الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

مقدمة المؤلف

مقدمة المؤلف (الشيخ محمد بن صالح العثيمين) بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يُضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه؛ والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين , وسلم تسليما كثيرا. أما بعدُ: فإن كتاب " زاد المستقنع في اختصار المقنع " - تأليف: أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي - كتاب قليل الألفاظ , كثير المعاني , اختصره من " المقنع " , واقتصر فيه على قولٍ واحدٍ , وهو الراجح من مذهب الإمام أحمد بن حنبل , ولم يخرُج فيه عن المشهور من المذهب عند المتأخرين إلا قليلاً. وقد شُغِفَ به المبتدئون من طلاب العلم على مذهب الحنابلة , وحَفِظَهُ كثير منهم عن ظهر قلب. وكان شيخُنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي " رحمه الله تعالى " , يَحُثنا على حفظه , ويُدرِّسنا فيه. وقد انتفعنا به كثيرا ولله الحمد , وصرنا نُدرِّس الطلبة فيه بالجامع الكبير بعُنيزة , بحلِّ ألفاظه , وتبيين معانيه , وذِكر القول الراجح بدليله أو تعليله , وقد اعتنى به الطلبة وسجَّلوه وكتبوه.

ولما كَثُرَ تداوله بين الناس عبر الأشرطة والمذكرات؛ قام الشيخان الكريمان الدكتور سليمان بن عبد الله أبا الخيل , والدكتور خالد بن علي المشيقح بإخراجه في كتاب سُمِّيَ: " الشرح الممتع على زاد المستقنع " , فخرَّجا أحاديثه , ورقَّما آياته , وعلَّقا عليه ما رأياه مناسباً , وطبعاه الطبعة الأولى , فجزاهما الله خيراً. ولما كان الشرح بالتقرير لا يساوي الشرح بالتحرير؛ من حيث انتقاء الألفاظ؛ وتحرير العبارة؛ واستيعاب الموضوع؛ تَبيَّن أنَّ من الضروري إعادة النظر في الكتاب , وتهذيبه وترتيبه. وقد تمَّ ذلك فعلاً - ولله الحمد -؛ فحذفنا ما لا يُحتاج إليه , وزدنا ما تدعو الحاجة إليه , وأبقينا الباقي على ما كان عليه. وقد كان في مقدمة من قرأه علينا في هذه الطبعة الدكتور خالد بن علي المشيقح , جزاه الله خيراً. والله أسأل؛ أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه , موافقاً لمرضاته , وأن ينفع به عباده , إنه سميعٌ قريبٌ , وصلى الله وسلم على نبينا محمد؛ وعلى آله وأصحابه؛ والتَّابعين لهم بإحسان. المؤلف محمد الصالح العثيمين 4/ 6 / 1420 هـ

شرح مقدمة الزاد

شرح مقدمة الزاد قال المؤلف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم قوله: «بسم الله»، الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف فعلٍ مؤخَّرٍ مناسبٍ للمقام، فعندما تريد أن تقرأ تقدِّر: بسم الله أقرأُ، وعندما تريد أن تتوضَّأ تقدِّر: بسم الله أتوضَّأُ، وعندما تريد أن تذبحَ تقدِّر: بسم الله أذبحُ، وإنما قَدَّرناه فعلاً، لأن الأصلَ في العمل للأفعال، وقدَّرناه مؤخَّراً لفائدتين: الأولى: التبرُّكُ بالبَداءة باسم الله سبحانه وتعالى. الثانية: إفادةُ الحصر؛ لأن تقديم المتعلِّق يُفيد الحصر. وقدّرناه مناسباً؛ لأنه أدلُّ على المُراد، فلو قلت مثلاً ـ عندما تريد أن تقرأَ كتاباً ـ: بسم الله أبتدئُ ما يُدْرَى بماذا تبتدئُ؟ لكن: بسم الله أقرأ، يكون أدلَّ على المراد الذي ابتدئ به. قوله: «الله»، هو عَلَمٌ على الباري جلَّ وعلا، وهو الاسم الذي تَتْبَعُه جميعُ الأسماء، حتى إِنه في قوله تعالى: {كِتابٌ أنزلناهُ إِليكَ لتُخرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلماتِ إِلى النُّور بإِذنِ رَبهم إِلى صِراطِ العزِيزِ الحميدِ * اللَّهِ الذي لهُ ما في السَّماواتِ وما في الأَرضِ} [إبراهيم: 1، 2]، لا نقولُ: إِن لفظ الجلالة «الله» صفة، بل نقول: هو عطف بيان؛ لئلا يكون لفظُ الجلالة تابعاً. قوله: «الرحمن»، من أسماء الله المختصَّة به، لا يُطلقُ على غيره، و «الرَّحْمن» معناه: المتَّصف بالرَّحمةِ الواسعةِ. قوله: «الرَّحيم»، المُراد به ذو الرحمةِ الواصلةِ. وإِذا جُمِعَا ـ الرَّحمن الرَّحيم ـ صار المُراد بالرَّحيم: الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده، كما قال تعالى: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ *} [العنكبوت]، فهو ملحوظٌ فيه الفعل.

إن الحمد لله

وأما الرَّحمن: فهو الموصوف بالرَّحمة الواسعة؛ فهو ملحوظٌ فيه الصِّفةُ. وابتدأَ المؤلِّفُ كتابَه بالبسملة اقتداءً بكتاب الله عزّ وجل، فإِنه مبدوءٌ بالبسملة، واقتداءً بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنه كان يبدأ كُتُبَه بالبسملة (¬1). إِنَّ الحمدَ لله ................. قوله: «الحمدُ لله»، جملةٌ اسميَّةٌ مكوَّنةٌ من مبتدأ وخبر. والحمدُ: وصفُ المحمود بالكمال؛ سواءٌ كان ذلك كمالاً بالعَظَمة؛ أو كمالاً بالإحسان والنِّعمة. واللَّهُ تعالى محمودٌ على أوصافه كلِّها وأفعاله كلِّها. واللام في قوله: «لله»، قال أهل العلم: إنها للاختصاص والاستحقاق. فالمستحقُّ للحمد المطلق هو الله، والمختصُّ به هو الله، ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أصابته السَّرَّاءُ قال: «الحمدُ لله الذي بنعَمِه تَتمُّ الصَّالحاتُ»، وإن أصابته الضَّرَّاءُ قال: «الحمدُ لله على كُلِّ حالٍ» (¬2). ¬

_ (¬1) مثال ذلك ما جاء في الحديث بلفظ: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إِلى هِرَقل عظيم الروم ... » الحديث. رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، رقم (7)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير: باب كتاب النبي صلّى الله عليه وسلّم إِلى هِرَقل، رقم (1773) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان. (¬2) رواه ابن ماجه، كتاب الأدب: باب فضل الحامدين، رقم (3803)، والطبراني في «الدعاء»، رقم (1769)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة»، رقم (378)، والحاكم (1/ 499) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن منصور بن عبد الرحمن، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة به. وهذا إِسناد ضعيف. زهير بن محمد ثقة؛ إِلا أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة؛ والراوي عنه الوليد بن مسلم دمشقي. أضف إِلى ذلك أن الوليد كثير التدليس والتسوية وقد عنعن. إِلا أن للحديث شواهد ـ يتقوَّى بها ـ من حديث ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وغيرهم. انظر: «الأسماء والصفات» للبيهقي، رقم (150)، و «الدعاء» للطبراني، رقم (1770)، و «تاريخ بغداد» (3/ 131)، و «مسند البزار»، رقم (533)، و «شرح السنة» للبغوي، رقم (1380)، و «الحلية» لأبي نعيم (3/ 157).

حمدا لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد

أما غيرُ اللَّهِ فيُحمَدُ على أشياءَ خاصَّة؛ ليس على كُلِّ حالٍ. وأيضاً: هي للاختصاص، فالذي يَختصُّ بالحمد المطلق الكامل هو الله، فهو المستحقُّ له المختصُّ به. حَمْداً لا يَنْفَدُ، أفضَلَ مَا يَنْبغِي أن يُحْمَدَ، .......... قوله: «حمداً لا ينفد»، «حمداً» مصدر، والعامل فيه المصدر قبله، فهو مصدرٌ معمولٌ لمصدر. والمصدر المحلَّى بأل يعمل مطلقاً، و «حمداً» مصدرٌ مؤكِّدٌ لعامله؛ لأنه إذا جاء المصدر بلفظ الفعل أو معناه فهو مؤكِّدٌ؛ كقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]. ومع كونه مؤكِّداً وُصِفَ بقوله: «لا يَنفَدُ». فيكون أيضاً بصفته مبيِّناً لنوع الحمد؛ وأنَّه حمدٌ لا ينفَدُ، بل هو دائم، والربُّ عزّ وجل مُستحِقٌّ للحمد الدي لا ينفَد، لأن كمالاته لا تنفد، فكذلك الحمد ـ الذي هو وصفه بالكمالات ـ لا ينفَد. وليس المعنى: لا ينفَدُ منِّي قولاً، لأنَّه ينفَد منه بموته، أو بتشاغله، بغيره، ولكن المعنى: أن اللَّه مُستحِقٌّ للحمد الذي لا ينفَدُ باعتبار ذلك منسوباً إِليه؛ فهو لا ينفَدُ. قوله: «أَفْضَلَ ما يَنْبَغِي أنْ يُحمدَ»، صفةٌ لحمد،

وصلى الله وسلم

فيكون المؤلِّفُ رحمه الله وصفَ الحمدَ بوصفين: الأول: الاستمرارية بقوله: «لا ينفَدُ». الثاني: كمالُ النَّوعيَّة بقوله: «أفضل ما ينبغي أن يُحمَد»، أي: أفضل حَمْدٍ يَستحقُّ أن يُحمدَهُ. وعلى هذا تكون «ما» نكرة موصوفة، يعني: أفضل حمدٍ ينبغي أن يُحمَده. وَصَلَّى الله وسَلَّمَ ............... قوله: «وصلَّى الله وسلَّمَ»، لما أثنى على الله عزّ وجل بما ينبغي أن يُثْنَى عليه، ثَنَّى بالصَّلاة والسَّلام على أفضل الخلق. قال بعضُ العلماء: الصَّلاةُ من الله: الرَّحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدُّعاء (¬1). والصَّواب ما قاله أبو العالية: «إنَّ الصَّلاة من الله ثناؤه على المُصَلَّى عليه في الملأ الأعلى» (¬2)، أي: عند الملائكة المقرَّبين، وهذا أخصُّ من الرَّحمة المطلقة. وعلى هذا، فمعنى «صلَّى الله على محمَّدٍ»، أي: أثنى عليه في الملأ الأعلى. وهذه جملة خبرية لفظاً، إنشائية ¬

_ (¬1) انظر: «جلاء الأفهام» ص (256 ـ 276). (¬2) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب التفسير: باب «إِن الله وملائكته يُصَلُّون على النبي»، رقم (4797).

على أفضل المصطفين

معنى؛ لأنه ليس المراد أنِّي أُخبرُ بأن الله صلَّى؛ ولكنَّني أدعو الله عزّ وجل أن يُصلِّيَ، فهي بمعنى الدُّعاء، والدُّعاءُ إِنشاءٌ. وقوله: «وسلَّم»، وهذه أيضاً جملةٌ خبريةٌ لفظاً، إِنشائيَّةٌ معنى، أي: أدعو الله تعالى بأن يُسَلِّمَ على محمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم. والسَّلامُ: هو السَّلامةُ من النقائص والآفات. فإِذا ضُمَّ السَّلامُ إلى الصَّلاةِ حَصَلَ به المطلوبُ، وزال به المرهوبُ، فَبالسَّلامِ يزولُ المرهوبُ وتنتفي النقائصُ، وبالصَّلاة يحصُلُ المطلوبُ وتَثْبُتُ الكمالاتُ. على أفضلِ المُصْطَفَيْنَ ................ قوله: «المُصْطَفَيْن»، بضمِّ الميم وفتح الفاء، أصله «المصتفين» بالتَّاء من الصفوة؛ وهي خُلاصة الشَّيء. والمصطفَوْنَ من الرُّسل: أولو العزم من الرُّسل. وهم مَذْكُورون في القرآن الكريم في موضعين: في سورة الأحزاب: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الآية: 7]، وفي الشُّورى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى الآية: 13]. فهؤلاء الخمسة هم أولو العزم، ومحمَّدٌ صلّى الله عليه وسلّم أفضلهم. ويدلُّ على ذلك أنَّه خاتمهم (¬1)، وإمامُهم ليلة المعراج (¬2)؛ ولا يُقَدَّم إلا الأفضل، وصاحبُ الشَّفاعةِ العُظمى (¬3)، وهناك أشياء ¬

_ (¬1) وروى البخاري، كتاب المناقب: باب خاتم النبيين، رقم (3535)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب ذكر كونه خاتم النبيين، رقم (2286) بلفظ: «وأنا خاتم النبيين». (¬2) رواه أحمد (1/ 257) من حديث ابن عباس. قال ابن كثير: «إِسناده صحيح ولم يخرِّجوه». التفسير (5/ 26) (الإِسراء: 1). وله شاهد من حديث أنس بن مالك رواه النسائي، كتاب الصلاة: باب فرض الصلاة، (1/ 221) رقم (449). (¬3) حديث الشفاعة العُظمى رواه البخاري، كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار، رقم (6565)، وفي كتاب التفسير: باب {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}، رقم (4712)، ومسلم كتاب الإِيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة رقم (193، 194).

محمد، وعلى آله

أخرى تدلُّ على أنَّه أفضلُهم لكن هذه أمثلة. محمَّدٍ، وعلى آلِهِ، ................... قوله: «محمد»، عطفُ بيان؛ لأن أفضل المُصطَفَيْن لا يُعرف من هو، فإِذا قيل: «محمَّد» صار عطف بيان بَيَّنَ مَنْ هذا الأفضل. وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم القُرشي؛ كما قال عن نفسه: «إن الله اصطفى من بني إسماعيل كِنانة، واصطفى من كِنانة قريشاً، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خِيارٌ من خِيارٍ» (¬1). قوله: «وعلى آله»، إذا ذُكِر «الآل» وحده فالمرادُ جميعُ أتباعه على دينه، ويدخلُ بالأولويَّة مَنْ على دينه من قرابته؛ لأنهم آلٌ من وجهين: من جهة الاتِّباع، ومن جهة القَرابة، وأما إِذا ذُكِرَ معه غيرُه فإِنَّه يكون المرادُ بحسب السِّياق، وهنا ذُكِرَ الآلُ والأصحابُ ومن تعبَّد، فنفسِّرُها بأنهم المؤمنون من قرابته؛ مثل ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الفضائل: باب فضل نسب النبي صلّى الله عليه وسلّم رقم (2276) إِلى قوله: «واصطفاني من بني هاشم»، من حديث واثلة بن الأسقع. وأما قوله: «فأنا خيار من خيار»، فرواه الطبراني في «الكبير» (12/رقم 13650)، وفي «الأوسط» رقم (6182) عن ابن عمر. قال الهيثمي: «فيه حمَّاد بن واقد وهو ضعيف يُعتبر به». «المجمع» (8/ 215). قال ابن حجر: «هذا حديث حسن ... وحماد بن واقد لم ينفرد به، فقد رواه معه عبد الله بن بكر السهمي، وهو من رجال الصحيحين. وأما شيخهما محمد بن ذكوان فمختلف فيه، فحديثه حسن في الجُملة». «الأمالي المطلقة» لابن حجر ص (68).

وأصحابه، ومن تعبد

عليِّ بن أبي طالب، وفاطمة، وابن عبَّاس، وحمزة، والعبَّاس، وغيرهم. وأصْحَابِهِ، وَمَنْ تَعَبَّدَ .................. قوله: «وأصحابِه»، جمع صَحْب، وصَحْبٌ اسم جمعِ صاحبٍ، فأصحابه: كُلُّ من اجتمع به مؤمناً به، ومات على ذلك، ولو لم يَرَهُ ولو لم تَطُل الصُّحبةُ. وهذا من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم، أما غيرُه من النَّاس فلا يكون صاحباً له إلا من لازمه مُدَّةً يَستحِقُّ بها أن ينطبق عليه وصفُ صاحب. قوله: «ومن تعبَّد»، مَنْ: اسم موصول، وهي للعموم. وقوله: «تعبَّد»، أي: تعبَّد لله؛ وتذلَّل له بالعبادة والطَّاعة. والعبادة مبنيَّة على أمرين: 1 - الحُبّ. 2 - والتَّعظيم. فبالحبِّ يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، وبالتَّعظيم يكون الهرب من الوقوع في معصيته؛ لأنك تعظِّمه فتخافه، وتحبّه فتطلبه. وأما شرطا قَبولها فهما: الإِخلاصُ لله، والمتابعةُ لرسوله. وكلمة «من تعبّد» عامة في كل من تعبَّد لله من هذه الأمَّة، ومن غيرها؛ ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في قولنا: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين: «إنكم إذا قلتم ذلك فقد سلَّمتم على كُلِّ عبدٍ

أما بعد

صالحٍ في السَّماء والأرض» (¬1) حتى الملائكة، وصالحو الجنِّ وأتباع الأنبياء السابقين يدخلون في هذا. وهل يدخل فيها أصحابُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وآله المؤمنون؟ هذا مبنيٌّ على الخلاف بين العلماء، هل إِذا عطفنا العامَّ على الخاصِّ يكون الخاصُّ داخلاً في العام، أو خارجاً بالتَّخصيص؟ في هذا قولان: فمنهم من يقول: إنه داخل فيه؛ لأن العموم يشمله. ومنهم من يقول: إِنَّ ذكره بخاصَّته يدلُّ على أنه غير مراد (¬2). وهذا الخلاف قد يترتَّبُ عليه بعضُ المسائل، لكن من قال: إنه يدخل في العموم قال: إن الخاصَّ يكون مذكوراً مرَّتين: مرَّة بالخصوص، ومرَّة بالعموم. أمَّا بَعْدُ: ................ قوله: «أما بعد»، هذه كلمة يُؤتى بها عند الدُّخول في الموضوع الذي يُقْصَدُ. وأما قول بعضهم: إنها كلمة يُؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر (¬3)، فهذا غيرُ صحيح، لأنه ينتقلُ العلماءُ دائماً من أسلوب إلى آخر، ولا يأتون بأمَّا بعدُ. وأما إعرابها فنقول: «أما» نائبة عن شرط وفعلِ الشَّرط، والتَّقدير: مهما يكن من شيءٍ بعد ذلك فهذا مختصرٌ، فيكون ¬

_ (¬1) رواه البخاري كتاب الاستئذان: باب السلام اسم من أسماء الله، رقم (6230)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب التشهد في الصلاة، رقم (402) بمعناه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 188 ـ 191)، «جلاء الأفهام» ص (338). (¬3) انظر: «الروض المربع» (1/ 10).

فهذا مختصر في الفقه

«أما» بمعنى مهما يكن من شيء، و «بعدُ» ظرف متعلِّق بـ «يكن» المحذوفة مع شرطها؛ مبني على الضمِّ في محلِّ نصبٍ، لأنه حُذف المضافُ إليه، ونُوِيَ معناه، وهذه الظُّروف ـ بعدُ وأخواتها ـ إِذا حُذف المضاف إليه ونُويَ معناه بُنيت على الضمِّ؛ كما في قوله تعالى: {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4]. فهذا مخْتَصَرٌ فِي الفقهِ، .............. قوله: «مختصرٌ»، مُفْتَعَلٌ فهو اسم مفعول. والمختصر: قال العلماء: هو ما قلَّ لفظُه وكثُرَ معناه (¬1). قوله: «في الفقه»، الفقة لغةً: الفهم، ومنه قوله تعالى: {وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]. وقوله: {قَالُوا ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود: 91]. بمعنى لا نفهم. وفي الشَّرع: معرفة أحكام الله العَقَديَّة والعَمَليَّة. فالفقه في الشَّرع ليس خاصاً بأفعال المكلَّفين، أو بالأحكام العمليَّة، بل يشمل حتى الأحكام العَقَديَّة، حتى إن بعضَ أهل العلم يقولون: إِن عِلمَ العقيدة هو الفقهُ الأكبرُ (¬2). وهذا حَقٌّ، لأنك لا تتعبَّد للمعبود إلا بعد معرفة توحيده بربوبيّته وألوهيّتِه وأسمائه وصفاته، وإلا فكيف تتعبَّد لمجهول؟! ولذلك كان الأساسُ الأولُ هو التَّوحيدَ، وحُقَّ أن يُسمَّى بالفقه الأكبر. لكنَّ مرادَ المؤلِّف هنا: الفقه الاصطلاحي وهو: معرفة الأحكام العمليَّة بأدلتها التفصيلِيَّة. ¬

_ (¬1) انظر: «الروض المربع» (1/ 10)، «المصباح المنير» (1/ 170). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 307).

شرح التَّعريف: قولنا: «معرفة» ولم نقل: علم؛ لأن الفقه إما علمٌ وإما ظنٌّ. وليس كلُّ مسائل الفقه علميَّة قطعاً، ففيه كثيرٌ من المسائل الظنِّيَّة، وهذا كثيرٌ في المسائل الاجتهادية التي لا يصلُ فيها الإِنسان إلى درجة اليقين، لكن لا يُكلِّفُ اللَّهُ نفساً إلا وسعها. فقولنا: «معرفةُ» لأجل أن يتناول العلم والظنَّ. وقولنا: «العمليَّة» احترازاً من الأحكام العَقَديَّة، فلا تدخل في اسم الفقه في الاصطلاح، وإن كانت تدخل في الشرع. وقولنا: «بأدلتها التفصيليَّة» احترازاً من أصول الفقه، لأن البحث في أصول الفقه في أدلة الفقه الإجمالية، وربما تأتي بمسألة تفصيليَّة للتمثيل فقط. وعُلِمَ من قولنا: «بأدلَّتها» أن المقلِّدَ ليس فقيهاً؛ لأنه لا يعرف الأحكام بأدلَّتها، غايةُ ما هنالك أن يكرِّرَها كما في الكتاب فقط. وقد نقل ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على ذلك (¬1). وبهذا نعرف أهميَّة معرفة الدَّليل، وأن طالب العلم يجب عليه أن يتلقَّى المسائل بدلائلها، وهذا هو الذي يُنجيه عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سيقول له يوم القيامة: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65]، ولن يقول: ماذا أجبتم المؤلِّفَ الفلاني، ¬

_ (¬1) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» ص (449، 452).

من مقنع الإمام

فإذاً لا بُدَّ أن نعرفَ ماذا قالت الرُّسل لنعمل به. ولكن التَّقليد عند الضَّرورة جائزٌ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، فإِذا كُنَّا لا نستطيع أن نعرف الحقَّ بدليله فلا بُدَّ أن نسأل؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التَّقليد بمنزلة أكل الميتة، فإذا استطاع أن يستخرج الدَّليلَ بنفسه فلا يحلُّ له التقليد (¬1). من مُقْنعِ الإِمامِ .................. قوله: «من مُقْنِعِ»، جار ومجرور، صفة لمختصر. و «مُقْنِع» اسم كتاب للموفّق رحمه الله، مؤلف «زاد المستقنع». قوله: «الإمام»، هذا من باب التَّساهل بعض الشيءِ، لأن الموفَّق ليس كالإِمام أحمد، أو الشَّافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، لكنه إِمام مقيَّد، له مَنْ يَنْصُرُ أقوالَه ويأخذُ بها، فيكون إِماماً بهذا الاعتبار، أما الإِمامةُ التي مثل إِمامة الإِمام أحمد ومَنْ أشْبَهَهُ فإِنَّه لم يصلْ إلى دَرجتها. وقد كَثُر في الوقت الأخير إطلاق الإمام عند النَّاس؛ حتى إِنه يكون الملقَّب بها من أدنى أهل العلم، وهذا أمرٌ لو كان لا يتعدَّى اللفظَ لكان هيِّناً، لكنه يتعدَّى إلى المعنى؛ لأنَّ الإِنسان إِذا رأى هذا يُوصفُ بالإِمام تكون أقوالُه عنده قدوة؛ مع أنَّه لا يستحِقُّ. وهذا كقولهم الآن لكل مَنْ قُتِلَ في معركة: إِنَّه شهيد. وهذا حرام، فلا يجوز أن يُشْهَدَ لكل شخصٍ بعينه بالشَّهادة، وقد بَوَّبَ البخاريُّ رحمه الله على هذه المسألة بقوله: (بابٌ: ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 203، 204).

الموفق أبي محمد

لا يقول: فلانٌ شهيدٌ، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «واللَّهُ أعلمُ بمن يُجاهدُ في سبيله، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله») (¬1). وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن ذلك (¬2). نعم يقال: من قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قُتِل بهدمٍ، أو غرق فهو شهيد، لكن لا يُشْهَدُ لرَجُلٍ بعينه. ولو أنَّنَا سوَّغنا لأنفسنا هذا الأمر؛ لساغَ لنا أن نشهد للرَّجُلِ المعيَّن الذي مات على الإِيمان أنَّه في الجنَّة؛ لأنَّه مؤمنٌ، وهذا لا يجوز. المُوَفَّق أبي مُحَمَّد ................... قوله: «الموفَّق أبي محمَّد»، الموفَّق: اسم مفعول، وهو لقب لهذا الرَّجل العالم رحمه الله (¬3). «والمقنع»: كتابٌ متوسِّطٌ يذكر فيه مؤلِّفُه القولين، والرِّوايتين، والوجهين، والاحتمالين في المذهب، ولكن بدون ذِكْرِ الأدلَّة أو التَّعليل إِلا نادراً. وله كتاب فوقه اسمه «الكافي» يذكر القولين، أو الرِّوايتين، أو الوجهين في المذهب، أو الاحتمالين، ولكنه يذكر الدَّليل والتَّعليل، إِلا أنَّه لا يخرج عن مذهب أحمد. ¬

_ (¬1) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب الجهاد والسير: باب لا يقول فلان شهيد، رقم (2898). (¬2) رواه أحمد (1/ 48)، والنسائي، كتاب النكاح: باب القسط في الأصدقة، (6/ 119)، رقم (3349). قال الحافظ ابن حجر: «هو حديث حسن». «الفتح» شرح حديث رقم (2898). (¬3) انظر ترجمته في: «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 133).

على قول واحد، وهو الراجح

وله كتاب فوق ذلك هو «المغني»، فقه مُقَارَنٌ يذكر القولين، والرِّوايتين عن الإِمام أحمد وغيره من علماء السَّلف والخلف. وله كتاب «العُمدة في الفقه» وهو مختصر على قول واحد، لكنه يذكر الأدلة مع الأحكام. ولذا قيل: وفي عصرنا كان الموفَّقُ حُجَّةً ... على فقهه الثَّبت الأصول معوَّل كفى الخلق بالكافي، وأقنع طالباً ... بمقنع فقه عن كتاب مطوَّل وأغنى بمغني الفقه مَنْ كان باحثاً ... وعمدته من يعتمدها يحصِّل وروضته ذات الأصول كروضة ... أماست بها الأزهار أنفاس شمأل تدلُّ على المنطوق أقوى دلالة ... وتحمل في المفهوم أحسن محمل وذلك مما قاله الأديب يحيى بن يوسف الصَّرصري من قصيدة طويلة يُثني بها على الله عزّ وجل ويمدح النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم، ويذكر جماعة من التَّابعين وتابعيهم، ويَذكر الإِمام أحمد وجماعةً من أصحابه رحمهم الله تعالى (¬1). وقد تُوفِّيَ الموفَّق؛ عبد الله بن أحمد بن قُدامة المقدسي سنة (620هـ). على قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو الرَّاجِحُ ................... قوله: «على قولٍ واحد»، بمعنى أنه لا يأتي بأكثرَ من قولٍ لأجل الاختصار؛ وعدم تشتيت ذهن الطَّالب. قوله: «وهو الرَّاجح»، يعني: الرَّاجح من القولين، وقد لا يكون في المسألة إلا قولٌ واحد. ¬

_ (¬1) انظر: «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 141).

في مذهب أحمد

في مَذْهَب أحْمَد. قوله: «في مذهب أحمد»، المذهب في اللُّغَةِ: اسم لمكان الذَّهاب، أو زمانه، أو الذَّهاب نفسِه. وفي الاصطلاح: مذهب الشَّخص: ما قاله المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلاً به، فلو تغيَّر قولُه فمذهبه الأخير. وقولنا: ما قاله المجتهدُ. خرج به ما قاله المقلِّدُ؛ لأن المقلِّدَ لا مذهبَ له، وليس عنده علم، وقد تقدَّم حكايةُ ابنِ عبد البَرِّ الإِجماعَ على أنَّ المقلِّد ليس عالماً (¬1)، ولهذا قال ابنُ القيم رحمه الله في النونيَّة: العلم معرفةُ الهدى بدليله ... ما ذاك والتقليدُ يستويان (¬2) وأحمد: هو ابن حَنْبَل الشيباني، إِمام أهل السُّنَّة والفقه والحديث. فهو إِمام أهل السُّنَّة في العقائد والتَّوحيد، وإمام أهل الفقه في المسائل الفقهية، وإِمام أهل الحديث في روايته ونقد رجاله. وقد جرى عليه من المِحَنِ في ذات الله عزّ وجل، ما نرجو له به رِفْعَةَ الدَّرجات، وتكفير السَّيئات، ولم يصمُدْ أمام المأمون وأعوانه من المُحَرِّفين لكلام الله إِلا هو ونفرٌ قليل؛ ولكنَّه رحمه الله أشدُّهم وأوثقهم عند العامَّة؛ ولهذا كان النَّاس ينتظرون ما يقول أحمد في خلق القرآن، إلا أنَّه جزم بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، حتى إِنهم كانوا يضربونه بالسِّياط فيُغشى عليه، ويجرُّونه في الأسواق، فأثابه الله بأن جعله إماماً {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ *} [السجدة]. واعلمْ أن قول العلماء: مذهب فلان، يُراد به أمران: ¬

_ (¬1) انظر: ص (16). (¬2) انظر: «القصيدة النونية» ص (77).

وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع، وزدت ما على مثله يعتمد؛

الأول: المذهب الشَّخصي. الثاني: المذهب الاصطلاحي. والغالب عند المتأخِّرين إذا قالوا: هذا مذهب الشَّافعي، أو أحمد، أو ما أشبه ذلك، فالمراد المذهب الاصطلاحي، حتى إِنَّ الإِمام نفسَه قد يقول بخلاف ما يُسمَّى بمذهبه، ولكنهم يجعلون مذهبه ما اصطلحوا عليه. ومُراد المؤلِّف هنا بمذهب أحمد: المذهب الاصطلاحي. ورُبَّما حَذَفْتُ مِنْهُ مَسَائِلَ نَادِرَةَ الوقُوعِ، وزِدْتُ مَا على مِثْلِه يُعتَمد؛ .............. قوله: «وربما حَذفتُ منه مسائلَ»، منه: الضَّميرُ عائدٌ على «المقنع». والمسائل: جمع مسألة، والمسألة ما يُستدلُّ له في العلم؛ ولهذا قالوا: العلم دلائل ومسائل. والدلائل سمعية: إِن كانت نصاً من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، أو عقليَّة: إن كانت قياساً. قوله: «نادرةَ الوقوعِ»، يعني: قليلة الوقوع؛ لأن المسائل النادرة لا ينبغي للإنسان أن يشغل بها نفسه. قوله: «وزدتُ ما على مثله يُعتَمد»، «ما» اسم موصول بمعنى الذي، صلتها قوله: «يعتمد»، و «على مثله» متعلِّق بـ «يعتمد»، والمعنى: زدت من المسائل أشياء مهمة يُعتمد عليها. إذاً؛ هذا الكتاب اشتمل على ثلاثة أمور: الأول: الاقتصار على قول واحد. الثاني: حذف المسائل النادرة.

إذ الهمم قد قصرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت

الثالث: زيادة ما يُعتمد عليه من المسائل. إِذ الهِمَمُ قَد قَصُرَتُ، والأسباب المثبِّطَة عن نيل المُرادِ قد كَثُرَتْ. قوله: «إِذ الهِمَمُ قد قَصُرَتْ»، إذ: حرف تعليل، والهمم مبتدأ، وجملة «قد قصرت» خبره. والهمم: جمع همَّة وهي الإِرادة الجازمة، وقد يُراد بالهمَّة ما دون الإرادة الجازمة، وهي شاملة لهذا وهذا. والجملة تعليلٌ لقوله: «مختصر»، و «حَذفتُ». قوله: «والأسباب المثبِّطةُ عن نيل المراد قد كَثُرت»، مع قصور الهمم هناك صوارف، ولهذا قال: «والأسباب ... إلخ». الأسباب: جمع سبب، وهو في اللغة: ما يُتَوَصَّلُ به إلى المطلوبِ، وهو المراد هنا. قوله: «المثبِّطة» بمعنى المفتِّرة للهمم. قوله: «قد كثُرت»، ولكن مع الاستعانة بالله عزّ وجل وبذل المجهود يحصُل المقصود. وليُعلَمْ أنه كلَّما قَويَ الصَّارف، فإِن الطَّالب في جهاد، وأنه كلَّما قوِيَ الصَّارف ودافعه الإِنسان فإِنه ينال بذلك أجرين: أجر العمل، وأجر دفع المقاوم؛ ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن أيام الصَّبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصَّحابة» (¬1). ¬

_ (¬1) رواه أبو داود، كتاب الملاحم: باب الأمر والنهي، رقم (4341)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن: باب (ومن سورة المائدة)، رقم (3058) وقال: «حسن غريب»، وابن ماجه، كتاب الفتن: باب قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} بمعناه من حديث أبي ثعلبة الخشني، وإِسناده ضعيف. إِلا أن له شاهداً من حديث ابن مسعود يتقوَّى به، رواه البزار رقم (1776)، والطبراني في «الكبير» رقم (10394)، قال الهيثمي: «ورجال البزار رجال الصحيح غير سهل بن عامر البجلي وثقة ابن حبان»، المجمع (7/ 282).

ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل، ولا حول ولا قوة إلا بالله

لأن هناك أسباباً مثبِّطة كثيرة، ولكن إِذا أَعْرَضْتَ فهذه المصيبة. والذُّنوب من أكبر العوائق. قال الله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49]. وهذا دليل على أنَّ تولِّي الإِنسان عن الذِّكر سببه الذُّنوب، ولكن مع الاستغفار وصدق النيَّة يُيسِّر الله الأمر. واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا *وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *} [النساء]، أنَّه ينبغي للإِنسان إذا نزلت به حادثةٌ، سواءٌ إِفتاء أو حكم قضائيٌّ، أن يُكْثِرَ من الاستغفار (¬1)؛ لأنَّ الله قال: {لِتَحْكُمَ} ثم قال: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} وهذا ليس ببعيد؛ لأنَّ الذُّنوب تمنع من رؤية الحقِّ، قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *} [المطففين]. ومعَ صغَر حجمه حَوَى ما يُغْني عن التَّطوِيلِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، ........... قوله: «ومع صغر حجمه حَوى ما يُغني عن التَّطويل»، حوى: جَمَعَ، وهو أجمع من كتاب الشيخ مرعي رحمه الله «دليل الطَّالب»، و «دليل الطَّالب» أحسن من هذا ترتيباً؛ لأنه يذكر الشُّروط، والأركان، والواجبات، والمستحبَّات، على وجه مفصَّل. قوله: «ولا حول ولا قُوَّة إلا بالله»، لا: نافية للجنس، والحَوْلُ: التَّحوُّل وتَغيُّر الشيء عن وجهه. ¬

_ (¬1) انظر: «إِعلام الموقعين» (4/ 172).

وهو حسبنا، ونعم الوكيل

والقوَّة: صفة يستطيع بها القويُّ أن يفعل بدون ضعف. قوله: «إلا بالله»، الباء للاستعانة. فكأن المؤلِّف استعان بالله تعالى أن يُيَسِّرَ له الأمر. وهو حَسبُنَا، ونِعْمَ الْوَكِيلُ. قوله: «وهو حسبنا»، الضَّمير «هو» عائدٌ إلى الله، والحَسْبُ بمعنى الكافي، وكلُّ من توكَّلَ على الله فهو حَسْبُه، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، ومن لا يتوكَّل عليه فليس الله حَسْبَه، بل هو موكول إلى من توكَّل عليه. قوله: «ونِعْمَ الوكيل»، الوكيل: فاعل، وقال النَّحْويُّون: إن «نِعْم» يحتاج إلى فاعل ومخصوص. والمخصوص هنا محذوفٌ والتَّقدير: نِعْمَ الوكيل الله. والوكيل: هو الذي فُوِّضَ إليه الأمر. فيكون تفويضنا الأمر إلى الله تفويضَ افتقار وحاجة؛ لأنه هو الذي منه الإعداد والإِمداد، كما أنَّه هو الذي منه الإِيجاد. ونظيرُ هذا في القرآن قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *} [آل عمران]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «قالها إبراهيمُ عليه الصَّلاة والسَّلام حين أُلقيَ في النَّار» (¬1) دفعاً للمكروه، وطلباً للمحبوب وهو النَّجاة. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب التفسير: باب {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} ... } الآية، رقم (4563).

كتاب الطهارة

كِتَابُ الطَّهارة [باب المياه] وهِيَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ، ............ قوله: «كتاب»، فِعال بمعنى مفعول: أي مكتوب. يعني: هذا مكتوب في الطَّهارة. والطَّهارة لُغةً: النَّظافة. طَهُرَ الثَّوبُ من القَذَر، يعني: تنظَّفَ. وفي الشَّرع: تُطلقُ على معنيين: الأول: أصْل، وهو طهارة القلب من الشِّرك في عبادة الله، والغِلِّ والبغضاء لعباد الله المؤمنين، وهي أهمُّ من طهارة البدن؛ بل لا يمكن أن تقومَ طهارة البدن مع وجود نَجَس الشِّرك، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]. وقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المؤمن لا يَنْجُسُ» (¬1). الثاني: فَرْع، وهي الطَّهارة الحسِّيَّةُ. قوله: «وهي ارتفاعُ الحَدَث»، أي: زواله. والحَدَثُ: وصفٌ قائمٌ بالبدن يمنع من الصَّلاة ونحوها مما تُشْتَرَطُ له الطَّهارةُ. مثاله: رجل بَالَ واستنجى، ثم توضَّأ. فكان حين بوله لا يستطيع أن يُصلِّيَ، فلما توضأ ارتفع الحَدَثُ، فيستطيع بذلك ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، رقم (285)، ومسلم كتاب الحيض: باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، رقم (371) عن أبي هريرة.

وما في معناه، وزوال الخبث

أن يصلِّي لزوال الوصف المانع من الصَّلاة. ومَا في مَعْنَاهُ، وَزَوَالُ الخَبَثِ. قوله: «وما في معناه»، الضَّمير يعود على «ارتفاع»، لا على الحَدَث، أي: وما في معنى ارتفاع الحَدَث، فلا يكون فيها ارتفاع حَدَث، ولكن فيها معناه. مثاله: غسل اليدين بعد القيام من نوم الليل، فهذا واجب، ويُسمَّى طهارة، وليس بحَدَث؛ لأنَّه لا يرتفع به الحَدَث، فلو غُسلت الأيدي ما جازت الصَّلاة. وأيضاً لو جَدّد رجلٌ وضُوءَه، أي توضَّأ وهو على وضُوء، فلا يكون فيه ارتفاع للحدث مع أنه يُسمَّى طهارة؛ لأنَّه في معنى ارتفاع الحدث. وأيضاً: صاحب سَلَسِ البول لو توضَّأ من البول ليُصلِّيَ، فيكون هذا الوضُوء حصل به معنى ارتفاع الحدث؛ لأن البول لم يزل. فصار معنى ارتفاع الحدث: هو كل طهارة لا يحصُل بها رفع الحَدَث، أو لا تكون عن حَدَث. قوله: «وزوال الخَبَث»، لم يقل: وإزالة الخَبَث، فزوال الخَبَث طهارة، سواءٌ زال بنفسه، أو زالَ بمزيل آخر، فيُسمَّى ذلك طهارة. والخَبَثُ: هو النَّجاسة. والنَّجاسة: كلُّ عَينٍ يَحْرُم تناولُها؛ لا لحرمتها؛ ولا لاستقذارها؛ ولا لضررٍ ببدَنٍ أو عقلٍ. وإنْ شئت فقل: كلُّ عينٍ يجب التطهُّرُ منها. هكذا حدُّوها (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «الإِقناع» (1/ 6).

