِه، وذلك لما رُوى عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِي اللهُ عنه، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ». رَواه الإمامُ أحمدُ (¬1). وعن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا دَخَلَ بَيتَه بَدَأ بالسِّواكِ. رواه مسلم (¬2). ورَوَى ابنُ ماجَه (¬3)، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: «إنِّي لأسْتَاكُ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أُحْفِىَ مَقَادِمَ فَمِي». ¬

(¬1) في: المسند 1/ 3, 10. (¬2) في: باب السواك، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 220. وأخرجه النسائي، في: باب السواك في كل حين، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 17. وابن ماجه، في: باب السواك، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 106. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 41، 42, 110، 182، 188، 192، 237. (¬3) في: باب السواك، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 106. وروى الإمام أحمد نحوه، في: المسند 5/ 263.

66 - مسألة؛ قال: (إلا للصائم بعد الزوال، فلا يستحب)

إلا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 66 - مسألة؛ قال: (إلَّا للصَّائِمِ بعدَ الزَّوالِ، فلا يُسْتَحَبُّ) قال ابن عَقِيل: لا يَخْتَلِف المذهبُ، أنّه لا يُسْتَحَبُّ للصّائِمِ السِّواك بعدَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الزَّوَالِ؛ لما نَذْكُرُه. وهل يُكْرَهُ؟ على رِوايتَين؛ إحْداهما، يُكْرَه. وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لما رُوى عن عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، أنه قال: يَسْتاكُ ما بَينَه وبينَ الظُّهْر، ولا يَسْتاكُ بعدَ ذلك. ولأنَّ السِّواكَ إنَّما اسْتُحِبَّ لإزالةِ رائِحَةِ الفَمِ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لَخُلوف فَم الصَّائِمِ أطْعَبُ عِندَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ». رواه الترمِذِيُّ (¬1)، وقال: ¬

(¬1) في: باب ما جاء في فضل الصوم، من أبواب الصوم. عارضة الأحوذي 3/ 294. كما أخرجه البخاري، في: باب فضل الصوم، وباب هل يقول إني صائم إذا شتم، من كتاب الصوم، وفي: باب ما يذكر في المسك، من كتاب اللباس، وفي: باب قوله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} وباب حدثني محمد بن عبد الرحيم، من كتاب التوحيد. صحيح البخاري 3/ 31, 34، 7/ 211، 8/ 175، 192. ومسلم، في: باب فضل الصيام، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 806، 807. وأبو داود، في: باب في فضل الصيام، من كتاب الصوم. سنن أبي داود 2/ 24. والنسائي، في: باب فضل الصيام، وباب الاختلاف على أبي صالح، وباب الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب، من كتاب الصيام. المجتبى 4/ 132، 134 - 136، 139. وابن ماجه، في: باب ما جاء في فضل الصيام، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 525. والدارمي، في: باب في فضل الصيام، من كتاب الصوم. سنن الدارمي 2/ 24. والإمام مالك، في: باب جامع الصيام، من كتاب الصيام. الموطأ 1/ 310. والإمام أحمد، في المسنذ 1/ 446، 2/ 232، 234، 257، 266، 273، 281, 292، 306، 307, 313, 347, 393, 395, 407, 411, 414, 443, 457, 458, 461, 465, 467, 475, 477, 480, 485, 501, 504, 505, 516, 532, 3/ 5, 40, 4/ 130, 202, 6/ 240.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حديث حسنٌ. وإزالةُ المُسْتَطابِ عندَ الله مَكْرُوهٌ، كدَمِ الشُّهَدَاءِ وشَعَثِ الإِحْرامِ. والثانية، لا يُكْرَهُ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وابنِ سِيرِينَ، وعُرْوَةَ، ومالِكٍ، وأصحاب الرَّأىِ. ورُوِي ذلك عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشة، رَضِي اللَّهُ عنهم؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ المَرْويَّة في السِّواكِ، ولقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ خَيرِ خِصَالِ الصَّائِم السِّوَاكُ». رواه ابنُ ماجَه (¬1). وقال عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - , ما لا أُحْصي، يَتَسَوَّكُ وهو صَائِمٌ. رواه الترمِذِيُّ (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ. فصل: أكثرُ أهلِ العِلْمِ يروْن السِّواكَ سُنَّةً، غيرَ واجبٍ، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بوُجُوبِه إلَّا إسحاقَ، وداوُدَ؛ لأنّه مأمُورٌ به، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ. ورَوَى أبو داوُد، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمِرَ بالوُضُوءِ عندَ كلِّ صلاةٍ، طَاهِرًا وغيرَ طاهِرٍ، فلَمّا شَقَّ ذلك عليه، أُمِرَ بالسِّوَاكِ عندَ كلِّ صَلاةٍ (¬3). ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ¬

(¬1) في: باب ما جاء في السواك والكحل للصائم، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 536. (¬2) في: باب ما جاء في السواك للصائم، من أبواب الصيام. عارضة الأحوذي 3/ 255. كما أخرجه أبو داود، في: باب السواك للصائم، من كتاب الصيام. سنن أبي داود 1/ 552. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 445. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب السواك، بن كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 12. والدارمي، في: باب قوله {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 168، 169. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 225.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأمَرْتُهُم بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ». متَّفَقٌ عليه (¬1). ورَوَى الإمامُ أحمدُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْلا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيهِمُ السِّوَاكَ، كما فَرَضْت عَلَيهِمُ الوُضُوءَ» (¬2). وهذان الحدِيثان يَدُلّان على أنّه غيرُ واجبٍ؛ لأن المَشَقَّةَ إنّما تَلْحَقُ بالواجب، ويَدُلُّ على أنَّ الأمْرَ في حَدِيثهِم أمرُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك واجِبًا في حَقِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، على الخُصُوص، جَمْعًا بينَ الخَبَرَين. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب السواك يوم الجمعة، من كتاب الجمعة، وفي: باب سواك الرطب واليابس للصائم، من كتاب الصيام. وفي: باب ما يجوز من اللَّوْ، من كتاب التمني. صحيح البخاري 2/ 5، 40، 9/ 106. وليس في الموضع الأخير: «عند كل صلاة». ومسلم، في: باب السواك، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 220. كما أخرجه أبو داود، في: باب السواك، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 11. والترمذي، في: باب ما جاء في السواك، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 38، 39. والنسائي، في: باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 16. وابن ماجه، في: باب السواك، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 105. والدارمي، في: باب السواك، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 174. والإمام مالك، في: باب ما جاء في السواك، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 66. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 80، 120، 2/ 245، 250، 259, 287، 399، 400، 429، 433، 460، 509, 517، 531، 4/ 114، 116, 5/ 193، 410، 6/ 325, 429. (¬2) المسند 1/ 214, 3/ 442.

67 - مسألة؛ قال: (ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع؛ عند الصلاة)

وَيَتَأكَّدُ اسْتِحْبَابهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ؛ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَالانْتِبَاهَ مِنَ النَّوْمَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 67 - مسألة؛ قال: (ويَتَأكَّدُ اسْتِحْبابُه في ثلاثةِ مَواضِعَ؛ عندَ الصلاةِ) للخَبَرِ الأوَّلِ، ولما روَى زيدُ بنُ خالدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمتِي لأمرْتُهُم بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (¬1). قال: فكانَ خَالدٌ يَضَعُ السِّواك مَوْضِعَ القَلَمِ مِن أُذُنِ الكاتِبِ، كُلَّما قامَ إلى الصّلَاةِ اسْتاكَ. رواه الترمِذِيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ (¬2) صحيحٌ. (وعندَ القِيامِ مِن النَّوْم) لما روَى حُذَيفَةُ، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قامَ مِن اللَّيلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّوَاكِ. متَّفَقٌ عليه (¬3). يَعنى: يَغْسِلُه، يقال: ¬

(¬1) تقدم في المسألة السابقة. (¬2) سقط من: الأصل، م. وأخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في السواك، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 40. كما أخرجه أبو داود، في: باب السواك، من كتاب الطهارة 1/ 11. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 114، 5/ 193. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب السواك، من كتاب الوضوء، وفي: باب السواك يوم الجمعة، من كتاب الجمعة، وفي: باب طول القيام في صلاة الليل، من كتاب التهجد. صحيح البخاري 1/ 70، 2/ 5، 64. ومسلم، في: باب السواك، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 220، 221. كما أخرجه أبو داود، في: باب السواك لمن قام من الليل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 14. والنسائي، في: باب السواك إذا قام من الليل، من كتاب الطهارة، وفي: باب ما يفعل إذا قام من الليل من السواك، من كتاب قيام الليل. المجتبى 1/ 13، 3/ 172. وابن ماجه، في: باب السواك، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 105، والدارمي، في باب السواك عند التهجد، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 175. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 382، 390، 397، 402، 407.

وَتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ شَاصَه، وماصَه: إذا غَسَلَه. وعن عائشةَ، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَرْقُدُ مِن لَيلٍ أو نَهارٍ، فيَسْتَيقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قبلَ أن يَتَوَضَّأ. رواه الإمامُ أحمدُ (¬1). ولأنَّه إذا نامَ يَنْطَبِقُ فُوه فَتَتَغَيَّر رائِحَتُه. (وعندَ تَغَيُّرِ رائِحَةِ الفَمِ) بمَأكُولٍ أو غيرِه؛ لأنَّ السِّواكَ مَشْرُوع لتَطْيِيبِ الفَمِ، وإزالةِ رائِحَتِه. وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ (¬2): يَتَأكَّدُ اسْتِحْبابُه عندَ قِراءَة القرآنِ، والانْتِباهِ مِن النَّوْمِ، وتَغَيُّرِ رائِحَةِ الفَمِ. فصل: ويَسْتاكُ على أسنانِه ولِسانِه. قال أبو مُوسى: أتينا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فرأيتُه يَسْتاكُ على لِسانِه. متَّفَق عليه (¬3). ¬

(¬1) في: المسند 6/ 121، 160. كما أخرجه أبو داود، في: باب السواك لمن قام بالليل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 14. (¬2) سقط من: «م». (¬3) بهذا اللفظ أخرجه أبو داود، في: باب كيف يستاك، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 12. وبنحوه أخرجه مسلم، في باب السواك، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 220. والنسائي، في: باب كيف يستاك، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 14. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 417. أما المتفق عليه، فهو حديث أبي موسى: أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجدتُه يَسْتَنُّ بسواكٍ بيدِه يقولُ أع أع، والسِّواكُ في فِيهِ كأنَّه يتهوَّعُ. حيث أخرجه البخاري، في: باب السواك, من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 70. ومسلم، في: باب السواك، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 220.

68 - مسألة: (ويستاك بعود لين ينقي الفم، ولا يجرحه، ولا يضره، ولا يتفتت فيه)

وَيَسْتَاكُ بِعُودٍ ليِّن يُنْقِي الْفَمَ وَلَا يَجْرَحُهُ وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 68 - مسألة: (ويَسْتاكُ بعُودٍ لين يُنْقي الفَمَ، ولا يجْرَحُه، ولا يَضُرُّه، ولا يَتَفَتَّتُ فيه) كالأرَاكِ والعُرْجُونِ؛ لما رُوى عن ابن مسعودٍ، قال: كنتُ أجْتَنِي لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سِوَاكًا مِن أراكٍ. رواه أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ (¬1). وقد رواه الإمامُ أحمدُ (¬2)، عن ابنِ مسعودٍ، أنه كان يَجْتَنِى سِواكًا مِن الأرَاكِ. ولا يَسْتَاكُ بِعُودِ الرُّمَّانِ، ولا الآس، ولا الأعوادِ الذَّكِيَّةِ؛ لأنَّه رُوى عن قَبِيصَةَ بنِ ذؤيبٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَخَلّلُوا بعُودِ الريحانِ، ولا الرُّمَّانِ؛ فإنَّهُمَا يُحَرِّكانِ عِرْقَ الجُذَامِ». رَواه محمدُ بنُ الحُسينِ الأزْدِيُّ الحافظُ بإسنادِه (¬3)؛ وقِيل: السِّواكُ بعُودِ الرَّيحانِ يَضُرُّ بلَحْمِ الفَمِ. ¬

(¬1) مسند أبي يعلى 9/ 209، 210. وانظر: كشف الأستار عن زوائد البزار 3/ 248. (¬2) في: المسند 1/ 420. (¬3) أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي الموصلي، نزل بغداد، وحدث بها، وكان حافظا، صنف كتبا في علوم الحديث، في حديثه غرائب ومناكير. توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة، وقيل: سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بالموصل. تاريخ بغداد 2/ 243، 244، تذكرة الحفاظ 3/ 967، العبر 2/ 367، 368. والحديث أورده ابن عساكر في تاريخه. انظر تهذيب تاريخ دمشق 2/ 247.

69 - مسألة: (فإن استاك بأصبعه، أو خرقة، فهل يصيب السنة؟ على وجهين)

فإِنِ اسْتَاكَ بِأُصْبُعِهِ أوْ خِرْقَةٍ، فَهَلْ يُصِيبُ السنةَ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 69 - مسألة: (فإنِ اسْتاكَ بأُصْبُعِه، أو خِرْقَةٍ، فهل يُصِيبُ السنةَ؟ على وَجْهَين) أحَدُهما، لا يُصيبُ السنةَ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ الْإنْقاءُ به حُصُولَه بالعُودِ. والثاني، يُصِيبُ مِن السنةِ بقَدْرِ ما يَحْصُلُ مِن الإنْقاءِ. ولا يُتركُ القَلِيلُ مِن السنةِ للعَجْزِ عن كثِيرِها. وهو الصحيحُ؛ لما رَوَى أنسُ بنُ مالِكٍ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِيء مِنَ السوَاكِ الأصَابعُ». رواه البَيهَقِيُّ (¬1)، قال الحافظُ محمدُ بنُ عبد الواحدِ المَقْدِسِيُّ: هذا إسْناد لا أرى به بَأسًا. ¬

(¬1) في: باب الاستياك بالأصابع، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 40، 41.

70 - مسألة: (ويستاك عرضا، ويدهن غبا، ويكتحل وترا)

وَيَسْتَاكُ عَرْضًا، وَيَدَّهِنُ غِبًّا، وَيَكْتَحِلُ وتْرًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 70 - مسألة: (ويَسْتاكُ عَرْضًا، ويَدَّهِنُ غِبًّا، ويَكْتَحِلُ وترًا) لما رُوى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اسْتَاكُوا عَرْضًا، وادَّهِنُوا غِبًّا، واكْتَحِلُوا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وترًا» (¬1). ولأن السِّواكَ طُولًا رُبَّما أدْمَى اللِّثَةَ وأفْسَدَ الأسْنانَ. ورَوَى الطَّبَرانِيُّ (¬2) بإسْنادِه، عن بَهْزٍ، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَسْتاكُ عَرْضًا. فإنِ اسْتاكَ على لِسانِه أو حَلْقِه، فلا بأْسَ أنْ يَسْتاكَ طُولًا؛ لما روَى أبو موسى، قال: دَخَلْت على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو يَسْتاكُ، وهو واضِعٌ طَرَفَ ¬

(¬1) قال الزرقاني: لا أصل له بهذا اللفظ. نعم ورد معناه في أحاديث. مختصر المقاصد الحسنة 56. وقال ابن الدبيع: قال ابن الصلاح: بحثت عنه فلم أجد له أصلا، ولا ذكر له في شيء من كتب الحديث، والجملة الأولى منه رواها أبو نعيم في كتاب السؤال، من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسْتاك عَرْضًا، ولا يستاك طولًا. وفي مسنده، عبد الله بن حكيم، وهو متروك، والجملة الثانية صححها الترمذي وابن حبان، من حديث عبد الله بن مغفل، قال: نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الترجل إلا غبا. والجملة الثانية عن أبي داود، عن أبي هريرة، رفعه: «مَن اكتحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَن، ومَنْ لَا فَلَا حَرَجَ». تمييز الطيب من الخبيث 22. وقد مرت أحاديث السواك. وانظر للترجل غبًّا ما أخرجه أبو داود، في: أول كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 394. والترمذي، في: باب ما جاء عن النهي عن الترجل إلا غبا، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذي 7/ 258. والنسائي، في: باب الترجل غبا، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 114. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 86. وعن الاكتحال وترا، ما أخرجه أبو داود، في: باب الاستتار في الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 8. وابن ماجه، في: باب الارتياد للبول والغائط، من كتاب الطهارة، وفي: باب من اكتحل وترا، من كتاب الطب. سنن ابن ماجه 1/ 122، 2/ 1157. والدارمي، في: باب التستر عند الحاجة، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 169. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 356، 371، 4/ 156. (¬2) المعجم الكبير 1/ 47، 48.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السِّواكِ على لِسانِه، يَسْتَنُّ إلى فَوْقَ. فوَصَفَ حَمّادٌ كأَنه يَرْفَعُ سِواكَه، قال حَمّادٌ: ووَصَفَه لَنا غَيلانُ، قال: كأنه يَسْتاكُ طُولًا. رواه الإِمامُ أحمدُ (¬1). وروَى الخَلّالُ بإسْنادِه، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّل، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الترجُّلِ إلا غِبًّا (¬2). قال أحمدُ: مَعْناه، يَدَّهِنُ يَوْمًا ويوْمًا. وروَى جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَيكُمْ ¬

(¬1) في المسند 4/ 417. (¬2) أخرجه أبو داود، في: أول كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 394. والترمذي، في: باب ما جاء في النهي عن الترجل إلا غبا، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذي 7/ 258. والنسائي، في: باب الترجل غبا، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 114. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 86.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالإثْمِدِ، فإنَّه يَجْلُو البَصَرَ, وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ» (¬1). وروَى أبو داودَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» (¬2). والوتر ثَلاثٌ في كلِّ عَين، وقِيل: ثلاثٌ في اليُمْنَى، واثنانِ في اليُسرى؛ ليَكُونَ الوتر حاصِلًا في العَينَين معًا. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب الكحل بالإثمد، من كتاب الطب. سنن ابن ماجه 2/ 1156. وذكره الترمذي، في: باب ما جاء في الاكتحال، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذي 7/ 259. ومثله عن ابن عمر، أخرجه ابن ماجه، في: باب الكحل بالإثمد، من كتاب الطب 2/ 1156. وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن خَير أكحالِكم الإثْمِدُ، يَجلُو البَصَرَ، وينبِتُ الشعَرَ». أخرجه أبو داود، في: باب في الأمر بالكحل، من كتاب الطب، وفي: باب في البياض، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 336، 373. والترمذي، في: باب ما جاء في الاكتحال، من أبواب اللباس، وفي: باب ما جاء في السعوط، من أبواب الطب. عارضة الأحوذي 7/ 259، 8/ 205. والنسائي، في: باب الكحل، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 129. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 231، 247، 274، 328، 363. وفيه أيضًا عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري، عن أبيه، عن جده، نحوه، أخرجه أبو داود، في: باب الكحل عند النوم للصائم، من كتاب الصوم. سنن أبي داود 1/ 554. والدارمي، في: باب الكحل للصائم، من كتاب الصوم. سنن الدارمي 2/ 15. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 476, 500. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الاستتار في الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 8. وابن ماجه، في: باب الارتياد للغائط والبول، من كتاب الطهارة، وفي: باب من اكتحل وترا، من كتاب الطب. سنن ابن ماجه 1/ 121، 2/ 1157. والدارمي، في: باب التستر عند الحاجة، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 169، 170. وأخرج صدره الإمام أحمد، في: المسند 1/ 351، 356. ونحوه في: 4/ 156.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصولٌ في الفِطْرَةِ: روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ؛ الخِتَان، والاسْتِحْدَادُ، وقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيم الأظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبط». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وروَى عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَشْر مِنَ الفِطرةِ؛ قَصُّ الشَّارِبِ، وإعْفَاءُ اللِّحْيَة، والسِّوَاكُ، واسْتِنْشَاقُ المَاءِ، وقَصُّ الأظْفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإبط، وَحَلْقُ العَانَةِ، وانْتِقَاصُ المَاءِ». قال بعضُ الرُّواةِ: ونَسِيتُ العاشرةَ، إلَّا أن تكونَ المَضْمَضةَ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب قص الشارب، وباب تقليم الأظفار، من كتاب اللباس، وفي: باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط، من كتاب الاستئذان. صحيح البخاري 7/ 206، 8/ 81. ومسلم، في: باب خصال الفطرة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 221، 222. كما أخرجه أبو داود، في: باب في أخذ الشارب، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 402. والترمذي، في: باب ما جاء في تقليم الأظفار، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 215. والنسائي، في: باب ذكر الفطرة، الاختتان، تقليم الأظفار، نتف الإبط، من كتاب الطهارة، وفي: باب من السنن الفطرة، وباب ذكر الفطرة، من كتاب الزينة. المجتبى 1/ 17، 18، 8/ 111، 158. وابن ماجه، في: باب الفطرة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 107. والإمام مالك، في: باب ما جاء في السنة من الفطرة، من كتاب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -. الموطأ 2/ 921. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 229، 239، 283، 410، 489. وانظره أيضًا في 2/ 118، 4/ 264.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال وَكِيعٌ: انْتِقاصُ الماءِ يَعني الاسْتِنْجاءَ. رواه مسلم (¬1). الاسْتِحْدادُ: حَلْقُ العانَةِ، وهو مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه مِن الفِطْرَةِ، ويَفْحُشُ بتَرْكِه، وبأيِّ شيءٍ أزاله فلا بَأسَ، لأنَّ المَقْصُودَ إزالته. قِيل لأبي عبدِ الله: تَرَى أن يَأخُذَ الرجلُ سِفْلَتَه بالمِقْراض، وإن لم يَسْتَقْص؟ قال: أرْجُو أن يُجْزِئ إن شاءَ اللهُ. قيل له (¬2): ما تقولُ في الرجلِ إذا نَتَفَ عانَتَه؟ قال: وهل يَقْوَى على هذا أحَدٌ؟ وإن اطَّلَى بالنُّورَةِ (¬3) فلا بَأسَ، ولا يَدَعُ أحدًا يلي عَوْرَتَه، إلَّا مَن يَحِلُّ له الاطِّلاعُ عليها؛ لما روَى الخَلّالُ بإسْنادِه عن نافعٍ، قال: كنتُ أطْلِي ابنَ عُمَرَ، فإذا بَلَغَ عانَتَه نَوَّرَها هو بيَدِه. وقد رُوِي ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬4). والحَلْقُ أفْضَلُ؛ لمُوافَقَتِه الحديث الصحيحَ. ¬

(¬1) في: باب خصال الفطرة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 223. كما أخرجه أبو داود، في: باب السواك من الفطرة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 13. والنسائي، في: باب من السنن الفطرة، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 109، 110. والترمذي، في: باب ما جاء في تقليم الأظفار، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 216. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 137. (¬2) ساقطة من: م. (¬3) النورة: حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس مَن زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. (¬4) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب في الإطلاء بالنورة، من كتاب الطهارات. المصنف 1/ 111. وأبو داود الطيالسي 1/ 360.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ونَتْفُ الإبطِ سُنَّةٌ؛ لأنَّه مِن الفِطرةِ، ويَفْحُشُ بتَرْكِه. وإن أزال الشَّعَرَ بالنُّورَةِ أو الحَلْقِ، جازَ، والنتفُ أفْضَلُ؛ لمُوافَقَتِهِ الخَبَر. فصل: ويُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الأظْفارِ؛ لما ذكرْنا، ولأنَّها تَتَفاحَشُ بتَرْكِها، ورُبَّما [حَكَّ بها] (¬1) الوَسَخَ، فيجْتَمِعُ تَحْتَها مِن المَواضِع المُنْتِنَةِ، فيَصِيرُ رائِحَةُ ذلك في رُءُوس أصابِعِه، ورُبَّما مَنَعَ وصولَ الماءِ في الطَّهارةِ إلى ما تَحْتَه. ويُسْتَحَبُّ أن يُقَلِّمَها يومَ الخميس؛ لما رَوَى عليٌّ رَضِي الله عنه، قال: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُقَلِّمُ أظْفارَه يومَ الخَميسِ، ثم قال: «يا عَلِيُّ، قَصُّ الظُّفْرِ وَنَتْفُ الإبطِ وَحَلقُ العَانَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ، والغُسْلُ والطِّيبُ واللِّبَاسُ يَوْمَ الجُمُعَة» (¬2). ورُوىَ في حَدِيثٍ: «مَن قَصَّ أظْفارَه مُخالِفًا، لَمْ يَرَ في عَينَيهِ رَمَدًا» (¬3). وفَسَّرَه أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ بأنْ يَبْدأ بخِنْصَرِه اليُمْنَى ثم الوُسْطى ثم الإبهام ثم البِنْصِرِ ثم السبابة، ثم بإبْهامِ اليُسْرَى ثم الوُسْطى ثم الخِنْصَرِ ثم السبابةِ ثم البنْصِرِ. ويُستحَبُّ غَسْلُ رُءُوس الأصابع بعدَ قَصِّ الأظْفارِ؛ لأنَّه قِيل: إنَّ الحَكَّ ¬

(¬1) في م: «مكث». (¬2) كنز العمال 6/ 658، 681. ونسبه للديلمي. وهو في: كتاب فردوس الأخيار، للديلمي 5/ 415. (¬3) انظر: تمييز الطيب من الخبيث 211، 212.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالأظْفارِ قبلَ غَسْلِها يَضُرُّ بالجَسَدِ. ويُسْتَحَبُّ دَفْنُ ما قَلَّمَ مِن أظْفارِه أو أزال مِن شَعَرِه؛ لما رَوَى الخَلّالُ بإسْنادِه عَن مِيلَ (¬1) بنتِ مِشْرَحٍ الأشْعَريَّة، قالت: رأْيتُ أبي يُقَلِّمُ أظْفارَه، ويَدْفِنُها، ويقولُ: رأيت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُ ذلك (¬2). وعن ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: كان يُعْجبُه دَفْنُ الدَّمِ. قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ، عن الرجلِ يَأخُذ مِن شَعَرِه وأظْفارِه، أيدْفِنُه أو يُلْقِيه؟ قال: يَدْفِنُه. قلتُ: بَلَغَك فيه شيءٌ؟ قال: كان ابنُ عُمَرَ يَدْفِنُه. فصل: ويُسْتَحَبُّ قَصُّ الشّارِب؛ لأنَّه مِن الفِطْرَةِ، ويَفْحُشُ إذا طال، ولما رَوَى زَيدُ بن أرْقَمَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لم يَأخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيسَ مِنَّا». رواه الترمِذِيُّ (¬3)، وقال: حديث صحيح. ويُسْتَحَبُّ إعْفاءُ اللِّحْيَةِ؛ لما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وهل يُكْرَهُ أخْذُ ما زادَ ¬

(¬1) في م: «ثميل». وانظر: الإكمال لابن ماكولا 7/ 79، 252. (¬2) بعد هذا في م: «وخرجه عنها البزار والطبراني والبيهقي في الشعر كذلك والحكيم الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن بسر. وأخرجه البيهقي وابن عدي عن ابن عمر، يعني مشروعية الدفن». وانظر: مجمع الزوائد 5/ 168. والمعجم الكبير، للطبراني 20/ 222. والكامل لابن عدي 6/ 2214. (¬3) في: باب ما جاء في قص الشارب، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 219.كما أخرجه النسائي، في: باب قص الشارب، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 19 الإمام أحمد، في: المسند 4/ 366، 368.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على القَبْضَةِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما: يُكْرَهُ. لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ؛ أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وأعْفُوا (¬1) اللِّحَى». مُتَّفَق عليه (¬2). والثاني، لا يُكرَه. يروَى ذلك عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ. فروى (¬3) البخاريُّ، قال: كان عبدُ الله بنُ عُمَر، إذا حَجّ أو اعْتَمَرَ، قَبَضَ على لِحْيَته، فما فَضَلَ أخَذَه (¬4). ولا يَنْبَغِي أن يَتْرُكَها أكْثَرَ مِن أرْبَعِين يومًا؛ لما روَى أنسُ بنُ مالكٍ، قال: [وُقِّتَ لَنا] (¬5) في قَصِّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْف الإبطِ، وحَلْقِ العانَةِ، أن لا تُتْرَكَ أكثَرَ مِن أربَعِين. رواه مسلم (¬6). ¬

(¬1) في الأصل: «وأوفوا». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب تقليم الأظفار، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 206. ومسلم، في: باب خصال الفطرة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 221. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في إعفاء اللحية، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 221. والنسائي، في: باب إحفاء الشوارب، وإعفاء اللحى، من كتاب الطهارة. وفي: باب إحفاء الشارب، وباب إحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية، من كتاب الزينة. المجتبى 1/ 19، 8/ 112، 158. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 16، 52، 156. (¬3) في م: «وروى». (¬4) في: باب تقليم الأظفار، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 206. (¬5) في الأصل: «وقت لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». (¬6) في: باب خصال الفطرة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 222.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: واتخاذُ الشَّعَرِ أفْضَلُ مِن إزَالتِه. قال إسحاقُ: سُئِلَ أبو عبد الله، عنِ الرجلِ يَتَّخِذُ الشَّعَرَ، قال: سُنَّة حَسَنَةٌ، لو أمْكَنَنا اتِّخاذُهُ وقال: كان للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جُمَّةٌ (¬1). وقال في بعض الحديثِ: إنَّ شَعَرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان إلى شَحْمَةِ أُذُنَيه (¬2). وفي بعضِ الحديثِ: إلى مَنْكِبَيه. ورَوَى البَرَاءُ بنُ عازِبٍ، قال: ما رأيتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ، في حُلَّةٍ حَمْراءَ، أحْسَنَ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيهِ. مُتَّفَق عليه (¬3). ويُستحَبُّ أن ¬

(¬1) انظر: باب في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم 4/ 1818. و: باب اتخاذ الشعر، وباب اتخاذ الجمة، من كتاب الزينة. المجتبى من السنن، للنسائي 8/ 115، 159. والمسند، للإمام أحمد 4/ 281، 295. (¬2) وورد أيضًا: «إلى أنصاف أذنيه»، و «لا يجاوز أذنيه» و «لا يجاوز شعره شحمة أذنيه». انظر: باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب المناقب، وباب الجعد، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 4/ 228، 7/ 207. وباب في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم 4/ 1818. وباب الرخصة في الحلة الحمراء، من كتاب اللباس، وباب ما جاء في الشعر, من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 374، 399. وباب اتخاذ الشعر، وباب اتخاذ الجمة، من كتاب الزينة. المجتبى من السنن، للنسائي 8/ 158 - 160. والمسند 3/ 113، 135، 157، 203، 249. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب الجعد، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 207، 208. ومسلم، في: باب في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وباب صفة شعر النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم 4/ 1818، 1819. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في الشعر، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 399. والنسائي، في باب اتخاذ الشعر، وباب اتخاذ الجمة، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 115، 116، 160. والترمذي، في باب ما جاء في الرخصة في الثوب الأحمر للرجال، من أبواب اللباس، وفي: باب ما جاء في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، من أبواب المناقب. عارضه الأحوذي 7/ 228، 13/ 116. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 290، 300. وفي الباب عن أنس رضي الله عنه، أخرجه البخاري، في: باب الجعد، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 207، 208. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 118، 125، 245، 269.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يكونَ شَعَرُ الإنْسانِ على صِفَةِ شَعَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إذا طال فإلى المَنْكِبِ، وإذا قَصُرَ فإلى شَحْمَةِ الأذُنِ، وإن طَوَّلَه، فَلا بَأسَ، نَصَّ عليه أحمدُ. وقال أبو عُبَيدَةَ (¬1): كان له عَقِيصَتان (¬2)، وعُثْمان كان له عَقِيصَتان. ويُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعَرِ وإكرامُه؛ لما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَان لَهُ شَعَرٌ فَلْيُكرِمْهُ». رواه أبو داودَ (¬3). ويُسْتَحَبُّ فَرْقُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَقَ شَعَرَه، وذَكَرَه في الفِطرةِ (¬4). فصل: وهل يُكْرَهُ حَلْقُ الرّأس في غيرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ؟ فيه رِوايتان؛ إحْداهما، يُكرَه؛ لما رُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في الخَوارجِ: ¬

(¬1) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري النحوي، أوسع الناس علما بأخبار العرب وأيامها، له تصنيف كثير، توفي سنة عشر ومائتين ويقال إحدى عشرة. إنباه الرواة 3/ 276 - 287، تاريخ العلماء النحوين 211 - 213. (¬2) العقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور، وأصل العقص: اللي، وإدخال أطراف الشعر في أصوله. النهاية 3/ 275. (¬3) في: باب إصلاح الشعر، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 395. (¬4) أخرج ذلك أبو داود، من حديث ابن عباس، في: باب السواك من الفطرة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 13.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «سِيماهُمُ التَّحْلِيقُ» (¬1). وقال عُمَرُ لصَبِيغٍ (¬2): لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا، لضَرَبْتُ الذي فيه عَينَاكَ بالسَّيفِ (¬3). ورُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لا تُوضَعُ النَّوَاصِي إلَّا في حَج أو عُمْرَةٍ». أخْرَجَه الدّارَقُطْنِيُّ في «الأفْرادِ» (¬4). والثانية، لا يُكْرَهُ لكنَّ ترْكَه أفْضلُ. قال حَنْبَلٌ: كنتُ أنا وأبي نَحْلِقُ رُءُوسَنا في حياةِ أبي عبدِ الله، فَيرانا ونحن نَحْلِقُ فلا يَنْهانا. وذلك لما رُوِي عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - , لَمَّا جاءَ نَعِيُّ جعفرٍ، أمْهَلَ آل جعفرٍ ثلاثًا أنْ يَأتِيَهم، ثم أتاهُم، قال: «لا تَبْكُوا عَلَى أخِي بَعْدَ اليَوْم». ثم قال: «ادْعُوا بني أخِي». فجِئَ بِنا، قال: «ادْعُوا ليَ الحَلَّاقَ». فأمَر بِنَا فَحَلَقَ رُءُوسَنا. رَواه أبو داودَ (¬5). ورَوَى ابنُ عُمَرَ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن القَزَعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ، أوْ دَعْهُ كُلَّهُ». رواه مسلم وأبو داوُدَ (¬6). ولأنّه لا يُكْرَه اسْتِئْصالُ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم، من كتاب التوحيد. صحيح البخاري 9/ 198. وأبو داود، في: باب في قتال الخوارج، من كتاب السنة. سنن أبي داود 2/ 544. والنسائي، في: باب من شهر سيفه ثم وضعه في الناس، من كتاب تحريم الدم. المجتبى 7/ 110. وابن ماجه، في: باب في ذكر الخوارج، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 62. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 5، 64، 197، 224، 4/ 422، 425، 5/ 176. (¬2) هو صبيغ بن عِسْل، ويقال ابن سهل الحنظلي، له إدراك، وقصته مع عمر مشهورة. قال أبو أحمد العسكري: اتهمه عمر برأي الخوارج. الإصابة: 3/ 458 - 460. (¬3) انظر: تاريخ ابن عساكر 8/ 223 (مخطوط). (¬4) أي: «الفوائد الأفراد». انظر: تاريخ التراث العربي 1/ 1 / 422. (¬5) في الأصل، م: «أبو داود الطيالسي». وفي ش: «مسلم وأبو داود». وأخرجه أبو داود، في: باب في حلق الرأس، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 401. (¬6) أخرج مسلم النهي عن القزع، في: باب كراهة القزع، من كتاب اللباس والزينة. صحيح مسلم 3/ 1675. وأخرج بقيته أبو داود، في: باب الذؤابة، من كتاب الترجل. سنن أبو داود 2/ 401. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 88. =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّعَرِ بالمِقْراض، وهذا في معناه، قال ابنُ عبدِ البَر: أجْمَعَ العلماءُ في حميع الأمْصارِ على إباحَةِ الحَلْقِ، وكَفَى بهذَا حُجَّةً. فأمّا أخْذُه بالمِقْراض واسْتِئْصالُه فغيرُ مَكْرُوهٍ، رِوايةً واحدةً. قال أحمدُ: إنَّما كَرِهُوا الحَلْقَ بالمُوسَى، وأمّا بالمِقْراض فليس به بَأسٌ؛ لأنَّ أدِلَّةَ الكَراهَةِ تَخْتَصُّ الحَلْقَ. فصل: وحَلْقُ المرأةِ رأسَها مَكْرُوهٌ، رِوايةً واحدةً، مِن غيرِ ضَرُورَةٍ؛ لِما رَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، عن قَتادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تَحْلِقَ المَرأةُ رأسَها (¬1). فإن كان لضَرُورَةٍ، جازَ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله، يُسأل عن المرأة تَعْجِزُ عن شَعَرِها، وعن مُعالجَتِه، أتأخُذُه على حديثِ مَيمُونَةَ؟ فقال: لأيِّ شيءٍ تَأخُذُه؟ قيل له: لا تَقْدِر على الدَّهْن وما يُصْلِحُه، تَقَعُ فيه الدَّوابُّ. فقال: إذا كان لضَرُورَةٍ، فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأسٌ. فصل: ويُكْرَهُ نَتْف الشيبِ، لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن نَتْفِ الشَّيبِ، وقال: «إنَّهُ ¬

= وفي الباب أحاديث أخرجها البخاري، في: باب القزع، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 210. ومسلم، في: باب كراهة القزع، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1675. والنسائي، في: باب النهي عن القزع، وباب النهي عن أن يحلق بعض شعر الصبي ويترك بعضه، من كتاب الزينة. المجتبي 8/ 113، 159. وابن ماجه، في: النهي عن القزع، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1201. والإمام أحمد، في المسند: 2/ 4، 39، 55, 67, 82, 83, 101, 118, 137, 143, 154. (¬1) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء، من أبواب الحج. عارضه الأحوذي 4/ 147. والنسائي، في: باب النهي عن حلق المرأة رأسها، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 112، 113.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نُورُ الإِسْلامِ» (¬1). رواه الخَلّالُ في «جامِعِه». فصل: ويُكْرَه حَلْقُ القَفا، لمَن لم يَحْلِقْ رَأسَه ولم يَحْتَجْ إليه. قال المَرُّوذِيُّ (¬2): سألتُ أبا عبدِ الله عن حَلْقِ القَفا. قال: هوَ مِن فِعْلِ المَجُوسِ، ومَن تَشَبَّهَ بقَوْمٍ فهو مِنْهم. وقال: لا بَأسَ أن يَحْلِقَ قَفاه في الحِجامَةِ. فأما حَفُّ الوَجْهِ، فقال أحمدُ: ليس به بَأسٌ للنِّساءِ، وأكرَهُهُ للرِّجال. فصل: ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه لَعَنَ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والنّامِصَةَ والمُتَنَمِّصَةَ، والواشِرَةَ والمُسْتَوْشِرَةَ (¬3). فهذه الخِصالُ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب نتف الشيب، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 402. والترمذي، في: باب ما جاء في النهي عن نتف الشيب، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 260، 261. والنسائي، في: باب النهي عن نتف الشيب، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 118. وابن ماجه، في: باب نتف الشيب، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1226. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 179، 206، 207، 210، 212. (¬2) أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي، كان من أجل أصحاب الإمام أحمد، وهو الذي تولى إغماضه لما مات وغسله، وروى عنه مسائل كثيرة، توفي سنة خمس وسبعين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 56 - 63، العبر 2/ 54. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب المتفلجات للحسن وباب المتنمصات، وباب الوصل في الشعر، وباب الموصولة، وباب المستوشمة، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 212 - 214. ومسلم، في: باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1676 - 1678. وأبو داود، في: باب في صلة الشعر، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 396. والترمذي، في: باب ما جاء في مواصلة الشعر، من أبواب اللباس، وفي: باب ما جاء في الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 7/ 262، 10/ 233. والنسائي، في: باب الواصلة، وباب المستوصلة، وباب المتنمصات، وباب الواشمات، وباب المتفلجات، وباب لعن الواصلة والمستوصلة، وباب لعن الواشمة والموتشمة، وباب لعن المتنمصات والمتفلجات، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 125 - 128، 163، 164. وابن ماجه، في: باب الواصلة والواشمة، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 639، 640. والدارمي، في: باب في =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَ فاعِلَها، وفاعِلُ المُبَاحِ لا تَجُوزُ لَعْنَتُه. والواصِلَةُ: هي التي تَصِلُ شَعَرَها، أو شَعَرَ غيرِها بغيرِه. والمُسْتَوْصِلَةُ: المَوْصولُ شَعَرُها بإذْنِها (¬1). فوَصْلُه بالشَّعَر مُحَرَّمٌ؛ لما ذكرْنا. فأمَا وَصْلُه بغيرِ الشَّعَرِ، فإن كان بقَدْرِ ما تَشُدُّ به رَأسَها، فلا بَأسَ؛ للحاجَةِ، وإن كان أكثرَ مِن ذلك، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، أنه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّم؛ لما رُوِيَ عن مُعاويةَ، أنه أخْرَجَ كُبَّةً (¬2) مِن شَعَرٍ، وقال: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، وقال: «إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِساوهُمْ» (¬3). فخَصَّ التي تَصِلُه بالشَّعَرِ، فيُمْكِن جَعْلُ ذلك تَفْسِيرًا للَّفْظِ العامِّ في الحديثِ الذي ذَكَرْناه. ولأنَّ وَصْلَه بالشَّعَرِ فيه تَدْلِيسٌ، بخلافِ غيرِه. والثانية، أنَّه قال: لا تَصِلُ المرأةُ برَأسِها الشَّعَرَ ولا القَرَامِلَ (¬4) ولا الصُّوفَ، وذلك لما روَى الإِمامُ أحمدُ في ¬

= الواصلة والمستوصلة، من كتاب الاسئتذان، سنن الدارمي 2/ 279، 280. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 415، 417، 434، 443، 454، 465، 2/ 339، 6/ 111، 228، 250، 257، 345، 346، 353. (¬1) في م: «بأمرها». (¬2) الكبة من الشعر: ما جُمع منه. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب الوصل في الشعر، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 212، 213. ومسلم، في: باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. صحيح مسلم 3/ 1679. وأبو داود، في: باب في صلة الشعر، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 395، 396 والترمذي، في: باب ما جاء في كراهية اتخاذ القصة، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 232. والنسائي، في: باب الوصل في الشعر، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 162. والإمام مالك، في: باب السنة في الشعر، من كتاب الشعر. الموطأ 2/ 947. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 98. (¬4) القَرَامِلُ: ضفائر من شعر أو صوف أو إبريسم، تصل به المرأة شعرها. النهاية 4/ 51.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «مُسْنَدِه» (¬1)، عن جابِرٍ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تَصِلَ المْرأَةُ برَأسِها شيئًا. قال شيخُنا: والظّاهِرُ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو وَصْلُ الشَّعَرِ بالشَّعَرِ؛ لما فيه مِن التَّدْلِيسِ واسْتِعْمالِ الشَّعَرِ المُخْتَلَفِ في نَجاسَتِه، وغيرُ ذلك لا يَحْرُمُ؛ لعَدَمِ ذلك فيه، وحُصُولِ المَصْلَحَةِ مِن تَحْسِين المرأةِ لزَوْجِها مِن غيرِ مَضَرَّةٍ (¬2). وتُحْمَلُ أحاديثُ النَّهْي على الكَراهَةِ. واللهُ أعلمُ. فأمّا النّامِصَةُ: فهي التي تَنْتِفُ الشَّعَرَ مِن الوَجْهِ. والمُتَنَمِّصَةُ: المَنْتُوفُ شَعَرُها بأمْرِها. فلا يَجُوزُ؛ للخَبَرِ. وإن حُلِقَ الشَعَرُ فلا بأسَ؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَد في النتفِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وأمّا الواشِرَةُ: فهي التي تَبْرُدُ الأسْنانَ، لتُحَدِّدَها وتُفَلِّجَها وتُحَسَنها. والمُسْتَوْشِرَةُ: المَفْعُولُ بها ذلك بإذْنِها. وفي خَبَرٍ. آخَرَ: «لَعَنَ الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ» (¬3). ¬

(¬1) 3/ 296. كما أخرجه مسلم، في: باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. . . . إلخ، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1679. (¬2) المغني 1/ 131. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب ثمن الكلب، من كتاب البيوع، وفي: تفسير سورة الحشر، من كتاب التفسير، وفي: باب مهر البغي والنكاح الفاسد، من كتاب الطلاق، وفي: باب المتفلجات للحسن، وباب الوصل في الشعر، وباب المتنمصات، وباب الموصولة، وباب الواشمة، وباب المستوشمة، وباب من لعن المصور، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 3/ 111، 6/ 184، 7/ 79، 212 - 214، 217. ومسلم، في: باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. . . . إلخ، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1677. وأبو داود، في: باب صلة الشعر، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 396. والترمذي، في: باب ما جاء في مواصلة الشعر، من أبواب اللباس، وفي: باب ما جاء في الواصلة والمستوصلة، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 7/ 262، 10/ 233. والنسائي، في: باب إحلال المطلقة ثلاثا وما فيه من التغليظ، من كتاب الطلاق، وفي: باب الواصلة، وباب المستوصلة، وباب الموتشمات، وباب لعن الواشمة والموتشمة، من كتاب الزينة. المجتبى 6/ 121، 8/ 125 - 127، 164. وابن ماجه، في: باب الواصلة والواشمة، من كتاب النكاح =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والواشِمةُ: التي تَغْرِزُ جِلْدَها أو جِلْدَ غيرِها بإبْرَةٍ، ثم تَحْشُوه كُحْلًا. والمُسْتَوْشِمَةُ: التي يُفْعَلُ بها ذلك بإذْنِها. فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّطيُّبُ (¬1)؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُعْجِبُه الطِّيبُ، ويَتَطَيَّبُ كثيرًا. ويُسْتَحَبُّ النَّظَرُ في المِرْآةِ، قال حَنْبَلٌ: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ، وكانت له صِينيَّةٌ فيها مِرْآةٌ ومُكْحُلَةٌ ومِشْطٌ، فإذا فَرَغ مِن قراءَةِ حِزْبِه، نَظَرَ في المِرْآةِ واكْتَحَلَ وامْتَشَطَ. ورَوَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: في: «أرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ؛ الحِنَّاءُ (¬2)، والتَّعَطُّرُ، والسِّوَاكُ، والنِّكَاحُ». رواه الإمامُ أحمدُ (¬3). فصل: ويُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيبِ بغيرِ السَّوادِ، قال أحمدُ: إنِّي لأرَى الشَّيخَ المَخْضُوبَ فأَفْرَحُ به. وذلك لما رُوى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ جاءَ بأبيه إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ورَأسُه ولِحْيَتُه كالثَّغَامَةِ (¬4) بَياضًا، فقال رَسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «غَيِّرُوهُمَا وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» (¬5). ويُسْتَحَبُّ بالحِنَّاءِ ¬

= سنن ابن ماجة 1/ 639. والدارمي، في: باب الواصلة والمستوصلة، من كتاب الاستئذان. سنن الدارمي 2/ 279، 280. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 83، 87، 107، 121، 133، 150، 158، 409، 415، 434، 443، 448، 454، 462، 465، 2/ 339، 9/ 304، 6/ 250. (¬1) في م: «الطيب». (¬2) في م، والمسند: «الحياء». (¬3) في: المسند 5/ 421. (¬4) الثغامة: شجرة بيضاء الثمر والزهر، تنبت بالجبال غالبا. (¬5) أخرجه مسلم، في: باب استحباب خضاب الشيء بصفرة أو حمرة وتحريمه السواد، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1663. وأبو داود، في: كتاب في الخضاب، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 403. والنسائي، في: باب النهي عن الخضاب بالسواد، من كتاب الزينة. المجتبي 8/ 119. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 160، 316، 322، 338.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والكَتَمِ (¬1)؛ لما رَوَى الخَلَّالُ، وابنُ ماجَه، بإسْنادِهِما، عن تَمِيمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَوْهَب، قال: دَخَلْتُ على أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إلينا شَعَرًا مِن شَعَرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، مَخْضُوبًا بالحِنَّاءِ والكَتَمِ (¬2). وخَضَبَ أبو بكرٍ، رَضِي اللهُ عنه، بالحِنَّاءِ والكَتَمِ. ولا بَأْسَ بالوَرْس والزَّعْفَرانِ؛ لأنَّ أبا مالِكٍ الأشْجَعِيَّ قال: كان خِضَابَنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الوَرْسُ (¬3) والزَّعْفَرانُ (¬4). ويُكرهُ الخِضابُ بالسَّوادِ. قِيل لأبي عبدِ اللهِ: تَكْرَهُ الخِضابَ بالسَّوادِ؟ قال: إي واللهِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ». في حديثِ أبي بكرٍ، ولما روَى ابنُ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَكُونُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُون بالسَّوادِ كَحَواصِلِ (¬5) الحَمامِ، لا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» (¬6). ورَخَّصَ فيه إسحاقُ بنُ رَاهُويَه للمرأةِ، تَتَزَيَّنُ به لزَوْجِها. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) الكتم. نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة. ويختضب به للسواد. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب ما يذكر من الشيب، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 207، ووقف به عند قولها: «مخضوبا». وابن ماجة، في: باب الخضاب بالحناء، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجة 2/ 1196، 1197. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 296، 319، 322. (¬3) الورس: نبت أصفر، يزرع باليمن، ويصبغ به. (¬4) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 472. (¬5) حواصل الحمام: صدورها. ويغلب عليها السواد، وفي مسند أحمد أن قوله «كحواصل الحمام» من لفظ حسين بن محمد بن بهرام، أحد رجال المسند. (¬6) أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في خضاب السواد، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 404. والنسائي، في: باب النهي عن الخضاب بالسواد، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 119. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 273.

71 - مسألة: (ويكره القزع، وهو حلق بعض الرأس)

وَيَجِبُ الْخِتَانُ مَا لمْ يَخَفْه عَلَى نَفْسِهِ. وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 71 - مسألة: (ويُكْرَهُ القَزَعُ، وهو حَلْقُ بعضِ الرَّأْسِ) لما رَوَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن القَزَعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ، أو دَعْهُ كُلَّهُ». رواه أبو داوُدَ (¬1). وفي شُرُوطِ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، على أهلِ الذِّمَّةِ، أن يَحْلِقُوا مَقادِمَ رُءُوسِهم؛ ليَتَمَيَّزُوا عن المسلِمين. فمَنْ فَعَلَ ذلك فقد تَشَبَّه بهم، وقد نُهِيَ عن التَّشَبُّهِ بهم. 72 - مسألة؛ قال: (ويَجِبُ الخِتانُ، ما لم يَخَفْه على نَفْسِه) وجملةُ ذلك أنَّ الخِتانَ واجِبٌ على الرِّجالِ، ومَكْرُمَةٌ للنِّساءِ، وليس بواجبٍ عَلَيهِنَّ. وهذا قولُ كثيرٍ مِن أهلِ العلم. قال أحمدُ: والرجلُ أشَدُّ؛ وذلك أنَّه إذا لم يَخْتَتِنْ، فتلك الجِلْدَةُ مُدَلَّاةَ على الكَمَرَةِ، فلا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمرأةُ أهْوَن. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجِبُ على المرأَةِ كالرجلِ. قال أبو عبدِ اللهِ: وكان ابنُ عباسٍ يُشَدِّدُ في أمْرِه، ورُوِيَ عنه، لا حَجَّ له، ولا صلاةَ. يَعني: إذا لم يَخْتَتِنْ. ورَخَّص الحسنُ في تَرْكِه، وقال: ¬

(¬1) تقدم في صفحة 259.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قد أسْلَمَ الناسُ؛ الأسْوَدُ، والأَبْيَضُ، ولم يُفَتَّشْ أحدٌ مِنهم، ولم يَختَتِنُوا. والدَّليلُ على وُجُوبِه ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ أسْلَمَ: «ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ». رواه أبو داوُدَ (¬1). وفي الحديثِ: «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمنِ بَعْدَمَا أَتَتْ عليه ثَمانُونَ سَنَةً». مُتَّفَقٌ عليه (¬2)، واللَّفْظُ للبخاريِّ. وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} (¬3). ولأنَّه مِن شِعارِ (¬4) المسلِمِين، فكانَ واجبًا، كسائِرِ شَعائِرِهم. ولأنَّه يَجُوزُ كَشْفُ العَوْرَةِ والنَّظَرُ إليها (¬5) لأَجْلهِ [لغيرِ التَّداوي] (¬6)، ولو لم يَكُنْ واجبًا، لما جازَ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ مِن أجْلِه، وهذا يَنْتَقِضُ بالمرأَةِ إذا قُلنا: لا يَجب عليها. فإنَّه ليس واجبًا عليها، ويجوزُ كَشْفُ عَوْرَتِها مِن أجْلِه. فَأمّا إن خافَ على نَفْسِه مِنه، سَقَط؛ لأنَّ الغُسْلَ والوُضوءَ، وما هو آكَدُ مِنه يَسْقُطُ بذلك. فهذا أوْلَى. ¬

(¬1) في: باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 86. والإمام أحمد، في: 3/ 415. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب قول الله تعالى {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}، من كتاب الأنبياء، وفي: باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط، من كتاب الاستئذان. صحيح البخاري 4/ 170، 8/ 81، مسلم، في: باب فضائل إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم 4/ 1839.كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 322، 418، 435. (¬3) سورة النحل: 123. (¬4) في م: «شعائر». (¬5) في م: «إليهم» (¬6) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُشْرَعُ الخِتانُ في حَقِّ النِّساءِ، لأنّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ» (¬1). فيه بَيانُ أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ. ورَوَى الخَلّالُ بإسْنادِه، عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الخِتَانُ سُنَّةٌ للرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» (¬2). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب إذا التقى الختانان، من كتاب الغسل، صحيح البخاري 1/ 80. ومسلم، في: باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 271، 272. وأبو داود، في: باب في الإكسال، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 49. والترمذي، في: باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 164، 165. والنسائي، في: باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 92. وابن ماجة، في: باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان. سنن ابن ماجة 1/ 199. والإِمام مالك، في: باب واجب الغسل إذا التقى الختانان، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 45 - 47. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 178، 5/ 115، 6/ 47، 97، 112، 123، 135، 161، 227، 239، 265. (¬2) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 5/ 75. وانظر: الجامع الكبير للسيوطي 1/ 409.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: اخْتَلَف العلماءُ في وقتِ الخِتانِ، فقال مالكٌ: يُخْتَنُ يومَ أُسْبُوعِه. وهو قولُ الحسنِ. وقال أحمدُ: لم أسْمَعْ في ذلك شيئًا. وقال

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اللَّيثُ: الخِتانُ للغُلامِ ما بينَ سَبْع سِنِينَ إلى العَشْرَةِ. ورَوَى مَكْحُولٌ، وغيرُه، أنَّ إبراهيمَ، عليه السَّلامُ، خَتَنَ إسحاقَ لسَبْعَةِ أيامٍ، وإسماعيلَ لثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. ورُوى عن أبي جعفرٍ أنَّ فاطمةَ، عليها السَّلامُ، كانتْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَخْتِنُ وَلَدَها يومَ السَّابعِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في بابِ الخِتانِ خَبَرٌ حتَّى يُرْجَعَ إليه، ولا سُنَّةٌ تُتبَّعَ، والأشياءُ على الإِباحَةِ. قلتُ: ولا يَثْبُتُ في

73 - مسألة: (ويتيامن في سواكه وطهوره وانتعاله، ودخوله المسجد)

وَيَتَيَامَنُ في سِوَاكِهِ وَطُهُورِهِ وَانْتِعَالِهِ وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ذلك تَوْقِيتٌ، فمتى خَتَنَ قبلَ البُلوغِ كان مُصِيبًا. واللهُ أعلمُ. [وإنْ أخَّرَه حتَّى يُدْرِكَ، جازَ؛ لقول ابن عبَّاس: وكانوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حتَّى يُدْرِكَ. رواه البُخاريُّ] (¬1). 73 - مسألة: (ويَتَيامَنُ في سِواكِه وطُهُورِه وانْتِعالِه، ودُخُولِه المسجِدَ) لما رَوَت عائشةُ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كَان يُحبُّ التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه، ¬

(¬1) سقط من: م. وأخرجه البخاري، في: باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط، من كتاب الاستئذان. صحيج البخاري 8/ 81.

74 - مسألة: (وسنن الوضوء عشر؛ السواك)

وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ؛ السِّوَاكُ، وَالتَّسْميَةُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ وتَرَجُّلِه، وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليُمْنَى، وإذَ خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُسْرَى». رواه الطَّبَرانِيُّ في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» (¬2)، [وروَاه البخاريُّ بمعناه] (¬3). ولأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وَصَفا وُضوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَبَدَأَ باليُمْنَى قبلَ اليُسْرَى. رواه أبو داوُدَ (¬4). 74 - مسألة: (وسُنَنُ الوُضُوء عَشْرٌ؛ السِّواكُ) لما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ ¬

(¬1) تقدم في صفحة 72. (¬2) 2/ 25. (¬3) سقط من: «م». أخرجه البخاري. في: باب ينزع نعله اليسرى من كتاب اللباس. صحيح البخاري 7/ 199. (¬4) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 24 - 26.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَعَ كُلِّ وُضُوءِ بِسِوَاكٍ». رواه الإمامُ أحمدُ (¬1). (والتَّسْمِيَةُ، وعنه أنَّها واجِبَةٌ مع الذِّكْرِ) وجملتُه أنَّ التَّسْمِيَةَ فيها رِوايتان؛ إِحْداهما، أنَّها واجِبةٌ في طَهاراتِ الحَدَثِ كُلِّها؛ الغُسْلِ، والوُضُوءِ، والتَّيَمِّمِ. وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ الحسنِ، وإسحاقَ؛ لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ». رواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (¬2). ورَواه عن النبيِّ جماعةٌ مِن أصحابِه؛ مِنهم أبو سعيدٍ. قال أحمدُ: حديثُ أبي سعيدٍ أحسنُ حديثٍ في الباب. وهذا نَفْيٌ في نَكِرَةٍ، يَقْتَضِي أن لا يَصِحَّ وُضُوءُه بدُونِ التَّسْمِيَةِ. وَالثانيةُ، أنَّها سُنَّة. وهذا ظاهِرُ المذهبِ. قال الخَلَّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتِ الرِّواياتُ عليه، أنَّه لا بَأْسَ به. يَعني: إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، ¬

(¬1) في: المسند 2/ 250، 433. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في التسمية على الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 23. والترمذي، في: باب في التسمية عند الوضوء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 43. كما أخرجه ابن ماجة، في: باب ما جاء في التسمية في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 140. والدارمي، في: باب التسمية في الوضوء، من باب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 176. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 418، 3/ 41، 4/ 70، 5/ 382، 6/ 382.

وَعَنْهُ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ومالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي. واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، لأنَّها طَهارَةٌ فلا تَفْتَقِرُ إلى التَّسْمِيَةِ، كالطَّهارَةِ مِن النَّجاسَةِ، أو عِبادَةٌ، فلا تَجِبُ فيها التَّسْمِيَةُ كسائِرِ العِباداتِ. والأحاديثُ، قال أحمدُ: ليس يَثْبُتُ في هذا حديثٌ، ولا أعْلَمُ فيها حديثًا له إسْنادٌ جَيِّدٌ. وإن صحَّ ذلك فيُحْمَلُ على تَأكِيدِ الاسْتِحْبابِ، ونَفْي الكَمالِ بدُونِها، كقَوْلِه: «لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ» (¬1). فصل: فإذا قُلْنا بوُجُوبِها فتَرَكَها عَمْدًا، لم تَصِحَّ طَهارَتُه، قياسًا على سائِرِ الواجِبِاتِ. وإن نَسِيَها، فقال بعضُ أصحابِنا: لا تَسْقُطُ، قياسًا لها ¬

(¬1) يأتي في باب الإمامة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على سائِرِ الواجِباتِ. والصَّحيحُ أَنَّها تَسْقُطُ بالسَّهْو. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ، فإنَّه قال: سألتُ أحمدَ: إذا نَسِيَ التَّسْمِيةَ في الوُضُوءِ؟ قال: أرْجُو أن لا يَكُونَ عليه شيءٌ. وهذا قولُ إسحاقَ. ووَجْهُ ذلك قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ» (¬1). ولأنّ الوُضُوءَ عِبادَةٌ تَتَغايُر أفْعَالُها، فكانَ في واجِباتِها ما يَسْقُطُ بالسَّهْو كالصلاةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على سائِرِ واجِباتِ الطَّهارَةِ، لتَأَكُّدِ وُجُوبِها، بخلافِ التَّسْمِيَةِ. فعلى هذا إذا ذَكَرَها في أثْناءِ طَهارَتِه، سَمَّى حيثُ ذَكَرَ، لأنَّه إذا عُفِىَ عنها مع السَّهْو في جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ففي البَعْضِ أَوْلَى. وإن تَرَكَها عَمْدًا حتَّى غَسَل عُضْوًا لم يُعْتَدَّ بغَسْلِه، لأنَّه لم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ عليه. وقال الشيخُ أَبو الفَرَجِ: إذا سَمَّى في أثناءِ الوُضُوءِ أجْزَأَه. يَعني على كُلِّ حالٍ، لأنّه قد ذَكَرَ اسمَ اللهِ على وُضُوئِه. والتَّسْمِيَةُ قولُ «بِسْمِ اللهِ»، لا يَقُومُ غيرُها مَقامَها، كالتَّسْمِيَةِ المَشْرُوعَةِ على الذَّبِيحَةِ، وعندَ الأَكْلِ والشُّرْب، ومَوْضِعُها بعدَ النِّيَّةِ، لتَكُونَ شامِلَةً لجميعِ أفعالِ الوُضُوءِ، ولتكونَ. النِّيَّةُ شامِلَةً لها، كما يُسَمِّي على الذَّبِيحَةِ قبلَ ذَبْحِها. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجة، في: باب طلاق المكره والناسي»، من كتاب الطلاق. سنن ابن ماجة 1/ 659. وقد بين الزيلعي طرقه، ومن أخرجه، بتفصيل واف، في: نصب الراية 2/ 64 - 66.

75 - مسألة، قال: (وغسل الكفين، إلا أن يكون قائما من نوم الليل، ففي وجوبه روايتان)

وَغَسْلُ الْكَفَّينِ، إلا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 75 - مسألة، قال: (وغَسْلُ الكَفَّين، إلا أن يَكُونَ قائِمًا مِن نومِ اللَّيلِ، ففي وجوبِه رِوايَتان) وجملةُ ذلك أنَّ غَسْلَ اليَدَين إلى الكُوعَين سُنَّةٌ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في الوُضُوءِ، سَواءٌ قامَ مِن [نَوْمِ اللَّيلِ] (¬1) أو لم يَقُمْ، لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا، وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَرُوا أنَّه غَسَلَ كَفَّيه ثَلاثًا. ولأنَّهما آلةُ نَقْلِ الماءِ إِلى الأعْضاءِ، ففي غَسْلِهما احْتِياطٌ لجَمِيعِ الوُضُوءِ. وليس بواجِبٍ إذا لم يَقُمْ مِن النَّوْمِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فأمّا عندَ القِيامِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ فاخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في وُجُوبِه، فرُويَ عنه وُجُوبُه، وهو الظَّاهِرُ عنهْ، واخْتِيارُ أبي بكرٍ. وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ والحسنِ، لقَول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَيقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَيهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ ثَلاثًا، فَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2) والأمْرُ يَقْتَضِي ¬

(¬1) في م: «النوم». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الاستجمار وترا، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 52. ومسلم، في: باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا ثلاثًا، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 233.كما أخرجه أبو داود، في: باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 23، 24. والترمذي، في: باب إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتَّى يغسلها، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 41، 42. والنسائي، في: باب تأويل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا}، وباب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة، وباب الأمر بالوضوء من النوم، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 12: 83، 176. وابن ماجة، في: باب الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 138، 139. والدارمي، في: باب إذا استيقط أحدكم من منامه، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 196. والإمام مالك، في: باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 21. والإمام أحمد، في المسند 2/ 241، 253، 259، 265، 284، 316، 348، 382، 403، 455، 465، 471، 500، 507.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الوُجُوبَ. ورُوِيَ عنه أنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية (¬1). وقال زيدُ بن أسْلَمَ في تَفْسِيرِها: إذا قُمْتُمْ مِن نَوْمٍ (¬2). أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ عَقِيبَ القِيامِ إلى الوُضُوءِ، ولم يَذْكُرْ غَسْلَ الكَفَّين، والأمْرُ بالشيءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الإِجْزَاءِ به. ولأنّه قائِمٌ مِن نومٍ، أشْبَهَ القِيامَ (¬3) مِن نومِ النَّهارِ، والحديثُ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، لأنَّه عَلَّلَ بِوَهْمِ النَّجاسَةِ، وطَرَيانُ الشَّكِّ على يقينِ الطهارةِ لا يُؤَثِّرُ فيها، كما لو تَيَقَّنَ الطهارَةَ وشَكَّ في الحَدَثِ. وهذا هو الصحيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سورة المائدة: 6. (¬2) تقدم في صفحة 234. (¬3) في: م «القائم».

76 - مسألة؛ قال: (والبداية بالمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما، إلا أن يكون صائما)

وَالْبِدَايَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ، وَالْمُبَالغَةُ فِيهِمَا، إلا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 76 - مسألة؛ قال: (والبِدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ، والمُبالغَةُ فيهما، إلَّا أن يَكُونَ صائِمًا) البدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ قبلَ غَسْلِ الوجْهِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ ذَكَرُوا ذلك في صِفَةِ وُضُوءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والمُبالغَةُ فِيهما سُنَّةٌ، والمُبالغَةُ في المَضْمَضَةِ: إدارَةُ الماءِ في أعماقِ الفَمِ وأقاصِيه، ولا يَجْعَلُه وَجُورًا (¬1) ثم يَمُجُّه، وإن ابْتَلَعَه جازَ؛ لأنّ الغَسْلَ قد حَصَل. ومعنى المُبالغَةِ في الاسْتِنْشاقِ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى أقْصَى الأنْفِ، ولا يَجْعَلُه سَعُوطًا (¬2)، وذلك لما روَى لَقِيطُ بنُ صَبِرَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ¬

(¬1) الوجور: الدواء يوجر في الفم. (¬2) السَّعُوط: اسم الدواء يُصَبَّ في الأنف.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أخْبِرْنِي عن الوُضُوءِ. قال: «أسْبغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بَينَ الأصَابِعِ، وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تكُونَ صَائِمًا». رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ. ثَبَتَ بذلك اسْتِحْبابُ المُبالغةِ في الاسْتِنْشاقِ، وقِسْنا عليه المَضْمَضَةَ، ولأنّه مِن جُمْلَةِ إسْباغِ الوُضُوءِ المأْمُورِ به. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: هي واجِبَةٌ في الاسْتِنْشاقِ على غيرِ الصّائِمِ؛ للحديثِ المَذْكُورِ. فأمّا الصّائِمُ فلا يُسْتَحَبُّ له المُبالغَةُ فيهما، لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الاستنثار، من كتاب الطهارة، وفي باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق، من كتاب الصوم. سنن أبي داود 1/ 31، 552. والترمذي، في: باب في تخليل الأصابع، من أبواب الطهارة، وفي: باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، من أبواب الصوم. عارضة الأحوذي 1/ 56، 3/ 312. كما أخرجه النسائي، في: باب المبالغة في الاستنشاق، وباب الأمر بتخليل الأصابع، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 57، 67. وابن ماجة، في: باب المبالغة في الاستنثاق والاستنثار، وباب تخليل الأصابع، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 142، 153. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 33، 211.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ المُبالغةُ في غَسْلِ سائِرِ الأعْضاءِ بالتَّخْلِيلِ، ودَلْكِ المَواضِعِ التي يَنْبُو عنها الماءُ، ويُسْتَحَبُّ مُجاوَزَةُ مَوْضِعِ الوُجُوبِ بالغَسْلِ، لما رَوَى نُعَيمٌ المُجْمِرُ، أنَّه رَأَى أبا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيه حتَّى كادَ يَبْلُغُ المَنْكِبَين، ثم غَسَلَ رِجْلَيه حتَّى رَفَعَ إلى السَّاقَين، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُون يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولمُسْلِمٍ (¬2) عنه، سمعتُ خَلِيلي - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ». ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 46. ومسلم، في: باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 216. (¬2) في: باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 219. كما أخرجه النسائي، في: باب حلية الوضوء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 79. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 371.

77 - مسألة؛ قال: (وتخليل اللحية، وهو سنة)

وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ 77 - مسألة؛ قال: (وتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وهو سُنَّةٌ) ومِمَّن رُوِيَ عنه أنَّه كان يُخلِّلُ لِحْيَتَه ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس. ووَجْهُه ما رَوَى عثمانُ عن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يُخَلِّلُ لِحْيَتَه. رواه ابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنّ النبيَّ كان إذَا تَوَضَّأَ، أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فَجَعَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَخَلَّلَ بِه لِحْيَتَه، وقال: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي». رواه أبو داوُدَ (¬2). وصِفَةُ التَّخْلِيلِ أنْ يُشَبِّكَ لِحْيَتَه بأصابِعِه ويَعْرُكَها، ولِمَا (¬3) رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا تَوَضَّأَ عَرَكَ عارِضَيهِ بَعْضَ العَرْكِ، ثم شَبَكَ لِحْيَتَه بأصابِعِهِ مِن تَحْتِها. رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (¬4)، وقال: الصَّوابُ أنَّه مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ. قال يعقوبُ: سأَلْتُ أحمدَ عن التَّخْلِيلِ، فأَرَانِي مِنْ تحت لِحْيَتِه، فخَلَّلَ بالأصابِعِ. وقال حَنْبَلٌ: مِنْ تحتِ ذَقَنِه مِنْ أَسْفَلٍ الذَّقَنِ، يُخَلَّلُ جانِبَيْ لِحْيَتِه جميعًا بالماءِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَهَّدَ بَقِيَّةَ شُعُورِ وَجْهِه، ويَمْسَحَ مَآقِيَهُ؛ لِمَا روَى أبو داوُدَ (¬5)، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ المَأْقَينِ. ¬

(¬1) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في تخليل اللحية، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 49. وابن ماجة، في: باب ما جاء في تخليل اللحية، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 148. (¬2) في: باب تخليل اللحية، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 32. (¬3) في م: «كما». (¬4) في: باب في الوضوء من الخارج من البدن، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 152.كما أخرجه ابن ماجة، في: باب ما جاء في تخليل اللحية، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 149. (¬5) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 29.

78 - مسألة: (وتخليل الأصابع)

وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 78 - مسألة: (وتَخْلِيلُ الأصابِعِ) تَخْلِيلُ أصابِعِ اليَدَين والرِّجْلَين في الوُضُوءِ مَسْنُونٌ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - للَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: «وَخَلِّلْ بَينَ الأصابِعِ» (¬1). وهو في الرِّجْلَين آكَدُ. قال المُسْتَوْرِدُ بنُ شَدّادٍ: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا تَوَضَّأ دَلَكَ أصابِعَ رِجْلَيهِ بخِنْصَرِه. رواه أبو داوُد (¬2). ويَبْدأْ في تَخْلِيلِ اليُمْنَى مِن خِنْصَرِها إلى إبْهامِها، وفي اليُسْرَى مِن إبْهامِها إلى خِنْصَرِها؛ ليَحْصُلَ له التَّيامُنُ في التَّخْلِيلِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، في اسْتِحْبابِ تَخْلِيلِ أصابِعِ اليَدَين رِوايَتَين؛ إحداهما، يُسْتَحَبُّ؛ لما ذكرْناه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلْ أصَابِعَ يَدَيكَ وَرِجْلَيكَ». رواه التِّرْمِذِيُّ (¬3)، وقال: حديثٌ حسنٌ. والثانية، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ تَفْرِيقَها يُغْنِي عن التَّخْلِيلِ، والأولَى أوْلَى. ¬

(¬1) تقدم في صفحة 281، 282. (¬2) في: باب غسل الرجلين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 32. كما أخرجه الترمذي، في: باب في تخليل الأصابع، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 57. وابن ماجة، في: باب تخليل الأصابع، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 152. (¬3) في: باب في تخليل الأصابع، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 57.

79 - مسألة؛ قال: (والتيامن)

وَالتَّيَامُنُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 79 - مسألة؛ قال: (والتَّيامُنُ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، فيما عَلِمْنا، في اسْتِحْبابِ البِدايَةِ باليُمْنَى، وأجْمَعُوا على أنّه لا إعادَةَ على مَن بَدَأَ بيَسارِه قبلَ يَمِينِه. ووَجْهُ اسْتِحْبابِه حديثُ عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُعْجِبُه التَّيامُنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1) وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا تَوَضّأْتُمْ فابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ». رواه ابنُ ماجَه (¬2). ¬

(¬1) تقدم في صفحة 72، 273. (¬2) في: باب التيمن في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 141. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الانتعال، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 390.

80 - مسألة؛ قال: (وأخذ ماء جديد للأذنين)

وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 80 - مسألة؛ قال: (وأخْذُ ماءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ) يَعنى أنَّه مُسْتَحَبٌّ، قال أحْمدُ: أنا أسْتَحِبُّ أن يَأْخُذَ لأُذُنِه ماءً جَدِيدًا. يروَى ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس بمَسْنُونٍ. وحَكاه أبو الخَطّابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّ الَّذي قالُوه غيرُ مَوْجُودٍ في الأخْبارِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ». رواه ابنُ ماجَة (¬1). ورَوَتِ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، والمِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً واحِدَةً. رواه أبو داودَ (¬2). ووَجْهُ الأوَّلِ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ. وقد ذهَب الزُّهْرِيُّ إلى أنَّهما مِن الوَجْهِ. ¬

(¬1) في: باب الأذنان من الرأس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 152 كما أخرجه من حديث أبي أمامة أبو داود، في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 29. والترمذي، في: باب ما جاء أن الأذنين من الرأس، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 54. (¬2) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 27 - 29.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال الشَّعْبِيُّ (¬1): ما أقْبَلَ مِنهما مِن الوَجْهِ، وظاهِرُهُما مِن الرَّأْسِ. وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر: لَيسَتَا مِن الرَّأْسِ، ولا مِن الوَجْهِ. ففي إفْرادِهِما بماءٍ جَدِيدٍ خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، فكانَ أوْلَى. فإنْ مَسَحَهُما بماءِ الرَّأْسِ أجْزأه؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ. ¬

(¬1) أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي الحبر العلامة، وكان صاحب آثار، توفي سنة أربع ومائة. سير أعلام النبلاء 4/ 294 - 319.

81 - مسألة؛ قال: (والغسلة الثانية والثالثة)

وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 81 - مسألة؛ قال: (والغسْلَةُ الثّانيةُ والثّالثةُ) وذلك لما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا. رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ (¬1)، وقال: هذا أحسنُ شيءٍ في البابِ وأصحُّ. وليس ذلك ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 114 - 116. والترمذي، في: باب ما جاء في الوضوء ثلاثًا ثلاثا، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 61. كما أخرجه ابن ماجة، في: باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 144.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بواجب؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً مَرَّةً. رواه البُخارِيُّ (¬1). وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دعا بماءٍ، فتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرّةً، فقال: «هَذا وَظِيفَةُ الوُضُوءِ». أو قال: «وُضُوءٌ، مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأهُ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاةً». ثم تَوَضَّأ مَرّتَينِ مَرَّتَينِ، ثم قال: «هَذَا وُضُوءٌ، مَنْ تَوَضَّأَهُ أعْطَاهُ اللهُ كِفْلَينِ مِنَ الأجْرِ». ثم تَوَضّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فقال: «هذا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ المُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي». رواه ابنُ ماجَه (¬2). ¬

(¬1) حديث ابن عباس أخرجه البخاري، في: باب الوضوء مرة مرة، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 51. والترمذي، في: باب ما جاء في الوضوء مرة مرة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 59. وأبو داود، في: باب الوضوء مرة مرة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 30. والنسائي، في: باب الوضوء مرة مرة، وباب مسح الأذنين، وباب مسح الأذنين مع الرأس، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 54، 63. وابن ماجة، في: باب ما جاء في الوضوء مرة مرة. سنن ابن ماجة 1/ 59. والدارمي، في: باب الوضوء مرة مرة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 177. والإمام أحمد في المسند 2/ 28، 39. (¬2) في: باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 145، 146.

باب فرض الوضوء، وصفته

بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتِهِ وَفُروضُهُ سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَينِ. وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَغَسْل الرِّجْلَينِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ فَرْضِ الوُضُوءِ وصِفَتِه (وفُرُوضُه سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الوَجْهِ)، وهو فَرْضٌ بالإِجْماعِ، والأَصلُ فيه قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية (¬1). 82 - مسألة؛ قال: (والفَمُ والأَنْفُ مِنه) لدُخُولِهِما في حَدِّه على ما يَأْتِي. 83 - مسألة؛ قال: (وغَسْلُ اليَدَينِ) -وهو الفرضُ الثاني؛ لقولِه تعالى: {وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (1). 84 - مسألة؛ قال: (ومَسْحُ الرَّأْسِ) وهو الفرضُ الثالثُ. (وغَسْلُ الرِّجْلَينِ) وهو الفرضُ الرابعُ؛ لقولِه تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (1). لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العلماء في وُجُوبِ غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَين؛ لما ذكرْنا مِن النَّصِّ، وكذلك مَسْحُ الرَّأْسِ واجِبٌ بالإِجماعِ في الجُمْلَةِ، مع اخْتِلافِ الناس في قَدْرِ الواجِبِ مِنه. فأمّا غَسْل الرِّجْلَينِ، فهو فَرْضٌ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قال ¬

(¬1) سورة المائدة 6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى (¬1): أجْمَعَ (¬2) أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على غَسْلِ القَدَمَينِ. ورُوِيَ عن عليٍّ، أنَّه مَسَحَ على نَعْلَيه وقَدَمَيه، ثم دَخَلَ المَسْجِدَ، ثم خَلَعَ نَعْلَيه، ثم صَلَّى. وحُكِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: ما أجِدُ في كتابِ الله إلَّا غَسْلَتَينِ ومَسبْحَتَين. وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: الوُضُوءُ مَمْسُوحان ومَغْسُولان؛ فالْمَمْسُوحان يَسْقُطان في التَّيَمُّمِ. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّه ذُكِرَ له قولُ الحَجّاجِ: اغْسِلُوا القَدَمَين ظاهِرَهُما وباطِنَهُما، وخَلِّلُوا ما (¬3) بينَ الأصابعِ، فإنَّه ليس شيءٌ مِن ابنِ آدَمَ أقربَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيه. فقال أنَسٌ: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ. وتَلا هذه الآيةَ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} وحُكِيَ عن ابنِ جَرِيرٍ (¬4)، أنَّه قال: هو مُخَيَّرٌ بينَ المَسْحِ والغَسْلِ (¬5). ولم نَعْلَمْ أحدًا مِن ¬

(¬1) أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الإمام الحافظ، كان أصحابه يعظمونه كأنه أمير، توفي سنة اثنتين وثمانين وقيل سنة ثلاث. سير أعلام النبلاء 4/ 262 - 267. (¬2) في م: «اجتمع». (¬3) سقطت من: «م». (¬4) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المفسر المؤرخ، كان من أفراد الدهر؛ علما، وذكاء، وكثرة تصانيف، وكان من كبار أئمة الاجتهاد، توفي سنة عشر وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 14/ 267 - 282. (¬5) نص عبارة الطبري: «فإذا كان المسح المعنيان اللذان وصفنا: من عموم الرجلين بالماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحا بالأدلة الدالة التي سنذكرها بعد، أن مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والمسح، فبَيِّن صواب قرأة القراءتين جميعا، أعني النصب في الأرجل والخفض؛ لأن في عموم الرجلين بمسحهما بالماء غسلُهما، وفي إمرار اليد وما قام مقام اليد عليهما مسُحهما، فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبا لما في ذلك من معنى عمومها بإمرار الماء عليهما. ووجه صواب قراءة من قرأه خفضا، لما في ذلك من إمرار اليد عليهما، أو ما قام مقام اليد، مسحا بهما. تفسير الطبري (شاكر) 10/ 63. ولعل نقل المؤلف عن ابن جرير في القسم المفقود من كتابه اختلاف الفقهاء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أهلِ العلمِ قال بجَوازِ مَسْحِ الرِّجْلَين غيرَ مَنْ ذَكَرْنا، واحْتَجُّوا بظاهِرِ الآيَةِ، وبما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأدْخَلَ يَدَه في الإِناءِ، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مَرَّةً واحدةً، ثم أدْخَلَ يَدَه، فصَبَّ على وَجْهِه مَرَّةً واحِدَةً، وصَبَّ على يَدَيه مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً، ثم أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه وهو مُنْتَعِلٌ (¬1). رواه سعيدٌ. ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيمٍ، أنبأنا يَعْلَى بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، قال: أخْبَرَني أَوْسُ بنُ أوسٍ الثَّقَفِيُّ، أنَّه رأَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتَى كِظامَةَ قومٍ (¬2) بالطَّائِفِ، فتَوَضَّأَ ومَسَحَ على قَدَمَيه (¬3). قال هُشَيم: كان هذا في أوَّلِ الإِسْلامِ. ولَنا، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وعثمانَ وَصَفا وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقالا: فغَسَلَ قَدَمَيه. وفي حديثِ عثمانَ: ثم غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيه ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهما (¬4). وحَكَى عليٌّ وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ثم غَسَلَ ¬

(¬1) ذكر السيوطي في أول مسند ابن عباس حديثًا مقاربا لهذا يختلف معه في بعض ألفاظه. الجامع الكبير 2/ 444، وذكر أنَّ ابن أبي شيبة أخرجه، وهو عنده في: باب في الوضوء كم هو مرة، من كتاب الطهارات 1/ 9. وانظر: باب مسح الأذنين مع الرأس إلخ، من كتاب الطهارة. المجتبى من سنن النسائي 1/ 63. وأخرج الحديث بنحو مما ورد هنا أبو داود، في: باب الوضوء مرتين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 30. (¬2) الكظامة: الميضأة، وفم الوادي، وبئر بجنب بئر بينهما مجرى ببطْن الأرض. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب حدثنا مسدد وعباد بن موسى، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 36. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 8. (¬4) حديث عبد الله بن زيد برواياته، أخرجه البخاري، في: باب مسح الرأس كله، وباب غسل الرجلين إلى الكعبين، وباب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة، وباب مسح الرأس مرة واحدة، وباب الغسل والوضوء في المخضب إلخ، وباب الوضوء من التور، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 58 - 61. ومسلم، في: باب في وضوء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 210، 211. وأبو داود، في: باب صفة وضوء النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود، 1/ 27. والترمذي، في: باب المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 46، 47. والنسائي، في: باب حد =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِجْلَيه إلى الكَعْبَين، ثَلاثًا ثَلاثًا (¬1). وعن عمرَ، - رضي الله عنه -، أنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِن قَدَمِه، فأَبْصَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ». فرَجَعَ ثم صَلَّى. رواه مسلم (¬2). وعن عبد اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى قومًا يَتَوَضَّئُونَ وأعْقَابُهُمْ تَلُوحُ (¬3)، فقال: «وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». رواه مسلم (¬4). وقد ¬

= الغسل، وباب صفة مسح الرأس، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 61. وابن ماجه، في: باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد، وباب ما جاء في مسح الرأس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 149، 150. والدارمي، في: باب الوضوء مرتين، وباب ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ لرأسه ماءً جديدا، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 180. والإمام مالك، في: باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 18. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 38، 39، 41، 42. وحديث عثمان أخرجه البخاري، في: باب الوضوء ثلاثا، وباب المضمضة في الوضوء، من كتاب الوضوء. وفي: باب سواك الرطب واليابس للصائم، من كتاب الصوم. صحيح البخاري 1/ 51 - 53، 3/ 40. ومسلم، في: باب صفة الوضوء وكماله، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 204، 205. والنسائي، في: باب المضمضة والاستنشاق، وباب حد الغسل، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 56، 57، 68. وابن ماجه، في: باب ثواب الطهور، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 105. والدارمي، في: باب الوضوء ثلاثا، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 176. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 58 - 61، 67، 68، 74. (¬1) أخرجه النسائي، في: باب صفة الوضوء، من كتاب الطهارة 1/ 60. والإمام أحمد، في المسند: 1/ 110. (¬2) في: باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 215. كما أخرجه أبو داود، في: باب تفريق الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 39. وابن ماجه، في: باب من توضأ فترك موضعا لم يصبه الماء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 218. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 21، 23. كما أخرجه أبو داود وابن ماجه، عن أنس، في الموضعين السابقين. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 146. (¬3) تلوح: أي تلمع. (¬4) في: باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 214. كما أخرجه البخاري، في: باب رفع صوته بالعلم، وباب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم، من كتاب العلم، وفي: باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 35، 52. وأبو داود، في: باب في إسباغ الوضوء، من كتاب الطهارة، سنن أبي داود 1/ 22 والنسائي، في: باب إيجاب غسل الرجلين، من كتاب الطهارة المجتبى 1/ 66. وابن ماجه، في: باب غسل العراقيب، من كتاب الطهارة. سنن ابن =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّخْلِيلِ، وأنَّه كان يَعْرُكُ أصابِعَه بِخِنْصَرِه بَعْضَ العَرْكِ، وهذا كلُّه يَدُلُّ على وُجُوبِ الغَسْلِ؛ لأنَّ المَمْسُوحَ لا يَحْتاجُ إلى الاسْتِيعابِ والعَرْكِ. وأمّا الآيةُ، فقد رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان يَقْرأُ. {وَأَرْجُلَكُمْ} (¬1). قال: عادَ إلى الغَسْلِ (¬2). ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ والشَّعْبِيِّ قِراءَتُها كذلك. وهي قِراءةُ ابنِ عامِرٍ، فتَكُونُ مَعْطُوفةً على اليَدَينِ، ومَن قَرَأَ بالجَرِّ فللمُجاوَرَةِ، كقولِه تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} (¬3). جَرَّ أَلِيمًا، وهو صِفَةٌ للعَذابِ على المُجاوَرَةِ. وقولِ الشّاعرِ (¬4): فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَينِ مُنْضِجٍ … صَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ فجَرَّ قَدِيرًا مع العَطْفِ للمُجاوَرَةِ. وإذا احْتَمَلَ الأمْرَين وجَبَ الرُّجُوعُ إلى فِعْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لأنّه مُبَيِّنٌ، يُبَيِّنُ بفِعْلِه تارَةً، وبقَوْلِه أُخْرَى. ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديث عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ (¬5): «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ» (¬6) فثَبَتَ بهذا أنَّ الله تعالى إنَّما أمَرَه ¬

= ماجه 1/ 154. والدارمي، في: باب ويل للأعقاب من النار، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 179. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 193، 201، 205، 211، 226. (¬1) بعد هذا في حاشية الأصل: «بالنصب». (¬2) أي عاد الأمر إلى الغسل. انظر: تفسير الطبري. 10/ 55. (¬3) سورة هود 26. (¬4) البيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة، وهو في ديوانه 22. وهو من الشواهد النحوية. انظر: معجم شواهد العربية للأستاذ عبد السلام هارون 1/ 305. (¬5) عمرو بن عَبَسَةَ بن عامر السلمي، أبو نجيح، أسلم قديما بمكة، وكان أخا أبي ذر لأمه، توفي في أواخر خلافة عثمان. تهذيب التهذيب 8/ 69. (¬6) ذكر الحديث بطوله السيوطي، في الجامع الكبير 2/ 582. وقال: «أخرجه سعيد بن منصور.

85 - مسألة؛ قال: (والترتيب على ما ذكر الله تعالى)

وَتَرتِيبُهُ، عَلَى مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالى، ـــــــــــــــــــــــــــــ بالغَسْلِ، لا بالمَسْحِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالمَسْحِ الغَسْلَ الخَفِيفَ. قال أبُو عَليٍّ الفارِسِيُّ (¬1): العَرَبُ تُسَمِّي خَفِيفَ الغَسْلِ مَسْحًا، فيَقُولُون: تَمَسَّحْتُ للصَّلاةِ. أي تَوَضَّأْتُ. فإن قِيل: فعَطْفُه على الرَّأْسِ يَدُلُّ على أنَّه أرادَ حَقِيقَةَ المَسْحِ. قُلْنا: قد افْتَرَقا مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ المَمْسُوحَ في الرَّأْسِ شَعَرٌ يَشُقُّ غَسْلُه، والرِّجْلان بخِلافِ ذلك، فَهُما أشْبَهُ بالمَغْسُولاتِ. الثاني، أنَّهما مَحْدُودانِ بحَدٍّ يَنْتَهِي إليه، أَشْبَها اليَدَين. الثالثُ، أنَّهما مُعَرَّضَتان للخَبَثِ، لكَوْنِهما يُوطَأ بِهما على الأرضِ. وأمّا حَدِيثُ أوْسِ بنِ أوس فيُحْمَلُ على أنّه أرادَ الغَسْلَ الخَفِيفَ، وكذلك حديثُ ابنِ عباسٍ، وكذلك قال: أخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه. والمَسْحُ يكونُ بالبَلَلِ لا برشِّ الماءِ. واللهُ أعلمُ. 85 - مسألة؛ قال: (والتَّرْتِيبُ على ما ذَكَرَ اللهُ تعالى) وهو الفرضُ الخامسُ، وجملةُ ذلك أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُضُوءِ، كما ذكر اللهُ تعالى، واجبٌ ¬

(¬1) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، أبو علي. عالم العربية، صاحب التصانيف، المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. إنباه الرواة 1/ 273، وفيات الأعيان 2/ 80 - 82.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في قولِ أحمدَ. قال شيخُنا: لم أَرَ عنه فيه اخْتِلافًا. وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأبي عُبَيدٍ، وإسحاقَ (¬1). وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ روايةً أُخْرَى، أنَّه غيرُ واجبٍ. وهو مذهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنّ الله تعالى أمَرَ بغَسْلِ الأعْضاءِ، وعَطَف بَعْضَها على بعضٍ بواو الجَمْعِ، وهي لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فكَيفَما غَسَل كان مُمْتَثِلًا، ورُوي عن عليٍّ، أنَّه قال: ما أُبَالِي إذا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بأَيِّ أَعْضائِي بَدأْتُ (2). وعن ابنِ مسعودٍ: لا بَأْسَ أنْ تَبْدَأَ برِجْلَيكَ قَبْلَ يَدَيك في الوُضُوءِ (¬2). ووجْهُ الأوَّلِ أنَّ في الآيةِ قَرِينَةً تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ، فإنَّه أدْخَلَ مَمْسُوحًا بينَ مَغْسُولَين، وقَطَع النَّظِيرَ عن نَظِيرِه، والعربُ لا تَفْعلُ ذلك إلَّا لفائِدَةٍ، والفائِدَةُ هي التَّرْتِيبُ. فإن قِيل: فائِدَتُه اسْتِحْبابُ التَّرْتِيبِ. قُلْنا: الآيةُ ما سِيقَتْ إلَّا لبَيان الواجِبِ، ¬

(¬1) المغني 1/ 189، 190. ولم يرد «وإسحاق» في المغني. (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب في الرجل يتوضأ يبدأ برجليه قبل يديه، من كتاب الطهارات. المصنف 1/ 39.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولهذا لم تُذْكَرِ السُّنَنُ فيها، ولأنّه متى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرتِيبَ، كان مَأمُورًا به. ولأنَّ كلَّ من حَكَى وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَكاه مُرَتَّبًا، وهو مُفَسِّرٌ لِما في كتابِ الله تِعالى، وتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وقال: «هذا وُضُوءٌ، لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلَّا بِهِ» (¬1). أي: بمِثْلِه. وقولُهم: إنَّ الواو لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. مَمْنُوعٌ، فقد اقْتَضَتِ التَّرْتِيبَ في قولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (¬2). وما رُوِيَ عن عليٍّ، قال أحمدُ: إنَّما عَنَى به اليُسْرَى قبلَ اليُمْنَى؛ لأنَّ مَخْرَجَهُما في الكتابِ واحِدٌ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، أنَّ عليًّا سُئِلَ، فقِيل له: أحدُنا يَسْتعجِلُ، فيَغْسِلُ شيئًا قبلَ شيءٍ؟ فقال: لا. حَتى يكونَ كما أمَرَ اللهُ تعالى. وروايَتُه (¬3) عن ابن مسعودٍ لا نَعْرِفُ لها أصلًا، فأمَّا تَرْتِيبُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، فلا يَجِبُ بِالإِجماع. حكناه ابنُ الْمُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى ذَكرَ مَخْرَجَهُما (¬4) واحدًا، فقال: {وَأيدِيَكُمْ}، {وَأرْجُلَكُمْ}، وكذلك التَّرْتِيبُ بينَ المَضْمَضَةِ، والاسْتِنْشاقِ، والفُقهَاءُ يَعُدُّون اليَدَينِ عُضْوًا، والرِّجْلَينِ عُضوًا، ولا يجبُ التَّرْتِيبُ بينَ العُضْو الواحِدِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، من كتاب الطهارة، عن ابن عمر، قال: توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة، فقال: «هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به». . . . إلخ. سنن ابن ماجه 1/ 145. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 98. (¬2) سورة الحج: 77. (¬3) في م: «وروايتهم». (¬4) في م: «مخرجة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن نَكَّسَ وُضُوءَه، فَبَدأ بشيءٍ مِنْ أَعْضائِه قبلَ وَجْهِه، لم يُحْتَسَبْ بما غَسَلَه قبلَه. وإن بَدَأ برِجْلَيه، وخَتَم بوَجْهِه، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه. وإن تَوَضَّأ مُنَكِّسًا أربعَ مَرّاتٍ، صَحَّ وُضُوؤه إذا كان مُتَقارِبًا، يَحْصُلُ له مِنْ كلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ. ومذهبُ الشافعيِّ يُجَوِّزُ (¬1) هَذا. ولو غَسَل أعْضاءَه دَفْعَةً واحِدَةً، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه. وإنِ انْغَمَس في ماءٍ جارٍ، فلم يَمُرَّ على أعْضائِه إلَّا جَرْيَةٌ واحدةٌ، فكذلِك. وإن مَرَّ عليه أرْبعُ جَرَيَاتٍ، وقلنا: الغَسْلُ يُجْزِئُ عن المَسْحِ. أجْزأه، كما لو توَضَّأ أربعَ مَرَّاتٍ. وإنْ كان الماءُ راكِدًا، فقال بَعْضُ أصحابِنا: إذا أخْرَجِ وَجْهَه ثم يَدَيهِ، ثم مَسَح رَأسَه، ثم خَرَج مِن الماءِ، أجْزأه؛ لأنَّ الحَدَثَ إنَّما يَرْتَفِعُ بانْفِصالِ الماءِ عن العُضْو. ونَصَّ أحمدُ، في رجلٍ أرادَ الوُضُوءَ فاغْتَمَس في الماءِ، ثم خرجَ مِن الماءِ، فعليه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ رِجْلَيهِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الماءَ إذا كان جَاريًا، فمَرَّتْ عليه جَرْيَةٌ واحدةٌ، أنَّه يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه، ثم يَغْسِلُ رِجْلَيه. وإنِ اجْتَمَع الحَدَثانِ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ والمُوالاةُ، على ما سَنَذْكُرُه [في مَوْضِعِه] (¬2)، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ¬

(¬1) في م: «نحو». (¬2) سقط من: «م».

86 - مسألة؛ قال: (والموالاة على إحدى الروايتين)

وَالْمُوَالاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 86 - مسألة؛ قال: (والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين) المُوالاةُ هي الشرطُ السادسُ، وفيها رِوايتان؛ إحْداهما، هي واجِبَةٌ. نَصَّ عليها أحمدُ في مَواضِعَ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وقَتَادَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. قال القاضي: وفيها رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والحسنِ، والثَّوْريِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلُ الأعْضاءِ، فكَيفَما غَسَل فقد أتَى بِالمَأَمُورِ به، وقد ثَبَت أنَّ ابنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ بالسُّوقِ فغَسَلَ وَجْهَه ويَدَيه، ومَسَح رَأْسَه، ثم دُعِيَ لجِنازَةٍ، فمَسَح على خُفَّيه، ثم صَلَّى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليها (¬1). ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَين، فلم تَجِبْ فيها المُوالاةُ كالكُبْرَى. وقال مالكٌ: إن تَعَمَّد التَّفْرِيقَ بَطَل، وإلَّا فلا. ووَجْهُ الأُولى ما رَوَى عُمَرُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رجُلًا يُصَلِّي، وفي ظَهْرِ قَدَمِه لُمْعَةٌ لم يُصِبْها ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، في: باب تفريق الوضوء، من كتاب الطهارة، وفيه: ثم دخل المسجد فمسح على خفيه بعدما. جف وضوءه وصلى. السنن الكبرى 1/ 84.

87 - مسألة؛ قال: (وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله)

وَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِى قَبْلَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الماءُ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعِيدَ الوُضُوءَ والصلاةَ. رواه أبو داودَ (¬1). ولو لم تَجِبِ المُوالاةُ لأجْزأَه غَسْلُ اللُّمْعَةِ حَسْبُ. ولأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الحَدَثُ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالاةُ كالصلاةِ، والآيةُ دَلَّتْ على وُجُوبِ الغَسْلِ، وبَيَّن النَبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَيفيَّتَه بفِعْلِه، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنه أنَّه تَوَضَّأَ إلَّا مُتَوالِيًا، وغُسْلُ الجَنابَةِ بمَنْزِلَةِ الْغُضْو الواحدِ. وحَكَى بعضُ أصحابِنا فيه مَنْعًا. ذَكَره الشيخُ أبو الفَرَجِ. وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ ليس فيه دَلِيلٌ على أنّه أخَلَّ بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ. 87 - مسألة؛ قال: (وهو أَن لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشَفَ الذي قبلَه) في الزَّمانِ المُعْتَدِلِ، ولا اعْتِبارَ بالزَّمَنِ الحارِّ الذي يُسْرِعُ فيه النِّشافُ، ولا بالزَّمَنِ البارِدِ الذي يُبْطِئُ فيه، ولا يُعْتَبَرُ ذلك فيما بينَ طَرَفَي الطهارةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: التَّفْرِيقُ المُبْطِلُ في إحْدَى الرِّوايَتَين ما يَفْحُشُ في العادةِ؛ لأنَّه لم يُحَدَّ في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلى العادةِ، كالإحْرازِ والتَّفَرُّقِ في البَيعِ. ¬

(¬1) انظر ما تقدم في صفحة 296. وهو عند أبي داود عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن نَشِفَتْ أَعْضاؤه؛ لاشْتِغَالِه بفَرْضٍ في الطهارةِ أو سُنَّةٍ، لم يَبْطُلْ، كما لو طَوَّل أرْكانَ الصلاةِ. وإن كان لوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُه فكذلك، ويَحْتَمِل أنَّ يَبْطُلَ الوُضوءُ؛ لأنّه غيرُ مَفْرُوضٍ ولا مَسْنُونٍ، وإن كان ذلك لعَبَثٍ أو شيءٍ زائِدٍ على المسنونِ وأشْباهِه، عُدَّ تَفْرِيقًا.

88 - مسألة؛ قال: (والنية شرط لطهارة الحدث كلها)

وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا؛ ـــــــــــــــــــــــــــــ 88 - مسألة؛ قال: (والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارةِ الحَدَثِ كلِّها) الغُسْلِ، والوُضوءِ، والتَّيَمُّمِ. والنِّيَّةُ هي القَصْدُ. يُقال: نَواك اللهُ بِخَيرٍ. أي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَصَدَك. ومَحَلُّها القَلْبُ؛ لأنَّ مَحَلَّ القَصْدِ القلبُ، فمتى اعْتَقَد بقلبِه أجْزَأ، وإنْ لم يَلْفِظْ بلِسانِه. وإن لَفَظ بلِسانِه ولم يَقْصِدْ بقلبِه، لم يُجْزِئْه. ولو سَبَق لِسانُه إلى غيرِ ما اعْتَقَده، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ ما قَصَدَه بقَلْبِه. ولا خِلافَ في المذهبِ في اشْتِراطِ النِّيَّةِكما لِما ذَكَرْنا. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ - رضي الله عنه -. وهو قولُ مالكٍ، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في التَّيَمُّمِ دُونَ طهارةِ الماءِ؛ لأنَّ الله تَعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (¬1). الآيةُ، ولم يَذْكُرِ النِّيَّةَ، ولو كانَتْ شَرْطًا لَذَكَرَها. ولأنَّ مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإجْزاءِ بفِعْلِ المَأمُورِ به ¬

(¬1) سورة المائدة 6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فتَقْتَضِي الآيةُ حُصُولَ الإِجْزاءِ بما تَضَمَّنَتْه. ولأنَّها طهارةٌ بالماءِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى النِّيَّةِ كغَسْلِ النَّجاسَةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». مُتَّفَق عليه (¬1). فنَفَى أن يكونَ له عَمَلٌ شَرْعِيٌّ بدونِ النَّيِّةِ. ولأنَّها طهارةٌ مِن الحَدَثِ، فلم تَصِحَّ بغيرِ نِيَّةٍ كالتَّيَمُّمِ، فأمّا الآيةُ فهي حُجَّةٌ لَنَا؛ فإن قولَه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}. أي: للصلاةِ، كما يُقالُ: إذا لَقِيت الأمِيرَ فتَرَجَّلْ. أي له. وقولُهم: لو كانتِ النِّيَّةُ شَرْطًا لَذكَرَها. قُلنا: إنَّما ذَكَر الأرْكانَ، ولم يَذْكُرِ الشَّرائِطَ كآيةِ التَّيَمُّمِ. وقولُهم: مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإِجْزاء به. قُلْنا: بلْ مُقْتَضاه وُجوبُ الفِعْلِ، ولا يَمْنَعُ أنَّ يُشْتَرَطَ له شرطٌ آخَرُ كآية التَّيَمُّمِ. وقَوْلُهم: إنَّها طهارةٌ. قُلنا: إلَّا أنَّها عِبادَةٌ، ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي: باب الخطأ والنسيان، من كتاب العتق، وفي: باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة، من كتاب مناقب الأنصار، وفي: باب من هاجر أو عمل خير التزويج امرأة فله ما نوى، من كتاب النكاح، وفي: باب الطلاق في الإغلاق إلخ (الترجمة)، من كتاب الطلاق، وفي: باب النية في الأيمان، من كتاب الأيمان، وفي، كتاب الإكراه (الترجمة)؛ وفي: باب في ترك الحيل. صحيح البخاري 1/ 2، 3/ 191، 5/ 72، 7/ 4، 58/ 175، 9/ 25، 29. ومسلم. في: باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما الأعمال بالنية، من كتاب الإمارة. صحيح مسلم 3/ 1515، 1516. كما أخرجه أبو داود، في: باب فيما عنى به الطلاق والنيات، من كتاب الطلاق. سنن أبي داود 1/ 510. والنسائي، في: باب النية في الوضوء، من كتاب الطهارة، وفي: باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه، من كتاب الطلاق، وفي: باب النية في اليمين، من كتاب الأيمان، المجتبى 1/ 51، 6/ 129، 17/ 12، 13. وابن ماجه، في: باب النية، من كتاب الزهد. سنن ابن ماجه 2/ 1413. والترمذي، في: باب ما جاء في من يقاتل رياء وللدنيا، من أبواب فضائل الجهاد. عارضة الأحوذي 7/ 151، 152. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 25، 43.

89 - مسألة؛ قال: (وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها)

وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَو الطَّهَارَةَ لِمَا لا يُبَاحُ إلا بِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ والعبادةُ لا تكونُ إلَّا مَنْويَّةً، كالصلاةِ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ إلى الله تِعالى، وطاعةٌ، وامْتِثالُ أمْرٍ، ولا يَحْصُلُ ذلك بغيرِ نيَّةٍ. 89 - مسألة؛ قال: (وهي أنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ أو الطهارةَ لِما لا يُباحُ إلَّا بها) متى قَصَد بطهارتِه رَفْعَ الحَدَثِ، وهو إزالةُ المانِعِ مِمّا يَفْتَقِرُ إلى الطَّهارةِ، أو قَصَد بطَهارتِه الصلاةَ، والطَّوافَ، ومَسَّ المصحفِ، أو قصَد الجُنُبُ بالغُسْلِ اللُّبْثَ في المسجدِ، صَحَّتْ طهارتُه عندَ القائلِين باشْتِراطِ النِّيَّةِ، لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا. فإنْ نَوَى التَّبَرُّدَ وما لا تُشْرَعُ الطهارةُ له؛ كالأكْلِ والبَيعِ، ولم يَنْو الطهارةَ الشَّرْعِيَّةَ (¬1) ¬

(¬1) سقطت من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لم يَرْتَفِعْ حَدَثُه؛ لأنَّه لم يَنْو الطَّهارةَ، ولا ما يَتَضَمَّنُ نِيَتَّهَا، فأشْبَهَ مَن لم يَقْصِدْ شيئًا. وإن نَوَى الطهارةَ مع ذلك، صَحَّتِ الطهارةُ؛ لأنّه نَوَى الطهارةَ، وضَمَّ إليها ما لا يُنافِيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى بالصلاةِ الطّاعَةَ والخَلاصَ مِن خَصْمِه.

90 - مسألة؛ قال: (فإن نوى ما تسن له الطهارة، أو التجديد، فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين)

فإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ أَو التَّجْدِيدَ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 90 - مسألة؛ قال: (فإنْ نَوَى ما تُسَنُّ لَهُ الطهارَةٌ، أو التَّجْدِيدَ، فهل يَرْتَفِعُ حَدَثُه؟ على رِوايَتَينِ) وجملتُه أنَّه نَوَى ما تُشْرَعُ له الطهارَةُ ولا تُشْتَرَطُ؛ كقِراءَةِ القرآنِ والأذانِ والنَّوْمِ، أو نَوَى التَّجْدِيدَ ثم بانَ أنَّه كان مُحْدِثًا، ففيه رِوايتانِ؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ طَهارتُه؛ لأنَّه لم يَنْو رَفْعَ الحَدَثِ، ولا ما يَتَضَمَّنُه، أشْبَهَ ما لو نَوَى التَّبَرُّدَ. والثَانيةُ، تَصِحُّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طهارتُهْ، وهي أصَحُّ؛ لأنَّه نَوَى طهْارةً شَرْعِيَّةً، فيَنْبَغِي أن تَحْصُلَ له؛ للخبَرِ، ولأنَّه يُشْرَعُ له فِعْلُ هذا وهو غيرُ مُحْدِثٍ، وقد نَوَى ذلك، فيَنْبَغِي أنَّ يَحْصُلَ. ولأنَّه نَوَى شَيئًا مِن ضَرُورَتِه صِحَّةُ الطهارةِ، وهو الفضيلةُ الحاصِلَةُ لِمَن فَعَل ذلك على طهارةٍ. فإن قيلَ: يَبْطُلُ بما إذا نَوَى بطهارتِه ما لا تُشْرَعُ له الطهارةُ. قُلنا: إنْ نَوَى طهارةً شَرْعِيَّةٍ، مِثْلَ مَن قَصَد الأكْلَ، وهو على طهارةٍ شَرْعِيَّةٍ، أو قَصَد، أن لا يَزال على وُضوءٍ، فهي كَمسْألتِنا، تَصِحُّ طهارتُه. وإن قَصَد نَظافَةَ أَعْضائِه مِن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَسَخٍ أو غيرِه، لم تَصِحَّ طهارتُه؛ لأنَّه لم يَقْصِدْها وإنْ نَوَى وُضُوءًا مُطْلَقًا أو طهارةً مُطْلَقَةً، ففيه وَجْهَان، أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الوُضُوءَ والطهارةَ، عندَ الإطْلاقِ، يَنْصَرِفانِ إلى المَشْرُوعِ، فيكونُ ناويًا لطهارةٍ شَرْعِيَّةٍ. والوَجْهُ الثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قَصَد ما يُباحُ [بغيرِ الطهارةِ] (¬1)، ¬

(¬1) في م: «بدون طهارة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أشْبَهَ قَصْدَ الأكْلِ، ولأنَّ الطهارةَ تَنْقَسِمُ إلى مَشْرُوعٍ وغيرِه، فلم تَصِحَّ مع التَّرَدُّدِ، والطهارةُ المُطْلَقَةُ مِنها ما لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، كالطهارةِ مِن النَّجاسَةِ.

91 - مسألة: (وإن نوى غسلا مسنونا، فهل يجزئ عن الواجب؟ على وجهين)

وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 91 - مسألة: (وإنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا، فهل يُجْزِئُ عن الواجِبِ؟ على وَجْهَينِ) مَضَى تَوْجِيهُهُما (¬1). ¬

(¬1) في صفحة 311.

92 - مسألة: (وإن اجتمعت أحداث توجب الوضوء أو الغسل، فنوى بطهارته أحدها، فهل يرتفع سائرها؟ على وجهين)

وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَو الْغُسْلَ، فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا، فَهَلْ ترْتَفِعُ سَائِرُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 92 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَتْ أَحْداثٌ تُوجِبُ الوُضُوءَ أو الغُسْلَ، فنَوَى بِطهارتِهِ أحَدَها، فهل يَرْتَفِعُ سائِرُها؟ على وَجْهَينِ) أحدُهما، لا يَرْتَفِعُ إلَّا ما نَواه. قاله أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يَنْوه، أشْبَهَ إذا لِم يَنْو شيئًا. وقال القاضي: يَرْتَفِعُ؛ لأن الأحْداثَ تَتَداخَلُ؛ فإذا ارْتَفَع بعضُها ارْتَفَع

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جَمِيعُها، كما لو نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ. وإنْ نَوَى صلاةً واحدةً نَفْلًا أو فَرْضًا لا يُصَلِّي غيرَها، ارْتَفَع حَدَثُه، ويُصَلِّي ما شاء؛ لأنَّ الحَدَثَ إذا ارْتَفَع لم يَعُدْ إلَّا بسَبَبٍ جَدِيدٍ، ونِيَّةُ الصلاةِ تَضَمَّنَتْ رَفْعَ الحَدَثِ.

93 - مسألة: (ويجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة)

وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 93 - مسألة: (ويَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على أوَّلِ واجِباتِ الطَّهارَةِ) لأنَّها شَرْطٌ لها، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها في جميعِها، وأوَّلُ واجِباتِها، المَضْمَضَةُ أو

94 - مسألة: (واستصحاب ذكرها في جميعها، وإن استصحب حكمها أجزأه)

وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَسْنُونَاتِهَا، وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَإِنِ اسْتَصحَبَ حُكْمَهَا أجْزأهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّسْمِيَةُ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ. فإن وُجِدَ شيءٌ مِن واجِباتِ الطهارةِ قبلَ النِّيَّةِ لم يُعْتَدَّ به. فإن غَسَل الكَفَّينِ بغيرِ نِيَّةٍ فهو كمَن لم يَغْسِلْهُما. (ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُها على مَسْنُوناتِها) فيُقَدِّمُها على غَسْلِ الكَفَّين، لتَشْمَلَ مَفْرُوضَ الوُضُوءِ ومَسْنُونَه، فإن غَسَل الكَفَّينِ بغيرِ نِيَّةٍ، فهو كمَن لم يَغْسِلْهُما. 94 - مسألة: (واسْتِصْحابُ ذِكرِها في جَمِيعِها، وإنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَها أجْزأه) وجُمْلَتُه، أنَّه يُسْتَحَبُّ اسْتِصْحابُ ذِكْرِ النِّيَّةِ إلى آخِرِ طهارتِه؛ لتكونَ أَفْعالُه مُقْتَرِنَةً بالنِّيَّةِ، فإنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَها أجْزأَه. ومَعْنَى اسْتِصْحابِ حُكْمِها: أنْ لا يَنْوىَ قَطْعَها. فإنْ عَزَبَتْ عن خاطِرِه، لم يُؤثِّرْ في قَطْعِها، كالصلاةِ والصيامِ. ويَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الطهارةِ بالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، قِياسًا على الصلاةِ. فإن قَطَع النِّيَّةَ في أثْناءِ طهارتِه وفَسَخَها، مِثْل أنْ يَنْويَ أن لا يُتِمَّ طهارتَه، فقال ابنُ عَقِيل: تَبْطُلُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طهارتُه (¬1) مِن أصْلِها؛ لأنَّها تَبْطُلُ بالمُبْطِلاتِ، أشْبَهتِ الصلاةَ. وقال شَيخُنا: لا يَبْطُلُ ما مَضَى مِن طهارتِه؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا، أشْبَهَ ما لو نَوَى قَطْعَها بعدَ الفَراغِ مِنَ الوُضُوءِ، وما غَسَلَه مِن أعْضائِه بعدَ قَطْعِ النِّيَّةِ لا يُعْتَدُّ به. فإن أعادَ غَسْلَه بنِيَّةٍ أُخْرَى قبلَ طُولِ الفَصْلِ، صَحَّتْ طهارتُه. وإنْ طال الفَصْلُ، انْبَنَى على وُجُوبِ المُوالاةِ. فأمّا إنْ غَسَل بَعْضَ أعْضائِهِ بنِيَّةِ الوُضُوءِ، وبَعْضَها بنِيَّةِ التَّبَرُّدِ، ثم أعاد غَسْلَ ما نَوَى به التَّبَرُّدَ بنِيَّةِ الوُضوءِ قبلَ طُولِ الفَصْلِ، أَجزأه، وإلَّا انْبَنَى على وُجُوبِ الموالاةِ، وَجْهًا واحدًا (¬2). فإنْ فَسَخَ النِّيَّةَ بعدَ الفَراغِ منها، لم تَبْطُلْ كالصلاةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُل؛ لأنَّ الطهارةَ تَبْطُلُ بالحَدَثِ بعدَ فَراغِها، بِخلافِ الصلاةِ. ¬

(¬1) في م: «الطهارة». (¬2) المغني 1/ 159، 160.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا شَكَّ في النِّيَّةِ في أثْناءِ الطهارةِ لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كما لو شَكَّ في نِيَّةِ الصلاةِ وهو فيها؛ لأنّ النِّيَّةَ هي القَصْدُ، فمتى عَلِمَ أنَّه جاء ليَتَوَضَّأ، أو أرادَ فِعْلَ الوُضوءِ مُقارِنًا له، أو سابقًا عليه قَرِيبًا مِنه، فقد وُجِدَتِ النِّيَّةُ، ومَن شَكَّ في وُجُودِ ذلك في أثْناءِ طهارتِه، لم يَصِحَّ ما مضي منها. وهكذا إنْ شَكَّ في غَسْلِ عُضْوٍ، أو مَسْحِ رَأْسِه، حُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَأْتِ به، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه، إلَّا أنَّ يكون وَهْمًا كالوَسْواسِ، فلا يَلْتَفِتُ إليه. وإن شَكَّ في شَيءٍ مِن ذلك بعدَ فَراغِه مِن الطَّهارةِ، لم يَلْتَفِتْ إليهِ؛ لأَنه شَكَّ في العِبادَةِ بعدَ فَراغِه منها، أشْبَهَ الشَّكَّ في شَرْطِ الصلاةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُل؛ لأنَّ حُكْمَها باقٍ، بدَلِيلِ أنَّها تَبْطُلُ بمُبْطِلاتِها بخِلافِ الصلاةِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّها كانتْ مَحْكُومًا بصِحَّتِها، فلا يَزُولُ ذلك بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ في وُجُودِ الحَدَثِ. واللهُ أعلمُ.

فَصْلُ: وَصِفَةُ الْوُضُوءِ، أنْ يَنْويَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ، وَيَغْسِلَ يَدَيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإنْ وَضَّأَه غيرُه أو يَمَّمَه اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِن المُتَوَضِّئ، دُونَ المُوَضِّئ؛ لأنَّه المُخاطَبُ بالوُضوءِ، والمُوَضِّئ آلةٌ له، فهو كحامِلِ الماءِ إليه. وإن تَوَضَّأ وصَلَّى صلاةً، ثم أَحْدَث وتَوضَّأ وصَلَّى أُخْرَى، ثم عَلِمَ أنَّه تَرَك واجِبًا في أحَدِ الوُضوءَينِ، لزِمَه إعادَةُ الوُضوءِ والصلاتينِ. فصل: (وصِفَةُ الوُضُوءِ أنْ يَنْوىَ، ثم يُسَمِّيَ، ثم يَغْسِلَ يَدَيه ثَلاثًا). هذه صِفَةُ الوُضوءِ الكامِلِ، ووَجْهُه ما ذَكَرْنا. (ثم يَتَمَضْمضَ ويَسْتَنْشِقَ ثلاثًا مِنْ غَرْفَةٍ، وإنْ شاءَ مِن ثلاثٍ، وَإن شاءَ مِن سِتٍّ). المَضْمَضَةُ: إدارَةُ الماءِ في الفَمِ. والاسْتِنْشاقُ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى باطِن الأنْفِ. والاسْتِنْثارُ مسْتَحَبٌّ، وهو: إخْراجُ الماءِ مِن الأنْفِ وقد يُعَبَّرُ بالاسْتِنْثارِ عن الاسْتِنْشاقِ؛ لكَوْنِه مِن لَوازِمِه. ولا تَجِبُ إدارةُ الماءِ في جَمِيعِ الفَمِ، ولا إيصالُ الماءِ إلى جميعِ باطِنِ الأنْفِ، وإنَّما ذلك مُبالغَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وقد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذَكَرْناها. فإن جَعَلَ الماءَ في فِيه يَنْوى رَفْعَ الحَدَثِ الأصْغَرِ، ثم ذَكَرَ أنَّه جُنُبٌ، فنَوَى رَفْعَ الحَدَثَين، ارْتَفَعا؛ لأنَّ الماءَ إنَّما يَثْبُتُ له حُكْمُ الاسْتِعْمالِ بعدَ الانْفِصالِ. ولو لَبِثَ الماءُ في فِيه حتى تَغَيَّرَ بما يَتَحَلَّلُ مِن رِيقِه، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ التَّغَيُّرَ في مَحَلِّ الإزالةِ لا يَمْنَعُ، كما لو تَغَيَّرَ الماءُ على عُضْوه بعَجِينٍ عليه. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ بيَمِينِه، ثم يَسْتَنْثِرَ بيَسارِه؛ لما رُوِيَ عن عثمانَ، أنَّه تَوَضَّأ، فدَعا بماءٍ فغَسَلَ يَدَيه، ثم غَرَف بيَمِينِه، ثم رَفَعَها إلى فِيه، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ بكَفٍّ واحدةٍ، واسْتَنْثرَ بيَسارٍ، فَعَلَ ذلك ثلاثًا، ثم ذَكَرَ سائِرَ الوُضُوءِ، ثم قال: إنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ لَنا كما تَوَضَّأْت لكم. رواه سعيدٌ (¬1). وهو مُخَيَّرٌ بينَ أن ¬

(¬1) أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الحافظ، صاحب «السنن»، المتوفي سنة سبع وعشرين ومائتين. سير أعلام النبلاء 10/ 586 - 590.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ بغَرْفةٍ،، أو بثلاثٍ، أو بست؛ لما ذَكَرْنا مِن حديثِ عثمان. وقال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأل: أيُّما أحَبُّ إليك، المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ بغَرْفَةٍ واحدةٍ، أو كلُّ واحِدَةٍ منهما على حِدَةٍ؟ قال: بغَرفَةٍ واحدةٍ. وفي حديثِ عبدِ الله بِن زيدٍ: تَمَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثلاثا مِنْ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ. رَواه البُخارِيُّ (¬1). وعن عليٍّ رضي اللهُ عنه، أنَّه تَوَضَّأ فمَضْمَضَ (¬2) ثلاثًا، واسْتَنْشَقَ ثلاثًا مِن كَفّ واحدةٍ، وقال: هذا وُضُوءُ نَبِيِّكم - صلى الله عليه وسلم -. مِنَ «المُسْنَدِ» (¬3). وفي لفظٍ: أنَّه تَمَضْمَضَ (¬4) واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثلًاثًا، بثلاثِ غَرَفاتٍ. مُتَّفق عليه (¬5). وفي حديثِ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، [عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] (¬6) أنَّه فَصَل بينَ المَضْمَضَةِ ¬

(¬1) سبق تخريجه في صفحة 295. (¬2) في م: «فتمضمض». (¬3) المسند: 1/ 78، 82، 83، 110، 113، 123 - 125، 127، 135، 141، 154، 157.كما أخرجه أبو داود، في: باب في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 25، 26. والترمذي، في: باب ما جاء في وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف كان، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 64. والنسائي، في: باب بأى اليدين يستنار، وباب غسل الوجه، وباب عدد غسل الوجه، وباب غسل اليدين، وباب عدد غسل الرجلين، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 58 - 60، 68. (¬4) في م: «مضمض». (¬5) هذا من حديث عبد الله بن زيد المتقدم تخريجه صفحة 295. (¬6) سقط من: م.

95 - مسألة؛ قال: (وهما واجبان في الطهارتين. وعنه: أن

وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَينِ. وَعَنْهُ، أَنَّ الاسْتِنْشَاقَ وَحْدهُ وَاجِبٌ فِيهِمَا. وَعَنْهُ، أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى. ـــــــــــــــــــــــــــــ والاسْتِنْشاقِ. رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّ الكَيفيَّةَ في الغَسْلِ غيُر واجبةٍ. ولا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَ المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ، وبينَ الوَجْهِ؛ لأَنَّهما مِن جُمْلَتِه، لكنْ يُسْتَحَبُّ أن يَبْدأ بهما؛ لأنَّ الذين وَصَفُوا وُضوءَ النبيٍّ - صلى الله عليه وسلم -، ذَكَرُوا أَنَّه بَدأَ بهما إلَّا شيئًا نادِرًا. وهل يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَهما وبينَ سائرِ الأعْضاء؟ على رِوايَتَين؛ إِحْداهُما، يَجِبُ؛ لأنَّهما مِن الوَجْهِ، فوَجَبَ غَسْلُهما قبلَ اليَدَينِ، كسائِرِه. والثانيةُ، لا يَجِبُ، بل لو تَرَكَهما وصَلَّى، تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وأعادَ الصلاةَ، ولم يُعِدِ الوُضُوءَ؛ لما رَوَى المِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بوَضُوءٍ، فغَسَلَ كَفَّيه ثلاثًا، ثم غَسَل وَجهه ثلاثًا، ثم غَسَل ذِراعَيه ثلاثًا، ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ. رَواه أبو داودَ (¬2). قال أصحابُنا: وهل يُسَمَّيانِ فَرْضًا، إذا قُلنا بوُجُوبِهما؟ على رِوايَتَينِ. وهو مَبْنيٌّ على اخْتِلافِ الرِّوايَتَينِ في الواجِبِ، هل يُسَمَّى فَرْضًا أم لا؟ والصحيحُ: تَسْمِيَتُه فَرْضًا، فيُسَمَّيانِ فرضًا. واللهُ أعلمُ. 95 - مسألة؛ قال: (وهما واجِبانِ في الطهارَتَينِ. وعنه: أنَّ ¬

(¬1) في: باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 30. (¬2) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 27. ووضع قوله «ثم تمضمض واستنشق ثلاثا» بين معقوفين، وجاء بعد قوله: «فغسل كفيه ثلاثا». ولعله تصرف من الناشر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الاسْتِنْشاقَ وَحدَه واجبٌ. وعنه: أنَّهُما واجِبانِ في الكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى) وجُمْلَة ذلك أن المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ واجبانِ في الطَّهارَتَينِ، الغُسْلِ والوُضُوءِ جميعًا؛ لأنَّ غَسْلَ الوَجْهِ فيهما وَاجِبٌ، وهما مِن الوَجْهِ. هذا المشهورُ في المذهب، وهو قول ابن المُبارَكِ، وابن أبي لَيلَى، وإسحاقَ. ورُوِيَ عن أحمدَ أن الاسْتِنْشاقَ وَحده واجِبٌ في الطَّهارَتَينِ. ذَكَر القاضي ذلك في «المُجَرَّدِ»، رِوايةً واحِدةً. وبه قال أبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنذِرِ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَلْيَجْعَلْ في أنْفِهِ (¬1) ثُمَّ لْيَنْثُرْ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولمسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِق» (¬3). أمْرٌ، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ الأنْفَ لا يَزالُ مفتوحًا، وليس له غِطاءٌ يَسْتُرُه، بخِلاف الفَمِ. وقال غيرُ القاضي مِن أصحابِنا، عن أحمد رِوايَةً أُخْرَى: أنَّهما واجِبانِ في الكُبْرَى، دُونَ الصُّغْرَى. وهذا مذهبُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الكُبْرَى يَجِبُ فيها غَسْلُ ما تحتَ الشُّعُورِ الكَثِيفَةِ، ولا يَمْسَحُ فيها على الخُفَّينِ، فوَجَبا ¬

(¬1) في حاشية الأصل بعده «ماء». وما هنا موافق لما في صحيح البخاري، على حذف المفعول، وانظر حاشية الصحيح. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الاستجمار وترا، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 52. ومسلم، في: باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 212.كما أخرجه أبو داود، في: باب في الاستنثار، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 31. والنسائي، في: باب اتخاذ الاستنشاق، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 57. والإمام مالك، في: باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 19. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 242، 278. والذي، ورد: «ثم لْيَنْثِرْ» و «ثم لْيَنْتِثرْ» و: «ثم لْيَسْتَنثِرْ». (¬3) أخرجه مسلم، في: باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 212.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيها، بخِلافِ الصُّغْرَى. وقال مالكٌ، والشافعيٌّ: هما مَسْنُونانِ في الطَّهارَتَينَ. ورُوِيَ ذلك عن الحسن، في الحَكَمِ (¬1)، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ، والأوْزاعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرةِ». وذَكَرَ مِنها المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ (¬2). والفِطْرةُ: السُّنَّةُ. وذِكْرُه لَهُما مِنَ الفطرة يَدُلُّ على مُخالفَتِهما لسائِرِ (¬3) الوُضُوءِ. ولأنَّهما عُضْوانِ باطِنانِ، فلم يَجِبْ غَسْلُهما، كباطِنِ اللِّحَيِة وداخِلِ العَينَينِ. ولأنَّ الوَجْهَ ما تَحصُلُ به المُواجَهةُ، ولا تَحْصُلُ المُواجهَةُ بِهِما. ولَنا، ما رَوَتْ عائِشةُ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ مِنَ الوُضُوء الَّذِى لَابُدَّ مِنْهُ». رَواه أبو بكرٍ فِي «الشّافِي». وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: أَمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ. وفي حديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرة (¬4): «إذَا تَوَضَّأَتَ فَتَمَضْمَضْ». رَواه أبو داود (¬5)، وأخْرَجَهما الدَّارَقُطْنِي (¬6). ولأنَّ كل مَن وَصَف وُضوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَقْصًى، ذَكَر أنَّه تَمَضْمَض ¬

(¬1) أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي الفقيه، صاحب أبي حنيفة، المتوفي سنة تسع وتسعين ومائة. الجواهر المضية 4/ 87. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 253. (¬3) في حاشية الأصل بعد هذا: «أعضاء». (¬4) لقِيط بن صَبِرة بن عبد الله بن المُنْتَفِق العامري، أبو عاصم، عداده في أهل الحجاز روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، روى عنه، ابنه عاصم. أسد الغابة 4/ 522، 523، الإصابة 5/ 685. (¬5) في: باب في الاستنثار، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 32. وفيه: «فمضمض». (¬6) في م: «وأخرجه». وهو. يعني حديث عائشة الذي رواه أبو بكر في «الشافي»، وحديث أبي هريرة، والأول أخرجه الدارقطني، في: باب ما روى في الحث على المضمضة والاستنشاق والبداءة بهما أول الوضوء، من كتاب الطهارة. والثاني أخرجه الدارقطني في: باب ما روى في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 84، 116.

96 - مسألة؛ قال: (ويغسل وجهه ثلاثا

ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللّحْيَينِ وَالذَّقَنِ طُولًا، مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الأذُنِ عَرْضًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ واسْتَنْشَقَ، ومُداوَمَتُه عليهما تَدُلُّ على وُجوبِهما؛ لأنَّ فِعْلَه يَصْلُحُ أن يكونَ بَيانًا لأمْرِ الله تِعالى. ولأنَّهما عُضْوان مِن الوَجْهِ في حُكْمِ الظّاهِرِ، لا يَشُقُّ غَسْلُهما فوَجَبَ؛ لقَوْلِه تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (¬1). والدليلُ. على أنَّهما في حُكْمِ الظّاهِرِ، أنَّ الصّائِمَ لا يُفْطِرُ بوَضْعِ الطعامِ فيهما، ويُفْطِرُ بوُصُولِ القَيْء إليهما، ولا يَجِبُ الحَدُّ بتَرْكِ الخَمْرِ فيهما، ويَجِبُ غَسْلُ النَّجاسَةِ فيهما. فأمّا كَوْنُهما مِن الفِطْرَةِ فلا يَنْفِي وُجُوبَهما؛ لأنَّه ذَكَر الخِتانَ في الفِطْرَةِ وهو واجِبٌ. فأمّا غَسْلُ داخِلِ العَينَين، فلنا فيه مَنْعٌ، وباطِنُ اللِّحْيَةِ يَشُقُّ غَسْلُه؛ فلذلك لم يَجِبْ في الوُضُوءِ، ويَجِبُ في الطهارةِ الكُبْرَى. والله أعلمُ. 96 - مسألة؛ قال: (ويَغْسِلُ وَجْهَه ثَلَاثًا (¬2)، مِن مَنابِتِ شَعَرِ الرَّأَسِ إلى ما انْحَدَرَ مِن اللَّحْيَينِ والذَّقَنِ طُولًا، مع ما اسْتَرْسَلَ مِن اللّحْيَةِ ومِنْ الأذُنِ إلى الأذُنِ عَرْضًا) غَسْلُ الوَجْهِ ثلاثًا مُسْتَحَبٌّ؛ لِما ¬

(¬1) سورة المائده: 6. (¬2) بعد هذا في زيادة: «وحَدُّه». وليست في «المقنع».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذَكرنا مِن حديثِ عليٍّ (¬1) وغيرِه، وغَسْلُه مَرَّةً واجِبٌ بالنَّصِّ والإجماعِ، وقد ذَكرْناه. وقولُه في حَدِّه: مِنْ مَنابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ. يَعْنَى في غالِبَ النّاسِ، ولا اعْتِبارَ بالأصْلَعِ الذي يَنْحَسِرُ شَعَرُه عن مُقدَّمِ رَأَسِه، ولا بالأفْرعِ (¬2) الذي يَنْزِلُ شَعَرُه إلى وَجْههِ، بل بغالِبِ الناسِ، فالأصْلَعُ يَغْسِلُ إلى حَدِّ مَنابِتِ الشَّعَرِ فِي غالِبِ النّاسِ، والأفْرَعُ (¬3) يَغْسِلُ الشَّعَرَ الذيِ يَنْزِلُ عن حَدِّ (¬4) الوَجْهِ فِي الغالِبِ. وقال الزُّهْرِيُّ: الأُذُنُ مِن الوَجْهِ؛ لقَولِه - صلى الله عليه وسلم -: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرهُ». رَواه مسلمٌ (¬5). أضافَ السَّمْعَ إلى الوَجْهِ،، كما أضافَ البَصَرَ. وقال مالكٍ: ما بينَ اللِّحْيَةِ [إلى الأُذُنِ] (¬6) ليس مِن الوَجْهِ، ولا يَجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ الوَجْهَ ما تحْصُلُ به المُواجَهَةُ، وهذا لا يُواجَهُ به. ¬

(¬1) سبق تخريجه في صفحة 290. (¬2) في م: «بالأقرع». (¬3) في م: «والأقرع». (¬4) سقط من: «م». (¬5) في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب المسافرين وقصرها. صحيح مسلم 1/ 535.كما أخرجه الترمذي، في: باب ما يقول في سجود القرآن من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذي 3/ 60. والنسائيُّ، في: باب نوع آخر من الدعاء في السجود، من التطبيق. المجتبى 2/ 175، 176. وابن ماجه، في: باب سجود القرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 335. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 30، 31، 217. (¬6) في م: «والأذن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال ابنُ عبدِ الْبَرِّ: لا أعْلَمُ أحدًا مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ قال بقَوْلِ مالكٍ هذا. ولَنا على الزُّهْرِيِّ، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأذُنَانِ مِنَ الرَّأَسِ». رَواه ابنُ ماجه (¬1). ولم يحْكِ أحَدٌ أنَّه غَسَلَهما مع الوَجْهِ، وإنَّما أضافَهُما إلى الوَجْهِ للمُجاوَرَةِ. وعلى مالكٍ، أنَّ هذا مِن الوَجْهِ في حَقِّ مَن لا لِحْيَةَ له، فكذلك مَن له لِحْيَةٌ كسائِرِ الوَجْهِ. وهذا تَحْصُلُ به المُواجَهَةُ مِن الغُلامِ. ويُسْتْحَبُّ تَّعاهُدُ المَفْصِلِ بالغَسْلِ؛ وهو ما بينَ اللِّحْيَةِ والأذُنِ. نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ. ويَدْخُلُ فِي الوَجْهِ العِذارُ، وهو الشَّعَرُ الذيِ على العَظْمِ النّاتِئ، سَمْتَ صِماخِ الأذُنِ. والعارِضُ الذي تحتَ العِذارِ، وهو الشَّعَرُ النّابتُ على الخَدِّ واللَّحْيَين. قال الأصمَعِيُّ: ما جاوَرَ وَتِدَ الُأذُنِ عارِضٌ، والذَّقَنُ: الشَّعَرُ الذي على مَجْمَعِ اللَّحْيَين. فهذه الشُّعُورُ الثلاثةُ مِن الوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُها معه. وكذلك الحاجِبان، وأهْدابُ العَينَين، ¬

(¬1) في: باب الأذنان من الرأس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 152.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والشّارِبُ، والعَنْفَقَةُ. فأمّا الصُّدْغُ، وهو الذي فوقَ العِذارِ، وهو يُحاذِي رَأْسَ الُأذُنِ، ويَنْزِلُ عن رَأْسِها قليلًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هو مِن الوَجْهِ. اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ؛ لحُصُولِ المُواجَهَةِ به واتِّصالِه بالعِذارِ. والثاني، أنَّه مِن الرَّأْسِ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ في حديثِ الرُّبَيِّعِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح برَأسِه، وصُدْغَيه، وأُذُنَيه، مَرَّةً واحدةً. رَواه أبو داودَ (¬1). ولم يَنْقُلْ أحدٌ أنَّه غَسَلَه مع الوَجْهِ. ولأنَّه شَعَرٌ يَتَّصِلُ بشَعَرِ الرَّأُس، ويَنْبُتُ معه في حَقِّ الصَّغِيرِ، بخِلافِ العِذارِ. فأمّا التَّحْذِيف، وهو الشَّعَرُ الدّاخِلُ في الوَجْهِ ما بينَ انْتِهاءِ العِذارِ والنزعَةِ، فقال ابنُ حامدٍ: هو مِن الوَجْهِ؛ لأنَّه شَعَرٌ بينَ بَياضِ الوَجْهِ، أشْبَه العِذارَ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنَّه مِن الرَّأْسِ؛ لأنَّه شَعَرٌ مُتَّصِلٌ به، لم يَخْرُجْ عن حَدِّه، أشْبَهَ الصُّدْغَ. قال شيخُنا: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنّ مَحَلَّه لوْ لم يَكُنْ عليه شَعَرٌ، كان مِن الوَجْهِ، فكذلك إذا كان عليه شَعَرٌ، كسائِرِ الوَجْهِ (¬2). وأمّا النَّزعَتان؛ وهما ما انْحَسَرَ عنه الشَّعَرُ مِن الرّأْسِ مُتَصاعِدًا في جانِبَي الرَّأْسِ، فقال ابنُ عَقِيل: هما مِن الوَجْهِ؛ لقولِ الشّاعرِ (¬3): فلا تَنْكِحي إن فَرَّقَ الله بَينَنا … أغَمَّ القَفا والوَجْهٍ ليس بأنْزَعا ¬

(¬1) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 28. (¬2) انظر: المغني 1/ 163. (¬3) هو هُدْبَة بن خُشْرُم بن كُرز، شاعر فصيح متقدم من بادية الحجاز، يروى للحطيئة، قتل قصاصا، والبيت من قطعة له قبل قتله يخاطب امرأته، وكانت جميلة. انظر خبره في: الأغاني 21/ 264، وما بعدها، وخزانة الأدب 9/ 334، وعيون الأخبار 4/ 15.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضِي، وشيخُنا: هما مِن الرأْسِ (¬1). وهو الصحيحُ، لأنَّه لا تحْصُلُ بهما المُواجَهَةُ، ولدُخولِهما في حَدِّ الرأْس، لِأنّه ما تَرَأَسِ وعَلا. وذكر ابنُ عَقِيلٍ في الشَّعَرِ المُسامِتِ للنَّزَعتَين هل هو مِن الوَجْهِ أم لا؟ على وَجْهَين. ويَجِبُ غَسْلُ ما اسْتَرْسَل مِن اللِّحيَةِ، في ظاهِر ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 163.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المذهبِ. وكذلك ما خَرَج عن حَدِّ الوَجْهِ عَرْضًا. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّها مِن الوَجْهِ، بدليلِ ما رُوِيَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا قد غَطَّى لِحْيَتَه في الصلاةِ، فقال: «اكْشِفْ لِحْيَتَكَ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ» (¬1). ولأَنّه نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه اليَدَ الزّائِدَةَ، ولأنَّها تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، أَشْبَهَتْ سائِرَ الوَجْهِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَجِبُ غَسْلُ ما نَزَل مِنها عَنْ حَدِّ الوَجْهِ طُولًا، ولا ما خَرَج عَرْضًا؛ لأنه شَعَرٌ خارِجٌ عن مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه ما نَزَل مِن شَعَرِ الرّأْسِ. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه لا يَجِبُ غَسْلُ اللّحْيَةِ الكَثِيفَةِ، وما تحتَها مِن بَشَرَةِ الوَجْهِ؛ لأنَّ الوَجْه اسْمٌ للبَشَرَةِ التي تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، ¬

(¬1) حديث ضعيف، وله إسناد مظلم. انظر تلخيص الحبير لابن حجر 1/ 68.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولم يُوجد ذلك في واحدةٍ مِنْهما. وقال الخَلّالُ: الذي ثَبَت عن أبي عبدِ اللهِ في اللِّحْيَةِ، أنَّه لا يَغْسِلُها، وليستْ مِن الوَجْهِ. وظاهِرُ هذا كمذهبِ أبي حنيفةَ، فيما ذُكِرَ عنه آخِرًا، والمشهورُ عن أبي حنيفةَ وُجوبُ غَسْلِ رُبْع اللِّحْيَةِ، كقَوْلِه فِي مَسْحِ الرَّأْسِ. والقولُ الأوَّلُ هو المشهورُ في المذهبِ. وما رُوِيَ عن أحمدَ، يحْتَمِلُ أنَّه أرادَ ما خَرَج عن الوَجْهِ منها، كما ذَكَرْنا عن الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، فعلى هذا يَصِيرُ فيه رِوايَتان. ويحْتَمِلُ أنَّه أرادَ غَسْلَ باطِنِها، فيَكُونُ مُوافِقًا للقولِ الأوَّلِ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ. وقِياسُهم على النّازلِ مِن شَعَرِ الرَّأسِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَدخُلُ. في اسْمِ الرّأْس، وهذا يَدْخُلُ في اسمِ الوَجْهِ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، [ولحُصولِ المُواجَهَةِ به. واللهُ أعلمُ] (¬1). ¬

(¬1) سقط من: «م».

97 - مسألة: (فإن كان فيه شعر خفيف يصف البشرة، وجب غسلها معه. وإن كان يسترها، أجزأه غسل ظاهره. ويستحب تخليله)

فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرةَ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ. وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 97 - مسألة: (فإن كان فيه شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُها معه. وإن كان يَسْتُرُها، أَجزأَه غَسْلُ ظاهِرِه. ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه) أمّا إذا كانت الشُّعُورُ التي (¬1) في الوَجْهِ تَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَب غَسْلُ البَشَرَةِ والشَّعَرِ؛ لأنَّ البَشَرَةَ ظاهِرَةٌ تَحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، فوَجَبَ غَسْلُها كالتي لا شَعَرَ عليها، ويَجِبُ غَسْلُ الشَّعَرِ؛ لأنَّه نابِتٌ في مَحَلَ الفَرْضِ، تَبَعٌ له. وإن كان كثِيفًا يَسْتُرُ البَشَرَةَ، أجْزأَه غَسْلُ ظاهِرِه، ¬

(¬1) سقطت من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لحُصولِ المُواجَهةِ به، ولم يَجِبْ غَسْلُ ما تحتَه؛ لأنَّه مَسْتور، أَشْبَه باطِنَ الأنْفِ. ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه، وقد ذَكَرْنا ذلك في سُنَّةِ الوُضُوء، ولا يَجِبُ التَّخْلِيلُ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ، وهو مذهبُ أكْثَرِ أَهلِ العلمِ؛ لأنّ الله تعالى أَمر بالغَسْلِ ولم يَذْكُرِ التَّخْلِيلَ. ولأنَّ أَكثرَ مَن حَكَى وُضُوءَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَحْكِه، ولو كان واجبًا لَما أخَلَّ به، ولو فَعَلَه لنَقَلَه الذين نَقَلُوا وُضوءَه أو أكْثَرُهم. وتركُه لذلك يَدُلُّ على أنَّ غَسْلَ ما تحتَ الشَّعَرِ الكَثِيفِ ليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان كَثِيفَ اللِّحْيَةِ، فلا يَبْلُغُ الماءُ إلى ما تحتَ شَعَرِها إلا بالتَّخْلِيلِ، وفعْلُه للتَّخْلِيلِ في بعض أَحْيانِه يَدُلُّ على اسْتِحبابِه. وقال إسحاقُ: إذا تَرَك تَخلِيلَ لِحْيَتِه عامِدًا، أعادَ الوُضوءَ؛ لِما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تَوَضَّأ أَخذ كَفَّا مِن ماء، فأدْخَلَه تحتَ حَنَكِه، وخَلَّلَ به لِحْيَتَه، وقال: «هكَذَا أَمرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ». رَواه أبو داودَ (¬1). ولِما ذَكرْنا مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ. وقال عَطاءٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَجِبُ غَسْلُ ما تحتَ الشُّعورِ الكَثِيفَةِ في الوُضوءِ، قِياسًا على الجَنابَةِ. ونَحوه قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ. وقولُ الجمهورِ أوْلَى. والفَرْقُ بينَ الوُضوءِ والغُسْلِ، أنَّ غَسْلَ باطِنِ الشَّعَرِ الكَثِيفِ، يَشُقُّ في الوُضُوءِ؛ لتَكَرُّرِه، بخِلافِ الغُسْلِ. فإن كان بعضُ الشَّعَرِ كَثِيفًا، وبَعْضُه خَفِيفًا، وَجَب غَسْلُ بَشَرَةِ الخَفِيفِ معه، وظاهِرِ الكَثِيفِ. وجميعُ شُعُورِ الوَجْه ¬

(¬1) في: باب تخليل اللحية، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 32.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في ذلك سَواءٌ، وذَكَر بعضُ أصحابِنا في الشّارِبِ، والعَنْفَقَةِ، والحاجِبَين، وأهْدابِ العَينَين، ولِحْيَةِ المرأةِ إذا كانت كَثِيفَةً، وَجْهَين؛ أحدُهما، يَجِبُ غَسْلُ باطِنِها؛ لأنها لا تَسْتُرُ عادَةً، وإن وُجِدَ ذلك فهو نادِرٌ، يَنْبَغِي أن لا يَتَعَلَّقَ به حُكْمٌ، وهو مذهبُ الشافعيِّ. والثاني، لا يَجِبُ، قِياسًا على لِحْيَةِ الرجلِ، ودَعْوَى النُّدْرَةِ في غيرِ الأهْداب مَمْنُوعٌ. واللهُ أعلمُ. فصل: ولا يَجبُ غَسْلُ داخِلِ العَينَين، لا يُسَتَحَبُّ في وُضُوءٍ، ولا غُسْل؛ لأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه. ولا أَمَر به، وفيه ضَرَرٌ. وذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ» في وُجُوبِه، رِوايَتَين عن بعضِ الأصحابِ. قال ابنُ عَقِيل: إنَّما الرِّوايتان في وُجُوبِه في الغُسْلِ؛ فأمَّا في الوُضوءِ فلا يَجِبُ، رِوايَةً واحدة، وذَكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ على اسْتحْبابِه في الغُسْلِ؛ لأنَّه يَعُمُّ جميعَ البَدَنِ، ويجبُ فيه غَسْلُ ما تحتَ الشُّعُورِ الكثِيفَةِ. وذَكَره القاضي وأبو الخَطّاب مِن سُنَنِ الوُضوءِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه عَمِيَ مِن كَثْرَةِ إدخالِ الماءِ في عَينَيه. ولأنَّهما مِن جُمْلَةِ الوَجْهِ. والأوَّلُ أوْلَى، وهو اختيارُ شيخِنا (¬1)، وما ذُكِرَ عن ابنِ عُمَرَ فهو دَلِيلٌ على كراهتِه؛ لكَوْنِه ذَهَب ببَصَرِه، وفَعَل ما يُخافُ مِنه ذَهابُ البَصَر، إذ لم يَردْ به الشَّرْعُ ولم يَكُنْ مُحَرَّمًا، فلا أقَلَّ مِن الكَراهَةِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 152.

98 - مسألة: (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ويدخل المرفقين في الغسل)

ثُمَّ يَغسِلُ يَدَيهِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ ثَلَاثًا، وَيدْخِلُ الْمرْفَقَينِ فِي الْغَسْلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّكْثِيرُ في ماءِ الوَجْهِ؛ لأنَّ فيه غُضُونًا وشُعُورًا ودَواخِلَ وخَوارِاجَ، ليَصِلَ الماءُ إلى جَمِيعِه، وقد روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، في صِفَةِ وُضُوءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ثم أدْخَلَ يَدَيه في الإِناءِ جَمِيعًا، فأخَذَ بهما حَفْنَةً مِن ماءٍ، فضَرَبَ بهما على وَجْهِه، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ مثلَ ذلك، ثم أَخَذ بكَفِّه اليُمْنَى قَبْضَةً مِن ماءٍ، فتَركَها تَسْتَنُّ (¬1) على وَجْهِه. رَواه أبو داودَ (¬2). يعني: تَسِيلُ وتَنْصَبُّ. قال محمدُ بنُ الحَكَمِ: كَرِه أبو عبدِ اللهِ أن يأُخُذَ الماءَ، ثم يَصُبَّه، ثم يَغْسِلَ وجهه، وقال: هذا مَسْحٌ، ولَكِنَّه يَغْسِلُ غَسْلًا. واللهُ أعلمُ. 98 - مسألة: (ثم يَغْسِلُ يَدَيه إلى المِرْفَقَين ثلاثًا، ويُدْخِلُ المرْفَقَين في الغَسْلِ) غَسْلُ اليَدَينِ واجِبٌ بالإِجماعِ؛ لقولِ الله تِعالى: {وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (¬3). ويَجِبُ إدخالُ المِرْفَقَين في الغَسْلِ، في قَوْلِ أكثر ¬

(¬1) في الأصل: «تسيل». (¬2) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 26. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 82، 83. والبيهقي، في: باب التكرار في غسل الوجه، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 3/ 53، 54. (¬3) سورة المائدة 6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَهْلِ العلمِ، مِنهم عَطاءٌ، ومالكٌ (¬1)، والشافعيّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ. وقال ابنُ داودَ (¬2) وبَعْضُ المالِكِيَّةِ: لا يَجِبُ. وحُكِيَ ذلك عن زُفَرَ؛ لأنَّ الله تعالى أَمرَ بالغَسْلِ إلى [المَرافِقِ، وجَعَلَها] (¬3) غايَةً بحرفِ {إِلَى}، وهو لانْتِهاءِ الغاية، فلا يدخُلُ المَذْكورُ بعدَه فيه، كقولِ الله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ} (¬4). ولَنا، ما روَى جابرٌ قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا تَوَضَّأ أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيه. أخرجَه الدّارَقُطْنِيُّ (¬5). وهذا بَيان للغَسْلِ المَأمُورِ به في الآية. وقولُهما: إنَّ {إِلَى} لانْتِهاء الغاية. قُلنا: قد تُسْتعمَلُ بمَعْنَى «مع». كقولِه تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (¬6)، {يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} (¬7) {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} (¬8). أي: مع أموالِكم. وقال ¬

(¬1) سقط من: م. وانظر: المغني 1/ 172. (¬2) أبو بكر محمد بن داود بن علي الظاهري، الفقيه، أحد أذكياء العالم، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائتين. طبقات الفقهاء، للشيرازي 175، 176، العبر 2/ 108. (¬3) في الأصل: «المرفقين وجعلهما». (¬4) سورة البقرة 187. (¬5) في: باب وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 83. (¬6) سورة الصف 14. (¬7) سورة هود 52. (¬8) سورة النساء 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المُبَرِّدُ (¬1): إذا كان الحَدُّ مِن جِنْسِ المَحْدُودِ دَخَل فيه، كقوْلِهم: بِعْتُ الثَّوْبَ مِن هذا الطَّرَفِ إلى هذا الطَّرَفِ. فصل: ويَجِبُ غَسْلُ أظْفارِه وإن طالتْ، والإِصْبَعِ، واليَدِ الزّائِدَةِ، والسِّلْعَةِ (¬2)، لأنَّ ذلِك مِن يَدِه، كالثُّؤْلُولِ (¬3). وإن كانت نابِتَةً في غيرِ مَحَلِّ الفرْضِ، كالعَضُدِ، لم يَجِبْ غَسْلُها، طويلةً كانت أو قصيرةً، لأنَّها في غيرِ مَحَلِّ الفرْضِ، فهي كالقَصِيرَةِ. وهذا قولُ ابنِ حامدٍ وابنِ عَقِيلٍ، وقال القاضي: يَجِبُ غَسْلُ ما حاذَى مَحَلَّ الفرضِ منهما. والصحيحُ الأوَّلُ. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ في ذلك، نَحْوَ ما ذَكَرْنا. وإن كانتا مُتَساويَتَينِ، ولم تُعْلَمِ الأصْلِيَّةُ منهما، غَسَلَهما جَمِيعًا، ليَخْرُجَ عن العُهْدَةِ بيَقِينٍ، كما لو تَنَجَّسَتْ إِحْدَى يَدَيه غيرَ مُعَيَنةٍ. وإن انْقَلَعَتْ (¬4) جِلْدَةٌ مِن الذِّراعِ، فتَدَلَّتْ مِن العَضُدِ، لم يجبْ غَسْلُها؛ ¬

(¬1) أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر العالم الشهير بالنحو واللغة والأدب، صاحب «المقتضب»، و «الكامل»، المتوفى سنة ست وثمانين ومائتين. تاريخ العلماء النحويين 53 - 65. (¬2) السلعة: خراج كهيئة الغدة، تتحرك بالتحريك. (¬3) الثؤلول: حَلَمَة الثدى، وبَثْر صغير صلب مستدير. (¬4) في م: «تعلقت».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّها صارتْ في غيرِ مَحَل الفَرْضِ. وإن كانت بالعَكْسِ وَجَب غسلُها؛ لأنَّها صارَتْ في مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَهَتِ الإِصْبَعَ الزّائِدةَ. وإن انْقَلَعَتْ مِن أحَدِ المَحَلَّينِ، فالْتَحَم رأسُها في الآخَر، وبَقِيَ وَسَطُها مُتَجافِيًا، وَجَب غَسْلُ ما حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ مِن ظاهِرِها وباطِنِها، وما تحتَها. فصل: إذا كان تحتَ أظفارِه وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فقال ابنُ عَقِيلِ: لا تَصِحُّ طهارتُه حتى يُزِيلَه؛ كما لو كان على يَدِه شَمْعٌ. قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ ذلك، لأنَّ هذا يَسْتَتِرُ عادَةً، فلو كان غَسْلُه واجِبًا لبَيَّنه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تأْخِيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وقد عاب النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عليهم كَوْنَهُم يدْخُلُون عليه قُلْحًا (¬1)، ورُفْغُ (¬2) أحدِهِم بينَ أُنْمُلَتِه وظُفْرِه (¬3). يعني أنَّ وَسَخَ أَرْفاغِهِم تحتَ أَظْفارِهِم، يَصِلُ إليه رائِحَةُ نَتْنِها، ولم يَعِبْ بُطْلانَ طهارَتِهِم، ولو كان مُبْطِلًا للطهارةِ، لكان ذلك أهَمَّ مِن نَتْنِ الرِّيحِ (¬4). ¬

(¬1) القلح، بالتحريك: صفرة تعلو الأسنان، ووسخ يركبها. والرجل أقلح، والجمع قُلْح. النهاية 4/ 99. (¬2) أراد بالرفغ هنا: وسخ الظفر. وأصل الرفغ بالضم والفتح: واحد الأرفاغ، وهي أصول المغابن كالآباط والحوالب، وغيرها من مطاوى الأعضاء وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. النهاية 2/ 244. (¬3) قال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار باختصار، ورجال البزار ثقات، وكذلك رجال الطبراني إن شاء الله. مجمع الزوائد 5/ 168. (¬4) المغني 1/ 174.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن كان يَتَوَضَّأ مِن ماءٍ يَسِيرٍ يَغْتَرِفُ منه، فاغتَرَف (¬1) مِنه بيَدَيه عندَ غَسْلِ يَدَيه، لم يُؤثِّرْ ذلك في الماءِ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَصِيرُ الماءُ مُسْتَعْمَلًا بغَرْفِه منه؛ لأنَّه مَوْضِعُ غَسْلِ اليَدِ، وهو ناوٍ للوُضُوءِ ولغَسْلِها، أَشْبَهَ ما لو غَمَسَها في الماء يَنْوى غَسْلَها فيه. ولَنا، أنَّ في حديثِ عثمانَ: ثم غَرَف بيَده اليُمْنَى على ذِراعِه اليُمْنَى، فغَسَلَها إِلى المِرْفَقَين ثلاثًا، ثم غَرَفَ بيَمِينه، فغَسَلَ يَده اليُسْرَى. رواه سعيدٌ (¬2). وفي حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ: ثم أدْخَلَ يَدَه في الإناءِ، فغَسَلَ يَدَيه إلى المِرْفَقَين ¬

(¬1) في م: «فغرف». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 296.

99 - مسألة: (ثم يمسح رأسه)

ثم يمسح رأْسَه، ـــــــــــــــــــــــــــــ مَرَّتَين. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولو كان هذا يُفْسِدُ الوُضُوءَ، لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحَقَّ بمَعْرِفَتِه، ولبَيَّنّه لكَوْنِ الحاجَةِ ماسَّةً إليه، إذْ كان لا يُعْرَفُ بدُونِ البَيانِ، ولا يَتَوَقّاه إلَّا مُتَحَذْلِقٌ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ المُغْتَرِفَ لم يَقْصِدْ بغَرفِه إلَّا الاغْتِرافَ دُونَ الغَسْلِ، فأشْبَه مَن يَغُوصُ في البِئْرِ لترقِيَةِ الدّلْو، وهو جُنُبٌ لا يَنوى الغُسْلَ، ونِيَّةُ الاغْتِرافِ صَرَفَتْ نِيَّةَ الطهارةِ. والله أعلمُ. 99 - مسألة: (ثم يَمْسَحُ رأْسَه) ومَسْحُ الرَّأْس فَرْضٌ بالإجماعِ؛ لقولِ الله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (¬2). وهو ما يَنْبُتُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 295. (¬2) سورة المائدة 6.

100 - مسألة: (فيبدأ بيديه من [مقدم رأسه]

فَيَبْدَأُ بِيَدَيهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقدَّمِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه الشَّعَرُ في حَقِّ الصَّبِيِّ، ويَنْبَغِي أن يُعْتَبَرَ غالِبُ الناس، فلا يُعْتَبَرُ الأفْرَعُ (¬1)، ولا الأجْلَحُ، كما قُلنا في حَدِّ الوَجْهِ. والنزَّعتان مِن الرأْس، وكذلك الصُّدْغان، وقد ذَكَرْنا ذلك في الوَجْهِ. 100 - مسألة: (فيَبْدأْ بيَدَيه مِن [مُقَدَّم رأْسِه] (¬2)، ثم يُمِرُّهُما إلى قَفاه، ثم يَرُدُّهما إلى مُقَدَّمه) وجُمْلَتُه أنَّ المُسْتَحَبَّ في مَسْحِ الرَّأْس أن ¬

(¬1) في م: «الأقرع». (¬2) في م: «مقدمة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَبُلَّ يَدَيه، ثم يَضَعَ طَرَفَ إحدَى سَبَّابَتَيه على طَرَفِ الأخْرَى، ويَضَعَهما على مُقَدَّمِ رَأْسِه، ويَضَعَ الإِبهامَين على الصُّدْغَين، ثم يُمِرَّ يَدَيه إلى قَفاه، ثم يَرُدَّهُما إلى المَوْضِع الذي بَدَأ منه؛ لِما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ في وَصْفِ وُضُوءِ النبِي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فمَسَحَ رأْسَه بيَدَيه، فأقْبَلَ بِهِما وأدْبَرَ. وفي لفظٍ: بَدَأ بمُقَدَّمِ رَأْسِه حتى ذَهبَ بِهِما إلى قَفاه، ثم رَدَّهُما إلى المَكان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الذي بَدَأ منه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). فإن كان ذا شَعَرٍ يَخافُ أن يَنْتَفِش بِرَدِّ يَدَيه، لم يَرُدَّهُما. نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ؛ لَأنَّه قد رُوِيَ عن الرُّبِّيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ عندَها، فمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّه، مِن فرْقِ الشَّعَرِ، كُلَّ ناحِيةٍ لمَصَبِّ الشَّعَرِ، لا يُحَرِّكُ الشَّعَرَ عن هيئَتِه. رَواه أبو داود (¬2). وسُئِل أحمدُ: كيف تَمْسَحُ المرأة؟ فقال: هكذا. ووَضَع يَده على وَسَطِ رَأَسِه، ثم جَرَّها إلى مُقَدَّمِه، ثم رَفَعَها فوَضَعَها حيث منه بَدَأ، ثم جَرَّها إلى مُؤخَّرِه. وكيفَ مَسَح بعدَ اسْتِيعابِ قَدْرِ الواجبِ أَجْزَأه، ولا يَحْتاجُ إلى ماء جَدِيدٍ في رَدِّ يَدَيه على رَأْسِه. قال القاضي: وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَأْخُذُ للرَّدَّة ماءً جديدًا، وليس بصَحِيحٍ. قاله القاضي. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 295. (¬2) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 28.

101 - مسألة: (ويجب مسح جميعه مع الأذنين، وعنه: يجزئ مسح أكثره)

وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ مَعَ الْأُذُنَينِ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 101 - مسألة: (ويَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِه مع الأذُنَين، وعنه: يُجْزئُ مَسْحُ أكْثَرِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَن أحمدَ في قَدْرِ الواجِبِ؛ فرُوِيَ عنه أنَّه يجبُ (¬1) مَسْحُ جَمِيعِه في حَقِّ كلِّ أحَدٍ. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لقَوْلِه تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (2). الباءُ للإلْصاقِ، فكأنَّه قال: وامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ. وصار كقَوْلِه سبحانه في التَّيَمُّمِ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ} (¬2). قال ابنُ بَرْهَانٍ (¬3): مَن زَعَمَ أنَّ الباءَ للتَّبعِيضِ، فقد جاءَ أهلَ اللُّغَةِ بما لا يَعْرِفُونَه (¬4). ولأنَّ الذين وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرُوا أنَّه مَسَح رَأسَه كلَّه، وقد ذَكَرْنا حديثَ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، وحديثَ الرُّبَيِّع، وهذا ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) سورة المائدة 60. (¬3) أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان العكبرى النحوي اللغوي، المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة. إنباه الرواة 2/ 213 - 215. (¬4) انظر: البحر المحيط 3/ 436، وإملاء ما مَنَّ به الرحمن 1/ 208.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يصْلُحَ أن يكون بيانًا للمَسْحِ المَأْمُورِ به. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِه. نَقَلَها عنه أبو الحارِثِ. ونُقِلَ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنّه كان يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رأْسِه (¬1)، وابنُ عُمَرَ مَسَح اليافُوخَ (¬2). ومِمَّن قال بمَسْحِ البَعْضِ الحسنُ، والثَّوْريُّ، والأوْزاعيُّ، والشافيُّ، وأصحابُ الرّأْيِ، وابنُ المُنْذِرِ. قال شيخُنا: إلَّا أنَّ الظّاهِرَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في الرجلِ وُجُوبُ الاسْتِيعابِ، وأنَّ المرأةَ يُجْزِئُها مَسْحُ مُقدَّمِ رَأْسِها (¬3). قال الخَلّالُ: العَمَلُ في مذهبِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّها إن مَسَحَتْ مُقدَّمَ رأسِها أَجْزَأها؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، كانت تمْسَحُ مُقَدَّم ¬

(¬1) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب في مسح الرأس كيف هو، من كتاب الطهارات. المصنف 1/ 16. (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب في مسح الرأس كم هو مرة، من كتاب الطهارات. المصنف 1/ 15. وعبد الرزاق، في: باب المسح بالأذنين، من كتاب الطهارة. المصنف 1/ 12، 13. (¬3) المغني 1/ 175، 176.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَأْسِها (¬1). واحْتَجَّ مَن أجازَ مَسْحَ البعضِ، بما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ فمَسَحَ بناصِيَتِه وعلى العِمامَةِ والخُفَّين. رَواه مسلمٌ (¬2). وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ وعليه عِمامَةٌ قِطريَّةٌ، فأدْخَلَ يَدَه مِن تحتِ العِمامَةِ، فمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِه، ولم ينْقُضِ العِمامَةَ. رَواه أبو داودَ (¬3). واحْتجُّوا بأنَّ مَن مَسَح بعضَ الرأسِ، يُقالُ: مَسَح برَأْسِه. كما يقال: مَسَح برأْسِ اليَتِيمِ. وإذا قُلنا بجَوازِ مَسْحِ البعضِ، فأيَّ مَوْضِعٍ مَسَح أجْزَأه، إلَّا أنَّه لا يُجْزئُ مَسْحُ الأُذُنَين عن الرَّأْسِ، لأنَّهما تَبَعٌ، ولا يُجزئُ مَسْحُهما عن الأصلِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يحْتَمِلُ أن لا يُجزِئَ إلَّا مَسْحُ النّاصِيَةِ؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - مَسَح ¬

(¬1) انظر: باب مسح المرأة رأسها، من كتاب الطهارة. المجتبى من سنن النسائي 1/ 62. (¬2) في: باب المسح على الناصية والعمامة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 230، 231.كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في المسح على الجوربين والعمامة، من كتاب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 150، والنسائي، في: باب صفة الوضوء - غسل الكفين، وباب المسح على العمامة مع الناصية، وباب كيف المسح على العمامة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 55، 65، 66. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 244، 248، 250، 255. (¬3) في: باب المسح على العمامة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 32. والقطرية: تتخذ من نوع من البرود.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بناصِيَتِه، فوَجَبَ الاقْتِداءُ به. واخْتَلَف العلماءُ في قدرِ البعضِ المُجْزِئَ، فقال القاضي: قدرُ النّاصِيَةِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ. وحَكَى أبو الخَطّابِ، وبعضُ الشافعيَّةِ: أنّه لا يُجْزِئُه إلَّا مَسْحُ الأكْثَرِ؛ لأنّه يَنْطَلِقُ عليه اسمُ الجَمِيع. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه مَسْحُ رُبْعِه. ورُوِيَ عنه، أنَّه لا يُجْزِئُه أقلُّ مِن ثُلُثهِ. وهو قولُ زُفَرَ. وقال الشافعيُّ: يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه [اسمُ المَسْحِ] (¬1). حُكِيَ عنه: ثَلاثُ شَعَراتٍ. وحُكِى عنه: لو مَسَح شَعرَةً، أجْزَأه، لوُقُوع اسمِ البعضِ عليه. ¬

(¬1) في م: «الاسم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجِبُ مَسْحُ الأذُنَين معه، لأنَّهما منه؛ بدليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الأذُنَانِ مِنَ الرأسِ» (¬1). ورُوِيَ عن أحمدَ: أنَّه لا يَجِبُ مَسْحُهما. وهو ظاهِرُ المذهبِ. قال الخَلّالُ: كلهم حَكَوْا عن أبي عبد اللهِ في مَن تَرَكَ مَسْحَ أُذُنَيه عامِدًا، أو ساهِيًا، أنَّه يُجْزِئُه. وظاهرُ هذا أنه لا يَجِبُ، سَواءٌ قلنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ أولًا؛ لأنّهما مِن الرّأْسٍ على وَجْهِ التَّبَعِ، ولا يُفْهمُ مِن إطْلاقِ اسمِ الرأسِ دُخُولُهما فيه، ولا يُشْبِهان أجْزاءَ الرَّأس، ولذلك لا يُجْزِئُ مَسْحُهما عنه عندَ مَن اجْتَزَأَ بمَسْحِ البعضِ، وهو اختيارُ شيخِنا (¬2). والأوْلَى مَسْحُهما، [فرَوَى ابنُ عباسِ أنَّ] (¬3) النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح برَأْسِه وأُذُنَيه ظاهِرِهما وباطِنِهما. رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬4). ورَوَت الرُّبَيِّعُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ عندَها، فَرَأته مَسَح ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 331. (¬2) انظر المغني 1/ 183. (¬3) في م: «لأن». (¬4) حديث ابن عباس في مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه في المسند 4/ 132. وأما حديثه في مسح الأذنين، فقد أخرجه الترمذي عنه، في: باب ما جاء في مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 54. وحديث ابن عباس بتمامه أخرجه ابن حبان، في: باب ذكر إباحة المضمضة والاستنثساق بغرفة واحدة للمتوضئ وفي: باب استحباب مسح المتوضئ طاهر أذنيه في وضوئه. . . .، من كتاب الطهارة. الإحسان 3/ 360، 367، وانظر: تلخيص الحبير 1/ 89، 90.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على رأسِه مُحاذِيَ الشَّعَرِ ما أَقْبَلَ منه وما أَدبَرَ، ومَسَح صُدْغَيه وأُذُنَيه ظاهِرَهُما وباطِنَهُما. رَواهما التِّرْمِذِي وأبو داودَ (¬1). ويُسْتَحَبُّ أن يُدْخِلَ سَبّابَتَيه في صِماخَيْ أُذُنَيه، ويَمْسَحَ ظاهِرَهما بإبْهامَيه، لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حديثِ الرُّبَيِّعِ: فأدْخَلَ أُصبُعَيه في جُحرَى أُذُنَيه. رَواه أبو داودَ (¬2). ولا يَجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر بالغَضارِيفِ، لأنّ الرأْسَ الذي هو الأصلُ لا يجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر منه بالشَّعَرِ، فالأذُنُ أوْلَى. والله أعلمُ. فصل: ولا يَجِبُ مَسْحُ ما نَزَل عن الرَّأْسِ مِن الشَّعَرِ، ولا يُجْزئ مَسْحُه عن الرأْسِ، سَواءٌ رَدَّه فعَقَدَه فوقَ رَأْسِه، أو لم يَرُدَّه؛ لأنَّ الرأْسَ ما تَرَأَّس وعَلا. فإنَّ نَزَل الشَّعَرُ عن مَنْبِتِه، ولم يَنْزِلْ عن مَحَلِّ الفَرْضِ فمَسَحَ عليه، أجْزَأه، لأنَّه شَعَرٌ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه القائِمَ على مَحَلِّه. ولأنَّ هذا لا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه، وإن خَضَب رَأْسَه بما يَسْتُرُه، لم يُجْزِئْه المَسْحُ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ في الخِضابِ، لأنَّه لم يَمْسَحْ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أَشْبَه ما لو مَسَح على خِرْقَةٍ فوقَ رَأْسِه. ولو أَدْخَلَ يَده تحتَ الشَّعَرِ، فمَسَحَ البَشَرَةَ دُونَ الظّاهِرِ، لم يُجْزِئْه، لأنَّ الحكْمَ تَعَلَّق بالشَّعَرِ، ¬

(¬1) حديث الربيع تقدم تخريجه في الصفحة السابقة. (¬2) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 29.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فلم يُجْزِئْه مَسْحُ غيرِه، كما لو أوْصَلَ الماءَ إلى باطِنِ اللِّحْيَةِ، ولم يَغْسِلْ ظاهِرَها. فأمّا إن مَسَح رَأْسَه ثم حَلَقَه، أو غَسَل عُضْوًا، ثم قَطَع منه جُزْءًا أو جِلْدَةً، لم يُؤَثِّرْ في طهارتِه؛ لأنَّه ليس بَدَلًا عَمّا تحتَه. وإن أحْدَث بعدَ ذلك، غَسَل ما ظَهَر؛ لأنَّه صار ظاهِرًا، فتَعَلَّق الحُكْمُ به، ولو حَصَل في بعضِ أعْضائِه شَقٌّ أو ثَقْبٌ، لَزِمَه غَسْلُه؛ لأنّه صار ظاهِرًا. فصل: ويَمْسَحُ رَأْسَه بماءٍ جَدِيدٍ غيرِ ما فَضَل عن ذِراعَيه. وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قاله التِّرْمِذِيُّ (¬1). وجَوَّزَ الحسنُ، وعُرْوَةُ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ مَسْحَه بفَضْلِ ماءِ (¬2) ذِراعَيه؛ لِمارُوىَ عن عثمانَ، أنّه مَسَح مُقَدَّمَ رَأْسِه بيَدِه مرَّةً واحدةً، ولم يَسْتَأْنِفْ له ماءً جديدًا، حين حَكَى وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه سعيدٌ (¬3). ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك إذا قُلنا: إنَّ المُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ، لا سِيّما الغَسْلَةُ الثّانيةُ والثالثةُ. ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روَى عبدُ اللهِ ¬

(¬1) في: باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديدا، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 54. (¬2) سقط من: «م». (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 296.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنُ زيدٍ، قال: ومَسَح رَأْسَه بماءٍ غيرِ فَضْلِ يَدَيه. رَواه مسلمٌ (¬1). وفي حديثِه المُتَّفَقِ عليه: ثم أدْخَلَ يَدَه في الإناءِ، فمَسَح برَأْسِه. وكذلك حُكِيَ عن (¬2) عليٍّ في روايةِ أبي داودَ (¬3). ولأَنَّ البَلَلَ في يَدِه مُسْتَعْمَلٌ، فلا يُجْزِئُ به المَسْحُ، كما لو فَصَلَه في إناءٍ، ثم اسْتَعْمَلَه. فصل: فإن غَسَل رَأْسَهْ بَدَلَ مَسْحِه، فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالمَسْحِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح. ولأنَّه أحَدُ نَوْعَيِ الطهارةِ، فلم يُجْزِئْ عن الآخَرِ، كالمَسْحِ عن الغَسْلِ. والثّاني، يُجْزِئُ، لأنَّه لو كان جُنُبًا فانْغَمَسَ في ماءٍ يَنْوى. الطّهارَتَين، أجْزأه، مع أنَّه لم يَمْسَحْ، فكذلك في الحَدَثِ الأصْغَرِ وَحْدَه. ولأنَّ في صِفَةِ غَسْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه غَسَل يَدَيه ووَجْهَه، ثم أفْرَغَ على رَأْسِه، ولم يَذْكُرْ مَسْحًا. ولأنَّ الغَسْلَ أبْلَغُ مِن المَسْحِ، فإذا أتَى به يَنْبَغِي أن يُجْزِئَه، وهذا فيما إذا لم يُمِرَّ يَدَه عليه. فأمّا إن أمَرَّ يَدَه على رَأْسِه، مع الغَسْلِ أو بعدَه، أجْزأه، لأنَّه قد أتَى بالمَسْحِ، وذلك لِما رُويَ عن المُغِيرةِ (¬4)، أنَّه تَوَضَّأ للنّاسِ كما رَأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ، فلَمّا بَلَغ رَأْسَه غَرَف غُرْفَةً من ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 295. (¬2) سقط من: «م». (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 324. (¬4) في م: «معاوية» خطأ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ماءٍ، فتَلَقّاه بشِمالِه، حتى وَضَعَها على وَسَطِ رَأْسِه، حتى قَطرَ الماءُ أو كادَ يَقْطرٌ، ثم مَسَح مِن مُقَدَّمِه إلى مُؤخَّرِه، ومِن مُؤخَّرِه إلى مُقَدَّمِه. رَواه أبو داودَ (¬1). ولو حَصَل على رَأْسِه ماءُ المَطرَ، أو صَبَّ عليه إنْسانٌ، ثم مَسَح عليه، يَقْصِدُ بذلك الطهارةَ، أو كان قد صَمَد للمَطرَ، أجْزأه. وإن حَصَل الماءُ على رَأْسِه مِن غيرِ قَصْدٍ، أجْزأه أيضًا؛ لأنَّ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، لم يُؤَثِّرْ في الماءِ، فمتى وَضَع يَدَه على ذلك البَلَلِ ومَسَح به، فقد مَسَح بماءٍ غيرِ مُسْتَعْمَلٍ، فصَحَّتْ طهارتُه، كما لو حَصَل بقَصْدِه. وقد نَقَل أبو داودَ عن أحمدَ: إذا أصابَ رَأْسَه (¬2) ماءُ السَّماءِ، فمَسَحَه بيَدِه، لم يُجْزِه؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ مِنه نِيَّةٌ لذلك. ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ». وهذا يَدُلُّ على أنَّه يَشْتَرِطُ أن يَقْصِدَ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه. قال ابنُ عَقِيلٍ في هذه المسألة: تَحْقِيقُ المذهبِ، أنَّه متى صَمَد للمَطرَ ومَسَح، أجْزأه، ومتى أصابَه المطرُ مِن غيرِ قَصدٍ ولا نِيَّةٍ، لم يُجْزِئْه. وكذلك إن كان يَتَوَضَّأ، فصَبَّ إنسانٌ على رَأْسِه ماءً وهو لا يَقْصِدُ، فمَسَحَ رَأْسَه به (¬3)، فإنَّه لا يُجْزِئُه، فأمّا إن حَصَل الماءُ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، ولن يَمْسَحْ بيَدِه، لم يُجْزِئْه، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الغَسْلَ يَقُومُ مَقامَ المَسْحِ، أو لا. وإن قَصَد وجَرَى الماءُ على رَأْسِه أجْزأه، إذا قُلْنا: يُجْزِئُ الغَسْل. وإلَّا فلا. ¬

(¬1) في: باب صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 28. (¬2) في م: «برأسه». (¬3) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن مَسَح رَأْسَه بخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ أو خَشَبَةٍ، أجْزأه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالمَسْحِ، وقد مَسَح، أشْبَهَ ما لو مَسَح بيَدِه. ولأنَّ مَسْحَه بيدِه غيرُ مُشْتَرَطٍ، بدَلِيلِ ما لو مَسَح بيَدِ غيرِه. والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بيَدِه، وقال: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» (¬1). وإن وَضَع على رَأْسِه خِرْقَةً مَبْلُولَةً، فابْتَلَّ رَأْسُه بها، أو وَضَع خِرْقةً، ثم بَلَّها حتى ابْتَلَّ شَعَرُه، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ ذلك ليس بمَسْحٍ، ولا غَسْلٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزئَه؛ لأنَّه بَلَّ شَعَرَه قاصِدًا للوُضُوءِ، فأجْزأه، كما لو غَسَلَه. وإن مَسَحَ بأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَين، أجْزأه إذا مَسَح بهما ما يَجبُ مَسْحُه كلَّه. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ. ونَقَل بكرُ بنُ محمدٍ (¬2)، عن أحمدَ: لا يُجْزِئُه المَسْحُ بأُصْبُعٍ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على الرِّوايَةِ التي تُوجِبُ الاسْتِيعابَ, لأنَّه لا يَحْصُلُ بأُصْبُعٍ واحِدَةٍ. وإن حَلَق بعضَ رَأْسِه، وقُلْنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ، مَسَح المَحْلُوقَ والشَّعَرَ. وإن قُلْنا بإجْزاءِ مَسْحِ البعضِ، أجْزأه مَسْحُ أحَدِهِما. فصل: وهل يُسْتَحَبُّ مَسْحُ العُنُقِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُسْتَحَبُّ، لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه مَسَح رَأْسَه حتى بَلَغ ¬

(¬1) لا أصل له بهذا السياق، انظر: تلخيص الحبير 1/ 82. إرواء الغليل 1/ 125. (¬2) أبو أحمد بكر بن محمد النسائي البغدادي، كان الإمام أحمد يقدمه ويكرمه، وعنده مسائل كثيرة سمعها منه، وبعضها عن أبيه. انظر: طبقات الحنابلة 1/ 119، 120.

102 - مسألة: (ولا يستحب تكراره، وعنه، يستحب)

وَلَا يُستَحَبُّ تَكْرَارُهُ وَعَنْهُ، يُسْتَحَبُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ القَذَال (¬1)، وما يَلِيه مِن مُقَدَّمِ العُنُقِ. رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» (¬2)، من رِوايةِ لَيثِ بنِ أبي سُلَيمٍ، وهو مُتَكَلَّمٌ فيه (¬3). ولِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «امْسَحُوا أعْنَاقَكُمْ مَخَافَةَ الغُلِّ» (¬4). ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصُولِ». والثانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأْمُرْ به. ولأنَّ الذين حَكَوْا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عثمانُ، وعليٌّ، وعبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، وابنُ عباسٍ، لم يَذْكُرُوه، ولم يَثْبُتْ فيه حديثٌ. 102 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُه، وعنه، يُسْتَحَبُّ) الصحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ التَّكْرارُ في مَسْحِ الرَّأْسِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. ويُرْوَى عن ابنِ عُمَرَ، وابْنِه سالِمٍ، والحَسَنِ، ¬

(¬1) القذال: جماع مؤخر الرأس. (¬2) المسند 3/ 481. كما أخرجه أبو داود، في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 29. قال ابن حجر: إسناده ضعيف. انظر تلخيص الحبير 1/ 92. (¬3) انظر: الجرح والتعديل 3/ 2 / 177 - 179. (¬4) حديث موضوع لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر تلخيص الحبير 1/ 92.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ومُجاهِدٍ. قال التِّرمِذِيُّ (¬1): والعَمَلُ عليه عندَ أكثرِ أَهلِ العلمِ مِن أصحابِ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ومَن بعدَهم. وعن أحمدَ، أنَّه يُسْتَحَبُّ. يُرْوَى ذلك عن أنَسٍ، وعطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لِما رَوَى أبو داودَ (¬2)، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ، قال: رَأَيتُ عثمانَ غَسَل ذِراعَيه ثلاثًا، ومَسَح برَأْسِه ثلاثًا، ثم قال: رَأْيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل مِثْلَ هذا. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن غيرِ واحِدٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ورَوَى عليٌّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وغيرُهم، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا (¬3). وفي حديثِ أُبَيٍّ، قال: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ المُرْسَلِينَ قَبْلِي». رَواه ابنُ ماجه (¬4) وقِياسًا على سائِرِ الأعْضاءَ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّ عبدَ الله بنِ زيدٍ وَصَف وُضوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: مَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً. مُتَّفَقٌ عليه (¬5). وكذلك رَوَى عليٌّ، وقال: هذا وُضوءُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، مَن أحَبَّ أن يَنْظرُ إلى طُهُورِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلْيَنْظُرْ إلى هذا. قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (¬6). وكذلك وَصَف عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى، وابنُ عباسٍ، ¬

(¬1) في: باب ما جاء أن مسح الرأس مرة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 52، 53. (¬2) في: باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 25. وانظر: باب الوضوء ثلاثا ثلاثا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 144. (¬3) أحاديث علي وابن عمر وأبي هريرة؛ أخرجها ابن ماجه، في: باب الوضوء ثلاثا ثلاثا، من كتاب الطهارة وسننها. أما حديث أبي، فقد أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، من كتاب الطهارة وسننها. سنن ابن ماجه 1/ 144 - 146. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 291. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 295. (¬6) عارضة الأحوذي 1/ 65.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، والرُّبَيِّعُ (¬1)، كلُّهم قالوا: ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً. وحِكايَتُهُم لوُضوءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إخْبارٌ عن الدَّوامِ، ولا يُداومُ إلَّا على الأفْضَلِ. وحِكايَةُ ابنِ عباسٍ وُضُوءَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في اللَّيلِ حال خَلْوَتِه، ولا يَفْعَلُ في تلك الحالِ إلَّا الأفْضَلَ. ولأنَّه مَسْح في طهارةٍ، فلم يُسَنَّ تَكْرارُه، كالمَسْحِ على الجَبِيرَةِ والخُفَّين، وأحادِيثُهم لا يَصِحُّ مِنها شيءٌ صَرِيحٌ. قال أبو داودَ (¬2): أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها، تَدُلُّ على أنَّ مَسْحَ الرَّأسِ مَرَّةٌ، فإنَّهُم ذَكَرُوا الوُضُوءَ ثلاثًا ثلاثًا، وقالُوا فيها: ومَسَح رَأْسَه. ولم يَذْكُرُوا عَدَدًا. والحديثُ الذي ذَكَر فيه: مَسَح رَأْسَه ثلاثًا. رَواه يَحْيَى بنُ آدَم (¬3)، وخالفَه وَكيعٌ (¬4)، فقال: تَوَضَّأ ثلاثًا فَقَطْ. والصحيحُ المُتَّفَقُ عليه عن عثمانَ، أنَّه لم يَذْكُرْ في مَسْحِ الرَّأْسِ عَدَدًا. ومَن رُوِيَ عنه ذلك سِوَى عثمانَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّهم الذين رَوَوْا أحادِيثَنا، وهي صحيحةٌ، فيَلْزَمُ مِن ذلك ضَعْفُ ما خالفَها، والأحاديثُ التي ذَكَرُوا فيها أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، أرادُوا بها سِوَى المَسْحِ؛ لأنَّهم حينَ فَصَّلُوا قالُوا: ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً (¬5). والتَّفْصِيلُ يُحْكَمُ به على الإِجمالِ، ويَكُونُ تَفْسِيرًا له (¬6)، ولا يُعارِضُه، كالخاصِّ ¬

(¬1) أحاديث ابن عباس وسلمة بن الأكوع والربيع، سبق تخريجها على التوالي في صفحات 49، 57، 60. (¬2) في: باب صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 24/ 1، 25. (¬3) يحيى بن آدم الكوفي المقرئ الحافظ الفقيه، المتوفي سنة ثلاث ومائتين. العبر 1/ 343. (¬4) وكيع بن الجراح بن مَلِيح، الرُّؤاسي، أبو سفيان الكوفي الحافظ. توفي سنة ست وتسعين ومائة، وقيل: سنة سبع وتسعين ومائة. تهذيب التهذيب 11/ 123 - 131. (¬5) في م زيادة: «قالوا». (¬6) سقطت من: «م».

103 - مسألة: (ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا، ويدخلهما في الغسل)

ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيهِ ثَلَاثًا إِلَى الْكَعْبَينِ، وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ مع العامِّ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالتَّيَمُّمِ. فإن قِيل: يَجُوزُ أن يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح مَرَّةً ليُبَيِّنَ الجَوازَ، ومَسَح ثلاثًا ليُبَيِّنَ الأفْضَلَ، كما فَعَل في الغَسْلِ، فنُقِلَ الأمْران مِن غيرِ تَعارُضٍ. قُلْنا: قولُ الرّاوي: هذا طُهورُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. يَدُلُّ على أنَّه كان يَفْعَلُه على الدَّوامِ، لأنَّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، إنَّما وَصَفُوا وُضوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ليُعَرِّفُوا مَن سألَهُم وحَضَرَهُم صِفةَ وُضوئِه في دَوامِه، فلو شاهَدُوا وُضوءَه على صِفَةٍ أُخْرَى، لم يُطْلِقُوا هذا الإِطْلاقَ، الذي يُفْهَمُ مِنه أنَّهُم لم يُشاهِدُوا سِواه، لأنَّه يكونُ تَدْلِيسًا، وإيهامًا لغيرِ الصَّوابِ، فلا يُظنُّ ذلك بهم، ويُحْمَلُ حالُ الرّاوي لغيرِ الصَّحيحِ على الغَلَطِ لا غيرُ. ولأنَّ الحُفّاظَ إذا رَوَوْا حديثًا واحِدًا عن شَخْصٍ واحدٍ على صِفَةٍ، وخالفَهُم فيها واحدٌ، حَكَمُوا عليه بالغَلَطِ وإن كان ثِقَةً حافِظًا، فكيف إذا لم يَكُنْ مَعْرُوفًا بذلك. واللهُ أعلمُ. 103 - مسألة: (ثم يَغْسِلُ رِجْلَيه إلى الكَعْبَين ثلاثًا، ويُدْخِلُهُما في الغَسْلِ) وقد ذَكَرْنا اخْتِلافَ العلماءِ في غَسْلِ الرِّجْلَين، ويُسْتَحَبُّ غَسْلُهما ثلاثًا؛ لأنَّ في حديثِ عثمانَ: ثم غَسَل كِلْتا رِجْلَيه ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا. رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقال: هذا أحْسَنُ شيءٍ في البابِ وأصَحُّ (¬2). ويُدْخِلُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 296. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 290.

104 - مسألة (ويخلل أصابعهما)

وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ, ـــــــــــــــــــــــــــــ الكَعْبَين في الغَسْلِ، قِياسًا على المِرْفَقَين. والكَعْبان هما العَظْمان النّاتِئان اللَّذان في أسْفَلِ السّاقِ مِن جانِبَيِ القَدَمِ، وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ (¬1)، أنَّه قال: هُما في مُشْطِ القَدَم، وهو مَعْقِدُ الشِّراكِ مِن الرِّجْلِ، بدَليلِ أنَّه قال: {إِلَى الْكَعْبَينِ} (¬2). فدَلَّ على أنَّ في الرِّجْلِ كَعْبَين لا غيرُ، ولو أرادَ ما ذَكَرْتُمْ، كانت كِعابُ الرِّجْلَين أرْبَعَةً. ولَنا، أنَّ الكِعابَ المَشْهُورَةَ هي التي ذَكَرْنا، قال أبو عُبَيدٍ: الكَعْبُ هذا الذي في أصْلِ القَدمِ، مُنْتَهَى السّاقِ إليه، بمَنْزِلَةِ كِعابِ الْقَنا. ورُوِيَ عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، قالْ: كان أحَدُنا يُلْزِقُ كَعْبَه بكَعْبِ صاحِبِه في الصلاةِ. رَواء الخَلَّالُ (¬3). وقوله: {إِلَى الْكَعْبَينِ}. حُجَّةٌ لَنا، فإنَّه أرادَ كلَّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلى الكَعْبَين، ولو أرادَ كِعابَ جَمِيعِ الأرْجُلِ، لَذَكَرَه بلَفْظِ الجَمْعِ، قال: {إِلَى الْمَرَافِقِ}. 104 - مسألة (ويُخَلِّلُ أصابِعَهُما) (¬4)؛ لِما ذَكَرْناه. ¬

(¬1) أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، صاحب الإِمام أبي حنيفة، وناشر علمه، صاحب المؤلفات الفائقة، توفي سنة سبع وثمانين ومائة. الجواهر المضية 3/ 122 - 127. (¬2) سورة المائدة 6. (¬3) وأخرجه أبو داود، في: باب تسوية الصفوف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 153. والدارقطني، في: باب الحث على استواء الصفوف، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 282، 283. والبيهقي، في: باب إقامة الصفوف وتسويتها، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 100، 101. (¬4) كذا بالأصل، وفي متن المقنع: «أصابعه».

105 - مسألة: (فإن كان أقطع، غسل ما بقي من محل الفرض)

فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سَقَطَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 105 - مسألة: (فإن كان أقْطَعَ، غَسَل ما بَقِيَ مِن مَحَلِّ الفَرْضِ) وسَواءٌ في ذلك [اليَدان والرِّجْلان] (¬1)؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (¬2). 106 - مسألة: (فإن لم يَبْقَ شيءٌ، سَقَط) وُجُوبُ الغَسْلِ؛ لعَدَمِ مَحَلِّه. ويُسْتَحَبُّ أن يَمَسَّ مَحَلَّ القَطْعِ بالماءِ؛ لئَلّا يَخْلُوَ العُضْوُ مِن ¬

(¬1) في م: «اليدين والرجلين». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الاعتصام. صحيح البخاري 9/ 117. وأخرجه مسلم، في: باب فرض الحج مرة في العمر، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 975. والنسائي، في: باب وجوب الحج، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 83. وابن ماجه، في: باب اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 1. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 247، 258، 313، 314، 355، 448, 457، 467، 482، 459, 508.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طهارةٍ: فإن كان أَقْطَعَ اليَدَين، فوجَدَ مَن يُوَضِّئُه مُتَبَرِّعًا، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّه قادِرٌ عليه، وإن لم يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُه إلَّا بأجْرٍ يَقْدِرُ عليه، لَزِمَه، كما يلْزَمُه شِراءُ الماءِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه، كما لو عَجَز عن

107 - مسألة: (ثم يرفع نظره إلى السماء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)

ثُمَّ يَرْفَعُ نَظرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا إللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ القِيامِ في الصلاةِ، لم (¬1) يَلْزَمْه اسْتِئجارُ مَن يُقِيمُه ويَعْتَمِدُ عليه. وإن عَجَز في الأجْرِ، أو لم يَجِدْ مَن يَسْتَأْجِرُه، صلَّى على حَسَبِ حالِه، كعادِمِ الماءِ والتُّرابِ. وإن وَجَد مَن يُيَمِّمُه، ولم يَجِدْ مَن يُوضِّئُه، لَزِمَه التَّيَمُّمُ، كعادِم الماءِ إذا وَجَد التُّرابَ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. 107 - مسألة: (ثم يَرْفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ، ويَقُولُ: أشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورَسُولُه) لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطابِ, رَضِي اللهُ عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أو فيُسْبغُ- الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. إلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ». رَواه ¬

(¬1) في م «لا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مسلمٌ (¬1). ورَواه التِّرمِذِيُّ، وزادَ فيه: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» (¬2). ورَواه الإِمامُ أحمدُ (¬3)، وأبو داودَ (¬4)، وفي بعضِ رواياتِه: «فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ نَظرهُ إلَى السَّمَاءِ». وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: مَن تَوَضَّأَ، ففَرَغَ مِن وُضُوئِه، وقال: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُك وأتوبُ إِلَيكَ طُبعَ عليها بطابَعٍ، ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ إلى يَوْمِ الْقِيامَة. رَواه النَّسائِيُّ (¬5). فصل: والوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً يُجْزِئُ، والثَّلاثُ أفْضَلُ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً مَرَّةً. رَواه البخاريُّ (¬6). وروَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَعا بماءٍ، فتَوَضَّأ مَرَّةً مرَّةً، ثم قال: «هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ، وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللهُ لَهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ». ثم تَحَدَّثَ ساعَةً، ثم دَعا بوَضُوءٍ، فتَوَضَّأَ مَرَّتَين مَرَّتَين، فقال: «هَذَا وُضُوءٌ، مَنْ تَوَضَّأَهُ، ¬

(¬1) في: باب الذكر المستحب عقب الوضوء، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 210. وأخرجه أيضًا: أبو داود، في: باب ما يقول الرجل إذا توضأ، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 38. والنسائي، في: باب القول بعد الفراغ من الوضوء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 78. وابن ماجه، في: باب ما يقال بعد الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 195. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 146، 153. (¬2) انظر: باب ما يقال بعد الوضوء، من أبواب الطهارة، عند الترمذي. عارضة الأحوذي 1/ 71. (¬3) في: المسند 4/ 146، 153. (¬4) لم يرد في الأصل. وانظر تخرج حديث مسلم السابق. (¬5) في: باب ما يقول إذا فرغ من وضوئه، من كتاب عمل اليوم والليلة. السنن الكبرى 6/ 25. (¬6) تقدم تخريجه في صفحة 291.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ضَاعَفَ اللهُ لَهُ الْأجْرَ مَرَّتَينِ». ثم تَحَدَّثَ ساعَةً، ثم دَعا بماءٍ، فتَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا، فقال: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِي». رَواه سعيدٌ (¬1). وقد ذَكَرْنا حديثَ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ بنَحْو هذا. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا لم يُوَقِّتْ مَرَّةً ولا ثَلاثًا. قال: إنَّما قال الله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (¬2). وقال الأوْزاعِيُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ (¬3): الوُضُوءُ ثلاثًا ثلاثًا، إلَّا غَسْلَ الرِّجْلَين، فإنَّه يُنَقِّيهِما. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، وقد ذَكَرْنا اخْتِلافَهُم في تَكْرارِ مَسْحِ الرَّأْسِ. واللهُ أعلمُ. وإن غَسَل بعضَ أَعْضائِه أكْثَرَ مِن بعضٍ، فحَسَنٌ؛ لأنَّ في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ فغَسَلَ وَجْهَه ثَلاثًا، ثم غَسَل يَدَيه مَرَّتَين إلى المِرْفَقَين، ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً. مُتَّفَقٌ عليه (¬4). فصل: وتُكرهُ الزِّيادَةُ على الثَّلاثِ، قال أحمدُ، رَحِمَه الله: لا يَزِيدُ على الثَّلاثِ إلَّا رجلٌ مُبْتَلًى. وذلك لِما رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَأَلَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الوُضُوءِ، فأراه ثَلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ (¬5) عَلَى هَذَا فَقَدْ أسَاءَ وظَلَمَ» (¬6). رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ¬

(¬1) وأخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 145. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 98. (¬2) سورة المائدة 6. (¬3) أبو محمد سعيد بن عبد العزيز التنوخي، فقيه الشام بعد الأوزاعي، وكان صالحا قانتا، توفي سنة سبع وستين ومائة. العبر 1/ 250. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 295. (¬5) عند أبي داود زيادة: «أو نقص». (¬6) عند النسائي زيادة: «وتعدى». وعند ابن ماجه: «فقد أساء أو تعدى أو ظلم».

108 - مسألة: (وتباح معونته)

وَتَبَاحُ مَعُونَتُهُ في الوضوءِ ـــــــــــــــــــــــــــــ ماجه (¬1). ويُكْرَهُ الإِسْرافُ في الماءِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ، فقال: «لَا تُسْرِف». فقال: يا رسولَ اللهِ، في الماءِ إسْرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». رَواه ابنُ ماجه (¬2). 108 - مسألة: (وتُباحُ مَعُونَتُه) لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّه أفْرَغَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في وُضُوئِه. رَواه مسلمٌ (¬3). وعن صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ، قال: صَبَبْتُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الماءَ في الحَضَرِ، والسَّفَرِ. رَواه ابنُ ماجه (¬4). وروَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْطَلِقُ لحاجَتِه، ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الوضوء ثلاثا، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 30. والنسائي، في: باب الاعتداء في الوضوء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 75. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهة التعدي فيه، من باب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 146. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 180. (¬2) في: باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدى فيه، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 147. (¬3) في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 229. كما أخرجه النسائي، في: باب صفة الوضوء - غسل الكفين، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 55. والإمام أحمد، في: المسند. 4/ 244، 250، 255. (¬4) في: باب الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 138.

109 - مسألة؛ قال: (ويباح تنشيف أعضائه، ولا يستحب)

وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فأحْمِلُ أنا وغُلامٌ نَحْوي إداوَةً (¬1) مِن ماءٍ، وعَنَزَةً (¬2)، فيَسْتَنْجِي بالماءِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ولا يُسْتَحَبُّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان رسوُل اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَكِلُ طُهُورَه إلى أحَدٍ، ولا صَدَقَتَه التي يَتَصَدَّقُ بها، يَكُونُ هو الذي يَتَوَلّاها بنَفْسِه. رَواه ابنُ ماجَه (¬4). ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: ما أُحِبُّ ان يُعِينَنِي على وُضُوئِي أحَدٌ؛ لأنَّ عُمَرَ قال ذلك (¬5). 109 - مسألة؛ قال: (ويُباحُ تَنشِيفُ أعْضائِه، ولا يُسْتَحَبُّ) قال الخَلَّالُ: المَنْقُولُ عن أحمدَ، أنَّه لا بَأْسَ بالتَّنشِيفِ بعدَ الوُضُوءِ. ¬

(¬1) الإداوة: المطهرة. (¬2) العنزة؛ بالتحريك: عصا طويلة في أسفلها زج، ويقال رمح صغير. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 50. ومسلم، في: باب الاستنجاء بالماء من التبرز؛ من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 227. كما أخرجه النسائي، في: باب الاستنجاء بالماء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 39. والدارمي، في: باب الاستنجاء بالماء، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 173. والإمام أحمد, في: المسند 3/ 171، 203. (¬4) في: باب تغطية الإناء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 129. (¬5) انظر ما أورده الهيثمي، في: باب في الاستعانة على الوضوء، من كتاب الطهارة. مجمع الزوائد 1/ 232.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ومِمَّن رُوِيَ عنه أخْذُ المِنْدِيلِ بعدَ الوُضُوءِ، عثمانُ، والحَسَنُ بنُ عليٍّ، وأنَسٌ، وكَثِيرٌ مِن أهلِ العلمِ. ومِمَّن رَخَّصَ فيه الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. وهو ظاهِرُ قولِ أحمدَ؛ لِما روَى سَلْمانُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ، ثم قَلَب جُبَّةً كانتْ عليه، فمَسَحَ بها وَجْهَه. رَواه ابنُ ماجَه، والطَّبَرانِيُّ في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» (¬1). وذَكَر ابنُ حامِدٍ في كراهَتِه رِوايَتَين؛ إحْداهُما، لا يُكْرَهُ؛ لِما ذَكَرْنا. والثّانيةُ، يُكْرَهُ. رُوِيَ ذلك عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وابنِ أبي لَيلَى، وسعيدِ بنِ ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب المنديل بعد الوضوء، وبعد الغسل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 158. والطبراني في المعجم الصغير 1/ 12.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِيِّ، ومُجاهِدٍ؛ وذلك لِما رَوَتْ مَيمُونَة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَلَ، قالت: فأتَيتُه بالمِنْدِيلِ، فلم يُرِدْها، وجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بيَدَيه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ورُوي عن ابنِ عباسٍ أَنَّه كَرِهَه في الوُضُوءِ، ولم يَكْرَهْه في الجَنابَةِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، فتَرْكُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَدُلُّ على الكَراهَةِ، فإنَّه قد يَتْرُكُ المُباحَ. وهذه قَضِيَّةٌ في عَينٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَك تلك المِنْدِيلَ لأمْرٍ يَخْتَصُّ بها. ولأنَّه إزالةٌ للماءِ عن بَدَنِه، أشْبَهَ نَفضَه بيَدَيه، ولا يُكْرَهُ نَفْضُ الماءِ عن بَدَنِه بيَدَيه؛ لحديثِ مَيمُونَةَ، ويُكْرَهُ نَفْضُ يَدَيه. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 77. ومسلم، في: باب صفة غسل الجنابة، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 254. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 56. والنسائي، في: باب غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 113.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الوُضُوءِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ موسى بنِ عيسى (¬1)، وذلك لِما روَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ. قلتُ: وكيف كُنْتُم تَصْنَعُون؟ قال: يُجْزِئُ أحَدَنا الوُضُوءُ، ما لم يُحْدِثْ. رَواه البخارِيُّ (¬2). وقد نَقَل عليُّ بنُ سعيدٍ (¬3) عن أحمدَ، أنَّه لا فَضْلَ فيه. والأوَّل أصَحُّ. ولا بأْسَ أن يُصَلِّيَ الصَّلواتِ (¬4) ¬

(¬1) موسى بن عيسى الجصاص البغدادي، كان لا يحدث إلا بمسائل أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وشيء سمعه من أبي سليمان الداراني في الزهد والورع، وكانت عنده مسائل كثيرة عن الإمام أحمد. تاريخ بغداد 13/ 42، طبقات الحنابلة 1/ 333، 334. (¬2) في: باب الوضوء من غير حدث، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 64. كما أخرجه أبو داود، بلفظ: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد. في: باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 38. والترمذي، في: باب الوضوء لكل صلاة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 77. والنسائي، في: باب الوضوء لكل صلاة، من كتاب الطهارة. المجتبى من السنن 1/ 73. وابن ماجه، في: باب الوضوء لكل صلاة، والصلوات كلها بوضوء واحد، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 170. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 132، 194، 260. (¬3) أبو الحسن علي بن سعيد بن جرير النسوي، كبير القدر، صاحب حديث، كان يناظر الإمام أحمد مناظرة شافية، روى عنه جزأين مسائل. طبقات الحنابلة 1/ 224، 225. (¬4) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالوُضوءِ الواحِدِ ما لم يُحْدِثْ، لا نَعَلْمُ فيه خِلافًا؛ لحديثِ أنَسٍ، ولِما روَى بُرَيدَةُ، قال: صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ الفَتْحِ خَمْسَ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ومَسَح على خُفَّيه، فقال له عُمَرُ: إنِّي رَأيتُك صَنَعْتَ شَيئًا لم تَكُنْ تَصْنَعُه. فقال: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ». رَواه مسلمٌ (¬1). ¬

(¬1) في: باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 232. وأخرجه أيضًا أبو داود، في: باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 39. والترمذي، في: باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد. من كتاب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 79. والنسائي، في: باب الوضوء لكل صلاة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 173. وابن ماجه، في: باب الوضوء لكل صلاة، والصلوات كلها بوضوء واحد. سنن ابن ماجه 1/ 170. والدارمي، في: باب قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 169. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 351 , 358.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا بَأْسَ بالوُضُوءِ في المسجدِ إذا لم يُؤْذِ أحَدًا بوُضُوئِه، ولم يُؤْذِ المسجدَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أباحَ ذلك كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن علماءِ الأمْصارِ. وذلك لِما روَى أبو العالِيَةِ عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: حَفِظْتُ لك أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ في المسجدِ. رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬1). ورُوي عن أحمدَ أنَّه كَرِهَه؛ صِيانَةً للمسجدِ عن البُصاقِ وما يَخْرُجُ مِن فَضَلاتٍ الوُضُوءِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: المسند 5/ 364.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والمَفْرُوضُ مِن ذلك بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ (¬1) خَمْسَةٌ؛ النِّيَّةُ، وغَسْلُ الوَجْهِ، وغَسْلُ اليَدَين، ومَسْحُ الرأْسِ، وغَسْلُ الرِّجْلَين. وخمسةٌ فيها رِوايتان؛ المَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ، والتَّسْمِيَةُ، والتَّرتِيبُ، والمُوالاةُ. وقد ذَكَرْنا عَدَدَ المَسْنُونِ فيما مَضَى. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في م: «المذاهب».

باب المسح على الخفين

بابُ المَسْحِ على الخُفَّين ـــــــــــــــــــــــــــــ المَسْحُ على الخُفَّين جائِزٌ عندَ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُبارَكِ: ليس في المَسْحِ على الخُفَّين اخْتِلافٌ أنَّه جائِزٌ. وعن الحسنِ قال: حَدَّثَنِي سَبْعُون مِن أصحابِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح علي الخُفَّين. والأصلُ فيه ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فأهْوَيتُ لأنْزِعَ خُفَّيه، فقال: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتينِ». فمَسَحَ عليهما. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بال، ثم تَوَضَّأَ، ومَسَح على خُفَّيه. مُتَّفَقٌ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، من كتاب الوضوء، وفي: باب جبة الصوف في الغزو، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 1/ 62، 7/ 186. ومسلم، في: ياب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 230. كما أخرجه أبو داود، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 33. والدارمي، في: باب في المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 181. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 245، 251، 255.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه (¬1). قال إبراهيمُ: كان يُعْجِبُهم هذا الحديثُ؛ لأنَّ إسلامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. قال الإِمامُ أحمدُ: ليس في قَلْبِي مِن المَسْحِ شَيءٌ، فيه أربعون حديثًا عن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب الصلاة في الخفاف، من كتاب الصلاة. صحيح البخاري 1/ 108. ومسلم، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 228. كما أخرجه أبو داود، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 24. والترمذي، في: باب المسح على الخفين، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 139. والنسائي، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة، وفي: باب الصلاة في الخفين، من كتاب القبلة. المجتبى 1/ 79، 2/ 57. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 180، 181. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 358، 361، 363، 364.

110 - مسألة: (يجوز المسح على الخفين)

يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّينِ، وَالْجُرْمُوقَينِ، وَالْجَوْرَبَينِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ مِن الغَسْلِ. لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ. وهذا مذهبُ الشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ» (¬1). ولأنَّ فيه مُخالفَةَ أهلِ البِدَعِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ فيه رِوايَتَين؛ إحْداهُما، المَسْحُ أفْضَلُ؛ لِما ذَكَرْنا. والثّانيةُ، الغَسْلُ أفْضَلُ؛ لأنَّه المَفْرُوضُ في كِتابِ اللهِ تعالى، والمَسْحُ رُخْصَةٌ. وروَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ أنَّه قال: كلُّه جائِزٌ، المَسْحُ والغَسْلُ، ما في قَلْبِي مِن المَسْحِ شيءٌ، ولا مِن الغَسْلِ. وهذا قول ابنِ المُنْذِرِ. وروى عن عمر، أنَّه أمَرَهم أن يَمْسَحُوا على أخْفافِهِم، وخَلَع هوْ خُفَّيه، وتَوَضَّأَ، وقال: حُبِّبَ إليَّ الوُضُوءُ. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: إنِّي لَمُولَعٌ بغَسْلِ قَدَمَيَّ، فلا تَقْتَدُوا بي (¬2). 110 - مسألة: (يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفَّين) لِما ذكرْنا. (و) يَجُوز على (الجُرْمُوقَين). الجُرْمُوقُ مِثالُ الخُفِّ، إلَّا أَنَّه يُلْبَسُ فوقَ الخُفِّ في البلادِ ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر إلخ، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 786. والنسائي، في: باب العلة التي من أجلها قيل: ما يكره في الصيام في السفر، وذكر الاختلاف، وباب ذكر الاختلاف على علي بن المبارك في ما يكره في الصيام في السفر، من كتاب الصيام. المجتبى 4/ 147. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 71، 108، 4/ 158. (¬2) روى البيهقي نحوه عن أبي أيوب، في: باب جواز نزع الخف وغسل الرجل إذا لم يكن فيه رغبة عن السنة، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 293.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ البارِدَةِ، فيَجُوزُ المَسْحُ عليه، قِياسًا على الخُفِّ. ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ عليه إذا كان فوقَ الخُفِّ، الحسنُ بنُ صالحٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال الشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا يَمْسَحُ عليه. وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاءَ اللهُ، فيما إذا لَبِس خُفًّا فوقَ خُفٍّ آخَرَ. واللهُ أعلمُ. (والجَوْرَبَين) قال ابنُ المُنْذِرِ: يُرْوَى إباحَةُ المَسْحِ على الجَوْرَبَين عن تسعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ، وابنِ عُمَرَ، والبَرَاءِ، وبِلالٍ، وابنِ أبي أوْفَى، وسَهْلِ بنِ سعدٍ. وهو قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، ومحمدٍ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وغيرُهم: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليهما، إلَّا أن يُنْعَلا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما، فهُما كالرَّقِيقَين. ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الجَوْرَبَين والنَّعْلَين. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ (¬1). وهذا يَدُلُّ على أنَّهُما لم يَكُونا مَنْعُولَين؛ لأنَّه لو كان كذلك، لم يَذْكُرِ النَّعْلَين، فإنَّه لا يُقالُ مَسَحْتُ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب المسح على الجوربين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 35. والترمذي، في: باب في المسح على الجوربين والنعلين، من كتاب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 148. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 185. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 252.

111 - مسألة؛ قال: (والعمامة والجبائر)

وَالْعِمَامَةِ، وَالْجَبَائِرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ على الخُفِّ ونَعْلِه. ولأنَّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، مَسَحُوا على الجَوارِبِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم. والجَوْرَبُ في مَعْنَى الخُفِّ، لأنَّه مَلْبُوسٌ ساتِرٌ لمَحَلِّ الفَرْضِ، يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ الخُفَّ. وقَوْلُهم: لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما. قُلْنا: إنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليهما إذا ثَبَت بنَفْسِه، وأمْكَن مُتابَعَةُ المَشْي فيه، وإلَّا فلا. فأمّا الرَّقِيقُ فليس بساتِرٍ. فصل: وسُئل أحمدُ عن جَوْرَبٍ انْخَرَقَ، فكَرِهَ المَسْحَ عليه، ولَعَلَّه إنَّما كَرِهَه؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الخِفَّةُ، وأنَّه لا يَثْبُتُ بنَفْسِه. فإن كان مثلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ في الصَّفاقَةِ، فلا فَرْقَ. فإن كان لا يَثْبُتُ إلَّا بالنَّعْلِ، أُبِيحَ المَسْحُ عليه، ما دامَ النَّعْلُ عليه؛ لحديثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ. فإن خَلَع النَّعْلَ انْتَقَضَتِ الطهارةُ؛ لأنَّ ثُبُوتَ الجَوْرَب أحَدُ شَرْطَيْ جَوازِ المَسْحِ، وإنَّما حَصَل بالنَّعْلِ، فإذا خَلَعَها، زال الشَّرْطُ المُبِيحُ للمَسْحِ، فبَطلَتِ الطهارةُ، كما لو ظَهَر القَدَمُ. قال القاضي: يَمْسَحُ على الجَوْرَبِ والنَّعْلِ، كما جاءَ في الحديثِ. والظّاهِرُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إنَّما مَسَح على سُيُورِ النَّعْلِ التي على ظاهِرِ القَدَمِ، فأمّا أسْفَلُه وعَقِبُه، فلا يُسَنُّ مَسْحُه مِن الخُفِّ، فكذلك مِن النَّعْلِ. 111 - مسألة؛ قال: (والعِمامَةِ والجَبائِرِ) ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ على العِمامَةِ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رضي الله عنه. وبه قال عُمَرُ بنُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخَطَّابِ، وأنَسٌ، وأبو أُمامَةَ. ورُوِيَ عن سعدِ (¬1) بنِ مالكٍ، وأبي الدَّرْداءِ، رَضِي اللهُ عنهم. وهو قَوْلُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وقَتادَةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغَيرِهم. وقال عُرْوَة، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والقاسِمُ (¬2)، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي: لا يَمْسَحُ عليها؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (¬3). ولأنَّه لا تَلْحَقُه المَشَقَّةُ بنَزْعِها، أَشْبَهَتِ الكُمَّين. ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: تَوَضَّأَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - , ومَسَح على الخُفَّين، والعِمامَةِ (¬4) قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وروَى مسلمٌ (¬5)، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الخُفَّين والخِمارِ. وعن عَمْرِو بنِ ¬

(¬1) في الأصل: «سعيد». وهو سعد بن مالك بن أُهيب ابن أبي وقّاص، القرشي الزهري، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة أهل الشورى. الإصابة 3/ 73 - 77. (¬2) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي التيمي، أحد الفقهاء السبعة. كان عالما ورعا كثير الحديث ثقة. توفي سنة ست ومائة. سير أعلام النبلاء 5/ 53 - 60. (¬3) سورة المائدة 6. (¬4) أخرجه مسلم، في: باب المسح على الناصية والعمامة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 230، 231. وأبو داود، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 33 - والترمذي، في: باب ما جاء في المسح على الجوربين والعمامة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 150: النسائي، في: باب المسح على العمامة مع الناصية، وباب كيف المسح، من كتاب الطهارة. المجتبي 1/ 65، 66. وعن غير المغيرة بن شعبة أخرجه البخاري، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 62. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المسح على العمامة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 186. والدارمي، في: باب المسح على العمامة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 180. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 179، 5/ 281، 288، 439، 440. (¬5) في: باب المسح على الناصية والعمامة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 231. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في المسح على الجوربين والعمامة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 151. =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أُمَيَّةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على عِمامَتِه وخُفَّيه. رَواه البخاريُّ (¬1). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم. ولأنَّه عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُه في التَّيَمُّمِ، فجازَ المَسْحُ علي حائِلِه، كالقَدَمَين. والآيةُ تَنْفِي ما ذَكَرْناه؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُبَيِّنٌ لكلام اللهِ، وقد مَسَح على العِمامَةِ، وأمَرَ بالمَسْحِ عليها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ بالآية المَسْحُ على الرَّأْسِ وحائِلِه. ومِمّا يُبَيِّنُ ذلك، أنَّ المَسْحَ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ على الشَّعَرِ، ولا يُصِيبُ الرَّأْسَ وهو حائِلٌ، كذلك العِمامَةُ، فإنَّهُ يقالُ لِمَن لَمَس (¬2) عِمامَةَ إنسانٍ أو قَبَّلها: قَبَّلَ رَأْسَه. واللهُ أعلمُ. فصل: [ويَجُوزُ المَسْحُ] (¬3) على الجَبائِرِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صاحِبِ الشَّجَّةِ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ [أو يَعْصِرَ] (¬4) عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». رَواه أبو داودَ (¬5). ولِما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، قال: انكَسَرَتْ إحْدَى ¬

= والنسائي، في: باب مسح العمامة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 64. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المسح على العمامة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 186. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 281، 288، 439، 440، 6/ 12 - 15. (¬1) في: باب المسح على الخفين، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 62. كما أخرجه النسائي، في: باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 69. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 139، 179. (¬2) في م: «مسح». (¬3) في م: «والمسح». (¬4) سقط من: الأصل. وسياق أبي داود: «ويعصر أو يعصب». (¬5) في: باب [في] المجروح يتيمم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 82.

112 - مسألة: (وفي المسح على القلانس، وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن، روايتان)

وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ زَنْدَيَّ (¬1)، فأمَرَني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أمْسَحَ على الجَبائِرِ. رَواه ابنُ ماجه (¬2). وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: يُعِيدُ كل صلاةٍ صَلّاها؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالغَسْلِ، ولم يَأْتِ به. ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا. ولأنَّه مَسَح على حائِلٍ أُبِيحَ له المسْحُ عليه، فلم تَجِبْ معه الإِعادَةُ كالخُفِّ. 112 - مسألة: (وفي المَسْحِ على القَلانِسِ، وخُمُرِ النِّساءِ المُدارَةِ تحتَ حُلُوقِهِنَّ، رِوايَتان) أرادَ القَلانِسَ المُبَطَّناتِ، كدَنِّيَّاتِ (¬3) القُضاةِ، والنّومياتِ (¬4) فأمّا الكَلتةُ (¬5) فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا تَسْتُرُ جميعَ الرَّأسِ عادةً، ولا تَدُومُ عليه، فأمّا القَلانِسُ ¬

(¬1) في الأصل: «يدي». (¬2) في: باب المسح على الجبائر، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 215. (¬3) دنية القاضي: قلنسوته، شبهت بالدن. (¬4) في م: «والمنومنات» ولم نعرف «النوميات» أيضًا. ولعل الصواب «النونيات» تشبيها للعمامة برسم النون. (¬5) الكلتة أو الكلوتة: غطاء للرأس، ولها كلاليب بغير عمامة فوقها، يلبسها السلطان والأمراء وسائر العساكر. معجم دوزى 387.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التي ذَكَرْناها، ففيها رِوايتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها. رَواه عنه إسحاقُ بنُ إبراهيمَ. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وسعيدِ بن عبدِ العزيزِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، والنُّعْمانِ (¬1)، وإسحاقَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلمُ أحَدًا قال به، إلَّا أنَّه يُرْوَى عن أنَسٍ أنَّه مسَح على قُلَنْسِيَتِه (¬2). لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، أَشْبَهَتِ الكَلتةَ، ولأنَّ العِمامَةَ التي ليست مُحَنَّكَةً ولا ذُؤابَةَ لها، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، [وهذه أدْنَى منها. والرِّوايةُ الثّانِيَةُ، يجوزُ المَسْحُ عليها] (¬3). وهو اختيارُ الخَلّالِ. قال: لأنَّه قد رُوِيَ عن رَجُلَين مِن أصحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بأسانِيدَ صِحاحٍ، فرَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن عُمَرَ، أنَّه قال: إن شاءَ حَسَر عن ¬

(¬1) أي: أبو حنيفة. (¬2) أخرجه عبد الرزاق، في: باب المسح على القلنسوة، من كتاب الطهارة. المصنف 1/ 190. وابن أبي شيبة، في: باب المسح على الجوربين، من كتاب الطهارات. المصنف 1/ 188، 189. والبيهقي، في: باب ما ورد في الجوربين والنعلين، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 285. (¬3) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَأْسِه، وإن شاءَ مَسَح على قُلَنْسِيَتِه وعِمامَتِه. وروَى بإسْنادِه عن أبي موسى، أنَّه خَرَج مِن الخَلاءِ، فمَسَحَ على القَلَنْسُوَةِ. ولأنَّه مَلْبُوسٌ مُعْتادٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ، أَشْبَهَ العِمامَةَ المُحَنَّكَةَ، وفارَقَ العِمامَةَ التي قَاسُوا عليها؛ لأنَّها مَنْهِيٌّ عنها. واللهُ أعلمُ. وفي مَسْحِ المرأةِ على خِمارِها رِوايَتان، إحْداهُما، يَجُوزُ. يُرْوَى ذلك عن أُمِّ سَلَمَةَ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. ولأنَّه مَلْبُوسٌ للرَّأْسِ يَشُقُّ نَزْعُه، أشْبَهَ العِمامَةَ. والثانيةُ، لا يَجُوزُ. وهو قولُ نافِع، والنَّخَعِيِّ، وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه مَلْبُوسٌ يَخْتَصُّ المرأةَ، أشْبَهَ الوقايَةَ، ولا يُجْزِئٌ (¬1) المَسْحُ على الوقايَةِ، رِوايَةً واحِدَةً. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، فهي كطاقِيَّةِ الرَّجُلِ. ¬

(¬1) في م: «يجوز».

113 - مسألة؛ قال: (ومن شرطه أن يلبس الجميع بعد كمال الطهارة)

وَمِن شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 113 - مسألة؛ قال: (ومِن شَرْطِه أن يَلْبَسَ الجَمِيعَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ) لا نَعْلَمُ في اشْتِراطِ تَقَدُّمِ الطهارة لكُلِّ ما يَجُوزُ المَسْحُ عليه خِلافًا، إلَّا الجَبِيرَةَ، ووَجْهُه ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: كنتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فأهْوَيتُ لأنْزِعَ خُفَّيه، فقال: «دَعْهُمَا فَإنِّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينِ». فمَسَحَ عليهما. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعنه قال: ¬

(¬1) تقدم تخريجه في أول الباب صفحة 377.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيَمْسَحُ أحَدُنا على خُفَّيه. فقال: «نَعَمْ، إذَا أَدخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ». رَواه الدّارَقطْنِيُّ (¬1). فأمّا إن غَسَل إحْدَى رِجْلَيه، ثم لَبِس الخُفَّ، ثم غَسَل الأخْرَى وأدْخَلَها الخُفَّ، لم يَجُزِ المَسْحُ أيضًا. وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ. ونَحْوُه عن مالكٍ. وعنه، أنَّه يَجُوزُ، رَواها أبو طالِبٍ عنه. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّه أحْدَثَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ واللُّبْسِ، فجازَ، كما لو نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ ثم لَبِسَه. وكذلك الحُكْمُ في مَن مَسَح رَأْسَه ولَبِس العِمامَةَ، ثم غَسَل رِجْلَيه، قِياسًا على الخفِّ. وقد قِيلَ، في مَن غَسَل رِجْلَيه ولَبِس خُفَّيه، ثم غَسَل بَقِيَّةَ أعْضائِه: إذا قُلْنا: إنَّ التَّرْتِيبَ ليس بشَرْطٍ. جازَ له المَسْحُ. ووَجْهُ الأولَى، ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين، وهو يَدُلُّ على وُجُودِ الطهارةِ فيهما جَمِيعًا وَقْتَ إدْخالِهِما، ولم يُوجَدْ ذلك وقتَ لُبْسِ الأولَى. ولأنَّ ما اعْتُبِرَ له الطهارةُ اعْتُبرَ له جَمِيعُها، كالصلاةِ. وفارَقَ ما إذا نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ، ثم لَبِسَه؛ لأَنَّه لَبِسَه بعدَ كَمالِ الطهارةِ. ¬

(¬1) في: باب الرخصة في المسح على الخفين. .، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 194.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: كَرِهِ أحمدُ لُبْسَ الخُفِّ، وهو يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَين؛ لأنَّ الصلاةَ مَكْرُوهَةٌ بهذه الطهارةِ، فكذلِكَ (¬1) اللُّبْسُ الذي يُرادُ للصلاةِ. والأوْلَى، أن لا يُكْرَهَ. ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّه كان إذا أرادَ أن يَبُولَ، لَبِس خُفَّيه. ولأنَّها طهارةٌ كامِلَةٌ، أشْبَهَ ما لو لَبِسَهُما عندَ غَلَبَةِ النُّعاسِ. والصلاةُ إنَّما كُرِهَتْ للحاقِنِ؛ لأنَّ اشْتِغال قَلْبِه بمُدافَعَةِ الأخْبَثَين، يَذْهَبُ بخُشُوعِ الصلاةِ، ويَمْنَعُ الإِتْيانَ بها على الكَمالِ، ويَحْمِلُه على العَجَلَةِ، ولا يَضُرُّ ذلك في اللبْسِ. فصل: فإن تَطَهَّر، ثم لَبِس الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الخُفِّ، لم يَجُزْ له المَسْحُ؛ لأنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْا في مَقَرِّها وهو مُحْدِثٌ، فصارَ كما لو بَدَأ اللُّبْسَ وهو مُحْدِثٌ. ¬

(¬1) في م: «وكذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن تَيَمَّمَ، ثم لَبِس الخُفَّ، لم يَكُنْ له المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسَه على طهارةٍ غيرِ كامِلَةٍ. ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، بَطَلَتْ مِن أصْلِها، فصارَ كاللّابِسِ له على غيرِ طهارةٍ. ولأنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، فقد لَبِسَه وهو مُحْدِث. فأمّا إن تَطَهَّرَتِ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، وشِبْهُهُما، ولَبسُوا خِفافًا، فلهم المَسْحُ عليها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ طَهارَتَهُم كامِلَةٌ في حَقِّهم. قال ابنُ عَقِيل: لأنَّها مُضْطَرَّةٌ إلى التَّرَخُّصِ، وأحَقُّ مَن يَتَرَخَّصُ المُضْطرُّ. فإنِ انْقَطعَ الدَّمُ، أو زالتِ (¬1) الضَّرُورَةُ، بَطَلَتِ الطهارةُ مِن أصْلِها، ولم يَكُنْ لهما المَسْحُ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ. وإن لَبِسَ الخُفَّ بعدَ طهارةٍ مَسَح فيها على العِمامَةِ، أو العِمامَةَ بعدَ ¬

(¬1) في م: «وزالت».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، فقال بَعْضُ أصحابنا: ظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ المَسْح؛ لأنَّه لبِس على طهارةٍ مَمْسُوحٍ فيها على بَدَلٍ، فلم يُسْتَبَحِ المَسْحُ باللُّبْسِ فيها، كما لو لَبِس خُفًّا على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ جَوازَ المَسْحِ؛ لأنَّها طهارة كامِلَة، وكل واحِدٍ منهما ليس ببَدَلٍ عن الآخَرِ، بخِلَافِ الخُفِّ المَلْبُوسِ على خُفٍّ مَمْسُوحٍ عليه. فصل: فإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ أو عِمامَةٍ، وقُلْنا: ليس مِن شَرْطِها الطهارةُ. جاز المَسْحُ عليها. وإنِ اشْتَرَطْنا الطهارةَ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ كالعِمامَةِ المَلْبُوسَةِ على طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، واحْتَمَلَ جَواز المَسْحِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ مَسْحَها عَزِيمَة. وإن لَبِس الخُفَّ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ عليه؛ لأنَّها عَزِيمَة، ولأنَّها إن كانت ناقِصَةً (¬1)، فهو لنَقْصٍ لم يَزَلْ، فلم يَمْنَعْ كطهارةِ (¬2) المُسْتَحاضَةِ. وإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ؛ لِما ذَكَرْنا. ¬

(¬1) في م: «نافعة». (¬2) في م «طهارة».

114 - مسألة؛ قال: (إلا الجبيرة، على إحدى الروايتين)

إلَّا الجَبِيرَةَ على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 114 - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، في الجَبِيرَةِ، فرُوِي أنَّه لا يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارَةِ لها. اخْتارَه الخَلّالُ، وذلك لِما ذكَرْنا مِن حديثِ جابِرٍ في الذي أصابَتْه، الشَّجَّةُ، فإَّنه قال: «إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُه أنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ويَمْسَحَ عَليها». ولم يَذْكُرِ الطهارةَ. وكذلك حديثُ عليٍّ، لم يَأْمُرْه بالطهارةِ (¬1). ولأنَّ اشْتِراطَ الطهارةِ لها، يَغْلُظُ على النّاسِ، ويَشُقُّ عليهم. ولأنَّ المَسْحَ عليها إنَّما جازَ لمَشَقةِ نَزْعِها، وهو مَوْجُودٌ إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ له التَّيمُّمُ عندَ العَجْزِ عن الطهارةِ، فإنَّ في حديثِ جابرٍ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ، أوْ يَعْصِرَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَليهَا». ولأنَّها عِبادَةٌ اشْتُرِطَتْ لها الطهارةُ، فقامَ التَّيَمَّمُ مَقامَها عندَ العَجْزِ عنها (¬2) كالصلاةِ. ¬

(¬1) تقدما في صفحة 383، 384. (¬2) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ورُوِيَ عنه أنَّه يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارةِ عليها، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه حائِلٌ يُمْسَحُ عليه، فاشْتُرِطَ تَقَدَّمُ الطهارةِ على لُبْسِه، كسائِرِ المَمْسُوحاتِ. فعلى هذا، إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ، ثم خاف مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، أشْبَهَ الجُرْحَ. فصل: ولا يَحْتاجُ مع مَسْحِها إلى تَيَمُّمٍ. قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أن يَتَيَمَّمَ مع مَسْحِها فيما إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ؛ لأنَّ ما على مَوْضِع الحاجَةِ يَقْتَضِي المَسْحَ، والزّائِدُ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ، وكذلك فيما إذا شَدَّها على غيرِ طهارةٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ في جَوازِ المَسْحِ عليها، فإذا جَمَع بينَهما، خَرَج مِن الخِلافِ. وللشافعيِّ في الجَمْعِ بينَهما قولانِ في الجُمْلَةِ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ. ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ بَدَلَين، كالخُفِّ (¬1). ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 357.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الشَّدِّ على كَسْرٍ أو جُرْحٍ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ، فإنَّها جُرْحُ الرَّأسِ، وقِياسًا على الكَسْرِ. وكذلك إن وَضَع على جُرْحِه دَواءً، وخاف مِن نَزْعِه، مَسَح عليه. نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ، وذلك لِما روَى الأثْرَمُ بإسنْادِه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه خَرَجَتْ بإبْهامِه قُرْحَةٌ، فألْقَمَها مَرارَةً، وكان يَتَوَضَّأُ، ويَمْسَحُ عليها. ولو انْقَلَعَ ظُفْرُ إنسانٍ، أو كان بأْصْبُعِه جُرْحٌ يَخافُ إن أصابَه الماءُ أن يَزرَقَّ الجُرْحُ، جازَ المَسْحُ عليه في المَنْصُوصِ. وقال القاضي، في اللُّصُوقِ على الجُرُوحِ: إن لم يَكُنْ في نَزعِه ضَرَرٌ، نَزَعَه وغَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ويَمْسَحُ على مَوْضِع الجُرْحِ، وإن كان في نَزْعِه ضَرَر مَسَح عليه، كالجَبِيرَةِ. فإن كان في رِجْلِه شَقٌّ، فجَعَلَ فيه قِيرًا، فقال أحمدُ: يَنْزِعُه ولا يَمْسَحُ عليه، هذا أهْوَنُ، هذا لا يُخافُ منه. فقيلَ له: متى يَسَعُ صاحِبَ الجُرْحِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أن يَمْسَحَ عليه؟ قال: إذا خَشِيَ أن يَزْدادَ وَجَعًا، أو شِدَّةً. وتعليلُ أحمدَ في القِيرِ بسُهُولَتِه، يَقْتَضِي أنَّه متى كان يُخافُ منه، جاز المَسْحُ عليه، كالأُصْبُعِ المَجْرُوحَةِ إذا ألْقَمَها مَرارَةً أو عَصَبَها. قال مالكٌ، في الظُّفْرِ يَسْقطُ: يَكْسُوه مَصْطَكَا (¬1)، ويَمْسَحُ عليه وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي. ¬

(¬1) المصطكا: علك رومي.

115 - مسألة؛ قال: (ويمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)

وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن لم يَكُنْ على الجرْحِ عِصابٌ، غَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ولم يَمْسحْ (¬1). وقد روَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، في المَجْرُوحِ والمَجْدُورِ يُخافُ عليه: يَمْسَحُ مَوْضِعَ الجُرْحِ، ويَغْسِلُ ما حَوْلَه. يَعْنِي: يَمْسَحُ، إذا لم يَكُنْ عِصابٌ. واللهُ أعلمُ. 115 - مسألة؛ قال: (ويَمْسَحُ المُقِيمُ يومًا ولَيلَةً، والمُسافِرُ ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ. وهو قولُ عُمَرَ، وعليٍّ، ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، رَضِي اللهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ (¬1)، وعطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي. وهو ظاهِرُ قولِ الشافعيِّ. وقال اللَّيثُ: يَمْسَحُ ما بَدا له. وهو قولُ أكثرِ أصحابِ مالكٍ. وكذلك قولُ مالكٍ في المُسافرِ. وعنه في المُقِيمِ رِوايتان، وذلك لِما روَى أُبَيُّ بنُ عِمارَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أنَمْسَحُ (¬2) على الخُفَّين؟ قال: «نَعَمْ». قلتُ: يَوْمًا؟ قال: «وَيَوْمَينِ». قلتُ: وثلاثةً؟ قال: «وَمَا شِئْتَ». رَواه أبو داودَ (¬3). ولأنَّه مَسْحٌ في طهارةٍ، فلم يَتَوَقَّتْ، كمَسْحِ الرَّأْسِ والجَبِيرَةِ. ولَنا، ما روَى عليٌّ قال: جَعَل رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا ولَيلَةً للمُقِيم. رَواه مسلمٌ (¬4). وعن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِي، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمَسْحِ على الخُفَّينِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثلاثةَ أيّام ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا ¬

(¬1) أبو أمية شريح بن الحارث القاضي، استقضاه عمر رضي الله عنه على الكوفة، وبقي في القضاء خمسا وسبعين سنة، ثم استعفى الحجاج فأعفاه، وتوفي سنة اثنتين وثمانين، عن مائة وعشرين سنة. طبقات الفقهاء للشيرازي 80. (¬2) في م: «نمسح». وفي سنن أبي داود: «أمسح». (¬3) في: باب التوقيت في المسح، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 35. (¬4) في: باب التوقيت في المسح على الخفين، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 232. كما أخرجه النسائي، في: باب التوقيت في المسح على الخفين للمقيم، من كتاب الطهار. المجتبى 1/ 72. والدارمي، في: باب التوقيت في المسح، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 181. والإِمام أحمد، في: المسند 1/ 96، 100، 120، 133، 134، 149.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولَيلَةً للمُقِيمِ. رواه الإِمام أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ (¬1). قال الإمامُ أحمدُ: هذا أجْوَدُ حديثٍ في المَسْحِ؛ لأنَّه في غَزْوَةِ تَبُوكَ، آخِرِ غَزْوَةٍ غَزاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وحَدِيثُهم ليس بالقَويِّ، وقد اخْتُلِفَ في إسنادِه. قاله (¬2) أبو داودَ (¬3). ويَحْتَمِلُ أنَّه، قال: «وَمَا شِئْتَ» مِنَ الْيَوْمِ واليَوْمَين والثَّلاثَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه يَمْسَحُ ما شاءَ، إذا نَزَعَها عندَ انْتِهاء مُدَّتِه، ثم لَبِسَها. وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالتَّيَمُّمِ، ومَسْحُ الجَبِيرَةِ عِندَنا مُوَقَّتٌ بإمْكانِ نَزْعِها. واللهُ أعلمُ. فصل: وسَفَرُ المَعْصِيَةِ كالحَضَرِ في مُدَّةِ المَسْحِ؛ لأنَّ ما زادَ على اليومِ واللَّيلَةِ رُخصَةٌ، والرُّخَصُ لا تُسْتَباحُ بِالمَعْصِيَةِ. واللهُ أعلمُ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يُباحَ له المَسْحُ أصْلًا، لكَوْنِه رُخصَةً. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد في: المسند 6/ 27. والدارقطني، في: باب الرخصة في المسح على الخفين. . .، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 197. (¬2) في الأصل: «قال». (¬3) في: باب التوقيت في المسح، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 35.

116 - مسألة؛ قال: (إلا الجبيرة، فإنه يمسح عليها إلى حلها)

إلا الْجَبِيرَةَ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيهَا إِلَى حَلِّهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 116 - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، فإنَّه يَمْسَحُ عليها إلى حَلِّها) لأنَّ مَسْحَها للضَّرُورَةِ فيُقَدَّرُ بقَدْرِها، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى مَسْحِها إلى حَلِّها، بخِلافِ غيرِها. فصل: ويُفارِقُ مَسْحُ الجَبِيرَةِ الخُفَّ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ والثاني، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطهارةِ لها، ولا يَتَقَدَّرُ مَسْحُها بمُدَّةٍ. وقد ذَكَرناهما. الثالثُ، أنَّه يَجِبُ اسْتِيعابُها بالمَسْحِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في تَعْمِيمِها، بخِلافِ الخُفِّ. الرابعُ، أنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها إلَّا عندَ خَوْفِ الضَّرَرِ بنَزْعِها. الخامسُ، أنَّه يَمْسَحُ عليها في الطهارةِ الكُبْرَى؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بنَزْعِها فيها، بخِلافِ الخُفِّ.

117 - مسألة: (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس. وعنه، من المسح بعده)

وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ. وَعَنْهُ، مِنَ الْمَسْحِ بَعْدَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 117 - مسألة: (وابْتداءُ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ. وعنه، مِن المَسْحِ بعدَه) يَعْنِي: بعدَ الحَدَثِ. ظاهِرُ المذهبِ، أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ ابْتِداءَها مِن المَسْحِ بعدَ الحَدَثِ. يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه. وهو اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ» (¬1). وقال الشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: يَمْسَحُ المُقِيمُ خَمْس صَلَواتٍ، لا يَزِيدُ عليها. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما نَقَلَه القاسِمُ بنُ زَكَرِيّا المُطَرِّزُ (¬2)، في حديثِ صَفْوانَ: «مِنَ الْحَدَثِ إلَى الْحَدَثِ». ولأنَّها عِبادَة مُؤقَّتَة، فاعْتُبِرَ أوَّلُ ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد في: المسند 5/ 213. (¬2) أبو بكر القاسم بن زكريا بن يحيى البغدادي المطرز المقرئ المحدث الثقة، صنف المسند والأبواب، وتصدر للإِقراء، وتوفي منة خمس وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 14/ 149، 150.

118 - مسألة؛ قال: (ومن مسح مسافرا، ثم أقام، أتم مسح مقيم)

وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقْتِها مِن حينِ جَوازِ فِعْلِها، كالصلاةِ. ويَجُوزُ أن يَكونَ أرادَ بالخَبَرِ اسْتِباحَةَ المَسْحِ، دُونَ فِعْلِه. وأمّا تَقْدِيرُه بخَمْسِ صَلَواتٍ، فلا يَصِحُّ، لكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّرَه بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، فعلى هذا يُمْكِنُ المُقِيمُ أن يُصَلِّيَ بالمَسْحِ سِتَّ صَلواتٍ، يُؤخِّرُ الصلاةَ، ثم يَمْسَحُ في اليومِ [الأوَّلِ ويُصَلِّيها في اليومِ] (¬1) الثّاني في أوَّلِ وَقْتِها قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، وإن كان له عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ مِن مَرَضٍ أو غيرِه، أمْكَنَه أن يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَواتٍ، ويمكنُ المُسافِرُ أن يُصَلِّيَ سِتَّ عَشْرَةَ صلاةً، إن لم يَجْمَعْ، وسَبْعَ عَشرةَ صلاةً إن جَمَعَ، على ما فَصَّلْناه. واللهُ أعلمُ. 118 - مسألة؛ قال: (ومَن مَسَح مُسافِرًا، ثم أقامَ، أتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه صارَ مُقِيمًا، فلم يَجُزْ له أن يَمْسَحَ مَسْحَ المُسافِرِ. ولأنَّها عِبادَة تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا ابْتَدأها في السَّفَرِ، ثم حَضَر في أثْنائِها، غَلَب حُكْمُ ¬

(¬1) سقط من: «م».

119 - مسألة: (وإن مسح مقيما، ثم سافر أوشك في ابتدائه، أتم مسح مقيم. وعنه، يتم مسح مسافر)

وَإنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ، أوْ شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ. وَعَنْهُ، يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الحَضَرِ، كالصلاةِ. فإن كان قد مَسَح يومًا ولَيلَةً، ثم أقامَ أو قَدِم، خَلَع. وإن كان مَسَح أقَلَّ مِن يوم ولَيلَةٍ ثم أقامَ أو قَدِمَ، أتَمَّ يومًا ولَيلَةً، لِما ذَكَرْنا. ولو مَسَح في السَّفَرِ أكثرَ مِن يوم ولَيلَةٍ، ثم دَخَل في الصلاةِ، فنَوَى الإقامَةَ في أثْنائِها، بَطَلَتْ؛ لأنَّ المَسْحَ بَطَل فبَطَلَتِ الطهارةُ التي هي شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ. ولو تَلَبَّسَ بالصلاةِ في سَفِينَةٍ، فدَخَلَتِ البَلْدَةَ في أثنائِها، بَطَلَتْ صلاتُه لذلك. واللهُ أعلمُ. 119 - مسألة: (وإن مَسَح مُقِيمًا، ثم سافَرَ أوشَكَّ في ابتِدائِه، أتَمَّ مَسْحَ مُقِيم. وعنه، يُتِمُّ مَسْحَ مُسافِرٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في هذه المسألةِ، فرُوِيَ عنه أنَّه يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ. اخْتارَه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخِرَقِيُّ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّها عِبادةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيها في الحَضَرِ، غَلَب حُكْمُه، كالصلاةِ. ورُوِيَ عنه، أنه يُتِمُّ مَسْحَ مُسافِرٍ، سَواءٌ مَسَح في الحَضَرِ لصلاةٍ أو أكثرَ منها بعدَ أن لا تَنْقَضِيَ مُدَّةُ المَسْحِ، وهو حاضِر. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّام وَلَيَالِيَهُنَّ» (¬1). وهذا مُسافِر، ولأنَّه سافَرَ قبلَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المَسْحِ، أشْبَهَ مَن سافَرَ بعدَ الحَدَثِ وقبلَ المَسْحِ. وهذا اختيارُ الخَلّالِ، وصاحِبِه. قال الخَلّالُ: رَجَع أحمدُ عن قَوْلِه الأوَّلِ إلى هذا. وإن شَكَّ، هل ابتَدَأ المَسْحَ في الحَضَرِ أو السَّفَرِ؟ بَنَى على مَسْحِ حاضِرٍ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ مع الشَّكِّ في إباحَتِه، ولأنَّ الأصلَ الغَسْلُ، والمَسْحُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 397.

120 - مسألة: (وإن أحدث، ثم سافر قبل المسح، أتم مسح مسافر)

وَمَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رُخْصَةٌ، فإذا شَكَكْنا في شَرْطِها، رَجَعْنا إلى الأصلِ. فإن ذَكَر بعدُ، أنَّه كان قد ابْتَدَأ المَسْحَ في السَّفرِ، جاز البِناءُ على مَسْحِ مُسافِرٍ. وإن كان قد صَلَّى بعدَ اليَوْمِ واللَّيلَةِ مع الشَّكِّ، ثم تَيَقَّنَ، فعليه إعادَةُ ما صَلَّى مع الشَّكِّ؛ لأنَّه صَلَّى بطهارةٍ لم يَكُنْ له أن يُصَلِّيَ بها، فهو كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، ثم ذَكَر أنَّه مُتَطَهِّرٌ، فإنَّ وُضُوءَه صَحِيحٌ، ويَلْزَمُه إعادَةُ الصلاةِ. وهذا التَّفرِيعُ على الرِّوايةِ الأُولَى. ومتى شَكَّ الماسِحُ في الحَدَثِ، بَنَى على الأحْوَطِ عندَه؛ لأنَّ الأصْلَ غَسْلُ الرِّجْلِ. فصل: فإن لَبِث وأحْدَثَ، وصَلَّى الظُّهْرَ، ثم شَكَّ هل مَسَحَ قبلَ الظُّهْرِ أو بعدَها، وقُلْنا: ابتِداءُ المُدَّةِ مِن حينِ المَسْحِ. بَنى الأمْرَ في المَسْحِ على أنَّه قبلَ الظُّهْرِ، وفي الصلاةِ على أنَّه مَسَحَ بعدَها؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه، ووُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ، فرَدَدْنا كلَّ واحِدٍ منهما إلى أصْلِه. واللهُ أعلمُ. 120 - مسألة: (وإن أحْدَثَ، ثم سافَرَ قبلَ المَسْحِ، أتَمَّ مَسْحَ مُسافِرٍ) لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في ذلك، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ

121 - مسألة؛ قال: (ولا يجوز المسح إلا على ما يستر محل الفرض، ويثبت بنفسه)

وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلا عَلَى مَا يَسْتُرُ محَلَّ الْفَرْضِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيَّامِ وَلَيَالِيَهُنَّ». وهذا حال ابْتِداء المَسْحِ كان مُسافِرًا. 121 - مسألة؛ قال: (ولا يَجُوزُ المَسْحُ إلَّا على ما يَسْتُرُ مَحَلَّ الفَرْضِ، ويَثْبُتُ بنَفْسِه) متى كان الخُفُّ ساتِرًا لمَحَلِّ الفَرْضِ، لا يُرَى منه الكَعْبان، لكَوْنِه ضَيِّقًا أو مَشْدُودًا، جاز المَسْحُ عليه. فأمّا المَقْطُوعُ مِن دونِ الكَعْبَين، فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليه، وهذا قولُ الشافعيِّ وأبي ثَوْرٍ، وهو الصَّحِيحُ عن مالكٍ. وحُكيَ عن الأوْزاعِيِّ ومالكٍ، جَوازُ المَسْحِ عليه؛ لأنَّه خُفٌّ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ السّاتِرَ. ولَنا، أنَّه لا يَسْتُرُ مَحَلَّ الفَرْض، أشْبَهَ اللّالكةَ (¬1) والنَّعْلَين، ولأنَّ حُكْمَ ما ظَهَر الغَسْلُ، وحُكْمَ ما اسْتَتَرَ المَسْحُ، ولا سَبِيلَ إلى الجَمْع مِن غيرِ ¬

(¬1) كذا أورده المؤلف كما يرد في النسبة، فيقال «اللالكائي» نسبة إلى بيع اللوالك التي تلبس في الأرجل على غير قياس. ولعله المفرد. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب 3/ 300، وتاج العروس 7/ 174.

122 - مسألة؛ قال: (ويثبت بنفسه)

ويثبتُ بِنَفْسِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ ضَرُورَةٍ، فغلَب الغَسْلُ، كما لو ظَهَرَتْ إحْدَى الرِّجْلَين، ولو كان للخُفِّ قَدَمٌ، وله شَرَجٌ (¬1) إذا شَدَّه يَسْتُرُ مَحَل الفَرضِ، جاز المَسْحُ عليه. وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه كاللَّفائِفِ. ولَنا، أنَّه خُفٌّ ساتِرٌ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ غيرَ ذي الشَّرَجِ. فصل: فإن كان الخُفُّ مُحَرمًا، [كالغَصْبِ والحَريرِ] (¬2)، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ؛ لأنَّ المَسْحَ رُخْصَةٌ، فلا تُسْتَباحُ بالمَعْصِيَة، كما لا يَسْتَبِيحُ المُسافِرُ الرُّخَصَ بسَفَرِ المَعْصِيَة. فصل: ويَجُوزُ المَسْحُ على كلِّ خُفٍّ ساتِر لمَحَلِّ الفَرضِ، سَواءٌ كان مِن جُلُودٍ، أو لُبُودٍ، وما أشْبَهَهما (¬3) فإن كان خَشَبًا أو حَدِيدًا وما أشْبَهَهُما، جازَ المَسْحُ عليها. وهذا قولُ أبي الخَطّابِ. قال القاضي: وهو قِياسُ المذهبِ؛ لأنه خُف يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، ساتِر لمَحَلِّ الفَرض، أشْبَهَ الجُلُودَ. وقال بَعْضُ أصحابِنا: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها؛ لأنَّ الرُّخصَةَ وَرَدَتْ في الخِفافِ المُتَعارَفَةِ للحاجَةِ، ولا تَدْعُو الحاجَة إلى المَسْحِ على هذه في الغالِبِ. 122 - مسألة؛ قال: (ويَثْبُتُ بنَفْسِه) فإن كان لا يَثْبُتُ بنَفْسِه، بحيث يَسْقُطُ مِن القَدَمِ إذا مَشَى فيه، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّ الذي ¬

(¬1) الشرج: عُرَى العَيبة، أي محل الربط منه. (¬2) في م: «كالقصب الحرير». (¬3) في م: «أشبهها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَدْعُو الحاجَةُ إلى لُبْسِه، هو الذي يُمكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه. فأمّا ما يَسْقُطُ إذا مَشَى فيه، فلا يَشُقُّ نَزْعُه، ولا يَحْتاجُ إلى المَسْحِ عليه.

123 - مسألة: (فإن كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم،

فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 123 - مسألة: (فإن كان فيه خَرْقٌ يَبْدُو منه بعضُ القَدَمِ،

أوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أو الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أوْ يَسْقُطُ مِنْهُ إذَا مَشَى، أوْ شَدَّ لَفَائفَ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أو كان واسِعًا يُرَى منه الكَعْبُ، أو الجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ القَدَمَ، أو يَسْقُطُ منه [إذا مَشَى] (¬1) أوْ شَدَّ لَفائِفَ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إنَّما يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفِّ ونَحْوه، إذا كان ساتِرًا لمَحَلِّ الفرْضِ، لِما ذَكَرْنا. فإن كان فيه خَرْقٌ يَبْدُو منه بَعْضُ القَدَمِ، أو كان واسِعًا يُرَى منه الكَعْبُ، لم يَجُزِ المَسْحُ، سَواءٌ كان الخَرقُ كَبِيرًا أو صَغِيرًا، مِن مَوْضِع الخَرْزِ أوْ مِن غيرِه. فأمَّا إن كان الشَّقُّ يَنْضَمُّ، فلا يَبْدُو منه القَدَمُ، ¬

(¬1) سقط من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لم يَمْنَعْ جَوازَ المسْحِ. نَصَّ عليه. وهو مذهبُ مَعْمَرٍ (¬1)، وأحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ. وقال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ المَسْحُ على كلِّ خُفٍّ. وقال الأوْزاعِيُّ: يَمْسَحُ على الخُفِّ المَخرُوقِ، وعلى ما ظَهَر مِن رِجْلِه. وقال أبو حنيفةَ: إن كان أقَلَّ مِن ثلاثِ أصابعَ، جاز المَسحُ عليه، وإلَّا لم يَجُزْ. وقال مالكٌ: إن كَثُرَ وتَفاحَشَ، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ. وتَعَلَّقُوا بعُمُومِ الحديثِ، وبأنَّه خُفٌّ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ الصَّحِيحَ. ولأنَّ الغالِبَ علي خِفافِ العَرَبِ، كَوْنُها مُخَرَّقَة، وقد أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بلُبْسِها مِن غيرِ تَفصِيلٍ، فيَنْصَرِفُ إلى الخِفافِ المَلْبُوسَةِ عندَهُم غالِبًا. ولَنا، أنَّه غيرُ ساتِر للقَدَمِ، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليه، كما لو كَثُرَ وتَفاحَشَ. ولأنَّ حُكمَ ما ظَهَر الغَسْلُ، وحُكمَ ما اسْتَتَرَ المسْحُ، فإذا اجْتَمَعا، غَلَب الغَسْلُ، كما لو ظَهَرَتْ إحْدَى الرِّجْلَين. ¬

(¬1) أبو عروة معمر بن راشد الأزدي البصري، سكن اليمن، وهو من أقران سفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، توفي سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة. تهذيب التهذيب 10/ 243 - 246.

124 - مسألة: (وإن لبس خفا، فلم يحدث حتى لبس عليه آخر، جاز المسح عليه)

وَإنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيهِ آخَرَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وكذلك إن كان الجَوْرَبُ خَفِيفًا، يَصِفُ القَدَمَ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّه غيرُ ساتِرٍ لمَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَهَ النَّعْلَ. وكذلك إن كان يَسْقط مِن القَدَمِ، ولا يَثْبُتُ فيه؛ لِما ذَكَرْنا. ولا يَجُوزُ المَسْحُ على اللَّفائِفِ والخِرَقِ. نَصَّ عليه أحمدٌ؛ لأنَّها لا تَثْبُتُ بنَفْسِها، إنَّما تَثْبُتُ بشَدِّها، ولا نَعْلَم في هذا خِلافًا. 124 - مسألة: (وإن لَبِس خُفًّا، فلم يُحْدِثْ حتى لَبِس عليه آخَرَ، جاز المَسْحُ عليه) يَعْنِي على الفَوْقانِي، سَواء كان التَّحْتانِيُّ صَحِيحًا أو مُخرَّقًا. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ومَنَع منه مالك والشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيهِما؛ لأَن الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى لُبْسِه في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الغالِبِ، فلم تَتَعَلَّقْ به رُخْصَةٌ عامَّةٌ كالجَبِيرَةَ. ولَنا، أنَّه خُفٌّ ساتِرٌ يَثْبُتُ بنَفْسِه، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ. وقولُه: الحاجَةُ لا تَدْعُو إليه. مَمْنُوعٌ، فإنَّ البِلادَ البارِدَةَ لا يَكْفِي فيها خُف واحِدٌ غالِبًا، ولو سَلَّمْنا ذلك، لكنَّ الحاجَةَ مُعْتَبَرَة بدَلِيلِها، وهو الإِقْدامُ على اللُّبْسِ، لا بنَفْسِها، فهو كالخُفِّ الواحِدِ. إذا ثَبَت ذلك، فمتى نَزَع الفَوْقانِيَّ قبلَ مَسْحِه، لم يُؤثِّرْ فيه. وإن نَزَعَه بعدَ مَسْحِه، بَطَلَتِ الطهارةُ، ووَجَبَ نَزْعُ الخُفَّين وغَسْلُ الرِّجْلَين، لزَوالِ مَحَلِّ المَسْحِ. ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّين، كنَزْعِهما؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بهما، فصارَ كانْكِشافِ القَدَمِ. ولو أدْخَلَ يَدَه مِن تحتِ الفَوْقانِيِّ، ومَسَح الذي تحتَه، جاز؛ لأن كل واحِدٍ منهما مَحَلٌّ للمَسْحِ، فجازَ المَسْحُ عليه، كما يَجُوزُ غَسْل قَدَمَيه في الخُف، مع جَوازِ المَسْحِ عليه. ولو لَبِس أحَدَ الجُرْمُوقَين في إحْدَى الرِّجْلَين دونَ الأُخْرَى، جاز المَسْحُ عليه وعلى الخُفِّ الذي في الرِّجْلِ الأُخْرَى؛ [لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ به وبالخُفِّ في الرِّجْلِ الأخْرَى] (¬1)، فهو كما لو لم يَكُنْ تحتَه شيءٌ. ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن لَبِس مُخَرَّقًا فوقَ صَحِيحٍ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، جَوازُ المَسْحِ عليه. رَواها عنه حَرْبٌ؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بخُفٍّ صَحِيحٍ، فجازَ المَسْحُ عليه، كما لو كان مَكْشُوفًا. وقال القاضي وأصحابُه: لا يَجُوزُ المَسْحُ إلَّا على التَّحْتانِيِّ؛ لأنَّ الفَوْقانِيَّ لا يجوزُ المَسْحُ عليه مُنْفَرِدًا، أشْبَهَ ما لو كان تحتَه لِفافَةٌ. فأمّا إن لَبِسَ مُخَرَّقًا فوقَ لِفافَةٍ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّ القَدَمَ غيرُ مَسْتُورٍ بخُفٍّ صَحِيحٍ. وإن لَبِسَ مُخَرَّقًا فوقَ مُخَرَّقٍ، فاسْتَتَرَ القَدَمُ بهما، احْتَمَلَ أن لا يَجُوزَ المَسْحُ لذلك، واحْتَمَل جَوازَ المَسْحِ؛ لأنَّ القَدَمَ اسْتَتَرَ بهما، أشْبَهَ ما لو كان أحَدُهُما مُخَرَّقًا، والآخَرُ صَحِيحًا. فصل: فأمّا إن لَبِس الفَوْقانِيَّ بعدَ أن أحْدَثَ، لم يَجُزِ المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسه على غيرِ طهارةٍ، وكذلك إن مَسَح على الأوَّلِ، ثم لَبِس الثّانيَ. وقال بَعْضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَجُوزُ؛ لأنَّ المَسْحَ قام مَقامَ الغَسْلِ. ولَنا، أنَّ المَسْحَ على الخُفِّ، لم يُزِلِ الحَدَثَ عن الرِّجْلِ، فلم تَكْمُلِ الطهارةُ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ. ولأنَّ الخُفَّ المَمْسُوحَ عليه بَدَلٌ، والبَدَلُ لا يَكُونُ له بَدَلٌ آخَرُ. واللهُ أعلمُ.

125 - مسألة: (ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه، فيضع يده على الأصابع، ثم يمسح إلى ساقه)

وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ، فَيَضَعُ يَدَيهِ عَلَى الْأَصَابعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِلَى سَاقِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 125 - مسألة: (ويَمْسَحُ أعْلَى الخُفِّ دونَ أسْفَلِه وعَقِبِه، فيَضَعُ يَدَه على الأصابعِ، ثم يَمْسَحُ إلى ساقِه) هذه السُّنَّةُ في مَسْحِ الخُفِّ. فإن عَكَس فمَسَحَ مِن ساقِه إلى أسْفَلَ، جاز، والمَسْنُونُ الأوَّلُ؛ لِما روَى الخَلّالُ بإسنادِهِ عن المُغِيرَةِ، فذَكَرَ وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ثم تَوَضَّأ ومَسَحَ على الخُفَّين، فوَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على خُفِّه الأيمَنِ، ووَضَع يَدَه اليُسْرَى على خُفِّه الأيسَرِ، ثم مَسَح أعْلاهُما مَسْحَةً واحِدَةً، حتى كأنِّي أنْظُرُ إلى أثَرِ أصابِعِه على الخُفَّين. قال ابنُ عَقِيلٍ: سُنَّةُ المَسْحِ هكذا؛ أن يَمْسَحَ خُفَّيه بيَدَيه؛ باليُمْنَى اليُمْنَى، وباليُسْرَى اليُسْرَى. وقال أحمدُ: كَيفَما فَعَلْتَ فهو جائِزٌ؛ باليَدِ الواحِدَةِ، أو باليَدَين. وإن مَسَح بأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَين، أجْزأه إذا كَرَّرَ المَسْحَ بها حتى يَصِيرَ مِثْلَ المَسْحِ بأصابِعِه. ولا يُسَنُّ مَسْحُ أسْفَلِه، ولا عَقِبِه. وهذا قولُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِيَ مَسْحُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ظاهِرِ الخُفَّين وباطِنِهما عن سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، وابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ المُبارَكِ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: وَضَّأْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فمَسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسْفَلَه. رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (¬1). ولأنَّه يُحاذِي مَحَلَّ الفَرْضِ، أشْبَهَ ظاهِرَه. ولَنا، قولُ عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه: لو كان الدِّينُ بالرَّأْي، لكان أسْفَلُ الخُفِّ أوْلَى بالمَسْحِ مِن ظاهِرِه، وقد رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ ظاهِرَ خُفَّيه. رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬2). وعن عُمَرَ قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بالمَسْحِ على ظاهِرِ الخُفَّين، إذا لَبِسَهُما وهما طاهِرَتان. رَواه الخَلّالُ (¬3). ولأنَّ مَسْحَه غيرُ واجِبٍ، ولا يَكادُ يَسْلَمُ مِن مُباشَرَةِ أذًى فيه، تَتَنَجَّسُ به يَدُه، فكان تَرْكُه أوْلَى. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب كيف المسح، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 37. والترمذي، في: باب في المسح على الخفين أعلاه وأسفله، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 146.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب في المسح أعلى الخف وأسفله، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 183، بنحوه. (¬2) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 95، 114، 124، 148. وأبو داود، في: باب كيف المسح، من كتاب الطهارد. سنن أبي داود 1/ 36، 37. (¬3) أخرجه عبد الرزاق موقوفًا عن عمر في باب المسح على الخفين، من كتاب الطهارة في المصنف 1/ 196. والبيهقي، في: باب رخصة المسح لمن لبس الخفين على الطهارة، من كتاب الطهارة، السنن الكبرى 1/ 282.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وحَدِيثُهم مَعْلُولٌ. قاله التِّرمِذِيُّ. وقال: وسَألْتُ أبا زُرْعَةَ (¬1) ومحمدًا (¬2) عنه، فقال: ليس بصحيحٍ (¬3). وقال أحمدُ: هذا مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ. وأسْفَلُ الخُفِّ ليس بمَحَلٍّ لفَرْضِ المَسْحِ، بخِلافِ أعْلاه. فصل: فإن مَسَح أسْفَلَه أو عَقِبَه دُونَ أعْلاه، لم يُجْزِه، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ. قال شيخُنا: لا نَعْلَمُ أحَدًا قال: يُجْزِئُه مَسْحُ أسْفَلِ الخُفِّ. إلَّا أشْهَبَ (¬4) مِن أصحابِ مالكٍ، وبَعْضَ الشّافِعِيَّةِ؛ لأنَّه مَسَحَ بَعْضَ ما يُحاذِي مَحَلَّ الفَرْضِ، فأجْزأه، كما لو مَسَحَ ظاهِرَه (¬5). ومَنْصُوصُ الشافعيِّ، كمذهبِ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما مَسَح ظاهِرَ الخُفِّ، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُ الاقْتِصارُ على مَسْحِ ظاهِرِ الخُفِّ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. ¬

(¬1) أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بن صفوان البصري الدمشقي، حافظ، عالم بالحديث والرجال، سمع من الإمام أحمد مسائل مشبعة محكمة، وتوفي سنة ثمانين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 205، 206. (¬2) هو البخاري. (¬3) انظر: عارضة الأحوذي 1/ 146، 147. (¬4) أبو عمر أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي، من أهل مصر، من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك، وأشهب لقب له واسمه مسكين توفي بمصر سنة أربع ومائتين. الديباج المذهب 1/ 307، 308. (¬5) انظر المغني: 1/ 378.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والقَدْرُ المُجْزِئُ في المَسْحِ، أن يَمْسَحَ أكْثَرَ مُقَدَّمِ ظاهِرِه خِطَطًا (¬1) بالأصابِعِ. قاله القاضي؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ المُغِيرَةِ. وقال الشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ القَلِيلُ منه؛ لأنَّه أطْلَقَ لَفْظَ المَسْحِ، ولم يُنْقَلْ فيه تَقْدِيرٌ، فرَجَعَ إلى ما تَناوَلَه الاسمُ. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يُجْزِئُه قَدْرُ ثلاثِ أصابِعَ. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ. وقال إسحاقُ: لا يُجْزِئُ حتى يَمْسَحَ بكَفَّيه. ولَنا، أنَّ لَفْظَ المَسْحِ وَرَد مُطْلَقًا، وفَسَّرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بفِعْلِه، كما ذَكَرْنا في حديثِ المُغِيرَةِ، ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ مَسْحِه؛ لأنَّ في حديثِ المُغِيرَةِ: «مَسْحَةً وَاحِدَةً». رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ. وقال عطاءٌ: يَمْسَحُ ثلاثًا. فصل: فإن مَسَح بخِرْقَةٍ أو خَشَبَةٍ، احْتَمَلَ الإِجْزاءَ؛ لحُصُولِ المَسْحِ، واحْتَمَل المَنْعَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بيَدِه. فإن غَسَل الخُفَّ لم يُجْزِه. وهذا قولُ مالكٍ، واختيارُ القاضي. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهو ¬

(¬1) في م: «خطوطا».

126 - مسألة: (ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه)

وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ إِذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأَسِ، إلا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أقْيَسُ. لأنَّه أُمِرَ بالمَسْحِ، فلم يَفْعَلْه، فلم يُجْزِه، كما لو طَرَح التُّرابَ على وَجْهِه ويَدَيه في التَّيَمُّمِ، لكن إن أمَرَّ يَدَيه على الخُفَّين في حالِ الغَسْلِ أو بعدَه، أجْزأه؛ لوُجُودِ المَسْحِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُجْزِئُه. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه أبْلَغُ مِن المَسْحِ، والاقْتِداءُ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى. والمُسْتَحَبُّ أن يَفْرِجَ أصابِعَه إذا مَسَح. قال الحسنُ: خُطوطًا بالأصابعِ. ووَضَع الثَّوْرِيُّ أصابِعَه على مُقَدَّم خُفَّيه، وفَرَج بينَهما، ثم مَسَح على أصْلِ السّاقِ. ورُويَ عن عُمَرَ، أنَّه مَسَح حتى رُئِىَ آثارُ أصابِعِه على خُفَّيه خُطُوطًا. 126 - مسألة: (ويَجُوزُ المَسْحُ على العِمامَةِ المُحَنَّكَةِ إذا كانت ساتِرَةً لجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا ما جَرَتِ العادَةُ بِكَشْفِه) قد ذَكَرْنا دليلَ جَوازِ المَسْحِ على العِمامَةِ، ومِن شُرُوطِ جَوازِ المَسْحِ عليها، أن تَكُون ساتِرَةً لجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا ما جَرَتِ العادَةُ بكَشْفِه، كمُقَدَّمِ الرَّأْسِ والأُذُنَينِ، وجَوانِبِ الرَّأْسِ، فإنَّه يُعْفَى عنه، بخِلافِ خَرْقِ الخُفِّ، فإنَّه لا (¬1) ¬

(¬1) سقط من: «م».

127 - مسألة؛ قال: (ولا يجوز على غير المحنكة، إلا أن تكون ذات ذؤابة، فيجوز في أحد الوجهين)

وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيرِ الْمُحَنَّكَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، فَيَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ يُعْفَى عنه؛ لأنَّ هذا جَرَتِ العادَةُ به، ويَشُقُّ التَّحَرُّزُ عنه، وإن ظَهَر بَعْضُ القَلَنْسُوَةِ مِن تحتِ العِمامَةِ، فالظّاهِرُ جَوازُ المَسْحِ عليهما؛ لأنَّهُما صارا كالعِمامَةِ الواحِدَةِ. ومتى كانت مُحَنَّكَةً جاز المَسْحُ عليها، رِوايَةً واحِدَةً، سَواءٌ كان لها ذُؤابَةٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ هذه عَمائِمُ العَرَبِ، وهي أكثرُ سَتْرًا، ويَشُقُّ نَزْعُها. قاله القاضي. وسَواءٌ كانت صَغِيرَةً أو كَبِيرَةً. ولأنَّها مَأْمُورٌ بها، وتُفارِقُ عَمائِمَ أهلِ الكِتابِ. 127 - مسألة؛ قال: (ولا يَجُوزُ على غيرِ المُحَنَّكَةِ، إلَّا أن تَكونَ ذاتَ ذُؤابَةٍ، فيَجُوزُ في أحَدِ الوَجْهَين) أمّا إذا لم يَكُنْ لها حَنَكٌ ولا ذُؤابَةٌ، فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليها؛ لأنَّها على صِفَةِ عَمائِمِ أهلِ الذِّمَّةِ، وقد نُهِيَ عن التَّشَبُّهِ بهم، ولأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها. وإن كان لها ذُؤابَةٌ ولا حَنَكَ لها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، جَوازُه؛ لأنَّها لا تُشْبِهُ عَمائِمَ أهلِ الذِّمَّةِ، إذ ليس مِن عادَتِهِم الذُّؤابَةُ. والثّاني، لا يَجُوزُ، وهو الأظْهَرُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالتَّلَحِّي، ونَهَى عن الاقْتِعاطِ. رَواه أبو عُبَيدٍ (¬1). قال: والاقْتِعاطُ أن لا يَكُونَ تحتَ الحَنَكِ منها شيءٌ. ورُوي أنَّ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، رَأى رجلًا ليس بمُحَنَّكٍ بعِمامَتِه، فحَنَّكَه بكَوْرٍ (¬2) منها، وقال: ما هذه الفاسِقِيَّةُ؟ ولأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليها (¬3)، كالتي لا ذُؤابَةَ لها ولا حَنَكَ. فصل: وما جَرَتِ العادَةُ بكَشْفِه مِن الرَّأْسِ، اسْتُحِبَّ أن يَمْسَحَ عليه مع العِمامَةِ. نَصَّ عليه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بناصِيَتِه، وعِمامَتِه، في حديثِ المُغِيرَةِ، وهو صحيحٌ. وهل يَجِبُ الجَمْعُ بينَهما، إذا قُلْنا بُوجُوبِ اسْتِيعابِ مَسْحِ الرَّأْسِ؛ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ العِمامَةَ نابَتْ عَمّا اسْتَتَرَ، فوَجَبَ مَسْحُ الباقِي، كما لو ظَهَر سائِرُ رَأْسِه. والثّاني، لا يجِبُ؛ لأنَّ العِمامَةَ نابَتْ عن الرَّأْسِ، فانْتَقَلَ الفَرْضُ إليها، وتَعَلَّقَ الحُكْمُ بها، فلم يَبْقَ لِما ظَهَر حُكْمٌ, ولأنَّ الجَمْعَ بينَهما يُفْضِي إلى الجَمْعِ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في عُضْوٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كالخُفِّ. ولا يَجِبُ مَسْحُ الأُذُنَين مع العِمامَةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولَيسَتا مِن الرَّأْسِ، إلَّا على وَجْهِ التَّبَعِ. ¬

(¬1) في: غريب الحديث 3/ 120. (¬2) يسمى كل دور من العمامة كورا. (¬3) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وحُكْمُها في التَّوْقِيتِ واشْتِراطِ تَقَدُّمِ الطهارةِ لها، حُكْمُ الخُفِّ؛ قِياسًا عليه. فإن كانتِ العِمامَةُ مُحَرَّمَةَ اللُّبْسِ، كالحَرِيرِ والمَغْصُوبَةِ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها في الصَّحِيحِ؛ لِما ذَكَرْنا في الخُفِّ. فإن لَبِسَتِ المرأةُ عِمامَةً، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها؛ لأنَّها مَنْهِيَّةٌ عن التَّشَبُّهِ بالرِّجالِ، فكانت مُحَرَّمَةً في حَقِّها، وإن كان لها عُذْرٌ، فهذا نادِرٌ. فلا يُفْرَدُ بحُكْمٍ.

128 - مسألة: (ويجزئ مسح أكثرها، وقيل: لا يجزئ إلا مسح جميعها)

ويُجْزِئُهُ مَسْحُ أَكْثَرِهَا، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ إلا مَسْحُ جَمِيعِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 128 - مسألة: (ويُجْزِئُ مَسْحُ أكْثَرِها، وقِيل: لا يُجْزِئُ إلَّا مَسْحُ جَمِيعِها) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في وُجُوبِ اسْتِيعابِ العِمامَةِ بالمَسْحِ، فرُوِيَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُجْزِئُ مَسْحُ أكْثَرِها؛ لأنَّها أحَدُ المَمْسُوحِينَ على وَجْهِ البَدَلِ، فأجْزأ مَسْحُ بَعْضِه، كالخُفِّ. ورُوي عنه، أنَّه يَلْزَمُ اسْتِيعابُها، قِياسًا على مَسْحِ الرَّأسِ. والفَرْقُ بينَهما أنَّ البَدَلَ ههُنا مِن جِنْسِ المُبْدَلِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِه، كمَن عَجَز عن قِراءَةِ الفاتِحَةِ، وقَدَر على قِراءَةِ غيرِها مِن القُرْآنِ، يَجِبُ أن يَكُونَ بقَدْرِها، ولو كان البَدَلُ تَسْبِيحًا، لم يَتَقَدَّرْ بقَدْرِها؛ لكَوْنِه ليس مِن جِنْسِها. والخُفُّ بَدَلٌ مِن غيرِ الجِنْسِ؛ لكَوْنِه بَدَلًا عن الغَسْلِ، فلم يَتَقَدَّرْ بقَدْرِه، كالتَّسْبِيحِ بَدَلًا عن القُرْآنِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ قِياسًا على الخُفِّ، وما ذُكِر للرِّوايَةِ الثانيةِ يَنْتَقِضُ بمَسْحِ الجَبِيرَةِ، فإنَّه بَدَلٌ عن الغَسْلِ، وهو مِن غيرِ جِنْسِ المُبْدَلِ، ويجِبُ فيه

129 - مسألة: (ويمسح على جميع الجبيرة، إذا لم تتجاوز قدر الحاجة)

وَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إِذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الاسْتِيعابُ. وقال القاضي: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِها، كالخُفِّ، ويَخْتَصُّ ذلك بأكْوارِها دُونَ وَسَطِها، فإن مَسَح وَسَطَها وَحْدَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه، كما يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ دَوائِرِها. والثّاني، لا يُجْزِئُه، كما لو مَسَح أسْفَلَ الخُفِّ وَحْدَه (¬1). 129 - مسألة: (ويَمْسَحُ على جَمِيعِ الجَبِيرَةِ، إذا لم تَتَجاوَزْ قَدْرَ الحاجَةِ) لأنَّه لا يَشُقُّ المَسْحُ عليها كلِّها، بخِلافِ الخُفِّ، فإنَّه يشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِه، ويُتْلِفُه المَسْحُ، ولأنَّه مَسْحٌ للضَّرُورَةِ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ. وإن كان بَعْضُها في مَحَلِّ الفَرْضِ وبَعْضُها في غيرِه، مَسَح ما حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليها، إذا لم يَتَعَدَّ بها مَوْضِعَ الكَسْرِ، إلَّا بما لا بُدَّ مِن وَضْعِ الجَبِيرَةِ عليه؛ فإنَّها لا بُدَّ أن تُوضَعَ على طَرَفَيِ الصَّحِيحِ، ليَرْجِعَ الكَسْرُ. فإن شَدَّها على مَكانٍ يَسْتَغْنِى عن شَدِّها عليه، ¬

(¬1) سقطت من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان تارِكًا لغَسْلِ ما يُمْكِنُه غَسْلُه، مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ، كما لو شَدَّها على ما لا كَسْرَ فيه. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سَهَّلَ في ذلك في مَسْألَةِ المَيمُونِيِّ، والمَرُّوذِيِّ (¬1)؛ لأنَّ هذا مِمّا لا يَنْضَبِطُ، وهو شَدِيدٌ جِدًّا. فعلى هذا، لا بَأْسَ بالمَسْحِ على العَصائِبِ كيفَ شَدَّها. والأوَّلُ أوْلَىَ؛ لِما ذَكَرْنا. فعلى هذا، إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ، لَزِمَه نَزْعُها، إن لم يَخَفِ الضَّرَرَ، وإن خافَ مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، فجازَ التَّيَمُّمُ له (¬2)، كالجُرْحِ. ¬

(¬1) أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي، كان أجل أصحاب الإمام أحمد، وهو الذي تولى إغماضه لما مات وغسله، وروى عنه مسائل كثيرة، توفي سنة خمس وسبعين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 56 - 63، العبر 2/ 54. (¬2) سقطت من: «الأصل».

130 - مسألة؛ قال: (ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه، أو انقضت مدة المسح، استأنف الطهارة)

وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ أَوْ رَأْسُهُ أَو انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ قَدَمَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 130 - مسألة؛ قال: (ومتى ظَهَر قَدَمُ الماسِحِ أو رَأْسُه، أو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، اسْتَأْنَفَ الطهارةَ) لأنَّ المَسْحَ بَدَلٌ عن الغَسْلِ، فمتى ظَهَر القَدَمُ وَجَب غَسْلُه؛ لزَوالِ حُكْمِ البَدَلِ، كالمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ (وعنه: يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه، وغَسْلُ قَدَمَيه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى ظَهَر قَدَمُ الماسِحِ بعدَ الحَدَثِ والمَسْحِ، وقبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فقد اخْتَلَفَ العلماءُ فيه؛ فالمَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يُعِيدُ الوُضوءَ. وبه قال النَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومَكْحُولٌ (¬1)، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرَى، أنَّه يُجْزِئُه غَسْل قَدَمَيه. وهو قولُ ¬

(¬1) أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الهذلي مولاهم الشامي الحافظ، فقيه الشام في عصره، اختلف في وفاته بين سنوات اثنتي عشرة وأربع عشرة وست عشرة وثماني عشرة ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 75، وفيات الأعيان 5/ 280 - 283، تذكرة الحفاظ 1/ 107، 108.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، والمُزَنِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثّاني للشافعيِّ؛ لأنَّ مَسْحَ الخُفَّين نابَ عن غَسْلِ (¬1) الرِّجْلَين خاصَّةً، فظُهُورُهما يُبْطِلُ ما نابَ عنه، كالتَّيَمُّمِ إذا بَطَل برُؤْيَةِ الماءِ، بَطَل ما نابَ عنه. وهذا الاخْتِلافُ مَبْنِيٌّ على وُجُوبِ المُوالاةِ، فمَن لم يُوجِبْها في الوُضُوءِ جَوَّز غَسْلَ القَدَمَينِ؛ لأنَّ سائِرَ أعْضائِه سِواهُما مَغْسُولَةٌ، ومَن أوْجَبَ المُوالاةَ أبْطَلَ الوُضوءَ؛ لفَواتِ المُوالاةِ. فعلى هذا، لو خَلَع الخُفَّين قبلَ جَفافِ الماءِ عن بَدَنِه (¬2)، أجْزأه غَسْلُ قَدَمَيه، وصار كأنَّه خَلَعَهُما قبلَ مَسْحِه عليهما. وقال الحسنُ، وقَتادَةُ: لا يَتَوَضَّأُ، ولا يَغْسِلُ ¬

(¬1) سقطت من: «م». (¬2) في الأصل: «يديه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَدَمَيه. واخْتارَه ابنُ المُنْذِر؛ لأنَّه أزال المَمْسُوحَ عليه بعدَ كَمالِ الطهارَةِ، أشْبَهَ ما لو حَلَق رَأْسَه بعد مَسْحِه. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى؛ أنَّ الوُضُوءَ بَطَل في بعضِ الأعْضاءِ، فبَطَلَ في جَمِيعِها، كما لو أحْدَثَ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بنَزْعِ أحَدِ الخُفَّين، فإنَّه يَلْزَمُه غَسْلُهما، وإنَّما ناب مَسْحُه عن إحْداهُما. وأمّا التَّيَمُّمُ عن بعضِ الأعْضاءِ فسَيَأْتِي الكَلامُ عليه في بابِه، إن شاءَ اللهُ. وقال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ: إن غَسَل رِجْلَيه مَكانَه، صَحَّتْ طهارتُه. فإن تَطاوَلَ أعادَ الوُضُوءَ؛ لأنَّ الطهارةَ كانت صَحِيحَةً إلى حينِ نَزْعِ الخُفَّين، أو انْقِضاءِ المُدَّةِ، وإنَّما بَطَلَتْ في القَدَمَين خاصَّةً، فإذا غَسَلَهما عَقِيبَ النَّزْعِ، حَصَلَتِ المُوالاةُ، بخِلافِ ما إذا تَطاوَلَ. ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ المَسْحَ بَطَل حُكْمُه، وصار الآن يُضِيفُ الغَسْلَ إلى الغَسْلِ، فلم يَبْقَ للمَسْحِ حُكْمٌ، ولأنَّ الاعْتِبارَ في المُوالاةِ، إنَّما هو بقُرْبِ الغَسْلِ مِن الغَسْلِ، لا مِن حُكْمِه، فإنَّه متى زال حُكْمُ الغَسْلِ بَطَلَتِ (¬1) الطهارةِ، ولم يَنْفَعْ قُرْبُ الغَسْلِ مِن الخَلْعِ شَيئًا؛ لكَوْنِ الحُكْمِ لا يَعُودُ بعدَ زَوالِه إلَّا بسَبَبٍ جَدِيدٍ. اللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في الأصل: «بطل حكم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وحُكْمُ خَلْعِ العِمامَةِ بعدَ المَسْحِ عليها، عندَ القائِلِين بجَوازِ المَسْحِ عليها، حُكْمُ الخُفِّ؛ لأنَّها في مَعْناه، إلَّا أنَّه ها هنا يَلْزَمُه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ قَدَمَيه، إذا قُلْنا بوُجُوبِ التَّرْتِيبِ. وكذلك الحُكْمُ لو نَزَع الجَبِيرَةَ بعدَ المَسْحِ عليها، قِياسًا على الخُفِّ والعِمامَةِ، إلَّا أنَّه إن كان مَسَح عليها في الجَنابَةِ، لم يَحْتَجْ إلى إعادَةِ غُسْلٍ، ولا وُضُوءٍ؛ لأنَّ التَّرْتِيبَ والمُوالاةَ ساقِطانِ فيه. فصل: وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، بَطَلَتْ طهارتُه أيضًا، ولَزِمَه خَلْعُ الخُفَّين والعِمامَةِ وإعادَةُ الوُضُوءِ، على الرِّوايَةِ الأُولَى. وعلى الثّانيةِ، يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ قَدَمَيه، وقد ذَكَرْنا وَجْهَ الرِّوايَتَين. ومتى أمْكَنَه نَزْعُ الجَبِيرَةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فهو كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، قِياسًا عليه. وقال الحسنُ: لا يَبْطُلُ الوُضوءُ، ويُصَلِّي حتى يُحْدِثَ. ونَحْوُه قولُ داودَ، فإنَّه قال: يَنْزِعُ خُفَّيه، ويُصَلِّي حتى يُحْدِثَ؛ لأنَّ الطهارَةَ لا تَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ، والخَلْعُ ليس بحَدَثٍ. ولَنا، أنَّ غَسْلَ الرِّجْلَين شَرْطٌ للصلاةِ، وإنَّما قامَ المَسْحُ مَقامَه في المُدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ لم يَجُزْ أن يَقُومَ مَقامَه إلَّا بدَلِيلٍ، ولأنَّها طهارةٌ لا يَجُوزُ ابْتِداؤها، فيُمْنَعُ مِن اسْتِدامَتِها، كالتَّيَمُّمِ (¬1) عندَ رُؤْيَةِ الماءِ. ¬

(¬1) في م: «كالمتيمم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّين كَنْزعِهِما، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ويَلْزَمُه نَزْعُ الآخَرِ. وقال الزُّهْرِيُّ، وأبو ثوْرٍ: يَغْسِلُ القَدَمَ الذي نَزَع منه الخُفَّ، ويَمْسَحُ الآخَرَ، لأنَّهما عُضْوان، فأشْبَها الرَّأْسَ والقَدَمَ. ولَنا، أنَّهما في الحُكْمِ كعُضْوٍ واحِدٍ؛ ولهذا لا يَجِبُ تَرْتِيبُ أحَدِهِما على الآخَرِ، فيَبْطُلُ مَسْحُ أحَدِهِما بظُهُورِ الآخَرِ، كالرِّجْلِ الواحِدَةِ، وبهذَا فارَقَ الرَّأْسَ والقَدَمَ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وانْكِشافُ بعضِ القَدَمِ مِن خَرقٍ كنَزْعِ الخُفِّ. فإنِ انْكَشَطَتِ الظِّهارَة دُونَ البِطانَةِ، وكانتِ البِطانَةُ ساتِرَةً لمَحَلِّ الفَرْضِ تَثْبُتُ بنَفْسِها، جاز المَسْحُ، كما لو لم تَنْكَشِطْ. وإن أخْرَجَ قَدَمَه إلى ساقِ الخُفِّ، فهو كخَلْعِه. وهذا قولُ إسحاقَ وأصحابِ الرَّأْي. وقال الشافعيُّ: لا يَتَبَيَّنُ لي أنَّ عليه الوُضُوءَ، إلَّا أن يَظْهَرَ بَعْضُها؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بالخُفِّ. وحَكَى أبو الخَطّابِ في رُءُوسِ المسائلِ، عن أحمدَ، نَحْوَ ذلك. ولَنا، أنَّ اسْتِقْرارَ الرِّجْلِ في الخُفِّ، شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ؛ بدَلِيلِ ما لو أدْخَلَ رِجْلَه الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ اسْتِقْرارِها فيه، لم يَكُنْ له المَسْحُ. فإذا تَغَيَّرَ الاسْتِقْرارُ، زال شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ فبَطَلَ، كما لو ظَهَر. وإن كان إخْراجُ القَدَمِ إلى ما دُونَ ذلك لم يَبْطُلِ المَسْحُ؛ لأنَّها لم تَزُلْ عن مُسْتَقَرِّها. وقال مالكٌ: إذا أخْرَجَ قَدَمَه مِن مَوْضِعِ المَسْحِ خُرُوجًا بَيِّنًا، غَسَل قَدَمَيه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن نَزَع العِمامَةَ بعدَ المَسْحِ عليها، بَطَلَتِ الطهارةُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك إنِ انْكَشَفَ رَأْسُه، إلَّا أن يَكُونَ يَسِيرًا، مِثْلَ أن حَكَّ رَأْسَه، أو (¬1) رَفَعَها لِأجْلِ الوُضُوءِ. قال أحمدُ: إذا زالتِ العِمامَةُ عن هامَتِه، لا بَأْسَ، ما لم يَنْقُضْها أو يَفْحُشْ ذلك؛ لأنَّ هذا مِمّا جَرَتِ العادَةُ بِه، فيَشُقُّ التَّحَرُّرُ عنه. وإنِ انْتَقَضَتْ بعدَ مَسْحِها، فهو كنَزْعِها؛ لأنَّه في مَعْناه. وإنِ انْتَقَضَ بَعْضُها، ففيه رِوايتان؛ إحْداهُما، لا تَبْطُلُ طهارتُه؛ لأنَّه زال بعضُ المَمْسُوحِ عليه مع بقاءِ العُضْو مَسْتُورًا، فهو ككَشْطِ الخُفِّ مع بقاءِ البِطانَةِ. والثّانيةُ، تَبْطُلُ. قال القاضي: لو انْتَقَضَ منها كَوْرٌ واحِدٌ بَطَلَتْ؛ لأنَّه زال المَمْسُوحُ عليه، أشْبَهَ نَزْعَ الخُفِّ. ¬

(¬1) في م: «و».

131 - مسألة؛ قال: (ولا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة)

وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، إلا الْجَبِيرَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 131 - مسألة؛ قال: (ولا مَدْخَلَ لحائِلٍ في الطهارةِ الكُبْرَى إلَّا الجَبِيرَةَ) لا يَجُوزُ المَسْحُ على غيرِ الجَبِيرَةِ في الطهارَةِ الكُبْرَى؛ لِما روَى صَفْوانُ بنُ عَسّالٍ، قال: أمَرَنا رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا كُنَّا مُسافِرِين أو سَفْرًا،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ. رَواه التِّرْمِذِيُّ (¬1) وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. فأمّا الجَبِيرَةُ، فيَجُوزُ المَسْحُ عليها في الطهارةِ الكُبْرَى؛ لحديثِ صاحِبِ الشَّجَّةِ، ولأنَّه مَسْحٌ أُبِيحَ للضَّرُوَةِ (¬2)، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: باب ما جاء في المسح على الخفين للمسافر والمقيم، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 142. كما أخرجه النسائي، في: باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر, من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 71. وابن ماجه، في: باب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 161. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 239، 240. (¬2) في م: «للضرر».

آخر الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله: باب نواقض الوضوء والْحَمْدُ للهِ حَقَّ حمْدِهِ

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1414 هـ - 1993 م المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756 المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

باب نواقض الوضوء

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ؛ الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَينِ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ نَواقِضِ الوُضُوء (وهي ثمانيةٌ؛ الخارِجُ مِن السَّبِيلَين، قَلِيلًا كان أَو كَثيِرًا، نادِرًا أو مُعْتادًا) وجُمْلَةُ ذَلِك، أنَّ الخارِجَ مِن السَّبِيلَين على ضَرْبَين؛ مُعْتادٍ، كالبَوْلِ، والغائِطِ، والمَذْي، والوَدْي، والرِّيحِ، فهذا يَنْقُضُ الوُضوءَ إجماعًا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حكاه ابنُ المُنْذِرِ. ودَمُ الاسْتِحاضَةِ يَنْقُضُ الطهارةَ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا في قولِ رَبِيعَةَ. الضَّرْبُ الثاني، نادِرٌ، كالدَّمِ، والدُّودِ، والحَصَى، والشَّعَرِ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ أيضًا. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال قَتادَةُ، ومالكٌ: ليس في الدُّودِ يَخْرُجُ مِن الدُّبُرِ الوُضُوءُ. ورُوي عن مالكٍ، أنَّه لم يُوجِبِ الوُضُوءَ مِن هذا الضَّرْبِ؛ لأنَّه نادِرٌ، أشْبَهَ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلِ. ولَنا، أنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ المَذْيَ، ولأنَّه لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ به، وقد أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المُسْتَحاضَةَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ، ودَمُها غيرُ مُعْتادٍ. فصل: فإن خَرَجَتِ الرِّيحُ مِن قُبُلِ المرأةِ، وذَكَرِ الرجلِ، فقال القاضي: يَنْقُضُ الوُضُوءَ. ونَقَل صالحٌ عن أبيه، في المرأةِ يَخْرُجُ مِن فَرْجِها الرِّيحُ: ما خَرَج مِن السَّبيلَين، ففيه الوُضوءُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الأَشْبَهُ بمَذْهَبِنا في الرِّيحِ الخارِجِ مِن الذَّكَرِ، أن لا يَنْقُضَ؛ لأنَّ المَثانَةَ ليس لها مَنْفَذٌ إلى الجَوْفِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولا جَعَلَها أصحابُنا جَوْفًا، ولم يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بالحُقْنَةِ فيه. قال شيخُنا (¬1): ولا نَعْلَمُ لهذا وجودًا في حَقِّ أحَدٍ. وقد قِيلَ: إنَّه يُعْلَمُ بأن يُحِسَّ الإِنسانُ في ذَكَرِه دَبيبًا. وهذا لا يَصِحُّ، لكَوْنِه لا يَحْصُلُ به اليَقِينُ، والطهارةُ لا تَبْطُلُ بالشَّكِّ. فإن وُجِدَ ذلك يَقِينًا، نَقَض الطهارةَ، قِياسًا على سائِرِ الخارِجِ مِن السَّبِيلَين. فصل: فإن قَطَّرَ في إحْلِييه دُهْنًا، ثم عادَ فخَرَجَ، نَقَض الوُضُوءَ، لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلَين، لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُه، فيَنْتَقِضَ بها الوُضُوءُ كما لو خَرَجَت مُنْفَرِدَةً. وقال القاضي: لا يَنْقُضُ؛ لأَنَّه ليس بينَ الإِحْلِيلِ والمَثانَةِ مَنْفَذٌ، وإنَّما يَخْرُجُ البَوْلُ رَشْحًا، فإذا كان كذلك، لم يَصِلِ الدُّهْنُ إلى مَوْضِعٍ نَجِسِ، فإذا خَرَج فهو طاهِرٌ، فلم يَنْقُضْ، ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 231.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كسائِرِ الطّاهِراتِ إذا خَرَجَتْ مِن البَدَنِ. والأوَّلُ أولَى. وقَوْلُه: لا يَصِلُ الدُّهْنُ إلى مَوْضِعٍ نَجِسٍ. مَمْنُوعٌ، فإنَّ باطِنَ الذَكَرِ نَجِسٌ مِن آثارِ البَوْلِ، والماءُ لا يَصِلُ إليه فيُطَهِّرُه، فيَتَنَجَّسُ به الدُّهْنُ. ولو احْتَشَى قُطْنًا في ذَكَرِه، ثم أخْرَجَه وعليه بَلَلٌ، نَقَض الوُضُوءَ أَيضًا، كما لو خَرَج البَلَلُ مُنْفَرِدًا. وإن خَرَج ناشِفًا، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَنْقُضُ، لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ سائِرَ الخارِجِ. والثاني، لا يَنْقُضُ، لأنَّه ليس بينَ المَثانَةِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، ولم تَصْحَبْه نَجاسَةٌ، فلم يَنْقُضْ، كسائِرِ الطَّاهِراتِ. ونَقَل القاضي في «المُجَرَّدِ» عن أحمدَ، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: إذا احْتَشَى القُطْنَ في ذَكَرِه وصَلَّى، ثم أخْرَجَه ووَجَد بَلَلًا، فلا بَأْسَ ما لم يَظْهَرْ. يَعْنِي: جارِيًا. وهذا يَدُلُّ على أنَّ نَفْسَ البَلَلِ لا يَنْقُضُ. ولو احْتَقَنَ في دُبُرِه، فرَجَعَتْ أجْزاءٌ مِن الحُقْنَةِ، فخَرَجَتْ مِن الفَرْجِ، نَقَضَتِ الوُضُوءَ. وهكذا لو وَطِئَ امْرَأْتَه دُونَ الفَرْجِ، فدَبَّ ماؤُه فدَخَلَ الفَرْجَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم خَرَج، نَقَض الوُضُوءَ، وعليها (¬1) الاسْتِنْجاءُ؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ تَصْحَبُه مِن الفَرْجِ. فإن لم يَعْلَمْ خُرُوجَ شيءٍ منه، احْتَمَلَ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، النَّقْضُ فيهما؛ لأنَّ الغالِب أَنَّه لا يَنْفَكُّ عن الخُرُوجِ، فنَقَضَ كالنَّوْمِ. والثاني، لا يَنْقُضُ، عَمَلًا بالأصْلِ. لكنْ إن كان المُحْتَقِنُ قد أدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثم أخْرَجَه، نَقَض الوُضُوءَ، وكذلك إن أدْخَلَ فيه مِيلًا أو غيرَه ثم خَرَج؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ كسائِرِ الخارِجِ. ¬

(¬1) في م: «وعليهما».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال أبو الحارِثِ: سَألْتُ أحمدَ عن رجلٍ به عِلَّةٌ، رُبَّما ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُه؟ قال: إن عَلِمَ أنَّه يَظْهَرُ معها نَدًى تَوَضَّأَ، وإن لم يَعْلَمْ فلا شيءَ عليه. قال شيخُنا (¬1)، رَحِمَه اللهُ: يحْتَمِلُ أنَّه إنَّما أرادَ نَدًى يَنْفَصِلُ عنها، فأمّا الرُّطُوبَةُ اللّازِمَةُ لها فلا تَنْقُضُ، لأنَّها لا تَنْفَكُّ عن رُطُوبَةٍ، فلو نَقَضَتْ لنَقَضَ خُرُوجُها على كلِّ حالٍ، وذلك لأنَّه شيءٌ لم ينْفَصِلْ عنها، فلم يَنْقُضْ كسائِرِ أجْزائِها، وقد قالوا في مَن أخْرَجَ لِسانَه وهو صائِمٌ، وعليه بَلَلٌ، ثم أدْخَلَه وابْتَلَعَ ذلك البَلَلَ: لم يُفْطِرْ، لأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الانْفِصالِ. واللهُ أعلمُ. فصل: والمَذْيُ ما يَخْرُجُ عَقِيبَ الشَّهْوَةِ زَلِجًا مُتَسَبْسِبًا، فيَكُونُ على رَأسِ الذَّكَرِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ إجماعًا، وهل يَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ والأُنْثَيَين منه؟ فيه رِوايتان؛ إحْداهُما، يُوجِبُ ذلك؛ لما رُوِيَ أنَّ عليًّا، رَضِي اللهُ عنه، قال: كُنتُ رجلًا مَذّاءً، فاسْتَحَيَتُ أن أسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لمَكانِ ابْنَتِه، فأمَرْتُ المِقْدادَ بنَ الأسْوَدِ فسألَه، فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيهِ، وَيَتَوَضَّأُ». رَواه أبو داودَ (¬2). وفي لفظٍ: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 232. (¬2) في: باب في المذي، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 47، 48. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 124، 126، 145.

132 - مسألة: (الثاني، خروج النجاسات من سائر البدن، فإن

الثَّانِي، خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ غَائِطًا أو بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ فَرْجَكَ». رَواه مسلمٌ (¬1). والأمْرُ للوُجُوبِ، ولأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فأوْجَبَ غَسْلًا زائِدًا على مُوجَبِ البَوْلِ كالمَنِيِّ، فعلى هذا يُجْزِئُه غَسْلَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلٌ مُطْلَقٌ، فيَكْفِي ما يَقَعُ عليه الاسمُ، وقد بَيَّنَه قولُه في اللَّفْظِ الآخَرِ: «وَانْضَحْ فَرْجَكَ». وسَواءٌ غَسْلُه قبلَ الوُضُوءِ أو بعدَه؛ لأنَّه غَسْلٌ غيرُ مُرْتَبِطٍ بالوُضُوءِ، أشْبَهَ غَسْلَ النجاسةِ. والثانيةُ، لا يُوجبُ إلَّا الاسْتِنْجاءَ والوُضوءَ. رُوِيَ ذلك عنْ ابنِ عباسِ، وهو قولُ أكثرِ أَهلِ العلمِ؛ لما روَى سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، قال: كُنْتُ ألْقَى مِن المَذْيِ شِدَّةً وعَناءً، وكنتُ أُكْثِرُ منه الاغْتِسالَ، فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (¬2)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّه خارِجٌ لا يُوجِبُ الغُسْلَ، أشْبَهَ الوَدْيَ، والأمْرُ بالنَّضْحِ والغَسْلِ في حديثِ عليٍّ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ. وقولُه: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ». صَرِيحٌ في حُصُولِ الإِجْزاءِ به. والوَدْيُ ماءٌ أَبْيَضُ، يَخْرُجُ عَقِيبَ البَوْلِ، ليس فيه وفي بَقِيَّةِ الخارِجِ إلَّا الوُضوءُ، سِوَى المَنِيِّ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ. واللهُ أعلمُ. 132 - مسألة: (الثاني، خُرُوجُ النَّجاساتِ مِن سائِرِ البَدَنِ، فإن ¬

(¬1) في: باب في المذي، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 247 كما أخرجه النسائي، في: باب الوضوء من المذي، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 174 - 176. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 104. (¬2) في: باب في المذي يصيب الثوب، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 175، 176 كما أخرجه =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كانتْ غائِطًا أو بَوْلًا، نَقَضَ قَلِيلُها) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في نَقضِ الوُضُوءِ بخُرُوجِ الغائِطِ والبَوْلِ؛ سَواءٌ كان مِن مَخْرَجِهِما، أو مِن غيرِه، ويَسْتَوِي قَلِيلُهما وكَثِيرُهما في ذلك، سَواءٌ كان السَّبِيلان مُنْسَدَّين أو مَفْتُوحَين، مِن فوقِ المَعِدَةِ أو مِن تحتِها. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إنِ انْسَدَّ المَخْرَجُ، وانْفَتَحَ آخَرُ دُونَ المَعِدَةِ، لَزِم الوُضُوءُ بالخارِجِ منه، قولًا واحدًا. وإنِ انْفَتَح فوقَ المَعِدَةِ، ففيه قَوْلان. وإن كان المَخْرَجُ مَفْتُوحًا، فالمَشْهُورُ أَنَّه لا يُنْقَضُ الوُضوءُ بالخارِجِ مِن غيرِه، وبَناه على أصْلِه في أنَّ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلَين لا يَنْقُضُ. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: {أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ} (¬1). وقولُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا كُنّا مُسافِرِين، أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثَةَ أَيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ، لكنْ مِن غائِطٍ وَبَوْلٌ ونَوْمٍ (¬2). هذا حديثٌ صحيحٌ. قاله التِّرْمِذِيُّ. ولأنَّه غائِطٌ وبَوْلٌ خارِجٌ مِن البَدَنِ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين. ¬

= أبو داود، في: باب في المذي، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 48. (¬1) سورة المائدة 6. (¬2) أخرجه الترمذي، في: باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 142. والنسائي، في باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 71. وابن ماجة، في: باب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 161 الإمام أحمد، في: المسند 4/ 239، 240.

133 - مسألة؛ قال: (وإن كانت غيرهما، لم ينقض إلا كثيرها، وهو ما فحش في النفس، وحكي عنه أن قليلها ينقض)

وَإنْ كَانَتْ غَيرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إلا كَثِيرُهَا، وَهُوَ مَا فَحُشَ في النَّفْسِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 133 - مسألة؛ قال: (وإن كَانَتْ غيرَهما، لم يَنْقُض إلَّا كَثِيرُها، وهو ما فَحُش في النَّفْسِ، وحُكِيَ عنه أنَّ قَلِيلَها يَنْقُضُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الخارِجَ النَّجِسَ مِن غيرِ السَّبِيلَين، غيرَ البَوْلِ والغائِطِ، يَنْقُض كثيرُه بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال مالكٌ، والشافعيّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ (¬1) وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا وُضُوءَ فيه، لأنَّه خارِجٌ مِن غيرِ المَخْرَجِ مع بقاءِ المَخْرَج، فلم يَنْقُضْ، ¬

(¬1) أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري الفقيه، روى عن أنس بن مالك وخلق، وولى قضاء المنصور، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة. طبقات الفقهاء للشيرازي 66. العبر 1/ 195، 196.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كالبُصاقِ. ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الخارِجِ مِن السَّبِيلِ؛ لكَوْنِ الحُكْمِ فيه غيرَ مُعَلَّلٍ. ولأنَّ الخارِجَ مِن السَّبِيلِ لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه، وطاهِرِه ونَجسِه، وههُنا بخِلافِه، فامْتَنَعَ القِياسُ. ولَنا، ما روَى أبو الدَّرْدَاءِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قاءَ فتَوَضَّأْ. قال ثَوْبانُ: صَدَقَ، أنا سَكَبْتُ له وَضُوءَه. رَواه التِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: هذا أصَحُّ شيءٍ في البابِ. قِيلَ لأحمدَ: حديثُ ثَوْبانَ ثَبَتَ عِنْدَك؟ قال: نعم. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطِمَةَ: «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (¬2). عَلَّلَ بكَوْنِه دَمَ عِرْقٍ وهذا كذلك. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم. ولأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين. وقِياسُهُم مَنْقُوضٌ بِما إذا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ دُونَ المَعِدَةِ، والبُصاق طاهِرٌ، بخِلافِ هذا. ¬

(¬1) في: باب الوضوء من القيء والرعاف، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 126. (¬2) في: باب في المستحاضة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 197 كما أخرجه البخاري، في: باب غسل الدم، من كتاب الوضوء، وفي: باب الاستحاضة، وباب إقبال المحيض وإدباره، وباب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض من كتاب الحيض. صحيح البخاري 1/ 66، 84، 87، 89، 90. ومسلم، في: باب المستحاضة وغسلها وصَلاتها، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 262. وأبو داود، في: باب في المرأة تستحاض ومن قال لا تدع الصلاة. . . .، وباب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 63 - 65. والنسائي، في: باب ذكر الاغتسال من الحيض، وباب ذكر الأقراء، وباب الفروق بين دم الحيض والاستحاضة، من كتاب الطهارة، وفي: باب ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره، وباب ذكر الأقراء، وباب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 96، 97، 101 - 103، 148، 150، 152. وابن ماجة، في: باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 203، 204. والإمام مالك، في: باب المستحاضة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 61. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 464. والدارمي، في: باب في غسل المستحاضة من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 198.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا القَلِيلُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ. حَكاه القاضي رِوايَةً واحِدَةً. وقال بَعْضُ أصْحابِنا: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَلِيلَ يَنْقُضُ، قِياسًا على الخارِجِ المُعْتادِ. رُوِيَ ذلك عن مُجاهِدٍ. وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ، فيما إذا سالَ الدَّمُ. قال: وإن وَقَف على رَأْسِ الجُرْحِ، لم يَجِبْ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَاءَ أوْ رَعَفَ في صَلَاتِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬1). ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى، أَنَّه قد رُوِيَ ذلك عن جَماعَةٍ مِن الصَّحابَةِ، قال أبو عبدِ اللهِ: عِدَّةٌ مِن الصَّحابَةِ تَكَلَّمُوا فيه، وأبو هُرَيرَةَ كان يُدْخِلُ أصابِعَه في أنْفِه، وابنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً، فخَرَجَ دَمٌ، فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأَ، وابنُ أبي أوْفَى (¬2) عَصَرَ دُمَّلًا، وابنُ عباسٍ قال: إذا كان فاحِشًا فعليه الإِعادَةُ. وجابرٌ أدْخَلَ أصابِعَه في أنْفِه. ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم فكانَ إجماعًا وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، ولم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَّنَ، وقد تَرَكُوا العَمَلَ به، فقالوا: إذا كان دُونَ مِلْءِ الفَمِ، لم يَجِبْ منه الوُضُوءُ. ¬

(¬1) أخرج نحوه ابن ماجة، في: باب ما جاء في البناء على الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة وسننها 1/ 386. والدارقطني، في: باب الوضوء من الخارج من البدن، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 153 - 156. وانظر: نصب الراية 1/ 38. (¬2) أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي الصحابي، شهد بيعة الرضوان، وهو آخر من بقي بالكوفة من الصحابة، توفي سنة ست وثمانين. أسد الغابة 3/ 183.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ الكَثِيرَ الَّذي يَنْقُضُ الوُضوءَ، لا حَدَّ له إلَّا أنْ يَكُونَ فاحِشًا. قيلَ: يا أبا عبدِ اللهِ، ما قَدْرُ الفاحِشِ؟ قال: ما فَحُشَ في قَلْبِك. ورُوي نَحْوُ ذلك عن ابنِ عباسٍ. قال الخَلّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتْ عليه الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ الفاحِشَ ما يَسْتَفْحِشُه كلُّ إنْسانِ في نِفْسِه. لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لا يَرِيبُكَ» (¬1). وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُعْتَبَرُ ما يَفْحُشُ في نُفُوسِ أوْساطِ الناسِ، لا المُتَبَذِّلِينَ، ولا المُوَسْوسِينَ كما رَجَعْنا في يَسِيرِ اللُّقَطَةِ إلى ما لا تَتْبَعُه نُفُوسُ أوْساطِ الناسِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن الكَثِيرِ، فقال: شِبْرٌ في شِبْرٍ. وفي مَوْضِعٍ قال: قَدْرُ الكَفِّ فاحِشٌ. وقال في موضعٍ: إذا كان مِقدارَ ما يَرْفَعُه الإِنْسانُ بأصابِعِه الخَمْسِ من القَيحِ، والصَّدِيدِ، وَالقَىْءِ، فلا بأْسَ به. قيلَ له: فعَشْرُ أصابِعَ. فرآه كَثِيرًا. وقال قَتادَةُ ¬

(¬1) أخرجه الترمذي، في: باب حدثنا عمرو بن علي، من أبواب القيامة. عارضة الأحوذي 9/ 320، 321. والنسائي، في: باب الحث على ترك الشبهات، من كتاب الأشربة. المجتبى 8/ 294.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في مَوْضِعٍ: الدِّرْهَمُ فاحِشٌ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وأصحاب الرَّأي؛ لأنه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمَ مِنَ الدَّمِ» (¬1). والصَّحِيحُ أنَّ ذلك إنَّما يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ، فإنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، وما رَوَوْه فلا يَصِحُّ، قال الحافِظُ المَقْدِسِيُّ (¬2): هو مَوْضُوعٌ (¬3). وقال القاضي: إذا كان الدَّمُ قَطرةً أو قَطْرَتَين، لم يَنْقُضْ، وإن كان قَدْرُه إذا انْفَرَشَ شِبْرًا في شِبْرٍ، نَقَضَ، وما كان بَينَهما ففيه رِوايتان. وقال في القَىْءِ: إن كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان مِثْلَ الحِمَّصَةِ والنَّواةِ، لم يَنْقضْ، رِوايةً واحدةً فيهما، وما بيَنْهَما على رِوايَتَين، وما نَقَلَه الخَلّالُ عنه أوْلَى، لما ذَكَرْنا، ولأنَّ اعْتِبارَ حالِ الإِنْسانِ بما يَسْتَفْحِشُه غيرُه حَرَجٌ، فيَكُونُ مَنْفِيًّا. ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب قدر النجاسة التي تبطل الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 401. (¬2) أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي، ابن القيسراني، الحافظ، له مصنفات ومجموعات تدل على غزارة علمه، وجودة معرفته، توفي سنة سبع وخمسمائة. وفيات الأعيان 4/ 287. (¬3) اللآلئ المصنوعة، للسيوطي 2/ 4، تذكرة الموضوعات 41.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ كالدَّمِ فيما ذَكَرْنا. قال أحمدُ: هما أخَفُّ حُكْمًا مِن الدَّمِ. لوُقُوعِ الخِلافِ فيهما، فإنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحَسَنِ [أنَّهم لم يَرَوا] (¬1) القَيحَ والصَّدِيدَ كالدَّمِ. وقال إسحاقُ: كلُّ ما سِوَى الدَّمِ لا يُوجِبُ وُضُوءًا. وقال مُجاهِدٌ، وعطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ: هو بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ. واخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ مع ذلك إلْحاقُه بالدَّمِ وإثْباتُ مِثْلِ حُكْمِه فيه، قِياسًا عليه، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ، لكن الَّذي يَفْحُشُ منه يَكُونُ أكثَرَ مِن الَّذي يَفْحُشُ مِن الدَّمِ. والقَلْسُ كالدَّمِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ منه ما فَحُشَ. قال الخَلّالُ: الَّذي أجْمَعَ عليه أصحابُ أبي عبدِ اللهِ، أنَّه إذا كان فاحِشًا أعادَ الوُضُوءَ. وقد حُكِى عنه، إذا كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان أقلَّ مِن نِصْفِ الفَمِ لا يَتَوَضَّأُ. ومِمَّن كان يَأْمُرُ بالوُضُوءِ مِن القَىْءِ؛ عليٌّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، ¬

(¬1) في م: «أنهما لم يريا».

134 - مسألة؛ قال: (الثالث، زوال العقل، إلا النوم اليسير

الثَّالِثُ، زَوَالُ الْعَقْلِ إلا النَّوْمَ الْيَسِيرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا. وَعَنْهُ، أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالْسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يسِيرُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. والمذهبُ إلْحاقُه بالدَّمِ؛ لأنَّه في مَعْناه. وهذا قَوْلُ حَمّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ (¬1). وكذلك الحُكْمُ في الدُّودِ الخارِجِ مِن الجُرُوحِ، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ. فأمّا الجُشاءُ والبُصاق، فلا وُضُوءَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك النُّخامَةُ، سَواءٌ خَرَجَتْ مِن الرَّأْسِ أو مِن الصَّدْرِ، لأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا هي في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّها طاهِرَةٌ، أشْبَهَتِ البُصاقَ. واللهُ أعلمُ. 134 - مسألة؛ قال: (الثَّالِثُ، زَوالُ العَقْلِ، إلَّا النَّوْمَ اليَسِيرَ ¬

(¬1) أبو إسماعيل حماد بن مسلم بن أبي سليمان الكوفي، أحد أئمة الفقهاء، وشيخ أبي حنيفة، توفي =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جالسًا أو قائِمًا. وعنه، أنَّ نَوْمَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ لا يَنْقُضُ يَسِيرُه) زَوالُ العَقْلِ على ضَرْبَينِ؛ نَوْمٍ، وغيرِه. فأمّا غيرُ النَّوْمِ، وهو الجُنُونُ والإِغْماءُ والسُّكْرُ، ونَحْوُه مِمّا يُزِيلُ العَقْلَ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ يَسِيرُه وكَثِيرُه إجْماعًا، ولأنَّ في إيجابِ الوُضُوءِ على النّائِمِ تَنْبِيهًا على وُجُوبِه بِما هو آكَدُ مِنه. الضَّربُ الثاني، النَّوْمُ، وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في الجُمْلَةِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا ما حُكِي عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ وأبي مِجْلَزٍ (¬1)، أنَّه لا يَنْقُضُ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنامُ مِرارًا مُضْطَجِعًا يَنْتَظِرُ الصلاةَ، ثم يُصَلِّي ولا يُعِيدُ الوُضُوءَ. ولَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ النومَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «العَينُ وكَاءُ السَّهِ (¬2)، فمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ». رَواهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَة (¬3). وقولُ ¬

= سنة عشرين ومائة. الجواهر المضية 2/ 150 - 152. (¬1) أبو مجلز لاحق بن حميد بن سعيد البصري، تابعي، ثقة، له أحاديث، توفي منة مائة، أو بعد المائة. تهذيب التهذيب 11/ 171، 172. (¬2) الوكاء: ما تشد به رأس القربة ونحوها. والسه: من أسماء الدبر. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 46. وابن ماجة، في: باب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 161. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 111.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: لكنْ مِن غائطٍ وبَولٍ ونَوْمٍ. حديثٌ صحيحٌ (¬1). ولأنَّ النومَ مَظِنَّةُ الحَدَثِ، فأُقِيم مُقامَه، كالْتِقاءِ الخِتانَين في وُجُوبِ الغُسْلِ، أُقِيم مُقامَ الإِنْزالِ. إذا ثَبَت هذا، فالنَّوْمُ يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ: أحَدُها، نَوْمُ المُضْطَجِعِ، فيَنْقُضُ يَسِيرُه وكَثِيرُه، عندَ جَمِيعِ القائِلِين بنَقضِ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ. الثاني، نَوْمُ القاعِدِ، فإن كان كثيرًا نَقَض، رِوايَةً واحِدَةً، وإن كان يسيرًا لَم يَنْقُضْ. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال قَوْمٌ: متى خالطَ النَّوْمُ القَلْبَ نَقَض بكلِّ حالٍ. وهذا قولُ الحسنِ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ. ورُوي مَعْنى ذلك عن أبي هُرَيرَةَ، وابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمُوم الأحاديث الدَّالَّةِ على أنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ. ولَنا، ما روَى مسلمٌ (¬2)، عن أنَسٍ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنامُون، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّئُون. وعنه قال: ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 12. (¬2) في: باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 284. كما أخرجه الترمذي، في: باب الوضوء من النوم، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 104.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان أصحابُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عَهْدِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْتَظِرُون العِشاءَ الآخِرَةَ حتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُم، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّؤُن. رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّ النَّوْمَ يَكْثُرُ مِن مُنْتَظِرِى الصلاةِ، فعُفِي عنه لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه. وقال الشافعيُّ: لا يَنْقُضُ وإن كَثُرَ، إذا كان القاعِدُ مُتَمَكِّنًا مُفْضِيًا بمَحَلِّ الحَدَثِ إلى الأرضِ، لحَدِيثَيْ أنسٍ، وبهما يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الحَدِيثَينِ الأوَّلَين، ولأنَّه مُتَحَفِّظٌ عن خُرُوجِ الحَدَثِ، فلم يَنْقضْ، كاليَسِيرِ. ولَنا، عُمُومُ الحديثَين الأوَّلَين، خَصَّصْناهُما بحديثِ أنسٍ، وليس فيه بَيانُ كَثْرَةٍ ولا قِلَّةٍ، فحَمَلْناه على القَلِيلِ، لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ عليه مُحْتَمِلٌ لا يُتْرَكُ له العُمُومُ المُتَيَقَّنُ، ولأنَّ نَقْضَ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ مُعَلَّلٌ بإِفْضائِه إلى الحَدَثِ، ومع الكَثْرَةِ والغَلَبَةِ لا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ اليَسِيرِ، وبهذا فارَقَ اليَسِيرُ الكَثِيرَ، فلا يَصِحُّ قياسُه عليه. الثالثُ، ما عدا ذلك، وهو نَوْمُ القائِمِ والرَّاكِعِ والسّاجِدِ، ففيه رِوايتَان؛ إحْداهما، يَنْقُضُ. وهو قَوْلُ الشافعيِّ، لأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، ¬

(¬1) في: باب في الوضوء من النرم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 45.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لكَوْنِ القاعِدِ مُتَحَفِّظًا مُعْتَمِدًا (¬1) بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، فهو أبْعَدُ مِن خُرُوجِ الخارِجِ، بخِلافِ غيرِه. والثانيةُ، حُكْمُه حُكْمُ الجالِسِ قِياسًا عليه، ولأنَّه على حالةٍ مِن أحْوالِ الصلاةِ، أشْبَهَ الجالِسَ. والظّاهِرُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، التَّسْويَة بينَ نَوْمِ القائِمِ والجالِسِ. وهذا قولُ الحَكَمِ، وسُفْيانَ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: بِتُّ لَيلَةً عندَ خالتِي مَيمُونَةَ، فقُلتُ لها: إذا قامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأيقِظِيني. فقامَ - صلى الله عليه وسلم -، فقُمْتُ إلى جَنْبِه الأيسَرِ، فأخَذَ بيَدِي فجَعَلَنِى في شِقِّه الأيمَنِ، فجَعَلْتُ إذا أغْفَيتُ يَأْخُذُ بشَحْمَةِ أُذُنِي. رَواه مسلمٌ (¬2). ولأنَّهما يَشْتَبِهان في الانْخِفاضِ واجْتِماعِ المَخْرَجِ، ورُبَّما كان القائِمُ أبْعَدَ مِن الحَدَثِ، لكَوْنِه لو اسْتَثْقَل في النَّوْمِ سَقَط، ¬

(¬1) في م: «متعمدًا». (¬2) في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 528.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فأمّا الراكِعُ والسّاجدُ فالطاهِرُ إلْحاقُهُما بالمُضْطَجِعِ؛ لأنَّه يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ، فلا يَتَحَفَّظُ، فهو كالمُضْطَجعِ. ويَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بينَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ، فيُلْحَقُ الرّاكِعُ بالقائِمِ؛ لَكَوْنِه لا يَسْتَثْقِلُ في النَّوْمِ، إذْ لو اسْتَثْقَل سَقَط، فالظّاهِرُ أنَّه يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ السَّاجِدِ، فإنَّه يَعْتَمِدُ بأعْضائِه على الأرضِ ويَسْتَثْقِلُ في النَّوْم، فيُشْبِهُ المُضْطجِعَ، فلا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً عن أَحمدَ، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا نَوْمُ السّاجِدِ وَحْدَه. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في القاعِدِ المُسْتَنِدِ والمُحْتَبِي، فعنه: لا يَنْقُضُ يَسِيرُه، كالقاعِدِ الَّذي ليس بمُسْتَنِدٍ. وعنه: يَنْقُضُ بكلِّ حالٍ. وهو ظاهِرُ المذهبِ. قال القاضي: متى نامَ مُضْطَجِعًا أو مُسْتَنِدًا، أو مُتَّكِئًا إلى شيءٍ، متى أُزِيلَ عنه سَقَط، نَقَض الوُضُوءَ قَلِيلُه وكَثِيرُه؛ لأنَّه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُعْتَمِدٌ على شيءٍ، فهو كالمُضْطَجِعِ. وعنه ما يَدُلُّ على التَّفْرِقَةِ بَينَ المُحْتَبِي والمُسْتَنِدِ، فإنَّه قال في روايَةِ أبي داودَ: المُتَسانِدُ كأنَّه أشَدُّ. يَعْنِي مِن المُحْتَبِي. قال شَيخُنا (¬1): والأوْلَى أنَّه متى كان مُعْتَمِدًا بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، أن لا يَنْقُضَ منه إلَّا الكثيرُ؛ لأنَّ دَلِيلَ انْتِفاءِ النَّقْضِ في القاعِدِ لا تَفْرِيقَ فيه، فيُسَوَّى بينَ أحْوالِه. فصل: واخْتَلَفَ أصحابُنا في حَدِّ اليَسِيرِ مِن النَّوْمِ الَّذي لا يَنْقُضُ، فقال القاضي: ليس للقَلِيلِ حَدٌّ يُرْجَعُ إليه، فعلى هذا يُرْجَعُ إلى العُرْفِ. وقِيلَ: حَدُّ الكَثِيرِ ما يَتَغَيَّرُ به النّائِمُ عن هَيئَتِه، مِثْلَ أن يَسْقُطَ على الأرضِ، أو يَرَى حُلْمًا. قال شَيخُنا (¬2): والصَّحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يُعْلَمُ بالتَّوْقِيفِ، ولا تَوْقِيفَ، فمتى وُجِدَ ما يَدُلُّ على الكَثْرَةِ، مِثْلَ سُقُوطِ المُتَمَكِّنِ، انتَقَض وُضُوءُه، وإلَّا فلا، وإن شَكَّ في كَثْرَتِه لم يَنْتَقِضْ؛ لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 237. (¬2) انظر: المغني 1/ 237.

135 - مسألة: (الرابع، مس الذكر بيده، ببطن كفه أو بظهره)

الرَّابِعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ، بِبَطنِ كَفِّهِ، أَوْ بِظَهْرِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والنَّوْمُ الغَلَبَةُ علي العَقْلِ، فمَنْ لم يُغْلَبْ على عَقْلِه فلا وضوءَ عليه. وقال بَعْضُ أهلِ اللُّغَةِ، في قولِهِ تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} (¬1). السِّنَةُ ابْتِداءُ النُّعاسِ في الرَّأْسِ، فإذا وَصَل إلى القَلْبِ صارَ نَوْمًا، قال الشاعرُ (¬2): وَسْنانُ أقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ … في عَينِه سِنَةٌ وليس بنائِمِ ولأنَّ النّاقِضَ زَوالُ العَقْلِ، فمتى كان العقلُ ثابِتًا وحِسُّه غيرَ زائِلٍ، مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ عندَه ويَفْهَمُه، لم يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ. وإن شَكَّ في النَّوْمِ، أو خَطرَ ببالِه شيءٌ لا يَدْرِي أرُؤْيا أو حَدِيثُ نَفْسٍ، فلا وُضُوءَ عليه. 135 - مسألة: (الرابعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بيَدِه، ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه) ¬

(¬1) سورة البقرة 255. (¬2) البيت لعدي بن الرقاع، وهو في تفسير الطبري (شاكر) 5/ 255. وانظر لتخريجه وشرحه حاشيته.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في مَسِّ الذَّكَرِ على ثلاثِ رِواياتٍ، إحْداها، لا يَنْقُضُ بحالٍ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيفَةَ (¬1)، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (¬2)، وأبي الدَّرْداءِ (¬3). وهو قولُ رَبِيعَةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحاب الرَّأْي؛ لما روَى قَيسُ بنُ طَلْقٍ، عن أبيه، قال: كُنتُ جالِسًا عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال رجلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي -أو- الرجلُ يَمَسُّ ذَكَرَه في الصلاةِ، عليه وُضُوءٌ؟ قال: «لَا، إنَّمَا هُوَ ¬

(¬1) أبو عبد الله حذيفة بن اليمان (حسل) بن جابر العبسي الصحابي، من أعيان المهاجرين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أسر إليه أسماء المنافقين، فسمى صاحب السر، توفي بعد عثمان بن عفان رضي الله عنه. سير أعلام النبلاء 2/ 361 - 369. (¬2) أبو نجيد عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي الصحابي، وكان ممن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع على رضي الله عنه، توفي سنة اثنتين وخمسين. سير أعلام النبلاء 2/ 508 - 512. (¬3) أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، حكيم الأمة، وسيد القراء بدمشق، توفي سنة اثنتين وثلاثين. سير أعلام النبلاء 2/ 335 - 353.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَضْعَةٌ مِنْكَ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ (¬1). ولأنَّه عُضْوٌ منه (¬2)، فلم يَنْقضْ، كسائِرِ أعضائِه (¬3). والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ. وهي ظاهِرُ المذهبِ. وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وعُرْوَةَ، وسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ (¬4)، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وهو المَشْهُورُ عن مالكٍ؛ لما رَوَتْ بُسْرَةُ بنتُ صَفْوانَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَسَّ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الرخصة في مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 411. والنسائي، في: باب ترك الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 84. والترمذي، في: باب ترك الوضوء من مس الذكر، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 116. وابن ماجة، في: باب الرخصة في مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 163. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 22، 23. (¬2) ساقطة من: «م». (¬3) في م: «الأعضاء». (¬4) أبو أيوب سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، ويقال كان مكاتبا لأم سلمة، كان من علماء الناس بعد ابن المسيب ومن فقهاء المدينة، مات سنة سبع ومائة. تهذيب التهذيب 4/ 228 - 230.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». وعن جابرٍ مِثْلُ ذلك. رَواهُما ابنُ ماجَه (¬1). قال التِّرْمِذِيُّ: حديثُ بُسْرَةَ حسنٌ صحيحٌ. وقال البُخارِيُّ: أصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ بُسْرَةَ. وصَحَّحَه الإِمامُ أحمدُ. فأمّا حديثُ قَيس، فقال أبو زُرْعةَ وأبو حاتِمٍ (¬2): قَيسٌ مِمَّن لا تَقُومُ برِوايَتِه حُجَّةٌ. ووَهَّناه. ولم يُثْبِتاه. ثم إنَّ حَدِيثَنا مُتأخِّرٌ، لأنَّ أبا هُرَيرَةَ قد رَواه (¬3)، وهو مُتأخِّرُ الإِسلام، إنَّما صَحِبَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أربعَ سِنِينَ، وكان قُدُومُ طَلْقٍ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم يُؤْسِّسُونَ المسجدَ، فيَكُونُ حَدِيثُنا ناسِخًا له. وقياسُ الذَّكَرِ على سائِرِ البَدَنِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به أحكامٌ يَنْفَرِدُ بها؛ مِن وُجُوبِ الغُسْلِ بإيلاجِه والحَدِّ والمَهْرِ، وغيرِ ذلك. والرِّوايَةُ الثالثةُ، لا يَنْقُضُ إلَّا أن يَقْصِدَ مَسَّه، قال أحمدُ بنُ الحُسينِ (¬4): قِيلَ ¬

(¬1) في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 162 كما أخرج حديث بسرة أبو داود، في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 41. والترمذي، في: باب الوضوء من مس الذكر، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 114. والنسائي، في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتابي الطهارة والغسل. المجتبى 1/ 83، 84، 177. والدارمي، في: باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 184، 185. والإمام مالك، في: باب الوضوء من مس الفرج، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 42. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 406، 407. (¬2) محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الرازي، أبو حاتم. الإمام الحافظ الكبير الحجة، أحد الأئمة الأعلام. توفي سنة سبع وسبعين ومائتين. مقدمة الجرح والتعديل، تهذيب التهذيب 9/ 31 - 34. (¬3) أخرجه الدارقطني، في: باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 147. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 333. (¬4) أحمد بن الحسين بن حسان، من أهل سر من رأى صحب الإمام أحمد، وروى عنه أشياء. طبقات الحنابلة 1/ 39.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأحمدَ: الوُضُوءُ مِن مَسِّ الذَّكَرِ؛ فقال: هكذا. وقَبَض على يَدِه. يَعْنِي إذا قَبَض عليه. وهو قولُ مَكْحُولٍ. وقال طاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وحُمَيدٌ الطَّويل (¬1): إن مَسَّه يُرِيدُ وُضُوءًا، وإلَّا فلا شيءَ عليه، لأنَّه لَمْسٌ، فلا يَنْقُضُ الوُضُوءَ لغيرِ قَصْدٍ كلَمْسِ النِّساءِ. وسَواءٌ مَسُّه ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه. وهذا قولُ عَطاءٍ، والأوْزاعِيِّ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ: لا يَنْقُضُ مَسُّه بظاهِرِ الكَفِّ. وحَكاه أبو الخَطابِ رِوايَةً عن أحمدَ؛ لأنَّه ليس بآلَةٍ للْمَسِّ، فأشْبَهَ ما لو مَسَّه (¬2) بفَخِذِه. ولَنا، قَوْلُ ¬

(¬1) أبو عبيدة حميد بن أبي حميد الطويل الخزاعي، مولاهم، بصري ثقة، توفي سنة اثنتين وأربعين ومائة. تهذيب التهذيب 3/ 38 - 40. (¬2) في م: «مسحه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أفْضَى بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ، لَيسَ دُونَه سِتْرٌ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيهِ الْوُضُوءُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ (¬1). وظاهِرُ كَفِّه مِن يَدِه، وإلإِفْضاءُ اللَّمْسُ مِن غيرِ حائِلٍ. ولأنَّه جُزْءٌ مِن يَدِه أشْبَهَ باطِنَ الكَفِّ. وإنَّما يَنْتَقِضُ وُضُوءُه إذا لَمَسَه مِن غيرِ حَائِلٍ؛ لِما ذَكَرْنا. وذَكَر القاضي عن أحمدَ رِوايَةً، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا مَسُّ الثَّقْبِ الَّذي في رَأْسِ الذَّكَرِ، ولا يَنْقُضُ لَمْسُ غيرِه. قال: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لعُمُوم الأحادِيثِ الدّالَّةِ على النَّقْضِ، وذكر أبو الخَطّابِ رِوايَةً عن أحمدَ (¬2)، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا لَمْسُ الحَشَفَةِ خاصَّةً. والأوَّلُ أصَحُّ، لعُمُومِ النَّصِّ. ¬

(¬1) انظر تخريج حديث أبي هريرة المتقدم قبل قليل. (¬2) سقط من: «م».

136 - مسألة؛ قال: (ولا ينقض مسه بذراعه)

وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 136 - مسألة؛ قال: (ولا يَنْقُضُ مَسُّه بذِراعِه). وعنه، يَنْقُضُ؛ لأنَّه مِن يَدِه، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ، لأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ على مُطْلَقِ اليَدِ في الشَّرْعِ إنَّما يَنْصَرِف إلى الكُوعِ، بدَلِيلِ قَطْعِ السّارِقِ وغَسْلِ اليَدِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ، ولأنَّه ليس بآلةٍ لِلْمَسِّ، أشْبَهَ العَضُدَ، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بالعَضُدِ، فإنَّه لا خِلافَ بينَ العُلَماءِ فيه. فصل: ولا فَرْقَ بينَ ذَكَرِه وذَكَرِ غيرِه، خِلافًا لداودَ، قال: لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في ذَكَرِه. ولَنا، أنَّه إذا نَقَض الوُضُوءَ مَسُّ ذَكَرِه مع كَوْنِ الحاجَةِ تَدْعُو إلى مَسِّه، وهو جائِزٌ، فَلَأنْ يَنْتَقِضَ بمَسِّ ذَكَرِ غيرِه مع كَوْنِه مَعْصِيَة أَولَى، ولأنَّ نَصَّه على نَقْضِ الوُضوءِ بمَسِّ ذَكَرِه مع أنِّه لم يَهْتِكْ حُرْمَةً، تَنْبِيهٌ على نَقْضِه بِمَسِّ ذَكَرِ غيرِه. ولأنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ خَبَرِ بُسْرَةَ: «مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ». وحُكْمُ ذَكَرِ الكِبيرِ والصَّغِيرِ واحِدٌ. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال الزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ: لا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ الصَّغِيرِ، لأنَّه يَجُوزُ مَسُّه، والنَّظر إليه، بخِلافِ الكبيرِ، ولما رُوِيَ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مَسَّ زُبَيبَةَ الحَسَنِ ولم يَتَوَضَّأْ (¬1). وذَكَرَه الآمِدِىُّ رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ، وخَبَرُهم ليس بثابِتٍ، ثم ليس فيه ¬

(¬1) أخرج البيهقي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قبل زبيبة الحسن. السنن الكبرى 1/ 137. وانظر: تلخيص الحبير 1/ 127.

137 - مسألة: (وفي مس الذكر المقطوع وجهان)

وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّه صَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يَتَوَضَّأْ في مَجْلِسِه ذلك، وجَوازُ مَسِّه والنَّظرِ إليه يَبْطُلُ بذَكَرِ نَفْسِه. وذَكَرُ المَيِّتِ كذَكَرِ الحَيِّ؛ لبَقاءِ الاسمِ والحُرْمَةِ، وهو قولُ الشافعيِّ. وقال إسحاقُ: لا وُضُوءَ عليه. وهو قَوْلُ بَعْضِ أصحابِنا، كالمرأةِ المَيِّتَةِ. 137 - مسألة: (وفي مَسِّ الذَّكَرِ المَقْطُوع وَجْهانِ) أحَدُهما، ينْقُضُ، لبَقاءِ اسم الذَّكَرِ. والثاني، لا يَنْقُضُ، لذَهابِ الحُرْمَةِ، فهو كيَدِ المرأةِ المَقْطُوعَةِ. ولو مَسَّ القُلْفةَ التي تُقْطعُ في الخِتانِ قبلَ قَطْعِها، انْتَقَضَ وُضُوءُه، لأنَّها مِن جُمْلَةِ الذَّكَرِ، وإن مَسَّها بعدَ القَطْعِ، فلا وُضُوءَ عليه، لزَوالِ الاسمِ والحُرْمَةِ، وإنِ انْسَدَّ المَخْرَجُ وانْفَتَحَ غيرُه، لم يَنْقُضْ مَسُّه، لأنَّه ليس بفَرْجٍ.

138 - مسألة: (وإذا لمس قبل الخنثى المشكل وذكره، انتقض وضوءه. وإن مس أحدهما، لم ينتقض، إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة)

وَإذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، فَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ، إلا أن يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 138 - مسألة: (وإذا لَمَسَ قُبُلَ الخُنْثَى المُشْكِلِ وذَكَرَه، انْتَقَضَ وُضُوءُه. وإن مَسَّ أحَدَهُما، لم يَنْتَقِضْ، إلَّا أن يَمَسَّ الرَّجلُ ذَكَرَه لشَهْوَةٍ) لَمْسُ الخُنْثَى المُشْكِلِ يَنْقَسِمُ أربعةَ أقسامٍ، أحَدُها، أن يَمَسَّ فَرْجِ نَفْسِه، فمتى لَمَس أحَدَ فَرْجَيه لم ينْتَقِضْ وُضُوءُه؛ لِجَوَازِ أن يَكُونَ خِلْقَةَ زائِدَةً. وإن لَمَسَهُما جميعًا، انْتَقَض وُضوءُه إن قُلْنا: إنَّ مَسَّ المرأةِ فَرْجَها يَنْقُضُ الوُضوءَ. لأنَّ أحَدَهما فَرْجٌ بيَقِينٍ، وإلَّا فلا. الثاني، أن يَكُونَ اللّامِسُ رجلًا، فإن مَمسَّهُما جميعًا لغيرِ شَهْوَةٍ، فهي كالتي قَبْلَها. وإن مَسَّهُما لشهوةٍ، انْتَقَض وُضُوءُه في ظاهِرِ المذهبِ، لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّ ذَكَرَه، وإن كان أُنْثَى فقد مَسَّها لشهوةٍ، وكذلك الحُكْمُ إذا لَمَس ذَكَرَه لشَهْوَةٍ، لما ذَكَرْنا. فأمّا إن مَسَّ القُبُلَ وَحْدَه، أو مَسَّ الذَّكَرَ لغيرِ شهوةٍ، لم يَنْتَقِضْ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ خِلْقَةً زائِدَةً، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ المُلامَسَةَ تَنْقُضُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ. فإنَّه يَنْتَقِضُ بلَمْسِ الذَّكَرِ وَحْدَه؛ لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّ ذَكَرَه، وإن كانت أُنْثَى فقد مَسَّها. الثالثُ، أن تكونَ امرأةً، فإن مَسَّتْهُما جميعًا انْتَقَضَ وُضُوءُها، إن قُلْنا: إنَّ مَسَّ فَرْجِ المرأةِ يَنْقُضُ الوُضوءَ. وإلَّا فلا. وإن مَسَّتْ أحَدَهُما لغيرِ شَهْوَةٍ لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُها. وكذلك إن مَسَّتِ الذَّكَرَ لشهوةٍ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ خِلْقَةً زائِدَةَ مِن امرأةٍ. وإن مَسَّتِ الفَرْجَ لشَهْوَةٍ، انْتَقَضَ وُضُوءُها في ظاهِرِ المَذْهَبِ، لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّتْه لشهوةٍ، وإن كانت أُنْثَى فقد مَسَّتْ فَرْجَها. الرابعُ، أن يكونَ اللّامِسُ خُنْثَى مُشْكِلًا، فإن مَسَّ أحَدَهُما لم يَنْتَقِضْ، سَواءٌ كان لشَهْوَةٍ أوْ لا. وإن مَسَّهما جَمِيعًا انتقَضَ وُضُوءُه، إذا قُلْنا: إنَّ مَسَّ الفَرْجِ يَنْقُضُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الوْضوءَ. وإن مَسَّ أحَدُ الخُنْثَيين ذَكَرَ الآخَرِ، ومَسَّ الآخَرُ فَرْجَه، وكان اللَّمْسُ لشَهْوَةٍ، انْتَقَض وُضوءُ أحَدِهِما قَطْعًا، لأنَّهما إن كانا ذَكَرَين فقد وُجِدَ بَينَهُما لمسُ ذَكَرٍ، وإن كانا أُنْثَيَين فقد وُجِد بينَهما مَسُّ فَرْجِ امرأة، وإن كانا ذَكَرًا وأُنْثَى فقد وُجِدَتْ بَينَهما مُلامَسَةٌ لشهْوَةٍ، ولا يُحْكَمُ بنَقْضِ وُضوءِ واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنُ الطهارةِ، شَاكٌّ في الحَدَثِ. وإن كان لغيرِ شَهْوَةٍ لِم يَنْتَقضْ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ المَمْسُوسُ ذَكَرُه امرأةً، والمَمْسُوسُ فَرْجُه رجلًا. وإن مَسَّ كلُّ واحِدٍ منهما ذَكَرَ الآخَرِ أو قُبُلَه لم يَنْتَقِضْ؛ لاحْتِمالِ أن يَكُونا امرَأتَين في الأولَى ورَجُلَين في الثّانِيَةِ. واللهُ أعلم.

139 - مسألة: (وفي مس الدبر، ومس المرأة فرجها روايتان)

وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ وَمَسِّ الْمَرْأةِ فْرْجهَا رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 139 - مسألة: (وفي مَسِّ الدُّبُرِ، ومَسِّ المرأةِ فَرْجَها رِوايَتان) إحْداهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأ». رواه ابنُ ماجَه عن أُمِّ حَبِيبَةَ (¬1). قال أحمدُ، وأبو زُرْعَةَ: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ صَحِيحٌ. وبه قال الشافعيّ في مَسِّ الدُّبُرِ. ولأنَّه أحَدُ الفَرْجَين، أشْبَه الذَّكَرَ. والثانيةُ، لا يَنْقُضُ. قال الخَلّالُ: العَمَلُ والأشْيَعُ في قولِه، أنَّه لا يَتَوَضَّأ مِن مَسِّ الدُّبُرِ. وكذلك روَى المَرُّوذيُّ، أنَّه قِيل لأحمدَ، في الجارِيِةَ إذا مسَّتْ فَرْجَها: عليها وُضُوء؟ قال: لم أسْمَعْ في هذا بشيء. لأنَّ الحديثَ المَشْهُورَ إنَّما هو في مَسِّ الذَّكَرِ، وهذا ليس في مَعْناه؛ لأنَّه لا يَقْصِدُ مَسَّه، ولا يُفْضِي إلى خُرُوجِ خارِجٍ، فلم يَنْقُضْ، كلَمْسِ الأَنْثَيَين. ¬

(¬1) في: باب الوضوء من مس الفرج، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 162.

140 - مسألة؛ قال: (وعنه: لا ينقض مس الفرج بحال)

وَعَنْهُ، لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ بِحَالٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 140 - مسألة؛ قال: (وعنه: لا يَنْقُضُ مَسُّ الفَرْجِ بحال) لحَدِيثِ قَيسِ بن طَلْقٍ (¬1)، وقِياسًا على سائِرِ الأعْضاءِ. فصل: ولا يَنْتَقِضُ (¬2) الوُضُوءُ بِمَسِّ غيرِ الفرْجَين مِن البَدَنِ في قَوْلِ الأَكْثَرين، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عُرْوَةَ الوُضوءُ مِن مَسِّ الأنْثَيَين. وقال عِكْرِمَةُ: مَن مَسَّ ما بينَ الفَرْجَين فليَتَوَضَّأ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنى المَنْصُوصِ. ولا يَنْتَقِضُ وُضوءُ المَلْمُوسِ فَرْجُه أيضًا؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّما وَرَدَتْ في اللّامِسِ. ولا يَنْتَقِضُ بمَسِّ فَرْجِ البَهِيمَةِ. وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: عليه الوُضُوءُ. وما عليه الجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصِ، ولا هو (¬3) في مَعْناه. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 27. (¬2) في م: «ينقض». (¬3) زيادة من: «م».

141 - مسألة: (الخامس، أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة. وعنه: لا ينقض. وعنه: ينقض لمسها بكل حال)

الْخَامِسُ، أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أنْثَى لِشَهْوَةٍ. وَعَنْهُ، لَا يَنْقُضُ. وَعَنْهُ، يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 141 - مسألة: (الخامسُ، أن تَمَسَّ بَشَرَتُه بَشَرَةَ أُنْثَى لشَهْوَةٍ. وعنه: لا يَنْقُضُ. وعنه: يَنْقُضُ لمْسُها بكلِّ حالٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رحمه الله، في المُلامَسَةِ، فرُوىَ عنه أنَّها تَنْقُضُ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ويُرْوَى إيجابُ الوُضُوءِ مِن القُبْلَةِ مُطْلَقًا عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، والزُّهْرِيِّ، وعَطاءٍ، والشّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِيِّ، لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (¬1). قال ابنُ مسعودٍ: القُبْلَةُ مِن اللمْسِ وفِيها ¬

(¬1) سورة المائدة 6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الوُضُوءُ. رَواه الأثْرَمُ. وروى عن أحمدَ رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يَنْقُضُ بحالٍ. يُروَى ذلك. عن ابنِ عباسٍ. وهو قولُ طاوسٍ، والحسنِ، ومَسْرُوقٍ (¬1). وبه قال أبو حَنِيفَةَ وصاحِباه. وقال قَوْمٌ: مَن قَبَّلَ حَلالًا فلا وُضُوءَ عليه، ومَن قَبَّل حَرامًا فعليه الوُضوءُ. وهو قولُ عَطاءٍ. فإن باشَرَ لشَهْوَةٍ وليس بينهما ثَوْبٌ، وانْتَشَرَ، فعليه الوُضُوءُ في قَوْلِ أبي حنيفةَ، ويعقوبَ. وقال محمدٌ: لا وُضُوءَ عليه، إلَّا أن يَخْرُجَ منه شيءٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَبَّلَ عائِشَةَ، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ (¬2) مِن رِواية التَّيمِيِّ (¬3)، وقالا: لم يَسْمَعْ مِن عائشةَ. وقال ¬

(¬1) أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي التابعي الفقيه العابد، توفي سنة ثلاث وستين. طبقات الفقهاء للشيرازي 79، تهذيب التهذيب 20/ 109 - 111. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الوضوء من القبلة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 40. والترمذي، في: باب ترك الوضوء من القبلة، من كتاب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 124. والنسائي، في: باب ترك الوضوء من القبلة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 86، 87. (¬3) أبو أسماء إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي الكوفي، كان من العباد، مات ولم يبلغ أربعين سنة، توفي سنة اثنتين وتسعين. تهذيب التهذيب 1/ 176، 177.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّسائِيّ: ليس في هذا البابِ شيءٌ أحْسَنُ من هذا الحديثِ، وإن كان مُرسَلًا. وعن عائشةَ، رَضِي اللهُ عنها، قالت: فَقَدْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيلَةً منِ الفِراش فالْتَمَسْتُه، فوَقَعَتْ يَدِي على بَطنِ قَدَمِه وهو في المسجدِ، وهما مَنْصُوبَتانِ. رَواه مسلمٌ (¬1). وعنها، قالت: كُنتُ أنامُ بينَ يَدَي ¬

(¬1) في: باب ما يقال في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 352.كما أخرجه أبو داود، في: باب في الدعاء في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 203. والترمذي، في: باب في دعاء الوتر، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذي 1/ 72. والنسائي، في: باب ترك الوضوء من مسِّ الرجل امرأته من غير شهوة، من كتاب الطهارة، وفي: باب نصب القدمين في السجود، وباب نوع آخر من باب الدعاء في السجود، من كتاب التطبيق، وفي: باب الاستعاذة برضاء الله من سخط الله تعالى، من كتاب الاستعاذة. المجتبى 1/ 85، 2/ 166، 176، 8/ 250. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القنوت في الوتر، من كتاب إقامة الصلاة، وفي: باب ما استعاذ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الدعاء. سنن ابن ماجه 1/ 373، 2/ 1263. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الدعاء، من كتاب مسّ القرآن. الموطأ 1/ 214. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 58، 201. وفي الباب عن علي، رضي الله عنه، في ذكر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أخرجه أبو داود، في: باب القنوت في الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 329. والنسائي، في: باب الدعاء في الوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 206. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 96، 118، 150.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ورِجْلايَ في قِبْلَتِه، فإذا سَجَد غَمَزَنِي فقَبَضْتُ رِجْلَيَّ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وللنَّسائِيِّ: مَسَّنِي برِجْلِه (¬2). والآَيةُ أُرِيدَ بها الجِماعُ، قاله ابنُ عباسِ. ولأنَّ المُرادَ بالمَسِّ الجِماعُ، فكذلك اللَّمْسُ. ولأنَّه ذَكَره بلَفْظِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ لا تَكُونُ مِن أقَلَّ مِن اثْنَين. والرِّوايَةُ الثالثةُ وهي ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّه يَنْقُضُ إذا كان لشَهْوةٍ ولا يَنْقُضُ لغَيرِها، جمْعًا بينَ الآية والأخبارِ. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وهو حامِلٌ أُمامَةَ بنتَ أبي العاصِ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب الصلاة على الفراش، وباب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد، وباب التطوع خلف المرأة، من كتاب الصلاة، وفي: باب ما يجوز من العمل في الصلاة، من أبواب العمل في الصلاة. صحيح البخاري 1/ 107، 136، 138، 2/ 81. ومسلم، في: باب الاعتراض بين يدي المصلي، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 366. كما أخرجه أبو داود، في: باب من قال: المرأة لا تقطع الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 163. والنسائي، في: باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 85. وابن ماجه، في: باب من صلى وبينه وبين القبلة شيء، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 307. والدارمي، في: باب المرأة تكون بين يدي المصلي، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 328. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صلاة الليل، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 117. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 37، 55، 126، 134، 200، 225، 255، 260، 275. (¬2) انظر التخريج السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ الرَّبِيعِ، إذا سَجَد وَضَعَها، وإذا قامَ حَمَلَها. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). والظّاهِرُ أنَّه لا يَسْلَمُ مِن مَسِّها. ولأنَّ اللَّمْسَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، وإنَّما هو داعٍ إلى الحَدَثِ، فاعْتُبِرَتِ الحالةُ التي يَدْعُو فيها إلى الحَدَثِ، وهي حالةُ الشَّهْوَةِ. ولأنَّه لَمْسٌ لغيرِ شهوةٍ فلم يَنْقُضْ، كلَمْسِ ذَواتِ المَحارِمِ. وهذا مذهبُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِيّ، وإسحاقَ. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، وذَواتِ المَحارِمِ وغَيرِهِنَّ. وقال الشافعيُّ في أحَدِ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح البخاري 1/ 137. ومسلم، في: باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، من كتاب المساجد ومواقع الصلاة. صحيح مسلم 1/ 385، 386.كما أخرجه أبو داود، في: باب العمل في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 211. والنسائي، في: باب حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 10. والإمام مالك، في: باب جامع الصلاة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 170.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَوْلَيه: لا يَنْقُضُ لمْسُ ذاتِ المَحْرَمِ، ولا الصَّغِيرَة؛ لأنَّ لَمْسهَما لا يُفْضِي إلى خُرُوجِ خارِج، أشْبَه لَمْسَ الرجلِ. ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، واللَّمْسُ النّاقِضُ مُعْتَبَرٌ بالشَّهْوَةِ، فمتى وُجِدَتْ فلا فَرْقَ بينَ الجَمِيعِ. فأمّا لَمْسُ المرأةِ المَيِّتةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَنْقُضُ. اخْتارَه القاضي؛ لعُمُومِ الآيةِ، وكما يَجِبُ الغُسْلُ بوَطْئِها. والثاني، لا يَنْقُضُ. اخْتارَه الشرَّيفُ أبو جَعفَرٍ، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للشَّهْوَةِ، فهي كالرجلِ. فصل: ولا يَخْتَصُّ اللَّمْسُ النّاقِضُ باليَدِ، بل أيُّ شيءٍ منه لاقَى شيئًا مِن بَشَرَتِها مع الشَّهْوَةِ، انْتَقَضَ الوُضُوءُ به، سَواءٌ كان عُضْوًا أصْلِيًّا، أو زائِدًا. وحُكِي عن الأوْزاعِي، لا يَنْقُضُ اللّمْسُ إلَّا بأحَدِ أعْضاءِ الوُضوءِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، والتَّخْصِيصُ بغيِر دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ، فلا يُصارُ إليه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن لَمَسَها مِن وراءِ حائِلٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه. هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال مالكٌ واللَّيثُ: يَنْقُضُ إذا كان ثَوْبًا رَقِيقًا. وكذلك قال رَبِيعَةُ: إذا غَمَزَها مِن وراءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لشَهْوَةٍ، وذلك لأنَّ الشهوةَ مَوْجُودَةٌ. ولَنا، أنَّه لَمْسٌ، فلم يَنْقُضْ مِن وراءِ حائِل، كلَمسِ الذَّكَرِ، ولأنَّه لم يَلْمِسْ جِسْمَ المرأةِ، أشْبَه ما لو لَمَس ثِيابَها لشَهْوَةٍ، والشهوةُ لا تُوجِبُ الوُضُوءَ بمُجَرَّدِها، كما لو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ بغيرِ لَمْسٍ. فصل: فإن لَمَسَتِ المرأةُ رجلًا لشَهْوَةٍ، انْتَقَض وُضُوءُها في إحدَى الرِّوايَتَين، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ. وقد سُئِل أحمدُ عن المرأةِ إذا مَسَّتْ زَوْجَها؟ قال: ما سَمِعْتُ فيه شَيئًا، ولكنْ هي شَقِيقَةُ الرجلِ، يُعْجِبُنِي أن تَتَوَضَّأَ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ تَنْقُضُ الوُضوءَ، فاسْتَوَى فيها الرجلُ والمرأةُ، كالجِماعِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ وُضُوءُها. وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الرِّجالِ، ولا يَصِحُّ قِياسها عليه؛ لأنَّ اللَّمْس مِن الرجلِ مع الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لخُرُوجِ المَذي النّاقِضِ، فأُقِيمَ مَقامَه، ولا يُوجَدُ ذلك في حَقِّ المرأةِ، وإذا لم يَكُنْ نَصٌّ ولا قِياسٌ فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ.

142 - مسألة: (ولا ينقض لمس الشعر والسن والظفر)

وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ وَالسِّنِّ وَالظُفْرِ وَالأْمْرَدِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 142 - مسألة: (ولا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ والسِّنِّ والظّفْرِ) وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وكذلك لَمْسُها بشَعَرِه وسِنِّه وظُفْرِه؛ لأنَّ ذلك مِمّا لا يَقَعُ عليه الطَّلاقُ بإيقاعِه عليه ولا الظِّهارُ، فأشْبَة الثَّوْبَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَنْقُضَ لَمْسُ السِّنِّ والشَعَرِ والظُّفْرِ والأمْرَدِ؛ إذا كان لشَهْوَةٍ، ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ لمْسَ المرأةِ إنَّما نَقَض لوُجُودِ الشَّهْوَةِ الدّاعِيَةِ إلى خُرُوجِ المَذْي، ولا يَنْقض لمْسُ الأمْرَدِ، ولا لَمْسُ الرجلِ، ولا لَمْسُ المرأةِ المرأةَ؛ لأنَّه ليس بداخِلٍ في الآَيَة، ولا في مَعْناه؛ لكَوْنِه ليس مَحَلًّا لشَهْوَةِ الآخَرِ شَرْعًا. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا لَمَسَ الرجلُ الرجلَ، أو المرأةُ المرأةَ، [وكان بَينَهما شهوةٌ] (¬1) انتقَض وُضُوءُه في قِياسِ المَذْهبِ. والأوَّلُ أَولَى؛ لِما ذَكَرنا. ولا يَنْتَقِضُ الوُضوءُ بلَمسِ ¬

(¬1) في م: «بشهوة».

143 - مسألة: (وفي نقض وضوء الملموس روايتان)

وَفِي نَقْضِ وُضوءِ الْمَلْمُوس رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ البَهِيمَةِ؛ لِما ذَكَرنا، ولا بمَس خُنْثَى مُشْكِل؛ لأنَّه لا يَعلَمُ كَوْنَه رجلًا ولا امرأةً. ولا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الخُنْثَى بمسَ امرأةٍ ولا رجلٍ؛ لأنَّه مُتَيَقِّن بالطهارةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ، قال شَيخُنا: ولا أعلَمُ في هذا كله خِلافًا (¬1). كان مَس عُضْوَ امرأةٍ مَقْطُوعًا لم يَنْتَقِضْ وُضهوءُه؛ لأنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ المرأةِ، ولا هو مَحَلّ للشَّهْوَةِ. 143 - مسألة: (وفي نَقْضِ وُضُوءِ المَلْمُوسِ رِوايَتان)، إحداهُما، يَنْتَقِض، لأنَّ ما يَنْتَقض الْتِقاءِ البَشَرَتَين يَسْتَوى فيه اللّامِسُ والمَلْمُوسُ، كالجِماعِ. والثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد بالنَّقْضِ في اللّامِسِ، فاخْتَصَّ به، كلَمس الذَّكَرِ، ولأنَّ الشَّهْوَةَ مِن اللّامِسِ أشَدُّ منها في المَلْمُوسِ فامتَنَعَ القِياسُ. وللشافعيِّ قَوْلان كهذَينِ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 262.

144 - مسألة: (السادس، غسل الميت)

السَّادِسُ، غُسْل الْمَيِّت. ـــــــــــــــــــــــــــــ 144 - مسألة: (السّادِسُ، غُسْلُ المَيِّتِ) وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في قولِ أكْثَرِ الأصحابِ، سَواء كان المَغْسُولُ صغيرًا أو كبيرًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، مُسْلِمًا أو كافِرًا. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وإسحاقَ، لأنَّ ابنَ عُمَرَ، وابنَ عباس، كانا يَأمُرانِ غاسِلَ المَيِّتِ بالوُضُوءِ. وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: أقَلّ ما فيه الوُضوءُ. ولا نَعلَمُ لهم مُخالِفًا في الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الغاسِلَ لا يَسْلَمُ مِن مَسِّ عَوْرَةِ المَيِّتِ غالِبًا، فأقِيمَ مُقامَه؛ كالنَّوْم مع الحَدَثِ. وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيّ: لا يَنْقُضُ. وهو قولُ أكثرِ العُلَماءِ. قال شيخُنا: وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ

145 - مسألة: (السابع، أكل لحم الجزور)

السَّابعُ، أكْلُ لَحمِ الْجَزُورِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ». ـــــــــــــــــــــــــــــ صحيحٌ، ولا هو في مَعنَى المَنْصُوص عليه، ولأنَّه غُسْلُ آدَمِي، أشْبَه غُسْلَ الحَيِّ (¬1). وكلامُ أحمدَ يَدُلّ على أنه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِب؛ فإنَّه قال: أحَبُّ إليَّ أن يَتَوَضَّأ. وعَلَّلَ نَفْيَ وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّتِ، بكَوْنِ الخَبَرِ الوارِدِ فيه مَوْقُوفًا على أبي هُرَيرَةَ، فإذا لم يُوجِبِ الغُسْلَ بقَوْلِ أبي هُرَيرَةَ، مع احتِمالِ أن يكُونَ مَرفُوعًا، فلَأنْ لا يُوجِبَ الوُضُوءَ بقَوْلِه، مع عَدَمِ هذا الاحتِمالِ أوْلَى، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فيَبْقَى على الأصلِ. 145 - مسألة: (السّابع، أكْلُ لَحمِ الجَزُورِ) وجُملَةُ ذلك أنَّ أكْلَ لَحْمِ الإِبِلِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، سَواءٌ أنْ لَه عالِمًا أو جاهِلًا، نَيِّئًا أو ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 256.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَطْبُوخًا، في ظاهِرِ المَذْهبِ. وهو قولُ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ (¬1)، ومحمدِ بنِ إسحاقَ (¬2)، وأبي خَيثَمَةَ (¬3)، ويَحيَى بن يَحيَى (¬4)، وابنِ المُنْذِرِ، وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ. قال الخَطّابِيُّ: ذَهب إلى هذا عامَّةُ أصحابِ الحديثِ. ورُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ أنَّه قال: إن كان لا يَعلَمُ، فليس عليه وُضُوءٌ، وإن كان قد عَلِمَ وسَمِعَ؛ عليه الوُضوءُ واجِبٌ، ليس هو كمَنْ لا يَعلَمُ. قال الخَلّالُ: وعلى هذا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أبي عبدِ اللهِ. وقال الثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأيِ: لا وُضُوءَ عليه بحالٍ. وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ روايةً عن أحمدَ؛ لما روَى ابنُ عباس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «الْوُضُوءُ ¬

(¬1) أبو خالد جابر بن عشرة بن جنادة السوائي، له صحبة مشهورة، ورواية أحاديث، توفي سنة ست وسبعين. سير أعلام النبلاء 3/ 186 - 188. (¬2) أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني، صاحب السيرة النبوية، توفي سنة خمسين ومائة. سير أعلام النبلاء 7/ 33 - 55. (¬3) أبو خيثمة زهير بن معاوية بن حُدَيج الجعفي الكوفي، كان حافظا متقنا، توفي سنة اثنتين وقيل ثلاث وسبعين ومائة. تهذيب التهذيب 3/ 351 - 353. (¬4) أبو زكريا يحيى بن يحيى بن بكر التميمي النيسابوري الحافظ، شيخ الاسلام، توفي سنة ست وعشرين ومائتين. سير أعلام النبلاء 10/ 512 - 519. وهو غير أبي محمد يحيى بن يحيى بن كثير البربري الأندلسي، صاحب الإمام مالك، كان كبير الشأن، وافر الجلالة، توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء 10/ 519 - 525.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِمَّا يَخْرُجُ لَا مِمَّا يَدخُلُ» (¬1). وقال جابِرٌ: كان آخِرَ الأمرَين مِن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَركُ الوُضُوءِ مِمّا مسَّتِ النّارُ. رَواه أبو داودَ (¬2). ولأنَّه مَأكُولٌ فلم يَنْقضْ، كسائِرِ المَأكُولاتِ. ولنَا، ما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل: أنَتَؤَضَّأ مِن لُحُوم الإِبِلِ؟ قال: «نَعم». قال: أفنَتَوَضّأ مِن لُحُوم الغَنَمِ؟ قال: «لَا». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه، والترمِذِيُّ (¬3). ورَوى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه. أخْرَجَه مسلمٌ (¬4). قال أحمدُ: فيه حَدِيثان صَحِيحان؛ ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب الوضوء من الخارج من البدن، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 151. والبيهقي، في: باب التوضيء من لحوم الإبل، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 9/ 159. والهيثمي، في: باب ترك الوضوء مما مست النار، من كتاب الطهارة. مجمع الزوائد 1/ 252. وذكر أن الطبراني أخرجه في الكبير. (¬2) في: باب ترك الوضوء مما مست النار، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 43.كما أخرجه الترمذي، في: باب في ترك الوضوء مما غيرت النار، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 112. والنسائي، في: باب ترك الوضوء مما غيرت النار، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 90. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب الوضوء من لحوم الإبل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 41. والترمذي، في: باب الوضوء من لحوم الابل، في أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 112. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 166. والإِمام أحمد، في: المسند 4/ 288، 303. (¬4) في: باب الوضوء من لحوم الإبل، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 275.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوضوء من من لحوم الإبل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 166. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 86، 88، 92، 93، 97، 98، 100 - 102، 105، 106، 108، أخرجه عن ذي الغرة، في: المسند 4/ 67، 5/ 112.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حديثُ البَراءِ، وجابِرِ بنِ سَمُرَةَ. فأمّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فإنَّما هو مِن قَوْلِه، مَوْقُوفٌ عليه، ولو صَحَّ لوَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنا عليه، لكَوْنِه أصَحَّ وأخَص، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العامِّ. وحديثُ جابِرٍ لا يُعارِضُ حَدِيثَنا أيضًا، لصِحَّتِه وخُصُوصِه. فإن قِيلَ: فحَدِيثُ جابِرٍ مُتأخِّرٌ، فيَكُونُ ناسِخًا. قُلْنا: لا يَصِحُّ أن يكُونَ ناسِخًا، لوُجُوهٍ أربعةٍ؛ أحَدُها، أنَّ الأمرَ بالوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإِبِلِ مُتأخِّرٌ عن نَسْخِ الوُضوءِ مِمّا مَسَّتِ النّارُ، أو مُقارِن له، بدَلِيلِ أنه قَرَن الأمرَ بالوُضُوءِ مِن لُحُوم الإِبِلِ بالنَّهْي عن الوُضُوء مِن لُحُومِ الغَنَمِ، وهي مِمّا مَسَّتِ النَّارُ، فإمّا أن يَكُونَ النَّسْخُ حَصَل بهذا النَّهْي، أو بشيءٍ قبلَه، [فإن كان حَصَل به، كان الأمرُ بالوُضُوءِ مِن لحومِ الإِبِلِ مُقارِنًا لنَسْخِ الوُضوءِ مِمّا مَسَّتِ النّارُ، فلا] (¬1) يَكُونُ ناسِخًا له، إذ مِن شُرُوطِ النَّسْخِ تأخُّرُ النّاسِخِ، وكذلك إن كان بما قبلَه؛ لأنَّ الشيءَ لا يُنْسَخُ بما قبلَه. الثاني، أنَّ النَّقْضَ بلُحُومِ الإِبِلِ يَتَناوَلُ ما مَسَّتِ النّارُ وغيرَه، ونَسخُ إحدَى الجِهاتِ لا يَثْبُتُ به نَسْخُ الأخْرَى، كما لو حُرِّمتِ المرأة بالرَّضاعِ، وبكَوْنِها رَبِيبَةً، فنَسْخُ تَحرِيمِ الرَّضاعِ لم يَكُنْ نَسْخا لتَحرِيمِ الرَّبِيبَةِ. الثالثُ، أنَّ خَبرهم عامٌّ، وخَبَرُنا خاصٌّ، فالجَمعُ بَينَهما مُمكِنٌ بحَملِ خَبَرِهِم على ما سِوَى صُورَةِ التَّخْصِيصِ، ومِن شُرُوطِ النَّسْخِ تَعَذُّرُ الجَمع بينَ النَّصينِ. الرابعُ، أنَّ خَبَرَنا أصَحُّ مِن خَبَرِهِم وأخصُ، والنّاسِخُ لا بدَّ أن يَكُونَ مُساويًا للمَنْسُوخِ، أو راجِحًا عليه. فإن قِيلَ: الأمرُ بالوُضُوءِ في خَبَرِكُم يَحتَمِلُ الاسْتِحبابَ، ويَحتَمِل ¬

(¬1) سقط من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّه أرادَ بالوُضُوءِ غَسْلَ اليَدِ، لأنَّ إضافَتَه إلى الطَّعامِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على ذلك، كما كان - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بالوُضُوءِ قبلَ الطَّعام وبعدَه، وخُصَّ ذلك بلَحمَ الإِبِلِ؛ لأنَّ فيه مِن الحَرارَةِ والزُّهُومَةِ (¬1) مَا ليس في غيرِه. قُلْنا: أمّا الأوَّل فمُخالِفٌ للظّاهِرِ، مِن وجُوهٍ، أحَدُها، أنَّ مُقْتَضَى الأمرِ الوُجُوبُ. الثاني، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن حُكْمَ هذا اللّحمَ، فأجابَ بالأمرِ بالوُضُوء منه، فلو حُمِل على غيرِ الوُجُوبِ كان تَلْبِيسًا لا جَوابًا. الثالثُ، أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَرَنَه بالنَّهْي عن الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الغَنَمِ، والمُرَادُ بالنَّهْي ههُنا نَفْيُ الإِيجابِ لا التَّحريمُ، فتَعَيَّنَ حَملُ الأمرِ على الإِيجابِ؛ ليَحصُلَ الفَرقُ. وأمّا الثاني، فلا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ أربعةٍ؛ أحَدُها، أنَّه يَلْزَمُ منه حَملُ الأمرِ على الاسْتِحباب؛ لكَوْنِ غَسْلِ اليَدِ بمُفْرَدِها غيرَ واجِبٍ، وقد بَيَّنّا فَسادَه. الثاني، أنَّ الوُضُوءَ في لِسانِ الشّارِعِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى المَوْضُوعِ الشَّرعِيِّ، إذ الظّاهِرُ منه التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه. الثالثُ، أنَّه خَرَج جَوابًا للسُّؤالِ عن حُكْمِ الوُضُوءِ مِن لُحُومِها، والصلاةِ في مَبارِكِها، فلا يُفهمُ مِن ذلك سِوَى الوُضُوءِ المُراد للصلاةِ ظاهِرًا. الرابعُ، أنَّه لو أراد غَسْلَ اليَدِ لَما فَرَّقَ بينَه وبينَ لَحمِ الغَنَمِ؛ فإنَّ غَسْلَ اليَدِ منهما مُسْتَحَبٌّ، وما ذَكَرُوه مِن زِيادَةِ الزُّهُومَةِ مَمنُوعٌ، كان ثَبَت فهو أمرٌ يَسيرٌ، لا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، وصَرفُ اللَّفْظِ عن ظاهِره إنَّما يكُونُ بدَلِيلٍ قَوي بقَدرِ قُوَّةِ الظَّواهِرِ المَتْرُوكَةِ، وأقْوَى منها، فأمّا قِياسُهم فهو طَردِيٌّ لا مَعْنَى فيه، وانْتِفاء الحُكْمِ في سائِرِ المَأْكُولاتِ؛ لانْتِفاءِ المُقْتَضِي، لا لكَوْنِه ¬

(¬1) الزهومة: ريح لحم سمين منتن.

146 - مسألة: (فإن شرب من لبنها، فعلى روايتين)

فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِها، فَعَلَى رِوَايَتَين، ـــــــــــــــــــــــــــــ مَأْكُولًا. ومِن العَجَبِ أنَّ مُخالِفِينا في هذه المَسْأَلَةِ أوْجَبُوا الوُضُوءَ بأحادِيثَ ضَعِيفَةٍ تُخالِف الأصُولَ، فأبو حَنِيفَةَ أوْجَبَه بالقَهْقهةِ في الصلاةِ دُونَ خارِجِها، بحَدِيثٍ مُرسَلٍ من مَراسِيلِ أبي العالِيَةِ، ومالكٌ والشافعيُّ أوْجَباه بمَسِّ الذَّكَرِ، بحَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فيه، مُعارَضِ بمِثْلِه، دُونَ مَسِّ سائِرِ الأعضاءِ، وتَرَكُوا هذا الحديثَ الصَّحِيحَ الذي لا مُعارِضَ له، مع بُعدِه عن التَّأْويلِ وقوَّةِ دَلالتِه، لقِياس طَردِي لا مَعْنَى فيه. 146 - مسألة: (فإن شَرِبَ مِن لَبَنِها، فعلى رِوايَتَين) إحداهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِما روَى أسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سئُل عن ألبانِ الإِبِلِ، فقال: «تَوَضَّئُوا مِنْ ألْبَانها». وسئُل عن ألبانِ الغَنَمِ، فقال:

147 - مسألة: (وإن أكل من كبدها أو طحالها، فعلى وجهين)

وَإنْ أكلَ مِنْ كَبِدِها أو طِحَالِها، فَعَلَى وَجْهينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ «لَا تَتَوضَّئُوا مِنْ ألْبَانِها». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (¬1). وروَى عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ نَحوَه (¬2). والثانيةُ، لا وُضُوءَ فيه، لأنَّ الحديثَ الصَّحِيحَ إنَّما وَرَد في اللَّحمِ. وحديثُ أسَيدِ بنِ حُضَيرٍ في طَرِيقه الحَجّاجُ بنُ أرطَاةَ، قال الإِمامُ أحمدُ والدّارَقُطْنِيُّ: لا يُحتَجُّ به. وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَواه ابنُ ماجَه مِن رِواية عَطاء بنِ السّائِبِ، وقد قِيلَ: عطاءٌ اخْتَلَطَ في آخِرِ عمرِه. قال أحمدُ: مَن سَمِع منه قَدِيمًا فهو صَحِيحٌ، ومَن سَمِع منه حَدِيثًا لم يَكُنْ بشيءٍ. والحُكْمُ في اللَّحمِ غيرُ مَعقُول، فيَجِبُ الاقْتِصارُ عليه. 147 - مسألة: (وإن أكَلَ مِنْ كَبِدِها أو طِحالِها، فعلى وَجْهين) أحَدُهُما، لا يَنْقُضُ، لأنَّ النَّصَّ لم يَتَناوَلْه. والثاني، يَنْقُضُ؛ لأنَّه مِن ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 166. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 352. (¬2) انظر: ابن ماجه في الموضع السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جملَةِ الجَزُورِ، واللَّحمُ يُعَبَّرُ به عن جُملَةِ الحَيَوانِ، فإنَّ تَحرِيمَ لَحم الخِنْزِيرِ يَتَناوَلُ جُملَتَه، كذلك ها هنا، وحُكْمُ سائِرِ أجْزائِه غيرِ اللَّحمِ؛ كالسَّنامِ، والكَرِشِ، والدُّهْنِ، والمَرَقِ؛ والمُصرانِ، والجِلْدِ، حُكْمُ الكَبِدِ والطِّحالِ؛ لِما ذَكَرنا. فصل: ولا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِما سِوَى لَحمِ الجَزُورِ مِن الأطْعِمَةِ. وهذا قَوْلُ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، رَضِي اللهُ عنهم، ولا نَعلَمُ اليَوْمَ فيه خِلافًا. وحَكَى ابنُ عَقِيلٍ، عن أحمدَ، رِوايَةً في نَقْضِ الوُضوءِ بأَكْلِ لَحم الخِنْزِيرِ، والصَّحِيحُ عنه الأوَّلُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشرعِ، ولم يَرِدْ. وقد ذَهب حماعةُ مِن الصحابَةِ ومَن بَعدَهم إلى إيجابِ الوُضُوءِ مِمّا غَيَّرَتِ النّارُ؛ منهم ابنُ عُمَرَ، وزَيدُ بنُ ثابِتٍ، وأبو موسى، وأبو هُرَيرَةِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والحسنُ، والزُّهرِي، وغَيرُهم؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ وعائِشَةُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ». رَواهُما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مسلمٌ (¬1). ولَنا، قَوْلُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَتَوَضّأ مِنْ لُحُوم الغَنَمَ». وحديثُ جابِرٍ: كان آخِرُ الأمرَين مِن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَركَ الوُضُوءِ مِمّا مسَّتِ النّارُ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ (¬2). وثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أكَلَ مِن كَتِفِ شاةٍ، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأ. مُتَّفَق عليه (¬3). ¬

(¬1) في: باب الوضوء مما مست النار، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 272، 273. وحديث أبي هريرة أخرجه أبو داود، في: باب التشديد في الوضوء مما مست النار، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 44. والترمذي، في: باب الوضوء مما غيرت النار، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 108. والنسائي، في: باب الوضوء مما غيرت النار، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 87. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 265، 271، 427، 458، 470، 479، 503، 529. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 55. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 63. ومسلم، في: باب نسخ الوضوء مما مست النار، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 273. كما أخرجه أبو داود، في: باب في ترك الوضوء مما مست النار، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 43. والإمام مالك، في: باب ترك الوضوء مما مسته النار، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 25. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 281، 366.

148 - مسألة: (الثامن، الردة عن الإسلام)

الثَّامِنُ، الرِّدَّة عَنِ الإسْلَامَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 148 - مسألة: (الثامنُ، الرِّدَّةُ عن الإِسلام) الرِّدَّةُ عن الإِسلام يَبْطُلُ بها الوُضُوءُ والتَّيَمُّمُ، وهي الإِتْيانُ بما يَخْرُجُ به عَن الإِسلامِ؛ نُطْقًا،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أو اعتِقادًا، أو شَكًّا، فمتى عاوَدَ الإِسلامَ لم يُصلِّ كلِّ حتى يَتَوَضَّأَ. وهذا قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أبو حَنِيفةَ، ومالك، والشافعي: لا يَبْطُلُ الوُضُوءُ بذلك. وللشافعيِّ في بُطْلانِ التَّيَمُّمِ به قَوْلان، لقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} (¬1). ولأنَّها طهارة، فلم تَبْطُلُ بالرِّدَّةِ، كالطهارةِ الكُبْرَى. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: {لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطنَّ عَمَلُكَ} (¬2). والطهارةُ عَمَلٌ، وحكْمُها باقٍ، فيَجِب أن يَحْبَطَ بالآية، ولأنَّها عِبادَة يُفْسِدُها الحَدَثُ، فبَطَلَتْ بالشركِ، كالصلاةِ. ولأنَّ الرِّدَّةَ حَدَث، لِما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَدَثُ حَدَثَانِ، حَدَثُ الْفَرجِ، وَحَدَثُ اللِّسَانِ. [وَحَدَثُ اللِّسَانِ] (¬3) أشَدُّ مِنْ حَدَثِ الفَرجِ، وَفِيهِمَا الوُضُوءُ». رَوَاه الشيخُ أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزِيِّ في كتاب «التّحقِيقِ». وتَكَلَّمَ فيه وقال: بَقِيَّةُ يُدَلَسُ (¬4). وما ذَكَرُوه تَمَسُّك بالمَفْهُومِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه. وأمّا غُسْلُ الجَنابَةِ فقد زال حُكْمُه، وعندَنا يَجِبُ الغُسْلُ على مَن أسْلَمَ أيضًا. ¬

(¬1) سورة البقرة 217. (¬2) سورة الزمر 65. (¬3) سقط من: م. (¬4) انظر: العلل المتناهية 1/ 365.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَنْقُضُ الوُضُوءَ ما عدا الرِّدَّةَ مِن الكَذِبِ، والغِيبَةِ، والرَّفَثِ، والقَذفِ، ونَحوها. نَصَّ عليه أحمدُ. قال ابنُ المنذِرِ: أجْمَعَ مَن نَحْفَظُ قَوْلَه مِن علماءِ الأمصارِ على أنَّ القَذْفَ، وقَوْلَ الزُّورِ، والكَذِبَ، والغِيبَةَ، لا يُوجِبُ طهارةً ولا يَنْقُضُ وُضُوءًا. وقد رَوَينا عن غيرِ واحِدٍ مِن الأوائِلِ، أنَّهم أمَرُوا بالوضوءِ مِن الكلامِ الخَبِيثِ، وذلك اسْتِحبابٌ عندَنا مِمَّن أمَرَ به، ولا نَعلَمُ حُجَّة تُوجِبُ وُضُوءًا في شيءٍ مِن الكلام، وقد ثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال.: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ فَلْيَقُلْ: لَا إلَه إلَّا اللهُ». ولم يَأمُر في ذلك بوُضُوءٍ. رَواه البُخارِي (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب {أفرأيتم اللات والعزى}، في تفسر سورة والنجم، من كتاب التفسير، وفي: باب من لم ير إكفار من كفر أخاه متأولا أو جاهلا، من كتاب الأدب، وفي: باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله، من كتاب الاستئذان، وفي: باب لا يُحْلَف باللات والعزى ولا بالطواغيت، من كتاب الأيمان. صحيح البخاري 6/ 176، 8/ 32، 82، 165.كما أخرجه مسلم، في: باب من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، من كتاب الأيمان. صحيح مسلم 3/ 1267، 1268. وأبو داود، في: باب الحلف بالأنداد، من كتاب الأيمان. سنن أبي داود 2/ 198، 199. والترمذي، في: باب حدثنا إسحاق بن منصور، من أبواب النذور. عارضة الأحوذي 7/ 29، 30. والنسائي، في: باب الحلف باللات، من كتاب الأيمان. المجتبى 7/ 7، 8. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 309. وانظر: جمع الجوامع 1/ 773.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والقَهْقَهةُ لا تَنْقُضُ الوُضُوءَ بحالٍ. رُوِيَ ذلك عن عُروَة؛ وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ،. ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابن المُنْذِرِ. وذهب الثَّوْريُّ، والحسنُ، وأصحابُ الرَّأْي، إلى أنَّها تُبْطِلُ الوُضُوءَ داخِلَ الصلاةِ دُونَ خارِجها؛ لِما روَى أسامَةُ، عن أبيه، قال: بَينا نحن نُصَلِّي خلفَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إذ أقْبَلَ رجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فتَرَدَّى في حُفْرَةٍ، فضَحِكْنا منه، فأمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بإعادَةِ الوُضُوءِ كامِلًا، وإعادَةِ الصلاةِ مِن أوَّلِها. رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (¬1) مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، وضَعَّفَها وقال: إنَّما رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي العالِيَةِ (¬2) مُرسَلًا. وقال نَحوَ ذلك الإِمامُ أحمدُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ (¬3). ولَنا، أنَّه مَعْنًى لا يُبْطِل ¬

(¬1) في: باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 162 - 164. (¬2) أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي مولاهم، البصري، المقريء المفسر، توفي سنة ثلاث وتسعين. العبر 1/ 108، تهذيب التهذيب 3/ 284 - 286. (¬3) أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤى الحافظ، أحد أركان الحديث بالعراق، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة. سير أعلام النبلاء 9/ 192 - 209.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الوُضُوءَ خارِج الصلاةِ، فلم يُبْطِلْه داخِلَها كالكلامِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا في شيءٍ يُقاسُ عليه، وحَدِيثُهم قد ذَكَرنا الكلامَ عليه. قال ابنُ سِيرِينَ: لا تَأخُذُوا بمَراسِيلِ الحسنِ وأبي العالِيَةِ؛ فإنَّهما لا يُبالِيان، عمَّن أخَذا. والقَهْقَهةُ أن يَضْحَكَ حتى يَتَحَصَلَ مِن ضَحِكِه حَرْفان. ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ.

149 - مسألة: (ومن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، بنى على اليقين)

وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهارَةِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 149 - مسألة: (ومَن تَيَقَّنَ الطهارةَ، وشَكَّ في الحَدَثِ، أو تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ، بَنَى على اليَقِينِ) أنها إذا تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ، فهو مُحْدِثٌ يُلْغِي الشكَّ ويَبْنِي على اليَقِينِ. لا نعلَمُ في ذلك خِلافًا. فإن تَيَقَّنَ أنَّه تَوَضَّأ، وشَكَّ هل أحدَثَ أوْ لا، بَنَى على أنَّه مُتَطَهِّرٌ. وبهذا قال عامَّةُ أهلِ العلمِ. وقال الحسنُ: إن شَكَّ وهو في الصلاةِ، مَضَى فيها، وإن كان قبلَ الدُّخُولِ فيها، تَوَضَّأ. وقال مالكٌ: إذا شَكَّ في الحَدَثِ إن كان يَلْحَقُه كثيرًا، فهو على وُضُوئِه، وإن كان لا يَلْحَقُه كثيرًا، تَوَضَّأَ؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّه (¬1) لا يَدخُلُ في الصلاةِ مع الشَّكِّ. ولَنا، ما روَى عبدُ الله بنُ زَيدٍ، قال: شُكِي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الرجلُ يُخَيَّلُ إليه وهو (1) في الصلاةِ أنَّه يَجِدُ الشيءَ، فقال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَجدَ رِيحًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا وَجَدَ (¬3) ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، وباب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، من كتاب الوضوء، وفي: باب من لم ير الوساوس ونحوها من المشتبهات، من كتاب البيوع. صحيح البخاري 1/ 46، 55، 3/ 71. ومسلم، في: باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث. فله أن يصلي بطهارته تلك، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 276. كما أخرجه أبو داود، في: باب إذا شك في الحدث، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 39. والترمذي، في: باب في الوضوء من الريح، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 98. والنسائي، في: باب الوضوء من الربح، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 83. وابن ماجه، في: باب لا وضوء إلامن حدث، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 171. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 40. (¬3) في م: «أوجر».

150 - مسألة: (فإن تيقنهما، وشك في السابق منهما، نظر في حاله قبلهما؛ فإن كان متطهرا، فهو محدث، وإن كان محدثا، فهو متطهر)

فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا؛ فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحدِثٌ، وَإنْ كَانَ مُحدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُكُم فِي بَطْنِهِ شَيئًا فَأشْكَلَ عَلَيهِ، أخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أم لَا (¬1)، فَلَا يَخْرُجُ (¬2) مِنَ الْمَسجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَجِدَ رِيحًا». رَواه مسلمٌ (¬3). ولأنَّه إذا شَكَّ تَعارَضَ عندَه الأمرانِ، فيَجِبُ سُقُوطُهُما، كالبَيَنتَينِ إذا تَعارَضَتا، ويَرجِعُ إلى اليَقِينِ، ولا فَرقَ بينَ أن يَغْلِبَ على ظَنِّه أحَدُهما، أو يَتَساوَى الأمرانِ، لأنَّ غَلَبَةَ الظنِّ إذا لم تَكُنْ مَضْبُوطَةً بضابطٍ شَرعِيٍّ، لم يُلْتَفَتْ إليها، كما لا يَلْتَفِتُ الحاكِمُ إلى قَوْلَ أحَدِ المُتَداعِيَين إذا غَلَب على ظَنِّه صِدقُه بغيرِ دَلِيلٍ. 150 - مسألة: (فإن تَيَقَّنَهما، وشَكَّ في السّابِقِ منهما، نَظرَ في حالِه قَبْلَهما؛ فإن كان مُتَطَهِّرًا، فهو مُحْدِثٌ، وإن كان مُحدِثًا، فهو مُتَطَهِّرٌ) مِثالُه أن يَتَيَقَّنَ أنَّه كان في وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً، ومُحدِثًا ¬

(¬1) في م: «لم يخرج» والمثبت في: الأصل، وصحيح مسلم. (¬2) في صحيح مسلم: «يخرجن». (¬3) في: باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 276.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أُخْرَى، ولا يَعلَم أيهما كان قبلَ الآخَرِ، فإنَّه يَنْظرُ في حالِه قبلَ الزَّوالِ، فإن كان متَطَهِّرًا، فهو الآنَ مُحدِثٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ زَوال تلك الطهارةِ بحَدَثٍ، ولم يَتَيَقَّنْ زَوال ذلك الحَدَثِ بطهارةٍ أخْرَى، لاحتِمالِ أن تَكُونَ الطهارةُ التي يَتَيَقَّنُها بعدَ الزَّوالِ هي التي كانت قبلَه، فلم يَزُلْ يَقِينُ الحَدَثِ بالشَّكِّ. وإن كات مُحدِثًا قبلَ الزَّوالِ، فهو الآن مُتَطَهِّرٌ، لِما ذَكرنا في التي قَبلها. فصل: فإن تَيَقَّنَ أنَّه نَقَض طَهارَتَه وتَوَضَّأ عن حَدَثٍ، في وَقْتٍ واحِدٍ، وشَكَّ في السّابِقِ مكما، نَظرَ في حالِه قَبْلَهُما، فإن كان مُتَطَهِّرًا، فهو الآنَ مُتَطَهِّرٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ أنَّه نَقَض تلك الطهارةَ، ثم تَوَضَّأَ، إذ لا يُمكِنُ أن يَتَوَضَّأَ عن حَدَثِ مع بَقاءِ تلك الطهارةِ، ونَقْضُ هذه الطهارةِ الثّانِيَةِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. وإن كان مُحدِثًا، فهِو الآنَ مُحدِثٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ أنَّه انْتَقَلَ عنه إلى طهارةٍ ثم أحدَثَ منها، ولم يَتَيَقنْ بعدَ الحَدَثِ الثّاني طهارةً. واللهُ أعلمُ. فهذه جَمِيعُ نَواقِضِ الطهارةِ، ولا يَنْتَقِضُ بغَيرِها في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّه قد حُكِي عن مُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، في قَصِّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْفِ الإِبطِ، الوُضُوءُ. وقَوْلُ جُمهُورِ العُلَماءِ بخِلافِهِم، وهو أوْلَى، ولا نَعلَمُ لهم فيما يَقُولُونَ حُجَّةً. واللهُ أعلمُ.

151 - مسألة؛ قال: (ومن أحدث حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف)

وَمَنْ أحدَثَ حَرُمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصحَف. ـــــــــــــــــــــــــــــ 151 - مسألة؛ قال: (ومَن أحدَثَ حَرُم عليه الصلاةُ والطَّوافُ ومَسُّ المصحفِ) أنها الصلاةُ؛ فلقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقبَلُ اللهُ صَلَاةَ مَنْ أحدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). والطَّواف؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّوَاف بِالْبَيتِ صَلَاةٌ، إلّا أنَّ الله أباحَ فِيهِ الْكَلَامَ». رَواه الشافعيُّ في مسنده (¬2). ومسُّ المصحفِ، رُوِيَ هذا عن ابن عمَرَ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وطاوُسِ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعي (¬3)، وأصحابِ الرَّأي. وقال داودُ: يُباحُ مَسُّه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب في كتابِه إلى قَيصَرَ آيَةً مِن القرآنِ. وأباحَ الحَكَم، وحَمّادٌ مَسَّه بظاهِرِ الكَفِّ؛ لأنَّ آلةَ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب لا تقبل صلاة بغير طهور، من كتاب الوضوء، وفي: باب في الصلاة، من كتاب الحيل. صحيح البخاري 1/ 46، 9/ 29. ومسلم، في: باب وجوب للطهارة للصلاة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 204. كما أخرجه أبو داود، في: باب فرض الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 14. والترمذي، في: باب في الوضوء من الريح، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 102. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 308، 318. (¬2) موقوفًا على ابن عمر وابن عباس بمعناه. مسند الشافعي 75. وقد روى نحوه الترمذي مرفوعًا، في: باب ما جاء في الكلام في الطواف، من أبواب الحج. عارضة الأحوذي 4/ 182. والدارمي، في: باب الكلام في الطواف، من كتاب المناسك. سنن الدارمي 2/ 44. وانظر: إرواء الغليل 1/ 154. (¬3) ساقطة من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اللَّمسِ باطِنُ اليَدِ، فيَنْصَرِفُ إليه النَّهْيُ دُونَ غيرِه. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (¬1). وفي كتابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعَمرِو بنِ حَزْمٍ (¬2): «أنْ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأنتَ طَاهِرٌ». رواه الأثْرَمُ (¬3). فأمّا الآيَة التي كَتَب بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فإنَّما قَصَد بها المُراسلَةَ، والآيَةُ في الرِّسالةِ أو في كتابِ فِقْهٍ ونَحوه لا تَمنَعُ مَسَّه، ولا يَصِيرُ بها الكتابُ مصحفًا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ مَسُّه بشيءٍ مِن جَسَده قِياسًا على اليَدِ. قَوْلُهم: إنَّ المَسَّ يَخْتَصُّ باطِنَ اليَدِ. مَمنُوعٌ، بل كلّ شيءٍ لاقَى شَيئًا فقد مَسَّه. ¬

(¬1) سورة الواقعة 79. (¬2) عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، أبو الضحاك. شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على نجران، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابًا كتبه له، فيه الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك. مات بعد الخمسين من الهجرة. الإصابة 4/ 621. (¬3) أخرجه الدارمي، في: باب لا طلاق قبل نكاح، من كتاب الطلاق. سنن الدارمي 2/ 161. والإمام مالك، في: باب الأمر بالوضوء لمن مسَّ لقرآن، من كتاب القرآن. الموطأ 1/ 199.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجُوزُ حَمْلُه بعِلاقَتِه. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ. ورُوي ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ، وحَمّادٍ. ومَنَع منه الأوزاعِيّ، ومالكٌ، والشافعيُ؛ تَعظِيمًا للقرآنِ. ولأنَّه مكَلَّف مُحدِثٌ قاصِدٌ لحَملِ المصحفِ، فهو كما لو حَمَلَه مع مَسِّه. ولَنا، أنَّه غيرُ ماسٍّ، فلم يُمنَع، كما لو حَمَلَه في رَحلِه، ولأنَّ النَّهْيَ إنَّما تَناوَلَ المَسَّ، والحَملُ ليس بمَسٍّ، وقِياسُهُم لا يَصِحُّ، لأنَّ العِلَّةَ في الأصلِ مَسُّه، وهو غيرُ مَوْجُودٍ في الفَرعِ، والحَملُ لا أثَرَ له، فلا يَصِحُّ التَّعلِيلُ به. وعلى هذا لو حَمَلَه بحائِلٍ بَينَه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وبينَه مِما لا يَتْبَعُ في البَيعِ، جازَ، وعِنْدَهم لا يَجُوزُ. ويجُوزُ تقْلِيبُه بعُودٍ ومَسُّه به، وكَتْبُ المصحفِ بيَدِه مِن غيرِ أن يَمَسَّه، وذَكر ابنُ عَقِيلٍ في ذلك كلِّه، وفي حَملِه بعِلاقَتِه رِوايَتَين. وفي مَسِّه بكُمِّه رِوايَتان، ووَجْهُهُما ما تَقَدَّمَ. والصَّحِيحُ في ذلك كلِّه الجَوازُ، قاله شَيخُنا؛ لأنَّ النَّهْيَ إنَّما تَناوَلَ مَسَّه، وهذا ليس بمَسٍّ (¬1). ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 203.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجُوزُ مَس كُتُب الفِقْهِ والتَّفْسِيرِ، والرَّسائِلِ، وإن كان فيها آيات مِن القرآنِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب إلى قَيصَرَ كِتابًا فيه آيَةٌ، ولأنَّها لا يَقَعُ عليها اسْمُ المُصحَفِ، ولا يَثْبُتُ لها حُرمَتُه. وكذلك إن مَس ثَوْبًا مُطرًّزًا بآيةِ مِن القرآنِ. وفي مَسِّ الصِّبْيانِ ألْواحَهُم التي فيها القُرآنُ وَجْهان؛ أحَدهما، الجَوازُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، فلو اشْتَرَطْنا الطهارةَ أدَّى إلى تَنْفِيرِهم عن حِفْظِه. والثاني، المَنْعُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ. وفي الدَّراهِم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المَكْتُوب عليها القُرآنُ وَجْهان؛ أحَدُهما، المَنْعُ، وهو مَذْهبُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ القُرآنَ مَكْتُوبٌ عليها، أشبهتِ الوَرَقَ. والثاني، الجَوازُ؛ لأنَّها لا يَقَعُ عليها اسْمُ المُصحَفِ، أشْبَهتْ كُتُبَ الفِقْهِ، ولأنَّ في الاحتِرازِ منها مَشَقَّةٌ، أشْبَهتْ ألْواحَ الصِّبْيانِ. ومَن كانْ مُتَطَهِّرًا، وبَعْضُ أعضائِه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نَجِسٌ، فمَسَّ المصحفَ بالعُضْو الطّاهِرِ، جازَ؛ لأنَّ حُكْمَ النَّجاسَةِ لا يَتَعَدَّى مَحَلَّها، بخِلافِ الحَدَثِ. وإنِ احتاجَ المُحْدِثُ إلى مَسِّ المصحف عندَ عَدَمِ الماءِ، تَيَمَّمَ ومَسَّه؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الماءِ. ولو غَسَل المُحدِثُ بعضَ أعضاءِ الوُضُوءِ، لم يَجُز لهْ مَسُّه به قبلَ إتْمامِ وُضُوئِه؛ لأنَّه لا يَكونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بغَسْلِ الجَمِيعِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَجُوزُ المُسافَرَةُ بالمصحفِ إلى دارِ الحَربِ؛ لما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقرآنِ إلَى أرضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أنْ تَنَالهُ أيدِيهم» (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، من كتاب الجهاد. صحيح البخاري 4/ 68. ومسلم، في: باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم، من كتاب الإمارة. صحيح مسلم 3/ 1490، 1491. وأبو دواد، في: باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو، من كتاب الجهاد. سنن أبي داود 2/ 35. وابن ماجه، في: باب الهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. سنن ابن ماجه 2/ 961. والإمام مالك، في: باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. الموطأ 2/ 446. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 6، 7، 10، 55، 63، 76، 128.

باب الغسل

بَابُ الْغسْلِ وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ؛ خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ الغُسْلِ (ومُوجباتُه سبعَةٌ) غَسْلُ الجنابَة، بفتح الغَين. ذَكَره ابنُ بَرِّيٍّ (¬1). والغُسل بالضَّمِّ: الماءُ الذي يُغْتَسَلُ به. قاله ابنُ السكِّيتِ (¬2). والغِسْلُ ما غُسِل به الرّأسُ. أحَدُها (خُرُوجُ المَنِيِّ الدّافِقِ بلَذَّةٍ) وهو مُوجِبٌ للغُسْلِ من الرجلِ والمرأةِ، في اليَقَظَةِ والنَّوْمِ. وهذا قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ حَكاه الترمِذِيُّ (¬3). ولا نَعلَم فيه خِلافًا، وذلك لِما رُوِيَ أنَّ أمَّ سُلَيمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الله لا يَسْتحيِي مِن الحَقِّ، هل على المرأةِ مِن غُسْلٍ إذا هي احتَلَمَتْ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «نَعم، إذَا رَأتِ ¬

(¬1) أبو محمد عبد الله بن برى بن عبد الجبار المصري النحوي اللغوي، المتوفي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. إنباه الرواة 2/ 110، وفيات الأعيان 3/ 108، 109. (¬2) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، ابن السكيت، اللغوي النحوي، كتبه جيدة نافعة، قتل سنة أربع وأربعين ومائتين. تاريخ العلماء النحويين 201 - 203. وقوله في إصلاح المنطق 33. (¬3) انظر: عارضة الأحوذي 1/ 188.

152 - مسألة: (فإن خرج لغير ذلك لم يوجب)

فَإِنْ خَرَجَ لِغَيرِ ذلِكَ لَمْ يُوجِبْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَاءَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وماءُ الرجلِ غَلِيظٌ أبيَضُ، وماءُ المرأةِ رَقِيقٌ أصفَرُ؛ لأنَّ في حَدِيثِ أُمِّ سُلَيمٍ، في بَعضِ رِواياتِه: فقالت: وهل يكُون هذا؟ فقال نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعَم، فَمِن أينَ يَكُونُ الشَّبّه! إنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظ أبيض، وَمَاءُ الْمرأةِ رَقِيق أصفَرُ، فَمِنْ أيِّهِمَا عَلَا أوْ سَبَقَ، يَكُون مِنْهُ الشَّبّه». رَواه مسلمٌ (¬2). 152 - مسألة: (فإن خَرَجَ لغَيرِ ذلك لم يُوجِبْ) يَعنِي إذا خَرجَ شَبِيهُ المَنِيِّ؛ لمَرَضٍ أو إِبْرَدَةٍ (¬3)، مِن غيرِ شَهْوَةٍ. وهذا قولُ أبي حَنِيفة ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب الحياء في العلم، من كتاب العلم، وفي: باب إذا احتلمت المرأة، من كتاب الغسل، وفي: باب ما لا يستحيى من الحق للتفقه في الدين، من كتاب الأدب. صحيح البخاري 1/ 44، 79، 8/ 36. ومسلم، في: باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 251.كما أخرجه النسائي، في: باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 94. وابن ماجه، في: باب المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 197. والدارمي، في: باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 195. والإمام مالك، في: باب غسل المرأة إذا رأت في المنام مثلما يرى الرجل، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 51. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 90، 6/ 292، 302، 306. (¬2) في: باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 250. كما أخرجه النسائي، في: باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 94. وابن ماجه، في: باب المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 197. والإمام مالك، في: باب غسل المرأة إذا رأت في المنام مثلما يرى الرجل، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 51. والإِمام أحمد، في: المسند 3/ 121، 199، 282. (¬3) في م: «برد». والإبردة، بالكسر: برد في الجوف.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ومالكٍ. وقال الشافعيّ: يَجِبُ. ويَحتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، وذلك لقَوْلِه - عليه السلام -: «نعم، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ». وقَوْلِه: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (¬1). ولأنَّه منيٌّ خارِجٌ فأوْجَبَ الغُسْلَ، كما لو خَرَج حال الإِغْماءِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَف المَنِيَّ المُوجِبَ بأنَّه غَلِيظٌ أبْيَضُ، وقال لعَلِيٍّ «إذا فَضَخْتَ الْمَاءَ (¬2) فَاغْتَسِلْ». رَواه أبو داودَ (¬3). والفَضْخُ خُرُوجُه على وَجْهِ الشِّدَّةِ. وقال إبراهيمُ الحربِيّ (¬4): بالعجَلَةِ. وقَوْلُه - عليه السلام -: «إذَا رَأتِ الْمَاءَ». يَعنِي في الاحتِلام، وإنَّما يَخْرُجُ في الاحتِلامِ لشَهوَةٍ، والحَدِيثُ الآخَرُ مَنْسُوخٌ، ويُمكِنُ مَنْعُ كَوْنِ هذا مَنِيًّا؛ لأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَف المَنِيَّ بصِفَةٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب إنما الماء من الماء، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 269. وأبو داود، في: باب في الإكسال، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 49. والترمذي، في: باب ما جاء أن الماء من الماء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 168. والنسائي، في: باب الذي يحتلم ولا يرى الماء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 96. وابن ماجه، في: باب الماء من الماء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 199. والدارمي، في: باب الماء من الماء، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 194. والإمام أحمد، في: السند 3/ 29، 5/ 416، 421. (¬2) في م: «المني». (¬3) في: باب في المذي، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 47. كما أخرجه النسائي، في: باب الغسل من المني، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 93. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 109. (¬4) أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي الحنبلي الحافظ، تفقه على الإمام أحمد، وبرع، وصنف التصانيف الكثيرة. توفي سنة خمس وثمانين ومائتين. العبر 2/ 74، طبقات الحنابلة 1/ 86 - 93.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن رَأى أنَّه قد احتَلَمَ، ولم يَرَ بَللًا، فلا غُسْلَ عليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعم، إذَا رَأتِ الْمَاءَ». يَدُلُّ بمَفْهُومِه (¬1) على أنَّه لم يَجِبْ إذا لم تَرَه، ورَوَتْ عائِشَةُ، قالت: سُئِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجلِ يَجِدُ البَلَلَ، ولا يَذْكُرُ احتِلامًا، قال: «يَغْتَسِلُ». وعن الرجلِ يَرَى أن قد احتَلَمَ، ولم يَجِدِ البلَلَ، قال:. «لَا غُسْلَ عَلَيهِ». قالت أمُّ سُلَيمٍ: المرأةُ تَرَى ذلك، أعليها غُسْلٌ؟ قال: «نَعَم، إنَّما النِّسَاءُ شَقَائِقُ ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرِّجَالِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬1). وذَكَر ابنُ أبي موسى في مَن احتَلَمَ ووَجَدَ لذَّة الإِنْزالِ، ولم يَرَ بَلَلًا، رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ عليه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذَكَرنا مِن النَّصِّ والإِجماعِ، لكن إن مَشَى فخَرَجَ منه المَنِيُّ، أو خَرَج بعدَ اسْتِيقاظِه، فعليه الغُسْلُ. نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه كان انْتَقَل، وتَخَلَّف خُرُوجُه إلى ما بعدَ الاسْتِيقاظِ، وإن انْتَبَه فرَأى مَنِيًّا، ولم يَذْكُرِ احتِلامًا، فعليه الغُسْلُ، قال شيخُنا: لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (¬2). ورُوي نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ. وبه قال ابنُ عباسِ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والشَّعبِي، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاق؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ خُرُوجَه كان لاحتِلامٍ نَسِيَه؛ وذلك لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عائشةَ. ¬

(¬1) في: المسند 6/ 256. وأبو داود، في: باب الرجل يجد البلة في منامه، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 54.كما أخرجه الترمذي، في: باب في من يستيقظ فيرى بللا ولا يذكر احتلاما، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 172. وابن ماجه، في: باب من احتلم ولم ير بللا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 200. والدارمي، في: باب من يرى بللا ولا يذكر احتلاما، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 19. (¬2) انظر: المغني 1/ 269.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإنِ انْتَبَه مِن النَّوْمِ فوَجَدَ بَلَلًا، لا يَعلمُ هل هو مَنِيٌّ أو غيرُه، فقال أحمدُ: إذا وَجَد بِلَّةً اغْتَسَلَ، إلَّا أن يَكُونَ به إِبرِدَةٌ، أو لاعَبَ أهْلَه؛ فإنَّه رُبَّما خَرَج منه المَذْيُ، فأرجُو أن لا يكُون به بَأسٌ. وكذلك إن كان انْتَشَرَ مِن أوَّلِ اللَّيلِ بتَذَكُّرٍ أو رُؤيَةٍ. وهو قَوْلُ الحسنِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَذْيٌ، لوُجُودِ سَبَبِه، فلا يَجِبُ الغُسْلُ بالاحتِمالِ. وإن لم يَكُنْ وَجَد ذلك، فعليه الغُسْلُ؛ لحَدِيثِ عائِشَةَ. وقد تَوَقَّف أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ. وقال مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: لا غُسْلَ عليه حتى يُوقِنَ بالماءِ الدّافِقِ. وهذا هو القِياس، والأوْلَى الاغْتِسالُ؛ لمُوافَقَةِ الخَبَرِ، وعَمَلًا بالاحتِياطِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن رَأى في ثَوْبِه مَنِيًّا، وكان لا يَنامُ فيه غيرُه، وهو مِمَّن يمكنُ أن يَحتَلِمَ، كابنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فعليه الغُسْلُ، وإلَّا فَلا؛ لأنَّ عُمَرَ وعثمانَ اغْتَسَلا حينَ رأياه في ثوبيهما، ولأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَنِيُّه (¬1)، ويَلْزَمُه إعادَةُ الصلاةِ مِن أحدَث نَوْمَةٍ نامَها فيه، إلَّا أن يَرَى أمارَةً تَدُلُّ على أنَّه قَبْلَها، فيُعِيدَ مِن أدنَى نَوْمَةٍ يَحتَمِلُ أنَّه منها. فأمّا إن كان يَنامُ فيه هو وغيرُه مِمَّن يَحتَلِمُ، فلا غُسْلَ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا (¬2) شاكٌّ فيما يُوجِبُ الغُسْلَ، والأصلُ عَدَمُ وُجْوبِه، وليس لأحَدِهما الائْتِمامُ بالآخَرِ؛ لأنَّ أحَدَهما جُنُبٌ يَقِينًا. فصل: فإن وَطِئَ امرأته دُونَ الفَرجِ، فدَبَّ ماؤه إلى فَرجِها ثم خَرَج، أو وَطِئَها في الفَرجِ، فاغْتَسَلَتْ ثم خَرَج ماؤه مِن فَرجِها، فلا غُسْلَ عليها. وبه قال قَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاق. وقال الحسنُ: تَغْتَسِلُ؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارِجٌ، فأشْبَه ماءَها. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس مَنِيَّها، أشْبَه غيرَ المَنِيِّ؛ ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعنى المَنْصُوصِ. ¬

(¬1) في م: «منه». (¬2) في م: «مفرد».

153 - مسألة: (فإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره، فلم يخرج، فعلى روايتين)

وَإِنْ أحسَّ بِانْتِقَالِهِ فَأمسَكَ ذَكَرهُ، فَلَم يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 153 - مسألة: (فإنْ أحَسَّ بانْتِقالِه فأمسَكَ ذَكَرَه، فلم يَخْرُج، فعلى رِوايَتَين) إحداهما، يَجِبُ عليه الغُسْل، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وأنْكَرَ أن يكُونَ الماءُ يَرجِعُ. اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، ولم يَذْكُر فيه خِلافًا، قال: لأنَّ الجَنابَةَ تَباعُدُ الماءِ عن مَحَلِّه، وقد وُجِد، فتَكُونُ الجَنابَةُ مَوجُودَةً، فيَجِبُ بها الغُسْلُ. ولأنَّ الغُسْلَ تُراعَى فيه الشَّهْوَةُ، وقد حَصَلَتْ بانْتِقالِه، أشْبَه ما لو ظَهر. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا غُسْلَ عليه، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِي، وقَوْلُ أكثَرِ الفقهاءِ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّقَ الاغْتِسال على رُؤيةِ الماءِ بقَوْلِه: «إذَا رَأتِ الْمَاءَ». وقَوْلِه: «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ». فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بدُونِه، وما ذَكَرُوه مِن الاشتِقاقِ مَمنُوعٌ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُسَمَّي جُنُبًا لمُجانَبَتِه الماءَ، ولا يَحصُلُ إلَّا بخُرُوجِه، أو لمُجانَبَتِه الصلاةَ أو المسجدَ، وإذا سُمِّيَ بذلك

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مع الخُرُوجِ لم يَلْزَم وُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِن غيرِ خُرُوجٍ، فإنَّ الاشْتقاقَ لا يَلْزَمُ منه الاطِّرادُ، ومُراعاةُ الشَّهْوَةِ في الحُكْمَ لا يَلْزَمُ منه اسْتِقْلالُها به، فإنَّ أحَدَ وَصفَي العِلَّةِ وشَرطَ الحُكْمِ مُراعًى له، ولا يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ، ثم يَبْطُلُ ذلك [بلَمسِ النِّساء] (¬1)، وبما لو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ مِن غيرِ انْتِقالٍ، فإنَّها لا تَسْتَقِلّ بالحُكْمِ، وكلامُ أحمدَ إنَّما يَدُلُّ على أنَّ الماءَ إذا انْتَقَلَ، لَزِم منه الخُرُوجُ، وإنَّما يَتأخَّرُ، وكذلك يَتأخَّرُ الغُسْلُ إلى حينِ خُرُوجِه. ¬

(¬1) سقط من: «م».

154 - مسألة: (فإن خرج بعد الغسل)

فَإِنْ خَرَجَ بعدَ الْغُسْلِ، أَوْ خَرَجت بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ. وعَنْهُ، يَجِبُ. وعَنْهُ، يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ، دُونَ مَا بَعدهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 154 - مسألة: (فإنْ خَرَجَ بعدَ الغُسْلِ) وقُلْنَا: لا يَجِبُ الغُسْلُ بالانْتِقالِ. لَزِمَه الغُسْلُ؛ لأنَّه مَنِيٌّ خَرَج بسَبَبِ الشهْوَةِ، فأوْجَبَ الغُسْلَ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ». ولحَدِيثِ أمِّ سُلَيمٍ، وكما لو خَرَج حال انْتِقالِه، وقد قال أحمدُ، في الرجلِ يُجامِعُ ولم يُنْزِلْ، فيَغْتَسِلُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم يَخْرُجُ منه المَنِيُّ: عليه الغُسْلُ. ولأنَّه لو لم يَجِبِ الغُسْلُ على هذه الرِّواية، أفْضَى إلى نَفْي الوُجوبِ عنه بالكُلِّيَّةِ، مع انْتِقالِ المَنِيِّ بشَهْوَةٍ وخُرُوجِه. وإن قُلْنا: يَجِبُ الغُسْلُ بالانْتِقالِ. لم يَجِبْ بالخُرُوجِ؛ لأنَّه تَعَلَّق بانْتِقالِه، وقد اغْتسل له، فلم يَجِبْ له غُسْل ثانٍ، كبَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَجَتْ بعدَ الغُسْلِ. وهكذا الحُكْمُ في بَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَج بعدَ الغُسْلِ. هذا هو المَشْهُورُ عن أحمدَ. قال الخَلَّالُ: تَواتَرَتِ الرِّواياتُ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّه ليس عليه إلَّا الوُضوءُ، بال أو لم يَبُلْ. رُويَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والثَّوْري. ولأنَّه مَنِيٌّ خَرَج على غيرِ وَجْهِ الدَّفْقِ واللَّذَّةِ، أشْبَه الخارِجَ في المَرَضِ. ولأنَّه جَنابَة واحِدَة، فلم يَجِبْ به غُسْلان، كما لو خَرَج دَفْعَةً واحِدَةً. وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَجِبُ بكلِّ حالٍ. وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الاعتِبارَ بخُرُوجِه كسائِرِ الأحداثِ. قال شَيخُنا: وهذا هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الخُرُوجَ يَصلُحُ مُوجِبًا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للغُسْلِ (¬1). قَوْلُهم: إنَّه جَنابَةٌ واحِدَة، فلم يَجبْ به غُسْلان. يَبطُلُ بما إذا جامَعَ فلم يُنْزِلْ، فاغْتَسَلَ، ثم أنزَلَ، فإنَّ أَحمدَ قد نَصَّ على وُجُوبِ الغُسْلِ عليه بالإِنْزالِ مع وُجُوبِه بالْتِقاءِ الخِتانَين. واخْتارَ القاضي الرِّوايَةَ الأُولَى، وحَمَل كلامَ أحمدَ في هذه المَسْأَلَةِ على أن تكُونَ قارَنتْه شَهْوَة حال خُرُوجِه، قال: فإن لم تُقارِنه شَهْوَةٌ فهو كبَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَجَتْ. وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه إن خَرَج قبلَ البَوْلِ، اغْتَسَل، وإن خَرَج بعدَه، لم يَغْتَسِلْ. وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، ونُقِل عن الحسنِ؛ لأنَّه قبلَ البَوْلِ بَقِيَّةُ ما خَرَج بالدَّفْقِ والشَّهْوَةِ، فأوْجَبَ الغُسلَ كالأوَّلِ، وبعدَ البَوْلِ لا يَعلَمُ أنَّه بَقِيَّةُ الأوَّلِ، لأنَّه لو كان بَقِيَّةَ الأوَّلِ لَما تَخَلَّفَ بعدَ البَوْلِ، وقد خَرَج بغيرِ دَفْقٍ وشَهْوَةٍ. وذَكَر القاضي [في «المُجَرَّدِ»] (¬2) في هاتَين المَسْألَتَين؛ أنَّه إن خَرَج، بعدَ البَوْلِ لم يَجِبِ الغُسْلُ، رِوايَةً واحِدَةً، وإن خَرَج قبلَه، فعلى رِوايَتَين. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 269. (¬2) سقط من: «م».

155 - مسألة: (الثاني: التقاء الختانين، وهو تغييب الحشفة في الفرج، قبلا كان أو دبرا، من آدمي أو بهيمة، حي أو ميت)

الثَّانِي، الْتِقَاءُ الْخِتَانَينِ؛ وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفرجِ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 155 - مسألة: (الثّانِي: الْتِقاءُ الخِتانَيْن، وهو تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرجِ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، مِن آدَمِيٍّ أو بَهيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ) معنَى الْتِقاءِ الخِتانَين: تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرجِ. كما ذَكَر، سَواءٌ كانا مُخْتَتِنين أوْ لا، وسواءٌ مَسَّ خِتانُه خِتانَها أو لا، فهو مُوجِبٌ للغُسلِ، ولو مَسَّ الخِتانُ الخِتانَ مِن غيرِ إيلاجٍ، لم يَجبِ الغُسْلُ إجْماعًا. واتَّفَقَ العُلَماءُ على وُجُوبِ الغُسْلِ في هذه المَسْأَلَةِ. وقال داودُ: لا يَجِبُ؛ لقوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (¬1). رُوِيَ نَحوُ ذلك عن جماعةٍ مِن الصَّحابَةِ. ورُوي في ذلك أحادِيثُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكانت رُخْصَةً أرخَصَ فيها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم أمَرَ بالغُسلِ، فرُوي عن أُبَي بنِ كَعبٍ، قال: إنَّ الفُتْيا التي كانوا يَقُولُون: إنَّ «الماءَ مِن الماءِ» رُخْصَة، كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فيها في أوَّلِ الإِسلامِ، ثم أمَرَ بالاغْتِسالِ بَعدَها. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 81.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والترمِذِيُّ (¬1)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبها الْأَربَعَ، ثمَّ جَهدها، فَقد وَجَبَ الغُسْلُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). زادَ مسلمٌ: «وَإنْ لَمْ يُنْزِلْ». وحَدِيثُهم مَنسُوخٌ بحَدِيثِ أبَيِّ بنِ كَعبٍ. فصل: ويَجِبُ الغُسْلُ على كُلِّ واطِئ ومَوْطُوءٍ، إذا كان مِن أهلِ الغُسْلِ، سَواءٌ كان في الفرجِ، قُبُلًا أو دُبُرًا، مِن آدَمِيٍّ أو بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ، طائِعًا أو مُكْرَهًا، نائِمًا أو يَقْظانَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجبُ الغُسْلُ بوَطْءِ المَيِّتَةِ ولا البَهِيمَةِ، لأنَّه ليس بمَقْصُودٍ، ولأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ، ولا في مَعْناه. ولَنا، أنَّه إيلاجٌ في فَرجٍ، فوَجَبَ به الغُسْلُ، كوَطْءِ الآدَمِيَّةِ في حَياتِها، ووَطْءُ الآدَمِيةِ داخِلٌ في عُمُوم الأحادِيثِ، ما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالعَجُوزِ والشَّوْهاءِ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في الإكسال، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 49، والترمذي، في: باب ما جاء في أن الماء من الماء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 167. وابن ماجه، في: باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 200. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 115، 116. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب إذا التقى الختانان، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 80. ومسلم، في: باب نسخ «الماء من الماء»، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 271. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الإكسال، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 49. والنسائي، في: باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 92. والدارمي، في: باب في مسِّ الختان الختان، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 194. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 234، 347، 393، 471، 520.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن أوْلَجَ بَعْضَ الحَشَفَةِ، أو وَطِيء دُونَ الفرجِ، ولم يُنْزِلْ، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الْتِقاءُ الخِتانَين ولا ما في مَعناه. وإن انْقَطَعَتِ الحَشَفَةُ، فأوْلَجَ الباقِيَ مِن ذَكَرِه، وكان بقَدرِ الحَشَفَةِ، وَجَب الغُسْلُ، وتَعَلَّقَتْ به أحكامُ الوَطْءِ؛ مِن المَهْرِ وغيرِه. وإن كان أقَلَّ مِن ذلك، لم يَجِبْ شيءٌ. فصل: فإنْ أوْلَجَ في قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو أوْلَجَ الخُنْثَى ذَكَره في فَرجِ امرأةٍ، أو وَطِئَ أحَدُهما أو كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، لم يَجِبِ الغُسْلُ على واحِدٍ منهما؛ لاحتِمالِ أن يكُونَ خِلْقَةً زائِدَةً. فإن أنْزَل الواطِيءُ أو أنْزَل المَوْطُوءُ مِن قُبُلِه، فعلى مَن أنزل الغُسْلُ. ويَثْبُتُ لمَن أنزَل مِن ذَكَرِه حُكْمُ الرِّجالِ، ولمَن أنْزَل مِن فَرجِه حُكْمُ النِّساءِ؛ لأنَّ الله تعالى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أجْرَى العادَةَ بذلك في حَقِّ الرجالِ والنِّساءِ. وذَكَر القاضي في مَوْضِعٍ، أنَّه لا يُحْكَمُ له بالذُّكُورِية بالإِنْزالِ مِن ذَكَرِه، ولا بالأُنُوثِيَّةِ بالحَيضِ مِن فَرجِه، ولا بالبُلُوغِ بهذا. ولَنا، أنَّه أمرٌ خَصَّ اللهُ تعالى به أحَدَ الصِّنْفَينِ، فكان دَلِيلًا عليه، كالبَوْلِ مِن ذَكَرِه أو مِن قُبُلِه. ولأنَّه أنزَل الماءَ الدّافِقَ لشَهْوَةٍ، فوَجَبَ الغُسْلُ؛ لقَوْلِه عليه السّلامُ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان الواطِئ أو المَوْطُوءَة صَغِيرًا، فقال أحمدُ: يَجِبُ عليهما الغُسْلُ. وقال: إذا أتى على الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ، ومِثْلُها يُوطأ، وَجَب عليها الغُسْلُ. وسُئِل عن الغُلامِ يُجامِعُ مِثْلُه ولم يَبْلُغْ، فجامَعَ المرأةَ، يَكُونُ عليهما الغُسل؟ قال: نعم. قِيل له: أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ؟ قال: نعم. وقال: تُرَى عائِشَةَ حيث كان يَطَؤها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم تَكُنْ تغْتَسِلُ! ويروَى عنها: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» (¬1). وحَمَل القاضي كلامَ أحمدَ على الاسْتحبابِ. وهو قَوْلُ أصحابِ الرَّأي، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الصَّغِيرَ لا يَتَعَلَّقُ به المَأْثَمُ، ولا هو مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، ولا تَجِبُ عليه الصلاةُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 268.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التي تَجبُ لها الطهارةُ، فأشْبَهتِ الحائِضَ. قال شَيخنا: ولا يَصِحُّ حَملُ كلام أَحمدَ على الاسْتِحبابِ، لتَصرِيحِه بالوُجُوبِ، وذَمِّه قَول أصحابِ الرأي بقَوْلِه: هو قَوْلُ سَوْءٍ. واحتَجَّ بفِعلِ عائشةَ، ورِوايَتها للحَدِيثِ العامِّ في حَقِّ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ولأنَّها أجابَتْ بفِعلِها وفِعلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، بقَوْلِها: فَعَلْتُه أنا ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فاغْتَسَلْنا. فكَيفَ تَكُونُ خارِجَةً منه! وليس مَعنى وُجُوبِ الغُسْلِ في حَقِّ الصَّغِيرِ التَّأثِيمَ بتركِه، بل مَعناه أنَّه شَرطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ، والطَّوافِ، وإباحَةِ قراءةِ القُرآنِ، وإنَّما يَأثَمُ البالِغُ بتأخِيرِه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في مَوضِعٍ يَتأخَّرُ الواجِبُ بتَرْكِه، ولذلك لو أخَّره في غيرِ وَقْتِ الصلاةِ لم يَأْثَمْ، والصَّبِيُّ لا صلاةَ عليه، فلم يَأثَمْ بالتَّأْخِيرِ، وبَقِيَ في حَقِّه شَرْطًا، كما في حَقِّ الكَبِيرِ، فإذا بَلَغ كان حُكْمُ الحَدَثِ في حَقِّه باقِيًا، كالحَدَثِ الأصْغَرِ، يَنْقُضُ الطهارةَ في حَقِّ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ. واللهُ أعلمُ (¬1). ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 274.

156 - مسألة: (الثالث: إسلام الكافر، أصليا كان أو مرتدا. وقال أبو بكر: لا غسل عليه)

الثَّالِثُ، إسْلَام الْكَافِرِ، أصْلِيًّا كَانَ أو مُرْتَدًّا. وَقَال أبو بَكْرٍ: لَا غسْلَ عَلَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 156 - مسألة: (الثالِثُ: إسلامُ الكافِرِ، أصْلِيًّا كانَ أو مُرتَدًّا. وقال أبو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عليه) وجُمْلَتُه أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَم وَجَب عليه الغُسْلُ، أصْلِيًّا كان أو مُرْتَدًّا، سَواءٌ اغْتَسَل قبلَ إسلامِه أو لا، وُجدَ منه في زَمَنِ الكُفْرِ ما يُوجِبُ الغُسلَ أو لم يُوجَدْ. وهو قولُ مالكٍ، وأَبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو بكرٍ: يُسْتَحَبُّ ولا يَجِبُ، إلَّا أن يكُونَ قد وُجِدَت منه جَنابَةٌ زَمَنَ كُفْرِه، فعليه الغُسْلُ إذا أسْلَم، وإن اغْتَسل قبلَ الإِسلامِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ. وقال أبوْ حَنِيفَةَ: لا يجِبُ عليه الغُسل بحالٍ؛ لأنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ والجَمَّ الغَفِيرَ أسْلَمُوا، فلو أُمِرَ كلُّ مَن أسْلِم بالغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا أو ظاهِرًا، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ بَعَث مُعاذًا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلى اليَمَنِ (¬1) لم يَذْكُرْ له الغُسْل، ولو كان واجِبًا لأمَرَهم به؛ لأنه أوَّلُ واجِباتِ الإِسلام. ولنا، ما روَى قَيس بنُ عاصِمٍ (¬2)، أنَّه أسْلَم، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَغتَسِلَ بماءٍ وسِدرٍ (¬3). رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، والترمِذِيّ (¬4)، وقال: حديث حسنٌ. والأمْرُ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب وجوب الزكاة، وباب أخذ الصدقة من الأغناء وترد في الفقراء حيث كانوا، من كتاب الزكاة، وفي: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، من كتاب المغازي، وفي: باب ما جاء في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، من كتاب التوحيد. صحيح البخاري 2/ 130، 158، 5/ 204، 9/ 140. ومسلم، في: باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 50 ,51. وأبو داود، في: باب زكاة السائمة، من كتاب الزكاة. سنن أبي داود 1/ 366. والنسائي، في: باب وجوب الزكاة، وباب إخراج الزكاة من بلد إلى بلد، من كتاب الزكاة. المجتبى 5/ 3، 41. وابن ماجه، في: باب فرض الزكاة، من كتاب الزكاة. سنن ابن ماجه 1/ 568. والدارمي، في: باب في فضل الزكاة، من كتاب الزكاة. سنن الدارمي 1/ 379. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 233. (¬2) قيس بن عاصم بن سنان التميمي المِنْقَرِي، أبو علي. وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وفد بني تميم فأسلم، كان سيدًا جوادًا، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية. توفي سنة اثنتين وثلاثين. انظر: الإصابة 5/ 483 - 486، تهذيب التهذيب 8/ 399، 400. (¬3) السدرة: شجرة النبق. . . . وإذا أطلق السدر في الغسل فالمراد الورق المطحون. المصباح المنير. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 86. والترمذي، في: باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذي 3/ 84. والنسائي، في: باب ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه غسل الكافر إذا أسلم، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 91. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 61.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للوُجُوبِ، وما ذَكَرُوه مِن قِلَّةِ النَّقْلِ، فلا يَصِحُّ مِمَّن أَوْجَبَ الغُسْلَ على مَن أسْلمَ بعدَ الجَنابَةِ في كُفْرِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أن البالِغَ لا يَسْلَمُ منها، على أنَّ الخَبَرَ إذا صَحَّ كان حُجَّةً مِن غيرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ آخَرَ. وقد رُوِيَ أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيرٍ وسعدَ بنَ مُعاذ، حينَ أرادا الإِسلامَ، سألا مُصْعَبَ بنَ عُمَيرٍ: كيف تَصْنَعُونَ إذا دَخَلْتُم في هذا الأمْرِ؟ قال: نَغْتَسِلُ ونَشْهَدُ شَهادَةَ الحَقِّ (¬1). وهذا يَدُلُّ على أنَّه كان مُسْتَفِيضًا. ولأنَّ الكافِرَ لا يَسْلَمُ غالِبًا مِن جَنابَةٍ تَلْحَقُه، ونَجاسَةٍ تُصحبُه، وهو لا يَصِحُّ غُسْلُه، فأقِيمَتِ المَظِنَّةُ مَقامَ حَقِيقَةِ الحَدَثِ، كما أُقِيمَ النَّومُ مَقامَ الحَدَثِ. ¬

(¬1) انظر: السيرة النبوية، لابن هشام 2/ 436.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن أجْنَبَ الكافِرُ، ثم أسْلَمَ، لم يَلزَمْه غُسْلُ الجَنابَةِ، سَواءٌ اغْتَسَل في كُفْرِه أو لم يَغْتَسِلْ. وهذا قَوْلُ مَن أوْجب غُسْلَ الإِسلام، وقولُ أبي حَنِيفَةَ. وقال الشافعيّ: عليه الغُسْلُ. وهو قَولُ أبي بكرٍ؛ لَأنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الغُسْلِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، واغْتِسالُه في كُفْرِه لا يَرْفَعُ حَدَثَه، قِياسًا على الحَدَثِ الأصْغَرِ. وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، وأحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَرْتَفِعُ حَدَثُه؛ لأنَّه أصَحُّ نِيَّةً مِن الصَّبِيِّ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطهارةَ عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلم تَصِحَّ مِن الكافِرِ، كالصلاةِ. ووجْه الأولَ أنه لم يُنْقَلْ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أحَدًا مِمَّن أسْلَم بغُسْلِ الجَنابَةِ، مح كَثْرَةِ مَن أسْلَمَ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ البالِغِين المُتَزَوِّجِين، ولأنَّ المظِنَّةَ أُقِيمَتْ مَقامَ حَقِيقَةِ الحَدَثِ، فسَقَطَ حُكمُ الحَدَثِ، كالسَّفَرِ مع المَشَقَّةِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ , كما في حَدِيثِ قَيسٍ. ويُسْتَحَبُّ إزالةُ شَعَرِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ أسْلَم: «ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ وَاختَتِنْ». رواه أبو داودَ (¬1). ¬

(¬1) في: باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 86. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 415.

157 - مسألة: (الرابع، الموت. الخامس، الحيض. السادس، النفاس)

الرابع، الموت. والخامس، الحيض. السادس، النِّفاسُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 157 - مسألة: (الرّابِعُ، المَوْتُ. الخامِسُ، الحَيضُ. السّادِسُ، النِّفاسُ). وسيُذْكَرُ ذلك في مَواضِعه إن شاءَ اللهُ تعالى.

158 - مسألة؛ قال: (وفي الولادة وجهان)

وفي الولادَةِ العارية عن الدَّمِ وَجْهان. ـــــــــــــــــــــــــــــ 158 - مسألة؛ قال: (وفي الولادَةِ وَجْهان) يَعْنِي إذا عَرِيَتْ عن الدَّمِ، أحَدُهما، يَجِبُ الغُسْلُ، لأنَّها مَظِنَّةُ النِّفاسِ المُوجِبِ، فأُقِيمَتْ مُقامَه، كالْتِقاءِ الخِتانَين، ولأنَّه يَحْصُلُ بها بَراءَةُ الرَّحِمِ، أشْبَهَتِ الحَيضَ. ولأصحاب الشافعيِّ فيها وَجْهان. والثاني، لا يَجِبُ. وهو ظاهِرُ قَوْلَ الخِرَقِي؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشرع، ولم يَرِدْ بالغُسْلِ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ. قَوْلُهم: إنَّ ذلك مَظِنَّةٌ. قلْنا: إنَّما يُعْلَمُ جَعْلُها مَظِنَّةً بنَصٍّ أو إجماعٍ ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما، والقِياسُ الآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لا مَعْنَى تَحْتَه، ثم قد اخْتَلَفا في كَثِيرِ مِن الأحْكامِ، فليس تَشْبِيهُه في هذا الحُكْمِ أوْلَى مِن مُخالفَتِه في غيرِه. وهذا الوَجْهُ أوْلَى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان على الحائِضِ جَنابَةٌ، فليس عليها أن تَغْتَسِلَ حتى يَنْقَطِعَ حَيضُها في المَنْصُوصِ. وهو قَوْلُ إسحاقَ؛ لأنَّ الغُسْلَ لا يفيدُ شيئًا مِن الأحْكامِ. وعنه، أن عليها الغُسْلَ قبلَ الطُّهْرِ. ذَكَرَها ابنُ أبي موسى، والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لما ذَكَرْناه. فإنِ اغْتَسَلَتْ للجَنابَةِ في زَمَنِ حَيضِها،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَحَّ غُسْلُها، وزال حُكْمُ الجَنابَةِ، وبَقِي حُكْمُ الحَيضِ لا يزُولُ حتى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. نَصَّ عليه أحمدُ، قال: ولا أعْلَمُ أحَدًا قال: لا تَغتَسِلُ. إلَّا عَطاءً، ثم رَجَع عنه. وهذا لأنَّ بَقاءَ أحَدِ الحَدَثَين لا يَمْنَعُ ارْتِفاعَ الآخر، كما لو اغْتَسَل المُحْدِثُ الحَدَثَ الأصْغَرَ.

159 - مسألة؛ قال: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة آية فصاعدا، وفي بعض آية روايتان)

ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُمَ عليه قِراءَةُ آيَةٍ فصاعِدًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 159 - مسألة؛ قال: (ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُم عليه قِراءَةُ آيَةٍ فصاعِدًا، وفي بَعْضِ آيةٍ رِوايَتانِ) رُويَتِ الكَراهَةُ لذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرأي. وقال الأوْزاعِيُّ: لا يَقْرأ إلَّا آيَةَ الرُّكُوبِ والنزول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} (¬1). {وَقُل ربِّ أنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} (¬2). وقال ابنُ عباسٍ: ¬

(¬1) سورة الزخرف 13. (¬2) سورة المؤمنون 29.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَقْرَأُ ورْدَه. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: يَقْرَأ القُرْآنَ، ألَيسَ هو في جَوْفِه! وحُكِي عن مالكٍ جَوازُ القِراءَةِ للحائِضِ دُونَ الجُنُبِ؛ لأنَّ إيامَها تَطُولُ، فلو مَنَعْناها مِن القُرْآنِ نَسِيَتْ. ولَنا، ما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ يَحْجُبُه، أو قال: يَحْجُزُه، عن قِراءَةِ القُرْآنِ شيءٌ، ليس الجَنابَةَ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، وابنُ ماجه، والتِّرمِذِي (¬1) بمَعْناه، وقال: حسن صحيح. وعن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَقْرأ الْحَائِضُ ولا النُّفَسَاءُ شَيئًا مِنَ الْقُرْآنِ». رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (¬2). ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الجنب يقرأ القرآن، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 52. والنسائي، في: باب حجب الجنب من قراءة القرآن، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 118. وابن ماجه، في: باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 195. والترمذي، في: باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 243. ولفظه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جنبا. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 84 , 107 ,124. (¬2) في: باب في النهي للجنب والحائض عن قراءة القرآن، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 121.

وفي بعضِ آيةٍ روايتان. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَحْرُمُ عليه قِراءَةُ آية فصاعِدًا، لِما ذَكَرْنا، فأمّا بَعْضُ الآية؛ فإن كان مِمّا لا يَتَمَيَّز به القُرْآنُ عن غيرِه؛ كالتَّسْمِيَةِ، والحَمْدِ للهِ، وسائِرِ الذِّكْرِ، فإن لم يَقْصِدْ به القُرْآنَ، فهو جائِزٌ، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّ لهم ذِكْرَ اللهِ تعالى، ولأنَّهم يَحْتاجُون إلى التَّسْمِيَةِ عندَ اغْتِسالِهم، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ الله على كلِّ أحْيانِه. رَواه مسلم (¬1). وإن قَصَدُوا به القِراءَةَ، أو كان ما قَرَءُوه يتَمَيَّزُ به القرآنُ عن غيرِه، ففيه رِوايَتان؛ أظْهَرُهما أنه لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ النَّهْي، ولِما رُوِيَ ¬

(¬1) في: باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 282. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهور، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 5. وابن ماجة، في: باب ذكر الله عزَّ وجلَّ على الخلاء والخاتم في الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 110. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 70، 153.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ عليًّا، رَضِي الله عنه، سُئِل عن الجُنُبِ يَقْرأ القرآنَ؟ فقال: لا، ولا حَرْفًا (¬1). وهذا مذهبُ الشافعي. ولأنَّه قُرْآنٌ، فمُنِعَ منه كالآية. والثانيةُ، لا يُمْنَعُ. وهو قولُ أبي حَنِيفةَ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به الإِعْجازُ، ولا يُجْزِئ في الخُطْبَةِ، أشْبَهَ الذِّكْرَ، ولأنَّه يَجُوزُ إذا لم يَقْصِدْ به القُرْآنَ، فكذلك إذا قَصَد. ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب هل تذكر الله الحائض والجنب؟ من كتاب الطهارة. المصنف 1/ 336.

160 - مسألة: (ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم عليه اللبث فيه، إلا أن يتوضأ)

ويَجُوزُ له العُبُورُ في المسجدِ، ويَحْرُمُ عليه اللّبْثُ فيه، إلَّا أن يَتَوَضَّأ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 160 - مسألة: (ويَجُوزُ له العُبُورُ في المسجدِ، ويَحْرُمُ عليه اللّبْثُ فيه، إلَّا أن يَتَوَضَّأ) يَحْرُمُ عليه اللّبْثُ في المسجدِ؛ لقولِ الله تِعالى: {وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} (¬1). ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِض وَلَا جُنُبٍ». رَواه أبو داودَ (¬2). فإن خاف على نَفْسِه أو مالِه، أو لم يُمْكِنْه الخُرُوجُ أو الغُسْلُ والوُضُوءُ، تَيَمَّمَ وأقامَ في المسجدِ؛ لأنَّه رُويَ عن عليٍّ وابنِ عباس، في قَوْلِه تعالى: {وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ}: يَعْنِي مُسافِرِين لا يَجِدُونْ ماءً، فيَتَيَمَّمُون. وقال بَعْضُ ¬

(¬1) سورة النساء 43. (¬2) في: باب في الجنب يدخل المسجد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 53.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أصحابنا: يَلْبثُ بغَيرِ تَيَمُّمٍ؛ لأنَّه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. وهو غيرُ صحيحٍ؛ لمُخالفَتِه قَوْلَ الصَّحابَةِ، ولأنَّه أمْرٌ تُشْتَرَطُ له الطهارةُ، فوَجَبَ له التَّيَمُّم عندَ العَجْزِ عنه، كسائِرِ ما تُشْتَرَطُ له الطهارةُ. ويُباحُ له العُبُورُ في المسجدِ، للآية، وإنَّما يُباحُ العُبُورُ للحاجَةِ؛ مِن أخْذِ شيءٍ أو تَرْكِه في المسجدِ، أو كوْنِ الطرَّيقِ فيه، فأمّا لغَيرِ ذلك فلا. ومِمَّن رُويَتْ عنه الرُّخْصَةُ في العُبُورِ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسِ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ. وقال الثَّوْرِيُّ وإسحاقُ: لا يَمُرُّ في المسجدِ إلَّا أن لا يَجِدَ بُدًّا، فيَتَيَمَّمَ. وهو قوْلُ أصحابِ الرَّأي؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ»، رَواه أبو داودَ. ولنا، قَوْلُ الله تِعالى: {إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ}. والاسْتِثناءُ مِن النَّهْي إباحَةٌ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَاولِيني الْخُمْرَةَ (¬1) مِنَ الْمَسْجدِ». قالت: إنِّي حائِضٌ. قال: «إنَّ حَيضَتَكِ لَيسَتْ فِي يَدِكِ». رَواه مسلمٌ (¬2). وعن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، قال: كانْ أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمْشُون في المسجدِ وهم جُنُبٌ. رَواه ابنُ المُنْذِرِ. وهذا إشارَةٌ إلى ¬

(¬1) الخمرة: هي السجادة، وهي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده؛ من حصير أو نسيجة من خوص، وسميت خمرة؛ لأنها تخمر الوجه، أي تغطيه. (¬2) في: باب جواز غسل الحائض لرأس زوجها. . . . إلخ، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 245. كما أخرجه أبو داود، في: باب الحائض تناول من المسجد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 60. والترمذي، في: باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 216. والنسائي، في: باب استخدام الحائض، من كتاب الطهارة، وفي: باب استخدام الحائض، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 120، 158. وابن ماجه، في: باب الحائض، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 207. والدارمي، في: باب الحائض تبسط الخمرة، وفي: باب الحائض تمشط زوجها، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 197، 247. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 70، 6/ 45، 101، 106، 110، 112، 114، 173، 179، 214، 229 , 214.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جَمِيعِهم، فيَكُونُ إجْماعًا. فإن تَوَضَّأ الجُنُبُ فله اللّبْثُ في المسجدِ عندَ أصحابِنا. وهو قوْلُ إسحاقَ. وقال الأكْثَرُون: لا يَجُوز؛ للآية والخَبَرِ. ووَجْهُ الأوَّلَ ما روَى زيدُ بنُ أسْلَمَ، قال: كان أصحابُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَدَّثُون في المسجدِ على غيرِ وُضُوءٍ، وكان الرجلُ يَكُونُ جُنُبًا فيَتَوَضَّأ، ثم يَدْخُلُ فيَتَحَدَّثُ. وهذا إشارَة إلى جَمِيعِهم، فيَخُصُّ عُمُومَ الحَدِيثِ. وعن عَطاءِ بنِ يَسارٍ قال: رَأيتُ رِجالًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَجْلِسُونَ في المسجدِ وهم مُجْنِبُون؛ إذا تَوضَّئُوا وُضُوءَ الصلاةِ. رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ والأثْرَمُ. وحُكْمُ الحائِض إذا انْقَطَعَ حَيضُها حُكْمُ الجُنُبِ، فأمّا في حالِ حَيضِها فلا يُباحُ لها اللّبْثُ؛ لأنَّ وُضُوءَها لا يَصِحُّ.

فصل: والأغْسالُ المُسْتَحَبَّةُ ثلاثةَ عَشَرَ غُسْلًا؛ لِلجُمُعَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا المُستَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، فلهم العُبُورُ في المسجدِ واللُّبْثُ فيه، إذا أمِنُوا تَلْويثَه؛ لما رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ امرأةً مِن أزْواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَكَفَتْ معه وهي مُسْتَحاضَةٌ، فكانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعْنا الطَّسْتَ تَحْتَها وهي تُصَلِّي. رَواه البُخارِي (¬1). فأمّا إن خاف تَلْويثَ المسجدِ، أو خَشِيَتِ الحائِضُ ذلك بالعُبُورِ فيه، حَرُم عليهما؛ لأنَّ المسجدَ يُصانُ عن هذا، كما يصانُ عن البَوْلِ فيه. فصل: (والأغْسالُ المسْتَحَبَّةُ ثَلاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا) أحَدها، غُسْلُ ¬

(¬1) في: باب الاعتكاف للمستحاضة، من كتاب الحيض. صحيح البخاري 1/ 85. كما أخرجه أبو داود، في: باب في المستحاضة تعتكف، من كتاب الصوم. سنن أبي داود 1/ 576. وابن ماجه، في: باب المستحاضة تعتكف، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 566. والدارمي، في: باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 217. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 131.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الجُمُعَةِ، وهو مُسْتَحَب بغير خِلافٍ، و «فيه آثارٌ كَثِيرة صحيحةٌ؛ منها ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أتى مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وروَى سَلْمانُ الفارِسِيُّ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمسُّ مِنْ طِيبِ بَيتهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفرِّق بَينَ اثْنَينِ، وَيُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب فضل الغسل يوم الجمعة. . . . إلخ، وباب حدثنا أبو نعيم. . . إلخ، وباب هل على من لم يشهد الجمعة غسل، وباب الخطبة على المنبر، من كتاب الجمعة. صحيح البخاري 2/ 2، 4، 6، 12. ومسلم، في: أول كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 579، 580. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل يوم الجمعة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 83. والترمذي، في: باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذي 2/ 278. والنسائي، في: باب الأمر بالغسل يوم الجمعة، وباب حض الإمام في خطبته على الغسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 76، 86. وابن ماجة، في: باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 246. والدارمي، في: باب الغسل يوم الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 361. والإمام مالك، في: باب العمل في غسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 102. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 15، 46، 2/ 3، 9، 35، 37، 41، 42، 48، 53، 55، 57، 64، 77، 78، 101، 105، 115، 120، 141، 145، 149.

والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومِنْ غُسْلِ الميت، ـــــــــــــــــــــــــــــ مَا بَينَهُ وَبَينَ الْجُمُعَةِ الأخْرَى». رَواه البُخارِي (¬1). وليس ذلك بواجِبٍ في قَوْلِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وقد قِيل: إنَّه إجْماعٌ. حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ، وسيُذْكَرُ ذلك في مَوْضِعِه بأبسَطَ مِن هذا، إن شاء الله تعالى. الثاني، غُسْلُ العِيدَين، مُسْتَحَب؛ لما روَى ابنُ عباس والفاكِهُ بنُ سعدٍ (¬2)، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَغْتَسِلُ يومَ الفِطر والأضْحَى. رَواه ابنُ ماجَه (¬3). الثالثُ، الاسْتِسْقاء؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَجْتَمِعُ لها النّاس، فاسْتُحِبَّ لها الغُسْلُ، كالجُمُعَةِ. الرابعُ، الكُسُوف؛ لأنَّه كالاسْتِسْقاءِ. الخامسُ، الغُسْلُ مِن غُسْلِ المَيِّتِ، وهو مُسْتَحَبٌّ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) في: باب الدهن للجمعة، وباب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح البخاري 2/ 4، 9. كما أخرجه الدارمي، في: باب في فضل الجمعة والغسل والطيب فيها، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 362. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 438، 440. (¬2) الفاكه بن سعد بن جبير الأنصاري الأوسي الصحابي، شهد صفين مع علي، وقتل بها. أسد الغابة 4/ 349. (¬3) أخرجه ابن ماجه عنهما، في: باب ما جاء في الاغتسال في العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 417. والإمام أحمد عن الفاكه، في: المسند 4/ 78.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: «مَنْ غَسَّل مَيَّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ» (¬1). قال الترمِذِيُّ: هذا حديث حسنٌ. وليس بواجِبٍ، يروَى ذلك عن ابنِ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الغسل من غسل الميت، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 2/ 179. والترمذي، في: باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 4/ 214. وابن ماجه، في: باب ما جاء في غسل الميت، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 470. والإمام أحمد، في المسند 1/ 103، 130، 2/ 280، 433، 454، 472، 4/ 246.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عباس، وابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، والحسنِ، والنَّخَعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي. ورُوي عن عليٍّ، وأبي هُرَيرَةَ، أنَّهما قالا: مَن غَسَّلَ مَيِّتًا فليَغْتَسِلْ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وذَكر أصحابُنا في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّتِ الكافِرِ رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، كالمُسْلِمِ. والثانيةُ، يَجِبُ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر عليًّا أن يَغْتَسِلَ حينَ غَسَّلَ أباه (¬1). ولَنا، قَوْلُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إذا كُنَّا مُسافِرِين، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيام ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ (¬2). حديث حسنٌ. ولأنَّه غسْلُ آدَمِي، فلم يُوجِبِ الغُسْلَ، كغُسْلِ الحَيِّ. وحَدِيثُهم مَوْقُوفٌ على أبي هُرَيرَةَ، قاله أحمدُ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في هذا حديث يَثْبُتُ، ولذلك لم يُعْمَلْ به في وُجُوبِ الوُضُوءِ على حامِلِه، لا نَعْلَمُ به قائِلًا. وأمّا حديثُ عليٍّ، فقال أبو إسحاقَ الجُوزجانِيّ: ليس فيه أنَّه غَسَّل أبا طالِبٍ، إنَّما قال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد في: المسند 1/ 103، 130. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 12.

والمَجْنُونُ، والمُغْمَى عليه، إذا أفاقا مِن غَيرِ احْتِلامِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ «اذْهَبْ فَوَارِه، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيئًا حَتَّى تَأْتِيَني». قال: فأتَيتُه فأخْبَرْتُه، فأمَرَنِي فاغْتَسَلْتُ. وذَكَر بَعْضُ أصحابِنا رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ الحَيِّ الكافِرِ، قِياسًا على المَيِّتِ، والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشمرعِ، ولم يَرِدْ به، وقِياسُه على المَيِّتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُسْلِمَ المَيِّتَ يَجبُ مِن غُسْلِه الوُضُوءُ، بخِلافِ الحَيِّ، وهذا يَدُلُّ على افْتِراقِ حالِ المَيِّتِ والحَيِّ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال به مِن العُلَماءِ. السادسُ، الغُسْلُ مِن الإِغْماءِ والجُنُونِ، إذا أفاقا مِن غيرِ احْتِلامٍ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه اغْتَسَل للإِغْماءِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّه لا يُؤمَنُ أن يَكُونَ قد احْتَلَمَ ولم يَشْعُرْ، والجُنُونُ في مَعْناه، بل أوْلَى؛ لأنَّ مُدَّتَه تَطُولُ، فيَكُونُ وُجودُ الاحْتِلامِ فيه أكْثَرَ، ولا يجِبُ الغُسْلُ لذلك. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. وذَكَر أبو الخَطّابِ فيه رِوايَتَين؛ إحْداهما، يجِب؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه. والثانيةُ، لا يجبُ، وهي أصَحُّ؛ لأنَّ زَوال العَقْلِ بنَفْسِه ليس مُوجبًا للغُسْلِ، والإِنْزالُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليقِينِ بالشَّكِّ، فإن تُيُقِّنَ منهما الإِنْزالُ، فعَلَيهِما الغُسْلُ؛ لأنَّه ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، من كتاب الأذان. صحيح البخاري 1/ 176. ومسلم، في: باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 311. كما أخرجه النسائي، في: باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدا، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 78. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 52، 6/ 251.

وغُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن جُمْلَةِ المُوجِباتِ (¬1). السابعُ، غُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، مُستحَبٌّ؛ لما روَى أبو داودَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدَّمَ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأمَرَها أن تَغْتَسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ (¬2). وقد ذَهَب بعضُ أهلِ العلمِ إلى وُجُوبِه؛ لما ذَكَرْنا مِن ألحدِيثِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله. وذَكَر ابنُ أبي موسى أنَّ انْقِطاعَ دَمِ الاسْتِحاضَةِ يُوجِبُ الغُسْلَ. ¬

(¬1) في م: «الواجبات». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في المرأة تستحاض. . . . إلخ، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 62. والنسائي، في: باب ذكر الاغتسال من الحيض، من كتاب الطهارة، وفي: باب المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 99، 149. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المستحاضة. . . .، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 204. وأخرجه أيضًا: الدارمي، في: باب في غسل المستحاضة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 199، 200. والامام مالك، في: باب المستحاضة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 62. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 293، 304، 320، 323.

والغسل للإحرام، ودُخُول مَكَّةَ، والوُقُوف بعَرَفَةَ. والمَبِيت بمُزْدَلِفَةَ، ورمي الجمار، والطواف. ـــــــــــــــــــــــــــــ الثامنُ، الغُسْلُ للإِحْرامِ، وهو مُسْتَحَبٌّ، لِما روَىْ زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّه رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ واغْتَسَل. رَواه الترمِذِي (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ. التاسعُ، دُخُول مَكَّةَ. العاشرُ، الوُقُوف بعَرَفَةَ. الحادِي عَشرَ، المَبِيت بمُزْدَلِفَةَ. الثانِي عَشر، رَمْي الجِمارِ. الثالثَ عَشر، الطَّواف. وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء الله تعالى، وقد روَى البُخاري عن ابنِ عُمَرَ، أنه كان يَغْتَسِلُ، ثم يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهارًا، ويَذْكُرُ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام، من أبواب الحج. عارضة الأحوذي 4/ 48. كما أخرجه الدارمي، في: باب الاغتسال في الإحرام، من كتاب المناسك. سنن الدارمي 2/ 31.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه فَعَلَه (¬1). ورُوي الغُسْلُ للوُقُوفِ بعَرَفَةَ عن علي، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، واسْتَحَبَّه الشافعيُّ. ورُوي عن ابنِ عُمَرَ أنَّه كان يَغْتَسِلُ لإِحْرامِهِ قبلَ أن يُحْرِمَ، ولدُخُولِه مَكَّةَ، ولوُقُوفِه عَشِيَّةَ عَرَفَةَ. رَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ» (¬2). ولأنَّها أنْساكٌ تَجْتَمِعُ لها النّاس، فاسْتُحِبَّ لها الغُسْلُ، كالإِحْرامِ، ودُخُولِ مَكَّةَ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب من نزل بذي طوى. . . .، من كتاب الحج. صحيح البخاري 2/ 222. ومسلم، في: باب استحباب المبيت بذي طوى. . . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 919. كما أخرجه أبو داود، في: باب دخول مكة، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 432. والنسائي، في: باب دخول مكة، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 157. والدارمي، في: باب دخول البيت نهارًا، من كتاب المناسك. سنن الدارمي 2/ 70. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 14، 157. والبيهقي، في: باب الغسل لدخول مكة، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 71. (¬2) في: باب الغسل للإهلال، من كتاب الحج. الموطأ 1/ 322.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ مِن الحِجامَةِ، وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في اسْتِحْبابِه رِوايَتَينِ؛ إحْداهُما، يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه يُرْوَى عن علي، وابنِ عباس، ومُجاهِدٍ، أنَّهم كانوا يَفْعَلُون ذلك. والثانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه دَمٌ خارِجٌ، أشْبَهَ الرُّعافَ، واللهُ أعلمُ.

فصل في صفة الغسل

فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغسْلِ وَهُوَ ضَرْبَانِ؛ كَامِلٌ يأتي فِيهِ بِعَشرةِ أشيَاءَ، النيةِ، والتسمِيَةِ، وَغَسْل يَدَيه ثَلَاثًا، وغَسْلِ مَا بِهِ مِنْ أذى، وَالْوُضُوءِ، ويَحْثِي عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثًا، يُرَوِّى بِهَا أصُولَ الشَّعَرِ، وَيفيض الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِه ثَلاثًا، وَيَبْدَأ بِشِقِّهِ الْأيمَنِ، وَيَدْلُكُ بَدَنَهُ بيَدَيهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَيَغْسِلُ قَدَمَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصلٌ في صِفَةِ الغُسْلِ: (وهو ضَرْبان؛ كامِلٌ) ومُجْزِئٌ، فالكامِلُ (يأتي فيه بعَشَرَةِ أشْياءَ؛ النِّيَّةِ، والتسْمِيَةِ، وغَسْلِ يَدَيه. ثلاثًا، وغَسْلِ ما به مِن أذًى) وقد ذَكَرْنا الدلِيلَ على ذلك (والوُضُوءِ، ويَحْثِي على رَأسِه ثلاثًا، يُرَوِّي بها أصُولَ الشَّعَرِ، ويفيضُ الماءَ على سائِرِ جَسَدِه ثلاثًا، ويَبْدَأ بشِقِّه الأيمَنِ، ويَدْلُكُ بَدَنَه بيَدَيه، ويَنْتَقِلُ مِن مَوْضِعِ غُسْلِه فيَغْسِلُ قَدَمَيه) ويُسْتَحَبُّ أن يُخَلِّلَ أصُولَ شَعَرِ رأسه ولِحْيتِه بماء قبلَ إفاضَتِه عليه؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ووَجْهُ ذلك ما روَتْ عائِشَةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اغْتَسَلَ مِن الجَنابَةِ، غَسَل يَدَيه ثلاثًا، وتَوَضَّأ وُضُوءَه للصلاةِ، ثم يُخَلِّلُ شَعَرَه بيَدَيه (¬1)، حتى إذا ظَنَّ أنَّه قد أرْوَى بَشَرَتَه، أفاضَ عليه الماءَ ثلاثَ مَرّاتٍ، ثم غَسَل سائِرَ جَسَدِه. مُتَّفقٌ عليه (¬2). وقالت مَيمُونَةُ. وَضَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَضُوءَ الجَنابَةِ فأفْرَغَ على يَدَيه فغَسَلَهُما مَرَّتَين أو ثلاثًا، ثم أفْرَغَ بيَمِينه على شِمالِه، فغَسَلَ مَذاكِيرَه، ثم ضرَب بيده الأرضَ أو ¬

(¬1) في م: «بيده». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الوضوء قبل الغسل، وباب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل، وباب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة، من كتاب الغسل. صحيح البخاري. 1/ 72 - 74، 76. ومسلم، في: باب صفة غسل الجنابة، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 253 - 255. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 55. والنسائي، في: باب ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلهما الإناء؛ وباب ذكر وضوء الجنب قبل الغسل، من كتاب الطهارة، وفي: باب الابتداء بالوضوء في غسل الجنابة، وباب ترك مسح الرأس في الوضوء من الجنابة، وباب استبراء البشرة في الغسل من الجنابة، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 109، 111، 168، 169. والإمام مالك؛ في: باب العمل في غسل الجنابة، عن كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 44. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 115، 237.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الحائِطَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، وغَسَل وَجْهَه وذِراعَيه، ثم أفاضَ على رأسه، ثم غَسَل جَسَدَه، فأتَيتُه بالمنْدِيلِ فلم يُرِدْها، وجَعَل يَنْفُضُ الماءَ بيَدَيه. مُتَّفقٌ عليه (¬1). وفي رِواية للبخارِيِّ: ثم تَنَحَّى فغَسَلَ قَدَمَيه. ففي هَذَين الحَدِيثَين كَثِيرٌ مِن الخِصالِ المُسَمّاةِ. والبدايَةُ بشِقِّه الأْيمَنِ؛ لأنَّه قد رُوِيَ في حَدِيثٍ عن عائِشَةَ؛ كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اغْتَسَل مِن الجَنابَةِ، دَعا بشيءٍ نَحْوَ الحِلابِ (¬2) فأخَذَ بكَفَّيه، بَدَأ بشِقِّ رأسه الأْيمَنِ، ثم الأْيسَرِ، ثم أخَذَ بكَفَّيه، فقال بهما على رأسه. مُتَّفَقٌ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده ولم يعد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى، وباب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 77. ومسلم، في: باب صفة غسل الجنابة، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 254. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في الغسل من الجنابة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 311. والنسائي، في: باب غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه، من كتاب الطهارة، وفي: باب مسح اليد بالأرض بعد غسل الفرج، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 113، 168. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الغسل من الجنابة، من باب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 190. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 335. (¬2) الحلاب: إناء يحلب فيه، يسع قدر حلبة الناقة.

161 - مسألة؛ قال: (ومجزئ وهو أن يغسل ما به من أذى، وينوي، ويعم بدنه بالغسل)

وَمُجْزِئ؛ وَهُوَ أنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أذًى، وَيَنْوِي، وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه (¬1). وقد اخْتَلَفَ (¬2) عن أحمدَ في غَسْلِ الرِّجْلَين، فقال في رِوايةٍ: بَعْدَ الوُضُوءِ على حَدِيثِ مَيمُونَةَ. وقال في رواية: العَمَلُ على حديثِ عائِشَةَ. وفيه أنَّه تَوَضَّأ للصلاةِ قبلَ اغْتِسالِه. وقال في مَوْضِعِ: غَسْلُ رِجْلَيه في مَوْضِعِه وبعده وقبلَه، سَواءٌ. ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ اخْتِلافَ الأحادِيثِ فيه يَدُلُّ على أنَّ مَوْضِعَ الغَسْلِ ليس بمَقْصُودٍ، وإنَّما المَقْصودُ أصْلُ الغَسْلِ. 161 - مسألة؛ قال: (ومُجْزِئ وهو أن يَغْسِلَ ما به مِن أذًى، ويَنْوِي، ويَعُمَّ بَدَنَه بالغَسْلِ) مثلَ أن يَنْغَمِسَ في ماء راكِدٍ، أو جارٍ غامِر، ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 73، 74. ومسلم، في: باب صفة غسل الجنابة، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 255. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 55. والنسائي، في: باب استبراء البشرة في الغسل من الجنابة، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 169. والإمام مالك، في: باب الحمل في غسل الجنابة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 44. (¬2) أي النقل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أو يَقِفَ تحتَ صَوْب المَطرَ، أو مِيزابٍ، حتى يَعُمَّ الماءُ جَمِيعَ جَسَدِه، فيُجْزِئَه؛ لقَولِه تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} (¬1). وقَوْلِه: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} (¬2). وقد حَصَلَ الغُسْلُ، فتُباحُ له الصلاةُ؛ لأنَّ الله تعالى جَعَل الغُسْلَ غايةً للمَنْعِ مِن الصلاةِ، فيَقْتَضِي أن لا يُمْنَعَ منها بعدَ الاغْتِسال. فصل: ويُسْتَحَبُّ إمْرارُ يَدِه على جَسَدِه في الغُسْلِ والوُضُوءِ، ولا يجِبُ إذا تَيَقَّنَ أو غَلَب على ظنِّه وُصُولُ الماءِ إلى جَمِيعِ جَسَدِه. وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيّ، والثَّوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي. وقال مالكٌ: إمْرارُ يده على بَدَنِه إلى حيث تَنالُ واجِبٌ. ونَحْوَه قال أبو العالِيَةِ. قالوا: لأنَّ الله تعالى قال: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا}. ولا يُقالُ: اغتَسَل. إلَّا لمَن دَلَك نَفْسَه، ولأنَّها طهارة عن حَدَثٍ، فوَجَبَ فيها إمْرارُ اليَدِ، كالتَّيَمُّمِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ سَلَمَةَ في ¬

(¬1) سورة المائدة 6. (¬2) سورة النساء 43.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ غُسْلِ الجَنابَةِ: «إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ. ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ الْماءَ فَتَطْهُرِينَ». رَواه مسلم (¬1). ولأنَّه غُسْلٌ واجِبٌ فلم يَجِبْ فيه إمْرارُ اليَدِ، كغَسْلِ النَّجاسَةِ، وما ذَكَرُوه مَمْنُوع، فإنَّه يُقالُ: غَسَل الإِناءَ. وإن لم يَدْلُكْه. والتَّيَمُّمُ أمِرْنا فيه بالمَسْحِ؛ لأنّها طهارة بالتُّرابِ، ويتَعَذَّرُ في الغالِبِ إمْرارُ التُّرابِ إلَّا باليَدِ. فصل: ولا يَجِبُ الترتِيبُ في غُسْلِ الجَنابَةِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: {وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}. وقال: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا}. فكَيفَما اغتَسَل فقد حَصَل التَّطَهُّرُ (¬2) ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ولا يَجِبُ فيه مُوالاةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. ¬

(¬1) في: باب حكم ضفائر المغتسلة، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 259. كما أخرجه أبو داود، في: باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل، من كتاب الطهارة. سننن أبي داود 1/ 58. والترمذي، في: باب هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 158. والنسائي، في: باب ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من جنابة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 108. (¬2) في م: «التطهير».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال حَنْبَلٌ: سألتُ أحمدَ عَمَّن اغْتَسَل وعليه خاتَمٌ ضَيِّقٌ؟ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخاتَمِ. قلتُ: فإن جَفَّ غُسْلُه؛ قال: يَغْسِلُه، ليس هو بمَنْزِلَةِ الوُضُوءِ. قلتُ: فإن صَلَّى، ثم ذَكَر؛ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَه، ثم يُعِيدُ الصلاةَ. وهذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال رَبِيعَةُ: مَن تَعَمَّدَ ذلك أعادَ الغُسْلَ. وهو قولُ اللَّيثِ. واخْتَلَفَ فيه عن مالكٍ. وفيه وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ قِياسًا على الوُضُوءِ. وذَكَر الشيخُ أبو الفَرَجِ في «الإِيضاحِ»، أنَّه شَرْطٌ. والأوْلَى قولُ الجُمْهُور؛ لأنَّها طهارةٌ لا تَرْتيِبَ فيها، فلم تَجِبْ فيها مُوالاةٌ، كغَسْلِ النَّجاسَةِ. فعلى هذا تَكُونُ واجِباتُ الغُسْلِ شَيئَين؛ النيةَ، وتَعْمِيمَ البَدَنِ بالغَسْلِ، وقد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في التَّسْمِيَةِ فيما مَضَى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإنِ اجْتَمَع شَيئان يُوجِبان الغُسْلَ؛ كالحَيضِ والجَنابَةِ، والْتِقاءِ الخِتانَين والإِنْزالِ، فنَواهُما بغُسْلِه، أجْزأه عنهما. وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي. ورُوي عن الحسنِ والنَّخَعِيِّ، في الحائِضِ الجُنُبِ (¬1): تَغْتَسِلُ غُسْلَين. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ يَغْتَسِلُ مِن الجِماعَ إلَّا اغْتِسالًا (¬2) واحِدًا، وهو يَتَضَمَّنُ الْتِقاءَ الخِتانَين والإِنْزال غالِبًا، ولأنَّهما سَبَبان يُوجبان الغُسْلَ، فأجْزَأ الغُسْلُ الواحِدُ عنهما، كالحَدَثِ والنَّجاسَةِ. وهكَذا الحُكْمُ إِنِ اجْتَمَعَتْ أحْداثٌ تُوجِبُ الطهارةَ الصُّغْرَى؛ كالنَّوْمِ واللَّمْسِ وخُرُوجِ النَّجاسَةِ، فنَواها بطَهارَتِه. وإن نَوَى أحَدَها ففيه وَجْهان، مَضَى ذِكْرُهما. ¬

(¬1) في م: «والجنب». (¬2) ساقطة من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِن جَسَدِه لم يُصِبْها الماءُ، فمَسَحَها بيَدِه أو بشَعَرِه، أو عَصَر شَعَرَه عليها، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فيه عن أحمدَ؛ فرُوِيَ أنَّه سُئِل عن حديثِ العَلاءِ بنِ زِيادٍ (¬1)، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَلَ، فرَأى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ فدَلَكَها بشَعَرِه. قال: نعم، آخُذُ به (¬2). [ورُوي عن علي] (¬3)، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي اغْتَسَلْتُ مِن الجَنابَةِ، وصَلَّيتُ الفَجْرَ، ثم أصْبَحْتُ فرَأيتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ لم يُصِبْه ماءٌ. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت مَسَحْتَ عَلَيهِ بِيَدِكَ، أجْزَأكَ». رَواه ابنُ ماجه (¬4). ورُوي عن أحمدَ أنَّه قال: يَأخُذُ لها ماءً جَدِيدًا، فيه حَدِيثٌ لا يَثْبُتُ بعَصْرِ شَعَرِه. وذُكِرَ له حديثُ ابنِ عباس؛ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَصَر لِمَّتَه على لُمْعَةٍ كانت في جَسَدِه (¬5). فضَعَّفَه، ولم يُصَحِّحْه. قال ¬

(¬1) أبو نصر العلاء بن زياد بن مطر العدوي البصري، أرسل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان من عُبَّاد أهل البصرة وقرائهم، توفي سنة أربع وتسعين. تهذيب التهذيب 8/ 181، 182. (¬2) أخرجه ابن ماجه، في: باب من اغتسل من الجنابة فبقى من جسده لمعة لم يصبها الماء كيف يصنع؛ من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 217. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 243. (¬3) في م: «وروى على». (¬4) في الموضع السابق، 1/ 218. (¬5) أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق، 1/ 217.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شَيْخُنا: والصحِيحُ أنَّ ذلك يُجْزِئُه إذا كان مِن بَلَلِ الغَسْلَةِ الثانيةِ أو الثالثةِ، وجَرَى ماؤُه (¬1) على اللُّمْعَةِ؛ لأنَّه كغَسْلِها بماءٍ جديدٍ، على ما فيه مِن الأحاديثِ (¬2). فإن لم يَجْرِ الماءُ، فالأوْلَى غَسْلُها بماءٍ جَدِيدٍ. ويُمْكِنُ حَمْلُ المَسْحِ على الغَسْلِ الخَفِيفِ في الحَدِيثِ، فإنَّ الغَسْلَ الخَفِيفَ يُسَمَّى مَسْحًا. وإن عَصَر شَعَرَه في الغَسْلَةِ الأولَى، انْبَنَى على المُسْتَعْمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، على ما مَضَى. ¬

(¬1) في م: «ماؤها». (¬2) انظر: المغني 1/ 293.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَجِبُ على المرأةِ نَقْضُ شَعَرِها لغُسْلِها مِن الجَنابَةِ، رِوايَةً واحِدَةً، إذا رَوَّتْ أصُولَه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن ابنِ عَمْرٍو، أنه كان يَأمُرُ النِّساءَ بذلك. وهو قَوْلُ النَّخَعِي. ولا نَعْلَمُ أحدًا وافَقَهُما على ذلك. ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ الله، إنِّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رَأسِي، أفأنْقُضُه للجَنابَةِ؟ قال: «لَا، إنَّمَا يكفيك أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ (¬2)، قال: بَلَغ عائشَةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو يَأمُرُ النِّساءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُوُّوسَهُنَّ. فقالت: ¬

(¬1) تقدم في صفحة 132. (¬2) أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، قاصّ أهل مكة، مكي، تابعي، ثقة، من كبار التابعين، توفي سنة ثمان وستين. تهذيب التهذيب 6/ 71.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يا عَجَبِي لابنِ عَمْرٍو هذا، يَأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُووسَهُنَّ، أفلا يَأْمُرُهُنَّ أن يَحْلِقْنَ رُؤوسَهُنَّ، لقد كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِن إِناءٍ واحِدٍ، وما أزِيدُ على أن أفْرِغَ على رَأسِي ثلاثَ إفْراغاتٍ. رَواه مسلم (¬1). إلَّا أن يَكُونَ في رأس المرأةِ حَشْوٌ أو سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فتجِبُ إزالتُه، وإن كان خَفِيفًا لا يَمْنَعُ، لم تَجِبْ. فصل: فأمّا غُسْلُ الحَيضِ، فنَصَّ أحمدُ على أنها تَنْقُضُ شَعَرَها فيه. قال مُهَنّا: سَألْتُ أحمدَ عن المرأةِ، تَنْقُضُ شَعَرَها مِن الحَيضِ؟ قال: نعم. فقُلْتُ له: كيف تَنْقُضُه مِن الحَيض، ولا تَنْقُضُه مِن الجَنابَةِ؟ فقال: حَدِيثُ أسماءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «تَنْقُضُهُ» (¬2). واخْتَلَفَ فيه ¬

(¬1) في: باب حكم ضفائر المغتسلة، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 260. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في غسل النساء من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 198. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 43. (¬2) ليس في حديث أسماء ذكر نقض الشعر أو عدم نقضه، وإنما ورد الأمر بالنقض في حديث عائشة الذي أورده المصنف بعد قليل. ويأتي تخريج حديث أسماء بعد قليل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أصحابُنا؛ فمنهم مَن أوْجَبَه، وهو قَوْلُ الحسنِ وطاوُس؛ لِما رُوِيَ عن عائِشَةَ، رَضِي الله عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها، إذْ كانت حائِضًا: «خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وامْتَشِطِي» (¬1). ولا يَكُونُ المَشْطُ إلَّا في شَعَرٍ غيرِ مَضْفُورٍ. وللبُخارِي (¬2): «انْقُضِي رَأسَكِ وَامْتَشِطِي». ولأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعَرِ، ليُتَيَقَّنَ وُصُولُ الماء إلى ما تحتَه، فعُفِىَ عنه في غُسْلِ الجَنابَةِ؛ لأنَّه يَكْثُرُ، فيَشُقُّ ذلك، بخِلافِ الحَيض. وقال بَعْضُ أصحابِنا: هو مُسْتَحَب غيرُ واجِبٍ. رُوِيَ ذلك عن عائِشَةَ، وأمِّ سَلَمة. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي، وأكْثَرِ العلماءِ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ في بَعْضِ ألفاظِ حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أفأنْقُضُه للحَيضَةِ ¬

(¬1) أخرجه الدارمي، في: باب في غسل المستحاضة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 197، بلفظ: «خذي ماءك وسدرك ثم اغتسلي وأنقي، ثم صبي على رأسك حتى تبلغي شئون الرأس». (¬2) في: باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض، وباب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض، وباب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة، من كتاب الحيض، وفي: باب كيف تهل الحائض والنفساء إلخ، من كتاب الحج، وفي: باب العمرة ليلة الحصبة وغيرها، وباب الاعتمار بعد الحج بدون هدى، من كتاب العمرة، وفي: باب حجة الوداع، من كتاب المغازي. صحيح البخاري 1/ 86، 87، 2/ 172، 3/ 4، 5، 5/ 221.كما أخرجه مسلم، في: باب بيان وجوه الإحرام إلخ، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 870 - 872. وأبو داود، في: باب في إفراد الحج، من كتاب الحج. سنن أبي داود 1/ 412. والنسائي، في: باب ذكر الأمر بنقض ضفر الرأس عند الاغتسال للإحرام، من كتاب الطهارة. وفي: باب في المهلة بالعمرة تحيض وتخاف فوت الحج، من كتاب الحج. المجتبى 1/ 109، 5/ 129. وابن ماجه، في: باب العمرة من التنعيم، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 998. والإمام مالك، في: باب دخول الحائض مكة، من كتاب الحج. الموطأ 1/ 410، 411. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 164، 177، 191، 246. وهو طرف من الحديث الآتي؛ «دعي عمرتك. . . .».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والجَنابَةِ؟ قال: «لَا». رَواه مسلمٌ (¬1). وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها. وهذا صَرِيحٌ في نَفْي الوُجُوبِ، فأمّا حديثُ عائشةَ الذي رَواه البُخارِيُّ، فليس فيه أمْرٌ بالغُسْلِ، ولو كان فيه أمْر لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ ذلك ليس هو غُسْلَ الحَيضِ، إنَّما أمِرَتْ بالغُسْلِ في حالِ الحَيضِ للإِحْرامِ بالحَجِّ. ولو ثَبَت الأمْرُ بالغُسْلِ، حُمِل على الاسْتِحبابِ؛ جَمْعًا بينَ الحَدِيثَين، ولأنَّ فيه ما يَدُلُّ على الاسْتِحْبابِ، وهو المَشْطُ والسِّدْرُ، وليس بواجِبٍ، فما هو مِن ضَرُورَتِه أوْلَى. فصل: ويَجِبُ غَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ، كَثِيفًا كان الشَّعَرُ أو خَفِيفًا، وكذلك كلُّ ما تحتَ الشَّعَرِ، كجِلْدِ اللِّحْيَةِ؛ لِما رَوَتْ أسماءُ، قالت: سألْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غُسْلِ الجَنابَةِ، فقال: «تَأخُذُ مَاءً فَتَطهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُوونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيهِ الْمَاءَ». رَواه مسلمٌ. وعن عليٍّ، رَضِي الله عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «مَنْ تَركَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِلَ بِهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وَكَذَا». قال عليٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عادَيتُ شَعَرِي. قال: وكان يَجُزُّ شَعَرَه. رَواه أبو داودَ (¬2). ¬

(¬1) في الموضع السابق. (¬2) في: باب في الغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 57. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب تحت كل شعرة جنابة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 196.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا غَسْلُ ما اسْتَرْسَلَ مِن الشَّعَرِ، وبَلُّ ما على الجَسَدِ منه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ. وهو ظاهِرُ قَوْلِ أصحابنا، ومَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعَرَ، وَأنْقُوا الْبَشَرَةَ». رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّه شَعَرٌ نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، فوَجَبَ غَسْلُه، كشَعَرِ الحاجبَين. والثاني، لا يَجِبُ. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكْفِيكِ أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». مع إخْبارِها إيّاه بشَدِّ ضَفْرِ رَأسِها، ومِثْلُ هذا لا يَبُلُّ الشَّعَرَ المَشْدُودَ ضَفْرُه في العادَةِ، ولو وَجَب غَسْلُه لوَجَبَ نَقْضُه؛ ليُعْلَمَ أنَّ الماءَ قد وَصَل إليه، ولأنَّ الشَّعَرَ ليس مِن الحَيَوانِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَنْقُضُ مَسُّه مِن المرأةِ، ولا تَطْلُقُ بإيقاعِ الطَّلاقِ عليه، فلم يَجِبْ غَسْلُه كثَوْبِها. وأمّا حَدِيثُ: «بِلُّوا الشَّعَرَ». فيَرْويه الحارِثُ بنُ وَجيهٍ (¬2) وَحْدَه، وهو ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 57. والترمذي، في: باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 161. وابن ماجه، في: باب تحت كل شعرة جنابة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 196. (¬2) أبو محمد الحارث بن وجيه الراسبي البصري. انظر تضعيفه في تهذيب التهذيب 2/ 162. وانظر قول الترمذي فيه، في موضعه من التخريج السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ضَعِيفُ الحَدِيثِ، عن مالكِ بنِ دِينارٍ (¬1). والحاجِبانِ إنَّما وَجَبَ غَسْلُهما مِن ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهما، وكذلك كلُّ شَعَرٍ لا يُمْكِنُ غَسْلُ بَشَرَتِه إلَّا بغَسْلِه، لأنَّه مِن قَبِيلِ ما لا يَتمُّ الواجِبُ إلَّا به. فإن قُلْنا بوُجُوبِ غَسْلِه، فتَرَكَ غَسْلَ شيءٍ منه، لم يَتمَّ غُسْلُه. فإن قَطَع المَتْرُوكَ، ثم غَسَلَه، أجْزأه؛ لأنَّه لم يَبْقَ في بَدَنِه شيءٌ غيرُ مَغْسُول. ولو غَسَلَه، ثم تَقَطعَ، لم يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ القَطْعِ، كما لو قَصَّ أظْفارَه بعدَ الوُضُوءِ. فصل: وغُسْلُ الحيض كغُسْلٍ الجَنابَةِ، إلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ أن تَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ، وتَأخُذَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فتَتَّبعَ بها مَجْرَى الدَّمِ، والمَوْضِعَ الذي يَصِلُ إليه الماءُ مِن فَرْجِها؛ ليَزُولَ عنها زُفُورَةُ الدَّمِ، فإن لم تَجِدْ مِسْكًا فَغَيرُه مِن الطِّيبِ، فإن لم تَجِدْ فالماءُ كافٍ؛ لأنَّ في حديثِ أسماءَ: «تَأخُذُ إحْدَاكُنَّ سِدْرَتَهَا وَمَاءَهَا فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، [ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيهِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَأخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا»] (¬2). قالت أسماءُ: وكيف ¬

(¬1) مالك بن دينار السامي البصري الزاهد، أبو يحيى، ثقة، قليل الحديث. توفي سنة 130 هـ. تهذيب التهذيب 10/ 14، 15. (¬2) سقط من: «الأصل».

162 - مسألة؛ قال: (ويتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، فإن أسبغ بدونهما أجزأه)

ويتوضأ بالمد , ويغتسل بالصاع , فإن أسبغ بدونهما أجزأه. ـــــــــــــــــــــــــــــ تَطَهَّرُ بها؟ فقال: «سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِينَ بِهَا». فقالت عائِشَةُ: تَتَبَّعِينَ بها أثَرَ الدَّمِ. رَواه مسلمٌ (¬1). الفِرْصَةُ: هي القِطْعَةُ مِن كلِّ شيءٍ. والمِسْكُ: الأذْفَرُ الخالِصُ. 162 - مسألة؛ قال: (ويَتَوَضَّأ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ، فإن أسْبَغَ بدُونِهما أجْزأه) المُدُّ رَطْلٌ وثُلُثٌ بالعِراقِيِّ، والصّاعُ أربعةُ أمْدادٍ، ¬

(¬1) في: باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 261. كما أخرجه أبو داود، في: باب الاغتسال من الحيض، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 75. وابن ماجه، في: باب في الحائض كيف تغتسل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 210. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 147، 148. وشؤون الرأس: موصل قبائلها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو خمسةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، وهو بالرَّطْلِ الدِّمَشقِيِّ، الذي هو سِتُّمائَةِ دِرْهَمٍ، رَطل وسُبْعٌ، والمُدُّ رُبْعُه، وهو ثلاثُ أواقٍ، وثلاثةُ أسْباع أوقِيَّةٍ. والرَّطْلُ العِراقِيّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وثمانيةٌ وعِشْرُون دِرْهَمًا وأربعةُ أسْباعِ دِرْهَم، وذلك تِسْعُون مِثْقالًا. والمِثْقالُ دِرْهَمٌ وثلاثةُ أسباع دِرْهَم (¬1). ولا خِلافَ في حُصُولِ الإِجْزاءِ بالمُدِّ في الوُضُوءِ، والصّاعِ في الغُسْلِ، في ما عَلِمْنا؛ وذلك لِما روَى أنسٌ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ إلى خمسةِ أمْدادٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن سَفِينَةَ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُغَسِّلُه الصّاعُ [مِن الماءِ] (¬3) مِن الجَنابَةِ، ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الوضوء بالمد، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 62. ومسلم، في: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة إلخ، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 258. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يجزئ من الماء في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 22. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 179. وبلفظ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بمَكوك، ويغتسل بخمسة مَكاكِئ. أخرجه مسلم، في الموضع السابق 1/ 257. والنسائي، في: باب القدر الذي يكتفى به الإنسان من الماء للوضوء والغسل، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 147. والدارمي، في: باب كم يكفي في الوضوء من الماء، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 175. (¬3) سقط من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُوَضِّئُه المُدُّ. رَواه مسلمٌ (¬1). وفي حديثِ جابِرٍ، أنه سُئِل عن غُسْلِ الجَنابَةِ، فقال: يَكْفِيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يَكْفِيني. فقال جابرٌ: كان يَكْفِي مَن هو أوْفَى منك شَعَرًا، وخيرٌ منك. يَعْنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). والصّاعُ والمُدُّ ما ذَكَرْنا. وهذا قوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاق، وأبي عُبَيدٍ، وأبي يُوسُفَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: الصّاعُ ثمانيةُ أرْطالٍ، والمُدُّ رَطْلان؛ لأنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ. وهو رَطْلانِ. ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ. ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ (¬3): «أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ. فَرَقًا مِنْ طَعَام». مُتَّفَقٌ عليه (¬4). قال أبو عُبَيدٍ: لا اخْتِلافَ بينَ النَّاسِ أعْلَمُه في أنَّ الفَرَقَ ¬

(¬1) في: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، وغسل أحدهما بفضل الآخر، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 258. كما أخرجه الترمذي، في: باب الوضوء بالمد، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 75. والدارمي، في: باب كم يكفي في الوضوء من الماء، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 175. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 222. كما أخرجه، عن صفية بنت شيبة، أبو داود، في: باب ما يجزئ من الماء في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 21. والنسائي، في: باب القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 147. وابن ماجه، في: باب ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 99. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 121، 219، 234، 239، 249، 280. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الغسل بالصاع ونحوه، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 72. ومسلم، في: باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 259. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 289. (¬3) كعب بن عجرة بن أمية بن عدي البلوى، أبو محمد. مدني له صحبة، شهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية. توفي سنة ثلاث وخمسين. الإصابة 5/ 599، 600. (¬4) أخرجه البخاري، في: باب غزوة الحديبية، من كتاب المغازي. صحيح البخاري 1/ 164. ومسلم، في: باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى إلخ، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 861. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في المحرم يحلق رأسه في إحرامه ما عليه، من أبواب الحج. عارضة الأحوذي 4/ 177. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 242 - 244.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثلاثةُ آصُعٍ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، فثَبَتَ أنَّ الصّاعَ خمسةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ. ورُوي أنَّ أبا يُوسُفَ دَخَل المَدِينَةَ، فسألَهُم عن الصّاعِ، فقالوا،: خمسةُ أرْطالٍ وثُلُث. فطالبَهم بالحُجَّةِ، فقالُوا: غَدًا. فجاءَ مِن الغَدِ سَبْعُون شَيخًا، كلٌّ منهم آخِذ صاعًا تحتَ رِدائِه، فقال: صاعِي وَرِثتُه مِن أبي، عن جَدِّي، حتى انْتَهَوْا به إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فرَجَعَ أبو يُوسُفَ عن قَوْلِه. وهذا تَواتُرٌ يَحْصُلُ به القَطْعُ، وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أهْلِ الْمَدِينَةِ» (¬1). وحَدِيثُهم تَفَرَّدَ به موسى بنُ نَصْر، وهو ضَعِيف الحَدِيثِ. قاله الدّارَقُطْنِي (¬2). فصل: فإن أسْبَغ بدُونِهما أجْزأه. مَعْنَى الإِسْباغِ، أن يَعُمَّ جَمِيعَ الأعْضاءِ بالماءِ بحيث يَجْرِي عليها؛ لأَنَّ هذا هو الغُسْلُ، وقد أُمِرْنا بالغَسْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ وأكثَرِ أهلِ العلمِ. وقد قِيل: لا يُجْزِئ في الغُسْلِ دُونَ الصّاعِ، ولا في الوُضُوءِ دونَ المُدِّ. وحُكِي ذلك عن أبي حنيفةَ؛ لأَنَّ جابرًا، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِئ مِنَ الْوُضُوءِ مُدٌّ، وَمِنَ الْجَنَابَةِ صَاعٌ» (¬3). والتَّقْدِيرُ بهذا يَدُلُّ على أنه لا ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: المكيال مكيال المدينة، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 220. والنسائي، في: باب كم الصاع، من كتاب الزكاة، وفي: باب الرجحان في الوزن، من كتاب البيوع. المجتبى 5/ 40، 7/ 250. (¬2) في: باب ما يستحب للمتوضئ والمغتسل أن يستعمله من الماء، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 94. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب ما يجزئ من الماء في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 21. وابن ماجه، في: باب ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة. سنن ابن ماجه 1/ 99. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 303.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَحْصُلُ الإِجْزاءُ بدُونِه. ولَنا، أنَّ الله تعالى أمَرَ بالغسْلِ، وقد أتى به، وقد رُوِيَ عن عائِشةَ، أنها كانت تَغْتَسِلُ هي والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - مِن إناءٍ واحِدٍ، يَسَعُ ثلاثةَ أمْدادٍ، أو قَرِيبًا مِن ذلك. رَواه مسلمٌ (¬1). وعن عبدِ الله بنِ زَيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ بثُلُثَيْ مُدٍّ (¬2). وحَدِيثُهم إنَّما يَدُلّ بمَفْهُومِه، وهم لا يَقُولُون به، وإن ذَكَرُوه على وَجْهِ الإِلْزام فما ذَكَرْناه مَنْطُوقٌ، وهو راجِحٌ عليه. وقد رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: إنَّ لِي رَكْوَةً (¬3) أو قَدَحًا، ما يَسَعُ إلَّا نِصْفَ المُدِّ أو نَحْوَه، ثم أبولُ، ثم أتوَضَّأ، وأفْضُل منه فَضْلًا. قال عبدُ الرحمنِ (¬4): فذَكَرْتُ هذا الحديثَ لسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، فقال سُلَيمَانُ: وأنا يَكْفِيني مِثْلُ ذلك. فذَكَرْتُ ذلك لأبي عُبَيدَةَ بنِ عَمّارِ بنِ ياسِرٍ (¬5)، فقال أبو عُبَيدَةَ: وهكذا سَمِعْنا مِن أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: إنِّي لأتوَضَّأ مِن كُوزِ الحُبِّ مَرَّتَين. فصل: فإذا زاد على المُدِّ في الوُضُوءِ، وعلى الصّاعِ في الغُسْلِ، جاز؛ فإِنَّ عائِشَةَ قالت: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِن إناءٍ واحِدٍ، مِن ¬

(¬1) في: باب القدر المستحب من الماء إلخ، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 256. (¬2) أخرجه البيهقي، في: باب جواز النقصان عن المد في الوضوء والصاع في الغسل، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 196. وأخرجه، عن أم عمارة أبو داود، في: باب ما يجزئ من الماء في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 22. والنسائي، في: باب القدر الذي يكتفى به الرجل من الماء للوضوء، من كتاب، الطهارة. المجتبى 1/ 50. (¬3) الركوة: دلو صغير. (¬4) أبو محمد، عبد الرحمن بن عطاء القرشي، مولاهم، ثقة، قليل، الحديث، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة. تهذيب التهذيب 6/ 230، 231. (¬5) أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر العنسب، أخو سلمة بن محمد، وقيل: هما واحد. وثقه ابن معين. تهذيب التهذيب 12/ 160، 161.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَدَحٍ يُقالُ له الفَرَق (¬1). والفَرَقُ ثلاثةُ آصُعٍ. وقال أنسٌ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَغْتَسِلُ بالصّاعِ إلى خمسةِ أمْدادٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن أنس قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بإناءٍ (¬3) يَسَعُ رَطْلَين. رَواه أبو داودَ (¬4). ويكره الإِسْرافُ في الماءِ، والزِّيادَةُ الكَثيرَةُ فيه؛ لِما رَوينا مِن الآثارِ. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بسَعْدٍ، وهو يَتَوَضَّأ، فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ»؟ فقال: أفي الوُضُوءِ إسْرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». رَواه ابنُ ماجه (¬5). وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب غسل الرجل مع امرأته، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 72. ومسلم، في: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة إلخ، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 255. وأبو داود، في: باب مقدار الماء الذي يجزئ في الغسل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 55. والنسائي، في: باب ذكر القدر الذي يكتفى به الرجل من الماء للغسل، وباب ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك، من كتاب الطهارة، وفي: باب الدليل على أنه لا توقيت في الماء الذي يغتسل فيه، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 105، 106، 165. والدارمي، في: باب الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 192. والإمام مالك، في: باب العمل في غسل الجنابة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 45. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 37، 199. (¬2) تقدم في صفحة 144. (¬3) في م: «بالماء». (¬4) في: باب ما يجزئ من الماء في الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 21. وبنحوه أخرجه البخاري، في: باب الوضوء بالمد، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 62. ومسلم، في: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة. . . .، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 257، 258. والنسائي، في: باب القدر الذي يكتفى به الرجل من الماء للوضوء، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 50. (¬5) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: سقط هذا الهامش من المطبوع والحديث أخرجه ابن ماجه في باب: ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 147 (425)

163 - مسألة: (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما. وعنه: لا يجزئه حتى يتوضأ)

وَإذَا اغْتَسلَ يَنْوي الطَّهَارَتَينِ أجزأ عَنْهُمَا. وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَتَوَضَّأ عَنْهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ للْوُضُوءِ شَيطَانًا، يُقَالُ لهُ وَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ». رَواه أحمدُ وابنُ ماجَه (¬1). 163 - مسألة: (وإذا اغْتَسَلَ يَنْوي الطَّهارَتَين أجْزأ عنهما. وعنه: لا يُجْزِئُه حتى يَتَوَضَّأ) ظاهِرُ المذهبِ أنه يُجْزِئُه الغُسْلُ عن الطَّهارَتَين إذا نَواهُما. نَصَّ عليه أحمدُ. وعنه: لا يُجْزِئُه حتى يَتَوَضَّأَ قبلَ الغُسْلِ، أو بعدَه، وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك، ولأنَّ الجَنابَةَ والحَدَثَ وُجِدا منه، فوَجَبَ لهما الطَّهارَتان , كما لو كانا مُنْفَرِدَين. ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}. إلى قَوْلِه: {وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} (¬2). جَعَل الغُسْلَ غايَةً للمنْعِ مِن الصلاةِ، فإِذا اغْتَسَلَ يَجِبُ أن لا يُمْنَعَ منها، ولأنَّهُما عِبادَتان مِن جِنْسٍ، فدَخَلَتِ الصُّغْرَى في الكُبْرَى، في الأفعالِ دُونَ النيةِ؛ كالحَجِّ ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 136. كما أخرجه الترمذي، في: باب كراهية الإسراف في الماء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 76. (¬2) سورة النساء 43.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والعُمْرَةِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (¬1): المُغْتَسِلُ [مِن الجَنابَةِ إِذا لم يَتَوَضَّأ، وعَمَّ جَمِيعَ بَدَنِه، فقد أدَّى ما عليه؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما افْتَرَضَ على الجُنُبِ الغُسْلَ] (¬2) مِن الجَنابَةِ، دونَ الوُضُوءِ، بقولِه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} (¬3). وهو إجْماعٌ لا خِلافَ فيه بينَ العلماء، إلَّا أنَّهُم أجْمَعُوا على اسْتِحْبابِ الوُضُوءِ قبلَ الغُسْلِ تَأسِّيًا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَتَوَضَّأ بعدَ الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ. رَواه الإِمامُ أحمدُ والترمِذِي (¬4). ¬

(¬1) انظر: الاستذكار 1/ 327، 328. (¬2) سقط من: «الأصل». (¬3) سورة المائدة 6. (¬4) أخرجه الترمذي، في: باب في الوضوء بعد الغسل، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 162. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 68، 192، 253، 258. كما أخرجه النسائي، في: باب ترك الوضوء من بعد الغسل، من كتاب الطهارة، وفي الباب نفسه، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 113، 171. وابن ماجه، في: باب في الوضوء بعد الغسل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 191.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن لم يَنْو الوُضُوءَ، لم يُجْزِه إلَّا عنْ الغُسْلِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» (¬1). فإن نَواهُما، ثم أحْدَثَ في أثْناءِ غُسْلِه، أتمَّ غُسْلَه، ثم يَتَوَضَّأ. وقال الحسنُ: يَسْتَأْنِفُ الغُسْلَ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَدَثَ الأصْغَرَ لا يُنافِي الغُسْلَ، فلا يُؤَثرُ وُجُودُه فيه، كغير الحَدَثِ. فصل: ويَسْقُطُ الترتِيبُ والمُوالاةُ في أعْضاءِ الوُضُوءِ، إِذا قُلْنا: الغُسْلُ يُجْزء عنهما. لأنَّهما عِبادَتان دَخَلَتْ إِحْداهُما في الأخْرَى، فسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، كالعُمْرَةِ مع الحَجِّ. نَصَّ عليه أحمدُ. فلو اغْتَسَلَ إلَّا أعْضاءَ الوُضُوءِ، لم يَجِبِ الترتِيبُ فيها؛ لأنَّ حُكْمَ الجَنابَةِ باقٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ والآمِدِيُّ، في مَن غَسَل جَمِيعَ بَدَنِه إلا رِجْلَيه، ثم أحْدَثَ: يَجبُ الترتِيبُ في الأعْضاءِ الثلاثةِ؛ لانْفِرادِها في الحَدَثِ الأصْغَرِ دُونَ الرِّجْلَين؛ لاجْتمِاعِ الحَدَثَين فيهما. ويُعايَى بها، فيُقالُ: طهارةٌ يَجِبُ الترتِيبُ في بَعْضِها، ولا يَجِبُ في البَعْضِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 308.

164 - مسألة: (ويستحب للجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو الوطء ثانيا، أن يغسل فرجه ويتوضأ)

وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُب إِذَا أرَادَ النَّوْمَ، أو الْأكْلَ، أو الْوَطْءَ ثَانِيًا أَن يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 164 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للجُنُبِ إِذا أرادَ النَّوْمَ أو الأكْلَ أو الوَطْءَ ثانيًا، أن يَغْسِلَ فَرْجَه ويَتَوَضَّأَ) ورُوي ذلك عن علي، وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو (¬1). وكان ابنُ عُمَرَ يَتَوَضَّأ إلَّا غَسْلَ قَدَمَيه. وقال ابنُ ¬

(¬1) في م: «عمر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المُسَيَّبِ: إذا أرادَ أن يَأكلَ، يَغْسِلُ كَفَّيه، ويَتَمَضْمَضُ. وحُكِى نَحْوُه عن إمامِنا، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال مُجاهِدٌ: يَغْسِلُ كَفَّيه؛ لِما رُوِيَ عن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أنْ يَأكل وهو جُنُبٌ , غَسَلَ يَدَيه. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، وابنُ ماجه (¬1). وقال مالك: يَغْسِلُ يَدَيه إن كان أصابَهُما أذًى. وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وأصحابُ الرَّأي: يَنامُ، ولا يمس ماءً؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يَنامُ وهو جُنُبٌ، ولَا يَمسُّ ماءً. رَواه أبو داودَ وابنُ ماجه (¬2). ولَنا، أنَّ عُمَرَ سَأل ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الجنب يأكل، وباب من قال: الجنب يتوضأ، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 50، 51. والنسائي، في: باب اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل، وباب اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 114. وابن ماجه، في: باب من قال يجزئه غسل يديه، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 195. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 6/ 102، 119، 192، 279. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب [في] الجنب يؤخر الغسل، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 52. وابن ماجه، في: باب في الجنب ينام كهيئته لا يمس ماء، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 192. كما أخرجه الترمذي، في: باب في الجنب ينام قبل أن يغتسل، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 181. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 111، 146، 171.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أيرْقُدُ أحَدُنا وهو جُنُبٌ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتَى أَحَدُكُمْ أهْلَهُ، ثُمَّ أرَادَ أنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأ». رَواه مسلمٌ (¬2). وعن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذَا أراد أن يَأْكُلَ، أو يَنامَ، تَوَضَّأ. يَعْنِي وهو جُنُبٌ. رَواه أبو داودَ (¬3). فأمّا أحادِيثُهم؛ فأحادِيثُنا أصَحُّ، ويُمْكِنُ الجمْعُ بَينَها بحَمْلِها على الجَوازِ وحَمْلِ أحادِيثنا على الاسْتِحْبابِ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب نوم الجنب، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 80. ومسلم، في: باب جواز نوم الجنب إلخ , من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 248، 249. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الجنب ينام، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 50. والترمذي، في: باب في الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 183. والنسائي، في: باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 115. وابن ماجه، في: باب من قال لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 193. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 17، 46، 79، 102، 112، 392. (¬2) في: باب جواز نوم الجنب إلخ، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 249. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء إذا أراد أن يعود توضأ، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 233. وابن ماجه، في: باب في الجنب إذا أراد العود توضأ، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 193. والإِمام أحمد، في: المسند 3/ 28. (¬3) في: باب من قال: الجنب يتوضأ، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 51.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا غَمَسَتِ الحائِض، أو الجُنُبُ، أو الكافِرُ، أيدِيَهُم في الماءِ، فهو طاهِرٌ ما لم يَكُنْ على أيدِيهِم نَجاسَةٌ؛ لأنَّ أبدانَهُم طاهِرَةٌ، وهذه الأحْداثُ لا تَقْتَضِي تَنْجِيسَ الماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ عَرَقَ الجُنُبِ طاهِرٌ. يُرْوَى ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباس، وابنِ عُمَرَ. وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافًا. وقد روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لَقِيَه في بعضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، قال: فانْخَنَسْت منه، فذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ، ثم جِئْتُ، فقال: «أينَ كُنْتَ يَا أبا هُرَيرَةَ»؟ قال: يا رسولَ الله، كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أن أجالِسَك وأنا على غيرِ طهارةٍ، فقال: «سُبْحَانَ الله، إِنَّ الْمُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ». مُتَّفقٌ عليه (¬1). ورُوي أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّمَتْ إليه امرأةٌ مِن نِسائِه قَصْعَةً ليتَوَضَّأَ منها، فقالتِ امرأةٌ: إنِّي غَمَسْتُ يَدَىَ فيها وأنا جُنُبٌ. فقال: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ» (¬2). وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَشْرَبُ مِن سُورِ عائشةَ وهي حائِضٌ. وتَوَضَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن مَزادَةِ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عليه. وأجاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 64. (¬2) تقدم تخريجه في 1/ 62.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَهُودِيًّا أضافَه بخُبْزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ (¬1). قال شَيخُنا (¬2): ويَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بينَ الكِتابِيِّ الذي لا يَأكُلُ المَيتَةَ والخِنْزِيرَ، وبينَ غيرِه مِمَّن يَأكُلُ ذلك، ومَن لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهم، كقَوْلِنا في آنِيَتهِم، وقد ذَكَرْناه (¬3). فصل: فأمّا طُهُورِيَّةُ الماءِ، فإِنَّ الحائِضَ والكافِرَ لا يُؤثِّرُ غَمْسهما أيدِيَهما في الماءِ؛ لأنَّ حَدَثَهما لا يَرْتَفِعُ، وأمّا الجُنُبُ، فإن لم يَنْو بغَمْسِ. يَدِه في الماءِ رَفْعَ الحَدَثِ عنها، فكَذلِك، بدَلِيلِ حَدِيثِ المرأةِ التي قالت: غَمَسْتُ يَدَيَّ في الماءِ وأنا جُنُبٌ. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ». ولأنَّ الحَدَثَ لا يَرْتَفِعُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، أشْبَهَ غَمْسَ الحائِض. وإن نَوَتْ رَفْعَ حَدَثِها، فحُكْمُ الماءِ حُكْمُ ما لو اغْتَسَلَ الجُنُبُ فيه للجَنابَةِ، كذا ذَكَرَه شَيخُنا (¬4). وفي هذا نَظر؛ فإنَّهم قد قالوا: إنَّ الماءَ المُسْتَعْمَلَ إذا اخْتَلَطَ ¬

(¬1) انظر ما تقدم في الجزء الأول صفحات 156، 158. (¬2) انظر: المغني 1/ 281. (¬3) انظر الجزء الأول صفحة 155. (¬4) في الموضع السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالماءِ الطَّهُورِ، إنَّما يُؤَثِّرُ فيه إِذا كان بحيث لوْ كان مائِعًا آخَرَ غَيَّرَه، والمُنْفَصِلُ عن اليَدِ ها هنا يَسِيرٌ، فيَنْبَغِي إِذا كان الماءُ كَثِيرًا، بحيث لا يُؤَثِّرُ فيه المُنْفَصِلُ عن غَسْلِ اليَدِ لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً بماءٍ، ثم صُبَّ فيه، أن لا يُؤثِّرَ ها هنا؛ لأنَّه في مَعْناه. وإن كان الماءُ يَسِيرًا، بحيث يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ قَدْرَ المُنْفَصِلِ عن اليَدِ يُؤَثِّرُ فيه لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً، ثم صُبَّ فيه، أثَّرَ ها هنا. وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا؛ فإنَّه سُئِل عن جُنُبٍ، وُضِع له ماءٌ، فأدْخَلَ يَدَه يَنْظرٌ حَرَّه مِن بَرْدِه، قال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ. فكأنَّه كَرِهَه. فصل: قال بَعْضُ أصحابِنا: إِذا نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ، ثم غَمَس يَدَه في الماءِ؛ ليَغْرِفَ بها، صار الماءُ مُسْتَعْمَلًا. قال شَيخُنا (¬1): والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ قَصْدَ الاغْتِرافِ مَنَع قَصْدَ غَسْلِها، ¬

(¬1) في الموضع السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على ما بَيَّنّاه في المُتَوَضِّئِ إِذا اغْتَرَفَ مِن الإِناءِ لغَسْلِ يَدَيه بعدَ وَجْهِه. وإنِ انْقَطَع حَيضُ المرأةِ فهي قبلَ الغُسْلِ كالجُنُبِ في ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ. وقد اخْتَلَف (¬1) عن أحمدَ في هذا؛ فقال في مَوْضِعٍ، في الجُنُبِ والحائِضِ يَغْمِسُ يَدَيه في الإِناءِ: إذا كانا نَظِيفَين، فلا بَأْسَ به. وقال في مَوضِع: كُنْتُ لا أرَى به بَأْسًا، ثم حُدِّثْتُ عن شُعْبَةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، وكأنِّي تَهَيَّبْتُه. وسُئِل عن جُنُبٍ وُضِعَ له ماءٌ، فوَضَعَ يَدَه فيه يَنْظُرُ حَرَّه مِن بَرْدِه، فقال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ. فكأنَّه كَرِهَه. وسُئِل عن الرجل يَدْخُلُ الحَمّامَ، وليس معه ما يَصُبُّ به الماءَ على يَدِه، تَرَى له أن يَأْخُذَ بفِيه؟ فقال: لا، يَدُه وفَمُه واحِدٌ. وقِياسُ المذْهبِ ما ذَكَرْنا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الخِلافِ. وقال أبو يُوسُفَ: إن أدْخَلَ الجُنُبُ يَدَه في الماءِ لم يَفْسُدْ، وإن أدْخَلَ رِجْلَه فَسَد؛ لأنَّ الجُنُبَ نَجِسٌ، ¬

(¬1) أبي: النّقْلُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فعُفِيَ عن يَدِه؛ لمَوْضِعِ الحاجَةِ. وكَرِهَ النَّخَعِيُّ الوُضُوءَ بسُؤْرِ الحائِضِ. وأكْثَرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ به بَأْسًا؛ منهم الحسنُ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ. وقد دَلَّلْنا على طهارةِ الجُنُبِ والحائِضِ، والتَّفْرِيقُ بينَ اليَدِ والرِّجْلِ لا يَصِحُّ؛ لاسْتِوائِهما فيما إذا أصابَتْهما نَجاسَةٌ، كذلك في الجَنابَةِ. قال شَيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن نَقُولَ به؛ لأنَّ اليَدَ يُرادُ بها الاغْتِرافُ، وقَصْدُه هو المانِعُ مِن جَعْلِ الماءِ مُسْتَعْمَلًا، وهذا لا يُوجَدُ في الرِّجْلِ، فيُؤثِّرَ غَمْسُها في الماءِ. واللهُ أعلمُ. فُصُولٌ في الحَمّامِ: بناءُ الحَمّامِ، وكِراؤُه، وبَيعُه، وشِراؤُه، مَكْرُوهٌ عندَ أبي عبدِ اللهِ؛ فإِنَّه قال في الذي يَبْنِي حَمّامًا للنِّساءِ: ليس بعَدْلٍ. وإنَّما كَرِهَه؛ لِما فيه مِن كَشْفِ العَوْرَةِ، والنَّظرَ إِليها، ودُخُولِ النِّساء إليه. فصل: فأمّا دُخُولُ الحَمّام، فإِن دَخَل رجلٌ، وكان يَسْلَمُ مِن النَّظرَ إِلى عَوْراتِ النّاسِ، ونَظرَهِم إِلىَ عَوْرَتِه، فلا بَأْسَ به؛ فإنَّه يُرْوَى أنَّ ابنَ عباسٍ دَخَل حَمّامًا بالجُحْفَةِ. ويُرْوَى ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكان الحسنُ وابنُ سِيرِينَ يَدْخُلان الحَمّامَ. رَواه الخَلّالُ. وإن خَشِيَ أن لا يَسْلَمَ مِن ذلك، كُرِهَ له؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ وُقُوعَه في المَحْظُورِ، وهو النَّظرُ إِلى عَوْراتِ النّاسِ، ونَظرُهم إلى عَوْرَتِه، وهو مُحَرَّمٌ؛ بدَلِيلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 282.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَنْظرٌ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظرٌ الْمَرْأةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأةِ». وقَوْلِه - عليه السلام - «لَا تَمْشُوا عُرَاةً». رَواهما مسلمٌ (¬1). قال أحمدُ: إن عَلِمْتَ أنَّ كلَّ مَن في الحَمّام عليه إزارٌ فادْخُلْه، وإلَّا فلا تَدْخُلْ. فصل: فأمّا النِّساءُ فليس لَهُنَّ دُخُولُه، مع ما ذَكَرْنا مِن السِّتْرِ، إلَّا لعُذْرٍ؛ مِن حَيضٍ، أو نِفاسٍ، أو مَرَضٍ، أو حاجَةٍ إلى الغُسْلِ، ولا يُمْكِنُها أن تَغْتَسِلَ في بَيتها، لتَعَذُّرِ ذلك عليها، أو خَوْفِها مِن مَرَضٍ، أو ضَرَرٍ، فيُباحُ لها إذا سَتَرَتْ عَوْرَتَها، وغَضَّتْ بَصَرَها. ولا يَجُوزُ مِن غيرِ عُذْرٍ، لِما رُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «سَتُفْتَحُ أرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ، فَامَنْعُوا نِسَاءَكُمْ، إلَّا حَائِضًا أوْ نُفَساءَ». ورُوي أنَّ عائِشَةَ دَخَل عليها نِساءٌ مِن أهْلِ حِمْصَ، فقالت: لَعَلَّكُنَّ مِن النِّساءِ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الْمَرْأةَ إذَا خَلَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيرِ بَيتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَهَا بَينَهَا وَبَينَ اللهِ تَعَالى». رَواهما ابنُ ماجه (¬2). ¬

(¬1) الأول أخرجه مسلم، في: باب تحريم النظر إلى العورات، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 226. كما أخرجه أبو داود، في: باب [ما جاء] في التعري، من كتاب الحمام. سنن أبي داود 2/ 364. والترمذي، في: باب في كراهية مباشرة الرجال الرجال والمرأة المرأة، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 238. وابن ماجه، في: باب النهي أن يرى عورة أخيه، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 217. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 63. والثاني أخرجه مسلم، في: باب الاعتناء بحفظ العورة، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 268. كما أخرجه داود، في الموضع السابق. (¬2) في: باب دخول الحمام، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1233.كما أخرجهما أبو داود، في: باب النهي عن التعري، من كتاب الحمام. سنن أبي داود 2/ 363. وأخرج الثاني الترمذي، في: باب ما جاء في دخول الحمام، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 246. والدارمي، في: باب في النهي =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن اغْتَسَلَ عُرْيانًا بينَ النّاسِ لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان وَحْدَه جاز؛ لأنَّ موسى، - عليه السلام -، اغْتَسَلَ عُرْيانًا، وأيُّوبَ اغْتَسَلَ عُرْيانًا. رَواهما البُخارِيُّ (¬1). وإن سَتَرَه إنسانٌ بثَوْبٍ، فلا بَأْسَ، فقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَتِرُ بثَوْبٍ، ويَغْتَسِلُ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ويُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ وإِن كان خالِيًا، لقَوْلَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَاللهُ أحَقُّ أنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» (¬3). وقد قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِي أنْ يَدْخُلَ الماءَ إلَّا ¬

= عن دخول المرأة الحمام، من كتاب الاستئذان. سنن الدارمي 2/ 281. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 41. 173، 199، 267. (¬1) في: باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة، من كتاب الغسل. وأخرج الأول في باب حدثني إسحاق بن نصر، من كتاب الأنبياء. والثاني في: باب قول الله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، من كتاب الأنبياء. صحيح البخاري 1/ 78، 4/ 184، 190، 9/ 175. كما أخرج الأول الترمذي في: تفسير سورة الأحزاب، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذي 12/ 96، 97. والإِمام أحمد، في: المسند 2/ 514، 515. وأخرج الثاني النسائي، في: باب الاستتار عند الاغتسال، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 165. والإِمام أحمد، في: المسند 2/ 314. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل، وباب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة، وباب التستر في الغسل عند الناس، من كتاب الغسل، وفي: باب الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب الصلاة، وفي: باب أمان النساء وجوارهن، من كتاب الجزية، وفي: باب ما جاء في زعموا، من كتاب الأدب. صحيح البخاري 1/ 75، 77، 78، 100، 4/ 122، 8/ 46. ومسلم، في: باب تستر المغتسل بثوب ونحوه، من كتاب الحيض، وفي: باب استحباب صلاة الضحى إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 265، 266، 498. كما أخرجه النسائي، في: باب ذكر الاستتار عند الاغتسال، من كتاب الطهارة، وفي: باب الاغتسال في قصعة بها أثر العجين، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 105، 166. والترمذي، في: باب ما جاء في مرحبا، من أبواب الاستئذان. عارضة الأحوذي 10/ 194. وابن ماجه، في: باب المنديل بعد الوضوء وبعد الغسل، وباب ما جاء في الاستتار عند الغسل، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 158، 201. والدارمي، في: باب صلاة الضحى، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 339. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 155، 171، 421، 6/ 336. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب [ما جاء] في التعري، من كتاب الحمام. سنن أبي داود 2/ 364. والترمذي، في: باب ما جاء في حفظ العورة، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 223، 238. وابن ماجه، في: =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُسْتَتِرًا، إِنَّ للماءِ سُكّانًا. لأنَّه يُرْوَى عن الحسنِ، والحُسَينِ، أنَّهما دَخَلا الماءَ وعليهما بُرْدان، فقِيلَ لهما في ذلك، فقالا: إنَّ للماءِ سُكّانًا. ولأنَّ الماءَ لا يَسْتُرُ فتَبْدُوَ عَوْرَةُ مَن دَخَلَه عُرْيانًا. واللهُ أعلمُ. فصل: ويُجْزِئُه الوُضُوءُ والغُسْلُ مِن ماءِ الحَمّامِ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالوُضُوءِ مِن ماءِ الحَمّام؛ وذلك لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: لا بَأْسَ أن يَأخُذَ مِن الأُنْبُوبَةِ. وهذا على سَبِيلِ الاحْتِياطِ، ولو لم يَفْعَلْه جاز؛ لأنَّ الأَصلَ الطهارةُ. وقد قال أحمدُ: ماءٌ الحَمّامِ عِنْدِي طاهِرٌ، وهو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي. وهل يُكْرَهُ اسْتِعْمالُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُكْرَهُ، لأنَّه يُباشِرُه مَن يَتَحَرَّى ومَن لا يَتَحَرَّى. وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً عن أحمدَ. وقد روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، قال: منهم مَن يُشَدِّدُ فيه، ومنهم مَن يقولُ: هو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي. والثاني، لا يُكْرَهُ؛ لكَوْنِ الأصلِ طَهارَتَه، فهو كالماءِ الذي شَكَكْنا في نَجاسَتِه. واللهُ أعلمُ. قال شيخُنا (¬1): وقَوْلُه: هو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي. فيه دَلِيلٌ على أنَّ الماءَ الجارِيَ لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ؛ لأنَّه لو تَنَجَّسَ بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ لم يكُنْ لكَوْنِه جاريًا أثَرٌ، وإنَّما جَعَلَه بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي إذا كان الماءُ لفيضُ مِن الحَوْضِ ويَخْرُجُ، فإنَّ الذي يَأْتِي أخِيرًا يَدْفَعُ ما في الحَوْضِ، ويَثْبُتُ مَكانَه؛ بدَلِيلِ أنَّه لو كان ما في الحَوْضِ كَدِرًا، وتتابَعَتْ عليه دُفَعٌ مِن الماءِ صافِيًا، لزالتْ كُدُورَتُه. ¬

= باب التستر عند النكاح. من كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 618. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 3، 4. وروى البخاري طرفه «الله أحق أن يستحيى منه من الناس». في: باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل، من كتاب الغسل (الترجمة). صحيح البخاري 1/ 78. (¬1) انظر: المغني 1/ 308.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا بَأْسَ بذِكْرِ اللهِ في الحَمّامِ؛ فإنَّ ذِكْرَه سبحانه حَسَنٌ في كلِّ مَكانٍ، ما لم يَرِدِ المَنْعُ منه، وقد رُوِيَ أنَّ أبا هُرَيرَةَ دَخَل الحَمّام، فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَذْكُرُ اللهَ على كلِّ أحْيانِه. رَواه مسلمٌ (¬1). فأمّا قِراءَةُ القُرْآنِ فيه، فكَرِهَها أبو وائِلٍ (¬2)، والشَّعْبِيُّ، والحسنُ، ومَكْحُولٌ. وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ عن عليٍّ وابنِ عُمَرَ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للتَّكَشُّفِ، ويُفْعَلُ فيه ما لا يَحْسُنُ في غيرِه، فاسْتُحِبَّ صِيانَةُ القُرْآنِ عنه. ولم يَكْرَهْه النَّخَعِيُّ، ومالكٌ، لأنّا لا نَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ الكَراهَةَ، فأمّا رَدُّ السَّلامِ، فقال أحمدُ: ما سَمِعْتُ فيه شَيئًا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ. والأوْلَى جَوازُه مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - عليه السلام -: «أفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ» (¬3). ولأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، والأشْياءُ على الإِباحَةِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 110. (¬2) أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يره، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخلق من الصحابة والتابعين، ثقة، قال خليفة بن خياط: مات بعد الجماجم سنة اثنتين وثمانين. وقال الواقدي: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. تهذيب التهذيب 4/ 361 - 363. (¬3) أخرجه مسلم، في: باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 74. والترمذي، في: باب ما جاء في فضل إطعام الطعام، من أبواب الأطعمة، وفي: باب حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، من أبواب صفة القيامة: عارضة الأحوذي 8/ 44، 45، 9/ 315. وابن ماجه، في: باب في الإيمان، من المقدمة، وباب ما جاء في قيام الليل، من كتاب الإقامة، وباب إطعام الطعام، من كتاب الأطعمة، وباب إفشاء السلام، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 1/ 26، 423، 2/ 1083، 1217. والدارمي، في: باب فضل صلاة الليل، من كتاب الصلاة، وفي: باب في إطعام الطعام، من كتاب الأطعمة، وفي: باب في إفشاء السلام، وباب في النهي عن الجلوس في الطرقات، من كتاب الاستئذان. سنن الدارمي 1/ 341، 2/ 109، 275، 282. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 165، 167، 2/ 156، 170، 196, 391، 442، 495، 512.

باب التيمم

بَابُ التَّيَمُّمِ وَهُوَ بَدَلٌ لَا يَجُوزُ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، دُخُولُ الْوَقْتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ. قال اللهُ تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} (¬1). وقال امْرُؤُ القَيسِ (¬2): تَيَمَّمَتِ العَينَ التي عندَ ضارِجٍ … يَفِئُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِى (¬3) وقولُ اللهِ تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (¬4). أي: اقْصِدُوه. ثم نُقِلَ في عُرْفِ الفُقَهاءِ إلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَين بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ، والأصْلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقوْلُه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ}. وأمّا السُّنَّةُ، فحَدِيثُ عَمّارٍ وغيرِه (¬5)، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على جَواز التَّيمُّمِ في الجُمْلَةِ، وله شُرُوطٌ، وفَرائِضُ، وسُنَنٌ، ومُبْطِلاتٌ، تَأْتِي في أثْناءِ البابِ، إن شاء اللهُ تعالى. 165 - مسألة؛ قال: (وهو بَدَلٌ، لا يَجُوزُ إلا بشَرطَين؛ ¬

(¬1) سورة البقرة 267. (¬2) ديوانه 476، في الشعر المنسوب إليه مما لم يرد في المخطوطات، وهو أيضًا في: اللسان (ض ر ج، ع ر م ض) 2/ 315، 7/ 187، ومعجم البلدان 3/ 460. (¬3) ضارج: مكان في الطريق من اليمن إلى المدينة. والعرمض: الطحلب الذي يعلو الماء. وطام: عال. (¬4) سورة المائدة 6. (¬5) تأتي هذه الأحاديث في المسألة 190، وانظر لها أيضًا: نصب الراية 1/ 148 وما بعدها.

فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْي عَنْهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُهما، دُخُولُ الوَقْتِ، فلا يجوزُ لفَرْضٍ قبلَ وَقْتِه، ولا لنَفْلٍ في وَقْتِ النَّهْي عنه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن الماءِ، إنَّما يَجُوزُ عندَ تَعَذُّرِ الطهارةِ بالماءِ؛ لعَدَمِه، أو مَرَضٍ، أو خَوْفٍ، أو نَحْوه؛ لقَوْلِه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التُّرَابُ كَافِيكَ ما لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» (¬1). ولحَدِيثِ صاحِبِ الشَّجَّةِ (¬2)، وحديثِ عَمْرِو بنِ العاصِ (¬3)، وغيرِ ذلك. ويُشْتَرَطُ له ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، دُخُولُ الوَقْتِ، فلا يَجُوزُ لصلاةٍ مَفْرُوضَةٍ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، ولا لنافِلَةٍ في وَقتِ النَّهْي عنها؛ لأَنَّه ليس بوَقْتٍ لها، ولأَنَّه مُسْتَغْنٍ عن التَّيمُّمِ فيه، فأشْبَهَ ما لو تَيَمَّمَ عندَ وُجُودِ الماءِ، وإن كانت فائِتَةً، جازَ التَّيَمُّمُ لها في كلِّ وقتٍ؛ لجَوازِ فِعْلِها فيه. وهذا قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ التَّيَمُّم قبلَ وقتِ الصلاةِ؛ لأنَّها طهارةٌ مُشْتَرَطَةٌ للصلاةِ، فأُبِيحَ تَقْدِيمُها ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 57. (¬2) يأتي تخريجه في صفحة 187. (¬3) يأتي تخريجه في صفحة 173.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على الوَقْتِ، كسائِرِ الطَّهاراتِ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: القِياسُ أنَّ التَّيَمُّمَ بمَنْزِلَةِ الطهارةِ حتى يَجدَ الماءَ، أو يُحْدِثَ. فعلى هذا يَجُوزُ قبلَ دُخُولِ الوَقْتِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَجُزْ قبلَ الوَقتِ، كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بطهارةِ المُسْتَحاضَة، ويُفَارِقُ التَّيَمُّمُ سائِرَ الطَّهاراتِ؛ لكَوْنِها ليست لضَرُورَةٍ.

الثَّانِي، الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّرْطُ (الثاني، العَجْزُ عن اسْتِعْمالِ الماءِ لعَدَمِه) لِما ذَكَرْنا. وعَدَمُ الماءِ إِنَّما يُشْتَرَطُ لمَن تَيَمَّمَ لعُذْرِ عَدَمِ الماءِ، دُونَ مَن تَيَمَّمَ لغيرِه مِن الأعْذارِ. الشَّرْطُ الثالثُ، طَلَبُ الماءِ، وفيه خِلافٌ نَذْكُرُه، إن شاء اللهُ. فصل: وعَدَمُ الماءِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ في السَّفَرِ الطَّويلِ والقَصِيرِ. والطَّويلُ ما يُبِيحُ القَصْرَ، والقَصِيرُ ما دُونَه، مِثْلَ أن يَكُونَ بينَ قَرْيَتَين مُتَباعِدَتَين أو مُتَقارِبَتَين. قال القاضي: لو خَرَج إلى ضَيعَةٍ له تُفارِقُ البُنْيانَ والمنازِلَ، ولو بخمْسِين خُطْوَةً، جاز له التَّيَمُّمُ، والصلاةُ على الرّاحِلَةِ، وأكْلُ المَيتَةِ للضَّرُورَةِ. وهذا قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ. وقال قَوْمٌ: لا يُباحُ إلَّا في الطَّويلِ، قِياسًا على سائِرِ رُخَصِ السَّفَرِ. ولَنا، قولُه تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}. إلى قَوْلِه: {فَتَيَمَّمُوا} (¬1). فإِنَّه يَدُلُّ بمُطْلَقِه على إباحَةِ التَّيَمُّمِ في كلِّ سَفَرٍ، ولأنَّ السفرَ القَصِيرَ يَكْثُرُ، فيكثُرُ عَدَمُ الماءِ ¬

(¬1) سورة المائدة 6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيه، فيُحْتاجُ إِلى التَّيَمُّمِ فيه، فيَنْبَغِي أن يَسْقُطَ به الفَرْضُ، كالطَّويلِ. والقِياسُ على رُخَصِ السَّفَرِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ يُباحُ في الحَضَرِ، على ما يَأْتِي، ولأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه، بخِلافِ سائِرِ الرُّخَصِ، [ولا فرْقَ بينَ سَفَرِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه، بخِلافِ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ] (¬1). فإن تَيَمَّمَ وصَلَّى، فهل يُعِيدُ؟ ذَكَر القاضي فيه احْتِمالين؛ أَوْلاهُما، لا يُعِيدُ؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ. فصل: فإن عَدِمَ الماءَ في الحَضَرِ، بأن انْقَطَع عنهم الماءُ، أو حُبِس وعَدِم الماءَ، تَيَمَّمَ وصَلَّى. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُصَلِّي؛ لأنَّ اللهَ تعالى شَرَطَ السَّفَرَ لجَوازِ التَّيَمُّمِ، فلا يَجُوزُ في غيرِه. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ حُبِسَ في دارٍ، أو أُغْلِقَ (¬2) عليه البابُ [بمَنْزِلِ المُضِيفِ] (¬3)، ¬

(¬1) سقط من: «الأصل». (¬2) في الأصل: «واغلق». (¬3) في الأصل: «بمنزلة الضيف».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أيتَيَمَّمُ؟ قاك: لا. ولَنا، ما روَى أبو ذَرٍّ، أنّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيرٌ» (¬1). قال التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وهذا عامٌّ في السَّفَرِ وغيرِه، ولأنَّه عادِمٌ للماءِ، أشْبَهَ المُسافِرَ. فأمَّا الآيَةُ، فلَعَلَّ ذِكْرَ السَّفَرِ فيها خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لكَوْنِ الغالِبِ أنَّ الماءَ إنَّما يُعْدَمُ فيه, كما ذُكِر السَّفَرُ، وعَدَمُ وُجُودِ الكاتِبِ في الرَّهْنِ، ولَيسا شَرْطَين فيه، ثم إنَّ الآيةَ إنَّما تَدُلُّ على ذلك بدَلِيلِ الخِطابِ، وأبو حَنِيفَةَ لا يَقُولُ به، ولو كان حُجَّةً فالمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه. فعلى هذا إذا تَيَمَّمَ في الحَضَرِ لعَدَمِ الماءِ، وصَلَّى، فهل يُعِيدُ إذا قَدَر على الماءِ؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهُما، يُعِيدُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يَسْقُطُ به القَضاءُ، كالحَيضِ في الصَّوْمِ. والثانيةُ، لا يُعيدُ. وهو مذهبُ مالكٍ، لأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، ولأنَّه صَلَّى بالتَّيَمُّمِ المَشْرُوعِ على الوَجْهِ المشروعِ، فأشْبَهَ المَرِيضَ والمُسافِرَ، مع أنَّ عُمُومَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليه. وقال أبو الخَطّابِ: إِن حُبِسَ في المِصْرِ صَلَّى. ولم ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الجنب يتيمم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 80. والترمذي، في: باب التيمم للجنب إذا لم يجد ماء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 192. والنسائي، في: باب الصلوات بتيمم واحد، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 139. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 146، 147، 155، 180.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَذْكرْ إعادَةً. وذَكَر الرِّوايَتَين في غيرِه. قال شَيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عَدِمَ الماءَ لعُذْرٍ نادِرٍ، أو يَزُولُ قَرِيبًا، كرجلٍ أُغْلِقَ عليه البابُ، مِثْلَ الضَّيفِ وما أشْبَهَ هذا، فعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ المُتَشاغِلِ بطَلَبِ الماءِ وتَحْصِيلِه. وإن كان عُذْرًا مُمْتَدًّا ويُوجَدُ كَثِيرًا؛ كالمَحْبُوسِ، ومَن انْقَطَعَ الماءُ مِن قَرْيَتِه، واحْتاجَ إلى اسْتِقاءِ الماءِ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، فله التَّيَمُّمُ، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ هذا عادِمٌ للماءِ بِعُذْرٍ مُتَطاولٍ مُعْتادٍ، فهو كالمُسافِرِ، ولأنَّ عَدَمَ هذا للماءِ (¬2) أكْثَرُ مِن عَدَمِ المُسافِرِ له، فالنَّصُّ على التَّيَمُّمِ للمسافِرِ تَنْبِيهٌ على التَّيَمُّمِ ههُنا. وما قاله صحيحٌ. واللهُ تعالى أعلمُ. فصل: ومَن خَرَج مِن المِصْرِ إلى أرْضٍ مِن أعْمالِه؛ كالحَرّاثِ، والحَصّادِ، والحَطّابِ، وأشْباهِهم مِمَّن لا يُمْكِنُه حَمْلُ الماءِ معه لوُضُوئِه، فحَضَرَتِ الصلاةُ ولا ماءَ معه، ولا يُمْكِنُه الرُّجُوعُ ليَتَوَضَّأَ إلَّا بتَفْويتِ حاجَتِه، فله أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّه مُسافِرٌ، أشْبَهَ الخارِجَ إلى قَرْيَةٍ أُخْرَى. ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه الإِعادَةُ؛ لكَوْنِه في أرْضٍ مِن عَمَلِ المِصْرِ، أشْبَهَ المُقِيمَ فيه. فإن كانتِ الأرضُ التي خَرَج إليها مِن غيرِ أرْضِ قَرْيَتِه (¬3)، فلا إعادةَ عليه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مُسافِرٌ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 312. (¬2) في م: «الماء». (¬3) في الأصل، م: «قريبة».

166 - مسألة؛ قال: (أو لضرر في استعماله؛ من جرح، أو برد شديد، أو مرض يخشى زيادته أو تطاوله)

أوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ، مِنْ جُرْحٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَوْ مَرَضٍ يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن لم يَجِدْ إلَّا ماءً وَلَغَ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، فرُوى عن أحمدَ، أنَّه قال: إِذا لم يَجِدْ غيرَ سُؤْرِهما تَيَمَّمَ معه، فيُقَدِّمُ الوُضُوءَ، ثم يَتَيَمَّمُ. نَصَّ عليه أحمدُ، ليَكُونَ عادِمًا للماءِ بيَقِينٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ في المَذْهَبِ أن يُصَلِّيَ بكلِّ واحِدٍ منهما، ليَحْصُلَ له تَأْدِيَةُ فَرْضِه بيَقِينٍ. فعلى هذا يُقَدِّمُ التَّيَمُّمَ، ويُصَلِّي ثم يَتَوَضَّأُ، لجَوازِ أن يكُونَ الماءُ نَجِسًا، ولا يَضُرُّ ههُنا تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ مع كَوْنِه مُسْقِطًا للفَرْضِ، كما إِذا اشْتَبَهَتِ الثِّيابُ. فإن أراد أن يُصَلِّيَ صلاةً أُخْرَى في وَقْتٍ واحِدٍ، لم يَحْتَجْ إِلى إعادَةِ الوُضُوءِ إذا لم يُحْدِثْ، لأنَّ الماءَ إن كان طاهِرًا، فالوُضُوءُ بحالِه، وإن كان نَجِسًا، فلا حاجَةَ إلى تَكْرارِ الوُضُوءِ بماءٍ نَجسٍ، ولا يَحْتاجُ في الصلاةِ الثانيةِ إِلى أن يَفْعَلَها مَرَّتَين؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ له تأْدِيَة فَرْضِه بيَقِينٍ؛ لأنَّ أعْضاءَه قد تَنَجَّسَتْ بالماءِ على تَقْدِيرِ نَجاسَتِه، هذا إذا كان مُسْتَدِيمًا للطهارةِ الأُولَى. ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويُمْكِنُ تَأْدِيَتُه بيَقِين، بأن يَتَيَمَّمَ للحَدَثِ والنَّجاسَةِ، ويُصَلِّيَ؛ لأنَّه إن كان الماءُ طاهِرًا، فقد صَحَّتْ صَلاُته، وإن كان نَجِسًا، فقد تَيَمَّمَ للنَّجاسَةِ لي الحَدَثِ، فتَصِحُّ صلاتُه. 166 - مسألة؛ قال: (أو لضَرَرٍ في اسْتِعْمالِه؛ مِن جُرْحٍ، أو بَرْدٍ شَدِيدٍ، أو مَرَضٍ يَخْشَى زِيادَتَه أو تَطاوُلَه) هذه تَشْتَمِلُ على مَسائِلَ؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُها، التَّيَمُّمُ لخَوْفِ البَرْدِ، متى أمْكَنَه تَسْخِينُ الماءِ، أو اسْتِعْمالُه على وجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مثْلَ أنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عضوًا، كُلَّما غَسَل شيئًا سَتَره، لَزِمَه ذلك. وإن لم يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وصَلَّى، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال عَطاءٌ والحسنُ: يَغْتَسِلُ وإن مات. ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك. ووَجْهُ الأوَّلِ قَوْلُه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (¬1). ولِما روَى عَمْرُو بنُ العاصِ، قال: احْتَلَمْتُ في لَيلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أن أهْلِكَ، فتَيَمَّمْتُ، ثم صَلَّيتُ بأصحابِي الصُّبْحَ، فذَكَرُوا ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يَا عَمْرُو، صَلَّيتَ بِأصْحَابِكَ، وَأنْتَ جُنُبٌ»؛ فأخْبَرْتُه بالذي مَنَعَنِي مِن الاغْتِسالِ، وقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللهَ عزَّ وجَلَّ يقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. فضَحِكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يَقُلْ شيئًا. رَواه الخَلّالُ، وأبو داودَ (¬2). ¬

(¬1) سورة النساء 29. (¬2) في: باب إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 81. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 203. وأخرجه البخاري في ترجمة باب إذا خاف على نفسه المرض إلخ، من كتاب التيمم. صحيح البخاري 1/ 95.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وسُكُوتُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدُلُّ على الجَوازِ؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ. ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ. وهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ، إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تَلْزَمُه، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأبي حَنِيفَةَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عَمْرٍو، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأْمُرْه بإعادَةٍ، ولو وَجَبَتْ لَأمَرَه بها، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ. ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ. والثانيةُ، تَلْزَمُه الإِعادَةُ في الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، لمحمدٍ؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ غيرُ مُتَّصِلٍ، فلم يَمْنَعِ الإِعادَةَ، كنِسْيانِ الطهارةِ. قال الشيخُ (¬1): والأوَّلُ أصَحُّ. ويُفارِقُ نسْيانَ الطهارةِ، فإنَّه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به، وإنما ظَنَّ أنَّه أتَي به، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا. وقال الشافعيُّ: يُعِيدُ الحاضِرُ. لِما ذَكَرْنا، وفي المُسافِرِ قَوْلان. فصل: الثاني، الجَرِيحُ والمَرِيضٌ إذا خاف على نَفْسِه مِن اسْتِعْمالِ الماءِ، فله التَّيَمُّمُ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ, ومالكٌ، والشافعيُّ. وقال عَطاءٌ والحسنُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا عندَ عَدَمِ الماءِ. ولَنا، قَوْلُ الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. وحديثُ عَمْرِو بنِ العاصِ حينَ تَيَمَّمَ مِن خَوْفِ البَرْدِ. وحَدِيثُ صاحِبِ الشَّجَّةِ (¬2). ولأنَّه يُباحُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف العَطَشَ، أو خاف مِن سَبُعٍ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّ الخَوْفَ لا يَخْتَلِفُ، ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 340. (¬2) يأتي تخريجه في صفحة 187.

167 - مسألة: (أو عطش يخافه على نفسه، أو رفيقه، أو

أْو عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ رَفِيقِهِ، أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــ إنَّما اخْتَلَفَتْ جِهاتُه. واخْتَلَفُوا في الخَوْفِ المُبِيحِ للتَّيَمُّمِ؛ فرُويَ عن أحمدَ: لا يُبِيحُه إلَّا خَوْفُ التَّلَفِ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. والصَّحِيحُ مِن لمَذْهَبِ، أنَّه يُباحُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف زِيادَةَ المَرَضِ، أو تَباطُؤَ البُرْء، أو خاف شَيئًا فاحِشًا، أو ألَمًا غيرَ مُحْتَمَلٍ. وهذا مذهبُ أَبي حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثاني للشافعيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} (¬1). ولأنَّه يَجُوزُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف ذهابَ شيءٍ مِن مالِه، أو ضَرَرًا في نَفْسِه؛ مِن لِصٍّ، أو سَبُعٍ، أو لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه، فلَأن يَجُوزَ ههُنا أوْلَى. ولأنَّ تَرْكَ القِيامِ في الصلاةِ، وتَأْخِيرَ الصومِ في المَرَضِ، لا يَنْحَصِرُ في خَوْفِ التَّلَفِ، فكذا ههُنا. فأمّا المَرِيضُ والجَرِيحُ. الذي لا يَخافُ الضَّررَ باسْتِعْمالِ الماءِ، مِثْلُ مَن به الصُّداعُ والحُمَّى الحارَّةُ، وأمْكَنَه اسْتِعْمالُ الماءِ الحارِّ (¬2)، ولا ضَرَرَ عليه فيه، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ إباحَةَ التَّيَمُّمِ لنَفْي الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ عليه. وحُكِيَ عن مالكٍ وداودَ، إباحَةُ التَّيَمُّمِ للمَرِيضِ مُطْلَقًا؛ لظاهِرِ الآيَةِ. ولَنا، أنَّه قادِرٌ على اسْتِعْمالِ الماءِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فأشْبَهَ الصَّحِيحَ، والآيَةُ اشْتُرِطَ فيها عَدَمُ الماءِ، فلم يَتَناوَلْ مَحَلَّ النِّزاعِ، على أنَّه لابُدَّ مِن إضْمارِ الضَّرُورَةِ، والضَّرورَةُ إنَّما تكُون عندَ الضَّرَرِ. 167 - مسألة: (أو عَطَشٍ يَخافُه على نَفْسِه، أو رَفِيقِه، أو ¬

(¬1) سورة المائدة 6. (¬2) في م: «الجاري».

بَهِيمَتِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بَهيمَتِه) متى خاف العَطَشَ على نَفْسِه، جازَ له التَّيَمُّمُ، ولا إعادَةَ عليه إجْماعًا، قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ المُسافِرَ إذا كان معه ماءٌ، وخَشِيَ العَطَشَ، أنَّه يُبْقِي الماءَ للشُّرْبِ، ويَتَيَمَّمُ، منهم عليٌّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهُم. وإن خاف على رَفِيقِه، أو رَقِيقِه، أو بَهائِمِه، فهو كما لو خاف على نَفْسِه؛ لأنَّ حُرْمَةَ رَفِيقِه كحُرْمَةِ نَفْسِه، والخائِفُ على بَهائِمِه خائِفٌ مِن ضَياعِ مالِه، وعليه ضَرَرٌ فيه، فجازَ له التَّيَمُّمُ، كالمَرِيضِ. وإن وَجَد عَطْشانَ يَخافُ تَلَفَه، لَزِمَه سَقْيُه، ويَتَيَمَّمُ. قِيلَ لأحمدَ: رجلٌ معه إداوَةٌ مِن ماءٍ للوُضُوءِ، فيَرَى قَوْمًا عِطاشًا، أحَبُّ إليك أن يَسْقِيَهُم، أو يَتَوَضَّأَ؟ قال: لا، بل يَسْقِيهِم. ثم ذَكَر عِدَّةً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَيَمَّمُون، ويَحْبِسُون الماءَ لشِفاهِهم. وقال أبو بكرٍ والقاضي: لا يَلْزَمُه بَذْلُه، لأنَّه مُحْتاجٌ إليه. ولَنا، أنَّ حُرْمَةَ الآدَمِيِّ تُقَدَّمُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على الصلاةِ؛ بدَلِيلِ ما لو رأى حَرِيقًا، أو غَرِيقًا، عندَ ضِيقِ وَقْتِ الصلاةِ، لَزِمَه تَرْكُ الصلاةِ، والخُرُوجُ لإِنْقاذِه، فلَأَن يُقَدِّمَها على الطهارةِ بالماءِ أوْلَى، وقد رُويَ في حديثِ البَغِيِّ أنَّ اللهَ غَفَر لها بسَقْي الكَلْبِ عندَ العَطَشِ (¬1)، فإذا كان في سَقْي الكَلْبِ فالآدَمِيُّ أوْلَى. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب حدثنا أبو اليمان، من كتاب الأنبياء. صحيح البخاري 4/ 211. ومسلم، في: باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، من كتاب السلام. صحيح مسلم 4/ 1761. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 507.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا وَجَد الخائِفُ مِن العَطَشِ ماءً طاهِرًا، وماءً نَجِسًا، يَكْفِيه أحَدُهما لشُرْبِه، فإنَّه يَحْبِسُ الطّاهِرَ لشُرْبِه، ويُرِيقُ النَّجِسَ إنِ اسْتَغْنَى عنه. وقال القاضي: يَتَوَضَّأُ بالطّاهِرِ، ويَحْبِسُ النَّجسَ لشُرْبِه؛ لأنَّه وَجَدَ ماءً طاهِرًا يَسْتَغْنِي عن شُرْبِه، أشْبَهَ ما لو كان الكلَّ طاهِرًا. ولنا، أنَّه لا يَقْدِرُ على ما يَجُوزُ شُرْبُه والوُضُوءُ به إلَّا الطّاهِرَ، فجازَ له حَبْسُه لشُرْبِه، كما لو انْفَرَدَ. وإن وَجَدهُما وهو عَطْشانُ، شَرِب الطّاهِرَ، وأراقَ النَّجِسَ إذا اسْتَغْنَى عنه، سَواءٌ كان في الوَقْتِ أو قبلَه. وقال بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: إن كان في الوَقْتِ شَرِب النَّجسَ؛ لأنَّ الطّاهِرَ مُسْتَحِقٌّ للطهارةِ، فهو كالمَعْدُومِ. ولا يَصِحُّ، لَأنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرامٌ، وإنَّما يَصِيرُ الطّاهِرُ مُسْتَحِقًّا. للطهارةِ إذا اسْتَغْنَى عن شُرْبِه، وهذا غَيرُ مُسْتَغْنٍ عن شُرْبِه، فوُجُودُ النَّجِسِ كعَدَمِه.

168 - مسألة؛ قال: (أو خشية على [نفسه أو]

أَوْ خَشْيَةً عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 168 - مسألة؛ قال: (أو خَشْيَةً على [نَفْسِه أو] (¬1) مالِه في طَلَبِه) متى خاف على نَفْسِه، أو مالِه في طَلَبِ الماءِ، كمَن بينَه وبينَ الماءِ سَبُعٌ أو عَدُوٌّ، أو حَرِيقٌ، أو لِصٌّ، فهو كالعادِمِ؛ لأنَّه خائِفٌ للضَّرَرِ باسْتِعْمالِه أو التَّلَفِ، فهو كالمَرِيضِ. ولو كان الماءُ بمَجْمَعِ الفُسّاقِ، تَخافُ المرأةُ على نَفْسِها منهم، فهي كالعادِمَةِ. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن هذه المسألةِ. وقال ابنُ أبي موسى: تَتَيَمَّمُ، ولا إعادَةَ عليها في أصَحِّ الوَجْهَين. قال شَيخُنا (¬2): والصَّحِيحُ جَوازُ التَّيَمُّمِ لها، وَجْهًا واحِدًا، ولا إعادَةَ ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) انظر: المغني 1/ 316.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليها، بل لا يَحِلُّ لها الخُرُوجُ إلى الماء؛ لِما فيه من التَّعَرُّضِ للزِّنَى، وهَتْكِ نَفْسِها وعِرضها، وتَنْكِيسِ رُؤُوسِ أَهْلِها، ورُبَّما أفْضَى إلى قَتْلِها، وقد أُبِيحَ لها التَّيَمُّمُ حِفْظًا للقَلِيلِ مِن مالِها المُباحِ لها بَذْلُه، وحِفْظَ نَفْسِها مِن زِيادَةِ مَرَضٍ، أو تباطُؤِ بُرْءٍ، فههُنا أوْلَى. وكذلك إن كان يَخافُ إذا ذَهَب إلى الماءِ شُرُودَ دابَّتِه، أو سَرِقَتَها، أو يَخافُ على أهْلِه لِصًّا، أو سَبُعًا، فهو كالعادِمِ؛ لِما ذَكَرْنا. فإن كان خَوْفُه جُبْنًا، لا عن سَبَبٍ يُخافُ مِن مِثْلِه، كالذي يَخافُ باللَّيلِ وليس شيءٌ يُخافُ منه، لم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال شَيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن يُباحَ له التَّيَمُّمُ ويُعِيدَ، إِذا اشْتَدَّ خَوْفُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الخائِفِ لسَبَب. ومَن كان خَوْفُه لسَبَبٍ ظَنَّه، مِثْلَ مَن رَأى سَوادًا ظَنَّه عَدُوًّا، فتَبَيَّنَ أنَّه ليس بعَدُوٍّ، أو رَأى كَلْبًا فظَنَّه نَمِرًا، فتَيَمَّمَ وصَلَّى، فبانَ خِلافُه، فهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن عُهْدَتِه. والثاني، تَلْزَمُه؛ لأنَّه تَيَمَّمَ مِن غيرِ سَبَبٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، أشْبَهَ مَن نَسِيَ الماءَ بمَوْضِعٍ يُمْكِنُه اسْتِعْمالُه. ¬

(¬1) في الموضع السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن كان مَرِيضًا لا يَقدِرُ على الحَرَكَةِ، ولا يَجِدُ مَن يُناولُه الماءَ، فهو كالعادِمِ. قاله ابنُ أبي موسى. وهو قولُ الحسنِ؛ لأنَّه لا سَبِيلَ له إلى الماءِ، أَشْبَهَ مَن وَجَدَه في بِئرٍ ليس له ما يَسْتَقِى به [منها. وإن وَجَد مَن يُناولُه قبلَ خُرُوجِ الوَقْتِ، فهو كالواجِدِ في الحالِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن يَجِدُ ما يَسْتَقِي به] (¬1) في الوَقْتِ. وإن خاف خُرُوجَ الوَقْتِ قبلَ مَجِيئِه، فقال ابنُ أبي موسى والحسنُ: له التَّيَمُّمُ، ولا إعادةَ عليه. لأنَّه عادِمٌ في الوَقْتِ، أشْبَهَ العادِمَ مُطْلَقًا، ويَحْتَمِلُ أن يَنْتَظِرَ مَجِئَ مَن يُناولُه؛ لأنَّه حاضِرٌ يَنْتَظِرُ حُصُولَ الماءِ، أَشْبَهَ المُشْتَغِلَ باسْتِقاءِ الماءِ وتَحْصِيلِه. ¬

(¬1) سقط من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا وَجَد بِئْرًا، وقَدَر على النُّزُولِ إلى مائِها مِن غيرِ ضَرَرٍ، أو الاغْتِرافِ بشيءٍ أو ثَوْبٍ يَبُلُّه ثم يَعْصِرُه، لَزِمَه ذلك وإن خاف فَوْتَ الوَقْتِ؛ لأنَّ الاشْتِغال به كالاشْتِغالِ بالوُضُوءِ. وحُكْمُ مَن في السَّفِينَةِ في الماءِ، كحُكْمِ واجِدِ البِئْرِ، إن لم يُمْكِنْه الوُصُولُ إلى الماءِ إلَّا بمَشَقَّةٍ، أو تَغْرِيرٍ بالنَّفْسِ، فهو كالعادِمِ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ. [وإذا كان الماءُ مَوْجُودًا، إلَّا أنَّه إنِ اشْتَغَلَ بتَحْصِيله واسْتِعْمالِه فات الوَقْتُ، لم يُبَحْ له التَّيَمُّمُ، سَواءٌ كان حاضِرًا أو مُسافِرًا، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ، أنَّه يَتَيَمَّمُ. رَواه عنهما الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ (¬1). ورُوي عن مالكٍ وابنِ أبي ذِئْبٍ (¬2)، كقَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لقولِه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (¬3). وهذا واجِدٌ، ولقَوْلِه، عليه السَّلامُ: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» (¬4). ولأنَّه قادِرٌ على الماءِ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ، كما لو لم يَخَفْ فَوْتَ الوَقْتِ] (¬5). ¬

(¬1) أبو العباس الوليد بن مسلم، محدث الشام، صنف التصانيف، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائة. العبر 1/ 319. (¬2) أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة القرشي، ابن أبي ذئب، من فقهاء التابعين بالمدينة، توفي سنة تسع وخمسين ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 67. (¬3) من الآية 43 من سورة النساء، والآية 6 من سورة المائدة. (¬4) تقدم تخريجه في 1/ 57. (¬5) زيادة من: «م».

169 - مسألة؛ قال: (أو تعذره إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله، أو ثمن يعجز عن أدائه)

أَوْ تَعَذُّرِهِ إلا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 169 - مسألة؛ قال: (أو تَعَذُّرِه إلَّا بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه، أو ثَمَنٍ يَعْجِزُ عن أدائِه) وجُمْلَتُه، أنَّه متى وَجَد ماءً بثَمَنِ مِثْلِه في مَوْضِعِه، لَزِمَه شِراؤُه إذا قَدَر على الثَّمَنِ مع اسْتِغْنائِه عنه، لقُوتِه ومُؤْنَةِ سَفَرِه؛ لأنَّه قادِرٌ على اسْتِعْمالِه مِن غيرِ ضَرَرٍ. وكذلك إن كانتِ الزِّيادَةُ يَسِيرةً لا تُجْحِفُ بمالِه. ذَكَرَه أبو الخَطّاب؛ لِما ذَكَرْنا. وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه شِراوُّه مع الزِّيادَةِ، قَلِيلَةً كانت أَو كَثِيرَةً؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في الزِّيادَةِ، أشْبَهَ ما لو خاف لِصًّا يَأْخُذُ مِن مالِه ذلك المِقْدارَ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. وهذا واجِدٌ، فإِنَّ القُدْرَةَ على ثَمَنِ العَينِ كالْقُدْرَةِ على العينِ، في المَنْعِ مِن الانْتِقالِ إلى البَدَلِ، كما لو بِيعَتْ بثَمَنِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِثْلِها؛ لأنَّ ضَرَرَ المالِ دُونَ ضَرَرِ النَّفْسِ، وقد قالوا في المَرِيضِ: يَلْزَمُه الغُسْلُ ما لم يَخَفِ التَّلَفَ. فتَحَمُّلُ الضَّرَرِ اليَسِيرِ في المالِ أحْرَى. وما ذَكَرُوه مِن الدَّلِيلِ يَبْطُلُ بما إذا كان بثَمَنِ المِثْلِ، فإن كان عاجِزًا عن الثَّمَنِ، فهو كالعادِمِ؛ [لأنَّهْ عاجِزٌ عن اسْتِعْمالِ الماءِ. وإن بُذِلَ له ثَمَنُه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأَنَّ فيه مِنَّةً. فأمّا إن وُهِبَ له ماءٌ، لَزِمَه قَبُولُه] (¬1)، لأنَّه قادِرٌ على اسْتِعمالِ الماءِ، ولا مِنَّةَ في ذلك في العادَةِ. فأمّا إن كانتِ الزِّيادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بمالِه، لم يَلْزَمْه شِراؤُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا كَثِيرًا، وإن كانت كثيرةً لا تُجْحِفُ يمالِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه شِراؤُه، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، قادِرٌ عليه مِن غيرِ إجْحافٍ بمالِه، فلَزِمَه اسْتِعْمالُه، للآيَةِ، وكما لو كانتِ الزِّيادَةُ يَسِيرَةً. والثاني، لا يَلْزَمُه، لأنَّ فيه ضَرَرًا، ولِما ذَكَرْنا في الزِّيادَةِ اليَسِيرَةِ. ¬

(¬1) سقط من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن بُذِلَ له بثَمَنِ في الذِّمَّةِ يَقْدِرُ على أدائِه في بَلَدِه، فقال القاضي: يَلْزَمُه شِراؤُه، لأنَّه قادِرٌ على أخْذِه بما لا مَضَرَّةَ فيه. وقال الآمِدِيُّ: لا يَلْزَمُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّينِ في ذِمَّتِه، ورُبَّما تَلِفَ مالُه قبلَ أدَائِه. وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى. وإن لم يَكُنْ له في بَلَدِه ما يُؤدِّي ثَمَنَه، لم يَلْزَمْه شِراؤُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا. وإن لم يَبْذُلْه له، وكان فاضِلًا عن حاجَتِه، لم يَجُزْ له أخْذُه منه قَهْرًا؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ لا تَدْعُو إليه، ولأنَّ هذا له بَدَلٌ، وهو التَّيَمُّمُ، بخِلافِ الطَّعامِ في المَجاعَةِ.

170 - مسألة: (فإن كان بعض بدنه جريحا، تيمم له وغسل الباقي)

فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا تَيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ الْبَاقِيَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 170 - مسألة: (فإن كان بَعْضُ بَدَنِه جَرِيحًا، تَيَمَّمَ له وغَسَل الباقِيَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الجَرِيحَ والمَرِيضَ إذا أمْكَنَه غَسْلُ بَعْضِ بَدَنِه دُونَ بعضٍ، لَزِمه غَسْلُ ما أمْكَنَه غَسْلُه، وتَيَمَّمَ للباقِي. وهو قَوْلُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ ومالكٌ: إن كان أكثَرُ بَدَنِه صَحِيحًا، غَسَلَه ولا يَتَيَمَّمُ، وإن كان أكثرُه جَرِيحًا، تَيَمَّمَ ولا غُسْلَ عليه؛ لأنَّ الجَمْعَ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ لا يَجِبُ، كالصِّيامِ والإِطْعامِ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: خَرَجْنا في سَفَرٍ، فأصابَ رَجُلًا مِنّا شَجَّةٌ في وَجْهِه، ثم احْتَلَمَ، فسأل أصْحابَه: هل تَجِدُونَ لي رُخْصَةً في التَّيَمُّمِ؟ قالوا: ما نَجِدُ لك رُخْصَةً، وأنت تَقْدِرُ على الماءِ. فاغْتَسَلَ، فمات، فلَمّا قَدِمْنا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْبِرَ بذلك، فقال: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللهُ، ألَّا سَألُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فإنَّمَا شِفَاءُ الْعيِّ السُّؤّالُ، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصبَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيهِ، ثُمَّ يَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّها شَرْطٌ مِن شَرائِطِ الصلاةِ، فالعَجْزُ عن بَعْضِها لا يُسْقِطُ جَمِيعَها، كالسِّتارَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالمَسْحِ على الخُفَّين مع غَسْلِ بَقِيَّةِ الأعْضاءِ. فأمّا الذي قاسُوا عليه، فإنَّه جَمْعٌ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في مَحلِّ ¬

(¬1) في: باب في المجروح يتيمم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 82.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ واحِدٍ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَمّا لم يُصِبْه الماءُ (¬1). وكلُّ ما لا يُمْكِنُ غَسْلُه مِن الصَّحِيحِ إلَّا بانْتِشارِ الماءِ إلى [الجَرِيحِ، حُكْمُه حُكْمُ الجَرِيحِ، فإِن لم يُمْكِنْه ضَبْطُه، وقَدَر أن يَسْتَنِيبَ مَن يَضْبِطُه، لَزِمَه ذلك، فإن] (¬2) عَجَز تَيَمَّم، وصَلَّى، وأجْزأه، لأنَّه عَجَز عن غَسْلِه، فأجْزأه التَّيَمُّم عنه، كالجَرِيحِ. فصل: ولا يَلْزَمُه أن يَمْسَحَ على الجُرْحِ بالماءِ إذا أمْكَنَه ذلك، سَواءٌ كان مَعْصُوبًا أوْ لا. هذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. وقال ابنُ عَقِيل: نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ صالِحٍ، في المَجْرُوحِ إذا خاف: مَسَح مَوْضِعَ الجُرْحِ، وغَسَلَ ما حَوْلَه. لقَوْلِه - عليه السلام -: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (¬3). لأنَّه عَجَز عن غَسْلِهَ، وقَدَر على مَسْحِه، وهو بَعْضُ ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) سقط من: «الأصل». (¬3) أخرجه البخاري، في: باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الاعتصام. صحيح البخاري 9/ 117. ومسلم، في: باب فرض الحج مرة في العمر، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 975. والنسائي، في: باب وجوب الحج، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 83. وابن ماجه، في: باب اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 1. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 247، 258، 313، 314، 355، 448، 457، 467، 482، 495، 508.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الغَسْلِ، فوَجَبَ الإِتْيانُ بما قَدَر عليه، كمَن عَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقَدَر على الإِيماءِ. ووَجْهُ القوْلِ الأوَّلِ؛ أنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ المَسْحِ والتَّيَمُّمِ، كالجَبِيرَةِ، فإذا قُلْنا: يَجِبُ المَسْحُ على مَوْضِعِ الجُرْحِ، فهل يَتَيَمَّمُ معه؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهُما، لا يَتَيَمَّمُ، كالجُرْحِ المَعْصُوبِ عليه، والجَبِيرَةِ على الكَسْرِ. والثانيةُ، عليه التَّيَمُّمُ؛ لأنَّ المَسْحَ بَعْضُ الغَسْلِ، فيَجِبُ أن يَتَيَمَّمَ للباقِي. ويُفارِقُ هذا الجَبِيرَةَ؛ لأنَّ الفَرْضَ فيها انْتَقَلَ إلى الحائِلِ، فهي كالخُفَّينِ. فصل: فإن كانت جميعُ أعْضاءِ الوُضُوءِ قَرِيحَةً، تَيَمَّمَ لها، فإن لم يُمْكِنْه التَّيَمُّمُ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه، وفي الإِعادةِ رِوايَتان، كمَن عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا كان الجَرِيحُ جُنُبًا فهو مُخَيِّرٌ، إن شاء قَدَّمَ التَّيَمُّمَ على الغُسْلِ، وإن شاء أخَّرَه، بخِلافِ ما إذا كان التَّيَمُّمُ لعَدَمِ ما يَكْفِيه لطَهارَتِه، فإنَّه يَلْزَمُه اسْتِعْمالُ الماءِ أوَّلًا، لأنَّ التَّيَمُّمَ للعَدَم، ولا يَتَحَقَّقُ مع وُجُودِ الماءِ، وههُنا التَّيَمُّمُ للعَجْزِ، وهو مُتَحَقِّقٌ على كلِّ حالٍ. ولأنَّ الجَرِيحَ يَعْلَمُ أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن غَسْلِ الجُرْحِ، والعادِمُ لا يَعْلَمُ القَدْرَ الذي يَتَيَمَّمُ له إلَّا بعدَ اسْتِعْمالِ الماءِ، فلَزِمَه تَقْدِيمُ اسْتِعْمالِه. وإن كان الجَرِيحُ يَتَطَهَّرُ للحَدَثِ الأصْغَرِ، فذَكَرَ القاضي أنَّه يَلْزَمُه الترتِيبُ، فيَجْعَلُ التَّيَمُّمَ في مَكانِ الغَسْلِ الذي يَتَيَمَّمُ بَدَلًا عنه. فإن كان الجُرْحُ في الوَجْهِ، بحيث لا يُمْكِنُه غَسْلُ شيءٍ منه، تَيَمَّمَ أوَّلًا، ثم أتمَّ الوُضُوءَ. وإن كان في بَعْضِ وَجْهِه خُيِّر بينَ غَسْلِ الصَّحِيحِ مِنه ثم يَتَيَمَّمُ وبينَ التَّيَمُّمِ، ثم يَغْسِلُ صَحِيحَ وَجْهِه ويُتِمُّ الوُضُوءَ. وإن كان الجُرْحُ في عُضْوٍ آخَرَ، لَزِمَه غَسْلُ ما قَبْلَه، ثم كان فيه على ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ. وإن كان في وَجْهِه ويَدَيه ورِجْلَيه، احْتاجَ في كلِّ عُضْوٍ إلى تَيَمُّمٍ في مَحَلِّ غَسْلِه، ليَحْصُلَ التَّرتِيبُ، ولو غَسَل صَحِيحَ وَجْهِه، ثم تَيَمَّم له وليَدَيه تَيَمُّمًا واحِدًا، لم يُجْزِه؛ لأنَّه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُؤَدِّي إلى سُقُوطِ الفَرْضِ عن جُزْءٍ مِن الوَجْهِ واليَدَين في حالٍ واحِدَةٍ. فإن قِيل: هذا يَبْطُلُ بالتَّيَمُّمِ عن جُمْلَةِ الطهارةِ، [حيث يَسْقُطُ الفَرْضُ عن جميعِ الأعْضاءِ جُمْلَة واحِدَةً. قُلْنا: إذا كان عن جُمْلَةِ الطهارةِ] (¬1)، فالحُكْمُ له دُونَها، وإن كان عن بَعْضِها، نابَ عن ذلك البَعْضِ، فاعْتُبِر فيه ما يُعْتَبَرُ فيما يَنُوبُ عنه مِن الترتِيب. قال شَيخُنا (¬2): ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ هذا التَّرتِيبُ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طهارة مُفْرَدَة، فلا يَجِبُ الترتِيبُ بينَها وبينَ الطهارةِ الأُخْرَى،؛ لو كان الجَرِيحُ جُنُبًا، ولأنَّه تَيَمَّمَ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ، فلم (¬3) يَجِبْ أن يَتَيَمَّمَ عن كلِّ عُضْوٍ في مَوْضِع غَسْلِه، كما لو تَيَمَّمَ عن جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ولأنَّ فيه حَرَجًا، فيَنْدَفِعُ بقَوْلِه تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬4). وحَكَى الماوَرْدِيُّ (¬5)، عن مَذْهَبِ الشافعيِّ مِثْلَ هذه، وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ (¬6) عنه مِثْلَ القَوْلِ الأوَّلِ. والله تعالى أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: «الأصل». (¬2) انظر: المغني 1/ 338. (¬3) في م: «فلا». (¬4) سورة الحج 78. (¬5) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي، إمام جليل الشأن، وهو صاحب «الحاوي» و «أدب الدنيا والدين» و «الأحكام السلطانية»، توفي سنة خمسين وأربعمائة. طبقات الشافعية الكبرى 5/ 267 - 285. (¬6) أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، ابن الصباغ، الشافعي، صاحب «الشامل» في فقه الشافعية، و «الكامل» في الخلاف بين الشافعية والحنفية، توفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة. طبقات الشافعية الكبرى 5/ 122 - 134.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن تَيَمَّمَ الجَرِيحُ لجُرْحٍ في بعضِ أعْضائِه، ثم خَرَج الوَقْتُ، بَطَل تَيَمُّمُه، ولم تَبْطُلْ طَهارَتُه بالماءِ إن كان غُسْلًا للجَنابَةِ أو نَحْوها؛ لأنَّ الترتِيبَ والمُوالاةَ غيرُ واجِبَين فيها. وإن كانت وُضُوءًا، وكان الجُرْحُ في وَجْهِه، فإن قُلْنا: يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَ التَّيَمُّمِ والوُضُوءِ. بَطَل الوُضوءُ ههُنا؛ لأنَّ طهارةَ العُضْو الذي نابَ التَّيَمُّمُ عنه بَطَلَتْ، فلو لم يَبْطُلْ [ما بعدَه لتَقَدَّمَتْ طهارةُ ما بعدَه عليه، فيَفُوتُ التَّرتِيبُ. فإن قُلْنا: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ. لم يَبْطُلِ] (¬1) الوُضُوءُ، ويجوزُ (¬2) له التَّيَمُّمُ لا غيرُ. وإن كان الجُرْحُ في رِجْلَيه، فعلى قَوْلِنا: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ. لا تَجِبُ المُوالاةُ بينَهما أيضًا، وعليه التَّيَمُّمُ وَحْدَه. وإن قُلْنا: يَجِسبُ التَّرْتِيبُ. فيَنْبَغِي أن يُخَرَّجَ وُجُوبُ المُوالاةِ ههُنا على وُجُوبِها في الوُضُوءِ، وفيها رِوايَتان؛ فإن قُلْنا: تَجِبُ في الوُضُوءِ. بَطَل الوُضُوءُ ههُنا؛ لفَواتِها، وإن قُلْنا: لا تَجِبُ. كَفاه التَّيَمُّمُ وَحْدَه، قال شَيخُنا (¬3): ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ المُوالاةُ بينَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ وَجْهًا واحِدًا، لأنَّهُما. طَهارَتان، فلم تَجِبِ المُوالاةُ بَينَهما، كسائِرِ الطَّهاراتِ، ولأنَّ في إيجابِها حَرَجًا، فيَنْتَفِي بقَوْلِه تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. ¬

(¬1) سقط من: «الأصل». (¬2) في م: «جوز». (¬3) انظر: المغني 1/ 338.

171 - مسألة؛ قال: (وإن وجد فاء يكفي بعض بدنه، لزمه استعماله، وتيمم للباقي إن كان جنبا. وإن كان محدثا، فهل يلزمه استعماله؟ على وجهين)

وَإنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 171 - مسألة؛ قال: (وإن وَجَدَ فاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِه، لَزِمَه اسْتِعْمالُه، وتَيَمَّمَ للباقِي إنْ كان جُنُبًا. وإن كان مُحْدِثًا، فهل يَلْزَمُه اسْتِعْمالُه؟ على وَجْهَين) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا وَجَد الجُنُبُ ماءً يَكْفِي بَعْضَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَدَنِه، لَزِمَه اسْتِعْمالُه، وتَيَمَّمَ للباقِي. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن وَجَد ماءً يَكْفِيه لوُضُوئِه وهو جُنُبٌ، قال: يَتَوَضَّأُ، ويَتَيَمَّمُ. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذرِ،. والقَوْلُ الثاني للشافعي: يَتَيَمَّمُ ويَتْرُكُهُ، لأنَّ هذا الماءَ لا يُطَهِّرُه، فلم يَلْزَمْه اسْتِعْمالُه، كالمُسْتَعْمَلِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. وخَبَرُ أبي ذَرٍّ (¬1)، شَرَط في التَّيَمُّمِ عَدَمَ الماءِ. وقَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أمَرتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». رَواه البُخارِيُّ (¬2). ولأنَّه وَجَد ما يُمْكِنُه اسْتِعْمالُه في بَعْضِ جَسَدِه، أشْبَهَ ما لو كان أكثَرُ جَسَدِه صَحِيحًا وباقِيه جَرِيحًا؛ ولأنَّه قَدَر على بَعْضِ الشَّرْطِ، فلَزِمَه؛ كالسُّتْرَةِ، وإزالةِ النَّجاسَةِ، والحُكْمُ الذي ذَكَرُوه في المُسْتَعْمَلِ مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّم؛ فلأنَّه لا يُطَهِّرُ شيئًا منه، بخِلافِ هذا. ويجِبُ عليه اسْتِعْمالُ الماءِ قبلَ التَّيَمُّم؛ ليَتَحَقَّقَ العَدَمُ، وقد ذَكَرْناه. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 166، 182. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 188.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن وَجَدَه المُحْدِثُ الحَدَثَ الأصْغَرَ، فهل يَلْزَمُه استعمالُه؟ على وَجْهَين، أحَدُهما، يَلْزَمُه اسْتِعْمالُه. اخْتارَه القاضي، لِما ذَكَرْنا في الجُنُبِ، وكما لو كان بَعْضُ بَدَنِه صَحِيحًا، وبَعْضُه جَرِيحًا. والثاني، لا يَلْزَمُه، لأنَّ المُوالاةَ شَرْطٌ فيه، فإذا غَسَل بَعْضَ الأعْضاءِ دُونَ بعضٍ، لم يُفِدْ، بخِلافِ الجَنابَةِ. وكذلك لو وَجَد الماءَ في الجَنابَةِ، أجْزأه غَسْلُ ما لم يَغْسِلْه فقط، وفي الحَدَثِ الأصْغَرِ يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الطهارةِ، وفارَقَ ما إذا كان بَعْضُ أعْضائِه صَحِيحًا وبعْضُه جَرِيحًا، لأنَّ العَجْزَ ببعضِ البَدَنِ يُخالِفُ العَجْزَ ببعضِ الواجِبِ، لأنَّ مَن بَعْضُه حُرٌّ إذا مَلَك بجُزْئِه الحُرِّ رَقَبَةً لَزِمَه إعْتاقُها في كَفَّارَتِه، ولو مَلَك الحُرُّ بَعْضَ رَقَبَةٍ لم يَلْزَمْه إعْتاقُه. وللشافعيِّ قَوْلان كَهذَين. والصَّحِيح أنَّه يَلْزَمُه اسْتِعْمالُه، لِما ذَكَرْنا مِن

172 - مسألة، قال: (ومن عدم الماء لزمه طلبه في رحله، وما

ومَن عَدِم الماءَ لَزِمَه طَلَبُه في رَحْلِه، ـــــــــــــــــــــــــــــ الأدِلَّةِ فيما إذا كان جُنُبًا قِياسًا عليه، وكما لو كان بَعْضُ أعْضائِه صَحِيحًا، وما ذَكَرُوه؛ مِن أنَّ العَجْزَ ببَعْضِ الواجِبِ يُخالِفُ العَجْزَ ببعضِ البَدَنِ، يَبْطُل بالجُنُبِ. وقَوْلُهم: إنَّه إذا وَجَد الماءَ في الحَدَثِ الأصْغَرِ، يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الطهارةِ. قُلْنا: هذا لا يَمْنَعُ وُجُوبَ اسْتِعْمالِ الماءِ، كالجَرِيحِ. وإن مَنَعُوا ذلك ثَمَّ، فهذا في مَعْناه. واللهُ أعلمُ. وإن قُلْنا: لا تَجِبُ المُوالاةُ في الوُضُوءِ. فهو كالجُنُبِ سَواءٌ. 172 - مسألة، قال: (ومَن عَدِم الماءَ لَزِمَه طَلَبُه في رَحْلِه، وما

وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، فَإِنْ دُلَّ عَلَيهِ قَرِيبًا لَزِمَهُ قَصْدُهُ. وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ الطَّلَبُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ قَرُبَ منه، فَإِنْ دُلَّ عليه قَرِيبًا، لَزِمَه قَصْدُه. وعَنْه، لا يَجِبُ الطَّلَبُ) المَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، اشْتِراطُ طَلَبِ الماء؛ لصِحَّةِ التَّيَمُّمِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ورُوي عنه: لا يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ. وهو مذهبُ أَبي حنيفةَ؛ لقَوْلِه، عليه السَّلامُ: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» (¬1). ولأنَّه غيرُ واجِدٍ للماءِ قبلَ الطَّلَبِ، أشْبَهَ مَن طَلَب فلم يَجِدْ، ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. ولا ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 166.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُقالُ: لم يجدْ. إلَّا لمَن طَلَب؛ لجَوازِ أن يكُونَ بقُرْبِه ماءٌ لا يَعْلَمُه، ولأنَّه بَدَلٌ فلم يَجُزِ العُدُولُ إليه قبلَ طَلَبِ المُبْدَلِ، كالصيامِ في الظِّهارِ، ولأنَّه سَبَبٌ للصلاةِ (¬1) مُخْتَصٌّ بها، فلَزِمَه الاجْتِهادُ في طَلَبِه عندَ الإِعْوازِ، كالقِبْلَةِ. إذا ثَبَت هذا فصِفَةُ الطَّلَبِ أن يَطْلُبَ في رَحْلِه، وما قَرُب منه، وإن رَأى خُضْرَةً أو شَيئًا يَدُلُّ على الماءِ قَصَده فاسْتَبْرَأه، وإن كان بقُرْبِه رَبْوَةٌ أو شيءٌ قائِمٌ أتاه فطَلَبَ عندَه، ويَنْظرٌ وراءَه وأمامَه، وعن يَمِينِه وشِمالِه، وإن كانت له رُفْقَةٌ يُدِلُّ عليهم طَلَب منهم، وإن وَجَد مَن له خِبْرَةٌ بالمَكانِ سَألَه، فإن لم يَجِدْ تَيَمَّمَ، فإن دُلَّ على ماءٍ قَرِيبٍ لَزِمَه قَصْدُه، ما لم يَخَفْ على نَفْسِه أو مالِه، أو يَخْشَى فَواتَ رُفْقَتِه، ولم يَفتِ الوَقْتُ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ¬

(¬1) في م: «في الصلاة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإنَّما يكونُ الطَّلَبُ بعدَ الوَقْتِ، فإن طَلَب قبلَه، لَزِمَه إعادَةُ الطَّلَبِ بعدَه. ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه طَلَب قبلَ المُخاطَبَةِ بالتَّيمُّمِ، فلم يَسْقُطْ فَرْضُه، كالشَّفِيعِ إذا طَلَب الشُّفْعَةَ قبلَ البَيعِ. وإن طَلَب بعدَ الوَقْتِ، ولم يَتَيَمَّمْ عَقِيبَه، جاز التَّيَمُّمُ بعدَ ذلك مِن غيرِ تجْدِيدِ طَلَبٍ. فصل: إذا كان معه ماءٌ فأراقَه قبلَ الوَقْتِ، أو مَرَّ بماءٍ قبلَ الوقتِ، فتَجاوَزَه، وعَدِم الماءَ في الوَقْتِ، صَلَّى بالتَّيمُّمِ مِن غيرِ إعادَةٍ. وهو قَوْلُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشافعيِّ. وقال الأوْزاعِيُّ: إن ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُ الماءَ في الوَقْت، كقَوْلِنا (¬1)، وإلَّا صَلَّى بالتَّيَمُّمِ (¬2) وعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ. ولَنا، أنَّه لم يَجِبْ عليه اسْتِعْمالُه، أشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُ الماءَ في الوَقْتِ. فأمّا إن أراقَ الماءَ في الوَقْتِ، أو مَرَّ به في الوَقْتِ فلم يَسْتَعْمِلْه، ثم عَدِم الماءَ، تَيَمَّمَ وصَلَّى. وفي الإِعادَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُعِيدُ؛ لأنَّه صَلَّى بتَيَمُّمٍ صَحِيحٍ، فهو كما لو أراقَه قبلَ الوَقْتِ. والثاني، يُعِيدُ؛ لأنَّه وَجَبَتْ عليه الصلاةُ بوُضُوءٍ، وهو فَوَّتَ القُدْرَةَ على نَفْسِه، فبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، ¬

(¬1) زيادة من: تش. (¬2) بعده في م: «من غير إعادة كقولنا وإلا صلى بالتيمم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن وَهَبَه بعدَ دُخولِ الوَقْتِ لم تَصِحَّ الهِبَةُ. ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ الله تِعالى، فلم تَصِحَّ هِبَتُه، كالأُضْحِيَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ. والأوَّلُ أوْلَى. فإن تَيَمَّمَ مع بَقاءِ الماءِ لم يَصِحَّ تَيَمُّمُه، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، وإن تَصَرَّفَ فيه المَوْهُوبُ له (¬1)، فهو كما لو أراقَه، إلَّا أن يَهَبَه لمُحْتاجٍ إلى شُرْبِه مِن العَطَشٍ، وقد ذَكَرْناه. ¬

(¬1) سقطت من: الأصل.

173 - مسألة: (وإن نسى الماء بموضع يمكنه استعماله، وتيمم، لم يجزئه)

وَإِنْ نَسِي الْمَاءَ بِموْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ وَتَيَمَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 173 - مسألة: (وإن نَسِىَ الماءَ بمَوْضِعٍ يُمْكِنُه اسْتِعْمالُه، وتَيَمَّمَ، لم يُجْزِئْه) نَصَّ عليه أحمدُ، وقَطعَ أنَّه لا يُجْزِئُه، وقال: هذا واجِدٌ للماءِ. ورُوي عنه التَّوَقُّفُ في هذه المسأَلةِ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ. وهو آخِرُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئه. وعن مالكٍ كالمَذْهَبين. وعنه، أنَّه يُعِيدُ ما دام في الوَقْتِ؛ لأنَّه مع النِّسْيانِ غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ، أشْبَهَ العادِمَ. ولنا، أنَّها طهارةٌ تَجِبُ مع الذِّكْرِ، فلم تَسْقُطْ بالنِّسْيانِ، كما لو صَلَّى ناسِيًا لحَدَثِه، ثم ذَكر، أو صَلَّى الماسِحُ، ثم بان له انْقِضاءُ مُدَّةِ المَسْحِ قبلَ الصلاةِ، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ، وههُنا هو (¬1) مُفَرِّطٌ بتَرْكِ الطَّلَبِ. ¬

(¬1) سقطت من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن ضَلَّ عن رَحْلِه الذي فيه الماءُ، أو كان يَعْرِفُ بِئْرًا فضاعَتْ عنه، ثم وَجَدَها، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يكُونَ كالنَّاسِي. والصَّحِيحُ أنَّه لا إعادَةَ عليه. وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه ليس بواجدٍ للماءِ، فيَدْخُل في عُمُومِ قولِه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ولأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ، بخِلافِ النّاسِي. وإن كان الماءُ مع عَبْدِه، فنَسِيَه العبدُ حتى صَلَّى سَيِّدُه، احْتَمَلَ أن يكونَ كالنّاسِي، واحْتَمَل أن لا يُعِيدَ، لأنَّ التَّفْرِيطَ مِن غيرِه. فإن صَلَّى، ثم بأن أنَّه كان بقُرْبِه بِئْرٌ أو ماءٌ، فإن كانت أعْلامُه ظاهِرَةً، فعليه الإِعادَةُ، لأنَّه مُفَرِّطٌ، وإن كانت خَفِيَّةً، وطَلَب فلم يَجِدْها، فلا إعادَةَ عليه؛ لعَدَمِ التَّفْرِيطِ. واللهُ أعلمُ.

174 - مسألة: (ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح تضره إزالتها)

وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لجَمِيعِ الْأَحدَاثِ، وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ تَضُرُّهُ إِزَالتُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 174 - مسألة: (ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ لجَميعِ الأحْداثِ، وللنَّجاسَةِ على جُرْحٍ تَضُرُّه إزالتُها) يجُوزُ التَّيَمُّمُ للحَدَثِ الأصْغَرِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إذا وُجِدَتِ الشَّرائِطُ، لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ. ويَجُوزُ للجَنابَةِ، في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عليٌّ، وابنُ عباسٍ، وعَمْرُو بنُ العاصِ، وأبو موسى الأشْعَرِيُّ، وعَمّارٌ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي. وكان ابنُ مسعودٍ لا يَرَى التَّيَمُّمَ للجُنُبِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ورُوِيَ نَحْوُه عن عُمَرَ (¬1)، رَضِي اللهُ عنهما. والدَّلِيلُ على إباحَتِه ما رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا مُعْتَزِلًا، لم يُصَلِّ مع القَوْمِ، فقال: «يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ»؟ فقال: أصابَتْنِي جَنابَةٌ، ولا ماءَ. فقال: «عَلَيكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وحَدِيثُ أبي ذَرٍّ (¬3)، وعَمْرِو بنِ العاصِ (¬4)، وحديث صاحِبِ الشَّجَّةِ (¬5)، ولأنَّه حَدَثٌ أشْبَهَ الحَدَثَ الأصْغَرَ. وحُكْمُ الحائِضِ إذا انْقَطع دَمُها حُكْمُ الجُنُبِ. فصل: ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ للنَّجاسَةِ على بَدَنِه إذا عَجَز عن غَسْلِها؛ لخَوْفِ الضَّرَرِ، أو لعَدَمِ (¬6) الماءِ، قال أحمدُ: هو بمنزِلَةِ الجُنُبِ، يَتَيَمَّمُ. رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن الحسنِ. وقال الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يَمْسَحُها بالتُّرابِ ويُصَلِّي، لأنَّ طهارةَ النَّجاسَةِ إنَّما تكُونُ في مَحَلِّ النَّجاسةِ دُونَ غيره. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا يَتَيَمَّمُ للنَّجاسَةِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد بالتَّيَمُّمِ للحَدَثِ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ ليس في مَعْناه؛ لأنَّ الغَسْلَ إنَّما يكونُ ¬

(¬1) في الأصل: «ابن عمر». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، وباب حدثنا عبدان، من كتاب التيمم. صحيح البخاري 1/ 93، 96. ومسلم، في: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 474. كما أخرجه النسائيُّ، في: باب التيمم بالصعيد، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 139. والدارمي، أي: باب التيمم، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 190. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 434. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 166. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 173. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 187. (¬6) في م: «عدم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في مَحَلِّ النَّجاسَةِ دُون غيرِه، ولأنَّ مَقْصُودَ الغَسْلِ إزالةُ النَّجاسَةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَّيَمُّمِ. ووجْهُ الأوَّلِ، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» (¬1). وقَوْلُه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (¬2). ولأنَّها طهارةٌ في البَدَنِ تُرادُ للصلاةِ، فجاز لها التَّيَمُّمُ قِياسًا على الحَدَثِ. ويُفارِقُ الغَسْلُ التَّيَمُّمَ؛ فإنَّه في طهارةِ الحَدَثِ يُؤْتَى به في غيرِ مَحَلِّه، فيما إذا تَيَمَّمَ لجُرْحٍ في رِجْلِه، بخِلافِ الغَسْلِ. قَوْلُهم: لم يَرِدْ به الشَّرْعُ. قُلْنا: هو داخِلٌ في عُمُومِ الأخْبارِ. إذا ثَبَت هذا، فتَيَمَّمَ وصَلَّى، فهل تَلْزَمُهْ الإِعادَةُ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تجِبُ عليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به. والثانيةُ، تجبُ عليه؛ لأنَّه صلَّى مع النَّجاسَةِ، أشْبَهَ إذا لم يَتَيَمَّمْ. واخْتارَ أبو الخَطّابِ وُجوب الإِعادةِ فِيما إذا تَيَمَّمَ لعَدَمِ الماءِ، بخِلافِ ما إذا كانتِ النَّجاسَةُ على جُرْحٍ؛ لأنَّه خائِفٌ للضَّرَرِ باسْتِعْمالِ الماءِ، أشْبَهَ المَرِيضَ. وقال أصحابُنا: لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ فيهما؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «التُّرَابُ كَافيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ». وقِياسًا على طهارةِ الحَدَثِ، وكما لو تَيَمَّمَ للنَّجاسَةِ على الجُرْحِ عندَ أبي الخَطّابِ. فأمّا إن كانتِ النَّجاسَةُ على ثَوْبِه، لو يَتَيَمَّمْ لها؛ لأنَّ التَيّمَّمَ طهارةٌ في البَدَنِ، فلا تَنُوبُ عن غيرِ البَدَنِ، كالغَسْلِ. فصل: إذا ثبت أنه تيمم للنجاسة، فقال القاضي: يحتمل أن لا يحتاج ¬

(¬1) أخرجه الترمذي، في: باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 192. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 180. وانظر المغني 1/ 19. (¬2) تقدم تخريجه في 1/ 34.

وَإنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيهِ، إلا عِنْدَ أَبي الْخَطَّابِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ إلى نِيَّةٍ، لأنَّ غَسْلَها لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، كذلك التَّيَمُّمُ لها، وقِياسًا على الاسْتِجْمارِ. قال ابنُ عَقِيل: ويَحْتَمِلُ أنْ يُشْتَرَطَ، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (¬1). ولأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ حُكْمِيَّةٌ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ بالماءِ طهارةٌ عَينِيَّةٌ، فجاز أن تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ في الحُكْمِيَّةِ دُونَ العَينِيَّةِ؛ لِما بَينَهما مِن الاخْتِلافِ. فصل: وإن اجْتَمَعَ عليه نَجاسَةٌ وحَدَثٌ، ومعه ماءٌ يَكْفِي أحَدَهما حَسْبُ، قَدَّمَ غَسْلَ النَّجاسَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوي عن سُفْيانَ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّ التَّيَمُّمَ للحَدَثِ ثابِتٌ بالإِجْماعِ، والتَّيَمُّمُ للنَّجاسَةِ مُخْتَلَفٌ فيه. وإن كانتِ النَّجاسَةُ على ثَوْبِه، قَدَّمَ غَسْلَها، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ. وحُكِي عن أحمدَ، أنَّه يَدَعُ الثَّوْبَ ويَتَوَضَّأُ، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، والوُضوءُ أشَدُّ مِن الثَّوْبِ. وحَكاه أبو حنيفةَ، عن حَمّادٍ في الدَّم. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذَكَرْنا، ولأنَّه إذا قُدِّمَتْ نَجاسَةُ البَدَنِ مع أنَّ للتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا، فتَقْدِيمُ طهارةِ الثَّوْبِ وليس له فيها مَدْخَلٌ أوْلَى. وإنِ اجْتَمَعَ نَجاسَةٌ على الثَّوْبِ، ونجاسةٌ على البَدَنٍ، غَسَل الثَّوْبَ، وتَيَمَّمَ لنَجاسَةِ البدنِ، لأنَّ للتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 151.

175 - مسألة: (وإن تيمم في الحضر خوفا من البرد وصلى، ففي وجوب الإعادة روايتان)

وَإنْ تَيَمَّمَ في الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ وَصَلَّى، فَفِي وُجُوبِ الإعَادَةِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 175 - مسألة: (وإن تَيَمَّم في الحَضَرِ خَوْفًا مِن البَرْدِ وصَلَّى، ففي وُجُوبِ الإِعادَةِ رِوايَتان) إحْداهُما؛ تجبُ عليه الإِعادَةُ؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّ الحَضَرَ مَظِنَّةُ إسْخانِ الماءِ، ودُخُولِ الحَمّاماتِ، فهو عُذْرٌ نادِرٌ، بخِلافِ السَّفَرِ. والثانيةُ، لا إعادَةَ عليه، لأنَّه خائِفٌ، أشْبَهَ المَرِيضَ والمُسافِرَ.

176 - مسألة: (فإن عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله)

وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرابَ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 176 - مسألة: (فإن عَدِم الماءَ والتُّرابَ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه) في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ الشافعيِّ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّه لا يُصَلِّي حتى يَقْدِرَ على أحَدِهما. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والْأوزاعِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّها عِبادَة لا تُسْقِطُ القَضاءَ، فلم تَجِبْ، كصِيامِ الحائِضِ. وقال مالكٌ: لا يُصَلِّي، ولا يَقْضِي؛ لأنَّه عَجَز عن الطهارةِ، فلم تَجِبْ عليه الصلاةُ، كالحائِضِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذه رِوايَة مُنْكَرَةٌ عن مالكٍ. وذَكَر عن أصحابِه قَوْلَين؛ أحَدُهما كقَوْلِ أبي حنيفةَ. والثّاني، يُصَلِّي

وَفِي الإعَادَةِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُعِيدُ. ولَنا، ما روَى مسلمٌ في «صَحِيحِه» (¬1)، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث أُناسًا لطَلَب قِلادَةٍ أضَلَّتْها عائشةُ، فحَضَرتِ الصلاةُ، فصَلَّوْا بغيرِ وُضُوءٍ، فأتَوْا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرُوا ذلك له، فنَزَلَتْ آيةُ التَّيَمُّم، ولم يُنْكِرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولا أمَرَهم بإعادَةٍ، فدَلَّ على أنَّها غيرُ واجِبَةٍ. ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ فلم تُوخَّرِ الصلاةُ عندَ عَدَمِه، كالسُّتْرَةِ. إذا ثَبَت هذا، فصَلَّى، ثم وَجَد الماءَ أو (¬2) التُّرابَ، لم تَجِبْ عليه الإِعادَةُ في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ، ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ، فوَجَب أن يَخْرُجَ عن العُهْدَةِ، ولأنَّه أحَدُ شُرُوطِ الصلاةِ، فسَقَطَ عندَ العَجْزِ، كسائِرِ شُرُوطِها. والثانيةُ، تجبُ عليه الإِعادَةُ. وهو مذهبُ الشافعيُّ؛ لأنَّه فَقَد شَرْطَ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو صَلَّى بالنَّجاسَةِ. والأولَى أوْلَى؛ لما ذَكَرْنا، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. ¬

(¬1) في: باب التيمم، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 279. وأخرجه أيضًا البخاري، في: باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا، من كتاب التيمم، وفي: باب فضل عائشة، رضي الله عنها، من كتاب فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي: باب تفسير سورة النساء، من كتاب التفسير، وفي: باب استعارة الثياب للعروس وغيرها، من كتاب النكاح، وفي: باب استعارة القلائد، من كتاب اللباس. صحيح البخاري 1/ 92، 5/ 37، 6/ 57، 7/ 29، 204. وأبو داود، في: باب التيمم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 76. والنسائي، في: باب في من لم يجد الماء ولا الصعيد، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 140. وابن ماجه، في: باب ما جاء في السبب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 188. والدارمي، في: باب التيمم مرة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 190، 191. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 57. (¬2) في م: «و».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فأمّا قِياسُ أبي حنيفةَ على الحائِضِ في تَأْخِيرِ الصيامِ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الصومَ يَدْخُلُه التَّأْخِيرُ، بخِلافِ الصلاةِ؛ لأنَّ المُسافِرَ يُؤخِّرُ الصومَ دُونَ الصلاةِ. ولأنَّ عَدَمَ الماءِ لو قام مُقامَ الحَيضِ لأسْقَطَ الصلاةَ بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّ قِياسَ الصلاةِ على جِنْسِها أوْلَى مِن قِياسِها على الصومِ، وقِياسُ مالكٍ لا يَصِحُّ؛ لمُخالفَتِه لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (¬1). ولأنَّ قِياسَ الطهارةِ على شَرائِطِ الصلاةِ أوْلَى مِن قِياسِه على الحائِضِ، والحَيضُ عُذْرٌ مُعْتادٌ يَتَكَرَّرُ، والعَجْزُ ههُنا عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يَصِحُّ إلْحاقُه بالحَيضِ؛ لأنَّ النّادِرَ لا يَشُقُّ إيجابُ القَضاءِ فيه، بخِلافِ المُعْتادِ، ولأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ فلم يُسْقِطِ الفَرْض، كنِسْيانِ الصلاةِ وفَقْدِ سائِرِ الشُّرُوطِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 188.

177 - مسألة: (ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد)

وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 177 - مسألة: (ولا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بتُرابٍ طاهِرٍ له غُبارٌ يَعْلَقُ باليَدِ) لأنَّ الله تعالى قال: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ}. قال ابنُ عباسٍ: الصَّعِيدُ: تُرابُ الحَرْثِ، والطَّيِّبُ: الطّاهِرُ. وقال سبحانه: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ}. وما لا غُبارَ له،. لا يُمْسَحُ بشيءٍ منه. وبه قال الشافعيِّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، وداودُ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: يَجُوزُ بكلِّ ما كان مِن جِنْسِ الأرْضِ، كالنُّورَةِ، والزِّرْنِيخَ (¬1)، والحِجارَةِ. وقال الأوْزاعِيُّ: الرَّمْلُ مِن الصَّعِيدِ. وقال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ: لا بَأْسَ أن يَتَيَمَّمَ بالرُّخامِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «جُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». رَواه البخاري (¬2). ولأنَّه مِن جِنْسِ الأرْضِ، فجاز التَّيَمُّمُ به، كالتُّرابِ. ولَنا، أنَّ الله تعالى أمَر بالصَّعيدِ، وهو التُّرابُ، وقال: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ}. ولا يَحْصُلُ المَسْحُ بشيءٍ منه، إلَّا أن يكُونَ ذا غُبارٍ يَعْلَقُ باليَدِ، وعن عليٍّ رَضِي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مِنْ أنْبِيَاءِ اللهِ؛ جُعِلَ لِيَ التُّرَابُ طَهُورًا». وذَكر الحَدِيثَ، رَواه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» (¬3). ولو كان غيرُ التُّرابِ ¬

(¬1) الزرنيخ: حجر، منه ألوان عدة، يستعمله النقاشون والصيادلة. انظر: الجامع لمفردات الأدوية 2/ 160. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 206. (¬3) لم نجده في مسند الشافعي المطبوع بحاشية الجزء السادس من الأم، ولا في ترتيب مسند الشافعي للسندي. وهو في مسند الإمام أحمد 1/ 98، 158. وأخرجه البيهقي في: باب الدليل على أن الصعيد الطيب هو التراب، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 213. وانظر: التلخيص الحبير 1/ 148، نصب الراية 1/ 158، الفتح الرباني 2/ 188، والمغني 1/ 325 حاشية 7.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طَهُورًا، ذَكَرَه فيما مَنَّ اللهُ به عليه. ولأنَّ الطهارةَ اخْتَصَّتْ بأعَمِّ المائِعاتِ وُجُودًا، وهو الماءُ، فَتخْتَصُّ بأعَمِّ الجامِداتِ وُجودًا، وهو التُّرابُ، وحَدِيثُهم نَخُصُّه بحَدِيثنا. فصل: فأمّا السَّبَخةُ، فعن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بها. رَواها عنه أبو الحارِثِ، أنَّه قال: أرْضُ الحَرْثِ أحَبُّ إليَّ، وإن تَيَمَّمَ مِن أرْضِ السَّبَخةِ أجْزأه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقوْلِه عليه السلامُ: «وَجُعِلَتْ تربَتُهَا طَهُورًا» (¬1). وعن أحمدَ، في الرَّمْلِ، والنُّورَةِ، والجِصِّ، نَحْوُ ذلك. وحَمَل القاضي قولَ أحمدَ، في جَوازِ التَّيَمُّم بذلك إذا كان له غُبارٌ، والمَوْضِع الذي مَنَع إذا لم يَكُنْ لها غُبارٌ. وعنه قولٌ ثالِثٌ، أنه يجوزُ ذلك مع الاضْطِرارِ خاصَّةً. رَواه عنه ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب مواضع الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 371.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سِنْدِيٌّ (¬1). وقال الخَلّالُ: إنَّما سَهَّل أحمدُ فيها مع الاضْطِرارِ، إذا كانت غبَرَةً كالتُّرابِ، فأمّا إذا كانت قَحْلَةً (¬2) كالمِلْحِ، فلا يَتَيَمَّمُ بها أصْلًا. وقال ابنُ أبي موسى: يَتَيَمَّمُ عندَ عَدَم التُّرابِ بكلِّ طاهِرٍ تَصاعَدَ على وَجْهِ الأرْضِ، مِثْلَ الرَّمْلِ والسَّبَخَةِ والنُّورَةِ والكُحْلِ، وما في مَعْنَى ذلك، ويُصَلِّي، وهل يُعِيدُ؟ على رِوايَتَين. فصل: وإن دُقَّ الخَزَفُ أو الطِّينُ المُحْرَقُ لم يَجُزِ التَّيَمُّم به، لأنَّ الطَّبْخَ أخْرَجَه عن أن يَقَعَ عليه اسمُ التُّرابِ، وكذا إن نُحِت المَرْمَرُ والكذّانُ (¬3) حتى صار غُبارًا، لم يَجُزِ التَّيَمُّم به، لأنَّه غيرُ تُرابٍ. وإن دُقَّ الطِّينُ الصُّلْبُ كالأرْمَنِيِّ، جازَ التَّيَمُّم (¬4) به، لأنَّه تُرابٌ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُخَرَّجُ عندِي فيه وَجْهان، لشَبَهِه بالمَعادِنِ، فهو كالنُّورَةِ. وإن ضَرَب بيَدِه على لِبْدٍ، أو ثَوْبٍ، أو في شَعِيرٍ، أو نَحْوه، فعَلِقَ بيَدَيه غُبارٌ، فتَيَمَّمَ به، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك لو ضَرَب بيَدِه على صَخْرَةٍ ¬

(¬1) سندي هو أبو بكر الخواتيمي البغدادي، سمع من الإمام أحمد مسائل صالحة. وهو من جوار أبي الحارث، الذي تقدم ذكره منذ قليل، مع أبي عبد الله أحمد بن حنبل. طبقات الحنابلة 1/ 170، 171. (¬2) القحل: اليبس. (¬3) المرمر: نوع من الرخام. والكذان، ككتان: حجارة رخوة كالمدر. (¬4) في م: «تيممه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أو حائِطٍ أو حَيَوانٍ، أو أيِّ شيءٍ كان، فصارَ على يَدَيه غُبارٌ، بدَلِيلِ ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَب يَدَيه على الحائِطِ، ومَسَح بهما وَجْهَه، ثم ضَرَب ضَرْبَةً أخْرَى، فمَسَحَ ذِراعَيه. رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّ المَقْصُودَ التُّرابُ الذي يَمْسَحُ به وَجْهَه ويَدَيه، وقد رُوِيَ عن مالكٍ وأبي حنيفةَ، التَّيَمُّم بصَخْرَةٍ لا غُبارَ عليها، وتُرابٍ نَدِء لا يَعْلَقُ باليَدِ منه غُبار. وأجازَ مالك التَّيَمُّمَ بالثَّلْجِ والحَشِيش، وكلِّ ما تَصاعَدَ على وَجْهِ الأرْضِ، ومَنَع مِن التَّيَمُّمِ بغُبارِ اللِّبْدِ والثَّوْبِ، قال: لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا ضَرب بيَدَيه نَفَخَهُما. ولَنا، قولُه تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأيدِيكُم مِنْهُ}. و «مِنْ» للتبعِيضِ، فيَحْتاجُ أن يَمْسَحَ بجُزْءٍ منه، والنَّفْخُ لا يُزِيل الغُبارَ المُلاصِقَ، وذلك يَكْفِي. وروَى الأثرَمُ، عن عُمَرَ أنَّه قال: لا يَتَيَمَّمُ بالثَّلْجِ، فإنْ لم يَجِدْ فضَفَّةُ (¬2) فرَسِه أو مَعْرَفَةُ (¬3) دابَّتِه. ¬

(¬1) في: باب التيمم في الحضر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 79. (¬2) في م: «فصفحة». وضفة الشيء: جانبه. (¬3) معرفة دابته: منبت عرفها من رقبتها. النهاية 3/ 218.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا التُّرابُ النَّجِسُ فلا يجُوزُ التَّيَمُّم به، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّ الأوْزاعِيَّ قال: إن تَيَمَّمَ بتُرابِ المَقْبَرَةِ وصَلَّى، مَضَتْ صَلاتُه. ولَنا، قولُه تعالى: {فتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًّا}. والنَّجِسُ ليس بطَيِّبٍ. ولأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ، فلم تَجُزْ بغيرِ طاهرٍ، كالوُضُوءِ، فأمّا المَقْبَرةُ، فإن كانت لم تُنْبَشْ، فتُرابُها طاهِرٌ، وإن تَكَرَّرَ نَبْشُها والدَّفْنُ فيها، لم يَجُزِ التَّيَمُّم بتُرابِها، لاخْتِلاطِه بصَدِيدِ المَوْتَى ولُحُومِهم. ذَكَر ذلك شَيخُنا (¬1). وقال ابنُ عَقِيلٍ، في التُّربَةِ المَنْبُوشَةِ: لا يجُوزُ التَّيَمُّم منها، سَواءٌ تَكَرَّرَ النبشُ، أم لا. وإن شَكَّ في ذلك، أو في نَجاسَةِ التُّرابِ الذي يَتَيَمَّمُ به، جاز التَّيَمُّم به، لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ، فهو كما لو شَكَّ في نَجاسَةِ الماءِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، فيما إذا لم يَعْلَمْ حال المَقْبَرَةِ، وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، لِما ذَكَرْنا. والثاني، لا يجوزُ، لأنَّ الظّاهِرَ مِن الدَّفْنِ فيها حُصُولُ النَّجاسة في بَعْضِها، فيَشْتَبِهُ بغيرِه، والمُشْتَبِهُ لا تَجُوزُ الطهارةُ به، كالأوانِي. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُكْرَهُ الوُضوءُ مِن البِئْرِ التي في المَقْبَرَةِ، وأكْلُ البَقْلِ وثَمَرِ الشَّجَرِ الذي فيها، كالزُّرُوعِ التي تُسَمَّدُ بالنَّجاسَةِ، وكالجَلالةِ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 334.

178 - مسألة: (فإن خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به، كالجص ونحوه، فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات)

فإِنْ خَالطَهُ ذُو غُبَارٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّم بِهِ، كَالْجَصِّ وَنَحْوهِ، فَهُوَ كَالْمَاءِ إذَا خَالطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجُوزُ أن يَتَيَمَّمَ جماعة مِن مَوْضِعِ واحدٍ، بغيرِ خِلافٍ، كما يجوزُ أن يَتَوَضَّئُوا مِن حَوْض واحدٍ، فأمّا التُّرابُ الذي يَتَناثر مِن الوَجْهِ واليَدَين بعدَ مَسْحِهِما به، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَجُوزُ التَّيَمُّم به؛ لأنَّه لم يَرْفَع الحَدَثَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. والثاني، لا يَجُوزُ، لأنَّه مُسْتَعْمَلٌ في طهارةٍ أباحَتِ الصلاةَ، أشْبَهَ الماءَ المُسْتَعْمَلَ في الطهارةِ. وللشافعيِّ وَجْهَان كهَذَين. وكذلك التُّرابُ الذي بَقِي على وَجْهِ المُتَيَمِّمِ ويَدَيه، إذا مَسَح غيرُه به أعْضاءَ تَيَمُّمِه، كالماءِ المُسْتَعْمَلِ. 178 - مسألة: (فإن خالطَه ذُو غُبارٍ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ به، كالجَصِّ ونَحْوه، فهو كالماءِ إذا خالطَتْه الطاهِراتُ) إن كانتِ الغَلَبَةُ للتُّرابِ جازَ، وإن كانت للمُخَالِطِ لم يَجُزْ. ذَكَره القاضي وأبو الخَطّابِ، قِياسًا على

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الماءِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَمْنَعُ التَّيَمُّمَ به، وإن كان قَلِيلًا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه رُبَّما حَصَل في العُضْو، فمَنَعَ وُصُولَ التُّرابِ إليه، بخِلافِ الماءِ، فإنَّ المائِعَ يُسْتَهْلَكُ فيه، فلا يَجْرِى على العُضْو إلَّا ومعه جزْءٌ مِن الماءِ. فأمّا إن كان المُخالِطُ لا يَعْلَقُ باليَدِ، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ على جَوازِ التَّيَمُّمِ مِن الشَّعِيرِ، وذلك لأنَّه لا يَحْصُلُ على اليَدِ مِنه ما يَحُولُ بينَ الغُبارِ وبينَها. فصل: فإن خالطَه نَجاسَةٌ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يجُوزُ التَّيَمُّم به، وإن كَثُر التُّرابُ، لأنَّ الترابَ لا يَدْفَعُ النَّجاسَةَ عن نَفْسِه، فهو كالمائِعاتِ، تَتَنَجَّسُ بالنَّجاسَةِ وإن كَثُرَتْ. فصل: وإن كان في طِين لا يَجِدُ تُرابًا، فحُكِيَ عن ابنِ عباس أنَّه يَأخُذُ الطِّينَ، فيَطْلِي به جَسَدَه، فإذا جَفَّ تَيَمَّمَ به. وإن خاف فَواتَ الوَقْتِ قبلَ جَفافِه، فهو كالعادَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان يَجِفُّ قَرِيبًا، انتظَرَ جَفافَه وإن فاتَ الوَقْتُ، كالمُشْتَغِلِ بتَحْصِيلِ الماءِ مِن بِئْرٍ ونَحْوه. وإن لَطَخ وَجْهَه بطِينٍ، لم يُجْزِه، لأنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ الصَّعِيدِ، ولأنَّه لا غُبارَ فيه، أشْبَهَ التُّرابَ النَّدِي.

فَصْلٌ: وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أرْبَعَةٌ؛ مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيهِ إِلَى كُوعَيهِ، والترتِيبُ، وَالمُوَالاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: (وفَرائِضُ التَّيَمُّمِ أربعةٌ، مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِه، ويَدَيه إلى كُوعَيه، والترتِيبُ، والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين) لا خِلافَ في وُجُوبِ مَسْحِ الوَجْهِ والكَفَّين في التَّيَمُّمِ، لقَوْلِه تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُم منْهُ}. ويَجِبُ اسْتِيعابُ الوَجْهِ والكَفَّين بالمَسْحِ، فيَمْسَحُ ما يَأتِي عليه الماءُ، إلَّا المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ، وما تحتَ الشُّعُور

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخَفِيفَةِ. وهذا قولُ الشافعي. وقال سُلَيمانُ بنُ داودَ (¬1): يُجْزِئُه إذا لم يُصِبْ إلا بَعْضَ (1) وَجْهِه وبعضَ كَفَّيه. ولَنا، قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُم}. والباءُ للإِلْصاقِ، فصار كأنَّه قال: فامْسَحُوا وُجُوهكم وأيدِيَكُم. فيَجِبُ تَعْمِيمُهما، كما وَجَب تَعْمِيمُهما بالغَسْلِ؛ لقَوْلِه تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيدِيَكُم إِلَى الْمَرَافِقِ}. فإن بَقِي مِن مَحَلِّ الفَرْضِ شيءٌ لم يَصِلْه التُّرابُ، أمَرَّ يَدَه عليه ما لم يَفْصِلْ راحَتَه، فإن فَصَل راحَتَه، وكان قد بَقِى عليها غُبارٌ، جاز أن يَمْسَحَ بها، وإن لم يَبْقَ عليها غُبارٌ، احْتاجَ إلى ضَرْبَةٍ أخْرَى. وإن كان المَتْرُوكُ مِن الوَجْهِ، مَسَحَه وأعاد مَسْحَ يَدَيه؛ ليَحْصُلَ الترتِيبُ. وإن تَطاوَلَ الفَصْلُ بَينَهما، وقُلْنا بوُجُوبِ المُوالاةِ، اسْتَأنَفَ التَّيَمُّمَ. ويُرْجَعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه ¬

(¬1) يعني الإمام أبا داود الطيالسي الحافظ، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث، توفي سنة أربع ومائتين. سير أعلام النبلاء 9/ 378 - 384.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلى القَدْرِ الذي ذَكَرْناه في الطهارةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عليها. وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في وُجوبِ الترتِيبِ والمُوالاةِ في الوُضُوءِ، وذَكَرْنا الدَّلِيلَ بما يُغْنِي عن إعادَتِه، والتَّيَمُّمُ مَبْنيٌّ عليه؛ لأنَّه بَدَلٌ عنه، ومَقِيسٌ عليه، وظاهِرُ المَذْهَبِ وُجُوبُهما في الوُضوءِ، كذلك ههُنا. والحُكْمُ في التَّسْميَةِ ها هنا كالحُكْمِ في التسميةِ في الوُضوءِ، علي ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه. فصل: ويَجِبُ مَسْحُ اليَدَين إلى المَوْضِعِ الذي يُقْطَعُ منه السّارِقُ. أوْمَأ إليه أحمدُ، وقال: قال اللهُ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيدِيَهمَا} (¬1) مِن أين تُقْطَع (¬2) يَدُ السّارِقِ؟ ألَيسَ مِن ههُنا؟ وأشارَ إلى الرُّسْغ. وقد رَوَينا عن ابنِ عباس نَحْوَ هذا. وقال الشافعيّ: يجِبُ المَسْحُ إلى المِرْفَقَين، كالوُضُوءِ. وسنَذْكر ذلك إن شاء الله تعالى. فإن كان أقْطَعَ مِن فوقِ الرُّسْغِ سَقَط مَسْحُ اليَدَين، وإن كان مِن دُونِه مَسَح ما بَقِيَ، وإن كان مِن المَفْصِلِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَمْسَحُ مَوْضِعَ القَطْع ¬

(¬1) سورة المائدة 38. (¬2) في م: «تقع».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال (¬1): ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الرُّسْغَين في التَّيَمُّمِ كالمِرْفَقَين في الوُضوءِ، فكما أنَّه إذا قُطِع مِن المِرْفَقَين في الوُضُوءِ غَسَل ما بَقِيَ، كذلك ههُنا يَمسحُ العَظْمَ الباقِيَ. وقال القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ؛ لأنَّ مَحَلَّه الكَفُّ الذي يُوخَد في السَّرِقَةِ، وقد ذَهَب، لكنْ يُسْتَحَبُّ إمْرارُ التُّرابِ عليه. ومَسْحُ العَظْمِ الباقِي مع بَقاءِ اليَدِ، إنَّماكان ضَرُورَةَ اسْتِيعابِ الواجِبِ، لأنَّ الواجِبَ لا يتمُّ إلَّا به، فإذا زال الأصْلُ سَقَطَ ما هو مِن ضَرُورَتِه، كمَن سَقَط عنه غَسْلُ الوَجْه، لا يَجِبُ عليه غَسْلُ جُزْءٍ مِن الرَأسِ. فصل: وإن أوْصَلَ التُّرابَ إلى مَحَلِّ الفَرْض بخِرْقَةٍ أو خَشَبَةٍ، فقال القاضي: يُجْزِئُه، لأنَّ اللهَ تعالى أمَر بالمَسْحِ، ولم يُعَيِّنْ آلتَه. وقال ابنُ عَقِيل: فيه وَجْهان، بِناءً على مَسْحِ الرَّأسِ بخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ. وإن مَسَح مَحَلَّ الفَرْض بيَدٍ واحِدَةٍ، أو ببَعْضِ يَده، أجْزأه. وإن يَمَّمَه غيرُه جاز، كما لو وَضَّأه، وتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ في المُتَيَمِّمِ دُونَ المُيَمِّمِ، لأنَّه الذي يَتَعَلَّقُ به الإِجْزاءُ والمَنْعُ. ¬

(¬1) سقط من: «م».

179 - مسألة: (ويجب تعيين النية لما يتيمم له، من حدث أو غيره)

وَيَجِبُ تَعْيِينُ النيةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أوْ غَيرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 179 - مسألة: (ويَجِبُ تَعْيِينُ النيةِ لِما يَتَيَمَّمُ له، مِن حَدَثٍ أو غيرِه) وجُمْلته أنَّ النيةَ شَرْطٌ للتَّيَمُّمِ، وهو قولُ أكثَر أهلِ العلمِ؛ منهم اللَّيثُ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيّ، وأصحابُ الرَّأي، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم، إلَّا ما حُكِي عن الأوْزاعِيِّ والحسنِ بنِ صالحٍ، أنه يَصِحُّ بغيرِ نِيَّةٍ. وقد ذَكَرْنا قولَ القاضي في التَّيَمُّمِ للنَّجاسَةِ. وسائِرُ أهلِ العلمِ على خِلافِهم؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». ويَنْوى به اسْتِباحَةَ الصلاةِ. فإن نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ لم يَصِحَّ تَيَمُّمُه؛ لأنَّه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (¬1): أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ طهارةَ التَّيَمُّمِ لا تَرْفَعُ الحَدَثَ إذا وَجَد الماءَ. بل إذا وَجَدَه أعادَ الطهارةَ، جُنُبًا كان أو مُحْدِثًا. وهذا مذهبُ مالكٍ والشافعي، وغيرِهما. وحُكِي ¬

(¬1) انظر: الاستذكار 2/ 14.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن أبي حنيفةَ أنَّه يَرْفَعُ الحَدَثَ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لأنَّها طهارةٌ عن حَدَثٍ تُبِيحُ الصلاةَ، فرَفَعَتِ الحَدَثَ، كطَهارَةِ الماءِ. ولنا، أنه لو وَجَد الماءَ لَزِمَه اسْتِعْمالُه لرَفْعِ، الحَدَثِ الذي كان قبلَ التَّيَمُّمِ، إن (¬1) كان جُنُبًا، أو (¬2) مُحْدِثًا، أو امرأةً حائِضًا، ولو رَفَع الحَدَثَ لَاسْتَوَى الجَمِيعُ، لاسْتِوائِهم في الوجْدانِ، ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَرْفَعِ الحَدَث، كطَهارَةِ المُسْتَحاضَةِ، وبهذا فارَقَ الماءَ. فصل: ويَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِما يَتَيَمَّمُ له مِن الحَدَثِ الأصْغَرِ، والجَنابَةِ، والحَيضِ، والنَّجاسَةِ، وإن كان التَّيَمُّم عن جُرْحٍ في عُضْوٍ مِن أعْضائِه، نَوَى التَّيَمُّمَ عن غَسْلِ ذلك العضْو، لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنياتِ، وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». ¬

(¬1) في م: «أن». (¬2) في الأصل: «وأن كان».

180 - مسألة: (فإن نوى جميعها، جاز)

فَإنْ نَوَى جَمِيعَهَا جازَ، وَإنْ نَوَى أحدَهَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الآخَرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 180 - مسألة: (فإن نَوى جَمِيعَها، جاز) لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». ولأنَّ فِعْلَه واحِدٌ، أشْبَهَ ما لو كانت عليه أحْداثٌ تُوجِبُ الوُضُوءَ أو الغُسْلَ، فنَواها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إذا كان عليه حَدَثٌ ونَجاسَةٌ، هل يَكْتَفِي بتَيَمُّمٍ واحِدٍ؟ يُبْنَى على تَداخُلِ الطَّهارَتَين في الغُسْلِ، فإن قُلنا: لا يَتَداخَلان ثَمَّ. فأوْلَى أن لا يَتَداخَلا ههُنا؛ لكَوْنِهما مِن جِنْسَين، وإن قُلْنا: يَتَداخَلان. فقال القاضي ههُنا كذلك قِياسًا عليه. فعلى هذا يَتَيَمَّمُ لهما تَيَمُّمًا واحِدًا. قال: والأشْبَهُ عِنْدِي أنهما لا يَتَداخَلان، كالكَفّاراتِ، والحُدُودِ، إذا (¬1) كانت مِن جِنْسَين. والأوَّلُ أصَحُّ. 181 - مسألة؛ قال: (وإن نَوَى أحَدَها، لم يُجْزِئْه عن الآخَرِ) وبهذا قال مالكٌ وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حَنيفَةَ والشافعي: يُجْزِئه، لأنَّ ¬

(¬1) في م: «وإذا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طَهارَتَهما واحِدَةٌ، فسَقَطَتْ إحْداهما بفِعْلِ الأخْرَى، كالبَوْلِ والغائِطِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَإنَّما لِامْرِئٍ مَا نَوَى». فيَدُلُّ على أنه لا يَحْصُلُ له ما لم يَنْوه، ولأنَّها أسْبابٌ مُخْتَلِفَةٌ، فلم تُجْزِيء نِيَّةُ بَعْضِها عن الآخَرِ، كالحجِّ والعُمْرَةِ. وهذا يُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّ حُكْمَهما واحِدٌ وهو الحَدَثُ الأصْغَرُ، ولهذا تُجْزِيء نِيَّةُ أحَدِهما عن نِيَّةِ الآخَرِ في طهارةِ الماءِ. فصل: إذا تَيَمَّمَ للجَنابَةِ دُونَ الحَدَثِ الأصْغَرِ، أبِيحَ له ما يُباحُ للمُحْدِثِ، مِن قِراءةِ القرآنِ، واللُّبْثِ في المسجدِ، ولم تُبَحْ له الصلاةُ، والطَّوافُ، ومَس المُصْحَفِ. فإن أحْدَثَ لم يُؤثِّرْ ذلك في تَيَمُّمِه، كما لا يُؤثر في الغُسْلِ. وإن تَيَمَّمَ للْجَنابَةِ والحَدَثِ، ثم أحْدَثَ، بَطَل تَيَمُّمُه للْحَدَثِ، وبقِيَ تَيَمُّمُ الجَنابَةِ بحالِه. ولو تَيَمَّمَتِ المرأةُ بعدَ طُهْرِها مِن حَيضِها للحَيضِ، ثم أجْنَبَتْ، لم يَحْرُمْ وَطْؤها، لأنَّ حُكْمَ تَيَمُّمِ الحَيضِ باقٍ، ولا يَبْطُلُ بالوطْءِ، لأنَّه إنَّما يُوجِبُ حَدَثَ الجَنابَةِ. وقال ابنُ عَقِيل: إن قُلْنا: كلُّ صلاةٍ تَحْتاجُ إلى تَيَمُّمٍ. احْتاجَ كلُّ وَطْء إلى تَيَمُّمٍ يَخُصُّه. والأوَّلُ أصَحُّ.

182 - مسألة: (وإن نوى نفلا، أو أطلق النية للصلاة، لم يصل إلا نفلا)

وَإِن نَوَى نَفْلًا، أوْ أطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُصَل إلا نَفْلًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 182 - مسألة: (وإن نَوَى نَفْلًا، أو أطْلَقَ النيةَ للصلاةِ، لم يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا) وهو قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفةَ: له أن يُصَلِّيَ بها ما شاء. ويَتَخَرَّجُ لنا مِثْلُ ذلك إذا قُلْنا: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَبْطُلُ بخُرُوجِ الوَقْتِ. فيَكُونُ

183 - مسألة؛ قال: (وإن نوى فرضا فله فعله، والجمع بين الصلاتين، وقضاء الفوائت، والتنفل إلى آخر الوقت)

وَإنْ نَوَى فَرْضًا فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَينَ الصَّلَاتَينِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ، وَالتَّنفُّلُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ حُكْمُه حُكْمَ طهارةِ الماءِ؛ لأنَّها طهارةٌ يَصِحُّ بها النَّفْلُ، فأشْبَهَتْ طهارةَ الماءِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنياتِ، وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». وهذا ما نَوَى الفَرْضَ، فلا يَحْصُلُ له، وفارَقَ طهارةَ الماءِ؛ لأنَّها تَرْفَعُ الحَدَثَ المانِعَ مِن فِعْلِ الصلاةِ، فيُباحُ له جَمِيعُ ما يَمْنَعُه الحَدَثُ، ولا يَلْزَمُه اسْتِباحَةُ النَّفْلِ بنِيَّةِ الفَرْض؛ لأنَّ الفَرْضَ أعْلَى ما في البابِ، فنِيَّتُه تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ ما دُونَه، فإذا استباحَه استباحَ ما دُونَه تَبَعًا. 183 - مسألة؛ قال: (وإن نَوَى فَرْضًا فله فِعْلُه، والجَمْعُ بينَ الصَّلاتين، وقَضاءُ الفَوائِتِ، والتَّنَفُّلُ إلى آخِرِ الوَقْتِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنه متى نَوَى بتيَمُّمه فَريضةً، سَواء كانت مُعَيَّنَّةَ أو مُطْلَقَةً، فله أن يُصَلِّيَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ما شاء مِن الصَّلَواتِ؛ فيُصَلِّيَ الحاضِرَةَ، ويَجْمَعَ بينَ الصلاتَين، ويَقْضِيَ فَوائِتَ إن كانت عليه، ويَتَطَوَّعَ قبلَ الصلاةِ وبعدَها، إلى آخِرِ الوَقْتِ. هذا قولُ أبي ثَوْرٍ. وقال مالكٌ والشافعي: لا يُصَلِّي به فَرْضَين. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال: لا يُصَلِّي بالتَّيَمُّم إلَّا صلاةً واحِدَةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأخْرَى. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مِثْلَ قَوْلِهما؛ لِما رُوِيَ عن (¬1) ابنِ عباس، أنه قال: مِن السنةِ أن لا يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّم إلَّا صَلاةً واحِدَةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأخْرَى. وهذا مُقْتَضَى سُنَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ فلا يَجْمَعُ فيها بينَ فَرِيضتين، كما لو كانا في وَقْتَين. ولنا، أنها طهارة ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَحِيحَةٌ أباحَتْ فَرْضًا، فأباحَتْ فَرْضَين، كطَهارَةِ الماءِ، ولأنَّه بعدَ الفَرْضِ الأوَّلِ تَيَمُّمٌ صحيحٌ مُبِيحٌ للتَّطَوُّعِ نَوَى به المَكْتُوبَةَ، فكانَ له أن يُصَلِّيَ به فَرْضًا، كحالةِ ابْتِدائِه. ولأنَّ الطهارةَ في الأصُولِ إنَّما تَتَقَيَّدُ بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، كطَهارَةِ الماسِحِ على الخُفِّ، وهذه في النَّوافِلِ، وطهارةِ المُسْتَحاضَةِ. ولأنَّ كلَّ تَيَمُّم أباحَ صلاةً أباحَ ما هو مِن نَوْعِها، بدَلِيلِ النَّوافِلِ. وأمّا حديثُ ابنِ عباس، فيَرْويه الحسنُ بنُ عُمارَةَ (¬1)، وهو ضَعِيفٌ، ثم يَحْتَمِلُ أنه أرادَ أن لا يُصَلِّيَ به صَلاتَين في وَقْتَين؛ بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ أن يُصلِّيَ به صلواتٍ (¬2) مِن التَّطَوُّعِ، وإنَّما امْتَنَعَ أن يُصَلِّيَ به فَرْضَين في وَقْتَين؛ لبُطْلانِ التَّيَمُّمِ بخُرُوجِ الوَقْتِ، ولذلك لا تَصِحُّ به نافِلة، بخِلافِ هذا. ¬

(¬1) الحسن بن عمارة الكوفي الفقيه، مولى بجيلة، قال ابن عيينة: كان له فضل، وغيره أحفظ منه. جرحه سفيان وشعبة، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة. ميزان الاعتدال 1/ 513 - 515. (¬2) في م: «صلاة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا تَيَمَّمَتِ الحائِضُ عندَ انْقِطاعِ دَمِها، وقُلْنا: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ. جاز له وَطْؤها ما لم تَحِضْ، وإن قُلنا: يَبْطُلُ بخُرُوجٍ الوقتِ. فمتى خَرَج احْتاجَتْ إلى تَيَمُّمٍ للوَطْءِ، وإن قلنا: يَتَيَمَّمُ لكلِّ فرِيضَةٍ. احْتاجَ كلُّ وَطْءٍ إلى تَيَمُّم. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. فصل: إذا نَوَى الفَرْضَ اسْتَباحَ كلَّ ما يُباحُ بالتَّيَمُّمِ؛ مِن النَّفْلِ قبلَ الفَرْضِ وبعدَه، وقِراءَةِ القرآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، واللُّبْثِ في المَسْجِدِ. وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرَّأي. وقال مالكٌ: لا يَتطَوَّعُ قبلَ الفَرِيضَةِ بصلاةٍ غيرِ راتِبَةٍ. ورُوي ذلك عن أحمدَ؛ لأنَّ النَّفْلَ تَبَع للفَرْضِ، فلا يَتَقَدَّمُ المَتْبُوعَ. ولَنا، أنه تَطَوُّعٌ، فأبِيحَ له فِعْلُه إذا نَوَى الفَرْضَ، كالسننِ الرّاتِبَةِ وكما بعدَ الفَرْض. وقَوْلُه: إنَّه تَبَع. قُلْنا: إنَّما هو تَبَع في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الاسْتِباحَةِ، لا في الفِعْلِ، كالسُّنَنَ الرّاتِبَةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وغيرِهما. وإن نَوَى نافِلَةً، أُبِيحَ له قِراءَةُ القرآنِ، ومَسُّ المُصْحَفِ، والطَّوافُ؛ لأنَّ النّافِلَةَ آكَدُ مِن ذلك كلِّه؛ لكَوْنِ الطهارةِ مُشْتَرَطَةً لها بالإِجْماعِ، وفيما سِواها خِلافٌ، فدَخَلَ في نِيَّتها كدُخُولِ النّافِلَةِ في الفَرِيضَةِ، ولأنَّ النّافِلَةَ تَشْتَمِلُ على قِراءَةِ القُرْآنِ. وإن نَوَى شَيئًا مِن ذلك، لم تُبَحْ له النّافِلَةُ؛ لأنَّها أعْلَى منه؛ لِما بَيَّنا. وإن نَوَى الطَّوافَ، أبِيحَ له قِراءَةُ القرآنِ، واللُّبْثُ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه أعْلَى منهما؛ فإنَّه صلاة، وله نَفْل وفَرْضٌ، ويَدْخُلُ في ضِمْنِه اللُّبْثُ في المسجدِ؛ لأنَّه إنَّما يكُونُ في المسجدِ. وإن نَوَى أحَدَهما لم يَسْتَبِحِ الطَّوافَ؛ لأنَّه أعْلَى منهما. وإن نَوَى فَرْضَ الطَّوافِ، اسْتَباحَ نَفْلَه، ولا يَسْتَبِيحُ الفَرْضَ منه بنيَّةِ النَّفْلِ كالصلاةِ. وإن نَوَى قِراءَةَ القرآنِ لكَوْنِهِ جُنُبًا، أو مَسَّ المُصْحَفِ، أو اللُّبْثَ في المَسْجِدِ، لم يَسْتَبِحْ غيرَ ما نَواه، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لإِحْدَى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ثم بَلَغ، لم يَسْتَبِحْ بتَيَمُّمِه فَرْضًا؛ لأنَّ ما نَواه كان نَفْلًا، ويُباحُ له أن يتَنَفَّلَ به، كما لو (¬1) نَوَى به البالِغُ النَّفْلَ. فأمّا إن تَوَضَّأ قبلَ البُلُوغِ، ثم بلَغ، فله أن يُصَلِّيَ به فَرْضًا ونَفْلًا؛ لأنَّ الوُضُوءَ للنَّفْلِ يُبِيحُ فِعْل الفَرْضِ. ¬

(¬1) ساقطة من: «م».

184 - مسألة: (ويبطل التيمم بخروج الوقت، ووجود الماء، ومبطلات الوضوء)

وَيَبْطُلُ التَّيَمُّم بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا قُلْنا: يَجُوزُ أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ فَرائِضَ إلى آخِرِ الوَقْتِ. جاز أن يَطُوفَ طَوافَيْ فَرْض، وطَوافَيْ فَرْض ونَذْرٍ، وأن يُصَلِّيَ على جَنائِزَ إذا تَعَيَنَّتْ عليه. وإن فاتَته صلاةٌ لا يَعْلَمُ عَينَها، كَفاه تَيَمُّمٌ واحِدٌ، يُصَلِّي به خَمْسَ صَلَواتٍ، وإن قُلْنا: لا يُصَلِّي به إلَّا فَرْضًا واحِدًا. فيَنْبَغِي أن يَحْتاجَ كلُّ واحِدٍ مِمّا ذَكَرْنا إلى تَيَمُّمٍ، قِياسًا عليه. 184 - مسألة: (ويَبْطُلُ التَّيَمُّم بخُرُوجِ الوَقْتِ، ووُجُودِ الماءِ، ومُبْطِلاتِ الوُضُوءِ) مُبْطِلاتُ التَّيَمُّمِ ثَلاثَةٌ، كما ذَكَر، وزاد بَعْض أصحابِنا ظَنَّ وُجُودِ الماءِ، على ما يَأتِي ذِكْرُه. وخُرُوجُ الوقتِ مُبْطل للتَّيَمُّمِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، فلا يَجوزُ أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ صَلاتَين في وَقتَين. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، رَضِي اللهُ عنهم. وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعي، وإسحاقَ. وروَى المَيمُونِي عن أحمدَ، أنه قال في المُتَيَمِّمِ: إنَّه ليُعْجِبُنِي أن يَتَيَمَّمَ لكلِّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صلاةٍ، ولكنَّ القِياسَ أنَّه بمَنْزِلَةِ الطهارةِ حتى يَجدَ الماءَ أو يُحْدِثَ؛ لحَدِيثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الجُنُبِ، يَعْنِي قَوْلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذَرٍّ، الصَّعِيد الطيبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، وَإذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأمِسَّهُ بَشَرَتَكَ» (¬1). وهذا مذهبُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والزُّهْرِى، والثَّوْرِي، وأصحابِ الرَّأي. ورُوي عن ابنِ عباس؛ لِما (¬2) ذَكرنا، ولأنَّها طهارة تُبِيحُ الصلاةَ، فلم تَتَقَدَّرْ بالوَقتِ، كطَهارةِ الماء. ولَنا أنه رُوِيَ عن علي وابنِ عُمَرَ أنه قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ ولأنَّها طهارةُ ضرُورَةٍ، لتَقَيَّدَتْ بالوَقْتِ، كطَهارَةِ المُسْتَحاضةِ، وطهارةُ الماءِ لَيسَتْ للضرورَةِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. والحديثُ أرادَ به أنه يُشبِهُ الوُضُوءَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 206. (¬2) في م: «كما».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في إباحَةِ الصلاةِ، ولا يَلْزَمُ التَّساوي في سائِرِ الأحكامِ. الثاني، وُجُود الماءِ المَقْدُورِ على اسْتِعْمالِه مِن غيرِ ضَرَرٍ، على ما مَرَّ في مَوْضِعِه، وهو مُبْطل للتَّيَمُّمِ خارجَ الصلاةِ إجْماعًا، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، وإن وَجَدَه في الصلاةِ، ففيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه في مَوْضِعِه،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إن شاء اللهُ تعالى. الثالثُ، مُبْطِلاتُ الوُضُوءِ، وهو مُبْطِلٌ للتَّيَمُّمِ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عنه، فإذا أبطَلَ الأصْلَ أبطَلَ البَدَلَ، بطرَيقِ الأوْلَى. فأمّا التَّيَمُّمُ عن الجَنابَةِ، فلا يَبْطُل إلَّا بخُرُوجِ الوَقْتِ، ووُجُودِ الماءِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ومُوجِباتِ الغُسْلِ، وكذلك التَّيَمُّم لحَدَثِ الحَيض النِّفاسِ لا يَزُولُ حُكْمُه إلَّا بحَدَثِهما، أو بأحَدِ الأمْرَين.

185 - مسألة: (فإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، لم يبطل تيممه. وقال أصحابنا: يبطل)

قال الشيخ رحمه الله: فَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيهِ، ثُمَّ خَلَعَهُ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ. وَقَال أصْحَابُنَا: يَبْطُلُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 185 - مسألة: (فإن تَيَمَّمَ وعليه ما يَجُوزُ المَسْحُ عليه، ثم خَلَعَه، لم يَبْطُلْ تَيَمُّمُه. وقال أصحابُنا: يَبْطُلُ) إذا تَيَمَّمَ وعليه خُفٌّ أو عِمامَةٌ يَجُوزُ المَسْحُ عليها، ثم خَلَعَها، أو خَلَع الخُفَّ، لم يَبْطُلْ تَيَمُّمُه في اخْتِيارِ شيخِنا (¬1). وقال أصحابُنا: يَبْطُلُ. قال بَعْضُهم: نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مُبْطِل للوُضُوءِ، فأبطَلَ التَّيَمُّمَ كسائِرِ مُبْطِلاتِه، وهذا يَخْتَص التَّيَمُّمَ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ على ما ذَكَرْنا. والصحيحُ ما اخْتارَه شيخُنا، ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 350.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَحِمَه الله. وهو قولُ سائِرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ لم يَمْسَحْ فيها عليه، فلا يَبْطُل بنَزْعِه، كطَهارَةِ الماءِ، وكما لو كان المَلْبُوسُ مِمّا لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه، ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه مُبْطِل للوُضُوءِ. لأنَّ مُبْطِل الوُضوءِ نَزْعُ ما هو مَمْسُوحٌ عليه فيه، ولم يُوجَدْ ها هنا، ولأنَّ إباحَةَ المَسْحِ لا يَصِيرُ بها ماسِحًا، ولا بمَنْزِلَةِ الماسِحِ، كما لو لَبِس عِمامَةً يجُوزُ المَسْحُ عليها، ومَسَح على رَاسِه مِن تَحْتِها، فإنَّ الطهارةَ لا تَبْطُلُ بنَزْعِها، كذلك هذا. فصل: ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ لكلِّ ما يُتَطَهَّرُ له مِن نافِلةٍ، أو مَسِّ مُصْحَفٍ، أو قِراءَةِ قُرْآن، أو سُجُودِ تِلاوَةٍ أو شُكْرٍ، أو لُبْثٍ في مَسْجد. قال أحمدُ: يَتَيَمَّمُ ويَقْرأ جزْأه. يَعْنِي الجُنُبَ. وبذلك قال عطاءٌ، ومَكْحُول، والزُّهْرِي، ومالكٌ، والشافعي، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي. وقال أبو مِجْلَزٍ: لا يَتَيَمَّمُ إلَّا لمَكْتُوبَةٍ. وكَرِه الأوْزاعِي أن يَمَسَّ المتَيمِّمُ المُصْحَفَ. ولَنا، حديثُ أبي ذَرٍّ، وقولُه عليه السَّلامُ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (¬1). ولأنَّه يُسْتَباحُ بطهارَةِ الماءِ، فيُسْتَباحُ بالتَّيَمُّمِ، كالمَكْتُوبَة. فصل: فإن تَيَمَّمَ، ثم رَأى رَكْبًا يَظنُّ أنَّ معه ماءً، أو خُضْرَةً، أو ما يَدُل على الماءِ، وقُلْنا بوُجُوبِ الطَّلَب، بَطَل تَيَمُّمُه. وكذلك إن رَأى سَرابًا ظَنَّه ماءً. وهو قَوْلُ الشافعي؛ لأَنَّه لَمّا وَجَب الطَّلَبُ بَطَل التَّيَمُّم. ¬

(¬1) تقدم تخريجهما في صفحة 206.

186 - مسألة: (وإن وجد الماء بعد الصلاة، لم تجب إعادتها)

وإنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ وسَواءٌ تَبَيَّنَ له خِلافُ ظنِّه أوْ لا، قال شَيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْطُلَ تَيَمُّمُه؛ لأنَّ الطهارةَ المُتَيَقَّنَةَ لا تَبْطُلُ بالشَّكِّ، كطَهارَةِ الماءِ، ووُجوبُ الطَّلَبِ لا يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ؛ لأنَّ كَوْنَه مُبْطِلًا إنَّما ثَبَت بدَلِيل شَرْعِي، وليس ها هنا نَصٌّ، ولا مَعْنَى نَصٍّ، فَيَنْتَفِىَ الدَّلِيلُ. 186 - مسألة: (وإن وَجَد الماءَ بعدَ الصلاةِ، لم تَجِبْ إعادتُها) وجُمْلَتُه أنَّ العادِمَ للماءِ في السَّفَرِ إذا وَجَد الماءَ بعدَ خُروجِ الوَقْتِ، وكان قد صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، لم تَجِبْ عليه إعادَةُ الصلاةِ إجْماعًا. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. وإن وَجَد في الوَقْتِ لم يَلْزَمْه أيضًا إعادَةٌ، سَواءٌ يئس مِن وُجُودِ الماءِ في الوقتِ، أو ظَنَّ وُجودَه فيه. وهذا قوْلُ أبي سَلَمَةَ (¬2)، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعي، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي. وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وابنُ ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 350. (¬2) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من فقهاء التابعين في المدينة، قال يحيى بن معين: مات أبو سلمة سنة أربع وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 61.

187 - مسألة: (وإن وجده فيها، بطلت. وعنه، لا تبطل)

وَإنْ وَجَدَهُ فِيهَا بَطَلَتْ. وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ: يُعِيدُ الصلاةَ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ، عن أبي سعيدٍ، أنَّ رَجُلَين خَرَجا في سَفرٍ، فحَضَرَتِ الصلاةُ وليس معهما ماءٌ، فتَيَمَّما صَعِيدًا، فصَلَّيا، ثم وَجَدا الماءَ في الوَقْتِ، فأعادَ أحَدُهما الوُضُوءَ والصلاةَ، ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أتيا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرا له ذلك، فقال للذي لم يُعِدْ: «أصبْتَ السُّنَّةَ (¬1)، وَأجْزأتكَ صَلَاتُكَ». وقال للذي أعادَ: «لَكَ الْأجْرُ مَرَّتَين» (¬2). واحْتَجَّ أحمدُ بأنَّ ابنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وهو يَرَى بُيُوتَ المَدينَةِ، فصَلَّى العَصْرَ، ثم دَخَل المدينةَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فلم يُعِدْ. ولأنَّه أدَّى فَرْضَه؛ كما أمِرَ، فلم تَلْزَمْه الإِعادَةُ، كما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ، ولأنَّ عَدَمَ الماءِ عُذْرٌ مُعْتادٌ، فإذا تَيَمَّمَ معه يَجِبُ أنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصلاة كالمَرَيض، وكما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ. 187 - مسألة: (وإن وَجَدَه فيها، بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُل) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ وهو في الصلاةِ، بَطَل ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 82. والنسائي، في: باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 174. والدارمي، في: باب التيمم، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 190.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَيَمُّمُه وبَطَلَتْ صَلاتُه، لبُطْلانِ طَهارَتِه، فيَتَوَضَّأُ إن كان مُحْدِثًا، ويَغْتَسِلُ إن كان جُنُبًا، ويَسْتَقْبِلُ الصلاةَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَبْنِىَ على ما مَضَى مِن صَلاتِه، كمَن سَبَقَه الحَدَثُ، وفيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما أنَّه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ. وههُنا أوْلَى؛ لأنَّ ما مَضَى مِن صَلاتِه انْبَنَى على طهارةٍ ضَعِيفَةٍ، فلم يَكُنْ له البِناءُ عليه، كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ، بخِلافِ مَن سَبَقَه الحَدَثُ. والقَوْلُ ببُطْلانِ الصلاةِ قولُ الثَّوْرِيِّ وأبي حَنِيفَةَ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَبْطُلُ الصلاةُ. ورُوِيَ عن أحمدَ نَحْوُ ذلك. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: كنتُ أقول يَمْضِي، تم تَدَبَّرْتُ فإذا أكْثَرُ الأحادِيثِ على أنَّه يَخْرُجُ. وهذا يَدُلُّ على رُجُوعِه عن هذه الرِّوايَةِ. واحْتَجُّوا بأنَّه وَجَد المُبْدَلَ بعدَ تَلبُّسِه بمَقْصُودِ البَدَلِ، فلم يَلْزَمْه الخُرُوجُ، لو وَجَد الرَّقَبَةَ بعدَ التَّلَبُّسِ بالصيامِ، ولأنَّه غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ؛ لأنَّ قُدْرَتَه تَتَوَقَّفُ على إبْطالِ الصلاةِ، وهو مَنْهِيٌّ عن إبْطالِها

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بقَوْلِه تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ} (¬1). ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ». أخْرَجَه أبو داودَ والنَّسائِيُّ (¬2). دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه لا يَكُونُ طَهُورًا عندَ وُجُودِ الماءِ، وبمَنْطُوقِه على وُجوبِ اسْتِعْمالِه عندَ وُجودِه. ولأنَّه قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ فبَطَلَ تَيَمُّمُه، كالخارِجِ مِن الصلاةِ، ولأنَّ التَّيَمَّمَ طهارةُ ضَرُورَةٍ، فبَطَلَتْ بزَوالِ الضَّرُورَةِ كطَهارَةِ المُسْتَحاضَةِ إذا انْقَطعَ دَمُها. وقِياسُهم لا يَصِحُّ، فإنَّ الصومَ هو البَدَلُ نَفْسُه، فنَظِيرُه إذا قَدَر على الماءِ بعدَ تَيَمُّمِه، ولا خِلافَ في بُطْلانِه. ثم الفَرْقُ بَينَهما أنَّ مُدَّةَ الصيامِ تَطُولُ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ منه؛ لِما فيه مِن الجَمْعِ بينَ فَرْضَين شَاقَّين، بخِلافِ مَسْألَتِنا. وقَوْله: هو غيرُ قادِرٍ. غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ الماءَ قَرِيبٌ، وآلتَهُ (¬3) صَحِيحَةٌ، والمَوانِعَ مُنْتَفِيَةٌ. قَوْلُهم: إنَّه مَنْهِيٌّ عن إبْطالِ الصلاةِ. قُلْنا: لم يُبْطِلْها، وإنَّما هي بَطَلَتْ بزَوالِ الطهارةِ، كما في نَظائِرِها. ¬

(¬1) سورة محمد 33. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 206. (¬3) في الأصل: «والنية».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن وَجَد ماءً قد وَلَغ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، أو شيءٌ مِن سِباعِ البَهائِمِ، وقُلْنا: إنَّه مَشْكُوكٌ فيه. لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ؛ لأنَّه دَخَل في الصلاةِ بطهارةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلم يَخْرُجْ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويَحْتَمِلُ أن يَخْرُجَ, كما لو وَجَد ماءً طاهِرًا. والأوَّلُ أوْلَى. وكذلك إن رَأى رَكْبًا، أو خُضْرةً، أو ما يَدُلُّ على الماءِ في الصلاةِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه ولا تَيَمُّمُه؛ لأنَّه دَخَل فيها بطَهارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. فصل: والمُصَلِّي على حَسَبِ حالِه بغيرِ وُضُوءٍ، ولا تَيَمُّمٍ، إذا وَجَد ماءً في الصلاةِ أو تُرابًا، خَرَج مِنها بكلِّ حالٍ، لأنَّها صلاةٌ بغيرِ طهارةٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَخْرُجَ مِنها إذا قُلْنا: لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ. كما في المُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الصلاةِ، ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ سَقَط اعْتِبارُه، فأشْبَهَتِ السُّتْرَةَ إذا عَجَز عنها، فصَلَّى عُرْيانًا، ثم وَجَد السُّتْرَةَ في أثْناءِ الصلاةِ قَرِيبًا منه. وكلُّ صلاةٍ تَلْزَمُه إعادَتُها، فإنَّه يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها إذا زال العُذْرُ فيها، ويَلْزَمُه اسْتِقْبالُها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولو يَمَّمَ المَيِّتَ، ثم قَدَر على الماءِ في أثْناءِ الصلاةِ عليه، لَزِمَه الخُرُوجُ؛ لأنَّ غُسْلَ المَيِّتِ مُمْكِنٌ غيرُ مُتَوَقِّفٍ على إبْطالِ المُصَلِّي صَلاته، بخِلافِ مَسْألَتِنا. ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ كمَسْألَتِنا؛ لأنَّ الماءَ وُجِد بعدَ الدُّخُولِ في الصلاةِ. فصل: وإذا قُلْنا: لا يَلْزَمُ المُصَلِّيَ الخُرُوجُ لرُؤْيَةِ الماءِ، فهل يَجُوزُ له الخُرُوجُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه شَرَع في مَقْصُودِ البَدَلِ، فجازَ له الُّرجُوعُ إلى المُبْدَلِ، كمَن شَرَع في صَوْمِ الكَفّارَةِ، يَجُوزُ له الانْتِقالُ إلى العِتْقِ. والثاني، لا يجُوزُ له الخُرُوجُ. وهو أوْلَى؛ لأنَّ ما لا يُوجِبُ الخُرُوجَ مِن الصلاةِ لا يُبِيحُه، كسائِرِ الأشياءِ، ولأنَّ فيه إبْطالًا للعَمَلِ (¬1)، فلم يَجُزْ؛ لقَوْلِه تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ}. ولأصحابِ الشافعيَّ وَجْهان كهذَين. فصل: إذا رَأى ماءً في الصلاةِ، ثم انْدَفَقَ (¬2) قبلَ اسْتِعْمالِه، بَطَل تَيَمُّمُه وصَلاتُه إن قُلْنا: يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها. ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُ التَّيَمُّمِ والصلاةِ. وإن قُلْنا: لا يَبْطُلُ. وانْدَفقَ وهو في الصلاةِ، فقال ابْنُ عَقِيلٍ: ليس له أن يُصَلِّيَ بذلك التَّيَمُّمِ صلاةً أُخْرَى. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ ¬

(¬1) في م: «للغسل». (¬2) في م: «انقلب».

188 - مسألة: (ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت، لمن يرجو وجود الماء)

وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، لِمَنْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رُؤْيَةَ الماءِ حَرَّمَتْ عليه افْتِتاحَ صلاةٍ أُخْرَى. ولو تَلَبَّسَ بنافِلَةٍ ثم رأى ماءً، فإن كان نَوَى عَدَدًا، أتَى به، وإن لم يَكُنْ نَوَى عَدَدًا، لم يكنْ له أن يَزِيدَ على رَكْعتَين؛ لأنَّه أقَلُّ الصلاةِ على ظاهِرِ المذهبِ، قال شيخُنا (¬1): ويَقْوَى عِنْدِي أنَّنا إذا قُلْنا: لا تَبْطُل الصلاةُ برُؤْيَةِ الماءِ. فله افْتِتاحُ صلاةٍ أُخْرَى؛ لأنَّ رُؤْيَةَ الماءِ لم تُبْطِلِ التَّيَمُّمَ في الصلاةِ، ولا وُجِد بعدَها ما يُبْطِلُه، فأشْبَهَ ما لو رَآه وبينَه وبينَه سَبُعٌ، ثم انْدَفَقَ قبلَ زَوالِ المانِعِ، فعلى هذا له أن يُصَلِّيَ ما يَشاءُ, لو لم يَرَ (¬2) الماءَ. واللهُ أعْلَمُ. فصل: وإن خَرَج الوَقْتُ وهو في الصلاةِ، بَطَل تَيَمُّمُه وصَلاتُه؛ لأنَّ طَهارَتَه انْتَهَتْ بانْتِهاءِ وَقْتِها، فبَطَلَتْ, كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ وهو في الصلاةِ. 188 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلى آخِرِ الوَقْتِ، لمَن يَرْجُو وُجُودَ الماءِ) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وإن يَئس مِن وُجودِه، اسْتُحِبَّ تَقدِيمُه. وهذا مذهبُ مالكٍ. وقال الشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيه: التَّقْدِيمُ أفْضَلُ، إلَّا أن يكُونَ واثِقًا بوُجودِ الماءِ في الوَقْتِ؛ لأنَّ أوَّلَ الوَقْتِ فَضِيلَةٌ ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 350. (¬2) في م: «رأى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُتَيَقَّنَةٌ، فلا تُتْرَكُ لأمْرٍ مَظْنُونٍ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ اسْتِحْبابُ تَأْخِيرِ التَّيَمُّمِ بكلِّ حالٍ، وهو قولُ القاضي. نَصَّ عليه أحمدُ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعَطاءٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصحاب الرَّأْي؛ لقولِ عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، في الجُنُبِ: يَتَلَوَّمُ (¬1) ما بينَه وبينَ آخِرِ الوَقْتِ، فإن وَجَد المَاءَ، وإلَّا تَيَمَّمَ. ولأنَّه يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الصلاةِ إلى بعدِ العشاءِ وقَضاءِ الحاجةِ كَيلا يَذْهَبَ خُشُوعُها وحُضُورُ القَلْبِ فيها، ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها لإِدْراكِ الجَماعَةِ، فتَأْخِيرُها لإِدْراكِ الطهارةِ المشْتَرَطَةِ أوْلَى. ¬

(¬1) تلوَّم في الأمر: تمكث وانتظر.

189 - مسألة: (فإن تيمم في أول الوقت وصلى أجزأه)

وَإنْ تَيَمَّمَ وصَلَّى في أَوَّلِ الْوَقْتِ أَجْزأَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 189 - مسألة: (فإن تَيَمَّمَ في أوَّلِ الوَقْتِ وصَلَّى أجْزأه) ولا تَجِبُ عليه الإعادَةُ، سَواءٌ وَجَد الماءَ في الوَقْتِ، أو لم يَجِدْ، وقد ذَكَرْنا ذلك. ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ به (¬1) في حالِ العُذْرِ، فلم تَجِبْ عليه الإِعادَةُ بزَوالِ العُذْرِ، كمَن صَلَّى عُرْيانًا، ثم قَدَر على السُّتْرَةِ، وكمَن صَلَّى جالِسًا لمَرَضٍ، ثم بَرَأ في الوَقْتِ. واللهُ أعلم. ¬

(¬1) سقط من: م.

190 - مسألة: (والسنة في التيمم أن ينوي ويسمي ويضرب بيديه مفرجتي الأصابع على التراب ضربة واحدة، فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه)

وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ أَن يَنْويَ، وَيُسَمِّيَ، وَيَضْرِبَ بِيَدَيهِ مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابعِ عَلَى التُّرَابِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، وَكَفَّيهِ بِرَاحَتَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 190 - مسألة: (والسُّنَّةُ في التَّيَمُّمِ أن يَنْويَ ويُسَمِّيَ ويَضْرِبَ بيَدَيه مُفَرَّجَتَيِ الأصابعِ على التُّرابِ ضَرْبَةً واحِدَةً، فيَمْسَحَ وَجْهَه بباطِنِ أصابِعِه وكَفَّيْه براحَتَيه) المَسْنُونُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ، قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ؟ فقال: نعم، للوَجْهِ والكَفَّين، ومَن قال: ضَرْبَتَين. فإنَّما هو شيءٌ زادَه. قال التِّرمِذِيُّ (¬1): وهو قَوْلُ غيرِ واحِدٍ مِن أهلِ العِلمِ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم؛ منهم عليٌّ، وعَمّارٌ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ. وقال الشافعيُّ: لا يُجْزِيء التَّيَمُّمُ إلَّا بضَرْبَتَين؛ للوَجْهِ واليَدَين إلى المِرْفَقَين. ورُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِه سالمٍ، والحسنِ، ¬

(¬1) عارضة الأحوذي 1/ 240.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لِما روَى ابنُ الصِّمَّةِ (¬1)، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَيَمَّمَ، فمَسَحَ وَجْهَه وذِراعَيه (¬2). وروَى ابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبو أُمامَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَة لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَينِ إِلَى المِرْفَقَينِ» (¬3). ولأنَّه بَدَلٌ يُؤْتَى به في مَحَلِّ مُبْدَلِه، فكان حَدُّه فيهما واحِدًا كالوَجْهِ. ولَنا، ما روَى عَمّارٌ، قال: بَعَثَنِي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حاجَةٍ، ¬

(¬1) هو أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري الصحابي، وكان أبوه من كبار الصحابة. أسد الغابة 6/ 59، 60. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة، من كتاب التيمم. صحيح البخاري 1/ 92. ومسلم، في: باب التيمم، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 281. وأبو داود، في: باب في التيمم في الحضر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 79. والدارقطني، في: باب التيمم، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 176، 177. والبيهقي، في: باب كيف التيمم، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 205. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 169. (¬3) حديث ابن عمر أخرجه الحاكم في: باب أحكام التيمم، من كتاب الطهارة. المستدرك 1/ 179، 180 والدارقطني، في: باب التيمم، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 180 - 182. والبيهقي، في: باب كيف التيمم، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 207. وكذلك أخرج الثلاثة السابقون حديث جابر، في المواضع السابقة: المستدرك 1/ 180، وسنن الدارقطني 1/ 181، 182، والسنن الكبرى 1/ 207 كما أخرجه الدارقطني عن علي أيضًا: «ضربة للوجه وضربة للذراعين». سنن الدارقطني 1/ 182. وحديث أبي أمامة أخرجه الطبراني في الكبير ولفظه: «التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين». المعجم الكبير 8/ 292، 293.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فأَجْنَبْتُ، فلم أجِدِ الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كما تَمَرَّغُ الدّابَّةُ، ثم أتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرْتُ ذلك له، فقال.: «إنَّمَا يَكْفِيكَ أنْ تَقولَ بِيَدَيكَ هَكَذَا». ثم ضَرَب بيَدَيه الأرْضَ ضَرْبَةً واحِدَةً، ثم مَسَح الشِّمال على اليَمِينِ، وظاهِرَ كَفَّيه ووَجْهَه. مُتِّفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على مُطْلَقِ اليَدَين، فلم يَدْخُلْ فيه الذِّراعُ، كقَطْعِ السّارِقِ، ومَسِّ الفَرْجِ، وقد احْتَجَّ ابنُ عباسٍ بهذا. وأمّا أحادِيثُهم فضَعِيفَةٌ، قال الخَلّالُ: الأحادِيثُ في ذلك ضِعافٌ جِدًّا، ولم يَرْو أصحابُ السُّنَنِ منها إلَّا حديثَ ابنِ عُمَرَ. وقال أحمدُ: ليس بصَحِيحٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو عندَهم حديثٌ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب التيمم للوجه والكفين، من كتاب التيمم. صحيح البخاري 1/ 93. ومسلم، في: باب التيمم، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 280. كما أخرجه أبو داود، في: باب التيمم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 77. والنسائي، في: باب التيمم في الحضر، وباب نوع آخر من التيمم، وباب تيمم الجنب، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 35، 138، 139. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التيمم بضربة واحدة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 188. وانظر: باب ما جاء في التيمم، من أبواب الطهارة، من سنن الترمذي. عارضة الأحوذي 1/ 239.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُنْكَرٌ. قال الخَطَّابِيُّ (¬1): يَرْويه محمدُ بنُ ثابتٍ، وهو ضَعِيفٌ (¬2). وحديثُ ابنِ الصِّمَّةِ صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما جاء في المُتَّفَقِ عليه: فمَسَحَ وَجْهَه ويَدَيه. فيَكُونُ حُجَّةً لَنا؛ لأنَّ ما عَلِق على مُطْلَقِ اليَدَين لا يَتَناوَلُ الذِّراعَين. ثم أحادِيثُهم لا تُعارِضُ حَدِيثنا؛ لأنَّها تَدُلُّ على جَوازِ التَّيَمُّمِ بضَرْبَتَين، ولا يَنْفِي ذلك جَوازَ التَّيَمُّمِ بضَرْبَةٍ، كما أنَّ وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا لا يَنْفِي الإِجْزاءَ بمَرَّةٍ. فإن قِيل: فقد رُوِيَ في حديثِ عَمّارٍ: «إلى المِرْفَقَينِ». فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالكَفَّين اليَدَين إلى المِرْفَقَين. قُلْنا: حديثُ: «إلى المِرْفَقَينِ»، لا يُعَوَّلُ عليه، إنَّما رَواه سَلَمَةُ (¬3)، وشَكَّ فيه. ذَكَر ذلك النَّسائِيُّ (¬4). فلا يَثْبُتُ مع الشَّكِّ، مع أنَّه قد أُنْكِر عليه، ¬

(¬1) معالم السنن 1/ 101. (¬2) العبارة في معالم السنن: قالوا: وحديث ابن عمر لا يصح؛ لأن محمد بن ثابت العبدي ضعيف جدا، لا يحتج بحديثه. (¬3) أي: سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي الكوفي، أبو يحيى، متقن للحديث، توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة. تهذيب التهذيب 4/ 155 - 157. (¬4) في: نوع آخر من التيمم، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 138.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وخالفَ به سائِرَ الرُّواةِ الثِّقاتِ، فكيف يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِ هذا؟ وأمّا التَّأْويلُ فباطِلٌ، لأمُورٍ: أحَدُها، أنَّ عَمَّارًا الرّاويَ له الحاكِيَ فِعْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أفْتَى بعدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في التَّيَمُّمِ للوَجْهِ والكَفَّين، عَمَلًا بالحديثِ. وقد شاهَدَ فِعْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والفِعْلُ لا احْتِمال فيه. الثاني, أنَّه قال: ضَرْبَةً واحِدَةً. وهم يقولون: ضَرْبَتان. الثالثُ، أنّا لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ التَّعْبِيرَ بالكَفَّين عن الذِّراعَين. الرابعُ، أنَّ الجَمْعَ بينَ الخَبَرَين بما ذَكَرْناه، مِن أنَّ كلَّ واحِدٍ من الفِعْلَين جائِزٌ، أقْرَبُ مِن تَأْويلِهم وأسْهَلُ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالتَّيَمُّم عن الغُسْلِ الواجِبِ، فإنَّه يَنْقُضُ عن المُبْدَلِ، وكذلك في الوُضُوءِ، فإنَّه في عُضْوَين، وكذا في الوَجْهِ، فإنَّه [لا يَجِبُ] (¬1) مَسْحُ ما تحتَ الشُّعُورِ الخَفِيفَةِ. واللهُ أعلمُ. فصل: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ وبضَرْبَتَين، وإن تَيَمَّمَ بأكْثَرَ مِن ضَرْبَتَين جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ إيصالُ التُّرابِ إلى مَحَلِّ الفَرْضِ، فكَيفَما حَصَل جاز، كالوُضُوءِ. فإن تَيَمَّمَ ¬

(¬1) في الأصل: «يجب».

وَقَال الْقَاضِي: الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ بإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ، وَبِالأُخْرَى يَدَيهِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ، فَيَضَعُ بُطُونَ أصَابِعِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أصَابِعِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطنِ الذِّرَاعِ ويُمِرُّهَا عَلَيهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بضَرْبَةٍ، فإنَّه يَمْسَحُ وَجْهَه بباطِنِ أصابِعِه، وظاهِرَ كَفَّيهِ إلى الكُوعَين بباطِنِ راحَتَيه، ويُسْتَحَبُّ أنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرّاحَتَين بالأُخْرَى، ولا يَجبُ ذلك؛ لأنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَين قد سَقَط بإمْرارِ كلِّ واحدَةٍ على ظَهْرِ الكَفِّ. ويُفَرِّقُ أصابِعَه عندَ الضَّربِ؛ ليَدْخُلَ الغُبارُ فيما بَينَها. وإن كان التُّرابُ ناعِمًا، فوَضَعَ اليَدَين عليه وَضْعًا، أجْزأَة. وإن مَسَح بضَرْبَتَين، مَسَح بإحْداهما وَجْهَه، وبالأُخْرَى يَدَيه. قال ابنُ عَقِيلٍ: رَأيتُ التَّيَمُّمَ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ قد أسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا في الوُضُوءِ، وهو أنَّه يَعْتَدُّ بمَسْحِ باطِنِ أَصابِعِه مع مَسْحِ وَجْهِه، وكَيفَما مَسَح بعدَ أن يَسْتَوْعِبَ مَحَلَّ الفَرْضِ أَجْزأه. فصل: والمَسْنُونُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ كما وَصَفْنا. نَصَّ عليه. (وقال القاضِي): التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ إلى الكُوعَين صِفَةُ الإِجْزاءِ و (المَسْنُونُ ضَرْبَتان؛ يَمْسَحُ بأُولاهُما وَجْهَه، وبالأُخْرَى يَدَيه إلى المِرْفَقَين، فيَضَعُ بُطُونَ أَصابعِ اليُسْرَى على ظَهْرِ أصابِعِ اليُمْنَى ثم يُمِرُّها إلى مِرْفَقِه، ثم يُدِيرُ بَطنَ كَفِّه إلى بَطنِ الذِّراعِ، ويمِرُّها عليه،

ويُمِرُّ إِبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ الْيُسْرَى بالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَينِ بِالأخْرَى، وَيُخَلِّلُ الأصَابِعَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُمِرُّ إبْهامَ اليُسْرَى على ظَهْرِ إبهامِ اليُمْنَى، ثم يَمْسَحُ يَدَه اليُسْرَى بيَدِه اليُمْنَى كذلك، ويَمْسَحُ إحْدَى الرّاحَتَين بالأُخْرَى) ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُ الأصابِعِ قِياسًا على الوُضُوء، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أَنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تَيَمَّمَ بضَرْبَتَين إلى المرْفقَين، وأقلُّ أحْوالِ فِعْلِه إذا يَدُلَّ على الإِيجابِ الاسْتِحْبابُ. الثاني، أنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ. وإنَّما اخْتارَ الإِمامُ أحمدُ الأوَّلَ؛ لأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحةَ إنَّما جاء فيها المَسْحُ إلى الكُوعَين. فصل: وإذا وَصَل التُّرابُ إلى وَجْهِه ويَدَيه بغيرِ ضَرْبٍ، نَحْوَ أنْ نَسَفَتِ الرِّيحُ عليه غُبارًا، فإن لم يَكُنْ قَصَد الرِّيحَ ولا صَمَد لها، فمَسَحَ وَجْهَه بما عليه لم يُجْزِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَر بقَصْدِ الصَّعِيدِ، ولم يُوجَدْ، وإن مَسَح وَجْهَه بغيرِ ما عليه أجْزأه؛ لأنَّه قد أخَذَ التُّرابَ لوَجْهِه، فلا فرْقَ بينَ أن يَأْخُذَه مِن ثِيابِه، أو مِن الأرْضِ، وإن كان صَمَد للرِّيحِ، وأحْضَرَ النِّيَّةَ، فقال القاضي والشَّرِيفُ أبُو جَعْفَرٍ: يُجْزِئُه كما لو صَمَد للمَطرَ حتى جَرَى على أعْضائِه. قال شيخُنا (¬1): والصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو اخْتِيارُ ابنِ عَقِيل؛ لأنَّه لم يَمْسَحْ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بالمَسْحِ. فعلى هذا، إن مَسَح وَجْهَه بما عليه أجْزأه؛ لحُصُولِ المَسْحِ، ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 324.

191 - مسألة: (ومن حبس في المصر صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه)

وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بقَصْدِ الصَّعِيدِ والمَسْحِ به. واللهُ أعلمُ. فصل: وإذا عَلا على يَدَيه تُرابٌ كَثِيرٌ، لم يُكرَهْ نَفْخُه؛ لأنَّ في حَدِيثِ عَمّارٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَب بيَدَيه الأرْضَ، ونَفَخ فيهما. قال أحمدُ: لا يَضُرُّه، فَعَل أو لم يَفْعَلْ. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ. ومِمَّن لم يَكْرَهْ نَفْخَ اليَدَين ونَفْضَهما الشَّعْبِيُّ. وقال مالكٌ: نَفْضًا خَفِيفًا. وقال الشافيُّ: لا بَأْس به إذا بَقِي على يَدَيه غُبارٌ. وهو قولُ إسحاقَ. وقال أصحابُ الرَّأْي: يَنْفُضُهما. وكان ابنُ عُمَرَ لا يَنْفُضُ يَدَيه. وذَكَر القاضي وابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً، أنَّه يُكْرَهُ, كما يُكْرَهُ نَفْضُ الماءِ عن اليَدَين في الوُضوءِ. فإن كان التُّرابُ خَفِيفًا، فقال أصحابُنا: يُكْرَهُ نَفْخُه، روايةً واحِدَةً. فإن ذَهَب ما عليهما بالنَّفْخِ، أعاد الضَّرْبَ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالمَسْحِ بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ. 191 - مسألة: (ومَن حُبِس في المِصْرِ صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، ولا إعادَةَ عليه) قد ذَكَرْنا أنَّ مَن صَلَّى بالتَّيَمُّمِ في الحَضَرِ لعَدَمِ الماءِ،

192 - مسألة: (ولا يجوز لواجد الماء التيمم خوفا من فوات المكتوبة، ولا الجنازة. وعنه، يجوز للجنازة)

وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَا الْجِنَازَةِ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ لِلْجِنَازَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ هل تَجِبُ عليه الإِعادَةُ؟ فيه رِوايَتان على الإِطْلاقِ؛ إحْداهما، لا تَجِبُ عليه الإِعادَةُ. وهو مذهبُ مالكٍ، قِياسًا على السَّفَرِ. والثانيةُ، تَجِبُ عليه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يُلْحَقُ بالغالِبِ. وعنه، لا يُصَلِّي حتى يَجِدَ الماءَ، أو يُسافِرَ. ذَكَره في «المُحَرَّرِ» (¬1). وقال أبو الخَطّابِ: لا تَجِبُ عليه الإِعادَةُ في هذه المَسْألَةِ. وهو الصحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، وذَكَر في غيرِها رِوايَتَين. ووَجْهُ قولِ أبي الخَطّابِ أنَّ هذا عادِمٌ للماءِ بعُذْرٍ مُتَطاولٍ مُعْتادٍ، أشْبَهَ المُسافِرَ. 192 - مسألة: (ولا يَجُوزُ لواجِدِ الماءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِن فَواتِ المَكْتُوبَةِ، ولا الجِنازَةِ. وعنه، يَجُوزُ للجِنازَةِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا كان الماءُ مَوْجُودًا، إلَّا أنَّه إن اشْتَغَلَ بتَحْصِيلِه واسْتِعْمالِه فات الوَقْتُ، لم يُبَحْ له التَّيَمُّمُ، سَواءٌ كان حاضِرًا أو مُسافِرًا، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن الأوزْاعِيِّ، ¬

(¬1) في م: «المجرد».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثَّوْرِيِّ: له التَّيَمُّمُ. ورُوي عن مالكٍ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، نَحْوُ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لقَوْلِ الله تِعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. وحَدِيثِ أبي ذَرٍّ، وهذا واجِدٌ للماءِ، ولأنَّه قادِرٌ على الماءِ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ, لو لم يَخَفْ فوْتَ الوَقْتِ. ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ، فلم يُبَحْ تَرْكُها خِيفةَ فَوْتِ وَقْتِها، كسائِرِ شَرْائِطِها. وإن خاف فَوْتَ العِيدِ فكذلك. وقال الأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: له التَّيَمُّمُ؛ لأنَّه يَخافُ فَوْتَها بالكُلِّيَّةِ، فأشْبَهَ العادِمَ. ووَجْهُ الأوَّلَ، ما ذَكَرْنا مِن الآيَة، والمَعْنَى. فأمّا إن خاف فَوْتَ الجِنازَةِ، ففيه رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، لا يَجُوزُ له التَّيَمُّمُ؛ لِما ذَكَرْنا. وهو قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ. والثانيةُ، يَجُوزُ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وابنِ عباسٍ. وبه قال النَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْراكُها بالوُضُوءِ، أشْبَهَ العادِمَ. وقال الشَّعْبِيُّ: يُصَلِّي عليها مِن غيرِ وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ؛ لأنَّه لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُودَ، أشْبَهَتِ الدُّعاءَ في غيرِ الصلاةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيرِ طَهُورٍ» (¬1). ولأنَّ اللهَ تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}. الآيةُ، ثم أباحَ تَرْكَ الغَسْلِ مَشْرُوطًا بعَدَمِ الماءِ، بقولِه: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. ليَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ العُمُومِ. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب وجوب الطهارة للصلاة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 204. وأبو داود، في: باب فرض الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 14. والترمذي، في: باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 8. والنسائي، في: باب فرض الوضوء، من كتاب الطهارة، وفي: باب الصدقة من غلول، من كتاب الزكاة. المجتبى 1/ 75، 5/ 42. وابن ماجه، في: باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 100. والدارمي، في: باب لا تقبل الصلاة بغير طهور، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 175. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 20، 39، 51، 57، 73، 5/ 74، 75.

193 - مسألة: (وإن اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض، فبذل ماء يكفي أحدهم، لأولاهم به، فهو للميت. وعنه، أنه للحي. وأيهما يقدم؟ فيه وجهان)

وَإنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ، وَمَيِّتٌ، وَمِنْ عَلَيهَا غُسْلُ حَيضٍ، فَبُذِلَ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمْ لأَوْلَاهُمْ بِهِ، فهُوَ لِلْمَيِّتِ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِلْحَيِّ. وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 193 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ ومَيِّتٌ ومَن عليها غُسْلُ حَيضٍ، فبُذِلَ ماءٌ يَكْفِي أحَدَهم، لأوْلاهُم به، فهو للمَيِّتِ. وعنه، أنَّه للحَيِّ. وأيُّهما يُقدّمُ؟ فيه وَجْهان) وجُمْلَتُه، أنَّه إذا اجْتَمَعَ جُنُبٌ ومَيِّت ومَن عليها غُسْلُ حَيضٍ، ومعهم ماءٌ لا يَكْفِي إلَّا أحَدَهم؛ فإن كان مِلْكًا لأحَدِهم، فهو أحَقُّ به؛ لأنَّه مُحْتاج إليه لنَفْسِه، ولا يَجُوزُ له بَذْلُه لغيرِه. وإن كان الماءُ لغيرِهم، فأرادَ أن يَجُودَ به على أوْلاهُم به، ففيه رِوايَتان؛ أُولاهُما، أنَّ المَيِّتَ أحَقُّ به؛ لأنَّ غُسْلَه خاتِمَة طَهارَتِه،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وصاحِباه يَرْجِعان إلى الماءِ فيَغْتَسِلان، ولأنَّ القَصْدَ بغُسْلِ المَيِّتِ تَنْظِيفُه، ولا يَحْصُلُ بالتَّيَمُّمِ، والحَيُّ يُقْصَدُ بغُسْلِه إباحَةُ الصلاةِ، وذلك يَحْصُلُ بالتُّرابِ. والثانيةُ، الحَيُّ أوْلَى؛ لأنَّه مُتَعَبِّدٌ بالغُسْلِ مع وُجُودِ الماءِ، والمَيِّتُ قد سَقَط الفَرْضُ عنه بالمَوْتِ، ولأنَّ الحَيَّ يَسْتَفِيدُ ما لا يَستَفِيدُ المَيِّتُ؛ مِن قِراءَةِ القرآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، والوَطْءِ. اخْتارَها الخَلّالُ. وهل يُقَدَّمُ الجُنُبُ أو الحائِضُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الحائِضُ، لأنَّها تَقْضِي حَقَّ اللهِ تعالى، وحَقَّ زَوْجِها في إباحَةِ وَطْئِها. والثاني، الجُنُبُ أحَقُّ إذا كان رجلًا؛ لأنَّه يَصْلُحُ إمامًا لها، ولا تَصْلُحُ لإِمامَتِه. وإن كان على أحَدِهم نَجاسَةٌ فهو أوْلَى؛ لأنَّ طهارةَ الحَدَثِ لها

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَدَلٌ مُجْمَعٌ عليه، بخِلافِ النَّجاسَةِ. وإن وَجَدُوا الماءَ في مَكانٍ، فهو للأحْياءِ؛ لأنَّه لا وجْدانَ للمَيِّتِ. وإن كان للمَيِّتِ ففَضَلَتْ منه فَضْلَةٌ، فهو لوَرَثَتِه، فإن لم يَكُنْ له وارِثٌ حاضِرٌ، فللحَيِّ أخْذُه بقِيمَتِه؛ لأنَّ في تَرْكِه إتْلافَه. وقال بَعْضُ أصحابِنا: ليس له أخْذُه؛ لأنَّ مالِكَه لم يَأْذَنْ فيه، إلَّا أن يَحْتاجَ إليه للعَطَشِ، فيَأخُذَه بشَرْطِ الضَّمانِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإنِ اجْتَمَع جُنُبٌ ومُحْدِثٌ، وكان الماءُ لا يَكْفِي الجُنُبَ، فهو أوْلَى؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ به ما لا يَسْتَفِيدُه المُحْدِث. وإن كان فوقَ حاجَةِ المُحْدِثِ فهو أوْلَى به؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ به طهارةً كامِلَةً. وإن كان لا يَكْفِي واحِدًا منهما، فالجُنُبُ أوْلَى به، لأنَّه يَسْتَفِيدُ به تَطْهِيرَ بَعْضِ أعْضائِه. وإن كان يَفْضُلُ عن كلِّ واحدٍ منهما فَضْلَةٌ لا تَكْفِي صاحِبَه، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يُقَدَّمُ الجُنُبُ؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ بغُسْلِه ما لا يَسْتَفِيدُه المُحْدِثُ. والثاني، يُقَدَّمُ المُحْدِثُ؛ لأنَّ فَضْلَتَه يَلْزَمُ الجُنُبَ اسْتِعْمالُها، رِوايةً واحِدَةً. والثالثُ، التَّسْويَةُ؛ لأنَّه تَقابَلَ التَّرْجِيحان فتَساوَيا، فيُدْفَعُ إلى أحَدِهما، أو يُقْرَعُ بينَهما، وإذا تَغَلَّبَ مَن غيرُه أوْلَى منه على الماءِ، فاسْتَعْمَلَه، كان مُسِيئًا، وأجْزأه، لأنَّ الآخَرَ لم يَمْلِكْه، وإنَّما رَجَح لشِدَّةِ حاجَتِه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وهل يُكْرَهُ للعادِمِ جِماعُ زَوْجَتِه إذا لم يَخَفِ العَنَتَ؟ فيه رِوايَتان: إحْداهما، يُكْرَهُ. يُرْوَى نَحْوُه عن مالكٍ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ على نَفْسِه طهارةً مُمْكِنًا بَقاؤُها. والثانية، لا يُكْرَهُ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، رَضِي اللهُ عنهم. وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، وجابرِ بنِ زيدٍ (¬1)، والحسنِ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ. وحُكِي عن عَطاءٍ: إن كان بينَه وبينَ الماءِ أرْبَعُ لَيالٍ فأَكْثَرُ فليُصِبْ أهْلَه، وإن كان ثلاث لَيالٍ فما دُونَها، فلا يُصِبْها. وقال الزُّهْرِيُّ: إن كان في سَفَرٍ فلا يَقْرَبْها حتى يَأْتِيَ الماءَ، وإن كان الماءُ مُعْزِبًا فلا بَأْسَ أن يُصِيبَها. والأوْلَى جَوازُ وَطْئِها مُطْلَقًا ¬

(¬1) أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الفقيه بالبصرة، توفي سنة ثلاث مائة، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. طبقات الفقهاء، للشيرازي 88، العبر 1/ 108.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لأنَّ أبا ذَرٍّ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي أعْزُبُ عن الماءِ ومعي أهْلِي، فتُصِيبُنِي الجَنابَةُ، فأُصَلِّي بغيرِ طَهُورٍ؟ فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ». رَواه أبو داودَ والنَّسائِيُّ (¬1). وأصاب ابنُ عباسٍ جارِيَةً له رُومِيَّةً، وهو عادِمٌ للماءِ، وصَلَّى بأصحابِه وفيهم عَمّارٌ، فلم يُنْكِرْه (¬2). قال إسحاقُ بنُ راهُويَه: هو سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في أبي ذَرٍّ وعَمّارٍ وغيرِهما. فإذا فَعَلا ووَجَدا مِن الماءِ ما يَغْسِلان به فَرْجَيهِما، غَسَلاهما ثم تَيَمَّما، وإن لم يَجدا تَيَمَّما للجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ والنَّجاسَةِ، وصَلَّيا. ويَجُوزُ للمُتَيَمِّمِ أَن يُصَلِّيَ بالمُتَوَضِّئِين، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ عَمْرِو بنِ العاصِ، رَضِي اللهُ عنه. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 206. (¬2) في م: «ينكروه».

باب إزالة النجاسة

بَابُ إِزَالةِ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ إِزَالتهَا بِغَيرِ الْمَاء. وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيل؛ كَالْخَلِّ، وَنَحْوهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ إزالةِ النَّجاسَةِ (لا تَجُوزُ إزالتُها بغيرِ الماءِ) في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وزُفَرُ. ورُوِيَ عن أحمدَ (ما يَدُلُّ على أنَّها تُزالُ بكلِّ مائِعٍ طاهِرٍ مُزِيلٍ) للعَينِ والأثَرِ، (كالخَلِّ، ونَحْوه) وماءِ الوَرْدِ، وماءِ الشَّجَرِ ونَحْوه. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِناءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان إلخ، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 54. ومسلم في: باب حكم ولوغ الكلب، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 234، 235. كما أخرجه أبو داود، في: باب الوضوء بسؤر الكلب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17، 18. والترمذي، في: باب ما جاء في سؤر الكلب، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 133. والنسائي، في: باب سؤر الكلب، وفي: باب الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ الكلب فيه، وفي: باب تعقير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب، من كتاب الطهارة، وفي: باب سؤر الكلب، وفي: باب تحفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 46، 47، 144، 145. وابن ماجه، في: باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 130. والدارمي، في: باب في ولوغ الكلب، في كتاب الصلاة والطهارة، سنن الدارمي 1/ 188. والإمام مالك، في: باب جامع الوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 34. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 245، 253، 265، 271، 314، 360، 398، 424، 427، 460، 480، 482، 508، 4/ 86، 5/ 56.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أطْلَقَ الغَسْلَ فتَقْيِيدُه بالماءِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولأنَّه مائِعٌ طاهِرٌ مُزِيلٌ، فجازَتْ إزالةُ النَّجاسةِ به، كالماءِ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأسماءَ (¬1): «إِذَا أصَابَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ بِهِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن أنَسِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بذنُوبٍ مِن ماءٍ فأُهْرِيقَ على بَوْلِ الأعْرابِيِّ (¬3). وهذا أمْرٌ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ¬

(¬1) إنما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا القول لامرأة جاءت تسأله، وروت هذا أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب غسل الدم، من كتاب الوضوء؛ وفي: باب غسل دم الحيض، من كتاب الحيض. صحيح البخاري 1/ 66، 84. ومسلم، في: باب نجاسة الدم وكيفية غسله، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 240. كما أخرجه أبو داود، في: باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، من كتاب الطهارة. . . سنن أبي داود 1/ 87. والترمذي، في: باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب. من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 219. والنسائي، في: باب دم الحيض يصيب الثوب، من كتاب الطهارة. وفي: باب دم الحيض يصيب الثوب، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 126، 127، 160، 161 وابن ماجه، في: باب ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب، من كتاب الطهارة 1/ 206. والدارمي، في: باب في دم الحيض يصيب الثوب، من كتاب الصلاة والطهارة. سنن الدارمي 1/ 197. والإمام مالك، في: باب جامع الحيضة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 60، 61. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 345، 346، 353. وجاء «فلتقرضه» عند الإمام أحمد، وورد: «فلتقْرُصْه» و «ثم اقْرُصيه». و «ثم تقرصُه» في بقية المواضع. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب يهريق الماء على البول، من كتاب الوضوء، وفي: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: يسروا ولا تعسروا، من كتاب الأدب. صحيح البخاري 1/ 65، 8/ 37. ومسلم، في: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 236، 237. كما أخرجه أبو داود، في: باب الأرض يصيبها البول، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 90، 91. والترمذي، في: باب ما جاء في البول يصيب الأرض، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 243، 244. والإمام مالك، في: باب ما جاء في البول قائمًا وغيره، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 64، 65. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 239، 282، 3/ 110، 111، 167.

194 - مسألة: (ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعا، إحداهن بالتراب)

وَيَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ سَبْعًا، إحدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ ولأنَّها إحدَى الطَّهارَتَين المُشْتَرَطَةُ للصلاةِ، فأشْبهتْ طهارةَ الحَدَثِ، ومُطْلَقُ حَدِيثهم مُقَيَّدٌ بحَدِيثنا، والماءُ مُخْتَصٌّ بإحْدَى الطَّهارَتَين، فكذلك الأخْرَى، فأمّا ما لا يُزِيلُ كالمَرَقِ واللَّبَنِ والدُّهْنِ ونَحوه، فلا خِلافَ في أنَّ النَّجاسَةَ لا تَزُولُ (¬1) به. واللهُ أعلمُ. 194 - مسألة: (ويَجِبُ غَسْلُ نَجاسَةِ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ سَبْعًا، إحداهُنَّ بالتُّرابِ) لا يَخْتَلِف المَذْهبُ في نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ وما تَوَلَّد منهما، أنَّه نَجِسٌ، عَينُه وسُورُه وعَرَقُه، وكلُّ ما خَرَج منه. رُوِيَ ذلك عن عُرْوَةَ. وهو قَوْلُ الشافعيِّ، وأبي عُبَيدَةَ. وبه قال أبو حَنِيفةَ في السُّورِ. وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وداودُ: سُورُهما طاهِرٌ، يَتَوَضَّأُ منه، وإن وَلَغا في طعامٍ لم يحرُم أكْلُه. وقال الزُّهْرِيُّ: يَتَوَضّأ منه إذا لم يَجِد ¬

(¬1) في م: «تزال».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ غيرَه. وقال عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ (¬1)، والثَّوْرِيُّ، وابنُ الماجِشُون: يَتَوَضّأ، ويَتَيَمَّمُ. قال مالك: ويَغْسِلُ الإِناءَ الذي وَلَغ فيه الكلبُ، تَعَبُّدًا. في احْتَجَّ بَعضُهم على طَهارَتِه، بأنَّ الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ} (¬2). ولم يَأمر بغَسْلِ أثَرِ فَمِه. وروَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الحِياضِ التي بينَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، تَرِدُها السِّباعُ والكلابُ والحُمُرُ، وعن الطهارةِ بها، فقال: «لَها مَا حَمَلَتْ فِي بُطونِها، وَلَنا مَا غَبَرَ طَهُورٌ». رَواه ابنُ ماجَه (¬3). ولأنَّه حَيَوانٌ يَجُوزُ اقْتِناؤه، ويَشُقُّ الاحتِرازُ منه، فكان طاهِرًا كالهِرِّ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أحَدِكُم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». مُتَّفَقٌ عليه. ولمسلم: «فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ». ولو كان سُؤرُه طاهرًا لم ¬

(¬1) أبو القاسم عبدة بن أبي لبابة الأسدي الغضائري، مولاهم، كوفيّ ثقة، نزل دمشق، وروى عن ابن عمر وابن عمرو وغيرهما. تهذيب التهذيب 6/ 461، 462. (¬2) سورة المائدة 4. (¬3) في: باب الحياض، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 173.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَجُزْ إراقَتُه، ولا وَجَب غَسْلُه. فإن قالوا: إنَّما وَجَب غَسْلُه تَعَبُّدًا، كما تُغْسَلُ أعضاءُ الوُضوءِ، وتُغْسَلُ اليَدُ مِن نَوْمِ اللَّيلِ. قُلْنا: الأصلُ وُجوبُ الغَسْلِ عن النَّجاسَةِ، كما في سائِرِ الغَسْلِ، ثم لو كان تَعَبُّدًا لَما أمَرَ بإراقَةِ الماءِ، ولَما اخْتَصَّ للغَسْلَ بمَوْضِع الوُلُوغِ؛ لعُمُومِ اللَّفْظِ في الإِناءِ كله، وأمّا غَسْلُ اليَدِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ، فإنَّما أمَرَ به للاختِياطِ؛ لاحتِمالِ النَّجاسَةِ، والوُضُوءُ شُرِع للوَضاءَةِ والنَّظافَةِ؛ ليَكُونَ العَبْدُ في حالِ قِيامِه بينَ يَدَيِ الله تِعالى على أحسَنِ حالٍ وأكْمَلِها، ثم إن سَلّمنا ذلك، فإنَّما عَهِدنا التَّعَبُّدَ في غَسْلِ البَدَنِ أنها الآنِيَةُ والثِّيابُ فإنَّما يَجِبُ غَسْلُها مِن النَّجاساتِ، وقد رُوِيَ في لَفْظٍ: «طَهُورُ إنَاءِ أحدِكُم إِذَا، وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا». أخْرَجَه أبو داودَ (¬1). ولا يَكُونُ الطَّهُورُ إلَّا في مَحَلِّ الطَّهارَةِ. وقَولُهم: إنَّ الله تعالى أمَرَ بأكْلِ ما أمسَكَه الكلبُ قبلَ غَسْلِه. قُلْنا: اللهُ تعالى أمَر بأكْلِه، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِغَسْلِه، فيُعمَلُ بأمرِهما. وإن سَلَّفنا أنه لا يجبُ غَسْلُه، فلأنَّه يَشُقُّ، فعُفِيَ عنه، وحَدِيثُهم قَضِيَّة في عَين؛ يَحْتَمِلُ أنَّ الماءَ المَسْئُولَ عنه كان كَثِيرًا، ولذلك قال في مَوْضِعٍ آخَرَ، ¬

(¬1) في: باب الوضوء بسؤر الكلب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17، 18، وتقدم تخريجه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حينَ سُئِل عن الماءِ، وما يَنُوبُه مِن السِّباعِ فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحمِلِ الْخَبَثَ» (¬1). ولأنَّ لَنا رِوايَةً أنَّ الماءَ لا يَنْجُسُ إلَّا بالتَّغَيُّرِ (¬2)، فلذلك (¬3) لا يُنَجِّسُ الماءَ شُربُها منه، وقِياسُهم على الهِرِّ في مُعارَضة النَّصِّ لا يَصِحُّ، والفَرقُ بينَهما، أنَّ الكلبَ يَأكُلُ النَّجاساتِ عادَةً، بخِلافِ الهِرِّ. واللهُ أعلم. وإذا ثَبَتَتْ نَجاسَةُ الكلبِ، ثَبَتَتْ نَجاسَةُ الخِنْزِيرِ بطرِيقِ التنبِيهِ؛ لأنَّه شَرٌّ منه، وقد نَصَّ الشّارِعُ على تَحرِيمِه، فكان تَنْجِيسُه أوْلَى. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ غَسْلُها إذا كانت على غيرِ الأرض سَبْعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ، ومِمَّن قال: يُغْسَلُ سَبْعَ مَرّاتٍ. أبو هُرَيرَةَ، وابنُ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب ما ينجس من الماء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 15. والترمذي، في: باب من أن الماء لا ينجسه شيء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 85. والنسائي، في: باب التوقيت في الماء، من كتاب الطهارة، ومن كتاب المياه. المجتبى 1/ 42، 142. وابن ماجه، في: باب مقدار الماء الذي لا ينجس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 172. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 12، 38. هو عند ابن ماجه والإمام أحمد في المسند 2/ 23، 27. 107: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء». (¬2) في م: «بالتغيير». (¬3) في الأصل: «فكذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عباسٍ، وعُروَةُ، وطاوُسٌ، وعَمرُو بنُ دِينارٍ (¬1)، والأوْزاعِيُّ، والشافعيّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الزُّهْري: يُغْسَلُ ثلاثَ مَرّاتٍ. وقال عَطاءٌ: كلٌّ قد سَمِعْتُ، ثَلاثًا، وخَمْسًا، وسَبْعًا. وعن أحمدَ، أنه يَجِبُ غَسْلُها ثَمانِيًا، إحداهُنَّ بالتُّرابِ. وهو رِوايَةٌ عن الحسنِ، لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتراب». رَواه مسلمٌ (¬2). ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي ¬

(¬1) أبو محمد عمرو بن دينار، من فقهاء التابعين بمكة، توفي سنة ست وعشرين ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 70. (¬2) في: باب حكم ولوغ الكلب، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 235. وكذلك أخرجه أبو داود، في: باب الوضوء بسؤر الكلب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 18. والنسائي، في: باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 47. وابن ماجه، في: باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 130. والدارمي، في: باب في ولوغ الكلب، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 188. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 86، 5/ 56. وبلفظ «أولاهن بالتراب» أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في سؤر الكلب، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 133. والنسائي، في: باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه. المجتبى من السنن 1/ 144، 145.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إنَاءِ أحَدِكم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا، أُولاهُنَّ بِالترابِ». رَواه مسلم. وهذه الرِّوايَةُ أصَحُّ. ويُحمَلُ هذا الحَدِيثُ على أنه عَدَّ التُّرابَ ثامِنَةً؛ لكَوْنِه جِنْسًا آخَرَ، جَمعًا بينَ الخَبَرَين. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ العَدَدُ في شيءٍ مِن النَّجاساتِ، إنَّما يُغْسَلُ حتى يَغْلِبَ على الظنِّ نَقاؤه من النَّجاسَة، لأنَّه رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في الكلبِ يَلَغُ في الإِناءِ: «يُغْسَلُ ثَلَاثًا، أو خَمسًا، أو سَبْعًا» (¬1). فلم يُعَيِّنْ عَدَدًا، ولأنَّها نَجاسَة فلم يَجِبْ فيها العَدَدُ،؛ لو كانت على الأرضِ. ولَنا، ما ذَكَرنا مِن الحَدِيثَين، وحَدِيثُهم يَرويه عبدُ الوَهّابِ بنُ الضَّحّاكِ (¬2)، وهو ضَعِيفٌ، فلا يُعارِضُ حَدِيثَنا. وقد روَى غيرُه مِن الثقاتِ: «فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». وعلى أنَّه يَحتَمِلُ الشَّكَّ مِن الرّاوي، فيَنْبغي أن يُتَوَقَّفَ فيه، والأرضُ سُومِحَ في غَسْلِها للمَشَقَّةِ، بخِلافِ غيرِها. ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب ولوغ الكلب في الإناء، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 65. (¬2) هو عبد الوهاب بن الضحاك بن أبان السلمي العرضي الحمصي. انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال 2/ 679، 680، وتهذيب التهذيب 6/ 446 - 448.

195 - مسألة: (فإن جعل مكانه أشنانا أو نحوه، فعلى وجهين)

فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهُ أُشنَانًا أَوْ نحوَهُ، فَعَلَى وجهينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 195 - مسألة: (فإن جَعَل مَكانَه أُشْنانًا أو نَحوَه، فعلى وَجْهين) يَعنِي إن جَعَل مكانَ التُّرابِ، في غَسْلِ نَجاسَةِ الكَلْبِ، غيره مِن الأشْنانِ والصّابُونِ والنُّخالةِ (¬1)، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، لا يُجْزِئُه، لأنَّه طهارةٌ أُمِر فيها بالتُّرابِ، فلم يَقُم غيرُه مَقامَه، كالتَّيَمُّمِ، ولأن الأمرَ به تَعَبُّدٌ، فلا يُقاسُ عليه، والثاني، يُجْزِئُه، لأنَّ هذه الأشْياءَ أبلَغُ مِن التُّرابِ في الإزالةِ، فنَصُّه على التُّرابِ تَنْبِيهٌ عليها، ولأنَّه جامِدٌ أُمِر به في إزالةِ النَّجاسَةِ، فألحِقَ به ما يُمَاثِلُه، كالحَجَرِ في الاستِجْمارِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إنَّما يَجُوزُ العُدُولُ إلى غيرِ التُّرابِ عندَ عَدَمِه، أو فَسادِ المَحَلِّ المَغْسُولِ به، فأمّا ¬

(¬1) النخالة: قشر الحب.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مع وُجُودِه، وعَدَمِ الضَّرَرِ فلا. فإن جَعَل مَكانَه غَسْلَةً ثامِنَةً، فقال بَعْضُ أصحابِنا: فيه وَجْهان. والصحيحُ أنها لا تَقومُ مُقامَ التُّرابِ، لأنَّه إن كان القَصدُ به تَقْويةَ الماءِ في الإِزالةِ، فذلك لا يَحصُلُ مِن الثّامِنَةِ، وإن وَجَب تَعَبُّدًا، امتَنَع إبْدالُه، والقِياسُ عليه. والله أعلمُ. وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (¬1). فصل: ولا فَرقَ بينَ غَسْلِ النَّجاسةِ مِن وُلُوغِ الكَلْبِ، أو يَده أو رِجْلِه، أو شَعَرِه، أو غيرِ ذلك مِن أجْزائِه، قِياسًا على السُّؤرِ، ولأنَّ ذلك حُكْمُ غيرِه مِن الحيواناتِ، فكذلك الكلبُ. وحُكْمُ الخِنْزِيرِ في سُورِه، وسائِرِ أجْزائِه، حُكْمُ الكلبِ، على ما فَصَّلْنا، لأنَّه شَرٌّ منه، وقد نَصَّ الشّارِعُ على تَحْرِيمهِ، وأجْمَعَ المُسْلِمون عليه، ولا يُباحُ اقْتِناؤه بحَالٍ، فثَبَتَ الحُكْمُ فيه بطرَيِقِ الأوْلَى. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 75.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا وَلَغ في الإِناءِ كِلابٌ، أو أصاب المَحَلَّ نَجاساتٌ مُتَساويَةٌ في الحُكْمِ، فهي كنَجاسَةٍ واحِدَةٍ، وإن كان بَعضُها أغْلَظَ، كالوُلُوغِ مع غيرِه، فالحُكْمُ لأغْلَظِها، ويَدْخُلُ فيه ما دُونَه. ولو غَسَل الإناءَ دُونَ السبع، ثم وُلِغَ فيه مَرَّةً أخْرَى، فغَسَلَه سَبْعًا أجْزأ؛ لأنَّه إذا أَجْزأ عَمّا يُماثِلُ، فعَمّا دُونَه أوْلَى. فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ التُّرابَ في الغَسْلَةِ الأولَى؛ لمُوافَقَةِ لَفْظِ الخَبَرِ، وليَأتِيَ الماءُ بعدَه فيُنَظِّفَه، ومتي غَسَل به أجْزأه، لأنه رُوِيَ في حديثٍ: «إحدَاهُنَّ». وفي حديثٍ: «أولاهُنَّ». وفي حديثٍ: «في الثَّامِنَةِ». فيَدُلُّ على أنَّ مَحَلَّ التُّرابِ مِن الغَسَلاتِ غيرُ مَقْصُودٍ. فصل: وإذا غَسَل مَحَلَّ الوُلُوغِ، فأصابَ ماءُ بَعْضِ الغَسَلاتِ مَحَلًّا آخَرَ قبلَ إتْمامِ السَّبْعِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجبُ غَسْلُه سَبْعًا. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِي، واخْتِيارُ ابنِ حامد؛ لَأنَّها نَجاسَةٌ، فلا يُراعَى فيها حُكْمُ المَحَلِّ الذي انْفَصَلَتْ عنه، كنَجاسَةِ الأرضِ، ومَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ. والثاني، يجبُ غَسْلُه مِن الأولَى سِتًّا، ومِن

196 - مسألة: (وفي سائر النجاسات ثلاث روايات؛ إحداهن،

وَفِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إِحدَاهُنَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الثانية خمسًا، كذلك إلى آخِرِه؛ لأنَّها (¬1) نَجاسَة تَطْهُرُ في مَحلها بدونِ السبعِ، فطَهُرتْ به في مِثْلِه قِياسًا عليه، وكالنَّجاسَةِ على الأرضِ. وتُفارِق المُنْفَصِلَ عن الأرض ومَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ؛ لأنَّ العِلَّةَ في خِفَّتِها المَحَلُّ، وقد زالتْ عنه، فزال التَّخْفِيفُ، والعِلَّةُ في تَخْفِيفِها ههُنا قُصُورُ حُكْمِها بما مَرَّ عليها مِن الغَسْلِ، وهذا لازِمٌ لها حَيثُما كانت. ثم إن كانت قد انْفَصَلَتْ عن مَحَل غُسِل (¬2) بالتُّرابِ، غُسِل مَحَلُّها بغيرِ تُرابٍ، وإن كانت الأولَى بغيرِ تُرابٍ، غُسِلَتْ هذه بالتُّرابِ. وهذا اخْتِيارُ القاضي، وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى. 196 - مسألة: (وفي سائِرِ النَّجاساتِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ، ¬

(¬1) في الأصل: «ولأنها». (¬2) في م: «الغسل».

يَجبُ غَسْلُها سَبْعًا. وهلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ؟ عَلَى وَجْهينِ. وَالثَّانِيَةُ، ثَلَاثًا. والثَّالِثَةُ، تُكَاثر بِالْمَاءِ مِنْ غَيرِ عَدَدٍ، كَالنَّجَاسَاتِ كلها إِذَا كَانَتْ عَلَى الأرضِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ يَجِبُ غَسْلُها سَبْعًا، وهل يُشْتَرَطُ التُّرابُ؟ على وَجْهين. والثانيةُ، ثلاثًا. والثالثةُ، تُكاثر بالماءِ مِن غيرِ عَدَدٍ، كالنجاساتِ كلِّها إذا كانت على الأرضِ) وجُملَةُ ذلك، أنَّ في سائِرِ النَّجاساتِ، غيرَ نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ، إذا كانت على غيرِ الأزضِ ثلاثَ رِواياتٍ، إحداهُنَّ، يَجِبُ غَسْلها سَبْعًا، قِياسًا على نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ، ولِما (¬1) رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال: أُمِرْنا بغَسْلِ الأنْجاسِ سَبْعًا. فيَنْصَرِفُ إلى أمرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) في م: «لما».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا، هل يُشْتَرَطُ التُّرابُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَجبُ قِياسًا على الوُلُوغِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. والثاني، لا يُشْتَرَطُ، لأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالغَسْلِ للدَّمِ وغيرِه، ولم يَأمُر بالتُّرابِ، إلَّا في نَجاسَةِ الكلبِ، فوَجَبَ أن يُقْتَصَرَ عليه، ولأنَّ الأمرَ بالتُّرابِ إن كان تَعَبُّدًا وَجَب قَصرُه على مَحَلِّه، وإن كان لمَعْنًى في نَجاسَةِ الوُلُوغِ مِن اللزوجَةِ التي لا تَنْقَلِعُ إلَّا بالتُّرابِ، فذلك (¬1) لا يُوجَدُ في غيرِه. وفي هذا الدَّلِيلِ نَظرٌ؛ لأنَّه غيرُ مَوْجُودٍ في نَجاسَةِ الكلبِ غيرُ الوُلُوغِ، وقد قالوا بُوجُوبِ التُّرابِ فيه. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَجِبُ غَسْلُها ثلاثًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا قامَ أحَدُكْمُ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمس يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَها ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدرِى أينَ بَاتَتْ يَدُه». ¬

(¬1) في م: «فلذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه مسلمٌ (¬1). أمَرَ بغَسْلِها ثَلاثًا؛ ليَرتَفِعَ وَهْمُ النَّجاسَةِ، ولا يَرفَعُ وَهْمَ النَّجاسَةِ إلَّا ما يرفَعُ الحَقِيقَةَ. والثالثةُ، تُكاثر بالماءِ مِن غيرِ عَدَدٍ، حتى تَزُولَ عَينُ النَّجاسَةِ. وهذا مَذْهبُ الشافعي؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان [الغُسْلُ مِن الجَنابَةِ سَبْعَ مَرّاتٍ، و] (¬2) غَسْلُ الثَّوْبِ مِن البَوْلِ سَبْعٍ مَرّاتٍ، فلم يَزَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْألُ حتى جعِل [الغُسْلُ مِن الجَنابَةِ مَرَّة، و] (2) غَسْلُ الثَّوْبِ مِن البَوْلِ مَرَّةً. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬3). إلَّا أنَّ في رُواتِه أيوبَ بنَ جابرٍ، وهو ضَعِيف. ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماءَ في الدَّمِ: «اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» (¬4). ولم يَذْكُر عَدَدًا، ولأنَّها نَجاسَةٌ، فلم ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 276. (¬2) سقط من: «م». (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 57. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 109. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 276.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَجِبْ فيها العَدَدُ، كنَجاسَةِ الأرضِ. وقد رُوِيَ أنَّ النجاسَةَ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ تَطْهُرُ بثَلاثٍ، وفي غيرِه بسَبْعٍ، لأنَّ مَحَلَّ الاسْتِنْجاءِ تَتَكَرَّرُ النَّجاسَةُ فيه، فاقْتَضَى ذلك التَّخْفِيفَ، ولأنَّه قد اجْتُزِيَ فيها بثَلاثَةِ أحْجارٍ، فأوْلَى أن يُجْتَزَا فيها بثَلاثِ غَسَلاتٍ، لأنَّ الماءَ أبلَغُ مِن الأحْجارِ. وفيه رِوايَة خامسةٌ، أنَّ العَدَدَ لا يَجِبُ في نَجاسَةِ البَدَنِ، ويَجِبُ في غيرِها، لأنَّ الأبدانَ تَعُمُّ البَلْوَى فيها بمُلاقاةِ النَّجاسَةِ، تارَةً مِنها، وتارةً مِن غيرِها، فخُفِّفَ أمرُها لأجْلِ المَشَقَّةِ. ذَكَرَها ابنُ عَقِيلٍ. وذَكَر القاضي رِوايَةً، أنَّ العَدَدَ لا يُعْتَبَرُ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ مِن البَدَنِ، ويَجِبُ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بعَدَدِ الحْجارِ فيه، ولا (¬1) يَجِبُ في سائِرِ المَحالِّ. وقال الخَلّالُ: هذه الروايَةُ وَهْمٌ. ولمَ يُثْبِتْها. ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا أصابَتِ النَّجاسَةُ الأجْسامَ الصَّقِيلَةَ، كالمِرآةِ ونَحْوها، وَجَب غَسْلُه، ولم يَطْهُرُ بالمسحِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ لا تَتَكَرَّرُ (¬1) فيه النَّجاسَةُ، فلم يَجُزْ فيه المَسْحُ، كالأوانِي. فصل: وغَسْلُ النَّجاسَةِ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مَحَلِّها؛ فإِن كان جِسْمًا لا يَتَشرَّبُ النَّجاسَةَ كالآِيَةِ، فغَسْلُه بإمرارِ الماءِ عليه كلَّ مرَّةٍ غَسْلَةٌ، سَواءٌ كان بفِعلِ الآدَمِيِّ أوْ لا، مِثْلَ أن يَنْزِلَ عليه ماءُ المَطرَ، أو يَجْرِيَ عليه الماءُ، فكلُّ جِرية تَمُرُّ عليه غَسْلَةٌ؛ لأنَّ القَصدَ غيرُ مُعْتَبَرٍ، أشْبَه ما لو صَبَّه آدَمِيٌّ بغيرِ قَصدٍ، كان وَقَع في ماءٍ راكِدٍ قَلِيلٍ، نَجَّسَه ولم يَطْهُر، وإن كان كثِيرًا اعتُبرَ وَضْعُه فيه ومُرُورُ الماءِ على أجْزائِه غَسْلَةً، وإن حَرَّكَه في الماء بحيث تَمَرُّ عليه أجْزاءٌ غيرُ التي كانت مُلاقِيَةً له، احتُسِبَ بذلك غَسْلَةً ثانيةً، كما لو مَرَّتْ عليه جِرْياتٌ مِن الماءِ الجارِي. وإن كان المَغْسُولُ إناءً، فطُرِحَ فيه الماءُ، لم يُحتَسَبْ به غَسْلَةً حتى يُفْرِغَه منه؛ لأنَّه العادَةُ في ¬

(¬1) في م: «تنكر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ غَسْلِه. فإن كان الإِناءُ يَسَعُ قُلَّتَين فَصاعِدًا فمَلَأه، احتَمَلَ أنَّ إدارَةَ الماءِ فيه تُجْرَى مُجْرَى الغَسَلاتِ؛ لأنَّ أجْزاءَه تَمُرُّ عليها جِرْياتٌ مِن الماءِ غيرُ التي كانت مُلاقِيَةً لها، أشْبَه ما لو مَرَّتْ عليه جِزياتٌ مِن الماءِ الجارِي. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَكُونُ غَسْلَةً إلَّا بتَفْرِيغِه أيضًا. وإن كان المَغْسُولُ جسْمًا تَدْخُلُ فيه أجْزاءُ النَّجاسَةِ، كالثَّوْبِ، لم يُحتَسَبْ برَفْعِه مِن الماءِ غَسْلَةٌ حتى يَعصِرَه، وعَصْرُ كلِّ شيءٍ بحَسَبه؛ فإن كان بِساطًا ثَقِيلًا، أو نَحوَه، فعَصرُه بتَقْلِيبِه ودَّقه حتى يَذْهبَ أكْثَرُ ما فيه مِن الماءِ. واللهُ أعلمُ. فصل: إذا أصاب ثوْبَ المرأةِ دَمُ حَيضِها، اسْتُحِبَّ أن تَحُتَّه بظُفْرِها؛ لتَذْهبَ خُشُونَتُه، ثم تَقْرُصَه برِيقها لَيلينَ للغَسْلِ، ثم تَغْسِلَه بالماءِ؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسْماء في دَمِ الحَيضِ: «حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» (¬1). وإن اقْتَصَرَتْ على الماء جاز، وإن لم يَزُلْ لَوْنُه، وكانت إزالته تَشُقُّ أو تُتْلِف الثَّوْبَ، أو تَضُرُّه؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَا يَضُرُّكِ أثرهُ». رواه أبو داودَ (¬2). وإن اسْتَعمَلَتْ في إِزالتِه شيئًا يُزِيلُه، كالمِلْحِ وغيرِه، فحَسَنٌ؛ لِما روَى [الإِمامُ أحمدُ و] (¬3) أبو داودَ (¬4)، عن امرأةً مِن غِفارٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أردَفَها على حَقِيبَةِ رَحلِه (¬5) فحاضَتْ، قالت: ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 276. (¬2) في: باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 88. (¬3) سقط من: «م». (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب الاغتسال من الحيض، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 74، 75. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 380. (¬5) سقطت من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَنَزَلْتُ فإذا بها دَمٌ مِنِّي، فقال: «مَا لكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ»؟ قالت: نعم. قال: «فَأصلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمّ خُذِي إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ». قال الخَطّابيُّ (¬1): فيه مِن الفِقْهِ جَوازُ اسْتعمالِ المِلْحِ وهو مَطْعُوم في غَسْلِ الثَّوْبِ، وتنقِيَته مِن الدَّمِ، فعلى هذا يَجُوزُ غَسْلُ الثِّيابِ بالعَسَلِ إذا كان الصّابُونُ يُفْسِدُه، وبالخَل إذا أصابَه الحِبْرُ، والتَّدَلُّكُ بالنُّخالةِ، وغَسْلُ الأيدِي بها، وبالبِطِّيخِ ودَقِيقِ الباقِلّاءِ، وغيرِها مِن الأشْياءِ التي لها قُوَّةُ الجِلاءِ. ¬

(¬1) في: معالم السنن 1/ 96.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان في الإِناءِ خَمرٌ أو شِبْهُه مِن النَّجاساتِ التي يَتَشَرَّبُها الإِناءُ، ثم متى جُعِل فيها مائِعٌ سِواه، ظَهَر فيه طَعمُ النَّجاسَةِ أو لَوْنُها، لم يَطْهُرُ بالغَسْلِ، لأنَّ الغَسْلَ لا يَسْتأصِلُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ مِن جِسْمِ الإِناءِ، فلم يُطَهِّره، كالسِّمسِمِ الذي ابْتَلَّ بالنَّجاسَةِ. قال الشيخُ أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ في «المُبْهِجِ» (¬1): آنِيَةُ الخَمْرِ منها المُزَفَّتُ، فيَطْهُرُ بالغَسْلِ؛ لأنَّ الزِّفتَ يَمنَعُ وُصُولَ النَّجاسَةِ إلى جِسْمِ الإِناءِ، ومنها ما ليس بمُزَفَّتٍ فيَتَشَرَّبُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ، فلا يَطْهُرُ بالتَّطْهِيرِ، فإنَّه متى تُرِك فيه مائِعٌ، ظَهر فيه طَعمُه أو لَوْنُه. ¬

(¬1) ذكر البغدادي أنه في فروع الحنابلة. إيضاح المكنون 2/ 425.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصلٌ في تطهيرِ النَّجاسَةِ على الأرضِ: متى تَنَجَّسَتِ الأرضُ بنَجاسَةٍ مائِعَةٍ، أي نَجاسَةٍ كانت؛ كالبَوْلِ والخَمرِ ونَحوهما، فطُهُورُها أن يَغْمُرَها بالماءِ، بحيث يَذْهبُ لَوْنُ النَّجاسَةِ ورِيحُها، فإن لم يَذْهبا، لم تَطْهُرْ؛ لأنَّ بَقاءَهما دَلِيلُ بَقاءِ النَّجاسَةِ. فإن كانت مِمّا لا يزولُ لَوْنُها أو رائِحَتُها إلَّا بمَشَقَّةٍ، سَقَط ذلك كما قُلْنا في الثَّوْبِ. والدَّلِيلُ على أنَّ الأرضَ تَطْهُرُ بذلك، ما روَى أنسٌ قال: جاء أعرابِي فبال في طائِفةٍ مِن المسجدِ، فزَجَرَه النّاسُ، فنَهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا قَضَى بولَه، أمَر بذَنُوبٍ مِن ماءٍ فأهْرِقَ عليه. متَّفَقٌ عليه (¬1). ولا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا. فصل: إذا أصابَ الأرضَ ماءُ المَطرَ، أو السيولُ، فغَمَرَها وجَرَى عليها، فهو كما لو صُبَّ عليها؛ لأنَّ تَطْهِيرَ النَّجاسَةِ لا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فيه، فاسْتَوَى ما صَبَّه الآدَمي وغيرُه. قال أحمدُ، في البَوْلِ يكونُ في الأرض فتُمطِرُ عليه السَّماءُ: إذا أصابَه مِن المَطرَ بقَدرِ ما يكونُ ذَنُوبًا، كما أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُصَبَّ على البَوْلِ، فقد طَهُرَ. وقال المَرُّوذِيُّ: سُئِل أبو عبدِ اللهِ عن ماءِ المَطرَ يَخْتَلِطُ بالبَوْلِ، فقال: ماء المَطرَ عِنْدِي لا يُخالِطُ شيئًا إلَّا طَهَّرَه، إلَّا العَذِرَةَ فَإِنَّها تَنْقَطِعُ. وسُئِلَ عن ماءِ المَطرَ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فلم يَرَ به بأسًا، إلَّا أن يكُونَ بِيلَ فيه بعدَ المَطرَ، وقال: كلُّ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 276.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ما يَنْزِلُ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ فهو نَظِيفٌ، داسَتْه الدَّوابُّ أو لم تَدُسْه. وقال في المِيزابِ: إذا كان في المَوْضِعِ النَّظِيفِ، فلا بأسَ بما قَطرَ عليك مِن المَطرَ إذا لم تَعلم. قِيل له: فأسْألُ عنه؟ قال: لا، وما دَعاك إلى السُّؤالِ؟ واحتَجَّ في طهارةِ طِينِ المَطرَ بحديثِ الأعرابِي، وبأنَّ أصحابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - والتّابِعِين كانوا يَخُوضُون المَطرَ في الطرقاتِ، فلا يَغْسِلُون أرجُلَهم. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ، رَضِي اللهُ عنهما. قال ابنُ مسعودٍ: كُنّا لا نَتَوَضّأ مِن مَوْطئٍ. ونَحوُه عن ابنِ عباس. وهذا قَوْلُ عَوامِّ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِ. فصل: فإن كانتِ النَّجاسَةُ ذاتَ أجْزاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كالرَّمِيمِ، والدَّمِ إذا جَفَّ (¬1)، والرَّوْثِ، فاخْتَلَطَتْ بأجْزاءِ الأرضين، لم تَطْهُر بالغَسْلِ؛ ¬

(¬1) في الأصل: «خف».

197 - مسألة: (ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح)

وَلَا تَطْهُرُ الأرضُ النَّجِسَةُ بِشَمس وَلَا رِيحٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّ عَينَها لا تَنْقَلِبُ، ولا تَطْهُرُ إلَّا بإزالةِ أجْزاءِ المَكانِ، بحيثُ يُتَيَقَّنُ زَوالُ أجْزاءِ النَّجاسَةِ. ولو بادَرَ البَوْلَ وهو رَطْبٌ، فقَلَعَ التُّرابَ الذي عليه أثره، فالباقي طاهِرٌ؛ لأنَّ النَّجِسَ كان رَطْبًا، وقد زال؛ وإن جَفَّ فأزال ما وَجَد عليه الأثَرَ، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّ الأثَرَ إنَّما يَبِينُ على ظاهِرِ الأرضِ، لكنْ إن قَلَع ما تَيَقَّنَ به زَوال ما أصابَه البَوْلُ، فالباقي طاهِرٌ. 197 - مسألة: (ولا تَطْهُرُ الأرضُ النَّجِسَةُ بشمس ولا رِيح) (¬1) ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعي في أحدِ قَوْلَيه. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: تَطْهُرُ إذا ذَهب أثر النَّجاسَةِ. وقال أبو قِلابَةَ (¬2): جَفاف الأرضِ طَهُورُها؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ روَى أنَّ الكِلابَ كانت تَبُولُ، وتُقْبِلُ وتُدبِرُ في المَسْجِدِ، فلم يَكُونُوا يَرُشُّون شيئًا مِن ¬

(¬1) ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الأرض النجسة تطهر بهذه الأشياء. قال: وهو الصحيح في الدليل. انظر: الفتاوى 21/ 479 - 482، 510. (¬2) أبو قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، من فقهاء التابعين، ثقة، توفي سنة ست أو سبع ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 89، تهذيب التهذيب 5/ 224 - 226. وقول أبي قلابة أورده الدارقطني، في: باب ذكر بيان المواقيت، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 255.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذلك. رَواه أبو داودَ (¬1). ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُبّوا عَلَى بَوْلِ الأعرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» (¬2). والأمرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّه مَحَلٌّ نَجِسٌ، فلم يَطْهُر بغيرِ الغَسْلِ، كالثِّيابِ. فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فرَواه البُخاري (¬3)، وليس فيه ذِكْرُ البَوْلِ. ويَحتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّها كانت تَبُولُ، ثم تُقْبِلُ وتدبِرُ في المَسْجِدِ، فيكونُ إقْبَالُها وإدبارُها فيه بعدَ بَوْلِها. ¬

(¬1) في: باب في طهور الأرض إذا يبست، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 91. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 276. (¬3) في: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 54. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 71.

198 - مسألة: (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها)

وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالاسْتِحَالةِ، إلا الْخمرَةَ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِها، ـــــــــــــــــــــــــــــ 198 - مسألة: (ولا يَطْهُرُ شَيءٌ مِن النَّجاساتِ بالاسْتِحالةِ، إلَّا الخمرَةَ إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها) فلو أُحْرِقَ السِّرجِينُ (¬1) فصار رَمادًا، أو وَقَع كلبٌ في مَلّاحَةٍ فصارَ مِلْحًا، لم يَطْهُرْ (¬2)، كالدَّمِ إذا اسْتَحال قَيحًا أو صَدِيدًا. ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن أكْلِ لَحمِ (¬3) الجَلّالةِ وألْبانِها؛ لأكْلِها النَّجاسَةَ، فلو كانتِ النجاسةُ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ، لم يُؤثِّر أكلُها النَّجاسَةَ، لأنَّها تَسْتَحِيلُ. ويَتَخَرَّجُ أن تَطْهُرَ النَّجاساتُ كلّها بالاسْتِحالةِ قِياسًا على الخَمرَةِ إذا انْقَلَبَتْ، وجُلُودِ المَيتَةِ إذا دُبِغَتْ، والجَلّالةِ إذا حُبِست. ¬

(¬1) السرجين: الزّبْل. (¬2) ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن النجاسة تطهر بالاستحالة. انظر: الفتاوى 20/ 522، 21/ 70 - 72، 481، 482، 610، 611. (¬3) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ودُخانُ النَّجاسَةِ وغُبارُها نَجِسٌ، فإنِ اجْتَمَعَ منه شيءٌ، أو لاقَى جِسْمًا صَقِيلًا، فصارَ ماءً، فهو نَجِسٌ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ النَّجاسَةَ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ. وما أصابَ الإِنْسانَ مِن دُخانِ النَّجاسَةِ وغُبارِها فلم يَجْتَمِع منه شيءٌ، ولا ظَهرَتْ له صِفَةٌ، فهو طاهِرٌ؛ لعَدَمِ إمكانِ التَّحَرُّزِ منه. فأمّا الخَمرَةُ إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها خَلًّا فإنَّها تَطْهُرُ، لا نعلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ نَجاسَتَها لشِدَّتِها المُسكِرَةِ الحادِثَةِ لها، وقد زال ذلك مِن غير

199 - مسألة: (فإن خللت لم تطهر)

فَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُر. ـــــــــــــــــــــــــــــ نَجاسَةٍ خَلَّفَتْها، فوَجَب أن تَطهرَ، كالماءِ الذي تَنَجَّسَ (¬1) بالتَّغْيِيرِ إذا زال تَغَيُّره (¬2) بنَفْسِه، ولا يَلْزَمُ عليه سائِرُ النَّجاساتِ؛ لكَوْنِها لا تَطْهُرُ بالاستِحالةِ، لأنَّ نَجاسَتَها لعَينها، والخمرُ نَجاسَتُها لأمرٍ زال بالانْقِلابِ. 199 - مسألة: (فإن خُلِّلَتْ لم تَطْهُر) في ظاهِرِ المذهبِ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وهو قَوْلُ مالكٍ. وقال الشافعي: إن أُلقِي فيها شيءٌ كالمِلْحِ فتَخَلَّلَتْ، لم تَطْهُرْ، وإن نُقِلَتْ مِن شمس إلى ظِلٍّ أو بالعَكْسِ فتَخَلَّلتْ، ففي إباحَتِها قوْلان. ويُخَرَّجُ لنا أيضًا فيها احتِمالان؛ أحَدُهما، تَطهُرُ، كما لو نَقَلها لغيرِ قَصدِ التَّخْلِيلِ فتَخَلَّلتْ، فإنه لا فَرقَ بينَهما سوى النيةِ. والثاني، لا تَطْهُرُ، كما لو وُضِعَ فيها شيء فتَخَلَّلتْ؛ لِما رُوِيَ أنَّ ¬

(¬1) في م: «يتنجس». (¬2) في م: «تغييره».

وَقِيلَ: تَطْهُرُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أبا طَلْحَةَ سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام وَرِثُوا خَمرًا، فقال: «أهْرِقْها». قال: أفلا أُخَلِّلُها؟ قال: «لَا». مِن «المُسْنَدِ»، رَواه الترمِذِيُّ (¬1). ولو جاز التَّخْلِيلُ، لم يَنْهَ عنه، ولم تُبَحْ إراقَتُه. (وقِيل: تَطْهُرُ) لأنَّ عِلَّةَ التحرِيمِ زالتْ، أشْبَه ما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، ولأنَّ التَّطْهِيرَ لا فَرقَ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في بيع الخمر والنهي عن ذلك، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذي 5/ 293. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 119، 180، 260.كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في الخمر تخلل، من كتاب الأشربة. سنن أبي داود 2/ 292، 293.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيه بينَ ما حَصَل بفِعلِ اللهِ تعالى وفعلِ العَبْدِ، كتَطْهِيرِ الثَّوْبِ والأرضِ. وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ. ورُوي نَحوه عن عَطاء، وعَمرِو بن دينارٍ، والحارثِ العُكْلِيِّ (¬1). ¬

(¬1) الحارث بن يزيد العكلي التيمي، روى عن الشعبي والنخعي، وغيرهما، وهو ثقة فقيه. تهذيب التهذيب 2/ 163، 164.

200 - مسألة: (ولا تطهر الأدهان النجسة)

وَلَا تَطْهُرُ الأدهانُ، النَّجِسَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 200 - مسألة: (ولا تَطْهُرُ الأدهانُ النَّجِسَةُ) بالغَسْلِ في ظاهِرِ المَذْهبِ، اخْتارَه القاضي وابنُ عَقِيل. قال ابنُ عَقِيلٍ: إلَّا الزِّئبَقَ، فإنَّه

وَقَال أبو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مِنْها مَا يَتَأتَّي غَسْلُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لقُوَّتِه وتَمَاسُكِه يُجْرَى مُجْرَى الجامِدِ. (وقال أبو الخَطّابِ: يَطْهُرُ بالغَسْلِ منها ما يَتَأتَّى غَسْلُه) كالزَّيتِ ونَحوه؛ لأنَّه يمكِنُ غَسْلُه بالماءِ، فطَهُرَ به كالجامِدِ. وطَرِيقُ تَطْهِيرِه أن يُجْعَلَ في ماء كَثِيرٍ، ويُحَرَّكَ حتى يُصِيبَ الماءُ جَمِيع أجْزائِه، ثم يُتركَ حتى يَعلُوَ على الماءِ، فيُؤخَذَ، وإن تَرَكَه في جَرَّةٍ، وصَبَّ عليه ماءً وحَرَّكَه فيه، وجَعَل لها بُزَالًا (¬1) يَخْرُجُ منه الماءُ، جاز. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن السَّمْنِ إذا وَقَعَتْ فيه الفَأرَةُ؟ فقال: «إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ». رَواه أبو داودَ (¬2). ولو كان يُمكِنُ تَطْهِيره لم يأمُر بإراقَتِه. ومَن نَصَر قَوْلَ أبي الخَطّابِ. قال: الخَبَرُ وَرَد في السَّمنِ، ولَعَلَّه لا يمكِنُ تَطْهِيرُه؛ لأنَّه يَجْمُدُ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الأمرَ بغَسْلِه، لمَشَقَّةِ ذلك، وقِلَّةِ وُقُوعِه. ¬

(¬1) البزال: الموضع المثقوب في الإناء. (¬2) في: باب في الفأرة تقع في السمن، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 328. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن، من أبواب الأطعمة. عارضة الأحوذي 7/ 303. والنسائي، في: باب الفأرة تقع في السمن، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 157. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 233، 265، 490.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا وقَعَتِ النَّجاسَةُ في غيرِ الماءِ وكان مائِعًا، نَجُسَ. وقد ذَكَرنا الخِلافَ فيه. وإن كان جامِدًا كالسَّمنِ الجامِدِ، أُخِذَتِ النَّجاسَةُ فما حَوْلَها فأُلقِيَتْ، والباقي طاهِرٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الفَأرَةِ تَمُوتُ في السَّمنِ، فقال: «إنْ كَانَ جَامِدًا فألقُوها وَمَا حَوْلها، وَإنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ». مِن «المُسْنَدِ» (¬1). وإسْنادُه على شَرطِ الصَّحِيحَين: وحَدُّ الجامِدِ؛ الذي لا تَسْرِي النَّجاسَةُ إلى جَمِيعِه، الذي يَكُونُ فيه قُوَّةٌ تمنَعُ انْتِقال أجْزاءِ النَّجاسَةِ مِن المَوْضِعِ الذي وَقَعتْ فيه النَّجاسَةُ إلى ما سِواه. وقال ابنُ عَقِيل: الجامِدُ؛ الذي إذا فُتِح وعاؤه، لم تَسِلْ أجْزاؤه. والظّاهِرُ خِلافُ هذا؛ لأنَّ سَمنَ الحِجازِ لا يَكادُ يَبْلُغُه، ولأنَّ المَقْصُودَ بالجُمُودِ أن لا تَسْرِي أجْزاءُ النَّجاسَةِ، وهذا حاصِلٌ بما ذَكَرناه، فنَقْتَصِرُ عليه. ¬

(¬1) انظر تخريج الحديث السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن تَنَجَّسَ العَجِينُ ونَحْوُه، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ غَسْلُه، وكذلك إن نُقِعَ شيءٌ مِن الحُبُوبِ في الماءِ النَّجِسِ، حتى انْتفَخَ وابْتَلَّ. نَصَّ عليه أحمدُ، أنَّه لا يَطْهُرُ، وإن غُسِل مِرارًا. إذا ثَبَت ذلك، فقال أحمدُ في العَجِينِ: يُطْعَمُ النَّواضِحَ (¬1). وقال الشافعيُّ: يُطْعَمُ البَهائِمَ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ: يُطْعَمُ الدَّجاجَ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يُطْعَمُ شيئًا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن شُحُوم. المَيتَةِ تُطْلَى بها السُّفُن، ويَسْتَصْبِحُ بها النّاسُ، قال: «لَا، هو حَرَامٌ» (¬2). وهذا في مَعْناه. ولَنا، ما روَى أحمدُ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِن آبارِ الذين مُسِخُوا، فقال عليه السلامُ: «اعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ» (¬3). وقال في كَسْبِ الحَجّامِ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ أو رَقِيقكَ» (¬4). احْتَجَّ به أحمدُ، وقال: ليس هذا بمَيتَةٍ، والنَّهْيُ إنَّما تَناوَلَ المَيتَةَ. ولأنَّ اسْتِعْمال شُحُومِ المَيتَةِ فيما سُئِل عنه النبيُّ ¬

(¬1) الناضح: البعير، سمى بذلك لأنه ينضح الماء، أي يحمله من نهر أو بئر لسقي الزرع، ثم استعمل في كل بعير وإن لم يحمل الماء. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب بيع الميتة والأصنام، من كتاب البيوع. صحيح البخاري 3/ 110. ومسلم، في: باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، من كتاب المساقاة. صحيح مسلم 3/ 1207. وأبو داود، في: باب في ثمن الخمر، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 251. والترمذي، في: باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذي 5/ 300. والنسائي، في: باب بيع الخنزير، من كتاب البيوع، وباب النهي عن الانتفاع بشحوم الميتة، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 273، 7/ 156. وابن ماجه، في: باب ما لا يحل بيعه، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 732. والإمام أحمد، في المسند 2/ 213، 3/ 324، وبنحوه في 2/ 362، 512، 3/ 326. (¬3) أخرجه بمعناه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 117. كما أخرجه البخاري، في: باب قول الله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحًا}، من كتاب الأنبياء. صحيح البخاري 4/ 181. ومسلم، في: باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا. . . . إلخ، من كتاب الزهد 4/ 2286. (¬4) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في كسب الحجام، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذي =

201 - مسألة: (وإذا خفيت النجاسة، لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها)

وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إزَالتَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى الله عليه وسلم - يُفْضِي إلى تَعَدِّي نَجاسَتِها، وهذا لا يَتَعدَّى أكْلَه. قال أحمدُ: ولا يُطْعَمُ لشئٍ يُؤْكَلُ في الحال،؟ ولا يُحْلَبُ لَبَنُهُ؛ لِئَلّا يَتَنَجَّسَ به، ويَصِيرَ كالجلّالةِ. 201 - مسألة: (وإذا خَفِيَتِ النَّجاسَةُ، لَزِمَه غَسْلُ ما يَتَيَقَّنُ به إزالتَها) متى خَفِيَتِ النَّجاسَةُ في بَدَنٍ، أو ثَوْبٍ، وأراد الصلاةَ فيه، لم يَجُزْ له حتى يَتَيَقَّنَ زَوالها، وإنَّما يَتَيَقَّنُ ذلك بغَسْلِ كلِّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ أنَّ النَّجاسَةَ أصابَتْه، فإن لم يَعْلَمْ جِهَتَها مِن [الثَّوْبِ، غَسَلَه كُلَّه] (¬1)، وإن ¬

= 5/ 277، 278. وابن ماجه، في: باب كسب الحجام، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 732. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الحجامة وأجرة الحجام، من كتاب الاستئذان. الموطأ 2/ 974. والإمام أحمد، في المسند 3/ 307، 381، 4/ 141، 5/ 435، 436. (¬1) في م: «ثوب غسله».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَلِمَها في أحَدِ الكُمَّين غَسَلَهما، وإن رآها في بَدَنِه، أو ثَوْبِه الذي عليه، غَسَل كلَّ ما يُدْرِكُه بَصَرُه منه. وبذلك قال النَّخَعيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ (¬1): يَتَحَرَّى مكانَ النَّجاسَةِ فيَغْسِلُه. وقال عَطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ: إذا خَفِيَتِ النَّجاسَةُ في الثَّوْبِ نَضَحَه كلَّه؛ وذلك لحديثِ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المَذْي، قال: قُلْت: يا رسولَ اللهِ، فكيف بما أصاب ثَوْبِي منه؟ قال: «يُجْزِئُكَ أنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَتَنْضَحَ بِهِ حَيثُ تَرَى أنَّه أَصابَ مِنْهُ» (¬2). فأمَرَ بالتَّحَرِّي والنَّضْحِ. ولَنا، أنَّه تَيَقَّنَ المانِعَ مِن الصلاةِ، فلم تُبَحْ له الصلاةُ إلا بيَقِينِ زَوالِه، كمَن تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ. والنَّضْحُ لا يُزِيلُ النَّجاسَةَ، وحديثُ سَهْلٍ مَخْصُوصٌ بالمَذْي دُونَ غيرِه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فلا يَتَعَدَّى حُكْمُه إلى غيرِه؛ لأنَّ أحْكامَ النَّجاساتِ تَخْتَلِفُ. وقَوْلُه: «حَيثُ تَرَى أنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ». مَحْمُولٌ على مَن ظَنَّ أنَّه أصاب ناحِيَةً مِن ثَوْبِه، مِن غيرِ يَقينٍ، فيُجْزِئُه نَضْحُ المكانِ، أو غَسْلُه. فصل: فإن خَفِيَتِ النَّجاسَةُ [في فَضاءٍ] (¬3) واسِعٍ، صَلَّى حيثُ شاء، ¬

(¬1) أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي الكوفي القاضي، من فقهاء التابعين، توفي سنة أربع وأربعين ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 84، تهذيب التهذيب 5/ 250، 251. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في المذي، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 48. والترمذي، في: باب في المذي يصيب الثوب، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 175، 176. (¬3) في م: «في موضع فضاء».

202 - مسألة: (ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، النضح)

وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ولا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِه؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ، فلو مُنِع مِن الصلاةِ، أفْضَى إلى أن لا يَجِدَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فيه. فإن كان المَوْضِعُ صغيرًا، كالبَيتِ ونَحْوه، غَسَلَه كلَّه، كالثَّوْبِ. 202 - مسألة: (ويُجْزِئُ في بَوْلِ الغُلامِ الذي لم يَأكُلِ الطَّعامَ، النَّضْحُ) معنى النَّضْحِ أن يَغْمُرَه بالماءِ، وإن لم يَنْزِلْ عنه، ولا يَحْتاجُ إلى مَرْسٍ (¬1) وعَصْرٍ. فأمّا بَوْلُ الجارِيَةِ، فيُغْسَلُ وإن لم تَأْكُلْ. وهذا قَوْلُ عليٍّ، رضي اللهُ عنه، وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. وحُكِي عن الحسنِ، أنَّ بَوْلَ الجارِيَةِ يُنْضَحُ ما لم تَطْعَمْ، كالصَّبِيِّ. قال القاضي: رأيتُ لأبي إسحاقَ بنِ شَاقْلا كلامًا يَدُلُّ على طهارةِ بَوْلِ الغُلامِ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لوَجَبَ غَسْلُه، كسائِرِ النَّجاساتِ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ: يُغْسَلُ بَوْلُ الغُلامِ، كبَوْلِ الجارِيَةِ، بالقِياسِ عليه، ولأنَّه ¬

(¬1) المرس: الدَّلك الشديد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالنَّجاسَةِ، فاسْتَوَى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، كسائِر أحْكامِها. ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ قَيسٍ بنتُ مِحْصَنٍ، أنَّها أتَتْ بابنٍ لها صَغِيرٍ، لم يَأْكُلِ الطَّعامَ، إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأجْلَسَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حِجْره، فَبال على ثَوْبِه، فدَعا بماءٍ، فنَضَحَه، ولم يَغْسِلْه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن لُبابَةَ بنتِ الحارِثِ، قالت: كان الحُسَينُ بنُ عليٍّ في حِجْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فبال عليه، فقلتُ: الْبَسْ ثَوْبًا آخَرَ، وأعْطِنِي إزارَكَ حتى أغْسِلَه. قال: «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ». رَواه أبو داودَ (¬2). وعن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بَوْلُ الْغُلَامِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ». قال قَتادَةُ: هذا ما لم يَطْعَما الطَّعامَ، فإذا طَعِما غُسِل بَوْلُهما. رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬3). وهذه نُصُوصٌ صحيحةٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فاتِّباعُها أوْلَى مِن القِياسِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُقَدَّمٌ على مَن خالفَه. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب بول الصبيان، من كتاب الوضوء، وفي: باب السعوط. . . . إلخ، من كتاب الطب. صحيح البخاري 1/ 66، 7/ 161. ومسلم، في: باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، من كتاب الطهارة، وفي: باب التداوي بالعود الهندي، من كتاب السلام. صحيح مسلم 1/ 238، 4/ 1734، 1735.كما أخرجه أبو داود، في: باب بول الصبي يصيب الثوب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 89. والترمذي، في: باب نضح بول الغلام قبل أن يطعم، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 92، 93. والنسائي، في: باب بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 128. وابن ماجه، في: باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 174. والدارمي، في: باب بول الغلام الذي لم يطعم، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 189. والإمام مالك، في: باب ما جاء في بول الصبي، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 64. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 356. (¬2) في: باب بول الصبي يصيب الثوب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 90. (¬3) في: المسند 1/ 76، 97، 137. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، من =

203 - مسألة: (وإذا تنجس أسفل الخف أو الحذاء، وجب غسله. وعنه: يجزيء دلكه بالأرض. وعنه: يغسل من البول والغائط، ويدلك من غيرهما)

وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَو الْحِذَاءِ وَجَبَ غَسْلُهُ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ. وَعَنْهُ، يُغْسَلُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَيُدْلَكُ مِنْ غَيرِهِمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال أحمدُ: الصَّبِيُّ إذا طَعِم الطعامَ، وأرادَه واشْتَهاه، غُسِل بَوْلُه. وليس إذا أُطْعِمَ (¬1)؛ لأنَّه قد يُلْعَقُ العَسَلَ ساعَةَ يُولَدُ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَنَّكَ بالتَّمْرِ (¬2). فعلى هذا، ما يُسْقاه الصَّبِيُّ أو يُلْعَقُه للتَّداوي، لا يُعَدُّ طَعامًا يُوْجِبُ الغَسْلَ، وما يَطْعَمُه لغذائِه، وهو يُرِيدُه ويَشْتَهِيه، يُوجِبُ الغَسْلَ. واللهُ أعلمُ. 203 - مسألة: (وإذا تَنَجَّسَ أسْفَلُ الخُفِّ أو الحِذاءِ، وَجَب غَسْلُه. وعنه: يُجْزِيءُ دَلْكُه بالأرضِ. وعنه: يُغْسَلُ مِن البَوْلِ والغائِطِ، ويُدْلَكُ مِن غيرِهما) وجُمْلَتُه، أنَّه إذا تَنَجَّسَ أسْفَلُ الخُفِّ أو ¬

= أبواب الجمعة. عارضة الأحوذي 3/ 88. وأبو داود، في: باب بول الصبي يصيب الثوب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 90. (¬1) في م: «طعم». (¬2) أخرجه البخاري، في: باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة، من كتاب مناقب الأنصار، وفي: باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق وتحنيكه، من كتاب العقيقة، وفي: باب من سمى بأسماء الأنبياء، من كتاب الأدب. صحيح البخاري 5/ 79، 7/ 108، 8/ 54. ومسلم، في: باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته. . . . إلخ، من كتاب الأدب. صحيح مسلم 3/ 1690، 1691. والترمذي، في: باب مناقب عبد الله بن الزبير، من أبواب المناقب. عارضة الأحوذي 13/ 222. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 399، 6/ 93، 347.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الحِذاءِ (¬1)، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، يَجِبُ غَسْلُه؛ قِياسًا على الثَّوْبِ والرِّجْلِ وغَيرِهما (¬2). وهو قولُ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ (¬3). والثانية، يُجْزىِءُ دَلْكُه بالأرضِ حتى تَزُولَ عَينُ النَّجاسَةِ، وتُباحُ الصلاةُ فيه. وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا وَطِئَ (¬4) أحَدُكُمُ الْأَذى بخُفَّيهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ». وفي لفظٍ: «إِذَا وَطِئَ أحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذى، فَإنَّ التُّرابَ لَهُ طَهُورٌ». وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأى فِي نَعْلَيهِ قَذَرًا أوْ أذًى، فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». روَى هذه الأحادِيثَ أبو ¬

(¬1) في م: «والحذاء». (¬2) في م: «غيرها». (¬3) في الأصل: «الحسين». (¬4) في م: «أوطئ».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ داودَ (¬1). ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه كانوا يُصَلُّون في نِعالِهم، والظّاهِرُ أنَّ النَّعْلَ لا تَخْلُو مِن نَجاسَةٍ تُصِيبُها، فلو لم يَجُزْ دَلْكُها، لم تَصِحَّ الصلاةُ فيها. والثالثةُ، يُغْسَلُ مِن البَوْلِ والغائِطِ؛ لفُحْشِهما وتَغْلِيظِ نَجاسَتهما، ويُدْلَكُ مِن غيرِهما؛ لِما ذَكَرْنا. وهو قَوْلُ إسحاقَ. والأوْلَى أنَّه يُجْزِئُ فيه الدَّلْكُ مُطْلَقًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ. فإن قِيل: فقَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في نَعْلَيهَ، وأنَّ (¬2) فيهما قَذَرًا (¬3). يَدُلُّ على أنَّه لا يُجْزِئُ دَلْكُهما، ولم يَزُلِ القَذَرُ منهما. قُلْنا: لا دَلالةَ في هذا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ أنَّه دَلَكَهما، والظّاهِرُ أنَّه لم يَدْلُكْهُما؛ لأنَّه لم يَعْلمْ بالقَذَرِ فيهما، حتى أخْبَرَه جِبرِيُل عليه السلامُ. ¬

(¬1) الأول في: باب في الأذى يصيب النعل، من كتاب الطهارة. والثاني، في: باب الصلاة في النعل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 92، 151. (¬2) في م: «أن». (¬3) رواه أبو داود، في: باب الصلاة في النعل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 151. والدارمي، في: باب الصلاة في النعلين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 320. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 92.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا ثَبَت أنَّه يُجْزِئُ الدَّلْكُ، فهل يُحْكَمُ بطَهارَتِهما، ويُحْكَمُ (¬1) بطهارةِ مَحَلِّ الاسْتِجْمارِ بعدَ الإِنْقاءِ واسْتِيفاءِ العَدَدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُحْكَمُ بطَهارَتِه. اخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لظاهِرِ الأخْبارِ التي ذَكَرْناها، وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال في المُسْتَجْمِرِ يَعْرَقُ في سَراويِله: لا بَأْسَ به؛ لأنَّ قَوْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الرَّوْثِ والرِّمَّةِ: «إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» (¬2). مَفْهُومُه أنَّ غيرَهما يُطَهِّرُ، ولأنَّه مَعْنًى يُزِيلُ حُكْمَ النَّجاسَةِ، فطَهَّرَها كالماءِ. وقال أصحابُنا المُتَأخِّرُون: لا يَطْهُرُ المَحَلُّ. ¬

(¬1) في م: «أو يحكم». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 2، 3. والنسائي، في: باب ينهى عن الاستطابة بالروث، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 35، 36. وابن ماجه، في: باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 114. والدارمي، في: باب الاستنجاء بالأحجار، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 172، 173. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 247، 250.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فلو قَعَد المُسْتَجْمِرُ في ماءٍ يَسيرٍ نَجَّسَه، ولو عَرِق كان عَرَقُه نَجِسًا؛ لأنَّ المَسْحَ لا يُزِيلُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ كلَّها، فالباقي منها نَجِسٌ، لأنَّه عَيْنُ النَّجاسَةِ، فأشْبَهَ ما لو وُجِد في المَحَلِّ وَحْدَه. وقال القاضي في الخُفَّين: إنَّما يُجْزِئُ دَلْكُهما بعدَ جَفافِ نَجاسَتِهما؛ لأنَّه لا يَبْقَى لها أثَرٌ، ولا يُجْزِئُ قبلَ الجَفافِ. وبه قال أبو حنيفةَ في الرَّوْثِ، والعَذِرَةِ، والدَّمِ، والمَنِيِّ. وقال في البَوْلِ: لا يُجْزِئُه حتى يُغْسَلَ وإن يَبِس؛ لأنَّ رُطُوبَةَ النَّجاسَةِ باقِيَةٌ، فلَا يُعْفَى عنها. وظاهِرُ الأخْبارِ لا فَرْقَ (¬1) بينَ رَطْبٍ ولا جافٍّ، ولأنَّه مَحَلٌّ اجْتُزِئَ فيه بالمَسْحِ؛ فجاز (¬2) مع رُطُوبَةِ الممسُوحِ، كمَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، ولأنَّ رُطُوبَةَ المَحَلِّ مَعْفُوٌّ عَنها إذا جَفَّتْ قبلَ الدَّلْكِ، فعُفِيَ عنها إذا جَفَّتْ به، كالاسْتِجْمارِ. ¬

(¬1) في م: «يفرق». (¬2) في م: «فجاز له».

204 - مسألة؛ قال: (ولا يعفى عن يسير شيء من النجاسات، إلا الدم، وما تولد منه من القيح والصديد، وأثر الاستنجاء)

وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إلا الدَّمَ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ؛ مِنَ الْقَيحِ، وَالصَّدِيدِ، وَأَثَرَ الاسْتِنْجَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 204 - مسألة؛ قال: (ولا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن النَّجاساتِ، إلَّا الدَّمَ، وما تَوَلَّد منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، وأثَرَ الاسْتِنْجاءِ) أراد أثَرَ الاسْتِجْمارِ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في العَفْو عنه بعدَ الإِنْقاءِ واسْتِيفاءِ العَدَدِ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في طَهارتِه. فصل: فأمّا الدَّمُ والقَيحُ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن العَفْوَ عن يَسِيرِه، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وجابرٌ، وابنُ أبي أوْفَى، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ جُبَيرٍ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعُرْوَةُ، والنَّخَعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَنْصَرِفُ مِن قَلِيلِه وكَثِيرِه. ونَحْوُه عن الحسنِ، وسُلَيمانَ التَّيمِيِّ (¬1)؛ لأنَّه نَجِسٌ، أشْبَهَ البَوْلَ. ولَنا، ما رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: قد يكُونُ ¬

(¬1) سليمان بن طرخان التيمي البصري، أبو المعتمر. روى عن أنس. تابعي ثقة. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة. تهذيب التهذيب 4/ 201 - 203.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لإِحْدانا الدِّرْعُ، فيه تَحِيضُ، وفيه تُصِيبُها الجَنابَةُ، ثم تَرَى فيه قَطرةً مِن دَمٍ فتَقْصَعُه (¬1) برِيقِها. وفي رِوايَةٍ: بَلَّتْه برِيقِها، ثم قَصَعَتْه بظُفْرِها. رَواه أبو داودَ (¬2). وهذا يَدُلُّ على العَفْو عنه؛ لأنَّ الرِّيقَ لا يُطَهِّرُه، ويَتَنَجَّسُ به ظُفْرُها، وهو إخْبارٌ عن دَوامِ الفِعْلِ، ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَصْدُرُ إلَّا عن أمْرِه، ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ. وما رُويَ عن ابنِ عُمَرَ فقد رُويَ عنه خِلافُه، فرَوَى عنه الأثْرَمُ بإسْنادِه، أنَّه كان يَسْجُدُ فيُخْرجُ يَدَيه، فيَضَعُهما بالأرضِ وهما يَقْطرُان دَمًا مِن شُقاقٍ (¬3) كان في يَدَيه، وعَصَر بَثْرَةً فخَرَجَ منها دَمٌ، فمَسَحَه بيَدِه، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ. وانْصِرافُه عنه في بَعْضِ الحالاتِ لا يُنافِي ما رَوَيناه عنه، فقد يَتَوَرَّعُ الإِنسانُ عن بعضِ ما يَرَى جَوازَه، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه فعُفِيَ عنه، كأثَرِ الاسْتِجْمارِ. وحَدُّ اليَسِيرِ المَعْفُوِّ عنه، هو الذي لا يَنْقُضُ الطهارةَ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه في نَواقِضِ الوُضُوءِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) تقصعه: تدلكه. (¬2) في: باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 86.كما أخرجه البخاري، في: باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه، من كتاب الغسل. صحيح البخاري 1/ 85. (¬3) الشقاق: تشقق الجلد من بَرْدٍ أو غيره في اليدين والوجه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ مِثْلُه، إلا أنَّ أحمدَ قال: هو أسْهَلُ مِن الدَّمِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحسنِ أنَّهما لم يَرَياه كالدَّمِ. قال أبو مِجْلَزٍ، في الصَّدِيدِ: إنَّما ذَكَر الله الدَّمَ المَسْفُوحَ. وقال أُمَيُّ بنُ رَبيِعَةَ (¬1): رَأيتُ طاوُسًا كأنَّ إزارَه نِطْعٌ (¬2) مِن قُرُوحٍ كانت برِجْلَيه. ونَحْوُه عن مُجاهِدٍ. وقال إبراهيمُ، في الذي يَكُونُ به الحُبُونُ (¬3): يُصَلِّي، ولا يَغْسِلُه، فإذا بَرَأ غَسَلَه. ونَحْوُه قَوْلُ عُرْوَةَ. فعلى هذا يُعْفَى منه عن أكْثَرَ مِمّا يُعْفَى عن مِثْلِه مِن الدَّمِ؛ لأنَّ هذا لا نَصَّ فيه، وإنَّما ثَبَتَتْ نَجاسَتُه لاسْتِحالتِه مِن الدَّمَ. ¬

(¬1) أبو عبد الرحمن أمي بن ربيعة المرادى الكوفي، ثقة، روى عن عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وغيرهما، روى عنه شريك، وسفيان بن عيينة. تهذيب التهذيب 1/ 369، 370. (¬2) النطع: بساط من أديم، يوضع على الأرض تحت ما يذبح. (¬3) في م: «الحبور». والحِبْن، بالكسر: خراج كالدمل، وما يعترى في الجسد فيقيح ويرم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الدَّمِ مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا فإذا (¬1) جُمِع بَلَغ هذا القَدْرَ. ولو كانتِ النَّجاسَةُ في شيءٍ صَفِيقٍ (¬2) قد نَفَذَتْ منه (¬3) مِن الجانِبَينِ، فاتَّصَلَتْ، فهي نَجاسَةٌ واحِدَةٌ، وإن لم تَتَّصِلْ، بل كان بينَهما شيءٌ لم يُصِبْه الدَّمُ فهما نَجاسَتان، إذا بَلَغَا لو جُمِعا قَدْرًا لا يُعْفَى عنه، لم يُعْفَ عنهما (¬4)، كجانِبَيِ الثَّوْبِ. ¬

(¬1) في الأصل: «إذا». (¬2) في الأصل: «ضيق». والصفيق: المتين. (¬3) سقطت من: «م». (¬4) في الأصل: «عنها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ودَمُ الحَيضِ في العَفْو عنه كغيرِه؛ لحديثِ عائشةَ الذي ذَكَرْناه، وكذلك سائِرُ فِي دِماءِ الحَيَواناتِ الطّاهِراتِ. فأمّا دَمُ الكلبِ والخِنْزِيرِ، وما تَوَلَّدَ منهما، أو مِنِ أَحَدِهما، فلا يُعْفَى عن يَسِيرِه؛ لأنَّ رُطُوباتِه الطّاهِرَةَ مِن غيرِه، لا يُعْفى عن يَسِيرِها، فدَمُه أوْلَى. فأمّا دَمُ البَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيرِ، إن قُلْنا بطَهارَتِها، عُفِي عن يَسِيرِ دِمائِها، كسائِرِ الحيواناتِ الطّاهِراتِ، وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، وقُلْنا: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن رُطُوباتِها، كالرِّيقِ، والعَرَقِ. فأَوْلَى أن لا يُعْفَى عن دَمِها، كدَمِ الكلبِ والخِنْزِيرِ. ولأنَّ دَمَها لابُدَّ أن يُصِيبَ جِسْمَها، فلم يُعْفَ عنه، كالماءِ، وهكذا حُكْمُ كلِّ دَم أصاب نَجاسَةً غيرَ مَعْفُوٍّ عنها، لم يُعْفَ عن شيءٍ منه؛ لذلك (¬1). وإن قُلْنا: يُعْفَى عن يَسِيرِ رِيقِها، وعَرَقِها. احْتَمَلَ أن يُعْفَى عن يَسِيرِ دَمِها، قِياسًا عليه. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في تش: «كذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ودَمُ ما لا نَفْسَ له سائِلَةً؛ كالبَقِّ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ، ونَحْوه، طاهِرٌ في ظاهِرِ المذهبِ. ومِمَّن رَخَّصَ في دَمِ البَراغِيثِ؛ عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لنَجَّسَ الماءَ اليَسِيرَ إذا مات فيه، فإنَّه إذا مَكَث في الماءِ، لا يَسْلَمُ مِن خُرُوجِ فَضْلَةٍ منه، ولأنَّه ليس بدَمٍ مَسْفُوحٍ، وإنَّما حَرَّمَ اللهُ سبحانه الدَّمَ المَسْفُوحَ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال في دَمِ البَراغِيثِ: إنِّي لأفْزَعُ منه إذا كَثُر. وقال النَّخَعِيُّ: اغْسِلْ ما اسْتَطَعْتَ. وقال مالكٌ، في دَمِ البَراغِيثِ: إذا كَثُر وانْتَشَرَ، فإنِّي أرَى أن يُغْسَلَ. والأوَّلُ أظْهَرُ. وقولُ أحمدَ ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِه، بل هو دلِيلُ التَّوَقُّفِ، ولأنَّ المَنْسُوبَ إلى دَمِ البَراغِيثِ إنَّما هو بَوْلُها في الظّاهِرِ، وبَوْلُ هذه الحَشَراتِ ليس بنَجِسٍ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا دَمُ السَّمَكِ، فقال أبو الخَطّابِ: هو طاهِرٌ. وهذا قَوْلُ الحسنِ (¬1)؛ لأنَّ إباحَتَه لا تَقِفُ على سَفْحِه، ولو كان نَجِسًا، لوَقَفَتِ الإِباحَةُ على إراقَتِه بالذَّبْحِ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه إذا تُرِك اسْتَحال ماءً. وقال أبو ثَوْرٍ: هو نَجِسٌ؛ لأنَّه مَسْفُوحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ. والعَلَقَةُ نَجِسَةٌ؛ لأنَّها دَمٌ خارِجٌ مِن الفَرْجِ، أشْبَهَ دَمَ الحَيضِ. وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ؛ لأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَتِ المَنِيَّ. قال شَيخُنا (¬2): والصَّحِيحُ نَجاسَتُها؛ لأنَّها دَمٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ الدِّماءِ، ولأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيها بطَهارَةٍ، فتَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ. وما يَبْقَى في اللَّحْمِ مِن الدَّمِ مَعْفُوٌ عنه، ولو عَلَتْ (¬3) حُمْرَةُ الدَّمِ في القِدْرِ، لم يَكُنْ نَجِسًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وإذا أصابَ الأجْسامَ الصَّقِيلَةَ، كالسَّيفِ والمِرْآةِ، نَجاسَةٌ يُعْفَى عن يَسِيرِها، كالدَّمِ، عُفِى عن كَثِيرِها بالمَسْحِ؛ لأنَّ الباقِي بعدَ المَسْحِ يَسِيرٌ. وإن كَثُر مَحَلُّه؛ يُعْفَى (¬4) عنه، كيَسِيرِ غيرِه. ¬

(¬1) في م: «أبي الحسن». (¬2) انظر: المغني 2/ 499. (¬3) في الأصل: «غلب». (¬4) في الأصل، م: «فعفى». والمثبت من: تش.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإنَّما يُعْفَى عن يَسِيرِ الدَّمِ في غيرِ المائِعاتِ، فلو وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمٍ في مائِعٍ يَسِيرٍ تَنَجَّسَ، وصار حُكْمُه حُكْمَ الدَّمِ في العَفْو عن يَسِيرِه؛ لأنَّه فَرْعٌ عليه.

205 - مسألة: (وعنه، في المذي، والقئ، وريق البغل، والحمار، وسباع البهائم، والطير، وعرقها، وبول الخفاش، والنبيذ، والمني؛ أنه كالدم. وعنه، في المذي؛ أنه يجزئ فيه النضح)

وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، وَالْقَىْءِ، وَرِيقِ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالطَّيرِ، وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ، أَنَّهُ كَالدَّمِ. وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 205 - مسألة: (وعنه، في المَذْي، والقَىْءِ، ورِيقِ البَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيرِ، وعَرَقِها، وبَوْلِ الخُفّاشِ، والنَّبِيذِ، والمَنِيِّ؛ أنَّه كالدَّمِ. وعنه، في المَذْي؛ أنَّه يُجْزِئُ فيه النَّضْحُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رحَمِه اللهُ، في ذلك، فرُوِي عنه في المَذْي، أنَّه قال:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُغْسَلُ ما أصابَ الثَّوْبَ منه، إلَّا أن يكُونَ يَسِيرًا. وروَى الخَلّالُ بإسْنادِه، قال: سُئِل سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ، وسُلَيمانُ بنُ يَسارٍ عن المَذْي، فكلُّهم قال: إنَّه بمَنْزِلَةِ القُرْحَةِ؛ فما عَلِمْتَ منه فاغْسِلْه، وما غَلَبَك (¬1) منه فدَعْه. ولأنَّه (¬2) يَخْرُجُ مِن [الشّبابَ كَثِيرًا] (¬3) فيَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فعُفِيَ عن يَسِيرِه كالدَّمِ. وعن أحمدَ، أنَّه كالمَنِيِّ؛ لأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، أشْبَهَ المَنِيَّ. وعنه، أنَّه يُجْزىِءُ فيه النَّضْحُ؛ لأنَّ في حديثِ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، فكَيفَ بما أصابَ ثَوْبِي منه؟ قال: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فتَنْضَحَ بِهِ حَيثُ تَرَى أَنَّهُ أَصابَ مِنْهُ» (¬4). قال التِّرمِذِيُّ: حديثٌ صحيحٌ. والرِّوايَةُ الأُخْرَى، يَجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بغَسْلِ الذَّكَرِ منه (¬5). ولأنَّه نَجاسَةٌ خارِجَةٌ مِن الذَّكَر، أشْبَهَ البَوْلَ. يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ. وهو مذهَبُ ¬

(¬1) في الأصل: «لم تعلم ما عليك». (¬2) في م: «لأنه». (¬3) في تش: «أسباب كثيرة». (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 309. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 10، 11.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ. وكذلك المَنِيُّ إذا قُلْنا بنَجاسَتِه؛ لِما ذَكَرْنا في المَذْي. فأمّا الوَدْيُ، فهو نَجِسٌ لا يُعْفَى عنه في الصحيح؛ لأنَّه خارِجٌ مِن مَخْرَجِ (¬1) البَوْلِ، فهو كالبولِ. وعن أحمدَ أنَّه كالمَذْي. وأمّا القَيْءُ، فرُوىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: هو عندِي بمَنْزِلَةِ الدَّمِ، لَأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ مِن غيرِ السَّبيلِ، أشْبَهَ الدَّمَ. ورُوي عن أحمدَ في رِيقِ البَغْلِ والحِمارِ، وعَرَقِهما، أنَّه يُعْفَى عنه إذا كان يَسِيرًا، وهو الظّاهِرُ عن أحمدَ. قال الخَلّالُ: وعليه مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، لأنَّه ¬

(¬1) في الأصل: «مجرى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَشُق التَّحَرُّزُ منه. قال أحمدُ: مَن يَسْلَمُ مِن هذا مِمَّن يَرْكَبُ الحَمِيرَ؟ إلَّا أنِّي أرْجُو أن يكُونَ ما خَفَّ (¬1) منه أسْهَلَ. قال القاضي: وكذلك ما كان في مَعْناهما مِن سِباعِ البَهائِمِ، سوى الكلبِ والخِنْزِيرِ. وكذلك الحُكْمُ في أرْواثِها. وكذلك الحُكْمُ في سِباعِ الطَّيرِ؛ لأنَّها في مَعْنَى سِباعِ البَهائِمِ، وبَوْلِ الخُفّاشِ. قال الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وحَبِيبُ بنُ أبي ثابِتٍ (¬2): [لا بَأسَ ببَوْلِ الخُفّاشِ] (¬3)، والخُطّافِ؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّه في المَساجِدِ كَثِيرٌ، فلو لم يُعْفَ عن يَسِيرِه، لم يُقَرَّ في المَساجِدِ. ¬

(¬1) في م: «جف». (¬2) أبو يحيى حبيب بن أبي ثابت، من فقهاء التابعين بالكوفة، توفي سنة سبع عشرة ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي 83. (¬3) في م: «لا بأس ببول الخفافيش وكذلك الخفاش».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وكذلك النَّبيذُ، لوُقُوعِ الخِلافِ في نَجاسَتِه. وكذلك بَوْلُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه، إذا قُلْنا بنَجاسَتِه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، لكَثْرَتِه. وعن أحمدَ، لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ أن لا يُعْفَى عن شيءٍ مِن النَّجاسَةِ، خُولِفَ في الدَّمَ وما تَوَلَّدَ منه، فيَبْقَى ما عَداه على الأصْلِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن النَّجاساتِ غيرَ ما ذَكَرْنا، ومِمَّن قال: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ البَوْلِ. مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حنيفةَ: يعْفَى عن يَسِيرِ جَمِيعِ النَّجاساتِ؛ لأنَّها يُكْتَفَى فيها بالمَسْحِ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، فلوْ لم يُعْف عن يَسِيرِها، لم يَكْفِ فيها المَسْحُ، ولأنَّه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَشُقُّ التَّحَرُّز منه، أشْبَهَ الدَّمَ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (¬1). وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» (¬2). ولأنَّها نَجاسَةٌ لا تَشُقُّ إزالتُها، فوَجَبَتْ كالكَثِيرِ، وأمّا ¬

(¬1) سورة المدثر 4. (¬2) أخرجه الدارقطني، في: باب نجاسة البول والأمر بالتنزه منه والحكم في بول ما يؤكل لحمه، من كتاب الطهارة، عن أنس، وقال: المحفوظ مرسل. سنن الدارقطني 1/ 127.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدَّمُ فإنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّ الإِنْسانَ لا يكادُ يَخْلُو مِن بَثْرَةٍ، أو حَكَّةٍ، أو دُمَّلٍ، ويَخْرُجُ مِن أنْفِه وغيرِه، فيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِن يَسِيرِه أكْثَرَ مِن كَثِيرِه، ولهذا فُرِّقَ في الوُضُوءِ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه.

206 - مسألة: (ولا ينجس الآدمي بالموت، ولا ما لا نفس له سائلة، كالذباب وغيره)

وَلَا يَنْجُسُ الآدمي بالْمَوْتِ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً؛ كَالذُّبَاب وَغَيرِه ـــــــــــــــــــــــــــــ 206 - مسألة: (ولا يَنْجُسُ الآدمي بالمَوْتِ، ولا ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، كالذُّبابِ وغيرِه) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ الآدَمِيّ طاهِرٌ حَيًّا ومَيتًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «الْمُؤمِنُ لَا يَنْجُسُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن أحمدَ، أنه سُئِل عن بِئْرٍ وَقَع فيها إنْسان، فماتَ، فقال: تُنْزَحُ حتَّى تَغْلِبَهمْ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، قال: ينجس، ويَطْهُرُ بالغَسْلِ؛ لأنَّه حَيَوانٌ له نَفسٌ سائِلَة، فنَجُس بالمَوْتِ، كسائِرِ الحيواناتِ. وللشافعي قَوْلان، كالرِّوايَتَين. والصحيحُ الأوَّلُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّه آدَمِيٌّ، فلم يَنْجُسْ بالمَوْتِ، كالشَّهِيدِ، ولأنَّه لو نَجُسَ بالمَوتِ، لم يَطْهُرْ بالغَسْلِ، كالحيواناتِ التي تَنْجُسُ بالموتِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 155.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ المسلمِ والكافرِ؛ لاسْتِوائِهما في حالِ الحياةِ، قال شيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن يَنْجُسَ الكافِرُ بموتِه؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في المسلم، ولا يُقاسُ الكافرُ عليه؛ لأنَّه لا يُصَلَّى عليه، ولا حُرْمَةَ له كالمسلمَ. فصل: وحُكْمُ أجزاءِ الآدَمِي وأُبعاضِه حُكْمُ جُمْلَتِه، سَواء انْفَصَلَتْ في حَياتِه أو بعدَ مَوْتِه؛ لأنَّها أجْزاءٌ مِن جُمْلَةٍ (¬2)، فكانَ حُكْمُها [كحُكْمِها، كسائِرِ] (¬3) الحيواناتِ الطّاهِرَةِ والنَّجِسَةِ. وذَكَر القاضي أنها نَجِسَة، رِوايَةً واحِدةً؛ لأنَّه لا حُرمَةَ لها، بدَلِيلِ أنها لا يُصَلَّى عليها. وما ذكره مَمْنُوع؛ لأنَّ (¬4) لها حُرْمَة؛ فإن كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه وهو حَيٌّ، ولأنَّه يُصَلَّى عليها إذا وُجِدَتْ مِن المَيِّتِ، ثم يَبْطُلُ بشَهِيدِ المَعْرَكَةِ، فإنَّه لا يُصَلَّى عليه، وهو طاهِرٌ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 63. (¬2) في الأصل: «جملته». (¬3) في الأصل: «كحكم». (¬4) في م: «فإن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وما لا نَفْسَ له سائِلَةً، لا يَنْجُسُ بالمَوتِ، والمُرادُ بالنَّفْسِ الدَّمُ، فإن العَرَبَ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا، قال الشاعر (¬1): نُبِّئْتُ أنَّ بني سُحَيم أدْخَلُوا … أبياتَهُمْ تامُورَ نَفْس المُنْذِرِ أي دَمِه (¬2). ومِنه قِيل للمرأةِ: نُفَساءُ؛ لسيلانِ دَمِها عندَ الولادَةِ، ويقال: نَفِسَتِ (¬3) المرأةُ. إذا حاضَتْ. فكلُّ ما ليس له دَمٌ سائِلٌ مِن حَيَوانِ البَرِّ والبَحْرِ، مِن العَلَقِ، والدِّيدانِ، والسَّرَطانِ، ونَحْوها، لا ¬

(¬1) هو أوس بن حجر، والبيت في ديوانه 47. (¬2) التامور: دم القلب، وعم بعضهم به كل دم. وقال الأصمعيُّ: أي مهجة نفسه، وكانوا قتلوه. اللسان (ت م ر). (¬3) من باب تعب. ونقل عن الأصمعيِّ «نُفِست» بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بمشهور في الكتب. المصباح المنير.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ولا يُنَجِّسُ الماءَ إذا ماتَ فيه، في قَوْلِ عامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما كان مِن أحدِ قَوْلَي الشافعيِّ، فإن عندَه في تَنْجِيسِ الماءِ إذا ماتَ فيه قَوْلَين. فأمّا الحَيَوانُ في نَفسِه، فهو عندَه نَجِسٌ، قولًا واحِدًا؛ لأنَّه حيوانٌ لا يُؤكَلُ، لا لحُرْمَتِه، فنَجُس بالمَوْتِ، كالبَغْلِ والحِمارِ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أحَدِكُمْ، فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». رَواه البُخارِيُّ. وفي لَفْظٍ: «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطرحْهُ» (¬1). وقال الشافعي: مَقْلُه ليس بقَتْلِه (¬2). قُلْنا: اللَّفْظُ عام في كل شَرابٍ بارِدٍ، أو حار، أو دُهْن، مِمّا يَمُوتُ بغَمْسِه فيه، فلو كان يُنَجِّسُ الشَّرابَ كان أمْرًا بإفْسادِه، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لسَلْمانَ: «يَا سَلْمَانُ، ¬

(¬1) بلفظ «فليمقله» أو «فامقلوه» أخرجه أبو داود، في: باب الذباب يقع في الطَّعام، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 328. وابن ماجه، في: باب يقع الذباب في الإِناء، من كتاب الطب. سنن ابن ماجه 2/ 1159. والنَّسائيُّ، في: باب الذباب يقع في الإناء، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى 7/ 158. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 24، 67. وبلفظ: «فليغمسه» أخرجه البُخاريّ، في: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. . . . إلخ، من كتاب بدء الخلق، وفي: باب إذا وقع الذباب في الإناء، من كتاب الطب. صحيح البخاري 4/ 158، 7/ 181. وابن ماجه، في: باب يقع الذباب في الإناء، من كتاب الطب سنن ابن ماجه 2/ 1159. والدارمي، في: باب الذباب يقع في الطَّعام، من كتاب الأطعمة. سنن الدَّارميّ 2/ 99. والإمام أحمد، في المسند 2/ 229، 230، 246، 263، 340، 355، 388، 398، 443. (¬2) في م: «يقتله».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أيُّمَا طَعَام أَوْ شَرَابٍ مَاتَتْ فيهِ دَابَّةٌ، لَيسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَة، فَهُوَ الْحَلَالُ؛ أكْلُهُ، وشُرْبُه، وَوُضُوءُهُ» (¬1). وهذا صَرِيحٌ. أخْرَجَه الدّارقُطْنِي (¬2). قال الترمِذِيُّ: يَرْويه بَقِيَّةُ (¬3)، وهو يُدَلِّسُ، فإذا روَى عن الثِّقاتِ جَوَّدَ. ولأنَّه لا نَفْس له سائِلَةً، أشْبَهَ دُودَ الخَلِّ إذا مات فيه، فإنَّهم سَلَّمُوا أنَّ ذلك لا يُنَجِّسُ إلَّا أن يُؤخَذَ ويُطرحَ فيه، أو يَشُقَّ الاحْتِرازُ منه، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا، وإذا ثَبَت أنه لا يُنَجِّسُ الماءَ، لَزِمَ أن لا يكُونَ نَجِسًا، وإلَّا لنَجَّسَ الماءَ كسائِرِ النَّجاساتِ. فصل: فأمّا إن كان مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاساتِ كدُودِ الحُشِّ (¬4)، وصَراصِرِه، فهو نَجِسٌ حيًّا ومَيتًا. [إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ النَّجاسَةَ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ] (¬5)؛ لأنَّه مُتَوَلِّدٌ مِن النَّجاسَةِ، فكان نَجِسًا، كالمُتَوَلِّدِ مِن الكلبِ والخِنْزِيرِ. قال المَرُّوذِيُّ: قال أحمدُ: صَراصِرُ الكَنِيفِ والبالُوعَةِ إذا وَقَعِ في الإِناءِ صُبَّ، وصَراصِرُ البِئْرِ ليس هي بقَذِرَةٍ؛ لأنَّها لا تَأكلُ العَذِرَة. ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، في: باب ما لا نفس له سائلة إذا مات في الماء القليل، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 253. والدارقطني، في: باب كل طعام وقعت فيه دابة ليس لها دم، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 37. (¬2) بعده بالأصل: «والترمذي». ولم نجده في سنن التِّرمذيِّ. وانظر: نصب الراية 1/ 115. (¬3) أي: ابن الوليد بن صائد. انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال 1/ 331. (¬4) أصل الحش: البستان، الفتح أكثر من الضم، وبيت الحش مجاز؛ لأنَّ العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، فلما اتخذوا الكنف وجعلوها خلفا عنها أطلقوا عليها ذلك الاسم. المصباح المنير. (¬5) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وما له نَفْسٌ سائِلَةٌ مِن الحَيَوانِ غيرَ الآدَمِيِّ، يَنْقَسِمُ قِسْمَين؛ أحَدُهما، [ما مَيتَتُه] (¬1). طاهِرَةٌ، وهو السَّمَكُ وسائِرُ حيوانِ البَحْرِ الذي لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فهو طاهِرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، لأنَّه لو كان نَجِسًا لم يُبَح أكلُه. القِسْمُ الثاني، ما لا تُباحُ مَيتَتُه غيرَ الآدَمِيِّ؛ كحَيَوانِ البَرِّ المَأكُولِ، وغيرِه، وحيوانِ البَحْرِ الذي يَعِيشُ في البَرِّ، كالضُّفْدَعِ، والحَيَّةِ، والتِّمْساحِ، ونَحْوه، فكلُّ ذلك يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ويُنَجِّسُ الماءَ القَلِيلَ إذا مات فيه، والكَثِيرَ إذا غَيَّرَه. وهذا قَوْلُ ابنِ المُبارَكِ، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، في الضُّفْدَعِ: لا تُفْسِدُ الماءَ إذا ماتَتْ فيه؛ لأنَّها تَعِيشُ في الماءِ، أشْبَهَتِ السَّمَكَ. ولَنا، أنَّها تُنَجِّسُ غيرَ الماءِ، فنَجَّسَتِ الماءَ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه حيوانٌ له نَفْسٌ سائِلَةٌ لا تُباحُ مَيتَتُه (¬2)، أشْبَهَ طَيرَ الماءِ، وبهذا فارَقَ السَّمَكَ. ¬

(¬1) في الأصل: «ما ميتة». وفي م: «ميتة». (¬2) في الأصل: «ميتة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وفي الوَزَغِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْجُسُ بالمَوْتِ؛ لأنَّه لا نَفْسَ له سائِلَةً، أشْبَهَ العَقْرَبَ. والثاني، أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِي الله عنه، كان يقولُ: إن ماتَتِ الوَزَغَةُ أو الفَأْرَةُ في الحُبِّ (¬1) يُصَبُّ ما فيه، وإن ماتَتْ في بِئْرٍ فانْتَزِحْها (¬2) حتَّى تَغْلِبَكَ. فصل: [وإذا ماتَ الحَيَوانُ في ماءٍ لا نَعْلَمُ] (¬3)، هل يَنْجُسُ بالمَوْت أم لا؟ فالماءُ طاهِرٌ، لأنَّ الأصْلَ طَهارَتُه، والنَّجاسَةُ مَشْكُوكٌ فيها. وكذلك إن شَرِب مِنه حَيَوانٌ يُشَكُّ في نَجاسَةِ سُؤرِه وطَهارَتِه، لِما ذَكَرْنا. ¬

(¬1) في الأصل: «الجب». (¬2) في الأصل: «فانتزعها». (¬3) في م: «إذا مات في الماء ما لا يعلم».

207 - مسألة: (وبول ما يؤكل لحمه، وروثه، ومنيه طاهر. وعنه، أنه نجس)

وَبَوْلُ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُهُ، وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ. وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 207 - مسألة: (وبَوْلُ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثُه، ومَنِيُّه طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجسٌ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في بَوْلِ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثِه، فرُوِي عن أحمدَ، أَنَّه طاهِرٌ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ. ورَخَّصَ في أبوال الغَنَمِ الزُّهْرِيُّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمٍ على إباحَةِ الصلاةِ في مَرابِض الغَنَمِ، إلَّا الشافعيِّ، فإنَّه اشْتَرَطَ أن تكُون سَلِيمَةً مِن أبعارِها وأبوالِها. ورَخَّص في ذرْقِ (¬1) الطّائِرِ الحَكَمُ، وحَمّادٌ، وأبو حنيفةَ. وعن أحمدَ، أنَّ ذلك نَجِسٌ. وهو قَوْل الشافعيِّ، ¬

(¬1) الذرق من الطائر، كالتغوط من الإِنسان.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأبي ثَوْرٍ. ونَحْوُه عن الحسنِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلَ» (¬1). ولأنَّه رَجِيعٌ، فأشْبَهَ رَجِيعَ الآدَمِيِّ. ولَنا؛ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر العُرَنِيِّينَ أن يَشربُوا مِن أبْوالِ الإِبِلِ (¬2). والنَّجِسُ لا يُباحُ شُرْبُه، ولو ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب نجاسة البول. . . .، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 127. (¬2) أخرجه البُخاريّ، في: باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، من كتاب الوضوء، وفي: باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل، من كتاب الزكاة، وفي: باب إذا حرَّق المشرك المسلم هل يحرق، من كتاب الجهاد، وفي: باب قصة عكل وعرينة، من كتاب المغازي، وفي: باب {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، في تفسير سورة المائدة، من كتاب التفسير، وفي: باب الدراء بأبوال الإِبل، وباب من خرج من أرض لا تلائمه، من كتاب الطب، وفي أول كتاب المحاربين، وفي: باب القسامة، من كتاب الديات. صحيح البُخاريّ 1/ 67، 68، 2/ 160، 4/ 75، 5/ 164، 165، 6/ 65، 7/ 160، 167، 168، 8/ 201، 202، 9/ 12. ومسلم، في: باب حكم المحاربين والمرتدين، من كتاب القسامة. صحيح مسلم 3/ 1296، 1297. وأبو داود، في: باب ما جاء في المحاربة، من كتاب الحدود. سنن أبي داود 2/ 443، 444، والترمذي، في: باب ما جاء في شرب أبوال الإبل، من أبواب الأطعمة، وفي الباب نفسه، من أبواب، الطب. عارضة الأحوذي 8/ 35، 197. والنَّسائيُّ، في: باب بول ما يؤكل لحمه، من كتاب الطهارة، وفي: باب تأويل قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وباب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد، وباب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف. . . . إلخ، من كتاب تحريم الدّم. المجتبي 1/ 129 - 131، 7/ 86 - 92. وابن ماجه، في: باب من حارب وسعى في الأرض فسادًا، من كتاب الحدود، وفي: باب أبوال الإبل، من كتاب الطب. سنن ابن ماجه 2/ 861، 1158. والإمام أحمد، في: المسند 7/ 103، 163، 170، 177، 186، 198، 205، 233، 287، 290.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أُبِيحَ للضَّرورَة لأمَرَهم بغَسْلِ أثَرِه إذا أرادُوا الصلاةَ. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، وأمَرَ بالصلاةِ فيها. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وصَلَّى أبو موسى في مَوْضِعٍ فيه أبعارُ الغَنَمِ، فقِيلَ له: لو تَقَدَّمْتَ إلى ههُنا؟ فقال: هذا وذاك واحِدٌ. ولم يكن للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه ما يُصَلُّون عليه مِن الأوْطِئَةِ والمُصَلَّياتِ، وإنَّما كانوا يُصَلُّون على الأرضِ. ومَرابِضُ الغَنَمِ لا تَخْلُو مِن أبعارِها وأبوالها، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُباشِرُونها في صَلاتِهم، ولأنَّه لو كان نَجِسًا لتَنَجَّسَتِ الحُبُوبُ التي تَدُوسُها البَقَرُ، فإنَّها لا تَسْلَمُ مِن أبوالِها، فيَتَنَجَّسُ بَعْضُها، فيَخْتَلِطُ النَّجسُ بالطّاهِرِ، فيَصِيرُ حُكْمُ الجَمِيع حُكْمَ النَّجِسِ. وحُكْمُ قَيئِه ومَنِيِّهَ حُكْمُ بَوْلِه، لأنَّه في مَعْناه. ¬

(¬1) المتفق عليه هو حكاية فعله - صلى الله عليه وسلم -. أخرجه البخاري، في: باب أبوال الإبل الدواب والغنم ومرابضها، من كتاب الوضوء، وفي: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، وباب الصَّلاة في مرابض الغنم، من كتاب الصَّلاة. صحيح البُخاريّ 1/ 68، 117. ومسلم، في: باب ابتناء مسجد النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 373، 374. كما أخرجه أبو داود، في: باب في بناء المساجد، من كتاب الصَّلاة، سنن أبي داود 7/ 101. والترمذي، في: باب ما جاء في الصَّلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذي 2/ 146. والنسائي، في: باب نبش القبور واتخاذ أرضها مسجدًا، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 32. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 123، 131، 194، 212، 244. وأمَّا الأمر بالصلاة فيها، فأخرجه التِّرمذيُّ في الموضع السابق. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 352.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: في الخارِجِ مِن الحَيَوانِ الذي لا يُؤكَلُ لَحْمُه، وهو أرْبعةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، الآدَمِيُّ، فالخارِجُ منه ثلاثةُ أنواعٍ، أحدُها، رِيقُه وعَرَقُه ودَمْعُه ومُخاطُه ونُخامَتُه، فهو طاهِرٌ، لأنَّه جاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ الحُدَيبِيَةِ، أنَّه ما تَنَخَّمَ نُخامَةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه. رَواه البُخارِيُّ (¬1). وفي حديثِ أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فأقْبَلَ على النّاس، فقال: «مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أوْ تَحْتَ قَدَمِه، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا». ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه، ثم مَسَح بَعْضَه ببَعْضٍ. رَواه مسلمٌ (¬2). ولو كانت نَجِسَةً لَما أمَرَ بمَسْحِها في ثَوْبه وهو في الصلاةِ، ولا تحتَ قَدَمِه. وسَواءٌ في ذلك البَلْغَمُ الخارِجُ مِن الرَّأسِ والصَّدْرِ. ذَكَره القاضي. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ. وقال أبو الخَطّابِ: البَلْغَمُ نَجسٌ، لأنَّه اسْتَحال في المَعِدَةِ، أشْبَهَ القَيءَ. ولَنا، عُمُومُ الخَبَرَين، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَي النُّخامَةِ، أشْبَهَ الآخَرَ، ولأنَّه لو كان نَجِسًا، لنَجَّسَ الفَمَ ونَقَضَ الوُضُوءَ، ولم يُنْقَلْ عن الصَّحابَةِ، ¬

(¬1) في: باب البزاق والمخاط ونحوه، من كتاب الوضوء، وفي: باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، من كتاب الشروط. صحيح البُخاريّ 1/ 69، 70، 3/ 254. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 329، 330. (¬2) في: باب النهي عن البصاق في المسجد في الصَّلاة وغيرها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 389، 390.كما أخرجه البُخاريّ، في: باب لا يبصق عن يمينه في الصَّلاة، وباب كفارة البزاق في المسجد، من كتاب الصَّلاة. صحيح البُخاريّ 1/ 112، 113. وأبو داود، في: باب في كراهية البزاق في المسجد، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 111، 112. وابن ماجه، في: باب المصلى يتنخم، من كتاب إقامة الصَّلاة سنن ابن ماجه 1/ 326. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 250، 415.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَضِي اللهُ عنهم، فيما عَلِمْنا، شيءٌ مِن ذلك، مع عُمُومِ البَلْوَى به. وقَوْلُهم: إنَّه طعامٌ اسْتَحال في المَعِدَةِ. مَمْنُوعٌ، إنَّما هو مُنْعَقِدٌ مِن الأبخِرَةِ، فهو كالمُخاطِ. ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنه، أشْبَهَ المُخاطَ. النَّوْعُ الثاني، قَيؤُه ودَمُه، و (¬1) ما تَوَلَّدَ منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، فهو نَجِسٌ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه فيما مَضَى. النَّوْعُ الثالث، الخارِجُ مِن السَّبِيلَين؛ مِن البَوْلِ، والغائِطِ، والمَذْي، والوَدْي، والدَّمِ، وغيرِه، فلا نَعْلَمُ في نَجاسَتِه خِلافًا، إلَّا ما ذَكَرْنا في المَذْي (¬2)، وسيَأتِي حُكْمُ المَنِي، إن شاءَ اللهُ تعالى. فصل: القِسْمُ الثاني، البَغْلُ والحِمارُ، وسِباعُ البَهائِم، والطَّيرِ؛ فإن قُلْنا بطَهارَتِها، فحُكْمُها حُكْمُ الآدَمِيِّ، على ما بَيَّنّا، إلَّا في مَنِيِّها، فإن حُكْمَه حُكْمُ بَوْلِها. وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، فجَمِيعُ أجْزائِها وفَضَلاتِها نَجسَةٌ، إلَّا السِّنَّوْرَ وما دُونَها في الخِلْقَةِ، وسيَأتِي بَيانُ حُكْمِها، إن شاءَ اللهُ تعالى. القِسْمُ الثالثُ، الكلبُ والخِنْزِيرُ وما تَوَلَّدَ مِنهما، أو مِن أحَدِهما، فهو نَجِسٌ بجَمِيِع أجْزائِه وفَضَلاتِه، وما يَنْفَصِلُ عنه. القِسْمُ الرابعُ، ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، فهو طاهِرٌ بجَمِيع أجْزائِه وفَضَلاتِه المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ، إلَّا أن يكُونَ مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاسَةِ، وقد ذكَرْناه. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «المني والمذي». وتقدم كلامه في المذي في صفحة 10، 11، 326.

208 - مسألة: (ومني الآدمي طاهر. وعنه، أنه نجس، ويجزئ فرك يابسه)

وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ. وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ. وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 208 - مسألة: (ومَنِيُّ الآدَمِيِّ طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجِسٌ، وَيُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في المَنِيِّ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، فرُوِيَ عنه أنَّه طاهِرٌ، وهو ظاهِرُ المذهبِ. ورُوي عنه، أنَّه كالدَّمِ نَجسٌ، يُعْفَى عن يسِيرِه. ورُوي عنه، أنَّه كالبَوْلِ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه بَكلِّ حالٍ؛ لحديثِ عائشةَ، والرِّوايَةُ الأولَى المَشْهُورَةُ في المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ. ونَحْوُه قَوْلُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وهو مذهبُ الشَّافعي، وأبي ثوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أصْحابُ الرَّأْي: هو نَجِسٌ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه. وقال مالكٍ: غَسْلُ الاحْتِلامِ أمْرٌ واجِبٌ. وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّها كانت تَغْسِلُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وهو ¬

(¬1) أخرجه البُخاريّ، في: باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة، وباب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ 1/ 67. ومسلم، في: باب حكم المني، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 239. وأبو داود، في: باب المني يصيب الثوب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 89. والترمذي، في: باب غسل المني من الثوب، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 180. وابن ماجه، في: باب المني يصيب الثوب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 178. وانظر: مسند الإمام أحمد 6/ 47، 142، 162.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه خارِجٌ مُعْتادٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ البَوْلَ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرْكًا، فيُصَلِّي فيه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وقال ابنُ عباسٍ: امْسَحْه عنك بإذْخِرَة أو خِرْقَةٍ، ولا تَغْسِلْه، إنَّما هو كالبُزاقِ. رَواه (¬2) الدّارَقُطْنِيّ مَرْفوعًا (¬3)، [ورَواه الإِمامُ أحمدُ بمَعْناه] (¬4). ولأنَّه لا يَجبُ غَسْلُه إذا جَفَّ، فأشْبَهَ المُخاطَ، ولأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ الطِّينَ. وبهذا فارَقَ البَوْلَ. فصل: وإن خَفِيَ مَوْضِعُ المَنِي، فَرَكَ الثَّوْبَ كلَّه، إن قُلْنا بنَجاسَتِه. وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ فرْكُه، وإن صَلَّى مِن غَيرِ فَرْكٍ أجْزأه. وهو قَوْلُ الشافعيِّ، ومَن قال بالطهارةِ. وقال ابنُ عباسِ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ: يَنْضَحُ الثَّوْبَ كلَّه. وقال ابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، والحسنُ: يَغْسِلُه كلَّه. ولَنا، أنَّ فَرْكَه يُجْزِيء إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ، وأمّا النَّضْحُ فلا يفِيدُ؛ لأنَّه لا يُطَهِّرُه إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ. قال أحمد: إنَّما يُفْرَك مَنِيُّ الرجلِ خاصَّةً؛ لأنَّ الذي للرجلِ ثخِينٌ، والذي للمرأةِ. ¬

(¬1) ليس عند البُخاريّ. وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي في المواضع السابقة. وابن ماجه، في: باب في فرك المني من الثوب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 179. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 125، 132، 213، 239، 263. وانظر تلخيص الحبير 1/ 32. وإرواء الغليل 1/ 196. (¬2) في م: «ورواه». (¬3) في: باب ما ورد في طهارة المني وحكمه رطبا ويابسا، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني 1/ 124. (¬4) سقط من: «م» وهو في المسند 6/ 243.

209 - مسألة: (وفي رطوبة فرج المرأة روايتان)

وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأةِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رَقِيقٌ. والمعنى في هذا أنَّ الفَرْكَ يُرادُ للتَّخْفِيفِ، والرقيقُ لا يَبْقَى له جِسْمٌ بعدَ جَفافِه، فلا يفيدُ (¬1) فيه الفَرْكُ. فعلى هذا، إن قُلْنا بنَجاسَتِه، فلا بُدَّ مِن غَسْلِه رَطْبًا كان أو يابِسًا، كالبَوْلِ. وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ غَسْلُه، كما يُسْتَحَبُّ فَرْكُ مَنِيِّ الرجلِ. فأمَّا الطهارةُ والنَّجاسَةُ فلا يَفْتَرِقان فيه؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارجٌ مِن السَّبِيلِ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ. فصل: ومَن أمْنَى وعلي فَرْجِه نَجاسَةٌ، نَجُسَ مَنِيُّه؛ لإِصابَتِه النَّجاسَةَ. وذَكَر القاضي في المَنِيِّ مِن الجِماعِ أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي. وهذا فاسِدٌ، فإن مَنِيَّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان مِن جِماعٍ؛ لأنَّ الأنْبِياءَ لا يَحْتَلِمُون. وهو الذي وَرَدَتِ الأخْبارُ بفَرْكِه، والطهارةُ لغيرِه فَرْعٌ عليه. واللهُ أعلمُ. 209 - مسألة: (وفي رُطُوبَةِ فَرْجَ المرأةِ رِوايَتان) إحْداهما، نَجاسَتُه؛ لأنَّه بلَلٌ في الفَرْجِ لا يُخْلَقُ منه الوَلَدُ، أشْبَهَ المَذْيَ. والثانيةُ، ¬

(¬1) في الأصل: «يقبل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طَهارَتُه؛ لأنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ؛ لِما بَيَّنّا، وإذا كان مِن جِماعٍ، فلابُدَّ أن يُصِيبَ رُطُوبَةَ الفَرْجِ، ولأنَّنا لو حَكَمْنا بنَجاسَتِه لحَكَمْنا بنَجاسَةِ مَنِيِّها؛ لأنَّه يَتَنَجَّسُ برُطُوبَةِ فَرْجِها؛ لخُرُوجِه منه. وقال القاضي: ما أصابَ منه في حالِ الجِماعِ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي. وهذا مَمْنُوعٌ؛ فإن الشهْوَةَ إذا اشْتَدَّتْ، خَرَج المَنِيُّ دُونَ المَذْي، كحالةِ الاحتِلامَ.

210 - مسألة: (وسباع البهائم والطير، والبغل، والحمار الأهلي، نجسة. وعنه، أنها طاهرة)

وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيرِ، وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الأهْلِي نَجسَةٌ. وَعَنْهُ، أنَّهَا طَاهِرَةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 210 - مسألة: (وسِباعُ البَهائِمِ والطَّيرِ، والبَغْلُ، والحِمارُ الأهْلِيّ، نَجِسَةٌ. وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ) رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَة اللهُ، في سِباعِ البهائمِ وجَوارِحِ الطَّيرِ، ما خَلا الكَلْبَ، والخِنْزِيرَ، والسِّنَّوْرَ، وما دُونَها في الخِلْقَةِ، رِوايَتان؛ إحْداهُما، أنَّ سُورَها وعَرَقَها نَجِسٌ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه سُئِل عن الماءِ وما يَنُوبُه مِن السِّباعِ؛ فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ، لَمْ يَنْجُس» (¬1). ولو كانت طاهِرَةً لم يُحَدَّ بالقُلَّتَين، ولأنَّه حَيَوانٌ حَرُمَ أكلُه، لا لحُرْمَتِه، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه غالِبًا، أشْبَهَ الكلبَ، ولأنَّ الغالِبَ عليها أكْلُ المَيتاتِ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 95.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والنَّجاساتِ، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى بنَجاسَتِها، كالكلابِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها طاهِرَة. رَواها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ. يُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لمِا روَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الحِياضِ التي بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، تَرِدُها السِّباعُ والكِلابُ والحُمُرُ، وعن الطهارةِ بها؟ فقال: «لَهَا مَا أخذَتْ في أفْوَاهِهَا، وَلَنا مَا غَبَرَ طَهُورٌ». رَواه ابنُ ماجَه (¬1). ومَرَّ عُمَرُ وعَمْرُو بنُ العاص بحَوْض، فقال عَمْرُو: يا صاحِبَ الحَوْضِ، تَرِدُ على حَوْضِكَ السِّباعُ؟ فقأل عُمَرُ: يا صاحِبَ الحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا، فإنّا نَرِدُ عليها وتَرِدُ علينا. رَواه مالكٌ (¬2) في «المُوَطَّأ». ولأنَّه حيوانٌ يَجُوزُ بَيعُه، فكان طاهِرًا، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ. ¬

(¬1) في: باب الحياض، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 173. (¬2) في: باب الطهور للوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 22.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وفي البَغْلِ والحِمارِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّها نَجِسَةٌ. تروَى كَراهَتُها عن ابنِ عُمَرَ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ؛ لِما ذَكَرْنا في السِّباعِ، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّها رِجْسٌ» (¬1). والثانية، أنَّه مَشْكُوك فيها؛ لأنَّ أحمدَ قال في البَغْلِ والحِمارِ: إذا لم يَجِدْ غيرَ سُورِهما، تَيَمَّمَ معه. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِي؛ لأنَّه تَرَدَّدَ بينَ أمارَةِ تَنْجِيسِه وأمارَةِ تَطْهِيرِه. فأمارَةُ تَنْجِيسِه، إنّه محرّمٌ، أشبهَ الكلب. وأمارَةُ تَطْهيره، أنَّه ذُو حافِر يَجُوزُ بيعُه، أشْبهَ الفَرَسَ. والثالثةُ، أنَّه طاهِرٌ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ. ¬

(¬1) أخرجه البُخاريّ، في: النهي عن لحوم الحمر الإنسية فقط، وفي: باب لحوم الحمر الإنسية، من كتاب الذبائح، وفي: باب غزوة خيبر، من كتاب المغازي. صحيح البُخاريّ 7/ 123، 124، 5/ 167. ومسلم، في: باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية، من كتاب الصيد. صحيح مسلم 3/ 1540. والنسائي، في: باب سؤر الحمار، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 49. وابن ماجه، في: باب لحوم الحمر الوحشية، من كتاب الذبائح. سنن ابن ماجه 2/ 1066. والدارمي، في: باب لحوم الحمر الأهلية، من كتاب الأضاحي. سنن الدارمي 2/ 87.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهذا اخْتِيارُ شَيخِنا (¬1)؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَرْكَبُهما وتُرْكَبُ في زَمَنِه، ولو كان نَجِسًا لبَيَّنَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم ذلك، ولأنَّهما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منهما لمُقتنيهِما، فأشْبَها السنوْرَ، فأمّا قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم - «إنَّهَا رِجْس». أراد به التَّحْرِيمَ، كقَوْلِ اللهِ تعالى في الأنْصابِ والأزْلامِ إنَّها {رِجْسٌ} (¬2). ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد لَحْمَها الذي كان في قُدُورِهم، فإنَّه نَجِس؛ لأنَّ ذَبْحَ ما لا يُباحُ أكْلُه لا يُطَهِّرُه. فصل: وفي الجَلّالةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، نَجاسَتُها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن رُكُوبِ الجَلّالةِ وألْبانِها. رواه أبو داودَ (¬3). ولأنَّها تَنَجَّسَتْ بالنَّجاسَةِ، والرِّيقُ لا يَطْهُرُ. والثانيةُ، أنَّها طاهِرَة؛ لأنَّ الهِرَّ والضبعَ يَأكلان النَّجاسَةَ، وهما طاهِران، وحُكْمُ أجْزاء الحيوانِ؛ مِن شَعَرِه ورِيشِه وجِلْدِه ودَمْعِه وعَرَقه، حُكْمُ سورِه؛ لأَنَّه (¬4) مِن أجْزائِه، فأشْبَهَ السُّؤرَ (¬5) في الطهارةِ والنَّجاسَةِ؛ لأنَّه في مَعْناه. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 68. (¬2) سورة المائدة 90. (¬3) في: باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 316. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها، من أبواب الأطعمة. عارضة الأحوذي 8/ 18. وابن ماجه، في: باب النهي عن لحوم الجلالة، من كتاب الذبائح. سنن ابن ماجه 2/ 1064. (¬4) في م: «ولأنه». (¬5) في م: «السنور».

211 - مسألة: (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر)

وَسُؤرُ الْهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 211 - مسألة: (وسُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ طاهِرٌ) سُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ؛ كابنِ عِرْس (¬1) والفَأرَةِ، ونَحْو ذلك مِن حَشَراتِ الأرضِ طاهِرٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المَذْهَبِ، أنَّه يَجُوزُ شُرْبُه والوُضُوءُ به، ولا يُكْرَهُ. هذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ مِن الصَّحابَةِ، والتَّابِعِين، ومَن بعدَهم، إلَّا أبا حنيفةَ، فإنَّه كَرِه الوُضُوءَ بسُؤرِ الهِرِّ، فإن فَعَل أجْزأه، ورُويَتْ كَراهَتُه عن ابنِ عُمَرَ، ويَحْيَى الأنْصارِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى. وقال أبو هُرَيرَةَ: يُغْسَلُ مَرَّةً أو مَرَّتَين. وهو قولُ ابنِ المُسَيَّبِ. ¬

(¬1) ابن عرس، بالكسر: دويبة تشبه الفأرة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ونَحْوُه قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لِما روَى أبو داودَ (¬1)، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرُّ (¬2) يُغْسَلُ مَرَّةً». وقال طاوُسٌ: يُغْسَلُ سَبْعًا، كالكَلْبِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن كَبْشَةَ بنتِ كَعْبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أبا قَتادةَ دَخَل عليها، فسَكَبَتْ له وَضُوءًا، قالت: فجاءَتْ هِرَّةٌ فأصغَى لها الإِناءَ (¬3) حتَّى شَرِبَتْ، قالت كَبْشَةُ: فرآنِي أنظرٌ إليه، قال: أتعْجَبِين يا ابْنَةَ أخِي؟ فقُلتُ: نعم. فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ». ¬

(¬1) في: باب الوضوء بسؤر الكلب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 17.كما أخرجه التِّرمذيُّ، في: باب ما جاء في سؤر الكلب، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذي 1/ 133. (¬2) في الأصل: «الهرة». (¬3) أصغى لها الإناء: أماله.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أخْرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، والترمِذِيّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. دَلَّ بلَفْظِه علي نَفْىِ الكَراهَةِ عن سُؤرِ الهِرِّ، وبتَعْلِيله علي نَفْي الكراهةِ عَمّا دُونَها مِمّا يَطُوفُ علينا. وعن عائشةَ، أنها قالت: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ». وقد رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بفَضْلِها. رَواه أبو داودَ (¬2). وحَدِيثُهم ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِها مع صِحَّةِ حَدِيثنا واشْتِهارِه. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب سؤر الهرة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 18. والترمذي، في: باب ما جاء في سؤر الهرة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 137. والنَّسائيُّ، في: باب سؤر الهرة، من كتاب الطهارة، وفي: باب سؤر الهرة، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 48، 145.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 131. والدارمي، في: باب الهرة إذا ولغت في الإناء، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 187، 188. والإمام مالك، في: باب الطهور للوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 23. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 296، 303، 309. (¬2) في الموضع السابق من سنن أبي داود.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا أكَلَتِ الهِرَّةُ نَجاسَةً، ثم شَرِبَتْ مِن مائِعِ بعدَ الغَيبَةِ، فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَفَى عنها النَّجاسَةَ، وتَوَضَّأ بفَضْلِها، مع عِلْمه بأكْلِها النَّجاساتِ. وإن شَرِبَتْ قبلَ الغَيبَةِ، فقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: يَنْجُسُ؛ لأنَّه مائِعٌ وَرَدَتْ عليه نَجاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ. وقال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: ظاهِرُ قَوْلِ أصحابِنا طَهارَتُه؛ لأنَّ الخَبَرَ دَلَّ على العَفْو عنها مُطْلَقًا، وعَلَّل بعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ عنها، ولأنَّنا حَكَمْنا بطَهارَتِها بعدَ الغَيبَةِ في مَكانٍ لا يَحْتَمِلُ وُرُودَها على ماءٍ كَثِيرٍ يُطَهِّرُ فاها، ولو احْتَمَل ذلك فهو شَكّ لا يُزِيلُ يَقِينَ النَّجاسَةِ، فوجَبَ إحالةُ الطهارةِ على العَفْو عنها، وهو شامِلٌ لِما قبلَ الغَيبَةِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والخَمْرُ نَجسٌ؛ لقَوْلِه تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ}. إلى قولِه: {رِجْسٌ} (¬1). ولأنَّه يَحْرُمُ تَناوُلُه مِن غيرِ ضَرَرٍ، أشْبَهَ الدَّمَ. وكذلك النَّبِيذُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَام». رَواه مسلمٌ (¬2). ولأنَّه شَراب فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، أشْبَهَ الخَمْرَ. واللهُ تعالى أعلمُ. ¬

(¬1) سورة المائدة 90. (¬2) في: باب بيان أن كل مسكر خمر. . . .، من كتاب الأشربة. صحيح مسلم 3/ 1588. كما أخرجه أبو داود، في: باب النهي عن المسكر، من كتاب الأشربة. سنن أبي داود 2/ 293. والترمذي، في: باب ما جاء في شارب الخمر، من أبواب الأشربة. عارضة الأحوذي 8/ 48. والنَّسائيُّ، في: باب إثبات اسم الخمر لكل مسكر من الأشربة، من كتاب الأشربة. المجتبى 8/ 264. وابن ماجه، في: باب كل مسكر حرام، من كتاب الأشربة. سنن ابن ماجه 2/ 1124. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 16، 29، 31.

باب الحيض

باب الحيض وهو دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ باب الحيض 212 - مسألة؛ قال: (وهو دَمُ طَبِيعَةٍ وجِبِلَّةٍ) الحَيضُ: دَمٌ يُرْخِيه الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرأةُ، في أوقاتٍ مُعْتادَةٍ. وهو دَمٌ طَبَع اللهُ النساءِ وجَبَلَهُنَّ عليه، وليس بدَمِ فسادٍ، بل خَلقَه الله تعالى لحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، فإذا حَمَلَتِ المرأةُ، انْصَرَفَ ذلك بإذنِ اللهِ تعالى إلى غِذائِه؛ ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَه اللهُ بحِكْمَتِه لَبَنًا، ولذلك قَلَّما تَحِيضُ المُرْضِعُ، فإذا خَلَتِ المرأةُ مِن الحَمْلِ والرَّضاعِ، بَقِى الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِبِ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أيامٍ أو سبْعَةً، وقد يَزِيدُ على ذلك، ويَقِلُّ ويَطُولُ شَهْرُ المرأةِ ويَقْصُرُ، على حَسَبِ ما رَكَّبَه اللهُ تعالى في الطباعِ. وسُمِّيَ حَيضًا، مِن قَوْلِهم: حاضَ الوادِي. إذا سالَ. وتقولُ العَرَبُ: حاضَتِ الشجرةُ. إذا سال مِنها الصَّمْغُ الأحْمَرُ، وهو مِن السَّيَلَانِ. والأصْلُ فيه قولُه تعالى: {وَيَسْئلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} (¬1). وقال أحمدُ، رَحِمه اللهُ: الحَيضُ يَدُورُ على ثلاثةِ أحاديثَ؛ حديثِ فاطِمَةَ، وأمِّ حَبِيبَةَ، وحَمْنَةَ. وفي رِوايةِ: وحديثِ أم سَلَمَةَ. مكانَ حديثِ أم حَبِيبَةَ. وسنَذْكُرُ هذه الأحاديثَ في مَواضِعِها، إن شاء اللهُ. فصل: واخْتَلَفَ النّاسُ في المَحِيض، فقال قَوْمٌ: المَحِيضُ والحَيضُ واحِدٌ مَصْدَران، بدَلِيلِ قولِه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}. والأذَى إنَّما هو الدَّمُ، وهو الحَيضُ، وكذلك قولُه تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} (¬2). وإنَّما يَئسْنَ مِن الحيضِ. وقال ابنُ ¬

(¬1) سورة البقرة 222. (¬2) سورة الطلاق 4.

213 - مسألة: (ويمنع عشرة أشياء)

وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ؛ فِعْلَ الصَّلَاةِ، وَوُجُوبَهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ عَقِيلٍ: المَحِيضُ مَكانُ الحَيضِ، كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، مكانُ القَيلُولَةِ والبيتُوتَةِ، وما جاء في القرآنِ يُحْمَلُ على المَجازِ. وفائِدَةُ الخِلافِ أنا إذا قُلْنا: المَحِيضُ اسْمٌ لمَكانِ الحَيضِ. اخْتَصَّ التَّحْرِيمُ به، وإذا قُلْنا: اسْمٌ للدَّم. جاز أن يَنْصَرِفَ إلى ما عَداه لأجْلِه. 213 - مسألة: (ويَمْنَعُ عَشَرَةَ أشْياءَ)؛ أحَدُها، (فِعْلُ الصلاةِ). والثاني، (وُجُوبها) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلمِ على إسْقاطِ فَرْضِ الصلاةِ عن الحائِضِ في أيامِ حَيضِها، وعلى أنَّ قَضاءَ ما تَرَكَتْ من الصلاةِ في أيامِ حَيضِها غيرُ واجبٍ؛ وذلك لقولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «إذا أقبَلَتِ الْحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ». مُتَّفَقٌ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه (¬1). ولما رَوَت مُعاذَةُ، قالت: سَألْتُ عائشةَ: ما بالُ الحائِضِ تَقْضِي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ (¬2) أنتِ؟ فقُلتُ: لَسْتُ بحَرُورِيةٍ، ولَكِنِّي أسأل. فقالت: كُنّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصومِ، ولا نُؤمَرُ بقضاءِ الصلاةِ. مُتَّفقٌ عليه (¬3). إنَّما قالت لها عائشةُ ذلك؛ لأنَّ الخَوارِجَ يَرَوْنَ على الحائِض ¬

(¬1) أخرجه البُخاريّ، في: باب غسل الدّم، من كتاب الوضوء، وفي: باب الاستحاضة، وباب إقبال المحيض وإدباره، وباب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، من كتاب الحيض. صحيح البُخاريّ 1/ 66، 84، 87، 89، 90. ومسلم، في: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 262.كما أخرجه أبو داود، في: باب في المرأة تستحاض ومن قال لا تدع الصَّلاة. . . .، وباب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصَّلاة، وباب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصَّلاة، وباب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر، وباب من قال: توضأ لكل صلاة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 63 - 73. والترمذي، في: باب في المستحاضة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 197. والنَّسائيُّ، في: باب ذكر الاغتسال من الحيض، وباب ذكر الأقراء، وباب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، من كتاب الطهارة، وفي: باب ذكر الاستحاضة وإقبال الدّم وإدباره، وباب ذكر الأقراء، وباب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 96، 97، 101 - 103، 148، 150، 152. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيَّام أقرائها قبل أن يستمر بها الدّم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 203، 204. والدارمي، في: باب في غسل المستحاضة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 198. والإمام مالك، في: باب المستحاضة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 61. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 464. (¬2) نسبة إلى حروراء، وهو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به، فنسبوا إليه. اللباب 1/ 294. (¬3) أخرجه البُخاريّ، في: باب لا تقضي الحائض الصَّلاة، من كتاب الحيض. صحيح البُخاريّ 1/ 88. ومسلم، في: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها،. من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 262.كما أخرجه أبو داود، في: باب في الحائض لا تقضي الصَّلاة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 60. والترمذي، في: باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصَّلاة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 2/ 311. والنسائي، في: باب سقوط الصَّلاة عن الحائض، من كتاب الحيض، وفي: باب وضع الصيام عن الحائض، من كتاب الصيام. المجتبى 1/ 157، 4/ 162. وابن ماجه، في: باب الحائض لا تقضي الصَّلاة، من كتاب الطهارة، وفي: باب =

وَفِعْلَ الصِّيامِ، وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ قَضاءَ الصلاةِ. الثالثُ، (فِعْلُ الصِّيامِ) ولا يُسْقِطُ وُجُوبَه؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ألَيسَتْ إحْدَاكُنَّ إِذا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». قُلْنَ: بَلَى. رَواه البُخارِيُّ (¬1). وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ أنَّ الحائِضَ عليها قضاءُ الصوم إجْماعًا. الرابع، (قراءةُ القرآنِ)؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقْرَإِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ شَيئًا مِنَ القُرْآنِ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (¬2). والخامسُ، (مَسُّ المُصْحَفِ) لقَوْلِه تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (79)} (¬3). ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأنْتَ طَاهِرٌ». ¬

= ما جاء في قضاء رمضان، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 207، 533. والدارمي، في: باب في الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 233. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 143، 232. (¬1) في: باب ترك الحائض الصوم، من كتاب الحيض، وفي: باب الحائض تترك الصوم والصلاة، من كتاب الصوم. صحيح البخاري 1/ 83، 3/ 45 كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 374. واللفظ له. (¬2) لم يخرجه أبو داود. وأخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في الحائض والجنب أنهما لا يقرآن القرآن، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 212. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة. سنن ابن ماجه 1/ 196. وانظر: تلخيص الحبير 1/ 138. (¬3) سورة الواقعة 79.

واللُّبْثَ في الْمَسْجِدِ، وَالطَّوَافَ، وَالْوَطْءَ في الْفَرْجِ، وَسُنَّةَ الطَّلاقِ، وَالاعْتِدَادَ بِالْأشْهُرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه الأَثْرَمُ (¬1). والسادسُ، (اللُّبْثُ في المَسْجدِ) لِما ذَكَرْنا في بابِ الغُسْلِ. والسابعُ، (الطَّوافُ) لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ إذ حاضَتْ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيرَ أنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيتِ حَتَّى تَطْهُرِي». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). والثامنُ، (الوَطْءُ في الفَرْجِ) لقَوْلِه تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (¬3). التاسعُ، (سُنَّةُ الطَّلاقِ) يَعْنِي أنَّ طَلاقَ الحائِضِ مُحَرَّم، وهو طلاقُ بِدْعَةٍ؛ لِما نَذْكُرُه في مَوْضِعه. العاشِرُ، (الاعْتِدادُ بالأشْهُرِ) لقَوْلِه تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (¬4). فأوْجَبَ العِدَّةَ بالقُرُوءِ، وقَوْلِه: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} (¬5). شَرَط في العِدَّةِ بالأشْهُرِ عَدَمَ الحَيضِ. ويَمْنَعُ أيضًا صِحَّةَ الطهارةِ؛ لأنَّ خُرُوجَ الدَّمِ يُوجِبُ الحَدَثَ، فمَنَعَ اسْتِمْرارُه صِحَّةَ الطهارةِ، كالبَوْلِ. ¬

(¬1) أخرجه الدارمي، في: باب لا طلاق قبل نكاح، من كتاب الطلاق. سنن الدارمي 2/ 161. والإمام مالك، في: باب الأمر بالوضوء لمن مسَّ القرآن، من كتاب القرآن. الموطأ 1/ 199. (¬2) يأتي تخريجه في صفحة 440. (¬3) سورة البقرة 222. (¬4) سورة البقرة 228. (¬5) سورة الطلاق 4.

214 - مسألة: (ويوجب الغسل)

وَيُوجِبُ الْغُسْلَ، والْبُلُوغَ، وَالاعْتِدَادَ بِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 214 - مسألة: (ويُوجِبُ الغُسْل) عندَ انْقِطاعِه؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسلِي وَصَلِّي». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ويُوجِبُ (البُلُوغَ) لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» (¬2). ويُوجِبُ (الاعْتِدادَ به) لِما ذَكَرْنا. وأكْثَرُ هذه الأحْكامِ مُجْمَعٌ عليها. ¬

(¬1) انظر تخريج حديث فاطمة بنت أبي جحش المتقدم في صفحة 366. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب المرأة تصلي بغير خمار، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 149. والترمذي، في: باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 169. وابن ماجه، في: باب إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 215. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 150، 218، 259.

215 - مسألة: (والنفاس مثله إلا في الاعتداد)

وَالنِّفَاسُ مِثْلُهُ إلا في الاعْتِدادِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 215 - مسألة: (والنِّفاسُ مِثْلُه إلَّا في الاعْتِدادِ) يَعْنِي أنَّ حُكْمَ النِّفاس حكمُ الحَيضِ فيما يَجِبُ به ويَحْرُمُ، وما يَسْقُطُ عنها، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. والخِلافُ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بوَطْئِها كالحائِضِ، وكذلك إباحَةُ الاسْتِمْتاعِ فيما دُونَ الفَرْجِ؛ لأنَّه دَمُ. الحَيضِ احْتَبَسَ لأجْلِ الحَمْلِ، ثم خَرَج، فثَبَتَ حُكْمُه، إلَّا في الاعْتِدادِ، لأنَّ الاعْتِدادَ بالقُرُوءِ، والنِّفاسُ ليس بقُرُوءٍ، ولأنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بالحَمْلِ. ويُفارِقُه أيضًا في كَوْنِه لا يَدُلُّ على البُلُوغِ؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ؛ لحُصُولِه (¬1) بالحَمْلِ قبلَه. ¬

(¬1) في الأصل: «البلوغ بحصوله».

216 - مسألة: (فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصيام، والطلاق، ولم يبح غيرهما حتى تغتسل)

وَإذَا انْقَطَعَ الدَّمُ أُبِيحَ فِعْلُ الصِّيَام وَالطَلاقُ، وَلَمْ يُبَحْ غَيرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 216 - مسألة: (فإذا انْقَطعَ الدَّمُ أُبِيحَ فِعْلُ الصيامِ، والطَّلاقُ، ولم يُبَحْ غيرُهما حتى تَغْتَسِلَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى انْقَطَعَ دَمُ الحائِضِ ولَمّا تَغْتَسِلْ، زال مِن الأحْكام المُتَعَلِّقَةِ بالحَيضِ أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، سُقُوطُ فَرْضِ الصلاةِ، لأَنَّ سُقُوطَه بالحَيضِ، وقد زال. الثاني، مَنْعُ صِحَّةِ الطهارةِ لذلك. الثالثُ، تَحْرِيمُ الصِّيامِ؛ لأنَّ وُجُوبَ الغُسْلِ لا يَمْنَعُ فِعْلَه، كالجَنابَةِ. الرابعُ، إِباحَةُ الطَّلاقِ؛ لأنَّ تَحْرِيمَه لتَطْويل العِدَّةِ، أو لأجْلِ الحَيضِ، وقد زال ذلك. وسائِرُ المُحَرَّماتِ باقِيَةٌ؛ لأنَّها تَحْرُمُ على الجُنُبِ، فَهاهُنا أوْلَى. فصل: فأمّا الوَطْءُ قبلَ الغُسْلِ، فهو حَرامٌ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذرِ: هذا كالإِجماعِ. وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْقَطعَ الدَّمُ لأكْثَرِ الحَيضِ، حَلَّ وَطْؤُها، وإلَّا لم يُبَحْ حتى تَغتسِلَ، أو تَتَيَمَّمَ، أو يَمْضِيَ عليها وَقْتُ صلاةٍ، لأن وُجُوبَ الغُسْلِ لا يَمْنَعُ الوَطْءَ، كالجَنابَةِ. ولَنا،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قولُه تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} (¬1). قال مُجاهدٌ: حتى يَغْتَسِلْنَ. وقال ابنُ عباسٍ: فإذا اغْتَسَلْنَ. ولأنَّه قال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}. والتَّطَهُّرُ تَفَعُّلٌ، والتَّفَعُّلُ إِذا أُضِيفَ إلى مَن يَصِحُّ منه الفِعْلُ اقْتَضَى إيجادَ الفِعْلِ منه، كما في النَّظائِرِ، وانْقِطاعُ الدَّمِ غيرُ مَنْسُوبٍ إليها، ولأنَّ الله سُبحانه وتعالى شَرَط لحِلِّ الوَطْء شَرْطَين؛ انْقِطاعَ الدَّمِ، والغُسْلَ، فلا يُباحُ بدُونِهما. ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ مِن الصلاةِ؛ لحَدَثِ (¬2) الحَيضِ، فمُنِعَ وَطْؤُها، كما لو انْقَطَعَ لأقَلِّ الحَيضِ. وبهذا يَنْتَقِضُ قِياسُهم، وحَدَثُ الحَيضِ آكَدُ مِن حَدَثِ الجَنَابَةِ، فلا يَصِحُّ الإِلْحَاقُ. فصل: وانْقِطاعُ الدَّمِ الذي تَتَعَلَّقُ به هذه الأحْكامُ، الانْقِطاعُ الكَثِيرُ، الذي يُوجِبُ عليها الغُسْلَ والصلاةَ؛ فأمّا الانقطاعُ اليَسِيرُ في أثناءِ الحَيضِ، فلا حُكْمَ له؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الدَّمَ يَنْقَطِعُ تارَةً، ويَجْرِي أُخْرى، وسنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ. ¬

(¬1) سورة البقرة 222. (¬2) في م: «لحديث».

217 - مسألة: (ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج)

وَيَجُوزُ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 217 - مسألة: (ويجُوزُ الاسْتِمْتاعُ مِن الحَائِضِ بما دُونَ الفَرْجِ) الاسْتِمْتاعُ مِن الحائِضِ بما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبَةِ جائِزٌ بالإِجْماعِ والنَّصِّ، والوَطْءُ في الفَرْجِ مُحَرَّمٌ بهما. والاخْتِلافُ في الاسْتِمْتاعِ بما بَينَهما؛ فذَهَبَ (¬1) إمامُنا، رحَمِه اللهُ، إلى جَوازِه. وهو قولُ عِكْرِمَةَ، ¬

(¬1) في م: «مذهب».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: لا يُباحُ؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِي اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنِي فأتَّزِرُ، فيُباشِرُنِي وَأنَا حائِضٌ. رَواه البُخارِيُّ، ومسلمٌ بمَعْناه (¬1). وعن عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ الأنْصارِيِّ، أنَّه سأل رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا يَحِلُّ لِي مِن امْرَأتِي وهي حائِضٌ؟ قال: «مَا فَوْقَ الإزَارِ». رَواه البَيهَقِيُّ (¬2) ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}. وهو اسمٌ لمَكانِ الحَيضِ، كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، فتَخْصِيصُه مَوْضِعَ الدَّمِ بالمَنْع يَدُلُّ على إباحَتِه فيما عَداه. فإن قِيل: بل المَحِيضُ الحَيضُ، بدَلِيلِ قولِه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}. والأذَى: هو الحَيضُ. وقولِه تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ}. وإنَّما يئسْنَ من الحَيضِ. قُلْنا: يُمْكِنُ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا، وهو أوْلَى؛ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب مباشرة الحائض، من كتاب الحيض، وفي: باب في غسل المعتكف، من كتاب الاعتكاف. صحيح البخاري 1/ 82، 3/ 63. ومسلم في: باب مباشرة الحائض فوق الإزار، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 242. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 61. والترمذي، في: باب ما جاء في مباشرة الحائض، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 214 وابن ماجه، في: باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 208. والدارمي، في: باب مباشرة الحائض، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 244. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 55، 134، 143، 170، 174، 182، 209، 235. (¬2) في: باب مباشرة الحائض فيما فوق الإزار، من كتاب الحيض. السنن الكبرى 1/ 312.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّه لو أرادَ الحَيضَ لكان أمْرًا باعْتِزالِ النِّساء في مدَّةِ الحَيْضِ بالكُلِّيَّةِ، ولا قائِلَ به. الثاني، أنَّ سَبَبَ نزولِ الآية، أنَّ اليَهُودَ كانوا إذا حاضَتِ المرأةُ اعْتَزَلُوها، فلم يُؤاكِلُوها ولم يُشارِبُوها، ولم يَجْتَمِعوا معها في البَيتِ، فسأل أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فنَزَلَتْ هذه الآيَةُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيرَ النِّكَاحِ». رَواه مسلمٌ (¬1). وهذا تَفْسِير لمُرادِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لا تَتَحَقَّق مُخالفَةُ اليهودِ بإرادَةِ الحَيضِ؛ لأنَّه يكُونُ مُوافِقًا لهم، ومِن السُّنَّةِ هذا الحديثُ. وعن عِكْرِمَةَ، عن بعْضِ أزواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان إذا أرادَ مِن الحائِضِ شَيئًا أَلْقَى على فرْجِها خِرقَةً. رَواه أبو داودَ (¬2). ولأنَّه وَطْءٌ مُنِع للأذَى، فاخْتَصَّ بمَحَلِّه كالدُّبُرِ، وحديثُ عائِشَةَ ليس فيه دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ ما تحتَ الإِزارِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد يَتْرُكُ بعضَ المُباحِ تَقَذُّرًا، كتَرْكِه أكْلَ الضَّبِّ، والحديثُ الآخَر يَدُلُّ بالمَفْهُومِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه. ¬

(¬1) في: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها. . . . إلخ، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 246 - كما أخرجه أبو داود، في: باب [في] مؤاكلة الحائض ومجامعتها، من كتاب الطهارة، وفي: باب في إتيان الحائض ومباشرتها، من كتاب النكاح. سنن أبي داود 1/ 59، 499. وابن ماجه، في: باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 211. (¬2) في: باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 61.

218 - مسألة: (فإن وطئها في الفرج، فعليه نصف دينار كفارة. وعنه، ليس عليه إلا التوبة)

فَإِنْ وَطِئَهَا في الْفَرْجِ فَعَلَيهِ نِصْف دِينَارٍ كَفَّارَةً. وعَنْهُ، لَيسَ عَلَيهِ إلا التَّوْبَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 218 - مسألة: (فإن وَطِئَها في الفَرْجِ، فعليه نِصْفُ دِينارٍ كَفّارَةً. وعنه، ليس عليه إلَّا التَّوْبَةُ) اخْتَلَفَتِ الروايَةُ في وُجُوبِ الكَفَّارَةِ بوَطْءِ الحائِضِ في الفَرْجِ؛ فرُويَ عنه، أنّ عليه الكَفّارَةَ. وهو المَشْهُورُ في المذهبِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الذي يَأْتِي امْرَاتُه وهي حائِضٌ، قال: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَارٍ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ والنّسائِيُّ (¬1). والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه. وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفة، وأكْثَرِ أهلِ العلمِ. وللشافعيِّ قَوْلان ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في إتيان الحائض، من كتاب الطهارة، وفي: باب كفارة من أتى حائضا، من كتاب النكاح. سنن أبي داود 1/ 60، 500. والترمذي، في: باب ما جاء في كفارة إتيان الحائض، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 218. والنسائي، في: باب ما يجب على من أن حليلته في حال حيضها مع علمه. . .، من كتاب الطهارة والحيض. المجتبى 1/ 125، 154. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 245.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب في كفارة من أتي حائضا، وباب من وقع على امرأته وهي حائض، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 210، 213. والدارمي، في: باب من قال عليه كفارة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 254.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كالمَذْهَبَين؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَتى حَائِضًا أو امْرَأَةً في دُبُرِهَا، أو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -». رَواه ابنُ ماجَه (¬1). ولم يَذْكُرْ كَفّارَةً، إلَّا أنَّ البُخارِي ضَعَّفَ هذا الحديثَ. حَكاه التِّرْمِذِيُّ (¬2). ولأنَّه وَطْءٌ نُهِيَ عنه لأجْلِ الأذَى، أشْبَهَ الوَطْءَ في الدُّبُرِ. وحديثُ الكَفّارَةِ مَدارُه على عبدِ الحميدِ بنِ زَيدِ بنِ الخَطّابِ، وقد قِيلَ لأحمدَ: في نَفْسِك منه شيءٌ؟ قال: نعم. وقال: لو صَحَّ ذلك الحديثُ كُنّا نَرَى عليه الكَفّارَةَ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن كانت له مَقْدِرَةٌ تَصَدَّقَ بما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكَلامُه هذا يَدُلُّ على أنَّ المُعْسِرَ لا شيءَ عليه. قال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ: كَفّارَةُ وَطْءِ الحائِضِ تَسْقُطُ بالعَجْزِ عنها، أو عن بَعْضِها، ككَفَّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ. ¬

(¬1) في: باب النهي عن إتيان الحائض، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 209. كمن أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء كراهية إتيان الحائض، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 217. والدارمي، في: باب من أتى امرأته في دبرها، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 259. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 408، 429، 476. (¬2) انظر: عارضة الأحوذي 1/ 218.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وظاهِرُ المذهبِ في الكَفَّارَةِ، أنَّها دِينارٌ، أو نِصْفُ دينارٍ، على وَجْهِ التَّخْيِيرِ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لظاهِرِ الحديثِ. قال أبو داودَ: هكذا الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ. قال: دِينارٌ أو نصفُ (¬1) دينارٍ. ولأنَّه مَعْنًى تَجِبُ الكَفّارَةُ بالوَطْءِ فيه، فاسْتَوَى الحالُ فيه بينَ إقْبالِه وإدْبارِه، كالإِحْرامِ. وعنه: إن كان الدَّمُ أحْمَرَ فدِينارُ، وإنْ كان أصفرَ فنِصْفُ دينارٍ. وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إنْ كَانَ دَمًا أحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإنْ كَانَ دَمًا أصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ». رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (¬2). إلَّا أنَّ أبا داودَ قال: هو مَوْقُوف مِن قولِ ابنِ عباسٍ (¬3). والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، فإن قِيل: فكيفَ يُخَيَّرُ بينَ شيءٍ ونِصْفِه؟ قُلْنا: كما خُير المُسافِرُ بينَ القَصْرِ والإتْمامِ. ¬

(¬1) في الأصل: «ونصف». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في إتيان الحائض، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 60. بمعناه. والترمذي، في: باب ما جاء في الكفارة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 218. كما أخرجه الدارمي، في: باب من قال عليه كفارة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 255. (¬3) انظر: سنن أبي داود 1/ 61.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن وَطِئَها بعدَ الطُّهْرِ، قبلَ الغُسْلِ، فلا كَفّارَةَ عليه. وقال قَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ: عليه نِصْفُ دِينارٍ؛ لأنَّه حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْء في الحَيضِ، فلم يَزُلْ إلا بالغُسْلِ، كالتَّحْرِيمِ. ولَنا، أنَّ وُجوبَ الكَفَّارَةِ مِن الشِّرْعِ، ولم يَرِدْ بذلك إلَّا في الحائِضِ، وقِياسُهم يَبْطُل بما لو حَلَف لا يَطَأُ حائِضًا، فإنَّه يَحْنَثُ بالوَطْءِ في الحَيضِ، ولا يَحْنَثُ بالوَطْءِ قبلَ الغُسْلِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وهل تَجِبُ الكَفّارَةُ على الجاهِلِ والنّاسِي؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، تَجِبُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، وقِياسًا على الوَطْء في الإحْرامِ. والثاني، لا تَجِبُ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيانِ» (¬1). ولأنَّها وَجَبَتْ لمَحْو الإِثْمِ، فأشْبَهَتْ كَفّارَةَ اليَمِينِ. فإن وَطِئ طاهِرًا، فحاضَتْ في أثْناءِ وَطْئِه، لم تَجِبْ عليه الكَفَّارَةُ على الوَجْهِ الثاني، وتَجِبُ على الأوَّلِ، وهو قولُ ابنِ حامِدٍ. وإن وَطِئ الصَّبِيُّ لَزِمَتْه الكَفّارَةُ عندَ ابنِ حامِدٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، وكالوَطْءِ في الإحْرامِ. قال شَيخُنا (¬2): ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّها مِن فُرُوعِ التَّكْلِيفِ، وهو غيرُه مُكَلَّفٍ. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجة، في: باب طلاق المكره والناسي، من كتاب الطلاق، بلفظ مقارب. سنن ابن ماجه 1/ 659. وانظر: إرواء الغليل 1/ 123. (¬2) انظر: المغني 1/ 418.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وتَجِبُ الكَفّارَةُ على المرأةِ في المَنْصُوصِ؛ لأنَّه وَطْءٌ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فأوْجَبَها على المرأةِ، كالوَطْءِ في الإِحْرامِ. وقال القاضي: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ. فإن كانت مُكْرَهَةً أو غيرَ عالِمَةٍ، فلا كَفّارَةَ عليها، لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ». وحُكْمُ النُّفَساءِ حُكْمُ الحائِضِ في ذلك؛ لأنَّها في مَعْناها. ويُجْزِيء نِصْفُ دِينارٍ مِن أيِّ ذَهَبٍ كان، إذا كان صافِيًا، ويَسْتَوى التِّبْرُ والمَضْرُوبُ؛ لوُقُوعِ الاسْمِ عليه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُجْزِئُّ إخْراجُ القِيمَةِ في أحَدِ الوَجْهَين، لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بها، فجازَ مِن أيِّ مالٍ كان، كالخَراجِ. والثاني، لا يَجُوزُ، لأنَّه كَفّارَةٌ، فاخْتَصَّ ببَعْضِ الأنواعِ، كسائِرِ الكَفّاراتِ. فعلى هذا الوَجْهِ هل يَجُوزُ إخْراجُ الدَّراهِمِ؟ يَنْبَنِى على جَوازِه في الزَّكاةِ، والصَّحِيحُ جوازُه، لِما ذَكَرْنا، واخْتارَه شَيخُنا (¬1). ومَصْرِفُها إلى المَساكِينِ، كسائِرِ الكَفّاراتِ، واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 419.