فقولنا: «يحرم تناولُها» خرج به المباحُ، فكلُّ مباحٍ تناولُه فهو طاهر. وقولنا: «لا لضررها» خرج به السُّمُّ وشبهُه، فإنَّه حرام لضرره، وليس بنجس. وقولنا: «ولا لاستقذارها»: خرج به المخاطُ وشبهُه، فليس بنجس؛ لأنَّه محرَّمٌ لاستقذاره. وقولنا: «ولا لحرمتها» خرج به الصَّيْدُ في حال الإحرام، والصَّيْدُ داخلَ الحرمِ؛ فإِنه حرام لحرمته. فيكون قوله: «وزوال الخَبَث» أعَمَّ من إِزالة الخَبَث، لأن الخَبَث قد يزول بنفسه، فمثلاً: إذا فرضنا أن أرضاً نجسة بالبول، ثم جاء المطر وطَهَّرَها، فإِنها تَطْهُرُ بدون إزالةٍ مِنَّا، ولو أنَّ عندنا ماءً متنجِّساً بتغيُّر رائحته، ثم زالت الرائحة بنفسها طَهُرَ، ولو كان عندنا خَمْرٌ ثم تخلَّل بنفسه صار طاهراً، وإِن كان الصَّواب أن الخمرَ ليست بنجسة؛ ولو كانت على صفتها خَمْراً؛ كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في باب «إزالة النجاسة». وبدأ المؤلِّفُ بالطَّهارة لسببين: الأول: أنَّ الطَّهارة تخليةٌ من الأذى. الثاني: أنَّ الطَّهارة مفتاح الصَّلاة. والصَّلاة آكدُ أركان الإسلام بعد الشَّهادتين، ولذلك بدأ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ بكتاب الطَّهارة. والطَّهارة تحتاج إِلى شيء يُتطهَّرُ به، يُزَال به النَّجسُ، ويُرفعُ به الحدثُ وهو الماء؛ ولذلك بدأ المؤلفُ به.

المياه ثلاثة: طهور لا يرفع الحدث

المِياهُ ثلاثةٌ: طَهُورٌ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، ........ قوله: «المياهُ ثلاثةٌ: طَهُورٌ»، المياه: جمعُ ماء، والمياه ثلاثة أقسام: الأول: الطَّهور، بفتح الطَّاء على وزن فَعول، وفَعول: اسم لما يُفعَلُ به الشيءُ، فالطَّهورُ ـ بالفتح ـ: اسم لما يُتطهَّر به، والسَّحور ـ بالفتح ـ: اسم للطَّعام الذي يُتسحَّرُ به. وأما طُهور، وسُحور بالضمِّ، فهو الفعل. والطَّهور: الماء الباقي على خلقته حقيقة، بحيث لم يتغيَّر شيء من أوصافه، أو حكماً بحيث تغيَّر بما لا يسلبُه الطَّهوريَّةَ. فمثلاً: الماء الذي نخرجه من البئر على طبيعته ساخناً لم يتغيَّر، وأيضاً: الماء النَّازل من السَّماء طَهور، لأنَّه باقٍ على خلقته، هذان مثالان للباقي على خلقته حقيقة، وقولنا: «أو حُكْماً» كالماء المتغيِّر بغير ممازج، أو المتغيِّر بما يشقُّ صون الماء عنه، فهذا طَهور لكنه لم يبقَ على خلقته حقيقة، وكذلك الماء المسخَّن فإِنه ليس على حقيقته؛ لأنَّه سُخِّن، ومع ذلك فهو طَهور؛ لأنَّه باقٍ على خلقته حكماً. قوله: «لا يرفع الحدث»، أي: لا يرفع الحَدَث إلا الماء الطَّهُور. فالبنزين وما أشبهه لا يرفع الحَدَثَ؛ فكل شيء سوى الماء لا يرفع الحَدَث، والدَّليل قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، فأمر بالعدول إلى التيمُّم إذا لم نجد الماء، ولو وجدنا غيره من المائعاتِ والسوائل. والتُّراب في التيمُّم على المذهب لا يرفع الحَدَث.

ولا يزيل النجس الطارئ غيره

والصَّواب أنَّه يرفع الحَدَث (¬1) لقوله تعالى عَقِبَ التيمُّم: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، ومعنى التَّطهير: أن الحَدَث ارتفع، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» (¬2) بالفتح، فيكون التُّراب مطهِّراً. لكن إِذا وُجِدَ الماءُ، أو زال السَّبب الذي من أجله تيمَّم؛ كالجرح إذا برئ، فإنه يجب عليه أن يتوضَّأ، أو يغتسل إِن كان تيمَّم عن جنابة. ولا يُزِيلُ النَّجَسَ الطَّارِئَ غَيْرُهُ ............ قوله: «ولا يزيل النَّجس الطارئَ غيرُه»، أي: لا يزيل النَّجس إلا الماء، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في دم الحيض يصيب الثَّوب: «تَحُتُّه، ثم تَقْرُصُه بالماء، ثم تَنْضَحُه، ثم تُصلِّي فيه» (¬3). والشَّاهد قوله: «بالماء»، فهذا دليل على تعيُّن الماء لإزالة النَّجاسة. وقوله صلّى الله عليه وسلّم في الأعرابي الذي بَالَ في المسجد: «أهْريقوا على بوله سَجْلاً من ماء» (¬4). ¬

_ (¬1) انظر: ص (375 ـ 376). (¬2) رواه البخاري، كتاب التيمم: باب (1)، رقم (335) واللفظ له، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم (521) من حديث جابر. (¬3) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب غسل دم المحيض، رقم (307)، ومسلم كتاب الطهارة: باب نجاسة الدم وكيفية غسله، رقم (291) واللفظ له عن أسماء بنت أبي بكر الصديق. (¬4) رواه البخاري، كتاب الأدب: باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: يسِّروا ولا تعسروا، رقم (6128) واللفظ له عن أبي هريرة، ومسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إِذا حصلت في المسجد، رقم (284، 285) عن أنس بن مالك.

«ولمَّا بال الصبيُّ على حِجْره؛ دعا بماء فأتْبَعَهُ إِيَّاه» (¬1)، فدلَّ هذا على أنَّه لا يزيل النَّجَس إِلا الماء، فلو أزلنا النَّجاسة بغير الماء لم تَطْهُر على كلام المؤلِّفِ. والصَّواب: أنَّه إِذا زالت النَّجاسة بأي مزيل كان طَهُر محلُّها؛ لأنَّ النَّجاسة عينٌ خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، فليست وصفاً كالحدث لا يُزال إِلا بما جاء به الشَّرع، وقد قال الفقهاء رحمهم الله: «إذا زال تغيُّر الماء النَّجس الكثير بنفسه صار طَهُوراً (¬2)، وإِذا تخلَّلت الخمر بنفسها صارت طاهرة» (¬3)، وهذه طهارة بغير الماء. وأما ذِكْرُ الماء في التَّطهير في الأدلة السَّابقة فلا يدلُّ تعيينُه على تعيُّنِهِ؛ لأن تعيينَه لكونه أسرعَ في الإِزالة، وأيسرَ على المكلَّف. وقوله: «النَّجس الطَّارئ»، أي: الذي وَرَدَ على محَلٍّ طاهر. فمثلاً: أن تقع النَّجاسة على الثَّوب أو البساط، وما أشبه ذلك، فقد وقعت على محَلٍّ كان طاهراً قبل وقوع النَّجاسة، فتكون النَّجاسةُ طارئةً. أما النَّجاسة العينيَّة فهذه لا تطهُر أبداً، لا يطهِّرُها لا ماء ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب بول الصبيان، رقم (222)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، رقم (286)، عن عائشة رضي الله عنها. (¬2) انظر: ص (56). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (2/ 300).

وهو الباقي على خلقته، فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور

ولا غيره؛ كالكلب، فلو غُسِلَ سبع مرات إِحداهن بالتُّراب فإِنَّه لا يَطْهُر؛ لأنَّ عينَه نجسة. وذهب بعض العلماء إِلى أنَّ النَّجاسة العينية إِذا استحالت طَهُرت (¬1)؛ كما لو أوقد بالرَّوث فصار رماداً؛ فإِنه يكون طاهراً، وكما لو سقط الكلب في مملحة فصار ملحاً؛ فإنه يكون طاهراً، لأنَّه تحوَّلَ إِلى شيء آخر، والعين الأولى ذهبت، فهذا الكلب الذي كان لحماً وعظاماً ودماً، صار ملحاً، فالملح قضى على العين الأولى. وَهُوَ الْبَاقِي على خِلْقَتِهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بغير مُمَازجٍ كَقِطَع كَافُور ........ قوله: «وهو الباقي على خلقته»، هذا تعريفُ الماء الطَّهور، وقد تقدم شرحُه. قوله: «فإن تغيَّر بغير ممازجٍ كقطع كافور»، إن تغيَّر الماءُ بشيء لا يُمازجه كقطع الكافور؛ وهو نوع من الطِّيب يكون قِطعاً، ودقيقاً ناعماً غير قطع، فهذه القطع إذا وُضِعَت في الماء فإنَّها تُغيِّر طعمه ورائحته، ولكنها لا تمازجُه، أي: لا تُخالطه، أي: لا تذوب فيه، فإذا تغيَّر بهذا فإنه طَهُور مكروه. فإن قيل: كيف يكون طهوراً وقد تغيَّر؟ فالجواب: إن هذا التغيُّر ليس عن ممازجة، ولكن عن مجاورة، فالماء هنا لم يتغير لأن هذه القطع مازجته، ولكن لأنها جاورته. فإن قيل: لماذا يكون مكروهاً؟ ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 70)، و «الإِنصاف» (2/ 299).

فالجواب: لأن بعض العلماء يقول: إنه طاهر غير مطهِّر (¬1). فيرون أن هذا التغيُّر يسلبه الطَّهوريَّةَ فصار التَّعليل بالخلاف، فمن أجل هذا الخلاف كُرِهَ. والصَّواب: أن التَّعليل بالخلاف لا يصحُّ؛ لأنَّنا لو قُلنا به لكرهنا مسائل كثيرة في أبواب العلم، لكثرة الخلاف في المسائل العلمية، وهذا لا يستقيم. فالتعليل بالخلاف ليس علَّة شرعية، ولا يُقبل التَّعليل بقولك: خروجاً من الخلاف؛ لأنَّ التَّعليل بالخروج من الخلاف هو التَّعليل بالخلاف. بل نقول: إن كان لهذا الخلاف حظٌّ من النَّظر، والأدلَّة تحتمله، فنكرهه؛ لا لأنَّ فيه خلافاً، ولكن لأنَّ الأدلَّة تحتمله، فيكون من باب «دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَريبُك» (¬2). أما إذا كان الخلاف لا حَظَّ له من النَّظر فلا يُمكن أن نعلِّلَ به المسائل؛ ونأخذ منه حكماً. فليس كلُّ خلافٍ جاء مُعتَبراً إِلا خلافٌ له حظٌّ من النَّظر (¬3) ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 39). (¬2) رواه أحمد (1/ 200)، والنسائي، كتاب الأشربة: باب الحث على ترك الشبهات، (8/ 328)، والترمذي، كتاب صفة القيامة، رقم (2517)، والحاكم (2/ 13)، وابن حبان رقم (722) عن أبي الحوراء، عن الحسن بن عليّ به. والحديث صحَّحه: الترمذيُّ، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وابن حجر. وله شواهد من حديث أنس، وابن عمر، وأبي هريرة، وواثلة. انظر: «جامع العلوم والحكم» الحديث الحادي عشر، «نتائج الأفكار» (2/ 139). (¬3) البيت لأبي الحسن ابن الحصَّار. وهو علي بن محمد بن محمد ـ وهذا البيت هو الأخير في قصيدة له في معرفة المكي والمدني من السُّور، ضمَّنها كتابه «الناسخ والمنسوخ». انظر: «الإِتقان» (1/ 11، 12).

أو دهن، أو بملح مائي، أو سخن بنجس كره

لأن الأحكام لا تثبت إلاَّ بدليل، ومراعاة الخلاف ليست دليلاً شرعياً تثبتُ به الأحكامُ، فيقال: هذا مكروه، أو غير مكروه. أو دُهْنٍ، أو بملْحٍ مَائِيٍّ، أوْ سُخِّن بنَجَسٍ كُره ............ قوله: «أو دُهْنٍ»، معطوف على «غير ممازج» أو على «قطع كافور». مثاله: لو وضع إِنسان دُهْناً في ماء، وتغيَّر به، فإنه لا يسلبه الطَّهوريةَ، بل يبقى طَهوراً؛ لأن الدُّهن لا يمازج الماء فتجده طافياً على أعلاه، فتغيُّره به تغيُّر مجاورة لا ممازجة. قوله: «أو بملح مائي»، وهو الذي يتكوَّن من الماء، فهذا الملح لو وضعتَ كِسْرةً منه في ماء، فإِنه يُصبح مالحاً، ويبقى طَهوراً مع الكراهة خروجاً من الخلاف (¬1). فإن قيل: لماذا لا تنسلب طَهوريته؟ فالجواب أن يقال: لأن هذا الملح أصله الماء. والتَّعليل بالخلاف للكراهة قد تقدَّم الكلام عليه. وعُلِم من قوله: «مائي» أنَّه لو تغيَّر بملح معدني يُستخرَجُ من الأرض فإنه يسلبه الطَهوريَّةَ على المذهب، فيكون طاهراً غير مطهِّر. قوله: «أو سُخِّن بنَجَسٍ كُرِه»؛ أي: إِذا سُخِّن الماءُ بنجَسٍ تَغيَّر أو لم يتغيَّر فإِنه يُكره. مثاله: لو جمع رجلٌ روث حمير، وسخَّن به الماء فإِنه ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 40).

وإن تغير بمكثه، أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه، وورق شجر

يُكره، فإِن كان مكشوفاً فإِنَّ وجه الكراهة فيه ظاهر، لأن الدُّخان يدخله ويؤثِّر فيه. وإِن كان مغطَّى، ومحكم الغطاء كُره أيضاً؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ غالباً من صعود أجزاء إِليه. والصَّواب: أنَّه إِذا كان محكم الغطاءِ لا يكره. فإِن دخل فيه دخان وغَيَّرَهُ، فإِنه ينبني على القول بأن الاستحالةَ تُصيِّرُ النَّجس طاهراً، فإِن قلنا بذلك لم يضر. وإِن قلنا بأن الاستحالة لا تُطهِّر؛ وتغيَّر أحد أوصاف الماء بهذا الدُّخان كان نجساً. وإِنْ تَغَيَّر بمكثِهِ، أو بما يَشقُّ صَوْنُ الماءِ عنه من نابتٍ فيه، وَوَرَقِ شَجَرٍ، .......... قوله: «وإن تغيَّرَ بمكثه»، أي: بطول إِقامته، فلا يضرُّ، لأنه لم يتغيَّر بشيء حادث فيه، بل تغيَّر بنفسه، فلا يكره. قوله: «أو بما يَشقُّ صون الماء عنه من نابتٍ فيه وورَقِ شَجَرٍ»، مثل: غدير نَبَتَ فيه عُشبٌ، أو طُحلب، أو تساقط فيه ورقُ شجر فتغيَّر بها، فإنَّه طَهُورٌ غير مكروه؛ ولو تغيَّر لونُه وطعمُه وريحُه، والعِلَّة في ذلك أنه يشقُّ التحرُّز منه، فيشُقُّ ـ مثلاً ـ أن يمنع أحدٌ هذه الأشجار من الرِّياح حتى لا تُوقع أوراقها في هذا المكان. وأيضاً يشُقُّ أن يمنع أحدٌ هذا الماء حتى لا يتغيَّر بسبب طول مُكثه. ولو قلنا للنَّاس: إِن هذا الماء يكون طاهراً غيرَ مطهِّر، لشققنا عليهم. وإِن تغيَّر بطين كما لو مشى رجل في الغدير برجليه، وأخذ

أو بمجاورة ميتة، أو سخن بالشمس، أو بطاهر؛ لم يكره، وإن استعمل

يحرِّك رجليه بشدَّة حتى صار الماء متغيِّراً جدًّا بالطِّين؛ فإِنَّ الماء طَهُورٌ غيرُ مكروه؛ لأنه تغيَّر بمُكْثِه. أو بمُجَاوَرَةِ مَيْتةٍ، أو سُخِّنَ بالشَّمس، أو بطَاهر؛ لم يُكْرَه، وإِن استُعْمِلَ ........ قوله: «أو بمجَاورة مَيْتَةٍ»، مثاله: غدير عنده عشرون شاةً ميتة من كُلِّ جانب، وصار له رائحة كريهة جدًّا بسبب الجِيَفِ، يقول المؤلِّفُ: إِنه طَهُور غير مكروه؛ لأن التغيُّر عن مجاورة، لا عن ممازجة، وبعض العلماء حكى الإجماع على أنه لا ينجس بتغيُّره بمجاورة الميتة (¬1)، وربما يُستَدَلُّ ببعض ألفاظ الحديث: «إنَّ الماءَ طاهرٌ، إِلا إِن تغيَّر طعمُه أو لونه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه» (¬2)، على القول بصحَّة الحديث. ولا شكَّ أن الأَوْلَى التنزُّه عنه إن أمكن، فإِذا وُجِدَ ماء لم يتغيَّر فهو أفضل، وأبعد من أن يتلوَّث بماء رائحته خبيثة نجسة، وربما يكون فيه من النَّاحية الطبيَّة ضرر، فقد تحمل هذه الروائح مكروبات تَحُلُّ في هذا الماء. قوله: «أو سُخِّن بالشَّمس»، أي وُضِعَ في الشَّمس ليسْخُنَ. مثاله: شخص في الشِّتاء وضع الماء في الشمس ليسْخُنَ فاغتسل به، فلا حرج، ولا كراهة. قوله: «أو بطاهر»، يعني: أو سُخِّن بطاهر مثل الحطب، أو الغاز، أو الكهرباء، فإنه لا يُكره. قوله: «وإن استُعْمِلَ» الضَّمير يعود على الماء الطَّهور. ¬

_ (¬1) انظر: «الشرح الكبير» (1/ 41). (¬2) رواه البيهقي (1/ 259 ـ 260) من حديث أبي أمامة، وضعَّفه.

في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية، وثالثة كره

والاستعمال: أن يُمَرَّ الماء على العضو، ويتساقط منه، وليس الماء المستعمل هو الذي يُغْتَرفُ منه. بل هو الذي يتساقط بعد الغَسْل به. مثاله: غسلت وجهك، فهذا الذي يسقط من وجهك هو الماء المستعمل. في طهارةٍ مُسْتَحبَّةٍ كتجديد وُضُوءٍ، وغُسْل جُمُعَةٍ، وغَسْلةٍ ثَانيةٍ، وثالثةٍ كُرِهَ ......... قوله: «في طهارة مستحبَّة»، أي: مشروعة من غير حَدَث. قوله: «كتجديد وضوء»، تجديد الوُضُوء سُنَّة، فلو صَلَّى إنسان بوُضُوئه الأول ثم دخل وقت الصَّلاة الأُخرى، فإنه يُسنُّ أن يجدِّدَ الوُضُوء ـ وإِن كان على طهارة ـ فهذا الماء المستعمل في هذه الطَّهارة طَهُور لكنه يُكره. يكون طَهُوراً؛ لأنه لم يحصُلْ ما ينقله عن الطَّهورية، ويكون مكروهاً للخلاف في سلبه الطَّهورية؛ لأن بعض العلماء قال: لو استُعْمل في طهارة مستحبَّة فإِنه يكون طاهراً غير مطهِّر (¬1). وقد سبق الكلام على التَّعليل بالخلاف. قوله: «وغُسْل جُمُعَة»، هذا على قول الجمهور أن غُسْل الجمعة سُنَّةٌ (¬2)، فإذا استُعْمِلَ الماء في غُسْلِ الجمعة فإِنه يكون طَهُوراً مع الكراهة. قوله: «وغَسْلة ثانية وثالثة كُرِهَ»، الغَسْلَةُ الثانية والثالثة في الوُضُوء ليست بواجبة، والدَّليل قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 66). (¬2) انظر: «المغني» (3/ 224).

وإن بلغ قلتين وهو الكثير

والغُسْل يصدق بواحدة، ولأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ثبت أنه توضَّأ مرَّةً مرَّةً (¬1). فالثانية، والثالثة طهارة مستحبَّة، فالماء المستعمل فيهما يكون طَهُوراً مع الكراهة، والعِلَّةُ هي: الخلاف في سلبه الطَّهورية (¬2). والصَّواب في هذه المسائل كلِّها: أنه لا يُكره؛ لأن الكراهة حكمٌ شرعيٌّ يفتقر إِلى دليل، وكيف نقول لعباد الله: إنهُ يكره لكم أن تستعملوا هذا الماء. وليس عندنا دليلٌ من الشَّرع. ولذلك يجب أن نعرف أن منع العباد مما لم يدلَّ الشرعُ على منعه كالتَّرخيص لهم فيما دَلَّ الشَّرع على منعه؛ لأن الله جعلهما سواء فقال: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل: 116]، بل قد يقول قائل: إن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام؛ لأن الأصلَ الحِلُّ، والله عزّ وجل يحبُّ التَّيسير لعباده. وإن بلغ قُلَّتين وهو الكثيرُ .......... قوله: «وإن بلغ قُلتين»، الضَّمير يعود على الماء الطَّهور. والقُلَّتان: تثنية قُلَّة. والقُلَّة مشهورة عند العرب، قيل: إنها تَسَعُ قِربتين ونصفاً تقريباً. قوله: «وهو الكثير»، جملة معترضة بين فعل الشَّرط وجوابه. أي: إِن القُلَّتين هما الكثير بحسب اصطلاح الفقهاء، ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الوضوء مرّة مرّة، رقم (157) من حديث ابن عباس. (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 66).

وهما خمسمائة رطل عراقي تقريبا، فخالطته نجاسة غير بول آدمي، أو عذرته المائعة، فلم تغيره،

فالكثير من الماء في عرف الفقهاء رحمهم الله ما بلغ القُلَّتين، واليسير: ما دون القُلَّتين. وهما خَمسمائة رَطْلٍ عراقيٍّ تقريباً، فَخالَطَتْهُ نجاسةٌ غَيرُ بولِ آدميٍّ، أو عَذِرته المائعةِ، فلم تغيِّرهُ، ............ قوله: «وهما خمسمائة رَطْلٍ عراقيٍّ تقريباً»، مائة الرَّطل العراقي (¬1) يزن قِربة ماء تقريباً، وعلى هذا تكون خمس قِرَب تقريباً. وأفادنا المؤلِّف بقوله: «تقريباً» أن المسألة ليست على سبيل التَّحديد، فلا يضرُّ النَّقصُ اليسير. قوله: «فخالطته نجاسة»، أي: امتزجت به، وتقدَّم تعريف النَّجاسة (¬2). قوله: «غَيرُ بولِ آدميٍّ، أو عَذِرته المائعةِ، فلم تغيِّرهُ»، المراد لم تغيِّرْ طعمه، أو لونه، أو رائحته، وهذه المسألة ـ أعني مسألة ما إذا خالطت الماءَ نجاسةٌ ـ فيها ثلاثة أقوال (¬3): القول الأول ـ وهو المذهب عند المتقدِّمين ـ أنه إذا خالطته نجاسة ـ وهو دون القُلَّتين ـ نَجُسَ مطلقاً، تغيَّر أو لم يتغيَّر، وسواء كانت النَّجاسة بولَ الآدميِّ أم عَذِرَتَهُ المائعةَ، أم غير ذلك. أمَّا إِذا بلغ القُلَّتين فيُفرَّق بين بولِ الآدميِّ وعَذِرَتِهِ المائعةِ، وبين سائر النجاسات، فإِذا بلغ القُلَّتين وخالطه بولُ آدميٍّ أو عَذِرَتُهُ ¬

_ (¬1) الرطل العراقي = 90 مثقالاً، والمثقال بالغرام = 4.25، ووزن الصاع النبوي بالغرام = 2040، وعلى هذا فالرطل العراقي = 382.5 غراماً، والقلتان بالغرامات = 191250، وبالكيلو = 191.25. وبالأصواع = 191250 7 2040 = 93.75. (¬2) انظر: ص (26). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 101 ـ 104).

المائعةُ نَجُسَ وإِن لم يتغيَّر، إِلا أن يَشُقَّ نَزْحُه، فإِن كان يَشُقُّ نَزحُه، ولم يتغيَّر فَطَهُورٌ، وإن كان لا يَشُقُّ نَزحُه ولو زاد على القُلَّتين فإِنَّه يَنْجُس بمخالطة بول الآدميِّ، أو عَذِرَتِهِ المائِعةِ وإِن لم يتغيَّر. فالمعتبر ـ بالنِّسبة لبول الآدميِّ وعَذِرَتِهِ المائعة ـ مشقَّة النَّزْح، فإن كان يَشُقُّ نَزْحُه ولم يتغيَّر فطَهُور، وإن كان لا يَشُقُّ نَزْحُه فنجس بمجرد الملاقاة، وأما بقيَّة النَّجَاسات فالمعتبر القُلَّتان، فإِذا بلغ قُلّتين ولم يتغيَّر فطَهورٌ، وإِن لم يبلغ القُلَّتين فنجسٌ بمجرد الملاقاة. مثال ذلك: رجل عنده قِربةٌ فيها ماء يبلغ القُلَّتين، فسقط فيها روث حمار، ولكن الماء لم يتغيَّر طعمُه، ولا لونه، ولا رائحته فَطَهُورٌ. مثال آخر: عندنا غدير، وهذا الغدير أربع قلال من الماء، بالَ فيه شخص نقطة واحدة وهو لا يَشُقُّ نَزْحُه؛ ولم يتغيَّر؛ فإنه يكون نجساً؛ لأن العبرة بمشقَّة النَّزْحِ. واستدلُّوا على أنه إِذا بلغ قُلَّتين لا ينجُس إِلا بالتغيُّر بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِن الماء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ» (¬1)، مع قوله صلّى الله عليه وسلّم: ¬

_ (¬1) رواه أحمد (3/ 15، 16، 31)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما جاء في بئر بُضاعة، رقم (66)، والنسائي، كتاب المياه: باب ذكر بئر بُضاعة، رقم (325)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن الماء لا ينجسّه شيء، وغيرهم. عن أبي سعيد الخدري. وقد صحَّحه: الإِمام أحمد، وابن معين، وابن تيمية، وحسنه الترمذي، وغيرهم. قال النووي: وقولهم مقدَّم على قول الدارقطني: «إِنه غير ثابت». «الخلاصة» رقم (6)، وانظر «مجموع الفتاوى» (21/ 40).

«إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَثَ» (¬1). واستدلُّوا على الفرق بين بول الآدميِّ وغيره من النَّجاسات بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» (¬2)، فنهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن البول ثم الاغتسال، وهذا عام؛ لكن عُفي عما يَشُقُّ نَزْحُه من أجل المشقَّة. القول الثاني: ـ وهو المذهب عند المتأخرين ـ: أنه لا فرق بين بول الآدميِّ وعَذِرَتِهِ المائعةِ، وبين غيرهما من النَّجَاسات، الكُلُّ سواء (¬3)، فإذا بلغ الماء قُلَّتين لم يَنْجُسْ إِلا بالتَّغيُّر، وما دون القلَّتين يَنْجُسُ بمجرَّد الملاقاة. القول الثالث: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام (¬4) وجماعة من ¬

_ (¬1) رواه أحمد (2/ 12، 27)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما ينجس الماء، رقم (63)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، رقم (67)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب مقدار الماء الذي لا ينجس، رقم (517) عن ابن عمر. وقد ضعّفه: ابن عبد البر، وإِسماعيل القاضي. وصحَّحه جماعة من العلماء كأحمد، والشافعي، وابن معين، وابن منده، وعبد الحق الإِشبيلي، وابن الملقن، وغيرهم. قال النووي: «وهو صحيح، صحَّحه الحفَّاظ». «الخلاصة» رقم (9)، قال ابن تيمية: أكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به. انظر: «الأحكام الوسطى» (1/ 154)، و «مجموع الفتاوى» (21/ 41)، و «التلخيص الحبير» رقم (4)، و «تهذيب السنن» لابن القيم (1/ 56). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب البول في الماء الدائم، رقم (239)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب النهي عن البول في الماء الراكد، رقم (282) عن أبي هريرة. (¬3) انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (1/ 18). (¬4) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 32)، «الاختيارات» ص (4).

أهل العلم (¬1) ـ: أنه لا ينجس إِلا بالتَّغيُّر مطلقاً؛ سواء بلغ القُلَّتين أم لم يبلغ، لكن ما دون القلّتين يجب على الإنسان أن يتحرَّز إذا وقعت فيه النَّجَاسة؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ ما دونهما يتغيَّر. وهذا هو الصحيح للأثر، والنَّظر. فالأثر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الماء طَهُور لا ينجِّسُهُ شيءٌ»، ولكن يُستثنى من ذلك ما تغيَّر بالنَّجَاسة فإِنه نجسٌ بالإِجماع. وهناك إشارة من القرآن تدُلُّ على ذلك، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3]، وقال تعالى: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، فقوله: «فإنه رجس» معلِّلاً للحكم دليلٌ على أنه متى وُجِدَت الرِّجْسيةُ ثبت الحكم، ومتى انتفت انتفى الحكم، فإِذا كان هذا في المأكول فكذلك في الماء. فمثلاً: لو سقط في الماء دم مسفوح فإِذا أثَّر فيه الدَّمُ المسفوح صار رجساً نجساً، وإِذا لم يؤثِّر لم يكن كذلك. ومن حيث النَّظَرُ: فإنَّ الشَّرع حكيم يُعلِّل الأحكام بعللٍ منها ما هو معلوم لنا؛ ومنها ما هو مجهول. وعِلَّةُ النَّجاسة الخَبَثُ. فمتى وُجِد الخَبَثُ في شيء فهو نَجِس، ومتى لم يوجد فهو ليس بنجس، فالحكم يدور مع عِلَّته وجوداً وعدماً. فإن قال قائل: من النَّجاسات ما لا يُخالف لونُه لون الماء؛ كالبول فإنه في بعض الأحيان يكون لونُه لونَ الماء. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 56)، «المجموع شرح المهذب» (1/ 113).

فالجواب: يُقدَّر أن لونَه مغايرٌ للون الماء، فإِذا قُدِّر أنه يغيّر لونَ الماء؛ حينئذٍ حكمنا بنجاسة الماء على أن الغالب أن رائحته تغيِّر رائحة الماء، وكذا طعمه. وأما حديث القُلَّتين فقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه. فمن قال: إِنه ضعيف فلا معارضة بينه وبين حديث: «إن الماء طَهُور لا ينجِّسه شيء»؛ لأن الضَّعيف لا تقوم به حُجَّة. وعلى القول بأنه صحيح فيقال: إِن له منطوقاً ومفهوماً. فمنطوقه: إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس، وليس هذا على عمومه؛ لأنه يُستثنى منه إِذا تغير بالنَّجاسة فإِنه يكون نجساً بالإِجماع. ومفهومه أن ما دون القُلّتين ينجس، فيقال: ينجس إِذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ لأن منطوق حديث: «إن الماء طهور لا يُنَجِّسُه شيء» مقدَّم على هذا المفهوم، إِذ إِنَّ المفهوم يصدق بصورة واحدة، وهي هنا صادقة فيما إِذا تغيَّر. وأما الاستدلال على التَّفريق بين بول الآدمي وعَذِرَتِه وغيرهما من النَّجاسات بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدَّائم ثم يغتسل فيه»، فيقال: إِن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: إِنه ينجس، بل نهى أن يبول ثم يغتسل؛ لا لأنه نجس، ولكن لأنَّه ليس من المعقول أن يجعل هذا مَبَالاً ثم يرجع ويغتسل فيه، وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجلدُ أحدُكم امرأته جَلْدَ العبد؛ ثم يضاجعُها» (¬1)، ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب النكاح: باب ما يكره من ضرب النساء، رقم (5204) واللفظ له، ومسلم، كتاب الجنة: باب في شدة حَرِّ جهنم وبُعْدِ قعرها، رقم (2855) من حديث عبد الله بن زَمْعَة.

أو خالطه البول، أو العذرة، ويشق نزحه كمصانع طريق مكة فطهور ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث

فإِنَّه ليس نهياً عن مضاجعتها؛ بل عن الجمع بينهما فإِنه تناقض. والصَّواب: ما ذهب إليه شيخ الإسلام للأدلة النَّظرية والأثريَّة. أوْ خَالَطَهُ البَوْلُ، أو العَذِرَةُ، ويَشُقُّ نَزْحُه كَمصَانع طَرِيقِ مَكَّةَ فَطَهُورٌ. ولا يَرْفَعُ حَدَثَ رَجُلٍ طَهُورٌ يَسيرٌ خَلَتْ به امرأةٌ لطَهَارةٍ كَامِلَةٍ عن حَدَثٍ .......... قوله: «أو خَالَطَهُ البَولُ، أو العَذِرَةُ، ويَشُقُّ نَزْحُه كمصانِع طريق مكَّة فَطَهُورٌ»، مصانعُ جمعُ مصنعٍ؛ وهي عبارةٌ عن مجابي المياه في طريق مكَّة من العراق، وكان هناك مجابٍ في أفواه الشِّعاب. وهذه المجابي يكون فيها مياهٌ كثيرة، فإِذا سقط فيها بول آدمي أو عَذِرَتُه المائعةُ ولم تغيِّره فطَهُورٌ؛ حتى على كلام المؤلِّف؛ لأنه يَشُقُّ نزحُه. وقوله: «كمصانع» هذا للتَّمثيل؛ يعني: وكذلك ما يشبهها من الغُدران الكبيرة، فإِذا وجدنا مياهاً كثيرة يشقُّ نزحُها فإِنها إِذا لم تتغيَّر بالنَّجاسة فهي طَهُورٌ مطلقاً. والمشهور من المذهب عند المتأخِّرين خلافُ كلام المؤلِّف، فلا يفرّقون بين بول الآدمي وعَذِرَتِهِ المائعةِ، وبين سائر النَّجاسات، وقد سبق بيانُه (¬1). قوله: «ولا يرفع حَدَثَ رَجُلٍ طَهُورٌ يَسيرٌ خَلَتْ به امرأةٌ لطَهَارةٍ كَامِلةٍ عن حَدَثٍ»، «حَدَثَ» هذا قيد، «رجل» قيد آخر، «طَهُور يسيرٌ» قيد ثالث، «خلت به» قيد رابع، «امرأة» قيد خامس، ¬

_ (¬1) انظر: ص (40).

«لطهارة كاملة» قيد سادس، «عن حدَثَ» قيد سابع. إِذا تمَّت هذه القيودُ السَّبعَةُ ثَبَتَ الحكم، فإِذا تطهَّرَ به الرَّجُلُ عن حَدَثٍ لم يرتفع حدثُه، والماء طَهُور. مثال ذلك: امرأة عندها قِدْرٌ من الماء يسع قُلَّةً ونصفاً ـ وهو يسير في الاصطلاح ـ خَلَت به في الحمَّام، فتوضَّأت منه وُضُوءاً كاملاً، ثم خرجت فجاء الرَّجُلُ بعدها ليتوضَّأَ به، نقول له: لا يرفعُ حَدَثَك. والدَّليل نهيُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرَّجل (¬1). وأُلحقَ به الوُضُوءُ. فنهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن الوُضُوء به، والنهي يقتضي الفساد، فإِن توضَّأ فقد فعل عبادة على وجه منهيٍّ عنه فلا تكون صحيحة. ومن غرائب العلم: أنهم استدلُّوا به على أن الرَّجل لا يتوضَّأ بفضل المرأة، ولم يستدلُّوا به على أن المرأة لا تتوضَّأ بفضل الرَّجل (¬2)، وقالوا: يجوز أن تغتسلَ المرأةُ بفضل الرَّجل، فما دام الدَّليل واحداً، والحكم واحداً والحديث مقسَّماً تقسيماً، فما بالنا نأخذ بقسم، ولا نأخذ بالقسم الثَّاني؛ مع العلم ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 110)، (5/ 369)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة، رقم (81)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، (1/ 131) عن رجلٍ صحب النبي صلّى الله عليه وسلّم. وصحَّحه الحميدي. وقال البيهقي: «رواته ثقات». وقال ابن حجر: «إِسناده صحيح». انظر: «المحرر» رقم (9)، و «بلوغ المرام» رقم (7). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 86).

بأن القسم الثاني قد ورد في السُّنَّة ما يدلُّ على جوازه، وهو أنه صلّى الله عليه وسلّم اغتسل بفضل ميمونة (¬1) ولم يرد في القسم الأوَّل ما يدلُّ على جواز أن تغتسل المرأة بفضل الرَّجل، وهذه غريبة ثانية. وقوله: «حَدَثَ رجُلٍ» يُفهم منه أنه لو أراد هذا الرَّجل أن يُزيل به نجاسة عن بدنه أو ثوبه فإِنها تطهُر، وكذلك لو غسل يديه من القيام من نوم الليل؛ لأنَّه ليس بحدث. ويُفهم منه أيضاً أنه لو تَطَهَّرت به امرأة بعد امرأة فإِنه يجوز؛ لقوله: «حَدَثَ رَجُلٍ». وقوله: «يسير» يفهم منه أنه لو كان كثيراً فإِنه يرفع حَدثه، والدَّليل أنَّه في بعض ألفاظ حديث ميمونة «في جَفْنَةٍ» (¬2)، والجَفْنَةُ يسيرة. وقوله: «خَلَتْ به» تفسير الخَلوة على المذهب: أن تخلوَ به عن مشاهدة مميِّز، فإِن شاهدها مميِّزٌ زالت الخلوةُ ورَفعَ حَدَثَ الرَّجُلِ (¬3). وقيل: تخلو به؛ أي: تنفرد به بمعنى تتوضَّأ به (¬4)، ولم يتوضَّأ به أحدٌ غيرها. وهذا أقرب إِلى الحديث؛ لأنَّ ظاهره العموم، ولم يشترط النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن تخلوَ به. وقوله: «لطهارة كاملة»، يُفهم منه أنه لو خلت به في أثناء الطَّهارة، أو في أولها، أو آخرها، بأن شاهدها أحد في أوَّل الطَّهارة ثم ذهب، أو قبل أن تُكمل طهارتها حضر أحدٌ، فإِنه يرفعُ حدثه؛ لأنَّه لم تَخْلُ به لطهارة كاملة. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب القَدْرُ المستحبُّ من الماء في غسل الجنابة، رقم (323). (¬2) انظر: في هذه الصفحة. (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 86، 87). (¬4) انظر: في هذه الصفحة.

وإن تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه

وقوله: «عن حَدَث» أي: تَطَهَّرتْ عن حَدَث، بخلاف ما لو تطهَّرتْ تجديداً للوُضُوء، أو خَلَتْ به لتغسلَ ثوبها من نجاسة، أو لتستنجيَ، فإِنه يرفعُ حَدَث الرَّجل؛ لأنها لم تخلُ به لطهارة عن حَدَث. هذا حكم المسألة على المذهب. والصَّحيح: أنَّ النَّهي في الحديث ليس على سبيل التَّحريم، بل على سبيل الأَوْلَويَّة وكراهة التنزيه؛ بدليل حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما: اغتسل بعضُ أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في جَفْنَة، فجاء النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ليغتسل منها، فقالت: إني كنت جُنباً، فقال: «إن الماء لا يُجنب» (¬1)، وهذا حديث صحيح. وهناك تعليل؛ وهو أن الماء لا يُجنب يعني أنها إِذا اغتسلت منه من الجنابة فإِن الماء باقٍ على طَهُوريته. فالصَّواب: أن الرَّجل لو تطهَّر بما خلت به المرأةُ؛ فإِن طهارته صحيحة ويرتفع حدثه، وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله (¬2). وإِن تغيَّر لونُه، أو طعْمُه، أو ريحُه ........... قوله: «وإِن تغيَّر لونه، أو طعمه، أو ريحُه»، هذا هو القسم ¬

_ (¬1) رواه أحمد (1/ 235)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الماء لا يجنب، رقم (68)، والنسائي، كتاب المياه، (1/ 174)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في الرخصة في ذلك، رقم (65) وقال: حسن صحيح. من حديث ابن عباس. وصحَّحه أيضاً: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والنووي، والذهبي. انظر: «الخلاصة» رقم (493)، «المحرر» رقم (8). (¬2) انظر: «الاختيارات» ص (3).

بطبخ، أو ساقط فيه

الثاني من أقسام المياه على المذهب، وهو الطَّاهر، أي: تغيّر تغيراً كاملاً بحيث لا يُذاقُ معه طعمُ الماء، أو تغيَّر أكثر أوصافه؛ وهي هذه الثَّلاثة: الطعم، والرِّيح، واللون. بطَبْخٍ، أو سَاقِطٍ فِيه، ......... قوله: «بطبخ»، أي: طُبخ فيه شيء طاهر كاللحم فتغيّر طعمه، أو لونه، أو ريحه تغيُّراً كثيراً بيِّناً، فإِنَّه يكون طاهراً غير مطهِّر. قوله: «أو ساقط فيه»، أي: سقط فيه شيء طاهر فغيَّر أوصافه أو أكثرها فإِنه يكون طاهراً غير مطهِّر. ويُستثنى من هذه المسألة ما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه، وما لا يمازجه، كما لو وضعنا قطع كافور فيه وتغيَّر فإِنه طَهُور، وكذا لو كان حول الماء أشجارٌ، فتساقطت أوراقها فيه فتغيَّر فطهور. والتَّعليل لكون هذا طاهراً غير مطهِّر: أنَّه ليس بماء مطلق، وإِنما يُقال ماءُ كذا فيُضاف، كما يُقال: ماءُ ورد. ولكن يُقال: إِن هذا لا يكفي في نقله من الطَّهورية إلى الطَّهارة، إِلا إِذا انتقل اسمه انتقالاً كاملاً، فيُقال مثلاً: هذا مَرَقٌ، وهذه قهوة. فحينئذٍ لا يُسمَّى ماءً، وإِنَّما يُسمَّى شراباً؛ يُضاف إِلى ما تغيَّر به، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (¬1). ومما يدلُّ على ضعف ما قاله المؤلِّف: أنهم يقولون: إِن ورق الشجر إذا كان يشقُّ صونُ الماء عنه؛ فوقع فيه وتغيَّر به الماء ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 25)، «الاختيارات» ص (3).