219 - مسألة: (وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين)

وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 219 - مسألة: (وأقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ له المرأةُ تِسْعُ سِنِينَ) هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على أمْرَين؛ أحَدُهما، أنَّ الصَّغِيرَةَ إذا رَأَتْ دَمًا لدُونِ تِسْعِ سِنِينَ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فليس بحَيضٍ. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا في المذهبِ؛ لأنَّ الصغيرةَ لا تَحِيضُ، لقَوْلِه سبحانه: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}. ولأنَّ المَرْجِعَ فيه إلى الوُجُودِ، ولم يُوجَدْ مِن النِّساءِ مَن تَحِيضُ عادَةً فيما دُونَ هذه السِّنِّ، ولأنَّ الله سبحانَه خَلَق دَمَ الحَيضِ لحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، وهذه لا تَصْلُحُ للحَمْلِ، فلا تُوجَدُ فيها حِكْمَتُه، فيَنْتَفِيَ لانْتِفاءِ حِكْمَتِه. الأمْرُ الثاني، أنَّها إذا رَأتْ دَمًا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، ولها تِسْعُ سِنِينَ، حُكِمَ بكَوْنِه حَيضًا، وحُكِم ببُلُوغِها، وثَبَت في حَقِّها أحْكامُ الحَيضِ كلُّها؛ لأنَّه رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهي امرأةٌ (¬1). ورُوي ذلك مَرْفُوعًا مِن رِوايَةِ ابنِ عُمَرَ. والمُرادُ به؛ حُكْمُها حُكْمُ المرأةِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، أنَّ نِساءَ تِهامَةَ يَحِضْنَ لتِسْعِ سِنِينَ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقد حُكِي عنه، ¬

(¬1) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج، من أبواب النكاح. عارضة الأحوذي 5/ 29.

220 - مسألة؛ قال: (وأكثره خمسون سنة. وعنه: ستون في نساء العرب)

وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً. وَعَنْهُ، سِتُّونَ في نِسَاءِ الْعَرَبِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّه قال: رَأَيتُ جَدَّةً بنْتَ إحْدَى وعشْرينَ سَنَةً. وهذا يَدُلُّ على أنَّها حَمَلَتْ لدُونِ عَشْرِ سنينَ، وكذلك بنتُها. وحكَى المَيمُونِيُّ، عن أحمدَ، في بنتِ عَشْرٍ رَأَت الدَّمَ، قال ليس بحَيضٍ. قال القاضي: فيَجِبُ على هذا أن يُقال: أوَّل زَمَنٍ يَصِحُّ فيه وُجُودُ الحَيضِ عَشْرَةَ سنةً، لأنَّه الزَّمانُ الذي يَصِحُّ فيه بُلُوغُ الغُلامِ. والأوَّلُ أصَحُّ. 220 - مسألة؛ قال: (وأكثَرُه خَمْسُونَ سَنَةً. وعنه: سِتُّونَ في نِساءِ العَرَبِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في حَدِّ السِّنِّ الذي تَيأسُ فيه المرأةُ مِن الحَيضِ؛ فرُوِي عنه أنَّه خَمْسُونَ سَنَةً. وهذا قولُ إسحاقَ. ويكُونُ حُكْمُها فيما تَراه مِن الدَّمِ بعدَ الخَمْسِينَ حُكْمَ المُسْتَحاضَةِ، لأنَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عائِشَةَ، رَضِي الله عنها، قالت: إذا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِن حَدِّ الحَيضِ. ورُوي عنها أنَّها قالت: لن تَرَى المرأةُ في بَطْنِها ولدًا بعدَ الخَمْسِين. ورُوي عنه (¬1)، أنَّها لا تَيأسُ مِن الحَيضِ يَقِينًا إلى سِتِّينَ سَنَةً، وما تَراه فيما بينَ الخَمْسِين والستِّيِّن حَيضٌ مَشْكُوكٌ فيه، لا تَتْرُكُ الصلاةَ ولا الصومَ؛ لأنَّ وُجُوبَهما مُتَيَقَّنٌ، فلا يَسْقُطُ بالشَّكِّ. وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوض احْتِياطًا؛ لأنَّه واجبٌ في ذِمَّتِها بيَقِينٍ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. هكذا رَواه الخِرَقِيُّ. ورُوي عنه، أنَّ نِساءَ العَجَمِ تَيأسُ في خَمْسِين، ونساءَ قُرَيشٍ وغيرِهم مِن العَرَبِ إلى سِتِّين. وهذا قولُ أهلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّهُنَّ أقْوَى جبلَّةً. وروَى الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ (¬2)، في كتابِ «النَّسَبِ» عن بعضِهم، أَنَّه قال: لا تَلِدُ لخَمْسِين سَنَةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِدُ لسِتِّين إلَّا قُرَشِيَّةٌ. وقال: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أبي عُبَيدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ، ¬

(¬1) أي: عن الإمام أحمد. (¬2) أبو عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله الزبيري، الحافظ النسّابة، قاضي مكة وعالمها، توفي سنة ست وخمسين ومائتين. سير أعلام النبلاء 12/ 311 - 315.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَلَدَتْ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ حسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، ولها سِتُّونَ. قال أحمدُ، في امرأةٍ مِن العَرَبِ رَأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمْسِين: إن عاوَدَها مَرَّتَين أو ثلاثًا فهو حَيضٌ. وذلك لأنَّ المَرْجِعَ في ذلك إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ حَيضٌ مِن نِساءٍ ثِقاتٍ أخْبَرْنَ عن أنْفُسِهِنَّ بعدَ الخَمْسِين، فأشْبَهَ ما قبلَ الخَمْسين؛ لأنَّ الكَلامَ فيما إذا وُجِدَ مِن المرأةِ دَمٌ في زَمَنِ عادَتِها بعدَ الخَمْسِين، كما كانت تَراه قبْلَها. قال شيخُنا (¬1): والصَّحِيحُ أنَّه لا فَرْقَ بينَ نِساءِ العَرَبِ وغيرِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ سَواء في سائِرِ أحْكامِ الحَيضِ، كذلك هذا، وما ذُكِر عن عائشةَ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الحَيضَ أمْرٌ حَقِيقِيٌّ، المَرْجِعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ بخِلافِ ما قالت، على ما حَكاه الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ. وإن قِيلَ: هذا الدَّمُ ليس بحَيضٍ. مع كَوْنِه على صِفَته وفي وَقْتِه وعادَتِه، بغيرِ نَصٍّ، فهو تَحَكُّمٌ. فأمّا بعدَ السِّتِّين، فلا خِلافَ في المذهبِ أنَّه ليس بحَيضٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ، وقد عُلِم أنَّ للمرأةِ حالًا تَيأسُ فيه مِن الحَيضِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ}. قال أحمدُ في المرأةِ ¬

(¬1) في: المغني 1/ 446.

221 - مسألة: (والحامل لا تحيض)

وَالحَامِلُ لَا تَحِيضُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الكبيرةِ تَرَى الدَّمَ: هو بمَنْزِلَةِ الجُرْحِ. وقال عَطاءٌ: هي بمَنْزِلَةِ المُسْتَحاضَةِ. وذلك لأنَّ هذا الدَّمَ إذا لم يَكُنْ حَيضًا، فهو دَمُ فَسادٍ، حُكْمُه حُكْمُ دَمِ الاسْتِحاضَةِ ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، وسنَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاء اللهُ تعالى. 221 - مسألة: (والحامِلُ لا تَحِيضُ) فإن رَأتْ دَمًا، فهو دَمُ فَسادٍ. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وحَمّادٍ، والثَّوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأبي عُبَيدٍ. ورُوي عن عائِشةَ. والصحيحُ عنها، أنَّها إذا رَأتِ الدَّمَ لا تُصَلِّي. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، واللَّيثُ: ما تَراه مِن الدَّمِ حَيضٌ إذا أمْكَن. ورُوي ذلك عن الزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وإسحاقَ؛ لأنَّه دَمٌ صادَفَ العادَةَ فكان حَيضًا كغيرِ الحامِلِ. ولَنا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ (¬1) حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ» (¬2). جَعَل وُجُودَ الحَيضِ عَلَمًا على بَراءَةِ الرَّحِمِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجْتَمِعُ معه. ولأنَّ ابنَ عُمَرَ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَه وهي حائِضٌ؛ قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُطَلِّقْهَا ¬

(¬1) الحائل: التي لم تحمل. (¬2) خرجه أبو داود، في: باب في وطء السبايا، من كتاب النكاح. سنن أبي داود 2/ 497. والدارمي، في: باب في استبراء الأمة، من كتاب الطلاق. سنن الدارمي 2/ 171. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 28، 62، 87، 361. وانظر: عارضة الأحوذي 7/ 59.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طَاهِرًا أوْ حَامِلًا» (¬1). فَجَعَلَ الحَمْلَ عَلَمًا على عَدَمِ الخيضِ، كالطُّهْرِ. احْتَجَّ بذلك أحمدُ. ولأنَّه زَمَنٌ لا تَرَى الدَّمَ فيه غالِبًا، فلم يَكُنْ ما تَراه حَيضًا، كالآيسَةِ. قال أحمدُ: إنَّما يَعْرِفُ النِّساءُ الحَمْلَ بانْقِطاعِ الدَّمِ. وقولُ عاثشةَ يُحْمَلُ على التي قارَبَتِ الوَضْعَ، جَمْعًا بينَ قَوْلَيها. فصل: فإن رَأتْه قبلَ ولادَتِها قَرِيبًا مِنها فهو نِفاسٌ، تَدَعُ الصلاةَ والصومَ. قال يعقوبُ بنُ بختانَ (¬2): سألتُ أحمدَ، عن المرأةِ إذا ضَرَبَها المَخَاضُ قبلَ الولادَةِ بيَوْم أوْ يَوْمَينِ، تُعِيدُ الصلاةَ؟ قال: لا. وهذا قولُ إسحاقَ. وقال الحسنُ: إذا رَأتِ الدَّمَ على الوَلَدِ، أمْسَكَتْ عن ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: أول تفسير سورة الطلاق، في كتاب التفسير، وفي: باب قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}، وباب إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق، وباب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، وباب وبعولتهن أحق بردهن في العدة، وباب مراجعة الحائض، من كتاب الطلاق، وفي: باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان، من كتاب الأحكام. صحيح البخاري 6/ 193، 7/ 52، 54، 75، 76، 9/ 82. ومسلم، في: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها إلخ، في كتاب الطلاق. صحيح مسلم 2/ 1093، 1095. وأبو داود، في: باب في طلاق السنة، من كتاب الطلاق. سنن أبي داود 1/ 500، والترمذي، في: باب ما جاء في طلاق السنة، من أبواب الطلاق. عارضة الأحوذي 5/ 123، 124. والنسائي، في: باب وقت الطلاق للعدة التي أمر الله عزَّ وجلَّ أن تطلق لها النساء، وباب ما يفعل إذا طلق تطليقة وهي حائض، وباب الطلاق لغير العدة وما يحتسب منه على المطلق. المجتبى 6/ 112، 114، 115. وابن ماجه، في: باب طلاق السنة، وباب الحامل كيف تطلق، من كتاب الطلاق. سنن ابن ماجه 1/ 651، 652. والدارمي، في: باب السنة في الطلاق، من كتاب الطلاق. سنن الدارمي 2/ 160. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الأقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض، من كتاب الطلاق. الموطأ 2/ 576. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 26، 43، 51، 54، 58، 59، 61، 81، 124، 130. (¬2) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن بختان، كان جار الإمام أحمد وصديقه، وروى عنه مسائل صالحة كثيرة. طبقات الحنابلة 1/ 415، 416.

222 - مسألة: (وأقل الحيض يوم وليلة. وعنه: يوم. وأكثره خمسة عشر يوما. وعنه: سبعة عشر)

وَأَقلُّ الْحَيضٍ يَوْمٌ وليلَةٌ. وَعَنْه، يَوْمٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَعَنْهُ، سَبْعَة عَشَرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةِ. وقال النَّخَعِيُّ: إذا ضَرَبَها المَخاضُ فَرَأت الدَّمَ. قال: هو حَيضٌ. وهذا قولُ أهلِ المدينةِ، والشافعيِّ. وقال عَطاءٌ: تُصَلِّي، ولا تَعُدُّه حَيضًا ولا نِفاسًا. ولَنا، أنَّه دَمٌ خَرَج بسَبَبِ الولادَةِ، فكان نِفاسًا، كالخارجَ بعدَه. فصل: وإنَّما يُعْلَمُ أنَّه بسَبَبِ الولادَةِ إذا كان قَرِيبًا منها، ويُعْلَمُ ذلك برُؤْيَةِ أمارَتِها في وَقْتِه، فأمّا إن رَأتِ الدَّمَ مِن غيرِ عَلامَةٍ على قُرْبِ الوَضْع، لم تَتْرُكْ له العِبادَةَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه دَمُ فَسادٍ، فإن تَبَيَّنَ كَوْنُه قَرِيبًا مِن الوَضْع؛ لوَضْعِها بعدَه بيوم أو يَوْمَين، أعادَتِ الصومَ المَفْرُوضَ الذي صامَتْه فيه، وإن رَأتْه عندَ العَلامَةِ، تَرَكَتِ العِبادَةَ، فإن تَبَيَّنَ بُعْدُه غنها، أعادَتْ ما تَرَكَتْه مِن العِباداتِ الواجِبَةِ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ أنَّه ليس بحَيضٍ ولا نِفاسٍ. واللهُ أعلمُ. 222 - مسألة: (وَأقَلُّ الحَيضِ يَوْم وَلَيلَةٌ. وعنه: يَوْمٌ. وأكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وعنه: سَبْعَةَ عَشَرَ) المَشْهُورُ في المذهبِ، أنَّ أقلَّ الحَيضِ يَوْمٌ ولَيلَة، وأكْثَرَه خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا. هذا قولُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، وأبي ثَوْرٍ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّ أقَلَّه يومٌ، وأنَّ أكْثَرَه سَبْعَةَ عَشَرَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: بَلَغَنِي أنَّ نِساءَ آلِ الماجِشُون كُنَّ يَحِضْنَ سَبْعَةَ عَشَرَ يومًا. قال الخَلّالُ: مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، لا اخْتِلافَ فيه أنَّ أقَلَّ الحَيضِ يومٌ، وأكْثَرَه خَمْسَةَ عَشَرَ. ومذهبُ الشافعيِّ نَحْوُ هذا في أقَلِّه وأكْثَرِه. وقال الثَّوْرِيُّ، والنُّعْمانُ، وصاحِباه: أقَله ثلاثةُ أيَّامٍ، وأكثَرُه عَشَرَةٌ؛ لِما روَى واثِلَةُ بن الأسْقَعِ، أنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَقَلُّ الحَيضِ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ وَأكْثَرُهُ عَشَرَةٌ» (¬1). وقال أنَسٌ: قُرْءُ المرأةِ ثَلاثٌ، أرْبَعٌ، خَمْسٌ، سِتٌّ، سَبْغ، ثَمانٍ، تِسْعٌ، عَشْرٌ. ولا يَقُولُ ذلك إلَّا تَوْقِيفًا. وقال مالكٌ: ليس لأقَلِّه حَدٌّ، ولو كان لأقَلِّه حَدٌّ، لكانَتِ المرأةُ لا تَدَعُ الصلاةَ حتى يَمْضِي ذلك، الحَدُّ. ولَنا، أنَّ ذِكْرَ الحَيضِ وَرَد في الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَحْدِيدٍ، ولا حَدَّ له في اللُّغَةِ، فَرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ والعادَةِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ والتَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ حَيضٌ مُعْتاد أقَلُّ مِن ثَلاثَةٍ وأَكْثَرُ مِن عَشَرَةٍ. قال عَطاءٌ: رَأيتُ مِن النِّساء مَن تَحِيضُ يَوْمًا، وتَحيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ. وقال شَرِيكٌ (¬2): عِنْدَنا امرأةٌ تَحِيضُ كلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَيضًا مُسْتَقِيمًا. وقال أبو عبدِ اللهِ الزُّبَيرِيُّ: كان في نِسائِنا مَن تَحِيضُ يَوْمًا، وتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا. وقال الشافعيُّ: رَأْيتُ امرأةً ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: كتاب الحيض. سنن الدارقطني 1/ 219. (¬2) شريك بن عبد الله بن أبي شريك، النخعي، أبو عبد الله القاضي، أحد الأعلام على لين ما في حديثه. ولد سنة تسعين، وتوفي سنة سبع وسبعين ومائة. سير أعلام النبلاء 8/ 178، تهذيب التهذيب 4/ 333.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أُثْبِتَ لي عنها أنَّها لم تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا، لا تَزِيدُ عليه، وأثْبِتَ لي عن نِساءٍ، أَنَّهُنَّ لم يَزَلْنَ يَحِضْنَ أقَلَّ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ. وقَوْلُهُنَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إليه، لقَوْلِه تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} (¬1). فلولا أنَّه مَقْبُولٌ. ما حَرَّمَ عليهِنَّ الكِتْمانَ، وجَرَى ذلك مَجْرَى الشَّهادَةِ. ولم يُوجَدْ حَيضٌ مُعْتادٌ أقَلّ مِن ذلك في عَصْرٍ مِن الأعْصارِ، فلا يكُونُ حَيضًا بحالٍ. وحديثُ واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ يَرْويه محمدُ بنُ أحمدَ الشّامِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، عن حَمّادِ بنِ المِنْهالِ، وهو مَجْهُولٌ، وحديثُ أنَسٍ رَواه الجَلْدُ بنُ أيُّوبَ، وهو ضَعِيفٌ. قال ابنُ عُيَينَةَ: هو مُحَدِّثٌ لا أصْلَ له. وقال يَزِيدُ بنُ زُرَيع: ذاك أبو حنيفةَ، لم يَحْتَجَّ إلَّا بالجَلْدِ بنِ أيُّوبَ. وحديثُ الجَلْدِ، ولو صَحَّ، فقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، ما يُعارِضُه، فإنَّه قال: ما زادَ على خَمْسَ عَشْرَةَ اسْتِحاضَةٌ، وأقَلُّ الحَيضِ يَوْمٌ ولَيلَةٌ. ¬

(¬1) سورة البقرة 228.

223 - مسألة: (وغالبه ست أو سبع)

وَغَالِبُهُ سِتٌّ أوْ سَبْعٌ. وأقَلُّ الطُّهْرِ بَينَ الْحَيضَتَينِ ثَلَاثَةَ عَشرً يَوْمًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 223 - مسألة: (وغالِبُه سِتٌّ أو سَبْعٌ) لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعَةَ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا تَحِيضُ النِّساءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لِمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (¬1). حديثٌ حسنٌ. 224 - مسألة: (وأَقَلُّ الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَينِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لأنَّ كَلامَ أحمدَ لا يَخْتَلِفُ أنَّ العِدَّةَ يَصِحُّ أن تَنْقَضِيَ في شَهْرٍ إذا قامَتْ به البَيِّنةُ. قال إسحاقُ: تَوْقِيتُ هؤلاء بالخَمْسَةَ عَشَرَ باطِلٌ. وقال أبو بَكْرٍ: أقَلُّ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 67. والترمذي، في: باب في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 201. وابن ماجه، في: باب ما جاء في البكر إذا ابتدئت مستحاضة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 205. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 439.

وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَا حَدَّ لأكْثَرِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الطُّهْرِ مَبْنِيٌّ على أكْثَرِ الحَيضِ، فإن قُلْنا: أكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ. فأقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وإن قُلْنا: أكْثَرُه سَبْعَةَ عَشَرَ. فأقَلُّ، الطّهْرِ ثلاثةَ عَشَرَ. وهذا بَناه على أنَّ شَهْرَ المرأةِ لا يَزِيدُ على ثَلاثِين يَوْمًا، يَجتَمِعُ فيه حَيضٌ وطُهْرٌ، وأمّا إذا زاد شَهْرُها على ذلك، فلا يَلْزَمُ ما قال. وقال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: أقَلّه خَمْسَةَ عَشَرَ (¬1). وعن أحمدَ نَحْوُ ذلك، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطر عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» (¬2). ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ، عن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ امرأةً جاءَتْه، وقد طَلَّقَها زَوْجُها، فزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ في شَهْرٍ ثلاثَ حِيَضٍ، طَهُرَتْ عندَ كلِّ قُرْءٍ وصَلَّتْ، فقال عليٌّ لشُرَيحٍ: قُلْ فيها. فقال شُرَيحٌ: إن جاءت ببَيِّنةٍ مِن بِطانَةِ أهْلِها مِمَّن يرضَى دِينُه وأمانَتُه، فشَهِدَتْ بذلك، وإلَّا فهي كاذِبَةٌ. فقال عليٌّ: قَالُون. يَعْنِي: جَيِّدٌ، بالرُّومِيَّةِ. ولا يقُولُ مِثْلَ هذا إلَّا تَوْقِيفًا، ولأنَّه قولُ صَحابِيٍّ انْتَشَرَ، ولم يُعْلَمْ خِلافُه، ¬

(¬1) بعده في م: «وعن أحمد عشرة». (¬2) لا أصل له بهذا اللفظ. انظر تلخيص الحبير 1/ 162.

225 - مسألة: (والمبتدأة تجلس يوما وليلة ثم تغتسل وتصلي، فإن انقطع دمها لأكثره فما دون، اغتسلت عند انقطاعه، وتفعل ذلك ثلاثا. فإن كان في الثلاث على قدر واحد، صار عادة وانتقلت إليه، وأعادت ما صامته من الفرض فيه. وعنه: يصير عادة بمرتين)

فَصْلٌ: وَالْمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيلَةً، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لأكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَتَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ كَانَ في الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ صَارَ عَادَةً، وَانْتَقَلَتْ إِلَيهِ، وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنَ الْفَرْضِ فِيهِ. وَعَنْهُ، يَصِيرُ عَادَةً بِمَرَّتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ولا يُتَصَوَّرُ إلَّا على قَوْلِنا: أقَلُّه ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وأقَلُّ الحَيضِ يومٌ. وهذا في الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَين، فأَمَّا الطُّهْرُ بينَ الحَيضَةِ فسيَأْتِي حُكْمُه. وغالبُ الطُّهْرِ أربعةٌ وعِشْرُون، أو ثلاثةٌ وعِشْرُون، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لحَمْنَةَ: «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا يَحِيضُ النِّساءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ». ولا حَدَّ لأَكْثَرِه، لأنَّ التَّحْدِيدَ مِن الشَّرْعِ ولم يَرِدْ به، ولا نَعْلَمُ له دَلِيلًا. واللهُ أعلمُ. 225 - مسألة: (والمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ يَوْمًا ولَيَلَةً ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، فإنِ انْقَطَعَ دَمُها لأكْثَرِه فما دُونَ، اغْتَسَلَتْ عندَ انْقِطاعِه، وتَفْعَلُ ذلك ثلاثًا. فإن كان في الثَّلاثِ على قَدْرٍ واحِدٍ، صار عادَةً وانتقَلَتْ إليه، وأعادَتْ ما صامَتْه مِن الفَرضِ فيه. وعنه: يَصِيرُ عادَةً بمَرَّتَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُبْتَدَأةَ أوَّلَ ما تَرَى الحَيضَ ولم تَكُنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حاضَتْ قبلَه، إذا كان في وَقْتٍ يُمْكِنُ حَيضُها وهي التي لها تِسْعُ سِنِينَ فصاعِدًا، إذا انْقَطَعَ لأقَلَّ مِن يَوْم ولَيلَةٍ، فهو دَمُ فَسادٍ، وإن كان يَوْمًا ولَيلَةً فما زادَ، فإنَّها تَدَعُ الصومَ والصلاةَ، لأنَّ دَمَ الحَيضِ جِبِلَّةٌ وعادَةٌ، ودَمُ الاسْتِحاضَةِ لعارِضٍ، الأصْلُ عَدَمُه. وظاهِرُ المذهبِ أنَّها تَجْلِسُ يَوْمًا ولَيلَةً، ثم تَغْتَسِلُ وتَتَوَضَّأُ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي، وتَصُومُ. فإذا انْقَطعَ دَمُها لأكْثَرِ الحَيضِ فما دُونَ، اغْتَسَلَتْ غُسْلًا ثانِيًا عندَ انْقِطاعِه، ثم تَفْعَلُ ذلك في الشَّهْرِ الثاني والثالثِ، فإن كان في الأشْهُرِ الثَّلاثَةِ مُتَساويًا، صارَ ذلك عادَةً، وعَلِمْنا أنَّها كانت حَيضًا، فيَجِبُ عليها قَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه، لأنَّنا تَبَيَّنَا أنَّها صامَتْهْ في زَمَنِ الحَيضِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. قال القاضي: المذهبُ عِنْدِي في هذا رِوايَةٌ واحِدَةٌ. وذلك لأنَّ العِبادَةَ واجِبَةٌ في ذِمَّتِها بيَقِينٍ، فلا تَسْقُط بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه أوَّلَ مَرَّةٍ، كالمُعْتَدَّةِ لا نَحْكُمُ ببَراءَةِ ذِمُّتِها مِن العِدَّةِ بأوَّلِ حَيضَةٍ، ولا يَلْزَمُ عليه اليَوْمُ واللَّيلَةُ، لأنَّها اليَقِينُ، فلو لم نُجْلِسْها ذلك أدَّى إلى أنْ لا نُجْلِسَها أصْلًا، وقد نُقِل عن أحمدَ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ أُخَرُ، إحْداها، أنَّها تَجْلِسُ سِتًّا أو سَبْعًا: نَقَلَها عنه صالِحٌ على حديثِ حَمْنَةَ، لأنَّه أكثَرُ ما تَجْلِسُه النِّساءُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثانيةُ، تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها، كأَنَّها وأُخْتِها وعَمَّتِها وخالتِها. وهذا قول عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّها تُشْبِهُهُنَّ في ذلك. وهو قولُ إسحاقَ. غيرَ أنَّه قال: فإِن لم تَعْرِفِ الأُمَّ والخالةَ أو العَمَّةَ، فإنَّها تَجْلِسُ سِتَّةَ أَيَّامٍ، أو سَبْعَةً، كما في حديثِ حَمْنَةَ. والثالثةُ، أنَّها تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّم، ما لم يُجَاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ. اخْتارها شَيخُنا (¬1). فإنِ انْقَطَعَ لأكْثَرِه [فما دُونَ] (¬2)، فالجمِيعُ حَيضٌ، لأنَّنا حَكَمْنا بأنَّ ابْتِداءَ الدَّمِ حَيضٌ، مع جَوازِ أن يكُونَ اسْتِحاضَةً، فكذلك باقِيه. ولأنَّ دَمَ الحَيضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحاضَةُ دَمٌ عارِضٌ، والأصْلُ فيها الصِّحَّةُ والسَّلامَةُ. ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 409. (¬2) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بمَرَّةٍ، وظاهِرُ مذهب الشافعي أنها تَثْبُتُ بمَرَّةٍ؛ لأنَّ المرأةَ التي اسْتَفْتَتْ لها أمُّ سَلَمَةَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّها إلى الشَّهْرِ الَّذي يَلي شهرَ الاسْتِحاضَةِ؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ إليها، فوَجَبَ رَدُّها إليه. ولَنا، أنَّ العادَةَ مأخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَةِ، ولا تَحْصُلُ بمَرَّةٍ، والحديثُ حُجَّةٌ لَنا؛ لأنَّه قال: «لِتَنْظر عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أصَابَهَا» (¬1). و «كان» يُخْبَرُ بها عن دَوامِ الفِعْلِ وتَكْرارِه، ولا يُقالُ لمَن فَعَل شيئًا مَرَّةً: كان يَفْعَلُ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ؛ هل تَثْبُتُ العادَةُ بمَرَّتَين، أو ثلاثٍ؟ فعنه، أنَّها تَثْبُتُ بمَرَّتَين؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَةِ، وقد عاوَدَتْها في المَرَّةِ الثانيةِ. وعنه، لا تَثْبُتُ إلَّا بثَلاثٍ. وهو ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في المرأة تستحاض. . . .، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 62. والنسائي، في: باب ذكر الاغتسال من الحيض، من كتاب الطهارة. وفي: باب المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر»، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 99، 149. والدارمي، في: باب في غسل المستحاضة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 199، 149. والإمام مالك، في: باب المستحاضة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 62. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 293، 304، 320، 323.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المَشْهُورُ في المذهبِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرَائِهَا» (¬1). والأقْراءُ جَمْعٌ، وأقَلُّه ثلاثةٌ، ولأنَّ العادَةَ إنَّما تُطْلَقُ على ما كَثُرَ، ولأنَّ ما اعْتُبِرَ له التَّكْرارُ اعْتُبِرَ ثَلاثًا، كخِيارِ المُصرِّاةِ. فإن قُلْنا بهذه الرِّواية، لم تَنْتَقِلْ عن اليَقِينِ في الشَّهْرِ الثالثِ. وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، انْتَقَلَتْ إليه في الشَّهْرِ الثالثِ. وعلى قَوْلِنا: إنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ أو غالِبَه أو عادَةَ نِسائِها، إذا انْقطَعَ الدَّمُ لأكْثَرِ الحَيضِ فما دُونَ، وكان في الأشْهُرِ الثَّلاثَةِ. على قَدْرٍ واحِدٍ، أو في شَهْرَين، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين. انتقَلَتْ إليه وعَمِلَتْ عليه، وأعادَتْ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه؛ لأنَّنا (¬2) تَبَيَّنَا أنَّها صامَتْه في حَيضِها. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في المرأة تستحاض. . . .، وباب من قال تغتسل من طهر إلى طهر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 64، 70. والترمذي، في: باب ما جاء في أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 199. وابن ماجة، في: باب ما جاء في المستحاضة. . . .، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجة 1/ 204 كلهم من حديث عدي بن ثابت. (¬2) في الأصل: «ولأننا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومتى أجْلَسْناها يَوْمًا ولَيلَةً، أو سِتًّا، أو سَبْعًا، أو عادَةَ نِسائِها، فرَأتِ الدَّمَ أكْثَرَ مِن ذلك، لم يَحِلَّ لزَوْجِها وَطْؤُها حتَّى يَنْقَطِعَ، أو يُجاوزَ أكْثَرَ الحَيضِ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه حَيضٌ، وإنَّما أمَرْناها بالعبادَةِ فيه احْتِياطًا لبَراءَةِ ذِمَّتِها، فيَجِبُ تَرْكُ وَطْئِها احْتِياطًا أيضًا. وإنِ انْقَطَعَ الدَّمُ، واغْتَسَلَتْ، حَلَّ وَطْؤُها، ولم يُكْرَهْ، لأنَّها رَأتِ النَّقاءَ الخالِصَ. وعنه، يُكْرَهُ، لأنَّا لا نَأْمَنُ مُعاوَدَةَ الدَّمِ، فكُرِهَ وَطْؤُها، كالنُّفَساءِ إذا انْقَطَعَ دَمُها لأقَلَّ مِن أرْبَعِين يَوْمًا.

226 - مسألة: (فإن جاوز أكثر الحيض، فهي مستحاضة)

وَإنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا؛ بَعْضُهُ ثَخِينٌ أسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحمَرُ، فَحَيضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 226 - مسألة: (فإن جاوَزَ أكْثَرَ الحَيضِ، فهي مُسْتَحاضَةٌ) لأنَّ الدَّمَ كلَّه لا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا. 227 - مسألة: (فإن كان دَمُها مُتَمَيِّزًا؛ بعضُه أسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وبعضُه رَقِيقٌ أَحْمَرُ، فحَيضُها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ، وما عَداه اسْتِحاضَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُبْتَدَأةَ إذا جاوَزَ دَمُها أكْثَرَ الحَيضِ، لم تَخْلُ مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حالَيْن؛ أحَدُهما، أن تكُونَ مُمَيِّزةً، وهي أن يكُونَ بَعْضُ دَمِها أسْوَدَ ثَخِينًا مُنْتِنًا، وبَعْضُه أحْمَرَ رَقِيقًا، أو أصْفَرَ لا رائِحةَ له، ويكُونَ الدَّمُ الأسْوَدُ أو الثَّخِينُ لا يَزِيدُ على أكثَرِ الحَيضِ، ولا يَنْقُصُ عن أقَلِّه، فحُكْمُ هذه أنَّ حَيضَها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ والثَّخِينِ، فإذا انْقَطعَ فهي مُسْتَحاضَةٌ وتَغْتَسِلُ للحَيضِ، وتَتَوَضَّأْ لكلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي. وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ؛ لِما رَوَتْ عائِشةُ، قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيشٍ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي اسْتَحاضُ. فلا أطْهُرُ، أفأدَعُ الصلاةَ؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيسَ بِالْحَيضَةِ، فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وللنَّسائِيِّ وأبي داودَ (¬2): «إذَا كَانَ دَمُ الحَيضِ فَإنَّه أسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإنَّمَا هُوَ عِرْقٌ». وقال ابنُ عباسٍ: ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 366. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب من قال تتوضأ لكل صلاة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 73. والنسائي، في: باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، من كتابي الطهارة والحيض. المجتبى 1/ 102، 151.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أمّا ما رَأتِ الدَّمَ البَحْرانِيَّ (¬1) فإنَّها تَدَعُ الصلاةَ، إنَّها واللهِ لن تَرَى الدَّمَ بعدَ أيَّامِ مَحِيضِها إلَّا كغُسالَةِ ماءِ اللَّحْمِ. ولأنَّه خارِجٌ مِن الفَرْجِ يُوجِبُ الغُسْلَ؛ فرُجِعَ إلى صِفَتِه عندَ الاشْتِباهِ، كالمَنِيِّ والمَذْي. فصل: وظاهِرُ كلامِ شَيخِنا (¬2)، رَحِمه اللهُ، ها هنا، أنَّ المُمَيِّزةَ إذا عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْه مِن غيرِ تَكْرارٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ؛ لأنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أن يَتَمَيَّزَ أحَدُ الدَّمَين عن الآخَرِ في الصِّفَةِ، وهذا يُوجَدُ بأوَّلِ مَرَّةٍ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال القاضي، وأبو الحسنِ الآمِدِيُّ: إنَّما تَجْلِسُ المُمَيِّزَةُ مِن التَّمْيِيزِ ما تَكَرَّرَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، بِناءً على الرِّوايَتَين، فيما تَثْبُتُ به العادَةُ. ولَنا، قولُ النبيِّ: - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْركِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». أمَرَها بتَرْكِ الصلاةِ إذا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ، مِن غيرِ اعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ، ثم مَدَّه إلى حينِ إدْبارِه؛ ولأنَّ (¬3) التَّمْيِيزَ أمارَةٌ بمُجَرَّدِه، فلم يَحْتَجْ إلى ¬

(¬1) دم بحراني: شديد الحمرة، كأنه نسب إلى البحر وهو اسم قعر الرحم، وزادوه في النسب ألفا ونونا للمبالغة. النهاية 1/ 99. (¬2) انظر: المغني 1/ 393. (¬3) في م: «لأن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ضَمِّ غيرِه إليه، كالعادَةِ. وعندَ القاضي: لا تَجْلِسُ مِن التَّمْيِيزِ إلّا ما تَكَرَّرَ. فعلى هذا، إذا رَأتْ في كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، واتَّصَلَ، جَلَسَت زَمانَ الأسْوَدِ، فكان حَيضَها، والباقي اسْتِحاضَةً. وهل تَجْلِسُ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثاني أو الثالثِ أو الرابعِ؟ يُخَرَّجُ ذلك على الرِّواياتِ الثَّلاثِ. وكذلك لو رَأتْ عَشَرَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، فإنِ اتَّصَلَ الأسْوَدُ وعَبَر أكْثَرَ الحَيضِ، فليس لها تَمْيِيزٌ وحَيضُها (¬1) مِن الأسْوَدِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بدَمِ الحَيضِ. ولو رَأتْ أقَلَّ مِن يَوْمٍ ولَيلَةٍ أشودَ، فلا تَمْييزَ لها؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ حَيضًا. وإن رَأتْ في الشَّهْرِ الأولِ أحْمَرَ كلَّه، وفي الثاني والثالثِ والرابع خَمْسَةً أسْوَدَ، وفي الخامِسِ كلِّه أحْمَرَ، فإنّها تَجْلِسُ في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ اليَقِينَ، على قَوْلِنا: يُعْتَبَرُ التَّكْرارُ في المُمَيِّزَةِ. وفي الرابعِ أيَّامَ الدَّمِ الأسودِ في قَوْلِ شَيخِنا (¬2)، وفي الخامِسِ تَجْلِسُ خَمْسَةً أيضًا. وقال القاضي: لا تَجْلِسُ ¬

(¬1) في م: «نحيضها». (¬2) انظر: المغني 1/ 412.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن الرابع إلَّا اليَقِينَ، إلَّا أن نقُولَ: تَثْبُتُ العادَةُ بمَرَّتَين. قال شيخُنا: وفيه نَظرٌ، فإنَّ أكْثَرَ ما يُقَدَّرُ فيها أنَّها لا عادةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولو كانت كذلك لجَلَسَتْ سِتًّا أوْ سَبْعًا، في أصَحِّ الرِّواياتِ. فكذا ههُنا. قُلتُ: فيَنْبَغِي على هذا أن لا تَجْلِسَ بالتَّمْيِيزِ، وإنَّما تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ؛ لِما ذَكَرَه. ومَن لم يَعْتَبِرِ التَّكْرارَ في التَّمْيِيزِ فهذه مُمَيِّزَةٌ، ومَن قال: إنها تَجْلِسُ بالتَّمْيِيزِ في الشَّهْرِ الثاني، قال: إنَّها تَجْلِسُ الدَّمَ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثالثِ؛

وَإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيضِ، وَعَنْهُ، أَقَلَّهُ. وَعَنْهُ، أكْثَرَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّها لا تَعْلَمُ أنَّها مُمَيِّزَةٌ قَبْلَه. الحالُ الثاني، أن لا يكونَ دَمُها مُتَمَيِّزًا على ما مَضى، ففيها أربعُ رِواياتٍ، إحْداها، أنَّها تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ، وذلك سِتَّةُ أَيَّام أو سَبْعَةٌ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه غالِبُ عَاداتِ النِّساءِ، فيَجِبُ رَدُّها إليه، كرَدِّها في الوَقْتِ إلى حَيضِها في كلِّ شَهْرٍ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ لأنَّه اليَقِينُ. وللشافعيِّ قَوْلان كهاتَين الرِّوايَتَين. والثالثةُ، أنَّها تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ. وهو قَوْلُ أبي

وَعَنْهُ، عَادَةَ نِسَائِهَا؛ كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَخَالتِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ حنيفةَ؛ لأنَّه زَمَانُ الحَيضِ، فإذا رَأتِ الدَّمَ فيه جَلَسَتْه كالمُعْتادَةِ. والرابعةُ أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا وخالتِها. وهو قولُ عَطاء، والثَّوْرِي، والأوْزاعِي؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أسنَها تُشْبِهُهُنَّ في ذلك. والأوَّلى أصَحُّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، كما يَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْن، لِمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (¬1). حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. رَدَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، ولم يَرُدَّها إلى غيرِه مِمّا ذَكَرُوا (¬2)، ولأنَّ هذه تُرَدُّ إلى غالِبِ عاداتِ النِّساءِ في وَقْتِها، بمَعْنَى أنَّها تَجْلِسُ في كلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فكذلك في عَدَدِ أيَّامِها، وبهذا يَبطُلُ ما ذُكِر؛ لليَقِينِ، ولعادَةِ نِسائِها. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 395. (¬2) في م: «ذكر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وهل تُرَدُّ إلى ذلك إذا اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ في الشَّهْرِ الرابعِ أو الثاني؟ المَنْصُوصُ أنَّها لا تُرَدُّ إلى سِتٍّ أو سَبْعٍ إلَّا في الشَّهْرِ الرابعِ؛ لأنّا لا نُحَيِّضُها أكْثَرَ مِن ذلك إذا لم تَكُنْ مُسْتَحاضَةً، فأوْلَى أن نَفْعَلَ ذلك إذا كانت مُسْتَحاضَةً. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن تَنْتَقِلَ إليها في أيَّامِ الشَّهْرِ الثاني بغيرِ تَكْرارٍ؛ لأنّا قد عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فلا مَعْنَى للتَّكْرارِ في حَقِّها. وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ؛ لظاهِرِ حديثِ حَمْنَةَ.

228 - مسألة: (وذكر أبو الخطاب في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع)

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، في الْمُبْتَدَأة أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 228 - مسألة: (وذَكَر أبو الخَطَّابِ في المُبْتَدَأةِ أوَّلَ ما تَرَى الدَّمَ الرِّواياتِ الأربعَ) إحْداها، تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّه اليَقِينُ. والثانيةُ، تَجْلِسُ [سِتًّا أو سَبْعًا] (¬1)؛ لأنَّه الغالِبُ. والثالثةُ، تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شِبْهُها بِهِنَّ. والرابعةُ، تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّمِ، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ، قِياسًا على اليَوْمِ واللَّيلَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك. ¬

(¬1) في م: «غالب الحيض».

229 - مسألة: (وإن استحيضت المعتادة، رجعت إلى عادتها وإن كانت مميزة. وعنه: يقدم التمييز. وهو اختيار الخرقي)

وَإنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا، وَإنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً. وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 229 - مسألة: (وإنِ اسْتُحِيضَتِ المُعْتادَةُ، رَجَعَتْ إلى عادَتِها وإن كانت مُمَيِّزَةً. وعنه: يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ) وإن نَسِيَتِ العادَةَ عَمِلَتْ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم يَكُنْ لها تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ. وعنه، أقَلَّه. وقِيلَ فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُعْتادَةَ إذا اسْتُحِيضَتْ لم تَخْلُ مِن أربعةِ أقْسام؛ أحَدُها، أن تكُونَ مُعْتادَةً ولا تَمْيِيزَ لها؛ لكَوْنِ دَمِها على صِفَةٍ لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَمَيَّزُ بَعْضُه مِن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بعضٍ، أو بأن يكُونَ الدَّمُ الَّذي يَصْفحُ للحَيضِ يَنْقُصُ عن أقَلِّ الحَيضِ أو يَزِيدُ على أكْثَرِه، فهذه تَجْلِسُ أيَّامَ عادَتِها، ثم تَغْتَسِلُ عندَ انْقِضائِها، وتَتَوَضَّأُ بعدَ ذلك لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ وتُصَلِّي. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. وقال مالكٌ: لا اعْتِبارَ بالعادَةِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم تَكُنْ مُمَيِّزَةً اسْتَطْهَرَتْ بعدَ زَمانِ عادَتِها بثلاثَةِ أيَّام، إن لم تُجاوزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم هي بعدَ ذلك مُسْتَحاضَةٌ. واحْتَجَّ بحديثِ فاطمةَ الَّذي ذَكَرْناه. ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لِتَنْظر عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أنْ يُصِيِبَهَا الَّذِي أصَابَها، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لْتُصَلِّ» (¬1). رواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ. وقد روى في حديث فاطمةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ودَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 400.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَصَلِّي». مُتَّفَق عليه (¬1). ورَوَتْ أُمُّ حَبيبَةَ، أَنَّها سألَتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الدَّمِ، فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». رَواه مسلمٌ (¬2). ولا حُجَّةَ له في الحديثِ على تَرْكِ العادَةِ في حَقِّ مَن لا تَمْيِيزَ لها. فصل: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بمَرَّةٍ؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَة. وهل تَثْبُتُ بمَرَّتَين أو بثَلاثٍ؟ على رِوايَتَين، وقد ذَكَرْناه. وتَثْبُتُ العادَةُ بالتَّمْيِيزِ، فإذا رَأتْ دَمًا أسْوَدَ خَمْسَةَ أيَّام في ثلاثةِ أشْهُرٍ أو شَهْرَين، على إحْدَى الرِّوايَتَين، ثم صار أحْمَرَ، واتَّصَلَ، ثم صار في سائِرِ الأشْهُرِ دَمًا مُبْهَمًا، كانت على عادَتِها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ. فصل: والعادَةُ على ضَرْبَين؛ مُتَّفِقَةٍ، ومُخْتَلِفَةٍ، فالمُتَّفِقَةُ أن تكُونَ أيَّامًا مُتَساويةً، كخَمْسَةٍ في كلِّ شَهْرٍ، فإذا اسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْها فقط. وأمّا المُخْتَلِفَةُ فإن كانت على تَرتِيبٍ، مثلَ أن تَرَى في شَهْرٍ ثلاثةً، وفي الثاني أربعةً، وفي الثالثِ خَمْسَةً، ثم تَعُودَ إلى ثلاثةٍ، ثم إلى أربعةٍ، ثم إلى خمسةٍ على ما كانت، فهذه إذا اسْتُحِيضَتْ في شَهْرٍ، فعَرَفَتْ نَوْبَتَه عَمِلَتْ ¬

(¬1) تقدم في صفحة 366. (¬2) في: باب المستحاضة وغسلها، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 264 كما أخرجه أبو داود، في: باب في المرأة تستحاض. . . . إلخ، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 63. والنسائي، في: باب ذكر الاغتسال من الحيض، وباب المرأة يكون لها أيام معدودة، وباب ذكر الأقراء، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 99، 148، 150. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 222.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه، ثم علي الَّذي بعدَه، [وعلى الَّذي] (¬1) بعدَه على العادَةِ. وإن نَسِيَتْ نَوْبَتَه حَيَّضْناها على اليَقِينِ، وهو ثلاثةُ أيَّام، ثم تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. وإن عَلِمَتْ أنَّه غيرُ الأوَّلِ، وشَكَّتْ؛ هل هو الثاني أو الثالثُ؟ جَلَسَتْ أربعةً؛ لأنَّها اليَقِينُ، ثم تَجْلِسُ مِن الشَّهْرَين الآخَرَين ثلاثَةً ثلاثةً، وتَجْلِسُ في الرابعِ أربعةً، ثم تَعْودُ إلى الثلاثةِ كذلك أبدًا، ويُجْزِئُها غُسْلٌ واحِدٌ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ التي جَلَسَتْها، كالنّاسِيَةِ إذا جَلَسَتْ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّ ما زاد على اليَقِينِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجبٌ عليها الغسْلُ بالشَّكِّ. قال شيخُنا (¬2): ويَحْتَمِلُ وُجوبَ الغُسْلِ عليها أَيضًا عندَ مُضِيِّ أكْثَرَ عادَتِها؛ لأنَّ يَقينَ الحَيضِ ثابِتٌ، وحُصولَ الطهارةِ بالغسْلِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، ولأنَّ هذه مُتَيَقِّنَةٌ وُجوبَ الغُسْلِ عليسا في أحَدِ الأيَّامِ الثلاثةِ في اليومِ الخامِسِ، وقد اشْتَبَه عليها، وصِحَّة صَلا تها تَقِفُ على الغسْلِ، فيَجِبُ عليها؛ لتَخْرُجَ عن العُهْدَةِ بيَقِين. وهذا الوَجْهُ أصَحُّ لذلك. وتُفارِقُ هذه النَّاسِيَةَ؛ لأنَّها لا تَعْلَمُ لها حَيضًا زائِدًا على ما جَلَسَتْه، وهذه تَعْلَم لها حَيضًا زائِدًا تَقِفُ صِحَّةُ صَلاتها على غُسْلِها منه، فوَجَبَ ذلك، فعلى هذا يَلْزَمُها غُسْلٌ ثانٍ، عَقِيبَ اليَوْمِ الخامِسِ في كلِّ شَهْرٍ. وإن جَلَسَتْ في رمضانَ ثلاثَةَ أيَّام، قَضَتْ خَمْسَةَ أيَّام؛ لأنَّ الصومَ كان ذِمَّتِها، ولا تَعْلَم أنَّ اليَوْمَين اللَّذَين صامَتْهما أسْقَطا الفَرْضَ مِن ذِمَّتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّه يَلْزَمُها في كلِّ شَهْرٍ ثلالةُ أغْسالٍ؛ غسْلٌ عَقِيبَ ¬

(¬1) في م: «والذي». (¬2) في المغني 1/ 398.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اليَوْمِ الثالثِ والرابع، والخامس؛ لأنَّ عليها عَقِيبَ الرابعِ غسْلًا في بَعْضِ الأشْهُرِ، وكلُّ شَهْرٍ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ هو الشهرَ الَّذي يَجِبُ الغُسْلُ فيه بعدَ الرابع، فيَلْزَمُها ذلك؛ قُلْنا في الخامِسِ. فصل: وإن كان الاخْتِلافُ على غيرِ تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أن تَحِيضَ مِن شَهْرٍ ثلاثَةً، ومِن الثاني خَمْسَةً، ومِن الثالثِ أربعةً، وأشْباهَ ذلك، فإن أمْكَنَ ضَبْطُه بحيث لا يَخْتَلِفُ، فهي كالتي قَبْلَها، وإن لم يُمْكِنْ ضَبْطُه، جَلَسَتِ الأقَلَّ مِن كلِّ شَهْرٍ، واغْتَسَلَتْ عَقِيبَه. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في هذا الفَصْلِ، أنَّ قِياسَ المذهبِ أن تَجْلِسَ أكْثَرَ عادَتِها في كلِّ شَهْرٍ، كالنّاسِيَةِ للعَدَدِ، تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ في إحْدَى الرِّواياتِ. قال شيخُنا (¬1): وهذا لا يَصِحُّ، إذ فيه أمْرُها بتَرْكِ الصلاةِ، وإسْقاطُها عنها مع يَقينِ وُجُوبِها عليها فإنَّنا متى أجْلَسْناها خَمْسًا مِن كلِّ شَهْرٍ، ونحن نَعْلَمُ وُجُوبَ الصلاةِ عليها يَوْمَين منها في شَهْرٍ، ويَوْمًا في شَهْرٍ آخَرَ، فقد أمَرْناها بتَرْكِ الصلاةِ الواجِبَةِ يقينًا، [وذلك لا يَحِلُّ؛ فإنَّ الصلاةَ لا تَسْقُطُ بالاشْتِباهِ، كمَن نَسِيَ صلاةً لا يَعْلَمُ عَينَها، وهذه بخِلافِ النَّاسِيَةِ، فإنّا لا نَعْلَمُ عليها صلاةً واجِبَةً يَقينًا] (¬2)، والأصْلُ بَقاءُ الحَيضِ، فتَبْقَى عليه. فصل: ولا تكُونُ المرأةُ مُعْتادَةً حتَّى تَعْرِفَ شَهْرَها، وتَعْرِفَ وَقْتَ حَيضِها منه وطُهْرِها. وشَهْرُ المرأةِ عِبارَةٌ عن المُدَّةِ التي لها فيها حَيضٌ وطُهْرٌ، وأقَلُّ ذلك أربْعَةَ عَشرً يَوْمًا، أو سِتَّةَ عَشَرَ يومًا، إن قُلْنا: أقَلُّ ¬

(¬1) في المغني 1/ 399. (¬2) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الطُّهْرِ خَمْسَ عَشَرَ. ولا حَدَّ لأكْثَرِه؛ لأنَّ أكْثَرَ الطهْرِ لا حَدَّ له، وغالِبُه الشَّهْرُ المَعْرُوفُ بينَ النّاس، فإذا عَرَفَتْ أنَّ شَهْرَها ثَلاثُون يَوْمًا، وأنَّ حَيضَها منه خَمْسَةُ أيَّام، وأنَّ طُهْرَها خمسةٌ وعِشْرُون يومًا، وعَرَفتْ أوَّلَه، فهي مُعْتادَةٌ، وإن عَرَفَتْ أيَّامَ حَيضِها، وأيَّامَ طُهْرِها، فقد عَرَفَتْ شَهْرَها، وإن عَرَفَتْ أيَّامَ حَيضِها، ولم تَعْرِفْ أيَّامَ طُهْرِها، أو بالعَكْسِ، فلَيسَتْ مُعْتادَةً، لكنَّها متى جَهِلَتْ شَهْرَها رَدَدْناها إلى الغالِبِ، فحَيَّضْناها مِن كلِّ شَهْرٍ حَيضَةً؛ رَدَدْناها في عَدَدِ أيَّام الحَيضِ إلى الغالِبِ. فصل: القِسْمُ الثاني؛ أن يكونَ لها عادَةٌ وتَمْيِيزٌ، فإن كان الدَّمُ الَّذي يَصْلُحُ للحَيضِ في زَمَنِ العادَةِ، فقد اتَّفَقَتِ العادَةُ والتَّمْيِيزُ في الدَّلالةِ، فتَعْمَلُ بهما، وإن كان أكْثَرَ مِن العادَةِ أو أقَلَّ، ولم يَنْقُصْ عن أقَلِّ الحَيضِ ولا زاد على أكْثَرِه، ففيه رِوايتان، إحْداهما، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْناه مِن الأدِلَّةِ، ولأنَّ صِفَةَ الدَّمِ أمارَةٌ قائِمَةٌ به، والعادَةُ زَمانٌ مُنْقَضٍ، ولأنَّه خارِجٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فرَجَعَ إلى صِفَتِه عندَ الاشْتِباهِ، كالمَنِيِّ. والثانيةُ، تُقَدَّمُ العادَةُ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وقولُ أكْثَرِ الأصْحابِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، والمرأةَ التي اسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ إلى العادَةِ، ولم يَسْتَفْصِلْ عن كَوْنِها مُمَيِّزةً أو غيرَها، وحديثُ فاطمةَ قد رُوِيَ عنه (¬1) فيه رَدُّها إلى العادَةِ أيضًا، فتَعارَضَتْ رِوايَتاه (¬2)، وبَقِيَتْ أحادِيثُنا خالِيَةً عن مُعارِضٍ. على ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) في م: «روايتان».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ حديثَ فاطمةَ قَضِيَّةٌ في عَينٍ، يَحْتَمِلُ أنَّها أخْبَرَتْه أن لا عادَةَ لها، أو عَلِم ذلك مِن غيرِها، وحديثُ عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ عامٌّ في كلِّ مُسْتَحاضَةٍ، فيَكُونُ أوْلَى، ولأنَّ العادَةَ أقْوَى؛ لكَوْنِها لا تَبْطُلُ دَلالتُها، واللَّوْنُ إذا زاد على أكْثَرَ الحَيضِ، بَطَلَتْ دَلالتُه، فما لا تَبْطُلُ دَلالتُه أوْلَى. فصل: ومَن كان حَيضُها خَمْسَةَ أيَّامَ مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فاسْتُحِيضَتْ، وصارَتْ تَرَى ثلاثَةً دَمًا أسْوَدَ في أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فمَن قَدَّمَ العادَةَ، قال: تَجْلِسُ في كلِّ شَهْير خَمْسَةً، كما كانت قبلَ الاسْتِحاضَةِ. ومَن قَدَّمَ التَّمْييزَ، جَعَل حَيضَها الثَّلَاثَةَ التي فيها الأسْوَدُ، إلَّا أَنَّها إنَّما تَجْلِسُ الثلاثةَ في الشَّهْرِ الثاني؛ لأنّا لا نَعْلَمُ أَنَّها مُسْتَحاضَة إلُّا بتَجاوُزِ الدَّمِ أكُثَرَ الحَيضِ، ولا نَعْلَمُ ذلك في الشَّهْرِ الأوَّلِ. فإن رَأتْ في كلِّ شَهْر عَشَرَةً دَمًا أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ واتَّصَل، فمَن قال: إنَّها لا تَلْتَفِتْ إلى ما زاد على العادَةِ حتَّى يَتَكَرَّرَ. لم يُحَيِّضْها في الشَّهْرَين الأوَّلَين أو الثلاثةِ على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين إلَّا خَمْسَةً، قَدْرَ عادَتِها. ومَن قال: إنَّها إذا زادَتْ على العادَةِ جَلَسَتْه بأوَّلِ مَرَّةٍ. أجْلَسَها في الشَّهْرِ الأوَّلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، وفي الثاني تَجْلِسُ أيَّامَ العادَةِ، وهي الخمسةُ الأُولَى مِن الشَّهْرِ عندَ مَن يُقَدِّمُ العادَةَ على التَّمْيِيزِ، ومَن قَدَّمَ التِّمْيِيزَ ولم يَعْتَبِرْ فيه التِّكْرارَ، أجْلَسَها العَشَرَةَ كلَّها. فإذا تَكَررَ ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ على هذا الوَصْفِ، فقال القاضي: تَجْلِسُ العَشَرَةَ في الشَّهْرِ الرابع، على الرِّوايَتَين جَمِيعًا؛ لأنَّ الزِّيادَةَ على العادَةِ ثَبَتَتْ بتَكْرارِ الأسْوَدِ. وقال شيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ ¬

(¬1) في المغني 1/ 401، 402.

230 - مسألة؛ قال: (وإن نسيت العادة عملت بالتمييز)

وَإنْ نَسِيَتِ الْعَادَةَ عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أن لا تَجْلِسَ زِيادَةً على عادَتِها عندَ مَن يُقَدِّمُ العادَةَ؛ لأَنَّنَا لو جَعَلْنا الزّائِدَ على العادَةِ مِن التَّمْيِيزِ حَيضًا بتَكَرُّرِه، لَجَعَلْنا النّاقِصَ عنها اسْتِحاضَةً بتَكَرُّرِه، فكانت لا تَجْلِسُ فيما إذا رَأتْ ثلاثةً أسْوَدَ ثم صار أحْمَرَ، أكْثَرَ مِن الثَّلَاثةِ، والأمْرُ بخِلافِ ذلك. فصل: فإن كان حَيضُها خَمْسًا مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ فاسْتُحِيضَتْ، فصارَتْ تَرَى خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم يَصِيرُ أحْمَرَ، ويَتَّصِلُ، فالأسْوَدُ حَيضٌ بالاتِّفاقِ؛ لمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ والتَّمْييزَ، وإن رَأتْ مكانَ الأسْوَدِ أحْمَرَ، ثم صار أسودَ، وعَبَر، سَقَط حُكْمُ الأسْوَدِ، لعُبُورِه أكْثَرَ الحَيضِ، وكان حَيضُها الأحْمَرَ؛ لمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ. وإن رَأتْ مكانَ العادَةِ أحْمَرَ، ثم رَأتْ خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ واتَّصَلَ، فمَن قَدَّمَ العادَةَ أجْلَسَها أيَّامَها. وإذا تَكَرَّرَ الأسْوَدُ، فَقال القاضي: يَصِيرُ حَيضًا. ومَن قَدَّمَ التَّمْيِيزَ، جَعَل الأسْوَدَ وَحْدَه حَيضًا. 230 - مسألة؛ قال: (وإن نَسِيَتِ العادَةَ عَمِلَتْ بالتَّمْيِيزِ). وهذا القِسْمُ الثالثُ مِن أقْسامِ المُسْتحاضَةِ، وهي التي لها تَمْيِيزٌ وقد نَسِيَتِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ العادَةَ. ومَعْنى التَّمْيِيزِ، أن يَتَمَيَّزَ بَعْضُ دَمِها عن بعضٍ؛ فيَكُونَ بَعْضُه أسْوَدَ ثَخِينًا مُنْتِنًا، وبَعْضُه أحْمَرَ رَقِيقًا، أو أصْفَرَ ولا رائِحَةَ له، ويكُونَ الأسْوَدُ أو الثَّخِينُ لا يَزِيدُ على أكْثَرِ الحَيضِ ولا يَنْقُصُ عن أقَلِّه. فحُكْمُ هذه أنَّ حَيضَها زَمَنَ الأسْوَدِ الثَّخِين أو المُنْتِنِ، فإذا انْقَطَعَ فهي مُسْتَحاضةٌ، تَغْتَسِلُ للحَيضِ وتَتَوَضَّأْ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ بعدَ ذلك، وتُصَلِّي. وذَكَر أحمدُ المُسْتَحاضَةَ، فقال: لها سُنَنٌ. فذَكَرَ المُعْتادَةَ، ثم قال: وسُنَّةٌ أُخْرَى، إذا جاءَتْ فزَعَمَتْ أنَّها تُسْتَحاضُ فلا تَطْهُرُ، قِيل لها: أنتِ الآنَ ليس لك أيَّامٌ مَعْلُومَةٌ فتَجْلِسِينَها، ولكنِ انْظُرِي إلى إقْبالِ الدَّمِ وإدْبارِه، فإذا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ، وإقْبالُها أن تَرَىْ دَمًا أسْوَدَ يُعْرَفُ، فإذا تَغَيَّرَ دَمُها وكان إلى الصُّفْرَةِ والرِّقَّةِ، فذلك دَمُ اسْتِحاضَةٍ، فاغْتَسِلِي، وصَلِّي. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا اعْتِبارَ بالتَّمْيِيزِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالعادَةِ خاصَّةً؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدَّمَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لِتَنْظر عِدَّةَ الأيَّامِ وَاللَّيَالِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أن يُصِيبَهَا الَّذِى أصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثمَّ لْتُصَلِّ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (¬1). وهذا أحَدُ الأحاديثِ الثلاثةِ التي قال الإِمامُ أحمدُ: إنَّ الحَيضَ يَدُورُ عليها. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ: «فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولأبي داودَ والنَّسائِيِّ (¬3): «إذَا كَانَ دَمُ الحَيضَةُ فَإنَّهُ دَمٌ أسْوَدُ يُعْرفُ، فأمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَّوَضَّئِي، فَإنَّما هُوَ عِرْقٌ». وحديثُ أُمِّ سَلَمَةَ يَدُلُّ على اعْتِبارِ العادَةِ، ولا نِزاعَ فيه، وهذه لا عادَةَ لها. فصل: وقد اخْتَلَفُوا؛ هل يُعْتَبَرُ للتَّمْيِيزِ التَّكْرارُ، أم لا؟ فظاهِرُ كلامِ شَيخِنا ههُنا (¬4)، أنَّه لا يُعْتَبَرُ له التَّكْرارُ، بل متى عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْه. وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ، وهو مَذْهَب الشافعيِّ. وقال القاضي، والآمِديُّ: يُعْتَبَرُ له التَّكْرارُ مَرَّتَين أو ثلَاثًا، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَةُ. وقد ذَكَرْنا ذلك في المُبْتَدَأةِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 400. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 366. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 404. (¬4) انظر: المغني 1/ 393.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن لم يَكنِ الأسْوَدُ مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أن تَرَى في كلِّ شَهْرٍ ثَلَاثةً أسْوَدَ، ثم يَصِير أحْمَرَ، ويَعْبُرُ أكْثَرَ الحَيضِ، فالأسْوَدُ حَيضٌ وَحْدَه. وإن كان مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أن تَرَى في الشَّهْرِ الأوَّلِ خَمْسَةً أسْوَدَ، وفي الثاني أربعةً، وفي الثالثِ ثَلاثَةً، أو في الأوَّلَ خمسةً، وفي الثاني سِتًّا، وفي الثالثِ سَبْعَةً، أو غيرَ ذلك مِن الاخْتِلافِ؛ فعلى قولِ شَيخِنا، الأسْوَدُ حَيضٌ في كلِّ حالٍ. وعلى قولِ القاضي، الأسْوَدُ حَيضٌ فيما تَكَرَّر، وهو ثَلاثٌ في الأولَى، وخَمْسٌ في الثّانِيَة، وما زاد عليه يكونُ حَيضًا إذا تَكَرَّرَ، وإلَّا فلا. ولا تَجْلِسُ عندَ القاضي في الشَّهْرِ الأوَّلِ والثاني إلَّا اليَقِينَ الَّذي تَجْلِسُه مَن لا تَمْيِيزَ لها. وإن كانت مُبْتَدَأةً، لم تَجْلِسْ إلَّا يومًا ولَيلَةً. وهل تَجْلِسُ الَّذي يَتَكَرَّرُ في الشَّهْرِ الثالثِ أو الرَّابعِ؟ يَنْبَنِي على الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَة، ويكُونُ حُكْمُها حُكْمَ المُبْتَدَأةِ التي تَرَى (¬1) دَمًا لا يَعْبُرُ أكْثَرَ الحَيضِ؛ الأسْوَدُ كالدَّمِ، والأحْمَرُ (¬2) كالطُّهْرِ هناك. فإن كانت ناسِيَةً، وكان الأسْوَدُ في أثْناءِ الشَّهْرِ، وقلْنا: إنَّ النَّاسِيَةَ تَجْلِسُ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ. جَلَسَتْ هاهنا مِن أوَّلِ الشَّهْرِ ما تَجْلِسُه النّاسِيَة، ولا تَنْتَقِل إلى الأسْوَدِ حتَّى يَتَكَرَّرَ فتَنْتَقِلَ إليه، وتَعْلَمَ أنَّه حَيضٌ، فتَقْضِيَ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه، كما ذُكِر في المُبْتَدَأةِ. ¬

(¬1) في الأصل: «لا ترى». (¬2) سقطت الواو من الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن رَأتْ أسْوَدَ بينَ أحْمَرَين، أو أحْمَرَ بينَ أسْوَدَين، وانْقَطَعَ لدُونِ أكُثَرِ الحَيضِ، فالجَمِيعُ حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ؛ لأنَّ الأحْمَرَ أشْبَهُ بالحَيضِ مِن الطُّهْرِ. وإن عَبَر أكْثَرَ الحَيضِ، وكان الأسْوَدُ بمُفْرَدِه يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، فهو حَيضٌ، والأحْمَرُ كلُّه اسْتِحاضَةٌ، لأنَّ الأحْمَرَ الأوَّلَ أشْبَهُ بالأحمرِ الثاني الَّذي حَكَمْنا بأنَّه اسْتِحاضَة؛ وتُلَفِّقُ الأسْوَدَ إلى الأسودِ، فيَكُونُ حَيضًا. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأسْوَدِ قليلًا أو كثيرًا إذا كان بانْضِمامِه إلى بَقِيَّةِ الأسودِ يَبْلُغُ أقَلَّ الحَيضِ، ولا يَزِيدُ على أكْثَرِه، ولا يكُونُ بينَ طَرَفَيهِما زَمَنٌ يَزِيدُ (¬1) على أكْثَرِ الحَيضِ. وكذلك لا فَرْقَ بينَ أن يكونَ الأحْمَرُ قَلِيلًا أو كَثِيرًا إذا كان زَمَنُه يَصْلُحُ أن يكُونَ طُهْرًا، فأمّا إن كان زَمَنُه لا يَصْلُحُ أن يكُونَ طُهْرًا، مِثْلَ الشئِ اليَسِيرِ أو ما دُونَ اليَوْمِ، على إحْدَى الرِّوايَتَين، فإنَّه يُلْحَقُ بالدَّمَين الَّذي (¬2) هو بَينَهما؛ لأنَّه لو كان الدَّمُ مُنْقَطِعًا، لم يُحْكَمْ بكَوْنِه طُهْرًا، فإذا كان الدَّمُ جارِيًا كان أوْلَى، فلو رَأتْ يومًا دَمًا أسْوَدَ، ثم رَأتِ الثانيَ أحْمَرَ، ثم رأتِ الثّالِثَ أسودَ، ثم صار أحمرَ وعَبَر، لَفَّقَتِ الأسْوَدَ إلى الأسودِ، فصار حَيضًا، وباقي الدَّمِ اسْتِحاضَةٌ. وإن رَأتْ نِصْفَ يومٍ أسْوَدَ، ثم صار أحمرَ، ثم رَأتِ الثّانِيَ كذلك، ثم رأتِ الثّالِثَ كلَّه أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ وعَبَر، فإن قُلْنا: إنَّ ¬

(¬1) في م: «يكون». (¬2) في م: «اللذين».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الطُّهْرَ يكُونُ أقَلَّ مِن يَوْم. لَفَّقَتِ الأسْوَدَ إلى الأسودِ فصار حَيضُها يَوْمَين، وإن قُلْنا: لا يكُونُ أقَلَّ مِنِ يومٍ. فحَيضُها الأيَّامُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ، والباقي اسْتِحاضَةٌ. ولو رَأتْ نِصْف يَوْمٍ أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ إلى العاشِرِ، ثم (¬1) رَأْتْه كُلَّه أسودَ، ثم صار أحمرَ، وعَبَر، فالأسْوَدُ كلُّه حَيضٌ، الثّانِي والأوَّلُ. ولو رَأتْ بينَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ نَقاءً يَوْمًا أو أكْثَرَ، لم يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ الَّذي ذَكَرْناه، لأنَّ الأحمرَ مَحْكُومٌ بأنَّه اسْتِحاضَةٌ، مع اتِّصالِه بالأسودِ، فمع انْفِصالِه عنه أوْلَى. فصل: إذا رَأتْ في شَهْرٍ خَمْسَةً أسْوَدَ، ثمْ صار أحْمَرَ، واتَّصَل، وفي الثّانِي كذلك، ثم صار الثّالِثُ كلُّه أحْمَرَ، ورَأتْ في الرّابِعِ كالأوَّلِ، ثم رأتْ في الخامِسِ خَمْسَةً أحْمَرَ، ثمْ صار أسْوَدَ، واتَّصَلَ، فحَيضُها الأسْوَدُ مِن الأوَّلِ والثّانِي والرّابِعِ، وأمّا الثّالِثُ والخامِسُ فلا تَمْيِيزَ لها فيهما؛ لأنَّ حُكْمَ الأسْوَدِ في الخامسِ سَقَط لعُبُورِه. فإن قُلْنا: العادَةُ تَثْبُتُ بمَرَّتَين. جَلَسَتْ ذلك مِن الثّالثِ والرابعِ والخامِسِ، وإن قُلْنا: لا تَثْبُتُ إلَّا بثَلَاثةٍ. جَلَسَتْه مِن الخامسِ؛ لأنَّها قد رَأتْ ذلك في ثلاثةِ أشْهُرٍ، وتَجْلِسُ في الثّالِثِ ما تَجْلِسُه مَن لا عادَةَ لها، ولا تَمْييزَ (¬2) وقِيلَ: لا تَثْبُتُ لها عادَةٌ، وتَجْلِسُ ما تَجْلِسُه مِن الخامِس مِن الدَّمِ الأسْوَدِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بدَمِ الحَيضِ. ¬

(¬1) سقط من: «الأصل». (¬2) بعده في الأصل: «يخرج فيها الروايات الأربع».

231 - مسألة: (فإن لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض من كل شهر. وعنه: أقله. وقيل: فيها الروايات الأربع)

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيضِ في كُلِّ شَهْرٍ. وَعَنْهُ أقَلَّهُ. وَقِيلَ: فِيهِ الرِّوَايَاتُ الْأرْبَعُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 231 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لها تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ. وعنه: أقَلَّه. وقِيل: فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ) وهذا القِسْمُ الرَّابِعُ مِن أقْسامِ المُسْتَحاضَةِ، وهي مَن لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولها ثَلاثةُ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تكُونَ ناسِيَةً لوَقْتِها وعَدَدِها، وهذه تُسَمَّى المُتَحَيِّرَةَ، وحُكْمُها أنَّها تَجْلِسُ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعَةً، في ظاهِرِ المَذْهَب، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، فإن كانَتْ تَعْرِفُ شَهْرَها، جَلَسَتْ ذلك منه؛ لأنَّه عادَتُها فتُرَدُّ إليه؛ تُرَدُّ المُعْتادَةُ إلى عادَتِها، إلَّا أنَّه متى كان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شَهْرها أقَلَّ مِن عِشْرِين (¬1) يَوْمًا لم تَجْلِسْ منه أكْثَرَ مِن الفاضِلِ عن ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أو خَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِئَلّا يَنْقصَ الطُّهْرُ عن أقَلِّه، ولا سَبِيلَ إليه. وإن لم تَعْرِفْ شَهْرَها جَلَسَتْ مِن الشَّهْرِ المُعْتادَ؛ لِما رَوَتْ حَمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ، قالت: كُنتُ أُسْتَحاضُ حَيضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أسْتَفْتِيه، فوَجَدْتُه في بَيتِ أُخْتِي، فقلْت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُسْتَحاضُ حَيضَةً كَبيرَةً شَدِيدَةً، فما تَأْمُرُنِي فيها؟ قد مَنَعَتْنِي الصيامَ والصلاةَ، فقال: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإَّنه يُذْهِبُ الدَّمَ». قلت: هو أكْثَرُ من ذلك، إنَّما أثُجُّ ثَجًّا. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإذَا رَأيتِ أنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأتِ فَصَلِّي أرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً، أوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي، كَمَا يَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (¬2). رَواه أبو داودَ، ¬

(¬1) في الأصل: «شهرين». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 395.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والتِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال الشافعيُّ في هذه: لا حَيضَ لها بيَقِين، وجَمِيعُ زَمَنِها مَشْكُوكٌ فيه، تَغْتَسِلُ لكلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي وتَصُومُ، ولا يَأْتِيها زَوْجُها. وله قَوْلٌ: إنَّها تَجْلِسُ اليَقِينَ. وقال بَعْضُ أصْحابِه: الأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذه لها أيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ، ولا يُمْكِنُ رَدُّها إلى غيرِها، فجَمِيعُ زمانِها مَشْكُوكٌ فيه، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فسألتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي». فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب عرق الاستحاضة، من كتاب الحيض. صحيح البخاري 1/ 89، 90 ومسلم، في: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 263. كما أخرجه أبو داود، في: باب [من قال] إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، وباب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 66، 68. والترمذي، في: باب ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 207. والنسائي، في: باب ذكر الاغتسال من الحيض، وباب ذكر الأقراء، من كتاب الطهارة، وفي: باب ذكر الأقراء، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 98، 100، 149. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المستحاضة إذا اختلط عليها الدم، فلم تقف على أيام حيضها، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 205. والدارمي، في: باب غسل المستحاضة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 200. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 82، 83، 141، 187، 434.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ حَمْنَةَ، وهو بظاهِرِه يُثْبِتُ الحُكْمَ في حَقِّ النّاسِيَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَفْصِلْها، هل هي مُبْتَدَأةٌ، أو ناسِيَةٌ؟ ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ. واحْتِمالُ أن تكُونَ ناسِيَةً أكْثَرُ، فإنَّ حَمْنَةَ امرأةٌ كَبِيرَةٌ، كذلك قال أحمدُ. ولم يَسْألْها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن تَمْيِيزِها؛ لأنَّه قد جَرَى مِن كلامِها مِن تَكْثِيرِ الدَّمِ وصِفَتِه ما أغْنَى عن السُّؤالِ عنه، ولم يَسْألْها، هل لها عادَةٌ فيَرُدُّها إليها؟ لاسْتِغْنائِه عن ذلك بعِلْمِه إيّاه، إذ كان مُشْتَهِرًا، وقد أمَرَ به أُخْتَها أُمَّ حَبِيبَةَ، فلم يَبْقَ إلَّا أن تَكُونَ ناسِيَةً، ولأنَّها لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، أشْبَهَتِ المُبْتَدَأةَ. قَوْلُهم: لها أيّامٌ مَعْرُوفَةٌ. قُلْنا: قد زالتِ المَعْرِفَةُ، فصار وُجُودُها كعَدَمِها. وأمّا أُمُّ حَبِيبَةَ فكانت مُعْتادَةً رَدَّها إلى عادَتِها؛ لأنَّه قد روَى مسلمٌ، أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ شَكَتْ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبسُكِ حَيضَتُكِ، ثم اغْتَسِلِي» (¬1). فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ، فيَدَلُّ على أنَّها إنَّما كانت تَغْتَسِلُ لكلِّ صلاةٍ في غيرِ وَقْتِ الحَيضِ، وأمّا وُجُوبُ غُسْلِ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، فسيُذْكَرُ في المُسْتَحاضَةِ، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: قَوْلُه: سِتًّا أو سَبْعًا. الظّاهِرُ أنَّه رَدَّها إلى اجْتِهادِها، فيما يَغْلِبُ على ظَنَّها أنَّه عادَتُها، أو ما يُشْبِهُ أن يكُونَ حَيضًا. ذَكَرَه القاضي، وذَكَر في مَوْضِع آخَرَ أنَّه على وَجْهِ التَّخْيِيرِ بينَ السِّتِّ والسَّبْعِ، كما خَيَّرَ واطِئَ الحَيضِ في التَّكْفِيرِ بدِينارٍ أو نِصْفِ دِينارٍ؛ لأنَّ حَرْفَ «أو» للتَّخْيِيرِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 414.

232 - مسألة: (وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها،

وَإنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أيَّامِهَا، وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــ قال شَيخُنا (¬1): والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّنا لو خَيَّرْناها، أَفْضَى إلى أن نُخَيِّرَها في اليَوْمِ السّابعِ بينَ كَوْنِ الصلاةِ عليها مُحَرَّمَةً أو واجِبَةً، وليس لها في ذلك خِيَرَةٌ بحالٍ. وأمّا التَّكْفِيرُ ففِعْلٌ اخْتِيارِيٌّ، فأمّا «أو» فقد تكُونُ للاجْتِهادِ، كقَوْله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (¬2). و «إمّا» كـ «أوْ» في وَضْعِها، وليس للإِمامِ إلَّا فِعْلُ ما يُؤدِّيه إليه اجْتِهادُه أنَّه الأصْلَحُ. واللهُ أعلمُ. فصل: وهل تَجْلِسُ أيّامَ حَيضِها مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ أو بالتَّحَرِّي؟ فيه وَجْهان، أوْجَهُهما ما يَأتِي. وعنه، أنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زاد عليه مَشْكُوكٌ فيه، فلا تَدَعُ العِبادَةَ لأجْلِه. وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّها تُشْبِهُهُنَّ. وعنه، تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يكُونَ حَيضًا، أشْبَهَ ما قَبْلَه. والأوَّلُ أصَحُّ؟ لحديثِ حَمْنَةَ. واللهُ أعلمُ. 232 - مسألة: (وإن عَلِمَتْ عَدَدَ أيّامِها ونَسِيَتْ مَوْضِعَها، ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 405. (¬2) سورة محمد 4.

جَلَسَتْهَا مِنْ أوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الآخَرِ تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي. ـــــــــــــــــــــــــــــ جَلَسَتْها مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ، تَجْلِسُها بِالتَّحَرِّي) وهذا الحالُ الثاني مِن أحوالِ النّاسِيَةِ وهي تَتَنَوَّعُ نَوْعَين، النَّوْعُ الأوَّلُ، أن لا تَعْلَمَ لها وَقْتًا أصْلًا، مِثْلَ أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها خَمْسَةُ أيّامٍ، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، تَجْلِسُه مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ إذا كان يَحْتَمِلُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ، في عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأيَّامَهَا، وَصُومِي» (¬1). فقَدَّمَ حَيضَها على الطُّهْرِ، ثم أمَرَها بالصلاةِ والصومِ في بَقِيَّةِ الشَّهْرِ، ولأنَّ المُبْتَدَأةَ تَجْلِسُ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، مع أنَّها لا عادَةَ لها، فكذلك النّاسِيَةُ، ولأنَّ دَمَ الحَيضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحاضَةُ عارِضَةٌ، فإذا رَأتِ الدَّمَ، وَجَب تَغْلِيبُ دَم الحَيضِ الثاني، أنَّها تَجْلِسُ بالتَّحَرِّي والاجْتِهادِ. اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ أبي موسى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّها إلى اجْتِهادِها في القَدْرِ، فكذلك في الوَقْتِ، ولأنَّ للتَّحَرِّي مَدْخَلًا في الحَيضِ؛ لأنَّ المُمَيزةَ تَرْجِعُ إلى صِفَةِ الدَّم، فكذلك في زَمَنِه، فإن لم يَغْلِبْ على ظَنِّها شيءٌ، تَعَيَّنَ إجْلاسُها مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، لعَدَمِ الدَّلِيلِ فيما سِواه. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 395.

233 - مسألة: (وكذلك الحكم في موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز)

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَوْضِعِ حَيضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ. وَإنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَنِصْفِهِ الْأوَّلِ، جَلَسَتْهَا فِيهِ إِمَّا مِنْ أوَّلِهِ، أوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 233 - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في مَوْضِع حَيضِ مَن لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ) يَعْنِي أنَّ فيه الوَجْهَين اللَّذَين ذَكَرَهما، وَجْهُهما ما تَقَدَّمَ. 234 - مسألة: (وإن عَلِمَتْ أيّامَها في وَقْتٍ مِن الشَّهْرِ، كنِصْفِه الأوَّلِ، جَلَسَتْها فيه؛ إمّا مِن أوَّلِه، أو بالتَّحَرِّي، على اخْتِلافِ الوَجْهَين)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ هذا النَّوْعُ الثاني، وهو أن تَعْلَمَ أنَّها كانَتْ تَحِيضُ أيّامًا مَعْلُومَةً مِن العَشْرِ الأُوَلِ، فإنَّها تَجْلِسُ عَدَدَ أيّامِها مِن ذلك الوَقْتِ دُونَ غيرِه، إمّا مِن أوَّلِه، أو بالتَّحَرِّي فيه، ثم لا يَخْلُو عَدَدُ أيّامِها، إمّا أن يكُونَ زائِدًا على نِصْفِ ذلك الوَقْتِ، أوْلا، فإن كان زائِدًا على نِصْفِه، مِثْلَ أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها سِتَّةُ أيّامٍ مِن العَشْرِ الأُوَلِ، أضْعَفْنا الزّائِدَ، فجَعَلْناه حَيضًا بيَقِينٍ، وتَجْلِسُ بَقِيَّةَ أيّامِها مِن أوَّلِ العَشْرِ في أحَدِ الوَجْهَين، وفي الآخَرِ بالتَّحَرِّي. ففي هذه المسألةِ، الزّائِدُ يَوْمٌ وهو السّادِسُ فنُضَعِّفُه، ويكُون الخامِسُ والسّادِسُ حَيضًا بيَقِينٍ، يَبْقَى لها أرْبَعَةُ أيّامٍ، فإن جَلَسَتْها مِن الأوَّلِ، كان حَيضُها مِن أوَّلِ العَشْرِ إلى آخِرِ السّادِسِ، منها يَوْمان حَيضٌ بيَقِينٍ، والأرْبَعَةُ حَيضٌ مَشْكُوكٌ فيه، والأربعةُ الباقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فيه. وإن جَلَسَتْها بالتَّحَرِّي، فأدّاها اجْتِهادُها إلى أنَّها مِن أوَّلِ العَشْرِ، فهي كالتي قَبْلَها. وإن جَلَسَتِ الأرْبَعَةَ مِن آخِرِ العَشْرِ (¬1)، فهي عَكْسُ التي قَبْلَها، وعلى هذا فقِسْ. وسائِرُ الشَّهْرِ طُهْرٌ غيرُ مَشْكُوكٍ فيه. وحُكْمُ الحَيضِ المَشْكُوكِ فيه حُكْمُ المُتَيَقَّنِ، في تَرْكِ العِباداتِ. وحُكْمُ الطُّهْرِ المَشْكُوكِ فيه حُكْمُ الطُّهْرِ المُتَيَقَّنِ، في وُجُوبِ العِباداتِ. وإن كان حَيضُها نِصْفَ الوَقْتِ فما دُونَ، فليس لها حَيضٌ بيَقِين؛ لأنَّها ¬

(¬1) في الأصل: «الشهر».

235 - مسألة: (وإن علمت موضع حيضها ونسيت عدده، جلست فيه غالب الحيض أو أقله، على اختلاف الروايتين)

وَإنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيضِهَا وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ، جَلَسَتْ فِيهِ غَالِبَ الْحَيضِ، أَوْ أَقَلَّهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ متى كانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ الأيَّامِ مِن العَشْرِ، احْتَمَلَ أن تكُونَ الخَمْسَةَ الأولَى، واحْتَمَلَ أن تكُونَ الثّانِيَةَ، واحْتَمَل أن يكُونَ بعضُها مِن الأولَى وبعضُها مِن الثانيةِ، فتَجْلِسُ بالتَّحَرِّي، أو مِن أوَّلِه على اخْتِلافِ الوَجْهَين. ولا يُعْتَبَرُ التَّكْرارُ في النّاسِيَةِ؛ لأنَّها عَرَفَتِ اسْتِحاضَتَها في الشَّهْرِ الأوَّلِ، فلا مَعْنَى للتَّكْرارِ. 235 - مسألة: (وإن عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيضِها ونَسِيَتْ عَدَدَه، جَلَسَتْ فيه غالِبَ الحَيضِ أو أقَلَّه، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين) هذا الحالُ الثالثُ مِن أحْوالِ النّاسِيَةِ، وهي أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها في العَشْرِ الأوَلِ، ولا تَعْلَمُ عَدَدَها، فحُكْمُها في قَدْرِ ما تَجْلِسُه حُكْمُ المُتَحَيِّرةِ. الصَّحِيحُ أنَّها تَجْلِسُ سِتًّا أو سَبْعًا، ويُخَرَّجُ فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ، إلَّا أنَّها تَجْلِسُها مِن العَشْرِ دُونَ غيرِها، وهل تَجْلِسُها مِن أوَّلِه أو بالتَّحَرِّي؟ على الوَجْهَين. وإن قالت: أعْلَمُ أنَّنِي كُنْتُ أوَّلَ الشَّهْرِ حائِضًا، ولا أعْلَمُ آخِرَه. أو أَنَّنِي كُنْتُ آخِرَ الشَّهْرِ حائِضًا، ولا أعْلَمُ أوَّلَه. أوْ لا أعْلَمُ هل كان ذلك أوَّلَ

236 - مسألة: (وإن تغيرت العادة، بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال، فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثا أو مرتين، على الاختلاف)

وَإنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ تَقَدُّمٍ، أَوْ تَأَخُّرٍ، أَو انْتِقَالٍ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى ما خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَينِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ حَيضِي أو آخِرَه؟ حَيَّضْناها الذي عَلِمَتْه، وأتَمَّتْ بَقِيَّةَ حَيضِها مِمّا بعدَه في الصُّورَةِ الأُولَى، ومِمّا قَبْلَه في الثانيةِ، وبالتَّحَرِّي في الثالثةِ، أو مِمّا يَلِي أوَّلَ الشَّهْرِ، على اخْتِلافِ الوَجْهَين. فصل: وإذا ذَكَرَتِ النّاسِيَةُ عادَتَها بعدَ جُلُوسِها في غيرِها، رَجَعَتْ إلى عادَتِها؛ لأنَّ تَرْكَها لعارِضِ النِّسْيانِ، وإذا زال العارِضُ عادَتْ إلى الأصْلِ. وإن تَبَيَّنَ أنَّها كانت تَرَكَتِ الصلاةَ في غيرِ عادَتِها، لَزِمَها إعادَتُها وقَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ في عادَتِها، فلو كانت عادَتُها خَمْسَةً مِن آخِرِ العَشْرِ الأُوَلِ، فجَلَسَتْ سَبْعًا مِن أوَّلِه مُدَّةً، ثم ذَكَرَتْ، لَزِمَها قَضاءُ ما ترَكَتْ مِن الصلاةِ والصيامِ المَفْرُوضِ في الخَمْسَةِ الأُولَى، وقَضاءُ ما صامَتْ مِن الفَرْضِ في الثلاثةِ الأيّامِ الأخِيرَةِ؛ لأنَّها صامَتْه في زَمَنِ حَيضِها. 236 - مسألة: (وإن تَغَيَّرَتِ العادَةُ، بزيادَةٍ أو تَقَدُّم أو تَأخُّرٍ أو انْتِقالٍ، فالمَذْهَبُ أنَّها لا تَلْتَفِتُ إِلى ما خَرَج عن العادة حتى يَتَكَرَّرَ ثلاثًا أو مَرَّتَين، على الاخْتِلافِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كانت لها عادَةٌ مُسْتَقِرَّة في الحَيضِ، فرَأتِ الدَّمَ في غيرِ عادَتِها، لم تَلْتَفِتْ إليه حتى يَتَكَرَّرَ، فتَنْتَقِلُ إليه، وتَصِيرُ عادَةً لها، وتَتْرُكُ العادَةَ الأُولَى، إلَّا أنَّها إذا رَأتْه زائِدًا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن عادَتِها، تَغْتَسِلُ غُسْلًا ثانِيًا عندَ انْقِطاعِه، لجَوازِ أن يكُونَ حَيضًا (¬1)، كما قُلْنا في المُبْتَدَأةِ، وكذلك ما تَقَدَّم عن العادَةِ. ويَجِبُ عليها قَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ في المَرّاتِ التي أمَرْناها بالصيامِ فيها؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّها صامَتْه في حَيضٍ، ولا تَقْضِي الصلاةَ؛ لأنَّ الحائِضَ لا تَقْضِي الصلاةَ. قال أبو عبدِ اللهِ: لا يُعْجِبُنِى أن يَأْتِيَها زَوْجُها في الأيّامِ التي تُصَلِّي فيها، مع رُؤْيَةِ الدَّمِ قبلَ أن تَنْتَقِلَ إليها، لاحْتِمالِ أن يكونَ حَيضًا، فيَجِب تركُ وَطْئِها احْتِياطًا، كما وَجَبَتِ الصلاةُ احْتِياطًا للعِبادَةِ. وفي قَدْرِ التَّكْرارِ رِوايَتان، أشْهَرُهُما، أنَّه ثَلاثٌ، فعلى هذه الرِّوايَةِ لا تَنْتَقِلُ إليه إلَّا في الشَّهْرِ الرّابعِ. والثانيةُ، أنَّه اثْنَتان، فتَنْتَقِلُ في الشَّهْرِ الثّالِثِ. نَقَل الفَضْلُ بنُ زِيادٍ (¬2) عنه هاتَين الرِّوايَتَين، وقد ذَكَرْنا وَجْهَهما في المُبْتَدَأةِ. ¬

(¬1) في الأصل: «حيضها». (¬2) أبو العباس الفضل بن زياد القطان البغدادي، كان من المتقدمين عند الإمام أحمد، وكان الإمام يعرف قدره ويكرمه، فوقع له عنه مسائل كثيرة جياد. طبقات الحنابلة 1/ 251 - 253.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ونَقَل حَنْبَلٌ عنه، في امرأةٍ لها أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، فتَقَدَّمَتِ الحَيضَةُ قبلَ أيَّامِها، لم تَلْتَفِتْ إليها، تَصُومُ وتُصَلِّي، فإن عاوَدَها مِثْلُ ذلك في الثانيةِ، فإنَّه دَمُ حَيضٍ مُنْتَقلٌ. فيَحْتَمِلُ أنَّها تَنْتَقِلُ إليه في المَرَّةِ الثانيةِ، وتَحْسُبُه مِن حَيضِها، والرِّوايَةُ الأولَى أشْهَرُ. مِثالُ ذلك، امرأة لها عادَةٌ، ثلاثةُ أيّامٍ مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ خَمْسَةً في أوَّلِ الشَّهْرِ، أو رَأتْ (¬1) يَوْمَين مِن آخِرِ الشَّهْرِ الذي قبلَه، ويَوْمًا مِن شَهْرِها، أو طَهُرَتِ اليَوْمَ الأوَّلَ ورَأتِ الثَّلاثَةَ بعدَه، أو طَهُرَتِ الثلاثةَ الأُوَلَ، وَرأَتْ ثَلاثَةً بعدَها أو أكْثَرَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإنَّها لا تَجْلِسُ في جَمِيعِ ذلك إلَّا وَقْتَ الدَّمِ الذي تَراه في الثَّلاثَةِ الأوَلِ حتى يَتَكَرَّرَ، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «امْكُثِى قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ» (¬2). رَواه مسلمٌ. ولأنَّ لها عادَةً، فرُدَّتْ إليها، كالمُسْتَحاضَةِ. وقال أبو حنيفةَ: إن رَأتْه قبلَ العادَةِ فليس بحَيضٍ، حتى ¬

(¬1) في م: «ورأت». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 414 من حديث أم حبيبة.

وَعِنْدِي أنَّهَا تَصِيرُ إِلَيهِ مِنْ غَيرِ تَكْرَارٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ يَتَكَرَّرَ مَرَّتَين، وإن رَأتْه بعدَها فهو حَيضٌ. قال شيخُنا (¬1)، رحِمَه اللهُ: (وعِندِي أنَّها تَصِيرُ إليه مِن غيرِ تَكرارٍ). وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، فتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ (¬2). مَعْناه: لا تَعْجبْنَ بالغُسْلِ. ولو لم تَعُدَّ الزِّيادَةَ حَيضًا، لَلَزِمَها الغُسْلُ عندَ انْقِضاءِ العادَةِ وإن لم تَرَ القَصَّةَ. ومعنى القَصَّةِ أن تُدْخِلَ القُطْنَةَ في فَرْجِها فتَخْرُجَ بَيضاءَ نَقِيَّةً. ولأنَّ الشّارِعَ عَلَّقَ على الحَيضِ أحْكامًا، ولم يَحُدَّه، فعُلِمَ أنَّه رَدَّ النّاسَ فيه إلى عُرْفِهم، والعُرْفُ بينَ النِّساءِ أنَّ المرأةَ متى رَأتْ دَمًا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، اعْتَقَدَتْه حَيضًا. ولو كان عُرْفُهُنَّ اعْتِبارَ العادَةِ على الوَجْهِ المَذْكُورِ لنُقِلَ ظاهِرًا، ولذلك لَمّا كان بَعْضُ أزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الخَمِيلَةِ، فجاءَها الدَّمُ، فانْسَلَّتْ مِن الخمِيلَةِ، فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا لَك؟ أَنَفِسْتِ» (¬3)؟ قالت: نعم. فأمَرَها أن تَأْتَزِرَ (¬4). ولم يَسْألْها: هل وافَقَ ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 434. (¬2) أخرجه البخاري، في: باب إقبال المحيض وإدباره، من كتاب الحيض. صحيح البخاري 1/ 87. والإمام مالك، في: باب طهر الحائض، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 59. (¬3) بفتح النون وضمها، أي: أحِضْتِ. (¬4) أخرجه البخاري، في: باب من سمى النفاس حيضا، وباب النوم مع الحائض في ثيابها، وباب من أخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر، من كتاب الحيض، وفي: باب القبلة للصائم، من كتاب =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ العادَةَ أو خالفَها؟ ولا هي سَأَلَتْ عن ذلك، وإنَّما اسْتَدَلَّتْ على ذلك بخُرُوجِ الدَّمِ، فأقَرَّها عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكذك حينَ حاضَتْ عائشةُ في عُمْرَتِها في حَجَّةِ الوَداعِ (¬1)، إنَّما عَرَفَتِ الحَيضَةَ برُؤْيَةِ الدَّمِ لا غيرُ، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَأْتِ في العادَةِ؛ لأنَّها اسْتَنْكَرَتْه، وبَكَتْ حينَ رَأتْه، وقالت: وَدَدْتُ أنِّي لم أكُنْ حَجَجْتُ العامَ. ولو كانت لها عادَةٌ تَعْلَمُ مَجِيئَه فيها، لَما أنْكَرَتْه، ولا شَقَّ عليها. ولأنَّ العادَةَ لو كانت مُعْتَبَرَةً على المَذْكُورِ ¬

= الصوم. وفي: باب من ذبح ضحية غيره، من كتاب الأضاحي. صحيح البخاري 1/ 83، 88، 3/ 39، 132. ومسلم، في: باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 243. والنسائي، في: باب مضاجعة الحائض، من كتاب الطهارة، وفي: باب مضاجعة الحائض في ثياب حيضها، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 123، 154. وابن ماجه، في: باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 209. والدارمي، في: باب مباشرة الحائض، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 243. والإمام مالك، في: باب ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 58. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 294، 300، 318. (¬1) أخرجه البخاري، في: باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض، وباب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض، وباب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة، من كتاب الحيض، وفي: باب كيف تهل الحائض والنفساء إلخ، من كتاب الحج، وفي: باب العمرة ليلة الحصبة وغيرها، وباب الاعتمار بعد الحج بدون هدي، من كتاب العمرة، وفي: باب حجة الوداع، من كتاب المغازي. صحيح البخاري 1/ 86، 87، 2/ 172، 3/ 4، 5، 5/ 221. ومسلم، في: باب بيان وجوه الإحرام إلخ، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 870 - 872. وأبو داود، في: باب في إفراد الحج، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 412. والنسائي، في: باب ذكر الأمر بنقض ضفر الرأس عند الاغتسال للإحرام، من كتاب الطهارة، وفي: باب في المهلة بالعمرة تحيض وتخاف فوت الحج، من كتاب الحج. المجتبى 1/ 109، 5/ 139. وابن ماجه، في: باب العمرة من التنعيم، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 998. والإمام مالك، في: باب دخول الحائض مكة، من كتاب الحج. الموطأ 1/ 410، 411، والإمام أحمد، في: المسند 6/ 164، 177، 191، 246.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في المَذْهَب، لبَيَّنَهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمَّتِه، ولَما وَسِعَه تَأْخِيرُ بَيانِه؛ لأنَّ حاجَةَ النِّساءِ داعِيَةٌ إليه في كلِّ وَقْتٍ، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِه. والظّاهِرُ أنَّهُنَّ جَرَينَ على العُرْفِ في اعْتِقادِ ما يَرَينَه مِن الدَّمِ حَيضًا، ولم يَأْتِ مِن الشّرْعِ تَغْيِيرُه، ولذلك أجْلَسْنا المُبْتَدَأةَ مِن غيرِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، ورَجَعْنا في أكْثَرِ أحْكامِ الحَيضِ إلى العُرْفِ، والعُرْفُ أنَّ الحَيضَةَ تَتَقَدَّمُ وتَتَأخَّرُ، وتَزِيدُ وتَنْقُصُ، ولم يُنْقَلْ عَنْهُنَّ، ولا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذِكْرُ العادَةِ، ولا بَيانُها، إلَّا في حَقِّ المُسْتَحاضَةِ، وأمّا امرأةٌ طاهِرٌ تَرَى الدَّمَ في وَقْتٍ يُمْكِنُ أن يكُونَ حَيضًا، ثم يَنْقَطِعُ عنها، فلم يَذْكُرْ في حَقِّها عادَةً أصْلًا. وفي اعْتِبارِ العادَةِ على هذا الوَجْهِ إخْلاءُ بَعْضِ المُنْتَقِلاتِ عن الحَيضِ بالكُلِّيَّةِ، مع رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ في زَمَن الحَيضِ، وصَلاحِيَتِه له، وهذا لا سَبِيلَ إليه، كامرأةٍ رَأتِ الدَّمَ في غيرِ أيّامِ عادَتِها، وطَهُرَتْ أيّامَ عادَتِها ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فإنَّها لا تَدَعُ الصلاةَ، فإذا انْتَقَلَتْ في الشَّهْرِ الرّابعِ إلى أيّام أُخَرَ، لم نُحَيِّضْها أيضًا ثلاثةَ أشْهُرٍ، وكذلك أبَدًا. فعلى هذا تَجْلِسُ (¬1) ما تَراه مِن الدَّمِ قبلَ العادَةِ وبعدَها، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ، فإن جاوَزَ أكثرَ الحَيضِ، عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فتَرْجِعُ إلى عادَتِها وتَقضِي ما تَرَكَتْه مِن الصلاةِ والصيامِ فيما سوى العادَةِ؛ لأنَّنَا تَبَيَّنّا أنَّه اسْتِحاضَةٌ. فصل: فإن كانت عادَتُها ثَلاثَةً مِن كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ في شَهْرٍ خَمْسَةَ ¬

(¬1) في م: «تجعل».

237 - مسألة: (وإن طهرت في أثناء عادتها، اغتسلت وصلت. فإن عاودها الدم في العادة، فهل تلتفت إليه؟ على روايتين)

وَإنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي الْعَادَةِ فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أيّام، ثم اسْتُحِيضَتْ في الشَّهْرِ الآخَرِ، فإنَّها لا تَجْلِسُ مِمّا بعدَه مِن الشُّهُورِ إلَّا ثَلاثَة ثلاثةً. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ. وقال الشافعيُّ: تَجْلِسُ خَمْسًا مِن كلِّ شَهْرٍ. وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ العادَةَ تَثْبُتُ بمَرَّةٍ. وإن رَأتْ خَمْسَةً في شَهْرَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَةُ. وإن رَأتْها في ثلاثةِ أشْهُرٍ، ثم اسْتُحِيضَتْ، انتقَلَتْ إليها، وجَلَسَتْ مِن كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً، بغيرِ خِلافٍ بَينَهم. واللهُ أعلمُ. 237 - مسألة: (وإن طَهُرَتْ في أثْناءِ عادَتِها، اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ. فإن عاوَدَها الدَّمُ في العادَةِ، فهل تَلْتَفِتُ إليه؟ على رِوايَتَين) هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على فَصْلَين، أحَدُهما، في حُكْمِ الطُّهْرِ في زَمَنِ العادَةِ. والثاني،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في حُكْمِ الدَّمِ العائِدِ بعدَه. فمتى رَأتِ الطُّهْرَ فهي طاهِرٌ، تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّي وتَصُومُ. ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وكَثِيرِه، لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: أمّا ما رَأتِ الطُّهْرَ ساعَةً فلتَغْتَسِلْ. فأمّا إن كان النَّقاءُ أقَلَّ مِن ساعَةٍ، فالظّاهِرُ أنَّه ليسن بطهْرٍ؛ لأن الدَّمَ يَجْرِي تارَةً ويَنْقطِعُ أُخْرَى، وقد قالت عائِشَةُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ النُّفَساءَ إذا رَأتِ النَّقاءَ دُونَ يَوْمٍ، لا تَثْبُتُ لها أحْكامُ الطّاهِراتِ. فيُخَرَّجُ ها هُنا مِثْلُه، قال شَيخُنا (¬1): وهو الصَّحِيحُ إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الدَّمَ يَجْرِى تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، وفي إيجابِ الغُسْلِ على مَن تَطْهُرُ ساعَةً بعدَ ساعةٍ حَرَجٌ مَنْفِيٌّ بقَوْلِه تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬2). ولأنَّنا لو جَعَلْنا انْقِطاعَ الدَّمِ ساعَةً طُهْرًا، ولا تَلْتَفِتُ إلى الدَّمِ بَعْدَه أفْضَى إلى أن لا يَسْتَقِرَّ لها حَيضٌ (¬3)، فعلى هذا لا يكُونُ انْقِطاعُ ¬

(¬1) انظر: المغني 1/ 437. (¬2) سورة الحج 78. (¬3) في الأصل: «عادة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدَّمِ دُونَ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أن تَرَى ما يَدُلُّ عليه، مِثْلَ أن يكونَ انْقِطاعُه في آخِرِ عادَتِها، أو تَرَى القَصَّةَ البَيضاءَ، وهو شيءٌ يَتْبَعُ الحَيضَ أبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ. رُوِيَ ذلك عن إمامِنا. وهو قَوْلُ مالكٍ. ورُوي عنه، أنَّ القَصَّةَ البَيضاءَ هي القُطْنَةُ التي تَحْشُوها المرأةُ، إذا خَرَجَتْ بَيضاءَ كما دَخَلَتْ لا تَغَيُّرَ عَليها. حُكِي ذلك عن الزُّهْرِيِّ. وقال أبو حَنِيفةَ: ليس النَّقاءُ بينَ الدَّمَينِ طُهْرًا، بل لو صامَتْ فيه فَرْضًا لم يَصِحَّ، ولا تَجبُ عليها فيه صلاة، ولا يَأْتِيها زَوْجُها. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، ولأنَّه لو لم يَكُنْ مِن الحَيضِ لم يُحْتَسَبْ مِن مُدَّتِه. ولَنا، قولُه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} (¬1). وَصَف الحَيضَ بكَوْنِه أذًى، فإذا ذَهَب الأذَى وَجَب زَوالُ الحَيضِ. وقال ابنُ عباسٍ: إذا رَأتِ الطُّهْرَ ساعَةً فلْتَغْتَسِلْ. وقالت عائشةُ: لَا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ. ولأنَّها صامَتْ وهي طاهِرٌ، فلم يَلْزَمْها القَضاءُ، كما لو لم يَعُدِ الدَّمُ. فأمّا قَوْلُهم: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى. قُلْنا: لا عِبْرَةَ بالانْقِطاعِ اليَسِيرِ، وإنَّمَا إذا وُجِد انْقِطاع كَثِيرٌ ¬

(¬1) سورة البقرة 222.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تُمْكِنُ فيه الصلاةُ والصيامُ، وتَتَأدَّى العِبادَةُ فيه، وَجَبَتْ عليها، لعَدَمِ المانِع مِن وُجُوبِها. الفصلُ الثاني، إذا عاوَدَها الدَّمُ، فإن عاوَدَها في العادَةِ ولم يَتَجاوَزْها، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، أنَّه مِن حَيضِها؛ لأنَّه صادَفَ زَمَنَ العادَةِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَنْقَطِعْ. وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. والثانيةُ، ليس بحَيضٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ أبي موسى؛ لأنَّه عاد بعدَ طُهْرٍ صَحِيح، أَشْبَهَ ما لو عاد بعدَ العادَةِ. فعلى هذه الرِّوايَةِ يكُونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو عاد بعدَ العادَةِ، على ما يَأْتِي. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّها تَصُومُ وتُصَلي، وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوضَ على سَبِيلِ الاحْتِياطِ، كدَمِ النُّفَساءِ العائِدِ في مُدَّةِ النِّفاسِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن رَأتْه في العادَةِ، وتَجاوَزَ العادَةَ، فإن عَبَر أكثَرٍ الحَيضِ، فليس بحَيضٍ؛ لأنَّ بَعْضَه ليس بحَيضٍ، فيكُونُ كلُّه اسْتِحاضَةً، لاتِّصالِه به وانْفِصالِه عن الحَيضِ، فكان إلْحاقُه بالاسْتِحاضَةِ أوْلَى. وإن إنْقَطع لأكْثَرِه فما دُونَ، فمَن قال: إنَّ ما لم يَعْبُرِ العادَةَ ليس بحَيضٍ. فها هُنا أوْلَى، ومَن قال: هو حَيضٌ. ففي هذا على قَوْلِه ثلاثةُ أوْجُهٍ، أحَدُها، أنَّ جَمِيعَه حَيضٌ، لِما ذَكَرْنا في أنَّ الزّائِدَ على العادَةِ حَيضٌ، ما لم يَعْبُرْ أكْثَرَ الحَيضِ. والثّانِي، أنَّ ما وافَقَ [العادَةَ حَيضٌ] (¬1)؛ لمُوافَقَتِه العادَةَ، وما زاد عليها ليس بحَيضٍ، لخُرُوجِه عنها. والثالثُ، أنَّ الجَمِيعَ ليس بحَيضٍ، لاخْتلاطِه بما ليس بحَيضٍ. فإن تَكَرَّرَ فهو حَيضٌ، على الرِّوايَتَين جميعًا. ¬

(¬1) في م: «الحيض».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن رَأتْه بعدَ العادَةِ ولم يُمْكِنْ أن يَكُونَ حَيضًا، لعُبُوره أكْثَرَ الحَيضِ، وأنَّه ليس بَينَه وبينَ الدَّمِ الأوَّلِ أقَلُّ الطُّهْرِ، فهو اسْتِحاضَةٌ، سَواءٌ تَكَرَّرَ أولًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِه حَيضًا، فكان كلُّه اسْتِحاضَةً؛ لأنَّ إلْحاقَ بَعْضِه ببعضٍ أوْلَى مِن إلْحاقِه بغيرِه. فصل: وإن أمْكَنَ كَوْنُه حَيضًا، وذلك يُتَصَوَّرُ في حالين، أحَدُهما، أن يكُونَ بضَمِّه إلى الدَّمِ الأوَّلِ، لا يكُونُ بينَ طَرَفَيهِما أكثَرُ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فإذا تَكَرَّر جَعَلْناهما حَيضَةً واحِدَةً، ويُلَفَّقُ أحَدُهما إلى الآخَرِ، ويكُونُ الطُّهْرُ الذي بَينَهما طُهْرًا في خِلالِ الحَيضَةِ. الحالُ الثاني، أن يكُونَ بَينَهما أقَلُّ مِن الطُّهْرِ، ويكُونُ كلُّ واحِدٍ مِن الدَّمَين يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا بمُفْرَدِه، بأن يكونَ يَوْمًا ولَيلَةً، فصاعِدًا، فهذا إذا تَكَرَّر كان الدَّمان حَيضَتَين، وإن نَقَص أحَدُهما عن أقَلِّ الحَيضِ، فهو دَمُ فَسادٍ، إذا لم يُمْكِنْ ضَمُّه إلى ما بعدَه. ومِثالُ ذلك، ما لو كانت عادَتُها عَشَرَةً مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، فرَأتْ خَمْسَةً منها دَمًا، وطَهُرَتْ خمسةً، ثم رأتْ خمسةً دَمًا، وتَكَرَّر ذلك، فالخَمْسَةُ الأولَى والثانيةُ حَيضَةٌ واحِدة تُلَفِّقُ الدَّمَ الثّانيَ إلى الأوَّلِ. وإن رَأتِ الثانيَ سِتَّةً أو أكْثَرَ، لم يُمْكِنْ أن يكُونَ الدَّمان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حَيضَةً؛ لأنَّ بينَ طَرَفَيهما أكْثَرَ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ولا حَيضَتَين؛ لأنَّه ليس بَينَهما أقَلُّ الطَّهْرِ. وإن رَأتْ يَوْمًا دَمًا وثَلاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثم رأتْ يومًا دَمًا، وَتَكَرَّرَ ذلك، كانا حَيضَتَين، وصار شَهْرُها أرْبَعَةَ عَشَرَ يومًا. وكذلك إن رَأتْ يَوْمَين دَمًا وثَلاثةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثم رَأتْ يَوْمَين دَمًا، وتَكَرَّرَ، ويكونُ شَهْرها خَمْسَةَ عَشَرَ. وإن كان الطُّهْرُ بَينَهما أحدَ عَشَرَ يومًا فما دُونَ، وتَكَرَّرَ، فهما حَيضَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّه ليس بينَ طَرَفَيهِما أكْثَر مِن خَمْسَةَ عَشَرَ (¬1)، ولا بَينَهما أقَلُّ الطُّهْرِ. وإن كان بينَهما اثْنا عَشَرَ يومًا، لم يُمْكِنْ كَوْنهما جَمِيعًا حَيضَةً، لزِيادَتِهما بما بَينَهما مِن الطُّهْرِ على خَمْسَةَ عَشَرَ، ولا يُمكِنُ جَعْلُهما حَيضَتَين؛ لأنَّه ليس بَينَهما أقَلُّ الطُّهْرِ. فعلى هذا يكونُ حَيضُها منهما ما وافَقَ العادَةَ، والآخَر اسْتِحاضَةً. وعلى هذا كلُّ ما يَتَفَرَّغ مِن المَسائِلِ، إلَّا أنَّها لا تَلْتَفِت إلى ما رَأتْه بعدَ الطُّهْرِ فيما خَرَج عن العادَةِ حتى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، فإن تَكَرَّرَ، وأمْكَنَ جَعلُه حَيضًا، فهو حَيضٌ، وإلَّا فلا. ¬

(¬1) سقطت من: «م».

238 - مسألة، قال: (والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض)

وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيضِ، مِنَ الْحَيضِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 238 - مسألة، قال: (والصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ في أيّامِ الحَيضِ مِن الحَيضِ) متى رَأتْ في أيّامِ عادَتِها صُفْرَةً أو كُدْرَةً، فهو حَيضٌ، وإن رَأتْه بعدَ أيّامِ حَيضِها، لم تَعْتَدَّ به. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ. وقال أبو يُوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَكُونُ حَيضًا، إلَّا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أن يَتَقَدَّمَه دَمٌ أسْوَدُ؛ لأنَّ أَمَّ عَطِيَّةَ قالت: كُنّا لا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ بعدَ الطُّهْرِ (¬1) شيئًا. رَواه أبو داودَ (¬2). ولَنا، قَوْلُه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} (¬3). وهذا يَتَناولُ الصُّفْرَةَ والكُدْرَةَ، ولأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ (¬4) فيها الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، فتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ. تُرِيدُ بذلك الطُّهْرَ مِن الحَيضَةِ. وحديثُ أُمِّ عَطِيَّةَ إنَّما يَتَناوَلُ ما بعدَ الطُّهْرِ والاغْتِسالِ، ونحن نَقُولُ به، ويَدُلُّ عليه قَوْلُ عائشةَ: ما كُنّا نَعُدُّ الكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ حَيضًا (¬5). مع قَوْلِها المُتَقَدِّمَ. ¬

(¬1) في م: «الغسل». (¬2) في: باب في المرأة ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 73. كما أخرجه البخاري، في: باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، من كتاب الحيض. صحيح البخاري 1/ 89. والنسائي، في: باب الصفرة والكدرة، من كتاب الحيض. المجتبى 1/ 153. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الصفرة والكدرة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 212. والدارمي، في: باب الطهر كيف هو، وباب الكدرة إذا كانت بعد الحيض، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 214، 215. ورواية غير أبي داود ليس فيها قولها: بعد الطهر. (¬3) سورة البقرة 222. (¬4) بكسر الدال وفتح الراء: جمع دُرْج، وهو كالسّفَط الصغير، تضع فيه المرأة خِفّ متاعها وطِيبها. النهاية. 2/ 111. (¬5) أخرجه البيهقي، في: باب الصفرة والكدرة تراهما بعد الطهر، من كتاب الحيض. السنن الكبرى 1/ 337.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وحُكْمُها حُكْمُ الدَّمِ العَبِيطِ (¬1) في أنَّها في أيّامِ الحَيضِ حَيضٌ، وتَجْلِسُ مِنها المُبْتَدَأةُ كما تَجْلِسُ مِن غيرِها. وإن رَأتها بعدَ العادَةٍ مُتَّصِلَةً بها، فهو كما لو رَأتْ غيرَها، على ما بَيَّنا. وإن طَهُرَتْ ثم رَأتْ كُدْرَة أو صُفْرَةً، لم تَلْتَفِتْ إليها، لحديثِ أمِّ عَطِيَّةَ وعائشةَ، وقد روَى النَّجّادُ (¬2) بإسْنادِه، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن فاطمَةَ، عن أسْماءَ، قالتْ: كُنّا في حِجْرِها مع بَناتِ بِنْتِها (¬3)، فكانت إحْدانا تَطهُرُ ثم تُصَلِّي، ثم تُنْكَسُ بالصُّفْرَةِ اليَسِيرَةِ، فنَسْألها، فتَقُولُ: اعْتَزِلْنَ الصلاةَ حتى لا تَرَينَ إلَّا البَياضَ خالِصًا (¬4). والأوَّلُ أوْلَى، لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وعائشةَ، وهو أوْلَى مِن قولِ أسْماءَ. وقال القاضي: مَعْنَى هذا أنَّها لا تَلْتَفِتُ إليه قبلَ التَّكْرارِ، وقَوْلُ أسْماءَ فيما إذا تَكَرَّرَ، فجَمَعَ بينَ الأخْبارِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) دم عبيط: طري خالص لا خلط له. (¬2) أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد الفقيه الحنبلي، كان مكثرا من الحديث، توفي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. اللباب 3/ 213، 214، طبقات الحنابلة 2/ 7 - 12. (¬3) عند البيهقي: «أخيها». (¬4) أخرجه البيهقي، في: باب الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 336.

239 - مسألة: (ومن كانت ترى يوما دما ويوما طهرا، فإنها تضم الدم إلى الدم فيكون حيضا، والباقي طهرا، إلا أن يجاوز أكثر الحيض فتكون مستحاضة)

وَمَنْ كَانتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إِلى الدَّمِ فَيَكُونُ حَيضًا، وَالْبَاقِي طُهْرًا، إلا أَنْ يُجَاوزَ أَكْثَرَ الْحَيضِ، فَتَكُونَ مُسْتَحَاضَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ 239 - مسألة: (ومن كانت تَرَى يَوْمًا دَمًا ويومًا طُهْرًا، فإنَّها تَضُمُّ الدَّمَ إلى الدَّمِ فيكونُ حَيضًا، والباقِي طُهْرًا، إلَّا أن يُجاوزَ أكْثَرَ الحَيضِ فتكونَ مُسْتَحاضَةً) قد ذَكَرْنا أنَّ الطُّهْرَ في أثناءِ الحَيضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فإذا رَأتْ يَوْمًا دَمًا ويومًا طُهْرًا، فإنَّها تَضُمُّ الدَّمَ إلى الدَّمِ، فيكونُ حَيضًا، وما بَينَهما مِن النَّقاءِ طُهْرٌ، على ما ذَكَرْنا. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ زَمَنِ الدَّمِ أكثَرَ مِن زمنِ الطُّهْرِ، أو مِثْلَه، أو أقَلَّ منه، فإنَّ جَمِيعَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدَّمِ حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ ولم يُجاوزْ أكْثَرَ الحيضِ. فإن كان الدَّمُ أقلَّ مِن يَوْمٍ، مِثْلَ أن تَرَى نِصْفَ يوم دَمًا ونِصْفًا طُهْرًا، أو ساعَةً وساعةً، فقال أصحابُنا: هو كالأيّامِ، تَضُمُّ الدَّمَ إلى الدَّمِ، فيَكُونُ حَيضًا، وما بَينَهما طُهْرٌ، إذا بَلَغ المُجْتَمِعُ مِنه أقلَّ الحَيضِ، فإن لم يَبْلُغْ ذلك فهو دَمُ فَسادٍ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يكونُ الدَّمُ حَيضًا، إلَّا أن يَتَقَدَّمَه حَيضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ. وهذا كُلُّه مذهبُ الشافعيِّ. وله قَوْلٌ آخَرُ (¬1): إنَّ النَّقاءَ بينَ الدَّمَين حَيضٌ. وقد ذَكَرْناه، وذكرْنا أيضًا لنا وَجْهًا في أنَّ النَّقاءَ إذا نَقَص عن يَوْم، لم يَكُنْ طُهْرًا. فعلى هذا، متى نَقَصَ عنه، كان الدَّمُ (¬2) وما بعدَه حَيضًا كلُّه. ¬

(¬1) سقط من: «م». (¬2) في م: «كالدم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن جاوَزَ أكثَرَ الحَيضِ، مثلَ أن تَرَى يومًا دَمًا ويومًا طُهْرًا إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ، فهي مُسْتَحاضَةٌ، تُرَدُّ إلى عادَتِها إن كانت مُعْتادَةً. فإن كانت عادَتُها سَبْعَةَ أيّامٍ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، فإنَّها تَجْلِسُ أَوَّلَ يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فيه في العادَةِ، وتَغْتَسِلُ، وما بعدَه مَبْنِيٌّ على الرِّوايَتَين في الدَّمِ الذي تَراه بعدَ الطُّهْرِ في أثناءِ الحَيضَةِ، فإن قُلْنا: ليس بحَيضٍ. فحَيضُها اليَوْمُ الأوَّلُ خاصَّةً، وما بعدَه اسْتِحاضَةٌ. وإن قُلْنا: إنَّه حَيضٌ. فحَيضُها اليَوْمُ الأوَّلُ، والثّالِثُ، والخامِسُ، والسّابعُ، فيَحْصُلُ لها مِن عادَتِها أرْبَعَةُ أيّام، والباقِي اسْتِحاضَةٌ. وإن لم تَرَ الدَّمَ إلَّا في اليَوْمِ الثّانِي جَلَسَتْه والرّابع والسّادِسَ، فيَحْصُلُ لها ثلاثة أيّامٍ، وفيه وَجهٌ آخَرُ، أنَّه تُلَفِّقُ لها السَّبْعَةَ مِن أيّام الدَّم جَمِيعِها، فتَجْلِسُ التاسِعَ (¬1)، والحادِيَ عشَرَ والرّابع عَشَرَ. وَالصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذه الأيامَ ليس مِن عادَتِها، فلم تَجْلِسْها، كغيرِ المُلَفِّقَةِ. وإن كانت ناسِيَةً فأجْلَسْناها سبعةَ أيّامٍ، فكذلك. وإن كانت مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمانَ الدَّمِ الأسْوَدِ، والباقي اسْتِحاضَةٌ، وإن كانت مُبْتَدَأةً جَلَسَتِ اليَقِينَ في ثلاثةِ أشْهُرٍ، أو في (¬2) شَهْرَين مِن أوَّلِ دَمٍ تَراه، ثم تَنْتَقِلُ بعدَ ذلكَ إلى غالِبِ الحَيضِ. وهل تُلَفِّقُ لها السَّبْعَةَ مِن خَمْسَةَ ¬

(¬1) في الأصل: «السابع». (¬2) في م: «وفي».

فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ ـــــــــــــــــــــــــــــ عَشَرَ يَوْمًا، أو تَجْلِسُ أرْبَعَةً مِن سَبْعَةٍ؟ على وَجْهَين، كالمُعْتادَةِ. وقال القاضي في المُعْتادَةِ كما ذَكَرْنا. وفي غيرِها: ما عَبَر الخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحاضَة، وأيّامُ الدَّمِ مِن الخمسةَ عشرَ كلُّها حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ، فإن كان يَوْمًا ويومًا، فلها ثَمانِيَةُ أيّامٍ حَيضًا، وإن كانت أنْصافًا، فلها سَبْعَةٌ ونِصْفٌ حَيضًا ومِثْلُها طُهْرًا؛ لأنَّ الطُّهْرَ في اليَوْمِ السّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بينَ الحَيضِ وما بعدَه؛ لأنَّها فيما بعدَه في حُكْمِ الطّاهِراتِ، تَصُومُ وتُصَلِّي. فصل؛ قال: (والمُسْتَحاضَةُ تَغْسِلُ فَرْجَها وتَعْصِبُه، وتَتَوَضَّأُ لوَقْتِ

كُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي مَا شَاءَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ. وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيُ، وَالرِّيحُ، وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ كلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي ما شاءَتْ مِن الصَّلَواتِ، وكذلك مَن به سَلَسُ البَوْلِ والمَذْيُ والرِّيحُ، والجَرِيحُ الذي لا يَرْقَأُ دَمُه، والرُّعافُ الدّائِمُ) المُسْتَحاضَةُ التي تَرَى دَمًا لا يَصْلُحُ أن يكونَ حَيضًا ولا نِفاسًا، حُكْمُها حُكْمُ الطّاهِراتِ في وُجُوبِ العِباداتِ وفِعْلِها؛ لأنَّها نَجاسَةٌ غيرُ مُعْتادَةٍ، أشْبَهَ سَلَسَ البولِ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ المُسْتَحاضَةَ، ومَن في مَعْناها مِمَّن ذَكَرْنا، وهو مَن لا يُمْكِنُه حِفْظُ طَهارَتِه، لاسْتِمْرارِ الحَدَثِ، يَجِبُ عليه غَسْلُ مَحَلِّ الحَدَثِ، والتَّحَرُّزُ مِن خُروجِ الحَدَثِ بما أمْكَنَه، فالمُسْتَحاضَةُ تَحْشُوه بالقُطنِ وما أشْبَهَه، فإن لم يَرُدَّ الدَّمَ، اسْتَثْفَرَتْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَين، تَشُدُّهما على جَنْبَيها، ووَسَطَها على الفَرْجِ؛ لأنَّ في حَديثِ أمِّ سَلَمَةَ: «لتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ» (¬1). وقال لحَمْنَةَ، حينَ شَكَتْ إليه كَثْرَةَ الدَّمِ: «أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ» يَعْنِي القُطنَ تَحْشِينَ بِهِ المكانَ. قالت: إنَّه أكثر مِن ذلك. قال: «تَلَجَّمِي» (¬2). فإذا فَعَلَتْ ذلك، وتَوَضَّأتْ، ثم خَرَج الدَّمُ لرَخاوَةِ الشَّدِّ، فعليها إعادَةُ الشَّدِّ والوُضُوءِ، وإن كان لغَلَبَةِ الخارِجِ وقوَّتِه، لم تَبْطُلِ الطهارةُ، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، قالت عائشةُ: اعتَكَفَتْ مع رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - امرأة مِن أزْواجِه، فكانت تَرَى الدَّمَ والصُّفرَةَ، والطَّسْتُ تحتَها وهي تُصَلِّي. رَواه البُخارِي (¬3). وفي لفظٍ (¬4): «صَلِّي، وَإنْ قَطرَ الدَّمُ عَلَى الحَصِيرِ». والمُبْتَلَى بسَلَسِ البَوْلِ، أو كَثْرَةِ المَذْي، يَعْصِبُ ¬

(¬1) تقدم في صفحة 400. (¬2) تقدم في صفحة 395. (¬3) في: باب الاعتكاف للمستحاضة، من كتاب الحيض. صحيح البخاري 1/ 85. كما أخرجه أبو داود، في: باب في المستحاضة تعتكف، من كتاب الصوم. سنن أبي داود 1/ 576. وابن ماجه، في: باب المستحاضة تعتكف، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 566. والدارمي، في: باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 217. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 131. (¬4) لحديث فاطمة بنت أبي حبيش المتقدم تخريجه في صفحة 14. وأخرج هذا اللفظ النسائي، في: باب ترك الوضوء من القبلة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 87. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 42، 137، 204، 262.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَأسَ ذَكَرِه بخِرْقَةٍ، ويَحْتَرِسُ حَسْبَما أمكَنَه، وكذلك مَن به جُرْحٌ أو رِيحٌ، أو نَحْوُه مِن الأحْداثِ، فإن كانَ مِمَّا لا يُمْكِنُ عَصْبُه، كالجرْحِ الذي لا يُمْكِنُ شَدُّه، أو مَن به باسُورٌ أو ناصُور لا يُمْكِنُ عَصْبُه، صَلَّى على حَسَبِ حالِه، لأنَّ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، صَلَّى وجُرْحُه يَثْعَبُ (¬1) دَمًا. فصل: ويَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِن هؤلاء الوُضُوءُ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ، إلَّا أن لا يَخْرُجَ منه شَئٌ. وهو قَوْلُ الشافعي، وأصحابِ الرَّأي. وقال مالكٌ: لا يَجِبُ الوُضُوءُ على المُسْتَحاضَةِ. ورُوي ذلك عن عِكْرِمَةَ، ورَبِيعَةَ. واسْتَحَبَّ مالك لمَن به سَلَسُ البَوْلِ أن يَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، إلَّا أن يُؤذِيَه البَرْدُ، فإن آذاه فأرْجُو أن لا يكونَ عليه ضيقٌ. واحْتَجُّوا بأنَّ في حديثِ هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال ¬

(¬1) ثعب الماءَ والدم؛ كمنع: فجره، فانثعب.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «فَاغْتَسِلِى وَصَلِّي» (¬1). فلم يَأمُرْها بالوُضُوءِ. ولأنَّ ليس بمَنْصُوص عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ؛ لأنَّه غيرُ مُعْتادٍ. ولَنا، ما روَى عَدِيُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، [عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] (¬2) في المستحاضَةِ: «تَدَعُ الصلَاةَ أيامَ أقرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (¬3). رَواه أبو داودَ، والترمِذِيُّ. وعن عائشةَ، قالت: جاءَتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ خَبَرَها، ثم قال: «وَتَوَضئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِئَ ذَلِكَ الْوَقْتُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِي (¬4)، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ. وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها.، ولأنَّه حَدَث خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ الوُضُوءَ، كالمَذْيِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ طهارةَ هؤلاء مُقَيَّدَةٌ بالوَقْتِ؛ لقَوْلِه: «تَتَوَضَّأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ». وقولِه: «ثمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ». ولأنَّها طهارةُ عُذْرٍ وضَرُورَةٍ، فقُيِّدَتْ بالوَقْتِ، كالتيمم. فعلى هذا، إذا تَوَضَّأ أحَدُ هؤلاء قبلَ الوَقْتِ، ثم دَخَل الوقتُ. ¬

(¬1) تقدم في صفحة 14. (¬2) سقط من: «م». (¬3) تقدم في صفحة 400. (¬4) لم نجده عند أبي داود ولا الإمام أحمد بهذا اللفظ. أخرجه الترمذي، في: باب المستحاضة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 197.كما أخرجه البخاري، في: باب غسل الدم، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 67.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَطَلَتْ طهارتُه؛ لأنَّ دُخُولَه يَخْرُجُ به الوَقْتُ الذي تَوَضَّأ فيه. وكذلك إن خَرَج منه شيءٌ؛ لأنَّ الحَدَثَ مُبْطل للطهارةِ، وإنَّما عُفِي عنه مع الحاجَةِ إلى الطهارةِ، ولا حاجَةَ قبلَ الوَقْتِ. وإن تَوَضَّأ بعدَ الوَقتِ، صَحَّ وُضُوءُه، ولم يُؤثرْ فيه ما يَتَجَدَّدُ مِن الحَدَثِ الذي لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه؛ لِما ذَكَرْنا. فإن صَلَّى عَقِيبَ الطهارةِ، أو أخَّرَها لِما يَتَعَلَّقُ بمَصْلَحَةِ الصلاةِ؛ كلُبْسِ الثِّيابِ، وانتظارِ الجَماعَةِ، أو لم يَعْلَمْ أنه خَرَج منه شيءٌ، جازَ. وإن أخَّرَها لغيرِ ذلك، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الجَوازُ، قِياسًا على طهارةِ التَّيَمُّمِ. والثاني، لا يَجوزُ؛ لأنَّه إنَّما أبِيحَ له الصلاةُ بهذه الطهارةِ مع وُجُودِ الحَدَثِ للضرورَةِ، ولا ضَرُورَةَ ههُنا. وإن خَرَج الوَقْتُ بعدَ أن خَرَج منها شيءٌ، أو إحدَثَ حَدَثًا غيرَ هذا الخارِجِ، بَطَلَتِ الطهارةُ (¬1). ¬

(¬1) في الأصل: «طهارته».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجُوزُ للمُسْتَحاضَةِ ومَن في مَعْناها الجَمْعُ بينَ الصَّلاتين، وقَضاءُ الفَوائِت، والتَّنَفُّلُ إلى خُرُوجِ الوَقْتِ، قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما آمُرُها أن تَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فتُصَلِّيَ بذلك الوُضُوءِ النّافِلَةَ والصلاةَ الفائتَةَ، حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الصلاةِ الأخْرَى، فتَتَوضَّأ أيضًا. وهذا يَقْتَضِي إلحاقَها بالتَّيَمُّمِ. وقال الشافعي في المُسْتَحاضَةِ: لا تَجْمَعُ بينَ فَرْضَين بطهارةٍ واحِدَةٍ، ولا تَقْضِي به فَوائِتَ. كقَوْلِه في التَّيَمُّمِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ». ولَنا، أنه قد رُوِيَ في بَعْضِ ألْفاظِ حديثِ فاطمةَ: «تَوَضَّئِى لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» (¬1). وحَدِيثُهم مَحْمُول على الوَقْتِ، كقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «أينَمَا أدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ» (¬2). أي وَقْتُها. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ حَمْنَةَ بالجَمْع بينَ الصَّلاتين بغُسْلٍ واحدٍ، وأمَرَ به سَهْلَةَ بنتَ سُهَيلٍ (¬3)، ولم يَأمُرْها بوُضُوءٍ، لأنَّ الظّاهِرَ أنه لو أمَرَها بالوُضُوءِ بَينَهما لنُقِلَ، ولأنَّ هذا مِمّا يَخْفَى ويَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فلا يَجُوزُ تَأخِيرُه عن وَقْتِ الحاجَةِ، وغيرُ المُسْتَحاضَةِ مِن أهْلِ الأعْذارِ مَقِيسٌ عليها. ¬

(¬1) لا أصل له بهذا اللفظ. انظر: نصب الراية 1/ 204. (¬2) تقدم في حديث: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي» 1/ 34. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 69.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا تَوَضَّأتِ المُسْتَحاضَةُ، ثم انْقَطَعَ دَمُها، فإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ، بَطَل وُضُوءُها بانْقِطاعِه؛ لأنَّ الحَدَثَ الخارِجَ منها مُبْطلٌ للطهارةِ عُفِي عنه للعُذْرِ، فإذا زال العُذْرُ، ظَهَر حُكْمُ الحَدَثِ. وإن عاد الدَّمُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطاعِ. قال أحمدُ بنُ القاسِمِ: سَألتُ أبا عبدِ اللهِ، فقُلْتُ: إنَّ هؤلاء يَتَكَلَّمُون بكَلامٍ كَثِيرٍ، ويُوَقِّتُون بوَقْتٍ، يَقُولُون: إذا تَوَضَّأتْ للصلاةِ، وقد انْقَطَعَ الدَّمُ، ثم سال بعدَ ذلك قبلَ أن تَدْخُلَ في الصلاةِ، تُعِيدُ الوُضُوءَ. ويَقُولُون، إذا تَطَهَّرَتْ (¬1) والدَّمُ سائِلٌ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، قَوْلًا آخَرَ. قال: لَسْتُ أنظرٌ في انْقِطاعِه حينَ تَوَضَّأتْ سال أم لم يَسِلْ، إنَّما آمُرُها أن تَتَوَضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فتُصَلِّيَ بذلك الوُضُوءِ النّافِلَةَ والفائتةَ، حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الصلاةِ الأخْرَى. وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: إن تَطَهَّرَتْ ¬

(¬1) في الأصل: «طهرت».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حال جَرَيانِ الدَّمِ، ثم انْقَطعَ قبلَ دُخُولِها في الصلاةِ، ولم يَكُنْ لها عادَةٌ بانْقِطاعِه، لم يكنْ لها الدُّخُولُ في الصلاةِ حتى تَتَوَضَّأ؛ لأنَّها طهارة عُفِيَ عن الحَدَثِ فيها للضرورَةِ، فإذا زالتْ ظَهَر حُكْمُ الحَدَثِ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ. فإن دَخَلَتْ في الصلاةِ، فاتَّصَلَ الانْقِطاعُ بحيثُ يَتَّسِعُ للوُضُوءِ والصلاةِ، فالصلاةُ باطِلَةٌ؛ لأنَّنا تَبَينا بُطْلانَ الطهارةِ بانْقِطاعِه، وإلَّا فطَهارَتُها صَحِيحَة؛ لأنَّنا تَبَينا عَدَمَ الانْقِطاعِ المُبْطِلِ، أشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنه أحْدَثَ، ثم بانَ بخِلافِه. وفي صِحَّةِ الصلاةِ وَجْهَان؛ أحَدُهما، تَصِحُّ؛ بِناءً على صِحَّةِ الطهارةِ؛ لبَقاءِ الاستحاضَةِ. والثاني، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها صَلَّتْ بطهارةٍ لم يَكُنْ لها [أن تُصَلِّيَ بها، فلم تَصِحَّ،؛ لو تَيَقنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ وصَلَّى، ثم تَبَيَّنَ أنَّه كان مُتَطَهِّرًا. وإن عاوَدَها] (¬1) الدَّمُ قبلَ دُخُولِها في الصلاةِ لمُدَّةٍ تَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، بَطَلَتِ الطهارةُ، وإن كانت لا تَتَّسِعُ، لم تَبْطُلْ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان انْقِطاعُه في الصلاةِ واتَّصَلَ، انْبَنَى على المُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ في الصلاةِ. ذَكَرَه ¬

(¬1) سقط من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنُ حامِدٍ. وإن عاوَدَها الدَّمُ، فهو كما لو انْقَطعَ خارِجَ الصلاةِ، على ما مَضَى. وإن تَوَضَّأتْ وهو مُنْقَطِع، ثم عاد قبلَ الصلاةِ أو فيها، وكانت مُدَّةُ انْقِطاعِه تَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، بَطَلَتْ طَهارَتُها (¬1) بعَوْدِه؛ لأنَّها صارَتْ بهذا الانْقِطاعِ في حُكْمِ الطّاهِراتِ، فصارَ عَوْدُ الدَّمِ كسَبْقِ الحَدَثِ. وإن لم يَتَّسِعْ، لم يُوثِّرْ هذا الانْقِطاعُ. وهذا قَوْلُ الشافعي (¬2). وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، أنه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطاعِ، بل متى كانت مُسْتَحاضَةً، أو مَن في مَعْناها، فتَحَرَّزَتْ وتَطَهَّرَتْ، فطَهارَتُها صَحِيحَةٌ، ما لم تَبْرأ أو يَخْرُجِ الوَقْتُ، أو تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ، وهو أوْلَى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ المُسْتَحاضَةَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، فالتَّفْصِيلُ يُخالِفُ مُقْتَضَى الخَبَرِ، ولأنَّ هذا لم يَرِدِ الشَّرعُ به، ولا سأل عينه النبي - صلى الله عليه وسلم - المُسْتَحاضَةَ التي اسْتَفْتَتْه، ولم يُنْقَلْ عنه، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابِه هذا التَّفْصِيلُ، وذلك يَدُلُّ ظاهِرًا على عَدَمِ اعْتِبارِه، ولأنَّ اعْتِبارَ هذا يَشُقُّ، والعادَةُ في المُسْتَحاضَةِ ونَحْوها أنَّ ¬

(¬1) بعده في الأصل: «بانقطاعه زمنا يتسع للصلاة والطهارة». (¬2) في م: «للشافعي».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخارِجَ يَجْرِي ويَنْقَطِعُ، واعْتِبارُ مُدَّةِ الانْقِطاعِ بما يُمْكِنُ فيه فِعْلُ العِبادة يَشُقُّ، وإيجابُ الوُضُوءِ به حَرَجٌ مَنْفِيٌّ بقَوْلِه تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬1). وكذلك فيما إذا كان لها عادَةٌ بانْقِطاعِهِ زَمَنًا لا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، على ما مَضَى مِن الخِلافِ فيه. فصل: فإن كان للمُسْتَحاضَةِ عادَةٌ بانْقِطاعِ الدَّمِ زَمَنًا لا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، فتَوَضَّأتْ، [ثم انْقَطَعَ] (¬2)، لم يُحْكَمْ ببُطْلانِ طَهارَتِها، ولا صَلاتِها، إن كانت فيها، لأنَّ هذا الانْقِطاعَ لا يَحْصُلُ به المَقْصُود. وإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ وبَرَأتْ، وكان قد جَرَى مِنها دَمٌ بعدَ الوُضُوءِ، بَطَلَتِ الطهارةُ والصلاةُ، لأنّا تَبَينا أنها صارَتْ في حُكْمِ الطّاهِراتِ بالانْقِطاعِ. وإنِ اتَّصَلَ زَمَنًا يَتَّسِعُ للطهارةِ والصلاةِ، فالحُكْمُ فيه كالتي لم تَجْرِ لها عادةٌ بانْقِطاعِه، على ما ذَكَرْنا. وإن كانت لها عادَةٌ بانْقِطاعِه زَمَنًا يَتَّسِعُ للصلاةِ والطهارةِ، لم تُصَلِّ حال جَرَيانِ الدمِ، وتَنْتَظِرُ انْقطاعَه، إلَّا أن تَخْشَى خُرُوجَ الوَقْتِ، فتَتَوَضَّأ وتُصَلِّيَ. فإن شَرَعَتْ في الصلاةِ في آخِرِ الوَقْتِ ¬

(¬1) سورة الحج، الآية الأخيرة. (¬2) سقط من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بهذه الطهارةِ، فأمْسَكَ الدَّمُ عَنها، بَطَلَتْ طَهارَتُها؛ لأنَّها أمْكَنَتْها الصلاةُ بطَهارَةٍ صَحِيحَةٍ، أشْبَهَتْ غيرَ المُسْتَحاضَةِ. وإن كان زَمَنُ إمْساكِه يَخْتَلِفُ، فتارَةً يَتَّسِعُ، وتارَةً لا يَتَّسِعُ، فهي كالتي قبلَها، إلَّا أن تَعْلَمَ أنَّ هذا الانْقِطاعَ لا يَتَّسِعُ. قال شيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أنَّها إذا شَرَعَتْ في الصلاةِ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، لم تَبْطُلْ صَلاتُها، لأنَّها شَرَعَتْ فيها بطهارةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، وانْقِطاعُ الدَّمِ يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مُتَّسِعًا، فتَبْطُلَ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ضَيِّقًا، فلا تَبْطُلَ، فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. وإنِ اتَّصَلَ الانْقِطاعُ، تَبَينا أنَّه كان مُبْطِلًا، فبَطَلَتِ الصلاةُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ للمُسْتَحاضَةِ أن تَغْتَسِلَ لكلِّ صلاةٍ. وذَهَب بَعْضُ العلماءِ إلى وُجُوبِه، رُوِيَ ذلك عن علي، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسِ، وابنِ الزُّبَيرِ. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ في المُتَحَيِّرةِ، لأنَّ أمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِين، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ (¬2). ¬

(¬1) في المغني 1/ 426، 427. (¬2) تقدم في صفحة 414.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وروَى أبو داودَ (¬1)، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَها أن تَغْتَسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ. وقال بَعْضُهم: تَغْتَسِلُ كلَّ يَوْمٍ غُسْلًا. رُوِيَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ، وأنس. وقال بعضُهم: تَجْمَعُ بينَ كلِّ صَلاتَي جَمع بغُسْلٍ واحِدٍ، وتَغْتَسِلُ للصُّبْحِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لحَمْنَةَ (¬2): «فَإنْ قَويتِ أنْ تُؤخِّرِى الظّهْرَ، وتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلَاتَينِ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ حِينَ تَطْهُرِينَ، وتُصَلِّينَ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلَاتَينِ، وَتَغْتَسلِينَ لِلصبحِ، فَافْعَلِي، وَصُومِي إنْ قَويتِ عَلَى ذَلِكَ». فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَهُوَ أعْجَبُ الْأَمْرَينِ إِلَيَّ». وأمَرَ به سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيلٍ (¬3). وبه قال عَطاءٌ، والنَّخَعي. وأكْثَرُ أهلِ العلم على أنَّها تَغْتَسِلُ عندَ انْقِضاءِ الحَيضِ، ثم عليها الوُضُوءُ لكلِّ صلاةٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 461. من حديث سهلة بنت سهيل. (¬2) تقدم حديثها في صفحة 495. (¬3) تقدم في صفحة 461.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيسَتْ بالْحَيضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي، وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» (¬1). وقد ذَكَرْنا حديثَ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ (¬2)، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الغُسْلَ المَأمُورَ به أمْرُ اسْتِحْبابٍ جَمْعًا بينَ الأحادِيثِ، والغُسْلُ لكلِّ صلاةٍ أفْضَلُ، لأنَّه أحْوَطُ، وفيه خُرُوج مِن الخِلافِ، ويَليه في الفَضْلِ الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعصْرِ بغُسْلٍ (¬3)، والمَغْرِب والعِشاءِ بغُسْلٍ، والغُسْلُ للصبحِ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَينِ إلَيَّ». ويَليه الغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثم بعدَه الغُسْلُ عندَ انْقِطاعِ الدَّمِ، والوُضُوءُ لكلِّ صلاةٍ، وذلك مُجْزِئ إن شاءَ اللهُ تعالى. ¬

(¬1) تقدم في صفحة 14 من حديث فاطمة بنت أبي حبيش. (¬2) تقدم في صفحة 401. (¬3) سقطت من: «م».

240 - مسألة: (وهل يباح وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت؟ على روايتين)

وَهَلْ يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 240 - مسألة: (وهل يُباحُ وَطْءُ المُسْتَحاضَةِ في الفَرْجِ مِن غيرِ خَوْفِ العَنَتِ؟ على رِوايَتَين) إحْداهُما، لا يُباحُ إلَّا أن يَخافَ على نَفسِه الوُقُوعَ في المَحْظُورِ. وهو مذهبُ ابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ؛ لأن عائشةَ يُرْوَى عنها أنها قالت: المُسْتَحاضَةُ لا يَغْشاها زَوْجُها (¬1). ولأنَّ بها أذى، فيَحْرُمُ وَطْؤها كالحُيَّضِ (¬2)؛ لأنَّ الأذَى عِلَّة لتَحْرِيمِ الوَطْءِ؛ لأنَّ الشّارِعَ ذَكَرَه عَقِيبَه بفاءِ التَّعْقِيبِ، فكان عِلَّةً له، كقَوْلِه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} (¬3). والأذَى مَوْجُودٌ في المُستحاضَةِ (¬4)، فمُنِعَ وَطْؤها، كالحائِضِ. والثانيةُ، يُباحُ وَطْؤها ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، في: باب صلاة المستحاضة واعتكافها. . . . إلخ، من كتاب الحيض. السنن الكبرى 1/ 329. (¬2) في الأصل: «كالحياض». (¬3) سورة المائدة 38. (¬4) في م: «الاستحاضة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُطْلَقًا. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، لِما روَى أبو داودَ (¬1)، عن عِكْرِمَةَ، عن حَمْنَةَ بنتِ جَحْش، أنَّها كانَتْ مُسْتَحاضَةً، وكان زَوْجُها يُجامِعُها. وقال (¬2): إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ كانت تُسْتَحاضُ، وكان زَوْجُها يَغْشاها. وقد كانت حَمْنَةُ تحتَ طَلْحَةَ، وأمُّ حَبِيبَةَ تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وقد سَألَتا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن أحْكامِ المُسْتَحاضَةِ، فلو كان حَرامًا لبَيَّنَه لهما. فأمّا إن خاف على نَفْسِه العَنَتِ، أُبِيحَ على الرِّوايَتَين، لأنَّ حُكْمَه أخَفُّ مِن حُكْمِ الحَيضِ، ومُدَّتَه تَطُولُ، فإن وَطِئَها لغيرِ ذلك، وقُلْنا بالتَّحْرِيمِ، لم يَكُنْ عليه كَفّارَةٌ؛ لأنَّ الشرعَ لم يَرِدْ بها، وقد فَرَّقْنا بينَه وبينَ الحَيْضِ. فإنِ انْقَطَع دَمُها أُبِيحَ وَطْؤها قبلَ الغُسْلِ، لأنَّه غيرُ واجِبٍ عليها، أشْبَهَ سَلَسَ البَوْلِ. فصل: قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن تَشْرَبَ المرأةُ دَواءً يَقْطَعُ عنها الحَيضَ، إذا كان دَواءً مَعْرُوفًا. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: باب المستحاضة يعشاها زوجها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 74. (¬2) انظر الموضع السابق من سنن أبي داود.

فَصل: وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أربَعُونَ يَوْمًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال: (وأكثرُ النِّفاسِ أرْبَعُون يَوْمًا) هذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عباس، وعثمانَ بنِ أبي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ العاص (¬1)، وعائِذِ بنِ عَمْرٍو (¬2)، وأنس، وأمِّ سَلَمَةَ، رَضِي اللهُ عنهم. وبه قال الثَّوْرِي، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي. وقال الحسنُ البَصْرِي: النُّفَساءُ لا تكادُ تُجاوزُ الأرْبَعِين، فإن جاوَزَتِ الخَمْسِين، فهي مُسْتَحاضَةٌ. وقال مالكٌ والشافعيّ: أكْثَرُه سِتُّون. وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةَ عن أحمدَ؛ لأنه رُوِيَ عن الأوزاعِي أنه قال: عِنْدَنا امرأةٌ تَرَى النِّفاسَ شَهْرَين. ورُوي نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ، والمَرْجِعُ في ذلك إلى الوُجُودِ. قال الشافعيّ: وغالِبُه أرْبَعُون يَوْمًا. ولَنا، ما روَى أبو داودَ والترمِذِي، عن مُسَّةَ الأَزْدِية، عن أمِّ سَلَمَةَ، رَضِي اللهُ عنها، قالت: كانَتْ النُّفَساءُ تَجْلِسُ على عَهْدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم أرْبَعِين يومًا (¬3). قال الترمِذِيُّ. لا نَعْرِفُ هذا الحَدِيثَ إلَّا مِن حديثِ أبي سَهْلٍ، وهو ثِقَةٌ. قال الخَطّابِيُّ: أثْنَى محمدُ بنُ إسماعيلَ على هذا الحديثِ (¬4). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيناه مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِف في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا. قال ¬

(¬1) أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وفد ثقيف فأسلم، واستعمله الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الطائف، وعاش إلى خلافة عمان رضي الله عنه. أسد الغابة 3/ 579، 580. (¬2) أبو هبيرة عائذ بن عمرو بن هلال المزني، كان ممن بايع بيعة الرضوان، وتوفي في إمارة عبد الله بن زياد، أيام يزيد بن معاوية. أسد الغابة 3/ 147، 148. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في وقت النفساء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 74. والترمذي، في: باب ما جاء في كم تمكث النفساء، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي 1/ 228. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب النفساء كم تجلس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 213. والدارمي، في: باب في المرأة الحائض تصلي في ثوبها إذا طهرت، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 229. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 300، 304، 309. (¬4) لم يرد هذا في معالم السنن المطبوع. وانظر: سنن الترمذي، الموضع السابق.

241 - مسألة؛ قال: (ولا حد لأقله)

وَلا حَدَّ لِأقَلِّهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الترمِذِيُّ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعدَهم على أنَّ النُّفَساءَ تَدَعُ الصلاةَ أرْبَعين يومًا، إلَّا أن تَرَى الطُّهْرَ قبلَ ذلك، فتَغْتَسِلَ وتُصَلِّيَ. قال أبو عُبَيدٍ: وعلى هذا جَماعَةُ النّاسِ. وما حَكَوْه عن الأوْزاعِيِّ يَحْتَمِلُ أنَّ الزِّيادَةَ كانَتْ حَيضًا أو اسْتِحاضَةً، كما لو زاد دَمُها على الستين، فعلى هذا إن زاد دَمُ النُّفَساءِ على أرْبَعِين، وصادَفَ عادَةَ الحَيض، فهو حَيض، وإلَّا فهو اسْتِحاضَةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن أحَدِهما. واللهُ أعلمُ. 241 - مسألة؛ قال: (ولا حَدَّ لأقَلِّه) وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ. وقال أبو الخَطّابِ: أَقَلُّه قَطرةٌ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ: أقَلُّه ساعَةٌ. وقال أبو عُبَيدٍ: أقَلُّه خَمْسَةٌ وعِشْرُون يومًا. وقال يَعْقوبُ (¬1): أدْناه أحَدَ عَشَرَ يومًا. ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في الشرعَ تَحْدِيدُه، فيُرْجَعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ قليلًا وكثيرًا، وقد رُوِيَ أنَّ امرأةً وَلَدَتْ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلم تَرَ دَمًا، فسُمِّيَتْ ذاتَ الجُفُوفِ. ولأنَّ اليَسِيرَ دَمٌ وُجِد عَقِيبَ سَبَبِه، فكان نِفاسًا، كالكَثِيرِ. ¬

(¬1) لعله أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن كثير العبدي الدورقي، جالس الإِمام أحمد، وسأله عن أشياء رواها عنه، وتوفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 414، 415.

242 - مسألة: (أي وقت رأت الطهر، فهي طاهر، تغتسل وتصلي)

أَيَّ وَقْتٍ رَأَتِ الطُّهْرَ فَهِيَ طاهرٌ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. ـــــــــــــــــــــــــــــ 242 - مسألة: (أيَّ وَقْتٍ رَأتِ الطُّهْرَ، فهي طاهِرٌ، تَغْتَسِلُ وتُصلِّي) إذا كان الطّهْرُ أقَلَّ مِن ساعَةٍ، فيَنْبَغِي أن لا تَلْتَفِتَ إليه، لِما ذَكَرْنا مِن قولِ ابنِ عباسِ في الحَيضِ. وإن (¬1) كان أكثَرَ مِن ذلك، فظاهِرُ قَوْلِه ههُنا أنَّها تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، لقولِ (¬2) ابنِ عباسِ. وهذا قولُ أكْثَرِ أصحابِنا (¬3)، لقولِ علي، رَضِي اللهُ عنه: لا يَحِلُّ للنُّفَساءِ إذا رَأتِ الطّهْرَ إلَّا أن تُصَلِّيَ (¬4). وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها إذا رَأتِ النَّقاءَ أقَلَّ مِن يَوْمٍ (¬5) لا يَثْبُتُ لها أحْكامُ الطّاهِراتِ. رَواه يعقوبُ عنه. فعلى هذا لا يَثْبُتُ لها حُكْمُ الطّاهِراتِ إلَّا أن تَرَى الطُّهْرَ يومًا كامِلًا، لأنَّ الدَّمَ يَجْرِى تارَةً، ويَنْقَطِعُ اخْرَى، فلم يُمْكِنِ اعْتِبارُ مُجَرَّدِ الانْقِطاعِ، فلا بُدَّ مِن ضابِطٍ للانقِطاعِ المَعْدُودِ طُهْرًا، واليَوْمُ يَصْلُحُ أن يكُونَ ضابِطًا، فتَعَلَّق (¬6) الحُكْمُ به. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في الأصل: «فلو». (¬2) في الأصل، م: «لحديث». (¬3) بعده في الأصل: «وفيه رواية أخرى أنها لا تلتفت إليه إذا كان أقل من يوم وقد ذكرناه». (¬4) أخرجه البيهقي، في: باب النفاس، من كتاب الحيض. السنن الكبرى 1/ 342. (¬5) في م: «يومين». (¬6) في الأصل: «فيتعلق».

243 - مسألة: (ويستحب أن لا يقربها في الفرج حتى تتم الأربعين)

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 243 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن لا يَقْرَبَها في الفَرْجِ حتى تُتمَّ الأرْبَعِين) متى طَهُرَتِ النُّفَساءُ في مُدَّةِ الأرْبَعِين أكثَرَ مِن يَومٍ، لَزِمَها الصومُ والصلاةُ بعدَ أن تَغْتَسِلَ. وإن كان أقَلَّ مِن يومٍ فقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه. ويُسْتَحَبُّ لزَوْجِها أن لا يَطَأها في الفَرْجِ وهي طاهِرَةٌ، حتى تُتِمَّ الأرْبَعِين. قال أحمدُ: ما يُعْجبُنِي أن يَأتِيَها زَوْجُها، على حَدِيثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ، أنها أتتْه قبلَ الأُرْبَعِين، فقال: لا تَقْرَبِيني. ولأنَّه لا يَأمَنُ عَوْدَ الدَّمِ في زَمَنِ الوَطْءِ، فيكُونُ واطِئًا في نِفاس، ولا يَحْرُمُ وَطْؤها، لأنَّها في حُكْمِ الطّاهِراتِ، ولذلك تَجِبُ عليها العِباداتُ. وذَكَر القاضي في تَحْرِيمِه رِوايَتَين في «المُجَرَّدِ». والصَّحِيحُ أنَّه لا يَحْرُمُ، لِما ذَكَرْنا.

244 - مسألة: (فإن انقطع دمها في مدة الأربعين، ثم عاد فيها فهو نفاس. وعنه، أنه مشكوك فيه، تصوم وتصلي وتقضي الصوم المفروض)

وَإذَا انْقَطعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأرْبَعِينَ، ثُمَّ عَادَ فِيهَا فَهُوَ نِفَاسٌ. وَعَنْهُ، أنَّهُ مَشكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ، وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 244 - مسألة: (فإنِ انْقَطع دَمُها في مُدَّةِ الأرْبَعِين، ثم عاد فيها فهو نِفاسٌ. وعنه، أنه مَشْكُوكٌ فيه، تَصُومُ وتُصَلِّي وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوضَ) متى انْقَطع دَمُها في مُدةِ الأرْبَعِين انْقِطاعًا تَجِبُ عليها فيه العِباداتُ، ثم عادَ في مُدَّةِ الأرْبَعِين، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، هو نِفاسٌ، تَدَعُ له الصومَ والصلاةَ. نَقَلَها عنه أحمدُ بنُ القاسِمِ. وهذا قولُ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ؛ لأنَّه دَمٌ في مُدَّةِ النِّفاس، أشْبَهَ ما لو اتَّصَلَ. والثانيةُ، هو مَشكُوكٌ فيه. وهي أشْهَرُ، نَقَلَها عنه الأثْرَمُ وغيرُه، فعلى هذا تَصُومُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وتُصَلِّي، لأنَّ سَبَط العِبادَةِ مُتَيَقَّنٌ، وسُقُوطَها بهذا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فيه. ويَجِبُ عليها قَضاءُ الصوم احْتِياطًا، لأنَّ الصومَ واجِبٌ عليها بيَقِينٍ، وسُقُوطَه بهذا الفِغلِ مَشْكُوكٌ فيه. ولا يَقْرَبُها زَوْجُها احْتِياطًا، بخِلافِ النّاسيَةِ إذا جَلَسَتْ سِتًّا أو سَبْعًا، فإنَّه لا يَجِبُ عليها قَضاءُ الصومِ الذي صَامَتْه مع (¬1) الشكِّ فيه. والفَرْقُ بَينَهما أنَّ الغالِبَ منِ عاداتِ النِّساءِ سِتٌّ أو سَبْعٌ، وما زاد عليه نادِرٌ، بخِلافِ النِّفاسِ، ولأن الحَيضَ يَتَكَرَّرُ، فيَشُقُّ ذلك فيه، وكذلك الدَّمُ الزّائِدُ عن العادَةِ في الحَيضِ. وقال مالكٌ: إن رَأتِ الدَّمَ بعدَ يَوْمَين أو ثلاثةٍ، فهو نِفاسٌ، وإن تَباعَدَ، فهو حَيضٌ. ولأصحابِ الشافعي فيما إذا رَأتِ الدَّمَ يومًا وليلةً بعدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، هل هو حَيضٌ أو نِفاسٌ؟ قَوْلان. وقال القاضي: إن رَأتِ الدَّمَ أقَلَّ مِن يَوْم ولَيلَةٍ بعدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا (1)، فهو دَمُ فَسادٍ، تَصُومُ وتُصَلِّي، ولا تَقْضِي. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ. وإن كان الدَّمُ ¬

(¬1) سقط من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثّانِي يومًا وليلةً، فهو مَشْكُوك فيه، ذَكَرْنا حُكْمَه. ولَنا، أنَّه دَمٌ صادَفَ زَمَنَ النِّفاسِ، فكان نِفاسًا، كما لو اسْتَمَرَّ أو رَأتْه قبلَ مُضِي يَوْمَين، ويَنْبَغِي أن لا يُفَرَّقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه، لِما ذَكَرْنا، ومَن قال: هو حَيض. فهو نِزاع في عِبارَةٍ، لاسْتِواء حُكْمِ الحَيضِ والنِّفاسِ، فأمّا ما صامَتْه في زَمَنِ الطّهْرِ، فلا يَجِبُ قَضاؤه، لأنَّه صَوْمٌ صَحِيحٌ. فصل: إذا رَأتِ المرأةُ الدَّمَ بعدَ وَضْع شيءٍ يَتَبَيَّنُ فيه شيءٌ مِن خَلْقِ الإِنْسانِ، فهو نِفاسٌ (¬1). نَصَّ عليه. وإن رَأتْه بعدَ إلْقاءِ نُطْفَةٍ أو عَلَقَةٍ (¬2)، فليس بنِفاسٍ. وإن كان جِسْمًا لا يَتَبَيَّنُ فيه شيء مِن خَلْق الإِنْسانِ، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، هو نِفاسٌ، لأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِي، أشْبَهَ ما لو تَبَيَّنَ. والثاني، ليس بنِفاسٍ؛ لأنَّه لم يَتَبَيَّنْ، أشْبَهَ النُّطْفَةَ والعَلَقَةَ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) بعده في الأصل: «فإن قلنا إنه حيض اعتبر فيه أن يبلغ أقل الحيض». (¬2) النطفة: ماء الرجل والمرأة. والعلقة: المني ينتقل بعد طوره فيصير دما غليظا متجمدا.

245 - مسألة: (وإن ولدت توأمين، فأول النفاس من الأول، وآخره منه. وعنه، أنه من الأخير. والأول أصح)

وَإنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَينِ فَأولُ النِّفَاسِ مِن الأوَّلِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ. وَعَنْهُ، أنَّهُ مِنَ الْأَخِيرِ. وَالْأَوَّلُ أصَحُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 245 - مسألة: (وإنْ وَلَدَتْ تَوْأمَين، فأوَّلُ النِّفاسِ مِن الأوَّلِ، وآخِرُه منه. وعنه، أنه مِن الأخِيرِ. والأوَّلُ أصَحُّ) ذَكَر أصحابُنا عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، في هذه المسألةِ رِوايَتَين، إحْداهما، أنَّ أوَّلَ النِّفاسِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وآخِرَه مِن الأوَّلِ. وهذا قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ. فعلى هذا متى انْقَضتْ مُدَّةُ النِّفاس مِن حينِ وَضْعِ الأوَّلِ، لم يَكُنْ ما بعدَه نِفاسًا، لأنَّ ما بعدَ الأوَّلِ دَمٌ بعدَ الولادَة، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ، وإذا كان أوَّلُه منه، كان آخِرُه منه، كالمُنْفَرِدِ. والرِّوايَةَ الثانيةُ، اخْتَلَف فيها أصحابُنا، فقال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، وأبو الخَطّابِ في «رُؤوس المَسائِلِ»: هي أنَّ أوَّلَه مِن الأوَّلِ وآخِرَه (¬1) مِن الثّانِي. وذَكَرَه القاضي، في كتابِ «الرِّوايَتَين»، لأنَّ الثّانِيَ وُلِد، فلا تَنْقَضِي مُدَّةُ النفاسِ قبلَ انْتِهائِها منه، ¬

(¬1) سقطت من: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كالمُنْفَرِدِ، فعلى هذا تَزيدُ مُدَّة النفاس على الأرْبَعِين في حَقِّ مَنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَين. وقال القاضي أبو الحسينِ، وأبو الخَطّابِ في «الهِدايَة»: هي أنَّ أوَّلَ النِّفاسِ وآخِرَه مِن الثّانِي حَسْبُ. وهذا قولُ زُفَرَ؛ لأنَّ مُدَّةَ النِّفاسِ تَتَعَلَّقُ بالولادَةِ، فكان ابْتِداؤها وانْتِهاؤها مِن الثاني، كمُدَّةِ العِدَّةِ. فعلى هذا ما تَراه مِن الدَّمِ قبلَ ولادَةِ الثاني لا يكونُ نِفاسًا. ولأصحابِ الشافعي ثلاثةُ أوْجُهٍ، كالأقْوالِ الثلاثةِ. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: النِّفاسُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عنهما، رِوايَةً واحِدَةً (¬1)، وإنَّما الروايَتان في وَقْتِ الابتداءِ، هل هو عَقِيبَ انْفِصالِ الأوَّلِ أو الثاني؟ قال شيخُنا (¬2): وهذا ظاهِرُه إنْكار لروايَة مَن روَى أنَّ آخِرَه مِن الأوَّلِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقطت من: «م». (¬2) انظر: المغني 1/ 432.

آخر الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث، وأوله: كتاب الصلاة والْحَمْدُ لله حِقَّ حَمْده

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1414 هـ - 1993 م المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756 المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

كتاب الصلاة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتابُ الصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ كِتابُ الصَّلاةِ الصَّلاةُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عن الدُّعاء، قال اللهُ تعالى: {وَصَلِّ عَلَيهِمْ} (¬1). أي ادْعُ لهم , وقال - صلى الله عليه وسلم - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَان مُفْطِرًا فلْيَطعَمْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» (¬2). وفي الشَّرْعِ عِبارَةٌ عن الأفْعالِ المَعْلُومَةِ، فإذا وَرَد في الشَّرْعِ أمْرٌ بصَلاةٍ، أو حُكْمٌ مُعَلَّقٌ ¬

(¬1) سورة التوبة 103. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب الأمر بإجابة الداعي إلى الدعوة، من كتاب النكاح. صحيح مسلم 2/ 1054. وأبو داود، في: باب في الصائم يدعى إلى وليمة، من كتاب الصوم. سنن أبي داود 1/ 573. والترمذي، في: باب ما جاء في إجابة الصائم الدعوة، من أبواب الصوم. عارضة الأحوذي 1/ 308. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 279، 489، 507.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليها، انْصَرَف إلى الصلاةِ الشَّرْعِيَّةِ في الظّاهِرِ. والأصْلُ في وُجُوبِها الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكتابُ فقَوْلُه تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} (¬1). ومِن السُّنَّةِ قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِىَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ , وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيهِ سَبِيلًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). والأخْبارُ في ذلك كَثِيرَةٌ، وأجْمَع المُسْلِمُون على وُجُوبِ خَمْسِ صَلَواتٍ في اليَوْمِ واللَّيلَةِ. ¬

(¬1) سورة البينة 5. (¬2) أخرجه البخاري، في: أول كتاب الإيمان، وفي: باب دعاؤكم إيمانكم، من كتاب الإيمان، وفي باب سورة البقرة {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} من كتاب التفسير. صحيح البخاري 1/ 8، 9، 6/ 32. ومسلم، في: باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 45. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء بني الإسلام على خمس، من أبواب الإيمان. عارضة الأحوذي 10/ 74. والنسائي، في: باب على كم بني الإِسلام، من كتاب الإيمان. المجتبى 8/ 95. وابن ماجه، في: باب في الإيمان، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 24. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 26، 120، 143.

246 - مسألة: (وهي واجبة على كل مسلم بالغ عاقل، إلا الحائض والنفساء)

وَهيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَالِغٍ عَاقِلٍ، إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 246 - مسألة: (وهي واجِبَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ بالِغٍ عاقِلٍ، إلَّا الحائِضَ والنُّفَساءَ) لِما ذَكَرْنا، ولقَوْلِ اللهِ تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (¬1). فأمّا الحائِضُ والنُّفَساءُ فلا تَجِبُ عليهما الصلاةُ؛ لِما ذَكَرْنا في بابِ الحَيضِ. ¬

(¬1) سورة النساء 103.

247 - مسألة؛ قال: (وتجب على النائم، ومن زال عقله بسكر أو إغماء أو شرب دواء)

وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَمَنْ زَال عَقْلُهُ بِسُكْرٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 247 - مسألة؛ قال: (وتَجِبُ على النّائِمِ، ومَن زال عَقْلُه بسُكْرٍ أو إغماءٍ أو شُرْبِ دَواءٍ) لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الصلاةِ على النّائِمِ , بمَعْنَى أنَّه يَجِبُ عليه قَضاؤُها إذا اسْتَيقَظ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَها». رَواه مسلمٌ (¬1) بمَعْناه. ولو لم تَجِبْ عليه في حالِ نَوْمِه، لَما وَجَب عليه قَضاؤُها، كالمَجْنُونِ. وكذلك السَّكْرانُ ومَن شَرِب مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَه؛ لأنَّه إذا وَجَب بالنَّوْمِ المُباحِ، فبالمُحَرَّمِ بطَرِيقِ الأوْلَى. وحُكْمُ المُغْمَى عليه حُكْمُ النّائِمِ في وُجُوبِ قَضاء العِباداتِ عليه؛ مِن الصلاةِ والصومِ، يُرْوَى ذلك عن عَمّارٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ (¬2). ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وطاوُسٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، قالوا: لا يَقْضِي الصلاةَ. وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يَلْزَمُه قَضاءُ الصلاةِ، إلَّا أن يُفِيقَ في ¬

(¬1) في: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 477. (¬2) سَمُرة بن جندب بن هلال، الفزاري، أبو سليمان، كان غلامًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات سنة ثمان وقيل سنة تسع وخمسين. الإصابة 3/ 178 ,179.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جُزْءٍ مِن وَقْتِها؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ عائشةَ سألت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الرجلِ يُغْمَى عليه، فيَتْرُكُ الصلاةَ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيسَ مِنْ ذَلِكَ قَضْاءٌ، إلَّا أنْ يُغْمَى عَلَيهِ، فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا، فَيُصَلِّيَهَا» (¬1). وقال أصحابُ الرَّأْي: إن أُغْمِيَ عليه أكْثَرَ مِن خَمْسِ صَلَواتٍ لم يَقْضِ شَيئًا، وإلَّا قَضَى الجَمِيعَ؛ لأنَّ ذلك يَدْخُلُ في التَّكْرارِ، فأسْقَطَ القَضاءَ، كالجُنُونِ. ولَنا، أنَّ الإِغْماءَ لا يُسْقِطُ فَرْضَ الصيِّامِ، ولا يُؤَثِّرُ في ثُبُوتِ الولايةِ، ولا تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، أشْبَهَ النَّوْمَ، وحَدِيثُهم يَرْويه الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ (¬2)، وقد نَهَى أحمدُ عن حَدِيثِه. وقال البُخارِيُّ: تَرَكُوه. وقِياسُه على المَجْنُونِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَطُولُ مُدَّتُه غالِبًا، وتَثْبُتُ عليه الولايَةُ، ويَسْقُطُ عنه الصومُ، ولا يَجُوزُ على الأنبياءِ، عليهم السَّلامُ، بخِلافِ الإِغْماءِ، ولأنَّ ما لا يُؤَثِّرُ في إسْقاطِ الخُمْسِ لا يُؤَثِّرُ في إسْقاطِ الزّائِد عليها، كالنَّوْمِ. ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب الرجل يغمى عليه وقد جاء وقت الصلاة، هل يقضي أم لا، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 2/ 81. والبيهقي، في: باب المغمى عليه يفيق بعد ذهاب الوقتين فلا يكون عليه قضاؤهما، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 1/ 388. (¬2) الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي، أبو عبد الله. قال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة. ميزان الاعتدال 1/ 572 - 574.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا شُرْبُ الدَّواءِ المُباحِ الذي يُزِيلُ العَقْلَ، فإن كان لا يَدُومُ كثيرًا، فهو كالإِغْماءِ، وإن تَطاوَلَ، فهو كالجُنُونِ (¬1). وأمّا ما فيه السُّمُومُ مِن الأدْويَةِ، فإن كان الغالِبُ مِن اسْتِعْمالِه الهَلاكَ أو الجُنُونَ، لم يَجُزْ، وإن كان الغالِبُ منه السَّلامَةَ ويُرْجَى نَفْعُه، أُبِيح شُرْبُه في الظّاهِرِ؛ لدَفْعِ ما هو أخْطَرُ منه، كغيرِه مِن الأدْويَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ؛ لأنَّ فيه تَعَرُّضًا للهَلاكِ، أشْبَهَ ما لو لم يُرِدْ به التَّداويَ. والأوَّلُ أصَحُّ، فإن قُلنْا: يَحْرُمُ شُرْبُه. فهو كالمُحَرَّماتِ مِن الخَمْرِ ونَحْوه، وإن قُلْنا: يُباحُ. فهو كالمُباحاتِ فيما ذَكَرْنا. واللهُ أَعلمُ. ¬

(¬1) في م: «كالمجنون».

248 - مسألة: (ولا تجب على كافر ولا مجنون، ولا تصح منهما)

وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 248 - مسألة: (ولا تَجِبُ على كافِرٍ ولا مَجْنُونٍ، ولا تَصِحُّ منهما) اخْتَلَف أهلُ العلمِ في خِطابِ الكُفّارِ بفُرُوعِ الإِسلامِ، وحُكِيَ عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، فيه رِوايَتان، مع إجْماعِهم على أنَّها لا تَصِحُّ منه في حالِ كُفْرِه، ولا يَجِبُ عليه قَضاؤُها بعدَ إسْلامِه إذا كان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أصْلِيًّا، وقد قال اللهُ تَعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (¬1). ولأنَّه قد أسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ في عَصْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبعدَه، فلم [يُؤْمَرْ أَحَدٌ] (¬2) بقَضاءٍ، ولأنَّ في إيجابِ القَضاءِ عليه تَنْفِيرًا عن الإِسلامِ، فعُفِيَ عنه. وأمّا المُرْتَدُّ، فذَكَر أبو إسحاقَ ابنُ شاقْلا في وُجُوبِ القَضاءِ عليه رِوايَتَين؛ إحْداهما، لا يَلْزَمُه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، فعلى هذا لا يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك في حالِ كُفْرِه، ولا في حالِ إسْلامِه قبلَ رِدَّتِه. وإن كان قد حَجَّ لَزِمَه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّ عَمَلَه قد حَبِط بكُفْرِه؛ بدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (¬3). فصار كالكافِرِ الأصْلِيِّ في جَمِيعِ أحْكامِه. والثانيةُ، يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك مِن ¬

(¬1) سورة الأنفال 38. (¬2) في م: «يأمر أحدًا». (¬3) سورة الزمر 65.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ العِباداتِ في حالِ كُفْرِه، وإسْلامِه قبلَ رِدَّتِه، ولا يَجِبُ عليه إعادَةُ الحَجِّ؛ لأنَّ العَمَلَ إنَّما يَحْبَطُ بالإِشْراكِ مع المَوْتِ؛ لقَوْلِه تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} (¬1). وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ (¬2) المُرْتَدَّ أقَرَّ بوُجُوبِ العِباداتِ عليه، واعْتَقَد ذلك وقَدَر على التَّسَبُّبِ إلى أدائِها، فلَزِمَه، كالمُحْدِثِ. وذَكَر القاضي ¬

(¬1) سورة البقرة 217. (¬2) في م: «ولأن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِوايَةً ثالثةً، أنَّه لا قَضاءَ عليه لِما تَرَك في حالِ رِدَّتِه، وعليه قَضاءُ ما تَرَك في إسْلامِه قبلَ الرِّدَّةِ؛ لأنَّه كان واجِبًا عليه قبلَ الرِّدَّةِ فبَقِيَ الوُجُوبُ. قال: وهذا المَذْهَبُ. وهو (¬1) اخْتيارُ ابنِ حامدٍ، وعلى هذا لا يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الحَجِّ؛ لأنَّ ذِمَّتَه بَرِئَتْ منه بفِعْلِه قبلَ الرِّدَّةِ، فلم تَشْتَغِلْ به بعدَ ذلك، كالصلاةِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لو أبْطَلَتْ حَجَّه، أبْطَلَتْ سائِرَ عِباداتِه المَفْعُولَةِ قبلَ رِدَّتِه. وهذا أوْلَى إن شاء الله تعالى. فأمّا المَجْنُونُ فلا تَصِحُّ منه الصلاةُ؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ التَّكْلِيفِ، أشْبَهَ الطِّفْلَ، ولا تَجِبُ عليه في ¬

(¬1) سقطت الواو في: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حالِ جُنُونِه، ولا يَلْزَمُه قَضاؤُها إلَّا أن يُفِيقَ في وَقْتِ الصلاةِ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، من كتاب الحدود. سنن أبي داود 2/ 451 - 453. والترمذي، في: باب ما جاء في من لا يجب عليه الحد، من أبواب الحدود. عارضة الأحوذي 6/ 195. كما أخرجه البخاري، في: باب الطلاق في الإغلاق. . . .، من كتاب الطلاق، وفي: باب لا يرجم المجنون والمجنونة، من كتاب الحدود. صحيح البخاري 7/ 59، 8/ 204. والنسائي، في: باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، من كتاب الطلاق. المجتبى 6/ 127. وابن ماجه، في: باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، من كتاب الطلاق. سنن ابن ماجه 1/ 658. والدارمي، في: باب رفع القلم عن ثلاثة، من كتاب الحدود. سنن الدارمي 2/ 171. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 116، 118، 140، 155، 158، 6/ 100، 101.

249 - مسألة: (وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه)

وَإذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 249 - مسألة: (وإذا صَلَّى الكافِرُ حُكِم بإسْلامِه) لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «مَنْ صَلَّى صَلَاتنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيهِ مَا عَلَينَا» (¬1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ» (¬2). فجَعَلَ الصلاةَ حَدًّا، فمَن أتَى بها ¬

(¬1) أخرجه بنحوه البخاري، في: باب فضل استقبال القبلة، من كتاب الصلاة. صحيح البخاري 1/ 108، 109. والنسائي، في: باب صفة المسلم، من كتاب الإيمان. المجتبى 8/ 93. (¬2) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في ترك الصلاة، من أبواب الإيمان. عارضة الأحوذي 10/ 90. والنسائي، في: باب الحكم في تارك الصلاة، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 187. وابن ماجه، في: باب ما جاء في ترك الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 341، والإمام أحمد، في: المسند 5/ 346، 355.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَنْبَغِي أن يَدْخُلَ في حَدِّ الإِسلامِ، ولأنَّها أحَدُ مَبانِي الإِسلامِ المُخْتَصَّةِ به (¬1)، فإذا فَعَلَها حُكِمَ بإسلامِه، كالشَّهادَتَين. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

250 - مسألة: (ولا تجب على صبي. وعنه، تجب على من بلغ عشرا)

وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ. وَعَنْهُ، تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 250 - مسألة: (ولا تَجِبُ على صَبِيٍّ. وعنه، تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الصلاةَ لا تجِبُ على الصَّبِيِّ حتى يَبلُغَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وفيه رِوايةً أُخْرى، أنَّها تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْع سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَينَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ». رَواه أبو داودَ (¬1). أمَرَ بعُقُوبَتِه، ولا تُشْرَعُ العُقُوبَةُ إلَّا لتَرْكِ الواجِبِ، ولأنَّ حَدَّ الواجِبِ ما عُوقِبَ على ¬

(¬1) في: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 115. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 198. والدارمي، في: باب متى يؤمر الصبي بالصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 332.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَرْكِه. والأوَّلُ أصَحُّ؟ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ». ولأنَّه صَبِيٌّ فلم تَجِبْ عليه، كالصَّغِيرِ، ولأنَّ الصَّبِيَّ ضَعِيفُ العَقْلِ والبِنْيَةِ، ولا بُدُّ مِن ضابِطٍ يَضْبُطُ الحَدَّ الذي تَتَكامَلُ فيه بِنْيَتُه وعَقْلُه، فإنَّه يَتَزايَدُ تَزايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فلا يُعْلَمُ بنَفْسِه، والبُلُوغُ ضابِطٌ لذلك، ولهذا تَجِبُ به الحُدُودُ، ويَتَعَلَّقُ به أكْثَرُ أحْكامِ التَّكْلِيفِ، فكذلك الصلاةُ. فأمّا التَّأْدِيبُ ههُنا فهو كالتَّأْدِيبِ على تَعَلُّمِ الخَطِّ والقُرْآنِ والصِّناعَةِ؛ ليَعْتادَها ويَتَمَرَّنَ عليها. ولا فَرْقَ بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى فيما ذَكَرْنا، ولا خِلافَ في أنَّها تَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ العاقِلِ، ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ صلاتِه ما يُشْتَرَطُ لصحةِ صلاةِ الكَبِيرِ، إلَّا في السُّتْرَةِ، فإنَّ قَوْلَه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» (¬1). يَدُلُّ على صِحَّتِها بدُونِ الخِمارِ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في: باب المرأة تصلي بغير خمار، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 149. والترمذي، في: باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 169. وابن ماجه، في: باب إذا حاضت الجارية لم تصلّ إلا بخمار، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 215. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 150، 218، 259.

251 - مسألة: (ويؤمر بها لسبع، ويضرب على تركها لعشر)

وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 251 - مسألة: (ويُؤْمَرُ بها لسَبْعٍ، ويُضْرَبُ على تَرْكِها لعَشْرٍ) وهذا قَوْلُ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ للخَبَرِ. وقال ابنُ عُمَرَ، وابنُ سِيرِينَ: إذا عَرَف يَمِينَه مِن يَسارِه. لأنَّه يُرْوَى عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سُئِل عن ذلك فقال: «إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ فَمُرُوهُ

252 - مسألة: (فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها، لزمه إعادتها)

فَإنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا، أوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ بِالصَّلَاةِ». رَواه أبو داودَ (¬1). وقال مالكٌ والنَّخَعِيُّ: يُؤْمَرُ إذا ثُغِرَ (¬2). وقال عُرْوَةُ: إذا عَقِل. قال القاضي: يَجِبُ على وَلِيِّ الصَّبِيِّ تَعْلِيمُه الطهارةَ والصلاةَ، وأمْرُه بها إذا بَلَغ سَبْعَ سِنِين، وتَأْدِيبُه عليها إذا بَلَغ عَشْرَ سِنِين؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بذلك، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجوبُ. وهذا الأمْرُ والتَّأْدِيبُ في حَقِّ الصَّبِيِّ لتمْرِينِه عليها، كي يَأْلَفَها ويَعْتادَها فلا يَتْرُكَها عندَ البُلُوغِ. 252 - مسألة: (فإن بَلَغَ في أثْنائِها أو بعدَها في وَقْتِها، لَزِمَه إعادَتُها) وهذا قَوْلُ أَبي حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه في المَوْضِعَين؛ ¬

(¬1) في: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 115. (¬2) ثُغِرَ الغلام: سقطت أسنانه الرواضع.

253 - مسألة: (ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها، إلا لمن ينوي الجمع، أو لمشتغل بشرطها)

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، إلا لِمَنْ يَنْوي الْجَمْعَ، أَوْ لمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّه أدَّى وَظِيفَةَ الوَقْتِ، فلم يَلْزَمْه إعادَتُها، كالبالِغِ. ولَنا، أنَّه صَلَّاها قبلَ وُجُوبِها وسَبَبِه، فلم تُجْزِئْه عَمّا وُجِد سَبَبُ وُجُوبِها، كما لو صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، ولأنَّها نافِلَةٌ في حَقِّه، فلم تُجْزِئْه، كما لو نَواها نَفْلًا، ولأنَّه بَلَغ في وَقْتِ العِبادَةِ وبعدَ فِعْلِها، فلَزِمَه إعادَتُها، كالحَجِّ. 253 - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن وَجَبَتْ عليه الصلاةُ تَأْخِيرُها عن وَقْتِها، إلَّا لمَن يَنْوي الجَمْعَ، أو لمُشْتَغِلٍ بشَرْطِها) وذلك لِما رَوَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبوْ قَتادَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «أَمَا إنَّهُ لَيسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْريطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِئَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى». أخْرَجَه مسلمٌ (¬1). فسَمّاه تَفْرِيطًا. وعن سعدٍ أنَّه قال: سُئِل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (¬2). قال: «إضَاعَةُ الوَقْتِ» (¬3). تَوَعَّدَهم على ذلك، فدَلَّ على وُجُوبِه، هذا إذا كان ذاكِرًا لها، قادِرًا على فِعْلِها. فأمّا مَن نَوَى الجَمْعَ لعُذْرٍ، جاز له تَأْخِيرُ الأُولَى ¬

(¬1) في: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 472 - 474. كما أخرجه أبو داود، في: باب من نام عن الصلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 104. والنسائي، في: باب من نام عن الصلاة، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 237. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 398. (¬2) سورة الماعون 5. (¬3) انظر: تفسير الطبري 30/ 311 - 313، حيث أورده بمعناه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلى وَقْتِ الثّانِيَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه، وكذلك المُشْتَغِلُ بشَرْطِها لا يَأْثَمُ؛ لأنَّ الصلاةَ لا تَصِحُّ بدُونِه إذا قَدَر عليه، فمتى كان شَرْطًا مَقْدُورًا عليه، وَجَب عليه الاشْتِغالُ بتَحْصِيلِه، ولم يَأْثَمْ بالتَّأْخِيرِ في مُدَّةِ تَحْصِيلِه، كالمُشْتَغِلِ بالوُضُوءِ والغُسْلِ.

254 - مسألة: (ومن جحد وجوبها كفر)

وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 254 - مسألة: (ومن جَحَد وُجُوبَها كَفَر) متى جَحَد وُجوبَ الصلاةِ، نَظَرْنا، فإن كان جاهِلًا به، وهو مِمَّن يَجْهَلُ مِثْلُه ذلك، كحَدِيثِ الإِسلامِ، والنّاشِيءِ ببادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها، ولم يُحْكَمْ بكُفْرِه؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. وإن كان مِمَّن لا يَجْهَلُ ذلك، كالنّاشِيءِ بينَ المُسْلِمِين في الأمْصارِ، لم يُقْبَلْ منه ادِّعاءُ الجَهْلِ، وحُكِم بكفْرِه؛ لأنَّ أدِلَّةَ الوُجوبِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والمُسْلِمُون يَفْعَلُونها على الدَّوامِ، فلا يَخْفَى وُجُوبُها عليه، فلا يَجْحَدُها إلَّا تَكْذِيبًا للهِ ورسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وإجْماعِ الأُمَّةِ، فهذا يَصِير مُرَتَدًّا، [حُكْمُه حُكمُ سائِرِ المُرْتَدِّين عن الإِسْلامِ. قال شيخُنا (¬1): ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن تَرَكَها] (¬2) لمَرَضٍ، أو عَجْزٍ عن أرْكانِها، أُعْلِمَ أنَّ ذلك لا يُسْقِطُ الصلاةَ، وأنَّه يَجِبُ عليه أن يُصَلِّيَ على حَسَبِ طاقَتِه. ¬

(¬1) في: المغني 3/ 351. (¬2) سقط من: الأصل.

255 - مسألة: (فإن تركها تهاونا لا جحودا، دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها، وجب قتله. وعنه: لا يجب حتى يترك ثلاثا، ويضيق وقت الرابعة)

فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، لَا جُحُودًا، دُعِيَ إلى فِعْلِهَا، فَإنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَجَب قَتْلُهُ. وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثًا، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 255 - مسألة: (فإن تَرَكَها تَهاوُنًا لا جُحُودًا، دُعِي إلى فِعْلِها، فإن أبَى حتى تَضايَقَ وَقْتُ التي بَعْدَها، وَجَب قَتْلُه. وعنه: لا يَجِبُ حتى يَتْرُكَ ثَلاثًا، ويَضِيقَ وَقْتُ الرّابِعَةِ) وجُمْلَتُه، أنَّ مَن تَرَك الصلاةَ تَهاوُنًا وكَسَلًا، مع اعْتِقادِ وُجُوبِها، دُعِي إلى فِعْلِها، وهُدِّد، فقِيلَ له: صَلِّ وإلَّا قَتَلْناك. فإن لم يُصَلِّ حتى تَضايَقَ وَقْتُ التي بعدَها، وَجَب قَتْلُه، في إحْدَى الرّوايَتَين، واختيارِ ابن عَقِيلٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه إذا تَرَك الصلاةَ (¬1) الأُولَى لم نَعْلَمْ (¬2) أنَّه عَزَم على تَرْكِها إلَّا بخُرُوجِ الوَقْتِ، فإذا خَرَج، عَلِمْنا أنَّه تَرَكَها، ولا يَجِبُ قَتْلُه بها؛ لأنَّها فائِتَةٌ، فإذا ضاق وَقْتُ الثّانِيَةِ، وَجَب قَتْلُه. وقال أبو إسحاقَ ابنُ شاقْلا: إن كان التَّرْكُ للصلاةِ إلى صلاةٍ لا تُجْمَعُ معها، كالفَجْرِ إلى الظُّهْرِ، والعَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وَجَب قَتْلُه، وإن كانت تُجْمَعُ معها، كالظُّهْرِ إلى العَصْرِ، والمَغْرِبِ إلى العِشاءِ، فلا يُقْتَلُ، لأن وَقْتَهما وَقْتٌ واحِدٌ في حالِ العُذْرِ، ولأنَّ الوَقْتَينِ كالوقتِ الواحدِ عندَ بعضِ العُلَماءِ. قال شيخُنا (¬3): وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُقْتَلُ حتى يَتْرُكَ ثلاثَ صَلَواتٍ، ويَضِيقَ وَقْتُ الرّابِعَةِ. قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لِئَلا تكُونَ شُبْهَةٌ، لأنَّه قد يَتْرُكُ الصلاةَ والصَّلاتَين والثَّلاثَ لشُبْهَةٍ، فإذا رَأْيناه تَرَك الرّابِعَةَ، عَلِمْنا أنَّه عَزَم على تَرْكِها، وانْتَفَتِ الشُّبْهَةُ، فيَجِبُ قَتْلُه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. وقد نَصَّ أحمدُ في من تَرَك صلاةَ الفَجْرِ عامِدًا، حتى وَجَبَتْ عليه أُخْرى، يُسْتَتابُ، فإن تاب وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه؛ لأنَّه قد وُجِد التَّرْكُ، وليس تَقْدِيرُها بثَلاثٍ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في الأصل: «يعلم». (¬3) في: المغني 3/ 354.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أوْلَى مِن تَقْدِيرِها بأرْبَعٍ وخَمْسٍ. و [القَوْلُ بقَتْلِ تارِكِ الصلاةِ] (¬1) هو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ. وقال الزُّهْرِيُّ: يُسْجَنُ ويُضْرَبُ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْتَلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ؛ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيرِ حَقٍّ». ولم يُوجَدْ مِن هذا أحَدُ الثَّلاثةِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولُوا لَا إلَهَ إلَّا الله، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إلَّا ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِحَقِّهَا». مُتَّفَقٌ عليهما (¬1). ولأنَّه أحَدُ الفُرُوعِ، فلا يُقْتَلُ بتَرْكِه (¬2)، كالحَجِّ، ولأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ الدَّمِ، فلا تَثْبُتُ الإِباحَةُ إلَّا بنَصٍّ أو ¬

(¬1) الأول أخرجه البخاري، في: باب قول الله تعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. . .}، من كتاب الديات. صحيح البخاري 9/ 6. ومسلم، في: باب ما يباح به دم المسلم، من كتاب القسامة. صحيح مسلم 3/ 1302، 1303. كما أخرجه أبو داود، في: باب الحكم في من ارتد، من كتاب الحدرد. سنن أبي داود 2/ 440. والترمذي، في: باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، من أبواب الفتن. عارضة الأحوذي 9/ 2. والنسائي، في: باب ذكر ما يحل به دم المسلم، وباب الصلب، وباب الحكم في المرتد، من كتاب التحريم. المجتبى 7/ 84، 93، 94، 95. والدارمي، في: باب لا يحل دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله، من كتاب السير. سنن الدارمي 2/ 218. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 61، 63، 65، 70، 163، 382، 428، 444، 465، 6/ 181، 214. والثاني أخرجه البخاري، في: باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة. . . .، من كتاب الإيمان، وفي: باب فضل استقبال القبلة. . . .، من كتاب الصلاة، وفي: باب وجوب الزكاة، من كتاب الزكاة، وفي: باب قتل من أبى قبول الفرائض، من كتاب استتابة المرتدين والمعاندين. . . .، وفي باب الاقتداء بسنن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وباب قول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ}. . . .، من كتاب الاعتصام. صحيح البخاري 1/ 13، 109، 2/ 131، 9/ 19، 115، 138. ومسلم، في: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا. . . .، من كتاب الإيمان، وفي: باب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من كتاب فضائل الصحابة. صحيح مسلم 1/ 51، 52، 53، 4/ 1871، 1872. كما أخرجه أبو داود، في: باب الزكاة، من كتاب الزكاة. سنن أبي داود 1/ 356. والترمذي، في: باب ما جاء أمرت أن أقاتل. . . .، وباب ما جاء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. . . .، من أبواب الإيمان، وفي: تفسير سورة الغاشية، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذي 10/ 68، 69، 71، 72، 12/ 243. والنسائي، في: باب مانع الزكاة، من كتاب الزكاة، وفي: كتاب وجوب الجهاد، من كتاب الجهاد، وفي: باب تحريم الدم، من كتاب التحريم، وفي: باب على ما يقاتل الناس، من كتاب الإيمان. المجتبى 5/ 10، 11، 6/ 5، 7، 71، 73، 8/ 96. وابن ماجه، في: باب في الإيمان، من المقدمة، وفي: باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله، من كتاب الفتن. سنن ابن ماجه 1/ 27، 2/ 1295. والدارمي، في: باب في القتال على قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. . . .، من كتاب السير. سنن الدارمي 2/ 218. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 11، 19، 35، 36، 2/ 314، 345، 337، 423، 439، 475، 482، 502، 527، 528، 3/ 199، 224، 224، 295، 300، 332، 339، 394، 4/ 8، 9، 5، 246. (¬2) في الأصل: «تاركه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَعْنًى (¬1)، والأصْلُ عَدَمُه. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}. إلى قولِه: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} (¬2). فأباح قَتْلَهُم حتى يَتُوبُوا مِن الكُفْرِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فمتى تَرَك الصلاةَ، لم يَأْتِ بشَرْطِ التَّخْلِيَةِ، فَتَبْقَى إباحَةُ القَتْلِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ». رَواه الإمامُ أحمدُ (¬3). وهذا يَدُلُّ على إباحةِ قَتْلِه. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَ الْعَبْدِ وَبَينَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ». رَواه مسلمٌ (¬4). وقال: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» (¬5). ولأنَّها رُكْنٌ مِن أرْكانِ الإسلامِ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، فوَجَب أن يُقْتَلَ تارِكُه، كالشَّهادَةِ، وحَدِيثُهم حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ الخَبَرَ الذي رَوَيناه يَدُلُّ على أنَّ تَرْكَها كُفْرٌ، والحديثُ الآخَرُ اسْتَثْنَى منه: «إلَّا بِحَقِّهَا»، والصلاةُ مِن حَقِّها، ثم إنَّ أحادِيثَنا خاصَّةٌ، تَخُصُّ عُمُومَ ما ذَكَرُوه، وقِياسُهم على الحَجِّ لا يَصِحُّ؛ لاخْتِلافِ النّاسِ في جَوازِ تَأْخِيرِه. ¬

(¬1) في م: «معناه». (¬2) سورة التوبة 5. (¬3) في: المسند 6/ 421. (¬4) في: باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 88. كما أخرجه أبو دارد، في: باب في رد الإرجاء، من كتاب السنة. سنن أبي داود 2/ 522. والترمذي، في: باب ما جاء في ترك الصلاة، من أبواب الإيمان. عارضة الأحوذي 10/ 89. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من ترك الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 342. والدارمي، في: باب من ترك الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 280. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 370، 389. (¬5) أخرجه أبو داود، في: باب الحكم في المخنثين، من كتاب الأدب. سنن أبي داود 2/ 580.

256 - مسألة: (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل بالسيف)

وَلا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا، فَإنْ تَابَ وَإلَّا قُتِلَ بِالسَّيفِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 256 - مسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِل بالسَّيفِ) لا يُقْتَلُ تارِكُ الصلاةِ حتى يُسْتَتابَ ثلاثةَ أيّامٍ، ويُضَيَّقَ عليه، ويُدْعَى في وَقْتِ كلِّ صلاةٍ إلى فِعْلِها؛ لأنَّه قَتْلٌ لتَرْكِ واجبٍ، فتَقَدَّمَتْه الاسْتِتابَةُ، كقَتْل المُرْتَدِّ، ويُقْتَلُ بالسَّيفِ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (¬1). الحديث. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، من كتاب الصيد. صحيح مسلم 3/ 1548. وأبو داود، في: باب في النهي أن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة، من كتاب الأضاحي. سنن أبي داود 2/ 90. والترمذي، في: باب ما جاء في النهي عن المثلة، من أبواب الديات. عارضة الأحوذي 6/ 179. والنسائي، في: باب الأمر بإحداد الشفرة، وباب ذكر المنفلتة التي لا يقدر على أخذها، وباب حسن الذبح، من كتاب الضحايا. المجتبى 7/ 200 - 202. وابن ماجه، في: باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، من كتاب الذبائح. سنن ابن ماجه 2/ 1058. والدارمي، في: باب في حسن الذبيحة، من كتاب الأضاحي. سنن الدارمي 2/ 82. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 123 - 125.

257 - مسألة: (وهل يقتل حدا أو لكفره؟ على روايتين)

وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًا أَوْ لِكُفْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 257 - مسألة: (وهل يُقْتَلُ حَدًا أو لكفْرِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، يُقْتَلُ لكُفْرِه، كالمُرْتَدِّ، فلا يُغَسَّلُ، ولا يُكَفَّنُ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ بينَ المُسْلِمِين. اخْتارَها أبو إسحاقَ بنُ شاقْلا، وابنُ عَقِيلٍ، وابنُ حامِدٍ. وبه قال الحسنُ، والنِّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ؛ لقَوْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَ الْعَبْدِ وَبَينَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصِّلاةِ». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن بُرَيدَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَهْدُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 32.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كَفَرَ». رَواه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ، والترمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديث حسن صحيحٌ. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِن دِينكُمُ الأمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاة» (¬2). قال أحمدُ: كلُّ شيء ذَهَب آخِرُه، لم يَبقَ منه شيءٌ. وقال عُمَرُ، رَضي الله عنه، لا حَظَّ في الإسلامِ لمَن ترَكَ الصلاة. وقال علي، رَضِي اللهُ عنه: مَن لم يُصَلِّ فهو كافِرٌ. قال عبدُ الله بنُ شَقِيقٍ (¬3): لم يَكُنْ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَرَوْن شَيئًا مِن الأعْمالِ، تركُه كُفْر، غيرَ الصلاةِ (¬4). ولأنها عِبادَةٌ يَدْخُلُ بفِعْلِها في الإسلامِ، فيَخْرُجُ بتَرْكِها مِنه، كالشَّهادَةِ. والروايَةُ الثانيةُ، يُقْتَلُ حَدًّا، مع الحُكْمِ بإسلامِه، كالزّانِي المُحْصَن. وهذا اخْتِيارُ أبي عبدِ الله بن بَطَّةَ، وأنكَرَ قوْلَ من قال: إنَّه يَكْفرُ. وذَكَر أن المَذْهَبَ على هذا، لم يَجِدْ في المَذْهَبِ خِلافًا فيه. وهو قوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاء؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قال: لَا إلَه إلَّا الله. يَبْتَغِي بذَلِكَ وَجْهَ الله». وعن عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إلَهَ إلا الله، وَأنَّ مُحَمدًا ¬

(¬1) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في ترك الصلاة، من أبواب الإيمان. عارضه الأحوذي 10/ 90. والنسائي، في: باب الحكم في تارك الصلاة، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 187. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 346.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في ترك الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. سنن ابن ماجه 1/ 342. (¬2) عزاه الهيثمي إلى الطبراني، بنحوه عن ابن مسعود. مجمع الزوائد 7/ 329. وروى الطبراني أوله عن شداد بن النوس. المعجم الكبير 7/ 354. (¬3) عبد الله بن شقيق العقيلي البصري، سمع من عمر الكبار، وتوفي بعد المائة. العبر 1/ 122. (¬4) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في ترك الصلاة، من أبواب الإيمان. عارضه الأحوذي 10/ 90.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّ عِيسى عَبْدُ الله وكلِمتُهُ ألْقاها إلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأنَّ الجَنَّة حَقٌّ، وأن النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنْ عَمَل». وعن أنسٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَال: لَا إلهَ إلا الله، وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيرِ ما يَزن برَّةً». مُتَّفَقٌ عَلَيهِنَّ (¬1). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَه، وَإنِّي اخْتَبَأتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ، إنْ شاءَ الله، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمتِي لَا يُشْرِكُ ¬

(¬1) الأول: أخرجه البخاري، في: باب المساجد في البيوت، من كتاب الصلاة، وفي: باب صلاة النوافل جماعة، من كتاب التهجد، وفي: باب الخزيرة، من الأطعمة، وفي: باب العمل الذي يبتغى به وجه الله، من كتاب الرقاق. صحيح البخاري 1/ 115، 2/ 74، 75، 7/ 94، 8/ 111، 112. ومسلم، في: باب الرخصة في التخلف عن الجماعة يعذر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 455. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 44. والثاني: أخرجه البخاري، في: باب قوله تعالى: {لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ. . . .}، من كتاب الأنبياء. صحيح البخاري 201/ 4. ومسلم، في: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 57.كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 5/ 313، 314. والثالث: أخرجه البخاري، في: باب زيادة الإيمان ونقصانه، من كتاب الإيمان، وفي: باب قول الله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، من كتاب التوحيد. صحيح البخاري 1/ 17، 9/ 149، 150. ومسلم، في: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 182. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء أن للنار نفسين. . . . الخ، من أبواب جنهم. عارضة الآحوذى 10/ 60، 61. وابن ماجه، في: باب ذكر الشفاعة، من كتاب الزهد. سنن ابن ماجه 2/ 1442، 1443. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 116، 173، 276.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِاللهِ شَيئًا». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن عُبادَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعَبْدِ في اليَوْمِ وَاللَّيلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيهِنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ؛ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإنْ شَاءَ أدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» (¬2). ولو كان كافِرًا، لم يُدْخِلْه في المَشِيئَةِ. ورُوِيَ عن حُذَيفَةَ، أنَّه قال: يَأْتِي على النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقَى معهم مِن الإسلامِ إلَّا قولُ: لا إلَهَ إلَّا الله. فقِيلَ له: وما يَنْفَعُهُم؟ ¬

(¬1) في: باب اختباء النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوة الشفاعة لأمته، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 188. كما أخرجه الترمذي، في: باب فضل لا حول ولا قوة إلا بالله، من أبواب الدعاء. عارضة الأحوذي 13/ 91. وابن ماجه، في: باب ذكر الشفاعة، من كتاب الزهد. سنن ابن ماجه 2/ 1440. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 426. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في المحافظة على وقت الصلوات، من كتاب الصلاة، وفي: باب فيمن لم يوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 100، 328. والنسائي، في: باب المحافظة على الصلوات الخمس، من كتاب الصلاة. المجتبى من السنن 1/ 186. وابن ماجه، في: باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 448، 449. والدارمي، في: باب في الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 370. والإمام مالك، في: باب الأمر بالوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 123. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 316، 317، 322.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: تُنْجِيهِمْ مِن النّارِ، لا أبالَكَ (¬1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَال: لَا إلَهَ إلا الله» (¬2). رَواه الخَلَالُ. ولأنَّ ذلك إجماعُ المُسْلِمِين، فإَّننا لا نَعْلَمُ في عَصْرٍ مِن الأعْصارِ أحَدًا مِن تارِكِي الصلاةِ تُرِك تَغْسِيلُه، والصلاةُ عليه، ولا مُنِع ميراثُ مَوْرُوثِه منه (¬3)، ولا فُرِّق بينَ الزَّوْجَين لتَرْكِ الصلاةِ مِن أحَدِهِما، معَ كثْرةِ تارِكِي الصلاةِ، ولو كَفَر لثَبَتَتْ هذه الأحْكامُ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ المُسْلِمِين أنِّ تارِكَ الصلاةِ يجِبُ عليه قَضاؤُها، مع اخْتِلافِهم في المُرْتَدِّ (¬4). وأمّا الأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ فهي على وَجْهِ التَّغْلِيظِ، والتَّشْبِيهِ بالكُفَارِ، لا على الحَقِيقَةِ، كقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (¬5). وقَوْلِه: ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: كتاب ذهاب القرآن والعلم، من كتاب الفتن. سنن ابن ماجه 2/ 1344، 1345. والحاكم، في: باب يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب، من كتاب الفتن. المستدرك 4/ 473، 474. (¬2) أخرجه الدارقطني، في: باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 2/ 56. (¬3) سقطت من: «م». (¬4) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، أن من لا يصلي يؤمر بالصلاة، فإن امتنع عوقب حتى يصلي، بإجماع العلماء، ثم إن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهل يقتل كافرا أو مرتدا أو فاسقا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره. والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهذا مع الإقرار بالوجوب. مجموعة الفتاوى 28/ 359، 360. وانظر الفهارس 37/ 48. (¬5) أخرجه البخاري، في: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، من كتاب الإيمان، وفي: باب ما ينهى عن السباب واللعن، من كتاب الأدب، وفي: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، من كتاب الفتن. صحيح البخاري 1/ 19، 8/ 18، 9/ 63. ومسلم، في: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 81. =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «مَنْ قَال لِأخِيهِ: يا كَافِرُ. فقَدْ بَاءَ بِهَا أحَدُهُمَا» (¬1). وقولِه: «مَنْ حَلَفَ بِغيرِ اللهِ فَقَدْ أشْرَكَ» (¬2). وقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «كُفْرٌ بِاللهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ، وإنْ دَقَّ» (¬3). وأشْبَاهِ هذا مِمْا أرِيدَ به التَّشْدِيدُ في الوَعِيدِ. قال شيخُنا، رَحِمَه الله: وهذا أصْوَبُ القَوْلَين، واللهُ أعلمُ (¬4). ¬

= والترمذي، في: باب ما جاء في الشتم، من أبواب البر والصلة، وفي: باب ما جاء في سباب المؤمن فسوق، من أبواب الإيمان. عارضة الأحوذي 8/ 152، 10/ 102. والنسائي، في: باب قتال المسلم، من كتاب التحريم. المجتبى 7/ 111. وابن ماجه، في: باب في الإيمان، من المقدمة، وفي: باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، من كتاب الفتن. سنن ابن ماجه 1/ 27، 2/ 1299. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 176، 178، 385، 411، 417، 433، 439، 446، 454، 460. (¬1) أخرجه البخاري، في: باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، من كتاب الإيمان. صحيح البخاري 8/ 32. ومسلم، في: باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 79. والإمام مالك، في: باب ما يكره من الكلام، من كتاب الكلام. الموطأ 2/ 984. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 18، 44، 60، 105، 113. (¬2) أخرجه الترمذي، في: باب حدثنا قتيبة، من أبواب النذور. عارضة الأحوذي 7/ 18. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 125. (¬3) أخرجه ابن ماجه، في: باب من أنكر ولده، من كتاب الفرائض. سنن ابن ماجه 2/ 916. والدارمي، في: باب من ادعى إلى غير أبيه، من كتاب الفرائض. سنن الدارمي 2/ 343. (¬4) في المغني 3/ 359.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن تَرَك شَرْطًا مُجْمَعًا عليه، أو رُكْنًا؛ كالطهارَةِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ، فهو كتارِكِها، حُكْمُه حُكْمُه؛ لأنَّ الصلاةَ مع ذلك، وُجُودُها كعَدَمِها. فأمّا الأرْكانُ المُخْتَلَفُ فيها؛ كإزالةِ النَّجاسَةِ وقِراءَةِ الفاتِحَةِ، والاعْتِدالِ عن الرُّكُوعِ، فإن تَرَكَه مُعْتَقِدًا جَوازَه، فلا شيءَ عليه، وإلَّا لَزِمَتْه الإعادَةُ، ولا يُقْتَلُ بحالٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَتَعَلَّقْ به حَدٌّ، كالمُتَزَوِّجِ بغيرِ ولِيٍّ، وسارِقِ مالٍ (¬1) فيه شُبْهَةٌ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا بَأْسَ بوُجُوبِ قَتْلِه. [كما نَحُدُّه بفعِلِ] (¬2) ما يُوجِبُ الحَدَّ على مَذْهَبِه. والله أعلمُ. ¬

(¬1) في الأصل: «ماله». (¬2) في الأصل: «نجده يفعل».

باب الأذان والإقامة

بابُ الأذانِ والإقامَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ الأذانِ والإقامَةِ أصْلُ الأذانِ في اللغَةِ الإعْلامُ. قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (¬1). أي: إعْلام. وقال الشّاعِرُ (¬2): * آذَنَتْنا ببَينها أسْماءُ * أي: أعْلَمتْنا. والأذانُ للصلاةِ إعْلام بوَقْتِها، والأذانُ الشَّرعِيُّ هو اللفْظُ المَعْلُومُ المَشْروعُ في أوْقاتِ الصلَوات. ¬

(¬1) سورة التوبة 3. (¬2) هو الحارث بن حِلّزة اليشكري، أحد شعراء المعلقات، والشطر صدر البيت الأول في معلقته. انظر: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات 433.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وفيه فَضْل عَظِيم، لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يَعْلَمُ الناسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأولِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهمُوا عَلَيهِ، لَاسْتَهَمُوا عَلَيهِ». مُتَّفَق عليه (¬1). وعن مُعاويَةَ بنِ أبي سُفْيانَ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «الْمُؤذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَواه مسلمٌ (¬2). وعن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أذنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا، كتبَ الله لَهُ بَرَاءَة مِنَ النَّارِ». رَواه ابنُ ماجَه (¬3). وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُل أمَّ قوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُل يُؤذِّنُ في كُل يَوْم خَمْسَ صَلَواتٍ، وَعَبْدٌ أدَّى حَقَّ اللهِ وَحَق مَوَالِيهِ». رَواه ¬

(¬1) أخرجه البخاري؛ في: باب الاستهام في الأذان، وباب فضل التهجير الظهر، من كتاب الأذان، وفي: باب القرعة في المشكلات، من كتاب الشهادات. صحيح البخاري 1/ 159، 160، 167، 3/ 238. ومسلم، في: باب تسوية الصفوف وإقامتها. . . . الخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 325. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في فضل الصف الأول، من أبواب المواقيت. عارضة الأحوذي 2/ 24. والنسائي، في: باب الرخصة في أن يقال للعشاء العتمة، من كتاب المواقيت، وفي: باب الاستهام على التأذين، من كتاب الأذان. المجتبى 1/ 216، 2/ 19، 20. والإمام مالك، في: باب ما جاء في النداء للصلاة، من كتاب النداء، وباب ما جاء في العتمة والصبح، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 68، 131. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 236، 278، 303، 374، 533. (¬2) في: باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 290. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب فضل الأذان وثواب المؤذنين، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجة 1/ 240. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 95، 98. (¬3) في: باب في فضل الأذان وثواب المؤذنين، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 240. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في فضل الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 7.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدُ، والترمِذِيُّ (¬1). وعن البراءِ بنِ عازِبٍ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ اللهَ وَمَلَائِكتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّف الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤذِّنُ يُغْفرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِس، وَلَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنْ صَلى مَعَهُ». رَواه الإمامُ أحمدُ والنَّسائِيُّ (¬2). فصل: قال القاضي: الأذانُ أفْضَلُ مِن الإمامَةِ. وهذا إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ ابنِ أبي موسى، وجَماعَةٍ مِن أصحابِنا. [وهذا مَذْهَبُ] (¬3) الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ في فَضِيلَتِه، ولِما روَى أبو هريرة، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإمَامُ ضَامنٌ، وَالمُوذِّن مُوتمنٌ اللَّهُمَّ أرشِدِ الأئمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُوذنِينَ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِيُّ (¬4). والأمانَةُ أعْلَى مِن الضَّمانِ، والمَغْفِرَةُ أعلى مِن الإرْشادِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، الإمامَةُ (¬5) أفْضَل؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَلّاها بنَفْسِه، وخُلَفاؤه مِن بعدِه، ولا يَخْتارُون إلَّا الأفضلَ، ولأنَّ الإمامَةَ يُخْتارُ لها مَن ¬

(¬1) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في فضل المملوك الصالح، من أبواب البر، وفي: باب حدثنا أبو كريب، من أبواب صفة الجنة. عارضة الأحوذي 8/ 154، 10/ 38. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 26. (¬2) أخرجه النسائي، في: رفع الصوت بالأذان، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 12. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 284. (¬3) في الأصل: «وهو أحد قولي». (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 123. والترمذي، في باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 8. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 232، 284، 378، 382، 419، 424، 461، 472، 514، ورواه الإمام أحمد أيضًا عن عائشة، رضي الله عنها، في: المسند 6/ 65. (¬5) في الأصل: «الإمام».

258 - مسألة: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء)

وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيرِهَا، لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ هو أكْمَلُ حالًا وأفْضَلُ، واعْتِبارُ فضِيلَتِه دَلِيلٌ على فضيلةِ مَنْزِلَتِه. ومَن نَصَر الروايَةَ الأُولَى قال: إنَّما لم يَتَوَلَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلَفاؤُه؛ لضِيقِ وَقْتِهم عنه، ولهذا قال عُمَرُ: لولا الخِلِّيفَي (¬1) لأذَّنْتُ (¬2). والله أعلمُ. 258 - مسألة: (وهما مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمْسِ دُونَ غيرِها، للرِّجالِ دونَ النِّساءِ) أجْمَعَتِ الأمةُ على أنَّ الأذانَ والإقامَةَ مَشْرُوعان للصَّلَواتِ الخَمسِ، ولا يُشرعان لغيرِ الصَّلَواتِ الخَمسِ، لأنَّ المَقْصُودَ منه الإعْلامُ بوَقْتِ المفْرُوضَةِ على الأعْيانِ، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِها. والأصْلُ في الأذانِ ما رُوِيَ عن أنس بنِ مالكٍ، رَضِي اللهُ عنه، قال: لَمّا كثُر النّاسُ ذَكَرُوا أن يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلاةِ بشيءٍ يَعْرِفُونَه، فذَكَرُوا أن يُورُوا نارًا، أو يَضْرِبُوا ناقُوسًا، فأُمِرَ بِلالٌ اُن يَشْفَعَ الأذانَ ويُوتر الإقامَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وعن عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ بن عبدِ رَبِّه، رَضِي اللهُ ¬

(¬1) الخِلِّيفَي: مبالغة في الخلافة. (¬2) أخرجه بنحوه عبد الرزاق، في: باب فضل الأذان، من كتاب الصلاة. المصنف 1/ 486. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب الأذان مثنى مثنى، من كتاب الصلاة. صحيح البخاري 1/ 158. ومسلم، في: باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 286.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عنه، قال: لَما أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالنّاقُوس يُعْمَلُ ليُضْرَبَ به [للنّاسِ لجَمْعِ الصلاة] (¬1)، طاف بِي وأنا نائمٌ رجلٌ يَحْمِلُ ناقوسًا في يَدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ، أتَبِيعُ النّاقُوسَ؟ قال: وما تَصْنَعُ به؟ قلتُ: نَدْعُو به إلى الصلاةِ. قال: أفلا أدُلُّكَ على ما هو خَير مِن ذلك؟ فقلت: بلى. قال: فقال: تقولُ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهَدُ أن لا إِلَهَ إلا الله، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، أشْهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الصلاةِ، حَيَّ على الفَلاح، حيَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلَهَ إلا الله. ثم اسْتَأخَرَ عنِّي غيرَ بَعِيدٍ، ثم قال: ثم تَقُولُ إذا أقَمْتَ (¬2) الصلاةَ: اللهُ أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله، أشْهَدُ أن محمدًا رسولُ الله، حَيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفَلاحِ، قد قامتَ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ. فلَمّا أصْبَحْتُ أتَيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخْبرتُه بما رَأيتُ، فقال: «إنَّهَا لرؤيَا حَقٍّ، إنْ شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فألْقِ عَلَيةِ مَا رَأيتَ، فَلْيُؤذِّنْ بهِ، فَإَّنهُ أندَى صَوْتًا مِنْكَ». فقُمْتُ مع بِلالٍ، فجَعَلْتُ أُلقِيه عليه ويُؤذِّنُ به. قال: فَسَمِعَ ذلك (¬3) عُمَرُ بنُ الخطابِ، ¬

(¬1) في م: «لجمع الناس للصلاة». (¬2) في الأصل: «قمت إلى». (¬3) سقطت من: «م».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَضِي الله عنه، وهو في بَيته، فخرَجَ يَجُرُّ رِداءَه، يقولُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ يا رسولَ الله، لقد رَأيتُ مثلَ الذي رَأى. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلِلَّهِ الْحَمدُ». أخْرَجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لَفْظُه، وابنُ ماجَه (¬1)، وأخْرَج الترِّمِذِيُّ بعْضَه (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. فصل: وليسَ على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ. كذلكَ قال ابنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم. واخْتَلَفُوا، هل يُسَنُّ لَهُنَّ ذلك؟ فرُوىَ عن أحمدَ، إن فَعَلْنَ فلا بَأْسَ، وإن لم يَفْعَلْنَ. فجائِزٌ. وقال القاضي: هل تُسْتَحَبُّ لها الإقامَةُ؟ على رِوايَتَين. وعن جابِرٍ، أنَّها تُقِيمُ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والأوْزاعِيُّ. وقال الشافعيُّ: إن أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بَأْسَ. وعن عائشةَ، أنَّها ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب كيف الأذان، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 116، 117. وابن ماجه، في: باب بدء الأذان، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 232، 233. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 43، 5/ 246. كما أخرجه الدارمي، في: باب بدء الأذان، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 268، 269. (¬2) في: باب ما جاء في بدء الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 305.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كانَتْ تُؤَذِّنُ وتُقِيمُ. وبه قال إسحاقُ. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ لأُمِّ وَرَقَةَ أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ، وتَؤُمَّ نِساءَ أهْلِ دارِها (¬1). إلَّا أنَّ هذا الحديثَ يَرويه الوَلِيِدُ بنُ جُمَيعٍ (¬2)، وقد قال ابنُ حِبّانَ: لا يُحْتَجُّ بحَدِيثِه. ووَثَّقَه يَحْيى بنُ مَعِينِ. ورُوي عنه، لا يُشْرَعُ لها ذلك، لِما روَى النَّجَادُ، بإسنادِه، عن أسماءَ بنتِ يَزِيدَ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَيسَ عَلَى النِّسَاءِ أذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ» (¬3). ولأنَّ الأذانَ يُشْرَعُ له رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا يُشْرَعُ لها، ولا تُشْرَعُ لها الإقامَةُ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الأذانُ، لا تُشْرَعُ له الإقامَةُ، كغيرِ المُصَلِّي وكالمَسْبُوقِ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب إمامة النساء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 139. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 405. (¬2) هو الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري. انظر الضعفاء الكبير، للعقيلي 4/ 317. (¬3) أخرجه البيهقي، في: باب ليس على النساء أذان ولا إقامة، من كتاب الصلاة. سنن البيهقي 1/ 408.

259 - مسألة؛ قال: (وهما فرض على الكفاية، إن اتفق أهل بلد كل تركهما قائلهم الإمام)

وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكفَايةِ، إنِ اتَفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَائلَهُمُ الْإمَامُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 259 - مسألة؛ قال: (وهما فَرْضٌ على الكِفايَة، إن اتفَق أهلُ بَلَدٍ كل تركِهما قائَلَهُم الإمامُ) كذلك ذَكَرَه أبو بكر عبدُ العزيزِ (¬1)، وهو قولُ أكْثَرِ الأصحابِ، وبعض أصحابِ مالكٍ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهدٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الأذانُ والإقامةُ واجِبان كل كلِّ جماعةٍ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ (¬2) وصاحِبَه، والأمْرُ يَقْتَضي الوُجُوبَ، وداوَم عليه هو وخُلَفاؤه وأصحابُه. ولأنَّه مِن ¬

(¬1) في م: «أبو بكر بن عبد العزيز»، وهو خطأ. وهو غلام الخلال، تقدمت ترجمته في 1/ 16. (¬2) مالك بن الحُوَيرث: بن أشيم، الليثي، أبو سليمان. من أهل البصرة، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيبة من قومه فعلمهم الصلاة وأمرهم بتعليم قومهم. توفي سنة أربع وتسعين. أسد الغابة 5/ 20، 21.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فكان فَرْضًا، كالجهادِ. فعلى هذا إذا قام به مَن تَحْصُلُ به الكِفايَةُ سَقَط عن الباقِين، كسائِرِ فُرُوض الكِفاياتِ، وإن اتَّفَقُوا على تَرْكِه أثِمُوا كلُّهم. ولأن بِلالًا كان يُؤذِّنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيَكتَفِي به. وإنِ اتَّفَق أهلُ البَلَدِ على تركِه، قاتَلَهُم الإمامُ عليه؛ لأنَّه مِن شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا عليه، كصَلاةِ العِيدَين. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أن الأذانَ سُنَّةٌ غيرُ واجِب؛ لأنه قال: فإن صَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، كَرِهْنا له ذلك. فجَعَلَه مَكْرُوهًا، وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ لأنَّه دُعاءٌ إلى الصلاةِ، فأشْبَهَ قَوْلَه: الصَّلاةَ جامِعَةً. وقال ابنُ أبي موسى: الأذانُ سُنةٌ في إحْدَى الروايَتَين، إلَّا أذانَ الجُمُعَةِ حين يَصْعَدُ الإمامُ، فإنَّه واجِبٌ. وعلى كِلا القَوْلَين إذا صَلى بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، كُرِه له ذلك، لِما ذَكَرْنا، وصَحَّتْ صَلاتُه؛ لِما رُوِيَ عن عَلْقَعَةَ (¬1) والأسْوَدِ (¬2)، أنَّهما قالا: دَخَلْنا على عبدِ اللهِ فصَلَّى بنا، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ. رَواه الأثْرَمُ. قال شيخُنا (¬3): ولا أعْلَمُ أحدًا خالفَ في ذلك إلَّا عَطَاءً، قال: ¬

(¬1) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، أبو شبل ولد في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وروى عن عمر وعثمان وغيرهم. مات سنة إحدى وسنين. تهذيب التهذيب 276 - 278. (¬2) أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، سمع من معاذ بن جبل في اليمن قبل أن يهاجر، توفي سنة أربع، وقيل خمس وسبعين. تهذيب التهذيب 1/ 342، 343. (¬3) في: المغني 2/ 73.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَن نَسِي الإقامَةَ يُعِيدُ. ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ. والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ الإقامَةَ أحَدُ الأذانَين، فلم يُفْسِدْ تَرْكُها، كالآخَرِ. فصل: ومَن أوْجَبَ الأذانَ مِن أصحابِنا إنَّما أوْجَبَه على أهلِ المِصْرِ، فأمّا غيرُ أهلِ المِصْرِ مِن المُسافِرِين فلا يَجِبُ عليهم. كذلك ذَكَره القاضي. وقال مالكٌ: إنَّما يَجِبُ النِّداءُ في مَساجِدِ الجَماعَةِ التي يُجْمَعُ (¬1) فيها للصلاةِ؛ وذلك لأنَّ الأذانَ إنَّما شُرِعَ (¬2) في الأصْلِ للإعْلامِ بالوَقْتِ، ليَجْتَمِعَ (¬3) النَّاسُ إلى الصلاةِ، ويُدْرِكُوا الجَماعَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ في السَّفَرِ للجَماعَةِ، وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به بلالًا في السَّفَرِ، وقال لمالكِ بنِ الحُوَيرِثِ، ولابنِ عَمٍّ له: «إذَا سَافَرْتُمَا فَأذِّنَا وَأقِيمَا ولْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬4). وهذا ظاهِرٌ في ¬

(¬1) في م: «يجتمع». (¬2) في الأصل: «يشرع». (¬3) في الأصل: «ليجمع». (¬4) أخرجه البخاري، في: باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد، وباب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، وباب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم، وباب المكث بين السجدتين، من كتاب الأذان، وفي: باب سفر الاثنين، من كتاب الجهاد، وفي: باب رحمة الناس والبهائم، من كتاب الأدب، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. . . .، من كتاب الآحاد. صحيح البخاري 1/ 162، 175، 207، 208، 4/ 33، 8/ 11، 1/ 107. ومسلم، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 465، 466.كما أخرجه النسائي، في: باب اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 8، 9. وابن ماجه، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 313. والدارمي، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 286. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 436، 5/ 53.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وُجُوبِه. ويَكْفِي مُؤَّذِّنٌ في المِصْرِ، إذا كان يُسْمِعُهم ويَجْتَزئُ بَقِيَّتُهم بالإقامَةِ. قال أحمدُ، في الذي يُصَلِّي في بَيتِه: يُجْزِئُه أذانُ المِصْرِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ: تَكْفِيهِ الإقامَةُ. وقال الحسنٌ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء أقام. لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذي عَلَّمَه الصلاةَ: «إذَا أردْتَ الصَّلَاةَ فَأحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ» (1). وفي لفطٍ رَواه النَّسائِيُّ: «فَأقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ (¬1). وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ مسعودٍ (¬2). ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، من كتاب الأذان، وفي: باب من رد فقال: عليك السلام، من كتاب الاستئذان، وفي: باب إذا حنث ناسيا في الأيمان، من كتاب الأيمان. صحيح البخاري 1/ 201، 8/ 69، 169. ومسلم، في: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 298. والنسائي، في: باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع، من كتاب التطبيق، وفي: باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 151، 3/ 50. وابن ماجه، في: باب إتمام الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 336، 337. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 116، 4/ 340. (¬2) المتقدم قبل قليل من رواية علقمة والأسود.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والأفْضَلُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يُؤذِّنَ ويُقِيمَ، إلَّا أنه إن (¬1) كان يُصَلِّي قَضاءً أو في غيرِ وَقْتِ الأذانِ، لم يَجْهَرْ به، وإن كان في الوقت في بادِيةٍ أو نَحْوها، اسْتُحبَّ له الجَهْرُ بالأذانِ؛ لقَوْلِ أبي سعيدِ: «إذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أوْ بَادِيتكَ فَأذنْتَ بالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالندَاءِ، فَإنَّه لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمؤذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال أبو سعيدٍ: سَمعْتُه عِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. رَواه البخاريُّ (¬2). وعن أنسٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُغِيرُ إذا طَلَع الفَجْرُ، وكان إذا سَمِع أذانًا أمْسَك، وإلَّا أغار، فسَمِعَ رجلًا يقولُ: الله أكبرُ ¬

(¬1) سقطت من: الأصل. (¬2) في: باب رفع الصوت بالنداء، من كتاب الأذان، وفي: باب ذكر الجن وثوابهم وعقابه، من كتاب بدء الخلق. صحيح البخاري 1/ 158، 4/ 154. كما أخرجه النسائي، في: باب رفع الصوت بالأذان، من كتاب الأذان. المجتبي 2/ 11. وابن ماجه، في: باب فضل الأذان وثواب المؤذنين، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 239، 240. والإمام مالك، في: باب ما جاء في النداء للصلاة، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 69. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 6، 35، 43.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الله أكبرُ. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْفِطْرَةِ». فقال: أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، [أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله] (¬1). فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خَرجْتَ مِنَ النَّارِ». فَنَظروا فإذا صاحبُ مِعْزًى (¬2). رَواه مسلمٌ (¬3). فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ في السَّفَرِ، وللراعِي (¬4) وأشْباهِه في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العلم، وكان ابنُ عُمَرَ يُقيمُ لكلِّ صلاةٍ إقامَة، إلَّا الصُّبحَ، فإنَّه يُؤذِّنُ لها ويُقيمُ، وكان يقولُ: إنَّما الأذانُ على الإمام والأميرِ الذي يَجْمَعُ النّاسَ. وعنه، أنَّه كان لا يُقِيمُ الصلاةَ في أرضٍ تُقامُ فيها الصلاةُ. وعن علي، رَضِي الله عنه: إن شاء أذَّنَ وأقام، وإن شاء أقام. وبه قال الثَّوْرِيُّ. وقال الحسنُ: تُجْزِئُه الإقامَةُ. وقال إبراهيمُ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في النسخ: «معزٍ». والمثبت من صحيح مسلم. (¬3) في: باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 288. كما أخرجه البخاري، في: باب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام. . . . إلخ، من كتاب الجهاد. صحيح البخاري 4/ 58. والترمذي، في: باب ما جاء في وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - في القتال، من أبواب السير. عارضة الأحوذي 7/ 120. والدارمي، في: باب الإغارة على العدو، من كتاب السير. سنن الدارمي 2/ 217. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 132، 159، 205، 206، 229، 236، 253. (¬4) في الأصل: «المراعي».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في المُسافِرِين: إذا كانوا رِفَاقًا أذَّنُوا وأقامُوا، وإن كان وَحْدَه أقام الصلاةَ. ولَنا، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤذنُ له في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وأمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ وصاحِبَه، وما نُقِل عن السَّلَفِ في هذا، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا وَحْدَه، كما قال إبراهيمُ النخعِيُّ في كَلامِه، والأذانُ مع ذلكَ أفضل؛ لِما ذَكْرنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، وحديثِ أنسٍ، وروَى عُقبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنمٍ في رَأس الشَّظِيَّة (¬1) لِلْجَبَلِ، يُؤذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُول الله عَز وَجَلَّ: انْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا، يُؤذِّنُ وَيُقيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ منِّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ». رَواه النَّسائِيُّ (¬2). والصَّلَواتُ في الأذانِ على أرْبَعةِ أضرُب؛ ما يُشرَعُ لها الأذانُ والإقامَةُ، وهي الفَرْضُ المُؤدَّاةُ مِن الصَّلَواتِ الخمْسِ، وصَلاة يُقيمُ لها ولا يؤذِّنُ، وهي الثّانِيَة مِن صَلاتَّي الجَمْعِ، وما بعدَ الأولَى في الفَوائِتِ، وصلاة لا يُؤذِّنُ لها ولا يُقِيمُ، لكن يُنادِي لها: الصلاةَ جامِعَة. وهي العِيدان والكُسُوفُ والاسْتِسْقاءُ، وصلاة: لا يُوْذِّنُ لها أصْلًا وهي صلاةُ الجِنازَةِ. ¬

(¬1) الشظية: قطعة من رأس الجبل، وقيل: هي الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل كأنها أنف الجبل. عون المعبود 1/ 467. (¬2) في: باب الأذان لمن يصلي وحده. من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 17. كما أخرجه أبو داود، في: باب الأذان في السفر، من كتاب السفر. سنن أبي داود 1/ 275. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 145، 157، 158.

260 - مسألة: (ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر الروايتين)

وَلَا يجُوزُ أخذُ الأُجْرَةِ عَلَيهِمَا في أظْهرِ الرِّوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 260 - مسألة: (ولا يَجُوز أخْذُ الأجْرَةِ عليهما في أظْهَرِ الرِّوايَتَين). وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وكَرِهَه القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ (¬1)، والأوْزاعيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعثمانَ بن أبي العاص: «وَاتَّخِذْ مُؤذِّنًا لَا يَأخُذُ عَلَى أذَانِه أجْرًا». رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنه قُرْبَةٌ لفاعِلِه، لا يَصِحُّ إلى مِن مسلم، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرَةِ عليه، كالإمامَةِ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه. ورَخصَ فيه مالكٌ، وقال: لا بَأسَ به، لأنَّه عَمَل مَعْلُومٌ يجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه، أشْبهَ سائِرَ الأعْمالِ. ¬

(¬1) هو أبو عبد الله القاسم بن معن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي، كان رجلا نبيلا، قاضيا بالكوفة، لا يأخذ أجرا، أحد من قال له أبو حنيفة في نفر: أنتم مسار قلبي، وجلاء حزني، توفي سنة خمس وسبعين ومائة. الجواهر المضية 2/ 708 - 710. (¬2) أخرجه أبو داود، في: كتاب أخذ الأجر على التأذين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 126. والترمذي،: في باب ما جاء في كراهية أن يأخذ على الأذان أجرا، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 11. والنسائي، في: باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرا، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 20. =

261 - مسألة: (فإن لم يوجد متطوع بهما رزق الإمام من بيت المال من يقوم بهما)

فَإنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطوِّع بِهِمَا رَزَقَ الْإمَامُ مِنْ بَيتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 261 - مسألة: (فإن لم يُوجَدْ مُتَطَوِّع بهما رَزَق الإمامُ مِن بَيتِ المالِ مَن يَقُومُ بهما) لا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ أخْذِ الرِّزقِ عليه، وهو قَولُ الأوْزاعِي، والشافعيِّ؛ و (¬1) لأنَّ بالمُسْلِمِين إليه حاجَة، وقد لا يُوجَدُ مُتَطوِّعٌ به، فإذا لم يُدْفَع الرِّزْقُ فيه تَعَطَّل، ويَرْزُقُه الإمامُ مِن الفَىْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ للمَصالِحِ، فهو كأرْزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ، وقال الشافعيُّ: لا يُرْزَقُ المُؤذِّنُ إلَّا مِن خُمُسٍ الخُمُس، سَهْمِ النبي - صلى الله عليه وسلم -. حَكاهُ ابنُ المُنْذِر. فأمّا إن وُجِد مُتَطَوِّع به، لم يرزَقْ غيرُه؛ لعَدَم الحاجَةِ إليه (¬2). والله أعلمُ. ¬

= وابن ماجه، في: كتاب السنة في الأذان، من كتاب الأذان والسنة فيها، وفي: كتاب من أم قوما فيخفف، من كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. سنن ابن ماجة 1/ 336، 316. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 217. والبيهقي، في: باب التطوع بالأذان، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 1/ 429. (¬1) سقط من: م. (¬2) سقط من: الأصل.

262 - مسألة: (وينبغي أن يكون المؤذن صيتا أمينا عالما بالأوقات)

وَيَنْبَغِي أنْ يكونَ الْمُوذنُ صَيِّتًا أمِينًا عَالِمًا بِالْأوْقَاتِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 262 - مسألة: (ويَنْبَغِي أن يَكُونَ المُؤذِّنُ صيتًا أمِينًا عالِمًا بالأوْقاتِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحبُّ أن يكونَ المُؤذنُ صَيِّتًا (¬1)، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ: «ألقِهِ عَلَى بلَالٍ، فَإنَّه أنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» (¬2). واخْتارَ أبا مَحْذُورَةَ للأذانِ، لكَوْنِه صَيتًا، ولأنه أبْلَغُ في الإعْلامِ المَقْصُودِ بالأذانِ، قال شيخُنا (¬3): ويُستَحَبُّ أن يكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لأنَّه أُرقُّ لسامِعه. ويَنْبَغِي أن يكُونَ عدْلًا أمِينًا؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ يُرجَعُ إليه في الصلاةِ والصيامِ، فلا يُؤمَنُ أن يَغُرَّهم بأذانه إذا لم يَكُن كذلك. وقد رُوِيَ عن أبي مَحْذُورَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَنَاءُ النَّاس عَلَى صَلاتهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤذِّنُونَ». رَواه البَيهَقِيُّ (¬4) مِن رِوايِةِ يَحْيَى بن عبدِ الحميدِ، وفيه كلامٌ. ولأنَّه يُؤذِّنُ على مَوْضِعٍ عالٍ، فلا يُؤمَنُ منه النَّظَرُ إلى العَوْراتِ. وأن يكونَ عالِمًا بالأوْقاتِ؛ ليَتَحَراها، ¬

(¬1) بعده في الأصل: «أمينًا». (¬2) تقدم في صفحه 48. (¬3) في: المغني 2/ 70. (¬4) في: باب لا يؤذن إلا عدل ثقة. . . .، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 1/ 426.

263 - مسألة: (فإن تشاح فيه نفسان قدم أفضلهما في ذلك، ثم أفضلهما في دينه وعقله)

فَإنْ تَشَاحَّ فِيهِ نفْسَانِ قُدِّمَ أفْضَلُهُمَا في ذَلِكَ، ثُمَّ أفْضَلُهُما في دِينهِ وَعَقْلِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فيُؤذِّنَ في أوَّلِها، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ عالِمًا لا يُؤمَنُ منه الغلَطُ والخطَأُ. ويُستحَبُّ أن يكُونَ بَصِيرًا؛ لأن الأعْمَى لا يَعْرِفُ الوَقْتَ، فرُبَّما غَلِط. وكَرِه أذانَ الأعْمَى ابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَير. وعن ابن عباس، أنَّه كَرِه إقامَتَه. وإن أذَّنَ، صَحَّ أذانُه؛ لأن ابنَ أمِّ مَكْتُوم كان يُؤذنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال ابنُ عُمَرَ: وكان رجلًا أعْمَى لا يُنادِي حتىِ يُقال له: أصبحْتَ أصبحتَ. رَواه البخاري (¬1). ويُستحَبُّ أن يكون معه بَصِيرٌ كما كان ابنُ أُمِّ مَكتُوم يُؤذِّنُ بعدَ بِلَالٍ. وإن أذَّنَ الجاهِلُ أيضًا، صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ أذانُ الأعْمَى فالجاهِلُ أوْلَى. 263 - مسألة: (فإن تشاحَّ فيه نفْسان قُدِّمَ أفْضَلُهما في ذلك، ثم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه) متى تشاحَّ نَفْسان في الأذانِ، قُدِّمَ أفْضَلُهما ¬

(¬1) في: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، من كتاب الأذان. صحيح البخاري 1/ 160. أخرجه الإمام مالك، في: باب قدر السحور من النداء، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 74، 75. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 123.

ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، فَإذَا اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَينَهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ في الخِصالِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدم بِلالًا على عبدِ الله بنِ زَيدٍ؛ لكَوْنِه أنْدَى صَوْتًا منه، وقدَّم أبا مَحْذُورَةَ لصَوْته، وقِسْنا عليه سائِرَ الخِصالِ، فإنِ استويا في هذه الخِصالِ قُدِّم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه؛ لِما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليُؤذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ، وَليؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (¬1). فإنِ اسْتَوَيا، قُدِّم (مَن يَخْتارُه الجِيرانُ) لأنَّ الأذانَ لإعْلامِهِم، فكان لرِضاهم أثرٌ في التَّقْدِيمِ، ولأنَّهم أعْلَمُ بمَن يَبلُغُهم صَوْتُه ومَن هو أعَفُّ عن النَّظَرِ، (فإن تَساوَيا) مِن جَمِيع الجِهاتِ (أُقْرِع بَينهما) لقَوْل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهِمُوا عَلَيهِ، لَاسْتهَمُوا» (¬2). ولَمّا تَشاحَّ النّاسُ في الأذانِ يومَ القادِسِيَّةِ أقْرَع بَينهم سعدٌ (¬3). ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 139. وابن ماجه، في: باب فضل الأذان وثواب المؤذنين، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 240. (¬2) سبق تخريجه في صفحة 4. (¬3) انظر: باب الاستهام في الأذان، من كتاب الأذان. صحيح البخاري 1/ 152. والباب نفسه، من كتاب الصلاة عند البيهقي. السنن الكبرى 1/ 429.

264 - مسألة: (والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه)

وَالْأذَان خَمس عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا ترجِيعَ فِيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 264 - مسألة: (والأذانُ خَمْسَ عَشرةَ كَلِمَة، لا تَرجيِع فيه) هذا اختيارُ أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه الله، كما جاء في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ الذي رَوَيناه. وبهذا قال الثوْرِي، وأصحابُ الرَّأي، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالك، والشافعي، ومَن تَبِعَهما مِن أهلِ الحِجازِ: الأذانُ المَسْنونُ أذانُ أبي مَخذُورَةَ. وهو كَما وَصَفْنا في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدِ، ويزيدُ فيه الترجِيعَ، وهو أن يَذْكُرَ الشهادَتين مَرتين مَرتَين، يَخْفِضُ بذلك صَوْته (¬1) ثم يُعيدُهما رافِعًا بهما صَوْتَه، إلَّا أن مالكًا قال: التكبِيرُ في أوّله مَرتان حَسْبُ. فيَكُونُ الأذانُ عندَه سَبْعَ عَشْرَةَ كلمة، وعندَ الشافعي تسْعَ عَشرةَ كلمة. واحتَجوا بما روَى أبو مَحذُورَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَقَّنَه الأذانَ، وألْقاه عليه، فقال له: «تقُولُ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا اللهُ، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله. تَخْفِضُ بِها صَوْتَكَ، ثُم ترفَعُ صوْتَكَ بِالشهادَةِ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلا، الله، أشْهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللْهِ، أشهد أن مُحَمدًا ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَسُولُ اللهِ». ثم ذَكَر سائِرَ الأذانِ. أخرجَه مسلمٌ (¬1). واحْتَج مالك، قال: كان الأذانُ الذي يُؤذنُ به أبو مَحذُورَةَ، الله أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله. رَواه مسلمٌ (¬2). ولَنا، ما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ الله بن زيدٍ، وهو أوْلَى؛ لأن بِلال كان يؤذِّنُ به مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حَضرا وسَفَرًا، وأقَرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه بعدَ أذانِ أبي مَحذُورَةَ. قال الأثْرَمُ: سمعت أبا عبدِ اللهِ يُسْأل: إلى أي الأذانِ تذْهب؟ قال: إلى أذانِ بِلالٍ. قِيلَ له: ألَيسَ حديثُ أبي مَحذُورَةَ بعدَ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيد، لأن حديثَ أبي مَحذُورَةَ بعدَ فَتْحِ مَكةَ؟ فقال: أليس قد رَجَع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلى المدينةِ فأقَر بِلالا على أذانِ عبدِ الله بنِ زيدٍ؟ ويَحتَمِلُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ¬

(¬1) في: باب صفة الأذان، من كتاب الأذان. صحيح مسلم 1/ 287. كما أخرجه أبو داود في: باب كيف الأذان، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 117 - 119. والنسائي، في: باب خفض الصوت في الترجيع في الأذان، من كتاب الأذان، وباب كيف الأذان، وباب الأذان في السفر من كتاب الأذان المجتبي 2/ 4 - 7. وابن ماجه، في: باب الترجيع في الأذان، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 234، 235. والدارمي، في: باب الترجيع في الأذان، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 271 والإمام أحمد في: المسند 3/ 408، 409. (¬2) في الموضع السابق. وانظر: الاستذكار، لابن عبد البر 2/ 80، 81.

265 - مسألة: (والإقامة إحدى عشرة كلمة، فإن رجع في الأذان أو ثنى في الإقامة، فلا بأس)

وَالْإقَامَةُ إحدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً. فإن رَجَّعَ فِي الْأذَانِ أوثَنَّى الْإقَامَةَ فَلا بَأسَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أمَرَ أبا مَحذُورَةَ بذِكْرِ الشَّهادَتين سِرًّا؛ ليَحصُلَ له الإخْلاصُ بهما، فإنّه في الإسْرارِ أبَلَغُ، وخص أبا مَحذُورَةَ بذلك؛ لأنه لم يَكنْ مُقِرًّا بهما حِينَئِذٍ، فإن في (¬1) الخبَرِ أنْه كان مُسْتَهْزِئًا يَحكِي أذانَ مُؤذِّنِ رسولِ االله - صلى الله عليه وسلم - فسَمِعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - صَوْته، فدَعاه، فأمَره بالأذانِ، قال: ولا شيء على أبغَضُ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا مِمّا يأمُرني به. فقَصَدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - نُطْقَه بِالشهادَتَين سِرًّا ليُسْلِمَ بذلك، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِه، ودَلِيلُ هذا الاحتِمال كَوْنُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَأمر به بِلالا، ولا غيره ممن هو ثابِث الإسْلام. 265 - مسألة: (والإقامَةُ إحدَى عَشرةَ كَلِمَةً، فإن رَجعَ في الأذانِ أو ثنَّى في الإقامَةِ، فلا بَأسَ) وجملَةُ ذلك، أنَّ الإقامَةَ المُختارَةَ عندَ إمامِنا، رَحِمَه الله، إقامَةُ بلال التي ذَكَرنا في حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ، ¬

(¬1) سقطت من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهي: الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إله إلَّا الله، أشهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ كل الصلاةِ، حتى كل الفَلاح، قد قامَتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبُر، الله أكبرُ، لا إله إلا الله. وبهذا قال الأوْزاعِي، وأهلُ الشامِ، ويحيىَ بنُ يحيى، وأبو ثَوْر، وإسحاقُ، والشافعي وأصحابُه، وأهلُ مَكةَ. وقال الثوْري، وأصحابُ الرأي (¬1): الإقامَةُ مِثْلُ الأذانِ ويزيدُ: قد قامَتِ الصلاةُ. مَرتين. لِما رُوِيَ في عبدِ اللهِ بن زيدٍ، قال: كان أذانُ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَفْعًا شَفعا، في الأذانِ والإقامَةِ. رَواه الترمِذِي (¬2). وعن أبي مَحذورَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَه الأذانَ تِسْعَ عَشرةَ كَلِمَةً، والإقامَةَ سَبْعَ عَشرةَ كلمةً. رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (¬3)، وقال: حديث حسن صحيح. وقال مالكٌ: الإقامَةُ عَشر كَلِماتٍ، يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ. مَرَّةً واحِدَةً. لقَوْلِ ¬

(¬1) بعده في الأصل: «وأبو حنيفة». (¬2) في: باب ما جاء أن الإقامة مثنى مثنى، عن أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 9/ 310. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب كيف الأذان، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 118. والترمذي، في: باب ما جاء في الترجيع في الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 308. كما أخرجه النسائي، في: باب كم الأذان من كلمة، من كتاب الأذان. المحتبي 2/ 5. وابن ماجه، في: باب الترجيع في الأذان، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 235. والدارمي، في: باب الترجيع في الأذان، من كتاب الصلاة سنن الدارمي 1/ 271. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 409، 6/ 401.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنس: أمَرَ بِلالًا أن يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولَنا، ما رُوِيَ عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنهما، أنَّه قال: إنَّما كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرتَين مَرتَين، والإقامَةُ مَرةً مَرَّةً، إلَّا أنَّه يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ (¬2). وفي حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، أنّه وَصَف الإقامَةَ كما ذَكَرنا. والحديثُ الذي احتجوا به مِن حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ، رَواه عنه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلَى، وقد قال الترمِذِي: عبدُ الرحمنِ لم يَسمع مِن عبدِ الله بن زيدٍ. وقال: الصَّحِيحُ مثل (¬3) ما رَوَينْا. والذي احْتَجَّ به مالكٌ حُجَّةٌ لَنا؛ لنه ذَكره مُجْمَلًا، وقد فسَّرَه عبدُ اللهِ بنُ عُمَر في حدِيثِه وبَيَّنَه، فكان الأخْذُ به أوْلَى، وخَبَرُ أبي مَحْذُورةَ مَتْرُوك بالإجْماعِ، لأنَّ الشافعيَّ لا يَعمَلُ به في الإقامَةِ، وأبو حنيفةَ لا يَعْمَلُ به في الأذانِ، فكان الأخْذ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب بدء الأذان، وباب الأذان مثنى مثنى، وباب الإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة، من كتاب الأذان، وفي: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، من كتاب الأنبياء. صحيح البخاري 1/ 157، 158، 286، 4/ 206. ومسلم، في: باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 286.كما أخرجه أبو داود، في: باب في الإقامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 121. والترمذي، في: باب ما جاء في إفراد الإقامة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 309. والنسائي، في: باب تثنية الأذان، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 4. وابن ماجه، في: باب إفراد الإقامة، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 241 والدارمي، في: باب الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 270، 271. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 103، 189. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في الإقامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 122. والنسائي، في: باب تثنية الأذان، وباب كيف الإقامة، من كتاب الأذان، المجتبى 2/ 4، 11. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 85، 87. كما أخرجه الدارمي، في: باب الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 270. (¬3) سقطت من: م.

266 - مسألة: (ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم. مرتين)

وَيَقُولُ فِي أذَانِ الصبحِ: الصلَاةُ خَيرٌ مِنَ النوْمِ. مَرتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بحديثِ عدِ الله بنِ زَيدٍ أوْلَى، ولأنَّا قد بَيَّنا تَرجِيحَه في الأذانِ، كذا في الإقامَةِ. والاخْتِلافُ ههُنا في الأفْضَليةِ مع جَوازِ كل واحد مِن الأمرَين. نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ. وبه قال إسحاقُ، لكَوْنِ كلِّ واحدٍ مِن الأمرَين قد صَحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. 266 - مسألة: (ويقُولُ فِي أذانِ الصبحِ: الصلاة خَير مِن النوْمِ. مَرَّتَين) وهذا مُسْتَحَب في صلاةِ الصبحِ، خاصَّةً بعدَ قَوْلِه: حيَّ كل الفَلاحِ. ويُسَمَّى هذا التثويبَ. وبه قال ابنُ عمَرَ، والحسنُ، ومالكٌ، والثَّوري، وإسحاقُ، والشافعي الصحيحِ عنه. وقال أبو حنيفةَ: التثويبُ بينَ الأذانِ والإقامة في الفَجْرِ، أن يقُولَ: حَيَّ على الصلاةِ. مَرَّتَين، و: حَيَّ على الفَلاحَ. . مَرَّتَين. ولَنا، ما روَى النَّسائِيُّ، وأبو داودَ، عن أبِي مَحْذورَةَ: فإن كان صلاةُ الصُّبحَ، قلتَ: الصلاةُ خَير مِن النَّوْمِ، الصلاةُ خَير مِن النوْمِ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إله إلا الله (¬1). وما ذَكَرُوه، قال إسحاقُ: هذا شيءٌ أحدَثَه النّاسُ. وقال الترمِذِيُّ: هذا (¬2) التثويبُ الذي كَرِهه أهلُ العلمِ (¬3). ويُكْرهُ التثويبُ في ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب كيف الأذان، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 117. والنسائي في: باب الأذان في السفر، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 7. (¬2) في م: «وهو». (¬3) قول إسحاق والترمذي، في: باب ما جاء في التثويب في الفجر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 314، 315.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ غيرِ الفَجْرِ، سواءٌ ثَوَّبَ في الأذانِ أو بعدَه، لِما رُوِيَ بن بِلالٍ، قال: أمَرَنِي رسولُ اللهِ أنْ أن أثوِّبَ في الفجرِ، ونَهانِي أن أثوِّبَ في العِشاءِ. رَواه الإمام أحمدُ، وابنُ ماجَه (¬1). ودَخَل ابنُ عُمَرَ مسجدًا يُصَلي فيه، فسَمِعَ رجلًا يُثَوِّبُ في أذانِ الظُّهْرِ، فخَرَجَ، فقِيلَ له: إلى أين؟ فقال: أخْرَجَتْنِي البِدعَةُ (¬2). ولأن صلاةَ الفَجْرِ وَقْت يَنامُ فيه عامةُ النّاسِ، فاخْتَص بالتثويبِ لاخْتِصاصِه بالحاجَةِ إليه. فصل: ولا يجُوزُ الخُرُوجُ مِن السجدِ بعدَ الأذانِ إلَّا لعُذر. قال الترمِذِيُّ (¬3): وعلى هذا العَمَلُ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بَعدَهم، أن لا يَخْرُجَ أحَدٌ مِن المسجدِ بعدَ الأذانِ إلا مِن عُذْرٍ. قال أبو الشعثَاءِ (¬4): كُنّا قُعُودًا مع أبي هُرَيْرَةَ في المسجِدِ، فأذنَ المُؤذِّنُ، فقام ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب السنة في الأذان، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 237. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 15. (¬2) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في الثتويب بالفجر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 315. (¬3) انظر: عارضة الأحوزي 2/ 6. (¬4) سليم بن أسود بن حنظلة الكوفي المحاربي، أبو الشعثاء، تابعي ثقة. توفي سنة خمس وثمانين. تهذيب التهذيب 4/ 165.

267 - مسألة: (ويستحب أن يترسل في الأذان، ويحدر الإقامة)

وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَتَرَسَّلَ فِي الأذَانِ، وَيحدُرَ الإقَامَةَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ رجلٌ مِن المسجدِ يَمشِي، فأتْبَعَه أبو هُرَيرَةَ بَصَره حتى خَرَج مِن المسجدِ فقال أبو هُرَيرَةَ: أما هذا فقد عَصَى أبا القاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ، والترمِذِي (¬1)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن عثمانَ بنِ عفانَ، رَضِي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدرَكَهُ الإذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَةٍ وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافق». رَواه ابنُ ماجه (¬2). فأما إن خَرَج لعُذْرٍ، كفِعلِ ابنِ عُمَرَ حين سَمِع التثويبَ فجائِزٌ، وكذلك مَن نَوَى الرَّجْعَةَ؛ لحديثِ عثمانَ. والله أعلمُ. 267 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَرَسَلَ في الأذانِ، ويحدُرَ الإقامَةَ) التَّرسُّلُ: التَّمَهُّلُ والتَّأنِّي. مِن قَوْلِهم: جاء فُلانٌ على رِسْلِه. والحَدرُ: ضِدُّ ذلك، وهو الإسراعُ. وهو بن آدابِ الأذانِ ومُسْتَحباتِه. وهذا ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 453، 454، أبو داود، في: باب الخروج من المسجد بعد الأذان، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 127. والترمذي، في: باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 6. كما أخرجه النسائي، في: باب التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 24. وابن ماجه، في: باب إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج، من كتاب الأذان والسنة فيها. سنن اين ماجه 1/ 242. (¬2) في: باب إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 242.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَذْهبُ ابنِ عُمَرَ، وبه قال الثوْريُّ والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لبِلالٍ: «إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذَا أقمتَ فَاحْدُر». رَواه الترمِذيُّ (¬1)، وقال: إسْناده مَجْهُول. وروَى أبو عُبَيدٍ، بإسْنادِه، عن عُمَرَ، رَضِي الله عنه، أنَّه قال للْمُؤدنِ: إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذا أقَمتَ فاحْذِم (¬2). وأصلُ الحَذْمِ (¬3) في المَشْي: الإسْراعُ. ولأنّه يَحصُلُ به الفَرق بينَ الأذانِ والإقامَةِ، فاسْتُحِبَّ، كالإفْرادِ، ولأن الأذانَ إعلامُ الغائِبِين، فالتَّثبُّتُ فيه أبلَغُ في الإعلام، والإقامَة إعلام الحاضِرِين، فلا حاجَة إليه فيها. وذَكَر أبو عبد الله بن بَطَّةَ، أنَّه في الأذانِ والإقامَةِ لا يَصِلُ الكلامَ بعضَه ببعض مُعرِبًا، بل جَزْمًا. وحَكاهُ ابنُ الأنْبارِي (¬4) عن أهلِ ¬

(¬1) في: باب جاء في الترسل في الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 311، 312. (¬2) في الأصل: «فاحدر». وهو في غريب الحديث 3/ 244، 245. (¬3) في الأصل: «الحدر». (¬4) في م: «الأعرابي». وهو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، صاحب المصنفات، سمع عالما من الأئمة في زمانه، وروى عنه مثل ذلك. توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقيل: سنة سبع. إنباه الرواه 3/ 201 - 208.

268 - مسألة: (ويؤذن قائما متطهرا على موضع عال مستقبل القبلة)

وَيُؤذِّنَ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا عَلَى مَوْضِع عَالٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ اللُّغَةِ، ورُوي عن إبراهيمَ النَّخَعِي، أنَّه قال: شيئان مَجْزُومان كانوا لا يُعرِبونَهما؛ الأذان والإقامَة. وهذا إشارَة إلى جَميعِهم. 268 - مسألة: (ويُؤذنَ قائِمًا مُتَطَهِّرًا على مَوْضع عالٍ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كل مَن نَحفط عنه مِن أهلِ العلمِ، على أن مِن السُّنةِ أن يُؤذن المُوذن قائِمًا. ورُوِي في حديثِ أبي قَتادَةَ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلالٍ: «قم فَأذِّنْ» (¬1). وكان مؤذنُو رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤذنُونَ قياما. فإن أذَّن قاعِدًا لعُذْرٍ فلا بَأسَ. قال الحسن العَبْدي (¬2): رأيت أبا زيدٍ صاحِبَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤذنُ قاعِدًا، وكانت رِجْلُه أصِيبَتْ في سَبِيلِ الله. رَواه الأثْرَمُ (¬3). وإن فَعَلَه لغيرِ عُذْرٍ، فقد كرِهه أهلُ العلمِ، ويَصِحُّ؛ لأنه ليس آكدَ مِن الخُطْبَةِ، وتَصِحُّ مِن القاعِدِ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب التكبير بالصلاة في يوم غيم، من كتاب مواقيت الصلاة. صحيح البخاري 1/ 154. وأبو داود، في: باب من نام عن صلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 104. (¬2) الحسن بن محمد العبدي، روى عن أبي زيد الأنصاري، روى عنه علي بن المبارك الهنائي. التاريخ الكبير 1/ 2 / 306. (¬3) وأخرجه البيهقي، في: باب الأذان راكبا وجالسا، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 1/ 392.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجُوزُ الأذانُ على الراحِلَةِ، قال الأثْرَمُ: سَمعت أبا عبدِ الله يسأل عن الأذانِ على الرّاحِلَةِ، فسَهلَ فيه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أن ابنَ عُمَرَ كان يُؤذِّن على البَعِيرِ، ويَنْزِل فيُقِيم (¬1). ولأنَّه إذا جاز التَّنَفُّل على الرّاحِلَةِ، فالأذانُ أوْلَى. [وبه قال] (¬2) سالِمُ بنُ عبدِ الله، وربْعِيُّ بنُ حِراش (¬3)، ومالك، والأوْزاعِي، والثوْري، وأصحابُ الرأي، إلَّا أن مالكًا قال: لا يُقيمُ وهو راكبٌ. ¬

(¬1) أخرجه البيهقي في الموضع السابق. (¬2) دم: «به قاله». (¬3) ربعِي بن حراش بن جحش بن عمرو أبو مريم الكوفي تابعي ثقة من خيار الناس لم يكذب كذبة قط، روى عن جمع من الصحابة. مات سنة إحدى ومائة. تهذيب التهذيب 3/ 236، 237.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثَين الأصغَرِ والأكْبَرِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يُؤذنُ إلا متَوَضِّئٌ». رَواه التِّرمِذِيُّ (¬1). ورُوي موقُوفا على أبي هُرَيرَةَ، والمَوقوف أصَحُّ. فإن أذَّن مُحدِثا جاز (¬2)؛ لأنَّه لا يَزِيدُ على قِراءَةِ القُرآنِ، والطهارةُ لا تُشْتَرَطُ لها. وهو قَوْل الشافعيِّ، والثوْري، وأبي حنيفةَ. ويُكرهُ له ذلك، رُويَتْ كَراهتُه عن عَطاء، ومُجاهِدٍ، والْأوزاعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. ورَخَّصَ فيه النخَعِيُّ، والحسنُ البصرِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادٌ. وقال مالك: يُؤذِّنُ على غيرِ وُضوءٍ، ولا يُقِيمُ إلَّا على وُضوءٍ. ¬

(¬1) في: باب جاء في كراهية الأذان بغير وضوء، من أبواب الصلاة عارضة الأحوذي 2/ 2. (¬2) في الأصل: «صح».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن أذَّنَ جُنُبًا، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، لا يُعتَدُّ به. اخْتارَه الخِرَقي، وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، ولأنه ذِكْر مشروعٌ للصلاةِ، أشبه القِراءَةَ والخُطبةَ. والثانيةُ، يُعتَدُّ به. قال الآمِديُّ: وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ. وهو قولُ أكْثرِ أهلِ العلمِ، لأنه أحدُ الحَدَثَين، فلم يمنع صحَّتَه كالآَخَرِ. ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ على مَوْضِعٍ عالٍ؛ لأنه أبلَغ في الإعلام، ورُوِيَ عن امرأة مِن بني النجّارِ، قالت: كان بيتِي مِن أطْوَلِ بَيتٍ (¬1) حَوْلَ المسجِدِ، وكان بِلال يُؤذنُ عليه الفَجْرَ، فيَأتِي بسَحَر، فيَجْلِسُ على البَيتِ يَنْظر إلى الفجرِ فإذا رَآه تَمَطَّى، ثم قال: اللهُمَّ إني أستعِينُكَ وأسْتعديكَ على قُرَيشٍ، أن يقِيمُوا دِينَك. قالت: ثُم يُؤذنُ. رَواه أبو داودَ (¬2). ويُؤذنُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ولا نَعلَمُ خِلافًا في استِحبابِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أن مِن السُّنةِ أن يَستقْبِلَ القِبْلَةَ بالأذانِ؛ وذلك لأنَّ مُؤذنِي النبي - صلى الله عليه وسلم - كانُوا يُؤذِّنُون مُسْتَقْبِلي القِبْلَةِ، فإن أخَلَّ باسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، كُره له ذلك، وصَحَّ. ¬

(¬1) في م: «البيوت». (¬2) في: باب الأذان فوق المنارة من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 123.

269 - مسألة: (فإذا بلغ الحيعلة التفت يمينا وشمالا، ولم يستدر)

فَإذَا بَلَغَ الْحَيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلم يَسْتَدِرْ، ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن مشَى في أذانِه، لم يَبْطُلْ به (¬1)؛ لأنَّ الخُطبةَ لا تَبْطُلُ به، وهي آكَدُ منه، ولأنه لا يُخِلُّ بالإعلامِ المَقْصُودِ مِن الأذانِ. وسُئِل أحمدُ عن الرجلِ، يُؤذِّنُ وهو يَمشِي؟ قال: نعم، أمرُ الأذانِ عِنْدِي سَهْل. وسُئِل عن المؤذنِ يَمشِي وهو يقيمُ؟ فقال: يُعجِبُنِي أن يَفْرُغَ ثم يمشِي. وقال في رِوايِة حَرب، في المُسافِرِ: أحَب إليَّ أن يُؤذِّنَ ووَجْهُه إلى القِبْلَةِ، وأرجُو أن يُجْزيء. 269 - مسألة: (فإذا بَلَغ الحيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمالًا، ولم يَستَدِرْ) الحَيعَلَةُ قَولُه: حَيَّ على الصلاةِ، حي على الفَلاحِ. ويُسْتحَبُّ للمُؤذنِ أن يَلْتَفِتَ يَمِينًا إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ. ويَسارًا إذا قال: حَى ¬

(¬1) سقطت من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على الفلاحِ. ولا يزِيلُ قدَمَيه. وهذا ظاهِرُ كلام الخِرَقي. وهو قولُ النخعِي، والثوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ وصَاحِبَيه، والشافعي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، قال: رَأيتُ بِلالًا يُؤذِّنُ، فجَعَلْتُ أتتَبَّعُ فاه ههُنا وههُنا، يَقُولُ يَمِينًا وشِمالًا، يقولُ: حَي على الصلاةِ، حَي على الفَلاحِ. مُتفَق عليه (¬1). وفي لفظٍ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو في قُبَّةٍ حَمراءَ مِن أدَم، فخرَجَ بلالٌ فأذَّنَ، فلَمّا بَلَغ؛ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفَلاحِ، لَوَّى عُنُقَه يَمِينًا وشِمالًا، ولم يَستدِر. رَواه أبو داودَ (¬2). وذَكَر أصحابُنا، عن أحمدَ في مَن أذَّنَ في المَنارَةِ روايَتَين، إحداهما، لا يَدُورُ؛ للخَبَرِ، وكما لو كان على وَجْهِ الأرض. والثانية، يَدُورُ، لأنَّه لا يَحصُلُ بدونِه، وتحصِيل (¬3) المَقْصُودِ مع الإخْلالِ بالأدَبِ أوْلَى مِن العَكْس. وهذا قول إسحاقَ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: كتاب هل يتتبع المؤذن فاه ها هنا وههنا وهل يلتفت في الأذان، من كتاب الأذان. صحيح البخاري 1/ 163. ومسلم، في: باب سترة المصلي، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 360. كما أخرجه الترمذي، واللفظ له؛ في: باب ما جاء في إدخال الإصبع الأذن محمد الأذان. من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 312. وابن ماجه، في: باب السنة في الأذان، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 236. والدارمي، في: باب في الاستدارة، في الأذان، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 271، 272. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 308، 309. (¬2) في: باب في المؤذن يستدير في أذانه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 124. (¬3) في الأصل: «يحصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَب رَفْعُ الصوْتِ بالأذان لأنه أبلَغُ في الإعلام، وأعظَمُ للأجْرِ؛ لِما ذَكَرنا في خَبَرِ أبي سعيدٍ (¬1)، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه زِيادَةً على طاقَتِه؛ كيلا يُضِرَّ بنَفْسِه، ويَنْقَطِعَ صَوْتُه. قال القاضي: ويَرفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ؛ لأن فيه حَقِيقَةَ التوْحِيدِ، ومتى أذّن لعامَّةِ النّاس جَهر بجَمِيع الأذانِ، ولا يَجْهرُ بالبَعضِ ويُخافِتُ بالبَعض؛ لأَنه يُخِلُّ بمَقْصُودِ الأذانِ، وإن أذَّن لنَفْسِه، أو لجَماعَةٍ خاصةٍ حاضِرِينَ، فلَه أن يُخافِتَ ويَجْهرَ، وأن يَجْهرَ بالبعض ويُخافِتَ بالبعض، إلَّا أن يكونَ في غيرِ وَقتِ الأذانِ، فلا يَجْهرُ بشيءٍ مِنه؛ لئلا يَغُرَّ الناس. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 54.

270 - مسألة: (ويجعل إصبعيه في أذنيه)

وَيَجْعَلَ إصبَعَيهِ في أُذُنَيهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 270 - مسألة: (ويَجعَلَ إصبَعَيه في أُذُنَيْه) وذلك مُسْتَحب، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ. كذلك قال الترمِذِي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، أن بِلالًا وَضَع إصبَعَيه في أذُنيه. رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذي (¬1)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن سعدٍ القَرَظِ (¬2)، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِلالا أن يَجْعَلَ إصبَعَيه في أذُنَيه، وقال: «إنهُ أرفَعُ لِصَوْتِكَ». رَواه ابنُ ماجَه (¬3). وقال الخِرَقي: يَجْعَل أصابعَه (¬4) مَضْمُومَةً على أذُنَيه. رَواه أبو طالب عن أحمدَ، أنه قال: أحَبُّ إلى أن يَجْعَلَ يَدَيه على أذنيه، على حديثِ أبي مَحذُورَةَ. واحتَج لذلك ¬

(¬1) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في إدخال الإصبع الأذن عند الأذان. من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 312. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 308، 309. (¬2) هو سعد بن عائذ المؤذن، مولى عمار بن ياسر، المعروف بسعد القَرظ، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يتَّجر فيه، ومسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه، وبرَّك عليه، وجعله مؤذن مسجد قباء، وخليفة بلال إذا غاب وعاش أيام الحجاج بن يوسف الثقفي. أسد الغابة 2/ 355، 356. والقرظ: حبّ يخرج في غُلُف، كالعدس، من شجر العِضَاه، والعضاه من شجر الشوك. (¬3) في: باب السنة في الأذان، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 236. (¬4) في م: «إصبعيه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ القاضي بما روَى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عنهما، أنّه كان إذا بَعَث مُؤذنًا يقُولُ له: اضْمُم أصابِعَك مع كَفَّيك، واجْعَلْها مَضْمُومَةً على أذُنيك. وبما روَى الإمامُ أحمدُ، عن أبي مَحذُورَةَ، أنَّه كان يَضُمُّ أصابِعَه. والأولُ أصَحُّ؛ لصِحَّةِ الحديثِ وشُهْرَتِه، وعَمَلِ أهلِ العلمِ به، وأيَّهما فَعَل فحَسَنٌ، وإن تَرَك الكل فلا بأسَ.

271 - مسألة: (ويتولاهما معا)

وَيتَوَلَّاهُمَا مَعًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 271 - مسألة: (ويَتَوَلَّاهما معًا) يُسْتَحبُّ أن يَتَوَلَّى الإقامَةَ مَن يَتَوَلَّى الأذانَ. وهو قولُ الشافعي. وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا فَرقَ بينَه وبينَ غيرِه؛ لِما روَى أبو داودَ (¬1)، في حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، حينَ رَأى الأذانَ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألْقِهِ عَلَى بلَالٍ؛ فَإنهُ أنْدَى صَوتا مِنْكَ» فَألْقاهُ عليه، فأذَّنَ بِلال، فقال عبدُ الله: أنا رَأيتُه، وأنا كُنْتُ أرِيدُه. قال ماله: «أقم أنْتَ». ولأنه يَحصُلُ المَقْصُودُ منه، أشْبَه ما لو تَوَلاهُما معًا. ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ زِيادِ بنِ الحارِثِ الصُّدائِي: «إن أخَا صُدَاءَ (¬2) أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يقيمُ» (¬3). ولأَنهما ذِكْران يتَقَدَّمان الصلاةَ، فيُسَنُّ أن يتَوَلاهما واحِدٌ، كالخُطبتَين، وما ذكَرُوه يَدُل على الجَوازِ، وهذا على الاسْتحبابِ. فصل: فإن سُبِق المؤذنُ بالأذانِ، فأراد المؤذِّن أن يُقِيمَ، فقال أحمدُ: لو أعادَ الأذانَ كما صَنَع أبو مَحذُورَةَ. فرَوَى عبدُ العزيزِ بنُ ¬

(¬1) في: باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر، من كتاب الصلاة سنن أبي داود 1/ 122. (¬2) صداء: قبيلة من اليمن. الأنساب 8/ 39. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر، من كتاب الصلاة سنن أبي داود 1/ 122. والترمذي، في: باب جاء أن من أذن فهو يقيم، من أبواب الصلاة عارضة الأحوذي 1/ 315. وابن ماجه، في: باب السنة في الأذان، من كتاب الأذان سنن ابن ماجه 1/ 237. والإمام أحمد في: المسند 4/ 169.

272 - مسألة: (و)

وَيقيمَ فِي مَوْضِعِ أذَانِهِ، إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رُفَيعٍ (¬1)، قال: رأيتُ رجلًا أذَّنَ قبلَ أبي مَحذُورَةَ، قال: فجاء أبو مَحذُورَةَ، فأذنَ، ثم أقامَ. أخْرَجَه الأثْرَمُ. فإن أقام بغيرِ إعادَةٍ، فلا بَأسَ. وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرَّأي، لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ. 272 - مسألة: (و) يُستحَب للمُؤذنِ أن (يقيمَ في مَوْضِع أذانِه، إلَا أن يَشُقَّ عليه) يَعنِي يقيمُ الصلاةَ في المَوْضِع الذي يُؤذن فيه. كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، قال: أحَب إلى أن يقِيمَ في مَكانِه، ولم يَبْلُغْنِي فيه شيءٌ إلَا حديثُ بِلال: «لَا تَسْبِقْنِي بآمِينَ» (¬2)،. يَعنِي لو كان يُقِيمُ في المسجدِ، لَما خاف أن يَسْبِقَه بالتَّأمِينِ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يُكَبِّر بعدَ فَراغِ بِلالٍ مِن الإقامَةِ، ولأن الإقامَةَ شُرِعَتْ للإعلامِ، بدَلِيلِ قولِ ابنِ عُمرَ: كُنّا إذا سمعنا الإقامَةَ تَوَضَّأنا ثم خَرَجْنا إلى الصلاةِ (¬3). فيَنْبَغِي أن تكُونَ في مَوْضع الأذانِ؛ لكَوْنِه أْبلَغ في الإعلامِ، فأمّا إن شق عليه ¬

(¬1) أبو عبد الله الأسدي المكي، تابعي، ثفة، توفي سنة ثلاثين ومائة. تهذيب التهذيب 6/ 337، 338. (¬2) أخرجه أبو داود، في: كتاب التأمين وراء الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 215. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 12، 15. (¬3) أخرجه أبو داود، في: كتاب الإقامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 122. والنسائي: باب كيف الإقامة، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 18. والبيهقي، في: باب تثنية قوله: قد قامت الصلاة، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 1/ 413.

273 - مسألة: (ولا يصح الأذان إلا مرتبا مواليا، فإن نكسه، أو فرق بينه بسكوت طويل، أو كلام كثير، أو محرم، لم يعتد به)

وَلَا يَصِحُّ الأذَانُ إلَّا مُرَتبًا مُتَوَالِيًا، فَإنْ نَكَّسَهُ أوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أوْ محَرَّم، لَمْ يُعتَدَّ بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ذلك، بحيث يُؤذنُ (¬1) في المنارَةِ أو [في مكانٍ] (¬2) بَعِيدٍ مِن المسجدِ، فيُقِيمُ في غيرِ مَوْضِعِه؛ لئلا يَفُوتهَ بعضُ الصلاةِ. فصل: ولا يُقِيمُ إلّا بإذْنِ الإِمامِ، فإنَّ بلالًا كان يَسْتَأذِنُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وفى حديثِ زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائِيِّ، أنَّه قال: فجَعلْتُ أقولُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أقِيمُ أقِيمُ (¬3)؟ وروَى أبو حَفْص، بإسنادِه، عن عليٍّ، قال: المُؤذَّنُ أملَكُ بالأذانِ، والإمامُ أملَكُ بالإقامَةِ. ورَواه البَيهقِيُّ (¬4)، قال: وقد رُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ مَرفُوعًا، وليس بمَحفوظٍ. 273 - مسألة: (ولا يَصِحُّ الأذانُ إلّا مُرَتبًا مُوالِيًا، فإن نَكَّسَه، أو فَرَّق بينَه بسُكُوت طَوِيل، أو كلام كَثِير، أو مُحَرم، لم يُعتَدَّ به) وجُملَةُ ذلك، أن مِن شَرطِ صِحَّةِ الأذانِ أن يكُونَ مُرَتبًا تُوالِيًا؛ لأنَّه لا يُعلَمُ أنه أذان بدُونِهما، ولأنَّه شُرِع في الأصلِ كذلك، وعَلَمَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا مَحْذُورَةَ مُرَتبًا، فإن نكَّسَه، لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرنا. ¬

(¬1) في الأصل: «يكون». (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 82. (¬4) في: باب لا يقيم المؤذن حتى يخرج الإمام، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 19.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يُسْتَحَبُّ أن يَتَكَلَّمَ في أَثْناءِ الأذانِ، وكَرِهه طائِفَة مِن أهلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعيُّ، وابنُ سِيرِينَ. قال الأوْزاعِيُّ: لم نَعلَم أحدًا يُقْتَدَى به فَعَل ذلك. ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وعَطاء، وعُروَةُ، وسُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ (¬1). فإن لم يَطُلِ الكلامُ جاز، وإن طال الكلامُ بَطل الأذانُ؛ لإِخْلالِه بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ فيه. وكذلك لو سَكَت سُكُوتًا طَوِيلًا، أو تام نَوْمًا طويلًا، أو أغْمِىَ عليه طويلًا (¬2)، أو أصابَه جُنُون يَقْطَعُ المُوالاةَ، بَطل أذانُه؛ لِما ذَكَرْنا. وإن كان يَسِيرا مُحَرَّمًا [كالسَّبِّ ونَحوِه] (¬3)، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، أشْبَة المُباحَ. والثاني، يَبْطُلُ الأذانُ؛ لأنَّه فَعَل فيه (¬4) مُحَرمًا، أشبهَ الرِّدَّةَ. فإن ارتدَّ في أثْناءِ الأذانِ، بَطُلُ؛ لقَوْلِه تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (¬5). وإن ارتَدَّ بعدَه، فقال القاضى: يَبْطُلُ، قِياسًا على الطهارة. قال شَيْخنا (¬6): والصحيحُ أنه لا يَبْطُلُ، لأنَّها ¬

(¬1) أبو مطرف سليمان بن صرد بن الجون الخزاعى الكوفي، له صحبة، كان خيرا فاضلا، قتل سنة خمس وستين. تهذيب التهذيب 4/ 200، 201. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) سقط من: م. (¬4) سقط من: م. (¬5) سورة الزمر 65. (¬6) في: المغنى 2/ 84.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وُجِدَتْ بعدَ فَراغِه، وانْقِضاءِ حُكْمِه، فأشْبَهَ سائِرَ العِباداتِ. فأمَّا الطهارةُ فحُكْمُها باقٍ؛ بدَلِيلِ أنها تَبْطُلُ بمُبْطِلاِتِها، فأمَّا الإقامَةُ فلا يَنْبَغِى أن يَتَكَلَّمَ فيها؛ لأنه يُستحَبُّ حَدرُها. قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الرجل يَتَكَلَّمُ في أذانِه؟ قال: نعم. فقِيلَ له: يَتَكلمُ في الإقامَةِ؟ قال: لا. وقد رُوِىَ عن الزُّهْرِي، أنه إذا تَكلَّم في الإقامَةِ أعادَها. وأكثرُ أهلِ العلمَ على أنه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُجزِئُه قِياساً على الأذانِ. وليس للرجلِ أنْ يَبْنىَ علىْ أذانِ غيرِهْ؛ لأنَّها عِبادَةْ بَدَنِيَّة، فلا تَصِحُّ مِن شَخْصَيْن، كالصلاةِ. فأمّا الكلامُ بينَ الأذانِ والإقامَةِ فجائِز، وكذلك بعدَ الإقامَةِ قبلَ الدُّخُولِ في الصلاةِ؛ لأنَّه روِى عُمر، أنَّه كان يُكَلِّم الرَّجُلَ بعدَ ما تُقامُ (¬1) الصلاةُ. والله أعلمُ. ¬

(¬1) في الأصل: «أقام».

274 - مسألة: (ولا يصح إلا بعد دخول الوقت، إلا الفجر، فإنه يؤذن لها بعد نصف الليل)

ولَا يَجُوزُ إلَّا بَعدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، إلَّا الْفَجْرَ، فَإنَّهُ يُؤذنُ لَها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 274 - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلّا بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ، إلاَّ الفَجْرَ، فإنه يُؤذنُ لها بعدَ نِصفِ الليْلِ) أما الأذانُ لغيرِ الفَجْرِ قبلَ الوَقْتِ، فلا يُجْزِىُّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلم على أن مِن السنةِ أن يُؤذن للصلَواتِ بعدَ دُخولِ وَقْتِها، إلَّا الفَجْرَ. ولأنَ الأذانَ شُرِعَ للإعلامِ بالوَقْتِ، فلا يُشْرَعُ قبلَ الوقتِ؛ لعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وأمّا الفَجْرُ، فيشْرَعُ لها الأذان قبلَ الوَقْتِ. وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِى، والشافعىَّ، وإسحاقَ. وقال الثَّوْرِى، وأبو حنيفةَ، ومحمد: لا يَجُوزُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن بِلالًا أذَّن قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فأمَره النبيُّ أن يَرجِعَ فيُنادِىَ: «ألَا إنَّ العَبْدَ نَامَ». فرَجعَ فنادَى: ألا إن العَبْدَ نامَ. وعن بِلالٍ أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «لَا تُؤْذِّن حَتَّى يَسْتَبِين لَكَ الْفَجْرُ هكَذَا». ومَدَّ يَدَيْه عَرضًا. رَواهُما أبو داود (¬1). وقال طائِفَة مِن أهلِ الحديثِ: إذا كان له مُؤذِّنان، يُؤذنُ أحَدُهُما قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ والآخَرُ بعدَه، فلا بَأسَ وإلَّا فلا؛ لأنّ الأذانَ قبلَ طُلُوعِ (¬2) الفَجْرِ يُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن الإعلامِ بالوَقْتِ، فلم يَجُزْ، كبَقِيةِ الصَّلَواتِ، فأمّا إذا كان له مُؤذِّنان يَحصُلُ إعلامُ الوقتِ بأحَدِهما كما كان للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، جاز. ولَنا، قَوْلُ النبى - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ بِلَالًا يُؤذنُ بِلَيْلٍ، فَكلُوا وَاشربُوا حَتَّى ¬

(¬1) في: باب في الأذان قبل دخول الوقت، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 126، 127. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُؤذِّنَ ابْنُ أمِّ مَكتُومٍ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وهذا يَدُلُّ على دَوامِ ذلك منه، وقد أقَره النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، ولم يَنْهه، فدَلَّ على جَوازِه. وروَى زيادُ بنُ الحارِثِ الصُّدائِىُّ، قال: لَما كان أذانُ الصبحِ أمَرَنِى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأذنْتُ، فجَعلْتُ أقولُ: أُقِيمُ، أُقِيمُ يا رسولَ الله؟ فجَعَلَ يَنْظُرُ إلى ناحِيَةِ المَشْرِقِ، فيقولُ: «لَا». حتى إذا طَلَع الفَجْرُ نَزَل، فبَرَزَ، ثم انْصَرَف إليَّ وقد تَلاحَقَ أصحابُه، فتَوَضأ، فأراد بِلال أن يقيمُ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أخَا صُدَاءَ قَدْ أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ». قال: فأقمتُ. رَواه أبو داودَ، ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، وباب الأذان قبل الفجر، من كتاب الأذان، وفي: باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال»، من كتاب الصوم، وفى: باب شهادة الأعمي. . . . إلخ، من كتاب الشهادات، وفى: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة. . . . إلخ، من كتاب الآحاد. صحيح البخارى 1/ 160، 161، 3/ 37، 225، 9/ 107، 108. مسلم، في: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. . . . إلخ، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 1/ 768، 769. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الأذان بالليل، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 4، 5. والنسائي، في: باب المؤذنان للمسجد الواحد، وباب هل يؤذنان جميعا أو فرادى. المجتبى 2/ 9، 10، الدارمي، في: باب في وقت أذان الفجر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 269، 270. والإمام مالك، في: باب قدر السحور من النداء، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 74. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 9، 57، 62، 64، 73؛ 79، 107، 123، 6/ 44، 54، 185، 186، 433.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والترمِذِى (¬1). وهذا قد أمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذانِ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهو حُجَّة على مَن قال: إنَّما يَجُوزُ ذلك إذا كانَ معه مُؤذِّنان. فإن زِيادًا أذَّنَ وَحدَه، و (¬2) حديثُ ابنِ عُمَرَ الذى احتَجُّوا به، لم يَروه كذلك إلّا [حمادُ بنُ سلمة. رَواه حمادُ بنُ زيدٍ] (¬3) والدَّراوَردِيُّ (¬4)، فقالا: كان مُؤذِّنٌ لعُمَرَ، يُقالُ له: مسعود. وقال (¬5): هذا أصَح. وقال الترمِذِى (¬6) في هذا الحديثِ: إنَّه غيرُ مَحفُوظٍ. وكذلك قال على (¬7) ابنُ المَدِيني. والحديثُ الآخَرُ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ (¬8): لا تَقُومُ بمِثْلِهِ حجّة؛ لضَعفِه وانْقِطاعِه. وإنما اخْتَصَّتِ الفَجْرُ بذلك دُونَ سائِرِ الصَّلَواتِ؛ لأنه وَقْتُ النوْمِ، ليَتَأهَّبَ النّاسُ للخُرُوجِ إلى الصلاةِ، ويَنْتَبِهُوا، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، وقد رُوِىَ في بعض الأحاديِث: «إنَّ بِلَالًا يؤذنُ بِلَيْل؛ لِيَنْتَبِهَ نائِمُكم وَيرجِعَ قَائِمُكُم». رَواه أبو داود (¬9). ولا يَنْبَغِى أن يَتَقَدَّمَ على ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 82. (¬2) في م: «في» (¬3) في الأصل: «حماد بن زيد». وفي دم: «حماد بن زيد رواه أحمد بن زيد». والصواب ما أثبتناه. وانظر: سنن أبي داود 1/ 127. (¬4) هو أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبيد، من أهل المدينة، توفى سنة ست وثمانين، مائة. الأنساب 5/ 295. (¬5) أى أبو داود. وانظر قوله في الموضع السابق. (¬6) في: باب ما جاء في الأذان، بالليل، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 4/ 2. وقول ابن المدينيّ فيه 2/ 5. (¬7) في م: «عمر». وهو على بن عبد الله بن جعفر ابن المدينى البصرى، أبو الحسن الإمام المشهور صاحب التصانيف. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. تهذيب التهذيب 7/ 349 - 357. (¬8) التمهيد 10/ 59. (¬9) تأتي رواية أبي داود لهذا الحديث في «فصل نص أحمد على أنه يكره الأذان للفجر في رمضان». ورواه بهذا اللفظ النسائي، في: باب الأذان في غير وقت الصلاة، من كتاب الأذان، وفى: باب كيف الفجر، من كتاب الصيام. المجتبي 2/ 10، 4/ 121، 122.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الوَقْتِ كثيرًا، إذا كان المَعْنَى فيه ما ذَكَرنا. وقد رُوِى أن بِلالًا كان بينَ أذانِه وأذانِ ابنِ أم مَكتُوم أن ينْزِلَ بهذا ويَصعَدَ هذا (¬1). وقال بَعضُ أصحابِنا: ويَجُوزُ أن يُؤذن لها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ. وهو مذهبُ الشافعى؛ لأنَّ بذلك يَخْرُجُ وَقْتُ العِشاءِ المُخْتارُ، ويدخُلُ وقتُ الدَّفْع مِن مُزْدَلِفَةَ، ورَمىِ جَمرَةِ العَقَبَةِ، وطَوافِ الزِّيارَةِ. وروَى الأثْرَمُ، قال: كان مُؤذِّنُ دِمَشْقَ يُؤذن لصلاةِ الصبحِ في السَّحَرِ بقَدرِ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ سِتَّةَ أمْيالٍ، فلا يُنْكِرُ ذلك مَكْحُولْ ولا يقولُ شيئًا. فصل: ويُستحَبُّ أن لا يُؤذِّنَ قبلَ الفَجْرِ، إلَّا أن يكُونَ معه مُؤذن آخَرُ يُؤذنُ إذا أصبَحَ، كِبلالٍ وابنِ أمِّ مَكْتُومٍ، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يَحصُلِ الإِعلامُ بالوَقْتِ المَقْصُودِ بالأذانِ. ويَنْبَغِى لمَن يُؤذنُ قبلَ الوقتِ أن يَجْعَلَ أذانَه في وَقْت واحِدٍ في الليالِى كلِّها؛ ليَعرِفَ الناسُ ذلك مِن عادَتِه، فلا يَغْتَرُّوا بأذانِه، ولا يُؤذِّنُ في الوَقْتِ تارةً وقبلَه أُخْرَى، فيَلْتَبِس على النّاس، ويَغْتَرون به، فربما صَلى بعضُ مَن سَمِعَه الصُّبحَ قبلَ وَقْتِها، ويَمْتَنِعُ مِن سَحُورِه، والمُتَنَفِّلُ مِن تَنَفلِه إذا لم يَعلم حالَه، ومَن عَلِم حالَه لا يَسْتَفِيدُ بأذانِه، لتَرَدُّدِه بينَ الاحتِمالَيْن. فصل: نَصَّ أحمدُ على أنه يكْرهُ الأذانُ للفَجْرِ في رمضانَ قبلَ وَقْتِها؛ لئلَّا يَغْتَرَّ النّاسُ به، فيَتْرُكُوا سَحُورَهُم. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرهُ في حَقِّ مَن عُرِفَتْ عادَتُه في الأَذانِ بالليْلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ بلال، ولقَوْلِه ¬

(¬1) انظر تخريج حديث «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» المتقدم.

275 - مسألة: (ويستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة، ثم يقيم)

وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَجْلِسَ بَعدَ أذَانِ الْمَغْرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يقيمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَمنَعنكُم مِنْ سَحُورِكُم أذَانُ بِلَالٍ؛ فَإنَّهُ يُؤذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُم وَيَرجِعَ قَائِمُكُم». رَواه أبو داودَ (¬1). ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذنَ في أوَّلِ الوَقتِ؛ ليَتَأهَبَ النّاسُ للصلاةِ، وقد روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، قال: كان بِلالٌ لا يُؤخِّرُ (¬2) الأذانَ عن الوَقتِ، ورُبَّما أخَّرَ الإقامَةَ شيئًا. رَواه ابن ماجه (¬3). وفى رِواية: كان بِلال يُؤذِّنُ إذا مالَتِ الشمسُ، لا يَخْرِمُ (¬4). 275 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ بعدَ أَذانِ المَغرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثم يُقيمَ) لِما روَى تَمّامٌ (¬5) في فَوائِده، بإسْنادِه، عن أبى ¬

(¬1) في: باب في وقت السحور من كتاب الصوم. سنن أبي داود 1/ 548. كما أخرجه البخارى، في: باب الأذان قبل الفجر، من كتاب الأذان، وفى: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال» (في ترجمة الباب)، من كتاب الصوم، وفي: باب الإشارة في الطلاق، من كتاب الطلاق، وفي: باب جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. . . . إلخ، من كتاب الآحاد. صحيح البخارى 1/ 160، 161، 2/ 37، 7/ 67، 9/ 102. ومسلم، في: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. . . . إلخ، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 768. وابن ماجه، في: باب ما جاء في تأخير السحور، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 541. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 386، 392، 435. (¬2) في الأصول: «يخرم»؛ والمثبت من ابن ماجه. (¬3) في: باب السنة في الأذان، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 236. (¬4) أخرجها أحمد، في: المسند 5/ 91. (¬5) أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازى، المحدث الثقة، المتوفى سنة أربع عشرة وأربعمائة، وكتابه الفوائد مخطوط. تذكرة الحفاظ 3/ 1056 - 1058.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «جُلُوِسُ الْمُؤذِّنِ بَيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ في الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» (¬1). وحُكِى عن أبى حنيفةَ والشافعىِّ، أنَّه لا يُسَنُّ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (¬2)، بإسْنادِه، عن أبَىٍّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذانِكَ وَإقَامَتِكَ نَفَسًا، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِى مَهَلٍ، وَيَقضِى الْمُتَوَضِّئُ (¬3) حاجَتَهُ فِى مَهَلٍ». ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، فيُسَنُّ تَأْخِيرُ الإقامَةِ؛ ليُدْرِكَ النّاسُ الصلاةَ في المَغْربِ كسائِرِ الصَّلَواتِ. ¬

(¬1) أخرجه الديلمى، في: كتاب فردوس الأخيار 2/ 175. وانظر: الجامع الكبير، للسيوطى 3/ 728. (¬2) في: المسند 5/ 143. (¬3) سقطت من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَفْصِلَ بينَ الأذانِ والإقامَةِ بقَدْر الوُضُوءِ وصلاةِ رَكْعَتَيْن؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولِما روَى جابرٌ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبِلالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وَإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ (¬1) إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ». رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ (¬2). فصل: قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: رَأيْتُ أحمدَ خَرَج عندَ المَغْرِبِ، فحِينَ انْتَهَى إلى مَوْضِعِ الصَّفِّ أخَذَ المُؤَذِّنُ في الإِقامَةِ، فجَلَسَ. قال أحمدُ: يَقْعُدُ الرجلُ مِقْدارَ الرَّكْعَتَيْن إذا أذَّنَ المَغْرِبُ. قِيل: مِن أين؟ قال: مِن حديثِ أنَسٍ وغيرِه: كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوارِىَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْن (¬3). وروَى الخَلّالُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَيْلَى، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءَ وبِلالٌ في الإقامةِ، فقَعَدُ. ¬

(¬1) المعتصر: من يقضى حاجته. من اعتصر بمعنى استخرج. (¬2) لم نجده عند أبى داود. وأخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الترسل في الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 311، 312. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب الصلاة إلى الأسطوانة، من كتاب الصلاة، وفى: باب كم بين الأذان والإقامة من كتاب الأذان. صحيح البخارى 1/ 134، 161. ومسلم، في: باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 573. والنسائى, في: باب الصلاة بين الأذان والإقامة، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 24. والدرامى، في: باب الركعتين قبل المغرب، من كتاب الصلاة سنن الدرامى 1/ 336. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 280.

276 - مسألة: (ومن جمع بين صلاتين، أو قضى فوائت، أذن وأقام للأولى، ثم أقام لكل صلاة بعدها)

وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أوْ قَضَى فَوَائِتَ، أَذَّنَ وَأقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 276 - مسألة: (ومَن جَمَع بينَ صَلاَتَيْن، أو قَضَى فَوائِتَ، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمُّ أقَامَ لكلِّ صلاةٍ بعدَها) متى جَمَع بينَ صَلاتَيْن، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمَّ أقَامَ للثانِيَةِ، سَواءٌ كان الجَمْعُ في وَقْتِ الأُولَى أو الثانيةِ؛ لما روَى جابِرٌ، أن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفَةَ، وبينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بمُزْدَلِفَةَ، بأذانٍ وإقامَتَيْن. رَواه مسلمٌ (¬1). وعن ابنِ عُمَرَ، قال: جَمَع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ المَغْرِبِ والعِشاء بجَمْعٍ، كلُّ واحِدَةٍ ¬

(¬1) في: باب حجة النبى - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 860، 891. كما أخرجه أبو داود، في: باب صفة حجة النبى - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 442. والنسائى، في: باب الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 14. وابن ماجه، في: باب حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 1026. والدارامى، في: باب في سنة الحج، من كتاب المناسك. سنن الدارمى 2/ 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ منهما بإقامَةٍ. رَواه البُخارىُّ (¬1). إلاَّ أنَّه إذا جَمَع في وَقتِ الأُولَى، كان الأذانُ لها آكَدَ؛ لأنَّها مَفْعُولَةٌ في وَقْتِها، أشْبَهَ ما لو لم يَجْمَعْ، وإن كان في وَقْتِ الثانيةِ، فلم يُؤَذِّنْ، أو جَمَع بَيْنَهما بإقامَةٍ واحِدَةٍ، فلا بَأْسَ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: جَمَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بجَمْعٍ، صَلَّى المَغْرِبَ ثلاثًا والعِشاءَ رَكْعَتَيْن، بإقامَةٍ واحِدَةٍ. رَواه مسلمٌ (¬2). ولأنَّ الأُولَى مَفْعُولَةٌ في غيرِ وَقْتِها، فهى كالفَائِتَةِ، والثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بصلاةٍ، فلم يُشْرَعْ لها الأذان، كالثانيةِ مِن الفَوائِتِ. وقال مالِكٌ: يُؤذِّنُ للأُولَى والثّانِيَةِ، ويُقِيمُ؛ لأنَّ الثانيةَ منهما صلاةٌ يُشْرَعُ لها الأذانُ لو لم تُجْمَعْ، فكذلك إذا جُمِعَتْ (¬3)، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ الصَّحِيحَةِ. ¬

(¬1) في: باب من جمع بينها ولم يتطوع، من كتاب الحج. صحيح البخارى 2/ 201. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بجمع، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 448. والنسائى، في: باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، من كتاب مناسك الحج. المجتبى 5/ 209. (¬2) في: باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 937.كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بجمع من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 448. والترمذى، في: باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، من أبواب الحج. عارضة الأحوذى 4/ 123. والنسائى، في: باب الإقامة لمن جمع بين الصلاتين، من كتاب الأذان، وفى: باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، عن كتاب المناسك. المجتبى 2/ 14، 15، 5/ 210. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 18، 33، 34، 56، 59، 62، 78، 152. (¬3) في الأصل: «اجتمعت مع أخرى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا قَضاءُ الفَوائِتِ، فإن كانتِ الفائِتَةُ واحِدَةً أذَّنَ لها وأقام؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ أمَيَّةَ الضَّمْرِىُّ، قال: كُنَّا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في بعضِ أسْفارِه، فنام عن الصُّبْحِ حتى طَلَعَتِ الشَّمْسُ, فاستَيْقَظَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «تَنَحُّوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ». قال: ثم أمَرَ بِلالًا، فأذَّنَ، ثم تَوَضَّئُوا وصَلَّوْا رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، ثم أمر بِلالًا فأقام الصلاةَ، فصَلَّى بهم صلاةَ الصُّبْحِ. رَواه أبو داودَ (¬1). وإن كَثُرَتِ الفَوائِتُ أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثم أقام لكلِّ صلاةٍ بعدَها؛ لِما روَى أبو عُبَيْدَةَ، عن أبيه عبدِ الله بِنِ مسعودٍ، أنَّ المُشْيركِين شَغَلُوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أرْبَعِ صَلَواتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حتى ذَهَب مِن اللَّيْلِ ما شاء الله، فأمَرَ بِلَالًا، فأذَّنَ ثم أقام، فصَلَّى الظهْرَ، ثم أقام، فَصَلَّى العَصْر، ثم أقام، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أقام، فصَلَّى العِشاءَ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (¬2)، وقال: حديثُ عبدِ اللهِ ليس بإسْنادِه بَأْسٍ، إلَّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لم يَسْمَع مِن عبيد اللهِ. وإن لم يُؤذِّنْ فلا بَأْسَ، وهذا في الجماعةِ. فإن كان وَحْدَه، كان اسْتِحْبابُ ذلك أدْنَى في حَقِّه؛ لأنَّ الأذانَ والإقامَةَ للإعْلامِ، ولا حاجَةَ إلى الإعْلامِ ¬

(¬1) في: باب من نام عن صلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 103. (¬2) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيهنّ يبدأ، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 291. والنسائى، في: باب الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد، وإقامة لكل واحدة منها, من كتاب الأذان. المجتبى 3/ 15. والإمام أحمد, في: المسند 1/ 375.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ هاهُنا، وقد رُوِىَ عن أحمدَ في مَن فاتَتْه صَلَواتٌ فقَضاها، فأذَّن وأقام مَرَّةً واحِدَةً، فسَهلَ في ذلك، ورَآه حَسَنًا. ورُوِىَ ذلك عن الشافعىِّ، وله قَوْلان آخَران؛ أحَدُهما، أنَّه يُقِيمُ ولا يُؤَذِّنُ. وهو قولُ مالكٍ؛ لِما روَى، أبو سعيدٍ، قال: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ عن الصلاةِ، حتى كان بعدَ المَغْرِبِ بهَوىٍّ (¬1) مِن اللَّيْلِ. قال: فدَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِلالًا، فأمَرَه فأقام الظهْرَ، فصَلّاها، ثم أمَرَه فأقام العَصْرَ، فصَلّاها (¬2). ولأنَّ الأذانَ للإعْلام بالوَقْتِ، وقد فات. والقَوْل الثانى للشافعىِّ: إن رُجِىَ اجْتِماعُ النّاسِ أذَّنَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه. وقال أبو حَنِيفَةَ: يُؤذِّنُ لكلِّ صلاةٍ ويُقِيمُ؛ لأنَّ ما سُنَّ للصلاةِ في أدائِها سُنَّ في قَضائِها، كسائِرِ المَسْنُوناتِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ للزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وما قال أبو حنيفةَ مُخالِفٌ لحديثِ ابنِ مسعودٍ وأبى سعيدٍ، ولأنَّ الثّانِيَةَ مِن الفَوائِتِ صلاةٌ قد أُذِّنَ لِما قبلَها، أشْبَهَتِ الثّانِيَةَ مِن المَجْمُوعَتَيْن، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بهذا. والله أعلمُ. فصل: ومَن دَخَل مسجدًا قد صُلِّىَ فيه، فإن شاء أذَّنَ وأقام. نَصَّ عليه؛ لأنَّه رُوِى عن أنَسٍ، أنَّه دَخَل مسجدًا قد صَلَّوْا فيه، فأمَرَ رجلًا ¬

(¬1) الهوى من الليل: ساعة. (¬2) أخرجه النسائى، في: باب الأذان للفائت من الصلوات، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 15. والدارمى، في: باب الحبس عن الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 358. والإمام أحمد, في: المسند 3/ 25، 49, 67, 68.

277 - مسألة: (وهل يجزئ أذان المميز للبالغين؟ على روايتين)

وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فأذَّنَ وأقام، فصَلَّى بهم في جَماعَةٍ. رَواه الأثْرَمُ (¬1). وإن شاء صَلَّى مِن غيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، قال عُرْوَةُ: إذا انْتَهَيْتَ إلى مَسْجِدٍ قد صَلَّى فيه ناسٌ أذَّنُوا وأقامُوا، فإنَّ أذانَهم وإقامَتَهم تُجْزِىُّ عَمَّن جاء بعدَهم. وهذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، إلّا أنَّ الحسنَ قال: كان أحَبَّ إليهم أن يُقِيمَ. وإن أذَّنَ أخْفَى ذلك؛ لئلًا يَغُرَّ النّاسَ. فصل: وإن أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأقام، لم يُسْتَحَبَّ لسائِرِ النّاسِ أن يُؤَذِّنَ كلُّ إنْسانٍ في نَفْسِه ويُقيمَ، بعدَ فَراغِ المُؤَذِّنِ، لكنْ يقُولُ كما يقولُ المُؤَذِّنُ؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّما وَرَدَتْ بِهذا. 277 - مسألة: (وهل يُجْزِئُ أذانُ المُمَيِّزِ للبالِغِين؟ على رِوايَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأذانَ لا يَصِحُّ إلَّا من مُسْلِمٍ عاقِلٍ ذَكَرٍ، فأمَّا الكافِرُ والمَجْنُونُ والطِّفْل، فلا يَصِحُّ أذانُهُم؛ لأنَّهم لَيْسُوا مِن أهلِ العِباداتِ. ولا يُعْتَدُّ بأذانِ المرأةِ؛ لأنَّه لا يُشْرَعُ لها الأذانُ، أشْبَهَتِ المَجْنُونَ، ولأنَّ رَفْعَ صَوْتِها مَنْهِىٌّ عنه، وإذا كان كذلك خَرَج عن كَوْنِه قُرْبَةً، فلم يَصِحَّ، ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة, في: باب الرجل يجئ المسجد وقد صلوا أيؤذن، ويقيم، من كتاب الأذان والإقامة. مصنف ابن أبى شيبة 1/ 221.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كالحِكايَةِ، ولا أذانِ الخُنْثَى المُشْكِلِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رجلًا. وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ويَصِحُّ أذانُ العَبْدِ؛ لأنَّ إمامَتَه تَصِحُّ، فأذانُه أوْلَى. وهل يصِحُّ أذانُ الصَّبِىِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أولاهُما، صِحَّةُ أذانِه. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وذَكَر القاضى أنَّ المُراهِقَ يَصِحُّ أذانُهْ، رِوايَةً واحِدَةً. وقد روَى ابنُ المُنْذِرِ

278 - مسألة: (وهل [يعتد بأذان]

وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأذَانِ الْفَاسِق، وَالأذَانِ الْمُلَحَّنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بإسْنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ أنسٍ، قال: كان عُمُومَتِى يَأْمُرُونَنِى أن أُؤذِّنَ لهم وأنا غُلامٌ لم أحْتَلِمْ، وأنَسُ بنُ مالكٍ شاهِدٌ لم يُنْكرْ ذلك. وهذا مِمّا يَظْهَرُ ولا يَخْفَى، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُهُ، كالبالِغَ. والثانيةُ، لا يَصِحُّ؛ لأن الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، ولا يَحْصُلُ الإعْلامُ بقَوْلِه؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ خَبَرُه ولا رِوايَتُه. 278 - مسألة: (وهل [يُعْتَدُّ بأذانِ] (¬1) الفاسِقِ، والأذانِ المُلَحَّنِ؟ على وَجْهَيْن) ذَكَر أصحابُنا في صِحَّةِ أذانِ الفاسِقِ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا في الصَّبِىِّ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَهُم ¬

(¬1) في م: «يصح أذان».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالأمانَةِ، والفاسِقُ غيرُ أمِين. والثانى، يَصِحُّ؛ لأنَّه ذَكرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُه، كالعَدْلِ. وهذا قوْلُ الشافعىِّ. وهذا الخِلافُ في مَنْ هو ظاهِرُ الفِسْقِ، فأمّا مَسْتُورُ الحالِ، فيَصِحُّ أذانُه بخيِر خِلافٍ عَلِمْناه. وفى الأذان المُلَحَّنِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ (¬1)، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْأَذَانَ سَمْحٌ سَهْلٌ، فَإِنْ كَانَ أذَانُكَ سَمْحًا سَهْلًا، وإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ». رواه الدَارَقطْنِىَ (¬2). والثانى، يَصِحُّ. وهو أصَحُّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ به، فهو كغيرِ المُلَحَّنِ، والحديث ذَكرَه ابنُ الجَوْزِىِّ في المَوْضُوعاتِ (¬3). فصل: ويُكرَهُ اللَّحْنُ في الأذانِ؛ فإنَّه رُبَّما غَيَّر المَعْنَى، فإنَّ مَن نَصَب لامَ «رَسُولُ» أخْرَجَه عن كَوْنِه خبَرًا، ولا يَمُدُّ لَفْظَة «أكْبَرُ»؛ لأنَّه يَجْعَلُ فيها ألِفًا، فيَصِيرُ جَمْعَ «كَبَرٍ» وهو الطَّبْلُ، ولا يُسْقطُ الهاءَ مِن اسْمَ «الله» واسمِ «الصلاةِ»، والحاءَ مِن «الفَلاحِ»؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ». ¬

(¬1) التطريب: التَّغَنِّى. (¬2) في: باب ذكر الإقامة واختلاف الروايات فيها, من كتاب الصلاة. سنن الدارقطنى 1/ 239. (¬3) 2/ 87.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قُلْنَا: وكيف يَقُولُ؟ قال: «يَقُولُ: أشْهَدُ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللَّا (¬1)، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّا». أخْرَجَه الدَارَقُطْنِىُّ في الأفْرادِ. فأمّا إن كان ألْثَغَ لُثْغَةً فاحِشَةً، كُرِهَ أذانُه، وإن كانت لا تَتَفاحَشُ، فلا بَأْسَ، فقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا. والفَصِيحُ أحْسَنُ وأكْمَلُ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) مع حذف الهاء في النطق وأورده ابن الجوزى في الموضوعات 2/ 87.

279 - مسألة: (ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، إلا فى الحيعلة، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلى العظيم]

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إلَّا فِى الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِىِّ الْعَظِيمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 279 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ لمَن سَمِع المُؤَذِّنَ أن يقُولَ كما يقولُ، إلَّا في الحَيْعَلَةِ، فإنَّه يقولُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ [العَلِىِّ العَظِيمِ]) (¬1) وهذا مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِه خِلافًا؛ لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِى اللهُ عنه، أنَّ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ. فَقَالَ أحَدُكُمْ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: أشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَن لَا إلهَ إلَّا اللهُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ قَال: حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ. ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ. ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. مِنْ قَلْبهِ، دَخَلَ ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْجَنَّةَ». رَواه مسلمٌ (¬1). قال الأثْرَمُ: هذا مِن الأحادِيثِ الجيادِ. وعن أبى رافِعٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سَمِع النِّداءَ، قال مثلَ ما يقُولُ المُؤذِّنُ، فإذا بَلَغ حَىَّ على الصلاةِ، قالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ». رَواه الأثْرَمُ (¬2). ويسْتَحَبُّ لمَن سَمِع الإقامَةَ أن يقولَ مِثْلَ ما يقولُ، ويقولَ عندَ كلمةِ الإقامَةِ: أقامَها اللهُ وأدامَها. لِما روَى أبو داودَ (¬3) بإسْنادِه، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ بلالًا أخَذَ في الإقامَةِ، فلَمّا أن قال: قد قامَتِ الصلاةُ. قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أقَامَهَا اللهُ وَأدَامَهَا». وقال في سائِرِ الإقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عُمَرَ في الأذانِ. ¬

(¬1) في: باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 289. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول إذا سمع المؤذن، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 125. (¬2) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 6/ 9. (¬3) في: باب ما يقول إذا سمع الإقامة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 125.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: روَى سعدُ بنُ أبى وَقّاصٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يسْمَعُ النِّدَاءَ: وأنَا أَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَّا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رَسُولًا. غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن أُمِّ سَلَمَةَ، قالت: عَلَّمَنِى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أقُولَ عندَ أذانِ المَغْرِبِ: «اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِى». رَواه أبو داودَ (¬2). ¬

(¬1) في: باب استحباب القول مثل قول المؤذن. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 290. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول إذا سمع المؤذن، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 125. والنسائى، في: باب الدعاء عند الأذان، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 22. والترمذى، في، باب ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 11، 12. وابن ماجه في: باب ما يقال إذا أذن المؤذن، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 238، 239. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 181. (¬2) في: باب ما يقول عند أذان المغرب، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 126. في الأصل «دعائك»، والمثبت من أبى داود.

280 - مسألة: (ثم يقول بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة [والدرجة الرفيعة]

وَيَقولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِى وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 280 - مسألة: (ثم يقُولَ بَعْدَ فَراغِه: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوَةِ التّامَّةِ والصلاةِ القائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ [والدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ] (¬1)، وابْعَثْه [مَقامًا مَحْمُودًا] (¬2) الذى وَعَدْتَه، إنَّك لا تُخْلِفُ المِيعادَ) لِما روَى جابِرٌ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ والْفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِى» رَواه البخارىُّ (¬3). ¬

(¬1) سقطت من: م. (¬2) في م: «المقام المحمود». (¬3) في: باب الدعاء عند النداء، من كتاب الأذان، وفى: باب {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}، من كتاب التفسير. صحيح البخارى 1/ 159، 6/ 108. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في الدعاء عند الأذان، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 126. والترمذى، في: باب آخر في ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 12. والنسائى، في: باب الدعاء عند الأذان، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 22. وابن ماجه، في: باب ما يقال إذا أذن المؤذن، من كتاب الأذان. سنن ابن ماجه 1/ 239. والإمام أحمد, في: المسند 3/ 345، 354، 383.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ويَدْعُوَ؛ لِما روَى جابِرُ ابنُ عبدِ اللهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ قَالَ حِين يُنَادِى المُنَادِى: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ (¬1) والصَّلَاةِ النَّافِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْهُ رِضًا لَا سَخَطَ بَعْدَهُ. اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ دَعْوَتَهُ». رَواه الإمامُ أحمدُ (¬2). وروَى أنَسٌ، قال: قال رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم -: «الدعَاءُ لَا يُرَدُّ بيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتَّرْمِذِىُّ (¬3)، وقال: حديث حسنٌ. وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّه سَمع النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلّىَّ؛ فَإنَّه مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، فَإنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِى إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ (¬4) الشَّفَاعَةُ». رَواه مسلمٌ (¬5). ¬

(¬1) في م: «القائمة». (¬2) في: المسند 3/ 337. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في الدعاء بين الأذان والإقامة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 124. والترمذى، في: باب ما جاء في الدعاء بين الأذان والإقامة، من أبواب الصلاة، وفى: باب في العفو والعافية، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 2/ 13، 13/ 86. والنسائى، في: باب الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة، من كتاب عمل اليوم والليلة. السنن الكبرى 6/ 22. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 115، 119، 225، 254. (¬4) في الأصل، م: «عليه». والمثبت من صحيح مسلم. (¬5) في: باب استحباب القول ما يقول المؤذن. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 288. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول إذا سمع المؤذن، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 124. والترمذى، في: باب في فضل النبى - صلى الله عليه وسلم -، في أول أبواب المناقب. عارضة الأحوذى 13/ 102. والنسائى، في: باب الصلاة على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد الأذان. من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 22. والإمام أحمد, في: المسند 2/ 168.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن سَمِع الأذانَ وهو يَقْرأُ، قَطَع القِراءَةَ ليَقُولَ مِثْلَه؛ لأنَّه يَفُوتُ، والقِراءَة لا تَفُوتُ. فإن سَمِعَه وهو يُصَلِّى، لم يَقُلْ كقَوْلِه؛ لِئَلّا يَشْتَغِلَ عن الصلاةِ بما ليس مِنها. وإن قالَها ما عدَا الحَيْعَلَةَ (¬1) لم تَبْطُلِ الصلاةُ؛ لأنه ذِكْرٌ، وإن قال الدُّعاءَ فِيها، بَطَلَتْ؛ لأنَّه خِطابٌ لآدَمِىٍّ. فصل: ورُوِى عن أحمدَ، أنَّه كان إذا أذَّن، فقال كَلِمَةً مِن الأذانِ، قال مِثْلَها سِرًّا. فظاهِرُه أنَّه رَأى ذلك مُسْتَحَبًّا، ليَكونَ ما يُظْهِره أذانًا، وما يُسِرُّه ذِكْرًا للهِ تِعالى، فيَكُونَ بمَنْزِلَةِ مَن سَمِع الأذانَ. وقد رَواه القاضى عن أحمدَ، أنه قال: اسْتُحِبَّ للمُؤَذِّنِ أيضًا أن يقُولَ مِثْلَ ما يقولُ في خُفْيَةٍ. فصل: قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرجلِ يقُومُ حينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ مُبادِرًا، يَرْكَعُ؟ فقال: يُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ رُكُوعُه بعدَ ما يَفْرُغُ الُمؤذِّنُ، أو يَقْرُبُ مِن الفَراغِ؛ لأنَّه يُقالُ: إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ حينَ يسْمَعُ الأذان، فلا يَنْبَغِى أن يُبادِرَ للقِيام. وإن دَخَل المسجدَ فسَمِعَ المُؤذِّنَ، اسْتُحِبَّ له انْتِظارُه ليَفْرُغَ، ويقُولُ مثلَ ما يقولُ، ليَجْمَعَ بينَ الفَضِيلَتَيْن. وإن لم يَقُلْ كقَوْلِه وافْتَتَحَ الصلاةَ، فلا بَأسَ. نَصَّ عليه أحمدُ. ¬

(¬1) يعنى قوله: حى على الصلاة، حى على الفلاح.

[وَالْأذَانُ أَفْضَلُ مِنَ الْإقَامَةِ. وَعَنْهُ، هِىَ أفْضَلُ] (¬1). ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على مُؤذِّنَيْن، كما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان له بِلالٌ، وابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، إلَّا أن تَدْعُوَ الحاجَةُ، فيَجُوزَ، فإنَّه قد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضىَ اللهُ عَنه، أنَّه اتَّخَذَ أرْبَعَةَ مُؤذِّنِين، وإذا كانُوا أكْثَرَ من واحِدٍ، [وكان الواحِدُ] (¬2) يُسْمِعُ النَّاسَ، فالْمُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ واحِدٌ بعدَ واحِدٍ؛ كما رُوِىَ عن مُؤذِّنِى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. وإن كان الإعْلامُ لا يَحْصُلُ بواحِدٍ، أذَّنُوا على حَسَبِ الحاجَةِ؛ إما أن يُؤَذِّنَ كلُّ واحِدٍ في ناحِيَةٍ، أو دَفعَةً واحِدَةً في مَوْضِعٍ. واحِدٍ. فصل: ولا يُؤذَّنُ قبلَ المُؤذنِ الرَّاتِبِ، إلّا أن يَتَأخَّرَ، أو يُخافَ فَواتُ وَقْتِ التَّأذِينِ، فيُؤذِّنَ غيرُه، كما رُوِى أنَّ زِيادَ بنَ الحارِثِ أذَّنَ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ غاب بِلالٌ (¬3)، فأمّا مع حُضُورِه فلا؛ فإنَّ مُؤذنِى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكنْ غيرُهم يَسْبِقُهم بالأذانِ. ¬

(¬1) هكذا في الأصل. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) تقدم حديثه في صفحة 82.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا أذَّنَ في الوَقَّتِ كُرِه له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ إلاَّ لحاجَةٍ، ثم يَعُودَ؛ لأنَّه رُبَّما احْتِيجَ إلى الإقامَةِ فلا يُوجَدُ. وإن أذَّن قبلَ الوقتِ للفَجْرِ، فلا بَأسَ بذَهابِه؛ لأنَّه لا يُحْتاجُ إلى حُضُورِه قبلَ الوَقتِ: قال أحمدُ، في الرجلِ يُؤذِّنُ في اللَّيْلِ، على غيرِ وُضُوءٍ، فيَدْخُلُ المَنْزِلَ، وَيَدَعُ المَسْجدَ: أرْجُو أن يكُونَ مُوَسَّعًا عليه، ولكن إذا أذَّن وهو مُتَوَضِّئٌ في وَقْتِ الصلاةِ، فلا أرَى له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ حتى يُصَلِّىَ، إلاّ أن يكُونَ لحاجَةٍ. فصل: إذا أذَّن في بَيْتِه، وكان قَريِبًا مِن المسجدِ، فلا بَأْسَ، وإن كان بَعِيدًا كُرِه له ذلك؛ لأنَّ القَرِيبَ مِن المَسجدِ يُسْمَعُ أذانُه عندَ المَسجِدِ، فيَأْتُون إلى المسجدِ، والبَعِيدَ قد يَسْمَعُه مَن لا يَعْرِفُ المسجدَ، فيَغْتَرُّ به

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَقْصِدُه، فيَضِيعُ عن المسجدِ، فإنَّه قد رُوِىَ عن أحمدَ، في الذى يُؤَذِّنُ في بَيْتِه، وبينَه وبينَ المسجدِ طَرِيقٌ يسْمِعُ (¬1) النَّاسَ: أرْجُو أن لا يَكُونُ به بَأْسٌ. وقال، في رِوايَةِ إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، في مَن يُؤَذِّنُ في بَيْتِه على سَطْحٍ: معاذَ اللهِ، ما سَمِعْنا أن أحدًا يَفْعَلُ هذا. فحُمِلَ الأوَّلُ على القَرِيبِ، والثانى على البَعِيدِ، وقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يُؤَذِّنُ على سَطْحِ امرأةٍ مِن الأنْصارِ. واللهُ أعلمُ. فصولٌ في المَساجِدِ فَصلٌ في فَضْلِ المَساجِدِ وبِنائِها، وغيرِ ذلك: عن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا» قال بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنَّه قال: «يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى الله له بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن جابِرِ بين عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ بَنَى للهِ [مَسْجِدًا، وَلَوْ] (¬3) كَمَفحَصِ قَطَاةٍ، أوْ أصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى ¬

(¬1) في الأصل: «يسع». (¬2) أخرجه البخارى، في: باب من بنى مسجدًا، من كتاب الصلاة. صحيح البخارى 1/ 122. ومسلم، في: باب فضل بناء المساجد والحث عليها، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة. صحيح مسلم 1/ 378. كما أخرجه الترمذى، في: باب فضل بنيان المسجد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 115. والنسائى، في: باب الفضل في بناء المساجد، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 26. وابن ماجه, في: باب من بنى مسجدًا، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 243. والدارمى، في: باب من بنى لله مسجدًا، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 323. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 61، 70. (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْجَنَّةِ». رَواه ابنُ ماجَه (¬1). وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُها، وَأَبغَضُ الْبِلادِ إِلى اللهِ أسْوَاقُهَا». رَواه مسلمٌ (¬2). ويُسْتَحَبُّ اتِّخاذُ المَساجِدِ في الدُّورِ، وتَنْظِيفُها [وتَطْيِيبُها؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببِاءِ المَساجِدِ في الدُّورِ] (¬3)، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ. رواه الإِمامُ أحمدُ (¬4). وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عُرِضَتْ عَلَىَّ أْجُورُ أُمَّتِى، حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ». رواه أبو داودَ (¬5). وعن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أخْرَجَ أذًى مِنَ الْمَسْجِدِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ» (¬6). فصل: ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُ (¬7) المسجدِ، وأن يُسْرَجَ فيه؛ لِما رُوِىَ ¬

(¬1) في: باب من بنى لله مسجدًا، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 244. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 246. (¬2) في: باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح. وفضل المساجد، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة. صحيح مسلم 1/ 464. (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) في المسند: 6/ 279. كما أخرجه أبو داود، في: باب اتخاذ المساجد في الدُّور، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 108. والترمذى، في: باب ما ذكر في تطييب المساجد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 3/ 76. وابن ماجه، في: باب تطهير المساجد وتطييبها، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 250. (¬5) في: باب في كنس المسجد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 109. كما أخرجه الترمذى، في: باب حدثنا عبد الوهاب بن الحكم. . . .، من أبواب فضائل القرآن. عارضة الأحوذى 11/ 37, 38. (¬6) رواه ابن ماجه، في: باب تطهير المساجد وتطييبها، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 250. (¬7) التخليق: التطييب.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فغَضِبَ حتى احْمَرَّ وَجْهُه، فجاءَتْه امرأةٌ مِن الأنْصارِ، فحَكَّتْها وجَعَلَتْ مَكانَها خَلُوقًا، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أحْسَنَ هَذَا». رَواه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجَه (¬1)، وعن مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ. فقال: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ». وكانتِ البِلادُ إذ ذاك حَرْبًا (¬2)، قال: «فإنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِى قَنَادِيِلِهِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه (¬3). وفى رِوايةِ الإِمام أحمدَ «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فإنَّ [صلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ] (¬4) صلَاةٍ». قالت: أرأيْتَ مَن لم يُطِقْ أن يَتَحَمَّلَ إليه، أو يَأْتِيَه؟ قال: «فَلْيُهْدِ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرجُ فِيهِ، فإن مَنْ أهْدَى لَهُ، كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ». فصلٌ فيما يُباحُ في المَسْجدِ: يُباحُ النَّوْمُ فيه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أنَّه كان يَنامُ، وهو شابٌّ عَزَبٌ لا أهْلَ له في مسجدِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتفَقٌ عليه (¬5). وكان أهلُ الصُّفَّةِ يَنامُون في المسجدِ. ويُباحُ للمَرِيضِ أن ¬

(¬1) أخرجه النسائى، في: باب تخليق المساجد، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 41. وابن ماجه, في: باب كراهية النخامة في المسجد، من كتاب المساجد والجماعات 1/ 251. (¬2) في الأصل: «خربا». (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في السُّرْج في المساجد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 108. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 451. والإِمام أحمد، في: المسند 6/ 463. (¬4) في الأصل:. الصلاة فيه بألف». (¬5) أخرجه البخارى، في: باب نوم الرجال في المسجد، من كتاب الصلاة. صحيح البخارى 1/ 120. ولم نجده عند مسلم. كما أخرجه النسائى، في: باب النوم في المسجد، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 39.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يكُونَ في المسجدِ، وأن تكُونَ فيه خَيْمَةٌ. قالت عائشةُ: أُصِيب سعدٌ (¬1) يومَ الخَنْدَقِ في الأكْحَلِ، فضَرَبَ عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْمَةً في المسجِدِ؛ يَعُودُه مِن قرِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ويُباحُ دُخُولُ البَعِيرِ المسجدَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طاف في حَجَّةِ الوَداعِ على بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ (¬3). مُتَّفَقٌ عليه (¬4). ولا بَأْسَ بالاجْتِماعِ في المسجدِ، والأكْلِ فيه، والاسْتِلْقاءِ فيه؛ لِما روَى أبو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ، قال: بَيْنَما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المَسْجِدِ إذ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وذَهَب واحِدٌ، فأمَّا أحَدُهما فرَأى فُرْجَةً، فجَلَسَ، وأمّا الآخَرُ فجَلَسَ خَلْفَهُم، فلمّا فَرَغ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ؛ أمَّا أحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ ¬

(¬1) في الأصل: «سعيد». وهو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصارى الأشهلى، سيّد الأوس. شهد بدرًا باتفاق ورُمِى بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا، حتى حكم في بنى قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه، فمات وذلك سنة خمس. الإصابة 3/ 84. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم، من كتاب الصلاة، وفى: باب مرجع النبى - صلى الله عليه وسلم - الأحزاب. . . . إلخ، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 1/ 125، 5/ 143، 144. ومسلم، في: باب جواز قتال من نقض العهد. . . . إلخ، من كتاب الجهاد والسير. صحيح مسلم 3/ 1389. كما أخرجه أبو داود، في: باب في العيادة مرارًا، من كتاب الجنائز. سنن أبى داود 2/ 165. والنسائى، في: باب ضرب الخباء في المسجد، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 35. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 56. (¬3) المِحْجنُ: عصا معوجة الرأس، يتناول بها الراكب ما سقط له. (¬4) أخرجه البخارى، في: باب استلام الركن كالمحجن، من كتاب الحج. صحيح البخارى 2/ 185. ومسلم، في: باب جواز الطواف على بعير وغيره. . . . إلخ، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 926. كما أخرجه أبو داود، في: باب الطواف الواجب، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 434. والنسائى، في: باب إدخال البعير المسجد, من كتاب المساجد، وباب الإشارة إلى الركن، من كتاب مناسك الحج. المجتبى 2/ 37، 5/ 186. وابن ماجه، في: باب من استلم الركن بمحجن، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 983.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَاسْتحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَض اللهُ عَنْهُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، قال: كُنَّا نَأْكُلُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المسجدِ الخُبْزَ واللَّحْمَ. رَواه ابنُ ماجَه (¬2). وعن عَبَادِ بنِ تَمِيمٍ، عن عَمِّه عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّه رَأى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتلْقِيًا في المسجدِ، واضِعًا إحْدَى رِجْلَيْه على الأْخرَى. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ويَجُوزُ السُّؤالُ في المسجدِ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى بَكْرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟». وذَكَر الحديثَ. رَواه أبو داودَ (¬4). ويَجُوز إنْشادُ الشِّعْرِ، واللِّعانُ في المسجدِ؛ لِما رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ عُمَرَ مَرَّ بحَسَّانَ، وهو يُنْشِدُ الشِّعْرَ في المسجدِ، فلَحَظَ. إليه، فقال: قد كنْتُ أُنْشِدُ فيه، وفيه [مَنْ هُو] (¬5) خَيْرٌ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس. . . . إلخ، من كتاب العلم. صحيح البخارى 1/ 26. ومسلم، في: بابي من أتى فوجد فرجة. . . . إلخ. من كتاب السلام. صحيح مسلم 4/ 1713. كما رواه الترمذى، في: باب حدثنا الأنصارى، من أبواب الاستئذان. عارضة الأحوذى 10/ 189. والإمام مالك، في: باب جامع السلام، من كتاب السلام. الموطأ 2/ 960. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 219. (¬2) في: باب الأكل في المسجد، من كتاب الأطعمة. سنن ابن ماجه 2/ 1097. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب الاستلقاء في المسجد، من كتاب الصلاة, وفى: باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، من كتاب اللباس, وفى: باب الاستلقاء، من كتاب الاستئذان. صحيح البخارى 1/ 128، 7/ 219، 8/ 79. ومسلم، في: باب إباحة الاستلقاء. . . . إلخ، من كتاب اللباس والزينة. صحيح مسلم 3/ 1662. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى، من كتاب الأدب. سنن أبى داود 2/ 565. والترمذى، في: باب ما جاء في وضع إحدى الرجلين. . . . إلخ، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى 10/ 221. والنسائى، في: باب الاستلقاء في المسجد، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 39. والإمام أحمد, في: المسند 4/ 38, 39. (¬4) في: باب المسألة في المساجد، من كتاب الزكاة. سنن أبى داود 1/ 388. (¬5) سقطت من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ منك. ثم الْتفَتَ إلى أبى هُرَيْرةَ، فقال: أنْشُدُكَ اللهَ، أسَمِعْتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «أَجِبْ عَنِّى، اللَّهُمَّ أيِّدهُ بِرُوحِ الْقدُسِ»؟ قال: نعم. مُتَّفَقٌ عليه (¬1) -. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَة، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أكْثَرَ مِن مِائةِ مَرَّةٍ في المسجدِ، وأصحابُه يَتَذاكرُون الشِّعْرَ وأشْياءَ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فرُبَّما تَبَسَّم معهم. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬2). وفى حديثِ سَهْلِ ابنِ سعدٍ ذَكر حديثَ اللِّعانِ، قال: فتَلاعَنا في المسجدِ، وأنا شاهِدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). فصلٌ فيما يُكْرَه في المَسْجِدِ: يُكْرَهُ إنْشادُ الضّالَّةِ في المسجدِ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِى الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ (¬4). إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب ذكر الملائكة، من كتاب بدء الخلق. صحيح البخارى 4/ 136. ومسلم, في: باب فضائل حسان بن ثابت، من كتاب فضائل الصحابة. صحيح مسلم 4/ 1932, 1933. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في الشعر، من كتاب الأدب. سنن أبى داود 2/ 599. والنسائى، في: باب الرخصة في إنشاد الشعر. . . . إلخ من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 37. والإمام أحمد, في: المسند 5/ 333. (¬2) في: المسند 5/ 91. كما رواه الترمذى، في: باب ما جاء في إنشاد الشعر، من أبواب الأدب: عارضة الأحوذى 10/ 291. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب التلاعن في المسجد، من كتاب الطلاق، وفى: باب من قضى ولاعن في المسجد، من كتاب الأحكام. صحيح البخارى 7/ 70، 9/ 85. ومسلم، في: كتاب اللعان. صحيح مسلم 2/ 1130. كما أخرجه أبو داود، في: باب في اللعان، من كتاب الطلاق. سنن أبى داود 1/ 533. والنسائى، في: باب الرخصة في ذلك، من كتاب الطلاق. المجتبى 6/ 116. وليس عنده ذكر المسجد. وابن ماجه, في: باب اللعان، من كتاب الطلاق. سنن ابن ماجه 1/ 666. (¬4) في م: «عليه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لِهَذَا». رَواه مسلمٌ (¬1). عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن البَيْعِ والابْتِياعِ، وعن تَناشُدِ الأشْعارِ في المَساجِدِ. رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ويُكْرَهُ تَجْصِيصُ المَساجِدِ وزَخْرَفَتُها؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجدَهُمْ». رَواه ابن مْاجه (¬3). وعن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ». قال ابنُ عباسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى. رَواه أبو داودَ (¬4). وعن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينكُمْ، وَشِراكمْ وبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أصْوَاتِكمْ، وَإقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبوَابِهَا ¬

(¬1) في: باب النهى عن نشد الضالة في المسجد. . . . إلخ، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة. صحيح مسلم 1/ 367. كما رواه أبو داود, في: باب كراهية إنشاد الضالة في المسجد، م كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 111. وابن ماجه، في: باب النهى عن إنشاد الضوال في المسجد، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 252. والدارامى، في: باب النهى عن استنشاد الضالة في المسجد. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 326. والإمام أحمد, في: المسند 2/ 349، 420. (¬2) أخرجه بنحوه أبو داود، في: باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 248. والترمذى, في: باب ما جاء في كراهية البيع والشراء. . . . إلخ» من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 118. والنسائى، في: باب البيع والشراء في المسجد. . . . إلخ، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 37. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 179، 212. كما أخرجه بلفظه ابن ماجه، في: باب المواضع التى تكره فيها الصلاة، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 247. (¬3) في: باب تشييد المساجد، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 244، 245. (¬4) في: باب في بناء المساجد, من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 106. كما أخرج البخارى قول ابن عباس في: باب ينيان المسجد، من كتاب الصلاة. صحيح البخارى 1/ 121.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَطَاهِرَ، وَجَمِّرُوهَا فِى الجُمَعِ». رَواه ابنُ ماجَه (¬1) مِن رِوايَةِ الحارِثِ ابنِ نَبْهانَ، قال فيه يحيى بنُ مَعِينٍ: لا يُكْتَبُ حَدِيثُه، ليس بشئٍ. ويُكْرَهُ أن يَكتُبَ على حِيطانِ المسجدِ قُرآنًا أو غيرَه؛ لأنَّه يُلْهِى المُصَلِّىَ ويَشْغَلُه، وهو يُشْبِهُ الزَّخْرَفَةَ وقد نُهِىَ عنها. والبُصاقُ في المسجدِ خَطِيئَةٌ، ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وهل يُكْرَهُ الوُضُوءُ في المسجدِ؟ على رِوايَتيْن، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ، إلَّا ابنَ عَقِيلٍ قال: إن قُلْنا بنَجاسَةِ الماءِ الْمُسْتَعْمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، حَرُم ذلك في المسجدِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: باب ما يكره في المساجد، من كتاب المساجد والجماعات. سنن ابن ماجه 1/ 247.

باب شروط الصلاة

بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَهِىَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا، وَهِىَ سِتٌّ؛ أَوَّلُهَا، دُخُولُ الْوَقْتِ. وَالثَّانِى، الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ 281 - مسألة؛ قال: (وهى ما يَجِبُ لها قبلها، وهى سِتٌّ؛ أوَّلُها دُخُولُ الوَقْتِ، والثانى، الطهارةُ مِن الحَدَثِ) أمّا الطهارةُ مِن الحَدَثِ، فقد مَضَى ذِكْرُها، وهى شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا (¬1) يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أحَدِكُمْ إذَا أَحدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: ¬

(¬1) في م: «ولا». (¬2) أخرجه البخارى، في: باب لا تقبل صلاة بغير ظهور، من كتاب الوضوء, وفى: باب في الصلاة، من كتاب الحيل. صحيح البخارى 1/ 46، 9/ 29. ومسلم، في باب وجوب الطهارة للصلاة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 204. كما أخرجه أبو داود، في: باب فرض الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبى داود 1/ 14، الترمذى، في: باب في الوضوء من الريح، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 102. الإمام أحمد، في: المسند 2/ 308، 318.

282 - مسألة؛ قال: (والصلوات المفروضات خمس)

وَالصَّلَوَاتُ المَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــ «لَا يقْبَلُ اللهُ صَلَاةً (¬1) بغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ». رَواه مسلمٌ (¬2). 282 - مسألة؛ قال: (والصَّلَواتُ المَفْروضاتُ خَمْسٌ) أجْمِعَ المُسْلِمُون على أن الصلَواتِ الخَمْس في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مَفْرُوضاتٌ، لا خِلاف بينَ المُسْلِمِين في ذلك، وأن غيرَها لا يَجبُ إلَّا لعارِضٍ مِن نَذْرٍ أو نَحْوِه، إلَّا أَنَّهم اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الوِتْرِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله تعالى. ¬

(¬1) في م: «صلاة أحدكم». (¬2) في: باب وجوب الطهارة للصلاة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 204.كما أخرجه أبو داود، في: باب فرض الوضوء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 14. والترمذي، في: باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 8. والنسائي، في: باب فرض الوضوء، من كتاب الطهارة، وفي: باب الصدقة من غلول، من كتاب الزكاة. المجتبى 1/ 75، 5/ 42. وابن ماجه، في: باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، من كتاب الطهارة. سننِ ابن ماجه 1/ 100. والدارمي، في: باب لا تقبل الصَّلاة بغير طهور، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي 1/ 175. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 20، 39، 51، 57، 73، 5/ 74، 75.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والأصْلُ في ذلك ما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «خَمْسُ صلَوَاتٍ كَتَبَهُن اللهُ عَلَى الْعَبْدِ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِن كَانَ لَهُ عَهدٌ عِنْدَ اللهِ أن يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عليهنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (¬1). ورُوِىَ أن أعْرابِيًّا أتَى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ اللهِ، ماذا فَرَض اللهُ (¬2) عَليَّ مِن الصلاةِ؟ قال: «خَمسُ صلوات». قال: فهل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أن تَطَوَّعَ شَيْئًا». فقال الرجلُ: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزيدُ عليها، ولا أنْقصُ منها. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْلَحَ الرجُلُ (¬3) ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في:، باب في من لم يوتر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 328: والنسَّائي، في: باب المحافظة على الصلوات الخمس، من كتاب الصَّلاة. المجتبى 1/ 186. وابن ماجه، في: ما جاء في فرض الصلوات. . . . إلخ، من كتاب إقامة الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 448. والإمام مالك، في: باب الأمر بالوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 123. (¬2) سقط من: م. (¬3) سقط من: الأصل.

283 - مسألة؛ قال: (الظهر، وهى الأولى، ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، بعد الذي زالت عليه الشمس)

الظُّهْرُ، وَهِىَ الأولَى، وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، بَعْدَ الَّذِى زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ إنْ صَدَقَ». مُتَّفقٌ عليه (¬1). وأجْمَعُوا على أنَّ الصَّلوات الخَمْس مُؤقَّتات بمَواقِيتَ مَعْلُومَةٍ محْدُودَةٍ، وقد ورَد ذلك في أحادِيثَ صِحاح يأتي أكثرها، إن شاء اللهُ تعالى. 283 - مسألة؛ قال: (الظُّهْرُ، وهى الأولَى، ووَقْتُها مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْله، بعدَ الذي زالَتْ عليه الشَّمْسُ) أجمعَ أهلُ العلمِ على أن أوَّلَ وَقْتِ الظهرِ، إذا زالَتِ الشَّمْسُ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ. وتُسَمَّى الهَجيرَ، والأولَى، والظُّهْرَ؛ لأنَّ في حديث أبي برْزَةَ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّى الهَجيرَ التى ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الزكاة من الإسلام، من كتاب الإيمان وفى: باب وجوب صوم رمضان، من كتاب الصوم، وفى: باب كيف يستحلف، من كتاب الشهادات، وفى: باب في الزكاة، وأن لا فرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق؛ خشية الصدقة، من كتاب الحيل. صحيح البخارى 1/ 18، 3/ 30، 235، 9/ 29. ومسلم، في باب: بيان الصلوات التى هي أحد أركان الإسلام، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 41. كما أخرجه أبو داود، في: باب حدّثنا عبد الله بن مسلمة، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 93. والنسائي، في: باب كم فرضت في اليوم والليلة، من كتاب الصَّلاة، وفي: باب وجوب الصيام، من كتاب الصيام، وفى: باب الزكاة، من كتاب الإيمان. المجتبى 1/ 184، 4/ 97، 8/ 104. والدارمي، في: باب في الوتر، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارمي 1/ 370. والإمام مالك، في: باب جامع الترغيب في الصَّلاة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 175.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَدْعُونَها الأُولَى حينَ تَدْحَضُ الشَّمسُ. مُتفَّقٌ عليه (¬1). وإنَّما بَدَأ بذكْرِها، لأنَّ جِبْريل بَدَأ بها حينِ أمَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وبَدَأ بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حين عَلَمَ أصحابَه مَواقِيتَ الصلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَةَ وغيرِه، فرَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أمَّنِى جِبْرِيلُ، عَليْهِ السَّلَامُ، عِندَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ فِى الأولَى مِنْهُما، حين كَان الْفَىْءُ مِثْلَ الشِّراكِ (¬2)، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كاد ظِلُّ كُل شَئٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمس (¬3) وَأَفطر الصَّائِمُ، ثمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ علَى الصَّائِمِ. وصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ لوقْتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ (¬4) ظِلُّ كل شَىْءٍ ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب وقت العصر، وباب ما يكره من السمر بعد العشاء، من كتاب المواقيت. صحيح البُخاريّ 1/ 144، 155. أما مسلم فقد أخرجه عن أبي برزة بلفظ: وكان يصلى الظهر حين تزول الشمس في: باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 447. وأخرجه عن جابر بن سمرة، بلفظ: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلى الظهر إذا دحضت الشمس. في: باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 432. كما أخرجه النسائي، في: باب كراهية النوم بعد صلاة المغرب، وباب ما يستحب من تأخير العشاء، من كتاب المواقيت. المجتبي 1/ 210، 213. وابن ماجه، في: باب وقت صلاة الظهر، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 321. والدارمي، في: باب قدر القراءة في الفجر، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارمي 1/ 298. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 420، 423. (¬2) شراك النعل: سيرها الذي كل ظهر القدم، وصار مثل الشراك: يعنى استبان الفئ في أصل الحائط من الجانب الشرقي عند الزوال فصار في رؤية العين كقدر الشراك، وهذا أقل ما يعلم به الزوال، وليس تحديدا. المصباح المنير. (¬3) أى غابت. (¬4) سقطت من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِثْلَيْهِ (¬1)، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقتهِ الْأوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشاء الْآخِرَةَ (¬2) حينَ ذَهب ثلُث اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حين أسْفَرَتِ الْأرْضُ، ثُمَّ الْتفتَ جِبْريلُ فقَالَ: يا محمَّد، هَذَا وَقْتُ الأنْبِيَاءِ قَبلَكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْن». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِىُّ (¬3)، وقال: حديثٌ حسنٌ (¬4). وروَى جابِرٌ نَحْوَه ولم يَذْكُرْ فيه: «لِوَقتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ» (¬5). قال البُخاريُّ: أصَحُّ حديثٍ في المَواقِيتِ حديث جابر. وروَى بريْدَةُ، عن النَّبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم - أنَّ رجلًا سألَه عن وَقتِ الصلاةِ، فقال: «صلِّ مَعَنَا هَذيْنِ الْيوْمَيْنِ» (¬6). فلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ أمَر بِلالًا فأذَّنَ، ثم أمَرَه فَأقام الظُّهْرَ، ثم أمَرَه فأقامَ العَصْرَ، والشَّمْسُ مُرْتَفِعَة بَيْضاءُ نقِيَّةٌ، لم يُخالِطْها صُفْرَةٌ، ثم أمَرَه فأقامَ المَغْرِبَ حينَ غابَتِ الشَّمْسُ، ثم أمرَه فأقامَ العِشاءَ حينَ غاب الشَّفَقُ، ثم أمَرَه فَأقامَ الفَجْرَ حينَ طَلَع الفَجْرُ، فلَمَّا كان اليَوْمُ الثاني أمَرَه فأبْرَدَ بالظُّهرِ، فأنْعَمَ أن يُبْرِدَ بها، وصَلى العصر والشَّمسُ بَيْضاءُ مُرْتَفعَة، آخِرُها فوق الذي كان، وصَلَّى الْمَغْرِبَ حينَ غاب ¬

(¬1) في م: «مثله». (¬2) في م: «الأخيرة». (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب المواقيت، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 93. والترمذي، في: باب ما جاء في مواقيت الصَّلاة». من أبواب الصَّلاة. عارضه الأحوذي 1/ 248، 249. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 333، 354. كما أخرجه ابن ماجه بنحوه عن ابن مسعود، في: أبواب مواقيت الصَّلاة، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 220. (¬4) في سنن الترمذي زيادة: «غريب». (¬5) هذا قول الترمذي، وما يأتي أيضًا قوله. عارضة الأحوذى 1/ 249، 250. وأخرج الترمذي حديث جابر، في هذا الموضع. (¬6) في صحيح مسلم:. «صل معنا هذين» يعني اليومين.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّفَقُ، وصَلَّى العِشاءَ حيَنَ (¬1) ذَهَب ثُلثُ اللَّيلِ، وصَلَّى الفَجْرَ فأسْفرَ بها، ثم قال: «أينَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟» فقال الرجلُ: أنا يا رسولَ الله. فقال: «وَقْتُ صَلَاِتِكُمْ بَيْنَ ما رَأيتُمْ». رَواه مسلمٌ (¬2). ومَعْنَى زوالِ الشَّمس، مَيْلُها في وَسَطِ السَّماء، وإنَّما يُعرَفُ ذلك بطُولِ الظِّلِّ بعدَ تَناهِى قِصَره؛ لأنَّ الشَّمْسَ حين تَطلُعُ يكونُ الظِّلُّ طَويلًا، وكلَّما ارْتَفَعَتْ قَصُرَ، فإذا مالَتْ عن كَبِدِ السَّماءِ، شَرَع في الطولِ، فذلك زَوالُ الشَّمس، فمَن أرادَ معرِفَةَ ذلك فلْيُقَدِّرْ ظِلَّ شيءٍ، ثم يَصْبِرْ قَلِيلاً، ثم يُقدِّره ثانيًا، فإن نَقَص لم يَتَحَقَّقِ الزَّوالُ، وإن زاد فقد زالتْ، وكذلك إن لم يَنْقص؛ لأنَّ الظل لا يَقِفُ فيَكُونُ قد نَقص ثم زاد. وأمّا مَعْرِفَةُ قدْر ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ بالأقدامِ فيَخْتَلِفُ باخْتلافِ الشُّهُورِ والبلْدانِ، فكلما طال النَّهارُ، قَصر الظِّلُّ، وإذا قَصر طال الظِّل. وقد ذَكَر أبو العَبّاس السِّنجىُّ (¬3)، رحِمه اللهُ، ذلك تَقْرِيبًا، قال: إن الشَّمسَ تزُولُ في نِصْفِ حَزِيران على قدَمٍ وثلثٍ، وهو أقل ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ، وفي نِصْفِ تمُّوزَ وأيارَ على قدم ونِصْفٍ وثُلُثٍ، ونصف آبَ ونَيْسانَ على ثلاثة أقدام، وفي نصفِ آذارَ وأيلولَ على أربَعَةِ أقدام ونصفٍ، وفى ¬

(¬1) في صحيح مسلم: «بعد ما». (¬2) في: باب أوقات الصلوات الخمس، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 428، 429.كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في مواقيت الصَّلاة، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذى 1/ 252. والنسائي، في: أول وقت المغرب، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 207. وابن ماجه، في: أبواب مواقيت الصَّلاة، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 219. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 349. (¬3) لعله أبو العباس بن محمد بن سراج السنجى الطحان، راوى كتاب أبي عيسى الترمذي عن أبى العباس المحبوبي، مات بعد الأربعمائة. الأنساب 7/ 166.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نصفِ شُباطٍ وتَشرِينَ الأوَّلِ على سِتةِ أقدامِ، وفي نِصْفِ كانُونَ الثانى وتَشرِينَ الثانى على تِسْعَةِ أقدام، وفي نصفِ كانُونَ الأوَّلِ على عَشْرَةِ أقْدامٍ وسُدْسٍ، وهو أكْثَرُ ما تَزُولُ عليه [الشَّمْسُ في] (¬1) إقلِيمِ الشَّامِ والعِراقِ وما سامَتَهُما، فإذا أرَدْتَ مَعْرفةَ ذلك، فقِفْ على مُسْتَوٍ مِن الأرضِ، وعَلِّمِ المَوْضِعَ الذي انتهَى إليه ظِلُّك، ثم ضَعْ قدَمك اليُمنَى بينَ يَدَي قدَمِك اليُسْرَى، وألْصِقْ عَقِبَك بإبْهامِك، فإذا بَلَغَتْ مِساحَتُه هذا القدْرَ بعدَ انْتِهاءِ النَّقْصِ فهو وَقْتُ زَوالِ الشَّمس، وتجِبُ به الظُّهْرُ. واللهُ أعلمُ. فصل: وتَجِبُ الصلاةُ بدُخُولِ أوَّلِ وَقْتِها في حَقّ مَن هو مِن أهْلِ الوُجُوبِ. وهو قَوْلُ الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بآخِرِ وَقْتِها إذا بَقِىَ منه ما لا يَتّسِعُ لأكْثَرَ منها؛ لأَنَّه في أوَّلِ الوَقْتِ يَتَخَيَّر بينَ فِعْلِها وتركِها، فلم تَكُنْ واجبَة كالنَّافلَةِ. ولَنا، أنَّه مَأمُورٌ بها في أوَّلِ وَقْتِها بقَوْلِه تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (¬2). والأمْرُ [يَقْتَضِى الوُجُوبَ] (¬3) على الفَوْرِ، ولأنَّ دُخُولَ الوَقْتِ سَبَبٌ للوجُوبِ (¬4) فتَرَتَّبَ عليه حُكْمُه عندَ وُجُودِه، ولأنَّها تشترَطُ لها نِيَّةُ (¬5) الفَرْض، ولو كانت نَفْلًا لأجزأتْ بنيَّةِ النَّفْلِ، كالنَّافِلَةِ، وتُفارِقُ النَّافِلَةَ مِن حيثُ إن النافِلَةَ يَجُوزُ تركُها لا إلى بَدَلٍ، وهذه إنَّما يَجُوزُ تَرْكُها مع العَزْمِ على فِعْلِها، كما تُؤخَّرُ صلاةُ المَغْرِبِ ¬

(¬1) في م: «وفي». (¬2) سورة الإسراء 78. (¬3) في م: «للوجوب». (¬4) في الأصل، م: «للوجود». (¬5) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لَيْلَةَ المُزْدَلفَةِ عن وَقْتِها، وكما تُؤخَّرُ سائر الصَّلَواتِ عن وَقْتها لمن هو مشتغل بشَرْطِها. فصل: وآخِرُ وقْتِها إذا زاد على القَدْرِ الذي زالَتْ عليه الشَّمسُ قَدْرَ طُولِ الشَّخْصِ. قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ الله: وأى شيء آخِرُ وَقْتِ الظهْرِ؟ قال: أن يَصِيرَ الظل مِثْلَه. قيل له: فمتى يكُونُ الظل مِثْلَه؟ قال: إذا زالتِ الشَّمس فكان الظل بعدَ الزَّوالِ مِثْله. ومَعْرِفَة ذلك أن يَضْبُطَ ما زالتْ عليه الشمسُ، ثم يَنظرَ (¬1) الزيادَة عليه، فإن بَلَغَتْ قَدْر الشَّخْصِ، فقد انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ، وقدْرُ شَخْص الإنْسانِ سِتَّةُ أقْدام ونِصْف وسُدْس بقَدَمِه، تقْرِيبًا، فإذا أرَدْتَ اعْتِبار الزيادَةِ بقَدَمك مَسَحْتَها على ما ذَكَرْناه في الزَّوالَ، ثم أسْقَطْتَ منه القَدْرَ الذي زالَتْ عليه الشمس فإذا بَلَغ الباقى سِتَّةَ أقدام وثُلُثَيْن، فهو آخِر وَقْتِ الظهْرِ وأولُ وقْتِ العَصْر، فيَكُونُ ظِلُّ الإنْسانِ في نِصْفِ حَزيرانَ، على ما ذَكَرْنا في آخِرِ وَقْتِ الظهْرِ وأوَلِ (¬2) وَقْتِ العَصْرِ، ثَمانِيَةَ أقدام بقَدَمِه، وفى بَقِيَّةِ الشُّهُورِ كما بَيَّنَّا. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ والثَّوْرِىّ والشْافعىِّ والأوْزاعِى. ونَحْوه قول أبي يُوسفَ ومحمدٍ، وغيرِهم. وقال عَطاء: لا تَفْرِيطَ للظهر حتَّى تَدْخُلَ الشمَّس صُفْرَة. وقال طاوُس: وَقْتُ الظهْر والعَصْرِ إلى اللَّيْلِ. وحُكِىَ عن مالكٍ: وَقْت الاخْتِيار إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَهُ (¬3)، ووَقْتُ ¬

(¬1) في الأصل: «ينظر إلى». (¬2) في الأصل: «وفى أول». (¬3) في الأصول: «مثليه». وانظر: الشرح الصغير 1/ 317. والكافى 1/ 190.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأداء إلى أن يبْقَى من غُرُوبِ الشمس قَدْر ما يُؤدى فيه العَصْرُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَع بينَ الظهر والعَصْرِ في الحَضَرِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذا صار ظِل كل شئٍ مثلَيْه؛ لأنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما مَثَلُكُمْ وَمَثَل أهْل الْكِتَابَيْنِ، كَمثَلِ رجل استأجَرَ أجَرَاءَ (¬1) فَقَالَ: منْ يَعْملُ لِى مِنْ غُدْوَة إلَى نِصْفِ النهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهود، ثمَّ قَال: مَنْ يَعْمَلُ لِي من نِصْفِ النهارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاط؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثم قالَ: مَنْ يَعْمَل لِى مِنَ الْعَصْرِ إلى غرُوبِ الشَّمس عَلَى قِيراطَيْنِ؟ فأنْتمْ همْ. فَغَضبتِ الْيَهود والنصارَى، وقَالُوا: مَا لَنَا أكثَر عَمَلاً وَأقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هلْ نَقَصْتُكُمْ (¬2) منْ حَقِّكُمْ؟ قالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِك فَصلِى أوتِيهِ مَنْ أشَاءُ». أخْرجه البُخارِى (¬3). وهذا يَدُل على أنَّ ما بين الظُّهْر والعَصْرِ أَكْثَرُ مِن العَصْرِ إلى المغْرِبِ. ولَنا، حديث بُرَيْدَةَ وابنِ عباس، وفيه قوْلُ جبْرِيلَ فيه: «الْوَقْت مَا بَيْنَ هَذَيْن» (¬4). وحديث مالك مَحْمولْ على العُذْرِ بمَطَرٍ أو مَرَضٍ. وما ¬

(¬1) في الأصل: «أجيرا». (¬2) في م: «نقصتم». (¬3) في: باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، من كتاب المواقيت، وفى: باب الإجارة إلى نصف النهار، وباب الإجارة إلى صلاة العصر، وباب الإجارة من العصر إلى الليل، من كتاب الإجارة، وفى: باب فضل القرآن على سائر الكلام، من كتاب فضائل القرآن، وفى: باب قول الله تعالى {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا}، من كتاب التوحيد. صحيح البُخاريّ 1/ 146، 3/ 117، 118، 6/ 235، 9/ 191.كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 1/ 321. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 6، 111، 121، 129. (¬4) تقدم تخريجه، في صفحه 128.

284 - مسألة: (وتعجيلها أفضل، إلا في شدة الحر والغيم لمن يصلى جماعة

وَالْأفْضَلُ تَعْجِيلُهَا، إلَّا فِى شِدَّةِ الحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلى جَمَاعَة، ـــــــــــــــــــــــــــــ احْتَجَّ به أبو حَنِيفَةَ فليس فيه حُجَّة؛ لأنَّه قال: «إلَى صلَاةِ الْعَصْرِ». وفعْلُها يكون بعدَ دُخُولِ الوقْت وتَكامُلِ الْشروطِ، على أنَّ الأخْذَ بأحادِيثنا أوْلَى؛ لأنَّه قُصِد بها بَيانُ الوقتِ، وخَبَرُهم قُصِد به ضَرْبُ المثَلِ، فكانت أحادِيثنا أولَى. قال ابنُ عبدِ البَر: خالَفَ أبو حنيفةَ في هذا (¬1) الآثارَ والنّاس، وخالَفَه أصْحابُه. 284 - مسألة: (وتَعْجيلُها أفْضَلُ، إلَّا في شدةِ الحَرِّ والغَيْمِ لمَن يصَلِّى جَماعَةً) (¬2) وجُمْلَة ذلك، أنَّ تَعْجيلَ الظهْرِ في غيرِ الحُرّ والغَيْمِ مُسْتَحَب، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال الترمِذى: وهو الذي اخْتارَه أهلُ العلمِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعدَهم (¬3). لِما روَى أبو بَرْزَةَ قال: كان رسولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - يُصَلِّى الهَجِير التى تَدْعُونَها الأولَى حينَ تَدْحَضُ (¬4) الشَّمْسُ. وقال جابِر: كان النبىّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى الظُّهْر ¬

(¬1) في م: «هذه». (¬2) في م: «الجماعة». (¬3) في: باب ما جاء في التعجيل بالظهر، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذى 1/ 265. (¬4) تدحض الشمس: تنزل عن كبد السماء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالهاجرةِ. مُتَّفَق عليهما (¬1). وروَى الأمَوِىُّ (¬2) في «المَغازِى» بإسْنادِه، عن معاذِ بنِ جَبَل، قال: لَمّا بَعَثنِى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليَمَنِ قال: «أظْهِرْ كبِيرَ الْإسلَامِ وَصَغِيرَه، وَلْيَكُنْ مِنْ أكْبَرِهَا الصَّلَاة، فَإنَّها رَأسُ الْإسْلَامِ ¬

(¬1) الأول أخرجه البخارى، في: باب وقت الظهر عند الزوال، وباب ما يكره من السمر بعد العشاء، من كتاب المواقيت. صحيح البُخاريّ 1/ 143، 155. ومسلم، في: باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 447. كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت صلاة النبى - صلى الله عليه وسلم -، وكيف كان يصليها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 96. والنسائي، في: باب كراهية النوم بعد صلاة المغرب، وباب ما يستحب من تأخير العشاء، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 210، 212. وابن ماجه، في: باب وقت الظهر، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 221. والدارمي، في: باب قدر القراءة في الفجر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 298. والإمام أحمد، في: المسند، 4/ 420، 423. والثاني أخرجه البخارى، في: باب وقت الظهر عند الزوال (الترجمة)، باب وقت المغرب، وباب وقت العشاء إذا اجتمع النَّاس أو تأخروا، من كتاب المواقيت. صحيح البخارى 1/ 143، 147، 148. ومسلم في: باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 446. كما أخرجه أبو داود، في: باب وقت صلاة النبى - صلى الله عليه وسلم -، وكيف كان يصليها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 95. والنسائي، في: باب تعجيل العشاء، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 212. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 469. (¬2) أبو أيوب يحيى بن سعيد بن أبان الأموى الكوفي، صاحب كتاب المغازى، المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة. وتوجد نقول من كتابه هذا في بعض الكتب. انظر: تاريخ التراث العربى 1/ 2/ 97، 98.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَعْدَ الإِقرَارِ بِالدِّينِ، إذا كانَ الشتاءُ فَصَل صَلَاةَ (¬1) الفَجْرِ فِى أوَّل الْفجْرِ، ثُمَّ أطِلِ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَدْرِ ما تُطِيقُ وَلَا تمِلَّهُمْ وَتُكَرِّه إلَيهِمْ أمْرَ اللهِ، ثم عَجِّلِ الصَّلَاةَ الأولى بَعْدَ أنْ تَمِيلَ الشمْسُ، وَصَلِّ الْعَصْرَ وَالْمغْرِبَ فِى الشتاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ؛ الْعَصْرَ وَالشمْسُ بَيْضَاءُ مرْتَفِعَة، وَالْمَغْرِبَ حِينَ تَغِيبُ الشمْسُ، وَتَتَوَارَى بالْحِجَابِ، وَصَلِّ الْعِشَاءَ فَأعتِمْ بهَا؛ فَإنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ، فإذَا كَانَ الصيف (¬2) فَأسْفِرْ بِالصُّبْحِ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ قصِيرٌ، وَإنَّ النَّاسَ يَنَامُونَ، فأمْهِلْهُمْ حتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَ أنْ يَنْقصَ الظل وتَحَرَّكَ الريح؛ فَإن النَّاسَ يقِيلُونَ، فَأمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوها، وَصَلِّ الْعَتَمَةَ فَلَا تُعْتِمْ بِهَا، وَلَا تُصَلِّهَا حَتَّى يَغِيبَ الشفَق». وقالت عائشة: ما رَأيت أحَدًا [كان] (¬3) أشَدَّ تَعْجِيلاً للظهر مِن رسولِ اللَه - صلى الله عليه وسلم - ولا مِن ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «في الصيف». (¬3) تكملة من سنن الترمذى. عارضة الأحوذى 1/ 264. وانظر لحديث عائشة أيضاً المسند، للإمام أحمد 6/ 135، 216.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبي بكرٍ ولا مِن عُمَرَ. حديث حسن. فأمَّا في شدَّةِ الحَرِّ فيُستَحَبُّ تأخِيرها مطْلَقًا في ظاهِرِ كلام أحمدَ، والخِرَقِىّ. حَكاه عنه الأثْرَم. وهو قول إسحاقَ، وأصحابِ الرأىِ، وابنِ المنْذِرِ. وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لعمومِ قولِ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اشْتدّ الْحَرُّ فَأبْرِدوا بِالظهْرِ؛ فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ». متَّفَقٌ عليه (¬1). ¬

(¬1) من حديث أبي ذر، وأبي هريرة. وحديث أبي ذر أخرجه البخارى، في: باب الإبراد بالظهر من شدة الحر، وباب الإبراد بالظهر في السفر، من كتاب المواقيت، وفي: باب صفة النَّار وأنها مخلوقة غساقا، من كتاب بدء الخلق. صحيح البخارى 1/ 142، 4/ 146. ومسلم، في: باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر إلخ، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 43.كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت صلاة الظهر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 96. والترمذى، في: باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذى 1/ 269. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 155، 162، 176. وحديث أبي هريرة أخرجه البخارى، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب المواقيت. صحيح البخارى 1/ 142. ومسلم، في: باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر إلخ، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 430 - 432. كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت صلاة الظهر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 96. والترمذى، في: باب ما جاء في تأخير الظهر في شده الحر، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذى 1/ 266. والنسائي، في: باب الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 199، 200. وابن ماجه، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 222. والدارمى، في: باب الإبراد بالظهر، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارمي 1/ 274. والإمام مالك، في: باب النهى عن الصَّلاة بالهاجرة، من كتاب وقوله الصَّلاة. الموطأ 1/ 16. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 229، 238، 256، 266، 285، 318، 348، 377، 393، 394، 400، 411، 462، 501، 507. وأخرج الحديث عن ابن عمر البخارى، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب المواقيت. صحيح البُخاريّ 1/ 142. وابن ماجه، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 223. =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا هاهُنا أنَّه إنَّما يُسْتَحبُّ تَأخيرها لمَن يُصَلِّى جَماعةً. قال القاضي في «المُجَردِ»: إنَّما يُستَحَبُّ الإبرادُ بها بثَلاثِ شَرائطَ؛ شِدةِ الحَر، وأن يكُون في البُلْدانِ الحارة، ومَساجِد الجماعات، فأما مَن صَلَاها في بَيْته أو في مَسجِدٍ بفِناءِ بَيتِه، فالأفضَلُ تَعجِيلُها. وهذا مذهبُ الشَّافعي؛ لأنَّ التَّأخِيرَ إنَّما اسْتُحِبَّ لينكَسِرَ الحرُّ، ويتَّسع فَىْء الحِيطانِ فيكْثُرَ السَّعىُ إلى الجَماعات، ومَن لا يُصَلِّى في جَماعَةٍ لا حاجَةَ به إلى التَّأخيرِ. وقال في «الجامِع» (¬1): لا فَرْقَ بين الْبلدانِ الحارَّة وغيرِها، ولا بين كَوْن المسجدِ يَنْتابه النّاسُ (¬2) أوّلا؛ لأنَّ أحمد، رَحِمَه اللهُ، كان يُؤخِّرُها في (2) مَسْجدِه، ولم يَكُنْ بهذه الصِّفَةِ. ويُؤخرها حتَّى يتَّسِعَ فَىْءُ الحيطانِ؛ فإنَّ في حديثِ أبي ذَرٍّ، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال للمُؤذن: ¬

= وأخرج الحديث، عن أبي سعيد الخدرى البُخاريّ، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب المواقيت. صحيح البُخاريّ 1/ 143. وابن ماجه، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 223. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 9، 52، 53، 59. وأخرجه، عن المغيرة بن شعبة، ابن ماجه، في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 223. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 250. وأخرجه، عن أبي موسى يرفعه، النسائي، في: باب الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 200. وأخرجه، عن صفوان الزهرى، الإمام أحمد، في: المسند 4/ 262. وأخرجه، عن رجل من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم -، في: المسند 5/ 368. (¬1) ذكر ابن أبى يعلى من مصنفات والده القاضى محمد بن الحسين «قطعة من الجامع الكبير» فيها الطهارة وبعض الصَّلاة والنكاح والصداق والخلع والوليمة والطلاق، و «الجامع الصغير». طبقات الحنابلة 2/ 205، 206. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «أبرِدْ». حتَّى رَأينا فَئَ التُّلُولَ (¬1). ولا يؤخِّرُها إلى آخِرِ وَقْتِها، بل يُصَليها في وقتٍ [إذا فَرَغَ يكُونُ] (¬2) بينَه وبينَ آخِرِ الوَقتِ فَصْلٌ. فأمّا الجُمُعَةُ فيُسَنُّ تَعْجِيلُها في كل وَقْتٍ بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّ سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ قال: كُنّا نُجمِّعُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا زالَتِ الشَّمْس. متفق عليه (¬3). ولم يُنْقَلْ أنه أخَّرَها، بل كان يُعَجلُها حتَّى قال سهْل بنُ سعد: ¬

(¬1) انظر تخريج حديث: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر. . . .». المتقدم. (¬2) في م: «يكون إذا فرغ». (¬3) أخرجه البخارى، في: باب غزوة الحديبية، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 5/ 159. ومسلم، في: باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 589. كما أخرجه النسائي في: باب وقْت الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 81. وابن ماجه، في: باب ما جاء في وقت الجمعة، من كتاب إقامة الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 350. والدارمى، في: باب في وقت الجمعه، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارمي 1/ 363. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 64. ولفظ الحديث: كنا نصلِّى مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظلّ نستظلُّ فيه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ما كُنّا نَقِيل ولا نَتَغَدَّى إلَّا (¬1) بعدَ الجُمعَةِ. أخرَجَه البُخارِىُّ (¬2). ولأنَّ التَّبكِيرَ إليها سُنة فيَتَأذَى النّاسُ بتَأخِيرِها. ويُسْتَحبُّ تَأخِيرُها في الغَيْمِ، [وتَعْجيلُ العَصْرِ والعِشاءِ] (¬3) أيضًا لمَن يُصَلِّى جماعَةً. ذكَره الْقَاضى فقال: يُسْتَحَبُّ تَأخِيرُ الظُّهرِ والمَغْرِبِ في الغَيْمِ، وتَعْجِيل العَصْرِ والعِشاء. قال: ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ المروذي وجَماعَةٍ. وعلَّل القاضي ذلك بأَنَّه وَقت يُخافُ منه العَوارِضُ؛ من المَطَرِ، والرِّيحِ والبَرْدِ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ لكلِّ صلاةٍ، فيُؤخِّرُ الأولَى مِن صَلاَتىِ الجَمْع، ويُعَجِّلُ الثَّانِيَةَ، ويَخْرُج إليهما خُرُوجًا واحِدًا، فيَحْصُلُ له الرِّفْقُ بذلك كما يَحْصُلُ بالجَمْعِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والأوْزاعِىُّ. ورُوِى عن عُمَرَ ¬

(¬1) في م: «إلى». (¬2) في: باب قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ. . . .}، وباب القائلة بعد الجمعة، عن كتاب الجمعة، وفي: باب ما جاء في الغرس، من كتاب الحرث، وفي: باب السلق والشعير، من كتاب الأطعمة، وفى: باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال، وباب القائلة بعد الجمعة، من كتاب الاستئذان. صحيح البخارى 2/ 17، 3/ 144، 7/ 95، 8/ 68، 77. كما أخرجه مسلم، في: باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 588. وأبو داود، في: باب في وقت الجمعة، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 249. والترمذى، في. باب ما جاء في القائلة بعد الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 315. وابن ماجه، في: باب ما جاء في وقت الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 350. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 336. (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَضِىَ اللهُ عنه، مثْلُ ذلك في الظُّهْرِ والعَصْرِ. وعن ابنِ مسعودٍ: يُعَجِّلُ الظُهْرَ والعَصْرَ، ويُؤخرُ المَغْرِبَ. وقال الحسنُ: يُؤخِّر الظُّهْرَ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُسَنُّ تَعْجِيل الظّهْرِ في غيرِ الحَرِّ إذا غَلَب على ظَنِّه دخُول الوَقْتِ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيث. وما رُوِىَ عن أحمدَ، فيُحْمَل على أنَّه أرادَ بالتَّأْخِيرِ؛ ليَتَيَقَّنَ دُخُول الوقت، ولا يُصلِّىَ مع الشَّكِّ، فقد نقل أبو طالِبٍ عنه ما يَدُلُّ على هذا، أنَّه قال: يَوْمَ الغَيْمِ يُؤخِّر الظُّهْرَ حتَّى لا يشُك أنَّها قد حانَتْ، ويُعَجِّلُ العَصْرَ، والمَغْرِبُ يؤخرها حتَّى يَعْلَم أنّه سَوادُ اللَّيْلِ، ويُعَجلُ العِشاءَ.

285 - مسألة؛ قال: (ثم العصر، وهى الوسطى، ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس. وعنه، إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس)

ثُمَّ الْعَصْرُ، وَهِىَ الْوُسْطى، وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْس. وعَنْهُ، إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْء مِثْلَيْهِ. ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرورَةِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 285 - مسألة؛ قال: (ثم العَصْرُ، وهى الوُسْطَى، ووَقْتُها مِن خُرُوجِ وَقتِ الظُّهرِ إلى اصفِرارِ الشَّمْسِ. وعنه، إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلّ شيء مِثْلَيْه. ثم يَذْهَبُ وقتُ الاخْتِيارِ، ويَبْقَى وقتُ الضَّرُورَةِ إلى غرُوبِ الشَّمْسِ) الصلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العَصْرِ في قوْلِ أكثر أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم؛ منهم عليّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأبو سعيد، وأبو أيوبَ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس، رَضِى الله عنهم. وهو قولُ عَبِيَدَةَ السَّلْمانِى (¬1)، والحسنِ، والضحَّاكِ (¬2)، وأبي حنيفةَ، وأصْحابِه، ¬

(¬1) أبو مسلم عبيدة بن عمرو السلماني، أسلم قبل وفاة النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بسنتين ولم يره، وتوفى سنة اثنتين وسبعين، وكان من أعلم النَّاس بالفرائض. طبقات الفقهاء 80، العبر 1/ 79. (¬2) أبو القاسم الضحّاك بن مزاحم الهلالي، روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم. وقيل لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، توفي سنة ست ومائة. تهذيب التهذيب 4/ 453، 454.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وابن المنذر. ورُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وزيد، وعائشةَ، وعبدِ الله بنِ شَدّادٍ (¬1)، أنَّها صلاةُ الظُّهْرِ؛ لِما رُوِى عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: كان رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلى الظُّهْرَ بالهاجِرَةِ، ولم يَكُنْ يُصَلى صلاةً أشَدَّ على أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - منها، فنَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (¬2). رَواه أبو داودَ (¬3). ورَوَتْ عائشةُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَرَأ: (حافِظُوا على الصَّلواتِ والصَّلاةِ الوسْطىَ وصَلاةِ العَصْر). رَواه ¬

(¬1) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، لقى كبار الصحابة، وقتل سنة إحدى وثمانين. العبر 1/ 94. (¬2) سورة البقرة 238. (¬3) في: باب في وقت صلاة العصر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 98.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو داودَ، والترمذيُّ (¬1)، وقال: صَحِيحٌ. وقال طاوُسٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والشافعي: هي الصُّبحُ. ورُوِى أيضًا عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس؛ لقَوْلِه تعالى: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. والقنُوت طُولُ القِيامِ، وهو مخْتصٌّ بالصُّبحِ، ولأنُّها من أثْقَلِ الصلاةِ على المُنافِقِين، فلذلك اخْتَصَّتْ بالوَّصِيَّةِ بالمُحافَظَةِ عليها، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يَعْلَمون مَا في الْعَتَمَةِ وَالصُّبح لَأتوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» متَّفَقٌ عليه (¬2). وقال قوم: هي المَغْرِبُ؛ لأنَّ الأولَى الظُّهْرُ، فتَكون المَغْرِبُ الوُسْطَى، لأنَّها الثَّالِثَة مِن الخَمس، ولأنَّها الوُسْطَى في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، وخُصَّتْ مِن بينِ الصَّلَواتِ بأنَّها وِتْرٌ، واللهُ وِتر يُجبُّ الوِترَ، ولأنَّها تُصَلَّى في أوَّل وَقْتِها في جَمِيع الأمْصارِ والأعْصارِ، ويُكْرَهُ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في وقت صلاة العصر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 98. والترمذى، في: باب في تفسير سورة البقرة، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 11/ 105. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب الاستهام في الأذان، وباب فضل التهجير إلى الظهر، وباب الصف الأول، من كتاب الأذان، وفى: باب القرعة في المشكلات، من كتاب الشهادات. صحيح البُخاريّ 1/ 160، 167، 3/ 238. مسلم، في: باب تسوية الصفوف وإقامتها من كتاب الصَّلاة، وفى: باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 325، 451، 452. كما أخرجه أبو داود، في: باب في فضل صلاة الجماعة، من كتاب الصَّلاة سنن أبي داود 1/ 131. والنسائي، في: باب الرخصة في أن يقال للعشاء العتمة، من كتاب المواقيت، وفى باب الاستهام على التأذين، من كتاب الأذان. المجتبى 1/ 216، 2/ 9. وابن ماجه، في: باب صلاة العشاء والفجر في جماعة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 261. والدارمى، في: باب أى الصلاتين على المنافقين أثقل، وباب فيمن تخلف عن الصَّلاة، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارمي 1/ 291، 292. والإمام مالك في: باب ما جاء في النداء للصلاة، من كتاب النداء، وفي: باب ما جاء في العتمة والصبح، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 68، 131. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 236، 278، 303، 375، 376، 424، 466، 472، 479، 531، 533.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَأخِيرُها عنه، وكذلك (¬1) صَلّاها جبْرِيلُ بالنبى - صلى الله عليه وسلم - في اليَوميْن لوَقْتٍ واحِدٍ، وقد قال - صَلَّى الله عليه وسلم -: «لَا تَزَالُ أمُّتِى بِخَيْرٍ مَا لمْ يُؤخرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» (¬2). وهذا كلُّه يَدُل على تَأكِيدِها وفَضِيلَتِها. وقِيلَ: هي العِشاءُ. لِما ذَكَرْنا في الصُّبحِ، ولِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: مكَثْنا لَيْلةً نَنْتَظِرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخِرَةِ، فخَرَجَ إلينا حينَ (¬3) ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أو بعدَه، فقال: «إنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أهْل دِين غَيْرُكمْ، وَلوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أمتِى لَصَلَّيْتُ بهِمْ هَذِهِ السَّاعَة». مُتَّفَقٌ عليه (¬4). ولَنا، قول النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الأحزاب: ¬

(¬1) في م: «ولذلك». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في وقت المغرب، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 99. وابن ماجة، في: باب وقت صلاة المغرب، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 22. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 147، 5/ 417، 422. (¬3) في الأصل: «عندما». (¬4) أخرجه البخارى، في: باب النوم قبل العشاء لمن غلب، من كتاب المواقيت. صحيح البخارى 1/ 149. ومسلم، في: باب وقت العشاء وتأخيرها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 442. كما أخرجه أبو داود، في: باب [في] وقت العشاء الآخرة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 99. والنسائي، في: باب آخر وقت العشاء، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 215.كما روى عن عائشة رضى الله عنها أخرجه البخارى، في الباب الذى سبق ذكره، وفي: باب فضل العشاء، من كتاب المواقيت، وفي: باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، من كتاب الأذان. صحيح البخارى 1/ 148، 219. ومسلم، في الباب السابق ذكره. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 199، 215، 272.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الوسطى صَلَاةِ الْعَصْرِ». متفق عليه (¬1). وعن ابنِ مسعودٍ (¬2) وسَمرَةَ (¬3)، قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةُ الْوُسطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ». قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ خلافُه، وما رَوَتْه عائِشَةُ، فيَجُوزُ أن تكونَ «الواوُ» فيه زائدَة، ¬

(¬1) أخرجه البُخاريّ. في: باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، من كتاب الجهاد، وفي: باب غزوة الخندق، من كتاب المغازى، وفي: باب {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} في تفسير سورة البقرة، من كتاب التفسير، وفى: باب الدعاء على المشركين، من كتاب الدعوات. صحيح البُخاريّ 4/ 52، 5/ 141، 6/ 37، 8/ 105. ومسلم، في: باب التغليظ في تفويت صلاة العصر، وباب الدليل لمن قال الصَّلاة الوسطى هي صلاة العصر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 436، 437. كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت صلاة العصر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 97. والترمذي، في: باب حدّثنا هناد حدّثنا عبدة عن سعيد، في تفسير سورة البقرة، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذي 11/ 106. والنسائي، في: باب المحافظة على صلاة العصر، من كتاب الصَّلاة. المجتبى 1/ 190. وابن ماجه، في: باب المحافظة على صلاة العصر، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 224. والدارمى، قى: باب في الصَّلاة الوسطى، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارمي 1/ 0280، الإمام أحمد، في: المسند 1/ 71، 81، 113، 122، 126، 135، 137، 144، 146، 150 - 154. (¬2) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في صلاة الوسطى أنَّها العصر، من أبواب المواقيت، وفي: باب حدّثنا محمود بن غيلان، في تفسير سورة البقرة، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذي 1/ 214، 11/ 106. (¬3) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر، من أبواب المواقيت. عارضة الأحوذى 1/ 294. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 5/ 12، 13، 22.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كقَوْلِه: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (¬1). وقولِه: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (¬2). وقَوْلُه: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬3). فقد قِيلَ: [قانِتين أى] (¬4) مُطِيعين. وقِيل: القُنُوت السُّكوتُ. ولذلك قال زيدُ بنُ أرْقَمَ: كنّا نَتَكَلَّمُ حتى نَزَل قَوْلُه تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. فأمرنا بالسُّكُوت، ونُهينا عن الكَلام (¬5). فصل: وأوُّلُ وَقْتِ العَصْرِ مِن خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وهو إذا صار ظِل كل شئٍ مِثْله بعدُ القَدْرِ الذي زالتْ عليه الشَّمس، [فبخُرُوح وقتِ الظُّهْرِ يَدْخُلُ] (¬6) وقتُ العَصْرِ، ليس بينهما فصْل. وهو قول الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: أوّل وَقْتِها إذا زاد على المِثْلَيْن. لِما تَقَدَّمَ من ¬

(¬1) سورة الأنعام 75. (¬2) سورة الأحزاب 40. (¬3) سورة البقرة 238. (¬4) سقط من: الأصل. (¬5) أخرجه البخارى، في: باب ما ينهى من الكلام في الصَّلاة، من كتاب العمل في الصَّلاة، وفى: باب {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} في تفسير سورة البقرة، من كتاب التفسير. صحيح البخارى 2/ 78، 6/ 38. ومسلم، في: باب تحريم الكلام في الصَّلاة ونسخ ما كان من إباحته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 383. والترمذي، في: باب ما جاء في نسخ الكلام في الصَّلاة، من أبواب الصَّلاة، وفى: باب حدّثنا أحمد بن منيع، في تفسير سورة البقرة، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذي 2/ 195، 11/ 107. وأبو داود، في: باب النهى عن الكلام في الصَّلاة، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 218. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 368. (¬6) في الأصل: «فيخرج وقت الظهر بدخول».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الحديثِ الذي ذَكَرْناه لأبي حنيفةَ في بَيانِ آخِرِ وقْتِ الظُّهْرِ (¬1)، ولقَوْلِه تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} (¬2). وعلى قَوْلِكم تكُونُ وَسَطَ النَّهارِ. وحُكِىَ عن ربيعَةَ، أن وَقْتَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا زالَتِ الشَّمسُ. وقال إسحاقُ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أوَّلُ وقتِ العَصْرِ، يَشْتَرِكان في قَدْرِ الصَّلاة، فلو أنَّ رَجُلَيْن صَلَّيا معًا، أحَدُهما يُصَلِّى الظُّهرَ والآخرُ يُصَلِّى (¬3) العَصْرَ، حين صار ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَه، لكانا مُصَليَيْن الصَّلاتَيْن في وَقْتِهما. وحُكِىَ عن ابنِ المُبارَكِ، لقَوْلِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابن عباس: «وَصَلَّى فِى الْمَرَّةِ الثانية الظُّهْرَ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بالأمْسِ» (¬4). ولَنا، ما تَقَدَّم من حديثِ جِبْرِيلَ، فأمَّا قوْله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ}. فإنَّ الطَّرَف ما تَراخَى عن الوَسَطِ، فلا ينْفى ما قلْنا. وقَولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لِوقْتِ الْعَصْرِ بالأمس». أرادَ مُقارَبَةَ الوَقْتِ، يَعْنِى أنَّ ابْتِداءَ صلاةِ العَصْرِ مُتَصِل بآخِر صلاةِ الظهر في اليَوْمِ الثانى، وقد بَيَنَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ». رَواه مسلمٌ (¬5). وفى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ ¬

(¬1) حديث: «إنَّما مثلكم ومثل أهل الكتاب. . . .» تقدم في صفحة 132. (¬2) سورة هود 114. (¬3) سقطت من: الأصل. (¬4) تقدم تخريجه في ص 127. (¬5) في: باب أوقات الصلوات الخمس، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 427. كما أخرجه أبو داود، في: باب في المواقيت، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 95. والنسائى، في: باب آخر وقت المغرب، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 208. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 210، 213، 223.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الصَّلَاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الظُّهرِ حِينَ تَزُولُ الشمس، وَآخِرَ: وقتِهَا يَحْيَى يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ». رَواه التِّرمِذِيُّ (¬1). وآخِرُ وَقْتِها اخْتَلَفَتِ الروايَةُ فيه، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ آخِرَ وقتِ الاخْتِيارِ إذا صار ظِلُّ كل شئٍ مِثْلَيْه. وهو قولُ مالك، والثَّوْرِي، والشافعيِّ؛ لقوْلِه في حديث ابنِ عباس: «الْوَقتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ». ورُوِى عنه، أنَّ آخِرَه ما لم تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وهى أصَحُّ، حَكاها عنه جَماعَة، منهما الأثْرمُ. وهذا قولُ أبي يُوسُف ومحمدٍ، ونَحْوُه عن الأوْزاعِىِّ؛ لِما روى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفرَّ الشَّمْسُ». رَواه مسلم (¬2). وفى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم -: «وَإنَّ آخِرَ وَقْتِها حِينَ تصْفر الشَّمس» (¬3). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: اجْمَعَ العلماءُ على أنَّ مَن صَلَّى العَصر والشَّمْسُ بَيْضاءُ نقيَّة، فقد صَلّاها في وَقْتِها. وفى هذا دلِيلٌ على أن مُراعاةَ المِثْلَيْن عندَهم استحبابٌ، ولَعَلَّهما متَقارِبان يُوجَدُ أحَدُهما قَرِيبًا مِن الآخَرِ. ¬

(¬1) في: باب ما جاء في مواقيت الصَّلاة، من أبواب المواقيت. عارضة الأحوذي 1/ 250. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 332. (¬2) في: باب أوقات الصلوات الخمس، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 427. كما أخرجه أبو داود، في: باب في المواقيت، من كتاب الصَّلاة سنن أبي داود 1/ 95. والنسائي، في: باب آخر وقت المغرب، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 208. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 210، 213، 223. (¬3) أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في مواقيت الصَّلاة، من باب الصَّلاة. عارضة الأحوذى 1/ 250.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والأوْقاتُ ثلاثةُ أضْرُب؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووقتُ اخْتِيار، ووقتُ ضَرُورَة. وقد ذَكَرْنا وَقْتَ الفَضِيلَةِ. ومعنى وقتِ الاخْتِيارِ، هو الذي يَجُوزُ تأخير الصلاةِ إلى آخِرِه مِن غيرِ عُذرٍ. ووقتُ الضَّرورَةِ، [هو الذي] (¬1) إنّما يُباحُ تَأخِيرُ الصلاةِ إليه مع العُذْرِ. فإن أخَّرَها لغيرِ عُذر أثِمَ، ومتى فَعَلَها فيه فهو مُدْرِك لها أداءً في وَقتِها، سَواءٌ كان لعُذْرٍ أو غيرِه؛ لقَولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ». متفق عليه (¬2). ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك حُكمُ سائِرِ الصَّلوات إذا أدْرَكَ مِن وَقْتِها رَكْعَةً، وإن أدْرَكَ أقلَّ مِن ذلك، فسيَأتى بَيانُه إن شاء الله. ومتى أخَّرَ العَصْرَ عن وقتِ الاخْتِيارِ، على ما فيه مِن الخِلافِ، أثِمَ إذا كان لغيرِ عُذْرٍ، لِما تَقَدَّم مِن الأخْبارِ، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، وباب من أدرك من الفجر ركعة، من كتاب المواقيت. صحيح البُخاريّ 1/ 146، 151. ومسلم في: باب من أدرك ركعة من الصَّلاة فقد أدرك تلك الصَّلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 424، 425. كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت صلاة العصر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 98. والترمذي، في: باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذي 1/ 301. والنسائي، في: باب من أدرك ركعتين من العصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 206. وابن ماجه، في: باب وقت الصَّلاة في العذر والضرورة، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 229. والدارمى، في: باب من أدرك ركعة من صلاة فقد أدرك، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارمي 1/ 278. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 236، 254، 260، 275، 282، 306، 347، 348، 362، 389، 395، 399، 427، 459، 462، 489، 49، 507، 521، 6/ 78.

286 - مسألة: (وتعجيلها أفضل بكل حال)

وَتَعْجِيلُهَا أفْضَلُ بكل حَالٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ ولِما روَى أنس بنُ مالكٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ (1)، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِين (¬1)، يَجْلِسُ أحَدُهُمْ، حَتَّى إذا اصْفَرَّتِ الشَّمسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قرْنَي شَيْطَانٍ، أوْ عَلَى قرْنَي شَيْطَانٍ، قَامَ فنقَرَ أربَعًا، لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إلَّا قَلِيلاً». رَواه مسلمٌ (¬2). ولو أُبِيحَ تأخِيرُها لَما ذَمَّه عليه (¬3)، وجَعَلَه عَلامَةَ النفاق. 286 - مسألة: (وتَعجِيلُها أفْضَلُ بكلِّ حالٍ) رُوِى ذلك عن عُمَرَ (¬4)، وابنِ مسعودٍ، وعائشة، وأنس، وابنِ المُبارَكِ، وأهلِ المدِينَةِ، والأوزاعِى، والشّافعيّ، وإسحاق. ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ مسعودِ، أنَّهما كانا يُؤخِّران العَصر. ورُوِىَ عن أبي قلابَةَ وابنِ شُبْرُمَةَ، أنَّهما قالا: إنَّما سُمِّيَتِ العَصر لتُعْصَرَ. وقال أصحابُ الرَّأي: الأفْضَلُ ¬

(¬1) في م: «المنافق». (¬2) في: باب استحباب التبكير بالعصر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 434.كما أخرجه أبي داود، في: باب في وقت صلاة العصر، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 98. والترمذي، في: باب ما جاء في تعجيل العصر، من أبواب المواقيت. عارضة الأحوذى 1/ 271. والنسائي، في: باب التشديد في تأخير العصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 203. والإمام مالك، في: باب النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، من كتاب القرآن. الموطأ 1/ 220. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 103، 149، 185، 247. (¬3) في م: «عليها». (¬4) في الأصل: «ابن عمر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فِعْلُها في آخِر وَقْتِها المُخْتارِ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ (¬1)، أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَأمُرُ بتَأخِيرِ العَصْرِ (¬2). وعن عليّ بنِ شَيْبان (¬3)، قال: قَدِمْنا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يُؤخِّرُ العصر ما دامَتِ الشَّمْسُ (¬4) بَيْضاءَ نَقِيَّة (¬5). ولأنَّها آخِرُ صلاَتي جَمْع، فاسْتُحِبَّ تَأخِيرُها كالعِشاءِ. ولَنا، ما روَى أبو بَرْزَةَ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّىِ العَصرَ، ثم يَرْجِعُ أحَدُنا إلى رَحْلِه في أقصَى المدِينَةِ والشمس حَيَّةٌ. مُتَّفق عليه (¬6). وقال رافِعُ بنُ خَدِيجٍ: كُنّا نُصَلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ العصر، ثم نَنْحَرُ الجَزُورَ، فيُقْسَمُ عشرة أجْزاء، ثم نطْبُخُ فنَأكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قبلَ غُرُوبِ الشمس. مُتَّفَق عليه (¬7). وعن أبي أمامَةَ بنِ سَهْل، قال: صَليْنا مع عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز الظُّهْرَ، ثم خَرَجْنا حتَّى دَخَلْنا على أنس بنِ مالكٍ، فوَجَدْناه يُصَلِّى العَصْرَ، فقُلْنا: يا أبا حَمْزَةَ، ما هذه الصلاةُ التى صَلَّيْتَ؟ ¬

(¬1) هو رافع بن خديج بن رافع الأنصاري، عرض نفسه يوم بدر، فرده الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنَّه استصغره. توفى سنة أربع وسبعين. أسد الغابة 2/ 190، 191. (¬2) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 463. (¬3) أبو يحيى، على بن شيبان بن محرز الحنفى اليمامى، كان أحد الوفد من بنى حنيفة الذين قدموا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وسكن اليمامة. تهذيب التهذيب 7/ 332. (¬4) سقط من: م. (¬5) رواه أبو داود، في: باب وقت صلاة العصر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 97. (¬6) تقدم تخريجه في صفحة 134. (¬7) أخرجه البخارى، في: باب الشركة في الطعام والنهد، من كتاب الشركة. صحيح البخارى 3/ 180. ومسلم، في: باب استحباب التبكير بالعصر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 435. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 141 - 143.

287 - مسألة: (ثم المغرب وهى الوتر، ووقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر)

ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَهِىَ الْوِترُ، وَوَقتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْس إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأحْمَرِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: العَصْرُ، وهذه صلاةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التى كُنَّا نُصَلِّيها معه. مُتفَق عليه (¬1). وروَى الترمِذِى (¬2)، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قالْ: «الْوَقْتُ الْأولُ مِنَ الصلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ الله». وحديثُ رافِع لا يَصِحُّ. قاله الترمِذِى. وقال الدّارَقطنى (¬3): يَرْوِيه عبدُ الواحِدِ بنُ نافِع، وليس بالقَوِى، ولا يَصح عن رافِعٍ ولا عن غيرِه مِن الصحابَةِ، والصحيح عنهم تعجِيلُ صلاةِ العَصْرِ والتبكيرُ بها. قال ابنُ المُنْذِرِ: الأخْبارُ الثّابِتَةُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تدل على أنَّ أفْضَلَ الأمْرَيْن تَعْجِيلُ العَصْرِ في أولِ وَقتِها. 287 - مسألة: (ثم المَغْرِبُ وهى الوتر، ووَقتُها مِن مَغِيبِ الشَّمْس إلى مغيبِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في دُخُولِ وَقْتِ المَغْرِبِ بغروبِ الشمس، والأحادِيثُ تَدُل عليه، وآخِرُه إذا غاب ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب وقت العصر، من كتاب المواقيت. صحيح البُخاريّ 1/ 144، 145. ومسلم، في: باب استحباب التبكير بالعصر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 434.كما أخرجه النسائى، في: باب تعجيل العصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 203. (¬2) في: باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل، من أبواب الصَّلاة، عارضة الأحوذي 1/ 282. (¬3) في: باب ذكر بيان المواقيت واختلاف الروايات في ذلك، من كتاب الصَّلاة. سنن الدارقطني 1/ 251، 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشفَقُ. وهو قولُ الثورِى، وإسحاق، وأبي ثَوْر، وأصحابِ الرَّأىِ. وقال مالكٌ، والأوْزاعِى، والشافعى في أحَدِ قَوْلَيْه: ليس لها إلَّا وَقت واحِد؛ لأن جِبْرِيلَ عليه السلامُ، صَلّاها بالنبى - صلى الله عليه وسلم - في اليَومَيْن لوَقتٍ واحِدٍ، في بَيانِ مَواقِيتِ الصلاةِ (¬1). وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَزَالُ أمتِى بِخَيْر مَا لَمْ يُؤخِّرُوا الْمغرِبَ إلَى أنْ تشتَبِكَ النجُومُ» (¬2). وعن طاوُس: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى الفَجْرِ. وعن عَطاء: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى النَّهارِ. ولَنا، حديث بُرَيْدَةَ، وفيه أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى المَغْربَ في اليَوم الثانى حينَ غاب الشفَقُ. وروَى أبو موسى، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخرَ المَغْربَ في اليَومِ الثانى حتَّى كان عندَ سُقوطِ الشفَقِ. رَواهما مسلمٌ (¬3). وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفقُ». رَواه مسلمٌ (¬4). وهذه نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ، لا يَجُوزُ مُخالفَتُها بشئ مُحْتَمل، ولأنَّ ما قبل مَغِيبِ الشَّفقِ وقتٌ لاستِدامَتِها، فكان وَقتاً لابتدائِها، كأوَّلِ وقتها. وأحادِيثُهم مَحْمُولَة على الاسْتِحْبابِ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 128 (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 144. (¬3) حديث بريدة تقدم في صفحة 128. وحديث أبى موسى أخرجه مسلم، في: باب أوقات الصلوات الخمس، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 429. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في مواقيت الصَّلاة، من أبواب الصَّلاة. عارضة الأحوذي 1/ 252. والنسائي، في: أول وقت المغرب، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 207. وابن ماجه، في: أبواب مواقيت الصَّلاة، من كتاب الصَّلاة. سنن ابن ماجه 1/ 219. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 349. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 148.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والاخْتِيارِ، وتَأكِيدِ فِعْلِها في أوَّلِ وَقْتِها، جَمْعًا بَيْنَها وبينَ أحادِثِنَا، ولو تَعارَضت وَجَب حَمْلُ أحادِيثِهم على أنَّها مَنْسُوخَةٌ؛ لأنَّهَا في أوَّلِ فَرْضِ الصلاةِ بمَكَّةَ، وأحادِيثُنا بعدَها بالمَدِينَةِ، فتَكُونُ ناسِخَةً لِما قَبْلَها مِمّا يُخالِفُها. واللهُ أعلمُ. فصل: والشَّفَقُ الحُمْرَةُ. هذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، ومحمدٍ. وعن أنَسٍ وأبى هُرَيْرَةَ، ما يَدُلُّ على أنَّ الشَّفَقَ البَياضُ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىِّ، وأبى حنيفةَ. وهو اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، ورُوىَ عن ابن عباسٍ أيضًا، لأنَّ بخُرُوجِ وَقْتِها يَدْخُلُ وقتُ العِشاءِ (¬1)، الآخِرَةِ. وأوَّلُ وقتِ العِشاءِ إذا غاب البَياضُ، لأنَّ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ قال: أنا أعْلَمُ النَّاسِ بوَقْتِ هذه الصلاةِ، كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّها لسُقُوطِ القمَرِ لثالِثَةٍ (¬2). رَواه ¬

(¬1) في م: «عشاء». (¬2) أي ليلة ثالثة من الشهر. عون المعبود 1/ 161.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (¬1). ورُوِىَ عن أبى مسعودٍ (¬2)، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّيها حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ (¬3). ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ». رَواه أبو داودَ (¬4). ورُوِىَ: «ثوْرُ الشَّفَقِ» (¬5). وفَوْرُ الشَّفَقِ: فَوَرانُه وسُطُوعُه. وثَوْرُه: ثَوَرانُ حُمْرَتِه. وروَى ابنُ عُمَرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، فَإذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الْعِشَاءُ». رَواه الدّارَقُطْنِىُّ (¬6). وما رَوَوْه ليس فيه بَيانُ أنَّه أوَّلُ الوَقْتِ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤخِّرُ الصلاةَ عن أوَّلِ الوقتِ قَلِيلًا، ولهذا رُوِىَ عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لبِلالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفرُغُ الْآكِلُ مِنْ أكْلِهِ، وَالْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» (¬7). ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في وقت العشاء الآخرة: من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 99. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 270، 272، 274. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 276. والنسائي، في: باب الشفق، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 212. والدارمى، في: باب وقت العشاء، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 275. (¬2) في الأصل: «ابن مسعود». وهو أبو مسعود الأنصاري البدرى، عقبة بن عمرو بن ثعلبة، توفى سنة إحدى أو اثنين وأربعين. أسد الغابة 6/ 286، 287. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب المواقيت، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 94. (¬4) في: باب في المواقيت، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 95. (¬5) أخرجه مسلم، في: باب أوقات الصلوات الخمس، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 427. والنسائي، في: باب آخر وقت المغرب، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 208. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 213. (¬6) في: باب صفة المغرب والصبح، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 269. (¬7) أخرجه الترمذى، عن جابر بن عبد الله، في: باب ما جاء في الترسل في الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 312. والإمام أحمد، عن أبي بن كعب، في: المسند 5/ 143.

288 - مسألة: (وتعجيلها أفضل، إلا ليلة جمع لمن قصدها)

وَالأفْضَلُ تَعْجِيلُهَا، لَيْلَةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 288 - مسألة: (وَتَعْجِيلُها أفْضَلُ، إلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ لمَن قَصَدَها) لا نَعْلَمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ تَعْجِيلِ المَغْرِبِ، في غيرِ حالِ العُذْرِ، إلَّا ما ذَكَرْنا مِن اخْتِلافِهم في الغَيْمِ. وهو قولُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بعْدَهم. قاله التِّرمِذِيُّ (¬1). وذلك لِما روَى جابِرٌ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّى المَغْرِبَ إذا وَجَبَتْ. وعن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قال: كُنَّا نُصَلِّى المَغْرِبَ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَنْصَرِفُ أحَدُنا وإنَّه لَيُبْصِرُ مَواقِعَ نَبْلِه. مُتَّفَقٌ عليهما (¬2). وعن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى المَغْرِبَ ساعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، إذا غاب حاجِبُها. رَواه أبو داودَ، واللَّفْظُ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في وقت المغرب، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 274. (¬2) الأول أخرجه البخارى، في: باب وقت الظهر عند الزوال (الترجمة)، وباب، وقت المغرب، وباب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا، من كتاب المواقيت. صحيح البخاري 1/ 143، 147، 148. ومسلم في: باب استجاب التبكير بالصبح في أول وقتها، من كتاب المساجد. صحيح البخارى 1/ 446 كما أخرجه أبو داود، في: باب وقت صلاة النبى - صلى الله عليه وسلم - وكيف كان يصليها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 95. والنسائي، في: باب تعجل العشاء، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 212. الإمام أحمد، في: المسند 3/ 469. والثاني أخرجه البخارى، في: باب وقت المغرب، من كتاب المواقيت. صحيح البخارى 1/ 147. ومسلم، في: باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 441. كما أخرجه ابن ماجة، في باب وقت صلاة المغرب، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 224. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 142.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ له (¬1)، ورَواه التِّرمِذِيُّ (¬2) وقال: حديث (¬3) حسنٌ صَحِيحٌ. وفِعْلُ جِبْرِيلَ عليه السَّلامُ لها في اليَوْمَيْن في وَقْتٍ واحِدٍ دَلِيلٌ على تَأكِيدِ (¬4) اسْتِحْبابِها؛ ولأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ فكان أوْلَى. واللهُ أعلمُ. فأمَّا لَيْلَةُ جَمْعٍ، وهي لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ، فيُسْتَحَبُّ تَأخِيرُها؛ ليُصَلِّيَها مع العِشاءِ الآخِرَةِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك (¬5)، والإجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ على ذلك. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: باب وقت المغرب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 99. (¬2) في باب ما جاء في وقت المغرب، من أبواب الصلاة عارضة الأحوذى 1/ 273. ولفظه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. كما أخرجه الدارمي، في: باب وقت المغرب، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 275. (¬3) سقط من: م. (¬4) في م: «تأكد». (¬5) يأتى في الحج.

289 - مسألة: (ثم العشاء، ووقتها من مغيب الشفق الأحمر إلى ثلث الليل الأول

ثُمَّ الْعِشَاءُ، وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأحْمَرِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ. وَعَنْهُ، نِصْفِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 289 - مسألة: (ثم العِشاءُ، ووَقْتُها مِن مَغِيبِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ إلى ثُلثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ (¬1). وعنه، نِصْفِه) لا خِلافَ بينَ النَّاسِ في دُخُولِ وقتِ العِشاءِ الآخِرَةِ بغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في الشَّفَقِ، وقد ذَكَرْناه، فمتى غاب الشَّفَقُ الأحْمَرُ، دَخَل وقتُ العِشاءِ، إن كان في مكانٍ يَظْهَرُ له الأُفُقُ، وإن كان في مكانٍ يَسْتَتِرُ عنه الأُفُقُ بالجِبالِ أو نَحْوِها، اسْتَظْهَرَ حتَّى يَغِيبَ البَياضُ، فيَسْتَدِلَّ به على غَيْبُوبَةِ الحُمْرَةِ، لا لنَفْسِه. ¬

(¬1) ليست في: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في آخِرِ وَقْتِ الاخْتِيارِ، فرُوِى عنه، أنَّه ثُلُثُ اللَّيْلِ. نَصَّ عليه في رِوايَةِ الجَماعَةِ، اخْتارَها الخِرَقِيُّ. وهو قولُ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعُمَرَ بن عبدِ العزيزِ، والشافعىِّ أحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّ في حديثِ جِبْرِيلَ، أنَّه صَلَّى بالنبىِّ -صلى الله عليه وسلم- في المَرَّةِ الثّانِيَةِ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وقال: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذيْنِ» (¬1). وفى حديثِ بُرَيْدَةَ، أنَّه صَلاها في اليَوْمِ الثاني حينَ ذَهَب ثُلُثُ اللَّيْلِ. رَواه مسلمٌ (¬2). وقال النَّخَعيُّ: آخِرُ وَقْتِها إلى رُبْع اللَّيْلِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: آخِرُ وَقْتِها إلى طُلُوعِ الفَجْرِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ آخِرَ وَقْتِها إلى نِصْفِ اللَّيْلِ. وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحاب الرَّأى، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: أخَّرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثم صَلَّى، ثم قال: «صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أمَا إنَّكُمْ في صَلَاةٍ مَا انتظَرْتُمُوهَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو، عن النبيِّ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 128. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 129. (¬3) أخرجه البخاري، في: باب وقت الظهر عند الزوال، وباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعًا، وباب وقت العشاء إلي نصف الليل، من كتاب المواقيت، وفى: باب من جلس في المسجد كتاب الصلاة وفضل المساجد، وباب يستقبل الإمام الناس من إذا سلم، من كتاب الأذان؛ وفي: باب فص الخاتم، من كتاب اللباس. صحح البخاري 1/ 143، 147، 150، 168، 214، 7/ 201. وسلم، في باب وقت العشاء وتأخيرها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 443. كما أخرجه النسائي، في: باب آخر وقت العشاء، من كتاب المواقيت، وفى: باب صفة خاتم النبى - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب الزينة. المجتبى 1/ 215، 8/ 152. وابن ماجة، في: باب وقت صلاة العشاء، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 226. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 5.

290 - مسألة: (ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثانى، وهر البياض المعترض في المشرق، ولا ظلمة بعده، وتأخيرها أفضل ما لم يشق)

ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِى، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ في الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ، وَتَأْخِيُرهَا أفْضَلُ مَا لَمْ يَشُقَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». رَواه مسلمٌ وأبو داودَ (¬1). والأوْلَى أن لا تُؤَخَّرَ عن ثُلُثِ اللَّيْلِ، لأنَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ يَجْمَعُ الرِّواياتِ، والزِّياداتُ تَعارَضَتْ فيها الأخْبارُ، وإن أخَّرَها جاز؛ لِما ذَكَرْنا. 290 - مسألة: (ثم يَذْهَبُ وَقْتُ الاخْتِيارِ، ويَبْقَى وقتُ الضَّرُورَةِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثانى، وهر البَياضُ المُعْتَرِضُ في المَشْرِقِ، ولا ظُلْمَةَ بعدَه، وتأْخِيرُها أفْضَلُ ما لم يَشُقَّ) متى ذَهب نِصْفُ اللَّيْلِ أو ثُلُثُه، على الخِلافِ فيه، خَرَج وَقْتُ الاخْتِيارِ، وما بعدَه وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني، والحُكْمُ فيه حُكمُ الضَّرُورَةِ في وقتِ العَصْرِ، على ما بَيَّنَا. وتَأخِيرُها أفْضَلُ إلى آخِرِ وَقْتِها إذا لم يَشُقَّ. وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 147.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والتَّابِعِين. كذلك قال التِّرْمِذِيُّ (¬1). وحُكِىَ عن الشافعيِّ أنَّ الأفْضَلَ تَقدِيمُها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «الْوَقْتُ الْأوَّلُ رِضْوَانُ اللهِ، والْوَقْتُ الآخِرُ عَفْو اللهِ». رَواه التِّرْمَذِيُّ (¬2). وعن القاسِمِ بنِ غَنَّامٍ، عن أُمَّهاتِه، عن أُمِّ فَرْوَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألَه رجلٌ عن أفْضَل الأعْمالِ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا». رَواه أبو داودَ (¬3). ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ يُؤخِّرُها، وإنَّما أخَّرَها لَيْلَةٌ واحِدَةٌ. ولَنا، قولُ أبى بَرْزَةَ: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْتَحِبُّ أن يُؤْخِّرَ مِن العِشاءِ التي تَدْعُونَها العَتَمَةَ (¬4). وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لَأمَرْتُهُمْ أنْ يُؤْخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء الآخرة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 338. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 152. (¬3) في: باب المحافظة على وقت الصلوات، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 100، 101 كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 281. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 134.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أوْ نِصْفِهِ». رواه التِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ صحيحٌ. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يُؤخِّرُ عِشاءَ الآخِرَةِ. رَواه مسلمٌ (¬2). وأحادِيثُهم ضَعِيفَةٌ. أمّا خَبَرُ: «أوَّلُ الْوَقْتِ رضْوَانُ اللهِ» (¬3)، فيَرْوِيه عبدُ (¬4) اللهِ العُمَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وحديثُ أُمِّ فَرْوَةَ رُواتُه مَجاهِيلُ، وقال فيه التِّرمِذِيُّ أيضًا (¬5): لا يُرْوَى إلَّا مِن حديثِ العُمَرِيِّ، وليس بالقَوِيُّ في الحدثِ. قال أحمدُ: لا أعْرِفُ ثَبَت في أوْقاتِ الصلاةِ: أوَّلُها كذا، وأوْسَطُها كذا، وآخِرُها كذا. ولو ثَبَت كان الأخْذُ بأحادِيثِنا أوْلَى؛ لأنَّها خاصَّةٌ، وأخْبارَهم عامَّةٌ. وإنَّما يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها للمُنْفَرِدِ ولجَماعَةٍ راضِين بالتَّأخِيرِ، فأمّا مع المَشَقُّةِ بالمَأمُومِين أو بَعْضِهم فلا يُسْتَحَبُّ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم؛ قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: كم قَدْرُ تَأْخِيرِ العِشاء؟ فقال: يُؤخِّرُها بعدَ أن لا يشُقَّ على المَأمُومِين. وقد تَرَك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأمْرَ بتَأخِيرِها كَراهِيَةَ المَشَقَّةِ، ورُوِىَ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في تأخير العشاء الآخرة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 278 كما أخرجه النسائي، في باب ما يستحب من تأخير العشاء، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 214. وابن ماجة، في باب وقت صلاة العشاء، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 226. والإمام أحمد، في المسند 2/ 345، انظر: باب السواك، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 11. وباب ما جاء في السواك، من أبواب الطهارة، من سنن الترمذى. عارضة الأحوذى 1/ 40. (¬2) في: باب وقت العشاء وتأخيرها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 445. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 152. (¬4) في الأصول: «عبيد». وهو عبد الله بن عمر بن حفص أبو عبد الرحمن المصرى، من آل عمر بن الخطاب، مختلف في توثيقه. توفي بالمدينة في خلافة: هارون الرشيد سنة إحدى وسبعين ومائة. تهذيب التهذيب 5/ 326 - 328. (¬5) انظر: عارضة الأحوذى 1/ 283.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عنه: «مَنْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِى شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ» (¬1). وروَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّى العِشاءَ أحيانًا وأحيانًا؛ إذا رآهم اجْتَمَعُوا عَجَّل، وإذا رآهم أبْطَئُوا أخَّر (¬2). وهذا يَدُلُّ على مُراعاةِ حالِ المَأمُومِين. وقد روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّيها لسُقوطِ القَمَرِ لثالِثَةٍ (¬3). ¬

(¬1) لم نجده بهذا اللفظ، وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنَ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِىَ مِنَ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا، فَرَفَقَ بِهْمْ فَارْفُقَ بِهِ». أخرجه مسلم، في: باب فضيلة الإمام العادل، من كتاب الإمارة. صحيح مسلم 3/ 1458. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 62، 93، 257، 258، 760. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 134. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 155.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعن أبى مسعودٍ، قال: رَأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى هذه الصلاةَ حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ (¬1). فيُسْتَحَبُّ الاقْتِداءُ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - إحْدَى هاتَيْن الحالَتَيْن، ولا يَشُقُّ على المَأْمُومِين؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَأمُرُ بالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بالمَأمُومِين. واللهُ أعلمُ. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ هذه الصلاةِ العَتَمَةَ، وكان ابنُ عُمَر إذا سَمِعِ رجلًا يقُول: العَتَمَةُ. صاح وغَضِب، وقال: إنَّما هي العِشَاءُ (¬2). ورُوىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، ألَا إنَّها الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ (¬3) بِالإبِلِ». رَواه مسلمٌ (¬4). وإن سَمّاها جاز؛ لقَوْلِ مُعاذٍ: بَقَيْنا (¬5) رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي صلاةِ العَتَمَةِ. رَواه أبو داودَ (¬6). وفى المُتَّفَقِ عليه (¬7)، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 55. (¬2) أخرجه عبد الرزاق، في: باب اسم العشاء الآخرة، من كتاب الصلاة. المصنف 1/ 665. (¬3) يعتمون بالإبل: يؤخرون حلابها إلى وقت العتمة. (¬4) في: باب وقت العشاء وتأخيرها؛ من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 445.كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة العتمة، من كتاب الأدب. سنن أبي داود 2/ 592. والنسائي في: باب الكراهية في أن قال للعشاء العتمة، من كتاب المواقيت، المجتبي 1/ 216، 217. وابن ماجة، في: باب النهي أن يقال صلاة العتمة، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 230. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 10، 19، 49، 144. (¬5) في م: «لقينا». وبقينا عل وزن رمينا، أى انتظرناه. انظر: عون المعبود 1/ 161. (¬6) في: باب وقت العشاء الآخرة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 99. (¬7) تقدم تخريجه في صفحة 143.