أو رفع بقليله حدث

فهو طَهُور، ولو وضعه إِنسان قصداً فإِنه يصير طاهراً غير مطهِّر. ومعلوم أن ما انتقل حكمه بتغيُّره فإِنه لا فرق بين ما يشُقُّ صون الماء عنه وما لا يشقُّ، ولا بين ما وُضِعَ قصداً أو بغير قصد، كما نقول فيما إِذا تغيَّر الماءُ بنجاسة، فإِنه لا فرق بين ما يشقُّ صون الماء عنه من تلك النجاسة وبين ما لا يشقُّ، ولا بين ما وُضِعَ قصداً وما لم يوضع قصداً؛ ما دامت العِلَّة هي تغيُّر الماء. أوْ رُفِعَ بقليله حَدَثٌ، ............. قوله: «أو رُفِع بقليله حدثٌ»، أي: بقليل الماء ـ وهو ما دون القُلَّتين ـ حَدَثٌ، سواء كان الحَدَث لكلِّ الأعضاء أو بعضها، مثال ذلك: رجل عنده قِدْرٌ فيه ماء دون القُلَّتين، فأراد أن يتوضَّأ فغسل كَفَّيه بعد أن غرف منه، ثم غرف أُخرى فغسل وجهه، فإِلى الآن لم يصرِ الماء طاهراً غير مطهِّر، ثم غمس ذراعه فيه، ونوى بذلك الغمس رفع الحَدَث فنزع يده، فالآن ارتفع الحدث عن اليد، فصدق أنه رُفِعَ بقليله حَدَثٌ فصار طاهراً غير مطِّهر. وليس لهذا دليل، ولكن تعليل؛ وهو أنَّ هذا الماء استُعمل في طهارة فلا يُستعمل فيها مرَّة أخرى، كالعبد إِذا أُعتق فلا يُعتق مرَّة أخرى. وهذا التَّعليل عليل من وجهين: الأول: وجود الفرق بين الأصل والفرع؛ لأن الأصل المقيس عليه وهو الرَّقيق المحرَّر لمَّا حرَّرناه لم يبقَ رقيقاً، وهذا الماء لمّا رُفِع بقليله حدثٌ بقي ماء فلا يصحّ القياس. الثاني: أن الرَّقيق يمكن أن يعود إِلى رِقِّهِ، فيما لو هرب إِلى

أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء

الكُفَّار ثم استولينا عليه فيما بعد؛ فإن لنا أن نسترقَّه، وحينئذٍ يعود إليه وصف الرِقِّ، ثم يصحُّ أن يحرَّر مرَّة ثانية في كفَّارة واجبة. فالصَّواب أن ما رُفع بقليله حدثٌ طَهورٌ؛ لأن الأصل بقاء الطَّهورية، ولا يمكن العُدُول عن هذا الأصل إلا بدليل شرعي يكون وجيهاً. أو غُمِسَ فِيه يَدُ قَائمٍ مِنْ نَوْمِ ليلٍ نَاقضٍ لوضُوءٍ، ........... قوله: «أو غُمِسَ فيه يَدُ قائمٍ مِنْ نَوْمِ ليلٍ ناقضٍ لوضُوءٍ»، الضَّمير في قوله: «فيه» يعود إلى الماء القليل. واليد إِذا أُطلقت فالمراد بها إلى الرُّسغ مفصِل الكفِّ من الذِّراع، فلا يدخل فيها الذِّراع. مثاله: رجل قام من النَّوم في الليل، وعنده قِدْرٌ فيه ماء قليل، فغمس يده إِلى حَدِّ الذِّراع فيكون طاهراً غير مطهِّر بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه؛ فلا يَغمِسْ يدَهُ في الإِناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإِنه لا يدري أين باتت يدُه» (¬1). ففيه النهي عن غمس اليد في الإِناء، والتَّعليل: فإِن أحدكم ... إِلخ، فلو غُمِسَت اليدُ في ماء كثير فإِنَّه يكون طَهُوراً، وإِذا غَمَسَ رَجُلٌ رِجْلَهُ فإِنه طَهُورٌ؛ لأنه قال: «يدٌ»، وكذلك لو غَمَسَ ذَراعه فإِنَّهُ طَهُور، ولو غمس كافرٌ يده فإِنه طَهُور، وكذا المجنون أو الصَّغير؛ لأنه غير مكلَّف، ولو غمس رجل يده بعد أن نام طويلاً في النَّهار فإِنَّه طَهور، وكذا إن نام يسيراً في اللَّيل، ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الاستجمار وتراً، رقم (162)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإِناء، قبل غسلها ثلاثاً، رقم (278) عن أبي هريرة.

هذا تقرير كلامهم رحمهم الله. ولو غمس المكلَّف يده بالشروط التي ذكر المؤلِّفُ كان طاهراً غير مطهِّر. ولكن إِذا تأمَّلتَ المسألةَ وجدتها ضعيفة جداً؛ لأنَّ الحديث لا يدلُّ عليه، بل فيه النهي عن غمس اليد، ولم يتعرَّض النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للماء. وفي قوله: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يدُه»، دليل على أنَّ الماء لا يتغيَّر الحكم فيه؛ لأن هذا التَّعليلَ يدلُّ على أن المسألةَ من باب الاحتياط، وليست من باب اليقين الذي يُرفَعُ به اليقينُ. وعندنا الآن يقينٌ؛ وهو أن هذا الماء طَهُورٌ، وهذا اليقينُ لا يمكنُ رفعُه إلا بيقين، فلا يُرفَعُ بالشَّكِّ. وإذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم نهى المسلمَ أن يغمس يده قبل غسلها ثلاثاً فالكافر من باب أَوْلَى، لأن العِلَّة في المسلم النائم هي العِلَّة في الكافر النَّائم، وكونه لم يوجه الخطاب إِلى الكافرين جوابه: أنَّ الصَّحيح أن الكُفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة، وليس هذا حكماً تكليفيّاً، بل وضعيٌّ. ثم يُقال عن اشتراط التَّكليف: إِن المميِّز يُخاطَبُ بمثل هذا وإِن كان لا يُعاقَبُ، فقد تكون يده ملوَّثة بالنَّجاسة، وقد لا يستنجي ويمسّ فرجه وهو نائم، فكيف يضرُّ غَمْسُ يد المكلَّف الحافظ نفسه، ولا يضرُّ غمس يد المميِّز؟!. فهذا القول ضعيف أثراً ونظراً، أما أثراً فلأن الحديث لا يدلُّ عليه بوجه من الوجوه، وأما نظراً فلأن الشُّروط التي ذكروها

وهي الإِسلام، والتكليف، وأن يكون من نوم ليل لا يتعيَّن أخذُها من الحديث. أوجه استدلالهم لهذه الشروط من الحديث: أنَّ قوله: «أحدكم» المخاطبون مسلمون، فهذا شرط الإسلام، وقوله: «أحدكم» لا يخاطب إِلا المكلَّف. وقوله: «باتت» البيتوتة لا تكون إِلا بالليل. وأيضاً يُشترط أن يكون ناقضاً للوضوء، وأخذ من قوله: «فإن أحدكم لا يدري»، فالنُّوم اليسير يدري الإِنسان عن نفسه فلا يضرُّ. فيقال: يد الكافر ويد الصَّغير الذي لم يميِّز أولى بالتَّأثير. وخلاصة كلامهم: أنه إِذا تمت الشُّروط التي ذكروها وغمس يده في الماء قبل غسلها ثلاثاً فإِنه يكون طاهراً لا طَهُوراً. والصَّواب أنه طَهُور؛ لكن يأثم من أجل مخالفته النهي؛ حيث غمسها قبل غسلها ثلاثاً. ومن أجل ضعف هذا القول قالوا رحمهم الله: إِذا لم يجد الإنسان غيره استعمله ثم تيمَّم من باب الاحتياط (¬1) فأوجبوا عليه طهارتين، ولكن أين هذا الإيجاب في كتاب الله، أو سُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم!؟ فالواجب استعمال الماء أو التُّراب، لكن لشعورهم رحمهم الله بضعف هذا القول بأن الماء ينتقل من الطَّهورية إلى الطَّهارة قالوا: يستعمله ويتيمَّم. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 72، 75)، «شرح منتهى الإِرادات» (1/ 15).

فإن قيل: ما الحكمة في النَّهي عن غمس اليد قبل غسلها ثلاثاً لمن قام من النَّوم؟ أُجيب: أنَّ الحكمة بيَّنها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «فإِنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ». فإن قال قائل: وضعت يدي في جِراب، فأعرفُ أنها لم تمسَّ شيئاً نجساً من بدني، ثم إِنني نمت على استنجاء شرعي، ولو فُرض أنَّها مسَّت الذَّكر أو الدُّبر فإِنَّها لا تنجُس؟ فالجواب: أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إِن العلَّة غير معلومة فالعمل بذلك من باب التَّعبُّد المحض (¬1). لكن ظاهر الحديث أن المسألة معلَّلةٌ بقوله: «فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ». وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا التَّعليل كتعليله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «إذا استيقظ أحدكم من منامه؛ فليستنثر ثلاث مرَّات؛ فإِن الشيطان يبيت على خياشيمه» (¬2). فيمكن أن تكون هذه اليد عبث بها الشيطان، وحمل إليها أشياء مضرَّة للإنسان، أو مفسدة للماء فنهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يغمس يده حتى يغسلها ثلاثاً (¬3). وما ذكره الشيخ رحمه الله وَجيهٌ، وإِلا فلو رجعنا إلى الأمر ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 72، 75)، «شرح منتهى الإِرادات» (1/ 15). (¬2) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق: باب صفة إِبليس وجنوده، رقم (3295)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب الإِيتار في الاستنثار والاستجمار، رقم (238) عن أبي هريرة. (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 44، 45).

أو كان آخر غسلة زالت بها النجاسة فطاهر

الحسِّي لكان الإِنسان يعلم أين باتت يده، لكن السُّنَّة يفسِّر بعضُها بعضاً. أوْ كان آخرَ غَسْلَةٍ زالت بها النجاسة فَطَاهرٌ. ........... قوله: «أوْ كان آخر غَسْلةٍ زالت بها النجاسة فَطَاهرٌ»، الضَّمير يعود إِلى الماء القليل، والمعروف عند الفُقهاء أنه لا بُدَّ لطهارة المحلِّ المُتَنَجِّس أن يُغسل سبعَ مرات (¬1)، فالغسلة الأولى إلى السادسة كلُّ المنفصل من هذه الغسلات نجس؛ لأنه انفصل عن محلٍّ نجس. مثاله: رجل يغسل ثوبه من نجاسة فالذي ينفصل من الماء من الغسلة الأولى إِلى السَّادسة نجس؛ لأنه انفصل عن محَلٍّ نجس وهو يسير، فيكون قد لاقى النَّجاسة وهو يسير، وما لاقى النَّجاسة وهو يسير فإِنه ينجس بمجرَّد الملاقاة. أما المنفصل في الغسلة السَّابعة فيكون طاهراً غير مطهِّر؛ لأنَّه آخر غسلة زالت بها النَّجاسة، فهو طاهر؛ لأنه أثَّر شيئاً وهو التطهير، فلما طَهُرَ به المحلُّ صار كالمستعمل في رفع حَدَث، ولم يكن نجساً لأنَّه انفصل عن محلٍ طاهر، وأما المنفصل عن الثَّامنة فطَهُورٌ؛ لأنَّه لم يؤثِّر شيئاً ولم يُلاقِ نجاسة. وهذا إِذا كانت عين النَّجاسة قد زالت، وإِذا فُرِضَ أن النَّجاسة لم تزل بسبع غسلات، فإِن ما انفصل قبل زوال عين النَّجاسة نجسٌ لأنه لاقى النَّجاسة وهو يسير. وقوله: «فطاهر»، هذا جواب قوله: «وإِن تغيَّر طعمه ... »، إلخ. ¬

_ (¬1) انظر: ص (421).

والنجس ما تغير بنجاسة، أو لاقاها، وهو يسير

وهذا هو الطَّاهر على قول من يقول: إن المياه تنقسم إِلى ثلاثة أقسام: طَهُور، وطاهر، ونجس. والصَّحيح أن الماء قسمان فقط: طَهُور ونجس. فما تغيَّر بنجاسة فهو نجس، وما لم يتغيَّر بنجاسة فهو طَهُور، وأن الطَّاهر قسم لا وجود له في الشَّريعة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام (¬1). والدَّليل على هذا عدم الدَّليل؛ إذ لو كان قسم الطَّاهر موجوداً في الشَّرع لكان أمراً معلوماً مفهوماً تأتي به الأحاديث بيِّنةً واضحةً؛ لأنه ليس بالأمر الهيِّن إذ يترتَّب عليه إِمَّا أن يتطهَّر بماء، أو يتيمَّم. فالنَّاس يحتاجون إِليه كحاجتهم إلى العِلْم بنواقض الوُضُوء وما أشبه ذلك من الأمور التي تتوافر الدَّواعي على نقلها لو كانت ثابتة. والنَّجسُ ما تغيَّرَ بنجاسةٍ، أوْ لاَقَاهَا، وهو يسيرٌ، ............. قوله: «والنَّجس ما تغيَّر بنجاسة»، أي: تغيَّر طعمه أو لونه أو ريحه بالنَّجاسة، ويُستثنى من المتغيِّر بالرِّيح ما إِذا تغيَّر بمجاورة ميتة، وهذا الحكم مُجمَعٌ عليه، أي أن ما تغيَّر بنجاسة فهو نجس، وقد وردت به أحاديث مثل: «الماء طَهُور لا ينجِّسه شيء» (¬2). قوله: «أو لاقاها وهو يسير»، أي: لاقى النَّجاسة وهو دون القُلَّتين، والدَّليل مفهوم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا بلغ الماء قُلَّتين لم ينجِّسْه شيء» (¬3). ومفهوم قوله: «وهو يسير» أنه إِن لاقاها وهو كثير فإِنَّه لا ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 236)، «الاختيارات» ص (3). (¬2) تقدم تخريجه ص (39). (¬3) تقدم تخريجه ص (40).

أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها، فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب، ونحوه

ينجس، لكن يُستثنى من هذا بول الآدمي وعَذِرَتُه كما سبق. والصَّحيح: أنَّ هذا ليس من قسم النَّجس إِلا أن يتغيَّر. ويُستثنى من ذلك ـ على المذهب ـ ما إِذا لاقاها في محلِّ التطهير، فإِنه لا ينجس (¬1). مثال ذلك: لو أن إِنساناً في ثوبه نجاسة؛ وأراد إِزالتها؛ فإِنَّه يصبُّ عليها ماءً يسيراً دون القُلَّتين. فإن قلنا إِنه تنجَّس بمجرد ملاقاة النَّجاسة في محلِّها وهو الثوب؛ لم يمكن تطهير هذا النَّجس؛ لأن الماء إِذا تنجَّس بالملاقاة لم يطهِّر النَّجاسة، وهكذا لو صببت ماءً آخر، ومن أجل ذلك استثنوا هذه المسألة. أوِ انفَصَلَ عَنْ محلِّ نَجَاسَةٍ قَبْلَ زوالها، فإِن أضِيفَ إِلى الماء النَّجسِ طَهُورٌ كثيرٌ غيرُ ترابٍ، ونحوِه، ............ قوله: «أو انفصل عن محلِّ نجاسة قبل زوالها»، أي: قبل زوال حكمها. مثاله: ماء نطهِّر به ثوباً نجساً، والنَّجاسة زالت في الغسلة الأولى وزال أثرها نهائياً في الغسلة الثانية، فغسلناه الثَّالثة والرابعة والخامسة والسَّادسة، فالماء المنفصل من هذه الغسلات نجس، لأنه انفصل عن محلِّ النَّجاسة قبل زوالها حكمها. قوله: «فإِن أُضيف إِلى الماء النَّجِسِ طَهُورٌ كثيرٌ غيرُ ترابٍ، ونحوِه»، في هذا الكلام بيان طُرق تطهير الماء النَّجس، وقد ذكر ثلاث طُرقٍ في تطهير الماء النَّجس: إحداها: أن يضيف إِليه طَهوراً كثيراً غير تراب ونحوه، ¬

_ (¬1) انظر: «الإِقناع» (1/ 11).

أو زال تغير النجس الكثير بنفسه

واشترط المؤلِّفُ أن يكون المضافُ كثيراً؛ لأنَّنا لو أضفنا قليلاً تنجَّس بملاقاة الماء النَّجس. مثاله: عندنا إِناءٌ فيه ماء نجس مقداره نصف قُلَّة، وهذا الإِناء كبير يأخذ أكثر من قُلَّتين، فإِذا أردنا أن نطهِّره نأتي بقُلَّتين ثم نفرغ القُلَّتين على نصف القُلَّة، فنكون قد أضفنا إِليه ماءً كثيراً؛ فيكون طَهُوراً إِذا زال تغيُّره، فإِن أضفنا إِليه قُلَّة واحدة؛ وزال التغيُّر فإِنَّه لا يكون طَهُوراً، بل يبقى على نجاسته؛ لأنه لاقى النَّجاسة وهو يسير فينجس به ولا يطهِّره، ولا بُدَّ أن تكون إِضافة الماء متَّصلة، لأنَّنا إِذا أضفنا نصفَ قُلَّة، ثم أتينا بأخرى يكون الأول قد تنجَّس، وهكذا فيُشترط في المُضاف أن يكون طَهُوراً كثيراً، والمُضاف إِليه لا يُشترط فيه أن يكون كثيراً أو يسيراً، فإذا كان عندنا إِناءٌ فيه قُلَّتان نجستان ولكنَّه يأخذ أربع قِلال، وأضفنا إِليه قُلَّتين وزال تغيُّره فإِنَّه يَطْهُر مع أن النَّجس قُلَّتان. أوْ زَالَ تغيُّرُ النجسِ الكثير بنفسِهِ، ........... قوله: «أو زال تغيُّر النَّجس الكثير بنفسه»، الكثير: هو ما بلغ قُلَّتين، وهذه هي الطَّريقة الثَّانية لتطهير الماء النَّجس، وهي أن يزول تغيُّره بنفسه إِذا كان كثيراً. مثاله: ماء في إِناء يبلغ قُلَّتين وهو نجس، ولكنه بقي يومين أو ثلاثة وزالت رائحته ولم يبقَ للنَّجاسة أثر، ونحن لم نُضِفْ إِلَيْهِ شيئاً، فيكون طَهُوراً، لأنَّ الماء الكثير يقوى على تطهير غيره، فتطهير نفسه من باب أولى. والخلاصة: أنه إِذا كان قُلَّتين فإِنه يطهر بأمرين: 1 ـ الإضافة كما سبق.

أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير طهر

2 ـ زوال تغيُّره بنفسه. أوْ نُزِحَ منه فَبَقِيَ بعده كثيرٌ غَيْرُ مُتغيرٍ طَهُرَ ........ قوله: «أو نُزِحَ منه فبقِيَ بعده كثيرٌ غَيْرُ مُتغيرٍ طَهُرَ»، هذه هي الطَّريقة الثَّالثة لتطهير الماء النَّجس، وهي أن يُنزح منه حتى يبقى بعد النَّزح طَهُور كثير. فالضَّمير في قوله: «منه» يعود إلى الماء الكثير، وفي قوله: «بعده» إِلى النَّزْح. ففي هذه الصُّورة لا بُدَّ أن يكون الماء المتنجِّس أكثر من قُلَّتين؛ لأنَّ المؤلِّفَ اشترط أن يبقى بعد النَّزْح كثير، أي: قُلَّتان فأكثر. فإن كان عند الإنسان إِناء فيه أربع قِلال وهو نجس، ونُزِحَ منه شيء وبقي قُلَّتان، وهذا الباقي لا تغيُّر فيه فيكون طَهُوراً. والخلاصة: أن ما زاد على القُلَّتين يمكن تطهيره بثلاث طُرق: 1 ـ الإِضافة كما سبق. 2 ـ زوال تغيُّرِه بنفسه. 3 ـ أنْ يُنْزَح منه؛ فيبقى بعده كثير غير متغيِّر. والقول الصَّحيح: أنه متى زال تغيُّر الماء النَّجس طَهُرَ بأي وسيلة كانت. وقوله: «غير تراب ونحوه»، استثنى المؤلِّفُ هذه من مسألة الإِضافة، فلو أضفنا تراباً، ومع الاختلاط بالتُّراب وترسُّبه زالت النَّجاسة، فلا يَطْهُر مع أنَّه أحد الطَّهورين، قالوا: لأن التطهر

شك في نجاسة ماء، أو غيره، أو طهارته

بالتُّراب ليس حسِّيًّا، بل معنويٌّ (¬1)، فالإنسان عند التيمُّم لا يتطهَّر طهارة حسِّيَّة بل معنويَّة. وقوله: «ونحوه» كالصَّابون وما شابهه؛ لأنه لا يُطهر إِلا الماء، وما مشى عليه المؤلِّف هو المذهب. والصحيح: أنه إِذا زال تغيُّر الماء النَّجس بأي طريق كان فإنه يكون طَهُوراً؛ لأن الحكم متى ثبت لِعِلَّة زال بزوالها. وأيُّ فرق بين أن يكون كثيراً، أو يسيراً، فالعِلَّة واحدة، متى زالت النَّجَاسة فإِنه يكون طَهُوراً وهذا أيضاً أيسر فهماً وعملاً. واعلم أن هذا الحكم ـ على المذهب ـ بالنِّسبة للماء فقط، دون سائر المائعات، فسائر المائعات تَنْجُس بمجرَّد الملاقاة، ولو كانت مِائة قُلَّة، فلو كان عند إِنسان إِناء كبير فيه سمن مائع وسقطت فيه شعرة من كلب؛ فإِنَّه يكون نجساً، لا يجوز بيعه؛ ولا شراؤه؛ ولا أكله أو شربه. والصَّواب: أَن غير الماء كالماء لا يَنْجُس إِلا بالتغيُّر. شَكَّ في نجاسةِ ماءٍ، أو غيرِه، أوْ طهارته ............ قوله: «وإِن شكَّ في نجاسة ماء، أو غيرِه، أوْ طَهارته»، أي: في نجاسته إِذا كان أصله طاهراً، وفي طهارته إِذا كان أصله نجساً. مثال الشَكِّ في النَّجاسة: لو كان عندك ماء طاهر لا تعلم أنَّه تنجَّس؛ ثم وجدت فيه روثة لا تدري أروثة بعير، أم روثة ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 52).

بنى على اليقين،

حمار، والماء متغيِّر من هذه الرَّوثة؛ فحصل شكٌّ هل هو نجس أم طاهر؟ فيُقال: ابْنِ على اليقين، واليقين أنه طَهُور، فتطهَّر به ولا حرج. وكذا إِذا حصل شكُّ في نجاسة غير الماء. مثاله: رجل عنده ثوب فشكَّ في نجاسته، فالأصل الطَّهارة حتى يعلم النَّجاسة. وكذا لو كان عنده جلد شاة، وشكَّ هل هو جلدُ مُذَكَّاة، أم جلد ميتة، فالغالب أنه جلد مُذَكَّاة فيكون طاهراً. وكذا لو شَكَّ في الأرض عند إِرادة الصَّلاة هل هي نجسة أم طاهرة، فالأصل الطَّهارة. ومثال الشكِّ في الطَّهارة: لو كان عنده ماء نجس يعلم نجاسته؛ فلما عاد إليه شكَّ هل زال تغيُّره أم لا؟ فيُقال: الأصل بقاء النَّجاسة، فلا يستعمله. بَنَى على اليَقِينِ، ............ قوله: «بَنَى على اليقين»، اليقين: هو ما لا شَك فيه، والدَّليل على ذلك من الأثر حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم شُكِيَ إِليه الرَّجل يجدُ الشيءَ في بطنه؛ فيُشكل عليه، هل خرج منه شيءٌ أم لا؟ فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجدَ ريحاً» (¬1). فأمرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالبناء على الأصل، وهو بقاء ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب من لم يرَ الوضوء إِلا من المخرجين، رقم (177)، ومسلم، كتاب الحيض: باب الدليل على أن من تيقَّن الطهارة ثم شكَّ في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، رقم (361).

الطَّهارة. ولما قال الصَّحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله، إِنَّ قوماً يأتونا باللَّحم؛ لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «سَمُّوا أنتم وكُلُوه». قالت عائشة رضي الله عنها وهي راويةُ الحديث: وكان القوم حديثي عهد بالكفر (¬1)، مع أنَّه يغلب على الظنِّ هنا أنَّهم لم يذكروا اسمَ الله، لحداثة عهدهم بالكُفر، ومع هذا لم يأمرْهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالسؤال ولا البحث. ويُروى أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ هو وعمرو بن العاص بصاحب حوض، فسأل عمرو بن العاص صاحبَ الحوض: هل هذا نجس أم لا؟ فقال له عمر: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا (¬2). وفي رواية: أن الذي أصابهم ماء ميزاب، فقال عمر: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا. ومن النَّظر: أنَّ الأصل بقاء الشيء على ما كان حتى يتبيَّن التغيُّر، وبناءً عليه: إِذا مرَّ شخص تحت ميزاب وأصابه منه ماء، فقال: لا أدري هل هذا من المراحيض، أم من غسيل الثِّياب، وهل هو من غسيل ثياب نجسة، أم غسيل ثياب طاهرة؟ فنقول: ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، رقم (5507). (¬2) رواه مالك في «الموطأ»، كتاب الطهارة: الطهور للوضوء، رقم (47)، وعبد الرزاق (250) عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب .. فذكره. ويحيى لم يسمع من عمر كما قال ابن معين. انظر: «تهذيب الكمال» (31/ 437) فالأثر منقطع.

وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما، ولم يتحر

الأصل الطَّهارة حتى ولو كان لون الماء متغيِّراً. قالوا: ولا يجب عليه أن يشمَّه أو يتفقَّده، وهذا من سعة رحمة الله. وإِن اشْتَبَهَ طَهُورٌ بنجسٍ حَرُمَ استِعْمَالُهُمَا، ولم يَتَحَرَّ، ........ قوله: «وإِن اشتبه طَهور بنجس حَرُمَ استعْمَالُهُمَا»، يعني: إِن اشتبه ماء طهور بماء نجس حرم استعْمَالُهُمَا، لأن اجتناب النَّجس واجب، ولا يتمُّ إِلا باجتنابهما، وما لا يتمُّ الواجب إِلا به فهو واجب، وهذا دليل نظري. وربما يُستدلُّ عليه بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال في الرَّجُل يرمي صيداً فيقع في الماء: «إن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكلْ، فإِنك لا تدري، الماءُ قَتَله أم سهمُك؟ (¬1)». وقال: «إذا وجدت مع كلبك كلباً غيره فلا تأكل، فإِنَّك لا تدري أيُّهما قتله» (¬2)؟. فأمر باجتنابه، لأنّه لا يُدرى هل هو من الحلال أم الحرام؟ قوله: «ولم يتحرَّ»، أي: لا ينظر أيُّهما الطَّهور من النَّجس، وعلى هذا فيتجنَّبُهُما حتى ولو مع وجود قرائن، هذا المشهور من المذهب. وقال الشَّافعي رحمه الله: يتحرَّى (¬3). وهو الصَّواب، وهو ¬

_ (¬1) واللفظ له عن عدي بن حاتم. (¬2) (¬3) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 180).

ولا يشترط للتيمم إراقتهما، ولا خلطهما

القول الثَّاني في المذهب (¬1) لقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في مسألة الشكِّ في الصَّلاة: «وإذا شَكَّ أحدُكُم في صلاته فليتحرَّ الصَّوابَ ثم ليَبْنِ عليه» (¬2)، فهذا دليل أثريٌّ في ثبوت التَّحرِّي في المشتبهات. والدَّليل النَّظري: أنَّ من القواعد المقرَّرة عند أهل العلم أنَّه إذا تعذَّر اليقين رُجع إِلى غلبة الظنِّ، وهنا تعذَّر اليقينُ فنرجع إِلى غلبة الظنِّ وهو التحرِّي. هذا إن كان هناك قرائن تدلُّ على أن هذا هو الطَّهور وهذا هو النَّجس، لأن المحلَّ حينئذ قابل للتحرِّي بسبب القرائن، وأما إذا لم يكن هناك قرائن؛ مثل أن يكون الإِناءان سواء في النَّوع واللون فهل يمكن التَّحرِّي؟ قال بعض العلماء: إِذا اطمأنت نفسُه إِلى أحدهما أخذ به (¬3)، وقاسوه على ما إِذا اشتبهت القِبْلة على الإِنسان؛ ونظر إلى الأدلَّة فلم يجد شيئاً، فقالوا: يصلِّي إِلى الجهة التي تطمئنُّ إِليها نفسُه. فهنا أيضاً يستعمل ما اطمأنت إِليه نفسه، ولا شكَّ أن استعمال أحد الماءين في هذه الحال فيه شيء من الضَّعف؛ لكنَّه خير من العدول إلى التيمُّم. ولا يُشْتَرَطُ للتيمم إِراقتُهمَا، ولا خَلْطُهُمَا، ............. قوله: «ولا يُشترط للتيمُّم إِراقتهما، ولا خلطُهما»، أفادنا المؤلِّفُ رحمه الله أنه في حال اجتنابهما يتيمَّم. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 130، 132). (¬2) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (401)، ومسلم، كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم (572). (¬3) انظر: «المغني» (1/ 82)، «المجموع شرح المهذب» (1/ 184).

وإن اشتبه بطاهر توضأ منهما وضوءا واحدا، من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، وصلى صلاة واحدة

مثاله: رجل عنده إِناءان أحدهما طَهُور، والآخر نجس، وشكَّ أيُّهما الطَّهور؛ فنقول: يجب عليه اجتنابُهما. فإن قال: فماذا أعملُ إِذا أردت الصَّلاة؟ نقول: تيمَّم؛ لأنك غير قادر على استعمال الماء؛ لاشتباه الطَّهور بالنَّجس؛ فيشمله قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]. وهل يُشترط للتيمُّم إراقتهما أو خلطهما؟ فيه قولان (¬1)، ولهذا نفى المؤلِّف اشتراط إِراقتهما أو خلطهما رداً للقول الثاني، وإِلا لما كان لنفيه داعٍ، فقال: «ولا يُشتَرط ... إلخ» لردِّ قول من قال: إنه يُشتَرط إِراقتهما، أو خلطهما، وهو قولٌ في المذهب. قالوا: لا يمكن أن يتيَمَّم حتى يُريقَ الماءين؛ ليكون عادماً للماء حقيقة، أو يخلطهما حتى يتحقَّق النَّجاسة. وعُلم من ذلك أنه إذا أمكن تطهيرُ أحدهما بالآخر وجب التطهير، ولا يحتاج إِلى التيمُّم، وذلك إذا كان كلُّ واحد من الإناءين قُلَّتين فأكثر؛ فيُضاف أحدُهما إلى الآخر، فإِن الطَّهور منهما يطهِّر النَّجس إِذا زالَ تغيُّره. وإن اشتَبَه بطَاهِر تَوَضَّأ منهمَا وُضُوءاً واحداً، مِنْ هذا غَرْفَةٌ، ومن هذا غَرفةٌ، وصَلَّى صلاةً واحدةً. قوله: «وإِن اشتَبَه بطَاهر تَوَضّأ منهمَا وُضُوءاً واحداً، مِنْ هذا غَرْفَةٌ، ومن هذا غَرفةٌ، وصَلَّى صلاةً واحدةً»، هذه المسألة لا تَرِدُ على ما صحَّحناه؛ لعدم وجود الطَّاهر غير المطهِّر على القول الصَّحيح، لكن تَرِدُ على المذهب، وسبق بيان الطَّاهر (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 135). (¬2) انظر: ص (47).

مثاله: ماء غُمِسَ فيه يدُ قائم من نوم ليل ناقض للوُضُوء، فإِنَّه يكون طاهراً غير مطهِّر، وماء طَهُور اشتبه أحدهما بالآخر، فلا يتحرَّى ولا يتيمَّم؛ لأنَّ استعمال الطَّاهر هنا لا يضرُّ؛ بخلاف المسألة السَّابقة التي اشتبه فيها الطَّهور بالنَّجس، فإِنه لو استعمله تنجَّس ثوبه وبدنه، وعلى هذا فيتوضَّأُ وُضُوءاً واحداً من هذا غرفة، ومن هذا غرفة؛ لأجل أنَّه إِذا أتمَّ وضوءه، فإِنه تيقَّن أنه توضَّأ بطَهُور فيكون وضوؤُه صحيحاً. فإن قيل: لماذا لا يتوضَّأ من هذا وضوءاً كاملاً، ومن الآخر كذلك؟ فالجواب: أنه لا يصحُّ لوجهين: الأول: أَنه لو فعل ذلك لكان يخرج من كلِّ وُضُوء وهو شاكٌّ فيه، ولا يصحُّ التردُّد في النيَّة. الثاني: أَنه إِذا توضَّأ وُضُوءاً كاملاً من الأوَّل، وقدَّرنا أنَّه هو الطَّهور ثم توضَّأ وُضُوءاً كاملاً من الثَّاني الذي هو الطَّاهر، فرُبَّما يجزم في الوُضُوء الأول، أو يغلب على ظنِّه أنَّه استعمل الطَّهور في غسل اليدين والطَّاهر في غسل الوجه، وفي الوُضُوء الثاني أنه استعمل الطَّاهر في غَسْلِ اليدين والطَّهور في غَسْل الوجه، فيكون غَسْلُ الوجه، الذي حصلت به الطَّهارةُ؛ بعد غَسلِ اليدين وذلك إخلالٌ بالتَّرتيب. ولا يُقال: إِنه باجتماعهما حصل اليقينُ؛ لأن أحدهما حين فعله له كان شاكًا فيه غير متيقِّن، ويُصلِّي صلاةً واحدة. وقال بعض العلماء: يتوضَّأ أولاً ثم يُصلِّي، ثم يتوضَّأ ثانياً

وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة

ثم يُصلِّي (¬1)؛ لأجل أن يتيقَّن بالفعلين أنه توضَّأ وضوءاً صحيحاً، وصلَّى صلاةً صحيحةً. وأمَّا على القول الرَّاجح فهذه المسألة ليست واردةً أصلاً؛ لأن الماء لا يكون طاهراً، بل إِما طَهوراً، وإِما نجس. وإِن اشْتَبَهَتْ ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ ............. قوله: «وإن اشتبهت ثياب طاهرةٌ بنجسة ... »، هذه المسألة لها تعلُّق في باب اللباس، وفي باب ستر العورة في شروط الصَّلاة، ولها تعلُّق هنا، وتعلُّقها هنا من باب الاستطراد؛ لأن الثِّياب لا علاقة لها في الماء. مثال هذه المسألة: رجل له ثوبان، أحدهما نجاسته متيقَّنة، والثاني طاهر، ثم أراد أن يلبسهما فشكَّ في الطَّاهر من النَّجس، فيصلِّي بعدد النَّجس ويزيد صلاة؛ لأنَّ كلَّ ثوبٍ يُصلِّي فيه يحتمل أن يكون هو النَّجس، فلا تصحُّ الصَّلاة به، ومن شروط الصَّلاة أن يُصلّيَ بثوب طاهر، ولا يمكن أن يُصلِّي بثوبٍ طاهر يقيناً إِلا إِذا فعل ذلك. فإِن كان عنده ثلاثون ثوباً نجساً وثوب طاهر، فإنَّه يُصلِّي واحداً وثلاثين صلاة كلَّ وقت، وهذا فرضاً، وإلا فيُمكن أن يغسل ثوباً، أو يشتريَ جديداً، هذا ما مشى عليه المؤلِّف. والصَّحيح: أنه يتحرَّى، وإِذا غلب على ظَنِّه طهارة أحد الثِّياب صَلَّى فيه، والله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها، ولم يوجب الله على الإِنسان أن يُصلِّيَ الصَّلاة مرتين. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 137، 139).

أو بمحرمة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس أو المحرم، وزاد صلاة

فإن قلت: ألا يحتمل مع التحرِّي أن يُصلِّيَ بثوب نجس؟ فالجواب: بلى، ولكن هذه قدرته، ثم إِنَّ الصَّلاة بالثَّوب النَّجس عند الضَّرورة، الصَّواب أنها تجوز. أما على المذهب فيرون أنك تُصلِّي فيه وتُعيد، فلو فرضنا أن رجلاً في الصَّحراء، وليس عنده إِلا ثوبٌ نجسٌ وليس عنده ما يُطهِّر به هذا الثوبَ، وبقي شهراً كاملاً، فيُصلِّي بالنَّجس وجوباً، ويُعيد كلَّ ما صَلَّى فيه إذا طهَّره وجوباً. يُصلِّي لأنه حضر وقت الصلاة وأُمِرَ بها، ويعيد لأنَّه صلَّى في ثوب نجس. وهذا ضعيف، والرَّاجحُ أنَّه يُصلِّي ولا يعيد، وهم ـ رحمهم الله ـ قالوا: إِنَّه في صلاة الخوف إِذا اضطر إلى حمل السلاح النَّجس حَمَلَه ولا إعادة عليه للضَّرورة (¬1)، فيُقال: وهذا أيضاً للضَّرورة؛ وإِلا فماذا يصنع؟ أو بمحرَّمةٍ صلَّى في كلِّ ثوبٍ صلاةً بعددِ النَّجس أو المحرَّم، وزَاد صلاةً ............ قوله: «أو بمحرَّمةٍ صلَّى في كلِّ ثوبٍ صلاةً بعددِ النَّجس أو المحرَّم، وزَاد صلاةً»، أي: إذا اشتبهت ثيابٌ محرَّمةٌ بمباحة، هذه المسألة لها صورتان: الأولى: أن تكون محرَّمة لحقِّ الله كالحرير. فمثلاً: عنده عشرة أثواب حرير طبيعي، وثوب حرير صناعي فاشتبها؛ فيُصلِّي إِحدى عشرة صلاة، ليتيقَّن أنه صَلَّى في ثوب حلال. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِقناع» (1/ 288).

الثانية: أن تكون محرَّمةً لحقِّ الآدمي، مثل إِنسان عنده ثوب مغصوب وثوب ملك له، واشتبه عليه المغصوب بالمِلْك، فيُصلِّي بعدد المغصوب ويزيد صلاة. فإن قيل: كيف يُصلِّي بالمغصوب وهو مِلْكُ غيره؟ ألا يكون انتفع بملْك غيره بدون إِذنه؟ فالجواب: أنَّ استعمال مِلْكِ الغير هنا للضَّرورة، وعليه لهذا الغير ضمان ما نقص الثوبُ، وأجرتُه، فلم يُضِعْ حقَّ الغير. والصَّحيح: أنه يتحرَّى، ويُصلِّي بما يغلب على ظَنِّه أنَّه الثَّوب المباح ولا حرج عليه؛ لأن الله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها. ولو فرضنا أنه لم يمكنه التحرِّي لعدم وجود القرينة، فإِنه يصلِّي فيما شاء؛ لأنه في هذه الحال مضطر إلى الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم ولا إعادة عليه. ثم إِن في صحة الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم نزاعاً يأتي التَّحقيق فيه إن شاء الله (¬1). ¬

_ (¬1) في باب شروط الصلاة.

باب الآنية

بابُ الآنية قوله: «باب» الباب: هو ما يُدخَلُ منه إلى الشَّيء، والعُلماء رحمهم الله تعالى يضعون: كتاباً، وباباً، وفصلاً. فالكتاب: عبارة عن جملة أبواب تدخل تحت جنس واحد، والباب نوع من ذلك الجنس كما نقول: «حَبٌّ» فيشمل الشعيرَ، والذُّرةَ، والرُّزَّ، لكنَّ الشعير شيءٌ، والرُّز شيءٌ آخر. فمثلاً: كتاب الطَّهارة يشمل كلَّ جنس يصدق عليه أنه طهارة، أو يتعلَّق بها. لكن الأبواب أنواع من ذلك الجنس، كباب المياه، وباب الوُضُوء، وباب الغسل ونحو ذلك. أما الفصول: فهي عبارة عن مسائل تتميَّز عن غيرها ببعض الأشياء، إِما بشروط أو تفصيلات. وأحياناً يُفَصِّلون الباب لطول مسائله، لا لأن بعضها له حكمٌ خاصٌّ، ولكن لطول المسائل يكتبون فصولاً. قوله: «الآنية»، جمع إِناء، وهو الوعاء، وذكرها المؤلِّفُ هنا، وإِن كان لها صلة في باب الأطعمة ـ لأن الأطعمة لا تؤكل إِلا بأوانٍ ـ لأنَّ لها صلة في باب المياه، فإِن الماء جوهر سيَّال لا يمكن حفظه إلا بإِناء؛ ولذلك ذكروا باب الآنية بعد باب المياه، ومعلوم أنَّ من الأنسب إِذَا كان للشيء مناسبتان أن يُذكرَ في المناسبة الأولى ويُحَالُ عليه في الثَّانية؛ لأنَّه إِذا أُخِّرَ

إِلى المناسبة الثَّانية فاتت فائدتُه في المناسبة الأولى، لكن إِذا قُدِّم في المناسبة الأولى؛ لم تَفُتْ فائدته في المناسبة الثانية اكتفاءً بما تقدَّم. والأصل في الآنية الحِلُّ، لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ومنه الآنية؛ لأنها مما خُلِقَ في الأرض، لكن إِذا كان فيها شيء يوجب تحريمها، كما لو اتُّخذت على صورة حيوان مثلاً فهنا تحرم، لا لأنها آنية، ولكن لأنها صارت على صورة محرَّمةٍ. والدَّليل من السُّنَّة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وما سَكَتَ عنه فهو عَفْوٌ» (¬1). وقوله أيضاً: «إن الله فَرَض فرائض فلا تضيِّعوها، وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» (¬2). فيكون الأصل فيما سَكَتَ اللَّهُ عنه الحِلَّ إِلا في العبادات، ¬

_ (¬1) وابن أبي حاتم الرازي في تفسيره [ابن كثير (مريم الآية: 64)]، والحاكم (2/ 375)، والبيهقي (10/ 12) بأسانيدهم عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء به مرفوعاً. قال البزار: «إِسناده صالح». قال الحاكم: «صحيح الإِسناد»، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي: «إِسناده حسن ورجاله موثَّقُون». «المجمع» (1/ 171). وانظر: «الفتح» شرح حديث رقم (7289). (¬2) رواه الطبراني في «الكبير» (22/رقم 589)، والدارقطني (4/ 184)، والحاكم (4/ 115) وعنه البيهقي (10/ 12) كلهم من طريق مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعاً، وأعله أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم وابن رجب بعدم سماع مكحول من أبي ثعلبة الخشني. وانظر: «جامع العلوم والحكم» الحديث الثلاثون.