291 - مسألة: (ثم الفجر، ووقتها من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس)

ثُمَّ الْفَجْرُ، وَوَقْتُهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِى إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 291 - مسألة: (ثم الفَجْرُ، ووَقْتُها مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ وَقْتَ الفَجْرِ يَدْخُلُ بطُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إجْماعًا، وقد دَلَّتْ عليه الأخْبارُ التي ذَكَرْناها، وهو البَياضُ المُعْتَرِضُ في المَشْرِقِ، المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ، ويُسَمَّى الفَجْرَ الصَّادِقَ؛ لأنَّه صَدَقَك عن الصُّبْحِ، والصُّبْحُ ما جَمَع بَياضًا وحُمْرَة ولا ظُلْمَةَ بعدَه، فأمّا الفَجْرُ الأوَّلُ، فهو البَياضُ المُسْتَدِقُّ المُسْتَطِيلُ صُعُدًا مِن غيرِ اعْتِراضٍ، فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ. وآخِرُ وَقْتِها طُلُوعُ الشَّمْسِ؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُع

292 - مسألة: (وتعجيلها أفضل. وعنه، إن أسفر المأمومون، فالأفضل الإسفار)

وَتَعْجِيلُهَا أفْضَلُ. وَعَنْهُ، إِنْ أسْفَرَ الْمَأمُومُونَ فَالْأفْضَلُ الْإسْفَارُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّمْسُ» رَواه مسلمٌ (¬1). 292 - مسألة: (وتَعْجِيلُها أفْضَلُ. وعنه، إن أسْفَرَ المَأمُومُون، فالأفْضَلُ الإسْفارُ) التَّغْلِيسُ بالفَجْرِ أفْضَلُ. رُوِىَ عن أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، وأبي موسى، وابنِ (¬2) الزُّبَيْرِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ما يَدُلُّ على ذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 147. (¬2) في م: «أبي».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال ابنُ عبدِ البَرِّ (¬1): صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، أنَّهم كانوا يُغلِّسُون (¬2)، ومُحالٌ أن يَتْرُكوا الأفْضَلَ، وهم النِّهايَةُ في إتْيان ¬

(¬1) في: التمهيد 4/ 340. (¬2) غلَّس في الصلاة: صلاها بغلس، وهو ظلام آخر الليل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الفَضائِلِ. ورُوِى عن أحمدَ، أنَّ الاعْتِبارَ بحالِ المَأمُومِين، فإن أسْفَرُوا فالأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لأنَّ جابِرًا روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَفْعَلُ ذلك في العِشاءِ (¬1)، فيَنْبَغِى أن يكُونَ كذلك في الفجْرِ. وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأىِ: الأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ: «أسْفِرُوا بِالْفَجْرِ؛ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلأجْرِ». رَواه التِّرمِذِىُّ (¬2)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ قال: والصُّبْحُ كان النبيُّ يُصَلِّيها بغَلَسٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وفى حديثِ أبى بَرْزَةَ: وكان يَنْفَتِلُ مِن صلاةِ الغداةِ حينَ يَعْرِفُ الرَّجلُ جَلِيسَه. وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى الصُّبْحَ، فيَنْصَرِفُ النِّساءُ مُتَلَفّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عليهما (¬4). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 134. (¬2) في: باب ما جاء في الإسفار بالفجر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 262. (¬3) انظر حديث جابر المتقدم في صفحة 134. (¬4) حديث أبى برزة تقدم تخريجه في صفحة 134. أما حديت عائشة فأخرجه البخارى، في باب في كم تصلى المرأة في الثياب، من كتاب الصلاة، وفى: باب وقت الفجر، من كتاب المواقيت، وفى: باب انتظار الناس قيام الإمام العالم، وباب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في المسجد، من كتاب الأذان. صحيح البخاري 1/ 104، 151، 219، 220. ومسلم، في: باب استحباب التكبير بالصبح، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 445، 446 كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت الصبح، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 100 والترمذى، في: باب ما جاء في التغليس، من أبواب المواقيت. عارضة الأحوذي 1/ 260. والنسائي، في: التغليس في الحضر، من كتاب المواقيت، وفي باب الوقت الَّذي ينصرف فيه النساء من الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 1/ 217، 3/ 69. وابن ماجة، في: باب وقت صلاة الفجر، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 22. والدارمى، في: باب التغليس في الفجر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 277. والإمام مالك، في: باب وقوت الصلاة، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 5. والإمام أحمد، في المسند 6/ 33، 37، 179، 248، 358، 259.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعن أبى مسعودٍ الأنْصَارِيِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غلَّسَ بالصُّبحِ، ثم أسْفَرَ مَرَّةً، ثم لم يَعُدْ إلى الإسْفارِ حتَّى قَبَضَه اللهُ. رَواه أبو داودَ (¬1). فأمّا الإسْفارُ في حَدِيثِهم، فالمُرادُ به أن يَتَبَيَّن ضَوْءُ الصُّبْحِ ويَنْكَشِفَ (¬2) ويَكْثُرَ، مِن قوْلِهم: أسْفَرَتِ المرأةُ عن وَجْهِها. إذا كَشَفَتْه. فصل: ولا يَأْثَمْ بتَعْجيلِ الصلاةِ المُسْتَحَبِّ تَأْخِيرُها، ولا [بتَأخِيرِ ما يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُه] (¬3)، إذا أَخَّرَه عازِمًا على فِعْلِه، ما لم يَضِقِ الوَقْتُ عن فِعْلِ جَمِيع العِبادَةِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ (¬4) صَلّاها بالنبىِّ في آخِرِ الوَقتِ وأوَّلِه، وصَلَّاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كذلك أيضًا، وقال: «الْوَقتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ» (¬5). ولأنَّ الوُجُوبَ مُوَسَّعٌ، فهو كالتَّكْفِيرِ مُوسُّعٌ في الأعْيانِ، فإن أخَّرَها غيرَ عازِمٍ على الفِعْلِ، أو أخَّرَها بحيث يَضِيقُ الوَقتُ عن فِعْلِ جَمِيعِها فيه، أثِمَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ مِن الصلاةِ، فلم يَجُزْ تَأخِيرُها عن الوقتِ، كالأُولَى. ومتى أخَّرَ الصلاةَ عن أوَّلِ وَقْتِها عازِمًا على الفِعْلِ، فمات قبلَ فِعْلِها، لم يَمُتْ عاصِيًا، لأنَّه فَعَل ما يَجُوزُ له، وليس المَوْتُ مِن فِعْلِه، فلم يَأثَمْ به (¬6). واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: باب في المواقيت، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 94. (¬2) سقطت من: م. (¬3) في الأصل: «بتأخر ما استحب تعجيلها». (¬4) ق م: «جبرائيل». (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 128. (¬6) سقط من: الأصل.

293 - مسألة: (ومن أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة في وقتها فقد أدركها)

وَمَنْ أدْرَكَ تَكبِيرَة الْإحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ في وَقْتِهَا، فَقدْ أدْرَكَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 293 - مسألة: (ومَن أدْرَكَ تَكبِيرَةَ الإحْرام مِن صلاةٍ في وَقْتِها فقد أدْرَكَها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أدْرَكَ ركْعَةً مِن الصلاةِ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِها، فقد أدْرَك الصلاةَ، سَواء أخَّرَها لعُذْرٍ، كحائِضٍ تَطْهُرُ، أو مَجْنُونٍ يُفِيقُ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أدْركَ الصَّلَاةَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وفى رِوايَةِ: «مَنْ أدْرَك ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب من أدرك ركعة من الصلاة، من كتاب المواقيت. صحيح البخاري 1/ 151. ومسلم، في: باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، من كتاب المساجد مسلم 1/ 423. كما أخرجه أبو داود، في: باب من أدرك من الجمعة ركعة، من كتاب الصلاة. داود 1/ 257. والترمذى، في: باب ما جاء في من أدرك من الجمعة ركعة، من أبواب الجمعة الأحوذى 2/ 314. والنسائي، في: باب من أدرك ركعة من الصلاة، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 220. ابن ماجة، في: باب ما جاء في من أدرك من الجمعة ركعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجة والدارمي، في: باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك، من كتاب الصلاة. سنن الدارامي والإمام أحمد، في المسند 2/ 241، 265، 271، 280، 376.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَكْعَة مِنَ الْعَصْرِ قبْل أنْ تَغْرُبَ الشَّمْس فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ» (¬1). وجَمِيعُ الصَّلَواتِ في ذلك سَواءٌ. وقال أصحابُ الرَّأىِ في مَن طلَعَتِ الشَّمْسُ وقد صَلَّى ركعة: تَفْسُدُ صَلاتُه، لاُنَّه قد صار في وَقْتٍ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ الصُّبحَ». وفى رِوايَةِ: «مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْل أنْ تَطْلعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولأنَّه أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصلاةِ في وَقْتِها، فكان مُدْرِكًا لها كبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، وإنَّما نُهِى عن النَّافِلَةِ، فأمَّا الفَرائِضُ فتُصَلَّى في كلِّ وقتٍ؛ بدَلِيلِ ما قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فإنَّه وقتُ نَهْى، ولا يُمْنَعُ مِن فِعْلِ الفَرْضِ فيه. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، وباب من أدرك من الفجر ركعة، من كتاب المواقيت. صحيح البخارى 1/ 146، 151. ومسلم في: باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 424، 425. وأبو داود، في: باب في وقت صلاة العصر، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 98. والترمذى، في باب ما جاء في من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، وباب من أدرك ركعة من صلاة الصبح، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 301. والنسائي، في: باب من أدرك ركعتين من العصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 206، 219. وابن ماجة، في كتاب وقت الصلاة في العذر والضرورة، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 229. الدارمي، في باب من أدرك ركعة من صلاة فقد أدرك، من كتاب الصلاة 1/ 278. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 236، 254، 260، 275، 282، 306، 347، 348، 362، 389، 395، 399، 427، 459، 462، 489، 495، 507، 521، 6/ 78. (¬2) انظر الحاشية السابقة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وهل يُدْرِكُ الصلاةَ بإدْراكِ ما دُونَ الرَّكْعَة؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يُدْرِكها. وهو ظاهِر كلام الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ الَّذي رَوَيْناه، فإنَّ تَخْصِيصَهَ برَكعَةٍ يَدُلُّ عِلى أنَّ الإدْراكَ لا يَحْصُلُ بدُونِها، ولأنَّه إدْراكٌ للصلاةِ، فلا يَحْصُلُ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ. والثانيةُ، يُدْرِكُها بإدْراكِ جُزْءٍ منها، أىَّ جُزْءٍ كان. قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ في مَن أدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الإحْرامٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن؛ لأنَّ أبا هُرَيَرةَ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإذَا أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وللنَّسائِىِّ: «فَقَدْ أدْرَكَهَا» (¬2). ولأن الإدْراكَ إذا تَعَلَّقَ به حُكْمْ في الصلاةِ اسْتَوَى فيه من الرَّكْعَةُ وما دُونَها، كإدْراكِ الجَماعَةِ، وإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، والقِياسُ يَبْطُلُ بإدْراكِ الرَّكْعَةِ دُونَ تَشَهُّدِها. والله أعلمُ. ¬

(¬1) هو المتقدم قبله. (¬2) في: باب من أدرك ركعة من صلاة الصبح، من باب المواقيت. المجتبى 1/ 219.

294 - مسألة: (ومن شك في الوقت، لم يصل حتى يغلب على ظنه [دخوله)

وَمَنْ شَكَّ في الْوَقْتِ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 294 - مسألة: (ومَن شَكَّ في الوَقْتِ، لم يُصَلِّ حتى يَغْلِبَ على ظَنِّهِ [دُخُولُه) متى شَكَّ في دُخُولِ وقتِ الصلاةِ، لم يُصَلِّ حتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَه، أو يَغْلِبَ على ظَنِّهِ] (¬1) ذلك، مِثْلَ مَن له صَنْعَةٌ جَرَتْ عادَتُه بعَمَلِ شيءِ مُقَدَّرٍ إلى وَقْتِ الصلاةِ، أو قارِئْ جَرَتْ عادَتُه بقراءةِ شيءٍ فقرَأه، وأشْباهِ هذا، فمتى فَعَل ذلك، وغَلَب على ظَنِّهِ دُخُولُ الوقتِ، أُبِيحَ له فِعْلُ (¬2) الصلاةِ، والأوْلَى تَأخِيرُها قليلًا احْتِياطًا، إلَّا أن يَخْشَى خُرُوجَ الوقتِ، أو تكُونَ صلاةُ العَصْرِ في وقتِ الغَيْمِ، فإنَّه (¬3) يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بها، لِما روَى بُرَيْدَةُ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ، فقال: «بَكرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ في اليَوْمَ الغَيْمَ؛ فَإنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ (¬4) عَمَلُهُ». رَواه البُخارِيُّ (¬5). قال شَيْخُنا (¬6): ومَعْناه، واللهُ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سقطت من: م. (¬3) في م: «فإنها». (¬4) حبط عمله: فسد وهدر. (¬5) في: باب من ترك العصر، في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم، من كتاب المواقيت. صحيح البخارى 1/ 145، 154. كما أخرجه النسائى، في: باب من ترك صلاة العصر، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 191. وابن ماجة في: باب ميقات الصلاة في الغيم، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 227. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 349، 350، 357، 360، 361. (¬6) في: المغنى 2/ 331.

295 - مسألة: (فإن أخبره بذلك مخبر في يقين قبل قوله، وإن كان عن ظن يقبله)

فَإنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ عَنْ يَقِينٍ قَبِلَ قَوْلَهُ، وِانْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ لَمْ يَقْبَلْهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أعلمُ، التَّبكِيرُ بها إذا حَلَّ فِعْلُها ليَقِينٍ، أو غَلَبَةِ ظَنٍّ، وذلك لأنَّ وَقْتَها (¬1) المُخْتارَ في زَمَنِ الشِّتاءِ ضَيِّقٌ، فيُخْشَى خُرُوجُه. 295 - مسألة: (فإن أخْبَرَهُ بذلك مُخْبِرٌ في يَقِينٍ قَبِل قولَه، وإن كان عن ظَنٍّ يَقْبَلْه) متى أخْبَرَه بدُخُولِ الوَقْتِ ثِقَةٌ عن عِلُمٍ، لَزِمَه قَبُولُ خَبَرِه؛ لأنَّه خَبَرٌ دِينىٌّ، فقُبِلَ فيه تولُ الواحِدِ كالرِّوايَةِ، فأمّا إن أخْبَرَه عن ظَنٍّ، لم يُقَلِّدْه، واجْتَهَدَ لنَفْسِه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على الصلاةِ باجْتِهادِ نَفْسِه، فلم يَجُزْ له تَقْلِيدُ غيرِه، كحالَةِ اشْتِباهِ القِبْلَةِ. والبَصِيرُ ¬

(¬1) في م: «فعلها في وقتها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والأعْمَى والمَطْمُورُ القادِرُ على التَّوَصُّلِ إلى الاسْتِدْلالِ سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهم في إمْكانِ التَّقْدِيرِ بمُرُورِ الزَّمانِ كما بَيَّنَا. فصل: وإذا سَمِع الأذانَ مِن ثِقَةٍ عالِمٍ بالوَقْتِ، فله تَقْلِيدُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يُؤَذِّنُ إلَّا بعدَ دُخولِ الوقتِ، فجَرَى مَجْرَى خَبَرِه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمُؤْذِّنُ مُؤتَمَنٌ» (¬1). ولولا أنَّه يُقَلَّدُ ويُرْجَعُ إليه ما كان مؤتَمَنًا، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ في أعْنَاقِ المُؤذِّنِينَ للْمُسْلِمِينَ؛ صَلَاتُهُمْ، وَصِيَامُهُمْ». رَواه ابنُ ماجَة (¬2). ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ بالوَقْتِ، فلو لم يَجُزْ تَقْلِيدُ المُؤذِّنِ لم تَحْصُلِ الحِكْمَةُ التي شُرِع الأذانُ لها، ولم يَزَلِ النَّاسُ يَجْتَمِعُون للصلاةِ في مَساجِدِهم، فإذا سَمِعُوا الأذانَ قامُوا إلى الصلاةِ، وبَنَوْا على قولِ المُؤذِّنِ، مِن غيرِ مُشاهَدَةٍ للوقتِ، ولا اجْتِهادٍ فيه، مِن غيرِ نَكِير، فكان إجْماعًا. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في. باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 123. والترمذى، في: باب ما جاء أن الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 8، والإمام أحمد، في: المسند 2/ 232، 284، 378، 382، 419، 424، 461، 472، 514. (¬2) في: باب السنة في الأذان، من كتاب الأذان، سنن ابن ماجة 1/ 236.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، لم تُجْزئْه صَلاتُه، في قولَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، سَواءٌ فَعَل ذلك عَمْدًا أو خَطأً، كلَّ الصلاةِ أو بَعْضَها. وبه قال الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْى، والشافعيُّ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ وأبى موسى، أنَّهما أعادا الفَجْرَ؛ لأَنَّهما صَلَّياها قبلَ الوَقتِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، في مُسافِر صَلَّى الظُّهْرَ قبلَ الزَّوالِ: يُجْزِئُه. ونَحْوُه قولُ الحسن والشُّعْبى. وعن مالك كقَوْلِنا. وعنه، في مَن صَلَّى العِشاءَ قبلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ جاهِلًا أو ناسِيًا: يُعِيدُ ما كان في الوَقْتِ، فإذا ذَهَب الوقتُ قبلَ عِلْمِه أو ذِكْرِه، فلا شئَ عليه. ولَنا، أنَّ الخِطابَ بالصلاةِ يَتَوَجَّهُ إلى المُكَلَّفِ عندَ دُخُولِ وَقْتِها، وما وُجِد بعدَ ذلك ما يُزِيلُه ويُبْرِئُ الذِّمَّةَ منه، فَيَبْقى بحالِه.

296 - مسألة: (ومتى اجتهد وصلى، فبان أنه وافق الوقت أو ما بعده، أجزأه)

وَمَتَى اجْتَهَدَ وَصَلَّى، فَبَانَ أنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ، أَوْ مَا، بَعْدَهُ أجْزَأهُ، وَإنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، ثُمْ جُنَّ، أوْ حَاضَتِ الْمَرْأةُ، لزِمَهُمُ الْقَضَاءُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 296 - مسألة: (ومتى اجْتَهَد وصَلَّى، فبان أنَّه وافَقَ الوَقْتَ أو ما بعدَه، أجْزأه) لأنَّه أدَّى (¬1) ما خوطِبَ بأدائِه وفُرِض عليه. (وإن وافَقَ قبلَه لم تجْزِئْه) لأنَّ المُخاطَبَةَ بالصلاةِ وسَبَبَ الوُجُوبِ وُجِدا بعدَ فِعْلِه، فلم يَسْقُطْ حُكْمُه بما وُجِد قبلَه. فصل: وإن صَلَّى مِن غيرِ دَلِيل مع الشَّكِّ، لم تجْزِئْه صَلاتُه، سَواءٌ أصاب أو أخْطَأ؛ لأنَّه صلَّى مع الشَّكِّ في شَرْطِ الصلاةِ مِن غيرِ دَلِيلٍ، فلم تَصِحَّ، كمَن اشْتَبَهَتْ عليه القِبْلَةُ فصَلَّى مِن غيرِ اجْتِهادٍ. 297 - مسألة: (ومَن أدْرَكَ مِن الوَقْتِ قَدْرَ تَكبيرَةٍ، ثم جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم القَضاءُ) لأنَّ الصلاةَ تَجبُ بأوَّلِ الوقتِ، وقد ذَكَرْناه، ويَسْتَقِرُّ وُجُوبُها بذلك، فمتى أدْرَكَ جُزْءًا مِن أوَّلَ الوقت، ثم ¬

(¬1) في الأصل: «ما أدرى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم (¬1) القَضاءُ كما ذَكَر، إذا أمْكَنَهما. وقال الشافعيُّ إسحاق: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بمُضِىِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُها فيه، ولا (¬2) يَجِبُ القَضاءُ بما دُونَه. واخْتارَه أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ مِن الوقتِ ما يُمْكِنُه الصلاةُ فيه، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا. ولَنا، أنَّها صلاة وَجَبَتْ عليه، فوَجَبَ قَضاؤُها إذا فاتَتْه، كالتى أمْكَنَ أداؤها، فأمَّا التي لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وَقْتِها، فإنَّها لم تَجِبْ (¬3)، وقِياسُ الواجِبِ على ما لم يَجبْ لا يَصِحُّ. والله أعلمُ. ¬

(¬1) في الأصل:. «لزمه». (¬2) في م: «فلا». (¬3) بعده في الأصل: «عليه فوجب قضاؤها إذا فاتته». وهو نقل نظر.

298 - مسألة: «وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض، قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة، لزمهم الصبح، وإن كان قبل غروب الشمس، لزمهم الظهر والعصر، وإن كان قبل طلوع الفجر، لزمهم المغرب والعشاء) وجملة ذلك، أنه متى أدرك أحد هؤلاء جزءا من آخر وقت الصلاة، لزمه قضاؤها، لأنها وجبت عليه، فلزمه القضاء كما لو أدرك وقتا يتسع لها. وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافا. قال شيخنا

وَإنْ بَلَغَ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كَافِرٌ، أو أفَاقَ مَجْنُونٌ، أوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، لَزِمَهُمُ الصَّبْحُ، وَإنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَإنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 298 - مسألة: «وَإِنْ بَلَغ صَبِيٌّ، أو أسْلَمَ كافرٌ، أو أفاق مَجْنُونٌ، أو طَهُرَتْ حائِضٌ، قَبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بقَدْرِ تَكبِيرَةٍ، لَزِمَهم الصُّبْحُ، وإن كان قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهم الظُّهْرُ والعَصْرُ، وإن كان قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَهم المَغْرِبُ والعِشاءُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى أدْرَكَ أحَدُ هؤلاء جُزْءًا مِن آخِر وقتِ الصلاةِ، لَزِمَه قَضاؤُها، لأنَّها وَجَبَتْ عليه، فلَزِمَه القَضاءُ كما لو أدْرَكَ وقْتًا يَتَّسِع لها. وهذا مذهب الشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال شيخُنا (¬1): وأقَلُّ ذلك تَكْبِيرَةُ الإحْرامِ، لأنَّها أقَلُّ ما يَتَلَبَّسُ بالصلاةِ بها. وقد أطْلَقَ أصحابُنا القَوْلَ فيه. وقال القاضي: إن أدْرَكَ رَكْعَةً، كان مُدْرِكًا لها، وإن أدْرَكَ أقَلَّ مِن ركعةٍ، كان مُدْرِكًا لها في ظاهِرِ ¬

(¬1) انظر: المغنى 2/ 47.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كَلامِه (¬1). فإن أدْرَكَ جُزْءًا مِن آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو جُزْءًا مِن آخِرِ اللَّيْلِ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَتْه الظُّهْرُ والعَصْرُ في الأُولَى، والمَغْرِبُ والعِشاءُ في الآخِرَةِ. رُوِىَ هذا في الحائِضِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، وابنِ عباسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. قال الإمامُ أحمدُ: عامَّةُ التَّابِعِين، إلَّا الحسنَ وَحْدَه قال: لا تَجِبُ إلَّا الصلاةُ التي طَهُرَتْ في وَقْتِها وَحْدَها. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ وأصحاب الرَّأىِ؛ لأنَّ وقتَ الأُولَى خَرَج في حالِ العُذْرِ، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وقتِ الثانية. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن أدْرَك قَدْرَ خَمْسِ رَكَعاتٍ مِن وقتِ الثانيةِ، وَجَبَتِ الأُولَى، لأنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الأُولى مِن الخمْسِ وقتٌ للصلاةِ الأولَى في حالِ العُذْرِ، فوَجَبَتْ بإدراكِه؛ كما لو أدْرَك ذلك مِن وَقْتِها المُخْتارِ، بخِلافِ ما لو أدْرَك دُون ذلك. ولَنا، ما روَى الأثرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ، وغيرُهما، بالإسْنادِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ وابنِ عباسٍ، أنَّهمَا قالا، في الحائِضِ تَطْهُرُ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ برَكْعَةٍ: تُصَلِّى المَغرِبَ والعِشاءَ، فإذا طَهُرَتْ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا (¬2). ولأنَّ وَقْتَ الثانيةِ وقتٌ للأُولَى حالَ العُذْرِ، فإذا أدْرَكَه المَعْذُورُ لَزِمَه فَرْضُها، كما يَلْزَمُه فَرْضُ ¬

(¬1) أي الإمام أحمد. (¬2) أخرجه عنهما البيهقى، في: باب قضاء الظهر والعصر بإدراك وقت العصر. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 1/ 387.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثانيةِ. والقَدْرُ الَّذي يَتَعَلَّقُ به الوُجُوبُ قَدْرُ تَكبِيرَةِ الإحْرامِ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وقال الشافعيُّ: قَدْرُ رَكْعَةٍ، لأنَّه الَّذي رُوِىَ عن عبدِ الرحمنِ وابنِ عباسٍ في الحائِضِ، ولأنَّه إدْراك تَعَلَّقَ به إدْراكُ الصلاةِ، فلم يَحْصُلْ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ. وقد ذكَرْنا قولَ مالكٍ. ولَنا، أنَّ ما دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ به الثانيةُ، فوَجَبَتْ به الأُولَى، كالرَّكْعَةِ والخَمْسِ عندَ مالكٍ، ولأَنَّه إدْراكٌ فاسْتَوَى فيه القليلُ والكثيرُ، كإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّما اعْتُبِرَتِ الرَّكْعَةُ فيها بكمالِها؛ لأنَّ الجَماعَةَ شَرْطٌ لصِحَّتِها، فاعْتُبِرَ إدْراكُ ركعةٍ لِئَلَّا يَفُوتَه الشَّرْطُ في مُعْظَمِها، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا. فصل: فإن أدْرَكَ مِن وَقْتِ الأولَى مِن صَلَاتىِ الجَمْعَ قَدْرًا تَجِبُ به، ثم طَرَأ عليه العُذْرُ، ثم زال العُذْرُ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِهما، وَجَبَتِ الأُولَى، وهل يَجِبُ قَضاءُ الثانيةِ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يجِبُ ويَلْزَمُ قَضاؤُها؛ لأَنَّها إحْدَى صَلَاتِىِ الجَمْع، فوَجَبَتْ بإدْراكِ جُزْءٍ مِن وَقْتِ الأُخْرَى، كالأُولَى. والثانيةُ، لا يَجِبُ. اخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن وَقْتِها، ولا مِن وقتِ تَبَعِها، فلم يَجِبْ كما لو لم يُدْرِكْ مِن وَقْتِ الأُولَى شيئًا، وفارَقَ مُدْرِكَ وقتِ الثانيةِ، فإنه أدْرَكَ وَقْتَ تَبَع الأُولَى؛ لأنَّ الأُولَى تُفْعَلُ في وقتِ الثانية مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً، ولأنَّ مَن لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ في وَقْتِ الأُولَى، ليس وَقْتُ الأُولَى عندَه وقتًا للثانيةِ بحالٍ، ومَن جَوُّز الجَمْعَ

299 - مسألة: (ومن فاتته صلاة، لزمه قضاؤها على الفور مرتبا؛ قلت أو كثرت)

وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ مُرَتَّبًا، قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ، ـــــــــــــــــــــــــــــ في وَقتِ الأُولى، فإنَّه يُجَوِّزُ تقْديم الثانية رُخْصَةً، ويَحْتاجُ إلى نِيَّةِ التَّقْدِيم، وتَرْكِ التَّفْرِيقِ، بخِلافِ الأُولَى إذا أخَّرَها إلى الثانيةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُ الثانيةِ على الأُولَى. والأصْلُ أن لا تَجِبَ صلاةٌ إلا بإدْراكِ وَقْتِها فأمَّا إن أدْرَكَ وَقْتَ الفَجْرِ لم تَجِبْ عليه العِشَاءُ، ولا تَجِبُ العَصْرُ بإدْراكِ وَقْتِ المَغْرِبِ، لأنَّه لم يُدْرِكْ وَقْتَها، ولا تُجْمَعُ معها في حالٍ، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. 299 - مسألة: (ومَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفَوْرِ مُرَتَّبًا؛ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفوْرِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذكَرَهَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وإن فاتَتْه صَلَواتٌ، لَزِمَه قَضاؤُهُنَّ مُرَتَّباتٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَواضِعَ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ على وُجُوبِ التَّرتِيبِ. ونَحْوُه عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ ومالكٍ، واللَّيْثِ (¬2)، وأبى حنيفة، وإسحاقَ. وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ، لأنَّه قَضاءٌ لفَرِيضَةٍ فاتَتْه، فلا يَجبُ فيه التَّرْتيبُ، كالصِّيامِ (¬3). ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاتَتْه أرْبَعُ صَلَواتٍ، فقَضاهُنَّ مُرَتَّبات. رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ، ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، من كتاب المواقيت. صحيح البخارى 1/ 154، 155. ومسلم، في: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 471، 477. كما أخرجه أبو داود، في: باب من نام عن صلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن أبو داود 1/ 103. والترمذى، في: باب ما جاء في النوم عن الصلاة، وباب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 288 - 290. والنسائى، في: باب في من نسى صلاة، وباب في من نام عن صلاة، وباب إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 236 - 239. وابن ماجة، في: باب من نام عن الصلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 227، 228. والدارمى، في: باب من نام عن صلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 280. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 267، 269، 282. (¬2) سقطت من: م. (¬3) في م: «كالقيام».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والنَّسائِى (¬1). وقال: «صَلُّوا كما رأيتُمُونِى أُصَلِّى» (¬2). وعن أبى جُمُعَةَ حَبِيبِ بنِ سِباعٍ، وله صُحبَةٌ، قال: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عامَ الأحزابِ صَلى المَغْرِب، فلَما فَرَغ قال: «هلْ عَلِمَ أحَد مِنْكُم أنِّىِ صلَّيْت الْعصرَ»؟ قالُوا: يا رسولَ الله، ما صَلَّيْتَها. فأمَرَ المُؤذِّن، فأقام الصلاةَ، فصَلَّى العصرَ، ثم أعادَ المَغْرِبَ. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬3). ولأنهما صَلاتان مؤقتتان، فوجَبَ الترتِيبُ بَيْنَهما كالمجْمُوعتين. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجبُ الترتِيبُ فيها وإن كثُرتْ. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ في أكْثَرَ مِن صلاةِ يَوْم وليْلَةٍ؛ لأن اعتِباره فيما زاد يَشُقُّ، ويُفْضِى -إلى الدخُولِ في التَكْرارِ، فسَقط، كالتَّرتيبِ في قَضاءِ رمضانَ. ولَنا، أنَّها صلوات واجِبات، تُفعل [في وَقْتٍ] (¬4) يَتَّسِعُ لها، فوَجَبَ فيها التَّرَتِيبُ كالخمس، وإفْضاؤُه إلى التَّكْرارِ لا يَمنَعُ وُجُوبَه، كتَرْتِيبِ الرُّكُوعَ على السجودِ. ¬

(¬1) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيهن بيدأ، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 291، والنسائي، في: باب كيف يقضى الفائت من الصلاة، من كتاب المواقيت، وفى: باب الأذان للفائت الصلوات، وباب الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد؛ من كتاب الأذان. المجتبي 1/ 240. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة. . . . إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب رحمة الناس والبهائم، من كتاب الأدب، وفى: باب ما جاء في إجارة خبر الواحد الصدوق. . . . إلخ، من كتاب الآحاد. صحيح البخارى 1/ 162، 163، 8/ 11، 9/ 107. والدامي، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 286. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 53. (¬3) في: المسند 4/ 106. (¬4) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وهذا التَّرْتِيبُ شَرط لصِحةِ الصلاةِ، فلو أخَلَّ به، لم تَصحَّ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعنَى، ولأنَّه ترتِيبٌ في الصلاةِ، فكان شَرطًا، كالرُّكُوعَ والسجُودِ. فصل: فإن ذَكَر أن عليه صلاةً، وهو في أخْرَى، والوَقْتُ متسِعٌ، أتمَّها، وقَضَى الفائِتَةَ، ثم أعادَ الصلاةَ التى كان فيها، إمامًا كان أو مَأمُومًا أو مُنْفَردًا. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِى وأبي بكرٍ. وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، والليْثِ، وإسحاقَ، في المَأمُومِ. وهو الذى نَقَلَه الجَماعَةُ عن أحمدَ في المَأمُومِ. ونُقِل عنه في المأمُومِ (¬1)، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ. ونُقِل عنه في المُنْفَردِ روايَتان؛ إحداهما، يَقْطَعُ الصلاةَ ويَقْضى الفائتةَ. وهو قولُ النخَعى، والزُّهْري، ويَحيى الأنْصارِى. والثانية، إنّه يتِمُّ الصلاةَ. وإن كان إمامًا، فقال القاضى: يَقْطَعُ الصلاةَ إذا كان الوَقْتُ واسِعًا، ويَسْتَأنِفُ المَأمُومُون. نقَلَها عنه حَرب. ولم يَذْكُرِ القاضى غيرَ هذه الروايَةِ، فصار في الجَمِيع رِوايَتان، إحداهما، يَقْطَعُها ويَقْضى الفائِتَةَ. [والأخْرَى، يُتِمُّها ويَقْضى الفائتَةَ] (¬2)، ويُعيدُ التى كان ¬

(¬1) في م: «الإمام». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيها. والدَّلِيلُ على وُجُوبِ الإعادَةِ، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ نسِىَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرها إلا وَهُوَ مَعَ الْإمَامِ، فَإذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاِتهِ فَلْيُعِدِ الصَلَاةَ الَّتِى نَسِىَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِى صَلاها مَعَ الإمَامِ». رَواه أبو يَعلَى المَوْصِلِى بإسْنادٍ حسن (¬1). ولحديث أبى جُمُعَةَ الذى ذَكرناه. قال شبخُنا (¬2): والأوْلَى أنَّه لا يَقْطَعُ الصلاةَ لقَوْلِ الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوأ أَعمَلَكُم} (¬3). ولحديثِ ابن عُمَرَ. قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في المَأمُومِ، أنَّه يَمضِى، واخْتَلَف قَوْلُه في المُنْفَرِدِ، والذى أقُولُ (¬4): إنَّه يمضِى. فصل: فإن مَضَى الإمامُ في صَلاِته بعدَ ذِكْرِه، فهل تَصحُّ صلاةُ المَأمُومِين؟ يَنْبَنِى على ائتمامِ الْمُفْتَرِضِ بالمُتَنَفلِ. وإنِ انْصَرَف، فالمَنْصُوصُ أنَّهم يَسْتَأنِفُون الصلاةَ. قال شيخُنا (2): ويَتَخرج أن يَبْنُوا كما لو سَبَقَه الحَدَثُ، وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: يَمْضِى في صَلاتِه. فإنَّه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، لأنَّها صلاة لا يُعتَدُّ بها، فلم يَلْزمه إتْمامُها، كالتَّطوعِ. ¬

(¬1) لم نجد في مسند أبي يعلى الموصلي. واقتصر الهيثمى على عزوه إلى الطبرانى في الأوسط. انظر: مجمع الزوائد 1/ 324. والحديث أخرجه البيهقى مرفوعا، في: باب الرجل يذكر صلاة وهو في أخرى، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 221. وأخرجه موقوفا على ابن عمر، الإمام مالك، في: باب العمل في جامع الصلاة، من كتاب قصر الصلاة في السفر. الموطأ 1/ 168. والدارقطني، في: باب الرجل يذكر صلاة وهو في أخرى، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطنى 1/ 421. (¬2) في: المغني 2/ 239. (¬3) سورة محمد 33. (¬4) من كلام أبي بكر.

300 - مسألة: (فإن خشى فوات الحاضرة، أو نسى الترتيب، سقط وجوبه)

فَإنْ خَشِىَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، سَقَطَ وُجُوبهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 300 - مسألة: (فإن خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، أو نسِىَ التَّرتِيبَ، سَقَط وُجوبُه) متى خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، سَقَط وُجوبُ الترتِيبِ، مِثْلَ أن يَشرعَ في صلاة حاضِرَةٍ، فيَذْكُرَ فائِتَة والوَقْتُ ضيِّقٌ، أو لم يَكنْ في صلاةٍ، لكنْ لم يَبْقَ مِن وَقْتِ الحاضِرَةِ ما يَتَّسعُ لهما جَمِيعًا، فإنَّه يُقَدِّمُ الحاضِرَة، ويُسْقِطُ الترتِيبَ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهبِ. وهذا قولُ سعيدِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ المُسيَّبِ، والحسنِ، والثوْرى، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأىِ. وعن أحمدَ، أن الترتِيبَ واجب بكل حالٍ، اخْتارَها الخلالُ. وهى مذهبُ عَطاءٍ، والزُّهْرِى، والليْثِ، ومالك. ولا فَرقَ بينَ كَوْنِ الحاضِرَةِ جُمُعَة أو غيرَها؛ لقَوْله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا، فَلْيُصَلها إذَا ذَكَرها» (¬1). ولأنَّه تَرتِيب، فلم يَسْقُطْ بضِيقِ الوقْتِ، كتَرتِيبِ الركوعِ والسجُودِ. ولأَنَّه قد رُوِىَ: «لَا صَلَاةَ لمَنْ عَلَيْهِ صَلَاة» (¬2). والروايَةُ الأولَى هى المَشْهُورَةُ. قال القاضى: عِنْدِى أنَّ المسألةَ رِوايَة واحِدَة، وأنَّ التَّرتِيبَ يَسْقُط. وقال أبو حَفْصِ عن الروايةِ الثَّانِيَةِ: هذه الرِّوايَةُ تُخالِفُ ما نَقَلَه الجَماعَةُ؛ فإمّا أن تَكُون غَلَطًا، أو ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 183. (¬2) لا أصل له. انظر: العلل المتناهية، لابن الجوزى 1/ 443.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَوْلا قَدِيمًا لأبي عبدِ الله. ووَجهها أن الحاضِرَةَ صلاة ضاق وَقتها عن آكَدَ منها، فلم يَجُزْ تأخِيرُها،؛ لو لم يكنْ عليه فائتَة، ولأن الصلاةَ رُكْن مِن أركانِ الإسْلامِ،. فلم يجُزْ تَقدِيمُ فائتَةٍ على حاضِرَةٍ عندَ خَوْفِ فَوْتِها، كالصِّيامِ. يُحَقِّقُه أنه لو أخَّرَ الحاضِرَ صار فائتًا، ورُبما كثُرتِ الفَوائِتُ، فيفْضى إلى أن لا يُصَلىَ صلاةً في وَقْتِها، ولا تَلْزَمَه عُقُوبَة بتَرْكِها، ولا يُصَلَّىَ جَماعَةً أصلًا، وهذا لا يَرِدُ الشرعُ به. وتَعَلقُهم بالأمرِ بالقَضاءِ مُعارَضٌ بالأمْرِ بفِعلِ الحاضِرَةِ، والحاضِرَةُ آكَدُ؛ بدَلِيلِ أنَّه يُقْتَلُ بتَركِها، ويجْرُمُ عليه تأخِيرُها، بخِلافِ الفائتَةِ، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما نام عن صلاةِ الفجْرِ أخرَها شيئًا، وأمَرَهم فاقتادوا رَواحِلَهم حتى خَرَجُوا مِن الوادِى (¬1). والحديثُ الذى ذَكَرُوه، قال أحمدُ: ليس هذا حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعل هذه الرواية، يَبْدَأ فيَفْضِى الفَوائِتَ على الترتِيبِ، حتى ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب قضاء الصلاة الفائتة. . . . إلخ، من كتاب المساجد. صحيح سلم 1/ 471. وأبو داود، في: باب من نام عن صلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 103. والنسائي، في: باب كيف يقضى الفائت من الصلاة، من كتاب المواقيت. المجتبي 1/ 240. وابن ماجه، في: باب من نام عن صلاة أو نسبيها من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 228.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إذا خاف فَواتَ الحاضِرَةِ صَلّاها، ثم عاد إلى الفَوائِتِ. نَص عليه أحمدُ. فإن حَضَرَتْ جَماعَة في صلاةِ الحاضِرَةِ، فقال أحمدُ، في رِوايةِ أبى داودَ، في مَن عليه صَلَوات (¬1) فائتَةٌ، فأدرَكَتْه الظهْرُ ولم يفْرُغْ مِن الصلَواتِ: يُصَلى مع الإمامِ الظهْرَ ويَحسُبُها مِن الفَوائِتِ، ويُصَلِّى الظهْرَ في آخِرِ الوَقْتِ. وفيه رِوايَةً ثالِثَةٌ، إذا كَثُرَتِ الفَوائِتُ، بحيث لا يَتسِعُ لها وقتُ الحاضِرَةِ، أنه يُصَلى الحاضِرَةَ في أوَّلِ وَقْتِها. نقَلَها عنه ابنُ منصورٍ. وهذا اخْتِيارُ أبى حَفْص؛ لأن الوَقتَ لا يتسِعُ لقَضاءِ ما في الذمةِ وفِعل الحاضِرَةِ، فسَقَطَ الترتِيبُ، كما لو فَاتتْه صلاةٌ وقد بَقِىَ مِن وَقتِ الأخْرَى قَدرُ خَمس رَكَعاتِ، ولأنه إذا لم يكُنْ بُد مِن الإخْلالِ بالترتِيبِ، ففِعلُها في أوَّلِ الوقتِ؛ ليُحَصلَ فضِيلَةَ الوَقتِ والجَماعَةِ أوْلَى، ولأنَّ فيه مَشَقةً، فإنه يَتَعَذرُ مَعرفَةُ آخِرِ الوقتِ في حَقّ أكْثَرِ النّاس. وذَكَر ابنُ عَقِيل، في مَن عليه فائتَة، وخَشِىَ، فَوَاتَ الجَماعَةِ، رِوايَتَيْن؛ إحداهما، يَسْقُطُ الترتِيبُ؛ لأنه اجْتَمَع واجِبان، ولابدَّ مِن تفْوِيتِ أحَدِهما، فكان مُخيرا فيهما. والثانيةُ، لا يَسْقُط؛ لِما ذَكَرْنا. قال شيخُنا (¬2): وهذه الروايَةُ أحسَنُ وأصَح، إن شاء الله تعالى. واللْهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في م: «صلاة». (¬2) في: المغني 2/ 344.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا ترَك ظُهْرًا وعصرًا مِن يَوْمَيْن، لا يَدرِى أيتهما الأولَى، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، أنَّه يَتَحَرَّى أيتهما نَسِىَ أولًا، فيَقْضِيها، ثم يَقْضِى الأخْرَى. نَقَلَها عنه الأثْرَمُ. وهذا قول أقوله يُوسُفَ ومحمد، لأنَّ الترتِيبَ مِمّا تُبيحُ الضرورَةُ تركَه، فيما إذا ضاق وَقْتُ الحاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، فيَدخُلُه التحَرى كالقِبْلَةِ. والثانيةُ، أنه يصلي الظهْرَ ثم العَصرَ مِن غيرِ تحَرٍّ. نقَلَها عنه (¬1) مُهنَّا؛ لأنَّ التحَرِّى فيما فيه أمارَة، وهذا لا أمارَةَ فيه يرجَعُ إليها، فرَجَعَ إلى تَرتِيبِ الشرعِ. قال شيخُنا (¬2): والقِياسُ أنَّه يَلْزَمُه ثلاثُ صَلَوات؛ ظُهْر ثم عَصر ثم ظُهْر، أو بالعَكس؛ لأنه أمكَنَه أداءُ فَرضِه بيَقِين، أشْبَهُ ما إذا نَسِىَ صلاةً لا يَعلَمُ عَيْنَها. وقد نَقَل أبو داودَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. فصل: ولا يُعذَرُ في تَركِ الترتِيبِ بالجَهْلِ بِوُجُوبِه. وقال زُفَر: يُعذَرُ كالناسِى. ولَنا، أنَّه ترتِيبْ واحِبْ في الصلاةِ، فلم يَسْقُطْ بالجَهْلِ، كالمَجْمُوعَتَيْن، ولأنَّ الجَهْل بأحكامِ الشرعِ مع التمَكنِ مِن العِلْمِ لا يُسْقِطُها، كالجَهلِ بتَحرِيمِ الأكْلِ في الصوْمِ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: المغنى 2/ 345، 346.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجِبُ عليه قَضاءُ الفَوائِتِ على الفَوْرِ وإن كَثرتْ، ما لم يَلْحَقْه مَشَقة في بَدَنِه، بضَعفٍ، أو خَوْفِ مَرَض أو نَصَبٍ او إعْياء، أو مالِه، بفَواتِ شئ منه، أو ضَرَرٍ فيه، أو قَطْع عن مَعيشَتِه. نَص أحمدُ على نَخو هذا. فإن جهِل الفَوائِتَ فلم يَعلم قدرَها، قَضَى حتى يَتَيَقنَ بَراءَةَ ذِمتِه. ويَقْتَصِرُ على الفَرائِض، ولا يَتَنَفلُ بَيْنَها، ولا يُصَلِّى سننَها (¬1)؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا قضَى الصلَواتِ الفائتُةَ يَوْمَ الخنْدَقِ، لم يُنْقَلْ أنه صَلى بَينها سُنَّةً؛ ولأن الفَرْضَ أهمُّ، فالاشْتِغالُ به أوْلَى. فإن كانت صلاةً أو نَحوَها، فلا بَأسَ بقَضاءِ سُنَّتِها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فاتَتْه الفَجْرُ، صَلى سُنتها قَبْلَها. وهذا قولُ الشافعى. وقال مالك: يَبدَأ بالمَكتُوبَةِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ. وهذا اخْتِيارُ ابنِ المُنْذر. فصل: ومَن فاتَته صلاة مِن يَوم لا يَعلَمُ عَيْنَها، أعاد صلاةَ اليَوْمِ جَمِيعِه، يَنْوى بكلِّ واحِدة أنها الفائتَةُ. نصَّ عليه. وهو قولُ أكثر أهلِ العلمِ؛ لأنَّ التعيِينَ شرط في صِحَّةِ الصلاةِ المَكتُوبَةِ، ولا يُتَوَصَّلُ إليه إلاَّ بذلك، فلَزِمَه. وقال الثَّوْرِى: يُصَلِّى الفَجْرَ ثم المَغْرِبَ؛ ثم يُصَلى أربعا، يَنْوِى إن كان الظهْرَ أو العَصر أو العِشاءَ. وقال الأوْزاعي: يُصَلى أربعا بإقامَةٍ. ¬

(¬1) في م «سنتها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا نام في مَنْزِل في السَّفَرِ، فاسْتَيْقَظَ بعد خُرُوجِ وَقتِ الصلاةِ، استُحِبَّ له أن يَنْتَقِلَ عن ذلك المنْزِلِ، فيُصَلِّىَ في غيرِه. نَصَّ عليه؛ لِما روَى أبو هريرةَ، قال: عَرَّسْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم نَسْتَيْقِظْ حتى طَلَعَتِ الشمس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيأخُذْ كُل رَجُل مِنْكم بِرأس رَاحِلَتِهِ؛ فَإن هذَا مَنْزِل حَضَرَ فِيهِ الشيطَانُ». قال: ففَعَلْنا، ثم دعا بالماءِ فتَوَضَّأ، ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم أقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلى الغَداةَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ويُسْتحَبُّ أن يُصَلِّىَ الفائتَةَ جَماعَةً إذا أمكَنَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى الصَّلَواتِ الفائتَةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ في جماعةٍ. ولا يَلْزَمُ القَضاءُ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَقْض أكثَرَ مِن مَرة، وقد روَى عِمرانُ بنُ حُصَيْن، حينَ نامُوا عن صلاةِ الفَجْر، قال: فقُلْنا: يا رسولَ الله، ألا نُصَلِّى هذه الصلاةَ لوَقْتِها؟ قال: «[لَا] (¬2)، لَا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكم». رَواه الأثْرَمُ (¬3). واحتج به أحمدُ. ¬

(¬1) لم يخرجه البخارى. وأخرجه مسلم، في: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 471.كما أخرجه النسائي، في: باب كيف يقضى الفائت من الصلاة، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 231. (¬2) سقطت من: م. (¬3) أخرجه عبد الرزاق، في: باب من نسى صلاة أو نام عنها، من كتاب الصلاة. المصنف 1/ 589.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا أخَّرَ الصَّلاةَ لنَوْم أو غيرِه، حتم خَشِى خُرُوجَ الوَقْت إن تَشاغَلَ بالسنَةِ، بَدَأ بالفَرض. نَصَ عليه؛ لأن الحاضِرَةَ إدا قُدمت على الفائتَةِ الواجِبَةِ، مُراعاةً للوقتِ، فعلى السنةِ أوْلَى. وهكذا إذا اسْتَيْقَظ وشَكَّ في طُلُوعِ الشمس، بَدَأ بالفَريضَةِ. نَصَ عليه، لأن الأصلَ بَقاء الوقتِ. فصل: ومَن أسْلَمَ في دارِ الحَربِ فتَرَكَ صلواتٍ، أو صِيامًا لا يَعلَمُ وُجُوبَه، لَزِمَه قَضاؤه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه. ولَنا، أنها عِبادَة تَلْزَمُه مع العِلْمِ، فلَزِمَتْه مع الجهلِ، كما لو كان في دارِ الإسلام.

301 - مسألة: (وإن نسى الترتيب، سقط وجوبه)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ 301 - مسألة: (وإن نَسِىَ الترتِيبَ، سَقط وُجُوبُه) متى (¬1) صَلَّى الحاضِرَةَ ناسِيًا للفائتَةِ، ولم يَذْكُرها حتى فَرَغ، فليس عليه إعادَة. نصَّ عليه أحمد في رِوايَةٍ الجماعَةِ. وقال مالك: يَجِبُ الترتيبُ مع النسْيانِ كالمَجْمُوعَتَيْن، والركُوعِ والسُّجُودِ، ولحديثِ أبى جُمُعَةَ (¬2). ولَنا، قوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لِأمَّتِى عَنِ الْخَطأِ وَالنسْيَانِ» (¬3). ولأنَّه المنسيةَ ليس علها أمارَة، فجاز أن يُؤثرَ فيها النسْيانُ، كالصيامِ، فأمّا حديثُ أبى جُمُعَةَ، فمِن رِواية ابنِ لَهِيعَةَ، وهو ضَعِيف، ويَحتَمِلُ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَها وهو في الصلاةِ، جَمعًا بينَه وبينَ ما ذَكرنا مِن الدلِيلِ. وإنَّما يُعْذَر في المَجْمُوعَتَيْن بالنسْيانِ؛ لأنه لا يَتَحَققُ، إذ لابدَّ فيهما ¬

(¬1) في م: «حتى لو». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 184. (¬3) تقدم تخريجه في 1/ 276.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن نِية الجمع بَيْنهما، ولا يُمكنُ ذلك مع نِسْيانِ إحداهما، ولأنَّ اجْتِماعَ الجَماعَةِ يَمنَعُ النسْيانَ، إذ لا يَكادُون كلهم يَنْسَوْن الأولَى. ولا فَرقَ بينَ أن يكُون سَبَق منه ذِكْرُ الفائتَةِ ثم نَسِيَها، أو لم يَسْبِقْ. نَصَّ عليه؛ لِما ذَكَرْنا. واللهُ أعلمُ.

باب ستر العورة

بَابُ ستر الْعَوْرَةِ وَهُوَ الشرطُ الثَّالثُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ ستر العَوْرَةِ (وهو الشرطُ الثالِثُ) سَتْرُ العَوْرَةِ شرط لصحَّةِ الصلاةِ، في قَوْلِ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ عبدِ الَبر: أجْمَعُوا على فَسادِ صلاةِ مَن تَرَك ثَوْبَه وهو قادِرٌ على الاسْتِتارِ به، وصَلَّى عُريانًا. وهو قولُ الشافعى وأصحابِ الرأىِ. وقال إسحاقٌ وبَعضُ أصحابِ مالكٍ: هو شَرطْ مع الذِّكْرِ. وقال بَعضُهم: هو واجِب وليس بشَرطٍ؛ لأنّ وُجُوبَه غيرُ مُخْتص بالصلاةِ، فلم يكُنْ شَرطًا فيها، كقَضاءِ الديْنِ. ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بخِمَار». وعن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، قال: قُلتُ يا رسولَ اللهِ، إنى أكوَنُ في الصَّيْدِ، فأصَلِّى في القَمِيص الواحِدِ؟ قال: «نَعم، وازْرُرْه وَلَوْ بِشَوكةٍ». رَواهما ابنُ ماجَه، والترمذي (¬1)، وقال ¬

(¬1) الأول، أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 169. وابن ماجه، في: باب إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 215. كما أخرجه أبو داود، في: باب المرأة تصلى بغير خمار، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 149. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 150، 218، 259. والثاني لم نجده عند ابن ماجه ولا الترمذى. وأخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يصلى في قميص واحد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 147. والنسائي، في: باب الصلاة في قميص واحد، من كتاب الصلاة. المجتبي 2/ 55.

302 - مسألة: (وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب)

وَسَتْرُهَا عَنِ النظرَ بِمَا لَا يَصِف الْبَشَرَةَ وَاجبٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فيهما: حسنٌ. 302 - مسألة: (وسَتْرُها عن النَّظَرِ بما لا يَصِف البَشَرَةَ واجِبٌ) لأن السترَ إنّما يَحصُلُ بذلك، فإن كان خَفِيفًا يَصِفُ لَوْنَ البَشَرَةِ، فيَبينُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ من وَرائِه بَياضُ الجِلْدِ وحُمرَتُه، لم تَجزِ الصلاةُ فيه. وإن كان يَسْتُرُ اللَّوْنَ ويَصِف الخِلْقَةَ، جازَتِ الصلاةُ فيه؛ لأن البَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ، وهذا لا يُمكِنُ التحَرُّزُ منه، وإن كان السّاتِرُ صَفِيقًا.

303 - مسألة: (وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة. وعنه، أنها الفرجان)

وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالْأمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَعَنْهُ، أنَّها الْفَرجَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 303 - مسألة: (وعَوْرَةُ الرجلِ والأمَةِ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ. وعنه، أنَّها الفَرجان) عَوْرَةُ الرجلِ ما بينَ الله حرةِ والرُّكْبَةِ، في ظاهِرِ المَذْهبِ. نَصَّ عليه أحمدُ (¬1) في روايَةِ الجَماعَةِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعي، وأصحابِ الرأىِ، وأكْثَرِ العلماءِ. ورُوِيَ عنه أنَّها الفَرجان. نَقَلَها عنه، مُهنَّا. وهو قولُ ابنِ أبى ذِئْبٍ؛ لِما روَى أنسٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ خَيْبَرَ حَسَر الإزارَ عن فَخِذِه. رَواه البُخارِىُّ، ومسلمٌ (¬2). وعن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) سقطت من: م. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب ما يذكر في الفخذ، من كتاب الصلاة. صحيح البخارى 1/ 103، 104. ومسلم، في: باب فضيلة إعتاقة أمة ثم يتزوجها، من كتاب النكاح، وفي: باب غزوة خيبر، من كتاب الجهاد. صحيح 2/ 1043، 1044، 3/ 1426. كما أخرجه النسائي، في: باب الماء في السفر، من كتاب النكاح. المجتنى 6/ 107.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: «إذَا زَوَّجَ أحَدُكُم عَبْدهُ؛ أمَتَهُ أوْ أجيرَهُ، فَلَا يَنْظر إلى شَىْء مِنْ عَوْرَتهِ، فَإن مَا تحتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ عَوْرَةَ». يُرِيدُ الأمَةَ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬1). وعن عائشة، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته كاشِفًا عن فَخِذَيْه، فاستأذَنَ أبو بكر، فأذِنَ له وهو على ذلك، ثم استأذَنَ عُمَرُ، فأذِنَ له وهو على ذلك. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬2). ولأنه ليس بمَخْرَجٍ، فلم يَكُنْ عَوْرَةً، كالسَّاقِ. ووَجْهُ الأولَى ما روَى جَرهدٌ الأسْلَمِى، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «غطَّ فَخِذَكَ؛ فَإن الفَخِذَ مِن ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، من كتاب الصلاة، وفي: باب في قوله: {غير أولى الإربة}، من كتاب اللباس. سنن أبى داود 1/ 115، 2/ 384. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 187. (¬2) في: المسند 6/ 62. كما أخرجه مسلم، في: باب من فضائل عثمان بن عفان رضى الله عنه، من كتاب فضائل الصحابة. صحيح مسلم 4/ 1866.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْعَوْرَةِ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذي] (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وعن علىِّ بنِ أبى طالِب، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تبرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُر إلَى فَخِذِ حَىٍّ وَلَا ميتٍ». رَواه أبو داودَ (¬2). وعن ابنِ عباس، قال: مَرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل، وفَخِذُه خارِجَة، فقال: «غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإن فَخِذَ الرجُلِ مِنْ عَوْرَتِه». رَواه الإمامُ أحمدُ (¬3). قال البُخاريُّ (¬4): حديثُ أَنس أسْنَدُ، وحديثُ جرهدٍ أحوَطُ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود: باب النهى عن التعري، من كتاب الحمام. سنن أبى داود 363/ 2. والترمذي في: باب ما جاء أن الفخذ عورة، من أبواب الاستئذان والآداب. عارضة الأحوذى 10/ 239 والإمام أحمد، في: المسند 3/ 478، 479، كما أخرجه الدارقطنى، في: باب في بيان العورة والفخذ من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 224. (¬2) في: باب النهى عن التعرى، من كتاب الحمام. سنن أبي داود 2/ 343، 364. كما أخرجه ابن ماجه في: باب ما جاء في غسل الميت، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 469. (¬3) في: المسند 1/ 275. (¬4) في: باب ما يذكر في الفخذ، من كتاب الصلاة. صحيح البخارى 1/ 103.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والسُّرَّةُ والرُّكْبَتان ليست مِن العَوْرَةِ، وهو قول مالك، والشافعى. وقال أبو حنيفةَ: الرُّكْبَةُ هِن العَوْرَةِ؛ لأنَّه رُوِىَ أن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرُّكْبَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ» (¬1). ولَنا، ما روَى أبو أيوبَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أسْفَلُ السرةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنَ الْعَوْرَة». رَواه أبو بكر (¬2). وحديثُ عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، ولأنَّ الرُّكْبَةَ حَدُّ العورةِ، فلم تَكنْ منها، كالسُّرَّةِ. والعَبْدُ والحُرُّ في ذلك سَواءْ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيهما، وحَدِيثُهم يَرويه أبو الجنُوبِ (¬3) ولا يُثْبِتُه أهْلُ النَّقْلِ. ¬

(¬1) أخرجه الداقطنى، في: باب الأمر بتعليم الصلوات والضرب عليها وحد العورة التى يجب سترها، من كتاب الصلاة. سنن الدرقطنى 1/ 231. (¬2) أخرجه الدارقطنى، في: باب الأمر بتعليم الصلوات. . . . إلخ، عن كتاب الصلاة. سنن الدارقطنى 1/ 231. والبيهقى، في: باب عورة الرجل، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 229. (¬3) هو عقبة في علقمة اليشكرى الكوفي، روى عن على رضى الله عنه، وشهد معه الجمل، ضعيف الحديث، بين الضعف. تهذيب التهذيب 7/ 247.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وأمّا الأمَةُ، فقال ابنُ حامِدٍ: عَوْرَتُها كعَوْرَةِ الرجلِ؛ ما بَيْنَ السرةِ والركْبَةِ. حَكاه القاضى في «المُجَردِ» وابنُ عَقِيل. قال القاضى: وقد لَوَّحَ إليه أحمدُ. وهو ظاهِرُ مَذْهبِ الشافعىَّ؛ لحديثِ عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، والمُرادُ به الأمَةُ، فإن الأجيرَ والعبدَ لا تَخْتَلِفُ حالُه بالتزوِيجِ وعَدَمِه. وقال القاضى في «الجامِعِ»: عَوْرَةُ الأمَةِ ما عَدا الرأسَ واليَدَيْن إلى المِرفَقَيْن، والرجْلَيْن إلى الركبتين. وهو قولُ بَعضِ الشَّافِعِية؛ لأنّ هذا يَظْهرُ عادَةً عندَ التقْلِيبِ والخِدمَةِ، فهو كالرأْس، وما سواه لا يَظْهرُ غالبًا، ولا تَدعُو الحاجَةُ إلى كَشْفِه، أشْبَهُ ما بينَ السُّرَّةِ والركبة والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكرنا، ولأن مَن لم يكنْ رَأسُه عَوْرَة، لم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَكُنْ صدرُه عَوْرَةً، كالرجلِ. وقال الحسنُ في الأمَةِ، إذا تَزَوجَتْ أو اتَّخَذَها الرجلُ لنَفْسِه: يَجِب عليها الخِمارُ. ولَنا، أن عُمَرَ كان يَنْهى الإماءَ عن التقَنُّع، وقال: إنَّما القِناعُ للحَرائِرِ. واشْتَهرَ ذلك ولم يُنْكر، فكان إجْماعا، ولأنَّها أمَةٌ، أشْبَهتِ التى لم تَتَزَوجْ. وفيه رِوايَة ثالِثَة، أنَّ عَوْرَتَها الفرجان، كالرجلِ. ذَكَرَها أبو الخَطابِ، وشَيْخُنا في الكِتاب المَشْرُوحِ (¬1). والصحيحُ خِلافها، إن شاء اللهُ تعالى. والمُكاتَبَةُ والمُدبَّرَةُ والمُعَلقُ عِتْقُها بصِفةٍ، كالأمَةِ القِنّ فيما ذَكَرنا؛ لأنهنَّ إماءٌ يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ وعِتْقُهُنَّ، أشْبهنَ القِنَّ. وقال ابنُ البَنا: هُنَّ كأُم الوَلَدِ. ¬

(¬1) انظر: المغنى 2/ 332.

304 - مسألة: (والحرة كلها عورة إلا الوجه، وفى الكفين روايتان)

وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَة إِلَّا الْوَجْهَ، وَفِى الْكفَّيْنِ رِوَايَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 304 - مسألة: (والحُرَّةُ كلُّها عَوْرَةٌ إلاَّ الوَجْهَ، وفى الكَفَّيْن رِوايَتان) أمَا وَجْهُ الحُرَّةِ فإنَّه يَجُوزُ للمرأةِ كَشفُه في الصلاةِ، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الكَفَّيْن، فرُوِىَ عنه جَواز كَشْفِهما. وهو قولُ مالكٍ والشافعىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ عن ابن عباس، وعائشةَ، في قوله تعالى:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (¬1). قال: الوَجْهَ والكَفيْن. ولأنه يَحرُمُ على المُحْرِمَةِ سَترهما بالقُفّازَيْن، كما يحرُمُ سَتْرُ الوَجْهِ [بالنِّقَابِ، ويَظْهَران غالبًا، وتَدعُو الحاجَةُ إلى كشْفِهما للبَيْعِ والشِّراءِ، فأشْبَها الوَجْهَ] (¬2). ورُوِىَ عنه أنَّهما مِن العَوْرَةِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقى. قال القاضى: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنه رُوِىَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنْه قال: «الْمرأة عَوْرَة». رَواه الترمِذى، وقال: حديث حسن صحِيح (¬3). وهذا عام في جَمِيعِها، تُرِكَ في الوَجْهِ للحاجَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه. وقولُ ابنِ عباسٍ وعائشةَ قد خالَفَهما ابنُ مسعودٍ، فقال: الثِّياب. ولأن الحاجَةَ لا تَدعُو إلى كَشْفِهما وظُهُورهما، كالحاجَةِ الى كَشْفِ الوجْهِ، فلا يَصِح القِياسُ، ثم يبطل قِياسُهم بالقَدَمَيْن؛ فإنَّهما يَظْهران عادَةً، وسَترهما واجِبٌ، وهما بالرِّجْلَيْن أشْبَهُ مِن الوَجْهِ، فقِياسُهما عليهما أوْلَى. ¬

(¬1) سورة النور 31. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) في: باب حدثنا محمد بن بشار، من أبواب الرضاع. عارضة الأحوذى 5/ 122.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وما سِوَى الوَجْهِ والكَفَّيْن، فيَجِبُ ستْرُه في الصلاةِ، رِوايَةً واحِدَةً. وهو قول مالكٍ، والشافعى، والأوْزاعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: القَدَمان لَيْسا مِن العَوْرَةِ، لأنَّهُما يَظْهران عادَة، ويُغْسَلان في الوُضُوءِ، أشْبَها، الوَجْهَ والكفَّيْن. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. وما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنها سَألَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: أتصلى المرأةُ في دِرْع وخِمارٍ؟ قال: «نَعم، إذَا كَانَ الدرْعُ سَابِغًا يُغَطِّى ظُهُورَ قَدَمَيها». رَواه أبو داودَ (¬1). والخَبَرُ الذى رَوَيْناه في أنَّ المرأةَ عَوْرَة، خَرَج منه الوَجْهُ، فيَبْقَى فيما عَداه على قَضِيةِ الدَّلِيلِ، وأمَّا ما عَدا الوَجْهَ والكَفَّيْن والقَدَمَيْن، فهو عَوْرَة بالإجْماعِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافاً؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائضٍ إلَّا بِخِمَار». حديث حسن صحيحٌ (¬2). ¬

(¬1) في: باب كم تصلى المرأة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 149. (¬2) تقدم تخريجه في صفحه 20، 197.

305 - مسألة: (وأم الولد، والمعتق بعضها: كالأمة. وعنه، كالحرة)

وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمعتَقُ بَعضُها كَالأمَةِ. وَعَنْهُ، كَالْحُرَّةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 305 - مسألة: (وأُم الوَلَدِ، والمُعتَقُ بَعضُها: كالأمَةِ. وعنه، كالحُرَّةِ) نُقِل عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في المُعتَقِ بعضُها رِوايَتان؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إحداهُما، أنها كالحُرَّةِ؛ لأن فيها حُرّيَّة تَقْتَضِى السَّترَ، فوَجَبَ، كما يَجِبُ على الخُنْثى المُشْكِلِ سَتْرُ فَرْجَيْه معًا؛ لوُجوبِ سَتْير أحَدِهما. والثانِيَةُ، هى كالأمَةِ القِنِّ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ للسترِ بالإجْماعِ الحُريةُ الكامِلَةُ، ولم تُوجَد، فتَبْقَى على الأصلِ. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ. فصل: وحُكْمُ أم الوَلَدِ حُكْمُ الأمَةِ في صَلاِتها وسُترتِها. وهو قولُ النخَعِىِّ، والشافعى، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، أَنَّها كالحُرَّةِ تُغَطِّى شَعَرَها وقَدَمَيْها. نَقَلَها عنه الأثْرَمُ؛ لأنَّها لا تُباعُ، ولا يُنْقَلُ المِلْكُ فيها، أشبَهتِ الحُرَّةَ. وهو قولُ الحسنِ وابن سِيرينَ في تَغطيَةِ الرأس، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. ووَجْهُ الأُولَى أنَّها أمَةٌ، حُكمُها حُكْمُ الإماءِ، وكَوْنُها لا يَنْتَقِلُ المِلْكُ فيها، لا يُخْرِجُها عن حُكْمِ الأمَةِ، كالمَوْقُوفَةِ، وانْعقادُ سَبَبِ الحُرّيةِ فيها لا يُؤثِّر أيضًا؛ بدَلِيلِ المُكاتَبَةِ والمُدَبَّرَةِ، لكنْ يُستحَبُّ لها ستْرُ رَأْسِها، لتخْرُجَ مِن الخِلافِ وتأخُذَ بالاحتِياطِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وعَوْرَةُ الخُنْثَى المُشْكِلِ كعَوْرَةِ الرجلِ الأنه اليَقِينُ، والأنُوثَةُ مَشْكُوك فيها، فلا نُوجبُ عليه سَتْرَ مَحَلٍّ مَشْكُوكٍ في وُجُوبِه، كما لم نُوجِبْ نَقْضَ الوُضُوءِ بمَسى أحَدِ فرجَيْه، ولا الغُسْلَ بإيلاجِه، لكنْ يَجِبُ عليه سَتْر فرجَيْه إذا قُلْنا: العَوْرَةُ الفرجان. لأن أحَدَهما فَرْج حَقِيقىٌّ، ولا يَتَحَققُ سَتْره إلَّا بسَتْرِهما، فوَجَبَ عليه، كسَتْرِ ما قَرب مِن العَوْرَةِ لأجْلِ سَتْرِها. وعنه، حُكمُه حُكْمُ المرأةِ. ذكَره في «المُسْتَوْعِبِ»، لأنه يَحتَمِلُ أن يكونَ امرأةً، فوَجَبَ ذلك احْتِياطاً.

306 - مسألة: (ويستحب للرجل أن يصلى فى ثوبين)

وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أن يُصَلِّىَ فِى ثَوْبَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن عَتقَتِ الأمَةُ في أثْناءِ صَلاتِها وهى مَكْشُوفَةُ الرَّأس، ووَجَدَتْ سُترة، فهى كالعُريانِ يَجدُ السترَةَ في أثْناءِ صَلاِته، وسيأتِى إن شاء الله. وإن لم تعلم بالعِتْقِ حتى أتمتْ صَلاَتها، أو عَلِمَتْ به ولم تَعلَم بوُجُوبِ السترِ، فصَلاُتها باطِلَةٌ؛ لأن شروطَ الصلاةِ لا يُعْذَرُ فيها بالجَهْلِ، فأمَّا إن عَتَقَتْ ولم تَقْدر كل سُترةٍ، أتمَّتْ صَلاتَها ولا إعادَةَ عليها؛ لأنَّها عاجِزَة عن السترَةِ، فهى كالحُرةِ الأصلِيَةِ إذا عَجَزَتْ. 306 - مسألة: (ويُسْتَحب للرجلِ أن يُصَلِّىَ في ثَوْبَيْن) لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: قال عُمَرُ: «إذَا كَانَ لِأحَدِكُم ثَوْبَانِ فَلْيُصَل فِيهِمَا، فَإنْ لَمْ يَكُن لَهُ إلا ثَوْب وَاحِد فَلْيَتَّزِر بِهِ». رَواه أبو داودَ (¬1). وعن عُمَرَ، أنه قال: إذا أوْسعَ الله فأوْسِعُوا، جَمَع رجلْ عليه ثِيابَه، صَلَّى رجلٌ في إزار ورِداء، في إزارٍ وقمِيص، في إزار وقَباءٍ، في سَراوِيلَ ورداءٍ، في سَراوِيلَ وقمِيص، في سَراويلَ وقَباء، في تُبان (¬2) وقَمِيص (¬3). قال القاضى: وذلك في الإمامِ آكَدُ؛ لأنّه بينَ يَدَىِ ¬

(¬1) في: باب إذا كان الثوب ضيقا يتزر به، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 148. (¬2) التبان: على هيئة السراويل إلا أنه ليس له رجلان. والقباء: ما يضم ويجمع أطرافه من الثياب. من قبا الشئ، أى جمعه وضمه. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء، من كتاب الصلاة. صحيح البخارى 1/ 102.

307 - مسألة: (فإن اقتصر على ستر العورة أجزأه، إذا كان على عاتقه شئ من اللباس)

فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ أجْزَأهُ، إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَئٌ مِنَ اللِّبَاسِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ المَأمُومِين، وتَتَعَلقُ صَلاُتهم بصَلاتِه. فإن لم يَكُنْ إلَّا ثَوبْ واحِدٌ فالقَمِيصُ أوْلَى، لأنه أبلَغُ في السترِ، ثم الرداءُ، ثُم المِئْزَرُ أو السَّراوِيلُ. 307 - مسألة: (فإنِ اقْتَصَر على سَتْرِ العَوْرَةِ أجْزأه، إذا كان على عاتِقِه شئٍ مِن اللباس) وجُملَةُ ذلك، أن الرجلَ متى سَتَر عَوْرَتَه في الصلاةِ صَحَّتْ صَلاُته، إذا كان على عاتِقِه شئ مِن اللباس، سَواءٌ كان مِن الثَّوْبِ الذى سَتَر عَوْرَتَه، أو مِن غيرِه، إذا كان قادِرًا على ذلك؛ لِما روَى عُمَرُ ابنُ أبى سَلمَةَ، أنه رَأى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثَوْب واحِدٍ في بَيْتِ أم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَلَمَةَ، قد ألْقَى طَرَفَيه على عاتِقَيْه (¬1). وعن أبي هُرَيرةَ، أنَّ سائِلا سَأَل رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الصلاةِ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، قال: «أوَ لِكُلِّكُم ثَوْبَانِ؟». مُتفَقٌ عليهما (¬2). وعن جابِر أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا كَان ¬

(¬1) في م: «عاتقه». (¬2) الأول أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 100. ومسلم، في: باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 368. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 54. وابن ماجه، في: باب الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 333. والإمام مالك، في: باب الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 140. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 26، 27. والثاني أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به، وباب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 100، 102. ومسلم، في: باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 367، 368. كما أخرجه أبي داود، في: باب جماع أثواب ما يصلي به، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 146. والنَّسائيّ، في: باب الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 54. وابن ماجه، في: باب الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 333. والإمام مالك، في: باب الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 140. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 266، 285، 345.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ». وفي لَفْظٍ: «فَاتَّزِرْ بِهِ». رَواه البُخارِيُّ (¬1). فصل: ولا يُجْزِئُ مِن ذلك إلَّا ما سَتَر العَوْرَةَ عن غيرِه ونَفْسِه فلو كان القَمِيصُ واسِعَ الجَيْبِ، يَرَى عَوْرَتَه إذا رَكَع أو سَجَد، أو كانت بحيث يراها، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لسَلَمَةَ ابن الأكْوَعِ: «وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» (¬2). فإن كان ذا لِحْيَةٍ كَبِيرَةٍ، تُغَطِّي الجَيْبَ فتَسْتُرُ عَوْرَتَه، صَحَّتْ صَلَاتُه. نصَّ عليه؛ لأنَّ عَوْرَتَه مَسْتُورَةٌ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا كان الثوب ضيقا، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 101. ومسلم، في: باب حديث جابر الطَّويل وقصة أبي اليسر، من كتاب الزهد. صحيح مسلم 4/ 2307، 2308. وأبو داود، في: باب إذا كان الثوب ضيقا يتزر به، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 148. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 335. والحقو: موضع شد الإزار، وهو الخاصرة. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 197.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجبُ عليه أن يَضَعَ على عاتِقِه شيئًا مِن اللِّباسِ مع القُدْرَةِ. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ، وأكثَرُ العُلَمَاءِ على خِلافِه؛ لأنَّهما لَيْسا مِن العَوْرَةِ، أشْبَها بَقِيةَ البَدَنِ. ولنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْب الْوَاحِدِ لَيْس عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن بُرَيْدَةَ، قال: نَهَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يُصَلِّيَ في لِحافٍ ولا يَتَوَشَّحُ به، وأن يُصَلِّيَ في سَراوِيلَ، ليس عليه رِداءٌ. رَواه أبو داودَ (¬2). وهو شرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّهْىَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِي عنه، ولأنَّ سَتْرَه واجِبٌ في الصلاةِ، فالإخْلالُ به يُفْسِدُها، كالعَوْرَةِ. وذَكَر القاضي وابنُ عَقِيل، أنَّه نُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه ليس بشَرْط، فإنَّه قال في رِوايَةِ مُثَنَّى بن جامِعٍ (¬3)، في مَن صَلَّى وثَوْبُه على إحْدَى عاتِقَسْه، والأُخْرَى مَكشُوفَةٌ: ¬

(¬1) في: باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 368. كما رواه البُخَارِسْ، في: باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِسْ 1/ 101. وأبو داود، في: باب جماع ما يصلي فيه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 146. والنَّسائسْ، في: باب صلاة الرَّجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 56 - والدارمي، في: باب الصلاة في الثوب الواحد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارمسْ 1/ 318. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 243، 464. (¬2) في: باب إذا كان الثوب ضيقا يتزر به، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 148. (¬3) هو أبو الحسن مثنى بن جامع الأنباري، كان ورعًا، جليل القدر. نقل عن الإمام أَحْمد مسائل حسانًا. طبقات الحنابلة 1/ 336، 337.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُكْرَهُ. قِيل له: يُؤمَرُ أن يُعِيدَ؟ فلم يَرَ عليه إعادَةً. قال شيخُنا (¬1): وليس هذا رِوايَةٌ أُخْرَى، إنَّما يَدُلُّ على أنَّه لا يَجِبُ سَتْرُ المَنْكِبَيْن [في الصلاةِ] (2) جَمِيعًا؛ لأنَّ الخَبَرَ لا يَقْتَضِي سَترَهما. فعلى هذا لا يَجِبُ سَتْرُهما جميعًا، بل يُجْزِئُه وَضْعُ ثَوْبٍ على أحَدِ عاتِقَيْه وإن كان يَصِفُ البَشَرَةَ؛ لأن وُجُوبَ ذلك بالخَبَرِ، ولَفْظُه: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». وهذا يَقَعُ على ما يَعُمُّ المَنْكِبَيْن، وما لا يَعُمُّ، [وعلى ما يَسْتُرُ البَشَرَةَ، وما لا يَسْتُرُ] (¬2). وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ سَتْرُ المَنْكِبَيْن، لقولِ النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طرَفَسْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» (¬3). صحيحٌ. فصل: فإن طَرَح على كَتِفَيْه حَبْلًا أو نَحْوَه، لم يُجْزِئه في اخْتِيارِ الخِرَقِي والقاضى. وقال بعضُ أصحابِنا: يُجْزِئُه. قالوا: لأنَّ هذا شئٌ فيَتَناوَلُه الخَبَرُ. قال بَعْضُهم: وقد رُوِيَ عن جابرٍ، أنَّه صَلَّى في ثَوْبٍ واحِدٍ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 290. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه البُخَارِسْ، في: باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به، وباب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِسْ 1/ 100، 101. ومسلم، في: باب الصلاة في ثوب واحد وصفة له، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 368، 369. أبو داود، في: باب جُمَّاع أثواب ما يصلَّى فيه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 146. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 255، 266، 319، 427، 520.

وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ مُتَوَشِّحًا به، كأنِّي أنظُرُ إليه، كأنَّ على عاتِقِه ذَنَبَ فَأْرَةٍ (¬1). وعن إبراهيمَ، قال: كان أصحابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يَجِدْ أحَدُهم ثَوْبًا ألْقَي على عاتِقِه عِقالًا وصَلَّى. وقال شيخُنا (¬2): والصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى سُترةً، ولا لِباسًا، ولأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذَا صلَّى أحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ». صحيحٌ رَواه أبو داودَ. والأمْرُ بوَضْعِه على العاتِقيْن للسَّترِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بوَضْع خَيْطٍ ولا حَبْلٍ، وما رُوِيَ عن جابِرٍ لا يَصِحُّ، وما رُوِيَ عن (¬3) الصَّحابَةِ إن صحَّ، فلعَدَمِ ما سِواه؛ لقَوْلِه «إذَا لَمْ يَجِدْ». وفي هذا دَلِيلٌ على أنَّه لا يُجْزِئُ مع وُجُودِ الثَّوْبِ. واللهُ أعلمُ. فصل: (وقال القاضي: يُجْزِئُه سَتْرُ العَوْرَةِ في النَّفْلِ دُونَ الفَرْضِ) يَعْنِي إذا اقْتَصَر على سَتْرِ العَوْرَةِ دُونَ المَنْكِبَيْن أجْزأه في النَّفلِ دُونَ الفَرْضِ. نصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، قال: يُجْزِئُه أن يَأْتَزِرَ بالثَّوْبِ الواحِدِ ليس ¬

(¬1) أخرج أوله مسلم، في: باب الصلاة في ثوب واحد، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 368. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 294، 328، 385، 387. ولم نجد الرواية بتمامها كما أوردها المصنف. (¬2) في: المغني 2/ 291. (¬3) سقط من: م.

308 - مسألة: (ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة، فإن اقتصرت على ستر العورة أجزأها)

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأة أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِلْحَفَةٍ، فَإنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهَا أَجْزَأَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ على عاتِقِه منه شئٌ، في التُّطوُّعِ؛ لأنَّ مَبْناه على التَّخْفِيفِ، ولذلك يُسامَحُ فيه بتَرْكِ القِيام والاسْتِقْبالِ في حالِ سَيْره مع القُدْرَةِ، فسُومِحٍ فيه بهذا القَدْرِ، واسْتَدَلَّ أبو بكر بقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ». قال: هذا في التَّطَوُّعِ، وحديثُ أبي هُرَيَرةَ في الفَرْضِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ التَّسْوِيَةُ بينَهما؛ لأنَّ ما اشْتُرِطَ للفَرْضِ اشْتُرِطَ للنَّفْلِ، كالطهارةِ، ولأنَّ الخَبَرَ عامٌّ فيهما، وهذا ظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا (¬1)، رَحِمَه اللهُ. واللهُ أعلمُ. 308 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تُصَلِّيَ في دِرْع وخِمارٍ ومِلْحَفَةٍ، فإنِ اقْتَصَرَتْ على سَتْرِ العَوْرَةِ أجْزأها) رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وعائشةَ. وهو قولُ الشافعيِّ، وذلك لأنَّه أسْتَرُ وأحْسَنُ، فإنَّه إذا كان عليها جِلْبابٌ تُجافِي عنها راكِعَةً وساجِدَةً، فلا يَصِفُها، ولا تَبِينُ عَجيزَتُها ومَواضِعُ العَوْرَةِ المُغَلَّظَةِ. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ سِيرِينَ، ونافِعٍ، قالوا: تُصَلِّي المرأةُ في أَرْبَعَةِ أثْوابٍ؛ لذلك. وهذا على وَجْهِ الاسْتِحْبابِ، فإنِ اقْتَصَرَتْ على سَتْرِ عَوْرَتِها أجْزأها. قال أحمدُ: قد اتَّفَقَ عامَّتُهم على الدِّرْعِ والخِمارِ، وما زاد فهو خَيْرٌ وأسْتَرُ. وقد دَلَّ ¬

(¬1) انظر: المغني 2/ 291، 292.

309 - مسألة: (وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش في النظر، لم تبطل صلاته)

وَإذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لا يَفْحُشُ فِي النَّظرِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ حينَ قالت: يَا رسولَ اللهِ، أتُصَلِّي المرأةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ؟ قال: «نَعَمْ، إذا كَانَ سَابِعًا يُغَطِّي ظُهُورَ قدَمَيْهَا» (¬1) ورُوِيَ عن عائشةَ، ومَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، أزواجِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّهُنَّ كُنَّ يَرَيْنَ الصلاة في دِرْعٍ وخِمارٍ (¬2). حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. ولأنَّها سَتَرَتْ ما يَجِبُ عليها سَتْرُه، أشْبَهَتِ الرجلَ. فصل: ويُكْرهُ للمرأةِ النِّقابُ وهي تُصَلِّى. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ على المرأةِ أن تَكْشِفَ وَجْهَها في الصلاةِ والإحْرام. ولأنَّ ذلك يُخِلُّ بمُباشَرَةِ المُصَلَّى بالجَبْهَةِ والأنْفِ، ويُغَطِّي الفَمَ، وقد نَهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الرجلَ عنه (¬3). 309 - مسألة: (وإذا انْكشَفَ مِن العَوْرَةِ يَسِيرٌ لا يَفْحْشُ في النَّظَرِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه) نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: كتاب في كم تصلى المرأة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 149. عن أم سلمة. وأخرجه الإمام مالك، في: باب الرخصة في صلاة المرأة في الدرع والخمار، من كتاب صلاة الجماعة. الموطأ 1/ 142. عن أم سلمة وميمونة. (¬2) انظر الموضع السابق من أبي داود، وفيه عن أم سلمة فقط. وأخرجه الإمام مالك في الموضع السابق، الموطأ 1/ 148، 149. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في السدل في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 150. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية السدل في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 170. والدارمي، في: باب النهي عن السدل في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 320. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 295، 341، 345، 348.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تبْطُلُ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّق بالعَوْرَةِ، فاسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالنَّظَرِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ الجَرْمِيِّ، قال: انْطَلَقَ أبي وافِدًا إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في نَفرٍ مِن قَوْمِه، فعَلَّمَهم الصلاةَ، وقال: «يَؤُمُّكُمْ أقْرَؤُكُمْ». فكنت أقْرَأهم، فقَدَّمُونِي، فكُنْتُ أؤُمُّهم وعليَّ بُرْدَةٌ لى (¬1) صَفْراءُ صغيرةٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عنَّى، فقالتِ امرأةٌ مِن النَّساءِ: وارُوا عنّا عَوْرَةَ قارِئِكم. فاشْتَرَوْا لى قَمِيصًا عُمانِيًّا، فما فَرِحْتُ بعدَ الإِسلامِ فَرَحِي به. وفي لَفْظٍ: فكنتُ أؤُمُّهم في بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فيها فَتْقٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ فيها خَرَجَتِ اسْتِي. رَواه أبو داودَ والنَّسائِيُّ (¬2). وهذا يَنْتَشِرُ ولم يُنْكَرْ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنْكَرَه ولا أحدٌ مِن أصحابِه، ولأنَّ ما صَحَّتِ الصلاةُ مع كَثِيرِه حالَ العُذْرِ، فُرِّقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه في غيرِ حالِ العُذْرِ، كالمَشْيِ، ولأنَّ اليَسِيرَ يَشُقُّ الاحْتِرازُ منه، فعُفِيَ عنه كيَسِيرِ الدَّمِ. وحَدُّ اليَسِير ما لا يَفْحُشُ في النَّظرَ عادَةً، ولا فَرْق في ذلك بينَ الفَرْجَيْن وغيرِهما، إلَّا أنَّ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ يَفْحُشُ منها ما لا يَفحُشُ مِن غيرِها، فيُعْتَبَرُ ذلك، وسَواءٌ في ذلك الرجلُ والمرأةُ. وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْكَشَفَ مِن المُغلَّظَةِ قَدْرُ ¬

(¬1) سقطت من: م. (¬2) أخرجه أبو داود في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 138. والنَّسائيّ، في: باب اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر، من كتاب الأذان، وفي: باب إمامة الغلام قبل أن يحتلم، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 9، 62، 63.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدِّرْهَمِ، أو مِن غيرِها أقَلُّ مِن رُبْعِها، لم تَبْطُلِ الصلاةُ، وإن كان أكْثَرَ، بَطَلَتْ. ولَنا، أنَّ هذا تَقْدِيرٌ لم يَردِ الشَّرْعُ به، فلا يَجُوزُ المَصِيرُ إليه، وما لم يَرِدِ الشَّرْعُ فيه بالتَّقْدِيرِ، يُرَدُّ إلى العُرْفِ، كالكثِيرِ مِن العَمَلِ في الصلاةِ، والتَّفَرقِ والاحْتِرازِ (¬1). فإنِ انْكشَفَتْ عَوْرَتُه مِن غيرِ عَمْدٍ، فسَتَرَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه يسِيرٌ في الزَّمَنِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ في القَدْرِ. وقال التَّمِيمِيُّ: إن بَدَتْ عوْرَتُه وَقْتًا واسْتَتَرَتْ وَقْتًا، لم يُعِدْ، لحديثِ عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ، فلم يَشْتَرِطِ اليَسِيرَ. قال شيخُنا (¬2): ولابُدَّ مِن اشْتِراطِه؛ لأنَّه يَفْحُشُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الكَثِيرَ في القَدْرِ. ¬

(¬1) في تش: «والإحراز». (¬2) في: المغني 2/ 288، 289.

310 - مسألة: (وإن فحش بطلت)

وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ. وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ، أَوْ مَغْصُوُبٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَعَنْهُ، تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 310 - مسألة: (وإن فَحُش بَطَلَتْ) يَعْنِي ما فَحُش في النَّظَرِ عادَةً وعُرْفًا، لِما ذَكَرْنا؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ منه مُمْكِنٌ مِن غيرِ مَشَقَّةٍ، أشْبَهَ سائِرَ العَوْرَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ المرأةَ الحُرَّةَ إذا صَلَّتْ، وجَمِيعُ رَأْسِها مَكشُوف، أنَّ عليها الإعادَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ سترِ جَمِيع (¬1) العَوْرَةِ، وعُفِيَ عنه في اليَسِيرِ؛ لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ منه، يَبْقَى فيما عَداه كل قَضِيَّة الدَّلِيلِ. 311 - مسألة: (ومَن صَلَّى في ثَوْبٍ حَرِيرٍ أو مَغْصُوب، لم تَصِحَّ صَلاتُه. وعنه، تَصِحُّ مع التَّحْرِيمِ) لُبْسُ المَغْصُوبِ والصلاةُ فيه حَرامٌ على الرِّجالِ والنَّساءِ، وَجْهًا واحِدًا، فإن صَلَّى فيه، فهل تَصِحُّ صَلاتُه؟ ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على رِوايَتَيْن، أظْهَرُهما، لا تَصِحُّ إذا كان هو السّاتِرَ للعَوْرَةِ؛ لأنَّه اسْتَعْمَل المُحَرمَ في شَرْطِ الصلاةِ، فلم تَصِحَّ، كا لو كان نَجِسًا، ولأنَّ الصلاةَ قُرْبَةٌ وطاعَةٌ، وقِيامُ هذا وقُعُودُه في هذا الثَّوْبِ مَنْهِيٌّ عنه، فكيف يكُونُ مُتَقَربًا بما هو عاصٍ به، مَأمُورًا بما هو مَنْهِيٌّ عنه. وقال ابنُ عُمَرَ: مَن اشْتَرَى ثَوْبًا بعَشْرَةِ دَراهِم، وفيها دِرْهَمٌ حَرامٌ، لم تُقْبَلْ له صلاة ما دام عليه. ثم أدْخَل أُصْبُعَيْه في أُذُنَيْه وقال: صُمَّتا إن لم يَكُنِ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَمِعْتُه يَقُولُه. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬1)، وفي إسْنادِه رجلٌ غيرُ مَعْرُوفٍ. والثّانِيَةُ، تَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ والشافعي؛ لأنِّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى الصلاةِ، ولا يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بها، فهو كما لو صَلَّى في عِمامَةٍ مَغْصُوبَة، أو غَسَل ثَوْبَه مِن النَّجاسَةِ بماءٍ مَغْصُوبٍ. فإن تَرَك الثَّوْبَ المَغْصُوبَ في كُمِّه، أو صَلَّى في عِمامَةٍ مَغْصُوبَةٍ، أو في يَدِه خاتَمٌ مَغْصُوبٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى شَرْطِ الصلاةِ، فلم يُؤثِّرْ فيها، كما لو كان في جَيْبِه دِرْهَمٌ مَغْصُوبٌ. والفَرْضُ والنَّفْلُ في ذلك سَواءٌ؛ لأنَّ ما كانَ شَرْطًا للفَرْضِ فهو شَرْطٌ للنَّفْلِ. ¬

(¬1) في: المسند 2/ 98.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن صَلَّى وعليه سُتْرَتان؛ إحْداهما مَغْصُوبَةٌ، ففيه الرِّوايَتان، سَواءٌ كان المَغْصُوبُ (¬1) الفَوْقانِيَّ أو التَّحْتِانِيَّ؛ لأنَّ السَّتْرَ لا يَتَعَيَّنُ بأحَدِهما، والمَغْصُوبَ مِن جِنْس ما يَسْتَتِرُ به، فصار (1) بمثابَةِ ما زاد على المَشْرُوطِ مِن اللَّفائِفِ في حَقِّ المَيِّتِ، فإنَّه يُجْرَى جراه في وُجُوبِ القَطْعِ. فإن صَلَّى في قَمِيصٍ بَعْضُه حَلالٌ وبعضُه حَرامٌ، لم تَصِح صَلاتُه على الرِّوايَةِ الأُولَى، سَواءٌ كان المَغْصُوبُ هو الذى سَتَر العَوْرَةَ أو بالعَكسِ؛ لأنَّ القَمِيصَ يَتبعُ بَعْضُه بَعْضًا، فلا يَتَميَّزُ، بدَلِيلِ دُخُولِه في مُطلقِ البَيْعِ. ذَكَر هذا الفَصْلَ ابنُ عَقِيلٍ. فصل: وإن صَلَّى الرجلُ في ثَوْبٍ حَرِيرٍ، لم يَجُزْ له، والحُكمُ في صِحَّةِ الصلاةِ فيه كالحُكْم في الثَّوْبِ المَغْصُوب على ما بَيَّنَّا؛ لأنَّه في مَعْناه. وتَصِحُّ صلاةُ المرأةِ فيه؛ لأنَّه مُباحٌ لها، وكذلك صلاةُ الرجلِ فيه في حالِ العُذْرِ إذا قُلْنا بإباحَتِه له. ¬

(¬1) سقط من: م.

312 - مسألة: (ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه)

وَمَنْ لمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا، صَلَّى فِيهِ وَأعَادَ عَلَى الْمَنْصُوصِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 312 - مسألة: (ومَن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فيه) وذلك لأنَّ سَتر العَوْرَةِ آكَدُ مِن إزالَةِ النَّجاسَةِ؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ الآدَمِيِّ به في سَتْرِ عَوْرَتِه، ووُجُوبه في الصلاةِ وغيرِها، فكان تَقْدِيمُه أوْلَى. وهذا قَوْلُ مالكٍ. وقال الشافعيُّ: يُصَلِّي عُرْيانا، ولا يُعِيدُ. وقال أبو حنيفةَ في النَّجِسَةِ (¬1) كلِّها: يُخَيَّرُ في الفِعْلَيْن؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تركِ واجِبٍ في كلا الفِعْلَيْن. وقد ذَكَرنا أنَّ السَّتْرَ آكَدُ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، ولأنَّه قَدَر على سَتْرِ عَوْرَته، فلَزِمَه، كما لو وَجَد ثَوْبًا طاهِرًا. 313 - مسألة: (وتَلْزَمُه الإعادَةُ على المَنْصُوص) لأنَّه أخَلَّ بشَرْطِ ¬

(¬1) في م: «النجاسة».

وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُعِيدَ، بِنَاءً عَلَى مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِع نَجِسٍ، لَا يُمْكنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَإنَّهُ قَالَ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، أشْبَهَ ما لو صلَّى مُحْدِثًا. (ويَتَخَرَّجُ أن لا يُعِيدَ، بِناءً على مَن صلَّى في مَوْضعٍ نَجِسٍ، لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فإَّنه قال: لا إعادَةَ عليه). وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (¬1)؛ لأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَه نَزْعَه، أشْبَهَ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 316.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ما إذا لم يُمْكِنْه. وهو مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ. ولأنَّ التَّحَرُّزَ مِن النَّجاسَةِ شَرْطٌ عَجَز عنه، فسَقَطَ، كالعَجْزِ عن السُّتْرَةِ، فإن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ صَلَّى فيه، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ تَحْرِيمَ لُبْسِه يَزُولُ بالحاجَةِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إليه. وذَكَر ابنُ عَقِيل أنَّه يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في السُّتْرَةِ النَّجِسَةِ. فإن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مَغْصُوبًا، صَلَّى عُرْيانًا؛ لأنَّ تَحْرِيمَه لحَقِّ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ مَن لم يَجِدْ إلَّا مَغْصُوبًا. وذَكَر ابن عَقِيل في وُجُوبِ الإعادَة كل مَن صَلَّى في الثَّوْب النَّجِسِ رِوايَتَيْن، إحْداهما يُعِيدُ، لما ذَكَرْنا. وَالثانيةُ، لا يُعيدُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِر به، أشْبَهَ ما لو لم تَكنْ عليه نَجاسَةٌ.

314 - مسألة: (فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها)

وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 314 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرَتَه سَتَرَها) إذا لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرتَه حسْبُ، بَدَأ بها وتَرَك مَنْكبَيْه؛ لأنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، وسَتْرَ المَنْكبَيْن مُخْتَلَفٌ فيه، ولأن سَتْرَ العَوْرَةِ واجِبٌ في غيرِ الصلاةِ، ففيها أوْلَى. وقد روَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن معه ثَوْبٌ واحِدٌ لَطِيفٌ، إن سَتَر عَوْرَتَه انْكَشَفَ مَنْكِباه، فقال: يُصَلِّي جالِسًا، ويُرْسِلُه مِن وَرائِه على مَنْكبَيْه وعَجِيزَتِه. واحْتَجَّ لذلك بأن سَتْرَ المَنْكِبَيْن، الحديثُ فيه أَصَحُّ مِن سَتْرِ الفَخِذَيْن، والقِيامَ يَسْقُطُ في حَقِّ العُرْيانِ، وله بَدَلٌ، فإذا صَلَّى جالِسًا، حَصَل سَتْرُ العَجيزَةِ والمَنْكِبَيْن بالثَّوْبِ، وسَتْرُ العَوْرَةِ بالجُلُوسِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، اخْتارَهْ

315 - مسألة: (فإن لم يكف جميعها، ستر الفرجين)

فَإنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ شيخُنا (¬1)؛ لِما ذَكَرْنا، ولِما روَى جابِرٌ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ». رَواه أبو داودَ (¬2). وروَى ابنُ عُمَرَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكنْ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ ثُمَّ لْيُصَلِّ». رَواه الإمامُ أحمدُ (¬3). ولأنَّ القِيامَ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، فلا يُتْرَكُ لأمْرٍ مُختَلَفٍ فيه. واللهُ أعلمُ. 315 - مسألة: (فإن لم يَكْفِ جَمِيعَها، سَتَر الفَرْجَيْن) لأنَّهما أفْحَشُ، وهما عَوْرَةْ بغيرِ خِلافٍ. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 317. (¬2) في: باب إذا كان الثوب ضيقًا يتزر به، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 148. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا كان الثوب ضيقًا، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 101. ومسلم، في: باب حديث جابر الطَّويل وقصة أبي اليسر، من كتاب الزهد. صحيح مسلم 4/ 2305، 2306. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 335. (¬3) في: المسند 2/ 148.

316 - مسألة: (فإن لم يكفهما جميعا، ستر أيهما شاء)

فَإِنْ لَمْ يَكْفِهمَا جَمِيعًا سَتَرَ أَيُّهُمَا شَاءَ، وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ. وَقِيلَ: الْقُبُلُ أوْلَى. ـــــــــــــــــــــــــــــ 316 - مسألة: (فإن لم يَكفِهما جَمِيعًا، سَتَر أيُّهما شاء) لاسْتِوائِهما (والأوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ على ظاهرِ كلامِه) لأنَّه أفْحَشُ ويَنْفَرِجُ (¬1) في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. (وقِيل: القُبُلُ أوْلَى) لأنَّ به يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، والدُّبُرَ مَسْتُورْ بالأليَتَيْن. ¬

(¬1) في الأصل: «ويتفرج»

317 - مسألة: (وإن بذلت له سترة، لزمه قبولها، إذا كانت عارية)

وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا، إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ 317 - مسألة: (وإن بُذِلَتْ له سُترَةٌ، لَزِمَه قَبُولُها، إذا كانت عارِيَّةً) لأنَّ المِنَّةَ لا تَكثُرُ في العارِيَّة، فيَكُونُ قادِرًا على سَتْرِ عَوْرَتِه بما لا ضَرَرَ فيه. وإن كانت هِبَةً، لم يَلْزَمْه قَبُولُها؛ لأنَّ المِنةَ تَكْثُرُ فيها. قال شيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّ العارَ في كَشْفِ عَوْرَته أكْثرُ مِن الضَّررِ فيما يَلْحَقُه مِن المِنَّةِ. وإن وَجَد مَن يَبِيعُه سُتْرَةً، أو يُؤَجِّرُه بِثَمَنِ المِثْلِ، أو زِيادَةٍ يَسِيرَةٍ، وَقَدَر على العِوَضِ، لَزِمَه، وإن كانت كَثِيرَةً لا تُجْحِفُ بمالِه، فهو كما لو قَدَر على شِراءِ الماءِ بذلك، وفيه وَجْهان، مَضَى تَوْجِيهُهما. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 315.

318 - مسألة: (فإن عدم بكل حال صلى جالسا يومئ إيماء، وإن صلى قائما جاز. وعنه، أنه يصلي قائما ويسجد بالأرض)

فَإنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إيمَاءً، فَإنْ صَلَّى قَائمًا جَازَ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيَسْجُدُ بِالأرْضِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 318 - مسألة: (فإن عَدِم بكلِّ حالٍ صَلَّى جالِسًا يُومِئُ إيماءً، وإن صَلَّى قائِمًا جاز. وعنه، أنَّه يُصَلِّي قائِمًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ) لا تَسْقُطُ الصلاةُ عن العُرْيانِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه شَرْطٌ عَجَز عنه فلم تَسْقُطِ الصلاةُ بعَجْزِه عنه، كالاسْتِقْبالِ، ويُصَلِّي جالِسًا، يُومِئُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ: يُصَلِّي قائِمًا كغيرِ العُرْيانِ، لقَوْلِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَستطِعْ فَقَاعِدًا». رَواه البُخارِيُّ (¬1). ولأنَّه قادِرٌ على القِيامِ ¬

(¬1) في: باب إذا لم يطق قاعد صلى على جنب، عن كتاب التقصير. صحيح البُخَارِيّ 2/ 59، 60. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة القاعد، عن كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 218. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 166. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة المريض، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 386. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 426.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كالقادِرِ على السَّتْرِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ قَوْمًا انْكسَرَتْ بهم مَراكِبُهم، فخرَجُوا عُراةً، قال: يُصَلُّون جُلُوسًا، يُومِئُون إيماءً برُؤُوسِهم. ولم يُنْقَلْ خِلافُه، ولأنَّ السَّترَ آكدُ مِن القِيامِ لأمْرَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَسْقُطُ مع القدْرَةِ بحالٍ، والقِيامُ يَسْقُطُ في النَّافِلَةِ. والثاني، أنَّ السَّتْرَ لا يَخْتَصُّ الصلاةَ، بخِلافِ القِيامِ، فإذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن تركِ (¬1) أحَدِهما، فتَرْكُ الأخَفِّ أوْلَى. فإن قِيل: فلا يَحْصُلُ السَّتْرُ كلُّه مع فَواتِ ثلاثةِ أرْكانٍ، القِيامِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ. فالجَوابُ، أنّا إذا قُلْنا: العَوْرَةُ الفَرْجان. فقد حَصَل سَتْرُهما، وإن قُلْنا: هما بَعْضُ العَوْرَةِ. فهما آكَدُها وُجُوبًا، وأفْحَشُها في النَّظَرِ، فكان سَتْرُهما أوْلَى. ولا تَجِبُ عليه إعادَة؛ لأنَّه صَلَّى كما أُمِر، أشْبَهَ ما لو صَلَّى إلى غيرِ القِبْلَةِ عندَ العَجْزِ. فإن صَلَّى قائِمًا جاز، لِما ذَكَرْنا. وقد رُوِيَ عنه، أنَّه يُصَلِّي جالِسًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ؛ لأنَّ السُّجُودَ آكَدُ مِن القِيامِ، لكَوْنِه مَقْصُودًا في نَفْسِه، ولا يَسْقُطُ فيما يَسْقُطُ فيه القِيامُ ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو النَّفْلُ. والأوْلَى الإِيماءُ بالسُّجُودِ؛ لأنَّ القِيامَ سَقَط عنهم لحِفْظِ العَوْرَةِ، وهي في حالِ السُّجُودِ أفْحَشُ، فكان سُقُوطُه أوْلَى. وإن صَلَّى قائِمًا، ورَكع وسَجَد بالأرْضِ، جاز في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تَرْكِ أحَدِ الواجِبَيْن، فأيَّهما تَرَك فقد أتَى بالآخَرِ. وعلى أيِّ حالٍ صَلَّى فإنَّه يَتَضامُّ ولا يَتَجافَى، قِيل لأبي عبدِ الله: يَتَضامُّون أم يَتَرَبَّعُون؟ قال: بل يَتَضامُّون. وقد قيل: إنهم يَتَرَبَّعُون في حالِ القيامَ، كصلاةِ النّافِلَةِ قاعِدًا. والأوَّلُ أوْلَى. فصل: فإذا وَجَد العُرْيانُ جِلْدًا طاهِرًا، أو وَرَقًا يُمْكِنُ خَصْفُه عليه، أو حَشِيشًا يُمْكِنُ رَبْطُه عليه، فيَسْتُرُ، لَزِمَه؛ لأنِّه قادِرٌ على سَتْرِ عَوْرَتِه بطاهِرٍ لا يَضُرُّه، وقد سَتَر النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِجْلَيْ مُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ بالإذْخِرِ لمّا لم يَجدْ سُتْرَةً وإن وَجَد طِينًا يَطْلِي به جَسَدَه، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه يَتَناثر إذا جَفَّ، وفيه مَشَقَّةٌ، ولا يُغَيِّبُ الخِلْقَةَ، وقال ابنُ عَقِيلٍ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَلْزَمُه؛ لأنَّه يَسْتُرُ، وما تَناثَرَ سَقَط حُكْمُه، واسْتَتَرَ بما بَقِيَ. وهو قولُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وإن وَجَد ماءً، لم يَلْزَمْه النُّزُولُ فيه وإن كان كَدِرًا؛ لأنَّ عليه فيه مَشَقَّة وضَرَرًا، [ولا يَحْصُل به السَّتْرُ] (¬1). وإن وَجَد حُفْرَةً لم يلْزَمْه النُّزُولُ فيها؛ لأَنَّها لا تَلْصَقُ بجَسَدِه، فهي كالجِدارِ. وإن وَجَد سُتْرَةً تُضِرُّ به، كبارِيَّةٍ (¬2) ونَحْوِها، لم يَلْزَمْه الاسْتِتارُ بها، لِما فيها مِن الضَّرَرِ والمَنْع مِن إكْمالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ¬

(¬1) في م: «لا يحتمل». (¬2) البارية: الحصير المنسوج.

319 - مسألة: (وإن وجد السترة قريبة عنه في أثناء الصلاة، ستر وبنى، وإن كانت بعيدة، ستر وابتدأ)

وَإنْ وَجَدَ السُّتْرَةَ قَرِيبَة مِنْهُ فِي أثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ وَبَنَى، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدةً سَتَرَ وَابْتَدَأَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 319 - مسألة: (وإن وَجَد السُّتْرَةَ قَرِيبَةً عنه في أثْناءِ الصلاةِ، سَتَر وبَنَى، وإن كانت بَعِيدَةً، سَتَر وابْتَدَأ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العُرْيانَ متى قَدَر على السُّتْرَةِ في أثْناءِ الصلاةِ، وأمْكَنَه مِن غيرِ زمَنٍ طَوِيلٍ ولا عَمَلٍ كَثِيرٍ، سَتَر وبَنَى على ما مَضَى مِن الصلاةِ، كأهْلِ قُباءَ لَمَّا عَلِمُوا بتَحْوِيلِ القِبْلَةِ، اسْتَدارُوا إليها وأتَمُّوا صَلَاتَهم. وإن لم يُمْكِنِ السَّتْرُ إلَّا بعَمَلٍ كثيرٍ، أو زَمَنٍ طويلٍ، بَطَلَتِ الصلاةُ؛ لأنَّه لا يُمْكنُه المُضِيُّ فيها إلَّا بما يُنافِيها مِن العملِ الكثير، أو فِعْلِها بدُونِ شَرْطِها، والمَرْجِعُ في ذلك إلى العُرْفِ، لأنَّه لا تَقْدِيرَ فيه تَوْقِيفًا. وذَكَر القاضي [في الأمَةِ إذا عَتَقَتْ في أَثْنَاء الصلاةِ، وهي مَكْشُوفَةُ الرَّأسِ، ووَجَدَتِ] (¬1) السُّتْرَةَ احْتِمالًا، أنَّ ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَاتها لا تَبْطلُ بانْتِظارِها وإن طال؛ لأنَّه انْتِظارُ واجِدٍ (¬1). ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنهَّا صَلَّتْ في زَمَنٍ طويلٍ عارِيةً، مع إمْكانِ السَّتْرِ، فلم تَصِحَّ، كالصلاةِ كلِّها. وما ذَكَروه يَبْطُلُ بما لو أتَمَّتْ صلاتها حالَ (¬2) انْتِظارِها أو انْتَظَرَتْ من يَأتِي فيُناوِلُها، وقِياسُ الكثيرِ على اليَسِيرِ فاسِدٌ، لما ثَبَت في الشَّرْعِ مِن العَفْوِ عن اليَسِيرِ دُونَ الكَثِير في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ. فصل: فإن صَلَّى عُرْيانًا، ثم بأن معه سِتارَةٌ أُنْسِيَها، أعاد؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، كما قُلْنا في الماءِ. ¬

(¬1) في م: «واجب». (¬2) في م: «في حال».

320 - مسألة: (وتصلي العراة جماعة، وإمامهم في وسطهم)

وَتُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً، وَإمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 320 - مسألة: (وتُصَلِّي العُراةُ جَماعَةً، وإمامُهم في وَسَطِهم) الجَماعَةُ تُشْرَعُ للعُراةِ كغيرِهم، لقول النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ الرِّجُلِ فِي الْجَمِيعِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاِته وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وهذا قولُ قتادَة. وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّون فُرادَى. قال مالكٌ: ويَتَباعَدُ بَعْضُهما مِن بعض. وإن كانوا في ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جَماعَةً، ويَتقدَّمُهم إمامُهما. وبه قال الشافعيُّ في القَدِيمِ، وقال في مَوْضِعٍ: الجَماعَةُ والإفْرادُ سَواءٌ؛ لأنَّ في الجَماعَةِ الإخْلالَ بسُنَّةِ المَوْقِفِ، وفي الانْفِرادِ الإخْلالَ بفَضِيلَةِ الجَماعَةِ. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب فضل صلاة الجماعة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 165، 166. ومسلم، في: باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 450. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في فضل الجماعة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 15. والنَّسائيّ: باب فضل الجماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 80. وابن ماجه، في: باب فضل الصلاة في جماعة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 259. والإمام مالك، في: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 129.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ووافَقَنا أنَّ إمامَهم يَقُومُ وَسَطَهم، وعلى مَشْرُوعِيَّةِ الجَماعَةِ للنِّساءِ العُراةِ؛ لأنَّ إمامَتَهُنَّ تَقُومُ في وَسَطِهِنَّ، فلا يَحْصُلُ الإخْلالُ في حَقِّهِنَّ بفَضِيلَةِ المَوْقِفِ. ولَنا، الحدِيثُ الذى ذَكَرْنا، ولأنَّهم قَدَرُوا على الجَماعَةِ مِن غيرِ عُذْرٍ، أشْبَهُوا المُسْتَتِرِين، ولا تَسْقُطُ الجَماعَةُ لفَواتِ السُّنَّةِ في المَوْقِفِ، كما لو كانوا في ضِيقٍ ولا يُمْكِنُ تَقْدِيمُ أحَدِهم. وإذا شُرِعَتِ الجَماعَة حالَ الخَوْفِ مع تَعَذُّرِ الاقْتِداءِ بالإمامِ في بَعْضِ الصلاةِ، والحاجَةِ إلى مُفارَقتِه، وفِعْلِ ما يُبطِلُ الصلاةَ في غيرِ تلك الحالِ، فأوْلَى أن تُشْرَعَ

321 - مسألة: (وإن كانوا رجالا ونساء، صلى كل نوع لأنفسهم)

وإنْ كَانُوا رجَالًا وَنِسَاءً، صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لأنْفُسِهِمْ، وَإنْ كَانُوا فِي ضِيقٍ، صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمُ النِّسَاءُ، ثمَّ صَلَّى النَّساءُ وَاسْتَدْبَرَهنَّ الرِّجَالُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ هاهُنا. إذا ثَبَت هذا، فإن إمامَهم يكُون في وَسَطِهم، ويُصَلون صفًّا واحِدًا؛ لأنه أستَرُ لهم، فإن لم يَسَعْهم صَفٌّ واحدٌ، وَقَفُوا صُفُوفا وغَضُّوا أبصارَهم، وإن صلَّى كل صَف جَماعَةً، فهو أحْسَنُ. 321 - مسألة: (وإن كانوا رِجالًا ونِساءً، صَلَّى كل نَوْعٍ لأنْفُسِهم) لئَلا يَرَى بَعْضُهم عَوْراتِ بعض، (وإن كانوا في ضِيقٍ، صَلى الرجالُ واستَدْبَرَهم النساءُ، ثم صَلَّى النساءُ واستدبَرَهُنَّ الرِّجالُ) لئلا يَنْظُرَ بَعْضُهم إلى بَعْض.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان مع العُراةِ واحِدٌ له سترةٌ، لَزِمَه الصلاةُ فيها، فإن أعارَها وصَلَّى عُرْيانًا، لم تَصِحَّ؛ لأنه قادِر على السُّترةِ، وإذا صَلَّى فيه اسْتُحِبَّ له أن يُعيِرَه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (¬1) ولا يَجبُ ذلك، بخلافِ ما لو كان معه طَعامٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه، ووَجَد مُضْطَرا، فإنَّه يَلْزَمُه إعْطاؤه، وإذا بَذَلَه لهم صَلَّى فيه واحِدٌ بعدَ واحِدٍ، ولم يَجُزْ لهم الصلاةُ عُراةً؛ لقُدْرَتهم على السترِ، إلَّا أن يَخافُوا ضِيقَ الوَقْتِ، فيُصَلوا (¬2) عُراةً جَماعةً؛ لأنَّهم لو كانوا في سَفِينَةٍ لا يُمْكن جَميِعُهم الصلاةَ قِيامًا، صَلَّى واحِدٌ بعدَ واحِدٍ، إلَّا أن يَخافُوا فواتَ الوَقْتِ، فيُصلىَ واحِدٌ قَائِمًا والباقُون قعُودًا، كذلك هذا، ولأنَّ هذا يَحْصُلُ به إدْراكُ الوَقتِ والجَماعَةِ، وذاك إنما يَحْصُل به السترُ خاصَّةً. ويَحْتَمِلُ أن يَنْتَظِرُوا الثوْبَ وإن فات الوَقْتُ؛ لأنه قَدَر على شَرْطِ الصلاةِ، فلم تَصِحَّ صَلاتُه بدُونِه، كواجِدِ الماءِ لا يَتَيَمَّمُ وإن خاف فَواتَ الوَقْتِ. قال شيخُنا (¬3): وهذا أقْيَسُ عندِي. فإنِ امْتَنَعَ صاحِبُ الثَّوْبِ مِن إعارَته، فالمُسْتَحَبُّ أن يَؤمَّهم، ويَقف بينَ أيدِيهم، فإن كان أُمِّيًّا وهم قرّاءٌ، صَلى العُراةُ جَماعَة وصاحبُ الثوْب وَحْدَه؛ لأنه لا يَجُوزُ أن يَؤمَّهم؛ لكَوْنِه أُمِّيًّا، ولا يَأتَمَّ بهم؛ لكوْنِهم عُراةً وهو مُسْتَتِر. وإن صلَّى وبَقِيَ وَقْتُ صلاةٍ واحِدَةٍ، اسْتُحِبُّ أن يُعِيرَه لمن يَصْلُحُ لإمامَتِهم، وإن ¬

(¬1) سورة المائدة 2. (¬2) في م: «فيصلون». (¬3) في: المغني 2/ 322.

322 - مسألة: (ويكره في الصلاة السدل؛ وهو أن يطرح على كتفيه ثوبا ولا يرد أخد طرفيه على الكتف الأخرى)

ويُكْرَه فِي الصَّلاةِ السَّدْلُ؛ وَهُوَ أنْ يَطْرَحَ عَلى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا وَلَا يَرُدَّ أحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الكَتِفِ الأخْرَى. ـــــــــــــــــــــــــــــ أعارَه لغيرِه، جاز، وصار حُكْمُه حُكْم صاحِبِ الثَّوْبِ، فإنِ اسْتوَوْا، ولم يكنِ الثوْبُ لواحِدٍ منهم، أقرعَ بينَهم، فيَكُونُ مَن تَقعُ له القُرْعَة أحَقَّ به، وإلا قدِّم مَن تُسْتحَبُّ البِدايَةُ بعارِيته. وإن كانُوا رِجالًا ونِساءً، فالنساءُ أحَق؛ لأنَّ عَوْرَتهُنَّ أفْحَش, وسَترَها آكَدُ. وإذا صَلَّيْن فيه أخَذَه الرجالُ. 322 - مسألة: (ويُكْرَه في الصلاةِ السدْلُ؛ وهو أن يَطْرَحَ على كَتِفَيْه ثَوْبًا ولا يَرُدَّ أخدَ طرَفَيْه على الكَتِفِ الأخْرَى) وهذا قول ابنِ مسعودٍ، والثوْرِيِّ، والشافعيِّ؛ لِما روَى أبو هُريرة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهَى عن السدْلِ في الصلاةِ. رَواه أبو داود (¬1). فإن فَعَل، فلا إعادةَ عليه. وقال ابنُ أبي موسى: يُعِيدُ الصلاةَ في إحْدَى الروايَتَيْن؛ للنهْيِ عنه. فأمّا إن ردَّ أحَدَ طَرفَيْه على الكَتِفِ الأخْرَى، أو ضَمَّ طَرَفَيْه بيَديْه، لم يُكْرهْ؛ لزَوالِ السَّدْلِ. وقد رُوِيَ عن جابِرٍ (¬2)، وابنِ عُمر (¬3) الرخْصَة في السدْلِ. قال ¬

(¬1) في: باب ما جاء في السدل في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 150. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في كراهية السدل في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 170. والدارمي، في: باب النهي عن السدل في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 320. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 295، 341، 345، 348. (¬2) أخرجه البيهقي، في: باب كراهية السدل في الصلاة وتغطية الفم، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 243. (¬3) أخرجه ابن أبي شيبة، في باب من كره السدل في الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 260.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابن المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ فيه حديثًا يَثْبُت. وحَكاه الترمِذي (¬1)، عن أحمدَ. ¬

(¬1) في: باب ما جاء في كراهية السدل في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 171. ولفظه: وقال بعضهم: إنما كُره السدل إذا لم يكن عليه إلَّا ثوب واحد، فأما إذا سدل على القميص فلا بأس. وهو قول أَحْمد.

323 - مسألة: (و)

وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاء؛ وَهُوَ أنْ يَضْطبعَ بثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُه. ـــــــــــــــــــــــــــــ 323 - مسألة: (و) يُكرَه (اشْتِمالُ الصَّمّاءِ؛ وهو أن يضطَبعَ بثَوْبٍ ليس عليه غيرُه) لِما روَى أبو هُرَيرة، وأبو سعيدٍ، أن النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهَى عن لُبْسَتَيْن؛ اشْتِمالِ الصَّمّاءِ، وأن يَحْتَبِيَ الرجلُ بثَوْبٍ ليس بينَ فَرْجَيْه وبينَ السماءِ شيء. أخْرَجَه البُخارِي (¬1). ومَعْنَى الاضْطِباعِ: أن يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّداءِ تحتَ عاتِقِه الأيمَنِ، وطَرَفَيْه على عاتِقِه الأيسرِ، كلُبْسَةِ ¬

(¬1) في: باب ما يستر العورة، من كتاب الصلاة، وفي: باب الصلاة بعد الفجر حتَّى ترتفع الشَّمس، من كتاب المواقيت، وفي: باب صوم يوم الفطر، من كتاب الصوم، وفي: باب بيع الملامسة، من كتاب البيوع، وفي: باب اشتمال الصماء، وباب الاحتباء في ثوب واحد، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 1/ 102، 103، 152، 3/ 55، 91، 7/ 190، 191. كما أخرجه أبو داود، في: باب صوم العيدين, من كتاب الصوم، وفي. باب في بيع الغرر، من كتاب البيوع، وفي: باب في لبسة الصماء، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 1/ 563، 2/ 228، 337. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في النهي عن اشتمال الصماء والاحتباء في الثوب الواحد، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 7/ 261. والنَّسائيّ، في: باب النهي عن اشتمال الصماء، من كتاب الزينة. المجتبي 8/ 185. ابن ماجه، في: باب ما نهى عنه من اللباس، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1179. والدارمي، في: باب النهي عن اشتمال الصماء، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 319. والإمام مالك، في: باب ما جاء في لبس الثياب، من كتاب اللباس. الموطأ 2/ 917. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 319، 380، 419، 432، 464، 475, 478، 491، 496، 503، 510، 529، 3/ 6، 13، 46، 66، 59, 96.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المُحْرِمِ، وهذا هو اشْتِمالُ الصمّاءِ. ذَكَرَه بعضُ أصحابنا، وجاء مُفَسْرًا في حديثِ أبي سعيدٍ بذلك، مِن رِوايَة إسحاقَ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِي، أظنه عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن أبي سعيدٍ (¬1). وإنما كُرِه؛ لأنه إذا فَعَل ذلك وليس عليه ثَوْبْ غيرُه، بَدَتْ عَوْرَتُه كذلك. رَواه حَنْبَل، عن أحمدَ. أمّا إذا كان عليه غيرُه، فتلك لُبْسَةُ المُحْرِمِ، وقد فَعَلَها النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وعلى هذا يَنبغِي أن يكونَ اشْتِمالُ الصَّمّاءِ مُحَرَّمًا؛ لإفْضائِه إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، وروَى أبو بكر بإسنادِه، عن ابنِ مسعود، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَلْبَسَ الرجلُ ثَوْبًا واحِدًا، يَأخُذُ بجَوانِبِه على مَنْكبَيْه، فتُدْعَى تلك الصماءَ. وقال بَعْضُ أصحابِ الشَّافعيّ: اشْتِمالُ الصَّمّاءِ: أن يَلْتَحِفَ بالثوْبِ، ثم يُخْرِجَ يَدَيْه مِن قِبَلِ صَدْرِه، فتَبْدُوَ عَوْرَتُه. وهو في مَعْنَى تَفْسِيرِ أصحابِنا. وقال أبو عُبيَدٍ (¬2): اشْتمالُ الصَّمّاءِ عندَ العَرَبِ: أن يَشتَمِلَ الرجلُ بثَوْبٍ يُجَلِّل به جَسَدَه كلَّه، ولا يَرْفَعُ مِنه جانِبًا يُخْرِجُ مِنه يَدَه. كأنه يَذْهَبُ به إلى أنَّه لَعلَّه يُصِيبُه شئٌ يرِيدُ الاحْتِرازَ (¬3) منه، فلا يَقْدِرُ عليه. قال شيخنا (¬4): والفُقَهاءُ أعلمُ ¬

(¬1) انظر: باب في بيع الغرر، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 228. (¬2) في: غريب الحديث 2/ 118، 119. نقلا عن الأصمعيّ. (¬3) في م: «الاحتراس». (¬4) في: المغني 7/ 297.

324 - مسألة: (ويكره تغطية الوجه والتلثم على الفم والأنف)

وَعَنْهُ، أنَّهُ يُكْرَه وإنْ كَانَ عَلَيْهِ غيره. وَيُكْرَه تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ، وَالتَّلثُّمُ عَلَى الْفَمَ وَالْأَنْفِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بالتَّأوِيلِ. (وعنه، يُكْرَه، وإن كان عليه غيرُه) رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله, كَراهَةُ ذلك مُطلَقًا؛ لعُمُومِ النهْيِ، ولأنَّ كلَّ ما نُهِيَ عنه مِن اللباس في الصلاةِ لم يُفَرقْ بينَ أن يكُونَ عليه ثَوْب غيرُه، أو لم يَكُنْ، كالسَّدْلِ والإسْبالِ. واللهُ أعلمُ. 324 - مسألة: (ويُكْرَه تَغْطِيَةُ الوَجْهِ والتَّلثُّمُ على الفمِ والأنْفِ) لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهي أن يُغَطِّيَ الرجلُ فاه. رَواه أبو

325 - مسألة: (و)

ولَفُّ الكمِّ, ـــــــــــــــــــــــــــــ داودَ (¬1)، ففي (¬2) هذا تَنْبِيهٌ على كَراهِيَّة تَغْطِيَةِ الوَجْهِ؛ لاشْتِمالِه على تَغْطِيَة الفَمِ، ويُكْرَه تَغْطِيَةُ الأنفِ قِياسًا على الفَمِ. رُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ. وفيه رِوايَةٌ أخرى، لا يُكْرَه؛ لأنَّ تَخْصِيصَ الفَمِ بالنَّهْيِ يَدُلُ على إباحَةِ غيرِه. 325 - مسألة: (و) يكرهُ (لَفُّ الكُمِّ) لقول النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظم، وَلَا أكُفّ (¬3) شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». مُتفَق عليه (¬4). ¬

(¬1) انظر حديث. «نهى عن السدل في الصلاة». المتقدم في صفحة 246. (¬2) في الأصل: «وفي». (¬3) في الأصل: «أَلْف». (¬4) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب السجود على سبعة أعظم، وباب السجود على الأنف, وباب لا يكف شعرًا، وباب لا يكف ثوبًا، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 206، 207. ومسلم، في: باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة. من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 354. كما أخرجه أبو داود، في: باب أعضاء السجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 205. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في السجود على سبعة أعضاء، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 73. والنَّسائيّ، في: باب السجود على الأنف، وباب على كم السجود، وباب السجود على اليدين، باب السجود على الركبتين، وباب النهي عن كف الشعر في السجود، وباب النهي عن كف الثياب في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 164، 165, 170. وابن ماجه، في باب السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 286. والدارمي، في: باب السجود على سبعة أعظم وكيف العمل في السجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 302. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 221، 222، 225, 270, 279, 280, 285, 286, 292, 305, 324.

326 - مسألة: (ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار

وَشَدُّ الْوَسَطِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزنَّارِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 326 - مسألة: (ويُكْرَه شَدُّ الوَسَطِ بما يُشْبِهُ شدَّ الزُّنّارِ (¬1) لِما فيه مِن التشبهِ بأهل الكِتابِ، وقد نهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن التشَبُّهِ بهم، فقال: «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ». رَواه أبو داودَ (¬2). فأمَّا شَدُّ الوَسَطِ بمِئْزَرٍ أو حَبْل، أو نَحْوِهما (¬3) مِمّا لا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنارِ، فلا يُكْرَه. قال أحمدُ: لا بأسَ به، أليس قد رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «لَا يُصَلِّي ¬

(¬1) الزُّنْار: ما يشده الذمى على وسطه. (¬2) في: باب إذا كان الثوب ضيقا يتزر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 148. (¬3) في الأصل: «نحوه».

327 - مسألة: (و)

وإسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ محْتَزِم» (¬1). وقال أبو طالِبٍ: سأَلتُ أحمدَ عن الرجلِ يُصَلِّي وعليه القَمِيصُ، يَأتَزِرُ بالمِنْدِيلِ فَوقه؟ قال: نَعَمْ، فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ. وعن الشَّعْبِيِّ، قال: كان يُقالُ: شُدَّ حَقْوَكَ في الصلاةِ ولو بعِقالٍ. رَواه الخَلّالُ، وعن يزيدَ بنِ الأصَمِّ (¬2) مِثْلُه. 327 - مسألة: (و) يُكْرَه (إسْبالُ شيء مِن ثِيابه خُيَلاءَ) يُكْرَه إسْبالُ القَمِيص والإزارِ مُطْلقًا، وكذلك السَّراوِيلُ؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَ برَفْع الإزارِ، فإن فَعَلَه خُيَلاءَ فهو حَرامٌ؛ لقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 227 والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 387، 458، 472، بلفظ: نهى أن يصلي الرَّجل بغير حزام. (¬2) يزيد بن الأصم العامري، ابن خالة عبد الله بن عباس، نزل الرقة، وتوفي سنة ثلاث ومائة. العبر 1/ 126.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ ينظرِ الله إلَيْهِ». مُتفَق عليه (¬1). وعن ابنِ مسعودٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَنْ أسْبَلَ إزَارَه في صَلَاتِهِ خُيلَاءَ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قول الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}، وباب من جر إزاره من غير خيلاء، وباب من جر ثوبه من خيلاء، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 7/ 182، 183، 184. ومسلم, في: باب تحريم جر الثوب خيلاء. . . . إلخ، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1651، 1652, 1653. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في إسبال الإزار، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 378. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية جرّ الإزار، وباب ما جاء في جر ذيول النساء, من أبواب اللباس. عارفة الأحوذى 7/ 236، 239. وابن ماجه، في: باب من جر ثوبه من الخيلاء، وباب طول القميص كم هو، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1181، 1148. والإمام مالك, في: باب ما جاء في إسبال الرَّجل ثوبه, من كتاب اللبس. الموطأ 2/ 914. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 5, 33, 42, 44, 46, 55, 56, 60, 67, 74, 76, 81, 101, 103, 104, 128, 131, 136, 156, 2/ 10, 65, 69.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَلَيْس مِنَ الله، جَلَّ ذِكْرُه، فِي حِل وَلَا حَرَامٍ». رواه أبو داودَ (¬1). ¬

(¬1) في: باب الإسبال في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 148

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حيَوَانٍ، فِي أحدِ الْوَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: (ولا يَجُوزُ لُبْسُ ما فيه صُورَةُ حَيَوانٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْن). اخْتارَه أبو الخَطّابِ؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولَا صُورَة». مُتُّفَقٌ عليه (¬1). والثاني، لا يَحْرُمُ. قاله ابنُ عَقِيل؛ لقَوْلِ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ, في: باب إذا قال أحدكم آمين. . . . إلخ، وباب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. . . . إلخ، من كتاب بدء الحلق، وفي: باب حَدَّثني خليفة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبد الله الأَنْصَارِيّ، من كتاب المغازي، وفي: باب التصاوير، باب من كره القعود على الصورة، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 4/ 138، 158، 5/ 103، 7/ 214، 215، 216. ومسلم؛ في: باب تحريم صورة الحيوان. . . . إلخ، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1665، 1666. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الصور، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 392 والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ولا كلب، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى 10/ 247، 248. والنَّسائيّ، في: باب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب، من كتاب الصيد, وفي: باب التصاوير، من كتاب الزينة. المجتبى 7/ 164، 8/ 187. وابن ماجه، في: باب الصور في البيت, من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1203. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 28 - 30.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في آخِرِ الخَبَرِ: «إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ». مُتَّفَق عليه. ولأنه يُباحُ إذا كان مَفْرُوشًا أو يُتَّكَأ عليه، فكذلك إذا كان يُلْبَس. واللهُ أعلمُ. ويُكْرَه التَّصْلِيب في الثَّوبِ؛ لقَوْلِ عائشةَ، رَضِي الله عنها: إن رسولَ اللهِ

328 - مسألة: (ولا يجوز للرجل لبس ثياب الحرير، ولا ما غالبه الحرير، ولا افتراشه إلا من ضرورة)

وَلا يَجُوزُ لِلرجُلِ لُبسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ، وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِير، وَلَا افْتِرَاشُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورةٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان لا يَتْرُكُ في بَيْتِه شَيْئًا فيه تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَه (¬1). رَواه أبو داودَ (¬2). 328 - مسألة: (ولا يَجُوزُ للرجلِ لُبْسُ ثِيابِ الحَرِيرِ، ولا ما غالِبُه الحَرِيرُ، ولا افْتِراشُه إلَّا مِن ضَرُورَةٍ) يَحْرُمُ على الرجلِ لُبْسُ ثِيابِ الحرِيرِ في الصلاةِ وغيرِها، في غير حالِ العُذْرِ إجْماعًا. حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ؛ لِما روى أبو موسى، أنَّ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «حُرمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذهَبِ ¬

(¬1) يعني: قطعه. (¬2) في: باب في الصليب في الثوب، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 391. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب نقض الصور، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 7/ 215. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 52، 237, 252.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَلَى ذُكُورِ أمَّتِي وَأحِلَّ لإنَاثِهِمْ». أخْرَجَه أبو داودَ، والترمِذِي (¬1)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فإنَّه مَنْ لَبِسَه فِي الدنيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الْآخِرَة». مُتَّفَق عليه (¬2). والافْتِراش كاللُّبْسِ؛ لِما روَى حذَيْفَةُ، قال: نَهانا النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَشربَ في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأن نأكلَ فيها، وأن نَلْبَسَ الحَرِيرَ والدِّيباجَ، وأن نجْلِسَ عليه. رَواه ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب والحرير للنساء، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 372. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الحرير والمذهب، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 7/ 220. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب تحريم الذهب على الرجال، من كتاب الزينة. المحتبى 8/ 139. وابن ماجه، في: باب ليس الحرير والذهب للنساء، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1189. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 7/ 193. ومسلم، في: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة. . . . إلخ، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1641، 1642. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في كراهية الحرير والديباج، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى 10/ 258. وابن ماجه، في: باب كراهية لبس الحرير، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1187، 1188، والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 20، 36، 37، 39.

329 - مسألة: (فإن استوى هو وما نسج معه، فعلى وجهين)

فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ وَمَا نُسِجَ مَعَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ البُخارِيُّ (¬1). فأمَّا المَنْسُوجُ مِن الحريرِ وغيره، فإن كان الأغْلَبُ الحَرِيرَ، حُرمَ لعُمُومِ الخَبَرِ، وإن كان الأغْلَبُ غيرَه، حَلَّ؛ لأنَ [الحُكْمَ للأغْلبِ] (¬2)، والقلِيلُ مُسْتَهَلكٌ فيه، أشْبَه الضَّبَّة (¬3) من الفِضَّةِ، والعَلَمَ في الثَّوْب. وقال ابنُ عبدِ البَر: مَذْهَبُ ابنِ عباس، وجَماعَةٍ مِن أهل العِلْم، أن المُحَرَّمَ الحَريرُ الصّافِي، الذى لا يُخالِطُه غيرُه. قال ابنُ عباس: إنما نَهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الثوْبِ المُصْمَتِ مِن الحَرِيرِ، أمّا العَلَمُ وسَدَى الثَّوْب، فليس به بَأسٌ. رَواه أبو داودَ، والأثرَمُ (¬4). 329 - مسألة: (فإنِ اسْتَوَى هو وما نُسِج معه، فعلى وَجْهَيْن) ¬

(¬1) في: باب الأكل في إناء مفضض، وباب الشرب في آنية الذهب، وباب آنية الفضة، من كتاب الأشربة، وفي: باب افتراش الحرير، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 7/ 99، 146، 149. كما أخرجه مسلم، في: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1636, 1637. وأبو داود، في: باب في الشراب في آنية الذهب والفضة, من كتاب الأشربة. سنن أبي داود 2/ 303. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة، من أبواب الأشربة. عارضة الأحوذى 8/ 70، 71. والنَّسائيّ، في: باب ذكر النهي عن لبس الديباج، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 175. وابن ماجه, في: باب كراهية لبس الحرير، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1187. والدارمي، في: باب الشرب في المفضض، من كتاب الأشربة. سنن الدَّارميّ 2/ 121. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 385، 390 , 396، 397 , 400، 404، 408. (¬2) في الأصل: «حكم الأغلب». (¬3) الضبة من حديد أو صفر أو فضة يشعب بها الإناء. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب الرخصة في العلم وخيط الحرير، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 372.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُهما، يُباحُ؛ لحديثِ ابنِ عباس، ولأنَّ الحَرِيرَ ليس بأغْلَبَ، أشْبَهَ الأقل (¬1). والثاني، يَحْرُمُ. قال ابنُ عَقِيل: هو الأشْبَهُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ. ¬

(¬1) في تش: «الأول».

330 - مسألة: (ويحرم لبس المنسوج بالذهب والمموه به)

وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهِ بِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 330 - مسألة: (ويَحْرُمُ لُبْسُ المَنْسُوجِ بالذهَبِ والمُمَوَّهِ به)

فَإن اسْتَحَالَ لَوْنُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي موسى (¬1). (فإنِ اسْتَحالَ لَوْنُه، فعلى وَجْهَيْن) أحَدُهما، يَحْرُمُ؛ للحديثِ. والثاني، يباحُ؛ لزَوالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِن السَّرفَ والخُيَلاءِ، وكَسْر قُلُوبِ الفُقَراء. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 259.

331 - مسألة: (وإن لبس الحرير لمرض أو حكة، أو في الحرب، أو ألبسه الصبي، فعلى روايتين)

وَإنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِمَرَضٍ، أو حِكَّةٍ، أو فِي الْحَرْبِ، أوْ ألبَسَهُ لِلصَّبِيِّ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 331 - مسألة: (وإن لبِس الحَرِيرَ لمَرَضٍ أو حِكَّةٍ، أو في الحَرْبِ، أو ألبَسَه الصَّبِيِّ، فعلى رِوايَتَيْن) متى احْتاجَ إلى لُبْس الحَرِيرِ؛ لمَرَضٍ أو حِكَّةٍ أو مِن أجْلِ القَمْلِ، جاز في ظاهِرِ المذْهَب؛ لأنَّ أنسًا روَى أن عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ والزُّبَيْرَ، شَكَوا إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القَمْلَ، فرَخَّصَ لهما في قَمِيص الحَرِيرِ في غَزاةٍ لهما. وفي رِوايةٍ، شَكيا (¬1) إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القمْلَ، فرَخَّصَ لهما في قَمِيصِ الحرِيرِ، ورَأيتُه عليهما. ¬

(¬1) في الأصل: «شكوا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وما ثَبَت في حَقِّ صَحابي يَثْبُتُ في حقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به (¬2) دَلِيلٌ، فثَبَتَ بالحديثِ في القَمْلِ، وقِسْنا عليه غيرَه مما يَنْفَعُ فيه لُبْسُ الحَرِيرِ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا يباحُ. وهو قولُ مالكٍ؛ لعُمومِ الخَبَرِ المُحَرِّمِ، والرخْصَةُ يَحْتَمِلُ أنْ تكون خاصةً لهما. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الحرير في الحرب، من كتاب الجهاد، وفي: باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 4/ 50، 7/ 195. ومسلم، في: باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1646.كما أخرجه أبو داود، في: باب في لبس الحرير لعذر، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 372. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرخصة في لبس الحرير في الحرب، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 7/ 226. وابن ماجه، في: باب من رخّص له في لبس الحرير، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1188. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 122, 127, 180, 192, 210، 252، 255، 273. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وفي لُبْسِه في الحَرْبِ لغيرِ حاجَةٍ رِوايَتان؛ إحْداهما، الإباحةُ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. قال الأثْرَمُ: سَمعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن لُبْس الحَرِيرِ في الحَرْب؟ فقال: أرْجُو أن لا يكُونَ به بأسٌ. وهو قولُ عُرْوَة وعَطاءٍ. وكان لعرْوةَ يَلْمَقُ (¬1) مِن دِيباجٍ، بِطانَتُه بن سُنْدُس مَحْشُوٍّ قَزًّا، يَلْبَسُه في الحَرْبِ. ولأن المنْعَ مِن لبْسِه لِما فيه مِن الخُيَلاءِ، وذلك غيرُ مَذْمُوم في الحربِ، فقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ رَأى بعْضَ أصْحابِه يَمْشِي بينَ الصَّفيْن [يَخْتالُ في مشيتِه] (¬2) قال: «إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا الله إلَّا فِي هَذَا الْموْطِنِ» (¬3). والثانية، يَحْرُمُ؛ لعمُومِ الخَبَرِ. فأمّا إنِ احْتاجَ إليه، مِثْلَ أن يكُونَ بِطانَة لبَيْضَةٍ أو دِرْعٍ أو نَحْوِه، أُبِيحَ. قال بَعْضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ مِثْلُ ذلك مِن الذَّهبِ؛ كدِرْعٍ مُمَوهٍ مِن الذَّهَبِ لا يَسْتَغْنِي عن لُبْسِه، وهو مُحْتاج إليه. ¬

(¬1) في م: «يملق». واليلمق: القباء. (¬2) سقط من: م. (¬3) عزاه الهيثمى، للطبراني، في: باب في وقعه أحد، من كتاب المغازي والسير. مجمع الزوائد 6/ 109.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وهل يجوزُ لوَلِيِّ الصبيِّ أن يُلْبسَه الحرِيرَ؟ على روايَتَيْن؛ إحْداهما، تَحْرِيمه؛ لعُمُومِ قَوْلِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمتِي» (¬1). وعن جابر، قال: كُنّا نَنْزِعُه عن الغِلْمان، ونَتْرُكُه على الجَوارِي. رَواه أبو داودَ (¬2). وقَدِم حُذَيْفَة مِن سَفَرٍ، فوَجَدَ على صِبْيانِه قمُصًا مِن حَرِير، فمَزَّقَها عن الصبيان، وتَرَكها على الجَوارِي. رَواه الأثْرَمُ. ورُوِيَ نَحْو ذلك عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ. والثانيةُ، يباحُ؛ لأنَّهم ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 259 من حديث أبي موسى. (¬2) في: باب في الحرير للنساء, من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 373.

332 - مسألة: (ويباح حشو الجباب والفرش به، ويحتمل أن يحرم)

وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُش بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَحْرُمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ غيرُ مُكَلَّفِين، أشْبَهوا البَهائمَ، ولأنهم مَحل للزِّينَةِ أشْبَهوا النساءَ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الخَبَرِ، وفِعْل الصَّحابَةِ. ويَتعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بالمُكَلَّفِين بتَمْكِينهم مِن الحَرامِ، كتَمْكِينِهم مِن شُرْبِ الخَمْر، وغيرِه مِن المُحَرَّماتِ. وكَوْنُهم مَحَلَّ الزِّينَة مع تَحْرِيمِ الاسْتِمْتاعِ أبلَغُ (¬1) في التحْرِيمِ، ولذلك حَرُم على النِّساء التبرُّجُ بالزينَةِ للأجانِبِ. 332 - مسألة: (ويُباحُ حَشْوُ الجِبابِ والفُرُش به، ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ) ذَكَرَه القاضي. وهو مَذْهبُ الشَّافعيّ؛ لأنَّه لا خُيَلاءَ فيه. ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَحْتَمِلُ أن يَحرُمَ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأن فيه سَرَفًا، أشْبَهَ ما لو جَعَل البِطانَةَ حَرِيرًا. فصل: ولا بَأسَ بلُبْس الخَزِّ. نصَّ عليه. وقد رُوِيَ عن عِمْرانَ بنِ حُصَين، والحسنِ بنِ علي، وأنس بنِ مالِك، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عباس، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وغيرِهم، أنَهم لَبسُوا الخَزَّ (¬1). وعن عبدِ اللهِ ابنِ سعدٍ، عن أَبيه سعدٍ، قال: رَأيتُ رجلًا ببُخارَى على بَغْلَةٍ بَيْضاءَ، عليه عِمامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ، فقال: كَسانِيها رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. رَواه أبو داودَ (¬2). وقال ابن عَقِيل في الخَزِّ: إن كان فيه وَبَرٌ، وكان الوَبَرُ أكْثَرَ من القَزِّ، صحَّتِ الصلاةُ فيه، وإن كان أكْثَرُه القَزَّ، لم تَصِحَّ الصلاةُ فيه في الصُّحِيح، وإنِ اسْتَوَيا احْتَمَل وَجْهَيْن. فجَعَله كغيرِه مِن الثيابِ المَنسُوجَةِ مِن الحرِيرِ وغيرِه. ¬

(¬1) خرج بعض هذه الآثار عبد الرَّزَّاق، في: باب الخز والمعصفر، من كتاب اللباس. المصنف 11/ 76، 77. (¬2) في: باب ما جاء في الخز، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 369. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ومن سورة الحاقة، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 12/ 220.

333 - مسألة: (ويباح العلم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون)

وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثوْبِ، إذا كَانَ أرْبَعَ أصَابعَ فَمَا دُونَ. وَقَالَ أبو بَكْرٍ: يُبَاحُ وإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 333 - مسألة: (ويُباحُ العَلَمُ الحرِيرُ في الثَّوْبِ إذا كان أرْبَعَ أصابعَ فما دُونَ) لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطابِ، رَضِيَ الله عنه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْن أو ثَلاث أو أرْبَع. رَواه مسلمٌ (¬1). (وقال أبو بكر) في «التنبِيهِ»: (يُباحُ وإن كان مُذَهبًا) لأنه يَسِير (¬2)، ¬

(¬1) في: باب تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، من كتاب اللباس والزينة. صحيح مسلم 3/ 1643. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في لبس الحرير، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 369، 370. والتِّرمذيّ, في: باب ما جاء في الحرير والذهب، من أبواب اللباس. عارضه الأحوذى 7/ 225. (¬2) في الأصل: «يستر».

334 - مسألة: (ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر)

وَكَذَلِك الرِّقَاعُ، وَلِبْنَةُ الْجَيْبِ، وَسَجْفُ الْفِرَاءِ. وَيُكْرَه لِلرَجُل لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أشْبَهَ الحَرِيرَ ويَسِيرَ الفِضَّةِ (وكذلك الرقاعُ، ولِبْنَةُ الجَيْبِ (¬1)، وسجْفُ (¬2) الفِراءِ) لدُخُولِه فيما اسْتَثْناه في الحَدِيثِ. 334 - مسألة: (ويُكْرَهُ للرجلِ لُبْسُ المُزَعْفَرِ والمُعَصْفَرِ) لِما ¬

(¬1) لينة الجيب: الزيق يخاط في جيب القميص، تثبت فيه الأزرار. (¬2) السجف. أحد السترين المقرونين بينهما فرجة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رُوِيَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى الرِّجالَ عن التَّزَعْفُرِ. مُتَّفَق عليه (¬1). وعن عليٍّ قال: نَهانِي النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن لِباس المُعَصْفَرِ. رَواه مسلمٌ (¬2). ولا بَأسَ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التزعفر للرجال، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 7/ 197. ومسلم، في: باب نهى الرَّجل عن التزعفر، من كتاب اللباس والزينة. صحيح مسلم 3/ 1662، 1663. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الخلوق للرجال، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 398. والنَّسائيّ، في: باب التزعفر، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 165. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية التزعفر والخلوق للرجال، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى 10/ 257. (¬2) في: باب النهي عن لبس الرَّجل الثوب المعصفر، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1648. كما أخرجه أبو داود، في: باب من كره لبس الحرير، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 370. والتِّرمذيّ, في: باب ما جاء في النهي عن القراءة في الركوع، من أبواب الصلاة، في: باب ما جاء في كراهية المعصفر للرجال، وباب ما جاء في كراهية خاتم الذهب، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 2/ 65، 7/ 228، 244, 245. والنَّسائيّ، في: باب النهي عن القراءة في الركوع، وباب النهي عن القراءة في السجود، من كتاب التطبيق، وفي: باب خاتم الذهب، وباب النهي عن لبس خاتم الذهب، وباب ذكر النهي عن لبس المعصفر، من كتاب الزينة. المجتبى 2/ 147، 171، 7/ 147، 167، 179. وابن ماجه، في: باب كراهية المعصفر للرجال، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1191. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 81، 92، 105، 114، 123، 126، 132.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بلُبْسِه للنّساءِ؛ لأن تَخْصِيصَ النَّهيِ بالرجالِ دَلِيلٌ على إباحَته للنساءِ. فصل: فأمَّا لبْس الأحْمَرِ غيرِ المُعَصْفَرِ (¬1) فقال أصحابُنا: يُكْرَه. وهو مَذْهَبُ ابنِ عُمَرَ، فرُوِي عنه أنَه اشْتَرَى ثَوْبًا، فرَأى فيه خَيْطًا أحْمَرَ فردَّه ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قال: مَرَّ على النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رجل عليه بُرْدان أحْمَران، فسَلَّمَ، فلم يَرُدَّ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عليه (¬2). وعن رافِع ابنِ خَدِيج، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في سَفَرٍ، فرَأى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على رَواحِلِنا أكْسِيَةً فيها خُيُوطُ عِهْن حُمْرٌ، فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «ألَا أرَى هَذِه الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ». فقُمْنا سِراعًا لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى نَفر بَعْضُ إبِلِنا، وأخَذْنا الأكْسِيَةَ، فنَزَعْناها عنها. رَواهُما أبو داودَ (¬3). والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأسَ بها؛ لِما روَى أبو جُحَيْفَةَ، قال: خَرَج النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حُلّةٍ حَمْراءَ. الحديثُ. وقال البَراءُ: ما رَأيتُ مِن ذِي لِمَّةٍ ¬

(¬1) في م: «المزعفر». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في الحمرة، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 375. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجل والقسى، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى 10/ 250، 251. (¬3) في: باب في الحمرة، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 375. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 463.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في حُلَّةٍ حَمراءَ أحْسنَ مِن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. مُتِّفَق عليهما (¬1). وعن هِلالِ ابنِ عامِرٍ، قال: رأيت النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على بَغْلَةٍ وعليه بُرْدٌ أحْمَرُ. رَواه أبو داودَ (¬2). وقال أَنسٌ: كان أَحَبُّ اللِّباسِ إلى رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ¬

(¬1) الأول أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة في الثوب الأحمر، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 105. ومسلم، في: باب سترة المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 360. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الرخصة في لبس الحمرة للرجال، عن جابر بن سمرة، وقال: وفي باب عن البراء وأبي جحيفة، من أبواب الأدب، عارضة الأحوذى 10/ 253، 254، والنَّسائيّ، في: باب الصلاة في الثياب الحمر، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 57. والثاني أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الثوب الأحمر, وفي: باب الجعد، من كتاب اللباس 7/ 197، 207. ومسلم، في: باب في صفة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم 4/ 1818. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرخصة في ذلك، من كتاب اللباس، وفي: باب ما جاء في الشعر، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 375، 399. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرخصة في الثوب الأحمر، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 7/ 227، 228. والنَّسائيّ، في: باب اتخاذ الشعر، وباب اتخاذ الجنة، وباب لبس الحمرة، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 115، 159، 179. وابن ماجه، في: باب لبس الأحمر للرجال. من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1190. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 290، 295 , 300، 303، 308. (¬2) في: باب في الرخصة في ذلك، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 375، 376. كما رواه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 477.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الحِبَرَةَ (¬1). مُتَّفَق عليه (¬2). وهي التى فيها حُمْرَةٌ وبَياضٌ. ورُوِي أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بَيْنا هو يَخْطب إذ رَأى الحسنَ والحُسَيْنَ عليهما قَمِيصان أحْمَران، يَمشِيان ويَعْثُران، فنَزَلَ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأخَذَهما، ولم يُنْكِرْ ذلك (¬3). ولأنَّها لَوْنٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ الألوانِ. فأمّا أحادِيثُهمِ؛ فحديث رافِع في إسْنادِه رجلٌ مَجْهُولٌ، ويَحْتمِلُ (¬4) أنها كانت مُعَصْفرَةً؛ فلذلك ¬

(¬1) الحبرة، وزان عنبة: ثوب يماني من قطن أو كتان مخطط. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب البرود والحبرة والشملة، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 7/ 189. ومسلم، في: باب فضل لباس الحبرة، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 3/ 1648.كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في أحب الثياب إلى رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 7/ 280. والنَّسائيّ, في: باب لبس الحبرة، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 179. والإمام أَحْمد, في: المسند 3/ 134، 184 , 251 , 291. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 254. والتِّرمذيّ، في: باب مناقب الحسن والحسين عليهم السلام, من أبواب المناقب. عارضة الأحوذى 13/ 194. والنَّسائيّ، في: باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، من كتاب الجمعة، وفي: نزول الإمام عن المنبر، من كتاب صلاة العيدين. المجتبى 3/ 88، 89، 156. وابن ماجه، في: باب لبس الأحمر للرجال، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1190. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 354. (¬4) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كَرِهَها، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ كانت أحادِيثُ الإباحَةِ أصَحَّ وأثْبَتَ، فهي أوْلَى. فصل: فأمّا غيرُ الحُمْرَةِ مِن الألوانِ فلا يُكْرَهُ، فقد قال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكمُ الْبَيَاضَ؛ فإنَّها منْ خَيْرِ ثِيَابكمْ، وَكَفنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». وعن ابن عُمَرَ، أنَّه قِيل له: لِمَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ؟ فقال: إنِّي رَأيتُ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَصْبُغُ بها. رَواهما أبو داودَ (¬1). وعن ¬

(¬1) الأول، في: باب في الأمر بالكحل، من كتاب الطِّيب، وفي: باب في البياض، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 335، 336، 373. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما يستحب من الأكفان، من أبواب الجنائز. عارضة الأحوذي 4/ 215. وابن ماجه، في: باب ما جاء في ما يستحب من الكفن، من كتاب الجنائز، وفي: باب البياض من الثياب، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 1/ 473، 2/ 1181. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 247، 274، 328، 355، 363. والثاني, في: باب في وقت الإحرام، من كتاب المناسك، وفي: باب في المصبوغ بالصفرة، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 1/ 410، 411، 2/ 374. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين، من كتاب الوضوء. صحيح البُخَارِيّ 1/ 53. ومسلم، في: باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 844. والنَّسائيّ، في: باب الخضاب بالصفرة، من كتاب الزينة. المجتبى 8/ 121. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 110.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبي رمْثَةَ، قال: انْطَلَقْتُ مع أبي نَحْوَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فرَأيتُ عليه بُرْدَين أخْضَرَيْن. ودَخَل النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَكَةَ يَوْم الفَتْحِ وعليه عِمامَة سَوْداءُ. مُتَّفَق عليهما (¬1). واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) الأول: لم نجده عند البُخَارِيّ ولا مسلم. وأخرجه أبو داود، في: باب في الخضرة، من كتاب اللباس، وفي: باب في الخضاب، من كتاب الترجل. سنن أبي داود 2/ 374، 403. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الثوب الأخضر، من أبواب الأدب. عارضه الأحوذى 10/ 254، 255. والنَّسائيّ، في: باب الزينة للخطبة للعيدين، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 151. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 227، 228، 4/ 163. والثاني: لم نجده عد البُخَارِيّ، وأخرجه مسلم، في: باب جواز دخول مكة بغير إحرام، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 990. كما أخرجه أبو داود, في: باب في العمائم، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 376. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الألوية، من أبواب الجهاد، وفي: باب ما جاء في العمامة السوداء، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 7/ 177، 243. والنَّسائيّ، في: باب دخول مكة بغير إحرام، من كتاب المناسك، وفي: باب لبس العمائم السود، من كتاب الزينة. المجتبى 5/ 159، 8/ 187. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة، وفي: باب لبس العمائم في الحرب، من كتاب الجهاد، وفي: باب العمامة السوداء، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 1/ 351، 2/ 942 , 1186. والدارمي، في: باب دخول مكة بغير إحرام حج ولا عمرة، من كتاب المناسك. سنن الدَّارميّ 2/ 74. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 363، 387، 4/ 307.

باب اجتناب النجاسات

بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَهُوَ الشرطُ الرَّابع، فَمَتَى لَاقَى بِبَدَنِهِ أوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أوْ حَمَلَهَا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ اجْتنابِ النَّجاساتِ (وهو الشرطُ الرابعُ، فمتى لاقى ببَدَنِه أو ثَوْبِه نَجاسة غيرَ مَعْفُوٍّ عنها، أو حَملَها، لم تَصِحَّ صَلاتُه) وجُمْلَة ذلك، أن الطهارةَ مِن النَّجاسَةِ في بدَنِ المُصَلِّي وثَوْبِه شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاة في قَوْلِ أكثر أهْلِ العلمِ. منهم ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيبِ، وقتادَةُ، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأيِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباس أنَّه قال: ليس على ثَوْبٍ جَنابَة (¬1). ونَحْوُه عن أبي مِجْلَزٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْر، والنَّخَعِيِّ. وقال الحارِثُ العُلِكيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى: ليس في ثَوْب إعادَة. وسُئِل سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن الرجلِ يرَى في ثَوْبِه الأَذَى، وقد صَلَّى، قال: اقْرَأ عليَّ الآيَةَ التى فيها غَسْلُ الثِّيابِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (¬2). ¬

(¬1) أخرجه بنحوه البيهقي، في: باب المني يصيب الثوب، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 106. (¬2) سورة المدثر 4.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال ابنُ سِيرِينَ: هو الغَسْل بالماءِ، وعن أسْماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّديقِ، قالت: سُئِل رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن دَمِ الحَيْض يَكُون في الثَّوْبِ، قال: «اقْرُصِيهِ، وَصَلِّي فِيه» (¬1). وفي لَفْظٍ قالتْ: سمِعْتُ امرأةً تَسْألُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف تَصْنَعُ إحْدانا بثَوْبِها إذا رَأتِ (¬2) الطُّهْرَ، أتصَلِّي فيه؟ قال: «تنْظر فِيهِ، فَإنْ رَأتْ فِيهِ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ (¬3) بِشَيْءٍ مِنَ المَاءِ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ ترَ، وَلْتُصَلِّ فِيهِ». رَواه أبو داودَ (¬4). وحديثُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ مَرَّ بالقَبْرَيْن، فقال: «إنهُمَا ليعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذبَانِ فِي كَبِير؛ أمَّا أحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ». مُتِّفَق عليه. وفي رِواية: «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ» (¬5). ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَيْن، فكانت شرطًا ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 2/ 202. (¬2) في تش: «أرادت». (¬3) في م: «فلتقزحه». (¬4) تقدم تخريجه في 2/ 202. (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، وباب ما جاء في غسل البول، من كتاب الوضوء، وفي: باب الجريد على القبر، وباب عذاب القبر من الغيبة والبول، من كتاب الجنائز، وفي: باب الغيبة، وباب النميمة من الكبائر، من كتاب الأدب. صحيح البُخَارِيّ 1/ 64، 65، 2/ 119، 120، 124، 8/ 20، 21. ومسلم، في: باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 240، 241. كما أخرجه أبو داود، في: باب الاستبراء من البول، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 5. والتِّرمذيّ، في: باب الشديد في البول، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 90. والنَّسائيّ، في: باب التنزه عن البول، من كتاب الطهارة. وفي: باب وضع الجريدة على القبر، من كتاب الجنائز. المجتبى 1/ 29، 4/ 87، 88. وابن ماجه، في: باب التشديد في البول، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 125. والدارمي، في: باب الاتقاء من البول، من كتاب الطهارة. سنن الدَّارميّ 1/ 188.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للصلاةِ، كطَهارَة الحدثِ. فصل: ويُشْتَرَطُ لهَا (¬1) طهارة [مَوْضِع الصلاةِ أَيضًا، وهو الموْضِعُ الذى تَقَعُ عليه ثِيابُه وأعْضاؤه التى عليه، قِياسًا على طهارةِ] (¬2) البَدَنِ والثيابِ. فلو كان على رأسِه طَرَفُ عِمامَةٍ، وطَرَفُها الآخرُ يَقَعُ (¬3) على نجاسَةٍ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، كما لو وقع عليها شئٌ من بَدنِه. وذَكَر ابنُ عَقِيل احْتِمالًا فيما يَقَعُ عليه ثِيابُه خاصَّة، أنَّه لا تُشْتَرط طَهارَتُه؛ لأنه يُباشِرُها بما هو مُنْفَصِلٌ عن ذاتِه، أشْبَهَ ما لو كان [إلى جانِبِه] (¬4) إنْسان نَجِسُ الثوْبِ، فالْتَصَقَ به ثوْبُه. والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأن سُتْرتَه تابِعَة له، فهي كأعْضاءِ سُجُودِه، فأمّا إذا كان ثَوْبه يَمَسُّ شيئًا نَجِسًا، كثَوْبِ مَن يُصَلِّي [إلى جانِبِه، و] (¬5) حائِطٍ لا يَسْتَنِدُ إليه، فقال (¬6) ابن عَقِيل: لا تَفْسُدُ صَلاته بذلك؛ لأنه ليس بمَحَلٍّ لبَدَنِه ولا سترتِه. ويَحْتَمِلُ أن تَفْسُدَ؛ لأنَّ ستْرَتَه ملاقِيَةٌ لنَجاسَةٍ، أشْبَهَ ما لو وَقَعَتْ عليها. وإن كانتِ ¬

(¬1) زيادة من: تش. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) في م: «وقع». (¬4) في م: «بجانبه». (¬5) في م: «وبجانبه». (¬6) في م: «قال».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النجاسَةُ مُحاذِيَةً لجِسْمِه في حالِ سُجُودِه، بحيث لا يَلْتَصقُ (¬1) بها شيءٌ مِن بَدَنِه ولا ثِيابِه، لم تَبْطُلِ الصلاةُ؛ لأنه لم يُباشِرِ النَّجاسَة، أشبَهَ ما لو خرجتْ عن مُحاذاتِه. وذَكَر ابنُ عَقِيل وَجْهًا، أنها تَبْطُل، كما لو باشَرَتْها (¬2) أعْضاؤه. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ. فصل: وإن حَمَل النَّجاسَةَ في الصلاةِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، كما لو كانت على بَدَنِه أو ثَوْبه. فإن حَمَل حَيَوانًا طاهِرًا أو صبِيًّا، لم تبْطُلْ صلاتُه؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى وهو حامِلٌ أمامَةَ بنتَ أبي العاص. مُتِّفَق عليه (¬3). ولأن ما في الحَيَوانِ مِن النَّجاسَةِ في مَعْدِنِها (¬4)، فهي كالنَّجاسَةِ في جَوْفِ المُصَلِّي. ولو حَمَل قارُورَةً مسْدُودَةً فيها نَجاسَةٌ، لم تَصِحَّ صَلاتُه. وقال بَعْضُ أصحابِ الشافعيّ: تَصِحُّ؛ لأن النَّجاسَةَ لا تَخْرُجُ منها، فهي ¬

(¬1) والأصل: «يلصق». (¬2) في م: «باشر بها». (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، وفي: باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، من كتاب الصلاة، وفي: باب رحمة الولد وتقبيله، من كتاب الأدب. صحيح البُخَارِيّ 1/ 137، 8/ 8. ومسلم، في: باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 385. كما أخرجه أبو داود، في: باب العمل في الصلاة، من كتاب الصلاة، سنن أبي داود 1/ 210، 211. والنَّسائيّ، في: باب حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 10. والإمام مالك, في: باب جامع الصلاة، من كتاب قصر الصلاة في السفر. الموطأ 1/ 170. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 304. (¬4) أي في غير موطنها الأصلي، مثل المعدة للحيوان.

335 - مسألة: (وإن طين الأرض النجسة، أو بسط عليها شيئا طاهرا، صحت الصلاة عليها مع الكراهة)

وإنْ طيَّنَ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ، أوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ كالحَيَوانِ. وليس بصَحِيح؛ لأنَّه حامِلٌ نَجاسَة غيرَ معْفُوٍّ عنها في غيرِ مَعْدِنِها، أشْبَهَ حَمْلَها في كُمِّه. 335 - مسألة: (وإن طيْنَ الأرْضَ النَّجِسَةَ، أو بَسَط عليها شَيْئًا طاهِرًا، صَحَّتِ الصلاةُ عليها مع الكَراهَةِ) هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ رَحِمَه الله. وهو قول مالكٍ، والأوْزاعِي، والشافعيِّ، وإسحاقَ. وذكَر أصحابُنا رِوايةً أخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مَدْفَنٌ للنَّجاسَةِ، أشْبَهَ المَقْبَرَةَ، ولأنَّه مُعْتَمِدٌ على النَّجاسة، أشْبَهَ ملاقاتها. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الطهارةَ إنما تُشْتَرَطُ في بَدَنِ المُصَلِّي وِثَوْبِه، وموْضِعِ صَلاِته، وقد وُجِد ذلك كله، والعِلَّةُ في الأصْلِ غيرُ مُسَلَمَةٍ، بدَلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ الصلاةِ بينَ القُبُورِ، وليس مَدْفَنًا للنجاسَةِ. وقال ابنُ أبي موسى: إن كانتِ النجاسَةُ المَبْسُوطُ عليها رَطْبَة، لم تَصِحَّ الصلاةُ، وإلّا صَحَّتْ. فصل: ويُكْرَه تطْيِينُ المَسْجِدِ بطِين نَجِسٍ، وبناؤُه بلَبِنِ نَجِسٍ، أو تَطبيقُه بطَوابيقَ نَجِسةٍ، فإن فَعَل، وباشَرَ النجاسَةَ، لم تَصِحَ صَلاتُه. فأمّا الآجُرُّ المَعْجُونُ بالنجاسَةِ، فهو نَجِسٌ؛ لأن النّارَ لا تُطَهرُ، لكنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إذا غُسِل طَهُر ظاهِرُه؛ لأنَّ النّارَ أكَلَتْ أجْزاءَ النجاسَةِ الظّاهِرَةَ، وبَقِيَ الأثر، فطَهُرَ بالغَسْلِ، كالأرْض النَّجِسَةِ، ويَبْقَى الباطِنُ نَجِسًا؛ لأنَّ الماءَ لا يَصِل إليه، فإن صَلَّى عليه بعدَ الغَسْلِ، فهي كالمَسْأَلَةِ قَبْلَها. وكذلك الحُكْمُ في البِساطِ الذى باطِنُه نَجِسٌ وظاهِرُه طاهِرٌ. ومتى انْكَسَرَ مِن الآجُرِّ النجِس قِطعةٌ، فظهَرَ بَعْضُ باطِنِه، فهو نَجِسٌ لا تَصِحُّ الصلاةُ عليه. فصل: ولا بأسَ بالصلاةِ على الحَصِيرِ والبُسُطِ بن الصُّوفِ والشعَرِ والوَبَرِ، والثيابِ مِن القُطْنِ والكَتَانِ وسائِرِ الطّاهِراتِ، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ. فرُوِيَ عن عُمَرَ (¬1)، أنَّه صَلَّى على عَبْقَرِي (¬2)، وابنُ عباسٍ على طِنْفِسَةٍ (¬3)، وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ على حَصِيرٍ، وابن عباسٍ، وعلى، وابنُ مسعودٍ، وأنسٌ على المنْسُوج (¬4). ورُوِيَ عن جابِرٍ، أنَّه كَرِه الصلاةَ على كلِّ شئٍ مِن الحَيَوانِ، واسْتَحَبَّ الصلاةَ على كل شئٍ مِن نَبات ¬

(¬1) في م: «ابن عمر». (¬2) العبقرى: ضرب من البسط. (¬3) الطنفسة: البساط، والنمرقة فوق الرحل. (¬4) في م: المسوح.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأرْضِ (¬1). ونَحْوُه عن مالكٍ، إلَّا أنَّه قال في بِساطِ الصُّوفِ والشَّعَرِ: إذا كان سُجُودُه على الأرْض، لم أرَ بالقِيام عليه بأسًا. والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ، فقد صَلِّى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على حَصِيرٍ في بيْتِ أنس، وعِتْبانَ بنِ مالكٍ. مُتِّفَق عليه (¬2). وِروَى عنه المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّه كان يُصَلى على الحُصُر والفَرْوَةِ المَدْبُوغةِ (¬3). وروَى ابنُ ماجَه (¬4)، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى مُلْتَفا بكساءٍ، يَضَعُ يَدَيْه عليه إذا سَجَد. ولأنَّ ما لم تُكْرَه الصلاةُ فيه، لم تُكْرَه الصلاةُ عليه كالكَتّانِ والخُوصِ. ¬

(¬1) انظر: ما أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب من كره الصلاة على الطنافس وعلى شيء دون الأرض، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 1/ 401. (¬2) حديث عتبان أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا دخل بيتنا يصلي حيث شاء. . . . إلخ، وباب المساجد في البيوت، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 115، 116. ومسلم، في: باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 455 - 457. والنَّسائيّ، في: باب الجماعة للنافلة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 81، 82. وابن ماجه، في: باب المساجد في الدور، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 249. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 44 , 5/ 449 , 450. وحديث أنس يأتي تخريجه في المسألة 548. (¬3) أخرجه أبو داود, في: باب الصلاة على الحصير، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 153. (¬4) في: باب السجود على الثياب في الحَر والبرد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 329.

وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وتَصِحُّ الصلاةُ على ظَهْير الحَيَوانِ، إذا أمْكَنَه اسْتِيفاءُ الأرْكانِ عليه، والنَّافِلَةُ في السَّفَرِ. وإن كان الحيوانُ نَجسًا، وعليه بِساط طاهِرٌ، كالحِمارِ، صَحَّتِ الصلاةُ عليه، في أصَحِّ الروايَتَيْن؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى على حِمارٍ (¬1). والثانيةُ، (لا تَصِحُّ) كالأرضِ النجسَةِ إذا بَسَط عليها شيئًا طاهِرًا. وتَصِحُّ على العَجَلَةِ (¬2) إذا أمْكَنَه ذلك؛ لأَنَّه مَحَل تَسْتَقِرُّ عليه أعْضاؤه، فهي كغيرِها. وقال ابنُ عَقِيل: لا تَصِحُّ؛ لأن ذلك ليس بمُسْتَقرٍّ عليه، فهي كالصلاةِ في الأرْجُوحَةِ. فصل: ولا تَصِحُّ صَلاةُ المُعَلَّق في الهواءِ، إلَّا أن يكونَ مُضْطرًّا، ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب صلاة التطوع على الحمار، من كتاب تقصير الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 56. ومسلم، في: باب جواز صلاة النافلة على الدابة حيث توجهت، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 487. وأبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر, من كتاب السفر. سنن أبي داود 1/ 279. والنَّسائيّ، في: باب الصلاة على الحمار، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 47. والإمام مالك، في: باب صلاة النافلة في السفر بالنهار والصلاة على الدابة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 151. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 7، 49 , 57 , 83 , 128 , 3/ 495. (¬2) العجلة: خُشُبٌ على بَكَرات.

336 - مسألة: (وإن صلى على مكان طاهر من بساط، طرفه نجس، صحت صلاته، إلا أن يكون متعلقا

وإنْ صَلَّى عَلَى مَكانٍ طَاهِر منْ بِسَاط طَرَفُهُ نَجِسٌ، صَحَّتْ صَلَاُتهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلقًا بِهِ، بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى، فَلَا تَصِحُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ كالمَصْلُوبِ. وكذلك الأرجُوحَة؛ لأنَّه ليس بمُسْتَقِر القَدَمَيْن على الأرضِ، فلم تَصِحَ صَلاتُه، كما لو سَجَد على بَعْض أعْضاءِ السجُودِ وتَرَك الباقِيَ معَلَّقًا. ذَكَره ابنُ عَقِيل. 336 - مسألة: (وإن صَلَّى على مَكانٍ طاهر مِن بِساطٍ، طرَفُه نَجِسٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه، إلَّا أن يَكُونَ مُتَعلِّقًا (¬1) به، بحيث يَنْجَرُّ معه إذا مَشى، فلا تَصحُّ) متى صَلّى على مندِيل، طرَفُه نجِسٌ، أو ¬

(¬1) في تش: «معلقًا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان تحتَ قَدَمِه حَبْل مَشْدُودٌ في نجاسَةٍ، وما يُصَلِّي عليه طاهِرٌ، فضلاُته صَحِيحَةٌ، سَواءٌ تَحركَ النَّجَسُ بحَرَكَتِه، أو لم يَتَحَركْ؛ لأنَّه ليس بحامِلٍ للنَّجاسَةِ، ولا مُصَلٍّ عليها، وإنما اتَّصَلَ مُصَلاه بها، أشْبَهَ إذا صَلَّى على أرْضٍ طاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بأرض نَجِسَةٍ. وقال بَعْضُ أصحابِنا: إذا كان النجَسُ يَتَحَركُ بحَرَكَتِه، لم تَصِحَّ صَلاتُه. قال شيخُنا (¬1): والصحيِحُ ما ذَكَرْنا. فأما إن كان الحَبْلُ أو المِنْدِيلُ مُتَعَلِّقًا به، يَنْجرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه مُسْتتْبعٌ لها، فهو كحامِلِها. ولو كان في يَدِه أو وَسَطِه حَبْلٌ مَشْدُودٌ في نَجاسَةٍ، أو حَيَوانٍ نَجِسٍ، أو سَفِينَةٍ صَغِيرةٍ فيها نَجاسَة تَنْجَرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ صَلَاتُه؛ لأنَّه مُسْتَتْبعٌ لها. وإن كانتِ السَّفِينَةُ أو الحيوانُ كَبِيرًا لا يَقْدِرُ على جَرِّه، إذا اسْتَعْصَى عليه، صَحَّتْ؛ لأنه ليس ¬

(¬1) في: المغني 2/ 467.

337 - مسألة: (ومتى وجد عليه نجاسة، لا يعلم هل كانت في الصلاة أولا؛ فصلاته صحيحة)

وَمَتَى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً، لَا يَعْلَمُ هَلْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أوْ لَا؟ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإنْ عَلِمَ أنهَا كَانَتْ فِي الصلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَهَا أوْ نَسِيَهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بمُسْتَتْبع لها. قال القاضي: هذا إذا كان الشَّدُّ في مَوْضِع طاهِر، فإن كان في مَوْضِع نَجِس، فَسَدَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه حامِلٌ لِما هو مُلاقٍ للنجاسَةِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنه لا يَقْدِرُ على استِتْباعِ المُلاقِي للنجاسَةِ، أشْبَهَ ما لو أمسكَ غُصْنًا مِن شَجَرَةٍ [عليها نَجاسَةٌ] (¬1)، أو سَفِينَة عَظيمَة فيها نَجاسَةٌ. 337 - مسألة: (ومتى وَجَد عليه نَجاسَةً، لَا يَعْلَمُ هل كانت في الصلاةِ أولا؛ فصَلاتُه صَحِيحَةٌ) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها في الصلاةِ (وإن عَلِم أنها كانت في الصلاةِ، لكنَّه جَهلَها أو نَسِيَها، فعلى رِوايَتَيْن) متى صلَّى وعليه نجاسَة لا يعَلَمُ بها، حتَّى فَرَغ مِن صَلاِته، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لا تَفْسُدُ صَلاتُه. اخْتارَها شيخُنا (¬1). وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، وسعيد بنِ المُسَيبِ، ومُجاهِدٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. والثانية، يُعِيدُ. وهو قولُ أبي قلابَةَ، والشافعي، لأنها طهارة مُشْتَرَطَةً للصلاةِ، فلم تَسْقُطْ بالجهلِ، كطَهارَةِ الحَدَثِ. وقال رَبِيعَةُ، ومالِك: يعيدُ ما دام في الوَقتِ. ووَجْهُ الأولَى، ما روَى أبو سعيد، قال: بَيْنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى بأصْحابِه، إذ خلَع نَعْلَيْه، فوَضَعَهما عن يَسارِه، فخلَعَ النَّاسُ نِعالَهم، فلَمَّا قَضَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلاتَه قال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكمْ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 466.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نِعَالَكُمْ»؟ قالوا: رَأيْناك (¬1) ألقَيْتَ نَعْلَيْكَ (¬2)، فألْقَيْنا نِعالَنا. قال: «إنَّ جِبْرِيلَ أتانِي، فأخْبَرَنى أن فِيهِمَا قَذَرًا». رَواه أبو داودَ (¬3). ولو كانت الطهارةُ شرطًا، مع عدَمِ العِلْمِ بها، لَزِمَه اسْتئنافُ الصلاةِ، ويُفارِقُ طهارةَ الحَدَثِ؛ لأنها آكَد؛ لكَوْنِها لا يُعْفى عن يَسِيرها. فأمَّا إن كان قد عَلِم بالنجاسَةِ ثم أُنْسِيَها، فقال القاضي: حَكَى أصحابُنا في المَسألتَيْن روايَتَيْن. وذَكَر هو في مسألةِ (¬4) النسْيانِ أن الصلاةَ باطِلَةٌ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى التفْرِيطِ، بخِلافِ الجاهِلِ. وقال الآمِدِيُّ: يُعِيدُ إذا كان قد تَوانَى، رِوايَة واحِدَة. قال شيخُنا (¬5): والصَّحِيحُ التسْوِيَةُ بينَهما؛ لأنَّ ما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنسْيانِ، بل النسْيانُ أوْلَى لوُرُودِ النصِّ بالعَفْوِ عنه ¬

(¬1) في م: «إنَّا رأيناك». (¬2) في م: «نعالك». (¬3) في: باب الصلاة في النعل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 151. كما أخرجه الدَّارميّ، في: باب الصلاة في النعلين، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 320. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 92. (¬4) سقط من: الأصل. (¬5) في: المغني 2/ 466.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن عَلِم بالنَّجاسةِ في أثْناءِ الصلاةِ، فإن قُلْنا: لا يُعْذَرُ بالجَهْلِ والنِّسْيان. فصَلاته باطِلَةٌ. وإن قُلْنَا: يُعْذَرُ. فهي صَحِيحَةٌ. ثم إن أمْكَنَه إزالَةُ النجاسَةِ مِن غير زَمَن طَوِيل، ولا عَمَل كِثير، أزالَها، وبَنَى، كما خَلع النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَعْلَيْه. وإنِ احْتاجَ إلى أحَدِ هَذَيْن، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لإفضائِه إلى أحَدِ أمْرَيْن؛ إمَّا اسْتِصْحابِ النَّجاسَةِ في الصلاةِ زَمنًا طَوِيلًا، أو أن يَعْمَلَ فيها عَمَلًا كَثِيرًا، فصار كالعُرْيانِ يَجِدُ السُّترَةَ بَعِيدَةً منه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا سقَطَتْ عليه نجاسَةٌ، ثم زالَتْ عنه، أو أزالَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، ولأن النجاسَةَ يُعْفَى عن يَسِيرها، فعُفِيَ عن يَسِيرِ زَمَنِها، ككَشْفِ العَوْرَةِ. وهذا مَذهَبُ الشافعيِّ.

338 - مسألة: (وإذا جبر ساقه بعظم نجس فجبر، لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر، وتصح صلاته)

وإذَا جَبَرَ سَاقَهُ بِعَظْمٍ نَجِس فَجَبَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذَا خَافَ الضَّرر، وَأجْزأته صَلَاُتهُ، وإنْ لَمْ يَخَفْ لَزِمَهُ قَلْعُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 338 - مسألة: (وإذا جَبَر ساقَه بعَظْم نَجِسٍ فجَبَرَ، لم يَلْزَمْه قلْعُه إذا خاف الضَّررَ، وتَصِحُّ صَلَاتُه) لأنه يُباحُ له تركُ الطَّهارةِ مِن الحَدَثِ بذلك، وهي آكَدُ (وإن لم يَخفْ، لَزمَه قَلْعُه) فإن صَلَّى معه، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، لأنه صَلَّى مع النجاسَةِ وهو قادِرٌ على إزالَتِها مِن غيرِ ضَرَرٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه قَلْعُه إذا لم يَخفِ التَّلَفَ؛ لأنه غيرُ خائفٍ للتَّلَفِ، أشْبَهَ إذا لم يَخفِ الضرر. والأولُ أوْلَى.

339 - مسألة

وَإنْ سَقَطَتْ سِنُّهُ، فَأعَادَهَا بِحَرَارَتهَا فَثَبَتَتْ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ. وَعَنْهُ، أنَّهَا نَجِسَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ العظمِ النَّجِس إذَا جَبَرَ بِهِ سَاقَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 339 - مسألة (¬1): (وإن سَقَطَتْ سِنُّهُ (¬2) فأعادَها بحَرارَتِها، فثَبَتَتْ، فهي طاهِرَةٌ) لأن (¬3) حُكْمَ أبعاض الآدَمِي حُكْمُ جُمْلَتِه، سَواءٌ انْفَصَلَتْ في حَياتِه أو بعدَ مَوْتِه؛ لأنها أجْزاءٌ مِن جُمْلَةٍ. فَكان حُكْمُها كسائِرِ الحَيَواناتِ الطاهِرَةِ والنَّجِسَةِ. (وعنه، أنها نَجِسَةٌ) اخْتارَه القاضي؛ لأنها لا حُرْمَةَ لها، بدَلِيلِ أنَّه لا يُصَلَّى عليها. فعلى هذا يَكُونُ (حُكمُها حُكْمَ العَظْمَ النجِسِ) على ما بَيَّنا. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «سنة». (¬3) في م: «ولأن».

340 - مسألة: (ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل التى تقيم فيها وتأوي إليها والموضع المغصوب. وعنه، تصح مع التحريم)

وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَالْحَمامِ، وَالْحُشِّ، وَأعطانِ الإبِلِ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا وَتَأوِي إلَيْها، وَالْمَوْضِع الْمَغْصُوب. وَعَنْهُ، تَصِحُّ مَعَ التحْرِيمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 340 - مسألة: (ولا تصِحُّ الصلاةُ في المَقْبَرة والحَمّامِ والحُشِّ وأعْطانِ الإبِلِ التى تُقِيمُ فيها وتَأوِي إليها والمَوْضِع المَغْصُوبِ. وعنه، تَصِحُّ مع التحْرِيمِ) اخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في الصلاةِ في هذه المَواضِع؛ فرُوِيَ عنه أن الصلاةَ لا تَصِح فيها بحالٍ. رُوِيَتْ كَراهَةُ الصلاةِ في المَقْبَرَةِ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والنخَعِي، وابنِ المُنْذِرِ. ومِمن قال: لا يُصَلى في مَبارِكِ الإبِلِ. ابنُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عُمَرَ، وجابِرُ بنُ سَمرَةَ، والحسنُ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، أنَّ الصلاةَ في هذه صَحِيحَة، ما لم تَكنْ نَجِسَةً. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ، وأبي حنيفةَ؛ لقولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». وفي لَفْظٍ: «فَحَيْثُمَا أدْرَكَتْكَ الصلَاة فَصَلِّ؛ فَإنهُ مَسْجِدٌ». مُتِّفَق عليه (¬1). ولأنه مَوْضِع طاهِرٌ، فصَحَّتِ الصَّلاةُ فيه، كالصحْراءِ. والأوْلَى ظاهِر المَذْهَبِ؛ لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الأرْضُ كُلهَا مَسْجدٌ إلَّا الحَمَّامَ والمَقْبَرَةَ». رَواه أبو داودَ (¬2). وعن جابِرِ بنِ سَمرَةَ، أن رجلًا سال رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أنصَلِّي في مَرابِض الغنَمِ؟ قال: «نَعَمْ». قال: أنصَلى في مَباركِ الإبِلِ؟ قال: «لَا». رَواه مسلم (¬3). وهذه الأحادِيث خاصةٌ مُقَدَّمَةٌ على عُمُوم أحادِيثِهم. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 34. (¬2) في: باب في المواضع التى لا تجوز فيها الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 114. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام, من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 113، 114. وابن ماجه، في: باب المواضع التى تكره فيها الصلاة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 246. والدارمي، في: باب الأرض كلها طهور ما خلا المقبرة والحمام, من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 323. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 83، 96. (¬3) في: باب الوضوء من لحوم الإبل، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 275. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 93 , 98 , 100, 106، 108.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمَّا الحُشُّ فثَبَتَ الحُكْمُ فيه بالتنبِيهِ؛ لأنه إذا مُنِع مِن الصلاةِ في هذه المَواضِعِ، لكَوْنِها مَظانَّ النجاسَةِ، فالحُشُّ أوْلَى، لكَوْنِه مُعدًّا للنَّجاسَةِ ومَقْصُودًا لها، ولأنه قد مُنِع مِن ذِكْرِ اللهِ تعالى والكلامِ فيه، فمَنْعُ الصلاةِ فيه أوْلَى. قال شيخُنا (¬1): ولا أعْلَمُ فيه نَصًّا. وقال بَعْضُ أصحابِنا: إن كان المُصَلِّي عالِمًا بالنَّهْىٍ، لم تَصِح صَلَاتُه فيها؛ لأنه عاصٍ بالصلاةِ فيها، والمَعْصِيَةُ لا تكونُ قُرْبَة ولا طاعَةً. وإن كان جاهِلًا، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها لا تَصِحُّ مع العِلْمِ، فلم تَصِحَّ مع الجَهْلِ، كالصلاة في مَحَل نَجِسٍ. والثانيةُ، تَصِحُّ؛ لأنه مَعْذُورٌ. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 471.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ذَكَر القاضي أنَّ المَنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع تَعَبُّدٌ، فعلى هذا يَتَناوَلُ النَّهْىُ كل ما يَقع عليه الاسْمُ، فلا فرْقَ في المَقبَرَةِ بينَ الحَدِيثَةِ والقَدِيمَة، وما تَقَلَّبَتْ أترِبتها أو لم تتَقلِّبْ. فأمَّا إن كان فيها قَبْرٌ أو قبْران، لم يُمْنعْ مِن الصلاةِ فيها، لأنه لا يَتَناوَلها الاسْمُ. [ويَحْتَمِل إلْحاقُها بما فيها أكْثَرُ مِن قَبْرَيْن؛ لأنها إنَّما سُمِّيَتْ مَقْبَرَةً لكَوْنِها قد قُبِر فيها، وهذا مَوْجُودٌ في القبريْن، ولأن قَوْلَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مسَاجِد» (¬1). يَتَناوَلُ ما فيه قبْرٌ واحدٌ، كذلك هذا. وعلى هذا، لو حَلَف لا يَدْخُلُ مَقْبَرةً، حَنِث بدُخُولِ ما فيه قبْران. والله أعلمُ] (¬2). وإن نُقِلَتِ القُبُورُ ما، حازَت الصلاةُ فيها؛ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب هل تنبش قبور مشركى الجاهلية. . . . إلخ، من كتاب الصلاة، وفي: باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، وباب ما جاء في قبر النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومن كتاب الجنائز، وفي: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، من كتاب الأنبياء، وفي: باب مرض النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ووفاته, من كتاب المغازي، وفي: باب الأكسية والخصائص، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 1/ 116، 2/ 111 , 128 , 4/ 206 , 6/ 13 , 7/ 190. ومسلم، في: باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 376، 377. وأبو داود، في: باب في البناء على القبر، من كتاب الجنائز. سنن أبي داود 2/ 194. والنَّسائيّ، في: باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، من كتاب المساجد، وفي: باب اتخاذ القبور مساجد، من كتاب الجنائز. المجتبى 2/ 32، 4/ 78. والدارمي، في: باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 326، والإمام مالك، في: باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، من كتاب الجامع. الموطأ 2/ 892. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 246 , 284 , 285، 366، 396، 454، 518، 5/ 184، 186 , 204، 6/ 80، 121، 229، 255، 275. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لزَوالِ الاسْمِ، ولأن مَسْجِدَ رسوِلِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كانت فيه قبُورُ المُشْرِكِين، فنُبِشَتْ. مُتَّفَق عليه (¬1). ولا فرْقَ في الحَمامِ بينَ مَكانِ الغَسْلِ، والمَسْلَخِ، والأتُونِ، وكل ما يُغْلَقُ عليه بابُ الحَمّامِ؛ لتَناوُلِ الاسْمِ له. وأعْطانُ الإبِلِ هي التى تُقِيمُ فيها وتأوِي إليها. وقيل: هي المَواضِعُ التى تُناخُ فيها إذا وَرَدَتْ. والأولُ أجْوَدُ؛ لأنه جَعَلَه في مُقابَلَةِ مُراحِ الغنَمِ. والحُشُّ الذى يُتَّخَذ للغائِطِ والبَوْلِ. فيُمْنَعُ مِن الصلاةِ فيما هو داخِلُ بابِه. قال شيخُنا (¬2): ويَحْتَمِلُ أنَّ المنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع مُعَلل بكَوْنِها مَظان للنجاساتِ؛ فإن المَقْبَرَةَ تُنبَشُ، ويَظْهَرُ التُّرابُ الذى فيه دِماءُ المَوْتَى وصَدِيدهم، ومَعاطِنُ الإبِلِ يُبالُ فيها، فإنَّ البَعِيرَ البارِكَ كالجِدار؛ يستتِرُ به ويَبول، كما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، ولا يَتَحَقِّقُ هذا في غيرِها. والحَمّامُ مَوْضِعُ الأوْساخِ والبَوْلِ. فنُهِيَ عن الصلاةِ فيها لذلك وإن كانت طاهِرَةً؛ لأن المَظنَّة يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بها وإن خَفِيَتِ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب هل تنبش قبور مشركى الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، من كتاب الصلاة، وفي: باب حرم المدينة، من كتاب فضائل المدينة, وفي: باب مقدم النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصحابه المدينة، من كتاب مناقب الْأَنصار. صحيح البُخَارِيّ 1/ 117، 3/ 25 , 26 , 5/ 86، 87. ومسلم, في: باب ابتناء مسجد النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 373، 374. كما أخرجه أبو داود، في: باب في بناء المساجد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 107. والنَّسائيّ, في: باب نبش القبور واتخاذ أرضها مساجد، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 32. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 123 , 212، 244. (¬2) في: المغني 2/ 471.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الحِكْمَةُ، ومتى أمْكَنَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ، كان أوْلَى مِن قَهْرِ التَّعَبدِ. ويَدُلُّ على هذا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ إلى الحُشِّ المسْكوتِ عنه بالتَّنْبِيه، ولابدَّ في التنبِيهِ مِن وُجُودِ مَعْنَى المَنْطوقِ، وإلَّا لم يَكُن تَنْبِيهًا. فعلى هذا يُمْكِنُ قَصْرُ الحُكْمِ على ما هو مَظِنة منها. فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ في مَوْضِع المَسْلَخِ مِن الحَمّامِ، ولا في سَطْحِه؛ لعَدَمِ المَظنةِ فيه، وكذلك ما أشْبَهَه. والله أعلمُ. فصل: ولا تَصِحُّ الصلاةُ في المَوْضِع المَغْصُوبِ في أظْهِرِ الروايَتَيْن، وأحَدِ قَوْلَى الشافعيّ. والروايَةُ الثانيةُ، تَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والقولُ الثاني للشافعي؛ لأن النهْىَ لا يَعُودُ إلى الصلاةِ، فلم يَمْنع صِحتَها، كما لو صَلَّى وهو يَرَى غَرِيقًا يُمْكنُه إنْقاذُه، فلم يُنْقِذْه، أو مَطَل غريمَه الذى يُمْكنُه إيفاؤه وصَلَّى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ووَجْهُ الأولَى، أنَّ الصلاةَ عِبادَةٌ، أتى بهِا على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنه، فلم تَصِحَّ، كصلاةِ الحائض؛ فإنْ حَرَكاتِه مِن القِيامِ والركُوعِ والسجُودِ أفْعالٌ اخْتِيارِية، هو مَنْهِي عنها عاص بها، فكيف يكُونُ مُطِيعًا بما هو عاص به. فأمّا مَن رَأى الغَرِيقَ فليس بمَنْهي عن الصلاةِ، إنما هو مَأمُورٌ بالصلاةِ وإنْقاذِ الغرِيقِ، وأحَدُهما آكَدُ مِن الآخَرِ. أمَّا في مسألتِنا، فإن أفْعالَ الصلاةِ في نَفْسِها مَنْهِيّ عنها. إذا ثَبَت هذا, فلا فَرْقَ بينَ غَصْبِه لرَقبة الأرْض، أو دَعْواه (¬1) مِلْكيتها، وبينَ غَصْبِه مَنافِعَها، بأن يَدعِيَ إجارَتَها ظُلْمًا (¬2)، أو يَضَعَ يَدَه عليها مُدة ويُخْرِجَ ساباطًا (¬3) في مَوْضع لا يَحِل له، أو يَغْضبِ راحِلَةً ويُصَلىَ عليها، أو سَفِينَة ويصلِّيَ فيها، أو لَوْحًا فيَجْعَلَه سَفِينَةً ويُصَلِّيَ عليه، كل ذلك حُكمُه في الصلاةِ حُكْمُ الدار المَغْصُوبَةِ على ما بَيَّناه. ¬

(¬1) في م: «ودعواه». (¬2) في الأصل, م: «ظالمًا». (¬3) الساباط: سقيفة تحتها ممر نافذ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال أحمدُ: يُصَلى الجُمُعَةَ في مَوْضِعِ الغَصْبِ. يَعْنِي إذا كان الجامع أو بَعْضُه مَغْصُوبًا، صَحتِ الصلاةُ فيه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ تَخْتَصُّ ببُقْعَةٍ، فإذا صَلّاها الإمامُ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ، فامْتَنَع النّاسُ مِن الصلاةِ فيه، فاتَتْهم الجُمُعَةُ، وكذلك مَن امْتَنَع فاتَتْه، ولذلك أبِيحَتْ خلفَ الخَوارِجِ والمُبْتَدِعَةِ، وصَحَّتْ في الطُّرقِ لدُعاءِ الحاجَةِ إليها، وكذلك الأعْيادُ والجِنازَةُ. فصل: وتُكْرَه في مَوْضِعَ الخَسْفِ. قالَه أحمدُ: لأنه مَوْ ضِعٌ مَسْخوطٌ عليه، وقد قال النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لأصحابِه يومَ مَرَّ بالحِجْرِ (¬1): «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤلَاءِ المُعَذبِينَ، إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أصَابَهُمْ» (¬2). ¬

(¬1) الحجر: اسم ديار ثمود بوادى القرى، بين المدينة والشَّام. معجم البلدان 2/ 208. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، من كتاب الصلاة، وفي: باب قوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا}، من كتاب الأنبياء، وفي: باب نزول النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الحجر، من كتاب المغازي، وفي: باب {ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين}، في تفسير سورة الحجر، من كتاب التفسير. صحيح البُخَارِيّ 1/ 118، 4/ 181 , 5/ 9 , 6/ 101. ومسلم، في: باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلَّا أن تكونوا باكين، من كتاب الزهد. صحيح مسلم 4/ 2285، 2286. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 9 , 58 , 66 , 72 , 74 , 91 , 96 , 113 , 117 , 137.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولا بَأسَ بالصلاةِ في الكَنِيسَةِ النظِيفَةِ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وأبي موسى؛ وهو قول الحسنِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والشعْبِي، والأوْزاعِي. وكَرِه ابنُ عباس ومالكٌ الكنائِسَ؛ لأجْلِ الصُّوَرِ. وقال ابنُ عَقِيل: تُكْره الصلاةُ فيها؛ لأنه كالتَّعْظِيمِ والتبجِيلِ لها، وقِيل: لأنه يُضِر بهم. ولَنا، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى في الكَعْبَةِ وفيها صُوَر (¬1)، ثم قد دَخَلتْ في عُمُومِ قولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَأيْنَمَا أدْرَكتكَ (¬2) المملَاةُ فَصَل، فَإنهُ مَسْجِدٌ». مُتَّفق عليه (¬3). ¬

(¬1) أخرج أبو داود، من حديث جابر، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى محيت كل صورة فيها. في باب في الصورة: من كتاب اللباس. سنن أبي داود 2/ 393. قال ابن قيم الجوزية: وفي القصة [أي قصة فتح مكة] أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- دخل البيت وصلى فيه، ولم يدخله حتى محيت الصور منه، ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصور. زاد المعاد 3/ 458. (¬2) في الأصل: «أدركت». (¬3) تقدم تخريجه في 1/ 34.

341 - مسألة: (وقال بعض أصحابنا: حكم المجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق وأسطحتها، كذلك)

وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابنَا: حُكْمُ الْمَجْزَرَةِ، وَالْمَزْبَلَةِ، وَقَارِعَةِ الطرِيقِ، وَأَسْطِحَتِها كَذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 341 - مسألة: (وقال بَعْضُ أصحابِنا: حُكْمُ المَجْزَرَةِ، والمَزْبَلَةِ، وقارِعَةِ الطريقِ وأسْطِحَتِها، كذلك) لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيها، الصلَاةُ؛ ظَهْرُ بَيْتِ الله، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وعَطنُ (¬1) الإبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطريقِ». رَواه ابن ماجَه (¬2). وقالوا (¬3): الحُكْمُ في هذه المَواضِع الثلاثة كالحُكْمِ في الأرْبعةِ. ولأن هذه المَواضِعَ مَظَانُّ ¬

(¬1) في الأصل: «أعطان». (¬2) في: باب المواضع التى تكره فيها الصلاة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 246. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 144. (¬3) أي الأصحاب. وفي م: «وقال».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للنَّجاساتِ، فعُلق الحُكْمُ عليها وإن لم تُوجَدِ الحَقِيقَة، كما انتقَضتَ (¬1) الطهارة بالنوْمِ، ووَجَب الغُسْلُ بالْتِقاءِ الخِتانَيْن. قال شيخُنا (¬2): والصحِيحُ جَواز الصلاةِ فيها. وهو قول أكثر أهل العلمِ، ويَحْتَمِلُه اخْتِيارُ الخِرَقِيّ؛ لأنّه لم يَذْكرْها، لعُمُومَ قَولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا». مُتَّفَق عليه (¬3). واسْتثنِيَ منه المَقْبَرَةُ، والحَمَّامُ، ومَعاطِنُ الإبِلِ، بأحادِيثَ صَحِيحَةٍ، ففيما عَدا ذلك يَبْقَى على العُمُومِ. وحديث ابنِ عُمَرَ يَرْويه العُمَرِي، وزَيْدُ بنُ جَبِيرَةَ (¬4)؛ وقد تكلِّمَ فيهما مِن قِبَلِ حِفْظِهما، فلا يُتْرَكُ به الحديثُ الصحِيحُ. وأكثر أصحابنا على القَوْلِ الأولِ. ومَعنَى مَحَجَّةِ الطرِيقِ، الجادةُ المَسْلُوكَةُ في السفر. وقارِعَة ¬

(¬1) في تش: «نقضت». (¬2) في: المغني 2/ 473. (¬3) تقدم تخريجه في 1/ 34. (¬4) زيد بن جبيرة، المدنِيُّ، قال البُخَارِيّ: منكر الحديث، وقال ابن عبد البر: أجمعوا علي أنَّه ضعيف. تهذيب التهذيب 1/ 401.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الطَّريقِ، التى تَقْرَعُها الأقْدامُ، مِثْلَ الأسْواقِ والمشارِعِ (¬1). ولا بَأسَ بالصلاةِ فيما عَلا منها يَمنةً ويَسْرَةً، وكذلك الصلاةُ في الطرِيقِ التى يقِل سالِكُها، كطَرِيقِ الأبياتِ اليَسِيرَةِ. فإن بني مَسْجد في طَرِيق، وكان الطرِيقُ ضَيقًا بحيث يَسْتَضِرُّ المارةُ ببِنائه، لم يَجُزْ بِناؤُه، ولا الصَّلاةُ فيه، وإن كان واسِعًا لا يُضِرُّ بالمارةِ، جاز. وهل يُشترَطُ إذْنُ الإمامِ؟ على رِوايَتَيْن. ذَكَرَه القاضي. والمَجزَرَةُ: التى يَذبَحُ فيها النَّاسُ، المُعَدةُ لذلك، ولا فَرْقَ في هذه المَواضِع بينَ الطاهِرِ والنجِس، ولا في المَعاطِنِ بينَ أن يكُونَ فيها إبلٌ في ذاك الوَقتِ أولا، فأما المواضِعُ التى تبِيتُ فيها الإبِلُ في مَسِيرِها، أو تُناخُ فها لِعلْفِها أو وُرُودِها، فلا تُمْنَعُ الصلاةُ فيها. قال الأثرَمُ: سُئِل أبو عبدِ الله عِن الصلاةِ في مَوْضِع فيه أبعارُ الإبِلِ، فرخَّصَ فيه، ثم قال: إذا لم تَكُنْ مِن مَعاطِنِ الإبِلِ، التى نُهِيَ عن الصلاةِ فيها، التى تَأوِي إليها. ¬

(¬1) جمع مَشرَعة، وهي مورد الماء الذى يُستقى منه بلا رِشاء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأما أسْطِحَةُ هذه المَواضِع، فقال القاضي، وابنُ عَقِيل: حُكْمُها حُكْمُ السفْلِ؛ لأنَّ الهواءَ تابعٌ للقَرار، ولذلك لو حَلف لا يَدْخُلُ دارًا، فدَخَلَ سَطْحَها، حَنِث. والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَصْرُ النهْي على ما تَناوَلَه النَّص، وأنَّ الحُكْمَ لا يُعَدى إلى غيرِه. ذَكَرَه شيخُنا (¬1)؛ لأن الحُكْمَ إن كان تَعَبُّدًا، لم يُقَسْ عليه، وإن عُلل فإنَّما يُعَلل بمظنةِ النجاسَةِ، ولا يُتَخيلُ (¬2) هذا في أسْطِحَتِها. فأما إن بَنَى على طَرِيقٍ ساباطًا أو جَناحًا وكان ذلك مُباحًا له، مِثْلَ أن يكون في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بإذْنِ أَهْلِه، أو مُسْتَحَقًّا له، فلاْ بَأسَ بالصلاةِ عليه. وإن كان على طَرِيقٍ نافِذٍ فالمُصَلى فيه كالمُصَلَّى في المَوْضِع المَغْصُوبِ. وإن كان الساباطُ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 474. (¬2) في تش: «يتحلل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على نَهْرٍ، تَجْرِي فيه السُّفُنُ، فهو كالسَاباطِ على الطَّرِيقِ. وهذا فيما إذا كان السطْحُ حادِثًا على مَوْضِع النهْيِ، فإن كان المَسْجِدُ سابِقًا، فحَدَثَ تحته طَرِيق، أو عَطَنٌ، أو غيرُهما مِن مَواضَع النهْيِ، أو حَدَثَتِ المقْبَرَةُ حَوْلَه، لم تُمْنَع الصلاةُ فيه، بغيرِ خِلاف؛ لأنه لم (¬1) يتْبَعْ ما حَدَث بعدَه (¬2). وذَكَر القاضي فيما إذا حَدَث تحتَ المَسْجِدِ طَرِيق وَجْهًا في كَراهَةِ (1) الصلاةِ فيه. والأولُ أوْلَى. فأما إن بُنِىَ مَسْجِدٌ في مقبَرَةٍ بينَ القُبُورِ، فحُكمُه حُكْمُها؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ بذلك عن أن يكُونَ في المَقْبَرَةِ، وقد روَى قَتادَةُ أنَّ أنَسًا مَرّ على مَقْبَرة، وهم يبْنُونَ فيها مَسْجِدًا، فقال: كان يُكْرَهُ أن يُبْنَى مسجدٌ في وَسَطِ القبُورِ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في الأصل: «عنده».

342 - مسألة: (وتصح الصلاة إليها، إلا المقبرة والحش، في قول ابن حامد)

وَتَصِحُّ الصلَاةُ إلَيْهَا، إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحُشَّ، فِي قوْلِ ابْنِ حَامِدٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 342 - مسألة: (وتَصِحُّ الصلاة إليها، إلَّا المَقْبَرةَ والحُشَّ، في قَوْلِ ابنِ حامدٍ) تُكره الصلاةُ إلى هذه المَواضِع، فإن فَعَل صَحتْ صَلَاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِواية أبي طالِبٍ. وقال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ في الإعادِةِ قَوْلان؛ أحَدُهما، يُعِيدُ؛ لموْضِع النَّهْيِ، وبه أقُولُ. والثاني، يَصحُّ؛ لعدَمِ تَناوُلِ النهْيِ له. قال ابنُ حامدٍ: إن صَلَّى إلى المَقْبَرَةِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والحُشِّ، فهو كالمُصَلى فيهما إذا لم يَكُنْ بينَه وبَيْنَهما حائِلٌ، لِما روي أبو مَرْثَد الغنَوِيُّ، أنَّه سَمِع رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لَا تُصَلُّوا إلي القبُورِ (¬1) وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا (¬2)». مُتَّفَق عليه (¬3). قال القاضي: وفي هذا تَنْبِيه على المواضِعِ التى نُهىَ عن الصلاةِ فيها. وذَكر القاضي في «المُجَرَّدِ»، قال: إن صَلَّى إلى العَطَنِ فصَلاتُه صَحِيحَة، بخِلافِ ما ¬

(¬1) في الأصل: «المقبرة». (¬2) في الأصل: إليها. (¬3) كذا ذكر ابن قدامة، ولم يخرجه البُخَارِيّ. انظر: تحفة الأشراف 8/ 329. وأخرجه مسلم، في: باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، من كتاب الجنائز. صحيح مسلم 2/ 668. كما أخرجه أبو داود باب في كراهية القعود علي القبر، من كتاب الجنائز. سنن أبو داود 1/ 194.والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية الوطء على القبور والجلوس عليها والصلاة إليها، من أبواب الجنائز. عارضة الأحوذي في 4/ 270. والنَّسائيّ، في: باب النهي عن الصلاة إلى القبر، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 53. الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 135.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قُلْناه في الصلاةِ إلى المقْبَرَةِ والحُشِّ. قال شخُنا (¬1): والصحِيحُ أنَّه لا بَأسَ بالصلاةِ إلى شيء مِنْ هذه المواضِعِ إلَّا المقْبَرَةَ، لوُرُودِ النَّهْيِ فيها، وذلك العمُومِ قولِه عليه السلامُ: «جُعِلَتْ لِي الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورا» (¬2). فإنَّه يَتَناولُ الذى يُصَلى فيه إلى هذه المَواضِع، وقياسُ ذلك على المقْبَرَةِ لا يصحُّ إن كان النَّهْىُ عن الصلاةِ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 473. (¬2) تقدم تخريجه في 1/ 34.

343 - مسألة: (ولا تصح الفريضة في الكعبة، ولا على ظهرها)

وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ إليها تَعَبُّدًا، وكذلك إن كان لمَعْنًى اخْتَص بها، وهو اتخاذُ القُبُور مَسْجِدًا، تَشَبُّهًا بمَن يُعَظمُها، وكذلك قال عليه السلامُ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يُحَذِّرُ مِثْلَ ما صَنَعُوا. مُتَّفَق عليه (¬1). واللهُ أعلمُ. 343 - مسألة: (ولا تَصِحُّ الفَريضَةُ في الكعْبَةِ، ولا على ظَهْرِها) وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ: تَصِحُّ؛ لأنه مَسْجِد، ولأنه مَحَلٌّ لصلاةِ النفْلِ، فكان مَحَلًّا للفَرْض، كخارِجها. ولَنا، قولُه تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوُّلواْ وُجُوهَكمْ شَطْرَه} (¬2). والمصَلَّى فيها أو على سَطحِها غيرُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 299. (¬2) سورة البقرة 144.

344 - مسألة: (وتصح النافلة إذا كان بين يديه شيء منها)

وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ مُسْتَقْبِل لجِهَتِها، فأمّا النّافِلَةُ فمَبْناها على التَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ؛ بدَلِيلِ صِحَّتِها قاعِدًا، وإلى غيرِ القِبْلَةِ في السفَرِ على الراحِلَةِ. 344 - مسألة: (وتَصِحُّ النَّافِلَةُ إذا كان بينَ يَدَيْه شيء منها) لا نَعْلمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في البيْتِ ركْعَتَيْن (¬1). إلَّا أنَّه إن توجَّه إلي ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة في الكعبة، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 467. والإمام أَحْمد، في المسند 2/ 46، 6/ 15. وعن الصلاة في البيت انظر: ما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة بين السواري في غير جماعة، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 134. ومسلم، في: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها. . . . إلخ من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 966. والنَّسائيّ، في: باب مقدار ذلك، من كتاب القبلة المجتبى 2/ 49. والإمام مالك، في: باب الصلاة في البيت وقصر الصلاة وتعجيل الخطبة بعرفة، من كتاب الحج. الموطأ 1/ 398. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 113، 138، 6/ 13.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ البابِ أو على ظَهْرِها، وكان (¬1) بينَ يَدَيْه شيءٌ مِن بِناءِ (¬2) الكعْبَةِ مُتَّصِل بها صحَّتْ صَلاتُه، وإن لم يَكُنْ بينَ يَدَيْه شيء شاخِص منها، أو كان بينَ يَدَيْه آخر مُعَبًّا غيرُ مَبْنِيٍّ، أو خَشَب غيرُ مسمَّر فيها (2)، فقال أصحابُنا: لا ¬

(¬1) في م: «أو كان». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَصِحُّ صَلَاتُه، لأنه غيرُ مُسْتَقْبِل لشئٍ منها. قال شيخُنا (¬1): والأوْلَى أنَّه لا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شئٍ منها بينَ يَدَيْه؛ لأن الواجِبَ اسْتِقْبالُ مَوْضِعِها ¬

(¬1) في: المغني 7/ 476.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَهوائِها، دُونَ حِيطانِها؛ بدَلِيل ما لو انْهَدَمَتْ، وكذلك لو صلَّى على جَبَلٍ عالٍ يَخْرُجُ عن مُسامَتَةِ البُنْيانِ، صَحتْ صَلاتُه إلى هَوائِها، كذلك هاهُنا.

باب استقبال القبلة

بَابُ استِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الشرطُ الْخَامس لِصِحَّةِ الصَّلاة، إلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ اسْتِقْبالِ القبْلَةِ (وهو الشرطُ الخامِس لصِحةِ الصلاةِ) لقَوْلِ الله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (¬1). أي نحْوَه. وقال عليٌّ، رَضىَ الله عنه: شَطْره قِبَلَه. ورُوِيَ عن البَراء، قال: قَدِم رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فصَلى نَحْوَ بيتِ المَقْدِس ستَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنه وُجهَ إلى الكَعبَةِ، فمَر رجلٌ صَلَّى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على قوم من الأنْصارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قد وُجِّهَ إلى الكعبَةِ. فانْحَرَفُوا إلى الكعبةِ. أخْرَجَه النَّسائِيُّ (¬2). 345 - مسألة؛ قال: (إلَّا في حالِ العَجْزِ عنه، ¬

(¬1) سورة البقرة 144. (¬2) في: باب القبلة، من كتاب الصلاة، وفي باب استقبال القبلة، من كتاب المجتبى 1/ 196، 2/ 47. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التوجه نحو القبة حيث كان، كتاب الصلاة، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. . . . إلخ، من كتاب الآحاد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 110، 9/ 108. ومسلم، في: باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 374. والتِّرمذيّ، في: باب حَدَّثَنَا هناد حَدَّثَنَا وكيع عن إسرائيل، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 11/ 85. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 304.

وَالنَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السفَرِ الطوِيلِ وَالْقَصِيرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ والنّافِلَةِ على الراحِلَةِ في السفَرِ الطَّوِيلِ والقَصِيرِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الاسْتِقْبالَ يَسْقُطُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ؛ أحَدُها، في حالِ العَجْزِ عنه، لكَوْنه مَرْبوطا إلى غيرِ القبْلَةِ، ونَحْوَه، فيُصَلى على حَسَب حالِه؛ لأنه شَرْط لصِحةِ الصلاةِ عَجَز عنه، أشْبَهَ القيامَ. الثاني، إذا اشْتَد الخَوْفُ، كحال الْتِحامِ الحَرْبِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله. الثالث، في النّافِلةِ على الرّاحِلةِ، ولا نَعْلَمُ في إباحَةِ التطوُّعِ على الرّاحِلَةِ إلى غيرِ القبْلَةِ في السفَرِ الطوِيلِ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. قال ابنُ عبدِ البَرّ: أجْمَعُوا على أنَّه جائِزٌ لكل مَن سافَرَ سَفَرا تُقْصَرُ فيه الصلاةُ أن يَتَطَوعَ على دابتِه حَيْثُما تَوَجهَتْ به، يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أخْفَضَ مِن الرُّكُوع. وحُكْمُ (¬1) السفَرِ القَصِيرِ حُكْمُ الطَّوِيلِ في ذلك. وهو قولُ الأوْزاعيِّ، ¬

(¬1) في م: «وهل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والشافعيِّ، وأصحابِ الرأيِ. وقال مالك: لا يُباحُ؛ لأنَّه رُخْصَةُ سَفَرٍ، فاخْتَصَّ بالطَّوِيلِ كالقَصْرِ (¬1). ولَنا، قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} (¬2). قال ابنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هذه الآيَةُ في التَّطَوُّعِ خاصة، حيثُ تَوَجَّهَ بك بَعِيرُك (¬3). وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ راحِلَتِه حيث كان وَجْهه، يُومِئُ ¬

(¬1) في م: «لا القصير». (¬2) سورة البقرة 115. (¬3) تفسير الطبري 2/ 530. وانظر تخريجه في حاشيته.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِرأسه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وللبُخارِي: إلَّا الفَرائِضَ (¬2). ولم يُفَرقْ بينَ قصِيرٍ السفَرِ وطَوِيله، ولأن إباحَةَ التطَوعِ على الرّاحِلَةِ تَخْفِيف (¬3)، كَيْلا يُؤدِّى إلى تَقْلِيله وقَطْعِه، وهذا يَسْتَوِي فيه الطوِيلُ والقَصِيرُ، والفِطْرُ والقَصْرُ تُراعَى فيه المَشَقةُ، وإنما تُوجَدُ غالِبًا في الطَّوِيلِ. قال القاضي: الأحْكامُ التى يَسْتَوِي فيها السَّفَرُ الطَّوِيلُ والقَصِيرُ ثَلاثة؛ التيمُّمُ، وأكلُ المَيتةِ في المخْمَصَةِ، والتَّطَوعُ على الراحِلَةِ، وبَقِيةُ الرُّخَص تَخْتَصُّ الطَّوِيلَ؛ وهي القَصر (¬4)، والجَمْعُ، والمسْحُ ثلاثًا. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ينزل للمكتوبة، وباب من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة؛ من كتاب تقصير الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 56، 57. ومسلم، في: باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت. صحيح مسلم 1/ 484. كما أخرجه النَّسائيّ في: باب الحال التى يجوز فيها استقبال غير القبلة، من كتاب الصلاة والقبلة. المجتبى 1/ 196، 197، 2/ 48، والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 132. وبرواية عامر بن ربيعة، أخرجه الدَّارميّ، في. باب الصلاة في الراحلة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 356. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 446. وبلفظ «كان يوتر على بعيره» أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الوتر على الدابة، من كتاب الوتر. صحيح البُخَارِيّ 2/ 31، 32. ومسلم، في: باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 487. كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر. سنن أبي داود 1/ 279. والنَّسائيّ، في: باب الوتر على الراحلة، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 190. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر على الراحلة، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 379. والدارمي، في: باب الوتر على الراحلة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 373. والإمام أَحْمد، في: باب الأمر بالوتر، من كتاب صلاة الليل، الموطأ 1/ 124 والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 7، 57، 138. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الوتر في السفر، من كتاب الوتر. صحيح البُخَارِيّ 2/ 32. (¬3) في الأصل: «تخفيفها». (¬4) في الأصل: «القصير».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه. قال جابِر: بَعَثَنِي رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حاجَةٍ، فجِئْت وهو يُصَلى على راحِلَتِه نَحْوَ المَشْرِقِ، والسجُودُ أخْفضُ عِن الركُوعِ. رَواه أبو داودَ (¬1). و [يجوزُ أن] (¬2) يُصَلىَ على البَعِيرِ والحِمارِ وغيرِهما. قال ابنُ عُمَرَ: رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى على حِمار، وهو مُتَوَجِّه إلى خَيْبَرَ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ (¬3). لكن إذا قُلْنا بنَجاسةِ الحِمارِ، فلا بُدَّ أن يكُونَ تحتَه سُترة طاهِرَةٌ. فصل (¬4): فإن كان على الرّاحِلَةِ في مَكانٍ واسِع، كالمُنْفَرِدِ في العَمَّاريَّة يَدُورُ فيها كيف شاء، ويَتَمكَّنُ مِن الصلاةِ إلى القِبْلَةِ والرُّكُوعِ والسجُودِ بالأرْض، لَزِمَه ذلك، كراكِب السفِينَةِ. وإن قَدَر على الاستِقْبالِ دُونَ الرُّكُوعِ والسجُودِ، لَزِمَه الاستِقْبالُ، وأوْمَأَ بهما. نصَّ عليه. وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: يَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه شئٌ مِن ذلك، كغيرِه؛ لأن الرُّخْصَةَ العامَّةَ يَسْتَوِي فيها مَن وُجِدَتْ فيه المَشَقَّةُ وغيرُه، ¬

(¬1) في: باب التطوع على الراحلة والوتر؛ من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 279. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الصلاة على الدابة حيثما توجهت به، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 146، 147. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 300، 308، 330، 332، 334، 379، 389. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 279. والنَّسائيّ، في: باب الصلاة على الحمار، من كتاب المساجد المجتبى 2/ 47. كما أخرجه الإمام مالك، في: باب صلاة النافلة في السفر بالنهار والليل والصلاة على الدابة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 150، 151. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 7، 49، 57؛ 75، 83، 128. (¬4) سقط من: م.

346 - مسألة: (وهل يجوز للماشي؟ على روايتين)

وَهَلْ يَجُوزُ التَنَفُّلُ لِلْمَاشِي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ كالقَصْرِ والجَمْعِ. وإن عَجَز عن ذلك، سَقَط بغيرِ خِلافٍ. فصل: وقبْلَةُ هذا المصلى حيث كانت وِجْهته، فإن عَدَل عنها إلى جِهَةِ الكعْبَةِ، جاز؛ لأَنها الأصْلُ، وإنَّما سَقَط للعُذْرِ، وإن عَدل إلى غيرِها عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُه؛ لأنه تَرَك قِبْلَتَه عَمْدًا. وإن كان مغْلُوبًا، أو نائِمًا، أو ظَنا منه أنَّها جِهَةُ سَيْرِه، فهو كل صَلاتِه، ويَرْجِعُ إلى جِهَةِ سَيْرِه إذا أمْكنَه. فإن تَمادَى به ذلك بعدَ زَوالِ عُذْرِه، فسدَتْ صَلَاتُه؛ لترْكِه الاستِقْبالَ عمْدًا. ولا فَرْقَ بينَ جَمِيعِ التَّطَوعاتِ في هذا؛ النَّوافِلِ المُطْلَقَةِ، والسنن الرواتِب، والوِتْرِ، وسُجُودِ التلاوَةِ، وقد كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ على بَعِيرِه. مُتَّفَق عليه (¬1). 346 - مسألة: (وهل يَجُوزُ للماشِي؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا يَجُوزُ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ، ومَذْهَبُ أبِي حنيفةَ؛ لعُمُوم قَوْلِه تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَولُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. والنَّصُّ إنما وَرَد ¬

(¬1) انظر تخريج حديث ابن عمر المتقدم في صفحة 322.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في الرّاكِبِ، ولا يَصِحُّ قياس الماشِي عليه؛ لأنه يَحْتاجُ إلي عمَل كَثِيرٍ، ومَشْى مُتَتابع يُنافِي الصلاةَ، فلم يصِح الإلْحاقُ. والثانية، يَجُوزُ ذلك للماشِي. نَقَلَها عنه المُثَنَّى بنُ جامِع (¬1)، واخْتارَه القاضي. فعلى هذا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ لافْتِتاحِ الصلاةِ، ثم يَنْحَرِفُ إلى جِهَةِ سَيْرِه، ويَقْرأ وهو ماشٍ، ويَرْكَعُ ثم يَسْجُد بالأرض. وهذا قول عَطاء، والشافعي؛ لأن الرّكُوعَ والسُّجُودَ مُمْكِن مِن غيرِ انْقِطاعِه عن جِهَةِ (¬2) سيْرِه، فلَزِمَه، كالواقِفِ. وقال الآمدى: يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، كالراكِبِ، قِياسًا عليه. ووَجْهُ هذه الرواية أن الصلاةَ أبِيحَتْ للراكِبِ كَيْلا يَنْقَطِعَ عن القافِلَةِ في السفَرِ، وهو مَوْجُودٌ في الماشِي، ولأنها إحْدَى حالتيِ السفَرِ، أشبَهَ الراكِبَ. ¬

(¬1) في تش: «حامد». (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا دَخَل المصَلى بَلدًا ناويًا الإقامَةَ (¬1) فيه، لم يصَلِّ بعدَ دخوله إليه إلَّا صلاةَ المُقِيمِ. وإن كان مُجْتازًا غيرَ ناوٍ للإقامَةِ، أو نَوَى الإقامَةَ مُدةً لا يَلْزمُه فيها إتْمامُ الصلاةِ، اسْتَدامَ (¬2) الصلاةَ ما دامَ سائِرا، فإذا نزل فيه، صَلى إلى القِبْلَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلَاتِه، كالخائِفِ إذا أمِن في أثْناءِ صَلاتِه. ولو ابْتَدَأها (¬3)، وهو نازِل إلى القِبْلَةِ، ثم أراد الركوبَ، أتمَّ صَلاتَه، ثم يَرْكَبُ. وقِيل: يَرْكَبُ في الصلاة، ويتمُّها إلى جِهةِ سَيْرِه، كالآمِنِ إذا خاف في صَلاتِه، والأولُ أوْلَى. والفَرْقُ بينَهما أنَّ حالَةَ الخَوْفِ حالَةُ ضَرُورَةٍ، أبِيحَ فيها ما يَحْتاجُ إليه مِن العَمَلِ، وهذه رُخْصَة مِن غيرِ ضَرورَةٍ (¬4)، فلا يُباحُ فيها غير ما نُقِل، ولم يَرِدْ بإباحَةِ الرُّكُوبِ الذى يَحْتاجُ إلى عَمَل وتَوَجُّهٍ إلى غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ ولا جِهَةِ سَيْرِهِ سُنَّة، فيَبْقَى على الأصْلِ. والله سبحانه وتعالى أعلم. ¬

(¬1) في م: «للإقامة». (¬2) في الأصل: «واستدام». (¬3) في الأصل: «ابتدأ». (¬4) في الأصل: «ضرر».

347 - مسألة: (فإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة، فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين)

فَإنْ أمكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يلزمه ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 347 - مسألة: (فإن أمْكنه افْتِتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَلْزَمُه ذلك؟ على رِوايَتَيْن) متى عَجَز عن اسْتقْبالِ القِبْلَةِ في ابْتِداءِ صَلاِته، كراكِبِ راحِلَةٍ لا تُطِيعُه، أو جَمَل مقْطُورٍ (¬1)، لم يَلْزَمْه؛ لأنه عاجِزٌ عنه، أشْبَهَ الخائِفَ إذا عَجَز عن ذلك. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه. وإن أمكنه ذلك كراكِبِ راحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطيعُه، فهل يَلْزَمُه افْتِتاحُ الصلاةِ ¬

(¬1) أي: يسير في قطار، وهو العدد على نسق واحد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلى القِبْلَةِ؟ على روِايَتَيْن إحداهما، يَلْزَمُه؛ لِما روَى أنَس، أن رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سافر، فأراد أن يتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بناقَته (¬1) القِبْلَة، فكبر، ثم صَلى حيث كان وِجْهَةُ رِكابِه. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬2). ولأنه أمْكَنَه ابتداءُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ فلَزِمَه، كالصلاةِ كُلها. وهذا اخْتِيارُ ¬

(¬1) في تش: «بناقته». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 279 والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 203.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخِرَقِي. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه، لحدِيثِ ابنِ عُمَرَ (¬1). اخْتارَه أبو بكرٍ. ولأنَّه جُزْء مِن أجْزاءِ الصلاةِ، أشْبهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخْلُو مِن مَشَقَّةٍ، فسَقَطَ، وخبرُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُحْمَلُ على الفَضِيلَةِ والندْبِ. والله أعلم. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 322.

348 - مسألة: (والفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب منها، إصابة، الجهة لمن بعد عنها الناس في القبلة على ضربين؛ أحدهما، [من تلزمه]

وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ قرُبَ مِنْهَا، وإصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 348 - مسألة: (والفَرْضُ في القِبْلَةِ إصابةُ العَيْنِ لمن قَرب منها، إصابة، الجِهةِ لمن بَعُد عنها النَّاسُ في القِبْلَةِ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، [مَن تَلْزَمُه] (¬1) إصابَةُ عَيْنِ الكعبةِ، وهو مَن كان مُعايِنًا لها، ومَن كان يُمْكِنُه مِن أهلِها، أو نَشأ فيها، أو أكْثَرُ مُقامِه فيها، أو كان قَريبًا منها ¬

(¬1) في م: «يلزمه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن وراءِ حائِل مُحْدث (¬1) كالحِيطانِ والبُيوتِ، ففَرْضُه التَّوَجُّه إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ. وهكذا إن كان بمَسْجِدِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ لأنه مُتَيَقِّن صِحَّةَ قِبْلَتِه، فإن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وقد روَى أسامَةُ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَكَع رَكعَتَيْن قُبُل القِبْلَةِ، وقال: «هَذِهِ الْقِبْلةُ» (¬2). كذلك ذَكَرَه أصحابُنا. وفي ذلك نَظر؛ لأنه صلاة الصَّف المسْتَطِيلِ في مسجدِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صحِيحَة مع خُرُوجِ بَعضِهم عن استقبالِ عَيْنِ الكعْبَةِ، لكَوْنِ (¬3) الصَّفِّ أطْولَ منها. وقولُهم: إنه عليه السلامُ لا يُقَرُّ على الخطَأِ. ¬

(¬1) في م: «يحدث». (¬2) أخرجه مسلم في: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره. . . . إلخ، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 968. والنَّسائيّ، في: باب، وضع الصدر والوجه على ما استقبل من دبر الكعبة؛ من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 174. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 201، 208، 209، 210. (¬3) في م: «لكن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما الواجِبُ عليه اسْتِقْبالُ الجِهَةِ، وقد فعَلَه، وهذا الجَوابُ عن الخبَرِ المَذْكُورِ. وإن كان أعْمَى مِن أهلِ مَكَةَ، أو كان غَرِيبًا، وهو غائِب عن الكَعْبَةِ، ففَرضُه الخَبَرُ عن يقينٍ أو شُاهَدَةٍ، مِثْلَ أن يكونَ مِن وَراءِ حائِل وعلى الحائِلِ مَن يُخْبِرُه، أو أخْبَرَه أهلُ الدارِ أنَّه مُتَوَجِّهٌ إلى عَيْنِ (¬1) الكَعْبَةِ، فيَلْزَمُه الرجُوعُ إلى قَوْلِهم، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ إذا وَجَد الثمنَ. قال ابنُ عَقِيلٍ: لو خَرَج ببَعْض بَدَنِه (¬2) عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، لم تَصِح صَلاتُه. الثاني، مَن فَرْضُه إصابَةُ الجِهَةِ، وهو البَعِيدُ عن الكَعْبَةِ. فليس عليه إصابَةُ العَيْنِ. قال أحمدُ: ما بينَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ قِبْلةٌ، فإنِ انْحَرَفَ عن القِبْلَةِ قلِيلا ¬

(¬1) في الأصل: «غير». (¬2) في الأصل: «يديه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لم يُعِدْ، ولكنْ يَتَحَرى الوَسَطَ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْليِ الشَّافعيِّ، وقال في الآخَرِ: تَلزَمُه إصابَةُ العَيْنِ؛ لقولِ الله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وقِياسًا على القَرِيبِ، وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ أبي الخَطابِ. ولَنا، قولُه عليه السلامُ: «مَا بَيْن الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قبْلَة». رَواه الترمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديث حسن صحيح. ولأنا أجْمَعْنا على صِحةِ صلاةِ الاثنَيْن المُتَباعِدَيْن يَسْتَقْبِلان قبْلَةً واحِدة، وعلى صِحةِ صَلاةِ الصَّف الطَّوِيل على خَطٍّ مُسْتَوٍ لا يُمْكِنُ أن يُصِيبَ عَيْنَ الكَعْبَةِ إلَّا مَن كان بِقَدْرِها. فإن قِيل: مع البُعْدِ يَتَّسِع المحاذِي (¬2). قُلْنا: إنّما يَتَسِعُ مع التَّقوُّسِ، وأمّا مع عَدَمِه فلا. والله أعلمُ. ¬

(¬1) في: باب ما جاء أن بين المشرق والمغرب قبلة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 4/ 137 - 143. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب القبلة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 323. والإمام مالك، عن عمر بن الخَطَّاب يرفعه، في: باب ما جاء في القبلة، من كتاب القبلة. الموطأ 1/ 196. (¬2) في الأصل: «التحاذى».

349 - مسألة: (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين، لزمه العمل به، وإن وجد محاريب لا يعلم؛ هل هي للمسلمين، أولا؟ لم يلتفت إليها)

فَإنْ أمْكَنَهُ ذلِكَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ أوِ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ. وَإنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ لَا يَعْلَمُ هَل هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لَا، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 349 - مسألة: (فإن أمْكَنَه ذلك بخَبَرِ ثِقَةٍ عن يَقِينٍ أو اسْتِدْلالٍ بمَحاريبِ المُسْلِمِين، لَزِمَه العَمَلُ به، وإن وَجَد مَحاريبَ لا يَعْلَم؛ هل هي للمُسْلِمِين، أولا؟ لم يَلْتَفِتْ إليها) متى أخْبَرَه ثقَة عن يَقِينٍ، لَزِمَه قَبُولُ خبَرِه؛ لِما ذَكَرْنا. وإن كان في مِصْرٍ، أو قَرْيَةٍ مِن قُرَى المُسْلِمِين، ففَرْضُه التِّوَجُّهُ إلى مَحارِيبِهم؛ لأنَّ هذه القِبْلَةَ يَنْصِبُها أهلُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخِبْرَةِ والمَعْرِفَةِ، [فجَرَى ذلك مَجْرَى الخَبَرِ، فأغْنَى عن الاجْتِهادِ، وإن أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِن أهلِ المَعْرِفَةِ] (¬1) بالقِبْلَةِ مِن أهل البَلَدِ، أو مِن غيرِه، صار إلى خَبَرِه، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِن الثِّقَةِ، ولا يَجْتَهِدُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما يَلْزَمُه الرُّجُوعُ إلى الخَبَرِ وإلى المَحَارِيبِ في حَقِّ القَرِيبِ الَّذي يُخْبَرُ عن التَّوَجُّهِ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ، أمّا في حَقِّ مَن يَلْزَمُه قَصْدُ الجِهَةِ، فإن كان أعْمَى، أو مَن فَرْضُه التَّقْلِيدُ، لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى ذلك، وإن كان مُجْتَهِدًا، جاز له الرُّجُوعُ؛ [لِما ذَكَرْنا، كما يَجُوزُ له الرُّجُوعُ] (1)، في الوَقْتِ إلى قَوْلِ المُؤذِّنِ، ولا يَلْزَمُه ذلك، بل يَجُوزُ له الاجْتِهادُ، إن شاء، إذا كانتِ الأدِلَّةُ على القِبْلَةِ ظاهِرَةً، لأنَّ المُخْبرَ والذي نَصَب المَحارِيبَ إِنما يَبْنِي على الأدِلَّةِ. وقد ذَكَر ابنُ الزّاغُونِيِّ في كتابِ ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «الإِقْناعِ»، قال: إذا دَخَل رجلٌ إلى مَسْجِدٍ قَدِيم مَشْهُورٍ في بَلَدٍ مَعْرُوفٍ، كبَغْدادَ، فهل يَلْزَمُه الاجْتِهادُ، أم يُجْزِئُه التَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ؛ فيه رِوايَتان عن أحمدَ؛ إحْداهما، يَلْزَمُه الاجْتِهادُ؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ لا يَجُوزُ له أن يُقَلِّدَ في مَسائِلِ الفِقْهِ. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ اتِّفاقَهم عليها مع تَكرُّرِ الأعْصارِ إجْماعٌ عليها، ولا يَجُوزُ مُخالَفَتُها باجْتِهادِه. فإذا قُلْنا: يَجِبُ الاجْتِهادُ في سائِرِ البلادِ. ففي مَدِينَة النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِوايَتان؛ إحْداهما، يَتَوجَّهُ إليها بلا اجْتِهادٍ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُداوِمُ عليها إلَّا وهي مَقْطوعٌ بصِحَّتِها، فهو كما لو كان مُشاهِدًا للبَيْتِ. والثانية، هي كسائِرِ البِلادِ، يلْزَمُه الاجْتِهادُ فيها؛ لأنَّها نازِحَةٌ عن مَكَّةَ، فهي كغيرِها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَجُوزُ له (¬1) الاسْتِدْلالُ بمَحارِيبِ الكُفّارِ، لأنَّ قَوْلَهم لا يجُوزُ الرُّجُوعُ إليه، فمَحارِيبُهم أوْلَى، إلَّا أن نَعْلَمَ قِبْلَتَهم، كالنَّصارَى، فإذا رَأى مَحارِيبَهم في كَنائِسِهم عَلِم (¬2) أنَّها مُسْتَقْبِلَةٌ المَشْرِقَ. فإن وَجَد مَحارِيبَ لا يَعْلَمُ هل هي للمُسْلِمِين أو للكُفَّارِ، لم يَجُزِ الاسْتِدْلالُ بها؛ لكوْنِها لا دَلالَةَ فيها، وكذلك لو رَأى على المِحْرابِ آثارَ الإسلامِ؛ لجَوازِ أن يكُونَ البانِي مُشْرِكًا، عَمِلَه ليَغُرَّ به المُسْلِمِين، إلَّا أن يكونَ مِمّا لا يَتَطرَّقُ إليه هذا الاحْتِمالُ، ويَحْصُلَ له العِلْمُ أنَّه مِن (¬3) مَحارِيب المُسْلِمِين فيَسْتَقْبِلَه. فصل: وإذا صَلَّى على مَوْضِع عالٍ يَخْرُجُ عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، أو في مكانٍ يَنْزِلُ عن مُسامَتَتِها، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ الواجِبَ اسْتِقْبالُها وما حاذاها مِن فَوْقِها وتَحْتِها؛ لأنَّها لو زالَتْ صَحَّتِ الصلاةُ إلى مَوْضِع جِدارِها. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «على». (¬3) سقط من: م.

350 - مسألة: (وإن اشتبهت عليه في السفر، اجتهد في طلبها بالدلائل، وأثبتها القطب؛ إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلا القبلة

وَإنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ في السَّفَرِ، اجْتَهَدَ في طَلَبِهَا بِالدَّلَائِلِ، وَأثْبَتُهَا الْقُطْبُ اذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 350 - مسألة: (وإِنِ اشْتَبَهَتْ عليه في السَّفَرِ، اجْتَهَدَ في طَلَبِها بالدَّلائِلِ، وأثْبَتُها القُطْبُ؛ إذا جَعَلَه وراءَ ظَهْرِه كانَ مُسْتَقْبِلًا القِبْلَةَ (¬1) متى اشتَبَهَتِ القِبْلَةُ في السَّفَرِ، وكان مُجْتَهِدًا، وَجَب عليه الاجْتِهادُ في طَلَبِها بالأدِلَّةِ؛ لأنَّ ما وَجَبَ عليه اتِّباعُه عندَ وُجُودِه، وَجَب الاسْتِدْلالُ عليه عندَ خَفائِه، كالحُكْمِ في الحادِثَةِ. والمُجْتَهِدُ هو العالِمُ بأدِلَّةِ القِبْلَةِ وإن جَهِل أحْكامَ الشَّرْعِ؛ لأنَّ كلَّ مَن عَلِم أدِلَّةَ شئٍ، كان مُجْتهِدًا فيه؛ لأنَّه يَتَمَكَّنُ مِن اسْتِقْبالِها بدَلِيلِه. والجاهِلُ الَّذي لا يَعْرِفُ أدِلَّةَ القِبْلَةِ وإن كان فَقِيهًا، وكذلك الأعْمَى، فهذان فَرْضُهما التَّقْلِيدُ. وأوثَقُ أدِلَّتِها النُّجُومُ؛ قال اللهُ تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} (¬2). وقال: {لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (¬3). وآكَدُها القُطْبُ، وهو نَجْمٌ خَفِيٌّ شَمالِيٌّ، ¬

(¬1) في م: «الكعبة». (¬2) سورة النحل 16. (¬3) سورة الأنعام 97.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حَوْلَه أنْجُمٌ دائِرَةٌ، في أحَدِ طَرَفَيها الجَدْىُ، وفي الآخَرِ الفَرْقدان، وبين ذلك ثَلاثَةُ أنْجُم مِن فَوْقَ وثَلاثَةٌ مِن أسْفَلَ، تدُورُ هذه الفَراشَةُ حَوْلَ الفطْبِ كدَورانِ الرَّحا حولَ سَفُّودِها (¬1)، في كلِّ يومٍ ولَيْلَةٍ، دَوْرَةً، وقَرِيبٌ منها بَناتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الفرْقَدَيْن تَدُورُ حَوْلَهما (¬2)، والقُطْبُ لا يَتَغَيَّرُ مِن مَكانِه في جَمِيع الأزْمانِ، وقِيل: إنَّه يَتَغَيَّرُ تَغيُّرًا يَسِيرًا لا يُؤثِّرُ. وهو خَفِيٌّ يَظْهَرُ لحَدِيدِ النَّظَرِ في غيرِ لَيالِي القَمَرِ، متى اسْتَدْبَرْتَه في الأرْضِ الشَّامِيَّةِ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا للكَعْبَةِ. وقِيلَ: إنَّه يَنْحَرفُ في دِمَشْقَ وما قارَبَها إلى المَشْرِقِ قَلِيلًا، وكُلَّما قَرُب إلى المَغْرِبِ كان انْحِرافُه أكْثَرَ. وإن كان بحَرّانَ (¬3) أو قَرِيبًا منها جَعَل القُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا، وإن كان بالعِراقي جَعَل القُطْبَ حِذاءَ أُذُنِه اليُمْنَى على عُلُوِّها، ومتى اسْتَدْبَرَ الفَرْقَدَيْن أو الجَدْىَ (¬4)، في حالِ عُلُوِّ أحَدِهما ونُزُولِ الآخَرِ، على ¬

(¬1) سفَّود الرحى: الحديدة وسطها. وفراشة الرحى: حجرها. انظر اللسان (ف ر ش). (¬2) في م: «حولها». (¬3) حران: مدينة مشهورة، بينها وبين الرها يوم، وبين الرقة يومان، على طريق الموصل والشَّام والروم. معجم البلدان 2/ 231. (¬4) في م: «والجدى».

351 - مسألة

وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَمَنَازِلُهُمَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بهِمَا وَيُقَارِبُهُمَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ الاعْتِدالِ، فهو كاسْتِدْبارِ القُطْبِ، وإنِ اسْتَدْبَره في غيرِ هذه الحالِ، كان مُسْتَقْبِلًا للجِهَةِ، فإنِ اسْتَدْبَرَ الغَرْبِيَّ، كان مُنْحَرِفًا إلى الشِّرْقِ، وبالعَكْسِ، وإنِ اسْتَدْبَرَ بَناتَ نَعْشٍ، فكذلك، إلَّا أنَّ انْحِرافَه أكْثَرُ. 351 - مسألة (¬1): (والشَّمْسِ والقَمَرُ ومَنازِلُهما) وهي ثمانِيَةٌ وعِشْرُون مَنْزِلًا، السَّرَطانُ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيَّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَة، والذَّراعُ، والنَّثرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانَى، والإِكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَة، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسعذ بُلَعْ، وسعدُ السُّعودِ، وسعدُ الأحْبِيَةِ، والفَرْعُ المُقَدَّمُ، والفَرْغ المُؤخَّرُ، وبَطْنُ الحُوتِ. منها أرْبَعَةَ عَشَرَ شامِيَّةً تطْلُعُ مِن وَسَط المَشْرِقِ، مائِلَةً عنه (¬2) إِلى الشمالِ قليلًا، أوَّلُها السَّرَطانُ، وآخِرُها السِّماكُ. والباقِي يَمانِيَةٌ تَطلُعُ مِن المَشْرِقِ مائِلَةً إلى التَّيامُنِ (¬3)، أوَّلُها الغَفْرُ، وآخِرُها بَطْنُ الحُوتِ. ويَنْزِل القَمَرُ كلَّ لَيْلَةٍ بمَنْزِلٍ منه (2) أو قَرِيبًا منه، ثم ينْتَقِلُ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ إلى ¬

(¬1) في م: «فصل». (¬2) سقط من: م. (¬3) في تش: «اليمن».

كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ في الْمَغْرِبِ عَنْ يَمِينِ المُصَلَّى. ـــــــــــــــــــــــــــــ الَّذي يَلِيه. والشَّمْسِ تَنْزِلُ بكلِّ مَنْزِلٍ منها ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فيَكُونُ عَوْدُها إلى المَنْزِلِ الَّذي نَزلَتْ به عندَ تَمامِ سَنَةٍ شَمْسِيةٍ. وهذه المَنازِلُ يكون منها فيها بينَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها أرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، ومِثْلُها مِن غُرُوبِها إلى طُلُوعِهِا (¬1)، وَقْتُ الفَجْرِ منها مَنْزِلان، ووقْتُ المَغْرِبِ مَنْزِلٌ، وهو نِصْفُ سُدْسِ سَوادِ اللَّيْلِ، و (كلُّها تَطْلُعُ مِنِ المَشْرِقِ) عن يُسْرَةِ المُصَلِّي (وتَغْرُبُ عن يَمِينِه في المَغْرِبِ) إلَّا أنَّ أوائِلَ الشَّامِيَّةِ وأواخِرَ اليَمانِيَّةِ، وأوَّلَ اليَمانِيَّةِ وآخِرَ الشَّامِيَّةِ، تَطْلُعُ مِن وَسَطِ المَشْرِقِ أو قَرِيبًا منه، بحيث إذا جَعَل الطَّالِعَ منها مجاذِيًا لكَتِفِه الأيْسَرِ كان مُسْتَقْبِلا للكَعْبَةِ. والمُتَوَسِّطُ مِن الشَّامِيَّةِ، وهو الذِّراعُ وما يَلِيه مِن الجانِبَيْن يَمِيلُ (¬2) مَطْلَعُه إلى ناحِيَة الشَّمالِ، والمُتَوَسِّطُ مِن اليَمانِيَّةِ كالبَلْدَةِ وما هو مِن جانِبَيْها يَمِيلُ مَطْلَعُه إلى التَّيامُنِ، فاليَمانِيُّ منها يَجْعَلُه أمامَ كَتِفِه اليُسْرَى، والشَّامِيُّ يَجْعَلُه خَلْف كَتِفِه، وكذلك الغاربُ عندَ الكتِفِ الأيمَنِ. وإن عَرَف المُتَوَسِّطَ منها بأن يَرَى بينَه وبينَ أُفُقِ السماءِ سَبْعَةً مِن الجانِبَيْن اسْتَقْبَلَه (2)، ولكلِّ نَجْمٍ مِن هذه المَنازِلِ نُجُومٌ تُقارِبُه وتُقارِنُه، حُكمُها حُكْمُه، ويُسْتَدَلُّ بها عليه، كالنَّسْرَيْن، والشَّعْرَيَيْن، والسِّماكِ الرَّامِحِ، وغيرِ ذلك. وسُهَيْلٌ نَجْمٌ كبيرٌ، [من نَحْوِ] (¬3) مَهَبِّ الجَنُوبِ، ثم يَسِيرُ ¬

(¬1) في م: «طلوع». (¬2) سقط من: م. (¬3) في م: «نحوًا من».

352 - مسألة: (والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلي اليسرى، مارة إلى يمينه)

وَالرِّيَاحُ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً لِبَطنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى، مَارَّةً إِلَى يَمِينِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ حتَّى يَصِيرَ في قِبْلَةِ المُصَلِّي، ويَتَجاوَزها، ثم يَغْرُبُ قَرِيبًا مِن مَهَبِّ الدَّبُورِ، والنَّاقَةُ تَطْلُعُ في المَجَرَّةِ (¬1) مِن مَهَبِّ الصَّبا، وتَغِيبُ في مَهَبِّ الشَّمَالِ. فصل: والشَّمْسُ تَخْتَلِفُ مَطالِعُها ومَغارِبُها، على حَسَبِ اخْتِلافِ مَنازِلها، تَطْلُعُ مِن المَشْرِقِ، وتَغْرُبُ في المَغْرِبِ. والقَمَرُ يَبْدَأ أوَّلَ لَيْلَةٍ في المَغْرِبِ، ثم يَتَأخَّرُ كل لَيْلَةٍ مَنْزِلًا، حتَّى يكُونَ في السَّابِعِ وَقْتَ المَغْرِبِ في قِبْلَةِ المُصَلِّي، مائِلًا عنها قَلِيلًا إلى الغَرْبِ، ثم يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابعَ عَشَرَ مِن المَشْرِقِ، وليلةَ إحْدَى وعِشرِين يكُونُ في قِبْلَةِ المُصَلَّى، أو قَرِيبًا مِنها، وَقْتَ الفَجْرِ، وتَخْتَلِفُ مَطالِعُه باخْتِلافِ مَنازِلِه. 352 - مسألة: (والرِّياحُ الجَنُوبُ تَهُبُّ مُسْتَقبِلَةٌ لبَطْنِ كتِفِ المُصَلِّي اليُسْرَى، مارَّةٌ إلى يَمِينِه) مِن الزَّاوِيَةِ التي بينَ القِبْلَةِ والمَشْرِقِ ¬

(¬1) في م: «المحرم».

والشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ، وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةٌ شَطر وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ إلَى مَهَبِّهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ (والشَّمال مُقابِلَتُها، تَهُبُّ إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ. والدَّبُورُ تَهُبُّ) مِن الزَّاوِيَةِ التي بينَ القِبْلَةِ والمَغْرِبِ، (مُسْتَقْبلَةً شَطْرَ وَجْهِ المُصَلِّي الأيمَن، والصَّبا مُقابِلَتُها تَهُبُّ إلى مَهَبِّها) فهذه الرِّياحُ التي يُسْتَدَلُّ بها، وتُعْرَف بصِفاتِها وخَصائِصِها، ورُبَّما هَبَّتْ هذه الرِّياحُ بينَ الحِيطانِ والجِبالِ فتَدُورُ، فلا اعْتِبار بها. وبينَ كلِّ رِيحَيْن منها رِيحٌ تُسَمَّى النَّكباءَ؛ لتَنَكُّبِها طَرِيقَ الرِّياحِ المَعْرُوفَةِ، فهذا أَصَحُّ ما يُسْتَدَلُّ به على القِبْلَةِ. وقد يَسْتَدِلُّ (¬1) أهل كلِّ بَلْدَةٍ على القِبْلَةِ بأدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بها؛ مِن جِبالِها ¬

(¬1) في م: «يهتدى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأنْهارِها، وغيرِ ذلك. وذَكَر أصحابُنا الاسْتِدْلالَ بالأنْهارِ الكِبارِ، وقالوا: كلُّها تَجْرِى عن يَمْنَةِ المُصَلِّى إلى يَسْرَتِه، على انْحَرافٍ قَلِيلٍ، كَدِجْلةَ والفُراتِ والنَّهْروانِ، ولا اعْتِبار بالأنْهارِ الصِّغارِ ولا المُحْدَثَةِ؛ لأنَّها تَحْدُثُ (¬1) بحَسَبِ الحاجاتِ ما خلا نَهْرَيْن؛ أحَدُهما، العاصِى بالشّامِ. والآخَرُ، سَيْحُونُ بالمَشْرِقِ. قال شيخُنا (¬2): وهذا لا يَنْضَبط؛ فإنَّ الأرْدُنَّ بالشَّامِ يجْرى (1) نَحْوَ القِبْلَةِ، وكَثِيرٌ ما يَجْرِى نَحْوَ البَحرِ، يَصُبُّ فيه. واللهُ أعلمُ. فصل: فإن خَفِيَتِ الأدِلَّةُ على المُجْتَهِدِ؛ لغَيْم أو ظُلْمَةٍ، تَحَرَّى وصَلَّى، وصَحَّتْ صَلاتُه، لأَنَّه بَذَل وُسْعَه في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، مع عِلْمِه بأدلَّتِه، أشْبَهَ الحاكِمَ إذا خَفِيَتْ عليه عِلَّةُ (1) النُّصُوصِ. وقد روَى عبدُ أدلَّةِ بنُ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، عن أبِيه، قال: كُنّا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَير في لَيْلَةٍ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: المغنى 2/ 106.

353 - مسألة: (وإذا اختلف اجتهاد رجلين، لم يتبع أحدهما صاحبه. ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه)

وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَتْبَعْ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أوْثَقَهُمَا في نَفْسِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ مُظْلِمَةٍ، فلم نَدْرِ أين القِبْلَة، فصَلَّى كلُّ (¬1) رجلٍ منَّا حِيالَه، فلَمَّا أصْبَحْنا ذَكَرْنا ذلك للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فنَزَلَ: {فَأيْنَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} (¬2). رواه ابنُ ماجَه، والتِّرمِذِيُّ (¬3)، وقال: حديثٌ حسنٌ، إلَّا أنَّه مِن حديثِ أشْعَثَ السَّمَّانِ (¬4)، وفيه ضَعْفٌ. 353 - مسألة: (وإذا اختَلَفَ اجْتِهادُ رَجُلَيْن، لم يتْبَعْ أحَدُهما صاحِبَه. ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأَعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه) متى اخْتَلَفَ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سورة البقرة 115. (¬3) أخرجه ابن ماجه، في: باب من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 326. والتِّرمذيّ؛ في: باب ما جاء في الرَّجل يصلي لغير القبلة، من أبواب الصلاة، وفي: باب حَدَّثَنَا محمود بن غيلان، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 2/ 143، 11/ 79. (¬4) في الأصل: «السماك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُجْتهِدان، ففَرْضُ كلِّ واحِدٍ منهما الصلاةُ إلى الجِهَةِ التي يُؤدِّيه إليها اجْتِهادُه، فلا يَسَعُه تَرْكُها، ولا تَقْلِيدُ صاحِبه، وإن كان أعْلَمَ منه، كالعالِمَيْن يَخْتَلِفان في الحادِثَةِ. فإنِ اجْتَهَدَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، لم يَجُزْ له تَقْلِيدُ مَن اجْتَهَدَ، حتَّى يَجْتَهِدَ بنَفْسِه وإن ضاقْ الوَقْتُ، كالحاكِم لا يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه. وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في المُجْتَهِدِ، أنَّه يَسَعُه تَقْلِيدُ غيرِه إذا ضاق الوَقْتُ عن اجْتِهادِه. قال: لأنَّ أحمدَ قال، في مَن هو في مَدِينَةٍ، فتَحَرَّى، فصَلَّى لغيرِ القِبْلَةِ في بَيْتٍ: يُعِيدُ؛ لأنَّ عليه أن يَسْألَ. قال شيْخُنا (¬1): وما اسْتَدَلَّ به لا دَلِيلَ فيه، وكَلامُ أحمدَ إنَّما دَلَّ على أنَّه ليس لمَن في المِصْيرِ الاجْتِهادُ، لأنِّه يُمْكِنُه التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ بالخَبرِ، وكذلك (¬2) لم يُفرِّقْ بينَ ضِيق الوَقْتُ وسَعَتِه، مع الاتِّفاقِ على أنَّه لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مع سَعَة الوَقْتِ. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 108. (¬2) في تش: «لذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومتى اخْتَلَفَ اجْتِهادُهما، لم يَجُزْ لأحَدِهما أن يَؤْمَّ صاحِبَه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ خَطَأ الآخرِ، فلم يَجُزْ له الائْتِمامُ به؛ لو خَرَجَتْ مِن أحَدِهما رِيحٌ، واعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِن الآخَرِ. قال شَيْخُنا (¬1): وقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ ذلك. وهو مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صلاةِ الآخَرِ، وأنَّ فَرْضَه التَّوَجُّهُ إلى ما تَوَجَّهَ إليه، فلم يَمْنَعْ الاقْتِداءَ به اخْتِلافُ الجِهَةِ، كالمُصَلِّين حَوْلَ الكَعْبَةِ. وقد نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ الصلاةِ خلفَ المُصَلِّي في جُلُودِ الثَّعالِبِ، إذا كان يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الصلاةِ فيها، وفارَق ما إذا اعْتَقَدَ كلُّ واحِدٍ منهما حَدَثَ صاحِبِه، لأنَّه يَعْتَقِدُ بُطْلانَ صَلاِته، بحيث لو بأن له يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِه، أعاد الصلاةَ، بخِلافِ هذا. وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى. فأمّا إن مال أحَدُهما يَمِينًا، والآخَرُ شِمالًا، مع اتِّفاقِهما في الجِهَةِ، فلا يَخلِفُ المَذْهَبُ في صِحَّةِ ائْتِمامِ أحَدِهما بالآخَرِ، لاتِّفاقِهما في الجهَةِ الواجِبِ اسْتِقْبالُها. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 109.

354 - مسألة: (ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ 354 - مسألة: (ويَتْبَعُ الجاهِلُ والأعْمَى أوْثَقَهما في نَفْسِه) (¬1) متى اخْتَلَفَ مُجْتَهِدان، وكان معهما أعْمى، أو جاهِلٌ لا يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الأدِلَّةِ قَبلَ خُروجِ الوَقْتِ، ففَرْضُه تَقْلِيدُ أوْثَقِهما في نَفْسِه، وأعْلَمِهما، وأكْثَرِهُما تَحَرِّيًا؛ لأنَّ الصَّوابَ إليه أقْرَبُ. فإن قَلَّدَ المَفْضُولَ، فظاهِرُ كلامِه هاهنا، أنَّه لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لأنَّه ترَك ما يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه الصَّوابُ، فلم يَجُزْ له ذلك، كالمُجْتَهِدِ يَتْرُكُ اجْتِهادَه. والأوْلَى صِحَّتُها، وهو مَذْهَب الشافعيِّ؛ لأنَّه أَخَذَ بدَلِيلٍ له الأخْذُ به لو انْفرَدَ، فكذلك إذا كان معه غيرُه، كما لو اسْتوَيا، ولا عِبْرَة بِظَنِّه، فإنَّه لو غَلَب على ظَنِّه إصابَة المَفْضُولِ، لم يَمْنعْ ذلك تقليدَ الأفْضَل. فإنِ اسْتَوَيا قَلَّدَ مَن شاء منهما، كالعامِّيِّ مع العُلمَاءِ في بَقِيَّةِ الأحْكامِ. ¬

(¬1) هذه المسألة جزء من مسألة 353.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والمُقَلدُ مَن لا يُمْكِنه الصلاةُ باجْتِهادِ نَفْسِه؛ إمّا لعَدَمِ بَصَره أو بَصِيرَتِه، بحيث لا يُمْكِنُه التَّعَلُّمُ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصلاةِ، فإن أمْكنَه التَّعلُّمُ قبل خروجِ الوَقْتِ لَزِمَه، فإن صَلَّى قبلَ ذلك لم يَصِحَّ؛ لأنَّه قَدَر على الصلاةِ باجْتِهادِه، فلم يَجُزْ له التَّقْلِيد، كالمُجْتَهِدِ. ولا يلْزَمُ [هذا على] (¬1) العامِّيِّ؛ حيث لم يَلْزَمْه تَعَلُّمُ الفِقْهِ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ الفِقْهَ ليس بشَرْطٍ في صحةِ الصلاةِ. الثاني، أنَّه يَشُقُّ، ومُدِّتُه تَطولُ. فإن أخَّرَ هذا التَّعَلُّمَ والصلاةَ حتَّى، ضاق الوَقْتُ عن التَّعَلُّمِ والاجْتِهادِ، أو عن أحدُهما، صَحَّتْ صَلاتُه بالتَّقْلِيدِ، كالذى يَقْدِرُ على تَعَلُّمِ الفاتِحَةِ، فيَضِيقُ الوَقْتُ عن تَعَلُّمِها. وإن كان بالمُجْتَهِدِ ما يَمْنَعُه رُويَةَ الأدِلَّةَ؛ كالرَّمَدِ، والمَحْبُوسِ في مكانٍ لا يَرَى فيه الأدِلَّةَ، ولا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتهِدًا، فهو كالأعْمَى في جَوازِ تَقْلِيدِه. فصل: فإذا شَرَع في الصلاةِ بتَقْييدِ مُجْتَهِدٍ، فقال له قائِلٌ: قد أخْطَأْتَ القِبْلَةَ. وكان يُخْبِرُ عن يَقِينٍ، كمَن يقُول: قد رَأَيتُ الشَّمْسَ، ونَحْوَها، وتَيَقَنْتُ خَطَأك. لَزِمَه الرُّجُوعُ إلى قَوْلِه، لأنَّه لو أخْبَرَ بذلك المُجْتَهِدَ الَّذي قَلَّدَه الأعْمى، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِه، فالأعْمَى أوْلَى، وإن أخْبَرَه عن ¬

(¬1) في الأصل: «على هذا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اجْتِهادِه، [أو لم يُبَيِّنْ له، ولم] (¬1) يَكُنْ في نَفْسِه أوْثَقَ مِن الأوَّلِ، مَضَى على ما هو عليه؛ لأنَّه شَرَع في الصلاةِ بدَلِيل يَقِينًا، فلا يَزُول عنه بالشَّكِّ. وإن كان أوْثَقَ مِن الأوَّلِ في نَفْسِه، وقلْنا: لا يَلْزَمُه تَقْلِيدُ الأفْضَلِ. فكذلك، وإلَّا رجَع إلى قَوْلِه، كالمُجْتَهِدِ إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في أثْناءِ صَلاتِه. فصل: ولو شَرَع مُجتَهِدٌ في الصلاةِ باجْتِهادِه، فعَمِيَ فيها، بَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه، لأنَّه إنَّما (¬2) يُمْكنُه البِناءُ على اجْتِهادِ غيرِه، فاجْتِهادُ نَفْسِه أوْلَى، فإنِ اسْتَدارَ عن تلك الجِهَةِ، بَطَلَتْ صَلاتُه. وإن أخْبَرَه مُخْبِرٌ بخَطَئِه عن يَقين، رَجَع إليه. وإن كان عن اجْتِهادِه (¬3) لم يَرْجِعْ إليه؛ لِما ذكَرْنا. وإن شَرَع فيها وهو أعْمَى، فأبصَرَ في أثْنائِها، فشاهَدَ ما يَسْتَدِلُّ به على صَوابِ نفْسِه مِن العَلاماتِ، مَضَى عليه، لأنَّ الاجْتِهادَيْن قد اتِّفقَا. وإن بان له خَطَؤُه، اسْتَدارَ إلى الجِهَةِ التي أدَّاه اجْتِهادُه إليها، وبَنَى كالمُجْتَهِدِ إذا تَغيَّر اجْتِهادُه في أثْناءِ الصلاةِ. وإن لم يَتَبَيَّنْ له صَوابٌ ولا خطَأٌ، بَطَلَتْ صَلاتُه، واجْتهَدَ؛ لأنَّ فَرْضَه الاجْتِهادُ، فلم يَجُزْ له أداءُ فَرْضِه بالتَّقْلِيدِ؛ كما لو كان بَصِيرًا في ابْتِدائِها. وإن كان مُقَلِّدًا، مَضَى في صَلاتِه؛ لأنَّه ليس في وَسْعِه إلَّا الدَّلِيلُ الَّذي بَدَأ به فيها (¬4). ¬

(¬1) في الأصل: «ولم يبين له لم». (¬2) سقط من: م. (¬3) في الأصل: «اجتهاد». (¬4) في تش: «فيه».

355 - مسألة: (وإذا صلى البصير في حضير، فأخطأ، أو صلى الأعمى بلا دليل، أعادا

وَإذَا صَلَّى الْبَصِيرُ في حَضَرٍ فَأخْطَأ، أوْ صلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيل، أَعادَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 355 - مسألة: (وإذا صَلَّى البَصِيرُ في حَضَير، فأخْطَأ، أو صَلَّى الأعْمَى بلا دَلِيلٍ، أعادا (¬1) متى صَلَّى البَصِيرُ في الحَضَرِ، ثم بان له الخَطَأُ، أعاد، سَواءٌ صَلَّى باجْتِهادِه أو غيرِه؛ لأنَّ الخضَرَ ليس بمَحَلٍّ للاجْتِهادِ، لقُدْرَةِ مَن فيه على الاسْتِدْلالِ بالمَحارِيبِ ونَحْوِها، ولأنَّه يَجِدُ مَن يُخْبِرُه في يَقِين غالِبًا، فلم يَكُنْ له الاجْتِهادُ، كواجِدِ النَّصِّ في سائِرِ الأحْكامِ. وإنْ صَلَّى مِن غيرِ دَلِيلٍ أخْطَأ؛ لتَفْرِيطه، وإن أخْبَرَه مُخْبِر، فأخْطَأ، فقد تَبَيَّنَ أنَّ خَبَرَه ليس بدَلِيلٍ. فإن كان مَحْبُوسًا، لا يَجدُ مَن يُخْبِرُه، فقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيُّ: يُصَلِّي بالتَّحَرِّي ولا يُعِيدُ؛ لأَنَّه عاجِزٌ عن الاسْتِدْلالِ بالخَبرِ والمَحارِيبِ، [أشْبَهَ المُسافِرَ. وأمّا الأعْمَى، فهو في الحَضَرِ كالبَصِيرِ بقُدْرَته على الاسْتِدْلالِ بالخَبَرِ والمَحارِيبِ] (¬2) فإنَّه يَعْرِفُ المِحْرابَ باللَّمْسِ، وذلك يَعْلَمُ أنَّ بابَ المَسْجِدِ إلى الشَّمالِ أو غيرِها، فيُمْكِنُه الاستدْلالُ به، فمتى أخْطَأ أعاد، وكذلك حُكْمُ المُقَلِّدِ في هذا. ¬

(¬1) في م: «أعاد». (¬2) سقط من: الأصل.

356 - مسألة: (فإن لم يجد الأعمى من يقلده، صلى، وفي الإعادة روايتان. وقال ابن حامد: إن أخطأ، أعاد، وإن أصاب، فعلى وجهين)

فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْمَى مَنْ يُقَلِّدُهُ، صَلَّى، وَفِي الْإعَادَةِ وَجْهَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 356 - مسألة: (فإن لم يَجدِ الأعْمَى مَن يُقَلِّدُه، صَلَّى، وفي الإِعادَةِ رِوايَتان. وقال ابنُ حامِدٍ: إن أَخْطَأ، أعاد، وإن أصاب، فعلى وَجْهَيْن) وإذا كان الأعْمَى أو المُقَلِّدُ في السَّفَرِ، ولم يجِدْ مُخْبِرًا ولا مُجْتَهِدًا يُقَلِّدُه، فقال أبو بكرٍ: يُصَلِّي على حَسَبِ حالِه. وفي الإعادَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يُعِيدُ بكلِّ حالٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه صَلَّى مِن غيرِ دَلِيلٍ،

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أخْطَأ أعَادَ، وَإِنْ أصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فلَزِمَته الإِعادَةُ وإن أصاب، كالمُجْتَهِدِ إذا صَلَّى بغيرِ اجْتِهادٍ. والثانيةُ، [لا إعادَةَ] (¬1) عليه؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، أشْبَهَ المُجْتَهِدَ، ولأنَّه عاجِزٌ عن غيرِ ما أتَى به، فَسَقَطَ عنه، كسائِرِ العاجِزِين عن الاسْتِقْبالِ، ولأنَّه عادِمٌ للدَّلِيلِ، أشْبَهَ المُجْتَهِدَ في الغَيْمِ. وقال ابنُ حامِدٍ: (إن أخْطَأ أعاد)؛ لفَواتِ. الشَّرْطِ، (وإن أصاب فعلى وَجْهَيْن) وَجْهُهما مَا (¬2) ذَكَرْنا. [وقد ذَكَرْنا] (¬3) أنَّ هذا حُكْمُ المُقَلِّدِ، فأمّا إن وَجَد مَن يُخْبِرُه أو يُقلِّدُه فلم يَفْعَلْ، أو خالَفَ المُخْبرَ أو المجْتَهِدَ وصَلَّى، بَطَلَتْ صَلاتُه بكلِّ حالٍ. وكذلك المجْتَهِدُ إذا صَلِّى بن غيرِ اجْتِهادٍ، أو أدّاه (¬4) اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ فخالَفَها؛ لأنَّه تَرَك ما أُمِرَ به، أشْبَهَ تارِك التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ مع عِلْمِه بها. ¬

(¬1) في م: «الإعادة». (¬2) في م: «كما». (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) في م: «وأداه».

357 - مسألة: (ومن صلى بالاجتهاد [إلى جهة]

وَمَنْ صَلَّى بالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ أخْطَأَ الْقِبْلَةَ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 357 - مسألة: (ومَن صَلَّى بالاجْتِهادِ [إلى جِهَةٍ] (¬1)، ثم عَلِم أنَّه أخْطَأ القِبْلَةَ، فلا إعادَةَ عليه) وكذلك حُكمُ المُقَلِّدِ الَّذي صَلَّى بتقْلِيدِه. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه، وقال في الآخَرِ: تَلْزَمُه الإعادَةُ، لأنَّه أخْطَأ في شَرْطٍ مِن شُرُوطِ الصلاةِ، فلَزِمَتْه الإِعادَةُ، كما لو صَلَّى ثم بان أنَّه أخْطأ في الوَقْتِ، أو بغيرِ طهارةٍ. ولَنَا، حديثُ عامِرِ بنِ رَبِيعةَ (¬2) الَّذي ذَكَرْناه، [ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، كالمُصِيبِ، ولأنَّه صَلَّى إلى غيرِ الكَعْبَةِ للعُذْرِ، أشْبَهَ الخائِفَ] (1)، ولأَنَّه شَرْطٌ عَجَز عنه، أشْبهَ سائِرَ الشُّرُوطِ. وأمَّا المُصَلِّي ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 345.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قبلَ الوَقْتِ. فإنَّه لم يَأتِ بما أُمِرَ به، إنما أُمِرَ بالصلاةِ في الوقتِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّه مَأمُورٌ بالصلاةِ بغيرِ شَكٍّ، ولم يُؤْمَرْ إلَّا بهذه الصلاةِ، لأنَّ غيرَها مُحَرَّمَة عليه إجْماعًا، وسائِرُ الشُّروطِ إذا عَجَز عنها سَقَطتْ، كذا هاهنا. ولا فَرْقَ بينَ كوْنِ الأدِلَّةِ. ظاهِرَةً فاشْتَبهتْ عليه، أو مَسْتُورَةً بِغَيْمٍ أو ما يَسْتُرُها عنه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، فإنَّ الأدِلَّةَ اسْتَتَرَتْ عنهم بالغَيْمِ، ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ به (¬1) في الحالَيْن، وعَجَز عن اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في المَوْضِعَيْن، فاسْتَوَيا في عَدَمِ الإعادَةِ. فصل: وإن بان له يَقِينُ الخَطَأِ وهو في الصلاةِ، اسْتَدارَ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلاتِه؛ لأنَّ ما مَضَى منها (¬2) كان صَحِيحًا، فجازَ البِناءُ عليه؛ لو لم يَبِنْ له الخَطَأ. وإن كانوا جَماعَةٌ، قد قَدَّمُوا أحَدَهم، ثم بان لهم الخَطَأ في حالٍ واحِدَةٍ، اسْتَدارُوا إلى الجِهَةِ التي بان لهم فيها الصَّوابُ، لأنَّ أهْلَ قُبَاءَ بلَغهم (¬3) تَحْوِيلُ القِبْلَةِ وهم في الصلاةِ، فاسْتَدارُوا إلى جهَةِ الكَعْبَةِ، وأتَمُّوا صَلَاتَهم. وإن بان للإِمامِ وَحْدَه، أو للمَأمُومِين، أَو لبَعْضِهم، اسْتَدارَ مَن بان له الصَّوابُ، ونَوَى بَعْضُهم مُفارَقَةَ بعضٍ، إلَّا على الوَجْهِ الَّذي قُلْنا، إنَّ لبَعْضِهم الائْتِمامَ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في الأصل: «من صلاته». (¬3) في م: «بان لهم».

358 - مسألة: (فإن أراد صلاة أخرى، اجتهد لها، فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني، ولم يعد ما صلى بالأول)

وَإنْ أرَادَ صَلَاةً أُخْرَى اجْتَهَدَ لَهَا، فَإنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ببَعْضٍ، مع اخْتِلافِ الجِهَةِ. وإن كان فيهم مُقلِّدٌ، تَبع مَن قَلَّدَه، وانْحَرَفَ بانْحِرافِه. وإن قَلَّدَ الجَمِيعَ، لم يَنْحَرِفْ إلَّا بانْحِرافِ الجميعِ؛ لأنَّه شَرَع بدَلِيلٍ يَقِينِيٍّ، فلا يَنْحَرِفُ بالشَّكِّ إلَّا مَن يَلْزَمُه تَقْلِيدُ الأوْثَقِ، فإنَّه يَنْحَرِفُ بانْحِرافِه. 358 - مسألة: (فإن أراد صلاةً أُخْرَى، اجْتَهَدَ لها، فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه عَمِل بالثاني، ولم يُعِدْ ما صَلَّى بالأَوَّلِ) وجُمْلَتُه أنَّ المُجْتَهِدَ متى صَلَّى بالاجْتهادِ التي جِهَةٍ صلاةً، ثم أراد صلاةً أُخْرَى، اجْتَهَدَ لها، كالحاكِمِ إذا اجْتَهَدَ في حادِثَه، ثم حَدَث مِثْلُها. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه، عَمِلَ بالثاني، ولم يُعِدْ ما صَلَّى بالأوَّلِ، كالحاكِمِ، لو تَغَيَّرَ اجْتهادُه في الحادِثَةِ الثانِيةِ عَمِل به، ولم يَنْقُضْ حُكْمَه الأوَّلَ. وهذا لا نَعْلَمُ فيه خلافًا. فإن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في الصلاةِ، اسْتَدارَ، وبَنَى على ما مَضَى. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال ابنُ أبي موسى والآمِدِيُّ: لا يَنْتَقِل؛ لِئَلَّا يَنْقضَ الاجْتِهادُ بالاجْتِهادِ. ولَنا، أنَّه مُجْتَهِدٌ أدَّاهُ اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ، فلم تَجُزْ له الصلاة إلى غيرِها، كما لو أراد صلاةً أُخْرَى، وليس هذا نَقْضًا للاجْتِهادِ، إنَّما عَمِل به في المُسْتَقْبَلِ كما في الصلاةِ الأُخْرَى، وإنَّما يكونُ نَقْضًا للاجْتِهادِ إذا ألْزَمْناه إعادَةَ ما مَضَى مِن صلاتِه، فإن لم يَبْقَ اجْتِهادُه وظَنُّه إلى الجهَةِ الأُولَى، ولم يُؤْدِّه اجْتِهادُه إلى جِهَةٍ أُخْرَى، بَنَى على ما مَضَى؛ لأنَّه لم يَظهَرْ له جِهَةً أُخْرَى يتَوَجهُ إليها. وإن شَكَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في اجْتِهادِه، لم يَزُلْ عن (¬1) جِهَتِه؛ لأنَّ الاجْتِهادَ ظاهِرٌ، فلا يَزُولُ عنه بالشَّكِّ. وإن بان له الخَطَأُ، ولم يَعْرِفْ جِهَة القِبْلَةِ، كمَن كان يُصَلِّي إلى جِهَةٍ، فرَأى بعضَ مَنازِلِ القَمَرِ في قِبْلَتِه، ولم يَدْرِ أهو الشَّرْقِ أم في الغَرْبِ، واحْتاجَ إلى الاجْتِهاد، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه لا يُمْكنُه اسْتِدامَتُها إلى غيرِ القِبْلَةِ، وليست له جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إليها، فبَطَلَتْ؛ لتَعَذُّرِ إتْمامِها. والله أعلمُ. ¬

(¬1) في م: «على».

باب النية

بَابُ النِّيَّةِ وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِلصَّلَاةِ، عَلَى كُلِّ حَالٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ النِّيَّةِ (وهي الشَّرْطُ السَّادِسُ للصلاةِ، على كلِّ حالٍ) النِّيَّةُ هي القَصْدُ. يُقال: نَواكَ (¬1) اللهُ بَخَيْرِ. أي: قَصَدَك. ومَحَلُّها القَلْبُ، فإن لَفَظ بما نَواه كان تَأَكِيدًا، وإن سَبَقَ لِسانُه إلى غيرِ ما نَواه، لم تَفْسُدْ صلاتُه، وإن لم يَنْطِقْ بلِسانِه أجْزأ. وهي واجبَةٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا بها، ولا تسْقطُ بحالٍ، لقوْلِ الله تَعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (¬2). والإخْلاصُ عَملُ القَلْب، وهو أن يَقْصِدَ بعَمَلِه اللهَ تعالى وَحْدَه دُون غيرِه؛ ولقولِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوَى». مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ¬

(¬1) في الأصل: «نوانى». (¬2) سورة البينة 5. (¬3) تقدم في 1/ 308.

359 - مسألة: (ويجب أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة، وإلا أجزأته نية الصلاة.)

وَيَجِبُ أنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أجْزَأتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 359 - مسألة: (وَيَجِبُ أنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أجْزَأتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ.) متى كانتِ الصلاةُ مُعَيَّنَةَ، لَزِمَه شَيْئانِ؛ نِيَّةُ الفِعلِ، والتَّعْيِينُ، فإن كانت فَرْضًا؛ ظُهْرًا أو عَصْرًا أو غيرَهما، لَزِمَه تَعْيِينُها. وكذلك إن كانت نَفْلًا مُعَيَّنةَ؛ كالوَتْرِ وصلاةِ الكُسُوفِ والاسْتِسْقاءِ والسُّنَنِ الرَّواتِب، لَزِمَه التَّعْيينُ أَيضًا؛ لعُمُومِ الحديثِ، وإن كانت نافِلةً مُطْلَقةً، كصلاةِ اللَّيْلِ أجْزَأتْه نِيَّةُ مُطْلَقِ الصلاةِ لا غيرُ، لعَدَمِ التَّعيِينِ فيها.

360 - مسألة: (وهل تشترط نية القضاء في الفائتة، ونية الفرضية في الفرض؟ على وجهين)

وَهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ في الْفَائِتَةِ، وَنِيِّةُ الْفَرْضِيَّةِ في الْفَرْضِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 360 - مسألة: (وهل تُشْتَرَط نِيَّةُ القَضاءِ في الفائِتَةِ، ونِيَّةُ الفرْضِيَّةِ في الفَرْضِ؟ على وَجْهَيْن) اخْتَلَف أصحابُنا في نِيَّةِ الفَرْضِيَّة في الفرْضِ؛ فقال بعضُهم: لا تجِبُ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ يُغْنِي عنها؛ لكَوْنِ الظُّهْرِ لا تكُونُ مِن المُكَلَّفِ إلَّا فَرْضًا. وقال ابنُ حامِدٍ: لابُدَّ منها؛ لأنَّ المُعَيَّنَةَ قد تكُونُ نَفْلًا، كظُهْرِ الصَّبِيِّ والمُعادَةِ، فعلى هذا يحْتاجُ إلى نِيَّةِ الفِعْلِ والتَّعْيِينِ والفَرْضِيَّةِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَنْوِي الأداءَ في الحاضِرَة والقضاءَ في الفائِتَةِ، وهل يجِبُ ذلك؟ على وَجْهَيْن، أحَدُهما، يَجِبُ؛ لقولِه: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». والثاني، لا يَجِبُ. وهو أوْلَى؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لو صَلَّى يَنْوِيها أداءً، فبان أنَّ وَقْتَها قد خَرَج، أنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وتَقَعُ قَضاءً. وكذلك لو نَواها قَضاءٌ ظَنًّا أن الوَقْت قد خَرَج، فبانَ فِعْلُها في وَقْتِهَا، وقَعَتْ أداءً مِن غيرِ نِيَّتِه، كالأسِيرِ إذا تَحَرَّى وصام، فبان أنَّه وافَقَ الشَّهْرَ، أو ما بعدَه، أجْزأه. فأمّا إن ظَنَّ أنَّ عليه ظُهْرًا فائِتَة، فقَضاها في وَقتِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ظُهْر اليَوْم، ثم بان أنَّه لا قَضاءَ عليه، أجْزأتْه في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنِّ الصلاةَ مُعَيَّنَةٌ، وإنما أخْطَأُ في نِيَّةِ الوَقْتِ، فلم يُوثِّرْ كما إذا اعْتَقَدَ أنَّ الوَقْتَ قد خَرَج، فبان أنَّه لم يَخْرُجْ، أو كما لو نَوَى ظُهْرَ أمس، وعليه ظُهرُ يَوْمٍ قبلَه. والثاني، لا يُجْزِئُه، لأنَّه لم يَنْوِ عَيْنَ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو نَوَى قَضاءَ

361 - مسألة: (ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام)

وَيَأتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإحْرَامِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ عَصْرٍ، فإنَّها لا تُجْزِئُه عن الظُّهْرِ. ولو نَوَى ظُهْرَ اليَوْم في وَقتِها، وعليه فائِتَةٌ، لم تُجْزِئْه عنها، ويَتَخَرَّجُ فيها كالتى قبلَها. فأَمَّا إن كانت عليه فَوائِتُ، فنَوَى صلاةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم تجْزِئْه عن واحِدَةٍ منها؛ لعَدَمِ التَّعْيِينِ. 361 - مسألة: (وَيَأتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإحْرَامِ) لأَنَّه أوَّلُ الصلاةِ، لتكونَ النِّيَّةُ مُقارِنَةً (¬1) للعِبادَةِ. ¬

(¬1) في الأصل: «مقاربة».

362 - مسألة: (فإن تقدمت قبل ذلك بالزمن اليسير جاز)

فَإن تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 362 - مسألة: (فَإن تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ) ذَكَرَه أصحابُنا، ما لم يَفْسَخْها. واشْترَطَ الخَرقِيُّ أن يكونَ بعدَ دُخُولِ الوَقْتُ، فإن قَطَع النِّيَّةَ، أو طال الفَصْلُ، لم يُجْزِئْه. وهذا مَذْهبُ أبي حنيفةَ. وقال الشَّافعيُّ، وابنُ المُنْذِر: تُشْتَرَط مُقارَنَةُ النِّيَّةِ للتَّكبِيرِ، لقَوْلِه تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. فقَوْلُه:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ {مُخْلِصِينَ}. حالٌ لهم في وَقْتِ العِبادَةِ، أي: مُخْلِصِين حالَ العِبادَةِ. والإخْلاصُ هو النِّيَّةُ، ولأنَّ النِّيَّةَ شرْطٌ، فلم يَجُزْ أن تَخْلُوَ العِبادَةُ عنها، كسائِرِ شُرُوطِها. ولَنا، أَنَّها عِبادَةٌ، فجار تَقْدِيمُ نِيَّتِها عليها، كالصومِ، وتَقْدِيمُ (¬1) النِّيَّةِ على الفِعْلِ لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مَنْوِيًّا، ولا يُخْرجُ الفاعِلَ عن كَوْنِه مُخْلِصًا، كالصومِ، ولأنَّه جُزْءٌ مِن الصلاةِ، أشْبَهَ سائِر أجْزائِها. ¬

(¬1) في م: «وتقدم».

363 - مسألة: (ويجب أن يستصحب حكمها إلى آخر الصلاة)

وَيَجِبُ أنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 363 - مسألة: (وَيَجِبُ أنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ) مَعْنَى اسْتِصْحابِ حُكمِها، أن لا يَقْطَعَها، فلو ذَهَل عنها أو عَزَبَتْ عنه في أثْناءِ الصلاةِ، لم يُبْطِلْها؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ مِن هذا غيرُ مُمْكِن، وقِياسًا على الصومِ وغيرِه، وقد روَى مالكٌ في «المُوَطَّإِ» (¬1)، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أدْبَرَ الشَّيْطانُ وله حُصَاصٌ (¬2)، فإذَا قُضِيَ التَّثوِيبُ أقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كذا. حَتَّى يَظلَّ أحَدُكُمْ أنّ يَدْرِي كَمْ صَلَّى». ورُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى صلاةً لم يَقْرَأْ فيها، فقِيلَ له: إنَّك لم تَقْرَأ. فقال: إنِّي جَهَّزْتُ جَيْشًا للمُسْلِمِين، حتَّى بَلَغْت بهم وادِي القُرَى (¬3). وإن أمْكَنَه اسْتِصْحابُ ذِكْرِها، فهو أفْضَلُ، لأنَّه أبْلغُ في الإخْلاصِ. ¬

(¬1) في: باب ما جاء في نداء الصلاة، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 69، 70. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب فضل التأذين، من كتاب الأذان وفي باب يفكر الرَّجل الشيء في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة، وفي: باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثًا أو أربعًا سجد سجدتين وهو جالس، وباب السهو في الفرض والتطوع، من كتاب السهو، وفي: باب صفة إبليس وجنوده، من كتاب بدء الخلق. صحيح البُخَارِيّ 1/ 158، 2/ 84، 85، 87، 4/ 151. ومسلم، في: باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، من كتاب الصلاة، وفي: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 291، 292، 398، 399. وأبو داود، في: باب رفع الصوت في الأذان، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 123. والنَّسائيّ، في: باب فضل التأذين، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 19. والدارمي، في: باب الشيطان إذا سمع النداء فرَّ، وباب الرَّجل لا يدري أثلاثًا على أم أربعًا، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 273، 350، 351. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 313، 460، 483، 503، 504، 522. (¬2) الخصائص: الضراط. (¬3) وادى القرى: واد بين المدينة والشَّام، من أعمال المدينة، كثير القرى. معجم البلدان 4/ 878.

364 - مسألة: (فإن قطعها في أثنائها، بطلت الصلاة، وإن تردد في قطعها، فعلى وجهين)

فَإنْ قَطَعَهَا في أثْنَائِهَا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ تَرَددَ في قَطْعِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 364 - مسألة: (فَإنْ قَطَعَهَا في أثْنَائِهَا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ تَرَدَّدَ في قَطْعِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ أن يدْخُلَ في الصلاةِ بِنِيَّةٍ: جازِمَةٍ، فإن دَخَل بنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ مِنَ إتْمامِها وقَطْعِها، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جازِمٌ، ولا يَحْصُلُ (¬1) ذلك مع التِّردُّد. فإن تَلبَّسَ بها بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، ثم نَوَى قطْعَها أو الخُرُوجَ منها، بَطَلَتْ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَبْطُلُ بذلك؛ لأنَّها عِبادَةٌ دَخَلَها بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فلم تَفْسُدْ بنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالحَجِّ. ولَنا، أنَّه تَطَع حُكْمَ النِّيَّةِ قبلَ إتْمام صَلاِته ففَسَدَتْ، كما لو سَلَّمَ يَنْوِي الخُرُوجَ منها، ولأن النِّيَّةَ شَرْطٌ في جَمِيع ¬

(¬1) في الأصل: «يجعل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةِ، وقد قَطَعَها، ففَسَدَتْ، لذَهابِ شَرْطِها. وفارَق الحَجَّ؛ فإنَّه لا يَخْرُجُ منه بمَحْظُوراتِه، بخِلافِ الصلاةِ. فأمَّا إن تَرَدَّدَ في قَطعِها، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه دَخَلَ فيها بِنِيَّةٍ مُتيَقَّنَةٍ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ والتَّردُّدِ، كسائِرِ العِباداتِ. وقال القاضي: يَحْتَمِل أن تبْطلَ. وهو مَذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ النِّيَّةِ شرْطٌ، ومع التَّردُّدِ لا يَبْقَى مُسْتَدِيمًا لها، أشْبَهَ إذا نَوَى قَطعَها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن شَكَّ في أثْنَاء الصلاةِ في النِّيَّةِ، أو في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، اسْتَأنَفَها، لأنَّ الأَصْل عَدَمُها، فإن ذَكَر أنَّه كان قد نَوَى أو كَبَّرَ قبل قَطْعِها، أو شَرَع في عَمَل، فله البِناءُ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ مُبْطِلٌ لها. وإن عَمِل فيها عَمَلًا مع الشَّكِّ، بَطَلَتْ. ذَكرَه القاضي. وهو مَذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذا العَمَلَ عَرِيَ عن النِّيَّةِ وحُكْمِها؛ لأنَّ اسْتصْحابَ حُكْمِها مع الشَّكِّ لا يُوجَدُ. وقال ابن حامدٍ: لا تَبْطُلُ، ويَبْنِي؛ لأنَّ الشَّكَّ لا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ، فجاز له البِناءُ، كما لو لم يُحْدِثْ عَمَلًا؛ لأنَّه لو أزال حُكْمَ النِّيَّةِ لبَطَلَتْ كما لو نَوَى قَطْعَها. وإن شَكَّ هل نَوَى فَرْضًا أو نَفْلًا؟ أتَمَّها نَفْلًا، إلَّا أن يَذْكُرَ أنَّه نَوَى الفَرْضَ قبلَ أن يُحْدِثَ عَمَلًا،

365 - مسألة: (وإن أحرم بفرض، فبان قبل وقته، انقلب نفلا)

وَإِنْ أحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، انْقَلَبَ نَفْلًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ فيُتمَّها فَرْضًا. وإن كان ذَكَرَه بعدَ أن أحْدَثَ عَمَلًا، خُرِّجَ فْيه الوَجْهان. فإن شَكَّ، هل أحْرمَ بظُهْرٍ أو عَصْرٍ؟ فحُكْمُه حُكْمُ ما لو شَكَّ النِّيَّةِ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، ويَحْتَمِلُ أن يُتِمَّها نَفْلًا كما لو أحْرَمَ بفَرْضٍ، فبان قبلَ وقْتِه. 365 - مسألة: (وَإِنْ أحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، انْقَلَبَ نَفْلًا) لأنَّ نِيَّةَ الفَرْضِ تَشْتَمِلُ على نِيَّةِ النَّفْلِ، فإذا بَطَلَتْ نِيَّةُ الفَرْضِيَّةِ بَقِيَتْ نِيَّةُ مُطْلَقِ الصلاةِ.

366 - مسألة: (وإن أحرم به في وقته ثم قلبه نفلا، جاز، ويحتمل أن لا يجوز إلا لعذر، مثل أن يحرم منفردا، ثم

وَإِنْ أحْرَمَ بِهِ في وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا، جَازَ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَجُوزَ إلَّا لِعُذْرٍ، مِثْلَ أن يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ يُرِيدَ الصَّلَاةَ في جَمَاعَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 366 - مسألة: (وَإِنْ أحْرَمَ بِهِ في وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا، جَازَ، وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَجُوزَ إلَّا لِعُذْرٍ، مِثْلَ أن يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ (¬1) يُرِيدَ الصَّلَاةَ في جَمَاعَةٍ) متى أحْرَمَ بفَرْض في وَقْتِه، ثم قَلَبَه نَفْلًا، فإن كان لغيرِ غَرَضٍ، ¬

(¬1) سقط ش: م.

367 - مسألة: (وإن انتقل من فرض إلى فرض بطلت الصلاتان (تبطل الأولى؛ لأنه قطع نيتها، ولا تصح الثانية؛ لأنه لم ينوها من أولها.

وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ كرِه وصَحَّ؛ لأنَّ النَّفْلَ يَدْخُلُ في نِيَّةِ الفَرْضِ، أشْبَهَ ما لو أحْرمَ بفَرْضٍ، فبان قبلَ وَقْتِه، وكما لو قَلَبَها لغَرَضٍ. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ. ويُكْرَهُ ذلك؛ لأنَّه أَبْطَلَ عَمَله. وقال القاضي في مَوْضِعٍ: لا يَصِحُّ، رِوايَةً واحِدَةً، كما لو انْتَقَلَ مِن فَرضٍ إلى فَرْضٍ. وقال في «الجامِعَ»: يُخَرَّجُ على رِوايتيْن؛ إحْداهما، يَصِحُّ، لِما ذَكَرْنا. والثَّانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أبْطَل عَقلَه لغيرِ سَبَبٍ ولا فائِدَةٍ. وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَيْن. وإن كان لغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ مِثْلَ مَن أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، فحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ، فقَلَبَها نَفْلًا، لتَحْصُل فضِيلَةُ الجَماعَةِ، صَحَّ مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا. وقال القاضي: فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا. والثَّانِيَةُ، يَصِحُّ؛ لتَحْصُلَ له مُضاعَفَةُ الثَّوابِ. 367 - مسألة: (وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ (تَبْطُلُ الأولَى؛ لأنَّه قَطَع نِيَّتهَا، ولا تَصِحُّ الثَّانِيَة؛ لأنَّه لم يَنْوِها مِن أوَّلِها.

368 - مسألة: (ومن شرط الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهم)

وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإمَامُ وَالْمَأمُومُ حَالَهُمَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 368 - مسألة: (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ أنْ يَنْوِيَ الْإمَامُ وَالْمَأمُومُ حَالَهُمَ) يُشْتَرَطُ أن يَنْوِيَ الإمامُ أنَّه إمامٌ، والمَأمُومُ أنَّه مَأمُومٌ؛ لأنَّ الجَماعَةَ يَتَعَلَّقُ بها أحْكامُ وُجُوبِ الاتِّباعِ، وسُقُوطِ السَّهْوِ عن المَأمُومِ، وفَسادِ صلاتِه بفَسادِ صلاةِ إمامِه، وإنَّما يَتَمَيَّزُ الإمامُ عن المَأمُومِ بالنِّيَّةِ، فكانت شَرْطًا. فإن نَوَى أحَدُهما دُونَ صاحِبِه، لم يَصِحَّ، ولأنَّ الجَمَاعَةَ إنَّما تَنْعَقِدُ بالنِّيَّةِ فاعْتُبِرَتْ منها قِياسًا لأحَدِهما على الآخَرِ. فإن صَلَّى رَجُلان، يَنْوِي كلُّ واحِدٍ منها أنَّه إمامُ صاحِبِه، أو مَأمُومٌ له، فصَلاتُهما فاسِدَةٌ. نَصَّ عليهما؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس بإمام في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وأمَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ من لم يَأتَمَّ به في الأُولَى. ولو رَأى رَجُلَيْن يُصَلِّيان، فنَوَى الائْتِمامَ بالمَأمُومِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس بإمامٍ. وإن نوى الائْتِمَامَ بأحَدِهما، لا يعَينِه، لم يَصِحَّ حتَّى يُعَيِّنَ الإمامَ، لأنَّ تَعْيينَه شَرْطٌ. وإن نَوَى الائْتِمامَ بهما معًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس بإمامٍ، ولأنَّه لا يَجُوزُ الائْتِمامُ بأكْثَرَ مِن واحِدٍ. ولو نَوَى الائْتِمامِ بإمامَيْن، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اتِّباعُهما معًا.

369 - مسألة: (فإن أحرم منفردا، ثم نوى الائتمام، لم يصح، في أصح الروايتين)

فَإنْ أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، لَمْ يَصِحَّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 369 - مسألة: (فَإنْ أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، لَمْ يَصِحَّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) متى أحْرَمَ منْفرِدًا، ثم نَوَى جَعْلَ نَفْسِه مَأمُومًا؛ بأن تَحْضُرَ جَماعَةٌ، فيَنْوِي الدُّخُولَ معهم في صَلاتِهم، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجُوز، سَواءٌ كان [في أوَّلِ الصلاةِ] (¬1) أو في أثْنائِها؛ لأنَّه نَقَل نَفْسَه إلى الجَماعَةِ، فجاز؛ لو نَوَى الإمامَةَ. والثانية، لا يَجُوز. وهي أَصَحُّ؛ لأنَّه نَقَل نَفْسَه مؤتَمًا، فلم يَجُزْ، كالإمامِ. وفارَقَ نَقْلَه إلى الإمامَةِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه. قال أحمدُ، في رجلٍ دَخَل المَسْجِدَ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن أو ثَلاثًا، يَنْوِي الظهْرَ، ثم جاء المؤذِّن فأقام الصلاة: سَلَّمَ مِن هذه، وتَصيرُ له تَطَوُّعًا، ويَدْخُلُ معهم. قِيل له: فإن دَخَل في الصلاةِ مع القَوْمِ واحْتَسَب بِه. قال: لا يُجْزئُه حتَّى يَنْوِيَ بها الصلاة مع الإمامِ في ابْتِداءِ الفَرْضِ. ¬

(¬1) في م: «أول صلاته».

370 - مسألة: (وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض. ويحتمل أن يصح، وهو أصح عندي)

وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ صَحَّ في النَّفْلِ وَلَمْ يَصِحَّ في الْفَرْضِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي. ـــــــــــــــــــــــــــــ 370 - مسألة: (وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ صَحَّ في النَّفْلِ وَلَمْ يَصِحَّ في الْفَرْضِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي) إذا أحْرَمَ مُنْفرِدًا، ثم انتقَلَ إلى نِيَّةِ الإمامَةِ في النَّفْلِ، صَحَّ. نَصَّ عليه (¬1) أحمدُ، لِما روى ابنُ عباسٍ، قال: بتُّ عندَ خالَتِي مَيْمُونَةَ، فقام النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي مُتَطَوِّعًا مِن اللَّيْلِ، فقام إلى القِرْبَةِ، فتَوَضَّأ، فصَلَّى، فقام، فَقُمْتُ لَمّا رَأيتُه صَنَع ذلك، فتوَضَّأتُ مِن القِرْبَةِ، ثم قُمْتُ إلى شِقِّه الأيمَنِ، فأخَذَ بيَدِي مِن وراءِ ظَهْرِه يَعْدِلُنى كذلك إلى الشِّقِّ الأيْمَنِ. مُتَّفَقٌ ¬

(¬1) في م: «عليها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه (¬1). واللَّفْظُ لمسلم. ورَوَتْ عائشة، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ، وجِدارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فرَأى النَّاسُ شَخْصَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقام النّاسُ يُصَلُّون بصَلاِته (¬2). فصل: فأمَّا في الفَرِيضَةِ، فإن كان يَنْتَظِرُ أحَدًا، كَإمامِ المَسْجدِ يُحْرِمُ وحْدَه، ويَنْتَظِرُ مَن يَأتِي فيُصَلِّي معه، جاز ذلك. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحْرَمَ وَحْدَه، فجاء جابِرٌ، وجَبّارٌ، فصَلَّى بهما. رَواه أبو داودَ (¬3). والظَّاهِر أنَّها كانت مَفْروضَةً، لأنَّهم كانوا مُسافِرِين. وإن لم ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب السمر في العلم، من كتاب العلم، في: باب التخفيف في الوضوء، من كتاب الوضوء، وفي: باب يقوم عن يمين الإمام. . . . إلخ، وباب إذا قام الرَّجل. . . . إلخ، وباب إذا لم ينو الإمام. . . . إلخ، وباب إذا قام الرَّجل عن يسار. . . . إلخ، وباب ميمنة المسجد والإمام، وباب وضوء الصبيان. . . . إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب الذوائب، من كتاب اللباس، وفي: باب الدعاء إذا انتبه بالليل، من كتاب الدعوات. صحيح البُخَارِيّ 1/ 40، 47، 138، 179، 185، 217، 7/ 209، 210، 8/ 86. ومسلم، في: باب الدعاء في صلاة الليل، وقيامه، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 525 - 531. وكذلك أخرجه أبو داود، في: باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، من كتاب الصلاة، في باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 143، 313 - والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل يصلي ومعه رجل، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 30. والنَّسائيّ، في: باب الأمر بالوضوء من النَّوم، من كتاب الغسل، وفي: باب الجماعة إذا كانوا اثنين، من كتاب الإمامة. المجتبي 1/ 176، 2/ 81. وابن ماجه، في: باب الاثنان جماعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 312. والدارمي، في: باب مقام من يصلي مع الإمام إذا كان وحده، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 286. والإمام أَحْمد، في المسند 1/ 341، 343، 347. (¬2) رواه البُخَارِيّ، في: باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 186. (¬3) في: باب إذا كان ثوبًا ضيقًا يتزر به من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 147، 148 وروايته مطولة. وأخرجه مسلم، في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه من كتاب المسافرين، وفي: باب حديث جابر الطَّويل. . . . إلخ؛ من كتاب الزهد. صحيح مسلم 1/ 532، 4/ 2305.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَكُنْ كذلك لم يَصِحَّ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأيِ، في الفَرْضِ والنَّفْلِ جَمِيعًا؛ لأنَّه لم يَنْوِ الإمامَةَ في ابْتِداءِ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو ائتَمَّ بمَأمُومٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ (¬1)، وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ عليه. وهو مَذهَبُ الشافعيِّ. قال شيخُنا (¬2): وهو الصَّحِيح إن شاء اللهَ؛ لأنَّه قد ثَبَت في النَّفْلِ بحديثِ ابنِ عباسٍ، وعائشةَ. والأصْل مُساواةُ ¬

(¬1) في م: «يصلى». (¬2) في: المغني 3/ 74.

371 - مسألة: (وإن أحرم مأموما، ثم نوى الانفراد لعذر، جاز)

فَإنْ أحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى الِانفِرَادَ لِعُذْرٍ جَازَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الفَرْضِ للنَّفْلِ في النِّيَّةِ، ومِمَا يُقَوِّي ذلك حديثُ جابِرٍ وجَبَّارٍ في الفَرْضِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فصَحِّ كحالَةِ الاسْتِخْلافِ، وبَيانُها أنَّ المُنْفَرِدَ إذا جاء قوْمٌ فأحْرَمُوا معه، فإن قَطَع الصلاةَ وأخْبَرَهم بحالِه، قَبُحَ؛ لِما فِيه مِن إبْطالِ العَمَلِ، وإن أتَمَّ الصلاةَ، ثم أخْبَرَهم بفَسادِ صَلاِتِهم، فهو أقْبَحُ وأشَقُّ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بحالَةِ الاسْتِخْلافِ. واللهُ أعلمُ. 371 - مسألة: (وَإنْ أحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى الِانفِرَادَ لِعُذْرٍ، جَازَ) لِمَا روَى جابِرٌ، قال: صلَّى مُعاذٌ بقَوْمِه فقَرأ سُورَةَ البَقَرَةِ، فتَأخَّرَ رجلٌ فصَلَّى وَحْدَه، فقِيلَ له: نافَقْتَ. قال: ما نافَقتُ، ولكن لآتِينَّ رسولَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأخْبِرُه. فأتَى النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فذَكَرَ له ذلك، فقال: «أفَتَّان أَنْتَ يَا مُعَاذُ»؛ مَرَّتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولم يأمُرِ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الرجلَ بالإعادَةِ. والأعْذارُ التي يَخْرجُ لأجْلِها؛ مِثْلُ هذا، والمَرَضُ، وخَشْيَة غَلَبَةِ النُّعاسِ، أو شئٌ يُفْسِدُ صَلَاتَه، أو خَوْفُ فَواتِ مالٍ، أو تَلَفِه، أو فَوْتِ رِفْقَتِه، أو مَن يَخْرُجُ مِن الصَّفِّ ولا يجِدُ مَن يَقِفُ معه، ونَحْوُ ذلك. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا طوَّل الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى، وباب من شكا إمامه إذا طوّل، من كتاب الأذان، وفي: باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، من كتاب الأدب. صحيح البُخَارِيّ 1/ 179، 180، 8/ 32. ومسلم، في: باب القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 339، 340. كما أخرجه أبو داود، في: باب في التَّخفيف في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 182، 183. والنَّسائيّ، في: باب خروج الرَّجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد، وباب اختلاف نية الإمام والمأموم، من كتاب الإمامة، وفي: باب القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 76، 77، 79، 130، 134. وابن ماجه، في: باب من أمّ قومًا فليخفف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 315. والدارمي، في: باب قدر القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 297. والإمام أَحْمد: المسند 3/ 299، 300، 308، 369.

372 - مسألة: (وإن كان لغير عذر لم يجز، في إحدى الروايتين)

وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 372 - مسألة: (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) لأنَّه تَرَك مُتابَعَةَ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، أشْبَهَ ما لو تَرَكَها مِن غيرِ نِيَّةِ المُفارَقَةِ. والثانيةُ، تَصِحُّ كما إذا نَوَى المُنْفَرِدُ الإمامَةَ، بل هاهُنا أوْلَى، فإنَّ المَأمُومَ قد يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بغيرِ نِيَّةٍ، وهو المَسْبُوق إذا سَلَّمَ إمامُه، والمُنْفَرِدُ لا يَصِيرُ مأمُومًا بغيرِ نِيَّةٍ بحالٍ.

373 - مسألة: (وإن نوى الإمامة لاستخلاف الإمام له إذا سبقه الحدث، صح في ظاهر المذهب)

وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، صَحَّ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 373 - مسألة: (وَإنْ نَوَى الْإمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، صَحَّ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا سَبَق الإمامَ الحَدَثْ، فله أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ. رُوِيّ ذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ. وهو قولُ الثَّوْريِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأصْحاب الرَّأيِ. وحُكِيَ عن أحمدَ رِوايةَ أُخرى، أنَّ صلاةَ المَأمُومِين تَبْطلُ. وقال أَبو بكرٍ: تَبْطل صَلاتُهم، رِوايةً واحِدَةً؛ لأنَّه فُقِد شَرْطُ صِحَّةِ الصلاةِ في حَقِّ الإمامِ، فبَطَلَتْ صلاةُ المأمُومِ، كما لو تَعَمَّدَ الحَدَثَ. ولَنا، أنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمّا طُعِن أخَذَ بيَدِ عبدِ الرحْمنِ بنِ عَوْفٍ، فقَدَّمَه، فأتَمَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بهم الصلاة (¬1)، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا. فإن لم يَسْتَخْلِفِ الإمامُ، فقَدَّمَ المَأمُومُون رَجُلًا فأتَمَّ بِهم، جاز، وإن صَلَّوْا وُحْدانًا، جاز. قال الزُّهْرِيُّ في إمام يَنُوبُه الدَّمُ، أو يَرْعُفُ: يَنْصَرِفُ وليَقُلْ أتِمُّوا صَلاتَكم. وإن قَدَّمَتْ كلُّ طائِفَةٍ مِن المَأْمُومِين إمامًا، فصَلَّى بهم، فقِياسُ المَذْهَب جَوازُه. وقال أصحابُ الرَّأيِ: تَفْسُدُ صَلاتُهم. ولَنا، أنَّ لهم أن يُصَلُّوا وُحْدانًا، فجاز لهم أن يُقَدِّمُوا رجلًا، كحالَةِ ابتِداءِ الصلاةِ. وإن قَدَّمَ بَعْضُهم رجلًا وصَلَّى الباقُون وُحدانًا، جاز. فصل: فأمَّا إن فَعَل ما يُبْطُل صَلَاتُه عَمْدًا، فَسَدَتْ صلاةُ الجَمِيعِ، وإن كان عن غيرِ عَمْدٍ، لم تَفْسُدْ صلاةُ المَأمُومِين. نَصَّ عليه أحمدُ في الضَّحِكِ. ورُوِيَ عن أحمدَ، في مَن سَبَقَه الحَدَثُ، الرِّوايَتان، وقد ذَكَرْناه. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان رضي الله عنه، من كتاب فضائل أصحاب النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. صحيح البُخَارِيّ 5/ 19 - 22.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا الإمامُ الَّذي سَبَقَه الحَدَثُ، فتَبْطُلُ صَلاتُه ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُها. قال أَحْمد: يُعْجِبُنى أن يَتَوَضَّأ ويَسْتَأنِفَ. وهذا قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، لِما روَى عليّ بنُ طَلْقٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا فَسَا أحَدُكُمْ في صَلَاتِه، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ». رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّه فَقَد شَرْطَ الصلاةِ في أثْنائِها على وَجْهٍ لا يَعُودُ إلَّا بعدَ زمَنٍ طَوِيلٍ وعَمَلٍ كَثيرٍ، ففَسَدَتْ صَلاتُه كما لو تَنَجَّسَ بنَجاسَةٍ يَحْتاجُ في إزالَتِها إلى مِثْلِ ذلك. وفيه رِوايَة ثانية، أنَّه يَتَوَضَّأْ ¬

(¬1) في: باب في من يحدث في الصلاة، من كتاب الطهارة، وفي: باب إذا أحدث في صلاته يستقبل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 47، 230. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب كراهية إتيان النساء في أدبارهن، من أبواب الرضاع. عارضة الأحوذى 5/ 111، 112.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَبْنِي. رُوِي ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَنْ قَاءَ أوْ رَعَفَ في صَلَاتِه، فَلْيَنْصَرِف، فَلْيَتَوَضَّأْ وَليَبْنِ عَلَى مَا قضَى مِنْ صَلَاِتهِ» (¬1). وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، إن كان الحَدَث مِن السَّبِيلَيْن ابْتَدَأ، وإن كان مِن غيرِهما بَنَى؛ لأنَّ حُكْمَ نَجاسَةِ السَّبِيلِ أغْلَظُ، والأثَرُ إنَّما وَرَد في غيرها. والأُولَى أوْلَى، وحَدِيثُهم ضَعِيفٌ. فصل: قال أصحابُنا: يجُوزُ اسْتِخْلافُ مَن سُبِق ببَعْضِ الصلاةِ، ولمَن جاء بعدَ حَدَثِ الإمامِ، فيَبْنِي على ما مَضَى مِن صلاةِ الإمامِ؛ مِن قراءَةٍ، أو رَكْعَةٍ، أو سَجْدَةٍ. وإذا اسْتُخْلِفَ مَن جاء بعدَ حَدَثِ الإمامِ، فيَنْبغِي أن تَجِبَ عليه قراءَةُ الفاتِحَةِ، ولا يَبْنِي على قِراءَةِ الإمامِ؛ لأنَّ الإمامَ لم يَتَحَمَّلْ عنه القِراءَةَ هاهُنا، ويَقْضِي بعدَ فَراغِ صلاةِ المَأمُومِين. حُكِيَ هذا القَوْلُ عن عُمَرَ، وعليٍّ، وأكثرِ مَن قال بالاسْتِخْلافِ. وفيه رِوايةٌ أُخْرْى، أنَّه مخيَّرٌ بينَ أن يَبْنِي أو يَبْتَدِئَ. قال مالكٌ: يُصَلِّي لنَفْسِه صلاةً تامَّةٌ، فإذا فَرَغُوا مِن صَلاتِهم قَعَدُوا وانْتَظَرُوه حتَّى يُتِمِّ ويُسَلِّمَ بهم؛ لأنَّ ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في البناء، على الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 385، 386.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اتِّباعَ المَأمُومِين للإمام أوْلى مِن اتِّباعِه لهم. وكذلك على الرِّوايَةِ الأُولَى يَنْظِرونَه حتَّى يَقْضِيَ مَا فاتَه ويُسَلِّمَ بهم؛ لأنِّ الإمامَ يَنْتظِرُ المَأمُومِين في صلاةِ الخوْفِ، فانْتِظارُهم له أوْلَي. وإن سَلَّمُوا ولم ينْتَظِرُوه، جاز. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَسْتَخْلِفُ مَن يُسَلِّمُ بهم، والأوْلَى انتِظارُه. وإنَّهم إن سَلَّمُوا لم يَحْتاجُوا إلى خَلِيفَةٍ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن الصلاةِ إلَّا السَّلامُ، فلا حاجَةَ إلى الاستِخْلافِ فيه. قال شَيْخُنا (¬1): ويَقْوَى عِنْدِي أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِخْلافُ في هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّه إذ بَنَى جَلَس في غيرِ مَوْضِع جُلُوسِه، وصار تابِعًا للمَأمُومِين، وإنِ ابْتَدَأ جَلَس المَأمُومُون في غيرِ مَوْضعٍ جُلُوسِهم، ولم يَرِدِ الشَّرعُ بهذا، وإنَّما ثَبَت الاسْتِخْلافُ في مَوضِع الإِجْمَاعِ، حيث لم يَحْتَجْ إلى شيءٍ مِن هذا، فلا يُلْحَقُ به ما ليس في مَعْناه. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 509، 510.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن سَبَق المأْمُومَ الحَدَثُ، في، فَسادِ صَلاتِه الرِّواياتُ الثَّلاثُ. فإن كان مع الإمامِ مَن تَنْعَقِدُ به صَلاتُه غيرُه، وإلَّا فحُكْمُه كحُكْم الإِمامِ معه، فيما فَصَّلْناه في قِياسِ المَذْهَبِ. وإن فَعَلَه عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُه وصلاةُ الإمام؛ لأنَّ ارْتباطَ صلاةِ الإمام بالمَأمُوم كارْتباطِ صلاةِ المَأمُومِ بالإمامِ، فما فَسَد ثَمَّ، فَسَد هاهُنا، وما صَحَّ ثَمَّ، صَحَّ هاهُنا.

374 - مسألة: (وإن سبق اثنان ببعض الصلاة، فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما، فعلى وجهين)

وَإنْ سُبِقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، فَائْتَمَّ أحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ في قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 374 - مسألة: (وَإنْ سُبِقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، فَائْتَمَّ أحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ في قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه انْتِقالٌ مِن جَماعَةٍ إلى جماعةٍ لعُذْرٍ فجاز، كالاسْتِخْلافِ، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- جاء

375 - مسألة: (وإن كان لغير عذر، لم يصح)

وَإنْ كَانَ لِغيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وأبو بكرٍ في الصلاةِ، فتَأخَّرَ أبو بكرٍ، وتَقَدَّمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فأتمَّ بهم الصلاةَ (¬1). والثَّانِي، لا يَصِحُّ؛ بِناءٌ على عَدَمِ جَوازِ الاسْتِخْلافِ. 375 - مسألة: (وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، لم يَصِحَّ) يَعْنِي إذا انْتَقَلَ عن إمامِه إلى إمامٍ آخَرَ، فَائْتَمَّ به، أو صار المَأمُومُ إمامًا لغيرِه مِن غيرِ عُذْرٍ، ¬

(¬1) انظر تخريج حديث سهل بن سعد الآتي.

376 - مسألة: (إن أحرم إماما لغيبة إمام الحي، ثم حضر في أثناء الصلاة، فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته، وصار الإمام مأموما، فهل يصح؟ على وجهين)

إنْ أحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ في أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَأحرْمَ بِهِمْ وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الإِمَامُ مَأمُومًا، فَهَلْ يَصحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إنَّما ثَبَت جَوازُ ذلك في مَحَل العُذْرِ بقَضِيِّةِ عُمَرَ (¬1)، رَضِيَ الله عنه، وغيرُ حالِ العُذْرِ لا يُقاسُ عليه. 376 - مسألة: (إنْ أحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ في أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَأحرْمَ بِهِمْ وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الإِمَامُ مَأمُومًا، فَهَلْ يَصحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) [رُوِيَ عن أحمدَ في هذه المَسْألَةِ ثلاث رِواياتٍ] (¬2)؛ أحَدُها، يَصِحُّ؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، قال: ¬

(¬1) تقدمت في صفحة 383، 384. (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذَهَب رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ؛ ليُصْلِحَ بَيْنهم، فجانَتِ

فصول في أدب المشي إلى الصلاة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةُ، فصَلَّى أبو بكرٍ، فجاء رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- والنَّاسُ في الصلاةِ، فخَلَصَ حتَّى وَقَف في الصَّفِّ، فاسْتأْخَرَ أبو بكرٍ حتَّى اسْتَوَى في الصَّفِّ، وتَقَدَّمَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فصَلَّى، ثم انْصَرَفَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). [وما فَعَلَه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان جائِزًا لأُمَّتِه، ما لم يَقُمْ دَلِيلُ الاخْتِصاصِ. والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، أنَّ ذلكَ يَجُوزُ للخَلِيفةِ دُونَ بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ. نَصَّ عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ؛ لأنَّ رُتْبَةَ الخِلافَةِ تَفْضُلُ رُتْبةَ سائِرِ الأئِمَّةِ، فلا يُلْحَقُ بها غيرُها] (¬2). والثَّالِثَةُ، لا يَصحُّ! لأنَّه لا حاجَة إليه، وفِعْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَحْتَمِلُ أن يكُون خَاصًّا به؛ لأَنَّ أحدًا لا يُساوِيه في الفَضْلِ، ولا يَنبَغِي أن يَتَقَدَّمَ عليه، بخِلافِ غيرِه، ولهذا قال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافَةَ أن يَتَقَدَّمَ بينَ يَدَيّ رسولَ اللهَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. فصولٌ في أدَبِ المَشْيِ إلى الصلاةِ يُسْتَحَبُّ للرجلِ، إذا أقْبَلَ إلى الصلاةِ، أن يُقْبِلَ بخَوْفٍ ووَجَلٍ وخُشُوعٍ، وعليه السَّكِينَةُ، ويُقارِبَ بينَ خُطاه لتَكْثُرَ حَسَناتُه، فإنَّ كلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ له بها حَسَنَةٌ؛ لِما روَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ، فخرَجَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَمْشِي وأنا معه، فقارَبَ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الإمام يأتي قومًا يصلح بينهم، من كتاب الأحكام. صحيح البُخَارِيّ 9/ 92. ومسلم، في: باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 316. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب حيث ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 389 - 391. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 332، 338. (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في الخُطا، ثم قال: «أتَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَانَا في طَلَبِ الصَّلاةِ» (¬1). ويُكْرَهُ أن يُشَبِّكَ بينَ أصابِعِه؛ لِما روَى كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ، أن رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَأحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خرجَ عَامِدًا إلَى المَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَن بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فإِنهُ في صَلَاةٍ». رَواه أبو داودَ (¬2). فصل: ويُسْتحَبُّ أن يقُولَ ما روَى ابنُ عباسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج إلى الصلاةِ وهو يقُولُ: «اللَّهُم اجْعَلْ في (¬3) قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ في سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ في بَصَرِي نُورًا، واجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، ومِنْ أمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَأعْطِنى نُورًا». أخْرَجَه مسلمٌ (¬4). وروَى أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ (¬5) قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَن خَرَجَ مِنْ بيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ¬

(¬1) أخرجه عبد بن حميد في مسنده 1/ 240. (¬2) في: باب ما جاء في الهدى في المشي الصلاة من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 133. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 177. والدارمي، في: باب إلى عن الاشتباك إذا خرج إلى المسجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 326، 327. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 241 - 244. (¬3) في الأصل: «لى». (¬4) في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 525، 526، 528 - 530. كما أخرجه أبو داود، في باب صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 310، 311. والتِّرمذيّ، في: باب عصمة الذكر، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 12/ 303، 304. والنَّسائيّ. في: باب الدعاء في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبي 2/ 172، 173. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 284، 343، 352، 373. (¬5) سقط س: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ (¬1) بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأسْألُكَ بِحَقِّ مَمْشَاىَ هذَا، فإنِّي لمْ أخْرُجْ أشَرًا (¬2) وَلَا بَطرًا (¬3)، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَة، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأسْألُكَ أنْ تُنْقِذَنِي مِن النَّارِ، وَأنْ تَغْفِرَ لى ذُنُوبِي، إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوب إلَّا أَنْتَ. أقْبَلَ اللهُ إلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ له سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجَه (¬4). فصل: فإن سَمِع الإقامَةَ لم يَسْعَ إليها، لِما روَى أبو هُرَيْرةَ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إذَا سَمِعْتُمُ الإقَامَة فَامْشُوا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فأَتِمُّوا». وعن أبي قَتادَةَ، قال: بَيْنا نحن نُصَلِّي مع رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذ سَمِع جَلَبَةَ رِجالٍ، فلَمَّا صَلَّى قال: «مَا شَأْنُكُمْ»؛ قالوا: اسْتَعْجَلْنا إلى الصلاةِ. فقال: «لَا تَفْعَلُوا، إذا أتَيْتُمُ الصَّلاةَ، فَعَلَيْكُمُ السَّكينَةَ، فَمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأتِمُّوا». متَّفَقٌ عليهما (¬5). قال الإمامُ أحمدُ: فإِن طَمِع أن يُدْرِكَ التكْبِيرَةَ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) الأشر: كفر النعمة والافتخار. (¬3) البطر: الطغيان عند النعمة. (¬4) أخرجه ابن ماجه، في: باب المشي إلى الصلاة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 256. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 21. (¬5) الأول أخرجه البُخَارِيّ، في: باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة. . . . إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب المشي إلى الجمعة، من كتاب الجمعة صحيح البُخَارِيّ 1/ 164، 2/ 9. ومسلم، في: باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 430، 421، كما أخرجه أبو داود، في: باب السعى إلى الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 135. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في المشي إلى المسجد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 123. والنَّسائيّ، في: باب السعى إلى الصلاة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 88. وابن ماجه، في: باب المشي إلى الصلاة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأُولَى (¬1)، فلا بَأْسَ أن يُسْرِعَ شيئًا (¬2)، ما لم يَكُنْ عَجَلَةً تَقْبُحُ، جاء الحديثُ عن أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّهم كانُوا يُعَجِّلُون شيئًا إذا تَخَوَّفُوا فَواتَ التَّكْبِيرةِ الأُولَى. فصل: فإذا دَخَل المَسْجِدَ قدَّمَ رِجْلَه اليُمْنَى، وإذا خَرَج قَدَّم اليُسْرَى. ويقُولُ ما روَى مسلمٌ (¬3) بإسْنادِه، عن أبي حمُيْدٍ، أو أبي أُسَيّدٍ (¬4)، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا دَخَل أحَدُكُمُ الْمَسْجدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ». وعن فاطِمَة بنتِ رسوِل الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قالت: كان ¬

= 1/ 255. والدارمي، في: باب كيف يمشى إلى الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 294. والإمام مالك، في: باب ما جاء في النداء للصلاة، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 68، 69. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 237، 238، 239، 270، 318، 382، 452، 460، 472، 489، 529، 532، 533. والثاني أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قول الرَّجل فاتتنا الصلاة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 163. ومسلم، في: الباب السابق. صحيح مسلم 2/ 422. والدارمي، والباب السابق. (¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «مشيا». (¬3) في: باب ما يقول إِذا دخل المسجد، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 494، 495. وأخرجه أَيضًا: أبو داود، في: باب فيما يقوله الرَّجل عند دخوله المسجد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 109. والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول عد دخول المسجد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 111. والنَّسائيّ، في: باب القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 41. وابن ماجه (عن ابن حميد فحسب)، في: باب الدعاء عند دخول المسجد، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 254. والدارمي، في: باب القول عند دخول المسجد، من كتاب الصلاة، وفي: باب ما يقول إذا دخل المسجد وإذا خرج، من كتاب الاستئذان. سنن الدَّارميّ 1/ 324، 2/ 293. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 497، 5/ 425. (¬4) جاء في صحيح مسلم، قال بعد أن أورد: «أو أبي أسيد»: سمعت يحيى بن يحيى يقول. كتبت هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال، قال: بلغني أن يحيى الحماني، يقول: وأبي أسد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا دَخَل المَسْجِدَ صَلَّى على محمدٍ وسَلَّمَ (¬1)، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وإذا خَرَج صَلَّى على محمدٍ وسلم، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وافْتَحْ لِي أبْوَابَ فَضْلِكَ» (¬2). فإذا دَخَل لم يَجْلِسْ حتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن؛ لِما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ ركْعَتَيْنِ». مُتَّفقٌ عليه (¬3). ثم يَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فإِنه قد رُوِيَ: «خَيْرُ الْمَنَازِلِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» (¬4). ويَشْتَغِلُ بذِكْرِ اللهِ تعالى، أو قِراءَةِ القُرْآنِ، أو يَسْكُتُ. ولا يُشَبِّكُ أصابِعَه؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، عن رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إذَا كان أحَدُكُمْ في الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَن؛ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما يقول عند دخول المسجد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 111. وابن ماجه، في: باب الدعاء عند دخول المسجد، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 253، 254. والإمام أَحْمد، في. المسند 6/ 282، 283. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، من كتاب الصلاة، وفي: باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 120، 121، 2/ 70. ومسلم، في: باب استحباب تحية المسجد بركعتين. . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 495. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ:، في باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 112. والنَّسائيّ، في: باب الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 42. والدارمي، في: باب الركعتين إذا دخل المسجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 323، 324. والإمام مالك، في: باب انتظار الصلاة، والمشي إليها؛ من كتاب السفر. الموطأ 1/ 162. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 295، 296، 303، 305، 311. (¬4) أخرجه البيهقي في: باب ما جاء في تستير المنازل، من كتاب الصداق. السنن الكبرى 7/ 272. والطبراني في المعجم الكبير 10/ 389 بنحوه، وانظر كنز العمال 9/ 140.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَإنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَزَالُ في صَلَاةٍ مَا كَانَ في الْمَسْجِدِ، حَتَى يَخْرُجَ مِنْهُ». رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (¬1). ¬

(¬1) 3/ 43، 54.

باب صفة الصلاة

بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ [روَى محمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَطاءٍ] (¬1)، قال: سَمِعْتُ أَبا حُمَيْدٍ السّاعِدِيَّ في عَشَرَةٍ مِن أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، منهم أبو قَتادَةَ، فقال أبو حُمَيْدٍ: أنا أعْلَمُكم بصلاةِ رسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالُوا: فاعْرِضْ (¬2). قال: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام إلى الصلاةِ يَرْفَعُ يَدَيْه، حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، ثم يُكَبِّرُ (¬3)، حتَّى يَقَرَّ (¬4) كلُّ عَظْمٍ في مَوْضِعِه مُعْتَدِلًا، ثم يَقْرأُ، ثم يُكَبِّرُ، فيرْفَعُ يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، ثم يَرْكَعُ (¬5) ويَضِعُ راحَتَيْه على رُكْبَتَيْه، ثم يَعْتَدِلُ، فلا يُصَوبُ رَأْسَه ولا يُقْنِعُه (¬6)، ثم وَيَرْفعُ رَأْسَه، ويقُولُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. ثم يَرْفَعُ يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه مُعْتَدِلًا، ثم يقُول: اللهُ أكْبَرُ. ثم (¬7) يَهْوِي إلى الأرْضِ، فيُجافِي يَدَيْه عن جَنبَيْه، ثم يَرْفَعُ رَأْسَه، ويَثْنِي رِجْلَه اليُسْرَى فيَقْعُدُ عليها، ويَفْتَحُ أصابعَ رِجْلَيْه إذا سَجَد، ويَسْجُدُ، ثم يقولُ: اللهُ أكبرُ. ويَرْفَعُ ¬

(¬1) في الأصل: «روى عن مُحَمَّد بن عطاء». (¬2) من العرض، بمعنى الإظهار. (¬3) في الأصل: «يركع». (¬4) يقر: من القرار. (¬5) في م: «يرفع». (¬6) ولا يقنعه: ولا يرفعه، وهو من الأضداد، يطلع على الرفع والخفض. (¬7) سقطت من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَثْنِي رِجْلَه اليُسْرى، فيَقْعُدُ عليها، حتَّى يَرْجِعَ كل عَظْم إلى مَوْضِعِه، ثم يَصْنَعُ في الأخْرى مِثْلَ ذلك، ثم إذا قام (¬1) مِن الرَّكْعَةِ كَبَّرَ (¬2) فرَفَعَ (¬3) يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، كما كَبَّرَ عندَ افْتِتاحِ الصلاةِ، ثم يَفْعَلُ ذلك في بَقِّيةِ صَلاِته، حتَّى إذا كانتِ السَّجْدَةُ التى فيها التَّسْلِيمُ، أخَّرَ (¬4) رِجْلَه اليُسْرَى، وقَعَد مُتوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ. قالُوا: صَدَقتَ، هكذا كان يُصَلِّي رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ» (¬5)، وأبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (¬6)، وقال: حديث حسن صحِيح. وفي لَفْظٍ رَواه البُخارِيُّ (¬7)، قال: فإذا رَكَع أمْكَنَ يَدَيْه مِن رُكْبَتَيْه، ثم هَصَرَ (¬8) ظَهْرَه، فإذا رَفَع رَأْسَه، اسْتَوَى قائمًا حتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ (¬9) إلى مَكانِه، فإذا سَجَد، سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ، ولا قابِضِهما، واسْتَقْبَلَ بأطْرافِ أصابع رِجْلَيْه القِبْلَةَ، ¬

(¬1) في م: «أقام» (¬2) سقطت من: م. (¬3) في م: «فيرفع» (¬4) في الأصل: «أخرج». (¬5) لم نجده في نسخة الموطأ التى بين أيدينا. (¬6) أخرجه أبو داود، في: باب افتتاح الصلاة، وباب ذكر التورك في الرابعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 168، 220. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء أنَّه يجافي يديه عن جنبه في الركوع، وباب ما جاء في وصف الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 69، 98 - 100. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الاعتدال في الركوع، من كتاب التطبيق. المجتبي 2/ 146. وابن ماجه، في: باب إتمام الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 337، 338. والدارمي، في: باب التجافي في الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 299، 300. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 424. (¬7) في: باب سنة الجلوس في التشهد. . . إلخ، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 210. (¬8) الهصر: الجذب. يعني شد ظهره. (¬9) في الأصل: «قفاز».

377 - مسألة: (يستحب أن يقوم إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة)

السُّنَّةُ أنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ إذَا قَالَ الْمُؤذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فإذا جَلَس في الرَّكْعَتَيْن جَلَس على اليُسْرى، ونَصبَ الأُخْرَى، فإذا كانتِ السَّجْدَةُ التى فيها التَّسْلِيمُ، أخَّرَ رِجْلَه اليُسْرَى، وجَلَس (¬1) مُتَوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ، وقَعَد كل مَقْعَدَتِه. 377 - مسألة: (يُسْتَحَبُّ أن يَقُومَ إلى الصلاةِ إذا قال المُؤَذِّنُ: قد قامَتِ الصلاةُ) قال ابنُ المُنْذِرِ (¬2): على هذا أهلُ الحَرَمَيْن. وقال الشافعيُّ: يَقُومُ إذا فَرَغ المُؤذِّنُ مِن الإقامَةِ. وكان عُمَر بنُ عبدِ العزيزِ، ومحمدُ بنُ كعبٍ (¬3)، وسالِمٌ، والزُّهْريُّ يَقُومُون في أوَّلِ بَدْوَةٍ مِن الإِقَامَةِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ. فإذا قال: قد قامَتِ الصلاةُ. كَبَّرَ. وكان أصحابُ عبدِ الله يُكَبِّرُوُن كذلك. وبه قال النَّخَعيُّ. بقَوْلِ بلالٍ: لا تَسْبِقْنِي بآمِينَ (¬4). فدَلَّ على أنَّه كان يُكَبْرُ قبلَ فَراغِه. وعندَنا لا يُسْتَحَبُّ أن يُكَبِّر إلَّا بعدَ فَراغِه مِن الإقامَةِ. وهو قولُ الحسنِ، وأبي يُوسُفَ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وعليه جُلُّ الأئِمَّةِ ¬

(¬1) في الأصل: «جلس عليها». (¬2) في م: «ابن عبد البر». (¬3) أبو حمزة مُحَمَّد بن كعب القرظي، كان ثِقَة عالمًا كثير الحديث ورعا، من أفاضل أهل المدينة على وقفها، مات سنة ثماني عشرة ومائة. تهذيب التهذيب 9/ 420 - 422. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 83.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في الأمْصارِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّه (¬1) يَقُومُ عندَ قَوْلِه (¬2): قَدْ قامَتِ الصلاةُ. لأنَّ هذا خَبَرٌ بمَعْنَى الأمْرِ، ومَقْصُودَه (¬3) الإعْلامُ ليَقُومُوا، فيُسْتَحَبُّ المُبادَرَةُ إلى القِيامِ امْتثالًا للأمْرِ. وإنَّما قُلْنا: إِنَّه لا يُكَبِّرُ حتَّى يَفْرُغ المُؤَذِّنُ. لأن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنَّما كان يُكَبِّرُ بعدَ فَراغِه، يَدُلُّ عليه ما رُوِيَ عنه، أنَّه كان يُعَدِّلُ الصُّفُوفَ بعدَ إقامَةِ الصلاةِ، فرَوَى أنَسٌ، قال: أُقَيمَتِ الصلاةُ، فأقْبَل علينا رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بوَجْهِه، فقال: «سَوُّوا صُفُوفَكم، وَتَرَاصُّوا، فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». رَواه البُخارِيُّ (¬4). ويَقولُ في الإقامَةِ مِثْلَ قَوْلِ المُؤذِّنِ، فرَوَى أبو داود (¬5)، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «قول المؤذن». (¬3) في الأصل: «والمقصود منه». (¬4) في: باب قرية الصفوف، باب إقبال الإمام على النَّاس عند تسوية الصفوف، وباب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 184، 185.، وروى نحوه عن أبي هريرة، في: باب عظة الإمام النَّاس، في إتمام الصلاة وذكر القبلة، من كتاب الصلاة، في: باب الخشوع في الصلاة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 189. كما أخرجه النَّسائيّ في: باب حث الإمام على رصّ الصفوف والمقاربة بينها، وباب الجماعة للفائت من الصلاة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 71، 86. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 103، 125، 154، 182، 229، 263، 283، 286. (¬5) في: باب ما يقول إذا سمع الإقامة، من كتاب الإقامة. سنن أبي داود 1/ 125.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن بعضِ أصحاب رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّ بلالًا أخَذَ في الإقامَةِ، فلَمَّا أن قالَ: قد قامَتِ الصلاةُ. قال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أقَامَهَا اللهُ وَأدَامَهَا». وقال في سائِرِ الإقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عُمَرَ في الأَذانِ. فأمّا حَدِيثُهم، فإنَّ بِلالًا كان يُقِيمُ في مَوْضِع أذانِه، وإلَّا فليس بينَ لَفْظِ الإقامَةِ والفَراغِ منها ما يُفَوِّتُ بِلَالًا «آمِينَ»، مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يَقُومُ المَأَمُومُون إذا كان الإمامُ في المَسْجِدِ أو قَرِيبًا منه. قال أحمدُ: يَنْبَغِي أن تقامَ الصُّفُوفُ قبلَ أن يَدْخُلَ الإمامُ. لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كانتِ الصلاةُ تُقامُ لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيَأخُذُ النَّاسُ مَصافَّهم قبلَ أن يَقُومَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَقامَه. رَواه مسلمٌ (¬1). فأمَّا إن أُقِيمَتِ الصلاةُ والإمامُ في غيرِ المَسْجِدِ، ولم يَعْلمُوا قُرْبَه، لم يَقُومُوا؛ لِما روَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أُقِيمتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَى تَرَوْى قَدْ خرَجْتُ». رَواه مسلمٌ (¬2). ¬

(¬1) في: باب متى يقوم النَّاس للصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 423. وبمعناه أخرجه البُخَارِيّ في: باب هل يخرج من المسجد لعلة: وباب إذا قال الإمام مكانكم حتَّى رجع انتظروه، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 164. (¬2) في: باب متى يقوم النَّاس للصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 422. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب متى يقوم النَّاس إذا رأوا الإمام عند الإقامة، وباب لا يسعى إلى الصلاة مستعجلًا. . . .، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 164. وأبو داود، في: باب في الصلاة تقام ولم يأت الإمام. . . .، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 128 والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر، وباب كراهية أن ينتظر النَّاس الإمام. . .، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذي 2/ 307، 3/ 74. والنَّسائيّ، في: باب إقامة المؤذن عند خروج الإمام، من كتاب الأذان، وباب قيام النَّاس إذا رأوا الإمام، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 25، 63، الدَّارميّ، في: باب متى يقوم النَّاس. إذا أقيمت الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 289، الإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 304، 305، 307، 308، 310.

378 - مسألة: (ثم يسوي الإمام الصفوف)

ثُمَّ يُسَوِّي الْإمَامُ الصُّفُوفَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 378 - مسألة: (ثم يُسَوِّي الإمامُ الصُّفُوفَ) وذلك مُسْتَحَبٌّ، يَلْتَفِتُ عن يَمِيِنِه، فيَقُولُ: اسْتَوُوا، رَحِمكم اللهُ. وعن يَسارِه كذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولِما روَى محمدُ بنُ مُسْلِمٍ، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْب أنسٍ بنِ مالكٍ يَوْمًا، فقال: هل تَدْرِي لم صُنِع هذا العُودُ؟ قلْتُ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لا والله. فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا قام إلى الصلاةِ أخَذَه بيَميِنِه، فقال: «اعْتَدِلُوا، وسَوُّوا صُفُوفَكمْ». ثم أخذَه بيسارِه، وقال: «اعْتَدِلُوا، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ». رَواه أبو داودَ (¬1). وعنه قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ من تَمَامِ الصَّلاةِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ¬

(¬1) في: باب تسوية الصفوف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 155. كما أخرجه الإمام أَحْمد في المسند 3/ 254. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إقامة الصف من تمام الصلاة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 184، 185. ومسلم، في: باب تسوية الصفوف وإقامتها. . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 324. كما أخرجه أبو داود، في: باب تسوية الصفوف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 155، ابن ماجه، في باب إقامة الصفوف، من كتاب الإقامة. سنن ابن ماجه 1/ 317. والدارمي، في: باب إقامة الصفوف، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 289. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 177، 254، 274، 279، 291.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قِيلَ لأحمدَ: قبلَ التَّكْبِيرِ تقُول شيئًا؛ قال: لا. يَعْنِي ليس قبله دُعاءٌ مَسْنُونٌ، إذ لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أصحابِه، ولأنَّ الدُّعاءَ يكون بعدَ العِبادَةِ؛ لقَوْلِه تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (¬1). ¬

(¬1) سورة الشرح 7، 8.

379 - مسألة: (ويقول: الله أكبر. لا يجزئه غيرها)

ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ. لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا» ـــــــــــــــــــــــــــــ 379 - مسألة: (وَيقُولُ: الله أكبَرُ. لا يُجْزِئُه غيرُها) لا تَنْعَقِدُ الصلاة إلَّا بقَوْلِ: الله أكْبَرُ. وهو قولُ مالكٍ. وكان ابنُ مسعودٍ، والثَّوريُّ، والشافعيُّ يَقُولُون: افْتِتاحُ الصلاةِ التَّكْبِيرُ. وعليه عَوامُّ أهلِ العِلْمِ (¬1) قديمًا وحديثًا، إلَّا أنَّ الشافعيِّ قال: تَنْعَقِدُ بقَوْلِه: الله الأَكْبَرُ. لأنَّ الألِفَ واللَّامَ لم تُغَيِّره عن بِنْيَتِه ومَعْناه، وإنَّما أفادَت التَّعْرِيفَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بكل اسْم لله تعالى على وَجْهِ التَّعْظِيمِ، كقَوْلِه: الله عَظِيمٌ. أو كَبِيرٌ. أو جَلِيلٌ. وسُبْحانَ الله. والحَمْدُ للهِ. ولا إلهَ إلَّا الله. ونَحْوُه قولُ: الحَكَمِ (¬2)؛ لأنَّه ذِكْرٌ لله على وَجْهِ التَّعْظِيم، أشْبَهَ قولَه: اللهُ أكبَرُ. ولأنَّ الخُطْبَةَ لا يَتَعَيَّنُ في أوَّلِها لَفْظٌ، كذلك هذا. ولنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «تَحْرِيمهَا التَّكْبِيرُ». رَواه أبو داودَ (¬3). وقولُه للمسِيءِ في ¬

(¬1) في م: «الحديث». (¬2) في م: «الحاكم». (¬3) في: باب فرض الوضوء، وباب الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر ركعة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 15، 145. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، من أبواب الطهارة، وفي: باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 15، 2/ 37. وابن ماجه، في: باب مفتاح الصلاة الطهور، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 101. والدارمي، في: باب مفتاح الصلاة الطهور، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 175. الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 123، 129.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلاِته: «إذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فكَبِّرْ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وفي حديثِ رِفاعَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاة امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطهُورَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ». رواه أبو داودَ (¬2) وكان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْتَتِحُ الصلاةَ بقوْلِه: «اللهُ أكْبَرُ». لم يُنْقَلْ عنه عُدُولٌ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم. . إلخ، وباب حَدَّثَنَا مسدد، من كتاب الأذان، وفي: باب من رد فقال عليك السلام، من كتاب الاستئذان، وفي: باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، من كتاب الأيمان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 192، 193، 200، 201، 8/ 69، 169. ومسلم، في: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 298. كما أخرجه أبو داود، في: باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 197. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في وصف الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 97. والنَّسائيّ، في: باب فرض التكبيرة الأولى، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 96. وابن ماجه: باب إتمام الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 336. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 437. (¬2) في: باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 198. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب وصف الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 95، 96. والدارمي، في: باب الذى لا يتم الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 305. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 340.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن ذلك حتَّى فارَقَ الدُّنْيا، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بقَوْلِه (¬1): اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى. ولا يَصِحُّ القِياسُ على الخُطْبَةِ؛ لأنَّه لم يَرِدْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيها لَفْظْ بعَينِه في جَميعِ خُطْبَتِه (¬2)، ولا أمَرَ به، ولأنه يَجُوزُ فيها الكلامُ بخِلافِ الصلاةِ. وما قالَه الشافيُّ عُدُول عن المَنْصُوصِ، فأشبهَ ما لو قال: اللهُ العَظِيمُ. وقَوْلُهم: لم يُغَيِّرْ (¬3) بِنْيَتَه ولا مَعْناه. مَمْنُوعٌ؛ لأنَّ التَّنكِيرَ (¬4) مُتَضَمِّنٌ لإضْمارٍ أو تَقْدِير، بخِلافِ التَّعْرِيفِ، فإنَّ مَعْنَى قولِه: «اللهُ أكْبَرُ». أي: مِن كل شئٍ. ولأنَّ ذلك لم يَرِدْ في كَلام الله تعالى، ولا في كلام رسولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا في المُتَعارَفِ مِن كلام الفُصَحَاء إلَّا كما ذَكَرْنا، فإطْلاقُ لَفظِ التَّكبِير يَنْصَرِف إليها دُونَ غيرِهُ، [كما أنَّ إِطلاقَ لَفْظِ التَّسْمِيَةِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى قولِه: «بِسْمِ اللهِ» دُونَ غيرِه، وهذا يَدُلُّ على أنَّ غيرَها] (¬5) لا يُساوِيها. فصل: والتَّكْبيرُ رُكْنٌ لا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا به، لا يَسْقُطُ في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ، وهو قَوْل مالكٍ، والشافعيِّ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ¬

(¬1) أي بقول المصلى. (¬2) في م: «الخطبة». (¬3) أي زيادة الألف واللام. (¬4) في الأصل: «الكبير». (¬5) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: مَن نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الافْتِتاحِ، أجْزَأتْه تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «تَحْرِيمُهَا التَّبكْيرُ». فدَلَّ على أنَّه لا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدُونِه. فصل: ولا يصِحُّ إلَّا مُرَتبًا، فإن نَكَّسَه لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يكُونُ تَكْبِيرًا. ويَجِبُ على المُصَلِّي أن يُسْمِعَه نَفْسَه، إمامًا كان أو غَيرَه، إلَّا أن يكُونَ به عارِضٌ مِن طَرَشٍ، أو ما يَمْنَعُ السَّماعَ، فيَأْتِيَ به بحيث لو كان سَمِيعًا أو لا عارِضَ به سَمعَه؛ لأنَّه ذِكْر مَحَلُّه اللِّسانُ، فلا يكُونُ كامِلًا. بدُونِ الصَّوْتِ، والصَّوْتُ ما يَتَأَتْى سَماعُه، وأقْرَبُ السّامِعِين إليه نَفْسُه، فمتى لم يَسْمَعْه، لم يَعْلَمْ أنَّه أُتَى بالقَوْلِ. والرجلُ والمرأة سَواءٌ فيما ذكَرْنا. فصل: ويُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، ولا يَمُدُّ في غيرِ مَوضِع المَدِّ، فإن فَعَل بحيث لم يُغَيِّرِ المَعْنَى، مِثْلَ أن يَمُدَّ الهَمْزَةَ الأولَى في اسْمِ الله تعالى، فيَقُولُ: آللهُ. فيَصِيرَ اسْتِفْهامًا، أو يَمدُّ أكْبرُ (¬1). فيَصِيرَ ألِفًا، فيَبْقَى جَمْعَ كُبَرٍ، وهو الطَّبْلُ، لم يَجُزْ؛ لتَّغَيُّرِ المعْنَى. وإن قال: اللهُ أكْبَرُ وأعْظَمُ. ونَحْوَه، لم يُسْتَحَبَّ. نَصَّ عليه (¬2). وانْعَقَدَتْ به الصلاةُ. ¬

(¬1) في الأصل: «كبار». (¬2) أي: الإمام أَحْمد.

380 - مسألة: (فإن لم يحسنها لزمه تعلمها، فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته)

فَإنْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا، فَإنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّر بِلُغَتِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 380 - مسألة: (فإِن لم يُحْسِنْها لَزِمَه تَعَلُّمُها، فإن خَشِيَ فوات الوَقْتِ كَبَّر بلُغَتِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يْجْزِئُه التَّكبِيرُ بغيرِ العَرَبِيَّةِ مع قُدْرَته عليها. وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لقَوْلِ الله تِعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (¬1). وهذا قد ذَكَر اسْمَ رَبَّه. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن النُّصُوصِ، وهي تَخُصُّ ما ذَكَرُوه. فإن لم يُحْسِنِ العَرَبِيَّةَ، لَزِمَه تَعَلمُ التكبِيرِ بها؛ لأنَّه ذِكْر واجِبٌ في الصلاةِ لا تَصِح بدُونِه، فلَزِمَه تَعَلمُه، كالقِراءَةِ. فإن خَشِيَ فَواتَ الوَقْتِ، كَبَّرَ بِلُغَتِه في أظْهَرِ الوَجْهَيْن. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ عَجَز عنه بالعربِيةِ، فلَزِمَه الإتْيانُ به (¬2) بغيرِها، كلَفْظِ النَّكاحِ، ولأنَّ ذِكْرَ اللهِ تعالى يَحْصُلُ بكلِّ لِسانٍ. والثاني، لا يَصِحُّ. ذَكَرَه القاضي في «الجامِع» (¬3). ويَكُونُ حُكْمُه حُكْمَ الأخْرَسِ؛ لأنَّه ذِكْر تَنْعَقِدُ به الصلاةُ، فلم يَجُزِ التَّعْبِيرُ عنه بغيرِ العَرَبِيَّةِ كالقُرْآنِ (¬4)، فإن عَجَز عن بَعْضِ اللَّفْظِ، أو بعضِ الحُرُوفِ، أتى بما يُمْكنُه، كمَن عَجَز عن بعضِ الفاتِحَةِ. ¬

(¬1) سورة الأعلى 15. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) أي الصغير: انظر: طبقات الحنابلة 2/ 205، 216. (¬4) في م: «كالقراءة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان أخْرَسَ أو عاجِزًا عن التَّكْبِيرِ بكلِّ لسانٍ، سَقَط عنه. وعليه تَحْرِيكُ لِسانِه. ذَكَره القاضي في «المُجَرَّدِ» (¬1)؛ لأنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُه النُّطْقُ بتَحْرِيكِ لِسانِه، فإذا عَجَز عن أحَدِهما لزِمَه ¬

(¬1) ذكر حاجى خليفة أن المجرد في الأصول. وذكر ابن أبي يعلى أن المجرد في المذهب. انظر: كشف الظنون 1593، وطبقات الحنابلة 2/ 205.

381 - مسألة: (ويجهر الإمام بالتكبير كله)

وَيَجْهَرُ الْإمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الآخَرُ. قال شيخُنا (¬1): وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّه قولٌ عَجَز عنه، فلم يلْزَمْه تَحْرِيكُ لِسانِه في مَوْضِعِه كالقِراءَةِ، وإنَّما لَزِمَه تَحْرِيكُ لِسانِه مع التَّكبِيرِ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ التَّكبِيرِ عليه، فإِذا سَقَط التَّكبِيرُ سَقَط ما هو مِن ضَرُورَته، كمَن سَقَط عنه القِيامُ، سَقَط عنه النُّهُوضُ إليه وإن قَدَر عليه. ولأنَّ (¬2) تَحْرِيكَ لِسانِه بغيرِ النُّطْقِ مُجَرَّدُ عَبَثٍ، فلم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كالعَبَثِ بسائِرِ جَوارِحِه. 381 - مسألة: (ويَجْهَرُ الإِمامُ بالتَّكْبِيرِ كُلِّه) ليَسْمَعَ المَأمُومُون ¬

(¬1) في: المغني 2/ 130. (¬2) في الأصل: «لأن». بدون الواو.

382 - مسألة: (ويسر غيره به وبالقراءة بقدر ما يسمع نفسه)

وَيُسِرُّ غَيْرُهُ بِهِ وَبِالْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فيُكَبِّروا بتَكْبيرِه، فإن لم يُمْكِنْه إسْماعُهم، جَهَر بعضُ المَأْمُومِين ليُسْمْعَهم، أَو يُسْمِعَ مَن لَا يُسْمِعُه الإمامُ؛ لِما روَى جابِر، قال: صَلَّى بنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأبو بكرٍ خَلْفَه، فإذا كَبَر رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كَبَّرَ أبو بكرٍ ليُسْمِعَنا. متَّفَقٌ عليه (¬1). 382 - مسألة: (ويُسِرُّ غيرُه به وبالقِراءَةِ بقَدْرِ ما يُسْمِعُ نَفْسَه) لا يُسْتَحَبُّ لغيرِ الإمامِ الجَهْرُ بالتَّكْبِيرِ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه، ورُبَّما لَبَسَ على المَأمُومِين، إِلَّا أن يَحْتاجَ إلى الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ؛ ليُسْمِعَ المَأْمُومِين، كما ذَكَرْنا. ويَجِبُ عليه أن يُكَبِّرْ بحيث يُسْمِعُ نَفْسَه، وكذلك القِراءةُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى كلامًا بدُونِ ذلك، وقد ذَكَرْناه قبلَ هذا. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، باب ائتمام الإمام بالمأموم، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 309. ولم نجده عند البُخَارِيّ، وأخرجه أيضًا النَّسائيّ، في: باب الائتمام بمن يأتم بالإمام، من كتاب الإمامة المجتبى 2/ 66. وبنحوه عن عائشة، أخرجه البُخَارِيّ، في؛ باب حد المريض أن يشهد الجماعة، وباب الرَّجل يأتم بالإمام ويأتم النَّاس بالمأموم، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1 ا 169، 182، 183. ومسلم، في: باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 331 - 315. والتِّرمذيّ في: باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 157، 158. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مرضه، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 389 - 391.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وعليه أن يَأْتِيَ بالتَّكْبِير قائمًا، فإنِ انْحَنَى إلى الرُّكُوعِ بحيث يَصِيرُ راكِعًا قبلَ إنْهاءِ التكْبِيرِ، لم تَنْعَقِدْ صَلاتُه إن كانت فَرْضًا، لأن القِيامَ فيها واجِبٌ ولم يَأْتِ به، وإِن كانت نافِلَةً فظاهرُ قَوْلِ القاضي أنَّها تَنْعَقِدُ، فإِنَّه قال (¬1): إِن كَبَّر في الفَرِيضَةِ في حالِ انْحِنائِه إلى الرُّكُوعِ، انْعَقَدَتْ نَفْلًا؛ لسُقُوطِ القِيامِ فيه، فإِذا تَعَذَّرَ الفَرْضُ، وَقَعَتْ نفْلًا، كمَن أحْرِمَ بفَرِيضَةٍ فبان قبلَ وَقْتِها. قال شيخُنا (¬2): ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْعَقِدَ النَّافِلَةُ إلَّا أن يُكبِّرَ في حالِ قِيامِه أَيضًا، لأنَّ صِفَةَ الرُّكوعِ غيرُ صِفَةِ القُعُودِ، ولم يَأْتِ بالتَّكْبِيرِ قائِمًا ولا قاعِدًا، ولأنَّ عليه الإتْيانَ بالتَّكْبِيرِ قبلَ وُجُودِ الرُّكُوعَ منه. فصل: ولا يُكَبِّرُ المَأمُومُ حتَّى يَفْرُغ إمامُه مِن التَّكْبِيرِ. وقال أبو حنيفةَ: يُكبِّرُ معه، كما يَرْكَعُ معه. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّمَا ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: المغني 2/ 130.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤْتمَّ بهِ، فَإذَا كَبَّر فَكبِّرُوا». مُتَّفَقُ عليه (¬1). والرُّكُوعُ مِثْلُ ذلك، إلَّا أنَّه لا تَفْسُدُ صَلاتُه بالرُّكُوعِ معه، لأنَّه قد دَخَل في الصلاةِ، هاهُنا بخِلافِه. فإن كَبَّر قبلَ إِمامِه، لم تنْعَقِدْ صَلاتُه، وعليه إعادَة التَّكْبِيرِ بعدَ تَكْبِيرِ الإمامِ. فصل: والتَّكْبيرُ مِن الصلاةِ، خِلافًا لأصحابِ أبي حنيفةَ في قوْلِهم: ليس منها. لأنَّه أَضافَه إِليها في قولِه: «تحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (¬2). ولا يُضافُ الشيءُ إلى نَفْسِه. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الصلاةِ: «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَواه مسلمٌ (¬3). وما ذَكَرُوه لا ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، من كتاب الصلاة، وفي: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، وباب إقامة الصف من تمام الصلاة، وباب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، وباب يهوى بالتكبير حين يسجد، من كتاب الأذان، وفي: باب صلاة القاعد، من كتاب تقصير الصلاة، وفي: الإشارة في الصلاة، من كتاب السهو، وفي: باب إذا عاد مريضًا فحضرت الصلاة، من كتاب المرضى. صحيح البُخَارِيّ 1/ 106، 176، 184، 187، 203، 2/ 59، 89، 7/ 152. ومسلم، في: باب ائتمام المأموم بالإمام، وباب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 308 - 311. كما أخرجه أبو داود، في: باب الإمام يصلي من قعود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 141، 142. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 155، 156. والنَّسائيّ، في: باب الائتمام بالإمام، وباب الائتمام بالإمام يصلي قاعدًا، من كتاب الإمامة، وفي: باب {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} من كتاب الافتتاح، في: باب ما يقول الإمام، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 65، 77، 109، 153، 154. وابن ماجه، في: باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، وباب ما جاء في إنما جعل الإمام ليؤتم به، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 276، 392. والدارمي، في: باب القول بعد رفع الرأس من الركوع، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 300 والإمام مالك، في: باب صلاة الإمام وهو جالس، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 135. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 230، 314، 341، 376، 387، 411، 420، 438، 440، 452، 459، 475، 3/ 110، 154، 162، 200، 217، 4/ 401، 405، 6/ 51، 58، 68، 148، 194. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 407. (¬3) في: باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم =

383 - مسألة: (ثم يرفع يديه مع ابتداء التكبير ممدودة الأصابع مضموما بعضها إلى بعض إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه)

وَيَرْفَعُ يَدَيْه مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الْأَصَابعِ، مَضْمُومَةً بَعْضُهَا إلى بَعْض، إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ يَصِحُّ، فإنَّ أجْزاءَ الشئِ تُضافُ إليه، كيَدِ الإنْسانِ وسائِرِ أطْرافِه، واللهُ أعلمُ. 383 - مسألة: (ثم يَرْفَعُ يدَيْه مع ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الأصابعِ مَضْمُومًا بَعْضُها إلى بعض إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى فُرُوعِ أُذُنَيْه) رَفْعُ اليَدَيْنِ عندَ افْتتاحِ الصلاةِ مُسْتَحَبٌّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لم (¬1) يَخْتَلِفْ أهلُ العِلْمِ في أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَرْفَعُ يَدَيْه إذا افْتتح الصلاةَ. فرَوَى ابنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفع يَدَيْه حتَّى يُحاِذىَ بهما مَنْكِبَيْه، وإذا أراد أن يَرْكَعَ، وبعدَ ¬

= 381، 382. كما أخرجه أبو داود، في: تشميت العاطس في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 213. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 447، 448. (¬1) في م: «لا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ما يَرْفَعُ رَأْسَه مِن الركُوعِ، ولا يرفَعُ بينَ السَّجْدَتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وهو مُخَيَّرٌ في رَفْعِهما إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى (¬2) فُرُوعِ أُذُنَيْه، يَعْنِي أنَّه يَبْلُغُ بأطْرافِ أصابِعِه ذلك المَوْضِعَ؛ لأن كلا الأمْرَيْن قد رُوِيَ عن رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فالرفْعُ إلى المَنْكِبَيْن قد رُوِيَ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، ورَواه عليّ، وأبو هُرَيْرةَ. وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ. والرَّفْعُ إلى حَذْوِ الأذُنَيْن رَواهُ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، وباب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع، وباب إلى أين يرفع يديه، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 187، 188. ومسلم، في: باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام. . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 292. كما أخرجه أبو داود، في: باب رفع اليدين في الصلاة، وباب افتتاح الصلاة، وباب من ذكر أنَّه يرفع يديه إذا قام من الثنتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 166، 171، 172. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في رفع اليدين عند الركوع، وباب ما جاء في وصف الصلاة من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 56، 98 - 100. والنَّسائيّ، في: باب العمل في افتتاح الصلاة، وباب رفع اليدين قبل التكبير، وباب رفع اليدين حذو المنكبين، من كتاب افتتاح الصلاة، وفي: باب رفع اليدين حذو المنكبين عند الرفع من الركوع، من كتاب التطبيق، وفي: باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكبين، من كتاب السهو. المجتبي 2/ 93، 94، 152، 153، 3/ 4. وابن ماجه، في: باب رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 279. والدارمي، في: باب رفع اليدين من الركوع والسجود، باب القول بعد رفع الرأس من الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 285، 300. والإمام مالك، في: باب افتتاح الصلاة، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 75 - 77. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 8، 18، 100، 106، 132، 134، 147. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وائلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بنُ الحُوَيْرِث مِن رِوايَةِ مسلم (¬1)، وقال به ناسٌ مِن أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ مَيْلَ أبي عبدِ الله إلى الأوَّلِ أكْثَرُ؛ لكثرةِ رُواتِه وقُرْبهم مِن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وجَوَّزَ الآخَرَ؛ لصِحَّةِ رِوايَتِه، فدَلَّ على أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْعَلُ هذا وهذا. ويُسْتَحَبُّ أن يَمُدَّ أصابعَه وَقْتَ الرَّفْع، ويَضُمَّ بَعْضَها إلى بعضٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا دَخَل في الصلاةِ رَفَع يَدَيْه مَدًّا (¬2). ¬

(¬1) حديث وائل بن حجر، أخرجه مسلم، في: باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام. . .، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 301. كما أخرجه أبو داود، في: باب رفع اليدين في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 166، 167. والنَّسائيّ، في: باب موضع الإبهامين عند الرفع، وباب رفع اليدين مدا، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 95. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 316. وحديث مالك بن الحويرث، أخرجه مسلم، في: باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين. . .، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 293. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب رفع اليدين حيال الأذنين، من كتاب الإمامة، وفي: أول كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 94، 95. وابن ماجه، في: باب رفع اليدين إذا ركع، من كتاب الإقامة. سنن ابن ماجه 11/ 279. الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 436، 437، 5/ 53. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 173. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 39. والنَّسائيّ، في: باب رفع اليدين مدا، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبي 2/ 95. وابن ماجه، في: باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 279، 280. والدارمي، في: باب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ أَحْمد، في: المسند 2/ 375، 434، 500.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال الشافعيُّ: السُّنَّةُ أن يُفَرِّقَ أصابِعَه. وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَنْشُرُ أصابِعَه للتَّكْبِيرِ (¬1). ولَنا، ما رَوَيْناه. وحَدِيثُهم خَطَأٌ، قالَه التِّرْمذيُّ (¬2). ثم لو صَحَّ كان مَعْناه المَدَّ. قال أحمدُ: أهْلُ العَرَبيَّة قالوُا: هذا الضَّمُّ. وضمَّ أصابِعَه. وهذا النَّشْرُ. ومَدَّ أصابِعَه. وهذا التَّفْرِيقُ. وفَرقَ أصابِعَه. ولأن النَّشْرَ لا يَقْتَضِي التَّفْرِيق، كنَشْرِ الثَّوْبِ. فصل: ويكونُ ابْتِداءُ الرفع مع ابْتداءِ التَّكْبِيرِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه، فإذا انْقَضَى التَّكْبيرُ حَطَّ يَدَيْه؛ لأنَّ الرفْعَ للتَّكْبِيرِ، فكان معه. فإن نَسِيَ رَفْعَ اليَدَيْن حتَّى فَرَغ مِن التَّكْبِيرِ، لم يَرْفَعْهما؛ لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها. وإن ذَكَرَه في أثْناء التَّكْبِيرِ رَفَعَهما؛ لبَقاءِ مَحَلِّه، فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُ اليَدَيْن إلى المَنْكِبَيْن رَفَعَهما قَدْرَ الإمْكانِ. وإن أمْكَنَه رَفْعُ إحْداهما حَسْبُ، ¬

(¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 39. (¬2) عارضة التِّرْمِذِيّ عقب إيراده حديث «رفع يديه مدا»: وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان [يعنى: ينشر أصابعه]، وحديث يحيى بن يمان خطأ.

384 - مسألة: (ثم يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى،

ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى، ـــــــــــــــــــــــــــــ رَفَعَها؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُمْ» (¬1). فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُهما إلَّا بالزِّيادَةِ على المسْنُونِ، رَفَعَهما؛ لأنَّه يَأتِي بالسُنَّةِ وزِيادةٍ مَغْلُوبٍ عليها. وهذا كلّه قول الشافعيِّ. وإن كانت يَداه في ثَوْبِه، رَفَعَهما بحيث يُمْكِنُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: أَتَيْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الشِّتاء، فرَأيْتُ أصحابَه يَرْفَعُون أيْدِيَهُم في ثِيابِهم في الصلاةِ. وفي رِوايَةٍ، قال: ثم جِئْتُ في زَمانٍ فيه برْدٌ شَدِيدٌ، فرَأيْتُ النّاسَ عليهم جُلُّ الثِّيابِ، تَتَحَركُ أيَدِيهم تحتَ الثِّيابِ. رَواهما أبو داودَ (¬2). وفيه: فرَأيْتُهم يَرْفَعُون أيدِيَهُم إلى صُدُورِهم (¬3). ولا فَرْقَ في ذلك بينَ النّافِلَةِ والفَرِيضَةِ، والإمامِ والمَأمُومِ والمُنْفَرِدِ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ. والله أعلمُ. 384 - مسألة: (ثم يَضَعُ كَفَّ يَدِه اليُمْنَى على كُوعِ اليُسْرَى، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 363. (¬2) في: باب رفع اليدين في الصلاة، وباب افتتاح الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 167، 168 كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 318. (¬3) في باب رفع اليدين السابق، صفحة 167.

ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه، ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه) وَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرى في الصلاةِ مَسْنُونٌ، رُوِيَ عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والثوْرِيِّ، والشافعي، وأصحابِ الرَّأي. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن مالكٍ، والذى عليه أصحابُه إرْسالُ اليَدَيْنِ. رُوِي ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، والحسين. ولَنا، ما روى قَبِيصَةُ بنُ هُلْبٍ (¬1)، عن أَبيه، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَؤُمُّنا فيَأْخُذُ شِمالَه بيَمِينِه. رَواه التِّرْمِذِيُّ (¬2)، وقال: حديث حسنٌ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحاب النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- والتّابِعين، ومَن بعدَهم. وعن غُطيْفٍ (¬3)، قال: ما نَسِيتُ مِن الأشْياءِ فلم أنْسَ أنِّي رَأيْتُ ¬

(¬1) قبيصة بن الهلب يزيد بن عدي بن قنافة الطَّائيّ روى عن أَبيه، ولم يرو عنه غير سماك بن حرب. تهذيب التهذيب 8/ 350. (¬2) في: باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة. من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 53. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 266. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 236، 227. (¬3) غطيف، ويقال: غضيف بن الحارث بن زُنيم، السُّكُونى، الكندي، الثُّمالى، أبو أسماء الحمصي. مختلف في صحبته. مات في زمن مروان بن الحكم في فتنته. تهذيب التهذيب 8/ 348، 250.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، واضِعًا يَمِينَه على شِمالِه في الصلاةِ. مِن «المُسْنَدِ» (¬1). ويَضَعُهما على كُوعِه، أو قَرِيبًا منه؛ لِما روَى وائِلُ بن حُجْرٍ، أنَّه وَصَف صلاة رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقال في وَصْفِه: ثم وَضَع يَدَه اليُمْنى على ظَهْرِ كَفِّه اليُسْرَى والرُّسْغِ، والسّاعِدِ (¬2). فصل: ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه. رَوِيَ ذلك عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والثوْرِيِّ وإسحاقَ. قال على، رَضىَ اللهُ عنه: مِن السُنَّةِ وَضْعُ اليَمِينِ على الشِّمالِ تحتَ السُّرَّةِ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬3). وعن أحمدَ، أنَّه يَضَعُهما فَوْقَ السُّرَّةِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والشافعيِّ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى، فوَضَعَ يَدَيْه على صَدْرِه، إحْداهما على (¬4) الأُخْرَى (¬5). وعنه روايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخيَّرٌ في ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِيٌ، والأمْرُ في ذلك واسِعٌ. ¬

(¬1) 4/ 105، 5/ 290. (¬2) أخرجه النَّسائيّ في: باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 1/ 98. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 174. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 110. (¬4) في م: «إلى». (¬5) أخرجه أبو داود، في: باب رفع اليدين في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 167.

385 - مسألة: (وينظر إلى موضع سجوده)

وَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 385 - مسألة: (ويَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه) وذلك مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه أخْشَعُ للمُصَلِّي، وأكَفُّ لنَظَرِه. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ وغيرُه (¬1)، في قَوْلِه تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (¬2). هو أن لا يَرْفَعَ بَصَرَه عن مَوْضِع سُجُودِه. قال أبو هُرَيْرَةَ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرْفَعُون أبْصارَهم إلى السَّماءِ في الصلاةِ، فلَمَّا نَزَل: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. رَمَوْا بأبْصارِهم إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ (¬3). ¬

(¬1) في الأصل: «وعروة». (¬2) سورة المؤمنون 2. (¬3) انظر: تفسير الطبري 18/ 2.

386 - مسألة: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)

ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 386 - مسألة: (ثم يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالَى جَدُّكَ، ولا إلهَ غَيْرُكَ) الاسْتِفْتاحُ مِن سُنَنِ الصلاةِ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ، وكان مالكٌ لا يَراه، بل يُكَبِّرُ ويَقْرَأُ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأبو بكرٍ وعُمَرُ (¬1) يَفْتَتِحُون الصلاةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْتَفْتِحُ بما سنَذْكُرُه، وعَمِل به الصَّحابَةُ، رضِيَ اللهُ عنهم، فكان (¬3) عُمَرُ يَسْتَفْتِحُ به صَلَاته، يَجْهَرُ به ليَسْمَعَه النّاسُ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ. وحديثُ أنَسٍ أراد به القِراءَةَ، كما روَى أبو هُرَيْرَةَ: يَقولُ الله تعالى: ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما يقول بعد التكبير، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 189. ومسلم، في: باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 299. كما أخرجه أبو داود، في: باب من لم ير الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 45. والنَّسائيّ، في: باب ترك الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 104. وابن ماجه، في: باب افتتاح القراءة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 267. والدارمي، في: باب كراهية الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 283. والإمام مالك، في: باب العمل في القراءة، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 8. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 101، 111، 114، 168، 177، 183، 203، 205، 233، 255، 273، 286، 289. (¬3) في الأصل: «وكان».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» (¬1). وفَسَّرَه بالفاتحةِ، مِثْلَ قَوْلِ عائشةَ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (¬2). ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ عُمَرَ، وهو مِمَّن روَى عنه أنَسٌ. فصل: ومَذْهَبُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، الاسْتِفْتاحُ الذى ذَكَرْنا، وقال: لو أنَّ رجلًا اسْتَفْتَحَ ببَعْضِ ما رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن الاسْتِفْتاحِ، كان حَسَنًا. والذى ذَهَب إليه أحمدُ قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، منهم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وابنُ مسعودٍ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ. قال التِّرمِذِيُّ: وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ مِن التّابِعِين وغيرِهم. وذَهَب الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ إلى الاسْتِفْتاحِ بما رُوِيَ عن عليٍّ، قال: كان رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام إلى الصلاةِ كَبَّرَ، ثم قال: «وَجَّهْت وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتي وَنُسُكِي ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 296، 397. وأبو داود، في: باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 188. والتِّرمذيّ، في: باب فضل فاتحة الكتاب، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 11/ 69، 70. والنَّسائيّ، في: باب ترك قراءة بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم في فاتحة الكتاب، من باب الافتتاح. المجتبى 2/ 105. وابن ماجه، في: باب ثواب القرآن، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1243. والإمام مالك، في: باب القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 84، 85. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 341، 285، 460. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 357، 358. وأبو داود، في: باب من لم ير الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180، 181. وابن ماجه، في: باب افتتاح القراءة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 267. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 31، 171، 194، 281.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأنَا أوَّلُ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إنَّه لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِني لِأحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، أنَا بِكَ وَإلَيْكَ، تَبارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وَأتُوبُ إلَيْكَ». رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ (¬1). وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذَا كَبَّر [في الصَّلاةِ أسْكَتَ] (¬2) إسْكاتَةً. حَسِبْتُه (¬3) قال: هُنَيْهَةً. بينَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ، فقُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، أرَأيْتَ إسْكاتَك بينَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ، ما تَقُولُ؟ قال: «أقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَاىَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَاىَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 534 - 536. وأبو داود، في: باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 175. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب عصمة الذكر، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 12/ 305، 306. والنَّسائيّ، في: باب نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 100، 101. والدارمي، في: باب ما يقال بعد افتتاح الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 282. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 94، 102، 103. (¬2) في م: «سكت». (¬3) في م: «حسنة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَاىَ بِالثَّلْج وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وإنَّما اخْتارَ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، الاسْتِفْتاحَ الأوَّلَ؛ لمِا رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا اسْتَفْتَحَ الصلاةَ، قال: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (¬2). وروَى أبو سعيدٍ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِثْلَه، مِن رِوايَةِ النَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ (¬3). ورَواه أنَسٌ أَيضًا (¬4). وعَمِل به عُمَرُ بينَ يَدَيْ أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- (¬5). فلذلك اخْتارَه ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِي، في: باب ما يقول بعد التكبير، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 189. ومسلم، في: باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 419. أخرجه أبو داود، في: باب السكتة عند الافتتاح، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180. والنَّسائيّ، في: باب الوضوء بالثلج، من كتاب الطهارة، وفي: باب الوضوء بماء الثلج، من كتاب المياه، وفي باب سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 1/ 45، 143، 2/ 99. وابن ماجه، في: باب افتتاح الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 264، 265. والدارمي، في: باب في السكتتين، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 284. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 231، 494، 3/ 357، 4/ 381، 5/ 11، 6/ 23، 28، 57، 207. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهمَّ وبحمدك، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 179. وابن ماجه، في: باب افتتاح الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 265. والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 41، 42. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 230، 254. (¬3) أخرجه النَّسائيّ، في: باب نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 102. والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 41. كما أخرجه أبو داود، في: باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهمَّ وبحمدك، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 179. (¬4) أخرجه الدارقطني، في: باب دعاء الاستفتاح بعد التكبير، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 300. (¬5) انظر الباب السابق في سنن الدارقطني 1/ 299، 300.

387 - مسألة: (ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

ثُمَّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدُ (¬1)، وجَوَّزَ الاسْتِفْتاحَ بغيره؛ لكَوْنِه قد صَحَّ، إلَّا أنَّه قال في [حَدِيثِ عليٍّ] (¬2): بَعْضُهم يقُولُ: في صلاةِ اللَّيْلِ. ولأنَّ العَمَل به مَتْرُوكٌ، فإنَّا لا نَعْلَمُ أحدًا يَسْتَفْتِحُ به كلِّه، وإنَّما يَسْتَفْتِحُون بأوَّلِه. فصل: قال أحمدُ: ولا يَجْهَرُ الإمامُ بالاسْتِفْتاحِ. وعليه عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجْهَرْ به، وإنَّما جَهَر به عُمَرُ؛ ليُعَلِّمَ النّاسَ. فإن نَسِيَه، أو تَرَكَه عَمْدًا حتَّى شَرَع في الاسْتِعاذةِ، لم يَعُدْ إليه، لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها. وكذلك إن نَسِيَ التَّعَوُّذَ حتَّى شَرَع في القِراءَةِ، لم يَعُدْ إليه؛ لذلك. 387 - مسألة: (ثم يَقُولُ: أعُوذُ باللهِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) الاسْتِعاذَةُ قبلَ القِراءَةِ في الصلاةِ سُنَّةٌ، في قَوْلِ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «حديثهم».

388 - مسألة: (ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم)

ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ (¬1)، وأصحابِ الرَّأْيِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (¬2). وعن [أبي سعيدٍ] (¬3)، عن رسولِ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان إذا قام إلى الصلاةِ اسْتَفْتَحَ، ثم يَقُولُ: «أَعُوذُ باللهِ السَّمِيع الْعَلِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ» (¬4). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا أشْهَرُ حديثٍ في البابِ. وقال مالكٌ: لا يَسْتَعِيذُ؛ لحديثِ أنَسٍ (¬5). وقد مَضَى جَوابُه. وصِفَتُها كما ذَكَرْنا. وهذا قولُ أَبى حنيفةَ والشافعيِّ؛ للآيةِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يقُولُ قبلَ القِراءَةِ: «أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ». وعن أحمدَ أنَّه يقُولُ: أعُوذُ بِاللهِ السَّمِيع العَلِيمِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ؛ لحديثِ أبي سَعِيدٍ؛ فإنَّه مُتضَمِّنٌ للزِّيادَةِ. ونَقَل حَنْبَلٌ عنه، أنَّه يَزيدُ بعدَ ذلك: إنَّ اللهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ. وهذا كلُّه واسِعٌ. وكَيْفَما اسْتَعاذَ فحَسَنٌ. 388 - مسألة: (ثم يَقْرأُ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قِراءَةُ: ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سورة النحل 98. (¬3) في م: «ابن مسعود». (¬4) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما يقال عند افتتاح الصلاة، من أبواب الصلاة، عارضة الأحوذى 2/ 40، 41. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما رأى الاستفتاح بسبحانك اللهمَّ وبحمدك، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 179. والدارمي، في: باب ما يقال بعد افتتاح الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 282. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 50. (¬5) تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» مَشْرُوعَةٌ في الصلاةِ، في أوَّلِ الفاتِحَةِ، وأوَّلِ كلِّ سُورَةٍ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال مالكٌ، والأَوْزاعِيُّ: لا يَقْرَؤُها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، لحديثِ أنَسٍ. وعن ابنِ (¬1) عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ، قال: سَمِعَنِي أَبى، وأنا أقُولُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقال: أيّ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ! إيّاكَ والحَدَثَ. قال: ولم أرَ أحَدًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان أبْغَضَ إليه الحَدَثُ في الإِسْلامِ. يَعْنِي منه. فإنِّي صَلَّيْتُ مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ومع أبي بكرٍ، ومع عُمَرَ، ومع عثمانَ، فلم أسْمَعْ أحَدًا منهم يَقُولُها، فلا تَقُلْها، إذا صَلَّيْتَ فقُلْ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. أخرجه التِّرْمِذِيُّ (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولَنا، ما رُوِيَ عن نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، أنَّه قال: صَلَّيْت وراءَ أَبى هُرَيْرَةَ، فقَرَأ: بِسْمِ الله اِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثم قَرَأ بأُمِّ القُرْآنِ، وقال: والذى نَفْسِي بيَدِه، إنِّي لأشْبَهُكم صلاةٌ برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. رَواه النَّسائِيُّ (¬3). وروَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الصلاةِ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في: باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الرَّحْمَن الرَّحِيم، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 43. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب ترك الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. المجتبى 2/ 104 وابن ماجه، في: باب افتتاح القراءة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 267، 268. (¬3) في: باب قراءة بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وباب التكبير للركوع، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 103، 104، 141.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرَّحِيمِ (¬1). وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الصلاةِ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. وعَدَّها آيَةً، و {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، آيَتَيْن (¬2). فأَمّا حديثُ أنَس، فقد سَبَق جَوابُه. ثم يُحْمَلُ على أنَّ الذى كان يُسْمَعُ منهم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. وقد جاء مُصَرَّحًا به. فرَوَى شُعْبَةُ، وشَيْبان، عن قَتادَة، قال: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالكٍ، قال: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، فلم أسْمَعْ أحَدًا منهم يَجْهَرُ بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وفي لَفْظٍ: فكلُّهم يُخْفِي «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وفي لَفْظٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسِرُّ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وأبا بكرٍ وعُمَرَ (¬3). رَواه ابنُ شاهِينَ (¬4). ¬

(¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الجهر ببسم الرَّحْمَن الرَّحِيم، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 44. والدارقطني، في: باب وجوب قراءة بسم الرَّحْمَن الرَّحِيم في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 302 - 304. والبيهقي، في: باب افتتاح القراءة في الصلاة ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 46. (¬2) أخرجه أبو داود، في: أول كتاب الحروف والقراءات. سنن أبي داود 2/ 361. والتِّرمذيّ، في: باب فاتحة الكتاب، من أبواب القراءات. عارضة الأحوذى 11/ 48، 49. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 302. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما يقول بعد التكبير، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 189. ومسلم، في: باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 299. والنَّسائيّ، في: باب ترك الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 104. (¬4) أبو حفص عمر بن أَحْمد بن عثمان، ابن شاهين البغدادي الحافظ، محدث العراق، صاحب التصانيف، المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 3/ 987 - 989.

389 - مسألة: (وليست من الفاتحة. وعنه، أنها منها. ولا بجهر بشئ من ذلك)

وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ. وَعَنْهُ، أَنَّهَا مِنْهَا. وَلَا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ مَحْمُولٌ على هذا أَيضًا، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ. ولأنَّ مالِكًا قد سَلَّمَ أنَّه يُسْتَفْتَحُ بها غيرُ (¬1) الفاتِحَةِ، فالفاتِحَةُ أوْلَى؛ لأنَّها أوَّلُ القُرْآنِ وفاتِحَتُه. 389 - مسألة: (وليست مِن الفاتِحَةِ. وعنه، أنَّها منها. ولا بجْهَرُ بشئٍ مِن ذلكَ) قد مَضَى ذِكْرُ الاسْتِفْتاحِ، ولا نَعْلَمُ خلافًا في أنَّه لا يَجْهَرُ بالاسْتِعاذةِ، فأمَّا «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فالجَهْرُ بها غيرُ مَسْنُونٍ عندَ أحمدَ، رَحِمَه الله، لا اخْتِلافَ عنه فيه. قال ¬

(¬1) في م: «في غير».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التِّرْمِذِيُّ (¬1): وعليه العَمَلُ عندَ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن بعدَهم مِن التَّابِعِين؛ منهم أبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، وعليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنهم. وذكَرَه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ مسعودٍ، وعَمّارٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ. وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وأصحابِ الرَّأْيِ. ويُرْوَى الجَهْرُ بها عن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لحديثِ أَبى هُرَيْرَةَ، أنَّه قَرَأ بها في الصلاةِ، وقد قال: ما أسْمَعَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أسْمَعْناكم، وما أخْفَى عَنّا أخْفَيْنا عنكم. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن أُنَسٍ، أنَّه صَلَّى وجَهَر بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وقال: أقْتَدِي بصلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- (¬3). ولِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، ولأنَّها آيةٌ مِن الفاتِحَةِ، ¬

(¬1) في: باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الرَّحْمَن الرَّحِيم، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 44. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب القراءة في الفجر، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 195. ومسلم، في: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 297. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 184. والنَّسائيّ، في: باب قراءة النهار، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 126. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 258، 273، 285، 301، 343، 348، 411، 416، 435، 446، 487. (¬3) أخرجه الدارقطني، في: باب وجوب قراءة {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الصلاة والجهر بها، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 308.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيَجْهَرُ بها الإِمامُ في صلاةِ الجَهْرِ، كسائِرِ آياتِها. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أنَسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ. وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وحديثُ أَبى هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «قالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». لم يَذْكُرْ فيه «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» يَدُلُّ على أنَّه لم يَذْكُرْ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وأمّا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ الذى احْتَجُّوا به، فليس فيه أنَّه جَهَر بها، ولا يَمْتَنِعُ أن يُسْمَعَ منه حالَ الإسْرارِ، كما سُمِع الاسْتِفْتاحُ والاسْتِعاذَةُ مِن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، مع إسْرارِه بهما، فقد رُوِيَ أنَّه كان يُسْمِعُهم الآيَةَ أحْيانًا في صلاةِ الظُّهْرِ. مِن رِوايَةِ أَبى قَتادَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وكذلك حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ ¬

(¬1) كذا ذكر المؤلف. والحديث أخرجه مسلم، في: باب ما يجمع صفة الصلاة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 357. كما أخرجه أبو داود، في: باب من لم ير الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180. وابن ماجه، في: باب افتتاح القراءة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 267. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 31، 171، 194، 281. وانظر: تحفة الأشراف 11/ 386. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب القراءة في الظهر، وباب القراءة في العصر، وباب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، وباب إذا سمع الإمام الآية، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 193، 197. ومسلم، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 333. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر، وباب إسماع الإمام الآية في الظهر، وباب تقصير القيام في الركعة الثَّانية من الظهر، وباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، وباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 127، 128. وابن ماجه، في: باب الجهر بالآية أحيانًا في صلاة الظهر والعصر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 271. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 295، 297، 300، 301، 305، 307، 309 - 311.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ليس فيه ذِكْرُ الجَهْرِ، وباقِي أخْبارِ الجَهْرِ ضَعِيفَةٌ؛ لأنَّ رُواتَها هم رُواةُ الإخْفاءِ، بإسْنادٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ لا يُخْتَلَفُ فيه، فدَلَّ على ضَعْفِ ما يُخالِفُه، وقد بَلَغَنا أنَّ الدّارَقُطْنِيَّ قال: لم يصِحَّ في الجَهْرِ حديثٌ (¬1). فصل: وليست مِن الفاتِحَةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. وهي المَنْصُورَةُ عندَ أصحابِنا، وهو قولُ أَبى حنيفةَ، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ. ثم اخْتَلَفَ (¬2) عن أحمدَ فيها، فقِيلَ عنه (¬3): هي آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، كانت تَنْزِلُ بينَ كلِّ سُوَرَتَيْن فَصْلًا بينَ السُّوَرِ. وقِيلَ عنه: إنَّما هي بَعْضُ آيَة مِن سُوَرةِ النَّمْلِ. [وقال عبدُ اللهِ بنُ مَعْبَدٍ الزِّمّانِيُّ (¬4) والأوْزاعِيُّ: ما أنْزَلَ اللهُ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم» إلَّا في سُورَةِ النَّمْل] (¬5): {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (¬6). والرِّوايَةُ الثّانِيَة، أنَّها آيةٌ مِن الفاتِحَةِ خاصَّةً، تَجِبُ قِراءَتُها في الصلاةِ أوَّلًا. اخْتارَها أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ، وأبو حَفْصٍ. وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ: مَن تَرَك «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فقد تَرَك مِائةً وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً. وكذلك قال الشَّافِعِيُّ؛ ¬

(¬1) انظر: نصب الراية للزيلعي 1/ 358، 359. (¬2) أي النقل. (¬3) سقط من: م. (¬4) عبد الله بن معبد الزماني، بصري تابعي ثِقَة. والزماني نسبة إلى زِمَّان بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، من ربيعة. الأنساب 6/ 296. تهذيب التهذيب 6/ 40. (¬5) سقط من: م. (¬6) سورة النمل 30.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال. «إذَا قَرَأْتُمْ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فَاقْرَءُوا: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فَإنَّها أُمُّ الْكِتَابِ، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي، و {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية مِنْهَا» (¬1). ولأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم، أثْبَتُوها في المَصاحِفِ، ولم يُثْبِتُوا بينَ الدَّفَّتَيْن سِوَى القُرْآنِ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَألَ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ (¬2): {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. قَالَ اللهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي. فَإذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قَالَ اللهُ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإذَا قَالَ: {مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ}. قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. فَإذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. قَالَ اللهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». رَواه مسلمٌ (¬3). فلو كانت {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب وجوب قراءة {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 312. (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 426.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرَّحِيمِ} آيةً لعَدَّهَا، وبَدَأ بها، ولم يَتَحَقَّقِ التَّنْصِيفُ. فإن قِيلَ: فقد روَى عبدُ اللهِ بنُ زِيادِ بنِ سَمْعَانَ (¬1): «يَقُولُ عَبْدِي إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. فَيَذْكُرُنِي عَبْدِي». قُلْنا: ابنُ سَمْعانَ مَتْرُوكُ الحديثِ، لا يُحْتَجُّ به. قالَه الدَّارَقُطْنِيُّ (¬2). ورُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «سُورَةٌ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً، شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، ألَا وَهِيَ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}» (¬3). وهي ثَلاُثون آيَةً سِوَى «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». ولأنَّ مَواضِعَ الآيِ كالآيِ، في أنَّها لا تَثْبُتُ إلَّا بالتَّواتُرِ، ولا تَواتُرَ في هذا. فأمَّا حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ فلَعَلَّه مِن رَأْيِها. أو نقولُ: هم آيَةٌ مُفْرَدَةٌ للفَصْلِ بينَ السُّوَرِ. وحديثُ أَبى هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عليه، فإنَّ راوِيَه أبو بكرٍ الحَنَفِيُّ، عن عبدِ الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن نُوحِ ابن أبي بِلالٍ، قال أبو بكرٍ: رَاجَعْتُ فيه نُوحًا، فوَقَفَه. وأمّا إثْباتُها بينَ السُّوَرِ، فللفَصْلِ بينَها، ولذلك كُتِبَتْ سَطْرًا على حِدَتِها. والله أعلمُ. ¬

(¬1) أي عن أبي هريرة، وهو الحديث السابق. وأخرجه الدارقطني بهذا اللفظ في: باب وجوب قراءة {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. إلخ من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 312. (¬2) في الموضع السابق في التعليق السابق. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في عدد الآي، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 324. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في فضل سورة الملك، من أبواب ثواب القرآن. عارضة الأحوذى 11/ 20، 21. وابن ماجه، في: باب ثواب القرآن، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1244. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 299، وأخرجه النَّسائيّ، في: باب الفضل في قراءة تبارك الذي بيده الملك، من كتاب عمل اليوم الليلة، وفي. باب سورة الملك، من كتاب التفسير. السنن الكبرى 6/ 178، 179، 496.

390 - مسألة: (ثم يقرأ الفاتحة، وفيها إحدى عشرة تشديدة)

ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً». ـــــــــــــــــــــــــــــ 390 - مسألة: (ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ، وفيها إحْدَى عَشَرةَ تَشْدِيدَةً) قِراءَةُ الفاتِحَةِ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، لا تَصِحُّ إلَّا به، في المَشْهُورِ عن أحمدَ. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، وعثمانَ بنِ أبي العاصِ، وخَوّاتِ بنِ جُبَيْرٍ (¬1)، رَضِيَ اللهُ عنهم، أنَّهم قالُوا: لا صلاةَ إلَّا بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّها لا تَتَعَيَّنُ، ويُجْزِئُ قِراءَةُ آيَةٍ مِن القُرْآنِ، أيَّ آيةٍ كانت. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاِته: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (¬2). وقولِ اللهِ تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (¬3). ولأنَّ الفاتِحَةَ وسائِرَ القُرآنِ سَواءٌ في سائِرِ الأحْكامِ، كذلك في الصلاةِ. ولَنا، ما روَى عُبادَةُ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «لَا ¬

(¬1) أبو عبد الله خوات بن جبير بن النُّعمان الأَنْصَارِيّ الأوسي الصحابي، تُوفِّي بالمدينة سنة أربعين، وعمره أربع وتسعون سنة. أسد الغابة 2/ 148، 149. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من رد فقال عليك السلام، من كتاب الاستئذان، وفي: باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، من كتاب الأيمان. صحيح البُخَارِيّ 8/ 69، 169. ومسلم، في: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 298. وأبو داود، في: باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 197. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في وصف الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 97. والنَّسائيّ، في: باب فرض التكبيرة الأولى، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 96. وابن ماجه، في: باب إتمام الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 336. والإمام أَحْمد، في المسند 2/ 427. (¬3) سورة المزمل 20.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكتَابِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ في الصلاةِ، فكانت مُعَيَّنَةَ، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ. فأمّا خَبَرُهم، فقد روَى الشافعيُّ (¬2) بإسْنادِه، عن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال للأعْرابِيِّ: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَقْرَأَ». ثم يُحْمَلُ على الفاتِحَةِ وما تَيَسَّرَ معها، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم (¬3) يَكُنْ يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، وكذلك نقُولُ في الآيَةِ: يَجُوزُ أن يكُونَ أراد الفاتِحَةَ وما تَيَسَّرَ، ويَحْتَمِلُ أنَّها نَزَلَتْ قبلَ نُزُولِ الفاتِحَةِ. والمَعْنَى الذى ذَكَرُوه أجْمَعْنا على خِلافِه؛ فإنَّ مَن تَرَكَ الفاتِحَةَ، كان مُسِيئًا، بخِلافِ بَقِيَّةِ السُّوَرِ. وتَشْدِيداتُ الفاتِحَةِ إحْدَى عَشْرَةَ، بغيرِ خِلافٍ؛ أوُّلُها اللَّامُ في {لِلَّهِ}، والباءُ في {رَبِّ}، والراءُ في {الرَّحْمَنِ}، وفي {الرَّحِيمِ}، والدَّالُ في {الدِّينِ}، وفي {إِيَّاكَ}، و {إِيَّاكَ} تَشْدِيدَتان، وفي {الصِّرَاطَ}، على الصَّادِ، وعلى اللّامِ في {الَّذِينَ}، وفي {الضَّالِّينَ} تَشْدِيدَتان، في الضّادِ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم. . . . إلخ، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 192. ومسلم، في: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 295. كما أخرجه أبو داود، في: باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 189. والتِّرمذيّ، في: باب لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب، وباب في القراءة خلف الإمام، وباب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر بالقراءة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 46، 107، 110. والنَّسائيّ: باب إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 106. وابن ماجه، في: باب القراءة خلف الإمام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 273. والدارمي، في: باب لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 283. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 314، 316، 321، 322. (¬2) ترتيب مسند الشَّافعيّ 1/ 71. (¬3) في م: «إن لم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ واللّامِ. وإذا قُلْنا: البَسْمَلَةُ مِنها. صار فيها أرْبَعَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً؛ [لأنَّ في البَسْمَلَةِ ثَلاثًا] (¬1). فصل: وتَجِبُ قِراءَةُ الفاتِحَةِ في كلِّ رَكْعَةٍ، في حَقِّ الإِمامِ والمُنْفَرِدِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ. وعن أحمدَ، أنَّها لا تَجِبُ إلَّا (¬2) في رَكْعَتَيْن مِن الصلاةِ. ونَحْوُه يُرْوَى عن النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ. ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ أَيضًا؛ لِما رُوىَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: اقْرَأْ في الأُولَيَيْن، وسَبِّحْ في الأُخْرَيَيْن. ولأنَّ القِراءَةَ لو وَجَبَتْ في بَقِيَّةِ الرَّكَعاتِ، لسُنَّ الجَهْرُ بها في بَعْضِ الصَّلَواتِ، كالأُولَيَيْن. وعن الحسنِ: أنَّه إن قَرَأ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ أجْزَأ. وقالت طائِفَةٌ: إن تَرَك قِراءَةَ القُرْآنِ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، سَجَد للسَّهْوِ، إلَّا في الصُّبْحِ، فإنَّه يُعِيدُ. رُوِيَ هذا عن مالكٍ. ورُوِيَ عن إسحاقَ، أنَّه قال: إذا قَرَأ في ثَلاثِ رَكَعاتٍ، إمامًا أو مُنْفَرِدًا، فصَلاتُه جائِزَةٌ؛ وذلك لقَوْلِ اللهِ تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} (¬3). ولَنا، ما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأْ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْن بأُمِّ الكتابِ وسُورَتَيْن، ويُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، ويُسْمِعُ الآيَةَ أحْيانًا، وفي الرَّكْعَتَيْن الأُخْريَيْن بأُمِّ الكِتابِ. وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيّتُمُونِي أُصَلِّي». مُتَّفَقٌ عليهما (¬4). وروَى أبَو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سقط من: م. (¬3) سورة المزمل 20. (¬4) الأول، أخرجه البُخَارِيّ، في: باب القراءة في الظهر، وباب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، وباب =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (¬1). وعنه، وعن عُبادَةَ بنِ الصّامِتٍ، قالا: أمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَقْرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ، في كلِّ رَكْعَةٍ (¬2). رَواهما إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشَّالَنْجِيُّ. ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلَّمَ المُسِيءَ في صَلاِته كيف يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الأُولَى، ثم قال: «وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلُّهَا» (¬3). فيَتَناوَل الأمرَ بالقِراءَةِ. وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحَارِثُ الأعْوَرُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كَذَّابًا. ولو صَحَّ، فقد خالَفَه عُمَرُ، وجابِرٌ. والإسْرارُ بها لا يَنْفِي وُجُوبَها، كالأُولَيَيْن في الظُّهْرِ. فصل: وأقَلُّ ما يُجْزِئُ قِراءَةٌ مَسْمُوعَةٌ يُسْمِعُها نَفْسَه، أو يكُونُ بحيث يَسْمَعُها لو كان سَمِيعًا، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ ما يَمْنَعُ السَّماعَ، كقَوْلِنا في ¬

= إذا سمع الإمام الآية، وباب يطوّل في الركعة الأولى، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 193، 197، 198. ومسلم، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 333. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 184. والنَّسائيّ، في: باب تقصير القيام في الركعة الثَّانية من الظهر، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 128. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 295، 301، 311. والثاني، أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة. . . . إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب رحمة النَّاس والبهائم، من كتاب الأدب، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. . . . إلخ، من كتاب الآحاد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 162، 163، 8/ 11، 9/ 107. والدارمي، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 286. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 53. وهذا اللفظ لم يخرجه مسلم. (¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب القراءة خلف الإمام، من كتاب إقامة الصلاة، بلفظ: «لا صلاة لمن لم يقرأْ في كل ركعةٍ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ}، وسورة، في فريضة أو غيرِها». سنن ابن ماجه 1/ 274. (¬2) أخرجه بنحوه من حديث أبي سعيد ابن ماجه، في: باب القراءة خلف الإمام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 274. انظر التلخيص الحبير 1/ 232. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 408.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّكْبِيرِ، فإنَّ ما دُونَ ذلك ليس بقِراءَةٍ. والمُسْتَحَبُّ أن يَأْتِيَ بها مَرَتَّلَةً (¬1) مُعْرَبَةً، يَقِفُ فيها عندَ كلِّ آيَةٍ، ويُمَكِّنُ حُرُوفَ المَدِّ واللِّينِ، ما لم يُخْرِجْه ذلك إلى التَّمْطِيطِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (¬2). ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّها سُئِلَتْ عن قِراءَةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالت: كان يُقَطِّعُ قِراءَتَه آيَةً آيَةً: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ}. مِن المُسْنَدِ (¬3). وعن أنَسٍ، قال: كانت قِراءَةُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَدًّا. ثم قَرَأ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. يَمُدُّ {بِسْمِ اللهِ}، ويَمُدُّ {الرَّحْمَنِ} ويَمُدُّ {الرَّحِيمِ}. أخْرَجَه البُخارِيُّ (¬4). فإن أخْرَجَه ذلك إلى التَّمْطِيطِ والتَّلْحِينِ كان مَكْرُوهًا؛ لأنَّه رُبَّما جَعَل الحَرَكاتِ حُرُوفًا. قال أحمدُ: يُعْجِبُنِي مِن قِراءَةِ القرآنِ السَّهْلَةُ. وقال: قَوْلُه: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأصْوَاتِكُمْ» (¬5). قال: يُحَسِّنُه بصَوْتِه مِن غيرِ ¬

(¬1) في م: «مرتبة». (¬2) سورة المزمل 4. (¬3) 6/ 302. وتقدم بلفظ آخر في صفحة 432. (¬4) في: باب مد القراءة، من كتاب فضائل القرآن. صحيح البُخَارِيّ 6/ 240، 241. كما أخرجه أبو داود، في: باب استحباب الترتيل في القراءة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 338. والنَّسائيّ، في: باب مد الصوت بالقراءة، من كتاب الصلاة. المجتبى 2/ 139. (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قول النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، وزينو القرآن بأصواتكم (الترجمة)، من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 9/ 193. وأبو داود، في: باب استحباب الترتيل في القراءة، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 338. والنَّسائيّ، في: باب تزيين القرآن بالصوت، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 139. وابن ماجه، في: باب في حسن الصوت بالقرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 426. والدارمي، في: باب التغني بالقرآن، من كتاب فضائل القرآن. سنن الدَّارميّ =

391 - مسألة: (فإن ترك ترتيبها، أو تشديدة منها، أو قطعها بذكر كثير، أو سكوت طويل، لزمه استئنافها)

فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا أَوْ تَشْدِيدَة مِنْهَا، أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ تَكَلُّفٍ. وقد رُوِيَ في خَبَرٍ: «أحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً مَنْ إذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأيْتَ أنَّهُ يَخْشَى اللهَ» (¬1). ورُوِيَ: «إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ» (¬2). 391 - مسألة: (فإن تَرَك تَرْتِيبَها، أو تَشْدِيدَةً منها، أو قَطَعَها بذِكْرٍ كَثِيرٍ، أو سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَه اسْتِئْنافُها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَلْزَمُه أن يَأْتِيَ بقِراءَةِ الفاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً، غيرَ مَلْحُونٍ فيها لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنى، مِثْلَ أن يَكسِرَ كافَ {إِيَّاكَ}، أو يَضُمَّ تاءَ {أَنْعَمْتَ}، أو يَفْتَحَ ألِفَ الوَصْلِ في {اهْدِنَا}، فإن أخَلَّ بالتَّرْتِيبِ، أو لَحَن فيها لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، لم يُعْتَدَّ بها، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَؤُها مُرَتَّبَةَ، وقد قال: «صَلُّوا ¬

= 2/ 474. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 283، 285، 296، 304. (¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب في حسن الصوت بالقرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 425. والدارمي، في: باب التغنى بالقرآن، من كتاب فضائل القرآن. سنن الدَّارميّ 2/ 471، 472. وفي سنن الدَّارميّ: «أُرِيتَ أنَّه يخشى الله». (¬2) أخرجه بنحوه ابن ماجه، في: باب حسن الصوت بالقرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 424. وبلفظه، عزاه السيوطى لابن مردويه عن ابن عباس. انظر: كنز العمال 1/ 609.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (¬1). إلَّا أن يَعْجِزَ عن غيرِ هذا، وكذلك إن أخَلَّ بتَشْدِيدَةٍ منها. ذَكَر القاضي نَحْوَ هذا في «المُجَرَّدِ». وهو قولُ الشافعيِّ. وذَكَر في «الجامِعِ»: لا تَبْطُلُ بتَرْكِ شَدَّةٍ؛ لأنَّها غيرُ ثابِتَةٍ في خَطِّ المُصْحَفِ، وإنَّما هي صِفَةٌ للحَرْفِ، ويُسَمَّى تارِكُها قارِئًا. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الحَرْفَ المُشَدَّدَ أُقِيمَ مُقامَ حَرْفَيْن، بدَلِيلِ أنَّ شَدَّةَ راءِ {الرَّحْمَنِ} أُقِيمَتْ مُقامَ اللّامِ، وكذلك شَدَّةُ دالِ {الدِّينِ}، فإذا أخَلَّ بها، أخَلَّ بالحَرْفِ وغَيَّرَ المَعْنَى، إلَّا أن يُرِيدَ أنَّه أظْهَرَ المُدْغَمَ، مِثْلَ أن يُظْهِرَ لامَ {الرَّحْمَنِ}، فهذا يَصِحُّ؛ لأنَّه إنَّما تَرَك الإِدْغامَ، وهو لَحْنٌ لا يُحِيلُ المَعْنَى. قال القاضي: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه إذا لَيَّنَها، ولم يُخَفِّفْها على الكَمالِ، أنَّه لا يُعِيدُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك لا يُحِيلُ المَعْنَى، ويَخْتَلِفُ باخْتِلافِ النَّاسِ. ولَعَلَّه أراد في «الجامِعِ» هذا، فيَكُونُ قَوْلُه مُتَّفِقًا. ولا تُسْتَحَبُّ المُبالَغَةُ في التَّشْدِيدِ بحيث يَزِيدُ على حَرْفٍ ساكِنٍ؛ لأنَّها أُقِيمَتْ مُقامَه، فإذا زادَها عن ذلك، زادَها عمّا أُقِيمَتْ مُقامَه، فيُكْرَهُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 441، 442.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن قَطَع قِراءَةَ الفاتِحَةِ بذِكْرٍ، أو دُعاءٍ، أو قِراءَةٍ، أو سُكُوتٍ، وكان يَسِيرًا، أو فرَغ الإِمامُ مِن الفاتِحَةِ في أثْناءِ قِراءَةِ المَأْمُومِ، فقال: آمِينَ. لم تَنْقَطِعْ قِراءَتُه؛ لقولِ أحمدَ: إذا مَرَّتْ به آيَةُ رَحْمَةٍ سأل، وإذا مَرَّتْ به آيَةُ عَدْابٍ اسْتَعاذَ. لأنَّه يَسِيرٌ فعُفِيَ عنه. وإن كَثُر ذلك، اسْتَأْنَفَ قِراءَتَها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَؤُها مُتَوالِيَةٌ. فإن كان السُّكُوتُ مَأْمُورًا به، كالمَأْمُومِ يَشْرَعُ في قِراءَةِ الفاتِحَةِ، ثم يَسْمَعُ قراءةَ الإِمام، فيُنْصِتُ له، فإذا سَكَت الإِمامُ، أتَمَّ قِراءَتَه، أجْزأه. أوْمَأ إليه أحمدُ. وكذلك إن سَكت نِسْيانًا، أو نَوْمًا، أو لانْتِقالِه إلى غيرِها غَلَطًا، ومتى ما ذَكَر، أتَى بما بَقِيَ منها. فإن تَمادَى فيما هو فيه بعدَ ذِكْرِه، لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كما لو ابْتَدَأ ذلك. فإن نَوَى قَطْعَ قِراءَتِها مِن غيرِ أن يَقْطَعَها، لم تَنْقَطِعْ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالفِعْلِ لا بالنِّيَّةِ. وكذا إن سَكَت مع النِّيَّةِ سُكُوتًا يَسِيرًا؛ لِما ذَكَرْناه مِن أنَّ النِّيَّةَ لا عِبْرَةَ بها. ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ». وذَكَر في «الجامِعِ» أنَّه متى سَكَت مع النِّيَّةِ، أبْطَلَها، وأنَّه متى عَدَل إلى قِراءَةِ غيرِها عَمْدًا، أو دُعاءٍ غيرِ مَأْمُورٍ به، بَطَلَتْ قِراءَتُه. ولم يُفَرِّقْ بينَ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ. وإن قَدَّمَ آيَةً منها في غيرِ مَوْضِعِها عَمْدًا، أبْطَلَهَا. وإن كان

392 - مسألة: (فإذا قال: {ولا الضالين}. قال: آمين)

فَإذَا قَالَ: {وَلَا الضَّالِّينَ}. قَالَ: آمِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ غلَطًا، رَجَع فأتَمَّها. قال شيخُنا (¬1): والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرْناه؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ في القِراءَةِ وُجُودُها، لا نِيَّتُها، فمتى قَرَأها مُتَواصِلَةً تَواصُلًا قَرِيبًا، صَحَّتْ، كما لو كان ذلك عن غَلَطٍ. واللهُ أعلمُ. 392 - مسألة: (فإذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ}. قَالَ: آمِينَ) التَّأْمِينُ عندَ الفَراغِ مِن قراءَةِ الفاتِحَةِ سُنَّةٌ للإمامِ والمَأْمُومِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وعَطاءٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْيِ. وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُسَنُّ التَّأْمِينُ للإِمامِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَالَ الإِمَامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. فقُولُوا: آمِينَ. فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، [غُفِرَ لَهُ] (¬2)». رَواه مالكٌ] (¬3). وهذا دَلِيلٌ على أنَّه لا ¬

(¬1) في: المغني 2/ 156. (¬2) سقط من: الأصل. وفي الموطأ وغيره زيادة: «ما تقدم من ذنبه». (¬3) في: باب ما جاء في التأمين خلف الإمام، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 87. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب جهر المأموم بالتأمين، وباب جهر الإمام بالتأمين، من كتاب الأذان، وفي: باب {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَقُولُها. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن وائِلِ بنِ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ}. قال: «آمِينَ». ورَفَع بها صَوْتَه. رَواه أبو داودَ (¬2) وحَدِيثُهم لا حُجَّةَ لهم فيه، وإنَّما قُصِد به تَعْرِيفُهم مَوْضِعَ تَأْمِينِهم، وهو مَوْضِعُ تَأْمِينِ الإِمامِ، ليكونَ تَأْمِينُ الإِمامِ والمَأْمُومِين مُوافِقًا لتَأْمِينِ المَلَائِكَةِ، وقد جاء هذا مُصَرَّحًا به، فرَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن أَبى هُرَيْرَةَ، ¬

= الضَّالِّينَ}، من كتاب التفسير. صحيح البُخَارِيّ 1/ 198، 6/ 21. ومسلم، في: باب التسميع والتحميد والتأمين، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 307. وأبو داود، في: باب التأمين وراء الإِمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 214، 215. والنَّسائيّ، في: باب جهر الإمام بآمين، وباب الأمر بالتأمين خلف الإمام، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 111. وابن ماجه، في: باب الجهر بآمين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 278. والدارمي، في: باب في فضل التأمين، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 284. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 233، 238، 271، 449، 450. (¬1) انظر التخريج السابق، عدا سنن الدَّارميّ، والمسند، في: 2/ 449، 450. ويضاف إلى ما سبق: أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في فضل التأمين، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 50، والنَّسائيّ، في: باب جهر الإمام بآمين، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 110. (¬2) في: باب التأمين وراء الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 214. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب رفع اليدين حيال الأذنين، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 94. والدارمي، في: باب الجهر بالتأمين، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 284 =

393 - مسألة: (يجهر بها الإمام والمأموم في صلاة الجهر)

يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: {وَلَا الضَّالِّينَ}. فقُولُوا: آمِينَ. فَإنَّ المَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ. وَالْإِمَامُ يَقولُ: آمِينَ. فمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» (¬1). وقَوْلُه في اللَّفْظِ الآخَرِ: «إذَا أمَّنَ الْإِمَامُ». يَعْنِي إذا شَرَع في التَّأْمِينِ. 393 - مسألة: (يَجْهَر بها الإمامُ والمَأْمُومُ في صلاةِ الجَهْرِ) الجَهْرُ بـ «آمِين» للإمامَ والمَأْمُومِ سُنَّةٌ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه (¬2): يُسَنُّ إخْفاؤُها؛ لأنَّه دُعاءٌ، أشْبَهَ دُعاءَ التَّشَهُّدِ. ولَنا، حديثُ وائِلِ بنِ حُجْرٍ الذى ذَكَرْناه. وقال عَطاءٌ: إنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ كان يُؤَمِّنُ ويُؤَمِّنُون حتَّى إنَّ للمسجدِ لَلَجَّةً (¬3). رَواه الشافعيُّ في مُسْنَدِه (¬4). وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بآخِرِ الفاتِحَةِ؛ فإنَّه دُعاءٌ، ويُسَنُّ الجَهْرُ به. وفي «آمِينَ» لُغَتان؛ قَصْرُ الألِفِ، ومَدُّها، مع التَّخْفِيفِ فيهما، قال الشَّاعِرُ: تَباعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إذْ دَعَوْتُه … أمِينَ فزاد اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدَا (¬5) ¬

(¬1) انظر تخريج حديث أبي هريرة السابق. (¬2) سقط من: م. (¬3) اللَّجَّة: الأصوات والجَلَبَة. (¬4) انظر: ترتيب مسند الشَّافعيّ 1/ 82. (¬5) البيت من الشواهد النحوية، وهو لجبير الأضبط، في تهذيب إصلاح المنطق 2/ 42. وبلا نسبة في: شرح المفصل، لابن يعيش 4/ 34، واللسان (أم ن) 13/ 27، وشذور الذهب 117، 118، وشرح الأشموني على الألفية 3/ 197.

394 - مسألة: (فإن لم يحسن الفاتحة، وضاق الوقت عن تعلمها، قرأ قدرها في عدد الحروف، وقيل في عدد الآيات من غيرها، فإن لم يحسن إلا آية كررها بقدرها)

فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَرَأَ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ. وَقِيلَ: فِي عَدَدِ الْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيَةً وَاحِدَةً كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ وأنْشَدَ في المَدِّ: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبَدًا … ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قالَ آمِينَا (¬1) ومَعْناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ. قالَه الحسنُ. وقِيلَ. هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. ولا يُشَدِّدُ المِيمَ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالمَعْنَى، فيَصِيرُ بمَعْنَى: قاصِدِين. فصل: فإن نَسِيَ الإِمامُ التَّأْمِينَ أمَّنَ المَأْمُومُ، ورَفَع بها صَوْتَه؛ ليُذَكِّرَ الإِمامَ؛ لأنَّه مِن سُنَنِ الأقْوالِ، فإذا تَرَكَها الإمامُ، أتى بها المَأْمُومُ، كالاسْتِعاذَةِ، وإن أخْفاها الإمامُ جَهَر بها المَأْمُومُ؛ لِما ذَكَرْنا. فإن تَرَك التَّأْمِينَ حتَّى شَرَع في قِراءَةِ السبُّورَةِ، لم يَعُدْ إليه؛ لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها. 394 - مسألة: (فإن لم يُحْسِنِ الفاتِحَةَ، وضاق الوَقْتُ عن تَعَلُّمِها، قَرَأ قَدْرَها في عَدَدِ الحُرُوفِ، وقِيلَ في عَدَدِ الآياتِ مِن غيرِها، فإن لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً كَرَّرَها بقَدْرِها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن لم يُحْسِنِ ¬

(¬1) البيت أَيضًا من الشواهد النحوية، وعجزه في أمالي ابن الشجرى 1/ 259، 375، وشرح الأشموني =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الفاتحةَ، يَلْزَمُه تَعَلُّمُها؛ لأنَّه واجِبٌ في الصلاةِ، فلَزِمَه تَحْصِيلُه إذا أمْكَنَه، كشُرُوطِها، فإن لم يَفْعَلْ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه، فإن لم يَقْدِرْ أو خَشِيَ فَواتَ الوَقْتِ، سَقَط، فإن كان يُحْسِنُ منها آيَةً أو أكثَرَ، كرَّرَها بقَدْرِها، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك. ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ إليها مِن غيرِها. وقال ابنُ أَبى موسى: لا يُكرِّرُها. وكذلك إن لم يُحْسِنْ مِن القُرْآنِ إلَّا آيَةً. ويَحْتَمِلُ أن يَأْتِيَ ببَقِيَّةِ الآيِ مِن غيرِها، كمَن وَجَد بعضَ الماءِ، فإنَّه يَغْسِلُ به، ويَعْدِلُ إلى التَّيَمُّمِ. ذَكَر القاضي هذا الاحْتِمالَ في «الجامِعِ» ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَيْن. فأمّا إن عَرَف بعضَ آيَةٍ، لم يُكَرِّرْها، وعَدَل إلى غيرِها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ ¬

_ = 3/ 197، وهو في: شرح المفضل، لابن يعيش 4/ 34، واللسان (أمن) 13/ 27، وشذور الذهب 116. ونسبه صاحب اللسان إلى عمر بن أبي ربيعة، وليس في ديوانه، ونبه على ذلك الشيخ محيي الدين عبد الحميد في حاشية شرح شذور الذهب، وذكر أن قومًا نسبوه إلى قيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلى. وهو في ديوانه 283، وانظر تخريجه في حاشية صفحة 283، وفي بعض مصادر التخريج هذه أنَّه ليزيد بن سلمة بن سمرة المعروف بابن الطارية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الذى لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ أن يقُولَ: الْحَمْدُ للهِ. وغيرَها (¬1). وهي بَعْضُ آيَةٍ، ولم يَأْمُرْه بتَكْرارِها. فإن لم يُحْسِنْ شيئًا منها، وأحْسَنَ غَيْرها مِن القرآنِ، قَرَأَ منه بقَدْرِها إن قَدَر عليه، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك؛ لِما روَى أبو داودَ (¬2)، عن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَإن كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فاقْرَأْ بِهِ، وَإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْهُ». ويَجِبُ أن يَقْرَأَ بعَدَدِ آياتِها. وهل يُعْتَبَرُ أن يكُونَ بعَدَدِ حُرُوفِها؟ فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما اعْتِبارُ ذلك. اخْتارَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الحَرْفَ مَقْصُودٌ؛ بدَلِيلِ تَقْدِيرِ الحَسَناتِ به، فاعْتُبرَ، كالآىِ. والثاني، تُعْتَبَرُ الآياتُ، ولا يُعْتَبَرُ عَدَدٌ الحُرُوفِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَكْفِي عَدَدُ الحَرُوفِ دُونَها، فأشْبَهَ مَن فاتَه صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ، لا يُعْتَبَرُ في القَضاءِ صومُ يوْمٍ طَوِيلٍ مِثْلِه. وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّه يَكْفِيه أن يَقْرَأ بعَدَدِ الحُرُوفِ، ولا يَعْتَبِرُ عَدَدَ الآياتِ. وهو ظاهِرُ كلامِ شيخِنا هاهُنا (¬1)؛ لأنَّ الثَّوابَ مُقَدَّرٌ بالحُرُوفِ، فكَفَى اعْتِبارُها (¬2)، فإن لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً، كَرَّرَها بقَدْرِها، فكان بمَثابَةِ مَن قَرَأها؛ لأنَّها مِن جِنْسِ الواجِبِ. ¬

(¬1) انظر: المغني 2/ 159. (¬2) بعده في الأصل: «وقال ابن عقيل: يكون ما يأتي به على قدر حروف الفاتحة، كما قلنا قيما إذا قرأ من غيرها». وسيأتي في المسألة التي بعد هذه.

395 - مسألة: (فإن لم يحسن شيئا من القرآن، لم يجز أن يترجم عنه بلغة أخرى، ولزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)

فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 395 - مسألة: (فإن لم يُحْسِنُ شيئًا مِن القُرْآنِ، لم يَجُزْ أن يُتَرْجِمَ عنه بلُغَةٍ أُخْرَى، ولَزِمَه أن يَقُولَ: سبحانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ) لا يَجُوزُ له القِراءَةُ بغيرِ العَرَبِيَّةِ سَواءٌ أحْسَنَ قِراءَتَها بالعربيةِ، أو لم يُحْسِنْ. وهو قولُ الشافعيِّ. وقولُ أَبى يوسفَ ومحمدٍ، إذا كان لا يُحْسِنُ. وبه قال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ ذلك؛ لقولِه تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} (¬1). وإنَّما يُنْذَرُ كلُّ قَوْمٍ، بلِسانِهِم. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (¬2). وقولُه: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (¬3). ولأنَّ القرآنَ؛ لَفْظَه ومَعْناه، مُعْجِزَةٌ، فإذا غُيِّرَ خَرَج عن نَظْمِه، ولم يَكُنْ قُرْآنًا ولا مِثْلَه، وإنَّما يكُونُ تَفْسِيرًا له، ولو كان تَفْسِيرُه مِثْلَه لَمّا عجَزُوا عنه، إذ تَحَدَّاهم بالإِتْيانِ بسُورَةٍ مِن مِثْلِه، أمّا الإِنْذارُ، فإذا فَسَّرَه لهم، حَصَل بالمُفَسَّرِ لا بالتَّفْسِيرِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يقُولُ: سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلَه إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ. لِما روَى أبو داودَ (¬4)، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: إنِّي لا أسْتَطِيعُ أن آخُذَ شيئًا مِن القُرْآنِ، فعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي منه. فقال: «تقولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ». قال: هذا للهِ، فما لىَ؟ قال: «تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ¬

(¬1) سورة الأنعام 19. (¬2) سورة الزمر 28. (¬3) سورة الشعراء 195. (¬4) انظر الحديث المتقدم تخريجه في حاشية 1 صفحة 452.

396 - مسألة: (فإن لم يحسن إلا بعض ذلك، كرره بقدره)

فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بَعْضَ ذَلِكَ، كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ لِي، وَارْحمْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي». ولا تَلْزَمُه الزِّيادَةُ على الخَمْسِ الأُوَلِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- اقْتَصَرَ عليها، وإنَّما زادَه عليها حينَ طَلَب الزِّيادَةَ. وذَكَر بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَزِيدُ على الخمْسِ كَلِمَتَيْن، حتَّى يكُونَ مَقامَ سَبْعِ آياتٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يكُونُ ما أتَى به على قَدْرِ حُرُوفِ الفاتِحَةِ، كما قُلْنا فيما إذا قَرَأ مِن غيرِها. والحديثُ يَدُلُّ على أنَّ الخَمْسَ المَذْكُورَةَ مُجْزِيَّةٌ، ولا يَلْزَمُ عليه القِراءَةُ مِن غيرِ الفاتِحَةِ، حيث لَزِم أن يكُونَ بعَدَدِ آياتِها؛ لأنَّ هذا بَدَلٌ مِن غيرِ الجِنْسِ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ. 396 - مسألة: (فإن لم يُحْسِنْ إلَّا بعضَ ذلك، كَرَّرَه بقَدْرِه) كما قُلْنا في مَن يُحْسِنُ بَعْضَ الفاتِحَةِ. قال شيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن يُجْزئَه ¬

(¬1) في: المغني 2/ 160.

397 - مسألة: (فإن لم يحسن شيئا من الذكر، وقف بقدر القراءة)

فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الحَمْدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكبِيرُ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: فَإنْ كانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْهُ». رَواه أبو داودَ. 397 - مسألة: (فإن لَمْ يُحْسِنْ شيئًا مِن الذِّكْرِ، وَقَف بقَدْرِ القِراءَةِ) لأنَّ الوقُوفَ كان واجِبًا مع القِراءَةِ، فإذا عَجَز عن أحدِ الواجِبَيْن، بَقِيَ الآخَرُ على وُجُوبِه، ولأنَّ القِيامَ رُكْنٌ، فلم يَسْقُطْ بالعَجْزِ عن غيرِه، كسائِرِ الأرْكانِ.

398 - مسألة: (ثم يقرأ [بعد الفاتحة] (3)

ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً، تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَسْكُتَ الإِمامُ عَقِيبَ قِراءَةِ الفاتِحَةَ سَكْتَةً يَسْتَرِيحُ فيها ويَقْرَأُ فيها مَن خَلْفَه الفاتِحَةَ، كَيْلا يُنازَعَ فيها. وهذا قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ. وكَرِهَه مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْيِ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ، وابنُ ماجه (¬1)، أنَّ سَمُرَةَ، حَدَّثَ، أنَّه حَفِظ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَكْتَتَيْن؛ سَكْتَةً إذا كَبَّرَ، وسَكْتَةً إذا فَرَغ مِن قِراءَةِ (¬2): {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. فأنْكَرَ عليه عِمْرانُ، فكَتَبا [في ذلك] (¬3) إلى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، فكان في كتابه إليهما، أنَّ سَمُرَةَ قد حَفِظ. 398 - مسألة: (ثم يَقْرَأُ [بعدَ الفاتِحَةِ] (3) سُورَةً تَكُونُ في الصُّبْحِ مِن طِوالِ المُفَصَّلِ، وفِي المَغْرِبِ مِن قِصارِه، وفي الباقِي مِن أوْساطِه) ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب السكتة عند الافتتاح، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180. وابن ماجه في: باب في سكتتي الإِمام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 51، 52. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في السكتتين في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 51، 52. والدارمي، في: باب في السكتتين. من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 283. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 7، 11، 15، 20، 21، 23. (¬2) سقط من: م. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قِراءَةُ السُّورَةِ بعدَ الفاتِحَةِ في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن مِن كلِّ صلاةٍ مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد صَحَّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ أَبى قَتادَةَ (¬1)، وفي حديثِ أبي بَرْزَةَ (¬2)، واشْتَهَرَ ذلك في صلاةِ الجَهْرِ، ونُقِل نَقْلًا مُتَواتِرًا، وأمَرَ به مُعاذًا، فقال: «اقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا». الحديثُ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ويُسَنُّ أن يَفْتَتِحَ السُّورَةَ بـ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. وقد وافَقَ مالكٌ على ذلك. ويُسِرُّ بها في السُّورَةِ كما يُسِرُّ بها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، والخِلافُ هاهُنا كالخِلافِ ثَمَّ، [وقد سَبَق القَوْلُ فيه] (¬4). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 441، 442. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 134. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من لم ير إكفار أخيه بغير تأويل، من كتاب الأدب. صحيح البُخَارِيّ 8/ 32، 33. ومسلم، في: باب القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 340. كما أخرجه أبو داود، في: باب في تخفيف الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 182، 183. والنَّسائيّ، في: باب اختلاف نية الإمام والمأموم، من كتاب الإمامة، وفي: باب القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 79، 130، 134. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 124، 299، 308، 369. (¬4) سقط من: م. وانظر الكلام في ذلك صفحة 433 من هذا الجزء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن [تَكُونَ القِراءَةُ] (¬1) على الصِّفةِ التى ذَكَر؛ لِما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ النبىَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأُ في الفَجْرِ بقاف والقُرْآنِ المَجِيدِ ونَحْوِها، وكانت صَلاتُه بعدُ إلى التَّخْفِيفِ. رَواه مسلمٌ (¬2). وعن عَمْرِو بن حُرَيْثٍ، قال: كأنِّي أسْمَعُ صَوْتَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في صلاةِ الغَداةِ: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} (¬3). رَواه ابن ماجه (¬4). وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ بالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ، {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}، وشَبَهِهما. أخْرَجَه أبو داودَ (¬5). وعنه، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الظُّهْرِ باللَّيلِ إذا يَغْشَى، وفي العَصْرِ نَحْوَ ذلك، وفي الصُّبْحِ أطْوَلَ مِن ¬

(¬1) في الأصل: «يكون القرآن». (¬2) في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 337. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 91، 103، 105. (¬3) سورة التكوير 15، 16. (¬4) في: باب القراءة في صلاة الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 268. كما أخرجه مسلم، في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 336. وأبو داود، في: باب القراءة في الفجر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 187، 188. والنَّسائيّ، في: باب القراءة في الصبح بإذا الشَّمس كورت، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 121. (¬5) في: باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 185. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر والعصر. عارضة الأحوذى 2/ 102، 103. والنَّسائيّ، في: باب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 129.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذلك. أخْرَجَه مسلمٌ (¬1)، وروَى البَراءُ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في العِشاءِ بالتِّينِ وَالزَّيّتُونِ فِي السَّفَرِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في المَغْرِبِ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. أخْرَجَه ابنُ ماجه (¬3). وروَى مسلمٌ (¬4). أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لمُعاذٍ: «أفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ يَكْفِيكَ أنْ تَقْرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، ¬

(¬1) في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 337. كما أخرجه أبو داود، في: باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 185، 186. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر والعصر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 102، 103 - والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 86، 88، 101، 103، 106، 108. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الجهر في العشاء، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 194. ومسلم، في: باب القراءة في العشاء. صحيح مسلم 1/ 339. كما أخرجه الإِمام مالك، في: باب القراءة في المغرب والعشاء، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 79، 80. (¬3) في: باب القراءة في صلاة المغرب، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 272. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب القراءة في الركعتين بعد المغرب من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 132. (¬4) في: باب القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 339، 340. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا طوّل الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى، وباب من شكا إمامه إذا طوَّل، من كتاب الأذان، وفي: باب من لم ير إكْفارَ من قال ذلك متأولا أو جاهلًا، من كتاب الأدب. صحيح البُخَارِيّ 1/ 179، 180، 8/ 32، 33. وأبو داود، في: باب في التَّخفيف في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 182، 183. والنَّسائيّ، في: باب خروج الرَّجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد، وباب اختلاف نية الإمام والمأموم، من كتاب الإمامة، وفي: باب القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 76، 77، 79، 130، 134. وابن ماجه، في: باب من أمَّ قومًا فليخفف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 315، الدَّارميّ، في: باب قدر القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 297. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 299، 300، 308، 369.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى». وكَتَب عُمَرُ إلى أَبى موسى، أنِ اقْرَأْ في الصُّبْحِ بطِوالِ المُفَصَّلِ، واقْرَأْ في الظُّهْرِ بأوْساطِ المُفَصَّلِ، واقْرَأْ في المَغْرِبِ بقِصارِ المُفَصَّلِ. رَواه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه (¬1). فصل: وإن قَرَأ على خِلافِ ذلك، فلا بَأْسَ، فإنَّ الأمْرَ في ذلك واسِعٌ، فقد رُوِيَ أنَّه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأُ في الصُّبْحِ بالسِّتِّين إلى المائةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ورُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الفَجرِ بالرُّوم. أخْرَجَه النَّسائِيُّ (¬3). وعن عبدِ اللهِ بنِ السَّائِبِ، قال: قَرَأ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في صلاةِ الصُّبْحِ بالمُؤْمِنِينَ، فلَمَا أتَى على ذِكْرِ عيسى أصابَتْه شَرْقَةٌ (¬4)، فرَكَعَ. ¬

(¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ مُفَرَّقًا، في: باب ما جاء في قراءة الصبح، وباب ما جاء في القراءة في الظهر والعصر، وباب ما جاء في القراءة في المغرب، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 102، 103، 104. وعبد الرَّزّاق، في: باب ما يقرأ في الصلاة، من أبواب القراءة في الصلاة. المصنف 2/ 104. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب القراءة في الفجر، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 195. ومسلم، في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 338. كما أخرجه النَّسائيّ في: باب القراءة في الصبح بالستين إلى المائة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 121. وابن ماجه، في: باب القراءة في صلاة الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 268. (¬3) في: باب القراءة في الصبح بالروم، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 120، 121. كما رواه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 472. (¬4) في سنن ابن ماجه: «أي سعلة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه ابنُ ماجه (¬1). وثَبَت أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في المَغْرِبِ بالمُرْسَلاتِ (¬2). وعن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، أنَّه سَمِع النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وروَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّه قَرَأ فيها بالأعْرافِ. وعن رجلٍ مِن جُهَيْنَةَ، أنَّه سَمِح النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الصُّبْحِ: {إِذَا زُلْزِلَتِ} في الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهما، فلا أدْرِي أنَسِيَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أم فعَل ذلك عَمْدًا. رَواهما ¬

(¬1) في: باب القراءة في صلاة الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 269. كما أخرجه البُخَارِيّ تعليقًا، في: باب الجمع بين السورتين في الركعة. . . . إلخ، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ، 1/ 196. ومسلم، في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 336. وأبو داود، في: باب الصلاة في النعل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 151. والنَّسائيّ، في: باب قراءة بعض السورة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 137. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 411. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب مرض النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ووفاته، من كتاب المغازي. صحيح البُخَارِيّ 6/ 11. ومسلم، في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 338. والنَّسائيّ، في: باب في قدر القراءة في المغرب بالمرسلات، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 130، 131. والدارمي، في: باب في قدر القراءة في المغرب، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 296. والإمام مالك، في: باب القراءة في المغرب والعشاء، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 78. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 340. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الجهر في المغرب، من كتاب الأذان، وفي: باب فداء المشركين، من كتاب الجهاد، وفي: باب حَدَّثَنَا الحميدي حَدَّثَنَا سفيان، من كتاب التفسير (تفسير سورة الطور). صحيح البُخَارِيّ 1/ 194، 4/ 84، 6/ 175. ومسلم، في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 338. كما أخرجه أبو داود، في: باب قدر القراءة في المغرب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 186. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في القراءة في المغرب، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 104. والنَّسائيّ، في: باب القراءة في المغرب بالطور، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 131. والدارمي، في: باب في قدر القراءة في المغرب، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 296. والإمام مالك، في: باب في القراءة في المغرب والعشاء، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 78، الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 80، 84، 85.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو داودَ (¬1). وعنه (¬2) أنَّه قَرَأ في الصُّبْحِ بالمُعَوِّذَتَيْن. وكان -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُطِيلُ تارَةً، ويُقَصِّرُ أُخْرَى (¬3) على حَسَبِ الأحْوالِ. وقال الخِرَقِيُّ: يَقْرَأُ في الظُّهْرِ في الأُولَى بنَحْوِ الثَّلاثِين آيَةً، وفي الثَّانِيَةِ بأيْسَرَ مِن ذلك، وفي العَصْرِ على النِّصْفِ مِن ذلك. لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: اجْتَمَعَ ثَلاثون (¬4) مِن أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالُوا: تَعَالَوْا حتَّى نَقِيسَ قِراءَةَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما لم يَجْهَرْ فيه مِن الصلاةِ، فما اخْتَلَفَ منهم (¬5) رَجُلان، فقاسُوا قِراءَتَه في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِن الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلاثِين آيَةً، وفي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِن ذلك، وقاسُوا ذلك في صلاةِ العَصْرِ على قَدْرِ النِّصْفِ مِن الرَّكْعَتَيْن الأُخْرَيَيْن مِن الظُّهْرِ. رَواه ابنُ ماجه (¬6). ¬

(¬1) في: باب قدر القراءة في المغرب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 187. كما أخرج الأول البُخَارِيّ، بلفظ: «بطول الطوليين» ولم يذكر الأعراف، في: باب القراءة في المغرب، من كتاب المواقيت. صحيح البُخَارِيّ 1/ 194. والنَّسائيّ، في: باب القراءة في المغرب بـ المص، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 131، 132. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 418. وانظر: باب ما جاء في القراءة في المغرب، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 104. والثاني، أخرجه في الباب السابق. (¬2) في: باب في المعوذتين، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 337. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الاستعاذة. المجتبى 8/ 221. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 144، 150. (¬3) في م: «بالأخرى». (¬4) في سنن ابن ماجه زيادة: «بدريا». (¬5) سقط من: م. (¬6) في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 271. كما أخرجه بنحوه مسلم، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 334. وأبو داود، في: باب تخفيف الأخريين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 185. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا بَأْسَ بقِراءَةِ السُّورَةِ في الرَّكْعَتَيْن. قاله أحمدُ في رِوايَةِ أَبى طالبٍ، وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ؛ لِما روَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في المَغْرِبِ بالأعْرافِ في الرَّكْعَتَيْن كِلْتَيْهما. رَواه سعيدٌ (¬1). وعن عائشة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُقَسِّمُ البَقَرَةَ في الرَّكْعَتَيْنِ. رَواه ابنُ ماجه (¬2). وسُئِل أحمدُ، عن الرجلِ يَقْرَأُ بسُورَةٍ، ثم يَقُومُ فيَقْرَأُ بها في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى، فقال: وما بَأْسٌ بذلك (¬3). لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الجُهَنِيِّ. رَواه أبو داودَ. قال حَرْبٌ: قُلْتُ لأحمدَ: الرجلُ يَقْرَأُ على التَّأْلِيفِ في الصلاةِ (¬4)؛ اليَوْمَ سُورةً (¬5)، وغدًا التى تَلِيها؛ قال: ليس في هذا شئٌ. إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عثمانَ، أنَّه فَعَل ذلك في المُفَصَّلِ وَحْدَه. وقال مُهَنّا: سَألْتُ أحمدَ عن الرجلِ يَقْرَأُ في الصلاة حيث يَنْتَهِي جُزْؤُه؟ قال: لا بَأْسَ به في الفَرائِضِ. ¬

(¬1) أخرجه ابن خزيمة، في: باب ذكر الدليل على أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنما كان يقرأ بطولى الطوليين في الركعتين الأوليين من المغرب. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح ابن خزيمة 1/ 260. وأخرجه النَّسائيّ، عن عائشة، في: باب القراءة في المغرب بـ المص، من كتاب الصلاة. المجتبى 2/ 132. (¬2) لم نجده في ابن ماجه. وعزاه الهيثمي لأبي يعلى. مجمع الزوائد 2/ 274. (¬3) في الأصل: «وذلك». (¬4) في الأصل: «صلاة». (¬5) في م: «السورة».

399 - مسألة: (ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء)

وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 399 - مسألة: (ويَجْهَرُ الإمامُ بالِقراءَةِ في الصُّبْحِ، والأُولَيَيْن مِن المَغْرِبِ والعِشاءِ) الجَهْرُ في هذه المَواضِعِ مُجْمَعٌ على اسْتِحْبابِه، ولم يَخْتَلِفِ المُسْلِمُون في مَواضِعِه. والأصْلُ فيه فِعْلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقد ثَبَت ذلك بنَقْلِ الخَلَفِ عن السَّلَفِ. فإن جَهر في مَوْضِعِ الإِسْرارِ، وأسَرَّ في مَوْضِع الجَهْرِ، تَرَك السُّنَّةَ، وأجْزَأه. وقال القاضي: إن فَعَل ذلك عامِدًا صَحَّتْ صَلاتُه، في ظاهِرِ كَلامِه. ومِن أصحابِنا مَن قال: تَبْطُلُ. وإن فَعَلَه ناسِيًا، لم تَبْطُلْ، إلَّا أنَّه إذا جَهَر في مَوْضِعِ الإِسْرارِ ناسِيًا، ثم ذَكَر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في أثْناءِ قِراءَتِه، بَنَى على قِراءَتِه، وإن نَسِيَ فأسَرَّ في مَوْضِعِ الجَهْرِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَمْضِي في قِراءَتِهْ، كالتى قَبْلَها. والثانيةُ، يَسْتَأْنِفُ القِراءَةَ جَهْرًا على سَبِيلِ الاخْتِيارِ لا الوُجُوبِ، والفَرْقُ بينَهما أنَّ الجَهْرَ زِيادَةٌ، قد حَصَل بها المَقْصُودُ وزِيادَة، فلا حاجَةَ إلى إعادَتِه، والإِسْرارُ نَقْصٌ، فاتَتْ به سُنَّةٌ تَتَضَمَّنُ مَقْصُودًا، وهو إسْماعُ (¬1) المَأْمُومِين القِراءَةَ، وقد أمْكنَه الإِتْيانُ بها، فيَنْبَغِي أن يَأْتِيَ بها. فصل: ولا يُشْرَعُ الجَهْرُ للمَأمُومِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مَأمُورٌ بالاسْتِماعِ للإِمام والإِنْصاتِ له، ولا يُقْصَدُ منه إسْماعُ (¬2) أحَدٍ. فأمّا المُنفَرِدُ، فهو مُخَيَّرٌ في ظاهِرِ كَلامِه. وكذلك مَن فاتَه بَعْضُ الصلاةِ مع الإمامِ، فقامَ ليَقْضِيَه. [روَى ذلك عنه] (¬3) الأثْرَمُ، قال: إن شاء جَهَر، ¬

(¬1) في م: «سماع». (¬2) في الأصل: «استماع». (¬3) في م: «فروى ذلك عن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن شاء خافَتَ، إنَّما الجَهْرُ للجَماعَةِ. وكذلك قال طاوُسٌ، والأوْزاعِيُّ في مَن فاتَه بعضُ الصلاةِ. ولا فَرْقَ بينَ القَضاءِ والأداءِ. وقال الشافعيُّ: يُسَنُّ للمُنْفَرِدِ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُورٍ بالإنْصاتِ، أشْبَهَ الإِمامَ. ولَنا، أنَّه لا يُرادُ منه إسْماعُ غيرِه، أشْبَهَ المَأْمُومَ في سَكَتاتِ الإِمامِ، بخِلافِ الإِمامِ، فإنَّه يَقْصِدُ (¬1) إسْماعَ المَأْمُومِين، فقد تَوَسَّطَ المُنْفَرِدُ بينَ الإِمامِ والمَأْمُومِ، ولذلك كان مُخَيَّرًا في الحالَيْن. فصل: فإن قَضَى الصلاةَ في جَماعَةٍ، وكانت صلاةَ نَهارٍ، أَسَرَّ، سَواءٌ قَضاها لَيْلًا أو نَهارًا، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها صلاةُ نَهارٍ، وإن كانت صلاةَ لَيْلٍ فقَضاها لَيْلًا، جَهَر في ظاهِرِ كَلامِه؛ لأنَّها صلاةُ لَيْلٍ فَعَلَها لَيلًا فيَجْهَرُ فيها، كالمُؤَدّاةِ، وإن قَضاها نَهارًا احْتَمَلَ أن لا يَجْهَرَ، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، والأوزاعِيِّ (¬2)؛ لأنَّها مَفْعُولَةٌ في النَّهارِ، وصلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ، وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ فَارْجُمُوهُ بِالبَعْزِ». رَواه أبو حَفْصٍ ¬

(¬1) في الأصل زيادة: «منه». (¬2) سقط من: الأصل.

400 - مسألة: (وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان، لم تصح صلاته. وعنه، تصح)

وَإنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَعَنْهُ، تَصِحُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بإسْنَادِه. واحْتَمَلَ أن يَجْهَرَ فيها، وهو قولُ أَبى حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي ثَوْرٍ؛ ليَكُونَ (¬1) القَضاءُ كالأداءِ، ولا فَرْقَ عندَ هؤلاءِ بينَ الإِمامِ والمُنْفرِدِ، وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأمْرَيْن. 400 - مسألة: (وإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، لم تَصِحُّ صَلاتُه. وعنه، تَصِحُّ) لا يُسْتَحَبُّ له أن يَقْرَأَ بغيرِ (¬2) ما في مُصْحَفِ عثمانَ. ونُقِل عن أحمدَ، أنَّه كان يَخْتارُ قِراءَةَ نافِعٍ مِن طَرِيقِ ¬

(¬1) في الأصل: «فيكون». (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إسماعيلَ بنِ جَعْفَرٍ، فإن لم يَكُنْ فقِراءَةُ عاصِمٍ مِن طَرِيقِ أَبى بكرِ بنِ عَيّاشٍ. وأثْنَى على قِراءَة أَبى عَمْرٍو، ولم يَكْرَهْ قراءةَ أحَدٍ مِن العَشَرَةِ، إلَّا قِراءَةَ حَمْزَةَ والكَسائِيِّ؛ لِما فيها مِن الكَسْرِ، والإِدْغامِ، والتَّكَلُّفِ، وزِيادَةِ المَدِّ. وقد رُوِي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ» (¬1). وعن ابنِ عباسٍ، قال: نَزَل القُرْآنُ بالتَّفْخِيمِ والتَّثْقِيلِ، نَحْوَ الجُمُعَةِ، وأشْباهِ ذلك. ولأنَّها تَتَضَمَّنُ الإِدْغامَ الفاحِشَ، ¬

(¬1) ذكره السيوطى، في الجامع الكبير 1/ 155، عن ابن الأنباري في الوقف، والحاكم، في: المستدرك، قال: وتُعُقِّب، والبيهقي، في: شعب الإيمان. وهو في المستدرك، باب قراءات النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب التفسير. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعقَّب الذهبي بقوله. لا والله، والعوفي [يعنى مُحَمَّد بن عبد العزيز ابن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عوف] مجمع على ضعفه، وبكار [بن عبد الله] ليس بعمدة، والحديث، واهٍ منكر. المستدرك 2/ 231.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وفيه إذْهابُ حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تعالى، يَنْقُصُ (¬1) بإدْغامِ كلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ. ورُوِيَتْ كَراهَتُها، والتَّشْدِيدُ فيها عن جَماعَةٍ مِن السَّلَفِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، وابنُ مَهْدِيٍّ، ويزِيدُ بنُ هارُونَ (¬2)، وسُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، فرُوِيَ عنه، أنَّه قال: لو صَلَّيْتُ خلفَ إنْسانٍ يَقْرَأُ قِراءَةَ حَمْزَةَ لأعَدْتُ صَلاَتى. وقال أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ: قِراءَةُ حَمْزَةَ بِدْعَةٌ. وقال ابنُ إدْرِيسَ (¬3): ما أسْتَجْرِئُ (¬4) أنْ أقولَ لمَن (¬5) يَقْرَأُ بقِراءَةِ حَمْزَةَ: إنَّه صاحِبُ سُنَّةٍ. وقال بِشْرُ بنُ الحارِثِ (¬6): يُعِيدُ إذا صَلَّى خلفَ إمامٍ يَقْرَأُ بها. ورُوِيَ عن أحمدَ التَّسْهِيلُ في ذلك. قال الأثْرَمُ: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إمامٌ يُصَلِّي بقِراءَةِ حَمْزَةَ، أُصَلِّي خَلْفَه؟ قال: لا تبْلُغْ [به هذا] (¬7) كلَّه، ولكنَّها لا تُعْجبُنِي. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) أبو خالد يزيد بن هارون بن وادى الواسطيّ، أحد الأعلام الحفاظ، كان متعبدا حسن الصلاة. توفى سنة ست ومائتين. العبر 1/ 350. تهذيب التهذيب 11/ 366. (¬3) أبو مُحَمَّد عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودى، الحافظ المقرئ، كان من أئمة الدين. توفى سنة اثنتين وتسعين ومائة. سير أعلام النبلاء 9/ 42 - 48. (¬4) في م: «أستخير». (¬5) سقط من: م. (¬6) أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرَّحْمَن المروزي، المشهور بالحافي، الإمام العالم الزَّاهد. تُوفِّي سنة سبع وعشرين ومائتين. سير أعلام النبلاء 10/ 469 - 477. (¬7) في م: «بهذا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، كقِراءَةِ ابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثةِ أَيَّام مُتَتَابِعَاتٍ) وغيرِها، كُرِهَ له ذلك؛ لأنَّ القُرْآنَ يَثْبُتُ بطَرِيقِ التَّواتُرِ، ولا تَواتُرَ فيها، ولا يَثْبُتُ كَونُها قُرْآنًا. وهل تَصِحُّ صَلاتُه إذا كان مِمّا صَحَّتْ به الرِّوايَةُ واتَّصَلَ إسْنادُها؛ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ صَلاتُه، لذلك. والثَّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم، كانوا يُصَلُّون بقِراءَتِهم في عَصْرِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وبعدَه، وكانت صَلاتُهم صَحِيحَةً، وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَنْ أحَبَّ أنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ» (¬1). وكان الصَّحابَةُ، رَضِيَ اللهُ عنهم، يُصَلُّون بقِراءاتٍ لم يُثْبِتْها عثمانُ في المُصْحَفِ، لا يَرَى أحَدٌ منهمِ تَحْرِيمَ ذلك، ولا بُطلانَ صَلاتِهِم به. فصل: فإذا فَرَغ مِن القِراءَةِ، ثَبَت قائِمًا، وسَكَت حتَّى يَرْجِعَ إليه نَفَسُه قبلَ أن يَرْكَعَ، ولا يَصِلُ قِراءَته بتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ. قاله أحمدُ؛ لأنَّ في حديثِ سَمُرَةَ، في بَعْضِ رِواياتِه: «فَإذَا فَرَغ مِنَ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ». رَواه أبو داودَ (¬2). ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب في فضائل أصحاب رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 49. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 7، 26، 38، 445، 454. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 458.

401 - مسألة: (ثم يرفع يديه، ويركع مكبرا، فيضع يديه على ركبتيه، ويمد ظهره مستويا، ويجعل رأسه حيال ظهره، ولا يرفعه ولا يخفضه)

ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 401 - مسألة: (ثم يَرْفَعُ يَدَيْه، ويَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فيَضَعُ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، ويَمُدُّ ظَهْرَه مُسْتَوِيًا، ويَجْعَلُ رَأْسَه حِيالَ ظَهْرِه، ولا يَرْفَعُه ولا يَخْفِضُه) الكَلامُ في هذه المسألةِ في ثلاثةِ أُمُورٍ، أحَدُها، في رَفْعِ اليَدَيْن، ورَفْعُهما في تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ مُسْتَحَبٌّ، ويَرْفَعُهما إلى فرُوعِ أُذُنَيْه، ويكون ابْتِداءُ الرَّفْعِ مع ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه، كما قُلْنا في ابْتِداءِ الصلاةِ. وهذا قَوْلُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وابنُ المبارَكِ، والشافعيُّ، ومالِكٌ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والنَّخَعِيُّ: لا يَرْفَعُهما؛ لِما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه قال: ألا أُصَلِّي بكم صلاةَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. فصَلَّى،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فلم يَرْفَعْ يَدَيْه (¬1) إلَّا في أوَّلِ مَرَّةٍ (¬2). حديثٌ حسنٌ. وروَى يَزِيدُ بنُ أبي زِيادٍ، عن ابنِ أَبى لَيْلَى، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَرْفعُ يَدَيْه إذا افْتَتَحَ الصلاةَ، ثم لا يَعُودُ. رَواه أحمدُ بمَعْناه (¬3). قالُوا: والعَمَل بهذيْن (¬4) الحَدِيثَيْن (¬5) أوْلَى؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ كان فَقِيهًا، مُلازِمًا لرسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، عالِمًا بأحْوالِه، فتُقَدَّمُ رِوايَتُه على غيرِه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفَع يَدَيْه حتَّى يُحاذِي مَنْكِبَيْه، وإذا أراد أن ¬

(¬1) في الأصل: «يده». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب من لم يذكر الرفع عند الوضوء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 173، التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في رفع اليدين عند الركوع، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 58. والنَّسائيّ، في: باب التجافي في الركوع، وباب الرخصة في ترك رفع اليدين. . . . إلخ، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 146، 153. الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 388. (¬3) في: المسند 4/ 282، 301. كما أخرجه أبو داود، في: باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 173. (¬4) في م: «في هذين». (¬5) في م زيادة: «الأولين».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَرْكَعَ، وبعدَ ما يَرْفَعُ رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي حُمَيْدٍ (¬2)، وفيه الرَّفْعُ، رَواه في عَشَرَةٍ مِن الصَّحابَةِ، منهم أبو قَتادَةَ، فصَدَّقُوه. ورَواه عُمَرُ، وعليٌّ، ووائِلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، وأنَسٌ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأبو أُسَيْدٍ، وسَهْلُ بنُ سعدٍ، ومحمدُ ابنُ مَسْلَمَةَ، وأبو موسى، فصار كالمُتَواتِرِ الذى لا يَتَطَرَّقُ إليه شَكٌّ بصِحَّةِ سَنَدِه، وكَثْرَةِ رُواتِه، وعَمِل به الصَّحابَةُ والتّابِعُون، وأنْكَرُوا على مَن تَرَكَه، فرُوِيَ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان إذا رَأى مَن لا يَرْفَعُ، حَصَبَه (¬3)، وأمَرَه ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، وباب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع، وباب إلى أين يرفع يديه، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 187، 188. ومسلم، في: باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 292. كما أخرجه أبو داود، في: باب رفع اليدين في الصلاة، وباب افتتاح الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 166، 171. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في رفع اليدين عند الركوع، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 56. والنَّسائيّ، في: باب العمل في افتتاح الصلاة، وباب رفع اليدين قبل التكبير، وباب رفع اليدين حذو المنكبين، وباب رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين، من كتاب افتتاح الصلاة. وفي: باب رفع اليدين حذو المنكبين عند الرفع من الركوع، وباب ما يقول الإمام إذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب التطبيق، وفي: باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين خذو المنكب، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 93، 94، 142، 152، 153، 3/ 4. وابن ماجه، في: باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه الركوع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 279. والدارمي، في: باب رفع اليدين في الركوع والسجود، وباب القول بعد رفع الرأس من الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 285، 300. والإمام مالك، في: باب افتتاح الصلاة، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 75، 76، 77. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 8، 18، 62، 100، 106، 131، 134، 147. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 400. (¬3) حصبه: رماه بالحَصَى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أن يَرْفَعَ. وحَدِيثاهم ضَعِيفان؛ فحديثُ ابنِ مسعودٍ، قال ابنُ المُبارَكِ: لم يَثْبُتْ. وحديثُ البَراءِ، قال أبو داودَ: هذا حديثٌ ليس بصَحِيحٍ. ولو صَحّا، كان التَّرْجِيحُ لأحادِيثِنا؛ لأنَّها أَصَحُّ إسْنَادًا، وأكْثَرُ رُواةً، ولأنَّهم مُثْبِتُون، والمُثْبِتُ يُقَدَّمُ على النّافِي، ولأنَّه قد عَمِل بها (¬1) السَّلَفُ مِن الصَّحابَةِ والتّابِعِين. وقَوْلُهم: إنَّ ابنَ مسعودٍ إمامٌ. قُلْنا: لا نُنْكِرُ فَضْلَه وإمامَتَه، أمّا بحيث يُقَدَّمُ على عُمَرَ وعليٍّ فلا، ولا يُساوِي واحِدًا منهما، فكيف تُقَدَّمُ رِوايَتُه؛ الأمْرُ الثاني، الرُّكُوعُ، وهو واجِبٌ في الصلاةِ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، قال اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (¬2). وأجْمَعُوا على وُجُوبِ الرُّكُوعِ على القادِرِ عليه. الأمْرُ الثَّالِثُ، التَّكْبِيرُ فيه، وهو مَشْرُوعٌ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبو هُرَيْرَةَ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ، وعَوامٌ علماءِ الأمْصارِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ (¬3) بنِ عبدِ العزيزِ، وسالِمٍ، والقاسِمِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّهم كانوا لا يُتِمُّون التَّكْبِيرَ؛ لِما روَى عبدُ الرَّحْمنِ بن أبْزَى (¬4)، أنَّه صلَّى مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكان لا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ. يَعْنِي إذا خَفَض وإذا رَفَع. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬5). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ¬

(¬1) في م: «به». (¬2) سورة الحج 77. (¬3) في الأصل: «ابن عمر». (¬4) في م: «أبي». (¬5) في: المسند 3/ 406، 407.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إذا قام إلى الصلاةِ يُكَبِّرُ حينَ يَقُومُ، ثم يُكَبِّرُ حين (¬1) يَرْكَعُ، ثم يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». حينَ يَرْفَعُ صُلْبَه مِن الرُّكُوعِ، ثم يَقُولُ وهو قائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثم يُكَبِّرُ حينَ يَهْوِي ساجِدًا، ثم يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رَأْسَه، [ثم يُكَبِّرُ حينَ يَسْجُدُ، ثم يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رَأْسَه، ثم يَفْعَلُ ذلك في الصلاةِ كلِّها حتَّى] (¬2) يَقْضِيَها. ويُكَبِّرُ حينَ يَقُومُ مِن الثِّنْتَيْن بعدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُكَبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ، وقِيامِ وقُعُودٍ، وأبو بكرٍ وعُمَرُ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ (¬4)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. وقال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (¬5). وقال: «إنَّمَا ¬

(¬1) في الأصل: «ثم». (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التكبير إذا قام من السجود، وباب يهوى بالتكبير حين يسجد، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 199، 200، 202، 203. ومسلم، في: باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 293، 294. كما أخرجه أبو داود، في: باب تمام التكبير، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 192، 193. والنَّسائيّ، في: باب التكبير للسجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 185. والدارمي، في: باب التكبير عند كل خفض ورفع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 285. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 454. (¬4) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب في التكبير عند الركوع والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 54، 55. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 386، 442، 443. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب التكبير للسجود، وباب التكبير عند الرفع من السجود، وباب التكبير للسجود (آخر)، من كتاب التطبيق، وفي: باب التكبير إذا قام من الركعتين، وباب كيف السلام على اليمين، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 161، 182، 185، 313، 52. والدارمي، في: باب التكبير عند كل خفض ورفع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 285. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 441، 442.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّه شُرُوعٌ في رُكْنٍ، فشُرِع فيه التَّكْبِيرُ، كحالَةِ الابتِداءِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه. ثَبَت ذلك عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ. وذَهَب قَوْمٌ بن السَّلَفِ إلى التَّطْبِيقِ؛ وهو أن يَجْعَلَ المُصَلِّي إحْدَى كَفَّيْه على الأُخْرَى، ثم يَجْعَلَهما بينَ رُكْبَتَيْه إذا رَكَع. وهذا كان في أوَّلِ الإِسلامِ، ثم نُسِخ. قال مُصْعَبُ بنُ سَعْدٍ: رَكَعْتُ، فجَعَلْتُ يَدَيَّ بينَ رُكْبَتَيَّ، فنَهانِي أبِي، وقال: إنّا كُنّا نَفْعَلُ هذا، فنُهِينا عنه، وأُمِرْنا أن نَضَعَ أيْدِيَنا على الرُّكَبِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وفي حديثِ أَبى حُمَيْدٍ (¬3): رَأَيْتُه إذا رَكَع أمْكَنَ يَدَيْه مِن رُكْبَتَيْه. ويُسْتَحَبُّ أن يُفَرِّجَ أصابِعَه؛ لِما روى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا رَكَع، فَرَّجَ أصابِعَه. رَواه البَيْهَقِيُّ (¬4). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 416. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب وضع الأكف على الركب في الركوع، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 200. ومسلم، في: باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 380. كما أخرجه أبو داود، في: باب تقريع أبواب الركوع والسجود ووضع اليدين على الركبتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 200. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 59. والنَّسائيّ، في: باب نسخ التطبيق، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 144. وابن ماجه، في: باب وضع اليدين على الركبتين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 283. والدارمي، في: باب العمل في الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 218، 299. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 400. (¬4) في: باب بضم أصابع يديه في السجود. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 112.

402 - مسألة: (ويجعل رأسه حيال ظهره، ولا يرفعه ولا يخفضه)

وَيَجْعَلُ رأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ، لَا يَرْفَعُهُ وَلَا يَخْفِضُهُ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ الِانْحِنَاءُ بِحَيّثُ يُمْكنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 402 - مسألة: (ويَجْعَلُ رَأْسَه حِيالَ ظَهْرِه، ولا يَرْفَعُه ولا يَخْفِضُه) لأنَّ في حديثِ أَبى حُمَيْدٍ، في صِفَةِ الرُّكُوعِ: ثم هَصَرَ ظَهْرَه. وفي لفظٍ: ثم اعْتَدَلَ، فلم يُصَوِّب (¬1) رَأْسَه ولم يُقنِعْ (¬2). وقالت عائشةُ، رَضِيَ الله عنها: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا رَكَع لم يَرْفَعْ رَأْسَه ولم يُصَوِّبْه، ولكنْ بينَ ذلك. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وجاء في الحديثِ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان إذا رَكَع، لو كان قَدَحُ ماءٍ على ظَهْرِه ما تَحَرَّكَ (¬4). وذلك لاسْتِواءِ ظَهْرِه. (و) يُسْتَحَبُّ أن (يُجافِيَ عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه) فإنَّ في حديثِ أَبى حُمَيْدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، كأنَّه قابِضٌ عليهما، ووَثَّرَ يَدَيْه، فنَحَّاهُما عن جَنْبَيْه. صَحِيحٌ. 403 - مسألة: (وقَدْرُ الإِجْزاءِ الانْحِناءُ، بحيث يُمْكِنُه مَسُّ رُكْبَتَيْه بيَدَيْه) لأنَّه لا يَخْرُجُ عن حَدِّ القِيامِ إلى الرُّكُوعِ إلَّا به، ولا ¬

(¬1) لم يصوب: لم يخفض خفضًا بليغًا. (¬2) لم يقنع: لم يرفع حتَّى يكون أعلى من ظهره. (¬3) الحديث لم يخرجه البُخَارِيّ، وأخرجه مسلم، في: باب ما يجمع سنة الصلاة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 357. كما أخرجه أبو داود، في: باب من لم يجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180، 181. وابن ماجه، في: باب الركوع في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 282. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 31، 194. (¬4) أخرجه الإمام أَحْمد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. المسند 1/ 123.

404 - مسألة: (ثم يقول: سبحان ربي العظيم. ثلاثا. وهو أدنى الكمال)

ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. ثَلَاثًا، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ يَلْزَمُه وَضْعُ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، بل ذلك مُسْتَحَبٌّ، فإن كانتا عَلِيلَتَيْن، لا يُمْكنُه وَضْعُهما، تَرَكَهما، وإن قَدَر على وَضْعِ إحْداهُما، وَضَعَها. فصل: وإذا رَفَع رَأْسَه، وشَكَّ هل رَكَعَ أوْ لا، أو هل أتَى بقَدْرِ الإجْزاءِ أوْ لا؟ لَزِمَه أن يَعُودَ فيَرْكَعَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، إلَّا، أن يكُونَ وَسْواسًا، فلا يَلْتَفِتُ إليه. وكذلك حُكْمُ سائِرِ الأرْكانِ. 404 - مسألة: (ثم يقُولُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ. ثَلاثًا. وهو أدْنَى الكمالِ) قَوْلُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ. مَشْرُوعٌ في الرُّكُوعِ. وبه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ. وقال مالكٌ: ليس عندَنا في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ شئٌ مَحْدُودٌ، وقد سَمِعْتُ أنَّ التَّسْبِيحَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: لَمّا نَزَلتْ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (¬1). قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ». وروَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذا رَكَعَ أحَدُكُمْ فَلْيَقلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَذَلِكَ أدْنَاهُ». أخْرَجَهما أبو داودَ، وابنُ ماجه (¬2). وأدْنَى الكَمالِ ثَلاثٌ؛ لِما ذَكَرْنا. وتُجْزِئُ تَسْبِيحَةٌ واحِدَةٌ؛ ¬

(¬1) سورة الواقعة 74، 96. (¬2) الأول أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول الرَّجل في ركوعه وسجوده، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 200، 201. وابن ماجه، في: باب التسبيح في الركوع والسجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 287. كما أخرجه الدَّارميّ، في: باب ما يقال في الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 299. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 155. والثاني أخرجه أبو داود، في: باب مقدار الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 204. وابن ماجه، في الباب السابق. سنن ابن ماجه 1/ 287، 288. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 62. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 232، 371.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَذْكُرْ عَدَدًا في حديثِ عُقْبَةَ، ولأنَّه ذِكْر مُكَرَّرٌ، فأجْزَأتْ واحِدَةٌ، كسائِرِ الأذْكارِ. قال أحمدُ: جاء الحديثُ عن الحسنِ البَصْرِيِّ، أنَّه قال: التَّسْبِيحُ التّامُّ سَبْعٌ، والوَسَطُ خَمْسٌ، وأدْناه ثلاثٌ. وقال القاضي: الكامِلُ في التَّسْبِيحِ، إن كان مُنْفَرِدًا، ما لا يُخْرِجُه إلى السَّهْوِ، وفي حَقِّ الإمامِ [ما لا يَشُقُّ] (¬1) على المَأْمُومِين، ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ الكَمالُ (¬2) عَشْرَ تَسْبِيحاتٍ؛ لأنَّ أنَسًا روَى، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي كصلاةِ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ. فَحَزَرُوا (¬3) ذلكَ بعَشْرِ تَسْبيحَاتٍ (¬4). وقال المَيْمُونِيُّ: صَلَّيْتُ خلفَ أبي عبدِ اللهِ، فكُنْتُ أُسَبِّحُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ عَشْرَ تَسْبِيحاتٍ وأكْثَرَ. وقال بَعْضُ أصحابنا: الكَمالُ أن يُسَبِّحَ مِثْلَ قِيامِه؛ لِما روَى البَراءُ، قال: رَمَقْتُ محمدًا -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فوَجَدْتُ قِيامَه، فرَكْعَتَه، فاعْتِدالَه بعدَ رُكُوعِه، فسَجْدَتَه، فجَلْسَتَه [ما بينَ السَّجْدَتَيْنِ، فسَجْدَتَه، فجَلْسَتَه] (¬5) ما بينَ التَّسْلِيمِ والانْصِرافِ، قَرِيبًا ¬

(¬1) في الأصل: «ما يشق». (¬2) في م: «الكامل». (¬3) حزروا: قَدَّروا وخَمَّنوا. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب مقدار الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 305. والنَّسائيّ، في: باب عدد التسبيح في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 183. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 163. (¬5) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن السَّواءِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). فصل: إلَّا أنَّ الأوْلَى للإمامِ عَدَمُ التَّطْوِيلِ؛ لِيَّلَّا يَشُقَّ على المَأْمُومِين، إلَّا أن تكُونَ الجَماعَةُ يَرْضَوْن بذلك، فيُسْتَحَبُ له التَّسْبِيحُ الكامِلُ، على ما ذَكَرْنا. وإن قال: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وبحَمْدِه. فلا بَأْسَ، فإنَّه قد جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان إذا رَكَع قال: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ». ثَلاثًا، وإذا سَجَد، قال: «[سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ». ثَلاثًا. رَواه أبو داودَ (¬2). قال أحمدُ بنُ نَصْرٍ (¬3): رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل: تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ] (¬4)؛ «سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وبحَمْدِهِ» أعْجَبُ إليك، أو «سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ»؟ فقال: قد جاء هذا، وجاء هذا. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: أمّا أنا فلا أقُولُ: ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والطمأنينة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 200. ومسلم، في: باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 343. كما أخرجه أبو داود، في: باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 196. والنَّسائيّ، في: باب جلسة الإمام بين التسليم والانصراف، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 56. والدارمي، في: باب قدر كم كان يمكث النَّبِيّ بعدما يرفع رأسه، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 307. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 294. (¬2) في: باب ما قول الرَّجل في ركوعه وسجوده، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 201. (¬3) أبو حامد أَحْمد بن نصر الخفّاف. ذكره أبو بكر الخلال، فقال: كان عنده جزء فيه مسائل حسان، أغرب فيها. انظر: طبقات الحنابلة 1/ 82. (¬4) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وبحَمْدِه. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن الشافعيِّ وأصحابِ الرَّأْيِ، لأنَّ هذه الزِّيادَةَ، قال أبو داودَ: نَخافُ أن لا تكونَ مَحْفُوظَةً. والروايَةُ بدُونِها أكَثرُ. فصل: يُكْرَهُ أن يَقْرَأ في الرُّكوعِ والسُّجُودِ؛ لِما روَى عليٌّ -رضي الله عنه -، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه نَهى عن قِراءَةِ القُرْآنِ في الركُوعِ والسُّجودِ (¬1) قال التِّرمِذِي: هذا حديث صَحِيحٌ. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود من كتاب الصلاة، وفي: باب النهي عن لبس الرَّجل ثوبه المعصفر، من كتاب اللباس. صحيح مسلم 1/ 349، 3/ 1648. التِّرْمِذِيّ في: باب ما جاء في النهي عن القراءة في الركوع، من أبواب الصلاة، وفي: باب ما جاء في كراهية خاتم الذهب. من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى 2/ 64، 7/ 244، 245 - والإمام مالك، في: باب العمل في القراءة، من أبواب النداء. الموطأ 1/ 80.

405 - مسألة: (ثم يرفع رأسه قائلا: سمع الله لمن حمده. ويرفع يديه)

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 405 - مسألة: (ثم يَرْفعُ رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. ويَرْفَعُ يَدَيْه) إذا فَرَغ مِن الركُوعِ، رَفَع رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. ويكُونُ انْتِهاؤُه عندَ انْتِهاءِ رَفْعِه، ويَرْفَعُ يَدَيْه؛ لِما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ. وفي مَوْضِع الرَّفْعِ رِوايتان؛ إحْداهما، بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا. حَكاه أحمدُ بنُ الحسينِ؛ أنَّه رَأى أحمدَ يَفْعَلُه؛ لأنَّ في بعْضِ ألْفاظِ حديثِ ابنِ عُمَرَ (¬1): رَأيتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رفَعَ يَدَيْه، وإذا رَكَع، وبعدَ ما يَرْفَعُ رَأسَه مِن الرُّكُوعِ. والثانِيَةُ، يَبْتَدِئُه حينَ يَبْتَدِئُ رَفْعَ رَأسِه؛ لأنَّ أَبا حُمَيْدٍ قال في صِفةِ صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثم قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه». ورَفَع يَدَيْه (¬2). وفي حديثِ ابنِ عُمَرَ في الرَّفْعِ: وإذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكوعِ، رَفَعَهما كذلك، ويقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه». وظاهِرُه أنَّه رَفَع يَدَيْه حينَ أخَذَ في رَفْعِ رَأسِه، كقَوْلِه «إذا كَبَّرَ». أي ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 418. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 400.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أخَذَ (¬1) في التَّكْبِير. ولأنَّه مَحَلُّ رَفْع المَأْمُومِ فكان مَحَلَّ رَفْع الإمامِ كالرُّكُوعِ، فإنَّ الرِّوايَةَ لا تَخْتَلِف في أنَّ المَأمُومَ يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ عندَ (¬2) رَفْعِ رَأسِه، لأنَّه ليس في حَقِّه ذِكْرٌ بعدَ الاعْتِدالِ، والرَّفْعُ إنَّما جُعِلَ هَيئة للذِّكْرِ، وقَوْلُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». مَشْرُوع في حَق الإمامِ والمُنْفَرِدِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافا في المَذْهَبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي حُمَيْدٍ، وحديثِ ابنِ عُمَرَ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قال لبُريْدَةَ: «يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». رَواه الدَّارَاقُطنِيُّ (¬3). ويَعْتَدِلُ قَائِمًا حتَّى يَرْجِعَ كلُّ عُضْوٍ إلى مَوْضِعِه، ويَطْمَئِنَّ، لقول أَبى حُمَيْدٍ في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: وإذا رَفَع رَأْسَه اسْتَوَى قَائِمًا حتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ إلى مَكانِه. مُتَّفق عليه (¬4). وقالت عائشةُ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: فكان إذا رَفَع رَأسَه مِن ¬

(¬1) في م: «إذا أخذ». (¬2) في الأصل: «عنده». (¬3) في: باب ذكر نسخ التطبيق والأمر بالأخذ بالركب، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 339. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 400.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرُّكُوعِ، لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قائِمًا. رَواه مسلمٌ (¬1). فصل: وهذا الرَّفْعُ والاعْتِدالُ عنه واجِبٌ، وبه قال الشافعيُّ وقال أبو حنيفةَ وبَعْضُ أصحابِ مالكٍ: لا يَجِبُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأمرْ به، وإنَّما أمَرَ بالرُّكوعِ والسُّجُودِ والقِيامِ، فلا يَجبُ غيرُه. وَلَنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاِته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتى تَعْتَدِلَ قَائِمًا». مُتفَقٌ عليه (¬2). وداوَمَ على فِعْلِه، وقد قال: «صَلوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (¬3). وقَوْلُهم: لم يَأمُرْ به. قُلْنا: قد أَمَرَ بالقِيامِ، وهذا قِيامٌ، وقد أمَرَ به النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأمْرُه يَجبُ امْتِثالُه. ويُسَن الجَهْرُ بالتسْمِيع للإمامِ، كما يُسَنُّ له الجَهْرُ بالتَّكْبِيَرِ قِياسًا عليه. واللهُ أعلمُ. فصل: وإذا قال مَكانَ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»: مَن حَمِدَ الله سَمِعَ له. لم يُجْزِئْه. وقال أصحابُ (¬4) الشافعيِّ: يُجْزِئُه، لإتْيانِه باللَّفْظِ والمَعْنَى. ولَنا، أنَّه عَكَس اللفْظَ المَشْرُوعَ، أشْبَهَ ما لو قال في التَّكْبِيرِ: الأكْبَرُ اللهُ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ المَعْنَى لم يَتغَير، فإنَّ قَوْلَه: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». صِيغةُ خَبَرٍ (4) تَصْلُحُ للدُّعاءِ، واللفْظُ الآخَرُ صيغةُ شَرْطٍ ¬

(¬1) في باب ما جاء في صفة الصلاة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 357، 358. كما أخرجه أبو داود، في باب من لم ير الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180، 181. وابن ماجه في: باب الجلوس بين السجدتين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 288، والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 31، 194. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 408. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 441، 442. (¬4) سقط من: م.

406 - مسألة: (فإذا اعتدل قائما، قال: ربنا ولك الحمد، ملء السماء

فَإذَا قَامَ قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السّمَاءِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وجَزاءٍ، لا يَصْلُحُ لذلك (¬1)، فاخْتَلَفا. 406 - مسألة: (فَإذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ، مِلْءَ السَّماءِ (¬2) ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ) قولُ: «رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ». مَشْرُوعٌ في حَقِّ كلِّ مُصَلٍّ، في المَشْهُورِ عنه. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودِ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، والشِّعْبِيُّ، ¬

(¬1) في م: «للذكر». (¬2) في م: «السماوات».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ: لا يَقُولُه المُنْفَرِدُ. فإنَّه قال في رِوايِةِ إسحاقَ، في الرجلِ يُصَلى وَحْدَه، فإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدَهُ». قال: «رَبَّنا ولك الحَمْدُ»؟ فقال: إنَّما هذا للإمامِ جَمْعُها، وليس هذا لأحَدٍ سِوَى الإمامِ. لأنَّ الخَبَرَ لم يَرِدْ به في حَقِّه، فلم يُشْرَعْ له، كقَوْلِ: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ» في حَق المَأْمُومِ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يُشْرعُ هذا في حَق الإمامِ ولا المُنْفَرِدِ؛ لقوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكةِ، غُفِرَ لَهُ». مُتَّفَق عليه (¬1). ولنَا، أنَّ أَبا هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». حينَ يرفَعُ صُلْبَه مِنَ الرُّكُوعِ، ثم يقُولُ وهو قائِمٌ: ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما يقول الإمام ومن خلفه. . . . الخ، من كتاب مواقيت الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 201. ومسلم، في: باب التسميع والتحميد والتأمين، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 306. كما أخرجه أبو داود، في: باب الإمام يصلي من قعود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 142. والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول الرَّجل إذا رفع رأسه من الركوع، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 68. والنَّسائيّ، في: باب الائتمام كالإمام، وباب الائتمام بالإمام يصلي قاعدًا، من كتاب الإمامة، وباب تأويل قوله عز وجل {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، من كتاب الافتتاح. المجتبى 1/ 65، 77، 109. وابن ماجه في: باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 276. والدارمي، في: باب القول بعد رفع الرأس من الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 300. والإمام مالك، في: باب ما جاء في التأمين خلف الإمام، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 88.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». مُتفَق عليه (¬1). وعن أَبى سعيدٍ، وابنِ أبي أوْفَى، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُم رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» رَواه مسلمٌ (¬2). وما ذَكَرُوه لا حُجةَ لهم فيه؛ فإنّه إن تَرَك ذِكْرَه في حَديثِهمِ، فقد ذكَرَه في أحادِيثنا. ثم يقُولُ الإمامُ: مِلْءَ السمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِن شئٍ بَعْدُ. لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ. والصَّحِيحُ أنَّ المُنْفَرِدَ يقُولُ كما يقولُ الإمامُ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال لبُريْدَةَ: «يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْتَ رَأسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأرضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِن شَيْءٍ بَعْدُ». رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (¬3). وهذا ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التكبير إذا قام من السجود، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 200. ومسلم، في باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع. . . . الخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 293، 294. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب التكبير للسجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 185. (¬2) في: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 346، 347. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 195، والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول الرَّجل إذا رفع رأسه من الركوع، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 67. والنَّسائيّ، في: باب ما يقول في قيامه ذلك، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 156. وابن ماجه، في: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 284. والدارمي، في: باب القول بعد رفع الرأس من، الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 301. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 87. (¬3) في: باب ذكر نسخ التطبيق والأمر بالأخذ بالركب، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 339.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عامٌ، وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقولُ ذلك. رَواه عنه عليٌّ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو سعيدٍ، وغيرُهم (¬1)، ولم يُفَرِّقُوا بينَ كَوْنِه إمامًا أو مُنْفَرِدًا، ولأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ (¬2) للإمامِ، فشُرِعَ للمنْفَرِدِ كسائِرِ الأذْكارِ (¬3). وذَكَر القاضي في المُنْفَرِدِ رِوايَةً، أنَّه يقُولُ: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ، رَبَّنا ولك الحَمْدُ». لا يَزِيدُ عليه. قال: والصحِيحُ أنَّه يقُولُ مِثْلَ الإمامِ. فصل: ويقُولُ: «ربَّنَا ولك الحمْدُ» بواوٍ، نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم، قال: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُثْبِتُ أمْرَ الواوِ، وقال: روَى فيه الزُّهْرِي ثلاثةَ أحادِيثَ؛ عن أنَسٍ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ، وعن سالِم عن أَبيه. وهو قَوْلُ مالكٍ. ونَقَل ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، إذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكُوعِ قال: «اللَّهُمَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». رَواه ¬

(¬1) انظر: باب صفة ما يقول المصلى عند ركوعه وسجوده، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 342. (¬2) سقط من: م. (¬3) في الأصل «الأركان».

407 - مسألة: (فإن كان مأموما لم يزد على: ربنا ولك الحمد.

فَإنْ كَانَ مَأمُومًا لَمْ يَزِدْ عَلَى: رَبَنا وَلَكَ الْحَمْدُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو سعيدٍ، وابنُ أبي أوْفَى. فاسْتَحِبَّ الاقْتِداءُ به في القَوْلَيْن. وقال الشافعيُّ: السُّنَّةُ قَوْلُ: رَبَّنا لك الحَمْدُ. لأنَّ الواوَ للعَطْفِ، وليس هاهُنا شيء يُعْطَفُ عليه. ولَنا، أنَّ السُّنَّةَ الاقْتِداءُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وقد، صَحَّ عنه ذلك، ولأنَّ إثْباتَ الواوِ أكْثَرُ حُرُوفًا، ويَتَضَمِّنُ الحَمْدَ مُقَدِّرًا ومُظْهَرًا، إذِ التَّقْدِيرُ: رَبَّنا حَمِدْناك ولك الحَمْدُ: فإنَّها لَمَّا كانت للعَطْفِ ولا شئَ هاهُنا تَعْطِفُ عليه، دَلَّتْ على التَّقْدِيرِ الذى ذَكَرْناه (¬1)، كقَوْله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ». أي وبحَمْدِك سُبْحانَك، وكَيْفَما قَال كان حَسَنًا؛ لأَنَّ السُّنَّةَ قد وَرَدَتْ به. 407 - مسألة: (فإن كان مَأمُومًا لم يَزِدْ على: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

إلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ إلَّا عندَ أبي الخَطَّابِ) قال شيخُنا (¬1): لا أعْلَمُ خِلافًا في المَذْهَبِ أنَّه لا يُشْرَعُ للمَأَمُومِ قَوْلُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأيِ. وقال يعقوبُ، ومحمدٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ: يقُولُ ذلك كالإمامِ؛ لحديثِ بُرَيْدَةَ، وقِياسًا على الإمامِ في سائِرِ الأذْكار. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَالَ الْإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (¬2). وهذا يقْتَضِي أن يكُونَ قوْلُهم: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. عَقِيبَ تَسْمِيع الإمامِ بلا فَصْلٍ؛ لِأنَّ الفاءَ للتَّعْقِيبِ، وهذا ظاهرٌ يَجِبُ تَقْدِيمُه على القِياسِ، وعلى حديثِ بُرَيْدَةَ؛ لأنَّه (¬3) خاصٌّ بالمَأمُومِ، وذلك عامٌ ولو تَعارَضا كان حَدِيثُنا أوْلَى؛ لأئَّه صَحِيحٌ، وحديث بُرَيْدَةَ فيه جابِرٌ الجُعْفِيُّ (¬4). فأمّا قولُ: «مِلْءَ السَّماءِ». وما بعدَه، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يُسَنُّ للمَأمُومِ. اخْتارَه الخِرَقِي، ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ وغيرِه، ¬

(¬1) في: المغني 2/ 189. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 489. (¬3) في م: «ولأنه». (¬4) أبو عبد الله جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكُوفيّ، اختلف أهل الحديث فيه، فقالوا: صدوق في الحديث. وقالوا: كذاب، توفى سنة ثمان، وعشرين ومائة. انظر: تهذيب التهذيب 2/ 46 - 51.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ واخْتارَه أكْثَرُ أصحابِه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- اقْتَصَر على أمْرِهم بقَوْلِ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». فدَلَّ على أنَّه لا يُشْرَعُ لهم سِواه. ونَقَل الأثْرَمُ عنه ما يَدُلُّ على أنَّه مَسْنُون، وهو أنَّه قال: ليس يَسْقُطُ خلفَ الإمامِ عنه غيرُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ذِكرٌ مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الأَذْكارِ. فصل: ومَوْضِعُ قولَ: رَبَّنا ولك الحَمْدُ في حَق الإمامَ والمُنْفَرِدِ بعدَ القِيامِ مِن الرُّكُوعِ، لأَنَّه في حالِ رفْعِه (¬1) يقُولُ: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. [فأمّا المَأمُومُ ففي حالِ رَفْعِه؛ لأنَّ قَوْلَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] (¬2). فَقُولُوا (¬3): رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ». يَقْتَضى تعْقِيبَ قَوْلِ الإمامِ قولَ المَأمُومِ، والمَأمُومُ يَأخُذُ في الرفْعِ عَقِيبَ قولِ الإمامِ: سَمِعَ اللهُ لَمَن حَمِدَهُ. فَيَكُونُ قَوْلُه: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. حِينَئذٍ، وَاللهُ أعلمُ. فصل: وإن زاد على قَوْلِ: [رَبَّنا ولك الحَمْدُ] (¬4)، مِلءَ السَّماءِ (¬5)، ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلءَ ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ. فقد اخْتَلَفَ عن أحمدَ فيه؛ فَرُوِيَ عنه، أنَّه قِيلَ له: أتَزِيدُ على هذا، فَتقُولُ: أهلَ الثَّناءِ ¬

(¬1) في م: «قيامه». (¬2) سقط من: م. (¬3) في م: «فقوله قولوا». (¬4) سقط من الأصل. (¬5) في م: «السموات».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والمَجْدِ؟ فقال: قد رُوِيَ ذلك، وأمّا أنا فأقُولُ هذا إلى: ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ، فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ ذلك في الفرِيضَةِ اتِّباعًا لأكْثَرِ الأحادِيثِ الصحِيحَةِ. ونَقَل عنه أبو الحارثِ، أَنَّه قال: وأنا أقُولُ ذلك. يَعْنِي، أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ. فظاهِرُه أنَّه يُسْتَحَبُّ، اخْتارَه أبو حَفصٍ، وهو الصَّحِيحُ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، قال: «اللَّهُمَّ رَبَّنا لَكَ (¬1) الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ (¬2) وَمِلْءَ الْأَرْض، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ [مِنْ شَيْءٍ] (¬3) بَعْدُ، أهْلَ الثناءِ والْمَجْدِ (¬4)، أحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُم لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ قال: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ (2) وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ، أهْلَ الثناءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ، مِنْكَ الْجَدُّ». وروَى عبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى بعدَ قولِه: «وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ ¬

(¬1) في م: «ولك». (¬2) في الأصل: «السماء». (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) في الأصل: «وأهل المجد».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطايَا كَمَا يُنقَّى الثُّوْبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ» (¬1). رَواهُنَّ مسلمٌ (¬2). وقد كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُطِيلُ القِيامَ بينَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، قال أَنَسٌ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قام حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ (¬3). ثم يَسْجُدُ ويَقْعُدُ بينَ السَّجْدَتَيْن حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ. رَواه مسلمٌ (¬4). وليست حالَةَ سُكوتٍ، فنَعْلَمَ (¬5) أَنَّه عليه السَّلامُ كان يَزِيدُ على هذه الكلِماتِ، لكَوْنِها لا تَسْتَغْرِقُ هذا القِيامَ كلَه. ¬

(¬1) في الأصل: «الوسخ». (¬2) في: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 346، 347. وتقدم تخريج حديت أبي سعيد في صفحة 490. كما أخرج حديث ابن أبي أوفى التِّرْمِذِيّ، في: باب دعاء النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب الدعاء. عارضة الأحوذى 13/ 63. والنَّسائيّ، في: باب الاغتسال بالثلج والبرد، وباب الاغتسال بالماء البارد، من كتاب الغسل والتيمم. المجتبى 1/ 163. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 354، 381. (¬3) أوهم: أسقط ما بعده. (¬4) في: باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 344. كما أخرجه أبو داود، في: باب طول القيام من الركوع، وبين السجدتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 196. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 203، 247. (¬5) في تش: «فيعلم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكوعِ، فعَطسَ، فقال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. يَنْوِي بذلك للعَطْسَةِ والرفْعِ، فرُوِيَ عنه: لا يُجْزِئُه. لأنَّه لم يُخْلِصْه للرَّفعِ. قال شيخُنا (¬1): والصَّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه ذِكْرٌ لا تُعْتَبَرُ له النيةُ، وقد أتَى به فأجْزَأه، كما لو قاله ذاهِلًا، ويُحْمَلُ قولُ أحمدَ على الاسْتِحْباب، لا على نَفْيِ الإجْزاءِ حَقِيقَةً. فصل: وإذا أتَى بقَدْرِ الإجْزاءِ من الرُّكُوعِ، فاعْتَرَضَتْه عِلَّةٌ مَنَعَتْه القِيامَ، سَقَط عنه الرَّفْعُ؛ لتَعَذرِه، ويَسْجُدُ عن الرُّكُوعِ. فإن زالَتِ العِلَّةُ قبلَ سُجُودِه، فعليه القِيامُ. وإن زالَتْ بعدَ سُجُودِه إلى الأرضِ، سَقَط القِيامُ؛ لأن السُّجُودَ قد صَحَّ وأجْزَأ، فسَقطَ (¬2) ما قبلَه. فإن قام مِن سُجُودِه عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ فِعْلًا. وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا، لم تَبْطُلْ، ويَعُودُ إلى جَلْسَةِ الفَصْلِ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ. فصل: وإن أراد الرُّكُوعَ، فوَقَعَ إلى الأرضِ، فإنَّه يَقومُ فيَرْكعُ. وكذلك إن رَكَع فسَقَطَ قبلَ [طمَأْنِينَتِه، بَطَل الرُّكُوعُ] (¬3)؛ لأنَّه لم يَأتِ بما يُسْقِطُ الفَرْضَ. فإن رَكَع فاطْمَأنَّ، ثُمْ سَقط، فإنَّه يقُومُ مُنْتَصِبًا، ولا يُعيدُ الرُّكوعَ؛ لأنَّ (¬4) فَرْضَه قد سَقَط، والاعْتدالُ عنه قد سَقَط بقِيامِه. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 191. (¬2) في الأصل: «فأسقط». (¬3) في م: «طمأنينة الركوع». (¬4) في م: «فإن».

408 - مسألة: (ثم يكبر ويخر ساجدا، ولا يرفع يديه)

ثُمَّ يُكَبِّر وَيَخِرُّ سَاجِدًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا رَفَع رَأسَه مِن الركُوعِ، فذَكَرَ أنَّه لم يُسَبِّحْ في ركُوعِه، لم يَعُدْ إلى الرُّكُوعِ، سَواءً ذَكَرَه بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا أو قبلَه؛ لأن التَّسْبِيحَ قد سَقَط برَفْعِه، والركُوعَ (¬1) قد وَقَع صَحِيحًا مُجْزِئًا، فلو عاد إليه، زاد رُكُوعًا في الصلاةِ غيرَ مَشْرُوع، فإن فَعَلَه عَمْدًا، أبْطَلَ الصلاةَ، وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا، لم تَبْطُلِ الصلاةُ، كما لو ظَنَّ أنَّه لم يَرْكَعْ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ. فإن أدْرَكَ المَأمُومُ الإمامَ في هذا الركُوعِ، لم يُدْركِ الركْعَةَ؛ لأنَّه ليس بمَشْرُوعٍ في حَقِّه، ولأنَّه لم يُدْرِكْ رُكوعَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْه راكِعًا. ذَكَرَه شيخُنا (¬2). وقال القاضي في «المُجَردِ»: إن رَجَع الإمامُ، لم تَبْطُلْ صَلاُتَه، فَإن أدْرَكَه المَأمُومُ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُعْتَدُّ بها رَكْعَةً؛ لأنَّه رَجَع إلى واجِبٍ، غيرَ أنَّه سَقَط عنه بالنِّسْيانِ. 408 - مسألة: (ثم يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ ساجِدًا، ولا يَرْفَعُ يَدَيْه) السُّجُودُ واجِبُ في الصلاةِ بالنَّصِّ والإجْماعِ، والطمَأنِينَةُ واجِبَة فيه؛ لقَوْلِ النبيِّ ¬

(¬1) في الأصل: «إلى الركوع». (¬2) في: المغني 2/ 192.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِن سَاجِدًا» (¬1). والخِلافُ فيها كالخِلافِ في طُمَأنِينَةِ الرُّكُوعِ. ويَنْحَط إلى السُّجُودِ مُكَبِّرًا، لِما ذكرْنا من الأخْبارِ، ويكُونُ ابْتِداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتِداءِ انْحِطاطِه، وانْتِهاؤه مع انْتِهائِه. ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يَدَيْه فيه (¬2)، في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ: ونَقَل عنه (¬3) المَيْمُونِيُّ، أنَّه يَرْفَعُ يَدَيْه. وسُئِل عن رَفْع اليَدَيْن في الصلاةِ، فقال: يَرْفَعُ في كل خَفْضٍ ورَفْعٍ. وقال: فيه عن ابنِ عُمَرَ وأبي حُمَيْدٍ أحادِيثُ صِحاحٌ. ووَجْهُ الأوَّلِ حديثُ ابنِ عُمَرَ، قال: وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ. مُتفَق عليه (¬4). ولَمَّا وَصَف أبو حُمَيْدٍ صلاةَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَذْكُرْ رَفْعَ الَيَدَيْن في السُّجُودِ (¬5). والأحادِيثُ العامَّةُ مُفَسَّرَةٌ بالأحادِيثِ المُفَصَّلَةِ التى رَوَيْناها، فلا يَبْقَى فيها اختِلافٌ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 408. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) في م: «عن». (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 418. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 400.

409 - مسألة: (فيضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويكون على أطراف أصابعه)

فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأنْفَهُ، وَيَكُونُ عَلَى أطْرَافِ أصَابِعِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 409 - مسألة: (فيَضَعُ رُكْبَتَيْه، ثم يَدَيْه، ثم جَبْهَتَه وَأَنفَه، ويكونُ على أطْرافِ أصابِعِه) هذا المَشْهُورُ مِن المَذْهَبِ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ (¬1)، -رَضِيَ اللهُ عنه-. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَضَعُ يَدَيْه قَبْل رُكْبَتَيْه. وهو مذهبُ مالكٍ؛ لِما رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ (¬2). وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سَجَد يَضَعُ يَدَيْه قَبلَ رُكْبَتَيْه. رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ (¬3). ووَجْهُ الأولى ما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد وَضَع رُكْبَتَيْه ¬

(¬1) في الأصل: «ابن عمر». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 193. والنَّسائيّ، في: باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 163. كما أخرجه الدَّارميّ، في: باب أول ما يقع من الإنسان على الأرض إذا أراد أن يسجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 303. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 381. (¬3) في م: «رواه أبو داود والنَّسائيّ والدارقطني». ولم نجده في أبي داود والنَّسائيّ، وأخرجه الدارقطني، في: باب ذكر الركوع، السجود وما يجزى فيهما، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 344.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قبلَ يَدَيْه، وإذا نَهَض رَفَع يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ماجه، والترمِذِيُّ (¬1)، وقال: حسنٌ غريبٌ. قال الخَطَابِيُّ: هذا أَصَحُّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ (¬2). وقد روَى الأثْرَمُ حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» (¬3). وعن سعدٍ، قال: كُنَّا نَضَعُ اليَدَيْن قبل الركْبَتَيْن، فأُمْرِنا بوَضْعِ الركْبَتَين ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 193. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 68، 69. والنَّسائيّ، في: باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، وباب رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 163، 186. وابن ماجه، في: باب السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 286.كما أخرجه الدَّارميّ، في: باب أول ما يقع من الإنسان على الأرض إذا أراد أن يسجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 303. (¬2) لفظ الخطابي في معالم السنن 1/ 208 بعد إيراده حديث أبي هريرة السابق: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا. (¬3) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب في الرَّجل إذا انحط إلى السجود أي شيء يقع منه قبل إلى الأرض، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 263. والبيهقي، في: باب من قال: يضع يديه قبل ركبتيه، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 100. قال البيهقي: وقد روى أن ذلك كان ثم نسخ، وصار الأمر إلى ما روينا عن وائل ابن حجر إلَّا أن الإسناد ضعيف. وأخرجه الطحاوي، في: باب ما يبدأ بوضعه في السجود، اليدين أو الركبتين، من كتاب الصلاة. شرح معاني الآثار 1/ 255. وانظر: فتح الباري 2/ 241.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قبلَ اليَدَيْن (¬1). وهذا (¬2) يَدُلُّ على أنَّه مَنْسُوخٌ. رَواه ابنُ خُزَيْمَةَ (¬3)، إلَّا أنَّه مِن رِوايَةِ يَحْيَى بنِ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْل، وقد تَكلمَ فيه البُخارِيُّ، وقال ابنُ مَعِين: ليس بشئٍ، لا يُكْتَبُ حَدِيثُه. وقال الدّارَقُطْنِيُّ (¬4) في حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر: تَفَرَّدَ به شَرِيكٌ، عن عاصِمِ بن كُلَيْب، وشَرِيكٌ ليس بالقَوِيِّ فيما تَفَرّدَ به. ويُسْتَحَبُّ أن يكُونَ على أطْرافِ أصابِعِه، ويَثْنِيَها (¬5) إلى القِبْلَةِ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظمٍ» (¬6). ذَكَر منها أطْرافَ القَدَمَيْن. وروَى البخارِيُّ، أن النبيَّ ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقَّاص، في: باب من قال يضع يديه قبل ركبتيه، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 100. (¬2) في م: «فهذا». (¬3) في: باب ذكر الديل على أن الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين عند السجود منسوخ، من كتاب الصلاة. صحيح ابن خزيمة 1/ 319. (¬4) في: باب ذكر الركوع والسجود وما يجزئُ فيهما من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 345. (¬5) في الأصل: «ويثبتها». (¬6) أخرجه البُخَارِيّ، في باب السجود على سبعة أعظم، وباب السجود على الأنف، وباب لا يكف شعرًا، وباب لا يكف ثوبًا من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 206، 207، ومسلم، في: باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة. من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 354. وأبو داود، في: باب أعضاء السجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 205. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في السجود على سبعة أعضاء، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 73. والنَّسائيّ، في: باب السجود على الأنف، وباب على كم السجود، وباب السجود على اليدين، وباب السجود على الركبتين، وباب النهي عن كف الشعر في السجود، وباب النهي عن كف الثوب في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 164، 165، 170 وابن ماجه، في: باب السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 286. والدارمي، في: باب السجود على سبعة أعظم وكيف العمل في السجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 302. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 221، 222، 225، 270، 279، 280، 285، 286، 292، 305، 324.

410 - مسألة: (والسجود على هذه الأعضاء واجب، إلا الأنف، على إحدى الروايتين)

وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إلَّا الْأَنْفَ عَلَى إحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابضِهما، واسْتَقْبَلَ بأطْرافِ رِجْلَيْه القِبْلَةَ. وفي رِوايَةٍ: وفَتَح أصابعَ رِجْلَيْه (¬1). وهذا مَعْناه. 410 - مَسألة: (والسُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ واجِبٌ، إلَّا الأنفَ، على إحْدَى الروايتين) السُّجُودُ على الأعْضاءِ السَّبْعَةِ واجِبٌ، في قَوْلِ طاوُسٍ، وإسحاقَ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال مالكٌ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 400.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ الآخَرِ: لا يَجِبُ السُّجُودُ على غيرِ الجَبْهَةِ. ورَواه الآمِدِيُّ، عن أحمدَ. وقال القاضي في «الجامِع»: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نصَّ في المَرِيضِ يَرْفَعُ شيئًا يَسْجُدُ عليه، أنَّه يُجْزِئُه. ومَعْلُوم أنَّه قد أخَلَّ بالسُّجُودِ على يَدَيْه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «سَجَدَ وَجْهِي» (¬1). وهذا يَدُل على أنَّ السُّجُودَ على الوَجْهِ، ولأنَّ السَّاجِدَ على الوَجْهِ يُسَمى ساجدًا، ووَضْعَ غيرِه على الأرْضِ لا يُسَمى به ساجِدًا، فالأمْرُ بالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُسَمِّي به ساجِدًا دُونَ غيرِه، ولأنَّه لو وَجَب السُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ، لوَجَبَ كَشْفُها، كالجَبْهَةِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم؛ الْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ». مُتَّفَق ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 534. وأبو داود، في: باب ما يقول إذا سجد، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 327. والتِّرمذى، في: باب ما يقول في سجود القرآن، من أبواب الجمعة، وفي: باب من الدعاء، وباب ما يقول في سجود القرآن. عارضة الأحوذى 3/ 60، 12/ 306، 307، 309، 310. والنَّسائيّ، في: نوع آخر من الدعاء، ونوع آخر منه، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 175، 176. وابن ماجه، في: باب سجود القرآن، من كتاب إقامة الصلاة سنن ابن ماجه 1/ 335. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 95، 102، 6/ 217.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه. وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: قال رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَواه مسلمٌ (¬1). وسُجُودُ الوَجْهِ لا يَنْفِي سُجُودَ ما عَداه، وسُقُوطُ الكَشْفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، [فإنَّا نَمْنَعُ] (¬2) في الجَبْهَةِ على رِوايَةٍ، ولو سُلِّمَ فالجَبْهَةُ هي الأصْلُ في السُّجُودِ، وهي مَكشُوفَةٌ (¬3) عادَةً، بخِلافِ غيرِها، فإن أخَلُّ بالسُّجُودِ على عُضْوٍ مِن هذه الأعْضاءِ، لم تَصِح صَلاُتَه عندَ مَن أوْجَبَه، وإن قَدَر على السُّجُودِ على الجَبْهَةِ، وعَجَز عن السُّجُودِ على بَعْضِ هذه الأعضاء، سَجَد على بَقِيَّتِها، وقَرَّبَ العُضْوَ المَرِيضَ مِن الأرْضِ غايَةَ ما يُمْكِنُه، ولا يَجِبُ عليه أن يَرْفَعَ إليه شيئًا؛ لأَنَّ السُّجُودِ هو الهُبُوطُ، ولا يَحْصُلُ بالرفْعِ، وإن سَقَط السُّجُودُ على (¬4) الجَبْهَةِ؛ لعارِضٍ مِن مَرَض أو غيرِه، سَقَط عنه السُّجُودُ على غيرِه، لأنَّه الأصْلُ، وغيرَه تَبَعٌ له، فإذا سَقَط الأصْلُ سَقَط التبعُ، ولهذا قال أحمدُ في المَرِيضِ يَرْفَعُ إلى جَبْهَتِه شيئًا يَسْجُدُ عليه: أنَّه يُجْزِئُه. ¬

(¬1) في: باب الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض. . . . الخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 356. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 283، 294. (¬2) في الأصل: «فإنما يمنع». (¬3) في الأصل: «تكشف». (¬4) في م: «عن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وفي الأنْفِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجبُ السُّجودُ عليه. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعةِ أعْظُمٍ، عَلَى (¬1) الْجَبْهَةِ». وأشار بيَدِه إلى أنفِه. «وَالْيَدَيْنِ، وَالركْبَتَيْنِ، وأطْرافِ الْقَدَمَيْن». مُتَّفَق عليه (¬2). وإشارَتُه إلى أنْفِه تَدُل على إرادَتِه. وللنَّسائِيِّ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ عَلَى (1) الجَبْهَةِ، وَالأنْفِ، وَالْيَديْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ» (¬3). والرِّوِايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يَجبُ. وهو قولُ عَطاء، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أن أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم». ولم يَذْكُرِ الأنفَ فيها، ورُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: رَأيتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد بأعْلى جَبْهَتِه على قُصاصِ الشَّعَرِ (¬4). رَواه تَمَّامٌ في «فَوائِدِ»، وغيرُه. وإذا سَجَد بأعْلَى الجَبْهَةِ لم يَسْجُدْ على الأنْفِ. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ: إن سَجَد على [أنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهْ] (¬5)، أجْزَأه (1). ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ الجَبْهَةَ والأَنْفَ عُضْو واحِدٌ؛ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 502. (¬3) انظر التخريج السابق. (¬4) قصاص الشعر: حيث تنتهى نِبْتته من مقدمه أو مؤخره والخبر أورده الهيثمى في المجمع 2/ 125، وعزاه لأبي يعلى والطبراني في الأوسط. (¬5) في م: «جبهته دون أنفه».

411 - مسألة: (ولا تجب عليه مباشرة المصلى بشئ منها، إلا الجبهة على إحدى الروايتين)

وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيْء مِنْهَا، إلَّا الْجَبهَةَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لإشارَةِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إليه حينَ ذَكرَ الجَبْهَةَ. والسُّجُودُ على بعضِ العُضْوِ يُجْزِئُ. وهذا قَوْل يُخالِفُ الحديثَ الصَّحِيحَ والعُلَماءَ قبلَه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحدًا سَبَقَه إلى هذا القَوْلِ. واللهُ أعلمُ. 411 - مسألة: (ولا تَجِبُ عليه مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ منها، إلَّا الجَبْهَةَ على إحْدَى الروايَتَيْن) لا تَجِبُ مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَجَد على كَوْرِ العِمامَةِ أو كُمِّه أو ذَيْلِه، فالصلاةُ صَحِيحَة رِوايَةً واحِدَةً. وهل يُكْرَهُ؟ على رِوايَتَيْن. وممَّن رَخَّصَ في السُّجُودِ على الثَّوْب في الحَرِّ والبَرْدِ عَطاءٌ، وطاوسٌ والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وَأصحابُ الرَّأْيِ. وسَجَد شُرَيْحٌ على بُرْنُسِه (¬1). وفيه (¬2) رِوايَة أخْرَى، أنَّه يَجِبُ عليه (¬3) مُباشَرَةُ المُصَلَّى بالجَبْهَةِ. ذكَرَها أبو الخطَّابِ. وروَى الأثْرَمُ، قال: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن السُّجُودِ على كوْرِ العِمامَةِ؟ فقال: لا تَسْجُدْ على كُورِها، ولكنْ تَحْسُرُ (¬4) العِمَامَةَ. وهو مذهبُ الشَّافعيّ؛ لِما روَى خَبّابٌ، قال: شَكوْنا إلى رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَر الرَّمْضاءِ في جِباهِنا وأكُفِّنا، فلم يُشْكنا (¬5). رَواه البَيْهَقِي (¬6)، ورَواه مسلم (¬7). وليس فيه، جِباهُنا وأكُفُّنا. وعن عليٌّ، -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قال: إذا كان أَحَدُكم يُصَلَّى فليَحْسُرِ العِمامَةَ عن جَبْهَتِه. رَواه البَيْهَقِيُّ (¬8). ولأنَّه سَجَد على ¬

(¬1) البرنس: قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه. (¬2) في الأصل: «وفي». (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) في م: «يحصر». (¬5) لم يشكنا: لم يزل يشكوانا. (¬6) في: باب الكشف عن الجبهة في السجود، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 104، 105. (¬7) في: باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحُر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 433. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب أول وقت الظهر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 198. وابن ماجه، في باب وقت صلاة الظهر، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 222. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 108، 110. (¬8) في الموضع السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ما هو حامِلٌ له، أشْبَهَ ما إذا سَجَد (¬1) على يَدَيْه. ولَنا، ما روَى أنسٌ، قال: كُنّا نُصَلى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيَضَعُ أحَدُنا طَرَفَ الثَّوْبِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ في مَكانِ السُّجُودِ. متَّفَق عليه (¬2). وعن ثابِتِ بنِ صامِتٍ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى في بَنِي عَبْدِ (¬3) الأشْهَلِ، وعليه كِساءٌ مُلْتَفٌ به، يَضَعُ يَدَيْه عليه، يَقِيه بَرْدَ الحَصَى. رَواه ابنُ ماجه (¬4). وقال الحسن: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَسْجُدون وأيْدِيهم في ثِيابِهم، ويَسْجُدُ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب السُّجود على الثوب في شدة الحرّ، وباب الصلاة على الفراش، وصلى أنس على فراشه، من كتاب الصلاة، وفي: باب وقت الظهر بعد الزوال، من كتاب المواقيت. صحيح البُخَارِيّ 1/ 107، 108، 143. ومسلم، في: باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 433. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما ذكر من الرخصة في السجود على الثوب في الحر والبرد، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 67. والنَّسائيّ، في: باب السجود على الثياب، من كتاب التطبيق. المجتبى 1/ 171. وابن ماجه، في: باب السجود على الثياب في الحر والبرد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 529. والدارمي، في: باب الرخصة في السجود على الثوب في الحر والبرد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 308. (¬3) سقط من: م. (¬4) في: باب السجود على الثياب في الحر والبرد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 329.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرجلُ على عِمامَتِه. رَواه البَيْهَقِيُّ (¬1). ولأَنَّه عُضْوٌ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ، فجاز السُّجُودُ على حائِلِه، كالقَدَمَيْن. فأمَّا حَدِيثُ خَبّابٍ، فالظّاهِرُ أنَّهم طَلَبُوا منه تَأخِيرَ الصلاةِ، أو تَسْقِيفَ المَسْجِدِ، أو نَحْوَ ذلك، مِمّا يُزِيلُ عنهم الضَّرَرَ الحاصِلَ مِن الحَر، أمَّا الرُّخْصَةُ في السُّجُودِ على العِمامَةِ والأكْمامِ، فالظّاهِرُ أنَّهم لم يَطْلُبُوه؛ لأنَّ ذلك إنَّما طَلَبَه الفُقَرَاءُ، ولم يَكُنْ لهم عَمائِمُ ولا أكمامْ طِوال يَتقُون بها، وإنِ احْتَمَلَ ذلك، لكنَّه لا يَتَعَين؛ لجَوازِ ما ذَكَرْنا، ولذلك لم يَعْمَلُوا به في الأكُفِّ. قال أبو إسحاقَ: المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، أنَّه لا يَجِبُ كَشْفُهُما. وقد قِيلَ فيه قَوْلٌ: إنه يَجِبُ. أمَّا إذا سَجَد على يَدَيْه قائِمًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ السُّجُودَ عليهما يُفْضِي إلى تَداخُلِ أعْضاءِ السُّجُودِ، بخِلافِ مَسْألتِنا. وقال القاضي ¬

(¬1) في: باب من بسط ثوبًا فسجد عليه، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 106.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في «الجامِع»: لم أجِدْ نَصًّا في هذه المسألةِ، ويَجِبُ أن تكُونَ مَبْنِيةً على السُّجُودِ على غيرِ الجَبْهَةِ؛ إن قُلْنا: لا يَجِبُ. جاز، كما لو سَجَد على العِمامَةِ. وإن قُلْنا: يَجبُ. لم يَجُزْ؛ لِيْلا يَتَداخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُه في بعض. والأوْلى مُباشَرَةُ المُصَلِّي بالجَبْهَةِ واليَدَيْنِ، ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ويَأْخُذَ بالعَزِيمَةِ. وذَكَرَ القاضي في كَراهِةِ سَتْرِ اليَدَيْن رِوايَتَيْن. قال أحمدُ، وإسحاق: لا يُعْجِبُنِي إلَّا في الحَر والبَرْدِ. وكان ابنُ عُمَرَ يَكْرهُ السُّجُودَ على كوْرِ العِمامَةِ (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، في: باب الكشف عن الجبهة في السجود، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 105.

412 - مسألة: (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه)

وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكبَيْهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 412 - مسألة: (ويُجافِي عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه، وبَطْنَه عن فَخِذيْه، ويَضَعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، ويُفَرقُ بينَ رُكْبَتَيْه) التجافِي في السُّجُودِ للرجلِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ في حَدِيثِ أبي حُمَيْدٍ (¬1)، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سَجَد جافَى عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه. وفيه: إذا سَجَد فَرَّجَ بينَ فَخذَيْه غيرَ حامِلٍ بَطنه على شيء مِن فَخِذيْه. ولأبى داودَ: ثم سَجَد فأمْكَنَ أنفَه وجَبْهَتَه، ونَحَّى يَدَيْه عن جَنْبَيْه، ووَضَع يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه. وعن مَيْمُونَةَ، قالَتْ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد، لو شاءَتَ بَهْمَةٌ (¬2) أنْ تَمُر بينَ يَدَيْه لمَرَّتْ. رَواه مسلم (¬3). وعنِ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد جافى حتَّى يُرَى بَياضُ إبْطَيْه. رَواه الإمام أحمدُ (¬4). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 400. (¬2) في م: «بهيمة». والبهيمة واحدة البَهْم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث. (¬3) في: باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. 1/ 357.كما أخرجه أبو داود، في: باب صفة السجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 206. والنَّسائيّ، في: باب التجافي في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 168. وابن ماجه، في: باب السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 285. والدارمي، في: باب التجافى في السجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 306. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 221. (¬4) في: المسند 3/ 294، 295.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ راحَتَيْه على الأرْضِ مَبْسُوطَتَيْن مَضْمُومَتَى الأصابع، مُسْتَقْبِلًا بهما القِبْلَةَ، ويَضَعَهما حَذْوَ مَنْكِبَيْه؛ لِما ذَكَرْنا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ ولِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد ضمَّ أصابِعَه. رَواه البَيْهَقِي (¬1). وروَى الأثْرَمُ، قال: [رَأيتُ أَبا عبدِ اللهِ] (¬2) سَجَد ويداه بحِذاءِ (¬3) أُذُنَيْه. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فجَعَلَ كَفَّيْه بحِذاءِ أُذُنَيْه. رَواه الأثْرَمُ، وأبو داودَ (¬4) بمَعْناه. والجَمِيعُ حسنٌ. فصل: والكَمالُ في السُّجُودِ أن يَضَعَ جَمِيعَ بَطْن كَفِّه وأصابِعِه على الأرْضِ، ويَرْفَعَ مِرْفَقَيْه؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ، فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» (¬5). فإنِ اقْتَصَرَ ¬

(¬1) في: باب يضم أصابع يديه في السجود. . . . الخ، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 112. (¬2) في م: «رأيته». (¬3) في م: «حذو». (¬4) في: باب رفع اليدين في الصلاة، وباب افتتاح الصلاة، من كتاب الصلاة. سن أبي داود 1/ 166، 170. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 505 من حديث البراء بن عازب.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على [بَعْضِ باطِنها أجْزَأه. قال أحمدُ: إن وَضَع مِن اليَدَيْن بقَدْرِ الجَبْهَةِ أجْزَأه. وإن جَعَل ظُهُورَ كَفيْه إلى الأرض، أو سَجَد على] (¬1) [أَطْرافِ أصَابع يَدَيْه، فظاهِرُ الخَبَرِ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه قد سَجد على يدَيْه، وهكذا لو سَجَد على ظهُورِ قَدَمَيْه، ولأنّه لا يَخْلُو مِن إصَابَةِ بَعْض] (¬2) أطرافِ قَدَمَيْه الأرْضَ، فيَكونَ ساجِدًا على أطْرافِ القَدَمَيْن، إلَّا أنّه يكُونُ تارِكًا للأفْضَلِ. فصل: وإذا أراد السّجُودَ، فسَقطَ على وَجْهِه، فماسَّتْ جَبْهَته (¬3) الأرْضَ، أجْزَأه ذلك، إلَّا أن يَقْطَعَ نِيَّةَ السجُودِ، [وإن سَقَط على جَنْبه، ثم انْقَلَبَ] (¬4) فماسَّتْ جَبْهَتُه الأرْضَ، لم يُجْزِئْه ذلك، إلَّا أن يَنْوِيَ السُّجودَ. والفَرْقُ بينَ المَسْألتَيْن، أنَّه هاهُنا خَرَج عن سننِ الصلاةِ وهَيّأتِها، ثم كان انْقِلابُه الثاني عائدًا إلى الصلاةِ، فافْتَقَرَ إلى تجْدِيد النيةِ، وفي التى قَبْلَها هو على هَيْئَةِ الصلاةِ وسَنَنِها، فاكتفِيَ باسْتِدامَةِ النية. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) في الأصل: «فسقط على وجهه».

413 - مسألة: (ويقول: سبحان ربى الأعلى. ثلاثا)

وَيَقُولُ: سبحانَ رَبىَ الْأَعْلَى. ثَلاثًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 413 - مسألة: (ويَقُولُ: سُبْحانَ رَبىَ الأعْلَى. ثَلاثًا) الحُكمُ في هذا التَّسْبيحِ كالحُكمِ في تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، على ما شَرَحناه، والأصْلُ فيه حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا نَزَل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (¬1)، قال: «اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ». وروَى ابنُ مسعودٍ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبىَ الأعلَى. ثَلاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ». وعن حُذَيْفَةَ، أنَّه سَمِع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- إذا سَجَد قال: «سُبْحان رَبىَ الأعلَى. ثَلاثَ مَرّاتٍ». رَواهُنَّ ابنُ ¬

(¬1) سورة الأعلى 1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ماجه، وأبو داودَ (¬1)، ولم يَقُلْ: «ثَلاثَ مَراتٍ». والحُكْمُ في عَدَدِه وتَطْوِيلِ السُّجُودِ، كما ذكرنا في الرُّكوعِ. فصل: وإن زاد دُعاءً مأثورًا، أو ذِكْرًا، مِثْلَ ما رُوى عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ في رُكُوعِه، وسُجُودِه: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِر لِي». مُتفقٌ عليه (¬2). وعن أبي سعيدٍ (¬3)، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَا مُعاذُ، إذَا وَضَعْتَ وَجْهَكَ سَاجِدًا، فقُلْ: اللهُمُّ أعِنى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْركَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ» (¬4). وقال ¬

(¬1) حديث عقبة بن عامر وحديث ابن مسعود تقدم تخريجهما في صفحة 481. وحديث حذيفة أخرجه أبو داود، في: باب تفريع أبواب الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 201. وابن ماجه، في: باب التسبيح في الركوع والسجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 287. كما أخرجه مسلم مطولًا، في: باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 537. والتِّرمذيّ، في باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 66، 63. والنَّسائيّ، في: باب الذكر في الركوع، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 149. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 382، 384، 389، 394، 397، 398، 400. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الدعاء في الركوع، وكتاب التسبيح والدعاء في السجود، من كتاب الأذان، وفي: باب حَدَّثني مُحَمَّد بن بشار، من كتاب المغازي، وفي: باب حَدَّثني عثمان بن أبي شيبة، من تفسير سورة النصر، من كتاب التفسير. صحيح البُخَارِيّ 1/ 201، 207، 5/ 189، 6/ 220. ومسلم، في: باب ما يقال في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 350. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الدعاء في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 202. والنَّسائيّ، في: باب نوع آخر من الذكر في الركوع، وباب نوع آخر من الدعاء في السجود، وباب نوع آخر منه، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 149، 173، 174. وابن ماجه، في: باب التسبيح في الركوع والسجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 287. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 35، 43. (¬3) في الأصل: «أبي سويد». (¬4) لم نجده بهذا اللفظ، وسيرد بنحوه في صفحة 576.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليٌّ (¬1)، عليه السَّلامُ: أَحَبُّ الكَلامِ إلى الله أن يقُولَ العَبْدُ وهو ساجِدٌ: رَبِّ إنّى ظَلَمتُ نَفْسِي، فاغْفِر لِي (¬2). رَواهما سعيدٌ في «سُنَنِه». وعن أبي هُرَيْرَة، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقُولُ في سُجُودِه: «اللهُمَّ اغْفِر لِي ذَنْبِي كُلهُ؛ دِقهُ وَجِلَّهُ، وَأوّلَهُ وآخِرَهُ، وسِرهُ وَعَلانِيَتَهُ». رَواه مسلم (¬3). فهو حَسَنٌ؛ لِما ذَكَرنا. وقد قال عليه الصلاةُ والسلامُ: «وَأمَّا السُّجُود فَأكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعاءِ فَقَمِنٌ (¬4) أنْ يُستجابَ لَكمْ» (¬5). حديثٌ صحيحٌ. وقال القاضي: لا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَة على «سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى» في الفَرْضِ، وفي التطوُّعِ رِوايَتان. قال شيخُنا (¬6): وقد ذَكَرنا هذه الأخْبارَ الصَّحيحَةَ، وسُنةُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحَقُّ أن تُتبعَ، والأمْرُ بالتَّسْبِيحِ لا ينفى الأمْرَ بغيرِه، كما أنَّ الأمْرَ بالدُّعاءِ لم يَنْفِ الأُمْرَ بالتسْبِيحَ (¬7). ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) أخرجه عبد الرَّزّاق، في: باب القول في الركوع، السجود، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 155. (¬3) في: باب ما يقال في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 350. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الدعاء في الركوع، السجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 203. (¬4) أي حقيق وجدير. (¬5) أخرجه مسلم، في: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 348، 349. وأبو داود، في: باب في الدعاء في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 202. والنَّسائيّ، في: باب تعظيم الرب في الركوع والسجود، وباب الأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 148، 172. والدارمي، في: باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 304. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 219، وأخرجه عن على رضي الله عنه، في: المسند 1/ 115. (¬6) في: المغني 2/ 204. (¬7) في م: «بغيره».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا بأسَ بتَطْويلِ السُّجُودِ للعُذْرِ؛ لِما رُوى أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج وهو حامِلٌ حَسَنًا أو حُسَيْنًا، في إحدَى صَلاتيِ العِشاءِ فوَضعَه، ثمَّ كَبَّرَ للصلاةِ فصَلَّى، فسَجَدَ بينَ ظَهرَى صَلاِته سَجْدَةً أطالَها، فلَمَّا قَضَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الصلاة، قال النّاسُ: يَا رسول اللهِ، إنَّك سَجَدتَ بينَ ظَهرَى صَلاِتك سَجْدةً أطَلْتَها حتَّى ظَنَنَّا أنَّه قد حَدَث أمْرٌ، أو أنَّه يُوحَى إليك. قال: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِن ابْنِي ارتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أن أُعجِّلَهُ حَتَّى يَقْضيِ حاجَتَهُ». رواه الإمامُ أحمدُ، والنَّسَائِيّ (¬1)، وهذا لَفْظُه. فصل: ولا بَأْسَ أن يضَعَ مرفَقَيْه على رُكبْتيْه إذا طال (¬2) السجُودُ؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: شَكا أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَشَقَّةَ السجُودِ عليهم، فقال: «اسْتَعِينُوا بِالركبِ». قال ابنُ عَجْلانَ: هو أن يَضَعَ مِرْفَقَيْه على رُكْبتيْه إذا طال (2) السُّجُودُ وأعْيىَ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬3). وقال عُمَرُ، رضىَ اللهُ عنه: إنَّ الرُّكَبَ قد سُنَّتْ لكم، فخُذُوا بالرُّكَبِ. رَواه الترمِذِيُّ (¬4)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ¬

(¬1) أخرجه النَّسائيّ، في: باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 182. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 494، 6/ 467. (¬2) في م: «أطال». (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب الرخصة في ذلك، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 207. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 339. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الاعتماد والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 81. (¬4) في: باب ما جاء في وضع اليد على الركبة في الركوع، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 59.

414 - مسألة: (ثم يرفع رأسه مكبرا)

ثُمَّ يَرفَعُ رأسَهُ مُكَبرًا، وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرِشُ رِجْلَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــ 414 - مسألة: (ثمَّ يرفَعُ رأسَه مُكبرًا) يَعْنِي إذا قَضَى [سُجُودَه، رَفَعَ] (¬1) رأسَه مُكبرًا وجَلَس، ويكونُ ابتداء تَكْبِيرِه مع ابتداءِ رفْعِه، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه. وهذا الرفْعُ والاعْتِدالُ عنه واجبٌ. وهو قَوْل الشافعيِّ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: ليس بواجِب. بل يَكْفِي عندَ أبي حنيفةَ أن يَرفَعَ رأسَه مِثْلَ حَدّ السَّيفِ؛ لأنَّ هذه جَلْسَةُ فَصل بينَ مُتَشاكِلَيْن، فلم تَكُنْ واجبَةً، كجَلْسَةِ التشَهّدِ الأوَّلِ (¬2). ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه: «ثُمّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنُّ جالِسًا». متفَقٌ عليه (¬3). ورَوَتْ عائشةُ، قالت: كان، تَعْنِي النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، إذا رَفَع رأسَه مِن السَّجْدَةِ، لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِي قاعِدًا. مُتَفَقٌ عليه (¬4). ولأنَّه رَفعٌ واجبٌ، فكان الاعْتِدالُ عنه واجِبًا، كالرفْع مِن السَّجْدَةِ الأخِيرَةِ، والتَّشَهدُ الأولُ واجِبٌ عندَنا في الصَّحِيحِ. 415 - مسألة، قال: «ويَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرِش (¬5) رِجْلَه ¬

(¬1) في م:. سجود ورفع». (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 408. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 426. ولم يخرجه البُخَارِيّ. (¬5) في الأصل: «يجلس».

الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْها، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِر لِي. ثَلَاثًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ اليُسْرَى (¬1)، ويجْلِس عليها، ويَنْصِبُ اليُمْنَى ويَقُولُ: رَب اغْفِر لِي. ثَلاثًا) السنَةُ أن يَجْلِسَ بينَ السَّجْدَتَيْن مُفْتَرِشًا، يَفْرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى فيَبْسُطُها، ويَجْلِس عليها، ويَنْصِبُ رِجْلَه (¬2) اليُمْنَى ويُخْرِجُها مِن تَحتِه، ويَجْعَلُ بُطونَ أصابعِها على الأرضِ مُعْتَمِدًا عليها؛ لتَكُونَ أطْرافُ أصابِعِها إلى القِبْلَةِ؛ لقَوْلَ أبَى حُمَيْدٍ، في صِفَةِ صلاةِ رسولَ اللَهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثمَّ ثَنَى رِجْلَه اليُسْرَى، وقَعَد عليها، ثمَّ اعْتَدَلَ، حتَّى رَجَعَ كلُّ عَظْم في مَوْضِعِه، ثمَّ هَوَى ساجِدًا (¬3). وفي حديثِ عائشةَ: وكان يَفرِشُ رِجْلَه اليُسرى ويَنْصِبُ اليُمنَى. مُتُّفَقٌ عليه (¬4). قال الأثْرَمُ: تَفَقَّدْتُ أَبا عبدِ الله فرأَيتُه يَفْتَحُ أصابعَ رِجْلِه اليُمْنَى، فيَستقْبِلُ بها القِبْلَةَ. وروَى، بإسْنادِه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَزيدَ، قال: كُنا نُعَلَّمُ إذا جَلَسْنا في الصلاةِ أن يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ مِنّا قَدَمَه اليُسْرَى، ويَنْصِبَ قَدَمَه اليُمنَى على صَدرِ قَدَمِه، ¬

(¬1) في تش: «اليمنى». (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 400. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 426. ولم يخرجه البُخَارِيّ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن كانت إبْهامُ أحَدِنا لتَنْثَنِي، فيُدْخِل يَدَه حتَّى يَعْدِلَها. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: مِن سُنةِ الصلاةِ أن يَنْصِبَ القَدَمَ اليُمْنَى، واستِقْبالُه بأصابِعِها القِبْلَةَ (¬1). فصل: والمُسْتَحَبُّ عندَ أبي عبدِ اللهِ أن يقُولَ: رَبِّ اغْفِر لِي. يُكَررُ ذلك، والواجِبُ منه مرَّةٌ، وأدْنَى الكمالَ ثلاثٌ، كقَوْلِنا في التَّسْبِيحِ. وفي وُجُوبِه رِوايَتان، نَذْكُرُهما فيما يأتِي، إن شاء الله. والأصلُ في هذا ما روَى حُذَيْفةُ، أنَّه صَلَّى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فكان يقُولُ بين السَّجْدَتَيْن: «رَبِّ اغْفر لي، [رَب اغفِر لِي] (¬2)». رَواه النسائِيُّ وابنُ ماجه (¬3). وإن قال: رَبّ اغْفِر لنا. أو: اللَّهُمَّ اغْفِر لنا. فلا بأس. ¬

(¬1) أخرجه النَّسائيّ، في: باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 187. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه النَّسائيّ، في: باب ما يقول في قيامه ذلك، وباب الدعاء بين السجدتين، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 175، 183. وابن ماجه، في باب ما يقول بين السجدتين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 289. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول الرَّجل في ركوعه وسجوده، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 202. والدارمي، في: باب ما يقول بين السجدتين، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 303، 304.

416 - مسألة: (ثم يسجد الثانية كالأولى)

ثُمَّ يَسْجُدُ الثانِيَةَ كالأولَى، ـــــــــــــــــــــــــــــ 416 - مسألة: (ثمَّ يَسْجُدُ الثّانِيَةَ كالأولَى) وهذه السَّجْدَةُ واجِبَةٌ بالإجْماعِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، لم يَخْتَلِفْ عنه (¬1) في ذلك. فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يكُونَ شُرُوعُ المأمُومِ في أفْعالِ الصلاةِ؛ مِن الرفْع والوَضْع، بعدَ فَراغِ الإمام منه، ويُكْرَهُ فِعْلُه معه في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. واستحَبَّ مالك أن تكُوَنَ أفْعالُه مع أفْعالِ الإمامِ. ولَنا، ما روَى البَراءُ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَهُ». لم نَزَلْ قِيامًا حتَّى نَراه قد وَضَعَ جَبْهَتَه بالأرضِ، ثمَّ نَتْبَعُه. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وروَى أبو موسى، قال: خَطَبَنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبَيَّنَ لنا سُنتَّنا، ¬

(¬1) أي أَحَد، أو بالبناء للمجهول. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب متى يسجد من خلف الإمام، وباب السجود على سبعة أعظم، من كتاب الأذان - صحيح البُخَارِيّ 1/ 177، 206. ومسلم، في: باب متابعة الإمام والعمل بعده، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 345. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يؤمر به من المأموم من اتباع الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 145. والتِّرمذيّ، في باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 77، 78. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 300، 304.

417 - مسألة: (ثم يرفع رأسه مكبرا، ويقوم على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه)

ثُمَّ يَرفَعُ رأسَهُ مُكَبرًا، وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ وعَلَّمَنا صَلاتَنا فقال: «إذا صَليْتُمْ فَأقِيمُوا صفُوفَكُمْ، وَليومكُمْ أحَدُكُمْ، فَإذا كَبر فَكَبروا». إلى قَوْلِه: «وَإذا رَكَعَ، فاركَعُوا، فَإنَّ الْإمامَ يركَعُ قَبْلَكُمْ، وَيرفَعُ قَبْلَكُمْ». فقال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنّه قال: «إنما جُعِلَ الإمامُ لُيؤتَم بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فإذا كَبَّرَ فَكبروا، وَإذا رَكَعَ فاركَعُوا». إلى قَوْلِه: «وَإذا سَجَد فاسْجُدُوا». مُتَفَقٌ عليه (¬2). رَتَّبَه عليه بفاءِ التعْقِيبِ، فيَقْتَضِي أن يكُونَ بعدَه، كقَوْلِه: جاء زَيدٌ فعَمْرٌو. أي بَعْدَه. فإن وافَقَ إمامَه في الأفْعالِ، فرَكَعَ وسَجَد معه، أساء، وصحتْ صَلَاتُه. 417 - مسألة: (ثمَّ يَرفعُ رأسَه مُكَبرًا، ويَقُومُ على صُدُورِ قَدمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه) وجُمْلَتُه أنَّه إذا قَضَى السجْدَة الثانِيَةَ نَهَضَ للقِيامِ ¬

(¬1) في: باب التشهد في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 303، 304. كما أخرجه أبو داود، في: باب التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 223. والنَّسائيّ، في: باب مبادرة الإمام، من كتاب الإمامة، وفي: باب قوله: ربنا ولك الحمد، وباب نوع آخر من التشهد، من كتاب التطبيق، وفي: باب نوع آخر من التشهد، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 75، 76، 154، 192، 3/ 36. والدارمي، في: باب القول بعد رفع الرأس من الركوع، وباب صفة صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 300، 301، 315، 316. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 409، 415. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 416.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُكَبرًا، والقِيامُ رُكْنٌ، وفي وُجُوبِ التَّكبِيرِ رِوايَتان، ذَكَرنا وَجْهَهما. ويَنْهَضُ على صُدُورِ قَدَمَيْه، مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه، ولا يَعْتَمِدُ على الأرضِ بيَدَيْه. قال القاضي: لا يَخْتَلِفُ قَوْلُه أنَّه لا يَعْتَمِدُ على الأرضِ، سَواءٌ قُلْنا: يَجْلِسُ للاسْتِراحَةِ أوْ لا. وقال مالكٌ والشافعيُّ: السُّنةُ أن يَعْتَمِدَ على يَدَيْه في النُّهُوضِ؛ لأنَّ مالكَ بنَ الحُوَيْرِثِ قال، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أنَّه لَمّا رَفَع رأسه مِن السَّجْدَةِ الثّانِيَةِ، اسْتَوَى قاعِدًا، ثمَّ اعْتَمَدَ على الأرضِ. رَواه النسائِيُّ (¬1). ولأنَّه أعْوَنُ للمُصَلِّي. ولَنا، ما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد وَضَع رُكْبَتَيْه [قبلَ يَدَيْه، وإذا نَهَض رَفَع يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه. رَواه النَّسائِيُّ (¬2)، والأثْرَمُ. وفي لَفْظٍ: وإذا نَهَض، نَهَض على رُكْبَتَيه] (¬3)، واعْتَمَدَ على ¬

(¬1) في: باب الاعتماد على الأرض عند النهوض، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 186. (¬2) في: باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، وباب رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 163، 186. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في رفع الركبتين قبل اليدين في السجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 69. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَخِذَيْه. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: نَهَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يعْتَمِدَ الرجلُ على يَدَيْه إذا نَهض في الصلاةِ. رَواهما أبو داودَ (¬1). وقال على، رَضِيَ اللهُ عنه: إن مِن السُّنةِ في الصلاةِ المَكْتُوبَةِ، إذا نَهَض الرجلُ في الركْعَتَيْن الأولَيَيْن، أن لا يَعْتمِدَ بيَدَيْه على الأرضِ، إلَّا أن يكُونَ شَيْخًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ. رَواه الأثْرَمُ. ولأنه أشَقُّ فكان أفْضَلَ، كالتَّجافِي. وحديثُ مالكٌ مَحمُولٌ على أنَّه كان مِن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمَشَقَةِ القِيامِ عليه (¬2)؛ لكبَرِه، فإنَّه قال، عليه السلامُ: «إنِّي قَدْ بَدَّنْتُ (¬3)، فَلا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلا بِالسُّجُودِ» (¬4). ¬

(¬1) الأول، في: باب افتتاح الصلاة، والثاني، في: باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 170، 227. (¬2) سقط من: م. (¬3) قيل بالتشديد، أي كبرت. وأما بالتخفيف مع ضم الدال فلا يناسب لكونه من البدانة، بمعنى كثرة اللحم. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب ما يؤمر به المأموم من الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 145. وابن ماجه، في: باب النَّبِيّ أن يسبق الإمام بالركوع والسجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن أبي ماجه 1/ 309 والدارمي، في: باب النهي عن مبادرة الأئمة بالركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 301، 302. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 92، 98.

418 - مسألة: (إلا أن يشق عليه فيعتمد بالأرض)

إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فيَعْتَمِدَ بِالْأَرضِ. وَعَنْهُ، يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى قَدَمَيْهِ وأَليَتَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 418 - مسألة: (إلَّا أن يشقَّ عليه فيَعْتَمدَ بالأرضِ) يَعْنِي إذا شَقَّ عليه النهُوضُ على الصحفَةِ المَذْكُورَةِ، فلا بأسَ باعْتِمادِه على الأرضِ بيَدَيْه. لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في هذا. وقد دَلَّ عليه حَدِيثُ مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، وقولُ عليّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إلَّا أن يكُونَ شَيْخًا كبيرًا. والمَشَقةُ تكونُ لكبرٍ، أو ضَعْفٍ (¬1)، [أو مَرَض] (¬2)، أو سِمَن أو نَحوِه. 419 - مسألة: (وعنه، أنَّه يَجْلِسُ جَلْسَةِ الاستِراحَةِ على قَدَمَيْه وألْيَتَيْه) اخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ في جلْسَةَ الاسْتِراحَةِ، فرُوِيَ عنه، لا يَجْلِسُ. اخْتارَه الخِرَقِيُّ. ورُوِي ذلك عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عُمَرَ، ¬

(¬1) في تش: «صغر». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ وأصحابُ الرأيِ. قال أحمدُ: أكْثَرُ الأحادِيثِ على هذا. قال الترمِذِيُّ: وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمَ. قال أبو الزنادِ: تلك السُّنةُ. والثَّانِيَةُ، أنَّه يَجْلِسُ. اخْتارَها الخَلَّالُ. وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيّ. قال الخَلّالُ: رَجع أبو عبدِ اللهِ عن قَوْلِه بتَركِ الجُلُوس. لِما روَى مالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ، إذا رَفَع رأسَه مِن السُّجُودِ، قبلَ أن يَنْهَضَ. مُتفَق عليه (¬1). وذكره أبو حُمَيْدٍ في صِفةِ صلاةِ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- (¬2)، وهو حديثٌ صحيحٌ، فيَتَعَيَّنُ العَمَلُ به. وقِيلَ: إن كان المُصَلِّي ضَعِيفًا، جَلَس للاسْتِراحَةِ؛ لحاجَتِه، وإن كان قَوِيًّا لم يَجْلِسْ، كما قُلْنا في الاعْتِمادِ بيَدَيْه على الأرضِ. وحُمِل جُلوسُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على أنَّه كان في آخِرِ عُمُرِه، عندَ كِبَرِه. قال شيخُنا (¬3): وفي هذا جَمْعٌ بينَ الأخْبارِ، وتَوَسُّطٌ بينَ ¬

(¬1) الحديث لم نجده في مسلم. وأخرجه البُخَارِيّ، في: باب من صلى بالنَّاس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وسننه، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 172. كما أخرجه أبو داود، في: باب النهوض في الفرض، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 194. والنَّسائيّ، في: باب الاستواء للجلوس عند الرفع بين السجدتين، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 185، 186. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 400. (¬3) في: المغني 2/ 213.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ القَوْلَيْن. فإذا قُلْنا. يَجْلِسُ فإَّنه يَجْلِسُ: مُفْتَرِشًا، كالجُلُوس بينَ السَّجْدَتَيْن، وهو مَذْهَبُ الشافعيَّ؛ لقَوْلِ أبي حُمَيْدٍ في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثمَّ ثَنَى رِجْلَه، وقَعَد عليها (¬1)، واعْتَدَلَ حتَّى رَجَع كلُّ عُضْو في مَوْضِعِه، ثمَّ نهَض. وهذا صَرِيحٌ، لا يَنْبَغِي العُدُولُ عنه. وقال الخَلالُ: روَى عن أحمدَ من لا أُحصِيه كَثرةً، أنَّه يَجْلِسُ على ألْيَتَيْه. قال القاضي: يَجْلِس على قَدَمَيْه وألْيَتَيْه، مُفْضِيًا بهما إلى الأرض؛ لأنه لو جَلَس مُفْتَرِشًا، لم يأمنِ السَهْوَ، فيَشكَّ هل جَلَس عن السَّجْدَةِ الأولَى أو الثانِيَةِ؛ وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: لا يَخْتَلِفُ أصحابُنا، أنَّه لا يُلْصِقُ ألْيَتَيْه بالأرضِ في جَلْسَةِ الاسْتِراحَةِ، بل يَجْلِسُ مُعَلقًا عن الأرضِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكُونَ ابْتداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتداءِ رَفْع رأسِه مِن السُّجُودِ، وانْتِهاؤُه عندَ اعْتِدالِه قائِمًا؛ ليكُونَ مُسْتَوْعِبًا بالتكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكن، وعلى هذا بَقِيَّةُ التكبيراتِ، إلَّا مَن جَلَس جَلْسَةَ الاسْتِراحَةِ، فإنَّه يَنْتَهِي تكبِيرُه عندَ انْتِهاءِ جُلُوسِه، ثمَّ يَنْهَضُ بغيرِ تَكبِير. وقال أبو الخَطّابِ: يَنْهَضُ مُكبرًا. ولا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُفْضِي إلى المُوالاةِ بينَ تَكبِيرتَيْن في رُكْن واحِدٍ، لم يَردِ الشرعُ بجَمْعِهما فيه. ¬

(¬1) سقط من: الأصل، م.

420 - مسألة: (ثم ينهض، ثم يصلى الثانية كذلك، إلا في تكبيرة الإحرام والاستفتاح، وفي الاستعاذة روايتان)

ثُمَّ يَنْهَضُ. ثُمَّ يُصَلى الثانِيَةَ كَذَلِكَ، إلَّا في تَكْبِيرَةِ الْإحرامَ والِاسْتِفتاحِ، وَفِي الِاسْتِعاذَةِ رِوايَتانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 420 - مسألة: (ثمَّ يَنْهَضُ، ثمَّ يُصَلى الثَّانِيَةَ كذلك، إلَّا في تَكْبيرَةِ الإحرام والاسْتِفْتاحِ، وفي الاسْتِعاذَةِ رِوايَتان) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يصنَعُ في الركْعَةِ الثانِيَةِ، كما صَنَع في الأولَى، على ما وَصفْنا؛ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وصَف الركْعَةَ الأولَى للمُسئِ في صلاته، ثمَّ قال: «افْعَلْ ذَلِكَ في صلَاتك كُلها» (¬1). وهذا لا نَعْلم فيه خِلافًا، إلَّا أن الثّانِيَةَ تَنْقُصُ النِّيَّةَ وتَكْبِيرةَ الإحرام والاسْتِفْتاحَ؛ لأن ذلك يُرادُ لافْتِتاحَ الصلاةِ، ولا نَعْلَمُ في تَركِ هذه الأمُورِ الثَلَاثة خِلافًا، فيما عدا الرَّكْعَةَ الأولَى. فأمّا الاستِعاذَة، ففيها روايَتان؛ إحْداهما، تخْتَصُّ الركْعَة الأولَى. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 408.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والحسنِ، والثوْرِي؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا نَهَض مِن الركْعَةِ الثانِيَةِ اسْتَفْتَحَ القِراءَةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، ولم يَسْكُتْ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ يَسْتَعِيذُ. رَواه مسلمٌ (¬1). ولأنَّ الصلاةَ جُمْلَة واحِدَةٌ، فالقِراءَةُ فيها كلها كالقراءةِ الواحِدَةِ، ولذلك اعْتَبرنا الترتِيبَ في القِراءَةِ في الرَّكْعَتَيْن، أشبهَ ما لو سَجَد للتلاوَةِ في أثْناءِ قِراءَتِه (¬2) فمتى أتَى بالاستِعاذَةِ في أوَّلِها كَفَى ذلك، كالاسْتِفْتاحِ. فعلى هذه الرِّوايَةِ، إذا تَرَك الاستِعاذةَ في الأولَى؛ لنِسْيانٍ ¬

(¬1) في: باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام، القراءة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 419. (¬2) في م: «صلاته».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أو غيرِه، أتَى بها في الثانِيَةِ، والاسْتِفْتاحُ بخِلافِ ذلك. نَصَّ عليه؛ لأنّه يُرادُ لافْتِتاحِ الصلاةِ، فإذا نَسِيَه في أوَّلِها، فات مَحَله، والاسْتِعاذَةُ للِقراءَةِ، وهو يَسْتَفْتِحها في الثّانِيةِ. والروايَة الثانيةُ، يَسْتَعِيذُ في كلّ رَكْعَةٍ. وهو قول ابنِ سِيرينَ، والشافعي؛ لقَوْلِه سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (¬1). فيَقْتَضِي ذلك تَكْرِيرَ الاسْتِعاذَةِ عندَ تَكْرِيرِ القِراءَةِ، ولأَنّها مَشْرُوعَة للقراءَةِ فَتتَكَرَّرُ بتَكرِيرِها، كما لو كانت في صَلَاتيْن. فصل: والمَسْبُوقُ إذا أدرَكَ الإمامَ فيما بعدَ الرَّكْعَةِ الأولَى لم يَسْتفتحْ، وأمّا الاسْتِعاذَةُ، فإن قُلْنا: تَخْتَصُّ بالركْعَةِ الأولى. لم يَسْتَعِذْ؛ لأنَّ ما يُدرِكُه المأمُومُ مع الإمامِ آخِرُ صَلاِته، فإذا قام للقَضاءِ اسْتَفْتَحَ واسْتَعاذَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الثَّانية، اسْتَعاذَ، وإذا أَرادَ المأمُومُ القِراءَةَ، اسْتَعاذَ؛ لقوْلِ الله تِعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. ¬

(¬1) سورة النحل 98.

421 - مسألة: (ثم يجلس مفترشا، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، يقبض منها الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة في تشهده مرارا، ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى)

ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى؛ يَقْبِضُ مِنْها الْخِنْصِرَ والْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الإبهامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِالسبابَةِ في تَشَهُّدِهِ مِرارًا، وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُسرى. ـــــــــــــــــــــــــــــ 421 - مسألة: (ثمَّ يجْلِسُ مُفْتَرِشًا، ويَضَعُ يَدَه اليُمْنَى علَى فَخِذِه اليُمْنَى، يَقْبضُ منها الخِنْصِرَ والبِنْصِرَ، ويُحَلقُ الإبهامَ مع الوُسْطَى، ويُشِير بالسبابَةِ في تَشَهُدِه مِرارًا، ويَبْسُطُ اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى) متى فَرَغ مِن الركْعَتَيْن، جَلَس للتشَهُّدِ، وهذا الجُلوسُ والتَّشهُّدُ فيه مشرُوعان بغيرِ خِلافٍ، نَقَلَه الخلفُ عن السّلَفِ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نقْلًا مُتَواتِرًا، فإن كانتِ الصلاةُ أكثر مِن رَكْعَتَيْن فهما واجِبان فيها، على إحْدَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرِّوايَتَيْن. وسيأتي ذِكْرُه، إن شاء اللهُ تعالى. وصِفَةُ الجُلُوس لهذا التشهدِ كصِفَةِ الجُلُوسِ بينَ السجْدَتَيْن مُفْتَرشًا، كما وَصفْنا. وسَواءٌ كان آخِرَ صَلاِته أو لم يَكُنْ. وبهذا قال الثوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأيِ. وقال مالكٌ: يكُونُ متُوَركًا على كل حالٍ، لِما روَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ في وَسَطِ الصلاةِ وفي آخِرِها متوركًا (¬1). وقال الشافعيُّ، إن كان مُتَوَسطًا، كقَوْلنا، وإن كان آخِرَ صَلاِته، كقَوْلِ مالكٍ. ولَنا، حديثُ أبي حُمَيْدٍ (¬2)، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَلَس، يَعْنِي للتشَهُّدِ، فافترَشَ (¬3) رِجْلَه اليُسرى، وأقْبَلَ بصَدرِ اليُمْنَى على قِبْلَتِه. وفي لَفْظٍ: فإذا جَلَس في الركْعَتَيْن، جَلَس على اليُسرى ونَصَب الأخْرَى. ¬

(¬1) أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 459. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 400. (¬3) في تش: «ففرش».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حديثٌ صحيحٌ. وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ مسعودٍ؛ فإنَّ أَبا حُمَيْدٍ ذَكَر حَدِيثَه في عَشَرَةٍ مِن الصَّحابَةِ فصَدّقُوه، وهو مُتَأخر عن ابنِ مسعودٍ، وإنما يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ، ولأنَّ أَبا حُمَيْدٍ قد بَينَ في حديثه الفَرقَ بينَ التَّشَهُّدَيْن، والأخْذُ بالزيادَةِ واجِبٌ. ويُسْتَحَب أن يَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى، ويَبْسُطَ اليُسْرَى على الفَخِذِ اليسْرَى، مَضْمُومَةَ الأصابعِ، مُستقْبلًا بأطْرافِ أصابِعِها القِبْلَةَ كما ذَكَرنا؛ لِما روَى وائلُ بنُ حُجْر، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع مِرفَقَه الأيمَنَ على فَخِذِه اليُمْنَى، ثمَّ عَقَد مِن أصابِعِه الخِنْصِرَ والتي تَلِيها، وحَلَّقَ حَلْقَة بإصبِعِه الوُسْطى على الإبهامِ، ورَفَع السبابَةَ يُشيرُ بها (¬1). قال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: ورُوي عن أبي عبدِ الله، أنَّه يَجْمَعُ أصابِعَه الثلاثَ، ويَعْقِدُ الإبهامَ كعَقْدِ الخَمْسِين؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَه اليُمْنَى على رُكْبَتِه اليُمْنَى، وعَقَد ثَلَاثًا ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب رفع اليدين للصلاة، وباب كيف الجلوس في التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 167، 219. التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء كيف الجلوس في التشهد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 21/ 78. والنَّسائيّ، في: باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، من كتاب افتتاح الصلاة، وفي: باب موضع الذراعين، وباب موضع المرفقين، وباب قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى. . . . إلخ، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 97، 98، 3/ 30، 31، 32. وابن ماجه، في: باب الإشارة في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 295. والدارمي، في، باب صفة صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 314، 315. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 316، 317، 318.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وخَمسِين، وأشارَ بالسبابَةِ. رَواه مسلمٌ (¬1). وفي حديثِ وائِلِ بنِ حُجْرٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَه [اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى] (¬2). ويشيرُ بالسبابَةِ عندَ ذِكْرِ اللَهِ تعالى ولا يُحَركُها؛ لِما روَى ابنُ الزُّبير، أنَّ النبيَّ ¬

(¬1) في: باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 408. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ بنحوه، في: باب ما جاء في الإشارة في التشهد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 87. والنَّسائيّ، في: باب في بسط اليسرى على الركبة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 32. وابن ماجه، في: باب الإشارة في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 295. (¬2) في تش: «اليمنى على فخذه اليمنى».

422 - مسألة: (ثم يتشهد فيقول: التحيات لله، والصلوات

ثُمَّ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: التَّحِياتُ لِلهِ والصَلَواتُ والطيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النّبيُّ وَرَحمَةُ اللَهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ، أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ بإصبَعِه ولا يُحَرِّكُها. رَواه أبو داودَ (¬1). وفي لَفْظٍ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قَعَد يَدعُو، وَضَع يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، ويَدَه اليُسرى على فَخِذِه اليُسْرَى، وأشارَ بإصبَعِه (¬2). وعنه، أنَّه يَبْسُطُ الخِنْصِرَ والبنْصِرَ [كذلك. والأولُ] (¬3) أوْلَى؛ لِما ذَكرنا مِن الأحادِيثِ. وتكُونُ إشارَتُه بالسبابَةِ عندَ ذِكْر اللهِ تعالى. 422 - مسألة: (ثمَّ يَتَشَهَّدُ فيَقُولُ: التَّحِياتُ للهِ، والصَلَواتُ ¬

(¬1) في: باب الإشارة في التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 227. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفيه وضع اليدين على الفخذين، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 408. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 3. (¬3) في م: «لذلك فالأول».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والطيباتُ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَةُ الله وِبَرَكاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالِحِين، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورَسُولُه) هذا التشهُّدُ هو المُختارُ عندَ إمامِنا، رَحِمَه اللهَ، وعليه أكثَرُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن بَعْدَهم مِن التابِعِين. [حَكاه الترمِذِي] (¬1). منهم الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ، وكثِيرٌ مِن أهلِ المَشْرِقِ. وقال مالكٌ: أفْضَلُ التَّشَهُّدِ تَشَهُّدُ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه: التحِيّاتُ للهِ، الزّاكِياتُ للهِ، [الصلَواتُ الطيباتُ لله] (¬2)، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه (¬3). وسائِرُه كتَشَهُّدِ ابنِ مسعودٍ؛ لأنَّ عُمَرَ قاله على المِنْبَرِ بمَحضَر مِن الصحابَةِ وغيرِهم، فلم يُنْكَر، فكان إجْماعًا. وقال الشافعيُّ: أفْضَلُه ما روَى [ابنُ عباس] (¬4)، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعلّمُنا التشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِن القُرآنِ، فكان يقُولُ: «التحِيّاتُ الْمُبارَكاتُ، الصَّلَواتُ الطيباتُ لِلهِ، السَّلامُ عَليْكَ أيُّها النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ الله الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». ¬

(¬1) سقط من: م. وانظر عارضة الأحوذى 2/ 84. (¬2) هكذا في الأصل وعند البيهقي. وفي الموطأ: «الطيبات الصلوات لله». وفي لفظ البيهقي: «الطيبات لله، الصلوات لله». وفي م: «الصلوات لله، الطيبات لله». (¬3) أخرجه الإمام مالك، في: باب التشهد في الصلاة، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 90. والبيهقي، في: باب من قدم كلمتى الشهادة على كلمتى التسليم، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 144. (¬4) في م: «عن ابن عباس».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه مسلمٌ (¬1). وفي لَفْظٍ: «سَلامْ عَلَيْك»، «سَلام علَيْنا». رَواه الترمِذِي (¬2)، وفيه: «وَأشْهَدُ أن مُحَمدًا رَسولُ الله». ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: عَلمَنِي رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- التشَهدَ، كَفِّي بينَ كَفَّيْه، كما يُعَلمُنِي السُّورَةَ مِن القُرآنِ: «التحِياتُ لِلهِ، والصلَوات والطَّيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ الله الصّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». وفي لَفْظٍ: «فَإذا صَلَّى أحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: التَّحِياتُ لِله». وفيه (¬3): «فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلهِ صالحٍ في السماءِ والأرضِ». وفيه: «فَلْيَتَخَيَّر مِنَ الْمَسْألَةِ ما شاءَ». مُتفَق عليه (¬4) ¬

(¬1) في: باب التشهد في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 302، 303. كما أخرجه أبو داود، في: باب التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 224. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في التشهد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 85. والنَّسائيّ، في: باب نوع آخر من التشهد، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 193. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 291. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 292. (¬2) انظر: التخريج السابق. (¬3) سقط من: م. (¬4) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التشهد في الآخرة، وباب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب، من كتاب الأذان، وفي: باب من سمى قومًا أو سلم في الصلاة على غير مواجهة وهو لا يعلم، من كتاب العمل في الصلاة»، في باب السلام اسم من أسماء الله تعالى، وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، من كتاب الاستئذان، وفي: باب الأخذ باليدين، من كتاب الدعوات، وفي باب قوله تعالى: {السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ}، من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 211، 212، 2/ 79، 8/ 63، 64، 73، 9/ 142. ومسلم، في: باب التشهد في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 301، 302. كما أخرجه أبو داود، في: باب التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 221، 222. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في التشهد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 83، 84. والنَّسائيّ، في: باب كيف التشهد الأول، باب نوع آخر من التشهد، من كتاب التطبيق، وفي: باب إيجاب التشهد، وباب كيف التشهد، وباب تخيير الدعاء بعد الصلاة =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال الترمِذِيُّ (¬1): حديثُ ابنِ مسعودٍ قد رُوِي مِن غيرِ وَجْهٍ، وهو أصَحُّ حَدِيثٍ رُوىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في التشَهُّدِ، وعليه أكْثَرُ أهلِ العلمِ. فكان الأخْذُ به أوْلَى. وقد رواه غيرُ (¬2) ابن مسعودٍ، ابنُ عُمَرَ (¬3)، وجابِرٌ، وأبو هُرَيرةَ، وعائشة. فأمّا حديثُ عُمَرَ، فإنَّما هو مِن قَوْلِه، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ مِن الصَحابَةِ وغيرِهم على خِلافِه، فكيف يكُون إجْماعًا. على أنَّ الخِلافَ هاهُنا ليس في الإجزاِءِ، إنما الخِلافُ في الأفْضَلِ والأحسَنِ، وتَشَهُّدُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الذي عَلْمَه أصحابَه أوْلَى وأحسَنُ. وحَدِيثُ ابنِ عباس تَفَرُّدَ به، واخْتَلَفَ عنه (¬4) في بَعضِ ألْفاظِه، وحديثُ ابن مسعود أَصَحُّ وأكْثَرُ رُواةً، فكان أوْلَى. فصل: وبأيِّ تشَهُّدٍ تَشَهَّدَ به مِما صَح عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، جاز. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا عَلَّمَه الصَّحابَةَ مُخْتَلِفًا، دَلَّ على جَوازِ الجَمِيع، كالقِراءاتِ المُخْتلِفَةِ التي اشْتَمَلَ عليها المصحَفُ. قال القاضي: وهذا يَدُلُّ على أنَّه إذا أسْقَطَ لَفْظَة، هي ساقِطَةٌ في بَعض التشَهُّداتِ المَرويَّةِ، صَح تَشهدُه، فعلى هذا، أقَل ما يُجْزِئُ مِن التشَهدِ: ¬

= على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 189، 193، 3/ 34، 35، 43. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة، وفي: باب خطبة النكاح، سنن كتاب النكاح. سنن ابن ماجه 1/ 290، 609 - والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 376، 382، 413، 414، 422، 423، 428، 431، 437، 439، 440، 450، 459، 464. (¬1) عارضة الأحوذى 2/ 84. (¬2) في م: «عن». (¬3) في م: «وابن عمر». (¬4) أي النقل.

423 - مسألة؛ قال: (هذا التشهد الأول)

هَذا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّحِيَّاتُ للهِ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَة اللهِ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالِحِين، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا إلله، [وأشْهدُ أن] (¬1) محمدًا عَبْدُه وَرسُولُه، أو: أن محمدًا رسولُ اللهِ. قُلْتُ (¬2): وفي هذا القَوْلِ نَظرٌ؛ فإنَّه (¬3) يَجُوزُ أن يُجْزِئُ بَعْضُها عن بعض على سبِيلِ البَدَلِ، كقَوْلِنا في القِراءاتِ، ولا يَجُوزُ أن يُسْقِطَ ما في بَعْض الأحادِيثِ، إلَّا أن يأتِيَ بما في غيرِه مِن الأحاديثِ. ورُوِيَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ أبي داودَ: إذا قال: «وأن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». ولم يَذْكُر «أشْهَدُ»، أرجُو أن يُجْزِئُهُ. وقال ابنُ حامِدٍ: رأيتُ بَعْضَ أصحابِنا يقُولُ: لو تَرَك واوًا أو حَرفًا، أعادَ الصلاةَ قال شيخُنا (¬4): والأوَّلُ أصحُّ؛ لِما ذَكَرنا. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ. 423 - مسألة؛ قال: (هذا التَّشهُّدُ الأوَّلُ) فلا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَة على ما ذَكَرنا، ولا تَطْوِيلُه. وهو قولُ النّخَعِي والثَّوْرِي وإسحاقَ. وقال ¬

(¬1) في تش: «وأن». (¬2) في م: «فصل». (¬3) في تش: «في أنَّه». (¬4) في: المغني 2/ 223.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّافعيُّ: لا بأسَ أن يُصلّىَ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيه. وعن عُمَرَ (¬1): بِسْمِ الله خيْرِ الأسماء (¬2). وقال ابنُ عُمَرَ: زِدتُ فيه: وَحدَه لا شَرِيكَ له. وقد روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يعَلمُنا التشَهد كما يُعَلمُنا السُّورَةَ مِن القُرْآن: «بِسْمِ الله وَباللهِ، التحِياتُ لِلهِ». وباقِيه كتَشَهُّدِ ابنِ مسعود، وبعدَه: «أسْأَل اللهَ الْجَنةَ، وَأعُوذُ بِالله مِنَ النَّار». رَواه النَّسائِيُّ، وابنُ ماجه (¬3). وسَمع ابنُ عباس رجلًا يقُولُ: بسمِ اللهِ. فانتهَرَه (¬4). وهو قَوْلُ مالك، وأهلِ المَدِينَةِ، وابنِ المُنْذِر، والشافعي. وهو الصَّحِيحُ؛ لِما رُوِي، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ في الركْعَتَيْن الأولَيَيْن، كأَنَّه على الرَّضْفِ حتَّى يَقُومَ. رَواه أبو داودَ (¬5). ¬

(¬1) في م: «ابن عمر». (¬2) أخرجه البيهقي، في: باب من قدم كلمتى الشهادة على كلمتى التسليم، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 143. (¬3) أخرجه النَّسائيّ، في: باب نوع آخر من التشهد، من كتابي التطبيق والسهو. المجتبى 2/ 194، 3/ 37. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 292. (¬4) أخرجه البيهقي، في: باب من استحب أو أباح التسمية قبل التحية، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 143. وعبد الرَّزّاق، في: باب ما يقعد للتشهد، من أبواب القراءة. المصنف 2/ 198. (¬5) في: باب تخفيف القعود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 228. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في مقداد القعود في الركعتين الأوليين، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 160، 161. والنَّسائيّ، في: باب التَّخفيف في التشهد الأول، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 194. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 386، 410، 428، 436، 460.

424 - مسألة: (ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد،

ثُمَّ يَقُولُ: اللهُم صَلِّ عَلَى مُحمدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَدٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ والرَّضْفُ: الحِجارَةُ المُحماةُ. يَعْنِي لِما يُخَففُه. ولأنَّ الصحِيحَ في التشهداتِ (¬1) ليس فيه التسميِةُ ولا شيء من هذه الزياداتِ، فيَقتَصِر عليها، ولم تَصِح التسْمِيَةُ عندَ أصحابِ الحديثِ، ولا غيرها مِما وَقَع الخِلافُ فيه، وإن فَعَلَه، جاز؛ لأنَّه ذِكْرٌ. فصل: وإذا أدْرَكَ بعضَ الصلاةِ مع الإمامِ، فجَلَسَ الإمامُ في آخِر صَلاِته، ولم يزدِ المأمُومُ على التّشَهدِ الأولِ، بل يكَرِّرُه. نَصَّ عليه أحمدُ في مَن أدرَكَ مع الإمام رَكْعَتَيْن، قال: يُكَرِّرُ التشهُدَ الأوَّلَ (¬2)، ولا يُصَلِّي على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا يَدعو بشئٍ مما يُدْعَى (¬3) به في التشهُّدِ الأخِيرِ؛ لأنَّ ذلك إنما يكُونُ في التَّشَهدِ الذي يُسَلّمُ عَلِيَه، وليس هذا كذلك. 424 - مسألة: (ثمَّ يقُولُ: اللهُم صَل على مُحَمَّد وعلى آلِ محمدٍ، ¬

(¬1) في الأصل: «التشهد أن». (¬2) زيادة من: تش. (¬3) في م: «دعا».

كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيد مَجِيدٌ، وَبارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَما بارَكْتَ عَلَى آلِ إبراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَإنْ شاءَ قَالَ: كَما صَلَيْتَ عَلَى إبْراهِيمَ وَآلِ إبْراهِيمَ، و: كَما بارَكْتَ عَلَى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ كما صَلُّيْتَ على آلِ (¬1) إبراهيمَ، إنّك حَمِيد مَجِيدٌ، وبارِكْ على مُحَمَّد وعلى آل محمدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وإن شاء قال: كما صَليْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ. و: كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ) يَعْنِي إذا جَلَس في آخِرِ صَلاِته، تَشَهدَ بالتَّشَهُّدِ الأولِ (1) الذي ذَكرناه. ثمَّ يُصَلى على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما ذَكَرنا. وفي وجوبِ الصلاةِ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِوايَتان؛ أصَحُّهما وُجُوبُها. وهو قول الشَّافعيّ وإسحاقَ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثانيةُ، أنَّها سُنَّةٌ. قال المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إن (¬1) ابنَ راهُويَه يقُولُ: لو أنَّ رجلًا تَرَك الصلاةَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- في التَّشَهُّد, بَطَلَتْ صَلَاتُه. فقال: ما أجْتَرِئُ أن أقُولَ هذا. وقال في مَوْضِعٍ: هذا شُذُوذٌ. وهو قَوْلُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هو قولُ جُمُلِ (¬2) أهلِ العلم إلَّا الشافعيَّ. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، قال: لأنِّي لا أجِدُ دَلِيلًا بوُجُوب (¬3) الإِعادَة على مَن تَرَكَها. واحْتَجُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، ثم قال: «إذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاُتكَ». وفي لَفْظٍ: «فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقُومَ فَقُمْ». رَواه أبو داودَ (¬4). وقال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «جل». وجمل، كصُحُف: الجماعة مِنًّا. (¬3) في م: «يوجب». (¬4) في: باب التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 221، 222. وتقدم الحديث في صفحة 538.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذِ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ». رَواه مسلمٌ (¬1). أمَرَ بالاسْتِعاذَةِ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ مِن غيرِ فَصْلٍ. ولأن الوُجُوبَ مِن الشَّرعِ، ولم يَرِدْ به. ولنا، ما روَى كَعْبُ بن عُجْرَةَ. قال: إنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج علينا, فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، قد عَلِمْنا كيف نُسَلِّمُ عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؛ قال: «قُولُوا: اللَّهُم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعن فَضالَةَ ¬

(¬1) في: باب ما يستعاذ منه في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 412. كما أخرجه النَّسائيّ، في. باب نوع آخر من التعوذ في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 49. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 477. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، من كتاب الأنبياء، وفي: باب قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}، من كتاب التفسير (سورة الأحزاب)، وفي: باب الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب الدعوات. صحيح البُخَارِيّ 4/ 178، 6/ 151، 8/ 95. ومسلم، في: باب الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بعد التشهد، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 305. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بعد التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 224. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في صفة الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب الوتر، وفي: باب من سورة الأحزاب، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذي 2/ 368، 12/ 95. والنَّسائيّ، في، باب نوع آخر من كيفية الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 40. وابن ماجه، في باب الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 293. والدارمي، في: باب الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 309. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 341، 243، 344.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ عُبَيْدٍ، قال: سَمِع رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رجلًا يَدْعُو في صَلاِته لم يَحْمَدِ (¬1) اللهَ، ولم يُصَلِّ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «عَجِلَ هَذَا». ثم دَعاه، فقال له [أو لغيرِه] (¬2) «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بتَحْمِيدِ (¬3) رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثمَّ يَدْعُو بَعْدُ (¬4) بِمَا شَاءَ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (¬5). وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن ابنِ مسعودٍ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قال: «إذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْت عَلَى إبْراهِيمَ وَعَلَى آلَ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». رَواه البَيْهَقِيُّ (¬6). فأمّا حديثُ ابنِ مسعودٍ، فقال الدّارَقُطْنِيُّ (¬7): الزِّيادَةُ فيه مِن كلامِ ابنِ مسعودٍ. ¬

(¬1) في م: «يمجد». (¬2) سقط من: م. (¬3) في م: «بتمجيد». (¬4) سقط من: م. (¬5) أخرجه أبو داود، في: باب الدعاء، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 341. والتِّرمذيّ، في: باب جامع الدعوات عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب الدعاء. عارضة الأحوذى 13/ 21. والنَّسائيّ، في: باب التمجيد، الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبي 3/ 38. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 18. (¬6) في: باب وجوب الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 379. (¬7) انظر: باب صفة التشهد، ووجوبه واختلاف الروايات فيه، من كتاب الصلاة. سنن الداقطني 1/ 353.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وصِفَة الصلاةِ كما ذَكَرْنا؛ لحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، وقد رَواه النَّسائِيُّ كذلك، وفيه: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ». [و: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ». وفي رِوايةٍ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». و: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ] (¬1)، إنكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». قال التِّرمِذِيُّ (¬2): هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي حديثِ أبي حُمَيْدٍ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». مُتَّفَقٌ عليه (¬3). واللَّفْظُ لمسلمٍ. والأوْلَى الإِتْيانُ بالصلاةِ كما في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ المُتَّفَقِ عليه، فإنَّه أَصَحُّ شئٍ رُوِيَ فيها، وعلى أيّ صِفَةٍ أتَى بالصلاةِ عليه مِمّا وَرَد (¬4) في الأخْبارِ، جاز، كقَوْلِنا في التشَهُّدِ، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) انظر: عارضة الأحوذى 2/ 269. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، من كتاب الأنبياء. صحيح البُخَارِيّ 4/ 178. ومسلم, في: باب الصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بعد التشهد، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 306. (¬4) في م: «روى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وظاهِرُه أنَّه إذا أخَلَّ بلَفْظٍ ساقِطٍ في بعضِ الأخْبارِ، جاز؛ لأنَّه لو كان واجِبًا لَما أغْفَلَه النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. قال القاضي: ظاهِرُ كلام أحمدَ، أنَّ الصلاةَ واجِبَةٌ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَسْبُ؛ لأنَّ أَبا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ حَكَى عن أحمدَ، أنَّه قال: كُنْتُ أتَهَيَّبُ ذلك، يَعْنِي القَوْلَ بوُجُوبِ الصلاةِ، ثم تَبَيَّنْتُ، فإذا الصلاةُ واجِبَةٌ. فذَكَرَ الصلاةَ حَسْبُ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، ولهم (¬1) في وُجُوبِ الصلاةِ على آلِه وَجْهان. وقال بعضُ أصحابِنا: تَجِبُ الصلاةُ على ما في خَبَرِ كَعْبٍ؛ لأنَّه أمَرَ به، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ. وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِ قَوْلِهم، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنَّما أمَرَهم بهذا حينَ سَألُوه، ولم يَبْتَدِئهم به. ¬

(¬1) أي الشافعية. انظر المجموع شرح المهذب 3/ 465.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: آلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتْباعُه على دِينِه, كما قال تعالى: {آلُ فِرْعَوْنَ} (¬1). يَعْنِي أتْباعَه مِن اُهلِ دِينهِ. وقد جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه سُئِل: مَن آلُ محمدٍ؛ قال: «كُلُّ تَقِيٍّ». أخْرَجَه تَمامٌ في «فَوائِدِه» (¬2). وقِيل: آلُه أهْلُه، الهاءُ مُنْقَلِبَةٌ عن الهَمْزَةِ, كما يُقالُ: أرَقْتُ الماءَ وهَرَقْتُه. فلو قال: على أهْلِ محمدٍ. مَكانَ: آلِ محمدٍ (¬3) أجْزَأهْ عندَ القاضي، وقال: مَعْناهما واحِدٌ، ولذلك لو صُغِّرَ، قِيل: أُهَيْلٌ. قال: ومَعْناهما جَمِيعًا: أهلُ دينهِ. وقال ابنُ حامِدٍ وأبو حَفْصٍ: لا يُجْزِئُ؛ لِما فيه مِن مُخالَفَةِ الأثَرِ، وتَغْيِيرِ المَعْنَى؛ فإنَّ الأهْلَ يُعَبَّرُ به عن القَرابَةِ، والآل عن الأتْباعِ في الدِّينِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سورة القصص 8. (¬2) عزاه السيوطيّ في الجامع الصغير إلى الطَّبْرَانِيّ في الأوسط، ورمز لضعفه بلفظ: «آل مُحَمَّد كل تقى». الجامع الصغير 4. (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: في تَفْسِيرِ التَّحِيّاتِ: التَّحِيَّة العَظَمَةُ. قاله ابنُ عباسٍ. والصَّلَواتُ: الصلواتُ الخَمْسُ. والطَّيِّباتُ: الأعْمالُ الصَّالِحَةُ. وقال أبو عَمْرٍو: التَّحِيّاتُ المُلْكُ. وأنْشَدُوا (¬1): ولَكُلُّ ما نال الفَتَى … قد نِلْتُه إلَّا التَّحِيَّهْ وقِيل: التَّحِيّاتُ البَقاءُ. وقال ابنُ الأنْبارِيُّ: التَّحِيّاتُ السَّلامُ، والصَّلَواتُ الرَّحْمَةُ، والطَّيِّباتُ مِن الكَلامِ. فصل: والسُّنَّةُ إخْفاءُ التَّشَهُّدِ، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. قال عبدُ اللهِ ابنُ مسعودٍ: مِن السُّنَّةِ إخْفاءُ التَّشَهُّدِ. رَواه أبو داودَ (¬2). ولأنَّه ذِكْرٌ غيرُ القِراءَةِ لا يَنْتَقِلُ به مِن رُكْنٍ إلى ركنٍ، فاسْتُحِبَّ إخْفاؤُه كالتَّسْبِيحَ. ¬

(¬1) البيت لزهير بن جناب الكلبى، والتحية: الملك. وقال ابن الأنباري والشريف المرتضى: هي البقاء. انظر: اللسان مادة (ح ى ى). وأمالى المرتضى 1/ 242. (¬2) في: باب إخفاء التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 226.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن قَدَر على التَّشَهُّدِ بالعَرَبِيَّةِ والصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجُزْ بغيرِها، كالتَّكْبِيرِ. فإن عَجَز عن العَرَبِيَّةِ تَشَهَّدَ بلِسانِه، كقَوْلِنا في التَّكْبِيرِ، ويَجِيءُ على قَوْلِ القاضي، أن لا تشَهَّدَ، وحُكمُه حُكْمُ الأخْرَسِ. فإن قَدَر على تَعَلُّمِ التشَهُّدِ والصلاةِ لَزِمَه ذلك، كالقِراءَةِ. فإن صَلَّى قبلَ تَعَلُّمِه مع إمْكانِه، لم تَصِحَّ. فإن خاف فَواتَ الوَقْتِ، أو عَجَز عن تَعلُّمِه، أتَى بما يُمْكِنُه منه، وأجْزَأه للضَّرورَةِ. وإن لم يُحْسِنْ شيئًا منه، سَقَط.

425 - مسألة: (ويستحب أن يتعوذ، فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذُ فَيَقُولَ: أعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: السُّنَّةُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ وتَقْدِيمُه على الصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإن نَكَّسَه مِن غير تَغْيِيرِ شئٍ مِن مَعانِيه، ولا إخْلالٍ بشئٍ مِن الواجِبِ فيه، فعلى وَجْهين؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه. ذَكَرَه القاضي. وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، وقد حَصَل، أشْبَهَ ما لو رَتَّبَه. والثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أخَلَّ بالتَّرتِيبِ في ذِكْرٍ وَرَد الشَّرْعُ به، فلم يَصِحُّ، كالأذانِ (¬1). 425 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَوَّذَ، فيَقُولَ: أعُوذُ باللهِ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، ومِن فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِن فِتْنَةِ المَسِيحِ الدّجّالِ) لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَدْعُو: ¬

(¬1) في الأصل: «كالأول».

426 - مسألة: (وإن دعا بما ورد في الأخبار، فلا بأس [الدعاء في الصلاة بما وردت به الأخبار جائز]

وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخبَارِ فَلَا بَأْسَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولمسلمٍ: «إذَا تَشَهدَ أحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ». وذَكَرَه. 426 - مسألة: (وإن دَعا بما ورَد في الأَخْبارِ، فلا بَأْسَ [الدُّعاءُ في الصلاةِ بما وَرَدَتْ به الأخْبارُ جائِزٌ] (¬2). قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّ هؤلاء يَقولُون: لا يَدْعو في المَكْتُوبَةِ إلَّا بما في القُرْآنِ. فنَفَضَ يدَه كالمُغْضَبِ، وقال: من يَقِفُ على هذا! وقد تَواتَرَتِ الأحادِيثُ عن ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التعوذ من عذاب القبر، من كتاب الجنائز - صحيح البُخَارِيّ 2/ 124. ومسلم، في: باب ما يستعاذ منه في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. صحيح مسلم 1/ 412 - كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول بعد التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 226. والتِّرمذيّ، في: باب الاستعاذة، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 13/ 92. والنَّسائيّ، في: باب نوع آخر من التعوذ في الصلاة, من كتاب السهو، وفي: باب التعوذ من عذاب القبر، من كتاب الجنائز. وفي: باب الاستعاذة من عذاب جهنم وشر المسيح الدجال، وباب الاستعاذة من فتنة المحيا، وباب الاستعاذة من شر فتنة الممات، وباب الاستعاذة من عذاب القبر، وباب الاستعاذة من عذاب الله، وباب الاستعاذة من عذاب النَّار، من كتاب الاستعاذة. المجتبى 3/ 49، 8/ 242 - 245. وابن ماجه، في: باب ما يقال في التشهد والصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 294. والدارمي، في: باب الدعاء بعد التشهد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 310 - , والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 637، 288، 414، 416، 423, 467، 469, 477، 482، 522، 554. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بخِلافِ ما قالوا. قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إذا جَلَس في الرّابعَةِ، يَدْعُو بعدَ التَّشَهُّدِ بما شاء؟ قال: بما شاء لا أدْرِي، ولكنْ يَدْعُو بما يَعْرِفُ وبما جاء. قُلْتُ: على حديثِ عمرِو بنِ سعدٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ (¬1) يقُولُ: إذا جَلَس أَحَدُكم في صَلاتِه، ذَكَر التَّشَهُّدَ، ثُم ليَقُلْ: اللَّهُم إنِّي أسْأْلُك مِن الخَيْرِ كلِّه، ما عَلِمْتُ منه وما لم أعْلَمْ، وأعُوذُ بك مِن الشَّرِّ كلَّه، ما عَلِمْتُ منه وما لم أعْلَمْ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُك مِن خَيْرِ ما سَأَلك عِبادُك الصّالِحُون، وأعُوذُ بك مِن شَرِّ ما عاذ منه عِبادُك الصّالِحُون، رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنا عَذابَ النَّارِ، رَبَّنا اغْفِرْ لنا ذُنُوبَنا، وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا، وتَوَفَّنا مع الأبرارِ، رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا على رُسُلِك، ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّك لا تُخْلِفُ المِيعادَ. رَواه الأثْرَمُ. واخْتارَه أحمدُ. ذَكَرَه القاضي، وقال: لا يُستَحَبُّ للإِمام الزِّيادَةُ على هذا؛ لِئَلَّا يُطِيلَ على المَأْمُومِين. فإن كان مُنْفرِدًا، فلا بَأْسَ بكَثْرةِ الدُّعاءِ، ¬

(¬1) هو: عبد الله بن عمر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ما لم يُخرِجْه إلى السَّهْوِ، فقد روَى أبو داودَ (¬1)، عن عبدِ اللهِ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمُنا التَّشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِن القُرْآنِ. قال: وعَلَّمَنا أن نقُولَ: «اللَّهُمَّ. أصْلِحْ ذَاتَ بَيْننَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَاصْرِفْ عَنَّا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أسْمَاعِنَا وَأبْصَارِنَا (¬2) وَقُلُوبِنَا وَأزْوَاجِنَا وَذُرَّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ, قَابِليهَا، وَأتِمَّهَا عَلَيْنَا». وعن أبي بكرٍ الصِّدِّقِ، أنَّه قال للنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: عَلِّمْنِي دُعاءً أدْعُو به في صَلاِتى. قال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِر لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغفُورُ الرَّحِيمُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وعن أبي ¬

(¬1) في: باب التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 222. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ, في: باب الدعاء قبل السلام، من كتاب الأذان، وفي: باب الدعاء في الصلاة، من كتاب الدعوات، وفي: باب قوله تعالى: {وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 211، 8/ 89، 9/ 144. ومسلم, في: باب استحباب خفض الصوت بالذكر، من كتاب الذكر. صحيح مسلم 4/ 2078. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب حَدَّثَنَا قتيبة حَدَّثَنَا الليث عن يزيد، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 13/ 53. والنَّسائيّ؛ في: باب نوع آخر من الدعاء، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 45. وابن ماجه، في: باب دعاء رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب الدعاء. سنن ابن ماجه 2/ 1261. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 4, 7.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لرجلٍ: «مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ»؟ قال: أتَشَهَّدُ، ثم أسْألُ اللهَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ به مِن النّارِ، أما واللهِ ما أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ (¬1) ولا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ. فقال: «حَوْلَهَا نُدَنْدِن». رَواه أبو داودَ (¬2). وقَوْلُه: (بما وَرَد في الأخْبارِ) يَعْنِي أخْبارَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصحابِه والسَّلَفِ، رَحِمَهم اللهُ، فقد ذَهَب أحمدُ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ في الدُّعاءِ، وهو مَوْقُوفٌ عليه، قال عدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَمِعْتُ أبي يقُولُ في سُجُودِه: اللَّهُمَّ كما صُنْتَ وَجْهِي عن السُّجُودِ لغيرِك، فصُنْ وَجْهِي عن المَسْألَةِ لغيرِك. وقال: كان عبدُ الرحمنِ يقُولُه في سُجُودِه. وقال: سَمِعْتُ الثوْرِيَّ يقُولُه في سُجُودِه. ¬

(¬1) الدندنة: أن يتكلم الرَّجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم. (¬2) في: باب في تخفيف الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 183. عن بعض أصحاب النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما يقال في التشهد والصلاة على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب إقامة الصلاة، وفي: باب الجوامع الدعاء، من كتاب الدعاء. سنن ابن ماجه 1/ 265، 2/ 1264، عن أبي هريرة. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 474، عن بعض أصحاب النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وعن سليم من بني سلمة في: 5/ 74.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا ما يَقْصِدُ به مَلاذَّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، كقَوْلِه: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جارِيَةً حَسْناءَ، وطَعامًا طَيِّبًا، ودارًا قَوْراءَ (¬1)، وبُسْتانًا أنِيقًا. ونَحْوَه، فلا يَجُوزُ الدُّعاءُ به في الصلاةِ. وقال الشافعيُّ: يَدْعُو بما أحَبَّ؛ لقَوْلِه، عليه السَّلامُ، في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّر مِنَ الدُّعَاءِ أعْجَبَهُ إلَيْهِ». مُتفَقٌ عليه (¬2). ولمسلم-: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّر بَعْدُ مِنَ الْمَسْألَةِ مَا شَاءَ». ولَنا قولُه عليه السَّلامُ: «إن صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ (¬3) فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَام النَّاس، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَواه مسلمٌ (¬4). وهَذا مِن كلامِ الآدَمِيِّين، ولأنَّه كلامُ آدَمِيٍّ يَتَخاطَبُ بمِثْلِه، أشْبَهَ رَدَّ السَّلامِ، وتَشْمِيتَ العاطسِ، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على اُنه يَتَخَيَّرُ مِن الدُّعاءِ المَأْثُورَ. فصل: فأمّا الدُّعاءُ بما يَتَقَّربُ به إلى الله عِزَّ وجَلَّ، مِمّا ليس بمَأْثُورٍ ولا يقْصِدُ به مَلاذَّ الدُّنْيا، فقال جَماعَةٌ مِن أصحابِنا: لا يَجُوزُ. ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لقَوْله: يَدْعُو بما جاء وبما يَعْرِفُ. وحَكَى عنه ابنُ المُنْذِرِ، أنَّه قال: لا بَأْسَ أن يَدْعُوَ الرجلُ بجَمِيع حَوائِجِه؛ مِن حَوائِجِ دُنْياه ¬

(¬1) قوراء: واسعة. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 538، 539. (¬3) في الأصل: «يصح». (¬4) في: باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 381، 382, كما أخرجه أبو داود، في: باب تشميت العاطس في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 213. والنَّسائيّ، في: باب الكلام في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 14. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 447, 448.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وآخِرَتِه. وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، اخْتارَه شيخُنا (¬1)؛ لظواهِرِ الأخْبارِ، فإنَّ في حديثِ أبي هُرَيرةَ: «ثُم يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ» (¬2). وعن أُنَسٍ، قال: جاءتْ أمُّ سُلَيْمٍ إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقالت: يَا رسولَ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أدْعُو به في صَلاتِي. فقال: «احْمَدِي اللهَ عَشْرًا، وَسَبِّحِي اللهَ عشْرًا، ثُمَّ سَلِي الله (¬3) مَا شِئْتِ، يَقُولُ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ». رَواه الأثْرَمُ. وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمَّا السُّجُودُ فَأكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاء» (¬4). ولم يُعَيِّنْ لهم ما يَدْعُون به، فيَدُلُّ على أنَّه أباح لهم جَمِيعَ الدُّعاءِ, إلَّا ما خَرَج منه بالدَّلِيلِ في الفَصلِ الذى قَبْلَه، ولأنَّه دُعاءٌ يَتَقَرَّبُ به إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أشْبَهَ الدُّعاءَ المَأْثُورَ. فصل: فأمّا الدُّعاءُ لإِنْسانٍ بعَيْنِه في صَلاِته، ففي جَوازِه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ. قال المَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يِقُولُ لابنِ الشافعيِّ (¬5): أنا أدْعُو لقَوْمٍ مُنْذُ سِنِين في صَلاتِي، أبُوك أحَدُهم. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وأبي الدَّرْداءِ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في قُنُوتِه: «اللَّهُمَّ أنْجِ الْوَلِيدَ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 237. (¬2) أخرجه النَّسائيّ، في: باب نوع آخر، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 49. (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 517. (¬5) أبو عثمان مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إدريس، الشَّافعيّ القاضي، المتوفى بالجزيرة بعد سنة أربعين ومائتين. طبقات الشافعية الكبرى 2/ 71 - 74. والخبر في ترجمته فيها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْن هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ» (¬1). ولأنَّه دُعاءٌ لبَعْضِ المُؤمِنِين، أشْبَهَ ما لو قال: ربِّ اغْفِرْ لِي ولوالِدَيَّ. والأُخْرَى، لا يَجُوزُ. كَرِهَه عَطاءٌ والنَّخَعِيُّ؛ لشَبَهِه بكَلامِ الآدَمِيِّين، ولأنَّه دُعاءٌ لمُعَيَّنٍ، أشْبَهَ تَشْمِيتَ العاطِسِ، وقد دَلَّ على المَنْعِ منه حديثُ مُعاوِيَةَ ابنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ (¬2). ويَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ بينَ الدُّعاءِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ؛ لأنَّه مُخاطَبَةٌ لإنْسانٍ، لدُخُولِ كاف المُخاطَبِ فيه. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب يهوى بالتكبير حين يسجد، من كتاب الأذان، وفي: باب دعاء النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- من كتاب الاستسقاء، وفي: باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة؛ من كتاب الجهاد، وفي: باب قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}، من كتاب الأنبياء، وفي باب ليس لك من الأمر شيء، من كتاب التفسير، وفي: باب تسمية الوليد، من كتاب الأدب، وفي: باب الدعاء على المشركين، من كتاب الدعوات. وفي كتاب الإكراه (في الترجمة). صحيح البُخَارِيّ 1/ 203، 2/ 33، 4/ 53، 182، 6/ 48، 8/ 54، 55، 104، 9/ 25. ومسلم، في: باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 466، 468. والنَّسائيّ، في: باب القنوت في صلاة الفجر، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 158. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 394. والدارمي, في: باب القنوت بعبد الركوع، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 374. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 239، 255، 271, 396, 418, 470, 502, 521. (¬2) قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- , إذ عطَس رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمُك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْل أُمَّياهُ، ما شأْنَكم تنظرون إليّ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصْمِّتوننى لكنِّي سَكتُّ، فلما صلى رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبأبي هو وأمي ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه فوالله ما كَهَرنِي [ما انتهرني] ولا ضربني ولا شتمنى، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس. . . .» إلخ الحديث، وتقدم في صفحة 557.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصلِ: ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ تَرْتِيلُ القِراءَةِ والتَّسْبيحِ والتَّشَهُّدِ بقَدْرِ ما يَرَى أنَّ مَن خَلْفَه، مِمَّن يَثْقُلُ على (¬1) لِسانِه، قد أتَى عليه، والتَّمَكنُ في الركُوعِ والسُّجُودِ، حتَّى يَرَى أنَّ الكبيرَ والصَّغِيرَ والثَّقِيلَ قد أتَى عليه. فإن خالَفَ وأتَى بقدْرِ ما عليه، كُرِهَ وأَجْزَأه. ويُكْرَهُ له التَّطْوِيلُ كَثِيرًا؛ لِئَلَّا يَشُقَّ على مَن خَلْفَه. وأمّا المُنْفَرِدُ فله الإِطالَةُ (¬2) في ذلك كلِّه، ما لم يُخْرِجْه إلى حالٍ يَخافُ السهو، وقد رُوِيَ عن عَمّارٍ [رَضىَ الله عنه] (¬3)، أنَّه صَلَّى صلاةً أوْجَزَ فيها، فقِيلَ له في ذلك، فقال: إنِّي أُبادِرُ الوَسْواسَ. ويُسْتَحَبُّ للإمامِ إِذا عَرَض في الصلاةِ عارضٌ لبَعْضِ المَأْمُومِين، يَقْتَضِي خُرُوجَه، أن يُخَفِّفَ؛ لِما رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إنِّي لَأقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنا أُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا (¬4)، فأسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأتَجَوَّزُ فِيهَا، مَخَافَةَ أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ». رَواه أبو داودَ (¬5). ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «التطويل». (¬3) سقط من: م. (¬4) في م: «فيه». (¬5) في: باب تخيف الصلاة للأمر يحدث، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 182. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 181 وابن ماجه، في: باب الإمام يخفف الصلاة إذا حدث أمر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 316، 317، وانظر: المسند، للإمام أَحْمد 3/ 205.

427 - مسألة: (ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله. وعن يساره كذلك)

ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله. وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 427 - مسألة: (ثم يُسَلِّمُ عن يَمِينهِ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ. وعن يَسارِه كذلك) التَّسْلِيمُ واجِبٌ في الصلاةِ، لا يَقُومُ غيرُه مَقامَه. وبه قال مالكٌ والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ السَّلامُ للخُرُوجِ مِن الصلاةِ، بل إذا خَرَج بما يُنافِي الصلاةَ؛ مِن عَمَلٍ، أو حَدَثٍ، أو غيرِ ذلك، جاز. فالسَّلامُ عندَهم مَسْنُونٌ غيرُ واجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يُعَلّمْه المُسْيِءَ في صَلاتِه، ولو وَجَب لأمَرَه به؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْن غيرُ واجِبَةٍ، كذلك الأخْرَى. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التّسْلِيمُ». رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّه أحَدُ طَرَفيِ الصلاةِ، فكان فيه [نُطْقٌ واجِبٌ] (¬2)، كالأوَّلِ، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه وداوَم عليه، [وقد قال] (¬3): «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (¬4). وحَدِيثُ الأعْرابِيِّ (¬5) أجَبْنا عنه. والتَّسْلِيمَةُ الثّانِيَة عندَنا واجِبَةٌ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 407. (¬2) في الأصل: «نطقا واجبًا». (¬3) في م: «فقال». (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 441، 442. (¬5) أي المسئ في صلاته. وتقدم تخريج حديثه في صفحة 408.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والمَشْرُوعُ أن يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْن عن يَمِينِه ويَسارِه. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم. وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْيِ. وقال [ابنُ عُمَرَ] (¬1)، وأنَسٌ، وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ (¬2)، وعائشةُ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعُمَرُ بن عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً. وقال عَمّارُ بنُ أبِي عَمّارٍ (¬3): كان مَسْجِدُ الأنْصارِ يُسَلِّمُون فيه تَسْلِيمَتَيْن، وكان مَسْجِدُ المُهاجِرِين يُسلِّمون فيه تَسْلِيمَةً واحِدَةً. ولِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً تِلْقاءَ وَجْهِه. وعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى فسَلَّمَ مَرةً (¬4) واحِدَةً. رَواهما ابنُ ماجه (¬5). ولأنَّ التسْلِيمَةَ ¬

(¬1) في م: «عمر». (¬2) أبو مسلم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي, صحابي جليل؛ شهد بيعة الرِّضوان، توفى سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة. طبقات ابن سعد 4/ 2/ 38 - 41، تهذيب التهذيب 4/ 150 - 152. (¬3) أبو عمرو عمار بن أبي عمار، مولي بنى هاشم، تابعي ثِقَة، توفى في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق (105 - 120 هـ). تهذيب التهذيب 7/ 404. (¬4) في م: «تسليمة». (¬5) في: باب من يسلم تسليمة واحدة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 297. كما أخرج التِّرْمِذِيّ حديث عائشة، رضي الله عنها، في: باب منه (ما جاء في التسليم في الصلاة)، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 89.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأُولَى قد خَرَج بها مِن الصلاةِ، فلم يُشْرَعْ ما بعدَها، كالثّالِثَةِ. ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ حتَّى يُرَى بَياضُ خدِّه، عن يمِيِنِه ويسارِه. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّمَا يَكْفِي أحَدَكمْ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وشِمَالِهِ». رَواهما مسلمٌ (¬1). وفي لفظٍ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ عن يَميِنِه: «السَّلَامُ عَلَيْكمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». وعن يَسارِه: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». قال التِّرمِذِيُّ (¬2): حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وحديثُ عائشةَ يَرْوِيه زُهَيْرُ ابنُ محمدٍ (¬3): [قال البُخارِيُّ] (¬4): يَرْوِي مَناكِيرَ (¬5). وقال أبو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ. ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائشةَ، على ¬

(¬1) الأول لم نجده عند مسلم، وأخرجه أبو داود، في: باب السلام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 228. والنَّسائيّ، في: باب التكبير عند الرفع من السجود، من كتاب التطبيق، وفي: باب كيف السلام على اليمين، وباب كيف السلام على الشمال، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 182، 3/ 52، 53. وابن ماجه، في: باب التسليم، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 296. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 386، 390، 394، 406، 408, 414، 427، 438، 444، 448، 465. والثاني أخرجه مسلم، في: باب الأمر بالسكون في الصلاة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 322. كما أخرجه أبو داود، في الموضوع السابق 1/ 229. والنَّسائيّ، في: باب موضع اليدين عند السلام، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 52. (¬2) في: باب ما جاء في التسليم في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 88. (¬3) أبو المنذر زهير بن مُحَمَّد التَّمِيمِيّ العنبري الخُرَاسَانِيّ. (¬4) سقط من: م. (¬5) لفظ البُخَارِيّ: روى عنه أهل الشَّام أحاديث مناكير. التاريخ الكبير 2/ 1/ 427.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّه كان يُسْمِعُهم تَسْلِيمَةً واحِدَةً، جَمْعًا بينَ الأحادِيثِ. على أنَّ أحادِيثَنا تَتَضَمَّن الزِّيادَةَ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَة. ويَجُوزُ أن يكونَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل الأمْرَيْن؛ ليُبَيِّنَ الجائِزَ والمَسْنُونَ، ولأنَّ الصلاةَ عِبادَة ذاتُ إحْرامٍ، فشُرِعَ لها تَحَلُّلان، كالحَجِّ. فصل: والتَّسْلِيمَةُ الأُولَى هي الواجِبَةُ، وهي رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، والثّانِيَةُ سُنَّةٌ في الصَّحيحِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ صلاةَ مَن اقْتَصَرَ على تَسْلِيمَةٍ واحِدَةٍ جائِزَةٌ. وفيه رِوايَةٌ أُخْرى، أنَّها واجِبَةٌ. ذَكَرَها القاضي، وأبو الخَطّابِ، قال القاضي: وهي أَصَحُّ، لحديثِ جابِرِ بنِ سَمُرةَ، ولأنَّها عِبادَةٌ لها تَحَلُّلان، فكانا واجِبَيْن، كتَحَلُّلَيِ الحَجِّ، ولأنَّها إحْدَى التَّسْلِيمتَيْن، أشْبَهَتِ الأُولَى. وعَدَّها أبو الخَطّابِ مِن أرْكانِ الصلاةِ؛ لِما ذَكَرْنا. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. اخْتارَه شيخُنا (¬1)؛ فإنَّه لا يَصِحُّ عن أحمدَ تَصْرِيحٌ بوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْن، إنَّما قال: التَّسْلِيمَتان أَصَحُّ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. فيَجُوزُ أن يَذْهَبَ (¬2) ¬

(¬1) في: المغني 2/ 243. (¬2) في م: «يكون ذهب».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إليه في المَشْرُوعِيَّةِ لا الإيجابِ كغيرِه، وقد دَلَّ عليه قولُه، في رِوايَةِ مُهَنّا. أعْجَبُ إليَّ التَّسْلِيمَتان. لأنَّ عائشةَ، وسَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ، وسَهْلَ بنَ سعدٍ (¬1)، قد رَوَوْا، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً. وكان المُهاجِرُون يُسَلِّمُون تَسْلِيمَةً واحِدَةً. ففيما ذَكَرْناه جَمْعٌ بينَ الأخْبارِ وأقْوالِ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، في كَوْنِ المَشْروعِ تَسْلِيمَتَيْن، والوْاجِبِ واحِدَةً، وقد دَلِّ على صِحَّةِ ذلك الإجْماعُ الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وحديث جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، يَعْنِي في إصابَةِ السُّنَّةِ، بدَلِيلِ أنَّ فيه: «يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ». وليس هو واجِبًا بالاتِّفاقِ، ولأنَّها صلاةٌ، فتُجْزِئُ فيها تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، كصلاةِ الجِنازَةِ، والنَّافِلَةِ، فإنَّ الخِلافَ إنَّما هو في المَفْرُوضَةِ، أمَا صلاةُ النّافِلَةِ، والجِنازَةِ، وسُجُودُ التِّلاوَةِ، فلا خِلافَ أَنَّه يَخْرُجُ منها بتَسْلِيمَةٍ واحِدَةٍ. قاله القاضي، ونَصَّ عليه أحمدُ في صلاةِ (¬2) الجِنازَةِ، وسُجُودِ التِّلاوَةِ. ¬

(¬1) تقدم تخريج حديثي عائشة ومسلمة في صفحة 562. وحديث سهل بن سعد أخرجه ابن ماجه، في: باب من يسلم تسليمة واحدة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 297. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 338. (¬2) سقط من: الأصل.

428 - مسألة: (فإن لم يقل: ورحمة الله. لم يجزئه. وقال القاضي: يجزئه. ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة)

فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللهِ. لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحمَدُ فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 428 - مسألة: (فإن لم يَقلْ: ورَحْمَةُ اللهِ. لم يُجْزِئْه. وقال القاضي: يُجْزِئُه. ونَصَّ عليه أحمدُ في صلاةِ الجِنازَةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أن الأفْضَلَ أن يقولَ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ. لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ. وقد روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: صَلَّيْتُ مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فكانَ يُسَلِّمُ عن يَمِينِه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ». وعن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شِمالِه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ». رَواه أبو داودَ (¬1). فإن قال كذلك، فحَسَنٌ، والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لكَثْرَةِ رُواتِه، وصِحَّةِ طُرُقِه. فإن قال: السَّلامُ عليكم. حَسْبُ، فقال القاضي: يُجْزِئُه في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، ونَصَّ عليه في صلاةِ الجِنازَةِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (¬2). وهذا تَسْلِيمٌ (¬3). وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كان يُسَلِّمُ عن يَمِينِه، وعن يَسارِه: السَّلامُ عليكم، السَّلامُ عليكم. رَواه سعيدٌ (¬4). ولأنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِير للثَّناءِ، فلم يَجِبْ، كقولِه: «وبَرَكَاتُه». وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأصَحُّ أنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ الصَّحيحَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». ولأنَّه سَلامٌ في الصلاةِ وَرَد مَقْرُونًا بالرَّحْمَةِ، فلم يَجُزْ بدُونِها، كالسَّلامِ (¬5) على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في التَّشَهُّدِ. ¬

(¬1) في: باب في السلام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 229. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 407. (¬3) في م: «التسليم». (¬4) أخرجه البيهقي، في: باب الاختيار في أن يسلم تسليمتين، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 178. (¬5) في م: «كالتسليم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن نَكَّسَ السَّلامَ، فقال: عليكمُ السَّلامُ. لم يُجْزِئْه. وقال القاضي: يُجْزِئُه في وَجْهٍ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لحُصُولِ المَعْنَى منه، وليس هو قُرْآنًا فيُعْتَبَرَ له النَّظْمُ. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالَه مُرَتَبًا، وأمَرَ به كذلك، ولأنَّه ذِكْرٌ يُؤْتَى به في أحَدِ طَرَفيِ الصلاةِ، فلم يَجُزْ مُنَكَّسًا، كالتِّكْبِيرِ. فصل: فإن قال: سَلامٌ عليكم. مُنَكَرًا مُنَوَّنًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُّهما، يُجْزِئُه. وهو مذهبُ (¬1) الشافعيِّ؛ لأن السَّلامَ الذى وَرَد في القُرْآنِ أكْثَرُه بغيرِ ألِفٍ ولامٍ، كقَوْلِه: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} (¬2). ولأنَّا أجَزْنا التشَهُّدَ بتَشَهُّدِ ابنِ عباسٍ (¬3) وأبي موسى (¬4)، وفيهما: «سَلامٌ عَلَيْكَ» (¬5). والتَّسْلِيمَتان واحِدٌ. والآخَرُ، لا يُجْزِئُه، لأنَّه يُغَيِّرُ صِيغَةَ السَّلامِ الوارِدِ، ويُخِلُّ بحَرْفٍ يَقْتَضِي الاسْتغْراقَ، فلم يَجُزْ, لو أثْبَتَ اللَّامَ في التَّكْبِيرِ. وقال الآمِدِيُّ: لا فَرْقَ بينَ أن يُنَوِّنَ التَّسْلِيمَ أولا يُنَوِّنَه؛ لأنَّ حَذْفَ التَّنْوِينِ لا يُخِل بالمَعْنَى؛ بدَلِيلِ ما لو وَقَف عليه. ¬

(¬1) في م: «قول». (¬2) سورة الرعد 24. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 538. (¬4) أخرجه مسلم، في: باب التشهد في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 303، 304. وأبو داود، في: باب التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 223. والنَّسائيّ، في: باب نوع آخر من التشهد، من كتاب السهو. المجتبى 2/ 192، 193. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 291، 292. (¬5) في الأصل: «عليكم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسَنُّ أن يَلْتَفِتَ عن يَمِيِنه في التَّسْلِيمَةِ الأُولَى، وعن يَسارِه في الثانيةِ, كما وَرَدَتِ السُّنَّةُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ (¬1)، وغيرِهما. قال الإمامُ أحمدُ: ثَبَت عندَنا مِن غيرِ وَجْهٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ عن يَمِيِنه وعن يَسارِه حتَّى يُرَى بَياضُ خَدَّيْه. ويكُونُ. التِفاتُه في الثانيةِ أكْثَرَ؛ لِما رُوِيَ عن عَمّارٍ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يُسَلِّمُ عن يَمِينِه حتَّى يُرَى بَياضُ خدِّه الأيْمَنِ، وإذا سَلَّمَ عن يَسارِه حتَّى (¬2) يُرَى بَياضُ خَدِّه الأيْمَنِ والأيْسَرِ. رَواه يَحْيَى بنُ محمدٍ بنِ صاعِدٍ بإسْنادِه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَبْتَدِئُ بقَوْلِه: السَّلامُ عليكم. إلى القِبْلَةِ، ثم يَلْتَفِتُ في يَمِينِه ويَسارِه في قَوْلِه: ورَحْمَةُ اللهِ. لقَوْلِ عائشةَ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ تِلْقاءَ وَجْهِه (¬3). مَعْناه: ابْتِداؤُه بالتَّسْلِيمِ. جَمْعًا بينَ الأحاِديثِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجهما في صفحة 563. (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 562.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: رُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ التَّسْلِيمَةَ الأُولَى أرْفَعُ مِن الثانيةِ، اخْتارَ هذا أبو بكرٍ الخَلّالُ، وأبو حَفْصٍ العُكبَرِيُّ. وحَمَل أحمدُ حديثَ عائشةَ، أنَّه كان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً، على أنَّه كان يَجْهَرُ بواحِدَةٍ، فتُسْمَعُ منه. ذلك؛ لأنَّ الجَهْرَ في غيرِ القِراءَةِ إنَّما كان للإِعْلامِ بالاْنتِقالِ مِن رُكْنٍ إلى غيرِه، وقد حَصَل بالجَهْر بالأُولَى. واخْتارَ ابنُ حامِدٍ الجَهْرَ بالثّانِيةِ وإخْفاءَ الأُولَى؛ لِئَلَّا يُسابِقَه المَأْمُومُ في السَّلام. ويُسْتَحَبُّ حَذْف السّلامِ، لقَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ: حَذْفُ السَّلامِ سُنَّةٌ. ورُوِي مَرْفُوعًا. رَواه التِّرمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ صحِيحٌ. قال أبو عبدِ اللهِ: هو أن لا يُطَوِّلَ به صَوْتَه. وقال ابنُ المُبارَكِ: مَعْناه: لا يَمُدُّ مَدًّا. قال إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، والسَّلامُ جَزْمٌ. ¬

(¬1) في: باب ما جاء أن حذف السلام سنة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 91. كما أخرجه أبو داود، في: باب حذف السلام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 230. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 532.

429 - مسألة: (وينوي بسلامه الخروج من الصلاة، فإن لم ينو، جاز. وقال ابن حامد: تبطل صلاته)

وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِن لَمْ يَنْوِ، جَازَ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 429 - مسألة: (ويَنْوِي بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، فإن لم يَنْوِ، جاز. وقال ابنُ حامِدٍ: تَبْطُلُ صَلاتُه) الأوْلَى أن يَنْوِيَ بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، وإن نَوَى مع ذلك السَّلامَ (¬1) على المَلَكَيْن، وعلي مَن خَلْقه، إن كان إمامًا، أو الرَّدَّ على مَن معه إن كان مَأْمُومًا، فلا بَأْسَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يَنْوِي بسَلامِه الرَّدَّ على الإمامِ. وقال أَيضًا: يَنْوِي بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، فإن نَوَى المَلكين، ومَن خلْفَه فلا بَأْسَ، ¬

(¬1) في م: «الرد».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والخُرُوجَ مِن الصلاةِ نَخْتارُ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن نَوَى في السلامِ الرَّدَّ على المَلَائِكَةِ، أو غيرِهم مِن النّاس مع نِيَّةِ الخُرُوجِ، فهل تَبْطُلُ صَلاتُه؛ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه نَوَى السَّلامَ على آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو سَلَّمَ على مَن لم يُصَلِّ معه. وقال أبو حَفْصٍ بنُ المُسْلِمِ (¬1): يَنْوِي بالتَّسْلِيمَةِ الأُولَى الخُرُوجَ، وبالثّانِيَةِ السَّلامَ على الحَفَظَةِ والمَأَمُومِين، إن كان إمامًا، والرَّدَّ على الإِمام والحَفَظَةِ، إن كان مَأْمُومًا. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ: «إنَّمَا يَكْفِي أحَدَكُمْ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ». رَواه مسلمٌ (¬2). وفي لفظٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَرُدَّ على الإمامِ، وأنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنا على بعضٍ. رَواه أبو داودَ (¬3). وهذا يَدُلُّ على أنَّه يُسَنُّ التَّسْلِيمُ على مَن ¬

(¬1) في م: «مسلمة». (¬2) تقدم تخريجه وصفحة 563. (¬3) في: باب الرد على الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 229. وابن ماجه، في: باب رد السلام على الإمام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 297.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ معه، وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. فإن لم يَنْوِ الخُرُوجَ [مِن الصلاةِ] (¬1) ولا شَيْئًا غيرَه، صَحَّ. وقال ابنُ حامِدٍ: لا يَصِحُّ. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، لأنَّه ذِكْرٌ في أحَدِ طَرَفَيِ الصلاةِ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ, كالتَّكْبِيرِ. ولَنا، أنَّه جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الصلاةِ، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ تَخُصُّه، كسائِرِ أجْزائِها، ولأن الصلاةَ عِبادَةٌ، فلم تَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ للخُرُوجِ (¬2) منها، كالصومِ، وذلك لأنَّ النِّيَّةَ إذا وُجِدَتْ في أوَّلِ العِبادَةِ انْسَحَبَتْ على سائِرِ (¬3) أجْزائِها، واسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِها، وقِياسُ الجُزْءِ الآخِرِ على الأوَّلِ [لا يَصِحُّ] (¬4)؛ لذلك. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «الخروج». (¬3) سقط من: م. (¬4) في الأصل: «يصح».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللهِ تعالى، والدُّعاءُ عَقِيبَ الصلاةِ، والاسْتِغْفارُ, كما وَرَد في الأخْبارِ؛ فروَى المُغِيرَةُ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقولُ في دُبُرِ كل صلاةٍ مَكتُوبَةٍ: «لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وقال ثَوْبانُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا انْصَرَفَ مِن صَلاِته اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا. وقال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكرَامِ». قال الأوْزاعِيُّ: يقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أسْتَغْفِرُ اللهَ. رَواه مسلمٌ (¬2). وقال أبو هُرَيْرَةَ: جاء الفُقَراءُ (¬3) إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الذكر بعد الصلاة، من كتاب الأذان، وفي: باب الدعاء بعد الصلاة، من كتاب الدعوات، وفي: باب لا مانع لما أعطى الله، من كتاب القدر، وفي: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، من كتاب الاعتصام. صحيح البُخَارِيّ 1/ 214، 90/ 8، 157، 9/ 117، 118. ومسلم، في: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 415. كما أخرجه أبو داود, في: باب ما يقول الرَّجل إذا سلم، من كتاب الوتر. وفي: باب التكبير على كل شرف في المسير, من كتاب الجهاد. سنن أبي داود 1/ 346، 2/ 79، 80. والنَّسائيّ: باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة، وباب كم مرة يقول ذلك، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 59، 60. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 245، 247، 250، 251، 254، 255. (¬2) في: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 414. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول الرَّجل إذا سلم, من كتاب الوتر. سنن أبي داود 7/ 347. والنَّسائيّ، في: باب الاستغفار بعد التسليم، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 58. وابن ماجه، في. باب ما يقال بعد التسليم من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 300. والدارمي، في: باب القول بعد السلام، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 311. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 275، 279، 280. (¬3) في م: «فقراء المهاجرين».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فقالُوا: ذَهَب أهلُ الدُّثُورِ مِن الأمْوالِ بالدَّرَجات العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّون كما نُصَلِّي، ويَصُومُون كما نَصُومُ، ولهم فَضْلٌ مِن أمْوالٍ، يَحُجُّون بها ويَعْتَمِرُون، ويُجاهِدُون، وَيَتَصَدَّقُون. فقال: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ إنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهمْ، إلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؛ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُون وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثًا وَثلَاثِينَ» [قال سُمَيٌّ] (¬1) فاخْتَلَفْنا بَيْنَنا. فقال بعضُنا: نُسَبِّحُ ثَلاثًا وثَلاِثين، ونَحْمَدُ ثَلاثًا وثَلاِثِين، ونُكَبِّرُ أرْبعًا وثَلَاثِين. [فرَجَعْتُ إليه، يَعْنِي إلى أبي صالِحٍ] (1)، فقال: يقول: سُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ واللهُ أكْبَرُ حتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلَّهِنَّ [ثَلاثٌ وثَلاثُون] (¬2). مُتَّفَقٌ عليه (¬3). واللَّفْظُ للبُخارِيِّ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: يقُولُ (¬4) هكذا، ولا يَقْطَعُه: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لله، [ولا إلهَ إلَّا الله] (¬5)، واللهُ أكْبَرُ. وكان ابنُ الزُّبَيْر يقُولُ في دُبُر كل صلاةٍ: «لَا ¬

(¬1) من سياق مسلم دون البُخَارِيّ. (¬2) في الأصل: «ثلاثًا وثلاثين». (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الذكر بعد الصلاة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 213. ومسلم، في: باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 416، 417, كما أخرجه أبو داود، في باب التسبيح بالحصى، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 345. والدارمي، في: باب التسبيح في دبر الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 312. (¬4) سقط من: الأصل. (¬5) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْل وَلَهُ (¬1) الثَّنَاءُ الحَسَنُ (¬2)، لَا إلهَ إلَّا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ». وقال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُهَلِّلُ بهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ. رَواه مسلمٌ (¬3). وعن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أخَذَ بيَدِه، فقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنْ دُبُرَ كُل صَلَاةٍ تَقَولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ (¬4). وعن أبي ذَرٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَنْ قَالَ في دُبُرِ صَلَاةِ الفَجْرِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكلَّمَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «الحسن الجميل». (¬3) في: باب استحباب الذكر بعد الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 415، 416. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول الرَّجل إذا سلم، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 346. والنَّسائيّ، في: باب التهليل بعد التسليم، وباب عدد التهليل والذكر بعد التسليم، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 59. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 4، 5. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب في الاستغفار، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 349. والنَّسائيّ, في: باب نوع آخر من الدعاء، من كتاب السهو. والمجتبى 3/ 45، 46. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 245, 247.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَه ذَلِكَ كلَّهُ في حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ للذَّنْبِ أنْ يُدْرِكَهُ في ذَلِكَ الْيَوْمِ، إلَّا الشِّرْكَ بِاللهِ». رَواه النسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وقال أبو مَعْبدٍ (¬2)، مَوْلى ابنِ عباسٍ: إنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بالذِّكْرِ حينَ يَنْصَرِفُ النّاسُ مِن المكْتُوبَةِ، كان على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. قال ابنُ عباسٍ: كنتُ أعْلَمُ إذا انْصَرَفَ النّاسُ بذلك إذا سَمِعْتُه. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). فصل: رُوِي عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان يَقْعُدُ بعدَ صلاةِ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا (¬4). رَواه مسلمٌ (¬5). فيُسْتَحَبُّ للإِنْسانِ أن يَفعَلَ ذلك، اقْتِداءً برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. ¬

(¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب حَدَّثَنَا قتيبة. . . .، من أبواب الدعاء. عارضة الأحوذى 13/ 19. والنَّسائيّ، في: باب ثواب من قال في دبر صلاة الغداة. . . . إلخ، من كتاب عمل اليوم والليلة. السنن الكبرى 6/ 37. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 415، 6/ 298. (¬2) في الأصل: «أبو سعيد». (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الذكر بعد الصلاة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 213. ومسلم، في: باب الذكر بعد الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 410. كما أخرجه أبو داود، في: باب التكبير بعد الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 238، 239. والنَّسائيّ، في: باب التكبير بعد تسليم الإمام، من كتاب السهو. المجتبي 3/ 57. (¬4) في م: «حسناء». وحسنا: أي طلوعًا حسنًا، أي مرتفعة. (¬5) في: باب فضل الجلوس في صلاه بعد الصبح وفضل المساجد، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 464. كما أخرجه أبو داود، في: باب الرَّجل يجلس متربعًا، من كتاب الأدب. سنن أبي داود 2/ 562. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 91، 97, 100 , 101، 105، 107.

430 - مسألة: (وإن كانت الصلاة مغربا، أو رباعية نهض مكبرا إذا فرغ من التشهد الأول، فصلى الثالثة والرابعة مثل الثانية، إلا أنه لا يجهر ولا يقرأ شيئا بعد الفاتحة)

وَإنْ كَانَ فِي مَغْرِبٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّرا، إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَصَلَّى الثَّالِثَةَ والرَّابِعَةَ مِثْلَ الثَّانِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ، وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 430 - مسألة: (وإن كانَتِ الصلاة مَغْرِبًا، أو رُباعِيَّةً نَهَض مُكَبِّرًا إذا فَرَغ مِن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، فصَلَّى الثّالِثَةَ والرّابِعَةَ مثلَ الثّانِيَةِ، إلَّا أنَّه لا يجْهَرُ ولا يَقْرَأُ شيئًا بعدَ الفاتِحَةِ) متى فَرَغ مِن التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ نَهَض مُكَبِّرًا، كنُهُوضِه مِن السُّجُودِ، قائِمًا على صُدُورِ قَدَمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه، ولا يَعْتَمِدُ بالأرْضِ إلَّا أن يَشُقَّ عليه, كما ذَكَرْنا في النُّهُوضِ مِن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السُّجُودِ، ولا يُقَدِّم إحْدَى رِجْلَيْه عندَ النُّهوضِ. قاله ابنُ عباسٍ، وكَرِهَه إسحاقُ، ورُوِي عن ابنِ عباسٍ، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ. ورَخَّصَ فيه مُجاهِدٌ. والأوْلَى تَرْكُه، لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقد كَرِهَه ابنُ عباسٍ، ولا تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، ولم يُوجَدْ فيه ما يَقْتَضِي البُطْلانَ. فصل: ويُصَلِّي الثّالِثَةَ والرّابِعَةَ كالثّانِيَةِ (¬1)؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه، وقد وَصَف له الرَّكْعَةَ الْأولَى: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صلَاتِكَ كُلِّهَا» (¬2) ولا يَجْهَرُ فيهما. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ أنَّه لا تُسَنُّ الزِّيادَةُ على فاتِحَةِ الكِتابِ، في غيرِ الأُولَيَيْن مِن كلِّ صلاةٍ. قال ابنُ سِيرِينَ: لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُون في أنَّه يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْن الأُوليَيْن بفاتِحَةِ الكِتابِ، وسُورَةٍ، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحةِ الكِتابِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وأبي الدَّرْداءِ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعائشةَ. وهو قولُ مالكٍ، وأَصحاب الرَّأْيِ، وأحدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ، وقال في ¬

(¬1) في الأصل: «مثل الثَّانية». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 408.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الآخَرِ: يُسَنُّ أن يَقْرَأَ سُورَةً مع الفاتِحَةِ في الأُخْرَيَيْن؛ لِما روَى الصُّنابِحِيُّ (¬1)، قال: صَلَّيْتُ خلفَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عنه، المغربَ (¬2) فدَنَوْتُ منه، حتَّى إنَّ ثِيابِي تَكادُ أن تَمَسَّ ثِيابَه، فقَرَأ في الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ بأُمِّ الكِتابِ، وهذه الآيَةِ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} (¬3). رواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ» (¬4). ولَنا، حديثُ أبي قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ، فذكرَ الحديثَ إلى قَوْلِه: وفي الرَّكْعَتَيْن الأُخْرَيَيْن بأُمِّ الكِتَابِ. وكَتَب عُمَرُ إلى شُرَيْحٍ، أنِ اقْرَأْ في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن بأُمِّ الكِتابِ وسورةٍ، وفي الأُخْرَيَيْن بأُمِّ الكِتابِ. وما فَعَلَه أبو بكر قَصَد به الدُّعاءَ لا القِراءَةَ، ولو ¬

(¬1) أبو عبد الله عبد الرَّحْمَن بن عُسَيْلة بن عسل الصُّنَابِحِيَّ، رحل إلى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فوجده قد مات قبله بخمس ليال أو ست، وكان ثِقَة, قيل الحديث، تُوفِّي ما بين السبعين والثمانين. تهذيب التهذيب 6/ 229، 230. (¬2) سقط من: م. (¬3) سورة آل عمران 8. (¬4) في: باب القراءة في المغرب والعشاء، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 79.

431 - مسألة: (ثم يجلس في التشهد الثاني متوركا، يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويخرجهما عن يمينه ويجعل أليتيه على الأرض)

ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَّهُّدِ الثَّانِي مُتُوَرِّكًا؛ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ قَصَد القراءةَ لكان الاقْتِداءُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى، مع أنَّ عُمَرَ وغيرَه مِن الصحابةِ قد خالَفُوه. فأمّا إن دَعا الإنسانُ في الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ بآيَةٍ, كما رُوِيَ عن الصِّدِّيقِ، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه دُعاءٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ دُعاءَ التَّشَهُّدِ. 431 - مسألة: (ثم يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثّانِي مُتَوَرِّكًا، يَفْرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويُخْرِجُهما عن يَميِنِه ويَجْعَلُ ألْيَتَيْه على الأرْضِ). التَّوَرُّكُ في التَّشَهُّدِ الثّانِي سُنَّةٌ. وبه قال مالكٌ، والشافعِيُّ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يَجْلِسُ فيه مُفْتَرِشًا، كالتَّشَهُّدِ الأوَّلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِنْ حديثِ وائِلِ [بنِ حُجْرٍ] (¬1)، وأبي حُمَيْدٍ (¬2) في صِفَةِ جُلُوسِ ¬

(¬1) سقط من: م. وتقدم تخريجه في صفحة 534. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 400.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. ولَنا، أنَّ في حديثِ أبي حُمْيَدٍ: حتَّى إذا كانتِ الرَّكْعَةُ التى يَقْضِي فيها صلَاتَه، أخَّرَ رِجْلَه اليُسْرَى، وجَلَس مُتَوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ. وهذا بَيانُ الفَرْقِ بينَ التَّشَهُّدَيْن، وزيادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها والمَصِيرُ إليها، والذى احْتَجُّوا به في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، ونحن نقولُ به. فأمّا صِفَةُ التَّوَرُّكِ فهو كما ذَكَر. قال الأثْرَمُ: رَأَيْتُ أَبا عبدِ الله يِتَوَرَّكُ في الرابِعَةِ في التَّشَهُّدِ، فيُدْخِلُ رِجْلَه اليُسْرَى، ويُخْرِجُها مِن تحتِ ساقِه الأيْمَنِ، ولا يَقْعُدُ على شئٍ منها، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَفْتَحُ أصابِعَه ويُنَحِّي عَجُزَه كله، ويَسْتَقْبِل بأصابعِه اليُمْنَى القِبْلَةَ، ورُكْبَتُه اليُمْنَى على الأرضِ مُلْزَقَةٌ، وهذا قولُ أبي الخَطَّابِ، وأصحابِ الشافعيِّ، فإنَّ أَبا حُمَيْدٍ، قال: فإذا كان في الرّابِعَةِ أفْضَى بوَرِكِه اليُسْرَى إلى الأرضِ، وأخْرَجَ قَدَمَيْه مِن ناحِيَةٍ واحِدَةٍ، رَواه أبو داودَ (¬1). وقال الخِرَقِيُّ والقاضى: يَنْصِبُ رِجْلَه اليُمْنَى، ويَجْعَلُ باطِنَ رِجْلِه اليُسْرَى تحتَ فَخِذِه اليُمْنَى، ويَجْعَلُ ألْيَتَيْه على الأرْضِ؛ لقولِ عبدِ الله بِنِ الزُّبَيْرِ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قَعَد في الصلاةِ جَعَل قَدَمَه اليُسْرَى ¬

(¬1) في: باب افتتاح الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 168، 169.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تحتَ فَخِذهِ وساقِه، وفَرَش قَدَمَه اليُمْنَى. رَواه مسلمٌ (¬1). وفي بعضِ ألْفاظِ حديثِ أبي حُمَيْدٍ نَحْوُ هذا، قال: جَعَل بَطنَ قَدَمِه عندَ مَأْبِضِ (¬2) اليُمْنَى، ونَصَب قدَمَه اليُمْنَى. وأيُّهما فَعَل فحَسَنٌ. فصل: وهذا التَّشَهُّدُ والجُلُوسُ له مِن أرْكانِ الصلاةِ، ومِمَّن قال بوُجُوبِه عُمَرُ، وابنُه، وأبو مسعودٍ البَدْرِيُّ، والحسنُ، والشافعيُّ. ولم يُوجِبْه مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأوْجَبَ أبو حنيفةَ الجُلُوسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يُعَلِّمْه الأعْرابِيَّ، فدَلَّ على أنَّه غيرُ واجِبٍ. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ به فقالَ: «قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ». وفَعَلَه، وداوَمَ عليه. ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: كُنّا نقولُ قبلَ أنَّ يُفْرَضَ علينا التَّشَهُّدُ: السَّلامُ على اللهِ قبلَ عِبادِه، السلامُ على جِبْرِيلَ (¬3)، السلامُ على مِيكائِيلَ. فقال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَقولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ» إلى آخِرِه (¬4). وهذا يَدُلُّ على أنَّه فُرِضَ [بعدَ أنَّ لم يَكُنْ مَفْرُوضًا، وحديثُ الأعْرابِيِّ يحْتَمِلُ أنَّه كان قبلَ فَرْضِ] (¬5) التَّشَهُّدِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه تَرَك تَعْلِيمَه؛ لأنَّه لم (¬6) يَتْرُكْه. ¬

(¬1) في: باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 408. كما أخرجه أبو داود، في: باب الإشارة في التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 227. (¬2) المأبض: بطن الركبة. (¬3) في م: «جبرائيل». (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 538. (¬5) سقط من: الأصل. (¬6) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَتَوَرَّك إلَّا في صلاةٍ فيها تَشَهُّدان في الأخِيرِ منهما. وقال الشافعيُّ: يُسَنُّ التَّوَرُّكُ في كُلِّ تَشَهُّدٍ يُسَلِّمُ فيه، وإن لم يَكنْ ثانِيًا، كتَشَهُّدِ الصُّبحِ والجُمُعَةِ، لأنَّه تَشَهُّدٌ يُسَنُّ تَطْوِيلُه، فسُنَّ التَّوَرُّكُ فيه، كالثّانِي. ولَنا (¬1)، حديثُ وائلِ بنِ حُجْرٍ (¬2)، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمّا جَلَس للتَّشَهُّدِ افْتَرَشَ رِجْلَه اليُسْرَى، ونَصَب رِجْلَه اليُمْنَى. ولم يُفَرِّقْ بينَ ما يُسَلَّمُ فيه ولا ما لا يُسَلَّمُ. وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ في كلِّ رَكْعَتَيْن التَّحِيَّةَ، وكان يَفْرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى ويَنْصِبُ اليُمْنَى. رَواه مسلمٌ (¬3). وهذان يَقْضِيان على كُلِّ تَشَهُّدٍ بالافْتِراش، إلَّا ما خَرَج منه بحديثِ أبي حُمَيْدٍ في التَّشَهُّدِ الثّانِي، فيَبْقَى فيما عَدَاه على قَضِيَّةِ الأصْلِ، ولأن هذا ليس بتَشَهُّدٍ ثانٍ، فلا يُتَوَرَّكُ فيه، كالأوَّلِ، وهذا لأنَّ التَّشَهُّدَ الثّانِيَ إنَّما تُوُرِّكَ فيه للفَرْقِ بينَ التَّشَهُّدَيْن، وما ليس فيه تَشَهُّدٌ ثانٍ لا يَحْتاجُ إلى الفَرْقِ، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى، إن صَحَّ، فيُضَمُّ إليه هذا المَعْنَى الذى ذَكَرْناه، ويُعَلِّلُ بهما، والحُكْمُ إذا عُلِّلَ بمَعْنَيَيْن لم يَتَعَدَّ بدُونِهما. فصل: قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: ما تقولُ في تَشَهُّدِ سُجُودِ السَّهْوِ؟ قال: يُتَوَرَّكُ فيه أَيضًا، هو مِن بَقِيَّةِ الصلاةِ. يَعْنِي إذا كان مِن السَّهْوِ في صلاةٍ ¬

(¬1) في الأصل: «وأما». (¬2) يقدم تخريجه في صفحة 534. (¬3) في: باب ما يجمع صفة الصلاة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 357، 358. كما أخرجه أبو داود، في: باب من لم ير الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180، 181. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 194.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رُباعِيَّة؛ لأنَّ تَشَهدَها يُتَوَرَّكُ فيه، وهذا تابعٌ له. وقال القاضي: يتوَرَّكُ في كلِّ تَشَهُّدٍ لسُجُودِ السَّهْوِ بعدَ السَّلامِ، في الرُّباعِيَّةِ وغيرِها؛ لأنَّه تَشَهُّدٌ ثانٍ في الصلاةِ يَحتاجُ إلى الفَرْقِ. وقال الأَثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرجلُ يُدْرِكُ مع الإمامِ رَكْعَةً، فيَجْلِسُ الإِمامُ في الرّابعَةِ، أيتَوَرَّكُ معه الرجلُ المَسْبُوق في هذه الجَلْسَةِ؟ فقال: إن شاء تَوَرَّكَ. قُلْتُ: فإذا قام يَقْضِي، فيَجْلِسُ (¬1) في الرابعةِ هو (¬2)، فَيَنْبَغِي له أنَّ يَتَوَرَّكَ؟ فقال: نَعَمْ [يَنْبَغِي أن] (¬3) يَتَوَرَّكَ؛ لأنَّها هي (2) الرابِعَةُ، يَتَوَرَّكُ، ويُطِيلُ الجُلُوسَ في التَّشَهُّدِ الأخِير. قال القاضي: قولُه إن شاء تَوَرَّكَ. على سَبِيلِ الجَوازِ؛ لأنَّه (¬4) مَسْنُونٌ. وقد صَرَّحَ بذلك فِي رِوايَةِ مُهَنّا في مَن أدْرَكَ مِن صلاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْن، لا يَتَوَرَّكُ إلَّا في الأخِيرَتَيْن. ويَحْتَمِلُ أنَّ تكونَ هاتان رِوايَتَيْن. ¬

(¬1) في م: «يجلس». (¬2) سقط من: م. (¬3) زيادة من: م. (¬4) في م: «لا أنَّه».

432 - مسألة: (والمرأة كالرجل في ذلك كله، إلا أنها تجمع نفسها في الركوع والسجود، وتجلس متربعة، أو تسدل رجليها فتجعلهما في جانب يمينها. وهل يسن لها رفع اليدين؛ على روايتين)

وَالْمَرْأةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُودِ، وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً، أو تَسْدِلُ رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِيِنهَا. وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــ 432 - مسألة: (والمرأةُ كالرجل في ذلك كلِّه، إلَّا أنَّها تَجْمَعُ نَفْسَها في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً، أوْ تَسْدِلُ رِجْلَيْها فتَجْعَلُهما فِي جانِبِ يَمِينِها. وهل يُسَنُّ لها رَفْعُ اليَدَيْن؛ على رِوايَتَيْن) الأصْلُ أنَّ يَثْبُتَ في حَقِّ المرأةِ مِن [أحكامِ الصلاةِ] (¬1) ما يَثْبُتُ في حَقِّ الرجلِ؛ لشُمُولِ الخِطابِ لهما، غيرَ أنَّها لا يُسَنُّ لها التَّجافِي؛ لأنَّها عَوْرَةٌ، فاسْتُحِبَّ لها جَمْعُ نَفْسِها، ليكونَ أسْتَرَ لها، فإنَّه لا يُؤْمَنُ أنَّ يَبْدُوَ منها شئٌ حالَ التَّجافِي، وكذلك في الافْتِراشِ. قال عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إذا صَلَّتِ المرأةُ فَلْتَحْتَفِزْ (¬2)، ولتَضُمَّ فَخِذَيْها. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَأْمُرُ النِّساءَ أن يَتَرَبَّعْنَ في الصلاةِ. قال أحمدُ: السَّدْلُ أعْجَبُ إليَّ. واخْتارَه الخَلّالُ. ولا يُسَنُّ لها رَفْعُ اليَدَيْن في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه في مَعْنَى التَّجافِي. والرِّوايَةُ الأُخْرَى، يُشْرَعُ لها قِياسًا على الرجلِ، ولأنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، رَضىَ اللهُ عنها، كانت تَرْفَعُ يَدَيْها. ¬

(¬1)، في م: «الأحكام». (¬2) احتفز: تضامَّ في سجوده وجلوسه واستوى جالسًا على وركيه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ للمُصَلِّي أنَّ يُفَرِّجَ بينَ قَدَمَيْه ويُراوِحَ بينَهما إذا طالَ قِيامُه، قال الأثْرمُ: رَأَيْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُفَرِّجُ بينَ قَدَمَيْه، وَرأيْتُه يُراوِحُ بينَهما. رُوِيَ هذا عن عَمْرِو مَيْمُونٍ (¬1)، والحسنِ، وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن أبي عُبَيْدَةَ، قال: رَأَى عبدُ الله رجلًا يُصَلِّي صافًّا بين قَدَمَيْه، فقال: لو راوَحَ هذا بينَ قَدَمَيْه كان أفْضَلَ. ورَواه النَّسائِيُّ (¬2)، وفيه قال: أخْطَأَ السُّنَةَ (¬3)، لو راوَحَ بينَهما كان أعْجَبَ إليَّ. ولا يُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ منه؛ لِما رُوِيَ عن عَطاءٍ، قال: إنِّي لأُحِبُّ أنَّ يُقِلَّ التَّحْرِيكَ، وأن يَعْتَدِلَ قائِمًا على قَدَمَيْه، إلَّا أنَّ يكونَ إنسانًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ ذلك. فأمّا التَّطوُعُ فإنَّه يَطُولُ على الإِنسانِ، فلا بُدَّ مِن التَّوَكُّؤِ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مَرَّةً. وقد روى النَّجّادُ، بإسْنادِه، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَام أَحَدُكمْ فِي صَلَاتِه فَلْيُسْكِنْ أطْرَافَهُ، وَلَا يَمِيلُ مَيْلَ اليهُودِ» (¬4). ¬

(¬1) أبو عبد الله عمرو بن ميمون بن مهران الجزري الرقي، شيخ صدوق ثِقَة، تُوفِّي سنة خمس وأربعين ومائة. تهذيب التهذيب 8/ 108، 109. (¬2) في: باب الصف بين القدمين في الصلاة، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 99. (¬3) في الأصل: «والسنة». (¬4) أخرجه ابن عدي في الكامل 2/ 620. انظر كنز العمال 7/ 525، 8/ 199. من حديث أبي بكر الصديق.

فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: (ويُكْرَهُ الالْتِفاتُ في الصلاةِ) لغيرِ حاجَةٍ؛ لِما رُوِي عن عائشةَ، قالت: سَأَلْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الالْتِفاتِ في الصلاةِ، فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ». رَواه البُخارِيُّ (¬1). وعن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَزَالُ اللهُ ¬

(¬1) في: باب الالتفات في الصلاة، من كتاب الأذان، وباب صفة إبليس وجنوده؛ من كتاب بدء الخلق. صحيح البُخَارِيّ 1/ 191، 2/ 152. كما أخرجه أبو داود، في: باب الالتفات في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 209. والتِّرمذيّ، في: باب ما ذكر من الالتفات في الصلاة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 72. والنَّسائيّ، في: باب التشديد في الالتفات في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 8. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 70، 106.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاِتهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإذَا صَرَفَ وَجْهَهُ، انْصَرَفَ عَنْهُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬1). وعن أنَسٍ قال: قال لي رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإنَّ الالْتِفَاتَ فِيْهَا هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لَا بُدَّ ففِي التَّطَوُّعِ، لَا فِي الفَرِيضَةِ». رَواه التِّرمِذِيُّ (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. فإن كان لحاجَةٍ لم يُكْرَهْ؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ الحَنْظَليَّةِ، قال: ثُوِّبَ بالصَّلاةِ، فجَعَلَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ. رَواه أبو داودَ (¬3)، وقال: وكان أرْسَلَ فارِسًا إلى الشِّعْبِ يَحْرُسُ. وعن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، ولا يَلْوِي عُنُقَهُ. رَواه النَّسائِيُّ (¬4). ولا تَبْطُلُ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: الباب السابق. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 172. كما أخرجه النَّسائيّ في الباب السابق. والدارمي، في: باب كراهية الالتفات في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 331. (¬2) في: باب ما ذكر من الالتفات في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 3/ 70. (¬3) في: باب الرخصة في النظر في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 210. (¬4) في: باب الرخصة في الالتفات في الصلاة يمينًا وشمالًا، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 9. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ, في: باب ما ذكر من الالتفات في الصلاة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 70، 71. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 275، 306.

433 - مسألة: (و)

وَرَفْعُ بَصَرِهَ إلى السَّمَاءِ، وَافْتِرَاشُ الذِّرَاعَيْنِ فِي السُّجُودِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةُ بالالْتِفاتِ، إلَّا أنَّ يَسْتَدِيرَ عن القِبْلَةِ بجُمْلَتِه، أو يَسْتَدْبِرَها. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: جُمْهُورُ الفُقَهاءِ على أنَّ الالْتِفاتَ لا يُفْسِدُ الصلاةَ إذا كان يَسِيرًا. 433 - مسألة: (و) يُكْرَهُ (رَفْعُ بَصَرِه إلى السَّماءِ) لما روَى أنَسٌ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَا بَالُ أقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاِتهِمْ!». فاشْتَدَّ قولُه في ذلك، حتَّى قال: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أبْصَارُهُمْ». رَواه البُخارِيُّ (¬1). ويُكْرَهُ الاسْتِنادُ إلى الجِدارِ ونَحْوِه في الصلاةِ؛ لأنَّه يُزِيلُ مَشَقَّةَ القِيامِ والتَّعَبُّدَ به. 434 - مسألة؛ قال: (وافْتِراشُ الذِّراعَيْنِ فِي السُّجُودِ) قال التِّرمِذِيُّ: أهلُ العِلْمِ يَخْتارُون الاعْتِدالَ في السُّجُودِ. ورُوِيَ عن جابِرٍ، ¬

(¬1) في: باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 190/ 1، 191. كما أخرجه أبو داود، في: باب النظر في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 9/ 209، 210. والنَّسائيّ، في: باب النهي عن رفع البصر في السماء في الصلاة، من كتاب السهو. وابن ماجه، في: باب الخشوع في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 332. والدارمي، في: باب كراهية رفع البصر إلى السماء في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 298. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 109، 112، 115, 116، 140، 258.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ (¬1) ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ». رَواه التِّرمِذِيُّ (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي لَفْظٍ عن أنَسٍ (¬3)، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَسْجُدْ أحَدُكُمْ وَهُوَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ كَالْكلْب». وهذا هو المَنْهِيُّ عنه، كَرِهَه أهلُ العلمِ، وفي حديثِ أبي حُمَيْدٍ (¬4): فإذا سَجَد سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابِضِهِما. ¬

(¬1) في الأصل: «يفرش». (¬2) في: باب ما جاء في الاعتدال في السجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 75. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب الاعتدال في السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 288. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 305، 315، 389. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب المصلى يناجى ربه عز وجل، من كتاب المواقيت، وفي: باب لا يفترش زراعيه في السجود، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 141، 208. ومسلم، في: باب الاعتدال في السجود, ووضع الكفين على الأرض. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 355. وأبو داود, في: باب صفة السجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 206. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الركوع, في السجود، من كتاب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 75. والنَّسائيّ، في: باب الاعتدال في الركوع، من كتاب افتتاح الصلاة، وفي: باب النهي عن بسط الذراعين في السجود, وباب الاعتدال في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 143، 167، 169. وابن ماجه، في: باب الاعتدال في السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 288. والدارمي، في: باب النهي عن الافتراش ونقرة الغراب، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 303. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 109، 115، 177، 179, 191, 214, 274, 279, 291. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 400.

435 - مسألة: (و)

والإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ؛ وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ قدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُنَّةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 435 - مسألة: (و) يُكْرَهُ (الإِقْعاءُ في الجُلُوسِ، وهو أنَّ يَفْرِشَ قَدَمَيْه، ويَجْلِسَ على عَقِبَيْه. وعنه، أنَّه سُنَّةٌ) كذلك وَصَف أحمدُ الإِقْعاءَ، قال أبو عُبَيْدٍ (¬1): هذا قولُ أهْلِ الحديثِ، فأمّا عندَ العربِ، فهو جُلُوسُ الرجلِ على أَلْيَتَيْه ناصِبًا فَخِذَيْه، مثلَ إقْعاءِ الكَلْبِ. قال شيخُنا (¬2): ولا أعْلَمُ أحَدًا قال باسْتِحْبابِ الإِقْعاءِ على هذه الصِّفَةِ. فأمّا الأوَّلُ فكَرِهَه عليٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وقتَادَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وعليه العَمَلُ عندَ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لِما روَى الحارِثُ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ». وعن أنسٍ، قال: قال لي (¬3) رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ ¬

(¬1) غريب الحديث 1/ 210. (¬2) في: المغني 2/ 206. (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ». رَواهما ابنُ ماجه (¬1). وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه سُنَّةُ. فروَي مُهَنّا، عن أحمدَ، أنَّه قال: لا أفْعَلُه، ولا أعِيبُ على مَن يَفْعَلُه، العَبادِلَةُ كانُوا يَفْعَلُونَه. قال طاوسٌ: رَأيتُ العَبادِلَةَ يَفْعَلُونَه؛ ابنَ عُمَرَ، وابنَ الزُّبَيْرِ، وابنَ عباسٍ. وقال طاوسٌ: قُلْنا لابنِ عباسٍ في الإِقْعَاءِ على القَدَمَيْن في السُّجُودِ (¬2)؛ فقال: هي السُّنَّةُ. قال قُلْنا: إنّا لنَراهُ جَفاءً بالرَّجُلِ. فقال: هي سُنَّةُ نَبِيِّك. رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ (¬3). والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، وقد قال ابنُ عُمَرَ حينَ فَعَلَه: لا تَقْتَدُوا بي، فإنِّي قد كَبِرْتُ. وفي حديثِ عائِشةَ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يَفْتَرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ويَنْهَى عن عُقبَةِ (¬4) الشَّيْطانِ (¬5). ¬

(¬1) في: باب الجلوس بين السجدتين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 289. كما أخرج الأول التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في كراهية الإقعاء في السجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 79. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 146. (¬2) في م: «الجلوس». (¬3) أخرجه مسلم، في: باب جواز الإقعاء على العقبين، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 380، 381. وأبو داود، في: باب الإقعاء بين السجدتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 194. (¬4) في م: «قعية». وعقبة الشيطان: هو الإقعاء المنهي عنه. (¬5) أخرجه مسلم، في: باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 357، 358. وأبو داود, في: باب من لم ير الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 180، 181. وابن ماجه، في: باب افتتاح القراءة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 267. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 31, 171، 194، 281.

436 - مسألة: (ويكره أن يصلي وهو حاقن)

وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 436 - مسألة: (ويُكرَهُ أنَّ يُصَلِّيَ وهو حاقِنٌ) [متى كان الرجلُ حاقِنًا كُرِهَتْ له الصلاةُ] (¬1)، سَواءٌ خاف فَواتَ الجَماعَةِ أولا. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وصحابِ الرَّأْيِ؛ لِما رَوَتْ عائِشةُ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». رَواه مسلمٌ (¬2). ولأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن خشُوعِ الصلاةِ وحُضُورِ قَلْبِه فيها، فإن خالَفَ وفَعَل، صَحَّتْ صَلاتُه. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. وقال ابنُ أبي مُوسى: إن كان به مِن مُدافَعَةِ الأخْبَثَيْن ما يُزْعِجُه ويَشْغَلُه عن الصلاةِ، أعادَ، في الظاهِرِ مِن قولِه. وقال مالكٌ: أَحَبُّ إليَّ أنَّ يُعِيدَ إذا شَغلَه ذلك؛ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذى يريد أكله في الحال, وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 393. كما أخرجه أبو داود، في: باب أيصلي الرَّجل وهو حاقن، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 21. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 43، 54، 73.

437 - مسألة: (أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه)

أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لظاهِرِ الخَبَرِ. ولَنا، أنَّه لو صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعامِ، أو وقَلْبُه مَشْغُولٌ بشئٍ مِن الدُّنْيَا، صَحَّتْ صلاتُه. كذا هاهنا. وخبرُ عائشةَ أُرِيدَ به الكَراهَةُ؛ بدَلِيلٍ ما لو صَلَّى بحَضْرةِ الطَّعامِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّه لو صَلَّى بحَضْرَةِ الطَّعامِ، فأكْمَلَ صلاتَه، أنَّ صَلاتَه تُجْزِيُّه، وكذلك إذا صَلَّى حاقِنًا. 437 - مسألة: (أو بحَضْرَةِ طَعام تَتُوقُ نَفْسُه إلَيه) وبهذا قال عُمَرُ، وابنُه. وتَعَشَّى ابنُ عُمَرَ وهو يَسْمَعُ قِراءَةَ الإمامِ (¬1). وقال ابنُ عباسٍ: لا نَقُومُ إلى الصلاةِ وفي أنْفسِنا شئٌ. وبهذا قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ: يَبْدَأُ بالصلاةِ، إلَّا أنَّ يكونَ طَعامًا ¬

(¬1) انظر: باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه، من كتاب الأطعمة، في صحيح البُخَارِيّ 7/ 107.

438 - مسألة: (ويكره العبث)

وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ, ـــــــــــــــــــــــــــــ خَفِيفًا. ولَنا، حديثُ عائِشةَ الذى ذَكَرْناه. وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قُرِّبَ عشَاءُ أحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابدَءُوا بِالْعَشَاءِ، ولا يَعْجَلَنَّ (¬1) حَتى يَفْرُغَ مِنْهُ». رَواه مسلمٌ (¬2) وغيرُه. ولأنَّه إذا قَدَّمَ الصلاةَ على الطعامِ اشْتغَل قَلْبُه عن خُشُوعِها. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يَخْشَى فَواتَ الجماعةِ أو لم يخْشَ؛ لعُمُومِ الحديِثَيْن. هذا إذا كانت نَفْسُه تَتُوقُ إليه، أو يَخْشَى فَواتَه، أو فواتَ بعضِه إن تَشاغَلَ بالصلاةِ، أو تكونُ حاجَتُه إلى البِدايةِ به، لوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ. فإن لم يَفْعَلْ وبَدَأ بالصلاةِ، صَحَّتْ، في قَوْلهم جمِيعًا. حكاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ؛ لأنَّ البِدايَةَ بالطَّعامِ رُخْصَةٌ، فإن لم يَفْعَلْها صَحَّتْ صَلاتُه، كسائِرِ الرُّخَصِ. 438 - مسألة: (ويُكْرَهُ العَبَثُ) في الصلاةِ؛ لِما رُوِي أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى رجلًا يَعْبَثُ في الصلاةِ، فقال: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ ¬

(¬1) في الأصول: «تعجلوا». والمثبت من صحيح مسلم. (¬2) في: باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام الذى يريد أكله في الحال. . . . إلخ، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 392. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، من كتاب الأذان، وباب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه، من كتاب الأطعمة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 171, 7/ 107. وأبو داود، في: باب إذا حضرت الصلاة والعشاء، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 310. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 20، 103، 148.

439 - مسألة؛ قال: (والتروح، وفرقعة الأصابع، وتشبيكها)

وَالتَّخَصُّرُ، وَالتَّرَوُّحُ، وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابعِ وَتَشْبيكُهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ هَذَا، لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (¬1). (و) يُكْرَهُ (التَّخَصُّرُ)، وهو أن يَضَعَ يَدَه على خاصِرَتِه، لِما روي أبو هُريْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى أنَّ يُصَلِّيَ الرجلُ مُتَخَصِّرًا. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). 439 - مسألة؛ قال: (والتَّروُّحُ، وفَرْقَعَةُ الأصابِعِ، وتَشْبِيكُها) يُكْرَهُ التَّرَوُّحُ، إلَّا مِن غَمٍّ شَدِيدٍ، لأنَّه مِن العَبَثِ. وبذلك قال إسْحاقُ، وعَطاءٌ، وأبو عبدِ الرَّحْمنِ، ومالكٌ، ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرينَ، ومجاهِدٌ، والحسنُ. ويُكْرَهُ فَرْقَعَةُ الأصابعِ، وتشْبِيكُها في الصلاةِ؛ لِما روَى علىٌّ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا تُفَقِّعْ (¬3) أصَابعَكَ وَأنْتَ فِي الصَّلَاةِ» رَواه ابنُ ماجه (¬4). وعن كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأَى رَجُلًا قد ¬

(¬1) ذكره السيوطى، في الجامع الكبير 1/ 666، وعزاه للحكيم التِّرْمِذِيّ، عن أبي هريرة. وانظر: فيض القدير 5/ 319. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الخصر في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 84. ومسلم، في: باب كراهة الاختصار في الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 387. كما أخرجه أبو داود، في: باب الرَّجل يصلي مختصرًا، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 217. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في النهي عن الاختصار في الصلاة, من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 175، 176. والنَّسائيّ، في: باب النهي عن التخصير في الصلاة، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 98. والدارمي، في: باب النهي عن الاختصار في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 332. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 232، 290، 295، 331، 399. (¬3) في تش: «تقعقع». (¬4) في: باب ما يكره في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 310.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شَبَّكَ أصابِعَه في الصلاةِ، ففَرَّجَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بينَ أصابِعِه. رَواه التِّرمِذِيُّ، وابنُ ماجه (¬1). [وقال ابنُ عُمَر، في الذي يُصلِّي وهو مُشبِّكٌ: تلك صلاةُ المغْضُوبِ عليهم. رَواه ابنُ ماجه] (¬2). فصل: وإذا تَثاءَبَ في الصلاةِ اسْتُحِبَّ أنَّ يَكْظِمَ ما اسْتَطاعَ، فإن لم يقْدِرْ، وَضَع يَدَه على فيه؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا تَثَاءَبَ أحَدُكمْ فِي الصَّلَاة فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطاعَ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ». رَواه مسلمٌ (¬3). وللتِّرمِذِيِّ (¬4): «فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ». فصل: ومِمّا يُكْرَهُ في الصلاةِ أن يَنْظُرَ إلى ما يُلْهِيه، أو يَنْظُرَ في كتابٍ؛ لِما رُوِيَ عن عائِشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى في خَمِيصَةٍ لها أعْلامٌ، فقال: «شَغَلَتْنِي أعْلَامُ هَذِهِ، اذْهبُوا بِهَا إلى أَبِي جَهْمِ بنِ ¬

(¬1) لم نجده عند التِّرْمِذِيّ، وأخرجه ابن ماجه، في: باب ما يكره في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 310. (¬2) سقط من: م. ولم نجده في ابن ماجه؛ وأخرجه أبو داود, في: باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 228. (¬3) في: باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، من كتاب الزهد. صحيح مسلم 4/ 2294. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في التثاؤب، من كتاب الأدب. سنن أبي داود 2/ 601. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة، سنن أبواب الصلاة 2/ 164، 165. وابن ماجه، في: باب ما يكره في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 310، والدارمي، في: باب التثاؤب في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 321. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 317، 428، 517، 3/ 31، 37, 93, 97. (¬4) في: باب ما جاء إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 10/ 206.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حُذيْفَةَ وَائْتُونِي بأنْبِجَانِيَّتهِ» (¬1). مُتِّفَقٌ عليه (¬2). وقال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لعائشةَ: «أمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ (¬3) هَذَا؛ فإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ (¬4) تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاِتِي». رَواه البخاريُّ (¬5). ويُكْرهُ أنَّ يُصَلِّيَ وهو مَعْقُوصٌ أو مَكْتُوفٌ، لِما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه رَأى عبدَ اللهِ بنَ الحارِثِ يُصَلِّي ورَأْسُه مَعْقوصٌ مِن وَرائِه، فقام إليه [فَجَعَلَ يَحُلُّه] (¬6)، فلمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ على ابنِ عباسٍ، فقال: مالَكَ وَرأْسِي؟ فقال (¬7): إنِّي سَمِعْتُ ¬

(¬1) هو كساء غليظ لا علم له. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها، من كتاب الصلاة، وفي: باب الالتفات في الصلاة، من كتاب الأذان، وفي: باب الأكسية والخمائص، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 1/ 104، 105، 191، 7/ 190. ومسلم، في: باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 391. كما أخرجه أبو داود، في: باب النظر في الصلاة، من كتاب الصلاة، وفي: باب من كرهه (أي لبس الحرير)، من كتاب اللباس. سنن أبي داود 1/ 210، 2/ 371. والنَّسائيّ، في: باب الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 56. وابن ماجه، في: باب لباس رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 2/ 1176. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 37. (¬3) القرام: الستر الرقيق، وفيه رقم ونقوش. (¬4) في الأصل: «التصاوير». (¬5) في: باب إن صلى في ثوب مصلَّب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك، من كتاب الصلاة، وفي: باب كراهية الصلاة في التصاوير، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 1/ 105، 7/ 216 - كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 151، 283. (¬6) في م: «فحَلَّه». (¬7) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «إنَّمَا مَثَل هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ». رَواه مسلمٌ (¬1). ويُكْرَهُ أن يكُفَّ شَعَرَه أو ثِيابَه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ، وَأنْ لَا أكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثوْبًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العِلْم في كَراهِيَةِ هذا كلِّه (¬3) خِلافًا، ونُقِلَتْ كَراهةُ بعضِه عن ابنِ عباسٍ، وعائشةَ. ويُكْرَهُ أن يُكْثِر الرجلُ مسْحَ جَبْهَتِه في الصلاةِ؛ لِما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: مِن ¬

(¬1) في: باب أعضاء السجود والنبى عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 355. كما أخرجه أبو داود, في: باب الرَّجل يصلي عاقصا شعره، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 150، 151. والنَّسائيّ، في: باب مثل الذى يصلي ورأسه معقوص، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 170. والدارمي، في: باب في عقص الشعر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 321. والإمام أَحْمد، في المسند 1/ 304, 316. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب السجود على سبعة أعظم، وباب السجود على الأنف, وباب لا يكف شعرًا، وباب لا يكف ثوبه في الصلاة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 216، 207. ومسلم، في: باب أعضاء السجود والنهى عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 354. كما أخرجه أبو داود، في: باب أعضاء السجود, من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 205. والنَّسائيّ، في: باب على كم السجود، وفي: أبواب السجود على الأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين، وفي: باب النهي عن كف الشعر في السجود، وباب النهي عن كف الثوب في السجود، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 164 - 166، 170. وابن ماجه، في: باب في السجود، وباب كف الشعر والثوب، في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 286، 331. والدارمي، في: باب السجود على سبعة أعظم وكيف العمل في السجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 302. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 221، 222، 255، 270، 279، 280، 285، 286: 292، 305 , 324. (¬3) زيادة من: تش.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الجَفاءِ أن يُكْثِرَ الرِجلُ مَسْحَ جَبْهَتِه، قبل [أن يَفْرَغَ مِن الصلاةِ (¬1). ولِما روَى أبو هُرَيرةَ أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّ مِن الْجَفاءِ أنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ قَبْلَ] (¬2) الفَراغِ مِنْ صلاتِهِ». رَواه ابن ماجه (¬3). ويُكْرَهُ النَّفْخُ، وتَحْرِيكُ الحَصا؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: رَأَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- غُلامًا لَنا، يُقال له أفْلَحُ، إذا سَجَد نَفَخ، فقال: «يَا أفْلَحُ تَرِّبْ وَجْهَكَ». رَواه التِّرمِذِيُّ (¬4). إلَّا أنَّ فيه مَقالًا. قال ابنُ عباسٍ: لا تَمْسَحْ جَبْهَتَك، ولا تَنْفُخْ، ولا تُحَرِّكِ الحَصا. ورَخَّصَ فيه مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْيِ. ويُكْرَهُ مَسْحُ الحَصا؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذا قامَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الحَصا؛ فإنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (¬5). ويُكْرَهُ أن يَعْتَمِدَ على يَدِه في الجُلُوسِ في الصلاةِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَجْلِسَ الرجلُ ¬

(¬1) أخرجه بمعناه البيهقي، في باب لا يمسح وجهه من التُّراب في الصلاة حتَّى يسلم، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 285. (¬2) سقط من: الأصل، م. (¬3) في: باب ما يكره في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 309، 310. (¬4) في: باب ما جاء في كراهية النفخ في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 172. (¬5) أخرجه أبو داود، في: باب في مسح الحصا في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 217. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية مسح الحصا في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 3/ 171. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب النهي عن مسح الحصا في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 7. وابن ماجه، في: باب مسح الحصا في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 328. والدارمي، في: باب النهي عن مسح الحصا، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 322. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 150، 163، 179.

440 - مسألة: (وله رد المار بين يديه)

وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ في الصلاةِ وهو مُعْتَمِدٌ على يَدِه. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬1). ويُكْرَهُ أن يُغْمِضَ عَيْنَيْه في الصلاةِ. نَصَّ عليه، وقال: هو مِن فِعْل اليَهُودِ. وهو قولُ سُفْيانَ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ، والأوْزاعِيِّ. ورُوِيَتِ الرُّخْصَة فيه مِن غير كَراهَةٍ عن الحسنِ، ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ». رواه الطَّبَرانِيُّ (¬2)، ويُكْرَهُ الرَّمْزُ بالعَيْنِ، والإِشارةُ لغيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّه يَذهَبُ بخُشُوعِ الصلاةِ. ويُكْرَهُ إخْراجُ لِسانِه وفَتْحُ فَمِهِ، لأنَّه خُرُوجٌ عن هَيْئَةِ الخُشُوعِ. 440 - مسألة: (وله رَدُّ المارِّ بينَ يَدَيْه) ليس لأحَدٍ أن يَمُرَّ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي، إذا لم يَكُنْ بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ، وإن كان له سُتْرَةٌ، فليس له المُرُورُ بينَه وبينَها، لِما روَى أبو جَهْمٍ الأنْصارِيُّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، ¬

(¬1) أخرجه أبو داود, في: باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 227. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 147. (¬2) في: المعجم الكبير 11/ 34. والمعجم الصغير 1/ 17. وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد 2/ 83.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْن يَدَيْهِ» (¬1). ولمسلمٍ (¬2): «لَأَنْ يَقِفَ أحَدُكمْ مِائَة عَامٍ، خَيْرٌ لَه مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي». ورُوِيَ عن يَزِيدَ (¬3)، قال: رَأَيْت رجلًا بتبُوكَ مُقْعدًا، فقال: مَررْتُ بينَ يَدَيْ رسُولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأنا على حِمارٍ، وهو يُصَلِّي فقال: «اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ». فما مَشَيْتُ عليها بعدُ. رواه أبو داودَ (¬4). وفي ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إثم المار بين يدى المصلي، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 136. ومسلم, في: باب منع المار في يدى المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 363. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما ينهى عنه من المرور بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 161. والتِّرمذيّ, في: باب ما جاء في كراهية المرور بين يدى المصلي، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 131. والنَّسائيّ، في: باب التشديد في المرور بين يدى المصلى وسترته، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 52. وابن ماجه، في: باب المرور بين يدى المصلي، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 304. والدارمي، في: باب كراهية المرور بين يدى المصلي، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 330. والإمام مالك، في: باب التشديد في أن يمر أحد بين يدى المصلي، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 154. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 169. (¬2) ليس هذا عند مسلم؛ من حديث أبي جهم، وإنما أخرجه ابن ماجه، في: باب المرور بين يدى المصلى، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 304. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 371، من حديث أبي هريرة. (¬3) هو يزيد بن نمران بن يزيد المذحجى، من الثِّقات. تهذيب التهذيب 11/ 365. (¬4) في: باب تفريع أبواب ما يقطع الصلاة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 162. كما رواه الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 64, 5/ 377.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لفظٍ قال: «قَطَعَ صَلَاتَنَا، قَطَعَ الله أَثَرَهُ». وإن أَرادَ [أحدٌ المرُورَ بين يدَيْه، فلَهُ مَنْعُه. يُرْوَى ذلك عن (¬1) ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِه سالِمٍ. وهو قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافهم؛ لِما روى أبو سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «إذَا كَانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي إلى سُتْرةٍ مِنَ النَّاسِ، فأرَادَ] (¬2) أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فإنْ أبَى فَلْيُقَاتلْهُ، فإنَّما هُوَ شَيْطَانٌ». [مُتَّفَقٌ علَيه (¬3). ولأبي داودَ (¬4): إذا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولْيَدْرَأْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإنَّما هُوَ شَيْطَانٌ] (¬5). ومَعْناه، واللهُ أعْلَمُ، [أي ليَدْفَعْه] (¬6)، فإن ألَحَّ فلْيُقاتِلْه، أي يَعْنُفُ في دَفْعِه. وقولُه: «فَإنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». أي فِعْلُه فِعْلُ شَيْطانٍ، أو الشَّيْطانُ يَحْمِلُه ¬

(¬1) زيادة من: تش. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب يرد المصلي من مر بين يديه، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 135، 136. ومسلم، في: باب منع المار بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 362، 363. وأبو داود، في: باب ما يؤمر المصلى أن يدرأ عن الممر بين يديه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 161. والنَّسائيّ، في: باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان 8/ 55، من كتاب القسامة. المجتبي 8/ 55، وابن ماجه، في: باب ادرأ ما استطعت، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 307. والدارمي، في: باب في دنو المصلى إلى السترة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 328. والإمام مالك، في: باب التشديد في أن يمر أحد بين يدى المصلى، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 154. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 34، 43، 44, 49، 57، 63. (¬4) في الباب السابق ذكره. (¬5) سقط من: م. (¬6) في م: «فيدفعه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على ذلك. وقِيلَ: مَعْناه، أنَّ معه شَيْطانًا. وأكْثَرُ الرواياتِ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ المارَّ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي إذا ألَحَّ في المُرُورِ، وأبَى الرُّجُوعَ، فللْمصَلِّي أن يَجْتَهِدَ في رَدِّه، ما لم يُخرِجْه ذلك إلى إفْسادِ صلاتِه بكَثْرَةِ العَمَلِ فيها. ورُوِيَ عنه، أنَّه قال: يَدْرَأُ (¬1) ما اسْتَطاعَ، وأكْرَهُ القِتالَ فيها. وذلك لما يُفْضِي إليه مِن الفِتْنَةِ وفَسادِ الصلاةِ، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنَّما أمَر برَدِّه حِفْظًا للصَّلاةِ عمَّا يَنْقصُها، فيُعْلَمُ أنَّه لم يُرِدْ ما يُفْسِدُها بالكُلِّيَّةِ، فيُحْمَلُ لَفْظُ المُقاتَلَةِ على ادَفع أبْلَغَ مِن الدَّفْعِ الأوَّلِ. واللهُ أعلمُ. ويُؤيِّدُ ذلك ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ يُصَلِّي في حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، فمَرَّ بينَ يَدَيْه عبدُ اللهِ، أو عُمَرُ (¬2) بنُ أبي سَلَمَةَ، فقال بيَدِه، فرَجَعَ، فمَرَّتْ زينبُ بنتُ أمِّ سَلَمَةَ، فقال بيَدِه هكذا، فَمَضَتْ، فلمَّا صَلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «هُنَّ أغْلَبُ». رَواه ابنُ ماجه (¬3). وهذا يَدُلُّ على أنَّه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يجْتَهِدْ في الدَّفْعِ. ¬

(¬1) في م: «يرد». (¬2) في م. «عمرو». (¬3) في: باب ما يقطع الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 3505. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 294.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَرُدَّ ما مَرَّ بينَ يَدَيْه مِن كَبِيرٍ وصَغِيرٍ، وبَهِيمَةٍ؛ لِما رَوَيْنا مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، ورَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى جَدْرٍ (¬1)، فاتَّخَذَه قِبْلَةً، ونحن خَلْفَه، فجاءَتْ بَهْمَةٌ (¬2) تَمُرُّ بينَ يَدَيْه، فما زال يُدارِئُها حتَّى لَصِق بَطْنُه بالجَدْرِ، فمَرَّتْ مِن وَرائِه (¬3). ¬

(¬1) في م: «جدار». (¬2) في م: «بهيمة». (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب سترة الإمام سترة من خلفه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 163. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 196.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن مَرَّ بينَ يَدَيْه إنسانٌ فعَبَرَ، لم يُسْتَحَبَّ رَدُّه مِن حيثُ جاء. وهذا قولُ الشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ؛ وابنِ المُنْذِرِ، ورُوِيَ عن ابن مسعودٍ، أنَّه يَرُدُّه مِن حيثُ جاء، وفَعَلَه سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَر برَدِّه، فيَتَناوَلُ العابِرَ. ولَنا، أنَّ هذا مُرُورٌ ثانٍ، فيَنْبَغِي أن لا يتَسَبَّبَ إليه كالأوَّلِ، ولأنَّ المارَّ لو أَرادَ أن يَعُودَ مِن حيثُ جاء لكان مَأْمُورًا بمَنْعِه (1)، ولم يَحِلَّ للعابِرِ العَوْدُ، والحديِثُ إنَّما يَتَناوَل مَن أَرادَ المُرُورَ؛ لقوْلِه: «فَأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ». وبعدَ العُبورِ فليس هو مُرِيدًا للاجْتِيازِ. فصل: ولا يَقْطَعُ المُرورُ الصلاةَ، بل يَنْقُصُها. نَصَّ عليه. ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ لَيَضَعُ نِصْفَ الصلاةِ. قال القاضي: يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ نَقْصُ الصلاةِ على مَن أمْكنَه الرَّدُّ فلم يَفْعَلْه، أمّا إذا لم يُمْكِنْه الرَّدُّ فصلاتُه تَامَّة؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه ما يَنْقُصُ الصلاةَ، فلا يُؤَثِّرُ فيها ذَنْبُ غيرِه. واللهُ أعلمُ.

441 - مسألة: (و)

وَعَدُّ الْآيِ، وَالتَّسبِيحِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 441 - مسألة: (و) له (عَدُّ الآيِ، والتَّسْبِيحِ) لا بَأْسَ بعَدِّ الآيِ في الصلاةِ. فأمّا التَّسْبِيحُ، فتَوَقَّفَ فيه أحمدُ، وقال أبو بكرٍ: هو في مَعْنَى عَدِّ الآيِ. [وقال ابنُ أبي مُوسى: لا يُكْرَهُ في أصَحِّ الوَجْهَيْن] (¬1). وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، وإسْحاقَ. وكَرِهَه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن خُشُوعِ الصلاةِ. ولَنا، إجماعُ التّابِعين؛ فإنَّه حُكِيَ عن مَن سَمَّيْنا، مِن غير خِلافٍ في عصرِهم، فكان إجْماعًا، وإنَّما كَرِهَ أحمدُ عَدَّ التَّسْبِيحِ دُونَ الآيِ؛ لأنَّ المَنْقُولَ عن السَّلَفِ إنَّما هو عَدُّ الآيِ. وكَرِهَ الحسنُ أن يَحْسِبَ شيئًا سِواه، ولأنَّ التَّسْبِيحَ يَتَوالَى لقِصَرِه. فيَتَوالى حِسَابُه، فيَصِيرُ فِعْلًا كَثِيرًا. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا بَأْسَ بالإشارَةِ في الصلاةِ باليَدِ والعَيْنِ، لِما روَى ابنُ عمرَ، وأنَسٌ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ في الصلاةِ. روَى الدّارَقُطنِيُّ حديثَ أنَسٍ بإسْنِادٍ صَحِيحٍ. ورَواه أبو داودَ (¬1). ورَوَى التِّرَمِذِيُّ (¬2) حديثَ ابنِ عُمَرَ، وقال: حسنٌ صَحِيحٌ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الإشارة في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 216. والدارقطني, في: باب الإِشارة في الصلاة، من كتاب الجنائز. سنن الدارقطني 2/ 84. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 138. (¬2) في: باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 162. كما أخرجه الدارقطني، انظر: الباب السابق.

442 - مسألة: (و)

وَقَتْلُ الْحَيَّة وَالْعَقْرَبِ وَالْقَمْلَةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ، مَا لَمْ يَطُلْ, ـــــــــــــــــــــــــــــ 442 - مسألة: (و) له (قَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ والقَمْلَةِ، ولُبْسُ الثَّوْبِ والعِمامَةِ، ما لم يَطُلْ) وهو قولُ الحسنِ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصحاب الرَّأْيِ. وكَرِهَه النَّخَعيُّ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن الصلاةِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَر بقَتْل الأسْوَدَيْن في الصلاةِ؛ الحَيَّةِ والعَقْرَب. رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ. ولا بَأسَ بقَتْلِ القَمْلِ؛ لأنَّ عُمَرَ وأنَسًا كانا يَفْعَلانه. وقال القاضي: التَّغافُلُ عنه أوْلَى. وقال الأوْزاعِيُّ: تَرْكُه أَحَبُّ إليَّ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُ عن الصلاةِ لأمْرٍ غيرِ مُهِمٍّ، يُمْكنُ اسْتِدْراكُه بعدَ الصلاةِ، ورُبَّما كَثُرَ فأبْطَلَها. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب العمل في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 211. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 181. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب قتل الحية والعقرب في الصلاة, من كتاب السهو. المجتبى 3/ 9، 10. وابن ماجه، في: باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 394. والدارمي، في: باب قتل الحية والعقرب في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 354. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 233، 248، 255، 284، 473، 475، 490.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا بَأْسَ بالعَمَلِ اليَسِيرِ للحاجَةِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي والبابُ عليه مُغْلَقٌ، فجِئْتُ (¬1) فاسْتَفْتَحْتُ، فمَشَى، ففَتَحَ لِي، ثم رَجَع إلى مُصَلَّاه. رَواه أبو داودَ (¬2)، ورَواه أحمدُ (¬3)، عن عائشةَ، وفيه: ووَصَفَتْ له البابَ في القِبْلَةِ. وروَى أبو قَتادَةَ، قال: رَأَيْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَؤُمُّ النَّاسَ، وأُمامَةُ بنتُ زينبَ بنتِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على عاتِقِه، فإذا رَكَع وَضَعَها، وإذا رَفَع مِن السُّجُودِ رَدَّها. رَواه مسلمٌ (¬4). وصَلَّى أبو بَرْزَةَ ولِجامُ دابَّتِه في يَدِه، فجَعَلْتِ الدّابَّةُ تُنازِعُه، وجَعَل يَتْبَعُها، وجعل رجلٌ مِن الخَوارِجِ يقولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بهذا الشَّيْخِ. فلَمَّا انْصَرفَ، قال: إنِّي سَمِعْتُ قولَكم، وإنِّي غزَوْتُ مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سِتَّ غَزَواتٍ أو سَبْعَ غَزَواتٍ أو ثَمانٍ (¬5)، وشَهدْتُ مِن تَيسِيرِه أنِّي إن كُنْتُ أرجِعُ مع دابَّتِي أَحَبُّ إليَّ مِن أن تَرْجِعَ إلى مَأْلفِها، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: باب العمل في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 211. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 81. (¬3) في: المسند 6/ 31. (¬4) تقدم تخريجه في 1/ 160. (¬5) انظر حاشية صحيح البُخَارِيّ 2/ 81.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيَشُقَّ عليَّ. رَواه البُخَارِيّ (¬1). قال: لا بَأْسَ أن يَحْمِلَ الرجلُ وَلَدَه في صلاةِ الفَرِيضَةِ؛ لحديثِ أبي قَتادَةَ. ورُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه الْتَحَفَ بإزارِه وهو في الصلاةِ (¬2). فلا بَأْسَ إن سَقَط رِداءُ الرجلِ أن يَرْفَعَه لذلك، وإنِ انَحَلَّ إزارُه أن يَشُدَّه. وإن عَتَقَتِ الأمَةُ في الصلاةِ اخْتَمَرَتْ، وبَنَتْ على صلاِتها. وقال: مَن فَعَل كفِعْلِ أبي بَرْزَةَ، حينَ مَشَى إلى الدَّابَّةِ حينَ أفْلَتَتْ منه، فصلاتُه جائِزَةٌ. وهذا لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- هو المُشَرعُ، فما فَعَلَه وأمَرَ به، فلا بَأْسَ به؛ [لِما ذَكَرْنا] (¬3). وقد روَى سَهْلُ بنُ سعدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى على مِنْبَرِه، فإذا أَرادَ أن يَسْجُدَ نَزَل عن المِنْبَرِ فسَجَدَ بالأرضِ، ثم رَجَع إلى المِنْبَرِ، كذلك حتَّى قَضَى صلاتَه (¬4). وفي حديثِ جابِرٍ، في صلاةِ الكُسوفِ، قال: ثم [تَأَخَّرَ و] (¬5) تَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَه (¬6)، حتى انْتَهَيْنَا إلى النِّساءِ، ثم تَقَدَّمَ وتَقَدَّمَ النّاسُ معه، حتَّى قام في مَقامِه. مُتَّفَقٌ عليه (¬7) فكلُّ هذا ¬

(¬1) في: باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة، وفي: باب قول النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: يسروا ولا تعسروا، من كتاب الأدب. صحيح البُخَارِيّ 2/ 81، 82، 8/ 37. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 419 من حديث وائل بن حجر. (¬3) سقط: م. (¬4) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الخطبة على المنبر، من كتاب الجمعة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 11. ومسلم، في: باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 386، 387. كذلك أخرجه أبو داود، في: باب اتخاذ المنبر, من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 248. والنَّسائيّ، في: باب الصلاة على المنبر، من كتاب المساجد. المجتبي 2/ 45. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 339. (¬5) سقط من: الأصل. (¬6) سقط من: م. (¬7) حديث جابر لم يخرجه البُخَارِيّ، وأخرجه مسلم، في: باب ما عرض على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلاة الكسوف =

443 - مسألة: (وإن طال الفعل في الصلاة أبطلها، [عمدا كان أو سهوا]

فَإنْ طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ أبْطَلَهَا، عمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا، إلَّا أنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ وأشْباهُه لا بَأْسَ به في الصلاةِ، ولا يُبْطِلُها، وإن فَعَلَه لغيرِ حاجَةٍ، كُرِهَ ولم يُبْطِلْها أَيضًا؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ، قال: كان رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رُبَّما يَضَعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصلاةِ، وربَّما مَسَح لِحْيَتَه وهو يُصَلِّي. رواه البَيْهَقِيُّ (¬1). فصل: ولا يَتَقَدَّرُ الجائِزُ مِن هذا بثَلاثٍ، ولا بغيرها مِن العَدَدِ؛ لأنَّ فِعْلَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الظاهِرُ منه في زيادَتُه على ثلاثٍ، كتَأَخُّرِه، حتَّى تَأَخَّرَ الرِّجالُ، فانْتَهَوْا إلى النِّساءِ، وكذلك مَشْىُ أبي بَرْزَةَ مع دابَّتِه، ولأنَّ التَّقْدِيرَ بابُه التَّوْقِيفُ، وهذا لا تَوْقِيفَ فيه، لكنْ يُرْجَعُ في الكثيرِ واليَسِيرِ إلي العُرْفِ فيما يُعَدُّ كثيرًا ويَسِيرًا، وما شابَهَ فِعْلَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فهو يَسِيرٌ. 443 - مسألة: (وإن طال الفِعْلُ في الصلاةِ أبْطَلَها، [عَمْدًا كان أو سَهْوًا] (¬2)، إلَّا أن يَفْعَلَه مُتَفرِّقًا) متى طال الفِعْلُ في الصلاةِ ¬

= من أمر الجنة والنار، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 623. كما أخرجه أبو داود, في: باب من قال: أربع ركعات، من كتاب الاستسقاء. سنن أبي داود 1/ 269. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 318، 5/ 137. (¬1) في: باب من مس لحيته في الصلاة من غير عبث، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 264. (¬2) في الأصل، م: «عمده وسهوه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [وكَثُرَ، أبْطَلَ الصلاةَ] (¬1) إجماعًا، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، إذا كان مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، إلَّا أن يكونَ لضَرُورَةٍ، فيكونَ حُكمُه حُكْمَ الخائِفِ، فلا تَبْطلُ الصلاةُ به، وإن فَعَلَه مُتَفَرِّقًا، لم تَبْطُلِ الصلاةُ أَيضًا إذا كان كُلُّ عَمَلٍ منها يَسِيرًا؛ بدَلِيلِ حَمْلِ النبيِّ أُمامَةَ، ووَضْعِها في كُلِّ رَكْعَةٍ، فإنَّ ذلك لو جُمِعَ كان كثيرًا، ولم تَبْطُلْ به؛ لتَفَرُّقِه، فإنِ احْتاجَ إلى الفِعْلِ الكثيرِ [في الصلاةِ] (¬2) لغيرِ ضَرُورَةِ [الصلاةِ قَطَع الصلاةَ وفَعَلَه] (¬3). قال أحمدُ: إذا رَأى صَبيَّيْن يَتَخَوَّفُ أن يُلْقِيَ أحَدُهُما صاحِبَه ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سقط من: م. (¬3) في الأصل، م: «قطع الصلاة فعله».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في البئْرِ، فإنَّه يَذْهَبُ إليهما، فيُخَلِّصُهُما ويَعُودُ في صلاِته. وقال: إذا لَزِم رَجُلٌ رجلًا، فدَخَلا المَسْجِدَ وقد أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فإذا سَجَد الإِمامُ خَرَج المَلْزُومُ، فإن الذى كان يَلْزَمُه يَخْرُجُ في طلَبِه. يَعْنِي: ويَبْتَدِئُ الصلاةَ. وهكذا لو رَأَى حَرِيقًا يُرِيدُ إطْفاءَه، أو غَرِيقًا يُرِيدُ إنْقاذَه خَرَج إليه، وابْتَدَأَ الصلاةَ (¬1). فإن خافَ على نَفْسِه مِن الحَرِيقِ ونَحْوِه في الصلاةِ، ففَرَّ منه، بَنَى على صلاتِه وأَتَمَّهَا صلاةَ خائِفٍ؛ لِما (¬2) ذَكَرْنا مِن قبلُ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «على ما».

444 - مسألة: (ويكره تكرار الفاتحة)

وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 444 - مسألة: (ويُكْرَهُ تَكْرارُ الفاتِحَةِ) لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولا عن أصحابِه، [ولأنَّها في] (¬1) إبْطالِ الصلاةِ بتَكَرُّرِها خِلافٌ، فكُرِهَ لذلك. ¬

(¬1) في تش: «ولأنها ركن وفي».

445 - مسألة: (و)

وَالجَمْعُ بَيْنَ سُوَلي فِي الْفَرْضِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 445 - مسألة: (و) يُكْرَهُ (الجَمْعُ بينَ سُوَرٍ في الفَرْضِ، ولا يُكْرَهُ في النَّفْلِ) أمّا الجَمْعُ بينَ السُّوَرِ في النَّفْلِ فلا يُكْرَهُ. رِوايَةً واحِدَةً. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قرَأ في رَكْعَةٍ سورةَ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والنِّساءِ (¬1). وقال ابنُ مسعودٍ: لقدْ عَرَفْتُ النَّظائِرَ التى كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ. فذَكَرَ عِشْرِين سُورَةً مِن المُفَصَّلِ، سُورَتَيْن في كلِّ (¬2) ¬

(¬1) ورد هذا في حديث حذيفة بن اليمان، قال: صلَّيْتُ مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى، فقلت: يصلِّي بها في ركعة. فمضى، فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها. . . . أخرجه مسلم، في: باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 536، 537. وعن عائشة، رضي الله عنها. كنتُ أقوم مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الليل التام، يقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء. أخرجه البيهقي, في: باب الوقوف عند آية الرحمة وآية العذاب، من كتاب الصلاة السنن الكبرى 3/ 310. كما أخرج البيهقي، في الباب نفسه نحوه عن عوف بن مالك الأَشجعيّ، قال: قمت مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقام، فقرأ سورة البقرة. . . . ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة. (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَكْعَةٍ. مُتِّفَقٌ عليه (¬1). وكان عثمانُ، رَضِيَ اللهُ عنه، يَخْتِمُ القُرْآنَ في رَكْعَةٍ (¬2). وأمّا الفَرِيضَةُ فيُسْتَحَبُّ أن يَقْتَصِرَ فيها على سُورَةٍ بعدَ الفاتِحَةِ، مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- هكذا كان يُصَلِّي أكْثَرَ صلاِته. وهل يُكْرَهُ الجَمْعُ بينَ السُّورَتَيْن فيها؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يُكْرَهُ؛ لِما ذَكَرْنا. والثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ مُطْلَقٌ. ورُوِيَ أنَّ رَجلًا مِن الأنْصارِ كان يَؤُمُّهُم، وكان يَقْرأُ قبلَ كلِّ سُورَةٍ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. ثم يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى معها، فقال له النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟». فقال: إنِّي أُحِبُّها. فقال: «حُبُّكَ إيَّاهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ». رَواه البخاريُّ تَعْلِيقًا، ورَواه التِّرمِذِيُّ (¬3)، وقال: حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَقْرَأُ في المَكْتُوبَةِ بالسُّورَتَيْن في رَكْعَةٍ (2)، ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الجمع بين السورتين، من كتاب الأذان. وفي: باب تأليف القرآن، من كتاب فضائل القرآن. صحيح البُخَارِيّ 1/ 197، 6/ 229. ومسلم، في: باب ترتيل القرآن. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين 1/ 563 - 565. كما أخرجه أبو داود، في: باب في تحزيب القرآن، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 322، 323. والنَّسائيّ، في: باب قراءة سورتين في ركعة، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 136. والبيهقي، في باب الجمع بين سورتين في ركعة واحدة، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 60. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 380، 417، 427، 436، 455. (¬2) في م: «كل ركعة». (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الجمع بين السورتين في الركعة. . . . إلخ؛ من كتاب مواقيت الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 196، 197. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في سورة الإخلاص، من أبواب فضائل القرآن. عارضة الأحوذى 11/ 26.

446 - مسألة: (ولا تكره قراءة أو أواخر السور وأوساطها. وعنه، تكره)

وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أوَاخِرِ السُّوَرِ وَأوْسَاطِهَا. وَعَنْهُ، تُكْرَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه مالكٌ. في «المُوطَّإِ» (¬1). فأمّا قِراءَةُ السُّورَةِ الواحِدَةِ في الرَّكْعَتَيْن يُعِيدُها، فلا بَأْسَ، وقد ذَكَرْناه. فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأُ في الثانِيةِ سُورَةً بعدَ السُّورَةِ التى قَرَأها في الرَّكْعَةِ الأولَى في النَّظْمِ. قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا: أعْجَبُ إليَّ أن يَقْرَأَ مِن البَقَرَةِ إلى أسْفَل؛ لأنَّ ذلك المَنْقُولُ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ القرآنَ مَنْكُوسًا، فقال: ذلك مَنْكُوسُ القَلْبِ. وفَسرَّه أبو عُبَيْدٍ (¬2) بذلك، فإن قَرَأ كذلك، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّ أحمدَ قال، حينَ سُئِلَ عن ذلك: لا بَأْس به، ألَيْسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ على هذا؟. وقد رُوِيَ أنَّ الأحْنَفَ (¬3) قَرَأ الكَهْفَ في الأُولَى، وفي الثَّانية بيُوسُفَ. وذَكَر أنَّه صَلَّى مع عُمَرَ الصُّبْحَ بهما (¬4). اسْتَشْهَدَ به البخاريُّ (¬5). 446 - مسألة: (ولا تُكْرَهُ قِراءَةُ أو أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها. وعنه، تُكْرَهُ) المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّه لا تُكْرَهُ قِراءَةُ أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها ¬

(¬1) في: باب القراءة في المغرب والعشاء، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 79. (¬2) في: غريب الحديث 4/ 103. (¬3) في الأصل: «الأخفش». (¬4) في م: «فقرأ بهما». (¬5) في: باب الجمع بين السورتين في الركعة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 196.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في الصلاةِ. نَقَلَها عنه جَماعَةٌ؛ لقولَ اللهُ تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} (¬1). ولأنَّ أَبا سعيدٍ قال: أُمِرْنا أن تَقْرَأَ فاتِحَةَ الكِتابِ وما تَيَسَّرَ رَواه أبو داودَ (¬2). وروَى الخَلّالُ، بإسْنادِه، أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يَقْرأُ في الآخِرَةِ مِن صلاةِ الصُّبْحِ آخِرَ آلِ عِمْرانَ، وآخِرَ الفُرْقانِ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأَ بالسِّتِّين إلى المِائةِ (¬3). فيه دَلِيلٌ على أنَّه لم يَكن يَقْتَصِرُ على قِراءَة سُورَةٍ. ولأنَّ آخِرَها أحَدُ طَرَفَيِ السُّورَةِ، فلم يُكْرَهْ، كأوَّلِها. وعن أحَمدَ، أنَّه يُكْرَهُ في الفرْضِ. نَقَلَها عنه المَرُّوذِيُّ، قال: سُورَةٌ أعْجَبُ إليَّ. قال المَرُّوذِيُّ: وكان لأبِي عبدِ اللهِ قَرَابَةٌ يُصَلِّي به، فكان يَقْرَأُ في الثَّانِيَةِ مِن الفَجْر بآخِرِ السُّورَةِ، فلمّا أكْثَرَ، قال أبو عبدِ اللهِ: تَقَدَّمْ أنتَ فصَلِّ. فقُلْتُ له: هذا يُصَلِّي بكم منذُ كَم؟ ¬

(¬1) سورة المزمل 20. (¬2) في: باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 188. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 3، 45، 97. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ, في: باب وقت الظهر عند الزوال، وباب ما يكره من السمر بعد العشاء، من كتاب المواقيت. صحيح البُخَارِيّ 1/ 143، 155. ومسلم، في: باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 447. كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وكيف كان يصليها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 96. والنَّسائيّ، في. باب كراهية النَّوم بعد صلاة المغرب، وباب ما يستحب من تأخير العشاء، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 210، 212. وابن ماجه، في: باب وقت الظهر، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 221. والدارمي، في: باب قدر القراءة في الفجر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 298. والإمام أَحْمد، في: المسند، 4/ 420، 423.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: دَعْنا منه، يَجِيءُ بآخِرِ السُّورِ. وكَرِهَه. قال شيخُنا (¬1)، رَحِمَه اللهُ: ولَعَلَّ أحمدَ إنَّما أحَبَّ اتِّباعَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما نُقِلَ عنه، وكَرِه المُداوَمَةَ على خِلافِ ذلك؛ فإنَّ المَنْقُولَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قِراءَةُ السُّورَةِ أو بعض السُّورَةِ مِن أوَّلِها. ونُقِلَ عنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يُكْرَهُ قِراءَةُ أوْسَطِ السُّورَةِ دونَ آخِرِها؛ لِما رَوَيْنا في آخِرِ السُّوَرِ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، ولم يُنْقَل مثلُ ذلك في وَسَطِها. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يَقْرَأُ آخِرَ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ؟ فقال: ألَيْس قد رُوِيَ في هذا رُخْصَةٌ عن عبدِ الرَّحْمَنِ ابنِ يَزِيدَ، وغيرِه؟ فصل: فأمّا قِراءَةُ أوائِلِ السُّوَرِ، فلا خِلافَ في أنَّه غيرُ مَكْرُوهٍ، فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ مِن سُورَةِ المُؤْمِنِين إلى ذِكْرِ موسى وهارونَ، ثم أخَذَتْه سَعْلَةٌ، فرَكَعَ (¬2). وقَرَأ سُورَةَ الأعْرافِ في المَغْرِبِ فَرَّقها مَرَّتَيْن. رَواه النَّسائِيُّ (¬3). ¬

(¬1) في: المغني 2/ 167. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الجمع بين السورتين في الركعة (في الترجمة)، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 196. ومسلم، في: باب القراءة في الصبح، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 336. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة في النعل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 151. والنَّسائيّ، في: باب قراءة بعض السورة، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 137. وابن ماجه، في، باب القراءة في صلاة الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 269. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 411. (¬3) في: باب القراءة في المغرب بـ المصّ، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 132.

447 - مسألة: (وله أن يفتح على الإمام إذا أرتج عليه)

وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الإِمَامِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 447 - مسألة: (وله أن يَفْتَحَ على الإِمامِ إذا أُرْتِجَ عليه) في الصلاةِ، وأن يَرُدَّ عليه إذا غَلِط لا بَأْسَ به في الفَرْضِ والنَّفْلِ. رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضىَ اللهُ عنهم، وهو قولُ جماعَةٍ مِن التّابِعِينَ. وكَرِهَه ابنُ مسعودٍ، وشُريْحٌ، والثَّوْرِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لِما روَى الحَارِثُ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ» (¬1). وقال ابنُ عَقِيل: إن كان في النَّفْلِ، جازَ ذلك، وإن كان في الفَرْضِ وأُرْتِجَ عليه في الفاتِحَةِ، فَتَح عليه وإلَّا فلا. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى صلاةً، فقَرَأَ فيها، فلُبِسَ (¬2) عليه، فلمّا انْصَرَفَ قال لأُبَيٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قال: نَعَمْ. قال: «فَمَا مَنَعَكَ؟». رَواه أبو داودَ (¬3). قال الخَطّابِيُّ (¬4): إسْنادُه جَيِّدٌ. وعن ابنِ عباسٍ، قال: تَرَدَّدَ رسولُ اللهِ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب النهي عن التلقين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 208، 209. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 146. (¬2) ليس، بفتح اللام والباء، بمعني التبس واختلط، وبضم اللام، على البناء للمجهول. (¬3) في: باب في الفتح على الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 208. (¬4) في: معالم السنن 1/ 216.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلي الله عليه وسلم - في القِراءَةِ في صلاةِ الصُّبْحِ، فلم يَفْتَحُوا عليه، فلمَّا قَضَى الصلاةَ نَظَر في وُجُوهِ القَوْمِ، فقال: «أمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَكُمْ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ؟». قالوا: لا. فرَأَى القَوْمُ إنَّما تفَقَّدَه لِيَفْتَحَ عليه (¬1). ورَوَى مُسَوَّرُ بنُ يَزِيدَ المالِكِيُّ (¬2)، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الصلاةِ فَتَرَكَ آيةً مِن القرآنِ، فقيلَ: يَا رسولَ اللهِ، آيةَ كذا وكذا تَرَكْتَها. فقال: «فَهَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا؟». رَواه أبو داودَ (¬3). ولأنَّه تَنْبِيهٌ في الصلاةِ بما هو مَشْرُوعٌ فيها، أشْبَهَ التَّسْبِيحَ. وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحارِثُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كذَّابًا. وقال أبو داودَ: لم يَسْمَعْ أبو (¬4) إسْحاقَ مِن الحارِثِ إلَّا أرْبَعَةَ أحادِيثَ، ليس هذا منها. فصل: فإن أُرْتِجَ على الإِمَامِ في الفاتِحَةِ، فعلى المَأْمُومِ أن يَفْتَحَ عليه، كما لو نَسِيَ سَجْدَةً لَزِمَهُم تَنْبِيهُه بالتَّسْبِيحِ. فإن عَجَز عن إتْمامِ الفاتحةِ فله أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُصَلِّي بهم، وكذلك لو عَجَز في أثْناءِ الصلاةِ عن رُكْن يَمنَعُ الائْتِمامَ، كالرُّكُوعِ، فإنَّه يَسْتَخْلِفُ مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ (4) , كما لو ¬

(¬1) عزاه الهيثمى في مجمع الزوائد إلى البَزَّار والطبراني في الكبير والأوسط. مجمع الزوائد 2/ 69. (¬2) هو المسور بن يزيد المالكى الأسدي الكاهلى، نزل الكوفة، له صحبة. انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد 6/ 32، 33. الإكمال، لابن ماكولا 7/ 225، تهذيب التهذيب 10/ 152. (¬3) في: باب الفتح على الإمام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 208. (¬4) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَبَقَه الحَدَثُ، بل الاسْتِخْلافُ هاهُنا أَوْلَى؛ لأنَّ مَن سَبَقَه الحَدَثُ قد بَطَلَتْ صلاتُه، وهذا صلاتُه صَحِيحَةٌ. وإذا لم يَقْدِرْ على إتْمامِ الفاتحةِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بما يُحْسِنُ، ويَسْقُطُ عنه ما عَجَز عنه، وتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، فإذا عَجَز عنه في أثْناءِ الصلاةِ سَقَط، كالقِيامِ، فأمّا المَأمُومُ؛ فإن كان أُمِّيًّا، صَحَّتْ صلاتُه أَيضًا، وإن كان قارئًا نَوَى مُفارَقَتَه، وأتَمَّ (¬1) وَحْدَه، ولا يَصِحُّ له إتْمامُ الصلاةِ خَلْفَه؛ لأنَّ هذا قد صار في حُكْمِ الأُمِّيِّ. قال شيخُنا (¬2): والصَّحِيحُ أنَّه إذا لم يَقدِرْ على قِراءَةِ الفاتِحةِ تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه قادِرٌ على الصلاةِ بقراءَتِها فلم تَصِحَّ صلاتُه؛ لعُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» (¬3). ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على الأمِّيِّ؛ لأن الأُمِّيَّ لو قَدَر على تَعَلُّمِها قبل خُرُوجِ الوَقْتِ، لم تَصِحَّ صلاتُه بدُونِها، وهذا يُمْكِنُه أن يَخْرجَ فيَسْأَلَ عمَّا وَقَف فيه ويُصَلِّيَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على أرْكانِ الأفْعالِ؛ لأنَّ خُرُوجَه مِن الصلاةِ لا يُزِيلُ عَجْزَه عنها، بخِلافِ هذا. ¬

(¬1) في م: «وصلى». (¬2) في: المغني 2/ 315. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 440.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُكْرَهُ أن يَفْتَحَ مَن هو في الصلاةِ على مَن هو في صلاةٍ أُخْرَى، أو على مَن ليس في صلاةٍ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن صلاِته، وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (¬1). فإن فَعَل لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لأنَّه قُرآنٌ، إنَّما قَصَد قِراءَتَه دُونَ خِطاب الآدَمِيِّ لغيرِه (¬2)، أشْبَهَ ما لو رَدَّ على إمامِه. وقال ابنُ عَقِيل، في المُصلِّي إذا رَدَّ على مَن ليس في الصلاةِ: إن كان في النَّفْلِ فلا بَأْسَ، وإن كان في الفَرْضِ، [لم يَجُزْ. وهل تَبْطُلُ] (¬3)؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن. فأمّا غيرُ المُصَلِّي فلا بَأْسَ أن يَفْتَحَ على المُصَلِّي. وقد روَى النَّجّادُ بإسْنادِه، قال (¬4): كُنْتُ قاعِدًا بمَكَّةَ، فإذا رجلٌ عندَ المَقامِ يُصَلِّي، وإذا رَجُلٌ قاعِدٌ خَلْفَه يُلَقِّنُه، فإذا هو عثمانُ (¬5)، رَضِيَ اللهُ عنه (¬6). ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، وباب لا يرد السلام في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة, وفي: باب هجرة الحبشة، من كتاب مناقب الْأَنصار. صحيح البُخَارِيّ 5/ 64. ومسلم، في: باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان إباحته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 2/ 78، 83. وأبو داود، في: باب رد السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 211. وابن ماجه, في: باب المصلي يسلم عليه كيف يرد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 325. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 376، 409. (¬2) سقط من: م. (¬3) في م: «فهل تبطل صلاته». (¬4) القلائل هو عبيدة بن ربيعة. (¬5) في م: «عمر». (¬6) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب من رخص في الفتح على الإمام، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 2/ 77.

448 - مسألة: (وإذا نابه شيء، مثل سهو إمامه، أو استئذان إنسان عليه، سبح إن كان

وَإذَا نَابَهُ شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمَامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ، سَبَّحَ إنْ كَانَ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً صَفَّحَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى. ـــــــــــــــــــــــــــــ 448 - مسألة: (وإذا نابَه شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إنسانٍ عليه، سَبَّحَ إن كان (¬1) رجلًا، وإن كانَتِ امْرَأةً صَفَّحَتْ (¬2) بِبَطْنِ كفِّها على ظَهْرِ (¬3) الأُخْرَى) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا سَها الإِمامُ فأتَى بفِعْلٍ في غيرِ مَوْضِعِه، لَزِم المَأْمُومِين تَنْبِيهُه، فإن كانُوا رِجالًا سَبَّحُوا، وإن كانُوا نِساءً صَفَّقْنَ بِبُطونِ أكُفِّهِنَّ على ظُهُورِ الأُخْرَى، وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: يُسَبِّحُ الرِّجالُ والنَّسَاءُ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في الأصل: «صفقت». (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَاتِهِ، [فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ] (¬1)». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولَنا، ما رَوَى سَهْل بنُ سعدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ¬

(¬1) في م: «فليسبح الرجال ولتصفح النساء». (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من دخل ليؤم النَّاس. . . . إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به، من كتاب العمل في الصلاة، وفي: باب الإشارة في الصلاة، من كتاب السهو, وفي: باب ما جاء في الإصلاح بين النَّاس، من كتاب الصلح. صحيح البُخَارِيّ 1/ 174، 175، 2/ 83، 84، 88، 89، 3/ 239. ومسلم، في: باب تقديم الجماعة من بصلي بهم. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 316، 317. كما أخرجه أبو داود، في: باب التصفيق في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 216. والنَّسائيّ, في: باب إذا تقدم الرَّجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر، وباب استخلاف الإمام إذا غاب، من كتاب الإمامة، وفي: باب رفع اليدين وحمد الله والثناءِ عليه في الصلاة، من كتاب السهو، وفي: باب مصير الحاكم إلى رعيته للصلح بينهم، من كتاب القضاة. المجتبى 2/ 60، 61، 64، 65، 3/ 4، 5، 8/ 213. والدارمي، في: باب التسبيح للرجل والتصفيق للنساء، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 317. والإمام مالك، في: باب الالتفات والتصفيق عند الحاجة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 163, 164. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 330، 332، 333. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم، من كتاب الأحكام. صحيح البُخَارِيّ 9/ 92. ومسلم في: باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 316، 317. كما أخرجه أبو داود، في: باب التصفيق في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 215، 216. والنَّسائيّ، في: باب استخلاف الإمام إذا غاب, من كتاب الإمامة، وفي. باب رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبي 2/ 64، 65، 3/ 4، 5. وابن ماجه، في الباب السابق. سنن ابن ماجه 1/ 330. والدارمي، في: الباب السابق. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 332، 333.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا سَبَّحَ لتَنْبِيهِ إمامِه، أو لاسْتِئْذانِ إنْسانٍ عليه، وهو في الصلاةِ، أو كَلَّمَه بشئٍ، أو نابَه أمْرٌ في صلاتِه فسَبَّحَ ليُعْلَم (¬1) أنَّه في صلاةٍ، أو خشِيَ على إنْسانٍ الوُقُوعَ في شئٍ فسَبَّحَ به، أو خَشِيَ أن يَتْلَفَ بشئٍ فسَبَّحَ به (¬2) لِيَتْرُكَه، أو تَرَكَ إمامُه ذِكْرًا فرَفَعَ صَوْتَه ليُذَكِّرَه، لم يُؤَثِّرْ في الصلاةِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ تَنْبِيهَ الآدَمِيِّ بالتَّسْبِيحِ، أو القُرآنِ، أو الإِشارَةِ يُبْطِلُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك خِطابُ آدَمِيٍّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ أحادِيثِ النَّهْيِ عن الكلامِ؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «مَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْقَهُ أَو تُفهَمُ، فَقَدْ قَطَع الصَّلَاةَ» (¬3). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬4). ولِما ذَكَرْنا مِن ¬

(¬1) في م: «ليعلمه». (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب الإشارة في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 216، 217. ولفظه: «من أشار بيده في صلاته إشارة تُفْهَم عنه، فَلْيَعُدْ لها». (¬4) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التصفيق للنساء، من كتاب العمل في الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 79، 80. ومسلم، في: باب تسبيح الرَّجل وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة. صحيح مسلم 1/ 319. كما أخرجه أبو داود، في: باب التصفيق في الصلاة، وباب الإشارة في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 215 - 217. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء, من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 164. والنَّسائيّ، في: باب التصفيق في الصلاة، وباب التسبيح في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 11. وابن ماجه، في: باب التسبيح للرجال في الصلاة والتصفيق للنساء، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 329. والدارمي، في: باب التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 317. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 241، 261، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حديثِ سَهْلِ بنِ سعدٍ. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيفَ كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرُدُّ عليهم حينَ كانُوا يُسَلِّمُونَ عليه في الصلاةِ؟ قال: كان يُشِيرُ بيَدِه (¬1). وعن صُهَيْبٍ، قال: مَرَرْتُ برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه (¬2) فَرَدَّ عليَّ إشارَةً (¬3). قال التِّرمِذِيُّ: كِلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. وقد ذَكَرْنَا حديثَ أنَسٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ في الصلاةِ. رَواه أبو داودَ (¬4). وعن عليٍّ، قال: كُنْتُ إذا اسْتَأْذَنْتُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإن كان في صلاةٍ سَبَّحَ، وإن كان في غيرِ صلاةٍ أذِنَ (¬5). وحديثُ أبي حنيفةَ يَرْوِيه أبو غَطَفانَ وهو مَجْهُولٌ، فلا تُعارَضُ بِه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ. فصل: فإن عَطَس في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ لِلهِ. أو لَسَعَه شئٌ، فقال: بِسْمِ اللهِ. أو سَمِعَ أو رَأَى ما يَغُمُّه، فيقولُ: إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ ¬

= 317, 376, 432, 440, 473, 479, 507, 529. (¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الإشارة, أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 162. والنَّسائيّ، في: باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 6. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب رد السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 212. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 162، 163. والنَّسائيّ، في: باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 6. والدارمي، في: باب كيف يرد السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 316. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 609. (¬5) أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 77 , 79، 98، 103, 112.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَاجِعُونَ. أو رَأى ما يُعْجِبُه، فقال: سُبْحَانَ اللهِ. كُرِهَ له ذلك، ولم تَبْطُلِ الصلاةُ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الجماعةِ، في مَن عَطَس فحَمِدَ اللهُ لم تَبْطُلْ صلاتُه. ونَقَل عنه مُهَنَّا في مَن قِيلَ له في الصلاةِ: وُلِدَ لك غُلامٌ. فقال: الحَمْدُ للهِ. أو قِيلَ: احْتَرَقَ دُكَّانُكَ. فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. أو ذَهَبَ كِيسُكَ. فقال: لا حَوْلَ ولا قُوةَ إلَّا باللهِ. فقد مَضَتْ صلاتُه. وهذا قَوْلُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ؛ لِما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّه قال له رجلٌ مِن الخَوارِجِ وهو في صلاةِ الغَداةِ: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (¬1). الآيةُ، قال: فأنْصَتَ له حتَّى فَهِم، ثم أجابَه وهو في الصلاةِ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} (¬2). الآيةُ. رواه النَّجَّادُ بإسْنادِه، واحْتَجَّ به أحمدُ. [وقال أبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صلاتُه، لأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ. وقد رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أحمدَ] (¬3)، فإنَّه قال في مَن قِيلَ له: وُلِدَ لك غُلَامٌ. فقال: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. أو ذَكَر مُصِيبَةً، فقال: إنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قال: يُعِيدُ الصلاةَ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على مَن قَصَد خِطَابَ الآدَمِيِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا مِن حديثِ عليٍّ، ورَوَى عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، قال: عَطَس شَابٌّ ¬

(¬1) سورة الزمر 65. (¬2) سورة الروم 60. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن الأنْصارِ خلفَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهو في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيْبًا مُبارَكًا فيه، حتَّى يَرْضَى رَبُّنا، وبعدَ ما يَرْضَى مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فلمّا انْصَرَفَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «فَي الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ؟ فَإنَّهُ لم يَقُلْ بَأْسًا، مَا تَنَاهَتْ دُونَ الْعَرْشِ». رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّ ما لا يُبْطِلُ الصلاةَ ابْتِداءً لا يُبْطِلُها إذا أتَى به عَقِيبَ سَبَبٍ، كالتَّسْبِيِحِ لتَنْبِيهِ إمامِه. قال الخَلَّالُ: اتَّفَقُوا عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ العاطِسَ لا يَرْفعُ صَوْتَه بالحمدِ، وإن رَفَع فلا بَأْسَ؛ لحديثِ الأنْصارِيِّ. قال أحمدُ، في الإِمامِ يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فيَقولُ مَن خَلْفَه: لا إلهَ إلَّا اللهُ. يَرْفَعُونَ بها أصْواتَهم، قال: يَقُولُون، ولكنْ يُخْفُونَ (¬2). وإنَّما لم يَكْرَهْ أحمدُ ذلك, كما كَرِه القِراءَةَ خَلْفَ الإِمامِ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يَمْنَعُ الإِنْصاتَ فَهُو (¬3) كالتَّأمِينِ. قيل لأحمدَ: فإن رَفَعُوا أَصْواتَهم بهذا؛ قال: أكْرَهُه. قِيلَ: فيَنْهاهم الإِمامُ؟ قال: لا. قال القاضي: إنَّما لم يَنهَهم؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان يُسْمِعُهُم الآيَةَ أحْيانًا في صلاةِ الإِخفاءِ (¬4). ¬

(¬1) في: باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 178. (¬2) في م: «يخفضون». (¬3) سقط من: م. (¬4) في م: «الإخفات».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قيل لأحمدَ: إذا قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} (¬1). هل يقولُ: «سُبْحَان رَبِّيَ الأعْلَى؟». قال: إن شاء قاله (¬2) فيما بينَه وبينَ نَفْسِه، ولا يَجْهَرُ به. وقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قَرَأ في الصلاةِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. فقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قَرَأ. {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}. فقال: سُبْحانَكَ, وبَلَى (¬3). وعن مُوسَي بنِ أبي عائشةَ، قال: كان رجلٌ يُصَلِّي فوقَ بَيْتِه، فكان إذا قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}. قال: سُبْحانَكَ، فبَلَى. فسَأَلُوه عن ذلك، فقال: سَمِعْتُه مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. رَواه أبو داودَ (¬4). فصل: فإن قَرَأ القُرآنَ يَقْصِدُ به تَنْبِيهَ آدَمِيٍّ، مثلَ أن يُسْتَأْذَنَ عليه، فيقولَ: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} (¬5). أو يقولَ (¬6) لرجُلٍ اسمُه يحيى. {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} (¬7). فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ¬

(¬1) سورة القيامة 40. (¬2) في م: «وإلا». (¬3) في الأصل: «ربي». (¬4) في: باب الدعاء في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 204. (¬5) سورة الحجر 46. (¬6) في م: «يقولون». (¬7) سورة مريم 12.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُبْطِلُ الصلاةَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه خِطابُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو كَلَّمَه. ورُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّها لا تَبْطُلُ؛ فإنَّه احْتَجَّ بحديثِ عليٍّ مع الخارِجِيِّ حِينَ (¬1) قال له: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} (¬2). ورُوِيَ نَحْوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ أبي لَيْلَى؛ فرَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن عَطاءِ بنِ السّائِبِ، قال: اسْتَأْذَنَّا على عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيْلَى، وهو يُصَلِّي، فقال: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ} (¬3). ولأنَّه قُرآنٌ فلم يُفْسِدِ الصلاةَ، كما لو لم يَقْصِدْ به التَّنْبِيهَ. وقال القاضي: إن قَصَد التِّلاوَةَ حَسْبُ، لم تَفْسُدْ صلاتُه وإن حَصَل التَّنْبِيهُ، وإن قَصَد التَّنْبِيهَ حَسْبُ، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، وإن قَصَدَهُما ففِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَفْسُدُ صلاتُه (¬4). وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الآثارِ والمَعْنَى. والثَّانِي، تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدِ التِّلاوَةَ. فأمّا إن أتَي بما لا يَتَمَيَّزُ به القُرآنُ مِن غيرِه، كقولِه لرجلٍ اسْمُه إبراهيمُ: يَا إبراهيمُ. ونحوِه، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سورة الروم 60. (¬3) سورة يوسف 99. (¬4) سقط من: م.

449 - مسألة: (وإن بدره البصاق بصق في ثوبه، وإن كان في غير المسجد جاز أن يبصق عن يساره، أو تحت قدمه)

وَإِنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ، بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ النّاسِ، ولم يَتَمَيَّزْ عن كَلامِهم بما يَتَمَيَّزُ به القرآنُ، أشْبَهَ ما لو جَمَع بينَ كلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِن القُرآنِ، فقال: يَا إبراهيمُ خُذِ الكتابَ الكبيرَ. 449 - مسألة: (وإن بَدَرَه البُصاقُ بَصَق فِي ثَوْبِه، وإن كان فِي غَيرِ المَسْجدِ جاز أن يَبْصُقَ عن يَساره، أو تحتَ قَدَمِه) لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ فأقْبَلَ على النَّاس، فقال: «مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُستقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُل هَكَذَا». ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم مَسَح بعضَه على بعضٍ. وقال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «البُصَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفارَتُهَا دَفْنُهَا». رَواهما (¬1) مسلمٌ (¬2). ¬

(¬1) في الأصل، م: «رواه». (¬2) في: باب النَّبِيّ عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 389، 390. كما أخرج الأول البُخَارِيّ، في: باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، وباب دفن النخامة في المسجد، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 112، 113. وأبو داود، في: باب في كراهية البزاق في المسجد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 111. وابن ماجه، في: باب المصلى يتنخم، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 326. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 250. وأخرج الثاني البُخَارِيّ، في: باب كفارة البزاق في المسجد، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 113. وأبو داود، في الباب السابق. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 173، 232.

450 - مسألة: (ويستحب أن يصلي إلى سترة مثل آخرة الرحل)

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَة مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 450 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أَن يُصَلِّيَ إلى سُتْرَةٍ مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ) يُستحَبُّ للمُصَلِّي الصلاةُ إلى سُتْرَةٍ، فإن كان في مسجدٍ أو بيتٍ صَلَّى إلى الحائِطِ أو إلى سارِيةِ، وإن كان في فَضاءٍ صَلَّى إلى شئٍ شاخِصٍ بينَ يَدَيْه، إمّا إلى حَرْبَةٍ أو عَصًا، أو يَعْرِضُ البَعِيرَ فيُصَلِّي إليه، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ ذلك خِلَافًا، وسَواءٌ ذلك في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كانت تُرْكَزُ له الحَرْبَةُ فيُصَلِّي إليها (¬1)، ويُعْرَضُ البَعِيرُ فيُصَلِّي إليه (¬2). وفي حديثِ أبي جُحَيْفَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ (¬3)، فتَقَدَّمَ فصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بينَ يَدَيْهِ الحِمارُ والكَلْبُ، لا يُمْنَعُ. مُتَّفَقٌ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب سترة الإمام سترة من خلفه، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 133. وأبو داود، في: باب ما يستر المصلى، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 158. والنَّسائيّ، في: باب سترة المصلى، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 49. (¬2) يأتي تخريجه بعد فصلين. (¬3) العنزة: رميح بين العصا والرمح فيه زج.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه (¬1). وعن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا وَضَعَ أحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ ولَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ ورَاءَ (¬2) ذَلِكَ». رَواه مسلمٌ (¬3). فصل: وقَدْرُ طُولِها ذِراعٌ أو نَحْوُه. يروَى ذلك عن عَطاءٍ، والثوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ. وعنه أنَّها قَدْرُ عَظْمِ الذِّراعِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. وهذا ظاهِرُه (¬4) التَّقْرِيبُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَدَّرَها بمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ (¬5)، وهي تَخْتَلِفُ، فتارَةً تَكُونُ ذِراعًا، وتارةٌ تكونُ أقَلَّ، فما قارَبَ الذِّراعَ أجْزَأ الاسْتِتارُ به. فأمّا قَدْرُها في الغِلَظِ فلا نَعْلَمُ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب سترة الإمام سترة من خلفه، وباب الصلاة إلى العنزة، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 133. ومسلم، في: باب سترة المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 360. وأبو داود، في: باب ما يستر الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 158. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في إدخال الإصبع الأذن عند الأذان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 312. والنَّسائيّ، في: باب الانتفاع بفضل الوضوء، من كتاب الطهارة، وفي باب الصلاة في الثياب الحمر، من كتاب القبلة. المجتبى 1/ 74، 2/ 57. والدارمي، في: باب الصلاة إلى سترة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 328. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 243. (¬2) في م: «من وراء». (¬3) في: باب سترة المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 358. كما أخرجه أبو دواد، في: باب ما يستر المصلى، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 158. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في سترة المصلى، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 129. وابن ماجه، في: باب يستر المصلى، وباب ما يقطع الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 303، 306. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 161. (¬4) في م: «ظاهر». (¬5) أخرجه مسلم، في: باب سترة المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 359. والنَّسائيّ، في: باب سترة المصلى، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 48.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ له (¬1) حَدًّا، فقد تكونُ غَلِيظَةٌ، كالحائِطِ، ودَقِيقَةً، كالسَّهْمِ، فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْتَتِرُ بالعَنَزَةِ. وقال أبو سَعِيدٍ: [كنا نَسْتَتِرُ] (¬2) بالسَّهْمِ والحَجَرِ في الصلاةِ. إلَّا أنَّ أحمدَ قال: ما كان أعْرَضَ فهو أعْجَبُ إليَّ، لِما رُوِيَ عن سَبْرَةَ (¬3)، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «اسْتَتِرُوا فِي الصلاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». رَواه الأثْرَمُ (¬4)، فقولُه: «وَلَوْ بِسَهْمٍ». يَدُلُّ على أنَّ غيرَه أوْلَى منه. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْنُوَ مِن سُتْرَتِه، لِما روَى سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، يَرْفَعُه، أنَّه قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ». رَواه أبو داودَ (¬5). وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: كان بينَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وبينَ السُّتْرَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ. رَواه البخارِيُّ (¬6). ولأنَّ قُرْبَه مِن السُّتْرَةِ أصْوَنُ لِصلاِته وأبْعَدُ مِن أن يَمُرَّ بينَه ¬

(¬1) في م: «فيه». (¬2) في م: «كان يستتر». (¬3) في الأصل: «سمرة». (¬4) أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 404. (¬5) في: باب الدنو من السترة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 160. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الأمر بالدنو من السترة، من كتاب القبلة. المجتبى 3/ 49. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 2. (¬6) في: باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة، من كتاب الصلاة، وفي: باب ما ذكر النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. . . إلخ، من كتاب الاعتصام. صحيح البُخَارِيّ 1/ 133، 9/ 129. كما أخرجه مسلم، في: باب دنو المصلى من السترة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 364. أبو داود، في: باب الدنو من السترة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 160. . بلفظ: «ممر عنز».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وبينَها شئٌ، ويَنْبَغِي أن يكونَ مِقْدارُ ذلك ثَلاثةَ أذْرُع فما دُونَ. قال أحمدُ: إن ابنَ عُمَرَ، قال: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الكَعْبَةِ، فكان بينَه وبينَ الحائِطِ ثلاثةُ أذْرُعٍ (¬1). وكان (¬2) عبدُ اللهِ بنُ مُغفَّل (¬3) يَجْعَلُ بينَه وبينَ سُترتِه سِتَّةَ أذْرُعٍ. وقال عَطاءٌ: أقَل ما يَكْفِيكَ ثلاثةُ أذْرُعٍ. وهو قولُ الشافعيِّ، لخبَرِ ابن عمرَ. وكلَّما دَنَا فهو أفْضَلُ، لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ والمَعْنَى. قال مُهَنّا: سَأَلْتُ أحمدَ عن الرجُلِ يُصَلِّي، كم يَنْبَغِي أن يكونَ بَيْنَه وبينَ القِبْلَةِ؟ قال: يَدْنُو مِن القِبْلَةِ ما اسْتَطاعَ. فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَتِرَ ببَعِيرٍ أو حَيَوانٍ، فَعَلَه ابنُ عُمَرَ، وأنسٌ. وقال الشافعيُّ: لا يَسْتَتِرُ بدابَّةٍ. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى بَعِيرٍ. رَواه البخاريُّ (¬4). وفي لَفْظٍ، قال: قُلْتُ: فإذا ذَهَب الرِّكابُ؟ قال: كان يَعْرِضُ الرَّحْلَ، ويُصَلِّي إلى آخِرَتِه. فإن اسْتَتَرَ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب حَدَّثَنَا إبراهيم بن المنذر، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 134، 135. وأبو داود، في: باب الصلاة في الكعبة، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 466، 467. والنَّسائيّ، في: باب مقدار ذلك، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 49. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 113، 138، 6/ 13. (¬2) في الأصل: «قال». (¬3) أبو سعيد، عبد الله بن مغفل بن عبد منهم المزني، من نقباء الصَّحَابَة، ومن أهل بيعة الرِّضوان، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر يفقهون النَّاس، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة. توفى سنة سبع وخمسين. تهذيب الكمال 16/ 173 - 175. (¬4) في: باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 135. كما أخرجه مسلم، في: باب سترة المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 359 - 360. وأبو داود، في: باب الصلاة إلى الراحلة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 159. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الصلاة إلى الراحلة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 147. والدارمي، في: باب الصلاة إلى =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بإنْسانٍ فلا بَأْسَ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ (¬1) غيرِه (¬2). وقد رُوِيَ عن حُمَيْدِ بنِ هلالٍ، قال: رَأَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رجلًا يُصَلِّي، والنّاسُ يَمُرُّونَ بينَ يَدَيْه، فوَلّاهُ ظَهْرَه، وقال بثَوْبِه هكذا، وبَسَط يَدَيْه هكذا، وقال: صَلِّ، ولا تَعْجَلْ. وعن نافِعٍ قال: كان ابنُ عُمَرَ إذا لم يَجِدْ سَبِيلًا إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المسجدِ، قال لنافِعٍ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ. رَواهُما النَّجّادُ (¬3). فأمّا الصلاةُ إلى وَجْهِ الإنْسانِ فتُكْرَهُ؛ لأنَّ عُمَرَ (¬4) أدَّب على ذلك. وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي حِذاءَ وَسَطِ السَّرير، وأنا مُضْطَجِعَةٌ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تكونُ لىَ الحاجَةُ، فأكْرَهُ أن أقُومَ فأسْتَقْبِلَه، فأنْسَلُّ انْسِلالُا. مُتَّفَقٌ عليه (¬5). ¬

= الراحلة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 328. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 3، 14. (¬1) في م: «مقامه». (¬2) سقط من: م. (¬3) انظر ما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة إلى الأسطوانة، من كتاب الصلاة (أبواب سترة المصلى). صحيح البُخَارِيّ 1/ 134. وعبد الرَّزّاق، في: باب كم يكون بين الرَّجل وبين سترته، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 15. أما أثر ابن عمر فأخرجه ابن أبي شيبة، في: باب الرَّجل يستر الرَّجل إذا صلى إليه أم لا، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 1/ 279. (¬4) في الأصل: «ابن عمر». (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة إلى السرير، وباب استقبال الرَّجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي، وباب من قال لا يقطع الصلاة شيء، من كتاب الصلاة، وفي: باب السرير، من كتاب الاستئذان صحيح البُخَارِيّ 1/ 135، 136، 137، 8/ 76. ومسلم، في: باب الاعتراض بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 366. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 125. ويأتي بلفظ آخر في صفحة 643.

451 - مسألة: (فإن لم يجد، خط خطا)

فَإنْ لَمْ يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 451 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا) [متى لم يَجِدْ سُتْرَةً يُصَلِّي إليها خَطَّ خَطًّا] (¬1)، وَصَلَّى إلَيْهِ، وقام ذلك مَقامَ السُّتْرَةِ، نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والأوْزاعِيُّ، وأَنْكَرَه مالكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ بالخَطِّ، بالعِراقِ، وقال بمِصْرَ: لا يَخُطُّ المُصَلِّي خَطًّا، إلَّا أن يكونَ فيه سُنَّةٌ تُتَّبَعُ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقاءَ وَجْههِ شَيْئًا، فَإنْ لَمْ يَجَدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإن لم يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أمَامَهُ». رَواه أبو داودَ (¬2). وصِفَةُ الخَطِّ مثلُ الهِلالِ. قال ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: باب الخط إذا لم يجد عصا، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 158. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما يستر المصلى، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 303. الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 249، 255، 266.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ غيرَ مَرَّةٍ، وسُئِلَ عن الخَطِّ. فقال: هكذا غَرْضًا مثلَ الهِلالِ. قال (¬1): وسَمِعْت مُسَدَّدًا (¬2)، قال: قال [ابنُ داودَ] (¬3): الخَطُّ بالطُّولِ. وقال، في رِوايَةِ الأثْرَم: قالُوا: طُولًا. وقالوا: عَرْضًا. وأمّا أنا فأخْتارُ هذا. ودَوَّرَ بإصْبَعِه مثَلَ القَنْطَرَةِ. وكَيْفَما خَطَّه أجْزَأَ؛ لأنَّ الحديثَ مُطلَقٌ فكَيْفَما أتَى به، فقد أتَى بالخَطِّ. واللهُ أعلمُ. فصل: فإن كان معه عَصًا لا يُمْكنُه نَصْبُها (¬4)، ألقاها بينَ يَدَيْه عَرْضًا. نَقَلَه الأثْرَمُ. وكذلك قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، والأوْزاعِيُّ. وكَرِهَه النَّخَعِيُّ. ولَنا، أنَّ هذا في مَعْنَى الخَطِّ الذى ثَبَت اسْتِحْبابُه بالحدِيثِ الذى رَوَيْناه. فصل: وإذا صَلَّى إلى عُودٍ أو عَمُودٍ أو نَحْوِه، اسْتُحِبَّ أن يَنْحَرِفَ عنه، ولا يَصْمُدَ له صَمْدًا (¬5)، لما روَى أبو داودَ (¬6)، عن المِقْدادِ بنِ الأسْوَدِ، قال: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى عُودٍ أو إلى عَمُودٍ ولا ¬

(¬1) أي أبو داود، في: باب الخط إذا لم يجد العصا، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 159. (¬2) أبو الحسن مسدد بن مسرهد بن مسربل البَصْرِيّ، محدث ثِقَة. توفى سنة ثمان وعشرين ومائتين. تهذيب الكمال 27/ 443 - 448. (¬3) في م: «ابن أبي داود». وهو أبو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن داود بن عامر الهمداني المعروف بالخُرَيْبِيّ نسبة إلى خُرَيْبَة وهي محله بالبصرة، كان ثِقَة عابدا ناسكًا. توفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين. تهذيب الكمال 14/ 458 - 467. (¬4) سقط من الأصل. (¬5) سقط من: م. (¬6) في: باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها أين يجعلها منه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 159. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَه على حاجِبِه الأيْمَنِ مَنِ أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا. أي لا يَسْتَقْبِلُه فيَجْعَلَه وَسَطًا. ومَعْنَى الصَّمْدِ: القَصْدُ. فصل: وتُكْرَهُ الصلاةُ إلى المُتَحَدِّثِين، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بحَدِيثِهم. واخْتَلَفَ في الصلاةِ إلى النَّائِمِ، فرُوِيَ أنَّه يُكْرَهُ، رُوِي ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر. وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه إنَّما يُكْرَهُ في الفَرِيضَةِ خاصَّةً؛ لأَنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ وعائشةُ مُعْتَرِضَةٌ بينَ يَدَيْه كاعْتِراض الجِنازَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى عن الصلاةِ إلى النَّائِمِ والمُتَحَدِّثِ. رَواه أبو داودَ (¬2). وخَرَج التَّطَوُّعُ منه، لحديثِ عائشةَ، وبَقِيَ الفَرْضُ على مُقْتَضَى العُمُومِ. وقِيلَ: لا يُكْرَهُ فيهما؛ لأنَّ حَدِيثَ عائشةَ صَحِيحٌ، وحَدِيثَ النَّهْيِ ضَعِيفٌ. قاله الخَطّابِيُّ (¬3). وتَقْدِيمُ قِياس الخَبَرِ الصَّحِيحَ أَوْلَى مِنْ الضَّعِيفِ. ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ إلى نارٍ. قال أحمدُ: إذا كان التَّنُّورُ في قِبْلَتِه لا يُصَلِّي إليه. وكَرِهَه ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة على الفراش، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 107. ومسلم، في: باب الاعتراض بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 366. وأبو داود، في: باب من قال المرأة لا تقطع الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 163، والنَّسائيّ، في: باب من ترك الوضوء من مس الرَّجل امرأته من غير شهوة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 85. وابن ماجه، في: باب من صلى وبينه وبين القبلة شيء، من كتاب الإقامة، سنن ابن ماجه 1/ 307. والدارمي، في: باب المرأة تكون بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 328. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 37، 103، 126، 134، 199، 200، 231، 260، 275. (¬2) في: باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 160. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب من صلى وبينه وبين القبلة شيء، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 308. (¬3) في: معالم السنن 1/ 187.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنُ سيِرِينَ. قال أحمدُ، في السِّراجِ والقِنْدِيلِ يكونُ في القِبْلَةِ: أكْرَهُه. وإنَّما كُرِهَ ذلك؛ لأنَّ النّارَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ، فالصلاةُ إليها [تُشْبِهُ الصلاةَ] (¬1) لها. وقال أحمدُ: لا تُصَلِّ إلى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ في وَجْهِكَ، وذلك لأنَّ الصُّورَةَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ. وقد رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: كان [لنا ثَوْبٌ] (¬2) فيه تَصاوِيرُ، فجَعَلْتُه بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فنَهانِي. أو قالت: كَرِه ذلك. رَواه عبدُ الرحمنِ بنُ أبِي حاتِمٍ، بإسْنادِه. ولأنَّ المُصَلِّيَ يَشْتَغِلُ بها عن صلاِته. قال أحمدُ: يُكْرَهُ أن يكونَ في القِبْلَةِ شئٌ مُعَلَّقٌ، مُصْحَفٌ أو غيرُه. ولا بَأْسَ أن يكونَ مَوْضُوعًا بالأرض. ورَوَى مُجَاهِدٌ، قال: لم يَكُنِ ابنُ عُمَرَ يَدَعُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ شيئًا إلَّا نَزَعَه، لا سَيْفًا ولا مُصْحَفًا. رَواه الخَلَّالُ. قال أحمدُ: ولا يُكْتَبُ في القِبْلَةِ شئٌ؛ لأنَّه يَشْغَلُ قَلْبَ المُصَلى، ورُبَّما اشْتَغلَ بقِراءَتِه عن الصلاةِ. وكذلك يُكْرَهُ التَّزْوِيقُ، وكلُّ ما يَشْغلُ المُصَلِّيَ عن صلاِته، فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال لعائشةَ: «أمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ (¬3)، فَإنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تُعْرِضُ لِي فِي صلَاتى». رَواه البخاريُّ (¬4). وإذا كان ¬

(¬1) في الأصل: «كالصلاة». (¬2) في م: «التابوت». (¬3) القرام: الستر الرقيق، وفيه رقم ونقوش. (¬4) في: باب إن صلى ثوب مصلَّب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك، من كتاب الصلاة، وفي: باب كراهية الصلاة في التصاوير، من كتاب اللباس. صحيح البُخَارِيّ 1/ 105، 7/ 216. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 151، 283.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيُّ، مع ما أيَّدَه الله به مِن العِصْمَةِ والخُشُوعِ، يَشْغلُه ذلك، فغَيْرُه مِن النّاسِ أوْلَى. ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ وأمامَه امْرَأةْ تُصَلِّي، لقولِ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ الله» (¬1). وإن كانت عن يَمِينِه أو يَسارِه، لم يُكْرَه، وإن كانَتْ تُصَلِّي. وكَرِهَ أحمدُ أن يُصَلِّيَ وبينَ يَدَيْه كافِر. ورُوِيَ عن إسْحاقَ؛ لأنَّ المُشْرِكِين نَجَسٌ. فصل: ولا بَأس أن يُصَلِّيَ بمَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ. وقال الأثْرَمُ: قِيل لأحمدَ: الرَّجُلُ يُصَلِّي بمَكَّةَ، ولا يَسْتَتِرُ بشئٍ؛ فقال: قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه صلَّى ثَمَّ ليسَ بينَه وبينَ الطُّوَّافِ سُتْرَةٌ. قال أحمدُ: لأنَّ مَكَّةَ ليستْ كغيرِها، لِما روَى الأثْرَمُ، بإسنادِهِ، عن المُطلِب، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا فَرَغ مِن سَبْعَةٍ، جاءَ حتَّى يُحاذِيَ الرُّكْنَ بينَه وبينَ السَّقِيفَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن (¬2) في حاشِيَةِ المَطافِ، وليس بينَه وبينَ الطَّوَّافِ أحَدٌ (¬3). وقال ¬

(¬1) أخرجه عبد الرَّزّاق موقوفًا على ابن مسعود، في: باب شهود النساء الجماعة، من كتاب الصلاة. مصنف عبد الرَّزّاق 3/ 149. (¬2) في م: «ركعته». (¬3) أخرجه ابن ماجه، في: باب الركعتين بعد الطواف، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 986.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَمّارُ [بنُ أبي عَمّارٍ] (¬1): رَأَيْتُ ابن الزُّبَيْرِ جاءَ يُصَلِّي والطُّوَّافُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تَمُرُّ المَرْأةُ بينَ يَدَيْه، فيَنْتَظِرُها حتَّى تَمُرَّ، ثم يَضَعُ جَبْهَتَهُ في مَوْضِع قَدَمِها (¬2). رَواه حَنْبَلٌ، في كتاب «المَنَاسِكِ». قال المُعْتَمِرُ: قُلْتُ لطاوُسٍ: الرجلُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن بمَكَّةَ، فيَمُرُّ بينَ يَدَيْه الرجلُ والمَرْأَةُ؛ فقال: أوَ لا تَرَى أنَّ النّاسَ يَبُكُّ (¬3) بَعْضُهُم بَعْضًا. وإذا هو يَرَى أن لهذا البَلَدِ حالًا ليس لغيرِه، وذلك لأنَّ النّاسَ يَكْثُرُونَ بها لأجْلِ قَضاءِ النُّسُكِ، ويَزْدَحِمُونَ فيها، [ولذلك سُمِّيَتْ بَكةَ؛ لأنَّ النَّاسَ يَتَباكُّونَ فيها، أي: يَزْدَحِمُونَ ويَدْفَعُ بَعْضُهم بعضًا] (¬4)، فلو مَنَع المُصَلِّي مَن يَجْتَاز بينَ يَدَيْه لضاقَ على النّاس. وحُكْمُ الحَرَمِ كلِّه حُكْمُ مَكَّةَ في هذا، بدَلِيلِ قولِ ابن عباسٍ: أقْبَلْتُ راكِبًا على حِمارٍ أتانٍ (¬5)، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي بالنّاس بِمِنًى (¬6) إلى ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) أخرجه عبد الرَّزّاق عن ابن جريج عن أَبيه عن أبي عامر، في: باب لا يقطع الصلاة شيء بمكة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 35. (¬3) يبك: يزحم. (¬4) سقط من: الأصل، تش. (¬5) الأتان: الأنثى من جنس الحمير. (¬6) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ غيرِ جِدارٍ. مُتفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَحَلُّ المَشاعِرِ والمَناسِكِ، فَجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ في ذلك. فصل: فإن صَلَّى في غيرِ مَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، فلا بأْسَ، لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في فَضاءٍ ليسَ بينَ يَدَيْه شئٌ. رَواه البخاريُّ (¬2). قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يُصَلِّي في فَضَاءٍ، ليس بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ ولا خَطٌّ: صلاتُه جائِزَةٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يَفْعَلَ. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب متى يصح سماع الصغير، من كتاب العلم، وفي: باب سترة الإمام سترة من خلفه، من كتاب الصلاة، وفي: باب وضوء الصبيان إلخ، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 29، 132، 218. ومسلم، في: باب سترة المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 361، 362. كما أخرجه أبو داود، في: باب من قال الحمار لا يقطع الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 164. والنَّسائيّ، في: باب ذكر ما يقطع الصلاة. . . إلخ، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 50. وابن ماجه، في: باب ما يقطع الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 305. والدارمي، في: باب لا يقطع الصلاة شيء، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 329. والإمام مالك، في: باب الرخصة في المرور بين يدى المصلى، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 155، 156. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 219، 264، 327، 342، 365. (¬2) كذا ذكر المصنف، ولم نجده عند البُخَارِيّ. ولعله «التجاد»، وأخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 224. والبيهقي، في: باب من صلى إلى غير سترة، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 273.

452 - مسألة: (فإن مر من ورائها شيء، لم يكره)

فَإذا مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا شَيْء لَمْ يُكْرَهْ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُترَةٌ، فَمَر بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، وَفِي الْمَرأَةِ وَالْحِمَارِ رِوَايتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 452 - مسألة: (فَإن مَرَّ مِن وَرَائِهَا شَيْءٌ، لم يُكْرَه) متى (¬1) صَلَّى إلى سُتْرَةٍ فمَرَّ مِن وَرائِها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، لم تَنْقَطِعْ، وإن مَرَّ غيْرُ ذلك، لم يُكْرَه، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ. وإن مَرَّ بَيْنَه وَبَيْنَها، قَطَعَها إن كان مِمَّا يَقْطَعُها، وكُرِهَ إن كان مِمَّا لا يَقْطَعُها، وسنذكرُ ذلك إن شاء الله. 453 - مسألة: (وإن لم تَكُنْ سُترةٌ، فَمَرَّ بينَ يَدَيْه الكَلْبُ الأسْوَدُ البَهيمُ، بَطَلَتْ صلاُتُه، وفي المَرْأْةِ والحِمارِ رِوايَتان) إذا مَرَّ الكلبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ (¬2) بينَ يَدَيِ المُصَلِّي. قريبًا منه، قَطَع صلَاته، ¬

(¬1) في م: «حتَّى لو». (¬2) زيادة من: تش.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ، وهذا قولُ عائشةَ، ورُوِيَ عن مُعاذٍ، ومُجاهِدٍ. والبَهِيمُ الذى ليس في لَوْنِهِ شئٌ سِوَى السَّوادِ، لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْه مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأةُ، وَالْحِصَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ». قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّامِتِ: يَا أَبا ذَرٍّ، ما بالُ الكَلْبِ الأسْوَدِ مِن الكلبِ الأحْمَرِ مِن الكلبِ الأصْفَرِ؛ فقال: يَا ابنَ أخِي، سَألتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما سَألتَنِي، فقال: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ». رَواه مسلم، وأبو داودَ، وغيرُهما (¬1). وفي المَرْأَةِ والحِمارِ رِوايتانِ؛ إحْداهُما، لا يَقْطَعُ الصلاةَ إلَّا الكَلْبُ الأسْوَدُ. نَقَلَها عنه الجَماعَةُ، وهو قولُ عائشةَ، لِما روَى الفَصْلُ بنُ عباسٍ، قال: أتانا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ونحنُ في بادِيَةِ، فصَلَّى في صَحْرَاءَ ليس بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ، وحِمارَةٌ لَنا وكَلْبَةٌ تَعْبَثانِ بينَ يَدَيْه، فما بالَى ذلك. رَواه ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب قدر ما يستر المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 365. وأبو داود، في: باب ما يقطع الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 161. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء أنَّه لا يقطع الصلاة إلَّا الكلب والحمار والمرأة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 133، 134. والنَّسائيّ، في: باب ذكر ما يقطع الصلاة. . . إلخ، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 50. وابن ماجه، في: باب ما يقطع الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 306. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 15، 57، 149، 151، 156، 158، 160، 161.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو داودَ (¬1). وعن ابنِ عباسٍ، قال: أقْبَلْتُ راكِبًا على حِمارٍ أتانٍ، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فنَزَلْتُ، وأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، فدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عليَّ أحَدٌ. وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي صلَاتَه مِن اللَّيْل كلَّها، وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينَه وبين القِبْلَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وقد ذَكَرْنا حديثَ زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ، حينَ مَرَّتْ بينَ يَدَيِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم تَقْطَعْ صلَاته. رَواه ابنُ ماجه (¬3). والثَّانِيَةُ، أنَّ المَرْأَةَ والحِمارَ يَقْطَعانِ الصلاةَ، لِما ذَكرنا مِن حديثِ أبي ذَرٍّ (¬4) وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ المَرأةُ، وَالحِمَارُ، وَالْكَلْبُ». رَواه مسلمٌ (¬5). فأمّا حديثُ عائشةَ، فقد قِيلَ: ليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّ حُكْمَ الوُقُوفِ يُخالِفُ ¬

(¬1) في: باب من قال الكلب لا يقطع الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 165. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب ذكر ما يقطع الصلاة. . . إلخ من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 51. والإمام أَحْمد، في المسند 1/ 212. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 643. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 605. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 649. (¬5) في: باب قدر ما يستر المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 366. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما يقطع الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 305، 306. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 299، 425.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حُكْمَ المُرُورِ؛ بدَلِيلِ كَراهَةِ المُرُور بينَ يَدَيِ المُصَلِّي، بخِلافِ الاعْتِراضِ. وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه إلَّا أنَّه مَرَّ بينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ. وسُتْرةُ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه. رُوِيَ هذا القولُ عن أَنسٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي إلى سُتْرَةٍ، ولم يُنْقَلْ أنَّه أمر أصْحابَه بنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى. وحديثُ الفَضْلِ بنِ عباسٍ، في إسْنادِه مَقالٌ (¬1)، ويَجُوزُ أنْ يكونَا بَعِيدَينِ. وقال مالكٌ، والثَّوْرِي، وأصحابُ الرَّأْى، والشافعيُّ: لا يَقْطَعُ الصلاةَ شئٌ، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، ولِما رَوَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَقْطَع الصَّلَاةَ شَئٌ». رَواه أبو داودَ (¬2). ولَا، حديث أبي هُرَيْرَةَ، وأبي ذَرٍّ، وقد أجَبْنا عن الأحادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ. وحديثُ أبي سعيدٍ يَرْوِيه مُجالِدٌ (¬3)، وهو ضَعِيف، فلا يُعارَضُ به الصَّحِيحُ، وهو عامٌّ، وأحادِيثُنا خاصَّةٌ، فيَجِبُ تَقْدِيمُها. ¬

(¬1) في الأصل: «مقاتل». (¬2) في: باب من قال لا يقطع الصلاة شيء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 165. (¬3) في الأصل: «مجاهد».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَقْطَعُ الصلاةَ (¬1) غيرُ ما ذَكَرْنا؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لها بالذِّكْرِ يَدُل على عَدَمِه فيما سِواها. وقال ابنُ حامِدٍ: هل يَقْطَعُ الصلاةَ مُرُورُ الشَّيْطانِ؛ على وَجْهَيْن، أحَدُهما، يَقْطَعُ. وهو قولُ بعضِ أصحابِنا، لتَعْلِيلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَطْعَ الكَلْبِ الصلاةَ بكَوْنِه شَيْطانًا. والثَّانِي، لا يَقْطَعُ. اخْتارَه القاضي. ومتى كان في الكَلْبِ الأسْوَدِ لَوْن غيرُ السَّوادِ، لم يَقْطَع الصلاةَ، وليس ببَهِيمٍ، إلَّا أن يكونَ بينَ عَيْنَيْه نُكْتَتان تُخالِفان لَوْنَه، فلا يَخْرُجُ بهما عن اسْمِ البَهِيمِ وأحْكامِه في قَطْع (¬2) الصلاةِ، وتَحْرِيمِ صَيْدِه، وإباحَةِ قَتْلِه؛ لأنَّه قد رُوىَ في حديثٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهيمِ ذِي الْغُرَّتَيْنِ (¬3)، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ» (¬4). وإنَّما خَصَصْنَا قَطْعَ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «قطعه». (¬3) في م: «القرنين». (¬4) أخرجه مسلم، في: باب الأمر بقتل الكلاب. . . إلخ، من كتاب المساقاة. صحيح مسلم 3/ 1200. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 333.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةِ بالأسْوَدِ البَهيم؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَمَّاه شَيْطانًا في حديثِ أبي ذَرٍّ، وقال عليه السَّلامُ: «لَوْلَا أنَّ الْكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ» (¬1). فبَيَّنَ (¬2) أنَّ الشَّيْطانَ هو الأسْوَدُ البَهِيمُ. فصل: ولا فَرْقَ بينَ الفَرْضِ والتَّطوُّعِ فيما ذَكَرْنا، لِعُمومِ الأدِلَّةِ، وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على التَّسْهيلِ في التَّطوُّعِ. [والصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ؛ لأنَّ مُبْطِلاتِ الصلاةِ في غيرِ هذا يَتَساوَى فيها الفَرْضُ والتَّطَوُّعُ] (¬3). وقد قال أحمدُ: يَحْتَجُّونَ بحديثِ عائشةَ، بأنَّه في التَّطَوعِ، وما أعْلَمُ بينَ الفَرِيضةِ والتَّطوُّعِ فَرْقًا، إلَّا أنَّ التَّطَوُّعَ يُصَلَّى على الدَّابَّةِ. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب الأمر بقتل الكلاب. . . إلخ، من كتاب المساقاة. صحيح مسلم 3/ 1200. وأبو داود، في: باب في اتخاذ الكلاب للصيد وغيره، من كتاب الصيد. سنن أبي داود 2/ 97. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في قتل الكلاب، وفي: باب ما جاء في من أمسك كلبا ما ينقص من أجره، من أبواب الصيد. عارضة الأحوذى 6/ 283، 284، 285. والنَّسائيّ، في: باب صفة الكلاب التى أمر بقتلهما، من كتاب الصيد. المجتبى 7/ 163. وابن ماجه، في: باب النهي عن اقتناء الكلب. . . إلخ، من كتاب الصيد. سنن ابن ماجه 2/ 1069. والدارمي، في: باب في قتل الكلاب، من كتاب الصيد. سنن الدَّارميّ 2/ 90. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 85، 5/ 54، 56، 57. وفي بعضها لم يرد: «فإنَّه شيطان». (¬2) في الأصل: «فتبين». (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان الكلبُ الأسْودُ البَهِيمُ واقِفًا بينَ يَدَيْه، أو نائِمًا، ولم يَمُرَّ ففيه رِوايَتان، إحْداهُما، تَبْطُل، قِياسًا على المُرُورِ؛ لأنَّ (¬1) النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَقْطَعُ الصَّلَاة المَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ» (¬2). ولم يَذْكُرْ مُرُورًا. وقد قالت عائشةُ: عَدَلْتُمُونَا بالكِلَابِ والحُمُرِ (¬3). وذَكَرَتْ في مُعارَضَةِ ذلك، ودَفْعِه أنَّها كانت تكونُ مُعْتَرِضَةً بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، كاعْتِراضِ الجِنارةِ (¬4). والثَّانيةُ، لا تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لأنَّ الوُقُوفَ والنَّوْمَ مُخالِف لحُكْمِ المُرُورِ، بدَلِيلِ أنَّ عائشةَ كانت تَنامُ بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلَا يَكْرَهُه، ولا يُنْكِرُه، وقد قال في المارِّ: «لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُر بَيْنَ يَدَيْهِ (¬5)» (¬6). وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ لنافِعٍ: وَلِّنِي ظَهْرَك. ليَسْتَتِرَ به ممَّن يَمُرُّ بينَ يَدَيْه (¬7). ¬

(¬1) في م: «ولأنَّ». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 650. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب استقبال الرَّجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي، وباب من قال لا يقطع الصلاة شيء، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 136، 137. ومسلم، في: باب الاعتراض بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 366. (¬4) أخرجه مسلم، في: باب الاعتراض بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 366. (¬5) في الأصل: «يدى المصلى». (¬6) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب استقبال الرَّجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي، وباب من قال لا يقطع الصلاة شيء، من كتاب الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 136، 137. ومسلم، في: باب منع المار بين يدى المصلى، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 363. (¬7) تقدم تخريجه في صفحة 640.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقَعَد عمَرُ بينَ يديِ المُصَلى يَسْتُرُه مِن المُرُورِ (¬1). وإذا اخْتَلَفَ حُكْمُ الوُقُوفِ والمُرُورِ، فلا يُقاسُ عليه، وقولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ». لابُدَّ فيه مِن إضْمارِ المُرُورِ أو غيرِه، فإنَّه لا يَقْطَعُها إلَّا بفِعْلِه، وقد جاء في بَعْض الأخبارِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه. فصل: والذى يَقْطَعُ الصلاةَ مُرُورُه، إنَّما يَقْطَعُها إذا مَرَّ قَرِيبًا، والذى لا يَقْطَعُ الصلاةَ إنَّما يُكْرَهُ له المُرُورُ إذا كان قَرِيبًا أَيضًا، فأمَّا البَعِيدُ فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ. قال شيخُنا (¬2): ولا أُعْلَمُ أحَدًا مِن أهلِ العلمِ حَدَّ البَعِيدَ في ذلك ولا القَرِيبَ، إلَّا أن عِكْرِمَةَ، قال: إذا كان بَيْنَكَ وبينَ الذى يَقْطَعُ الصلاةَ قَذْفَةٌ بحَجَرٍ، لم يَقْطَع الصلاةَ. وروَى أبو داودَ، وعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أحْسَبُه عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلى غَيْرِ سُتْرَةٍ، فَإنَّهُ يَقْطَع صَلَاته الكلْبُ، وَالحِمَارُ، وَالخِنْزِيرُ، وَالمَجُوسيُّ، وَاليَهُودِيُّ، وَالمَرْأةُ، ويَجُزْئُ عَنْهُ إذَا مَرُّوا وبَيْنَ يَدَيْهِ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ» (¬3). هذا لَفْظ رِوايَةِ أبي داودَ. وفي رِوَايَةِ ¬

(¬1) تقَدم تخريجه في صفحة 640. (¬2) في: المغني 3/ 102. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب ما يقطع الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 162. وعبد بن حميد، في: المنتخب 2/ 504.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَبْدٍ: «وَالنَّصْرانِيُّ، وَالْمَرأَةُ الْحَائِضُ». فلو ثَبَت هذا الحديثُ، تَعَيَّنَ المَصِيرُ إليه، غيرَ أنَّه لم يَجْزِمْ برَفْعِه، وفيه ما هو مَتْرُوكٌ بالإِجْماعِ، وهو ما عَدا الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ. ولا يُمْكِنُ تَقْيِيدُ ذلك بمَوْضِع السُّجُودِ، كما قال بعضُهم، فإن قولَه عليه السَّلامُ: «إذَا لَم يَكُنْ بَيْنَ يَدَيه مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، قَطَعَ صَلَاتهُ الْكَلْبُ الأسْوَدُ» (¬1). يَدُلُّ على أنَّ ما هو أبْعَدُ مِن السُّتْرَةِ تَنْقَطِعُ الصلاةُ (¬2) فيه بِمُرُورِ الكلبِ، والسُّتْرَةُ تكونُ أبْعَدَ مِن مَوْضِع السُّجُودِ. قال شيخُنا (¬3): والصَّحِيحُ تَحْدِيدُ ذلك بما إذا مَشَى إليه المُصَلِّي، ودَفَع المارَّ بينَ يَدَيْه، لا تَبْطلُ صلاتُه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَر بدَفْعِ المارِّ بينَ يَدَيْه، فتَقَيَّدَ بدَلالَةِ الإجْماعِ بما يَقْرُبُ منه، بحيث إذا مَشَى إليه لا تَبْطلُ صلاتُه، واللَّفْظُ في الحَدِيثَين واحِدٌ، وقد تَعَذَّر حَمْلُهُما على الإِطْلاقِ، وقد تَقَيَّدَ أحَدُهُما بالإِجْماعِ، فيَنْبَغِي أنْ يَتَقَيَّدَ الآخَر به. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 649. (¬2) سقط من: م. (¬3) في: المغني 3/ 103.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا صَلَّى إلى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ، فاجْتازَ وَراءَها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، قَطَعَها في أحِد الوَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن نَصْبِها، والصلاةِ إليها، فوُجُودُها كَعَدَمِها. والثَّانِي، لا تَبْطُلُ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «يَقِي (¬1) ذلك مِثْل آخِرَةِ الرَّحْلِ» (¬2). وقد وُجِدَ. وأصْلُ (¬3) الوَجْهَيْن إذا صَلَّى في ثَوْب مَغْصُوبٍ، وفيه رِوايَتان. فصل: وسُتْرَةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَن خَلْفَه. نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ (¬4). قال الترمِذيُّ (¬5): قال أهلُ العلمِ: سُترةُ الإمامِ سُتْرَةٌ (¬6) لِمَن خَلْفَه. وهو قولُ الفُقَهاء السَّبْعَةِ، والنَّخَعِيِّ، ومالك، والشافعيِّ، وغيرِهم؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى إلى سُتْرَةٍ، ولم يأْمر أصحابَه بنَصب سُتْرَةٍ أُخْرَى. وفي حديثِ ابنِ عباس، قال: أقْبَلْتُ رَاكِبًا (¬7) على حِمَارٍ أتانٍ، ¬

(¬1) في م: «كفى». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 637. (¬3) في الأصل: «وأحد». (¬4) أخرجه عبد الرَّزّاق، في: باب سترة الإمام سترة لمن وراءه، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 18. (¬5) سقط من: الأصل. (¬6) في: باب ما جاء سترة المصلى، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 130. (¬7) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصلِّي بالناسِ بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَى بَعْضِ الصَّفِّ، فنَزَلْتُ فأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، ودَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عليَّ أحَدٌ. مُتَفَقٌ عليه (¬1). ومَعْنَى قَوْلِهم: سُتْرَةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَن خلْفَه. أنَّه متى لم يَحُلْ بينَ الإمامِ وسُتْرَتِه شيءٌ يَقْطَعُ الصلاةَ، لم يَضُرَّ المَأمُومِينَ مُرُورُ شئٍ بينَ أيْدِيهم في بَعْضِ الصَّفِّ، ولا فيما بينَهم وبينَ الإمامِ، وإن مَرَّ بينَ يَدَيِ الإمامِ ما يَقْطَعُ صلَاته قَطَع صلاتَهُم، وقد دَلَّ على ذلك ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبيه، عن ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 647.

454 - مسألة: (ويجوز له النظر في المصحف)

وَيَجُوزُ لَهُ النَّظر فِي الْمُصْحَفِ ـــــــــــــــــــــــــــــ جَدِّه، قال: هبَطْنا مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن ثَنِيَّةِ أذاخِرَ (¬1)، فحَضَرت الصلاةُ، يعنى إلى جَدْرٍ (¬2) فاتَّخَذَه قِبْلَة، ونحن خَلْفَه، فجاءت بَهْمَةٌ (¬3) تَمُرُّ بينَ يَدَيْه، فما زالَ يُدارِئُها حتَّى لَصِق بَطْنُه بالجِدارِ، فَمَرَّتْ مِن وَرائِه. رَواه أبو داودَ (¬4). فلَوْلا أنَّ سُتْرَتَه سُتْرَةٌ لهم، لم يَكُنْ بينَ مُرُورِها بينَ يَدَيْه وخَلْفَه فَرْقٌ. 454 - مسألة: (وَيَجُوزُ له النَّظر فِي المُصْحَفِ) يَجُوز له النَّظَرُ في المُصْحَفِ في صلاةِ التَّطَوُّعِ. قال أحمدُ: لا بَأسَ أن يُصَلِّيَ بالنّاسِ ¬

(¬1) أذاخر: موقع قرب مكة. (¬2) جدر: حائط. (¬3) البهمة: أولاد الضأن والمعز والبقر. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 606.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ القِيامَ وهو يَنْظُرُ (¬1) في المُصْحَفِ. قِيلَ له: الفَرِيضَة؟ قال: لم أسْمَعْ فيها بشئٍ. وسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عن رجلٍ يَقْرأُ في رمضانَ في المصحفِ، فقال: كان خِيارُنا يَقْرَءُون في المصاحِفِ. رُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، ويَحْيَى الأنْصارِيِّ. ورُوِيَتْ كَراهَتُه عن سعيدِ بين المُسَيَّبِ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيمَ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن الخُشُوعِ في الصلاةِ. وقال القاضي: لا بَأْسَ به في التَّطَوُّعِ إذا لم يَحْفَظْ، فإن كان حافِظًا كُرِهَ؛ لأنَّ أحمدَ سُئِلَ عن الإِمامَةِ في المُصْحَفِ في رمضانَ؟ قال: إذا اضْطُرَّ إلى ذلك. وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ الصلاةُ إذا لم يَكُنْ حافِظًا؛ لأنَّه عَمَلٌ طَوِيلٌ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: نَهانا أميرُ المُؤْمِنِين أن نَؤُمَّ النّاسَ في المصاحِفِ. وأن يَؤُمَّنا إلَّا مُحْتَلِمٌ. رَواه أبو بكر بنُ أبي داودَ في كتابِ «المصاحف» (¬2). ولَنا، أنَّ عائشة كان يَؤُمُّها عَبْدٌ لها في المصحفِ. رَواه الأثْرَمُ (¬3). وقولُ الزُّهْرِيِّ، ولأنَّه نَظر إلى مَوْضِعٍ مُعَيِّن، فلم تَبْطُلِ الصلاةُ، كالحافِظِ وكالعلمِ (¬4). وأمّا فِعْلُه في الفَرْضِ، ففيه رِوايَتانِ، إحْداهما، يُكْرَهُ. اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن خُشُوعِ الصلاةِ، ولا يَحْتَاجُ إليه. والثانيةُ، لا يُكْرَهُ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ. وقال القاضي في «المُجَردِ»: إن قَرَأ في التَّطَوُّعِ في المصحفِ لم تَبْطُلْ صلاتُه، وإن فَعَل ¬

(¬1) في م: «يقرأ». (¬2) صفحة 189. (¬3) أورده ابن أبي راود في كتاب المصاحف 192. (¬4) سقط من: م.

455 - مسألة: (وإذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية عذاب أن يستعيذ منها، وعنه، يكره ذلك في الفرض)

وَإذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أنْ يَسْأَلهَا، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا. وَعَنْهُ، يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ذلك في الفَرِيضَةِ، فهل يَجُوزُ؟ على رِوايَتَيْن. فصل: وإذا قَرَأ في كِتابٍ في نَفْسِه، ولم يَنْطِقْ بلِسانِه، فقد نَقَل المَرُّوذِيُّ، عن أحمدَ، أنَّه كان يُصَلِّي وهو يَنْظُرُ في الجُزْء إلى جانِبِه. فظاهِرُه أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ. وقال جماعةٌ مِن أصحابِنا: تَبْطُلُ الصلاةُ إذا تَطاوَلَ. وكان ابن حامِدٍ يقولُ: إذا طال عَمَلُ القَلْبِ بالنَّظَرِ (¬1) أبْطَلَ، كعَمَلِ البَدَنِ (¬2). والمذهَبُ أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ. ذَكَرَه القاضي. 455 - مسألة: (وإذا مَرَّتْ به آيَةُ رَحْمَةٍ أن يَسْأَلها، أو آيَةُ عَذابٍ أن يَسْتَعِيذَ منها، وعَنْهُ، يُكرَهُ ذلِك في الفَرْضِ) لا بَأْسَ بذلك في صلاةِ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «اليدين».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ روَى أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه (¬1). فأمّا الفَرِيضَةُ، فعنه إباحَتُه فيها، كالنّافِلَةِ؛ لأنَّه دُعاءٌ وخَيْرٌ. وعنه، الكَراهَةُ؛ لأنَّه إنما نُقِل عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في النّافِلَةِ، فيَنْبَغِي الاقْتِصارُ عليه. والله أعلمُ. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، من كتاب صلاة المسافرين صحيح مسلم 1/ 536، 537. وأبو داود، في: باب تفريع أبواب الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 201. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 63. والنَّسائيّ، في: باب نوع آخر، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 177، 178. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، من كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. سنن ابن ماجه 1/ 429.

456 - مسألة: قال رحمه الله: (أركان الصلاة اثنا عشر، القيام، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأفعال، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسليمة الأولى، والترتيب، من ترك منها شيئا عمدا بطلت صلاته)

فَصْلٌ: أَرْكَانُ الصَّلَاةِ اثْنَا عَشَرَ، الْقِيَامُ، وَتَكْبِيرَةُ الْإحْرَامَ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَالرُّكُوعُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمأنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَالتَّشَهُدُ الأخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الأولَى، وَالتَّرْتِيبُ. مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 456 - مسألة: قال رحمه الله: (أرْكان الصلاةِ اثْنا عَشَرَ، القِيامُ، وتَكبيرَة الإحْرامِ، وقِراءَة الفاتِحَةِ، والرُّكُوعُ، والاعْتِدالُ عنه، والسُّجُودُ، والجُلوسُ بينَ السَّجْدَتَيْن، والطُّمَأْنِينَة في هذه الأفْعالِ، والتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، والجُلُوسُ له، والتَّسْلِيمَةُ الأُولَى، والتَّرْتِيبُ، مَن تَرَك منها شيئًا عَمْدًا بَطَلَتْ صلاتُه) المَشْروعُ في الصلاةِ قِسْمانِ، واجِبٌ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ومَسْنُونٌ، والواجِبُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن، أحَدُهُما، لا يَسْقُطُ في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ، وهي الأرْكانُ التى ذَكَرَها المُصَنِّفُ، إلَّا أنَّ قِراءَةَ الفاتِحَةِ إنَّما تَجِبُ على الإمامِ والمُنْفَرِدِ، والقِيامُ يَسْقُطُ في النّافِلَةِ، وفي وُجُوب بعضِها اخْتِلافٌ ذَكَرْناه. وقد ذَكَرْنا أدِلَّتَها في أثْناءِ البابِ سِوَى التَّرتِيبِ، ويَدُلُّ عليه أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّاها مُرَتَّبَةً، وقال: «صَلُّواْ كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» (¬1). وقد دَلَّ على وُجُوب أكْثَرها ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- دَخَل المَسْجِدَ، فدَخَلَ رَجُلٌ فصَلَّى، ثم جاء فسَلَّمَ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». [فرَجَعَ فصَلَّى كما صَلَّى، ثم جاء فسَلَّمَ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»] (¬2)، ثَلاثًا. فقال: والذى بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أُحْسِنُ غيرَه، فعَلِّمْنِي. قال: «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبَّر، ثُم اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِن رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 441، 442. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، [ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا] (¬1)، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاِتكَ كُلِّهَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وزاد مسلمٌ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ استقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّر». فدَلَّ ذلك على أنَّ هذه المُسَمّاةَ فِي الحديثِ لا تَسْقُط بحالٍ، فإنَّها لو سَقَطَتْ لسَقَطَتْ عن الأعرْابِيِّ لجَهْلِه بها، والجاهِلُ كالنّاسِي. فأمّا أحْكامُ تَرْكِها، فإن كان عَمْدًا بَطَلَتْ صلاتُه في الحالَ، وإن كان سَهْوًا، ثم ذَكَرَه في الصلاةِ أتَى به على ما سَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ. وإن لم يَذْكُره حتَّى سَلَّمَ وطال الفَصْلُ، بَطَلَتِ الصلاةُ، وإن لم يَطُلِ الفَصْلُ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 408.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَنَى على ما مَضَى مِن صلاِته. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَماعَةٍ. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال بعضُ أصحابِنا: متى لم يَذْكُرْه حتَّى سَلَّمَ، بَطَلَتْ صلاتُه. وقال الأوْزاعِيُّ في مَن نَسِيَ سَجْدَةً مِن صلاةِ الظُّهْرِ فذَكَرَها في صلاةِ العَصْرِ: يَمْضى في صلاِته، فإذا فَرَغ سَجَدَها. ولَنا على (¬1) أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ مع قُرْبِ الفَصْلِ، أنَّه لو تَرَك رَكْعَةً، أو أكْثَرَ (¬2)، وذَكَر قبلَ طُولَ الفَصْلِ، أتَى بما تَرَك ولم تَبْطُلُ صلاتُه إجماعًا. وقد دَلَّ على ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «كبر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذلك حديثُ ذى اليَدَيْن (¬1). فإذا تَرَك رُكْنًا واحِدًا، فَأوْلَى أنْ لا تَبْطلَ. والدَّلِيلُ على أنَّ الصلاةَ تَبْطُلُ بطُولِ الفَصْلِ، أنَّه أخَلَّ بالمُوالاةِ، فبَطَلَتْ صلاتُه، كما لو ذَكَرَ في يومٍ ثانٍ. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ إلى العُرْفِ. وبه قال بعضُ الشافعيَّةِ. وقال بَعْضُهم: الفَصْلُ الطوِيلُ قَدْرُ رَكْعَةٍ. وهو نَصُّ الشافعيِّ. وقال الخِرَقِيُّ، في سُجُودِ السَّهْوِ: إذا تَرَكَه، يَسْجُدُ ما ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، من كتاب الصلاة، وفي: باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول النَّاس، من كتاب الأذان، وفي: باب إذا سلم في ركعتين أو ثلاث. . . إلخ، وباب من لم يتشهد في سجدتى السهو، وباب من يكبر في سجدتى السهو، من كتاب السهو، وفي: باب ما يجوز من ذكر النَّاس، نحو قولهم الطَّويل والقصير، من كتاب الأدب، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الآحاد، من كتاب خبر الآحاد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 129، 130، 183، 2/ 85 - 87، 8/ 19، 20، 9/ 108. ومسلم، في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد، صحيح مسلم 1/ 403، 404. كما أخرجه أبو داود، في: باب السهو في السجدتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 231 والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 188، 189. والنَّسائيّ، في: باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسيًا وتكلم، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 17، 18. وابن ماجه، في: باب في من سلم من ثنتين أو ثلاث ساهيا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 383. والدارمي، في: باب سجدة السهو من الزيادة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 351، 352. والإمام مالك، في: باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 93، 94. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 234، 235، 423، 460.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان في المَسْجِدِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للصلاةِ، فيُحَدُّ قُرْبُ الفَصْلِ وبُعْدُه به. والأوْلَى حَدُّه بالعُرْفِ؛ لأنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ، كسائِرِ مالا حَدَّ له، ولا يَجُوزُ التَّقْدِيرُ بالتَّحَكُّمِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومتى كان المَتْرُوكُ سَلامًا أتَى به فحَسْبُ، وإن كان تَشَهُّدًا أتَى به وبالسلامِ، وإن كان غيرَهما أتَى برَكْعَةٍ كامِلَةٍ. وقال الشافعيُّ: يَأْتِي بالرُّكْنِ وبما بعدَه لا غيرُ. ويَأتِي الكَلامُ عليه إن شاء اللهُ. وتَخْتَصُ تَكْبيرَةُ الإِحرامِ مِن بينِ سائِرِ الأرْكانِ، بأنَّ (¬1) الصلاةَ لا تَنْعَقِدُ بتَرْكِها؛ لأنَّهَا تَحْرِيمُها، فلا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدونِها، ويَخْتَصُّ السَّلامُ بأنَّه إذا نَسِيَه أتى به وَحْدَه، وقد ذَكَرْناه. ¬

(¬1) في م: «لأن».

457 - مسألة: (وواجباتها تسعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع، وسؤال المغفرة بين السجدتين مرة، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في موضعها

وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ، التَّكْبِيرُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَالتَّسْمِيعُ، وَالتَّحْمِيدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الركُوعِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودُ مَرةً مَرَّةً، وَسُؤالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فِي مَوْضِعِهَا، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 457 - مسألة: (وواجِباتُها تِسْعَةٌ: التَّكْبِيرُ غيرَ تَكبِيرَةِ الإحْرامِ، والتَّسْبِيحُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ مَرَّة مَرَّة، والتَّسْمِيع والتحْمِيدُ في الرَّفْع مِن الرُّكُوعِ، وسُؤَالُ المَغْفِرَةِ بينَ السَّجْدَتَيْن مَرة، والتَّشَهُّدُ الأوَّلُ، والجُلُوسُ له، والصَّلاةُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مَوْضِعِها (¬1)، [والتَّسليمةُ الثَّانية] (¬2) في رِوايَةٍ) هذا هو القِسْمُ الثانِي من الواجِباتِ. وفي وُجُوبِها ¬

(¬1) في الأصل، م: «التشهد الأخير». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِوايَتانِ، إحْداهما، هي واجِبَةٌ. وهو قولُ إسحاقَ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، أنَّها غيرُ واجِبَةٍ. وهو قولُ أكثرَ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال بوُجُوبِ الصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وجَعَلَها مِن الأرْكانِ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ، لحدِيثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ (¬1). ودليلُ عَدَمِ وُجُوبِها أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمْها ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 545.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المُسئَ في صَلاِته، ولا يَجُوزُ تَأخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (¬1). وقد روَى ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 441، 442.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو داودَ (¬1) بإسْنادِه، عن عليٍّ بنِ يَحْيى بن خَلادٍ، عن عَمِّه، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاس حَتَّى يَتَوَضَّأ، فَيَضَعَ الوُضُوءَ مَواضِعَه، ثُمَّ يُكَبر ويَحْمَدَ اللهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ، وَيَقْرَا بِمَا شَاءَ مِنَ الْقُرآنِ، ثمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ يَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُم يقُولَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ يَسْجُدَ ¬

(¬1) في: باب صلاة من يقيم صلبه الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 197، 198. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الرخصة في ترك الذكر في السجود، من كتاب التطبيق، وفي: باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة، في كتاب السهو. المجتبى 2/ 179، 3/ 50. والتِّرمذيّ، وفي: باب في وصف الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 94، 95. والدارمي، في: باب في الذى لا يتم الركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 305، 306. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 340.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ [يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ. وَيَرْفَعَ رَأسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ] (¬1)، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيُكَبِّر، فَإذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ». وفي رِوايَةٍ: «لا تَتِمُّ صَلَاةُ أحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ». وهذا نَصٌّ في وُجُوبِ التَّكْبِيرِ. وقد ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ولأنَّ مَواضِعَ هذه الأرْكانِ (¬2) أرْكانٌ، فكان فيها ذِكْرٌ واجِبٌ، كالقِيامِ. وقد ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «الأركان».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أشَرْنا إلى أدِلَّةِ الباقِي فيما مَضَى. فأمّا حدِيثُ المُسِيءِ في صَلاِته، فلم يَذْكُرْ فيه جَمِيعَ الواجِباتِ، بدَلِيلِ أنَّه لم يُعَلِّمْه التَّشَهُّدَ ولا السَّلامَ، فلَعَلَّه اقْتَصَرَ على تَعْلِيم ما أساء فيه. ولا يَلْزَمُ عِن التَّساوِي في الوُجُوبِ التَّساوِي في الأحْكام، بدَلِيلِ واجِباتِ الحَجِّ. وقد ذُكِر في الحديثِ الذى رَوَيْناه تَعْلِيمُ التَّكْبِيرَ، وهو زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها.

458 - مسألة؛ قال: (ومن ترك منها شيئا عمدا بطلت صلاته،

منْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَعَنْهُ، أنَّ هَذِهِ سُنَنٌ لا تَبْطُل الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 458 - مسألة؛ قال: (ومَن تَرَك منها شَيْئًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُه، ومَن تَرَكَه سَهْوًا سَجَد (¬1) للسَّهْوِ. وعنه، أنَّ هذه سُنَنٌ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها) وحُكْمُ هذه إذا قُلْنا بوُجُوبِها، أنَّه إن تَرَكَها عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّها واجِبَةٌ، أشْبَهَتِ الأرْكانَ. وإن تَرَكَها سَهْوًا جَبَرَها بسُجُودِ السَّهْوِ، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمّا قام إلى ثالِثَةٍ وتَرَك التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، سَجَد سَجْدَتَيْن [وهو جالِسٌ] (¬2) قبلَ أن يُسَلِّمَ، في حديثِ ابن بُحَيْنَةَ (¬3). ولَوْلا أنَّه سَقَط بالسَّهْوِ لرَجَعَ إليه، ولَوْلا أنَّه واجِبٌ لَما سَجَد لجَبْرِه؛ لأنَّه لا يَزِيدُ في ¬

(¬1) في م: «ترك». (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من لم هي التشهد الأول واجبًا، من كتاب الأذان، وفي: باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة، من كتاب السهو. صحيح البُخَارِيّ 1/ 210، 2/ 85. ومسلم، في: باب السهو الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 399. وأبو داود، في: باب من قام من ثنتين ولم يتشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود، 1/ 237. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في سجدتى السهو قبل السلام، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 185. والنَّسائيّ، في: باب ما يفعل من قام عن اثنتين ناسيًا لم يتشهد، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 17. وابن ماجه، في: باب في من قام من ثنتين ساهيا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 381.

459 - مسألة: (وسنن الأقوال اثنا عشر، الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، [وقول: «آمين»]

وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ اثْنَا عَشَرَ، الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ: آمِينَ. وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَالْجَهْرُ، وَالْإخْفَاتُ، وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاءِ. بَعْدَ التَّحْمِيدِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةِ زِيادَةً مُحَرمَةً لِجَبْرِ ما ليس بواجِبٍ، وغيرُ التَّشَهُّدِ مِن الواجِباتِ مَقِيسٌ عليه، ولا يَمْتَنِعُ أن يكونَ للعِبادَةِ واجِبٌ يُجْبَر إذا تَرَكَه، وأرْكانٌ (¬1) لا تَصِحُّ إلَّا بها، كالحَج. ويَخْتَصُ التَّسمِيعُ بسُقوطِه عن المَأمُومِ. وذكَر ابنُ عَقِيل رِوايَةً في مَن تَرَك شيئًا مِن الواجِباتِ ساهِيًا، أنَّ صلَاتَه تَبْطُلُ كالأرْكانِ. قال: والأول أَصَحُّ، [وهو أنَّها] (¬2) تَنْجَبِرُ بسُجُودِ السَّهْوِ. 459 - مسألة: (وسُنَنُ الأقْوالِ اثْنا عَشَرَ، الاسْتِفْتاحُ، والتَّعَوُّذُ، وقِراءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، [وقولُ: «آمِينَ»] (¬3). وقِراءَةُ السُّورَةِ، والجَهْر، والإخْفاتُ، وقولُ: «مِلْءَ السَّماءِ». بعدَ ¬

(¬1) في الأصل: «وإن كان». (¬2) في الأصل: «لأنها». (¬3) سقط من: الأصل.

وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤالِ الْمَغْفِرَةِ، وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَالقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ. فَهَذِهِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا. وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّحْمِيدِ، وما زادَ على التَّسْبِيحَةِ الواحِدَةِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وعلى المَرَّةِ في سُؤالِ المَغْفِرَةِ، والتَّعَوُّذُ في التَّشَهدِ الأخِير، والقُنُوتُ في الوِتْرِ. فهذه لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها، ولا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِها) لأنَّ فِعْلَها غيرُ واجبٍ، فجَبْرُها أوْلَى (وهل يُشْرَعُ؛ على رِوايَتَين) إحْداهما، يُشْرَعُ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ في الإمامِ إذا تَرَك الجَهْرَ. وقال الحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ وأصحابُ الرَّأيِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإسحاقُ: عليه سَجْدَتَى السَّهْوِ إذا تَرَك قُنُوتَ الوِتْرِ ناسِيًا، لقَولِه عليه السَّلامُ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» (¬1). والثَّانِيَةُ، لا يُشْرَعُ؛ لأنَّ تَرْكَها ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب من نسى أن يشهد وهو جالس، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 239. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من سجدهما بعد السلام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 385. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 280.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَمْدًا لا (¬1) يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يُشْرَعْ لسَهْوِها سُجُودٌ، كسُنَنِ الأفْعالِ. وهذا قَوْلُ الشافعيِّ. ¬

(¬1) سقط من: م.

460 - مسألة: (وما سوى هذا من سنن الأفعال لا تبطل الصلاة بتركها، ولا يشرع السجود لها)

وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ لَا تَبْطُل الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 460 - مسألة: (وما سِوَى هذا مِن سُنَنِ الأفْعالِ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها) فأمّا سُنَنُ الأفْعالِ، فهي: رَفْعُ اليَدَيْن عندَ الافْتِتاحِ، والرُّكُوعِ، والرَّفع منه، ووَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، وجَعْلُهما تحتَ السُّرَّةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ فيه، والنَّظَرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه، ووَضْعُ اليَدَيْن على الرُّكْبَتَيْن في الرُّكُوعِ، والتَّجافِي [فيه، و] (1) في السُّجُودِ، ومَدُّ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا، وجَعْلُه حِيالَ رَأْسِه، والبُدَاءَةُ بوَضْع الرُّكْبَتَيْن قبلَ اليَدَيْن في السُّجُودِ [ورَفْعُ اليَدَيْن قبلَ الرُّكْبَتَيْن في القِيامِ مِن السُّجُودِ ومِن التَّشَهدِ الأوَّلِ، بحيث لا يَعْتَمِدُ بيَدَيْه على الأَرْض، والتَّفْرِيق بينَ رُكْبَتَيْه في السُّجُودِ] (¬1)، ووَضْعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه وأُذُنَيْه فيه، ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ونَصْبُ قَدَمَيْه وفَتْحُ أصابِعِهما فيه، وفي الجُلُوسِ، والافْتِراشُ في الجُلُوسِ بينَ السَّجْدَتَيْن، وفي التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، والتَّوَرُّكُ في الثّانِي، ووَضْعُ اليَدِ اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى مَقْبُوضةً مُحَلَّقَةً، والإشارَةُ بالسَّبّابَةِ، ووَضْعُ اليَدِ اليُسرى على الفَخِذِ اليُسْرَى مبْسُوطَةً، والالِتفاتُ عن اليَمِينِ والشِّمالِ في التَّسْلِيمَتَيْن، والسُّجُودُ على الأنفِ، وجَلْسَةُ الاسْتِراحَةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ مِن الصلاةِ في سَلامِه، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيهِنَّ. فهذه لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها بحالٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرزُ مِن تَرْكِها، فلو شُرِعَ السُّجُودُ لها لم تَخْلُ صلاةٌ مِن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سُجُودٍ في الغالِبِ. وقال أبو الخَطّابِ: فيها روايَتان. وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لسَهْوِها رِوايَتان بِناءٌ على سُنَنِ الأقْوالِ. والأولُ أوْلَى. القِسْمُ الثالثُ مِن السُّنَنِ، ما يَتَعَلَّقُ بالقَلْبِ، وهو الخُشُوعُ في الصلاةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ. وقد ذَكَرْناه. واللهُ أعلمُ.

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756 المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

باب سجود السهو

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ سُجُودِ السَّهوِ وَلَا يُشرعُ فِي الْعَمْدِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ سُجُودِ السَّهْوِ قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: تُحْفَظُ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَمْسَةُ أشْياءَ، سَلَّمَ مِن اثنَتَيْن فسَجَدَ، وسَلَّمَ مِن ثَلاثٍ فسَجَدَ، وفي الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقام مِن اثْنَتَيْن ولم يَتَشَهَّدْ. وقال الخَطّابِيُّ (¬1): المُعْتَمَدُ عندَ أهلِ العلمِ هذه الأِحِادِيثُ الخمْسَةُ، حَدِيثا ابنِ مسعودِ، وأبي سعيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ بُحَيْنَةَ. 461 - مسألة؛ قال: (ولا يُشْرَعُ في العَمْدِ) وهو قولُ أبي حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: يَسجُدُ لتَرْكِ التَّشَهُّدِ والقُنُوتِ عَمْدًا؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ الجَبْرُ بسَهْوِه تَعَلَّقَ بحَمْدِه، كَجُبْراناتِ الحَجِّ. ولَنا، أنَّ السُّجُودَ يُضافُ إلى ¬

(¬1) معالم السنن 1/ 238، 239.

462 - مسألة: (ويشرع للسهو في زيادة، ونقص، وشك)

وَيُشرعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَة، وَنَقْص، وَشَكٍّ، لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ السَّهْوِ، فدَلَّ على اخْتِصاصِه به. والشَّرْعُ إنَّما وَرَد به فيه، ولا يَلْزَمُ مِن انْجِبارِ السَّهْوِ به انْجِبارُ العَمْدِ، لوُجُودِ العُذْرِ في السَّهْوِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بزِيادَة رُكْنٍ أو رَكْعَةٍ، أو قِيام في مَوْضِعِ جُلُوسٍ. 462 - مسألة: (وَيُشْرَعُ للسَّهْوِ في زِيادَةٍ، ونَقْصٍ، وشَكٍّ) لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد به في ذلك. فأمَّا حديثُ النَّفْسِ فلا يُشْرَعُ له السُّجُودُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيه (¬1)، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وهو مَعْفُوٌ عنه. 463 - مسألة: (للنّافِلَةِ والفَرْضِ) لا فَرْقَ بينَ النّافِلَةِ والفَرْضِ في سُجُودِ السَّهوِ، أنَّه يُشْرَعُ فيهما، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ. وقال ابنُ ¬

(¬1) زيادة من: تش.

464 - مسألة: (فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة، قياما، أو

فَأمَّا الزِّيَادَةُ، فَمتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، قِيَامًا، أوْ قُعُودًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ سِيرِينَ: لا يُشْرَعُ في النّافِلَةِ. ولَنا، عُمُومُ قول النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». وقَوْله: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَزَادَ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (¬1). ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، فشُرِع لها السُّجُودُ كالفَرِيضَةِ. فصل: ولا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ في صلاةِ (¬2) الجِنازَةِ؛ لأَنَّها لا سُجُودَ في صُلْبِها، ففي جَبْرِها أوْلَى. ولا في سُجُودِ تِلاوَةٍ؛ لأنَّه لو شُرِع كان الجَبْرُ زائِدًا على الأصْلِ. ولا في سُجُودِ السَّهْوِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولأنَّه إجْماعٌ، حَكاه إسحاقُ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ. ولو سَها بعدَ سُجُودِ السَّهْوِ لم يَسْجُدْ لذلك. والله أعلمُ. 464 - مسألة: (فمتى زاد فِعْلًا مِن جِنْسِ الصلاةِ، قيامًا، أو ¬

(¬1) انظر تخريج حديث ابن مسعود الآتي. (¬2) في الأصل: «الصلاة».

أوْ رُكُوعًا، أوْ سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ كَانَ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ قُعُودًا، أو رُكُوعًا، أو سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصلاةُ، وإن كان سَهْوًا سَجَد له) الزِّيادَةُ في الصلاةِ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن، زِيادَةُ أقْوالٍ، وزِيادَةُ أفْعالٍ. وزِيادَةُ الأفْعالِ تَتَنوَّعُ نَوْعَيْن، أحَدُهما، زِيادَة من جِنْسِ الصلاةِ، مِثْلَ أن يَقُومَ في مَوْضِع جُلُوسٍ، أو يَجْلِسَ في مَوْضِعِ قِيامٍ، أو يَزِيدَ رَكْعَةً أو رُكْنًا. فإن فَعَلَه عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاُتُه إجْماعًا، وإن كان سَهْوًا سَجَدَ له، قَلِيلًا كان أو كَثيرًا، لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». رَواه مسلمٌ (¬1). ¬

(¬1) انظر حديث ابن مسعود الذى بعده.

465 - مسألة: (وإن زاد ركعة، فلم يعلم حتى فرغ منها، سجد لها)

وَإنْ زَادَ رَكْعَةً، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا، وَإِنْ عَلِمَ فِيها، جَلَسَ فِي الْحَالِ، فَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ، وَسَلَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 465 - مسألة: (وإن زاد رَكْعَةً، فلم يَعْلَمْ حتَّى فَرَغ مِنها، سَجَد لها) لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: صَلى بنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَمسًا، فلمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بَيْنَهم، فقال: «مَا شَأنُكُمْ»؟ قالُوا: يَا رسولَ الله، هل زِيدَ في الصلاةِ؟ قال: «لَا». قالُوا: فإنَّك صَلَّيْتَ خَمسًا. فانْفَتَلَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: «إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ [سَجْدَتَيْنِ». وفي رِوايةٍ، قال: «إنَّما أنا بَشَرٌ، أذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأنْسَى كَمَا تَنْسَونَ». ثم سَجَد] (¬1) سَجْدَتيِ السَّهْوِ. وفي روايَةٍ، قال: «إذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». رَواه بطُرُقِه مسلمٌ (¬2). 466 - مسألة: (وإن عَلِم فيها، جَلَس في الحالِ، فتَشَهَّدَ إن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، وسَجَد، وسَلَّمَ) متى قام إلى خامِسَةٍ في الرُّباعِيَّةِ، أو إلى ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 400 - 403. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التوجه نحو القبلة، من كتاب الصلاة. وفي: باب إذا صلى خمسًا، من كتاب السهو. وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. . . إلخ، من كتاب الآحاد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 111، 2/ 85، 9/ 107. وأبو داود، في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 235. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في سجدتى السهو بعد السلام والكلام، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 184. والنَّسائيّ، في: باب التحرى، وباب ما يفعل من صلى خمسًا، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 24، 28. وابن ماجه، في: باب السهو في الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 380. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 376، 409، 420، 428، 443، 448، 456، 463، 465.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رابِعَةٍ في المَغْرِب، أو إلى الثّالِثَةِ في الصُّبحِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ متى ذَكَر، ويَجْلِسُ، فإن كان قد تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ التى تَمتْ بها صَلاتُه، سَجَد للسَّهْو، ثم سَلَّمَ. وإن كان تَشَهَّدَ ولم يُصَلِّ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى عليه، ثم سَجَد للسُّهْو وسَلَّمَ. وِإن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وسَجَد للسَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. وإن لم يَذْكُرْ حتَّى فرَغ مِن الصلاةِ، سَجَد عَقِيبَ ذِكْرِه، وتَشَهَّدَ وسَلَّمَ، وصَحَّتْ صَلاتُه. وبهذا قال عَلْقَمَةُ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخعيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: إن ذَكَر قبل أن يَسْجُدَ، جَلَسَ للتَّشَهُّدِ، وإن ذَكَر بعدَ السُّجُودِ، وكان جَلَس عَقِيبَ الرابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، صَحَّتْ صَلاتُه، ويُضِيفُ إلى الزِّيادَةِ أُخْرَى، لتَكُونَ نافِلَةً. وإن لم يكُنْ جَلَس بَطَلَ فَرْضُه، وصارت صَلَاتُه نافِلَةٌ، ولَزِمَه إعادَةُ الصلاةِ. ونَحْوَه قال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ. وقال قَتادَة، والأوْزاعِيُّ، في مَن صَلَّى المَغْرِبَ أرْبَعًا: يُضِيفُ إليها أُخْرَى، فتكونُ الرَّكْعَتان تَطَوُّعًا، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ أبي سعيدٍ: «فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْن لَهُ صَلَاتَهُ». رَواه مسلمٌ (¬1). ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، الذى تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ منه ¬

(¬1) في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 400. كما أخرجه أبو داود، في: باب إذا شك في الثنتين والثلاث من قال: يلقى الشك، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 235. والنَّسائيّ، في: باب إتمام المصلى على ما ذكر إذا شك، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 22، 23. وابن ماجه، في: باب ما جاء في شك في صلاته فرجع إلى اليقين، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 382. والدارمي، في: باب الرَّجل لا يدري أثلاثا صلى أم أربعًا، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 351. والإمام مالك، في: باب إتمام المصلى ما ذكر إذا شك في صلاته، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 95. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 72، 83، 84، 87.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجلِسْ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو فَعَلَه لنُقِلَ، ولأنَّه لو (¬1) قام إلى الخامسةِ يَعْتَقِدُ أنَّه قام عن ثالِثَةٍ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُه بذلك، ولم يُضِفْ إلى الخامِسَةِ أخْرَى. وحديثُ أبي سعيدٍ حُجَّةٌ عليهم أَيضًا؛ لأنَّه جَعَل الزِّيادَةَ نافِلَةً مِن غيرِ أن يَفْصِلَ بَيْنَها وبينَ التى قَبْلَها بجُلُوسٍ، وجَعَل السَّجْدَتَيْن يَشْفَعُها بها، ولم يَضُمَّ إليها رَكْعَةً أُخْرَى، وهذا كلُّه يُخالِفُ ما قالُوه، فقد خالَفُوا الخَبَرَيْن جَمِيعًا. فصل: ولو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ اللَّيْلِ، فهو كما لو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ (¬2) الفَجْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال مالكٌ: يُتِمُّها أرْبَعًا، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. وهو قولُ الشافعيِّ بالعِراقِ. وقال الأوْزاعِيُّ في صلاةِ النَّهارِ، كقَوْلِه، وفي صلاةِ اللَّيْلِ إن ذَكر قبلَ رُكُوعِه في الثالِثَةِ، كقَوْلِنا، وإن ذَكَر بعدَ (¬3) رُكُوعِه، كقَوْلِ مالكٍ. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (¬4). ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْن، أشْبَهَتْ صلاةَ الفَجْرِ، فأمّا صلاةُ النَّهارِ فيُتِمُّها أرْبَعًا. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سقط من: م. (¬3) في النسخ: «قبل». وما أثبتناه هو الصحيح. انظر المغني 2/ 443. (¬4) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الحلق والجلوس في المسجد، من كتاب الصلاة، وفي: باب ما جاء في الوتر، وباب ساعات الوتر، من كتاب الوتر، وفي: باب كيف كان صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 127، 2/ 30، 31، 64. ومسلم، في: باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 516 - 519. وأبو داود، في: باب صلاة الليل مثنى مثنى، من كتاب التطوع، وفي: باب كم الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 305، 328. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء أن صلاة الليل مثنى مثنى، من أبواب الصلاة، وفي: باب ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 226، 227، 3/ 78. والنَّسائيّ، في: =

467 - مسألة: (وإن سبح به اثنان، لزمه الرجوع)

وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا جَلَس للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِعِه قَدْرَ جَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ، فقال القاضي: يَلْزَمُه السُّجُودُ، سَواءٌ قُلْنا باسْتِحْبابِ جَلْسَةِ الاسْتِراحَةِ، أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه لم يُرِدْها بجُلُوسِه، إنَّما أراد التَّشَهُّدَ سَهْوًا. قال الشيخُ (¬1): ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاة، فلم يَسْجُدْ لسَهْوِه، كالعَمَلِ اليَسِيرِ مِن غيرِ جِنْس الصلاةِ. 467 - مسألة: (وإن سَبَّحَ به اثْنان، لَزِمَه الرُّجُوعُ) متى سَبَّحَ به اثْنان يَثِقُ بقَوْلِهما، لَزِمَه الرُّجُوعُ إليه، سَواءٌ غَلَب على ظَنِّه صَوابُ قَوْلِهما، أو خِلافُه. وقال الشافعيُّ: إن غَلَب على ظَنِّه خَطَوُّهما لم يَعْمَلْ ¬

= باب كيف صلاة الليل، وباب كيف الوتر بواحدة، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 185، 186، 191. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر بركعة، وباب ما جاء في صلاة الليل ركعتين، وباب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 371، 418، 419. والدارمي، في: باب صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وباب في صلاة الليل، وباب كم الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 340، 372. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صلاة الليل، وباب الأمر كالوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 117، 123. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 6، 7، 10، 26، 30، 33، 40، 44، 49، 51، 58، 66، 71، 76، 77، 79، 81، 83، 119، 133، 134، 141، 148، 155. وانظر: المسند 1/ 31، 45، 54. (¬1) في: المغني 2/ 427.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بقَوْلِهما. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَجَع إلى قولِ أبي بكر، وعُمَرَ، في حديثِ ذى اليَدَيْن، حينَ سَألَهُما: «أحَقُّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْن؟». قالا: نَعَمْ (¬1). ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ المَأْمُومِين بالتَّسْبِيحِ، ليُذَكِّرُوا الإمامَ، ¬

(¬1) يأتي بتمامه في صفحة 26.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَعْمَلَ بقَوْلِهم. وقال في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (¬1). فأمّا إن كان الإمامُ على يَقين مِن صَوابِ نَفْسِه، [لم يَجُزْ له مُتابَعَتُم. وقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، كالحاكِمِ يَحْكُمُ بالشّاهِدَيْن ويَتْرُكُ يَمينَ نَفْسِه] (¬2). قال شيخُنا (¬3): وليس بصحيحٍ؛ لأنَّه يَعْلَمُ خَطأهم فلا يَتْبَعُهم في الخَطَإِ. وكذا نَقُولُ في الشّاهِدَيْن: متى عَلِم الحاكِمُ كَذِبَهما لم يَجُزْ له الحُكْمُ بقَوْلِهما، لعِلْمِه أنَّهما شاهِدا زُورٍ، ولا يَحِلُّ الحُكْمُ بقولِ الزُّورِ؛ لأنَّ العَدالَةَ اعْتُبِرتْ في الشَّهادَةِ، ليَغْلِبَ على الظَّنِّ صِدْقُ الشُّهُودِ، ورُدَّتْ شَهادةُ غيرِهم، لعَدَمِ ذلك، فمع يَقِينِ الكَذِبِ أوْلَى أن لا يَقْبَلَ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 9. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) في: المغني 2/ 413.

468 - مسألة: (فإن لم يرجع، بطلت صلاته وصلاة من اتبعه عالما، وإن فارقه، أو كان جاهلا، لم تبطل)

فَإنْ لم يَرْجِعْ، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ وَصَلَاةُ مَن اتَّبَعَهُ عَالِمًا، وَإنْ كَانَ فَارَقَة، أوْ كَانَ جَاهِلًا، لَمْ تَبْطُلْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 468 - مسألة: (فإن لم يَرْجِعْ، بَطَلَتْ صَلاتُه وصلاة مَن اتَّبَعَه عالِمًا، وإن فارَقَه، أو كان جاهلًا، لم تَبْطُلْ) متى سَبَّحَ المأمُومون (¬1) بالإمامِ فلم يَرْجِعْ في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، بَطَلَتْ صلاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا، وليس للمَأْمومِين اتِّباعُه؛ لأنَّ صَلَاته ¬

(¬1) في م: «المأموم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ باطِلَةٌ. فإنِ اتبعُوه عالِمِين بتَحْرِيم ذلك، بَطَلَتْ صَلَاتُهم؛ لأنَّهم تَرَكُوا الواجِبَ عمْدًا. وإن فارَقُوه وسَلَّمُوا صَحَّت. وهذا اخْتِيارُ الخَلّالِ، لأنَّهم فارَقُوه لعُذْرٍ، أشْبَهَ مَن فارَقَ إمامَه إذا سَبَقَه الحدثُ. وذكر القاضي روايَة ثانِيَةً، أنَّهمْ يَتَّبِعُونَه في القِيامِ اسْتِحْبابًا. وذَكَر رِوايَةً ثالِثَةً، أنَّهم يَنْتَظِرُونَه ليُسَلِّمَ بهم اخْتارَها ابنُ حامدٍ. والأوَّل أوْلَى؛ لأنَّ الإمامَ مُخْطِئٌ في تَرْكِ متابَعَتِهم، فلا يَجُوزُ اتِّباعُه على الخَطَإِ. وإن كانوا جاهِلِين، فصَلاُتهم صَحِيحَة؛ لأنَّ أصحابَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- تابَعُوه في الخامسةِ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، ولم تَبْطُلْ صَلاتُهم، وتابَعُوه أَيضًا في السَّلامِ في حديثِ ذى اليَدَيْن.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن سَبَّحَ به واحِدٌ لم يَرْجِعْ إلى قَوْلِه، إلَّا أن يَغْلِبَ على ظَنِّه صِدْقُه (¬1)، فيَعْمَلَ بغلَبَةِ ظَنِّه، لا بتَسْبِيحِه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَرْجِعْ إلى قول ذى اليَدَيْن وَحْدَهُ. وإن سَبَّحَ به فُسّاقٌ فكذلك؛ لأنَّ قَوْلَهم غيرُ مَقْبُول. وإنِ افْتَرَقَ المَأمُومُون طائِفَتَيْن، وافَقَه قَوْمٌ وخالفَه آخَرُون، سَقَط قَوْلُهم، كالبَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا، ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ إلى ما عِنْدَه؛ لأنَّه قد عَضَدَه قولُ اثْنَيْنِ، فتَرَجَّحَ. ذَكَرَه القاضي. ومتى لم يَرْجِعْ، وكان المَأمُومُون (¬2) على يَقِين مِن خَطَإِ الإمام لم يُتابعُوه؛ لأنَّهم إنَّما يُتابِعُونَه في أفْعالِ الصلاةِ، وليس هذا منها، إلَّا أنَّه يَنْبَغِي أن يَنْتَظِرُوه ها هُنا؛ لأنَّ صَلَاته صَحِيحَةٌ لم تَفْسُدْ بزِيادَتِه، فيَنْتَظِرُونَه، كما يَنْتَظِرُهم الإمامُ في صلاةِ الخَوْفِ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في الأصل: «المأموم».

469 - مسألة: (والعمل المستكثر في العادة، من غير جنس الصلاة، يبطلها عمده وسهوه، ولا تبطل باليسير، ولا يشرع له سجود)

وَالْعَمَل الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ، مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 469 - مسألة: (والعَمَلُ المُسْتَكثَرُ في العادَةِ، مِن غيرِ جِنْس الصلاةِ، يُبْطِلُها عَمْدُه وسَهْوُه، ولا تَبْطُلُ باليَسِيرِ، ولا يُشْرَعُ له سُجُودٌ) وجُمْلتَه أنَّ العَمَلَ يَنْقَسِمُ إلى، عَمَلٍ مِن جِنْسِ الصلاةِ، وقد ذَكَرْناه،

470 - مسألة: (وإن أكل أو شرب عمدا، بطلت صلاته، قل أو كثر، وإن كان سهوا، لم تبطل إذا كان يسيرا)

وإنْ أكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، قَلَّ أوْ كَثُرَ، وَإنْ كَانَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ إذَا كَانَ يَسِيرًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ وعَمَل مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، كالحَكِّ والمَشْيِ والتَّرَوُّحِ، فهذا تَبْطُلُ الصلاةُ بكثِيرِه، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، بالإجْماعِ. وإن كان مُتَفَرِّقًا لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَمَل أُمامَةَ في الصلاةِ، إذا قام حَمَلَها، وإذا سَجَد وَضَعَها (¬1). وهذا لو اجْتَمَعَ كان كَثِيرًا. وإن كان يَسيرًا، لم يُبْطِلْها، لِما ذَكَرْنا. والمَرْجِعُ في الكَثِيرِ واليَسِيرِ إلى العُرْفِ، وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى. ولا يُشْرَعُ له سُجُودٌ؛ لأنَّه لا يكادُ تَخْلُو منه صلاةٌ، ويَشُقُّ التَّحَرُّرُ منه. 470 - مسألة: (وإن أكَلَ أو شَرِب عَمْدًا، بَطلَت صَلَاتُه، قَلَّ أو كَثُر، وإن كان سَهْوًا، لم تَبْطُلْ إذا كان يَسِيرًا) إذا أكَل أو شَرِب عامِدًا في الفَرْضِ، بَطَلَت صَلَاتُه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة 160.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ المُصَلِّيَ مَمْنُوعٌ مِن الأكْلِ والشُّرْبِ، وأجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْم، على أنَّ مَن أكَل أو شَرِب في صلاةِ الفَرْضِ عامِدًا، أنَّ عليه الإِعادَةَ. وإن فَعَله في التَّطَوُّعِ أبْطَلَه، في الصَّحِيح مِن المذهبِ، وهو قولُ أكثَرِ الفقهاء؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الفَرْضَ أبْطَلَ التَّطَوُّعَ، كسائِرِ المُبْطِلاتِ. وعن أحمدَ، أنَّه لا يُبْطِلُها. ويُرْوَى عن ابن الزُّبَيْرِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر، أنَّهُما شَرِبا في التَّطَوُّعِ (¬1). وهذا قولُ إسحاقَ؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، أشْبَهَ غيرَ الأكْلِ. فأمّا إن كَثُر فإنَّه يُفسِدُها بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ غيرَ الأكْلِ مِن الأعْمالِ يُبْطِلُ الصلاةَ إذا كَثُر، فالأكْلُ والشُّرْبُ أوْلَى. فإن كان سَهْوًا وكَثُر (¬2) أبْطَلَ الصلاةَ أَيضًا بغيرِ خلافٍ، لِما ذَكَرْنا. وإن كان يَسِيرًا، لم يَبْطُلْ به الفَرْضُ ولا التَّطَوُّعُ، ¬

(¬1) انظر: مصنف عبد الرَّزّاق 2/ 333. (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو قولُ عطاءٍ والشافعيِّ. وقال الأوْزاعِيُّ: يُبْطِلُ الصلاةَ؛ لأنَّه فِعْلٌ مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، يُبْطِلُ عَمْدُه، فأبْطَلَ سَهْوُه، كالعَمَلِ الكَثِيرِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (¬1). ولأنَّه يُسَوَّى بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه حالَ العَمْدِ، فعُفِيَ عنه في الصلاةِ إذا كان سَهْوًا، كالعَمَلِ مِن جِنْسِها. فصل: إذا تَرَك في فِيهِ ما يَذُوبُ كالسُّكَّرِ، فذاب منه شئٌ، فابْتَلَعَه، أفْسَدَ الصلاةَ؛ لأنَّه أكَل. وإن بَقِي بينَ أسْنانِه، أو في فِيهِ، مِن بَقايا الطَّعامِ يَسِيرٌ يَجْرِي به الرِّيقُ، فابْتَلَعَه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه يَشُقُّ الاحْتِراز منه. وإن تَرَك في فِيهِ لُقْمَةً ولم يَبْتَلِعْها، كُرِهَ؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن خُشُوعِ الصلاةِ، وعن الذِّكْرِ والقِراءَةِ فيها، ولا يُبْطِلُها؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، فهو كما لو أمْسَكَ شيئًا في يَدِه. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة 276.

471 - مسألة: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه، كالقراءة في السجود والقعود، والتشهد في القيام، وقراءة السورة في الأخريين، لم تبطل الصلاة بعمده)

وإنْ أتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِه، كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ بعَمْدِه، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 471 - مسألة: (وإن أتَى بقولٍ مَشْرُوعٍ في غيرِ مَوْضِعِه، كالقِراءَةِ في السُّجُودِ والقُعُودِ، والتَّشَهُّدِ في القِيامِ، وقِراءَةِ السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْن، لم تَبْطُلِ الصلاةُ بعَمْدِه) لأنَّه مَشْرُوعٌ في الصلاةِ (ولا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِه) لأنَّ عَمْدَه لا يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يَجِبِ السُّجُودُ لسَهْوِه، كسائِرِ

وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ (وهل يُشْرَعُ؛ فيه رِوايَتان) إحْداهما، يُشْرَعُ، لعُمُومِ قَوْله عليه السَّلامُ: «إذا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». رَواه مسلمٌ (¬1). والثانيةُ، لا يُشْرَعُ؛ لأنَّ عَمْدَه لا يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يُشْرَعِ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ سُنَنِ الأفْعالِ. فصل: فإن أتَى فيها بذِكْرٍ أو دُعاءٍ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ فيها، كقَوْلِه: آمِينَ رَبَّ العالَمِينْ. وقوله في التَّكْبيرِ: اللهُ أكْبَرُ كَبيرًا. ونحوِه. لم يُشْرَعْ له سُجُودُ؛ لأنَّه رُوِي عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه سَمِع رجَلًا، يَقُولُ في الصلاةِ: ¬

(¬1) تقدم تخريجه من حديث ابن مسعود في صفحة 9.

472 - مسألة: (وإن سلم قبل إتمام صلاته عمدا، أبطلها)

وَإنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَام صَلَاِته عَمْدًا، أَبْطَلَهَا، وَإنْ كَانَ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا، أتَمَّهَا وَسَجَدَ، فَإنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبارَكًا فيه، كما يُحِب رَبُّنا ويَرْضَى. فلم يَأْمُرْه بالسُّجُودِ (¬1). 472 - مسألة: (وإن سَلَّمَ قبلَ إتْمَامِ صَلاِته عَمْدًا، أبْطَلَها) لأنَّه تَكَلَّمَ فيها عامِدًا (وإن كان سَهْوًا، ثم ذَكَر قَرِيبًا، أتَمَّها وسَجَد، وإن طال الفَصْلُ، أو تَكَلَّمَ لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، بَطَلَت) وجُمْلته أنَّ مَن سَلَّمَ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب ما يفتح به الصلاة من الدعاء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 176. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل يعطس في الصلاة، من كتاب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 193، 194، والنَّسائيّ، في: باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 112.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قبلَ إتْمامِ صَلاتِه ساهِيًا، ثم عَلِم قبلَ طُولِ الفَصْلِ، [ونَقْضِ وُضُوئِه] (¬1)، فصَلاتُه صَحِيحَة لا تَبْطُلُ بالسَّلامِ، وعليه أن يَأْتِيَ بما بَقِي منها، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ. فإن لم يَذكُرْ حتَّى قام، فعليه أن يَجْلِسَ ليَنْهَضَ إلى الإتْيانِ بما بَقِيَ عن جُلُوسٍ؛ لأنَّ هذا القيامَ واجِبٌ للصلاةِ، ولم يَأْتِ به لها، فلَزِمَه الإتْيانُ به مع النِّيَّةِ. ولا نَعْلَمُ في جَوازِ الإِتْمامِ في حَقِّ مَن نَسِيَ رَكْعَةً فما زاد خِلافًا. والأصْلُ في هذا ما روَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إحْدَى صَلَاتيِ العَشِيِّ، قال ابنُ سِيرِينَ: سَمّاها لنا أبو هُرَيْرَةَ، ولكنْ أنا نَسِيتُ، فصَلَّى رَكعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فقام إلى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ في المَسْجِدِ، فوَضَعَ يَدَه عليها، كأنَّه غَضْبانُ، وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه، ووَضَع يَدَه اليُمْنَى على ظَهْرِ كَفه اليُسْرَى، وخَرَجَتِ السَّرْعَانُ مِن المَسْجِدِ، ¬

(¬1) في م: «ولم ينتقض وضوءه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فقالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ، وفي القَوْمِ أبو بكر وعُمَرُ، فهاباه أن يُكلِّماه، وفي القَوْمِ رجلٌ في يَدَيْه طُولٌ، يُقالُ له: ذو اليَدَيْن. فقال: يَا رسولَ اللهِ، أنسِيتَ أم قُصِرَتِ الصلاةُ؟ قال: «لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»، فقال: «أكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟». قالوا: نَعَمْ. قال: فتَقَدَّمَ فَصَلَّى ما تَرَك مِن صلاتِه، ثم سَلَّمَ، ثم كبَّر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفع رَأْسَه، فكَبَّرَ، وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رفَع رَأْسَه، فكَبَّرَ. قال: فرُبَّما سَألُوه: ثم سَلَّمَ قال: نُبِّئْتُ (¬1) أنَّ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ قال: ثم سَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2) ورَواه أبو داودَ (¬3). وزاد قال: قُلْتُ، فالتَّشَهُّدُ؟ قال: لم ¬

(¬1) في م: «ثبت». (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، من كتاب الصلاة، وفي: باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول النَّاس، من كتاب الأذان، وفي: باب إذا سلم في ركعتين أو ثلاث. . . إلخ، وباب من لم يتشهد في سجدتى السهو، وباب من يكبر في سجدتى السهو، من كتاب السهو، وفي: باب ما يجوز من ذكر النَّاس، نحو قولهم الطَّويل والقصير، من كتاب الأدب، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الآحاد، من كتاب خبر الآحاد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 129، 130، 183، 2/ 85 - 87، 8/ 19، 20، 9/ 108. ومسلم، في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 403، 404. كما أخرجه أبو داود، في: باب السهو في السجدتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 231. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 188، 189، والنَّسائيّ، في: باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسيًا وتكلم، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 17، 18. وابن ماجه، في: باب في من سلم من ثنتين أو ثلاث ساهيا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 383. والدارمي، في: باب سجدة السهو من الزيادة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 351، 352. والإمام مالك، في: باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 93، 94. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 234، 235، 423، 460. (¬3) انظر التخريج السابق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أسْمَعْ في التَّشَهُّدِ، وأحَبُّ إلَيَّ أن يَتَشَهَّدَ. وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: سَلَّمَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في ثَلاثِ رَكَعات [مِن العَصْرِ] (¬1)، ثم قام فدَخَلَ الحُجْرَةَ، فقام رجلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فقال: أقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رسولَ اللهِ؟ فخَرَجَ مُغْضَبًّا، فصَلَّى الرَّكْعَةَ التى كان تَرَك، ثم سَلَّمَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. رَواه مسلمٌ (¬2). فصل: فأمّا إن طال الفَصْلُ، أو انْتَقَض وُضُوءُه، اسْتَأْنَفَ الصلاةَ. كذلك قال الشافعيُّ، إن (¬3) ذكَر قَرِيبًا، مِثْلَ فِعْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَوْمَ ذِي اليَدَيْن ونَحْوَه، بَنَى. وقال مالكٌ نَحْوَه. وقال اللَّيْثُ، ويحيى الأنْصارِيُّ، والأوْزاعِيُّ: يَبْنِي ما لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه. . ولَنا، أنَّها صلاةٌ واحِدَةٌ، فلم يَجُزْ بِناءُ بَعْضِها على بَعْضٍ مع طُولِ الفَصْلِ، كما لو انتقَضَ وُضُوءُه. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ. ولأصحابِ الشافعيِّ في ذلك خلافٌ قد ذَكَرْناه فيما إذا تَرَك رُكْنًا، في البابِ قَبْلَه (¬4). والصحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له، إذ (¬5) لم يَرِدْ بتَحْدِيدِه نَصٌّ، ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 405. كما أخرجه أبو داود، في: باب السهو بين السجدتين، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 234. وابن ماجه، في: باب في من سلم من ثنتين أو ثلاث ساهيا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 384. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 431، 441. (¬3) في م: «وإن». (¬4) انظر الجزء الثالث صفحة 667. (¬5) في الأصل: «إذا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فيُرْجَعُ فيه إلى العَادَةِ والمُقاربَةِ لمِثْلِ حالِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ ذى اليَدَيْن. فصل: فإن لم يَذْكُرْه حتَّى شَرَع في صلاةٍ أُخْرَى، فإن طال الفَصْلُ، بَطَلَتِ الأُولَى، لِما ذَكَرْنا. وإن لم يَطُلِ الفَصْلُ، عاد إلى الأُولَى فأتَمَّها. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ، في «المُبْهِجِ»: يَجْعَلُ ما شَرَع فيه مِن الصلاةِ الثّانِيَةِ تَمامًا للأُولَى، فيَبْنِي إحْداهما على الأُخْرَى، ويصيرُ وُجُودُ السَّلامِ كعَدَمِه؛ لأنَّه سَهْوٌ مَعْذُورٌ فيه، وسَواءٌ كان ما شَرَع فيه نَفْلًا أو فَرْضًا. وقال الحسنُ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ: إنْ شَرَع في تَطَوُّعٍ بَطلَتِ المَكْتُوبَةُ. وقال مالكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أن يَبْتَدِيَّها. ورُوِي عن أحمدَ، مِثْلُ قولِ الحسن، فإنَّه قال، في روايَةِ أبي الحارِثِ، إذا صَلَّى رَكْعَتَيْن مِن المَغْرِبِ وسَلَّمَ، ثم دَخَل في التَّطَوُّعِ (¬1): إنَّه بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، يَسْتَأنِفُ الصَّلاةَ. ولَنا، أنَّه عَمِل (¬2) عَمَلًا مِن جنسِ الصلاةِ سَهْوًا، فلم تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كما لو زاد خامِسَةً. وأمّا إتْمامُ الأُولَى بالثّانِيَةِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد خَرَج مِن الأُولَى بالسَّلامِ ونِيَّةِ الخُروجِ منها، ولم يَنْوِها بعدَ ذلك، ونِيَّةُ غيرِها لا تُجْزِئُ عن نِيَّتِها، كحالَةِ الابْتِداءِ. ¬

(¬1) في م: «التكلم». (¬2) في م: «أهمل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن تَكَلَّمَ في هذه الحالِ، يَعْنِي إذا سَلَّمَ يَظُنُّ أنَّ صَلَاته قد تَمَّت، لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، كقَوْلِه: يَا غُلامُ اسْقِنِي ماءً. ونحوِه، بَطَلَت صَلاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ يُوسُفَ بن مُوسَى (¬1)، وجماعَةٍ سِواه، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَواه مسلمٌ (¬2). وعن زيدِ بنِ أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه وهو إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬3). فأُمِرْنا بالسُّكوتِ ونُهِينا عن الكلامِ. رَواه مسلمٌ (¬4). وفيه روايةٌ ثانيةٌ، أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ بالكَلامِ في تلك الحالِ بحالٍ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، ¬

(¬1) يوسف بن موسى العطار الحربي، كان يهوديا، أسلم على يدى الإمام أَحْمد، وهو حدث، فحسن إسلامه، ولزم العلم، وروى عن الإمام أَحْمد أشياء. طبقات الحنابلة 1/ 420، 421. (¬2) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 559 من حديث معاوية بن الحكم السلمي. (¬3) سورة البقرة 238. (¬4) في: باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 383. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، من كتاب الجمعة، وفي: باب وقوموا لله قانتين مطيعين، من كتاب التفسير. صحيح البُخَارِيّ 2/ 78، 79، 6/ 38. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة، من أبواب الصلاة، وفي: باب حَدَّثَنَا أَحْمد بن منيع، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذي 2/ 195، 196، 11/ 107. والنَّسائيّ، في: باب الكلام في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 16.

473 - مسألة: (وإن تكلم لمصلحتها، ففيه ثلاث روايات؛ إحداهن، لا تبطل. والثانية، تبطل. والثالثة، تبطل صلاة المأموم دون الإمام. اختارها الخرقي)

وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُن، لا تَبْطُلُ. وَالثَّانِيَةُ، تَبْطُلُ. وَالثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ صَلَاةُ المَأْمُومِ دُونَ الْإمَامِ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ والشافعيِّ؛ لأنَّه نَوْعٌ مِن النِّسْيانِ، ولذلك (¬1) تَكلَّمَ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأَصْحابُه، وبَنَوْا على صَلاتِهم. 473 - مسألة: (وإن تَكَلَّمَ لمَصْلَحَتِها، ففيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا تَبْطُلُ. والثَّانِيَةُ، تَبْطُلُ. والثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ صلاةُ المأْمُومِ دُونَ الإِمام. اخْتارَها الخِرَقِيُّ) وجُمْلَةُ ذلك أن مَن سَلَّمَ عن نَقْصٍ في صَلاتِه، كما ذَكَرْنا، ثم تَكلَّمَ لمَصْلَحَتِها، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ، إِحْداهُنَّ، أنَّ الصلاةَ لا تَفْسُدُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابَه تَكَلَّمُوا في صَلاِتهم، في حَدِيثِ ذى اليَدَيْن، وبَنَوْا على صَلاِتهم. وفي رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لنا أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، ¬

(¬1) في الأصل: «وكذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ، ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَة جَماعَةٍ مِن أصْحابِه. ومِمِّن رُوِيَ أنَّه تَكَلَّمَ بعدَ أن سَلَّمَ، وأتَمَّ صَلَاته، الزُّبَيْرُ، وابْناه، وصَوَّبَه ابنُ عباسٍ. وهو الصَّحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى. والثّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلَاتُهم. وهو قولُ الخلّالِ [وصاحِبِه] (¬1)، وَمَذْهَبُ أصْحابِ الرّأْيِ، لعُمُومِ أحادِيثِ النَّهْيِ. والثّالِثَةُ، أنَّ صلاةَ الإمام لا تَفْسُدُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إمامًا، فتَكَلَّمَ وبَنَى على صَلاتِه، وصلاةَ المَأْمُومِين تَفْسُدُ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ اقتِدَاؤهم بأبي بكرٍ وعُمَرَ؛ لأنَّهما تَكَلَّما مُجِيبَيْن للنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وإجابَتُه واجِبَةٌ عليهما، ولا بذى اليَدَيْن؛ لأنَّه تَكَلَّمَ سائِلًا عن نَقْصِ الصلاةِ في وَقْتٍ يُمْكِنُ ذلك فيها، وهذا غيرُ مَوجُودٍ في زَمانِنا. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. وإنَّما (¬2) خَصَصْناه بالكَلامِ في شَأْنِ الصلاةِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصحابَه إنَّما تَكَلمُوا في شَأْنِ الصلاةِ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «وربما».

474 - مسألة؛ قال: (وإن تكلم في صلب الصلاة بطلت. وعنه، لا تبطل إذا كان ساهيا، أو جاهلا، ويسجد له)

وَإنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ. وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ إذَا كَانَ سَاهِيًا أوْ جَاهِلًا، وَيَسْجُدُ لَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 474 - مسألة؛ قال: (وإن تَكلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُلُ إذا كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، ويَسْجُدُ له) متى تَكَلَّمَ عامِدًا عالِمًا أنَّه في الصلاةِ مع عِلْمِه بتَحْرِيمِ ذلك لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، ولا لأمْرٍ يُوجبُ الكلامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُه إجْماعًا. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ». وعن زيدِ بن أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ، ونُهِينا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن الكَلام. رَواهما مسلمٌ (¬1). وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو في الصلاةِ فيَرُدُّ علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليكَ في الصَّلاةِ (¬2) فتَرُدُّ علينا. قال: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ولأبى داودَ (¬4): «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ». ¬

(¬1) تقدم الأول في 3/ 559، والثاني في صفحة 29 من هذا الجزء. (¬2) في م: «الصباح». (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة، وفي: باب هجرة الحبشة، من كتاب مناقب الْأَنصار. صحيح البُخَارِيّ 2/ 78، 83، 5/ 64. ومسلم، في: باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 2/ 78، 83. وأبو داود، في: باب رد السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 211. وابن ماجه، في: باب المصلى يسلم عليه كيف يرد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 6/ 325. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 376، 409. (¬4) في الباب السابق 1/ 212، كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}، {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}، وقوله تعالى: {لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 9/ 187. والنَّسائيّ، في: باب الكلام في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 16. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 377، 435، 463.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا إن تَكَلَّمَ جاهِلًا بتَحْرِيمِ الكلامِ (¬1) في الصلاةِ، فقال القاضي في «الجامِعِ»: لا أعْرِفُ عن أحمدَ نَصًّا في ذلك. وقد ذَكَر شَيْخُنا (¬2) فيه هاهُنا رِوَايَتَيْن، إحْداهما، تَبْطُلُ صَلَاتُه؛ لأنَّه ليس مِن جِنْسِ ما هو مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ العمَلَ الكَثِيرَ، ولعُمُومِ أحاديثِ النَّهْيِ. والثّانِيَةُ، لا تَبْطُلُ، لِما روَى معاوِيَةُ بنُ الحَكمِ السُّلَمِيُّ، قال: بَيْنا أنا أُصَلِّي مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذ عَطَس رجلٌ مِن القَوْمِ، فقُلْتُ: يرحَمُك اللهُ. فرَمانِي القَوْمُ بأبْصارِهِم، فقُلْتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهُ، ما شَأنكمْ تَنْظُرُون إليَّ؛ فجَعَلُوا يَضْرِبون بأيْدِيهم على أفْخاذِهم، فلمّا رَأيْتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فلمّا صَلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبِأبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعْلِيمًا منه، فوالله مِا كَهَرَنى، ولا ضَرَبَنِي ولا شَتَمَنِي، ¬

(¬1) في م: «ذلك». (¬2) في: المغني 2/ 446.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم قال: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيْءُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». أو كما قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. رَواه مسلمٌ (¬1). فلم يَأْمُرْه بالإِعادَةِ، فدَلَّ على صِحَّتِها. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وفي كَلام النّاسى رِوايَتانِ، إحْداهما، لا تَبْطُلُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لَأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- تَكلَّمَ في حديثِ ذِي اليَدَيْن، وقد ذَكَرْنا حديثَ مُعاوِيَةَ، وما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنِّسْيانِ. والثَّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلاتُه. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، لعُمُومِ أحاديثِ المَنْع مِن الكلامِ. وإذا قُلْنا: إنَّه لا يُبْطِلُ الصلاةَ. سَجَد، لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنَّ عَمْدَه يُبْطِلُ الصلاةَ، فوَجَبَ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ الواجِباتِ. واللهُ أعلمُ. فصل: فإن تَكَلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ لمَصْلَحَةِ الصلاةِ، مع عِلْمِه أنَّه في الصلاةِ، بَطَلتْ صَلَاتُه، لعُمُومِ الأحادِيثِ. وذَكَر القاضي في ذلك ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 559.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرِّواياتِ الثَّلاثَ التى ذَكَرْناها في المَسْألةِ التى قَبْلَها، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، لعُمُوم لَفْظِه، وهو مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ، فإنَّه قال: لو أنَّ رجلًا قال للإمام، وقَد جَهَر بالِقراءَةِ في العَصْرِ (¬1): إنَّها العَصْرُ. لم تَفْسُدْ صَلَاتُه. وَلأنَّ الإمامَ [قد تَطْرُقُه] (¬2) حالٌ يَحْتاجُ إلى الكلامِ فيها، وهو ما لو نَسِيَ القِراءةَ في رَكْعَةٍ، فذَكَرَها في الثّانِيَةِ، فقد فَسَدَتْ عليه رَكْعَةٌ، فيَحْتاجُ أن يُبْدِلَها برَكْعَةٍ، هي في ظَنِّ المَأمُومِين خامِسَةٌ، ليس لهم مُوافَقَتُه فها، ولا سَبِيلَ إلى إعْلامِهم بغيرِ الكَلامِ، وقد يَشُكُّ في صَلاتِه، فيَحْتاجُ إلى السُّؤْالِ. قال شيخُنا (¬3): ولم أعْلَمْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولا عن صَحابَتِه، ولا عن الإمامِ نَصًّا في الكلامِ في غيرِ الحالِ التى سَلَّمَ مُعْتَقِدًا تَمامَ صَلاتِه، ثم تَكلَّمَ بعدَ السَّلام، وقِياسُ الكَلامِ في صُلْبِ الصلاةِ عالِمًا بها على هذه الحالِ مُمْتَنِع؛ لأنَّ هذه حالُ نِسْيانٍ. لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ من الكَلامِ فيها، وهي أَيضًا حالٌ يَتَطَرَّقُ الجَهْلُ إلى صاحِبِها بتَحْرِيمِ الكَلام فيها، فلا يَصِحُّ قِياسُ ما يُفارِقُها في هذين الأمْرَيْن عليها، وإذا عُدِم النَّصُّ والقِياسُ والإجْماعُ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الحُكْمِ؛ لأنَّه بغيرِ دَلِيل، ولا سَبِيلَ إليه. والله أعلمُ. ¬

(¬1) في الأصل: «القراءة». (¬2) في م: «يطرقه». (¬3) في: المغني 2/ 450، 451.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن تَكَلَّمَ مَغْلُوبًا على الكلامِ، فهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ، أحَدُها، أن تَخْرُجَ الحُرُوفُ مِن فِيهِ بغيرِ اخْتِيارِه، مِثْلَ أن يَتَثاءَبَ، فيَقُولَ: هاه. أو يَتَنَفَّسَ، فيَقُولَ: آه. أو يَسْعُلَ، فيَنْطِقَ بحَرْفَيْن. أو يَغْلَطَ في القُرْآنِ فيَأتِيَ بكلِمَةٍ مِن غيرِ القُرْآنِ، أو يَغْلِبَه البُكاءُ، فلا تَفْسُدُ صَلاتُه في المَنْصُوصِ عنه في مَن غَلَبَه البُكاءُ، وقد كان عُمَرُ يَبْكِي، حتَّى يُسْمَعَ له نَشِيجٌ. وقال مُهَنًا: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي عبدِ اللهِ، فَتَثاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وسَمِعْتُ لتَثاؤُبِه: هاه هاه. وهذا لأنَّ الكَلامَ ها هُنا لا يُنْسَبُ إليه، ولا يَتَعَلقُ به حُكْمٌ مِن أحْكامِ الكَلام. وقال القاضي في مَن تَثاءَبَ، فقال: هاه: تَفْسُدُ صَلاتُه. وهذا مَحْمُولٌ على مَن فَعَل ذلك غيرَ مَغْلُوبٍ عليه، لِما ذَكَرْنا. وذَكَر ابنُ عَقِيل فيه احْتِمالَيْن، أحَدُهما، تَبْطُلُ صَلاتُه، لأنَّه لا يُشرَعُ جِنْسُه في الصلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ (¬1). والثّانِي، لا تَبْطُلُ، لِما ذَكَرْنا. النَّوْعُ الثّانِي، أن يَنام فيَتَكلَّمَ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الكَلامِ فيه. والأوْلَى إلْحاقُه بالفَصْلِ الذى قَبْلَه؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه. وكذلك ليس لعِتْقِه ولا طَلاقِه حُكْمٌ. وقال ابنُ عَقِيل، في النّائِمِ إذا تَكَلَّمَ بكَلامِ الآدَمِيِّين: انْبَنَى على كَلامِ النّاسِي في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ. ¬

(¬1) في الأصل: «الحديث».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّوْعُ الثّالِثُ، أن يُكْرَهَ على الكَلامِ، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ككَلامِ النّاسِي؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَمَع بَينَهما في العَفْوِ، بقَوْلِهِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه» (¬1). قال القاضي: وهذا أوْلَى بالعَفْوِ، وصِحَّةِ الصلاةِ؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَنْسُوبٍ إليه، ولهذا. لو أُكْرِهَ على إتْلافِ مالٍ لم يَضْمَنْه، والنّاسِي يَضْمَنُ ما أتْلَفَه. قال شيخُنا (¬2): والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ صَلَاته تَفْسُدُ؛ لأنَّه أتَى بما يُفْسِدُ الصلاةَ عَمْدًا، أشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ على صلاةِ الفَجْرِ أرْبَعًا، وقِياسُه على النَّاسى لا يَصِحُّ لوَجْهَيْن، أحَدُهما، أنَّ النِّسْيانَ يَكْثُرُ، بخِلافِ الإكْراهِ. والثّانِي، أنَّه لو نَسِيَ، فزاد في الصلاةِ أو نَقَص، لم تَفْسُدْ صَلَاتُه، ولم يَثْبُتْ مِثْلُه في الإكْراهِ. والصَّحِيحُ عندَ أصحابِ الشافعِيِّ أن الصَّلاةَ لا تَبْطُلُ بشئٍ مِن هذه الأنْواعَ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة 276. (¬2) في: المغني 2/ 448.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن تَكَلَّمَ بكَلام واجِبٍ، كمَنْ خَشِيَ على ضَرِيرٍ أو صَبِيٍّ، أو رَأى حَيَّةً ونَحْوَها تَقْصِدُ غافِلًا، أو يَرَى نارًا يَخْافُ أن تَشْتَعِلَ في شئٍ، ونَحْوَ هذا، ولم يُمْكِنِ التَّنْبِيه بالتَّسْبِيحِ، فقال أصْحابُنا: تَبْطُلُ الصلاةُ. وهو قولُ بَعْضِ [أصْحابِ الشّافعيِّ] (¬1)، لِما ذَكَرْنا في كَلامِ المُكْرَهِ. قال شيخُنا (¬2): ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ الصلاةُ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال في حَدِيثِ ذى اليَدَيْن: إنَّما كَلَّمَ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القَوْمُ (¬3) حينَ كَلَّمَهم؛ لأنَّهم كان عليهم أن يُجِيبُوهْ. فعَلَّل صِحَّةَ صَلاِتهم بوُجُوبِ الكَلام عليهم. وهذا كذلك، وهذا ظاهِرُ مَذْهَب الشافعيِّ، والصَّحِيحُ عندَ أصْحابِه. ¬

(¬1) في الأصل: «الشافعية». (¬2) في: المغني 2/ 448. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وكلُّ كَلامٍ حَكَمْنا بأنَّه لا يُفْسِدُ الصلاةَ فإنَّما هو اليَسِيرُ منه، فإن كَثُر وطال أفْسَدَ الصلاةَ. وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ. قال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: كَلامُ النّاسِي إذا طال يُفْسِدُ، رِوايَةً واحِدَةً. وقال، في «الجامِعِ»: لا فَرْقَ بينَ القَليلِ والكثِيرِ في ظاهِرِ كلام أحمدَ؛ لأنَّ ما عُفِيَ عنه بالنِّسْيانِ اسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالأكْلِ في الصيامِ. وهو قولُ بَعْضِ الشافعيَّةِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ دَلالَةَ الأحَادِيثِ المانِعَةِ مِن الكَلامِ عامة، تُرِكَتْ في اليَسِيرِ [بما وَرَد فيه مِن الأخْبارِ، فتَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضَى العُمُوم، ولا يَصِحُّ قِياسُ الكثِيرِ عليه، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ مِنَ اليَسِيرِ] (¬1)، ولأَنَّ اليَسِيرَ قد عُفِيَ عنه في العَمَلِ مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، بخِلافِ الكَثِيرِ. والكَلامُ المُبْطِلُ ما انْتَظَمَ حَرْفَيْن فصاعِدًا. هذا قولُ أَصْحابِنا، وأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحَرْفَيْن يُكَوِّنان (¬2) كَلِمَةً، كقَوْلِه: أبٌ وأخٌ ويَدٌ ودَمٌ. وكذلك الأفْعالُ. والحُرُوفُ لا تَنْتَظِمُ كَلِمَةً مِن أقلَّ مِن حَرْفَيْن. ولو قال: لا. أفْسَدَ (¬3) صَلَاته؛ لأنَّها حَرْفان لامٌ وألِفٌ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في الأصل: «تكون». (¬3) في م: «فسدت».