فالأصل فيها التَّحريم؛ لأن العبادة طريقٌ موصلٌ إلى الله عزّ وجل، فإذا لم نعلم أن الله وضعه طريقاً إليه حَرُمَ علينا أن نتَّخذه طريقاً، وقد دلَّت الآيات والأحاديث على أن العبادات موقوفةٌ على الشَّرع. قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، فدلَّ على أن ما يَدينُ العبد به ربَّه لا بُدَّ أن يكون الله أَذِنَ به. وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إيَّاكم ومحدثات الأمور، فإِن كُلَّ بدعةٍ ضلالة» (¬1). ولا فرق في إِباحة الآنية بين أن تكونَ الأواني صغيرةً أو كبيرةً، فالصَّغير والكبير مباح، قال تعالى عن نبيه سليمان صلّى الله عليه وسلّم: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13]. الجَفْنَة: تشبه الصَّحفة. وقوله: «وقُدورٍ راسيات» لا تُحْمل لأنَّها كبيرة، راسية لكثرة ما يُطبخ فيها، فتبقى على مكانها، ولكن إذا خرج ذلك إلى حدِّ الإِسراف صار محرَّماً لغيره، وهو الإِسراف ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 126)، وأبو داود، كتاب السنَّة: باب في لزوم السنَّة، رقم (4607)، والترمذي، كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتناب البدع رقم (2676)، وابن ماجه، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين رقم (42)، وغيرهم كثير؛ من حديث العرباض بن سارية. والحديث صَحَّحه جمعٌ من أهل العلم منهم: ابن تيمية، وابن القيم، وأبو نعيمٍ، وأبو العباس الدغولي وغيرهم. انظر: «الاقتضاء» ص (267)، «إِعلام الموقعين» (4/ 180)، «إِجمال الإِصابة» للعلائي (49).

كل إناء طاهر، ولو ثمينا

لقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. كُلُّ إِناءٍ طَاهِرٍ، ولو ثَمِيناً ............ قوله: «كلُّ إناءٍ طاهر»، هذا احتراز من النَّجس، فإِنَّه لا يجوز استعماله؛ لأنَّه قذر، وفيما قال المؤلِّفُ نظر، لأن النَّجس يباح استعمالُه إِذا كان على وجه لا يتعدَّى، والدَّليل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال حين فتح مكَّة: «إِن الله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام»، قالوا: يا رسول الله؛ أرأيت شُحوم الميتة، فإِنَّها تُطلى بها السُّفن، وتُدهن بها الجلود، ويَستصبح بها النَّاس، فقال: «لا، هو حرام» (¬1). فأقرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هذا الفعل مع أنَّ هذه الأشياء نجسة، فدلَّ ذلك على أن الانتفاع بالشيء النَّجس إذا كان على وجه لا يتعدَّى لا بأس به، مثاله أن يتَّخذ «زِنْبِيلاً» نجساً يحمل به التُّراب ونحوه، على وجهٍ لا يتعدَّى. قوله: «ولو ثميناً»، «لو»: إِشارة خلاف، والمعنى: ولو كان غالياً مثل: الجواهر، والزُّمرُّد، والماس، وما شابه ذلك فإنه مباح اتَّخاذه واستعماله. وقال بعضُ العلماء: إِنَّ الثمين لا يُباح اتِّخاذه واستعماله، لما فيه من الخُيلاء، والإِسراف (¬2)، وعلى هذا يكون تحريمُه لغيره لا لذاته، وهو كونُه إسرافاً وداعياً إِلى الخُيلاء والفخر، لا لأنَّه ثمين. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب البيوع: باب بيع الميتة والأصنام، رقم (2236)، ومسلم، كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة والأصنام، رقم (1581). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 143، 144).

يباح اتخاذه واستعماله، إلا آنية ذهب وفضة

يُبَاحُ اتخاذُهُ واستِعْمَالُه، إلا آنيةَ ذَهَبٍ وفضَّةٍ، ............... قوله: «يُباحُ اتِّخاذه واستعماله»، «يُباحُ»: خبر المبتدأ وهو قوله: «كلُّ إِناء»، والتَّركيب هنا فيه شيء من الإِيهام؛ لأن قوله: «يُباح اتِّخاذُه واستعمَالُه» قد يَتَوَهَّم الواهم أنَّها صفة لا أنها خبر، ويتوقَّعُ الخبرَ، ولهذا لو قال: يُباح كُلُّ إِناءٍ طاهر ولو ثميناً. لكان أَوْلَى، ولكن على كُلِّ حالٍ المعنى واضح. وقوله: «اتِّخاذُه واستعمَالُه»، هناك فرق بين الاتِّخاذ والاستعمال، فالاتِّخاذ هو: أن يقتنيَه فقط إِما للزِّينة، أو لاستعماله في حالة الضَّرورة، أو للبيع فيه والشِّراء، وما أشبه ذلك. أما الاستعمال: فهو التلبُّس بالانتفاع به، بمعنى أن يستعمله فيما يستعمل فيه. فاتِّخاذها جائز، وإِن زادت على قَدْرِ الحاجة، فلو كان عند إِنسان إِبريق شاي وأراد أن يشتريَ إِبريقاً آخر جاز له ذلك، بمعنى أنه يجوز اتِّخاذه وإِن لم يستعمله الآن، لكن اتَّخذه لأنه رُبَّما يحتاجه فيبيعه، أو يستعيره منه أحد، أو يفسد ما عنده، أو يأتي ضيوف لا يكفيهم ما عنده. قوله: «إلا آنيةَ ذهب وفضَّة»، من القواعد الأصولية: «أَن الاستثناء معيار العُمُوم». يعني: لو أنَّ أحداً استثنى من كلام عام فإِن ما سوى هذه الصُّورة داخل في الحكم، وعلى هذا فكلُّ شيء يُباحُ اتِّخاذه إِلا آنيةَ الذَّهب والفضَّة. وذكر بعض الفقهاء استثناءً آخر فقال: إلا عظم آدميٍّ

ومضببا بهما، فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها، ولو على أنثى

وجلده، فلا يُباح اتِّخاذه واستعماله آنيةً، لأنَّه محترمٌ بحرمته (¬1)، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَسْرُ عظمِ الميِّتِ ككسره حيًّا» (¬2)، وإِسناده صحيح. قوله: «ذهب» معروف؛ وهو المعدِن الأحمر الثَّمين الذي تتعلَّقُ به النُّفوس، وتحبُّه، وتميل إِليه، وقد جعل الله في فطر الخلق الميلَ إلى هذا الذَّهب؛ وكذلك الفضَّة، وهي في نفوس الخلق دون الذَّهب؛ ولهذا كان تحريمُها أخفَّ من الذَّهب. وقوله: «إلا آنية ذهبٍ وفضَّةٍ» يشمل الصَّغير، والكبير حتى الملعقة، والسِّكين. ومُضَبَّباً بهما، فإنه يحرُمُ اتخاذُها واستعمالُها، ولو على أنثى .............. قوله: «ومُضَبَّباً بهما، فإِنه يحرُمُ اتخاذُها واستعمالُها، ولو على أنثى»، الضبَّةُ: التي أخذ منها التضبيب، وهي شريطٌ يَجْمَعُ بين طرفي المنكسر، فإِذا انكسرت الصَّحفَةُ من الخشب يخرزونها خرزاً، وهذا في السَّنوات الماضية، فيكون المضبَّبُ بهما حراماً، وسواءٌ كان خالصاً أو مخلوطاً إِلا ما استُثني. والدَّليل: حديث حذيفة رضي الله عنه: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صحافها، فإِنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة» (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «كشَّاف القناع» (1/ 50). (¬2) رواه أحمد (6/ 58)، وأبو داود، كتاب الجنائز: باب في الحفَّار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان، رقم (3207)، وابن ماجه، كتاب الجنائز: باب النهي عن كسر عظام الميت، رقم (1616) من حديث عائشة. قال النووي: «رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي بأسانيد صحيحة». قال ابن حجر: «رواه أبو داود بإِسناد على شرط مسلم». انظر: «الخلاصة» رقم (3694)، «بلوغ المرام» رقم (576). (¬3) رواه البخاري، كتاب الأطعمة: باب الأكل في إِناء مفضَّضٍ، رقم (5426)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إِناء الذهب والفضة، رقم (2067).

وحديث أمِّ سلمة رضي الله عنها: «الذي يشربُ في آنية الفضَّة فإنما يجرجرُ في بطنه نارَ جَهنَّمَ» (¬1)، والنهي للتَّحريم، وفي حديث أمِّ سلمة توعَّده بنار جهنَّم، فيكون من كبائر الذُّنوب. فإن قيل: الأحاديث في الآنية نفسِها، فكيف حُرِّم المضبَّبُ؟ فالجواب: أنه ورد في حديث رواه الدَّارقطني: «إِنَّه من شَرِب في آنية الذَّهب والفِضَّة، أو في شيء فيه منهما» (¬2). وأيضاً: المحرَّم مفسدةٌ، فإِن كان خالصاً فمفسدتُه خالصة، وإِن لم يكن خالصاً ففيه بقدْرِ هذه المفسدة. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأشربة: باب آنية الفضة، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة، رقم (2065). (¬2) رواه الدارقطني (1/ 40) من حديث ابن عمر، وقال: «إِسناده حسن». قلت: وينبغي أن يُحمل قول الدارقطني هذا؛ على أنه أراد به الغرابة أو النكارة؛ لأنَّ الأئمة المتقدمين وأئمة العلل خاصّة، يُطلقون التحسين ويريدون به النكارة، فمثلاً: يقول النسائي بعد روايته لحديثٍ في «سننه» (4/ 142): «إِسناده حسن، وهو منكر» ولم يُرد النسائي نكارة المتن بقوله هذا، بل نكارة السند؛ ذلك أن المتن صحيح وقد أخرجه الشيخان. وللتَّوسع انظر: «الإِرشادات» (148). وبهذا يتفق قول الدارقطني مع أقوال بقية الحُفَّاظ حيث أطبقوا على ضعفه ونكارته نذكر منهم: ـ ابن القطان، قال: «لا يصحُّ»، «بيان الوهم والإِيهام»، رقم (2152). ـ النووي، قال: «ضعيف»، «خلاصة الأحكام» رقم (72). ـ ابن تيمية، قال: «إِسناده ضعيف». «مجموع الفتاوى» (21/ 85). ـ الذهبي، قال: «حديث منكر»، «الميزان»، ترجمة يحيى بن محمد الجاري. ـ ابن حجر، قال: «حديث معلول»، «الفتح» شرح حديث رقم (5638) وهو كما قالوا.

ولهذا فكلُّ شيء حرَّمه الشَّارع فقليله وكثيره حرام؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (¬1). وعندنا هنا ثلاث حالات: اتِّخاذ، واستعمال، وأكل وشرب. أمَّا الأكل والشُّرب فيهما فهو حرام بالنَّص، وحكى بعضهم الإجماع عليه (¬2). وأما الاتِّخاذ فهو على المذهب حرام، وفي المذهب قول آخر (¬3)، وهو محكِيٌ عن الشَّافعي رحمه الله أنه ليس بحرام (¬4). وأما الاستعمال فهو محرَّم في المذهب قولاً واحداً. والصَّحيح: أن الاتِّخاذ والاستعمال في غير الأكل والشُّرب ليس بحرام؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشُّرب، ولو كان المحرَّم غيرَهما لكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو أبلغُ النَّاس، وأبينهم في الكلام ـ لا يخصُّ شيئاً دون شيء، بل إِن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأنَّ النَّاس ينتفعون بهما في غير ذلك. ولو كانت حراماً مطلقاً لأَمَر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بتكسيرها، كما كان ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رقم (7288)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم .. ، رقم (1337)، من حديث أبي هريرة. (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 249). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 145). (¬4) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 249)، «المغني» (1/ 103).

النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لا يدعُ شيئاً فيه تصاوير إلا كسره أو هتكه (¬1)، لأنها إِذا كانت محرَّمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة. ويدلُّ لذلك أن أمَّ سلمة ـ وهي راوية الحديث ـ كان عندها جُلجُل من فِضَّة جعلت فيه شعَرات من شعر النبي صلّى الله عليه وسلّم فكان الناس يستشفون بها، فيُشفون بإِذن الله، وهذا في «صحيح البخاري (¬2)»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. فإن قال قائل: خصَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الأكل والشرب لأنَّه الأغلب استعمالاً؛ وما علِّق به الحكم لكونه أغلب لا يقتضي تخصيصه به كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} [النساء: 23]، فتقييد تحريم الرَّبيبة بكونها في الحجر لا يمنع التَّحريم، بل تَحرُمُ، وإِن لم تكن في حِجره على قول أكثر أهل العلم (¬3)؟ قلنا: هذا صحيح، لكن كون الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم يُعلِّق الحكم بالأكل والشُّرب؛ لأن مَظْهَرَ الأمة بالتَّرف في الأكل والشُّرب أبلغُ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه عِلَّة تقتضي تخصيص الحكم ¬

_ (¬1) روى البخاري، كتاب اللباس: باب ما وُطئ من التصاوير، رقم (5954)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107)، واللفظ له، عن عائشة قالت: «دخل عليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا مُتَسَتِّرَةٌ بقرام فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فَهَتَكَه ... »، وروى مسلم، كتاب الجنائز: باب الأمر بتسوية القبر، رقم (969) عن علي بن أبي طالب: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعثه على أنْ لا يدع تمثالاً إِلا طَمَسَه، ولا قبراً مشرفاً إِلا سوّاه». (¬2) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب ما يُذكر في الشَّيب، رقم (5896). ملاحظة: اختُلِفَ في ضبط لفظة «من فضَّة» فضبطها الأكثرُ بالقاف والصَّاد المهملة «من قُصَّة». وانظر كلام الحافظ ابن حجر في توجيه كلا الروايتين. (¬3)

وتصح الطهارة منها

بالأكل والشُّرب، لأنه لا شكَّ أنَّ الذي أوانيه في الأكل والشُّرب ذهب وفِضَّة، ليس كمثل من يستعملها في حاجات تَخْفَى على كثير من النَّاس. وقوله: «ومضبَّباً بهما ... إلخ» يشمل الرِّجال والنِّساء، فلا يجوز للمرأة أواني الذَّهب والفِضَّة. فإن قيل: أليس يجوز للمرأة أن تتحلَّى بالذَّهب؟ فالجواب: بلى، ولكن الرَّجل لا يجوز له ذلك. فإن قيل: فما الفرق بين اتِّخاذ الحُلي واتِّخاذ الآنية واستعمالها فأُبيح الأوَّل دون الثاني؟ فالجواب: أنَّ الفرق أنَّ المرأة بحاجة إلى التجمُّل، وتجمُّلها ليس لها وحدها، بل لها ولزوجها، فهو من مصلحةِ الجميع، والرَّجل ليس بحاجة إِلى ذلك فهو طالب لا مطلوب، والمرأة مطلوبة، فمن أجل ذلك أُبيح لها التَّحلِّي بالذَّهب دون الرَّجل، وأما الآنية فلا حاجة إِلى إِباحتها للنِّساء فضلاً عن الرِّجال. وتَصِحُّ الطهارةُ منها، ................... قوله: «وتصحُّ الطَّهارة منها»، يعني: تصح الطَّهارة من آنية الذَّهب والفضَّة، فلو جعل إِنسان لوضوئه آنيةً من ذهب، فالطَّهارة صحيحةٌ، والاستعمال محرَّمٌ. وقال بعض العلماء: إِن الطَّهارة لا تصحُّ (¬1)، وهذا ضعيف؛ لأنَّ التَّحريم لا يعود إِلى نفس الوُضُوء، وإِنما يعود إلى استعمال ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 149).

إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة

إِنائه، والإِناء ليس شرطاً للوُضُوء، ولا تتوقَّف صِحَّة الوُضُوء على استعمال هذا الإِناء. فالطَّهارة تصحُّ من آنية الذهب والفِضَّة، وبها، وفيها، وإِليها. منها: بأن يغترف من الآنية. بها: أي يجعلها آلةً يصبُّ بها، أي: يغرف بآنية من ذهب فيصبُّ على رجليه، أو ذراعه. فيها: بمعنى أن تكون واسعة ينغمس فيها. إليها: بأن يكون الماء الذي ينزل منه؛ ينزل في إِناء من ذهب. فحروف الجرِّ هنا غيَّرت المعنى، وهذا دليل على قُوَّة فقه اللُّغة العربية. إلا ضَبَّةً يسيرةً من فضةٍ لحاجةٍ ................. قوله: «إِلا ضبَّةً يسيرةً من فِضَّة لحاجةٍ»، هذا مستثنى من قوله: «يَحْرُم اتِّخاذها واستعمالها». فشروطُ الجواز أربعةٌ: 1 ـ أن تكون ضبَّةً. 2 ـ أن تكون يسيرةً. 3 ـ أن تكون من فضَّةٍ. 4 ـ أن تكون لحاجةٍ. والدَّليل على ذلك: ما ثبت في «صحيح البخاري» من حديث أنس رضي الله عنه: «أن قدح النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم انكسر

فاتَّخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فِضَّة» (¬1). فيكون هذا الحديث مخصِّصاً لما سبق. فإن قيل: من أين أخذتم اشتراط كونها يسيرة؟ قلنا: إن هذا هو الغالب في القدح، يعني كونه صغيراً، والغالب أنَّه إِذا انكسر، فإِنه لا يحتاج إلى شيء كثير، والأصل التَّحريم، فنقتصر على ما هو الغالب. فإن قيل: أنتم قلتم ضبَّة، وهي ما يُجْبَرُ بها الإِناء، فلو جعل الإنسان على خرطوم الإِبريق فِضَّة؛ فَلِمَ لا يجوز؟ أُجِيبَ: بأن هذا ليس لحاجة، وليس ضَبَّة، بل زيادة وإِلحاق. فإن قيل: لماذا اشترطتم كونها من فضَّة: لِمَ لا تقيسون الذَّهب على الفِضَّة؟ نقول: إِن النصَّ لم يرد إِلا في الفِضَّة، ثم إِن الذَّهب أغلى وأشدُّ تحريماً، ولهذا في باب اللِّباس حُرِّم على الرَّجُل خاتمُ الذَّهب، وأُبيح له خاتمُ الفِضَّة، فدلَّ على أن الفِضَّة أهون، حتى إِن شيخ الإسلام رحمه الله قال في باب اللِّباس: إِن الأصل في الفِضَّة الإِباحة وأنها حلال للرِّجَال، إِلا ما قام الدَّليل على تحريمه (¬2). وأيضاً: لو كان الذَّهب جائزاً لجَبَر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم به الكسر؛ ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب فرض الخمس: باب ما ذكر من درع النبي صلّى الله عليه وسلّم، رقم (3109). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (25/ 64، 65)، «الاختيارات» ص (76، 77).

لأن الذَّهب أبعد من الصدأ بخلاف الفِضَّة، ولهذا لما اتَّخذ بعض الصَّحابة أنفاً من فِضَّة ـ لما قُطعَ أنفُه في إِحدى المعارك (يوم الكُلاب في الجاهليَّة) ـ أنتن، فأمرهُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يتَّخذ أنفاً من ذهب (¬1)، لأنه لا يُنتن. ومأخذ اشتراط الحاجة في الحديث: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يتَّخذْها إِلا لحاجة، وهو الكسر. قوله: «لحاجة»، قال أهل العلم: الحاجة أن يتعلَّق بها غرضٌ غير الزِّينة (¬2)، بمعنى أن لا يتَّخذها زينة. قال شيخ الإِسلام: وليس المعنى: ألا يجدَ ما يجبر به الكسرَ سواها؛ لأن ¬

_ (¬1) هو عَرفَجة بن أسعد. والحديث رواه أحمد (5/ 23)، وأبو داود، كتاب الخاتم: باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، رقم (4232)، والنسائي، كتاب الزينة: باب مَنْ أُصيب أنفُه هل يتخذُ أنفاً من ذهب (8/ 163)، والترمذي كتاب اللباس: باب ما جاء في شدِّ الأسنان بالذهب، رقم (1770)، عن جمع منهم: ابن المبارك؛ وابن مهدي؛ ويزيد بن هارون، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن جده عرفجة بن أسعد .. الحديث. ـ وأعلَّه ابن القطان وابن حجر بأنه قد اختُلف في إِسناده، فرواه ابن علية، وإِسماعيل بن عيّاش، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن أبيه طرفة، عن عَرفجة به. وطرفة بن عرفجة مجهول. «بيان الوهم والإِيهام» رقم (443)، «تهذيب التهذيب» (5/ 11)، (7/ 176). قلت: نصَّ المزيُّ وغيره على أن المحفوظ هو الوجه الأول دون الثاني، وعليه تكون رواية ابن عياش وابن عُليَّة شاذة غير محفوظة؛ لأنهما خالفا جمعاً من الحفَّاظ. انظر: «تهذيب الكمال» (17/ 192)، «علل الترمذي الكبير» (2/ 739). وعبد الرحمن بن طرفة هذا قد رأى جده عرفجة. قال الترمذي: هذا حديث حسن. (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 154).

وتكره مباشرتها لغير حاجة

هذه ليست حاجة، بل ضرورة (¬1)، والضَّرورة تُبيحُ الذَّهبَ والفضة مفرداً وتبعاً، فلو اضطر إِلى أن يشرب في آنية الذَّهب فله ذلك، لأنَّها ضرورة. وتُكْره مباشرتُها لغير حاجةٍ .................. قوله: «وتُكره مباشرتها لغير حاجة»، أي: تُكره مباشرة الضَّبَّة اليسيرة، ومعنى مباشرتها: أنَّه إِذا أراد أن يشرب من هذا الإِناء المضبَّب شرب من عند الفِضَّة، فيباشرها بشفتيه وهي حلال. والمكروه عند الفقهاء: ما نُهي عنه لا على سبيل الإِلزام بالتَّرك. وحكمه: أنه يُثابُ تاركُه امتثالاً، ولا يُعاقبُ فاعلُه، بخلاف الحرام، فإن فاعله يستحقُّ العقوبة، وهذا في اصطلاح الفقهاء. أما في القرآن والسُّنَّة، فإن المكروه يأتي للمحرَّم، ولهذا لما عدَّد الله تعالى أشياء محرَّمة في سورة الإسراء قال: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *} [الإسراء]. وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله كَرِهَ لكم قيل وقال، وكَثْرَةَ السُّؤال، وإِضاعة المال» (¬2). والكراهة: حُكم شرعيٌّ لا تثبت إِلا بدليل، فمن أثبتها بغير دليل، فإِننا نردُّ قوله، كما لو أثبت التَّحريم بلا دليل، فإِننا نردُّ قوله. وبناءً على هذه القاعدة ننظر إلى كلام المؤلِّف، قال: «تُكره ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 81). (¬2) رواه البخاري، كتاب في الاستقراض: باب ما يُنهى عن إِضاعة المال، رقم (2408)، ومسلم كتاب الأقضية: باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، رقم (1715) عن أبي هريرة.

وتباح آنية الكفار ـ ولو لم تحل ذبائحهم ـ وثيابهم إن جهل حالها

مباشرتها لغير حاجة»، فإن احتاج إِليها بأن كان الإِناء يتدفَّق لو لم يشرب من هذه الجهة، أو جعل الإِناء على النَّار، وصارت الجهة التي ليست فيها الضَّبَّة حارَّة لا يستطيع أن يشرب منها، وشرب من الجهة الباردة التي فيها الضَّبَّة، فهذه حاجة فله أنْ يشربَ، ولا كراهة. فإِن لم يحتج فكلام المؤلِّفِ صريح في أنه تُكره مباشرتها. والصَّواب: أنه ليس بمكروه، وله مباشرتها؛ لأن الكراهة حكم شرعيٌّ يُحتاج في إِثباته إِلى دليل شرعي، وما دام ثبت بمقتضى حديث أنس المتقدّم أنها مباحة، فما الذي يجعل مباشرتها مكروهة؟ وهل ورد أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتوقَّى هذه الجهة من قدحه؟ الجواب: لا، فالصَّحيح أنَّه لا كراهة؛ لأن هذا شيء مباح؛ ومباشرة المباح مباحة. وتُبَاحُ آنيةُ الكُفَّارِ ـ ولو لم تحلَّ ذَبَائِحُهُم ـ وثيابهم إن جهل حالها. قوله: «وتُباح آنية الكفار»، قوله: «آنية» بالرَّفع على أنها نائب فاعل. قوله: «ولو لم تحلَّ ذبائحهم»، بالرَّفع على أنها فاعل «تحلَّ». قوله: «وثيابهم إِن جُهل حالها»، بالرَّفع على أنها معطوفة على «آنية» وكلام المؤلِّف رحمه الله يوهم أنها معطوفة على «ذبائحهم». ولو قال: وتُباحُ آنيةُ الكفَّار وثيابُهم إِن جُهِلَ حالها، ولو لم تحلَّ ذبائحهم. لسَلِمَ من هذا الإيهام.

وقوله: «الكفَّار» يشمل الكافر الأصلي والمرتد. وقوله: «ولو لم تحِلَّ ذبائحُهُم» إِشارة خلاف (¬1). والكفَّار الذين تَحِلُّ ذبائحُهم هم اليهود والنَّصارى فقط. لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]. والمراد بطعامهم ذبائحهم كما فسَّر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما (¬2)، وليس المراد خبزهم وشعيرهم وما أشبه ذلك؛ لأن ذلك حلال لنا منهم ومن غيرهم، ولا تحلُّ ذبائح المجوس، والدَّهريِّين، والوثنيِّين وغيرهم من الكفار، أما آنيتهم فتحلُّ. فإن قال قائل: ما هو الدَّليل؟ قلنا: عموم قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، ثم إن أهل الكتاب إذا أباح الله لنا طعامهم، فمن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحياناً مطبوخاً بأوانيهم، ثم إِنَّه ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعاه غلام يهوديٌّ على خبز شعير، وإِهالة سَنِخَة (¬3) فأكل منها. وكذلك أكل من الشَّاة المسمومة التي أُهديت له صلّى الله عليه وسلّم في خيبر (¬4). وثبت أنَّه صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ وأصحابه من مزادة امرأة ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 156). (¬2) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ذبائح أهل الكتاب، رقم (5508). (¬3) رواه أحمد (3/ 210، 270)، إِلا أن الحافظ ابن حجر قد نقل هذا الحديث في «أطراف المسند» (1/ 472) بلفظ: «أن خيَّاطاً» بدل «يهودياً»، وهو الموافق لبقية روايات المسند (3/ 252، 289 ـ 290)، وهو الموافق أيضاً لرواية البخاري رقم (5379) غير أنه لم يذكر خبز الشعير والإِهالة السَّنخة. ملاحظة: الإِهالة: الدسم، والسّنخة: المتغيرة. «غريب الحديث» (1/ 503). (¬4) رواه البخاري، كتاب الطب: باب ما يذكر في سُمِّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، رقم (5777) عن أبي هريرة.

مشركة (¬1)، كلُّ هذا يدلُّ على أن ما باشر الكُفَّار، فهو طاهر. وأما حديث أبي ثعلبة الخشني أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تأكلوا فيها، إلا ألا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها» (¬2). فهذا يدلُّ على أن الأَوْلَى التنزُّه، ولكن كثيراً من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرفوا بمباشرة النَّجاسات من أكل الخنزير، ونحوه، فقالوا: إن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم منع من الأكل في آنيتهم إِلا إذا لم نجد غيرها، فإِننا نغسلها، ونأكل فيها (¬3). وهذا الحمل جيد، وهو مقتضى قواعد الشَّرع. وقوله: «وثيابهم»، أي تُباحُ ثيابُهم، وهذا يشمل ما صنعوه وما لبسوه، فثيابهم التي صنعوها مباحة، ولا نقول: لعلهم نسجوها بمنْسَج نجس؛ أو صَبغُوها بصبغ نجس؛ لأنَّ الأصل الحِلُّ والطَّهارة، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنَّه يُباح لنا لُبسه، ولكن من عُرِفَ منه عدم التَّوقِّي من النجاسات كالنَّصارى فالأَوْلَى التنزُّه عن ثيابهم بناءً على ما يقتضيه حديث أبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه. وقوله: «إن جُهل حالها» هذا له مفهومان: الأول: أن تُعلَمَ طهارتُها. ¬

_ (¬1) رواه بمعناه البخاري، كتاب التيمُّم: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء، رقم (344)، ومسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها رقم (682) عن عمران بن حُصين. (¬2) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب ما جاء في التَّصيد، رقم (5488)، ومسلم، كتاب الذبائح والصيد: باب الصيد بالكلاب المعلمة، رقم (1930). (¬3) انظر: «فتح الباري» (9/ 606) شرح حديث رقم (5478).

ولا يطهر جلد ميتة بدباغ

الثاني: أن تُعلَمَ نجاستُها، فإن عُلِمَتْ نجاستُها فإِنها لا تُستعمل حتى تُغسل. وإِن عُلمتْ طهارتُها فلا إِشكال، ولكن الإِشكال فيما إِذا جُهل الحال، فهل نقول: إِن الأصل أنهم لا يَتَوَقَّوْنَ النَّجاسات وإِنَّها حرام، أو نقول: إِن الأصل الطَّهارة حتى يتبيّن نجاستها؟ الجواب هو الأخير. ولا يَطْهرُ جلْدُ ميتةٍ بِدِباغٍ ................ قوله: «ولا يَطْهر جلدُ ميتة بدِبَاغ»، الدَّبغ: تنظيف الأذى والقَذَر الذي كان في الجلد بواسطة مواد تُضاف إلى الماء. فإِذا دُبِغَ جلدُ الميتة فإِنَّ المؤلِّف يقول: إِنه لا يطهرُ بالدِّباغ. فإن قيل: هل ينجُس جلد الميتة؟ فالجواب: إن كانت الميتة طاهرة فإِن جلدها طاهر، وإِن كانت نجسةً فجلدها نجس. ومن أمثلة الميتة الطَّاهرة: السَّمك لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صيده ما أُخِذَ حيًّا، وطعامه ما أُخِذَ ميتاً» (¬1). فجلدها طاهر. أما ما ينجُس بالموت فإِن جلده ينجُس بالموت لقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ ¬

_ (¬1) رواه ابن جرير الطبري رقم (12696، 12697، 12701، 12692، 12673، 12675)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (6833، 6829).

رِجْسٌ} [الأنعام: 145] أي نَجِسٌ، فهو داخل في عموم الميتة. فإن قيل: إن الميتة حرام، ولا يلزم من التَّحريم النَّجاسة؟ فالجواب: أنَّ القاعدة صحيحة، ولهذا فالسُّمُ حرام، وليس بنجس، والخمر حرام وليس بنجس على القول الرَّاجح، ولكن الله لما قال: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ} [الأنعام: 145]، علَّل ذلك بقوله: «رِجْسٌ» والرِّجس النَّجس، وهذا واضح في أن الميتة نجسة. فإِذاً الميتة نجسة؛ وجلدها نجس؛ ولكن إِذا دبغناه هل يطهُر؟. اختلَفَ في ذلك أهلُ العلم (¬1)، فالمذهب أنه لا يطهُر، قالوا: لأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن أن يطهُر، فروثة الحمار لو غُسِلت بمياه البحار ما طَهُرت، بخلاف النَّجاسة الحُكمية، كنجاسة طرأت على ثوب ثم غسلناه، فإنه يطهُر. وهذا القياس مع أنَّه واضح جداً إِلا أنه في مقابلة النصِّ، وهو حديث ميمونة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَرَّ بشاةٍ يجرُّونها، فقال: هلاَّ أخذتم إِهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: يُطهِّرها الماءُ والقَرَظُ» (¬2)، وهذا صريح في أنَّه يَطْهُر بالدَّبغ. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 161، 162). (¬2) رواه أحمد (6/ 334)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب في أُهب الميتة، رقم (4126)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب ما يُدبغُ به جلودُ الميتة (7/ 174). قال النووي: «رواه أبو داود والنسائي بإِسنادين حَسنين، وروى البيهقي معناه من رواية ابن عباس». الخلاصة رقم (53). قال ابن الملقن: «رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من رواية ميمونة بأسانيد حسنة» «خلاصة البدر المنير» رقم (45). قال ابن حجر: «صحَّحه ابن السكن والحاكم»، التلخيص الحبير رقم (43). ملاحظة: القَرَظُ: ورق السَّلم، أو ثمر السَّنْط، يدبغ به.

ولكن قالوا: هذا الحديث منسوخ بما يُروى عن عبد الله بن عُكَيْم قال: «إن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كتب إِلينا لا تنتفعوا من الميتة، بإِهابٍ ولا عَصَب» (¬1). زاد أحمد وأبو داود: «قبل وفاته بشهر». والجواب على ذلك: أولاً: أنَّ الحديث ضعيف، فلا يقابل ما في «صحيح مسلم» (¬2). ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 310)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب من روى أن لا يُنْتَفعَ بإِهاب الميتة، رقم (4128)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب ما يُدبغ به جلود الميتة (7/ 175)، والترمذي، كتاب اللباس: باب ما جاء في جلود الميتة، رقم (1729)، وابن ماجه، كتاب اللباس: باب من قال لا ينتفع من الميتة بإِهاب ولا عصب، رقم (3613)، وابن حبان رقم (1279). قال الترمذي: «حديث حسن»، وقال: «كان أحمد بن حنبل يذهب إِلى هذا الحديث ... ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إِسناده». قال البيهقي وآخرون: «هو مرسل، ولا صحبة لابن عُكَيم». قال الخطابي: «عَلَّله عامَّةُ العلماء؛ لعدم صحبة ابن عُكيم، وعَلَّلوه أيضاً بأنه مضطرب، وعن مشيخة مجهولين، ولأن الإِهاب الجلد قبل الدباغ عند جمهور أهل اللغة». وذهب ابن حبان إِلى أن إِسناده صحيح متَّصل، وأنه لا تعارض بينه وبين حديث ميمونة. انظر كلامه في «صحيحه» رقم (1279) فإِنه هام. وانظر: «الخلاصة» للنووي رقم (45). و «التلخيص الحبير» رقم (41). (¬2) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم (363) من حديث ابن عباس ولفظه: «تُصُدِّقَ على مولاة لميمونة بشاة، فماتت فمرَّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «هلاّ أخذتم إِهابها فدبغتموه، فانتفعتم به؟ فقالوا: إِنها ميتة. فقال: إِنما حُرِّم أكلُها».

ثانياً: أنَّه ليس بناسخ؛ لأننا لا ندري هل قضيَّة الشَّاة في حديث ميمونة قبل أن يموتَ بشهر، أو قبل أن يموت بأيَّام؟ ومن شرط القول بالنسخ العلم بالتَّاريخ. ثالثاً: أنَّه لو ثبت أنه متأخِّر، فإِنه لا يُعارض حديث ميمونة؛ لأن قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإِهاب ولا عصب» يُحمَلُ على الإِهاب قبل الدَّبغ، وحينئذٍ يُجمع بينه وبين حديث ميمونة. فإن قال قائل: كيف تقولون لو دُبِغَ اللحمُ ما طَهُرَ؛ ولو دُبِغَ الجلدُ طَهُرَ؟ وكلها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تفرِّق بين متماثلين؟ أجيب من وجهين: الأول: أنَّه متى ثبت الفرق في الكتاب والسُّنَّة بين شيئين متشابهين، فاعلم أن هناك فرقاً في المعنى، ولكنَّك لم تتوصَّل إِليه؛ لأن إحاطتك بحكمة الله غير ممكنة، فموقفك حينئذ التَّسليم. الثاني: أن يُقالَ: إِنه يمكن التَّفريق بين اللحم والجلد، فإِن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد أشدُّ من حلولها في الجلد نفسه، لأن الجلد فيه نوع من الصلابة بخلاف اللحوم، والشُّحوم، والأمعاء، وما كان داخله فإِنه ليس مثله، فلا يكون فيه من الخَبَثِ ـ الذي من أجله صارت الميتة حراماً ونجسة ـ مثل ما في اللحم ونحوه. ولهذا نقول: إنه يُعطَى حكماً بين حكمين: الحكم الأول: أَنَّ ما كان داخل الجلد لا يَطْهُر بالدِّباغ.

ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس

الحكم الثاني: أن ما كان خارج الجلد من الوبر والشَّعر فإِنه طاهر، والجلد بينهما، ولهذا أُعطي حكماً بينهما. وبهذا نعرفُ سُمُوَّ الشريعة، وأنها لا يمكن أن تُفرِّق بين متماثلين، ولا أن تَجمَع بين مختلفين، وأن طهارة الجلد بعد الدَّبغ من الحكمة العظيمة، ونجاسته بالموت من الحكمة العظيمة؛ لأنه ليس كالشَّعر والوبر والرِّيش، وليس كالشحم واللحم والأمعاء. ويُبَاحُ استعمالُه بَعْدَ الدَّبْغِ في يَابِسٍ .............. قوله: «ويُباحُ استعمالُه بعد الدَّبغ في يَابِسٍ»، يعني: يباح استعمال جلد الميتة بعد الدَّبغ في يابس. فأفادنا المؤلِّفُ أن استعماله قبل الدَّبغ لا يجوز في يابس، ولا غيره؛ لأنه نجس. وظاهر كلامه أن الاستعمال لا يجوز ولو بعد أن نَشفَ الجلد وصار يابساً، وهذا فيه نظر؛ لأنَّنا نقول: إِذا كان يابساً، واستُعمل في يابس فإن النَّجاسة هنا لا تتعدَّى كما لو قدَّدناه، وجعلناه حبالاً لا يباشر بها الأشياء الرَّطبة، فإن هذا لا مانع منه. قوله: «في يَابِس»، خرج به الرَّطب فلا يجوز استعماله فيه، مثل أن نجعل فيه ماءً أو لبناً، ولا أيَّ شيء رطب، ولو بعد الدَّبغ؛ لأنَّه إِذا كان نجساً، ولاقاه شيء رطب تنجَّس به، أما إذا كان في يابس، والجلد يابس فإِنه لا يتنجَّس به؛ لأن النَّجاسة لا يتعدَّى حكمها إِلا إِذا تعدَّى أثرها، فإِن لم يتعدَّ أثرها فإِن حكمها لا يتعدَّى، وإذا قلنا بالقول الرَّاجح: وهو طهارته بالدِّباغ فإنه يُباح استعماله في الرَّطب واليابس.

من حيوان طاهر في الحياة

ويدلُّ لذلك أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ وأصحابه من مزادة امرأة مشركة (¬1)، وذبائح المشركين نجسة، وهذا يدلُّ على إِباحة استعماله في الرَّطب، وأنه يكون طاهراً. من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة. قوله: «من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة»، أفادنا المؤلِّفُ، أن الجلد الذي يُباحُ استعماله بعد الدَّبغ في اليابس هو ما كان من حيوان طاهر في الحياة. والطاهر في الحياة ما يلي: أولاً: كُلُّ مأكول كالإبل، والبقر، والغنم، والضَّبُعِ، ونحو ذلك. ثانياً: كلُّ حيوان من الهِرِّ فأقلُّ خِلْقة ـ وهذا على المذهب ـ كالهِرَّة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها ليست بنَجَسٍ، إِنَّها من الطوَّافين عليكم» (¬2). ثالثاً: كُلُّ شيء ليس له نَفْسٌ سائلة، يعني إِذا ذُبِحَ، أو قُتل، ليس له دم يسيل. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه في ص (84). (¬2) رواه أحمد (5/ 296، 303)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، رقم (75)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب سؤر الهرة، (1/ 54، 55)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في سؤر الهرة، رقم (92)، من حديث أبي قتادة. وقد صحَّح هذا الحديث جمعٌ من الأئمة منهم: الترمذي، وابن خزيمة، والعقيلي، وابن حبان، والحاكم، وابن تيمية، وغيرهم. قال البخاري: «جوَّد مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصحّ من رواية غيره». قال الدارقطني: «رواته ثقات معروفون». انظر: «المحرر» لابن عبد الهادي رقم (14)، «التلخيص الحبير» رقم (36).