475 - مسألة: (وإن قهقه، أو نفخ، أو انتحب، فبان حرفان فهو كالكلام، إلا ما كان من خشية الله تعالى. قال أصحابنا في النحنحة مثل ذلك. وقد روي عن أبي عبد الله، أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة)

وَإِنْ قَهْقَهَ، أَوْ نَفَخَ، أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبى عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كان يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاِته، وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 475 - مسألة: (وإن قَهْقَهَ، أو نَفَخ، أو انْتَحَبَ، فبان حَرْفان فهو كالكلامِ، إلَّا ما كان مِن خَشْيَةِ اللهِ تعالى. قال أصحابُنا في النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذلك. وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أَنَّه كان يَتَنَحْنَحُ في صلاِته ولا يَراها مُبْطِلَةً للصلاةِ) إذا ضَحِك فبان حَرْفان، فَسَدَت صَلَاتُه. وكذلك إن قَهْقَهَ ولم يَتَبَيَّنْ حَرْفان. وهو قولُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وكذلك ذَكَرَه شَيْخُنا في «المُغْنِي» (¬1). وقال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: إن ¬

(¬1) في: المغني 2/ 451.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَهْقَهَ فبان حَرْفٌ واحِدٌ، لم تَبْطُلْ صلاتُه، فإن بان (¬1) حَرْفان، القافُ والهاءُ، فهو كالكلامِ، تَبْطُلُ إن كان عامِدًا. وإن كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن. وهو ظاهِرُ قولِ الشَّيْخِ في هذا الكِتابِ (¬2). قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ الضَّحِكَ يُفْسِدُ الصلاةَ، وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ التَّبَسُّمَ لا يُفْسِدُها. وقد روَى الدّارَقُطْنِيُّ (¬3) في سُنَنِه، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ». فصل: فأمَّا النَّفْخُ، فمتى انْتَظَمَ حَرْفَيْن أفْسَدَ الصلاة؛ لأنَّه كلام، وإلَّا لم يُفْسِدْها. وقد قال أحمدُ: النَّفْخُ عِنْدِي بمَنْزِلَةِ الكَلامِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن نَفَخ في الصلاةِ فقد تَكَلَّمَ (¬4). ورُوِيَ عن ¬

(¬1) في م: «كان». (¬2) انظر: المغني 2/ 452. (¬3) في: باب أحاديث القهقهة في الصلاة ومحللها، من كتاب الطهارة سنن الدارقطني 1/ 173. (¬4) أخرجه عبد الرَّزَّاق، وابن أبي شيبة، في: باب النفخ في الصلاة، من كتاب الطهارة. مصنف عبد الرازق 2/ 189، ومصنف ابن أبي شيبة 2/ 264.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبي هُرَيْرَةَ. إلَّا أنَّ ابنَ المُنْذِرِ، قال: لا يَثْبُتُ عن ابنِ عباسٍ، ولا أبي هُرَيْرَةَ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أكْرَهُه، ولا أقولُ: يَقْطَعُ الصلاةَ، ليس هو كَلامًا. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ. وجَمَع القاضي بينَ قَوْلَيْ أحمدَ، فقال: المَوْضِعُ الذى قال أحمدُ: يَقْطَعُ الصلاةَ. إذا انْتَظَمَ حَرْفيْن، والمَوْضعُ الذى قال: لا يَقْطَعُ الصلاةَ. إذا لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان. وقال أبو حنيفةَ: إن سُمِع فهو بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، وإلَّا فلا يَضُرّ. قال شيخُنا (¬1): والصَّحِيحُ أَّنه لا يَقْطَعُ الصلاةَ ما لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان؛ لِما روَى عبدُ الله ابنُ عمرِو (¬2)، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: ثم نَفَخ [في آخِرِ سُجُودِ] (¬3) فقال: «أُفِّ أْفِّ» (¬4). وأما قولُ أبي حنيفةَ، فإن أراد ما لا يَسْمَعُه الإِنْسانُ مِنٍ نَفْسِه، فليس ذلك بنَفْخٍ، وإن أراد مالا يَسْمَعُه غيرُه فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الصلاةَ إظْهَارُه أبْطَلَها إسْرارُه، كالكَلامِ. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 254. (¬2) في الأصل: «ابن عمر». وانظر تحفة الأشراف 6/ 297. (¬3) سقط من: م. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب من قال ركع ركعتين، من كتاب الاستسقاء. سنن أبي داود 1/ 272، 273. والنَّسائيّ، في: باب القول في السجود في صلاة الكسوف، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 112، 113.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا البُكاءُ والتّأوُّهُ والأنِينُ، فما كان مَغْلُوبًا عليه لم يُوَّثِّرْ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ. وما كان غيرَ ذلك؛ فإن كان لغيرِ خَشْيَةِ اللهِ أفْسَدَ الصلاةَ، وإن كان مِن خَشْيَةِ اللهِ، فقال القاضي، وأبو الخَطّاب: التَّأَوُّهُ والبُكاءُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ، وكذلك الأَنِينُ. وقال القاضي: التَّأَوُّهُ ذِكْرٌ، مَدَح الله تعالى إبراهيمَ به، فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} (¬1). والذِّكْرُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ، ولأنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى مَدَح الباكِين، فقال: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (¬2). وروَى مُطَرِّفٌ، عن أَبِيه، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلّى ولِصَدْرِه أزِيزٌ كأزِيزِ المِرْجَلِ [مِن البُكاءِ] (¬3) (¬4). رَواه الخَلّالُ (¬5). وقال عبدُ اللهِ بنُ شَدّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وأنا في آخِرِ الصُّفُوفِ. وقال شيخُنا (¬6): لم أرَ عن أحمدَ في التَّأوُّهِ (¬7) ولا في الأنِينِ شَيْئًا، والأشْبَهُ بأَصُولِه، أنَّه متى فَعَلَه مُخْتارًا أفْسَدَ (¬8) صلَاته؛ ¬

(¬1) سورة التوبة 114. (¬2) سورة مريم 8. (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب البكاء في الصلاة، من كتاب الصَّلاة. سنن أبي داود 1/ 207. والنَّسائيّ، في: باب البكاء في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 12. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 25، 26. (¬5) بعده في م: «قلت رواه أَحْمد وأبو داود». (¬6) في: المغني 2/ 453. (¬7) في م: «البكاء». (¬8) في م: «فسدت».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإنَّه قال في رِوايَةِ مُهَنّا، في البُكاءِ الذى (¬1) لا يُفْسِدُ الصلاةَ: ما كان مِن غَلَبَةٍ. ولأنَّ الحُكْمَ لا يَثْبُتُ إلَّا بنَصٍّ، أو قِياسٍ، أو إجْماع. وعُمُومُ النُّصُوصِ تَمْنَعُ مِن الكَلامِ كُلِّه، ولم يَرِدْ في الأنِينِ والتَّأوُّهِ نَصٌّ خاصٌّ. والمَدْحُ على التَّأوُّهِ لا يُخَصِّصُه، كتَشْمِيتِ العاطِس، ورَدِّ السّلامِ، والكَلِمَةِ الطَّيَّبَةِ. فصل: فأمّا النَّحْنَحَةُ، فقال أصْحابُنا: هي كالنَّفْخِ، إن بان منها حَرْفان بَطَلَت صَلاتُه. وقد روَى المَرُّوذِيّ، قال: كُنْتُ آتِي أَبا عبدِ اللهِ فيتَنَحْنَحُ في صَلاتِه، لأعْلَمَ أنَّه يُصَلِّي. وقال مُهَنّا: رَأيْتُ أَبا عبدِ اللهِ يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ. قال أصْحابُنا: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَأتِ بحَرْفَيْن. قال شيخًا (¬2): وظاهِرُ حالِ أحمدَ أنَّه لم يَعْتَبِرْ ذلك؛ لأنَّها لا تُسَمَّى كَلامًا، وتَدْعُو الحاجَةُ إليها. وقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضىَ الله عنه، قال: كانت لى ساعَةٌ في السَّحَرِ، أدْخُلُ فيها على رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإن كان في صلاةٍ تَنَحْنَحَ، فكان ذلك إذْنِي. رَواه الخَلّالُ (¬3). واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ فِي كَراهِيَةِ تَنْبِيهِ المُصَلِّي بالنَّحْنَحَةِ، فقال في مَوْضِعٍ: ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: المغني 2/ 452. (¬3) أخرجه النَّسائيّ في: باب التنحنح في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 11، 12. وابن ماجه، في: باب الاستئذان من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1222. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 71.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لا يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ، قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاِتكُمْ. [فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، ولتُصَفِّقِ النِّسَاءُ] (¬1) (¬2). وقد روَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه كان يَتَنَحْنَحُ؛ ليُعْلِمَه أنَّه يُصَلِّي. وحديثُ عليٍّ يَدُلُّ عليه، وهو خاصٌّ فيُقَدَّمُ على العامِّ. فصل: إذا سُلِّمَ على المُصَلِّي، لم يَكُنْ له رَدُّ السَّلامِ بالكَلامِ، فإن فَعَل ذلك بَطَلَت صَلَاتُه. رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أبي ذَرٍّ (¬3). وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وقَتادَةُ، لا يَرَوْن به بَأْسًا. ورُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّه أمَر بذلك (¬4). وقال إسحاقُ: إن فَعَلَه مُتَأوِّلًا، جازَت صَلاتُه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو في الصلاةِ فيَرُد علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليك في الصلاةِ فَتُردُّ علينا؟ قال: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬5). ولأبى داودَ (¬6): «إن اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ». وروَى جابِرٌ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ¬

(¬1) في م: «فالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء». (¬2) تقدم في صفحة 33. (¬3) أخرب ابن أبي شيبة، في: باب الرَّجل يسلم عيه في الصلاة، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبي شيبة 2/ 73. (¬4) انظر الموضع السابق 2/ 74. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 33. (¬6) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 628.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فبَعَثَنِي في حاجَةٍ، فرَجَعْتُ وهو يُصَلِّي على راحِلَتِه، ووَجْهُه إلى غيرِ القِبْلَةِ، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمّا انْصَرَفَ، قال: «أمَا إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلَّا أنِّي كنْتُ أُصَلِّي» (¬1). ولأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ، فأشْبَهَ تَشْمِيتَ العاطِسِ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَرُدُّ السَّلامَ بالإِشارَةِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ، أنَّ مُوسَى ابنَ جَمِيلٍ سَلَّمَ عليه وهو يُصَلِّي، فقَبَضَ ابنُ عباس على ذِراعِه (¬2). فكان ذلك رَدًّا مِن ابنِ عباسٍ، وذلك لِما روَى صُهَيْبٌ، قال: مَرَرْتُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، وكَلمْتُه، فرَدَّ عليَّ إشارَةً. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى مسجدِ (3) قُباءَ فصَلّى فيه (¬3)، فجاءَتْه الأنْصارُ، فسَلَّمُوا عليه وهو يُصَلّى، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيف رَأيْتَ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرُدُّ عليهم حينَ كانوا يُسَلِّمُون عليه وهو يُصَلِّي؟ قال: يَقُولُ هكذا. وبَسَط، يَعَنِي كَفَّه، وجَعَل بَطْنَه أسْفَلَ، ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب لا يرد السلام في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 83. ومسلم، في: باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 384. (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب من كان يرد ويشير بيده أو برأسه، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبي شيبة 2/ 75. (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وظَهْرَه إلى فَوْقَ. رَواهما أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ. وإن رَدَّ عليه بعدَ فَراغِه مِن الصلاةِ فحَسَنٌ، لأنَّ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، قال: فقَدِمْتُ على رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فأخَذَنِي ما قدُم وما حَدُث، فلمَّا قَضَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الصلاةَ، قال: «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» [فرَدَّ عليَّ السَّلامَ] (¬2). فصل: وإذا دَخَل على قَوْم وهم يُصَلُّونَ، فلا بَأْسَ أن يُسَلِّمَ عليهم. قالَه أحمدُ. وروَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّه سَلمَ على مُصَلٍّ. وفَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ (¬3). وقال ابنُ عَقِيل: يُكْرَهُ. وكَرِهَه عطاءٌ، وأبو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، لأنَّه رُبَّما غَلِطَ المُصَلَّى فَردَّ بالكَلامِ. ووَجْهُ تَجْوِيزِه قوْلُه تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} (¬4): أي على أهلِ دِيِنكم، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ سَلمَ عليه أصْحابُه لم يُنكِرْ ذلك. ¬

(¬1) أخرجها أبو داود، في: باب رد السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 212. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 162، 163. كما أخرج الأول النَّسائيّ، في: باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 6. والدارمي، في: باب كيف يرد السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 316. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه عبد الرَّزّاق، في: باب السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 336. (¬4) سورة النور 61.

476 - مسألة؛ قال رحمه الله: (وأما النقص، فمتى ترك ركنا، فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، بطلت التى تركه منها. وإن ذكره قبل ذلك

فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّقْصُ؛ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، عَادَ فَأَتَى بهِ وَبِمَا بَعْدَهُ, فَإنْ لَمْ يَعُدْ، بُطَلَتْ صَلَاُتهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 476 - مسألة؛ قال رَحِمَه اللهُ: (وأمّا النَّقْصُ، فمتى تَرَك رُكْنًا، فذَكَرَه بعدَ شُرُوعِه في قِراءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ التى تَرَكَه منها. وإن ذَكَرَهُ قبلَ ذلك (¬1)، عاد فأْتَى به وبما بَعْدَه، فإن لم يَعُدْ (¬2) بَطَلَت صَلَاتُه) وجُمْلَتُه أنَّه متى تَرَك رُكْنًا؛ سُجُودًا، أو رُكُوعًا، ساهِيًا، فلم يَذْكُرْهُ حتَّى شَرَع في قِراءَةِ الرَّكعَةِ التى تَلِيها، بَطَلَتِ (¬3) الرَّكْعَةُ التى تَرَك منها الرُّكْنَ، ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في الأصل: «يرجع». (¬3) في الأصل: «أبطل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وصارتِ التى تَلِيها مَكانَها. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ جَماعَةٍ. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رجلٍ صَلَّى ركعَةً، ثم قام ليُصَلِّيَ أُخْرَى، فذَكَرَ أنَّه إنَّما سَجَد للرَّكعَةِ الأُوْلَى سَجْدَةً واحِدَةً؟ فقال: إن كان أوَّلَ (¬1) ما قام قبلَ أن يُحْدِثَ عَمَلًا للأُخْرَى، فإنَّه يَنْحَطُّ ويَسْجُدُ، ويَعْتَدُّ بها، وإن كان قد أحْدَثَ عَمَلًا للأُخْرَى، ألْغَى الأُولَى (¬2)، وجَعَل هذه الأُولَى. قُلْتُ: فيَسْتَفْتِحُ أو يَجْتَزِئُ بالاسْتِفْتاحِ الأوَّلِ؟ قال: يُجْزِئُه ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «الأخرى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأوَّلُ. قلتُ: فنَسِيَ سَجْدَتَيْن مِن رَكْعَتَيْن؟ قال: لا يَعْتَدُّ بتَيْنك (¬1) الرَّكْعَتَيْن. وهذا قولُ إسحاقَ. وقال الشافعيُّ: إن ذَكَر الرُّكْنَ المَتْرُوكَ قبلَ السُّجُودِ في الثانيةِ، فإنَّه يَعُودُ إلى سَجْدَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَه بعدَ سُجُودِه في الثانيةِ، وَقَعَتْ عن الأُولَى؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأُولَى قد صَحَّت، وما فَعَلَه في الثّانيةِ سَهْوًا لا يُبْطِلُ الأُولى، كما لو ذَكَر قبلَ القِراءَةِ. وقد ذَكَرَ أحمدُ هذا القَوْل عن الشافِعِيِّ وَقَرَّ بِه، إلَّا أنَّه اخْتارَ الأوَّلَ. وقال مالكٌ: إن تَرَك سَجْدَةً فذَكَرَها قبلَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثانيةِ، [سَجَدَها، واعْتَدَّ بالرَّكْعَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَها بعدَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثّانِيَةِ] (¬2)، ألْغَى الأُولَى. وقال الحسنُ؛ والأوْزاعِيُّ: مَن نَسِيَ سَجْدَةً، ثم ذَكَرَها في الصَّلاةِ، سَجَدَها متى ذَكَرَها. وقال الأوْزاعِيُّ: ¬

(¬1) في الأصل: «بتلك». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَرْجِعُ إلى حيث كان مِن الصَّلاةِ وَقْتَ ذِكْرِها، فيَمْضِي فيها. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ نَحْوَ قولِ الحسنِ. ولَنا، أن المَزْحُومَ في الجُمُعَةِ، إذا زال الزِّحامُ والإمامُ راكِعٌ في الثانيةِ، فإنَّه يَتْبَعُه ويَسْجُدُ معه، ويكونُ السُّجُودُ مِن الثانيةِ دُونَ الأُولَى، كذَا هنا. وأمّا إذا ذكَرَها قبلَ ذلك، عاد فأتَى به وبما بعدَه؛ لأنه ذَكَرَه في موْضِعِه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، كما لو تَرَك سَجْدَةٌ مِن الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ، فذَكَرَها قبلَ السَّلامِ، فإنَّه يَأْتِي بها في الحالِ.

وَإنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ (وَإنْ عَلِم بعدَ السَّلامِ، فهو كتَرْكِ رَكْعَةٍ كامِلَةٍ) إن طال الفَصْلُ، أو أحْدَثَ، ابْتَدَأَ الصلاةَ؛ لتَعَذُّرِ البِناءِ، وإن ذَكَر قَرِيبًا، أتَى برَكْعَةٍ كامِلةٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ الرَّكْعَةَ التى تَرَك الرُّكْنَ منها، بَطَلَت بالشُّرُوع في غيرِها.

477 - مسألة: (وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات،

وَإنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَربَع رَكَعَاتٍ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، أو رَجع في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه المُضِيُّ، عالِمًا بتحْرِيمِه، بَطَلَت صَلاتُه؛ لتَرْكِه الواجِبَ عَمْدًا. وإن فَعَلَه يَعْتَقِدْ جَوازَه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه تَرَكَه (¬1) غيرَ مُتَعَمِّدٍ، أشْبَهَ ما لو مَضَى قبل ذِكْرِ المَتْرُوكِ، لكنْ إذا مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، فَسَدَتِ الرَّكْعَةُ التى تَرَك رُكْنَها، كما لو لم يَذْكُرْه إلَّا بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ. وإن رَجَع في موْضِعِ المُضِيَّ لم يَعْتَدَّ بما يَفْعَلُه في الرَّكْعَةِ التى تَرَكَه منها؛ لأنَّها فَسَدَت بشُرُوعِه في قِراءَةِ غيرِها، فلم يَعُدْ إلى الصِّحَّةِ بحالٍ. 477 - مسألة: (وإن نَسِيَ أرْبَعَ سَجَداتٍ مِن أرْبَع ركَعاتٍ، ¬

(¬1) في الأصل: «فعله».

وَذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بثَلَاثِ رَكَعَاتٍ. وَعَنْهُ، تَبْطُلُ صلَاُتهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وذَكَر وهو في التَّشَهُّدِ، سَجَد سَجْدَةً، فصَحُّت له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ (¬1). وعنه، تَبْطُلُ صَلاتُه) هذه المَسْأَلةُ مَبْنِيِّةٌ على المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه متى تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، فلم يذْكُرْه حتَّى شَرَع في قِراءَةِ التى بَعْدَها، بَطَلَت. فهاهنا لمّا شَرَع في قِراءَةِ الثانِيَةِ بَطَلَتِ الأُولَى، فلمّا شَرَع في قِراءَةِ الثّالِثَةِ قبلَ إتْمام الثّانِيَةِ، بَطَلَتِ الثانيةُ. وكذلك الثالثةُ تَبْطُلُ بشُرُوعِه في الرّابِعَة، فبَقِيَتِ الرابعةُ، ولم يَسْجُدْ فيها إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً، فيَسْجُدُ الثانيةَ حينَ يذْكُرُ، وتَتِمُّ له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ. ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ. وفيه رِوايَةٌ، أنَّ صَلَاته تَبْطُلُ؛ لأنَّ هذا يُؤَدِّي إلى التَّلاعُبِ بالصلاةِ، ويُلْغِي عَمَلًا كثيرًا في الصلاةِ، وهو ما بينَ التَّحْرِيمَةِ والرَّكْعَةِ الرّابِعَةِ. وهذا قَوْلُ إسحاقَ. وقال الشافعيُّ: تَصِحُّ له رَكْعَتان. على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه إذا قام إلى الثّانِيَةِ سَهْوًا، قبل تَمامِ الأُولَى، كان عَمَلُه فيها لَغْوًا، فلمّا سَجَد فيها انْضَمَّت سَجْدَتُها إلى سَجْدَةِ الأُولَى، فكَمُلَت له رَكْعَةٌ، وهكِذا الحُكْمُ في الثالثةِ والرابعةِ. وحَكَى الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن الشافعيِّ، ثم قال: هو أشْبَهُ (¬1) مِن قَولِ أصْحابِ الرَّأْيِ. قال الأَثْرَمُ: فقلتُ له، فإنَّه إذا فَعَل لا يَسْتَقِيمُ؛ لأنَّه إنَّما نَوَى بهذه السَّجْدَةِ عن الثانيةِ. قال: فكذلك (¬2) أقولُ، إنَّه يَحْتاجُ أن يَسْجُدَ لكل رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْن. قال شيخُنا (¬3): ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ القَوْلُ المَحْكِيُّ عن الشافعيِّ هو الصَّحِيحَ، وأن يكُونَ قَوْلًا لأحمدَ؛ لأنَّه قد حَسَّنَه، واعْتَذَرَ عن المَصِيرِ إليه، بكَوْنِه إنَّما نَوَى بالسَّجْدَةِ الثانيةِ عن الثانِيَةِ، وهذا لا يَمْنَعُ جَعْلَها عن الأُولَى، [كما لو سَجَد في الرَّكْعَةِ الأُولَى يَحْسَبُ أنَّه في الثّانِيَةِ، أو في الثّانِيَةِ يَظُنُّ أنَّه في الأُولَى] (¬4). وقال الثَّوْرِيُّ، ¬

(¬1) في الأصل: «الأشبه». (¬2) في م: «فلذلك». (¬3) في: المغني 2/ 435. (¬4) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأصْحابُ الرَّأْيِ: يَسْجُدُ في الحالِ أرْبَعَ سَجَداتٍ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ تَرْتِيبَ الصلاةِ شَرْطٌ لا يَسْقطُ بالسَّهْوِ، كما لو نَسِيَ فقَدَّمَ السُّجُودَ على الرُّكُوعِ. فإن لم يَذْكُرْ حتَّى سَلَّمَ، ابْتَدَأ الصلاةَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ بَطَلَتْ بسَلامِه، في مَنْصُوصِ أحمدَ، فحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الصَّلاةَ. فصل: إذا تَرَك رُكْنًا، [ثم ذَكَرَه] (¬1)، ولم يَعْلَمْ مَوْضِعَه، بَنَى الأمْرَ فيه على أسْوَإِ الأحْوالِ؛ مِثْلَ أن يَتْرُكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ أمِن الرابعةِ هي أم مِن غيرِها، يَجْعَلُها ممّا قبلَها؛ لأَنَّه يَلْزَمُه رَكْعَةٌ كامِلَةٌ، ولو جَعَلَها مِن الرَّابعةِ، أجْزَأه سَجْدَةٌ. فإن تَرَك سَجْدَتَيْن لا يَعْلَمُ أمِن رَكْعَتَيْن أم مِن رَكْعَةٍ، جَعَلَهما مِن رَكْعَتَيْن؛ ليَلْزَمَه رَكْعَتان. وإن تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، وعَلِم وهو فيها، ولم يَعْلَمْ أرْكُوعٌ هو أم سُجُودٌ، جَعَلَه رُكُوعًا. وعلى قِياسِ هذا، يَأْتِي بما يَتَيَقَّنُ به إتْمامَ صَلاتِه؛ لئَلَا يَخْرُجَ فها وهو شاكٌّ فيها، فيَكُونَ مُغَرِّرًا (¬2) بها. وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ». رَواه أبو داودَ (¬3). وقال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن تَفْسِيرِ هذا الحدِيثِ. فقال: أمّا أنا فأرَى أن لا يَخْرُج منها إلَّا على يَقِينِ أنَّها قد تَمَّتْ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «مغرورًا». (¬3) في باب رد السلام في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 212، 213. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 461.

478 - مسألة: (وإن نسي التشهد الأول ونهض، لزمه الرجوع، ما لم ينتصب قائما، فإن استتم قائما، لم يرجع، وإن رجع، جاز. وإن شرع في القراءة، لم يجز له الرجوع، وعليه السجود لذلك كله)

وَإنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لِزَمَهُ الرُّجُوعُ، مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا، فَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ، وَإنْ رَجَعَ، جَازَ. وإنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ. وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلَّهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 478 - مسألة: (وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ونَهَض، لَزِمَه الرُّجُوعُ، ما لم يَنْتَصِبْ قائِمًا، فإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا، لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع، جاز. وإن شَرَع في القِراءَةِ، لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، وعليه السُّجُودُ لذلك كلِّه) إذا تَرَك التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ناسِيًا وقام، لم يَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَذكرَه قبلَ أن يَعْتَدِلَ قائِمًا، فيَلْزَمُه الرُّجُوعُ للتَّشَهُّدِ. وممَّن قال: يَجْلِسُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَلْقَمَةَ، والضَّحّاك (¬1)، وقَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ: إن فارَقَتْ ألْيَتاهُ (¬2) الأرْضَ، لم يَرْجِعْ. وقال حَسّانُ بنُ عَطِيَّةَ (¬3): إذا تَجافَتْ رُكْبَتاه عن الأرْضِ مَضَى. ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتمَّ قَائِمًا، فلْيَجْلِسْ، فإذا اسْتَتَمَّ (¬4) قَائِمًا، فَلَا يجْلِسْ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (¬5). الثّانِي، ذِكْره بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا، وقبلَ شُرُوعِه في القِراءَةِ، فالأوْلَى أن لا يَرْجِعَ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في الأصل: «كتفاه». (¬3) أبو بكر حسان بن عطية المحاربِيّ مولاهم الدِّمشقيّ، كان ثِقَة، متعبدا، ذكره البُخَارِيّ في من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة. تهذيب التهذيب 1/ 251. (¬4) في الأصل: «قام». (¬5) أخرجه أبو داود، في: باب من نسى أن يتشهد وهو جالس، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 238. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من قام من اثنتين ساهيا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 381. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 160. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 253، 254.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن رَجَع، جاز. نَصَّ عليه (¬1). كما لو (¬2) ذَكَرَه قبلَ الاعْتِدالِ. وقال النَّخَعِيُّ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ ما لم يَسْتَفْتِحِ القِراءَةَ. قال شيخنا (¬3): ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له الرُّجُوعُ ها هنا؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في القِراءَةِ. الأمْرُ الثّالثُ، ذِكْرُه بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، فلا يَجُوزُ له الرُّجُوعُ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. ومِمَّن رُوِي عنه أنَّه لا يَرْجِعُ؛ عُمَرُ، وسعدٌ (¬4)، وابنُ مسعودٍ، والمُغِيرَةُ، بنُ شُعْبَةَ، والنُّعْماد بنُ بَشِيرٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وغيرُهم. وقال الحسنُ: يَرْجِعُ ما لم يَرْكَعْ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في الرُّكُوعَ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَسْجُدُ للسَّهْوِ في جَمِيعِ هذه المَسائِلِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مالكِ بنِ بُحَيْنَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بهم الظُّهْرَ، فقام في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن، ولم يَجْلِسْ، فقام النّاسُ معه، فلمّا قَضَى الصلاةَ وانْتَظَرَ (¬5) النّاسُ تَسْلِيمَه، كَبَّرَ وهو جالِسٌ، فسَجَدَ سَجْدَتَيْن قبلَ أن يُسَلِّمَ، [ثم سَلَّمَ] (¬6). مُتَّفَقٌ عليه (¬7). ¬

(¬1) أي: أَحْمد. (¬2) سقط من: م. (¬3) في: المغني 2/ 419. (¬4) في الأصل: «سعيد». (¬5) في الأصل: «واقتصر». (¬6) في الأصل: «بهم». (¬7) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 676.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن عَلِم المَأْمُومُون بتَرْكِه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، قبلَ قِيامِهم، وبعدَ قِيام الإِمام، تابَعُوه في القِيامِ، ولم يَجْلِسُوا. حَكاه الآجُرِّيّ عن أحمدَ. وهوَ قولُ مَالكٍ، والشافعيِّ، وأهلِ العِراقِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا قام حينَ سَها عن التَّشَهُّدِ، قام النّاسُ معه. وفَعَلَه جَماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ، فرَوَى الإمامُ أحمدُ، بإسْنادِه، عن زِيادِ (¬1) بن عِلاقَةَ (¬2)، قال: صَلَّى بنا المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فلَمّا صَلَّى رَكْعَتَيْن، قام ولم يَجْلِسْ، فسَبَّحَ به مَن خَلْفَه، فأشارَ إليهم أنْ (¬3) قُومُوا، فلَمّا فَرَغ مِن صَلاتِه سَلَّمَ، وسَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: هكذا صَنَع رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- (¬4). رَواه الآجُرِّيُّ، عن عُقَبَةَ بن عامِرٍ (¬5)، وقال: إنِّي سَمِعْتُكم تَقُولُون: سبحانَ اللهِ، لكَيْما أجْلِسَ، وليست تلك السُّنَّةَ، إنَّما السُّنَّةُ التى صَنَعْتُ (¬6). فأمّا إن ¬

(¬1) في الأصل: «يزيد». (¬2) في م: «علاثة». وهو أبو مالك زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي الكُوفيّ، ثِقَة، صدوق الحديث، توفى سنه خمس وثلاثين ومائة. تهذيب التهذيب 3/ 380، 1/ 381. (¬3) سقط من: م. (¬4) انظر تخريج حديث المغيرة بن شعبة المتقدم. (¬5) أبو حماد عقبة بن عامر بن عبس الجهني الصحابي، ولى مصر وسكنها، وتوفى بها سنة ثمان، وخمسين. أسد الغابة 4/ 53، 54. (¬6) أخرجه الحاكم، في: باب السهو. المستدرك 1/ 325.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [سَبَّحُوا به] (¬1) قبلَ قِيامِهِ ولم يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا لأنْفُسِهِم، ولم يُتابِعُوه؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا عليه، فلم يَكُنْ لهم مُتابَعَتُه في تَرْكِه. ولو رَجَع إلى التَّشَهُّدِ بعدَ شُرُوعِه في القِرَاءَةِ، لم يُتابِعُوه أَيضًا؛ لأنَّه أخْطَأَ. فأمّا الإِمامُ، فإن فَعَل ذلك عالِمًا بتَحْرِيمِه، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ مِن جِنْسِها عَمْدًا، أو تَرَك واجِبًا عَمْدًا. وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا بالتَّحْرِيمِ، لم تَبْطُلْ، لأنَّه زادَه سَهْوًا. ومتى عَلِم بتَحْرِيم ذلك وهو في التَّشَهُّدِ، نَهَض ولم يُتِمَّ الجُلُوسَ. فصل: فإن ذَكَر الإمامُ التَّشَهُّدَ قبلَ انْتِصابِه، وبعدَ (¬2) قِيامِ المَأْمُومين، وشُرُوعِهم في القِراءَة، فرَجَعَ، لَزِمَهم الرُّجُوعُ؛ لأنَّه رجع إلى واجِبٍ، فلَزِمَهم مُتابَعَتُه، ولا اعْتِبارَ بقِيامِهم قَبْلَه. ¬

(¬1) في الأصل. «سجد». (¬2) في م: «وقبل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الجُلُوسِ، فالحُكْمُ فيه كما لو نَسِيَهما؛ لأنَّ التَّشَهُّدَ هو المَقْصُودُ. فأمّا إن نَسِيَ شيئًا مِن الأذْكارِ (¬1) الواجِبَةِ غيرَ التَّشَهُّدِ؛ كَتسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقولِ: رَبِّ اغفِرْ لِي، بينَ السَّجْدَتَيْن، وقَوْلَ: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. فإنَّه لا يَرْجِعُ إليه بعدَ الخُرُوجِ مِن مَحَلِّه؛ لأنَّ مَحَلَّ الذِّكْرِ رُكْنٌ قد وَقَع مُجْزِئًا صحِيحًا. فلو رَجَع إليه لكان زِيادَةً في الصلاةِ، وتَكْرارًا لرُكْنٍ، ثم يَأْتِي بالذِّكْرِ في رُكْنٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، بخِلافِ التَّشَهُّدِ، لكنْ يَمْضِي ويَسْجُدُ للسَّهْوِ، كتَرْكِ التَّشَهُّدِ. فصل: فإن قام مِن السَّجْدَةِ الأُولَى، ولم يَجْلِسْ جَلْسَةَ الفَصْلِ، فهذا قد تَرَك جَلْسَةَ الفَصْلِ، والسَّجْدَةَ الثانيةَ. ومتى ذَكَر قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإذا رَجَع جَلَس جَلْسَةَ ¬

(¬1) في الأصل: «الأركان».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الفَصْلِ، ثم سَجَد الثانيةَ. وقال بعضُ [أصحابِ الشافعيِّ] (¬1): لا يَحْتاجُ إلى الجُلُوسِ (¬2)؛ لأن الفَصْلَ قد حَصَل بالقِيامِ. ولا يصِحُّ؛ لأنَّ الجلْسَةَ واجِبَةٌ، فلم يَنُبْ عنها القِيامُ كما لو قَصَد ذلك. فأمّا إن كان قام بعدَ أن جَلَس للفَصْلِ، فإنَّه يَسْجُدُ، ولا يَلْزَمُه جُلُوسٌ. وقيل: يَلْزَمُه؛ ليَكُونَ سُجُودُه عن جُلُوسٍ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد أتَى بالجَلْسَةِ، فلم تَبْطُلْ بالسَّهْوِ بعدَها، كالسَّجْدَةِ الأُولَى. فإن كان يَظُنُّ أنَّه سَجَد سَجْدَتَيْن، وجَلَس للاسْتِراحَةِ، لم يُجْزِئْه عن جَلْسَةِ الفَصْلِ؛ لأنَّها سُنَّةٌ، فلا تَنُوبُ عن الواجِب، كما لو تَرَك سَجْدَةً مِن رَكْعَةٍ، ثم سَجَد للتِّلاوة، فإنَّها لا تُجْزِئُ عن سَجْدَةِ الصلاةِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في م: «الشافعية». (¬2) في الأصل: «الفصل».

فَصْلٌ: وَأَمَّا الشَّكُّ؛ فَمَتَى شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى اليَقِينِ. وَعَنْهُ، يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإمَامُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وأمّا الشَّكُّ؛ فمتى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، بَنَى على اليَقِينِ. وعنه، يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه. وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُنْفَرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ، والإمامُ يَبْنِي (¬1) على غالِبِ ظَنِّه) متى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، ففيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّه يَبْنِي على اليَقِينِ، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا. اخْتارَها أبو بكرٍ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عَمْرٍو. وهو قولُ رَبِيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِكَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا أمْ أرْبَعًا؛ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَمَامَ الْأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن عبدِ الرحمنِ ابنِ. عَوْفٍ، أنَّ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِ أزَادَ أوْ نَقَصَ، فَإنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً، فَإنْ لَمْ يَدْرِ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أوْ ثَلَاثًا، فَلْيَجْعَلْهُمَا اثْنَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أوْ أرْبَعًا، فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا، حَتَّى يَكُونَ الشَّكُ فِي الزِّيَادَةِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْل أنْ يُسَلِّمَ» (¬2). رَواه ابنُ ماجه، ¬

(¬1) في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 400. كما أخرجه أبو داود في: باب إذا شك في اثنتين والثلاث من قال: يُلقى الشك، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 235. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من شك في صلاته فرجع إلى اليقين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 382. والنسائى، في: باب إتمام المصلي على ما ذكر إذا شك، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 22، 23. والدارمي، في: باب الرَّجل لا يدري أثلاثا صلى أم أربعًا، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 351. والإمام مالك، في: باب إتمام المصلى ما ذكر إذا شك في صلاته، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 95. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 72، 83، 84، 87. (¬2) بعده في م: «ثم يسلم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والتِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، فيَبْنِي على عَدَمِه، كما لو شَكَّ في رُكُوعٍ أو سُجُودٍ. والثانيةُ، أنَّه يَبْنِي كل غالِب ظَنِّه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا. نَقَلَها عنه الأثْرَمُ. رُوِيَ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، وهو قولُ النَّخَعِيِّ. وبه قال أصْحابُ الرَّأْيِ، إذا تَكَرَّرَ ذلك منه. وإن كان أوَّلَ ما أصابَه أعاد الصلاةَ (¬2)؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا ¬

(¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 188. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من شك في صلاته فرجع إلى اليقين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 381، 382. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 190، 193. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَسْلِيمٍ» (¬1). ووَجْهُ هذه الرِّوايَةِ ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وللبُخارِيِّ: «بَعْدَ التَّسْلِيمِ». وفي لفظٍ لمسلمٍ (¬3): «فَلْيَتَحَرَّ أقْرَبَ ذَلِكَ إلَى الصَّوَاب». ولأبى داودَ (¬4): «إذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أو أرْبَعٍ، وَأكْثَرُ ظَنِّكَ عَلَى أرْبَعٍ، تَشَهَّدْتَ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وَأنْتَ جَالِسٌ». ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 57. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التوجيه نحو القبلة حيث كان، من كتاب الصلاة، وفي: باب إذا حدث ناسيًا في الأيمان، من كتاب الأيمان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 111، 8/ 170. ومسلم، في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 400. كما أخرجه أبو داود، في: باب إذا صلى خمسًا، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 234. والنَّسائيّ، في: باب التحرى، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 23. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من شك في صلاته فتحرى الصواب. من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 383. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 379، 438. (¬3) سقط من: م. (¬4) في: باب من قال يتم على أكبر ظنه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 236. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 429.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [والروايةُ الثّالِثَةُ، أنَّ المُنْفرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعْنَى] (¬1)، والإمامُ يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ. وهذه المَشْهُورَةُ، عن أحمدَ، اخْتارَها الخِرَقِيُّ. وإنَّما خَصَصْنا الإمامَ بالبِناءِ على غالِبِ ظَنَّه؛ لأنَّ له مَن يُنَبِّهُه ويُذَكِّرُه إذا أخْطَأ، فيَتَأكَّدُ عندَه صَوابُ نَفْسِه، ولأنَّه إن أصاب أقَرَّه ¬

(¬1) سقط من: م.

479 - مسألة (فإن استوى الأمران عنده، بنى على اليقين)

فَإنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ المَأمُومون، وإن أخْطَأ سَبَّحُوا به فرَجَعَ إليهمِ، فيَحْصُلُ له الصوابُ في الحالَيْن، بخِلافِ المُنْفَردِ، إذ ليس له مَن يُذكرُه، فَيَبْنِيَ على اليَقِينِ؛ ليَحْصُل له إتمامُ صَلاتِه. وما قالَه أصحابُ الرأيِ فيُخالِفُ السنةَ الثَّابِتَةَ عن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّ أحَدَكمْ إذَا قامَ يُصَلى، جَاءَهُ الشيطَان فَلَبَس عَلَيْهِ (¬1)، حَتى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلى؟ فَإذَا وَجَدَ ذَلِك أحَدُكُمْ، فليَسْجُدْ سَجْدَتيْن وَهُوَ جَالِس». مُتفَق عليه (¬2). وقولُه عليه السلامُ: «لَا غرَارَ فِي صَلَاة» (¬3). يَعْنِي لا ينْقصُ مِن صلَاته. ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ أنَّه لا يَخرجُ منها وهو شاكٌّ في إتمامِها، ومَن بنى على اليَقين لم يَخْرُجْ وهو شاكٌّ، وكذلك الإمامُ إذا بَنَى على غالِب ظنه فوافَقَه المأمُومون، أو رُدَّ عليه، فرَجَعَ إليهم. 479 - مسألة (فإنِ استوَى الأمْرانِ عندَه، بَنَى على اليَقِين) إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا، وأتُى بما بَقِيَ عليه مِن صلَاته، وسَجَد للسَّهْوِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأن الأصْلَ البِناءُ على اليَقين، وإنما جاز تركُه في حَق الإمامِ، لمُعارَضةِ الظن الغالِبِ، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ. ¬

(¬1) لبس عليه: خلط عليه أمر صلاته. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب السهو في الفرض والتطوع، من كتاب السهو. صحيح البُخَارِيّ 2/ 87. ومسلم، في: باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 398. كما أخرجه أبو داود، في: باب من قال يتم على أكبر ظنه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 237 والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 187، 188. والنَّسائيّ في: باب التحرى، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 26. والإمام مالك، في: باب العمل في السهو، من كتاب السهو. الموطأ 1/ 100. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 241، 273، 284. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 57.

480 - مسألة: (ومن شك في ترك ركن فهو كتركه)

وَمَنْ شَكَّ في تَرْكَ رُكْنٍ، فَهُوَ تَرْكِهِ: وإنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُود؟ عَلَى وَجْهيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 480 - مسألة: (ومَن شَكَّ في تَرْكِ رُكْن فهو كترْكِه) إذا شكَّ في تركِ رُكْن مِن أرْكانِ الصلاةِ وهو فيها، فحُكْمُه حُكمُ تركِه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا؛ لأن الأَصْل عَدَمُه. (وإن شَك في تركِ واجِبٍ) يُوجِبُ تركه السُّجُودَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا سُجُودَ عليه. قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأنه شَكَّ في سَبَبِه، فلم يَجِبِ السُّجودُ له، كما لو شَكَّ في الزيادَةِ. والثاني،

وإنْ شَك فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ يسْجُدُ له. قالَه القاضي؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. والصَّحِيحُ وُجُوبُ السُّجُودِ، إلَّا على الرِّوايةِ التى تَقُولُ: إن هذه سُنَن. فلا يَجِبُ. والله أعلمُ. (وإن شَك في زِيادَةٍ (تُوجِبُ السجودَ، فلا سُجُودَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها، فلا يَجِبُ السجُودُ بالشك فيها. ولو شَك في عَدَدِ الركَعاتِ، أو في رُكْن، ثم ذَكَرَه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ؛ لأنَّ السُّجُودَ لزِيادَةٍ أو نقص أو احْتِمالِ ذلك، ولم يُوجَدْ، وإنما يُؤثِّر الشك في الصلاةِ إذا وُجِد فيها. فإن شك بعدَ سَلامِها، لم يلْتَفِتْ إليه، لأن الظاهِرَ أنَّه أتى بها على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، ولأن ذلك يَكْثُرُ فيَشُق الرُجُوعُ إليه، وهكذا الشك في سائِرِ العِباداتِ.

481 - مسألة: (وليس على المأموم سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه، فيسجد)

وَلَيْسَ عَلَى الْمَأمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ، إلَّا أنْ يَسْهوَ إمَامُهُ، فَيَسْجُدَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 481 - مسألة: (وليس على المَأمُومِ سُجُودُ سَهْو، إلَّا أن يَسْهُوَ إمامُه، فيَسْجُدَ) وجُمْلته أن المَأمُومَ إذا سَها دُونَ إمامِه، لم يَلْزَمْه سُجودٌ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في قوْلِ عامةِ أهْلِ العِلْم. وحُكِيَ عن مَكْحُولٍ أنَّه قام عن قعُودِ إمامه فسَجَدَ. ولَنا، أن مُعاوِيَةَ بنَ الحَكَم تَكَلَّمَ خلفَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم يَأمُرْه بسُجُودٍ (¬1). وعن ابنِ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَيْس عَلَى مَنْ خلفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا إمَامهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَن خَلْفَهُ». رَواه الدَّارَقُطنِي (¬2). فأمَّا إذا سَها الإمامُ، فعلى المَأمومِ مُتابَعَتُه في السُّجُودِ، سَواء سَها معه، أو انْفرَدَ الإمامُ بالسهو، إجْماعًا، كذلك حَكاه إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وسواء كان السجُودُ قبلَ السلامِ أو بعدَه، لحديثِ ابن عُمَرَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتَمَّ بِهِ، فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (¬3). فصل: وإذا كان المَأمُومُ مَسْبوقًا، فسَها الإمامُ فيما لم يدْرِكْه فيه، فعليه مُتابَعَتُه في السجودِ، سَواء كان قبلَ السلام أو بعدَه. رُوي هذا عن عطاءٍ، والحسين، والنخَعِي، وأصْحابِ الرأي. وقال ابنُ سِيرِينَ: يَقْضى ثم يَسْجُدُ. وقال مالك، والليْثُ، والأوزاعِي، والشافعي، في السجودِ قبلَ السَّلامِ، كقَوْلِنا، وكقوْلِ ابن سيرِينَ فيما بعدَه. ورُوِي ذلك عن أحمدَ؛ لأنه فِعل خارج في الصلاةِ، فلم يَتْبَع الإمامَ فيه، كصلاةٍ أخْرَى. وعن أحمدَ رِوايَة أخْرَى، أنَّه مخَير بينَ مُتابَعَةِ إمامه وتَأخِيرِ السجودِ إلى آخِر صَلاتِه. حَكاها ابنُ أبي مُوسى. ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». وقوْلُه في حديثِ ابنِ عُمَر: «فإن سَهَا إمَامُهُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 559. (¬2) في: باب ليس على المقتدى سهو وعليه سهو الإمام، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 377. (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 416.

482 - مسألة: (فإن لم يسجد الإمام، فهل يسجد المأموم؟ على روايتين)

فَإنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإمَام، فَهَلْ يَسْجدُ الْمأمُومُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». ولأن السُّجُودَ مِن تَمامِ الصلاة، فيُتابِعُه فيه، كالذى قبلَ السلامِ، وكغيرِ المسْبُوقِ، وفارَقَ صلاةً أخْرَى، فإنَّه غيرُ مُوتَم به فيها. إذا ثَبَت أنَّه يُتابع إمامَه، فإذا قَضَى ففي إعادَةِ السجُودِ رِوايتان؛ إحْداهما، يُعيدُه؛ لأَنه قد لَزِمَه حُكْمُ السهْوِ؛ وما فَعَلَه مِن السجُودِ مع الإمامِ كان مُتابَعةً له، فلا يَسْقُطُ به ما لَزِمَه، كالتشَهدِ الأخِيرِ. والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه السجُودُ؛ لأن سُجُودَ إمامِه قد كَمُلَتْ به الصلاةُ في حَقِّهما، وحَصَل به الجُبْرانُ، فلم يَحْتَجْ إلى سُجُودٍ ثانٍ، كالمَأمُومِ إذا سَها وَحْدَه. وللشافعى قوْلان كالروايَتَيْن. فإن نَسىَ الإمامُ (¬1) السجُودَ، سَجَد المسْبُوقُ في آخر صَلَاِته، رِوايَة واحِدَة؛ لأنه لم يُوجَدْ مِن الإمامِ ما يُكْمِلُ به صلاةَ المَأمُومِ، وكذلك إن لم يَسْجُدْ مع الإمام. وإذا سَها المَأمُومُ بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه في القَضاء، سَجَد، رِوايَة واحِدَةً؛ لأنه قد صار مُنْفَرِدًا، فلم يَتَحَملْ عنه الإمامُ السُّجُودَ. وكذلك لو سها، فسلمَ مع إمامه، قام فأتم وسجد بعدَ السَّلامِ، كالمنْفَردِ. 482 - مسألة: (فإن لم يَسْجُدِ الإمامُ، فهل يَسْجُدُ المَأمُومُ؟ على رِوايَتَيْن) يُريدُ غيرَ المسْبُوقِ، إذا سَها إمامه فلم يَسْجُدْ، [فهل يَسْجُدُ (¬2) المَأمُومُ؛ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْجُدُ. اخْتارَها ابنُ ¬

(¬1) في تش: «المأموم». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَقِيلٍ، وقال: هي أَصَحُّ؛ لأنَّ صلاةَ المَأمُومِ نَقَصَتْ بسَهْوِ إمامِه، ولم تَنْجبِرْ بسُجودِه، فيلْزَم المَأمومَ جَبْرها. وهذا مَذْهب ابنِ سيرِينَ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعي. والثانيةُ، لا يَسْجُدُ. رُوىَ ذلك عن عطاءٍ، والحسن، والقاسِمِ، وحمادِ بنِ أبي سُلَيْمانَ، والثوْرِي، وأصْحابِ الرأيِ؛ لأن المَأمُومَ إنَّما يَسْجُد تَبَعًا، فإذا لم يَسْجدِ الإمامُ لم يوجَدِ المُقْتَضِي لسجودِ المَأمُومِ. هذا إذا تَرَكَه الإمامُ لعُذْرٍ، فإن تَرَكَه قبلَ السلام عَمْدًا، وكان مِمن لا يَرَى وُجُوبه، فهو كتركِه سَهْوًا، وإن كان يَعْتقِد وجُوبَه، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا. وهل تَبْطُلُ صلاةُ المَأمومِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ لبُطْلانِ صلاةِ الإمَام، كما لو تَرَك التَّشهدَ الأوَّلَ. والثَّانِي، لا تَبْطلُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن الصلاةِ إلَّا السلامُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا قام المَأمُوم لقضاءِ ما فَاتَه، فسَجَدَ إمامُه بعدَ السَّلامِ، وقلْنا: تَجِبُ عليه مُتابَعَةُ إمامه. فحُكْمُه حُكْم القائمِ عن التَّشهدِ الأولِ؛ إن (¬1) لم يسْتَتِمَّ قائِمًا لَزِمَه الرُّجُوعُ، وإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع جاز، وإن شَرَع في القِراءَة لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ. نَصّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثرَم، لأَنه قام عن واجِب إلى رُكْن، أشْبَهَ القِيامَ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيل فيه ثلاثَ رِوايات؛ إحْداها، يَرْجِعُ؛ لأنَّ إمامَه بَعُدَ (¬2) في الأداءِ، ولأنه سجُود في الصلاةِ، أشبهَ سُجُودَ صُلْبها. والثّانِيَةُ، لا يَعُودُ؛ لأنه نَهَض إلى رُكْن. والثّالِثَةُ، هو مُخير؛ لأنَّ سُجُودَ السَّهوِ أخَذَ شَبَهًا مِن سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، مِن حيث إنه سُجُود، وشَبَها مِن التشهدِ الأولِ؛ لكَوْنِه يَسْقطُ بالسهْوِ، فلذلك جُبِر. وما ذَكَرْناه أوْلَى. ¬

(¬1) في م: «وإن». (¬2) في م: «نفذ».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وليس على المَسْبُوقِ ببعض الصلاةِ سُجُود لذلك، في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العِلْمَ. ويروَى عن ابنِ عُمَر، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي سعيدٍ، ومُجاهِدٍ، وإسحاقَ، في مَن أدرَكَ وَترا مِن صلاةِ إمامِه، سَجَد للسَّهْوِ؛ لأنه يَجْلِسُ للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِع التَّشهدِ. ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَما فَاتَكُمْ فَأتمُّوا» (¬1). ولم يَأمُرْ بسُجُودٍ. وقد فات النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بَعْضُ الصلاةِ مع عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقَضَى، ولم يَكُنْ لذلك سُجُود. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 395، 396.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والحديث مُتفق عليه (¬1). وقد جَلس في غيرِ مَوْضِعِ تَشَهُّدِه، ولأن السجُودَ إنما يشْرع للسهْوِ، ولا سَهْوَ ها هنا، ولأنَّ مُتابَعَةَ الإمام واجِبَة، فلم يَسْجدْ لفِعْلِها، كسائِرِ الواجِباتِ. ¬

(¬1) أخرجه بهذا اللفظ مسلم دون البُخَارِيّ، في: باب المسح على الناصية والعمامة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 320، 231. كما أخرجه أبو داود، في: باب المسح على الحُسَيْن، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 32، 33. والنَّسائيّ، في باب كيف المسح على العمامة، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 77. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 244، 251.

فَصْلٌ: وَسُجُودُ السهو لِمَاُ يبطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِب، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال، رَحِمَه الله: (وسُجُودُ السَّهْوِ لِما يبطلُ عَمْده الصلاةَ واجب) في ظاهِر المَذْهَب. وعن أحمدَ، أنَّه غيرُ واجِب. قال شيخُنا (¬1): ولَعَل مَبْنَى هذه الروايةِ على أنَّ الواجبَاتِ التى شُرِع السُّجُودُ لجَبْرِها غيرُ واجِبَةٍ، فيَكُونُ جَبْرُها غيرَ واجِبٍ. وهذا قَوْلُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ، لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «كَانَتِ الركْعَة وَالسجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ» (¬2). ولَنا، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ به في حديثِ ابنِ مسعود (¬3) وأبي سعيد (¬4)، وفَعَلَه. وقَوْله: «نَافِلَةً»: يَعْنِي أن له ثَوابًا فيه، كما سُميَتِ الرَّكْعَةُ أَيضًا نافِلَةً، وهي واجِبَة على الشَّاك بغيرِ خِلافٍ. فأمَا المَشْروعُ لِما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ فغيرُ واجِبٍ. قال أحمدُ: إنَّما يَجِبُ السجُودُ فيما روِي عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. يَعْنِي وما كان في مَعْناه، فنَقِيسُ على زِيادَةِ خامِسَةٍ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 433. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 10 من حديث أبي سعيد الخُدرِيّ. وهو بهذا اللفظ عند أبي داود وابن ماجه. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 9. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 10.

483 - مسألة: (ومحله قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام صلاته، وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه. وعنه، أن الجميع قبل السلام. وعنه، ما كان من زيادة فهو بعد السلام، وما كان من نقص كان قبله)

وَمَحَلُّهُ قَبْل السَّلَامِ، إلَّا فِي السلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاِتهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإمَامُ عَلَى غالِبِ ظَنه. وَعَنْهُ، أَن الْجَمِيِعَ قَبْلَ السَّلَامِ. وَعَنْهُ، مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَان مِنْ نقص كَانَ قَبْلَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ سائِرَ (¬1) زِياداتِ الأفْعالِ مِن جِنْس الصلاةِ، وعلى تركِ التشَهُّدِ الأوَّلِ تَرْكَ غيرِه مِن [الواجِباتِ، وعلى] (¬2) التَّسْلِيمِ مِن نُقْصان زِياداتِ الأقْوالِ المُبْطِلَةِ عَمْدًا. 483 - مسألة: (ومَحَله قبل السَّلام، إلَّا في السَّلامِ قبلَ إتْمامِ صَلاتِه، وفيما إذا بَنَى الإمامُ على غالب ظنه. وعنه، أنَّ الجَمِيعَ قبلَ السَّلامِ. وعنه، ما كان مِن زِيادَةٍ فهو بعدَ السلامِ، وما كان مِن نَقص كان قبلَه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ سجُودَ السَّهْوِ كله قبلَ السَّلامِ في ظاهِرِ قوْلِ ¬

(¬1) في الأصل: «سائر السجود». (¬2) في الأصل: «الواجبات على».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدَ، إلَّا في المَوْضِعَيْن المَذْكُورَيْن، وهما إذا سَلَّمَ عن نقْصٍ في صلَاته؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن (¬1) وعِمْرانَ بنِ حصَين (¬2). والثاني، إذا بَنَى الإمامُ على غالِبِ ظنه، لحديثِ ابْنِ مسعود. نَص على ذلك في روايةِ الأثرَمِ، فقالَ: أنا أقولُ: كُل سَهْو جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه سَجَد فيه بعدَ السلام، فإنَّه يَسْجُدُ فيه بعدَ السلامِ، وسائِرُ السهْوِ يَسْجُدُ فيه قبلَ السلامِ. وهو أَصَحُّ في المَعْنَى، لأنه مِن شأنِ الصلاةِ، فيَقْضِيه قبلَ التَّسْلِيمِ، كسُجُودِ صُلْبِها. وهذا قولُ سُلَيْمانَ بن داودَ (¬3)، وابنِ المُنْذِر. قال القاضي: لا يَختَلِفُ قولُ أحمدَ في هذين المَوْضِعَين، أنَّه يَسْجُدُ لهما بعدَ السلَامِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقى. والروايَتان الأخْرَيان ذَكَرَهما أبو الخَطابِ؛ إحْداهما، أن جَمِيعَ السُّجُودِ قبلَ السلامِ. رُوِيَ ذلك عن أبي هُرَيرةَ، والزهْرِي، والليْثِ، والأوْزاعِي. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَة (¬4)، وأبي سعيدٍ. قال الزُّهْرِي: كان آخِرُ الأمْرَيْن السُّجُودَ قبلَ السلامِ. ولأنه تَمام للصلاةِ، فكان قبلَ سَلامِها، كسائِرِ أفعالِها. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 26. (¬2) تقدم تخرجه في صفحة 27. (¬3) في م بعده: «وابن أبي خيثمة». (¬4) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 676.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثَّانِيَةُ، ما كان مِن زِيادَةٍ كان بعدَ السَّلامِ؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، حينَ صَلى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خمسًا. وما كان مِن نَقْص كان قَبْلَه؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَةَ. وهذا مَذْهَبُ مالك، وأبي ثَوْر، والمُزَنِي (¬1). وقال أصحابُ الرأيِ: جَمِيعُ سُجُودِ السهْو بعدَ السلامِ، وله فِعلُهما (¬2) قبلَ السلامِ. رُوِي نحوُ ذلك عن على، وسعد، وابنِ مسعودٍ، وعَمار، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبير، وأنس، والحسنِ، لحديثِ ذى اليَدَيْن، وابن مسعود. وروَى ثَوْبانُ، قال: قال رسولُ - الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لِكل سَهْو سجدتان بَعْدَ التسْلِيمِ». رَواه سعيد. وعن عبدِ الله بن جَعْفَر، قال: ¬

(¬1) زيادة من: م. (¬2) في م: «فعله».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدتيْنِ بَعدَمَا يُسَلِّمُ». رَواهما أبو داودَ (¬1). ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- السجُودُ قبلَ السلامِ وبعدَه في أحاديثَ صَحِيحَةٍ، وفيما ذَكَرْناه عَمَل (¬2) بالأحاديثِ كلِّها، وجمع (¬3) بينَها، وذلك واجِب مَهْما أمْكَنَ؛ فإنَّ خَبَرَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حُجَّة يَجِبُ المَصِيرُ إليه، والعَمَلُ به، ولا يُتركُ إلَّا لمُعارِض مِثْلِه، أو أقْوَى منه، وليس في سُجُودِه في مَوْضِع ما يَنْفِي سُجُودَه في مَوْضِع آخَرَ، ودَعْوَى نسْخِ حديثِ ذى اليَدَيْن لا وَجْهَ له؛ لأنَّ راوِيَيْه (¬4) أبو هُرَيرةَ وعِمْرانُ بنُ حُصَيْن، وهِجْرَتُهما مُتَأخرَةَ. وقولُ الزُّهْرِيّ مُرْسَل، ثم لا يَقْتَضى نسخًا، فإنَّه يَجُوزُ أن يَكُونَ آخِرُ الأمْرَيْن سُجُودَه قبلَ السلامِ؛ لوُقُوعِ السَّهْوِ آخِرًا فيما يَسْجُدُ له قبلَ السلامِ. ¬

(¬1) الأول في: باب من نسى أن يستشهد وهو جالس، من كتاب الصلاة، والثاني، في: باب من قال بعد التسليم من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 237، 239. كما أخرج الأول ابن ماجه، في: باب ما جاء في من سجدهما بعد السلام، في كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 385. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 280. وأخرج الثاني النَّسائيّ، في؛ باب التحرى، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 25. (¬2) في م: «عملًا». (¬3) في م. «جمعًا» (¬4) في الأصل: «رواية».

484 - مسألة: (وإن نسيه قبل السلام قضاه، ما لم يطل الفصل، أو يخرج من المسجد. وعنه، أنه يسجد وإن بعد)

وإن نَسِيَهُ قَبْل السَّلام، قَضَاه، مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصلُ، أو يَخْرُجْ من المسْجِدِ. وَعَنهُ، أنهُ يَسْجُدُ وإنْ بَعُدَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وحديث ثَوْبانَ يَروِيه إسْماعِيلُ بن عَيّاش عن (¬1) زهيرِ بين سالِمٍ، وفي رِوايَتِه عن أهْلِ الحِجازِ ضَعْف. وحديث ابنِ جَعفر مِن رِوايةِ مُصْعَبِ ابنِ شَيْبَةَ. قال أَحْمد: يَروِي المناكيرَ. وقال النَّسائِيُّ: مُنْكرُ الحديث. وفيه ابنُ أبي لَيْلَى، وهو ضَعِيف. قال الأثْرَمُ: لا يَثبُتُ واحِد منهما. واللهُ أعْلَمُ. 484 - مسألة: (وإن نَسِيه قبلَ السلامِ قضاه، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، أو يخْرُجْ مِن المَسجِدِ. وعنه، أنَّه يَسجُدُ وإن بَعد) متى نَسي سُجُودَ السهوِ قبل السَّلام قضاه بعدَ السلامِ، ما لم يَطُلِ الفصلُ، ما دام في المَسجِدِ وإن تَكَلم. وبه قال مالك، والأوْزاعِيُّ، والشافعي، وأبو ثَوْرٍ. ¬

(¬1) في النسخ: «و». والتصويب من مصادر التخريج.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إذا صرف وَجْهَه عن القِبْلَةِ، لم يَبْنِ، ولم يَسْجُدْ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَكَلَّمَ بعدَ الصلاةِ، سَقَط عنه سُجُودُ السَّهْوِ، لأنه أتَى بما يُنافِيها، أشبهَ ما لو أحْدَثَ. ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ، (¬1) أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد بعدَ السلامِ والكَلام. رَواه مسلم (¬2). وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ أَيضًا] (1)، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى خَمْسًا، فلما انْفَتَلَ تَوَشْوَش القَوْمُ فيما بينَهم، ثم سَجَد بعدَ انْصِرافِه عن القِبْلَةِ (¬3). ولأنه إذا جاز إتْمامُ الركْعَتَيْن مِن الصلاةِ بعدَ الكَلام والانْصِرافِ، كما جاء في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْن، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، فالسجُودُ أوْلَى. ¬

(¬1) سقط من: تش. (¬2) في: باب السهو في الصلاة، السجود له، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 402. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام، الكلام، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 185. والنَّسائيّ، في: باب ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 21. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من سجدهما بعد السلام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 385. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 9.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأما إن طال الفَصْلُ، أو خَرَج (¬1) مِن المسْجِدِ لم يَسْجُدْ. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقصَرِه إلى العادَةِ. وذَكَر القاضي، أنَّه يَسْجُدُ ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، [وإن خَرَج] (¬2)؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَجَع إلى المسْجِدِ بعدَ خُرُوجه منه في حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن (¬3)؛ لإتْمامِ الصلاةِ، فالسُّجُودُ أَوْلَى. وهذا قول للشافعي. وقال الخِرَقِي: يَسْجُدُ ما كان في المسْجدِ، فإن خَرَج لم يَسْجُدْ. وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شبْرُمَةَ. وعنه، أنَّه يَسْجُدُ وإن بَعُد (¬4). وقد حَكاها ابنُ أبي مُوسي، عن أحمدَ. ¬

(¬1) في م: «وخرج». (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 27. (¬4) في م: «خرج».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيّ؛ لأنه جُبْران فأتَى به بعد طُول الفَصلِ والخرُوجِ، كجُبْراناتِ الحج. وهذا قول مالك، إذ كان لزيادَةٍ، وإن كان لنَقْصٍ أتي به ما لم يَطلِ الفَصْل؛ لأَنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ. ووَجْهُ الأولى، أنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ، فلا يَأتِي به بعدَ طُولِ الفَصْلِ، كَرُكن من أرْكانِها، وإنما ضَبَطْناه بالمسْجِدِ؛ لأنه محَل الصلاةِ، فاعْتُبِرَتْ فيه المُدةُ، كخِيارِ المَجْلِس. فصل: فإن نَسِيَه حتَّى شَرَع في صلاة أخْرَى، سجَد بعدَ فَراغِه منها، في ظاهِرِ (¬1) كلام الخِرَقِي، ما كان في المَسْجِدِ. وعلى قولِ غيره، إن طال الفصْلُ لم يَسجُدْ، وإلا سجَد. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

485 - مسألة: (ويكفي لجميع السهو سجدتان، إلا أن يختلف محلهما، ففيه وجهان)

وَيَكفِيهِ لجَمِيعِ السهْوِ سَجْدَتَانِ، إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ مَحَلهُمَا، فَفيهِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، تُجْزِئُهُ سَجْدَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 485 - مسألة: (ويَكفِي لجَميعِ السَّهْوِ سَجْدَتان، إلَّا أن يَخْتَلِفَ مَحَلُّهما، ففيه وَجْهان) إذا سَها سَهْوَيْن أو أكثرَ مِن جِنْس، كَفاه سَجْدَتان، بغيرِ خِلاف عَلِمْناه. وإن كان السَّهْوُ مِن جِنْسَيْن، فكذلك. حَكاه ابن المُنْذِرِ، عن أَحْمد. وهو قولُ أكْثَرِ أهل العلمِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأيِ. وذَكَر أبو بكرٍ فيه وَجْهَيْن؛

وَالْآخَرُ، يَسْجُدُ لِكُل سَهْو سَجْدَتيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُهما، ما ذَكَرْناه. والثاني، يَسْجُدُ سُجُودَيْن. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وابن أبي حازِم (¬1)، وعبدِ العزيز بن أبي سَلَحَةَ (¬2)، إذا كان أحَدُهما قبلَ السلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لِكُل سَهْو سَجْدَتَانِ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (¬3). وهذان سَهْوان. ولأنَّ كل سَهْو يَقْتضِي سُجُودًا، وإنما يَتَداخَلان في الجِنْس الواحِدِ. ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَهَا أحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (¬4). وهذا يَتَناولُ السهْوَ في مَوْضِعين، ولأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سها فسَلمَ (¬5)، وتَكَلَّمَ بعدَ سَلَامِه، فسَجَدَ لهما سُجُودًا واحِدا، ولأنه شُرِع للجَبْرِ، فكَفَى فيه سُجُودٌ واحد، ما لو كان مِن جِنْس واحِد. وحَدِيثهم في إسْنادِه مَقالٌ. ثم إنَّ المُرادَ به، لكل سَهْو في صَلاة. والسَّهْوُ وإن كَثُر داخِلٌ في لَفْظِ السَّهْوِ؛ لأنه اسْمُ جنْس، فيَكونُ التَّقْدِيرُ، لكل صلاة فيها سَهْو سَجْدَتان. يدُلُّ على ذلك أنَّه قال: «لكُل سَهْوٍ سَجْدَتانِ بَعْدَ السلام» (¬6). كذا رِوايَةُ ¬

(¬1) في م: «حاتم». وهو أبو عبد الله عبد العزيز بن أبي حازم (سلمة) بن دينار الأعرج، الفقيه المالكى، المتوفى سنة خمس، وثمانين ومائة. طبقات الفقهاء 146، ترتيب المدارك 1/ 286 - 288. (¬2) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، أبو عبد الله، فقيه مالكى، ثِقَة صدوق، كثير الحديث. توفى سنة أربع وستين ومائة. تهذيب الكمال 6/ 343، 344، وانظر طبقات الفقهاء، للشيرازى 67. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 84. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 9 عن حديث ابن مسعود. (¬5) سقط عن: م. (¬6) تقدم تخريجه في صفحة 84.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبي داودَ. ولا يَلْزَمُه بعدَ السلامِ سُجُودان. فصل: ومعنى اخْتِلافِ مَحَلِّهما أن يكونَ أحَدُهما قبلَ السَّلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لاخْتِلافِ سَبَبِهما وأحْكامِهما. وقال بعضُ أصحابِنا: هو أن يكون أحَدُهما مِن نَقْص، والآخَرُ مِن زِيادَةٍ. قال شيخُنا (¬1): والأوَّلُ أوْلى، إن شاء الله تعالى. فإذا قلْنا: يَسْجُدُ لهما سُجُودًا واحِدًا. سجده قبل السَّلامِ؛ لأنه أسْبَقُ وآكدُ؛ ولأن الذى قبلَ السَّلامِ قد وُجد سبَبُه، ولم يُوجَدْ قبْلَه ما يَمنَعُ (¬2) وُجُوبَه، ولا يَقُومُ مَقامَه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، وإذا سجَد له، سَقَط الثّانِي؛ لإغْناء الأوَّلِ عنه. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 438. (¬2) في م: «يوجب منع».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولو أحْرَمَ مُنْفَرِدا، فصَلى ركْعَة، ثم نَوى مُتابَعَةَ الإمام، وقُلْنا بجَواز ذلك، فسها فيما انْفَرَدَ فيه، وسَها إمامه فيما تابَعَه فيه، فإن صَلَاته تَنْتَهِي قبلَ صلاةِ إمامِه. فعلى قَوْلِنا، هما مِن جِنْس واحِدٍ إن (¬1) كان مَحَلهما واحِدًا، وعلى قولِ مَن فَسَّرَ الجِنْسَيْن بالزيادَةِ والنَّقْص، يَحْتَملُ كوْنُهما ين جِنْسَيْن. وهكذا لو صَلى مِن الرباعِيةِ رَكْعَةً، ودَخَل مع مُسافِر، فنَوَى مُتابَعَتَه، فلمّا سَلمَ إمامُه، قام ليُتمَّ ما عليه، فقد حَصَل مَأمُومًا في وَسَطِ صَلاتِه، مُنْفرِدا في طَرَفَيْها. فإذا سَها في الوَسطِ والطَّرَفين جميعًا، فعلى قَوْلنا، إن كان مَحَل سُجُودِهما واحِدًا، فهي جِنْسٌ واحِدٌ. وإنِ اخْتَلَفَ مَحَل السُّجُودِ، فهي جِنْسان. وقال بعضُ أصْحابنا: هي جِنْسان. ولأصْحابِ الشافعية فيها وَجْهان كهَذَيْن، ووَجْه ثالِث، أنَّه يَسْجُدُ سِت سَجَداتٍ، لكلَّ سَهْو سَجْدَتان. ¬

(¬1) في الأصل: «وإن».

486 - مسألة: (ومتى سجد بعد السلام، جلس فتشهد، ثم سلم)

وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، جَلَسَ فَتَشَهَّدَ، ثُم سَلَّمَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 486 - مسألة: (ومتى سَجَد بعدَ السَّلامِ، جَلس فتَشَهَّدَ، ثم سَلَّمَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى سجَد للسهْوِ، كَبر للسجودِ والرَّفْع منه، سَواءٌ كان قبلَ السلامِ أو بعدَه. فإن كان قبلَ السلامِ سَلمَ عَقِيبَه. وإن كان بعدَه، تَشَهد وسَلمَ، سَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ، أو كان قبلَه فنَسِيَه إلى ما بعدَه. وبهذا قال ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِي، وقتادَةُ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والحَكمُ، والثوْرى، والأوْزاعِي، والشافعي، وأصْحابُ الرأيِ، في التشَهُّدِ والتَّسْلِيمِ. وقال أنس، والحسنُ، وعَطاء: ليس فيهما تَشَهُّد ولا تَسْلِيم. وقال ابنُ سِيرينَ، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما تَسْلِيم بغير تَشَهُّد. وعن عَطاءٍ: إن شاء تَشَهدَ، وإن شاء تَرَك. ولَنا، على التكْبيرِ، قولُ ابنِ بُحَيْنَةَ: فلَما قَضَى الصلاةَ سَجَد سَجْدَتيْن، كَبر في كل سَجْدَةٍ وهو جالِس قبل أن يُسَلِّمَ (¬1). وقولُ أبي هُرَيْرَةَ: ثم كَبر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفَع رَأسَه فكَبر (¬2). وأما التسلِيمُ، فقد ذَكَرَه عِمرانُ بنُ حُصيَن، في حديثه الذى رَواه مسلم (¬3)، قال فيه: سَجَد سَجْدَتَيِ السهْوِ، ثم سَلمَ. وفي حديثِ ابن مسعودٍ (¬4): ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سلمَ. وأمّا التَّشَهُّدُ، فرَوى عِمرانُ بنُ حُصَيْن، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى بهم فسَها، فسَجَدَ سَجْدَتين، ثم تشَهدَ، ثم سلمَ. رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (¬5)، وقال: حديث حسن. ولأنه سُجُود له تَسْلِيم، فكان له تَشَهُّدٌ، كسُجُودِ صُلْب الصلاةِ. ويحتَمِلُ أن لا يَجبَ التشَهدُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثيْن الأوليَن أنَّه سَلمَ مِن غيرِ تَشَهد، وهما أصحُّ مِن هذه الروايةِ، ولأنه سُجُود مُفرَد، أشْبَهَ سُجُودَ التلاوَةِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 676. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 26. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 27. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 9. (¬5) انظر تخريج حديثه السابق:

487 - مسألة: (وإن ترك السجود الواجب قبل السلام عمدا، بطلت صلاته)

وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قبْلَ السلَامِ عَمْدًا، بَطلتِ الصلَاةُ، وإنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السلَامِ، لَمْ تَبْطلْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْو حتَّى طال الفَصْلُ، لم تبْطُلْ صَلَاتُه. وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ. وعن أحمدَ، إن خَرَج مِن المَسْجِدِ أعاد الصلاةَ. وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وقولُ مالك، وأبي ثَور، في السُّجُودِ قبل السلامِ. ووَجْهُ الأولِ، أنَّه جابِر للعِبادَةِ بعدَها، فلم تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَج. 487 - مسألة: (وإن تَرَك السُّجُودَ الواجِبَ قبلَ السلامِ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُه) لأنه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ عمدًا. (وإن تَرَك المَشْرُوعَ (¬1) بعدَ السَّلامِ، لم تَبْطُلْ) لأنه جَبْرٌ للعِبادَةِ خارِجٌ مها، فلم ¬

(¬1) في الأصل: «الواجب».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَجِّ، وسَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ أو كان قبلَه، فنَسِيَه، فصار بعدَه. وقد نُقِل عن أحمدَ ما يَدُل على بُطْلانِ الصلاةِ، ونُقِل عنه التوَقفُ، فإنَّه قال، في مَن نسِيَ سجُودَ السَّهْوِ: إن كان في سهو خَفِيف، فأرْجُو أن لا يَكُونَ عليه. قال الاُثْرَمُ: قلتُ [لأبي عبدِ اللهِ] (¬1): فإن كان فيما سَها فيه النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ فقال: هاه. ولم يُجِبْ، فبَلَغَنِي عنه أنه يَسْتَحِب أن يُعِيدَ. فإذا كان هذا في السَّهْوِ، ففي العَمْدِ أوْلَى. والأولُ (¬2) ظاهِر المَذْهَبِ. فصل: ويقولُ في سُجُودِ السهْوِ ما يَقُولُ في سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، قياسًا عليه. والله تعالى أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «وهذا».

باب صلاة التطوع

بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَهِيَ أفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ صلاةِ التطَوُّعِ 488 - مسألة؛ قال: (وهي أفْضَلُ تَطوعِ البَدَنِ) لقَوْلِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: «وَاعْلَمُوا أن خَير أعْمالِكُمُ الصلَاةُ». رَواه ابنُ ماجه (¬1). ولأن فَرْضَها آكَدُ الفُرُوض، فتَطَوُّعُها آكَدُ التَّطَوعِ. ¬

(¬1) في: باب المحافظة على الوضوء، من كتاب الطهارة. من سنن ابن ماجه 1/ 101، 102.

489 - مسألة: (وآكدها صلاة الكسوف والاستسقاء)

وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 489 - مسألة: (وآكَدُها صلاةُ الكُسُوفِ والاسْتِسْقاءِ) لأن النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَها وأمَرَ بصلاةِ الكُسُوفِ، في حديثِ أبي (¬1) مسعودٍ، فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: «فَصَلوا وَادْعُوا حَتى يُكشَفَ مَا بِكُمْ». مُتَّفَق عليه (¬2)، وفي حَدِيثِ عائشةَ، مِن رِوايةِ أبي داودَ (¬3)، أمَرَ بمنْبَرٍ، فوُضعَ له، ووَعَد النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، أي: في الاستِسْقاءِ. وهذا يَدُل ¬

(¬1) في: الأصل، م: «ابن». (¬2) يأتي تخريجه في باب صلاة الكسوف. (¬3) يأتي تخريجه في باب صلاة الاستسقاء.

490 - مسألة؛ قال: (ثم الوتر، وليس بواجب، ووقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة)

ثُمَّ الْوِتْرُ، وَلَيْس بِوَاجِبٍ، وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأقَلُّهُ رَكْعَة، وَأكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُوترُ بِرَكْعَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ على الاعْتِناءِ بها، والمُحافَظَةِ عليها. 490 - مسألة؛ قال: (ثم الوِتر، وليس بواجِب، ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاء وطُلُوعِ الفَجْرِ، وأقلُّه رَكْعَةٌ، وأكثرُه إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ مِن كل رَكْعَتَيْن، ويُوتِر برَكْعَةٍ) الوِترُ سُنةْ مُؤكدَة، في المَنْصُوص

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عنه. قال أحمدُ: مَن تَرَك الوِتْر عَمْدًا] (¬1) فهو رَجُلُ سوء، ولا يَنْبغى أن تُقْبَلَ له شَهادَة. أراد بذلك المُبالَغَةَ في تَأكيدِه، ولم يُرِدِ الوُجُوبَ؛ فإنَّه قد صَرحَ، في رِوايَةِ حَنبلٍ، فقال: الوِتر ليس بمَنْزِلَةِ الفَرْض، فإن شاء قضَى الوِتر، وإن شاء لم يقضه. وذلك لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يداوِمُ عليه حَضَرًا وسَفَرًا. وروَى أبو أيوبَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «الْوِتر حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبُّ أن يُوتِرَ بِخمس فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أحَبَّ أنْ يُوترَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». رَواه أبو داودَ (¬2). فصل: واخْتَلفَ أصحابُنا في الوِتْرِ ورَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فقال القاضي: رَكْعَتا الفَجْرِ آكَدُ؛ لاخْتِصاصِهما بعَدَدٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ. وقال غيرُه: الوِتر آكَدُ. وهو أَصَحُّ؛ لأنه مُخْتَلَف في وُجُوبِه، وفيه مِن الأخْبار ما لم يَأْتِ مِثْلُه في رَكْعَتَى الفَجْرِ، لكنْ رَكْعَتا الفَجْرِ تَلِيه في التَّأكِيدِ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: باب كم الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 328. كما أخرجه النَّسائيّ في: باب الاختلاف على الزُّهْرِيّ، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 197 وابن ماجه، في باب ما جاء في الوتر ثلاث وخمس وسبع وتسع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 376.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وليس الوِتر واجِبًا. وبهذا قال مالك، والشافعي. وذَهَب أبو بكر إلى وجُوبِه. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أبي أيُّوبَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» (¬1). وعن بُرَيْدَةَ، قال: سَمعْتُ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «الوِتر حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنا». رَواه الإمامُ أَحْمد (¬2). وعن خارِجَةَ بنِ حُذافَةَ، قال: خَرَج علينا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذاتَ غَداةٍ، فقال: «إنَّ اللهَ قدْ أمَدكُمْ بِصَلَاة، وَهِيَ خَيْر لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الوِتر، فجَعلَها لَكمْ فِيما بَيْنَ العِشاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَواه الإمام أحمدُ (¬3)، وأبو داودَ (¬4). وعن أبي بَصْرَةَ (¬5)، قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلوهَا مَا بَيْنَ العِشاءِ إلى صَلَاةِ الصبحِ». رَواه الأثْرَمُ (¬6). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 11، 12 في حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى». (¬2) في: المسند 5/ 357. كما أخرجه أبو داود، في: باب في من لم يوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 328. (¬3) لم نجده عنده من حديث خارجة بن حذاقة. (¬4) في: باب استحباب الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 327. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في فضل الوتر، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 241. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 369. والدارمي، في: باب في الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 370. (¬5) في الأصل: «نضرة». (¬6) أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 7.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولنا، قَوْلُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للأعْرابِي، حينَ سَألَه عن ما فَرَض الله عليه مِن الصلاةِ في اليوم والليْلَةِ، قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ». قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ». فقال الأعْرَابي: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزِيدُ علها، ولا أنقُص منها. فقال: «أفْلَحَ الرجُلُ إنْ صَدَقَ». حديث صحيح (¬1). ورُوِي أن رجلًا مِن كِنانَةَ يُدْعَى المُخْدِجِيَّ (¬2)، سَمِع رَجُلًا مِن أهلِ الشامِ، يُدْعَى أَبا محمدٍ، يقولُ: إن الوِتر واجِبٌ. قال: فرُحْت إلى عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، فأخْبَرْتُه، فقال عُبادَةُ: كذَب أبو محمدٍ، ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الزكاة من الإسلام، من كتاب الإيمان، وفي: باب وجوب صوم رمضان، من كتاب الصوم، وفي: باب كيف يستحلف، من كتاب الشهادات، وفي: باب في الزكاة، وأن لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق؛ خشية الصدقة، من كتاب الحيل. صحيح البُخَارِيّ 1/ 18، 3/ 30، 235، 9/ 21. ومسلم، في: باب بيان الصلوات التى هي أحد أركان الإسلام، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 41. وأبو داود، في. باب حَدَّثَنَا عبد الله بن مسلمة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 93. والنَّسائيّ، في: باب كم فرضت في اليوم والليلة، من كتاب الصلاة، وفي: باب وجوب الصيام، من كتاب الصيام، وفي: باب الزكاة، من كتاب الإيمان. المجتبى 1/ 184، 4/ 97، 8/ 104. والدارمي، في: باب في الوتر، من كتاب الصلاة 1/ 370. والإمام مالك، في: باب جامع الترغيب في الصلاة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 175. (¬2) هو أبو رفيع، وقيل: رفيع. انظر: ثقات ابن حبان 5/ 570، 571.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَمعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «خَمس صَلَوَاتٍ كَتَبَهُن الله تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِن لَمْ يُضَيعْ مِنْ حَقِّهِن شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقهِنَّ، كان له عندَ الله عَهْد أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنةَ، وَمَنْ لم يَأتِ بِهن، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عهد، إنْ شَاءَ عَذبَه، وَإنْ شاءَ أدْخَلَهُ الجَنةَ». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: الوِتر ليس بحَتْمٍ، ولكنَّ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْتَرَ، ثم قال: «يَا أهْلَ الْقُرْآنِ أوْتِرُوا، فَإنَّ الله يُحِبُّ الْوِتر». رَواه أحمدُ (¬2). ولأنه يَجُوزُ فِعْلُه على الراحِلَةِ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كالسننِ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ على بَعيرِه. مُتفَق عليه (¬3). وفي لَفْظٍ: كان يُسَبحُ على الراحِلَةِ قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توَجهَ، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يُصَلِّي عليها المَكتُوبَةَ. رَواه مسلم (¬4). ¬

(¬1) هكذا في الأصول، ولم يخرجه مسلم. انظر: تلخيص الحبير 2/ 147. وأخرجه أبو داود، في: باب في المحافظة على الصلوات، من كتاب الصلاة، وفي: باب في من لم يوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 100/ 1، 328. والنَّسائيّ، في: باب المحافظة على الصلوات الخمس، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 186. وابن ماجه، في: باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 448، 449. والدارمي، في: باب في الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 370. والإمام مالك، في: باب الأمر بالوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 123. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 316، 317، 322. (¬2) في: المسند 1/ 110، 143 - 145، 148.كما أخرجه أبو داود، في: باب استحباب الوتر». من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 327. والتِّرمذيّ؛ في: باب ما جاء أن الوتر ليس بختم، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 242. والنَّسائيّ في: باب الأمر بالوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 187. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 370. والدارمي، في: باب في الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 371. (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 322. (¬4) انظر الموضع المشار إليه سابقًا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأحادِيثُهم قد تُكُلِّمَ فيها، ثم إنَّ المرادَ بها تَأكدُه وفَضِيلته، وذلك حَقٌّ، وزِيادَةُ الصلاةِ يَجُوزُ أن تكونَ سُنة، والتَوَعُّدُ للمبالَغَةِ، كقَوْلِه: «مَنْ أكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا» (¬1). والله أعلمُ. فصل: ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ. كذلك ذَكَرَه شيخُنا في كتاب «المغْنِي» (¬2). وذَكَر في «الكَافِي» أنَّه إلى صلاةِ الصبح؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاة فَصَلوهَا مَا بينَ الْعِشَاءِ إلَى صَلاةِ الصبحِ». رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (¬3). ووَجْهُ الأولِ ما رُوِيَ عن مُعاذ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتر، وَوَقتها مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَواه الإمامُ أحمدُ (¬4). فإن أوْترَ قبلَ العِشاءِ، لم يَصِحَّ وِتره. وهو قولُ مالك، ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما جاء في الثوم، من كتاب الأذان، وفي: باب الأحكام التي تعرف بالدلائل، من كتاب الاعتصام. صحيح البُخَارِيّ 1/ 216، 217، 9/ 135. ومسلم. في: باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا ونحوهما عن حضور المسجد، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 393 - 395. وأبو داود، في: باب في أكل الثوم، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود 2/ 324، 325. والنَّسائيّ، في: باب من يمنع من المسجد، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 34. وابن ماجه، في: باب من أكل الثوم، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 324، 325. الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 12، 4/ 19، 252، 5/ 26. (¬2) 2/ 595. (¬3) 6/ 7. (¬4) في: المسند 5/ 242.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والشافعيِّ، ويَعْقُوبَ، ومحمَّد. وقال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ: إن صَلَّاه قبلَ العشاءِ ناسِيًا، لم يُعدْ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن، ولأنه صَلاه قبل الوَقْتِ، أشْبهَ ما لو صَلاه نَهارًا. وإن أخَّرَه حتَّى طَلَع الصُّبْحُ، احْتمَلَ أن يكونَ أداءً؛ لحديثِ أبي بَصْرَةَ. وهو قولُ عليٍّ، وابن مسعودٍ، رَضىَ الله عنهما. قال شيخُنا (¬1): والصحِيحُ أن يَكُونَ قضاءً؛ لحديثِ مُعاذٍ، ولقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا خَشىَ أحَدُكُم الصبحَ صَلى رَكْعَة، فَأوْتَرَتْ لَه مَا قَدْ صَلَّى» (¬2). وقال: «وَاجْعلُوا آخِرَ صَلاتكمْ بِالليْلِ وِترا». متفق عليه (¬3). وقال: «أوْتِرُوا قَبلَ أنْ تُصْبحُوا». رَواه مسلمٌ (¬4). ¬

(¬1) انظر: المغني 2/ 596. (¬2) قطعة من حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى». وتقدم تخريجه في صفحة 11، 12. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ليجعل آخر صلاته وترًا، من كتاب الوتر. صحيح البُخَارِيّ 2/ 31. ومسلم، في: باب صلاة الليل مثنى مثنى، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 518. الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 30، 39، 102، 119، 135، 143. (¬4) في: باب صلاة الليل مثنى مثنى، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 519. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 253، والنَّسائيّ، في: باب الأمر بالوتر قبل الصبح، من كتاب قام الليل. المجتبى 3/ 189. وابن ماجه، في: باب من نام عن وترٍ أو نسيه، من كتاب إقامة الصلاة سنن ابن ماجه 1/ 375. والدارمي باب ما جاء في وقت الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 372. والإمام أَحْمد، في المسند 2/ 150، 3/ 13، 35، 37، 71.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والأفَضْلُ فِعلُه في آخِرِ اللَيْلِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: مِن كلِّ الليْلِ قد أوْترَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فانتهَى وِتره إلى السَّحَرِ. مُتَّفَق عليه (¬1). وقال النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِر الليْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِه، وَمَنْ طَمعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإنَّ صلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مشهُودَةٌ، وَذَلِكَ أفْضَلُ». رَواه مسلمٌ (¬2). وهذا صَريحٌ. فإذا كان له تَهَجُّر جَعَل الوِتر بعدَه؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل ذلك، وقال: «اجْعلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِترًا». رَواه مسلم (¬3). فأما إن خاف أن لا يَقُوم آخِرَ اللَّيْلِ، اسْتُحب أن يُوتِرَ مِن أولِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأن ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في. باب ساعات الوتر، من كتاب الوتر. صحيح البُخَارِيّ 2/ 31. ومسلم، في: باب صلاة الليل. . . . إلخ؛ من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 152. كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبو داود 1/ 332. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الوتر أول الليل وآخره، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 244. والنَّسائيّ، في: باب وقت الوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 189. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر آخر الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 374. والدارمي، في: باب ما جاء في وقت الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 372. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 46، 100، 107، 129، 204، 205. (¬2) في: باب من حلف أن لا يقوم من آخر الليل، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 520. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في كراهية النَّوم قبل الوتر، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 243. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر آخر الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 375. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 300، 315، 337، 348، 389. (¬3) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْصَى به أَبا هُرَيرةَ (¬1)، وأبا ذَر (¬2)، وأبا الدرْداءِ (¬3)، وكلها أحادِيثُ صحاحٌ. وروَى أبو داودَ (¬4)، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لأبي بكرٍ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: أوتِرُ مِن أولِ الليْلِ. وقال لعُمَرَ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: آخِرَ الليْلِ. فقال لأبي بكر: «أخَذَ هَذَا بالْحَزْمِ، وَهَذَا بالْقُوةِ». وأيَّ وَقْتٍ أوْتَرَ مِن الليْلِ بعدَ العِشاءِ أجْزَأه، بغيرِ خِلافٍ. وقد دلَّتْ عليه الأخبارُ. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب صلاة الضحى في الحضر، من كتاب التهجد، وفي: باب صيام أيام البيض. . . . إلخ، من كتاب الصيام. صحيح البُخَارِيّ 2/ 73، 3/ 53. ومسلم، في: باب استحباب صلاة الضحى. . . . إلخ، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 499، أبو داود، في: باب في الوتر قبل النَّوم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 331. والنَّسائيّ، في: باب الحث على الوتر قبل النَّوم، من كتاب قيام الليل، وفي: باب صوم ثلاثة أيام من الشهر، من كتاب الصيام. المجتبى 3/ 188، 4/ 187، 188، الدَّارميّ، في: باب صلاة الضحى، من كتاب الصلاة، وفي: باب في صوم ثلاثة أيام من كل شهر، من كتاب الصيام. سنن الدَّارميّ 1/ 339، 2/ 18، 19. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 229، 233، 254، 258، 260، 265، 271، 277، 329، 347، 402، 459، 472، 484، 489، 497، 499، 505، 526. (¬2) أخرجه النَّسائيّ، في: باب صوم ثلاثة أيام من الشهر، من كتاب الصيام. المجتبى 4/ 187. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 173. (¬3) أحرجه مسلم، وأبو داود، في الموضع السابق. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 440. (¬4) في: باب في الوتر قبل النَّوم، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 331، 322. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر أول الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 379، 380، الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 309، 331.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن أوْتَرَ أولَ اللَّيْلِ، ثم قام للتهَجُّدِ، صَلَّى مَثْنَى مَثْنَى، ولم يَنْقُضْ وِتره. رُوِي ذلك عن أبي بكر الصِّديقِ، وعَمَّارٍ (¬1)، وسعدِ بنِ أبي وَقاصٍ، وابنِ عباس، وأبي هُرَيْرَةَ، وعائشةَ. وبه قال طاوس، والنخَعي، ومالك، والأوزاعِي، وأبو ثَوْرٍ. قيل لأحمدَ: ولا تَرَى نَقضَ الوِتْرِ؟ فقال: لا. ثم قال: وإن ذَهَب إليه ذاهِب فأرْجُو، قد فَعلَه جَمَاعَة. رُوِي [عن عُمرَ] (¬2)، وعلي، وأسامَةَ، وأبي هُرَيرةَ، وابنِ مسعود، وعُثْمانَ، وسعدٍ (¬3)، وابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهم. وبه قال إسْحاقُ. ومَعْناه أنَّه إذا قام للتهَجُّدِ. يُصَلِّى رَكْعَة تشْفَعُ الوِتر الأولَ، ثم يُصَلى مَثْنَى مَثْنَى، ثم يُوتِرُ في آخِرِ التَّهَجُّدِ. ولَعلَّهم ذَهَبُوا إلى قولِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِالليْلِ وِترًا». ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا وِترانِ فِي لَيْلَةٍ». رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (¬4)، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ. ¬

(¬1) في م: «عمر». (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) في م: «سعيد». (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب في نقض الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 332. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء لا وتران في ليلة، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 254.كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب نهى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الوترين في ليلة، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 188. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 23.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وأقلُّه رَكْعَةٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي أيوبَ (¬1)، ولِما رُوِي أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «صَلَاة الليْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشيتَ الصبحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَة» (¬2). وروَى ابن عمَرَ، وابنُ عباس، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «الْوِتر رَكْعَة مِنْ آخِرِ الليْلِ». رَواهما مسلمٌ (¬3). وأكْثرُه إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلمُ مِن كل رَكْعتَيْن، ويُوترُ برَكْعَةٍ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى باللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوترُ منها بواحِدَةٍ. رَواه مسلم (¬4). وفي لَفْظٍ: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ، إحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِن كُل رَكْعَتَيْن، ويُوتِرُ بواحِدَةٍ. وذَكَر القاضي، في «المُجَرَّدِ»، أنَّه إن صَلى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أو ما شاء منهن بسَلام واحِدٍ، أجْزَأه. والأوْلَى الاقْتِداءُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 106. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 11، 12. (¬3) في: باب صلاة الليل مثنى مثنى، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 518. كما أخرجه أبو داود، في: باب كم الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 328. والنَّسائيّ, في: باب كم الوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 191. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 33، 43، 45، 49، 59، 54، 81، 83، 100، 154. (¬4) في: باب صلاة الليل. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 508 - 510. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبو داود 1/ 307. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 165.

491 - مسألة: (وإن أوتر بتسع سرد ثمانيا، وجلس فتشهد

وإنْ أوْتَرَ بتسْع سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُم صَلَّى التاسِعَةَ وَتشَهَّدَ وَسَلَّمَ. وَكَذَلِكَ السبعُ. وإنْ أوْتَرَ بِخمْس، لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 491 - مسألة: (وإن أوْتَرَ بتسع سَرَد ثَمانِيًا، وجَلَس فتشهَّدَ (¬1) ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التَّاسِعةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ، وكذلك السبعُ. وإن أوْتَرَ بخَمسْ، لم يَجلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) وجُملته أنَّه يَجُوزُ أن يُوتِرَ بواحِدَة، وثَلاث، وخَمس، وسَبْع، وتَسْع، وإحْدَى عَشْرَةَ. وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الواحِدَةِ، والإحْدَى عَشْرَةَ، وسنَذْكرُ الثلاثَ، إن شاء الله تعالى. قال الثوْرِي، وإسْحاق: الوتر ثَلاث، وخَمْس وسبْع، وتِسْع، وإحْدَى عَشرةَ. وقال ابنُ عباسٍ: إنما هي واحِدَةٌ، أو خَمسٌ، أو سبْعٌ، أو أكْثرُ مِن ذلك، يُوتِرُ بما شاءَ. فظاهِرُ قَوْلِه، أنَّه لا بَأس أن يُوتِرَ بأكْثَرَ مِن إحْدَى عَشرةَ، ويَدُلُّ عليه ما روَى عبدُ الله بن قَيْسٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: بكم كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ؟ قالت: كان يُوترُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِت وثَلاثٍ، وثَمانٍ وثَلاثٍ، وعَشْرٍ وثَلاثٍ، ولم يَكنْ يُوتِرُ بأقل مِن سَبْعٍ، ولا بأكْثَرَ مِن ثَلاثَ عَشرةَ. رَواه أبو داودَ (¬1). وهذا صَرِيحٌ في أنَّه يَزِيدُ على إحْدَى عَشرةَ. ¬

(¬1) في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 313. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 149.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن أوْتَرَ بتسْع سَرَد ثَمانِيًا، ثم جَلَس فتَشهَّدَ ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التاسِعَةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ. ونَحْوَ هذا قال إسحاقُ. وذلك لِما روَى سعدُ (¬1) بنُ هِشام، قال: قلتُ، يعنى لعائشةَ: يَا أمَّ المُؤمِنين أنبِئِينِي عن وِتْرِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ قالت: كنا نُعِد له سِواكَه وطَهُورَه، فيَبْعثُه الله ما شاء أن يَبْعَثَه، فيَتَسَوَّكُ ويَتَوَضَّأ ويُصَلِّي تِسْعَ رَكَعاتٍ، لا يَجْلِسُ فيها إلَّا في الثَّامِنَةِ، فيَذْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُه، ويَدْعُوه، ثم يَنْهَضُ ولا يُسَلِّمُ، ثم يَقُومُ فيُصَلى التاسِعَةَ، ثم يَقْعدُ فيَذْكُرُ الله ويَحْمَده ويَدْعُوه، ثم يُسَلم تَسْلِيمًا يُسْمِعُنا، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن بعدَ ما يُسَلمُ وهو قاعِدٌ، فتلك إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً يَا بُنَي، فلَما أسَنَّ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأخَذَ اللَّحْمُ، أوْتَرَ بسَبْعٍ، وصَنَع في الركْعَتَيْن مثلَ صنِيعِه في الأولِ. قال: فانْطَلَقْتُ إلى ابنِ عباس، فحَدثتُه بحَدِيثها، فقال: صدَقتْ. رَواه مسلم (¬2). ¬

(¬1) في تش: «سعيد». (¬2) في: باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 513. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 309، 311. والنَّسائيّ، في: باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 51. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 376. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 54.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وحُكْمُ السبعِ حُكْمُ التسْعِ؛ لأن في حَدِيثِ عائشةَ، من رِوايةِ أبي داودَ (¬1): أوْتَرَ بسَبْعٍ ولم يَجْلِسْ إلَّا في السادِسَةِ والسابِعَةِ، ولم يُسَلمْ إلَّا في السّابِعَةِ. وقال القاضي: لا يَجْلِسُ في السبع إلَّا في آخِرِهنُّ، كالخَمس؛ لِما روى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: فتَوضأ ثم صَلى سَبْعًا أو خَمْسًا، أوْترَ بهن، لم يُسَلمْ إلَّا في آخِرِهِن. رَواه مسلم، وأبو داودَ (¬2). وليس في هذا الحَديثِ تَصْرِيح بأنه لم يَجْلِسْ عَقِيبَ السادِسَةِ، وحَدِيثُ عائشةَ حُجَّة عليه. وإن أوْتَرَ بخَمْسٍ، لم يَجْلِسْ إلَّا في آخِرِهن. رُوِيَ ذلك عن زيدِ (¬3) بنِ ثابِتٍ؛ لِما روَى عُرْوَةُ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصَلِّى مِن الليْلِ ثَلاثَ عَشرةَ رَكْعَة، يُوتِرُ من ذلك ¬

(¬1) انظر التخريج السابق. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب السواك، من كتاب الطهارة، وفي: باب الدعاء في صلاة الليل، قيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 221، 526 - 531، أبو داود، في: باب السواك لمن قام من الليل، من كتاب الطهارة، وفي: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 14، 311 - 315. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره، من كتاب الوضوء، في: باب ما جاء في الوتر، من كتاب الوتر، وفي: باب استعانة اليد في الصلاة. . . . إلخ، من كتاب العمل والصلاة، وفي: باب قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ. . . .}، باب قوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ}، من كتاب التفسير. صحيح البُخَارِيّ 6/ 51، 57، 2/ 30، 77، 78، 6/ 52، 53. والنَّسائيّ، في: باب ذكر ما يستفتح به القيام، وباب ذكر الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت، من كتاب قيام الليل. المجتبي 3/ 171، 172، 195. وابن ماجه، في: باب ما جاء في يصلي بالليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 433، 434. والإمام مالك، في: باب صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 121، 122. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 220، 242، 275، 350، 373. (¬3) في الأصل: «يزيد».

492 - مسألة: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين)

وَأدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بخَمسٍ، لا يَجْلِسُ في شئٍ مِنها إلَّا في آخِرِها. مُتَّفَق عليه (¬1). 492 - مسألة: (وأدْنَى الكَمالِ ثَلاثُ رَكَعاتٍ بتَسْلِيمَتَيْن) كذلك ذَكَرَه أبو الخَطابِ. وممن رُوِيَ عنه أنَّه أوْتَرَ بثَلاثٍ؛ عُمَرُ، وعَليٌّ، وأُبَيٌّ، وأنسٌ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وأبو أمامةَ، وعُمَرُ ابنُ عبدِ العَزِيزِ. وبه قال أصْحابُ الرأيِ. وقد دَلَّ على ذلك حَدِيثُ أبي ¬

(¬1) لم يخرجه البُخَارِيّ، وإنما روي صدره عن عائشة، في: باب كيف كان صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وكم كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصلي من الليل، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 3/ 64. وأخرجه مسلم، في: باب صلاة الليل. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 508. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 307. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الوتر بخمس، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 246. والنَّسائيّ، في: باب كيف الوتر بخمس، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 198. والدارمي، في: باب كم الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 371.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أيوبَ (¬1). وقال أبو موسى: ثَلاث أَحَبُّ إليَّ مِن واحِدَةٍ، وخَمس أَحَبُّ إليَّ مِن ثَلاثٍ، وسَبْع أَحَبُّ إليَّ مِن خَمْس، وتسْعٌ أَحَبُّ إلى مِن سبْع (¬2). إذا ثَبَت ذلك، فاخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ أن يَفْصِلَ بينَ الواحِدَةِ والثنتيْن بالتسْلِيمِ، قال: وإن أوْترَ بثلاث لم يُسَلمْ فيهن، لم يُضَيقْ عليه عندِي. وممن كان يُسَلّمُ مِن الركْعَتَيْن (¬3)، ابنُ عُمَرَ، حتَّى يَأمُرَ ببعض حاجَتِه. وهو مَذْهَبُ مُعاذٍ القارِئُ (¬4)، ومالك، والشافعي، وإسْحاقَ. وقال الأوْزاعِي: إن فَصَل فحَسَن، وإن لم يَفْصِلْ فحَسَن. وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْصلُ بسَلام. واستَدَل بقَوْلِ عائشة، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِتٍّ وثَلاثٍ، وثَمان وثَلاثٍ. وقوْلها: كان يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأل عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّي أربَعًا، فلا تَسْألْ عن حُسْنِهن وطُولِهنَّ، ثم يُصَلى ثَلَاثًا (¬5). فظاهِرُ هذا أنَّه كان ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 106. (¬2) انظر: مصنف عبد الرَّزّاق 2/ 19 - 25. (¬3) في م: «كل ركعتين». (¬4) أبو الحارث معاذ بن الحارث الأَنْصَارِيّ المدنِيُّ، المعروف بالقارئ، توفى بالحرة سنة ثلاث وستين، عن تسع وستين سنة. غاية النهاية 2/ 301، 302. (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب قيام النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالليل في رمضان وغيره، من كتاب التهجد، وباب فضل من قام رمضان، من كتاب التراويح، وفي: باب كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - تنام عينه ولا ينام قلبه، من كتاب المناقب. صحيح البُخَارِيّ 2/ 66، 67، 3/ 59، 4/ 231، 332. ومسلم، في: باب صلاة الليل. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 508 - 510. وأبو داود، في: =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُصلى الثَّلاثَ بتَسْلِيم واحِدٍ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلى، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صَلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ ينَ كل رَكْعَتَيْن، ويوتِرُ بواحِدَة. رَواه مسلم (¬1). وعن نافِع، عن ابن عمَرَ، أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الوِتْرِ، فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «افْصِل بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثنتَيْن بالتَّسْلِيمِ». رَواه الأثْرَمُ. وعن ابن عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْصِلُ بينَ الشفْع والوِتْرِ بتَسْلِيمة يُسْمِعُناها. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬2). وهذا نَصٌّ. فأما حديث عائشةَ فليس ¬

= باب وصلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 307، 313. والنَّسائيّ، في: باب ما جاء في وصف صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 228، 229. والنَّسائيّ، في: باب إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة، من كتاب الأذان. وفي: باب السجود بعد الفراغ من الصلاة، من كتاب السهو، وفي: باب كيف الوتر بواحدة، وباب كيف الوتر بثلاث، وباب كيف الوتر بإحدى عشرة ركعة، وباب قدر السجدة بعد الوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبي 2/ 24، 25، 3/ 55، 192، 201، 207. وابن ماجه، في: باب ما جاء في كم يصلي من الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 432. والدارمي، في: باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، باب صفة صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وباب كم الوتر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 337، 344، 371. والإمام مالك، في: باب صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 120. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 35، 74، 83، 143، 182، 215. (¬1) في: من كتاب صلاة الليل. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 508. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 307. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في وصف صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كالليل، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 229. والنَّسائيّ، في: باب إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة، من كتاب الأذان، وفي: باب السجود بعد الفراغ من الصلاة، من كتاب السهو، وفي: باب كيف الوتر بواحدة، وباب كيف الوتر بثلاث، وباب كيف الوتر بإحدى عشرة ركعة. المجتبي 2/ 24، 25، 3/ 55، 201. وابن ماجه، في: باب ما جاء في كم يصلي بالليل، من كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. سنن ابن ماجه 1/ 432. والدارمي، في: باب، الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وباب صفة صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. سنن الدَّارميّ 1/ 337، 344. والإمام مالك، في: باب صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 120. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 35، 74، 83، 143، 182، 215. (¬2) في: المسند 2/ 76.

493 - مسألة؛ قال: (يقرأ في الأولى بـ {سبح}، وفي الثانية {قل ياأيها الكافرون}، وفي الثالثة {قل هو الله أحد}. يستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث بذلك. وبه قال الثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: يقرأ في الثالثة: {قل هو الله أحد} والمعوذتين. وروي نحوه عن أحمد. وهو قول مالك في الوتر. وقال في الشفع: لم يبلغني فيه شئ معلوم، لما روت عائشة، أن رسول الله الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في الركعة الأولى بـ {سبح اسم ربك الأعلى}، وفي الثانية {قل ياأيها الكافرون}، وفي الثالثة {قل هو الله أحد} والمعوذتين. رواه ابن ماجه

يَقْرأُ فِي الأولَى {سَبِّحِ}، وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وَفِي الثالِثَةِ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. ـــــــــــــــــــــــــــــ فيه تَصْرِيح بأنَّها بتَسْلِيم وِاحِدٍ. فإن صَلى خلفَ إمام يُصَلى الثلاثَ. بتَسْلِيم واحدٍ (¬1)، تابَعه؛ لئلَّا يُخالِفَ إمامَه. وهو قوُل مالكٍ. والله أعلمُ. 493 - مسألة؛ قال: (يَقْرَأ في الأولَى بـ {سَبِّح}، وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وَفِي الثَّالِثَةِ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في ركَعاتِ الوِتْرِ الثلاثِ بذلك. وبه قال الثَّوريّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرأيِ. وقال الشَّافعيّ: يَقْرأ في الثَّالِثَةِ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} والمُعَوِّذَتَيْن. ورُوِي نَحْوُه عن أحمدَ. وهو قولُ مالكٍ في الوتْرِ. وقال في الشفْع: لم يَبْلُغْنِي فيه شئٌ مَعْلُومٌ، لِما رَوَت عائشةُ، أنَّ رسول الله اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقرأ في الرَّكْعَةِ الأولى بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وفي الثانِيةِ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وفي الثّالِثَةِ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} والمُعَوذَتَيْن. رَواه ابنُ ماجه (¬2). ولَنا، ما روَى أبَى بنُ كَعْب، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يوتِرُ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. رَواه أبو داودَ، وابنُ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 371. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقرأ في الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 329، والتِّرمذيّ، في: باب ما يقرأ في الوتر، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 250.

494 - مسألة؛ قال: (ويقنت فيها بعد الركوع)

وَيَقْنتُ فِيهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ ماجه (¬1). وحدِيثُ عائشةَ في هذا لا يَثْبُتُ، يَرْوِيه يحيى بنُ أيوبَ، وهو ضَعِيفٌ. وقد أنكَرَ أحمدُ ويحيى (¬2) زِيادَة المُعَوِّذَتَيْن. 494 - مسألة؛ قال: (ويَقْنُتُ فيها بعدَ الرُّكوعِ) القُنُوتُ مَسْنُونٌ في الركْعَةِ الأخِيرَةِ مِن الوِتْرِ في جَمِيع السنةِ في المَنْصُورِ (¬3) عندَ أَصْحابِنا. وهو قولُ ابن مسعودٍ، وإبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ. وعنه، لا يَقْنُتُ فيه إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ مِن رمضانَ. رُوِي ذلك عن عليٍّ، وأبيٍّ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعي، ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب ما يقرأ في الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 329. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 370، كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبيّ بن كعب في الوتر، وباب نوع آخر من القراءة في الوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 193، 194، 202. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 123. (¬2) سقط من الأصل. (¬3) في تش: «المنصوص». وفي الأصل: «المقصود».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ واخْتارَه الأثْرَمُ؛ لِما رُوى أنَّ عُمَرَ جَمَع النَّاسَ على أبي بنِ كَعْبٍ، فكان يُصَلى بهم عِشْرِين (¬1)، ولا يَقْنُتُ إلَّا في النصفِ الباقِي (¬2). رَواه أبو داودَ (¬3). وهذا كالإجْماعِ. وقال قَتادَةُ: يَقْنُتُ في السَّنَةِ كلِّها إلَّا في النصْفِ الأوَّلِ مِن رمضان؛ لهذا الخَبَرِ. والرِّوايَةُ الأولَى هي المَشْهُورَةُ. قال أحمدُ، في رِواية المَرُّوذِي: كُنْتُ أذْهب إلى أنَّه في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رمضانَ، ثم إنِّي قَنَتُّ (¬4)، هو دُعاءٌ وخَيْرٌ. وذلك لِما روَى أبَى، أن رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ، فيَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ (¬5). وحَدِيثُ عليٍّ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقولُ في آخِرِ وِتْرِه: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ برضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ». الحديثُ (¬6). وكان للدوام، وفِعْلُ أبي يَدُل على أنَّه رَأْيُه (¬7). ونحن لا نُنكِرُ الاخْتِلاف في هذا، ولأنه وِتر، فيُشرعُ فيه القُنُوتُ، كالنِّصْفِ الأخِيرِ. ¬

(¬1) في الأصل: «عشرين ركعة». وفي أبي داود: «عشرين». (¬2) في م: «الثاني». (¬3) في: باب القنوت في الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 339. (¬4) في تش: «قلت». (¬5) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 374. (¬6) في: باب ما جاء في فضل الوتر وحكمه. . . . منحة المعبود في ترتيب مسند الطَّيالِسيّ 1/ 118. (¬7) في م: «رآه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَقْنُتُ بعدَ الرُّكُوعِ. نَصَّ عليه أحمدُ. رُوى نَحْو ذلك عن أبي بكر، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعليٍّ، رَضِيَ الله عنهُم. وبه قال الشَّافعيُّ. وقد قال أحمدُ: أنا أذْهَبُ إلى أنَّه بعدَ الرُّكُوعِ، وإن قَنَت قَبْلَه فلا بَأسَ. ونَحْوَه قال أيوبُ السخْتِيانى (¬1)؛ لِما روَى حُمَيْد، قال: سُئِل أنس عن القُنُوتِ في صَلاةِ الصبح، فقال: كنا نَقْنُتُ قبلَ الركُوعِ وبعدَه. رَواه ابنُ ماجه (¬2). وقال مالك، وأبو حنيفةَ: يَقْنُتُ (¬3) قبلَ الركُوعِ. ورُوِيَ ذلك عن أُبيٍّ، وابن مسعود، وأبي موسى، والبَراءِ، وابن عباس، وأنس، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز؛ لأن في حديثِ أبَيٍّ: ويَقْنُتُ قبلَ الركوعِ (¬4). وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قنَت قبلَ الركوعِ (¬5). ولنا، ما روَى أبو هُرَيرةَ، وأنس أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَنَت بعدَ (¬6) الرُّكُوعِ. ¬

(¬1) في الأصل: «السجستاني». (¬2) في: باب ما جاء في القنوت في الركوع وبعده، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 374. (¬3) سقط من: م. (¬4) أخرجه النَّسائيّ، في: باب كيف الوتر بثلاث، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 193. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القنوت في الركوع وبعده، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 374. (¬5) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب القنوت في الركوع أو بعده، من كتاب الصلوات. المصنف 2/ 302. (¬6) في م: «قبل».

فَيَقُولُ: اللهمَّ، إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَئسْتَغْفِرُكَ، وَنتُوبُ إلَيْك، وَنُؤمِنُ بكَ، وَنَتَوكَّلُ عَلَيْكَ، وَنثْنِي عَلَيْكَ الْخَير كُلَّهُ، ونَشكُرُكَ وَلَا نَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِي مَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه مسلمٌ (¬1). وحَدِيث ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أَبان بنُ أبِي عَيَّاش، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وحَدِيثُ أبي قد تكلمَ فيه أَيضًا. وقيل: ذِكْرُ القُنُوتِ فيه غيرُ صَحِيحٍ. والله أعلمُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنَّ يقولَ في قُنُوتِ الوترِ ما روِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه، فروَى الحسنُ بن عليّ، قال: عَلَمَنِي رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كَلِماتٍ أقولهُنَّ في الوِتْرِ: («اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي ¬

(¬1) في: باب استحباب القنوت في جميع الصلوات، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 467 - 469. كما أخرج حديث أنس البُخَارِيّ، في: باب القنوت قبل الركوع وبعده، من كتاب الوتر - صحيح البُخَارِيّ 2/ 32. والنَّسائيّ، في: باب القنوت بعبد الركوع، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 157.

عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِي مَنْ تَوَليْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيما أعْطَيْتَ، وَقِنَا شَر مَا قَضَيْتَ؛ فَإنَّكَ تَقْضى وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبنا وَتعَالَيْتَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاء عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أثنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فِي مَنْ عافَيْتَ، وَتَوَّلَّنِي فِي مَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قضَيْت، إنَّكَ تقضِى وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ ربنا وَتَعَاليْتَ»). رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (¬1)، وقال: هذا حديث حسن. ولا نَعْرفُ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في القُنُوتِ شيئًا أحْسَنَ مِن هذا. وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقُولُ في آخِرِ وِترِه: («اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ وَأعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبتكَ، وَأعُوذُ بكَ منْكَ، لَا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسكَ») رَواه الطيالِسِيُّ (¬2). وعن عُمَرَ، رَضِي ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب القنوت في الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 329. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في القنوت في الوتر، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 250/ 1، 251. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الدعاء في الوتر من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 206. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القنوت في الوتر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 372. والدارمي، في: باب الدعاء في القنوت، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 373، 374. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 199، 200. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 125.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الله عنه، أنَّه قنَت في صَلاةِ الفَجْرِ، فقال: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (اللَّهم إنَّا نَسْتَعِينُك، ونَسْتَهْدِيك (¬1)، ونَسْتَغْفِرُك، ونُؤمِنُ بك، ونَتَوَكَّلُ عَلَيْك، ونُثنِي عَلَيْك الخَيْرَ كلَّه، ونَشْكُرُك، ولا نَكْفُرُك) بِسْم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. (اللَّهُمَّ إيَّاك نَعْبُدُ، ولك نُصَلِّي ونَسْجُدُ، وإلَيْك نَسْعَى ونَحْفِدُ، نَرْجو رَحْمتَك، ونَخْشَى عَذابَك، إنَّ عَذابَك الجِد بالكفّارِ مُلْحِقٌ) اللهُمَّ عَذِّبْ كفَرَةَ أهلِ الكتابِ الذين يَصُدونَ عن سَبِيلك (¬2). وهاتان سُورَتان في مُصْحَفِ أبَيٍّ. وقال ابنُ سِيرِينَ: كَتَبَهما أبَيٌّ في مُصْحَفِه. يَعْنِي إلى قوْلِه: بالكُفارِ مُلْحِق. «نَحْفِدُ»: نبادِرُ. وأصْل الحَفْدِ: مُدارَكَةُ الخَطْوِ والإسْراع. و «الجِدُّ» بكَسْرِ الجِيمِ: الحَقُّ اللَّعِبُ. و «مُلْحِقٌ» بكَسْرِ الحاءِ: لاحِقٌ. هكذا يروَى هذا الحَرْفُ، يقال: لَحِقْتُ القَوْمَ وألْحَقْتُهم بمعنى واحِدٍ. ومَن فَتَح الحاءَ أراد أنَّ الله يُلْحِقُه إياه، وهو مَعْنى صحيح، غيرَ أن الرِّوايَةَ هي الأولَى. قال الخَلالُ: سَألْتُ ثعْلبًا عن مُلْحِقٍ وملحَقٍ، فقال: العربُ تَقُولُهما مَعًا. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) أخرجه البيهقي، في: باب دعاء القنوت من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 311. وانظر: تلخيص الحبير 2/ 24، 25.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا أخَذَ الإمام في القُنُوتِ، أمَّنَ مَن خَلْفَه. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال القاضي: وإن دَعا معه فلا بَأسَ. فإن لم يَسْمعْ قُنُوتَ الإمامِ، دَعا. نَص عليه. ويرفَعُ يَدَيْه في حالِ القُنوتِ. قال الأثْرَمُ: كان أبو عبدِ الله يَرْفَعُ يَديْه في القُنوتِ إلى صَدْرِه. يروَى ذلك عن ابنِ مسعود (¬1)، وعُمَرَ، وابنِ عباس. وهو قولُ إسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ. وأنكَرَه الأوْزاعِي، ومالكٌ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا دَعَوْتَ اللهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإذا فَرَغتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ». رَواه أبو داودَ، وابن ماجه (¬2). وروَى السائِبُ بنُ يزِيدَ، أن رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا دَعا رَفع يَدَيْه، ومَسَح وَجْهَه بيَدَيْه. رَواه أبو داودَ (¬3). ¬

(¬1) من هنا إلى بداية 1/ 248 ظ ساقط من الأصل. (¬2) أخرجه أبو داود في: باب الدعاء، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 342. وابن ماجه في: باب من رفع يديه في الدعاء ومسح بها وجهه، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 373. (¬3) في: باب الدعاء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 343. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 221.

495 - مسألة: (وهل يمسح وجهه بيديه؟ على روايتين)

وَهَل يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 495 - مسألة: (وهل يَمْسَحُ وَجْهَه بيَدَيْه؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، يَمْسَحُ. وهو قولُ الحسنِ، وهو الصحِيحُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن. والثانِيَة، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنه دُعاء في الصلاةِ، فلم يَمْسَحْ وَجْهَه فيه، كسائِرِ دُعائِها.

496 - مسألة: (ولا يقنت في غير الوتر)

وَلَا يَقْنُتُ فِي غيْرِ الْوِتْرِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 496 - مسألة: (ولا يَقْنُتُ في غيرِ الوِتْرِ) وبه قال الثَّوْرِيّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وابن مسعودٍ، وأبي الدَّرْداءِ. وقال مالكٌ، والشافعي: يُسَنُّ القُنُوتُ في صلاةِ الصُّبْحِ، في جَمِيع الزمانِ؛ لأنَّ أنسًا قال: ما زال رسولُ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْنُتُ في الفَجْر حتَّى فارَقَ. الدُّنْيا. مِن «المُسْنَدِ» (¬1). ولأنَّ عُمَرَ كان يَقنُتُ في الصبحِ، بمَحْضَر مِن الصَّحابَةِ وغيرِهم (¬2). ولَنا، ما روَى مسلم في ¬

(¬1) المسند 3/ 962. وأخرجه أَيضًا الدارقطني، في: باب صفة القنوت وبيان موضعه؛ من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 2/ 39. (¬2) أخرجه عبد الرَّزّاق، في: باب القنوت، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 109، 110.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صحيحِه (¬1)، عن أَنَسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَنَت شَهرًا، يَدْعُو على حَيٍّ مِن أحْياءِ العَربِ، ثم تَرَكَه. وروَى أبو هُرَيْرَةَ (¬2)، وابنُ مسعود (¬3) نحوه مَرْفوعًا. وعن أبي مالكٍ الأشجَعِي، قال: قلتُ لأبي: يَا أبتِ إنّك قد صَلَّيْتَ خلف رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعليٍّ ها هنا بالكوفَةِ نَحْوَ خمس سِنِين، أكانوا يَقْنُتُون في الفجْرِ؟ قال: أيْ بُنَى مُحْدَثٌ. قال الترمِذِي: هذا حَدِيث حسنٌ صحيحٌ. ورَواه أحمدُ، وابنُ ماجه، والنَّسَائِيّ (¬4). والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان لا يَقْنُتُ في صلاةِ الفَجْرِ، إلَّا إذا دَعا لقَوْمٍ، أو دَعا على قَوْمٍ. رَواه سَعِيدٌ (¬5). وروَى سعيد أَيضًا، عن هُشَيم، عن عُرْوةَ الهَمْدانِيِّ، عن الشعْبِيِّ، قال: لَمّا قَنَت عليٌّ في صلاةِ الصبحِ، ¬

(¬1) في: باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 469. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، من كتاب المعازي. صحيح البُخَارِيّ 5/ 134. وأبو داود، في: باب القنوت في الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 333. والنَّسائيّ، في: باب اللعن في القنوت، وباب ترك القنوت، من كتاب التطبيق. المجتبي 2/ 159، 160. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 493. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 109، 115، 162، 217، 255، 261، 282. (¬2) أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، في الأبواب السابقة، والمواضع السابقة عدا صحيح مسلم فهو في 1/ 467، 468. (¬3) في تش: «وأبو مسعود».وانظر: نصب الراية 2/ 127. (¬4) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في ترك القنوت، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 192 والنَّسائيّ، في: ترك القنوت، من كتاب التطبيق 2/ 160. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القوت في صلاة الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 393. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 472، 6/ 394. (¬5) عزاه ابن حجر إلى ابن حبان. تلخيص الحبير 1/ 246. ولم نجده في الإحسان.

497 - مسألة؛ قال: (إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة، فللإمام خاصة القنوت في صلاة الفجر)

إلَّا أنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ فِي صلَاةِ الْفَجْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أنْكرَ ذلك النّاسُ. فقال عليٌّ: إنَّا إنَّما اسْتَنْصَرْنا على عَدُونا هذا. وحَدِيثُ أنس يَحْتَمِلُ أنَّه أراد طُولَ القِيامِ، فإنَّه يُسَمى قنُوتًا. ويَحْتَمِلُ أنَّه كان يَقْنُتُ إذا دَعا لقَوْم، أو دَعا على قَوْم؛ ليَكُونَ مُوافِقًا لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن. وقنُوتُ عُمَرَ يُحْمَلُ على أنَّه كان فِي أوْقاتِ النوازِل؛ فإنّ أكثَرَ الرواياتِ عنه أنَّه لم يَكُنْ يَقْنُتُ. وعن سعيدِ بنِ جُبَيْر. قال: أشْهدُ أنِّى سَمِعْتُ ابنَ عباس يَقُولُ: إن القُنُوتَ في صلاةِ الفَجْرِ بِدْعَة. رَواه الدّارَقُطْنِي (¬1). 497 - مسألة؛ قال: (إلَّا أن تَنْزِلَ بالمسلمين نازِلَة، فللإمام خاصةً القُنُوتُ في صلاةِ الفَجْرِ) متى نَزَل بالمسلمين نازِلَة، فلِلإمامِ أن يَقْنُتَ في صلاةِ الصبحِ. في المَنْصُوص عن أحمدَ، في رِواية الأثْرَمِ. وقال ¬

(¬1) في: باب صفة القنوت وبيان موضعه، من كتاب الوتر. سنن الدارقطني 2/ 41.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِل عن القُنُوتِ في الفَجْرِ؟ فقال: لو قنت أيامًا مَعْلُومَة، ثم تَرَك، كما فَعَل النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. وبه قال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، وفِعْلِ علي حينَ قال: إنما استنْصَرْنا على عَدُونا هذا. ولا يَقْنتُ آحادُ الناسِ. وعنه، يَقْنُتُ. رَواها القاضي عن أحمدَ. والمَشْهُورُ في «رُؤوس المَسائِلِ» الأوَّلُ. ويقولُ في قُنُوتِه نَحْوًا مِمّا رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه كان يَقُولُ في القُنُوتِ: اللهُم اغْفِرْ لِلْمؤمِنِين والمؤمِناتِ، والمُسْلِمين والمسْلِماتِ، وألِّفْ بينَ قلُوبِهِم، وأصْلِحْ ذاتَ بَينهم، وانْصرهم على عَدُوِّك وعَدُوهم، اللهُم الْعَنْ كَفَرَة أهْلِ الكِتابِ، الذين يُكذِّبُون رُسُلَك، ويُقاتِلُون أوْلِياءَك، اللَّهُمْ خالِفْ بينَ كَلِمَتِهم، وَزَلْزِلْ أقْدامَهم، وأنزِلْ بهم بَأْسَك الذى لا يُرَدُّ عن القَوْمِ المُجْرِمِين، بِسْمِ الله الرحْمَنِ الرحِيمِ، اللهُم إنّا نَسْتَعِينُك. رَواه أبو داودَ (¬1). ¬

(¬1) لم نجده في أبي داود، وأخرجه البيهقي، في: باب دعاء القنوت، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 211.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يقْنُتُ في غيرِ الفَجْرِ والوِتْرِ. وقيل: يَقْنُتُ في صَلَواتِ الجَهرِ كلِّها، قِياسًا على الفَجْرِ. وقال أبو الخطابِ: يَقْنُتُ في الفَجْرِ والمَغْرِبِ؛ لأنهما صَلاتا (¬1) جَهْرٍ، في طَرَفَيِ النهارِ. وعنه، يَقنُتُ في جَميعِ الصَّلواتِ. وهو مذْهَبُ الشافعيِّ. والأولُ أوْلَى؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أصحابِه، إلَّا في الفَجْرِ والوِتْرِ. فصل: قال أحمدُ: الأحاديثُ التى جاءَتْ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْتَرَ برَكْعَةٍ، كان قبلَها صلاة مُتَقَدمَةٌ. قيل له: أوْتَرَ في السفَرِ بواحِدَة؟ قال: يُصَلِّى قبلَها رَكْعَتَيْن. فقيلَ له: رجلٌ تنَفلَ بعدَ عِشاءِ الآخِرَةِ ثم تَعَشَّى، ثم أراد أن يُوتِرَ، يُعْجِبُك أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن (¬2) ثم يُوتِرُ؟ قال: نعم. ¬

(¬1) في م: «صلاتهما». (¬2) في الأصل بعده «ثم يسلم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وسُئِل عن مَن صَلى مِن اللَّيْلِ، ثم نام ولم يُوتِرْ؟ قال (¬1): يُعْجِبُنِي أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن، ثم يُسَلمَ، ثم يُوتِرَ. وسئل عن رجل أصبحَ ولم يُوتِرْ؟ قال: لا يُوتِرُ برَكْعَةٍ، إلَّا أن يَخافَ طلُوعَ الشَّمْس. قيل له: فإذا لَحِق مع الإمام رَكْعَةَ الوِتْرِ؟ قال: إن كان الإمامُ يَفْصِلُ بينَهُن بسَلام أجْزأتْه الركْعَةُ، وإلا تَبِعَه، ويَقْضِي ما مَضَى (¬2) مثلَ ما صَلى، فإذا فَرَغ قام يَقْضى ولا يَقْنُتُ. قيل لأبي عبدِ الله: رجلٌ قام يَتَطَوعُ، ثم بَدا له، فجَعَلَ تلك الرَّكْعَةَ وِترًا؟ قال: لا، كيفَ يَكُونُ هذا؟ قد قَلَب نِيَّته. قيل له: أيبْتَدِئُ الوِتر؟ قال: نعم. قَال أبو عبدِ الله: إذا قنَت قبل الرُّكوعِ كَبَّر، ثم أخَذَ في القُنُوتِ. وقد رُوِي عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا فَرَغ مِن القراءَةِ كَبَّر، ثم قنَت، ثم كَبَّر حينَ يَرْكَعُ. ورُوِيَ ذلك عن عليًّ، وابنِ مسعودٍ، والبَراءِ، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ. ولا يعْلَمُ فيه مُخالِفًا. ¬

(¬1) في م: «فلا». (¬2) سقط من: الأصل.

498 - مسألة؛ قال: (ثم السنن الراتبة، وهي عشر ركعات؛ ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وهما آكدها، قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر)

ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَهِيَ عَشر رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعدَهَا، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْمَغرب، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْعشَاء، وَرَكْعتَانِ قبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا. قَال أبو الْخَطَّابِ: وَأرْبَعٌ قبْلَ الْعَصْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا فَرَغ مِن وتْرِه، اسْتُحِب أن يَقُولَ: سبحان المَلِكِ القُدوس. ثلاثًا، ويَمُدُّ بها صَوْتَه في الثّالِثَةِ، لِما روَى عبدُ الرَّحْمنِ بنُ أبزَى، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} وإذا أراد أن يَنْصَرِفَ مِن الوِتْرِ قال: «سبحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوس». ثَلاثَ مَرّات، ثم يَرْفَع صَوْتَه بها في الثالِثةِ. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬1). 498 - مسألة؛ قال: (ثم السننُ الرّاتِبَة، وهي عَشر رَكَعاتٍ؛ رَكْعَتان قبل الظهْرِ، ورَكْعَتان بَعْدَها، ورَكْعَتان بعدَ المَغْرِب، ورَكْعَتان بعدَ العِشاءِ، ورَكْعَتان قبلَ الفَجْرِ، وهما آكَدُها، قال أبو الخَطَّابِ: وأرْبَع قبلَ العَصْرِ) السننُ الرواتِبُ مع الفَرائِض عَشْرُ رَكَعات كما ذَكَر. وقال ¬

(¬1) المسند 3/ 406. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب التسبيح بعد الفراغ من الوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 208.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّافعيُّ: قبلَ الظهْرِ أَربَعٌ؛ لما روَى عبدُ الله بنُ شَقِيقٍ، قال: سأَلتُ عائشةَ عن صلاةِ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالت: كان يُصَلِّي في بَيتِه قبلَ الظهْرِ أرْبَعًا، ثم يَخْرُجُ فيُصَلى بالنّاس، ثم يَدْخُلُ فيُصَلى رَكْعَتَيْن. رَواه مسلمٌ (¬1). وقال أبو الخَطَّاب: وأرْبَعٌ قبلَ العصْر؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «رَحِمَ الله امْرَأ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا». رَواه أبو داودَ (¬2). وعن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى قبلَ العَصْرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، يَفْصِلُ بينَهُن بالتَّسْلِيمِ علي المَلائِكَةِ المُقَربِين، ومَن تَبِعهم (¬3) مِن المسلمين والمُؤمِنين. رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذِي (¬4)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمرَ، قال: ¬

(¬1) في: باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 504. كما أخرجه أبو داود، في: باب تفريع أبواب التطوع، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 288. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الركعتين بعد العشاء، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 226، الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 30. (¬2) في: باب الصلاة في العصر، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 292.كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الأربع في العصر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 223. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 117. (¬3) في م: «سمعه». (¬4) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الأربع في العصر، من أبواب الصلاة، وفي: كتاب كيف كان تطوع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالنهار، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 222، 3/ 79 والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 85، 142، 160.كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الصلاة قبل العصر وذكر اختلاف الناقلين عن أبي إسحاق في ذلك، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 92. وابن ماجه، في: باب ما جاء في ما يستحب من التطوع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 367.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حَفِظْتُ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَشر رَكَعات؛ رَكعَتَيْن قبلَ الظهْرِ، ورَكْعَتَيْن بعدَها، ورَكْعَتَيْن بعدَ المَغربِ في بَيْته، ورَكْعَتَيْن بعدَ العِشاء في بيتِه، ورَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ، وكانت ساعَة لا يُدْخَل (¬1) على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيها، حَدثَتْنِي حَفْصَةُ، أنَّه كان إذا أذنَ المُؤذنُ وطَلَع الفَجرُ صلى رَكعَتَيْن. مُتَّفَق عليه (¬2). وروَى التِّرمِذِي مثلَ ذلك عن عائشةَ مَرْفُوعًا (¬3)، وقال: هو حديث صحيح. وقولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «رَحِمَ الله امْرَأً صلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا». ترغِيب فيها، ولم يَجْعَلْها من السننِ الرواتِبِ، بدَلِيلِ أن ابنَ عمَرَ لم يَحْفَظْها مِن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. وحَدِيث عائشةَ قد اخْتُلِفَ فيه، فرُوِيَ عنها مثلُ رِوايةِ ابنِ عُمرَ. ¬

(¬1) في الأصل: «أدخل». (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الركعات قبل الظهر، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 74. ومسلم، في: باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 504. كما أخرجه أبو داود، في: باب تفريع أبواب التطوع وركعات السنة، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 288. والنَّسائيّ، في: باب الصلاة بعد الظهر، من كتاب الإمامة. المجتبي 2/ 92. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء أنَّه يصليها بالبيت، من أبواب الصلاة. عارضة الأحواذي 2/ 224. والإمام مالك، في: باب العمل في جامع الصلاة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 166. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 6، 51، 63، 73، 74، 99، 100، 117، 141. (¬3) في: باب ما جاء في الركعتين بعد العشاء، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 226.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وآكَدُها رَكْعَتا الفَجْرِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَكُنْ على شيء مِن النَّوافِلِ أشَدَّ مُعاهدَةً منه على رَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ. مُتَّفَق عليه (¬1). وقال: «رَكْعَتَا الْفجْرِ خَيْر مِنَ الدنيا وَمَا فِيهَا». رَواه مسلم (¬2). وقال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ». رواه أبو داودَ (¬3). ويسْتَحَبُّ تَخْفِيفهما؛ فإنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فيُخَففُ، حتَّى إنِّي لأقولُ: هل قرأ فيهما بأم الكتابِ؟. مُتفَق عليه (¬4). ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ فيهما، وفي رَكْعَتَي ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعًا، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 71، 72. ومسلم، في: باب استحباب ركعتي سنة الفجر. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 501، 502. كما أخرجه أبو داود، في: باب ركعتي الفجر، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 289. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 43، 54، 170. (¬2) انظر التخريج السابق. (¬3) في: باب في تخفيفها، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 289. أخرجه الإمام أَحْمد، في المسند 2/ 405. (¬4) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما يقرأ في ركعتي الفجر، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 72. ومسلم، في: باب استحباب ركعتي سنة الفجر. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 500، 501. كما أخرجه أبو داود، في: باب في تخفيفهما، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 289. والنَّسائيّ، في: باب تخفيف ركعتي الفجر من كتاب افتتاح الصلاة، وفي: باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على الشق الأيمن، وباب ركعتي الفجر وذكر الاختلاف على نافع، من كتاب قيام الليل. المجتبى 2/ 120، 3/ 210، 214. والإمام مالك، في: باب ما جاء في ركعتي الفجر، من كتاب =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المَغْرِبِ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}؛ لِما روَى ابنُ مسعود، قال: ما أحْصِي ما سَمِعتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ في الرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وفي الرَّكْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} رَواه الترمِذِي، وابنُ ماجه (¬1). وعن أبي هُرَيرةَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قرأ في الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. قال الترمِذِي: هو حديثٌ ¬

= صلاة الليل. الموطأ 1/ 127. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 165، 183، 186، 204، 235، 285. (¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب والقراءة فيهما، من كتاب أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 223. وابن ماجه، في: باب ما يقرأ في الركعتين بعد المغرب، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 369.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حسنٌ (¬1). وعن ابنِ عباس، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرأ في رَكْعَتَى الفجْرِ {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية التى في البَقَرَةِ (¬2)، وفي الآخِرَةِ منهما {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (¬3). رَواه مسلم (¬4). ¬

(¬1) أخرجه بهذا اللفظ عن أبي هريرة مسلم، في: باب استحباب ركعتي سنة الفجر. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 502. وأبو داود، في: باب في تخفيفهما، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 289. والنَّسائيّ، في: باب القراءة في ركعتي الفجر، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 120. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما يقرأ في الركعتين في الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 363. وأخرجه التِّرْمِذِيّ من حديث ابن عمر بلفظ مقارب، في: باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر. . . . إلخ، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 210. والنَّسائيّ، في: باب القراءة في الركعتين بعد المغرب، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 132. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما يقرأ في الركعتين في الفجر من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 363. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 94، 95، 99. (¬2) الآية 136. (¬3) سورة آل عمران 52. (¬4) في: باب استحباب ركعتي سنة الفجر. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 205. كما أخرجه أبو داود، في: باب في تخفيفهما، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 290. والنَّسائيّ في: باب القراءة في ركعتى الفجر، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 120.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضْطَجِعَ بعدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ على جَنْبِه الأيمَنِ، وكان أبو موسى، ورافِعُ بنُ خَدِيجٍ، وأنس يَفْعَلُونَه، وأنكَرَه ابنُ مسعودٍ، واخْتَلَف (¬1) فيه عن ابنِ عمَرَ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشة، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، اضْطَجَعَ على شِقه الأيمَن. متفَق عليه (¬2). واللفْظُ للبُخارِي. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا صَلى أحدُكُمُ الركْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصبحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ». رَواه الإمامُ أَحْمد، وأبو داودَ، والتِّرمذيّ (¬3)، ¬

(¬1) أي النقل. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من انتظر الإقامة، من كتاب الأذان، وفي: باب ما جاء في الوتر، من كتاب الوتر، وفي: باب طول السجود في قيام الليل، وباب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر من كتاب التهجد، وفي: باب الضجع على الشق الأيمن، من كتاب الدعوات. صحيح البُخَارِيّ 1/ 161، 2/ 31، 61، 62، 69، 70، 8/ 84. ومسلم، في: باب صلاة الليل. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 511. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 307. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 3/ 213. والنَّسائيّ، في: باب إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة، من كتاب الأذان. المجتبى 3/ 34، 25. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الضجعة بعد الوتر وبعد ركعتي الفجر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 378. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 34، 49، 74، 83، 85، 88، 143، 167، 168، 182، 215، 248، 254. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب الاضطجاع بعدها، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 290. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 212. الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 415.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ليس بسُنَّةٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ أنكَرَه. واتباعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى. ويُسْتَحَب فِعْلُ الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ، والرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وبعدَ العِشاءِ في بَيْته؛ لِما ذكرْنا مِن حديث ابنِ عُمَرَ. قال أبو داودَ: ما رَأيتُ أحمدَ رَكَعَهما، يَعْنِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، في المَسْجِدِ قَطُّ، إنما كان يَخرُجُ فيَقْعدُ في المَسْجِدِ حتَّى تُقامَ الصلاةُ. قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْأل عن الرَّكْعَتَيْن بعد الظهْرِ، أين يُصَليان؟ قال: في المَسْجدِ، ثمَّ قال: أما الركْعَتان قبلَ الفَجْرِ ففي بيْته، وبعدَ المَغْرِبِ ففي بَيْته. ثم قال: ليس هاهُنا شيء آكَدُ مِن الركْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، يَعْنِي فِعْلَهما في البَيْتِ. قيل له: فإن كان مَنْزِلُ الرجلِ بَعِيدًا؟ قال: لا أدْرِي. وذلك لِما روَى سعدُ بنُ إسحاقَ، عن أَبيه، عن جَده، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتاهم في مَسْجِدِ بنى عبدِ الأشْهَلِ، فصَلَّى المَغْرِبَ، فَرَآهم يَتَطَوعُون بعدَها، فقال: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ». رَواه أبو داودَ (¬1). وعن رافِع بنِ خَدِيج، قال: أتانا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في بنِي عبدِ الأشْهَلِ، فَصَلى بنا المَغْرِبَ في مَسْجِدِنا، ثم قال: «ارْكَعُوا هَاتينِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ» رَواه ابنُ ماجه (¬2). ¬

(¬1) في: باب ركعتي المغرب أين تصليان، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 299. (¬2) في: باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 368.

499 - مسألة: (ومن فاته شيء من هذه السنن، سن له قضاؤه)

وَمَنْ فَاتهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السننِ، سُنَّ لَهُ قَضَاؤهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وكلُّ سُنَّةٍ قبلَ الصلاةِ، فوَقتُها مِن دُخُولِ وَقتِها إلى فِعْلِ الصلاة، وكلُّ سُنَّةٍ بعدَها، فوَقتُها مِن فِعْلِ الصلاةِ إلى خرُوجِ (¬1) وَقتِها. والله أعلمُ. 499 - مسألة: (ومَن فاتَه شيء مِن هذه السننِ، سُنَّ له قَضاؤُه) ¬

(¬1) في الأصل: «آخر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَضَى بَعْضَها، فرُوِي عنه، عليه السلامُ، أنَّه قَضَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ مع الفَجْرِ، حينَ نام عنها (¬1)، وقَضَى الركْعَتَيْن اللَّتَيْن قبلَ الظهْرِ بعدَ العَصْرِ (¬2)، وقِسْنا الباقِيَ عليه. وروَى أبو سعيدٍ الخُدْرِي، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَامَ عَن الْوتْرِ أو نَسِيَهُ، فَلْيُصَلهِ إذا أصبَحَ أو ذَكَرَ». رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (¬3)، مِن رِواية عبدِ الرحمنِ بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ. قال أحمدُ: أحِب أن يَكُونَ للرجل شيء مِن النوافِلِ يُحافِظُ عليه، إذا فات قَضاه. وقال بعضُ أصحابِنا: لا يُقضَى إلَّا رَكْعَتا الفَجْرِ، إلى وقْت الضحَى، ورَكْعَتا الظهْرِ؛ فإن أحمدَ قال: ما أعْرِفُ وترًا بعدَ الفَجْرِ، ورَكعَتا الفَجْرِ تُقْضَى إلى وَقْتِ الضُّحْى. وقال مالك: تُقْضَى إلى وقْتِ الزوالِ، ولا تُقْضَى بعدَه. وقال النَّخَعِيّ، وسعيد ابنُ جُبَير، والحسنُ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْس فلا وِتر. والصحِيحُ الأول؛ لما ذَكَرْنا مِن النص والمَعْنَى. ¬

(¬1) تقدم في صفحة 98 من حديث عمرو بن أمية الضمرى. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا كلم وهو يصلي. . . . إلخ، من كتاب السهو. صحيح البُخَارِيّ، 2/ 87، 88. ومسلم، في: باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بعد العصر، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 571، 572. والنَّسائيّ، في: باب الرخصة في الصلاة بعد العصر، وباب الرخصة في الصلاة قبل غروب الشَّمس، من كتاب المراتب. المجتبى 1/ 225 - 227. والدارمي، في: باب في الركعتين بعد العصر، من كتاب الصلاة. من الدَّارميّ 1/ 334. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 184، 188، 309. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في الدعاء بعد الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 231. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل ينام عن الوتر أو ينساه، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 252. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب من نام عن وتر أو نسيه، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 375. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 31، 44.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ المُحافَظَةُ على أرْبَع قبلَ الظُّهْرِ وأربَع بعدَها؛ لِما رَوَتْ أم حبِيبَة، قالت: سمعْت رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظهْرِ، وَأرْبَع بَعْدَهَا، حَرمَهُ الله عَلَى النَّارِ». قال الترمِذِي (¬1): حديث صحيحٌ. وروَى أبو أيوبَ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «أرْبع قَبْلَ الظهْر لَيْس فِيهِن تَسْلِيم تُفْتَحُ لَهُن أبوَابُ السُّمَاء». رَواه أبو داودَ (¬2). وعلى أرْبع قبلَ العَصْرِ؛ لِما ذَكَرْنا. وعن علي، رَضِيَ الله عنه، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: وأرْبَعًا قبلَ الظهر إذا زالَتِ الشَّمس، وركْعَتَيْن بعدَها، وأرْبَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِل بينَ كلِّ رَكْعَتَيْن بالسَّلامِ على الملائِكَةِ المُقَربِين، والنبِيين، ومَن تَبعَهم مِن المسلمين. رَواه ابنُ ماجه (¬3). وعلى سِت بعدَ الْمَغْرِبِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الأربع قبل الظهر وبعدها، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 292. والتِّرمذيّ، في: باب منه آخر (أي مما جاء في الراكعتين بعد الظهر)، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 221. (¬2) في: باب الأربع قبل الظهر وبعدها، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 292 كما أخرجه ابن ماجه، في: باب في الأربع ركعات قبل الظهر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 365، 366. (¬3) في: باب ما جاء في ما يستحب من التطوع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 367. وكذلك أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الأربع قبل العصر، من أبواب الصلاة، وفي: باب كيف كان تطوع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 222، 3/ 79. والنَّسائيّ، في: باب الصلاة قبل العصر، ذكر اختلاف الناقلين عن أبي إسحاق في ذلك، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 92.، الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 85، 142، 160.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ صَلى بَعْدَ المغربِ سِتَّ رَكعَاتٍ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عشرَةَ سَنَة». رَواه الترمذِي (¬1)، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عُمَرَ (¬2) بنِ أبي خَثْعَم. وضَعفَه البُخارِي. وعلى أربَع بعدَ العِشاء، قالت عائشةُ: مما صَلى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- العِشاءَ قَطُّ إلَّا صَلى أربَعَ رَكَعاتٍ، أو سِتَّ رَكَعاتٍ. رَواه أبو داودَ (¬3). فصل: واخْتُلِفَ في أرْبَع رَكَعاتٍ؛ منها رَكْعَتان قبلَ المَغرِبِ بعدَ الأذانِ. والظّاهِرُ عن أحمدَ، جَوازُهما وعَدَمُ اسْتِحْبابِهما. قال الأثرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ الله، الركْعَتان قبلَ المَغْرِبِ؟ قال: ما فَعَلْتُه قَط إلَّا مرة (¬4)، حينَ سَمِعْتُ الحَدِيثَ، وقال: فيهما أحادِيثُ جِياد. أو قال: صِحاحٌ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه والتّابِعِين. إلَّا أنَّه قال: «لِمَنْ شَاءَ» (¬5). فَمَن شاء صَلَّى. وقال: هذا شيء يُنْكِرُه النَّاسُ. وضَحِك كالمُتَعَجِّبِ، وقال: هذا عندَهم عَظِيم. ووجْهُ جَوازِهما ما روَى أنس، قال: كُنا نُصلِّي على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَكْعَتَيْن بعدَ غُرُوبِ الشمْس قبلَ صَلاةِ المَغرِبِ. قال المُخْتارُ بنُ فُلْفُل: فقلتُ له: أكان رسولُ الله ¬

(¬1) في: باب ما جاء في فضل التطوع وست ركعات بعد المغرب، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 225. أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الست ركعات بعد المغرب، وباب ما جاء في الصلاة بين المغرب والعشاء، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 369، 437. (¬2) في الأصل: «عمرو». (¬3) في: باب الصلاة بعد العشاء، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 300. (¬4) بعده في م: «واحدة». (¬5) انظر حديث عبد الله المزني الآتي بعد قليل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّاهما؟ قال: كان يَرانا نصليهما، فلم يَأمُرْنا ولم يَنْهَنا. مُتَّفَق عليه (¬1). وقال أنُس: كُنّا بالمدِينَةِ إذا أذنَ المُؤذنُ (¬2) لصلاةِ المَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السوارِيَ، فصَلَّوْا رَكْعَتَيْن، حتَّى إن الرجلَ الغرِيبَ ليَدْخُلُ المَسْجِدَ فيَحْسَبُ أن الصلاةَ قد صُلِّيَتْ، مِن كَثْرَةِ مَن يُصَلِّيها. رَواه مسلمٌ (¬3). وعن عبد الله المُزَنِيِّ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلوا قَبْلَ الْمَغْرِب رَكْعَتَيْن». ثم قال: «صلوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» [ثم قال: «صلوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ] (¬4) لِمَنْ شَاءَ». خَشْيَةَ أن يَتخِذَها النَّاسُ سُنَّة. مُتفَق عليه (¬5). الثّانِي، الرَّكْعَتان بعدَ الوِتْرِ. وظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه لا يَستحِبُّ فِعْلَهما مع الجَوازِ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يُسْأل عن الركْعَتَيْن بعدَ الوِتْرِ، فقال: أرْجُو إن فَعَلَه إنْسان أن لا يُضَيق عليه، ولكن يَكُونُ وهو جالس، كما جاء الحَدِيثُ. قلتُ: تَفْعَلُه أَنْتَ؟ ¬

(¬1) لم يخرجه البُخَارِيّ، وأخرجه مسلم، في: باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 573. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة في المغرب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 295. (¬2) سقط من: م. (¬3) في الباب السابق، كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 161. والنَّسائيّ، في: باب الصلاة بين الأذان والإقامة، من كتاب الأذان. المجتبى 2/ 23، والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 280. (¬4) سقط من: م. (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة قبل المغرب، من كتاب التهجد، وفي: باب نهى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن التحريم إلَّا ما عرف إباحته، من كتاب الاعتصام. صحيح البُخَارِيّ 2/ 74، 389. ولم يخرجه مسلم. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة قبل المغرب، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 295. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 55.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: لا، ما أفْعَله. وعَدهما أبو الحسنِ الآمدِي مِن السُّننِ الراتِبَةِ. قال شيْخُيا (¬1): والصحِيحُ أنهما ليْسَتا بسُنةٍ؛ لأنَّ أكْثَرَ مَن وَصَف تَهجَدَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يذْكرْهما؛ منهم ابنُ عباسٍ، وزَيْدُ بن خالِدٍ، وعائشة، فيما رَواه عنها عُرْوة، وعبد اللهِ بنُ شَقِيقٍ، والقاسم، واخْتَلف فيه (¬2) عن أبي سَلَمَةَ، وأكْثر الصحابَةِ ومَن بعدَهم. مِن أهلِ العلمِ على تَرْكهِما. ووجْهُ قولِ مَن قال بالاسْتِحْباب، ما روَى سعدُ بنُ هشام، عن عائشةَ، رَضِي الله عنها، أنّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلى مِن الليْلِ تِسْعَ رَكَعاتٍ، ثم يُسَلِّمُ تسْلِيمًا يسْمِعُنا، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن بعدَ ما يُسَلمُ، وهو قاعِد، فتلك إحْدَى عشرة رَكْعَة. وقال أبو سَلَمَةَ: سأَلتُ عائشةَ عن صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالت: كان يُصَلِّي ثلاثَ عشرةَ رَكعَةً، يُصَلِّي ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، ثم يُوتِرُ، ثم يُصَلى رَكْعتَيْن وهو جالِس، فإذا أراد أن يَرْكَعَ قام فرَكَعَ، ثم يُصَلى رَكْعَتَيْن بينَ النِّداء والإقامَةِ مِن صلاةِ الصبحِ. رواهما مسلم (¬3). وروَى ذلك أبو أمامَةَ أَيضًا. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 547، 548. (¬2) أي النقل. (¬3) الأول تقدم في صفحة 118. والثاني أخرجه مسلم، في: باب استحباب ركعتي الفجر. . . . إلخ، وباب صلاة الليل. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 501، 509. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الأذان بعد الفجر، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 160. وأبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 308. والنَّسائيّ، في: باب إباحة الصلاة بين الوتر وبين ركعتي الفجر، وباب وقت ركعتي الفجر وذكر الاختلاف على نافع، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 209، 214 والدرامي، في: باب صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 344. والإمام مالك، في: باب صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 121. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 81، 128، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ¬

_ = 138، 189، 230، 249، 279.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: في صَلَواتٍ مُعَينةٍ سِوى ما ذَكَرْنا؛ منها، صلاةُ التَّراويحِ، والضُّحَى، وسُجُودُ التلاوَةِ، والشُّكرِ. وسَيأتِي ذِكْرُها، إن شاء اللهُ تعالى. ومنها، تَحِيةُ المسْجِدِ، فيُسْتَحَب لمَن دَخَل المَسْجِدَ أن يُصَلىَ رَكْعَتَيْن قبلَ جُلُوسِه؛ لِما روَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «إذَا دَخَلَ أحدُكُم الْمَسْجِدَ، فلَا يَجْلِسْ حَتَى يَرْكَعَ (¬1) رَكْعَتَيْنِ». متَّفَق عليه (¬2). فإن جَلَس قبلَ الصلاةِ، سُنَّ له أن يَقومَ فيُصَلىَ؛ لِما روَى جابِر قال: جاء سُلَيْك الغَطَفانِي ورسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَخْطُبُ، فجَلَسَ، فقال: «يَا سُلَيْك، تُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجوَّزْ فِيهِمَا». رواه (¬3) مسلمٌ (¬4). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَطَوعَ بمثلِ تَطَوُّعِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ فإن عَلِيّا، رَضِيَ الله عنه، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّى الفَجْرَ يُمهِل حتَّى إذا كانتِ الشَّمس مِن هاهُنا، يَعْنِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، مِقْدارَها مِن صلاةِ العَصْرِ مِن هاهُنا، يَعْنِي مِن قِبَل المَغْرِبِ، قام فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم تَمَهلَ حتَّى إذا ¬

(¬1) في الأصل: «يصلي». (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، من كتاب الصلاة، وفي: باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 1/ 120، 121، 2/ 70. ومسلم، في: باب استحباب تحية المسجد بركعتين. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 495. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتي، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 112. والنَّسائيّ، في: باب الأمر كالصلاة قبل الجلوس فيه، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 42. والدارمي، في: باب الركعتين إذا دخل المسجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 323، 324. والإمام مالك، في: باب انتظار الصلاة، والمشي إليها من كتاب السفر. الموطأ 1/ 162. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 295، 296، 303، 305، 311. (¬3) في م: «رواهما». (¬4) في: باب التحية والإمام يخطب، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 597. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب. . . . إلخ، من كتاب الجمعة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 15. أبو داود، في: باب إذا دخل الرَّجل، الإمام يخطب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 255، 256. وابن ماجه في: باب ما جاء في من دخل المسجد والإمام يخطب، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 353، 354. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 297، 316، 317.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كانتِ الشمسُ مِن هاهُنا، يَعنِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، مِقْدارَها مِن صَلاةِ الظهْرِ، قام فَصَلى أربَعا، وأرْبَعًا قبلَ الظهْر إذا زالَتِ الشَّمس، ورَكْعتَيْن بعدَها، وأربَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِلُ بينَ كل رَكْعتَيْن بالسلام على الملَائِكَةِ المُقَربين والنَّبيِّين ومَن تَبِعَهم مِن المُسْلِمِين، فتلك سِث عَشْرَةَ رَكْعةً، تَطَوُّعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالنهارِ، وقَلَّ مَن يُداوِمُ عليها. مِن «المُسْنَدِ» (¬1). فصل: ومنها صلاةُ الاسْتِخارَةِ، فرَوَى جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمنا الاسْتِخارَةَ في الأمُورِ كلها، كما يُعَلمنُا السورَةَ مِن القُرْآنِ، يَقُولُ: «إذَا هَم أحَدُكُمْ بِالأمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعتَيْن مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُم لْيَقُلْ: اللهُمَّ إنِّي (¬2) أسْتَخِيرُك. بِعلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسْألكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعظيمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أعْلَم، وَأنتَ عَلامُ الغيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أن هذا الأمْرَ خَيْر لى فِي دِيني وَمَعَاشى وَعَاقبَةِ أمْرِي» أو قال: «فِي عَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ، فَيَسرهُ لي (¬3)، ثُم بَارِكْ لى فِيهِ، وَإنْ كُنْتَ تعْلَمُ أن هَذَا الأمر شَر لِي فِي دِيني وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أمْرِي» أو قال: «في عَاجِلِ أمْرِي وآجلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنى، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لىَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، [ثُم أرضِنِي] (¬4) بِهِ، ¬

(¬1) 1/ 85، 142، 160. وتقدم تخريجه صفحة 140. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) هكذا بالأصول وفي رواية التِّرْمِذِيّ. وفي بقية المصادر: «فاقدره لي، ويسره لي». (¬4) في م: «ورضني».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَيُسَمى حَاجَتَهُ». أخْرَجَه البُخارِي (¬1)، ورَواه الترمِذِيّ، وفيه: «ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ». فصل: ومنها صلاةُ الحاجَةِ؛ عن عبدِ الله بنِ أبي أوْفَى، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ كَانتْ لَهُ إلَى الله حَاجَةٌ أوْ إلَى أحَدٍ مِنْ بني آدَمَ، فَلْيَتَوَضَّأ، وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَل رَكْعَتَيْنِ، ثم ليُثْن عَلَى الله تَعَالَى، وَلْيُصَل عَلَى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثُم لْيَقُلْ: لَا إلهَ إلَّا الله الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إلهَ إلَّا الله العَلِي العَظِيمُ، سُبْحَانَ الله (¬2) رَب العَرْش العَظيمِ، الحَمْد لِلْه رَب العَالَمِينَ، أسْأَلك موجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُل بِرٍّ، وَالسلامَةَ مِنْ كُل إثم، لَا تَدَعْ لي ذَنبا إلَّا غفَرْتَهُ، وَلَا هَما إلَّا فَرجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رضي إلَّا قَضيْتَهَا يَا أرحَمَ الراحِمِينَ». رَواه ابن ماجه، والترمِذِي (¬3)، وقال: حديثٌ غريبٌ. فصل: في صلاةِ التَّوْبَةِ؛ عن عَليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: حَدثَنِي ¬

(¬1) في: باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، من كتاب التهجد، وفي: باب الدعاء عند الاستخارة، من كتاب الدعوات، وفي: باب قوله {قل هو القادر}. . . .، من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 70، 8/ 101، 9/ 144. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الاستخارة، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 352، 353. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في صلاة الاستخارة من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 262، 263. والنَّسائي، في: باب كيف الاستخارة، من كتاب النكاح. المجتبى 6/ 66. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الاستخارة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 440. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 344. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في صلاة الحاجة، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذي 2/ 261، 262. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الحاجة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 441.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو بكر، وصَدَق أبو بكر، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَا مِنْ رَجُل يُذْنِبُ ذَنبًا، ثُم يَقُومُ فَيَتَطَهرُ، ثُم يُصَلى ركْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ الله إلَّا غفَرَ لَهُ». ثم قَرَأ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} (¬1). إلى آخِرِها، الآيةُ. رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (¬2)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب. وفي إسْنادِه مقال؛ لأنَّه مِن رِوايةِ أبي الوَرْقاءِ، وهو ضَعِيفٌ (¬3) في الحَدِيثِ. فصل: فأما صلاةُ التَّسْبِيحِ، فإن أحمدَ قال: ما تُعْجِبُنِي. قيلَ له: لِمَ؟ قال: ليس فيها شيء يَصِحُّ. ونَفَض يَدَه كالمنْكرِ، ولم يَرَها مسْتَحَبةً. قال شيخنا (¬4): وإن فَعَلَها إنْسان فلا بَأسَ؛ فإنَّ النوافِلَ والفَضائِلَ لا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الحَدِيثِ فيها (¬5). وقد رَأى غير واحِدٍ مِن أهلِ العِلمِ صلاة التَّسبِيحِ؛ منهم ابنُ المُبارَكِ. وذَكَرُوا الفَضْلَ فيها. ووَجْهُها ما روَى أبو ¬

(¬1) سورة آل عمران 135. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب في الاستغفار، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 349. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الصلاة عند التوبة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 196، 197. كما أخرجه ابن ماجه في: باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 446، 447. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 2، 9، 10. (¬3) في م: «يضعف». (¬4) في: المغني 2/ 552. (¬5) ولكن اشترط المحققون له ثلاثة شروط: 1 - ألا يكون شديد الضعف. 2 - وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ما لم يفعله. 3 - أن يكون مندرجا تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل. قال الحافظ ابن حجر: والأول متفق عليه، ونقل الثاني والثالث عن العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد، والضعيف عند أَحْمد كالحسن عند غيره، فلا يدخل فيه شديد الضعف. انظر: تدريب الراوي 1/ 377، 378.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ داودَ، والترمِذِي، [وابنُ ماجه] (¬1)، عن ابنِ عباس، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال للعباس بنِ عبدِ المُطلِبِ: «[يَا عَبَّاسُ] (¬2) يَا عَمَّاهُ، ألَا أعْطِيكَ، ألَا أمنحُكَ، [ألَا أحْبُوكَ] (¬3)، ألَأْ أفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرُ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَكَ ذَنبكَ، أولَهُ وَآخِرَهُ، وقدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأه وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكبِيرَه، وسِرهُ وَعَلَانِيَتَهُ، [عَشرُ خِصَالٍ] (3)، أن تصَلىَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأ فِي كلِّ رَكْعَة فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وسُورَةٌ، فَإذَا فَرَغتَ مِنَ القِرَاءَةِ، [فِي أولَ رَكْعَةٍ، وأنتَ قَائم]، قُلْتَ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمدُ لِله، وَلَا إلهَ إلّا الله، وَاللهُ أكبَرُ، خَمسَ عَشرةَ مَرَّةً، ثُم تَرْكعُ فتَقولهَا وَأنتَ رَاكع عَشْرًا، ثُم تَرْفَع رَأسكَ مِنَ الرُّكُوعِ فتَقولُها عَشرا، ثُم تَهْوِي سَاجدًا، فَتَقُولُها [وأنْتَ سَاجِدٌ] (1) عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأسَك مِنَ السُّجُودِ، فتقولُها عَشْرًا، ثُم تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشرًا، ثُمَّ ترفعُ رَأْسَكَ [مِنَ السُّجُودِ] (1) فتَقُولُها عَشْرا، فَذلِك خَمسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الأرْبَع رَكَعَاتٍ، إنِ اسْتَطَعْتَ أن تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْم مَرةً فَافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كَلِّ جُمُعةٍ مَرة، فَإن لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُل شَهْرِ مَرةً، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سنةٍ مَرةً، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمْرِكَ ¬

(¬1) سقط من: م. والحديث أخرجه أبو داود، في: باب صلاة التسبيح، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 298. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في صلاة التسبيح، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 267. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة التسبيح، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 443. (¬2) سقط من: الأصل. وهي في رواية أبي داود، وابن ماجه. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَرَّةً». رَواه ابنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِه، والطبراني في مُعْجَمِه (¬1)، وفي آخِرِه: «فَلَوْ كانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ زبَدِ الْبَحْرِ وَرَمْلِ عَالِجٍ (¬2) غَفرَ اللهُ لَكَ». فصل (¬3): وقد وَصَفَ عبدُ اللهِ بنُ المُباركِ صلاةَ التَّسْبِيحِ، فذَكَرَ أنَّه يَقُولُ قبلَ القِراءَةِ، وبعدَ الاسْتِفْتاحِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرةً: سبحان الله، والحَمْدُ لله، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، والله أكبَرُ. ثم يَقولُها بعدَ القِراءَةِ عَشْرًا، ويَقُولُها في الركُوعِ عَشرا، وفي الرفع منه عَشْرا، وفي السجُودِ عَشْرًا، وفي الرفع منه عَشرا، وفي السَّجْدَةِ الثانِيَةِ عَشرا، فتلك خَمْسٌ وسَبْعُونَ تَسْبِيحَة في كل رَكْعَةٍ. قال أبو وَهْبٍ: وأخْبَرَنِي عبدُ العَزِيز، هو [ابنُ أبي رِزْمَةَ] (¬4)، عن عبدِ اللهِ، قال: يَبدَأ في الركُوعِ بسبحانَ رَبي العَظِيمِ، وفي السُّجُودِ بسبحانَ رَبي الأعْلَى ثَلاثًا، ثم يُسَبحُ التسْبِيحاتِ. وعن [ابنِ أبي رِزْمَةَ] (¬5)، قال: قلتُ لعبدِ الله بنِ المُبارَكِ: إن سَها فيها، أيُسَبحُ في سَجْدَتَيِ السهْو عَشرا عَشرا؟ قال: لا إنَّما هي ثَلاثمائَةِ تَسْبِيحَةٍ. رَواه الترمِذِي (¬6). فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن تَوَضأ أن يُصَلىَ رَكْعَتَيْن عَقِيبَ الوُضُوءِ، إذا ¬

(¬1) أخرجه ابن خزيمة، في: باب صلاة التسبيح إن صح الخبر، من كتاب التطوع. صحيح ابن خزيمة 2/ 223. والطبراني المعجم الكبير 11/ 244. (¬2) عالج: رمال معروفة بالبادية. اللسان (ع ل ج). (¬3) هذا الفصل ليس في الأصل. (¬4) في تش: «ابن رزمة». وهو أبو محمَّد مُحَمَّد العزيز بن أبي زرعة المروزي، كان ثِقَة. تُوفِّي سنة ست ومائتين. تهذيب الكمال 18/ 132، 133. (¬5) في تش، م: «أبي رزمة». (¬6) في: باب ما جاء في صلاة التسبيح، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 265.

500 - مسألة: (ثم التراويح، وهي عشرون ركعة، يقوم بها في رمضان في جماعة، ويوتر بعدها في الجماعة)

ثُمَّ التراوِيحُ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَة، يَقُومُ بِهَا في رَمَضَانَ في جَمَاعَةٍ، وَيُوتِرُ بَعْدَهَا في الْجَمَاعَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ كان في غيرِ أوْقاتِ النهْيِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لبِلالٍ عندَ صلاةِ الفَجْرِ: «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الْإسْلَامِ، فَإنى سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَى في الْجَنةِ». فقال: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أرْجَى عندِي، أني لم أتطَهرْ طُهُورًا في ساعَةٍ مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ، إلَّا صَليْتُ بذلك الطهورِ ما كُتِبَ لي أن أصَلىَ. مُتفَق عليه (¬1)، واللفْظُ للبُخارِي. وعن بُريْدَةَ، قال: أصْبَحَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فَدَعا بِلالا فقال: «يَا بلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إلَى الْجَنّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الجَنةَ قَط إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، إنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْت خَشْخشَتَكَ». وذَكَر الحديث، وفيه قال: وقال لبِلالٍ: «بِمَ سَبَقْتنِي إلى الْجَنةِ؟». قال: ما أحْدَثْتُ إلَّا تَوَضأتُ، وصَليْتُ رَكْعَتَيْن. فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «بِهَذا» (¬2). ورَواه الإمامُ أحمدُ (¬3)، وهذا لَفْظُه، والترمِذِي (¬4)، وقال: حدث حسن صحيح غريب. 500 - مسألة: (ثم التراوِيحُ، وهي عِشْرُونَ رَكْعَة، يَقُومُ بها في رمضانَ في جَماعَةٍ، ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ) التراوِيحُ سُنة مُؤكدَة، ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب فضل الطهور بالليل والنهار، من كتاب التهجد بالليل. صحيح البُخَارِيّ 2/ 67. ومسلم، في: باب فضائل بلال؛ رضي الله عنه، من كتاب فضائل الصَّحَابَة. صحيح مسلم 4/ 1910. كما أخرجه الإِمام أَحْمد، في: المسند 2/ 333، 439. (¬2) في تش: «هذا». (¬3) في: المسند 5/ 354، 360. (¬4) في: باب في مناقب عمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه، من أبواب المناقب. عارضة الأحوذى 13/ 146.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَنَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو هُرَيرة: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يرغبُ في قِيامِ رمضانَ، مِن غيرِ أن يَأمُرَهم فيه بعَزِيمةٍ، فيقولُ: «مَنْ قامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وعن عائشةَ: صلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في المَسْجدِ ذاتَ لَيْلَةٍ، فصَلَّى بصَلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى في القابِلَةِ، وكثُر النّاسُ، ثم اجْتَمَعُوا مِن الليْلَةِ الثالِثَةِ والرابِعةِ (¬1)، فلم يَخْرُجْ إليهم رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فلَمّا أصْبَحَ، قال: «قَدْ رَأيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْني مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكمْ إلَّا أني خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَليْكُمْ». وذلك في رمضانَ. رواهما مسلم (¬2). وعن أبي ذَر، ¬

(¬1) في م: «أو الرابعة». (¬2) في: باب في الترغيب في قيام رمضان، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 523، 524. كما أخرج الأول البُخَارِيّ، في: باب تطوع قيام رمضان من الإيمان, من كتاب الإيمان, وفي: باب من صام رمضان. . . . إلخ، من كتاب الصوم، وفي باب فضل من قام رمضان، من كتاب التراويح، وفي: باب فضل ليلة القدر, من كتاب ليلة القدر. صحيح البُخَارِيّ 1/ 16، 3/ 33، 58، 59. وأبو داود، في: باب في قيام شهر رمضان، من كتاب رمضان. سنن أبي داود 1/ 316. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في فضل شهر رمضان، من أبواب الصوم. عارضة الأحوذى 3/ 196. والنَّسائي، في: باب ثواب من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، من كتاب قيام الليل، وفي: باب ثواب من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وباب ذكر اختلاف يحيى بن أبي كثير، والنضر بن شيبان فيه، من كتاب الصيام, وفي: باب قيام رمضان، وباب قيام ليلة القدر، من كتاب، الإيمان. المجتبي 3/ 164، 4/ 129، 131، 8/ 103. وابن ماجه، في: باب ما جاء في قيام شهر رمضان، من كتاب إقامة الصلاة. وفي: باب ما جاء في فضل شهر رمضان، من كتاب الصيام. عن ابن ماجه 1/ 420، 526. والدارمي، في: باب في فضل قيام شهر رمضان، من كتاب الصوم. سنن الدَّارميّ 2/ 26. والإمام مالك، في: باب الترغيب في الصلاة رمضان، من كتاب رمضان. الموطأ 1/ 113. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 281، 289، 408, 423، 473، 486، 529. كما أخرج الثاني البُخَارِيّ، في: باب تحريض النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على صلاة الليل، من كتاب التهجد. صحيح =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: صُمْنا مع رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رمضانَ، فلم يَقُمْ بنا شيئًا مِن الشهْرِ، حتَّى بَقِيَ سبْعٌ، فقامَ بنا حتَّى ذهَب ثلث الليْل، فلَمّا كانتِ السّادِسةُ لم يَقُمْ بنا، فلما كانتِ الخامِسَةُ قامِ بنا حتَّى ذَهَب شَطْرُ الليْلِ، فقلتُ: يَا رسولَ الله، لو نَفَلْتَنا قِيام هذه اللَّيْلَة؟ قال: فقال: «إن الرَّجُل إذا صَلى مَعَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف، حسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ». قال: فلَما كانتِ الرّابِعَةُ لم يَقُمْ، فلَما كانتِ الثّالِثَةُ جَمَع أهْلَه ونِساءَه والنّاسَ، فقامَ بنا حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ. قال: قلتُ: وما الفَلاحُ؟ قال: السَّحُورُ. ثم لم يَقمْ بنا بَقيَّة الشهْرِ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، واللفْظُ له، وابن ماجه، والنَّسائِي، والترمِذِي (¬1)، وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإذا النَّاسُ [في رمضانَ] (¬2) يُصَلون في ناحِيَة المَسْجِدِ، فقال: «مَا هؤلَاءِ؟» فقيل: هؤلاءِ أناس ليس معهم قرْآن، وأبي بنُ كَعب يُصَلى بهم، [وهم] (¬3) يُصَلون بصَلاِته. فقال ¬

= البُخَارِيّ 2/ 63. وأبو داود، في: باب في قيام شهر رمضان، من كتاب رمضان سنن أبي داود 1/ 316. والنَّسائي في: باب قيام شهر رمضان، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 164. والإمام مالك، في: باب الترغيب والصلاة في رمضان، من كتاب رمضان. الموطأ 1/ 113. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 169. (¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في قيام شهر رمضان، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 317. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في قيام شهر رمضان، من أبواب الصوم. عارضة الأحوذي 4/ 17، 18. والنَّسائي، في: باب قيام شهر رمضان، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 165. وابن ماجه، في: باب ما جاء في قيام شهر رمضان، من كتاب إقامة الصلاة. عن ابن ماجه 1/ 420، 421، الإمام أَحْمد في: المسند 5/ 159، 163. كما أخرجه الدَّارميّ في باب فضل قيام شهر رمضان، من كتاب الصوم. سنن الدَّارميّ 2/ 27. (¬2) سقط من: م. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أصابُوا، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا». رَواه أبو داودَ (¬1)، وقال: يروِيه مسلمُ بنُ خالِدٍ، وهو ضَعِيفٌ. حتَّى كان زَمَنُ عُمَرَ، رَضىَ الله عنه، فجَمَعَ النَّاسَ على أبيّ بْن كَعْب. فرَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ عبد القارِيُّ (¬2)، قال: خَرَجْتُ مع عُمَرَ لَيْلَةً في رمضانَ، فإذا النَّاسُ أوْزاعٌ (¬3) مُتَفرقُون، يُصَلى الرجلُ لنَفْسِه، ويُصَلِّي الرجُلُ فيُصَلي بصَلاِته الرهْطُ، فقال عُمَرُ: إنِّي أرَى لو جَمَعْتُ هؤلاءِ على قارِئٍ واحِدٍ، لكان أمْثَلَ. ثم عَزَم فجَمَعَهم على أبيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: ثم خَرَجْتُ معه لَيْلَةً أخْرَى والنَّاسُ يُصَلون بصَلاةِ قارِئِهم، فقال: نِعْمَتِ (¬4) البِدْعَةُ هذه، والتي يَنامُون عنها أفْضَلُ مِن التي يَقُومُون. يريدُ آخِرَ اللَّيْلِ. وكان النَّاسُ يَقُومُون أولَه. أخْرَجَه البُخارِيُّ (¬5). فصل: وعَدَدُها عِشْرُون رَكْعَةً. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو ¬

(¬1) في الباب السابق، والموضع السابق. (¬2) في م: «القادر». (¬3) سقط من: م، وأوزاع: جماعات. (¬4) في الأصل: «نعم». (¬5) في: باب فضل من قام رمضان، من كتاب صلاة التراويح. صحيح البُخَارِيّ 3/ 58. كما أخرجه الإمام مالك، في: باب ما جاء في قيام رمضان، من كتاب الصلاة في رمضان. الموطأ 1/ 114، 115.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حنيفةَ، والشافعي. وقال مالكٌ: سِتٌّ وثَلاثون. وزَعَم أنَّه الأمْرُ القَدِيم، وتَعَلق بفِعلِ أهلِ المَدِينَةِ؛ فإن صالِحًا مَوْلَى التَّوْأمَةِ، قال: أدْرَكْتُ النَّاسَ يَقومُون بإحْدَى وأرْبَعِين رَكْعَةً! يُوتِرُون منها بخَمسٍ. ولَنا، أن عُمَر، رَضِيَ الله عنه، لَما جَمَع النَّاسَ على أبيِّ بنِ كعْبٍ، فكان يصَلِّي بهم عِشْرِين رَكْعَة. وروَى السّائبُ بنُ يزِيدَ نحْوَه (¬1). وروَى مالك مثل ذلك (¬2)، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: كان النَّاسُ يَقُومُون في زَمَنِ عُمَرَ ابنِ الخطابِ في رمضانَ بثَلاثٍ وعِشْرِينَ رَكْعَةً. وعن أبي عبدِ الرحمنِ السلَمِي، عن علي، رَضِيَ الله عنه، أنَّه أمَرَ رجلًا يُصَلّى بهم في رمضانَ عِشْرِين رَكْعَة (¬3). وهذا كالإجْماعِ. وأمّا ما روَى صالِح، فإن صالِحًا ضَعِيفٌ، ثمَّ لا نَدْرِي مَن النّاسُ الذين أخْبَرَ عنهم؟ وليس ذلك بحُحةٍ. ثم لو ثَبَت أن أهل المَدِينَةِ كلهم فَعَلُوه، لكان ما فَعَلَه عُمَرُ وعليٌّ، وأجْمَعَ عليه الصحابَةُ في عَصْرِهم، أوْلَى بالاتباعِ. قال بعضُ أهلِ العلمِ: إنما فَعَل هذا أهلُ المَدِينَةِ؛ لأنهم أرادُوا مُساواةَ أهلِ مَكةَ، فإن أهلَ مَكَّةَ ¬

(¬1) أخرجه عبد الرَّزّاق، في: باب قيام رمضان، من كتاب الصيام. المصنف 4/ 260. (¬2) في: باب ما جاء في قيام رمضان، من كتاب الصلاة في رمضان. الموطأ 1/ 115. (¬3) أخرجه البيهقي، في: باب ما روى في عدد ركعات القيام في شهر رمضان، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 496.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَطوفُون سَبْعًا بينَ كلِّ تَرْوِيحَتَيْن، فجَعَلَ أهلُ المَدِينَةِ مَكانَ [كلِّ سَبْعٍ] (¬1) أرْبَعَ رَكَعاتٍ، واتِّباعُ أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحَقُّ وأوْلَى. فصل: والأفْضَلُ فِعْلُها في الجَماعَةِ. نصَّ عليه، في رِوايَة يُوسُفَ ابن موسى. ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ رُومانَ. قال أحمدُ: كان جابرٌ، وعلي، وعبدُ الله يُصَلونَها في الجَماعَةِ. وبهذا قال المُزَنِي، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وجَماعَة مِن الحَنَفِية. وقال مالك، والشافعي: قيامُ رمضانَ لمَن قَوِيَ في البَيْتِ أَحَبُّ إلينا؛ لِما روى زيدُ بن ثابِتٍ، قال: احْتَجَرَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حُجيرَة بخَصَفَةٍ أو حَصِيرٍ (¬2)، فخَرَجَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي فيها. قال: فتَتَبعَ إليه رِجال، وجاءوا يصَلون بصَلاِته، قال (¬3): ثم جاءوا لَيْلَةً فحضرُوا، وأبطَأ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عنهم، فلم يَخْرُجْ إليهم، فرَفَعوا أصْواتَهم، وحَصبُوا البابَ، فخَرَجَ إليهم رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مُغْضَبًا، فقال لهم (¬4): «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُكْتَبُ عَلَيْكمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ في بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ خَير صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيتهِ، إلَّا المَكتُوبَةَ». رَواه ¬

(¬1) في الأصل: «ذلك السبع». (¬2) أي حوَّط موضعًا من المسجد بحصيرة ليستره ليصلي فيه. (¬3) سقط من: م. (¬4) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مسلمٌ (¬1). ولَنا، إجْماعُ الصحابَةِ على ذلك، وجَمْعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أهلَه وأصحابَه في حَدِيثِ أبي ذرٍّ، وقولُه: «إن الرجُلَ إذا صلَّى معَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (¬2). وهذا خاصٌّ في قِيامِ رمضانَ، فيُقَدَّمُ على عُمومِ ما احْتَجُّوا به، وقولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لهم ذلك مُعَلَّلٌ بخَشْيَةِ فَرْضِه عليهم، ولهذا تَرَك القِيامَ بهم مُعَلِّلًا بذلك، أو خَشْيَةَ أن يَتَّخِذها النَّاس فَرْضًا، وقد أُمِن هذا بعدَه. فصل: قال أحمدُ: يَقْرَأُ بالقَوْمِ (¬3) في شَهْرِ رمضانَ ما يَخِفُّ عليهم، ولا يَشُقُّ، لا سِيَّما في اللَّيالِي القِصارِ. وقال القاضي: لا يُسْتَحَب النقصانُ عن خَتْمَةٍ في الشَّهْرِ؛ ليَسْمَعَ النّاس جَمِيعَ القُرآنِ، ولا يزيدُ على خَتْمَةٍ؛ ¬

(¬1) في: باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 540. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب صلاة الليل، من كتاب الأذان، وفي: باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله، من كتاب الأدب، وفي: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، من كتاب الاعتصام. صحيح البُخَارِيّ 1/ 186، 8/ 34، 9/ 117. وأبو داود في: باب في فضل التطوع في البيت، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 334. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 239. والنَّسائي في: باب الحث على الصلاة في البيوت، الفضل في ذلك، من كتاب قيام الليل. المجتبي 3/ 161. والدارمي، في: باب صلاة التطوع في أي موضع أفضل، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 317. والإمام مالك، في: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 130. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 182. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 163. (¬3) في الأصل: «الإمام».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كَراهِيَة المَشَقةِ على مَن خَلْفَه. قال الشيخُ (¬1)، رَحِمَه اللهُ: والتَّقْدِيرُ بحالِ النَّاس أوْلَى؛ فإنَّه لو اتَّفَقَ جَماعَة يَرْضَوْن بالتطْوِيلِ ويَخْتارُونَه، كان أفْضَلَ، كما جاء في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ، قال: فقُمْنا مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ. يعني السَّحُورَ. وعن السائِبِ بنِ يَزيدَ، قال: كانوا يَقُومُون على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، رَضىَ الله عنه، في شَهْرِ رمضانَ بعِشْرِين رَكْعة، وكانوا يقُومُون بالمائتيْن، وكانوا يَتَوَكئُون على عِصِيِّهم في عهدِ عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، مِن شدةِ القِيامِ. رَواه البَيْهَقي (¬2). وعن أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قال: دعا عُمَرُ بنُ الخطَابِ بثَلَاثةِ قُراء فاسْتَقْرَأهم، فأمَرَ أسْرَعَهم قِراءةً أن يَقْرأ للنَّاس بثلاِثين آية، وأوْسَطهم أن يَقْرا خَمْسًا وعِشْرِين آية، وأمَرَ أبطَأَهم أن يَقْرأ عِشْرِينَ آيةً. رَواه البَيْهَقِي (¬3). وكان السَّلَفُ يَستَعْجلُون خدَمَهم بالطعامِ؛ مخافَةَ طُلُوعِ الفَجْرِ. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 606. (¬2) في: باب ما روى في عدد ركعات القيام في شهر رمضان، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 496، 497. (¬3) في الموضع السابق 497.

501 - مسألة: (فإن أحب متابعة الإمام، فأوتر معه، قام إذا سلم الإمام فشفعها بأخرى)

فَإنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ، جَعَلَ الْوِتر بَعْدَهُ، فَإنْ أحَبَّ مُتَابَعَةَ الْإمَامِ، فَأوْتَرَ مَعَهُ، قَامَ إذا سَلَّمَ الْإمَامُ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: (فإن كان له تَهجُّدٌ، جَعَل الوِتر بعدَه) لقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَاجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِالليْلِ وِترًا» (¬1). 501 - مسألة: (فإن أَحَبّ مُتابَعَةَ الإِمام، فأوْتَرَ معه، قام إذا سَلّمَ الإمامُ فشَفَعَها بأخْرَى) قال أبو داودَ: سمِعتُ أحمدَ يقولُ: يُعْجِبُنِي أن يُصَلىَ مع الإِمامِ، ويوتِرَ معه؛ لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «إن الرجُل إذا قامَ مَعَ الْإمَامِ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، كتِبَ لهُ بقِيةُ لَيْلَتِهِ» (¬2). قال: وكان أحمدُ يَقُومُ مع النَّاسِ، ويُوتِرُ معهم. وأخْبَرَني الذي كان يَؤمه في شَهْرِ رمضانَ، أنَّه كان يُصَلى معهم التَّراوِيحَ كلها والوِتر. قال: ويَنْتَظِرُنِي بعدَ ذلك حتَّى أقُومَ، ثم يَقُومُ، كأنه يذْهبُ إلى حَدِيثِ أبي ذَرٍّ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 111. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 163 من حديث أبي ذر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإذا أوْتَرَ مع الإِمام، شَفعَها بأُخْرَى، إذا سَلَّمَ إمامُه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا وِترانِ في ليْلَةٍ» (¬1). ويُؤخِّرُ وِترَه إلى آخِرِ اللَّيْلِ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ. قال أبو داودَ: وسُئِل أحمدُ عن قَوْم صَلُّوْا في رمضان خَمس تَراوِيحَ، لم يَتَرَوحُوا بينَها؟ قال: لا بَأسَ. وسُئِل عن مَن أدْرَكَ مِن تَراوِيحِه رَكْعَتَيْن، يُصَلِّى إليها رَكْعَتَيْن؟ فلم يَرَ (¬2) ذلك. وقيل لأحمدَ: يُؤخِّرُ القيامَ، يعني في التَّراوِيحِ، إلى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قال: لا، سُنَّةُ المسلمين أَحَبُّ إليَّ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 114. (¬2) في الأصل: «يرد».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويجْعَلُ خَتْمَ القُرْآنِ في التَّراوِيحِ. نَصَّ عليه أَحْمد، في رِوايَة الفضْلِ بنِ زيادٍ، قال: حتَّى يَكُونَ لَنا دعاءً بينَ اثْنَيْن. قلتُ: كيف أصنَعُ؟ قال: إذا فرَغْتَ مِن آخِرِ القرْآنِ، فارفَعْ يدَيْكَ قبلَ أن تَرْكعَ، وادْع بنا ونَحْنُ في الصلاةِ، وأطِلِ القِيامَ. قلت: بِمَ أدْعُو؟ قال: بما شِئْتَ. قال حَنبَل: وسمعتُ أحمدَ يَقولُ، في ختْمِ القُرْآنِ: إذا فَرَغْت مِن قراءَةِ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}. فارْفعْ يدَيْك في الدُّعاءِ قبلَ الرُّكُوعِ. قلتُ: إلى أي شئٍ تَذْهَبُ في هذا؟ قال: رَأيتُ أهلَ مَكَّةَ وسُفْيان بنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلونَه. قال العباسُ بنُ عبدِ العَظِيمِ (¬1): أدركْتُ النّاسَ بالبَصْرَةِ يَفْعَلُونَه وبمكَّةَ. ويَرْوِي أهل المَدِينَةِ في هذا شيئًا، وذُكِر عن عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ. فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في قيامِ لَيْلَةِ الثلاِثين مِن شَعْبانَ في الغَيْمِ، فحُكِيَ عن القاضي، قال: جَرَتْ هذه المَسْألةُ في وَقْتِ شَيْخِنا أبي عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، فصَلَّى، وصَلاها القاضي أبو يَعْلَى؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: ¬

(¬1) أبو الفضل العباس بن عبد العظيم العدوي البَصْرِيّ الحافظ، أحد علماء السنة، تُوفِّي سنة ست وأربعين ومائتين. العبر 1/ 446.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ (¬1) وسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ» (¬2). فجَعَلَ القِيامَ مع الصيامِ. وذَهَب أبو حَفْصٍ العُكْبَرِي إلى تركِ القِيامِ، وقال: المعَوَّلُ في الصيامِ على حديثِ ابنِ عُمَرَ وفِعْلِ الصَّحابَةِ والتَّابِعِين، ولم ينقلْ عنهم قِيامُ تلك اللَّيْلَةِ. واخْتارَه المَيْمُونِي؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ شَعْبانَ، وإنما صِرْنا إلى الصوْمِ احْتِياطًا للواجِبِ، والصلاةُ غيرُ واجِبَةٍ، فتَبْقَى على الأصْلِ. فصل: وسُئِل أبو عبدِ اللهِ، إذا قرَأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}. يَقرَأ مِن البَقَرَةِ شيئًا؟ قال: لا. ولم يَسْتَحِبَّ أن يَصِلَ خَتْمَتَه بقراءَةِ شيءٍ. ولَعَلَّه لم يَثْبُتْ فيه عندَه أثر صحيح. وسُئِل عن الإِمامِ، في شَهْر رمضانَ يَدَعُ الآياتِ مِن السورَةِ، تَرَى لمَن خَلْفَه أن يَقْرَأها؟ قال: نعم، قد كان بمكةَ يُوَكلُون رجلًا يَكْتُبُ ما تَرَك الإمامُ مِن الحُرُوفِ وغيرِها، فإذا كان لَيْلَةَ الخَتْمَةِ أعادَه. وإنما استُحِب ذلك؛ لتَكْمُلَ الخَتْمَةُ، ويَعظُمَ الثَّوابُ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) أخرجه النَّسائيّ، في: باب ذكر الاختلاف على معمر فيه، وباب اختلاف يحيى بن أبي كثير, من كتاب الصيام. المجتبى 4/ 104، 132. وابن ماجه، في: باب ما جاء في قيام شهر رمضان، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 421. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 191، 195.

502 - مسألة: (ويكره التطوع بين التراويح. وفي التعقيب روايتان؛ وهو أن يتطوع بعد التراويح والوتر في جماعة)

وَيُكْرَهُ التطَوُّعُ بَيْنَ التراوِيح، وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ؛ وَهُوَ أنْ يَتَطَوعَ بَعْدَ التراوِيح وَالْوِتْرِ في جَمَاعَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 502 - مسألة: (ويُكْرَهُ التَّطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ. وفي التَّعْقِيبِ رِوايَتان؛ وهو أن يَتَطَوَّعَ بعدَ التراويحِ والوتر في جَماعَةٍ) يُكْرَهُ التطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ. نَص عليه أحمدُ، وقال: فيه عن ثَلَاثةٍ مِن أصْحابِ رَسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ عُبادَةُ، وأبو الدَّرْداءِ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ. وذُكِر لأبي عبدِ الله رُخْصَة فيه عن بعض الصحابةِ، فقال: هذا باطِلٌ، إنما فيه عن الحسنِ، وسعيدِ ابن جُبَيْرٍ. وقال أحمدُ: يَتَطَوعُ بعدَ المَكْتُوبَةِ، ولا يَتَطَوَّعُ بعدَ (¬1) التَّراوِيحِ. وروَى الأثْرَمُ، عن أبي الدَّرْداءِ, أنَّه أبصَرَ قوْمًا يُصَلُّون بينَ التَّراوِيح، فقال: ما هذه الصلاةُ؟ أتُصَلِّي وإمامُك بينَ يَدَيْك؟ ليس مِنّا مَن رَغِب عَنَّا. وقال: مِن قِلَّةِ فِقهِ الرجلِ أن يرى أنَّه في المَسْجِدِ وليس في صلاةٍ. ¬

(¬1) في م: «بين».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأما التَّعقِيبُ، أو صلاةُ التَّراوِيحِ في جَماعَة أخرَى، فعنه الكَراهَةُ. نَقَلَها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، إلَّا أنَّه قول قدِيم. قال أبو بكرٍ: إذا أخَّرَ الصلاةَ إلى نِصْفِ الليْلِ أو آخِره، لم يُكْرَهْ، رِوايَة واحِدَة، وإنَّما الخِلافُ فيما إذا رَجَعُوا قبل النوْم (¬1). وعنه، لا بَأس به. نقَلَها عنه الجَماعَةُ. وهو الصحِيحُ، لقَوْلِ أنس، رَضِيَ الله عنه: ما يَرْجِعُون إلَّا بخيْرٍ يَرْجُونَه، أو لَشرٍّ يَحْذَرُونَه (¬2). وكان لا يَرَى به بَأسًا. ولأنَّه خَيرٌ وطاعَةٌ، فلم يُكْرَهْ، كما لو أخَّرَه إلى آخِرِ الليْلِ. فصل: ويُسْتَحَب أن يَجْمَعَ أهلَه عندَ خَتْمِ القُرآنِ وغيرَهم؛ لحُضُورِ الدُّعاءِ. وكان أنس إذا خَتَم القُرْآنَ جَمع أهْلَه ووَلَدَه (¬3). ورُوىَ ذلك عن ابن مسعودٍ وغيرِه. ورَواه ابنُ شاهِين مَرْفُوعًا. واسْتَحْسَنَ أبو عبدِ الله التَّكبِيرَ عندَ آخِرِ كلِّ سُورَةٍ من سُورَةِ ¬

(¬1) في م: «الإمام». (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب التعقيبَ في رمضان، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 2/ 399. (¬3) أخرجه الدَّارميّ، في: باب ختم القرآن، من كتاب فضائل القرآن. سنن الدَّارميّ 2/ 469.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الضُّحَى إلى آخِرِ القُرْآنِ، لأنَّه رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أنّه قَرَأ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأمَرَه بذلك. رَواه القاضي بإسنادِه في «الجامِع». ولا بَأسَ بقِراءَةِ القُرْآنِ في الطَّريقِ، ولا وهو مُضْجعٌ. قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: خَرَجْتُ مع أبي عبدِ اللهِ إلى الجامع فسَمعتُه يَقْرأ سُورَةَ الكَهْفِ. وعن إبراهِيمَ التيمِي، قال: كنتُ أقْرَأ على أبي موسى وهو يَمْشى في الطَّرِيقِ، فإذا قَرَأتُ السجْدَةَ قلتُ له: أسْجُدُ في الطرِيقِ؟ قال: نعم. وعن عائشةَ أنها قالت: إنِّي لَأقْرأ القُرْآنَ وأنا مُضْطَجعَةٌ على سرِيرِي. رَواه الفِرْيابِيّ، في فَضائِلِ القُرآنِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ خَتَم القُرْآنِ في كلِّ سَبْعَةِ أيامٍ. قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: كان أبي يَخْتِمُ القُرْآنَ في النَّهارِ في كل سَبعٍ؛ يَقْرَأ في كُل يَوم سُبْعا، لا يَكادُ يَتْرُكه نَظرا. وذلك لِما رُوِي أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لعبدِ الله بِنِ عمرٍو: «اقْرَأِ الْقُرْآنَ في كل سَبْع، وَلَا تَزِيدَن عَلَى ذَلِكَ». رَواه أبو داودَ (¬1). ¬

(¬1) في: باب في كم يقرأ القرآن، وباب في تحزيب القرآن، من كتاب رمضان. سنن أبي داود 1/ 321، 322. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب في كم يقرأ القرآن، من كتاب فضائل القرآن. صحيح البُخَارِيّ 6/ 243.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعن أوْسِ بنِ حذَيْفَةَ، قال: قُلْنا لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: لقد أبْطَأْتَ عنّا اللَّيْلَةَ. قال: «إنَّه طَرَأ عَلَيَّ حِزْبي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ، أنْ أجئَ حَتَّى أتِمَّهُ» (¬1). قال أوْسٌ: سَألْتُ أصْحابَ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف تُحَزبُون القُرْآنَ؟ قالُوا: ثَلاثٌ، وخَمْسٌ، وسبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحدى عَشْرَةَ، وثلاثَ عَشرَة، وحِزْبٌ منَ (¬2) المُفصَّلِ وحْدَه. رَواه أبو داودَ. ورَواه الإمامُ أحمدُ (¬3)، وفيه: وحِزْبُ (¬4) المُفَصَّلِ مِن {ق} حتَّى يَخْتِمَ. ورَواه الطَّبْرَانِيّ (¬5). فسَألْنا أصْحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُحَزِّبُ القُرْآنَ؟ فقالُوا: كان يحُزبُه ثَلاثًا، وخَمسًا. وذَكَرَه. وإن قَرَأه في ثَلاث فحَسَنٌ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عبدِ الله بِنِ عَمْرو، قال: قُلْت لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: إن لي قُوةً. قال: «اقرَأهُ في ثَلَاثٍ». رَواه أبو داودَ (¬6). ¬

(¬1) في م: «أختمه». (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب تحزيب القرآن، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 322. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 343. كما أخرجه ابن ماجه, في: باب في كم يستحب ختم القرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 427، 428. (¬4) في م: «حزب». (¬5) في المعجم الكبير 1/ 190. (¬6) في: باب في كم يقرأ القرآن، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 321.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن قرَأه في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، فعنه، يُكْرَهُ ذلك؛ لِما روَى عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، قال: قالَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأهُ في أقَلَّ مِنْ ثلَاثٍ». رواه أبو داودَ (¬1). وعنه، أن ذلك غيرُ مُقَدَّرٍ، بل هو على حسَب ما يَجدُ مِن النَّشاطِ والقُوَّةِ؛ لأنَّ عُثْمانَ كان يَخْتِمُه في لَيْلة، ورُوِيَ ذلك عن جَماعة مِن السَّلَفِ. والأفْضَلُ التَّرْتِيلُ؛ لقَوْلِ الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (¬2). وعن عائشةَ، أنها قالت: لا أعْلمُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ القُرْآنَ كلَّه في لَيْلَةٍ. رَواه مسلم (¬3). وعنها قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يَخْتِمُ القُرْآنَ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ. رَواه أبو عُبَيْدٍ في «فضائِلِ القُرْآن». وقال ابنُ مسعودٍ، في مَن قَرَأ القُرْآنَ في أقَل مِن ثَلاثٍ: ¬

(¬1) في: باب في كم يقرأ القرآن, في: باب في تحزيب القرآن، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 321، 322. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب من أبواب القراءات. عارضة الأحوذى 11/ 65، 66. وابن ماجه, في: باب في كم يستحب ختم القرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 428. والدارمي، في: باب كم يختم القرآن، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 350. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 164، 165، 189، 193، 195. (¬2) سورة المزمل 4. (¬3) في: باب جامع صلاة الليل، من نام عنه أو مرض، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 514. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 309. والنَّسائي، في: باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر عائشة فيه, باب صوم النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأبي هو وأمي، من كتاب الصيام. المجتبى 4/ 125، 169. وابن ماجه، في: باب في كم يستحب ختم القرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 428.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فهَذٌّ (¬1) كَهَذِّ الشِّعْر، ونَثرٌ كَنَثْرِ الدَّقلِ (¬2). ويُكْرَهُ أن يُؤخرَ خَتْمَه أكثَرَ مِن أرْبعِين يَوْمًا! لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو، سألَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: في كَمْ يَخَتم القرْآنَ؟ قال: «في أرْبَعِينَ يَوْما». ثم قال: «في شَهْر». ثم قال: «في عِشْرينَ». ثم قال: «في خَمس عَشْرَةَ». ثم قال: ««في عَشْرٍ». ثم قال: «في سَبعٍ». لم يَنْزِلْ مِن سَبْعٍ. أخْرَجه أبو داودَ (¬3). قال أحمدُ: أكْثَرُ ما سَمِعْتُ أن يُخْتَمَ القُرْآنُ في أرْبَعِين. ولأنَّ تأخيرَه أكثَرَ مِن هذا يُفْضِي إلى نِسْيانِه والتَّهاوُنِ به، وهذا إذا لم يَكُنْ عُذْر، فأمَّا مع العُذْرِ فذلك واسعٌ. فصل: قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: قال ابنُ المُبارَكِ: إذا كان الشتاءُ فاخْتِمِ القُرْآنَ في أولِ الليْلِ، وإذا كان الصيفُ فَاخْتِمْه في أوَّلِ النهارِ. فكَأنه أعْجَبَه؛ لِما روَى طَلْحَةُ بنُ مُصَرّفٍ (¬4)، قال: أدْرَكْتُ أهلَ الخَيْرِ مِن صَدْرِ هذه الأمَّةِ يَسْتَحِبُّون الخَتْمَ في أولِ اللَّيْل، وأوَّلِ (¬5) النهارِ، يَقُولُون: إذا خَتَم في أولِ النهارِ صَلَّتْ عليه المَلائِكَةُ حتَّى يُمْسِيَ، وإذا خَتَم في أوَّلِ الليْلِ صَلَّتْ عليه المَلائكةُ حتَّى يُصْبِحَ. وقال بعضُ العُلَماءِ: ¬

(¬1) الهذُّ: سرعة القراءة. (¬2) الدقل: الرطب الرديء اليابس. (¬3) في الباب السابق كما أخرجه الدَّارميّ، في: باب في ختم القرآن، من كتاب فضائل القرآن. سنن الدَّارميّ 2/ 471. (¬4) أبو مُحَمَّد طلحة بن مصرف بن عمرو الهمداني الكُوفيّ، تابعي ثِقَة، توفى سنة اثنتى عشرة ومائة تهذيب التهذيب 5/ 25، 26. (¬5) في الأصل: «وآخر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ خَتْمَةَ النهارِ في رَكْعَتَي الفَجْر أو بعدَهما، وخَتْمةَ اللَّيْلِ في رَكْعَتَيِ المَغْرِبِ أو بعدَهما. فصل: وكَرِه أحمدُ قراءَةَ القُرْآنِ بالألْحانِ، وقال: هي بِدْعَةٌ، لِما رُوِيَ أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذَكَر في أشْراطِ السّاعَةِ أن يُتَّخَذَ القُرآنُ مَزامِيرَ، يُقَدِّمُون أحَدَهم ليس بأقرَئِهم ولا أفْضَلِهم، إلَّا ليُغنيهم غِناءً (¬1). ولأنَّ مُعْجزَةَ القُرْآنِ في لَفْظِه ونَظْمِه، والألْحانُ تُغَيره. قال شيخُنا (¬2): وكلامُ أَحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على الإفْراطِ في ذلك, بحيث يَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُرُوفًا، ويَمُدُّ في غير مَوْضِعِه. وأمّا تحْسِينُ القُرآنِ والترجِيعُ فلا يُكْرَهُ، فإن عبدَ اللهِ بنَ المُغفلِ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ. قال: فقَرَأ ابنُ مغَفل، ورَجَّعَ في قِراءَتِه. وفي لَفْظٍ، قال: قَرَأ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عامَ الفَتْحِ في مَسِيرٍ له سُورَةَ الفَتْحِ على راحِلَتِه، فرَجَّعَ في قِراءَتِه. قال مُعاوِيَةُ (¬3) بنُ قرَّةَ: لولا أنِّي أخافُ أن يَجْتَمعَ عليَّ النّاسُ لحَكَيْتُ لكم قراءَتَه. رَواهما مسلم (¬4). وفي لفظٍ ¬

(¬1) انظر: مسند الإِمام أَحْمد 3/ 494 وانظر: غريب الحديث، لأبي عبيد 2/ 141. (¬2) في: المغني 2/ 613. (¬3) في الأصل: «معاذ». (¬4) في: باب ذكر قراءة النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سورة الفتح ويوم فتح مكة، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 547. كما أخرجهما البُخَارِيّ، في: باب أين ركز النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الراية يوم الفتح، من كتاب المغازي، وفي: باب القراءة على الدابة، من كتاب فضائل القرآن، وفي: باب ذكر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ورواته عن ربه، من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 5/ 187، 6/ 238، 1/ 192. وأبو داود, في: باب استحباب الترتيل في القرآن، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 338 والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 54 - 56.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فقال (¬1): «أأ أ». وروَى أبو هُريَرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أذِنَ الله لِشَيْء كأذَنِه لِنَبِيٍّ يَتَغَنى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِه». رَواه مسلمٌ (¬2). وقال -صلى الله عليه وسلم-: «زَيِّنوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكمْ» (¬3). وقال: «لَيْس مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغنَّ بِالْقُرْآنِ». رَواه البخارِي (¬4). قال أبو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ: ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: باب استحسان تحسين الصوت بالقرآن، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 545. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من لم يتغنَّ بالقرآن، من كتاب فضائل القرآن، وفي: باب قول الله تعالى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}، من كتاب التوحيد، وفي: باب قول النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم-: الماهر بالقرآن. . . . إلخ، من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 6/ 235، 236، 9/ 173، 193. وأبو داود، في: باب استحباب الترتيل في القراءة، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 339. والنَّسائي، في: باب تزيين القرآن بالصوت من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 140. والدارمي، في: باب التغني بالقرآن، من كتاب الصلاة، وباب التغني بالقرآن، من كتاب فضائل القرآن. سنن الدَّارميّ 1/ 349، 350، 2/ 473، الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 271، 285, 450. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب استحباب الترتيل في القراءة، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 338. والنَّسائي، في: باب تزيين القرآن بالصوت، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 139، 140. وابن ماجه، في: باب في حسن الصوت، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 426. والدارمي، في: باب التغني بالقرآن، من كتاب فضائل القرآن. سنن الدَّارميّ 2/ 274. والإمام أَحْمد, في: المسند 4/ 283 , 285، 296، 304. (¬4) في: باب قول الله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ} من كتاب التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 9/ 188.كما أخرجه أبو داود، في: باب استحباب الترتيل في القراءة، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 339. والدارمي، في: باب التغني بالقرآن، من كتاب الصلاة، وفي: باب التغني بالقرآن, من كتاب فضائل القرآن. سنن الدَّارميّ 1/ 349، 2/ 471. الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 172، 175، 179.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَتَغَنَّى بالقرْآنِ يَسْتَغْنِي به. وقالت طائفَةٌ: مَعْناه يُحْسِنُ قِراءَتَه، ويَتَرَنَّمُ به، ويَرْفَعُ صَوْتَه به. كما قال أبو موسى للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لو عَلِمْتُ أنَّك تسْمَعُ قِراءَتِي لحبَّرتُه لك تَحْبِيرًا. وقال الشَّافعيّ: يَرْفَعُ صَوْتَه به. وقال أبو [عبدِ اللهِ] (¬1): يَقْرَأ بحُزْنٍ مثلِ صَوْتِ أبي موسى. وعلى كلِّ حالٍ فتَحْسِينُ الصوْتِ بالقُرْآنِ وتطريبُه مُسْتَحبٌّ، ما لم يَخْرُجْ بذلك إلى تَغْيِيرِ لَفْظِه، أو زيادَة حُرُوفٍ فيه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ. ورُوِيَ عن عائشةَ، أنها قالَت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: كُنْتُ أسمع قراءَةَ رجل في المَسْجِدِ لم أسمعْ قِراءَةً أحسنَ مِن قِراءته. فقام النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- فاسْتَمَعَ، ثم قال: «هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي جَعَلَ في أمتِي مِثْلَ هَذَا» (¬2). ¬

(¬1) في م: «عبيد». (¬2) أخرجه ابن ماجه، في: باب في حسن الصوت بالقرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 425. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 165.

503 - مسألة: (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار)

وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهارِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 503 - مسألة: (وصلاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن صلاةِ النهارِ) قد ذَكَرْنا النَّوافِلَ المعَيَّنَةَ. فأمَّا النَّوافِلُ المُطْلَقَةُ فتُسْتَحَبُّ في جَمِيع الأوْقاتِ، إلَّا في أوْقاتِ النُّهْيِ؛ لِما سيَأتي بَيانُه، إن شاء الله تعالى. وتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن تَطَوُّعِ النَّهارِ. قال أحمدُ: ليس بعدَ المَكْتُوبَةِ عندِي أفْضَلُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ. وقد أمِر النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بذلك، بقَوْلِه تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} (¬1). وكان قِيامُ اللَّيْلِ مَفْرُوضًا بقَوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} (¬2). ثم نُسِخ بآخِر السُّورَةِ. وعن أبي هُرَيرةَ، قال: قالَ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أفْضَلُ الصلَاةِ بَعدَ الْفَرِيضَةِ ¬

(¬1) سورة الإسراء 79. (¬2) سورة المزمل 1، 2.

504 - مسألة: (وأفضلها وسط الليل، والنصف الأخير أفضل من الأول)

وَأَفْضَلُهَا وَسَطُ الليْلِ، وَالنَّصْف الأخِيرُ أفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَاةُ (¬1) اللَّيْلِ». رَواه مسلمٌ، والتِّرمِذِي (¬2)، وقال: هذا حديث حسن. 504 - مسألة: (وأفْضَلُها وَسَطُ اللَّيْلِ، والنِّصْفُ الأخِيرُ أفْضَلُ مِن الأولِ) لِما روَى عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ (¬3)، قال: قلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أي اللَّيْلِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوْفُ اللَّيلِ الْآخِرِ، فَصَل مَا شِئْتَ». رَواه أبو داودَ (¬4). وقال النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ الليْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَام سُدُسَهُ» (¬5). وفي حديثِ ابن عباسٍ في ¬

(¬1) في م: «قيام». (¬2) أخرجه مسلم، في: باب فضل صوم المحرَّم، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 821 والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في فضل صلاة الليل، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 227. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صوم المحرم، من كتاب الصوم. عن أبي داود 1/ 566. والنَّسائي، في: باب فضل صلاة الليل، من كتاب قيام الليل وتطوع النهار. المجتبى 3/ 168. والدارمي، في: باب أي صلاة الليل أفضل، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 346. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 342، 344، 535. (¬3) في م: «عنبسة». (¬4) في: باب من رخص في صلاة الركعتين بعد العصر إذا كانت الشَّمس مرتفعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 294. كما أخرجه مسلم، في: باب إسلام عمرو بن عبسة، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 569 - 571. والنَّسائي، في: باب النهي عن الصلاة بعد العصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 224. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 396. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 111، 112، 385. (¬5) أخرجه مسلم، في: باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به. . . . إلخ، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 816. والنَّسائي، في: باب ذكر صلاة نبي الله داود عليه السلام بالليل، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 174، 175. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صيام داود عليه السلام، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 546. الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 160.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صِفَة تَهَجُّد رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه نام حتَّى انتصَفَ الليْلُ، أو قَبْلَه بقَليلٍ، أو بعدَه بقَلِيلٍ، ثم اسْتَيْقَظَ، فوَصَفَ تَهَجُّدَه، قال: ثم أوْتَرَ، ثم اضْطجعَ حتَّى جاءَه المُؤذِّنُ. وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَنامُ أولَ الليْلِ، ويُحْيى آخِرَه، ثم إن كان له حاجَةٌ إلى أَهْلِه قضَى حاجَتَه، ثم يَنامُ، فإذا كان عندَ النداء الأوَّلِ وَثب، فأفاضَ عليه الماءَ، وإن لم يَكُنْ له حاجَة تَوَضَّأْ. وقالت: ما ألْفَى رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- السَّحَرُ (¬1) الأعْلَى في بيتِي إلَّا نائِمًا. مُتَّفق عَلَيهِن (¬2). ولأنَّ آخِرَ اللَّيْل يَنْزِلُ فيه الرَّبُّ تَبارَكَ وتعالى إلى السماءِ الدُّنْيا؛ فرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَنْزِلُ رَبنا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى سَمَاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلثُ اللَّيلِ الْآخِرُ، فَيَقولُ: مَنْ يَدْعونِي فَأستَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْألني فَأعْطِيَه؟ وَمَنْ يَستغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟» (¬3) قال أبو عبدِ الله: إذا أغْفَى، يَعْنِي بعدَ التهَجُّدِ، فإنَّه لا يَبِينُ ¬

(¬1) في م: «من السحر». (¬2) حديث ابن عباس تقدم تخريجه في صفحة 119. وحديث عائشة الأول, أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من نام أول الليل وأحيى آخره، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 66. ومسلم، في: باب صلاة الليل. . . .، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 510. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب وقت الوتر، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 189. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 63، 102، 109, 253. وحديثها الثاني، أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من نام عند السحر، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 63. ومسلم، في: باب صلاة الليل. . . .، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 511. كما أخرجه أبو داود، في: باب وقت قيام النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- من الليل، من كتاب التطوع. عن أبي داود 1/ 203. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 161، 205، 270. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 66. =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه السَّهَرُ، فإذا لم يُغْفِ يَبِينُ عليه. فصل: ويُسْتَحبُّ أن يقولَ عندَ انْتِباهِه ما روَى عُبادَة، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ الليْلِ، فَقَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرٍ، الحَمدُ لله وَسبحَانَ الله، وَلَا إلَهَ إلَّا الله، وَاللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي. أوْ دَعَا، اسْتُجيبَ لَهُ، فَإنْ تَوَضَّأ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُه». رَواه البُخارِي (¬1). وعن ابنِ عباس، قال: ¬

= ومسلم، في: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل. . . .، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 521 - 523. وأبو داود، في باب أي الليل أفضل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 303. والتِّرمذيّ، في: ما جاء في نزول الرب عز وجل إلى السماء الدنيا كل ليلة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 233. وابن ماجه، في: باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 435. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 258، 264، 265، 267، 282، 419, 433, 487, 504, 521. (¬1) في: باب فضل من تعارَّ من الليل فصلى، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 68. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول الرَّجل إذا تعارَّ من الليل، من كتاب الأدب. سنن أبي داود 2/ 609. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الدعاء، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 12/ 297، 298. وابن ماجه, في: باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل، من كتاب الدعاء. سنن ابن ماجه 2/ 1276. والدارمي، في: باب ما يقول إذا انتبه من نومه، من كتاب الاستئذان. سنن الدَّارميّ 2/ 291.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام يَتَهَجَّدُ مِن اللَّيْل، قال: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنتَ قَيَّامُ (¬1) السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِك السَّمَوَاتِ وَالأرْض وَمَن فِيهِن، وَلَكَ الحَمْدُ، أنتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤكَ حَقٌّ، وَالجَنةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنبِيُّونَ حَقٌّ، وَمحَمَّد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَقٌّ، اللَّهُم لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِك آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكلْتُ، وإلَيْكَ أنبْتُ، وَبك خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدمْتُ وَمَا أخرْتُ، وَمَا أسررْت وَمَا أعْلَنْتُ، أنتَ المُقَدِّمُ وَأنتَ المُؤخرُ، لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك (¬2)». مُتَّفَق عليه (¬3). وفي مسلم: «أنتَ رَبُّ السمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ». ¬

(¬1) في الأصل: «قيوم» قال النووي: من صفاته القيام والقيم، كما صرح به في هذا الحديث, القيوم بنص القرآن، وقائم. شرح صحيح مسلم 6/ 54. (¬2) في م: «بالله». (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب التهجد بالليل, من كتاب التهجد، وفي: باب الدعاء إذا انتبه بالليل، من كتاب الدعوات، وفي: باب قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ}، وباب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وباب قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ}، من كتاب =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وفيه: «أَنْتَ الَهِي لَا الَهَ إلَّا أَنْتَ». وعن عائشةَ، قالت: كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام مِن الليلِ افْتَتَح صَلاتَه، قال: «اللَّهُمَّ رَب جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ، فاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشهَادَةِ، أنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا (¬1) فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقيم». [رَواه مسلم] (¬2) (¬3). ¬

= التوحيد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 60، 61، 8/ 86، 87، 9/ 143، 144، 162، 175 ومسلم، في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 532، 533. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 178. والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول إذا قام من الليل إلى الصلاة، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 12/ 300 , 301. والنَّسائي، في: باب ذكر ما ينفتح به القيام، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 170، 171. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرَّجل من الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 430، 431. والدارمي، في: باب الدعاء عند التهجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 348، 349. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الدعاء، من كتاب القرآن. الموطأ 1/ 215، 216. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 298، 308، 358. (¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 532 - 534. كما أخرجه أبي داود، في: باب ما يتفتح به الصلاة من الدعاء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 177. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء من الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 12/ 305. والنَّسائي، في: باب بأي شيء تستفتح الصلاة، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 173. وابن ماجه، في باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرَّجل من الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 431، 432. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 156.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَسَوَّك؛ لِما روَى حُذَيْفَةُ، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام مِن الليْلِ يَشُوصُ فاهُ بالسواكِ. مُتفَق عليه (¬1). وعن عائشةَ، قالت: كُنا نُعِدُّ لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سِواكَه وطَهورَه، فيَبْعَثُه الله ما شاء أن يَبْعَثَه، فيَتَسوكُ، ويَتَوَضأ، ويُصَلِّي. أخْرَجَه مسلمٌ (¬2). ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَه برَكْعَتَيْن خَفِيفَتيْن، لِما روَي أبو هُرَيرةَ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذا قامَ أحَدُكُم مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتهُ بِرَكْعَتَيْن خَفِيفتَيْنِ» (¬3). وعن زيدِ بنِ خالِدٍ، أنَّه قال: لَأرْمُقَنَّ صلاةَ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الليلَةَ, فصلى رَكْعَتَيْن خَفِيفَتَيْن، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن طَويلَتَيْن طَوِيلَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، وهُما دُونَ اللَّتَيْن قَبْلَهما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْن قَبْلَهما، ثم صَلى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْن قبْلَهما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهما، ثم أوْتَرَ، فذلك ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَة. وقال ابنُ عباسٍ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشرةَ رَكْعَةً. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 244. (¬2) تقدم تحريجه في صفحة 118. (¬3) أخرجه مسلم، في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 532. وأبو داود، في: باب افتتاح صلاة الليل بركعتين، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 304. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 399.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أخْرَجَهما مسلمٌ (¬1). وقد اخْتُلِف في عَدَدِ الركَعاتِ في تَهَجدِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ففي هذين الحَدِيثَيْن أنَّه ثَلاثَ عشرَةَ رَكْعَةً، وقالت عائشة: ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا في غيره على إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلى أرْبَعًا، فلا تَسألْ عن حُسنِهِن وطُولِهِنَّ، ثم يصَلِّي أربَعًا فلا تَسْألْ عن حُسْنِهِن وطُولهِن، ثم يُصَلى ثلاثًا. وفي لفظٍ [قالت: كانت صَلاتُه في رمضان وغيرِه بالليْلِ ثَلاثَ عشرَةَ رَكْعَةً، منها الوِتْرُ ورَكْعَتا الفَجْرِ. وفي لفْظٍ] (¬2). كان يصلي ما بينَ صلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِن (¬3) كلِّ رَكْعَتَيْن، ويُوتِرُ بواحِدةٍ. مُتَّفَق عليهن (¬4). فلَعَلَّها لم تَعُد الركْعَتَيْن الخفِيفَتَيْن اللَّتَيْن ذَكَرَهما غيرُها، ويَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى في لَيْلَةٍ ثَلاثَ عَشرةَ، وفي لَيْلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ. فصل: ويُسْتَحبُّ أن يَقْرَأَ جُزْءَه (¬5) مِن القُرْآن في تَهَجدِه؛ فإنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْعَلُه. وهو مُخَيَّر بينَ الجَهْرِ في القِراءَةِ والإسْرارِ، فإن كان ¬

(¬1) الأول في: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 531، 532. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 314، 315. وابن ماجه، في: باب ما جاء في كم يصلي بالليل، عن كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 433. والإمام مالك، في: باب صلاة النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الوتر، من كتاب صلاة الليل. الموطأ 1/ 122. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 193. والثاني أخرجه مسلم، في الباب السابق، كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب كيف كانت صلاة النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وكم كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصلي من الليل، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 64. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) في م: «بين». (¬4) تقدم في صفحة 115. (¬5) في م: «حزبه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الجَهْرُ أنشَطَ له في القِراءَةِ، أو بحَضرتِه مَن يَسْتَمِعُ قِراءَتَه، أو يَنْتَفِعُ بها، فالجَهْرُ أفْضَلُ، وإن كان قرِيبًا منه مَن يَتَهَجَّدُ، أو مَن يَسْتَضِرُّ برَفْعِ صَوْتِه، فالإسْرارُ أوْلى؛ لِما روى أبو سعيدٍ، قال: اعْتَكَفَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في المَسْجِدِ، فسمِعَهم يَجْهَرُون بالقِراءَةِ، فكَشفَ السترَ (¬1)، فقال: «ألَا إنَّ كلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضكمْ عَلَى بَعْض في الْقِراءَة». أو قال: «في الصلَاةِ». رواه أبو داودَ (¬2). وإلا فلْيَفْعَلْ ما شاء. قَالَ عبدُ الله بنُ أبي قَيْس: سَألْتُ عائشةَ: كيف كانت قِراءَةُ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ فقالت: ربما أسَرَّ ورُبَّما جَهَر (¬3). قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابنُ عباس: كانت قِراءَةُ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على قدْرِ ما يَسْمَعه مَن في الحُجْرَةِ، وهو في البَيْتِ. رَواه أبو داودَ (¬4). وعن أبي قَتادَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج، فإذا هو بأبي بكر يُصَلى، يَخْفِضُ مِن (¬5) صَوْتِه، ومَرَّ بعُمَرَ وهو يُصَلِّي رافِعًا صَوْتَه، ¬

(¬1) في الأصل: «السترة». (¬2) في: باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 306. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 94. (¬3) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء وقراءة الليل، من أبواب الصلاة، وفي: باب ما جاء كيف كان قراءة النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب ثواب القرآن. عارضة الأحوذى 2/ 238، 11/ 43. والنَّسائي، في: باب كيف القراءة بالليل، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 184. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 430. (¬4) في: باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 305 كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 271. (¬5) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: فلَما اجْتَمَعا عندَ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَا أَبا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بكَ وَأنتَ تصلِّي تخْفِضُ صَوْتَكَ» قال: إنِّي أسْمَعْتُ مَن ناجيْتُ يَا رسولَ اللهِ. قال: «ارْفَعْ قَلِيلًا». وقال لعُمَرَ: «مَرَرْتُ بِكَ وَأنتَ تُصَلى رَافِعا صَوْتَكَ». قال: فقال: يَا رسولَ الله أوقِظُ الوَسنانَ، وأطْرُدُ الشيطانَ. قال: «اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا». رَواه أبو داودَ (¬1). فصل: ومَن كان له تَهَجُّدٌ ففاتَه، اسْتُحب له قضاؤه بينَ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ (¬2) الظهْرِ؛ لقَوْل رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، فَقَرَأهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْل». وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا عَمِل عَمَلًا أَثْبَتَه، وكان إذا نام مِن الليلِ، أو مَرِض، صلى مِن النهارِ ثِنْتَى عشرةَ رَكْعَة. قالت: وما رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام لَيْلَة حتَّى الصباحِ، وما صام شَهْرًا مُتَتابِعًا إلَّا رمضان. أخْرَجَهما مسلمٌ (¬3). ¬

(¬1) في: الباب السابق. سنن أبي داود 1/ 305، 306. (¬2) سقط من: م. (¬3) في: باب جامع صلاة الليل، ومن قام عنه أو مرض، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 514، 515. والأول أخرجه أَيضًا أبو داود، في: باب من نام عن حزبه، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 302، 303. والتِّرمذيّ، في: باب ما ذكر في من فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 61. والنَّسائي، في: باب متى يقضى من نام عن حزبه من الليل، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 216. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من نام عن حزبه من الليل، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 426. والدارمي، في: باب إذا نام عن حزبه من الليل، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 346. والإمام مالك، في: باب ما جاء في تحزيب القرآن، من كتاب القرآن. الموطأ 1/ 200.

505 - مسألة: (وصلاة الليل مثنى مثنى، فإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس، والأفضل مثنى)

وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى. وإنْ تَطوَّعَ في النَّهَارِ بِأرْبَعٍ فَلَا بَأسَ، وَالْأَفْضَلُ مَثْنَى. ـــــــــــــــــــــــــــــ 505 - مسألة: (وصلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإن تَطوَّعَ في النهارِ بأرْبعٍ فلا بَأسَ، والأفْضَلُ مَثْنَى) قَوْلُه، مَثْنَى مَثْنَى. يَعْنِي يُسَلِّمُ مِن كلِّ ركْعَتَيْن. والتَّطَوُعُ قِسْمان؛ تَطوُّعُ الليْلِ، وتَطَوُّعُ النهارِ، فلا يَجُوزُ [تَطوُّعُ اللَّيْلِ] (¬1) إلَّا مَثْنَى مَثْنَى. وهذا قولُ كثير مِن أهْلِ العِلْمِ؛ منهم أبو يُوسُف، ومحمدٌ. وقال القاضي: لو صَلى سِتًّا في لَيْلٍ أو نَهارٍ، كُرِهَ, وصَحَّ. وقال أبو حنيفةَ: إن شِئْتَ رَكْعَتيْن، وإن شِئْتَ أرْبَعًا، وإن شِئْتَ سِتًّا، وإن شِئْتَ ثَمانِيًا. ولَنا، قَوْل النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاة الليل مَثْنَى مثْنى». مُتَّفَق عليه (¬2). ¬

= والثاني أخرج صدره أبو داود, في: باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 315. والنَّسائي، في: باب المصلى يكون بينه وبين الإمام سترة، من كتاب القبة، وفي: باب قيام الليل، وباب الاختلاف على عائشة، من كتاب قيام الليل، وفي: باب ذكر اختلاف الناقلين في عائشة فيه، وباب صوم النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأبي هو أمي، من كتاب الصيام. المجتبى 2/ 53، 3/ 163، 178، 4/ 125، 169. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 109. (¬1) في الأصل: «التطوع بالليل». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 11، 12.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا صلاةُ النهارِ فتَجُوزُ أرْبَعًا، فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ. وقال إسحاقُ: صلاةُ النَّهارِ أخْتارُ أرْبَعًا، وإن صَلَّى رَكْعَتَيْن جاز؛ لِما رُوِيَ عن أبي أَيوب، عن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «أرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا يُسَلَّمُ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهنَّ أبوَابُ السَمَاءِ». رَواه أبو داودَ (¬1). [والأفْضَلُ مَثْنَى. وقال إسحاقُ: الأفْضَلُ أرْبَعًا. ويُشْبِهُه قَوْلُ الأوْزاعِي، وأصْحاب الرأيِ، وحديثُ أبي أيوبَ. ولَنا، ما روَى عليُّ بنُ عبدِ الله البارِقي، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «صلَاةُ اللَّيْلِ وَالنهَار مَثْنَى مَثْنَى». رَواه أبو داود] (¬2). ولأنه أبْعَد [مِن السهْوِ] (¬3)، وأشبَهُ بصلاةِ اللَّيْلِ. وتَطَوعات النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- في الصَّحِيحِ رَكْعَتان. وذَهَب الحَسَنُ، وسَعِيد بنُ جُبَيْر، ومالك، إلى أنَّ تَطَوُّعَ النَّهارِ والليْلِ (¬4) مَثنَى مَثنَى؛ لحديثِ علي ابنِ عبدِ الله البارِقيِّ، وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي أَيوبَ، وحديثُ البارِقي تَفَرّدَ بذِكْرِ النَّهارِ مِن بينِ سائِرِ الرُّواةِ، ونَحْمِلُه على الفَضِيلَةِ جَمعًا بينَ الحَدِيثَيْن. ¬

(¬1) في: باب الأربع قبل الظهر، بعدها، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 292. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب في الأربع ركعات قبل الظهر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 365، 366. (¬2) سقط من الأصل. وحدث ابن عمر أخرجه أبو داود، في: باب صلاة النهار، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 298. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 419. (¬3) في م: «للسهو». (¬4) سقط من م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال بعضُ أصحابِنا: لا تجوز الزيادة في النَّهارِ على أربع. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقِي. وقال القاضِي: يَجُوز ويكْرهُ. ولَنا، أنَّ الأحْكامَ إنما تُتَلَقَى مِن الشارِعِ، ولم يَرِدْ شيءٌ مِن ذلك. واللهُ أعلمُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ التنفّل بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ؛ لِما روِيَ عن أنس ابنِ مالكٍ في هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} (¬1). الآيةُ. قال: كانوا يَتَنَفلون بينَ المَغْرِب والعِشاءِ، يُصَلُّون. رَواه أبو داود (¬2). وعن عائشةَ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغرِبِ عِشْرِين رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَه بَيْتًا في الْجَنة» (¬3). قال الترمِذِي: هذا حديثٌ غريبٌ. فصل: وما وَرَد عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- تَخْفِيفُه أو تَطْوِيلُه، فالأفْضَلُ اتباعُه فيه؛ فإنَّه عليه السلامُ لا يَفْعَل إلَّا الأفْضَلَ، وقد ذَكَرْنا بعضَ ما كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُخَفِّفُه ويُطولُه. وما عَدا ذلك، ففيه ثَلاث رِواياتٍ؛ إحْداها، الأفْضَل كَثْرَةُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، لقَوْلِ ابنِ مسعودٍ: إنِّي لأعْلَمُ النَّظائِرَ التي كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقْرِنُ بينَهُنَّ سُورَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ، عِشْرُون ¬

(¬1) سورة السجدة 16. (¬2) في: باب قيام النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- من الليل، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 304. (¬3) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في فضل التطوع وست ركعات بعد المغرب، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 225.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سُورَةٌ مِن المُفَصَّلِ. رَواه مسلمٌ (¬1). ولقَولِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسجدُ سَجْدَةً، إلَّا كتب اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَة، وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً» (¬2). والثَّانِيَةُ، التَّطْوِيل أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أفْضَلُ الصلَاةِ طُولُ (¬3) القُنُوتِ». رَواه مسلم (¬4). ولأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان أكْثَرَ صلَاته التَّهَجدُ وكان يُطِيلُه، على ما قد ذَكَرْنا. والثالثةُ، هما سَواءٌ؛ لتَعارُضِ الأخْبارِ في ذلك. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 618. (¬2) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 179، 180. والنَّسائي، في: باب ثواب من سجد لله عز وجل سجدة، من كتاب التطبيق. المجتبى 3/ 180، 181. وابن ماجه، في: باب ما جاء في السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 457. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 276. (¬3) سقط من: م. (¬4) في: باب أفضل الصلاة طول القنوت، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 520. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في طول القيام في الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 178، 176. وابن ماجه، في: باب ما جاء في طول القيام في الصلوات، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 456. والدارمي، في: باب أي الصلاة أفضل, من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 331. الإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 302، 391، 412.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والتطَوُّعُ في البَيْتِ أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «عَليْكُمْ بِالصلَاةِ في بُيُوتِكمْ، فَإِنْ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيتهِ إلَّا الْمكْتُوبَة». وقال عليه السَّلامُ: «إذا قضَى أحدُكُمُ الصلَاةَ في مَسْجِدِه، فَلْيَجْعَلْ لِبَيتهِ نَصيبًا مِنْ صَلَاِتهِ؛ فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ في بَيتهِ مِنْ صَلَاِتهِ خَيْرًا». رَواهما مسلم (¬1). وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «صَلَاةُ المَرْءِ في بَيتهِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ في مَسْجدِي هذَا, إلَّا الْمكْتُوبَةَ». رَواه أبو داودَ (¬2). ولأن الصَّلاة في البَيْتِ أَقرَبُ إلى الإخْلاصِ، وأَبْعَدُ مِن الرياءِ، وهو مِن عَمَلِ السرِّ، والسرُّ أفْضَلُ مِن العَلانِيَة. فصل: ويُسْتَحَب أن يكونَ للإنْسانِ تَطوعاتٌ يُداوِمُ عليها، وإذا فاتَت يَقْضِيها؛ لقَوْلِ عائشةَ: سئِل رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أي الأعْمالِ أفْضَل؟ قال: ¬

(¬1) في: باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 539، 540. كما أخرج الأول البُخَارِيّ، في: باب صلاة الليل من كتاب الأذان، وفي: باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله، عن كتاب الأدب، وفي: باب ما يكره عن كثرة السُّؤال وتكلف ما لا يعنيه، عن كتاب الاعتصام. صحيح البُخَارِيّ 1/ 186، 8/ 34، 9/ 117 والتِّرمذيّ، في: باب في فضل صلاة التطوع في البيت من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 239. والنَّسائي، في: باب الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 161. والدارمي، في: باب صلاة التطوع في أي موضع أفضل، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 317. والإمام مالك، في: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، عن كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 130. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 182، 184، 186، 187. وأخرج الثاني ابن ماجه، في: باب ما جاء في التطوع في البيت، من كتاب إقامة الصلاة. عن ابن ماجه 1/ 438. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 15، 59، 316. (¬2) في: باب في فضل التطوع في البيت، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 333.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «أدْوَمُهُ وَإنْ قَلَّ». مُتفَق عليه (¬1). وقالت: كان النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلى صلاةً أحَبَّ أن يُداوِم عليها، وكان إذا عَمل عَمَلًا أَثْبَتَه. رَواه مسلم (¬2). وقال ابنُ عَمْرٍو (¬3). قال لي رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ الليْلَ، فَتَرَكَ [قِيامَ اللَّيْلِ] (¬4)». مُتَّفَق عليه (¬5). ولأنه إذا قَضَى ما تَرَك مِن تَطَوُّعِه، كان أبعَدَ له مِن التَّرْكِ. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب أحب الدين إلى الله أدومه، من كتاب الإيمان, وفي: باب الجلوس على الحصير ونحوه، من كتاب اللباس، وفي: باب القصد والمداومة على العمل، من كتاب الرقاق. صحيح البُخَارِيّ 1/ 17، 7/ 200، 8/ 122. ومسلم، في: باب فضيلة العمل الدائم، من كتاب صلاة المسافرين، وفي: باب صيام النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في غير رمضان، من كتاب الصيام، وفي: باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، من كتاب المنافقين. صحيح مسلم 1/ 540، 541، 2/ 809، 4/ 2171. كما أخرجه النَّسائيّ, في: باب المصلى يكون بينه وبين الإِمام سترة، من كتاب القبلة، وفي: باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، من كتاب قيام الليل. المجتبى 2/ 53 , 3/ 178. وابن ماجه، في: باب المداومة على العمل، من كتاب الزهد. سنن ابن ماجه 2/ 1416. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 40, 61، 125, 165, 176, 180, 199, 231, 241, 268, 273. (¬2) في: باب جامع صلاة الليل، وباب فضيلة العمل الدائم، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 515، 541. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب هل يختص شيئًا من الأيام، من كتاب الصوم، وفي: باب القصد والمداومة على العمل، من كتاب الرقاق. صحيح البُخَارِيّ 3/ 55، 8/ 122. والنَّسائي، في: باب المصلي يكون له وبين الإِمام سترة، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 53. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 43, 55، 84، 95، 109، 128، 174، 189، 233، 244، 250. (¬3) في الأصول: «ابن عمر». والمثبت هو الصواب، كما في المصادر. (¬4) في م: «القيام فنام الليل». (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب ما يكره من ترك قيام الليل، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 68. ومسلم، في: باب النهي عن صوم الدهر، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 814.

506 - مسألة: (وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، ويكون في حال القيام متربعا)

وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَيَكُونُ في حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويَجُوزُ التَّطوُّعُ في جَماعَةٍ وفرادَى؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل الأمْرَيْن كِلَيْهما، وكان أكثرُ تَطَوُّعِه مُنْفَرِدًا، وصَلَّى بحُذَيْفةَ مَرة (¬1)، وبابنِ عباسِ مَرةً (¬2)، وبأنَس وأمه واليَتيمِ مَرة (¬3)، وأمَّ أصْحابَه في ليالي رمضان ثَلاثًا (¬4). وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك فيما مَضَى، وسنَذْكُرُ الباقِيَ، إن شاء اللهُ تعالى، وهي كلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ. 506 - مسألة: (وصلاةُ القاعِدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِمِ، ويَكُونُ في حالِ القِيامِ مُتَربعًا) يَجُوزُ التَّطَوعُ جالِسًا مع القُدْرَةِ على القِيامِ، ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، من كتاب صلاهَ المسافرين. صحيح مسلم 1/ 536. وأبو داود، في: باب ما يقول الرَّجل ركوعه وسجوده، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 201. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 63. والنَّسائي، في: باب تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب، من كتاب الافتتاح, في: باب الذكر في الركوع، وباب الدعاء بين السجدتين، من كتاب التطبيق، وفي: باب تسوية القيام والركوع. . . .، من كتاب قيام الليل. المجتبى 2/ 137، 149، 183، 3/ 184. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 384، 397. (¬2) تقدم تخريجه لي صفحة 119. (¬3) يأتي في صفحة 403. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 162.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، والصلاةُ قائِمًا أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «من صَلى قَائِمًا فَهُوَ أفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قاعِدا فَلَهُ نِصْف أجْر الْقَائِمِ». مُتفَق عليه (¬1). وفي لَفْظِ مسلم: «صَلَاةُ الرجُلِ قاعِدًا نِصْف الصلَاة» (¬2). وقالت عائشةُ: إنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَمُتْ حتَّى كان كَثِيرٌ (¬3) مِن صلَاتِه وهو جالِس. رَواه مسلمٌ (¬4). ولأن كَثِيرًا مِن النَّاس يَشُقُّ عليه طُولُ القِيامِ، فلو وَجَب في التَّطوُّعِ لتُرِكَ أكْثَرُه، فسامَحَ الشارِعُ في تَرْكِ القِيامِ فيه تَرْغيبًا في تَكثِيرِه، كما سامَحَ في فِعْلِه على الرّاحِلَةِ في السفَرِ، وسامَح في نِيةِ صَوْمِ التطوُّعِ مِن النهارِ ¬

(¬1) كذا ذكر المؤلف، ولم يخرجه مسلم، انظر: تحفة الأشراف 8/ 184. وإنما أخرج التالى، ويأتي. وهذا الحديث أخرجه البُخَارِيّ، في: باب صلاة القاعد، وباب صلاة القاعد بالإيماء، من كتاب التقصير. صحيح البُخَارِيّ 2/ 59. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة القاعد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 218. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء أن صلاة القاعد. . . . إلخ، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوازي 2/ 165، 166. والنَّسائي، في: باب فضل صلاة القائم على صلاة النائم، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 183. وابن ماجه، في: باب صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. سنن ابن ماجه 1/ 388. الإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 433، 435، 442، 443. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب جواز النافلة قائمًا وقاعدا، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 507. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة القاعد، من كتاب الصلاة. عن أبي داود 1/ 218. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 192، 193، 203. (¬3) في م: «كان يصلي كثيرًا». (¬4) في: باب جواز النافلة قائمًا، قاعدًا، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 506.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويسْتَحَبّ للمُتَطوعِ جالِسًا أن يكونَ في حالِ القِيامِ مُتَرَبِّعًا، رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأنس، وابنِ سِيرِينَ، ومالك، والثوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ. وعن أبي حنيفةَ، كقَوْلِنا. وعنه، يَجْلِسُ كيف شاء؛ لأن القِيامَ سَقَط، فسَقَطَت هَيْئته. ورُوىَ عن (¬1) ابنِ المسَيبِ، وعُرْوَةَ، وابنِ سِيرِينَ، وعُمَرَ بين عبدِ العزيز، أنَّهم كانوا يَحْتَبُون في التَّطوُّع. واخْتُلِفَ فيه عن عَطاء، والنخَعيِّ. ولَنا، ما رُوِي عن أنس، أنَّه صَلى مُتَرَبعًا. ولأن ذلك أبعَدُ مِن السَهوِ والاشْتِباهِ، ولأنَّ القِيامَ يُخالِف القُعُودَ، فيَنْبَغِي أن تُخالِفَ هيْئته في بَدَلِه هَيْئَةَ غيرِه، كمُخالَفَةِ القِيامِ غيرَه، ولا يَلْزَمُ مِن سُقُوطِ القِيامِ لمَشَقَتِه سُقُوطُ ما لا مشقَّةَ فيه، كمَن سَقَط عنه الركُوعُ والسجودُ، ولا يَلْزَمُ سُقوطُ الإيماءِ بهما. وهذا الذي ذَكَرْنا مِن صِفةِ الجُلُوس مُسْتَحَب غيرُ واجِبٍ، إذ (¬2) لم يَرِدْ بإيجابه دَلِيل. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في الأصل، تش: «إذا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويثْنِي رِجْلَيْه في الركُوعِ والسُّجُودِ. كذلك ذَكرَه الخِرَقيُّ؛ لأنَّ ذلك يروَى عن أُنسٍ، وهو قولُ [سعيدِ بنِ جُبَيْر و] (¬1) الثَّوْرِي. وحُكِيَ عن أحمدَ، وإسحاقَ، أنَّه لا يَثْنِي رِجْلَيْه إلَّا في السُّجُودِ خاصةً، ويكونُ في الركُوعِ على هَيْئَةِ القِيامِ. وحكاه أبو الخطابِ. وهو قولُ أبي يوسفَ، ومحمَّد، وهو أقْيَسُ؛ لأن هَيْئَةَ الرَّاكِع (¬2) في رِجْلَيْه هَيْئَةُ القائِمِ، فيَنْبَغِي أن يكونَ على هَيْئَتِه. قال شيخُنا (¬3): وهذا أصَحُّ في ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) والأصل: «الركوع». (¬3) في: المغني 2/ 569.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّظرَ، إلَّا أن أحمدَ ذَهَب إلى فِعْلِ أَنَسٍ، وأخَذَ به. وهو مُخيَّرٌ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إن شاء مِن قِيام، وإن شاء مِن قُعُودٍ؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل الأمْرَيْن. قالت عائشةُ: لم أر رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى صلاةَ اللَّيْلِ قاعِدًا قَط، حتَّى أسَن، فكانَ يَقْرأ قاعِدًا، حتَّى إذا أراد أن يَرْكَعَ، قام فقَرَأ نَحْوًا مِن ثَلاثِين آيَةً، أو أرْبَعِين آيَة، ثم رَكَع. مُتَّفَق عليه (¬1). وعنها، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يصَلى لَيْلًا طَوِيلا قائمًا, ولَيْلًا طَوِيلًا قاعِدًا، وكان إذا قَرَأ وهو قائِم رَكَع وسَجد وهو قائِمٌ، وإذا قَرَأ وهو قاعِد رَكَع وسَجَد وهو قَاعِدٌ. رَواه مسلمٌ (¬2). ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا صلى قاعدًا، من كتاب التقصير، وفي: باب قيام النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالليل، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 60، 67. ومسلم، في: باب جواز النافلة قائمًا، قاعدًا، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 505. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة القاعد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 218. والنَّسائي، في: باب كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائمًا، من كتاب قيام الليل. المجتبى 3/ 179، 180. وابن ماجه، في: باب في صلاة النافلة قاعدًا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 387. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صلاة القاعد في النافلة، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 137. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 52، 127، 178، 231. (¬2) في: باب جوز النافلة قائمًا، قاعدًا، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 504، 505. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة القاعد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 219. والتِّرمذيّ في: باب ما جاء في الرَّجل يتطوع جالسًا، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 168. وابن ماجه، في: باب في صلاة النافلة قاعدًا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 388. والإمام أَحْمد، في المسند 6/ 30، 98، 100، 113 , 166، 204، 217، 227، 262، 265.

507 - مسألة: (وأدنى صلاة الضحى ركعتان، وأكثرها ثمان، ووقتها إذا علت الشمس)

وَأدْنَى صَلَاةِ الضُّحَى رَكْعَتَانِ، وَأكثرُهَا ثَمانٍ، وَوَقْتُهَا إِذَا عَلَتِ الشَّمْسُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 507 - مسألة: (وأدْنَى صلاةِ الضُّحَى رَكْعَتان، وأكْثَرها ثَمانٍ، ووَقْتُها إذا عَلَتِ الشمسُ) صلاةُ الضُّحَى مُستحَبةٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أوْصاني خَلِيلى بثَلاث؛ صِيامِ ثَلاثةِ أيام مِن كلِّ شَهرٍ، ورَكْعَتَيِ الضُّحَى، وأن أُوترَ قبلَ أن أنامَ. وعن أبي الدَّرداءِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نحوُه. مُتَّفق عليه (¬1). وروَى أبو ذَرٍّ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى (¬2) مِنْ أحَدِكُمْ صَدَقَة، فَكُلُّ (¬3) تَسْبِيحَةٍ صَدَقةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَة صَدَقَة، وَأمْر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقةٌ، وَنَهْى عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَة، ويُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يركَعُهُما مِنَ الضُّحَى». رَواه مسلم (¬4). وأقلُّ صَلاةِ الضُّحَى رَكْعَتان لهذا الحَدِيثِ. قال أصْحابُنا: وأكثَرُها ثَمانِي رَكَعاتٍ؛ لِما رَوَت أمُّ هانِئٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- دخل بَيْتَها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وصَلَّى ثَمانِي رَكَعاتٍ، فلم أر صلاةً قَطُّ أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه يتمَّ الركُوعَ والسُّجُود. مُتَّفَق عليه (¬5). ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أكثَرُها اثنَتَى عشرةَ رَكْعَة؛ لِما روَى أنس، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 113 من حديثهما. (¬2) سُلامى: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله. (¬3) في الأصل: «فبكل». (¬4) في: باب استحباب صلاة الضحى. . . . إلخ, من كتاب صلاة المسافرين, وفي: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، من كتاب الزكاة. صحيح مسلم 1/ 498، 499، 2/ 697، 698. كما أخرجه أبو داود، في: باب صلاة الضحى، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 295، 296. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في صنائع المعروف، من أبواب البر. عارضة الأحوذى 8/ 134. الإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 167، 168، 178. (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من تطوع في الفرد في السفر غير دبر الصلوات، وقبلها، وركع النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ركعتي الفجر في السفر، من كتاب التقصير وفي: باب صلاة الضحى في السفر، من كتاب التهجد، وفي: باب منزل النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يوم الفتح، من كتاب المغازي. صحيح البُخَارِيّ 2/ 57، 73 , 5/ 189. ومسلم، في: باب استحباب صلاة الضحى. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 497، 498. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في صلاة الضحى، من أبواب الوتر عارضة الأحوذى 2/ 258. والدارمي، في: باب صلاة الضحى، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 338. والإمام مالك، في: باب صلاة الضحى، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 152، والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 342.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يقولُ: «مَنْ صلي الضُّحَى ثِنْتَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى الله لَهُ قصْرًا في الْجَنَّةِ - مِنْ ذَهَبٍ». رَواه ابنُ ماجه، والتِّرمذيّ (¬1)، وقال: حديثٌ غريبٌ. وأفْضَلُ وَقْتِها إذا عَلَتِ الشَّمسُ واشْتَدَّ حَرُّها؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ ترمَضُ الْفِصَالُ (¬2)». رَواه مسلمٌ (¬3). ويَمْتَدُّ وَقْتُها إلى زَوالِ الشَّمس، وأوَّلُه حينَ تَبْيَضُّ الشمسُ. فصل: قال بعضُ أَصْحابِنا: لا تُسْتَحَبُّ المُداوَمَةُ عليها؛ لأن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يكنْ يُداوِمُ عليها. قالت عائشةُ: ما رَأيتُ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّى ¬

(¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في صلاة الضحى، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذي 2/ 257. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الضحى، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 439. (¬2) أي حين تحترق أخفاف الفصال، وهي الصغار من أولاد الإبل، من شدة الحر. (¬3) في: باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 516. كما أخرجه الدَّارميّ، في: باب في صلاة الأوابين، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 340. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 366، 367، 372، 375.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الضُّحَى قَطُّ. مُتَّفَقْ عليه (¬1). وعن عبدِ الله بنِ شَقِيقٍ، قال: قُلْتُ لعائشة: أكان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي الضُّحَى؟ قالَتْ: لا، إلَّا أن يَجِيءَ مِن مَغيبه. رَواه مسلمٌ (¬2). وقال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي لَيْلَى: ما حَدثَنِي أحدٌ قَط أنَّه رَأى النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أم هانِئٍ، فإنَّها حَدَّثَتْ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- دَخَل بَيْتَها يَوْمَ فتحِ مَكةَ، فصَلى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، ما رأيتُه قَط صَلى صلاة أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه كان يتم الركُوعَ والسجُودَ مُتفَق عليه (¬3). ولأنَّ في المُداوَمَةِ عليها تَشْبِيهًا بالفَرائِض. وقال أبو الخطَّابِ: تُسْتَحَب المُداوَمَة عليها؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَصى بها أصحابَه، وقال: «منْ حَافَظَ عَلَى شَفْعَةِ (¬4) الضُّحَى غُفِرَتْ لَهُ ذنوبُهُ وَإنْ كَانَتْ مثْلَ زَبد البَحْرِ». رَواه الترمِذِي، وابنُ ماجه (¬5). ورَوَتْ عائشة، قالَتْ: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى الضُّحَى أرْبَعًا، ويزيدُ ما شاء اللهُ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب تحريض النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، من كتاب التهجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 62. ومسلم، في: باب استحباب صلاة الضحى، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 497. (¬2) في الباب السابق. صحيح مسلم 1/ 496, 497. كما أخرجه أبو داود، في: باب صلاة الضحى، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 297. والنَّسائي، في: باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر عائشة فيه، من كتاب الصيام. المجتبى 4/ 125. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 171، 204، 218. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 205. (¬4) بضم الشين وفتحها. (¬5) أخرجه التِّرْمِذِيّ في: باب ما جاء في صلاة الضحى، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذى 2/ 259، 260. وابن ماجه, في: باب ما جاء في صلاة الضحى، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 440. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 443 , 497، 499.

وَهَلْ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه مسلمٌ (¬1). ولأن أَحَبُّ العملِ إلى اللهِ ما داوَمَ عليه صاحِبُه، على ما ¬

(¬1) في: باب استحباب صلاة الضحى. . . . إلخ، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 417. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاه الضحى، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 440.

508 - مسألة؛ قال الشيخ، رحمه الله: (وسجود التلاوة صلاة)

فَصْلٌ: وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 508 - مسألة؛ قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وسُجُودُ التِّلاوَةِ صلاةٌ) يَعْنِي يُشترَطُ له ما يُشتَرَطُ لصلاةِ النَّافِلَةِ؛ مِن سَتْرِ العَوْرَةِ، واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، والنية، والطهارَةِ مِن الحَدَثِ والنَّجَسِ، في قولِ عامةِ أهلِ العِلْمِ. ورُوِيَ عن عثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، في الحائِض تسْتَمِعُ السَّجْدَةَ، تُومِئُ برَأْسِها. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: وتقولُ:

509 - مسألة: (وهو سنة للقارئ والمستمع دون السامع)

وَهُوَ سُنة لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ دُونَ السَّامِعِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ اللهمَّ لك سجَدْتُ. وقال الشعبي، في مَن سمَع السجْدَةَ على غيرِ وُضُوءٍ: يَسجدُ حيث كان وَجْهه. ولَنا، قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَقْبَل الله صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» (¬1). فيَدْخُل في عُمومِه السُّجُودُ. ولأنه سُجُود، فأشْبَهَ سُجُودَ السهْوِ. فعلى هذا إن سَمِع السجْدَةَ (¬2) وهو مُحْدِث، لم يَلْزَمْه الوُضوءُ ولا التَّيْمُّمُ. وقال النَّخَعِي: يَتَيَمَّمُ، ويَسْجُدُ. [وعنه، يَتَوَضأ، ويَسْجُدُ (¬3). وبه قال الثَّوْرِي، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ. ولَنا، أنها تَتَعلقُ بسَبَبٍ، فإذا فات لم يَسْجُدْ] (¬4)، كما لو قَرَأ سَجْدَةً في الصلاةِ، فلم يَسْجدْ، [لم يَسْجُدْ] (¬5) بعدَها. فعلى هذا، إن تَوَضأ لم يَسْجُدْ لفَواتِ سببِها, ولا يَتَيَمَّمُ لها مع وُجُودِ الماءِ؛ لأن الله تعالى شَرَط لجَوازِ التيممِ المَرَضَ أو عَدَمَ الماء، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما. فإن كان عادِمًا للماءِ فتَيمم، فله السُّجُودُ إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ (¬6)، لأنه لم يَبْعُدْ سَببُها، ولم يَفُتْ، بخِلافِ الوُضُوءِ. 509 - مسألة: (وهو سُنَّة للقارئ والمُسْتَمِع دُونَ السّامعِ) ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث 124. (¬2) في م: «السجود». (¬3) زيادة من: م. (¬4) سقط من: «تش». (¬5) سقط من: الأصل. (¬6) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سُجُودُ التِّلاوَةِ سُنة مُؤكَّدَةٌ، وليس بواجِبٍ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه. وبه قال مالك، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه بوُجُوبِه؛ لقَوْلِه تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} (¬1). وهذا ذَمّ، ولا يُذَمُّ إلَّا على تَرْكِ الواجِبِ. ولأنَّه سُجُود يُفْعَلُ في الصلاةِ، أشْبَهَ سجُودَ صُلْبِها. ولَنا، ما رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قَرَأ يومَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ سُورَةَ النّحْلِ (¬2)، حتَّى إذا جاء السَّجْدَةَ [نَزَل، فسَجَدَ وسَجد النَّاس، حتَّى إذا كانَتِ الجُمُعَة القابِلَة قَرَأ بها، حتَّى إذا جاءَتِ السَّجْدَةُ] (¬3) قال: يَا أيُّها ¬

(¬1) سورة الانشقاق 20، 21. (¬2) في م: «النمل». (¬3) سقط من: «تش».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النّاسُ، إنما نمُرُّ بالسجُودِ، فمَن سَجَد فقد أصابَ، ومَن لم يَسْجُدْ فلا إثْمَ عليه. ولم يَسْجُدْ عُمَرُ. وفي لَفْظٍ: إن الله لم يَفْرِضْ علينا السجُودَ، إلَّا أن نَشاءَ. رَواه البُخارِي (¬1). وهذا كان يومَ الجُمُعَةِ بمَحْضَرٍ مِن الصحابَةِ وغيرِهم، ولم يُنْكرْ، فيَكُونُ إجْماعًا. وروَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، قال: قَرَأتُ على النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سُورَةَ النَّجْمِ، فلم يَسْجُدْ منّا أَحَد. مُتفَق عليه (¬2). فأما الآيَةُ فإنَّما ذَم فيها تارِكَ السجودِ غيرَ مُعْتَقِدٍ فَضْلَه، ولا مَشْرُوعِيته، وقِياسُهم يَنتَقِضُ بسُجُودِ السهْوِ، فإنَّه في الصلاةِ، وهو غيرُ واجِبٍ عندَهم. فصل: ويُسَنُّ للتالِي والمسُتمِع، وهو الذي يَقْصِدُ الاسْتِماعَ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه، سَواء كان التّالي في الصلاةِ، أو لم يكُنْ. فإن كان المسُتمِعُ في صلاةٍ فهل يَسْجُدُ بسُجُودِ التالي؛ على رِوايَتيْن؟ وذلك لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرأ علينا القُرْآنَ، فإذا [مَرّ بالسجْدَةِ] (¬3) كَبر وسَجَد، وسَجَدْنا معه. رَواه أبو داودَ (¬4). وروَى ¬

(¬1) في: باب من رأى أن الله عَزَّ وَجَلَّ لم يوجب السجود، من كتاب السجود. صحيح البُخَارِيّ 2/ 52. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من قرأ السجدة ولم يسجد. صحيح البُخَارِيّ 2/ 51. ومسلم، في: باب سجود التلاوة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 406. كما أخرجه أبو داود، في: باب من لم ير السجود في المفصل، من كتاب السجود، سنن أبي داود 1/ 324، 325. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء من لم يسجد فيه، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 57، 58. والنَّسائي، في: باب ترك السجود في النجم، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 124. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 183، 186. (¬3) في الأصل: «أمرنا بسجدة». (¬4) في: باب في الرَّجل يسمع السجدة وهو راكب، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 236.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَيضًا، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ علينا السُّورَةَ في غير الصلاةِ، فيَسْجُدُ، ونَسْجُدُ معه، حتَّى لا يَجِدَ أحَدُنا مَكانًا لموْضع جَبْهَتِه. مُتَّفَق عليه (¬1). فأمّا السامِعُ الذي لا يَقْصِدُ الاسْتِماعَ فلا يُسَن له، رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وابنِ عباس، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، رَضِيَ الله عنهم. وبه قال مالكٍ. وقال أصْحابُ الرأيِ: عليهِ السجُودُ. ورُوِيَ نَحْوُه عن ابنِ عُمَرَ، والنخعِي، وإسحاقَ؛ لأنَّه سامِع للسَّجْدَةِ، أشبهَ المُسْتَمِعَ. وقال الشَّافعيّ: لا أؤكِّدُ عليه السجُودَ، وإن سَجَد فحَسَن. ولَنا، ما رُوِي عن عثمانَ، أنَّه مَر بقاصٍّ، فقَرَأ القاصُّ سَجْدَة ليَسْجُدَ عثمانُ معه، فلم يَسْجُدْ. وقال: إنما السَّجْدَةُ على مَن اسْتَمَعَ. وقال [ابنُ مَسْعُودٍ] (¬2)، وعِمْرانُ: ما جَلَسْنا لها (¬3). ولم يُعْلَم لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم. فأمَّا ابنُ عُمَرَ فإنَّما رُوِيَ عنه أنَّه قال: إنَّما السجْدَةُ على من سمِعَها. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في. باب من سجد لسجود القارئ، وباب ازدحام النَّاس إذا قرأ الإِمام السجدة، وباب من لم يجد موضعًا للسجود من الزحام، من كتاب السجود. صحيح البُخَارِيّ 2/ 51 - 53. ومسلم، في: باب سجود التلاوة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 405. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرَّجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير صلاة، من كتاب الصلاة. عن أبي داود 1/ 326. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 17. (¬2) في م: «ابن عباس». (¬3) أخرج هذه الآثار عبد الرَّزّاق، في: باب السجدة على من استمعها، من كتاب الصلاة، مصنف عبد الرَّزّاق 3/ 344. وابن أبي شيبة، في: باب من قال السجدة على من جلس لها، من سمعها، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 2/ 5.

510 - مسألة: (ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إماما له)

وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ القَارِئُ يَصْلُحُ إِمَامًا لَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فيَحْتَمِل أنَّه أراد مَن سَمِعَها قاصِدًا، ويَنْبَغِي أن يُحْمَلَ على ذلك، جَمْعًا بينَ أقْوالِهم، ولأنَّ السامِع لا يُشارِكُ التالِيَ في الأجْرِ، فلم يُشارِكْه في السجودِ كغيرِه، أمّا المستمِع فقد قال عليه السلامُ: «التَّالِي وَالْمسْتَمِع شَرِيكَانِ في الْأَجْرِ» (¬1). فلا يُقاس غيرُه عليه. 510 - مسألة: (ويُعْتَبَرُ أن يَكونَ القارِئُ يَصْلحُ إمامًا له) يُشْتَرَطُ لسُجُودِ المستمِع (¬2) كَوْنُ التَّالِي يَصْلُح إمامًا له، فإن كان امرأةً، أو خُنثى مُشكلًا، لم يَسْجُدِ الرَّجل باسْتِماعِه، رِوايَةً واحِدَةً. وبهذا قال مالك، والشافعي، وإسحاق. ورُوِيَ ذلك عن قتادَةَ. والأصْلُ في ذلك ما رُوِيَ، أن رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتَى إلى نَفَر مِن أصحابه، فقَرَأ رجلٌ منهم سَجْدَةً، ثم نَظَر إلى رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّكَ كنْتَ إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا». رَواه الشَّافعيّ، في «مُسْنَدِه» (¬3). ¬

(¬1) لم نجده. (¬2) في م: «التلاوة». (¬3) في الجزء الأول، صفحة 122، في: باب سجود التلاوة. وانظر: الأم 1/ 120.

511 - مسألة: (فإن لم يسجد القارئ، لم يسجد)

فَإنْ لَمْ يَجُدِ الْقَارِئُ، لَمْ يَسْجدْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ والجوزَجانِيُّ (¬1)، في «المتَرْجَمِ»، عن عَطاءٍ، عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. فإن كان التّالى أميًّا، سَجَد [القارِئُ المُسْتَمِعُ] (¬2) بسُجودِه؛ لأن القِراءَةَ ليست برُكْن في السجودِ. وإن كان صَبِيًّا ففي سُجُودِ الرجلِ بسُجُودِه وجْهان؛ بِناءً على صِحةِ إمامتِه في النفل. 511 - مسألة: (فإن لم يَسْجدِ القارِئُ، لم يَسْجُدْ) يَعْنِي إذا لم ¬

(¬1) لعله أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب، الذي تقدمت ترجمته في 1/ 121. وذكر له الذهبي في تذكرة الحفاظ 2/ 549 كتابًا في الضعفاء، كما نجد بعض آثاره في تاريخ التراث العربي 1/ 1 / 262. (¬2) في الأصل: «القارئ والمستمع».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَسْجُدِ التالي لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ. وقال الشافعيُّ: يَسْجُد: لوُجُودِ الاسْتِماعِ، وهو سَبَبُ السُّجُودِ. وقال القاضي: إذا كان التالِي في غيرِ صلاةٍ، وهناك مسُتمع للقِراءَةِ فلم يَسْجُدِ التالِي، لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ، في ظاهِرِ كَلامِه. فدَلَّ على أنَّه قد رُوِيَ عنه السُّجُودُ. ولَنا، ما رَوَيْنا من الحَدِيثِ، ولأنه تابع له، فلم يَسْجُدْ بدُونِ سُجُودِه، كما لو كانا في الصلاةِ. وإن كان التّالِي في صلاة دُونَ المُسْتَمع، سَجَد معه. وإن كان المُسْتَمِعُ في صلاةٍ أخْرَى لم يَسْجُدْ، ولا يَنْبَغِي له الاسْتِماعُ؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغْلا». مُتفَق عليه (¬1). فعلى هذا، لا يَسْجُدُ إذا فَرَغ مِن الصلاةِ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْجُدُ؛ لأنَّ سَبَبَ السجُودِ وُجِدَ، وامْتَنَعَ لمُعارِض (¬2)، فإذا زال المُعارِضُ سَجَد. ولَنا، أنَّه لو تَرِك السجُودَ لتِلاوَتِه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ بعدَها، فلِئَلَّا يَسْجُدَ ثم بحُكْمِ تِلاوَةِ غيرِه أولَى. وعن أحمدَ في المسْتَمِعِ، أنَّه يَسْجُدُ إذا كان في تَطَوُّع؛ سَواء كان التالِي في صلاةٍ أخْرَى، أو لم يَكُنْ. قال شيخُنا (¬3): والأولُ أصَحُّ؛ لأنه ليس بإمام له، فلا يَسْجُدُ لتِلاوَتِه، كما لو كان في فَرْضٍ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 33. (¬2) في م: «المعارض». (¬3) في: المغني 2/ 368.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والرُّكُوعُ لا يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ. وحَكَى صاحِبُ «المسُتوْعِبِ» رِوايَة عن أحمدَ، أن رُكُوعَ الصلاةِ يَقُومُ (¬1) [مَقامَ السُّجُودِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ] (¬2) مَقامَه؛ لقَوْلِه تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} (¬3). ولَنا، أنَّه سُجُود مَشروع، فلم يَقُمِ الرُّكُوعُ مقامَه، كسُجُودِ الصلاةِ، والآيَةُ أُريدَ بها السُّجُودُ، وعَبر عنه بالركُوعِ؛ بدَلِيلِ أنّه قال: {وَخَرَّ}. ولا يُقالُ للراكِع: خَر. وإنما رُوِيَ عن داودَ عليه السلامُ السُّجُودُ، ولو قُدِّرَ أنَّ داودَ رَكَع حَقِيقَةً، لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّه إنما فَعَل ذلك توْبَةً، لا لسُجُودِ التلاوَةِ. ¬

(¬1) في «تش» «لا يقوم». (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) سورة ص 24.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ في الصلاةِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ فإن شاء رَكَع، وإن شاء سَجَد، ثم قام فقَرَأ شيئًا مِن القُرآنِ ثم رَكَع، وإن شاء سَجَد ثم قام فرَكَعَ مِن غيرِ قراءَة. نَص عليه أحمدُ. وهذا قولُ ابنِ مسعود، والربِيعِ بنِ خُثَيْم (¬1)، وإسحاق، وأصحابِ الرأيِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه قَرَأ بالنَّجْمِ فسَجَدَ فيها، ثم قام فقَرَأ سُورَةً أخْرَى. فصل: وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ على الراحِلَةِ في السَّفَرِ، أوْمَأ بالسجودِ حيث كان وَجْهه. وقال القاضي: إن أمْكَنَه أن يَسْتَفتِحَ بها القِبْلَةَ فَعلَه، وإن كان لا تُطِيقُ دابتُهُ، احْتَمَلَ أن لا يَسْتَفْتِحَ بها، واحْتَمَلَ أنَّه لا بُد مِن الاسْتِفْتاحِ. وقد رُوِيَ الإيماءُ به على الراحِلةِ عن عليٍّ، وسعيدِ بنِ زَيْدٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ الزبَيْرِ. وبه قال مالك والشافعي، وأبو ثَوْر، وأصحابُ الرَّأيِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ عامَ الفَتْح سَجْدَةً، ¬

(¬1) في م: «خيثم». وهو الرَّبيع بن خثيم من عائذ الثَّوريّ الكُوفيّ أبو يزيد، من كبار التابعين روى عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مرسلًا، تُوفِّي بعد مقتل الحسين بن عليّ سنة ثلاث وستين. تهذيب التهذيب 3/ 242.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فسَجَدَ النَّاسُ كلهم؛ منهم الراكِب والسَّاجدُ بالأرض، حتَّى إن الرّاكِبَ ليَسْجُدُ على يده. رَواه أبو داودَ (¬1). ولأَنه صلاةُ تَطَوُّع، أشْبَهَ سائِرَ التَّطَوعِ. وإن كان ماشيًا سَجد بالأرض، وبه قال أبو العالِيَةِ، وأبو ثوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْيِ؛ لِما ذَكَرْنا. وقال الأسْودُ بنُ يَزِيدَ (¬2)، وعَلْقَمةُ، وعَطاء، ومجاهِد: يُومِئُ. وقد قال أبو الحسنِ الآمِدِي، في صلاةِ الماشِي: يومِئُ. وهذا مثله. ¬

(¬1) في: باب في الرَّجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 326. (¬2) في الأصل: «زيد».

512 - مسألة؛ قال: (وهو أربع عشرة سجدة)

وَهُوَ أربَعَ عَشَرةَ سَجْدَةً، ـــــــــــــــــــــــــــــ 512 - مسألة؛ قال: (وهو أربَعَ عشرةَ سَجْدَة) اخْتَلَفُوا في سُجُودِ القُرآنِ، فالمشهُورُ في المَذهْبَ أن عَزائِمَ السُّجُودِ أربَعَ عَشرةَ سَجْدَة؛ منها ثَلاث في المُفَصَّلِ، وليس منها سَجْدَةُ ص، ومنها اثْنَتان في الحَجِّ. وهذا أحَدُ قَوْلَى أبي حنيفةَ، والشافعيّ، إلَّا أن أَبا حنيفةَ جَعَل سَجْدَةَ ص بَدلًا من السَّجْدَةِ الثَّانِيَة مِن الحَجِّ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها خَمسَ عشرةَ، منها سَجْدَةُ ص. ورُوِيَ ذلك عن عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، وهو قولُ إسحاقَ، لِما رُوىَ عن عَمرِو به. العاص، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أقْرَأه خمسَ عشرةَ سَجْدَة، منها ثَلاث في المُفَصَّلِ، وفي الحَجِّ سَجْدَتان (¬1). رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (¬2). وقال مالك في رِواية، والشافعي في قول: عَزائِمُ السُّجُودِ إحدَى عَشرةَ سَجْدَةً. ويروَى هذا القولُ عن ابن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، منها سَجْدَةُ ص، وأولُ الحَجِّ دُونَ آخِرِها، وليس فيها سَجَداتُ المفَصَّلِ. ورُوِيَ عن ابن عباس أنَّه عدَّها عَشرًا، وأسْقَطَ منها سَجْدَةَ ص، لِما روَى أبو الدرداءِ، قال: سَجَدتُ مع النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إحدَى عشرةَ سَجْدَة (¬3)، ليس فها مِن المُفَصَّلِ شيءٌ. ¬

(¬1) في م: «اثنتان». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب تفريع أبواب السجود، وكم سجدة في القرآن، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 324. وابن ماجه، -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: باب عدد السجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 335. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رواه ابنُ ماجه (¬1). وقال ابنُ عباسٍ: إنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَسْجدْ في شئٍ مِن المُفَصَّلِ منذُ تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ. رواه أبو داودَ (¬2). ولَنا، ما روَى أبو رافِع، قال: صَليْتُ خلفَ أبي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فقَرَأ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}. فسَجَدَ، فقُلْتُ: ما هذه السَّجْدَةُ؟ قال: سَجَدتُ بها خلفَ أبي القاسِمِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلا أزالُ أسْجُدُ فيها حتَّى ألْقاه. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وعن أبي هُرَيرةَ، قال: سَجَدنا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}. و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}. أخْرَجَه مسلمٌ (¬4). وعن عبدِ اللهِ ¬

(¬1) في: باب عدد سجود القرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 335. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في سجود القرآن، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 48. والإمام أَحْمد، في المسند 5/ 194، 6/ 442 (¬2) في: باب من لم ير السجود في المفصل، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 324. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الجهر في العشاء، وباب القراءة في العشاء بالسجدة، من كتاب الأذان، في: باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها، من كتاب السجود. صحيح البُخَارِيّ 1/ 194، 2/ 52. ومسلم، في: باب سجود التلاوة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 407. كما أخرجه أبو داود، في: باب من رأى فيها (في سورة النجم) سجودا، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 325. وابن ماجه، في: باب عدد سجود القرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 336. (¬4) في: باب سجود التلاوة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 406. كما أخرجه أبو داود، في: باب من رأى فيها (في سورة النجم) سجودا، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 325. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في السجدة في {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} و {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذي 3/ 56. وابن ماجه، في: باب عدد سجود القرآن، من باب إقامة الصلاة سنن ابن ماجه 1/ 336. والدارمي، في: باب السجود في {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 343.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ، فسَجَدَ فيها، وما بَقِيَ مِن القَوْمِ أحَدٌ إلَّا سَجَد. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وهذا مُقَدَّم على قولِ ابنِ عباس؛ لأنه إثْبات، والإثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْيِ، وأبو هُرَيرةَ إنَّما أسْلَمَ بعدَ الهِجْرَةِ فِي السنةِ السابِعَةِ، ويمكِنُ الجَمعُ بينَ الأحادِيثِ بحَملِ السُّجُودِ على الاسْتِحبابِ، وتركِه السُّجودَ يَدُلُّ على عَدَمِ الوُجُوب، فلا تَعارُضَ إذًا. وأمّا رِوايَةُ كَوْنِ السُّجُودِ خَمسَ عَشْرَةَ، فمَبْناه على أنَّ منها سَجْدَةَ ص. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، وابنه، وعثمانَ، أنَّهم سَجَدُوا فيها، وهو قَوْلُ الحسنِ، ومالكٍ، والثَّوْري، وأصحابِ الرأيِ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فيها (¬2). وظاهِرُ المَذْهبِ أنَّها ليست مِن عَزائِمَ السُّجُودِ. رُوِيَ ذلك عن [بنِ مسعودٍ] (¬3) وابنِ عباسٍ، ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب سجدة النجم، من كتاب السجود، وفي: باب ما لقى النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصحابه من المشركين بمكة، من كتاب مناقب الْأَنصار. صحيح البُخَارِيّ 2/ 50، 51، 5/ 57. ومسلم، في: باب سجود التلاوة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 450. كما أخرجه أبو داود، في: باب من رأى فيها (سورة النجم) سجودا، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 325. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 388، 401، 437. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب السجود في صف، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 325. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعَلْقَمَةَ. وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قَرَأ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على المِنبَرِ ص، فنَزَلَ فسَجَدَ، وسَجَد النَّاسُ معه، فلَمّا كان يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فلما بَلَغ السجْدَة تَشَزَّنَ النَّاسُ (¬1) للسُّجُودِ، فقال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّما هِيَ تَوْبَةُ نَبيٍّ، وَلَكنِّي رَأيْتُكم تَشزَّنتُم لِلسجُودِ». فنَزَلَ، فسَجَدَ، وسَجَدُوا. رواه أبو داودَ (¬2). وعن ابنِ عباس، أنّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد في ص، وقال: «سَجَدَها دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنحنُ نَسْجُدُها شُكْرًا». أَخْرَجه النَّسائيُّ (¬3). وقال ابنُ عباس: ليست ص مِن عَزائِمِ السُّجُودِ. والحديثُ الذى ذَكَرنَاه للروايةِ الأولَى مِن أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فيها، يَدُلُّ على أنَّه إنما سَجَد فيها [شُكْرًا، كما بَينَ في حَدِيثِ ابنِ عباس. فإذا قُلْنا: ليست مِن عَزائمِ السجُودِ، فسَجَدَهَا] (¬4) في الصلاةِ، احتَمَلَ أن لا تَبْطُلَ صلاتُه؛ لأنَّ سَبَبَها القِرَاءَةُ في الصلاةِ، أشْبَهَتْ عَزائِمَ السجُودِ، واحتَمَلَ أن تَبْطُلَ صلاتُه إذا فَعَل ذلك عَمدًا، كسائِرِ سُجُودِ الشكْرِ. والله أعلمُ. ¬

(¬1) تشزّن النَّاس: استوفزوا وتأهبوا له ويهيأوا. (¬2) في الموضع السابق. (¬3) في. باب سجود القرآن، السجود في ص؛ من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 123. (¬4) سقط من: الأصل.

513 - مسألة؛ قال: (في الحج منها اثنتان)

فِي الْحَجِّ مِنْها اثْنَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 513 - مسألة؛ قال: (في الحَجِّ منها اثْنَتان) وهذا قول الشَّافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وممَن كان يَسْجُدُ فها سَجْدَتَيْن؛ عُمَرُ، وعليٌّ، وعبدُ الله بن عُمَرَ (¬1)، وأبو الدرداءِ، وأبو موْسى. وقال ابنُ عباس: فَضُلَتِ الحَج بسَجْدَتَيْن. وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والنخَعيُّ، ومالك، وأصحابُ الرأيِ: ليستِ الثانِيَةُ بسَجْدَةٍ (¬2)، لأنَّه جَمَع فيها بينَ الركُوعِ والسُّجُودِ، فلم تَكُنْ سَجدَة، كقولِه: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} (¬3). ولَنا، حديثُ عمرِو بنِ العاص، الذى ذكَرْناه (¬4). وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: قلتُ لرسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: في سُورَةِ الحَج سَجْدَتان؟ قال: «نَعَم، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدهُمَا فَلَا يَقْرَأهمَا». رَواه أبو داودَ (¬5). وقال أبو إسْحاقَ: أدرَكْتُ النَّاسَ منذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُون في الحَجِّ سَجْدَتَيْن. وقال ابنُ عُمَرَ: لو كُنْتُ تارِكًا إحداهما، لتَرَكْتُ الأولَى. وذلك لأن الأولَى أخبار، والثانِيَةَ أمْرٌ، واتباعُ الأمرِ أوْلَى. فصل: ومَواضِعُ السَّجَدات؛ آخِرُ، الأعرافِ، وفي ¬

(¬1) في الأصل: «عمرو». (¬2) في الأصل: «تسجد». (¬3) سورة آل عمران 43. (¬4) تقدم في صفحة 220. (¬5) في: باب تفريع أبواب السجود، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 324. كما أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في السجدة في الحج، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 59. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 151.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرَّعْدِ: {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (¬1). وفي النخلِ: {ويَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ} (¬2). وفي بنِي إسرائِيلَ: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (¬3). وفي مَريَمَ: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (¬4). وفي الحَج: {الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}. والثانِيَةُ: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (¬5). وفي الفُرقانِ: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} (¬6). وفي النملِ: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (¬7). وفي ألمَ تنزيل السجْدَةُ: {وَهمْ لَا يَسْتَكبِرُون} (¬8). وفي حمَ السَّجْدَةُ: {وَهمْ لَا يَسْئَمونَ} (¬9). وآخِرُ النَّجْمِ، وفي سُورَةِ الانْشِقاقِ: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} (¬10). وآخِرُ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّك: {وَاقْتَرِبْ} (¬11). ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أن السُّجُودَ في حمَ عندَ قَولِه: {إيَّاهُ تَعبُدُونَ} (¬12). وحَكاه ابنُ أبي موسى. وبه قال ¬

(¬1) الآية 15. (¬2) الآية 50. (¬3) الآية 109. (¬4) الآية 58. (¬5) الآيتان 18، 77. (¬6) الآية 60. (¬7) الآية 26. (¬8) سورة السجدة 15. (¬9) سورة فصلت 38. (¬10) الآية 21. (¬11) سورة العلق 19. (¬12) سورة فصلت 37.

514 - مسألة؛ قال: (ويكبر إذا سجد، وإذا رفع)

وَيكَبِّرُ إذَا سَجَدَ، وإذَا رَفَعَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وِأصحابُ عبدِ اللهِ، والليْثُ، ومالكٌ؛ لأنَّ الأمرَ بالسجُودِ فيها. ولَنا، أنَّ تَمامَ الكَلامِ في الثانيةِ، فكان السُّجُودُ بعدَها، كما في سَجْدَةِ النَّحْلِ عندَ قَوْلِه: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. وذِكرُ السَّجْدَةِ في التى قَبْلَها. 514 - مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ إذا سَجَد، وإذا رَفَع) (¬1) متى سَجَد للتلاوَةِ فعليه التَّكبِيرُ للسجُودِ والرَّفْع منه، في الصلاةِ وغيرِها. وبه قال الحسن (¬2)، وابنُ سيرِينَ، والنخَعيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ ¬

(¬1) في الأصل: «ركع». (¬2) في الأصل: «إسحاق».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرَّأْيِ. وبه قال مالكٌ، إذا سَجَد في الصلاة. واخْتَلَفَ (¬1) عنه في غيرِ الصلاةِ. وقال ابنُ أبي موسى: في التكْبِيرِ، إذا رَفَع رَأسَه مِن سُجودِ التلاوَةِ، اخْتِلافٌ في (¬2) الصلاةِ وغيرِها. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ علينا القرآنَ، فإذا مَر بالسجْدَةِ كَبر وسَجَد، وسَجَدنا معه. قال عبدُ الرزّاقِ: كان الثوْرِي يعجبُه هذا الحديثُ. قال أبو داودَ: يعجبُه؛ لأنه كَبر. رَواه أبو داودَ (¬3). ولأنَّه سُجُود مُنْفردٌ، فشُرِعَ التكْبِير في ابْتِدائِه والرفع منه، كسُجُودِ السهْوِ بعدَ السلامَ. فصل: ولا يُشْرَعُ في ابتداءِ السجُودِ أكثرُ من تَكبِيرَةٍ. وقال الشَّافعيّ: إذا سَجَد خارِجَ الصلاةِ كَبر تَكبِيرَتَيْن؛ للافْتِتاحِ، والسُّجُودِ، كما لو صَلى رَكْعَتَيْن. ولَنا، حديثُ ابنِ عُمَرَ، وظاهِره أنَّه كبر واحِدَةً، ولأنَّ معرِفَةَ ذلك مِن الشرعَ، ولم يرد به، ولأنه سُجُود مُفْرَد، فلم يُشرع فيه تَكبِيرَتان، كسُجُودِ السَّهْوِ، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بسُجُودِ السهْوِ، وقِياسُ هذا على سُجُودِ السَّهوِ أوْلَى مِن قِياسِه على الركْعَتَيْن؛ لشَبَهِه به، ولأن الإحرامَ بالركْعَتَيْن يَتَخلل بينَه وبينَ السُّجُودِ أفْعال كثيرَةَ، فلذلك لم يُكتَفَ بتَكْبِيرَةِ الإحرام عن تَكبِيرَةِ السُّجُودِ، بخِلافِ هذا. ¬

(¬1) أي النقل. (¬2) في الأصل: «خلاف». (¬3) في: باب في الرَّجل يسمع السجدة وهو راكب، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 236.

515 - مسألة: (ويجلس ويسلم، ولا يتشهد)

وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلَا يَتَشَهدُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 515 - مسألة: (ويَجْلِسُ ويسَلمُ، ولا يَتَشَهَّدُ) المشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ التسْلِيمَ واجِبٌ في سُجُودِ التِّلاوَةِ. وبه قال أبو قلابَة، وأبو عبدِ الرحمنِ؛ لقولِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «تَحرِيمها التكْبِير، وَتَحلِيلُها التَّسْلِيم» (¬1). ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ إحرامٍ، فوَجَبَ السَّلامُ فيها، كسائِرِ الصلواتِ. وفيه رِوايَة أخْرَى، لا تَسْلِيمَ فيه (¬2). وبه قال النخعيُّ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 407. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبير. ورُوِيَ ذلك عن أبي حنيفةَ. واخْتَلَف قولُ الشَّافعيّ فيه. قال أحمدُ: أمَا التَّسْلِيمُ فلا أدرِي ما هو؛ لأنه لم ينقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-[فيه سَلامٌ] (¬1). فعلى قَوْلنا بوُجُوبِ السلامِ يُجْزِئُه تَسْلِيمَة واحِدة (¬2). نص عليه أحمدُ. وبه قال إسحاقُ، قال: يقولُ: السلامُ عليكم. وذَكَر القاضي في «المُجَردِ» عن أبي بكر، رِوايَة، لا تُجْزِئُه إلَّا اثْنَتان. والصحِيحُ الأولُ؛ لأنَّها صلاةٌ ذات إحْرام لا رُكُوعَ فيها، أشبهتْ صلاةَ الجنازَةِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى تَشَهُّدٍ. نَص عليه أحمدُ؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابه. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه يَفْتَقِر إلى التشَهدِ، قِياسًا على الصلاةِ. ولَنا، أنها صلاة لا رُكوعَ فيها، فلم تفْتَقر إلى تَشهدٍ، كصلاةِ الجِنازَةِ، ولا يَسْجُدُ فيه للسَّهْوِ، كصلاةِ الجِنازَةِ. فصل: ويقولُ في سُجُودِه ما يَقُولُ في سُجُودِ صلْبِ الصلاةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن قال ما رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فحَسَن. قالَتْ عائشةُ: إن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقولُ في سُجُودِ القُرآنِ بالليْلِ: «سَجَدَ وَجْهى لِلذِي خَلَقَهُ ¬

(¬1) سقط س. م. (¬2) سقط من: م.

516 - مسألة؛ قال: (وإذا سجد في الصلاة رفع يديه. نص عليه. وقال القاضي: لا يرفعهما)

وَإنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ رَفَع يَدَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يرفَعُهُا. ـــــــــــــــــــــــــــــ وَصَوَّرهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» (¬1). قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابنِ عباس، قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: يَا رسولَ الله إنِّي رَأيْتُنِي اللَّيْلَةَ أُصَلِّي خلفَ شَجَرَةٍ، فقَرَأْتُ السجْدَةَ، فسَجَدْتُ، فسْجَدَتِ الشجرَةُ لسُجُودِي، فسَمعْتُها وهي تقولُ: اللَّهُمَّ اكتب لي بها عندَك أجْرًا، وضَع عَنى بها وِزْرًا، واجْعَلْها لِي عندَكْ ذُخْرا، وتَقَبلَها مِنِّي كما تَقَبَّلْها مِن عَبْدِك داودَ. فقَرَأ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجدَةً ثم سَجَد، فقالَ ابنُ عباس: فسَمِعتُه يقُولُ مثلَما أخْبرَه الرجلُ عن قولَ الشَّجَرَةِ. رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِيّ (¬2)، وقال: غريب. ومهما قال مِن نحوِ ذلك فحَسَنٌ. 516 - مسألة؛ قال: (وإذا سَجَد في الصلاةِ رَفَع يدَيْه. نَصَّ عليه. وقال القاضي: لا يرفَعُهما) متى سَجَد للتِّلاوَةِ خارِجَ الصلاةِ رَفَع ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب ما يقول إذا سجد، من كتاب السجود. سنن أبي داود 1/ 327. والتِّرمذيّ، في: باب يقول في سجود القرآن، من أبواب الصلاة، وفي: باب يقول في سجود القرآن، من أبواب الدعاء. عارضة الأحوذى 3/ 60، 12/ 310. والنَّسائي، في: نوع آخر من الدعاء، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 175، 176. والإمام أَحْمد، في: المسند 7/ 216. وتقدم غيره من حديث على بن أبي طالب في 3/ 504. (¬2) لم نجده عند أبي داود. وأخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما يقول في سجود القرآن، من كتاب الجمعة، وفي: باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن، من أبواب الدعوات. عارضة الأحوذى 3/ 60، 12/ 310. وابن ماجه، في: باب سجود القرآن، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 334.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَدَيْه في تَكْبِيرَةِ الابتِداءِ؛ لأنَّها تَكْبِيرَةُ إحرام (¬1)، وإن كان في الصلاةِ فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: قلْتُ لأنظُرَن إلى صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكان يُكبر إذا خَفَض ورَفَع، ويَرفَعُ يَدَيْه في التكبيرِ (¬2). قال أحمدُ: هذا يدخُلُ في هذا كلِّه. وفي رِوايَةِ أخْرَى، لا يرفعُ يَدَيْه في الصلاةِ. اخْتَاره القاضي. وهوِ قِياسُ المَذْهبَ، لقولِ ابنِ عُمَرَ، وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ. مُتفق عليه (¬3). ويَتَعينُ تقْدِيمُه على حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر؛ أنَّه أخَص منه، ولذلك قُدِّمَ عليه في سُجُودِ الصلاةِ، كذلك هاهُنا. ¬

(¬1) في م: «الإحرام». (¬2) أخرجه أبو داود: كتاب رفع اليدين في الصلاة، وباب كيف الجلوس في التشهد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 167، 219. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء كيف الجلوس في التشهد، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 3/ 86. والنَّسائي، في: باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، من كتاب افتتاح الصلاة، وفي: باب مكان اليدين من السجود، من كتاب التطبيق، وفي: باب موضع المرفقين، وباب قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى، من كتاب السهو. المجتبي 2/ 97، 98، 167، 3/ 30 - 33. وابن ماجه، في: باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 281. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 316، 318. (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 418.

517 - مسألة: (ولا يستحب للإمام السجود في صلاة لا يجهر فيها)

وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإمَامِ السُّجُودُ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهرُ فِيها، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُكْرَهُ اخْتِصارُ السُّجُودِ، وهو أن يَنْتَزِعَ الآيات التى فيها (¬1) السُّجُودُ، فيَقْرَأَها، ويَسْجُدَ فيها. وبه قال الشَّعبِي، والنخعيُّ، والحسنُ، وإسحاقُ. ورَخَّصَ فيه أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَورٍ. وقِيل: اخْتِصارُ السُّجُودِ أن يَحْذِف في القِراءَةِ آياتِ السُّجُودِ. وكِلاهما مَكْرُوهٌ؛ لأنه لم يروَ عن السلَفِ، رَحِمَهم اللهْ، بل المَنْقُولُ عنهم كَراهتُه. 517 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ للإمامِ السُّجُودُ في صلاةٍ لا يُجْهرُ فيها) قال بعضُ أصحابِنا: يكرهُ للإمام قراءةُ السجْدَةِ في صلاةِ السِّر، فإن قَرأ لم يَسْجدْ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأَنَّ فيه إيهامًا على المَأمُومِ. وقال الشَّافعيّ: لا يُكرهُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد في الظهْرِ، ثم قام فرَكَعَ، فَرأَى أصحابُه أنَّه قرَأ سُورَةَ السجْدَةِ. رَواه أبو داودَ (¬2). ¬

(¬1) في الأصل: «قبلها». (¬2) في: باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 186.

518 - مسألة: (فإن سجد، فالمأموم مخير بين اتباعه وتركه)

فَإنْ فَعَلَ، فَالْمَأمُومُ مُخَير بَيْنَ أتباعِهِ وتَركِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ قال شيخُنا (¬1): واتِّباعُ سُنةِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى. 518 - مسألة: (فإن سَجَد، فالمَأمُومُ مُخَيَّر بينَ اتباعِه وتَركِه) كذلك قال بعضُ أصحابِنا؛ لأنه ليس بمَسْنُونٍ للإمامِ، ولم يُوجَدْ الاسْتِماع المُقْتَضِي للسُّجُودِ. قال شيخُنا (¬2): والأوْلَى السجُودُ؛ لقول النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (¬3). وما ذَكَرُوه يَبْطُل بما إذا كان المَأمُومُ بَعِيدًا، أو أُطْرُوشًا في صلاةِ الجَهْرِ، فإنَّه يَسْجد بسُجُودِ إمامِه، وإن لم يَسْمَع. ¬

(¬1) انظر: المغني 2/ 371. (¬2) في: المغني 2/ 371. (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 416.

519 - مسألة: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد

وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النَّعَمِ، وَانْدِفَاعِ النَّقَمَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 519 - مسألة: (ويُسْتَحَب سُجُودُ الشُّكر عندَ تَجَدُّدِ (¬1) النِّعَمِ، وانْدِفاعِ النِّقَمِ) وبهذا قال الشَّافعيّ، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وابن المُنْذِرِ. وقال النَّخَعيُّ، ومالك، وأبو حنيفةَ: يُكْرهُ؛ لأَنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان في أيامِه الفُتُوحُ، واسْتَسْقَى فسُقِيَ، ولم يُنْقَلْ أنَّه سَجَد، ولو كان مُسْتَحبا لم يُخِلَّ به. ولَنا، ما روَى أبو بَكْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا أتاهُ أمرٌ [يُسَرُّ به] (¬2) خرَّ ساجِدًا. رَواه ابنُ المُنْذِرِ (¬3). وسَجَد الصديقُ حينَ ¬

(¬1) في الأصل: «تجديد». (¬2) في الأصل: «يسره». (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في سجود الشكر، من كتاب الجهاد. سنن أبي داود 2/ 81. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في سجدة الشكر، من أبواب السير. عارضة الأحوذى 7/ 73. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة، والسجدة عند الشكر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 446.

520 - مسألة: (ولا يسجد له في الصلاة)

وَلَا يَسْجُدُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بُشِّرَ بفَتْحِ اليَمامَةِ (¬1)، وعليٌّ حينَ وَجَد ذا الثُّدَيَّة (¬2)، ورُوِيَ عن غيرِهما مِن الصحابَةِ، فثَبَتَ ظُهُورُه وانْتشارُه. وتَرْكه تارَةً لا يَدُل على عَدَمِ اسْتِحْبابِه، فإن المُسْتَحَب يفْعَلُ تارَةً، ويُتْرَكُ أخْرَى. وصِفَة سُجُودِ الشُّكْرِ كصِفَةِ سُجُودِ التلاوَةِ في أفْعالِه وأحْكامِه وشُرُوطِه، على ما بَيَّنَّا. 520 - مسألة: (ولا يَسْجُدُ له في الصلاةِ) لا يَجُوزُ أن يَسْجُد ¬

(¬1) أخرجه عبد الرَّزّاق، في: باب سجود الرَّجل شكرًا، من كتاب فضائل القرآن. المصنف 3/ 358. والبيهقي، في: باب سجود الشكر، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 371. (¬2) كان من صفة ذى الثدية أن له عضدا وليس له ذراع، وعلى رأس عضده مثل حلمة الثدى، وكان من الخوارج على عليٍّ رضي الله عنه، وتجد خيره في: الإصابة 2/ 409، 410، كما أن حديثه أخرجه مسلم، في: باب التحريض على قتل الخوارج، من كتاب الزكاة، صحيح مسلم 2/ 748، 749. وأبو داود، في: باب في قتال الخوارج؛ من كتاب السنة. سنن أبي داود 2/ 543.

فَصْلٌ: فِي أوْقَاتِ النَّهْيِ، وَهِيَ خَمسَةٌ؛ بعدَ طُلُوعِ الْفَجْر ـــــــــــــــــــــــــــــ للشُّكْرِ في الصلاةِ؛ لأن سَبَبَه ليس منها، فإن فَعَل بَطَلَتْ صلاتُه إن كان عَمدًا، كما لو زاد فيها سُجُودًا غيرَه، وإن كان ناسِيًا، أو جاهِلًا بتَحرِيم ذلك لم تَبْطُلْ صلاتُه، كما لو زاد في الصلاةِ سُجُودًا ساهِيًا. والله أعلمُ. وقال ابن الزاغونيِّ: يَجُوزُ في الصلاةِ. والأوَّلُ أوْلَى. فصل: في أوْقاتِ النهْيِ، وهي خَمسَة؛ بعدَ طُلُوعِ الفَجْر حتَّى تَطْلُع

حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس، وَبَعدَ الْعَصرِ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمس حَتَى ترتَفِعَ قِيدَ رمْح، وَعِنْدَ قِيَامها حَتَى تَزُولَ، وإذا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ حَتى تَغْرُبَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الشمسُ، وبعدَ العصرِ، وعندَ طُلُوعِها حتَّى ترتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُول، وإذا تَضَيَّفَتْ (¬1) للغرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ) كذلك عَدَّها ¬

(¬1) تضيفت للغروب؛ أي مالت.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أصحابُنا خمسَةَ أوْقاتٍ كما ذَكرنا. وقال بعضُهم: الوَقْتُ الخامس مِن حينِ شُرُوعِ الشَّمس في الغُرُوبِ إلى تَكامُلِه؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمس فَأخرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإذَا غَابَ حَاجبُ الشَّمس فَأخرُوا الصلَاةَ حَتى تَغِيب» (¬1). ووَجْهُ القولِ الأَولِ حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامِر الذى نَذْكُرُه، إن شاء الله تَعالَى. قال شيخُنا (¬2): والمَنْهِيُّ عنه مِن الأوْقاتِ عندَ أَحْمد: بعدَ الفَجْرِ حتَّى تَرتَفِعَ الشَّمس، وبعدَ العَصرِ حتَّى تَغْرُبَ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُولَ. وهو في مَعنَى قول الأصحابِ. وهذه الأوْقاتُ مَنْهىٌّ عن الصلاةِ فيها، وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصحابِ الرأيِ. والأصلُ فيها ما روَى ابنُ عباس، قال: شَهِد عندِي رجال مَرضِيُّونَ، وأرضاهم عندِي عُمَرُ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهى عن الصلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تُشْرِقَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة بعد الفجر حتَّى ترتفع الشَّمس، من كتاب مواقيت الصلاة، وفي: باب صفة إبليس وجنوده، من كتاب بدء الخلق. صحيح البُخَارِيّ 1/ 152، 4/ 149. ومسلم، في باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 568. والنَّسائي، في: باب النهي عن الصلاة بعد العصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 224. والإمام مالك، في: باب النهي عن الصلاة بعد الظهر وبعد العصر، من كتاب القرآن. الموطأ 1/ 220. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 13، 19، 106. (¬2) انظر: المغني 2/ 523.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشمسُ. وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا صَلَاةَ بعدَ الصُّبحِ حَتى ترتَفِعَ الشَّمس، وَلَا صَلَاةَ بعدَ الْعصرِ حَتى تَغِيبَ الشَّمسُ». مُتفَق عليهما (¬1). وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: ثَلاث ساعات كان النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَنْهانا أن نُصَلِّيَ فيهِن، وأن نَقْبرَ فيهِن مَوْتانا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس بازِغَة حتَّى ترتَفِعَ، وحِينَ يَقُومُ قائمُ الظهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ، وحِينَ تتَضَيَّفُ الشَّمس للْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ. وعن عمرِو بنِ عَبَسَة (¬2)، قال: قلتُ يَا رسولَ الله، أخْبرني عن الصلاةِ قال: «صَلِّ صَلَاةَ الصبح، ثُمَّ أقصر عَنِ الصلَاةِ حَتى (¬3) تَطْلُعَ الشَّمس حَتَّى ترتَفِعَ؛ فَإنها تَطْلُعُ حِينَ ¬

(¬1) الأول أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة بعد الفجر حتَّى ترتفع الشَّمس، من كتاب مواقيت الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 152. ومسلم، في: باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 567 كما أخرجه أبو داود في: باب من رخص في الركعتين بعد العصر إذا كانت الشَّمس مرتفعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 294. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 296. والنَّسائي، في: باب النهي عن الصلاة بعد الصبح، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 222. وابن ماجه، في: باب النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد الفجر، من أبواب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 396، الدَّارميّ، في: باب أي ساعة يكره بها الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 333. والثاني: أخرجه البُخَارِيّ، في: باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشَّمس، من كتاب مواقيت الصلاة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 152. ومسلم، في: باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 567. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب النهي عن الصلاة بعد العصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 223. وابن ماجه، في: باب النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 395. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 64. (¬2) في م: «عنبسة». وكذلك في المواضع الآتية. (¬3) في م: «حين».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَطْلُعُ بَيْنَ قرنَيْ شَيْطَان، وحِينَئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإنَّ الصَّلَاةَ مَحضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثم أقصر عن الصَّلَاةِ؛ فإنَّه حيِنَئِذٍ تُسْجَرُ جهنَّمُ، فَإذَا أقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فإنَّ الصلَاة مَشْهُودَةٌ مَحضورَةٌ، حَتَّى تُصَلىَ الْعصرَ، ثُم أقْصر فَي الصَّلَاةِ حَتَى تَغْربَ الشَّمس؛ فإنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرنيْ شَيْطَانٍ، وَحِينئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفَّارُ». رَواهما مسلمٌ (¬1). وقال ابن المُنْذِرِ: إنَّما المَنْهِيُّ عنه الأوْقاتُ الثَّلَاثةُ التى في حديثِ عُقْبَةَ؛ بدَليل تَخْصِيصِها بالنَّهْيِ في حدِيثِه. وقَوْلُه: «لَا تُصَلُّوا بَعدَ الْعصرِ إلَّا أنْ تُصَلُّوا وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ». رَواه أبو داودَ (¬2). وقالت ¬

(¬1) حديث عقبة أخرجه مسلم، في: باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 568، 569. كما أخرجه أبو داود، في: باب الدفن عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، من كتاب الجنائز. سنن أبي داود 2/ 185. والتِّرمذيّ، في: باب جاء في كراهية الصلاة علي الجنازة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، من أبواب الجنائز. عارضة الأحوذي 4/ 247، 248. والنسائي، في: باب الساعات التي نهى عن الصلاة فيها، وباب النهي عن الصلاة نصف النهار، من كتاب المواقيت، وفي: باب الساعات التي نهى عن إقبار الموتي فيهن، من كتاب الجنائز. المجتبى 1/ 221 - 223، 4/ 67. وابن ماجه، في: باب جاء في الأوقات التي لا يصلي فيها على الميت ولا يدفن، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 486، 487. والدارمي، في: باب أي ساعة يكره فيها الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 333. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 152. وحديث عمرو تقدم تخريجه في صفحة 183. (¬2) عن على -رَضِيَ الله عَنْهُ-، في: باب من رخص في الركعتين بعد العصر إدا كاتت الشَّمس مرتفعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 293.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عائشةُ: وَهِمَ عُمَرُ، إنَّما نَهى رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَتَحَرَّى طُلُوع الشَّمس أو غرُوبَها (¬1). ولَنا، ما ذَكَرنا مِن الأحاديث، فإنّها صحيحِةٌ صَرِيحَةٌ. والتَّخْصِيصُ في بعض الأحاديثِ لا يُعارِضُ العُمُومَ الموافِقَ له، بل يَدُلُّ على تَأكُّدِ الحُكْمِ فيما خَصَّه، وقولُ عائشةَ في رَدِّ خَبَر عمَرَ غيرُ مَقْبولٍ، فإنَّه مُثْبِتٌ لروايَتِه عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهي تَقُولُ برَأْيِها، ثم هي قد رَوَتْ ذلك أَيضًا، فرَوَتْ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصلِّى بعدَ العصرِ، ويَنْهى عنها. رَواه أبو داودَ (¬2). فكيف يُقْبَلُ رَدُّها لِما قد أقَرَّتْ بصِحَتِه؟ وقد رَواه أبو سعيدٍ، وأبو هُرَيرةَ، وعمرو بنُ عَبسَةَ، وغيرُهم، كنَحوِ رِوايَةِ عُمَرَ، فكيف يُتركُ هذا بمُجَرَّدِ رَأى مُخْتَلفٍ؟ ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشَّمس ولا غروبها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 571. (¬2) في: باب في من رخص في الركعتين بعد العصر إذا كانت الشَّمس مرتفعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 265.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والنَّهْىُ بعدَ العَصرِ عن الصلاةِ مُتَعلقٌ بفِعلِها، فمن لم يُصَلِّ العَصر أُبِيحَ له التنفلُ، وإن صَلَّى غيرُه. ومَن صَلَّى فليس له التَّنفُّلُ، وإن صَلَّى وحدَه. لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا عندَ مَن مَنَع الصلاةَ بعدَ العَصرِ. فأمّا النَّهْىُ بعدَ الفَجْرِ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَتَعلَّقُ بفعلِ الصلاةِ أَيضًا. يُرْوَى ذلك عن الحسنِ والشافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيد، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا صلَاةَ بعدَ صلَاةِ (¬1) الْعصرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، وَلَا صَلَاةَ بعدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتى تطْلُعَ الشَّمس». وروَى أبو داودَ حديثَ عُمَرَ بهذا اللَّفْظِ. وفي حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ: «صَلِّ صلَاةَ الصبحِ ثُمَّ أقْصر عَنِ الصلَاةِ». رَواه مسلمٌ. وفي رِوايَةِ أبي داودَ، قال: قُلْتُ يَا رسولَ اللهِ، أي الليْلِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخرِ، فَصَلِّ مَا شئتَ، فَإنَّ الصلَاةَ [مَشْهُودَة مَكْتُوبَةٌ] (¬2) حَتى تُصَلِّىَ الصبحَ، ثُمَّ أقصر حَتى تَطْلُعَ الشَّمس، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) هكذا في سنن أبي داود. وفي الأصل: «مكتوبة مشهودة». وفي تش، م: «مقبولة مشهودة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَتَرتَفِعَ قِيسَ (¬1) رُمْحٍ أوْ رُمحَيْن». ولأنَّ النهْىَ بعد العصر مُتَعَلق بفعلِ الصلاةِ. فكذلك بعد الفَجْرِ. والروايَةُ الثّانِيَةُ، أنَّ النهْىَ مُتَعَلِّقٌ بطُلوعِ الفَجْرِ. وبه قال ابن المُسَيبِ، وحُميْدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَن (¬2)، وأصحابُ الرأيِ. وقد رُوِيَتْ كَراهتُه عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عمرو، وهو المَشْهُورُ في المَذْهبِ؛ لِما روَى يَسارُ مَوْلَى ابنِ عُمرَ، قال: رآني ابنُ عُمَرَ وأنا أُصَلِّي بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فقال: يَا يَسارُ، إنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج علينا ونحن نُصَلِّي هذه الصلاةَ، فقال: «لِيُبَلِّغ شَاهِدُكُم غَائِبَكم، لَا تُصَلوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتيْنِ». رَواه أبو داود (¬3). وعن أبي هُرَيرةَ، رَضىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صلَاة إلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْر» (¬4). وهذا يُبَيِّنُ مرادَ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن اللفْظِ المُجْمَلِ، ولا يُعارضُه تَخصِيصُ ما بعدَ الصلاةِ بالنهْيِ (¬5) فإنَّ ذلك دَلِيلُ خِطابٍ، فالمَنْطُوقُ أوْلَى منه، وحديثُ عمرِو بن عَبَسَةَ قد اخْتَلَفَتْ ألفاظُ الرُّواةِ فيه، وهو في سننِ ابنِ ماجه: «حَتى يَطْلُعَ الْفَجْر». ¬

(¬1) في م: «قيد». (¬2) حميد بن عبد الرَّحْمَن الحميدي البَصْرِيّ، من فقهاء التابعين بالبصرة، قال ابن سيرين: هو أفقَه أهل البصرة قبل أن يموت بعشر سنين. طبقات الفقهاء للشيرازى 88. تهذيب التهذيب 3/ 46. (¬3) في: باب من رخص في الركعتين بعد العصر. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 294. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 104. (¬4) أورده الهيثمى في: مجمع الزوائد، وقال: رواه الطَّبْرَانِيّ في الأوسط وفيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف. مجمع الزوائد 2/ 218. وانظر: إرواء الغليل 2/ 232. (¬5) في م: «من النهي».

521 - مسألة؛ قال: (ويجوز قضاء الفرائض فيها)

وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيها. ـــــــــــــــــــــــــــــ 521 - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ قضاءُ الفَرائِض فيها) يَجُوزُ قضاءُ الفرائض الفائتُةِ في جميع أوْقاتِ النهْيِ وغيرِها. رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، وغيرِ واحدٍ مِن الصحابَةِ. وبه قال أبو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ»، والشعبِي، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أصحابُ الرأيِ: لا تُقْضَى الفَوائِتُ في الأوْقاتِ الثلَاثةِ التى في حديثِ عُقْبَةَ بني عامر، إلَّا عَصْرَ يومِه يُصَليها قبلَ غُروب الشَّمس؛ لعُمُومِ النَّهْي، ولأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا نام عنِ صلاةِ الفَجْرِ حتَّى طَلَعَتِ الشمسُ، أخرَها حتَّى ابْيَضَّتِ الشمسُ. مُتفق عليه (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الصعيد الطَّيب وضوء المسلم، من كتاب التيمم، وفي: باب علامات النبوة في الإسلام، من كتاب علامات النبوة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 94، 4/ 232. ومسلم، في: باب قضاء الصلاة الفائتة، استحباب تعجيل قضائها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 475.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولَنا، قولُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أوْ نَسِيَها، فَلْيُصَلها إذَا (¬1) ذَكَرَها». مُتَّفقْ عليه (¬2). وفي حديثِ أبي قتادَةَ: «إنَّمَا التفْرِيطُ في اليَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصلَاةَ حَتى يَجِيءَ وقْتُ الأخْرَى فَمَنْ (¬3) فَعَل ذَلِكَ فَلْيُصَلِّها حِينَ يَنْتَبهُ لَها». مُتَّفَقْ عليه (¬4). وخَبَرُ النهْيِ مَخْصُوص بالقَضاءِ في الوَقْتَين الآخَرَين، فنَقِيسُ مَحَلَّ النِّزاعِ على المَخْصُوص وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بذلك أَيضًا، وحديثُهم يَدُلُّ على جَوازِ التأخير، لا على تَحرِيمَ الفعلِ. ¬

(¬1) في م: «متى». (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب من نسى صلاة فليصل إذا ذكرها، من كتاب المواقيت. صحيح البُخَارِي 1/ 154، 155. ومسلم، في: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 471، 477.كما أخرجه أبو داود، في: باب من نام عن صلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة سنن أبي داود 1/ 103. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في النَّوم عن الصلاة، وباب جاء في الرَّجل ينسى الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 1/ 288 - 290. والنَّسائي، في: باب في من نسى صلاة، وباب في من نام عن صلاة، وباب إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 236 - 239. وابن ماجه، في: باب من نام عن الصلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 227، 228. والدارمي، في: باب من نام عن صلاة أو نسيها، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارمي 1/ 280. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 267، 269، 282. (¬3) في م: «فإن». (¬4) تقدم تخريجه والجزء الثالث صفحة، ولم يخرجه البُخَارِيّ. انظر: تلخيص الحبير 1/ 177.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولو طَلَعَتِ الشَّمَس وهو في صلاةِ الصبحِ، أتمَّها. وقال أصحابُ الرأيِ: تَفْسُدُ؛ لأنها صارَتْ في وقْتِ النَّهْي. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا أدرَكَ أَحَدُكم سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الْعصر قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشمسُ، فَلْيتِمَّ صلاتهُ، لَماذَا أدرَكَ سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الصبحِ قبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ فليتم صلاتهُ». مُتفَق عليه (¬1). وهذا نَص خاص يُقَدَّمُ (2) على عُموم ما ذَكَروه. فصل: ويَجُوز فِعل الصلاةِ المَنْذورَةِ في وقْتِ النهْيِ؛ سَواء كان النذْرُ مطْلَقا أو موقتا. ويَتَخَرَّجُ لنا (¬2) أنَّه لا يجوز بِناءً على صَوْم الواجِبِ في أيامِ التَّشريقِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لعُمُومِ النهْيِ. ولَنا، أنَّها صلاة واجِبَةٌ، فأشْبَهتِ الفَوائتَ مِن الفَرائِضِ وصلاةَ الجِنازَةِ، فإنَّه قد وافَقَنا فيما بعدَ صَلاةِ العَصرِ والصبحِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 149، 170، 171. (¬2) سقط من: م.

522 - مسألة: (وتجوز صلاة الجنازة، وركعتا الطواف

وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وإعَادَةُ الجَماعَةِ إذَا أقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، بَعْدَ الْفَجْرِ والعصرِ. وهل يَجُوزُ فِي الثلَاثةِ الْبَاقِيَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 522 - مسألة: (وتَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ (¬1)، وإعادَةُ الجَماعَةِ إذا أقيمَتْ وهو في المسجدِ، بعد الفَجْرِ والعصرِ. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ البَاقيةِ؟ علَى رِوايَتَين) تَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ بعدَ الصُّبْحِ ¬

(¬1) بعده في الأصل: «بعده».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حتى تَطْلعَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتى تَمِيلَ الشمسُ للغُرُوبِ، بغير خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: إجْمَاعُ المسلمين في الصلاةِ على الجِنازَةِ بعدَ العصرِ والصبحِ. فأما الصلاةُ عليها في الأوْقاتِ الثلاثةِ التي في حديثِ عُقْبَةَ فلا تَجُوز. ذَكَره القاضي، وغيرُه، وحَكاه الأثْرَمُ عن أحمدَ. وقد رُوِيَ عن جابر، وابن عُصَرَ نحوُ هذا القولِ. قال الخَطَابي: هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلم. وفيه رِواية أخْرى، أنه يَجُوزُ. حَكاها أبو الخَطَّاب. وهو مَذهبُ الشافعي؛ لأنَّها صلاة تُباحُ بعدَ الصبحِ والعصرِ (¬1)، فأبِيحَتْ في سائِر الأوْقاتِ، كالفَرائض. ولنا، قولُ عُقْبَةَ بين عامِر: ثَلاثُ ساعاتٍ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا عن الصلاةِ فهن، وأن نَقْبُرَ فيهِنُّ مَوْتانا (¬2). وذِكْرُه ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 240.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للصلاةِ مَقْرونًا بالدَّفْنِ يَدُل على إرادَةِ صلاةِ الجنازَةِ. ولأنها صلاة عِن غيرِ الصلواتِ الخَمس، أشْبَهتِ النوافِلَ، وإنما أبِيحَتْ بعدَ الصبحِ والعَصرِ لطُولِ مدَّتِهما، فالانتِظارُ يُخافُ منه عليها؛ بخِلافِ هذه الأوْقاتِ، وقِياسُهم على الفَرائِض لا يَصِح؛ لتَأكدِها، ولا يَصِحُّ قِياسُ الأوْقاتِ الثلاثةِ على الوَقْتَين الطويلَين؛ لِما ذَكَرنا. فصل: وتَجُوزُ رَكْعَتا الطوافِ بعده في هذين الوَقْتَين، وممن طاف بعدَ الصبحِ والعَصرِ وصَلى رَكْعَتَين؛ ابنُ عُمَرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، وابنُ عباس، والحسن، والحسينُ، ومُجاهِد، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وفَعَلَه عُروَة بعدَ الصبحِ، وهو قولُ الشافعي، وأبي ثَور. وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ أحاديثِ النهْي. ولَنا، ما روَى جُبَيرُ بنُ مُطْعِم، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا بنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمنَعُوا أحَدًا طَافَ بِهذَا الْبَيتِ، وَصلَّى فِيهِ في آية سَاعَةٍ شَاءَ، عِنْ لَيل أوْ نهارٍ» رَواه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأثْرَم، والترمذِي (¬1)، وقال: حديث حَسَن صحيح. ولأن رَكْعتي الطوافِ تابِعَة له، فإذا أبِيحَ المَتْبُوعُ أبيح التبعُ، وحديثُهم مَخْصُوص بالفَوائِتِ، وحديثنا لا تَخْصِيص فيه، فيكونَ أوْلَى. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ الباقِيَةِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما ذَكرنا، وهو مَذْهبُ الشافعي، [وأبي ثور] (¬2). والثانِيَةُ، لا يَجوز، لحديثِ عُقْبَة بنِ عامِرٍ، ولتأكدِ النهْي في هذه الأوْقاتِ الثلاثةِ، وقَصرها، وكَوْنِها لا يَشُق تَأخِيرُ الرُّكوعَ للطَّوافِ فيها بخِلافِ غيرِها. ¬

(¬1) في: باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف، من أبواب الحج. عارضة الأحوذي 4/ 98، 99 كما أخرجه أبو داود، في: باب الطواف بعد العصر من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 437. والنسائي، في: باب إباحة الصلاة الساعات كلها بمكة، من كتاب المواقيت، وفي: باب إباحة الطواف في كل الأوقات، من كتاب المناسك. المجتبى 1/ 228، 5/ 176. وابن ماجه: في باب ما جاء من الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، من كتاب إقامة الصلاة سنن ابن ماجه 1/ 398. والدارمي، في: باب الطواف في غير وقت الصلاة، من كتاب المناسك. الدارمي 2/ 70. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 80 - 84. (¬2) سقَط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل (¬1): وتَجُوز إعادَة الجَماعَةِ إذا أقيمتْ وهو في المسجدِ، أو دَخَل وهم يُصَلُّون بعدَ الفَجْرِ والعصر. وهذا قول الحسنِ، والشافعي. واشْتَرَطَ القاضي لجَوازِ الإعادَةِ ههُنا أن يكونَ مع إمامِ الحيِّ، ولم يفرِّقْ (¬2) ههُنا بينَ إمامِ الحَي وغيرِه، ولا بينَ المُصَلِّي جَماعَةً أو فُرادَى. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرقِيِّ. وكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على ذلك أيضًا. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عمَّن صَلَّى في جَماعَةٍ، ثم دَخَل المسجدَ وهم يُصَلون، أيصَلي معهم؟ قال: نَعَم. وقال أبو حنيفةَ: لا تُعاد الفَجْرُ ولا العصرُ في وَقتِ النَّهْي؛ لعُمُومِ النهي. ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ [يزِيدَ بين الأسْوَدِ] (¬3)، عن أبِيه، قال: شَهدتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حَجتَه، فصَلّيتُ ¬

(¬1) في الأصل: «مسألة». (¬2) بعده في الأصل: «الخرقي». (¬3) في الأصل: «يزيد الأسود».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ معه صلاةَ الفَجْرِ في مسجدِ الخَيفِ، وأنا غُلام شاب، فلما قَضَى صلاته إذا هو برَجُلَين في آخِرِ القومِ لم يُصَليا معه، فقال: «عَلَيَّ بِهما». فأُتِيَ بهما ترعَدُ فرائِصُهما، فقال: «مَا مَنَعَكمَا أنْ تُصَليَا مَعَنَا؟»، فقالا: يا رسولَ اللهِ قد صلَينا في رحالِنا. قال: «لَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَيتُمَا فِي رِحَالِكمَا، ثُمَّ أتيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصليَا مَعَهُم؛ فَإنَّها لَكُمَا نَافِلَةً». رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، والترمِذي (¬1). وهذا صَرِيح في إعادَةِ الفَجْرِ، والعَصرُ مِثْلُها. والحدِيثُ بإطْلاقِه يَدُل على الإعادَةِ، سَواء كان مع إمامِ الحَي أو غيرِه، وسواء صَلَّى وحدَه أو في جَماعَةٍ، وهل يَجُوزُ في الأوْقاتِ الباقِيَةِ؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو ذر، قال: إن خَلِيلي، يَعنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أوْصانِي أن أصَلي الصلاةَ لوَقْتِها (¬2): «فَإذا أدرَكتها مَعَهم فصَل مَعَهم، فَإنها لَك نَافِلَة». رَواه ¬

(¬1) أخرجه أبو داود. في: باب في من صلى في منزله فأدرك الجماعة يصلي معهم، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 136. والترمذي، في: باب جاء الرجل يصلي وحد ثم يدرك الجماعة، من أبواب الصلاة. عارضه الأحوذي 2/ 18، 19. كما أخرجه النسائي، في: باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 87. والدارمي، في: باب إعادة الصلوات في الجماعة بعدما صلى في بيته، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 317؛ 318. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 160، 161. (¬2) بعده في م: «وقال».

523 - مسألة: (ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من هذه

وَلَا يَجوزُ التَطَوُّعُ بغَيرِها فِي شَيء مِنْ هذهِ الْأوْقَاتِ الْخَمسَةِ، إلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ؛ كَتَحِيَّةِ الْمَسجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السننِ الرَّاتِبَةِ، فَإنها عَلَى رِوَايَتَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ مسلم (¬1)، وقِياسا على الوَقْتَينْ الآخَرَين. والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لحديثِ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، ولِما بينَها وبينَ هذين الوَقْتَين مِن الفَرقِ. 523 - مسألة: (ولا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بغيرِها في شيء مِن هذه (¬2) الأوْقاتِ الخمسَةِ، إلَّا ما له سَبب؛ كتَحِيَّةِ المسجدِ، وسُجُود التلاوَةِ، وصلاةِ الكُسُوفِ، وقَضاءِ السُّنَن الرّاتِبَةِ، فإنها على روايَتَين) أرادَ بغيرِ ما ذكَر مِن الصَّلَواتِ، وهي صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ، وإعادَةُ الجماعَةِ، وليس في المَذْهبِ خِلاف نَعلَمُه في أنَّه لا يَجُوز أن يَبْتَدِئَ في هذه الأوْقاتِ تَطَوُّعًا لا سَبَبَ له. وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرأي. ¬

(¬1) في: باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 448.كما أخرجه النسائي، في: باب الصلاة مع أئمة الجور، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 58، 59. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها، من كتاب إقامة الصلاة سنن ابن ماجه 1/ 398. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 147، 149، 160، 161، 168. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال ابن المُنْذر: رَخَّصت طائِفةً في الصلاة بعدَ العَصرِ، يروَى ذلك عن على، والزُّبَيرِ، وابنِه، وتمِيم الدارِي، والنعمانِ بنِ بَشِيرٍ، وأبي أيُّوبَ الأنْصاري، وعائشةَ، رَضِيَ الله عنه، وجَماعَةٍ مِن أهلِ العِلْمِ سِواهم. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال.: لا نَفْعَلُه ولا نعِيبُ فاعِلَه؛ لقَوْلِ عائشةَ: ما تَرَك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكعَتَين بعدَ العَصرِ عندِي قط. وقولِها: وهِمَ عُمَرُ، إنما نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشمس أو غُرُوبَها. رَواهما مسلم (¬1). وقولُ علي، - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَلَاة بعدَ الْعصرِ إلّا وَالشمس مُرتَفِعَة» (¬2). ولَنا، الأحاديثُ المذْكُورَةُ، وهي ¬

(¬1) الأول، في: باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 572. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 6/ 96. والثاني، تقدم تخريجه في صفحة 241. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 340.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَحِيحَة صرِيحَة. وروَى أبو بَصرَةَ، قال: صَلى بِنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العَصرِ بالمُخَمَّصِ (¬1)، فقال: «إنَّ هذهِ الصَّلاة عُرِضَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها، فمَنْ حَافَظَ عَلَيها كَانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَينِ، وَلا صَلاةَ بَعدَها حَتَّى يَطْلُعَ الشاهِدُ». رَواه مسلم (¬2). وهذا خاصٌّ في مَحَل النزاعِ. وأما حديثُ عائشةَ،، فقد روَى عها ذَكْوانُ مَوْلاها، أنها حَدَّثَتْه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلي بعدَ العَصرِ وينْهى عنها. رواه أبو داودَ (¬3). وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: سَمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهى عنهما، ثم رأيتُه يُصَليهما، وقال: «يَا بنْتَ ابنِ أبِي أمَيَّةَ، إنَّهُ أتانِيَ نَاس مِنْ عَبْدِ الْقَيس بالإسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِم، فشَغَلُوني عَنِ الركْعَتَينِ اللَّتَينِ بعدَ ¬

(¬1) كذا ضبطه النووي؛ وقال: موضع معروف. شرح صحيح مسلم 6/ 113. وفي معجم البلدان 4/ 444 المَحمِص، طريق في جبل عمر إلى مكة. (¬2) في: باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 568. كما أخرجه النسائي، في: باب تأخير المغرب، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 208. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 397. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 241.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الظهْرِ، فهُمَا هاتَان». رواه مسلم (¬1). وهذا يَدُلُّ على أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما فَعَلَه لسَبَبٍ، وهو قَضاءُ ما فات مِن السنةِ، وأنه نَهى عن الصلاةِ بعدَ العَصرِ، كما رَواه غيرُهما، وحديثُ عائشةَ يَدُل على اخْتِصاص النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[بذلك، ونَهْيه غيرَه، وهو حُجّة على مَن خالف ذلك، فإن النِّزاعَ في غيرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬2)، وقد ثبَت ذلك مِن غيرِ مُعارض له، وقَوْلُها: وَهِمَ عُمَرُ. قد أجبنا عنه. فصل: فأما ما له سَبَب، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، - رضي الله عنه -، في الوتْرِ أنَّه يُفْعَلُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ قبلَ الصلاةِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعود، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، وحُذَيفَةَ، وأبِي الدرداءِ، وعُبادَةَ بنِ الصامِتِ، وعائشِة، وغيرِهم، رَضِيَ الله عنهم. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِي، والشافعي. ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله عنه، ¬

(¬1) في النسخ: «رواهما».وهو خطأ. والحديث أخرجه مسلم، في: باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 571، 572.كما أخرجه البخاري، في: باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها؛ من كتاب المواقيت، وفي: باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع، من كتاب السهو، وفي: باب، وفد عبد القيس؛ من كتاب المغازي. صحيح البخاري 1/ 153، 2/ 88، 5/ 214. وأبو داود، في: باب الصلاة بعد العصر، من كتاب التطوع سنن أبي داود 1/ 293. والدارمي، في: باب: في الركعتين بعد العصر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 334، 335. (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إنّه خَرج بعدَ طلُوعِ الفَجْرِ، فقال: لنِعمَ هذه ساعَةُ الوتْرِ (¬1). وقد رُوِيَ عن أبي موسى، أنَّه سُئِل عن رجل لم يُوتِر حتى أذنَ المُؤذنُ، فقال: لا وتر. له. وأنكَر ذلك عَطاء، والنَّخَعِي، وسعيدُ بنُ جُبير. وهو قول أبي موسى؛ لعمومِ النهْي. ولَنا، ما روَى أبو بَصرَة الغِفاري، قال: سَمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الله زَادَكم صلَاة فَصَلُّوها مَا بَينَ الْعِشَاءِ إلَى صلَاةِ الصبحَ، الوتر الوتر (¬2)». رَواه الأثْرَمُ، واحتَجَّ به أحمدُ (¬3). وأحادِيثُ النهْي ليست صَرِيحَة في النهْي قبلَ صلاةِ الفَجْرِ؛ كما حَكَيناه مُتَقَدَّمًا. وقد روَى أبو هُريرةَ (¬4)، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نَامَ عن الْوتر ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب أي ساعة يستحب فيها الوتر، من كتاب الصلاة. المصنف 3/ 18. والبيهقي، في: باب من أصبح، ولم يوتر. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 479. (¬2) سقَط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 107. ونحوه حديث خارجة بن حذافة المتقدم في الموضع السابق. (¬4) كذا جاء. وهو من حديث أبي سعيد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَلْيُصَلِّهِ إذا أصبح». رَواه ابنُ ماجه (¬1). إذا ثَبَت هذا، فإنه لا يَنْبَغِي أن يَتَعَمَّدَ تركَ الوتْرِ حتى يُصبِحَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَإذَا خشيَ أحَدُكُم الصبحَ فَلْيُصَل رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتفَق عليه (¬2). وقال مالك: مَن فاتَتْه صلاةُ اللَّيلِ، فله أن يُصَلِّيَ بعدَ الصبحِ قبلَ أن يُصَلِّيَ الصبحَ. وحَكاه ابنُ أبي موسى في «الإرشادِ» مَذْهبًا لأحمدَ، قِياسًا على الوتْرِ، ولأن هذا الوَقتَ، لم يَثْبُتِ النَّهْيُ فيه صَرِيحًا، فكان حُكمُه خَفِيفًا. فصل: فأما سُجُودُ التلاوَةِ، وصلاةُ الكُسوفِ، وتَحِيُّةُ المسجدِ، فالمَشْهُورُ في المَذْهبِ أنه لا يَجُوزُ فِعلُها في شيءٍ مِن أوْقاتِ النَّهْي، وكذلك قَضاء السننِ الراتِبَةِ في الأوْقاتِ الثلاثةِ المَذْكورَةِ في حديثِ عُقْبَةَ بنِ عامِر. ¬

(¬1) في: باب من نام عن وتر أو نسيه، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 375 أخرجه أبو داود، في: باب في الدعاء بعد الوتر، من كتاب الوتر. سنن أبي داود 1/ 331. والترمذي، في؛ باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه، من أبواب الوتر. عارضة الأحوذي 2/ 252. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 31، 44. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 11، 12 في حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذَكَرَه الخِرَقي في سُجُودِ التلاوَةِ، وصلاةِ الكسُوفِ. وقال القاضِي: في ذلك رِوايَتان؛ أصَحُهما، أنه لا يَجُوزُ. وهو قولُ أصحاب الرَّأي. والثانِيةُ، يجُوزُ. وهو قول الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا دَخَل أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَركَعَ رَكْعَتَينِ». مُتَفَق عليه (¬1). وقال في الكسُوفِ: «فإذَا رأيتُموها (¬2) فصَلوا» (¬3) وهذا خاصٌّ في هذه الصلاةِ، فيُقَدمُ على النَّهْي العام، ولأنها صلوات ذَواتُ أسبابٍ أشْبَهتْ ما ثَبَت جَوازُه. ولَنا، أن كل واحِدٍ خاصٌّ مِن وَجْهٍ، [وعام من وَجْهٍ] (¬4) إلَّا أن النهْيَ للتحرِيمِ، والأمرَ للندبِ، وتَركُ المُحَرُّمِ أوْلَى مِن فِعلِ المَنْدُوبِ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، من كتاب الصلاة، وفي: باب جاء في التطوع مثنى مثنى، من كتاب التهجد. صحيح البخاري 1/ 120، 121، 2/ 70، ومسلم، في: باب استحباب تحية المسجد بركعتين. . . . إلخ من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 495.كما أخرجه الترمذي، في: باب جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 112، والنسائي في: باب الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه. من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 42. وابن ماجه، في: باب من دخل المسجد فلا يجلس حتى يركع، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 323. والإمام مالك، في: باب انتظار الصلاة، المشي إليها، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 162. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 295، 296، 303، 305، 311. (¬2) في تش: «رأيتموهما». (¬3) يأتي تخريجه في صلاة الكسوف. (¬4) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأما قَضاءُ السُّننِ الرّاتِبَةِ في الوَقتَين الآخَرَين، فالصَّحِيحُ أن رَكْعَتَي الفَجْرِ تُقْضَى بعدَها؛ [إلا أن] (¬1) أحمدَ قال: أنا أخْتارُ أن يَقْضِيَهما مع الضحَى. كان صلّاهما بعدَ الفَجْرِ أجْزَأه؛ لِما روَى قَيسُ بنُ قَهْدٍ، قال: رَآنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصَلّي رَكْعَتَي الفَجر بعدَ صلاةِ الفَجْرِ، فقال: «مَا هاتَانِ الركْعَتَانِ يَا قَيسُ؟» قُلْتُ: يا رسولَ الله، لم أكُنْ صَلَيتُ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فهما هاتانِ. رَواه الامامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِي (¬2). وسُكُوتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدُل على الجَوازِ. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، لا يَجُوزُ ذلك. وهو قولُ أصحابِ الرأي، لعُمُومِ أحاديثِ النَّهْي، ولِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَمْ يُصَل رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشمسُ». رَواه الترمِذِيُّ (¬3). ¬

(¬1) في م: «لأن». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب من فاتته متى يقفط، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 291؛ 292. والترمذي، في: كتاب ما جاء في من تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الفجر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 215. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 447. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب جاء في من فاتته الركعتان. . . . إلخ، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماحه 1/ 365. (¬3) في: باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس، من أبواب المواقيت. عارضة الأحوذي 2/ 216.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وحديثُ قَيسٍ مُرسَل، قاله أحمدُ، والترمِذِي. وإذا كان الأمرُ هكذا كان تأخِيرُهما إلى وَقتِ الضُّحَى أحسَنَ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولا يُخالِفُ عُمومَ الحدِيتِ، وإن فَعَلَهما جاز؛ لأنَّ هذا الخبَرَ لا يَقْصُرُ عن الدَّلالةِ على الجَوازِ. والصحِيحُ أن السننَ الراتِبَةَ تُقْضَى بعدَ العَصرِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه، فإنه قَضَى الركْعَتَين اللَّتَين بعدَ الظهْر بعدَ العَصرِ في حَدِيثِ أم سَلمَةَ الذي ذَكَرناه (¬1)، والاقتِداءُ بما فَعَلَه النبي - صلى الله عليه وسلم - مُتَعيِّن. ولأن النهْيَ بعدَ العَصرِ خَفِيف، لِما روىَ في خِلافِه مِن الرُّخْصَةِ. وقولُ عائشةَ: إنه كان يَنْهى عنها. معنَاه والله أعلمُ، أنه نَهى (¬2) عنها لغيرِ بهذا السببِ، أو أنه كان بَفْعَلُها على الدَّوامِ. وهذا مذهب الشافعي. وفيه رِوايَة أخْرَى، لا يَجُوزُ. وهو قولُ أصحابِ الرأي؛ لعُمُومِ النهْي. والأخْذُ بالحدِيثِ الخاص أوْلَى. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 256. (¬2) في م: «ينهى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا فَرقَ بينَ مَكَّةَ وغيرِها في المَنْع مِن التطَوُّعِ في أوْقاتِ النَّهْي. وقال الشافعي: لا يُمنَعُ؛ لِما ذَكَرنا مِن حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعم (¬1)، ولِما روَى أبو ذَر، قال: سَمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يُصَليَن أحَدٌ بَعدَ الصبحِ إلى طُلُوعِ الشمس، وَلَا بَعْدَ الْعصرِ إلَى أنْ تَغْرُبَ (¬2) الشمسُ، إلّا بمَكَّةَ». قال ذلك ثلاثًا. رَواه الدّارَقطني (¬3). ولَنا، عُمومُ النهْي، ولأنه مَعنى يَمنَعُ الصلاةَ، فاستَوَتْ فيه مَكَة وغيرُها، كالحَيضِ، وحديثُ جُبَير أرادَ به رَكْعَتَي الطَّوافِ وحديثُ أبي ذَر يرويه عبدُ الله (¬4) بنُ المُؤملِ، وهو ضَعِيفْ. قاله يَحيَى بنُ مَعِين. فصل: ولا فَرقَ في وَقتِ الزّوالِ بينَ يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه، ولا بينَ الشِّتاءِ والصيفِ. كان عُمَرُ بنُ الخطْابِ يَنْهى عنه، وقال ابنُ مسعود: كُنا نُنْهى عن ذلك. يَعنِي يومَ الجُمُعَةِ. ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ، وطاوس والأوْزاعي، والشافعي، وإسحاقُ في يوم الجُمُعَةِ، لِما روَى أبو سعيد، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاةِ نِصفَ النهارِ إلى يومَ الجُمعَةِ. رَواه أبو ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 250. (¬2) في م: «تغيب». (¬3) في: باب جواز النافلة عند البيت في جميع الأزمان، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 425. (¬4) في تش: عبد الرحمن.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ داودَ (¬1). ولأن النّاسَ يَنتظِرُون الجُمُعَةَ في هذا الوَقْتِ، وليس عليهم قطْعُ النَّوافِلِ. وأباحَه عَطاء في الشتاءِ دُونَ الصيفِ؛ لأن ذلك الوَقْتَ حينَ تُسْجَرُ جَهنَّمُ. ولَنا، عُموم أحادِيثِ، النهْي، وهي عامَّةٌ في يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه، وفي الصيفِ والشتاءِ، ولأنه وَقْتُ نَهْي، فاستوى فيه يومُ الجُمعَةِ وغيرُه، كسائِرِ الأوْقاتِ، وحَدِيثهم في إسناده لَيث (¬2)، وهو ضَعِيفٌ، وهو مُرسَل أيضًا. وقَوْلُهم: إنهم يَنْتَظِرُون الجُمُعَة. قُلْنا: إذا عَلِم وَقْتَ النهْي فليس له أن يُصَلي، وإن شَكَّ فله أن يصَليَ حتى يَعلَمَ، لأن الأصلَ الإباحَةُ، فلا تَزُولُ بالشكِّ. ونَحوُ هذا قال مالِكٌ. والله أعلمُ. ¬

(¬1) كذا في النسخ. وإنما أخرجه أبو داود من حديث أبي قتادة، في: باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 249. ولفظه: كره الصلاة نصف النهار. . . . إلخ وأخرج البيهقي نحوه من حديث أبي هريرة، في: باب ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأيام دون بعض، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 464. (¬2) هو ليث بن أبي سليم. انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 8/ 465.

باب صلاة الجماعة

بَابُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ هِيَ وَاجِبَةٌ لِلصَلَوَاتِ الخمسِ عَلَى الرجَالِ، لَا شرط. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ صلاةِ الجماعةِ 524 - مسألة: (وهي واجبة للصَلَواتِ الخَمس على الرجالِ، لا شرط) الجماعَةُ واجِبَة على الرجالِ المُكلفِين لكلّ صَلاة مَكْتوبَةٍ. رُوِيَ نحوُ ذلك عن ابنِ مسعود، وأبي موسى. وبه قال عَطاءٌ، والأوزاعِي، وأبو ثورٍ. وقال مالك، والثّورِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعي: لا تَجِبُ؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لقَوْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «تَفْضُل صلَاة الجماعة عَلَى صَلَاةِ الفَذ بِخمس وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتفَق عليه (¬1). ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْكِر على اللّذَين قالا: صَلينا (¬2) في رِحالِنا (¬3). ولو كانت واجِبَة لأنكرَ عليهما، ولأنَّها لو ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب الصلاة في مسجد السوق، من كتاب الصلاة، وفي: باب فضل صلاة الجماعة من كتاب الأذان، وفي: باب ما ذكر في الأسواق، من من كتاب البيوع، وفي: كتاب {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} من كتاب التفسير. صحيح البخاري 1/ 129، 166، 3/ 86، 6/ 108. ومسلم، في: باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 449 - 451، 459؛ أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء المشي إلى الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 132. والترمذي، في: باب ما جاء في فضل الجماعة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 15 - والنسائي، في: باب فضل الجماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 80 وابن ماجه في: باب وفضل الصلاة في جماعة، من كتاب المساجد- سنن ابن ماجه 1/ 259. والدرامي، في: باب في فضل صلاة الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 293. والإمام مالك، في باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 129. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 376، 382، 437، 452، 2/ 65، 102، 112، 233، 252، 264، 328، 396، 454، 473، 475، 486، 501، 520، 525. 3/ 55، 6/ 49. (¬2) في م: «قد صلينا». (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 252.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كانت واجِبَة، لكانت شَرطًا لها كالجُمُعَةِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} (¬1). الآية. ولو لم تَكُنْ واجِبَةً لرَخصَ فيها حالةَ الخَوْفِ، ولم يُجزِ الإخْلال بواجِباتِ الصلاةِ مِن أجْلِها. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَقد هممت أنْ آمُرَ [بِحَطَب لِيُحطَبَ] (¬2)، ثُم آمُرَ بِالصلَاةِ فيؤذنَ لَها، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَوم النَّاسَ، ثُمَّ أخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يشهدُونَ الصلَاةَ، فَأحرقَ عَلَيهِم ¬

(¬1) سورة النساء 102. (¬2) في الأصل: «بخطيب ليخطب».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بُيُوتَهم». مُتفَق عليه (¬1). وفيه ما يَدُل على أنَّه أراد الجَماعَةَ؛ لأنه لو أراد الجُمُعَةَ لَما همَّ بالتَخلفِ عنها. وعن أبي هُرَيرةَ، قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ أعمَى، فقال: يا رسولَ الله، ليس لي قائد يَقُودُني إلى المَسْجِدِ. فسَأله أن يُرَخِّصَ له أن يُصَليَ في بَيته، فرَخَّصَ له، فلمَا وَلَّى دَعاه، فقال: «أتَسمع النِّدَاءَ بِالصلَاةِ؟». قال: نعم. قال: «فأجبْ». رَواه مسلمٌ (¬2). وإذا لم يُرَخَّض للأعمَى الذي لا قائِدَ له، فغيره أولَى. قال ابنُ المُنْذِر: ورَوَينا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنِ أمِّ مَكْتُوم: «لَا أجِدُ لَكَ رُخْصَة» (¬3). يَعنِي في التخلُّفِ عن الجَماعَةِ. وعن أبي ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب وجوب صلاة الجماعة، وباب فضل العشاء في جماعة، من كتاب الأذان، وفي: باب إخراج الخصوم، أهل الريب من البيوت بعد المعرفه، من كتاب الأحكام. صحيح البخاري 1/ 165، 167، 9/ 101 ومسلم، في: باب فضل صلاة الجماعة. . . .، من كتاب المساجد صحيح مسلم 1/ 452. كما أخرجه أبو داود، في: باب في التشديد في ترك الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 129. والترمذي، في: باب جاء في من يسمع النداء فلا يجب، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 17. والنسائي، في: باب التشديد في التخلف عن الجماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 83. وابن ماجه في: باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 259، الدارمي، في: باب ومن تخلف ص الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 292. والإمام مالك؛ في: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 129، 130. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 450، 2/ 244، 376، 377، 416، 472. (¬2) في: باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 452.كما أخرجه أبو داود، في: باب في التشديد في ترك الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 130. والنسائي، في: باب في التشديد في التخلف عن الجماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 84، 85. وابن ماجه، في: باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 260. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 23، 4/ 43. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب التشديد في ترك الجماعة؛ من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 130.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدّرداءِ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (¬1) قال: «مَا مِن ثَلَاثةٍ فِي قريَةٍ، أو بَلَدٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمُ (¬2) الصَلَاةُ إلّا اسْتَحوَذ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ، فَعَلَيكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإن الذِّئْبَ يَأكُلُ الْقَاصِيَةَ» (¬3). وفي حديثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ: «إذَا حَضَرَتِ الصَلَاةُ فلْيُؤذنْ أحَدُكُمَا، وَلْيَؤمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا» (¬4). ولمسلم: «إذَا كَانُوا ثَلَاثةً فَلْيَؤمَّهم أحَدُهُم» (¬5). وهذا (¬6) أمرٌ، وظاهِرُ الأمرِ الوجُوبُ. فصل: وليست شرطًا لصِحَّةِ الصلاةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال ابنُ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «فيه». (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في التشديد في ترك الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 129. والنسائي، في: باب التشديد في ترك الجماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 83. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 196، 6/ 446. (¬4) تقدم تخريجه في 3/ 52. (¬5) أخرجه مسلم، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة. صحيح مسلم 1/ 464. (¬6) سقط من. م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَقِيلٍ: تُشْتَرَطُ في أحَدِ الوَجْهين. قال: وهو الصحيح عندِي؛ لِما ذَكَرنا مِن الأدلَّةِ. قال شيخُنا (¬1): وهذا ليس بصَحِيح؛ للحَدِيثَين اللذَين ذَكَرناهما في حُجَّةِ الخصمِ. ولا نَعلَمُ أحَدًا قال بوُجُوبِ الإعادَةِ على مَن صَلى وحدَه، إلَّا أنه قد رُوِيَ عن جَماعَةٍ مِن الصحابَةِ، منهم ابنُ مسعودٍ، أنهم قالوا: مَن سَمِع النِّداءَ [وتَخَلَّفَ] (¬2) مِن غيرِ عُذْرٍ، فلا صلاةَ له. ¬

(¬1) في: المغني 3/ 7. (¬2) زيادة من المغني.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وتَنْعقِدُ باثْنَين فصاعِدًا، بغيرِ خِلاف عَلِمناه؛ لِما روَى أبو موسى، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الاثْنَانِ فمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ». رَواه ابنُ ماجه (¬1). ولحَدِيثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ. وقد أم النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عباس مَرة، وحذيفَةَ مَرَّة (¬2). ولو أم الرجلُ عَبْده أو زَوْجَتَه أدرَكَ فَضِيلَةَ الجَماعَةِ. وإن أَمَّ صبيًّا جاز في التَّطَوُّعِ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم ابنَ عباس وهو صَبِيٌّ. وإن أمه في الفَرض، فقال أحمدُ (¬3): لا تنْعَقِدُ به الجَماعَة، لأنه لا يَصلُحُ أن يَكونَ إمامًا فيها. وعنه، يَصِح. ذَكَرَها الآمِدي كما لو أمَّ بالِغًا مُتَنَفِّلًا. ¬

(¬1) في: باب الاثنان جماعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 312.كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 5/ 254، 269. (¬2) حديث ابن عباس تقدم تخريجه في صفحة 119. وتقدم طرف منه في الجزء الأول صفحة 455. وحديث حذيفة تقدم تخريجه في صفحة 198. (¬3) سقط من: الأصل.

525 - مسألة: (وله فعلها في بيته في أصح الروايتين)

وَلَهُ فعلُها فِي بَيتهِ فِي أصح الروَايَتَين. ـــــــــــــــــــــــــــــ 525 - مسألة: (وله فِعلُها في بَيته في أصَح الروايَتَين) ويجُوزُ فِعلُ الجَماعَةِ في البَيتِ والصحراءِ، في الصحِيحِ مِن المذْهبَ. وعنه، أن حُضُورَ المَسْجِدِ واجِبٌ على القَرِيبِ منه، لأنه رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمسْجدِ إلا فِي المَسْجِدِ» (¬1). ولَنا، قَوْلُ النبي ¬

(¬1) أخرجه الدارقطني، في: باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 240. وهو فيه عن جابر وأبي هريرة مرفوعًا. كما أخرجه موقوفًا على علي في نفس الموضع، وقد أشار المصنف إلى هذه الرواية الموقوفة كما سيأتي بعد قليل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى الله عليه وسلم -: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسْجدًا وَطَهُورًا، فأيمَا رَجُل أدرَكَتْه الصلَاة فَلْيُصَل». مُتفق عليه (¬1). والحديثُ الذي ذَكَرُوه لا نَعرِفُه إلَّا مِن قَوْلِ على نَفْسِه، كذلك رَواه سعيدٌ. والطاهِرُ أنَّه إنما أرادَ الجَماعَةَ، فعَبر بالمَسْجدِ عنها؛ لأنه مَحَلها، ويَجُوزُ أن يَكُون أرادَ الكمال والفَضِيلَةَ، فإن الأخْبارَ الصحِيحَةَ دالةٌ على صِحةِ الصلاةِ في غيرِ المسجد. والله أعلمُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة 34.

526 - مسألة: (ويستحب لأهل الثغر الاجتماع في مسجد واحد)

وَيُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثغْرِ الاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَالْأفْضَلُ لِغَيرِهِمُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلا بِحُضُورِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 526 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثغْرِ الاجْتِماعُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ) لأنه أعلَى للكَلِمَةِ، وأوْقَعُ للهيبَةِ، فإذا جاءهم خَبَر عن عَدُوهم سَمِعَه جَمِيعُهم، وكذلك إذا أرادُوا التشاوُرَ في أمر، وإن جاء عَين للكُفارِ أخْبَرَ بكثْرَتِهم. قال الأوْزاعِي: لو كان الأمرُ إليَّ لَسَمَّرتُ أبواب المَساجِدِ التي [في الثغُورِ] (¬1)؛ ليَجْتَمِعَ الناسُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ. 527 - مسألة: (والأفْضَلُ لغيرِهم الصلاةُ في المَسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه الجَماعَةُ إلى بحُضُورِه) (¬2) لأنَّه يعمُرُه بإقامَةِ الجَماعَةِ فيه، ويُحَصِّلُها لمَن يُصَلِّي فيه، فيَحصُلُ له ثَوابُ عِمارَةِ المسجِدِ، [وتَحصِيلُها لمَن يُصَلِّي فيه] (¬3)، وذلك معدُومٌ في غيرِه. وكذلك إن كَانت تُقامُ فيه مع غَيبتِه، إلَّا أن في قَصده غيرَه كَسر قَلْبِ إمامِه أو جَماعتِه، فجَبْرُ قُلُوبِهم أوْلَى. ¬

(¬1) في م: «للثغور». (¬2) في الأصل:. «بحضورهم». (¬3) في م: «ويحصلها لمن لا يصلي فيه».

528 - مسألة: (ثم ما كان أكثر جماعة، ثم في المسجد العتيق)

ثُمَّ مَا كَانَ أكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 528 - مسألة: (ثم ما كان أكثرَ جَماعَة، ثم في المَسْجدِ العتيق) فإن عُدِم ما ذَكَرنا في المَسْألَةِ التي قَبْلَها، ففِعلها فيما كان أكثرَ جَماعَة أفْضلُ؛ لقَوْلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرجُلِ أزْكَى (¬1) مِنْ صلَاتهِ وَحدهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرجُلَين أزكَى مِنْ صلَاتهِ مَعَ الرجُل؛ وَمَا كَانَ أكثَرَ، فَهُوَ أحَبُّ إلَى الله تَعَالى». رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسندِ» (¬2). فإن ¬

(¬1) في الأصل: «أولى». (¬2) في: 5/ 140، 145.كما أخرجه أبو داود، في: باب في فضل صلاة الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 151. والنسائي، في: باب الجماعة إذا كانوا اثنين، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 81.

529 - مسألة: (وهل الأولى قصد الأبعد أو الأقرب؟ على روايتين)

وهلِ الأوْلَى قَصدُ الْأبْعد أو الْأقْرَبِ؟ عَلى رِوَايتينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ تَساوَيا في الجماعَةِ، فالمَسْجدُ العتِيقُ أفْضَل؛ [لأن الطَّاعَةَ فيه أسبقُ، والعِبادَةَ فيه أكثَرُ. وذَكر أَبو الخَطابِ أن فعلَها في المَسْجدِ العتِيقِ أفْضَلُ] (¬1)، وإن قَل الجَمع فيه؛ لذلك. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكرنا مِن الحَدِيثِ. 529 - مسألة: (وهل الأوْلَى قصدُ الأبعدِ أو الأقْربِ؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، قصدُ الأبعَدِ أفْضَلُ؛ لتَكْثُرَ خُطاه في طَلَبِ الثوْابِ، ¬

(¬1) سقط من الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فتَكثُر حَسَناتُه، ولِما روَى أبو مُوسى، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعظَمُ الناسِ أجْرًا [في الصَّلَاةِ] (¬1) أبعَدُهُم فَأبعَدُهم ممشًى». رَواه البُخارِيُّ (¬2). والثانِيَةُ، قصد الأقْرَبِ؛ لأنَّ له جِوارًا، فكان أحق بصَلاته، كما أنَّ الجارَ أحَق بهدية جارِه ومعرُوفهِ، ولقَوْلِه - عليه السلام -: «لَا صَلَاة لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلا في المَسْجِدِ» (¬3). ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في: باب فضل صلاة الفجر في جماعة، من كتاب الصلاة. صحيح البخاري 1/ 166. كما أخرجه مسلم، في: باب فضل عشرة الخطا إلى المساجد، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة. صحيح مسلم 1/ 460. (¬3) تقدم تخرجه في صفحة 273.

530 - مسألة: (ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه)

وَلَا يَؤُمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الراتِبِ إلَّا بإذْنِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 530 - مسألة: (ولا يَؤمُّ في مَسْجِدٍ قبلَ إمامِه الرّاتِبِ إلَّا بإذْنِه) لأن الامامَ الرَّاتِبَ بمَنْزِلَةِ صاحِبِ البَيتِ، وهو أحَقُّ؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرجلَ فِي بَيته إلَّا بإذْنِهِ» (¬1). وقد رُوِيَ عن ابن عُمرَ أنَّه أتى أرضًا وعندَها، مَسْجِدٌ يُصَلِّي فيه مَوْلى لابنِ عُمَرَ، فصَلى ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب من أحق بالإمامة من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 465. وأبو داود، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 937. والترمذي، في: كتاب من أحق بالإمامة، من أبواب الصلاة، وفي: باب حدثنا هناد. . . . إلخ، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذي 2/ 34، 10/ 225. والنسائي، باب أحق بالإمامة، وباب اجتماع القوم وفيهم الوالي، من كتاب الإمامة المجتبي 2/ 59 - 5، 60. وابن ماجه، في: كتاب من أحق بالإمامة، من كتاب الإقامة. سنن ابن ماجه 1/ 313، 314. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 118، 121، 122، 5/ 272.

531 - مسألة: (فإن لم يعلم عذره انتظر وروسل، [ما لم يخش]

إلَّا أنْ يَتَأخَّرَ لِعُذْرٍ، فَإن لَمْ يُعلَم عُذْرُه انْتُظِرَ وَرُوسِلَ، مَا لَمْ يُخْشَ خُرُوجُ الْوَقتِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ معهم، فسَألوه أن يُصَلّي بهم، فأبَى، وقال: صاحِبُ المَسْجِدِ أحَقُّ (¬1). (إلَّا أن يَتَأخَّرَ لعُذْرٍ) فيُصَلِّي غيرُه؛ لأن أبا بكرٍ صَلى حينَ غاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2)، وفَعَل ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحسَنْتم». رَواه مسلم (¬3). 531 - مسألة: (فإن لم يُعلَم عُذْرُه انتُظِرَ ورُوسِلَ، [ما لم يُخْشَ] (¬4) خُروجُ الوَقتِ) فيُقَدمُ غيرُه؛ لئَلا يَفُوتَ الوَقْتُ. ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، في: باب الإمام الراتب أولى من الزائر، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 126. (¬2) قطعة من حديث: «إذا نابكم شيء في صلاتكم» المتقدم في 3/ 627. (¬3) سقط من: م. وتقدم الحديث في الجزء الأول صفحة 344. (¬4) في م: «إلا أن يخشى».

532 - مسألة: (فإن صلى، ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد، استحب له إعادتها إلا المغرب. وعنه

فَإنْ صَلَّى، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا إلَّا الْمَغْرِبَ. وَعَنْهُ، يُعِيدُهَا، وَيَشْفَعُهَا بِرَابِعَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 532 - مسألة: (فإن صَلَّى، ثم أُقِيمتَ الصلاةُ وهو في المَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ له إعادَتُها إلَّا المَغْرِبَ. وعنه (¬1)، يُعِيدُها، ويَشْفَعُها برابِعةٍ) ¬

(¬1) في م: «فإنه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَن صَلَّى فَرِيضَةً، ثم أدْرَكَ تلك الصلاةَ في جَماعَةٍ اسْتُحِبَّ له إعادَتُها، أيَّ صلاةٍ كانت، إذا كان في المَسْجِدِ، أو دَخَل المَسْجدَ وهم يُصَلُّون. وهذا قول الحسنِ، والشافعيِّ. سواءٌ كان صَلّاها مُنْفَرِدًا أو في جَماعَةٍ, وسواءٌ كان مع إمامِ الحَيِّ أو لا. وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، فيما حَكاه عنه الأثْرَمُ والخِرَقِيُّ. وقال القاضي: إن كان مع إمامِ الحَيَّ، اسْتُحِبَّ له، وإن كان مع غيرِ إمامِ الحَيَّ اسْتُحِبَّ له إعادَةُ ما سِوَى الفَجْرِ والعَصْرِ. وقال أبو الخَطّابِ: يُسْتَحَبُّ له الإعادَةُ مع (¬1) إمامِ الحَيِّ. وقال مالكٌ: إن كان صَلَّى وحدَه أعاد المَغْرِبَ، والَّا فلا؛ لأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ على الإعادَةِ قال فيه: صَلَّينا في رِحالِنا (¬2). وقال أبو حنيفةَ: لا تُعادُ الفَجْرُ، ولا العَصْرُ، ولا المَغْرِبُ؛ لعُمُومِ أحادِيثِ النَّهْي، ولأنَّ التَّطَوعَ لا يكونُ بوتْرٍ. وعن ابنِ عُمَرَ، والنَّخعِيَّ، تُعادُ الصَّلَواتُ كلُّها، إلا الصبُّحَ والمَغْرِبَ (¬3). وقال أبو موسى، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: تُعادُ كلُها إلَّا المَغْرِبَ؛ لِما ذَكَرْنا. وقال الحَكَمُ: إلَّا الصُبْحَ وَحْدَها. ولَنا، حَدِيثُ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ الذي ذَكَرْناه (¬4)، وحَدِيثُ أبي ذَر (¬5)، وهي تَدُلَّ على ¬

(¬1) في الأصل: «مع غير». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 252. (¬3) بعده في الأصل: «لما ذكرنا». (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 252. (¬5) تقدم تخريجه في صفحه 253.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَحَلّ النَّزاعِ. وحَدِيثُ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ صَرِيحٌ في صَلاةِ الفَجْرِ، والعَصْرُ في مَعْناها. ويَدُلُّ أيضًا على الإعادَةِ، سواءٌ كان مع إمام الحيَّ أو غيرِه، وعلى جَمِيعِ الصَّلَواتِ. وقد روَى أنسٌ، قال: صَلَّى بنا أبو موسى الغَداةَ في المِرْبَدِ، فانْتهَينا إلى المَسْجِدِ الجامِع، فأُقِيمَتِ الصلاة، فصَلَّينا مع المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ. وعن حُذيفةَ، أنَّه أعاد الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْربَ، وكان قد صَلّاهُنَّ في جَماعَةٍ. رَواهما الأثْرَمُ. فصل: فأمّا المَغْرِبُ ففي اسْتحْبابِ إعادَتِها رِوايَتان؛ إحْداهما، تُسْتَحَبُّ. قِياسًا على سائِر الصَّلَواتِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن عُمُومِ الأحادِيثِ. والثّانِيَةُ، لا تُسْتَحَبُّ. حَكاها أبو الخطَّابِ؛ لأنَّ التَّطَوُّعَ لا يكونُ بوتْرٍ. فإن قُلْنا: تُسْتَحَبُّ إعادَتُها. شَفَعَها برابِعَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، والزُّهْرِيُّ، والشّافعيُّ، وإسْحاق؛ لِما ذَكَرْنا. وروَى صِلَةُ، عن حُذيفةَ، أنَّه قال، لَمّا أعادَ المَغْرِبَ، قال: ذَهَبْتُ أقُومُ في الثّالِثَةِ (¬1) , فأجْلَسَنِي. وهذا يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ أمَرهَ بالاقْتِصارِ على رَكْعَتَين، ويَحْتَمِلُ أنَّه أمَرَه بالصَّلاةِ مِثْلَ صَلاةِ الإمامِ. ووَجْهُ الأوَّلَ، ¬

(¬1) في م: «الثانية».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ النّافِلَةَ لا تُشرَعُ بوتْرٍ، والزَّيادَةُ أَولَى مِن النُّقْصانِ؛ [لِئَلّا يُفارِقَ إمامَه قبلَ إتْمام صَلاتَهِ] (¬1). فصل: فإن أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو خارِجُ المَسْجِدِ، فإن كان في وَقْتِ نَهْي لم يُسْتَحَبَّ له الدُّخُولُ؛ لِما روَى مُجاهِدٌ، قال: خَرَجْتُ مع ابنِ عُمَرَ مِن دارِ عبدِ اللهِ بنِ خالدِ بنِ أسِيدٍ، حتى إذا نَظَر إلى بابِ المَسْجِدِ، إذا النّاسُ في الصلاةِ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتى صَلَّى النّاسُ، وقال: إنِّي قد صَلَّيتُ في البَيتِ. فإن دَخَل وصَلَّى فلا بَأْسَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن خَبَرِ أبي موسى. وإن كان في غير وَقْتِ النَّهْي، اسْتُحِبَّ له الدُّخُولُ والصلاةُ معهم؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ على إعادَةِ الجَماعَةِ. فصل: وإذا أعادَ الصلاةَ فالأُولَى فَرْضُه. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه. وهو قولُ الثَّوريّ، وأبي حنيفةَ، وإسحاقَ، والشافعيَّ في ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الجَدِيدِ. وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطاء، والشَّعْبيَّ، التي صَلَّى معهم المَكْتُوبَةُ؛ لأنّه رُوِيَ في حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ: «إذَا جِئْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً، وَهَذِهِ مَكتُوبَةً» (¬1). ولَنا، أنَّ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «تَكُنْ لَكُمَا نَافِلَةً» (¬2) وقَوْلُه في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ: «فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (¬3). ولأنَّها قد وقَعَتْ فَريضَة، وأسْقَطَتِ الفَرْضَ، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجِبُ ثانِيًا، وإذا بَرِئَتِ الذِّمَّةُ بالأوْلَى، اسْتَحال كَوْنُ الثّانِيةِ فَرِيضَةُ. قال إبراهيمُ: إذا نَوَى الرجلُ صلاةً، وكَتَبَتْها المَلائِكَةُ، فمَن يَسْتَطيعُ أن يُحَوِّلَها! فما صَلَّى بعدَه فهو تَطَوُعٌ. وحَدِيثُهم لا تَصْرِيحَ فيه، فيَنْبَغِي أن يُحْمَلَ مَعْناه على ما في الأحادِيثِ الباقَيَةِ. فعلى هذا لا يَنْوي الثانِيَةَ فَرْضًا، بل يَنْويها ظُهْرًا مُعادَة، وإن نواها نَفْلًا صَحَّ. فصل: ولا تَجِبُ الإعادَةُ، رِوايةً واحِدَةً، قاله القاضي، قال: وقد ذَكَر بعضُ أصْحابنا فيه رِوايةً، أَنَّها تَجِبُ مع إمامِ الحَيِّ؛ لظاهِرِ الأمْر. ¬

(¬1) الحديث بهذا اللفظ أخرجه أبو داود، في: باب في من صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم, من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 136. (¬2) تقدم تخريجه ق صفحة 253. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 253.

533 - مسألة: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة)

وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيرِ الْمَسَاجِدِ الثَلَاثَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ولَنا، أنَّها نافِلَةٌ، والنّافِلَةُ (¬1) لا تَجِبُ. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَلِّ صَلَاةً فِي يَوْم مَرَّتَينِ». رَواه أبو داودَ (¬2). ومَعْناه، واللهُ أعلمُ، واجِبَتان، ويُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ. فعلى هذا إذا قَصَد الإعادَةَ، فلم يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَتَين، فقال الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أن يُسَلّمَ معهم، وأن يُتِمَّها أرْبَعًا؛ لأنَّها نافِلَةٌ. والمَنْصُوصُ أنَّه يُتِمُّها أرْبعًا؛ لقَوْله عليه السَّلامُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِموا» (¬3). 533 - مسألة: (ولا تُكْرَه إعادَةُ الجَماعَةِ في غيرِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ) معنى إعادَةِ الجَماعَةِ، أنَّه إذا صلَّى إمامُ الحَيِّ، وحَضَر جَماعَةٌ ¬

(¬1) في م: «والثانية». (¬2) في: باب إذا صلى مع جماعة ثم أدرك جماعة بعيد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 136.كما أخرجه النسائي، في: باب سقوط الصلاة على من صلى مع الإمام في المسجد جماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 88. (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 395، 396.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أُخْرَى، اسْتُحِبَّ لهم أن يُصَلُّوا جَماعَةً. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ. وقال مالكّ، والثَّوْرِي، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ, والشافعيُّ: لا تُعادُ الجَماعَةُ في مَسْجِدٍ له إمامٌ راتِبٌ، في غيرِ مَمَرِّ النّاسِ، ومَن فاتَتْه الجَماعَةُ صَلَّى مُنْفَردًا؛ لئلَّا يُفْضِيَ إلى اخْتِلافِ القُلُوبِ، والعَداوَةِ، والتَّهاوُنِ في الصلاةِ مع الإمامِ، ولأنَّه مَسْجِدٌ له إمامٌ راتِبٌ، فكُرِهَ فيه إعادَةُ الجَماعَةِ، كالمَسْجِدِ الحَرامِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه (¬1) عليه السَّلامُ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (¬2). وروَى أبو سعيدٍ، قال: جاء رجلٌ، وقد صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟». فقامَ رجلٌ، فصَلَّى معه (¬3). قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ورَواه الأثْرَمُ، وفيه، ¬

(¬1) سقط ش: م. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 266. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب في الجمع في المسجد مرتين, من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 135. الترمذي، في: باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلى فيه مرة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 21. والدارمي، في: باب صلاة الجماعة في مسجد قد صلى فيه مرة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 318. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 5، 64، 85، 5/ 254، 269.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فقال: «ألَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ». وروَى بإسْنادِه، عن أبي أمامَةَ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه، وزاد: فلَمّا صَلَّيا، قال: «وَهَذانِ جَمَاعَةٌ». ولأنَّه قادِرٌ على الجَماعَةِ، فاسْتُحِبَّ له، كالمَسْجِدِ الذي في مَمَرِّ النّاسِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. فصل: فأمّا إعادَتُها في المَسْجدِ الحَرامِ، ومَسْجِدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ والمَسْجِدِ الأقْصَى، فقد رُوِيَ عن أَحمدَ كَراهَتُه. وذَكَرَه أصْحابُنا؛ لَئلّا يَتَوانَى النّاسُ في حُضُورِ الجَماعَةِ مع الإمامِ الرّاتِبِ فيها إذا أمْكنَهُم الصلاةُ مع الجَماعَةِ مع غيرِه. وطاهِرُ خَبَرِ أبي سعيدٍ وأبي أمامَةَ، أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذلك كان في مَسْجِدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ المَعْنَى يَقْتَضِيه؛ لأنَّ حُصُولَ فَضِيلَةِ الجَماعَةِ فيها، كحُصُولها في غيرِها. واللهُ أعلمُ.

534 - مسألة: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)

وَإذَا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلّا الْمَكتُوبَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 534 - مسألة: (وإذا أقِيمَتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المَكتُوبَةُ) متى أقِيمَتِ الصلاةُ المَكتُوبَةُ، لم يَشْتَغِلْ عنها بغيرها؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ورُوِيَ ذلك عن ¬

(¬1) أخرجه البخاري، في: باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (في الترجمة)، من كتاب الأذان. صحيح البخاري 1/ 168. كما أخرجه مسلم، في: باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 493. كما أخرجه أبو داود، في: باب إذا أدرك الإمام ولم يصل ركعتي الفجر، من كتاب التطوع. سنن أبي داود 1/ 291. والترمذي، في: باب ما جاء، إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 213. والنسائي، في: باب ما يكره من الصلاة عند الإقامة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 90. وابن ماجه، في: باب ما جاء في: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 364. والدارمي، في: باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمي 1/ 337. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 331، 531,517,455,352.

535 - مسألة: (وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها)

وَإنْ أُقِيمَت وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ أتَمَّهَا، إلَّا أَنْ يَخْشىَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أبي هُرَيرةَ. وكان عُمَرُ يَضْرِبُ على صَلاةٍ بعدَ الإقامَةِ. وكَرِهَه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وابنُ سِيرِينَ، وعُرْوَةُ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وأباح قَوْمٌ رَكعَتَيِ الفَجْرِ والإمامُ يُصَلِّي، رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ (¬1). ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ، أنَّه دَخَل المَسْجِدَ والنّاسُ في الصلاةِ، فدَخَلَ بَيتَ حَفْصَةَ، فصَلَّى رَكْعَتَين، ثم خَرَج إلى المَسْجِدِ، فصَلَّى (¬2). وهذا قولُ مَسْرُوقٍ، والحسنِ. وقال مالكٌ: إن لم يَخَفْ أن تَفُوتَه الرَّكْعَةُ، فلْيَرْكَعْ. وقال الأوْراعِيُّ: ارْكَعْهما ما تَيَقَّنْتَ أَنَّك تُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ. ونحْوُه قولُ أبي حنيفةَ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا. 535 - مسألة: (وإن أقِيمَتْ وهو في نافِلَةٍ أتمَّها) خَفِيفَةً؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ} (¬3) (إلَّا أن يَخافَ فَواتَ الجَماعَةِ ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب هل يصلى ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة. من أبواب الإمامة. المصنف 2/ 444. (¬2) انظر المصنف في الموضع السابق. (¬3) سورة محمد 33.

فَيَقْطَعَهَا. وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ فيَقْطَعَها) لأنَّ الفَرِيضَةَ أهَمُّ مِن النَّافِلَةِ (وعنه، يُتِمُّها) للآيَةِ التي ذَكرناها (¬1). ¬

(¬1) في م: «ذكرها».

536 - مسألة: (ومن كبر قبل سلام الإمام، فقد أدرك الجماعة)

وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 536 - مسألة: (ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلامِ الإمامِ، فقد أدْرَكَ الجَماعَةَ) يعني أنَّه يَبْنِي عليها ولا يُجَدِّدُ إحْرامًا؛ لأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن صَلاةِ الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو أدْرَكَ رَكْعَةً، ولأنَّه إذا أدْرَكَ جُزْءًا مِن صَلاةِ الإمامِ فأحْرَمَ معه، لَزِمَه أن يَنْويَ الصِّفَةَ التي هو عليها، وهو كَوْنُه مَأَمُومًا، فَيَنْبَغِي أن يُدْرِكَ فَضْلَ الجَماعَةِ.

537 - مسألة؛ قال: (ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)

وَمَنْ أدْرَك الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 537 - مسألة؛ قال: (ومَن أدْرَكَ الرُّكُوعَ فقد أدْرَكَ الرَّكْعَةَ) لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ». رَواه. أبو داودَ (¬1). ولأنَّه لم يَفُتْه مِن الأرْكانِ إلَّا القِيامُ، وهو يَأْتِي به مع تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، ثم يُدْرِكُ مع الإمامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ. وإنَّما تَحْصُلُ له الرُّكْعَةُ إذا اجْتَمَعَ مع الإِمامِ في الرّكُوعِ بحيث يَنْتَهِي إلى قَدْرِ الإِجْزاءِ مِن الرُّكُوعِ، قبلَ أن يَزُولَ الإِمامُ عن قَدْرِ الإِجْزاءِ منه، فإن أدْرَكَ الرُّكُوعَ ولم يُدْرِكِ الطُّمَأنِينَةَ، فعلى وَجْهَين. ذَكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ. وعليه أن يَأْتِيَ بالتَّكْبِيرِ في حالِ قِيامِه. فأمّا إن أتى به أو ببَعْضِه بعدَ أنِ انْتَهَى في الانْحِناءِ إلى قَدْرِ الرُّكُوعِ، يُجْزِئْه؛ لأنُّه أتَى بها في غيرِ مَحَلِّها، ولأنَّه يَفُوتُه القِيامُ، وهو مِن أرْكانِ الصلاةِ، إلَّا في النَّافِلَةِ، لأنَّه لا يُشْتَرَطُ لها القِيامُ. ¬

(¬1) لم نجده بهذا اللفظ، لا عند أبي داود ولا عند غيره. وأخرجه أبو داود بلفظ: «ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة». من حديث أبي هريرة في: باب في الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 206. ويأتي بتمامه في صفحة 98 وقد أخرج ابن أبي شيبة نحوه عن ابن عمر. انظر إرواء الغليل 3/ 260 - 266.

538 - مسألة: (وأجزأته تكبيرة واحدة، والأفضل اثنتان)

وَأجزَأتهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالأفْضَلُ اثْنَتَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 538 - مسألة: (وأجْزأتْه تَكْبيرَةٌ واحِدَةٌ، والأفْضَل اثْنَتان) وجملَةُ ذلك، أنَّ مَن أدْرَكَ الإمامَ في الرُّكُوع أجْزأته تَكْبيرَة واحِدَةٌ، وهي تكْبِيرَةُ الإحْرامِ، التي ذَكَرْناها، وهي رُكنٌ، لا تَسْقَطُ بحالٍ، وتسْقُطُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ ههُنا. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبيِ داودَ، وصالحٍ. رُوِيَ ذلك عن زيدِ بن ثابتٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْي. وعنِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: عليه تَكْبِيرَتان. وهو قولُ حَمّادِ بنِ أبي سُليمانَ. قال شيخُنا (¬1): والظّاهِرُ أنَّهما أرادا، الأوْلَى له تَكْبِيرَتان، فيَكُونُ مُوافقًا لقَوْلِ الجَماعَةِ، فإنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ قد نُقِلَ عنه، أنَّه كان مِمَّن لا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ هذا قد رُويَ عن زيدِ بنِ ثابِت، وابنِ عُمَرَ، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ مِن الصحابَةِ، فيَكُونُ إجَماعًا، ولأنَّه اجْتَمَع واجِبان مِن جِنْسٍ واحِدٍ في مَحلٍّ واحِدٍ، أحَدُهما رُكْنٌ، فسَقطَ به الآخَرُ، كما لو طاف الحاجُّ (¬2) طَوافَ الزَّيارَةِ عندَ خُرُوجِه مِن مَكَّةَ، فإنَّه يُجْزِئُه عن طَوافِ الوَداعِ. وقال القاضي: إن نَوَى بها تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ وحدَها أجْزأه، وإن نَواهما لم يُجْزِئْه، في الظّاهِرِ مِن قَوْلِ أحمدَ؛ لأنَّه شَرَّكَ بينَ الواجِبِ وغيرِه في النِّيَّة، أشْبَهَ ما لو عَطَس عندَ رَفْعِ رَأْسِه مِن الرُّكُوعِ، فقال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. يَنْويهما، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في هذا أنَّه لا يُجْزِئُه. وهذا القَوْلُ يُخالِفُ مَنْصُوصَ أحمدَ، فإنَّه قد قال، في رِوايَةِ ابنِه صالحٍ، في مَن جاء والإمامُ راكِعٌ: كَبَّرَ تَكْبِيرَةً واحِدَةً. قِيلَ له: يَنوي بها الافْتِتاحَ؟ ¬

(¬1) في: المغني 2/ 182. (¬2) في م: «في الحج».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [قال: نَوَى أَو لم يَنْو، أليس قد جاء وهو يُرِيدُ الصلاة؟ ولأنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لا تُنافِي نِيَّةَ الافْتِتاحِ] (¬1)، ولهذا حَكَمْنا بدُخولِه في الصلاةِ بهذه. النِّيَّةِ، ولم تُؤثِّرْ نِيَّةُ الرُّكُوعِ في فَسادِها، ولا يَجُوزُ ترْكُ نَص الإمام لقِياس نَصَّه في مَوْضِع آخَرَ، كما يُتْرك نَصُّ اللهِ تعالى وسُنَّةُ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - بالقِياس، وهذا لا يُشْبِهُ ما قاس عليه القاضي؛ فإنّ التَّكبِيرَتَين مِن جُمْلَةِ العِبادَةِ، بخِلافِ حَمْدِ اللهِ في العُطاس، فإنَّه ليس مِن جمْلَةِ الصلاةِ، فقِياسُه على الطَّوافَين أَولَى؛ لكَوْنِهما مِن أجْزاءِ العِبادَةِ، والأفْضَلُ تَكْبِيرَتان. نَصَّ عليه. قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: يُكَبِّرُ مَرَّتَينِ أحَبُّ إليك؟ قال: إن كَبَّر تكْبِيرَتَين، ليس فيه اخْتِلافٌ. وإن نَوَى تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ خاصَّةً، لم يُجْزِئْه؛ لأن تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ رُكْنٌ، ولم يَأُتِ بها. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن أدْرَكَ الإمامَ في رُكْنٍ غيرِ الرُّكُوعِ، لم يُكَبِّر إلَّا تَكْبِيرَةَ الافْتِتاحِ، ويَنْحَطُّ بغيرِ تَكْبِيرٍ؛ لأنَّه لا يُعْتَدُّ له به، وقد فاتَه مَحَلُّ التَّكْبِيرِ. وإن أدْرَكَه في السُّجُودِ، أو في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، كَبَّرَ في حالِ قِيامِه مع الإمامِ إلى الثَّالِثَةِ؛ لأنَّه مَأْمُومٌ له، فيُتابِعُه في التَّكْبِيرِ، كمَن (¬1) أدْرَكَ الرَّكْعَةَ معه (¬2) مِن أوَّلِها. وإن سَلَّمَ الإمامُ قام المأمُومُ إلى القَضاءِ بتَكْبِيرٍ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ. وقال الشافعيُّ: يقُومُ بغيرِ تَكْبِيرٍ؛ لأنَّه قد كَبَّرَ في ابْتِداءِ الرَّكْعَةِ، ولا إمامَ له يُتابِعُه [في التَّكْبِيرِ] (¬3). ولَنا، أنَّه قام في الصلاةِ إلى رُكْنٍ مُعْتدٍّ له (¬4) به، فيُكَبِّرُ، كالقائِمِ مِن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، وكما لو قام مع الإمامِ، ولا يُسَلَّمُ أنَّه كَبَّرَ في ابْتِداءِ الرَّكْعَةِ، فإنَّ ما كَبر فيه لم يكنْ مِن الرَّكْعَةِ، إذ ليس في أوَّلِ الرَّكْعَةِ سُجُودٌ ولا تَشَهّدٌ، وإنَّما ابْتِداءُ الرَّكْعَةِ قِيامُه، فيَنْبَغِي أن يُكَبِّر فيه. ¬

(¬1) في م: «من». (¬2) في الأصل: «في». (¬3) سقط من: م. (¬4) سقط من: م.

539 - مسألة: (وما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها

وَمَا أدْرَكَ مَعَ الإمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أوَّلُهَا، يَسْتَفْتِحُ لَهُ وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأ السُّورَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن أدْرَكَ الإمامَ في حالٍ مُتابَعَتُه فيه، وإن لم يُعْتَدَّ له به؛ لمِا روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا جْئتُمْ إلى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسجُدُوا، وَلا تَعُدُّوهَا شَيئًا، وَمَنْ أدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَواه أبو داودَ (¬1). وروَى الترمِذِي (¬2)، عن مُعاذٍ، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جَاءَ أحَدُكُمْ وَالإمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإمَامُ». قال التِّرمِذِيُّ: والعَمَلُ على هذا عندَ أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: إذا جاء الرجلُ والإمامُ ساجِدٌ فلْيَسْجُدْ، ولا تُجْزِئُه تلك الرَّكْعَةُ. قال بَعْضُهم: لعلَّه أن لا يَرْفَعَ رَأْسَه مِن السَّجْدَةِ حتى يُغْفَرَ له. 539 - مسألة: (وما أدْرَكَ مع الإمامِ فهو آخِرُ صَلاته، وما يَقْضِيه أوَّلُها (¬3)، يَسْتَفْتِحُ له ويَتَعَوَّذُ، ويَقْرَأُ السُّورَةَ) هذا المَشْهُورُ في المذْهَبِ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وابنِ سِيرِينَ، ومالكٍ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 213. (¬2) في باب ما ذكر في الرجل يدرك الإمام، هو ساجد كيف يصنع، من أبواب الجمعة. عارضه الأحوذي 3/ 73. (¬3) في م: «في أولها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثوْريِّ. وحُكِيَ عن الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأبي يُوسُفَ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا». مُتَّفَق عليه (¬1). والمَقضْيُّ هو الفائِتُ، فيَنبغِي أن يَكُونَ على صِفَتِه. فعلى هذا يَسْتَفْتحُ له، ويَستعِيذُ، ويَقْرأ السُّورَةَ. وعنه، أنَّ الذي يُدْرِكه أولُ صَلاته، والمَقْضِيُّ آخِرها. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيز، وإسحاق. وهو ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 395، 396.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قولُ الشافعيِّ، ورِوايَةٌ عن مالكٍ. واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». فعلى هذه الرِّوايَةِ لا يَسْتَفْتِحُ. وأمّا الاسْتِعاذَةُ، فإن قُلْنا: تُسَنُّ في كلِّ رَكْعَةٍ. اسْتَعاذَ، وإلَّا فلا. وأمّا [السُّورَةُ بعدَ الفاتِحَةِ فيَقْرأها على كلِّ حالٍ. قال شيخُنا (¬1): لا أَعْلَمُ خِلافًا بينَ] (¬2) الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ في قِراءَةِ الفاتحَةِ وسُورَةٍ. وهذا ممّا يُقَوِّي ¬

(¬1) في: المغني 3/ 307. (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرِّوايَةَ الأُولَى. فإن لم يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَةً مِن المَغْرِبِ أو الرُّباعِيَّةِ، ففي مَوْضِعِ تَشَهُّدِه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْتَفْتِحُ ويأْتِي برَكْعَتَين مُتَوالِيَتَين، ثم يَتَشَهَّدُ. فَعَل ذلك جُنْدُبٌ؛ لأنَّ المَقْضِيَّ أوَّلُ صَلاته، وهذه صِفَةُ أوَّلِها، ولأنَّهما رَكْعَتان يَقْرأُ فيها السُّورَةَ، فكانا مُتَوالِيَتَين، كغيرِ المَسْبُوقِ (¬1). والثّانِيَةُ، يأْتِي برَكْعَةٍ يَقْرَأُ فيها بالحَمْدِ وسُورَةٍ، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَأتِي بأْخْرَى، يَقْرأُ فيها بالحَمْد لله (¬2) وَحْدَها. نَقلَها ¬

(¬1) في الأصل: «المسنون». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صالِحٌ، وأبو داودَ، والأثْرَمُ. فَعَل ذلك مَسْرُوقٌ. وبه قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وأيَّما فَعَل مِن ذلك جاز، إن شاء اللهُ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ مَسْرُوقًا وجُنْدُبًا، ذَكَرا ذلك (¬1) عندَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، فصَوَّبَ فِعْلَ مَسْرُوقٍ، ولم يُنْكِرْ فِعْلَ جُنْدُبٍ، ولا أمَرَه بإعادَةِ الصلاةِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: م.

540 - مسألة: (ولا تجب القراءة على المأموم)

وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 540 - مسألة: (ولا تَجِبُ القِراءَةُ على المَأْمُومِ) هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ومِمَّن كان لا يَرَى القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ عليٍّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأبو سعيدٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، وجابِرٌ، وابن عُمَرَ، وحُذَيفَةُ بنُ اليَمانِ. وبه يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَينَةَ، وأصحابُ الرَّأْي، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، والأسْوَدُ، وإبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ. قال ابن سِيرِينَ: لا أعْلَمُ مِن السُّنَّةِ القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال الشافعيُّ، وداودُ: تَجِبُ القِراءَةُ؛ لقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعنِ عُبادَةَ، قال: كنّا خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقَرَأ، فثَقُلَتْ عليه القِراءَةُ، فلَمّا فَرَغ قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُون خَلْفَ إِمَامِكُمْ». قُلْنا: نعم يا رسولَ اللهِ. قال: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رَواه أبو داودَ (¬2). وعن أبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ (¬3)، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيرُ تَمَامٍ». قال الرّاوي: فقلتُ: يا أبا هُرَيرَةَ، إنِّي أكُونُ أحْيانًا وراءَ الإمامِ؟ قال: فغَمَزَنِي في ذِراعِي وقال: اقْرَأْ بها في نَفْسِك يا فارِسِيُّ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 440. (¬2) في: باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، من كتاب الصلاة. سنن أبي دارد 1/ 189. كما أخرجه الترمذي، في: باب في القراءة خلف الإمام، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 106، 107. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 316، 322. (¬3) الخداج: النقصان. يقال: خدجت الناقة. إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه مسلمٌ (¬1). ولأنَّها رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ فلم تَسْقُطْ عن المَأْمُومِ، كسائِرِ الأرْكانِ، ولأنَّ مَن لَزِمَه القِيامُ لَزِمَتْه القِراءَةُ إذا قَدَر عليها، كالمُنْفَرِدِ. ولَنا، قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (¬2). رَواه الحسنُ بنُ صالِحٍ، عن لَيثِ بنِ أبي (¬3) سُلَيمٍ. فإنَّ قِيلَ: إنَّ لَيثَ بنَ أبي (¬4) سُلَيمٍ ضَعِيفٌ. قُلْنا: قد رَواه الإِمامُ أحمدُ، ثَنا أسْوَدُ بنُ عامرٍ، ثَنَا الحسنُ بنُ صالِحٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابِرٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وهذا إسْنادٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ، رِجالُه كلُّهم ثِقاتٌ؛ الأسْوَدُ بنُ عامِرٍ روَى له البُخارِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ أدْرَكَ أبا الزُّبَيرِ، وُلِدَ قبلَ وَفاتِه بنَيِّفٍ وعِشْرِين سَنَةً. ورُوِيَ مِن طُرُقٍ خَمْسَةٍ سِوَى هذا (¬5). ¬

(¬1) في: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 296، 297. كما أخرجه أبو داود، في: باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 188. والترمذي، في: باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر بالقراءة، من كتاب الصلاة، وفي: باب حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز، من كتاب التفسير (سورة الفاتحة). عارضة الأحوذي 2/ 108، 109، 11/ 69. والنسائي، في: باب ترك قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في فاتحة الكتاب، افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 105. وابن ماجه، في: باب القراءة خلف الإمام من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 273، 274. والإمام مالك، في:، باب القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 84، 85. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 241، 250،، 290، 457، 460، 478، 487. (¬2) أخرجه ابن ماجه، في: باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، من كتاب إقامه الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 277. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 339. (¬3) سقط من: م. (¬4) سقط من: الأصل. (¬5) انظر هذه الطرق في نصب الراية 2/ 6 - 12، وإرواء الغليل 2/ 268 - 279.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ورُوِيَ أيضًا عن [عليٍّ، وابنِ عُمَرَو] (¬1) ابنِ عباسٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينِ، وأبي الدَّرْداءِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. أخْرَجَهُنَّ الدّارَقطْنِيُّ] (¬2). ورَواه عبدُ اللهِ بنُ شَدّادٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. أخْرَجَه الإِمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، وغيرُهما (¬3). ورُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: ليس على الفِطْرَةِ مَن قَرَأ خلفَ الإِمامِ (¬4). وقال ابنُ مسعودٍ: وَدَدْتُ أنَّ مَن قَرَأ خلفَ الإِمامِ مُلِئَ فُوهُ تُرابًا (¬5). ولأنَّ القِراءَةَ لو وَجَبَت على المَأمُومِ لَما سَقَطَتْ عن المَسْبُوقِ، كسائِرِ الأرْكانِ. وأمّا أحادِيثُهم فالحَدِيثُ الأوَّلُ الصَّحِيحُ مَحْمُوَلٌ على غيرِ المَأْمُومِ، وكذلك حَدِيثُ أبي هُرَيرَةَ، وقد جاء مُصَرَّحًا به، فَروَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ، إلَّا وَرَاءَ الإِمَامِ» (¬6). رَواه الخَلّالُ. وقولُ أبي هُرَيرَةَ: اقرَأْ بها في نَفْسِك. مِن كَلامِه ورَأْيِه، وقد خالفَه غيرُه مِن الصحابةِ. وحديثُ عُبادَةَ لم يَرْوه غيرُ ابن إسحاقَ، ونافِعِ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) انظر: ما أخرجه الدارقطني، في: باب ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 323 - 325، 331. وما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 49. (¬3) لم يخرجه الإمام أحمد. انظر: الفتح الرباني 3/ 200. وأخرجه ابن أبي شيبة، في: باب من كره القراءة خلف الإِمام، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 1/ 376. والدارقطني، في: باب ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان له إمام»، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 325. (¬4) أخرجه عبد الرزاق، في: باب القراءة خلف الإمام، من أبواب القراءة. المصنف 2/ 137، 138. (¬5) انظر التخريج السابق صفحة 138. (¬6) أخرجه الدارقطني، في الباب السابق 3/ 327. والبيهقي، في: باب من قال: لا يقرأ خلف الإمام على الإطلاق، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 2/ 160.

541 - مسألة: (ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده. فإن لم يسمعه لطرش، فعلى وجهين)

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَام، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ، أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَينِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ محمودِ بنِ الرَّبِيعِ، وهو أدْنَى حالًا مِن ابنِ إسحاقَ. وقِياسُهم على المُنْفَرِدِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُنْفَرِدَ ليس له مَن يَتَحَمَّلُ عنه القِراءَةَ، بخِلافِ المَأْمُومِ. 541 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في سَكَتاتِ الإِمامِ، وما لا يَجْهَرُ فيه، أو لا يَسْمَعُه لبُعْدِه. فإن لم يَسْمَعْه لطَرَشٍ، فعلى وَجْهَين) وهو قولُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ. ورُوِيَ نَحْوُه عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ (¬1). ¬

(¬1) في الأصل: «عمرو».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو قولُ مُجاهِدٍ، والحسنِ، والشَّعْبيِّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، وغيرِهم. قال أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحْمَنِ: للإِمامِ سَكْتَتان، فاغْتَنِمْ فيهما القِراءةَ بفاتِحَةِ الكِتابِ؛ إذا دَخَل في الصلاةِ، وإذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ}. وقال عُرْوَةُ: أمّا أنا فأغْتَنِمُ مِن الإِمامِ اثْنَتَين؛ إذا قال: {غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. فأَقْرَأُ عندَها، وحينَ يَخْتِمُ السُّورَةَ فأقْرَأُ قبلَ أن يَرْكَعَ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقالت طائِفَةٌ: لا يَقْرَأُ خلفَ الإِمام في سِرٍّ ولا جَهْرٍ. يُرْوَى ذلك عن تِسْعَةٍ مِن أصحابِ رسولِ - صلى الله عليه وسلم -، ذَكرْناهم في المَسْألَةِ قبلَها. رَواه سعيدٌ في سُنَنِه. وقال إبراهيمُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّخَعِيُّ: إنَّما أحْدَثَ النّاسُ القِراءَةَ وراءَ الإِمامِ زَمانَ المُخْتارِ (¬1)؛ لأنَّه كان يُصَلِّي بهم صلاةَ النَّهارِ دُونَ اللَّيلِ، فاتَّهَمُوه، فقَرَأُوا خَلْفَه. وكَرِه إبراهيمُ القِراءَةَ خلفَ الإِمام. وقال: يَكْفِيكَ قِراءَةُ الإِمامِ. وهذا قولُ ابنِ عُيَينَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصَحابِ الرَّأْي؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (¬2). ولأنَّه مَأْمُومٌ، فلم يَقْرَأُ، كحالةِ الجَهْرِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا أَسْرَرْتُ بِقِرَاءَتِي فاقْرَأوا». رَواه الدّارَقُطنِيُّ (¬3). ولقَوْلِ الرّاوي في الحديثِ الصَّحِيحِ: فانْتَهَى النّاسُ أن يَقْرَأُوا فيما جَهَر فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. [وأمّا خَبَرُ جابِرٍ، فالصَّحِيحُ أنَّه مُرْسَلٌ عن عبدِ اللهِ بنِ شَدّادٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] (¬4). كذلك رَواه الإِمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ منْصُورٍ. والقِياسُ على حالةِ الجَهْرِ لا يَصِحُّ، لأنَّه أُمِرَ فيها بالإِنْصاتِ لاسْتِماعِ قِراءَةِ الإِمامِ، بخِلافِ هذا. إذا ثبَت هذا فإنَّه يَقْرأُ في حالةِ الجَهْرِ في سَكَتاتِ الإِمامِ بالفاتِحَةِ، وفي حالِ الإِسْرارِ يَقْرَأُ بالفاتِحَةِ وسُورَةٍ، كالإِمامِ والمُنْفَرِدِ. ¬

(¬1) المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، الكذاب، مُدَّعي النبوة، قتل سنة سبع وستين. الإصابة 6/ 349 - 352، سير أعلام النبلاء 3/ 538 - 544. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 305. (¬3) في: باب ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان له إمام»، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 333. (¬4) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن لم يَسْمَعِ الإِمامَ في حالِ الجَهْرِ؛ لبُعْدِه، قَرَأ. نَصَّ عليه. قِيلَ له: أَليس قد قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (¬1)؟ قال: هذا إلى أيِّ شيء يَسْتَمِعُ؟ قِيلَ له: فالأُطْرُوشُ؟ ¬

(¬1) سورة الأعراف 204.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: لا أدْرِي. قال شيخُنا (¬1): وهذا يُنْظَرُ فيه؛ فإن كان بَعِيدًا قَرَأ أَيضًا، وإن كان قَرِيبًا قَرَأ في نَفْسِه، بحيث لا يَشْغَلُ مَن إلى جانِبِه عن الاسْتِماعِ؛ لأنَّه في مَعْنَى البِعِيدِ، ولا يَقْرَأُ إذا كان يَخْلِطُ على مَن يَقْرُبُ إليه ويَشْغَلُه (¬2) عن الاسْتِماعِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يَقْرأُ إذا كان قَريبًا؛ لئَلَّا يَخْلِطَ على الإِمامِ، ولأنَّه لو كان في مَوْضِعِه مَن يَسْمَعُ لم يَقْرَأْ، أشْبَهَ السَّمِيعَ. وإن سَمِع هَمْهَمَةَ الإِمامِ ولم يَفهَمْ، فقال، في رِوايَة الجَماعَةِ: لا يَقْرَأُ. وقال، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: يَقْرَأْ إذا سَمِع الحَرْفَ بعدَ الحَرْفِ. ¬

(¬1) في: المغني 2/ 267. (¬2) في م: «يشتغل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يُسْتَحَبُّ للمَأْمُوم القِراءَةُ وهو يَسْمَعُ قِراءَةَ الإِمامِ بالحَمْد للهِ ولا بغيرِها. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، والزُّهْرِيُّ، وكثيرٌ مِن السَّلَفِ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ (¬1)، وأصحابُ الرَّأْيِ. وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ. والقَوْلُ الآخَرُ، قال: يَقْرَأْ. ونَحْوُه عن اللَّيْثِ، وابنِ عَوْنٍ (¬2)، ومَكْحُولٍ؛ لِما ذكَرْنا مِن الأحادِيثِ والمَعْنى على وُجُوبِ القِراءَةِ على المَأْمُومِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (¬3). قال سعيدُ بنُ المُسَيَّب، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، والزُّهْرِيُّ، وإبراهيمُ، والحسنُ: إنَّها نَزَلَت في شَأْنِ الصلاةِ. وقال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: أجْمَعَ النّاسُ على أنَّ هذه الآيَةَ في الصلاةِ. وروَى أبو ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان، مولى مزينة، من فقهاء التابعين بالبصرة، توفى سنة إحدى وخمسين ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازى 90. (¬3) سورة الأعراف 204.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمُّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا» (¬1). رَواه [الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وصَحَّحَه مسلمٌ ورَواه أَيضًا] (¬2) سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ. وروَى أبو موسى، قال: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَطَبَنا، فبَيَّنَ لَنا سُنَّتَنا، وعَلَّمَنا صَلَاتَنا، فقال: «إذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا». رَواه مسلمٌ (¬3). وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ». فانْتَهَى النّاسُ أن يَقْرأُوا فيما جَهَر فيه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. رَواه مالكٌ (¬4) بمَعْناه. وقال التِّرْمِذِيُّ: ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 416. (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 523. (¬4) في: باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 86، 87. كما أخرجه أبو داود، في: باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر بها الإمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 190. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر بالقراءة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 107، 108. والنَّسائي: في: باب القراءة خلف الإمام فيما جهر به, من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 108، 109. وابن ماجه، في: باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 276. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 240، 284، 285، 302، 487.

542 - مسألة: (وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام؛ على روايتين)

وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ حديثٌ حسنٌ. ولأنَّه إجْماعٌ. قال أحمدُ: ما سَمِعْتُ أحَدًا مِن أهْلِ الإِسْلامِ يقولُ: إنَّ الإِمامَ إذا جَهَر بالقِراءَةِ لا تُجْزِئُ صلاةُ مَن خَلْفَه إذا لم يَقْرَأْ. وقال: هذا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه والتّابِعُون، وهذا مالكٌ في أهْلِ الحِجازِ، وهذا الثَّوْرِيُّ في أهْلِ العِراقِ، وهذا الأوْزاعِيُّ أهْلِ الشّامِ وأمّا الأحادِيثُ فقد أجَبْنا عنها فيما مَضَى، ولأنَّها قِراءَةً لا تَجِبُ على المَسْبُوقِ، فلا (¬1) تَجِبُ على غيرِه، كقِراءَةِ السُّورَةِ. فصل: قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: إذا قَرَأ المَأْمُومُ بفاتِحَةِ الكِتابِ، ثم سَمِع قِراءَةَ الإِمامِ؛ قال: يَقْطَعُ إذا سَمِع قِراءَة الإِمام، ويُنْصِتُ للقِراءَةِ. وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ والأخْبارِ. 542 - مسألة: (وهل يَسْتفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ فيما يَجْهَرُ فيه الإِمامُ؛ على رِوايَتَيْن) أمّا في حالِ قِراءَةِ إمامِه، فلا يَسْتَفْتِحُ ولا يَسْتَعِيذُ؛ لأنَّه إذا ¬

(¬1) في الأصل: «ولا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَقَطَتِ القِراءَةُ عنه كَيْلا يَشْتَغِلَ عن اسْتِماعِ قِراءَةِ الإِمامِ، فالاسْتِفْتاحُ أوْلَى، ولأنَّ قَوْلَه تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}. يَتناوَلُ كلَّ ما يَشْغَلُ عن الإِنْصاتِ، مِن الاسْتِفْتاحِ وغيرِه، ولأنَّ الاسْتِعاذَةَ إنَّما شُرِعَت مِن أجْلِ القِراءَةِ، فإذا سَقَطَتِ القِراءَةُ سَقَط التَّبَعُ. وإن سَكَت الإِمامُ قَدْرًا يَتِّسِعُ لذلك، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْتفْتِحُ ولا يَسْتَعِيذُ. اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه أمْكَنَ الاسْتِفْتاحُ (¬1) مِن غيرِ اشْتِغالٍ عن الإنْصاتِ. والثَّانِيَةُ، لا يَسْتَفْتِحُ [ولا يَسْتَعِيذُ] (¬2)؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن القِراءَةِ، وهي أهَمُّ منه. [وفيه رِوايَةٌ، أنَّه يَسْتَفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ؛ لِما ذَكَرْنا] (¬3). وأمّا المَأْمُومُ في صلاةِ الإِسْرارِ، فإنّه يَسْتَفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ. نَصَّ عليه أحمدُ، ¬

(¬1) في م: «للاستفتاح». (¬2) سقط من: م، تش. (¬3) جاء في م بعد قوله: «من غير اشتغال عن الإنصات». وكذلك في تش.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فقال: إذا كان ممَّن يَقْرأُ خلفَ الإِمامِ تَعَوَّذَ، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (¬1). ¬

(¬1) سورة النحل 98.

543 - مسألة: (ومن ركع أو سجد قبل إمامه، فعليه أن يرفع ليأتي به بعده

وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بهِ بَعْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، إِلَّا الْقَاضِيَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 543 - مسألة: (ومَن رَكع أو سَجَد قبلَ إمامِه، فعليه أن يَرْفَعَ ليَأْتِيَ به بعدَه (¬1). فإن لم يَفْعَلْ عَمْدًا، بَطَلَت صَلَاتُه عندَ أَصْحابِنا، إلَّا القاضي) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يَجُوزُ أن يَسْبقَ إمامَه؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ». رَواه ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مسلمٌ (¬1). وعن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). فإن فَعَل ذلك عامِدًا أثِمَ، وتَبْطُلُ صَلَاتُهُ في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال: ليس لمَن سَبَق الإِمامَ ¬

(¬1) في: باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 320. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام، وباب في من ينصرف قبل الإِمام، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 145، 146. والنَّسائي، في: باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة, من كتاب السهو. المجتبى 3/ 69. وابن ماجه، في: باب النهي أن يسبق الإمام بالركوع والسجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 309. والدارمي، في: باب النهي عن مبادرة الإمام من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 302. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 102 , 115, 126, 130, 154, 170, 228, 234, 240, 245, 269, 279, 284, 290. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 177. ومسلم، في: باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود أو نحوهما، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 320، 321. كما أخرجه أبو داود، في: باب التشديد في من يرفع رأسه قبل الإمام أو يضع قبله, من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 145. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء من التشديد في الذى يرفع رأسه قبل الإمام، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 62. والنَّسائي، في: باب مبادرة الإمام، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 75. وابن ماجه، في: باب النهي أن يسبق الإمام بالركوع والسجود، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 308. والدارمي، في: باب النهي عن مبادرة الأئمة بالركوع والسجود، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 302. الإمام أَحْمد, في: المسند 2/ 260, 271، 425، 456، 469، 472, 504.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صلاةٌ، ولو كان له صلاةً لرَجا له الثَّوابَ، ولم يَخْشَ عليه العِقابَ. وذلك لِما ذَكرْنا مِن الحدِيثَيْن. ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه نَظَر إلى مَن سَبَق الإِمامَ، فقال: لا وَحْدَك صَلَّيْتَ، ولا بإمامِكَ اقْتَدَيْتَ. ولأنَّه لم يَأْتَمَّ بإمامِه في الرُّكْنِ، أشْبَهَ ما إذا سَبَقَه بتَكْبِيرَةِ الإِحْرام. وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا لم تَبْطُلْ صَلاتُه، لأنَّه سَبْقٌ يَسِيرٌ، ولقَوْلِه عليه السَّلامُ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (¬1). وقال ابنُ حامِدٍ: في ذلك وجْهان. وقال القاضي (¬2): عندِي أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ معه في الرُّكْنِ، أشْبَهَ ما لو رَكع معه ابْتِداءً صَحَّ. وهذا اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ. وعليه أن يَرْفعَ ليَأْتِيَ به بعدَه؛ ليَكُونَ مُؤْتَمًّا بإمامِه. فإن لم يَفْعَلْ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُه عندَ أصحابِنا؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا. وقال القاضي: لا تَبْطُلُ، لأنَّه سَبْقٌ يَسِيرٌ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة 276. (¬2) سقط من: م، تش.

544 - مسألة: (فإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالما عمدا فهل تبطل صلاته؟ على وجهين)

فَإنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 544 - مسألة: (فإن رَكَع ورَفَع قبلَ رُكُوعِ إمامِه عالِمًا عَمْدًا فهل تَبْطُلُ صَلَاتُه؟ على وَجْهَيْن) وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ للنَّهْيِ. والثّانِي، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه سَبَقَه برُكْنٍ واحِدٍ، فهي كالتى قَبْلَها. قال ابنُ عَقِيلٍ: اخْتَلَفَ أصحابُنا، فقال بَعْضُهم: تَبْطُلُ الصلاةُ بالسَّبْقِ، بأيِّ رُكْنٍ مِن الأرْكانِ؛ رُكُوعًا كان أو سُجُودًا، أو قِيامًا أو قُعُودًا. وقال بَعْضُهم: السَّبْقُ المُبْطِلُ يَخْتَصُّ بالرُّكُوعِ؛ لأنَّه الذى

وَإنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيّا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاُتهُ. وَهَلْ تَبْطُلُ الرَّكْعَةُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَإِنْ رَكَعَ وَرَفعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ يَحْصُلُ به إدْراكُ الرَّكْعَةِ، وتَفوتُ بفَواتِه، فجازَ أن يَخْتَصَّ بُطلانُ الصلاةِ بالسَّبْقِ به. (وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا لم تَبْطُلْ صلاتُه) لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ». (وهل تَبْطُلُ الرَّكْعَةُ؛ فيه رِوايتانِ) إحْداهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه [لم يَقْتَدِ] (¬1) بإمامِه في الرُّكُوعِ، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْه. والأُخْرى، لا تَبْطُلُ؛ للخبَير. فأمّا (إن رَكَع ورَفَع (¬2) قبلَ رُكُوعِ إمامِه) فلَمّا رَكَع الإِمامُ (سَجَد قبلَ ¬

(¬1) في م: «لا يقتدى». (¬2) سقط من. م.

بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، إلَّا الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ، تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رفْعِه، بَطَلَت صَلَاتُه) وإن كان عَمْدًا؛ لأنَّه لم يَقْتَدِ بإمامِه في أكْثَرِ الرَّكْعَةِ. وإن فَعَلَه جاهِلًا أو ناسِيًا، لم تَبْطُلْ؛ للحَدِيثِ، ولم يَعْتَدَّ بتلك الرَّكْعَةِ؛ لعَدَمِ اقْتِدائِه بإمامِه فيها. فصل: فإن سَبَق الإِمامُ المأْمُومَ برُكْن كامِلٍ؛ مِثْلَ أن رَكَع ورفَع قبلَ رُكُوعِ المَأْمُومِ؛ لعُذْرٍ مِن نُعاسٍ أو غَفْلَةٍ أو زِحامٍ أو عَجَلَةِ الإِمامِ، فإنَّه يَفْعَل ما سُبِقَ به، ويُدْرِكُ إمامَه، ولا شئَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ. قال شيخُنا (¬1): وهذا لا أعْلَمُ فيه خِلافًا. وحَكَى في «المُسْتَوْعِبِ» رِوايَةً، أنَّه لا يُعْتَدُّ بتلك الرَّكْعَةِ. وإن سَبَقَه برَكْعَةٍ كامِلَةٍ أو أكْثَرَ، فإنَّه يَتْبَعُ إمامَه، ويَقْضِي ما سَبَقَه به، كالمَسْبُوقِ. قال أحمدُ، في رجلٍ نَعَس خلفَ الإِمام حتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْن، قال: كأنَّه أدْرَكَ رَكْعَتَيْن، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ صَلَّى رَكْعَتَيْن. وعنه، يُعِيدُ الصلاةَ. وإن سَبَقَه بأكْثَرَ مِن رُكْنٍ وأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، ثم زال عُذْرُه، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، ¬

(¬1) في: المغني 2/ 211.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّه يَتْبَعُ إمامَه، ولا يَعْتَدُّ بتلك الرَّكْعَةِ. [وقال المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الإِمامُ إذا سَجَد ورَفَع رَأْسَه قبلَ أن أسْجُدَ؟ قال: إن كانَتْ سَجْدَةً واحِدَةً فاتْبَعْه إذا رَفَع رَأْسَه، وإن كان سَجْدَتَيْن فلا يُعْتَدُّ بتلك الرَّكْعَةِ] (¬1). وظاهِرُ هذا أنَّه متى (¬2) سَبَقَه بركْعَتَيْن بَطَلَتْ تلك الرَّكْعَةُ. وإن سَبَق بأقَلَّ مِن ذلك فَعَلَه وأدْرَك إمامَه. وقد قال أصْحابُنا (¬3)، في مَن زُحِم عن السُّجُودِ يومَ الجُمُعَةِ: يَنْتَظِرُ زَوالَ الزِّحامِ، ثم يَسْجُدُ ويَتْبَعُ الإِمامَ، ما لم يَخَفْ فَواتَ الرُّكُوعِ في الثّانِيَةِ مع الإِمام. فعلى هذا يَفْعَلُ ما فاتَه، وإن كان أكْثَرَ مِن رُكْنٍ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «إن». (¬3) في م: «بعض أصحابنا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بأصْحابِه، حينَ صَلَّى بهم بعُسْفانَ (¬1) صلاةَ الخَوْفِ، فأقامَهم خلفَه صَفَّيْن، فسَجَدَ معه الصَّفُّ الأوَّلُ، والصَّفُّ الثّانِي قِيامٌ، حتَّى قام النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى الثّانِيَةِ، فسَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، ثم تَبِعَه (¬2). وجاز ذلك للعُذْرِ. فهذا مِثْلُه. وقال مالكٌ: إن أدْرَكَهم المَسْبُوقُ في أوَّلِ سُجُودِهم سَجَد معهم، واعتَدَّ بها. وإن عَلِم أنَّه لا يَقْدِرُ على الرُّكوعِ، وأدْرَكَهم في السُّجُودِ حتَّى يَسْتَوُوا قِيامًا، اتِّبَعَهم فيما بَقِيَ مِن صَلاِتهم، ثم يَقْضى رَكْعَةً، ثم يَسْجُدُ للسَّهْوِ. وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، إلَّا أنَّه لم يَجْعَلْ عليه سُجُودَ سَهْوٍ. قال شيخُنا (¬3): والأوْلَى في (¬4) هذا، والله أعلمُ، أنَّه ما كان على قِياسِ فِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في صلاةِ الخَوْفِ، فإنَّ غيرَ المَنْصُوصِ عليه يُرَدُّ في الأقْرَبِ من المَنْصُوصِ عليه. وإن فَعَل ذلك لغيرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه تَرَك الائْتِمامَ بإمامِه عَمْدًا. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. معجم البلدان 3/ 673. (¬2) يأتي الحديث في صلاة الخوف. (¬3) في: المغني 2/ 212. (¬4) في الأصل: «من».

545 - مسألة: (ويستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها)

وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إِتْمَامِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن سَبَق المأمومُ الإِمامَ بالقِراءةِ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُه. روايَةً واحِدَةً. 545 - مسألة: (ويُسْتحَبُّ للإمامِ تخْفِيفُ الصلاةِ مع إتْمامِها)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لقَوْلِ عائشةَ؛ كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أخَفَّ النَاسِ صلاةً في تَمامٍ (¬1). وروَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ والْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وقال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمُعاذٍ: «أفَتَّانٌ أَنْتَ؟» ثَلاثَ مِرارٍ، «فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بسَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الضَّعِيفُ والْكَبِيرُ وَذُو الْحَاجَةِ». رَواه البُخارِيُّ، وهذا لَفْظُه، ورَواه مسلمٌ (¬3). ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب حَدَّثَنَا أبو معمر، من كتاب بدء الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 181. ومسلم، في: باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 342. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء إذا أمَّ أحدكم النَّاس فليخفف، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذي 2/ 37. والنَّسائي, في: باب ما على الإمام من التَّخفيف، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 74. وابن ماجه، في: باب من أمَّ قومًا فليخفف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 315. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 100، 101، 162، 170، 173، 179، 182، 705، 207، 231، 233، 234، 255، 262، 276, 278, 282. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، من كتاب الصلاة، وفي: باب تخفيف الإمام في القيام، وفي: باب هل يقضى الحاكم أو يفتى وهو غضبان، من كتاب الأحكام. صحيح البُخَارِيّ 1/ 33، 180، 9/ 82. ومسلم، في: باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 340. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب من أم النَّاس فليخفف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 315. والدارمي، في: باب ما أمر الإمام من التَّخفيف في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 288. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 119, 5/ 273. (¬3) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا طوَّل الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى، وباب من شكا إمامه إذا طوَّل، من كتاب الأذان، وفي: باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلًا، من كتاب الأدب. صحيح البُخَارِيّ 1/ 179، 180، 8/ 32، 33. ومسلم، في: باب القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 339، 340. كما أخرجه أبو داود, في: باب في التَّخفيف في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 182، 183. والنَّسائي، في: باب خروج الرَّجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في =

546 - مسألة: (و)

وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 546 - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ (تَطْوِيل الرَّكْعَةِ الأُولَى أكْثَرَ (¬1) مِن الثَّانِيَةِ) يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الأُولَى مِن كلِّ صلاةٍ، ليَلْحَقَه القاصِدُ للصلاةِ. وقال الشافعيُّ: تَكُونُ الأُولَتان سَواءً. وقال أبو حنيفةَ: يُطَوِّلُ الأُولَى مِن صلاةِ الصُّبْحِ خاصَّةً. ووافَقَ الشافعيَّ (¬2) في غيرِها، وذلك لحَدِيثِ أبي سعيدٍ: حَزَرْنا قِيامَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن مِن الظُّهْرِ قَدْرَ الثَّلاِثِين آيةً (¬3). ولأنَّ الأُخْرَيَيْن مُتَساوِيَتان، فكذلك الأُولَيان. ولَنا، ما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرأُ في الركْعَتَيْن الأُولَيَيْن مِن صلاةِ الظهْرِ بفاِتحَةِ الكتابِ وسُورَتَيْن، يُطَوِّلُ في الأُولَى، ¬

= ناحية المسجد، وباب اختلاف نية الإِمام والمأموم، من كتاب الإمامة، وفي: باب القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى، وباب القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 76، 77، 79، 130, 134. وابن ماجه، في: باب من أمَّ قومًا فليخفف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 315. والدارمي، في: باب قدر القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 297. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 299، 300, 308, 369. وإلى هنا انتهى الجزء الأول من نسخة أَحْمد الثالث التى هي الأصل. وفيها بعد هذا خرم استكملناه من نسخة تشستربيتى، وتجد أرقام أوراقها في مواضعها من التحقيق. (¬1) في م: «أطول». (¬2) في م: «قول الشَّافعيّ». (¬3) أخرجه مسلم، في: باب القراءة الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 334. وأبو داود, في: باب تخفيف الأخريين، من كتاب الصلاة 1/ 185. وابن ماجه، في: باب القراءة في الظهر والعصر من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 271. والإمام أَحْمد, في: المسند 3/ 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، ويُسْمِعُ الآيَةَ أحْيانًا، وكان يَقْرأُ في العَصْرِ في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن بفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَتَيْن، ويُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، وكان يُطَوِّلُ في الأُولَى مِن صلاةِ الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وروَى عبدُ اللهِ ابنُ أبي أوْفَى، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقُومُ في الرَّكْعَةِ الأُولى مِن صلاةِ الظهرِ حتَّى لا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ (¬2). فأمّا حَدِيثُ أبي سعيدٍ، فرَواه ابنُ ماجه، وفيه: وفي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِن ذلك. وهو أوْلَى؛ لمُوافَقَتِه للأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ثم لو قُدِّرَ التَّعارُضُ وَجَب تَقْدِيمُ حَدِيثِ أبي قَتادَةَ؛ لصِحَّتِه، ولتَضَمُّنِه الزِّيادَةَ، وهو التَّفْرِيقُ بينَ الرَّكْعَتَيْن. وروَى ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب القراءة في الظهر، وباب إذا سمع الإمام الآية, وباب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، وباب يطول في الركعة الأولى، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 193، 197، 198. ومسلم، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 333. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 184. والنَّسائي، في: باب تقصير الإمام في الركعة الثَّانية من الظهر، وباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر. من كتاب افتتاح الصلاة. المجتبى 2/ 128. وابن ماجه، في: باب الجهر بالآية أحيانًا في صلاة الظهر والعصر، من كتاب إقامة الصلاة 1/ 271. والدارمي, في: باب كيف العمل بالقراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 296. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 295، 301، 305، 311. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 185. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 356.

547 - مسألة: (ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع، في إحدى الروايتين)

وَلَا يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ دَاخِلٍ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ [أبو سعيدٍ] (¬1)، أنَّ الصلاةَ كانت تُقامُ ثم يَخْرُجُ أحَدُنا يَقْضِي حاجَتَه، ويَتَوَضَّأُ، ثم يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- (¬2). قال أحمدُ، في الإمامِ يُطَوِّلُ في الثّانِيَةِ، يَعْنِي أكثرَ مِن الأُولَى: يُقالُ له في هذا: تَعَلَّمْ. 547 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ انْتِظارُ داخِلٍ وهو في الرُّكُوعِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) متى أحَسَّ بداخِلٍ في حالِ القِيام أو الرُّكُوعِ، يُرِيدُ الصلاةَ معه، وكانتِ الجَماعَةُ كَثِيرَة، كُرِهَ (¬3) انْتِظارُه؛ لأنَّه يَبْعُدُ أن لا يكونَ فيهم مَن يَشُقُّ عليه (¬4). وكذلك إن كانتِ الجَماعَةُ يَسِيرَةً، ¬

(¬1) في الأصل: «ابن عمر». (¬2) أخرجه مسلم، في: باب القراءة في الظهر، العصر، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 335. والنَّسائي، في: باب تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر، من كتاب القبلة. المجتبى 2/ 127. وابن ماجه، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 270. (¬3) في م: «في». (¬4) في م: «عليهم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والانْتِظارُ يَشُقُّ عليهم، لأنَّ الذين معه أعْظَمُ حُرْمَةً مِن الدّاخِلِ، فلا يَشُقُّ عليهم لنَفْعِه، وإن لم يَكُنْ كذلك اسْتُحِبَّ انْتِظارُه. وهذا مَذْهَبُ أبي مِجْلَزٍ (¬1)، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ. وقال الأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَنْتَظِرُه. وهو رِوايةٌ أُخْرَى؛ لأنَّ انْتِظارَه تَشْرِيكٌ في العِبادَةِ، فلا يُشْرَعُ، كالرِّياءِ. ولَنا، أنَّه انْتِظارٌ يَنْفَعُ ولا يَشُقُّ، فشُرِعَ، كتَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الأُولَى، وتَخْفِيفِ الصلاةِ، وقد قال عليه السلامُ: «مَنْ أمَّ النَّاس فَلْيُخَفِّفْ، فَإنَّ فِيهِمُ الْكبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» (¬2). وقد شُرِعَ الانْتِظارُ في صلاةِ الخَوْفِ؛ لتُدْرِكَ الطّائِفةُ الثّانِيَةُ، وكان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَنْتَظِرُ الجَماعَةَ، فقال جابِرٌ: كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي العِشاءَ أحْيانًا وأحْيانًا، إذا رَآهم اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رَآهم أبْطَأُوا ¬

(¬1) في م، ص: «مخلد». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 327 من حديث ابن مسعود.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أخَّرَ (¬1). وقد كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُطِيلُ الرَّكْعَة الأُولَى، حتَّى لا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَم (¬2). وأطال السُّجُودَ حينَ رَكِب الحسنُ على ظَهْرِه، وقال: «إنَّ ابْنِي هَذَا ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أنْ أُعَجِّلَهُ» (¬3). وبهذا كلِّه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه. وقال القاضي: الانْتِظارُ جائِزٌ غيرُ مُسْتَحَبٍّ، وإنَّما يَنْتَظِرُ مَن كان ذا حُرْمَةٍ، كأهْلِ العِلْمِ ونُظَرائِهم مِن أهْل الفَضْلِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 134. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 329 من حديث ابن أبي أوفى. (¬3) انظر ما تقدم 1/ 160.

548 - مسألة: (وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها، وبيتها خير لها)

وَإذَا اسْتَأْذَنَتِ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُهَا، وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 548 - مسألة: (وإذا اسْتَأْذَنَتِ المرأةُ إلى المَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُها، وبَيْتُها خَيْرٌ لها) لقَوْلِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَمنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ». يَعْنِي غيرَ مُتَطّيَّباتٍ. رَواه أبو داودَ (¬1). ويَخْرُجْنَ غيرَ مْتَطَيِّباتٍ؛ لهذا الحديثِ. ويُباحُ لَهُنَّ حُضُورُ الجَماعَةِ مع الرِّجالِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: كان النِّساءُ يُصَلِّينَ مع رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثم يَنْصَرِفْنَ مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وصَلاتُهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاِتهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاُتهَا فِي مَخْدَعِهَا أفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا». رَواه أبو داودَ (¬3). ¬

(¬1) في: باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 134. وكذلك أخرجه الدَّارميّ، في: باب النهي عن منع النساء عن المساجد، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 293. وبدون زيادة «وليخرجن تفلات» أخرجه البُخَارِيّ، في: باب حَدَّثَنَا عبد الله بن مُحَمَّد. . . . إلخ، من كتاب الجمعة. صحيح البُخَارِيّ 2/ 7. ومسلم، في: باب خروج النساء إلى المساجد. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 327. وابن ماجه، في: باب تعظيم حديث رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. . . . إلخ، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 8. والإمام مالك، في: باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد، من كتاب القبلة. الموطأ 1/ 197. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 16 , 36، 45، 76، 77, 151, 438، 475، 528، 5/ 192، 193، 6/ 69، 70. (¬2) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 168. (¬3) في: باب التشديد في ذلك, من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 134.

فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ: السُّنَّةُ أنْ يَؤْمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فَصْلٌ في الإمامَةِ (السُّنَّةُ أن يَؤُمَّ القومَ أقْرَؤْهم) يَعْنِي أنَّ القارِئَ مُقَدَّمٌ على الفَقِيهِ وغيرِه، ولا خِلافَ في التَّقْدِيمَ بالقِراءَةِ والفِقْهِ واخْتُلِفَ في أيِّهما يُقَدَّمُ؟ فذهَبَ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، إلى تَقْدِيمِ القارِئِ. وهو قولُ ابنِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سِيرِينَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي. وقال عَطاءٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ: يُقَدَّمُ الأفْقَهُ إذا كان يَقْرَأُ ما يَكفِي في الصلاةِ؛ لأنَّه قد يَنُوبُه في الصلاةِ ما لا يَدْرِي ما يَفْعَلُ فيه إلَّا بالفِقْهِ، فيَكُونُ أوْلَى، كالإِمامَةِ الكُبْرَى، والحُكْمِ. ولَنا، ما روَى أبو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَوُّمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَاب الله تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ، فَإنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِن كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا». أو قال: «سِلْمًا» (¬1). وعن أبي سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا اجْتمَعَ ثَلاثَةٌ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ». رَواهما مسلمٌ (¬2). ولَمّا ¬

(¬1) أي إسلامًا. (¬2) الأول، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب. المساجد. صحيح مسلم 1/ 465. كما أخرجه أبو داود, في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 137. والتِّرمذيّ، في: باب من أحق بالإمامة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 34. والنَّسائي، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 59. وابن ماجه، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 313، 314. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 118، 121, 5/ 272. والثاني في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 464. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب اجتماع القوم موضع هم فيه سواء، وباب الجماعة إذا كانوا ثلاثة, من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 60، 80. والدارمي، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 286. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 24، 34، 36، 48، 51، 84.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَدِم المُهاجِرُون الأوَّلُون، كان يَؤُمُّهم سالِمٌ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ، وفيهم عُمَرُ ابنُ الخَطّابِ (¬1). وفي حَدِيثِ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ، قال: «لِيَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (¬2). فإن قِيلَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بتَقْدِيمِ القارِئ؛ لأنَّ الصَّحابَةَ كان أقْرَؤُهم أفْقَهَهم، وأنَّهم كانُوا إذا قَرَؤُوا القُرْآنَ تَعَلَّمُوا معه أحْكامَه، قال ابنُ مسعودٍ: كنّا لا نُجاوِزُ عَشْرَ آيَاتٍ حتَّى نَعْرِفَ أمْرَها، ونَهْيَها، وأحْكامَها (¬3). قُلْنا: اللَّفْظُ عامٌّ فيَجِبُ الأخْذُ بعُمُومِه، على أنَّ في الحَدِيثِ ما يُبْطِلُ هذا التَّأوِيلَ، وهو قَوْلُه: «فَإنِ اسْتَوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنِّةِ». ففاضَلَ بينَهم في العِلْمِ بالسُّنَّةِ مع تَساوِيهم في القِراءَةِ، ولو كان ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إمامة العبد والمولى، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 178. وأبو داود، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 138. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب وقال الليث حَدَّثني يونس. . . .، من كتاب المغازي. صحيح البُخَارِيّ 5/ 191. وأبو داود، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 138. والنَّسائي، في: باب اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر، من كتاب الأذان، وفي: باب إمامة الغلام قبل أن يحتلم، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 9, 63. والإِمام أَحْمد، في: المسند 3/ 475، 5/ 30، 71. (¬3) أخرجه الحاكم، في: أخبار في فضائل القرآن جملة، من كتاب فضائل القرآن. المستدرك 1/ 557.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كما قالُوا للَزِمَ مِن التَّساوِي في القِراءَةِ التَّساوِي في الفِقْهِ، وقد نَقَلَهم مع التَّساوِي في القِراءَةِ إلى الأعْلَمِ بالسُّنَّةِ، وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَعلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ» (¬1). ففَضَّلَ بالفِقْهِ مَن هو مَفْضُولٌ بالقِراءَةِ. قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: حديثُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» (¬2). أهو خِلافُ حديثِ أبي مَسْعُودٍ؟ قال: لا، إنَّما قَوْلُه لأبي بكرٍ، عندِي: «يُصَلِّي بالنَّاسِ». للخِلافَةِ. يَعْنِي أنَّ الخَلِيفَةَ أحَقُّ بالإِمامَةِ. فصل: ويُرَجَّحُ أحَدُ القارِيَّيْن على الآخَرِ بكَثْرَةِ القُرْآنِ؛ لحديثَ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ. وإن تَساوَيا في قَدْرِ ما يَحْفَظُ كلُّ واحِدٍ منهما، وكان أحَدُهما أجْوَدَ قِراءَةً وإعْرابًا فهو أوْلَى؛ لأنَّه أقْرَأُ. وإن كان ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب في فضائل أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من المقدمة، بأطول من هذا السياق. سنن ابن ماجه 1/ 55. وأخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب مناقب معاذ بن جبل. . . .، من أبواب المناقب. عارضة الأحوذي 13/ 202، والإمام أَحْمد، في: المسند 281، وليس عندهما ذكر على. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ: باب حد المريض أن يشهد الجماعة، وباب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، وباب الرَّجل يأتم بالإِمام، ويأتم النَّاس بالمأموم، وباب إذا بكى الإِمام في الصلاة، من كتاب الآذان. وفي: باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع، من كتاب الاعتصام. صحيح البُخَارِيّ 1/ 169, 172, 182, 182, 9/ 120, 121. ومسلم، في: باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض، وسفر غيرهما من يصلي بالنَّاس، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 313، 314، 316. وأبو داود في: باب التصفيق في الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 216، والتِّرمذيّ، في: باب في مناقب أبي بكر وعمر، من أبواب المناقب. عارضة الأحوذى 13/ 135. والنَّسائي, في: باب استخلاف الإِمام إذا غاب، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 64. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مرضه، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 389، 390. والإمام مالك، في: باب جامع الصلاة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 170، 171. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 202، 4/ 412، 413، 5/ 332، 6/ 34، 96، 159، 210، 224، 229، 270.

549 - مسألة: (ثم أفقههم، ثم أسنهم، ثم أقدمهم هجرة، ثم أشرفهم، ثم أتقاهم، ثم من تقع له القرعة)

ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ، ثُمَّ أسَنُّهُمْ، ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَة، ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ، ثُمَّ أَتْقَاهُمْ، ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُهما أكْثَرَ حِفْظًا، والآخَرُ أقَلَّ لَحْنًا وأجْوَدَ قِراءَةً، قُدِّمَ؛ لأنَّه أعْظَمُ أجْرًا في قِراءَتِه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فلَهُ بكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رَضىَ اللهُ عنهما: إعْرابُ القُرْآنِ أَحَبُّ إلينا مِن حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِه. وإنِ اجْتَمَع قارِئ لا يَعْرِفُ أحْكامَ الصلاةِ فكذلك، للخَبَرِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يقَدَّمُ الأفْقَهُ؛ لأنَّه تَمَيَّزَ (¬2) بما لا يُسْتَغْنَى عنه في الصلاةِ. 549 - مسألة: (ثم أفْقَهُهم، ثم أسَنُّهم، ثم أقْدَمُهم هِجْرَةً، ثم أشْرَفُهم، ثم أتْقاهم، ثم مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ) متى اسْتَوَوْا في القِراءةِ وكان أحَدُهم أفْقَهَ، قُدِّمَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولأنَّ الفِقْهَ يُحْتاجُ إليه في ¬

(¬1) لم نجده في التِّرْمِذِيّ بهذا اللفظ ولا قريب منه. وقد أورده ابن عدي في: الكامل في الضعفاء، عن عمر ابن الخَطَّاب. انظر: الكامل 7/ 2506. (¬2) في م: «يمتاز».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصلاةِ للإِتْيانِ بواجِباتِها وأرْكانِها وشُرُوطِها وسُنَنِها، وجَبْرِها إنِ احْتاجَ إليه. فإنِ اجْتَمَعَ فَقِيهان قارِيّان، أحَدُهما أقْرَأُ، والآخَرُ أفْقَهُ، قُدِّمَ الأقْرَأُ؛ للحَدِيثِ. نَصَّ عليه. وقال ابنُ عَقِيل: يُقَدَّمُ الأفْقَهُ؛ لتَمَيُّزِه بما لا يُسْتَغْنَى عنه في الصلاةِ. وهذا يُخالِفُ الحديثَ المَذْكُورَ، فلا يُعَوَّلُ عليه. فإنِ اجْتَمَع فَقِيهان، أحَدُهما أعْلَمُ بأحْكام الصلاة، والآخَرُ أعْرَفُ (¬1) بما سِواها، قُدِّمَ الأعْلَمُ بأحْكامِ الصلاةِ؛ لَأنَّ عِلْمَه يُؤَثِّرُ في تَكْمِيل الصلاةِ، بخِلافِ الآخَرِ. فصل: فإنِ اسْتَوَوْا في القِراءَةِ والفِقْهِ، فقال شيخُنا (¬2) ها هنا: يُقَدَّمُ أسَنُّهم. يَعْنِي أكْبَرَهم سِنًّا. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمالكِ ¬

(¬1) في م: «أعلم». (¬2) انظر: المغني 3/ 15.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ الحُوَيْرِثِ: «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولأن الأسَنَّ أحَقُّ بالتَّوْقِيرِ والتَّقْدِيمِ. وظاهِرُ كَلام أحمدَ، أنَّه يُقَدَّمُ أقْدَمُهما هِجْرَةً، ثم أسَنُّهما؛ لحَدِيثِ أبي مَسْعُودٍ، فإنِّه مُرَتَّبٌ هكذا. قال الخَطّابِيُّ (¬2): وعلى هذا التَّرَتِيبِ أكْثَرُ أقاوِيلِ العُلَماءِ. ومَعْنَى تَقْدِيم الهِجْرَةِ، أن يكونَ أحَدُهما أسْبَقَ هِجْرَةٌ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسْلامِ، وإنَّما يُقَدَّمُ بها؛ لأنَّها قُرْبَةٌ وطاعَةٌ. فإن عُدِمَ ذلك؛ إما لاسْتِوائِهما فيها، أو عَدَمِها، قُدِّمَ أسَنُّهما؛ لِما ذَكَرْنا. وقال ابنُ حامِدٍ: أحَقُّهم بعدَ القِراءَةِ والفِقْهِ أشْرَفُهم، ثم أقْدَمُهم هِجْرَةً، ثم أسَنُّهم. والصَّحِيحُ ما دَل عليه حديثُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن تَقْدِيمِ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 52. (¬2) في: معالم السنن 1/ 168.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السّابِقِ بالهِجْرَةِ، ثم الأسَنِّ، ويُرَجَّحُ بتَقْدِيمِ الإسلامِ، كتَقْدِيمِ الهِجْرَةِ؛ لأنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ حديثِ أبي مسعودٍ: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» (¬1). ولأنَّ الإِسلامَ أقْدَمُ مِن الهِجْرَةِ، فإذا قُدِّمَ بالهِجْرَةِ فأَوْلَى أن يَتَقَدَّمَ بالإِسلامِ. فإذا اسْتَوَوْا في جَمِيع ذلك قُدِّمَ أشْرَفُهم، والشَّرَفُ يَكُونُ بعُلُوِّ النَّسَبِ، وبكَوْنِه أفْضَلَ في نَفْسِه وأعْلاهم قَدْرًا؛ لقَوْلِ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» (¬2). فإنِ ¬

(¬1) تقدم في صفحة 336. (¬2) الحديث في الكامل لابن عدي 5/ 1810. وفي ترتيب مسند الشَّافعيّ للسندى 2/ 194 حديث رقم (691) أول كتاب المناقب. وفي فيض القدير للمناوى 4/ 512 حديث رقم (6109)، وعزاه للطبرانى، وحديث رقم (6110) وعزاه للبزار. وأخرجه ابن أبي عاصم، في السنة حديث (1519، 1520، 1521).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اسْتَوَوْا في هذه الخِصالِ، قُدِّمَ أتْقاهم؛ لأنَّه أشْرَفُ في الدِّينِ، وأفْضَلُ وأقْرَبُ إلى الإِجابَةِ، وقد جاء: «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ». ذَكَرَه الإمامُ أحمدُ في «رِسالَتِه» (¬1). ويُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ الأتْقَى على الأشْرَفِ؛ لأنَّ شَرَفَ الدِّين خَيْرٌ مِن شَرَفِ الدُّنْيا، وقد قال اللهُ تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (¬2). فإنِ اسْتَوَوْا في هذا كلِّه أُقْرِعَ بينَهم. نَصَّ عليه؛ لأنَّ سَعْدًا أقْرَعَ بينَ النّاسِ في الأذانِ يومَ القادِسِيَّةِ (¬3)، فالإِمامَةُ أوْلَى، ولأنَّهم تَساوَوْا في ¬

(¬1) الرسالة السنية، ضمن مجموعة الحديث النجدية 457. (¬2) سورة الحجرات 13. (¬3) أخرجه البيهقي، في: باب الاستهام على الأذان، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 1/ 429.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الاسْتِحْقاقِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، فأْقْرِعَ بينَهم، كسائِرِ الحُقُوقِ. وإن كان أحَدُهما يَقُومُ بعِمارَةِ المَسْجِدِ وتَعاهُدِه فهو أحَقُّ به، وكذلك إن رَضِيَ الجِيرانُ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، قُدِّمَ به، ولا يُقَدَّمُ بحُسْنِ الوَجْهِ؛ لأنَّه لا مَدْخَلَ له في الإِمامَةِ، ولا أثَرَ له فيها. وهذا كلُّه تَقْدِيمُ اسْتِحْبابٍ، لا تَقْدِيمُ اشْتِراطٍ ولا إيجابٍ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.

550 - مسألة: (وصاحب البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة، إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان)

وَصَاحِبُ الْبَيْتِ وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، إلَّا أنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 550 - مسألة: (وصاحِبُ البَيْتِ وإمامُ المَسْجِدِ أحَقُّ بالإِمامَةِ، إلَّا أن يَكُونَ بَعْضُهم ذا سُلْطانٍ) متى أُقِيمَتِ الجَماعَةُ في بَيْتٍ، فصاحِبُه أوْلَى بالإِمامَةِ مِن غيرِه، إذا كان مِمَّن تَصِحُّ إمامَتُه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ (¬1) فِي بَيْتِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بإِذْنِهِ». رَواه مسلمٌ (¬2). وعن مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، عن النبيِّ ¬

(¬1) سقط من: تش. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 278.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ زارَ قَوْمًا فلَا يَؤُمَّهُمْ وليَؤُمَّهُمْ رجُلٌ مِنهُمْ». رَواه أبو داوُدَ (¬1). وهذا قولُ عَطاءٍ، والشافعيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. فإنْ كان في البَيْتِ ذُو سُلْطَانٍ قُدِّمَ على صاحِبِ البَيْتِ؛ لأنَّ وِلايتَه على البَيْتِ وصاحِبِه، [وقَد أمَّ] (¬2) النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عِتْبانَ بنَ مالكٍ وأنَسًا في بُيُوتِهِما (¬3). اخْتارَه الخِرَقِيُّ. وقال ابنُ حامِدٍ: صاحِبُ البَيْتِ أحَقُّ بالإمامَةِ؛ لعُمُومِ الحَدِيثِ. والأوَّلُ أَصَحُّ. وكذلك إمامُ المَسْجِدِ الرّاتِبِ أوْلَى مِن غيرِه؛ لأنَّه في مَعْنَى صاحِبِ البَيْتِ، إلَّا أن يَكُونَ بَعْضُهم ذا سُلْطانٍ، ففيه وَجْهان. وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه أتَى أرْضًا له، وعندَها مَسْجِدٌ يُصَلِّي فيه مَوْلًى له، فصَلَّى ابنُ عُمَرَ معَهم، فسَألُوه أن يَؤُمَّهم، فأبَى، وقال: صاحِبُ المَسْجِدِ أحَقُّ (¬4). ¬

(¬1) في: باب إمامة الزائر، من كتاب الصلاة. . . . سنن أبي داود 1/ 140. وكذلك أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء فيمن زار قومًا لا يصلي، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 150, 151. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 436، 5/ 53. (¬2) في م: «وقدم». (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 285. (¬4) تقدم في صفحة 279.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا أذِنَ (¬1) المُسْتَحِقُّ مِن هؤلاء لرَجُلٍ في الإِمامَةِ، جاز، صار بمَنْزِلَةِ مَن أُذِن له في اسْتِحْقاقِ التَّقَدِيمِ (¬2)؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إلَّا بإِذْنِهِ». ولأنَّه حَقٌّ له، فجازَ نَقْلُه إلى مَن شاء. قال أحمدُ: قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ في سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ». أرْجُو أن يَكُونَ الإِذْنُ في الكُلِّ. فصل: وإذا دَخَل السُّلْطانُ بَلَدًا له فيه خَلِيفَةٌ، فهو أَحَقُّ مِن خَلِيفَتِه؛ لأنَّ وِلايَتَه على خَلِيفَتِه وغيرِه. وكذلك لو اجْتَمَعَ العَبْدُ وسَيِّدُه في بَيْتِ العَبْدِ، فالسَّيِّدُ أوْلَى؛ لأنَّه يَمْلِكُ البَيْتَ والعَبْدَ على الحَقِيقةِ، ووِلايتُه على العَبْدِ، فإن لم يَكُنْ سَيِّدُه معهم فالعَبْدُ أَوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وقد رُوِي أنَّه اجْتَمَعَ ابنُ مسعودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ، في بَيْتِ أبي سعيدٍ موْلَي أبي أسِيدٍ وهو عَبْدٌ، فتَقَدَّمَ أبو ذَرٍّ ليُصَلِّي بهم، فقالُوا له: وَراءَكَ. فالْتَفَتَ إلى أَصْحابِه، فقال: أكذلك؟ قالُوا: نعم. فتَأخَّرَ، وقَدَّمُوا أَبا سعيدٍ، فصَلَّى بهم (¬3). رَواه صالِحُ بنُ أحمدَ، بإسْنادِهِ (¬4). وإنِ اجْتَمَعَ المُؤْجِرُ والمُسْتَأْجِرُ، فالمُسْتَأْجِرُ أوْلَى، ولأنَّه أحَقُّ بالسُّكْنَى والمَنْفَعَةِ. ¬

(¬1) في النسخ: «قدم» والمثبت من المغني. (¬2) في م: «التقدم». (¬3) سقط من: م. (¬4) أخرجه البيهقي، في: باب إمامة القوم لا سلطان فيهم وهم في بيت أحدهم، من كتاب الصلاة. السنن =

551 - مسألة: (والحر أولى من العبد، والحاضر أولى من المسافر, والبصير أولى من الأعمي، في أحد الوجهين)

والْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ، وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ الْمُسَافِرِ، وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 551 - مسألة: (والحُرُّ أَوْلَى مِن العَبْدِ، والحاضِرُ أَوْلَى مِن المُسافِرِ, والبَصِيرُ أَوْلَى مِن الأعْمَي، في أحَدِ الوَجْهَيْن) إمامَةُ العَبْدِ صحِيحَةٌ؛ لِما رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّ غُلامًا لها كان يَؤُمُّها (¬1). وصَلَّى ابنُ مسعودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ، وَراءَ أبي سعيدٍ مَوْلَى أبي أَسِيدٍ وهو عَبْدٌ. ¬

= الكبرى 3/ 126. وهو في مصنف عبد الرَّزّاق، باب الرَّجل يؤتى في ربعه، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 392. (¬1) أخرجه عبد الرَّزّاق في: باب إمامة العبد، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 394.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والثوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ. وكَرِه ذلك أبو مِجْلَزٍ. وقال مالكٌ: لا يَؤُمُّهم إلَّا أن يَكُونَ قارِئًا وهم أُمِّيُّون. ولَنا، عُمُومُ قَوْله عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى» (¬1). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه مِن أهْلِ الأذانِ للرِّجالِ يَأْتِي بالصلاةِ على الكَمالِ، فجازَ له إمامَتُهم، كالحُرِّ. إذا ثَبَت ذلك فالحُرُّ أوْلَى منه؛ لأنَّه أكْمَلُ منه وأشْرَفُ، ويُصَلِّي الجُمُعَةَ والعِيدَ إمامًا، بخِلافِ العَبْدِ، ولأنَّ في تَقْدِيمِ الحُرِّ خُرُوجًا مِن الخِلافِ. والمُقِيمُ أوْلَى مِن المُسافِرِ؛ لأنَّه إذا كان إمامًا حَصَلَتْ له الصلاةُ كلُّها جَماعَةً، فإن أمَّه المُسافِرُ أتَمَّ الصلاةَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 336.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُنْفَرِدًا. وقال القاضي: إن كان فيهم إمامًا فهو أحَقُّ بالإِمامَةِ وإن كان مُسافِرًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي بهم عامَ الفَتْحِ، ويَقُولُ لأهْلِ البَلَدِ: «صَلوا أرْبَعًا، فَإنَّا سَفْرٌ». رَواه أبو داودَ (¬1). وإن تَقَدَّمَ المُسافِرُ جاز، ويُتِمُّ المُقِيمُ الصلاةَ بعدَ سَلام إمامِه، كالمَسْبُوقِ، وإن أتَمَّ المُسافِرُ الصلاةَ جازَتْ صَلاُتهُم. وحُكِيَ عنه رِوايَةٌ في صلاةِ المُقِيمِ، أنَّها لا تجُوزُ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ نَفْلً أمَّ بها مُفْتَرِضِين. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ المُسافِرَ إذا نَوَى الإِتْمامَ لَزِمَه، فيَصِيرُ الجَمِيعُ فَرْضًا. فصل: وإمامَةُ الأعْمَى جائِزَةٌ، لا يُعْلَمُ فيها خِلافًا، إلَّا ما حُكِيَ عن أنَسٍ, أنَّه قال: ما حاجَتُهم إليه. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: كَيّفَ أؤُمُّهم وهم يَعْدِلُونَنِي إلى القِبْلَةِ (¬2). والصحِيحُ عن ابنِ عباسٍ أنَّه كان يَؤُمُّهم وهو أعْمَى، وعِتْبانَ بنِ مالكٍ، وقَتادَةَ، وجابِرٍ. وقال أنَسٌ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- اسْتَخْلَفَ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، أمَّ النّاسَ وهو أعْمَى. رواه أبو داودَ (¬3). ¬

(¬1) في: باب متى يتم المسافر، من كتاب السفر سنن أبي داود 1/ 280. (¬2) أخرجهما ابن أبي شيبة، في: باب من كره إمامة الأعمى، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 2/ 215. (¬3) في: باب إمامة الأعمى، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 140.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولأنَّ العَمَى (1) فَقْدُ حاسَّةٍ لا تُخِلُّ بشئٍ مِن أفْعالِ الصلاةِ ولا شُرُوطِها، أشْبَهَ فَقْدَ الشَّمِّ. والبَصِيرُ أوْلَى منه. اخْتارَه أبو الخَطّابِ، ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بعِلْمِه، ويَتَوَقَّى النَّجاساتِ ببَصَرِه، ولأنَّ في إمامَتِه اخْتِلافًا. وقال

وَفِي الْآخَرِ، هُمَا سَوَاءٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ القاضي: (هما سَواءٌ) لأنَّ الأعْمَى أخْشَعُ، لا يَشْتَغِلُ في الصلاةِ بالنَّظَرِ إلى ما يُلْهِيه، فيكونُ ذلك مُقابِلًا لِما ذَكَرْتُم، فيَتَساوَيان. قال الشَّيْخُ (¬1): والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ البَصِيرَ لو أغْمَضَ عَيْنَيْه كُرِهَ ذلك، ولوِ كان فَضِيلَةً لكان مُسْتَحَبًّا؛ لأنَّه يُحَصلُ بتَغْمِيضِه ما يُحَصِّلُه الأعْمَى، ولأنَّ البَصِيرَ إذا أغْمَضَ بَصَرَه مع إمْكانِ النَّظَرِ كان له الأجْرُ فيه، لأنَّه يَتْرُكُ المَكْرُوهَ مع إمْكانِه اخْتِيارًا، والأعْمَى يَتْرُكُه اضْطِرارًا، فكان أدْنَى حالًا، وأقَلَّ فضْلًا. ¬

(¬1) في: المغني 3/ 28.

552 - مسألة: (وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين)

وَهَلْ تَصِحُّ إمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 552 - مسألة: (وهل تَصِحُّ إمامَةُ الفاسِقِ والأقْلَفِ؟ على رِوايَتَيْن) والفاسِقُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن؛ فاسِقٌ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، وفاسِقٌ مِن جِهَةِ الأفْعالِ. فأمّا الفاسِقُ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، فمتى كان يُعْلِنُ بِدْعَتَه، ويَتَكَلَّمُ بها، ويَدْعُو إليها ويُناظِرُ، لم تَصحَّ إمامَتُه، وعلى مَن صَلَّى وراءَه الإِعادَةُ. قال أحمدُ: لا يُصَلَّى خلفَ أحَدٍ مِن أهْلِ الأهْواءِ، إذا كان داعِيَةً إلى هَواه. وقال: لا تُصَلِّ خلفَ المُرْجِيءِ، إذا كان داعِيَةً.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: وكذلك إن كان مُجْتَهِدًا يَعْتَقِدُها بالدَّلِيلِ، كالمُعْتَزِلَةِ، والقَدَرِيَّةِ، وغُلاةِ (¬1) الرَّافِضَةِ؛ لأنَّهم يُكَفَّرُون ببِدْعَتِهم. وإن لم يكنْ يُظْهِرُ بِدْعَتَه، ففي وُجُوبِ الإِعَادَةِ خلفَه رِوايتان؛ إحْداهما، تَجِبُ الإِعادَةُ، كالمُعْلِن بدْعَتَه، ولأنَّ الكافِرَ لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفه، سَواءٌ أظْهَرَ كُفْرَه أو أخْفاه، كذلك المُبْتَدِعُ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي الحارِثِ: لا يُصَلِّي خلفَ مُرْجِئٍ ولا رافِضِيٍّ، ولا فاسِقٍ، إلَّا أن يَخافَهم فيُصَلِّي، ثم يُعِيدُ. وقال أبو داودَ: متى صَلَّيْتَ خلفَ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ. ¬

(¬1) في م: «وغيرة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فأعِدْ. وعن مالكٍ، لا تُصَلِّ خلفَ أهْلِ البِدَعِ. والثّانِيَة، تَصِحُّ الصلاةُ خلفَه. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرّافِضَةُ الذين يَتَكَلَّمُون بما تَعْرِفُ؛ قال: نعم، آمُرُه أن يُعِيدَ. قِيلَ له: وهكذا أهْلُ البِدَعِ؟ قال: لا؛ لأنَّ منهم من يَسْكُتُ، ومنهم مَن [يَقِفُ ولا] (¬1) يَتَكَلَّمُ. وقال: لا تُصَلِّ خلفَ المُرْجِئِ، إذا كان داعِيَةً. فدَلَّ على أنَّه لا يُعِيدُ إذا لم يَكُنْ كذلك. وقال الحسنُ، والشافعيُّ: الصلاةُ خلفَ أهْلِ البِدَعِ جائِزَةٌ بكلِّ حالٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا خَلْفت مَنْ قَالَ في إلَهَ إلَّا اللهُ» (¬2). ولأنَّه رجلٌ صلاتُه صَحِيحَةٌ، فصَحَّ الائْتِمامُ به، كغَيْرِه. وقال نافِعٌ: كان ابنُ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) أخرجه الدارقطني، في: باب في التشديد في ترك الصلاة. . . .، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 2/ 56. وتقدم بعضه في الجزء الثالث صفحة 39.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عُمَرَ يُصَلِّي خلفَ الخَشَبِيَّةِ (¬1) والخَوارِجِ زَمَنَ ابنِ الزُّبَيْرِ، وهم يَقْتَتِلُون. فقِيلَ له: أتُصَلِّي مع هؤلاء، وبَعْضُهم يَقْتُلُ بعضًا؟! فقال: مَن قال: حَيَّ على الصلاةِ. أجَبْتُه، وَمَن قال: حَيَّ على الفَلاحِ. أجَبْتُه، ومَن قال: حَيَّ على قَتْلِ أخِيك المُسْلمِ، وأخْذِ مالِه. قلتُ: لا (¬2). رَواه سعيدٌ. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ ما روَى جابِرٌ. قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على مِنْبَرِه يقولُ: «لَا تَؤُمنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أنْ يَقْهَرَهُ بسُلْطَانِهِ، أوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أوْ سَيْفَهُ». رَواه ابنُ ماجه (¬3). وهذا أخَصُّ مِن حدِيثِهم، فيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه، وحَدِيثُهم نَقُولُ به في الجُمَعِ والأعْيادِ، ونُعِيدُ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالأُمِّيِّ. ويُرْوَى عن حَبِيب بنِ عُمَرَ ¬

(¬1) في م: «الحسنية». والخشبية بالتحريك قوم من الجهمية يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم، وإن القرآن مخلوق. وقال ابن الأثير: هم أصحاب المختار بن أبي عبيد. ويقال: هم ضرب من الشيعة، قيل: لأنهم حفظوا خشية زيد بن عليّ حين صلب. والأول أوجه. تاج العروس (الكويت) 2/ 359. (¬2) أخرجه البيهقي، في: باب الصلاة خلف من لا يحمد فعله، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 122. (¬3) في: باب في فرض الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 343.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأنْصَارِيِّ، عن أَبِيه، قال: سأَلْتُ واثِلَةَ بنَ الأسْقَعِ، قلتُ: أُصَلِّي خلفَ القَدَرِيِّ؟ قال: لا تُصَلِّ خَلْفَه. ثم قال: أمّا أنا لو صَلَّيْتُ خلفَه لأعَدْتُ صَلاِتى. رَواه الأثْرَمُ. فصل: وأمّا الفاسِقُ مِن جِهَةِ الأعْمالِ؛ كالزّانِي، والذى يَشْرَبُ ما يُسْكِرُه، فرُوِيَ عنه، أنَّه لا يُصَلَّى خلفَه، فإنَّه قال: لا تُصَلِّ خَلْفَ فاجِرٍ ولا فاسِقٍ. وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْئَلُ عن إمامٍ قال: أُصَلِّي بكم رمضانَ بكذا وكذا دِرْهَمًا. قال: أسْألُ اللهَ العافِيَةَ، مَن يُصَلِّي خلفَ هذا؛ ورُوِيَ، لا يُصَلَّى خلف مَن لا يُؤدِّي الزكاةَ، ولا يُصَلَّى خلفَ مَن يُشارِطُ، ولا بَأْسَ أن يُدْفَعَ إليه من غيرِ شَرْطٍ. وهذا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اخْتِيارُ ابنِ عَقِيل. وعنه، أنَّ الصلاةَ خَلْفَه جائِزَةٌ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ». وكان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي مع الحَجّاجِ. والحَسنُ والحسينُ، وغيرُهما من الصَّحابَةِ كانوا يُصَلُّون مع مَرْوانَ. والَّذين كانوا في وِلايةِ زِيادٍ وابنِه كانوا يُصَلُّون معهما. وصَلَّوْا وراءَ الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ وقد شَرِبَ الخَمْرَ. فصارَ هذا إجْماعًا. وعن أبي ذَرٍّ، قال: قال لى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا»؟ قال: قلتُ: فما تَأْمُرُنِي؟ قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ». رَواه مُسْلِمٌ (¬1). وهذا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهم، ولأنَّه رجلٌ تَصِحُّ صَلَاتُه لنَفْسِه، ¬

(¬1) في: باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار. . . .، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 448، 449. كما أخرجه أبو داود، في: باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 102. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام, من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 287. والنَّسائي, في: باب الصلاة مع أئمة الجور، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 58، 59. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 398، والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 40، 409، 455، 459، 3/ 445، 446، 5/ 147، 160، 168، 169، 314، 315، 329، 6/ 7.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصَحَّ الائْتِمامُ به، كالعَدْلِ. ووَجْهُ الأُولَى ما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ، ولأنَّ الإِمامَةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ القِراءَةِ، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُه لها، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرائِطِها، كالطهارةِ، وليس ثَمَّ أمارَةٌ ولا غَلَبَةُ ظنٍّ يُؤَمنُنا ذلك. والحدِيث أجَبْنَا عنه، وفِعْلُ الصَّحابَةِ مَحْمُولٌ على أنَّهم خافُوا الضَّرَرَ بتَرْكِ الصلاةِ معهم، ورَوَيْنا عن قَسامَةَ بنِ زُهَيْرٍ (¬1)، أنَّه قال: لَمّا كان مِن شَأْنِ فُلانٍ ما كان، قال له أبو بَكْرَةَ (¬2): تَنَحَّ عن مُصَلَّانا، فإنَّا لا نُصَلِّي خَلْفَكَ. وحَدِيت أبي ذَرٍّ يَدُلُّ على صِحَّتِها نافِلَةً، والنِّزاعُ إنَّما هو في الفَرْضِ. فصل: وأمّا الجُمَعُ والأعْيادُ فَتُصَلَّى خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجِر. وقد كان أحمدُ يَشْهَدُها مع المُعْتَزِلَةِ، وكذلك مَن كان مِن العُلَماءِ في عَصْرِه. وقد ¬

(¬1) قسامة بن زهير المازنِيّ البَصْرِيّ، تابعى ثِقَة، تُوفِّي في ولاية الحجاج على العراق بعد الثمانين. تهذيب الكمال 23/ 602. (¬2) في م: «أبو بكر» وهو خطأ, وانظر خبر أبي بكرة مع المغيرة, في شرح مختصر الروضة 2/ 170 - 173.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا جاء محمدَ بنَ النَّضْرِ (¬1)، فقال له: إنَّ لى جيرانًا مِن أهْلِ الأهْواءِ لا يَشْهَدُون الجُمُعَةَ. قال: حَسْبُكَ، [ما تَقولُ] (¬2) في مَن رَدَّ على أبي بكرٍ وعُمَرَ؟ قال: ذلك رجلُ سَوْءٍ. قال: فإن رَدَّ على النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ قال: يَكْفُرُ. قال: فإن رَدَّ على العَلِيِّ الأعْلَى؟ ثم غُشِيَ عليه، ثم أفاقَ، فقال: رَدُّوا عليه، والذِي لا إلهَ إلَّا هُوَ، فإنَّه قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} (¬3). وهو يَعْلَمُ أنَّ بَنِي العَبّاسِ سَيَلُونَها. ولأنَّ هذه الصلاة مِن شَعائِرِ الإِسْلامِ الظّاهِرَةِ، وتَلِيها الأَئِمَّةُ دُونَ غيرِهم، فتَرْكُها خلفَهم يُفْضِي إلى تَرْكِها بالكُلِّيَةِ. إذا ثَبَت ذلك فإنَّها تُعادُ خَلْفَ مَن يُعادُ خلْفَه غيرُها قِياسًا عليها. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. وعنه، أنَّه قال: مَن أعادَها فهو مُبْتَدِعٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّها لا تُعادُ خَلْفَ فاسِقٍ ولا مُبْتَدِعٍ؛ لأنَّها صلاةٌ مَأْمُورٌ بها، فلم تَجِبْ إعادَتُها، كسائِرِ الصَّلَواتِ. ¬

(¬1) أبو بكر مُحَمَّد بن النضر بن سلمة الجارودى الحنفي النَّيْسَابُورِيّ، كان شيخ وقته، وعين علماء عصره، حفظًا وجمالا، وتوفى سنة إحدى وتسعين ومائتين. الجواهر المضية 3/ 382. (¬2) سقط من: تش. (¬3) سورة الجمعة 9.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان المُباشِرُ عَدْلًا، والذى وَلَّاه غيرَ مَرْضِيِّ الحالِ لبِدْعَتِه أو لفِسْقِه، لم يُعِدْها. في المَنْصُوصِ عنه؛ لأنَّ صلَاته إنَّما تَرْتَبِطُ بصلاةِ إمامِهِ، ولا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى في غيرِه، كالحَدَثِ. وذَكَر القاضي في وُجُوبِ الإِعادَة رِوايَتَيْن. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. فصل: فإنَ لم يَعْلَمْ فِسْقَ إمامِه، ولا بِدْعَتَه، فقال ابنُ عَقِيل: لا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ ذلك مما يَخْفِي، فأَشْبَهَ الحَدَثَ والنَّجَسَ. قال شيخُنا (¬1): والصَّحِيحُ أنَّ هذا يُنْظَرُ فيه، فإن كان مِمَّن يُخْفِي بِدْعَتَه وفُسُوقَه، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأَنَّ مَن يُصَلِّي خَلْفه مَعْذُورٌ، وإن كان مِمَّن يُظْهِرُ ذلك، وجَبَتِ الإِعادَةُ، على الرِّوايَةِ التى تَقُول بوُجُوبِ إعادَتِها خَلْفَ المُبْتَدِعِ؛ لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ الائْتِمامَ، فاسْتَوَى فيه العِلْمُ وعَدَمُه, كما لو كان أُمِّيًّا، والحَدَثُ والنَّجاسَةُ يُشْتَرَطُ خَفاؤُهما على الإِمامِ والمَأْمُومِ معًا، والفاسِقُ لا يَخْفَى عليه فِسْقُ نَفْسِه. فأمّا إن لم يَعْلَمْ حَالَه، ولم يَظْهَرْ منه ما يَمْنَعُ الائِتْمامَ به، فصَلاُته صَحِيحَةٌ. نصَّ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمين السَّلامَةُ. ¬

(¬1) في: المغني 3/ 22.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا المُخالِفُون في الفُرُوعِ كالمذاهِب الأرْبَعَةِ، فالصلاةُ خلفهم جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ غيرُ مَكْرُوهَةٍ. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِين ومَن بعدَهم، لم يَزَلْ بَعْضُهم يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ، مع اخْتِلافِهم في الفُرُوعِ، فكان ذلك إجْماعًا. وإن عَلِم أنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ دوُنَ الإِمامِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ صِحَّةُ الائْتِمام به. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ وعليه جُلُودُ الثَّعالِبِ، [فقال: إن كان يَلْبَسُه وهو يَتَأوَّلُ قَوْلَه عليه السَّلامُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ» (¬1). فَصَلِّ خَلْفَه] (¬2). فقِيلَ له: أتَراهُ أَنْتَ جائِزًا؟ قال: لا. ولكنَّه إذا كان يَتَأَوَّلُ فلا بَأْسَ أن يُصَلَّىَ خَلْفَه. ثم قال أبو عبدِ الله: لو أنَّ رجلًا لم يَرَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة 168. (¬2) سقط من: تش.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الوُضُوءَ مِن الدَّمِ لم يُصَلَّ خلفَه، فلا نُصَلِّي خَلْفَ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومالكٍ. أي: بَلَى. ولأنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أو كالمُصيبِ في حَطِّ المَآثِمِ عنه، وحُصُولِ الثَّوابِ له، ولأنَّ صَلَاتَه تَصِحُّ لنَفْسِه، فجازتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو لم يَتْرُكْ شيئًا. وقال ابنُ عَقِيلٍ في الفُصُولِ: لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفَه. وذَكَر القاضي فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه يَفْعَلُ ما يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ مُفْسِدًا للصلاةِ، فلم يَصِحَّ ائْتِمامُه به, كما لو خالَفَه في القِبْلَةِ حالَةَ الاجْتِهادِ، ولأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه تَرَك رُكْنًا لا يَأْثَمُ بتَرْكِه، فبَطَلَتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو تَرَكَه ناسِيًا. والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: فإن فَعَل شيئًا مِن المُخْتَلَفِ فيه، يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فإن كان يَتْرُكُ ما يُعْتَقَدُ شَرْطًا للصلاةِ، أو وَاجِبًا فيها، فصَلاُته وصلاةُ مَن يَأْتَمُّ به فاسِدَةٌ، وإن كان المَأْمُومُ يُخالِفُ في اعْتِقادِ ذلك؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ، فبَطَلَتْ صَلَاتُه وصلاةُ مَن خَلْفَه، كالمُجْمَعِ عليه. وإن كان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لا يَتَعَلَّقُ ذلك بالصلاةِ، كشُرْبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ، والنَّكاحَ بغيرِ وَلِيٍّ مِمَّن يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فهذا إن دام علي ذلك فهو فاسِقٌ، حُكْمُه حُكْمُ سائِرِ الفُسّاقِ، وإن لم يَدُمْ عليه لم يُؤَثِّرْ؛ لأنَّه مِن الصَّغائِرِ. فإن كان الفاعِلُ لذلك عامِّيًّا قَلُّدَ مَن يَعْتَقِدُ جَوازَه، فلا شئَ عليه فيه؛ لأنَّ (¬1) فَرْضَ العامِّيِّ سُؤَالُ العالِمِ وتَقْلِيدُه؛ قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (¬2). وإنِ اعْتَقَد حِلَّه وفِعْلَه، صَحَّتِ الصلاةُ خَلْفَه في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ. وذَكَر ابنُ أبي موسى في صِحَّةِ الصلاةِ خَلْفَه رِوايَتَيْن. فصل: وإذا أُقِيمَتَ الصلاةُ والإِنْسانُ في المَسْجدِ، والإِمامُ لا يَصْلُحُ للإِمامَةِ، فإن شاء صَلَّى خَلْفَه، وأعاد. وإن نَوَى الانْفِرادَ، ووافَقَه في أفْعالِ الصلاةِ، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّه أتَى بالصلاةِ على الكَمالِ، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْ مُوافَقَةَ الإِمامِ. ورُوِي عن أحمدَ، أنَّه يُعِيدُ. ¬

(¬1) في ص: «ولأن». (¬2) سورة النحل 43.

553 - مسألة: (وفي إمامة أقطع اليدين وجهان)

وَفِي إِمامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواها عنه الأثْرَمُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا. وكذلك لو كان الذين لا يَرْضَوْن الصلاةَ خلفَه جَماعَةً، فأمَّهم أحَدُهم ووافَقُوا الإِمامَ في الأفْعالِ، كان ذلك جائِزًا. فصل: وأمّا الأقْلَفُ (¬1)، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّ النَّجاسَة في ذلك المَحلِّ لا يُعْفَى عنها عندَنا. والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّه إن أمْكنَه كَشْفُ القُلْفَةِ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ غَسَلَها، وإن كان مُرْتَتِقًا (¬2) لا يَقْدِرُ علي كَشْفِها، عُفِي عن إزالَتِها؛ لعَدَمِ الإِمْكانِ، وكلُّ نَجاسَةٍ مَعْفُوٍّ عنها لا تُؤَثِّرُ في بُطْلانِ الصلاةِ. والله أعلمُ. 553 - مسألة: (وفي إمامَةِ أقْطَعِ اليَدَيْن وَجْهان) رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لم أسْمَعْ فيها شيئًا. وذَكَر الآمِدِيُّ فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، ¬

(¬1) من لم يختن. (¬2) في م: «مرتقا». والمرتتق من التحمت جلدة ذكره.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تُكْرَهُ وتَصِحُّ. اخْتارَها القاضي؛ لأنَّه عَجْزٌ لا يُخِلُّ برُكْنٍ في الصلاةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الإمامَةِ، كقَطْعِ إحدَى الرِّجْلَيْن [والأنْفِ] (¬1). والثّانِيَةُ، لا تَصِحُّ. اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالسُّجُودِ على بَعْضِ أعْضاءِ السُّجُودِ، أشْبَهَ العاجِزَ عن السُّجُودِ على جَبْهَتِه. وحُكمُ قَطْعِ اليَدِ الواحِدَةِ كقَطِعِهما. فأمّا أقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فلا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن القِيامِ، أشْبَهَ الزَّمِنَ. فإن قُطِعَتْ إحْداهُما، وأمْكَنَه القِيامُ، صَحَّتْ إمامَتُه. ويَتَخَرَّجُ أن لا تَصِحَّ، على قوْلِ أبي بكرٍ؛ لإِخْلالِه بالسُّجُودِ على عُضْوٍ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّه يَسْجُدُ على الباقِي من رِجْلِه أو حائِلِها (¬2). ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «حاملها».

554 - مسألة: (لا تصح الصلاة خلف كافر، ولا أخرس)

وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ، وَلَا أَخْرَسَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 554 - مسألة: (لا تَصِحُّ الصلاةُ خلفَ كافِرٍ، ولا أخْرَسَ) ولا تَصِحُّ الصلاة خلفَ كافِرٍ بحالٍ، سواءٌ عَلِم بِكُفْرِه قبلَ فراغِه مِن الصلاةِ أو بعدَ ذلك. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ. [وقال المُزَنِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على مَن صَلَّى خَلْفَه وهو لا يَعْلَمُ, كما لو ائْتَمَّ] (¬1) بمُحْدِثٍ وهو لا يَعْلَمُ. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس مِن أهلِ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بمَجْنُونٍ. والمُحْدِثُ يُشْتَرَطُ أن لا يَعْلَمَ حَدَثَ نفْسِه، والكافِرُ يَعْلَمُ حالَ نَفْسِه. ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا صَلَّى خَلْفَ مَن يَشُكُّ في إسْلامِه، فصَلاتُه صَحِيحَةٌ، ما لم يَبِنْ كُفْرُه، ولأنَّ الظّاهِرَ مِن المُصَلِّين الإِسْلامُ، سِيَّما إذا كان إمامًا. فإن كان مِمَّن يُسْلِمُ تارَةً ويَرْتَدُّ أُخْرَى، لم يُصَلِّ خَلْفَه، حتَّى يَعْلَمَ على أيِّ دِينٍ هو، فإن صَلَّى خَلْفَه ولم يَعْلَمْ ما هو عليه، نَظَرْنا؛ فإن كان قد عَلِمَ إسْلامَه قبلَ الصلاةِ، ثم شَكَّ في رِدَّتِه، فهو مسلمٌ، وإن عَلِم رِدَّتَه، وشَكَّ في إسْلامِه، لم تَصِحَّ الصلاةُ خَلْفَه، وإن كان عَلِم إسْلامَه فصَلَّى خَلْفَه، فقال بعدَ الصلاةِ: أسْلَمْتُ. أو: ارْتَدَدْتُ قبلَ الصلاةِ. لم تَبْطُل الصلاةُ؛ لأنَّها كانت مَحْكُومًا بصِحَّتِها، فلم يُقْبَلْ قوْلُه في إبْطالِهَا؛ لأنَّه مِمَّن لا يُقْبَلُ قَوْلُه. [وإن صَلَّى خَلْفَ مَن عَلِمَ رِدَّتَه، فقال بعدَ الصلاةِ: قد كنتُ أسْلَمْتُ. قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه مِمَّن يُقْبَلُ قَوْلُه] (¬1). فصل: قال أصحابُنا: يُحْكَمُ بإسْلامِه [بالصلاةِ] (1)، سَواءٌ كان في دارِ الحَرْبِ أو دارِ الإِسْلامِ، وسَواءٌ صَلَّى في جَماعَةٍ أو مُنْفَرِدًا؛ فإن رَجَع عن الإسْلامِ بعدَ ذلك فهو مُرْتَدٌّ، وإن ماتَ قبلَ ظُهُورِ ما يُنافِي الإِسْلامَ فهو مسلمٌ، يَرِثُه وَرَثَتُه المسْلِمُونَ دُونَ الكُفَّارِ. وقال ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو حنيفةَ: إن صَلَّى في المَسْجِدِ حُكِم بإسْلامِه، وإن صَلَّى في غيرِ المَسْجِدِ فُرادَى لم يُحْكَمْ بإسْلامِه. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا يُحْكَمُ بإسْلامِه بِحالٍ؛ لأنَّ الصلاة مِن فُرُوعِ الإِسْلامِ، فلا يَصِيرُ بفِعْلِها مُسْلِمًا، كالحَجِّ والصِّيام، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوَها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وأمْوَالَهُمْ، إلَّا بحَقِّهَا» (¬1). وقال بعضُهم: إن صَلَّى في دارِ الإِسْلامِ فليس بمُسْلِمٍ؛ لأنَّه يَقْصِدُ الاسْتِتارَ بالصلاةِ، وإخْفاءَ دِينهِ، وإن صَلَّى في دارِ الحَرْبِ فهو مسلمٌ؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ في حَقِّهِ. ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ» (¬2). وقال: «بَيْنَنَا وبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ» (¬3). فجَعَلَ الصلاةَ حَدًّا بينَ الإِسْلامِ والكُفْرِ، فمَن صَلَّى فقد دَخَل في حَدِّ الإِسْلامِ. وقال: «المَمْلُوكُ إذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ». رواه الإِمامُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 31. (¬2) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 32. (¬3) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 17.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدُ (¬1). ولأنِّها عِبادَةٌ تَخْتَصُّ المُسْلِمينَ، فإِذَا [أتَى بها] (¬2) حُكِم بإسْلامِه، كالشَّهادَتَيْن. فأمّا الحَجُّ، فإنَّ الكُفارَ كانُوا يَفْعَلُونَه، والصِّيامُ ترْكُ المُفْطِراتِ، وقد يَفْعَلُه مَن ليس بصائِم، فأمّا صلاتُه في نَفْسِه فَأَمْرٌ بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإن علمَ أنَّه كان قد أَسْلَم، ثم تَوَضَّأ وصَلَّى بنِيَّة صَحِيحَةٍ، فهي صَحِيحَةٌ، وإلَّا فعليه الإعادَةُ؛ لأنَّ الوُضُوءَ لا يَصِحُّ مِن الكُفّارِ. وإذا لم يُسْلِمْ قبلَ الصلاةِ، كان حالَ شُرُوعِه فيها غيرَ مُسْلِم ولا مُتَطَهِّر، فلا تَصِحُّ منه. واللهُ أعلمُ. فصل: ولا تَصِحُّ إمامَةُ الأخْرَسِ بغيرِ أَخْرسَ؛ لأنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا وهو القِراءَةُ تَرْكًا مَأُيُوسًا مِن زَوالِه، فلم تَصِحَّ إمامَتُه بقادِرٍ عليه، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. فأمّا إمامَتُه بمِثْلِه، فقِياسُ المذْهَبِ صِحَّتُها، قِياسًا على الأُمِّيِّ. والعاجِزُ عن القِيَامِ يومُّ مِثْلَه، وهذا في مَعْناهما. واللهُ أعلمُ. وقال القاضي، وابنُ عَقِيل: لا تَصِحُّ؛ لأنَّ الأمِّيِّ غيرُ مَأْيُوس مِن نُطْقِهِ. والأوَّلُ أوْلَى. ¬

(¬1) في: المسند 1/ 13. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب الإحسان إلى المماليك، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1217. (¬2) في م: «صلي».

555 - مسألة: (ولا)

وَلَا مَنْ بِهِ سَلَس الْبَوْلِ، وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا الأَصَمُّ فتَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بشئٍ مِن أفْعالِ الصلاةِ ولا شُرُوطِها، أشْبَهَ الأعْمَى. فإن كان الأصَمُّ أعْمَى صَحَّتْ إمامَتُه كذلك. وقال بعضُ أَصْحابِنا: لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه إذا سَها لا يُمْكِنُ تَنْبِيهُه بتسْبِيحٍ ولا إشارَةٍ. قال شيخُنا (¬1): والأوْلَى صِحَّتُها؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ الصلاةِ احْتِمالُ عارِض لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُه، كالمَجْنُونِ حال إفاقَتِه. 555 - مسألة: (ولا) تَصِحُّ إمامَةُ (مَن به سَلَسُ البَوْلِ، ولا عاجِزٍ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعُودِ) وجملَةُ ذلك أنَّه لا تَصِحُّ إمامَةُ مَن به سَلَسُ البَوْلِ، ومَن في مَعْناه، ولا المُسْتَحاضَةِ بصَحِيح؛ لأنَّهم يُصَلُّون مع خُرُوجِ النَّجاسَةِ التى يَحْصُلُ بها الحَدَثُ مِن غيرِ طهارةٍ. فأمّا مَن عليه النَّجاسَةُ، فإن كانت على بَدَنِه فتَيَمَّمَ لها لعَدَمِ الماءِ، جاز للطّاهِرِ الائْتِمامُ به، كما يَجُوزُ لِلمُتَوَضِّئ الائْتِمامُ بالمُتَيَمِّمِ للحَدَثِ. هذا ¬

(¬1) في: المغني 3/ 29.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اخْتيارُ القاضي. وعلى قِياسِ قولِ أبي الخَطّابِ، لا يَجُوزُ الائْتِمامُ به؛ لأنَّه أوْجَبَ عليه الإعادَةَ. وإن كانت على ثَوْبِه، لم يَجُزْ الِائْتِمامُ به؛ لتَرْكِه الشَّرْطَ. ولا يَجُوزُ ائْتِمامُ المُتَوَضِّئِ ولا المُتَيَمِّمِ بعادِم اِلماءِ والتُّراب، ولا اللّابِسِ بالعارِي، ولا القادِرِ على الاسْتِقْبالِ بالعاجِزِ عنه؛ لأنَّه تارِكٌ (¬1) لشَرْطٍ يَقْدِرُ عليه المَأْمُومُ، أشْبَهَ ائْتِمامَ المُعافَى بمَن به سَلَسُ البَوْلِ. ويَصِحُّ ائْتِمامُ كلِّ واحِدٍ مِن هؤلاء بمِثْلِه؛ لأنَّ العُراةَ يُصَلُّون جَماعَةً، وكذلك الأمِّيُّ يَجُوزُ أن يَؤُمَّ مِثْلَه، كذلك هذا. فصل: ويَصِحُّ ائْتِمامُ المتَوضِّئ بالمُتَيَمِّمِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ عَمْرَو بنَ العاص صَلَّى بأصحابِه مُتَيَمِّمًا، وبَلَغ ذلك النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-فلم يُنْكِرْه (¬2). وأمَّ ابنُ عباس أصحابَه مُتَيَمِّمًا، وفيهم عَمّارُ بنُ ياسِرٍ، في نَفَرٍ مِن أصْحابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم يَنْكِرُوه (¬3). ولأن طَهارَتَه صحِيحَةٌ، أشْبَهَ المُتَوَضِّئَ. فصل: ولا تَصِحُّ إمامَةُ العاجِزِ عن شئٍ مِن أرْكانِ الأفْعالِ، كالعاجزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، بالقادِرِ عليه، سَواءٌ كان إمامَ الحَيِّ أو لم يَكُنْ. ¬

(¬1) في م: «ما ترك». (¬2) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 99. (¬3) أخرجه البيهقي، في: باب المتيمم يؤم المتوضئين، من كتاب الطهارة. السنن الكبرى 1/ 234.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وقال الشافعيُّ: يَجُوزُ؛ لأَنَّه فِعْلٌ أجازَه المَرَضُ، أشْبَهَ القاعِدَ يَؤُمُّ بالقُيَّامِ. ولَنا، أنَّه أخَلَّ برُكْن لا يَسْقُطُ في النّافِلَةِ، فلم يَجُزْ الائْتِمَامُ به، للقادِرِ عليه، كالقارِئُ بالأُمِّيِّ. وأمّا القِيامُ فهو أخَفُّ بدَلِيلِ سُقُوطِه في النَّافِلَةِ؛ ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ المُصَلِّين خَلْفَ الجالِسِ بالجُلُوسِ (¬1). ولا خِلافَ أنَّ المُصَلّىَ خَلْفَ المُضْطَجِعِ لا يَضْطَجِعُ. فأمّا إن أمَّ مِثْلَه، فقِياسُ المَذْهَب صِحَّتُه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بأصحابِه في المَطَرِ بالإِيماء (¬2). والعُراةُ يُصَلُّوَن جَماعَةً بالإِيماءِ، وكذلك حالَ المُسايَفَةِ، ولأنَّ الأُمِّيَّ تَصِحُّ إمامَتُه بمِثْلِه، كذلك هذا. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» في الجزء الثالث صفحة 416. (¬2) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطِّين والمطر، من كتاب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 203، 204.

556 - مسألة: (ولا تصح خلف عاجز عن القيام، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، [ويصلون وراءه جلوسا]

وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ، إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءُهُ جُلُوسًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 556 - مسألة: (ولا تَصِحُّ خَلْفَ عاجِزٍ عن القِيامِ، إلَّا إمامَ الحَيِّ المَرْجُوَّ زَوالُ عِلَّتِه، [ويُصَلُّون وراءَه جُلُوسًا] (¬1) ولا تَصِحُّ إمامَةُ العاجِزِ عن القِيامِ بالقادِرِ عليه إذا لم يَكُنْ إمامَ الحَيِّ، رِوايَة واحِدَةً؛ لأنَّه يُخِلُّ برُكْنٍ مِن أركانِ الصلاةِ، أشْبَهَ العاجِزَ عن الرُّكُوعِ، وتَجُوزُ إمامَتُه بمِثْلِه، كما يَؤُمُّ الأُمِّيُّ مِثْلَه. فصل: فأمّا إِمامُ الحَيِّ إذا عَجَز عن القِيام، فيَجُوزُ أن يَؤُمَّ القادِرَ عليه، بشَرْطِ أن يكون ذلك لمَرَض يُرْجَى زَوالُه؛ لأنَّ اتِّخاذَ الزَّمِنِ، ومَن لا تُرْجَى قُدْرَتُه على القِيامِ إمامًا رَاتِبًا، يُفْضِي إلى تَرْكِهم القِيامَ على الدَّوامِ، وإلى مُخالَفَةِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ» (¬2). ولا حاجَةَ إليه، ولأنَّ الأصْلَ في هذا فِعْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وكان يُرْجَى بُرْؤُه. فإذا وُجِدَ فيه هذان الشَّرْطان، فالمُسْتَحَبُّ له أن يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُون في صِحَّة إمامَتِه، ففي اسْتِخْلافِه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، ولأنَّ صَلاةَ القَائِمِ أكْمَلُ، وكَمالُ صلاةِ الإِمامِ مَطْلُوبٌ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 416. من حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن قِيلَ: فقد صَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأصْحابِه، ولم يَسْتَخْلِفْ. قُلْنا: فَعَل ذلك لتَبْيِينِ الجَوازِ، واسْتَخْلَفَ مَرَّةً أُخْرَى، ولأنَّ صلاةَ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قاعِدًا أفْضَلُ مِن صلاةِ غيرِه قائِمًا. فإن صَلَّى بهم قاعِدًا «جاز» وصَلَّوا وراءَه جُلُوسًا. يُرْوَى ذلك عن أرْبَعَةٍ مِن أصْحابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ (¬1) , وجابِرٌ، وقَيْسُ بنُ قَهْدٍ (¬2)، وأبو هُرَيْرَةَ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وحَمّادِ بنِ زيدٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: لا تَصِحُّ صلاةُ القادِرِ على الِقيامِ خَلْفَ القاعِدِ. وهو قَوْلُ محمدِ بنِ الحسنِ. قال الشَّعْبِيُّ: رُوِي عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعْدِي (¬3) جَالِسًا». أخْرَجَه الدَّارَقُطْنِيُّ (¬4). ولأنَّ القِيامَ رُكْنٌ، فلا يَصِحُّ ائْتِمامُ القادِرِ عليه بالعاجِزِ عنه، كسائِرِ الأرْكانِ. وقال ¬

(¬1) أسيد بن حضير بن سماك الأوسى، شهد العقبة الثَّانية، وكان نقيبًا لبنى عبد الأشهل. توفى سنة عشرين. أسد الغابة 1/ 111 - 113. (¬2) قيس بن قهد بن قيس الخزرجى، شهد بدرًا وما بعدما، وتوفى في خلافة عثمان. أسد الغابة 4/ 440، 441. (¬3) في م «بعد». (¬4) في صلاة المريض جالسًا بالمأمومين، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 398.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّون خَلْفَه قِيامًا؛ لِما رَوت (¬1) عائشةُ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- اسْتَخْلَفَ أَبا بكرٍ، ثم وَجَد في نَفْسِه خِفَّةً، فخرَجَ بينَ رَجُلَيْن، فأجْلَساه إلى جَنْبِ أبي بكر، فجَعَلَ أبو بكرٍ يُصَلِّي وهو قائِمٌ بصلاةِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، والنّاسُ يُصَلُّون بصلاةِ أبي بكرٍ، والنبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قاعِدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وهذا آخِرُ الأمْرَيْن مِن رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولأنَّه رُكْنٌ قَدَر عليه، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كسائِرِ الأرْكانِ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ». مُتَّفَقٌ عليه. وعن عائشةَ، قالت: صَلَّى رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في بَيْتِه، وهو شاكٍّ، فَصَلَّى جالِسًا، وصَلَّى وراءَه قَوْمٌ قِيامًا، فأشار إليهم، أنِ اجْلِسُوا. فلَمَّا ¬

(¬1) في م: «روى عن». (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب حد المريض أن يشهد الجماعة، وباب من قام إلى جنب الإمام لعلة، وباب إنما جعل الإمام ليؤتم به، وباب الرَّجل يأتم بالإمام، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 169، 174، 175، 176، 182، 183. ومسلم، في: باب استخلاف الإمام. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 311 - 315. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الإتمام بالإمام يصلي قاعدًا، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 77 - 79. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مرضه, من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 389. والدارمي، في: باب في من يصلي خلف الإمام والإمام جالس، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 287، 288. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 356، 2/ 52، 6/ 224، 251.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ انْصَرَفَ قال: «إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإذا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ». أخْرَجَه البُخارِيُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِيَ هذا عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ من حَدِيثِ أنَسٍ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ، كلُّها بأسانِيدَ صَحِيحَةٍ. فأمّا حَدِيثُ الشُّعْبِي فمُرْسَلٌ، ويَرْوِيه جابِرٌ الجُعْفِيُّ، وهو مَتْرُوكٌ. وقد فَعَلَه أرْبَعَةٌ مِن أصْحاب النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بعدَه. وأمّا حَدِيثُ الآخَرِين فليس فيه حُجَّةٌ. قاله أحمدُ، لأنَّ أَبا بكرٍ كان ابْتَدَأ الصلاةَ، [فإذا ابْتَدَأ الصلاةَ قائِمًا (¬1) أتمَّها قائِمًا. فأشار أحمدُ إلى إمْكانِ الجَمْع بينَ الحَدِيثَيْن، بحَمْلِ حَدِيثِهم على مَن ابْتَدَأ الصلاةَ قائِمًا، والثّانِي على مَن ابْتَدَأ الصلاةَ جالِسًا، ومتى أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَدِيثَيْن كان أوْلَى مِن النَّسْخِ، ثم يَحْتَمِلُ أن أَبا بكر كان الإمامَ. قاله ابنُ المُنْذِرِ في بَعْضِ الرِّواياتِ. وقالت عائشةُ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى خَلْفَ أبي بكر في مَرَضِه الذى مات فيه (¬2). وقال أنسٌ: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مَرَضِه خَلْفَ أبي بكرٍ قاعِدًا في ثَوْب مُتَوَشِّحًا به (¬3). قال الترمِذِيُّ: كلا الحَدِيثَيْن حسنٌ صحيحٌ، ولا ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب من قوله: إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 157، 158. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 159. (¬3) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب منه، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 158.

557 - مسألة؛ قال: (فإن صلوا قياما صحت صلاتهم في أحد الوجهين)

فَإنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ يُعْرَفُ للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَلْفَ أبي بكرٍ صلاةٌ إلَّا في هذا الحَدِيثِ. وروَى مالك الحديثَ عن رَبِيعَةَ، وقال: كان أبو بكرٍ الإمامَ. قال مالكٌ: العَمَلُ عندَنا على حَدِيثِ رَبيعَةَ هذا. فإن قِيلَ: لو كان أبو بكر الِإمامَ لكان عن يَسارِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنَّه فَعَل ذلك؛ لأنَّ (¬1) وراءَه صَفًّا. واللهُ أعلمُ. 557 - مسألة؛ قال: (فإن صَلَّوْا قِيامًا صَحَّتْ صلاتُهم في أحَدِ الوَجْهَيْن) أحَدُهما، لا تَصِحُّ. أوْمأ إليه أحمدُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَهم بالجُلُوس، ونَهاهم عن القِيام، فقال في حَدِيثِ جابِرٍ: «إذَا صَلَّى الْإمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيامًا، وَلَا تَقُومُوا والْإمَامُ جَالِسٌ، كَمَا يَفْعَلُ أهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا». فَقَعَدْنا (¬2). ولأنَّه تَرَك الاقْتِداءَ بإمامِه مع القدْرَةِ عليه، أشْبَهَ تارِكَ القِيامِ في حالِ قِيامِ إمامِه. ¬

(¬1) في ص: «وإن». (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الإمام يصلي من قعود، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 141.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثّانِي، يَصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى وراءَه قَوْمٌ قِيامًا، فلم يَأْمُرْهم بالإِعادَةِ. فعلى هذا يُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ، ولأنَّه تَكَلَّف القِيامَ في مَوْضِعٍ يَجُوزُ له الجُلُوسُ، أشْبَهَ المَرِيضَ إذا تكَلَّفَ القِيامَ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صلاةُ الجاهِلِ بوُجُوبِ القُعُودِ، دُونَ العالِمِ، كما قالُوا في الذى رَكَع دُونَ الصَّفِّ.

558 - مسألة: (فإن ابتدأ بهم الصلاة قائما، ثم اعتل فجلس، أتموا خلفه قياما)

وَإنِ ابْتَدَأ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 558 - مسألة: (فإنِ ابْتدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم اعْتَلَّ فجَلَسَ، أتَمُّوا خَلْفَه قِيامًا) لأنَّ أَبا بكرٍ حينَ ابْتَدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم جاء النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأتَمَّ الصلاةَ بهم جالِسًا، أتَمُّوا قِيامًا، ولم يَجْلِسُوا. ولأنَّ القِيامَ هو الأصْلُ، فمَن بَدَأ به في الصلاةِ لَزِمَه في جَمِيعِها إذا قَدَر عليه، كالذى أحْرَمَ في الحَضَرِ ثم سافَرَ. فصل: فإن اسْتَخْلَفَ بعضُ الأئِمَّةِ في وَقْتِنا هذا، ثم زال عُذْرُه فحَضَرَ، فهل يَجُوزُ أن يَفْعَلَ كفِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أبي بكرٍ؛ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، ليس له ذلك. قال أحمدُ، في رِوايَة أبي داودَ: وذلك خاصٌّ بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ لأن هذا أمْرٌ يُخالِفُ القِياسَ، فإنَّ انْتِقالَ الإِمام مَأْمُومًا، وانْتِقَالَ المأْمُومِين مِن إمام إلى آخَرَ، لا يَجُوزُ إلَّا لعُذْرٍ يُحْوِجُ إليه، وليس في تَقدُّم الإِمامِ الرّاتِبِ ما يُحْوِجُ إلى هذا، أمّا النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فله مِن الفَضِيلَةِ وعِظَمِ المَنْزِلَةِ ما ليس لأَحَدٍ، ولذلك قال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافَةَ أن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَتَقَدَّمَ بينَ يَدَيْ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. والثانيةُ، يَجُوزُ. نَصَّ عليه في رِوايةِ أبي الحارِثِ. فعلى هذا يُكَبِّرُ ويَقْعُدُ إلى جَنْبِ الإمام، ويَبْتَدِئُ القِراءةَ مِن حيث بَلَغ الإِمامُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ ما فَعَلَه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يكونُ جائِزًا لأُمَّتِه، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ. والرِّوايةُ الثالِثَةُ، أنَّ ذلك يَجُوزُ للخَلِيفَةِ دُون بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ، فإنَّه قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليس هذا لأحَدٍ إلَّا للخَلِيفَةِ. وذلك لأنَّ رُتْبَةَ الخِلافَةِ تَفْضُلُ رُتْبَةَ سائِرِ الأئِمَّةِ، فلا يَلْحَقُ بها غيرُها، [وكان ذلك للخَلِيفَةِ] (¬1)، وخَلِيفَةُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقُومُ مَقامَه. ¬

(¬1) في ص: «مكان ذلك الخليفة».

559 - مسألة: (ولا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال، ولا للخناثى)

ولَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا لِلْخَنَاثَى، ـــــــــــــــــــــــــــــ 559 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَةُ المَرْأةِ والخُنْثَى للرجالِ، ولا للخَناثَى) لا يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ رجلٌ بامْرَأةٍ، في فَرْضٍ ولا نافِلَةٍ، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على المُصَلِّي خَلْفَها. وقال بعضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجالَ في التَّراوِيحِ، وتكونَ وراءَهم؛ لِما رُوِيَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن أُمِّ وَرَقَةَ بنتِ [عبدِ اللهِ بنِ] (¬1) الحارثِ، أنَّ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَعَل لها مُؤذِّنًا يُؤَذِّنُ لها، [وأمَرَها] (¬2) أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها. رَواه أبو داودَ (¬3). وهذا عامٌّ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رجُلًا». رَواه ابنُ ماجه (¬4). ولأَنَّها لا تُؤَذِّنُ للرِّجالِ، فلم يَجُزْ أن تَؤُمَّهم، كالمَجْنُونِ، وحَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ إنَّما أَذِن لها أن تؤُمَّ بنِساءِ أهلِ الدّارِ. كذلك رَواه ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في تش: «وأذن لها». (¬3) في: باب إمامة النساء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 139. وكذلك أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 405. (¬4) في: باب في فرض الجمعة من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 343.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدَّارَقُطنيُّ (¬1). وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها، ولو لم يُذْكَرْ ذلك لتَعَيَّنَ حَمْلُ الحديثِ عليه؛ وذلك لأنَّه أذِن لها أن تَؤُمَّ في الفَرائِضِ، بدَلِيلِ أنَّه جَعَل لها مُؤَذِّنًا، والأذانُ إنَّما يُشْرَعُ في الفَرائِضِ، ولا خِلافَ في المذْهَبِ أنَّها لا تَؤُمُّهم في الفَرائِضِ، فالتَّخْصِيصُ بالتَّراوِيحِ تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلِ. ولو ثَبَت ذلك لأُمِّ وَرَقَةَ، لكان خاصًّا لها، بدَلِيلِ أنَّه لا يُشْرَعُ لغَيْرِها مِن النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، فتَخْتَصُّ بالإِمامةِ، كما اخْتَصَّت بالأذانِ والإِقامَةِ. ¬

(¬1) في: باب في ذكر الجماعة وأهلها وصفة الإمام, من كتاب الصلاة. سنن الدارقطني 1/ 279.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وأمّا الخُنْثَى، فلا يجُوزُ أن يَؤُمَّ رجلًا؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ امْرَأةً، ولا يَؤُمَّ خُنْثَى؛ لجَوازِ أن يكونَ الإمامُ امْرأةً والمأُمُومُ رجلًا، ولا أن تَؤُمَّه امْرَأةٌ؛ لجَوازِ أن يكونَ رجلًا. ويَجُوزُ له أن يَؤُمَّ المرأةَ؛ لأنَّ أدْنَى أحْوالِه أن يكونَ امرأةً. وقال القاضي: رأيْتُ لأبي حَفْص البَرْمَكِيِّ (¬1) أنَّ الخُنْثَى لا تَصِحُّ صَلاتُه في جَماعَةٍ؛ لأنَّه إن قام مع الرِّجالِ احْتَمَلَ أن يكونَ امرأةً، وإن قام مع النِّساءِ، أو وَحْدَه، أو ائْتَمَّ بامرأةٍ، احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن أمَّ الرِّجالَ احْتَمَل أن يكونَ امْرَأةً. وإن أمَّ النِّساءَ فقامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن قام أمامَهُنَّ احْتَمَل أنَّه امْرَأةٌ. قال ¬

(¬1) أبو حفص عمر بن أَحْمد بن إبراهيم البرمكى، كان من الفقهاء والأعيان النساك الزهاد، وهو ذو الفتيا الواسعة، والتصانيف النافعة، تُوفِّي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة 2/ 153 - 155.

560 - مسألة؛ قال: (ولا إمامة الصبي لبالغ، إلا في النفل،

وَلَا إمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغ، إلَّا فِي النَّفْلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الشيخُ (¬1): ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صَلاتُه في هذه الصُّورَةِ، وفي صُورَةٍ أُخْرى، وهو أن يَقُومَ في صَف الرِّجالِ مَأُمُومًا؛ فإنَّ المَرْأَةَ إذا قامت في صَفِّ الرِّجالِ لم تَبْطُلْ صَلاتُها، ولا صلاةُ مَن يَلِيها. 560 - مسألة؛ قال: (ولا إمامَةُ الصَّبِيِّ لبالِغٍ، إلَّا في النَّفْلِ، ¬

(¬1) في: المغني 3/ 34.

عَلى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ على إحْدَى الرَّوايَتَيْن) لا يَصِحُّ ائْتِمامُ البالِغِ بالصَّبِيِّ في الفَرْضِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس. وبه قال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ (¬1)، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وأجازه الحسنُ، والشافعيُّ: وإسحاق، وابنُ المُنْذِر. وذَكَر أبو الخَطَّاب رِوايَةً في صحَّةِ إمامَتِه في الَفْرض، بِناءً على [إمامَةِ المُفْترِض بالمُتَنَفِّلِ. وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في صِحَّةِ إمامَةِ ابنِ عَشْر سِنينَ وجْهًا، بناءً على] (¬2) القَوْلِ بوُجُوب الصلاة عليه. ووَجْهُ ذلك قوْلُه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» (¬3). فيدخُلُ في عُمُوم ذلك. وروَى عَمْرُو ابنُ سَلَمةَ الجَرْمِي، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لقَوْمِه: «لِيَؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ». ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 336.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: فكنتُ أؤُمُّهم وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِين، أو ثَمانِ سِنِين. رَواه البُخاريُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما (¬1). ولَنا، قَوْل ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، ولأنَّ الإمامَةَ حالُ كَمالٍ، والصَّبِيُّ ليس مِن أهلِ الكَمالِ، فلا يَؤُمُّ الرِّجالَ، كالمَرْأَة؛ ولأنَّهُ لا يُؤْمَنُ مِن الصَّبِي الإخْلالُ بشَرْط مِن شَرائِطِ الصلاةِ أو القِراءَةِ حالَ الإسْرارِ. فأما حديثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ، فقال الخَطابِيُّ (¬2): كان أحمدُ يُضَعِّفُ أمْرَ عمرِو بنِ سَلَمَةَ. وقال مَرَّةً: دَعْه، ليس بشئٍ. قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: حَدِيثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ؛ قال: لا أدْرِي أيُّ شيء هذا! ولَعَلَّه إنَّما تَوَقفَ عنه؛ لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الأمْرِ إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإنَّه كان بالبادِيَةِ في حَيٍّ مِن العَربِ بَعِيدٍ مِن المَدِينَةِ، وقَوَّى هذا الاحْتِمالَ قَوْلُه في الحديثِ: وكنتُ إذا سَجَدْتُ خَرَجَتِ اسْتِي. وهذا غيرُ سائِغٍ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 337. (¬2) في: معالم السنن 1/ 169.

561 - مسألة: (ولا تصح إمامة محدث ولا نجس يعلم ذلك

وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مُحْدِثٍ وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا إمامَتُه في النَّفْلِ، ففيها رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لذلك. والثانيةُ، تَصِحُّ لأنَّه مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِين، ولأنَّ النّافِلَةَ يَدْخُلُها التَّخْفِيفُ، ولذلك تَنْعَقِدُ الجَماعَةُ به فيها إذا كان مَأْمُومًا. 561 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذلك

فَإنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن جَهِل هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاةَ، صَحَّتْ صلاةُ المَأْمُومِ وحدَه) متى أخَلَّ بشَرْطِ الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لإخْلالِه بالشَّرْطِ. فإن صَلَّى مُحْدِثًا، وجَهِل الحَدَثَ هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاة، فصلاةُ المَأْمُومِين صَحِيحَةٌ، وصلاةُ الإِمامِ باطِلَةٌ. ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهم. وبه قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ, والشافعيُّ. وعن عليٍّ، أنَّهم يُعيِدُون جميعًا (¬1). وبه قال ابنُ سِيرِينَ (¬2)، والشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه؛ لأنَّه صَلَّى بهم مُحْدِثًا، أشْبَهَ ما لو عَلِم. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فرُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى بالنّاسِ الصُّبْحَ, ثم خَرَج إلى الجُرْفِ (¬3)، فأهْراقَ الماء، فوَجَدَ في ثَوْبِه احْتِلامًا، فأعاد ولم يُعِدِ ¬

(¬1) أخرجه عنه عبد الرَّزّاق، في: باب الرَّجل يؤم القوم وهو جنب. . . . إلخ، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 351. (¬2) في م: «نصر». (¬3) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشَّام, به كانت أموال لعمر بن الخَطَّاب ولأهل المدينة. معجم البلدان 2/ 62.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النّاسُ (¬1). وعن عثمانَ أنَّه صَلَّى بالنّاسِ صلاةَ الفجْرِ، فلَمّا أصْبَح وارْتَفَع النَّهارُ إذا هو بأثَرِ الجَنابَةِ، فقال: كَبُرَتْ واللهِ، كَبُرَتْ واللهِ. وأعاد الصلاةَ، ولم يَأْمُرْهم أن يُعِيدُوا. وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك (¬2). رَواه كلَّه الأثْرَمُ. وعن البَراءِ بن عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا صَلَّى الجُنُبُ بِالْقَوْمِ، أعاد صَلَاتهُ، وتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلاتُهم». رَواه أبو سُليمانَ محمدُ ابنُ الحسينِ الحَرّانِيُّ. ولَأنَّ الحَدَثَ ممَّا يَخْفَى، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه مِن الإِمامِ للمَأْمُومِ، فكان مَعْذورًا في الاقْتِداءِ به، ويُفارِقُ ما إذا عَلِم الإمامُ حَدَثَ نَفْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَهْزِئًا بالصلاةِ، فاعِلًا ما لا يَحِلُّ. وإذا عَلِمَه المَأْمُومُ، لم يُعْذَرْ في الاقْتِداءِ به، وما نُقِل عن عليٍّ لا يَثْبُتُ، بل قد نُقِل عنه كما ذَكَرْنا عن غيرِه مِن الصَّحابةِ. والحُكْمُ في النَّجاسَةِ كالحُكْمِ في الحَدَثِ؛ لأنَّها في مَعْناه في خَفائِها على الإِمامِ والمَأْمُومِ، على أنَّ في النَّجاسَةِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّ الإِمامَ أَيضًا لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ. وقد ذَكَرْناه. ¬

(¬1) أخرجه الإمام مالك، في: باب إعادة الجنب الصلاة. . . . إلخ ,من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 49، 50. وانظر مصنف عبد الرَّزّاق 2/ 347 - 351. والسنن الكبرى للبيهقى 1/ 170. (¬2) أخرجه عبد الرَّزّاق في مصنفه 2/ 348.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن عَلِم حَدَثَ نَفْسِه في الصلاةِ، أو عَلِم المَأْمُومُون، لَزِمَهم اسْتِئْنافُ الصلاةِ. قال الأثْرَمُ سأَلْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ [غيرَ طاهرٍ] (¬1)، بعضَ الصلاةِ، فذَكَرَ؟ قال: يُعْجِبُنِي أن يَبْتَدِئُوا الصلاةَ. قلتُ: يقولُ لهم: اسْتَأْنِفُوا الصلاةَ؟ قال: لا، ولكنْ يَنْصَرِفُ وَيَتَكَلَّمُ، ويَبْتَدِئُون هم الصلاةَ. وذَكَر ابنُ عقيل رِوايَةً، إذا عَلِم المَأْمُومُون، أنَّهم يَبْنُون على صَلاِتهم. وقال الشافعيُّ: يَبْنُون على صَلاِتهم، سواءٌ عَلِم بذلك، أو عَلِم المَأْمُومُون؛ لأن ما مَضَى مِن صَلاِتهم صَحِيحٌ، فكان لهم البِناءُ عليه، لو قام (¬2) إلى خامِسَةٍ فسَبَّحُوا به فلم يَرْجِعْ. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن صَلَاتُه فاسِدَةٌ، مع العِلْمِ منهما أو مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بامرَأةٍ. وإنما خُولِفَ هذا إذا اسْتَمَرَّ الجَهْلُ [منهما؛ للإِجْماعِ، ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ على المَأْمُومِين حالَ (¬3) اسْتِمْرارِ الجَهْلِ] (¬4) يَشُقُّ؛ لتَفَرُّقِهم، بخِلافِ مَا إذا عَلِمُوا في الصلاةِ. ¬

(¬1) في م: «على غير طهارة». (¬2) في م: «أقام». (¬3) في م: «في حالة». (¬4) سقط من: ص.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن عَلِم بعضُ المَأْمُومِين دُونَ بَعْضٍ، فالمَنْصُوصُ أنَّ صلاةَ الجَمِيعِ تَفْسُدُ. والأوْلَى يَخْتَصُّ البُطْلانُ بمَن عَلِم دُون مَن جَهِل؛ لأنَّه مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ بالبُطْلانِ، كحَدَثِ نَفسِه. فصل: قال أحمدُ، في رَجُلَيْن أمَّ أحَدُهما الآخرَ، فشَمَّ كلُّ واحِدٍ منهما رِيحًا، أو سَمِع صوْتًا يَعْتَقِدُه مِن صاحِبِه: يَتَوَضَّآن، ويُعِيدان الصلاةَ؛ لأنَّ كلُّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ فَسادَ صلاةِ صاحِبِه. وهذا إذا قُلْنا: تَفْسُدُ صلاةُ كُلِّ واحِدٍ مِن الإمامِ والمَأْمُومِ بفَسادِ صلاةِ الآخَرِ، بكَوْنِه صارِ فَذًّا. وعلى الرِّوايَةِ المَنْصُورَة يَنْوِي كلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرادَ، ويُتِمُّ صَلاتَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما قَضَى بفَسادِ صَلاتِهما، إذا أتَمّا الصلاةَ على ما كانا عليه مِن غيرِ فَسْخِ النِّيَّةِ، فإنَّ المَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أنَّه مُؤتَمَّ بمُحْدِثٍ، والإمامَ يَعْتَقِدُ أنَّه يَؤُمُّ مُحْدِثًا. وأمَّا قولُه: يَتَوَضَّآن. فلَعَلَّه أراد؛ لتَصِحَّ صَلاتُهما جَماعَةً. إذ ليس لأحَدِهما أن يَأْتَمَّ بالآخَرِ مع اعْتِقادِه حَدَثَه، [أو احْتِياطًا] (¬1). أمّا إذا صَلَّيا مُنْفَرِدَيْن، فلا يَجِبُ الوُضُوءُ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للطَّهارَةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ. فصل: فإنِ اخْتَلَّ غيرُ ذلك مِن الشُّرُوطِ في حَقِّ الإِمامِ، كالسِّتارَةَ، ¬

(¬1) في م: «واحتياطًا».

562 - مسألة: (ولا تصح إمامة الأمي؛ وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم حرفا [لا يدغم، أو يبدل حرفا]

وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الأُمِّيِّ؛ وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، إِلَّا بِمِثْلِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لم يُعْفَ عنه في حَقِّ المَأْمُومِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْفَى غالِبًا، بخِلافِ الحَدَثِ والنَّجاسَةِ. وكذا إن فَسَدَتْ صلاُته، لتَرْكِ رُكْنٍ، فَسَدَتْ صلاُتهم. نَصَّ عليه (¬1) أحمدُ، في مَن تَرَك القِراءَةَ، يُعِيدُ ويُعِيدُون، وكذلك لو تَرَك تَكْبيرَةَ الإِحْرامِ. 562 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة الأُمِّيِّ؛ وهو مَن لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، أو يُدْغِمُ حَرْفًا [لا يُدْغَمُ، أو يُبْدِل حَرْفًا] (¬2)، أو يَلْحَنُ فيها (¬3) لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، إلَّا بِمِثْلِه) الكلامُ في هذه المَسْأَلةِ في فَصْلَيْن؛ ¬

(¬1) في ص: «عليهما». (¬2) سقط من: م. (¬3) سقط من: م، ص.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُهما، أن الأمِّيَّ لا تَصِحُّ إمامَتُه بمَن يُحْسِنُ قِراءَةَ الفاتِحَةِ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ في الجديدِ. وقيل عنه: يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ القارِئُ بالأُمِّيِّ في صلاةِ الإِسْرارِ دُونَ الجَهْرِ. وعنه، يَصِحُّ أن يَأُتَمَّ به في الحالَيْن. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بعاجِزٍ عن رُكْن وهو قادِرٌ عليه، فلا تَصِحُّ، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالأخْرَسِ والعاجزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأمّا القِيامُ فهو رُكْنٌ أخَفُّ مِن غيرِه؛ بدَلِيل أنَّه يَسْقُطُ في النّافِلَةِ مع القُدْرَةِ عليه بخِلافِ القِراءَةِ. فإن صَلَّى بأُمِّيِّ وقارِئٍ، صَحَّتْ صلاةُ الأُمِّيّ والإِمام. وقال أبو حنيفةَ: تفْسُدُ صلاةُ الإِمامِ أَيضًا؛ لأنَّه يَتَحَمَّلُ القِراءَةَ عن المَأَمُومِ، وهو عاجِزٌ عنها ففَسَدَتْ صَلَاتُه. ولَنا، أنَّه أمَّ مَن لا يَصِحُّ ائْتِمامُه به، فصَحَّتْ صلاةُ الإمامَ، كما لو أمَّتِ امْرأةٌ رَجُلًا ونِساءً.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقَوْلُهم: إنَّ المَأُمُومَ يَتَحَمَّلُ عنه الإمامُ القِراءَةَ. قُلْنا: إنَّما يَتَحَمَّلُها مع القُدْرَةِ، فأمّا مَن يَعْجِزُ عن القِراءَةِ عن نَفْسِه، فعن غيرِه أوْلَى. الفصلُ الثانِي: أنَّه تَصِحُّ إمامَتُه بمِثْلِه؛ لأنَّه يُساوِيه، فصَحَّتْ إمامَتُه به، كالعاجِزِ عن القِيام. فصلَ: قَوْلُه (أو يُبْدِلُ حَرْفًا) هو كالأُلْثَغِ الذى يُبْدِلُ الرّاءَ غَيْنًا. والذى (يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى) كالذى يَكْسِرُ كافَ {إِيَّاكَ}، أو

وَإنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ تاءَ {أَنْعَمْتَ} أو يَضُمُّها، إذا كان لا يَقْدِرُ على إصْلاحِ ذلك، يَصِحُّ ائْتِمامُه بمِثْلِه، كاللَّذَيْن لا يُحْسِنان شيئًا (وإن) كان يَقْدِرُ (على إصْلاحِ ذلك، لم تَصِحَّ صَلَاتُه) ولا صلاةُ مَن يَأْتَمُّ به؛ لأنَّه تَرَك رُكْنًا مِن أرْكانِ (¬1) الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، أشْبَهَ تارِكَ الرُّكُوعِ. فصل: فإن صَلَّى القَارِئُ خلفَ مَن لا يَعْلَمُ حالَه في صلاةِ الإسْرارِ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه إنَّما يَتَقَدَّمُ مَن يُحْسِنُ القِراءَةَ. وإن كان يُسِرُّ في صلاةِ الجَهْرِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تصِحُّ صلاةُ القارِئُ. ذَكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو أحْسَن القِراءَةَ لجَهَرَ. ¬

(¬1) زيادة من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثَّانِي، تَصِحُّ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يَؤُمُّ النّاسَ إلَّا مَن يُحْسِنُ القِراءَةَ، والإسْرارُ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لجَهْل أو نِسْيانٍ. فإن قال: قد قَرَأْتُ. صَحَّتِ الصلاةُ على الوَجْهَيْن؛ لأن الظّاهِرَ صِدْقُه. وتُسْتَحَبُّ الإِعادَةُ احْتِياطًا. ولو أسَرَّ في صلاةِ الإِسْرارِ، ثم قال: ما كنتُ قَرَأْتُ الفاتِحَةَ. لَزِمَه ومَن وَراءَه الإعادَةُ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه صَلَّى بهم المَغْرِبَ، فلَمَّا سَلَّم، قال: ما سَمِعْتُمُونِي قَرَأْتُ؟ قالوا: لا. قال: فما قَرَأْتُ في نَفْسِي. فأعاد بهم الصلاةَ.

563 - مسألة: (وتكره إمامة اللحان، والفأفاء الذي يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء

وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ، وَالْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامِ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا كان رَجُلان لا يُحْسِنان الفاتِحَةَ، أو أحَدُهما يُحْسِنُ سَبْعَ آياتٍ مِن غيرِها، والآخَرُ لا يُحْسِنُ شيئًا، فلكلِّ واحِدٍ منهما الائْتِمامُ بالآخَرِ؛ لأنَّهما أُّمِّيّانِ، والمُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ مَن يُحْسِنُ الآياتِ (¬1)؛ لأنَّه أقْرَأُ. وعلى هذا، كُلُّ مَن لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، يَجُوزُ أن يَوُّمَّ مَن لا يُحْسِنُها، سواءٌ اسْتَوَيا في الجَهْلِ، أو تَفاوَتا فيه. 563 - مسألة: (وتُكْرَه إمامَةُ اللَّحّانِ، والفَأْفَاءِ الذي يُكَرِّرُ الفاءَ، والتَّمْتامِ الذي يُكَرِّرُ التَّاءَ (¬2)، ومن لا يُفْصِحُ ببَعْضِ الحُرُوفِ) أمّا الذي ¬

(¬1) في م: «السبع آيات». (¬2) في م: «القاف».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، فقد ذَكَرْناه. وتُكْرَهُ إمامَةُ اللَّحّانِ الذي لا يُحِيلُ المعْنى. نصَّ عليه (¬1). وتَصِحُّ صَلاتُه بمَن لا يَلْحَنُ؛ لأنَّه أتَى بفَرْضِ القِراءَةِ. فإن أحالَ المعْنَى في غيرِ الفاتِحَةِ، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ إمامَتِه، إلَّا أن يَتَعَمَّدَه، فيُبْطِلُ صَلَاتهما. ومَن لا يُفْصِحُ ببَعْضِ الحُرُوفِ، كالقافِ والضّادِ، فقال القاضي: تُكْرَهُ إمامَته، وتَصِحُّ، أعْجَمِيًّا كان أو عَرَبِيًّا. وقِيلَ في مَن قرأَ {وَلَا الضَّالِّينَ}. بالظّاءِ: لا تَصِحُّ صَلَاتُه؛ لأنَّه يُحِيلُ المعْنَى. يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا. إذا فَعَلَه نَهارًا. فهو كالألْثَغِ. وتُكْرَهُ ¬

(¬1) أي الإمام أَحْمد.

564 - مسألة: (و)

وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ إمامَةُ الفَأْفاءِ، والتِّمْتامِ، وتَصِحُّ (¬1)؛ لأنَّهُما يَأْتِيان بالحُروفِ على وَجْهِها، ويَزِيدان زِيادَةً هما مَغْلُوبان عليها، فعُفِيَ عنها، ويُكْرَهُ تَقْدِيمُهما؛ لهذه الزِّيادَةِ. 564 - مسألة: (و) يُكْرَهُ (أن يَؤُمَّ نِساءٌ أجانِبَ لا رجلَ مَعَهُنَّ) لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى أن يَخْلُوَ الرجلُ بالمرأَةِ الأجْنَبِيَّةِ (¬2). ولا بَأْسَ أن يَؤُمَّ ذَواتَ مَحارِمِه، وأن يَؤُمَّ النِّساءَ مع الرِّجالِ، فقد كُنَّ النِّساءَ يَشْهَدْنَ مع ¬

(¬1) في م: «تصلح». (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب لا يخلون رجل بامرأة إلَّا ذو محرم. . . .، من كتاب النكاح. صحيح البُخَارِيّ 7/ 48. ومسلم، في: باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 978. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات، من أبواب الرضاع، وفي: باب ما جاء في لزوم الجماعة، من أبواب الفتن. عارضة الأحوذى 5/ 120، 9/ 9، 10. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 322 , 3/ 339 , 446.

565 - مسألة: (و)

أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- (¬1)، وقد أمَّ أنَسًا واليَتِيمَ وأُمَّه (¬2). 565 - مسألة: (و) يُكْرَهُ أن يَؤُمَّ (قَوْمًا أكُثَرُهم له كارِهُون) ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 168. (¬2) أخْرجه البُخَارِيّ، في: باب الصلاة على الحصير، من كتاب الصلاة وباب المرأة وحدها تكون صفا، وباب وضوء الصبيان. . . . إلخ، وباب صلاة النساء خلف الرجال, من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 106، 107، 185، 218، 220. ومسلم، في: باب جواز الجماعة في النافلة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 457، 458. وأبو داود, في: باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه. . . . إلخ، في: باب ثلاثة كيف يقومون، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 143، 144. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الرَّجل يصلي ومعه الرجال والنساء, من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 32. والنَّسائي، في: باب إذا كانوا ثلاثة وامرأة، وباب إذا كانوا رجلين وامرأتين، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 67، 68. والدارمي =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لِما روَى أبو أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ؛ الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وإمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» (¬1). حديثٌ حسنٌ غرِيبٌ. وعن عبدِ اللهِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ (¬2) مِنْهُمْ صَلَاةً: مَنَ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا»، والدِّبَارُ أن يَأْتِيَ بعدَ أن يَفُوتَ الوَقتُ، «ورَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا». رَواه أبو داودَ (¬3). وقال عليٌّ لرَجُلٍ أمَّ قَوْمًا وهم له كارِهُون: إنَّك لخَرُوطٌ (¬4). ¬

= في: باب الصلاة على الخمرة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 139. والإمام مالك، في: باب جامع في سبحة الضحى. الموطأ 1/ 153. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 131، 149، 164، 242، 258. (¬1) أخرجه التِّرْمِذِيّ، في: باب ما جاء في من أم قومًا وهم له كارهون، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 154. (¬2) سقط من: م. (¬3) في: باب الرَّجل يؤم القوم وهم له كارهون، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 140. (¬4) كنز العمال (22889). والخروط: الرَّجل المتهور يركب رأسه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال أحمدُ: إذا كَرِهَه اثْنان أو ثَلَاثةٌ، فلا بَأْسَ، حتَّى يَكْرَهَه أكْثَرُهُم. فإن كان ذا دِينٍ وسُنَّةٍ فكَرِهَه القَوْمُ لذلك، لم تُكْرَهْ إمامَتُه. قال مَنْصُورٌ: أما إنّا سَأَلْنا عن ذلك، فقِيلَ لنا: إنَّما عَنَى بهذا الظَّلَمَةَ، فأمّا مَن أقام السُّنَّةَ فإنَّما الإثْمُ على مَن كَرِهَهُ. قال القاضي: والمُسْتَحَبُّ أن لا يَؤْمهُمْ؛ صِيانَةً لنَفْسِه. وإنِ اسْتَوى الفَريقان فالأوْلَى أن لا يَؤُمَّهُم، [إزالةَ لذلك] (¬1) الاخْتِلافِ. واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في م: «أراد بذلك».

566 - مسألة: (ولا بأس بإمامة ولد الزنا والجندي، إذا سلم دينهما)

وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَالْجُنْدِيِّ، إذَا سَلِمَ دِينُهُمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 566 - مسألة: (ولا بَأْسَ بإمامَةِ وَلَدِ الزِّنا وَالجُنْدِيِّ، إذا سَلِمِ دينُهما) لا بَأْسَ بإمامَةِ وَلَدِ الزِّنا. وهو قولُ عطاءٍ، وسليمانَ ابنِ مُوْسى (¬1)، والحسن، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وإسَحاقَ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا تُجْزِئُ الصلاةُ خَلْفَه. وكرِه مالكٌ أن يُتَّخَذَ إمامًا راتِبًا. وقال الشافعيُّ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الِإمامَةَ مَنْصِبُ فَضِيلَةٍ، فَكُرِهَ تقْدِيمُه فيها، كالعَبْدِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقْرَؤُهُمْ» (¬2). وقالت عائشةُ: ليس عليه مِن وِزْرِ أبَوَيْه شئٌ. قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (¬3). وقال سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (¬4). والعَبْدُ لا تكْرَهُ إمامَتُه، ¬

(¬1) أبو أَيُّوب سليمان بن موسى الأشدق، من فقهاء التابعين بالشَّام والجزيرة، توفى سنة تسع عشرة، ومائة. طبقات الفقهاء للشيرازى 75. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 336. (¬3) سورة الأنعام 164. والأثر أخرجه البيهقي، في: باب اجعلوا أئمتكم خياركم، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 91. (¬4) سورة الحجرات 13.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لكنَّ الحُرَّ أوْلَى منه، ولو سَلِم ذلك فالعَبْدُ ناقِصٌ في أحْكامِه، لا يَلِي النِّكاحَ ولا المالَ، بخِلافِ هذا. ولا بَأْسَ بإمامَةِ الجُنْدِيُّ والخَصيِّ إذا كانا مَرْضِيِّيْن؛ لأنَّه عَدْلٌ يَصْلُحُ للإمامَةِ، أشْبَهَ غيرَه. فصل: ولا بَأْسَ بإمامَةِ الأعْرابِيِّ إذا كان يَصْلُحُ. نصَّ عليه. وهو قَوْلُ عطاءٍ، والثَّوْريِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا تُعْجِبُنى إمامَةُ الأعْرابِيِّ، إلَّا أن يكونَ قد سَمِع وفَقِه؛ لأنَّ الغالِبَ عليهم الجَهْلُ. وكَره ذلك أبو مِجْلَز. وقال مالكٌ: لا يَؤُمُّهم؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا} (¬1). الآية. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتابِ اللهِ». ولأنَّه مُكَلَّفٌ عَدْلٌ تَصِحُّ صَلاتُه لنَفْسِه، أشْبَهَ المُهاجِرَ. فصل: والمُهاجِرُ أوْلَى منه؛ لأَنَّه (¬2) يُقَدِّمُ على المَسْبُوقِ بالهِجْرَةِ، فمَن لا هِجْرَةَ له أوْلَى. قال أبو الخَطّابِ: والحَضَرِيُّ أوْلَى مِن البَدَوِيِّ، لأنَّه مُخْتَلَفٌ في إمامَتِه، ولأنَّ الغالِبَ عليهم الجَفاءُ، وقِلَّةُ المَعْرِفَةِ بحُدُودِ اللهِ تعالى. ¬

(¬1) سورة التوبة 97. (¬2) في م، ص: «لا».

567 - مسألة: (ويصح ائتمام [من يؤدي]

وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 567 - مسألة: (ويَصِحُ ائْتِمامُ [مَن يُؤْدِّي] (¬1) الصلاةَ بمَن يَقْضِيها) مثلَ أن يكونَ عليه ظُهْرُ أمْسِ، فأراد قَضاءَها، فائْتَمُّ به رجلٌ عليه ظُهْرُ اليوم، ففِيه رِوايَتان؛ أَصَحُّهما، أنَّه يَصِحُّ. نصَّ عليه في (¬2) رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهذا اخْتِيارُ الخَلَالِ، وقال: المذْهَبُ عندِي في هذا رِوايَةٌ واحِدَةٌ، وغَلِط مَن نَقَل غيرَها؛ لأنَّ القَضاءَ يَصِحُّ بنِيَّةِ الأداءِ فيما إذا صَلَّى فبانَ بعدَ خُرُوجِ الوَقْتِ. وكذلك مَن يَقْضِي الصلاةَ، يُصَلِّي خَلْفَ مَن يُؤدِّيها؛ لأنَّه في مَعْناه. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ. نَقَلَها صالِحٌ؛ لأن نِيَّتَهما مُخْتَلِفَةٌ؛ هذا يَنْوِي قَضاءً، وهذا أداءً. ¬

(¬1) في م: «مؤدى». (¬2) في م: «وفي».

568 - مسألة: (ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل، ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر، في إحدى الروايتين. والأخرى، لا يصح فيهما)

وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْأُخْرَى، لَا يَصِحُّ فِيهِمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 568 - مسألة: (ويَصِحُّ ائْتِمامُ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ، ومَن يُصَلِّي الظُّهْرَ بمَن يُصَلِّي العَصْرَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ فيهما) اخْتَلَفَ عنه (¬1) في صِحَّةِ ائْتِمامِ (¬2) المُفْترِضِ بالمُتَنَفِّلِ؛ فنقَلَ ¬

(¬1) أي النقل. (¬2) في تش: «إمامة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عنه حَنْبَلٌ، وأبو الحارِثِ، لا يَصِحُّ. اخْتارَه أكْثَرُ الأصْحابِ. وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأَيِ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّمَا جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تخْتَلِفُوا عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّ صلاةَ المَأْمُومِ لا تَتَأَدَّى بنِيَّةِ الْإمامِ، أشْبَهَ صلاةَ الجُمُعَةِ خلفَ مَن يُصَلِّي الظُّهْرَ. والثّانِيَةُ، تصِحُّ. نَقَلَها عنه إسماعِيلُ بنُ سعيدٍ، وأبو داودَ. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. قال ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 416.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شيخُنا (¬1): وهي أَصَحُّ؛ لأنَّ مُعاذًا كان يُصَلِّي مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثم يَرْجعُ فيُصَلِّي بقوْمِه تلك الصلاةَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وصَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بطائِفَةٍ مِن أصْحابِه في صلاةِ الخَوْفِ رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم صَلَّى بالطائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ. رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ (¬3). وهو في الثّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ أمَّ (¬4) مُفْتَرِضِين. ولأنَّهما صلاتان اتَّفَقَتا في الأفْعالِ، فجازَ ائْتِمَّامُ المُصَلِّي في إحْداهما بالمُصَلِّي في الأخْرَى، كالمُتَنَفِّلِ خلفَ المُفتَرِضِ. فأمّا حَدِيثُهم فالمُرادُ به، لا تَخْتَلِفُوا عليه في الأفْعالِ؛ لأنَّه إنَّما ذَكَر في الحديثِ الأفْعالَ, فقالَ: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». ولهذا صَحَّ ائْتِمامُ المُتَنَفِّلِ بالمُفْترِضِ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَسْبُوقِ في الجُمُعَةِ إذا أدْرَك أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، فنَوَى الظُّهْرَ خلفَ مَن يُصلِّي الجُمُعَةَ. ¬

(¬1) في: المغني 3/ 67. (¬2) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب إذا صلى ثم أم قومًا، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 181/ 1، 182. ومسلم، في: باب القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 340. وأبو داود، في: باب إمامة من يصلي بقوم وقد صلى تلك الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 141. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 302. (¬3) يأتي في صلاة الخوف. (¬4) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا صلاةُ المُتَنَفِّلِ خلفَ المُفْتَرِضِ، فلا نَعْلَمُ في صِحَّتِها خِلافًا، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه عليه السَّلامُ: «ألَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» (¬1). فصل: فأمّا صلاةُ الظُّهْرِ خلفَ مَن يُصَلِّي العَصْرَ، ففيه رِوايَتان، وكذلك صلاةُ العِشاءِ خلفَ مَن يُصَلِّي التَّراوِيحَ؛ إحداهما، يَجُوزُ. نَقَلَها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، فإنَّه قال له: ما تَرَى إن صَلَّى في رمضانَ خلفَ إمام يُصَلِّي بهم التَّراوِيحَ؛ قال: يُجْزِئُه ذلك مِن المَكْتُوبَةِ. والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ. نَقَلَها عنه المَرُّوذِيُّ؛ لأنَّ أحَدَهما لا يَتَأدَّى بنِيَّةِ الأُخْرَى. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 286.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [وهذا فَرْعٌ على صلاةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ، وقد مَضَى ذِكْرُها. فأمّا إن كانت إحْداهما تُخالِفُ الأُخْرَى] (¬1)، كصلاةِ الجُمُعَةِ والكُسُوفِ خلفَ مَن يُصَلِّي غيرَهما، أو صلاةِ غيرِهما خلفَ مَن يُصَلِّيهما، لم تَصِحَّ، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه يُفْضِي إلى المُخالَفَةِ في الأفْعالِ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ». ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومن صَلَّى الفَجْرَ، ثم شَكَّ، هل طَلَع الفَجْرُ أو لا، لزِمَتْه الإعادَةُ، وله أن يَؤُمَّ فيها مَن لم يُصَلِّ. وقال بَعْضُ أصْحابنا: تُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في إمامَةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه ووُجُوبُ فِعْلِها (¬1)، فأشْبَهَ ما لو شَكَّ، هل صَلَّى أو لا؟ ولو فاتَتِ المَأْمُومَ رَكْعَةٌ، فصَلَّى الإمامُ خَمْسًا ساهِيًا، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: لا يُعْتَدُّ للمَأْمُومِ بالخامِسَةِ؛ لأنِّها سَهْوٌ وغَلَطٌ. وقال القاضي: هذه الرَّكْعَةُ نافِلَةٌ للإمامِ، وفَرْضٌ للمأْمُومِ. فيُخَرَّجُ فيها الرِّوايَتان. وقد سُئِل أحمدُ عن هذه المَسائِلَ، فتَوَقَّفَ فيها. قال شيخُنا (¬2): والأوْلَى أنَّه يُحْتَسبُ له بها؛ لأنَّه لو لم يُحْتَسبْ له بها, لَزِمَه أن يُصَلِّيَ خَمْسًا مع عِلْمِه ¬

(¬1) في م: «أفعالها». (¬2) في: المغني 3/ 69.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بذلك، ولأنَّ الخامِسَةَ واجِبَةٌ على الإمامِ عندَ مَن يُوجِبُ عليه البِناءَ على اليَقِينِ، ثم إن كانَتْ نَفْلًا، فقد ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ صِحَّةُ الائْتِمامِ فيه. وإن صَلَّى بقَوْمٍ الظُّهْرَ يَظُنُّها العَصْرَ، فقالَ أحمدُ: يُعِيدُ ويُعِيدُون. وهذا على الرِّوايَةِ التي مَنَع فيها ائْتِمامَ المفْتَرضِ بالمُتَنَفِّلِ. فإن ذَكَر الإِمامُ وهو في الصلاةِ، فأتَمَّها عَصْرًا، كانت له نفْلًا، وإن قَلَب نِيِّتَه إلى الظُّهْرِ، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لِما ذَكَرْناه مُتَقدِّمًا (¬1). وقال ابنُ حامِدٍ: يُتِمُّها، والفَرْضُ باقٍ في ذِمَّتِه. ¬

(¬1) انظر ما تقدم في الجزء الثالث صفحة 373.

فَصْلٌ في الْمَوْقِفِ: السُّنَّةُ أنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإمَامِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ (فصلٌ في المَوْقِفِ: السُّنَّةُ أن يَقِفَ المَأْمُومُون خلفَ الإمامِ) إذا كان المَأْمُومُون جَماعَةٌ، فالسُّنَّةُ أن يَقِفُوا خلفَ الإمامِ، رِجالًا كانوا أو نِساءً؛ لأنّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي بأصْحابِه فيَقُومُون خلفَه، ولأنَّ جابِرًا وجَبّارًا لَمّا وَقَفا عن يَمِينِه وشِمالِه، رَدَّهما إلى خلفِه (¬1). وإن كانا اثْنَيْن فكذلك, لِما روَى جابرٌ، قال: سِرْتُ مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في غَزْوَةٍ، فقامَ يُصَلِّي، فتَوَضَّأْتُ، ثم جِئْتُ حتَّى قُمْتُ عن يَسارِه، فأخَذَ بيَدِي فأدارَنى حتَّى أقامَنِي عن يَمِيِنِه، فجاءَ جَبّارُ بنُ صَخْرٍ حتَّى قام عن يَسارِه، فأخَذَنا جِميعًا بيَدَيْه فأقامَنا خلفَه. رَواه أبو داودَ (¬2). وهذا قولُ عُمَرَ، وعليٍّ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ، والحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ. وكان ابنُ مسعودٍ يَرَى أن يَقِفا عن جانِبَيِ الإِمامِ؛ لأنَّه يُرْوَى عنه، أنَّه صَلَّى بينَ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ، وقال: هكذا رَأيْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل. رَواه ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب حديث جابر الطَّويل. . . . إلخ، من كتاب الزهد والرقائق. صحيح مسلم 4/ 2305. وأبو داود، في: باب إذا كان ثوبًا ضيقًا يتزر به, من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 147، 148. (¬2) انظر التخريج السابق.

569 - مسألة: (فإن وقفوا قدامه، لم يصح)

فَإنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ، لَمْ يَصِحَّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو داودَ (¬1). ولَنا، الحديثُ الذي ذَكَرْناه، فإنَّه أخَّرَهما إلى خلفِه، ولا يَنْقُلُهما إلَّا إلى الأكْمَلِ، وصَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأنَسٍ واليَتِيمِ، فجَعَلَهما خلفَه (¬2). وحديثُ ابنِ مسعودٍ يَدُلُّ على الجَوازِ، فإن كان أحَدُهما صَبِيًّا فكذلك، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن إن كانَتِ الصلاةُ تَطَوُّعًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَعَل أنَسًا واليَتيمَ وراءَه. وإن كان فَرْضًا، جَعَل الرَّجل عن يَمِينِه، والغُلامَ عن يَسارِه، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ، أو جَعَلَهما عن يَمِينِه. فإن جَعَلَهما خلفَه، فقال بعضُ أَصْحابِنا: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَوُّمَّه فيه [فلم يُصافَّه] (¬3)، كالمَرْأَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المُتَنَفِّلِ، والمُتَنَفِّلُ يُصَافُّ المُفْتَرِضَ. 569 - مسألة: (فإن وَقَفُوا قُدّامَه، لم يَصِحَّ) وهذا قولُ أبي ¬

(¬1) في: باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون؟ من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 144. كما أخرجه النَّسائيّ: باب موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة والاختلاف في ذلك، من كتاب الصلاة. المجتبى 2/ 66. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 403. (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حنيفةَ، والشافعيِّ. وقال مالكٌ، وإسْحاقُ: يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك لا يَمْنَعُ الاقْتِداءَ به، فأَشْبَهَ مَن خلفَه. ولَنا، قَوْلُهُ عليه السَّلامُ: «إنَّما جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤُتَمَّ بِهِ» (¬1). ولأنَّه يَحْتاجُ في الاقْتِداءِ إلى الالتِفاتِ إلى ورائِه، ولأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا هو في مَعْنَى المَنْقُولِ، فلم يَصِحَّ، كما لو صَلَّى في بَيْتِه بصلاةِ الإمامِ، ويُفاِرقُ مَن خلفَ الإمامِ؛ فإنَّه لا يَحْتاجُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 3/ 416.

570 - مسألة: (وإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه، صح)

وَإنْ وَقَفوا مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ، أوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، صَحَّ. وإنْ كَانَ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ في الاقْتِداء إلى الالتِفاتِ، بخِلافِ هذا. وقال بَعْضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ للمرأةِ أن تَؤم الرِّجالَ في صلاةِ التَّراوِيحِ، ويَكونُون بينَ يَدَيْها. وقد ذَكَرْنا فَسادَ ذلك فيما مَضَى. 570 - مسألة: (وإنْ وَقَفُوا عن يَمِينِه أو عن جَانِبَيْه، صَحَّ) لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ، ولأنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لإِمام العُراةِ، وللمَرْأةِ إذا أمَّتِ النِّساءَ. ويَصِحُّ أن يَقِفُوا عن يَمِينِه؛ لأنَّه مَوْقِفٌ للواحِدِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاء اللهُ. 571 - مسألة: (وإن كان واحِدًا، وَقَف عن يَمِينِه) رجلًا كان

572 - مسألة: (وإن وقف خلفه، أو عن يساره، لم يصح)

وَإِنْ وَقَفَ خَلْفَهُ، أوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أو غُلامًا؛ لِما رَوَيْنا مِن حديثِ جابِرٍ. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: قام النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ, فَقُمْتُ ووَقَفْتُ عن يسارِه، فأخَذَ بذُؤَابَتِي، فأدارَنِي عن يَمِيِنه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). 572 - مسألة: (وإن وَقَف خَلْفَهُ، أو عن يَسارِه، لم يَصِحَّ) وجُملَةُ ذلك، أنَّه مَن صَلَّى وحدَه خَلْفَ الإمامِ رَكْعَةً كامِلَةً، لم تَصِحَّ صَلَاتُه. وهذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغيرِهم. وأجازَه الحسنُ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ, والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ أَبا بَكْرَةَ رَكَع دُونَ الصَّفِّ، فلم يَأْمُرْه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالإعادَةِ (¬2)، ولأنَّه مَوْقِفٌ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 119. (¬2) أخرجه البخاريّ، في: باب إذا ركع دون الصف، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 198. وأبو داود, في: باب الرَّجل يركع دون الصف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 157، 158. والنَّسائي، في: باب الركوع دون الصف، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 91. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 39، 42, 45, 46, 50.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للمرأةِ فكان مَوْقِفًا للرجالِ، كما لو كان مع جَماعَة. ولَنا، ما روَى وابصَةُ ابنُ مَعْبَدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وحْدَه، فأَمَرَه أن يُعِيدَ. رَواه أبو داودَ، وغيرُه (¬1). وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت الحديثُ. وفي لَفْظٍ: سُئِل رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن رجلٍ صَلَّى وراءَ الصَّفِّ وحدَه، فقال: «يُعِيدُ». رَواه تمّامٌ في «الفَوائِدِ». وعن عليِّ بنِ شَيْبانَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بهم فسَلَّمَ، فانْصَرَفَ ورَجُلٌ فَرْدٌ خَلْفَ الصَّفِّ، فوَقَفَ نبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى انْصَرَف الرَّجُلُ، فقال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتك، فَلَا صَلَاةَ لفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ». رَواه الأثْرَمُ (¬2). وقال: قلتُ لأبِي عبدِ اللهِ: حديثُ مُلازِمِ بنِ عمرٍو، يَعْنِي هذا الحَدِيثَ، أَيضًا حسَنٌ؟ قال: نعم. ولأنَّه خالَفَ المَوْقِفَ، فلم تَصِحَّ صلاتُه، كما لو وَقَف قُدّامَ الإمامِ. فأمّا حديثُ أبي بَكْرَةَ، فإنَّ النبيَّ نَهاه، فقالَ: «لا تَعُدْ» (¬3). والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفَسادَ، وعَذَره فيما فَعَلَه لجَهْلِه، ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الرَّجل يصلي وحده خلف الصف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 157. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 27، 28. وابن ماجه، في: باب صلاة الرَّجل خلف الصف وحده، من كتاب الإقامة. سنن ابن ماجه 1/ 321. والدارمي، في: باب في صلاة الرَّجل خلف الصف وحده، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 294، 295. الإِمام أَحْمد, في: المسند 4/ 23، 228. (¬2) أخرجه ابن ماجه، في: باب صلاة الرَّجل خلف الصف وحده، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 320، والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 23. والبيهقي في السنن الكبرى 3/ 105. (¬3) كذا ضبط في جميع الروايات المشهورة، من العَوْد. وانظر عون المعبود 1/ 254.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وللجَهْلِ تَأْثِيرٌ في العَفْوِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِه مَوْقِفًا للمَرْأةِ أن يكونَ مَوْقِفًا للرجلِ؛ بدَلِيلِ اخْتِلافِهما في كَراهَةِ الوُقُوفِ واسْتِحْبابِه. فصل: وإن وَقَف عن يَسارِ الإِمام، وكان عن يَمِينَ الإِمام أحَدٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ مسعود (¬1) , ولأنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لإِمامِ العُراةِ. وإن لم يكنْ عن يَمِينِه أحَدٌ فصَلاتُه فاسِدَةٌ. وكذلك إن كانوا جَماعَةً. وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَروْن أنَّ الأوْلَى للواحِدِ أن يَقِفَ عن يَمِينِ الإمامِ. رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان إذا لم يكنْ معه إلَّا واحِدٌ جَعَلَهُ عن يَسارِه. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: تَصِحُّ صلاةُ مَن وَقَف عن يَسارِ الإمامِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ لَمَّا أحْرَم عن يَسارِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدارَه عن يَمِيِنه، ولم تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُه، ولو لم يكنْ مَوْقِفًا، لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كقُدّامِ الإمامِ، ولأنَّه أحَدُ الجانِبَيْن، أشْبَهَ اليَمِينَ، وكما لو كان عن يَمِينِه أحَدٌ. ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدارَه عن يَمِيِنه. وكذلك حَدِيثُ جابِرٍ. وقَوْلُهم: لم يَأْمُرْه بابْتِداءِ التَّحْريمَةِ؛ لأنَّ ما فَعَلَه قبلَ الرُّكُوعِ لا يُؤْثِّرُ، فإنَّ الإمامَ يُحْرِمُ قبل المَأْمُومِين، وكذلك المَأْمُومُون يُحْرِمُ بَعْضُهم قبلَ بعضٍ (¬2)، ولا ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 418. (¬2) في م: «بعض الباقين».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَضُرُّ انْفِرادُه، ولا يَلْزَمُ مِن العَفْوِ عن ذلك العَفْوُ عن رَكْعَةٍ كامِلَةٍ. وقَوْلُهم: هو مَوْقِفٌ إذا كان أحَدٌ عن يَمِينِه. قُلْنا: لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِه موْقِفًا في صُورَةٍ أن يكونَ مَوْقِفًا في غيرِها؛ بدَلِيلِ ما وراءَ الإِمامِ، فإنَّه مَوْقِفٌ للاثْنَيْن، وليس مَوْقِفًا للواحِدِ، وإن مَنَعُوه فقد دَلَّ عليه الحديثُ المذْكُورُ. والقِياسُ أنَّه يَصِحُّ، كما لو كان عن يَمِينِه، وكونُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدار ابنَ عباسٍ، وجابِرًا يَدُلُّ على الفَضِيلَةِ، لا على عَدَمِ الصِّحَّةِ، بدَلِيلِ رَدِّ جابِرٍ وجَبّارٍ إلى وراءِه مع صِحَّةِ صَلاِتهما عن جَنْبَيْه. فصل: فإن كان خَلْفَ الإمامِ صَفٌّ، فهل تَصِحُّ صلاةُ مَن وقفَ عن يَسارِه؛ فيه احْتمالانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه صَلَّى وأبو بَكْرٍ عن يَمِينِه، وكان أبو بكر الإمَامَ (¬1). ولأنَّ مع الإمامِ مَن تَنْعَقِدُ صَلَاتُه به، فصَحَّ، كما لو كان عن يَمِينِه أحَدٌ. والثّانِي، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه ليس بمَوْقِفٍ إذا لم يكنْ صَفَّ، فلم يكنْ مَوْقِفًا مع الصَّفِّ، كأمامِ الإمامِ، وفارَقَ إذا كان معه آخَرُ؛ لأنَّه معه في الصَّفِّ, فكان صَفًا واحِدًا، فهو كما لو وَقَف معه خَلْفَ الصَّفِّ. ¬

(¬1) بعده في م: «وكان مع الإمام». وانظر ما تقدم في صفحة 377.

573 - مسألة: (وإن أم امرأة وقفت خلفه)

وَإنْ أمَّ امْرَأةً وَقَفَتْ خَلفُه، ـــــــــــــــــــــــــــــ 573 - مسألة: (وإن أَمَّ امرأَةً وَقَفَتْ خَلْفَه) [إذا أمَّ الرجلُ المرأةَ وَقَفَتْ خلفَه] (¬1)؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» (¬2). وروَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى [به و] (¬3) بأُمِّه أو خالَتِه، فأقامَنِي عن يَمِينِه، وأقام المَرْأة خَلْفَنا. رَواه مسلمٌ (¬4). وإن أَمَّ رجلًا وامرأةً، وَقَف الرجلُ عن يَمِينِه، ووقَفَتِ المَرْأَةُ خَلْفَهُما؛ لِما ذَكَرْنا. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) رواه عبد الرَّزَّاق، في مصنفه، موقوفًا على ابن مسعود. في: باب شهود النساء الجماعة، من كتاب الصلاة. مصنف عبد الرَّزّاق 3/ 149. ومن طريقه أخرجه الطَّبْرَانِيّ في الكبير 9/ 9484، 9485. وانظر نصب الراية 2/ 36. (¬3) سقط من: م. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 403.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن كانا رَجُلَيْن وَقَفا خَلْفَه، والمرأةُ خلْفَهما، كما روَى أنَسٌ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم - صَلَّى بهم، قال (¬1): فصَفَفْتُ أنا واليَتِيمُ وراءَه، والمَرْأَةُ خَلْفَنا، فصَلَّى لَنا رسولُ الله رَكْعَتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وكان الحسنُ يُقُولُ، في ثَلَاثَةٍ أحَدُهم امْرَأةٌ: يَقُومُ بعْضُهم وراءَ بعضٍ (¬3). وهذا قَوْلٌ لا نَعْلَمُ أحدًا وافَقَه فيه، واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى. فصل: فإن وَقَفَتِ المرأةُ في صَفِّ الرجالِ كُرِه لها ذلك، ولم تبْطُلْ صَلاتُها, ولا صلاةُ مَن يَلِيها. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وقال أبوِ بكرٍ: تَبْطُلُ صلاةُ مَن يَلِيها ومَن خَلْفَها دُونَها. وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّه مَنْهِيٌّ عن الوُقُوفِ إلى جانِبَها، أشْبَهَ الوُقُوفَ أمامَ الإمامِ. ولَنا، أنَّها لو وقَفَتْ في غيرِ صلاةٍ لم تَبْطُلْ صَلاتُه، كذلك في الصلاةِ، وقد ثَبَت أنَّ عائشةَ كانت تَعْتَرِضُ بينَ يَدَيِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّى (¬4). وقوْلُهم: وهو مَنْهِيٌّ عنه. قُلْنا: هي مَنْهِيَّةٌ عن الوُقُوفِ مع الرجالِ، فإذا لم تَبْطُلْ صَلاُتها، فصَلاتُهُم أوْلَى. وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأشْبَهُ بالمذْهَبِ عنديِ بُطْلانُ صلاِتها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أَخِّرُوهُنَّ». وهو مَوْقِفٌ مَنْهِيٌّ عنه، أشْبَهَ مَوْقِفَ الفَذِّ خَلْفَ الإمامِ والصَّفِّ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 403. (¬3) أخرجه عبد الرَّزّاق في مصنفه 2/ 407. (¬4) تقدم تخريجه في الجزء الثالث صفحة 400، 643.

574 - مسألة: (وإن اجتمع)

فَإنِ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ؛ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 574 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَع) رجالٌ وصِبْيانٌ وخَناثَى ونِساءٌ (تَقَدَّم الرجالُ، ثم الصِّبْيانُ، ثم الخَناثَى، ثم النِّساءُ) لِما روَى أبو

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ داودَ (¬1)، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى، فصَفَّ الرِّجالَ، ثم صَفَّ خَلْفَهُم الغِلْمانَ. وتَقَدُّمُ الخَناثَى على النِّساءِ؛ لجَوازِ أن [يكُونوا رِجالًا] (¬2). ¬

(¬1) في: باب مقام الصبيان من الصف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 156. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 341, 342. (¬2) في م: «يكون رجلًا».

وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهمْ إلَى الإمَام، إذا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ (وكذلك يُفْعَلُ في تَقْدِيمِهم إلى الإمامِ، إذا اجْتَمَعَت جَنائِزُهم) وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تَعالَى.

575 - مسألة: (ومن لم يقف معه إلا كافر، أو امرأة، أو محدث يعلم حدثه، فهو فذ. وكذلك الصبي، إلا في النافلة)

وَمَنْ لَم يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ. وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إلَّا في النَّافِلَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 575 - مسألة: (وَمَنْ لَم يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ. وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إلَّا في النَّافِلَةِ) أمَّا إذا وَقَفَ معه كافِرٌ أو مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثه لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأن وجُودَه وعَدَمَه واحِدٌ. وكذلك إذا وَقَف معه سائِرُ مَن لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أَّنه قال: إذا أَمَّ رَجُلَيْن، أحَدُهما غيرُ طاهِرٍ، أَتَمَّ الطّاهِرُ معه. وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه إرادَ عَلِمَ المُحْدِثُ حَدَثَ نَفْسِه، أتَمَّ الآخَرُ إن كان عن يَمِينِ الإمامِ، وإن لم يكنْ عن يَمِينِه تَقَدَّمَ، فصار عن يَمِنِيه. فأمّا إن كانا خَلْفَه، وأتَمَّ الصلاةَ عِلْمِ المُحْدِثِ بحَدَثِه، لم تَصِحَّ. وإن لم يَعْلَمْه صحَّ؛ لأنَّه لو كان إمامًا صحَّ الائْتِمامُ به، فصِحَّةُ مُصافَّتِه أوْلَى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن لم يَقِفْ (¬1) معه إلَّا امْرَأةٌ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَصحُّ صَلَاتُه، لأنَها لا تَؤُمُّه، فلا تَكُونُ معه صَفًّا، ولأنَّها مِن غير أهلِ الوُقُوفِ معه فوُجُودهُا كعَدَمِها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ على أصَحِّ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه وَقَف معه مُفْتَرِضٌ صَلاتُه صَحِيحَةٌ، أشْبَهَ ما لو وَقَف معه رجلٌ، وليس مِن شَرْطِ المُصافَّةِ أن يكونَ مِمَّن تَصِحُّ إمامَتُه، بدَلِيلِ القارِئُ مع الأُمِّيِّ، والفاسِقِ والمفُتْرِضِ مع المُتَنَفِّلِ. وإن وَقَف معه خُنْثَى مُشْكِلٌ، لم يَكُنْ معه صَفًّا، على قوْلِ ابنِ حامِدٍ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ امْرَأةٌ. فصل: وإن وَقَف معه فاسِقٌ أو مُتَتفِّلٌ صار صَفًّا، لأنَّ صلاتَهما صَحِيحَةٌ. وكذلك لو وَقَف قارِئ مع أُمِّيّ، أو مَن به سَلَسُ البُوْلِ مع صَحِيح، أو قائِمٌ مع قاعِدٍ كانا صَفًّا؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: [فأمَّا الصَّبِي إذا وَقَفَ مع البالِغِ وَحْدَه] (¬2)؛ فإن كان في النَّافِلَةِ صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أنَسٍ. وذَكَر أبو الخَطَّابِ رِوايَةً، أنَّه لا يَصِحُّ، بِناءً على صِحَّةِ (¬3) إمَامَتِه في النَّفْل. وإن كان في الفَرْضِ، فقد روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنَّه توَقَّف في هذه المَسْألَةِ، وقال: ما أدْرِي. ¬

(¬1) في م: «في». (¬2) في م: «إذا وقف مع البالغ وخلفه صبى». (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فذُكِرَ له حَدِيثُ أنَس، فقال: ذلك في التَّطَوُّعِ. واخْتَلَف فيه أصحابُنا، فقال بَعْضُهم: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ إمامًا للرجالِ في الفَرْضِ، [فلم يُصافِّهم كالمرأةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ؛ لأنَّه يَصِحُّ أن يُصافَّ الرجلَ في النَّفْلِ، فيَصِحُّ في الفَرْض] (¬1)، كالمُتَنَفِّلِ. ولا يُشْتَرَطُ لصحةِ مصافَّتِه صَلاحِيَتُه للإمامَةِ، بدَلِيلِ الفاسِقِ والعَبْدِ والمُسافِرِ في الجُمُعَةِ، والأصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ. فصل: إذا أمَّ الرَّجُلُ خُنْثَى مُشْكِلًا وحْدَه، فالصَّحِيحُ أنَّه يَقِفُ عن يَمِينِه؛ لأنَّه إن كان رَجُلًا فهذا مَوْقِفُه، وإن كان امرأةً لم تَبْطُلْ صلاتُها بوُقُوفِها مع الإمامِ؛ لو وَقَفَتْ مع الرجالِ. ولا يَقِفُ وحدَه، لجَوازِ أن يكونَ رَجُلًا. فإن كان معهما رَجُلٌ، وقَف الرَّجُلُ عن يَمِينِ الإمامِ، ¬

(¬1) سقط س: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والخُنْثَى عن يَسارِه، أو عن يَمِينِ الرَّجُلِ، ولا يَقفان خلْقه؛ لجوازِ أن يكونَ امرأَةً، إلَّا عندَ مَن أجاز للرَّجُلِ مُصافَّةَ المرأةِ. فإن كان معهم رَجُلٌ آخَرُ، وقَف الثَّلَاثة خَلْفَه صَفًّا؛ لِما ذَكَرْنا. وإن كانا خُنْثَييْن مع الرَّجُلَيْن، فقال أصْحابُنا: يَقِفُ الخُنْثَيان صَفًّا خَلْفَ الرَّجُلَيْن؛ لاحْتِمالِ أن يكونا امرأتيْن. ويَحْتَمِل أن يَقِفا مع الرَّجُلَيْن؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن يكون أحَدُهما رَجُلًا، فلا تصِحُّ صلاتُه. وإن كان معهم نِساءً، وقفْنَ خَلْفَ الخَناثَى، على ما ذَكَرنا. فصل: وإذا كان المَأمُومُ واحِدًا، فكَبَّر عن يَسارِ الإمامِ، أدارَ الإِمامُ عن يَمِينِه، ولم تَبْطلْ تَحْريمَتُه كما فَعَل النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بابنِ عباسٍ (¬1). وإن كَبَّر وحدَه خلفَ الإمامِ، ثم تَقَدَّم عن يَمِينِه، أو جاء آخَرُ فوَقَفَ معه، أو تَقَدَّم إلى الصَّفِّ بينَ يَدَيْه، أو كانا اثْنَيْن فكَبَّرَ أحَدُهما، وتَوَسْوَس الآخَرُ ثم كَبَّر قبلَ رَفْعِ الإمام رَأسَه مِن الرُّكُوعِ، أو كَبَّر واحِدٌ عن يَمِينِ الإِمام، فأحَسَّ بآخرَ، فتَأَخَّرَ معه قبل أن يُحْرِمَ الثّانِي ثم أحْرَم، أو أحرَم عن يَسارِ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 119.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الإمامِ، فجاءَ آخَرُ فوَقَفَ عن يَمِينِه قبل رَفْعِ الإمامِ رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، صَحَّتْ صَلاتُهم. وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في الرَّجُلينِ يقومان خلْفَ الإمامِ، ليس خَلْفَه غيْرُهُما [فإن كَبَّرَ أحدُهما قبلَ صاحِبِه] (¬1) خاف أن يَدْخُلَ في الصلاةِ خلْف الصَّف، فقال: ليس هذا مِن ذاك، ذاك في الصلاةِ بكَمالِها، أو صَلَّى رَكْعَةً كامِلَةً، وما أشْبَهَ هذا، فأمَّا هذا فأرْجُو أن لا يكونَ به بَأَسٌ. ولو أحْرَم رَجُلٌ خلْفَ الصَّفِّ، ثم خَرج مِن الصَّفِّ رَجُلٌ فوَقَفَ معه، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: وإن كَبَّر رَجُلٌ عن يَمِينِ الإمام، وجاء آخَرُ فكَبَّرَ عن يَسارِه، أخْرَجَهُما الإمامُ إلى ورائِه، كفِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بجابِرٍ وجَبّارٍ (¬2). ولا يَتَقَدَّمُ الإمامُ، إلَّا أن يكونَ وراءَهُ ضَيِّقٌ. وإن تَقَدَّم، جاز، وإن كَبَّر الثّانِي مع الأوَّلِ عن اليَمِينَ وخرَجا، جاز. وإن دَخَل الثّانِي، وهما في التَّشَهدِ، كَبَّر وجَلَس عن يَسارِ الإمامِ، أو عن يَمِينِ الآخَرِ، ولا يَتَأخَّران في التَّشَهُّدِ، لأنَّ فيه مَشَقَّةً. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 417.

576 - مسألة: (ومن جاء فوجد فرجة وقف فيها، فإن لم يجد

وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةٌ وَقَفَ فِيهَا، فَان لَمْ يَجِدْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصلِ: وإن أحْرَم اثْنان وراءَ الإمامِ، فخَرَجَ أحَدُهما لعُذْرٍ أو لغيره، دَخَل الآخر في الصَّفِّ، أو نَبَّهَ رجُلًا فخَرَج معه، أو دَخَل فوَقَفَ عن يَمِينِ الإمامِ، فإن لم يُمْكنْه شئٌ من ذلك نوَى الانْفِرادَ، وأتَمَّ مُنْفَرِدًا؛ لأنَّه عُذْرٌ حَدَث له، أشْبَه ما لو سَبَق إمامَه الحَدَثُ. 576 - مسألة: (ومَن جاء فوَجَدَ فُرْجَةً وَقَف فيها، فإن لم يَجِدْ

وَقَف عَنْ يَمِين الْإمَامِ، فَانْ لَمْ يُمْكنْهُ، فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَف عنِ يَمِينِ الإمامِ) ولم يَجْذِبْ رَجُلًا ليَقُومَ معه (فإن لم يُمْكِنْه) ذلك، نَبَّه رَجُلًا (¬1) فخَرَجَ فوَقَف معه. وهذا قَوْلُ عطاءٍ، والنَّخَعِيِّ. وكَرِه ذلك مالكٌ، والأوْزاعِيُّ. واسْتَقْبَحَه أحمدُ، وإسحاقُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: جَوَّز أصحابُنا جَذبَ رَجُلٍ يَقُومُ معه صَفًّا. قال: وعندِي أنَّه لا يَفْعَلُ؛ لِما فيه مِن التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنِه. قال شيخُنا (¬2): والصَّحِيحُ جَوازُ ذلك، لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه فجازَ، كالسُّجُودِ على ظَهْر إنسانٍ أو قَدَمِه ¬

(¬1) بعده في م: «ليقوم معه». (¬2) في: المغني 3/ 56.

577 - مسألة: (فإن صلى فذا ركعة، لم تصح)

فَإنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَة، لَمْ تَصِحَّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ حالَ الزِّحامِ، وليس هذا تَصَرُّفًا فيه، بل هو تَنْبِيهٌ له، فجَرَى مَجْرَى مَسْألَتِه أن يُصَلِّيَ معه. وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أَّنه قال: «لِينُوا في أيْدِي إخْوانِكُمْ» (¬1) يُرِيدُ ذلك. فإنِ امْتَنَع مِن الخُرُوجِ (¬2) صَلَّى وحدَه. 577 - مسألة: (فَإنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَة، لَمْ تَصِحَّ) لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب تسوية الصفوف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 154. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 98، 5/ 262. (¬2) بعده في م: «وحده معه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «لَا صَلَاةَ لِفَردٍ [خَلْفَ الصَّفِّ] (¬1)». رَواه الأثْرَمُ (¬2). ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 422.

578 - مسألة: (وإن ركع فذا ثم دخل في الصف، أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام صحت صلاته، وإن رفع ولم يسجد صحت. وقيل: إن علم النهى لم تصح، وإن فعله لغير عذر لم تصح)

وَإنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ في الصَّفِّ، أوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلِ رَفعِ الإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ. وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْىَ لَمْ تَصِحَّ، وَانْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 578 - مسألة: (وَإنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ في الصَّفِّ، أوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلِ رَفعِ الإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ. وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْىَ لَمْ تَصِحَّ، وَإنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ) عَن رَكَع دونَ الصَّفِّ، ثم دَخَل في الصف، لم يَخْلُ مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يُصَلى رَكْعَةً ثم يَدْخلَ، فلا تَصح صلاته؛ لِما ذَكرنا. الثَّاني، أن يَمْشِيَ وهو راكِعٌ، ثم يَدْخُلَ في الصَّف قبلَ رَفْعِ الإمامِ رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ، أو يَأتِيَ آخَرُ فيَقِفَ معه قبلَ رَفْعِ الإمامِ رَأسَه، فتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّه أدْرَك مع الإمامِ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكْعَةَ. وممَّن رَخَّصَ في ذلك زَيْدُ بنُ ثابِتِ. وفعَلَه ابنُ مسعودٍ، وزَيْدُ بنُ وَهْبٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جُبَيْرٍ. وجَوَّزَه الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، إذا كان قَرِيبًا من الصَّفِّ. الحالُ الثَّالِثْ، أن لا يَدخُلَ في الصَّفِّ إلَّا بعدَ رَفْعِ الإمام رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، أو يقِفَ معه آخَرُ في هذه الحالِ، ففِيه ثَلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، تَصِحُّ صلاتُه. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّ أَبا بكرَةَ فَعَل ذلك، وفَعَلَه مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحَابَةِ، ولأنَّه لم يُصَلِّ رَكْعَةً كامِلَةً، أشْبَه ما لو أدْرَك الرُّكوعَ. والثّانِيَةُ، تَبْطُلُ صلاتُه بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكْعَةَ، أشْبَه ما لو صَلَّى رَكعَةً كامِلَةً. والثّالِثَةُ، أنَّه إن كان جاهِلًا بتَحْرِيمِ ذلك، صَحَّتْ صلاتُه، وإلَّا لَزمَتْه الإعادَةُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اخْتارَها الخِرَقِيُّ؛ لِما رُوِيَ أنَّ أَبا بَكْرَةَ انْتَهَى إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو راكِعٌ، فرَكعَ قبلَ أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، فذَكَرَ ذلك للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». رَواه البُخَارِيّ (¬1). فلم يَأمُرْه بإعادَةِ الصلاةِ، ونَهاه عن العَوْدِ، والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفَسادَ. ولم يُفَرِّقِ القاضِيّ والخرَقِيُّ في هذه المَسْألةِ بينَ مَن دَخَل قبلَ رَفْعِ رَأسِه مِن الرُّكُوع أو بعدَ الرَّفْعِ، وذلك مَنْصُوصُ أحمدَ. والدَّلِيلُ يَقْتَضِي التَّفْرِيق، فيُحْمَلُ كلامُهم عليه، وقد ذَكَرَه أبو الخَطّابِ على نحْوِ ما ذَكَرْنا. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 421.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن فَعَل ذلك لغوِ عُذْرٍ، ولا خَشِيَ الفَواتَ لم تَصِحَّ صلاتُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه فاتَه ما تَفُرتُه الرَّكْعَةُ بفَواتِه، وإنَّما أَبِيحَ للمَعْذُورِ، لحَدِيثِ أبي بَكْرَةَ، فيَبْقَى فيما عداه على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. والثّانِي تَصِحُّ؛ لأنَّ المَوْقِفَ لا يَخْتَلِفُ بخِيفَةِ الفَواتِ وعَدَمِه؛ لو فَاتَتْه الرَّكْعَةُ كلُّها. فصل: السُّنَّةُ أن يَتَقَدَّمَ في الصَّفِّ الأوَّلِ أَو لُو الفَضْلِ، [والسِّنِّ] (¬1)، وأن يَلِيَ الإمامِ أكْمَلُهم وأفْضَلُهُم. قال أحمدُ: يَلِي الإمامَ الشُّيُوخُ وأهلُ القُرْآنِ، ويُؤخَّرُ الصِّبْيانُ والغِلْمانُ؛ لِما روَى أبو مَسْعودٍ (¬2) الأنصارِيُّ، قال: كان رسِولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لِيَلِنِي مِنْكُم أُولُو الأحْلَامِ والنُّهَى، ثم الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثم الَّذِين يَلُونَهُمْ». وقالَ أبو سعِيدٍ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى في أصحابِه تَأَخُّرًا، فقال: «تَقَدَّموا فَائْتَمُوا بى، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَزَالُ قَوْمْ يَتَأخَّرونَ حتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله عَزَّ وَجَل». رَواهما أبو ¬

(¬1) في م: «والأسن». (¬2) في م: «سعيد».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ داودَ (¬1). وعن قَيْسِ بنِ عُبادٍ، قال: أَتَيْتُ المَدِينَةَ لِلِقاءِ أصحابِ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، [فأُقِيمَتِ الصلاةُ، وخَرَجَ عمرُ مع أصْحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-] (¬2)، فقُمْتُ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فجاءَ رَجُلٌ فنَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ، فعَرَفَهُم غيرِي، فنَحّانِي وتام في مَكانِي، فما عَقَلْتُ صلاِتى، فلمَّا صَلَّى قال: يَا بُنَيَّ لا يَسُؤْكَ اللهُ، فإنِّي لم آتِ الَّذي أتيْتُ بجَهالَةِ، ولكنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لنَا: «كونُوا في الصَّفِّ الَّذي يَلينِي». وإنِّي نَظَرْتُ في وُجُوهِ القَوْمِ فعَرَفْتُهُم غيرَك. وكان الرَّجُلُ أبَيَّ بنَ كعبٍ. رَواه أحمدُ، والنَّسائِيُّ (¬3). ¬

(¬1) الأول، في: باب من يستحب أن يلي الإمام في الصف وكراهية التأخير، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 156. كما أخرجه مسلم، في: باب تسوية الصفوف. إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 323. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 26. والنَّسائي، في: باب من يلى الإمام ثم الَّذي يليه، وباب ما يقول الإمام إذا تقدم في تسوية الصفوف، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 68، 71. وابن ماجه، في: باب من يستحب أن يلى الإمام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 312، 313. والدارمي، من: كتاب من يلى الإمام من النَّاس، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 290. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 457، 4/ 122. والثاني، في: باب صف النساء وكراهية التأخير عن الصف الأول، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 157. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الرَّجل يأتم بالإمام ويأتم النَّاس بالمأموم، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 182. ومسلم، في: باب تسوية الصفوف. إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 325. والنَّسائي: كتاب الائتمام بمن يأتم بالإمام، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 65. وابن ماجه في: باب من كتاب من يلى الإمام، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 313. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 140. والنَّسائي بتغيير في اللفظ، في: باب من يلى الإمام ثم الَّذي يليه، من كتاب الإمامة. المجتبي 2/ 68.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والصَّفُّ الأوَّلُ أفْضَلُ للرِّجالِ، والنِّساءُ بالعَكْس؛ لقَوْلِ رسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُهَا، وشَرُّهَا آخِرُهَا، وخَيْرُ صُفُوفِ النَّسَاء آخِرُهَا، وشَرُّهَا أوَّلُهَا». رَواه أبو داودَ (¬1). وعن أنَسٍ، أنّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أتمُّوا الصَّفّ الأوَّلَ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ الْآخِرِ». رَواه أبو داوُدَ (¬2). وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ. قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الصَّفُّ الأوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابتدَرْتُمُوهُ». رَواه الإمامُ أحمدُ (¬3). ومَيامِنُ الصُّفُوفِ أفْضَلُ؛ ¬

(¬1) في: باب صف النساء وكراهية التأخير عن الصف الأول، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 156. كما أخرجه مسلم، في: باب تسوية الصفوف. إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 326. والتِّرمذيّ، في: باب ما جاء في فضل الصف الأول، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 23، 24. والنَّسائي، في: باب ذكر خير صفوف النساء وشر صفوف الرجال، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 73. وابن ماجه، في: باب صفوف النساء، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 319. والدارمي، في: باب أي صفوف النساء أفضل، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 291. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 247، 336، 340، 367، 3/ 3، 96، 293، 331. (¬2) في: باب تسوية الصفوف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 155. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الصف المؤخر، من كتاب الإمام. المجتبى 2/ 72. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 132، 215، 233. (¬3) في: المسند 5/ 140، وكما أخرجه أبو داود، في: باب في فضل صلاة الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 131. والنَّسائي، في: باب الجماعة إذا كانوا اثنين، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 81.

579 - مسألة: (وإذا كان المأموم يرى من وراء الإمام صحت صلاته، إذا اتصلت الصفوف. وإن لم ير من وراءه تصح، وعنه، تصح إذا كانا

وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى مَنْ وَرَاءَ الْإمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، إذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ، وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ لَمْ تَصِحَّ. وَعَنْهُ، تَصِحُّ إذَا كَانَا في الْمَسْجِدِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لقَوْلِ عائشةَ، رَضِيَ الله عنها: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ». رَواه أبو داودَ (¬1). ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ الإمامُ في مُقابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَسِّطُوا الإمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» [رَواه أبو داودَ] (¬2). 579 - مسألة: (وإذا كان المَأَمُومُ يَرَى مَن وراءَ الإِمامِ صَحَّتْ صلاتُه، إذا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ. وإن لم يَرَ مَن وراءَه تَصِحَّ، وعنه، تَصِحُّ إذا كانا (¬3) في المَسْجِدِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان الإمامُ والمَأْمُومُ ¬

(¬1) في: باب من يستحب أن يلى الإمام في الصف وكراهية التأخير، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 156. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب فضل ميمنة الصفوف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 321. (¬2) سقط من: م. وأخرجه أبو داود، في: باب مقام الإمام من الصف، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 157. (¬3) في م: «كان».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في المَسْجدِ لم (¬1) يُعْتَبَرِ اتِّصالُ الصُّفُوفِ. قال الآمِديُّ: لا خِلافَ في المَذْهبِ، أنَّه إذا كان في أقْصَى المَسْجِدِ، وليس بينَه وبينَ الِإمامِ ما يَمْنَعُ الاسْتِطْراقَ والمُشاهَدَةَ، أنَّه يَصِحُّ اقْتِداؤُه به، وإن لم تَتَصِلِ الصُّفُوفُ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ وذلك لأنَّ المَسْجِدَ بُنِيَ للجَماعَةِ، فكلُّ مَن حَصَل فيه فقد حَصَل في مَحَلِّ الجَماعَةِ. فإن كان المأمُومُ خارِجَ المَسْجِدِ، أو كانا جَمِيعًا في غيرِ المَسْجِدِ، صَحَّ أن يَأتَمَّ به، بشَرْطِ إمْكانِ المُشاهَدَةِ واتِّصالِ الصُّفُوفِ، وسَواءٌ كان المأمُومُ في رَحْبَةِ (¬2) ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «درجة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المَسْجِدِ، أو في دارٍ، أبي على سَطْحٍ والإمامُ على سَطْحٍ آخَر، أو كانا (¬1) في صَحْراءَ، أو في سَفِينَتَيْن. وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه يُشْتَرِطُ أن لا يكونَ بَيْنَهما ما يَمْنَعُ الاسْتِطْراقَ، في أحَدِ القَوْلَيْن. ولَنا، أنَّ هذا لا تَأثِيرَ له في المَنْع مِن (¬2) الاقْتِداءِ بالإمامِ، ولم يَرِدْ فيه نَهْىٌ، ولا هو في مَعْنَى ذلك، فلم يَمْنَعْ صِحةَ الائْتِمامِ به، كالفَصْلِ اليَسِيرِ. إِذا ثَبَت هذا، فإنَّ مَعْنَى اتِّصالِ الصُّفُوفِ أن لا يكونَ بينَهما بُعْدٌ لم تَجْرِ العادَةُ به، بحيث يَمْنَعُ إمكانَ الاقْتِداءِ. وحُكِيَ عن الشافعيِّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه حَدَّ الاتِّصالَ بما دُونَ ثَلاِثِمائَةِ ذِراعٍ. والتَّحْدِيداتُ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا نَعْلَمُ في هذا نَصًّا ولا إجْماعًا يُعْتَمَدُ عليه، فوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفَ، كالتَّفَرُّقِ، والإحْرازِ. ¬

(¬1) في م: «كان». (¬2) في م: «مع».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان بينَ المأمُوم والإمام حائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الإمام ومَن وراءَه، فقال ابنُ حامِدٍ: فيه رِوايَتان؛ إحداهما، لا يَصِحُّ الائتِمامُ به. اخْتارَه القاضي؛ لأنَّ عائشةَ قالت لنِساءٍ كُنَّ يُصَلينَ في حُجْرَتِها: لا تُصَلِّين

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بصلاةِ الإمامِ، فإنَّكُنَّ دُونَه في حِجابٍ (¬1). ولأنَّه لا يُمْكِنُه الاقْتِداءُ به في الغالِبِ. والثَّانِيَةُ، تَصِحُّ. قال أحمدُ، في رجلٍ يُصَلِّيِ خارِجَ المَسْجِدِ يومَ الجُمُعَةِ وأَبْوابُ المسجدِ مُغْلَقَةٌ: أرجُو أن لا يكون به بَأسٌ. وذلك لأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بالإمامِ، فصَحَّ عِن غيرِ مُشاهَدَةٍ، كالأعْمَى، ولأنَّ المُشاهَدَةَ تُرادُ للعِلْمِ بحالِ الإمامِ، والعلمُ [يَحْصُلُ بسَماعِ] (¬2) التَّكبِيرِ، ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، في: باب المأموم خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد وبينهما حائل، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 111. (¬2) في م: «إسماع».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فجرَى مَجْرَى الرُّؤْيَةِ. وعنه، أنَّه يَصِحُّ إذا كان في المَسجِدِ دُونَ غيرِه؛ لأنَّ المَسْجِدَ مَحَلُّ الجَماعَةِ، وفي مَظِنَّةِ القُرْبِ، ولأنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه اتِّصالُ الصُّفُوفِ لذلك، فجازَ أن لا تُشْتَرَطَ الرُّؤْيَةُ. واخْتارَ شيخُنا (¬1) التَّساوِيَ فيهما؛ لاسْتوائِهما في المَعْنَى المُجَوِّزِ أو المانِعِ، فوَجَبَ اسْتِواؤهما في الحُكْمِ. وإنَّما صَحَّ مع عَدَمِ المُشاهَدَةِ، بشَرْطِ (¬2) أن يَسْمَعَ التَّكْبِيرَ، فإن لم يَسْمَعْه لم يَصِحَّ ائتِمامُه بحالٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الاقْتِداءُ. فصل: وكلُّ مَوْضِع اعْتَبَرْنا المُشاهَدَةَ، فإنَّه يَكْفِي مُشاهَدَةُ مَن وراءَ الإِمامِ؛ مِن بابٍ أمامَه أو (¬3) عن يَمِينِه أو عن يَسارِه، ومُشاهَدَةُ طَرَفِ ¬

(¬1) في: المغني 3/ 46. (¬2) في م: «لأنه يشترط». (¬3) سقط: «الأصل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصَّفِّ الَّذي وراءَه؛ لأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بذلك. وإن حَصَلَتِ المُشاهَدَةُ في بَعْضِ أحْوالِ الصلاةِ كَفاه في الظّاهِرِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ، وجِدارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فرَأى النَّاسُ شَخْصَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي، فقامَ أُناسُ يُصَلُّون بصلاتِه. والحديثُ رَواه البخاريُّ (¬1). والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَه في حالِ قِيامِه. ¬

(¬1) في: باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 186.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان بَيْنَهما طَرِيقٌ أو نَهْرٌ تَجْرِي فيه السُّفُنُ، أو كانا في سَفينَتَيْن مُتَفرِّقَتَيْن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ. اخْتارَه أصحابُنا. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الطَّرِيقَ ليست مَحَلًّا للصلاةِ، أشْبَهَ ما يَمْنَعُ الاتِّصالَ. والثّانِي، يَصِحُّ. اخْتارَه شيخُنا (¬1). وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه لا نَصَّ في مَنْع ذلك، ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لأنَّه لا يَمْنَعُ الاقْتِداءَ، والمُؤثِّرُ في المَنْع ما يَمْنَعُ الرُّؤيَةَ أو سَماعَ الصَّوْتِ، وليس هذا بواحِدٍ منهما. قولُهم (¬2): إن ما بَيْنَهما ليس مَحَلًّا للصلاةِ. مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ في الطَّرِيقِ، فلا يَصِحُّ في النَّهْرِ، بدَلِيلِ صِحَّةِ الصلاةِ عليه في السَّفِينَةِ، وحالَ جُمُودِه. ثم كَوْنُه ليس مَحَلًّا للصلاةِ إنَّما يُؤثِّرُ مَنْع الصلاةِ فيه، أمَّا في صِحَّةِ الاقْتِداء بالإمامِ فتَحَكُّمٌ مَحْضٌ، لا يَلْزَمُ الحَصِيرُ إليه. فأمَّا إن كانت صلاةَ (¬3) جُمُعَةٍ أو عِيدٍ أو جِنازَةٍ، لم يُؤثِّرْ ذلك فيها؛ لأنَّها تَصِحُّ في الطَّرِيقِ، وقد صَلَّى أنَسٌ في مَوْتِ حُمَيْدِ ابن عبدِ الرَّحْمَنِ بصلاةِ الإمامِ، وبينَهما طَرِيقٌ (¬4). واللهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في: المغني 3/ 46. (¬2) في الأصل: «فوهم». (¬3) في م: «صلاته». (¬4) أخرجه البيهقي، في: باب المأموم يصلي خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد وليس بينهما حائل، =

580 - مسألة: (ولا يكون الإمام أعلى من المأموم، فإن فعل وكان كثيرا، فهل تصح صلاته؟ على

وَلَا يَكُونُ الإِمَامُ أعْلَى مِنَ الْمَأمُومِ، فَإنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُه؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 580 - مسألة: (وَلَا يَكُونُ الإِمَامُ أعْلَى مِنَ الْمَأمُومِ، فَإنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُه؟ عَلَى (¬1) وَجْهَيْنِ) يُكرَهُ أن يكونَ الإمامُ أعْلَى مِن المَأمُومِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ أراد تَعْلِيمَهم أو لم يُردْ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، والأوزاعِيِّ، وأصحاب الرَّأْيِ. ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُكرَهُ. واخْتارَ الشافعيُّ للإمامِ الَّذي يُعَلِّمُ مَن خَلْفَه أن يُصَلِّيَ على الشئِ المُرْتَفِع، ليَراه مَن خَلْفَه، ليَقْتَدُوا به؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، ¬

= من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 111. (¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: لقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام عليه، يعْنِي المِنْبَرَ، فكَبَّرَ، وكَبَّرَ النَّاسُ وراءَه، ثم رَكع وهو على المِنْبَرِ، ثم رَفَع ونَزل القَهْقَرَى، حتَّى سَجَد في أصْلِ المِنْبَرِ، ثم عاد حتَّى فَرَغ مِن آخِرِ صلاتِه، ثِم أقْبَلَ على النَّاس فقال: أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَمُوا صَلَاِتى». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ (¬2) عَمّارَ بنَ ياسِرٍ، صَلَّى بالمَدائِنِ، فتَقَدَّمَ فقامَ على دُكانٍ، والنَّاسُ أسْفل منه، فتَقَدَّمَ حُذيْفَةُ فأخَذَ بيَدِه، فاتَّبَعَه عَمّارٌ حتَّى أنْزَلَه حُذَيْفَةُ، فلَمّا فَرَغ مِن صلاتِه، قال له حُذَيْفَةُ: ألم تَسْمَعْ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقُولُ: «إِذَا أمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ، فَلَا يَقُومَنَّ في مَكَانٍ أرْفعَ. مِن مَقَامِهِمْ؟» قال عَمَّار: فلذلك اتِّبَعْتُك حينَ أخَذْتَ على يَدَيَّ. رَواه أبو داودَ (¬3). ولأنَّه يَحْتاجُ أن يَقْتَدِيَ بإمامِه، فيَنْظُرَ رُكُوعَه وسُجُودَه، فإذا كان أعْلَى منه احْتاجَ إلى رَفْعِ بَصَرِه إليه، وذلك مَنْهِيٍّ عنه في الصلاةِ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 612. (¬2) سقط من: م. (¬3) في: باب الإمام يقوم مكانًا أرفع من مكان القوم. من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 141.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فأمَّا حديثُ سَهْلٍ، فالظَّاهِرُ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان على الدَّرَجَةِ السُّفْلَى؛ لِئَلَّا يَحْتاجَ إلى عَمَلٍ كَثِير في الصُّعُودِ والنُّزُولِ، فيَكُونُ ارْتِفاعًا يَسِيرًا لا بَأسَ به، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ. ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ ذلك بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، لأنَّه فَعَل شيئًا ونَهَى عنه، فيكونُ فِعْلُه لنَفْسِه، ونَهْيُه لغَيْرِه، [ولذلك] (¬1) لا يُسْتَحَبُّ لغيرِه عليه السلامُ. ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولم يُتِمَّ الصلاةَ على المِنْبَرِ، فإنَّ سُجُودَه وجُلُوسَه إنَّما كان على الأرض، بخِلافِ ما اخْتَلَفْنا فيه. فصل: ولا بَأسَ بالعُلُوِّ اليَسِيرِ، كدَرَجَةِ المِنْبَرِ ونَحْوِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سَهْل، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِي إليه مِن رَفْعِ البَصَرِ في الصلاةِ، وهذا يَخْتَصُّ الكَثِيرَ. ¬

(¬1) في م: «وكذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان العُلُو كَثيرا، أُبْطَلَ الصلاةَ في قَوْلِ ابنِ حامِدٍ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ يَقتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه. وقال القاضي: لا تَبْطُلُ. وهو قولُ أصْحَابِ الرَّأى؛ لأنَّ عَمّارًا أتَمَّ صلَاته، ولو كانت فاسِدَةً لَاسْتَأْنَفَها، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِي إليه مِن رَفْع البَصَرِ، وهو لا يُبطِلُ الصلاةَ، فسَبَبُه أوْلَى. فصل: فإن كان مع الإمام مَن هو مُساوٍ له، ومَن هو أسْفَلُ منه، اخْتَصَّتِ الكَراهةُ بمَن هو أسْفَلُ مَنه، لوُجُودِ المَعْنَى فيهم خاصَّةً. ويَحْتَمِلُ أن يَتَناوَلَ النَّهْىُ الإمامَ، لكَوْنِه مَنْهيًّا عن القِيامِ في مَكانٍ أعْلَى مِن مَقامِهم. فعلى هذا الاحْتِمالِ تَبْطُلُ صلاةُ الجَمِيع عندَ مَن أَبْطَلَ الصلاةَ بارْتِكابِ النَّهْيِ. فصل: فإن كان المَأمُومُ أعْلَى مِن الإِمامِ، كالذى على سَطحِ المَسجدِ، أو رَفٍّ أو دِكَّةٍ عالِيةٍ، فلا بَأسَ؛ لأنَّه رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَة، أنَّه صَلَّى بصلاةِ الإِمامِ على سَطْحِ المَسْجِدِ (¬1). وفَعَلَه سالِمٌ. وبه قال ¬

(¬1) أخرجه البيهقي، في: باب الصلاة المأموم في المسجد أو على ظهره، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 111.

581 - مسألة: (ويكره للإمام أن يصلي في طاق القبلة، أن يتطوع في موضع المكتوبة، إلا من حاجة)

وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ أنْ يُصَلِّيَ في طَاقِ الْقِبْلَةِ، أوْ يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّافعيّ، وأصحابُ الرَّأيِ. وقال مالكٌ: يُعِيدُ إذا صَلَّى الجُمُعَةَ فوقَ سَطْح المسجدِ بصلاةِ الإمامَ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبي هُرَيْرَةَ، ولأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بإمامِه، أشْبَهَ المُتَساوِيَيْن، ولأنَّ عُلُوَّ الإمامِ إنَّما كُرِهَ لحاجَةِ المأَمُومِين إلى رَفْع البَصَرِ المَنْهِيِّ عنه، وهذا بخِلافِه. 581 - مسألة: (وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ أنْ يُصَلِّيَ في طَاقِ الْقِبْلَةِ، أنْ يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ) يُكْرَهُ للإمام أن يَدْخُلَ (¬1) في طاقِ القِبْلَةِ. كَرِهَ ذلك ابنُ مسعودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأَسْوَدُ؛ لأنَّه يَسْتَتِرُ (¬2) عن بَعْضِ المَأمومين، فيُكْرَهُ؛ لو كان بينَه وبينَهم حِجابٌ. وفَعَلَه سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيُّ (¬3). فأمّا إن كان لحاجَةٍ، ككوْنِ المَسْجدِ ضَيِّقًا، لم يُكْرَهْ للحاجَةِ إليه. ¬

(¬1) في الأصل: «يصلي». (¬2) في الأصل: «يستر». (¬3) أبو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب بن رُبيِّعة السلمي الكُوفيّ القارئ، تابعي ثِقَة، تُوفِّي بين السبعين والثمانين. تهذيب التهذيب 5/ 183، 184.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُكْرَهُ للإمامِ أن يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال (¬1): كذا قال عليُّ بنُ أبي طالب، رَضِيَ اللهُ عنه. فأمّا المَأمومُ فلا بَأسَ أن يَتطَوَّعَ مَكانَه، فَعَل ذلك ابن عُمَرَ. وبه قال إسحاقُ. ورُوِيَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَتَطَوَّع الإمَامُ في مَكانِهِ الذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالناسِ». رَواه أبو داودَ (¬2). إلَّا أنَّ أحمدَ قال: لا أعْرِفُ ذلك عن غيرِ عليٍّ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في: باب الإمام يتطوع في مكانه، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 144. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 459.

582 - مسألة: (ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم)

وَيُكْرَهُ لِلْمَأمُومِينَ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 582 - مسألة: (وَيُكْرَهُ لِلْمَأمُومِينَ الْوقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ) وكَرِه ذلك ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِيُّ [وابنُ عباسٍ وحُذَيْفَةُ] (¬1). ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأيِ، وابنُ المُنْذِرِ. ولَنا، ما روَى مُعاوِيَةُ بنُ قُرَّةً، عن أَبيه، قال: كُنَّا نُنْهَى أن نَصُفَّ بينَ السُّوارِي على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وتُطْرَدُ عنها طَرْدًا. رَواه ابنُ ماجه (¬2). فإن كان الصَّفُّ صَغِيرًا لا يَنْقَطِعُ بها لم يُكْرَهْ؛ لعَدَمِ ما يُوجِبُ الكَراهَةَ. ولا يُكْرَه ذلك للإمامَ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في: باب الصلاة بين السوارى في الصف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 320. كما أخرج أبو داود ونحوه عن أنس، في: باب الصفوف بين السوارى، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 155.

583 - مسألة: (ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة، مستقبل القبلة)

وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ إطَالَةُ الْقُعُودِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 583 - مسألة: (ويُكْرَهُ للإمامِ إطالَةُ القُعُودِ بعدَ الصلاةِ، مُسْتَقِبلَ القِبْلَةِ) لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَلَّمَ لم يَقْعُدْ إلَّا مِقْدارَ ما يقولُ: «اللَّهُم أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتُ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَام». رَواه ابنُ ماجه (¬1). ولأنَّه لا يُسْتَحَبُّ للمَأْمُومين الانصِرافُ قبلَ الإمامِ، فإذا أطال الجُلُوسَ شَقَّ عليهم. فإن لم يَقُم اسْتُحِبَّ أن يَنْحَرفَ عن قِبْلَتِه؛ لِما رُوِيَ عن سَمُرَةَ، قال: كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّىَ صلاةً أقْبَلَ علينا بوَجْهِه. أخْرَجَه البخاريُّ (¬2). وعن عليٍّ، رَضىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى بقَومٍ العصرَ، ثم أسْنَد ظَهْرَه إلى القِبْلَةِ فاسْتَقْبَل القَوْمَ. رَواه الأثْرَمُ. قال الأثرَمُ: رَأيْتُ أَبا عبدِ الله إِذا سَلَّمَ يَلْتَفِتُ ويَتَرَبَّعُ. قال أبو داودَ: رَأْيْتُه إذا كان إمامًا فسَلَّمَ انْحَرَفَ عن يَمِينِه. وروَى جابرُ بنُ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّى الفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِه ¬

(¬1) في: باب ما يقال بعد التسليم، من كتاب إِقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 298. كما أخرجه مسلم، في: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 414. والتِّرمذيّ، في: باب ما يقول إذا سلَّم من الصلاة، من أبواب الصلاة. سنن التِّرْمِذِيّ 2/ 91، 92. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 62، 184، 235. (¬2) في: باب يستقبل الإمام النَّاس إذا سلّم، من كتاب الأذان، وفي: باب حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، من كتاب الجنائز. صحيح البُخَارِيّ 1/ 214، 2/ 125. كما أخرجه مسلم، في: باب رؤيا النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب الرؤيا. صحيح مسلم 4/ 1781. والتِّرمذيّ، في: باب حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بشار، من أبواب الرؤيا. عارضة الأحوذي 9/ 165. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 14.

584 - مسألة: (فإن كان معه نساء، لبث قليلا لينصرف النساء)

فَإنْ كَانَ مَعَهُ نِسَاءٌ، لَبِثَ قَلِيلًا لِيَنْصَرِفَ النِّسَاءُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حسَنًا (¬1). وفي لَفْظٍ: كان إذا صَلَّى الفَجْرَ جَلَس في مُصَلّاه حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رواه مسلمٌ (¬2). 584 - مسألة: (فإن كان معه نِساءٌ، لَبِثَ قَلِيلًا ليَنْصَرِف النِّساءُ) لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: إنَّ النِّساءَ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِن المَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وثَبَت رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن صَلَّى مِن الرِّجالِ ما شاء اللهُ، فإذا قام رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام الرِّجالُ. قال الزُّهْرِيُّ: فنَرَى ذلك، واللهُ أعلمُ، أنَّ ذلك لكى يَنْفُذَ مَن يَنْصَرِفُ مِن النِّساءِ. رَواه البخاريُّ (¬3). ويُسْتَحَبُّ للنِّساءِ أن لا يَجْلِسْنَ بعدَ الصلاةِ، لذلك، ولأنَّ الإخْلالَ به مِن أحَدِ الفَرِيقَيْن يُفْضى إلى اخْتِلاطِ الرجالِ بالنِّساءِ. ويُسْتَحَبُّ للمَأْمُومين أن لا يَقُومُوا قبلَ الإِمامِ؛ لِئَلاَّ يَذْكُرَ سَهْوًا فيَسْجُدَ، وقد قال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنِّي إِمَامُكمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بالقِيَامِ، وَلَا بِالانْصِرَافِ». رَواه مسلمٌ (¬4). إلَّا أن يُخالِفَ الإمامُ السُّنَّةَ في إطالَةِ الجُلُوس، أو يَنْحَرِفَ، فلا بَأْسَ ذلك. فصل: ويَنْصرِفُ الإمامُ حيث يشاء، عن يَمين وشِمالٍ؛ لقَوْلِ ابنِ ¬

(¬1) حسنًا: أي طلوعا حسنًا، أي مرتفعة. (¬2) تقدم تخريجه في 3/ 577. (¬3) في: باب انتظار النَّاس قيام الإمام للعالم، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 219. كما أخرجه النَّسائيّ، في: جلسة الإمام بين التسليم والانصراف، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 57. الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 316. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 318.

585 - مسألة: (وإن أمت امرأة نساء، قامت وسطهن في الصف)

وَإذَا صَلَّتِ الْمَرْأَة بِالنِّسَاءِ، قَامَتْ وَسَطَهُنَّ في الصَّفِّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ مسعودٍ: لا يَجْعَلْ أَحَدُكم للشَّيْطانِ حَظًّا مِن صَلاتِه، يَرَى أنَّ حَقًا عليه أن لا يَنْصَرِفَ إلَّا عن يَمينِه، لقد رَأَيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أكْثَر ما يَنْصَرِفُ عن شِمالِه. رَواه مسلمٌ (¬1). وعن هُلْبٍ (¬2)، أنَّه صَلَّى مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكانَ يَنْصَرِفُ عن شِقَّيْه. رَواه أبو داودَ (¬3). 585 - مسألة: (وإن أَمْتِ امرأةٌ نِساءٍ، قامَتْ وَسَطَهُنَّ في الصَّفِّ) اخْتَلَفَتِ الروايَةُ، هل يُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تُصلِّي بالنِّساءِ جَماعَةً؟ فعنه، أنَّه مُسْتَحَبٌّ. يروَى ذلك عن عائشةَ، وأمِّ سَلَمَةَ، وعطاءٍ، والثَّوْريِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَورٍ. وعن أحمدَ، أنَّه غيرُ مُسْتَحَبٌّ وكَرِهَه أصْحابُ الرَّأْيِ. وقال الشَّعْبِيُّ، ¬

(¬1) في: باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 492. كما أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 1/ 216. وأبو داود، في: باب كيف الانصراف من الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 239. وابن ماجه، في: باب الانصراف من الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 300. والدارمي، في: باب على أي شقيه ينصرف الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 311. (¬2) في م: «لهب». (¬3) في: باب كيف الانصراف من الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 239. كما أخرجه ابن ماجه. في: باب الانصراف من الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 300. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 226، 227.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والنَّخَعِيُّ، وقَتادَة: لَهُنَّ ذلك في التَّطَوُّعِ خاصَّةً. وقال الحسنُ، وسليمانُ بنُ يَسارٍ: لا تَؤُمُّ مُطْلَقًا. ونَحْوُه قَوْلُ مالكٍ؛ لأنَّه يُكْرَهُ لها الأذانُ، وهو دُعاءٌ إلى الجماعَةِ، فكُرِهَ ما يُرادُ له الأذانُ. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أذِنَ لأُمِّ وَرقَةَ أن تَؤُمُّ أهْلَ دارِها. رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّهُنَّ مِن أهْلِ الفرائِضِ، أشْبَهْنَ الرِّجالَ. وإنَّما كُرِهَ لَهُنَّ الأذانُ لِما فيه مِن رَفْعِ الصَّوْتِ، ولَسْنَ مِن أَهْلِه. إذا ثَبَت ذلك، فإِنَّها تَقُومُ وَسَطَهُن في الصَّفِّ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا بينَ مَن رَأى أن تَؤُمهُنَّ؛ لأن ذلك يُرْوَى عن عائشةَ، وأمِّ سَلَمَةَ (¬2). رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ. ولأنَّ المرْأةَ يُسْتَحَبُّ لها التَّسَتُّرُ، ولذلك لا يُسْتَحَبُّ لها التَّجافِي، وكوْنُها في وَسَطِ الصَّفِّ أسْتَرُ لها، فاسْتُحِبَّ لها كالعُرْيانِ. فإن صَلَّتْ بينَ أيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لكَوْنِه مَوْقِفًا في الجُمْلَةِ للرجلِ. واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّها خالَفَتْ مَوْقِفَها، أشْبَهَ ما لو خالَفَ الرجلُ مَوْقفَه. فإِن أمَّتِ امرأةً واحِدَةً، ¬

(¬1) في: باب إمامة النساء، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 139. كما أخرجه الإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 405. (¬2) أخرجه البيهقي في: باب المرأة تؤم النساء فتقوم وسطهن، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 131.

586 - مسألة: (ويعذر في ترك

فَصْلٌ: وَيُعْذَرُ في تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، الْمَرِيضُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ قامَتْ عن يَمِينِها، كالمَأمُومِ مِن الرِّجالِ، وإن وَقَفتْ خَلْفَها جازَ؛ لأنَّ المرأة يَجُوزُ وُقُوفُها وَحْدَها، بدَلِيلِ حديثِ أنسٍ (¬1). فصل: وتَجْهَرُ في صلاةِ الجَهْرِ قياسًا على الرجلِ، فإن كان ثَمَّ رجالٌ لم تَجْهَرْ، إلَّا أن يَكُونُوا مِن مَحارمِها، فلا بَأسَ به. والله أعلمُ. 586 - مسألة: (ويُعْذَرُ في ترْكِ (¬2) الجُمُعَةِ والجَماعَةِ، المَرِيضُ) قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ للمَرِيضِ أن يَتَخَلَّفَ عن الجماعاتِ مِن أجْلِ المَرَضِ. وقد روَى ابنُ عباس، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «مَنْ سَمِعَ النِّداءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّباعِهِ عُذْرٌ». قالُوا: وما العُذْرُ يَا رسولَ اللهِ؟ قال: «خَوْفٌ [أو مَرَضٌ] (¬3). لم تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى». رَواه أبو داودَ (¬4). وقد كان بلالٌ يُؤَذِّنُ بالصلاةِ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 403، 404. (¬2) سقط من: م. (¬3) في م: «المرض». (¬4) في: باب في التشديد في ترك الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 130.

587 - مسألة: (ومن يدافع أحد الأخبثين، أو بحضرة طعام هو محتاج إليه)

وَمَنْ يُدَافِعُ أَحدَ الأخْبَثَيْنِ، أو بِحَضْرَةِ طَعَام هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ». ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم يَأْتِي النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو مَرِيضٌ، فيقولُ: «مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (¬1). 587 - مسألة: (ومَن يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَيْن، أو بحَضْرَةِ طَعامٍ هو مُحْتاجٌ إليه) لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الأخْبَثَيْنِ». رَواه مسلمٌ (¬2). وسَواءٌ خاف فَواتَ الجماعَةِ أو لم يَخَفْ؛ لقَوْلِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا حَضَرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فابْدَأْوا بالعَشَاءِ». رَواه مسلمٌ (¬3). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 338. (¬2) تقدم تخريجه في 3/ 594. (¬3) تقدم تخريجه في 3/ 596 من حديث ابن عمر.

588 - مسألة: (والخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه، [أو موت قريبه، أو]

وَالْخَائِفُ مِنْ ضيَاعِ مَالِهِ، أوْ فَوَاتِهِ، أوْ ضَرَرٍ فِيهِ، أوْ مَوْتِ قَرِيبهِ، أوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ، أوْ سُلْطَانٍ، أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 588 - مسألة: (والخائِفُ مِن ضَياعِ مالِه، أو فَواتِه، أو ضَرَرٍ فيه، [أو مَوْتِ قريبِه، أو] (¬1) على نَفْسِه مِن ضَررٍ، أو سُلْطانٍ، أو مُلازَمَةِ غَرِيم ولا شيْءَ معه) الخَوْفُ يَتَنَوَّعُ ثَلَاثةَ أنْواعٍ؛ أحَدُها، الخَوْفُ على نَفْسِه؛ بأن يَخافَ سُلْطانًا يَأْخُذُه، أو لِصًّا، أو سَبُعًا، أو سَيْلًا، أو نَحْوَ ذلك مِمّا يُؤْذِيه في نَفْسِه، أو يَخافَ غَرِيمًا يَحْبِسُه (¬2) ولا شئَ معه ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُعْطِيه، فإِنَّ حَبسَ المُعْسِرِ ظُلْمٌ، وكذلك إن كان عليه دَيْنٌ مُوجَّلٌ خَشِيَ أن يُطالَبَ به قبلَ مَحِلِّه. وإن كان الدَّيْنُ حالًا، وهو قادِرٌ على أدائِه، فلا عُذْرَ له في التَّخَلُّفِ؛ لأنَّ مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمٌ. وإن تَوَجَّهَ عليه حَدٌّ لله تعالى، أو حَدُّ قَذْفٍ، فخافَ أن يُؤْخَذَ به، لم يَكُنْ ذلك عُذْرًا؛ لأنَّه يَجِبُ عليه وَفاؤه، وكذلك إن تَوَجَّهَ عليه قِصاصٌ. وقال القاضي: إن رَجا الصُّلْحَ عنه بِمالٍ، فهو عُذْرٌ حتَّى يُصالِحَ، بخِلافِ الحُدُودِ؛ لأنَّها لا تَدْخُلها المُصالَحَةُ. وحَدُّ القَذْفِ إن رَجا العَفْوَ عنه، فليس بعُذْرٍ، لأنَّه يَرْجُو إسقاطَه بغيرِ بَدَلٍ. الثَّانِي، الخَوْفُ على مالِه مِن لِصٌّ، أو سُلْطانٍ، أو نَحْوِه، أو يَخافُ على بَهِيمَتِه (¬1) مِن سَبُعٍ، أو شُرُودٍ، إن ذَهب وترَكَها، أو على مَنْزِلِه، أو مَتاعِه، أو زَرْعِه، أو يَخافُ إباقَ عَبْدِه، أو يكونُ له خُبْزٌ في التَّنُّورِ، أو طَبِيخٌ على النّارِ يَخافُ تَلَفَهما (¬2) بذَهابِه، أو ¬

(¬1) في م: «بهيمة». (¬2) في م: «تلفها».

589 - مسألة: (أو فوات رفقته

أوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ، أوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ يكونُ له مالٌ ضائِعٌ، أو عَبْدٌ آبِقٌ يَرْجُو وِجْدانَه في تلك الحالِ، أو يخافُ ضَياعَه إنِ اشْتَغَلَ عنه، أو يكونُ له غَرِيمٌ إن تَرَك مُلازَمَتَه ذَهَب، أو يكونُ ناطُورَ (¬1) بُسْتَانٍ أو نَحْوِه يَخافُ إن ذَهَب سُرِقَ، أو مُسْتَأْجَرًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ ما اسْتُؤْجِرَ على حِفْظِه، فهذا وأشْباهُه عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ والجَماعَةِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «أوْ خَوْفٌ». ولأنَّ في أمْرِه عليه السَّلامُ بالصلاةِ في الرِّحالِ لأجْلِ الطِّينِ والمَطَرِ، مع أن ضَرَرَهما أيْسَرُ مِن ذلك، تنْبيهًا على جَوازِه. الثالثُ، الخوْفُ على وَلَدِه وأهْلِه أن يَضِيعُوا، أو يَخافُ مَوْتَ قَرِيبِه ولا يَشْهَدُه، فهذا كلُّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجماعَةِ. وبهذا قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. وقد اسْتُصْرِخَ ابنُ عُمَرَ على سعيدِ بنِ زيدٍ، بعدَ ارْتفاعِ الضُّحَى، وهو يَتَجَهزُ للجُمُعَةِ، فأتاه بالعَقِيقِ وتَرَك الجُمُعَةَ. والله أَعلمُ. 589 - مسألة: (أو فَواتِ رُفْقَتِه (¬2)، أو غَلْبَةِ النُّعاسِ، أو خَشْيَةِ ¬

(¬1) الناطور: حافظ الكرم والنخل. (¬2) في م: «رفقة».

أوِ الْأَذَى بِالْمَطَرِ، وَالْوَحْل، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ في اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّأْذِّي بالمَطَرِ، والوَحْلِ، والرِّيحِ الشَّدِيدَةِ في اللَّيْلَةِ المُظْلمَةِ البارِدَةِ) ويُعْذَرُ في تَرْكِهما (¬1) مَن يُرِيدُ سَفَرًا يَخافُ فَواتَ رُفْقَتِه، لأنَّ عليه في ¬

(¬1) في م: «تركها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذلك ضَرَرًا، ومَن يَخافُ غلبةَ النُّعاسِ حتَّى يفُوتاه، يَجُوزُ (¬1) لَه أن يُصَلِّيَ وَحْدَه ويَنْصَرِفَ؛ لأنَّ الرجلَ الذى صَلى مع مُعَاذٍ انْفَرَدَ [وصَلَّى وَحْدَه] (¬2) عندَ تَطْوِيلِ مُعاذٍ، وخَوْفِ النُّعاسِ والمَشَقَّةِ، فلم يُنْكِرْ عليه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ أخْبَرَه بذلك (¬3). ويُعْذَرُ في تركِ الجماعَةِ مَن يخافُ تَطْويلَ الإمامِ كثيرًا لذلك، فإنَّه إذا جاز تَرْكُ الجَماعَةِ بعدَ دُخُولِه فيها لأجْلِ التَّطْوِيلِ، فتَرْكُ الخُرُوجِ إليها أوْلَى. ويُعْذَرُ في المَطَرِ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلِ الذى يَتَأذَّى به في بَدَنه أو ثِيابِه، لِما روَى عبدُ الله بنُ الحَارِثِ قال: قال عبدُ الله بنُ عباسٍ لمُؤذِّنِه في يَوْمٍ مَطِيرٍ: إذا قُلْتَ: أشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فلا تَقُلْ: حَيَّ على الصلاةِ. وقُلْ: صلُّوا في بُيُوتِكم. . قال: فكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك. فقال ابنُ عباسٍ: أتعْجَبُون مِن ذلك؟ قد فَعَل ذلك من هو خَيْرٌ مِنِّي، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّي كَرِهْتُ أن أُخرِجَكُم فَتَمْشُوا في الطِّينِ والدَّحْضِ (¬4) مُتَّفَق عليه (¬5). وروَى أبو ¬

(¬1) في م: «الجواز» (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في 3/ 461. (¬4) الدحض: الزَّلِق. (¬5) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الكلام في الأذان، وباب هل يصلي الإمام. إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، من كتاب الجمعة. صحيح البُخَارِيّ 1/ 160، 170، 2/ 7. ومسلم، في: باب الصلاة في الرحال في المطر، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 485. كما أخرجه أبو داود، في: باب التخلف عن الجماعة في الليلة الباردة. إلخ، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 245. وابن ماجه، في: باب الجماعة في الليلة المطيرة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 302.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المَليحِ، أنَّه شَهِد النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- زَمَنَ الفَتْحِ، وأصابَهم مَطرٌ لم تَبْتَلَّ أسْفَلُ نِعالِهم، فأمَرَهم أن يُصَلوا في رِحالِهم. رَواه أبو داودَ (¬1). ويُعْذَرُ في تَرْكِ الجَماعَةِ بالرِّيحِ الشَّديدَةِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ البارِدَةِ؛ لِما روَى ابن عُمَرَ قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُنادِي مُنادِيه في اللَّيْلَةِ البارِدَةِ أو المَطِيرَةِ في ¬

(¬1) في: باب الجمعة في اليوم المطير، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 2/ 411. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب الجماعة في الليلة المطيرة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 302. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 24، 74، 75.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السَّفَر: «صَلُوا في رِحَالِكمْ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ورَواه ابنُ ماجه (¬2) بإسْنادٍ صَحِيحٍ، ولم يَقُلْ في السَّفَرِ. ¬

(¬1) أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الأذان للمسافر، وباب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله، من كتاب الأذان. صحيح البُخَارِيّ 9/ 163، 170. ومسلم، في: باب الصلاة في الرحال في المطر، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 484. كما أخرجه أبو داود، في: باب التخلف عن الجماعة والليلة الباردة، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 244. والنَّسائي، في: باب الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة، من كتاب الأذان، وفي: باب العذر في ترك الجماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 13، 86. والدارمي، في: باب الرخصة في ترك الجماعة إذا كان مطر في السفر، من كتاب الصلاة. سنن الدَّارميّ 1/ 292. والإمام مالك، في: باب النداء في السفر وعلى غير وضوء، من كتاب النداء. الموطأ 1/ 73. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 4، 10، 53، 63، 103. (¬2) في: باب الجماعة في الليلة المطيرة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 302.

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756 المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

باب صلاة أهل الأعذار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ وَيُصَلِّى الْمَرِيضُ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ صلاةِ أَهْلِ الأعْذارِ 590 - مسألة: (ويُصَلِّى المَرِيضُ كما قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعِمْرانَ بنِ حُصَيْنِ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ») رَواه البُخارِيُّ (¬1). أَجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن لا يُطِيقُ القِيامَ، له أن يُصَلِّى جَالِسًا؛ لهذا الحَديثِ؛ ولِما روَى أنَسٌ، قال: سَقَط رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن فَرَسٍ، فجُحِشَ (¬2)، أو خُدِش شِقُّه الأيْمَنُ، فدَخَلْنا ¬

(¬1) في: باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب، من كتاب التقصير. البخارى 2/ 60. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صلاة القاعد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 218. والترمذى، في: باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 166. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة المريض، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 386. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 426. (¬2) الجحش: سجح الجلد وقشره.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه نَعُودُه، فحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فصَلَّى قاعِدًا، وصَلَّيْنا قُعُودًا. مُتَفَّقٌ عليه (¬1). فصل: فإن أمْكَنه القِيامُ، إلَّا أنَّه يَخْشَى تَبَاطُؤَ بُرْئِه، أو زِيادَةَ مَرَضِه، أو يَشُقُّ عليه مَشَقَّةً شديدةً، فلَه أن يُصَلِّى قاعِدًا. ونَحْوَه قال مالكٌ، وإسحاقُ. وقال مَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ (¬2): إذا لم يَسْتَطِعْ أن يَقُومَ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، من كتاب الصلاة، وفى: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، وباب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، وباب يهوى بالتكبير حين يسجد، من كتاب الأذان، وفى: باب صلاة القاعد، من كتاب التقصير. صحيح البخارى 1/ 106، 177، 187، 203، 2/ 59 ومسلم، في: باب ائتمام المأموم بالإمام، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 308. كما أخرجه أبو داود، في: باب الإمام يصلى من قعود، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 141. والترمذى، في: باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 156. والنسائى، في: باب الائتمام بالإمام يصلى قاعدا، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 77. وابن ماجه، في: باب في إنما جعل الإمام ليؤتم به، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 392. والدارمى، في: باب في من يصلى خلف الإمام والإمام جالس، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 286، 287. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 110، 162، 300. (¬2) أبو أيوب ميمون بن مهران، مولى الأزد، من فقهاء التابعين بالجزيرة، توفى سنة سبع عشرة ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازى 77. وقوله في مصنف عبد الرزاق 2/ 473.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لدُنْياه، فَلْيُصَلِّ جالِسًا. وحُكِىَ نَحْوُ (¬1) ذلك عن أحمدَ. ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالىِ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬2). وهذا حَرَجٌ، ولأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى جالِسًا لَمّا جُحِش شِقُّه، والظّاهِرُ أنَّ مَن جُحِش شِقُّه لا يَعْجِزُ عن القِيامِ بالكُلِّيَّة. ومتى صَلَّى قاعِدًا، فإنَّه يكونُ على صِفَةِ صلاةِ المُتَطَوِّعِ جالِسًا، على ما ذَكَرْنا (¬3). فصل: فإن قَدَر على القِيامِ؛ بأن يَتَّكِئ على عَصًا أو يَسْتَنِدَ إلى (¬4) حائِطٍ، أو يَعْتَمِدَ على أحَدِ جانِبَيْه لَزِمَه؛ لأنَّه قادِرٌ على القِيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلَزِمَه، كما لو قَدَر بغيرِ هذه الأشياءِ. وإن قَدَر على القِيامِ، إلَّا أنَّه يكونُ على هَيْئَةِ الرّاكِعِ كالأحْدَبِ والكَبِيرِ، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّه قِيامُ مِثْلِه. وإن كان لقِصَرِ سَقْفٍ لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ، أو سَفِينةٍ، أو خائِفٍ لا يُعْلَمُ به إلَّا إذا رَفَع رَأْسَه، ففيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه القِيامُ، كالأحْدَبِ. ¬

(¬1) في م: «بجواز». (¬2) سورة الحج 78. (¬3) انظر ما تقدم في 4/ 200. (¬4) في م: «على».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثّانِى، لا يَلْزَمُه، فإنَّ أحمدَ قال، في (¬1) الذى في السَّفِينَةِ لا يَقْدِرُ أن يَسْتَتِمَّ قائِمًا؛ لقِصَرِ سَماءِ السَّفِينَةِ: يُصَلِّى قاعِدًا، إلَّا أن يكونَ شيئًا يَسِيرًا. فيُقاسُ عليه ما في مَعْناه؛ لحدِيثِ عِمْرانَ المَذْكُورِ. فصل: فإن قَدَر المَرِيضُ على الصلاةِ وَحْدَه قائِمًا، ولا يَقْدِرُ مع الإِمامِ لتَطْوِيلِه، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَه القِيامُ (¬2)، ويُصَلِّى وَحْدَه؛ لأنَّ القِيامَ رُكْنٌ لا تَتِمُّ صَلاتُه إلَّا به، والجَماعَةُ تَصِحُّ الصلاةُ بدُونِها. واحْتَمَلَ أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأمْرَيْنِ؛ لأنّا أبَحْنا له تَرْكَ القِيامِ المَقْدُورِ عليه مع إمامِ الحَىِّ العاجِزِ عنه، مُراعاةً للجَماعَةِ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّ الأجْرَ يَتَضاعَفُ بالجَماعَةِ أكْثَرَ مِن تَضاعُفِه بالِقيامِ؛ لأنَّ صلاةَ القاعدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِمِ، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «القياس».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ و «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (¬1). وهذا أحسنُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. فصل: فإن عَجَز عن القُعُودِ صَلَّى على جَنْبٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بوَجْهِه. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو ثَوْرِ، وأصحابُ الرَّأْى: يُصَلِّى مُسْتَلْقِيًا ورجْلاه إلى القِبْلَةِ، ليَكُونَ إيماؤُه إليها، فإنَّه إذا صَلَّى على جَنْبِه ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الصلاة في مسجد السوق، من كتاب الصلاة، وفى: باب فضل صلاة الجماعة من كتاب الأذان، وفى: باب ما ذكر في الأسواق، من كتاب البيوع، وفى: باب {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} من كتاب التفسير. صحيح البخارى 1/ 129، 166، 3/ 86، 6/ 108. ومسلم، في: باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 449 - 451، 459. وأبو داود، في: باب ما جاء في المشى إلى الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 132. والترمذى، في: باب ما جاء في فضل الجماعة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 15. والنسائي، في: باب فضل صلاة الجماعة، من كتاب الصلاة، في: باب فضل الجماعة، من كتاب الإمامة. المجتبى 2/ 80. وابن ماجه، في: باب فضل الصلاة. في جماعة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 259. والدارمى، في: باب في فضل صلاة الجماعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 293. والإمام مالك، في: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، من كتاب الجماعة. الموطأ 1/ 129. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 376، 382، 437، 452، 2/ 65، 102، 112، 233، 252، 264، 328، 396، 454، 473، 475، 486، 501، 520، 525، 3/ 55، 6/ 49.

591 - مسألة: (فإن صلى على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، صحت

فَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، صَحَّتْ ـــــــــــــــــــــــــــــ كان وَجْهُه في الإِيماءِ إلى غيرِ القِبْلَةِ. ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ إذا كان على جَنْبِه، وإذا كان على ظَهْرِه إنَّما يَسْتَقْبِلُ السَّماءَ، [وكذلك] (¬1) يُوضَعُ المَيِّتُ (¬2) على جَنْبِه، ليكونَ مُسْتَقْبلًا للقِبْلَةِ. وقَوْلُهم: إنَّ وَجْهَه في الإِيماءِ إلى غيرِ (¬3) القِبْلَةِ. قُلْنا: اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ [مِن الصَّحِيح] (¬4) إنَّما يكونُ في غيرِ حالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فإنَّ وَجْهَه فيهما إنَّما يكونُ إلى الأرْضِ، فكذلك المَرِيضُ يَنْبَغِى أن لا يُعْتَبَرَ اسْتِقْبالُه فيهما. والمُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على جَنْبِه الأيمَنِ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في شَأْنِه كلِّه (¬5). وإن صَلَّى على الأيْسَرِ جاز؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُعَيِّنْ في الحديثِ جَنْبًا، ولأنَّ المَقْصُودَ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ، وهو حاصِلٌ على كلا الجَنْبَيْن. 591 - مسألة: (فإنْ صَلَّى على ظَهْرِه، ورِجْلَاه إلى القِبْلَةِ، صَحَّتْ ¬

(¬1) في م: «ولذلك». (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) سقط من: م. (¬4) سقط من: م. (¬5) تقدم تخريجه في 1/ 73.

صَلَاتُهُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ في أحَدِ الوَجْهَيْن) متى صَلَّى مُسْتَلْقِيًا على ظَهْرِه، مع القُدْرَةِ على الصلاةِ على جَنْبِه، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَصِحُّ. وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه نَوْعُ اسْتِقْبالٍ، ولهذا يُوَجَّهُ المَيِّتُ كذلك عندَ المَوْتِ. والثَّانِى، لا يَصحُّ. وهو أظْهَرُ، لأنَّه مُخالفٌ للحديثِ المَذْكُورِ، فإنَّه قال عليه السّلامُ: «فَإن لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ». ولأنَّ في حديثِ عِمْرانَ مِن رِوايَةِ [النَّسائىِّ: «فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا] (¬1) إِلَّا وُسْعَهَا} (¬2)». وهذا صَرِيحٌ، فإنَّه نَقَلَه إلى الاسْتِلْقاءِ عندَ العَجْزِ عن الصلاةِ على جَنْبٍ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ مع القُدْرَةِ عليه. فإن عَجَز عن الصلاةِ على جَنْبِه، صلَّى مُسْتَلْقِيًا، وَجْهًا واحِدًا؛ للحديثِ المَذْكُورِ. ¬

(¬1) سقط من: م. والحديث لم نجده عند النسائى. (¬2) سورة البقرة 286.

592 - مسألة: (ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه)

وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 592 - مسألة: (ويُومِئُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه) متى عَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ أوْمَأَ بِهِما، ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه، اعْتِبارًا بالأصْلِ، كما قُلنا في حالَةِ الخَوْفِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن عَجَز عن السُّجُودِ وَحْدَه، رَكَع وأوْمَأ بالسُّجُودِ، وإن لم يُمْكِنْه أن يَحْنِىَ ظَهْرَه [حَنَى رَقَبَتَه، وإن تَقَوَّسَ ظَهْرُه] (¬1)، فصارَ كالرّاكِع، زاد في الانْحِناءِ قَلِيلًا إذا رَكَع، ويُقَرِّبُ وَجْهَه إلى الأرْضِ في السُّجُودِ حَسَبَ الإِمْكانِ. فإن قَدَر على السُّجُودِ على صُدْغِه لم يَفْعَلْ؛ لأنَّه ليس مِن أعْضاءِ السُّجُودِ. وإن وَضَع بينَ يَدَيْه وِسادَةً، أو شيئًا عاليًا، أو سَجَد على رَبْوَةٍ أو حَجَرٍ جاز، إذا لم يَكُنْ يُمْكِنُه تَنْكِيسَ وَجْهِه أكْثَرَ مِن ذلك. وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أخْتارُ السُّجُودَ على المِرْفَقَةِ (¬2) وقال: هو أحَبُّ إلىَّ مِن الإيماءِ. واخْتارَه إسحاقُ. وجَوَّزَه الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. ورَخَّصَ فيه ابنُ عباسٍ. وسَجَدَتْ أمُّ سَلَمَةَ على مِرْفَقَةٍ (¬3). وكَرِهَ ابنُ مَسْعُودٍ السُّجُودَ على عُودٍ، وقال: الإِيماءُ أحبُّ إلىَّ (¬4). ووَجْهُ الجَوازِ؛ أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه مِن الانْحِطاطِ، أشْبَهَ الإيماءَ. فأمَّا إن رَفَع إلى وَجْهِه شيئًا فسَجَدَ عليه، فقال بعضُ أصحابِنا: لا يُجْزِئُه. ورُوىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأنَسٍ. وهو قَوْلُ مالكٍ والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه سَجَد على ما هو حامِلٌ له، أشْبَهَ ما لو سَجَد على يَدَيْه. وروَى الأثرَمُ عن ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في الأصل: «المرفق». والمرفقة المخدة. (¬3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 2/ 477. والبيهقى في السنن الكبرى 2/ 307. (¬4) انظر التخريج السابق.

593 - مسألة: (فإن عجز عنه أومأ بطرفه، ولا تسقط الصلاة)

فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْمَأَ بِطرفِهِ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدَ، أنَّه قال: أيَّ ذلك فَعَل فلا بَأْسَ، يُومِئُ أو يَرْفَعُ المِرْفَقَةَ فيَسْجُدُ عليها. قيل له: فالمِرْوَحَةَ؟ قال: أمَّا المِرْوَحَةُ فلا. ورُوِىَ، أنَّه قال: الإِيماءُ أحَبُّ إلىَّ. وإن رَفَع إلى وَجْهِه شيئًا أَجْزَأَه. ولابدَّ أن يكونَ بحيث لا يُمْكِنُه الانْحِطاطُ أكْثَرَ منه، ووَجْهُ ذلك أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه مِن الانْحِطاطِ، أشْبَهَ ما لو أَوْمَأَ. 593 - مسألة: (فإن عَجَز عنه أَوْمَأَ بطَرْفِه، ولَا تَسْقُطُ الصلاةُ) متى عَجَز عن الإِيماءِ برَأسِه أَوْمَأَ بطَرْفِه ونَوَى بقَلْبِه، ولا تَسْقُطُ عنه الصلاةُ ما دام عَقْلُه ثابِتًا. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّ الصلاةَ تَسْقُطُ عنه. وذَكَر القاضى أنَّه ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ. رَواه محمدُ بنُ يَزِيدَ (¬1)؛ لِما رُوِىَ ¬

(¬1) أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسى المستملى، انحدر مع الإمام من طرسوس أيام المأمون. وعنده عنه مسائل حسان، وكان له فقه. طبقات الحنابلة 1/ 328، 329.

594 - مسألة: (وإن قدر على القيام أو القعود فى أثنائها، انتقل إليه وأتمها)

وَإنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أوِ الْقُعُودِ فِى أَثْنَائِهَا، انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَأتَمَّهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ عن أبى سعيدٍ، أنَّه قِيلَ له في مَرَضِه: الصلاةَ. قال: قد كَفَانِى، إنَّما العَمَلُ في الصِّحَّةِ. ولأنَّه عَجَز عن أفْعالِ الصلاةِ بالكُلِّيَّة، فسَقَطَتْ عنه. ولَنا، أنَّه مُسْلِمٌ بالِغٌ عاقِلٌ فلَزِمَتْه الصلاةُ، كالقَادِرِ على الإِيماءِ برَأْسَه. 594 - مسألة: (وإن قَدَر على القِيامِ أو القُعُودِ في أثْنائِها، انْتَقَلَ إليه وأَتَمَّها) ومتى قَدَر المَرِيضُ في أثْناءِ الصلاةِ على ما كان عاجِزًا عنه؛ مِن قِيامٍ، أو قُعودٍ، أو رُكُوعٍ، أو سُجُودٍ، أو إيماءٍ، انْتَقَلَ إليه، وبَنَى

595 - مسألة: (وإن قدر على القيام، وعجز عن الركوع والسجود، أومأ بالركوع قائما، وبالسجود قاعدا)

وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ والْقُعُودِ، وَعَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا، وَبِالسُّجُودِ قَاعِدًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ على ما مَضَى مِن صلاتِه. وهكذا لو ابْتَدَأها قادِرًا ثم عَجَز في أثْناءِ الصلاةِ؛ لحديثِ عِمْرانَ، ولأنَّ ما مَضَى مِن صلاتِه كان صَحِيحًا. فبَنَى عليه، كما لو لم تَتَغَيَّر حَالُه. 595 - مسألة: (وَإن قَدَر على القِيام، وعَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أَوْمَأَ بالرُّكُوعِ قائِمًا، وبالسُّجُودِ قَاعِدًا) وهذا قَوْلُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ القِيامُ؛ لأنَّها صلاةٌ لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُودَ، فسَقَطَ فيها القِيامُ، كالنّافِلَةِ على الرَّاحِلَةِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬1). وحديثُ عِمْرانَ الذى ذَكَرْناه، ولأنَّ القِيامَ ¬

(¬1) سورة البقرة 238.

596 - مسألة: (وإذا قال ثقات من العلماء بالطب للمريض: إن

وَإذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ لِلْمَرِيضِ: إنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ. فَلَهُ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رُكْنٌ قَدَر عليه. فلم يَسْقُطْ بالعَجْزِ عن غيرِه، كالقِراءَةِ، وقِياسُهم فاسِدٌ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ الصلاةَ على الرّاحِلَةِ لا يَسْقُطُ فيها الرُّكوعُ. الثانِى، أنَّ النّافِلَةَ لا يَجِبُ فيها القِيامُ، فما سَقَط فيها تَبَعًا لسُقُوطِ الرُّكوع والسُّجُودِ. الثالثُ، مَنْقوضٌ بصلاةِ الجِنازَةِ. 596 - مسألة: (وإذا قال ثِقاتٌ مِن العُلَماءِ بالطِّبِّ للمَرِيضِ: إن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أمْكَنَ مُداواتُك. فله ذلك) وهذا قَوْلُ جابرِ بنِ زَيْدٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ. قال القاضى: وهو قِياسُ المَذْهَبِ. وكَرِهَه عُبَيْدُ اللَّهِ ابنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ (¬1)، وأبو وائِلٍ. وقال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لا يَجُوزُ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه لَمّا كُفَّ بَصَرُه أتاه رجلٌ، فقال: لو صَبَرْتَ علىَّ سَبْعَةَ أيَّام لم تُصَلِّ إلَّا مُسْتَلْقِيًا داوَيْتُ عَيْنَكَ، ورَجَوْتُ أن تَبْرَأ. فأرْسَلَ في ذلك إلى عائشةَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وغيرِهما مِن أصحابِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فكُلُّهُم قال له: إن مِتَّ في هذه الأيامِ ما الذى تَصْنَعُ بالصلاةِ؟ فتَرَكَ مُعالَجَةَ عَيْنِه (¬2). ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى جالِسًا لَمّا جُحِشَ شِقُّه، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ يَعْجِزُ عن القِيامِ، لكنْ كان عليه فيه خَوْفُ (¬3) مَشَقَّةٍ، أو خَوْفُ ضَرَرٍ، وأيُّهُما قُدِّرَ فهو حُجَّةٌ على الجَوازِ ههُنا، ولأنَّا أبَحْنا له تَرْكَ الوُضُوءِ إذا لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادَةٍ على ¬

(¬1) أبو عبد اللَّه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة الهذلى المدني، ثقة، فقيه، كثير الحديث والعلم، شاعر، توفى سنة أربع أو خمس وتسعين. تهذيب التهذيب 7/ 23، 24. (¬2) أخرجه البيهقى في السنن الكبرى 2/ 308، 309. (¬3) سقط من: م.

597 - مسألة: (ولا تصح الصلاة فى السفينة قاعدا لقادر على القيام)

وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِى السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ثَمَنِ المِثْلِ صَوْنًا لجُزءٍ من مَالِه، وتَرْكَ الصَّوْمِ لأجْلِ المَرَضِ والرَّمَدِ، ودَلَّتِ الأخْبارُ على جَوازِ تَرْكِ القِيامِ في صلاةِ الفَرْضِ على الرَّاحِلَةِ، خَوْفًا مِن ضَرَرِ الطِّينِ في ثِيابِه وبَدَنِه، وجازَ تَرْكُ القِيام اتِّبَاعًا لإِمامِ الحَىِّ، والصَّلاةُ على جَنْبِه ومُسْتَلْقِيًا في حالةِ الخَوْفِ مِن العَدُوِّ، ولا يَنْقُصُ الضَّرَرُ بفَواتِ البَصَرِ عن الضَّرَرِ في هذه الأحْوالِ. وحديث ابنِ عباسٍ، إن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّ المُخْبِرَ لم يُخْبِرْ عن يَقِينٍ، وإنَّما قال: أرْجُو. أو أنَّه لم يَقْبَلْ خَبَرَه؛ لكَوْنِه واحِدًا، أو مَجْهُولَ الحالِ، بخلافِ مَسْألَتِنا. 597 - مسألة: (ولا تَصِحُّ الصلاةُ في السَّفِينةِ قاعدًا لقادِرٍ على القِيامِ) اخْتَلَفَ قَوْلُه في الصلاةِ في السَّفِينَةِ مع القُدْرةِ على الخُرُوجِ على

598 - مسألة: (وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذى بالوحل

وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّى بِالْوَحْلِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّها ليست حالَ اسْتِقْرارٍ، أشْبَه الصلاةَ على الرَّاحِلَةِ. والثانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنه يَتَمَكَّنُ مِن القِيامِ والقُعودِ والرُّكُوع والسُّجُودِ، أشْبَه الصلاةَ على الأرْضِ، وسَواءٌ في ذلك الجارِيَةُ والواقِفَةُ، والمُسافِرُ والحاضِرُ. وهى أصَحُّ. ومتى قَدَر فيها على القِيامِ لم يَجُزْ له تَرْكُهْ؛ لحديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَين، فإن عَجَز عنه صَحَّتْ للحديثِ. 598 - مسألة: (وتجُوزُ صلاةُ الفَرْضِ على الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّى بالوَحْلِ) (¬1) متى تَضَرَّرَ بالسُّجُودِ على الأرْضِ لأجْلِ الوَحْلِ، وخاف مِن ¬

(¬1) بعده في م: «إذا كان يسيرا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَلْوِيثِ بَدَنِه وثِيابِه بالطِّينِ والبَلَلِ، جاز له الإِيماءُ بالسُّجُودِ إن كان راجِلًا، والصلاةُ على دابَّتِه. وقد رُوِيَ عن أنَسٍ، أنَّه صَلَّى دابَّتِه في ماءٍ وطِينٍ. وفَعَله جابِرُ بنُ زَيْدٍ. قال التِّرْمِذِىُّ: والعَمَلُ على هذا عندَ أهْلِ العِلْمِ، وبه يَقُولُ إسحاقُ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَجُوزُ أن يُصَلِّىَ الفَرْضَ على الرّاحِلَةِ لأجْلِ المَطرِ. وحَكَى ابنُ أبى موسى رِوايَةً مِثْلَ ذلك؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: فأبْصَرَتْ عَيْناىَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قد انْصَرَفَ وعلي جَبْهَتِه وأنْفِه أثَرُ الماءِ والطِّينِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّ السُّجُودَ والقِيامَ مِن أرْكانِ الصلاةِ، فلم تَسْقُطْ بالمَطَرِ، كبَقِيَّةِ أرْكانِها. ولَنا، ما روَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ (¬2) عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه انْتَهَى إلى مَضِيقٍ ومعه أصحابُه، والسَّماءُ مِن فَوْقِهم، والبِلَّةُ مِن أسْفَلَ منهم، فصَلَّى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على راحِلَتِه ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب السجود على الأنف والسجود على الطين، من كتاب الأذان، وفى: باب التماس ليلة القدر، وباب تحرى ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، من كتاب ليلة القدر، وفى: باب الإعتكاف في العشر الأواخر، وباب من خرج من اعتكافه عند الصبح، من كتاب الاعتكاف. صحيح البخارى 1/ 206، 207، 3/ 60، 61، 62، 65، 66. ومسلم، في: باب فضل ليلة القدر. . . إلخ، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 824 - 826. كما أخرجه النسائي، في: باب السجود على الجبين، من كتاب التطبيق. المجتبى 2/ 164. والإمام مالك، في: باب جاء في ليلة القدر، من كتاب الاعتكاف. الموطأ 1/ 319. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 7، 24. (¬2) كذا في النسخ، والذى في سنن الترمذى والمسند: «يعلى بن مرة عن أبيه عن جده». ويعلى بن أمية بن أبي عبيدة المكى، حليف قريش، هو الذى يقال له: يعلي بن منية، روى عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- وقتل بصفين، أو تأخرت وفاته بعدها. أما يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي، فهو الذى يقال له: يعلى ابن سيابة. انظر ترجمتهما في: تهذيب التهذيب 11/ 399، 404.

599 - مسألة: (وهل يجوز)

وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وأصحابُه على ظُهُورِ دَوابِّهم، يُومِئُون إيماءً، يَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ مِن الرُّكُوعِ. رَواهَ الأثْرَمُ، والتِّرمِذِىُّ (¬1). وفَعَلَه أَنَسٌ. ذَكَرَه الإمامُ أحمدُ، ولم يُنْقَلْ عن غيرِه خِلافُه. ولأنَّ المَطَرَ عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ، فأثَّرَ في أفْعالِ الصلاةِ، كالسَّفَرِ والمَرَضِ، وحديثُ أبي سعيدٍ بالمدِينَةِ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى (¬2) في مَسْجِدِه، والظاهِرُ أنَّ الطِّينَ كان يَسِيرًا لم يُؤثِّرْ في غيرِ الجَبْهَةِ والأنْفِ، وإنَّما يُبِيحُ ما كان كثيرًا يُلَوِّثُ الثِّيابَ والبَدَنَ، وتَلْحَقُ المَضَرَّةُ بالسُّجُودِ فيه. فصل: ومتى أمْكَنَه النُّزُولُ والصلاةُ قائِمًا مِن غيرِ مَضَرَّةٍ لَزِمَه، ولم يُصَلِّ على دابَّتِه؛ لأنَّه قَدَر على القِيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ فلَزِمَه، كغيرِ حالَةِ المَطَرِ. ولا يَسْقُطُ عنه الرُّكُوعُ؛ لقُدْرَتِه عليه، ويُومِئُ بالسُّجُودِ، لِما فيه مِن الضَّرَرِ. وإن تَضَرَّرَ بالنُّزولِ عن دَابَّتهِ، وتَلَوَّثَ، صَلَّى عليها؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ. ولا يَجُوزُ له تَرْكُ الاسْتِقْبالِ في المَطَرِ؛ لأنَّه قادِرٌ عليه. 599 - مسألة: (وهل يَجُوزُ) ذلك (لأجْلِ المرَضِ؟ على رِوايَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الصلاةَ على الرَّاحِلَةِ لأجْلِ المَرَضِ لا تَخْلو مِن ¬

(¬1) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 3/ 202، 204. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 173، 174. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثَلَاثةِ أحْوالٍ، أحَدُها، أن يَخافَ الانْقِطاعَ عن الرُّفْقَةِ، أو العَجْزَ عن الرُّكُوبِ، أو زِيادَةَ المَرَضِ، ونَحْوَه، فيَجُوزُ له ذلك، كما ذَكَرْنا في صلاةِ الخَوْفِ. الثَّانِى، أن لا يَتَضَرَّرَ بالنُّزُولِ، ولا يَشُقَّ عليه، فيَلْزَمُه النُّزُولُ، كالصَّحِيحِ. الثَّالِثُ، أن يَشُقَّ عليه النُّزولُ مَشَقَّةً يُمْكِنُ تَحَمُّلُها مِن غيرِ خَوْفِ تَلَفٍ (¬1)، ولا زِيادَةِ مَرَضٍ، ففيه الرِّوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ له الصلاةُ على الرّاحِلةِ، لأنَّ ابنَ عمرَ كان يُنْزِلُ مَرْضاه. احْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّه قادِرٌ على أفْعالِ الصّلاةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ كبيرٍ، فلَزِمَه، كغيرِ الرَّاكِبِ. ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والثّانِيَةُ، يَجوزُ. اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ عليه (¬1) في النُّزولِ أكثَرُ مِن المَشَقَّةِ عليه في المَطرِ، فكان إباحَتُها ههُنا أوْلَى. ومَن نَصَرَ الرِّوايَةَ الأُولَى، ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: إنَّ نُزُولَ المَرِيضِ يُؤثِّرُ في حُصُولِه على الأرْضِ، وهو أسْكَنُ له، وأمْكَنُ للصلاةِ، والمَمْطُورُ يَتَلَوَّثُ بنُزُولِه، ويَتَضَرَّرُ بحُصُولِه على الأرْضِ، فالمَرِيضُ يَتَضَرَّرُ بنَفْسِ النُّزُولِ لا في الحُصُولِ على الأرْضِ، والمَمْطورُ يَتَضَرَّرُ بحُصُولِه على الأرْضِ دُونَ نَفْسِ النُّزُولِ، فقد اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الضَّرَرِ، فلا يَصِحُّ الإلْحَاقُ.

فصل فى قصر الصلاة

فَصْلٌ فِى قَصْر الصَّلَاةِ: ـــــــــــــــــــــــــــــ (فصلٌ في قَصْرِ الصلاةِ) قَصْرُ الصلاةِ في السّفَرِ [في الجُمْلَةِ] (1) جائِزٌ [إذا وُجِدَتْ شُرُوطُه] (¬1)، والأصْلُ فيه الكِتَابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه سبحانه وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (¬2). وقال يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ: قُلْتُ لعمرَ بنِ الخَطّابِ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}. وقد أمِن النّاسُ! فقال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ منه، فسَأَلْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ، بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ». أخْرَجَه مسلمٌ (¬3). وتَواتَرَتِ الأخْبارُ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْصُرُ في أسْفَارِه، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سورة النساء 101. (¬3) في: باب صلاة المسافرين وقصرها، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 478.كما أخرجه أبو داود، في: باب صلاة المسافر، من كتاب السفر. سنن أبي داود 1/ 274. والترمذى، في: باب سورة النساء، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 11/ 163. والنسائي، في: باب تقصير الصلاة في السفر، من كتاب التقصير. المجتبى 3/ 95. وابن ماجه، في: باب تقصير الصلاة في السفر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 339. والدارمى، في: باب قصر الصلاة في السفر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 354. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 25، 36.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حاجًّا، ومُعْتَمِرًا، وغازِيًا. قال أنَسٌ: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَكَّةَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حتى رَجَعَ، وأقَمْنَا بمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصّلاةَ. وقال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى قُبِضَ، يَعْنِى في السَّفَرِ، فكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وأبا بكرٍ حتى قُبِضَ، فكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وعمرَ، وعُثْمانَ كذلك. مُتَّفَقٌ عليهما (¬1). وأجْمَعَتِ الأُمَّة على أنَّ مَن سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ في مِثْلِه الصلاةُ؛ في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو جِهادٍ، أنَّ له قَصْرَ الصّلاةِ الرُّباعِيَّةِ إلى رَكْعَتَيْنِ. ¬

(¬1) في م: «عليه». الأول أخرجه البخارى، في باب مقام النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة زمن الفتح، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 5/ 190، 191. ومسلم، في: باب صلاة المسافرين وقصرها، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 481، 482. كما أخرجه أبو داود، في: كتاب متن يتم المسافر، من كتاب السفر. سنن أبي داود 1/ 280. والترمذى، في: باب ما جاء في تقصير الصلاة، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 3/ 18. والنسائى، في: باب تقصير الصلاة في السفر، وباب المقام الذى يقصر بمثله الصلاة، من كتاب السفر. المجتبى 3/ 96، 97، 100. وابن ماجه، في: باب كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 342. والدارمى، في: باب في من أراد أن يقيم ببلدة كم يقيم حتى يقصر الصلاة، بن كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 355. والثاني أخرجه البخارى، في: باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، من كتاب التقصير. صحيح البخارى 2/ 57. ومسلم، في: باب صلاة المسافرين وقصرها، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 479، 480. كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع في السفر، من كتاب السفر. سنن أبي داود 1/ 279. والترمذى، في: باب ما جاء في التقصص في السفر، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 3/ 14. والنسائى، في: باب ترك التطوع في السفر، من كتاب السفر. المجتبى 3/ 101. وابن ماجه، في: باب التطوع في السفر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 340. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 31، 44، 45، 56.

600 - مسألة: (ومن سافر سفرا مباحا، يبلغ ستة عشر فرسخا، فله قصر الرباعية خاصة إلى ركعتين)

وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا، يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً إلَى رَكْعَتَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 600 - مسألة: (ومَن سافرَ سَفَرًا مُباحًا، يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَلَه قَصْرُ الرُّباعيَّةِ خاصَّةً إلى رَكْعَتَيْنِ) يُشْتَرَطُ لجَوازِ القَصْرِ للمُسافِرِ شُروطٌ؛ أحَدُها، أن يكونَ سَفَرُه مُباحًا لا حَرَجَ عليه فيه، كسَفَرِ التِّجارَةِ، وهكذا حُكْمُ سائِرِ الرُّخَصِ المُخْتَصَّةِ بالسَّفَرِ، كالجَمْعِ، والمَسْحِ ثَلاثًا، والفِطْرِ، والنّافِلَةِ على الرَّاحِلَةِ، وهذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلمِ. ورُوِىَ نَحْوُه عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأصْحابُ الرَّأْى. وعن ابنِ مسعودٍ، لا يَقْصُرُ إلَّا في حَجٍّ أو جِهادٍ (¬1)؛ لأنَّ الواجِبَ لا يُتْرَكُ إلَّا ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 521، 522.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لواجبٍ. وعن عَطاءٍ: لا يَقْصُرُ إلَّا في سَبِيلٍ من سُبُلِ الخَيْرِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما قَصَر في سَفرٍ واجبٍ أو مَنْدُوبٍ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}. وقالت عائشةُ: إنَّ الصلاةَ أَوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَضَ اللَّهُ الصلاةَ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفى السَّفَرِ رَكْعَتَيْن، وفى الخَوْفِ رَكْعَةً. رَواه مسلمٌ (¬2). وفى حَدِيثِ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا كُنَّا مُسافِرِين أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفَافَنا ثَلَاثَةَ أيَّام ولَيالِيهِنَّ. رَواه ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب يقصر إذا خرج عن موضعه، من كتاب تقصر الصلاة. صحيح البخارى 2/ 55. ومسلم، في: باب صلاة المسافرين وقصرها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 478. كما أخرجه النسائي، في: باب كيف فرضت الصلاة، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 183. والإمام مالك، في: باب قصر الصلاة في السفر، من كتاب قصر الصلاة. الموطأ 1/ 146. (¬2) في: باب صلاة المسافرين وقصرها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 479. كما أخرجه أبو داود، في: باب من قال: يصلى بكل طائفة ركعة ولا يقضون، من كتاب صلاة السفر. سنن أبي داود 1/ 287. والنسائى، في: باب كيف فرضت الصلاة، من كتاب الصلاة، وفى: أول كتاب تقصير الصلاة في السفر، من كتاب التقصر. المجتبى 1/ 183، 3/ 97. وابن ماجه، في: باب تقصير الصلاة في السفر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 339. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 355.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التِّرمِذِىُّ (¬1). وهذه نُصوصٌ تَدُلُّ على إباحَةِ التّرَخُّص في كلِّ سَفَرٍ، وقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَرَخَّصُ في العَوْدِ مِن السَّفَرِ، وهو مُباحٌ. فصل: فأمَّا سَفَرُ المَعْصِيَة فلا تُباحُ فيه هذه الرُّخَصُ؛ كالإباقِ، وقَطْع الطرَّيقِ، والتِّجارَةِ في الخَمْرِ، ونحوِه. نَصِّ عليه أحمدُ. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ. وقال الثَّوْرِى، والأوْزاعِىُّ: له ذلك؛ لِما ذَكَرْنَا مِن النُّصوصِ، ولأنَّه مُسافرٌ، أشْبَهَ المُطِيعَ. ولَنا، قولُه تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (¬2). خَصَّ إباحَة الأكْلِ بغيرِ الباغِى والعادى، فدَلَّ على أنه لا يُباحُ للباغِى والعادِى، وهذا في مَعْناه. ولأنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ [للإعانةِ على المَقْصُودِ المُباحِ، تَوَصُّلًا إلى المَصْلَحَةِ، فلو شُرِعَ ههُنا لشُرِعَ] (¬3) إعانَةً على المُحَرَّمِ، تَحْصِيلًا للمَفْسَدَةِ، ¬

(¬1) في: باب ما جاء في المسح على الخفين للمسافر والمقيم، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 142. كما أخرجه النسائى، في: باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 71. وابن ماجه، في: باب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 161. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 239، 240. (¬2) سورة البقرة 173. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصوصُ وَرَدَتْ في حَقِّ الصحابةِ، وكانت أسْفارُهم مُباحَةً، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيما خالَفَها، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ذلك جَمْعًا بينَ النُّصوصِ، وقِياسُ سَفَرِ المَعْصِيَةِ على الطَّاعَةِ لا يَصِحُّ. فصل: إذا غُرِّبَ في الحَدِّ إلى مَسافَةِ القَصْرِ، جَازَ له القَصْرُ وسائرُ الرُّخَصِ، وكذلك إذا نُفِىَ قاطِعُ الطَّرِيقِ؛ لأنَّه سَفَرٌ لَزِمَه بالشَّرْعِ، أشْبَه سَفَرَ الغَزْوِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَقْصُرَ؛ لأنَّه سَفَرٌ [سَبَبُه المَعْصِيَةُ، أشْبَه سَفَرَ المَعْصِيَةِ، ولأنَّه ليس بأحْسَنَ حَالًا مِن سَفَرِ النُّزْهَةِ، وفيه رِوايَتان، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه] (¬1). والأولُ أوْلَى. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بينَ هذا وبينَ سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ لأنَّ ذلك تَصِحُّ التَّوْبَةُ منه، بخِلافِ هذا. وإن هَرَب المَدِينُ مِن غُرَمائِه وهو مُعْسِرٌ قصَر، وإن لم يكنْ مُعْسِرًا، والدَّيْنُ حالٌ، أو مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ قبلَ مُدَّةِ السَّفَرِ، احْتَمَلَ وَجْهَين، ذَكَرهما ابنُ عَقِيل؛ أحَدُهما، لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه سَفَر يَمْنَعُ حَقًّا واجِبًا عليه. والثَّانِى، يَقْصُرُ؛ لأنَّه نَوْعٌ غَيْرُه (¬1)، فلا يَتَوَجَّهُ عليه كقبلِ (¬2) المُطالَبَةِ. فصل: فإن عَدِم الماءَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ لَزِمَه التَّيَمُّمُ؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ. وهل تَلْزَمُه الإعادَةُ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهُما، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، بدَلِيلِ وُجُوبِه، والرُّخَصُ لا تَجِبُ. والثّانِى، عليه الإعادَةُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالسَّفَرِ، أشْبَهَ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فلم ¬

(¬1) في م: «حبس». وفى ص: «جنس». (¬2) في م: «قبل».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَلْزَمْه الإِعادَةُ، وفارَقَ بَقِيَّةَ الرُّخَص، لأنَّه مَمْنُوعٌ منها، [وهذا مَأْمُورٌ به، فلا يُمْكِنُه تَعْدِيَةُ حُكْمِها إلى التَّيَمُّمِ. وقَوْلُهم: إن ذلك مُخْتَصٌّ بالسَّفَرِ. مَمْنُوعٌ] (¬1) ويُباحُ له المَسْحُ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ لأنَّ ذلك [لا يَخْتَصُّ السَّفَرَ] (¬2)، أشْبَهَ الاسْتِجْمَارَ. وقيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه رُخْصَةٌ، فلم يُبَحْ كَرُخَصِ السَّفَرِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما بَيَّنّا. فصل: وإذا كان السَّفَرُ مُباحًا فغَيَّرَ نِيَّتَه إلى المَعْصِيَةِ، انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ؛ لزَوالِ سَبَبِه. ولو كان لمَعْصِيةٍ، فغَيَّرَ نِيَتّهَ إلى المُباح [أُبيحَ له ما يُباحُ] (¬3) في السَّفَرِ المُباحِ. وتُعْتَبَرُ مَسافَةُ القَصْرِ مِن حينَ غَيَّرَ النِّيَّةَ؛ لأنَّ وُجُودَ ما مَضَى مِن سَفرِه لا يُؤَثِّرُ في الإباحَةِ، فهو كعَدَمِه. فأمَّا إن كان السَّفَرُ مُباحًا، لَكِنَّه يَعْصِى فيه، أُبيحَ له التَّرَخُّصُ؛ لأنَّ السَّبَبَ السَّفَرُ، وهو مُباحٌ، وقد وُجِدَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه، ولم تَمْنَعْه المَعْصِيَةُ، كَمَا أنَّ المَعْصِيَةَ في الحَضَرِ لا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فيه. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «يختص بالسفر». (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وفى سَفَرِ التَّنَزُّهِ والتَّفَرُّجِ روايَتان، إحْداهما، يُبِيحُ التَّرَخُّصَ. وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ، لأنَّه مُباحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النُّصُوصِ، وقِيَاسًا على سَفَرِ التِّجَارَةِ. والثانيةُ، لا يَتَرَخَّصُ فيه، لأنَّه إنَّما شُرِعَ إعانةً على تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ، ولا مَصْلَحَةَ في هذا. والأولُ أوْلَى. فصل: فإن سافَرَ لزِيارَةِ القُبُورِ والمَشاهِدِ، فقال ابنُ عقيل: لا يُباحُ له التَّرَخُّصُ، لأنَّه مَنْهِىٌّ عن السَّفَرِ إليها، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). قال شيخُنا (¬2): ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، وباب مسجد بيت المقدس، من كتاب مسجد مكة، وفى: باب حج النساء، من كتاب جزاء الصيد، وفى: باب الصوم يوم النحر، من كتاب الصوم. صحيح البخارى 2/ 76، 77، 3/ 25، 56. ومسلم، في: باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، وباب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 975، 976، 1014. كما أخرجه أبو داود، في: باب في إتيان المدينة، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 469. والترمذى، في: باب ما جاء في أى المساجد أفضل، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 2/ 123. والنسائى، في: باب ما تشد الرحال إليه من المساجد، من كتاب المساجد، وفى: باب ذكر الساعة التى يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 2/ 31، 93، 94. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 452. والدارمى، في: باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 330. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الساعة التى في يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 108، 109. والامام أحمد، في: المسند 2/ 234، 238، 278، 501، 3/ 7، 34، 45، 51، 52، 53، 64، 71، 77، 78، 93، 6/ 7، 398. (¬2) في: المغنى 3/ 117.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والصَّحِيحُ إباحَتُه، وجَوازُ (¬1) التَّرَخُّصِ فيه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَأْتِى قُباءَ راكِبًا وماشِيًا، وكان يَزُورُ القُبُورَ، وقال: «زُورُوهَا تُذَكِّرْكُمُ الْآخِرَةَ» (¬2). والحديثُ المَذْكُورُ مَحْمُولٌ على نَفْىِ الفَضِيلَةِ، لا على التَّحْرِيم (¬3)، وليستِ الفَضِيلَةُ شَرْطًا في إباحَةِ. القَصْرِ، فلا يَضُرُّ انْتِفاؤُها. ¬

(¬1) في م: «وجوز». (¬2) أخرجه مسلم، في: باب استئذان النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، من كتاب الجنائز. صحيح مسلم 2/ 671. وأبو داود، في: باب في زيارة القبور، من كتاب الجنائز. سنن أبى داود 2/ 195. والترمذى، في: باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، من أبواب الجنائز. عارضة الأحوذى 4/ 274. والنسائى، في: باب زيارة قبر المشرك، من كتاب الجنائز، وفى: باب الإذن في ذلك، من كتاب الضحايا. المجتبى 4/ 74، 7/ 207. وابن ماجه، في: باب ما جاء في زيارة القبور، وباب ما جاء في زيارة قبور المشركين، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 500، 501. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 441، 5/ 355. (¬3) النفى يقتضى التحريم، لأنه نفى بمعنى النهى، وقد جاء النهى صريحا في رواية: «لا تشدوا» وهو يدل على التحريم صراحة، وهذا يرد ما ذكره المصنف من حمل النفى على نفى الفضيلة، أما زيارة النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- لقباء، وزيارته للقبور، فهذا بدون سفر، على أن زيارة قباء زيارة مسجد، ومسجد قباء من المساجد التى تشرع زيارتها، وأما شد الرحال بقصد التقرب والعبادة، فلا تشرع إلا إلى المساجد الثلاثة، التى ورد النص فيها. واللَّه أعلم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فضل: الشَّرْطُ الثَّانِى: أن تكونَ مَسافَةُ سَفَرِه سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا فما زاد. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: في [كَمْ تُقْصَرُ] (¬1) الصلاةُ؟ قال: في أرْبَعَةِ بُرُدٍ. قيلَ له: مَسِيرَةُ يومٍ تامٍّ؟ قال: لا، أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. والفَرْسَخُ: ثَلَاثةُ أمْيَالٍ. قال القاضى: والمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، وذلك مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن. وقد قَدَّرَه ابنُ عباسٍ مِن عُسْفانَ (¬2) إلى مَكَّةَ. ومِن الطّائِفِ إلى مَكَّةَ، ومن جُدَّةَ إلى مَكَّةَ (¬3). وذكر صاحِبُ المَسَالِكِ (¬4)، أنَّ من دِمشقَ إلى القُطَيِّفَة أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا، ومِن دِمَشْقَ إلى الكُسْوَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا، ومِن الكُسْوَةِ ¬

(¬1) في م: «حكم القصر». (¬2) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. محجم البلدان 3/ 673. (¬3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 524. (¬4) أى ابن خرداذبه أبو القاسم عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، المتوفى في حدود سنة ثلاثمائة. والنقل عنه في المسالك والممالك 76، 78.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلي جاسِمٍ أرْبَعَةً وعشرين ميلاً. فعلى هذا تكونُ مَسافَةُ القَصْرِ يَوْمَيْن قاصِدَيْن. وهذا قولُ ابنِ عباس، وابنِ عمرَ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنه يَقْصُرُ في مَسِيرَةِ عَشرَةِ فَراسِخَ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ عباسِ، أنه قال: يَقْصُرُ في يَوْمٍ، ولاْ يَقْصُرُ فيما دُونَه. وإليه ذَهَب الأوْزاعِىُّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: عامَّةُ العُلَماءِ يَقُولون: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍ. وبه نَأْخُذُ. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه يَقْصُرُ في مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أيَامٍ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَلَاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ» (¬1). وهذا يَقْتَضِى أنَّ كُلَّ مُسافِرٍ له ذلك، ولأنَّ الثَّلَاثةَ مُتَّفَقٌ عليها، وليس في ما دُونَها تَوْقِيف ولا اتِّفاقٌ. ورُوِىَ عن جَماعَة مِن السَّلَفِ ما يَدُلُّ على جَوازِ القَصْرِ في أقَلَّ مِن يَوْمٍ. فقال الأوْزاعِىُّ: كان أَنَسٌ يَقْصُرُ فيما بَيْنَه ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 400.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وبينَ خَمْسَةِ فَراسِخَ. وكان قَبِيصَةُ بنُ ذُؤيْبٍ (¬1)، وهانِئُ بنُ كُلْثُومٍ (¬2)، وابنُ مُحَيْرِيزٍ (¬3) يَقْصُرُون فيما بينَ الرَّمْلَةِ وبَيْتِ المَقْدِسِ (¬4). ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه خَرَج مِن قَصْرِهِ بالكُوفَةِ حتى أتى النُّخَيْلَةَ (¬5)، فصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْر رَكْعَتَيْن، ثمْ رَجَع مِن يَوْمِه، فقال: أرَدْتُ أن أعَلِّمَكُم سُنَّتَكَم. ورُوِىَ أنَّ دِحْيَة الكَلْبِىَّ خَرَج مِن قَرْيَةٍ مِن دِمَشْقَ مَرَّةً إلى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أمْيالٍ في رمضانَ، ثم إنَّه أفْطر وأفْطر معه أُنَاسٌ كَثِيرٌ، وكَرِهَ آخَرونَ أن يُفْطِرُوا، فلمَّا رَجَعَ إلى قَرْيته، قال: واللَّه لقد رَأيْتُ اليَوْمَ أمْرًا ما كُنْتُ أظُنُّ أنِّى أرَاهُ، إنَّ قوْمًا رَغِبُوا عن هَدْىِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. يَقُولُ ذلك للَّذِينَ صامُوا. رَواه أبو داودَ (¬6). وعن أبى سعيدٍ ¬

(¬1) أبو سعيد قبيصة ببن ذؤيب بن عمرو الخزاعى، من فقهاء التابعين بالمدينة، توفى سنة سبع وثمانين. طبقات الفقهاء، للشيرازى 62. (¬2) هانئ بن كلثوم بن عبد اللَّه، ويقال ابن حبان الكنانى العابد، من كبار التابعين توفى في خلافة عمر بن عبد العزيز. تهذيب التهذيب 11/ 22. (¬3) أبو محيريز عبد اللَّه بن محيريز بن جنادة الجمحى، تابعى ثقة، وقيل: له صحبة. توفى سنة تسع وتسعين. تهذيب التهذيب 6/ 22، 23. (¬4) بين الرملة وبيت المقدس ثمانية عشر ميلًا. المسالك والممالك 78. (¬5) النخيلة: موضع قرب الكوفة على سمت الشام. معجم البلدان 4/ 771. (¬6) في: باب قدر مسيرة ما يفطر فيه، من كتاب الصوم. سنن أبى داود 1/ 562، 563. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 6/ 398.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخُدْرِىِّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سافَرَ فَرْسَخًا. قَصَرَ الصلاةَ (¬1). رَواه سعيد. واحْتَجَّ أصحابُنا بقَوْلِ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ: يا أهْلَ مَكةَ، لا تَقْصُرُوا في أدْنَى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ، ما بينَ عُسْفانَ إلى مَكَّةَ (¬2). قال الخَطَّابِىُّ (¬3): وهو أصَحُّ الرِّوايَتَيْن عن ابنِ عمرَ. ولأنَّها مَسافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ، مِن الحَلِّ والعَقْدِ، فجازَ القَصْرُ فيها، كالثَّلاثِ، ولم يَجُزْ فيما دُونَها؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ دَلِيلٌ بوُجُوبِ القَصْرِ فيه. ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب في مسيرة كم يقصر الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 442، 443. (¬2) أخرجه الإمام مالك، في: باب ما يجب فيه قصر الصلاة، من كتاب الصلاة. الموطأ 1/ 148. والدارقطنى، في: باب قدر المسافة التى تقصر في مثلها وقدر المدة، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطنى 1/ 387. (¬3) في: معالم السنن 1/ 262.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وحَدِيثُ أبى سعيدٍ يُحْمَلُ على أنَّه عليه السّلامُ كان إذا سافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا قَصَرٍ إذا (¬1) بَلَغ فَرْسَخًا. قال شيخُنا (¬2): ولا أرى لِما صار إليه الأئِمَّةُ حُجَّةٌ؛ لأنَّ أقْوالَ الصَّحابَةِ مُخْتَلِفَةٌ مُتَعارِضَةٌ، ولا حُجَّةَ فيها مع الاخْتِلَافِ. ثم لو لم يُوجَدْ ذلك لم يَكُنْ قوْلُهم حُجَّةً مع قَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وفِعْلِه. وإذا لم تَثْبُتْ أقوالُهم امْتَنَعَ المَصِيرُ إلى التقْدِيرِ الذى ذَكَرُوه، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه مُخالِفٌ للسُّنَّةِ التى رَوَيْناها، ولظاهِرِ القُرْآنِ؛ فإنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ إباحَةُ القَصْرِ لمَن ضَرَب في الأرْضِ. فأمَّا قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ». فإنَّما جاء لبَيانِ أكْثَرِ مُدَّةِ المَسْحِ، فلا يَصِحُّ الاحْتِجاجُ به ههُنا. على أنه يُمْكِنُه قَطعُ المَسافَةِ ¬

(¬1) في م، ص: «وإذا». (¬2) في: المغنى 3/ 108.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ القَصِيرَةِ في ثَلَاثَةِ أيام، وقد سَمَّاه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَفَرًا، فقال: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليوْم الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْم إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» (¬1). والثَّانى، أنَّ التَّقْدِيرَ بَابُه التَّوْقِيفُ، فلا يَجُوزُ المَصِيرُ إليه برأىٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّما وليس له أصْل يُرَدُّ إليه، ولا نَظِيرٌ يُقاسُ عليه، والحُجَّةُ مع مَن أباح القَصْرَ لكلِّ مُسافِرٍ، إلَّا أن يَنْعَقِدَ الإجْماعُ على خِلافِه. فصل: وحُكْمُ سَفَرِ البحرِ حُكْمُ سَفَرِ البَرِّ، إن بَلَغَتْ [مَسافَةُ سفَرِه] (2) مَسافةَ القَصْرِ، [أُبيحَ له، وإلَّا فلا، سَواءٌ قَطَعَه فِى زَمَنٍ طَوِيلٍ أو قَصِيرٍ، اعْتِبارًا بالمَسافَةِ] (¬2). وإن شَكَّ في كَوْنِ السَّفَرِ مُبِيحًا أوْلا لم يُبَحْ؛ لأن الأصْلَ عَدَمُه ووُجُوبُ الإِتْمامِ. فإن قَصَر لم تَصِحَّ صَلاتُه، وإن تَبَيَّنَ له بعدَها أنَّه طَوِيلٌ؛ لأنَّه صَلَّى مع الشَّكِّ، فلم تَصِح صَلاتُه، كما لو صَلَّى شاكًّا في دُخُولِ الوَقْتِ. ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب في كم يقصر الصلاة، من كتاب التقصير. صحيح البخارى 2/ 54. مسلم، في: باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 977. وأبو داود، في: باب في المرأة تحج بغير محرم، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 400. والترمذى، في: باب كراهية أن تسافر المرأة وحدها، من أبواب الرضاع. عارضة الأحوذى 2/ 119، 120. وابن ماجه، في: باب المرأة تحج بغير ولى، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 968. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء، من كتاب الاستئذان. الموطأ 2/ 979. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 236، 251، 423، 437، 445، 493، 506. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والاعْتِبارُ بالنِّيَّةِ لا بالفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ أن يَنْوِىَ مَسافَةَ القَصْرِ، فلو خَرَج يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا، فقَصَرَ الصلاةَ، ثم بَدا له فرَجَعَ، كان ما صَلَّاه صَحِيحًا، ولا يَقْصُرُ في رُجُوعِه، إلَّا أن تَكونَ مَسافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةً بنَفْسِها. نَصَّ أحمدُ على هذا. ولو خَرَج طَالِبًا لعَبْدٍ آبِقٍ، لا يَعْلَمُ أين هو، أو مُنْتَجِعًا غَيْثًا أو كَلأً متى وَجَدَه أقَامَ، أو سائِحًا في الأرْضِ لا يَقْصِدُ مَكانًا، لم يُبَحْ له القَصْرُ، وإن سار أيّامًا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُباحُ له القَصْرُ إذا بَلَغ مَسافَةَ القَصْرِ؛ لأنَّه سافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا. ولَنا، أنَّه لم يَقْصِدْ مَسافَةَ القَصْرِ، فلم يُبَحْ له، كابْتِداءِ سَفَرِه، ولأنَّه سَفَرٌ لم يُبَحِ القَصْرُ في ابْتِدائِه، فلم يُبَحْ في أثْنائِه، إذا لم يُغَيِّرْ نِيَّتَه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وسَفَرِ المَعْصِيَة. ومتى رَجَع هذا يَقصِدُ بَلَدًا، أو نَوَى مسافةَ القَصْرِ، فله القَصْرُ؛ لوُجُودِ النِّيَّةِ المُبِيحَةِ. ولو قصَد بَلَدًا بَعِيدًا، وفى عَزْمِه أنَّه متى وَجَد طِلْبَتَه دُونَه رَجَع أو أقَامَ، لم يُبَحْ له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بسَفَرٍ طَوِيلٍ. وإن كان لا يَرْجِعُ ولا يُقيمُ بوُجُودِه، فله القَصْرُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَن خَرَج إلى سَفَرٍ مُكْرَهًا، كالأسِيرِ، فله القَصْرُ إذا كان سَفَرُه بَعِيدًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعىُّ: لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه غيرُ نَاوٍ للسَّفَرِ ولا جازِمٍ به، فإنَّ نِيَّتَه متى أفْلَتَ رَجَع. ولَنا، أنَّه مُسافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غيرَ مُحَرَّمٍ، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كالمَرْأَةِ مع زَوْجِها، والعَبْدِ مع سَيِّدِه، إذا كان عَزْمُهما أنَّه لو مات أو زال مُلْكُهما، رَجَعا. وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بهذا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُتِمُّ إذا صار في حُصُونِهم. نَصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّه قد انْقَضَى سَفَرُه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه الإِتْمَامُ؛ لأنَّ في عَزْمِه أنَّه متى أفْلَتَ رَجَع، فهو كالمَحْبُوسِ ظُلْمًا. الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أنَّ القَصرَ يَخْتَصُّ الربَاعِيَّةَ، فأمَّا المَغْرِبُ والصُّبْحُ فلا قَصْرَ فيهما. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن لا يَقصُرَ في صلاةِ المَغْرِبِ والصُّبْحِ، وأنَّ القَصْرَ إنَّما هو في الرُّبَاعِيَّةِ، ولأنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتان، فلو قُصِرَتْ صارَتْ رَكْعَةً، وليس في الصَّلَواتِ رَكْعَةٌ إلَّا الوِتْرَ، والمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهارِ، فإن قُصِرَ منها رَكْعَةٌ لم تَبْقَ وِترًا، وإن قُصِرَ رَكْعَتان كان إجْحافًا بها، وإسْقاطًا لأَكْثَرِها.

601 - مسألة: (إذا جاوز بيوت قريته، أو خيام قومه)

إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ، أَوْ خيَامَ قَوْمِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 601 - مسألة: (إذا جاوَزَ بُيُوتَ قَرْيته، أو خِيامَ قَوْمِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه ليس لمن نَوَى السَّفَرَ القَصْرُ حتى يَشْرَعَ في السَّفَرِ بخُرُوجِه مِن بُيُوتِ قَرْيته. وهذا قَوْلُ مالكٍ (¬1)، والشافعىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ. وحُكِىَ ذلك عن جَماعَةٍ مِن التَّابِعِين. وحُكِىَ عن عَطاءٍ، وسليمانَ بنِ موسى، أنَّهما أباحا القَصْرَ في البَلدِ لمَن نَوَى السَّفَرَ. وعن الحارثِ بن أبى رَبِيعَةَ، أنه أراد سَفَرًا، فصَلَّى بهم في مَنْزِلِه رَكْعَتَيْن، وفيهم الأسْوَدُ ابنُ يَزِيدَ وغيرُه مِن أصْحابِ عبدِ اللَّهِ. وروَى عُبَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ (¬2)، قال: رَكِبْتُ مع أبى بَصْرَةَ الغِفارِىِّ في سَفِينَةٍ مِن الفُسْطاطِ، في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّبَ غَدَاه، فلم يُجاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعَا بالسُّفْرَةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ. قُلْتُ: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فأَكَلَ. رَواه أبو داودَ (¬3). ولَنا، قولُه تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}. ولا ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في الأصل: «حنين». (¬3) في: باب متى يفطر المسافر إذا خرج، من كتاب الصيام. سنن أبى داود 1/ 562.كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 6/ 398. وانظر: عون المعبود 2/ 293، في تعليقه على «فدفع».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يكونُ ضاربًا [في الأرض] (¬1) حتى يَخْرُجَ. وقد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه إنَّما كان يَبْتَدِئُ القَصْرَ إذا خَرَج مِن المَدِينَةِ (¬2). فرَوَى أنَسٌ قال: صَلَّيْتُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمَدِينَةِ أرْبَعًا، وبذى الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). فأمَّا أبو بَصْرَةَ، فإنَّه لم يَأْكُلْ حتى دَفَع، بدَلِيلِ قوْلِ عُبَيْدٍ له: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ وقولُه: لم يُجاوِزِ البُيوتَ: مَعْناه لم يَيْعُدْ منها. إذا ثَبَت هذا، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) أخرج نحوه البخارى، في: ترجمة باب يقصر إذا خرج من موضعه، من كتاب التقصير. صحيح البخارى 2/ 54. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب من بات بذى الحليفة حتى أصبح، وباب رفع الصوت بالإهلال، وباب التحميد والتسبيح. . . إلخ، وباب نحر البدن قائمة، من كتاب. الحج، وفى: باب الخروج بعد الظهر، من كتاب الجهاد. صحيح البخارى 2/ 170، 210، 4/ 59. ومسلم، في: باب صلاة المسافرين وقصرها، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 480.كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت الإحرام، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 411. والنسائى، في: باب صلاة العصر في السفر، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 192.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإنَّه يَجُوزُ القَصْرُ، وإن كان قَرِيبًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ للذى يُرِيدُ السَّفَرَ أن يَقْصُرَ الصلاةَ إذا خَرَج مِن بُيوتِ القَرْيَةِ التى يَخْرُجُ منها. وروِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا خَرَجْتَ مُسافِرًا فلا تَقْصُرِ الصلاةَ يَوْمَكَ ذلك إلى اللَّيْلِ، وإذا رَجَعتَ فلا تَقْصُرْ لَيْلَتَكَ حتى تُصْبِحَ. والآيَةُ تَدُلُّ على خِلافِ قَوْلِه. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا خَرَج مِن المَدِينَةِ لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْن حتى يَرْجِعَ إليها (¬1). وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبى بَصْرةَ. وقال البخارِي: خَرَج علىٌّ فقَصَر وهو يَرَى البُيوتَ، فلمَّا رَجَع قِيلَ له: هذه الكُوفَةُ. قال: لا حتى نَدْخُلَها (¬2). فصل: فإن خَرَج مِن البَلَدِ، وصار بينَ حِيطانِ بَساتِينه، فله القَصْرُ؛ لأنَّه قد تَرَك البُيوتَ وراءَ ظَهْرِه. وإن كان حَوْلَ البَلَدِ خَرابٌ قد تَهَدَّمَ وصار فَضاءً، أُبِيحَ القَصْرُ فيه كذلك (¬3). وإن كانت حِيطانُه قائِمةً، ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر في السفر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 377. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 124. (¬2) رواه البخارى معلقا، في: باب يقصر إذا خرج من موضعه، من كتاب التقصير. صحيح البخارى 2/ 54. (¬3) في الأصل: «لذلك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فكذلك، قاله الآمِدِىُّ. وقال القاضى: لا يُباحُ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ السُّكْنَى فيه مُمْكِنَة، أشْبَهَ العامِر. ولَنا، أنَّها غيرُ مُعَدَّةٍ للسُّكْنَى، أشْبَهَتْ حِيطانَ البَساتينِ. وإن كان في وَسَطِ البَلَدِ نَهْر فاجْتازَه، فليس له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ مِن البَلَدِ، ولم يُفارقِ البُنْيانَ، فأَشْبَهَ الرَّحْبَةَ والمَيْدانَ في وَسَطِ البَلَدِ. وإن كان للبَلَدِ مَحَالٌّ، كلُّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٌ عن الأُخْرَى كبَغْدادَ، فمتى خَرَج مِن مَحَلَّتِه أُبِيحَ له القَصْرُ إذا فارَقَ مَحَلَّتَه. وإن كان بعضُها مُتَّصِلًا ببَعْض، لم يَقْصُرْ حتى يُفارِقَ جَمِيعَها (¬1). ولو كانت قَرْيَتان مُتَدانيَتَيْن، فاتَّصَل بِناءُ إحْداهما بالأُخْرَى، فهما كالواحِدَةِ، وإن لم يَتَّصِلْ، فلكلِّ قَرْيةٍ حُكْمُ نَفْسِها. فصل: وحُكْمُ السَّفَرِ مِن الخِيامِ والحِلَلِ حُكْمُ السَّفَرِ مِن القُرَى فيما ذَكَرْنا، متى فارَقَ حِلَّتَه قَصَرَ، وإن كانت حِلَلًا، فلكلِّ حِلَّةٍ حُكْمُ نَفْسِها، كالقُرَى. وإن كان بَيْتُه مُنْفَرِدًا، فحتى يُفارِقَ مَنْزِلَه ورَحْلَه، ويَجْعَلَه وراءَ ظَهْرِه، كالحَضَرِىِّ. وقال القاضى: إن كان نازِلًا في وادٍ ¬

(¬1) في م: «جميعا».

602 - مسألة: (وهو أفضل من الإتمام، وإن أتم جاز)

وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ، وَإِنْ أَتَمَّ جَازَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وسافَرَ في طُولِه فكذلك، وإن سافَرَ في عَرْضِه فكذلك إن كان واسِعًا، وإن كان ضَيِّقًا لم يَقْصر حتى يَقْطَعَ عَرْضَ الوَادِى ويُفارِقَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: متى كانت حِلَّتُه في وادٍ لم يَقْصُرْ حتى يُفارِقَه. والأَوْلَى جَوازُ القَصْرِ إذا فارَقَ البنيانَ مُطْلَقًا، لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، كما لو كان نازِلًا في الصَّحْرَاءِ، ولأنَّ المَعْنَى المُجَوِّزَ للتَّرَخُّص وُجُودُ المَشَقَّةِ، وذلك مَوْجُودٌ في الوَادِى، كوُجُودِه في غيرِه. 602 - مسألة: (وهو أَفْضَلُ مِن الإِتْمامِ، وإن أَتَمَّ جاز) القَصْرُ أفْضَلُ من الإِتْمامِ في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه إلَّا الشافعىَّ في أحَدِ قَوْلَيْه، قال: الإتمَامُ أفْضَلُ، لأنَّه أكثرُ عَمَلًا وعَدَدًا، وهو الأصْلُ، فكان أفْضَلَ، كغَسْلِ الرِّجْلَيْن. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُدَاوِمُ على القَصْرِ، قال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في السَّفَرِ، فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ عُمَرَ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ. مُتَّفَقٌ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليه (¬1). ولمّا بَلَغ ابنَ مسعودٍ أنَّ عثمانَ صَلَّى أرْبَعًا، اسْتَرْجَعَ، وقال: صَلَّيْتُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتَين، ومع أبى بكرٍ رَكْعَتَين، ومع عمرَ رَكْعَتَيْنِ. ثم تَفَرقَتْ بكم الطرقُ، ولوَدِدْتُ أنَّ حَظِّى مِن أرْبعٍ رَكْعَتان مُتَقَبَّلَتان (¬2). وقد كَرِهَ طائِفَة مِن الصَّحابَةِ الإِتْمَامَ، فقال ابنُ عباسٍ للذى قال له: كُنْتُ. أُتِمُّ الصلاةَ وصَاحِبى يَقْصُرُ: أنتَ الذي كُنْتَ تَقْصُرُ وصاحِبُكَ يتمُّ (¬3). ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا سَأَل ابنَ عُمَرَ عن صلاةِ السَّفَرِ، فقال: رَكْعَتان، فمَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَر (¬4). ولأنَّه إذا قَصَر أدَّى الفَرْضَ بالإِجْمَاعِ، بخِلافِ الإِتْمَامِ، وأمَّا الغَسْلُ فلاْ نُسَلِّمُ أنه أفْضَلُ مِن المَسْحِ. ¬

(¬1) تقدم في صفحة 27. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب الصلاة بمنى، من كتاب التقصير، وفى: باب الصلاة بمنى، من كتاب الحج. صحيح البخارى 2/ 53 - ، 54، 197، 198. ومسلم، في: باب قصر الصلاة بمنى، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 483. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بمنى، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 454. والدارمى، في: باب الصلاة بمنى، من كتاب المناسك. سنن الدارمى 2/ 55. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 416، 425، 464. (¬3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 561. عن ابن عمر بنحوه. (¬4) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الصلاة في السفر، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 520. وابن أبى شيبة، في: باب من كان يقصر الصلاة، من كتاب الصلوات. المصنف 2/ 449، 450.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والإِتْمامُ جائِزٌ في المَشْهُورِ عن أحمدَ، وقد رُوِىَ عنه أنَّه تَوَقَّفَ، وقال: أنا أحِبُّ العافِيَةَ مِن هذه المَسْأَلَةِ. وقال مَرَّةً أُخْرَى: ما يُعْجِبُنِى. ومِمَّن رُوِىَ عنه الإِتْمامُ في السَّفَرِ، عثمانُ (¬1)، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وهو المَشْهُورُ عن مالكٍ. وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ: ليس له الإِتْمَامُ في السَّفَرِ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفة. وأوْجَبَ حَمَّادٌ على مَن أَتَمَّ الإِعادَةَ. وقال أصحابُ الرَّأىِ: إن كان جَلَس بعدَ الرَّكْعَتَيْن قَدْرَ التَّشَهُّدِ فصلاُته صَحِيحَةٌ، وإلَّا فلا. وقال عُمَرَ بنُ عبدِ العزيزِ: الصلاةُ في السَّفَرِ رَكْعَتانِ حَتْمٌ (¬2)، لا يَصْلُحُ غيرُهما. واحْتَجُّوا بأنَّ صلاةَ السَّفَرِ رَكْعَتان بدَلِيلِ قولِ عائشةَ: إنَّ الصلاةَ أوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْن، فأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وقال عمرُ رَضِىَ اللَّه عنه: صلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتان، وصَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعتانِ، وصَلَاةُ العِيدِ رَكْعَتانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ على لِسانِ محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد خاب مَن افْتَرَى. رَواه ابنُ ماجه (¬4). وسُئِلَ ابنُ عمرَ عن الصلاةِ في السَّفرِ، فقال: رَكْعَتانِ، ¬

(¬1) في م: «عمر». (¬2) في م: «حتى». (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 29. (¬4) في: باب تقصر الصلاة في السفر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 338.كما أخرجه النسائى، في: باب تقصير الصلاة في السفر، من كتاب القصر، وفى: باب عدد صلاة العيدين، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 97، 149. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 37.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فمَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَر. ولأنَّ الرَّكْعَتَيْن الأُخْرَيَيْن يَجُوزُ تَرْكُهما إلى غيرِ بَدَلٍ، فلم يَجُزْ زِيادَتُهما على الرَّكْعَتَيْن المَفْروضَتَيْن، كالزِّيادَةِ على صلاةِ الفَجْرِ. ولَنا، قَولُه تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}. وهذا يَدُل على أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ يُتَخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وتَرْكِه، كسائرِ الرُّخَص. وقَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ: «صَدَقَة تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقتَهُ» (¬1). يَدُلُّ على أنه رُخْصَة، وليس بعَزِيمَةٍ. وقالت عائشةُ: خَرَجْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في عُمْرَةٍ في رمَضانَ، فأفْطَرَ وصُمْتُ، وقَصَر وأَتمَمْتُ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، بأبى أنت وأُمِّى، أفْطَرْتَ وصُمْتُ، وقَصَرْتَ وأَتْمَمْتُ. قال: «أحْسَنْتِ». رَواه أبو داودَ الطَّيالِسِىُّ (¬2). ولأنَّه لو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ صَلَّى أرْبَعًا، والصلاةُ لا تَزِيدُ بالائْتِمَام. وعن أنَسٍ، قال: كُنَّا، أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نُسافرُ، فيتم بَعْضُنا، ويَقْصُرُ بَعْضُنا، ويَصُومُ بَعْضُنا، ويُفْطِرُ بَعْضُنا، فلا يَعِيبُ أحَدٌ على أحدٍ (¬3). وهذا إجْمَاعٌ منهم على جَوازِ الأمْرَيْنِ. فأمَّا قولُ عائشةَ، فُرِضَتْ الصَّلاة رَكْعَتَيْنِ. فإنَّما أرادَتْ أنَّ ابتداءَ فَرْضِها كان ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 26. (¬2) لم نجده في مسند أبى داود الطيالسى، وأخرجه النسائى، في: باب المقام الذى يقصر بمثله الصلاة، من كتاب التقصير. المجتبى 3/ 100، 101. ونقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كذب هذا الحديث. انظر: زاد المعاد 1/ 464، 465، 472. وانظر: إرواء الغليل 3/ 6 - 9. (¬3) لم نجده بهذا السياق. وانظر: بلوغ الأمانى شرح الفتح الربانى، للساعاتى 5/ 99.

603 - مسألة: (فإن أحرم فى الحضر ثم سافر، أو فى السفر ثم

فَإِنْ أَحْرَمَ فِى الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أوْ فِى السَّفَرِ ثُمَّ أَقامَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ رَكْعَتَيْنِ، ثم أُتِمَّتْ بعدَ الهِجْرَةِ، فصارَتْ أرْبَعًا، وكذلك كانت تُتِمُّ الصلاةَ، ولو اعْتَقَدَتْ ما أرادَه هؤلاء لم تُتِمَّ. وقوْلُ عمرَ: تَمامٌ (¬1) غيرُ قَصْير. [أراد بها تَمامٌ في فضلِها] (¬2)، ولم يُرِدْ أنَّها غيرُ مَقْصُورَةِ الرَّكَعاتِ (¬3)؛ لأنَّه خِلافُ ما دَلَّتْ عليه الآيَةُ والإِجْماعُ، إذ الخِلافُ إنَّما هو في القَصْرِ والإِتْمام، وقد ثَبَت برِوايته عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ أنَّها مَقْصُورَةٌ، ثم لو ثَبَت أنَّ أَصْلَ الفَرْض رَكْعَتان لم تَمْتَنِعِ الزِّيادَةُ عليها، كما لو ائْتَمَّ بمُقِيم، ويُخالِفُ زِيادَةَ رَكْعَتَيْن على صلاةِ الفَجْرِ، فإنَّه لا يَجُوزُ زِيادَتُهما بحالٍ. 603 - مسألة: (فإن أَحْرَمَ في الحَضَرِ ثم سافَرَ، أو في السَّفَرِ ثم ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في م: «أراد تمام فضلها». (¬3) في م: «الركعتان».

أوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِى سَفَرٍ، أوْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِى حَضَرٍ، أوِ ائْتَمَّ بِمقِيمٍ، أوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ، أوْ أحْرَمَ بصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا، فَفَسَدَتْ وَأعَادَهَا، أوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ، لَزِمَهُ أنْ يُتمَّ. وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لَا يَحْتَاجُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ إِلَى نِيَّةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أقامَ، أو ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ، أو صلاةَ سَفَرٍ في حَضَرٍ، أو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ، أو بمَن يَشُكُّ فيه، أو أَحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إتْمامُها، ففَسَدَتْ وأعادَها، أو لم يَنْوِ القَصْرَ، لَزِمَه أن يُتِمَّ. وقالَ أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ القَصْرُ والجَمْعُ إلى نِيَّةٍ) إذا أحْرَمَ بالصلاةِ في سَفِينَةٍ في الحَضَرِ، فخَرَجَتْ به في أثْناءِ الصلاةِ، أو أحْرَمَ في السَّفَرِ، فدَخَلَتْ في أثْناءِ الصلاةِ البَلَدَ، لم يَقْصُرْ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالسَّفَرِ والحَضَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْهَا في الحَضَرِ غُلِّبَ حُكْمُه، كالمَسْحِ. فصل: فأمَّا إن سافَرَ بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ، فقال أصْحابُنا: يُتِمُّ. وذَكَر ابنُ عَقِيل فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يُتِمُّ؛ لأنَّها وَجَبَتْ في الحَضَرِ، فلَزِمَه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إتْمامُها، كما لو سافَرَ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِها. والثَّانِيَةُ، له قَصْرُها. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا؛ لأنَّه سافَرَ قبلَ خُروجِ وَقْتِها، أشْبَهَ ما لو سافَرَ قبلَ وُجُوبِها، وكلابِس الخُفِّ إذا أحْدَثَ ثم سافَرَ قبلَ المَسْحِ. فصل: وإذا نَسِىَ صلاةَ حَضَرٍ، فذَكَرَها في السَّفَرِ، وَجَبَتْ عليه أرْبَعًا بالإِجْماعِ. حَكاه الإمامُ أحمدُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال: [إلَّا أنَّه] (¬1) قد اخْتُلِفَ فيه عن الحسنِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه قال: يُصَلِّيها رَكْعَتَيْنِ. ورُوِىَ عنه كقَوْلِ الجَماعَةِ؛ لأنَّ الصلاةَ يَتَعَيَّنُ (¬2) فِعْلُها، فلم يَجُزْ له النُّقْصانُ مِن عَدَدِها، كما لو لم يُسافِرْ. وأمّا إذا نَسِىَ صلاةَ سَفَرٍ فذَكرها في الحَضَرِ، فقال أحمدُ، في رِواية الأَثْرَمِ: عليه الإِتْمامُ احْتِياطًا. وبه قالَ الأوْزاعِىُّ، وداودُ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال مالك، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ: يُصَلِّيها صلاةَ سَفَرٍ؛ لأنَّه إنَّما يَقْضِى ما فاتَه، وهو رَكْعَتانِ. ولَنا، أنَّ القَصْرَ رُخْصَة مِن رُخَص السَّفَرِ، فَبَطَلَتْ بزَوالِه، كالمَسْحِ ثَلاثًا. ¬

(¬1) في م: «لأنه». (¬2) في م: «تغير».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولأنَّها وَجَبَت عليه في الحَضَرِ؛ بدَلِيلِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (¬1). ولأنَّها عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْها في الحَضَرِ غُلِّبَ حُكْمُه، كالسَّفِينَةِ إذا دَخَلتْ به البَلَدَ في أثْناءِ الصلاةِ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالجُمُعَةِ إذا فاتَتْ، وبالمُتَيَمِّمِ إذا فاتَتْه الصلاةُ فقَضاها عندَ وُجُودِ الماءِ. فصل: وإذا ائْتَمَّ المُسافِرُ بمُقِيمٍ، لَزِمَه الإِتْمامُ، سَواءٌ أدْرَكَ جَميعَ الصلاةِ أو بَعْضَها، وقال ابنُ أبى موسى في (¬2) رِوايةٍ: إنَّه إذا أحْرَمَ في آخِرِ صَلاِته لا يَلْزَمُه أن يُتِمَّ. قال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن المُسافِرِ، يَدْخُلُ في تَشَهُّدِ المُقِيمين؟ قال: يُصَلِّى أرْبَعًا. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عباسٍ، وجَماعَةٍ مِن التَّابِعِين. وبه. قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ: للمُسافِرِ القَصْرُ؛ لأنَّها صلاةٌ يَجُوزُ فِعْلُها رَكْعَتَيْن، فلم تَزِدْ بالائْتمامِ (¬3)، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 183. (¬2) في م: «فيه». (¬3) في الأصل: «بالإتمام».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كالفَجْرِ. وقال طاوُسٌ، والشَّعْبِىُّ، في المُسافِرِ يُدْرِكُ مِن صلاةِ المُقِيمِ رَكْعَتَيْن: تُجْزِئان. وقال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزهْرِىُّ وقَتادَةُ، ومالكٌ: إن أدْرَكَ رَكْعَةً أَتَمَّ، وإن أدْرَكَ دُونَها قَصَر؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ» (¬1). ولأنَّ مَن أدْرَكَ مِن الجُمُعَةِ رَكْعَةً أتَمَّها جُمُعَةً، ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن ذلك لا يَلْزَمُه فَرْضُها. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّه قِيلَ لابنِ عباسٍ: ما بالُ المُسافِرِ يُصَلِّى رَكْعَتَيْن في حالِ الانْفِرادِ، وأرْبَعًا إذا أَتَمَّ بمُقِيم؟ فقال: تلك السُّنَّةُ. رَواه الإمامُ أحمدُ (¬2). وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولا يُعْرَفُ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صلاةٌ مَرْدُودَةٌ مِن أرْبَع إلى رَكْعَتَيْن، فلا يُصَلِّيها [خَلْفَ مَن يُصَلِّى الأرْبَعَ كالجُمُعَةِ. وما ذَكَروه لا يَصِحُّ عندَنا؛ فإنَّه لا تَصِحُّ له صلاةُ الفَجْرِ] (¬3) خلفَ مَن يُصَلِّى رُباعِيَّةً، وإدْراكُ الجُمُعَةِ يُخالِفُ ما نحن فيه؛ فإنَّه لو أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ رَجَع إلى الرَّكْعَتَيْن، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 170. (¬2) في: المسند 1/ 216. (¬3) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّما جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (¬1). وَمُفارَقَةُ إِمامِة مع إمْكانِ مُتابَعَتِه اخْتِلافٌ عليه. فصل: وإذا أحْرَمَ المُسافِرُون خلفَ مُسافِرٍ، فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا، فلهم القَصْرُ. وإنِ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا لَزِمَهم الإِتْمامُ، لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيم، وللإِمامِ المُحْدِثِ القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ. ولو صَلَّى ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 559.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المُسَافِرُون خلفَ مُقِيم فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا أو مُقِيمًا، لَزِمَهم الإِتْمامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيمٍ. فإنِ اسْتَخْلَفَ مُسافِرًا لم يَكُنْ معهم في الصلاةِ فله أن يُصَلِّىَ صلاةَ السَّفَرِ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ. فصل: وإذا أحْرَمَ المُسافِرُ خلفَ مَن يَشُكُّ فيه، أو مَن يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه مُقِيمٌ، لَزِمَه الإِتْمامُ وإن قَصَر إمامُه؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الإِتْمامِ (¬1)، فليس له نِيةُ قَصْرِها مع الشَّكِّ في وُجُوبِ إتْمامِها، فلَزِمَه الإِتْمامُ اعْتِبارًا بالنِّيَّةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وإن غَلَب على ظَنِّه أنَّ الإِمامَ مُسافِرٌ بأمارَةِ آثارِ السَّفَرِ، فله أن يَنْوِىَ القَصْرَ، فإن قَصَر إِمامُه قَصَر معه، وإن أتَمَّ تابَعَه فيه، وإن نَوَى الإِتْمَامَ لَزِمَه الإِتْمَامُ، سَواءٌ قَصَر إِمامُه أو أتَمَّ، اعْتِبارًا بالنِّيَّة. وإن نَوَى القَصْرَ فأحْدَثَ إِمامُه قبلَ عِلْمِه بحالِه، فله القَصْرُ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ إِمامَه مُسافرٌ، لوُجُودِ دَلِيله، وقد أُبِيحَتْ (¬2) له نِيَّةُ القَصْرِ، بِناءً على هذا الظَّاهِرِ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه الإِتْمَامُ احْتِياطًا. فصل: وإذا أحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إِتْمامُها، مثلَ إن نَوَى الإِتْمامَ، أو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ ففَسَدت الصلاةُ وأراد إعادَتَها، لَزِمَه الإِتْمامُ؛ لأنَّها وَجَبَتْ عليه تامَّةً بتَلبُّسِه بها خلفَ المُقِيمِ ونِيَّةِ الإِتْمَامِ. وهذا قولُ الشافعىِّ. ¬

(¬1) في م: «الائتمام». (¬2) في م: «أتيحت».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: إذا فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ عاد المُسافِرُ إلى القَصْرِ. ولَنا، أنَّها وَجَبَتْ بالشُّرُوعِ فيها تَامَّةً، فلم يَجُزْ له قَصْرُها، كما لو لم تَفْسُدْ. فصل: وإذا صَلَّى المُسافِرُ صلاةَ الخَوْفِ بمُسافِرِين، ففَرَّقَهم فِرْقَتَيْن، فأحْدَثَ قبلَ مُفارَقَةِ الطَّائِفَةِ الأُولَى، واسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِم الطائِفَتَيْن الإتْمَامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيم. وإن كان ذلك بعدَ مُفارَقَةِ الأُولَى، أتَمَّتِ الثَّانِيَةُ وحدَها؛ لأنَّها اخْتَصتْ بمُوجِبِه. وإن كان الإِمامُ مُقِيمًا، فاسْتَخْلَفَ مُسافرًا مِمَّن كان معه في الصلاةِ، فعلى الجَمِيعِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ المُسْتَخْلَفَ قد لَزِمَه الإِتْمَامُ باقْتِدائِه بالمُقِيمِ، فصار كالمُقِيمِ. وإن لم يَكُنْ دَخَل معه في الصلاةِ، وكان استخْلَافُه قبلَ مُفارَقَةِ الأُولَى، فعليها الإِتْمامُ؛ لائْتِمَامِها بمُقِيم، وكقَصْرِ الإِمامِ والطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ. وإنِ اسْتَخْلَفَ بعدَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ، فعلى الجَمِيع الإِتْمامُ، وللمُستخْلَفِ القَصْرُ وحدَه؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمقِيمٍ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا صَلَّى مُقِيمٌ ومُسافِرٌ خلفَ مُسافِرٍ، أَتَمَّ المُقِيمُ إذا سَلَّمَ إمامُه، وذلك إجْماعٌ. وقد روَى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: شَهِدْتُ الفَتْحَ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَقَامَ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لا يُصَلِّى إلَّا رَكْعَتَيْن، ثم يقولُ لأهْلِ البَلَدِ: «صَلُّوا أرْبَعًا، فَإنَّا سَفْرٌ». رَواه أبو داودَ (¬1). ولأن الصلاةَ واجبَة عليه أرْبَعًا، فلم يَسْقُطْ شئٌ منها، كما لو لم يَأْتَمَّ بالمُسافِرِ. ويُسْتَحَبُّ أَن يقولَ الإِمامُ للمُقِيمِين: أَتِمُّوا، فإنَّا سَفْرٌ. كما في الحَدِيثِ، ولِئَلَّا يَلْتَبِسَ على الجاهِل عَدَدُ رَكَعاتِ الصلاةِ. وقد روَى الأْثرمُ عن الزُّهْرِىِّ، أنَّ عثمانَ إنَّما أتَمَّ لأنَّ الأعْرابَ حَجُّوا، فأراد أن يُعَرِّفَهم أنَّ الصلاةَ أرْبَعٌ. فصل: وإذا أمَّ المُسافِرُ المُقِيمِين، فأَتَمَّ بهم الصلاةَ، فصلاتُهم تامَّةٌ. وبهذا قال الشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صلاةُ المُقِيمِين، وتَصِحُّ صلاةُ الإِمام والمُسافِرِين معه. وعن أحمدَ نحوُه. قال القاضى: لأنَّ الرَّكعَتَيْن الأخرَيَيْنَ نَفْلٌ مِن الإِمامِ، ولا يَؤُمُّ بها مُفْتَرِضِين. ولَنا، أنَّ المُسافِرَ يَلْزَمُه الإِتْمامُ بنِيَّتِهِ، فيكونُ الجَمِيعُ واجِبًا، ثم لو كانت نَفْلاً، فائْتِمامُ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ صَحِيحٌ، على ما مَضَى. فصل: وإن أمَّ مُسافِرٌ مُسافِرِين، فنَسِىَ فصَلَّاها تامَّةً، صَحَّتْ صلاةُ ¬

(¬1) في: باب متى يتم المسافر، من كتاب السفر. سنن أبى داود 1/ 280.كما أخرجه الإِمام أحمد، في: المسند 4/ 432.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الجَمِيعِ، ولا يَلْزَمُه سُجُودُ سَهْوٍ؛ لأنَّها زِيادَة لا يُبْطِلُ عَمْدُها الصلاةَ، فلا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِها، كزِياداتِ الأقْوالِ. وهل يُشرعُ السُّجودُ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْنِ فيما إذا قَرَأ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَحْتاجُ إلى سُجُودٍ؛ لأنَّه أتى بالأصْلِ. ولَنا، أنَّ هذه زِيادَةٌ نقصَتِ الفَضِيلَةَ، وأخَلَّتْ بالكَمالِ، أشْبَهَتِ القِراءَةَ في غيرِ مَحَلِّها، وقِراءَةَ (¬1) السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْن. فإذا ذَكَر الإِمامُ بعدَ قِيامِه إلى الثَّالِثةِ، لم يَلْزَمْه الإِتْمامُ، وله أن يَجْلِسَ، فإنَّ المُوجِبَ للإِتْمامِ نِيَّتُه، أو الائْتِمامُ بمُقِيمٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما. وإن عَلِم المأْمُومُ أنَّ قِيامَه لسَهْوٍ، لم يَلْزَمْه مُتابَعَتُه، ويُسَبِّحُونَ به (¬2)؛ لأنَّه سَهْو فلا يَجِبُ اتِّباعُه فيه، ولهم مُفارَقَتُه إن لم يَرْجِعْ، كما لو قام إلى ثالِثَةٍ في الفَجْرِ. وإن تابَعُوه لم تَبْطُلْ صَلاتُهم؛ لأنَّها زِيادَة لا تُبْطِلُ صلاةَ الإِمامِ، فلا تَبْطُلُ صلاةُ المَأْمُومِ بمُتابَعَتِه فيها، كزِياداتِ الأقْوالِ. وقال القاضى: تَفْسُدُ صَلاُتهم؛ لأنَّهم زادُوا رَكْعَتَيْن عَمْدًا. وإن لم يَعْلَمُوا هل قام (¬3) سَهْوًا أو عَمْدًا، لَزِمَهم مُتابَعَتُه؛ لأنَّ وُجُوبَ المُتابَعَةِ ثابِتٌ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ. فصل: ومَن لم يَنْوِ القَصْرَ لَزِمَه الإِتْمامُ؛ لأنَّ نِيَّةَ القَصْرِ شَرْطٌ في ¬

(¬1) في م: «كقراءة». (¬2) في م: «له». (¬3) في م: «قاموا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جَوازِه، ويُعْتَبَرُ وُجُودُها عندَ أوَّلِ الصلاةِ، كنِيَّتها. كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ والقاضى. وقال أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ الجَمْعُ والقَصْرُ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّ مَن خُيِّرَ في العِبادَةِ قبلَ الدُّخُولِ فيها خُيِّرَ بعدَ الدُّخُولِ فيها، كالصَّوْمِ، ولأنَّ القَصْرَ هو الأصْلُ، بدَلِيلِ خَبَرِ عائشةَ، وعُمَرَ، وابنِ عباس، فلا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، كالإِتْمام في الحَضَرِ. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الإِتْمام هو الأصْلُ على ما ذَكَرْنَا، وقد أَجَبْنَا عن الأخْبارِ المَذْكُورَةِ، وإطْلاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلى الأَصْلِ، ولا يَنْصَرِفُ عنه إلَّا بتَعْيِينِ ما يَصْرِفُه (¬1) إليه، كما لو نَوَى الصلاةَ مُطْلَقًا، ولم يَنْوِ إمامًا. ولا مَأْمُومًا، فإنَّه يَنْصَرِفُ إلى الانْفِرادِ، إذ هو الأصْلُ. والتَّفْرِيعُ على هذا القَوْلِ، فلو شَكَّ في أثْناءِ صَلاتِه، هل نَوَى القَصْرَ في ابتدائِها أوْ لَا، لَزِمَه الإِتْمامُ احْتِياطًا؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ. ¬

(¬1) في م: «يصرف».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإن ذَكَر بعدَ ذلك أنَّه قد نَوَى القَصْرَ، لم يَجُزْ له القَصْرُ؛ لأنَّه قد لَزِمَه الإِتْمامُ، فلم يَزُلْ. فصل: ومَن نَوَى القَصْرَ، ثمَّ نَوَى الإِتْمامَ، أو نَوَى ما يَلْزَمُه به الإِتْمامُ مِن الإِقامَةِ، وسَفَرِ المَعْصِيَةِ، أو نَوَى الرُّجُوعَ، ومَسافَةُ رُجُوعِه لا يُباحُ فيها القصْرُ، ونحو هذا، لَزِمَهُ الإِتْمامُ، ولَزِم مَن خَلْفَه مُتابَعَتُه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ له الإِتْمامُ؛ لأنَّه نَوَى عَدَدًا، وإذا زاد عليه، حَصَلَتِ الزِّيادَةُ بغيرِ نِيَّةٍ. ولَنا، أنَّ نِيَّةَ صلاةِ الوَقْتِ قد وُجِدَتْ، وهي أرْبَعٌ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ رَكْعَتَيْن رُخْصَةً، فإذا أسْقَطَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ،

604 - مسألة: (ومن له طريقان؛ بعيد وقريب، فسلك البعيد، أو ذكر صلاة سفر فى آخر، فله القصر)

وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ؛ بَعِيدٌ وَقَريبٌ، فَسَلكَ الْبَعِيدَ، أَوْ ذَكَرَ صَلاةَ سَفَرٍ فِى آخَرَ، فَلَهُ الْقَصْرُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ صَحَّتِ الصلاةُ بِنيَّتِها, ولَزِمَه الإِتْمامُ، ولأنَّ الإِتْمامَ الأصْلُ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُه بشَرْطٍ، فإذا زال الشَّرْطُ عاد الأصْلُ إلى حالِه. فصل: وإذا قَصَر المُسافِرُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَ القَصْرِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأنَّه فَعَل ما يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فلم يَقَعْ مُجْزِئًا، كمَن صَلَّى مُعْتَقِدًا أنَّه مُحْدِثٌ، ولأنَّ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ بالصَّلاةِ شَرْطٌ، وهذا يَعْتَقِدُ أنَّه عاصٍ، فلم تَصِحَّ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ. 604 - مسألة: (ومَن له طَرِيقان؛ بَعِيدٌ وقَرِيبٌ، فسَلَكَ البَعِيدَ، أو ذَكَر صلاةَ سَفَرٍ في آخَرَ، فله القَصْرُ) إذا كان لسَفَرِه طَرِيقانِ، يُباحُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ القَصْرُ في أحَدِهما لبُعْدِه دُونَ الآخَرِ، فسَلَكَ البَعِيدَ، ليَقْصُرَ الصلاةَ فيه، أو لغيرِ ذلك، أُبِيحَ له القَصْرُ؛ لأنَّه مُسافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا مُباحًا، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كما لو لم يَجِدْ سِواه، وكما لو كان الآخَرُ مَخُوفًا أو شَاقًّا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن سَلَك الأَبْعَدَ لرَفْع أذِيَّةٍ، واخْتِلافِ نَفْعٍ قَصَرَ، قَوْلًا واحِدًا، وإن كان لا لغَرَضٍ صَحِيحٍ، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في سَفَرِ التَّنَزُّهِ. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَهما (¬1). ¬

(¬1) انظر ما تقدم في صفحة 34.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن نَسِىَ الصلاةَ في سَفَرٍ وذَكَرَها فيه، قَضاها مَقْصُورَةً؛ لأنَّها وَجَبَتْ في السَّفَرِ، وفُعِلَتْ فيه، أشْبَهَ ما لو صَلّاها في وَقْتِها. وإن ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا. وسَواءٌ ذَكَرها في الحَضَرِ أو لم يَذْكرها. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا ذَكَرَها في الحَضَرِ لَزِمَتْه تامَّةً؛ لأنَّه وَجَب عليه فِعْلُها تامَّةً بذِكْرِه إيَّاها، فبَقِيَتْ في ذِمَّتِه. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه إتْمامُها إذا ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، سَواءٌ ذَكَرَها في الحَضَرِ أوْلَا؛ لأنَّ الوُجُوبَ كان ثابِتًا في ذِمَّتِة في الحَضَرِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ وُجُوبَها وفعلَها في السَّفَرِ، فكانَتْ صلاةَ سَفَرٍ، كما لو لم يَذكرْها في الحَضَرِ. وذَكَر بعضُ أَصحابِنا،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ مِن شَرْطِ القَصْرِ كَوْنَ الصَّلاةِ مُؤدَّاةً؛ لأنَّها صلاةٌ مَقْصُورَة، فاشْتُرِطَ لها الوَقْتُ، كالجُمُعَةِ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه اشتراطٌ بالرَّأْى والتَّحَكُّمِ ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به، والقِياسُ على الجُمُعَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الجُمُعَة لا تُقْضَى، ويُشْتَرَطُ لها الخُطبتان والعَدَدُ والاسْتِيطانُ، فجازَ أن يُشْتَرَطَ لها الوَقْتُ، بخِلافِ هذه.

605 - مسألة: (وإذا نوى الإقامة ببلد أكثر من إحدى وعشرين

وَإِذَا نَوَى الإِقَامَةَ فِى بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 605 - مسألة: (وإذا نَوَى الإِقامَةَ ببَلَدٍ أَكْثَرَ مِن إحْدَى وعِشْرِين

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صلاةً، أتَمَّ، وإلَّا قَصَرْ) المَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، أنَّ المُدَّةَ التى يَلْزَمُ المُسافِرَ الإِتْمامُ إذا نَوَى الإِقامَةَ فيها، ما كان أَكْثَرَ مِن إحْدَى وعِشْرِين صلاةً. رَواه الأثْرَمُ، وغيرُه. وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وعنه، إن نَوَى الإِقامَةَ أَكْثَرَ مِن أربَعَةِ الكلام أَتَمَّ. حَكَى هذه الرِّوايَةَ أبو الخطّابِ وابنُ عَقِيلٍ. وعنه، إذا نَوَى إقامَةَ أربَعَةِ أيام أتَمَّ، وإلَّا قَصَرَ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. ورُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وعن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: إذا أقمْتَ أربَعًا فصَلِّ أربَعًا؛ لأن الثَّلاثَ حَدُّ القِلَّةِ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «يُقيمُ [المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ] (¬1). بَعْدَ قَضاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» (¬2). فدَل على أنَّ الثّلاثَ في حُكْمِ السَّفَرِ، وما زاد في حُكْمِ الإِقامَةِ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرّأى: إن أقام خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مع ¬

(¬1) في الأصل، م: «المسافر». والمثبت من صحيح مسلم. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب جواز الإقامة بمكة. . . إلخ، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 985. والترمذي، في: باب ما جاء أن يمكث المهاجر. . . إلخ، من أبواب الحج. عارضة الأحوذى 4/ 174. والنسائى، في: باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة، من كتاب التقصير. المجتبى 3/ 100. وابن ماجه، في: باب كم يقصر الصلاة إذا أقام ببلدة، من كتاب اقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 341. والدارمى، في: باب في من أراد أن يقيم ببلدة كم يقيم حتى يقصر الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 355. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 339، 5/ 52.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اليَوْمِ الذى يَخْرُجُ فيه أَتَمَّ، فإن نَوَى دُونَه قَصَر. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، واللَّيْثِ بنِ سعدٍ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، أنَّهما قالا: إذا قَدِمْتَ وفي نَفْسِكَ أن تُقِيمَ بها خَمس عَشرةَ لَيْلَةً فأكْمِلِ الصلاةَ. ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنَه، قال: يتمُّ الصلاةَ الذى يُقيمُ عَشْرًا، ويَقْصُرُ الذى يقولُ: أخْرُجُ اليومَ أخْرُجُ غدًا. شَهْرًا. وعن ابنِ عباس، أنَّه قال: يَقصُرُ إذا أقامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويتمُّ إذا زادَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقامَ في بعضِ أسْفارِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ يُصَلِّى رَكعَتَيْنِ. قال ابنُ عباسٍ: فنحن إذا أتَمْنا تِسْعَةَ عَشَرَ نُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وإن زِدْنا على ذلك أتمَمْنَا. رَواه البُخارِىُّ (¬1). وقال الحسنُ: صَلِّ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن، إلَّا أن تَقدَمَ مِصْرًا، فأتِمَّ الصلاةَ وصُمْ (¬2). وقالت عائشةُ: إذا وَضَعْتَ الزَّادَ والمَزادَ فأتِمَّ الصلاةَ (¬3). ¬

(¬1) في: باب ما جاء في التقصر وكم يقيم حتى يقصر، من كتاب التقصير، وفي: باب مقام النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة زمن الفتح، من كتاب المغازى. صحيح البخاري 2/ 53، 5/ 191. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في تقصير الصلاة، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 21، 22. وابن ماجه، في: باب من يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 341. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 223. (¬2) أخرجه ابن أبى شيبة بنحوه، في المصنف 2/ 451، 455. (¬3) أخرجه ابن أبى شيبة، في المصنف 2/ 455.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وكان طاوُسٌ إذا قَدِم مَكَّةَ، صَلَّى أربَعًا. ولَنا، ما روَى أنَسٌ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَكَّةَ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن حتى رَجَع، وأقام بمَكَّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصلاةَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وذَكَر أحمدُ حديثَ جابرٍ، وابنِ عباسٍ (¬2) أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدِم مَكَّةَ لصُبْحِ رابِعَةٍ، فأقام النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليَوْمَ الرَّابعَ والخامِسَ والسَّادِسَ والسّابع، وصَلَّى الفَجْرَ بالأبْطَحِ يَوْمَ الثّامِنِ، فكانَ يَقْصُرُ الصلاةَ في هذه الأيَّامِ، وقد أجْمَعَ على إقامَتِها. قال: فإذا أجْمَعَ أن يقيمَ كما أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَصَر، وإذا أجْمَعَ على أكْثَرَ مِن ذلك أَتَمَّ. قال الأثْرَمُ: وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أنسٍ في الإِجْماعِ على الإِقامَةِ للمُسافِرِ، فقال: هو كَلامٌ ليس يَفْقَهُه كلُّ أحَدٍ. فقولُه أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَشْرًا يَقْصُرُ الصلاةَ. وقال: قَدِم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لصُبْحِ رابِعَةٍ وخامِسَةٍ وسابِعَةٍ. ثم قال: ثامِنَةٍ يومَ التروِية، وتاسِعَةٍ وعاشِرَةٍ. فإنَّما ¬

(¬1) أخرجه البخارى في: باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، من كتاب التقصير، وفي: باب مقام النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة زمن الفتح، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 2/ 53، 5/ 190، 191. ومسلم، في: باب صلاة المسافربن وقصرها، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 481. كما أخرجه أبو داود، في: باب متى يتم المسافر، من كتاب صلاة السفر. سنن أبى داود 1/ 280. والترمذى، في: باب ما جاء في تقصير الصلاة، من أبواب صلاة السفر. عارضة الأحوذى 3/ 18. والنسائى، في: باب تقصير الصلاة في السفر، وباب المقام الذى يقصر بمثله الصلاة، من كتاب صلاة السفر. المجتبى 3/ 96، 97، 100. وابن ماجه، في: باب كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 342. والدارمى، في: باب في من أراد أن يقيم ببلدة. . . إلخ، من كتاب الصلاة. . . . سنن الدارمى 1/ 355. (¬2) لم نجده في المسند.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَجْهُ حَدِيثِ أنَسٍ أنَّه حَسَب مُقامَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمَكَّةَ ومِنًى، وإلَّا فلا وَجْهَ له عندِى غيرُ هذا. فهذه أرْبَعَةُ أيام، وصلاةُ الصُّبْحِ بها يَوْمَ التَّرْوِية تَمامُ إحْدَى وعِشْرين صلاةً يَقْصُرُ، وهي تَزِيدُ على أرْبَعَةِ أيَّامٍ، وهو صَرِيحٌ في خِلافِ قولِ مَن حَدَّه بأربعةِ أيَّامٍ. وقولُ أصحابِ الرَّأىِ: لا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّا قد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه عنهم. وحديثُ ابنِ عباسٍ في إقامَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تِسْعَةَ عَشَرَ، وَجْهُه أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُجْمِع الإِقامَةَ. قال أحمدُ: أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمَكَّةَ، زَمَنَ الفَتْحِ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ؛ لأنَّه أراد حُنَيْنًا، ولم يَكُنْ ثَمَّ إجْماعُ المقامِ. وهذه إقامَتُه التى رَواها ابنُ عباسٍ، وهو دَلِيلٌ على خِلافِ قولِ عائشةَ والحسنِ. والحسن واللَّهُ أعلمُ. فصل: ومَن قَصَد بَلَدًا بِعَيْنِه، فوَصَلَه غيرَ عَازِمٍ على الإِقامَةِ به مُدَّةً تَقْطَعُ حُكْمَ سَفَرِه، فله القَصْرُ فيه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في أسْفارِه يَقْصُرُ حتى يَرْجِعَ، وحينَ قَدِم مَكَّةَ كان يَقْصُرُ فيها. ولا فَرْقَ بينَ أن يَقْصِدَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِه، كما فَعَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَجَّةِ الوَداعِ، على ما في حديثِ أنَسٍ، وبينَ أن يُرِيدَ بَلَدًا آخَرَ، كما فَعَل عليه السَّلامُ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، كما في حديثِ ابنِ عباسٍ. فصل: وإن مَرَّ في طَرِيقِه على بَلَدٍ له فيه أهْلٌ أو مالٌ. فقالَ أحمدُ، في مَوْضِعٍ: يُتِمُّ. وقال في مَوْضِعٍ: لا يُتِمُّ إلَّا أن يَكُونَ مَارًّا. وهذا قَوْلُ ابنِ عباسٍ. وقال مالكٌ: يُتِمُّ إذا أراد أن يقيمَ بها يَوْمًا ولَيْلَةً. وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يَقْصُرُ، ما لم يُجْمِعْ على إقامَةِ أرْبَعٍ؛ لأنَّه مُسافِرٌ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عثمانَ، أنَّه صَلَّى بمِنًى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فأنْكَرَ النّاسُ عليه، فقال: يا أيُّها النّاسُ، إنِّى تَأَهَّلْتُ بمَكَّةَ منذُ قَدِمْتُ، وإنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صلاةَ الْمُقِيمِ». رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» (¬1). وقال ابنُ عباسٍ: إذا قَدِمْتَ على أهْلٍ لك أو مالٍ، فَصَلِّ صلاةَ المُقِيمِ (¬2). ولأنَّه مُقِيم ببَلَدٍ له فيه أهْلٌ ومالٌ، أشْبَهَ ¬

(¬1) المسند: 1/ 62. (¬2) أخرجه البيهقى، في: باب المسافر ينتهى إلى الموضع الذى يريد المقام به، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 155، 156. وعبد الرزاق، في: باب في كم يقصر الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 524، بن أبى شيبة، في باب في مسيرة كم يقصر الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 445.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ البَلَدَ الذى سافَرَ منه. فصل: قال أحمدُ: مَن كان مُقِيمًا بمَكَّةَ، ثم خَرَج إلى الحَجِّ وهو يُرِيدُ أن يَرْجعَ إلى مَكَّةَ فلا يُقِيمُ بها، فهذا يُصَلِّى رَكْعَتَيْن بعَرَفَةَ؛ لأنَّه حينَ خَرَج مِن مَكَّةَ أنْشَأَ السَّفَرَ إلى بَلَدِه، ليس على أنَّ عَرَفَةَ سَفَرُه. فهو في سَفرٍ مِن حينَ خَرَج مِن مَكَّةَ. ولو أنَّ رجلًا كان مُقِيمًا ببَغْدَادَ، فأرادَ الخُرُوجَ إلى الكوفَةِ، فعَرَضَتْ له حاجَةٌ بالنَّهْرَوانِ (¬1)، ثم رَجَع فمَرَّ، ببَغْدَادَ ذاهِبًا إلى الكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْن إذا كان يَمُرُّ ببَغْدَادَ مُجْتازًا، لا يُرِيدُ الإِقامَةَ بها. وإن كان الذى خَرَج إلى عَرَفَةَ في نِيَّتِه الإِقامَةُ بمَكَّةَ إذا رَجَع، لم يَقْصُرْ بعَرَفَةَ، وكذلك أهْلُ مَكَّةَ لا يَقْصُرُون. وإن صَلَّى خلفَ رجلٍ مَكِّىٍّ يَقْصُرُ الصلاةَ بِعَرَفَةَ، ثم قام بعدَ صلاةِ الإِمامِ، فأضافَ إليها رَكْعَتَيْن أُخْرَيَيْن، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ المَكِّىَّ يَقْصُرُ بِتَأْوِيلٍ، فصَحَّتْ صلاةُ مَن يَأْتَمُّ به. فصل: وإذا خَرَج المُسافِرُ، فذَكَرَ حاجَةً، فرَجَع إليها، فله القَصْرُ في رُجُوعِه، إلَّا أن يكونَ نَوَى أن يُقِيمَ إذا رَجَع مُدَّةً تَقْطعُ القَصْرَ. أو (¬2) ¬

(¬1) النهروان: كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقى، حدها الأعلى متصل ببغداد. معجم البلدان 4/ 846. (¬2) في م: «و».

606 - مسألة: (وإن أقام لقضاء حاجة، أو حبس، ولم ينو الإقامة، قصر أبدا)

وَإِنْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ، أَوْ حُبِسَ، وَلَمْ يَنْوِ الإِقَامَةَ، قَصَرَ أَبَدًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ يكونَ في البَلَدِ أهْلُه أو (¬1) مالُه؛ كما ذَكَرْنا. وقولُ أحمدَ في الرِّوايَةِ الأخْرَى: أَتَمَّ، إلَّا أن يكونَ مارًّا. يَقْتَضِى أنَّه إذا قَصَد أخْذَ حاجَتِه، والرُّجُوعَ مِن غيرِ إقامَةٍ، أنَّه يَقْصُرُ. وقال الشافعىُّ: يَقْصُرُ، ما لم يَنْوِ الإِقامَةَ أرْبَعًا. وقال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ: يُتمُّ حتى يَخْرُجَ فاصِلًا الثانيةَ. ولَنا، أنَّه ثَبَت له حُكْمُ السَّفَرِ بخُرُوجِه، ولم تُوجدْ إقامَة تَقْطَعُ حُكْمَه، فأشْبَهَ ما لو أَتَى قَرْيَةً غيرَ التى خَرَج منها. 606 - مسألة: (وإن أَقَامَ لقضَاءِ حاجَةٍ، أو حُبِسَ، ولم يَنْوِ الإِقَامَةَ، قَصَر أبَدًا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن لم يُجْمِعْ على إِقامَةٍ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ، فله القَصْرُ ولو أقَامَ سِنِين، كمَن يُقِيمُ لقَضاءِ حَاجَةٍ يَرْجُو إنْجاحَها، أو جِهادِ عَدُوٍّ، أو حَبَسَه سُلْطانٌ، أو ¬

(¬1) في م: «و».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَرَضٌ، وسَواءٌ غَلَب على ظَنِّه انْقِضاءَ حاجَتِه في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ أو كَثِيرَةٍ، بعدَ أن يَحْتَمِلَ انْقِضاؤها في مُدَّةٍ لا يَنْقَطِعُ حُكْمُ السَّفَرِ بها. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ للمُسافِرِ أن يَقْصُرَ ما لم يُجْمِعْ إقَامَةً، ولو أتَى عليه سُنون. والأَصْلُ فيه ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَعْضِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أسْفَارِه تِسْعَةَ عَشَرَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْن. رَواه البُخارِىُّ (¬1). وقال جابِرٌ: أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبْوكَ عِشْرِين يَوْمًا يَقْصُرُ الصلاةَ. [رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ»] (¬2). وروَى سعيدٌ بإسناده عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قال: أقَمنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشَّامِ أرْبَعِين لَيْلَةً يَقْصُرُها سعدٌ ونُتِمُّها (¬3). وقال نافِعٌ: أقامَ ابنُ عمرَ بأذْرَبِيجَانَ (¬4) سِتَّةَ أشْهُرٍ، يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، حَبَسَه الثَّلْجُ (¬5). وقال أنسٌ: أقامَ أصْحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- برامَهُرْمُزَ (¬6) سَبْعَةَ أشْهُر يَقْصُرُون الصلاةَ (¬7). وعن الحسنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 70. (¬2) سقط من: الأول. وأخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 295.كما أخرجه أبو داود، في: باب إذا أقام بأرض العدو يقصر، من كتاب صلاة المسافر. سنن أبى داود 1/ 281. (¬3) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الرجل يخرج في وقت الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 535. (¬4) أذربيجان: إقليم واسع، حده من برذعة مشرقا إلى أرزنجان مغربا، ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم والجيل والطرم. معجم البلدان 1/ 172. (¬5) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الرجل يخرج في وقت الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 533. والبيهقى، في: باب من قال يقصر أبدا ما لم يجمع مكثا، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 152. (¬6) في م: «برامهز». رامهرمز: مدينة مشهورة بنواحى خوزستان. معجم البلدان 2/ 738. (¬7) أخرجه البيهقى، في: باب من قال يقصر أبدا ما لم يجمع مكثا، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 152. بلفظ «تسعة أشهر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَمُرَةَ، قال: أقَمْتُ معه بكابُلَ (¬1) سَنَتَيْن نَقْصُرُ الصلاةَ، ولا نُجَمِّعُ (¬2). فصل: وإن عَزَم على إقامَةٍ طَوِيلَة في رُسْتَاقَ (¬3) يَنْتَقِلُ فيه مِن قَرْيةٍ إلى قَرْيةٍ، لا يُجْمِعُ على الإِقامَةِ بواحِدَةٍ منها مُدَّةً تُبْطُل حُكْمَ السَّفَرِ قَصَر؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقامَ بمَكَّةَ ومِنًى وعَرَفَةَ عَشْرًا، فكان يَقْصُرُ الأيامَ كلَّها (¬4). وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن مُوَرِّقٍ، قال: سَأَلْتُ ابنَ عمرَ، ¬

(¬1) كابل: ولاية ذات مروج كبيرة بين هند وغزنة. معجم البلدان 4/ 220. (¬2) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الرجل يخرج في وقت الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 536. «ولا نُجَمِّع». أي ولا يصلى جمعة. (¬3) الرستاق: السواد والقرى. معرب. (¬4) أخرج نحوه عبد الرزاق، في: باب الرجل يخرج في وقت الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 533.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قُلْتُ: إنِّى رَجُلٌ آتِى الأهْوازَ (¬1)، فأنْتَقِلُ في قُراها قَرْيَةً قَرْيَةً، فأُقِيمُ الشَّهْرَ أو أكْثَرَ. قال: تَنْوِى الإِقامَةَ؛ قُلتُ: لا. قال: ما أراكَ إلَّا مُسافِرًا، صَلِّ صلاةَ المُسافِرِين. ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في مَكانٍ بعَيْنه، أشْبَهَ المُتَنَقِّلَ [في سَفَرِه] (¬2) مِن مَنْزلٍ إلى مَنْزلٍ. وإذا دَخَلِ بَلَدًا، فقالَ: إن لَقِيتُ فُلانًا أقَمْتُ، وإلَّا لم أقِمْ. لم يَبْطُلْ حُكْمُ سَفرِه؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بالإِقامَةِ، [ولأنَّ المُبْطِلَ للسَّفَرِ هو العَزْمُ على الإِقامَةِ، ولم يُوجَدْ] (2)، وإنَّما عَلَّقَه على شَرْطٍ لم يُوجَدْ، وذلك ليس بجَزْمٍ. فصل: ولا بَأْسَ بالتَّطَوُّعِ في السَّفَر نازِلًا وسائِرًا على الرّاحِلَةِ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ راحِلَتِه حيثُ كان وَجْهُه، يُومِئُ برَأْسِه. وروَى نَحْوَ ذلك جابِرٌ وأُنَسٌ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ¬

(¬1) الأهواز: سبع كور بين البصرة وفارس. معجم البلدان 1/ 411. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) حديث ابن عمر تقدم تخريجه في 3/ 322. =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعن علىٍّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَتَطوُّعُ في السَّفَرِ. رَواه سعيدٌ (¬1). وفى حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ [أنَّ النبىَّ صَلَّى في بَيْتها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ثَمانِىَ رَكَعاتٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَى الفَجْرِ والوِتْرَ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ] (¬3)، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُوتِرُ على بَعِيرِه. ولَمّا فاتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلاةُ الصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَى الفَجْرِ قَبْلَها. مُتَّفَق عليهما (¬4). فأمّا سائِرُ التَّطَوُّعَاتِ والسُّنَنِ قبلَ الفَرائِضِ وبعدَها. فقالَ أحمدُ: أرْجُو أن لا يكونَ بالتَّطَوُّعِ في السَّفَرِ بَأسٌ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ (¬5) وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وجابِرٍ، وابنِ عباسٍ، وأبى ذَرٍّ، وجَماعَةٍ مِن التَّابِعِين. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وكان ابنُ عمرَ لا يَتَطوَّعُ مع الفَرِيضَةِ قبلَها ولا بعدَها، إلَّا مِن جَوْفِ اللَّيْلِ. ¬

= وحديث جابر لم يخرجه مسلم. انظر تحفة الأشراف 2/ 168. وأخرجه البخارى، في: باب التوجه نحو القبلة، من كتاب الصلاة، وفى: باب ينزل للمكتوبة، من كتاب التقصر. صحيح البخارى 1/ 110، 2/ 56.كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 279. وأما حديث أنس فقد أخرجه البخارى، في: باب صلاة التطوع على الحمار، من كتاب التقصر. صحيح البخارى 2/ 56. ومسلم، في: باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 488.كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 279. والدارقطنى، في: باب صفة صلاة التطوع. . .، من كتاب الصلاة. سنن الدارقطنى 1/ 396. (¬1) أخرج نحوه، عن ابن عمر، ابن أبى شيبة. انظر المصنف 1/ 382. (¬2) تقدم تخريجه في 4/ 205. (¬3) سقط من: م. (¬4) في م: «عليه». وتقدم تخرج الأول في 3/ 323 والثاني تقدم تخريجه في 4/ 244. (¬5) في الأصل: «ابن عمر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعلىِّ بنِ الحسينِ؛ لِما رُوِىَ أنَّ ابنَ عمرَ رَأى قَوْمًا يُسَبِّحون بعدَ الصَّلاةِ، فقالَ لو كُنْتُ مُسَبِّحًا لأتمَمْتُ فَرْضِى، يا ابْنَ أخى، صَحِبتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبْضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ [أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وذَكر] (¬1) عمرَ، وعثمانَ، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (¬2). مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَض رسولُ اللَّهِ أنْ صلاةَ الحَضَرِ، فكُنَّا نُصَلِّى قبلَها وبعدَها، [وكُنَّا نُصَلِّى في السَّفَرِ قَبْلَها وبعدَها] (¬4). رَواه ابنُ ماجه (¬5). وقال الحسنُ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسافِرُون فيَتَطَوَّعون قبلَ المَكْتُوبَةِ وبعدَها. وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فما رَأيْتُه تَرَك رَكْعَتَيْن إذا زاغَتِ الشَّمس قبلَ الظُّهْرِ. رَواه أبو داودَ (¬6). فهذا يَدُلُّ على أنَّه لا بأسَ بفِعْلِها، وحديثُ ابنِ عمرَ يَدُلّ على أنه لا بَأْسَ بتَرْكِها فيُجْمَعُ بين الأحادِيثِ. واللَّهُ أعلمُ. ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سورة الأحزاب 21. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 27. (¬4) سقط من: الأصل. (¬5) في: باب التطوع في السفر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 341. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 232. (¬6) في: باب التطوع في السفر، من كتاب صلاة السفر. سنن أبى داود 1/ 278. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في التطوع في السفر، من أبواب صلاة السفر. عارضة الأحوذى 3/ 24. والإمام أحمد، =

607 - مسألة: (والملاح الذى معه أهله، وليس له نية الإقامة ببلد، ليس له الترخص)

وَالْمَلَّاحُ الَّذِى مَعَهُ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الإِقَامَةِ بِبَلَدٍ، لَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 607 - مسألة: (والمَلّاحُ الذى معه أَهْلُه، وليس له نِيَّةُ الإِقامَةِ ببَلَدٍ، ليس له التَّرَخُّصُ) قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن المَلَّاحِ، أيَقْصُرُ، ويُفْطِرُ (¬1) في السَّفِينَةِ؟ قال: أمّا إذا كانتِ السَّفِينَةُ ¬

= في: المسند 4/ 292. (¬1) في م: «أو يفطر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَيْتَه فإنَّه يُتِمُّ ويَصُومُ. قِيلَ له: وكيف تَكُونُ بَيْتَه؟ قال: لا يَكُونُ له بَيْتٌ غيرَها، معه فيها أهْلُه وهو فيها مُقِيمٌ. وهذا قولُ عطاءٍ. وقال الشافعى: يَقْصُرُ ويُفْطِرُ؛ لعُمُوم النُّصُوصِ، ولأنَّ كَوْنَ أهْلِه معه لا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، كالجَمّالِ. ولَنا، أنَّه غيرُ ظاعِنٍ عن مَنْزِلِه، فلم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ، كالمُقِيمِ في المُدُنِ، [فأمّا النُّصُوصُ] (¬1)، فالمُرادُ بها الظّاعِنُ عن مَنْزِلِه، وليس هذا كذلك. وأمَّا الجَمّالُ والمُكارِى فلهم التَّرَخُّصُ وإن سافَرُوا بأهْلِهم. قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ في المُكارِى الذى هو دَهْرَه في السَّفَرِ (¬2): لابُدَّ أن يُقِيمَ إذا قَدِم اليَوْمَيْن ¬

(¬1) في م: «فأما في عام النصوص». (¬2) في الأصل: «السفينة».

فصل فى الجمع

فَصْلٌ فِى الْجَمْعِ: وَيَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ، والْعِشَاءَيْنِ فِى وَقْتِ إِحْدَاهُمَا لِثَلاثَةِ أُمُورٍ؛ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ والثَّلَاثةَ. قال: هذا يَقْصُرُ. وذَكَر القاضى، وأبو الخَطّابِ، أنَّه بمَنْزِلَةِ المَلّاحِ. وليس بصَحِيح؛ لأنَّه مُسافِرٌ مَشْقُوقٌ عليه فكانَ له القَصْرُ كغيرِه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَلّاحِ؛ فإنَّ المَلّاحَ في مَنْزِلِة سَفَرًا وحَضَرًا معه مَصالِحُه وتَنُّورُه وأهْلُه، لا يَتَكَلَّفُ لحَمْلِه، وهذا لا يُوجَدُ في غيره. وإن سافَرَ هذا بأهْله كان أشَقَّ عليه وأبلغ في اسْتِحْقاقِ التَّرَخُّص، فأُبِيحَ له؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، وليس هو في مَعْنَى المَخْصُوصِ، فوَجَبَ القَوْلُ بثُبُوت حُكْمِ النَّصِّ فيه. فَصْلٌ في الجَمْعِ 608 - مسألة: (يَجُوزُ الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والعِشاءَيْن في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقْتِ إحْداهُما لثَلَاثةِ أُمُورٍ؛ السَّفَرِ الطَّوِيلِ) الجَمْعُ بينَ الصلَاتيْن في السَّفَرِ في وَقْتِ إحْداهُما جائِزٌ في قَوْلِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن سَعْدٍ، وسعيدِ بنِ زَيْدٍ، وأسامَةَ، ومُعاذِ بنِ جَبَل، وأبى موسى، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ. وبه قال عِكْرِمَةُ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وجماعَةٌ غيرُهم. وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأصَحابُ الرَّأْى: لا يَجُوزُ الجَمْعُ إلَّا في يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ (¬1)، ولَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بها. وهو رِوايَة عن ابنِ القاسِمِ عن مالكٍ واختِيارُه. واحْتَجُّوا بأن المَواقِيتَ ثَبَتَتْ بالتَّواتُرِ، فلا يَجْوزُ تَرْكُها بخَبَرِ الواحِدِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنه كان إذا جَدَّ به السيرُ جَمَع بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَقُولُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا جَدَّ به السَّيْرُ جَمَع بينَهما. وعن أنَسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا ارْتَحَلَ قبلَ أن تَزِيغ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، ثم نَزَل فجَمَعَ بينَهما، وإن زاغَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَرْتَحِلَ، ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَّى الظهْرَ ثم رَكِب. مُتَّفَقٌ عليهما (¬1). ولمسلمٍ، كان إذا عَجِل عليه السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، فيَجْمَعُ بينَهما، ويُؤَخرُ المَغْرِبَ حتى يَجْمَعَ بينَها وبينَ العِشاءِ حينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ (¬2). وروَى الجَمْعَ مُعاذٌ، وابنُ عباسٍ. وقَوْلُهم: لا نَتْرُكُ الأخْبارَ المُتَواتِرَةَ لأخْبارِ الآحادِ. قُلْنا: لا نَتْرُكُها، وإنَّما نُخصِّصُها وتَخْصِيصُ المُتَواتِرِ بالخَبَرِ الصَّحِيح جائِزٌ ¬

(¬1) الأول: أخرجه البخارى، في: باب يصلى المغرب ثلاثًا في السفر، وباب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، وباب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء، من كتاب التقصير، وفى: باب المسافر إذا جدَّ به السير يعجل إلى أهله، من كتاب العمرة، وفى: باب السرعة في السير، من كتاب الجهاد. صحيح البخارى 2/ 55، 57، 58، 3/ 10، 4/ 70، 71. ومسلم، في: باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 488، 489. كما أخرجه أبو داود، في: باب الجمع بين الصلاتين، من كتاب السفر. سنن أبى داود 6/ 277. والترمذى، في: باب في الجمع بين الصلاتين، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 28. والنسائى، في: باب الوقت الذى يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء، وباب الحال التى يجمع فيها بين الصلاتين، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 232، 233. والدارمى، في: باب الجمع بين الصلاتين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 356، 357. والإمام مالك، في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر. الموطأ 1/ 144. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 4، 7، 8، 54، 77، 80، 102، 106، 148، 150. والثانى: أخرجه البخارى، في: باب يؤخر الظهر إلى العمر. . . إلخ، وباب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس، من كتاب التقصير. صحيح البخارى 2/ 58. ومسلم، في: باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 489. كما أخرجه أبو داود، في: باب الجمع بين الصلاتين، من كتاب السفر. سنن أبى داود 1/ 278. والترمذى، في: باب في الجمع بين الصلاتين، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 26، 27. والنسائى، في: باب الوقت الذى يجمع فيه المسافر. . . إلخ، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 229. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 247، 265. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 489.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالإِجْماعِ، وهذا ظاهِرٌ جِدًّا. فإن قِيلَ: مَعْنَى الجَمْعِ في الأخْبارِ أن يُصَلِّىَ الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والأُخْرَى في أوَّلِ وَقْتِها. قُلْنا: هذا فاسِدٌ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه قد جاء الخَبَرُ صَرِيحًا في أنَّه كان يَجْمَعُهما في وَقْتِ الثّانِيَةِ على ما ذَكَرْنا في خَبَرِ أنَسٍ. الثّانِى، أنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ، فلو كان على ما ذَكَرُوه لكان أشَدَّ ضَيْقًا، وأعْظَمَ حَرَجًا مِن الإِتْيانِ بكلِّ صلاةٍ في وَقْتِها؛ لأنَّ ذلك أوْسَعُ مِن مُراعاةِ طَرَفَى الوَقتَيْنِ، بحيث لا يَبْقَى مِن وَقتِ الأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِها، ومَن تَدَبَّرَ هذا وَجَدَه كما وَصفْنا, ولو [كان الجَمْعُ هكذا] (¬1)، لجازَ الجَمْعُ بينَ (¬2) العَصْرِ والمَغْرِبِ، والعِشاءِ والصُّبْحِ، وهو مُحَرَّمٌ بالإِجْماعِ، فإذا حُمِلَ خَبَرُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الأمْرِ السّابِقِ إلى الفَهْمِ منه، كان (¬3) أوْلَى مِن هذا التَّكَلُّفِ الذى يُصانُ عنه كَلامُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. ¬

(¬1) في م: «جاز الجمع هذا». (¬2) في م: «من». (¬3) سقط من: الأصل.

609 - مسألة: (والمرض الذى يلحقه بترك الجمع فيه مشقة

وَالْمَرَضِ الَّذِى يَلْحَقُهُ [بِتَرْكِ الْجَمْعِ] (¬1) فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ في السَّفَرِ الذى يُبِيحُ القَصْرَ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ، في أحَدِ قَولَيْه: يَجُوزُ في السَّفَرِ القَصِيرِ؛ لأنَّ أهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُون بعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، وهو سَفَرٌ قَصِيرٌ. ولَنا، أنَّه رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لدَفْعِ المَشَقَّةِ في السَّفَرِ، فاخْتَصَّتْ بالطَّوِيلِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثَلاثًا؛ ولأنَّ دَلِيلَ الجَمْعِ فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والفِعْلُ لا صِيغَةَ له، وإنَّما هو قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، فلا يَثْبُت حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها, ولم يُنْقَلْ أنه جَمَع إلَّا في سَفَرٍ طَوِيلٍ. 609 - مسألة: (والمَرَضِ الذى يَلْحَقُه بتَرْكِ الجَمْعِ فيه مَشَقَّةٌ ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وضَعْفٌ) نَصَّ أحمدُ على جَوازِ الجَمْعِ للمَرِيض، ورُوِىَ عنه التَّوَقُّفُ فيه، وقال: أهابُ ذلك. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. وهذا قولُ عطاءٍ، ومالكٍ. وقال أصحابُ الرأىِ، والشافعىُّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ أخْبارَ التَّوْقِيتِ (¬1) ثابتَةٌ، فلا تُتْرَكُ بأمْرٍ مُحْتَمِلٍ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: جَمَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ الظّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ، مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطرٍ. وفى رِوايَةٍ: مِن غيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ. رَواهما مسلمٌ (¬2). وقد أجْمَعْنا على أنَّ الجَمْعَ لا يَجُوزُ لغيرِ عُذْرٍ، ثَبَت أنَّه كان لمَرَضٍ. وقد رُوِىَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه قال في هذا الحَدِيثِ: هذا عندِى رُخْصَةٌ للمَرِيضِ والمُرْضِع. وقد ثَبَت أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ سَهْلَةَ بنتَ سهَيْلٍ، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، لَمّا كانَتا مُسْتَحاضَتَيْن بتَأخِيرِ الظُّهْرِ وتَعْجِيلِ العَصْرِ، والجَمْعِ بينَهما (¬3). ¬

(¬1) في م: «التوقيف». (¬2) الرواية الأول أخرجها مسلم، في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 490. كما أخرجها أبو داود، في: باب الجمع بين الصلاتين، من كتاب السفر. سنن أبى داود 1/ 276. والنسائى، في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 233. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 283. والثانية أخرجها مسلم، في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 491. كما أخرجها أبو داود، في: باب الجمع بن الصلاتين، من كتاب السفر. سنن أبى داود 1/ 276. والترمذى، في: باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 303. والنسائى، في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، من كتاب الصلاة. المجتبى 1/ 234. الإمام أحمد، في: المسند 1/ 223، 346، 354. (¬3) حديث سهلة تقدم تخريجه فيه 2/ 61. وحديث حمنة تقدم تخريجه في 2/ 395.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فأباحَ الجَمْعَ لأجْلِ الاسْتِحاضَةِ. وأخْبارُ المَواقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بالصُّوَرِ المُجْمَع على جَوازِ الجَمْعِ فيها، فنَخُصُّ مَحَلَّ النِّزاعِ بما ذَكَرْنا. فصل: والمَرَضُ المُبِيحُ للجَمْع هو ما يَلْحَقُه بتَرْكِه مَشَقَّةٌ وضَعْفٌ. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: المَرِيضُ يَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتيْن؟ قال: إنِّى لأرْجُو ذلك إذا ضَعُف. وكذلك الجَمْعُ، للمُسْتَحاضَةِ، ولمَن به سَلَسُ البَوْلِ، ومَن في مَعناهما (¬1)؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. ¬

(¬1) في م: «معناها».

610 - مسألة: (والمطر الذى يبل الثياب، إلا أن جمع المطر يختص بالعشاءين، فى أصح الوجهين)

وَالْمَطرَ الَّذِى يَبُل الثيابَ، إِلَّا أنَّ جَمْعَ الْمَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ، في أصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 610 - مسألة: (والمَطَرِ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، إلَّا أنَّ جَمْعَ المَطَرِ يَخْتَصُّ بالعِشاءَيْن، في أصَحِّ الوَجْهَيْن) يَجُوزُ (¬1) الجَمْعُ في المَطَرِ بينَ العِشاءَيْن. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عمرَ. وفَعَلَه أبانُ بنُ عُثمانَ في أهْلِ المَدِينَةِ. وهو قولُ الفُقَهاءِ السَّبعَةِ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ. ¬

(¬1) في م: «لجواز».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُرْوَى عن مَرْوانَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ولم يُجَوِّزْه أصحابُ الرَّأْى. والدَّلِيلُ على جَوازِه، أنَّ أَبا سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرحمنِ قال: إنَّ مِن السُّنَّةِ إذا كان يَوْمٌ مَطِيرٌ أن يُجْمَعَ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. رَواه الأثْرَمُ. وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال نافِعٌ: إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يَجْمَعُ إذا جَمَع الأمَراءُ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ (¬1). وفَعَلَه أبانُ بنُ عثمانَ في أهْلِ المَدِينَةِ وفيهم عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وأبو سَلَمَةَ وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ. ولا يُعْرَفُ لهم مُخالفٌ، فكان إجْماعًا. رَواه الأثْرَمُ (¬2). فصل: والمَطَرُ المُبيحُ للجَمْعِ هو ما يَبُلُّ الثِّيابَ، وتَلْحَقُ المَشَقَّةُ بالخُرُوجِ فيه. فأمّا الطَّلُّ، والمَطر الخَفِيفُ [الذى لا يَبُلُّ الثِّيابَ] (¬3) فلا يُبِيحُ؛ لعَدَمِ المَشَقَّةِ، والثَّلْجُ والبَرَدُ في ذلك كالمَطَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه. ¬

(¬1) أخرجه الإِمام مالك، في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 145. والبيهقى، في: باب الجمع في المطر بين الصلاتين، من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 168. (¬2) انظر لذلك مصنف ابن أبى شيبة 2/ 234، 235. والسنن الكبرى للبيهقى 3/ 168، 169. (¬3) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمّا الجَمْعُ بينَ الظّهْرِ والعَصْرِ، لأجْلِ المطر فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطرَ؟ قال: لا، ما سَمِعْتُه. وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وابنِ حامِدٍ. وقولُ مالكٍ. وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ: فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ. اخْتارَه القاضى، وأبو الخَطَّابِ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما روَى يحيى بنُ واضِحٍ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع في المَدِينَةِ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطرَ (¬1). ولأنَّه مَعْنًى أباحَ الجَمْعَ، فأباحَه بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، كالسَّفَرِ. ولَنا، أنَّ مُسْتَنَدَ الجَمْع ما ذَكَرْنا مِن قولِ أبى سَلَمَةَ، والإِجْماعِ، ولم يَرِدْ إلَّا في المَغْرِبِ والعِشَاءِ، وحَدِيثُهم لا يَصِحُّ، فإنَّه غيرُ مَذْكُورٍ في الصِّحاحِ والسُّنَنَ. وقولُ أحمدَ: ما سَمِعْتُ. يَدُلُّ على أنَّه ليس بشئٍ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على المَغْرِبِ والعِشاء؛ لِما بينَهما مِن المَشَقَّةِ لأجْلِ الظُّلْمَةِ، ولا القِيَاسُ على السَّفَرِ؛ لأنَّ مَشَقَّتَه لأجْلِ السَّيْرِ وفَواتِ الرُّفْقَةِ، وهو غيرُ مَوْجُودٍ ههُنا. ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب جمع الصلاة في الحضر، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 556. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر 2/ 50.

611 - مسألة: (وهل يجوز ذلك لأجل الوحل، أو الريح الشديدة الباردة، أو لمن يصلى فى بيته، أو فى مسجد طريقه تحت ساباط

وَهَلْ يَجُوزُ لأجْلِ الْوَحْلِ، أَو الرِّيِحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ، أَوْ لِمَنْ يُصَلِّى في بَيْتِهِ، أَو فِى مَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تحْتَ سَابَاطٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 611 - مسألة: (وهل يَجُوزُ ذلك لأجْلِ الوَحْلِ، أو الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الباردَةِ، أو لمَن يُصَلِّى في بَيْتِه، أو في مَسْجِدٍ طَرِيقه تَحْتَ سَابَاطٍ (¬1)؟ على وَجْهَيْن) اخْتَلَفَ أصْحابُنا في الوَحْلِ بمُجَرَّدِه، فقال القاضى: قال أصحابُنا: هو عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ تَلْحَقُ بذلك في الثِّيابِ والنِّعَالِ، كما تَلْحَقُ بالمَطرَ. وهو قولُ مالكٍ. وذَكَر أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا ¬

(¬1) الساباط: سقيفة بين دارين تحتها طريق.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثانِيًا، أنَّه لا يُبِيحُ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ مَشَقَّتَه (¬1) دُونَ مَشَقَّةِ المطَرِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه. قال شيخُنا (¬2): والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ الوَحْلَ يُلَوِّثُ الثِّيابَ والنِّعالَ، ويُعَرضُ الإِنْسانَ للزَّلَقِ (¬3)، فيَتَأذَّى نَفْسُه وثِيابُه، وذلك أعْظَمُ ضَرَرًا مِن البَلَلِ، وقد سَاوَى المَطرَ في العُذْرِ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجَماعَةِ، فدَلَّ على تَسَاوِيهما في المَشَقَّةِ المَرْعِيَّةِ في الحُكْمِ. فصل (¬4): فأمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، في اللَّيْلَةِ البارِدَةِ، ففيها وَجْهان؛ ¬

(¬1) في م: «المشقة». (¬2) في: المغنى 3/ 133. (¬3) في الأصل: «التلويث». (¬4) هذا الفصل ليس في الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحَدُهما، يُبِيحُ الجَمْعَ. قال الآمِدِىُّ: وهو أَصَحُّ. يُرْوَى عن عمرَ بن عبدِ العزِيزِ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجمَاعَةِ، بدَلِيلِ ما روَى محمدُ ابنُ الصَّبّاحِ، حدَّثنا سُفْيانُ، عن أيُّوبَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ: قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُنَادِى مُنادِيه في اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، واللَّيْلَةِ البارِدَةِ ذاتِ الرِّيِحِ: «صَلُّوا في رِحَالِكُمْ» رَواه ابنُ ماجه (¬1). والثَّانِى، لا يُبِيحُه؛ لأنَّ مَشَقَّتَه دُونَ مَشَقَّةِ المَطرَ، فلا يَصِحُّ القِياسُ، ولأنَّ مَشَقَّتَها مِن غيرِ جِنْسِ مَشَقَّةِ المَطرَ، ولا ضابِطَ لذلك يَجْتَمِعان فيه، فلم يَصِحَّ الإِلحاقُ. فصل: وهل يَجُوزُ الجَمْعُ لمُنْفَرِدٍ، أو لمَن طرِيقُه تحتَ سَابَاطٍ يَمْنَعُ وُصُولَ المطرَ إليه، أو مَن كان مُقامُه في المَسْجِدِ، أو لمَن يُصَلِّى في بَيْتِه؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، الجَوازُ. قال القاضى: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 4/ 472.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّ الرُّخْصَةَ العامَّةَ يَسْتَوِى فيها حالُ وُجُودِ المَشَقَّةِ وعَدَمِها، كالسَّفَرِ، وكإباحَةِ السَّلَمِ في حَقِّ مَن ليس له إليه حاجَةٌ، [وإِباحَةِ اقْتِناءِ] (¬1) الكَلْبِ للصَّيْدِ والماشِيَةِ لمَن لا يَحْتاجُ إليها. وقد رُوِيَ أنَّه عليه السَّلامُ جَمَع في مَطرَ وليس بينَ حُجْرَتِه ومَسْجِدِه شئٌ. والثَّانِى، المَنْعُ. اخْتارَه ابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الجَمْع لأجْلِ المَشَقَّةِ, فاخْتَصَّ بمَن تَلْحَقُه المَشَقَّةُ، [كالرُّخْصَة في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ والجَماعَةِ] (¬2)، دُونَ مَن لا تَلْحَقُه، كمَن في الجامِعِ والقَرِيبِ منه. ¬

(¬1) في م: «كاقتناء». (¬2) سقط من: الأصل.

612 - مسألة: (ويفعل الأرفق به؛ من تأخير الأولى إلى وقت الثانية، أو تقديم الثانية إليها)

وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ؛ مِنْ تَأْخِيرِ الأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أوْ تَقْدِيم الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 612 - مسألة: (ويَفْعَلُ الأرْفَقَ به؛ مِن تَأْخِيرِ الأُولَى إلى وَقْتِ الثّانِيَةِ، أو تَقْدِيمِ الثّانِيَةِ إليها) هذا هو الصَّحِيحُ مِن المذْهَبِ، وعليه أكثرُ الأصْحابِ، وهو أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ في الجَمْعِ بينَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِير. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أَنَّه لا يَجُوزُ الجَمْع إلَّا إذا كان سائِرًا في وَقْتِ الأُولَى، فيُؤَخِّرُها إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وهي رِوايَةٌ عن أحمدَ. ويُرْوَى ذلك عن سعدٍ، وابنِ عمرَ، وعِكْرِمَةَ، أخْذًا بحَدِيثَى ابنِ عمرَ وأنَسٍ الصَّحِيحَيْن. وقال القاضى: هذه الرِّوايَةُ هى الفَضِيلَةُ والاسْتِحْبابُ، وإن جَمَع بينَهما في وَقْتِ الأُولَى، جاز، نازِلًا كان أو سائِرًا، أوْ مُقِيمًا في بَلَدٍ إقامَةً لا تَمْنَعُ القَصْرَ. وهذا قَوْلُ عطاءٍ، وأكثرِ عُلماءِ المَدِينَةِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى مُعاذٌ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان إذا ارْتَحَلَ قبلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أخَّرَ الظُّهْرَ حتَّى يَجْمَعَها إلى العَصْرِ، فيُصَلِّيَهما جَمِيعًا، وإذا ارْتحَلَ بعدَ زَيْغ الشَّمْسِ، صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم سار، وإذا ارْتَحَلَ قبلَ المَغْرِبِ أخَّرَ المَغْرِبَ حتَّى يُصَلِّيَها مع العِشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ، فَصَلَّاهَا مع المَغْرِبِ. رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ (¬1)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ. وروَى مالكٌ في «المُوَطَّأِ» (¬2)، عن أبى الزُّبَيْرِ، عن ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الجمع بين الصلاتين، من كتاب السفر. سنن أبى داود 1/ 276. والترمذى، في: باب في الجمع بين الصلاتين، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 26، 27. كما أخرجه الإِمام أَحمد، في: المسند 5/ 241، 242. (¬2) في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 143. كما أخرجه مسلم، في: باب في معجزات النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم 4/ 1784. وأبو داود، في: باب الجمع بين الصلاتين، من كتاب السفر. سنن أبى داود 1/ 275. والنسائى، في: باب الوقت الذى يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر، من كتاب المواقيت. المجتبى 1/ 299. والدارمى، في: باب الجمع بن الصلاتين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 356. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 237.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبى الطُّفَيْلِ، أنَّ مُعاذًا أخْبَرَهُ، أنَّهم خَرَجُوا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجْمَعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ. قال: فأخَّرَ الصلاةَ يَوْمًا، ثم خَرَج فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم دَخَل، ثمَّ خَرَج فصَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثابِتُ الإِسْنادِ. وفى هذا الدَّليلِ أوْضَحُ الدَّلائلِ في الرَّدِّ على مَن قال: لا يَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتيْن إلَّا إذا جَدَّ به السَّيْرُ؛ لأنَّه كان يَجْمَعُ وهو نازِلٌ غيرُ سائِرٍ، ماكِثٌ في خِبائِه، يَخْرُجُ فيُصَلِّي الصَّلَاتيْن جَمِيعًا، فتَعَيَّنَ الأَخْذُ بهذا الحديثِ، لثُبُوتِه وكَوْنِه صَرِيحًا في الحُكْمِ مِن غيرِ مُعارِضٍ له، ولأنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ مِن رُخَصِ السَّفَرِ، فلم يَخْتَصَّ بحالَةِ السَّيْرِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثَلاثًا، لكنَّ الأفْضَلَ التَّأْخِيرُ؛ لأنَّه أحْوَطُ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ عندَ القائِلِينَ بالجَمْعِ، وعَمَلٌ بالأحادِيثِ كُلِّها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والمَرِيضُ مُخيَّرٌ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، كالمُسافِرِ. فإنِ اسْتَوَى عندَه الأمْرانِ، فالتَّأْخِيرُ أفْضَلُ؛ لِما ذَكَرْنا في المُسافِرِ. فأمَّا الجَمْعُ للمَطرِ فإنَّما يُفْعَلُ في وَقْتِ الأُولَى؛ لأنَّ السَّلَفَ إنَّما كانوا يَجْمَعُونَ في وَقْتِ الأُولَى، ولأنَّ تأْخِيرَ الأُولَى إلى وَقْتِ الثَّانيةِ يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ بالانْتِظارِ، والخُرُوجِ في الظُّلْمَةِ، ولأنَّ العادَةَ اجْتِماعُ النَّاسِ للمَغْرِبِ، فإذا حَبَسَهم في المَسْجِدِ ليَجْمَعَ بينَ الصلاتَيْنِ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ، كان أشَقَّ مِن أنْ يُصَلِّىَ كلَّ صلاةٍ في وَقْتِها. وإنِ اخْتارَ تَأْخيرَ الجَمْعِ، جاز. والمُسْتَحَبُّ أن يُؤَخِّرَ الأُولَى عن أوَّلِ وَقْتِها شيئًا. قال أحمدُ: يَجْمَعُ بينَهما، إذاْ اخْتَلَطَ الظَّلامُ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، كذا (¬1) فَعَلَ ابنُ عمرَ. قيلَ لأبى عبدِ اللَّه: فكَأنَّ سُنَّةَ الجَمْعِ بينَ الصَّلاتَيْن في المَطرِ عندَك أن يَجْمَعَ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، وفى السَّفَرِ (¬2) أن يُؤخِّرَ حتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ؟ قال: نعم. فصل: ولا يَجُوزُ الجَمْعُ لغيرِ مَن ذَكَرْنا. وقال ابنُ شُبْرُمَة: يَجُوزُ ¬

(¬1) في م: «الذى». (¬2) في م: «الشفق».

613 - مسألة: (وللجمع فى وقت الأولى ثلاثة شروط؛ نية

وَلِلْجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ إذا كانت حاجةٌ أو شئٌ، ما لم يَتَّخذْه عادَةً؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاء مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطرٍ. فقِيلَ لابنِ عباسٍ: لم فَعَل ذلك؟ قال: أَرادَ أَن لا يُحْرِجَ أُمَّتَه (¬1). ولَنا، عُمُومُ أخْبارِ المَواقِيتِ، وحَدِيثُ ابنِ عباسٍ مَحْمُولٌ على حالَةِ المَرَضِ، ويَجُوزُ أن يكونَ صَلَّى الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والثَّانِيَةَ في أوَّلِ وَقْتِها، فإنَّ عمرَو بنَ دِينارٍ روَى هذا الحدِيثَ عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَباسٍ، قال عمرو: قلتُ لجابِرٍ (¬2): يَا أبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّه أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأخَّرَ المَغْرِبَ وعَجَّلَ العِشاءَ. قال: وأنا أظُنُّ ذلك (¬3). 613 - مسألة: (وللجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى ثَلاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ ¬

(¬1) تقدم في الرواية الأولى لحديث ابن عباس في صفحة 89. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب تأخير الظهر إلى العصر، من كتاب مواقيت الصلاة. صحيح البخارى 1/ 143، 144. ومسلم، في: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 491.

وَيَحْتَمِلُ أنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا، وَأنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقَدْرِ. الإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ، فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا، بَطَلَ الْجَمْعُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأنْ يَكُونَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتيْنِ وَسَلَامَ الأُولَى ـــــــــــــــــــــــــــــ الجَمْعِ عندَ إحْرامِها، وَيحْتَمِلُ أن تُجْزِئَه النِّيَّةُ قبلَ سلامِها. وأن لا يُفَرِّقَ بَيْنَهما إلَّا بقَدْرِ الإِقامَةِ والوُضُوءِ، فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهما، بَطَل الجَمْعُ، في إحْدَى الرِّوايتَيْن. وأن يَكُونَ العُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتاحِ الصَّلاتَيْنِ وسَلامِ الأُولَى) نِيَّةُ الجَمْعِ شَرْطٌ لجَوازِه في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ. وقال أبو بكرٍ: لا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الجَمْعِ. كقولِه في القَصْرِ، وقد ذَكَرْناه (¬1). والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ. ومَوْضِعُ النِّيَّةِ إذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى عندَ الإِحْرامِ بها؛ لأنَّها نِيَّةٌ تَفْتَقِرُ إليها الصلاةُ، فاعْتُبِرَتْ عندَ الإحْرامِ، كنِيَّةِ القَصْرِ. وفيه وَجْهٌ ثانٍ، أنَّ مَوْضِعَها [مِن أوَّلِ الصَّلاةِ الأُولَى] (¬2) إلى ¬

(¬1) تقدم في صفحة 62. (¬2) في م: «أول الصلاة من الأولى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَلامِها، فمتى نَوَى قبلَ سَلامِ الأُولَى أجْزَأَه؛ لأنَّ مَوْضِعَ الجَمْعِ عندَ الفَراغِ مِن الأُولَى إلى الشُّرُوعِ في الثَّانِيَةِ، فإذا لم تَتَأَخَّرِ النِّيَّةُ عنه، أجْزَأَه ذلك. ويُعْتَبَرُ أن لا يُفَرِّقَ بينَهما إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا. والمَرْجِعُ في اليَسِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ، وقَدَّرَه بعضُ أَصْحابِنا بقَدْرِ الوُضُوءِ والإِقامَةِ. والصَّحِيحُ، أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ بابُه التَّوقِيفُ، فما لم يَرِدْ فيه تَوْقِيفٌ فيُرْجَعُ فيه إلى العادَةِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ. فإن فَرَّقَ بينَهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا بَطَل الجَمْعُ، سَواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو لنَوْمٍ أو شُغْلٍ أو سَهْوٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بدُونِه. والمَرْجِعُ في الكَثِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ كما قُلْنا في اليَسِيرِ. ومتى احْتاجَ إلى الوُضُوءِ والتيَّمُّمِ فَعَلَه إذا لم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَطُلْ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن تَكَلَّمَ بكَلامٍ يَسِيرٍ لمِ يَبْطُلِ الجَمْعُ. وإن صَلَّى بينَهما السُّنَّةَ بَطِل الجَمْعُ في الظَّاهرِ؛ لأنَّه فرَّقَ بَيْنَهما بصلاةٍ، فبَطَلَ الجَمْعُ، كما لو صَلّى بينَهما غيرَها. وعنه، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أشْبَهَ الوُضُوءَ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُعْتَبَرُ للجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى وُجُودُ العُذْرِ حالَ افْتِتاحِ الصَّلَاتيْن والفَراغِ مِن الأُولَى؛ لأنَّ افْتِتاحَ الأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ، وبافْتِتاحِ الثَّانِيَةِ يَحْصُلُ الجَمْعُ، فاعْتُبِرَ العُذْرُ في هَذَيْن الوَقتَيْن، فمتى زال العُذْرُ في أحَدِ هذه الثَّلاثَةِ لم يُبَحِ الجَمْعُ. وإن زال المَطرُ في أثْناءِ الأُولَى، ثم عاد قبلَ تَمامِها، أو انْقَطَعَ بعدَ الإِحْرامِ بالثّانِيَةِ، جاز الجَمْعُ، ولم يُؤثِّرِ انْقِطاعُه؛ لأنَّ العُذْرَ وُجِدَ في وَقْتِ اشْتِراطِه، فلم يَضُرَّ عَدَمُه في غيرِه. فأمَّا المُسافِرُ إذا نَوَى الإِقامَةَ في أثْناءِ الصَّلاةِ الأُولَى انْقَطَعَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولَزِمَهُ الإِتْمامُ. فلو عاد فنَوَى السَّفَرَ، لم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ حتَّى يُفارِقَ البَلَدَ الذى هو فيه. وإن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ الإِحْرامِ بالثَّانِيَةِ، أو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ البَلَدَ في أثْنائِها، احْتَمَلَ أنَ يُتِمَّها، ويَصِحُّ قِياسًا على انْقِطاعِ المَطرَ. قال بعضُ أصحابِ الشَّافعىّ: هذا الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشافعىِّ. واحْتَمَلَ أن تَنْقَلِبَ نَفْلًا، ويَبْطُل الجَمْعُ؛ لأنَّه أحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فبَطَلَ بذلك، كالقَصْرِ والمَسْحِ، ولأنَّه زال شَرْطها في أثْنائِها، أشْبَهَ سائِرَ شُرُوطِها. ويُفارِقُ انْقِطاعَ المَطرَ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْقِطاعُه، لاحْتِمالِ عَوْدِه في أثْناءِ الصَّلاةِ. والثَّانِى، أنَّه يَخْلُفُه عُذْرٌ مُبِيحٌ، وهو الوَحْلُ، بخِلافِ مَسْأَلتِنا. وهكذا الحُكْمُ في المَرِيضِ يَزُولُ عُذْرُه في أثْناءِ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ. فأمَّا إن لم يَزُلَ العُذْرُ إلَّا بعدَ الفَراغِ مِن الثَّانِيَةِ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، صَحَّ الجَمْعُ، ولم يَلْزَمْه إعادَةُ الثَّانِيَةِ في وَقْتِها؛ لأنَّ الصلاةَ وَقَعَت صَحِيحَةً مُجْزِئَةً مُبْرِئَةً للذِّمَّةِ، فلم تَشْتَغِلِ الذِّمَّةُ بها بعدَ ذلك، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الوَقْتِ بعدَ فَراغِه مِن الصَّلاةِ. فصل: وإذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى، فله أن يُصَلِّى سُنَّةَ الثَّانِيَةِ منهما،

614 - مسألة: (وإن جمع فى وقت الثانية كفاه نية الجمع فى وقت الأولى، ما لم يضق عن فعلها، واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية

وَإنْ جَمَعَ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا، واسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ ويُوتِرَ قبلَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّ سُنَّتَهَا تابِعَةٌ لها، فَتَتْبَعُها في فِعْلِها ووَقْتِها، ولأنَّ الوِتْرَ وَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاءِ والصُّبْحِ، وقد صَلَّى العِشاءَ، فدَخَلَ وَقْتُه. 614 - مسألة: (وإن جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، ما لم يَضِقْ عن فِعْلِها، واسْتِمْرارُ العُذْرِ إلى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ

وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ منهما, ولا يُشْتَرَطُ غيرُ ذلك) متى جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ، فلا بُدَّ من نِيَّةِ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، فمَوْضِعُ النِّيَّةِ في وَقْتِ الأُولَى من أوَّلِه إلى أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُصَلِّيها، هكذا ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّه متى أخَّرَها عن ذلك بغيرِ نِيَّةٍ صارَتْ قَضاءً لا جَمْعًا, ولأنَّ تأْخِيرَها عن القَدْرِ الذى يَضِيقُ عن فِعْلِها حَرامٌ. قال شيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن يكونَ وَقْتُ النِّيَّةِ أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُدْرِكُها به، وهو رَكْعَةٌ، أو تَكْبِيرَةٌ، على ما ذَكَرْنا مُتَقَدِّمًا. ويُعْتَبَرُ بَقاءُ العُذْرِ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فإن زال في وَقْتِ الأُولَى، ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 138.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كالمَرِيضِ يَبْرَأُ، والمُسافِرِ يَقْدَمُ، والمَطرَ يَنْقَطِعُ، لم يُبَح الجَمْعُ لزَوالِ سَبَبِه، وإنِ اسْتَمَرَّ إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ جَمَع وإن زال العُذْرُ؛ لأنَّهما صارَتا واجِبَتَيْن في ذِمَّتِه، فلا بُدَّ له مِن فِعْلِهما (¬1). فصل: ولا تُشْتَرَطُ المُواصَلَةُ بينَهما إذا جَمَع في وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّه متى صلَّى الأُولَى، فالثّانِيَةُ في وَقْتِها لا يَخرُجُ بتَأْخِيرِها عن كَوْنِها مُؤَدّاةً. ¬

(¬1) في م: «فعلها».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وفيه وَجْهٌ، أنَّ المُواصَلَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لأنَّ حَقِيقَةَ الجَمْعِ ضَمُّ الشَّىْءِ إلى الشئِ، ولا يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولَى بعدَ وُقُوعِها صَحِيحَةً لا تَبْطُلُ بشئٍ يُوجَدُ بعدَها، والثَّانِيَةُ لا تَقَعُ إلَّا في وَقْتِها. فصل: وإذا صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْعَ مع الإِمامَ، والثّانِيَةَ مع إمامٍ آخَرَ، أو صَلَّى معه مَأْمُومٌ في إحْدَى الصلاتَيْن، وصَلَّى معه في الثّانِيَةِ مَأْمُومٌ آخَرُ، صَحَّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الإِمام والمَأْمُومِ أحدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ، فاشْتُرِطَ دَوامُه (¬1)، كالعُذْرِ. ولَنا، أنَّ لكلِّ صلاةٍ حُكْمَ نَفْسِها، وهي مُنْفَرِدَةٌ بنِيَّتِها، فلم يُشْتَرَطِ اتَّحادُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، كغيرِ المَجْمُوعَتَيْن. وقولُه: إنَّ الإمامَ والمَأْمُومَ أحَدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ. لا يَصِحُّ في المُسافِرِ والمَرِيضِ؛ لجَوازِ الجَمْعِ لكلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، وفى المَطَرِ في أَحَد الوَجْهَيْن. وإن قُلْنا: إنَّ الجَمْعَ في المَطرَ لا يَجُوزُ للمُنْفَرِدِ. فالذي يَتِمُّ به الجَمْعُ الجَماعَةُ، لا عَيْنُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، ولم تَخْتَلَّ الجماعةُ. وعلى ما قُلْنا، لو ائْتَمَّ المَأْمُومُ بإمامٍ (¬2) لا يَنْوِي الجَمْعَ ونَواهُ المَأْمُومُ (¬3)، فلَمَّاْ سَلَّمَ الإِمَامُ صَلَّى المأْمُومُ الثّانِيَةَ، ¬

(¬1) في م: «وجود دوامه». (¬2) في م: «بالإمام». (¬3) في م: «الإمام».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جازَ؛ لأنَّنا أبَحْنا له مُفارَقَةَ إمامِه في الصَّلاةِ الواحِدَةِ لعُذْرٍ، ففي الصَّلاتَيْنِ أَولَى، وإنَّما نَوَى أن يَفْعَلَ في غيرِها، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى المُسافِرُ في الأُولَى إتْمامَ الثانِيَةِ، فلم تَخْتَلِفْ نِيَّتهما في الصّلاةِ الأُولَى. وهكذا لو صَلَّى المُسافِرُ بِمُقِيمِينَ، ونَوَى الجمْعَ، فلَمَّا صَلَّى بهم الأُولَى قام فصَلَّى الثانِيَةَ، جازَ. وهكذا لو صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْع مُنْفَرِدًا، ثم حَضَرَتْ جماعَةٌ يُصَلُّونَ الثانيةَ، فأمَّهُم فيها، أو صَلَّى (¬1) معهم مَأْمُومًا، جاز. وقولُ ابنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِى أن لا يَجُوزَ شئ مِن ذلك. واللَّهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في م: «فصلى».

فصل فى صلاة الخوف

فَصْلٌ في صَلَاةِ الْخَوْفِ ـــــــــــــــــــــــــــــ قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللَّهُ: (فصلٌ في صلاةِ الخَوْفِ) وهي جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} (¬1) الآية. وأمّا السُّنَّةُ، فثَبَتَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى صلاةَ الخَوْفِ، وحُكْمُها باقٍ في قَوْلِ جُمْهورِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو يُوسُف: إنَّما كانت مُخْتَصَّةً بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بدَلِيلِ قولِه سُبْحانَه: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ}. وما قاله غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ما ثَبَت في حَقِّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَبَت في حَقِّنا ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمَرَنا باتِّباعِه، ولمّا سُئِل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن القُبْلَةِ للصّائِمِ؟ أجاب بـ: «إنِّى أفْعَلُ ذلك». فقال السّائِلُ: لَسْتَ مِثْلَنا، فغَضِبَ وقال: «إنِّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى» (¬2). ولو اخْتَصَّ بفِعْلِه لَما حَصَل جَوابُ السّائِلِ بالإِخْبارِ بفِعْلِه، ولا غضِبَ مِن قَوْلِ السّائِلِ: لَسْتَ مِثْلَنا؛ لأنَّ قَوْلَه إذًا كان صَوابًا. وقد كان أصْحابُ النَّبِىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَحْتَجُّون بأفْعالِه، ويَرَوْنَها مُعارِضَةً لقَوْلِه وناسِخَةً له، ولذلك لمّا أخْبَرَتْ عائشةُ وأُمُّ سَلَمَةَ، بأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غيرِ احْتِلام، ثم يَغْتَسِلُ ¬

(¬1) سورة النساء 102. (¬2) أخرجه مسلم، في: باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 779. وانظر: باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 781. وأبو داود في: باب في من أصبع جنبًا في شهر رمضان، من كتاب الصوم. سنن أبى داود 1/ 557. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صيام الذى يصبح جنبًا في رمضان، من كتاب الصيام. الموطأ 1/ 289. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 67، 156، 245.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَصُومُ ذلك اليَوْمَ (¬1). تَرَكُوا به خَبَرَ أبى هُرَيْرَةَ: «مَنْ أصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ له» (¬2) ولمَّا ذَكَرُوا ذلك لأبى هُرَيْرَةَ، قال: هُنَّ أعْلَمُ، إنَّما حَدَّثَنِى به الفَضْلُ بنُ عباسٍ، ورَجَع عن قَوْلِه. وأيضًا فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجْمَعُوا على صلاةِ الخَوْفِ، فصَلَّاها علىٌّ لَيْلَةَ الهَرِيرِ (¬3) بصِفِّينَ، وصَلّاها أبو مُوسى الأشْعَرِىُّ بأصْحابِه (¬4)، ورُوِىَ أنَّ سَعيدَ (¬5) بنَ العاصِ كان أمِيرًا على الجَيْشِ بِطَبَرِستْانَ، فقالَ: أيُّكُم صَلَّى مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الصائم يصبح جنبا, وباب اغتسال الصائم، من كتاب الصوم. صحيح البخارى 3/ 38، 40. ومسلم، في: باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 780، 781. والنسائى عن أم سلمة، في: باب ترك الوضوء مما غيرت النار، من كتاب الطهارة. المجتبى 1/ 90. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الرجل يصبح جنبًا وهو يريد الصيام، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 543، 544. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صيام الذى يصبح جنبًا في رمضان، من كتاب الصيام. الموطأ 1/ 289، 290. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 34، 36، 38، 67، 71، 99، 183، 184، 216، 229، 253، 256، 262، 279، 290، 306، 308، 310، 312، 313. (¬2) أخرجه البخارى معلقا، في: باب الصائم يصبح جنبًا، من كتاب الصوم. صحيح البخارى 3/ 38. ومسلم، في: باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، من كتاب الصيام. صحيح مسلم 2/ 779، 780. وابن ماجه، في: باب مما جاء في الرجل يصبح جنبًا وهو يريد الصيام، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 543. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صيام الذى يصبح جنبًا في مضان، من كتاب الصيام. الموطأ 1/ 290، 291. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 184، 203، 266. (¬3) ليلة الهرير في حرب صفين، بين على ومعاوية، اقتتل الناس تلك الليلة حتى الصباح، حتى تقصفت الرماح، ونفد النبل، وصار الناس إلى السيوف. انظر خبرها في: تاريخ الطبرى 5/ 47. وأخرج البيهقى هذا، في: باب الدليل على ثبوت صلاة الخوف وأنها لم تنسخ، من كتاب صلاة الخوف. السنن الكبرى 3/ 252. (¬4) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب في صلاة الخوف كم هى، من كتاب الصلوات. المصنف 2/ 465. والبيهقى، في: الباب السابق. (¬5) في م: «سعد».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صلاةَ الخَوْفِ؟ فقال حُذَيْفَةُ: أنا. فَقَدَّمَه، فصَلَّى بهم (¬1). فأمّا تَخْصِيصُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالخِطابِ، فلا يُوجِبُ تَخْصِيصَه بالحُكْمِ؛ لِما ذَكَرْنا, ولأنَّ الصَّحابةَ أنْكَرُوا على مانِعِى الزَّكاةِ قَوْلَهم (¬2): إنَّ اللَّه تَعالَى خَصَّ نَبِيَّه يأخْذِ الزَّكاةِ. بقَوْلِه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (¬3). فإن قِيلَ: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَّرَ الصلاةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ, ولم يُصَلِّ. قُلْنا: هذا (¬4) الاعْتِراضُ باطِلٌ في نَفْسِه؛ إذْ لا خِلافَ في أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، وقد أمَرَه اللَّهُ بها في كِتابِه، فلا يَجُوزُ الاحْتِجاجُ بما يُخالِفُ الكِتابَ والإِجْماعَ، وإنَّما كان ذلك قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ، وإنَّما يُوخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ مِن أمْرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. ويَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[أَخَّرَ الصلاةَ نِسْيانًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألَهُم عن صلاِتِهم، قالوا: ما صَلَّيْنا. ورُوِىَ أنَّ عُمرَ، قال: ما صَلَّيْتُ العَصْرَ. فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» (¬5). أو: كما جاءَ] (¬6). ومِمّا يَدُلُّ على ذلك أنَّه ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب من قال يصلى بكل طائفة ركعة ولا يقضون، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 286. والنسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 136. وابن أبى شيبة، في: باب في صلاة الخوف كم هى، من كتاب الصلوات. المصنف 2/ 461، 462. وانظر السنن الكبرى للبيهقى الباب السابق. (¬2) في م: «وقولهم». (¬3) سورة التوبة 103. (¬4) سقط من: م. (¬5) أخرجه البخارى، في: باب من صل بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، من كتاب المواقيت، وفى: باب قول الرجل ما صلينا، من كتاب الأذان، وفى: باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، من كتاب صلاة الخوف. صحيح البخارى 1/ 154، 165، 2/ 19. ومسلم، في: باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هى صلاة الحصر، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 438. والترمذى، في: باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ، من أبواب الصلاة. عارضة الأحوذى 1/ 292. (¬6) سقط من: الأصل.

615 - مسألة؛ (قال الإمام أبو عبد الله: صح عن النبى -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف من خمسة أوجه، أو ستة)

قَالَ الإمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَحَّ عَنِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوجُهٍ، أو سِتَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعلَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ لم يَكُنْ ثَمَّ قِتالٌ يَمْنَعُه مِن الصَّلاةِ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّما تَجُوزُ صَلاةُ الخَوْفِ إذا كان العَدُوُّ مُباحَ القِتالِ، ويُشْتَرَطُ أن لا يُؤْمَنَ هُجُومُه على المُسلِمين، وتَجُوزُ على كلِّ صِفَةٍ صلّاها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. 615 - مسألة؛ (قال الإِمامُ أبو عبدِ اللَّهِ: صَحَّ عن النَّبِىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاةُ الخَوْفِ مِن خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أو سِتَّةٍ). [أو قال: سِتَّةٍ أوسَبْعَةٍ] (¬1)، (كُلُّ ذَلك جائِزٌ لمَن فَعَلَه). قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللَّهِ: تَقُولُ بالأحادِيثِ كُلِّها، أو تَخْتارُ واحِدًا منها؟ قال: أنا أقولُ مَن ذَهَب إليها كُلِّها فحَسَنٌ، وأمّا حَدِيثُ سَهْلٍ (¬2) فأنا أخْتارُه. فنَذْكُرُ الوُجُوهَ التى بَلَغَتْنا؛ ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب غزوة ذات الرقاع، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 5/ 146. ومسلم، في: باب صلاة الخوف، من كتاب المسافرين. صحيح مسلم 1/ 575. وأبو داود، في: باب من قال: يقوم صف مع الإِمام وصف وجاه العدو. . . إلخ، وباب من قال: إذا صلى ركعة وثبت قائمًا أتموا لأنفسهم. . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 282، 283. والترمذى، في: باب ما جاء في صلاة الخوف، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 44. والنسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 948. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الخوف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 399. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 448.

فَمِنْ ذَلِكَ، إِذَا كَان الْعَدُوُّ في جِهَةِ الْقِبْلَةِ، صَفَّ الإمَامُ الْمُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِهِم جَمِيعًا إِلَى أنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، وَيَحْرُسَ الْآخرُ حَتَّى يَقُومَ الإمَامُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَإِذَا سَجَدَ في الثَّانِيَةِ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِى حَرَسَ، وَحَرَسَ الْآخَرُ حَتَّى يَجْلِسَ في التَّشَهُّدِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فأوَّلُها: (إذا كان العَدُوُّ في جِهَةِ القِبْلَةِ) بحيثُ (¬1) لا يَخْفَى بَعْضُهم على المسلمين، ولم يَخَافُوا كَمِينًا، فيُصَلِّى بهم، كما روَى جابِرٌ، قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاةَ الخَوْفِ فصَفَّنا خَلْفَه صَفَّيْن، والعَدُوُّ بَيْنَنا وبينَ القِبْلَةِ، فكَبَّرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وكَبَّرْنا جَمِيعًا، ثم رَكَع ورَكَعْنا، ثم رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ ورَفَعْنا جميعًا، ثم انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الذى يَلِيه، وقامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ (¬2)، فلَمّا قَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- السُّجُودَ، وقام الصَّفُّ الذى يَلِيهِ، انْحَدَرَ (¬3) الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ وقامُوا، ثم تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ، وتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثم ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) في نحر العدو: أى في مقابلته. ونحر كل شئ أوله. (¬3) في م: «وانحدر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَكَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ورَكَعْنا جَمِيعًا، ورَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ وَرَفَعْنا جَمِيعًا، ثم انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفّ الذى يَلِيهِ الذى كان مُؤخَّرًا في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وقامَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- السُّجُودَ، وقامَ الصَّفُّ الذى يَلِيه، انْحَدَرَ الصَّفّ المُؤخَّرُ بالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا (¬1) ثم سَلَّمَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وسَلَّمْنا جَمِيعًا. أخْرَجَه مسلمٌ (¬2). وروَى أبو عَيّاشٍ الزُّرَقِىُّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بعُسْفانَ نَحْوَ هذه الصَّلاةِ، وصَلّاها يَوْمَ بَنِى سُلَيْمٍ. رَواه أبو داودَ (¬3). وإن حَرَس الصَّفُّ الأوَّلُ في ¬

(¬1) المثبت من صحيح مسلم. وهي في الأصل: «سجد». وسقطت من: م. (¬2) في: باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 574، 575. كما أخرجه النسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 143. (¬3) في: باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة السفر. سنن أبى داود 1/ 282. كما أخرجه النسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 144، 145. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 59، 60. بعده في م: «قلت وأخرجه مسلم عن جابر. قال البيهقى وهو صحيح». وانظر السنن الكبرى 3/ 257.

الْوَجْهُ الثَّانِى، إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، جَعَلَ طَائِفَةً حِذَاءَ الْعَدُوِّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الأُولَى، والثَّانِى في الثّانِيَةِ، أوْ لم يَتَقَدَّم الثانِى إلى مَقَامِ الأوَّلِ، أو حَرَس بعضُ الصَّفِّ وسَجَد الباقُون، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ، لَكِنَّ الأوْلَى أن تُفْعَلَ مثلَ ما فَعَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. و (الوَجْه الثّانِى، إذا كان العَدُوُّ في غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ) فيُصَلِّى بهم كما

وَطَائِفَةً تُصَلِّى مَعَهُ رَكْعَةً، فَإذَا قَامُوا إلَى الثَّانِيَةِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأتَمَّتْ لِأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ وَمَضتْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الأُخْرَى فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإذا جَلَسَ للِتَّشَهُّدِ أتَمَّتْ لِأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ وَسَلَّمَ بِهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ روَى صالحُ بنُ خَوّاتٍ، عنِ مَن صَلَّى مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ صلاةَ الخَوْفِ، أنَّ طائِفَةً صَفَّتْ معه، وطائِفَةً وِجاهَ العَدُوِّ. فصَلَّى بالتى معه رَكْعَةً، ثم ثَبَت قَائِمًا، وأتمُّوا لأنْفُسِهِم، ثم انْصَرُفوا فصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الظّائِفَةُ الأخْرَى، فصَلَّى بهم الرَّكْعَةَ التى بَقِيَتْ مِن صلاتِه، ثم ثَبَت جالِسًا، وأتمُّوا لأنْفُسِهم، ثم سَلَّمَ بهم. رَواه مسلمٌ (¬1). وروَى سَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ نَحْوَ ذلك. واشْتَرَطَ القاضى لهذه الصَّلاةِ كَوْنَ العَدُوِّ في غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ. ونَصَّ أحمدُ على خِلافِ ذلك، ¬

(¬1) في: باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 575، 576. كما أخرجه البخارى، في: باب غزوة ذات الرقاع، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 5/ 145. وأبو داود، في: باب من قال: إذا صلى ركعة وثبت قائما. . . إلخ، من كتاب السفر. سنن أبى داود 1/ 283. والنسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 139. والإمام مالك، في: باب صلاة الخوف. من كتاب صلاة الخوف. الموطأ 1/ 183. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 370.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قُلْتُ له: حَدِيثُ سَهْلٍ، نَسْتَعْمِلُه مُسْتَقْبِلِين القِبْلَةَ كانوا أو مَسْتَدْبِرِين؟ قال: نعم، هو أنْكَى. ولأنَّ العَدُوَّ قد يكونُ في جِهَةِ القِبْلَةِ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ أن يُصَلِّىَ بهم صلاةَ عُسْفانَ؛ لانْتِشارِهم، أو لخَوْفٍ مِن كَمِينٍ، فالمَنْعُ مِن هذه الصَّلاةِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِها. قال أبو الخَطّابِ: ومِن شَرْطِها أن يكونَ المُصَلّونَ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهم طائِفَتَيْن، كُلُّ طائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ فأكْثَرُ. وقال القاضى: إن كانت كلُّ فِرْقَةٍ أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ كَرِهْناه. ووَجْهُ قَوْلِهما أنَّ اللَّهَ سبحانه ذَكَر الطّائِفَةَ بلَفْظِ الجَمْعِ، بقَوْلِه: {فَإِذَا سَجَدُوا}. وأقَلُّ الجَمْعِ ثَلَاثةٌ، ولأنَّ أحمدَ ذَهَب إلى ظاهِرِ فِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال شيخُنا (¬1): والأَوْلَى أن لا يُشْتَرَطَ هذا؛ لأنَّ ما دُونَ الثَّلاثةِ تَصِحُّ به الجَماعَةُ، فجازَ أن يكونُوا طائِفَةً كالثَّلَاثةِ، فأمّا فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فإنَّه لا يُشْتَرَطُ في صلاةِ ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 299.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخَوْفِ أن يَكُونَ المُصَلُّون مثلَ أصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في العَدَدِ، وَجْهًا واحِدًا. ويُسْتَحَبُّ أن يُخَفِّفَ بهم الصلاةَ، لأنَّ مَوْضُوعَ صلاةِ الخَوْفِ على التَّخْفِيفِ، وكذلك الطّائِفَةُ التى تُفارِقُه تُخَففُ الصلاةَ، ولا تُفارِقُه حتى يَسْتَقِلَّ قاِئمًا؛ لأنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُون فيه جَمِيعًا، فلا حاجَةَ إلى مُفارَقَتِهم إيّاه قبلَه، لأنَّ المُفارَقَةَ إنَّما جازَتْ للعُذْرِ. ويَقْرأُ في حالِ الانْتِظارِ، ويُطِيلُ التَّشَهُّدَ حتى يُدْرِكُوه. وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَقْرأُ في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حالِ (¬1) الانْتِظَارِ، بل يُؤخِّرُ القِراءَةَ؛ ليَقْرَأ بالطّائِفَةِ الثَّانيةِ، فتَحْصُلَ التَّسْوِيَةُ بينَ الطّائِفَتَيْن. ولَنا، أنَّ الصلاةَ ليس فيها حالُ سُكُوتٍ، والقِيامُ مَحَلٌّ للقِراءَةِ، فيَنْبَغِى أن يَأتِىَ بها فية، كما في التَّشَهُّدِ إذا انْتَظَرَهم فإنَّه لا يَسْكُتُ، والتّسْوِيَةُ بينَهم تَحْصُلُ بانْتِظارِه إيّاهُم في مَوْضِعَيْن، والأولَى في مَوْضِعٍ واحِدٍ. إذا ثَبَت هذا، فقال القاضى: إن قَرَأ في انْتِظارهِم قَرَأ (¬2) بعدَ مَجِيئهم بقَدْرِ فاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ خفِيفَةٍ، وإن لم يَقْرَأ في انْتِظارِهِم قَرَأ إذا جاءُوا بفَاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ. وهذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ، فلو قَرَأ قبلَ مَجِيئهم ثم رَكَع عندَ مَجِيئهِم أو قبلَه فَأدْرَكُوه ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «فقرأ».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ راكِعًا رَكَعُوا معه، وصَحَّتْ لهم الركْعَةُ مع تَرْكِه للسُّنَّةِ، وإذا جَلَس للتَّشَهُّدِ قامُوا فصَلَّوْا رَكْعَةً أُخْرَى، وأطالَ التَّشَهُّدَ والدُّعاءَ حتى يُدْرِكُوه ويَتَشَهَّدُوا، ثم يُسَلِّمُ بهم. وقال مالكٌ: يَتَشَهَّدُونَ معه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ قامُوا فقَضَوْا ما فاتهُم كالمَسْبُوقِ. والأَوْلَى ما ذَكَرْناه؛ لمُوافَقَتِه الحَدِيثَ، ولأنَّ قَوْلَه تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}. يَدُلُّ على أنَّ صَلَاتهُم كُلَّها معه، ولأنَّ الأُولَى أدْرَكَتْ معه فَضِيلَةَ الإِحْرام، فيَنْبَغِى أن يُسَلِّمَ بالثانيةِ؛ ليُسَوِّىَ بينَهم. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ. واخْتارَ أبو حنيفةَ أن يُصَلِّىَ على ما في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وسوف نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى في الوَجْهِ الثّالِثِ. والأَوْلَى والمُخْتارُ عندَ أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، هذا الوَجْهُ الثّانِى؛ لأنَّه أشْبَهُ بكِتابِ اللَّهِ تعالى، وأحْوَطُ للصلاةِ والحَرْبِ، أمّا مُوافَقَةُ الكِتابِ، فإنَّ قَوْلَه تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}. يَقْتَضِى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّ جميعَ صَلاتها معه، وعلى ما اخْتارَه أبو حنيفةَ، لا تُصَلِّى معه إلَّا رَكْعَةً على ما يَأتِى، وعلى ما اخْتَرْنا تُصَلِّى جَمِيعَ صلاِتها معه، إحْدَى (¬1) الرَّكْعَتَيْن مُوافِقَةً في أفْعالِه، والثّانِيَةَ تَأْتِى بها قبلَ سلامِه، ثم تُسَلِّمُ معه. وأمَّا الاحْتِياطُ للصلاةِ، فإنَّ كلَّ طائِفَةٍ تَأتِى بصلاتِها مُتَوالِيَةً، بَعْضُها تُوافِقُ (¬2) للإِمامِ فيها فِعْلًا، وبَعْضُها تُفارِقُه، وتَأتِى به وَحْدَها كالمَسْبُوقِ. وعلى ما اخْتارَه يَنْصَرِفُ إلى جِهَةِ العَدُوِّ، وهى في الصَّلاةِ ماشِيَةً أو رَاكِبَةً، ويَسْتَدْبِرُ القِبْلَةَ، وهذا يُنافِى الصلاةَ. وأمّا الاحْتِياطُ للحَرْبِ، فإنَّه يَتَمَكَّنُ مِن الضَّرْبِ والطَّعْنِ والتَّحْرِيضِ، وإعْلامِ غيرِه بما يَراهُ مِمَّا خَفِىَ عليه، وتَحْذِيرِه، وإعْلامِ الذين مع الإِمامِ بما يَحْدُثُ، ولا يُمْكِنُ هذا على اخْتِيارِه. ¬

(¬1) في م: «في إحدى». (¬2) في م: «موافق».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا تَجبُ التَّسْوِيَةُ بينَ الطّائِفَتَيْن؛ لأنَّه لم يَرِدْ بذلك نَصٌّ ولا قِياسٌ. ويَجِبُ أن تَكونَ الطّائِفَةُ التى بِإزاءِ العَدُوِّ مِمَّن يَحْصُلُ الثِّقَةُ بكِفايتها وحِراسَتِها، ومتى خُشِىَ اخْتِلالُ حالِهم واحْتِيجَ إلى مَعُونتِهم بالطَّائِفَةِ الأخْرَى، فللإِمامِ أن يَنْهَدَ إليهم بمَن معه، ويَبْنُوا (¬1) على ما مَضَى مِن صلاتِهم. فصل: وإن صَلَّوُا الجُمُعَةَ صلاةَ الخَوْفِ جاز، إذا كانت كلُّ طائِفَةٍ أرْبَعِين. فإن قِيلَ: فالعَدَدُ شَرْطٌ في الجُمُعَةِ كلِّها، ومتى ذَهَبَتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى بَقِىَ الإِمامُ مُنْفَرِدًا، فبَطَلَتِ الجُمُعَةُ، كما لو نَقَص العَدَدُ. فالجَوابُ، أنَّ هذا جاز لأجْلِ العُذْرِ، ولأنَّه يتَرَقَّبُ مَجِئَ الطّائِفَةِ الأُخْرَى، بخِلافِ الانْفِضاضِ. ولَنا أيضًا في الأصْلِ مَنْعٌ. ولا يَجُوزُ أن يَخْطُبَ بإحْدَى الطّائفَتَيْن، ويُصَلِّىَ بالأخْرَى، حتى يُصَلِّىَ معه مَن حَضَر الخُطْبَةَ. وبهذا قال الشافعىُّ. فصل: والطّائِفَةُ الأُولَى في حُكْمِ الائْتِمامِ قبلَ مُفارَقَةِ الإِمامِ، فإنْ سَها لَحِقَهُم حُكْمُ سَهْوِه فيما قبلَ مُفارَقَتِه، وإن سهَوْا لم يَلْحَقْهم (¬2) حُكْمُ سَهْوِهم؛ لأنَّهم مَأمُومُون. وأمّا بعدَ مُفارَقَتِه فلا يَلْحَقُهُم حُكْمُ ¬

(¬1) في م: «يبينوا». (¬2) في م: «يلزمهم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَهْوِه، ويَلْحَقُهم حُكْمُ سَهْوِهم؛ لأنَّهم مُنْفَرِدُون. وأمّا الطّائِفَةُ الثّانيةُ، فيلْحَقُها حُكْمُ سَهْوِ إمامِها في جميعِ صلاتِه، ما أدْرَكَتْ منها وما فاتَها، كالمَسْبُوقِ يَلْحَقُه حُكْمُ سَهْوِ إمامِه فيما لم يُدْرِكْه، ولا يَلْحَقُها حُكْمُ سَهْوِها في شئٍ مِن صلاتِها؛ لأنَّها إن فارَقَتْه فِعْلًا لقَضاءِ ما فَاتَها، فهى في حُكْمِ المُؤتَمِّ؛ لأنَّهُم يُسَلِّمُون بسلامِه، فإذا فَرَغَتْ مِن قَضاءِ ما فاتَها، سَجَد وسَجَدَتْ معه، فإن سَجَد قبلَ إتْمامِها تابَعَتْه؛ لأنَّها مُؤتَمَّةٌ به، ولا تُعِيدُ (¬1) السُّجُودَ بعدَ فَراغِها مِن التَّشَهُّدِ؛ لأنَّها لم تَنْفَرِدْ عن الإِمامِ، بخِلافِ المَسْبُوقِ. وقال القاضى: يَنْبَنِى هذا على الرِّوايَتَيْن في المَسْبُوقِ إذا سَجَد مع إمامِه، هل يَسْجُدُ [بعدَ القَضاءِ] (¬2) أم لا. وقد ذَكَرنا الفَرْقَ بينَهما. ¬

(¬1) في م: «يقيد». (¬2) سقط من: الأصل.

616 - مسألة: (فإن كانت الصلاة مغربا، صلى)

فَإنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا، صَلَّى بِالأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، ـــــــــــــــــــــــــــــ 616 - مسألة: (فإن كانتِ الصلاةُ مَغْرِبًا، صَلَّى) بالطّائِفَةِ (الأُولَى رَكْعَتَيْن، وبالثّانِيَةِ رَكْعَةً) وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، وسُفيانُ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال في الآخَرِ: يُصَلِّى بالأُولَى رَكْعَةً، وبالثّانِيَةِ رَكْعَتَيْن؛ لأنَّه رُوِىَ عن علىٍّ، رضى اللَّه عنه، أنّه صَلَّى كذلك (¬1) ليْلَةَ الهَرِيرِ (¬2)، ولأنَّ الأُولَى أدْرَكَتْ. معه فَضِيلَةَ الإِحْرامِ والتَّقَدُّمِ، فيَنْبَغِى أن تَزِيدَ الثّانِيَةُ في الرّكَعاتِ؛ ليُجْبَرَ نَقْصُهم به. ولَنا، أنَّه إذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن التَّفْضِيلِ، فالأُولَى أحَقُّ به، وما فاتَ الثّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بإدْراكِها السَّلامَ مع الإِمامِ، ولأنَّها، تُصَلِّى جميعَ صلاِتها في حُكْمِ الائتِمامِ، والأُولَى تَفْعَل (¬3). بعضَ صلاِتها في حُكْمِ الانْفِرادِ، وأيًّا ما فَعَل فهو جائِزٌ. وإذا صَلَّى بالثّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثالثةَ (¬4)، وجَلَس ¬

(¬1) في م: «ذلك». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 115. (¬3) في م: «تفضل». (¬4) في م: «الثانية».

617 - مسألة: (وإن كانت رباعية غير مقصورة، صلى بكل طائفة ركعتين، وأتمت الأولى بـ {الحمد لله} فى كل ركعة، والأخرى تتم بـ {الحمد لله} وسورة)

وإنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ، صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وَأَتَمَّتِ الأُولَى بِـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} في كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالأُخْرَى تُتِمُّ بِـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ}، وَسُورَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ للتَّشَهُّدِ، فإنَّ الطّائِفَةَ تَقُومُ ولا تَتَشَهَّدُ معه. ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّه ليس بمَوْضِعٍ لتَشَهُّدِها، بخِلافِ الرُّباعِيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَتَشَهَّدَ معه إذا قُلْنا: إنَّها تَقْضى رَكْعَتَيْن مُتَوالِيَتَيْن؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى أن تُصَلِّىَ ثَلاثَ رَكَعَاتٍ بتَشَهُّدٍ واحِدٍ، ولا نَظِيرَ لهذا في الصلواتِ. هذا حُكْمُ صلاةِ المَغْرِبِ على حَدِيثِ سَهْلٍ (¬1). 617 - مسألة: (وإن كانت رُباعِيَّةً غيرَ مَقْصورَةٍ، صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وأتَمَّتِ الأُولَى بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} في كل رَكْعَةٍ، والأُخْرَى تُتِمُّ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وسُورَةٍ). تَجُوزُ صلاةُ الخَوْفِ في الحَضَرِ، عند الحاجَةِ إليها. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ. وحُكِىَ عن مالكٍ، لا يَجُوزُ في الحَضَرِ؛ لأنَّ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ على صلاةِ رَكْعَتَيْن، وصلاةُ الحَضَرِ أرْبَعٌ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْها في الحَضَرِ. ولَنا، قولُه تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ}. وهذا عامٌّ، وتَرْكُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لها في الحَضَرِ إنَّما كان لغِناه عنها فيه. وقَوْلُهم: إنَّما دَلَّتِ الآيَةُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 117.

618 - مسألة: (وهل تفارقه الأولى فى التشهد الأول أو فى الثالثة؟ على وجهين)

وَهَلْ تُفَارِقُهُ الأُولَى في التَّشَهُّدِ الْأوَّلِ أوْ في الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ على رَكْعَتَيْن. مَمْنُوعٌ، وإن سَلِمَ فقد تكونُ صلاةُ الحَضَرِ رَكْعَتَيْن؛ الصُّبْحَ والجُمُعَةَ. والمَغْرِبُ ثَلاثٌ، ويَجُوزُ فِعْلُها في الخَوْفِ في السَّفَرِ، [ولأنَّها حالَةُ خَوْفٍ، فجازَتْ فيها صلاةُ الخَوْفِ، كالسَّفَرِ] (¬1)، فعلى هذا إذا صَلَّى بهم الرُّباعِيَّةَ، فَرقَهُم فِرْقَتَيْن، صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وتَقْرَأُ الأُولَى بعدَ مُفارَقَةِ إِمامِها بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وَحْدَها في كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لأنَّها آخِرُ صلاِتها. وأمّا الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، فإذا جَلَس الإِمامُ للتَّشَهُّدِ الأخِيرِ، تَشَهَّدَتْ معه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، كالمَسْبُوقِ، ثم قامَتْ وهو جالِسٌ فأتَمَّتْ صلَاتها، وتَقْرُأُ في كلِّ رَكْعَةٍ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وسُورَةٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه أوَّلُ صلاِتها على ما ذَكَرْنا في المَسْبُوقِ، وتَسْتَفْتِحُ إذا قامَتْ للقَضاءِ، كالمَسْبُوقِ، ولأنَّها لم تَحْصُلْ لها مع الإِمامِ قِراءَةُ السُّورَةِ. ويُطَوِّلُ الإِمامُ التَّشَهُّدَ والدُّعاءَ حتى تُصَلِّىَ الركْعَتَيْن، ثم يَتَشَهدُ ويُسَلِّمُ بهم. وإذا قُلْنا: إنَّ الذى يَقْضِيه المَسْبُوقُ آخِرُ صلاِته. فيَقْتَضِى أن لا يَسْتَفْتِحَ ولا يَقْرَأ السُّورَةَ ههُنا قِياسًا عليه. 618 - مسألة: (وهل تُفارِقُه الأُولَى في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ أو في الثّالِثةِ؟ على وَجْهَيْن) أحَدُهما، حينَ قِيامِه إلى الثّالِثَةِ. وهو قَوْلُ مالكٍ، ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّطْويلِ مِن أجْلِ الانْتِظارِ، والتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُه، ولهذا رُوِىَ أن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا جَلَس للتَّشَهُّدِ كأنَّه على الرَّضْفِ حتى يَقُومَ (¬1). ولأنَّ ثوابَ القائِمِ أَكْثَرُ، ولأنَّه إذا انْتَظَرَهُم جالِسًا وجاءَتِ الطّائِفَة فإنَّه يَقُومُ قبلَ إحْرامِهم، فلا يَحْصُلُ اتِّباعُهُم إيّاهُ في القِيامِ. والثَّانِى، في التَّشَهُّدِ؛ لتُدْرِكَ الطّائِفَةُ الثَّانيةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثّالِثَةِ، ولأنَّ الجُلُوسَ أخَفُّ على الإمام، ولأنَّه متى انْتَظرهم قائِمًا احْتاجَ إلى قِراءَةِ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وهوَ خِلافُ السُّنَّةِ، وكِلا الأمْرَيْن جائِزٌ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 296.

619 - مسألة: (وإن فرقهم أربعا، فصلى بكل طائفة ركعة، صحت صلاة الأوليين، وبطلت صلاة الإمام، والأخريين إن علمتا بطلان صلاته)

وَإنْ فَرَّقَهُمْ أرْبَعًا، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صَلَاةُ الأُولَيَيْنِ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإمَامِ، وَالأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطلانَ صَلَاتِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 619 - مسألة: (وإِن فَرَّقَهم أرْبَعًا، فصَلَّى بكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صلاةُ الأُولَيَيْنِ، وبَطَلَتْ صلاةُ الإِمامِ، والأخْرَيَيْن إن عَلِمَتا بُطْلانَ صلاتِه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى فَرَّقَهُم الإِمامُ في صلاةِ الخَوْفِ أكْثَرَ مِن فِرْقَتَيْن، مثلَ أن فَرَّقَهُم أرْبَعَ فِرَقٍ، فصَلَّى بكل طائِفَةٍ رَكْعَةً، أو ثَلَاثَ فِرَقٍ فصَلَّى بالأُولَى رَكْعَتَيْن، وبالباقِيَتَيْن (¬1) رَكْعَةً رَكْعَةً (¬2) صَحَّتْ صلاةُ الأُولَيَيْن، لأنَّهُما إنَّما ائْتَما بمَن صلاتُه صَحِيحَةٌ، ولم يُوجَدْ منهما ما يُبْطِلُ ¬

(¬1) في الأصل: «بالثانيتين». (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صلَاتهما، وتَبْطُلُ صلاةُ الإِمامِ بالانْتِظارِ الثّالِثِ؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فأبْطَلَ الصلاةَ، كما لو فَعَلَه مِن غيرِ خَوْفٍ، وسَواءٌ فَعَل ذلك لحاجَةٍ أو غيرِها؛ لأنَّ التَّرَخُّصَ إنَّما يُصارُ إليه فيما وَرَد به الشَرْعُ، وتَبْطُلُ صَلاةُ الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ؛ لائْتِمَامِهما بمَن صلاتُه باطِلَةٌ، فأشْبَهَ ما لو كانت باطِلَةً مِن (¬1) أوَّلِهَا. فإن لم يَعْلَما ببُطْلَانِ صَلاةِ الإِمامِ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَبْطُلُ صلاتُهما؛ لأنَّ ذلك مِمّا يَخْفَى، فلم تَبْطُلْ صلاةُ المَأْمُومِ، كما لو ائْتَمَ بمُحْدِثٍ لا يَعْلَمُ حَدَثَه. ويَنْبَغِى على هذا أن يَخْفَى على الإِمامِ والمَأْمُومِ، اعْتَبَرْنا ذلك في المُحْدِثِ. قال شيخُنا (¬2): ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ صلاتُهما؛ لأنَّ الإِمامَ والمَأْمُومَ يَعْلَمان وُجُودَ المُبْطِلِ. وإنَّما ¬

(¬1) في م: «في». (¬2) في: المغنى 3/ 309.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ، أنْ يُصَلِّىَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِىَ إلَى الْعَدُوِّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ خَفِىَ عليهم حُكْمُه، فلم يَمْنَعْ ذلك البُطْلانَ، لو عَلِمَ حَدَثَ الإِمامِ، ولم يَعْلَمْ كَوْنَه مُبْطلًا. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ كقَوْلِ ابنِ حامِدٍ. وقال بعضُهم: تَصِحُّ صلاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، أشْبَهَ الفِرْقَتَيْن. ولَنا، أنَّ الرُّخَصَ إنَّما تُتَلَقَّى مِن الشَّرْعِ، وهذا لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، فلم يَجُزْ (¬1)، كغَيْرِ الخَوْفِ. واللَّه أعلمُ. (الوَجْهُ الثّالِثُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى ابنُ عمرَ، قال: صَلَّى النبىُّ ¬

(¬1) في م: «يجزئه».

وَتَأْتِىَ الأُخْرَى فَيُصَلِّىَ بِهَا رَكْعَةً، وَيُسلِّمَ وَحْدَهُ، وَتَمْضِىَ هِىَ، ثُمَّ تَأْتِىَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى اللَّه عليه وسلم- صلاةَ الخَوْفِ بإحْدَى الطَّائِفَتَيْن رَكْعَةً وسَجْدَتَيْن، والطّائِفَةُ الأُخْرَى مُواجِهَةُ العَدُوِّ، ثم انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِم مُقْبِلِين على العَدُوِّ، وجاء أُولئِك، ثم صَلَّى لهم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ، ثم قَضَى هؤلاء رَكْعَةً، وهؤلاء رَكْعَةً. مُتَّفقٌ عليه (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب غزوة ذات الرقاع، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 5/ 146. ومسلم، في: باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 574. كما أخرجه أبو داود، في: باب من قال: يصلى بكل طائفة ركعة. . . إلخ، من كتاب صلاة السفر. سنن أبى داود 1/ 285. والترمذى، في: باب ما جاء في صلاة الخوف، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 42، 43. والنسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 139. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الخوف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 399. والدارمى، في: باب في صلاة الخوف، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 357، 358. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 132، 147، 148، 150، 155.

الْوَجْهُ الرَابعُ، أنْ يُصَلِّىَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ (الوَجْهُ الرّابعُ، أن يُصَلِّىَ بكُلِّ طائِفَةٍ صلاةً، ويُسَلِّمَ بها) كما روَى أبو بَكْرَةَ، قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في خَوْفٍ الظُّهْرَ، فصَفَّ بَعْضَهم خَلْفَه؛ وبَعْضَهم بإزاءِ العَدُوِّ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فانْطَلَقَ الذين صَلَّوْا فوَقَفُوا مَوْقِفَ أصْحَابِهِم، ثم جاءَ أُولِئكَ فَصَلَّوْا خَلْفَه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فكان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعٌ، ولأصْحَابِه رَكْعَتَان. رَواه أبو داودَ (¬1)، والأثْرَمُ. وهذه صِفَةٌ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الكُلْفَةِ، لا يَحْتاجُ فيها إلى مُفارَقَةِ إمامِه، ولا إلى تَعْرِيفِ (¬2) كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ. وهو مَذْهَبُ الحسنِ. وليس فيها أكْثرُ مِن أنَّ الإِمامَ في الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِين. ¬

(¬1) في: باب من قال: يصلى بكل طائفَةٍ ركعتين، من كتاب صلاة السفر. سنن أبى داود 1/ 287. كما أخرجه النسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 146. (¬2) في م: «تفريق».

الْوَجْهُ الْخَامِسُ، أنْ يُصَلِّىَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّىَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِىَ شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ (الوَجْهُ الخامِسُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى جابِرٌ، قال: أقْبَلْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى إذا كُنّا بذاتِ الرِّقاعِ، قال: فنُودِىَ بالصلاةِ، فصَلَّى بطائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، ثم تَأَخَّرُوا (¬1)، وصَلَّى بالطّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْن. قال: وكانت لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وللقَوْم رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وتَأوَّلَ القاضى هذا على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بهم كصلاةِ الحَضَرِ، وأنَّ كلَّ طائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْن. وهذا (¬3) التَّأْوِيلُ فاسِدٌ؛ ¬

(¬1) في الأصل: «تأخر». (¬2) أخرجه البخارى، في: باب غزوة ذات الرقاع، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 5/ 146، 147. ومسلم، في: باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 576. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 364. (¬3) في م: «أن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لمُخالَفَتِه صِفَةَ الرِّوايَةِ، وقولَ أحمدَ. أمّا مُخالَفَةُ الرِّوايَةِ، فإنَّه ذَكَر أنَّه صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، ولم يَذْكُرْ قَضاءً، ثم قال في آخِرِه: للقَوْمِ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن. وأمّا مُخالَفَةُ قَوْلِ أحمدَ، فإنَّه قال: سِتَّةُ أوْجُهٍ أو سَبْعَةٌ يُروَى فيها، كُلُّها جائِزٌ. وعلى هذا لا تكونُ سِتَّةً ولا خَمْسَةً. ثم إنَّه حَمَل الحدِيثَ على مَحْمَلٍ بَعِيدٍ؛ لأنَّ الخَوْفَ يَقْتَضِى قَصْرَ الصَّلاةِ وتَخْفِيفَها. وعلى هذا التَّأْوِيلِ يَجْعَلُ مَكانَ الرَّكْعَتَيْن أرْبَعًا، ويُتِمُّ الصلاةَ المَقْصُورَةَ، ولم يُنْقَلْ عنه عليه السلامُ إتْمَامُ صلاةِ السَّفَرِ في غيرِ الخَوْفِ، فكيف يُتِمُّها في مَوْضِعٍ يَقْتَضِى التَّخْفِيفَ. فصل: وقد ذَكَر شيخُنا، رَحِمَه اللَّهُ (¬1)، الوَجْهَ السّادِسَ، أن يُصَلِّىَ بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً (¬2)، ولا تَقْضِى شيئًا؛ لِما روَي ابن عباسٍ، ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 314. (¬2) في م: «ركعة ركعة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بذِى قَرَدٍ (¬1) صلاةَ الخَوْفِ، والمُشْرِكُون بينَه وبينَ القِبْلَةِ، فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَه، وصَفًّا مُوازِىَ العَدُوِّ، فصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم ذَهَب هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، ورَجَع هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، فصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ عليهم، فكانت لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتان، وكانت لهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. رَواه الأثْرَمُ (¬2). وعن حُذَيْفَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ بهؤلاء رَكْعَةً، وهؤلاء رَكْعَةً، ولم يَقْضُوا شيئًا. رَواه أبو داودَ (¬3). وهذا قَوْلُ ابنِ عباسٍ وجابِرٍ. قال جابِرٌ: إنَّما القَصْرُ رَكْعَةٌ عندَ القِتالِ. وقال طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والحسنُ، وقَتادَةُ، ¬

(¬1) ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- انتهى إليه، لما خرج في طلب عيينة حين أغار على لقاحه. معجم البلدان 4/ 55. (¬2) وأخرج البخارى نحوه، في: باب يحرس بعضهم بعضا في صلاة الخوف، من كتاب صلاة الخوف. صحيح البخارى 2/ 18. والنسائى، في: أول كتاب صلاة الخوف. المجتبى 3/ 137. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 232، 357، 5/ 183، 385. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 116.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والحَكَمُ: يقُولُون: رَكْعَةً (¬1) في شِدَّةِ الخَوْفِ يُومِئُ إيماءً. وبه قال إسْحاقُ: يُجْزِئُك عندَ الشِّدَّةِ رَكْعَةٌ تُومِئُ إيماءً، فإن لم تَقْدِرْ فسَجْدَةٌ واحِدَةٌ، فإنْ لم تَقْدِرْ فتَكْبيرَةٌ. فهذه الصلاةُ يَقْتَضِى عُمُومُ كَلامِ أحمدَ جَوازَها؛ لأنَّه ذَكَر سِتَّةَ أوجُهٍ، ولا نَعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِواها. وقال القاضى: لا تَأْثِيرَ للخَوْفِ في عدَدِ الرَّكَعاتِ. وهذا قولُ أصحابِنا، وأكْثرَ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وغيرُهم مِن عُلَماءِ الأمْصارِ، لا يُجِيزُون رَكْعَةً، والذي قال منهم رَكْعَةً، إنَّما جَعَلَها عندَ شِدَّةِ القِتالِ، والذين رَوَيْنا عنهم صلاةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكْثَرُهم لم يَنْقُصُوا مِن رَكْعَتَيْن، وابنُ عباسٍ لم يَكُنْ مِمَّن يَحْضُرُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزَواتِه ولا (¬2) يَعْلَمُ ذلك إلَّا بالرِّوايَةِ، فالأخْذُ برِوايَةِ مَن حَضَر الصلاةَ وصَلَّاها مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى. ¬

(¬1) أي يصلى ركعة. (¬2) في م: «ولم».

620 - مسألة: (ويستحب أن يحمل معه فى الصلاة من السلاح

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ في الصَّلَاة مِنَ السِّلَاحِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومتى صَلَّى بهم صلاةَ الخَوْفِ مِن غيرِ خَوْفٍ، فصلاةُ الجميعِ فاسِدَةٌ؛ لأنَّها لا تَخْلُو بِن مُفارِقِ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، أو تارِك مُتابَعَةِ إمامِه في ثَلَاثَةِ أرْكانٍ، أو قاصِرِ الصَّلاةِ مع إتْمامِ الإِمامِ، وكلُّ ذلك يُفْسِدُ الصلاةَ، إلَّا مُفارَقَةَ الإِمامِ في قَوْلٍ. وإذا فَسَدَتْ صلاتُهم (¬1) فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ؛ لأنَّه صَلَّى إمامًا بمَن صلاتُه فاسِدَةٌ، إلَّا أن يُصَلِّىَ بهم صلَاتيْنِ كامِلَتَيْن، فتَصِحُّ صلاتُه، وصلاةُ الطّائِفَةِ الأُولَى، وصلاةُ الثّانيةِ تَنْبَنِى على إمامَةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ، وقد ذَكَرْناه (¬2). 620 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَحْمِلَ معه في الصَّلاةِ مِن السِّلاحِ ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) انظر ما تقدم في 4/ 408.

وَلَا يُثْقِلُهُ؛ كَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَجِبَ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ما يَدْفَعُ به عن نَفْسِه ولا يُثْقِلُه، كالسَّيْفِ، والسِّكِّين. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ ذلك) حَمْلُ السِّلاحِ في صلاةِ الخَوْفِ مُسْتَحَبٌّ؛ لقَوْلِه تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} (¬1). ولأنَّهم [لا يَأْمَنُون] (¬2) أن يَفْجَأَهم العَدُوُّ، كما قال اللَّه تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}. والمُسْتَحَبُّ مِن ذلك ما يَدْفَعُ به عن نَفْسِه ولا يُثْقِلُه، كالسَّيْفِ، والسِّكِّينِ، ولا يُسْتَحَبُّ حَمْلُ ما يُثْقِلُه، كالجَوْشَنِ (¬3) ولا ما يَمْنَعُ إكْمالَ السُّجُودِ، كالمِغْفَرِ (¬4)، ولا ما يُؤْذِى ¬

(¬1) سورة النساء 102. (¬2) في الأصل: «يأمنون». (¬3) في م: «كالجوشرة». والجوشن: الصدر والدرع. (¬4) المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ غيرَه، كالرُّمْحِ إذا كان مُتَوَسِّطًا، ولا يَجُوزُ حَمْلُ نَجِسٍ، ولا ما يُخِلُّ ببعضِ أرْكانِ الصَّلاةِ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ، كمَن يَخافُ وُقُوعَ الحِجارَةِ والسِّهامِ. وليس ذلك بواجبٍ، ذَكَرَه أصْحابُنا. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ، وأكْثَر أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لو وَجَب لكانَ شَرْطًا، كالسُّتْرَةِ، ولأنَّ الأمْرَ به للرِّفْقِ بهم والصِّيانَةِ لهم، فلم يَكُنْ للإيجابِ، كما أنَّ نَهْىَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوِصالِ لَمّا كان للرِّفْقِ لم يَكُنْ للتَّحْرِيمِ. ويَحْتَمِلُ أن يَجبَ ذلك، وهو قَوْلُ داودَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ، وهذا القولُ (¬1) أظْهَرُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ الوُجُوبُ، وقد اقْتَرَنَ به ما يَدُلُّ على ¬

(¬1) سقط من: م.

621 - مسألة: (وإذا اشتد الخوف، صلوا رجالا وركبانا، إلى

فَصْلٌ: وَإذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، يُومِئُونَ إِيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الوُجُوب، وهو قَوْلُه سُبْحانه: {ولَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مِّطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ}. ونَفْىُ الحَرَجِ مَشرُوطًا بالأذَى دَلِيلٌ على لُزُومِه عندَ عَدَمِه، فأمَّا إنْ كان بهم أذًى مِن مَطَرٍ أو مَرَضٍ، فلا يَجِبُ بغيرِ خِلافٍ؛ لصَرِيحِ النَّصِّ بنَفْى الحَرَجِ. 621 - مسألة: (وإذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، صَلَّوْا رِجالًا ورُكْبانًا، إلى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ القِبْلَةِ وغيرِها، يُومِئُون إيماءً على قَدْرِ الطّاقَةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى اشْتَدَّ الخَوْفُ، والْتَحَمَ القِتالُ، فلهم الصلاةُ كَيْفَما أمْكَنَهم، رِجالًا أو رُكْبانًا، إلى القِبْلةِ إن أمْكَنَهم، [وإلى] (¬1) غيرِها إن لم يُمْكِنْهم، يُومِئُون بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُون سُجُودَهم أخْفَضَ مِن رُكُوعِهم على قَدْرِ الطّاقَةِ، ولهم التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ، والطَّعْنُ والضَّرْبُ، والكَرُّ والفَرُّ، ولا يُؤَخِّرُون الصلاةَ عن وَقْتِها في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحَكَى ابنُ أبى مُوسى، أنَّه يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ حالَ الْتِحامِ القِتالِ في رِوايَةٍ. وقال أبو حنيفَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى: لا يُصَلِّى مع المُسايَفَةِ، ولا مع المَشْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وأخَّرَ الصلاةَ. ولأنَّ ما يَمْنَعُ الصلاةَ في غيرِ شِدَّةِ الخَوْفِ يَمْنَعُها معه؛ كالحَدَثِ والصِّياحِ. وقال الشافعىُّ: يُصَلِّى، لكنْ إن تابَعَ الطَّعْنَ والضَّرْبَ، أو المَشْىَ، أو فَعَل ما يَطُولُ، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّ ذلك مِن مُبْطِلاتِ الصَّلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ. ولَنا، قَوْلُه عزَّ وجَلَّ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} (¬2). ¬

(¬1) في م: «أو إلى». (¬2) سورة البقرة 239.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال ابنُ عُمرَ: فإن كان خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذلك، صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا على أقْدَامهم، ورُكْبانًا مُسْتَقْبلى القِبْلَةِ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيها. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ورُوِى ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بأصحابِه في غيرِ شِدَّة الخَوْفِ، فأمَرَهم بالمَشْى إلى وِجاهِ العَدُوِّ وهم في الصَّلاةِ، ثم يَعُودُون لقَضاءِ ما بَقِىَ مِن صَلَاِتهم، وهذا مَشْىٌ كَثِيرٌ، وعَمَلٌ طَوِيلٌ، واسْتِدْبارٌ للقِبْلَةِ، فإذا جاز ذلك مع أنَّ الخَوْفَ ليس بشدِيدٍ، فمع شِدَّتِهِ أوْلَى. ومِنْ العَجَبِ اخْتِيَارُ أبى حنيفَةَ هذا الوَجْهَ دُونَ سائِرِ الوُجُوهِ التى لا تَشْتَمِلُ على العَمَلِ في أثْناء الصَّلاةِ، وتَسْوِيغُه إيّاهُ مع الغِنَى عنه، ثم مَنْعُه في حالِ الحاجَةِ إليه، بحيثُ لا يَقْدِرُ على غيرِه، فكان العَكْسُ أوْلَى، ولأنَّه مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهارَتُه، فلم يَجُزْ له إخْلاءُ وَقْتِ الصَّلاةِ عن فِعْلِها، كالمَرِيضِ، ويُخَصُّ الشافعىُّ بأنَّه عَمَلٌ أُبِيحَ للخَوْفِ، فلم يُبْطِلِ الصلاةَ، كاسْتِدْبارِ القِبْلَةِ، والرُّكُوبِ، والإيماءِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرَه. فأمّا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فرَوَى أبو سعيدٍ، أنَّه كان قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ. ويَحْتَمِل أنَّه شَغَلَه المُشْرِكُون فنَسِىَ الصلاةَ، فقد نُقِلَ ما يَدُلُّ على ذلك (¬2). ويُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه لم ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب صلاة الخوف رجالا وركبانا راجل قائم، من كتاب صلاة الخوف، وفى: باب تفسير سورة البقرة، من كتاب التفسير. صحيح البخارى 2/ 18، 6/ 38. ومسلم، في: باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 574. كما أخرجه الإمام مالك، في: باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة الخوف. الموطأ 1/ 184. (¬2) انظر ما تقدم في 3/ 145.

622 - مسألة: (فإن أمكنهم افتتاح الصلاة إلى القبلة، فهل يلزمهم ذلك؟ على روايتين)

فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ يَكُونُوا في مُسايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلاةِ. وأمّا الصِّياحُ والحَدَثُ، فلا حاجَةَ بهم إليه، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّئِ مُبْطِلًا مع عَدَمِ العُذْرِ أن تَبْطُلَ معه، كخُرُوجِ النَّجاسَةِ مِن المُسْتَحاضَةِ ومَن في مَعْناها. 622 - مسألة: (فإن أمْكَنَهم افْتِتاحُ الصَّلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَلْزَمُهم ذلك؟ على رِوَايَتَيْن) إحْداهما، لا تَجِبُ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن الصَّلاةِ، فلم يَجِبْ الاسْتِقْبالُ فيه، كبَقِيَّةِ أجْزَائِها. والثّانيةُ، يَجبُ؛ لأنَّه أمْكَنَه ابْتِداءُ الصَّلاةِ مُسْتَقْبِلًا، فلم يَجُزْ بدُونِه، كما لو أمْكَنَه ذلك في رَكْعَةٍ كامِلَةٍ.

623 - مسألة: (ومن هرب من عدو هربا مباحا، أو من سيل، أو سبع ونحوه، فله [أن يصلى]

وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّى كَذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 623 - مسألة: (ومَن هَرَب مِن عَدُوٍّ هَرَبًا مُباحًا، أو مِن سَيْلٍ، أو سَبُعٍ ونَحْوِه، فله [أن يصَلِّىَ] (¬1) كذلك) سَواءٌ خاف على نَفْسِه، ¬

(¬1) في م: «الصلاة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أو مالِه، أو أَهْلِه. وكذلك الأسِيرُ إذا خافَهم على نَفْسِه إن صَلَّى، والمُخْتَفِى في مَوْضِعٍ، يُصَلِّيان كيْفَما أمْكَنَهما. نَصَّ عليه أحمدُ في الأسِيرِ. فلو كان المُخْتَفِى قاعِدًا لا يُمْكِنُه القِيامُ، أو مُضْطَجِعًا لا يُمْكِنُه القُعُودُ، صَلَّى على حَسبِ حالِه. وهذا قولُ ابنِ الحسنِ. وقال الشافعىُّ: يُصَلِّى ويُعِيدُ. ولَنا، أنَّه خائِفٌ صَلَّى على حَسَبِ ما أمْكَنَه، فلم تَلْزَمْه الإِعادَةُ، كالهارِبِ. ولا فَرْقَ في هذا بينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ، لأنَّ المُبِيحَ خَوْفُ الهَلاكِ، وقد تَساوَيا فيه. فإن أمْكَنَ التَّخَلُّصُ بدُونِ ذلك، كالهارِبِ مِن السَّيْلِ يَصْعَدُ إلى رَبْوَةٍ، والخائِفِ مِن العَدُوِّ يُمْكِنُه دُخُولُ حِصْن يَأْمَنُ فيه صَوْلَةَ العَدُوِّ، فيُصَلِّى فيه ثم يَخْرُجُ، لم يَكُنْ له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، لأنَّه لا حاجَةَ إليها ولا ضَرُورَةَ. فصل: فأمّا العاصِى بهَرَبِه، كالذى يَهْرُبُ [مِن حَقٍّ تَوَجَّهَ] (¬1) عليه، وقاطِعِ الطَّريقِ، واللِّصِّ، والسَّارِقِ، فليس لهم أن يُصَلُّوا صلاةَ الخَوْفِ، لأنَّها رُخْصَةٌ ثبتَت للدَّفْعِ (¬2) عن نَفْسِه في مَحَلٍّ مُباحٍ، فلا تَثْبُتُ بالمَعْصِيَةِ، كَرُخَصِ السَّفَرِ. فصل: قال أصحابُنا: يَجُوزُ أن يُصَلُّوا في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ جَماعَةً. ¬

(¬1) في م: (مما يحب). (¬2) في الأصل: «تثبت الدفع».