رابعاً: الآدمي، ولكنه هنا غير وارد؛ لأن استعمال جلده محرَّم، لا لنجاسته، ولكن لحرمته. فلو دَبغ إِنسان جلد فأرة، أو هِرَّة فإِنه لا يَطْهُرُ على المذهب، لكن يُباح استعماله في يابس. وقيل: يَطْهُرُ، ويُباح استعمالُه في اليابسات والمائعات (¬1)، وعلى هذا يصحُّ أن نجعلَ جلدَ الهِرَّة سِقاء صغيراً، إِذا دبغناه لأنه طَهُرَ. وقيل: إن جلد الميتة لا يطهر بالدِّباغ؛ إِلا أن تكون الميتةُ مما تُحِلُّه الذَّكاة (¬2)، كالإبل والبقر والغنم ونحوها، وأما ما لا تحلُّه الذَّكاة فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الرَّاجح؛ وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن السَّعدي رحمه الله (¬3)، وعلى هذا فجلد الهِرَّة وما دونها في الخلقة لا يطهر بالدَّبغ. فمناط الحُكم على المذهب هو طهارة الحيوان في حال الحياة، فما كان طاهراً فإنه يُباحُ استعمالُ جلد ميتته بعد الدَّبغ في يابس، ولا يطْهُر. وعلى القول الثاني: يطْهُر مطلقاً، وعلى القول الثالث: يطْهُر إذا كانت الميتة مما تُحِلُّه الذَّكاة. والرَّاجح: القول الثالث بدليل أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: «دباغُها ذكاتها» (¬4). فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذَّكاة لا ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 164). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 163). (¬3) انظر: «المختارات الجلية» ص (11). (¬4) رواه أحمد (3/ 476)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب جلود الميتة، (7/ 173، 174)، من حديث سلمة بن المُحبَّق. قال ابن حجر: «إِسناده صحيح». «التلخيص الحبير» رقم (44). وله شاهد من حديث عائشة بلفظ: «دباغ الميت ذكاته» رواه النسائي، كتاب الفرع والعتيرة: باب جلود الميتة (7/ 174). قال ابن حجر: «هذا حديث حسن». «موافقة الخُبر الخبر» (2/ 129).

ولبنها

تُطَهِّر إِلا ما يُباح أكله، فلو أنك ذبحت حماراً، وذكرت اسم الله عليه، وأنهر الدَّم، فإِنه لا يُسمَّى ذكاة، وعلى هذا نقول: جلد ما يحرم أكله، ولو كان طاهراً في الحياة، لا يطهر بالدِّباغ، ووجهه: أنَّ الحيوان الطَّاهر في الحياة إِنما جُعِلَ طاهراً لمشقَّة التحرز منه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها من الطَّوافين عليكم»، وهذه العِلَّة تنتفي بالموت، وعلى هذا يعود إلى أصله وهو النَّجاسة، فلا يَطْهُر بالدِّباغ. فيكون القول الرَّاجح: أن كلَّ حيوان مات وهو مما يُؤكل؛ فإن جلده يَطْهُر بالدِّباغ، وهذا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله قول آخر يوافق قول من قال: إن ما كان طاهراً في الحياة فإِنّ جلده يطهر بالدَّبغ (¬1). ولبنُهَا ............... قوله: «ولبنُها»، لبن الميتة نجس، وإن لم يتغيَّر بها؛ لأنه مائع لاقى نجساً فتنجَّس به، كما لو سقطت فيه نجاسة ـ وإلا فهو في الحقيقة منفصل عن الميتة قبل أن تموت ـ لكنهم قالوا: إنها لمَّا ماتت صارت نجسةً، فيكون قد لاقى نجاسةً فتنجَّس بذلك. واختار شيخ الإِسلام أنَّه طاهر (¬2) بناءً على ما اختاره من أن ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 95)، «الاختيارات» ص (26)، «الإِنصاف» (1/ 162، 163). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 103)، «الإِنصاف» (1/ 175).

وكل أجزائها نجسة غير شعر، ونحوه

الشيء لا ينجس إلا بالتغيُّر (¬1)، فقال: إِن لم يكن متغيِّراً بدم الميتة، وما أشبه ذلك فهو طاهر. والذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو المذهب؛ لأنَّه وإن انفصل واجتمع في الضَّرع قبل أن تموت فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النَّجاسة، لأنها محيطة به من كل جانب، وهو يسير، ثم إن الذي يظهر سريان عُفونة الموت إلى هذا اللَّبن؛ لأنه ليس كالماء في قُوَّة دفع النَّجاسة عنه. والمذهب، وإن كان فيه نَظَر من حيث قاعدة: أن ما لا يتغيَّر بالنَّجاسة فليس بنجس، وهذه قاعدة عظيمة محكمة، لكن الأخذ به هنا من باب الاحتياط، وأيضاً بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، واللَّبن في الضَّرع قد يكون داخلاً في هذا العموم. وكُلُّ أجزائِها نجسَةٌ غَيْرُ شَعْرٍ، وَنَحْوِه، ................. قوله: «وكل أجزائها نجسةٌ»، كاليد، والرِّجل، والرَّأس ونحوها لعموم قوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، والميتةُ تُطلَقُ على كلِّ الحيوان ظاهره وباطنه. قوله: «غيرُ شَعْر ونحوه»، كالصُّوف للغنم، والوبر للإِبل، والرِّيش للطيور، والشَّعر للمَعْز والبقر، وما أشبهها. ويُستثنى من ذلك ما يلي: 1 ـ عظم الميتة، على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 32)، «الاختيارات» ص (4).

رحمه الله (¬1) وهو أحد القولين في المذهب (¬2)، ويُستَدَلُّ لذلك: بأنَّ العظم وإن كان يتألَّم ويحسُّ لكنه ليس فيه الحياة الكاملة، ولا يحُلُّه الدَّم، وليس له حياة إلا بغيره، فهو يشبه الظُّفر والشَّعر وما أشبه ذلك، وليس كبقية الجسم. ويُقال أيضاً: إِنَّ مدار الطَّهارة والنَّجاسة على الدَّم؛ ولهذا كان ما ليس له نَفْسٌ سائلة طاهراً. ولكن الذي يظهر أن المذهب في هذه المسألة هو الصَّواب؛ لأن الفرق بين العظم وبين ما ليس له نَفْسٌ سائلة أن الثاني حيوان مستقل، وأما العظم فكان نجساً تبعاً لغيره؛ ولأنَّه يتألّم فليس كالظُّفر أو الشَّعر، ثم إِن كونه ليس فيه دم محلُّ نظر؛ فإِن الظّاهر أن فيه دماً كما قد يُرى في بعض العظام. 2 ـ السَّمك وغيره من حيوان البحر بدون استثناء، فإن ميتته طاهرة حلال لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96]، وتقدَّم تفسير ابن عباس للصَّيد والطَّعام (¬3). ويلزم من الحِلّ الطَّهارة، ولا عكس، فيتلخَّص عندنا ثلاث قواعد: أـ كُلُّ حلال طاهر. ب ـ كُلُّ نجس حرام. جـ ليس كُلُّ حرام نجساً. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 97)، «الاختيارات» ص (26). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 177). (¬3) تقدم تخريجه ص (83).

3 ـ ميتة الآدمي لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ المؤمن لا ينجس» (¬1)، ولأن الرَّجُل إذا مات يُغسَّل، ولو كان نجساً ما أفاد به التغسيل. 4 ـ ميتة ما ليس له دم، والمراد الدَّم الذي يسيل إِذا قُتل، أو جُرح، كالذُّباب، والجراد، والعقرب. والدَّليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا وقع الذُّباب في شراب أحدِكم فلْيغمسه ثم لينزعْه» (¬2). فقوله: «فلْيغمسْه» يشمل غمسَه في الماء الحار، وإِذا غُمس في الماء الحار فإِنه يموت، فلو كان ينجس لأمر الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بإِراقته. ونضيف للقواعد السابقة قاعدة رابعة وهي: أنه لا يلزم من الطَّهارة الحِلُّ. وقوله: «غيرُ شَعْرٍ ونحوه»، اشترطوا رحمهم الله في الشَّعر ونحوه أن يُجَزَّ جزًّا لا أن يُقلَعَ قلعاً (¬3)، لأنه إذا قُلِعَ فإِن أصوله محتقن فيها شيء من الميتة، وهذا يظهر جدًّا في الرِّيش، أما الشَّعر، فليس بظاهر؛ لكنه في الحقيقة منغرس في الجلد، وفيه شيء مباشر للنَّجاسة. وبهذا علمنا أن الميتة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (25). (¬2) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق: باب إِذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، رقم (3320). (¬3) انظر: «حاشية العنقري على الروض المربع» (1/ 32).

1 ـ الشَّعر ونحوه طاهر. 2 ـ اللحم، وما كان داخل الجلد نجس، ولا ينفع فيه الدَّبغ. 3 ـ الجلد وهو طبقة بينهما، وحكمه بين القسمين السَّابقين. تتمة: ذكر الفقهاء رحمهم الله، أنَّ جعلَ المُصْران والكِرْش وتَراً ـ أي حبالاً ـ دِبَاغٌ، أي بمنزلة الدِّباغ (¬1)، وبناءً عليه لا يكون طاهراً، ويجوز استعماله في اليابسات على المذهب. لكن صاحب «الفروع» رحمه الله وهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام رحمه الله ـ ولا سيَّما في الفقه ـ يقول: «يتوجَّه لا» (¬2)، والمعنى: أنه يرى أن الأوجه بناءً على المذهب، أو على القول الرَّاجح عنده أنَّه ليس دباغاً، وما قاله متوجِّه؛ لأن المُصْرَان والكِرْش من صُلب الميتة، والصَّواب ما ذهب إليه صاحب «الفروع». وبهذه المناسبة: إذا قيل: «يتوجَّه كذا»، فهو من عبارات صاحب «الفروع»، وإذا قيل: «يتَّجه كذا» فهو من عبارات مرعي صاحب «الغاية»، وهو من المتأخرين جمع في «الغاية» بين «المنتهى» و «الإقناع». لكن بين توجيهات صاحب «الفروع» واتجاهات صاحب «الغاية» من حيث القوَّة والتَّعليل والدَّليل فرق عظيم. فتوجيهات صاحب «الفروع» غالباً تكون مبنيَّة على القواعد والأصول، أما اتجاهات صاحب «الغاية» فهي دون مستوى تلك. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 174). (¬2) انظر: «الفروع» (1/ 105).

وما أبين من حي فهو كميتته

وما أُبِيْنَ من حيٍّ فهو كميْتتِهِ. قوله: «وما أُبين من حيٍّ فهو كميتته»، هذه قاعدة فقهية. وأُبين: أي فُصل من حيوان حيٍّ. وقوله: «كميتته»، يعني: طهارة، ونجاسة، حِلًّا، وحُرمة، فما أُبينَ من الآدمي فهو طاهر، حرام لحرمته لا لنجاسته، وما أُبين من السَّمك فهو طاهر حلال، وما أبين من البقر فهو نجس حرام، لأنَّ ميتتها نجسة حرام، ولكن استثنى فقهاؤنا رحمهم الله تعالى مسألتين (¬1): الأولى: الطَّريدة: فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الصيد يطرده الجماعة فلا يدركونه فيذبحوه، لكنهم يضربونه بأسيافهم أو خناجرهم، فهذا يقطع رِجْلَه، وهذا يقطع يده، وهذا يقطع رأسه حتى يموت، وليس فيها دليل عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلا أن ذلك أُثِرَ عن الصَّحابة رضي الله عنهم (¬2). قال الإمام أحمد رحمه الله: كانوا يفعلون ذلك في مغازيهم، ولا يرون به بأساً، والحكمة في هذا ـ والله أعلم ـ: أن هذه الطَّريدة لا يُقدَرُ على ذبحها، وإِذا لم يُقدَرْ على ذبحها، فإنها تَحِلُّ بعقرها في أي موضع من بدنها، فكما أنَّ الصَّيد إِذا أصيب في أي مكان من بدنه ومات فهو حلال؛ فكذلك الطَّريدة؛ لأنها صيد إلا أنها قطعت قبل أن تموت. ¬

_ (¬1) انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (1/ 28). (¬2) روى الإِمام أحمد عن هشيم، عن منصور، عن الحسن أنه كان لا يرى بالطريدة بأساً، كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم. «المغني» (13/ 281) ونحوه عند ابن أبي شيبة في «المصنف» كتاب الصيد: باب في الرجل يضرب الصيد فيبين منه العضو، رقم (19698).

قال أحمد: «فإن بقيت»، أي: قطعنا رجلها، ولكن هربت ولم ندركها؛ فإن رجلها حينئذٍ تكون نجسة حراماً؛ لأنها بانت من حَيٍّ ميتته نجسة. الثانية: المِسْك وفأرته، ويكون من نوع من الغزلان يُسمَّى غزال المسك. يُقال: إنهم إذا أرادوا استخراج المِسْكِ، فإِنهم يُركِضُونه فينزل منه دم من عند سُرَّته، ثم يأتون بخيط شديد قويٍّ فيربطون هذا الدم النازل ربطاً قويًّا من أجل أن لا يتَّصل بالبدن فيتغذَّى بالدَّم، فإِذا أخذ مدَّة فإنه يسقط، ثم يجدونه من أطيب المسك رائحة. وهذا الوعاء يُسمَّى فأرة المِسْك، والمِسْكُ هو الذي في جوفه، فهذا انفصل من حَيٍّ وهو طاهر على قول أكثر العلماء (¬1). ولهذا يقول المتنبي: فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم فإِنَّ المِسْكَ بعضُ دم الغزال (¬2) ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (1/ 249)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 573). (¬2) ديوان المتنبي بشرح العكبري (2/ 21).

باب الاستنجاء

بابُ الاستِنْجاء تمهيد: اعلم أن الله عزّ وجل قد أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، من الأكل والشَّراب واللباس والمسكن، وغير ذلك من نِعَمِه التي لا تُحصى ولا تُعدُّ. الأكلُ والشَّرابُ علينا فيهما نِعَمٌ سابقةٌ ولاحقةٌ. أما السَّابقة: فإن هذا الماء الذي نشربه ما جاء بحولنا ولا بقوتنا، قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ *أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *} [الواقعة]، وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ *} [الملك]، وقال تعالى: {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22]. فبيَّن الله تعالى نعمته علينا بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض. والطعام الذي نأكله قال الله تعالى عنه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ *أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ *لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ *} [الواقعة]، فهذه نِعْمَةٌ عظيمة من الله، فهو الذي زَرَعهُ، ونمَّاهُ حتى تكامل، ويسَّرَ لنا الأسباب التي تُيسِّرُ جنيه، وحصاده، ثم طَحْنه وطَبْخه، إلى غير ذلك من النِّعَم الكثيرة. قال بعض العلماء: إِنه لا يُقدَّم الطعام بين يديك وإِلا وفيه ثلاثمائة وستون نِعْمَة (¬1)، هذا الذي يُدْرَكُ فكيف بالذي لا يُدْرَك؟ ¬

_ (¬1) انظر: «غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب» (2/ 119، 120).

ثم بعد ذلك نِعَمٌ عند تناوله، وعندما تأكله على جوع ماذا تكون لذته؟ وعندما تطعمه في فمك تجد لذَّة، وعندما يمشي في الأمعاء لا تجد تعباً في ذلك. فالآن لو يقف على يدك بعوضة أحسست برجليها وتقشعر منها، لكن هذا الطعام الغليظ ينزل في هذه الأمعاء الرَّقيقة ولا تحسُّ به، نِعْمَة من الله عزّ وجل؛ لأن داخل الجوف ليس فيه إحساس فيمرُّ فيه بدون إحساس. ثم إن الله تعالى خلق غُدَداً تُفرِز أشياء تُلَيِّن هذا الطعام وتخفِّفه حتى ينزل. ثم إِن الله عزّ وجل جعل له قنوات يذهب معها الماء، وهناك عروق شارعة في هذه الأمعاء تُفرِّق الدَّمَ على الجسم؛ فأين توصله؟ توصله إلى القلب. ثم إن هذا القلب الصَّغير في لحظة من اللحظات يُطهِّرُ هذا الدَّمَ ثم يخرجه إِلى الجانب الآخر من القلب نقيًّا، ثم يدور في البدن، ثم يرجع مرَّة ثانية إلى القلب فيطهِّره ويصفيه، ثم يعيده نقيّاً، وهكذا دواليك. كلُّ هذا ونحن لا نحسُّ بهذا الشيء؛ وإلا فالقلب يُصْدِرُ نبضات، كلُّ نبضة تأخذ شيئاً، والنبضة الأخرى تخرج شيئاً من هذا الدم. ومع ذلك يذهب هذا الدَّم إلى جميع أجزاء الجسم بشُعَيْرَات دقيقة منظَّمة مرتَّبة على حسب حكمة الله وقدرته، ومع هذا أيضاً:

فإنَّ من قدرة الله العظيمة البالغة أنَّ مجاريَ العُروق لا تتَّفق في الأعضاء، فكلُّ عضو له مجارٍ خاصَّة؛ بمعنى أنَّ يدك اليُمنى ليست المجاري فيها كيدك اليسرى؛ بل تختلف. وكذلك بالنسبة إلى الرِّجل تختلف، كلُّ هذا من أجل بيان قُدرة الله عزّ وجل. ولا شكَّ أن هذا لمقتضى الحكمة، فلولا أن هناك حكمة تقتضي أن لهذه اليد مجاري معيَّنة؛ ولهذه اليد مجاري خاصَّة لم يخلقها الله هكذا. المهم من كلِّ هذا أن نبيِّن به أن لله علينا نعماً ماديَّة بدنيَّة في هذا الطَّعام، سابقة على وصوله إِلينا ولاحقة. ثم إن هناك نعماً دينيَّة تتقدَّم هذا الطعام وتلحقه، فتُسمِّي عند الأكل؛ وتحمد إِذا فرغت. فإن الله تعالى يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشَّربة فيحمده عليها، ورضى الله غايةُ كلِّ إِنسان، فمن يُحصِّل رضى الله عزّ وجل؟ فنحن نتمتَّع بنعمه، فإِذا حمدناه عليها رضي عنَّا، وهو الذي تفضَّل بها أولاً. وهذه النِّعمة ـ وهي رضى الله ـ أكبر من نعمة البدن. ما ظنُّكم لو لم يشرع الله لنا أن نحمده عند الأكل والشُّرب؛ فإننا لو حمدناه لصرنا مبتدعين وصرنا آثمين. لكنه شرع لنا ذلك من أجل أن يوصلنا إلى رضاه، أسأل الله أن يحقِّق ذلك لنا جميعاً. فهذه نعمة عظيمة لا يُدركها الإِنسان إلا عند التأمل.

وأيضاً: عند تفريغ وإخراج هذا الذي أكلناه وشربناه يحصُل لنا نعم جِسْميَّة وحسيَّة، شرعيَّة ودينية. فالنِّعم الحسِّية فيما لو احتقن هذا الطَّعام أو الشَّراب في جسمك ولم يخرج؛ فإِن المآل الموت المحقق، ولكنه بنعمة الله يخرج. ولو احتقنت الرِّيح التي جعلها الله تعالى لتفتح المجاري أمام ما يعبر منها من الطَّعام والشَّراب، فلو أنها انسدت ماذا يكون؟ ينتفخ البطن ثم يتمزَّق فيموت الإنسان، وكذلك البول. إِذاً؛ فَللَّهِ علينا نعمة في خروجه، وفي تيسيره نعمة كبرى، والحمد لله، نسأل الله لنا ولكم دوام النعمة، فإِذا أردت حبسته وإذا أردت فتحته، ومن يستطيع أن يفتح المكان حتى ينزل البول لولا أن الله يسَّر ذلك، وكذلك متى شئت، فقد تذهب وتبول وليس في المثانة إِلا ربعها، أي أن المسألة ليست إجبارية وقد تحبسه وهي مملوءة؛ ولكنك تستطيع أن تتحمَّل. فهذه من نِعَمِ الله، ولا يعرف قَدْرَ هذه النعمة إِلا من ابتُليَ بالسَّلس، أو الحصر، نسأل الله السلامة. وكذلك بالنسبة إلى الخارج الآخر فيه نِعَمٌ عظيمة، ومع ذلك هناك نِعَمٌ دينيَّة مقرونة بهذه النِّعم البدنية، فعند الدخول هناك ذكر مشروع يقربك إِلى الله، وعند الخروج ذكر مشروع يقربك إلى الله عزّ وجل. فتأمل نعم الله عليك، فهي سابغة وشاملة واسعة دينية ودنيوية، وبهذا تعرف صدق هذه الآية، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا

يستحب عند دخول الخلاء

نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، وقال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *} [النحل]، فبيَّن الله حالَ الإنسان وشأن الربِّ عند النِّعمة العظيمة. فحال العبد: الظلم والكفر، ظلم نفسه وكفر نعمة ربِّه. وشأن الربِّ عزّ وجل: أن يقابل هذا الظُّلم وهذا الكفر بالمغفرة والرحمة ولله الحمد. هذا الباب ذكر فيه المؤلِّفُ ـ رحمه الله تعالى ـ الاستنجاء، وآداب قضاء الحاجة. قوله: «الاستنجاء»، استفعال من النَّجْو، وهو في اللُّغة القطع، يقال: نَجوت الشَّجرة، أي: قطعتها. وهو اصطلاحاً: إِزالةُ الخارج من السَّبيلين بماء أو حَجَر ونحوه، وفي ذلك قطع لهذا النَّجس. وهذا وجه تعلُّق الاشتقاق بالمعنى الاصطلاحي. يُسْتَحبُّ عِنْدَ دُخولِ الخلاءِ .......... قوله: «يُسْتَحبُّ عِنْدَ دُخولِ الخلاءِ»، اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل المستحب مرادف للمسنون، أو المستحب ما ثبت بتعليل، والمسنون ما ثبت بدليل؟ فقال بعضهم: الشَّيء الذي لم يثبت بدليل، لا يُقال فيه: يُسَنُّ، لأنك إِذا قلت: «يُسَنُّ» فقد أثبتَّ سُنَّة بدون دليل، أما إِذا ثبت بتعليل ونظر واجتهاد فيُقال فيه: «يُسْتَحب»؛ لأن الاستحباب ليس كالسُّنَّة بالنسبة لإِضافته إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «حاشية التنقيح للحجاوي» ص (84، 88، 89، 117).

قول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث

وقال أكثرهم: لا فرق بين «يُستحبُّ»، و «يُسَنُّ» (¬1)؛ ولهذا يُعبِّر بعضهم بـ «يُسَنُّ» وبعضهم بـ «يُستحبُّ». ولا شَكَّ أن القول الأول أقرب إلى الصِّحة، فلا يُعبَّر عن الشَّيءِ الذي لم يثبت بالسُّنَّة بـ «يُسنُّ»، ولكن يُقال: نستحبُّ ذلك، ونرى هذا مطلوباً، وما أشبه ذلك. قَولُ: بِسمِ الله، أعوذُ بالله من الخُبْثِ والخَبَائِثِ، ........ قوله: «قول بسم الله»، هذا سُنَّةٌ لما رواه عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «سَتْرُ ما بين أعيُنِ الجِنِّ، وعَوْرَاتِ بني آدم، إذا دخل أحدُهم الكَنيفَ أن يقول: بسم الله» (¬2). قوله: «أعوذ بالله من الخُبث والخبائث»، وهذا سُنَّةٌ لحديث أنس رضي الله عنه في «الصَّحيحين» أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ والخَبَائث» (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «شرح الكوكب المنير» (1/ 403). (¬2) سخة دار الكتب المصرية، وكذلك ضعَّفه النووي في «الخلاصة» رقم (326). إِلا أنه له شواهد ـ يتقوّى بها ـ من حديث أنس، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود، ومعاوية بن حيدة، لذلك صحَّحه مغلطاي!. وحسَّنه ابن حجر، والسيوطي، والمناوي وغيرهم. انظر: «نتائج الأفكار» (1/ 197)، «فيض القدير» (4/ 96). (¬3) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب ما يقول عند الخلاء، رقم (142)، ومسلم، كتاب الحيض: باب ما يقول إِذا أراد دخول الخلاء، رقم (375).

وعند الخروج منه: غفرانك

الخُبْثُ بسكون الباء وضمِّها: ـ فعلى رواية التَّسكين ـ الشَّرُّ، والخبائث: النفوس الشِّرِّيرة ـ وعلى رواية الضمِّ ـ جمع خبيث، والمراد به ذُكران الشَّياطين، والخبائث جمع خبيثة، والمراد إِناث الشَّياطين. والتسكين أعمُّ، ولهذا كان هو أكثر روايات الشُّيوخ كما قاله الخطابي رحمه الله (¬1). فائدةُ البسملة: أنها سَتْرٌ. وفائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إِلى الله عزّ وجل من الخُبث والخبائث؛ لأن هذا المكان خبيث، والخبيث مأوى الخبثاء فهو مأوى الشَّياطين، فصار من المناسب إِذا أراد دخول الخلاء أن يقول: أعوذ بالله من الخُبث والخبائث. حتى لا يصيبه الخُبث وهو الشَّرُّ، ولا الخبائث وهي النُّفوس الشِّرِّيرة. والعندية في كلام المؤلِّف هنا تعني قبل الدُّخول، فإِن كان في البَرِّ ـ مثلاً ـ استعاذ عند الجلوس لقضاء الحاجة. والخلاء: أصله المكان الخالي، ومناسبته هنا ظاهرة؛ لأنَّ هذا المكان لا يجلس فيه إلا واحد. وقوله: «قولُ»، أي: يقول بلسانه إِلا من أخْرَس فيقول بقلبه. وقوله: «أعوذُ بالله»، أي: أعتصم وألتجئُ بالله عزّ وجل. وعِنْدَ الخُرُوجِ منه: غُفْرانك، ......... قوله: «وعند الخَروجِ منه: غُفْرانك»، أي: يُسَنُّ أن يقول بعد ¬

_ (¬1) انظر: «معالم السنن» (1/ 10).

الخروج منه: غفرانك، للحديث الصَّحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا خرج من الغائط قال: «غُفْرانك» (¬1)، والعندية هنا بعديَّة، أي: يقول ذلك بعد خروجه، فإِن كان في البَرِّ فعند مفارقته مكان جُلوسه. وقوله: «غُفْرَانك»، غُفْرَان: مصدر غَفَر يَغْفِرُ غَفْراً، وغُفْرَاناً، كشَكَرَ يَشْكُر شُكْراً وشُكْرَاناً، فقوله غُفْرَانك: مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: أسألك غفرانك. والمغفرة هي سَتْر الذَّنب والتَّجاوز عنه، لأنَّها مأخوذة من المِغْفَرِ، وفي المغفر سَتْر ووقاية، وليس سَتْراً فقط، فمعنى: اغفر لي؛ أي: استُرْ ذنوبي، وتجاوز عَنِّي حتى أسَلَمَ من عقوبتها، ومن الفضيحة بها. ومناسبة قوله: «غُفْرَانك» هنا: قيل: إن المناسبة أن الإنسان لما تخفَّف من أذيَّة الجسم تذكَّر أذيَّةَ الإِثم؛ فدعا الله أن يخفِّف عنه أذيَّة الإثم كما مَنَّ عليه ¬

_ (¬1) رواه أحمد (6/ 155)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما يقول الرجل إِذا خرج من الخلاء رقم (30)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما يقول إِذا خرج من الخلاء، رقم (7)، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (79)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما يقول إِذا خرج من الخلاء، رقم (300) وغيرهم من حديث عائشة. قال الترمذي: «حسن غريب». وقال أبو حاتم: «هو أصحّ حديث في هذا الباب». وصحّحه: ابن حبان، والحاكم، والنووي، وابن حجر. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 43)، «المجموع» (2/ 79)، و «الخُلاصة» رقم (391)، «المحرر» لابن عبد الهادي رقم (7) «نتائج الأفكار» لابن حجر (1/ 216).

الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني

بتخفيف أذيَّة الجسم، وهذا معنى مناسب من باب تذكُّر الشيء بالشيء (¬1). وقال بعض العلماء: إِنه يسأل الله غُفْرانَه، لأنه انحبس عن ذكره في مكان الخلاء، فيسأل الله المغفرة له ذلك الوقت الذي لم يذكر الله فيه (¬2). وفي هذا نظر: لأنه انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإِذا كان كذلك فلم يعرِّض نفسه للعقوبة، بل عرَّضها للمثوبة؛ ولهذا الحائض لا تُصلِّي، ولا تصوم، ولا يُسَنُّ لها إِذا طَهُرت أن تستغفر الله بتركها الصَّلاة والصَّوم أيام الحيض. ولم يقله أحد، ولم يأتِ فيه سُنَّة. والصَّحيح هو الأول. الحَمْدُ لله الذي أَذْهَبَ عَنِّي الأذى وَعَافَاني، ........ قوله: «الحمد لله الذي أذْهب عَنِّي الأذى وعَافَاني»، قوله: «الأذى» أي: ما يؤذيني من البول والغائط. وعافاني أي: من انحباسهما المؤدِّي إِلى المرض أو الهلاك، والحديث الوارد في هذا فيه ضعف (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «إِغاثة اللهفان» (1/ 71). (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 76). (¬3) رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما يقول إِذا خرج من الخلاء، رقم (301) من حديث أنس بن مالك. وضعّفه النووي في «شرح المهذب» (2/ 83)، والبوصيري في «الزوائد». ورواه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (22)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» رقم (539) من حديث أبي ذَرٍّ. وضعّفه النووي في «الخلاصة» رقم (396). ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الطهارات: باب ما يقول إِذا خرج من المخرج، رقم (10) عن أبي علي الأزدي، عن أبي ذر به موقوفاً من قوله. وأبو علي الأزدي: مقبول؛ كما في «التقريب». وحسَّن ابن حجر أثرَ أبي ذرٍّ الموقوف. «نتائج الأفكار» (1/ 218).

وتقديم رجله اليسرى دخولا، واليمنى خروجا، عكس مسجد، ونعل

وتَقْدِيمُ رِجْله اليُسْرى دُخُولاً، واليُمنى خروجاً، عَكس مَسْجِدٍ، ونَعْلٍ، ........ قوله: «وتَقْدِيمُ رجْله اليُسْرى دُخُولاً، واليُمنى خروجاً، عَكس مَسْجدٍ، ونَعْلٍ»، أي: يستحبُّ أن يُقدِّمَ رجله اليُسرى عند دخول الخلاء، ويُقدِّمَ اليُمنى إِذا خرج، وهذه مسألة قياسيَّة، فاليمنى تُقَدَّم عند دخول المسجد كما جاءت السُّنَّة بذلك (¬1)، واليسرى عند الخروج منه، وهذا عكس المسجد، وكذلك النَّعل ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه أمر لابس النَّعل أن يبدأ باليُمنى عند اللُّبس، وباليُسرى عند الخلع، وهذا في «الصَّحيحين» (¬2) قالوا: فدلَّ هذا على تكريم اليُمنى، لأنه يبدأ بها باللُّبس الذي فيه الوقاية، ويبدأ باليُسرى بالخلع الذي فيه إِزالة الوقاية، ولا شكَّ أن الوقاية تكريم. فإِذا كانت اليُمنى تُقدَّم في باب التَّكريم، واليُسرى تُقدَّم في عكسه، فإنه ينبغي أن تُقدَّم عند دخول الخَلاء اليُسرى، وعند الخروج اليُمنى؛ لأنَّه خروج إِلى أكمَل وأفضلَ (¬3). ¬

_ (¬1) رواه الحاكم (1/ 218). وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. (¬2) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب ينزع نعله اليسرى، رقم (5856)، ومسلم، كتاب اللباس: باب استحباب لبس النعل في اليمنى، رقم (2097). من حديث أبي هريرة ولفظه: «إِذا انتعلَ أحدُكم فليبدأ باليمين، وإِذا نزع فليبدأ بالشِّمال، ليكن اليمنى أولهما تُنْعَل، وآخرهما تُنْزَع»، واللفظ للبخاري. (¬3) انظر: «فتح الباري» (1/ 270) شرح حديث رقم (168)، (10/ 311) شرح حديث (5856).

واعتماده على رجله اليسرى وبعده في فضاء

واعتمادُه على رجْلِه اليُسْرَى وبُعْدُه في فضاءٍ، ......... قوله: «واعتمادُه على رجْلِه اليُسرى»، يعنى يُستحبُّ أن يعتمدَ على رجله اليُسرى عند قَضَاء الحاجة، واستدلَّ الأصحاب لذلك بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم «أمر أصحابه أن يعتمدوا على الرِّجْل اليُسرى، وأن ينصِبُوا اليُمنى» (¬1)، وهذا الحديث ضعيف. وعَلَّلُوا ذلك بعلَّتين (¬2): الأولى: أنَّه أسهل لخروج الخارج، وهذا يُرْجَعُ فيه إلى الأطبَّاء، فإِن ثبت هذا طبًّا يكون من باب مراعاة الصِّحة. الثانية: أنَّ اعتماده على اليُسرى دون اليُمنى من باب إكرام اليمين، وهذه علَّة ظاهرة، لكن فيه نوع من المشقَّة إِذا نُصبت اليُمنى، واعتُمد على اليُسرى، ولا سيَّما إِذا كان قاضي الحاجة كثير اللحم، أو كبير السِّنِّ، أو ضعيف الجسم فيتعب في اعتماده على اليُسرى، ويتعب في نصب اليُمنى. ولهذا لو قال قائل: ما دامت المسألة ليست فيها سُنَّة ثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإِن كون الإِنسان يبقى على طبيعته معتمداً على الرِّجلين كلتيهما هو الأولى والأيسر. قوله: «وبُعْدُه في فَضَاء»، الضَّمير يعود إلى «قاضي الحاجة»، والمراد بُعْدُهُ حتى لا يُرى جسمُه، وذلك إِذا كان في ¬

_ (¬1) رواه الطبراني في «الكبير» (7/رقم 6605)، والبيهقي (1/ 96) عن سراقة بن مالك. وضعّفه: النووي، والهيثمي، وابن حجر. انظر: «الخلاصة» رقم (361)، «المجمع» (1/ 206)، «بلوغ المرام» رقم (104). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 60).

واستتاره، وارتياده لبوله مكانا رخوا

مكان ليس فيه جُدران، أو أشجار ساترة، أو جبال، يبعد في الفضاء حتى يستترَ؛ لحديث المغيرة بن شُعبة في «الصَّحيحين» قال: «فانطلق حتى تَوَارى عَنِّي فقضى حاجته» (¬1)، وأيضاً: فيه من المروءة والأدب ما هو ظاهر. واستتارُهُ، وارتيادُهُ لبولِهِ مكاناً رخْواً، ......... قوله: «واستتارُه»، يعني: يُستحب استتارُه، والمراد استتارُ بدنه كُلِّه، وهذا أفضل؛ لما تقدَّم من حديث المغيرة بن شُعبة، وأما استتارُه بالنسبة للعورة فهو أمر واجب. قوله: «وارتيادُه لبوله مكاناً رَخْواً»، ارتياد، أي: طلب، و «لبوله» يعني: دون غائطه، و «رخواً»: مثلث الرَّاء ومعناه المكان اللَّيِّن الذي لا يُخشى منه رَشاشُ البول. فإِن قيل: لماذا يُستَحبُّ؟ فالجواب: أنه أسلم من رَشَاش البول، وإن كان الأصلُ عدمُ إِصابتَهِ، لكن رُبَّما يفتح باب الوِسواس إِذا كان المكان صُلباً. وكثير من النَّاس يُبتلى بالوِسواس في هذه الحال، فيقول: أخشى أن يكون قد رُشَّ عليَّ، ثم تبدأ النَّفسُ تعملُ عَمَلَها حتى يَبْقى شاكًّا في أمره. فإِن كان في أرض ليس حولَه شيءٌ رخْوٌ، قالوا: يُدني ذَكَرَه من الأرض حتى لا يحصُل الرَّشاش (¬2)، وهذا صحيح، وكُلُّ هذا ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب المسح على الخفين، رقم (203)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (274) واللفظ له. (¬2) انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (1/ 30).

ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله، من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثا

إِبعاد عن الوِسواس والشُّكوك التي يُلقيها الشَّيطان في نفس الإنسان. ومَسْحُهُ بيده اليُسْرَى إذا فَرَغَ من بولِهِ، من أَصْلِ ذَكَرِهِ إلى رأسِهِ ثلاثاً، .......... قوله: «ومَسْحُه بيده اليُسرى ... »، أي: يُستحبُّ أن يمسح إِذا فرغَ من البول من أصل الذَّكر ـ وهو عند حلقة الدُّبُر ـ إلى رأسه ثلاث مرات؛ لأجل أن يخرج ما تَبَقَّى في القناة من البول؛ لأنه رُبَّما يَبْقى بولٌ، فإِذا قام أو تحرَّك نزل، فمن أجل ذلك يَحْلُبُه بمسحه من عند حَلَقَة الدُّبُر إِلى رأسه. وهذا قول ضعيف جدًّا؛ لأنه لم يصحَّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. ولضرره بمجاري البول، فربما تتمزَّقُ بهذا المسح، ولا سيَّما إِذا أُضيف إِليه النَّتْرُ فإِنه يُحدث الإِدرار، ولهذا قال شيخ الإسلام: «الذَّكَرُ كالضَّرع، إِن حلبته دَرَّ، وإِن تركته قَرّ» (¬1)، وعلى هذا فلا يُستحبُّ المسحُ، بل إذا انتهى البول يغسل رأسَ الذَّكر فقط. قوله: «ونَتْرُه ثلاثاً»، النَّتْرُ معناه: أن يحرِّك الإِنسان ذَكَره من الدَّاخل لا بيده لحديث: «إذا بَالَ أحدُكُم فَلْيَنْتُرْ ذَكَره ثلاثاً» (¬2)، قالوا: ولأجل أن يخرج بقيَّة البول إِن كان فيه شيء من البول، لكنَّ الحديث ضعيف لا يُعتمد عليه، والنَّتْرُ من باب التنطعِ المنهيِّ عنه، ولهذا قال شيخ الإسلام: «النَّترُ بدعة وليس ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 106). (¬2) رواه أحمد (4/ 347)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها: باب الاستبراء بعد البول، رقم (326)، والبيهقي (1/ 113) عن يزداد اليماني به مرفوعاً. وضعّفه: البيهقي، والنووي، وابن حجر، والبوصيري. انظر: «الخلاصة» رقم (362)، «بلوغ المرام» رقم (105).

سُنَّة، ولا ينبغي للإِنسان أن يَنْتُرَ ذَكَرَه» (¬1). وهذان الأمران اللَّذان ذكرهما الأصحاب يُشبهان ما ذكره بعض العلماء من أنَّه ينبغي للإنسان أن يَتَنَحْنَحَ ليخرج باقي البول إِن كان فيه (¬2). وبعضهم قال: ينبغي أن يقومَ ويمشيَ خطوات (¬3). وبعضهم قال: ينبغي أن يصعدَ درجة ويأتي من أعلاها بسرعة (167)، والتَّعليل ما سبق. وكُلُّ هذا من الوساوس التي لا أصل لها، والدِّينُ ـ ولله الحمد ـ يُسْرٌ. صحيحٌ أن بعض النَّاس قد يُبتلى إِذا لم يمشِ خطوات ويتحرَّك بخروج شيء بعد الاستنجاء، فهذا له حكم خاصٌّ، فيمكن أن نقول له: إِذا انتهى البول وكان من عادته أن ما بقي من البول لا يخرج إلا بحركة، ومشي، فلا حرج أن تمشيَ بشرط أن يكون عنده علم ويقين بأنه يخرج منه شيء، أما مجرد الوهم فلا عِبْرَة به، وهذا كعلاجٍ لهذا الشَّخص ولا يُجعل هذا أمراً عاماً لكلِّ أحد. قوله: «وتَحوُّلُه من موضعه؛ ليستَنْجي في غيره إِن خافَ تلوُّثاً»، يعني: انتقاله من موضع قضاء الحاجة ليستنجي بالماء إِن خاف تلوُّثاً؛ كأن يخشى من أن يضربَ الماء على الخارج النَّجس ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 106)، «الاختيارات» ص (9). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 106)، «إِغاثة اللهفان» (1/ 165). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 106)، «إِغاثة اللهفان» (1/ 165).

ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى

ثم يُرشُّ على ثوبه، أو فخذه، أو ما أشبه ذلك، فيُقال: الأفضل أن تنتقلَ درءاً لهذه المفسدة. وأيضاً: مثل هذه الأمور قد تُحدث وسوسة. أما إذا لم يخَفْ، كما يوجد في المراحيض الآن، فإِنَّه لا ينتقل. ويُكْرَهُ دُخولُهُ بشيء فيه ذِكْرُ الله تعالى. قوله: «ويُكْرَهُ دُخولُهُ بشيء فيه ذِكْرُ الله تعالى»، الضمير في قوله: «دُخولُه» يعود إلى «قاضي الحاجة»، ويُحتمل أن يعود إلى «الخلاء». والمُراد بذكر الله هنا «اسم الله» لا الذِّكر المعروف؛ لأنهم استدلُّوا بحديث أنس رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا دخل الخلاء وضع خَاتَمه (¬1)؛ لأنه كان منقوشاً فيه: «محمَّدٌ رسولُ الله»، ¬

_ (¬1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يُدخل به الخلاء، رقم (19)، والترمذي، كتاب اللباس: باب ما جاء في لبس الخاتم في اليمين، رقم (1746)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ذكر الله على الخلاء والخاتم في الخلاء، رقم (303)، والحاكم (1/ 187). قال الترمذي: «حسن صحيح غريب»، «تحفة الأشراف» رقم (1512). قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين». وفيما قالا نظر؛ لأن الحديث معلول ضعيف كما قال الجمهور. قال أبو داود: «هذا حديث منكر». قال النسائي: «هذا الحديث غير محفوظ». «تحفة الأشراف» رقم (1512). قال النووي: «ضعّفه أبو داود والنسائي والبيهقي والجمهور، وقول الترمذي: إِنه حسن مَرْدُودٌ عليه». «الخلاصة» رقم (329). قال ابن حجر: «هو معلول». «بلوغ المرام» رقم (86). وانظر: «تهذيب السنن» (1/ 26)، «المحرر» رقم (92)، «التلخيص الحبير» رقم (140).

إلا لحاجة

وهذه ليست من الذِّكر المعروف، فيقتضي أن كُلَّ ما فيه اسمُ الله يُكرَه دُخولُ الخلاء به. والحديث معلول، وفيه مقال كثير (¬1). ومن صحَّح الحديث أو حسَّنه قال بالكراهة. ومن قال: إِنه لا يصحُّ؛ قال بعدم الكراهة، لكن الأفضل أن لا يدخُلَ. وفرق بين قولنا: الأفضل، والقول: إِنه مكروه، لأنَّه لا يلزم من ترك الأفضل الوقوع في المكروه. واستثنى بعض العلماء «المُصْحَفَ» فقال: يحرم أن يدخلَ به الخَلاء سواءٌ كان ظاهراً أم خفيًّا (¬2)؛ لأن «المُصْحَفَ» فيه أشرف الكلام، ودخول الخلاء فيه نوع من الإهانة. إِلا لحاجَةٍ، ........ قوله: «إلا لحاجة»، هذا مستثنى من المكروه، يعنى إذا احتاج إلى ذلك كالأوراق النقديَّة التي فيها اسم الله فلا بأس بالدُّخول بها، لأنَّنَا لو قلنا: لا تدخل بها ثم أخرجَهَا ووضعها عند باب الخلاء صارت عُرضة للنسيان، وإِذا كان في محلٍّ بارح صارت عُرضة لأن يطير بها الهَواءُ، وإِذا كان في مجمع من النَّاس صارت عُرضةً لأن تُسرق. أما «المُصْحَفُ» فقالوا: إِن خاف أن يُسرقَ، فلا بأس أن يدخل به (¬3)، وظاهر كلامهم: ولو كان غنيًّا يجدُ بَدَلَه. وعلى كُلِّ حالٍ ينبغي للإِنسان في «المُصْحَفِ» خاصَّة أن يحاول عدم الدُّخول به، حتى وإن كان في مجتمع عامٍّ من النَّاس، فيعطيه أحداً يمسكه حتى يخرج. ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (1/ 113)، «النكت على المحرر» (1/ 8). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 59). (¬3) انظر: «كشاف القناع» (1/ 59).

ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض

ورَفْعُ ثَوْبِهِ قَبلَ دُنُوِّهِ مِن الأرض ........ قوله: «ورَفْعُ ثَوْبِهِ قَبلَ دُنُوِّه مِن الأرض»، أي: يُكره لقاضي الحاجة أن يرفَعَ ثوبَه قبل أن يدنو من الأرض، وهذا له حالان: الأولى: أن يكون حوله من ينظره، فرفْعُ ثوبِه هنا قبل دنوِّه من الأرض محرَّم؛ لأنَّه كَشْفٌ للعورة لمن ينظر إِليها، وقد نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فقال: «لا ينظر الرَّجُل إِلى عورة الرَّجُل» (¬1). الثانية: كشفه وهو خالٍ ليس عنده أحد، فهل يُكرَهُ أم لا؟ هذا ينبني على جواز كشف العورة والإِنسان خالٍ. وفيه ثلاثة أقوال للعلماء (¬2): الأول: الجواز. الثاني: الكراهة. الثَّالث: التَّحريم، وهو المذهب. لكن اقتصروا على الكراهة هنا؛ لأنَّ كشفها هنا لسببٍ وهو قضاءُ الحاجة، لكن كرهوا أن يرفع ثوبَه قبل دُنوِّه من الأرض؛ لعدم الحاجة إلى الرَّفْع حينئذٍ، ولم يقولوا بالتَّحريم؛ لأن أصل الكشف هنا مباح. أما إِذا أراد أن يبولَ وهو قائم، فإِنه سيرفع ثوبه وهو واقف، ولكن نقول: إن القائم دانٍ من قضاء الحاجة؛ لأنه سيقضيها وهو قائم. والبول قائماً جائزٌ، ولا سيَّما إِذا كان لحاجة، ولكن بشرطين: ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب تحريم النظر إِلى العورات، رقم (338)، من حديث أبي سعيد الخدري. (¬2) انظر: «الإِنصاف» (3/ 198).

الأول: أن يأمنَ التَّلويث. الثاني: أن يأمنَ النَّاظر. وقد ثبت في «الصَّحيحين» من حديث حُذيفة رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أتى سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائماً (¬1). قال بعض العلماء: فعل ذلك لبيان الجواز، وقال آخرون: فعله للحاجة (¬2)؛ لأن السُّبَاطة كانت عند قوم مجتمعين ينظرون إليه، فهو إِن قعد في أعلاها مستدبراً لهم ارتد بولُه إِليه، وإِن قعد في أعلاها مستقبلاً لهم انكشفت عورته أمامهم، فما بقي إِلا أن يقوم قائماً مستدبرًا للقوم، فيكون في ذلك محتاجاً إلى البول قائماً. وأما حديث: «أنه فعل ذلك لجُرحٍ كان في مأبَضِه» (¬3) فضعيف، وكذلك القول بأنه فعل ذلك لأن العرب يَتَطبَّبُون بالبول قياماً من وَجَعِ الرُّكَبِ فضعيف (¬4). ولكن يمكن أن يُقالَ: إِن العرب إِذا أوجعتهم ركبُهم عند الجلوس بَالوا قياماً للحاجة. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب البول قائماً وقاعداً، رقم (224)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (273). (ملاحظة): السُّباطة: هي المِزبلة. (¬2) انظر: «فتح الباري» (1/ 330)، «المغني» (1/ 224). (¬3) رواه الحاكم (1/ 182)، والبيهقي (1/ 101) من حديث أبي هريرة. وصحَّحه الحاكم، وتعقبه الذهبي: بأن فيه راوياً ضعيفاً. والحديث ضعَّفه: الدارقطني، والبيهقي، والنووي، وابن حجر وغيرهم. انظر: «الخلاصة» رقم (360)، و «الفتح» شرح حديث رقم (226). (ملاحظة): المأبض: باطن الرُّكبة. (¬4) انظر: «فتح الباري» (1/ 330).

وكلامه فيه

وكَلاَمُهُ فِيهِ ...... قوله: «وكَلامُهُ فيه»، يعني: يُكره كلامُ قاضي الحاجة في الخلاء، والدَّليل: أن رجلاً مرَّ بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يبول؛ فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه السَّلام (¬1). قالوا: ولو كان الكلام جائزاً لردَّ عليه السَّلام؛ لأن ردَّ السَّلام واجب (¬2). لكن مقتضى هذا الاستدلال أنه يحرم أن يتكلَّم وهو على قضاء حاجته، ولهذا ذكر صاحب «النُّكت» ابن مفلح رحمه الله هذه المسألة وقال: وظاهر استدلالهم يقتضي التَّحريم، وهو أحد القولين في المسألة (¬3). لكن اعتذروا عن القول بالتَّحريم بعذرين (¬4): الأول: أن هذا المُسَلِّم لا يستحقُّ رَدًّا، لأنه لا ينبغي السَّلام على قاضي الحاجة، ومن سلَّم في حالٍ لا ينبغي أن يُسَلِّم فيها لم يستحقَّ رَدًّا. وهذا ضعيف؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم لم يعلِّلْ عدم رَدِّ السَّلام بأنَّه سَلَّم في حالٍ لا يستحقُّ الردَّ فيها. الثاني: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يترك الواجب؛ لأنَّه بعد أن انتهى من بوله رَدَّ عليه واعتذر منه (¬5). ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (370). من حديث ابن عمر. (¬2) انظر: «المغني» (1/ 227). (¬3) انظر: «النكت على المحرر» (1/ 8، 9). (¬4) انظر: «كشاف القناع» (1/ 63)، (2/ 128). (¬5) رواه أحمد (4/ 345)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب أيردُّ السلام وهو يتبول، رقم (17)، والنَّسائي، كتاب الطهارة: باب ردّ السَّلام بعد الوضوء، رقم (38)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الرجل يُسلَّم عليه وهو يبول، رقم (350) عن المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يبول، فسلَّم عليه فلم يرد عليه حتى توضَّأ، ثم اعتذر إِليه، فقال: «إِني كرهت أن أذكر الله إِلا على طُهر» وصحَّحه: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والنووي، والذهبي. انظر: «الخلاصة» رقم (355)، و «فتح الباري» شرح حديث رقم (6230).

وهذا صحيح؛ لأن تأجيلَ الردِّ لا يستلزم القول بالتَّحريم. أما إِذا كان قاضِيَا الحاجة اثنين، ينظر أحدهما إِلى عورة الآخر ويتحدَّثان فهو حرام بلا شَكٍّ، بل إِن ظاهر الحديث الوارد فيه ـ لولا ما فيه من المقال ـ أنه من كبائر الذُّنوب؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر أن الرَّجُلين إِذا فَعَلا ذلك فإِن الله يمقت عليه (¬1). والمَقْت أشدُّ البغض، وأما إذا لم ينظر أحدهما إلى عورة الآخر؛ فأقلُّ أحواله أن يكون مكروهاً. والإِمام أحمد نصَّ على أنه يُكره الكلام حال قضاء ¬

_ (¬1) ن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله: «إِذا تغوط الرَّجُلان فليتوارَ كلُّ واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثان على طوْقهما، فإِن الله يمقت على ذلك». قال ابن القطان: «صحيح من حديث جابر»، وأقرَّه ابن عبد الهادي في «المحرر» رقم (98). ورواه الطبراني في «الأوسط» (1286) عن أبي هريرة. وقال الهيثمي: «رجاله موثقون». «المجمع» (1/ 207). ورواه أحمد (3/ 36)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب أيرد السلام وهو يبول، رقم (15)، والحاكم (1/ 157) وصححه، ووافقه الذهبي. وحسَّنه النووي من حديث أبي سعيد الخدري. وضعّف طريق أبي سعيد ابنُ القطان؛ بسبب الاضطراب وجهالة الراوي عن أبي سعيد. «بيان الوهم والإِيهام» رقم (852، 1018، 2460)، وانظر: «العلل» للدارقطني (11/ 296). ولكن تقدم تصحيح ابن القطان لطريق جابر.

وبوله في شق، ونحوه

الحاجة، وفي رواية عنه قال: «لا ينبغي» (¬1). والمعروف عند أصحابه أنه إذا قال: «أكره»، أو «لا ينبغي» أنه للتَّحريم. فالحاصل: أنه لا ينبغي أن يتكلَّم حال قضاء الحاجة، إلا لحاجة كما قال الفقهاء رحمهم الله، كأن يُرشِدَ أحداً، أو كلَّمه أحد لا بدَّ أن يردَّ عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء ليستنجي، فلا بأس (¬2). وبَوْلُهُ في شَقٍّ، ونحوِهِ، ........... قوله: «وبولُه في شَقٍّ»، يعني: يُكرَهُ بولُه في شَقٍّ. والشَّقُّ: هو الفتحةُ في الأرض، وهو الجُحر للهوامِّ والدَّواب، وظاهر كلامهم أنَّه ولو كان الشَّقُ معلوم السَّبب كما لو كانت الأرض قيعاناً، ويبس هذا القَاع ففي العادة أنه يتشقَّقُ. قوله: «ونحْوِه»، مثَّلَ بعضهم بفم البَالوعة (¬3)، وهي مجتمع الماء غير النَّظيف، وسُمِّيت بهذا الاسم لأنها تبتلع الماءَ. والكراهة تزول بالحاجة، كأن لم يجدْ إلا هذا المكان المتشقق. والدَّليل على الكراهة: 1 ـ حديث قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «نهى أن يُبال في الجُحر»، قيل لقتادة: فما بال الجُحر؟ قال: يُقال: إِنَّها مساكن الجنّ (¬4). وهذا الحديث من العلماء من ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 19). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 63). (¬3) انظر: «النكت على المحرر» (1/ 9). (¬4) رواه أحمد (5/ 82)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب النهي عن البول في الجُحر، رقم (29)، والنسائي كتاب الطهارة: باب كراهية البول في الجُحر، رقم (1/ 33)، والحاكم (1/ 186). وأعلّه ابن التركماني وغيره بما نُقل عن أحمد بن حنبل أنه لم يثبت سماع لقتادة من عبد الله بن سَرجس. لكن أثبت سماعه منه عليُّ بن المديني وأبو زرعة، والمثبت مقدَّم على النافي. بقيَ أن قتادة مدلس ولم يُصرّح بالسماع. والحديث صحَّحه: الحاكم، وابن خزيمة، وابن السَّكن، والنووي، والذهبي. والله أعلم. انظر: «الجوهر النقي» مع سنن البيهقي (1/ 99)، و «الخلاصة» رقم (344)، و «التلخيص الحبير» رقم (134)، «جامع التَّحصيل» للعلائي ص (254).

صَحَّحه، ومنهم من ضَعَّفه، وأقلُّ أحواله أن يكون حسناً؛ لأنَّ العلماء قَبِلوه، واحتجُّوا به. 2 ـ ومن التَّعليل: أنه يُخشَى أن يكونَ في هذا الجُحر شيء ساكن فتُفْسِد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك فيؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رَشاش البول. وقد ذكر المؤرِّخون أنَّ سيِّدَ الخزرج سعدَ بنَ عبادة رضي الله عنه بَالَ في جُحر بالشَّام، وما إن فرغ من بوله حتى استلقى ميِّتاً، فسمعوا هاتفاً يهتف في المدينة يقول: نحنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْ رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادهْ وَرَمَيْنَاهُ بسَهْمَيْـ ـنِ فلم نُخْطِئ فُؤادَهْ (¬1) ¬

_ (¬1) قم (45)، والطَّبراني (6/رقم 5359)، والحاكم (3/ 253)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (20/ 266) عن ابن سيرين. ورواها الأصمعي حدثنا سلمة بن بلال عن أبي رجاء. ورواها عبد الأعلى بن مسهر أيضاً. وهذه كلها مراسيل، والمرسل إِذا جاء مرسلاً من وجه آخر؛ مخرجه غير مخرج الأول؛ فإِنه حينئذ يتقوَّى؛ كما هو مذهب المحققين من أهل العلم. انظر: «جامع التحصيل» للعلائي ص (40)، «تاريخ دمشق» لابن عساكر (20/ 266).

ومس فرجه بيمينه

هكذا ذكر المؤرخون، والله أعلم بصحَّة هذه القِصَّة، ولكن يكفي ما ذكرنا من الدَّليل والتَّعليل، ومع هذا لو لم يجد إِلا هذا المكان المتشقِّقَ كان بوله فيه جائزاً. ومَسُّ فَرْجِهِ بِيَمِينِه، .......... قوله: «ومسُّ فرجِه بيَمِينِهِ»، يعني: يُكْرَهُ لقاضي الحاجة مسُّ فرجه بيمينه، وهذا يشمل كلا الفَرْجَين، لأن «فرج» مفردٌ مضافٌ والمفردُ المضاف يَعمُّ، والفَرْجُ يُطلق على القُبُل والدُّبُر، فيُكره أن يمسَّ فرجه بيمينه لحديث أبي قتادة: «لا يُمْسِكَنَّ أحدُكُم ذَكَرَهُ بيمينه وهو يبول، ولا يَتَمَسَّحْ من الخلاء بيمينه، ولا يَتَنَفَّسْ في الإِناء» (¬1). ومن تأمَّل الحديثَ وَجَدَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَيَّده بحال البول، فالجملة: «وهو يبول» حال من فاعل «يمسُّ». وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في القَيد، هل هو مرادٌ بمعنى أن النهيَ وارد على ما إِذا كان يبول فقط، لأنه رُبَّما تتلوَّث يده بالبول، وإِذا كان لا يبول فإِن هذا العضو كما قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما هو بَضْعَة منك» (¬2)، حينما سُئل عن الرَّجل يمسُّ ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الطهارة: باب النهي عن الاستنجاء باليمين، رقم (153)، ومسلم، كتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، رقم (267) واللفظ له. (¬2) يأتي تخريجه: ص (281).

واستنجاؤه، واستجماره بها

ذكرَه في الصَّلاة هل عليه وضوءٌ؟ وإِذا كان بَضْعَة منه فلا فرق بين أن يمسَّه بيده اليُمنى أو اليُسرى (¬1). وقال بعض العلماء: إِنه إِذا نُهي عن مسِّه باليمين حال البول، فالنهيُّ عن مسِّه في غير حال البول من باب أَوْلَى؛ لأنه في حال البول رُبَّما يحتاج إِلى مسِّه، فإِذا نُهي في الحال التي يحتاجَ فيها إلى مسّه فالنهيُ في غيرها أَوْلَى (¬2). وكلا الاستدلالين له وَجْهٌ، والاحتمالان واردان، والأحوط أن يتجنَّب مسَّهُ مطلقاً، ولكن الجزم بالكراهة إِنَّما هو في حال البول للحديث، وفي غير حال البول محلُّ احتمال، فإذا لم يكن هناك داعٍ ففي اليد اليُسرى غنيةٌ عن اليد اليمنى. وتعليل الكراهة: أنه من باب إكرام اليمين. واستنجاؤُهُ، واستجمارُهُ بها، ......... قوله: «واستنجاؤه واستجماره بها»، يعني: يُكرَهَ استنجاؤه واستجماره بيمينه. والفرق بينهما: أن الاستنجاء بالماء، والاستجمار بالحجر ونحوه، لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يتمسَّح من الخلاء بيمينه» (¬3). وأما التّعليل فهو إكرام اليمين. أما إذا احتاج إِلى الاستنجاء، أو الاستجمار بيمينه؛ كما لو كانت اليُسرى مشلولة فإِن الكراهة تزول، وكذا إن احتاج إلى الاستجمار باليمين؛ مثل أن لا يجد إِلا حجراً صغيراً، فقال ¬

_ (¬1) و (¬2) انظر: «فتح الباري» (1/ 254)، «الإِنصاف» (1/ 209). (¬3) تقدم تخريجه ص (121).

واستقبال النيرين، ويحرم استقبال القبلة، واستدبارها

العلماء: إن أمكن أن يجعله بين رجليه، ويتمسَّح فعل، وإن لم يمكنه أخذه باليمين، ومسح بالشِّمال (¬1). واستقبَالُ النَّيِّرَيْن، ويحْرُمُ استقبالُ القبلةِ، واستدبارُها ...... قوله: «واستقبال النَّيِّرَين»، يعني يُكْرَهُ استقبالُ الشَّمس والقمر حال قضاء الحاجة، وليس هناك دليل صحيح، بل تعليل وهو: لما فيهما من نور الله، وهذا النُّور الذي فيهما ليس نورَ الله الذي هو صفته، بل هو نورٌ مخلوق. وفي هذا نَظر! لأن مقتضاه كراهة استقبال النُّجوم مثلاً، فإِذا قلنا بهذا قلنا: كلُّ شيء فيه نورٌ وإضاءةٌ يُكرهُ استقبالهُ! ثم إِن هذا التَّعليلَ منقوضٌ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تستقبلوا القِبلةَ ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا، أو غرِّبُوا» (¬2). ومعلوم أن من شرَّق أو غرَّب والشَّمس طالعة فإنه يستقبلها، وكذا لو غرَّب والشمسُ عند الغروب. والرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: إلا أن تكون الشمس أو القمر بين أيديكم فلا تفعلوا. فالصحيح: عدمُ الكراهة لعدم الدَّليل الصَّحيح، بل ولثبوت الدَّليل الدَّالِّ على الجواز. قوله: «ويحرُمُ استقبالُ القبلة واستدبارُها»، لحديث أبي أيُّوب رضي الله عنه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تستقبلوا القبلة ببولٍ ولا غائط، ولا تستدبروها، ولكن شَرِّقوا، أو غَرِّبوا»، قال أبو أيُّوب: فقدمنا الشَّام فوجدنا مراحيض قد بُنيت نحو الكعبة، ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 210). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول ... رقم (144)، ومسلم كتاب الطهارة: باب الاستطابة، رقم (264) واللفظ له.

في غير بنيان

فننحرف عنها، ونستغفر الله (¬1). وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تستقبلوا ولا تستدبروا» نَهيٌ، والأصلُ في النهي التَّحريم. والحديث يفيد أن الانحرافَ اليسير لا يكفي؛ لأنه قال: «ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، وهذا يقتضي الانحراف التَّام. ولكن: «شرِّقوا أو غرِّبوا» لقوم إِذا شرَّقوا أو غربوا لا يستقبلون القِبْلة، ولا يستدبرونها كأهل المدينة، فإنَّ قبلتهم جهة الجنوب، فإِذا شرَّقوا، أو غرَّبوا صارت القبلة إما عن أيمانهم، أو عن شمائلهم، وإِذا شرَّق قوم أو غرَّبوا، واستقبلوا القبلة، فإِن عليهم أن يُشَمِّلُوا، أو يُجَنِّبوا. وأما التَّعليل: فهو احترام القِبْلة في الاستقبال والاستدبار. في غير بُنْيَان ............ قوله: «في غير بُنْيَان»، هذا استثناءٌ، يعني: إِذا كان في بنيان فيجوز الاستقبال والاستدبار؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «رَقِيْتُ يوماً على بيت أختي حفصة، فرأيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قاعداً لحاجته مستقبلَ الشَّام مستدبر الكعبة» (¬2)، وهذا المشهور من المذهب، بل قالوا رحمهم الله: يكفي الحائل وإِن لم يكن بُنياناً، كما لو اتَّجه إلى كَوْمَةٍ من رمل أقامها وكان وراءها، أو إِلى شجرة ما أشبه ذلك (¬3). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام وأهل المشرق، رقم (394)، ومسلم كتاب الطهارة: باب الاستطابة، رقم (264). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب التبرز في البيوت، رقم (148)، وانظر رقم (145)، (149)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب الاستطابة، رقم (266). (¬3) انظر: «شرح منتهى الإِرادات» (1/ 33).

وقال بعض العلماء: لا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها بكلِّ حال في البُنيان وغيره، وهو رواية عن أحمد (¬1)، قالوا: وهذا مقتضى حديث أبي أيُّوب استدلالاً وعملاً. أما الاستدلال: فبقولِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم. وأما العمل: فبفعل أبي أيُّوب حين قدم الشَّام فوجد مراحيض بُنيت نحو الكعبة قال: «فَنَنْحَرِفُ عنها ونستغفر الله»، وهذا يدلّ على أنه لم يرَ هذا كافياً، وهذا اختيار شيخ الإِسلام (¬2). وأجابوا عن حديث ابن عمر بما يلي: 1 ـ أنه محمولٌ على ما قبل النَّهي، والنَّهي يُرَجَّحُ عليه؛ لأن النَّهيَ ناقل عن الأصل، وهو الجواز، والنَّاقل عن الأصل أوْلَى. ذ2 ـ أن حديث أبي أيُّوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يُعارض القولَ؛ لأن فعله صلّى الله عليه وسلّم يحتمل الخصوصية، أو النِّسيان، أو عُذْراً آخر، لكن هذا الاحتمال مردودٌ؛ لأن الأصل الاقتداء والتأسِّي به صلّى الله عليه وسلّم. ثم إِنَّه لا توجد هنا معارضة تامَّة بين القول والفعل، ولو كان كذلك لكان القول بالخُصوصية مُتَّجهاً، بل يمكن حمل حديث أبي أيُّوب على ما إذا لم يكن في البُنيان، وحديث ابن عمر في الاستدبار على ما إذا كانَ في البنيان. والرَّاجح: أنه يجوز في البُنيان استدبارُ القِبْلة دون استقبالِها؛ لأن النهيَ عن الاستقبال محفوظٌ ليس فيه تفصيل ولا ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 204). (¬2) انظر: «الاختيارات» ص (8).

ولبثه فوق حاجته

تخصيص، والنهيَ عن الاستدبار خُصِّصَ بما إِذا كان في البُنيان؛ لفعل النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. وأيضاً: الاستدبار أهونُ من الاستقبال؛ ولهذا جاء ـ والله أعلم ـ التخفيفُ فيه فيما إِذا كان الإِنسان في البُنْيان. والأفضل: أن لا يستدبرها إِن أمكن. واستقبال القبلة قد يكون حراماً كما هنا، وقد يكون واجباً كما في الصَّلاة، وقد يكون مكروهاً كما في خطبة الجمعة، فإنه يكره للخطيب أن يستقبل القِبْلة ويجعل النَّاس وراءه، وقد يكون مستحبًّا كالدُّعاء والوُضُوء حتى قال بعض العلماء: إِن كُلَّ طاعةٍ الأفضلُ فيها استقبالُ القبلة إلا بدليل (¬1). ولكن في هذا نظر! لأنَّنا إِذا جعلنا هذه قاعدةً، فإِنَّ هذا خلاف المعروف من أنَّ الأصل في العبادات الحظر. ولُبْثُه فَوقَ حاجته، ............ قوله: «ولُبْثُه فوق حاجته»، أي: يحرم، ويجب عليه أن يخرج من حين انتهائه، وعلَّلوا ذلك بعِلَّتين (¬2): الأولى: أن في ذلك كشفاً للعورة بلا حاجة. الثَّانية: أن الحُشُوشَ والمراحيض مأوى الشَّياطين والنُّفوس الخبيثة فلا ينبغي أن يبقى في هذا المكان الخبيث. وتحريمُ اللُّبث مبنيٌّ على التَّعليل، ولا دليلَ فيه عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا قال أحمد في رواية عنه: «إِنه يُكره، ولا يحرم» (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (1/ 152). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 63). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 193).

وبوله في طريق، وظل نافع

وبولُه في طريقٍ، وظِلٍّ نافعٍ، ............ قوله: «وبولُه في طريق»، أي: يحرم، والغائط من باب أَوْلَى؛ لما رواه مسلمٌ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اتقوا اللَّعَّانَيْن»، قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى في طريق النَّاس، أو في ظلِّهم» (¬1). وفي سنن أبي داود رحمه الله تعالى: «اتقوا الملاعن الثلاث: البِرَاز في الموارد، وقارعة الطَّريق، والظِّلّ» (¬2). والعِلَّة: أن البول في الطَّريق أذيَّة للمارَّة، وإِيذاء المؤمنين محرَّمٌ، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً *} [الأحزاب]. قوله: «وظِلٍّ نافع»، أي: يَحْرُمُ أن يبولَ أو يتغوَّط في ظلٍّ نافع، وليس كُلُّ ظل يحرم فيه ذلك، بل الظلُّ الذي يستظِلُّ به النَّاسُ، فلو بال أو تغوَّط في مكان لا يُجلسُ فيه؛ فلا يُقال بالتَّحريم، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أو في ظِلِّهم»، يعني: الظِّلَّ الذي هو محلُّ جلوسهم، وانتفاعهم بذلك. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال، رقم (269) من حديث أبي هريرة. (¬2) رواه أبو داود، كتاب الطَّهارة: باب المواضع التي نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن البول فيها، رقم (26)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، رقم (328)، والحاكم (1/ 167). من طريق أبي سعيد الحميري عن معاذ به، والحميري هذا ـ إِضافة لكونه مجهولاً ـ لم يسمع من معاذ، لذلك ضعّفه ابن القطان وابن حجر والبوصيري، إلا أن له شواهد من حديث ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وجابر وابن عمر والحديث صححه الحاكم، وابن السكن، والذهبي، وحسنه النووي. والحديث صحَّحه: الحاكم، وابن السكن، والذهبي. وحسَّنه النووي. انظر: «العلل» للدارقطني (4/ 378) و «الخلاصة» رقم (340)، و «التلخيص» رقم (132)، المجمع (3/ 213).

وتحت شجرة عليها ثمرة

وقال بعض أهل العلم: مثلُه مَشْمَسُ النَّاس في أيام الشِّتاء (¬1)، يعني: الذي يجلسون فيه للتَّدفئة، وهذا قياس صحيح جَليٌّ. وقال بعض أهل العلم: إلا إذا كانوا يجلسون لِغِيْبَة، أو فعل محرَّم جاز أن يفرِّقهم، ولو بالبول، أو الغائط (206). وفي هذا نظر؛ لعموم الحديث؛ ولأن لا فائدة من ذلك، لأنهم إِذا علموا أنه تغوَّط أو بال في أماكن جلوسهم فإنهم يزيدون شرًّا، وربَّما يتقاتلون معه. والطَّريق السَّليم أن يأتي إليهم وينصحهم. وتحت شجرةٍ عليها ثَمرةٌ. قوله: «وتحت شجرةٍ عليها ثَمرةٌ»، يعني يحرم البولُ والتغوُّط تحت شجرة عليها ثمرة، وأفادنا رحمه الله بقوله: «تحت» أنه لا بُدَّ أن يكون قريباً منها، وليس بعيداً. وقوله: «ثمرة» أطلق المؤلِّف رحمه الله الثمرة، ولكن يجب أن تُقيَّد فيُقال: ثمرة مقصودة، أو ثمرة محترمة. والمقصودةُ هي التي يقصدها النَّاس، ولو كانت غير مطعومة، فلا يجوز التبوُّل تحتها أو التغوُّط، لأنَّه ربما تسقط فتتلوَّث بالنَّجاسة، ولأن من قصد الشَّجرة ليصعد عليها، فلا بُدَّ أن يمرَّ بهذه النَّجاسة فيتلوّثَ بها، والمحترمة كثمرة النَّخل، ولو كانت في مكان لا يقصده أحدٌ فلا يبول ولا يتغوَّط تحتها ما دامت مثمرة، لأن التَّمر طعام محترم، وكذلك غيرها من الأشجار التي تكون ثمرتها محترمة لكونها طعاماً؛ فإِنه لا يجوز التبوُّل والتغوُّط تحتها. ¬

_ (¬1) انظر: «كشاف القناع» (1/ 64).

ويستجمر، ثم يستنجي بالماء ويجزئه الاستجمار

وهناك أشياء لا يجوز البول فيها ولا التغوُّط غير ما ذكره المؤلِّف كالمساجد؛ ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للأعرابي: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القَذَر؛ إِنَّما هي لذكر الله عزّ وجل والصَّلاة، وقراءة القرآن» (¬1)، وكذلك المدارس، فكلُّ مجتمعات النَّاس لأمر دينيٍّ أو دنيويٍّ لا يجوز للإِنسان أن يتبوَّلَ فيها أو يتغوَّط. والعِلَّةُ: القياسُ على نهي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عن البول في الطُّرقات، وظِلِّ النَّاس. وكذلك: الأذيَّة التي تحصُل للمسلمين في أي عمل كان قوليًّا أو فعليًّا لعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً *} [الأحزاب]. وأما المُسْتَحَمُّ الذي يستحِمُّ النَّاسُ فيه فلا يجوز التغوّط فيه، لأنَّه لا يذهب. أما البول فجائز، لأنه يذهب؛ مع أنَّ الأَوْلَى عدمه، لكن قد يحتاج الإِنسان إلى البول كما لو كانت باقي الحمَّامات مشغولة. ويَسْتَجْمر، ثمَّ يَسْتَنْجِي بالماء. ويُجْزئُهُ الاستجمارُ .......... قوله: «ويستجمر ثُمَّ يَسْتَنْجِي بالماء ... »، الاستجمارُ: يكون بحجر وما ينوب منابه، والاستنجاء يكون بالماء. وقوله: «يستجمرُ ثم يستنجي» هذا هو الأفضل؛ وليس على سبيل الوجوب، ولهذا قال: «ويجزئه الاستجمارُ». ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، رقم (285) عن أنس بن مالك.

والإنسان إِذا قضى حاجته لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أنْ يستنجيَ بالماء وحده. وهو جائز على الرَّاجح، وإِن وُجِدَ فيه خلافٌ قديم من بعض السَّلف (¬1) حيث أنكر الاستنجاء وقال: «كيف ألوِّثُ يدي بهذه الأنتان والقاذورات» (¬2)، والصَّحيح الجواز، وقد انعقد الإِجماع بعد ذلك على الجواز. ودليل ذلك: حديث أنس رضي الله عنه قال: كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إِداوةً من ماء وعَنَزَةً؛ فيستنجي بالماء (¬3). وأما التَّعليل: فلأن الأصل في إزالة النَّجاسات إِنما يكون بالماء، فكما أنك تزيلُ النَّجاسة به عن رجلك، فكذلك تزيلُها بالماء إِذا كانت من الخارج منك. الثانية: أن يستنجيَ بالأحجار وحدها. والاستنجاءُ بالأحجار مجزئ دَلَّ على ذلك قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم وفعله: أما قوله: فحديث سلمان رضي الله عنه قال: «نهانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحْجَار» (¬4). ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 207). (¬2) انظر «المصنف» لابن أبي شيبة، كتاب الطهارات: باب من كان لا يستنجي بالماء، رقم (1635) عن حذيفة بن اليمان، ورقم (1641) عن عبد الله بن الزبير. (¬3) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء، رقم (152)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب النهي عن التَّخلي في الطُّرق والظلال، رقم (271). (¬4) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب الاستطابة، رقم (262).

إن لم يعد الخارج موضع العادة

وأما فعله فكما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أتى الغائط، وأمره أن يأتيه بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين ورَوْثة، فأخذ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الحجرين، وألقى الرَّوثة وقال: «هذا رِكْسٌ» (¬1)، وفي رواية: «ائتني بغيرها» (¬2). وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه جمع للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أحجاراً، وأتى بها بثوبه؛ فوضعها عنده؛ ثم انصرف (¬3). فدلَّ على جواز الاستجمار. وهذا مما يدلِّل لقول شيخ الإسلام رحمه الله أن النَّجاسة إِذا زالت بأي مزيل كان طَهُرَ المحلُّ (¬4). وهذا أقرب إلى المنقول والمعقول من قول من قال: لا يزيل النَّجس إِلا الماء الطَّهُور. الثالثة: أن يستنجيَ بالحجر ثم بالماء. وهذا لا أعلمه ثابتاً عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لكن من حيث المعنى لا شكَّ أنه أكمل تطهيراً. إن لم يَعْدُ الخارجُ موضعَ العادة. قوله: «إن لم يَعْدُ الخارجُ موضعَ العادةِ»، اشترط المؤلِّفُ للاستجمار شروطاً: الشَّرط الأول أشار إِليه بقوله: «إِن لم يَعْدُ الخارجُ موضعَ العادةِ»، أي: الذي جرت العادة بأن البول ينتشر إليه من رأس الذَّكَر، وبأن الغائط ينتشر إليه من داخل الفَخذين، ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب لا يستنجي بروثٍ، رقم (156). (¬2) رواه الدارقطني في «سننه» (1/ 55). (¬3) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الاستنجاء بالحجارة، رقم (155). (¬4) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 475). وسياق الكلام على هذه المسألة يأتي إِن شاء الله تعالى ص (424).

ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهرا

فإن تعدَّى موضع العادة فلا يجزئ إِلا الماء، وليس هناك دليلٌ على هذا الشَّرط؛ بل تعليل، وهو أن الاقتصار على الأحجار ونحوِها في إِزالة البول أو الغائط خرج عن نظائره؛ فيجب أن يُقتصر فيه على ما جرت العادة به، فما زاد عن العادة فالأصل أن يُزال بالماء. وظاهر كلام المؤلِّفِ: أن الذي لم يتعدَّ موضع العادة يجزئ فيه الاستجمار، والمتعدِّي لا بُدَّ فيه من الماء. وقال بعض أصحاب أحمد رحمه الله: إِذا تعدَّى موضعَ الحاجة لم يَجُزْ في الجميع إِلا الماء (¬1)، لأنه لمَّا لم يتمَّ الشَّرطُ فسد الكُلُّ. ولو قال قائل: إن ما يتعدَّى موضعَ العادة بكثير، مثل أن ينتشر على فخذه من البول فإِنه لا يجزئ فيه إلا الماء؛ لأنَّه ليس محلَّ الخارج ولا قريباً منه، وأما ما كان قريباً منه فإنه يُتَسامح فيه فلعلَّه لا يُعارض كلام الفقهاء رحمهم الله. ويُشترطُ للاستجمارِ بأحجارٍ ونحوِها أن يكون طاهراً، ....... قوله: «ويُشترَطُ للاستجمار بأحجارٍ ونحوها»، الأحجار جمع حجر. «ونحوها» مثل: المَدَرَ؛ وهو: الطِّين اليابس المتجمِّد، والتُّراب، والخِرَق، والورق، وما أشبه ذلك كالخشب. قوله: «أن يكون طاهراً»، يعني: لا نجساً، ولا متنجِّساً، والفرق: أن النَّجِسَ: نجس بعينه، والمتنجِّس: نجس بغيره، يعني ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 216).

منقيا

طرأت عليه النَّجاسة، وهذا هو الشَّرط الثَّاني، والدَّليل: حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ألقى الرَّوثة وقال: «هذا رِكْسٌ». والرِّكْسُ: النَّجِسُ. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يُستنجى بعظمٍ أو رَوث وقال: «إِنهما لا يُطهِّران» (¬1)، فدلَّ على أن المُسْتَنجَى به لا بُدَّ أن يكون طاهراً. ومن التَّعليل: أن النَّجس خبيث، فكيف يكون مطهِّراً. مُنْقِياً .......... قوله: «مُنْقِياً»، يعني يحصُل به الإنقاء، فإِن كان غير مُنْقٍ لم يجزئ، وهذا هو الشَّرط الثَّالث. لأن المقصود بالاستجمار الإِنقاء، بدليل أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَهَى أن يُستنجى بأقلَّ من ثلاثة أحجار. ولأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال في الذي يُعذَّبُ في قبره: «إِنَّه لا يَسْتَنْزِهُ من بوله» (¬2)، أو «لا يَسْتَتِرُ» (¬3)، أو «لا يَسْتَبْرِئُ من البول» (¬4)، ثلاث روايات. ¬

_ (¬1) رواه ابن عدي (4/ 356) (ترجمة سلمة بن رجاء)، والدارقطني (1/ 56). قال ابن عَدي: « ... ولسلمة بن رجاء غير ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه أفراد وغرائب، ويحدِّث عن قوم بأحاديث لا يُتابع عليها». وقال الدَّارقطني: «إِسناده صحيح»، وأقرَّه الحافظ في «الفتح» شرح حديث رقم (155). وصحَّحه النووي في «الخلاصة» رقم (375). (¬2) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، رقم (292) عن ابن عباس. (¬3) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، رقم (216)، ومسلم، في الموضع السابق، من حديث ابن عباس أيضاً. (¬4) رواه ابن عساكر، كما ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح» شرح حديث رقم (218).

غير عظم وروث

والذي لا يُنقي: إِما لا يُنقي لملاسته، كأن يكون أملساً جدًّا، أو لرطوبته، كحجر رَطْب، أو مَدَر رطب، أو كان المحلُّ قد نَشِفَ؛ لأنَّ الحجر قد يكون صالحاً للإنقاء لكنَّ المحلَّ غير صالح للإِنقاء. غيرَ عَظْمٍ وَرَوْثٍ، .......... قوله: «غيرَ عظمٍ وروثٍ»، هذا شرط عدمي وهو الشَّرط الرَّابع، لأنَّ كلمة «غير» تدلُّ على النَّفي. والدَّليل على ذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يُستنجَى بالعظم أو الروث، كما في حديث ابن مسعود (¬1)، وأبي هريرة (221)، وسلمان (221)، ورويفع (¬2)، وغيرهم رضي الله عنهم. والتَّعليل: أنه إِن كان العَظْمُ عظمَ مُذَكَّاة، فقد بَيَّنَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ هذا العظم يكون طعاماً للجِنِّ؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: «لكم كلُّ عظم ذُكِرَ اسمُ الله عليه، يقع في أيديكم أوفَرَ ما يكونُ لحماً» (¬3)، ولا يجوز تنجيسه على الجِنِّ، وإِن كان عظم ميتة فهو نجس فلا يكون مطهِّراً. والرَّوث: نستدلُّ له بما استدللنا به للعظم. وأما العِلَّة فإِن كان طاهراً فهو عَلَفُ بهائم الجِنِّ؛ وإِن كان نجساً لم يصلح أن يكون مطهِّراً. ¬

_ (¬1) تقدَّم تخريجه، ص (130، 131، 133). (¬2) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب ما يُنهى عنه أن يُستنجى به، رقم (36)، والنسائي كتاب الزينة: باب عقد اللحية، رقم (5082)، وأحمد (4/ 108). (¬3) رواه مسلم، كتاب الصلاة: باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، رقم (450) عن عبد الله بن مسعود.

وطعام، ومحترم، ومتصل بحيوان

وطعامٍ، ومُحْترمٍ، ومتَّصلٍ بحيوانٍ، ........... قوله: «وطعامٍ»، يعني طعام بني آدم، وطعام بهائمهم، فلا يصحُّ الاستنجاء بهما. والدَّليل: أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يُستنجَى بالعظم، والرَّوث، لأنَّهما طعام الجِنِّ، ودوابهم. والإِنس أفضل، فيكون النهي عن الاستجمار بطعامهم وطعام بهائمهم من باب أوْلى. كما أن فيه محذوراً آخر، وهو الكفر بالنِّعمة؛ لأن الله تعالى خلقها للأكل؛ ولم يخلقها لأجل أن تُمتهن هذا الامتهان. فكُلُّ طعام لبني آدم، أو بهائمهم، فإنَّه حرام أن يُستَجْمَرَ به. وظاهر كلام المؤلِّف: ولو كان فَضْلَةَ طعام ككِسْرَةِ الخُبز. قوله: «ومحترم»، المحترم ما له حُرمة، أي تعظيم في الشَّرع، مثل: كُتب العلم الشَّرعي، والدَّليل قوله تعالى: {ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ *} [الحج]. وقوله: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30]. والتَّقوى واجبة، فمن أجل ذلك لا يجوز أن يَستجمرَ الإنسان بشيءٍ محترم. وظاهر كلام المؤلِّف: ولو كان مكتوباً بغير العربية ما دام أنَّ موضوعه موضوعٌ محترمٌ. قوله: «ومتَّصلٍ بحيوان»، يعني: المتَّصل بالحيوان لا يجوز الاستجمار به، لأن للحيوان حُرمة؛ مثل: أن يستجمر بذيل بقرة، أو أُذُن سَخْلة، وإِذا كان علفُها يُنهى عن الاستجمار به، فكيف بالاستجمارِ بها نفسها؟!

ويشترط ثلاث مسحات

فإِن قِيل: يلزمُ على هذا التَّعليل أنْ لا يجوز الاستنجاءُ بالماء؛ لأنَّ اليد سوفَ تُباشر النَّجاسة؟ فالجواب: أن هذا قد قال به بعض السَّلف، وقال: إن الاستنجاء بالماء من غير أن يتقدَّمه أحجارٌ لا يجوز ولا يجزئ؛ لأنك تلوِّث يدك بالنَّجاسة (¬1). وهذا قولٌ ضعيفٌ جداً، وتردُّه السُّنَّة الصَّحيحةُ الصَّريحةُ أنَّه صلّى الله عليه وسلّم كان يقتصرُ على الاستنجاء. أما مباشرة اليد النَّجاسة فإِن هذه المباشرة ليست للتَّلوُّث بالخَبَثِ بل لإزالته والتَّخلص منه، ومباشرةُ الممنوع للتَّخلص منه ليست محظورةً بل مطلوبةً، ألا ترى أنه إذا كان الإِنسان مُحْرِماً، ووضع عليه شخص طيباً، فإِنَّ استدامة هذا الطِّيب حرام، ويجب عليه أن يُزيلَه، ولا شيء عليه بمباشرته إِيَّاه لإِزالته. ومثله أيضاً: لو أن رجلاً غصب أرضاً وأخذ يذهب ويجيء عليها، ثم تذكَّر العذاب وتاب إِلى الله توبة نصوحاً، ومن شروط التَّوبة الإِقلاعُ عن المعصية فوراً، فإن مروره على هذه الأرض إلى أن يخرجَ لا إثم فيه؛ لأنَّه للتَّخلُّص من الحرام، فمباشرة الشيء الممنوع للتَّخلُّص منه لا يمكن أن يأثم الإنسان به، لأنَّ هذا من تكليف ما لا يُطاق. ويُشْتَرطُ ثلاثُ مسحاتٍ ........... قوله: «ويُشترط ثلاثُ مسحات»، هذا هو الشَّرط الخامس من شروط الاستجمار وهو أن يمسح محل الخارج ثلاث مرَّات. ¬

_ (¬1) انظر: ص (130).

منقية فأكثر ولو بحجر ذي شعب

والدَّليل على ذلك: حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو في «صحيح مسلم» قال: «نهى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار» (¬1). والعِلَّة في أمره صلّى الله عليه وسلّم بثلاثة أحجار: لأجل أن لا يُكرِّر الإِنسانُ المسحَ على وجه واحد؛ لأنَّه إِذا فعل ذلك لا يستفيدُ، بل ربما يتلوَّث زيادة. مُنْقِيَةٍ فأكثر ولو بحَجَرٍ ذي شُعبٍ ............ قوله: «مُنْقِيَة»، هذا هو الشَّرط السَّادس، والإِنقاء هو أن يرجعَ الحجرُ يابساً غير مبلول، أو يبقى أثرٌ لا يزيله إلا الماء. قوله: «فأكثر»، يعني: أن يمسحَ ثلاثَ مسحات، فإِن لم تُنْقِ الثَّلاث زاد عليها. وقال بعض العلماء: إذا أنقى بدون ثلاث كفى (¬2)؛ لأنَّ الحكم يدور مع عِلَّته. وهذا القول يُرَدُّ بأنَّه صلّى الله عليه وسلّم نهى أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، وإِذا نهى عن ذلك فإِنَّه يجب أن لا نقع فيما نهى عنه. وأيضاً: الغالب أنَّه لا إِنقاء بأقلَّ من ثلاثة أحجار؛ ولأنَّ الثَّلاثة كمِّيَّةٌ رتَّبَ عليها الشَّارع كثيراً من الأحكام. قوله: «ولو بحَجَر ذي شُعبٍ»، «لو»: إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء قال: لا بُدَّ من ثلاثة أحجار (¬3)؛ مقتصراً في ذلك على الظَّاهر من الحديث، ولا شَكَّ أن هذا أكمل في الطَّهارة، إِذ إِنَّ الحجَر ذا الشُّعب قد يكون في أحد جوانبه شيء من المسحة ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (130). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 209)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 103). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 230)، «المحلى» (1/ 95).

ويسن قطعه على وتر

الأولى وهو لم يعلم به، لكن من نظر إِلى المعنى قال: إِن الحجَر ذا الشُّعبِ كالأحجار الثَّلاثة إِذا لم تكن شُعَبُه متداخلة بحيث إِذا مسحنا بشُعْبَةٍ اتَّصل التَّلويث بالشُّعْبَة الأخرى. وهذا هو الرَّاجح في ذلك؛ لأن العِلَّةَ معلومةٌ، فإذا كان الحَجَر ذا شُعَبٍ واستجمر بكُلِّ جهة منه صَحَّ. وقال بعض العلماء: إِن الرَّسُول صلّى الله عليه وسلّم اشترط ثلاثة أحجار؛ لأجل أن يكون حجرٌ للصَّفحة اليُمنى، وآخر لليُسرى، وآخر لحَلَقَة الدُّبُر (¬1). ويُسَنُّ قطعُهُ على وِتْرٍ. قوله: «ويُسَنُّ قَطْعُه على وِتْرٍ»، يعني: قطع الاستجمار، والمُراد عددُه، فإِذا أنْقَى بأربعٍ زاد خامسة، وإِذا أنقى بستٍّ زاد سابعة، وهكذا. والدَّليل: ما ثبت في «الصَّحيحين» أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من استجمرَ فليوتِرْ» (¬2)، واللام للأمر. فإن قال قائل: الأصل في الأمر الوجوب، وهذا يقتضي وجوب الإِيتار. فالجواب: نعم؛ الأصل في الأمر الوجوب، فإن أُريد بالإِيتار الثَّلاثُ فالأمر للوجوب؛ لحديث سلمان وقد سبق (¬3)، وإِن أريدَ ما زاد على الثَّلاث فالأمر للاستحباب بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: ¬

_ (¬1) انظر: «فتح الباري» (1/ 257)، «المغني» (1/ 216). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الاستنثار في الوضوء، رقم (161)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب الإِيتار في الاستنثار، رقم (237) عن أبي هريرة. (¬3) تقدم تخريجه ص (130).

ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح

«من استجمرَ فليوتِرْ، مَنْ فعل فقد أحسنَ؛ ومَنْ لا فلا حَرَج» (¬1). فبيَّن النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن هذا على سبيل الاستحباب. ويجبُ الاستنجاءُ لكُلِّ خَارِجٍ إِلا الرِّيحَ، ............ قوله: «ويجبُ الاستنجاءُ لكُلِّ خارج إِلا الريحَ»، هذا بيانُ حكم الاستنجاء، وما يجب له الاستنجاء، فقال: «ويجب ... ». وهل المرادُ هنا تطهير المحلِّ بالماء أو بما هو أعمُّ من ذلك؟ الجواب: أَنه عامٌّ، يعني أن تطهيرَه بالماء أو بالأحجار واجب. والدَّليل: أمرُهُ صلّى الله عليه وسلّم عليَّ بنَ أبي طالب أن يغسلَ ذكرَه لخروج المَذِي (¬2)، والمذيُ نجس. وأيضاً: حديث سلمان: «أمرنا ¬

_ (¬1) رواه أحمد (2/ 371)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الاستتار في الخلاء، رقم (35)، وابن ماجه، كتاب الطهارة، وسننها: باب الارتياد للغائط والبول، رقم (337)، وابن حبان رقم (1410) وغيرهم من طريق الحصين الحبراني، عن أبي سعيد الخير، عن أبي هريرة به. قال ابن حجر: «ومداره على أبي سعد الحبراني الحمصي، وفيه اختلاف، وقيل: إِنه صحابي، ولا يصحُّ، والرَّاوي عنه حصين الحبراني، وهو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل». «التلخيص الحبير» رقم (123)، وانظر: «العلل» للدارقطني رقم (1570). قال النووي: «هذا حديث حسن»! «المجموع» (2/ 55). قال ابن حجر: «حسن الإِسناد»! «الفتح» شرح حديث رقم (156). قلت: أما أبو سعد (أو سعيد) فهو تابعي قطعاً كما قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (12/ 109)، وذِكْر «الخير» بعده كما في بعض الروايات وَهْمٌ، والصواب بدونها كما قال الدارقطني في «العلل»، فالقول قول الحافظ في «التلخيص» والإِسناد ضعيف. (¬2) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب غسل المذي والوضوء منه، رقم (269)، ومسلم، كتاب الحيض: باب المذي، رقم (303). بلفظ: «يغسل ذكره ويتوضأ».

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار» (¬1). وقوله: «لكُلِّ خَارجٍ» أي من السَّبيلين، ويُستثنى من ذلك الرِّيحُ؛ لأنها لا تُحدِثُ أثراً فهي هواءٌ فقط، وإِذا لم تُحدث أثراً في المحلِّ فلا يجب أن يُغسَلَ؛ لأن غسله حينئذٍ نوع من العبث، وسواء كان لها صوت أم لا فهي طاهرة، وإِن كانت رائحتها خبيثة. وقال بعض العلماء: إِن الرِّيحَ نجسةٌ فيجب غَسْلُ المحلِّ منها (¬2). والصحيحُ: أنَّها طاهرةٌ؛ لأنها ليس لها جِرْمٌ. ويترتَّب على هذا أنَّه لو خرجت منك وثيابك مبلولة فإِنها ستلاقي رطوبة. فإن قلنا: هي نجسةٌ وجب غسل ما لاقته، وإن قلنا: طاهرةٌ لم يجب. ولا نقول: يترتَّبُ على ذلك ما ذكره بعضُ الفقهاء: من أنَّ المصلِّيَ لو حمل قِرْبَة فُساءٍ فهل تصحُّ صلاته؟ لأن هذا أمر لا يمكن، ولكن بعض أهل العلم مشغوفٌ بالإِغراب في تصوير المسائل، ومثل هذا الأولى تركه؛ لأنه قد يُعاب على الفقهاء أن يصوِّروا مثل هذه الصُّور النَّادرة، التي قد تكون مستحيلة. ويُستثنى من ذلك أيضاً المنيُّ؛ وهو خارجٌ من السَّبيل فهو داخل في عموم قوله: «لكُلِّ خَارجٍ» لكنَّه طاهرٌ، والطَّاهر لا يجب الاستنجاء له. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (130). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 234، 235).

ولا يصح قبله وضوء، ولا تيمم

ويُستثنى أيضاً غيرُ المُلَوِّثِ ليُبُوسَتِه، فإِذا خرج شيءٌ لا يُلوِّثُ ليُبُوسَتِه فلا يُستَنْجى له؛ لأن المقصودَ من الاستنجاء الطَّهارةُ، وهنا لا حاجة إلى ذلك. فإِن خرجَ شيءٌ نادرٌ كالحصاة فهل يجب له الاستنجاء؟ الجواب: إِنْ لوَّثت وجب الاستنجاءُ؛ لدخولها في عموم كلام المؤلِّف، وإِذا لم تلوِّث لم يجبْ لعدم الحاجة إليه. ولا يصحُّ قبلَه وُضُوءٌ، ولا تَيَمُّمٌ. قوله: «ولا يصحُّ قبلَه وُضُوءٌ ولا تيمُّمٌ»، يعني: يُشترطُ لصحَّة الوُضوء والتيمُّم تقدم الاستنجاء، أو الاستجمار. والدَّليل فعلُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فإِنَّه كان يُقدِّمُ الاستجمار على الوُضُوء (¬1)، ولكن هل مجرد الفعل يدلُّ على الوجوب؟ الرَّاجحُ عند أهل العلم أن مجرَّد الفعل لا يقتضي الوجوب؛ إِلا إذا كان بياناً لمجمل من القول يدل على الوجوب؛ بناءً على النَّصِّ المبيَّن (¬2). أما مجرَّدُ الفعل: فالصَّحيح أنَّه دالٌ على الاستحباب، ولكنَّ فقهاء الحنابلة استدلُّوا على الوجوب بقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لعليٍّ رضي الله عنه: «يغسُل ذَكَرَه ويتوضَّأ» (¬3)، قالوا: قَدَّمَ ذِكْرَ غَسْلِ ¬

_ (¬1) مثل حديث أنس عند البخاري، كتاب الوضوء: باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء، رقم (152) بلفظ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ إِداوةً من ماء وعَنَزَة، يستنجي بالماء». ووجه حمل العنزة مع الماء: لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا استنجى توضَّأ، وإِذا توضَّأ صلَّى. قال ابن حجر: «هذا أظهر الأوجه». وهو استنباط البخاري، وانظر أحاديث الاستجمار والاستنجاء ص (130، 131). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 567)، «الأصول من علم الأصول» ص (41). (¬3) تقدم تخريجه ص (139).

الذَّكَر، والأصل أن ما قُدِّمَ فهو أسبق (¬1)، ويدلُّ لذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصَّفا: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}؛ أبْدَأُ بما بَدَأ اللَّهُ به» (¬2)، ولكن هذه الرِّواية في «مسلم» يعارضها رواية «البخاري» و «مسلم» حيث قال: «توضَّأ وانضحْ فرجك» (¬3) فظاهرهما التَّعارض؛ لأنَّ إِحدى الرِّوايتين قَدَّمَتْ ما أخَّرتَه الأخرى. والجمع بينهما أن يُقالَ: إِن الواو لا تستلزم التَّرتيب. فأما رواية النَّسائي: «يغسلُ ذَكَره ثم ليتوضَّأ» (¬4)، وهذه صريحة في التَّرتيب. فقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أنها منقطعة، والانقطاع يضعِّفُ الحديث، فلا يُحتَجُّ بها. ولهذا كان عن الإِمام أحمد في هذه المسألة روايتان (¬5): الأولى: أنَّه يصحُّ الوُضُوءُ والتيمُّمُ قبل الاستنجاء. الثانية: أنَّه لا يصحُّ وهي المذهب. ¬

_ (¬1) انظر: «كشاف القناع» (1/ 70، 71). (¬2) رواه مسلم، كتاب الحج: باب حجة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، رقم (1218) عن جابر بن عبد الله .. (¬3) اللفظ له، عن علي بن أبي طالب. (¬4) رواه النسائي، كتاب الغسل: باب الوضوء من المذي (الاختلاف على بُكير)، (1/ 215) رقم (438). عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار عن علي بن أبي طالب به. وسليمان بن يسار لم يسمع من علي ولا من المقداد؛ كما قال القاضي عياض. انظر: هامش «جامع التحصيل» ص (191). (¬5) انظر: «الإِنصاف» (1/ 235، 236).

والرِّواية الأولى اختارها الموفَّق، وابن أخيه شارح «المقنع» والمجد (¬1). وهذه المسألة إِذا كان الإِنسانُ في حال السَّعَة فإِننا نأمره أولاً بالاستنجاء ثم بالوُضُوء، وذلك لفعل النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأما إِذا نسيَ، أو كان جاهلاً فإِنه لا يجسر الإِنسان على إِبطال صلاته، أو أمره بإِعادة الوُضُوء والصَّلاة. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 155)، «الشرح الكبير» (1/ 235، 236)، «المحرر» (1/ 10).

باب السواك وسنن الوضوء

بابُ السِّواكِ وسُنَنِ الوُضُوءِ التَّسوُّكُ بعودٍ .......... السِّواك: فِعَال من ساك يسُوك، أو مِنْ تسوَّك يتسوَّكُ، فهو على الثَّاني اسم مصدر يُطلق على الآلة التي هي العُود فيُقال: هذا سواكٌ من أراك، كما يقال: مِسْواك، ويُطلق على الفعل ويُقال: السِّواك سُنَّةٌ، أي: التَّسوُّك الذي هو الفعل. وقوله: «باب السِّواك وسُنَنِ الوُضُوء»، بعضُ العلماء قال: باب السِّواكِ وسُنَنِ الفِطْرة، والمناسبة أنَّ السِّواك من الفِطْرة. وبعضهم قال: باب السِّواكِ وسُنَنِ الوُضُوء؛ لأنَّه لما كان السِّواك من سُنَنِ الوُضوء قَرَنَ بقيةَ السُّنن بالسِّواك، وإِلا فالأصل أن السُّنَنَ تُذْكَرُ بعد ذِكْرِ الواجبات والأركان، كما فعلوا ذلك في كتاب الصَّلاة، وإِنما قُدِّمَ السواكُ على الوُضُوء وهو من سُنَنِه لوجهين: الأول: أنَّ السِّواك مَسْنُون كلَّ وقت، ويتأكّد في مواضع أخرى غير الوُضُوء. والثاني: أنَّ السِّواك من باب التطهير فله صِلَةٌ بباب الاستنجاء. قوله: «التَّسوُّك بعُود»، التسوُّك مبتدأ، وخبره «مسنونٌ». والجار والمجرور الذي هو «بعود» متعلِّق بالتَّسوُّك. وقوله: «بعودٍ» دخل فيه كلُّ أجناس العيدان؛ سواء كانت من جريد النَّخل، أو من عراجينها، أو من أغصان العنب أو من

لين منق غير مضر لا يتفتت، لا بأصبع

غير ذلك، فهو جنس شامل لجميع الأعواد، وما بعد ذلك من القُيود فإِنها فصولٌ تُخرِجُ بقيةَ الأعواد. فخرج بقوله: «عُود» التَّسوُّكُ بخِرْقَةٍ، أو الأصابعُ، فليس بسُنَّة على ما ذهب إليه المؤلِّف وهو المذهب. ليِّنٍ مُنْقٍ غَيْرِ مُضِرٍّ لا يَتَفَتَّتُ، لا بِأصْبِع، ........ قوله: «ليِّنٍ»، خرج به بقيَّةُ الأعواد القاسية؛ فإنه لا يُتسوَّكُ بها؛ لأنها لا تفيد فائدةَ العود الليِّن، وقد تضرُّ اللِّثَةَ إِن أصابتها، والطَّبقة التي على العظم في الأسنان. قوله: «مُنْقٍ»، خرج به العُودُ الذي لا شعر له، ويكون رطباً رطوبة قويَّة، فإنه لا يُنقي لكثرة مائه وقِلَّة شعره التي تؤثِّرُ في إِزالة الوَسَخ. قوله: «غَيْرِ مُضرٍّ»، احترازاً مما يُضِرُّ كالرَّيحان، وكُلّ ما له رائحة طيِّبة؛ لأنَّه يؤثِّر على رائحة الفم؛ لأن هذه الريح الطيِّبة تنقلب إلى ريح خبيثة. قوله: «لا يَتَفَتَّتُ»، معناه لا يتساقط، لأنه إِذا تساقط في فمك ملأه أذى. قوله: «لا بأصْبع»، أي: لا يُسَنُّ التَّسوُّكُ بالأصبع، ولا تحصُل به السُّنَّةُ، سواء كان ذلك عند الوُضُوء أو لم يكن، هذا مقتضى إِطلاق المؤلِّف. وقال بعض العلماء؛ ومنهم الموفَّق صاحب «المقنع»، وابن أخيه شارح «المقنع»: إِنه يحصُل من السُّنِّيَّة بقدر ما حصل من الإِنْقاء (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 137)، «الشرح الكبير» (1/ 247).

أو خرقة

وقد رُوي عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة الوُضُوء أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «أدخل بعضَ أصابعه في فيه ... » (¬1)، وهذا يدلُّ على أن التَّسوُّك بالأصبع كافٍ، ولكنَّه ليس كالعُود؛ لأن العود أشدُّ إِنقاءً. لكن قد لا يكون عند الإنسان في حال الوُضُوء شيء من العيدان يَستاكُ به، فنقول له: يجزئ بالأصبع. أو خِرْقَةٍ ......... قوله: «أو خِرْقَةٍ»، أي: لا يُسَنُّ التَّسوُّك بالخِرْقَة ولا تحصُل به السُّنَّة، ومعناه: أن يجعل الخِرْقَة على الأصبع ملفوفة ويتسوَّك بها، والإِنقاء بالخِرْقَة، أبلغُ من الإِنقاء بمجرَّد الأصبع. ولهذا قال بعضُ العلماء: إن كان الإصبع خشناً أجزأ التَّسوُّك به، وإِن كان غير خشنٍ لم يجزئ (¬2). وتقدَّم أن الخرقة أبلغ في التَّنظيف. فَمَنْ قال: إِن الأصبع تحصُل به السُّنَّة قال: إِن الخِرْقَة من باب أولى. فائدة: في الأصبع عَشْرُ لُغَاتٍ؛ ولذلك يُقال: لا يُغلَّطُ فيها أحدٌ في الصَّرف؛ لأن الصَّاد ساكنة، والهمزة والباء مثلثتان، يعني يجوز فيها فتح الهمزة، وكسرها، وضمُّها، مع فتح الباء، وكسرها، وضمِّها. قال بعضُهم ناظماً تلك اللُّغات، ومضيفاً إليها «أنملة»: ¬

_ (¬1) رواه أحمد (1/ 158) وإِسناده ضعيف، وانظر: «التلخيص الحبير» رقم (69). (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 282).

لغير صائم بعد الزوال

وهمزَ أنملةٍ ثلِّث وثالِثَه التسعُ في أصبع، واختم بأصبوع مسنونٌ كل وقت ....... قوله: «مَسْنُون»، هذا خبر قوله: «التَّسوُّك». والمسنون عند العلماء: كلُّ عبادة أُمِرَ بها لا على سبيل الإِلزام. فقولنا: لا على سبيل الإِلزام، لأنَّه إِن كان على سبيل الإِلزام فهو الواجب. والدَّليل على سُنيَّة السِّواك قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة» (¬1). فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم ... »، يدلُّ على أنه ليس بواجب، لأنه لو كان واجباً لشَقَّ عليهم. ولا يدلُّ على أنه ليس بمسنون، أو ليس مأموراً به، بل لولا المشقَّة لكان واجباً لأهميَّته. لغيرِ صائمٍ بَعْدَ الزوالِ، ......... قوله: «كُلّ وقْتٍ»، أي: بالليل والنَّهار، والدَّليل قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث عائشة: «السِّواك مطهرة للفم؛ مرضاة للرَّبِّ» (¬2)، فأطلق النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يقيِّد في وقت دون آخر. وفي هذا فائدتان عظيمتان: 1 ـ دُنيويَّة، كونُه مطهرةً للفم. 2 ـ أُخرويَّة، كونُه مرضاةً للرَّبِّ. وكلُّ هذا يحصُل بفعل يسير فيحصُل على أجر عظيم، وكثير ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الجمعة: باب السواك يوم الجمعة، رقم (887)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب السواك، رقم (252) واللفظ له من حديث أبي هريرة. (¬2) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب الصوم: باب السواك الرَّطب واليابس للصائم، ترجمة حديث، رقم (1934).

من النَّاس يمرُّ عليه الشَّهران والثَّلاثة ولم يتسوَّك إِما جهلاً، أو تهاوناً. قوله: «لغير صائمٍ بعد الزَّوال»، أي: فلا يُسَنُّ، وهذا يعمُّ صيام الفرض والنَّفْل. وقوله: «بعد الزَّوال»، أي: زوال الشَّمس، ويكونُ زوالُها إِذا مالت إلى جهة المغرب؛ لأنها أولُ ما تطلع من ناحية الشَّرق، فإِذا توسطت السَّماء ثم زالت عنه فقد زالت. قال أهل العلم رحمهم الله: علامة الزَّوال أن تنصب شاخصاً؛ أي: شيئاً مرتفعاً، وتَنْظُرَ إِليه فما دام ظِلُّه ينقص فالشَّمس لم تَزُلْ، فإِذا بدأ يزيد ولو شعرة فقد زالت (¬1). والمشهور من المذهب كراهة التَّسوُّك بعد الزَّوال للصَّائم؛ والدَّليل: 1 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صُمْتُم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعَشيِّ» (¬2)، والعَشِيُّ بعد الزَّوال. 2 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك» (¬3). والخُلوف ـ بضم الخاء ـ هو الرَّائحة الكريهة التي تكون بالفم عند خلوِّ المعدة من الطَّعام، ولا يظهر ¬

_ (¬1) انظر: «حاشية العنقري على الروض المربع» (1/ 133). (¬2) رواه الدارقطني (2/ 204) رقم (2347)، ومن طريقه البيهقي (4/ 274)، من حديث علي، والحديث ضعّفه البيهقي، وابن حجر. انظر: «التلخيص» رقم (64). (¬3) رواه البخاري، كتاب الصوم: باب فضل الصوم، رقم (1894)، ومسلم، كتاب الصيام: باب فضل الصيام رقم (1151) من حديث أبي هريرة.

في الغالب إلاَّ في آخر النَّهار، لكن لما كان ناشئاً عن طاعة الله صار أطيبَ عند الله من ريح المسك، وإِذا كان أطيبَ عند الله من ريح المسك فإِنَّه لا ينبغي أن يُزالَ، بدليل أنَّ دمَ الشَّهيد الذي عليه لا يُزالُ، بل يجب أن يبقى عليه وأن يُدفن في ثيابه وبدمائه، كما أمر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك في شُهداء أحد (¬1)، قالوا: فكلُّ ما كان ناشئاً عن طاعة الله فإِنه لا ينبغي إِزالتُه، ولذلك كُرِه للصَّائم التَّسوُّك بعد الزَّوال، وأما قبل الزَّوال فقالوا: يُستحب بيابس ويُباح برطب. فجعلوا السِّواك للصَّائم على ثلاثة أوجه: مباح برطب قبل الزَّوال، ومسنون بيابس قبل الزَّوال، ومكروه بعد الزَّوال مطلقاً (¬2). واستدلُّوا على أنَّه مسنون للصَّائم قبل الزَّوال: بعموم الأدلة. وعلى أنَّه مباح برطْبٍ: أنَّه لرطُوبته يُخشى أن يتسرَّب منه طعمٌ يصل إلى الحلق فيُخِلَّ بصيامه؛ ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صَبِرة: «وبالغْ في الاستنشاقِ إِلا أن تكونَ صائماً» (¬3). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد، رقم (1343)، من حديث جابر بن عبد الله. (¬2) انظر: «المغني» (1/ 138)، «شرح منتهى الإِرادات» (1/ 38). (¬3) رواه أحمد (4/ 33، 211)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في الاستنثار، رقم (142)، والنسائي كتاب الطهارة: باب المبالغة في الاستنشاق، (1/ 67) رقم (87)، والترمذي، كتاب الصوم: باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، رقم (788)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار، رقم (407). وصَحَّحه جمعٌ منهم: الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، والنووي وغيرهم. انظر: «الخلاصة» رقم (149)، «شرح صحيح مسلم» للنووي رقم (226)، «المحرر» (1/ 103) رقم (45)، «التلخيص» رقم (80).

وأما كونه مكروهاً بعد الزَّوال فاستدلُّوا: بالأثر والنَّظر السابقين؛ الدَّالين على الكراهة. وقال بعض العلماء: إِنه لا يُكرَهُ للصَّائم مطلقاً، بل هو سُنَّةٌ في حَقِّه كغيره (¬1). قال في «الإِقناع» ـ وهو من كتب الحنابلة المتأخِّرين؛ وهو غالباً على المذهب ـ: «وهو أظهر دليلاً» (¬2). وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (¬3). واستدلُّوا: بعموم الأدلة الدَّالَّة على سُنِّيَّة السِّواك؛ كحديث عائشة رضي الله عنها السابق (¬4)، فإن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يستثنِ شيئاً، والعام يجب إِبقاؤه على عمومه، إلا أن يَرِدَ مخصِّص له، وليس لهذا العموم مخصِّصٌ قائم. وأما حديث عليٍّ فضعيف (¬5) لا يَقْوَى على تخصيص العموم؛ لأنَّ الضَّعيف ليس بحُجَّة، فلا يَقْوَى على إِثبات الحكم، وتخصيص العموم حكم؛ لأنه إِخراج لهذا المخصَّصِ عن الحكم العام؛ وإِثبات حكم خاصٍّ به، فيحتاج إلى ثبوت الدَّليل المخصِّصِ، وإِلا فلا يُقْبَلُ. وأما التَّعليل فعليل من وجوه: الوجه الأول: أن الذين قتلوا في سبيل الله، أُمِرْنا بأن نُبقيَ ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 242). (¬2) انظر: «الإِقناع» (1/ 31). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (25/ 266)، «الاختيارات» ص (10). (¬4) تقدم تخريجه، ص (147). (¬5) تقدم تخريجه ص (148).

دماءهم؛ لأنهم يُبْعثونَ يوم القيامة، الجرح يَثْعُبُ دماً، اللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المسكِ، فلا ينبغي أن يُزالَ هذا الشَّيءُ الذي سيوجدُ يوم القيامة. ونظير هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم في الذي مات في عرفة «كَفِّنُوه في ثَوبيه» (¬1)، ولهذا ينبغي فيمن مات محرماً أن لا نطلب له خِرْقَة جديدة، بل نكفِّنُه في ثياب إحرامه التي عليه؛ لأنه كما قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «يُبعث يوم القيامة ملبِّياً» (260). الوجه الثاني: أنَّ ربط الحُكم بالزَّوال مُنتقضٌ؛ لأنه قد تحصُل هذه الرَّائحة قبل الزَّوال؛ لأن سبَبَها خلوُّ المعدة من الطَّعام، وإِذا لم يتسحَّر الإِنسان آخر الليل فإِنَّ معدته ستخلو مبكِّرة؛ وهم لا يقولون: متى وُجِدت الرَّائحة الكريهة كُرِه السِّواك؟! الوجه الثالث: أنَّ من النَّاس من لا توجد عنده هذه الرَّائحة الكريهة، إِما لصفاء معدته، أو لأنَّه معدته لا تهضم بسرعة، فتكون هذه العِلَّة منتقضة، وإِذا انتقضت العِلَّة انتقض المعلول؛ لأن العِلَّة أصلٌ والمعلول فرعٌ. والرَّاجح أن السِّواك سُنَّةٌ حتى للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، ويؤيِّده حديث عامر بن ربيعة ـ والذي ذَكَره البخاريُّ تعليقاً ـ: «رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَسْتَاك وهو صائمٌ، ما لا أُحصي أو أَعُدُّ» (¬2). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد: باب سُنَّة المحرم إِذا مات، رقم (1851) واللفظ له، ومسلم، كتاب الحج: باب ما يُفعل بالمحرم إِذا مات، رقم (1206) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (¬2) رواه البخاري تعليقاً بصيغة التمريض، كتاب الصوم: باب السّواك الرطب واليابس للصائم، انظر رقم (1934). ووصله أحمد (3/ 445)، وأبو داود، كتاب الصوم: باب السواك للصائم، رقم (2364)، والترمذي، كتاب الصوم: باب ما جاء في السواك للصائم، رقم (725) وقال: حديث حسن، وابن خزيمة رقم (2007). ومداره على عاصم بن عبيد الله، قال الحافظ فيه: ضعيف. انظر: «التقريب» (3082).

متأكد عند صلاة

متأكِّدٌ عِنْدَ صلاةٍ، ........... قوله: «مُتَأكّدٌ»، خبرٌ ثان، لقوله: «التَّسوُّك» وتعدُّد الأخبار جائز، قال تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ *} [البروج] فالودودُ خبرٌ ثانٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ صفةً للغفور؛ لأن «الغفور» نفسه صفة بالمعنى العام، لا بالمعنى النَّحْوي. قوله: «عِنْدَ صَلاة»، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة» (¬1). وكلمة «عند» في الحديث وفي كلام المؤلِّف تقتضي القُرْبَ، لأن العندية تقتضي قرب الشيء من الشيء، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وكما قال في الكتاب الذي كتبه فهو عنده فوقَ العرش (¬2). فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عند كُلِّ صلاة» أي قُربها، وكُلَّما قَرُبَ منها فهو أفضل، وأما قول بعضهم: «عند الصَّلاة»: إِن المراد به الوُضُوء، فغير صحيح؛ لأن الوُضُوء قد يتقدَّمُ على الصَّلاة كثيراً، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (147). (¬2) رواه البخاري، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، رقم (7404) ومسلم، كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله، رقم (2751) عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، وهو يكتب على نفسه، وهو وَضْعٌ عنده على العرش: إِن رحمتي تغلبُ غضبي». واللفظ للبخاري.

وانتباه

ثم إِنَّ للوُضُوء استياكاً خاصًّا، وليس من شروط التَّسوُّك عند الصَّلاة أن يكون الفمُ وسخاً. وقوله: «عند صلاةٍ» يشمل الفرضَ والنفلَ، وصلاةَ الجنازة لعموم الحديث (¬1)، أما سجود التِّلاوة فيُبنى على الخلاف: فإِن قلنا: إِنَّه صلاة ـ كما هو المشهور من المذهب ـ سُنَّ السِّواك له، وإلا فلا، وكذلك سجود الشُّكر. ولكن نقول: إِذا لم يكن مُتَأكّداً عند سجود التِّلاوة، فإِنه داخل في أنه مسنون كُلَّ وقت، لكن لا نعتقد أنَّه مسنونٌ من أجل هذا الشيء إِذا قلنا: إن سجود التلاوة ليس بصلاة. وانْتِبَاهٍ، ........... قوله: «وانتباهٍ»، أي يَتَأكَّدُ السِّواكُ عند الانتباه من النَّوم، والدَّليلُ قولُ حُذيفةَ بنِ اليمان رضي الله عنه: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إِذا قامَ من الليل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك (¬2). قال العلماء: معنى يشوص: يغسله ويدلكه بالسِّواك (¬3). وظاهر كلام المؤلِّف: أنه يَتَأَكَّدُ عند الانتباه من نوم الليل، ومن نوم النَّهار؛ لأنه قال: «وانتباهٍ» ولم يخصَّ بالليل. ولا يصحُّ أن يُستدلَّ بحديث حذيفة على تأكُّد السِّواك عند الانتباه من نوم النَّهار؛ لأن الدَّليل أخصُّ، ولا يمكن أن يُستَدَلَّ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (147). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب السِّواك، رقم (245) واللفظ له، ومسلم كتاب الطهارة: باب السواك، رقم (255)، ولفظه: «كان إِذا قام ليتهجد .... ». (¬3) انظر: «المصباح المنير» (1/ 327).

وتغير فم، ويستاك عرضا

بالأخصِّ على الأعمِّ. لكن يُقالُ: إِن حذيفة رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عند الانتباه من نوم الليل، ولا يمنع أن يكون ذلك أيضاً عند الانتباه من نوم النهار؛ لأنّ العِلَّة واحدة، وهي تغيُّر الفَم بالنَّوم. فعلى هذا يتأكَّد كما قال المؤلِّف عند الانتباه من النَّوم مطلقاً، بالدَّليل في نوم الليل، وبالقياس في نوم النَّهار. واعلم أن القياس الواضح الجليَّ يُعبِّر عنه بعضُ أهل العلم، كشيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله بالعموم المعنوي (¬1)، لأنَّ العموم يكون بالألفاظ، وقد يكون بالمعاني، بمعنى أنَّا إِذا تيقَّنَّا أو غلب على ظنِّنا أن هذا المعنى الذي جاء به النَّصُّ يشمل هذا المعنى الذي لم يدخل في النَّصِّ لفظاً؛ فإِننا نقول: دخل فيه بالعموم المعنوي. وإِذا قلنا: إِنَّه ثبت بالقياس الجليِّ فالأمر واضح؛ لأن الشَّريعة لا تفرِّق بين متماثلين. وتَغَيُّرِ فَمٍ، ويَسْتَاكُ عَرْضاً، ......... قوله: «وتغيُّر فَم»، أي: يَتَأكَّد عندَ تغيُّر الفَمِ، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «السِّواك مطهرة للفَمِ» (¬2)، فمقتضى ذلك أنَّه متى احتاج الفَمُ إِلى تطهير كان مُتَأكّداً. قوله: «ويستاكُ عَرضاً»، أي: عرضاً بالنِّسبة للأسنان، وطولاً بالنِّسبة للفَمِ، وقال بعض العلماء: يستاك طولاً بالنِّسبة للأسنان، لأنه أبلغ في التنظيف. ويحتمل أن يُقال: يرجع إلى ما تقتضيه الحال، فإِذا اقتضت الحالُ أن يستاكَ طولاً، استاك طولاً، وإِذا اقتضت أن يستاكَ ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (6/ 439). (¬2) تقدم تخريجه ص (147).

مبتدئا بجانب فمه الأيمن

عرضاً استاك عرضاً؛ لعدم ثبوت سُنَّة بيِّنَةٍ في ذلك. مُبْتَدِئاً بِجَانِبِ فَمِهِ الأيْمَنِ، .......... قوله: «مبتدِئاً بجانب فَمِه الأيمن»، والدَّليل أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم «كان يُعجبُه التيمُّن في تنعُّله، وترجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كلِّه» (¬1). واختلف العلماء هل يستاك باليد اليُمنى أو اليُسرى (¬2)؟ فقال بعضهم: باليمنى؛ لأن السِّواك سُنَّةٌ، والسُّنَّةُ طاعةٌ وقُربةٌ لله تعالى، فلا يكونُ باليُسرى؛ لأنَّ اليسرى تُقدَّم للأذى، بناءً على قاعدةٍ وهي: أن اليسرى تقدَّم للأذى، واليُمنى لما عداه. وإذا كان عبادة فالأفضل أن يكون باليمين. وقال آخرون: باليسار أفضل، وهو المشهور من المذهب؛ لأنَّه لإِزالة الأذى، وإِزالة الأذى تكون باليُسرى كالاستنجاء، والاستجمار. وقال بعض المالكية: بالتَّفصيل، وهو إِنْ تسوَّك لتطهير الفَمِ كما لو استيقظ من نومه، أو لإزالة أثر الأكل والشُّرب فيكون باليسار؛ لأنه لإزالة الأذى (¬3). وإِنْ تسوَّك لتحصيل السُّنَّة فباليمين؛ لأنه مجرد قُربة، كما لو توضَّأ واستاك عند الوُضُوء، ثم حضر إِلى الصَّلاة قريباً فإِنَّه يستاك لتحصيل السُّنَّة. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب التيمُّن في الوضوء والغُسْل، رقم (168) واللفظ له، ومسلم، كتاب الطهارة: باب التيمُّن في الطهُور وغيره، رقم (268) عن عائشة رضي الله عنها .. (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 108 ـ 113)، «الإِنصاف» (1/ 272، 273). (¬3) انظر: «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (1/ 72).

ويدهن غبا، ويكتحل وترا

والأمر في هذا واسع لعدم ثبوت نصٍّ واضحٍ. ويَدَّهِنُ غِبًّا، ويَكْتَحِلُ وِتْراً، ......... قوله: «ويَدَّهِنُ غِبًّا»، الادهان: أن يستعملَ الدُّهن في شعره. وقوله: «غِبًّا» يعني: يفعل يوماً، ولا يفعل يوماً، وليس لازماً أن يكون بهذا التَّرتيب؛ فيُمكن أن يستعمله يوماً، ويتركه يومين، أو العكس، ولكن لا يستعمله دائماً؛ لأنه يكون من المُترَفين الذين لا يهتمون إِلا بشؤون أبدانهم، وهذا ليس من الأمور المحمودة، ففي سنن أبي داود والنَّسائي أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان ينهى عن كثيرٍ من الإِرفاه (¬1)، أي لا ينبغي أن يُكثِرَ من إِرفاه نفسه، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قومٌ يَشْهَدون ولا يُستَشْهَدُون، ويخونون ولا يُؤتَمنون، ويَنْذِرُونَ ولا يُوفُون، ويظهر فيهم السِّمَن» (¬2). فالسِّمَن يظهر من كثرة الإِرفاه؛ لأن الذي لا يُترِفُ نفسه لا يسمن غالباً، وهذا يدلُّ على أنَّ كثرة التَّرف، ليست من الأمور المحمودة. وتركُ الادِّهان بالكلية سيِّءٌ؛ لأنَّ الشَّعر يكون شَعِثاً ليس بجميل ولا حسن، فينبغي أن يكون الإِنسان وسطاً بين هذا وهذا. قوله: «ويَكْتَحِلُ وِتْراً»، الكُحْلُ يكون بالعين. ¬

_ (¬1) رواه أحمد (6/ 22)، وأبو داود، كتاب الترجل، رقم (4160)، والنسائي، كتاب الزينة: باب التَّرجُّل، (8/ 185). وانظر (8/ 133). من حديث عبد الله بن شقيق، ورجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ يُقال له: عبيد ـ بإِسنادين صحيحين. (¬2) رواه البخاري، كتاب الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور، رقم (2651)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة: باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، رقم (2535) من حديث عمران بن حصين.

وقوله: «وِتْراً» يعني ثلاثةً في كُلِّ عَين. قالوا: وينبغي أن يكتحلَ بالإِثْمِدِ كُلَّ ليلة، وهو نوع من الكُحْل مفيدٌ جداً للعين. ومن أراد أن يعرفَ عنه فليقرأ: «زادُ المعادِ» (¬1) لابن القَيِّم رحمه الله، وهو من أحسن الكُحْلِ تقويةً للنَّظر. ويُقال: إِن زرقاء اليمامة كانت تنظرُ مسيرةَ ثلاثة أيام بعينها المجرَّدة، فلما قُتلَتْ نظروا إِلى عينها فوجدوا أن عروق عينها تكاد تكون محشوَّةً بالإِثْمِدِ (¬2). أمَّا الاكتحالُ الذي لتجميل العين فهل هو مشروع للرَّجُلِ أم للأنثى فقط؟ الظَّاهر أنَّه مشروع للأنثى فقط، أما الرَّجُل فليس بحاجة إلى تجميل عينيه. وقد يُقال: إِنه مشروع للرَّجُل أيضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما سُئل: إِن أحدنا يحب أن يكون نعلُه حسناً، وثوبُه حسناً فقال: «إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال» (¬3). وقد يُقال: إِذا كان في عين الرَّجُل عيبٌ يَحتاجُ إلى الاكتحال فهو مشروعٌ له، وإِلا فلا يُشرع (¬4). ¬

_ (¬1) انظر: «زاد المعاد» (4/ 283). (¬2) انظر: «خزانة الأدب» للبغدادي (10/ 255) الشاهد رقم (845) تحقيق/ عبد السلام هارون. (¬3) رواه مسلم، كتاب الإِيمان: باب تحريم الكبر وبيانه، رقم (91) من حديث عبد الله بن مسعود. (¬4) وفي «مجموع الفتاوى» لشيخنا (11/ 116) قال: «وأما الرِّجَال فمحل نظر، وأنا أتوقف فيه، وفرق بين الشاب الذي يُخشى من اكتحاله فِتْنَةٌ فيُمنع، وبين الكبير الذي لا يُخشى ذلك من اكتحاله فلا يُمنع».

وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر

وتجبُ التسميةُ في الوُضُوءِ مَعَ الذِّكْرِ، ......... قوله: «وتجبُ التَّسميةُ في الوُضُوءِ مع الذِّكر»، أي يقول: بسم الله، ويكون عند ابتدائه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا وُضُوء لِمَنْ لم يَذكرِ اسم الله عليه» (¬1)، فدلَّ هذا على أنَّها واجبةٌ، وأنها في البداية، وهذا المشهور؛ لأن التَّسمية على الشيء تكون عند فعله كما في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118]. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكلوه» (¬2). والتَّسمية على الذَّبيحة تكون عند الذَّبح قبل الشُّروع فيه، وهذا المشهور من المذهب؛ بناء على القاعدة المعروفة: «أن النَّفي يكون أولاً لنفي الوجود، ثم لنفي الصِّحة، ثم لنفي الكمال». فإِذا جاء نصٌّ في الكتاب أو السُّنَّة فيه نفيٌ لشيء؛ فالأصل أن هذا النفيَ لنفي وجود ¬

_ (¬1) رواه أحمد (2/ 418)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب التسمية على الوضوء، رقم (101)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب التسمية على الوضوء رقم (399)، وغيرهم من حديث أبي هريرة. وفي إِسناده يعقوب بن أبي سلمة: «مجهول». إِلا أنه روي من حديث: أبي سعيد، وسعيد بن زيد، وعائشة، وسهل بن سعد، وأبي سَبرة، وأم سبرة، وعلي، وأنس، ولا يخلو طريق منها من مقال. قال ابن كثير: «رُويَ من طُرقٍ يشدُّ بعضها بعضاً، فهو حديث حسن أو صحيح». قال ابن حجر: «والظَّاهر أن مجموع هذه الأحاديث يحدث منها قوَّة». وصحَّحه: أبو بكر بن أبي شيبة. وحسَّنه: العراقي، وابن الصَّلاح، وابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم. انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (1/ 170)، «إِرشاد الفقيه» لابن كثير (1/ 36)، «التلخيص الحبير» رقم (70). (¬2) رواه البخاري، كتاب الشركة: باب قسمة الغنائم، رقم (2488)، ومسلم، كتاب الأضاحي: باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، رقم (1968) عن رافع بن خديج.

ذلك الشيء، فإن كان موجوداً فهو نفي الصِّحَّة، ونفيُ الصِّحَّة نفيٌ للوجود الشَّرعي، فإنْ لم يمكن ذلك بأن صحَّت العبادة مع وجود ذلك الشيء، صار النَّفيُ لنفي الكمال لا لنفي الصِّحَّة. مثالُ نفي الوجود: «لا خالق للكون إلا الله». مثال نفي الصِّحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ الكتاب». ومثال نفي الكمال: «لا يُؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه». فإِذا نزَّلنا حديث التَّسمية في الوُضُوء على هذه القاعدة فإِنَّها تقتضي أن التسمية شرطٌ في صِحَّة الوُضُوء، لا أنَّها مجرَّد واجب؛ لأن نفيَ الوُضُوء لانتفاء التَّسمية معناه نفي الصِّحَّة، وإذا انتفت صحَّة العبادة بانتفاء شيء كان ذلك الشيء شرطاً فيها. ولكنَّ المذهب أنها واجبة فقط وليست شرطاً. وكأنهم عَدَلُوا عن كونها شرطاً لصحَّة الوُضُوء، لأنَّ الحديث فيه نظر؛ ولهذا ذهب الموفق رحمه الله إِلى أنها ليست واجبة بل سُنَّة (¬1)؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله قال: «لا يثبت في هذا الباب شيء» (280)، وإِذا لم يثبت فيه شيء فلا يكون حُجَّة. ولأن كثيراً من الذين وصفوا وُضُوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لم يذكروا فيه التَّسمية، ومثل هذا لو كان من الأمور الواجبة التي لا يصحُّ الوُضُوء بدونها لذُكِرَت. وإذا كان في الحمَّام، فقد قال أحمد: «إذا عطسَ الرَّجلُ ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 145)، «الإِنصاف» (11/ 273).

حَمِدَ الله بقلبه» (¬1)، فيُخَرَّج من هذه الرِّواية أنَّه يُسمِّي بقلبه. وقوله: «مع الذِّكر» أفادنا المؤلفُ رحمه الله أنها تسقط بالنِّسيان وهو المذهب، فإن نسيها في أوَّله، وذكرها في أثنائه فهل يُسمِّي ويستمر، أم يَبْتَدِئُ؟ اختلف في هذه المسألة «الإِقناعُ» و «المُنتهى» ـ وهما من كتب فقه الحنابلة ـ فقال صاحب «المنتهى»: يبتدئ (¬2)، لأنه ذكر التسمية قبل فراغه، فوجب عليه أن يأتي بالوُضُوء على وجهٍ صحيح. وقال صاحب «الإقناع»: يستمر (¬3)؛ لأنَّها تسقط بالنِّسيان إذا انتهى من جملة الوُضُوء، فإذا انتهى من بعضه من باب أولى. والمذهب ما في «المنتهى»، لأن المتأخِّرون يرون أنه إذا اختلف «الإقناع» و «المنتهى» فالمذهب «المنتهى». وقال الفقهاء: تجب التَّسميةُ في الغُسل (¬4)؛ لأنه إِحدى الطَّهارتين فكانت التسمية فيه واجبة كالوُضُوء، ولأنها إِذا وجبت في الوُضُوء وهو أصغر، وأكثر مروراً على المكلَّف فوجوبُها في الحَدَث الأكبر من باب أولى. وقالوا أيضاً: تجب في التيمُّم (284)؛ لأنه بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل. وقد يُعارَضُ في هذا فيُقال: إِن التيمُّمَ ليس له حكم المبدل في وجوب تطهير الأعضاء؛ لأنَّ التيمُّم إِنما يُطَهَّرُ فيه عضوان فقط: الوجه والكفَّان في الحدث ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 227)، «الإِنصاف» (1/ 191). (¬2) انظر: «منتهى الإِرادات» (1/ 17). (¬3) انظر: «الإِقناع» (1/ 41). (¬4) انظر: «الإِنصاف» (1/ 274، 275)، «الإِقناع» (1/ 40).

الأصغر والأكبر، فلا يُقال: ما وجب في طهارة الماء وجب في طهارة التيمُّم، لكن الاحتياط أولى فيسمِّي عند التيمُّم أيضاً. والمتأمِّل لحديث عمَّار بن ياسر وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا» (¬1)، يستفيد منه أن التسمية ليست واجبة في التيمُّم. والتَّسميةُ في الشَّرع قد تكون شرطاً لصحَّة الفعل، وقد تكون واجباً، وقد تكون سُنَّةً، وقد تكون بدعةً. فتكون شرطاً لصحَّة الفعل كما في الذَّكاة والصَّيد، فلا تسقط على الصَّحيح لا عمداً، ولا جهلاً، ولا سهواً، فإِذا ذَبَحَ، أو صاد ونسي التَّسميةَ؛ صار المذبوح والصَّيد حراماً. والمذهب: إِذا رمى صيداً ونسيَ أن يُسمِّيَ صار حراماً، وإِن ذَبَحَ ونسيَ أن يُسمِّي صار حلالاً (¬2)! وهذا من غرائب العلم، فإِنَّ الصَّيد أولى بالعُذر؛ فكيف يُعذر النَّاس في الذَّبيحة، ولا يُعذرون في الصَّيد؟! مع أنَّ الغالب أنَّ الإِنسان إذا رأى صيداً يستعجل وينسى التَّسمية. ودليل المذهب ـ على أن التَّسمية لا تسقط في الصَّيد سهواً ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أرسلت كَلْبَك وسمَّيت فَكُلْ» (¬3)، ومقتضى ذلك أنَّك إِذا لم تذكر اسم الله فلا تأكلْ. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب التيمم: باب التيمم ضربة، رقم (347)، واللفظ له، ومسلم كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (368). (¬2) انظر: «الإِقناع» (4/ 319، 334). (¬3) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب صيد المعراض، رقم (5476)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح: باب الصيد بالكلاب المعلمة، رقم (1929) من حديث عدي بن حاتم.

فنقول: هو أيضاً قال: «ما أَنهرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فَكُلْ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ» (¬1)، وأيُّ فرق بين هذا وهذا؟ لا فرق، فجعل حِلِّ المذكَّاة مشروطاً بالتَّسمية وإِنهار الدَّم، كما جعل الصَّيد مشروطاً بالإِرسال والتَّسمية، وحينئذٍ لا يتَّجه التَّفريق بينهما، وأيضاً: فكما أنَّه لو نسيَ وذَبَحَ الذَّبيحة بصعق كهربائي، فإنها ميتة لا تحِلُّ، فكذلك إِذا نسيَ ولم يسمِّ فهي ميتة لا تحِلُّ. فإن قيل: أليس الله تعالى يقول: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. قلنا: بلى؛ فالذي نسيَ أن يسمِّيَ على الذَّبيحة ليس عليه إِثم، لكن من أكل منها متعمِّداً فإِنَّه آثم لأن الله يقول: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] فنهى عن الأكل، لكن إِذا أكل جاهلاً، أو ناسياً فلا إِثم عليه لقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وهذا اختيار شيخ الإسلام (¬2) رحمه الله. فإن قيل: إن ذلك يترتَّب عليه إتلافٌ لأموال المسلمين، وقد تكون نُوقاً ثمينة؛ فهل يُؤمر صاحبُها بجرِّها للكلاب إذا نسي التَّسمية؟ قلنا: لو نسيَ مرّة فحرَّمناها عليه؛ فإِنَّه لا يمكن أن ينسى بعد ذلك. وتكون التَّسميةُ واجبة كما في الوُضوء. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (158). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (35/ 239).

ويجب الختان ما لم يخف على نفسه

وتكون مستحبَّة كالتَّسمية عند الأكل على رأي الجمهور (¬1)، وقال بعض العلماء: إنها واجبة (290) وهو الصَّحيح. وتكون بدعةً كما لو سَمَّى عند بَدْء الأذان مثلاً، إذا أراد أن يؤذِّن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وكذا عند الصَّلاة. أمّا عند قراءة القرآن فتُقرأ في أول السُّورة، وأما في أثناء السُّورة فقال بعضُ العلماء: يُستحب أن يقول: بسم الله (¬2). ورَدَّ بعضُ العلماء هذا ـ وهو الصَّحيح ـ وقال: إن الله لم يأمرْنا عند قراءة القرآن إلا أن نقول: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، فإِذا أردت أن تقرأ في أثناء السُّورة فلا تُسَمِّ (291). ويجبُ الختانُ ما لم يَخَفْ على نَفْسِهِ، ....... قوله: «ويجبُ الختانُ ما لم يخفْ على نفسه»، أوَّلُ مَنْ سَنَّ الخِتانَ إبراهيم عليه السلام (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «فتح الباري» (9/ 522)، «الإِنصاف» (21/ 361 ـ 363)، «زاد المعاد» (2/ 397). (¬2) انظر: «البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة» ص (11). (¬3) رواه ابن أبي عاصم في «الأوائل» رقم (19)، والطبراني في «الأوائل» له رقم (10) عن سلمة بن رجاء، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان إِبراهيم أول من اختتن ... ». وسلمة بن رجاء: صدوق يُغرب كما في «التقريب»، وسيأتي ص (165). قول ابن عدي فيه: «يحدث عن قومٍ بأحاديث لا يُتابع عليها». إِلا أنه قد تابعه أبو أسامة حماد بن أسامة ـ وهو ثقة ـ حدثني محمد بن عمرو بن علقمة به. فيما رواه ابن عساكر «التاريخ» (6/ 201)، فمدار الحديث إِذاً على محمد بن عمرو بن علقمة؛ وهو صدوق له أوهام، كما في «التقريب». قال ابن معين: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما عِلَّة ذلك؟ قال: كان يُحدِّث مرَّة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يُحدِّث به مرَّة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة «تهذيب الكمال» (26/ 216)، فلا تطمئن النفس لتحمله هذا الحديث ما لم يُتابع. ورواه ابن عدي (1/ 360) عن إِبراهيم بن أبي يحيى، عن يحيى، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به مرفوعاً. إِبراهيم بن أبي يحيى: متروك. وتابعه حماد بن سلمة عند البيهقي في «الشُّعب» رقم (8641) ولكنها متابعة لا تنفع؛ لأن الراوي عن حماد هو عبد الله بن واقد: متروك. ورواه البخاري في «الأدب المفرد» رقم (1250)، والبيهقي في «الشُّعب» رقم (8640) من طريقين عن سعيد بن المسيب موقوفاً عليه، من قوله. قال البيهقي: هذا هو الصحيح؛ موقوف.

وهو بالنسبة للذَّكر: قطعُ الجلدة التي فوق الحَشَفَة. وبالنسبة للأنثى: قطعُ لحمةٍ زائدة فوق محلِّ الإِيلاج، قال الفقهاء رحمهم الله: إِنها تُشبه عُرف الدِّيك. وظاهر كلام المؤلِّف: أنه واجب على الذَّكر والأنثى، وهو المذهب. وقيل: هو واجب على الذَّكر دون الأنثى، واختاره الموفق (¬1) رحمه الله. وقيل: سُنَّة في حَقِّ الذُّكور والإِناث (293). وقد أطال ابن القيم رحمه الله في «تُحفة المودود» (¬2) في حُجج الاختلاف، ولم يرجِّح شيئاً!، وكأنَّه ـ والله أعلم ـ لم يترجَّح عنده شيء في هذه المسألة. وأقرب الأقوال: أنه واجب في حَقِّ الرِّجال، سُنَّةٌ في حَقِّ النِّساء. ووجه التَّفريق بينهما: أنه في حَقِّ الرِّجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شُروط الصَّلاة وهي الطَّهارة، لأنَّه إِذا بقيت هذه ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 115)، «الإِنصاف» (11/ 266، 267). (¬2) انظر: «تحفة المودود» ص (95 ـ 106).

الجلدة، فإِن البول إذا خرج من ثُقب الحَشَفَة بقي وتجمَّع، وصار سبباً في الاحتراق والالتهاب، وكذلك كُلَّما تحرَّك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجَّس بذلك. وأما في حَقِّ المرأة فغاية فائدته: أنه يُقلِّل من غُلمتِها، أي: شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إِزالة الأذى. ولا بُدَّ من وجود طبيب حاذقٍ يعرف كيف يختن، فإِن لم يوجد فإِنه يختن نفسه إذا كان يُحْسن، وإبراهيم عليه السلام خَتَنَ نفسَهُ (¬1). واشترط المؤلِّف أنْ لا يخاف على نفسه، فإِن خاف على نفسه من الهلاك، أو الضَّرر، فإِنه لا يجب، وهذا شرطٌ في جميع الواجبات؛ فلا تجب مع العجز، أو مع خوف التَّلف، أو الضَّرر. ويجوز للخاتن أن ينظر إلى عورة المختون، ولو بلغ عشر سنين، وذلك للحاجة، والدَّليل على وجوبه في حقِّ الرجال: 1 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «خمسٌ من الفِطرة»، وذكر منها الخِتَان (¬2). 2 - أمره صلّى الله عليه وسلّم من أسلمَ أن يختتن (¬3)، وهذا يدلُّ على الوجوب. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: «واتخذ الله إِبراهيم خليلاً» رقم (3356)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب من فضائل إِبراهيم، رقم (2370) عن أبي هريرة. (¬2) رواه البخاري، كتاب الاستئذان: باب الختان بعد الكبر ونتف الإِبط، رقم (6297)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب خصال الفطرة، رقم (257) عن أبي هريرة. (¬3) ولفظه: «ألقِ عنك شعر الكفر واختتن» رواه أحمد (3/ 415)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل، رقم (356) عن ابن جُريج قال: أُخبرت عن عُثيم بن كُليب عن أبيه عن جده فذكره. قال ابن القطّان الفاسي: «إِسناده غاية في الضَّعف، مع الانقطاع الذي في قول ابن جريج: أُخبرت، وذلك أن عُثيم بن كُليب وأباه وجدّه مجهولون»، «بيان الوهم والإِيهام» رقم (695). إِلا أن له شاهدين: الأول: من حديث واثلة بن الأسقع، رواه الطبراني في «الكبير» (22/رقم 199)، والحاكم (3/ 570). قال الهيثمي: «فيه منصور بن عمار الواعظ وهو ضعيف». «المجمع» (1/ 283). الثاني: من حديث قتادة أبي هشام، رواه الطبراني في «الكبير» (19/رقم 20) ولفظه: «وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمر من أسلم أن يختتن». قال الهيثمي: «رجاله ثقات» «المجمع» (1/ 283). قلت: فيه هشام بن قتادة الرهاوي: تابعي لم يوثّقه إِلا ابنُ حبان. «الثقات» (7/ 569) ومالَ النووي في «المجموع» (2/ 154) إِلى تحسينه. وروى البخاري في «الأدب المفرد» رقم (1252) بإِسناد صحيح عن الزهري قال: «كان الرجل إِذا أسلم أُمر بالاختتان، وإِنْ كان كبيراً». قال ابن كثير: «هذا مرسل حسن»، «إِرشاد الفقيه» (1/ 34). وانظر: «المجمع» (7/ 569)، «التلخيص» رقم (2139).

3 - أن الخِتَان مِيزةٌ بين المسلمين والنَّصارى؛ حتى كان المسلمون يَعرفون قتلاهم في المعارك بالختان، فالمسلمون والعرب قبل الإِسلام واليهود يختتنون، والنَّصارى لا يختتنون، وإِذا كان مِيزة فهو واجب. 4 - أنَّه قَطْعُ شيء من البَدَن، وقطعُ شيء من البَدَن حرام، والحرام لا يُستباح إلا بالواجب. 5 - أنه يقوم به وليُّ اليتيم، وهو أعتداءٌ عليه، واعتداءٌ على ماله، لأنه سيعطي الخاتن أجرةً من ماله غالباً، فلولا أنه واجبٌ لم يجز الاعتداء على مال اليتيم وبدنه. وأمّا بالنسبة للمرأة فأقوى الأقوال أنه سُنَّةٌ (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 114).

ويكره القزع

ويدلُّ له قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الختان سُنَّةٌ في حَقِّ الرِّجال، مَكْرمة في حَقِّ النِّساء» (¬1) لكنه ضعيفٌ، ولو صَحَّ لكان فاصلاً. ويُكْرَهُ الْقَزَعُ. قوله: «ويُكره القَزَعُ»، القَزَعُ: حلقُ بعض الرَّأس، وتركُ بعضه، وهو أنواع: 1 - أن يحلِقَ غير مرتّب، فيحلقُ من الجانب الأيمن، ومن الجانب الأيسر، ومن النَّاصية، ومن القَفَا. 2 - أن يحلقَ وسطَه ويترك جانبيه. 3 - أن يحلقَ جوانبه ويتركَ وسطه، قال ابن القيم رحمه الله: «كما يفعله السُّفَل» (¬2). 4 - أن يحلقَ النَّاصيةَ فقط ويتركَ الباقي. والقَزَع مكروه (¬3)؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى غلاماً حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: «احلقوا كلَّه، أو اتركوه كلَّه» (¬4). إِلا إِذا كان فيه تشبُّهٌ بالكُفَّار فهو محرَّمٌ، ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (5/ 75)، والبيهقي (8/ 325) وغيره من حديث شداد بن أوس، والحديثُ ضعّفه: البيهقي، وابن عبد البرِّ، وابن حجر، وغيرهم. انظر: «التلخيص» رقم (2139). (¬2) انظر: «تحفة المودود» ص (59). (¬3) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي، كتاب اللباس: باب كراهة القزع، (7/ 352). (¬4) رواه عبد الرزاق في «المصنف» رقم (19564)، وعن أحمد بن حنبل (2/ 88)، وعنه أبو داود، كتاب الترجل: باب في الذؤابة، رقم (4195) عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به. قال ابن عبد الهادي: «هذا إِسناد صحيح، ورواته كلهم أئمة ثقات». «المحرر» رقم (36). قال ابن كثير: «إِسناده صحيح». «إِرشاد الفقيه» (1/ 33).

ومن سنن الوضوء

لأن التشبُّه بالكُفَّار محرَّمٌ، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تَشَبَّه بقومٍ فهو منهم» (¬1)، وعلى هذا فإذا رأينا شخصاً قَزَّع رأسه فإِننا نأمره بحلق رأسه كلِّه، ثم يُؤمر بعد ذلك إِمَّا بحلقهِ كلِّه أو تركه كلِّه. وَمِنْ سُنَن الوُضُوءِ: قوله: «ومن سُنن الوُضُوء»، السُّنَنَ جمع سُنَّة، وتُطلق على الطَّريقة، وهي أقوال الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم وأفعاله وتقريراته، ولا فرق في هذا بين الواجب والمستحبِّ، فالواجب يُقال له: سُنَّة، والمستحبُّ يُقال له: سُنَّة. مثال الواجب: قول أنس: «من السُّنَّة إِذا تزوَّجَ البكرَ على الثيِّب أقام عندها سبعاً» (¬2). ومثال المستحبِّ: حديثُ ابن الزبير رضي الله عنه: «صَفُّ القدمين، ووضْعُ اليد على اليد من السُّنَّة» (¬3). وأمَّا عند الفقهاء والأصوليين رحمهم الله تعالى: فهي ما سوى الواجب؛ أي: الذي أُمِرَ به لا على سبيل الإِلزام. ¬

_ (¬1) رواه أحمد (2/ 50)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب في لبس الشهرة، رقم (4031) عن ابن عمر، بإِسنادٍ قال فيه ابنُ تيمية: «وهذا إِسناد جيد، فإِن ابن أبي شيبة، وأبا النضر، وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين، وهم أجلُّ من أن يُحتاج أن يُقال: هم من رجال الصحيحين». انظر: «الاقتضاء» (82). (¬2) رواه البخاري، كتاب النكاح: باب إِذا تزوج البكر على الثيب، رقم (5213)، ومسلم، كتاب الرضاع: باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إِقامة الزوج عندها عقب الزفاف، رقم (1461). (¬3) رواه أبو داود، كتاب الصلاة: باب وضع اليُمنى على اليسرى في الصلاة، رقم (754). قال النووي: «رواه أبو داود بإِسناد حسن». «الخلاصة» رقم (1091).

السواك، وغسل الكفين ثلاثا، ويجب من نوم ليل

حكمها: أنه يُثاب فاعلها امتثالاً، ولا يُعاقب تاركُها. السِّواكُ، وغَسْلُ الكَفَّيْنِ ثلاثاً، ويَجبُ من نومِ لَيْلٍ ......... قوله: «السِّوَاك»، تقدَّم أنَّه يتَأَكَّدُ عند الوُضُوء، ودليله: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن أَشُقَّ على أُمتي لأَمرتُهم بالسِّوَاك مع كُلِّ وُضُوء» (¬1). قوله: «وغَسْلُ الكفَّين ثلاثاً»، لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا توضأ بدأ بغسل الكفَّين ثلاثاً (¬2)، ولأنهما آلة الغسل فإِنَّ بهما يُنقل الماء، وتُدلَكُ الأعضاءُ، فكان الأليقُ أن يتقدَّم تطهيرهُما. فإن قيل: لماذا لا يُقال: إِن غسلهما واجب لمداومة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؟ فالجواب: أن الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، ولم يذكر الكفين. قوله: «ويجبُ من نومِ ليلٍ»، الضَّمير في قوله: «يجب» يعودُ على غسل الكفَّين ثلاثاً، وهذا إِذا أراد أن يغمسهُما في الإِناء. والدَّليل: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه، فلا يغمس يدَه في الإِناء؛ ¬

_ (¬1) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب الصوم: باب سواك الرطب واليابس للصائم، انظر رقم (1934) بلفظ: «عند كل وضوء» من حديث أبي هريرة. ورواه ـ بهذا اللفظ ـ أحمد (2/ 460، 517)، وابن خزيمة رقم (140). قال النووي: «هو حديث صحيح ... وأسانيده جيدة». «المجموع» (1/ 328). قال ابن عبد الهادي: «رواته كلهم أئمة أثبات»، انظر: «المحرر» رقم (26). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رقم (159)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء وكماله، رقم (226) من حديث عثمان بن عفان.

ناقض لوضوء

حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإن أحدَكم لا يدري أين باتت يدُه» (¬1). وقوله: «مِنْ نومِ ليلٍ» خرج به نوم النهار، فلا يجب غسل الكفَّين منه. فإن قال قائل: قولُه في الحديث: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه» فإِن «نومه» مفردٌ مضاف فيشمل كُلَّ نومٍ. وأيضاً قوله: «إذا استيقظ» ظرف يشمل آناء الليل وآناء النَّهار، فلماذا يُخَصُّ بالليل؟ فأجابوا: أنَّه يُخَصُّ بالليل لتعليله صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ»، والبيتوتة لا تكون إِلا بالليل (¬2). وهذا من باب تخصيص العام بالعِلَّة، لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم لمَّا علَّلَ بعِلَّة لا تصلح إلا لنوم الليل صار المراد بالعموم في قوله: «من نومه» نومَ الليل، فهو عام أُريد به الخاصُّ. ناقضٍ لوُضُوءٍ، .......... قوله: «ناقضٍ لوُضُوء»، احترازاً مما لو لم يكن ناقضاً. والنَّوم النَّاقض على المذهب: كُلُّ نوم إلا يسير نوم من قائم، أو قاعد (¬3). والصَّحيح أن المدار في نقض الوُضُوء على الإِحساس، فما دام الإِنسان يحسُّ بنفسه لو أحدث فإِن نومه لا يَنْقُضُ وضوءَه، وإِذا كان لا يحسُّ بنفسه لو أحدث فإِن نومَه يَنْقُضُ وضوءَه (310). وهذا الذي ذكره الفقهاء هنا حيث قالوا: «ناقضٍ لوُضُوءٍ»، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (49). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 140). (¬3) انظر ص (275 ـ 278).

والبداءة بمضمضة، ثم استنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم

يؤيِّدُ أنَّ الرَّاجح أنَّ النَّوم النَّقض للوُضُوء ما فَقَدَ به الإِنسانُ إِحساسَه. ووجهه: أن قوله: «فإن أحدَكم لا يدري» معناه أن إحساسه مفقود، وعلى هذا إذا كان يدري بحيث لم يفقدْ إِحساسه فإنه لا ينتقض وضوءُه، مع أنَّ الفقهاء في باب نواقض الوضوء يخالفون ذلك. والبدَاءَةُ بِمَضْمَضَةٍ، ثُمَّ اسْتِنْشَاقٍ، والمبالغةُ فيهما لغيرِ صائمٍ، ......... قوله: «والبَدَاءَةُ بمَضْمَضَةٍ ثم استنشاق»، أي: ومن سُنَنِ الوُضُوء البَدَاءَةُ بمضمضة ثم استنشاق، وهذا بعد غسل الكَفَّين، والأفضل أن يكون ثلاث مَرَّات بثلاث غَرَفات. والمضْمَضَةُ هي: إِدارة الماء في الفَمِ. والاستنشاق هو: جَذْبُ الماء بالنَّفَسِ من الأنف. والبَدْءُ بهما قبلَ غسل الوجه أفضل، وإِن أخَّرهما بعد غسل الوجه جاز. ولم يذكر المؤلِّف الاستنثار؛ لأن الغالب أن الإنسان إِذا استنشق الماء أنه يستنثره، وإِلا فلا بُدَّ من الاستنثار، إذ لا تكتمل السُّنَّة إلا به، كما أنها لا تكتمل السُّنَّة بالمضمضة إلا بمجِّ الماء، وإن كان لو ابتلعه لعُدَّ متمضمضاً، لكن الأفضل أن يمجَّه؛ لأن تحريك الماء بالفمِ يجعل الماء وسخاً لما يلتصق به من فضلات كريهة بالفم. قوله: «والمبالغة فيهما لغير صائم»، «فيهما» أي: ومن سُنَنِ الوُضُوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق، والمبالغة في المضمضة: أن تحرِّكَ الماء بقوة وتجعله يصلُ كلَّ الفم، والمبالغة في الاستنشاق: أن يجذبه بنفس قويٍّ.

وتخليل اللحية الكثيفة

ويكفي في الواجب أن يديرَ الماء في فمه أدنى إِدارة، وأن يستنشقَ الماءَ حتى يدخل في مناخره. والمبالغة مكروهةٌ للصَّائم، لأنها قد تؤدِّي إلى ابتلاع الماء ونزوله من الأنف إلى المعدة؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صَبِرَة: «أسْبِغِ الوُضُوء، وخَلِّلْ بين الأصابع، وبالغْ في الاستنشاقِ، إلا أن تكون صائماً» (¬1). وإذا كان في الإنسان جيوبٌ أنفيةٌ، ولو بالغ في الاستنشاق احتقن الماءُ بهذه الجيوب وآلمه، أو فسد الماء وأدَّى إِلى صديد أو نحو ذلك، ففي هذه الحال نقول له: لا تبالغ درءاً للضَّرر عن نفسك. وتَخْليلُ اللِّحْيَةِ الكثيفةِ ........ قوله: «وتخليلُ اللِّحْيَة الكثيفة»، أي ومن سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة، واللحية إِما خفيفةٌ، وإِما كثيفةٌ. فالخفيفة هي التي لا تَسْتُرُ البشرة، وهذه يجب غسلُها وما تحتها؛ لأنَّ ما تحتها لمَّا كان بادياً كان داخلاً في الوجه الذي تكون به المواجهة، والكثيفةُ: ما تَسْتُرُ البشرة، وهذه لا يجب إِلا غسل ظاهرها فقط، وعلى المشهور من المذهب يجب غسل المسترسل منها. وقيل: لا يجب كما لا يجب مسحُ ما استرسلَ من الرَّأسِ (¬2)، والأقرب في ذلك الوجوب (¬3)، والفرق بينهما وبين الرأس: أن اللحية وإِن طالت تحصُل بها المواجهة؛ فهي داخلة ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (149). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 284). (¬3) انظر: ص (211).

في حَدِّ الوجه، أما المسترسلُ من الرَّأس فلا يدخل في الرَّأس لأنَّه مأخوذ من التَّرؤُّس وهو العُلو، وما نزل عن حدِّ الشَّعر، فليس بمُتَرئِّسٍ. والتَّخليل له صفتان: الأولى: أن يأخذَ كفًّا من ماء، ويجعله تحتها ويَعْرُكَها حتى تتخلَّلَ به. الثانية: أن يأخذ كفًّا من ماء، ويخلِّلَها بأصابعه كالمشط، والدَّليل قول عُثمان رضي الله عنه: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُخلِّلُ لحيته في الوُضُوء» (¬1)، وهذا الحديث وإن كان في سنده مقال؛ لكن له طُرُقٌ كثيرة، وشواهد تدلُّ على أنه يرتقي إلى درجة الحسن على أقلِّ درجاته، وعلى هذا يكون تخليل اللِّحية الكثيفة سُنَّة. وذكر أهل العلم أن إِيصال الطَّهور بالنسبة للشعر ينقسم إلى ثلاثة أقسام (¬2): ¬

_ (¬1) رواه الترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في تخليل اللحية، رقم (31)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما جاء في تخليل اللحية، رقم (430) وغيرهما، من حديث عثمان بن عفان، وفي إِسناده عامر بن شقيق: لين الحديث. إِلا أن له شاهداً من حديث أنس؛ رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب تخليل اللحية، رقم (145)، والحاكم (1/ 149) وصحَّحه، وله شواهد كثيرة انظرها في «التلخيص الحبير» رقم (86). والحديث صَحَّحه: الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان، وابن القطان. وحسَّنه ابن الملقن. وقال البخاري: أصحُّ شيء عندي في التخليل حديث عثمان. فقيل له: إِنهم يتكلَّمون في الحديث؟ فقال: هو حَسَنٌ. «علل الترمذي الكبير» (1/ 115). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 164، 301، 302)، «القواعد» لابن رجب ص (4).

الأول: ما يجب فيه إيصال الطَّهور إلى ما تحت اللِّحية، كثيفة كانت، أم خفيفة، وهذا في الطَّهارة الكُبرى من الجنابة لحديث عائشة رضي الله عنها: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يصبُّ على رأسه الماء حتى إِذا ظَنَّ أنه أروى بشرَتَه أفاض عليه ثلاث مرَّات» (¬1)، وحديث: «اغسلوا الشعر، وأنْقُوا البشرة» (¬2). الثاني: ما لا يجب فيه إِيصال الطَّهور إِلى ما تحت الشَّعر، سواء كان خفيفاً، أم ثقيلاً، وهذا في طهارة التيمُّم. الثالث: ما يجب فيه إِيصال الطَّهورِ إلى ما تحت اللِّحية إِن كانت خفيفة، ولا يجب إِن كانت كثيفة، وهذا في الوُضُوء. فإن لم يكن له لحية سقط التَّخليل. وهل يُقال مثلُ هذا في الأصْلع الذي ليس على رأسه شعر بالنسبة للحلق، أو التَّقصير في النُّسك؟ قال بعض العلماء: يُسَنُّ أن يَمُرَّ بالموسى على رأسه (¬3). وهذا في الحقيقة لا فائدة له؛ لأنَّ إمرار الموسى على ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب تخليل الشعر، رقم (272)، ومسلم، كتاب الحيض: باب صفة غسل الجنابة، رقم (316). (¬2) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب الغسل من الجنابة، رقم (248)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن تحت كلّ شعرة جنابة، رقم (106)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب تحت كلِّ شعرة جنابة، رقم (597) من حديث أبي هريرة. ومداره على الحارث بن وجيه، وهو ضعيف جداً. والحديث ضعّفه: الشافعي، وأحمد، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، والبيهقي، والنووي، وغيرهم. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 29)، «المعرفة والآثار» (1/ 483). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (9/ 211).

والأصابع

الشَّعر ليس مقصوداً لذاته حتى يُقال: لمَّا تعذَّر أحد الأمرين شُرع الأخذ بالآخر؛ لأن المقصود من إِمرار الموسى إزالة الشَّعر، وهذا لا شعر له. ونظير هذا قول من قال: إِن الأخرس لا بُدَّ أن يقرأ الفاتحة، بأن يحرِّك لسانه وشفتيه، ولا صوت له (¬1). وهذا لا فائدة له؛ لأن تحريك اللسان والشفتين لإِظهار النُّطق والقِراءة، وإِذا كان هذا متعذِّراً فتحريكُهما عبث. والأصَابِعِ، ....... قوله: «والأصابع»، أي: ومن سُنَنِ الوُضُوء تخليل أصابع اليدين، والرِّجلين، وهو في الرِّجلين آكد لوجهين: الأول: أنَّ أصابعهما متلاصقة. والثَّاني: أنهما تباشران الأذى فكانتا آكد من اليدين. وتخليل أصابع اليدين: أن يُدخِلَ بعضُهما ببعض. وأما الرِّجْلان فقالوا: يُخلِّلهما بخنصر يده اليُسرى؛ مبتدئاً بخنصر رجله اليُمنى من الأسفل إِلى الإِبهام، ثم الرِّجل اليُسرى يبدأ بها من الإبهام لأجل التَّيامن؛ لأن يمين الرِّجل اليُمنى الخنصر، ويمين اليُسرى الإِبهام، ويكون بخنصر اليد اليُسرى تقليلاً للأذى؛ لأنَّ اليُسرى هي التي تُقدَّم للأذى (¬2). وهذا استحسنه بعضُ العلماء، لكن القول: بأنه من السُّنَّة وهو لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيه نظر!، فيُقال: هذا استحسانٌ من بعض العلماء، لكن لا يُلتَزَمُ به كسُنَّة. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (3/ 413). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 152).

والتيامن

وهذا يُشبه ما ذكروه في تقليم الأظافر من أنَّه يُقلِّمُها مخالفاً (¬1)، ورووا حديثاً لا يصحُّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أن من قلَّم أظفاره مخالفاً لم يصبْه رمدٌ في عينيه» (¬2). وصِفَةُ المخالفة هنا أن تبدأ بخِنْصَرِ اليمنى؛ ثم الوسطى؛ ثم الإِبهام؛ ثم البِنْصِر؛ ثم السَّبَّابة. وفي اليسرى أن تبدأ بالإِبهام؛ ثم الوسطى؛ ثم الخِنْصَر؛ ثم السَّبَّابة؛ ثم البِنْصِر. وهذا لو صَحَّ فيه الحديث لقلنا به وعلى العين والرأس، فربَّما يكون سبباً لشفاء العين ونحن لا ندركه، لكن الحديث لا يثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وإنما يكون تقليم الأظافر على ما ورد في حديث عائشة قالت: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يعجبه التيمُّنُ في تنعُّله، وترجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كلِّه» (¬3). فيبدأ بخِنْصَرِ اليد اليمنى؛ ثم البِنْصِر؛ ثم الوسطى؛ ثم السَّبَّابة؛ ثم الإِبهام؛ ثم إِبهام اليسرى؛ ثم السَّبَّابة؛ ثم الوسطى؛ ثم البِنْصَر؛ ثم الخِنْصَر، هذا على أنَّ في النَّفس ثقلاً من ذلك، لكنه أقرب من المخالفة. والتَّيَامُنُ، ........ قوله: «والتَّيَامن»، أي: ومن سُنَن الوُضُوء التَّيَامُن، وهو خاصٌّ بالأعضاء الأربعة فقط وهما: اليدان والرِّجْلان، تبدأ باليد ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 118)، «الإِنصاف» (1/ 251). (¬2) رواه ابن بطَّة (شرح العمدة) لابن تيمية (1/ 240)، وذكره ابن قدامة في «المغني»، والجيلاني في «الغُنية» دون عزوٍ لمصدر، وقال عنه ابن القيم: «إِنه من أقبح الموضوعات»، ونصَّ السخاوي ومُلاّ علي قاري على أنه لم يثبت في كيفية قصّ الأظافر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيء. انظر: «المغني» (1/ 118)، «المنار المنيف» ص (74)، «الأسرار المرفوعة» (257)، «تذكرة الموضوعات» ص (160). (