624 - مسألة: (وهل لطالب العدو الخائف فواته الصلاة كذلك؟ على روايتين)

وَهَلْ لِطَالِبِ العَدُوِّ الْخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتيْن). ـــــــــــــــــــــــــــــ قال شيخُنا (¬1): ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّهم يَحْتاجُون إلى التَّقَدُّم والتَّأخُّرِ، ورُبَّما تَقَدَّمُوا الإِمامَ (¬2)، وتَعَذَّرَ عليهم الائْتِمامُ. وحُجَّةُ الأصَحابِ أنَّها حالَة تَجُوزُ فيها الصلاةُ على الانْفِرادِ، فجازَ فيها صلاةُ الجَماعَةِ، كالرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ، ويُعْفَى عن تَقَدُّمِ الإِمامِ للحاجَةِ إليه، كالعَفْوِ عن العَمَلِ الكَثِيرِ. ولمَن نَصَر القَوْلَ الأَوَّلَ أن يُفَرِّقَ بينَهما، بأنَّ العَفْوَ عن العَمَلِ الكَثِيرِ لا يَخْتَصُّ الإِمامَةَ، بل هو في حالِ الانْفِرادِ أيضًا، فلم يُؤثِّرْ الانْفِرادُ في نَفْسِه، بخِلافِ تَقَدُّمِ الإِمامِ. 624 - مسألة: (وهل لطالِبِ العَدُوِّ الخائِفِ فَواتَه الصلاةُ كذلك؟ على رِوايَتيْن) إحْداهما، له ذلك كالمَطْلُوبِ سَواءً. رُوِىَ ذلك ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 319. (¬2) في م: «على الإمام».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن شُرَحْبِيلَ ابنِ حَسَنَةَ (¬1)، وهو قَوْلُ الأوْزاعِىِّ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ أُنَيْسٍ، قال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى خالِدِ بنِ سُفْيانَ الهُذَلِىِّ فقال: «اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ». فرَأيْتُه، وحَضَرَتْ صلاةُ العَصرِ، فقُلْتُ: إنِّى لَأَخافُ أن يكونَ بَيْنِى وبَيْنَه ما يُؤَخِّرُ الصلاةَ، فانْطَلَقْتُ أمْشِى، وأنا اُّصَلِّى أُومِئُ إيماءً نَحْوَه. وذَكَرَ الحَدِيثَ. رَواه أبو داودَ (¬2). وظاهِرُ حالِه أنَّه أخْبَرَ بذلك النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو كان قد عَلِم جَوازَ ذلك، فإنَّه لا يُظنُّ به أن يَفْعَلَ ذلك مُخْطِئًا.، وهو رسولُ (¬3) رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا يُخْبِرُه بذلك، ولا يَسألُه (¬4) عن حُكْمِه وقال شرَحْبِيلُ ابنُ حَسَنَةَ: لا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إلَّا على ظَهْرٍ. فنَزَلَ الأشتَرُ (¬5) فصَلَّى على الأرْضِ، فمَرَّ به شُرَحْبِيل، ¬

(¬1) أبو عبد اللَّه شرحبيل بن عبد اللَّه بن المطاع الكندى، وحسنة أمه، أو تبَنَّتْه، كان ممن سيَّره أبو بكر في فتوح الشام، وولاه عمر على ربع من أرباع الشام، وتوفى في طاعون عمواس، وهو ابن سبع وستين سنة. الإصابة 3/ 328، 329. (¬2) في: باب صلاة الطالب، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 287. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 496. (¬3) سقط من: الأصل. (¬4) في م: «يسأل». (¬5) الأشتر لقبه، واسمه مالك بن الحارث النخعى، كان من الأبطال الكبار، يد قومه وخطيبهم وفارسهم، بعثه علىّ على مصر، فمات في الطريق، سنة ثمان وثلاثين. العبر 1/ 45.

625 - مسألة: (ومن أمن فى الصلاة أتم صلاة آمن، وإن ابتدأها آمنا فخاف، أتم صلاة خائف)

وَمَنْ أَمِنَ في الصَّلاةِ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَمَنِ ابْتدَأَها آمِنًا فَخَافَ، أتَمَّ صلاةَ خَائِفٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فقال: مُخالِفٌ، خالَفَ اللَّه به. قال: فخَرَجَ الأشْتَرُ في الفِتْنَةِ. ولأنَّها إحْدَى حالتَى الحَرْبِ، أشْبَهَتْ حالَةَ الهَرَبِ، ولأنَّ فَواتَ الكُفّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ (¬1)، فَأُبِيحَتْ صلاةُ الخَوْفِ عندَ فَوْتِه كالحالَةِ الأُخْرى. والثَّانيةُ، ليس له أن يُصَلِّىَ إلَّا صلاةَ آمِنٍ. وهذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أوْ رُكْبَانًا} فشَرَط الخَوْفَ. وهذا غيرُ خائِفٍ، ولأنَّه آمِنٌ فلَزِمَتْه صلاةُ الآمِنِ، كما لو لم يَخْشَ فَوْتَهم. وهذا الخِلافُ في مَن يَأْمَنُ رُجُوعَهم عليه إن تَشاغَلَ بالصلاةِ، ويَأْمَنُ على أصحابِه. فأمَّا الخائِفُ مِن ذلك فحُكْمُه حُكْمُ المَطْلُوبِ على ما بَيَّنّا. 625 - مسألة: (ومَن أَمِنَ في الصَّلاةِ أَتَمَّ صلاةَ آمِنٍ، وإِنِ ابْتدَأَها آمِنًا فخافَ، أتَمَّ صلاةَ خائِفٍ) متى صَلَّى بعْضَ الصَّلاةِ في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ، مع الإِخْلالِ بشئٍ مِن واجِباتِها، كالاسْتِقْبالِ وغيرِه، فأَمِنَ في أثْنائِها، أَتَمَّها آتِيًا بواجِباتِها، فإذا كان راكِبًا إلى غيرِ القِبْلَةِ، نَزَل مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وإن كان ماشِيًا، وَقَف واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وبَنَى على ما ¬

(¬1) في الأصل: «عليهم».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَضَى؛ لأنَّ ما مَضَى مِن صلاِتِه كان صَحِيحًا قبلَ الأَمْنِ، فجاز البِناءُ عليه، كما لو لم يُخِلَّ بشئٍ مِن الواجِباتِ، [وكالمريضِ] (¬1) يَبْتَدِئُ الصلاةَ قاعِدًا، إذا قَدَر على القِيام في أثْنَائِها. فإن تَرَك الاسْتِقْبَالَ حَالَ نُزُولِه، أو أخَلَّ بشئٍ مِن واجِباتِهاَ بعدَ أمْنِه، فسَدَتْ صلاتُه. وإنِ ابْتَدأَ الصلاةَ آمِنًا بشُرُوطِها وواجِباتها، ثم حَدَثَ له شِدَّةُ خَوْفٍ، أتَمَّها على حَسَبِ ما يَحْتَاجُ إليه، مثلَ مَن يكونُ قائِمًا على الأرضِ مُسْتَقْبِلًا، فيَحْتاجُ أن يَرْكَبَ وَيَسْتَدْبِرَ القِبْلَةَ، ويَطْعَنَ (¬2) ويَضْرِب، ونحوَ ذلك، فإنَّه يَصِيرُ إليه، ويَبْنِى على الماضِى مِن صلاِتِه. وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّه إذا أمِنَ نَزَل فبَنَى، وإذا خاف فرَكِبَ ابْتَدَأَ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرُّكُوبَ قد يكونُ يَسِيرًا، لا يُبْطِلُ مِثْلُه في حَقِّ الآمِنِ، ففى حَقِّ الخائِفِ أَوْلَى، كالنُّزُولِ، ولأنَّه عَمَل أُبِيحَ للحاجَةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّلاةِ، كالهَرَبِ. ¬

(¬1) في م: «وكان المريض». (¬2) في الأصل: «يطرد».

626 - مسألة

ومَنْ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ لِسَوادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 626 - مسألة (¬1): (ومَن صَلَّى صلاةَ الخَوْفِ لسَوادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فبانَ أنَّه ليس بعَدُوٍّ، [أو بينَه] (¬2) وبينَه ما يَمْنَعُه، فعليه الإِعادَةُ) سَواءٌ صَلَّى صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ أو غيرَها، وسَواءٌ كان ظَنُّهم مُسْتَنِدًا إلى خَبَرِ ثِقَةٍ أو غيرِه، أو رُؤْيَةِ سَوادٍ، أو نحوِه؛ لأنَّه تَرَك بعضَ واجِباتِ الصَّلاةِ ظَنًّا منه أنَّه قد سَقَط، فلَزِمَتْه الإِعادَةُ، كما لو تَرَك غَسْلَ رِجْلَيْه، ومَسَح على خُفَّيْهِ، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «وبينه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ظَنًّا منه أنَّ ذلك يُجْزِئُ، فبانا مُخَرَّقَيْن، وكما لو ظَنَّ المُحْدِثُ أنَّه مُتَطَهِّرٌ فصَلَّى. ويَحْتَمِلُ أن لا تَلْزَمَ الإِعادَةُ إذا كان بينَه وبينَ العَدُوِّ ما يَمْنَعُ العُبُورَ؛ لأنَّ سَبَبَ الخَوْفِ مُتَحَقِّقٌ، وإنَّما خَفِىَ المانِعُ. واللَّهُ أعلمُ.

باب صلاة الجمعة

بابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ صلاةِ الجُمُعَةِ (¬1) والأصْلُ في فَرْضِ الجُمُعَةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (¬2). فأمَرَ بالسَّعْى، ومُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، ولا يَجِبُ السَّعْىُ إلَّا إلى واجِبٍ. والمُرادُ بالسَّعْى هُنا الذِّهابُ إليها، لا الإِسْراعُ، فإنَّ السَّعْىَ في كِتابِ اللَّهِ لا يُرادُ به العَدْوُ، قال اللَّه ¬

(¬1) بعد هذا خرم في نسخة تشستربيتى، نستكمله من نسخة محمد بن فيصل آل سعود، ونشير إلى أرقام صفحاتها في تحقيقنا. (¬2) سورة الجمعة 9.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى} (¬1). وقال: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} (¬2) وقال: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} (¬3). وقال: {سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} (¬4). وأشْبَاهُ هذا لم يُرَدْ بشئٍ منه العَدْوَ، وقد رُوِىَ عن عُمَرَ أنَّه كان يَقْرأُ: (فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ). وأمَّا السُّنَّةُ فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى (¬5) قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلينَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬6). وعن أبى الجَعْدِ الضَّمْرِىِّ (¬7)، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا (¬8)، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ». وقال عليه السلامُ: ¬

(¬1) سورة عبس 8. (¬2) سورة الإسراء 19. (¬3) سورة المائدة 33، 64. (¬4) سورة البقرة 205. (¬5) سقط من: م. (¬6) لم يُخرجه البخارى. انظر تحفة الأشراف 5/ 334. وأخرجه مسلم، في: باب التغليظ في ترك الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 591. كما أخرجه النسائى، في: باب التشديد في التخلف عن الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 73. وابن ماجه، في: باب التغليط في التخلف عن الجماعة، من كتاب المساجد. سنن ابن ماجه 1/ 260. والدارمى، في: باب في من يترك الجمعة من غير عذر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 369. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 239، 254، 335، 2/ 84. (¬7) في م: «الضميرى». (¬8) سقط من: الأصل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلَّا أرْبَعَةً؛ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ صَبِىٌّ، أوْ مَرِيضٌ». رَواهما أبو داودَ (¬1). وعن جابِرٍ، قال: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالَ: «وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الجُمُعَةَ فِى مَقَامِى هَذَا، فِى يَوْمِى هَذَا، فِى شَهْرِى هَذَا، مِن عَامِى هَذَا، فَمَنْ تَرَكَهَا فِى حَيَاتِى أوْ بَعْدَ مَوْتِى، وَلَهُ إِمَامٌ عَاِدلٌ أو جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أوْ جُحُودًا بِهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّه لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَه (¬2) أمْرَهُ، ألَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، ألَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ، ألَا وَلَا حَجَّ لَهُ، ألَا وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ، فَإنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ». رَواه ابنُ ماجه (¬3). وأجْمَعَ المسلون على وُجُوبِ الجُمُعَةِ. ¬

(¬1) في: باب التشديد في ترك الجمعة، وباب الجمعة للمملوك والمرأة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 242، 245. كما أخرج الأول الترمذى، في: باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 287. والنسائى، في: باب التشديد في التخلف عن الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 73. وابن ماجه، في: باب في من ترك الجمعة من غير عذر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 357. والدارمى، في: باب في من يترك الجمعة من غير عذر، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 369. والإمام مالك، في: باب القراءة في صلاة الجمعة. . . إلخ، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 111. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 424، 425. (¬2) في م: «اللَّه». (¬3) في: باب في فرض الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 343. كما أخرجه البيهقى، في أول كتاب الجمعة. السنن الكبرى 3/ 171.

627 - مسألة: (وهى واجبة على كل مسلم، مكلف، ذكر، حر، مستوطن ببناء، ليس بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ، إذا لم يكن له عذر)

وَهِىَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ، مُكَلَّفٍ، حُرٍّ، مُسْتَوْطِنٍ ببنَاءٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 627 - مسألة: (وهى واجِبَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ، مُكَلَّفٍ، ذَكَرٍ، حُرٍّ، مُسْتَوْطِنٍ ببِناءٍ، ليس بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أكْثَرُ مِن فَرْسَخٍ، إذا لم يَكُنْ لَه عُذْرٌ) يُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ ثمانِيَةُ شُرُوطٍ؛ الإِسْلَامُ، والعَقْلُ، والذُّكُورِيَّةُ. فهذه الثَّلَاثةُ لا خِلافَ في اشْتِراطِها لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها؛ لأنَّ الإسْلامَ والعَقْلَ شَرْطان للتَّكْلِيفِ وصِحَّةِ العِبادَةِ المَحْضَةِ، والذُّكُورِيَّةَ شَرْط لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لها الرجالُ، والمرْأةُ ليستْ مِن أهْلِ الحُضُورِ في مَجامِعِ الرِّجالِ، ولكنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ مِنها، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كان النِّساءُ يُصَلِّين معه في الجَماعَةِ. الرَّابعُ.، البُلُوغُ، وهو شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها، في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ. وهذا قولُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ، ولأنَّ البُلُوغَ مِن شَرائِطِ التَّكْلِيفِ؛ لقَوْلِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ، عَنَ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ» (¬1). وذَكَر بعضُ أصحابِنا في الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ رِوايَةً في وُجُوبِها عليه، بِناءً على تَكْلِيفِه. ولا مُعَوَّلَ عليه. والخامِسُ، الحُرِّيَّةُ السَّادِسُ، الاسْتِيطانُ بقَرْيَةٍ. وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء اللَّهُ تعالى. السَّابعُ، أن لا يكونَ بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أكثَرُ مِن فَرْسَخٍ. وهذا الشَّرْطُ في حَقِّ غيرِ أهْلِ المِصْرِ، أمَّا أهْلُ المِصْرِ فيَلْزَمُهُم كلَّهم الجُمُعَةُ، بَعُدُوا أو قَرُبُوا. نصَّ عليه أحمدُ، فقال: أمَّا أهْلُ المِصْرِ فلابُدَّ لهم مِن شُهُودِها، سَمِعُوا النِّداءَ أو لم يَسْمَعُوا؛ وذلك لأنَّ البَلَدَ الواحِدَ يُبْنَى لِلْجُمُعَةِ، فلا فَرْقَ فيه بينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ، ولأنَّ المِصْرَ لا يَكادُ يكونُ أكْثَرَ مِن فَرْسَخ. فهو في مَظِنَّةِ القُرْب، فاعْتُبِرَ ذلك. وهو قولُ أصحابِ الرَّأىِ، ونحْوُه قولُ الشافعىِّ. فأَمَّا غيرُ أهْلِ المِصْر، فمَن كان بينَه وبينَ الجامِعِ فَرْسَخٌ فما دُونَ، فعليه الجُمُعَةُ، وإلَّا فلا جُمُعَةَ عليه. ورُوِىَ نحْوُ هذا عن سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّب. وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ. وروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرو، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ». رَواه أبو داودَ (¬2). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 15 بنحوه. (¬2) في: باب من تجب عليه الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 243.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والأشْبَهُ أنَّه مِن كلامِ ابنِ عَمْرو؛ ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للأعْمَى الذى قال: ليس لى قائِدٌ يَقُودُنِى: «أتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟». قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ» (¬1). ولأنَّه داخِلٌ في قولِه تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَس، والحسنِ، ونافِعٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهم قالوا: الجُمُعَةُ على مَن أواهُ اللَّيْلُ إلى أهْلِه؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ أوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أهلِهِ» (¬2). وقال أصحابُ الرَّأىِ: لا جُمُعَةَ على مَن كان خارِجَ المصْرِ؛ لأنَّ عُثْمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى العِيدَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثم قال لأهْلِ العَوالِى (¬3): مَن أرادَ منكم أن يَنْصَرِفَ فلْيَنْصَرِفْ، ومَن أرادَ أن يُقِيمَ حتى يُصَلِّىَ الجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ (¬4). ولأنَّهم خارِجُ المِصْرِ، فأشْبَهُوا أهْلَ الحِلَلِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. وهذا يَتَناوَلُ غيرَ أهلِ المِصْرِ إذا سَمِعُوا النّداءَ، وحَدِيثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، ولأنَّهم مِن أهْلِ الجُمُعَةِ يَسْمَعُون النِّداءَ، فأشْبَهُوا أهْلَ المِصْرِ. وترْخِيصُ عثمانَ لأهْل ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 4/ 268. (¬2) ذكره الترمذى، في: باب ما جاء من كم تؤتى الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 290. (¬3) العوالى: ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال. معجم البلدان 3/ 743. (¬4) سقط من النسخ، وأثبتناه من المغنى. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه مرفوعا وموقوفا. المصنف 3/ 304, 305.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ العَوالِى إنَّما كان لأنَّه إذا اجْتَمَعَ عِيدان اجْتُزِئَ بالعِيدِ، وسَقَطَتِ الجُمُعَةُ عن مَن حَضَر العِيدَ غيرَ الإِمامِ. وقِياسُ أهْلِ القُرَى على أهْلِ الحِلَلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحِلَلَ لا تُعَدُّ للاسْتِيطانِ، ولا هم ساكِنُون بقَرْيَةٍ، ولا في مَوْضِعٍ جُعِلَ للاسْتِيطانِ. وقد ذَكَر القاضى أنَّ الجُمُعَةَ تَجِبُ عليِهم إذا كانوا بمَوْضِعٍ يَسْمَعُون النِّداءَ، كأهْلِ القَرْيَةِ. وأمَّا ما احْتَج به الآخرُون مِن حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ فهو غيرُ صَحِيح، يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ بنُ سعِيدٍ المقْبُرِىُّ، وهو ضَعِيفٌ. قال أحمدُ بنُ الحسنِ (¬1): ذَكَرْتُ هذا الحدِيث لأحمدَ بنِ حَنْبَل، فغَضِبَ وقال: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ. وإنَّما فَعَل هذا؛ لأنَّه لم يَرَ الحَدِيثَ شيئًا بحالِ إسْنادِه، قالَه التِّرْمِذِىُّ (¬2). وأمَّا اعْتِبارُ حَقِيقَةِ النِّداءِ فغيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّه قد يكونُ في النّاسِ الأصَمُّ وثَقِيلُ السَّمْعِ، وقد يكونُ النِّداءُ بينَ يَدَىِ المِنْبَرِ فلا يَسْمَعُه إلَّا أهْلُ المَسْجِدِ، وقد يكونُ المُؤَذِّنُ خَفِىَّ الصَّوْتِ، أو في يَوْمِ رِيحٍ، أو يكونُ المُسْتَمِعُ نائِمًا أو مَشْغُولًا بما يَمْنَعُ السَّماعَ، ويَسْمَعُ مَن هو أبعَدُ مِنه، فيُفْضِى إلى وُجُوبِها على البَعِيدِ دُونَ القَرِيبِ، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِى أن يُقَدَّرَ بمقدارٍ لا يَخْتَلِفُ، ¬

(¬1) أبو الحسن أحمد بن الحسن الترمذى، حدث البخارى عنه في «الصحيح» عن الإمام أحمد , ونقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة. طبقات الحنابلة 1/ 37، 38. (¬2) انظر: عارضة الأحوذى 2/ 290، 291.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والمَوْضِعُ الذى يُسْمَعُ مِنه النِّداءُ في الغالِبِ، إذا كانتِ الأصْواتُ هادِئَةً، والموانِعُ مُنْتَفِيَةً، والرِّيحُ ساكِنَةً، والمُؤَذِّنُ صَيِّتًا على مَوْضِعٍ عالٍ، والمُسْتمِعُ غيرَ ساهٍ، فرْسَخ، أو ما قارَبَهُ، فحُدَّ به. واللَّهُ أعلمُ. فصل: وأهلُ القَرْيَةِ لا يَخْلُونَ مِن حالَيْن، إمَّا أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ أكْثرُ مِن فرْسَخٍ [أوْ لا، فإن كان بينَهم أكثرُ مِن فَرْسَخٍ] (¬1) لم يَجِبْ عليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، وحالُهم مُعْتَبَرٌ بأنْفُسِهم، فإن كانوا أرْبَعِين واجْتَمَعَتْ فيهم الشَّرائِطُ، فعليهم إقامَةُ الجُمُعَةِ، ولهم السَّعْىُ إلى المِصْرِ، والأفْضَلُ إقامَتُها في قَرْيتهم، لأنَّه متى سَعَى بَعْضُهم اخْتَلَّ على الباقِين إقامَةُ الجُمُعَةِ، وإذا أقامُوا حَضَرُوها جَمِيعُهم، ولأنَّ في إقامَتِها في ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَوْضِعِهم تَكْثِيرَ جَماعاتِ المُسْلِمين. وإن كانوا مِمَّن لا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهِم، فهم مُخَيَّرُون بينَ السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبينَ الإِقامَةِ ويُصَلُّون ظُهْرًا، والسَّعْىُ أفْضَلُ؛ ليَحْصُلَ لهم فَضْلُ السَّاعِى إلى الجُمُعَةِ، ويَخْرُجُوا مِن الخِلافِ. الحالُ الثانِى، أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ فَرْسَخٌ فما دونَ، فإن كانوا أقَلَّ مِن أرْبَعِين، فعليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ؛ لِما بَيَّنا. وإن كانوا مِمَّن تَجِب عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، وكان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ قَرْيَةً أُخْرَى، لم يَلْزَمْهم السَّعْىُ إليها، وصلَّوْا في مَكانِهم؛ إذ ليست إحْدَى القَرْيَتَيْن أوْلَى مِن الأخْرَى، ولهم السَّعْىُ إليها، وإقامَتُها في مَكانِهم أفْضَلُ، كما ذَكَرْنا. فإن سَعَى بَعضُهم فنَقَصَ عَدَدُ الباقِين، لَزِمَهم السَّعْىُ؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لئَلَّا يُؤدِّىَ إلى تَرْكِ الجُمُعَةِ الواجِبَةِ، وإن كان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ مِصْرًا، فهم مُخَيَّرُون أيضًا بينَ السَّعْىِ إليه، وإقامَتِها في مَكانِهِم، كالتى قَبْلَها. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وعن أحمدَ، أنَّ السَّعْىَ يَلْزَمُهم، إلَّا أن يكون لهم عُذْرٌ فيُصَلُّون جُمُعَة. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ لا تَنْعَقِدُ بهم جُمُعَةُ أهْلِ المِصْرِ، فكان لهم إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَكانِهم، كالتى قبلَها، ولأنَّ أهْلَ القُرَى يُقِيمُون الجُمَعَ في بِلادِ الإِسْلامِ في مثلِ ذلك مِن غيرِ نَكيرٍ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فكان إجْماعًا. الشَّرْطُ الثَّامِنُ، انْتِفاءُ الأعْذارِ، وقد ذَكَرْنَاها في آخِرِ صلاةِ الجَماعَةِ بما يُغْنِى عن إعادَتِها (¬1). والمَطَرُ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلُ الذى يَشُقُّ المَشْىُ فيه مِن جُمْلَةِ الأعْذارِ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه كان لا يَجْعَلُ المَطَرَ عُذْرًا في التَّخَلُّفِ عنها. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أمَرَ مُؤَذِّنَه في يَوْمِ جُمُعَةٍ في يَوْمِ مَطَرٍ، فقال: إذا قُلْتَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ. فلا تَقُلْ حَىَّ على الصَّلاةِ. قُلْ صَلُّوا في بُيُوتِكم. قال: فكأنَّ النَّاْسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك. فقال: أتَعْجَبُون مِن ذا؟ فَعَل هذا مَن هو خَيْرٌ مِنِّى، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّى كَرِهْتُ أن أُخْرِجَكم إليها فتَمْشُون في الطِّينِ والدَّحْضِ. أخْرَجَه مُسْلِمٌ (¬2). ولأنَّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجَماعَةِ (¬3)، فكان عُذْرًا في تَرْكِ الجُمُعَةِ، كالمَرَضِ. فصل: والعَمَى ليس بعُذْرٍ في تَرْكِ الجُمُعَةِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ على الأعْمَى. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والأخْبارِ. وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْمَى الذى اسْتَأْذَنه في تَرْكِ الخُرُوجِ إلى الصَّلاةِ: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نعم. قال: «أَجِبْ» (¬4). واللَّه أعْلمُ. ¬

(¬1) انظر ما تقدم في 4/ 464، وما بعدها. (¬2) تقدم تخريجه في 4/ 470. (¬3) بعده في م: «وقال أبو حنيفة لا تجب». (¬4) تقدم تخريجه في 4/ 268.

628 - مسألة: (ولا تجب على مسافر، ولا عبد، ولا امرأة، ولا خنثى)

وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ، وَلا عَبْدٍ، وَلَا امْرأةٍ، وَلَا خُنْثَى، ـــــــــــــــــــــــــــــ 628 - مسألة: (ولا تجبُ على مُسافِرٍ، ولا عَبْدٍ، ولا امْرَأةٍ، ولا خُنْثَى) أمّا المَرْأَةُ، فلا خِلافَ في أنَّها لا تَجِبُ عليها الجُمُعَةُ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. وحُكْمُ الخُنْثَى حُكْمُ المرْأَةِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رجلًا. وأمَّا المُسافِرُ فلا جُمُعَةَ عليه في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالكٌ في أهْلِ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ في أهْلِ العِراقِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعىِّ، أنَّها تَجبُ عليه؛ لأنَّ الجَماعَةَ تَجِبُ عليه، فالجُمُعَةُ أوْلَى. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسافِرُ فلا يُصَلِّى الجُمُعَةَ في سَفَرِه، وكان في حَجَّةِ الوَداعِ يَومَ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمَع بينَهما، ولم يُصَلِّ جُمُعَةً، والخُلفَاءُ الرَّاشِدُون، رَضِىَ اللَّه عنهم، كانوا يُسافِرُون في الحَجِّ وغيرِه، فلم يُصَلِّ أحَدٌ منهم الجُمعَةَ في سَفَرِه، وكذلك غيرُهم مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومَن بعدَهم. قال

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إبراهيمُ: كانوا يُقِيمُون بالرَّىِّ (¬1) السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وبسجِسْتان (¬2) السِّنِين (¬3) لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون. رَواه سَعيدٌ (¬4). وهذا إجْماعٌ، مع السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، لا يَسُوغُ مُخالَفَتُه. فصل: وإذا أجْمَعَ المُسافِرُ إقامَةً تَمْنَعُ القَصْرَ، ولم يَنْوِ الاسْتِيطانَ، كطالِبِ العِلْمِ أو الرِّباطِ، أو التَّاجِرِ ونحوِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزمُه الجُمُعَةُ؛ لعُمُومِ الآيةِ والأَخْبارِ. والثَّانِى، لا تَجبُ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَوْطِنٍ، والاسْتِيطانُ مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ، ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في هذا البَلَدِ على الدَّوامِ، أشْبَهَ أهْلَ القَرْيَةِ الذين يَسْكُنُونَها صَيْفًا وَيظْعَنُون عنها شِتاءً، ولأنَّهم كانوا يُقِيمُون السَّنَةَ والسَّنَتَيْن لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون، أى لا يُصَلُّون جُمُعَةً ولا عِيدًا. فإن قُلْنا: تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ. فالظَّاهِرُ أنَّها لا تَنْعَقِدُ به، لعدَمِ الاسْتِيطانِ الذى هو مِن شُرُوطِ الانْعِقادِ. ¬

(¬1) في م: «بالقرى». والرى: قصبة بلاد الجبال، مدينة مشهورة. معجم البلدان 2/ 892. (¬2) سجستان: ناصية كبيرة، وولاية واسعة، بينها وبين هراة ثمانون فرسخًا. معجم البلدان 3/ 41. (¬3) في م: «السنتين». (¬4) أخرجه بنحوه ابن أبى شيبة في مصنفه 2/ 104.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمَّا العَبْدُ، فالمَشْهُورُ في المَذْهَب أنَّها لا تَجبُ عليه. وهو قولُ (¬1) مَن سَمَّيْنا في حَقِّ المُسافِر. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ عليه. نَقَلَها عنه المَرُّوذِىُّ. وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ، إلَّا أنَّه لا يَذْهَبُ مِن غيرِ إذْنِ سَيِّدِه. وهو قولُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، واحْتَجُّوا بعُمُومِ الآيَةِ، ولأنَّ الجَماعَةَ تَجِبُ عليه، والجُمُعَةُ آكَدُ مِنها. وحُكِىَ عن الحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تَجِبُ على العَبْدِ الذى يُؤَدِّى الضَّرِيبَةَ؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ عليه قد (¬2) تَحَوَّلَ إلى المالِ، أشْبَهَ المَدِينَ. ولَنا، ما روَى طارِقُ بنُ شِهابٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم، إلَّا أرْبعَةً؛ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أوِ امْرَأةٌ، أوْ صَبِىٌّ، أوْ مَرِيضٌ». رَوَاه أبو داودَ (¬3)، وقال: طارِقٌ رَأى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يَسْمَعْ منه، وهو مِن أصحابِه. وعن ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في النسخ: «فلا»، والمثبت من المغنى. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 159.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جابِرٍ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا مَرِيضًا، أوْ مُسَافِرًا، أَوِ امْرأةً، أَو صَبِيًّا، أوْ مَمْلُوكًا». رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (¬1). ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْىُ إليها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فلم تَجِبْ عليه الجُمُعَةُ، كالحَجِّ والجِهادِ، ولأنَّه مَحْبُوسٌ على السَّيِّدِ، أشْبَهَ المَحْبُوسَ بالدَّيْنِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ عليه لجاز له السَّعْىُ إليها مِن غيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، كسائِرِ الفَرائِضِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بذوى الأعْذارِ، وهذا منهم. فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ في ذلك حُكْمُ القِنِّ، لبَقَاءِ الرِّقِّ فيهما. وكذلك مَن بعضُه حُرٌّ، فإنَّ حَقَّ السَّيِّدِ مُتَعَلِّقٌ به. وكذلك لا يَجِبُ عليه شئٌ مِمّا [لا يَجِبُ على العبيدِ] (¬2). ¬

(¬1) في: باب من تجب عليه الجمعة، من كتاب الجمعة. سنن الدارقطنى 2/ 3. (¬2) في م: «ذكرنا عن العبد».

629 - مسألة: (ومن حضرها منهم أجزأته، ولم تنعقد به، ولم يجز له أن يؤم فيها. وعنه، فى العبد، أنها تجب عليه)

وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَعَنْهُ، فِى الْعَبْدِ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 629 - مسألة: (ومَن حَضَرَها منهم أَجْزأَتْه، ولَم تَنْعَقِدْ بِه، ولَم يَجُزْ لَه أن يَؤُمَّ فيها. وعنْه، في العَبْدِ، أنَّهَا تَجِبُ عليه) مَن حَضَر الجُمُعَةَ مِن هؤلاءِ أجْزَأَتْه عن الظُّهْرِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ إسْقاطَ الجُمُعَةِ عنهم تَخْفِيفٌ عنهم، فإذا حَضَرُوها أجْزَأَتْهُم، كالمَرِيضِ. والأَفْضَلُ لِلمُسافِرِ حُضورُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها أكْمَلُ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ. فأمَّا العَبْدُ فإن أَذِنَ سَيِّدُه في حُضورِها فهو أفْضَلُ؛ لِيَنالَ فَضْلَ الجُمُعَةِ، ويَخْرُجِ مِن الخِلافِ. وإن مَنَعَه سَيِّدُه فليس له حُضُورُها، إلَّا أن نقُولَ بوُجُوبِها عليه. وأمَّا المرأةُ؛ فإن كانت مُسِنَّةً فلا بَأْسَ بحُضُورِها، وإن كانت شابَّةً جاز لها ذلك، وصلاتُها في بَيْتِها أفْضَلُ. قال أبو عَمْرٍو

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّيْبَانِىُّ (¬1): رَأيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّساءَ مِن الجامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَقُولُ: اخْرُجْنَ إلى بُيُوتِكُنَّ خيْرٌ لَكُنَّ (¬2). فصل: ولا تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بأحَدٍ مِن هؤلاءِ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ: يَجُوزُ أن يكونَ العَبْدُ والمُسافِرُ إمامًا فيها. ووافَقَهُم مالكٌ في المُسافِرِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ بالعَبِيدِ والمُسافِرِينَ؛ لأنَّهم رِجالٌ تَصِّحُّ منهم الجُمُعَةُ. ولَنا، أنَّهم مِن غيرِ أهْلِ فَرْضِ الجُمُعَةِ، فلم تَنْعَقِدْ بهم، ولم يَؤُمُّوا فيها، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما تَصِحُّ منهم تَبَعًا لمَن انْعَقَدَتْ به، فلو انْعَقَدَتْ بهم أو كانوا أئِمَّةً صارَ التَّبعُ مَتْبُوعًا، وعليه يَخْرُجُ الحُرُّ المُقِيمُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ لو انْعَقَدَتْ بهم لانْعَقَدَتْ بهم مُنْفَرِدِينَ، كالأحْرَارِ المُقِيمِينَ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ (¬3) بالنِّساءِ والصِّبْيانِ. وفى العَبْدِ رِوايَة، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لعُمُومِ الآيَةِ، وقد ذَكَرْناه. ¬

(¬1) أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيبانى، صاحب ديوان اللغة والشعر، وكان صدوقا، توفى سنة ست ومائتين. تاريخ العلماء النحويين 207، 208. (¬2) أخرجه البيهقى، في: باب من لا جمعة عليه إذا شهدها صلاها ركعتين، من كتاب الجمعة. السنن الكبرى 3/ 186. وعبد الرزاق، في: باب من تجب عليه الجمعة، من كتاب الجمعة. المصنف 3/ 173. (¬3) في م: «ينقض».

630 - مسألة: (ومن سقطت عنه لعذر، إذا حضرها وجبت عليه، وانعقدت به)

وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ، إِذَا حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وكُلُّ ما كان شَرْطًا لوُجُوبِ الجُمُعَةِ فهو شَرْطٌ لانْعِقادِها، فمتى صَلَّوا جُمُعَةً مع اخْتِلالِ بعضِ شُرُوطِها، لم تَصِحَّ، ولَزِمَهُم أن يُصَلُّوا ظُهْرًا، ولا يُعَدُّ في الأرْبَعِينَ الذين تَنْعَقِدُ بهم مَن لا تَجِبُ عليه، ولا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ للصِّحَّةِ، بل تَصِحُّ مِمَّن لا تَجِبُ عليه تَبَعًا لمَن وَجَبَتْ عليه، ولا يُعْتَبَرُ للوُجُوبِ كَوْنُه مِمَّن تَنْعَقِدُ به؛ فإنَّها تَجِبُ على مَن يَسْمَعُ النِّداءَ مِن غيرِ أهْلِ المِصْرِ، ولا تَنْعَقِدُ به. 630 - مسألة: (ومَن سَقَطَتْ عنه لِعُذْرٍ، إذَا حَضَرَها وَجَبَتْ عليْه، وانْعَقَدَتْ بِه) ويَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها، كالمَرِيضِ، ومَن حَبَسَه العُذْرُ والخَوْفُ؛ لأنَّ سُقُوطَها عنهم (¬1) إنَّما كان لِمَشَقَّةِ السَّعْى، فإذا تَكَلَّفُوا وحَصَلُوا في الجامِعِ زالَتِ المَشَقَّةُ، فصار حُكْمُهُم حُكْمَ أهلِ الأعْذارِ. ¬

(¬1) في م: «أن».

631 - مسألة: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام، لم تصح صلاته، والأفضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلى الظهر حتى يصلى الإمام)

وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجبُ عَلَيْهِ أنْ لَا يُصَلِّىَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّىَ الإِمَامُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 631 - مسألة: (ومَن صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّن عليْه حُضُورُ الجُمُعَةِ قبلَ صلاةِ الإِمامِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، والأَفْضَلُ لمَن لا تَجِبُ عليْه أنْ لَا يُصَلِّىَ الظُّهْرَ حتى يُصَلِّىَ الإِمامُ) يَعْنِى إذا صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَن (¬1) تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ قبلَ صَلاةِ الإِمامِ لم تَصِحَّ صَلاتُه، ويَلْزَمُه السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ إن ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُها؛ لأنَّها المَفْرُوضَةُ عليه، فإن أدْرَكَها صَلَّاها مع ¬

(¬1) في م: «ممن».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الإِمامِ، وإن فاتَتْه فعليه صلاةُ الظُّهْرِ. وإن ظَنَّ أنَّه لا يُدْرِكُها انْتَظَرَ حتى يَتَيَقَّنَ أنَّ الإِمامَ قد صَلَّى، ثم يُصَلِّى الظُّهْرَ. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعىِّ في الجَدِيدِ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ في القَدِيمِ: يَصِحُّ ظُهْرُه قبلَ صلاةِ الإِمامِ؛ لأنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوَقْتِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأيَّامِ، وإنَّما الجُمُعَةُ بَدَلٌ عنها، وقائِمَةٌ مَقامَها، [ولهذا] (¬1) إذا تَعَذَّرَتْ صَلَّى ظُهْرًا، فمَن صَلَّى الظُّهْرَ فقد أتى بالأصْلِ، فأجْزَأه كسائِرِ الأيَّامِ. قال أبو حنيفةَ: ويَلْزَمُه السَّعْىُ إلى الجُمعَةِ، فإن سَعَى بَطَلَتْ ظُهْرُه، وإن لم يَسْعَ أجْزَأته. ولَنا، أنَّه صَلَّى ما لم يُخاطَبْ به، وتَرَك ما خُوطِبَ به، فلم يَصِحَّ، كما لو صَلَّى العَصْرَ مَكانَ الظُّهْرِ، ولا نِزاعَ أنَّه مُخاطَبٌ بالجُمُعَةِ، وقد دَلَّ عليه النَّصُّ والإِجْماعُ، ولا خِلافَ في أنَّه يأثَمُ بتَركِها وتَرْكِ السَّعْىِ إليها، ويَلْزَمُ مِن ذلك أن لا يُخاطَبَ بالظُّهْرِ (¬2)، لأنَّه لا يُخاطَبُ بصَلَاتيْن في الوَقْتِ، ولأنَّه يَأْثَمُ بتَرْكِ الجُمُعَةِ وإن صَلَّى الظُّهْرَ، ¬

(¬1) في النسخ: «وكذلك». والمثبت من المغنى. (¬2) في م: «بالسعى بالظهر».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ولا يَأْثَمُ بتَرْكِ الظُّهْرِ وفِعْلِ الجُمُعَةِ بالإِجْماعِ، والواجِبُ ما يَأْثَمُ بتَرْكِه دُونَ ما لا يَأْثَمُ به. وقَوْلُهم: إنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوَقْتِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّها لو كانتِ الأصْلَ لوَجَبَ عليه فِعْلُها، وأَثِم بتَرْكِها، ولم يُجْزِئْه صلَاةُ الجُمُعَةِ مَكانَها؛ لأنَّ البَدَلَ إنَّما يُصارُ إليه عندَ تَعَذُّرِ المُبْدَلِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأَبْدالِ، ولأنَّ الظُّهْرَ لو صَحَّتْ لم تَبْطُلْ بالسَّعْى إلى غيرِها، كسائِرِ الصَّلواتِ الصَّحِيحَةِ، ولأنَّ الصلاةَ إذا فُرِغَ منها لم تَبْطُلْ بمُبطِلاتِها، فكيف تَبْطُلُ بما ليس مِن مُبْطِلاتها، ولا وَرَد به الشَّرْعُ. وأمَّا إذا فاتَتْه الجُمُعَةُ فإنَّه يَصِيرُ إلى الظُّهْرِ؛ لتَعَذُّرِ قَضاءِ الجُمُعَةِ؛ لكَوْنِها لا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطِها، ولا يُوجَدُ ذلك في قَضائِها، فتَعيَّنَ المَصِيرُ إلى الظُّهْرِ عندَ عَدَمِها، وهذا حالُ البَدَلِ. فصل: فإن صَلَّى الظُّهْرَ، ثم شَكَّ، هل صَلَّى قبلَ صلاةِ الإِمامِ أو بعدَها؟ لَزِمَتْه الإِعادَةُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الصَّلاةِ في ذِمَّتِه، ولأنَّه صَلّاها مع الشَّكِّ في شَرْطِها، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلّاها مع الشَّكِّ في طَهارَتِها. وإن صَلّاها مع صلاةِ الإِمامِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه صَلّاها قبلَ فَراغِ الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو صَلّاها قبلَه في وَقْتٍ لا يَعْلَمُ أنَّه لا يُدْرِكُها. فصل: فإنِ اتَّفَقَ أهْلُ بَلَدٍ أو قَرْيَةٍ مِمَّن تَجِبُ عليهمُ الجُمُعَةُ على

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَرْكِها، وصَلَّوْا ظُهْرًا، لم تَصِحَّ صَلاتهم؛ لما ذَكَرْنا. فإذا خَرَج وَقْتُ الجُمُعَةِ لَزِمَهم (¬1) إعادَةُ الظُّهْرِ؛ لتَعَذُّرِ فِعْلِ الجُمُعَةِ بعدَ الوَقْتِ. فصل: فأمَّا مَن لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ؛ كالعَبْدِ، والمَرْأَةِ، والمُسافِرِ، والمَرِيضِ، وسائِرِ المَعْذُورِين، فله أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ قبلَ صلاةِ الإِمامِ في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: لا تَصِحُّ صلاتُه قبلَ الإِمامِ؛ لأنَّه لا يَتَيقَّنُ بَقاءَ العُذْرِ، فلم تصِحَّ صَلاتُه، كغيرِ المَعْذُوِر. ولَنا، أنَّه لم يُخاطَبْ بالجُمُعَةِ، فصحَّت منه الظُّهْرُ، كالبَعِيدِ مِن مَوْضِعِ الجُمُعَةِ. وقَوْلُه: لا يَتَيقَّنُ بَقاءَ العُذْرِ. قُلْنا: أمَّا المرأةُ فَيُتَيَقَّنُ بَقاءُ عُذْرِها، وأمَّا عْيرُها فالظَّاهِرُ بَقاءُ عُذْرِه، والأصْلُ اسْتِمْرارُه، فأشْبَهَ المُتَيَمَّمَ إذا صَلَّى في أوَّلِ الوَقْتِ، والمَرِيضَ إذا صَلَّى جالِسًا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا سَعَى إلى الجُمُعَةِ بعدَ أن صَلّاها، لم تَبْطُلْ ظُهْرُه، وكانتِ الجُمُعَةُ نَفْلًا في حَقِّه، وسَواءٌ زَال عُذْرُه أو لم يَزُلْ. وقال أبو حنيفةَ: ¬

(¬1) في م: «لزمه».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَبْطُلُ ظُهْرُه بالسَّعْى إليها، كالتى قبْلَها. ولَنا، ما رَوَى أبو العالِيَةِ، قال: سَأَلْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ الصَّامِتِ، فقُلْتُ: نُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ خَلفَ أُمَراءَ، فَيُؤَخِّرُون الصَّلاةَ؟ فقال: سَأَلْتُ أبا ذَرٍّ عن ذلك، فقال: سَأَلْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[عن ذلك] (¬1)، فقال: «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً». وفى لَفْظٍ: «فَإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (¬2). ولأنَّها صلاةٌ صَحيحَةٌ أسْقَطَتْ فَرْضَه، وأبْرأَتْ ذِمَّتَه، أشْبَهَ ما لو صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا ثم سَعَى إلى الجَماعَةِ. والأَفْضَلُ لهم أن لا يُصَلُّوا حتى يُصَلِّىَ الإِمامُ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، ولأنَّ غيرَ المرْأَةِ يَحْتمِلُ زَوالُ أعْذارِهم، فيُدْرِكُون الجُمُعَةَ. فصل: ولا يُكْرَه لمَن فاتَتْه الجُمُعَةُ، أو لم يَكُنْ مِن أهْلِ فَرْضِها، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) تقدم تخريجه في 4/ 252، 253.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ في جَماعَةٍ، إذا أَمِنَ أن يُنْسَبَ إلى مُخالَفَةِ الإِمامِ، والرَّغْبَةِ عن الصَّلاةِ معه، أو أنَّه (¬1) يَرَى الإِعادَةَ إذا صَلَّى معه. فَعَل ذلك ابنُ مسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، والحسنُ بنُ عُبَيْدِ اللَّه (¬2)، وإياسُ بنُ مُعاوِيَةَ (¬3). وهو قولُ الأعْمَشِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وكَرِهَه الحسنُ، وأبو قِلابَةَ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ زَمَنَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَخْلُ مِن مَعْذُورِين، فلم يُنْقَلْ أنَّهم صَلَّوْا جَماعَةً. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْس وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (¬4). ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّه فأتَتْه الجُمُعَةُ، فصَلَّى بعَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ (¬5). احْتَجَّ به أحمدُ، وفَعَلَه مَن ذَكَرْنا مِن قبلُ، ومُطَرِّفٌ (¬6)، وإبْراهِيمُ. قال أبو عبدِ اللَّهِ: ما أعْجَبَ ¬

(¬1) في م: «أن». (¬2) أبو عروة الحسن بن عبيد اللَّه بن عروة النخعى الكوفى، ثقة صالح، توفى سنة تسع وثلاثين ومائة. تهذيب التهذيب 2/ 292. (¬3) أبو واثلة إياس بن معاوية بن قرة المزنى البصرى، قاضيها، تابعى ثقة، فقيه، عفيف، توفى سنة اثنتين وعشرين ومائة. تهذيب التهذيب 1/ 390، 391. (¬4) تقدم تخريجه في 4/ 266. (¬5) أخرجه عبد الرزاق، في: باب القوم يأتون المسجد يوم الجمعة بعد انصراف الناس، من كتاب الجمعة. مصنف عبد الرزاق 3/ 231. (¬6) أبو مصعب مطرف بن عبد اللَّه بن مطرف الأصم، صحب مالكا، وتفقه به، وتوفى بالمدينة سنة عشرين ومائتين. طبقات الفقهاء، للشيرازى 147.

632 - مسألة: (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر فى يومها بعد الزوال)

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ في يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَال، ـــــــــــــــــــــــــــــ النّاسَ، يُنْكِرُون هذا. فأمَّا زَمَنَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يُنْقَلْ إلينا أنَّه اجْتَمَعَ جَماعَةٌ مَعْذُورُون يَحْتاجُون إلى إقامَةِ الجَماعةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ إعادَتُها جَماعَةً. في مَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا في مسجِدٍ تُكْرَه إِعادَةُ الجَماعَةِ فيه، ولا في المسجدِ الذى أُقِيمَتْ فيه الجُمُعَةُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أن يُنْسَبَ إلى الرَّغْبَةِ عن الجُمُعَةِ، أو أنَّه لا يَرَى الصلاةَ خلفَ الإِمامِ، أو يَرَى الإِعادَةَ معه، وفيه افْتِياتٌ على الإِمامِ، ورُبَّما أفْضَى إلى فِتْنَةٍ، أو لُحُوقِ ضَرَرٍ به، وإنَّما يُصَليها في مَنْزِلِه، أو في مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ هذه المَفْسَدَةُ بالصلاةِ فيه. 632 - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَلْزَمُه الجُمُعَةُ السَّفَرُ في يَوْمِها بعدَ الزّوالِ) وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ. وسُئِلَ الأوْزاعِىُّ عن مُسافِرٍ سَمِع أذانَ الجُمُعَةِ وقد

633 - مسألة: (ويجوز قبله. وعنه، لا يجوز. وعنه، يجوز للجهاد خاصة)

وَيَجُوزُ قَبْلَهُ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ أسْرَجَ دابَّتهَ، فقال: ليَمْضِ في سَفَرِه؛ لأنَّ (¬1) عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: الجُمُعَةُ لا تَحْبِسُ عن سَفَرٍ (¬2). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أنْ لَا يُصْحَبَ في سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ». رواه الدّارَقُطْنِىُّ في «الأفْرادِ» (¬3). ولأنَّ الجُمُعَةَ قد وَجَبَتْ عليه، فلم يَجُزْ له الاشْتِغالُ بما يَمْنعُ منها، كما لو تَرَكَها لتِجارَةٍ، وما رُوِىَ عن عمرَ، فقد رُوِىَ عن ابنِه، وعائشةَ، ما يدُلُّ على كَراهِيَةِ السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فتُعارِضُ قَوْلَه، ويُمْكِنُ حَمْلُه على السَّفَرِ قبلَ الوَقتِ. 633 - مسألة: (ويَجُوزُ قبلَه. وعنه، لا يجُوزُ. وعنه، يَجُوزُ للجِهادِ خاصَّةً) السَّفَرُ بعدَ الزَّوالِ، فيَجُوزُ للجِهادِ خاصَّةً. وكذلك ¬

(¬1) في النسخ: «ولأن». والمثبت من المغنى. (¬2) أخرجه البيهقى، في: باب من قال لا تحبس الجمعة عن سفر، من كتاب الجمعة. السنن الكبرى 3/ 187. وعبد الرزاق، في: باب السفر يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. مصنف عبد الرزاق 3/ 250. وابن أبى شيبة، في: باب من رخص في السفر يوم الجمعة، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبى شيبة 2/ 105. (¬3) ذكره ابن حجر في تلخيص الحبير 2/ 66. وعزاه للدارقطنى في الأفراد، ولم يعزه لغيره.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذَكره القاضى؛ لِما روَى ابنُ عَباسٍ، قال: بَعَث رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عبدَ اللَّهِ ابنَ رَواحَةَ في سَرِيَّةٍ، فوافَقَ ذلك يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقَدَّمَ أصحابَه وقال: لعَلِّى أُصَلِّى مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم ألْحَقُهم. فلَمّا صَلَّى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَآه فقال: «مَا مَنَعَكَ أنْ تَغْدُوَ مَعَ أصْحَابكَ». فقال: أرَدْتُ أنْ أُصَلِّىَ معك، ثم ألْحَقَهمِ. فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الأَرْضِ مَا أَدْرَكْت فَضْلَ غَدْوَتِهمْ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬1). وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّ ذلك لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عمرَ. وفيه رِوِايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يَجُوزُ مُطْلَقًا. اخْتارَه شيخُنا (2)؛ لحدِيثِ عمرَ، وكما لو سافرَ مِن اللَّيْلِ. ¬

(¬1) مسند أحمد 1/ 256.كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في السفر يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 316، 317.

فصل

فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ فأمَّا إن خافَ المُسافِرُ فَواتَ رُفْقَتِه، جاز له تَرْكُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه مِن الأعْذارِ المُسْقِطَةِ للْجُمُعَةِ والجَماعَةِ، وسَواءٌ كان في بَلَدِه وأرادَ إنْشاءَ السَّفَرِ، أو في غيرِه. (فصل: ويُشْتَرطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ أرْبَعَةُ شُروطٍ؛ أحَدُها، الوَقْتُ،

الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وأوَّلُ وَقْتِها أوَّلُ وقْتِ صَلاةِ العِيدِ. وقال الخِرَقِىُّ: يَجُوزُ فِعْلُها في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ) وفى بعضِ النُّسَخِ، في الخامِسَةِ. والصَّحِيحُ في السَّادسةِ (وآخِرُه آخرُ وَقْتِ صلاةِ الظُّهْرِ) لا تصِحُّ الجُمُعَةُ قبلَ وَقتِها ولا بعدَه إجْماعًا. ولا خِلافَ فيما عَلِمْنا أنَّ آخرَ وَقْتِها آخِرُ وَقْتِ صلاةِ الظُّهْرِ. فأمَّا أوَّلُه، فقد ذَكَرْنا قولَ الخِرَقِىِّ: إنَّه لا يَجُوزُ قبلَ الساعَةِ السَّادِسَةِ. أو الخَامِسَةِ. على ما نُقِلَ عنه. وقال القاضى وأصحابُه: أوَّلُه أوَّلُ وَقْتِ صلاةِ العِيدِ. ورَواه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، عن أَبِيه، قال: نَذْهَبُ إلى أنَّها كصلاةِ العِيدِ. قال مُجاهِدٌ: ما كان للنَّاْسِ عِيدٌ إلَّا في أوَّلِ النَّهارِ. وقال عَطاءٌ: كلُّ عِيدٍ حينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى؛ الجُمُعَةُ، والأضْحَى، والفِطْرُ؛ لِما رُوِىَ أنَّ ابنَ مسعودٍ، قال: ما كان عِيدٌ إلَّا في أوَّل النَّهارِ. ورُوِىَ عنه، وعن مُعاوِيَةَ، أنَّهما صَلَّيَا الجُمُعَةَ ضُحًى، وقالا: إنَّما عَجَّلْنَا خَشْيَةَ الحَرِّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عليكم. وعن ابنِ مسعودٍ قال: لقد كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى بنا الجُمُعَةَ في ظِلِّ الحَطِيمِ (¬1). رَواه ابنُ البَخْتَرِىِّ (¬2) في «أمالِيه» بإسْنادِه. والدَّلِيلُ على أنَّها عِيدٌ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ اجْتَمَعَ العيدُ والجُمُعَةُ: «قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ في يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ» (¬3). وقال أكثرُ أهلِ العِلْمِ: وَقْتُها وَقْتُ الظُّهْرِ، إلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُها في أوَّل وَقْتها؛ لقَوْلِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوعِ: كُنَّا نُجَمِّعُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَّبعُ الفَىْءَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬4). وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الجُمُعَةَ حين تَمِيلُ الشَّمْسُ. رَواه البخارِىُّ (¬5). ولأنَّهما صَلاتا وَقْتٍ، فكان وَقْتُهما واحِدًا، كالمَقْصُورَةِ والتَّامَّةِ، ولأنَّ آخِرَ وَقْتِها واحِدٌ فكان أوَّلُه واحِدًا، كصلاةِ الحَضَرِ والسَّفَرِ. ولَنا، على جوازِها في السّادِسَةِ السُّنَّةُ ¬

(¬1) في النسخ: «الخيم». وانظر المغنى 3/ 239. والحطيم بمكة: هو ما بين المقام إلى الباب، أو ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر. معجم البلدان 2/ 290. (¬2) في م: «البحترى». وهو محمد بن عمرو بن البخترى بن مدرك البغدادى الرزاز، أبو جعفر، مسند العراق، الثقة المحدث، كان ثقة ثبتا. توفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. تاريخ بغداد 3/ 132. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 247. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 416. (¬4) تقدم تخريجه في 3/ 138. (¬5) في: باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 8. كما أخرجه أبو داود، في: باب في وقت الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 249. والترمذى، في: باب ما جاء في وقت الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 291. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 128، 150، 228.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والإِجْماعُ؛ أمَّا السُّنَّةُ فما روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى، يَعْنِى الجُمُعَةَ، ثم نَذْهَبُ إلى جِمالِنا فنُرِيحُها حينَ تَزُولُ الشَّمْسُ. أخْرَجَه مسلمٌ (¬1). وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: ما كُنَّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إلَّا بعدَ الجُمُعَةِ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). قال ابنُ قُتَيْبَةَ: لا يُسَمَّى غَداءً، ولا قَائِلَةً، بعدَ الزَّوَالِ. وعن سَلَمَةَ، قال: كُنَّا نُصَلِّى مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الجُمُعَةَ، ثم نَنْصَرِفُ وليس للحِيطانِ فىْءٌ. رَواه أبو داودَ (¬3). وأمّا الإِجْماعُ، فرَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن وَكِيعٍ، عن جَعْفَرِ ابنِ بُرْقانَ، عن ثابِتِ بنِ الحَجَّاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سِيدانَ، قال: ¬

(¬1) في: باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 588. كما أخرجه النسائى، في: باب وقت الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 81. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 331. (¬2) تقدم تخريجه في 3/ 139. (¬3) في باب في وقت الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 249. وانظر تخريج حديث سلمة المتقدم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ شَهِدْتُ الخُطْبَةَ مع أبى بكرٍ، فكانت صَلاتُه وخُطْبَتُه قبلَ نِصْفِ النَّهارِ، وشَهِدْتُها مع عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فكانت صلاتُه وخُطْبَتُه إلى أن أقُولَ: قد انْتَصَفَ النَّهارُ، ثم صَلَّيْتُها مع عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، فكانت صلاتُه وخُطْبَتُه إلى أن أقُولَ: زال النَّهارُ، فما رَأيْتُ أحَدًا عاب ذلك ولا أنْكَرَه (¬1). ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وجابِرٍ، وسعيدٍ، ومُعاوِيةَ، أنَّهم صَلَّوْا قبلَ الزَّوالِ. وأحادِيثُهم تَدُلُّ على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها بعدَ الزَّوالِ في كثيرٍ مِن أوْقَاتِه، ولا خِلافَ في جَوازِه، وأنَّه الأوْلَى، وأحادِيثُنا تَدُلُّ على جَوازِ فِعْلِها قبلَ الزَّوالِ، فلا تَعارُضَ بينَهما. قال شيخُنا (¬2): وأمّا فِعْلُها في أوَّلِ النَّهارِ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرَه أكثرُ العُلماءِ، ولأنَّ التَّوْقِيتَ لا يَثْبُتُ إلَّا بدَلِيلٍ؛ مِن نَصٍّ، أو ما يَقُومُ مَقامَه، وما ثَبَت عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا خُلَفائه أنَّهم صَلَّوْها في أوَّلِ النَّهارِ، ولأنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيل كَوْنُ وَقْتِها وَقْتَ الظُّهْرِ، وإنَّما جاز تَقدِيمُها عليه بما ذَكَرْنا مِن الدَّلِيلِ، وهو مخْتَصٌّ بالسّاعةِ السَّادِسَةِ، فلم يَجُزْ تَقدِيمُها عليها، ولأنَّها لو صُلِّيَتْ ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب من كان يقيل بعد الجمعة ويقول هى أول النهار، من كتاب الجمعة. المصنف 2/ 107، وعبد الرزاق، في: باب وقت الجمعة، من كتاب الجمعة. المصنف 3/ 175. (¬2) في: المغنى 3/ 241.

634 - مسألة: (فإن خرج وقتها قبل فعلها، صلوا ظهرا)

فَإِنْ خَرَج وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، صَلَّوْا ظُهْرًا، وَإنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أتَمُّوهَا جُمُعَةً، وَإنْ خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، أوْ يَسْتَأنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْن. ـــــــــــــــــــــــــــــ في وَقْتِ الضُّحَى لفاتَتْ أكثرَ المُصَلِّين. إذا ثبَت ذلك، فالأوْلَى فِعْلُها بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّ فيه خُرْوجًا مِن الخِلافِ، ولأنَّه الوَقْتُ الذى كان يَفْعَلُها فيه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في أكثرِ أوْقاِته. وتَعْجِيلُها في أوَّلِ وَقْتِها في الشِّتاءِ والصَّيْفِ؛ لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُعَجِّلُها؛ لِما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ولأنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ إليها في أوَّلِ وَقْتِها، ويُبَكِّرُون إليها قبلَ وَقْتِها، فلو أْبْرَدَ لَشَقَّ على الحاضِرينَ، وإنَّما جُعِلَ الإِبْرادُ بالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ دَفْعًا للمَشَقَّةِ، والمَشَقَّةُ في الإبْرادِ بها في الجُمُعَةِ أكْثرُ. 634 - مسألة: (فإن خَرَج وَقْتُها قَبْلَ فِعْلِها، صَلَّوْا ظُهْرًا) لفَواتِ الشَّرْطِ. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. 635 - مسألة: (وإن خَرَجَ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوها جُمُعَةً، وإن خَرَجِ قبلَ رَكْعَةٍ، فهل يُتِمُّونَها ظُهْرًا، أو يَسْتَأنِفُونها؟ على وَجْهيْنِ) متى خرَج وَقْتُ الجُمُعَةِ قبلَ تَمامِها، فإن كان بعدَ أن صَلَّوا رَكْعَةً أَتَمُّوها

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جُمُعَةً، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (¬1)، وظاهِرُ قَوْلِ الخرَقِىِّ. وقال القاضى: متى أحْرَمُوا بها في الوَقْتِ قبلَ خُروجه أتَمُّوهاْ جُمُعَةً. ونَحْوَه قال أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بها في وَقْتِها، فأَشْبَهَ (¬2) ما لو أتَمَّها فيه. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه إن دَخَلِ وَقْتُ العَصْرِ بعدَ تَشَهُّدِه وقبلَ سَلَامِه سَلَّمَ وأجْزَأَتْه. وهذا قولُ أبى يوسف، ومحمدٍ. وقال أبو حنيفةَ: متى خرَج الوقْتُ قبلَ الفَراغِ منها بَطَلَتْ، ولا يَبْنِى عليها ظُهْرًا؛ لأنَّهما صلاتانِ مُخْتَلِفَتانِ، فلا تَنْبَنِى إحْدَاهُما على الأُخْرَى، كالظُّهْرِ والعَصْرِ. والظَّاهِرُ أنَّ مَذْهَبَ أبى حنيفةَ في هذا كمَذْهَبِ صاحِبَيْه؛ لأنَّ السَّلامَ عندَه ليس بواجِبٍ في الصَّلاةِ. وقال الشافعىُّ: لا يُتِمُّها جُمُعَةً، ويَبْنِى عليها ظُهْرًا؛ لأنَّهما صلاتا وَقْتٍ، فجاز بناءُ إحْدَاهما علِى الأخرَى، كصلاةِ السَّفَرِ والحَضَرِ. واحْتَجُّوا على أنَّه لا يُتِمُّها جُمُعَةً، بأنَّ ما كان شَرْطًا في بَعضِها كان شَرْطًا في جَمِيعِها، كالطَّهارةِ. ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ ¬

(¬1) انظر: المغنى 3/ 191. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ» (¬1). ولأنَّهْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ فكان مُدْرِكًا لها، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ (¬2)، ولأنَّ الوَقْتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الجُمُعَةَ، فاكْتُفِىَ به في رَكْعَةٍ، كالجَماعَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالجَماعَةِ. فصل: فإن دَخَل وَقْتُ العَصْرِ قبلَ رَكْعَةٍ لم تَحْصُلْ لهم جُمُعَةٌ؛ لأنَّ قولَه عليه السلامُ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». يَدُلُّ بِمَفْهُومِه على أنَّه إذا أدْرَك أقَلَّ مِن ذلك لا يَكُونُ مُدْرِكًا، وَيلْزَمُه الظُّهْرُ. وهل يَبْنِى أو يَسْتأْنِفُ؟ فعلى قِياسِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ تَفْسُدُ صلاتُه، ويَسْتَأنِفُها ظُهْرًا، كمذْهَبِ أبى حنيفةَ. وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى إسحاقَ بنِ شَاقْلَا، يُتِمُّها ظُهْرًا، كقولِ (¬3) الشافعىِّ. وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَيْن. فصل: إذا أَدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُمْكِنُه أن يَخْطُبَ ثم يُصَلِّىَ رَكْعَةً، ¬

(¬1) أخرجه النسائى، في: باب من أدرك ركعة من صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 92. وابن ماجه، في: باب ما جاء في من أدرك من الجمعة ركعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 356. (¬2) سقط من: م. (¬3) في النسخ: «لقول». وانظر المغنى 3/ 192.

636 - مسألة: (الثانى، أن يكون بقرية يستوطنها أربعون من

الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا؛ فَلَا تَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِى غَيْرِ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فله التَّلَبُّسُ بها، على قِياسِ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه أدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُدْرِكُها فيه. فإن شَكَّ هل أدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُدْرِكُها أو لا؟ صَحَّتْ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَقْتِ وصِحَّتُها. 636 - مسألة: (الثَّانِى، أن يكونَ بقَرْيةٍ يَسْتَوْطِنُها أرْبَعون مِن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أهلِ وُجُوبِها، فلا تَجُوزُ إقامَتُها في غيرِ ذلك) الاسْتِيطَانُ شَرْطٌ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ، في قولِ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ، وهو الإِقامَةُ في قَرْيَةٍ مَبْنِيَّةٍ بما جَرَتْ به العادَةُ بالبِناءِ به؛ مِن حَجَرٍ، أو طِينٍ، أو لَبِنٍ، أو قَصَبٍ، أو شَجَرٍ، أو نَحْوِه، فلا يَظْعَنُونَ عنها صَيْفًا ولا شِتاءً؛ لأنَّ ذلك هو الاسْتِيطَانُ غالِبًا. فأمَّا أهلُ الخِيامِ والخَرْكاآتِ (¬1) وبُيُوتِ الشَّعَرِ، فلا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ، ولا تَصِحُّ منهم؛ لأنَّ ذلك لا يُنْصَبُ للاسْتِيطانِ غالِبًا، وكذلك كانت قَبائِلُ العَرَبِ حولَ المدِينَةِ، فلم يُقِيمُوا جُمُعَةً، ولا أمَرَهم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّه لو كان ذلك لم يَخْفَ، ولم يُتْرَكْ نَقْلُه، مع كَثْرْتِه وعُمُومِ البَلْوَى به، لكن إن كانوا مُقِيمِينَ بمَوْضِع يَسْمَعُونَ النِّداءَ، لَزِمَهم السَّعْىُ إليها، كأهلِ القَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ إلى جانِبِ المِصْرِ. ذَكَرَه القاضى. فإن كان أهلُ القَرْيَةِ يَظْعَنُونَ عنها في بعضِ السَّنَةِ، لم تَجِبْ عليهم الجُمُعَةُ، فإن خَرِبَتِ القَرْيَةُ أو بَعْضُها، وأهْلُها مُقِيمُونَ بها عازِمُونَ على إصْلاحِها، فحكْمُها باقٍ في إقامَةِ الجُمُعَةِ بها. وإن عَزَمُوا على النقْلَةِ عنها، لم تَجِبْ عليهم؛ لعَدَمِ الاسْتِيطَانِ. ومتى كانتِ القَرْيَةُ لا تَجِبُ (¬2) على أهْلِها. ¬

(¬1) في النسخ: «الحركات». وانظر المغنى 3/ 203. والخركاة معربة عن الفارسية، وكانت تطلق في أول الأمر على المحل الواسع، وبالأخص على الخيمة الكبيرة التى يتخذها أمراء الأكراد والأعراب والتركمان مسكنا لهم، ثم أطلقت على سرادق الملوك والوزراء الأسماء الفارسة المعربة 53، 54. (¬2) أى الجمعة.

637 - مسألة: (ويجوز إقامتها فى الأبنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد، وفيما قارب البنيان من الصحراء)

وَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِى الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ، وَفِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بأنْفُسِهم، وكانوا بحيث يَسْمَعُونَ النِّداءَ مِن المِصْرِ، أو من قَرْيَةٍ تُقامُ فيها الجُمُعَةُ، لَزِمَهم السَّعْىُ إليها؛ لعُمومِ الآيةِ، وكذلك إن كان بِناؤُها مُتَفَرِّقًا تَفرُّقًا لم تَجْرِ العادَةُ به. 637 - مسألة: (ويَجُوزُ إقامَتُها في الأَبْنِيَةِ المُتَفَرِّقَةِ إذا شَمِلَها اسْمٌ واحِدٌ، وفيما قارَبَ البُنْيانَ مِن الصَّحْراءِ) تَجُوزُ إقامَةُ الجُمُعَةِ [في القَرْيَةِ الواحِدَةِ المُتَفَرِّقَةِ البُنْيَانِ إذا كان تَفَرُّقًا جَرَتِ العادَةُ به] (¬1). فإن كانت مُتَفَرِّقَةً في قَرْيةٍ تَفَرُّقًا لم تَجْرِ به العادَةُ لم تَجِبْ عليهم الجُمُعَةُ، إلَّا أن يَجْتَمِعَ منها ما يَسْكُنُه أرْبَعُون، فتَجِبُ بهم الجُمُعَةُ، ويَتَّبِعُهم البَاقُون. ولا يُشْتَرَطُ اتِّصالُ البُنْيانِ بعْضِه ببعضٍ، وحُكِىَ عن الشافعىِّ اشْتِراطُه. ولَنا، أنَّ القَرْيَةَ المُتَقارِبَةَ البُنْيانِ قَرْيَةٌ مَبْنِيَّةٌ بما جَرَتْ به عادَةُ القُرَى، أشْبَهَتِ المُتَّصِلَةَ. ¬

(¬1) في النسخ: «المتفرقة البنيان إذا كان تفرقا جرت العادة به في القرية الواحدة». والمثبت هو الصواب.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يُشْتَرطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ البُنْيانُ، بل يَجُوزُ إقامَتُها فيما قارَبَه مِن الصَّحْراءِ. وبهذا قال الإِمامُ أبو حنيفةَ. وقال الإِمامُ الشافعىُّ: لا يَجُوزُ، لأنَّه مَوْضِعٌ يَجُوزُ لأهْلِ المِصْرِ قَصْرُ الصَّلاةِ فيه، أشْبَهَ البَعِيدَ. ولَنا، ما رَوَى كَعْبُ بنُ مَالكٍ، أنَّه قال: أسْعَدُ بنُ زُرارَةَ أَوَّلُ مَن جَمَّعَ بنا في هَزْمِ النَّبِيتِ (¬1) مِن حَرَّةِ بَنِى بَياضةَ (¬2)، في نقِيعٍ يقالُ له: نَقِيعُ الخَضَمَاتِ (¬3). رَواه أبو داودَ (¬4). وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: يَعْنِى أكان بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم. والنَّقِيعُ (¬5): بَطْنٌ مِن الأرْضِ يَسْتَنْقِعُ فيه الماءُ مُدَّةً، فإذا نَضَبَ الماءُ نَبَت الكَلأُ. قال الخَطَّابِىُّ (¬6): حَرَّةُ بَنِى بَيَاضَةَ قَرْيَةٌ على مِيلٍ مِن المدِينَةِ، ولأنَّه مَوْضِعٌ لصَلاةِ العِيدِ، فجازَتْ فيه الجُمُعَةُ، كالجامِعِ، ولأنَّ الأصْل عَدَمُ اشْتِراطِ ذلك، ولا نَصَّ في اشْتِراطِه، ولا مَعْنَى نصٍّ. فصل: ولا يُشتَرَطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ المِصْرُ. رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ¬

(¬1) الهزم: المطمئن من الأرض، والنبيت: أبو حى باليمن، اسمه عمرو بن مالك. (¬2) الحرة: الأرض ذات الحجارة السود. وبنو بياضة: بطن من الأنصار. (¬3) النقيع: مرضع قريب من المدينة كان يستنقع فيه الماء، أى يجتمع. والخضمات: موضع بنواحى المدينة. (¬4) في: باب الجمعة في القرى، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 246. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب فرض الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 343. (¬5) في م: «البقيع». (¬6) معالم السنن 2/ 245.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ عمرَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، ومَكْحُولٍ، وعِكْرمةَ، والشافعىِّ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه لا جُمُعَةَ ولا تَشْريقَ إلَّا في مِصْرٍ جَامِعٍ (¬1). ورُوِىَ ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وإبراهيمُ، وأبو حنيفةَ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أسْعَدَ بنِ زُرارَةَ، رواه البخارىُّ (¬2) بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ: إنَّ أوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ (¬3) بعدَ جُمُعَةٍ بالمَدِينَةِ لجُمُعَةٌ جُمِّعتْ بجُوَاثَى (¬4) مِن البَحْرَيْنِ مِن قُرَى عَبْدِ القَيْسِ. ورَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّه كَتَب إلى عمرَ يَسْأَلُه عن الجُمُعَةِ بالبَحْرَيْنِ، وكان عامِلًا عليها، فكَتَبَ إليه عمرُ: جَمِّعُوا حيث كُنْتُم. رَواه الأثْرَمُ (¬5). قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: إسْنادُه جَيِّدٌ. فأمّا خَبَرُهم فلم يَصِحَّ. قال الإِمامُ أحمدُ: ليس هذا بحديثٍ، إنَّما هو عن علىٍّ وقد خالَفَه عمرُ. ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب القرى الصغار، من كتاب الجمعة، موقوفًا على على. مصنف عبد الرزاق: 3/ 167، 168. وابن أبى شيبة، في: باب من قال لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، من كتاب الصلوات، موقوفا على على. مصنف ابن أبى شيبة 2/ 101. وانظر نصب الراية 2/ 195. (¬2) في: باب الجمعة في القرى والمدن، من كتاب الجمعة، وفى: باب وفد عبد القيس، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 2/ 6، 5/ 213. كما أخرجه أبو داود، في: باب الجمعة في القرى، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 246. (¬3) زيادة من صحيح البخارى. (¬4) في الأصل: «بحوثى»، وفى م: «بجوارنا»، والمثبت من صحيح البخارى. وجواثاء، يمد ويقصر: حصن لعبد القيس بالبحرين. معجم البلدان 2/ 136. (¬5) وأخرجه ابن أبى شيبة، في: باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبى شيبة 2/ 101.

638 - مسألة: (الثالث، حضور أربعين من أهل القرية، فى ظاهر المذهب. وعنه، تنعقد بثلاثة)

الثَّالِثُ، حَضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ، تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا كان أهلُ المِصْرِ دُونَ الأرْبَعِين، فجاءَهم أهلُ قَرْيَةٍ، فأَقامُوا الجُمُعَةَ في المِصْرِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ أهلَ القَرْيَةِ غيرُ مُسْتَوْطِنينَ في المِصْرِ، وأهلَ المِصْرِ لا تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ؛ لقلَّتِهم. وإن كان أهلُ القَرْيَةِ مِمَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، لَزِم أهلَ المِصْرِ السَّعْىُ إليهم إذا كان بينهما أقلُّ مِن فَرْسَخٍ؛ [لأنَّ بينَهم وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أقَلَّ مِن فَرْسَخٍ] (¬1) فلزمَهم السَّعْىُ إليها، كما يَلْزَمُ أهلَ القَريةِ السَّعْىُ إلى المِصْرِ إذا أُقِيمَتْ به، وكان أهلُ القَرْيَةِ دُونَ الأرْبَعِين، وإن كان في كُلِّ واحِدٍ دُونَ الأَرْبَعِين لم تَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في واحِدٍ منهما. 638 - مسألة: (الثالثُ، حُضورُ أرْبَعِين مِن أَهْلِ القَرْيَةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وعنه، تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ) حُضُورُ أرْبَعِين شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وصِحَّتِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. ورُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ، أنَّها لا تَنْعَقِدُ إلَّا بخَمْسِين، لِما روَى أبو بكرِ النَّجَّادُ، عن عبدِ الملِكِ الرَّقَاشِىِّ، حدثنا رَجاءُ بنُ سلَمَةَ، حدثنا عَبّادُ بنُ عَبَّادٍ المُهَلَّبِىُّ، ¬

(¬1) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى خمْسِينَ، رَجُلًا، وَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ دُونَ ذَلِكَ» (¬1). وبإسنادِه عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ، قال: قُلْتُ لأبى هُرَيْرَةَ: على كم تَجِبُ الجُمُعَةُ مِن رجلٍ؟ قال: لَمّا بَلَغ أصحابُ رسولِ اللَّهِ خَمْسِين جَمَّعَ بهم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّها تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ. وهو قَوْلُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ اسْمَ الجَمْعِ يتَناوَلُه، فانْعَقَدَتْ به الجُمُعَةُ، كالأرْبَعِين، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (¬2). بصِيغَةِ الجَمْعِ، فيَدْخُلُ فيه الثَّلاثَةُ. وحَكَى أبو الحارثِ، عن الإِمامِ أحمدَ، إذا كانوا ثَلَاثَةً مِن أهْلِ القُرَى جَمَّعُوا. فيَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ ذلك أهلَ القُرَى لقِلَّتِهم. وقال أبو حنيفةَ: تَنْعَقِدُ بأَرْبَعَةٍ؛ لأنَّه عَدَدٌ زِيدَ على أقَلِّ الجَمْعِ المُطلَقِ، أشْبَهَ الأرْبَعِين. وقال رَبِيعَةُ: تَنْعَقِدُ باثْنَىْ عَشَرَ؛ لِما رُوِىَ أنَّ ¬

(¬1) أخرجه الدارقطنى، في: باب ذكر العدد في الجمعة، من كتاب الجمعة. سنن الدارقطنى 2/ 4. وقال: جعفر بن الزبير متروك. وعزاه الهيثمى إلى الطبرانى في الكبير، وقال: جعفر بن الزبير صاحب القاسم ضعيف جدًّا. مجمع الزوائد 2/ 176. (¬2) سورة الجمعة 9.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْر بالمَدِينَةِ، فأمَرَه أن يُصَلِّىَ عندَ الزَّوَالِ رَكْعَتَيْن، وأن يَخْطُبَ فيهما. فجَمَّعَ مُصْعَبِ بنُ عُمَيْرٍ في بَيْتِ سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ باثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا (¬1). وعن جابِرٍ، قال: كُنَّا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الجُمُعَةِ فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، فخَرَجَ النّاسُ إليها، فلم يَبْقَ إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، أنا فيهم، فأنْزَلَ اللَّهُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} (¬2) الآيةُ. رواه مسلمٌ (¬3). وما يُشْتَرَطُ للابْتِداءِ يُشْتَرَطُ للاسْتِدامَةِ. ولَنا، حديثُ كَعْبٍ الذى رَوَيْناه. وفى الحديث: قُلْتُ له: كم كُنْتُم يَوْمَئِذٍ؟ قال: أَرْبَعِين. رواه الدّارَقُطْنِىُّ (¬4). وقولُ الصَّحابِىِّ: مَضَتِ ¬

(¬1) أخرج البيهقى ما يقاربه، في: باب العدد الذين إذا كانوا في قرية وجبت عليهم الجمعة، من كتاب الجمعة، ولفظه: أن مصعب بن عمير حين بعثه النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة جمع بهم وهم اثنا عشر رجلا. السنن الكبرى 3/ 179. (¬2) سورة الجمعة 11. (¬3) في: باب في قوله تعالي {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا. . .} من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 590. كما أخرحه البخارى، في: باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة. . .، من كتاب الجمعة، وفى: باب قول اللَّه تعالى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا. . .} وباب {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا. . .}، من كتاب البيوع، وفى: تفسير سورة الجمعة، من كتاب التفسير. صحيح البخارى 2/ 16، 3/ 71، 73، 6/ 189. والترمذى، في: تفسير سورة الجمعة، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 12/ 199. (¬4) في: باب ذكر العدد في الجمعة، من كتاب الجمعة. سنن الدارقطنى 2/ 6. وتقدم تخريجه في صفحة 196.

639 - مسألة: (فإن نقصوا قبل إتمامها، استأنفوا ظهرا. ويحتمل

فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ السُّنَّةُ. يَنْصَرفُ إلى سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فأمَّا حَدِيثُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرِ، أنَّهُم كانوا اثْنَىْ عَشَرَ، فلا يَصِحُّ، فإنَّ حديثَ كَعْبٍ أصَحُّ منه، رَواه أصحابُ السُّنَنِ. والخَبَرُ الآخرُ يَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا قبلَ طُولِ الفَصلِ. وأمَّا الثَّلاثَةُ والأرْبَعَةُ فتَحَكُّمٌ بالرَّأْىِ فيما لا مَدْخَلَ للرَّأْى فيه؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ. بابُه التَّوقِيفُ، ولَا مَعْنَى لاشْتِراطِ كَوْنِه جَمْعًا، ولا للزِّيادَةِ على الجَمْعِ، إذ لا نصَّ فيه ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولو كان الجَمْعُ كافِيًا لاكْتفِىَ باثْنَيْن، لأنَّ الجماعَةَ تَنْعَقِدُ بهما. 639 - مسألة: (فإن نَقَصُوا قبلَ إتْمامِها، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. ويَحْتَمِلُ

وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا. وَإنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّهم إن نَقَصُوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً، وإن نَقَصوا قبلَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها ظُهْرًا) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه يُشْتَرَطُ كَمالُ العَدَدِ في جَمِيعِ الصَّلاةِ. قال أبو بكرٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا عن الإِمام أحمدَ إن لم يَتِمَّ العَدَدُ في الصَّلاةِ والخُطْبَةِ، أنَّهم يُعِيدُون الصلاةَ. وهذا أَحَدُ قَوْلَى الإِمامِ الشافعىِّ؛ لأنَّه شَرْطٌ للصلاةِ، فاعْتُبِرَ في جَمِيعِها، كالطَّهارةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم إن نَقَصوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً. وهذا قِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ. وبه قال الإِمامُ مالكٌ. وقال المُزَنِىُّ: هو أشْبَهُ عندِى؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً أضَافَ إلَيْها أُخْرَى» (¬1). ولأنَّهم أدْرَكُوا رَكْعَةً، فصَحَّتْ لهم الجُمُعَةُ، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (¬2). وقال ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه في: باب ما جاء في من أدرك من الجمعة ركعة، من كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. سنن ابن ماجه 1/ 356. (¬2) في: المغنى 3/ 211.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو حنيفةَ: إن نَقَصُوا بعدَما صَلَّوْا رَكْعَةً بسَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أتَمُّوها جُمُعَةً؛ لأنَّهم أدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو أدْرَكُوها بسَجْدَتَيها. وقال إسحاقُ: إن بَقِىَ معه اثْنا عَشَرَ أتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لأنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْفَضُّوا عنه، فلم يَبْقَ معه إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، فأتَمَّها جُمُعَةً. وقال الإِمامُ الشافعىُّ، في أحَدِ أقْوالِه: إن بَقِىَ معه اثْنان أتَمَّها جُمُعَةً. وهو قولُ الثَّوْرىِّ؛ لأنَّه أقَلُّ الجَمْعِ. وحَكَى عنه أبو ثَوْرٍ، إن بَقِىَ معه واحِدٌ أتَمَّها جُمُعَةً، لأنَّ الاثْنَيْن جَماعَةٌ. ولَنا، أنَّهم لم يُدْرِكُوا رَكْعَةً كامِلَةً بشُرُوطِ الجُمُعَةِ، فأَشْبَهَ ما لو نَقَص الجَمْعُ قبلَ رُكُوعِ الأُولَى. وقولُهم: أدْرَكَ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ. يَبْطُلُ بمَن لم يَفُتْه مِن الرَّكْعَةِ الأُولَى إلَّا السَّجْدَتان، فإنَّه قد أدْرَكَ مُعْظَمَها. وقولُ الإِمام الشافعىِّ: بَقِىَ معه مَن تَنعَقِدُ به الجَماعَةُ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا لا يَكْفِىَ في الابتداءِ، فلا يَكفى في الدَّوامِ. إذا ثَبَت هذا، فكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يُتِمُّها جُمُعَةً. فقِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ أنَّها تَبْطُلُ، ويَسْتَأْنِفُها ظُهْرًا، إلَّا أن يُمْكِنَهم فِعْلُ الجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى،

640 - مسألة: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة)

وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً، ـــــــــــــــــــــــــــــ فيُعِيدُونَها. وحَكَاه أبو بكرِ عن الإِمامِ أحمدَ. وقِيَاسُ قَوْلِ أبى إسْحاقَ ابنِ شاقْلَا أنَّهم يُتِمُّونَها ظُهْرًا. وهذا قولُ القاضى. وقال: قد نَصَّ الإِمامُ أحمدُ في الذى زُحِمَ عن أفْعالِ الجُمُعَةِ حتى سَلّمَ الإِمامُ، يُتِمُّها ظُهْرًا. ووجْهُ القَوْلَين قد تَقَدَّمَ. 640 - مسألة: (ومَن أَدْرَكَ مع الإِمامِ منها رَكْعَةً أَتَمَّها جُمُعَةً) وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأنَسٌ، وسعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعَلْقَمَةُ، والأسْودُ، والزُّهرِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ: مَن لمِ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ صَلَّى أرْبَعًا؛ لأنَّ الخُطْبَةَ شَرْطٌ للجُمُعَةِ، فلا تكونُ جُمُعَةً في حَقِّ مَن لم يُوجَدْ في حَقِّه شَرْطُها. ولَنا، ما روَى أبو سَلَمَةَ، عن أبى هُرَيْرَة، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ». رَواه الأَثْرمُ (¬1). ورواه ابنُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 192.

641 - مسألة: (ومن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهرا، إذا كان قد نوى الظهر فى قول الخرقى. وقال أبو إسحاق بن شاقلا: ينوى جمعة، ويتمها ظهرا)

وَمَنْ أدْرَكَ أقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أتَمَّهَا ظُهْرًا، إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ ماجه (¬1): «فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى». وعن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا مِن الصحابَةِ، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم. 641 - مسألة: (ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ أتَمَّهَا ظُهْرًا، إذا كان قد نَوَى الظُّهْرَ في قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وقال أبو إسحاقَ بنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، ويُتِمُّهَا ظُهْرًا) أمَّا مَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، فلا يَكُونُ مُدْركًا للجُمُعَةِ، ويُصَلِّى الظُّهْرَ أرْبَعًا. وهذا قَوْلُ جَمِيعِ مَن ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه 192. (¬2) تقدم تخريجه في 3/ 170.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلَّا الإِمامَ (¬1) أبا حنيفةَ، فإنَّه قال: يكونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ بأَىِّ قَدْرٍ أدْرَكَ مِن الصَّلاةِ مع الإِمام. وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، لأنَّ مَن لَزِمَه أن يَبْنِىَ على صلاةِ الإِمامَ بإدْراكِ رَكْعَةٍ، لَزِمَه بإدْراكِ أقَلَّ منها، كالمُسافِرِ يُدْرِكُ المُقِيمَ، ولأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن الصَّلاةِ، فكان مُدْرِكًا لها، كالظُّهْرِ. ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ». فمفْهُومُه أنَّه إذا أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ لم يُدْرِكْها، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ والتَّابِعين، رَضىَ اللَّهُ عنهم، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم، فيَكُونُ إجْماعًا. وقد رَوَى بشرُ بنُ مُعاذٍ الزَّيَّاتُ، عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ (¬2)، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَنَّه قال: «مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، ومَنْ أدْرَكَ دُونَهَا صَلَّى أرْبَعًا» (¬3). ومَن لم يُدْرِكْ رَكْعَةً، فلا تَصِحُّ له جُمُعَةٌ، كالإِمامِ إذا انْفَضُّوا (¬4) قبلَ السُّجُودِ. ¬

(¬1) في النسخ: «إلا أن الإمام». خطأ. (¬2) بعده عند الدارقطنى: «عن أبى هريرة». (¬3) أخرجه الدارقطنى، في: باب في من يدرك من الجمعة ركعة أو لم يدركها، من كتاب الجمعة. سنن الدارقطنى 2/ 10، 11. (¬4) في م: «نقصوا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وأمّا المُسافِرُ فإدْرَاكُه إدْراكُ إلْزَامٍ، وهذا إدْراكُه إدْراكُ إسْقاطٍ للعَدَدِ، فافْتَرَقا، وكذلك يُتِمُّ المُسافِرُ خلفَ المُقِيمُ، ولا يَقْصُرُ المُقِيمُ خلفَ المُسافِرِ، وأمّا الظُّهْرُ فليس مِن شَرْطِها الجَماعَةُ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. فصل: وكلُّ مَن أَدْرَكَ مع الإِمام ما لا يَتِمُّ له به جُمُعَةٌ، فإنَّه في قولِ الخِرَقِىِّ يَنْوِى ظُهْرًا، فإن نَوَى جُمُعَةً لم تَصِحَّ في ظاهِرِ كَلامِه. وكَلامُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدَ، في رِوايَةِ صالحٍ وابنِ مَنْصُورٍ، يَحْتَملُ هذا، لقَوْلِه (¬1) في مَن أحْرَمَ، ثم زُحِمَ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حتى سَلَّمَ إمامُه، قال: يَسْتَقْبِلُ ظُهْرًا أرْبَعًا، وذلك لأنَّ الظُّهْرَ لا يَتَأَدَّى (¬2) بنِيَّةِ الجُمُعَةِ ابْتِداءً، فكذلك اسْتِدامَتُه، كالظُّهْرِ مع العَصرِ. وقال أبو إسحاقَ بنُ شاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ نِيَّةَ إمامِه، ثم يَبْنِى عليها ظُهْرًا. وهذا ظاهِرُ قولِ قتادَةَ، وأيُّوبَ، ويُونُسَ (¬3)، والشافعىِّ، لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَأْتَمَّ بمَن يُصَلِّى جُمُعَةً، فجاز أن يَبْنِىَ صلاتَه على نِيَّتِها، كصلاةِ المُقِيمِ مع المُسافِرِ، وكما يَنْوِى أنَّه مأْمُومٌ، ويُتِمَّ صلاتَه بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه مُنْفَرِدًا، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَنْوِىَ الظُّهْرَ خلفَ مَن يُصَلِّى الجُمُعَةَ في ابْتِدائِها، فكذلك في انْتِهائِها. فصل: إذا صَلَّى الإِمامُ الجُمُعَةَ قبلَ الزَّوالِ، فأَدْرَكَ المَأْمُومُ معه دُونَ الرَّكْعَةِ، لم يَكُنْ له الدُّخُولُ معه، لأنَّها في حَقِّه ظُهْر، فلا تَجُوزُ قبلَ ¬

(¬1) في م: «القول». (¬2) في الأصل: «ينوى». (¬3) يونس بن عبيد بن دينار العبدى مولاهم البصرى، كان من سادات أهل زمانه علما وفضلا، وحفظا وإتقانا، مع الفقه في الدين. توفى سنة أربعين ومائة. الجرح والتعديل 4/ 2/ 242، تهذيب التهذيب 11/ 442 - 445.

642 - مسألة: (ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود، سجد على ظهر إنسان أو رجله)

وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ، سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أوْ رِجْلِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ الزَّوالِ، كغيرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فإن دَخَل معه كانت نَفْلًا في حَقِّه، ولم تُجْزِئْه عن الظُّهْرِ. ولو أدْرَكَ معه رَكْعَةً، ثم زُحِمَ عن سُجُودِها، وقُلْنا: تَصِيرُ (¬1) ظُهْرًا، فإنَّها تَنْقَلِبُ نَفْلًا؛ لئَلَّا تَكُونَ ظُهْرًا قبلَ وَقْتِها. 642 - مسألة: (ومَن أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ عن السُّجُودِ، سَجَد على ظَهْرِ إنْسانٍ أو رِجْلِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في من أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ فلم يَقْدِرْ على الرُّكُوعِ حتى سلَّمَ الإِمامُ، فرُوِىَ أنَّه يكون مُدْرِكًا للجُمُعَةِ. اخْتارَها الخَلَّالُ. وهو قولُ الحسنِ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بالصَّلاةِ مع إمامِه في أوَّلِها، فأشْبَهَ ما لو رَكَع وسَجَد معه. ونُقِلَ عنه، أنه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ أرْبَعًا. اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى. وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً، فلم يَكُنْ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ، كالمَسْبُوقِ. وهذا ظاهِرُ كَلامِ ¬

(¬1) في الأصل: «يصلى».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الخِرَقِىِّ. وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الجُمُعَةِ سَجَد على ظَهْرِ إنْسانٍ أو رِجْلِه إذا أمْكَنَه ذلك، وأجْزَأَه. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أحمدَ ابنِ هاشمٍ (¬1): يَسْجُدُ على ظَهْرِ الرَّجُلِ والقَدَمِ، ويُمَكِّنُ الجَبْهَةَ والأنْفَ، في العِيدَيْن والجُمُعَةِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ: لا يَفْعَلُ. فإن فَعَل، فقال مالِكٌ: تَبْطُلُ الصَّلاةُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ (¬2) الْأرْضِ» (¬3). ولَنا، ما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إذا اشْتَدَّ الزِّحامُ فَلْيَسْجُدْ على ظَهْرِ أَخِيهِ. رَواه سعيدٌ في سُنَنِه (¬4). وهذا قاله بمَحْضَرِ مِن الصحابَةِ وغيرِهم في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ولم ¬

(¬1) في النسخ: «هشام». والمثبت من المغنى. وهو أحمد بن هاشم بن الحكم الأنطاكى، نقل عن أحمد مسائل حسانا. طبقات الحنابلة 1/ 82. (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في 3/ 408. في حديث المسئ صلاته. (¬4) وأخرجه عبد الرزاق، في: باب من حضر الجمعة فزحم فلم يستطع يركع مع الإمام، من كتاب الجمعة. المصنف 3/ 233.

643 - مسألة: (فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام، إلا أن يخاف فوات الثانية، فيتابع الإمام فيها، وتصير أولاه، ويتمها جمعة)

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً، ـــــــــــــــــــــــــــــ يَظْهَرْ له مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا. ولأنَّه أَتَى بما يُمْكِنُه حالَ العَجْزِ، فصَحَّ، كالمَرِيضِ يَسْجُدُ على المِرْفَقَةِ، والخَبَرُ لم يَتَناوَلِ العاجِزَ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (¬1). 643 - مسألة: (فإن لم يُمْكِنْه سَجَد إذا زال الزِّحامُ، إِلَّا أن يَخافَ فَواتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن زُحِمَ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن، فإمّا أن يُزْحَمَ في الأُولَى، أو الثَّانِيَةِ، فإن كان في الأُولَى، ولم يَتَمَكَّنْ مِن السُّجُودِ على ظَهْرِ ولا قَدَمٍ، انْتَظَرَ ¬

(¬1) سورة البقرة 286.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حتَّى يَزُولَ الزِّحامُ، ثم يَسْجُدُ ويتْبَعُ إِمامَه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أصحابَه بذلك في صلاةِ الخوْفِ بعُسْفانَ للعُذْرِ، والعُذْرُ مَوْجُودٌ. فإذا قَضَى ما عليه، وأدْرَكَ إِمامَه قبلَ رَفْعِ رَأْسِه مِن الرُّكُوعِ، اتَّبَعَه، وصَحَّت له الرَّكْعَةُ، وهكذا لو تَعَذَّرَ عليه السُّجُودُ مع إمامِه، لمرَضٍ، أو نَوْمٍ، أو

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ نِسْيانٍ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ، أشْبَهَ المَزْحُومَ. فإن خاف أنَّه إن تشاغَلَ بالسُّجُودِ فاتَه الرُّكُوعُ مع الإِمامِ في الثَّانِيَةِ ولَزِمَه مُتابَعَتُه، وتَصِيرُ الثَّانِيةُ أُولَاه. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَشُّتَغِلُ بالسُّجُودِ؛ لأنَّه قد رَكَع مع الإِمامِ، فيَجِبُ عليه السُّجودُ بعدَه؛ لو زال الزِّحامُ والإِمامُ قائِمٌ. وللشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، قَولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» (¬1). فإن قِيلَ: فقد قال: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». قُلْنا: قدْ سَقَط الأمْرُ بالمُتابَعَةِ في السُّجُود عن هذا للْعُذْرِ، وبَقِىَ الأمْرُ بالمُتابَعَةِ في الرُّكُوعِ لإِمْكانِه، ولأنَّه خائِفٌ فَواتَ الرُّكُوعِ، فلَزِمَتْه مُتابَعَةُ إمامِه فيه (¬2)، كالمَسْبُوقِ، أمَّا إذا كان الإِمامُ قائِمًا فليس هذا اخْتِلافًا كَثِيرًا. إذا ثَبَت أنَّه يُتابعُ الإِمامَ فِى الرُّكُوعِ، فإن أدْرَكَهُ رَاكِعًا صَحَّتْ له الثَّانِيَةُ، وتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وتَبْطُلُ الأُولَى في قِياسِ المَذْهَبِ؛ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 416. (¬2) سقط من: م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لكَوْنِه تَرَك منها رُكْنًا وشَرَع في الثَّانِيةِ، فبَطَلَتِ الأُولَى على ما ذَكَرْنا في سُجُودِ السَّهْوِ، ويُتِمُّها جُمُعَةً، لأنَّه أدْرَكَ منها رَكْعَةً مع الإِمامِ، فإن لم يَقُمْ، ولكن يَسْجُد السَّجْدَتَيْن مِن غيرِ قِيامٍ تَمَّتْ رَكْعَتُه. وإن فاتَه الرُّكُوعُ وسَجَد معه، فإن سَجَد السَّجْدَتَيْن معه، فقال القاضى: يُتِمُّ بها الرَّكْعَةَ الأُولَى. وهذا مَذْهَبُ الإِمامِ الشافعىِّ. رَحِمَه اللَّه تعالى. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا سَجَد مُعْتَقِدًا جَوازَ ذلك اعْتُدَّ له به، وتَصِحُّ له الرَّكْعَةُ، كما لو سَجَد وإمامُه قائِمٌ، ثم إن أدْرَكَ الإِمامَ في رُكوعِ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ له الرَّكْعَتان، وإن أدْرَكَه بعدَ رَفْعِ رَاسِه مِن رُكُوعِها، فَينْبَغى أن يَرْكَعَ ويَتْبَعَه، لأنَّ هذا سَبْقٌ يَسِيرٌ. ويَحْتَمِلُ أن تَفُوتَه الثَّانِيةُ بفَواتِ الرُّكُوعِ، كالمَسْبُوقِ.

644 - مسألة: (فإن لم يتابعه عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته، وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الإمام فى التشهد، أتى بركعة أخرى بعد سلام الإمام، وصحت جمعته. وعنه، يتمها ظهرا)

فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ ثمَّ أدْرَكَ الإمَامَ فِى التَّشَهُّدِ، أُتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ. وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ 644 - مسألة: (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ ثمَّ أدْرَكَ الإمَامَ فِى التَّشَهُّدِ، أُتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِ الإِمامِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ. وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا) وجُمْلَتُه أنَّ مَن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وخَاف فَواتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مع الإِمامِ إنِ اشْتَغَلَ بالسُّجُودِ، لَزِمَه مُتابَعَتُه في رُكُوعِ الثَّانِيةِ؛ لِما ذَكَرْنا. فإن تَرَك مُتابَعَةَ إمامِه عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ فيها عَمْدًا، وفَعَل ما لا يَجُوزُ فِعْلُه. وإنِ اعْتَقَدَ جَوازَ ذلك فسَجَد، لم يُعْتَدَّ بسُجُودِه، لأنَّه سَجَدَ في مَوْضِعِ الرُّكوعِ جَهْلًا، أشْبَهَ السَّاهِىَ. ؤقال أبو الخَطَّابِ: يُعْتَدُّ له به، فإن أدْرَكَ الإِمامَ في التَّشَهُّدِ تابَعَه، وقَضَى رَكْعَة بعدَ سلامِه، كالمَسْبُوقِ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ. قال شيخُنا (¬1): ولا وَجْهَ للسُّجُودِ هنا؛ لأنَّ المأْمُومَ (¬2) ليس عليه سُجُودُ ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 188. (¬2) في النسح: «الإمام»، والمثبت من المغنى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَهْوٍ. وإن زُحِمَ عن سَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أو عن الاعْتِدالِ بينَ السَّجْدَتَيْن، أو بينَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في ازْدِحامٍ عن السُّجُودِ. فصل: فأمَّا إن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الثَّانِيةِ، فزالَ الزِّحامُ قبلَ سَلامَ الإِمام، سَجَدَ وتَبِعَه، وصَحَّتْ له الرَّكْعَةُ. وإن لم يَزُلْ حتَّى سَلَّمَ، فإن كان أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الأُولَى، فقد أَدْرَكَ الجُمُعَةَ، ويَسْجُدُ للثَّانِيَةِ بعدَ سَلامِ الإِمامِ، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، فقد تَمَّتْ جُمُعَتُه. وإن لم يَكُنْ أدْرَكَ الأُولَى، فإنَّه يَسْجُدُ بعدَ سلامِ إمامِه، وتَصِحُّ له رَكْعَةٌ. وهل يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ بذلك؟ على رِوايَتَيْن. فصل: وإذا أدْرَكَ مع الإِمامِ رَكْعَةً، فلمَّا قام ليَقْضِىَ الأُخْرَى ذَكَر أنَّه لم يَسْجُدْ مع إمامِه إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً [أو شَكَّ] (¬1) في ذلك؛ فإن لم يَكُنْ شَرَع في قِراءَةِ الثَّانيةِ، رَجَع فَسَجَدَ للأُولَى، فأَتَمَّهَا، وقَضَى الثَّانِيَةَ، وأتمَّ الجُمُعَةَ. نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَمِ. وإن كان شَرَع في قِراءَةِ الثَّانيةِ، بَطَلَتِ الأُولَى، وصارَتِ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، ويُتِمُّها جُمُعَةً، ¬

(¬1) في م: «وشك».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ على ما نَقَلَه الأثْرَمُ. وقِياسُ الرِّوايَةِ الأُخْرَى في المَزْحُومِ، أنَّه يُتِمُّها ههُنا ظُهْرًا، لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً. ولو قَضَى الرَّكْعَهً الثَّانِيَةَ، ثم عَلِم أنَّه تَرَك سَجْدَةً مِن إحْدَاهما، لا يَدْرِى مِن أَيُّهما تَرَكَها، فالحُكْمُ واحِدٌ، ويَجْعَلُها مِن الأُولَى، ويَأْتِى برَكْعَةٍ مَكانَها. وفى كَوْنِه مُدْرِكًا (¬1) للجُمعَةِ وَجْهان. فأمَّا إن شَكَّ في إدْراكِ الرُّكُوع مع الإِمامِ؛ مثلَ أن كَبَّرَ والإِمامُ راكِعٌ، فرَفَعَ إمَامُه رَأْسَه، فشَكَّ هل أدْرَكَ المُجْزَئَ مِن الرُّكوعِ مع الإِمامِ أوْ لا؟ لم يَعْتَدَّ بتلك الرَّكْعَةِ، ويُصَلِّى ظُهْرًا، قَوْلًا واحِدًا، لأنَّ الأصْلَ أنَّه ما أتَى بها معه وفى كلِّ مَوْضِعٍ لا يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ، فعلى قَولِ الخِرَقِىِّ، يَنْوى ظُهْرًا، فإن نوَى جُمُعَةً لَزِمَه اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ. ويَحْتَمِلُه كلامُ الإِمام أحمدَ، في رِوايَةِ صالِحٍ وابن مَنْصُورٍ وعلى قَوْلِ أبى (¬2) إسحاقَ بنِ شَاقْلَا: [يَنْوى جُمُعَةً] (¬3)، لِئَلَّا يُخالِفَ إِمامَه، ويُتِمُّها ظُهْرًا. وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَيْن. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سقط من: م. (¬3) سقط من: الأصل.

645 - مسألة: (الرابع، أن يتقدمها خطبتان، ومن شرط صحتهما حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله

الرَّابعُ، أنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصلْ: ولو صَلَّى مع الإِمام رَكْعَةً، ثم زُحِمَ في الثَّانِيَةِ، فأُخْرِجَ مِن الصَّفِّ فصارَ فَذًّا، فَنَوى الانْفِرادَ عن الإِمامِ، قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُتِمُّها جُمُعَةً؛ لأنَّه أدْرَكَ منها رَكْعَةً مع الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو أدْرَكَ الثَّانِيَةَ. وإن لم يَنْوِ الانْفِرادَ، وأتَمَّها مع الإِمامِ، ففية رِوايَتان؛ إحْدَاهُما، لا يَصِحُّ، لأنَّه قد فَذَّ في رَكْعَةٍ كامِلَةٍ، أشْبَهَ ما لو فَعَل ذلك عَمْدًا. والثَّانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يُعْفَى في البِناءِ عن تَكْمِيلِ الشُّرُوطِ كما لو خَرَج الوَقْتُ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً، وكالمَسْبُوقِ. 645 - مسألة: (الرَّابعُ، أنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِما حَمْدُ اللَّه تِعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَعَالَى، وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ.) الخُطْبَةَ. وبه قال غطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال الحسنُ: تُجْزِئُهم الجُمُعَةُ مِن غيرِ خُطْبَةٍ؛ لأنَّها صلاةُ عِيدٍ، فلم تُشْتَرَطْ لها الخُطْبَةُ، كصلاةِ الأضْحَى. ولَنا، قولُ اللَّهِ سُبْحَانَه وتعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}. والذِّكْرُ هو الخُطْبَةُ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَتْرُكِ (¬1) الخُطْبَةَ، وقَد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِى أُصَلِّى» (¬2). وعن عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّه قُصِرَ في الصَّلاةِ لأجْلِ الخُطْبَةِ (¬3). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، نَحْوُ هذا. فصل: ويُشْتَرَطُ لها خُطْبَتَانِ. وهذا مَذْهَبُ الإِمامِ الشافعىِّ. وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصَحابُ الرَّأْى: ¬

(¬1) في الأصل: «يدع». (¬2) تقدم تخريجه في 3/ 441، 442. (¬3) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب الرجل تفوته الخطبة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 128.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تُجْزِئُه خُطْبَةٌ واحِدَةٌ. وعن الإمام أحمدَ ما يَدُلُّ عليه، فإنَّه قال: لا تَكُونُ الخُطْبَةُ إِلَّا؛ خَطَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو خُطْبَةٌ تَامَّةٌ. ووَجْهُ الأوَّلِ ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْن وهو قائِمٌ، يَفْصِلُ بينَهما بجُلُوسٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِى أُصَلِّى». ولأنَّ الخُطْبَتَيْن أُقِيمَتَا مَقامَ الرَّكْعَتَيْن، فكلُّ خُطْبَةٍ مَكانَ رَكْعَةٍ، فالإِخْلالُ بإحْدَاهُما إخْلَالٌ بإحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ. فصل: ويُشْتَرَطُ لكلِّ واحِدَةٍ منهما حَمْدُ اللَّهِ تعالى، والصلاةُ على رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «كُلُّ كَلَامٍ ذِى بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (¬2). وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: كان رسولُ اللَّهِ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الخطبة قائمًا، وباب القعدة بين الخطبتين بوم الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 12، 14. ومسلم، في: باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 589 كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الجلوس بين الخطبتين، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 294. والنسائى، في: باب الفصل بين الخطبتين بالجلوس، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 90. وابن ماجة، في: باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 351. والدارمى، في: باب القعود بين الخطبتين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 366. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 98. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الهَدْى في الكلام، من كتاب الأدب، سنن أبى داود 2/ 560 بلفظ «أجذم». وابن ماجة، في: باب خطبة النكاح، من كتاب النكاح. سنن ابن ماجة 1/ 160 بلفظ «أقطع». والإمام أحمد، في: المسند 2/ 359.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِى عليه بما هو أهْلُه، ثم يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ» (¬1). وإذا وَجَب ذِكْرُ اللَّهِ، وَجَب ذِكْرُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالأَذانِ، ولأنَّه قد رُوِىَ في تَفْسِير قولِه تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (¬2). قال: لا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِى (¬3). ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الصلاةُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَذْكُرْ ذلك في خُطْبَتِه. ¬

(¬1) أخرجه مسلم، في: باب تخفيف الصلاة والخطبة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 593. والنسائى، في: باب كيف الخطبة، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 153. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 371. (¬2) سورة الشرح 4. (¬3) أخرجه البيهقى، في: باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- في الخطبة، من كتاب الجمعة. السنن الكبرى 3/ 209. وانظر: الدر المنثور، للسيوطى 6/ 363.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والقِراءَةُ في كلِّ واحِدَةٍ مِن الخُطتَيْنِ شَرْطٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخرَقِىِّ؛ لأنَّ الخُطْبَتَيْن أُقِيمَتا مَقامَ الرَّكْعَتَيْن، فكانتِ القِراءَةُ فيهما شَرْطًا، كالرَّكْعَتَيْن. ولأنَّ ما وَجَب في إحْداهما وَجَب في الأُخْرَى، كسائِرِ الفُرُوضِ. ويَحْتَمِلُ أن تُشْتَرَطَ القِراءَةُ في إحْداهما؛ لِما روَى الشَّعْبِىُّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَعِدَ المِنْبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، وقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ». ويَحْمَدُ اللَّهَ، ويُثْنِى عليه، ويَقْرَأُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سُورَةً، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ، ثم يَنْزِلُ، وكان أبو بكرٍ وعمرُ يَفْعَلَانِه. رَواه الأثْرَمُ (¬1). والظَّاهِرُ أنَّه إنَّما قَرَأ في الخُطْبَةِ الأُولَى. فصل: وتَجِبُ المَوْعِظَةُ؛ لأنَّها المَقْصُودَةُ مِن الخُطْبَةِ، فلم يَجُزِ الإِخْلالُ بها، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَعِظُ. وفى حديثِ جابرِ بنِ سَمُرَةَ، أنَّه كان يُذَكِّرُ النَّاسَ (¬2). وتَجِبُ في الخُطْبَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لأَنَّ ما وَجَب في إحْداهما وَجَب في الأخْرَى، كسائِرِ الشُّرُوطِ. وهذا قَوْلُ القاضى. ¬

(¬1) وأخرجه عبد الرزاق، في: باب تسليم الإمام إذا صعد، من كتاب الجمعة. المصنف 3/ 193. وابن أبى شيبة، في: باب الإمام إذا جلس على المنبر سلم، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 114. (¬2) انظر حديثه الآتى بعد قليل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ المَوْعِظةَ إنَّما تَكُونُ في الخُطْبَةِ الثَّانِيةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حدِيثِ الشَّعْبِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لو أتَى بِتَسْبِيحَةٍ أجْزَأَ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. فأجْزَأَ ما يَقَعُ عليه الذِّكْرُ، ولأنَّ اسْمَ الخُطبَةِ يَقَعُ على دونِ ما ذَكَرْتُمْ، بدَلِيلِ أنَّ رجلًا جاء إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: عَلِّمْنِى عَمَلًا أدْخُلُ به الجَنَّةَ؟ فقال: «[لئِنْ كُنْتَ] (¬1) أَقْصَرْتَ مِنَ الخُطْبَةِ لَقَدْ أعْرَضْتَ فِى المَسْأَلةِ» (¬2). وعن مالِكٍ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَسَّرَ الذِّكْرَ بفِعْلِه. قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: كانت صلاةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا، يَقْرَأْ آيَاتٍ مِن القُرْآنِ، ويُذَكِّرُ ¬

(¬1) سقط من النسخ. وأثبتناه من المسند. (¬2) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 299، 6/ 384.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّاسَ. رَواه أبو دَاود، والتِّرْمِذِىُّ (¬1). وقد ذَكَرْنا حديثَ جابِرِ بنِ سَمُرَة. وأمَّا التَّسْبِيحُ فلا يُسَمَّى خُطْبَةً. والمُرادُ بالذِّكْر الخُطْبَةُ، وما رَوَوْه مجازٌ؛ فإنَّ السُّؤالَ لا يُسَمَّى خُطْبَةً، بدَلِيلِ أنَّه لو ألْقَى مَسْألَةً على الحاضِرِين لم يَكْفِ ذلك اتِّفاقًا. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الرجل يخطب على قوس، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 252. والترمذى، في: باب ما جاء في قصر الخطبة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 295. كما أخرجه مسلم، في: باب تخفيف الصلاة والخطبة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 591. والنسائى، في: باب القراءة في الخطبة الثانية والذكر فها، من كتاب الجمعة، وفى: باب القصد في الخطبة، وباب القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 90، 156. وابن ماجة، في: باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 351. والدارمى، في: باب في قصر الخطبة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 365. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 91، 93، 95، 98، 100، 102، 106، 107.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يَكْفِى في القِراءَةِ أقَلُّ مِن آيَةٍ. هكذا ذكَرَه الأصحابُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْتَصِرْ على أقَلَّ مِن ذلك، ولأنَّ الحُكْمَ لا [يَتَعَلَّقُ بما دُونَها] (¬1)، بدلِيلِ مَنْعِ الجُنُبِ مِن قِراءَتِها. فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَشْتَرِطُ ذلك؛ فإنَّه قال، في القِراءَةِ في الخُطْبَةِ: ليس فيه شئٌ مُوَقَّتٌ، ما شاءَ قَرَأ. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. قال شَيْخُنا (¬2): ويَحْتمِلُ أن لا يَجِبَ سِوَى حَمْدِ اللَّهِ والمَوْعِظَةِ؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى خُطْبَةً، ويَحْصُلُ به المَقصُودُ، وما عَداهما ليس على اشْتِراطِه دَلِيل؛ لأنَّه لا يَجِبُ أن يَخْطُبَ على صِفَةِ خُطْبَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّه كان يَقْرأ آيَاتٍ، ولا يَجبُ قِراءَةُ آيَاتٍ بالاتِّفاقِ، لكن يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الشَّعْبِىِّ. وقالَتْ أُمُّ هِشامٍ بنتُ حارِثَةَ بنِ النُّعْمانِ: ما أخَذْتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}. إلَّا مِن فِي رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كان يَخْطُبُ بها كلَّ جُمُعَةٍ. رَواه مسلمٌ (¬3). ¬

(¬1) في م: «يتعين بدونها». (¬2) في: المغنى 3/ 176. (¬3) في باب: تخفيف الصلاة والخطبة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 595. كما أخرجه أبو داود، في: باب الرجل يخطب على قوس، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 252، 253. والنسائى، في: باب القراءة في الخطبة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 88.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُشْتَرَطُ للْخُطْبَةِ حُضورُ العَدَدِ المُشْتَرَطِ في القَدْرِ الواجِبِ مِن الخُطْبَتَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلاةَ، فلم يُشْتَرَطْ له العَدَدُ، كالأذَانِ. ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مِن شَرائِطِ الجُمُعَةِ، فكان مِن شَرْطِه العَدَدُ، وكتَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وتُفارِقُ الأذانَ، فإنَّه ليس بِشَرْطٍ، وإنَّما مَقْصُودُه الإِعْلامُ، والإِعْلامُ للغَائِبينَ، والخُطْبَةُ مَقْصُودُها المَوْعِظَةُ، فهى لِلحاضِرِينَ. فعلى هذا إنِ انْفَضُّوا في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ثم عادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، أجْزاهم، وإلَّا لم يُجْزِئْهم، إلَّا أن يَحْضُرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ثم يَنْفَضُّوا ويَعُودُوا قبلَ شُرُوعِه في الصَّلاةِ، مِن غيرِ طُولِ الفَصْلِ، فإن طالَ الفَصْلُ لَزِمَه إعادَةُ الخُطْبَةِ، إن كان الوَقْتُ مُتَّسِعًا، وإن ضاقَ الوَقْتُ صَلَّوْا ظُهْرًا. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُشْتَرَطُ لهما (¬1) الوَقْتُ، فلو خَطَب قبلَ الوَقْتِ لم تَصِحَّ خُطْبَتُه، قِياسًا على الصَّلاةِ. ويُشْتَرَطُ لهما المُوَالاةُ، فإن فَرَّقَ بينَ الخُطْبَتَيْنِ، أو بينَ أجْزاءِ (¬2) الخُطْبَةِ الواحِدَةِ بكَلام طَويلٍ، أو سُكُوتٍ طَوِيلٍ مِمَّا يَقْطَعُ المُوَالاةَ، اسْتَأْنَفَها. وكذلك يُشْتَرَطُ المُوَالَاةُ بينَ الخُطْبَةِ والصَّلاةِ أيضًا. فإن فَرَّقَ بينَهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا بَطَلَتْ، ولا تَبْطُلُ باليَسِيرِ؛ لأنَّ الخُطْبَتَيْنِ مع الصَّلاةِ كالمَجْمُوعَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ المُوَالَاةَ لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تُشْتَرَطِ المُوَالَاةُ بينَهما، ¬

(¬1) في م: «لها». (¬2) في م: «آخر».

646 - مسألة: (وهل يشترط لهما الطهارة، وأن يتولاهما من يتولى الصلاة؟ على روايتين)

وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ كالأَذَانِ والإِقامَةِ. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العُرْفِ. وإنِ احْتاجَ إلى الطهارَةِ تَطَهَّرَ وبَنَى على خُطْبَتِه. وكذلك تُعْتَبَرُ سائِرُ شُروطِ الجُمُعَةِ لِلْقَدْرِ الوَاجِب مِن الخُطْبَتَيْنِ. 646 - مسألة: (وهل يُشْتَرَطُ لهما الطهارةُ، وأن يَتَولَّاهُما مَن يَتَولَّى الصلاةَ؟ على رِوايَتَيْن) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في اشْتِراطِ الطهارةِ لِلخُطْبَةِ، وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْنِ. وقد قال أحمدُ في مَن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ خَطَب وهو جُنُبٌ، ثم اغْتَسَل وَصلَّى بهم، تُجْزِئُه. قال شيْخُنا (¬1): والأشْبَهُ بأُصُولِ المَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطهارَةِ الكُبْرَى؛ لكونِ قِراءَةِ آيَةٍ شَرْطًا للخُطْبَةِ. ولا يَجُوزُ ذلك للجُنُبِ. فأمَّا الطهارةُ الصُّغْرَى، فالصَّحِيحُ أنَّها لا تُشْتَرطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ، يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تَكُنِ الطهارةُ فيه شَرْطًا، كالأذَانِ، ولأنَّه لو اشْتُرِطَتْ لهما الطهارةُ لاشْتُرِطَ الاسْتِقْبالُ، كالصلاةِ. ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 177.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وعنه، أنَّها تُشْتَرَطُ لهما، كتَكْبِيرَةِ الإِحْرام، ولكنْ يُسْتَحَبُّ أن يكونَ مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثِ والنَّجَسِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى عَقِيبَ الخُطْبَةِ، لا يَفْصِلُ بينَهما بطهارةٍ، فيَدُلُّ على أنَّه كان مُتَطَهِّرًا، والاقْتِدَاءُ به إن لم يَكُنْ واجِبًا فهو سُنَّةٌ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَتَولَّاهُما مَن يَتَوَلَّى الصلاةَ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُه، وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِى أُصَلِّى» (¬1). ولأنَّ الخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقامَ رَكْعَتَيْن، لكن يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ لعُذْرِ، ففى الخُطْبَةِ والصلاةِ أوْلَى. وعنه، يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ لغيرِ عُذْرٍ، فإنَّه قال في الإِمامِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويُصَلِّى الأميرُ بالنَّاسِ: لا بَأْسَ إذا حَضَر الأمِيرُ الخُطْبَةَ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عن الصَّلاةِ، فأَشْبَها الصلاتَين. وهل يُشْتَرَطُ أن يكونَ المُصَلِّى مِمَّن حَضَر الخُطْبَةَ؟ فيه ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 441، 442.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِوايتان، إحْداهما، يُشْتَرَطُ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ وأصحابِ الرَّأْىِ، لأنَّه إمامٌ في الجُمُعَةِ، فاشْتُرِطَ حُضُورُ الخُطْبَةِ كما لو لم يَسْتَخْلِفْ. والثَّانيةُ، لا يُشْتَرَطُ. وهو قولُ الأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ؛ لأنَّه مِمَّن تَنْعَقِدُ به الجُمُعَةُ، فجاز أن يَؤُمَّ فيها كما لو حَضَر الخُطْبَةَ. وقد روَى الإِمَامُ أحمدُ رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه لا يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ مع العُذْرِ أيضًا، فإنَّه قال، في الإِمَامِ إذا أحْدَثَ بعدَ ما خَطَب فَقَدَّمَ (¬1) رجلًا يُصلِّى بهم: لم يُصَلِّ إلَّا أرْبَعًا، إلَّا أن يُعِيدَ الخُطْبَةَ، ثم يُصلِّى بهم رَكْعَتَيْنِ. وذلك لأنَّ هذا لم يُنْقَلْ عن النبىِّ ¬

(¬1) في م: «يقدم». وفى الأصل: «تقدم». والمثبت من المغنى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه. والمَذْهَبُ الأوَّلُ. وهل يَجُوزُ أن يَتَوَلَّى الخُطْبَتَيْن اثْنان، يَخْطُبُ كلّ واحدٍ خُطْبَةً؟ فيه احْتمالان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، كالأذانِ والإِقَامَةِ. والثَّانِى، لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.

647 - مسألة: (ومن سننهما أن يخطب على منبر، أو موضع عال)

وَمِنْ سُنَنِهِمَا أنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ، أوْ مَوْضِعٍ عَالٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 647 - مسألة: (ومِن سُنَنِهما أن يَخْطُبَ على مِنْبرٍ، أو مَوْضِعٍ عالٍ) لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ النَّاسَ على مِنْبَرٍ. قال سَهْلُ بنُ سَعْدٍ: أرْسَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى فُلانَةَ: «أنْ مُرِى غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِى أعْوَادًا أجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ». مُتَّفَق عليه (¬1). ولأنَّه أَبلَغُ في الإِعْلامِ. وليس ذلك واجِبًا، فلو خَطَب على الأرْضِ، أو رَبْوَةٍ، أو راحِلةٍ، أو غيرِ ذلك، جاز، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقُومُ على الأرْضِ قبلَ أن يُصْنَعَ له المِنْبَرُ. ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ المِنْبَرُ عن يَمِينِ القِبْلَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هكذا صَنَع. ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الاستعانة بالنجار. . . إلخ، من كتاب الصلاة، وفى: باب الخطبة على المنبر، من كتاب الجمعة، وفى: باب النجار، من كتاب البيوع، وفى: باب من استوهب من أصحابه شيئًا، من كتاب الهبة. صحيح البخارى 1/ 122، 2/ 11، 3/ 80، 201. ومسلم، في: باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 386، 387. كما أخرجه أبو داود، في: باب في اتخاذ المنبر، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 248. والنسائى، في: باب الصلاة على المنبر، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 45. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 339.

648 - مسألة: (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم)

وَيُسَلِّمَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِذَا أقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 648 - مسألة: (ويُسَلِّمَ على المَأْمُومِينَ إذا أقْبَلَ علَيْهِم) ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ إذا خَرَج أن يُسَلِّمَ على النَّاسِ، ثم إذا صَعِدَ المِنْبَرَ فاسْتَقْبَلَ الحاضِرِينَ سَلَّم عليهم. يُرْوَى ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وبه قال الأوزاعِىُّ، والشافعىُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ السَّلامُ عَقِيبَ الاسْتقْبال؛ لأنَّه سَلَّمَ حالَ خُرُوجِهْ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ عليهم. رَواه ابنُ ماجه (¬1). وعن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا دَخَل المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَلَّمَ على مَن عندَ المِنْبَرِ جالِسًا، فإذا صَعِدَ المِنْبَرَ [واسْتَقْبلَ النَّاسَ] (¬2) سَلَّمَ عليهم. رَواه أبو بكرٍ، بإسْنادِه (¬3). ومتى سَلَّمَ رَدَّ عليه النَّاسُ؛ لأنَّ رَدَّ السَّلامِ آكَدُ مِن ابْتِدائِه. ¬

(¬1) في: باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجة 1/ 352. (¬2) سقط من: م. (¬3) وأخرجه البيهقى، في: باب الإمام يسلم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس، من كتاب الجمعة. السنن الكبرى 3/ 205.

649 - مسألة: (ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين)

ثُمَّ يَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الْأذَانِ، وَيَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 649 - مسألة: (ثم يَجْلِسَ إلى فَراغِ الأذَانِ، ويَجْلِسَ بينَ الخُطْبَتَيْن)؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجْلِسُ إذا صَعِد حتَّى يَفْرَغَ الأذَانُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ [ثم يَجْلِسُ] (¬1) [فلا يتَكَلَّمُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ] (¬2). رَوَاه أبو داودَ (¬3). وتَكُونُ الجَلْسةُ بينَ الخُطْبَتَيْن ¬

(¬1) سقط من: الأصول. والمثبت من سنن أبى داود. (¬2) سقط من: م. (¬3) في: باب الجلوس إذا صعد المنبر، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 250، 251.

650 - مسألة: (ويخطب قائما)

وَيَخْطبَ قَائِمًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ خَفِيفَةً. وليست واجِبَةً في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال الشافعىُّ: واجبَةٌ. ولَنا، أنَّها جَلْسَة ليس فيها ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلم تَكُنْ واجِبَةً كالأُولَى. وقد سَرَد الخُطْبَةَ جَماعَةٌ، منهم المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، وأُبَىُّ بنُ كَعْبٍ. قالَه الإِمامُ أحمدُ. ورُوِىَ عنِ أبى إسحاقَ، قال: رأْيتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ على المِنْبَرِ فلم يَجْلِسْ حتَّى فرَغَ (¬1). فإن خَطَب جالِسًا لعُذْرٍ اسْتُحِبَّ أن يَفْضلَ بينَ الخُطْبَتَيْن بسَكْتةٍ، وكذلك إن خَطَب قائِمًا فلم يَجْلِسْ. 650 - مسألة: (ويَخْطُبَ قائِمًا) رُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ القِيامَ في الخُطْبَةِ واجِبٌ، وهو مَذهَبُ الإِمامِ الشافعىُّ. فرَوَى الأثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ عن الخُطْبَةِ قاعِدًا، أو يَقْعُدُ في ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الخطبة قائمًا، من كتاب الصلاة. المصنف 3/ 189.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إحْدَى الخُطْبَتَيْن؟ فلم يُعْجِبْه، وقال: قال اللَّه تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} (¬1). وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ قائِمًا. فقال له الهَيْثَمُ بنُ خَارِجَةَ (¬2): كان عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَجْلِسُ في خُطْبَتِه. فظَهَرَ منه إنْكارُه. ووَجْهُ ذلك ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْن (¬3)، وهو قائِمٌ، يَفْصِلُ بينَهما بجُلُوسٍ. مُتَّفَقٌ عليه (¬4). وروَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ قائِمًا، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ قائِمًا، فمَن نَبَّأكَ أنَّه كان يَخْطُبُ جالِسًا فقد كَذَب، فقد واللَّهِ صَلَّيْتُ معه أكثرَ مِن ألْفَىْ صلاةٍ. رَواه مسلمٌ (¬5). وقال القاضى: تُجْزِئُه الخُطةُ قاعِدًا. وقد نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ ليس مِن شَرْطِه الاسْتِقْبالُ، فلم يَجبْ له القِيامُ، كالأذانِ، ولأنَّ المَقْصودَ يَحْصُلُ بدونِه. وهذا اخْتِيارُ أكَثرِ أصحابِنا. ¬

(¬1) سورة الجمعة 11. (¬2) أبو أحمد الهيثم بن خارجة الخراسانى الأول، روى عنه الإمام أحمد، وسأل الهيثم الإمام أحمد عن أشياء، توفى ببغداد سنة ثمان وعشرين ومائتين. طبقات الحنابلة 1/ 394. (¬3) في م: «خطبته». (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 220. (¬5) في: باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 589. كما أخرجه أبو داود، في: باب الخطبة قائما، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 251. والنسائى، في: باب السكوت في القعدة بين الخطبتين. من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 90. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 351. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 87 - 95، 100 - 102، 107، 108.

651 - مسألة: (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا)

ويَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصًا، وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 651 - مسألة: (ويَعْتَمِدَ على سَيفٍ، أو قَوْسٍ، أو عَصًا) لِما روَى الحَكَمُ بنُ حَزْنٍ، قال: وَفَدْتُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشَهِدْنا معه الجُمُعَةَ، فقام مُتَوَكِّئًا على عَصًا أو قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّباتٍ مُبارَكَاتٍ. رَواه أبو داودَ (¬1). فإن لم يَفْعَلِ اسْتُحِبَّ أن يُسَكِّنَ أطْرَافَه، إمَّا أن يَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه، أو يُرْسِلَهُما ساكِنَتَيْن إلى جَنْبَيْه. 652 - مسألة: (ويَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِه) لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك ولأنَّ (¬2) في التِفاتِه إلى أحَدِ جانِبَيْه إعْراضًا (¬3) عن الجانِبِ الآخَرِ، فإن خالَفَ فاسْتَدْبَرَ النَّاسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، صَحَّتِ الخُطْبَةُ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به، كما لو أذَّنَ غيرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه ترَك الجِهَةَ المَشْرُوعَةَ، أشْبَهَ ما لو اسْتَدْبَرَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ، ولأنَّ مَقْصُودَ الخُطْبَةِ المَوْعِظَةُ، وذلك لا يَتِمُّ باسْتِدْبارِ النَّاسِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ للنَّاسِ أن يَسْتَقْبِلُوا الخَطِيبَ إذا خَطَب. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَكُونُ الإِمامُ عن يَمِينى مُتباعِدًا، فإذا أرَدْتُ ¬

(¬1) في: باب الرجل يخطب على قوس، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 251. كما أخرجه، الإمام أحمد، في: المسند 4/ 212. (¬2) في م: «لأن المقصود». (¬3) في م: «الإعراض».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أن أنْحَرِفَ إليه حَوَّلْتُ وَجْهِىَ عن القِبْلَةِ. فقال: نعم، تَنْحَرفُ إليه. ومِمَّن كان يَسْتَقْبِلُ الإِمامَ ابنُ عمرَ، وأنسٌ. وهو قولُ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا كالإجْماعِ. ورُوِىَ عن الحسنِ، أنَّه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ولم يَنْحَرِفْ إلى الإِمامِ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان لا يَسْتَقْبِلُ هِشامَ ابنَ إسماعيلَ (¬1) إذا خَطَبَ، فوَكَلَ به هِشامٌ شُرَطِيًّا يَعْطِفُه إليه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما روَى عَدِىُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قام على المِنْبَرِ اسْتَقْبَلَه أصحابُه بوُجُوهِهم. رَواه ابنُ ماجه (¬2). ولأنَّ ذلك أبْلغُ في إسماعِهم، فاسْتُحِبَّ، كاسْتِقْبَالِه إيَّاهم. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ صَوْتَه ليُسْمِعَ النَّاسَ قال جابِرٌ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خَطَب احْمَرَّتْ عَيْنَاه، وعَلَا صَوْتُه، واشْتَدَّ غَضبُه حتى كأنَّه مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحكُمْ ومَسَّاكُمْ، ويَقُولُ: «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَواه مسلمٌ (¬3). ويُسْتَحَبُّ تَرْتِيبُ الخُطْبَةِ، وهو أن يَبْدَأَ بالحَمْدِ قبلَ المَوْعِظَةِ؛ ¬

(¬1) هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد، ولاه عبد الملك بن مروان على المدينة سنة اثنتين وثمانين، وظل واليا عليها حتى خلفه عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد بن عبد الملك. توفى بعد سنة سبعة وثمانين. الأعلام للزركلى 9/ 81. (¬2) في: باب ما جاء في استقبال الإمام وهو يخطب، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 360. (¬3) في: باب تخفيف الصلاة والخطبة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 592. كما أخرجه النسائى، في باب: كيف الخطبة، من كتاب صلاة العيدين. المجتبى 3/ 153، 154 =

653 - مسألة: (ويستحب تقصير الخطبة)

وَيَقْصِرَ الْخُطْبَةَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك، ثمَّ يُثْنِى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثمَّ يَعِظُ. فإن عَكَس ذلك صَحَّ؛ لحُصُولِ (¬1) المَقْصُودِ منه (¬2). قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّهما فَصْلان مِن الذِّكْرِ يَتَقَدَّمان الصلاةَ، فلم يَصِحَّا مُنَكَّسَيْن، كالأذانِ والإِقامَةِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُطْبَتِه مُتَرَسِّلًا، مُبينًا، مُعْرِبًا، لا يَعْجَلُ فيها، ولا يَقْطَعُها، وأن يكونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بما يَعِظُ الناسَ به؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «عُرِضَ عَلَىَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِى: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» (¬3). 653 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الخُطْبَةِ) لِما روَى عَمَّارٌ، قال: إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِه مَئِنَّةٌ (¬4) مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأقْصِرُوا الخُطْبَةَ». رَواه مسلمٌ (¬5). وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُطِيلُ ¬

= وابن ماجه، في: باب اجتناب البدع والجدل، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 17. والدارمى، في: باب في كراهية أخذ الرأى، من المقدمة. سنن الدارمى 1/ 69. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 310، 311، 319، 338، 371. (¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سقط من: م. (¬3) أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 120، 231، 239. (¬4) أي علامة. (¬5) في: باب تخفيف الصلاة والخطبة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 594. كما أخرجه الدارمى، في: باب قصر الخطبة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 365. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 263.

654 - مسألة: (و)

وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ المَوْعِظَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إنَّما هى كَلِماتٌ يَسِيراتٌ. رَواه أبو داود (¬1). 654 - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ أن (يَدْعُوَ) لنَفْسِه، (والمسلمين) والمُسْلِماتِ، والحاضِرِينَ، وإن دَعَا لسُلْطانِ المسلمين بالصَّلاحِ، فحَسَنٌ. وقد روَى ضَبَّةُ بنُ مُحْصَنٍ (¬2)، أنَّ أبا موسى كان إذا خَطَب فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَدْعُو لعمرَ. وقال القاضى: لا يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لأنَّ عَطاءً قال: هو مُحْدَثٌ. وفِعْلُ الصحابةِ أوْلَى مِن قولِ عَطَاءٍ؛ ولأنَّ سُلْطَانَ المسلمين إذا صَلَح كان فيه صَلاحٌ لهم، ففى الدُّعاءِ له دُعاءٌ لهم، وذلك مُسْتَحَبٌّ غيرُ مَكْرُوهٍ. فصل: وسُئِلَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، عمَّن قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ على المِنْبَرِ، أيُجْزِئُه؟ قال: لا، لم يَزَلِ النَّاسُ يَخْطُبُون بالثَّناءِ على اللَّهِ والصلاةِ على رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقال: لا تكونُ الخُطْبَةُ إلَّا كما خَطَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. أو خُطْبَةٌ تَامَّةٌ. ولأنَّ هذا لا يُسَمَّى خُطْبَةً، ولا يَجْمَعُ الشُّروطَ. فإن قَرَأ آيَاتٍ فيها حَمْدُ اللَّهِ تعالى، والمَوْعِظَةُ، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، صَحَّ؛ لاجْتِماعِ الشُّروطِ. ¬

(¬1) في: باب إقصار الخطب، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 253. (¬2) ضبة بن محصن العنزى الكوفى، ثقة، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 4/ 442.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإن قَرَأ سَجْدَةً في أثْناءِ الخُطْبَةِ، فإن شاء نَزَل فسَجَدَ، وإن أمْكَنَه السُّجودُ على المِنْبَرِ، سَجَد عليه. وإن تَرَك السُّجودَ فلا حَرَج، فَعَلَه عمرُ وتَرَك (¬1). وبهذا قال الإِمامُ الشافعىُّ. ونَزَل عثمانُ، وأبو موسى، وعَمّارٌ، والنُّعْمانُ، وعُقْبَةُ بنُ عامرٍ. وبه قال أصحابُ الرَّأْى. وقال الإِمامُ مالكٌ: لا يَنْزِلُ؛ لأنَّه تَطَوُّعٌ بصلاةٍ، فلم يَشْتَغِلْ به في أثْناءِ الخُطْبَةِ، كصلاةِ رَكْعَتَيْن. ولَنا، فِعْلُ عمرَ، وفِعْلُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، -رَضِىَ اللَّهُ عنهم-، ولأنَّه سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُها في أثْناءِ الخُطْبَةِ، لا يَطُولُ الفَصْلُ بها، فاسْتُحِبَّ فِعْلُها، كحَمْدِ اللَّهِ إذا عَطَس. ولا يَجِبُ ذلك؛ لِما قَدَّمْنَا مِن أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ غيرُ واجِبٍ. ويُفارِقُ صلاةَ رَكْعَتَيْن؛ لأنَّ سَبَبَها لم يُوجَدْ في الخُطْبَةِ، ويَطُولُ بها الفَصْلُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ إذا صَعِدَ الإِمامُ على المِنْبَرِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه قد كان يُؤَذَّنُ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ: كان النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذا جَلَس الإِمامُ على المِنْبَرِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فلمَّا كان زَمَنُ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وكَثُرَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 4/ 212.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النَّاسُ، زاد النِّداءَ الثَّالِثَ على الزَّوْرَاءِ. رَواه البخارىُّ (¬1). فهذا النِّداءُ الأوُسَطُ هو الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ السَّعْى، وتَحْرِيمُ البَيْعِ؛ لقَوْلِه سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (¬2). وهذا النِّداءُ الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ نُزولِ الآيَةِ، فَتعَلَّقَتِ الأحْكِامُ به. والنِّداءُ الأوَّلُ مُسْتَحَبٌّ في أوَّلِ الوَقْتِ، سَنَّه عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعَمِلَت به الأُمَّةُ بعدَه، وهو للإِعْلامِ بالوَقْتِ، والثَّانِى للإِعْلامِ بالخُطْبَةِ، والثَّالِثُ للإِعْلامِ بقِيامِ الصَّلاةِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً (¬3) أنَّ الأذانَ الذى يُوجِبُ السَّعْىَ ويُحَرِّمُ البَيْعَ هو الأذانُ الأوَّلُ على المَنارَةِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. فصل: فأمَّا مَن يَكُونُ مَنْزِلُه بَعيدًا، لا يُدْرِكُ الجُمُعَةَ بالسَّعْى وَقْتَ النِّداءِ، فعليه السَّعْىُ في الوقتِ الذى يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ؛ لكَوْنِه مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به واجِبٌ، كاسْتِسْقاءِ الماءِ مِن البئْرِ للوُضُوءِ إذا احْتاجَ إليه. ¬

(¬1) في: باب المؤذن الواحد يوم الجمعة، وباب التأذين عند الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 10، 11. كما أخرجه أبو داود، في: باب النداء يوم الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 250. والترمذى، في: باب ما جاء في أذان الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 304، 305. والنسائى، في: باب الأذان للجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 81، 82. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الأذان يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 359. (¬2) سورة الجمعة 9. (¬3) سقط من: م.

655 - مسألة: (ولا يشترط إذن الإمام. وعنه، يشترط)

وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ. وَعَنْهُ، يُشْتَرَطُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 655 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ إذْنُ الإِمامِ. وعنه، يُشْتَرَطُ) الصَّحِيحُ أنَّ إذْنَ الإِمامِ الأَعْظَمِ ليس بشَرْطٍ في صِحَّةِ الجُمُعَةِ. وبه قال الإِمامُ مالكٌ، رحِمَه اللَّهُ تعالى، والإِمامُ الشافعىُّ. والثَّانِيَةُ، هو شَرْطٌ. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والأوْزاعِىِّ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، والإِمامِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقِيمُها إلَّا الأئِمَّةُ في كلِّ عَصْرٍ، فكان في ذلك إجْماعٌ. ولَنا، أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى الجُمُعَةَ بالنَّاسِ وعثمانُ مَحْصُورٌ، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، وصَوَّبَ ذلك عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. فرَوَى حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَدِىِّ بنِ الخِيَارِ، أنَّه دَخَل على عثمانَ وهو مَحْصُورٌ، فقال: إنَّه قد نَزَل بك ما تَرَى وأنت إمامُ العَامَّةِ. فقال: الصلاةُ مِن أحْسَنِ ما يَعْمَلُ النَّاسُ، فإذا أحْسَنُوا فأحْسِنْ معهم، وإذا أساءُوا فاجْتَنِبْ إساءَتَهُم. أخْرَجَه البُخارِىُّ (¬1)، والأثْرَمُ. وهذا لَفْظُه. ¬

(¬1) في: باب إمامة المفتون والمبتدع، من كتاب الأذان. صحيح البخارى 1/ 178.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: وَقَعَتِ الفِتْنَةُ بالشَّامِ تِسْعَ سِنِين، فكانوا يُجَمِّعُون. ولأنَّها مِن فَرائِضِ الأعْيانِ، فلم يُشْتَرَطْ لها إذْنُ الإِمامِ، وما ذَكَرُوه إجْمَاعًا لا يَصِحُّ، فإنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ الجَماعاتِ (¬1) في القُرَى مِن غيرِ اسْتِئْذانِ أحَدٍ، ثمَّ لو صَحَّ أنَّه لم يَقَعْ إلَّا ذلك لَكان إجْماعًا على جَوازِ ما وَقَع، لا على تَحْرِيمِ غيرِه، كالحَجِّ يَتَوَلَّاه الأئِمَّةُ، وليس شَرْطًا فيه. فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ. فلم يَأْذَنِ الإِمامُ، لم تَجُزْ إقامَتُها، وصَلَّوْا ظُهْرًا. وإن أَذِنَ في إقامَتِها ثمَّ مات (¬2) بَطَل إذْنُه. فإن صَلَّوْا، ثمَّ بان أنَّه مات قبلَ صلاتِهم، فهل تُجْزِئُهم صَلاُتهم؟ على رِوَايَتيْن؛ أصَحُّهما، أنَّها تُجْزِئُهم؛ لأنَّ المسلمين في الأمْصارِ النَّائِيَةِ عن بَلَدِ الإِمامِ لا يُعِيدُون ما صَلَّوْا مِن الجُمُعَاتِ بعدَ مَوْتِه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَ ذلك عليهم، فكان ¬

(¬1) هكذا في النسخ. وفى المغنى: «الجمعات». (¬2) في م: «عادت».

فصل

فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِى الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِى الثَّانِيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ إجْماعًا. ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ يَشُقُّ؛ لعُمُومِه في أكْثَرِ البُلْدانِ. وإن تَعَذَّرَ إذْنُ الإِمامِ لفِتْنَةٍ، فقال القاضى: ظاهِرُ كلامِه صِحَّتُها بغيرِ إذْنٍ، على كِلْتَا الرِّوايَتَيْن. فعلى هذا إنَّما يَكُونُ الإِذْنُ مُعْتَبَرًا عندَ إمْكانِه، ويسْقُطُ بتَعَذُّرِه. فصل: قال: (وصلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ) بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ المسلمون على أنَّ صلاةَ الجُمُعَةِ رَكْعَتان. وجاء الحديثُ عن عمرَ، أنَّه قال: صلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، تمامٌ، غَيْرُ قَصْرٍ، على لِسانِ نَبِيِّكم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد خاب مَن افْتَرَى. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (¬1). 656 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقرَأَ في الأُولَى بسُورَةِ الجُمُعَةِ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 50.

بِالْمُنَافِقِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وفى الثَّانِيَةِ بالمُنافِقِين) يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في الجُمُعَةِ بعدَ الفاتِحَةِ بهاتَيْن السُّورَتَيْن. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لِما رُوِىَ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ أبى (1) رافِعٍ، قال: صَلَّى بنا أبو هُرَيْرَةَ الجُمُعةَ فَقَرأَ سُورَةَ الجُمُعَةِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وفى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} فلما قَضَى أبو هُرَيْرَةَ الصلاةَ أدْرَكْتُه، فقُلْتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ، إنَّك (¬1) قَرَأْتَ سُورَتَيْن كان علىٌّ يَقْرَأُ بهما [بالكُوفَةِ] (¬2). فقال: إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ بهما في الجُمُعَةِ. رَواه مسلمٌ (¬3). وإن قَرَأَ في الثَّانِيَةِ بالغاشِيَةِ، فحَسَنٌ؛ فإنَّ الضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ سَأَل النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ: ماذَا يَقْرَأُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) في م: «في الكوفة». (¬3) في: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 597، 598. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقرأ به في الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 257. والترمذى، في: باب ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 308. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القراءة في الصلاة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 355.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يَوْمَ الجُمُعَةِ على إثْرِ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قال: كان يَقْرَأُ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. أخْرَجه مسلمٌ (¬1). وإن قَرَأَ في الأُولَى بـ {سَبِّحِ}. وفى الثّانِيَة بـ «الغَاشِيَةِ» فحَسنٌ؛ فإنَّ النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ في العِيدَيْن، وفى الجُمُعَةِ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. فإذا اجْتَمَعَ العِيدُ والجُمُعَةُ في يَوْمٍ واحِدٍ، قَرَأ بهما في الصلاتَيْن. أخْرَجَه مسلمٌ (¬2). وقال مالكٌ: أمَّا الذى جاء به الحَدِيثُ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. مع سُورَةِ الجُمُعَةِ، والذى أدْرَكْتُ عليه النَّاسَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ عبدِ العَزِيزِ، أنَّه يَسْتَحِبُّ أن يَقْرَأَ في الثَّانِيَةِ ¬

(¬1) في: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 598. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقرأ به في الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 257. والنسائى، في: باب ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 92. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القراءة في الصلاة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 355. والدارمى، باب القراءة في صلاة الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 368. (¬2) في: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 598. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقرأ به في صلاة الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 257. والترمذى، في: باب ما جاء في القراءة في العيدين، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 5. والنسائى، في: باب ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة، وفى: باب القراءة في العيدين. . . إلخ، وفى: باب اجتماع العيدين وشهودهما، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 92، 150، 158. والدارمى، في: باب القراءة في صلاة الجمعة، وباب القراءة في العيدين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 368، 376، 377. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 271، 273، 276.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ {سَبِّحِ} ولَعَلَّه صار إلى ما حَكاه مالكٌ، أنَّه أدْرَكَ عليه النَّاسَ، واتِّباعُ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَوْلَى. ومَهْمَا قَرَأ به فجائِزٌ حَسَنٌ، إلَّا أنَّ الاقْتِدَاءَ به عليه الصلاةُ والسَّلامُ أحْسَنُ، ولأنَّ سُورَةَ الجُمُعَةِ تَلِيقُ بالجُمُعَةِ؛ لِما فيها مِن ذِكرها، والأمْرِ بها، والحَثِّ عليها. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في صلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ {الم} السَّجْدَةَ (¬1). و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} (¬2). نَصَّ عليه؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْرَأُ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ {الم (1) تَنْزِيلُ}، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ}. رَواهُما مسلمٌ (¬3). قال أحمدُ: لا أُحِبُّ المُداوَمَةَ عليها؛ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أنَّها ¬

(¬1) أي سورة السجدة. (¬2) أي سورة الإنسان. (¬3) في: باب ما يقرأ في يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 599. كما أخرجهما ابن ماجه، في: باب القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 269. وأخرج حديث أبى هريرة أيضًا البخارى، في: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة، وفى: باب سجدة تنزيل السجدة، من كتاب سجود القرآن. صحيح البخارى 2/ 5، 50. والنسائى، في: باب القراءة في الصبح يوم الجمعة، من كتاب الافتتاح. المجتبى 2/ 123. والدارمى، في: باب القراءة في صلاة الصبح يوم الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 362. كما أخرج حديث ابن عباس أبو داود، في: باب ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. سنن أبى داود 1/ 247. والترمذى، في: باب ما جاء ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 309. والنسائى، في: باب القراءة في صلاة الجمعة. . . إلخ، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 91. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 226، 307، 316، 328، 334، 354.

657 - مسألة: (وتجوز إقامة الجمعة فى موضعين من البلد للحاجة، ولا يجوز مع عدمها)

وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ مُفَضَّلَةٌ بسَجْدَةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحَبَّ؛ لأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَه: 657 - مسألة: (وتَجُوزُ إقَامَةُ الجُمُعَةِ في مَوْضِعَيْن مِن البَلَدِ للحاجَةِ، ولا يَجُوزُ مع عَدَمِها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ البَلَدَ إذا كان كَبِيرًا، يَشُقُّ على أهْلِه الاجْتِماعُ في مسْجِدٍ واحِدٍ، ويَتَعَذَّرُ ذلك لتبَاعُدِ أقْطارِه، أو ضِيقِ مَسْجِدِه على أهْلِه، كبَغْدادَ ونَحْوِها، جازَتْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ على قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إليه. وهذا قولُ عَطَاءٍ. وأجازَه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبو يوسفَ في بَغْدادَ دُونَ غيرِها، قال: لأنَّ الحُدُودَ تُقامُ فيها في مَوْضِعَيْن، والجُمُعَةُ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ. ومُقْتَضَى قَوْلِه، أنَّه لو وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقامُ فيه الحُدُودُ في مَوْضعَيْن، كان مثلَ بَغْدَادَ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ. وهذا قولُ ابنِ المُبارَكِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا تَجُوزُ الجُمُعَةُ في بَلَدٍ واحِدٍ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ، ورُوِىَ أيضًا عن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا في مَسجِدٍ واحِدٍ، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولو جاز لم يُعَطِّلُوا المَساجِدَ، حتى قال ابنُ عمرَ: لا تُقامُ الجُمُعَةُ إلَّا في المَسْجِدِ الأكْبرِ، الذى يُصَلِّى فيه الإِمامُ. ولَنا، أنَّها صلاةٌ شُرِعَ لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فجَازَت فيما يُحْتاجُ إليه مِن المَواضِعِ كصلاةِ العِيدِ. وقد ثَبَت أنَّ عَلِيًّا رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يَخْرُجُ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلَّى، ويَسْتَخْلِفُ على ضَعَفَةِ النَّاسِ أبا مسعودٍ البَدْرِىَّ، فيُصَلِّى بهم (¬1). فأمَّا تَرْكُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إقامَةَ جُمُعَتَيْن فلغناهُم عن إحْداهما، ولأنَّ الصحابةَ كانوا يُؤْثِرُونَ سَماعَ خُطْبَتِه، وشُهُودَ جُمُعَتِه، وإن بَعُدَتْ مَنازِلُهم؛ لأنَّه المُبَلِّغُ عن اللَّهِ تعالى، وشارِعُ الأحْكامِ، ولَمّا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذلك في الأمْصارِ صُلِّيَتْ في أماكِنَ، ولم يُنْكَرْ، فصارَ إجْماعًا. ¬

(¬1) أخرج البيهقى، أن عليا أمر رجلًا أن يصلى بضعفة الناس. كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 310.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقولُ ابنِ عمرَ مَعْناه أنَّها لا تُتْرَكُ في المَساجِدِ الكِبارِ، وتُقامُ في الصِّغارِ. وأمَّا اعْتِبارُ ذلك بإقامَةِ الحُدُودِ، فلا وَجْهَ له. قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: أىُّ حَدٍّ كان يُقامُ بالمَدِينَةِ! قَدِمَها مُصْعَبُ ابنُ عُمَيْرٍ وهم يَخْتَبِئُونَ في دارٍ، فجَمَّعَ بهم وهم أرْبَعونَ. فصل: فأمَّا مع عَدمِ الحاجَةِ فلا يَجُوزُ أكْثَرُ مِن واحِدَةٍ، وإن حَصَل الغِنَى باثْنَتَيْن لم تَجُزِ الثَّالِثَةُ، وكذلك ما زاد، لا نَعْلَمُ في هذا مُخالِفًا، إلَّا أنَّ عَطَاءً قِيلَ له: إنَّ أهْلَ البَصْرَةِ يَسَعُهم المَسْجِدُ الأكْبَرُ. قال: لكلِّ قومٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فيه، ويُجْزِئُ ذلك مِن التَّجْمِيعِ في المسجدِ الأكْبَرِ. وما عليه الجُمْهُورُ أَوْلَى إذ لم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وخُلَفائِه أنَّهم جَمَّعُوا أكْثرَ مِن جُمُعَةٍ، إذ لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، ولا يَجُوزُ إثْباتُ الأحكامِ بالتَّحَكُّمِ بغيرِ دَلِيلٍ.

658 - مسألة: (فإن فعلوا فجمعة الإمام هى الصحيحة)

فَإِنْ فَعَلُوا فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِىَ الصَّحِيحَةُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 658 - مسألة: (فإن فعلُوا فجُمُعَةُ الإِمامِ هى الصَّحِيحَةُ) متى صَلَّوْا جُمُعَتَيْن في بلدٍ لغيرِ حاجَةٍ، وإحْداهما جُمُعَةُ الإِمامِ، فهى الصَّحِيحَةُ، تَقَدَّمَتْ أو تَأَخَّرَتْ؛ لأنَّ في الحُكْمِ ببُطْلانِ جُمُعَةِ الإِمامِ افْتِئاتًا عليه، وتَفْوِيتًا له الجُمُعَةَ ولمَن يُصَلِّى معه، ويُفْضِى إلى أنَّه متى شاءَ أرْبَعُونَ أن يُفْسِدُوا صلاةَ أهلِ البلدِ أمْكَنَهم ذلك، بأن يَسْبِقُوا أهلَ البلدِ بصلاةِ الجُمُعَةِ، وقيل: السَّابِقَةُ هى الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها لم يَتَقَدَّمْها ما يُفْسِدُها، ولا تَفْسُدُ بعدَ صِحَّتِها بما بعدَها. والأوَّلُ أصَحُّ. وكذلك إن كانت إحْداهما في المَسْجدِ الجامِعِ، والأُخْرَى في مَكانٍ صَغِيرٍ لا يَسَعُ المُصَلِّينَ، أو لا يُمْكِنُهم الصلاةُ فيه؛ لاخْتِصاصِ السُّلْطانِ وجُنْدِه به،

659 - مسألة: (فإن استويا فالثانية باطلة)

فَإِنِ اسْتَوَيَا فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أو غيرِ ذلك، أو كانت إحْداهما في قَصَبَةٍ، والأُخْرَى أقْصَى المَدِينَةِ، فما وُجدَتْ فيه هذه المَعَانِى، الصلاةُ فيه صَحِيحَةٌ دُونَ الأُخْرَى. وهذا قولُ مالكٍ؛ فإنَّه قال: لا أرَى الجُمُعَةَ إلَّا لأهلِ القَصَبَةِ. وذلك لأنَّ لهذه المعانى مَزِيَّةً تَقْتَضِى التَّقْدِيمَ، فيُقَدَّمُ بها، كجُمُعَةِ الإِمامِ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ السَّابِقَةُ؛ لأنَّ إذْنَ الإِمامِ شَرْطٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن، فكانت آكَدَ مِن غيرِها. 659 - مسألة: (فإنِ اسْتَوَيَا فالثَّانِيَةُ باطِلَةٌ) وإن لم يَكُنْ لإِحْداهما مَزِيَّةٌ على الأُخْرَى؛ لكَوْنِهما جَمِيعًا مَأْذُونًا فيهما، أو غيرَ مَأْذُونٍ وتَساوَى المكانان، فالسَّابِقَةُ هى الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ بشُرُوطِها، ولم يُزاحِمْها

660 - مسألة: (فإن وقعتا معا، أو جهلت الأولى بطلتا معا)

فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا، أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى بَطَلَتَا مَعًا. ـــــــــــــــــــــــــــــ ما يُبْطِلُها، ولا سَبَقَها ما يُغْنِى عنها، والثَّانِيَةُ باطِلَةٌ؛ لكَوْنِها واقِعَةً في مِصْرٍ أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، تُغْنِى عمَّا سِواها. ويُعْتَبَرُ السَّبْقُ بالإِحرامِ؛ لأنَّه متى أُحْرِمَ بإحْداهما حَرُمَ الإِحْرامُ بالأُخْرَى للغِنَى عنها. 660 - مسألة: (فإن وَقَعَتا مَعًا، أو جُهِلَتِ الأُولَى بَطلَتا مَعًا) متى وَقَع الإِحْرامُ بهما معًا مع تَساوِيهما، فهما باطِلَتان؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ صِحَّتُهما معًا، وليست إحْداهما أوْلَى بالفَسادِ مِن الأُخْرَى، كالمُتَزوِّجِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أُخْتَيْن. وإن لم تُعْلَمِ الأُولَى منهما، أو لم يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهما، بَطلَتا أيضًا؛ لأنَّ إحْداهما باطِلَةٌ، ولم يُعْلَمْ عَيْنُها، وليست إحْداهما بالإِبْطالِ أوْلَى مِن الأُخْرَى، فهى كالتى قبلَها، ثمَّ نَنْظُرُ، فإن عَلِمْنا فَسادَ الجُمُعَتَيْن لوُقُوعِهما معًا وَجَبَتْ إعادَةُ الجُمُعَةِ إن أمْكَنَ ذلك، لأنَّه مِصْرٌ ما أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ لإِقامَتِها، أشْبَهَ ما لو لم يُضَلُّوا شَيْئًا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإن عَلِمْنا صِحَّةَ إحْداهما لا بعَيْنِها، فليس لهم أن يُصَلُّوا إلَّا ظُهْرًا؛ لأنَّ هذا مِصْرٌ، تَيَقَّنّا سُقُوطَ الجُمُعَةِ فيه بالأُولَى، فلم تَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ فيه كما لو عُلِمَتْ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ لهم إقَامَةَ الجُمُعَةِ؛ لأنَّا حَكَمْنا بفَسادِهما معًا، فكأنَّ المِصْرَ ما صُلِّيَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولَى لم تَفْسُدْ، وإنَّما لم يُمْكِنْ إثْباتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لها بعَيْنِها للجَهْلِ، فيَصِيرُ هذا كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان، وجُهِلَ السَّابِقُ منهما، فإنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُ الصِّحَّةِ بالنِّسْبَةِ إلى واحِدٍ بعَيْنِه، ويَثْبُتُ حُكْمُ النِّكاحِ في حَقِّ المرأَةِ، بحيثُ لا يَحِلُّ لها أن تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ. فإن جَهِلْنا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهما، فالأَوْلَى أن لا تَجُوزَ إقامَةُ الجُمُعَةِ أيضًا؛ لأنَّ وُقُوعَهما معًا، بحيثُ لا تَسْبِقُ إحْداهما الأُخْرَى بَعِيدٌ جدًّا، وما كان في غايَةِ النُّدُورِ فحُكْمُه حُكْمُ المَعْدُومِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم إقامَتَها؛ لأنَّنا لم نَتَيَقَّنِ المانِعَ مِن صِحَّتِها. والأوَّلُ أوْلَى. فصل: فإن أحْرَمَ بالجُمُعَةِ، فتَبَيَّنَ في أثناءِ الصَّلاةِ أنَّ الجُمُعَةَ قد أُقِيمَتْ في المِصْرِ، بَطَلَتِ الجُمُعَةُ، ولَزِمَهم اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا يَجُوزُ الإِحْرامُ بها، لا يَصِحُّ، أشْبَهَ ما لو أحْرَمَ بها في وَقْتِ العَصْرِ. وقال القاضى: يُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأنِفَ ظُهْرًا. وهذا مِن قَوْلِه يَدُلُّ على أنَّ له إتْمامَها ظُهْرًا، كالمَسْبُوقِ بأكثرَ مِن رَكْعَةٍ، وكما لو

661 - مسألة: (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد)

وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتُزِئَ بِالْعِيدِ، وَصُلِّىَ ظُهْرًا، جَازَ إِلَّا لِلْإِمَامِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ أحْرَمَ بالجُمُعَةِ [فنَقَصَ العَدَدُ] (¬1) قبلَ رَكعَةٍ. والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ فإنَّ هذا أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا تَصِحُّ فيه الجُمُعَةُ، ولا يَجُوزُ الإِحْرامُ بها بخِلافِ الأصْلِ المقِيسِ عليه. فصل: وإذا كانت قَرْيَةٌ إلى جانِبِ مِصْرٍ، يَسْمَعُونَ النِّداءَ منه، أو كان مِصْرَان مُتَقَارِبان، يَسْمَعُ كلٌّ منهم نِداءَ المِصْرِ الآخَرِ، لم تَبْطُلْ جُمُعَةُ أحدِهما بجُمُعَةِ الآخَرِ. وكذلك القَرْيَتان المُتقَارِبتَان؛ لأنَّ لكلِّ قومٍ منهم حُكْمَ أنْفُسِهم، بدَلِيلِ أنَّ جُمُعَةَ أحَدِ القَرْيَتَيْن لا يَتِمُّ عَدَدُها بالفَرِيقِ الآخَرِ، ولا تَلْزَمُهم الجُمُعَةُ بكمَالِ العَدَدِ بهم، وإنَّما يَلْزَمُهم السَّعْىُ إذا لم يَكُنْ لهم جُمُعَةٌ، فهم كأهلِ المَحَلَّةِ القَرِيبَةِ مِن المِصْرِ. 661 - مسألة: (وإذا وَقَع العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاجْتُزِئَ بالعِيدِ) عن الجُمُعَةِ (وصَلَّوْا ظُهْرًا، جاز إلَّا للإِمامِ) وقد قِيلَ: في وُجُوبها على الإِمامِ ¬

(¬1) في الأصل: «فانفض العدة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِوايتَانِ. ومِمَّن قال بسُقُوطِها الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ. وقد قِيلَ: إنَّه مَذهَبُ عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وسَعِيدٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا تَسْقُطُ الجُمُعَةُ؛ لعُمُومِ الآيَةِ، والأخْبارِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِها، ولأنَّهما صلاتان واجِبتانِ، فلم تَسْقُطْ إحْداهما بالأُخْرَى، كالظُّهْرِ مع العِيدِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ مُعاوِيَةَ سَأَل زيدَ بنَ أرْقَمَ: هل شَهِدْتَ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عِيدَيْن اجْتَمَعا في يَوْمٍ؟ قال: نعم. قال: فكيف صَنَع؟ قال: صَلَّى العِيدَ، ثمَّ رَخَّصَ في الجُمُعَةِ، فقالَ: «مَنْ شَاءَ أنْ يُصَلِّىَ فَلْيُصَلِّ». رَواه أبو دَاودَ، وفى لَفْظٍ للإِمامِ أحمدَ: «مَنْ شَاءَ أنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» (¬1). وعن أبى هُرَيْرَةَ، ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 246. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 372. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 415. والدارمى، في: باب إذا اجتمع عيدان في يوم، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 378.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وإنَّا مُجَمِّعُونَ». رَواه ابنُ ماجه (¬1). ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما زادَتْ عن الظُّهْرِ بالخُطْبَةِ، وقد حَصَل سَماعُها في العِيدِ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 181.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فأجْزَأَ عن سَماعِها ثانِيًا. ونُصُوصُهم مَخْصُوصَةٌ بما رَوَيْنَاه، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالظُّهْرِ مع الجُمُعَةِ. فأمَّا الإِمامُ فلا تَسْقُطُ عنه؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإنَّا مُجَمِّعُونَ». ولأنَّه لو تَرَكَها لا مْتَنَعَ فِعْلُ الجُمُعَةِ في حَقِّ مَن تَجِبُ عليه، ومَن يُرِيدُها مِمَّن سَقَطَتْ عنه، ولا كذلك غيرُ الإِمامِ. فصل: فإن قَدَّمَ الجُمُعَةَ فصَلَّاها في وَقْتِ العِيدِ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، قال: تُجْزِئُ الأُولَى منهما. فعلى هذا تُجْزِئُه عن العِيدِ والظُّهْرِ، ولا يَلْزمُه شئٌ إلى (¬1) العَصْرِ، عندَ مَن يُجَوِّزُ فِعْلَ الجُمُعَةِ في وَقْتِ العِيدِ؛ لِما روَى أبو داودَ، بإسْنادِه، عن عَطَاءٍ، قال: اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ ويومُ فِطْرٍ على عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: عِيدَانِ قد اجْتَمَعَا في يَوْمٍ واحَدٍ، فجَمَعَهما ¬

(¬1) في م: «إلا».

662 - مسألة: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست ركعات)

وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ وصَلَّاهُما رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، ولم يَزِدْ عليهما حتى صَلَّى العَصْرَ. فيُرْوَى أنَّ فِعْلَه بَلَغ ابنَ عباسٍ، فقالَ: أصاب السُّنَّةَ (¬1). قال الخَطَّابِىُّ (¬2): وهذا لا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ إلَّا على قَوْلِ مَن يَذْهَبُ إلى تَقدِيمِ الجُمُعَةِ قبلَ الزَّوالِ. فعلى هذا يَكُونُ ابنُ الزُّبَيْرِ قد صَلَّى الجُمُعَةَ، فسَقَطَ العِيدُ والظُّهْرُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إذا سَقَطَتْ بالعِيدِ مع تَأكُّدِها، فالعِيدُ أوْلَى أن يَسْقُطَ بها. أمَّا إذا قَدَّمَ العِيدَ فلابُدَّ مِن صلاةِ الظُّهْرِ في وَقْتِها إذا لم يُصَلِّ الجُمُعَةَ. واللَّهُ أعلمُ. 662 - مسألة: (وأَقَلُّ السُّنَّةِ بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، وأكْثَرُها سِتُّ رَكَعاتٍ) رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن شاء صَلَّى رَكْعَتَيْن، وإن شاء صَلَّى أرْبَعًا. وفى رِوايَةٍ: إن شاء صَلَّى سِتًّا فأيَّما فعَلَ مِن ذلك فهو حَسَنٌ. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 246. كما أخرجه النسائى، في: باب الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 158. وهو عنده عن وهب بن كيسان. (¬2) في: معالم السنن: 1/ 246.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وكان ابنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِىُّ وأصحابُ الرَّأْى يَرَوْن أن يُصَلِّىَ بعدَها أرْبعًا؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أرْبَعًا». رَواه مسلمٌ (¬1). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأبى موسى، وعَطَاءٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه يُصَلِّى سِتًّا؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان إذا كان بمَكَّةَ، فصَلَّى الجُمُعَةَ، تَقَدَّمَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثمَّ تَقَدَّمَ فصَلَّى أرْبَعًا (¬2). ووَجْهُ قَوْلِنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ ذلك كلَّه؛ بما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وفى لَفْظٍ: وكان ¬

(¬1) في: باب الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 600. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 258. والترمذى، في: باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 311. والنسائى، في: باب عدد الصلاة بعد الجمعة في المسجد، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 92. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 358. والدارمى، في: باب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 370. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 249، 442. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 258. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 16. ومسلم، في: باب الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 600، 601. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 259. والترمذى، في: باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لا يُصَلِّى في المسجدِ حتى يَنْصَرِفَ، فيُصَلِّى رَكْعَتَيْن في بَيْتِه. وهذا يَدُلُّ على أنَّه مَهْمَا فَعَل مِن ذلك كان حَسَنًا. وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ: ولو صَلَّى مع الإِمامِ، ثمَّ لم يُصَلِّ شَيْئًا حتى صَلَّى العَصْرَ كان جائِزًا، فقد فَعَلَه عِمْرَانُ بنُ حُصَينٍ. فصل: فأمَّا الصلاةُ قبلَ الجُمُعَةِ، فقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَرْكَعُ قبلَ الجُمُعَةِ أرْبعًا. أخْرَجَه ابنُ ماجه (¬1). ورُوِىَ عن عَمْرِو بنِ سَعِيدِ ابنِ العَاصِ، عن أبِيه، قال: كُنْتُ أبْقِى (¬2) أصْحَابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ¬

= 2/ 310. والنسائى، في: باب الصلاة بعد الظهر، من كتاب الإمامة، وفى: باب صلاة الإمام بعد الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 2/ 92، 3/ 93. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 358. والدارمى، في: باب في صلاة السنة، وباب القراءة في ركعتى الفجر، وباب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 335، 337، 369. والإمام مالك، في: باب العمل في جامع الصلاة، من كتاب السفر. الموطأ 1/ 166، والإمام أحمد، في: المسند 2/ 6، 11، 17، 35، 63، 75، 77. (¬1) في: باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة، من كتاب الجمعة. سنن ابن ماجه 1/ 358. (¬2) أى أنتظر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فإذا زالَتِ الشمسُ قامُوا فصَلَّوْا أرْبَعًا. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه كان يُصَلِّى قبلَ الجُمُعَةِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ. رواه سعيدٌ (¬1). فصل: ويُسْتَحَبُّ لِمن أرادَ الرُّكُوعَ بعدَ الجُمُعَةِ أن يَفْصِلَ بينَها وبينَه ¬

(¬1) وعزاه الزيلعى للطبرانى في الأوسط. نصب الراية 1/ 206.

فصل

فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ بكَلامٍ، أو انْتِقَالٍ مِن مَكانِه، أو خُرُوجٍ؛ لِما روَى السَّائِبُ بنُ (¬1) يَزِيدَ، قال: صَلَّيْتُ مع مُعاوِيَةَ الجُمُعَةَ في المَقْصُورَةِ، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ قُمْتُ في مَقامِى فَصَلَّيْتُ، فلمّا دَخَل أرْسَلَ إلىَّ، فقال: لا تَعُدْ لِما فَعَلْتَ، إذا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تَتَكَلَّمَ أو تَخْرُجَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَنا بذلك؛ أن لا نُوصِلَ صلاةً حتى نَتَكَلَّمَ أو نَخْرُجَ. أخْرَجَه مسلمٌ (¬2). فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ للجُمُعَةِ في يَوْمِها، والأفْضَلُ فِعْلُه عندَ مُضِيِّه إليها) لا خِلافَ في اسْتِحْبابِ غُسْلِ الجُمُعَةِ، وفيه أحاديثُ صَحِيحَةٌ؛ منها ما روَى سَلْمَانُ الفارِسِىُّ، قال: ¬

(¬1) في م: «عن». (¬2) في: باب الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 601. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بعد الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 258. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 95، 99.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى». رَواه البُخارىُّ (¬1). ومنها قَوْلُه عليه السَّلامُ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». وقولُه: «مَنْ أَتَى مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». مُتَّفَقٌ عليهما (¬2). وليس الغُسْلُ واجِبًا في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. قال التِّرْمِذىُّ: العَمَلُ على هذا عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومَن بعدَهُم؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ. وحَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا. وعن أحمدَ، أنَّه واجِبٌ. رُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، وعَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 2/ 118. (¬2) الأول: أخرجه البخارى، في: باب وضوء الصبيان. . . إلخ، من كتاب الأذان، وفى: باب فضل الغسل يوم الجمعة. . . إلخ، وباب الطيب يوم الجمعة، وباب هل على من لم يشهد الجمعة غسل، من كتاب الجمعة، وفى: باب بلوغ الصبيان وشهاداتهم، من كتاب الشهادات. صحيح البخارى 1/ 217، 2/ 3، 6، 3/ 232. ومسلم، في: باب وجوب غسل الجمعة. . . إلخ، وباب الطيب والسواك يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 580، 581. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل يوم الجمعة، من كتاب الطهارة. سنن أبى داود 1/ 83. والنسائى، في: باب الأمر بالسواك يوم الجمعة، وباب إيجاب الغسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 75، 76. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 346. والدارمى، في: باب الغسل يوم الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 361. والإمام مالك، في: باب العمل في غسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 102. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 6، 30، 60، 65، 66، 69، 4/ 34. والثانى تقدم تخريجه في 2/ 117.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقاوَلَ عَمَّارُ بنُ يَاسِر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشَرُّ مِمَّن لا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ. ووَجْهُه ما ذَكَرْنا مِن النُّصُوصِ. ولَنا، ما روَى سَمُرَةُ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَل فَالْغُسْلُ أفْضَلُ». رَواه النَّسَائِىّ، والتِّرْمِذىّ (¬1)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى الْجُمُعَةَ، وَاسْتَمَعَ وَأنصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على تَأْكِيدِ النَّدْبِ، ولذلك (¬3) ذَكَر في سِياقِه: «وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا». كذلك رَواه مسلمٌ (¬4) ¬

(¬1) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 282. والنسائى، في: باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 77. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، من كتاب الطهارة. سنن أبى داود 1/ 86. والدارمى، في: باب الغسل يوم الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدرامى 1/ 362. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 8، 11، 15، 16، 22. (¬2) لم يخرجه البخارى. وأخرجه مسلم، في: باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 588. كما أخرجه أبو داود، في: باب فضل الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 242. والترمذى، في: باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 284. وابن ماجه، في: باب مسح الحصى في الصلاة، وباب ما جاء في الرخصة في ذلك، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 327، 346، 347. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 424. (¬3) في الأصول: «كذلك». والمثبت من المغنى. (¬4) انظر تخريج حديث «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» المتقدم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والسِّوَاكُ، وَمَسُّ الطِّيبِ، لا يَجِبُ. وقالَتْ عائشةُ، رضى اللَّهُ عنها، وعن أبيها: كان النّاسُ مِهْنَةَ أنْفُسِهم، وكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ بهَيْئَتِهِم، فتَظْهَرُ لهم رائِحةٌ، فَقيلَ لهم: لو اغْتَسَلْتُمْ. رَواه مسلمٌ بنَحْوِ هذا المَعْنَى (¬1). والأفْضَلُ أن يَفْعَلَه عندَ مُضِيِّه إليها؛ لأنَّه أبلَغُ في المَقْصُودِ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ. فصل. ومتى اغْتَسَلَ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أجْزَأ، وإن اغْتَسلَ قبلَه لم يُجْزِئْه. وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخعىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وحُكىَ عن الأوْزاعِى أنَّه يُجْزِئُه الغُسْلُ قبلَ الفَجْرِ. وعن مالكٍ: لا يُجْزِئُه الغُسْلُ إلَّا أن يَتَعَقَّبَه الرَّواحُ. ولَنا، قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (¬2). واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ. وإن اغْتَسَلَ، ثم أحْدَثَ أجْزَأَه الغُسْلُ وكَفاهُ الوُضُوءُ. وهذا قولُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعىِّ. واسْتَحَبَّ طَاوس، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ¬

(¬1) في: باب وجوب غسل الجمعة. . . إلخ، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 581. كما أخرجه البخارى، في: باب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب، وباب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، من كتاب الجمعة، وفى: باب كسب الرجل وعمله بيده، من كتاب البيوع. صحيح البخارى 2/ 8، 3/ 74. وأبو داود، في: باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، من كتاب الطهارة. سنن أبى داود 1/ 85. والنسائى، في: باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 76. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 63. (¬2) انظر ما تقدم في أول المسألة، وما سيأتى في المسألة بعد التالية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ويَحْيَى بنُ أبى كَثيرٍ (¬1) إعادَةَ الغُسْلِ. ولَنا، أنَّه اغْتَسَلَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، أشْبَهَ مَن لم يُحْدِثْ، والحَدَثُ إنَّما يُؤَثِّرُ في الطهارةِ الصُّغْرَى، ولأنَّ المقْصُودَ مِن الغُسْل. التَّنّظِّفُ وإزالَةُ الرائِحَةِ، وذلك لا يُؤثِّرُ فيه الحَدَثُ، ولأنَّه غُسْلٌ فلم يُؤَثِّرْ فيه الحَدَثُ الأصْغَرُ، كغُسْلِ الجَنَابَةِ. فصل: ويَفْتَقِرُ الغُسْلُ إلى النِّيَّةِ، لأنَّه عِبادَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كتَجْدِيدِ الوُضُوءِ. وإنِ اغْتَسَلَ للجُمُعَةِ والجَنابَةِ غُسْلًا واحِدًا ونَواهُما أجْزَأَه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّهُما غُسْلان اجْتَمَعا، فأشْبَها غُسْلَ الحَيْضِ والجَنابَةِ. وإنِ اغْتسَلَ للجَنَابَةِ، ولم يَنْوِ غُسْلَ الجُمُعَةِ، ففيه وِجْهان؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإنَّما لِامْرِئٍ مَا نوَى» (¬2). ورُوِىَ عن ابنٍ لأبى قَتادَةَ، أنَّه دَخَل عليه يَومَ الجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا، فقال: للجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ؟ قال: لا، ولكن للجَنابَةِ. قال: فأعِدْ غُسْلَ الجُمُعَةِ (¬3). والثانى، يُجْزِئُه؛ لأنَّه مُغْتَسِلٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الحَديثِ، ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ، وقد حَصَل، ولأنَّه قد رُوِىَ ¬

(¬1) يحيى بن أبى كثير (صالح) الطائى مولاهم اليمامى، أدرك من الصحابة أنسا رضى اللَّه عنه، ثقة، من أصحاب الحديث، توفى سنة تسع وعشرين ومائة. تهذب التهذيب 11/ 268 - 270. (¬2) تقدم تخريجه في 1/ 308. (¬3) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب الرجل يغتسل للجنابة يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المصنف 2/ 100.

663 - مسألة: (ويتنظف، ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه)

وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ في الحديثِ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ» (¬1). فصل: ومَن لا يأْتِى الجُمُعَةَ فلا غُسْلَ عليه. قال أحمدُ: ليس على النِّساءِ غُسْلُ يومِ الجُمُعَةِ؛ وعلى قِياسِهِنَّ الصِّبْيَانُ والمُسافِرُونَ. وكان ابنُ عمرَ لا يَغْتَسِلُ في السَّفَرِ، وكان طَلْحَةُ يَغْتَسِلُ. ورُوِىَ عن مُجْاهِدٍ، وطَاوُسٍ اسْتِدْلَالًا بعُمُومِ الأَحادِيثِ المذْكُورَةِ. ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «مَنْ أتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (¬2). ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ وقَطْعُ الرَّائِحَةِ؛ لِئلَّا يَتأذَّى غيرُه به، وذلك مُخْتَصٌّ بحُضُورِ الجُمُعَةِ، والأخْبارُ العامَّةُ تُحْمَلُ على هذا؛ ولذلك يُسَمَّى غُسْلَ الجُمُعَةِ، ومَن لا يَأْتِيها فليس غُسْلُه غُسْلَ الجُمُعَةِ. فإن أتَاها من لا تَجِبُ عليه اسْتُحِبَّ له الغُسْلُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ووُجُودِ المَعْنَى فيه. 663 - مسألة: (ويَتَنَظَّف، ويَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِهِ) التَّنظُّفُ والتَّطَيُّبُ والسِّوَاكُ مَنْدُوبٌ إليه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِب عَلَى كُلِّ مُحْتلم، وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا» (¬3). ويُسْتَحَبُّ أن يَدَّهِنَ، ويَتَنَظَّفَ ما اسْتَطاعَ بأخْذِ الشَّعَرِ، وقَطْعِ الرَّائِحَةِ؛ ¬

(¬1) سيأتى تخريجه بتمامه في المسألة بعد التالية. (¬2) تقدم تخريجه في 2/ 117. (¬3) تقدم تخريجه في 269.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لحديثِ سَلْمَانَ الذى ذَكَرْناه (¬1). ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْن نَظِيفَيْن؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَام، أنَّه سمِع النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في يَوْمِ الجُمُعَةِ، يَقُولُ: «مَا عَلَى أحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَومِ جُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَى مِهْنَتِه». رَواه مسلمٌ (¬2). وعن أبى أيُّوبَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقُولُ: «مَنِ اغْتَسَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كَانَ لَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خرَجَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ حَتَّى أتَى المَسْجِدَ، فَيَرْكَعُ إنْ بَدَا لَهُ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا، ثُمَّ أنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يُصَلِّى، كَانتْ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى». رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬3). وأفْضَلُها البَياضُ؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ أَلْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (¬4). والإِمَامُ في هذا ونَحْوِه آكَدُ؛ لأنَّه المَنْظُورُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 269. (¬2) لم نجده عند مسلم، وعزاه صاحب تحفة الأشراف لأبى داود وابن ماجه. انظر تحفة الأشراف 4/ 355. وأخرجه أبو داود، في: باب اللبس للجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 248. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 348. (¬3) في: المسند 5/ 420. (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب في الأمر بالكحل، من كتاب الطب، وفى: باب في البياض، من كتاب اللباس. سنن أبى داود 2/ 335، 336، 373. والترمذى، في: باب ما يستحب من الأكفان، من أبواب الجنائز، وفى: باب ما جاء في لبس البياض، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى، 4/ 215، 10/ 252، 253. والنسائى، في: باب أى الكفن خير، من كتاب الجنائز، وفى: باب الأمر بلبس البياض من الثياب، من كتاب الزينة المجتبى 4/ 29، 8/ 181. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، من كتاب الجنائز، وفى: باب البياض من الثياب، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه 1/ 473، 2/ 1181. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 247، 274، 328، 355، 363، 5/ 10، 12، 13، 17، 18، 19، 21.

664 - مسألة: (وييكر إليها ماشيا، ويدنو من الإمام)

وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا، وَيَدْنُوَ مِنَ الإِمَامِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ إليه مِن بينِ النَّاسِ. 664 - مسألة: (ويُيَكِّرَ إليها ماشِيًا، ويَدْنُوَ مِن الإِمامِ) للسَّعْى إلى الجُمُعَةِ وَقْتانِ؛ وَقْتُ وُجُوبٍ، ووَقْتُ فَضِيلَةٍ، وقد ذَكَرْنا وقتَ الوُجُوبِ. وأمَّا وقتُ الفَضِيلَةِ فمِن أوَّلِ النَّهارِ، فكُلَّما كان أبْكَرَ كان أوْلَى وأفْضَلَ. وهذا مَذْهَبُ الأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ: لا يُسْتَحَبُّ التبكِيرُ قبلَ الزَّوالِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ» (¬1). والرَّوَاح بعدَ الزَّوالِ، والغُدُوُّ (¬2) قبلَه، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «غَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ رَوْحَة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها» (¬3). قال امْرُؤُ القَيْسِ (¬4): ¬

(¬1) يأتى بتمامه بعد قليل. (¬2) سقط من: الأصل. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب الحور العين وصفتهن. . . إلخ، وباب الغدوة والروحة في سبيل اللَّه، وباب فضل رباط يوم في سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد، وفى: باب مثل الدنيا في الآخرة، وباب صفة الجنة والنار، من كتاب الرقاق. صحيح البخارى 4/ 20، 43، 8/ 110، 145. ومسلم، في: باب فضل الغدوة والروحة في سبيل اللَّه، من كتاب الإمارة. صحيح مسلم 3/ 1499، 1500. والترمذى، في: باب ما جاء في فضل الغدو والرواح في سبيل اللَّه، من أبواب الجهاد. عارضة الأحوذى 7/ 153. والنسائى، في: باب فضل غدوة في سبيل اللَّه عز وجل، من كتاب الجهاد. المجتبى 6/ 14. وابن ماجه، في: باب فضل الغدوة والروحة في سبيل اللَّه عز وجل، وباب تشييع الغزاة ووداعهم، من كتاب الجهاد. سنن ابن ماجه 2/ 921، 943. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 256، 3/ 132، 141، 153، 157، 207، 263، 433، 4/ 168، 5/ 266، 335، 337، 339، 6/ 401. (¬4) ديوان امرئ القيس 154، وهو صدر بيت عجزه: * وماذا عليكَ بأنْ تَنْتَظِرْ *

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ * تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ * ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثمَّ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وقال عَلْقَمَةُ: خَرَجْتُ مع عبدِ اللَّه، إلى الجُمُعَةِ، فوَجَدَ ثَلَاثةً قد سَبَقُوه، فقال: رابعُ أرْبَعَةٍ، وما رابعُ أرْبَعَةٍ ببَعِيدٍ، إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُون مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ». رَواه ابنُ ماجه (¬2). ورُوِىَ أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ واغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أجْرُ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب فضل الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 3. ومسلم، في: باب الطيب والسواك يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 582. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل يوم الجمعة، من كتاب الطهارة. سنن أبى داود 1/ 85. والترمذى، في: باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 286. والنسائى، في: باب وقت الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 80، 81. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التهجير إلى الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 347. والدارمى، في: باب فضل التهجر إلى الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 362. والإمام مالك، في: باب العمل في غسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 101. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 239، 259، 272، 280، 457، 460، 505، 512. (¬2) في: باب ما جاء في التهجير الى الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 348.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ سَنَةٍ، صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». أخْرَجَه التِّرْمِذىُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. ورَواه ابنُ ماجه، والنَّسَائِىُّ (¬1) وفيه: «وَمَشَى وَلَمْ يَركَبْ، ودَنَا مِن الإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ». قولُه: «بَكَّرَ» أى خرَج في بُكْرَةِ النَّهارِ، وهو أوَّلُه. وقولُه: «وابْتَكَرَ» أى بالَغَ في التبكِيرِ، أى جاء في أوَّل البُكْرَةِ، على ما قال امْرُؤُ القَيْسِ: * تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ * وقِيلَ: مَعْناه ابْتَكَرَ العِبادَةَ مع بُكُورِه. وقِيلَ: ابْتَكَرَ الخُطْبَةَ. أى حَضَر الخُطْبَةَ، مَأخُوذٌ مِن باكُورَةِ الثَّمرَةِ، وهى أوَّلُها. وغيرُ هذا أجْوَدُ، لأنَّ مَن جاء في بُكْرَةِ النَّهَارِ لَزِم أن يَحْضُرَ أوَّلَ الخُطْبَةِ. وقولُه: «غسَّلَ» أى جامَعَ ثم اغْتَسَلَ. يَدُلُّ على هذا قولُه في الحديثِ الآخَرِ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ». قال الإِمامُ أحمدُ: قولُه: «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ». مُشَدَّدَةً، يُرِيدُ يُغَسِّلُ أهْلَه. وغيرُ واحِدٍ مِن التَّابِعِينَ، عبدُ الرحمنِ بنُ ¬

(¬1) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 281. والنسائى، في: باب فضل الغسل يوم الجمعة، وباب فضل المشى إلى الجمعة، وباب الفضل في الدنو من الإمام، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 77، 79، 83. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 346. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الغسل يوم الجمعة، من كتاب الطهارة. سنن أبى داود 1/ 84. والدارمى، في: باب الاستماع يوم الجمعة عند الخطبة والإنصات من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 363. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 209، 4/ 8، 9، 10، 104.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأسْوَدِ، وهِلَالُ بنُ يَساف (¬1)، يَسْتَحِبُّونَ أن يُغَسِّل الرجلُ أهْلَه يَوْمَ الجُمُعَةِ، يُرِيدُونَ أن يَطَأَ؛ لأنَّ ذلك أمْكَنُ لنَفْسِه، وأغَضُّ لطَرْفِه في طَرِيقِه. وقال الخَطَّابِىُّ (¬2): المُرادُ به غَسَّل رَأسَه واغْتَسَلَ في بَدَنِه. وحُكِى ذلك عن ابنِ المُباركِ. فعلى هذا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِه: «غُسْلَ الْجَنَابَةِ». أى كغُسْلَ الجَنابَةِ. فأمَّا قوْلُ مالكٍ، فمُخالِفٌ للآثارِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ مُسْتَحَبٌ فِعْلُها عندَ الزَّوالِ، وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُبَكِّرُ بها، ومتى خَرَجَ الإِمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، فلم يُكْتَبْ مَن أتَى الجُمُعَةَ بعدَ ذلك، فأىُّ فَضِيلَةٍ لهذا؟ فإن أخَّرَ بعدَ ذلك شَيْئًا دَخَل في النَّهْى والذَّمِّ، كما قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للذى جاء يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ: «أَرَأَيتَكَ؟ آنيْتَ وَآذَيْتَ» (¬3). أى أخَّرْتَ المَجِئَ. وقال عمرُ لعثمانَ حينَ جاء والإِمامُ يَخْطُبُ: أيَّةُ ساعَةٍ ¬

(¬1) هلال بن يساف -ويقال: ابن إساف- الأشجعى مولاهم الكوفى، أدرك عليا رضى اللَّه عنه، ثقة، كثير الحديث. تهذيب التهذيب 11/ 86، 87. (¬2) انظر: معالم السنن 1/ 108. (¬3) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في النهى عن تخطى الناس يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 354. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 188، 190.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ هذه؟ (¬1) على وَجْهِ الإِنْكارِ. فكيف يَكُونُ لهذا بَدَنَةٌ، أو بَقَرَةٌ، أو فَضْلٌ؟ فعلى هذا، مَعْنى قولِه: «رَاحَ إلى الْجُمُعَةِ». أى ذَهَب إليها. لا يَحْتَمِلُ غيرَ هذا. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَمْشِىَ ولا يَرْكَبَ في طَرِيقِها؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ». لأنَّ الثَّوابَ على الخُطُواتِ، بدَلِيلٍ ما ذَكَرْناه مِن الحديثِ. ويَكُونُ عليه السَّكِينَةُ والوَقَارُ في مَشْيهِ، ولا يُسْرِعُ؛ لأنَّ الماشِىَ إلى الصَّلاةِ في صلاةٍ، ولا يُشَبِّكُ بينَ أصَابِعِه، ويُقارِبُ بينَ خُطاه؛ لتَكْثُرَ حسَناتُه. وقد رَوَيْنَا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه خَرَج مع زيدِ بنِ ثابِتٍ إلى الصَّلاةِ، فقارَبَ بينَ خُطَاهُ، ثم قال: «إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ خُطَانَا فِى طَلَبِ الصَّلَاةِ». ورُوِىَ عن [عبدِ اللَّه] (¬2) بنِ رَوَاحَةَ، أنَّه كان يَمْشِى إلى الجُمُعَةِ حافِيًا، ويُبَكِّرُ، ويَقْصُرُ في مَشْيِه. رَواهُما الأثْرَمُ (¬3). ويُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ، ويَغُضُّ طَرْفَه، ويَقُولُ ما ذَكَرْنا في أدَبِ المَشْى إلى الصَّلاةِ. ويقولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب فضل الغسل يوم الجمغة، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 3. ومسلم، في: أول كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 580. والإمام مالك، في: باب العمل في غسل يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 101، 102. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 29، 30. (¬2) في م: «عبد الرحمن». (¬3) الأول أخرجه عبد بن حميد، في مسنده 1/ 240. والثانى أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب من كان يحب أن يأتى الجمعة ماشيا، من كتاب الجمعة. المصنف 2/ 136.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلَيْكَ، وَأقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأفْضَلِ مَنْ سَألَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ» (¬1). ورَوَيْنا عن بعضِ الصحابةِ، أنَّه مَشَى إلى الجُمُعَةِ حَافِيًا، فسُئِلَ عن ذلك. فقال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (¬2). فصل: ويَجِبُ السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، سَواءٌ كان مَن يُقِيمُها عَدْلًا أو فاسِقًا، سُنِّيًّا أو مُبْتَدِعًا. نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ في رِوايَةِ عباسِ ابنِ عبدِ العَظِيمِ. وقد سُئِلَ عن الصَّلاةِ خلفَ المُعْتزِلَةِ، فقال: أمَّا الجُمُعَةُ فَيَنْبَغِى شُهُودُها. قال شيخُنا (¬3): ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا. وذلك لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (¬4). ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَمَنْ تَرَكَهَا فِى حَيَاتِى أوْ بَعْدَ مَمَاتِى وَلَهُ إمَامٌ جَائِرٌ أوْ عَادِلٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا [أوْ جُحُودًا بِهَا] (¬5)، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ» (¬6). ولأنَّه إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّ ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الرواح في الجمعة، من كتاب الجمعة. المصنف 3/ 205. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب المشى إلى الجمعة، من كتاب الجمعة، وفى: باب من اغبرت قدماه في سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد. صحيح البخارى 2/ 9، 4/ 35. والترمذى، في: باب ما جاء في فضل من اغبرت قدماه في سبيل اللَّه، من أبواب فضائل الجهاد. عارضة الأحوذى 7/ 128. والنسائى، في: باب ثواب من اغبرت قدماه في سبيل اللة، من كتاب الجهاد. المجتبى 6/ 13. والدارمى، في: باب في فضل الغبار في سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد. سنن الدارمى 2/ 202. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 367، 479، 5/ 225، 226. (¬3) في: المغنى 3/ 169. (¬4) سورة الجمعة 9. (¬5) سقط من: م. (¬6) تقدم تخريجه في صفحة 159.

665 - مسألة: (ويشتغل بالصلاة والذكر، ويقرأ سورة الكهف

وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِى يَوْمِهَا، ـــــــــــــــــــــــــــــ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، وغيرَه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا يَشْهَدُونَها مع الحَجَّاجِ ونُظَرائِه، ولم يُسْمَعْ عن أحدٍ منهم التَّخَلُّفُ عنها. ولأنَّ الجُمُعَةَ مِن أعْلامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، ويَتَوَلَّاهَا الأئِمَّةُ أو مَن وَلَّوْة، فتَرْكُها خَلْفَ مَن هذه صِفَتُه يُفْضِى إلى سُقُوطِها. إذا ثَبَت هذا فإنَّها تُعادُ خلفَ مَن تُعاد خلفَه بَقِيَّةُ الصلواتِ. نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ عباسِ ابنِ عبدِ العَظيمِ. وعنه رَوايَة أُخْرَى، أنَّها لا تُعَادُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ الصحابةِ، رَضىَ اللَّهُ عنهم، أنَّهُم لم يَكُونُوا يُعِيدُونَها؛ لأنَّهُم لم يُنْقَلْ ذلك عنهم، وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الإِمَامَةِ. فصل: ويُسْتَحَبّ الدُّنُوُّ مِن الإِمامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ» (¬1). وعن سَمُرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «احْضَرُوا الذِّكْرَ، وادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَد حَتَّى يُؤَخَّرَ فِى الجَنَّةِ». رَواه أبو داودَ (¬2)، ولأنَّه أمْكَن له مِن السَّماعِ. 665 - مسألة: (ويَشْتَغِلَ بالصلاةِ والذِّكْرِ، ويقْرأَ سُورَةَ الكَهْفِ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 270. (¬2) في: باب الدنو من الإمام عند الموعظة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 254. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 5/ 11.

وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِيهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ في يَوْمِها، ويُكْثِرَ الدُّعاءَ، والصلاةَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-) إذا حَضَر قبلَ الخُطْبَةِ اشْتَغَلَ بالصلاةِ، وذِكْرِ اللَّهِ تعالى، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاعْلَمُوا أنَّ مِنْ خَيْرِ أعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ» (¬1). وَيقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْم الجُمُعَةِ؛ لِما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَعْصُومٌ إلَى ثَمَانِيَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ». رَواه زَيْدُ بنُ على في كِتابِه بإسْنادِه. وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمِه إلى عَنَانِ السَّمَاءِ، يُضِئُ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْن» (¬2). ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ مِن الصَّلاةِ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لِما رُوِىَ عن أبى الدَّرْدَاءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَىَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإنَّهُ مَشْهُود تَشْهَدُهُ المَلَائِكَةُ». رَواه ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 4/ 99. (¬2) عزاه المنذرى إلى أبى بكر بن مردويه في تفسيره. الترغيب والترهيب 1/ 513. وأخرج نحوه البيهقى من حديث أبى سعيد الخدرى، في: باب وقراءة سورة الكهف وغيرها، من كتاب الجمعة. السنن الكبرى 3/ 249.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنُ ماجه (¬1). وعن أوْسِ بنَ أوْسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفْضَلُ أيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قبضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ». قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ: كيفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عليك وقد أَرمْتَ؟ أى بَلِيتَ. قال: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأرْضِ أجْسَادَ الأنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ». رَواه أبو داودَ (¬2). فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِن الدُّعاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، لَعَلَّه يُوافِقُ ساعَةَ الإِجابَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَر يومَ الجُمُعَةِ، فقالَ: «فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى، يَسْألُ اللَّهَ شَيْئًا، إلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ». وأشارَ بيَدِه ¬

(¬1) في: باب ذكر وفاته ودفنه -صلى اللَّه عليه وسلم-، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 524. (¬2) في: باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 241. كما أخرجه النسائى، في: باب إكثار الصلاة على النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 75. وابن ماجه، في: باب في فضل الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة، وفى: باب ذكر وفاته ودفنه -صلى اللَّه عليه وسلم-، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 345، 524. والدارمى، في: باب في فضل الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 369. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 8.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يقَلِّلُهَا، وفى لَفْظٍ: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). واخْتُلِفَ في تلك السَّاعَةِ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وطَاوسٌ، هى آخِرُ ساعَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ. وفَسَّرَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ الصلاةَ بانْتِظارِها، بقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- «إنَّ الْعَبْدَ المُؤْمِنَ إذَا صلَّى، ثُمَّ جَلَسَ لا يُجْلِسُهُ إلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِى صَلَاةٍ». رَواه ابنُ ماجه (¬2). ورُوِىَ هذا القولُ مَرْفُوعًا. فعلى هذا يَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى المُلازَمَةِ والإِقامَةِ، كقَوْلِه تعالى: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (¬3). وعن أنَسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِى تُرْجَى فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ». ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الساعة التى في يوم الجمعة، من كتاب الجمعة، وفى: باب الإشارة في الطلاق، من كتاب الطلاق. صحيح البخارى 2/ 16، 7/ 66. ومسلم، في: باب في الساعة التى في يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 583، 584. كما أخرجه أبو داود، في: باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 240. والترمذى، في: باب ما جاء في الساعة التى ترجى في يوم الجمعة، من أبواب الجمعة، وفى: تفسير سورة البروج، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 2/ 277، 12/ 237، 238. والنسائى، في: باب ذكر الساعة التى يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 95. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الساعة التى ترجى في الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 360. والدارمى، في: باب الساعة التى تذكر في الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 368. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الساعة التى في يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 108. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 230، 255، 257، 272، 280، 284، 312، 403، 457، 469، 481، 489، 504، 519، 3/ 39، 65، 313، 331، 348، 5/ 451، 453. (¬2) في: باب ما جاء في الساعة التى ترجى في الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 360. (¬3) سورة آل عمران 75.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أخْرَجَه التِّرْمِذىُّ (¬1). وقِيلَ: هى ما بينَ أن يَجْلِسَ الإِمامُ إلَى أنْ تَنْقَضِى الصلاةُ؛ لِما روَى أبو مُوسى، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ: «هِىَ مَا بَيْنَ أنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إلَى أنْ يَقْضِىَ الإِمَامُ الصَّلَاةَ». رَواه مسلمٌ (¬2). وعن عَمْرِوٍ بنِ عَوْفٍ المُزَنِىِّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّ فِى الْجُمُعَةِ سَاعَة، لَا يَسْأَلُ اللَّهَ العَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ». قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ أيَّةُ سَاعَةٍ هى؟ قال: «حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلَى الانْصِرَافِ مِنْهَا». رَواه ابنُ ماجه، والتِّرْمِذىُّ (¬3)، وقال: حدِيثٌ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في الساعة التى ترجى في يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 275. (¬2) في: باب في الساعة التى في يوم الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 584. كما أخرجه أبو داو، في: باب الإجابة أية ساعة هى في يوم الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 241. (¬3) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الساعة التى ترجى في يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 276. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الساعة التى ترجى في الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 360.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حسنٌ غَرِيبٌ. فعلى هذا تكونُ السَّاعَةُ (¬1) مُخْتَلِفَةً، فتكونُ في حَقِّ كلِّ قَوْمٍ في وَقْتِ صلاتِهم. وقِيلَ: هى ما بينَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ومِن العَصْرِ إلى غُرُوبِها. وقِيلَ: هى السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قِيلَ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: لأىِّ شئٍ سُمِّىَ يَوْمُ الجُمُعَةِ؛ قال: «لأنَّ فِيهَا طُبِعَتْ طِينَةُ أبِيكَ آدَمَ، وَفِيهَا الصَّعْقَةُ وَالْبَعْثَةُ، وَفِيهَا الْبَطْشَةُ، وَفِى آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْهَا مَنْ دَعَا اللَّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬2). وقال كَعْبٌ: لو قَسَّمَ الإِنْسَانُ جُمُعَةً في جُمَعٍ أتَى على تلك السَّاعَةِ. وقِيلَ: هى مُتَنقِّلَةٌ في اليَوْمِ. وقال ابنُ عمرَ: إنَّ طَلَبَ حاجَةٍ في يَوْمٍ لَيَسِيرٌ. وقِيلَ: أخْفَى اللَّهُ تعالى هذه السَّاعَةَ ليَجْتَهدَ العِبادُ في طَلَبِها، وفى الدُّعاءِ في جَمِيعِ اليَوْمِ، كما أخْفَى لَيْلَةَ القَدْرِ في رمضانَ، وأَوْلِياءَه في النَّاسِ، ليَحْسُنَ الظَّنُّ بجَمِيعِ الصَّالِحينَ. ¬

(¬1) في م: «الصلاة». (¬2) في: المسند 2/ 311.

666 - مسألة: (ولا يتخطى رقاب الناس، إلا أن يكون إماما، أو يرى فرجة فيتخطى إليها. وعنه، يكره)

وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، إِلَّا أن يَكُونَ إِمَامًا، أوْ يَرَى فُرْجَةً فَيَتَخَطَّى إِلَيْهَا. وَعَنْهُ، يُكْرَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 666 - مسألة: (ولا يتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ، إلَّا أن يكُونَ إمامًا، أو يَرَى فُرْجَةً فيَتَخطَّى إلَيها. وعنه، يُكْرَهُ) يُكْرَهُ تخَطِّى رِقابِ النَّاسِ لغيرِ الإِمامِ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ» (¬1). وقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا» (¬2). وقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- للذى جاء يتَخَطَّى رِقابَ النّاس: «اجْلِسْ، فَقَدْ آنيْتَ وَآذَيْتَ». رَواه ابنُ ماجه (¬3). ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذىّ (¬4)، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ رِشْدِين بنِ سَعْدٍ، وقد ضَعَّفَه بعضُ أهْلِ العِلْمِ مِن قِبَلِ حِفْظِه. فأمَّا الإِمامُ إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا، فلا يُكْرَهُ له التَّخَطِّى؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 269. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب الكلام والإمام يخطب، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 255. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 181، 214. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 278. (¬4) لم نجده عند أبى داود، وعزاه في تحفة الأشراف للترمذى وابن ماجه. انظر تحفة الأشراف 8/ 393. وأخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في كراهية التخطى يوم الجمعة، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 301. وابن ماجه، في: باب ما جاء في النهى عن تخطى الناس يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 354. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 437.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا رَأَى فُرْجَةً لا يَصِلُ إليها إلَّا بالتَّخَطىِّ، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهُما، له التَّخَطِّى. قال أحمدُ: يَدْخُلُ الرجلُ ما اسْتَطاعَ، ولا يَدَعُ بينَ يَدَيْه مَوْضِعًا فارِغًا، وذلك لأنَّ الذى جَلَس دونَ الفُرْجَةِ ضَيَّعَ حَقَّه بِتَأْخُّرِه عنها، وأسْقَطَ حُرْمَتَه، فلا بَأْسَ بتَخَطِّيهِ. وبه قال الأوْزَاعِىّ. وقال قَتادَةُ: يَتَخَطَّاهُم إلى مُصَلَّاه. وقال الحسنُ: يَخْطُو رِقابَ الذين يَجْلِسُونَ على أبوابِ المَسْجِدِ، فإنَّه لا حُرْمَةَ لهم. وعنه، يُكْرَهُ لِما ذَكَرنا مِن الأحَادِيثِ. وعنه، إن كان يَتَخَطَّى الواحِدَ والاثْنَيْنِ فلا بَأْسَ، فإنْ كَثُر كَرِهْنا. وكذلك قال الشافعىُّ، إلَّا أن لا يَجِدَ سبِيلًا إلى مُصَلَّاه إلَّا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالتَّخَطِّى، فيَسَعَه التَّخَطِّى، إن شاء اللَّهُ. قال شيخُنا (¬1): ولَعَلَّ قوْلَ أحمدَ ومَن وافَقَه في الرِّوايَةِ الأُوْلَى، فيما إذا تَرَكُوا مَكانًا واسِعًا، مثلَ الذين يَصُفُّونَ في آخِرِ المَسْجِدِ، ويَتْرُكُونَ بينَ أيْدِيهم صُفُوفًا خالِيةً، فهؤلاءِ لا حُرْمَةَ لهم. كما قال الحسنُ؛ لأنَّهم خالَفُوا أمْرَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورَغِبُوا عن الفَضِيلَةِ وخَيْرِ الصُّفُوفِ، وجَلَسُوا في شَرِّها، فتَخَطِّيهم مِمَّا لابُدَّ منه. وقولَه الثَّانِىَ في حَقِّ مَن لم يُفَرِّطْ، وإنَّما جَلَسُوا في مَكانِهِم؛ لامْتِلاءِ ما بينَ أَيْدِيهِم. فأمَّا إن لم تُمْكِنِ الصلاةُ إلَّا بالتَّخَطِّى، جاز؛ لأنَّه مَوْضعُ حاجَةٍ. ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 231.

667 - مسألة: (ولا يقيم غيره فيجلس فى مكانه، إلا من قدم صاحبا له فجلس فى موضع يحفظه له)

وَلَا يُقِيمُ غَيْرَهُ فَيَجْلِسُ مَكَانَهُ، إِلَّا مَنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ فَجَلَسَ فِى مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 667 - مسألة: (ولا يُقِيمُ غيرَه فيَجْلِسُ في مَكانِه، إلَّا مَن قَدَّمَ صاحِبًا له فجلَسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له) ليس له أن يُقِيمَ إنْسانًا ويَجْلِسَ في مَوْضِعِه سَواءٌ كان المَكانُ لشَخْصٍ يَجْلِسُ فيه، أو مَوْضِعَ حَلْقَةٍ لمَن يُحَدِّثُ فيها، أو حَلْقَةً يتَذاكَرُ فيها الفُقَهاءُ، أو لم يَكُنْ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، قال: نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُقِيمَ الرجلُ، يَعْنِى أخاه، مِن مَقْعَدِه، ويَجْلِسَ فيه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولأنَّ المَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ تَعالَى، ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 10. ومسلم، في: باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه. . . إلخ، من كتاب السلام. صحيح مسلم 4/ 1714، 1715. كما أخرجه الترمذى، في: باب كراهية أن يقام الرجل من مجلسه. . . إلخ، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى 10/ 208، 209. والدارمى، في: باب لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه، من كتاب الاستئذان. سنن الدارمى 2/ 281، 282. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 17، 22، 45، 89، 102، 121، 124، 126، 149.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والنَّاسُ فيه سَواءٌ، العاكِفُ فيه والبادِى، فمَن سَبَق إلى مَكانٍ منه فهو أحَقُّ به؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (¬1). فإن قَدَّمَ صاحِبًا له، فجَلَسَ حتى إذا جاء قام صاحِبُه وأجْلَسَه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ النَّائِبَ يَقُومُ باخْتِيارِه. وقد رُوِىَ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّه كان يُرْسِلُ غُلامًا له يَوْمَ الجُمُعَةِ، فيَجْلِسُ في مكانٍ، فإذا جاء قام ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في إقطاع الأرضين، من كتاب الإمارة. سنن أبى داود 2/ 158. وهو عنده بلفظ «ماء». وأخرجه البيهقى في السنن الكبرى 6/ 142. والطبرانى في الكبير 1/ 255.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الغُلامُ، وجَلَس فيه محمدٌ. فإن لم يَكُنْ نائِبًا فقامَ باخْتِيارِه ليُجْلِسَ آخَرَ مَكانَه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه قام باخْتِيارِ نَفْسِه، أشْبَه النَّائِبَ. وأمَّا القائِمُ فإنِ انْتَقَلَ إلى مثلِ مَكانِه الذى آثرَ به في القُرْبِ، وسَماعِ الخُطْبَةِ، فلا بَأْسَ، وإلَّا كُرِهَ له ذلك؛ لأنَّه يُؤْثِرُ على نَفْسِه في الدِّينِ، ويَحْتَمِل أن لا يُكْرَهَ إذا كان الذى آثرَه مِن أهْلِ الفَضْلِ، لأنَّ تَقْدِيمَهم مَشْرُوعٌ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لِيَليَنِى مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامَ وَالنُّهَى» (¬1). ولو آثرَ شَخْصًا ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 4/ 443.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بمَكانِه، فليس لغيرِه أن يَسْبِقَه إليه؛ لأنَّه قام مَقامَ الجالِسِ في اسْتِحْقاقِ مَكانِه، أشْبَهَ ما لو تَحَجَّرَ مَواتًا، ثم آثَرَ به غيرَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ؛ لأنَّ القائِمَ أسْقَطَ حَقَّه بالقِيامِ، فبَقِىَ علِى الأَصْلِ، فكان السَّابِقُ إليه أحَقَّ به، كمَن وَسَّعَ لرجل في طَرِيقٍ، فمَرَّ غيرُه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ويُفارِقُ التَّوسِعَةَ في الطَّرِيقِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ للمُرُورِ فيها، فمَن انْتَقَل مِن مكانٍ فيها لم يَبْقَ له حَقٌّ يُؤْثِرُ به، والمَسْجِدُ جُعِلَ للإِقامَةِ فيه، وكذلك لا يَسْقُطُ حَقُّ المُنْتَقِلِ منه إذا انْتَقَلَ لحاجَةٍ، وهذا إنَّما انْتَقَلَ مُؤْثِرًا لغيرِه، فأشْبَهَ النَّائِبَ الذى بَعَثَه (¬1) إنْسَانٌ ليَجْلِسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له. ولو كان الجالِسُ مَمْلُوكًا، لم يَكُنْ لسَيِّدِه أن يُقِيمَه لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ هذا ليس بمالٍ، وإنَّما هو حَقٌّ دِينىٌّ، فاسْتَوَى فيه العَبْدُ وسَيِّدُه، كالحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ. ¬

(¬1) في م: «يعينه».

668 - مسألة: (وإن وجد مصلى مفروشا، فهل له رفعه؟ على روايتين)

وَإنْ وَجَدَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا، فَهَلْ لَهُ رَفْعُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 668 - مسألة: (وإن وَجَد مُصَلًّى مَفْرُوشًا، فهل له رَفْعُه؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه افْتِئاتًا على صاحِبِه، ورُبَّما أفْضَى إلى الخُصُومَةِ، ولأنَّه سَبَق إليه، أشْبَهَ السابِقَ إلى رَحْبَةِ المَسْجِدِ

669 - مسألة: (ومن قام من موضعه لعارض لحقه، ثم عاد إليه فهو أحق به)

وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ ومَقاعِدِ الأَسْواقِ. والثَّانِى، يجُوزُ رَفْعُه والجُلُوسُ مَوْضِعَه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له، ولأنَّ السَّبْقَ بالأَبْدانِ هو الذى يَحْصُلُ به الفَضْلُ لا بالأوْطِئَةِ، ولأنَّ تَرْكَه يُفْضِى إلى أن يَتَأخَّرَ صاحِبُه، ثم يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ، ورَفْعُه يَنْفِى ذلك. 669 - مسألة: (ومَن قام مِن مَوْضِعِه لعارِضٍ لَحِقَه، ثم عاد إليه فهو أحَقُّ به) إذا جَلَس في مَكانٍ، ثم بَدَتْ له حاجَةٌ، أو احْتاجَ إلى الوُضُوءِ، فله الخُرُوجُ؛ لِما روَى عُقْبَةُ، قال: صَلَّيْتُ وراءَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بالمَدِينَةِ العَصْرَ، فسَلَّمَ، ثم قام مُسْرِعًا، فتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ إلى حُجَرِ بَعْضِ نِسائِه، فقال: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فكَرِهْتُ أن يَحْبِسَنِى، فأَمَرْتُ بقِسْمَتِه». رَواه البخارىُّ (¬1). و: «إذا قام مِن مَجْلِسِه، ثم رَجَع إليه، فهو أحَقُّ به». رَواه مسلمٌ (¬2). وحُكْمُه في التَّخَطِّى إلى مَوْضِعِه حُكْمُ مَن رَأَى بينَ يَدَيهِ فُرْجَةً. ¬

(¬1) في: باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم، من كتاب الأذان، وفى: باب يفكر الرجل في الشئ في الصلاة، من كتاب العمل في الصلاة، وفى: باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها، من كتاب الزكاة، وفى: باب من أسرع في مشيه لحاجة أو قصد، من كتاب الاستئذان. صحيح البخارى 1/ 215، 2/ 84، 145، 8/ 76. كما أخرجه النسائى، في: باب الرخصة للإمام في تخطى رقاب الناس، من كتاب السهو. المجتبى 3/ 70. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 7، 8. (¬2) في: باب إذا قام من مجلسه ثم عاد فهو أحق به، من كتاب السلام. صحيح مسلم 4/ 1715. كما أخرجه أبو داود، في: باب إذا قام من مجلسه ثم رجع، من كتاب الأدب. سنن أبى داود 2/ 563. والترمذى، في: باب ما جاء إذا قام الرجل من مجلسه. . . إلخ، من أبواب الأدب. عارضة الأحوذى 10/ 210. وابن ماجه، في: باب من قام من مجلسه فرجع فهو أحق به، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1224. والدارمى، في: باب إذا قام من مجلسه ثم رجع إليه. . . إلخ، من كتاب الاستئذان. سنن الدارمى 2/ 282. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 263، 283، 342، 389، 446، 447، 483، 527، 537، 3/ 32، 422.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن نَعَس يَوْمَ الجُمُعَةِ أن يَتَحَوَّلَ مِن مَوْضِعِه؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَقُولُ: «إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِى مَجْلِسِهِ، فَلْيَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِهِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬1). ولأنَّ ذلك يَصْرِفُ عنه النَّوْمَ. فصل: وتُكْرَهُ الصلاةُ في المَقْصُورَةِ التى تُحْمَى. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان إذا حَضَرَتِ الصلاةُ، [وهو] (¬2) في المَقْصُورَةِ خَرَجِ. وكَرِهَه الأحْنَفُ (¬3)، وابنُ مُحَيْرِيزٍ، والشَّعْبِىُّ، وإسْحاقُ. ورَخَّصَ فيه أَنَسٌ، والحسنُ، والحسينُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، والقاسِمُ، وسالِمٌ؛ لأنَّه مِن الجامِعِ، فهو (¬4) كسائِرِ المَسْجِدِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه يُمْنَعُ النَّاسُ مِن الصَّلاةِ فيه، فصار كالمَغْصُوبِ، فكُرِهَ لذلك. فإن كانت لا تُحْمَى، احْتَمَلَ أن لا تُكْرَهَ الصلاةُ فيها؛ لعَدَمِ شَبَهِ الغضبِ، واحْتَمَلَ أن تُكْرَهَ؛ لأنَّها تَقْطَعُ الصُّفُوفَ، فأشْبَهَ الصلاةَ بينَ السَّوارِى. فعلى هذا إنَّما تُكْرَهُ الصلاةُ فيها إذا قَطَعَتِ الصُّفُوفَ. ¬

(¬1) في: المسند 22/ 2، 32، 135. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في من نعس يوم الجمعة. . . إلخ، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 316. (¬2) سقط من: م. (¬3) أبو بكر الأحنف بن قيس التميمى السعدى، أحد الأشراف، ومن يضرب بحلمه المثل، توفى سنة اثنتين وسبعين. العبر 1/ 80. (¬4) سقط من: م.

670 - مسألة: (ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين، يوجز فيهما)

وَمَنْ دَخَلَ وَالإمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يُوجِزُ فِيهِمَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الصَّفِّ الأوَّلِ فقالَ في مَوْضِعٍ: هو الذى يَلِى المَقْصُورَةَ، لأنَّها تُحْمَى. وقال: ما أدْرِى هلْ الصَّفُّ الأوَّلُ الذى يَقْطَعهُ المِنْبَرُ، أو الذى يَلِيه؟ قال شيخُنا (¬1): والصَّحِيحُ أنَّه الذى يَقْطَعة المِنْبَرُ؛ لأنَّه الصَّف الأوَّلُ حَقِيقَةً، ولو كان الأوَّلُ ما دونَه أفْضَى إلى خُلوِّ ما يَلِى الإِمامَ. ولأنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يلِيه فُضَلاؤُهم، ولو كان الصَّفُّ الأوَّلُ وراءَ المِنْبَرِ، لوَقَفُوا فيه. 670 - مسألة: (ومَن دَخَل والإِمامُ يَخْطب لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يوُجِزُ فيهما) وبه قال الحسنُ، وابن عُيَيْنَةَ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المنْذِرِ. وقال شُرَيْحٌ وابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَة، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ: يُكْرَهُ ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 235.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ له أن يَرْكَعَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للذى جاء يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسَ: «اجْلِسْ، فَقَدْ آنيْتَ وَآذَيْتَ». رَواه ابنُ ماجه (¬1). ولأنَّ الرُّكوعَ يَشْغَلُه عنِ اسْتِماعِ الخُطْبَةِ، فكُرِهَ، كغيرِ الدَّاخِلِ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: جاء رجلٌ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فقال: «صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟» قال: لا. قال: «قمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وفى لَفْظٍ لمسلمٍ: «إذا جَاءَ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَام يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». فإن جَلَس قبلَ أن يَرْكَعَ اسْتُحِبَّ له أن يقُومَ فيَرْكَعَ؛ لِما روَى جَابر أنَّ سُلَيْكًا الغَطَفانِىَّ جاء يَوْمَ الجُمُعَةِ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قاعِد على المِنْبَرِ، فقَعَدَ سُلَيْكٌ قبلَ أن يُصَلِّىَ، فقالَ. له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟» قال: لا. قال: «قُمْ فَارْكَعْهُمَا». رَواه ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 278. (¬2) تقدم تخريجه في 4/ 155.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مسلمٌ (¬1). وفى لَفْظٍ: جاء سُلَيْكٌ الغَطَفانِىُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فجَلَسَ، فقال: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». وحَدِيثُهم قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه أمَرَه بالجُلُوسِ لضِيقِ المَكانِ، أو لكَوْنِه في آخِرِ الخُطْبَةِ، بحيثُ لو تَشاغَلَ بالصلاةِ فَاتَتْه تَكْبيرَةُ الإِحْرامِ. والظَّاهِرُ أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما أمَرَه بالجُلُوسِ، ليَكُفَّ أذاه عن النَّاسِ، فإن خَشِىَ أن يَفُوتَه أوَّلُ الصَّلاةِ إذا تَشاغَلَ بهما، لم يُسْتَحَبَّ له التَّشاغُلُ بهما لذلك. فصل: ويَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بجُلُوسِ الإِمامِ على المِنْبَرِ، فلا يُصَلِّى أحَدٌ غيرَ الدَّاخِلِ، يُصَلِّى تَحِيَّةَ المسجِدِ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاس، وابنِ عمرَ؛ لِما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ مالكٍ، أنَّهم كانُوا في زَمَنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه يَوْمَ الجُمُعَةِ يُصَلُّون حتى يَخْرُجَ عمرُ (¬2). ولأنَّه يَشْغَلُ عن سَماعِ الخُطْبَةِ المَنْدُوبِ إليه. فصل: ويُكْرَهُ التَّحَلُّقُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الحِلَقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 4/ 155. (¬2) أخرجه الإمام مالك، في: باب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 103. وعبد الرزاق، في: باب جلوس الناس حين يخرج الإمام، من كتاب الجمعة. المصنف 3/ 208.

671 - مسألة: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب، إلا له، أو لمن كلمه)

وَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَالإمَامُ يَخْطُبُ، إِلَّا لَهُ، أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ والنَّسَائِىُّ (¬1). 671 - مسألة: (ولا يَجُوزُ الكَلامُ والإِمامُ يَخْطُبُ، إلّا له، أو لمَن كَلَّمَه) يَجِبُ الإِنْصاتُ مِن حينِ يَأْخُذُ الإِمامُ في الخُطْبَةِ، فلا يَجُوزُ الكلامُ لمَن حَضَرَها، نَهَى عن ذلك عثمانُ، وابنُ عمرَ. وقال أبو مسعودٍ: إذا رَأيْتَه يَتَكَلَّمُ، والإِمامُ يخطُبُ، فاقْرَعْ رَأْسَه بالعَصا. وكَرِهَ ذلك عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والأوْزاعِىُّ. وعن أحمدَ؛ لا يَحْرُمُ الكَلامُ. وكان سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وأبو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُون والحَجَّاجُ يَخْطُبُ. وقال بعضُهم: إنَّا لم نُؤْمَرْ أن نُنْصِتَ لهذا. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْن. واحْتَجَّ مَن أجازَه بما روَى أنَسٌ، قال: بينَما النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ قامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَك ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 248. والنسائى، في: باب النهى عن البيع والشراء في المسجد. . . إلخ، من كتاب المساجد. المجتبى 2/ 37. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 179. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة. . . إلخ، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 359.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الكُراعُ (¬1)، هَلَك الشَّاءُ (¬2)، فَادْعُ اللَّهَ أن يَسْقِيَنا. وذَكَر الحديثَ. مُتَّفَقٌ عليه (¬3). ورُوِىَ أنَّ رجلًا قام والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، متى السَّاعَةُ؟ فأعْرَضَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأوْمَأَ النَّاسُ إليه بالسُّكُوتِ، فلم يَقْبَلْ وأعادَ الكَلامَ، فلمَّا كان الثَّالِثَةُ، قال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ويْحَكَ مَاذَا أعْدَدْتَ لَهَا؟». قال: حُبَّ اللَّهِ ورسولِه. قال: «إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» (¬4). فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَلامَه، ولو حَرُم لأنْكَرَه. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ يَوْمَ ¬

(¬1) الكراع: جماعة الخيل. (¬2) الشاء: جمع شاة. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب رفع اليدين في الخطبة، وباب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب الجمعة، وفى: باب الاستسقاء في المسجد الجامع، وباب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، وباب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. صحيح البخارى 2/ 15، 34، 35، 36. ومسلم، في: باب الدعاء في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. صحيح مسلم 2/ 612. كما أخرجه أبو داود، في: باب رفع اليدين في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 2/ 267، 268. والنسائى، في: باب متى يستسقى الإمام، وباب كيف يرفع، وباب ذكر الدعاء، من كتاب الاستسقاء. المجتبى 3/ 125، 129، 130، 131. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. الموطأ 1/ 191. (¬4) أخرجه البخارى، في: باب مناقب عمر بن الخطاب، من كتاب فضائل الصحابة، وفى: باب ما جاء في قول الرجل ويلك، وباب علامة حب اللَّه عز وجل، من كتاب الأدب، وفى: باب القضاء والفتيا في الطربق، من كتاب الأحكام. صحيح البخارى 5/ 14، 8/ 48، 49، 9/ 81. ومسلم، في: باب المرء مع من أحب، من كتاب البر والصلة. صحيح مسلم 4/ 2032، 2033. والترمذى، في: باب ما جاء أن المرء مع من أحب، من أبواب الزهد. عارضة الأحوذى 9/ 232. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 104، 110، 165، 167، 168، 172، 173، 178، 192، 200، 202، 207، 208، 213، 226، 227، 228، 255، 276، 283، 288.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا، وَالَّذِى يَقُولُ لَهُ أنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬2). وعن أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَرَأ يومَ الجُمُعَةِ «تَبَارَكَ» وهو قائِمٌ فذَكَّرَنا بأيَّامِ اللَّهِ، وأبو الدَّرْداء أو أبو ذَرٍّ يَغْمِزُنِى، فقالَ: متى أُنْزِلَتْ هذه السُّورَةُ، إنِّى لم أسْمَعْها إلَّا الآنَ؟ فأشارَ إليه، أنِ اسْكُتْ، فلمَّا انْصَرَفُوا، قال: سَأَلْتُكَ متى أُنْزِلَتْ هذه السُّورَةُ فلم تُخْبِرْنِى. فقالَ أُبَىٌّ: ليس لك مِن صَلاتِك اليومَ إلَّا ما لَغَوْتَ. فذَهَبَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، من كتاب الجمعة. صحيح البخارى 2/ 16. ومسلم، في: باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 583. كما أخرجه أبو داود، في: باب الكلام والإمام يخطب، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 255. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 300. والنسائى، في: باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة، من كتاب الجمعة، وفى: باب الإنصات للخطبة، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 84، 85، 153. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الاستماع للخطبة والإنصات لها، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 352. والدارمى، في: باب الاستماع يوم الجمعة عند الخطبة والإنصات، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 364. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، من كتاب الجمعة. الموطأ 1/ 103. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 244، 272، 280، 393، 396، 474، 485، 518، 532. (¬2) في: المسند 1/ 230.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فذَكَرَ له ذلك، وأخْبَرَه بالذى قال أُبَىٌّ، فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ أُبَىٌّ». رَواه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، وابنُ ماجَه (¬1). وما احْتَجُّوا به، فالظَّاهِرُ أنَّه مُخْتَصٌّ بمَن كَلَّمَ الإِمامَ، أو كَلَّمَه الإِمامُ؛ لأنَّه لا يَشْتَغِلُ بذلك عن سَماعِ خُطْبَتِهِ، وكذلك سَأَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذى دَخَل: «هَلْ صَلَّيْتَ؟». فأجابَه. وسَأل عمرُ عثمانَ، فأجابَه. فتَعَيَّنَ جَمْلُه على ذلك، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه؛ لأنَّ كلامَ الإِمامِ لا يَكُونُ في حالِ خُطْبَتِه، بخِلافِ غيرِه، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ تَرَجَّحَتْ أحادِيثُنا؛ لأنَّها قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ونَصُّه، وذلك سُكُوتُه، والنَّصُّ أقْوَى. فصل: ولا فَرْقَ بينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لعُمُومِ ما ذَكَرْناه. وقد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مَن كان قَرِيبًا يَسْمَعُ ويُنْصِتُ، ومَن كان بَعِيدًا يُنْصِتُ؛ فإنَّ للمُنْصِتِ الذى لا يَسْمَعُ مِن الحَظِّ ما للسامِعِ. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الاستماع للخطبة والإنصات لها، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 353. وعبد اللَّه بن أحمد، في مسند أبيه 5/ 143، 198.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقد روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْروٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفرٍ؛ رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو، فَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، إنْ شَاءَ أعْطَاهُ، وَإنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بإنْصَاتٍ وَسُكوُتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاَثَةِ أيَّامٍ، وَذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}» (¬1). رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (¬2). وقال القاضى: يَجِبُ الإِنْصاتُ على السَّامِعِ، ويُسْتَحَبُّ لمَن لا يَسْمَعُ؛ لأنَّ الإِنْصاتَ إنَّما وَجَب لأجْلِ الاسْتِماعِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ. وللبَعِيدِ أن يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالَى، ويَقْرَأَ القرآنَ، ويُصَلِّىَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يَرْفَعُ صَوْتَه. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما بينَه وبينَ نفسِه. ورَخَّصَ له في القِراءَةِ والذِّكْرِ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعىُّ، وليس له رَفعُ ¬

(¬1) سورة الأنعام 160. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 287.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ صَوْتِه، ولا المُذاكَرَةُ في الفِقْهِ، ولا الصلاةُ، ولا أن يَجْلِسَ في حَلْقَةٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: له صلاةُ النَّافِلَةِ، والمُذاكَرَةُ في الفِقْهِ. ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ المَذْكُورَةِ، وأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الحِلَقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ. ولأنَّه إذا رَفَع صَوْتَه مَنَع مَن هو أقْرَبُ منه مِن السَّماعِ وآذاه بذلك، فيَكُونُ عليه إثْمُ مَن يُؤْذِى المسلمين، وصَدَّ عن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالَى. وهل ذِكْرُ اللَّه سِرًّا أفْضَلُ أو الإِنْصاتُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الإِنْصاتُ أفْضَلُ؛ لحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ، وقولِ عُثمانَ. والثَّانِى، الذِّكْرُ أَفْضَلُ؛ لأنَّه يَحْصُلُ ثَوابُ الذِّكْرِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فكانَ أفْضَلَ، كقَبْلِ الخُطْبَةِ. فصل: فأمَّا الكَلامُ على الخَطِيبِ، أو مَن كَلَّمَه فلا يَحْرُمُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَأَل سُلَيْكًا الدَّاخِلَ وهو يَخْطُبُ: «أصَلَّيْتَ؟» قال: لا (¬1). وسَأَل عمرُ عثمانَ حينَ دَخَل وهو يَخْطُبُ، فأجابَه عثمانُ. ولأنَّ تَحْرِيمَ الكَلامِ عليه، لاشْتِغالِه بالإنْصاتِ الواجِبِ، وسَماعِ الخُطْبَةِ، ولا يَحْصُلُ ههُنا، وسَواءٌ سَأَلَه الخَطِيبُ فأجابَه، أو كَلَّمَ بعضُ النَّاسِ الخَطِيبَ لحاجَةٍ ابْتِداءً؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن قبلُ. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 4/ 155.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا سَمِع مُتَكَلِّمًا لم يَنْهَه بالكَلامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» (¬1). ولكن يُشِيرُ إليه، ويَضَعُ أُصْبُعَه على فِيهِ. كما رَوَيْنا عن أُبَىٍّ. وهذا قولُ زيدِ بنِ صُوحانَ (¬2)، وعبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ. وكَرِه الإِشارَةَ طَاوُسٌ. ولَنا، أنَّ الذى قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: متى السَّاعَة؟ أَوْمَأَ إليه النَّاسُ بالسُّكُوتِ بحَضْرَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُنْكِرْ عليهم، ولأنَّ الإِشارَةَ تَجُوزُ في الصَّلاةِ للحاجَةِ التى يُبْطِلُها الكلامُ، فجَوازُها في الخُطْبَةِ أوْلَى. فصل: فأمَّا الكلامُ الواجِبُ؛ كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِن البِئْرِ، أو مَن يَخافُ عليه نارًا، أو حَيَّةً، ونَحْوَ ذلك، فلا يَحْرُمُ؛ لأنَّ هذا يَجُوزُ في نَفْسِ الصَّلاةِ مع فَسادِها به، فهُنا أَوْلى. فأمَّا تَشْمِيتُ العاطِسِ، ورَدُّ السَّلامِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَجُوزُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 303. (¬2) زيد بن صوحان، كان من سادة التابعين، صواما قواما، توفى سنة ست وثلاثين. العبر 1/ 36.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ: يَرُدُّ الرجلُ السَّلامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويُشَمِّتُ العاطِسَ؟ فقالَ: نعم، والإِمَامُ يَخْطُبُ. وقال أبو عبدِ اللَّهِ: قد فَعَلَه غيرُ واحِدٍ. [قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ] (¬1). ومِمَّن يُرَخِّصُ فيه الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ هذا واجِبٌ فوَجَبَ الإِتْيانُ به في الخُطْبَةِ لحَقِّ الآدَمِىِّ، فهو كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، إن كان لا يَسْمَعُ، رَدَّ السَّلامَ وشَمَّتَ العَاطِسَ، وإن كان يَسْمَعُ، فليس له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ. قلتُ لأحمدَ: يَرُدُّ السَّلامَ والإِمامُ يَخْطُبُ، ويُشَمِّتُ العاطِسَ؟ قال: إذا كان لا يَسْمَعُ الخُطْبَةَ فيَرُدُّ، وإذا كان يَسْمَعُ فلا. قال اللَّهُ تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (¬2). قِيلَ له: الرجلُ يَسْمَعُ نَغَمَةَ الإِمامِ بالخُطْبَةِ، ولا يَدْرِى ما يقولُ، أيَرُدُّ السَّلامَ؟ قال: لا. ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ وذلك لأنَّ الإِنْصاتَ واجِبٌ، فلم يَجُزِ الكَلامُ المَانِعُ منه، مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كالأَمْرِ بالإِنْصَاتِ، بخِلافِ مَن لا يَسْمَعُ. وقال القاضى: لا يَرُدُّ ولا يُشَمِّتُ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) سورة الأعراف 204.

672 - مسألة: (ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها. وعنه، يجوز فيها)

وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا. وَعَنْهُ، يَجُوزُ فِيها. ـــــــــــــــــــــــــــــ ورُوىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىَ. واخْتُلِفَ فيه عن الشافعىِّ. فيَحْتَمِلُ قولُ القاضى أن يَكُوْنَ مُخْتَصًّا بمَن يَسْمَعُ، فيكونُ مثلَ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عامًّا في الجَمِيع؛ لأنَّ وُجُوبَ الإِنْصاتِ شامِلٌ لهم، فأشْبَهُوا السَّامِعِينَ. ويَجُوزُ أن يَرُدَّ على المُسَلِمِ بالإِشارَةِ. ذَكرَه القاضى في «المُجَرِّدِ»؛ لأنَّه يَجُوزُ في الصَّلاةِ، فَههُنا أَوْلَى. 672 - مسألة: (ويَجُوزُ الكَلامُ قبلَ الخُطْبَةِ وبعدَها. وعنه، يَجُوزُ فيها) يَجُوزُ الكَلامُ قبلَ الخُطْبَةِ، وبعدَ فَراغِه منها، مِن غيرِ كَراهَةٍ. وبهذا قال عَطَاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ومحمدٌ. ورُوِى عن ابنِ عمرَ، وكَرِهَه الحَكَمُ. وقال أبو حنيفةَ: إذا خَرَج الإِمامُ حَرُم الكَلامُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ كانا يَكْرَهان الكَلامَ والصلاةَ بعدَ خُروج الإِمامِ، ولا مُخالِفَ لهم في الصحابةِ. ولَنا، ما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ مالكٍ، أنَّهم كانُوا يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعمرُ جالِسٌ على المِنْبَرِ، فإذا سَكَت المُؤَذِّنُ، وقام عمرُ، لم يَتَكُلَّمْ أحَدٌ حتى يَقْضِىَ الخُطْبَةَ، فإذا قامَتِ الصلاةُ، ونَزَل عمرُ تَكَلَّمُوا (¬1). وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بينَهم، ولأنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِت، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» (¬2). يَدُلُّ على تَخْصِيصِه بوَقْتِ الخُطْبَةِ، ولأنَّ الكَلامَ إنَّما حُرِّمَ لأجْلِ الإِنْصاتِ للخُطْبَةِ، ولا وَجْهَ لتَحْرِيمِه مع عَدَمِها. وقَوْلُهم: لا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ. قد ذَكَرْنا عن عُمُومِهم خِلافَ ذلك. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 300. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 303.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمَّا الكَلامُ في الجَلْسَةِ بينَ الخُطْبَتَيْن، فيَحْتَمِلُ جَوازُه؛ لِما ذَكْرَنا. وهذا قولُ الحسنِ. ويَحْتَمِلُ المَنْعُ. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه سُكُوتٌ يَسِيرٌ في أثْناءِ الخُطْبَتَيْن، أشْبَهَ السُّكُوتَ للتَّنَفُّسِ. وإذا بَلَغ الخَطِيبُ إلى الدُّعاءِ، فهل يَجُوزُ الكَلامُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الجَوازُ؛ لأنَّه فَرَغ مِن الخُطْبَةِ، أشْبَهَ ما لو نَزَل. والثَّانِى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تابعٌ للخُطْبَةِ، فيَثْبُتُ له ما ثَبَت لها، كالتَّطْوِيلِ في المَوْعِظَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان دُعاءً مَشْرُوعًا، كالدُّعاءِ للمُؤْمِنينَ والمُؤْمِناتِ، والإِمامِ العادِلِ أنْصَتَ، وإن كان لغيرِه لم يَلْزَمِ الإِنْصاتُ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له. فصل: ويُكْرَهُ العَبَثُ والإِمامُ يَخْطُبُ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَسَّ الحَصَا فَقَدْ لَغَا» (¬1). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيث صَحِيحٌ. واللَّغْوُ: الإِثْمُ، قال اللَّهُ تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (¬2). ولأنَّ العَبَثَ يَمْنَعُ الخُشُوعَ ويُكْسِبُ الإثْمَ. ويُكْرَهُ أن يَشْرَبَ والإِمامُ يَخْطُبُ، إذا كان يَسْمَعُ. وبه قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ. ورَخَّصَ فيه مُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ؛ لأنَّه لا يَشْغَلُ عن السَّماعِ. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه فِعْلٌ يَشْتَغِلُ به، أشْبَهَ مَسَّ الحَصا، فإن كان لا يَسْمَعُ لم يُكْرَه. نَصَّ عليه؛ لأنَّه لا يَسْمَعُ فلا يَشْتَغِلُ به. فصل: قال الإِمامُ أحمدُ: لا يَتَصَدَّقُ على السُّؤَّالِ والإِمامُ يَخْطُبُ؛ لأنَّهم فَعَلُوا ما لا يَجُوزُ، فلا يُعِينُهُم عليه. قال الإِمامُ أحمدُ: وإن حَصَبَه كان أعْجَبَ إلىَّ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ رَأى سائِلًا يَسْأَلُ والإِمامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فحَصَبَه. قِيلَ للإِمامِ أحمدَ: فإن تَصَدَّقَ عليه إنْسانٌ، فناوَلَه والإِمامُ يَخْطُبُ؟ قال: لا. قِيلَ: فإن سَأَل قبلَ خُطْبَةِ الإِمامِ ثم جَلَس، فأعْطانِى رجلٌ صَدَقَةً أُناوِلُه إيّاها؟ قال: نعم، هذا لم يَسْأَلْ والإِمامُ يَخْطُبُ. فصل: ولا بَأْسَ بالاحْتِباءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإليه ذَهَب عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم، مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأى. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 270. (¬2) سورة المؤمنون 3.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وقال أبو داودَ: لم يَبْلُغْنِى أنَّ أحَدًا كَرِهَه إلَّا عُبادَةَ بنَ نُسَىٍّ (¬1)؛ لأنَّ سَهْلَ ابنَ مُعاذٍ روَى، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الْحَبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ. رَواه أبو داودَ (¬2). ولَنا، ما روَى يَعْلَى بنُ شَدَّادِ بنِ أوْسٍ، قال: شَهِدْتُ مع مُعَاوِيَةَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فجَمَّعَ بنا، فنَظَرْتُ فإذا جُلُّ مَن في المَسْجِدِ أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرَأَيْتُهُم مُحْتَبِينَ والإِمامُ يَخْطُبُ (¬3). وفَعَلَه ابنُ عمرَ، وأنَسٌ، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، والحَدِيثُ في إسْنادِه مَقَالٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ: والأَوْلَى تَرْكُه لأجْلِ الحديثِ، وإن كان ضَعِيفًا، لأنَّه يَصِيرُ به مُتَهَيِّئًا للنَّوْمِ والسُّقُوطِ وإسْقاطِ الوُضُوءِ، ويُحمَلُ النَّهْىُ في الخَبَرِ على الكَراهَةِ، وأحْوالُ الصحابةِ الذين فَعَلُوه على أنَّه لم يَبْلُغْهُم الخَبَرُ. فصل: قال الإِمامُ أحمدُ: إذا كان يَقْرَءُونَ الكِتابَ يَوْمَ الجُمُعَةِ على النَّاسِ بعدَ الصَّلاةِ، أعْجَبُ إلىَّ أن يَسْمَعَ إذا كان فَتْحًا مِن فُتُوحِ المُسْلمين، أو كان فيه شئٌ مِن أُمُورِ المسلمينَ، وإن كان شئٌ إنَّما فيه ذِكْرُهُم فلا يَسْتَمِعْ. وقال في الذين يُصَلُّونَ في الطُّرُقَاتِ: إذا لم يَكُنْ بينَهم ¬

(¬1) أبو عمرو عبادة بن نسى الكندى الشامى، قاضى طبرية، من تابعى أهل الشام، ثقة، توفى سنة ثمانى عشرة ومائة. تهذيب التهذيب 5/ 113، 114. (¬2) في: باب الاحتباء والإمام يخطب، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 254. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 2/ 302، 303. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 439. وهو عندهم عن سهل بن معاذ، عن أبيه معاذ بن أنس. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب الاحتباء والإمام يخطب، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 254 وذكر أيضًا فعل ابن عمر، وأنس، وغيرهم في الموضع نفسه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بابٌ مُغْلَقٌ فلا بَأْسَ. وسُئِلَ عمَّن صَلَّى خارجَ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ، قال: أرْجُو أن لا يكُونَ به بَأْسٌ. وسُئِلَ عن الرجلِ يُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ، وبينَه وبينَ الإِمامِ سُتْرَةٌ. قال: إذا لم يَقدِرْ على غيرِ ذلك. يَعْنِى يُجْزِئُه.

باب صلاة العيدين

بابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ صلاةِ العِيدَيْنِ وهى مَشْرُوعَةٌ، والأصْلُ في ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه عَزَّ وجَلَّ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (¬1). المشْهُورُ في التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بها صلاةُ العِيدِ. وأمّا السُّنَّةُ، فثَبَتَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتَّواتُرِ أنَّه كان يُصَلِّى العِيدَيْنِ. قال ابنُ عباسٍ: شَهِدْتُ صلاةَ الفِطْرِ مع رسوِلِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبى بَكرِ، وعُمَرَ، فكُلُّهم يُصَلِّيها قبلَ الخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ (¬3). وأجْمَعَ المُسْلِمون على صلاةِ العِيدَيْن. ¬

(¬1) سورة الكوثر 2. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب الخطبة بعد العيد، وباب موعظة الإمام النساء يوم العيد، من كتاب العيدين، وفى: تفسير سورة الممتحنة، من كتاب التفسير. صحيح البخارى 2/ 23، 27، 6/ 187، 188. ومسلم، في: أول كتاب العيدين. صحبح مسلم 2/ 602. كما أخرجه أبو داود، في: باب ترك الأذان في العيد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 262. والدارمى، في: باب لا صلاة قبل العيد ولا بعدها، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 376. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 331. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب ترك الأذان في العيد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 262. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 406. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 227، 242، 243، 285، 346، 354.

673 - مسألة: (وهى فرض على الكفاية، إن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام)

وَهِىَ فَرْضٌ على الْكِفايَةِ، إِذَا اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ على تَرْكِهَا قاتَلَهُمُ الْإِمَامُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 673 - مسألة: (وهى فَرْضٌ على الكِفايَةِ، إنِ اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ على تَرْكِها قاتَلَهُم الإِمامُ) صلاةُ العِيدِ فَرْضٌ على الكِفايَةِ، في ظاهِر المذْهَبِ، إذا قام بها مَن يَكْفِى سَقَطَتْ عن الباقِينَ. وبه قال بعضُ (¬1) أصحابِ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: هى واجِبَةٌ على الأعْيانِ، وليست فَرْضًا، وقال ابنُ أبى موسى: وقد قيل: إنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وهو قَوْلُ مالكٍ، وأكْثَرِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لقوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْرابِىّ حينَ ذَكَر خمْسَ صَلَواتٍ، قال: هل علىَّ غيرُهُنَّ؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ» (¬2). ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ لا يُشْرَعُ لها أذانٌ، فلم تَكُنْ واجِبَةً، كصلاةِ الاسْتِسْقاءِ. ثم اخْتَلَفُوا، فقالَ بعضُهم: إذا امْتَنَعَ جَمِيعُ النّاسِ مِن فِعْلِها قاتَلَهم الإِمامُ عليها. وقال بعضُهم: لا يُقاتِلُهُم. ولَنا، على أنَّهَا لا تَجِبُ على الأعْيانِ، أنَّها صلاةٌ لا يُشْرَعُ لها الأذانُ، فلم تَجِبْ على ¬

(¬1) سقط من: الأصل. (¬2) تقدم تخريجه في 3/ 125، 4/ 180.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الأعْيانِ، [كصلاةِ الجِنازَةِ، ولأنَّ الخَبَرَ الذى ذَكَرَه مالكٌ ومَن وافَقَه يَقْتَضِى نَفْىَ وُجُوبِ صلاةٍ سِوَى الخَمْسِ، وإنَّما خُولِفَ بفِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَن صَلَّى معه، فيَخْتَصُّ بمَن كان مِثْلَهم، ولأنَّها] (¬1) لو وَجَبَتْ على الأعْيانِ لوَجَبَتْ خُطْبَتُها والاسْتِماعُ لها، كالجُمُعَةِ. ولَنا، على وُجُوبِها في الجُمْلَةِ، قولُه تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}. والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّها مِن أعْلامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فكانت واجِبَةً، كالجُمُعَةِ، والجِهادِ، ولأنَّها لو لم تَجِبْ، لم يَجِبْ قِتالُ تارِكِيها؛ لأنَّ القِتالَ عُقُوبَةٌ، فلا يتوَجَّه إلى تارِكِ مَنْدُوبٍ؛ كالقَتْلِ والضَّرْبِ، وقِياسًا على سائِرِ السُّنَنِ. فأمَّا حَدِيثُ الأعْرابِىِّ فليس لهم فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ الأعْرابَ لا تَلْزَمُهُم الجُمُعَةُ، فالعِيدُ أوْلَى، على أنَّه مَخْصوصٌ بالصلاةِ على الجنازَةِ المَنْذُورَةِ، فكذلك صلاةُ العِيدِ. وقِياسُهم لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كَوْنَها ذاتَ رُكُوعٍ وسُجُودٍ لا أثَرَ له، فيَجِبُ حَذْفُه، فيَنْتَقِضُ بصلاةِ الجنازَةِ، ويَنْتَقِضُ على كلِّ حالٍ بالصلاةِ المَنْذُورَةِ. ¬

(¬1) سقط من: الأصل.

674 - مسألة: (وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس، وآخره إذا زالت)

وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ إِذَا زَالَتْ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ على تَرْكِها قاتَلَهم الإِمامُ، لأنَّها مِن شَعائِرِ الإِسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا على تَرْكِها، كالأذانِ، ولأنَّها مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ فقُوتِلُوا على تَرْكِها، كغَسْلِ المَيِّتِ، والصلاةِ عليه، إذا اتَّفَقُوا على تَرْكِه. 674 - مسألة: (وأوَّلُ وَقْتِها إذا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وآخِرُه إذا زالَتْ) أوَّلُ وَقْتِ صلاةِ العِيدِ إذا خَرَج وَقْتُ النَّهْى، وارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ (¬1) مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ، وذلك ما بينَ وَقْتَى النَّهْى عن صلاةِ النافِلَةِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: أوَّلُ وقتِها إذا طَلَعَتِ الشَّمْسِ، لِما روَى يَزِيدُ بنُ خُمَيْرٍ، قال: خَرَج عبدُ اللَّهِ بنُ بُسْرٍ، صاحِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في يَوْمِ عِيدِ فِطرٍ أو أضْحَى، فأنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ، وقال: إنّا كُنّا قد فَرَغْنا ساعَتَنا هذه. وذلك حِينَ صلاةِ التَّسْبِيحِ. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (¬2). ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: ثَلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْهانا أن نُصَلِّىَ فيهنَّ، وأن نقْبُرَ فيهنَّ مَوْتانا؛ حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ (¬3). ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيه، فلم يَكُنْ وَقْتًا للعِيدِ، كقبلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولأنَّ النبىَّ ومَن بعدَه لم يُصَلُّوا حتى ارْتَفَعَتِ ¬

(¬1) قيد رمح: قدر رمح. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب وقت الخروج إلى العيد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 259. وابن ماجه، في: باب وقت صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 418. (¬3) تقدم تخريجه في 4/ 240.

675 - مسألة: (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال، خرج من الغد فصلى بهم)

فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّمْسُ، بدَلِيلِ الإِجْماعِ أنَّ فِعْلَها في ذلك الوقتِ أفْضَلُ. ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ليَفْعَلَ إلَّا الأفْضَلَ، ولو كان لها وقتٌ قبلَ ذلك، لكانَ تَقْيِيدُه بطُلُوعِ الشَّمْسِ تَحَكُّمًا بغيرِ نَصٍّ ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بالتَّحَكُّمِ. وأمّا حَدِيثُ عبدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ، فيُحْمَلُ على أنَّه أنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ عن وَقْتِها المُجْمَعِ عليه؛ لأنَّه لو حُمِل على غيرِ هذا لم يَكُنْ إبْطاءً، ولا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ ذلك على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ الصلاةَ في وقتِ النَّهْى؛ لأنَّه مَكْرُوهٌ بالاتِّفاقِ، والأفْضَلُ خِلافُه، ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُداوِمُ على المَفْضُولِ ولا المَكْرُوهِ، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا. 675 - مسألة: (فإن لم يَعْلَمْ بالعِيدِ إلَّا بعدَ الزَّوالِ، خَرَج مِن الغَدِ فصَلَّى بهم) وهذا قَوْلُ الأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّها لا تُقْضَى. وقال الشافعىُّ: إن عَلِم بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، كقولِنا، وإن عَلِم بعدَ الزَّوالِ لم يُصَلِّ؛ لأنَّها صلاةٌ شُرِع لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فلا تُقْضَى بعدَ فَواتِ وَقْتِها، كالجُمُعَةِ، وإنَّما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُصَلِّيها إذا عَلِم بعد غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِيدَ هو الغَدُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ» (¬1). ولَنا، ما روَى أبو عُمَيْرِ بنُ أنَسٍ، عن عُمُومَةٍ له مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رَكْبًا جاءُوا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشَهِدُوا أنَّهم رَأوُا الهِلالَ بالأمْسِ، فأمَرَهم أن يُفْطِرُوا، فإذا أصْبَحُوا أن يَغْدُوا إلى مُصَلَّاهم. رَواه أبو داودَ (¬2). وقال الخَطَّابِىُّ (¬3): سُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أولَى أن تُتَّبَعَ، وحَدِيثُ أبى (¬4) عُمَيْرٍ صَحِيحٌ، فالمَصِيرُ إليه واجِبٌ. ولأنَّها صلاةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فلا تَسْقُطُ بفَواتِ الوَقْتِ، كسائِرِ الفُرُوضِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّها مَعْدُولٌ بها عن الظُّهْرِ بشَرائِطَ، مِنها الوَقْتُ، فإذا فات واحِدٌ مِنها رَجَع إلى الأصْلِ. ¬

(¬1) أخرجه بدون ذكر «وعرفتكم يوم تعرفون» كل من: أبى داود، في: باب إذا أخطأ القوم الهلال، من كتاب الصوم. سنن أبى داود 1/ 543. والترمذى، في: باب ما جاء الصوم يوم تصومون. . . إلخ، من أبواب الصوم. عارضة الأحوذى 3/ 216. وابن ماجه، في: باب ما جاء في شهرى العيد، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 531. وأخرجه البيهقى عن عطاء مرسلا وفيه: «وعرفة يوم تعرفون». في: باب خطأ الناس يوم عرفة، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 176. وأخرج أبو داود في المراسيل أن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «يوم عرفة الذى يعرف فيه الناس». المراسيل 125. (¬2) في: باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 264. كما أخرجه النسائى، في: باب الخروج إلى العيدين من الغد، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 146، 147. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 529. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 57، 58. (¬3) في: معالم السنن 1/ 252. (¬4) في م: «ابن».

676 - مسألة: (ويسن تقديم الأضحى، وتأخير الفطر، والأكل فى الفطر قبل الصلاة، والإمساك فى الأضحى حتى يصلى)

وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، وَالْأَكْلُ فِى الْفطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْإِمْسَاكُ فِى الْأَضْحَى حَتَّى يُصلِّىَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فأمَّا الواحِدُ، إذا فاتَتْه حتى تَزُولَ الشَّمْسُ وأحَبَّ قضاءَها، قَضاها متى أحَبَّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَقْضِيها إلَّا مِن الغَدِ، كالمَسْأَلَةِ قبلَها. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَفْعَلُه تَطوُّعٌ، فمتى أحَبَّ أتَى به، وفارَق إذا لم يَعْلَمِ النّاسُ؛ لأنَّهم تَفَرَّقُوا على أنَّ العِيدَ في الغَدِ، فلا يجْتَمِعُون إلَّا إلى الغَدِ، ولا كذلك ههُنا؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى اجْتِماعِ الجَماعَةِ، ولأنَّ صلاةَ الإِمامِ هى الواجِبَةُ، التى يُعْتَبَرُ لها شُرُوطُ العِيدِ ومَكانُه، فاعْتُبِرَ لها العِيدُ، بخِلافِ هذا. 676 - مسألة: (ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ، والأكْلُ في الفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ، والإِمْساكُ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ) يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ؛ لأنَّ التَّضْحِيَةَ لا تَجُوزُ إلَّا بعدَ الصَّلاةِ، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السُّنَّةَ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا. وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «أنْ أخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ وَعَجِّلِ الْأضْحَى، وَذَكِّرِ النَّاسَ». الحدِيثُ مُرْسَلٌ، رَواه الشافعىُّ (¬1). فصل: ويُسْتَحَبُّ الأكْلُ في الفِطْرِ قبلَ الصَّلاةِ، وأن لا يَأْكُلَ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَأْكُلَ تَمَراتٍ. وقال مُرَجَّأُ بنُ رَجاءٍ: حَدَّثنِى عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنِى أنَسٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا». رَواه البخارىُّ (¬2). وعن بُرَيْدَةَ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ (¬3)، وهذا لَفْظُه، ورَواه الأثْرَمُ، ولَفْظُ رِوايَتِه: حتى ¬

(¬1) في: باب صلاة العيدين. ترتيب مسند الشافعى 1/ 152. كما أخرجه البيهقى، في: باب الغدو إلى العيدين، من كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 282. (¬2) في: باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج، من كتاب العيدين. صحيح البخارى 2/ 21. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب في الأكل يوم الفطر قبل أن يخرج، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 558. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 126. (¬3) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج، من أبواب العيدين. عارضة الأحوذى 3/ 12. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 353، 360. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب في الأكل يوم الفطر قبل أن يخرج، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 558. والدارمى، في: باب في الأكل قبل الخروج يوم العيد، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 375.

677 - مسألة: (و)

وَالْغُسْلُ، وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ، مَاشِيًا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلَّا الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ فِى ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ يُضَحِّىَ. ويُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على تَمَراتٍ، ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وأمّا في الأضْحَى، فإن كان له أُضْحِيَةٌ اسْتُحِبَّ أن يُفْطِرَ على شئٍ مِنها. قال أحمدُ: والأضْحَى لا يَأْكُلُ فيه حتى يَرْجِعَ إذا كان له ذِبْحٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكل مِن ذَبِيحَتِه. وروَى الدّارَقُطْنِىُّ (¬1) حديثَ بُرَيْدَةَ، وفيه: وكان لا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ حتى يَرْجِعَ فيَأْكُلَ مِن أُضحِيَتِه، وإذا لم يَكُنْ له ذِبْحٌ لم يُبالِ أن يَأْكُلَ. 677 - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ (الغُسْلُ والتَّبْكِيرُ إليها بعدَ الصُّبْحِ، ماشِيًا على أحْسَنِ هَيْئَةٍ، إلَّا المُعْتَكِفَ يَخْرُجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، أو إمامًا يَتَأخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ) يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ للعِيدِ، وكان ابنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ. رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ». ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، وبه قال عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الأضْحَى. رَواه ابنُ ماجه (¬2)، إلَّا أنَّه مِن ¬

(¬1) في: أول كتاب العيدين. سنن الدارقطنى 2/ 45. كما أخرجه البيهقى، في: باب يترك الأكل يوم النحر حتى يرجع، من كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 283. (¬2) تقدم تخريجه في 2/ 118.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ رِوايَةِ جُبارَةَ بنِ مُغَلِّسٍ، وهو ضَعِيفٌ. ورُوِىَ أيضًا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في جُمُعَةٍ مِن الجُمَعِ: «إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّه عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَان عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أنْ يمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» (¬1). عَلَّلَ بكَوْنِه عِيدًا. ولأنَّه يَوْمٌ يُشْرَعُ فيه الاجْتِماعُ للصلاةِ، فاسْتُحِبَّ الغُسْلُ فيه، كيومِ الجُمُعَةِ، وإن تَوَضَّأَ أجْزَأَه؛ لأنَّه إذا أجْزَأَ في الجُمُعَةِ مع الأمْرِ بالغُسْلِ لها، فَههُنا أوْلَى. ووَقْتُ الغُسْلِ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ. قال الآمِدِىُّ: إنِ اغْتَسَلَ قبلَ الفَجْرِ لم يُصِبْ سُنَّةَ الاغْتِسالِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: المَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه قبلَ الفَجْرِ وبعدَه؛ ولأنَّ زَمَنَ العِيدِ أضْيَقُ مِن وَقْتِ الجُمُعَةِ، فلو وُقِف على طُلُوعِ الفَجْرِ رُبَّما فات، ولأنَّ المَقْصُودَ مِنه التَّنْظِيفُ، وذلك يَحْصُلُ بالغُسْلِ في اللَّيْلِ؛ لِقُرْبِه مِن الصَّلاةِ. والأَوْلَى أن يكونَ بعدَ الفَجْرِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولأنَّه أبْلَغُ في النَّظافَةِ؛ لقُرْبِه مِن الصَّلاةِ. والغُسْلُ لها غيرُ واجِبٍ. قال ابنُ عَقيلٍ: وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُه بِناءً على غُسْلِ الجُمُعَةِ، لأنَّها في مَعْناها. فصل: ويُسْتَحَبُّ التبكِيرُ إلى العِيدِ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ، والدُّنُوُّ مِن الإِمامِ؛ ليَحْصُلَ له أجْرُ التَّبْكِيرِ وانْتظارِ الصَّلاةِ، ويَحْصُلَ له فَضلُ الدُّنُوِّ ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 349. والإمام مالك، في: باب ما جاء في السواك، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 65 مرسلًا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِن الإِمام مِن غيرِ تَخَطِّى رِقابِ النّاسِ، ولا أذَى أحَدٍ. قال عَطاءُ بنُ السّائِبِ: كان عبدُ الرحمن بنُ أبى لَيْلَى، وعبدُ اللَّه بنُ مَعْقِلٍ (¬1) يُصَلِّيانِ الفَجْرَ يَوْمَ العِيدِ وعليهما ثِيابُهما، ثم يَتَدافَعانِ إلى الجَبَّانَةِ؛ أحَدُهما يُكَبِّرُ، والآخَرُ يُهَلِّلُ. فأمَّا الإِمامُ فإنَّه يَتَأَخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ والأضْحَى إلى المُصَلَّى، فأوَّلُ شئٍ يَبْدأُ به الصلاةُ. رَواه مسلمٌ (¬2). قال مالكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يَخْرُجَ الإِمامُ مِن مَنْزِلِه قَدْرَ ما يَبْلُغُ المُصَلَّى، وقد حَلَّتِ الصلاةُ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان لا يَخْرُجُ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. ويُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ ماشِيًا، وعليه السَّكِينَةُ والوَقارُ، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ. وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وغيرِهم، لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يَرْكَبُ في عيدٍ ولا ¬

(¬1) أبو الوليد عبد اللَّه بن معقل بن مقرن المزنى الكوفى، ثقة من خيار التابعين، توفى سنة بضع وثمانين بالبصرة. تهذيب التهذيب 6/ 40، 41. (¬2) في: أول كتاب العيدين. صحيح مسلم 2/ 605. كما أخرجه البخارى، في: باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، من كتاب العيدين. صحيح البخارى 2/ 22. والنسائى، في: باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة، من كتاب العيدين، المجتبى 3/ 153. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الخطبة في العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 409. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 56.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جِنازَةٍ (¬1). وروَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ إلى العِيدِ ماشِيًا، ويَرْجِعُ ماشِيًا. رَواه ابنُ ماجه (¬2). وإن كان بَعِيدًا، فلا بَأْسَ أن يَرْكَبَ. نصَّ عليه أحمدُ؛ لِما رُوِىَ أنَ عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ قال على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: إنَّ الفِطْرَ غَدًا، فامْشُوا إلى مُصَلَّاكُم، فإنَّ ذلك كان يُفْعَلُ، ومَن كان مِن أهْلِ القُرَى فلْيَرْكَبْ، فإذا جاء إلى المَدِينَةِ فلْيَمْشِ إلى الصَّلاةِ. رَواه سعيدٌ (¬3). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَطَيَّبَ وَيَتسوَّكَ، وَيلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِه، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وروَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسْنادِه عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَعْتَمُّ ويَلْبَسُ بُرْدَه الأحْمَرَ في العِيدَيْن والجُمُعَةِ. وعن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَلْبَسُ في العِيدَيْن ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الركوب في الجنازة، من كتاب الجنائز. سنن أبى داود 2/ 182. وانظر الأم، للشافعى 1/ 207. (¬2) في: باب ما جاء في الخروج إلى العيد ماشيا، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 411. (¬3) أخرجه عبد الرزاق عنه بنحوه، في: باب الركوب في العيدين. المصنف 3/ 289.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بُرَدَ حِبَرَةٍ (¬1). وبإسْنادِه عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا عَلَى أحَدِكُمْ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَىْ مِهْنَتِهِ لِجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ» (¬2). والإِمامُ بذلك أحَقُّ؛ لأنَّه المَنْظُورُ إليه مِن بَيْنِهم، إلَّا أنَّ المُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ له الخُرُوجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، ليَبْقَى عليه أثَرُ العِبادَةِ والنُّسْكِ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: طاوُسٌ كان يَأْمُرُ بزِينَةِ الثِّيابِ، وعطاءٌ قال: هو يَوْمُ تَخَشُّعٍ. وأسْتَحْسِنُهُما جَمِيعًا. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُرُوجِه مُظْهِرًا للتَّكْبِيرِ، يَرْفَعُ به صَوْتَه. قال أحمدُ: يُكَبِّرُ جَهْرًا إذا خَرَج مِن بَيْتِه حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وأبى أُمامَةَ، وناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وفَعَلَه ابنُ أبى لَيْلَى، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ يَوْمَ الأضْحَى، ولا يُكَبِّرُ يَوْمَ الفِطْرِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ سَمِع التَّكْبِيرَ يَوْمَ الفِطْرِ، فقال: ما شَأْنُ النّاسِ؟ ¬

(¬1) أخرجهما البيهقى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، في: باب الزينة للعيدين، من كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 280. وعزاهما الزيلعى للطبرانى في الأوسط عن ابن عباس بلفظ: «بردة حمراء». نصب الراية 2/ 209. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 274.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فقِيلَ: يُكَبِّرُون. فقال: أمَجانِينُ النّاسُ؟ (¬1). ولَنا، أنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، وقَوْلُهم، فأمّا ابنُ عباسٍ فكان يقولُ: يُكَبِّرُونَ مع الإِمامِ، ولا يُكَبِّرُونَ وحدَهم. وهذا خِلافُ مَذْهَبِهم. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُكَبِّرُ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى؛ لقَوْلِ أبى جَمِيلَةَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، خَرجَ يومَ العيدِ، فلم يَزَلْ يُكَبِّرُ حتى انْتَهى إلى الجَبّانَةِ (¬2). قال الأَثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّه فِى الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى، أو حتى يَخْرُجَ الإِمامُ؟ قال: حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى. وقال القاضى: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، حتى يَخْرُجَ الإِمامُ. فصل: ولا بَأْسَ بخُرُوجِ النِّساءِ يومَ العِيدِ إلى المُصَلَّى. وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ ذلك. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما قالا: حَقٌّ على كُلِّ ذاتِ نِطاقٍ أن تَخْرُجَ إلى العِيدَيْنِ (¬3). وكان ابنُ ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب في التكبير إذا خرج إلى العيد، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبى شيبة 2/ 165. (¬2) أخرجه الدارقطنى، في: أول كتاب العيدين. سنن الدارقطنى 2/ 44. (¬3) أخرجه عنهما ابن أبى شيبة، في: باب من رخص في خروج النساء إلى العيدين، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبى شيبة 2/ 182.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عُمَرَ يُخْرِجُ مَن اسْتَطاعَ مِن أهْلِه إلى العِيدَيْن (¬1). ورَوَتْ أمُّ عَطِيَّةَ، قالت: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ والأضْحَى؛ العَوَاتِقَ (¬2) وذَواتَ الخُدُورِ، فأمّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصلاةَ، ويَشْهَدْنَ الخَيْرَ، ودَعْوةَ المُسْلِمين، قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ: إحْدانا لا يَكُونُ لها جِلْبابٌ؟ قال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». مُتَّفَقٌ عليه (¬3). وهذا لَفْظُ رِوايَةِ مسلمٍ. وقال القاضِى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ ذلك جائِزٌ غيرُ مُسْتَحَبٍّ، وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، ويَحْيى الأنْصارِىُّ، وقالا: ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب من رخص في خروج النساء إلى العيدين، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبى شيبة 2/ 182. (¬2) العواتق: جمع عاتق، وهى الجارية البالغة، أو التى قاربت البلوغ. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب شهود الحائض العيدين. . . إلخ، من كتاب الحيض، وفى: باب وجوب الصلاة في الثياب، من كتاب الصلاة، وفى: باب التكبير أيام منى. . . إلخ، وباب خروج النساء والحيض إلى المصلى، وباب اعتزال الحيض المصلى، وباب إذا لم يكن لها جلباب في العيد، من كتاب العيدين، وفى: باب تقضى الحائض المناسك. . . إلخ، من كتاب الحج. صحيح البخارى 1/ 88، 89، 99، 2/ 25، 26، 27، 28، 196. ومسلم، في: باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين. . . إلخ، من كتاب العيدين. صحيح مسلم 2/ 605، 606. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في خروج النساء في العيدين، من أبواب العيدين. عارضة الأحوذى 9/ 3، 10. والنسائى، في: باب شهود الحيض العيدين ودعوة المسلمين، وفى: باب خروج العواتق وذوات الخدور في العيدين، وباب اعتزال الحيض مصلى الناس، من كتاب العيدين. المجتبى 1/ 159، 3/ 147. والدارمى، في: باب خروج النساء في العيدين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 377. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 84، 85، 6/ 409.

678 - مسألة: (وإذا غدا من طريق، رجع فى أخرى)

وَإذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ، رَجَعَ فِى أُخْرَى. ـــــــــــــــــــــــــــــ لا يُعْرَفُ خُرُوجُ المرأةِ في العِيدَيْن عندَنا. وكَرِهَه سُفْيانُ، وابنُ المُبارَكِ، ورَخَّصَ أهلُ الرَّأْىِ للمرأةِ الكَبِيرَةِ، وكَرِهُوه للشّابَّةِ، لِما في خُرُوجهِنَّ مِن الفِتْنَةِ، وقولِ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها: لو رَأى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما أحْدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهُنَّ المَساجدَ، كما مُنِعَت نِساءُ بَنِى إسْرائِيلَ (¬1). ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهى أحَقُّ أن تُتَبّعَ، وقولُ عائِشةَ مُخْتَصٌّ بمَن أحْدَثَتْ دونَ غيرِها، ولا شَكَّ في أنَّ تلك يُكْرَهُ لها الخُرُوجُ، وإنَّما يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الخُرُوجُ غيرَ مُتَطَيِّباتٍ، ولا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ولا زِينَةٍ ويَخْرُجْنَ في ثِيابِ البِذْلَةِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (¬2). ولا يُخالِطْنَ الرِّجالَ، بل يَكُنَّ ناحِيَةً مِنهم. 678 - مسألة: (وإذا غَدا مِن طَرِيقٍ، رَجَع في أُخْرَى) الرُّجُوعُ في غيرِ الطَّرِيقِ التى غَدا منها سُنَّةٌ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ؛ لأنَّ النبىَّ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب انتظار الناس قيام الإمام العالم، من كتاب الأذان. صحيح البخارى 1/ 219. ومسلم، في: باب خروج النساء إلى المساجد. . . إلخ، من كتاب الصلاة. صحيح مسلم 1/ 329. والإمام مالك، في: باب ما جاء في خروج النساء الى المساجد، من كتاب القبلة. الموطأ 1/ 198. وذكره الترمذى، في: باب ما جاء في خروج النساء في العيدين، من أبواب العيدين. عارضة الأحوذى 3/ 10. (¬2) تقدم تخريجه في 4/ 334.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُه. قال أبو هُرَيْرَةَ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خَرَج يَوْمَ العِيدِ في طَرِيقٍ رَجَع في غيرِه (¬1). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: إنَّما فَعَل هذا قَصْدًا لسُلُوكِ الأبعَدِ في الذَّهابِ ليَكْثُرَ ثَوابُه وخُطُواتُه إلى الصَّلاةِ، ويَعُودُ في الأقْصَرِ؛ لأنَّه أسْهَلُ. وقيل: كان يُحِبُّ أن يَشْهَدَ له الطَّريقانِ. وقيل: كان يُحِبُّ المُساواةَ بينَ أهلِ الطَّرِيقَيْن في التَّبَرُّكِ بمُرُورِه بهم، وسُرُورِهم برُؤيَتِه، ويَنْتَفِعُونَ بمَسْألَتِه. وقِيل: لتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ ممَّن صَحِبَه على أهلِ الطَّرِيقَيْن مِن الفُقَراء. وقيل: ليَشْتَرِكَ الطَّرِيقان بوَطْئِه عليهما. وفى الجُمْلَةِ، الاقْتِداْءُ به سُنَّةً؛ لاحْتِمال بَقاءِ المَعْنَى الذى فَعَلَه لأجلِه، ولأنَّه قد يَفْعَلُ الشئَ لمَعْنًى ويَبْقَى ¬

(¬1) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في خروج النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى العيد في طريق ورجوعه من آخر، من أبواب العيدين. عارضة الأحوذى 3/ 11. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الخروج يوم العيد. . . إلخ، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 412. والدارمى، في: باب الرجوع من المصلى من غير الطريق الذى خرج منه، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 378. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 338.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في حَقِّ غيرِه سُنَّةً مع زَوالِ المَعْنَى، كالرَّمَلِ والاضْطِباعِ في طَوافِ القُدُومِ، فَعَلَه هو وأصحابُه لإِظْهارِ الجَلَدِ للكُفارِ، وهى سُنَّةٌ. قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: فيمَ الرَّمَلانُ الآنَ؟ ولمَن نُبْدِى مَناكِبنا وقد نَفَى اللَّهُ المُشْرِكِينَ؟ ثم قال: مع ذلك لا نَدَعُ شيئًا فَعَلْناه مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬1). ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب في الرمل، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 436. والإمام أحمد، في: المسند 4511

679 - مسألة: (وهل من شرطها الاستيطان، وإذن الإمام، والعدد المشروط للجمعة؟ على روايتين)

وهل مِن شَرْطِها الاسْتِيطانُ، وإذْنُ الإِمامِ، والعَدَدُ المَشْرُوطُ للجُمُعَةِ؟ على رِوايَتَيْن. ـــــــــــــــــــــــــــــ 679 - مسألة: (وهل مِن شَرْطِها الاسْتِيطانُ، وإذْنُ الإِمامِ، والعَدَدُ المَشْرُوطُ للجُمُعَةِ؟ على رِوايَتَيْن) يُشْتَرَطُ لوُجُوب صَلاةِ العِيدِ ما يُشْتَرَطُ لوُجُوبِ صَلاةِ الجُمُعَةِ مِن الاسْتِيطانِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّها في سَفَرِه، ولا خُلَفاؤُه، وكذلك العَدَدُ المُشْتَرَطُ لصلاةِ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها صلاةُ عِيدٍ، فأشْبَهَتِ الجُمُعَةَ. وفى اشْتِراطِ إذْنِ الإِمامِ رِوايتان؛ أصَحُّهما، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، كما قُلْنا في الجُمُعَةِ، ولا يُشْتَرَطُ شئٌ مِن ذلك لصِحَّتِها؛ لأنَّ أنَسًا كان إذا لم يَشْهَدِ العِيدَ مع الإِمامِ، جَمَع أهْلَه ومَوالِيَه،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم قام عبدُ اللَّهِ بنُ أبى عُتْبَةَ مَوْلاه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ فيهما، ولأنَّها في حَقِّ مَن انْتَفَتْ فيه شُرُوطُ الوُجُوبِ تَطَوُّعٌ، فلم يُشْتَرَطْ لها ذلك، كسائِرِ التَّطَوُّعِ. وقد ذَكَرَ شَيْخُنا (¬1) ههُنا رِوايَتَيْن، وكذلك ذَكَره أبو الخَطَّابِ. وقال القاضى: كلامُ أحمدَ يَقْتَضِى أنَّ في اشْتِراطِ ذلك رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، لا يُقامُ العِيدُ إلَّا حيث تُقامُ الجُمُعَةُ. وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، إلَّا أنَّه لا يَرَى ذلك إلَّا في المِصْرِ؛ لقَوْلِه: لا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إلَّا في مِصْرٍ جامِعٍ (¬2). والثَّانِيَةُ، يُصَلِّيها المُنْفَرِدُ والمُسافِرُ، والعَبْدُ، والنِّساءُ. وهذا قولُ الحسنِ، والشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ الإِمامَ إذا خَطَب مَرَّةً، ثم أرادُوا أن يُصَلُّوا، لم يَخْطُبُوا ثانيًا، وصَلَّوْا بلا خُطْبَةٍ، كيْلا يُؤَدِّىَ إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ، وهذا التَّفْصيلُ الذى ذَكَرْناه أوْلَى ما قيل به، إن شاءَ اللَّهُ تعالى. ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 287. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 197.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا قُلْنا: مِن شَرْطِها العَدَدُ. وكانت قَرْيَةٌ إلى جانِبِ قَرْيَةٍ أو مِصْرٍ يُصَلَّى فيه العِيدُ، لَزِمَهم السَّعْىُ إلى العِيدِ، سواءٌ كانوا بحيثُ يَسْمَعُونَ النِّداءَ أم لا؛ لأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما لم يَلْزَمْ إتْيانُها مع عَدَم السَّماعِ؛ لتَكَرُّرِها، بخِلافِ العِيدِ، فإنَّه لا يَتَكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ إتْيانه.

680 - مسألة: (وتسن فى الصحراء، وتكره فى الجامع، إلا من عذر)

وَتسَنُّ فِى الصَّحْرَاءِ، وَتُكْرَهُ فِى الْجَامِعِ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 680 - مسألة: (وتُسَنُّ في الصَّحراءِ، وتُكْرَهُ في الجامِعِ، إلَّا مِن عُذْرٍ) السُّنَّةُ أن يُصَلَّى العِيدُ في المُصَلَّى، أمَرَ بذلك علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، واسْتَحْسَنَه الأوْزَاعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وهو قولُ ابنَ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الشافعىِّ، إن كان مَسْجِدُ البَلَدِ واسِعًا، فالصلاةُ فيه أوْلَى؛ لأنَّه خَيْرُ البِقاعِ وأطْهَرُها، ولذلك يُصَلِّى أهلُ مَكَّةَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ إلىْ المُصَلَّى ويَدَعُ مَسْجِدَه، وكذلك الخُلَفاءُ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرَّاشِدُون بعدَه، ولا يَتْرُكُ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الأفْضَلَ مع قُرْبِه، ويَتَكَلَّفُ فِعْلَ المَفْضُول مع بُعْدِه، ولا يَشْرَعُ لاُّمَّتِه تَرْكَ الفَضائِلِ، ولأنّا قد أُمِرْنا باتِّباعِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والاقْتِداءِ به، ولا يَجُوزُ أن يكونَ المَأمُورُ به هو النّاقِصَ، ولأنَّ هذا إجْماعٌ، فإنَّ النّاسَ في كُلِّ عَصْرٍ يَخْرُجُون إلى المُصَلَّى، فيُصَلُّون فيه العِيدَيْن، مع سَعَةِ المَسْجِدِ وضِيقِه، ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صَلَّى العِيدَ بمَسْجدِه إلَّا مِن عُذْرٍ، مع شَرَفِ مَسْجِدِه. ورَوَيْنا عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قِيلَ له: قد اجْتَمَعَ في المَسْجدِ ضُعَفاءُ النّاسِ وعُمْيانُهم، فلو صَلَّيْتَ بهم في المَسْجِدِ؟ فقال: أُخالِفُ السُّنَّةَ إذًا، ولكنْ أخْرُجُ إلى المُصَلَّى، وأسْتَخْلِفُ مَن يُصلِّى بهم في المَسْجِدِ أرْبَعًا (¬1). وصلاةُ النَّفْلِ في البَيْتِ أفْضَلُ منها، مع شَرَفِه. ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ إذا خَرَج أن يَسْتَخْلِفَ في المَسْجِدِ مَن يُصَلِّى بضَعَفَةِ النّاس في الجامِعِ؛ لأنَّ عَليًّا، رَضِىَ اللَّهُ ¬

(¬1) انظر: السنن الكبرى للبيهقى 3/ 310، ومصنف ابن أبى شيبة 2/ 184.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عنه، اسْتَخْلَفَ أبا مَسْعُودٍ البَدْرِىَّ يُصَلِّى بضَعَفَةِ النّاسِ في المَسْجِدِ. رَواه سَعِيدٌ. وهل يُصَلِّى المُسْتَخْلَفُ رَكْعَتَيْن، أم أرْبَعًا؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، يُصَلِّى أرْبَعًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ علىٍّ. والثّانيةُ، يُصَلِّى رَكْعَتَيْن. ورُوِى أنَّه صَلَّى أرْبَعًا. فإن كان عُذْرٌ مِن مَطَرٍ أو نحوِه، صَلَّى في المَسْجِدِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أصابَنا مَطَرٌ في يَوْمِ عِيدٍ، فصَلَّى بنا رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المَسْجِدِ. رَواه أبو داودَ (¬1). فصل: ولا يُشْرَعُ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا ¬

(¬1) في: باب يصلى بالناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 264. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة العيد في المسجد إذا كان مطر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 416.

681 - مسألة: (ويبدأ بالصلاة، فيصلى ركعتين)

وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَيُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أنَّه رُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ أنَّه أذَّنَ وأقامَ. وقِيلَ: أوَّلُ مَن أذَّنَ في العِيدَيْن ابنُ زِيادٍ. وهذا يَدُلُّ على انْعِقادِ الإِجْماعِ قبلَه أنَّه لا يُسَنُّ ذلك. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقد روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى العِيدَيْن بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ. وعن جابِرٍ مثلُه. مُتَّفَقٌ عليهما (¬1). وعن عَطاءٍ، قال: أخْبَرَنِى جابِرٌ أن لا أذانَ للصلاةِ يَومَ الفِطْرِ حينَ يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا بعدَ ما يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا إقامَةَ، ولا نِداءَ ولا شئَ، لا نِداءَ يَوْمَئِذٍ ولا إقامَةَ. رَواه مسلمٌ (¬2). وقال بعضُ أصحابِنا: يُنادَى لها: الصلاةَ جامِعةً. وهو قولُ الشافعىِّ. والسُّنَّةُ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. 681 - مسألة: (ويَبْدأُ بالصلاةِ، فيُصلِّى رَكْعَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَبْدأُ في العِيدِ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن بَنِى أُمَيَّةَ. وقِيلَ: إنَّه يُرْوَى عن عُثمانَ، وابنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُما فَعَلا ذلك. ولا يَصِحُّ عنهما، وخِلافُ بَنِى أُمَيَّةَ مَسْبُوقٌ بالإِجْماعِ، فلا يُعْتَدُّ به، ولأنَّه مُخالِفٌ لسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الصَّحِيحَةِ، ولخُلَفائِه ¬

(¬1) حديث ابن عباس ليس عند البخارى ولا مسلم. وتقدم تخريجه في صفحة 315. وحديث جابر بن سمرة بهذا اللفظ ليس عند البخارى. وأخرجه مسلم، في: أول كتاب العيدين. صحيح مسلم 2/ 603، 604. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء أن صلاة العيدين بغير أذان ولا إقامة، من أبواب العيدين. عارضة الأحوذى 3/ 4. والدارمى، في: باب صلاة العيدين بلا أذان ولا إقامة. . . إلخ، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 375. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 310، 314، 318، 381، 382. (¬2) في: أول كتاب العيدين. صحيح مسلم 2/ 604.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرّاشِدِين؛ فإنَّ ابنَ عُمَرَ قال: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، كانوا يُصَلّونَ العِيدَيْن قبلَ الخُطْبَةِ. مُتَّفقٌ عليه (¬1). وقد أُنْكِرَ على بَنِى أُمَيَّةَ فِعْلُهم، وعُدَّ مُنْكَرًا وبِدْعَةً، فرَوَى طارِقُ بنُ شِهابٍ، قال: قَدَّمَ مَرْوانُ الخُطْبَةَ قبلَ الصَّلاةِ، فقامَ رجلٌ، فقال: خالَفْتَ السُّنَّةَ، كانتِ الخُطْبَةُ بعدَ الصَّلاةِ. فقال: تُرِك ذلك يا أبا فُلانٍ. فقامَ أبو سعيدٍ فقال: أمّا هذا المُتَكَلِّمُ فقد قَضَى ما عليه، قال لَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ رَأىَ مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ (¬2) بِيدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ». رَواه أبو داودَ الطَّيالِسىّ، عن شُعْبَةَ، عن قَيْصرِ بنِ مسلمٍ، عن طارقٍ. ورَواه مسلمٌ بمَعْناه (¬3). فعلى هذا مَن خَطَب قبلَ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الخطبة بعد العيد، من كتاب العيدين. صحيح البخارى 2/ 23. ومسلم، في: أول كتاب صلاة العيدين. صحيج مسلم 2/ 605. كما أخرجه النسائى، في: باب صلاة العيدين قبل الخطبة، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 149. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 407. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 12، 38، 71. (¬2) في م: «فليغيره». (¬3) أخرجه أبو داود الطيالسى، في منحة المعبود 2/ 51. ومسلم، في: باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان. . . إلخ، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 69. كما أخرجه أبو داود، في: باب الخطبة يوم العيد، من كتاب الصلاة، وفى: باب الأمر والنهى، من كتاب الملاحم. سنن أبى داود 1/ 360، 361، 2/ 437. والترمذى، في: باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب، من أبواب الفتن. عارضة الأحوذى 9/ 18، 19. والنسائى، في: باب تفاضل أهل الإيمان، من كتاب الإيمان. المجتبى 8/ 98. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة، وفى: باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، من كتاب الفتن. سنن ابن ماجه 1/ 406، 2/ 1330. والإِمام أحمد، في: المسند 3/ 10، 20، 49، 52، 53، 92.

682 - مسألة: (يكبر فى الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستا، وفى الثانية بعد القيام من السجود خمسا)

يُكَبِّرُ فِى الأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاح. وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وَفِى الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ خَمْسًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ الصَّلاةِ فهو كمَن لم يَخْطُبْ؛ لأنَّه خَطَب في غيرِ مَحَلِّ الخُطْبَةِ، أشْبَهَ ما لو خَطَب في الجُمُعَةِ بعدَ الصَّلاةِ. فصل: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ أنَّ صلاةَ العِيدِ رَكْعَتان، وذلك المُتَواتِرُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه فَعَل ذلك، وفَعَلَه الأئِمَّةُ بعدَه. وقد قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: صلاةُ العِيدِ رَكْعتان، تَمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لِسانِ نَبِيِّكم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد خاب مَن افْتَرَى (¬1). 682 - مسألة: (يُكَبِّرُ في الأُولَى بعدَ الاسْتِفْتاحِ وقبلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وفى الثّانِيَةِ بعدَ القِيام مِن السُّجُودِ خَمْسًا) السُّنَّةُ أن يَسْتَفْتِحَ بعدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، ثم يُكَبِّرَ تَكبِيراتِ العِيدِ، ثم يَتَعَوَّذَ، ثم يَقْرَأ. هذا المَشْهُورُ في المَذْهَبِ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ. وعن الإِمامِ أحمدَ، أنَّ الاسْتِفْتاحَ بعدَ التَّكْبِيراتِ. اخْتارَها الخَلّالُ وصاحِبُه. وهو قولُ الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 50.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الاسْتِفْتاحَ يَلِيه الاستِعاذةُ [في سائِرِ الصَّلَواتِ، كذلك ههُنا، والقِراءَةُ تَلِى الاسْتِعاذَةَ] (¬1). قال أبو يوسفَ: يَتَعَوَّذُ قبلَ التَّكْبِيرِ؛ لئَلّا يَفْصِلَ بينَ الاسْتِفْتاحِ والاسْتِعاذةِ. ولَنا، أنَّ الاسْتِفْتاحَ يُشْرَعُ لافْتِتاحِ الصَّلاةِ، فكان في أوَّلِها كسائِرِ الصَّلَواتِ، والاسْتِعاذَةُ شُرِعَتْ للقِراءَةِ، فهى تابِعَةٌ لها، فتكونُ عندَ الابْتِداءِ بها؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (¬2). وإنَّما جَمَع بينَهما في سائِرِ الصَّلَواتِ؛ لأنَّ القِراءَةَ تَلِى الاسْتِفْتاحَ مِن غيرِ فاصِلٍ، فَلَزِمَ أن يَليَه ما يكونُ في أوُّلِها بخِلافِ مَسأَلَتِنا. وأيَّما فَعَل كان جائِزًا. فصل: وعَدَدُ التَّكْبِيراتِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى ستُّ تَكْبِيراتٍ غيرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وفى الثّانيةِ خَمْسٌ سِوَى تَكْبِيرَةِ القِيامِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وِلا يَعْتَدُّ بتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ؛ لأنَّ بينَهما قِراءَةً، ويُكَبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ خمْسَ تَكْبِيراتٍ، ولا يَعْتَدُّ بتَكْبِيرَةِ النُّهُوضِ، ثم يَقْرأُ في الثّانِيَةِ، ثم يُكَبِّرُ ويَرْكَعُ. ورُوِىَ ذلك عن فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ (¬3)، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ¬

(¬1) سقط من: م. (¬2) سورة النحل 98. (¬3) فقهاء المدينة السبعة هم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار. طبقات الفقهاء للشيرازى 57 - 61.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ومالكٍ، والمُزَنِىِّ. ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، ويَحْيى الأنْصارِىِّ، قالوا: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا وفى الثّانِيَةِ خَمْسًا. وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، إلَّا أنَّهم قالوا: يُكَبِّرُ سَبْعًا في الأُولَى سِوَى تَكْبيرَةِ الافْتِتاحِ (¬1)؛ لقَوْلِ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها وعن أبِيها: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سِوَى تَكْبِيرَةِ الافْتِتاحِ. رَواه الدّارَقُطْنِىُّ (¬2). ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ: يُكَبِّرُ سَبْعًا. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: في الأُولَى والثّانِيَةِ ثَلاثًا ثَلاثًا؛ لِما روَى أبو موسى، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ تَكْبِيرَه على الجِنازةِ ويُوالِى بينَ القِراءَتَيْنِ. رَواه أبو داودَ (¬3). ورُوِىَ أنَّ سَعِيدَ بنَ العاصِ سأل أبا موسى، وحُذَيْفَةَ: كيف كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ في الأضْحَى والفِطْرِ؟ فقال أبو موسى: كان يُكَبِّرُ أرْبَعًا، تَكْبِيرَه على الجِنازَةِ. فقالَ حُذَيْفَةُ: صَدَق (¬4). ولَنا، ما روَى كثِيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن أبِيه، عن جَدَّه، أنَّ ¬

(¬1) في م: «الإحرام». (¬2) في: أول كتاب العيدين. سنن الدارقطنى 2/ 46. (¬3) أخرجه أبو داود باللفظ الذى بعده، وليس فيه: «ويوالى بين القراءتين». (¬4) أخرجه أبو داود، في: باب التكبير في العيدين، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 263. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 416.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَبَّرَ في العِيدَيْن في الأُولَى سَبْعًا قبلَ القِراءَةِ، وفى الثّانِيَةِ خَمْسًا قبلَ القِراءةِ. رَواه الأثرَمُ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ (¬1)، وقال: هو حديثٌ حسنٌ، وهو أحْسَنُ حَدِيثٍ في البابِ. وعن عائِشَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في الفِطْرِ والأضْحَى؛ في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيراتٍ، وفى الثّانيةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرتَى الرُّكُوعِ. رَواه أبو داودَ (¬2). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ حِسانٍ، أنَّه كَبَّرَ في العِيدِ سَبْعًا في الأُولَى وخَمْسًا في الثّانِيَةِ مِن حَدِيثِ عبدِ اللَّه بنِ عَمْرو، وابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعائِشَةَ، وأبى واقِدٍ، وعَمْرِو ابنِ عَوْفٍ، ولم يُرْوَ عنه مِن وَجْهٍ قَوِىٍّ ولا ضَعِيفٍ خِلافُ هذا، وهو أوْلَى ما عُمِل به. وحديثُ عائشةَ المَعْرُوفُ عنها كما رَوَيْناه، وحَدِيثُهم إنَّما رَواه الدّارَقُطْنِىُّ مِن رِوايَةِ ابن لِهِيعَةَ (¬3)، وحَدِيثُ أبى موسى ضَعِيفٌ، يَرْوِيه أبو عائشةَ (¬4)، جَلِيسٌ لأبى هُرَيْرَةَ، وهو غيرُ مَعْرُوفٍ. واللَّهُ أعلمُ. ¬

(¬1) أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في التكبير في العيدين، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 6، 7. واين ماجه، في: باب ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 407. كما أخرجه الدارمى، في: باب التكبير في العيدين، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 376. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 73. (¬2) في: باب التكبير في العيدين، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 262. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 407. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 70. (¬3) هو عبد اللَّه بن لهيعة بن عقبة، أبو عبد الرحمن المصرى القاضى الفقيه، حدث عن جمع كبير من التابعين، مختلف في توثيقه وتضعيفه. توفى سنة أربع وسبعين ومائة. تهذيب الكمال 15/ 487 - 503. (¬4) أبو عائشة القرشى الأموى مولى سعيد بن العاص أو مروان الحكم. تهذيب الكمال 34/ 17، 18.

683 - مسألة: و (يرفع يديه مع كل تكبيرة)

يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، ويَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّه عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَإنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 683 - مسألة: و (يَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ) يُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْه في حالِ تَكْبيرِه، كرَفْعِهما مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ. وبه قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىّ، وأبَو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال مالكٌ، والثَّوْرِىّ: لا يَرْفَعُهما فيما عدا تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ؛ لأنَّها تَكْبِيراتٌ في أثْناءِ الصَّلاةِ، أشْبَهَتْ تَكْبِيراتِ الرُّكُوعِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَرْفَعُ يَدَيْه مع التَّكْبِيرِ (¬1). قال أحمدُ: أمّا أنا فأرَى أنَّ هذا الحديثَ يدْخُلُ فيه هذا كلُّه. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ في الجِنازَةِ، وفى العِيدِ. رَواه الأثْرَمُ (¬2). ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ في الصَّحابةِ. فأمّا تَكْبِيراتُ الرُّكُوعِ، قُلْنا: فيها مَنْعٌ. وإن سُلِّمَ؛ فلأنَّ هذه يَقَعُ طَرَفاها في حالِ القِيامِ، فهى بمَنْزِلَةِ تَكْبِيرَةِ الافْتِتاحِ. واللَّهُ أعلمُ. 684 - مسألة: (ويَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، وسبحان اللَّه بُكْرَةً وأصِيلًا، وصَلَّى اللَّهُ على مُحمَّدٍ النبىِّ وآلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وإن أحَبَّ قال غيرَ ذلك) وجملةُ ذلك، أنَّه متى فَرَغ مِن ¬

(¬1) تقدم في صفة الصلاة من حديث أبى حميد في 3/ 399، 400. (¬2) وأخرجه البيهقى، في: باب رفع اليدين في تكبير العيد، من كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 293.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الاسْتِفْتاحِ في صَلاةِ العِيدِ، حَمِد اللَّهَ وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم فَعَل ذلك بينَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْن، وإن قال ما ذُكِرَ ههُنا فحَسَنٌ؛ لكَوْنِه يَجْمَعُ ذلك كلَّه، وإن قال غيرَه نحوَ: سبحان اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، أو ما شاءَ مِن الذِّكْرِ فجائِزٌ. وبهذا قال الشافعىُّ وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: يُكَبِّرُ مُتَوالِيًا، لا ذِكْرَ بينَه؛ لأنَّه لو كان بينَه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لنُقِلَ كما نُقِلَ التَّكْبِيرُ، ولأنَّه ذِكْرٌ مِن جِنْسٍ مَسْنونٍ، فكان مُتَوالِيًا، كالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودٍ. ولَنا، ما روَى عَلْقَمَةُ، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ مسعودٍ، وحُذيْفَةَ، وأبا موسى، خرَج عليهم الوَلِيدُ ابنُ عُقْبَةَ قبلَ العِيدِ يَوْمًا، فقال لهم: إنَّ هذا العِيدَ قد دَنا، فكيف التَّكْبِيرُ فيه؟ فقال عبدُ اللَّهِ: تَبْدَأُ فتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بها الصلاةَ، وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو

685 - مسألة: (ثم يقرأ بعد الفاتحة فى الأولى بـ «سبح»

ثُمَّ يَقْرا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِى الأولَىْ بـ «سَبِّح»، وَفِى الثَّانِيَةِ بِـ «الغَاشِيَةِ»، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَقْرأُ، ثم تُكَبِّرُ وتَرْكَعُ، ثم تَقُومُ فتَقْرأُ وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَرْكَعُ. فقال حُذَيْفَةُ وأبو موسى: صَدَق أبو عبدِ الرحمنِ. رَواه الأثْرَمُ (¬1). ولأنَّها تَكْبِيراتٌ حالَ القِيامِ، فاسْتُحِبَّ أن يَتَخَلَّلَها ذِكْرٌ، كتَكْبِيراتِ الجِنازَةِ، وتُفارِقُ التَّسْبِيحَ، فإنَّه ذِكْر يَخْفَى ولا يَظْهَرُ، بخِلافِ التَّكْبِيرِ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بتَكْبِيراتِ الجِنازَةِ. قال القاضى: يَقِف بينَ كلِّ تَكْبِيرَتَيْن بقَدْرِ آيَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ. 685 - مسألة: (ثم يَقْرأُ بعدَ الفاتِحَةِ في الأُولى بـ «سَبِّح» (¬2). ¬

(¬1) وأخرجه البيهقى، في: باب يأتى بدعاء الاستفتاح عقيب تكبيرة الافتتاح، من كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 291. (¬2) أى سورة الأعلى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وفى الثّانيةِ بـ «الغاشِيَة»، ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّه يُشْرَعُ أن يَقْرَأ في كلِّ رَكْعَةٍ مِن صلاةِ العِيدِ بفاتِحَةِ الكِتاب وسُورَةٍ، وأنَّه يُسَنُّ الجَهْرُ في القراءَةِ فيما نَعْلَمُ، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن علىٍّ، أَنَّه كان إذا قَرَأ في العِيدَيْن أسْمَعَ مَن يَلِيه، ولم يَجْهَرْ ذلك الجَهْرَ (¬1). وقال ابنُ المُنْذِرِ: أكثَرُ أهلِ العِلْم يَرَوْن الجَهْرَ بالقِراءَةِ، وفى أخْبارِ مَن أخْبَرَ بقِراءَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها دَلِيلٌ على أنَّه كان يَجْهَرُ، ولأنَّها صلاةُ عِيدٍ، أشْبَهَتِ الجُمُعَةَ. ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في الأُولَى بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. وفى الثّانيةِ بالغاشِيَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النُّعمانَ بنَ بَشِيرٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ في العِيدَيْن وفى الجُمُعَةِ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. وربَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فقرأ بهما. رَواه مسلمٌ (¬2). وقال الشافعىُّ: يقرأُ بـ «ق». و «اقْتَرَبَتِ» (¬3). وحَكاه ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ، لِما رُوى أنَّ ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب في رفع الصوت بالقراءة في العيدين، من كتاب الصلوات. مصنف ابن أبى شيبة 2/ 180. (¬2) في: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، من كتاب الجمعة. صحيح مسلم 2/ 598. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقرأ به في الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 257. والترمذى، في: باب ما جاء في القراءة في العيدين، من أبواب الجمعة. عارضة الأحوذى 3/ 5. والنسائى، في: باب القراءة في العيدين. . . إلخ، من كتاب العيدين، وفى: باب ذكر الاختلاف على النعمان. . . . إلخ، من كتاب الجمعة. المجتبى 3/ 92، 150. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القراءة في صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 408. والدارمى، في: باب القراءة في العيدين، وباب القراءة في صلاة الجمعة، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 368، 376، 377. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 271، 273، 376. (¬3) أى سورة القمر.

686 - مسألة: (ويكون بعد التكبير فى الركعتين. وعنه، يوالى بين القراءتين)

وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِى الرَّكْعَتَيْنِ. وَعَنْهُ، يُوَالِى بَيْنَ الْقرَاءَتَيْنِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ عُمَرَ سألَ أبا واقِدٍ اللَّيْثِىَّ: ماذا كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرأُ به في الفِطْرِ والأضْحَى؟ فقال: كان يَقْرأُ بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}. و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} رَواه مسلمٌ (¬1). قال أبو حنيفةَ: ليس فيه شئٌ مُؤَقَّتٌ. وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً عن أحمدَ. وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرأُ بالفاتِحَةِ وسورَةٍ مِن المُفَصَّلِ. ومَهْما قَرَأ به كان حَسَنًا، إلَّا أنَّ ما ذَكَرْناه أحْسَنُ؛ لأنَّه كان مَذْهَبًا لعُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وعَمِل به، ولأنَّه قد رَواه مع النُّعْمانِ ابنُ عباسٍ، وسَمُرَةُ، ولأنَّ في {سَبِّحِ} الحَثَّ على الصَّلاةِ وزكاةِ الفِطْرِ، على ما قاله سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، في تَفْسِيرِ قولِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} (¬2). فاخْتُصَّتِ الفَضِيلَةُ به، كاخْتِصاصِ الجُمُعَةِ بسُورَتِها. 686 - مسألة: (ويَكُونُ بعدَ التَّكْبِيرِ في الرَّكْعَتَيْن. وعنه، يُوالِى بينَ القِراءَتَيْن) المَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّ القِراءَةَ تكونُ بعدَ التَّكْبِيرِ في الرَّكْعَتَيْن. رُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرةَ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، وعُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، الشافعىِّ، واللَّيْثِ. ورُوِىَ عن ¬

(¬1) في: باب ما يقرأ به في صلاة العيدين، من كتاب العيدين. صحيح مسلم 2/ 607. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يقرأ في الأضحى والفطر، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 263. والإمام مالك، في: باب ما جاء في التكبير والقراءة في صلاة العيدين، من كتاب العيدين. الموطأ 1/ 180. (¬2) سورة الأعلى 14.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدَ، أنَّه يُوالِى بينَ القِراءَتَيْن. ومَعْناه أنَّه يُكَبِّرُ في الأُولَى قبل القِراءَةِ، وفى الثَّانيةِ بعدَها. اخْتارَها أبو بكرٍ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وأبى موسى، وأبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والثَّوْرِىِّ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ مسعودٍ. وعن أبى موسى، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّر تَكْبِيرَه على الجِنازَةِ، ويُوالِى بينَ القِراءَتَيْن. رَواه أبو داودَ (¬1). ولَنا، ما رَوَت عائشةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في العِيدَيْن سَبْعًا وخَمْسًا قبلَ القِراءَةِ. رَواه أحمدُ في المُسْنَدِ (¬2). وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو (¬3)، قال: قال نبىُّ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «التَّكْبِيرُ فِى الفِطْرِ سَبْعٌ فِى الأُولَى، وَخَمسٌ فِى الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُما كِلْتَيْهِمَا». رَواه أبو داودَ (¬4)، والأثْرَمُ. ورَواه ابنُ ماجه (4)، عن سَعْدٍ مُؤَذِّنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ ذلك. وحَدِيثُ أبى موسى ضَعِيفٌ. قالَه الخَطّابِىُّ (¬5). وليس في رِوايَةِ ألى داودَ أنَّه والَى بينَ القِراءَتَيْن. ¬

(¬1) تقدم التعليق عليه في صفحة 343. (¬2) المسند 6/ 65. (¬3) في النسخ: «عمر»، والمثبت من أبى داود. (¬4) في: باب التكبير في العيدين، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 262. ورواية ابن ماجه، في: باب ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 407. (¬5) في: معالم السنن 1/ 252.

687 - مسألة: (فإذا سلم خطب خطبتين، يجلس بينهما، يفتتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع، يحثهم فى خطبة الفطر على الصدقة، ويبين لهم ما يخرجون، ويرغبهم فى الأضحية فى الأضحى، ويبين لهم حكم الأضحية)

فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ، يَحُثُّهُمْ فِى خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِى الأُضْحِيَةِ فِى الْأَضْحَى، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَ الأُضْحِيَةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 687 - مسألة: (فإذا سَلَّمَ خَطَب خُطْبَتَيْن، يَجْلِسُ بينَهما، يَفْتَتِحُ الأُولَى بتِسْعِ تَكْبِيراتٍ، والثّانِيَةَ بسَبْعٍ، يَحُثُّهم في خُطْبَةِ الفِطْرِ على الصَّدَقَةِ، ويُبَيِّنُ لهم ما يُخْرِجُون، ويُرَغِّبُهم في الأضْحِيَةِ في الأضْحَى، ويُبَيِّنُ لهم حُكْمَ الأُضْحِيَةِ) الخُطْبَتان مَشْرُوعَتان بعدَ صلاةِ العِيدِ، ويُسْتَحَبُّ الجُلُوسُ بينَهما؛ لِما روَى جابرٌ، قال: خَرَج رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ فِطْرِ أو أضْحَى، فخَطَبَ قائِمًا، ثم قَعَد قَعْدَةً، ثم قام. رَواه ابنُ ماجه (¬1). ويكُونان بعدَ الصَّلاةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك. وصِفَتُها كصِفَةِ خُطبَتَى الجُمعَةِ قِياسًا عليهما، إلَّا أنَّه يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بتسْعِ تَكْبِيراتٍ ¬

(¬1) في: باب ما جاء في الخطبة في العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 409.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُتَوالِياتٍ، والثانيةَ بسَبْعٍ مُتَوالِياتٍ. قال القاضى: وإن جَعَل بينَهما تَهْلِيلًا أو ذِكْرًا فحَسَنٌ؛ لِما روَى سعيدٌ، حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبِيه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: يُكَبِّرُ الإِمامُ يَوْمَ العِيدِ على المِنْبَرِ قبلَ أن يَخْطُبَ بتِسْعِ تَكْبِيراتٍ، ثم يَخْطُبُ، وفى الثّانِيَةِ بسَبْعِ تَكْبِيراتٍ (¬1). ورُوِىَ عنه أنَّه قال: هو مِن السُّنَّةِ. ذَكَرَه البَغَوِىُّ. ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ التَّكْبيرَ في أضْعافِ خُطْبَتِه، لِما روَى سَعْدٌ مُؤَذِّنُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكثِرُ التَّكْبِيرَ في خُطْبَةِ العِيدَيْن بينَ أضْعافِ الخُطْبَةِ. رَواه ابنُ ماجه (¬2). وإذا كَبَّرَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ كَبَّرَ النّاسُ بتَكْبِيرِه. وقد رُوِىَ عن أبى موسى، أنَّه كان يُكَبِّرُ يَوْمَ العِيدِ على المِنْبَرِ ثَلاثِين أو أرْبَعِين تَكْبِيرَةً. ويُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ إذا صَعِد المِنْبَرَ قبلَ الخُطْبَةِ ليَسْتَرِيحَ، كالجُمُعَةِ. وقِيلَ: لا يَجْلِسُ، لأنَّ الجُلُوسَ في الجُمُعَةِ للأذانِ، ولا أذانَ ههُنا. ¬

(¬1) أخرجه البيهقى، في: باب التكبير في الخطبة في العيدين، من كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 299، 300. (¬2) في: باب ما جاء في الخطبة في العيد، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 409.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن كان فِطْرًا يَحُثُّهم على الصَّدَقَةِ، ويُبَيِّنُ لهم وُجُوبَ صَدَقَةِ الفِطْرِ وثَوابَها، وقَدْرَ المُخْرَجِ، وجِنْسَه، وعلى مَن تَجبُ، ووَقْتَها، وإن كان أضْحَى ذَكَر لهم الأُضْحِيَةَ، وفَضْلَها، وتَأكُّدَ اسْتِحْبابِها، وما يُجْزِئُ منها وما لا يُجْزِئُ، ووَقْتَ الذَّبْحِ، وصِفَةَ تَفْريقِها، وما يَقُولُ عندَ ذَبْحِها؛ ليَعْمَلُوا بذلك. وقد روَى أبو سعيدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ يَوْمَ الأضْحَى ويَومَ الفِطْرِ، فيَبْدأُ بالصلاةِ، فإذا صَلَّى صَلاتَه وسَلَّمَ، قام فأقْبَلَ على النّاسِ وهم جُلُوسٌ في مُصَلَّاهُم، فإن كان له حاجةٌ ببَعْثٍ ذَكَرَه للنّاسِ، أو كانت له حاجةٌ بغيرِ ذلك أمَرَهم بها، كان يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا». وكان أكْثَرَ مَن يَتَصَدَّقُ النِّساءُ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1)، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 325.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ واللَّفْظُ لمسلم. وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَقَدْ أصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ» (¬1). ¬

(¬1) لم يرو عن جابر بهذا اللفظ، وأخرج له مسلم ما في معناه، في: باب سن الأضحية، من كتاب الأضاحى. صحيح مسلم 3/ 1555. انظر: نصب الراية للزيلعى 4/ 211، 212. وهذا اللفظ أخرجه -عن البراء بن عازب- كل من: البخارى، في: باب التبكير إلى العيد، وباب استقبال الإمام الناس في خطبة العيد، من كتاب العيدين، وفى: باب سنة الأضحية، وباب قول النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبى بريدة ضَحِّ بالجذع من المعز. . . إلخ، من كتاب الأضاحى. صحيح البخارى 2/ 24، 26، 7/ 128، 131. ومسلم، في: باب وقتها، من كتاب الأضاحى. صحيح مسلم 3/ 1552. والنسائى، في: باب الخطبة يوم العيد، من كتاب العيدين، وفى: باب ذبح الأضحية قبل الإمام، من كتاب الضحايا. المجتبى 3/ 148، 149، 7/ 696. وأخرجه -عن أنس- الإمام أحمد، في: المسند 3/ 113، 117.

688 - مسألة: (والتكبيرات الزوائد، والذكر بينهما، والخطبتان، سنة)

وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالذِّكْرُ بَيْنَهُمَا، وَالْخُطْبَتَانِ، سُنَّةٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 688 - مسألة: (والتَّكْبِيراتُ الزَّوائِدُ، والذِّكْرُ بينَهما، والخُطْبَتان، سُنَّةٌ) لا تَبْطُلُ بتَرْكِه الصلاةُ عَمْدًا ولا سَهْوًا، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإن نَسِى التَّكْبِيرَ حتى شَرَع في القِراءَةِ لم يَعُدْ إليه. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وهو

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم يَعُدْ إليه بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، كالاسْتِفْتاحِ. وقالْ القاضى: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَعُودُ إليه. وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، والقولُ الثّانِىَ للشافعىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَه في مَحَلِّه، فيَأْتِى به، كما قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ؛ لأنَّ مَحَلَّه القِيامُ، وقد ذَكَرَه فيه. فعلى هذا يَقْطَعُ القِراءَةَ ويُكَبِّرُ، ثم يَسْتَأْنِفُها؛ لأنَّه قَطَعَها مُتَعَمِّدًا بذِكرٍ طوِيلٍ. وإن كان المَنْسِىُّ يَسِيرًا احْتَمَلَ أن يَبْنِى، لأنَّه يَسِيرٌ، أشْبَهَ ما لو قَطَعَها بقولِ: آمِينَ. واحْتَمَلَ أن يَبْتَدِئَ؛ لأنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ قبلَ القِراءَةِ، ومَحَلَّ القِراءَةِ بعدَ التَّكْبِيرِ. فإن ذَكَر التَّكْبِيرَ بعدَ القِراءَةِ فأتَى به لم يُعِدِ القِراءَةَ؛ لأنَّها وقَعَتْ مَوْقِعَها. وإن لم يَذْكُرْه حتى رَكَع سَقَط، وجْهًا واحِدًا، لفَوات مَحَلِّه. وكذلك المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الرُّكُوعَ لم يُكَبِّرْ فيه. وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ فيه، لأنَّه بمَنْزِلَةِ القِيامِ، بدَلِيلِ إدْراكِ. الرَّكْعَةِ به. ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مَسْنُونٌ حالَ القِيامِ، فلم يَأْتِ به في الرُّكُوعِ، كالاسْتِفْتاحِ، وقِراءَةِ السُّورَةِ، والقُنُوتِ عندَه، وإنَّما أدْرَكَ الرَّكْعَةَ بإدْراكِه؛ لأنَّه أدْرَكَ مُعْظَمَها، ولم يَفُتْه إلَّا القِيامُ، وقد حَصَل منه ما يُجْزِئُ في تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ. وأمّا المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الإمامَ بعد تَكْبِيره، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكَبِّرُ؛ لأنَّه أدْرَكَ مَحَلَّه. ويَحْتَمِلُ ألَّا يُكَبِّرَ، لأنَّه مَأْمُورٌ بالإِنْصاتِ لقِراءَةِ الإِمامِ. فعلى هذا إن كان يَسْمَعُ أنْصَتَ، وإن كان بَعِيدًا كَبَّرَ. فصل: وإذا شَكَّ في عَدَدِ التَّكْبِيراتِ (¬1)، بَنَى على اليَقِينِ، فإن كَبَّرَ ¬

(¬1) في م: «الركعات».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم شَكَّ هل نَوَى تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ أو لا؟ ابْتَدَأ الصلاةَ هو والمَأْمُومُون؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ، إلَّا أن يَكونَ وَسْواسًا، فلا يَلْتَفِتُ إليه. فصل: والخُطْبَتان سُنَّةٌ، لا يَجِبُ حُضُورُها ولا اسْتِماعُها؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ السّائِبِ، قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- العِيدَ، فلمّا قَضَى الصلاةَ، قال: «إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أحَبَّ أنْ يَجْلِسَ للخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أحَب أنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ». رواه أبو داودَ، وقال: هو مُرْسَلٌ. ورَواه ابنُ ماجه، والنَّسائِىُّ (¬1). قال شيخُنا (¬2): وإنَّما أُخِّرَتِ الخُطْبَةُ عن الصَّلاةِ، واللَّه أعلمُ؛ لأنَّها لمّا لم تَكُنْ واجِبَةً، جُعِلَتْ في وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَن أراد تَرْكَها مِن تَرْكِها، بخِلافِ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في وُجُوبِ الإِنْصاتِ لها رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يَجِبُ، كالجُمُعَةِ. والثّانيةُ، لا يَجِبُ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجبَةٍ، فلم يَجِبِ الإِنْصاتُ لها، كسائِرِ السُّنَنِ والأذْكارِ. والاسْتِماعُ لها أفضَلُ. وقد رُوِىَ عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، أنَّهما كَرِها الكَلامَ يَوْمَ العِيدِ والإِمامُ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود، في: باب الجلوس للخطبة، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 263. والنسائى، في: باب التخيير بين الجلوس في الخطبة للعيدين، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 151. وابن ماجه، في: باب ما جاء في انتظار الخطبة بعد الصلاة، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 410. (¬2) في: المغنى 3/ 279.

689 - مسألة: (ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها، فى موضع الصلاة)

وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا بَعْدَهَا فِى مَوْضِعِهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــ يَخْطُبُ (¬1). وقال إبراهيمُ: يَخْطُبُ الإِمامُ يَوْمَ العِيدِ قَدْرَ ما يَرْجِعُ النِّساءُ إلى بُيُوتِهِنَّ. وهذا يَدُلّ على أنَّه لا يُسْتَحَبُّ لهنَّ الجُلُوسُ لاسْتِماعِ الخُطْبَةِ؛ لئلَّا يَخْتَلِطْنَ بالرِّجالِ. وحديثُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَوْعِظَتِه النِّساءَ بعدَ فَراغِه مِن خُطْبَتِه دَلِيلٌ على أنَّهُنَّ لم يَنْصَرِفْن. وسُنَّنُه -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى بالاتِّباع. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ قائِمًا؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ فِطْرٍ أو أضْحَى، فخطَبَ قائِمًا، ثم قَعَد، ثم قامَ. رَواه ابنُ ماجه (¬2). وإن خَطَب قاعِدًا، فلا بَأْسَ؛ لأنَّها غيرُ واجِبَةٍ، أشْبَهَتْ صلاةَ النّافِلَةِ. وإن خَطَب على راحِلَتِه، فحَسَنٌ؛ لِما روَى سَلَمَةُ ابنُ نُبَيْطٍ عن أبيه، أنَّه حَجَّ، فقالَ: رأيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ على بَعِيرِه. رَواه ابنُ ماجه (¬3). وعن أبى جَمِيلَةَ، قال: رأيْتُ عليًّا، عليه السَّلامُ، صَلَّى يَوْمَ العِيدِ، فبَدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، ثم خَطَب على دابَّتِه، ورَأيْتُ عثمانَ بنَ عَفّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَخْطُبُ على راحِلَتِه (¬4). رَواه سعيدٌ. 689 - مسألة: (ولا يَتَنَفَّلُ قبلَ صلاةِ العِيدِ ولا بعدَها، في مَوْضِعِ الصَّلاةِ) يُكْرَهُ التَّنفُّلُ قبلَ صَلاةِ العِيدِ وبعدَها، في مَوْضِعِ الصَّلاةِ، ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب الكلام يوم العيد والإمام يخطب، من كتاب الصلوات. المصنف 2/ 171. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 351. (¬3) قى: باب ما جاء في الخطبة في العيدين، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 409. (¬4) أخرجه البيهقى، في: باب من أباح أن يخطب على منبر أو على راحلة، من كتاب العيدين. السنن الكبرى 3/ 298.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للإِمامِ والمَأْمُومِ، سَواءٌ كان في المُصَلَّى أو المَسْجِدِ. وهو مَذْهَبُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، ورُوِى عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وبُرَيْدَةَ (¬1)، وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، وجابِرٍ، وابنِ أبى أوْفَى. وبه قال شرَيْحٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مُغَفَّلٍ (¬2)، ومَسْرُوقٌ، والضَّحّاكُ، والقاسِمُ، والشَّعْبِىُّ. قال الزُّهْرِىُّ: لم أسْمَعْ أحَدًا مِن عُلَمائِنا يَذْكُرُ أنَّ أحَدًا مِن سَلَفِ هذه الأُمَّةِ كان يُصَلِّى قبلَ تلك ولا بعدَها. يَعْنِى صلاةَ العِيدِ. وقال: ما صَلَّى قبلَ العِيدِ بَدْرِىٌّ. ونَهَى عنه أبو مَسْعُودٍ البَدْرِىُّ. ورُوِىَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، رَأى قَوْمًا يُصَلُّون قبلَ العِيدِ، فقال: ما كان هذا يُفْعَلُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- (¬3). قال أحمدُ: أهلُ المَدِينَةِ لا يَتَطَوَّعُون قبلَها، ويَتَطَوَّعُون بعدَها. وهذا قولُ عَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى. وقال مالكٌ كَقَوْلِنا في المُصَلَّى، وله في المَسْجِدِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَتَطَوَّعُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِذَا ¬

(¬1) بريدة بن الحُصَيْب بن عبد اللَّه الأسلمى، غزا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ست عشرة غزوة، وسكن البصرة لما فتحت، وغزا خراسان في زمن عثمان ثم تحول إلى مرو فسكنها إلى أن مات في خلافة يزيد بن معاوية. الإصابة 1/ 286. (¬2) كذا في النسخ، وعبد اللَّه بن المغفل في الصحابة، ولعل الصواب «بن مَعْقِل»، وهو المزنى، ويناسب ذكره في التابعين أو تابعيهم. (¬3) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الصلاة قبل خروج الإمام وبعد الخطبة، من كتاب العيدين. المصنف 3/ 276، 277.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» (¬1). وقال الشافعىُّ: يُكْرَهُ ذلك للإِمام، لأنَّه لا يُسْتَحَبُّ له التَّشاغُلُ عن الصَّلاةِ، ولا يُكْرَهُ للمَأْمُومِ؛ لأنَّه وَقْتٌ لم يُنْهَ عن الصَّلاةِ فيه، أشْبَهَ ما بعدَ الزَّوال. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَوْمَ الفِطْرِ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن، لم يُصَلِّ قبلَهما ولا بعدَهما. مُتَّفَق عليه (¬2). ولأنَّه إجْماعٌ كما حَكاه الزهْرِىُّ وغيرُه، ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ الإِمامُ عن التَّنَفُّلِ فيه، فكُرِهَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في 3/ 397. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب الخطبة بعد العيد، وباب الصلاة قبل العيد وبعدها، من كتاب العيدين، وفى: باب التحريض على الصدقة والشفاعة، من كتاب الزكاة. صحيح البخارى 2/ 23، 30، 140. ومسلم، في: باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى، من كتاب العيدين. صحيح مسلم 2/ 606. كما أخرجه أبو داود، في: باب الصلاة بعد صلاة العيد، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 264. والترمذى، في: باب ما جاء لا صلاة قبل العيد ولا بعدها، من أبواب العيدين. عارضة الأحوذى 3/ 8. والنسائى، في: باب الصلاة قبل العيدين وبعدها، من كتاب العيدين. المجتبى 3/ 157. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 410. والدارمى، في: باب لا صلاة قبل العيد ولا بعدها، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 376. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 340, 355.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ للمَأْمُومِ، كسائِرِ أوْقاتِ النَّهْى، وكما قبلَ الصَّلاةِ عندَ أبى حنيفةَ، وكما لو كان في المُصلَّى عندَ مالكٍ. والحديثُ الذى ذَكَرَه مالكٌ مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى. وقال الأثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: قال سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: إنَّما تَرَك النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- التَّطَوُّعَ لأنَّه كان إمامًا. قال أحمدُ: فالذين رَوَوْا هذا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَتَطَوَّعُوا. ثم قال: ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس، هما رَوَياه، وأخَذا به. يُشِيرُ، واللَّه أعلمُ، إلى أنَّ عَمَلَ راوِى الحَدِيثِ به تَفْسِيرٌ له، وتَفْسِيرُه يُقَدَّمُ على تَفْسِيرِ غيرِه. ولو كانتِ الكَراهَةُ للإِمامِ كَيْلا يَشْتَغِلَ عن الصَّلاةِ، لاخْتُصَّتْ بما قبلَ الصَّلاةِ، إذ لم يَبْقَ بعدَها ما يَشْتَغِلُ به. وقد روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في صلاةِ العِيدِ سَبْعًا وخَمْسًا، ويقولُ: «لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» (¬1). رَواه ابنُ بَطَّةَ بإسْنادِه. فصل: قِيلَ لأحمدَ: فإن كان لرجل صلاةٌ في ذلك الوَقْتِ؟ قال: أخافُ أن يُقْتَدَى به. قال ابنُ عَقِيلٍ: كَرِه أحمدُ أن يَتَعَمَّدَ لقَضاءِ صلاةٍ، وقال: أخافُ أن يَقْتَدُوا به. فصل: وإنَّما يُكْرَهُ التَّنَفِّلُ في مَوْضِعِ الصَّلاةِ، فأمّا في غيرِه فلا بَأْسَ ¬

(¬1) أخرجه بنحوه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 180.

690 - مسألة: (ومن كبر قبل سلام الإمام، صلى ما فاته عك صفته)

وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَام الْإِمَامِ، صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ به، وكذلك لو خَرَج منه، ثم عاد إليه بعدَ الصَّلاةِ. قال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ: سَمِعْتُ أبى يقولُ: رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ قَبْلَها ولا بعدَها. ورَأيْتُه يُصَلِّى بعدَها رَكَعاتٍ في البَيْتِ، ورُبَّما صَلَّاها في الطَّرِيقِ، يَدْخُلُ بعضَ المساجِدِ. ورُوِىَ عن أبى سَعِيدٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُصَلِّى قبلَ العِيدِ شَيْئًا، فإذا دَخَل إلى مَنْزِلِه صَلَّى رَكْعَتَيْن. رَواه ابنُ ماجه (¬1). 690 - مسألة: (ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلام الإِمام، صَلَّى ما فاتَه عك صِفَتِه) لأنَّه أدْرَكَ بعضَ الصَّلاةِ التى ليستَ مُبْدَلَةً مِن أرْبَعٍ، فقَضاها على صِفَتِها، كسائِرِ الصلواتِ. وإن أدْرَكَ معه رَكْعَةً، وقُلْنا: ما يَقْضِيه المَسْبُوقُ أوَّلُ صَلاِتِه. كَبَّرَ في الذى يقْضِيه سَبْعًا، وإن قُلْنا: آخِرُ صَلاتِه. كَبَّرَ خَمْسًا، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ مِن قبلُ. ¬

(¬1) في: باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 410.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: فإن أدْرَكَه في الخُطْبَةِ، فإن كان في المَسْجِدِ، فقال شيخُنا (¬1): يُصلِّى تَحِيَّةَ المَسْجِدِ؛ لأنَّها إذا صُلِّيَتْ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ مع وُجُوبِ الإِنْصاتِ لها، ففى خُطْبَةِ العِيدِ أوْلَى، ولا يَكُونُ حُكْمُه في تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَن أدْرَكَ العِيدَ. وقال القاضى: يَجْلِسُ ويَسْتَمِعُ الخُطْبَةَ، ولا يُصَلِّى. لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ قبلُ، ولأنَّ صلاةَ العِيدِ تُفارِقُ صلاة الجُمُعَةِ؛ لأنَّ التَّطَوَّعَ قبلَها وبعدَها مَكْرُوهٌ، بخِلافِ صلاةِ الجُمُعَةِ. وإن لم يكنْ في المَسْجِدِ، جَلَس فاسْتَمَعَ ولم يُصَلِّ؛ لئلَّا يَشْتَغِلَ عن اسْتِماعِ الخُطْبَةِ، ثم إن أحَبَّ قَضاءَ صلاةِ العِيدِ قَضاها على ما نَذْكُرُه. ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 285.

691 - مسألة: (وإن فاتته الصلاة، استحب أن يقضيها على صفتها. وعنه، يقضيها أربعا. وعنه، أنه مخير بين ركعتين وأربع)

وَإنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا. وَعَنْهُ، يَقْضِيهَا أَرْبَعًا. وَعَنْهُ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 691 - مسألة: (وإن فاتَتْه الصلاةُ، اسْتُحِبَّ أن يَقْضِيَها على صِفَتِها. وعنه، يَقْضِيها أرْبَعًا. وعنه، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ رَكْعَتَيْن وأرْبَعٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يَجِبُ قَضاءُ صلاةِ العيدِ على مَن فاتَتْه؛ لأنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ، وقد قام بها مَن حَصَلَتْ به الكِفايَةُ، وإن أحَبَّ قَضاءَها اسْتُحِبَّ له أن يَقْضِيَها غلى صِفَتِها. نَقَل ذلك عن أحمدَ إسْماعِيلُ بنُ سعيدٍ، واخْتارَه

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الجُوزَجانِىُّ، وهو قولُ النَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ, وأبى ثَوْرٍ؛ لِما رُوِىَ عن أنَسٍ، أنَّه كان إذا لم يَشْهَدِ العِيدَ مع الإِمامِ بالبَصْرَةِ جَمَع أهْلَه ومَوالِيَه، ثم قام عبدُ اللَّهِ بنُ أبى عُتْبَةَ مَوْلاه فيُصَلِّى بهم رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ فيهما (¬1). ولأنَّها قَضاءُ صلاةٍ، فكانت على صِفَتِها، كسائِرِ الصَّلَواتِ، وهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ صَلَّاها في جَماعَةٍ كما ذَكَرْنا عن أنَسٍ، وإن شاءَ صَلَّاهَا وحدَه. وعنه، أنَّه يَقْضِيها أرْبَعًا، إمّا بسَلامٍ واحِدٍ أو بسَلامَيْن. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لِما رُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه قال: مَن فاتَه العِيدُ فلْيُصَلِّ أرْبَعًا. ورُوِىَ عن علىٍّ، أنَّه قال: إن أمَرْتُ رجلًا أن يُصَلِّىَ بضَعَفَةِ النّاسِ، أمَرْتُه أن يُصَلِّى أرْبَعًا. رَواهما سَعِيدٌ (¬2). ولأنَّه قضاءُ صلاةِ ¬

(¬1) أخرجه ابن أبى شيبة، في: باب الرجل تفوته الصلاة في العيد كم يصلى، من كتاب الصلوات. المصنف 2/ 183. والبيهقى، في: باب صلاة العيدين سنة أهل الإسلام حيث كانوا، من كتاب العيدين. السنن الكبرى 3/ 305. (¬2) الأول أخرجه عبد الرزاق، في: باب من صلّاها غير متوضئ ومن فاته العيدان، من كتاب العيدبن. المصنف 3/ 300. والثانى تقدم تخريجه في صفحة 337.

692 - مسألة: (ويستحب التكبير فى ليلتى العيدين)

وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ في لَيْلَتَى الْعِيدَيْنِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ عيدٍ، فكانت أرْبَعًا، كقَضاءِ الجُمُعَة. وعنه، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ رَكْعَتَيْن وأرْبَعٍ. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، لأنَّها صلاةُ تَطَوُّعٍ، أشْبَهَتْ صلاةَ الضُّحَى. 692 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ في لَيْلَتَى العِيدَيْن) يُسْتَحَبُّ إظْهارُ التَّكْبِيرِ في لَيْلَتَى العِيدَيْن في المَساجِدِ والطُّرُقِ والأسْواقِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ والمُسافِرُ والمُقِيمُ فيه سَواءٌ؛ لقَوْلِه تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} (¬1). قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: لتُكْمِلُوا عِدَّةَ رَمضانَ، ولتُكَبِّرُوا اللَّهَ عندَ كَمالِه على ما هَداكُم. ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ به، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لِما فيه مِن إظْهارِ شَعائِرِ الإِسْلامِ، وتَذْكِيرِ الغَيْرِ. وكان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِه بمِنًى، فيَسْمَعُه أهلُ المَسْجِدِ فيُكَبِّرُون، ويُكَبِّرُ أهلُ الأسْواقِ، حتى تَرْتجَّ مِنًى تَكْبِيرًا (¬2). قال أحمدُ: كان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في العِيدَيْن جَمِيعًا. والتَّكْبِيرُ في الفِطْرِ آكَدُ؛ لوُرُودِ النَّصِّ فيه، وليس التَّكْبيرُ واجِبًا. وقال داودُ: هو واجبٌ في الفِطْرِ؛ لظاهِرِ الآيَةِ. ولَنا، أنَّه يُكَبِّرُ في عِيدٍ، فلم يكنْ واجِبًا؛ كتَكْبِيرِ الأضْحَى، والآيَةُ ليس فيها أمْرٌ، إنَّما أخْبَرَ اللَّهُ تعالى عن إرادَتِه، فقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}. إلى قَوْلِه: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}. ويُسْتَحَبُّ أن يُكَبِّرَ في طَرِيقِ العِيدِ، ويَجْهَرَ بالتَّكْبِيرِ. قال ¬

(¬1) سورة البقرة 185. (¬2) أخرجه البخارى معلقًا، في: باب التكبر أيام منى وإذا غدا إلى عرفة, من كتاب العيدين. صحيح البخارى 2/ 25، وسياقه أخصر من هذا. وقال ابن حجر: وصله ابن المنذر والفاكهى في أخبار مكة. فتح البارى 2/ 462.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنُ أبى موسى: يُكَبِّرُ النّاسُ في خُرُوجِهم مِن مَنازِلِهم لصَلاتَى العِيدَيْن جَهْرًا، حتى يَأْتِى الإِمامُ المُصَلَّى، فَيُكَبِّرُ النّاسُ بتَكْبِيرِ الإِمامِ في خُطْبَتِه، ويُنْصتُون فيما سِوَى ذلك. وقد روَى سعيدٌ بإسْنادِه, عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا خَرَج مِن بَيْتِه إلى العِيدِ كَبَّرَ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى (¬1). ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ أبى لَيْلَى. قال القاضى: التَّكْبِيرُ في الفِطْرِ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَيَّدٍ على ظاهِرِ كَلامِه. يَعْنِى لا يَخْتَصُّ بأدْبارِ الصَّلَواتِ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ قولَه تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}. غيرُ مُخْتَصٍّ بوَقْتٍ. وقال أبو الخَطّابِ: يُكَبِّرُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ إلى خُرُوجِ الإِمامِ إلى الصَّلاةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قولُ الشافعىِّ. وفى الأُخْرَى إلى فَراغِ الإِمامِ مِن الصَّلاةِ. ¬

(¬1) أخرجه الدارقطنى، في: أول كتاب العيدين. سنن الدارقطنى 2/ 45. والبيهقى، في: باب التكبر ليلة الفطر ويوم الفطر. . . إلخ، من كتاب صلاة العيدين. السنن الكبرى 3/ 279.

693 - مسألة: (وفى الأضحى، يكبر عقيب كل فريضة فى جماعة. وعنه، يكبر، وإن كان وحده، من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى العصر من آخر أيام التشريق)

وَفِى الْأَضْحَى، يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ في جَمَاعَةٍ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 693 - مسألة: (وفى الأضْحَى، يُكَبِّرُ عَقِيبَ كلِّ فَرِيضَةٍ في جَماعَةٍ. وعنه، يُكَبِّرُ، وإن كان وَحْدَه، مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ) وجملَةُ ذلك أنَّ التَّكْبِيرَ في الأضْحَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ، فالمُطْلَقُ التَّكْبِيرُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، مِن أوَّل العَشْرِ إلى آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ؛ لقَوْلِه تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} (¬1). وقال: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} (¬2). فالأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والمَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. قالَه ابنُ عباسٍ. قال البخارىُّ: كان ابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ يَخْرُجان إلى السُّوقِ. في أيّامِ العَشْرِ، يُكَبِّران، ويُكَبِّرُ النّاسُ بتَكْبِيرِهما. ورُوِىَ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُكَبِّرُ بمِنًى في تلك الأيّامِ خلفَ الصَّلَواتِ، وعلى فِراشِه، وفى فُسْطاطِه، ومَجْلِسِه ومَمْشاه تلك الأيّامَ جَمِيعًا، ويُكَبِّرُ في قُبَّتِه حتى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. فصل: وأمّا المُقَيَّدُ، فهو التَّكْبِيرُ في أدْبارِ الصَّلواتِ. ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ في مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبيرِ في عِيدِ النَّحْرِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في مُدَّتِه، فذَهَبَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، إلى أنَّه مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِر أيّامِ التَّشْرِيقِ. وهو قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ ¬

(¬1) سورة الحج 28. (¬2) سورة البقرة 203.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وإليه ذَهَب الثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وهو قولٌ للشافعىِّ. وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّه كان يُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ. وإليه ذَهَب النَّخَعِىُّ، وعَلْقَمَةُ، وأبو حنيفةَ؛ لقولِه تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}. وهى أيّامُ العَشْرِ. وأجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَبِّرُ قبلَ عَرَفَةَ، فلم يَبْقَ إلَّا يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ. وعن ابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنَّ التَّكْبِيرَ مِن صلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى الفَجْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ (¬1). وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ في المَشْهُورِ عنه؛ لأنَّ النّاسَ تَبَعٌ للحاجِّ، يَقْطَعُون التَّلْبِيَةَ مع أوَّلِ حَصاةٍ، ويُكَبِّرُون مع الرَّمْى، وإنَّما يَرْمُون يَوْمَ النَّحْرِ، وأوَّلُ صلاةٍ بعدَ ذلك الظُّهْرُ، وآخِرُ صلاةٍ بمِنًى الفَجْرُ مِن اليَوْمِ الثّالِثِ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَلَّى الصُّبْحَ مِن غَداةِ عَرَفَةَ، أقْبَلَ على أصْحابه، فيقولُ: «عَلَى مَكَانِكُمْ». ويقولُ: «اللَّهُ أكبَرُ اللَّهُ أكبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّه أكْبَرُ، اللَّهُ أكبَرُ وَللَّه الْحَمْدُ». فيُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى العَصْر مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ. وعن علىٍّ، وعَمّارٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ يَوْمَ عَرَفَة صلاةَ الغداةِ ويَقْطَعُها صلاةَ العَصْرِ آخرَ أيّام التَّشْرِيقِ. رَواهما الدّارَقُطنِىُّ (¬2). ¬

(¬1) أخرج خبر ابن عمر البيهقى، في: باب من قال يكبر في الأضحى. . . إلخ، من كتاب العيدين. السنن الكبرى 3/ 313. (¬2) في: أول كتاب العيدين. سنن الدارقطنى 2/ 49، 50.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إلَّا أنَّهما مِن رِوايةِ عَمْروْ بنِ شَمِرٍ، عن جابِرٍ الجُعْفِىِّ، وقد ضُعِّفا. ولأنَّه قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ. رَواه سعيدٌ عنهم (¬1). قيل لأحمدَ: بأىِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ إلى التَّكْبِيرِ مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ؟ قال: لإِجْماعِ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباس. ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}. وهى أيّامُ التَّشْرِيقِ، فيَتَعَيَّنُ الذِّكْرُ في جَمِيعِها. وأمّا قولُه تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}. فمَحْمُولٌ على ذِكْرِ اللَّه عِلى الهَدايا والأضاحِى عندَ رُؤْيَتِها، فإنَّه مُسْتَحَبٌّ في جَمِيعِ العَشْرِ، وهو أوْلَى مِن تَفْسِيرِهم؛ لأنَّهم لم يَعْمَلُوا به في كلِّ العَشْرِ، ولا في أكْثَرِه، ولو صَحَّ تَفْسِيرُهم فقد أمَرَ اللَّه بالذِّكْرِ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وهى أيّامُ التَّشْرِيقِ، فيُعْمَلُ به أيضًا. وأمّا المُحْرِمُ، فإنَّما لم يُكَبِّرْ مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لاشْتِغالِه عنها بالتَّلْبِيَةِ كما ذَكَرُوا، وغيرُه يَبْتَدِئُ مِن غَداةِ يومِ عَرَفةَ؛ لعَدَمِ المنافِعِ. وقَوْلُهم: إنَّ النّاسَ في هذا تَبَعٌ للحاجِّ. مُجَرَّدُ دَعْوَى بغيرِ دَلِيلٍ. وقَوْلُهم: إنَّ آخِرَ صلاةٍ يُصَلُّونَها بمِنًى الفَجْرُ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ. مَمنُوعٌ؛ لأنَّ الرَّمْى إنَّما يكونُ بعدَ الزَّوالِ. فصل: والتَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ إنَّما يَكُونُ عَقِيبَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ في ¬

(¬1) وأخرجه ابن أبى شيبة، في: باب كيف يكبر يوم عرفة، من كتاب الصلوات، المصنف 2/ 165, 166.

إِلَّا الْمُحْرِمَ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ الجَماعاتِ، في المَشْهُورِ عن أحمدَ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: أذْهَبُ إلى فِعْلِ ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يُكَبِّرُ إذا صَلَّى وَحْدَه؟ قال: نعم. وقال ابنُ مسعودٍ: إنَّما التَّكْبِيرُ على مَن صَلَّى في جَماعَةٍ. وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ. وعنه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّهْ يُكَبِّرُ عَقِيبَ الفَرائِضِ، وإن كان وَحْدَه. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُسْتَحَبٌّ للمَسْبُوقِ، فاسْتُحِبَّ للمُنْفَرِدِ، كالسَّلامِ. قال الشافعىُّ: يُكَبِّرُ عَقِيبَ كلِّ صلاةٍ، فَرِيضةً كانت أو نافِلَةً، مُنْفَرِدًا أو في جَماعَةٍ، قِياسًا على الفَرْضِ في الجَماعَةِ. ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ مسعودٍ، وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ، فكان إجْماعًا. فصل: فأمّا (المُحْرِمُ، فإنَّه) يَبْتَدِئُ التَّكْبيرَ (مِن صلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) لأنَّه يكونُ مَشْغُولًا بالتَّلْبِيَةِ قبلَ ذلك، وأوَّلُ صلاةٍ بعدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ الظُّهْرُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والمُسافِرُون كالمُقِيمِين فيما ذَكَرْنا؛ لعُمُومِ النَّصِّ. وحُكْمُ النِّساءِ حُكْمُ الرِّجالِ، في أنَّهُنَّ يُكَبِّرْنَ في الجَماعَةِ، وفى الانْفِرادِ رِوايَتان. وقال البخارىُّ (¬1): كان النِّساءُ يُكَبِّرْنَ خلفَ أبانَ بنِ عثمانَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ لَيالِىَ التَّشْرِيقِ مع الرِّجالِ في المَسْجِدِ. ويَنْبَغِى أن يَخْفِضْنَ أصْواتَهُنَّ حتى لا يَسْمَعَهُنَّ الرِّجالُ. وعن أحمدَ، أنَّهُنَّ لا يُكَبِّرْنَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يُشْرَعُ فيه رَفْعُ الصَّوْتِ، فلم يُشْرَعْ في حَقِّهِنَّ، كالأذانِ. ¬

(¬1) في: باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، من كتاب العيدين. صحيح البخارى 2/ 25. وقال ابن حجر: وصله ابن أبى الدنيا في كتاب العيدين. انظر: فتح البارى 2/ 462.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: والمَسْبُوقُ ببعضِ الصَّلاةِ يُكَبِّرُ إذا فَرَغ مِن قَضاءِ ما فاتَه. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أكْثَرُ أهلِ العلم. وقال الحسنُ: يُكَبِّرُ، ثم يَقْضِى؛ لأنَّه ذِكْرٌ شُرِع في آخِرِ الصَّلاةِ، فيَأْتِى به المَسْبُوق قبلَ القَضاءِ، كالتَّشَهُّدِ. وعن مُجاهِدٍ، ومَكْحُولٍ، يُكَبِّرُ، ثم يَقْضِى، ثم يُكَبِّرُ لذلك. ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ السَّلامِ (¬1)، فلم يَأْتِ به في أثْناءِ الصَّلاةِ، كالتَّسْلِيمَةِ الثَّانيةِ، والدُّعاءِ بعدَها. وإن كان على المُصَلِّى سُجُودُ سَهْوٍ بعدَ السَّلامِ، سَجَد ثم كَبَّرَ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه سُجُود مَشْرُوعٌ للصلاةِ، فكان التَّكْبِيرُ بعدَه وبعدَ تَشَهُّدِه، كسُجُودِ صُلْبِها. ¬

(¬1) في م: «الصلاة».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: وإذا فاتَتْه صلاةٌ مِن أيّام التَّشْرِيقِ، أو مِن غيرِها فقَضاها فيها، فحُكْمُها حُكْمُ المُؤَدّاةِ في التَّكْبِيرِ؛ لأنَّها مَفْرُوضَةٌ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ. وإن فاتَتْه في أيَّامِ التَّشْرِيقِ فقَضاها في غيرِها، لم يُكَبِّرْ؛ لأَنَّ التَّكْبيرَ مُقَيَّدٌ بالوَقْتِ، فلم يُفْعَلْ في غيرِه، كالتَّلْبِيَةِ. ويُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ. قال أبو بكرٍ: وعليه العَمَلُ. وحَكاه أحمدُ عن إبْراهيمَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أشْبَهَ الأذانَ والإِقامَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ كَيْفَما شاء؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْبَلَ عليهم، فقال: «اللَّه أكْبَرُ اللَّهُ أكبَرُ» (¬1). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 371.

694 - مسألة: (وإن نسى التكبير قضاه، ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد)

وَإنْ نَسِىَ التَّكْبِيرَ قَضَاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، أوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسجِدِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 694 - مسألة: (وإن نَسِىَ التَّكْبيرَ قَضاه، ما لم يُحْدِثْ، أو يَخْرُجْ مِن المَسْجِد) لأنَّه مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أَشْبَهَ سُجُودَ السَّهْوِ. فعلى هذا إن ذَكَرَه في المَسْجِدِ بعدَ أن قام، عاد إلى مكانِه، فجَلَسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلِةَ فكَبَّرَ. وقال الشافعىُّ: يُكَبِّرُ ماشِيًا. قال شيخُنا (¬1): وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 293.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ الصَّلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ. فإن ذَكَرَه بعدَ خُرُوجِه مِن المَسْجِدِ لم يُكَبِّرْ؛ لِماَ ذَكَرْنا. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى. ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ بعدَ الصَّلاةِ، فاسْتُحِبَّ وإن خَرَج، كالدُّعاءِ والذِّكْرِ المَشْرُوعِ بعدَ الصَّلاةِ. وإن نَسِيَه حتى أحْدَثَ، فقال أصْحابُنا: لا يُكَبِّرُ، سواءٌ أحْدَثَ عامِدًا أو ساهِيًا؛ لأنَّ الحَدَثَ يَقْطَعُ الصلاةَ عَمْدُه وسَهْوُه. وبالَغَ ابنُ عَقِيلٍ، فقال: إن تَرَكَه حتى تَكَلَّمَ لم يُكَبِّرْ. قال الشَّيْخُ: والأَوْلَى إن شاء اللَّهُ أَنَّه يُكَبِّرُ؛ لأنَّ ذلك ذِكْرٌ مُنْفَرِدٌ بعدَ سَلامِ الإِمامِ، فلا يُشْتَرَطُ له الطَّهارَةُ، كسائِرِ الذِّكْرِ، ولأنَّ اشْتِراطَ الطَّهارَةِ إمّا بنَصٍّ أو مَعْناه، ولم يُوجَدْ. وإن نَسِيَه الإِمامُ كَبَّرَ المَأْمُومُ. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتْبَعُ الصلاةَ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ.

695 - مسألة: (وفى التكبير عقيب العيد وجهان)

وَفِى التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 695 - مسألة: (وفى التَّكْبِيرِ عَقِيبَ العِيدِ وَجْهَان) أحَدُهما، يكَبِّرُ. اخْتارَه أبو بكرٍ. وقال القاضى: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّها صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ في جَماعَةٍ، فأشْبَهَتِ الفَجْرَ. والثانِى، لا يُسَنُّ. قالَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّها ليست مِن الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أشْبَهَتِ النَّوافِلَ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ هذه الصلاةَ أخَصُّ بالعِيدِ، فكانت أحَقَّ بتَكْبِيرِه.

696 - مسألة: (وصفة التكبير شفعا؛ الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)

وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الْحَمْدُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 696 - مسألة: (وصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا؛ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّه أكْبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ) وهذا قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُبارَكِ، إلَّا أنَّه زاد: على ما هَدانا. لقَوْلِه تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: يقولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، ثَلاثًا؛ لأنَّ جابِرًا صَلَّى في أيّامِ التَّشْرِيقِ، فلمّا فَرَغ مِن صَلاتِه، قال: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ. رواه ابنُ ماجه. وهذا لا يَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا، ولأنَّ التَّكْبِيرَ شِعارُ العِيدِ، فكان وِتْرًا، كتَكْبيرِ الصَّلاةِ والخُطْبةِ. ولَنا، خَبَرُ جابِرٍ المَذْكُورُ (¬1)، وهو نَصٌّ في كَيْفِيَّةِ التَّكْبِيرِ، وأنَّه قولُ الخَلِيفَتَيْن الرّاشِدَيْن، وقولُ ابنِ مسعودٍ. وقولُ جابِرٍ لا يُسْمَعُ مع قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يُقَدَّمُ على قولِ أحَدٍ ممَّن ذَكَرْنا، فكيف قَدَّمُوه على قولِ الجَمِيعِ، ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 371.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مع تَقَدُّمِهم عليه في الفَضْلِ والعِلْمِ، وكَثْرتِهم؟ ولأنَّه تَكْبِيرٌ خارِجَ الصَّلاةِ، فكان شَفْعًا، كتَكْبيرِ الأذانِ. وقوْلُهم: إنَّ جابِرًا لا يَفْعَلُه إلَّا تَوْقِيفًا. لا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه قد روَى خِلافَ قوْلِه، فكيف يُترَكُ ما صَرَّحَ به لاحْتِمالِ وُجُودِ ضِدِّهِ؟ والثانِى، أنَّه إن كان قَوْلُه تَوقِيفًا، فقولُ مَن ذَكَرْنا تَوْقِيفٌ، وهو مُقَدَّمٌ على قَوْلِه بما بَيَّنّا. والثالثُ، أنَّ هذا ليس مَذْهَبًا لهم. الرّابِعُ، أنَّ قولَ الصَّحابِىِّ إنَّما يُحْمَلُ على التَّوْقِيفِ إذا خالَفَ الأُصُولَ، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى لا يُخالِفُ الأصْلَ، لاسِيَّما إذا كان وِتْرًا. فصل: ولا بَأْسَ أن يقولَ للرَّجُلِ في يَوْمِ العِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّه مِنّا ومنك. قال حَرْبٌ: سألتُ أحمدَ عن قول النّاسِ في العِيدَيْن: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنّا ومِنْكُمْ؟ قال: لا بَأْسَ به يَرْوِيه أهلُ الشَّامِ عن أبِى أُمامَةَ (¬1). قِيلَ: وواثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ (¬2)؛ قال: نعم. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في ذلك أحادِيثَ، منها؛ أنَّ ¬

(¬1) أبو أمامة صدىّ بن عجلان بن الحارث الباهلى الصحابى، روى عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- فأكثر، وتوفى سنة إحدى وثمانين. أسد الغابة 3/ 16، 6/ 16، 17. (¬2) واثلة بن الأسقع بن عبد العزى، أسلم قبل تبوك وشهدها، كان من أهل الصفة ثم نزل الشام وشهد فتح دمشق وحمص وغيرهما، وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة. الإصابة 6/ 591.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُحمَّدَ بنَ زِيادٍ، قال: كنتُ مع أبِى أُمامَةَ الباهِلِىِّ وغيرِه مِن أصحاب النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكانُوا إذاْ رَجَعُوا مِن العِيدِ يقولُ بعضُهم لبعض: تَقَبَّلَ اللَّه مِنّا ومنك (¬1). وقال: إسنادُ حَدِيثِ أبى أُمامَةَ إسنادٌ جَيِّدٌ. قال مالكٌ: لم نَزَلْ نَعْرِفُ هذا بالمَدِينَةِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا أبْتَدِئٌ به أحَدًا وإن قالَه أحَدٌ رَدَدْتُ عليه. فصل: ولا بَأْسَ بالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بالأمْصارِ. ذَكَرَه القاضى. وقال الأثْرَمُ: سأَلْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن التَّعْرِيفِ بالأمْصارِ، يَجْتَمِعُونَ في المَساجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ قال: أرْجُو ألا يكونَ به بَأْسٌ، قد فَعَلَه غيرُ واحِدٍ. وروَى الأثْرَمُ عن الحسنِ، قال: أوَّلُ مَن عَرَّفَ بالبَصْرَةِ ابنُ عباسٍ، رَحِمَه اللَّهُ. وقال أحمدُ: أوَّلُ مَن فَعَلَه ابنُ عباسٍ وعَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ (¬2). وقال أحمدُ: لا بَأْسَ به، إنَّما هو دُعاءٌ وذِكْرُ اللَّهِ. وقال: الحسنُ، وبَكْرٌ (¬3)، وثابِتٌ، ومحمدُ بنُ واسِعٍ (¬4) كانُوا يَشْهَدُون المَسْجدَ يَوْمَ ¬

(¬1) كره ابن التركمانى في حاشية السنن الكبرى للبيهقى 3/ 320. (¬2) أبو سعيد عمرو بن حريث بن عمرو المخزومى الكوفى الصحابى, توفى سنة خمس وثمانين. أسد الغابة 4/ 213. (¬3) بكر بن عبد اللَّه بن عمرو المزنى، تابعى ثقة فقيه، توفى سنة ثمان ومائة. تهذيب التهذيب 1/ 484. (¬4) محمد بن واسع الأزدى، عابد البصرة، أخذ عن أنس، وتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائة. العبر 1/ 157.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عَرَفَةَ. قِيلَ له: فتَفْعَلُه أنت؟ قال: أمّا أنا فلا. ورُوِىَ عن يَحْيى بنِ مَعِينٍ، أنَّه حَضَر مع النّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ. فصل: ويُسْتَحَبُّ الاجْتِهادُ في عَمَلِ الخَيْرِ أيّامَ العَشْرِ؛ مِن الذِّكْرِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا الْعَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْهَا فِى هذِهِ». يَعْنِى أيَّامِ العَشْرِ. قالُوا: ولا الجِهادُ؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ، إلَّا رَجُل خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِع بشَىْءٍ». رَواه البخارىُّ (¬1). وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا مِنْ أيَّامِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا أحَبُّ إِلَيْهِ العَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ العَشْرِ، فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (¬2). ¬

(¬1) في: باب فضل العمل في أيام التشريق، من كتاب الصلاة. صحيح البخارى 2/ 24، 25. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صوم العشر، من كتاب الصيام. سنن أبى داود 1/ 568. والترمذى، في: باب ما جاء في العمل في أيام العشر، من أبواب الصوم. عارضة الأحوذى 3/ 289. وابن ماجه، في: باب صيام العشر، من كتاب الصيام. سنن ابن ماجه 1/ 550. والدارمى، في: باب في فضل العمل في العشر، من كتاب الصوم. سنن الدارمى 2/ 25. والإمام أحمد في: المسند 1/ 224. (¬2) في: المسند 2/ 75, 131.

باب صلاة الكسوف

بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ، جَمَاعَةً وَفُرَادَى، بِإِذْنِ الْإِمَامَ وَغَيْرِ إِذنِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ صَلاةِ الكُسُوفِ الكُسُوفُ والخُسوفُ شئٌ واحِدٌ، وكِلاهما قد وَرَدَتْ به الأخْبارُ، وجاءَ القُرْآنُ بلَفْظِ الخُسُوفِ. 697 - مسألة: (وإذا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أو القَمَرُ، فَزِع النّاسُ إلى الصَّلاةِ، جَماعَةً وفُرادَى، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه) صَلاةُ الكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها وأمَرَ بها. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ في مَشْرُوعِيَّتِها لكُسُوفِ الشَّمْسِ. فأمّا خُسُوفُ القَمَرِ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مَشْرُوعَةٌ له، فَعَلَها ابنُ عباسٍ. وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. وقال مالكٌ: ليس لكُسُوفِ القَمَرِ سُنَّةٌ. وحَكَى عنه ابنُ عبدِ البَرِّ، وعن أبى حنيفةَ، أنَّهما قالا: يُصَلِّى النّاسُ لخُسُوفِ القَمَرِ وُحْدانًا رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن، ولا يُصَلُّون جَماعَةً؛ لأنَّ في خُرُوجِهم إليها مَشَقَّةً. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا». مُتَّفَقٌ عليه (¬1). فأمَرَ بالصلاةِ لهما أمْرًا واحِدًا. وعن ابنِ ¬

(¬1) أخرحه البخارى، في: كتاب صلاة الكسوف، وفى: باب صفة الشمس والقمر بحسبان، من كتاب بدء الخلق، وفى: باب كفران العشير، من كتاب النكاح، وفى: باب من جرّ إزاره من غير خيلاء، من كتاب اللباس. صحيح البخارى 2/ 42 - 49، 7/ 39، 40، 182. ومسلم، في: كتاب صلاة الكسوف. صحيح مسلم 2/ 618، 619، 622، 628، 630. كما أخرجه أبو داود، في: باب صلاة الكسوف، وباب من قال: أربع ركعات، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 268، 269. والنسائى، في: كتاب صلاة الكسوف. المجتبى 3/ 101 - 124. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الكسوف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 400، 401. والدارمى، في: باب الصلاة عند الكسوف، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 359. والإمام مالك، في: باب العمل في صلاة الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. الموطأ 1/ 186، 187. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 298، 358, 2/ 109, 118, 159, 3/ 318, 4/ 122, 245, 249, 253, 5/ 37, 60، 61، 428، 6/ 76، 164، 168، 354.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ عباسٍ، أنَّه صَلَّى بأهلِ البَصْرَةِ في خُسُوفِ القَمَرِ رَكْعَتَيْن، وقال: إنَّما صَلَّيْتُ لأنِّى رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى (¬1). ولأنَّه أحَدُ الكُسُوفَيْن، فأشْبَهَ كُسُوفَ الشَّمْسِ. ويُسَنُّ فِعْلُها جَماعَةً وفُرادَى. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. وحُكِىَ عن الثَّوْرِىِّ، أنَّه قال: إن صَلَّاها الإِمامُ فصَلُّوها معه، وإلَّا فلا. ولَنا، قَوْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا». ولأنَّهَا نافِلَةٌ، فجازَتْ في الانْفِرادِ، كسائِرِ النَّوافِلِ. وفِعْلُها في الجَماعَةِ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها في جَماعَةٍ. والسُّنَّةُ أن يُصلِّيَها في المَسْجِدِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها فيه، لقَوْلِ عائِشَةَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-, فخَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فصَفَّ النّاسُ وراءَه. رَواه البخارىُّ (¬2). ولأنَّ وَقْتَ الكُسُوفِ يَضِيقُ، فلو خَرَج إلى المُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّى قبلَ فِعْلِها. ويُشْرَعُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه. وقال أبو بكرٍ: ¬

(¬1) أخرجه البيهقى، في: باب الصلاة في خسوف القمر، من كتاب صلاة الخسوف. السنن الكبرى 3/ 338. (¬2) في: باب خطبة الإِمام في الكسوف، وباب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. صحيح البخارى 2/ 43، 45. كما أخرجه مسلم، في: باب صلاة الكسوف، وباب ذكر عذاب القبر في صلاة الخوف، من كتاب صلاة الكسوف. صحيح مسلم 2/ 619، 621. وأبو داود، في: باب من قال: أربع ركعات، من كتاب صلاة الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 269. والنسائى، في: باب نوع آخر منه عن عائشة، وباب نوع آخر، من كتاب صلاة الكسوف. المجتبى 3/ 107، 109، 110. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الكسوف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 401. والإمام مالك، في: باب العمل في صلاة الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. الموطأ 1/ 187، 188. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 87.

وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. ـــــــــــــــــــــــــــــ هى كصَلاةِ العيدِ، فيها رِوايَتان. ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا». ولأنَّها نافِلَةٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ. وتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ؛ لأنَّ عائشةَ وأسْماءَ صَلَّتا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. رَواه البخارىُّ (¬1). (و) يُسَنُّ أن (يُنادَى لها: الصَّلاةَ جامِعَةً) لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، قال لمّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نُودِىَ بالصلاةِ جامِعَةً. مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، ولأنَّها مِن غيرِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ. ¬

(¬1) في: باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. صحيح البخارى 2/ 46. كما أخرجه مسلم، في: باب ما عرض على النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 622. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 345. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف، وباب طول السجود في الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح البخارى 2/ 43, 45. ومسلم، في: باب ذكر النداء بصلاة الكسوف «الصلاة جامعة»، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 267. كما أخرجه النسائى، في: باب نوع آخر، وباب القول في السجود في صلاة الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. المجتبى 3/ 112, 120. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 175, 220.

698 - مسألة: (ثم يصلى ركعتين، يقرأ فى الأولى بعد الفاتحة سورة طويلة، ويجهر بالقراءة، ثم يركع ركوعا طويلا، ثم يرفع، فيسمع ويحمد، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويطيل، وهو دون القيام الأول، ثم يركع ويطيل، وهو دون الركوع الأول، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يقوم إلى الثانية، فيفعل مثل ذلك، ثم يتشهد، ويسلم)

ثُمَّ يْصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ في الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَركَعُ رُكُوِعًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُّ وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ، وَيُطِيلُ، وَهُوَ دُون الْقِيَامَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَيُطِيلُ.، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَويلَتَيْنِ، ثمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 698 - مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ في الأُولَى بعدَ الفاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ، ثم يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةً، ويُطِيلُ، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم يَرْكَعُ ويُطِيلُ، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم يَتَشَهَّدُ، ويُسَلِّمُ) المُسْتَحَبُّ في صلاةِ الكُسُوفِ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثم يَسْتَفْتِحُ، ويَسْتَعِيذُ، ويَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ البَقَرَةِ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ قَدْرَ مائةِ آيَةٍ، ثم يَرْفعُ فيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَه، رَبَّنا ولك الحَمْدُ. ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ وآلَ عِمْرانَ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن سَبْعِين آيةً، ثم يَرْفَعُ فَيُسَمعُ ويُحَمدُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، فَيُطِيلُ السُّجُودَ نَحْوًا مِن الرُّكُوعِ، ثِم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ النِّساءِ، أو نحْوَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن خَمْسِين آيةً، ثم يَرْفَعُ، ويُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ المائِدَةِ، ثم يَرْكَعُ فيُطِيلُ دُونَ الذى قَبْلَه، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَتَشهَّدُ، ويُسَلِّمُ. ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ لَيْلًا كان أو نَهارًا. وليس هذا التَّقْدِيرُ في القِراءَةِ مَنْقُولًا عن الإِمامِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى، ولكنْ قد نُقِلَ عنه، أنَّ الأُولَى أطْوَلُ مِن الثَّانيةِ. وجاء في حَدِيثِ ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وفى حَدِيثٍ لعائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرأيتُ أنَّه قَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولَى سُورَةَ البَقَرَةِ، وفى الثَّانيةِ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ (¬2). وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، إلَّا أنَّهما قالا: لا يُطِيلُ السُّجُودَ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ عنهما؛ لأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ. وقالا: لا يَجْهَرُ في كُسُوفِ الشَّمْسِ، ويَجْهَرُ في كُسُوفِ القَمَرِ. ووافَقَهم أبو حنيفةَ؛ لقولِ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولو جَهَر بالقِراءَةِ لم يُحْتَجْ إلى الحَزْرِ. وكذلك قال ابنُ عباس: قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. ولأنَّها صَلاةُ نهارٍ، فلم يَجْهَرْ فيها كالظُّهْرِ. وفى حَدِيثِ سَمُرَةَ، قال: فلم أسْمَعْ له صَوْتًا. قال ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب صلاة الكسوف في جماعة، من كتاب الكسوف. صحيح البخارى 2/ 45، 46. ومسلم، في: باب ما عرض على النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 626. كما أخرجه أبو داود، في: باب القراءة في صلاة الكسوف، من كتاب صلاة الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 272. والنسائى، في: باب قدر القراءة في صلاة الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. المجتبى 3/ 118، 119. والإمام مالك، في: باب العمل في صلاة الكسوف، من كتاب الكسوف. الموطأ 1/ 186، 187. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 298، 358. (¬2) أخرجه أبو داود، في: باب القراءة في صلاة الكسوف، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 271.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التِّرْمِذىُّ (¬1). هذا حديثٌ صحيحٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن كصلاةِ التَّطَوُّعِ؛ لِما روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ فكان يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، حتى انْجَلَتِ الشَّمْسُ. رَواه أحمدُ (¬2). وروَى قَبِيصَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ» (¬3). ولَنا، على أنَّه يُطِيلُ السُّجُودَ، أنَّ في حديثِ عائِشةَ: ثم رَفَع، ثم سَجَد سُجُودًا ¬

(¬1) في: باب ما جاء كيف القراءة في الكسوف، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 40. كما أخرجه أبو داود، في: باب من قال: أربع ركعات، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 270، 271. والنسائى، في: باب نوع آخر، وباب ترك الجهر فيها بالقراءة، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 114، 120. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الكسوف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 402. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 14، 16، 19، 23. (¬2) في: المسند 2/ 267، 269. كما أخرجه أبو داود، في: باب من قال وركع ركعتين، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 272. والنسائى، في: باب نوع آخر، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 115. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الكسوف، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 401. (¬3) أخرجه أبو داود، في: باب من قال: أربع ركعات، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 221. والنسائى، في: باب نوع آخر، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 117. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 60، 61.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ طَوِيلًا، ثم قام قِيامًا طَوِيلًا، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم رَكَع رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم سَجَد سُجُودًا طَوِيلًا، وهو دُونَ السُّجُودِ الأوَّلِ. رَواه البخارىُّ (¬1). وفى حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو في صِفَةِ صلاةِ الكُسُوفِ: ثم سَجَد، فلم يَكَدْ يَرْفَعُ. رَواه أبو داودَ (¬2). وتَرْكُ ذِكْرِه في حديثٍ لا يَمْنَعُ مَشْرُوعِيَتَّه إذا ثَبَت عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-. وأمَّا الجَهْرُ فرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَعَلَه. وهو مذْهَبُ أبى يُوسُف، وإسحاقَ، وابنَ المُنْذِرِ؛ لِما روَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَهَر في صَلاةِ ¬

(¬1) انظر حديثها المتقدم في صفحة 387. (¬2) في: باب من قال يركع كعتين، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 272، 273. كما أخرجه النسائى، في: باب نوع آخر، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 112. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 159.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الكُسُوفِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وعنها أيضًا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صلاةَ الكُسُوفِ، وجَهَر فيها. قال التِّرْمِذىُّ (¬2): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّها نافِلَةٌ شُرِعَتْ لها الجَماعَةُ، فكان مِن سُنَّتِها الجَهْرُ، كصلاةِ الاستِسْقاءِ. فأمَّا قولُ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَتَه. ففى إسْنادِه مَقالٌ؛ لأنَّه مِن رِوايَةِ ابنِ إسْحاقَ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ سَمِعَتْ صَوْتَه ولم تَفْهَمْ للبُعْدِ، ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الجهر بالقراءة في الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. صحيح البخارى 2/ 49. ومسلم، في: باب صلاة الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 620. (¬2) في: باب ما جاء كيف القراءة في الكسوف، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 41. كما أخرجه البخارى، في: باب الجهر بالقراءة في الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح البخارى 2/ 49. ومسلم، في: باب صلاة الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 620. وأبو داود، في: باب القراءة في صلاة الكسوف، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 271. والنسائى، في: باب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 120. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 65.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أو قَرَأ مِن غيرِ أوَّلِ القُرْآنِ بقَدْرِ البَقَرَةِ. ثم حَدِيثُنا صحيحٌ صريحٌ، فكيف يُعارَضُ بمثْلِ هذا. وحديثُ سَمُرَةَ مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَسْمَعْ لبُعْدِه؛ فإنَّ في حَدِيثِه ما يَدُلُّ على هذا، وهو أنَّه قال: دَفَعْتُه إلى المَسْجدِ، وهو بأُزَزٍ. يعنى وهو مُغْتَصٌّ بالزّحامِ. ثم إنَّ هذا نَفْىٌ يَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرةً، فكيف يُتْرَكُ لأجْلِه الحديثُ الصحيحُ! وقِياسُهم مُنْتَقَضٌ بما ذَكَرْنا مِن القِياسَ. والدَّلِيلُ على صِفَةِ الصَّلاةِ التى ذَكَرْناها، ما روَتْ عائشةُ، قالت: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المَسْجِدِ، فقامَ وكَبَّرَ، وصَف النّاسُ وَراءَه، فقَرَأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قِراءَةً طَوِيلَةً، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم رَفَع رأْسَه، فقال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَاَ وَلَكَ الْحَمْدُ». ثم قام فاقْتَرَأ قِراءَةً طَوِيلَةً، وهى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أدْنَى مِن القِراءَةِ الأُولَى، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو أدْنَى مِن الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم قال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثم سَجَد، ثم فَعَل في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مثلَ ذلك، حتى اسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وأرْبَعَ سَجَداتٍ، وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَنْصَرِفَ. وعن ابنِ عباسٍ مثلُ ذلك، وفيه أنَّه قام في الأُولَى قِيامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). فأمّا أحادِيثُهم فغيرُ مَعْمُولٍ بها باتِّفاقِنا، فإنَّهم قالُوا: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن. وحَدِيثُ النُّعْمانِ فيه أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ مُرْسَل، وحديثُ النُّعْمانِ يَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى رَكْعَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْن، لأنَّ فيه جمعًا بينَ الأحاديثِ، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ كانت أحادِيثُنا أوْلَى؛ لصِحَّتِها وشُهْرَتِها، واشْتِمالِها على الزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. ¬

(¬1) الأول تقدم تخريجه في صفحة 387. والثانى تقدم تخريجه في صفحة 391.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ومَهْما قَرَأ به جاز، سَواءٌ كانتِ القِراءَةُ طَوِيلَةً أو قَصِيرَةً؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في أرْبَعِ سَجَداتٍ، وقَرَأ في الأُولَى بالعَنْكَبُوتِ والرُّومِ، وفى الثَّانيةِ بـ {يس}. أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنىُّ (¬1). فصل: وقال أصحابُنا: لا خُطْبَةَ لصلاةِ الكُسُوفِ، ولم يَبْلُغْنا عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك شئٌ. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْى. وقال إسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَخْطُبُ الإِمامُ بعدَ الصَّلاةِ. قال الشافعىُّ: يَخْطُبُ كَخُطْبَتَى الجُمُعَةِ؛ لأنَّ في حديثِ عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْصَرَفَ وقد انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فخَطَبَ النّاس، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وقال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا» ثم قال: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». مُتَّفَقٌ عليه (¬2). ولَنا، أنَّ في هذا الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّ الخُطْبَةَ لا تُشْرع لها، لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَهم بالصلاةِ، والدُّعاءِ، والتَّكْبِيرِ، والصَّدَقَةِ، ولم يَأْمُرْهم بخُطْبَةٍ، ولو كانت سُنَّةً لأمَرَهمِ بها، وإنَّما خَطَب ¬

(¬1) في: باب صفة الخسوف والكسوف وهيئتها، من كتاب الكسوف. سنن الدارقطنى 2/ 94. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب الصدقة في الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح البخارى 2/ 42، 43. ومسلم، في: باب صلاة الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 618. كما أخرجه النسائى، في: باب كيف الخطبة في الكسوف، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 123. والإمام مالك، في: باب العمل في صلاة الكسوف، من كتاب صلاة الكسوف. الموطأ 1/ 186. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 164.

699 - مسألة: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة، وإن تجلى قبلها، أو غابت الشمس كاسفة، أو طلعت والقمر خاسف، لم يصل)

فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أتَمَّهَا خَفِيفَةً، وَإنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا، أَوْ غَابَتِ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدَ الصلاةِ ليُعَلِّمَهم حُكْمَها، وهذا مُخْتَصٌّ به، ليس في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّه خَطَب خُطْبَتَى الجُمُعَةِ. واسْتُحِبَّ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى، والدُّعاءُ، والتَّكْبِيرُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، والعِتْقُ، والتَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تعالى بما اسْتَطاعَ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ. وفى خَبَرِ أبى موسى: «فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تعالى، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ» (¬1). ورُوِى عن أسماءَ، أنَّها قالت: إنَّا كُنَّا لنُؤْمَرُ بالعِتْقِ في الكُسُوفِ (¬2). 699 - مسألة: (فإن تَجَلَّى الكُسُوفُ فيها أتَمَّها خَفِيفَةً، وإن تَجَلَّى قَبْلَها، أو غابَتِ الشَّمْسُ كاسِفَةً، أو طَلَعَتْ والقَمَرُ خاسِفٌ، لم يُصَلِّ) وقْتُ صلاةٍ الكُسُوفِ مِنْ حينِ الكُسُوفِ إلى حينِ التَّجَلِّى. فإن فاتَتْ لم تُقْضَ؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الذكر في الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح البخارى 2/ 48. ومسلم، في: باب ذكر النداء بصلاة الكسوف «الصلاة جامعة»، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 628، 629. والنسائى، في: باب الأمر بالاستغفار في الكسوف، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 124. (¬2) أخرجه البخارى، في: باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس، من كتاب الكسوف، صحيح البخارى 2/ 47. وأبو داود، في: باب العتق فيها، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 272. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 345.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِىَ» (¬1). فجَعَلَ الانْجِلاءَ غايَةً للصلاةِ. ولأنَّ الصلاةَ إنَّما سُنَّتْ رَغْبَةً إلى اللَّهِ في رَدِّها، فإذا حَصَل ذلك حَصَل مَقْصُودُ الصَّلاةِ. وإن تَجَلَّتْ وهو في الصَّلاةِ أتَمَّها خَفِيفةً؛ لأنَّ المَقْصُودَ التَّجَلِّى، وقد حَصَل. وإنِ اسْتَتَرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ بالسَّحابِ، وهما مُنْكَسِفان، صَلَّى؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الكُسُوفِ. وإن تَجَلَّى السَّحابُ عن بعقِمها فرَأوْه صافِيًا، صَلَّوْا، ولأنَّ الباقِىَ لا يُعْلَمُ حالُه. وإن غابَتِ الشَّمْسُ كاسِفَةً، أو طَلَعَتْ على القَمَرِ وهو خاسِفٌ، لم يُصَلِّ؛ لأنَّه قد ذَهَب وَقْتُ الانْتِفاعِ بنُورِهما. وإن غاب القَمَرُ لَيْلًا، فقال القاضى: يُصَلِّى؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ وَقْتُ الانْتِفاعِ بنُورِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُصَلِّىَ؛ لأنَّ ما يُصَلِّى له قد غاب، أشْبَهَ ما لو غابَتِ الشَّمْسُ. فإن لم يُصَلِّ حتى طَلَع الفَجْرُ الثَّانِى ولم يَغِبْ، أو ابْتَدَأ الخَسْفُ بعدَ طُلُوعِ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الدعاء في الخسوف، من كتاب الكسوف. صحيح البخارى 2/ 48، 49. ومسلم، في: باب ما عرض على النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، وباب ذكر النداء بصلاة الكسوف «الصلاة جامعة»، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 622، 630. وأبو داود، في: باب من قال: أربع كعات، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 619. والنسائى، في: باب نوع آخر، من كتاب الكسوف. المجتبى 3/ 110، 111. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 318، 349، 374.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الفَجْرِ وغاب قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ففيه احْتِمالان ذَكَرَهما القاضى؛ أحَدُهما، لا يُصَلِّى؛ لأنَّ القَمَرَ آيَةُ اللَّيْلِ وقد ذَهَب اللَّيْلُ، أشْبَهَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ. والثانِى، يُصَلِّى؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بنُورِه باقٍ، أشْبَهَ ما قبلَ الفَجْرِ. وإن فَرَغ مِن الصَّلاةِ والكُسُوفُ قائِم لم يُصَلِّ صلاةً أُخْرَى، واشْتَغَلَ بالذِّكْرِ والدُّعاءِ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه لم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن. فصل: وإذا اجْتَمَعَ مع الكُسُوفِ صلاةٌ أُخْرَى كالجُمُعَةِ، والعِيدِ، أو الوِتْرِ، أو صلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، بَدَأ بأخْوَفِهما فَوْتًا. فإن خِيفَ فَوْتُهما بَدَأ بالواجِبَةِ، فإن لم يكنْ فيهما واجِبَةٌ بَدَأ بالكُسُوفِ؛ لتَأكُّدِه، ولهذا تُسَنُّ له الجَماعَةُ، ولأنَّ الوِتْرَ يُقْضَى، وصلاةُ الكُسُوفِ لا تُقْضَى. فإنِ اجْتَمَعتِ التَّراويِحُ والكُسُوفُ، ففيه وَجْهان عندَ أصْحابِنا. وقال شيخُنا (¬1): الصَّحِيحُ أنَّ الصَّلَواتِ الواجبَةَ التى تُصَلَّى في الجَماعَةِ تُقَدَّمُ على الكُسُوفِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الكُسُوفِ عليها يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ؛ ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 331.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لإِلْزامِ الحاضِرِين بفِعْلِها مع كَوْنِها ليست واجِبَةً عليهم، وانْتِظارِهم الصلاةَ الواجِبَةَ، مع أنَّ فيهم الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذا الحاجَةِ. وقد أمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَخْفِيفِ الصَّلاةِ الواجِبَةِ؛ لئلَّا يَشُقَّ على المَأْمُومِين، فتَأْخِيرُ هذه الصَّلاةِ الطَّوِيلَةِ الشّاقَّةِ، مع [أنَّها غيرُ] (¬1) واجِبَةٍ، أوْلَى، وإنِ اجْتَمَعَتْ مع التَّراوِيحِ، قُدِّمَتِ التَّراوِيحُ لذلك. وإنِ اجْتَمَعَتْ مع الوِتْرِ في أوَّلِ وَقْتِ الوِتْرِ، قُدِّمَتْ؛ لأنَّ الوِتْرَ لا يَفُوتُ، وإن خِيفَ فَواتُ الوِتْرِ قُدِّمَ؛ لأنَّه يَسِيرٌ يُمْكِنُ فِعْلُه وإدْراكُ وَقْتِ الكُسُوفِ، وإن لم يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الوِتْرِ، فلا حاجَةَ إلى التَّلبّسِ بصلاةِ الكُسُوفِ؛ لأنَّها تَقَعُ في وَقْتِ النَّهْى. فإنِ اجْتَمَعَتْ مع صلاةِ الجِنازَةِ، قُدِّمَتِ الجِنازَةُ وجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المَيِّتَ يُخافُ عليه. واللَّهُ أعلمُ. ¬

(¬1) في م: «أن غيرها».

700 - مسألة: (وإن أتى فى كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع، فلا بأس)

وَإِنْ أَتَى فِى كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: إذا أدْرَكَ المَأْمُومُ الإِمامَ في الرُّكُوعِ الثانِى، احْتَمَلَ أن تَفُوتَه الرَّكْعَةُ. قاله القاضى؛ لأنَّه فاتَه مِن الرَّكْعَةِ رُكُوع، أشْبَهَ ما لو فاتَه الرُّكُوعُ مِن غيرِ هذه الصَّلاةِ. واحْتَمَلَ أن تَصِحَّ له الرَّكْعَةُ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُصَلِّىَ هذه الصلاةَ برُكُوع واحِدٍ، فاجْتُزِئَ به في حَقِّ المَسْبُوقِ. وهذا الخِلافُ على الرِّوايَةِ التى تَقُولُ: يَرْكَعُ رُكُوعَيْن. فأمَّا على الرِّوايَةِ التى يَرْكَعُ أكْثَرَ مِن رُكُوعَيْن، فإنَّه يَكُون مُدْرِكًا للرَّكْعَةِ إذا فاتَه رُكُوعٌ واحِدٌ؛ لإِدْراكِه مُعْظَمَ الرِّكْعَةِ. حكاهُ ابنُ عَقِيلٍ. 700 - مسألة: (وإن أتَى في كلِّ رَكْعَةٍ بثَلاثِ رُكُوعاتٍ، أو أرْبَعٍ، فلا بَأْسَ) تَجُوزُ صلاةُ الكُسُوفِ على كل صِفَةٍ رُوِيَتْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما قُلْنا في صلاةِ الخَوْفِ، والأَوْلَى عندَ أبى عبدِ اللَّهِ الصلاةُ على

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصِّفَةِ التى ذَكَرْنا؛ فإنَّه قال: رُوِىَ عن ابنَ عباس، وعائشةَ، في صَلاةِ الكُسُوفِ أرْبَعُ رَكَعاتٍ وأرْبَعُ سَجَداتٍ، وأمَّا علىٌّ فيَقُولُ: سِتُّ رَكَعاتٍ وأرْبَعُ سَجَداتٍ. نَذهَبُ إلى قَوْلِ ابنِ عباس وعائشةَ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه صَلَّى سِتَّ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ. وعن حُذَيْفَةَ. وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى لسِتَّ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ. أخْرَجَه مسلمٌ (¬1). ورُوِىَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ وسَجْدَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ. رَواه مسلمٌ (¬2). قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِينا عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، أنَّهُما صَلَّيا هذه الصلاةَ. وحُكِىَ عن إسْحاقَ، أنَّه قال: وَجْهُ الجَمْعِ ¬

(¬1) في: باب صلاة الكسوف، من كتاب الكسوف. صحيح مسلم 2/ 618 - 621. (¬2) في الموضع السابق. صحيح مسلم 2/ 620.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بينَ هذه الأحاديثِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما كان يَزِيدُ في الرُّكُوعِ إذا لم يَرَ الشَّمْسَ قد انْجَلَتْ، فإذا انْجَلَتْ سَجَد، فمِن ههُنا صارَتْ زِيادَةُ الرَّكَعاتِ. قال شيخُنا (¬1): ولا يُجاوِزُ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في كلِّ رَكْعَةٍ؛ لأنَّه لم يَأْتِنا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكْثَرُ مِن ذلك. قُلْتُ: وقد روَى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بهم فقَرَأ سُورَةً مِن الطِّوالِ، ورَكَع خمْسَ رَكَعاتٍ، وسَجَد سَجْدَتَيْن، ثم جَلَس كما هو مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ يَدْعُو، حتى انْجَلَى كُسُوفُها. ¬

(¬1) في: المغنى 3/ 330.

701 - مسألة: (ولا يصلى لشئ من سائر الآيات، إلا الزلزلة الدائمة)

وَلَا يُصَلِّى لِشَىْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ، إِلَّا الزَّلْزَلَةَ الدَّائِمَةَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ رَواه أبو داودَ (¬1). فعلى هذا لا بَأْسَ أن يَأْتِىَ في كلِّ رَكْعَةٍ بخَمْسِ رُكُوعاتٍ؛ لهذا الحديثِ، ولا يَزِيدُ عليها؛ لِما ذَكَرْنا. 701 - مسألة: (ولا يُصلِّى لشئٍ مِن سائِرِ الآياتِ، إلَّا الزَّلْزَلَةَ الدّائِمَةَ) قال أصْحابُنا: يُصَلِّى للزَّلْزَلَةِ كصلاةِ الكُسُوفِ. نَصَّ عليه. ¬

(¬1) في: باب من قال أربع ركعات، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 270. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 5/ 134.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وهو مَذْهَبُ إسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. قال القاضى: ولا يُصَلِّى للرَّجْفَةِ، والرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، والظُلْمَةِ، ونحْوِها. وقال الآمِدِىُّ: يُصَلِّى لذلك، ولرَمْىِ الكَواكِبِ والصَّواعِقِ، وكَثْرَةِ المَطَرِ. وحَكاه عن ابنِ أبى موسى. وقال أصحابُ الرَّأْى: الصلاةُ لسائِرِ الآياتِ حَسَنَة؛ لأنَّ النبىَّ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ - صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّلَ الكُسُوفَ بأنَّه مِن آياتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ بها عِبادَه، وصَلَّى ابنُ عباسٍ للزَّلْزَلَةِ بالبَصْرَةِ. رَواه سَعِيدٌ (¬1). وقال مالكٌ والشافعىُّ: لا ¬

(¬1) أخرجه البيهقى، في: باب من صلى في الزلزلة بزيادة عدد الركوع والقيام قياسا على صلاة الخسوف. السنن الكبرى 3/ 343. وابن أبى شيبة، في: باب في الصلاة في الزلزلة، من كتاب الصلوات. المصنف 2/ 472.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُصَلِّى لشئٍ مِن الآياتِ سِوَى الكُسُوفِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ لغيرِه ولا خُلَفاؤُه، وقد كان في عَصْرِه بعضُ هذه الآياتِ. ووَجْهُ الصَّلاةِ للزَّلْزَلَةِ فِعْلُ ابنِ عباسٍ، وغيرُها لا يُصَلِّى له؛ لِما ذَكَرْنا. واللَّهُ أعلمُ.

باب صلاة الاستسقاء

بَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ وَإذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ، وَقَحَطَ الْمَطَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ بابُ صَلاةِ الاسْتِسْقاءِ 702 - مسألة: (وإذا أجْدَبَتِ الأرْضُ، وقَحَط المَطَرُ، فَزِع النَّاسُ إلى الصَّلاةِ) صَلاةُ الاسْتِسْقاءِ عندَ الحاجَةِ إليها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها، وكذلك خُلَفاؤُه، فروَى عبدُ اللَّه بِنُ زَيْدٍ، قال: خَرَج النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّهَ إلى القِبْلَةِ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه، وصَلَّى رَكْعَتَيْن جَهَر فيهما بالقِراءَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). وهذا قولُ سَعِيدِ بنِ ¬

(¬1) أخرجه البخارى، في: باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، وباب كيف حول النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- ظهره الى الناس، من كتاب الاستسقاء. صحيح البخارى 2/ 38، 39. ومسلم، بدون ذكر «جهر فيهما بالقراءة»، في: أول كتاب الاستسقاء. صحيح مسلم 2/ 611. كما أخرجه أبو داود، في: أول كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 265. والترمذى، في: باب ما جاء في صلاة الاستسقاء، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 30. والنسائى، في: باب تحويل الإمام ظهره إلى الناس عند الدعاء في الاستسقاء، وباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. المجتبى 3/ 127، 133. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 39، 40، 41.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ المُسَيَّبِ، وداودَ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُسَنُّ صلاةُ الاسْتِسْقاءِ، ولا، الخُروجُ إليها، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَسْقَى على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولم يَخْرُجْ، ولم يُصَلِّ لها. وليس هذا بشئٍ، فإنَّه قد ثَبَت بما روَيْناه مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ. وروَى أبو هُرَيْرَة، أنَّه خَرَج وصَلَّى (¬1). وفِعْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما ذَكَرُوه لا يَمْنَعُ فِعْلَ ما ذَكَرْنا. قال ابن المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صلاةَ الاسْتِسْقاءِ. وهو قولُ عَوامِّ أهلِ العِلْمِ إلَّا أبا حنيفةَ، وخالَفَه صاحِباه واتَّبَعا سائِرَ العُلَماءِ، والسُّنَّةُ يُسْتَغْنَى بها عن كلِّ قولٍ، ولا يَنْبَغِى أن يُعَرَّجَ على ما خالَفَها. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الاستسقاء، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 403، 404. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 326.

703 - مسألة: (وصفتها فى موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد)

وَصِفَتُهَا فِى مَوْضِعِهَا وَأحْكَامِهَا، صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ 703 - مسألة: (وصِفَتُها في مَوْضِعِها وأحْكامِها صِفَةُ صلاةِ العِيدِ) وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ فِعْلُها في المُصَلَّى، كصلاةِ العِيدِ. قالت عائشةُ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَحْطَ المَطَرِ، فأمَرَ بمِنْبَرٍ فوُضِعَ له في المُصَلَّى. رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّ النَّاسَ يَكْثُرُون فكان المُصَلَّى أرْفَقَ بهم. وهى رَكْعَتان عندَ العامِلِين بها، لا نَعْلَمُ بَيْنَهم خِلافًا في ذلك. واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في صِفَتِها، فرُوِىَ أنَّه يُكَبِّرُ فيها سَبْعًا في الأُولَى، وخَمْسًا في الثَّانيةِ، كتَكْبِيرِ العِيدِ. وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وداودَ، والشافعىِّ. وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ في حديثِه: ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن كما يُصَلِّى العِيدَ. رَواه أبو داود (¬2). وروَى الدَّارَقُطْنِىُّ (¬3)، عن ¬

(¬1) في: باب رفع اليدين في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 267. (¬2) في: باب جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 265. كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في صلاة الاستسقاء، من أبواب السفر. عارضة الأحوذى 3/ 31 والنسائى، في: باب الحال التى يستحب للإمام أن يكون علمها إذا خرج، وباب جلوس الإمام على المنبر للاستسقاء، وباب كيف صلاة الاستسقاء، كتاب الاستسقاء. المجتبى 3/ 126، 127، 132. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صلاة الاستسقاء، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 403. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 230، 269، 355. (¬3) في: كتاب الاستسقاء. سنن الدارقطنى 2/ 66.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى كْعَتَيْن، كَبَّرَ في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيراتٍ، وقَرَأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. وقَرَأَ في الثَّانيةِ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. وكَبَّرَ فيها خَمْسَ تَكْبِيراتٍ. وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ، وعُمَرَ، كانوا يُصَلُّون صلاةَ الاسْتِسْقاءِ، يُكَبِّرُون فيها سَبْعًا وخَمْسًا. رَواه الشافعىُّ (¬1). والثانية، أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، كصلاةِ التَّطَوُّعِ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ، قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن. ولم يَذْكرْ أنَّه كَبَّرَ سَبْعًا وخَمْسًا. وروَى أبو هُرَيْرَةَ نَحْوَه (¬2). وظاهِرُه أنَّه لم يُكَبِّرْ، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. ويُسَنُّ أن يَجْهَرَ فِيهما بالقِراءَةِ؛ لِما ذَكَرْنا من حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، وأن يَقْرَأَ فيهما بـ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. لحدِيثَى ابنِ عباسٍ. ¬

(¬1) في: باب صلاة العيدين. ترتيب مسند الشافعى 1/ 157. وأخرجه عبد الرزاق، في: باب الاستسقاء، من كتاب الصلاة. المصنف 3/ 85. (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 410.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فصل: ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ. لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا فيه. وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمًا يَسْتَسْقِى، فصَلَّى بنا رَكْعَتَيْن، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ. رَواه الأثْرَمُ. ولأنَّها نافِلَةٌ، فلم يُؤَذَّنْ لها كسائِرِ النَّوافِلِ. قال أصْحابُنا: ويُنادَى لها: الصلاةَ جامِعَةً. كالعِيدِ وصلاةِ الكُسُوفِ. وليس لها وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أنَّها لا تُفْعَلُ في وَقْتِ النَّهْى بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ وَقْتَها مُتَّسِعٌ، فلا يُخافُ فَوْتُها، والأَوْلَى فِعْلُها في وَقْتِ صلاةِ العِيدِ، لِما روَت عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج حينَ بَدَا حاجبُ الشَّمْسِ. رَواه أبو داودَ (¬1). ولأنَّها تُشْبِهُها في المَوْضِعِ والصِّفَةِ، فكذلك في الوَقْتِ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: الخُرُوجُ إليها عندَ زَوالِ الشَّمْسِ، عندَ جَماعَةِ العُلَماءِ، إلَّا أبا بكرِ ابنَ حَزْمٍ (¬2). وهذا على سَبِيلِ الاخْتِيارِ لا أنَّه يَتَعَيَّنُ فِعْلُها فيه. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 411. (¬2) أبو بكر بن عمد بن عمرو بن حزم الأنصارى المدنى القاضى، ثقة، كثير الحديث، توفى سنة سبع عشرة ومائة. تهذيب التهذيب 12/ 38 - 40.

704 - مسألة: (وإذا أراد الإمام الخروج إليها، وعظ الناس، وأمرهم بالتوبة من المعاصى، والخروج من المظالم، والصيام، والصدقة، وترك التشاحن)

وَإذَا أَرَادَ الإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا، وَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِى، وَالْخُروجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَتَرْكِ التَّشَاحُنَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 704 - مسألة: (وإذا أرادَ الإِمامُ الخُرُوجَ إليها، وَعَظ النَّاسَ، وأمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِن المعاصِى، والخُرُوجِ مِن المَظَالِمِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وتَرْكِ التَّشاحُنِ) لكَوْنِ المعاصِى سَبَبَ الجَدْبِ، والتَّقْوَى سَبَبَ البَرَكاب، قال اللَّهُ تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (¬1). وقال مُجاهِدٌ في قَوْلِه تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (¬2): البَهائِمُ تَلْعَنُ عُصاةَ بَنِى آدَمَ، إذا أمْسَك المَطَرُ. وقال: هذا مِن شُؤْمِ بَنِى آدَمَ. ¬

(¬1) سورة الأعراف 96. (¬2) سورة البقرة 159.

705 - مسألة: (ويعدهم يوما يخرجون فيه)

وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَتَنَظَّفُ لَهَا، وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا، ـــــــــــــــــــــــــــــ 705 - مسألة: (ويَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه) لِما روَت عائشةُ، قالت: شَكَا النَّاسُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُحُوطَ المَطَر، فأمَرَ بمِنْبَرٍ فوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه. رَواه أبو داودَ (¬1). 706 - مسألة: (وَيَتَنَظَّفُ لها) بالغُسْلِ، والسِّواكِ، وإزالَةِ الرّائِحَةِ، قِياسًا على صلاةِ العِيدِ (ولا يَتَطَيَّبُ) لأنَّه يَوْمُ اسْتِكانَةٍ وخُشُوعٍ. 707 - مسألة: (ويَخْرُجُ مُتَواضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا) السُّنَّةُ الخُرُوجُ لصلاةِ الاسْتِسْقاءِ على الصِّفَةِ المذْكُورَةِ، مِن التَّواضُعِ والخُشُوعِ، في ثِيابِ بِذْلَتِه، ولا يَلْبَسُ ثِيابَ زِينَةٍ؛ لأنَّه يَوْمُ تَواضعٍ، ويكونُ مُتَخَشِّعًا في مَشْيِه وجُلُوسِه، مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تعالى، مُتَذَلِّلًا، راغِبًا إليه. قال ابنُ عباسٍ: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- للاسْتِسْقاءِ مُتَذَلِّلًا، مُتَواضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضرِّعًا، حتى أتى المُصَلَّى، فلم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ [والتَّضَرُّعِ] (¬2) والتَّكْبِيرِ، وصَلَّى رَكْعَتَيْن كما كان يُصَلِّى في العِيدِ. قال التِّرْمِذىُّ (¬3): هذا حَدِيثٌ ¬

(¬1) هذه قطعة من حديثها المتقدم. (¬2) سقط من: م. (¬3) تقدم تخريجه في صفحة 411.

708 - مسألة: (و)

وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينَ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ، وَيَجُوزُ خُروجُ الصِّبْيَانِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ. ـــــــــــــــــــــــــــــ حسنٌ صحيحٌ. 708 - مسألة: (و) يَخْرُجُ (معه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيُوخُ) لأنَّه أسْرَعُ للإِجابَةِ. ويُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ لِكافَّةِ النّاسِ، فأمَّا النِّساءُ، فلا بَأْسَ بخُرُوجِ العَجائِزِ منهنَّ، ومَن لا هَيْئةَ لها. وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ. فأمَّا الشَّوابُّ، وذَواتُ الهَيْئَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ لهُنَّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ في خُرُوجِهِنَّ أكْثَرُ مِن النَّفْعِ. ولا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ البَهائِمِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْه. وبه قال أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّ سُلَيمانَ عليه السلامُ خَرَج يَسْتَسْقِى، فرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً وهى تقولُ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ، ليس بنا غِنًى عن رِزْقِك. فقال سُلَيمانُ: ارْجِعُوا فقد سُقِيتُم بدَعْوةِ غيرِكم (¬1). وقال ابنُ عَقِيلٍ، والقاضى: لا بَأْسَ به لذلك. والاقْتِداءُ بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى. 709 - مسألة: (ويَجُوزُ خُبرُوجُ الصِّبْيانِ) كغيرِهم مِن النَّاسِ. (وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ) اخْتارَه القاضى، فقال: خُرُوجُ الشُّيُوخِ ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الاستسقاء، من كتاب الصلاة. المصنف 3/ 95، 96. والدارقطنى، في: كتاب الاستسقاء. سنن الدارقطنى 2/ 66.

710 - مسألة: (وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا، ولم يختلطوا بالمسلمين)

وَإنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا، وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ. ـــــــــــــــــــــــــــــ والصِّبْيانِ أشَدُّ اسْتِحْبابًا مِن الشَّبابِ؛ لأنَّ الصِّبْيانَ لا ذُنُوبَ عليهم. 710 - مسألة: (وإن خَرَج معهم أهْلُ الذِّمَّةِ لم يُمْنَعُوا، ولم يَخْتَلِطُوا بالمسلمين) وجملَةُ ذلك، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ أهْلِ الذِّمَّةِ؛

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فهم بَعِيدُون مِن الإِجابَةِ، وإن أُغِيثَ المسلمون فرُبَّما قالوا: هذا حَصَل بدُعائِنا وإجابَتِنا. وإن خَرَجُوا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لم يُمْنَعُوا؛ لأنَّهم يَطْلُبون أرْزاقَهم مِن رَبِّهم، فلا يُمْنَعُون مِن ذلك. ولا يَبْعُدُ أن يُجِيبَهم اللَّهُ تعالى؛ لأنَّه قد ضَمِن أرْزاقَهم في الدُّنْيا، كما ضَمِن أرْزاقَ المُؤْمِنين. ويُؤْمَرُون بالانْفِرادِ عن المُسْلِمين، لأَنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُصِيبَهم عَذابٌ، فيَعُمَّ مَن حَضَرَهم، فإنَّ عادًا اسْتَسْقَوْا، فأرْسَلَ اللَّهُ عليهم رِيحًا صَرْصَرًا، فأهْلَكَتْهُم. فإن قِيلَ: فيَنْبَغِى أن يُمْنَعُوا الخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المسلمون، لئلَّا يَظُنُّوا أنَّ ما حَصَل مِن السُّقْيا بدُعائِهم. قُلْنا: ولا يُؤْمَنُ أن يَتَّفِقَ نُزولُ الغَيْت يَوْمَ يَخْرُجُونَ وحدَهم، فيكونُ أعْظَمَ لفِتْنَتِهم، ورُبَّما فُتِن بهم غيرُهم.

711 - مسألة: (فيصلى بهم، ثم يخطب خطبة واحدة، يفتتحها بالتكبير، كخطبة العيد)

فَيُصَلِّى بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ 711 - مسألة: (فيُصَلِّى بهم، ثم يَخْطُبُ خُطْبَةً واحِدَةً، يَفْتَتِحُها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ) قد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في مَشرُوعِيَّةِ صلاةِ الاسْتِسْقاء وصِفَتِها. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في خُطْبَةِ الاسْتِسْقاءِ وفى مَوْضِعِها، فرُوِىَ، أنَّه لا يَخْطُبُ، وإنَّما يَدْعُو ويَتَضَرَّعُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، لكنْ لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ. والمَشْهُورُ أن فيها خُطْبَةً بعدَ الصَّلاةِ. قال أبو بكر: اتَّفَقُوا عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّ في صلاةِ الاسْتِسْقاءِ خُطْبَةً، وصُعُودًا على المِنْبَرِ. والصَّحِيحُ أنَّها بعدَ الصَّلاةِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعليه جَماعَةُ الفُقَهاءِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ خَطَبَنا (¬1). لأنَّها صلاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ، فأشْبَهَتْ صلاةَ العِيدَيْن. وفيها رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَخْطُبُ قبلَ الصَّلاةِ. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبانَ بنِ عُثْمان (¬2)، وهِشَامِ بنِ إسماعِيلَ (¬3)، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ. وبه قال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما روَى أنَسٌ، وعائشةُ، أنَّ النبىَّ - رضي اللَّه عنه - خَطَب وصَلَّى (¬4). وعن عبد اللَّهِ بنِ زيدٍ، قال: رَأيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَوْمَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فحَوَّلَ ظَهْرَه إلى النّاسِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثم حَوَّلَ رِداءَه، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، جَهَر فيهما بالقِراءَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (¬5). وفيها رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخَيَّرٌ في الخُطْبَةِ قبلَ ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 410. (¬2) أبو سعيد أبان بن عمان بن عفان الأموى التابعى؛ ثقة من فقهاء المدينة، توفى في خلافة يزيد بن عبد الملك. وكانت وفاة في يد سنة خمس ومائة. تهذيب التهذيب 1/ 97. (¬3) أبو عبد الملك هشام بن إسماعيل الدمشقى العطار، الزاهد القدوة، كان ثقة، توفى سنة سبع عشرة ومائتين. العبر 1/ 372. (¬4) تقدم تخريجه في صفحة 411. (¬5) تقدم تخريجه في صفحة 409.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصَّلاةِ وبعدَها؛ لوُرُودِ الأخْبارِ بكِلا الأمْرَيْن، ودلالَتِها على كِلْتا الصِّفَتَيْن (¬1)، فحُمِلَ على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل الأمْرَيْن. وأيًّا ما فَعَل مِن ذلك فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ على جَمِيِعِ الرِّواياتِ. والأَوْلَى أن يَخْطُبَ بعدَ الصَّلاةِ، كالعِيدِ، وليكونُوا قد فرغُوا مِن الصَّلاةِ، فإن أُجِيبَ دُعاؤُهم وأُغِيثُوا لم يَحْتاجُوِا إلى الصَّلاةِ في المَطَر. وقولُ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم. نفْىٌ لصِفَةِ الخُطْبَةِ لا لأصْلِها؛ بدَلِيلِ قَوْلِه: إنَّما كان جُلُّ خُطْبَتِه الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ والتَّكْبِيرَ. ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ. فصل: والمَشْرُوعُ خُطْبَةٌ واحِدَةٌ، وبهذا قال عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ. وقال مالكٌ والشافعىُّ: يَخْطُبُ كخُطْبَتَى العِيدَيْن؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: صَنَع النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما صَنَع في العِيدِ (¬2). ولأنَّها ¬

(¬1) في م: «الصنفين». (¬2) تقدم تخريجه في صفحة 411.

712 - مسألة: (ويكثر فيها الاستغفار، وقراءة الآيات التى فيها الأمر به)

وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ، وَقِرَاءَةَ الْآياتِ الَّتِى فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ أشْبَهَتْها في صِفَةِ الصَّلاةِ، فكذلك في صِفَةِ الخُطْبَةِ. ولَنا، قولُ ابن عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّكْبيرِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ما فَصَل بينَ ذلك بسُكُوتٍ ولا جُلُوسٍ، ولأنَّ كلَّ مَن نَقَل الخُطْبَةَ لم يَنْقُلْ خُطْبَتَيْن. والصَّحيحُ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ. ولو كان النَّقْلُ كما ذَكَرُوه، فهو مَحْمُولٌ على الصَّلاةِ، بدَلِيلِ أوَّلِ الحَدِيثِ. وإذا صَعِد المِنْبَرَ للْخُطْبَةِ جَلَس، وإن شاء لم يَجْلِسْ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولا ههُنا أذانٌ يَجْلِسُ لفَراغِه. 712 - مسألة: (ويُكْثِرُ فِيها الاسْتِغْفارَ، وقِراءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ به) يُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ في خُطْبَتِه الاسْتِغْفارَ، والصلاةَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقِرْاءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ بالاسْتِغْفارِ، كقَوْلِه تعالى: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} (¬1). وكقولِه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} (¬2). ولأنَّ الاسْتِغْفارَ سَبَبٌ لنُزُولِ الغَيْثِ؛ بدَلِيلَ ما ذَكَرْنا، ¬

(¬1) سورة هود 52. (¬2) سورة نوح 10، 11.

713 - مسألة: (ويرفع يديه، فيدعو بدعاء النبى -صلى الله عليه وسلم-)

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: ـــــــــــــــــــــــــــــ والمعاصِىَ سَبَبٌ لانْقِطاعِ الغَيْثِ، والاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ يَمْحُوان المَعاصِىَ. وقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه خرَج يَسْتَسْقِى، فلم يَزِدْ على الاسْتِغْفارِ، وقال: لقد اسْتَسْقَيْتُ بمجَادِيح السَّماءِ (¬1). 713 - مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه، فيَدْعُو بِدُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الأيْدِى في دُعاء الاسْتِسْقاءِ؛ لِما روَى البخارىُّ (¬2)، عن أنَسٍ، قال: كِان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَرْفَعُ يَديْه في شئٍ مِن دُعائِه، إلَّا الاسْتِسْقاءَ، فإنَّه يَرْفَعُ حتى يُرَى بَياضُ إبطَيْه. وفى حَدِيثِ أنَسٍ أيضًا: فَرَفَعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَيْه. ورَفَع النّاسُ أيْدِيَهُم (¬3). ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ بدُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ¬

(¬1) مجاديح السماء: أنواؤها. وأخرجه البيهقى، في: باب ما يستحب من كثرة الاستغفار في خطبة الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. السنن الكبرى 3/ 351. وعبد الرزاق، في: باب الاستغفار، من كتاب الصلاة. المصنف 3/ 87. (¬2) في: باب رفع الإمام يده في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. صحيح البخارى 2/ 39، 40. كما أخرجه مسلم، في: باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. صحيح مسلم 2/ 612. وأبو داود، في: باب رفع اليدين في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. سنن أبى داود 1/ 266. والنسائى، في: باب كيف يرفع، من كتاب الاستسقاء. المجتبى 3/ 128. وابن ماجه، في: باب من كان لا يرفع يديه في القنوت، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 373. والدارمى، في: باب رفع الأيدى في الاستسقاء، من كتاب الصلاة. سنن الدارمى 1/ 361. (¬3) أخرجه البخارى، في: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، من كتاب الاستسقاء. صحيح البخارى 2/ 39.

«اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عَامًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّماءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا». ـــــــــــــــــــــــــــــ فروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا اسْتَسْقَى، قال: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيعًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنا الغَيْثَ، ولا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لا نَشْكُوهُ إلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أنْبِت لَنَا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَارْفَعْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» (¬1). وروَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اللَّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، ¬

(¬1) عند الإمام الشافعى في الأم 1/ 251. وعن غير ابن عمر في السنن الكبرى للبيهقى 3/ 354 - 356.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ». رَواه أبو داودَ (¬1). قال الخَطّابِىُّ (¬2): مَرِيعًا (¬3) يُرْوَى على وَجْهَيْنِ بالياء والباءِ، فمَن رَواه بالياءِ جَعَلَه مِن المَراعَةِ. يُقالُ: أمْرَعَ المَكانُ. إذا أَخْصَبَ. ومَن رَواه بالباءِ مُرْبِعًا، كان مَعْناه: مُنْبِتًا للرَّبِيعِ. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالتْ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قُحُوطَ المَطَرٍ، فأمَرَ بمِنْبَر فَوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، وخرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ بَدَا حاجِبُ الشَّمْسِ، فقَعَدَ على المِنْبَرِ، فكَبَّرَ، وحَمِدَ اللَّهَ، ثم قال: «إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، واسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِه عَنْكُمْ، فَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أن يَسْتَجيبَ لَكُمْ». ثم قال: «{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُريدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ الْغَنِىُّ، ونَحْنُ الفُقَرَاءُ، أنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ». ثم رَفَع يَدَيْه، فلم يَزَلْ في الرَّفْعَ حتى يُرَى بَياضُ ¬

(¬1) في: باب رفع اليدين في الاستسقاء، من كتاب الصلاة. سنن أبى داود 1/ 266. (¬2) في: معالم السنن 1/ 255. (¬3) في م: «مربعا».

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إبْطَيْه، ثم حَوَّل إلى النّاسِ ظَهْرَه، وقَلَب، أو حَوَّل رِداءَه، وهو رافِعٌ يَدَيْه، ثم أقْبَلَ على النّاسِ، فنَزَلَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن. رَواه أبو داودَ (¬1). وروَى ابنُ قُتَيْبَةَ، بإسْنادِه في «غَرِيبِ الحَدِيثِ» (¬2)، عن أنَسٍ: أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج للاسْتِسْقاءِ، فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ، وكان يَقْرأُ في العِيدَيْن والاسْتِسْقاءِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بفاتِحةِ الكِتاب، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. وفى الرَّكْعَةِ الثَّانيةِ فاتِحَةَ الكِتابَ و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. فلمّا قَضَى صلاتَه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ بوَجْهِه، وقَلَب رِداءَه، ورَفَع يَدَيْه، وكَبَّر تَكبِيرَه قبل أن يَسْتَسْقِىَ، ثم قال: «[اللَّهُمَّ اسْقِنَا وَأَغِثْنَا] (¬3)، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا فُغِيثًا، وَحَيًا رَبِيعًا، وَجَدًا طَبَقًا، غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مُرْبِعًا مُرْتِعًا، سَابِلًا مُسْبِلًا، مُجَلِّلًا دَيْمًا، دَرُورًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجلًا غَيْرَ رَائِثٍ (¬4)؛ اللَّهُمَّ تُحْيِى به البِلَادَ، وَتُغِيثُ به العِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ في أرْضِنَا زِينَتَها، وأنْزِلْ عَلَيْنَا في أرْضِنَا سَكَنَها، اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهورًا، فَأَحْى بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، وَأسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ أنْعَامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا». قال ابنُ قُتَيْبَةَ: المُغِيثُ: المُحْيى بإذْنِ اللَّهِ تعالى. ¬

(¬1) تقدم تخريجه في صفحة 411. (¬2) لم نجده غريب الحديث المطبوع وذكر تفسير كلمة طبق في 1/ 364. (¬3) سقط من: م. (¬4) في م: «آجل».

714 - مسألة: (ويستقبل القبلة فى أثناء الخطبة، ويحول رداءه، ويجعل الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، ويفعل الناس

وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ في أثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ الْأيْمَنَ عَلَى الْأيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الأَيْمَنِ، حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ. ـــــــــــــــــــــــــــــ والحَيا: الذى تَحْيا به الأرْضُ والمالُ. والجَدا: المَطَرُ العامُّ، ومنه أُخِذَ جَدا العَطِيَّةِ، والجَدْوَى مَقْصُورٌ. والطَّبَقُ: الذى يُطَبِّقُ الأرْضَ. والغَدَقُ والمُغْدِقُ: الكَثِيرُ القَطْرِ. والمُونِقُ: المُعْجِبُ. والمَرِيعُ: ذُو المَراعَةِ والخِصْبِ. والمُرْبعُ مِن قَوْلِك: رَبعْتُ بمكانِ كذا: إذا أقَمْتَ فيه. وأرْبعْ على نَفْسِك: أرْفِقْ. والمُرْتِعُ: مِن رَتَعَتِ الإبِلُ، إذا رَعَتْ. والسّابِلُ: مِن السَّبَلِ، وهو المَطَرُ. يقالُ: سَبَلُ السّابِلِ، كما يقالُ: مَطَرٌ ماطِرٌ. والرّائِثُ: البَطِئُ. والسَّكَنُ: القُوَّةُ، لأنَّ الأرْضَ تَسْكُنُ به. 714 - مسألة: (ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ويُحَوِّلُ رِداءَه، ويَجْعَلُ الأيسَرَ على الأيْمَنِ، والأيْمَنَ على الأيْسَرِ، ويَفعَلُ النّاسُ كذلكِ، ويَتْرُكُونَه حَتَّى يَنْزِعُوه مع ثِيابِهم) وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ للخَطِيب اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في أثْناءِ الخُطْبَةِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّه إلى القِبْلَةِ يَدْعُو. رَواه البخارىُّ (¬1). ¬

(¬1) تقدم تخريجه في الصفحة 409.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وفى لفظٍ: فحَوَّلَ إلى النّاسِ ظَهْرَه، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو. ويُسْتَحَبُّ أن يُحَوِّلَ رِداءَه حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لأنَّ في حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه. مُتَّفَقٌ عليه (¬1). ولمُسْلِمٍ: فحَوَلَّ رِداءَه حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ، لأنَّه دُعاءٌ، فلا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّداءِ فيه، كسائِرِ الأدْعِيَةِ. وسُنَّةُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى بالاتِّباعِ. ويُسْتَحَبُّ التَّحْوِيلُ للْمَأْمُومِ (¬2)، في قولِ أكْثَرَ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ،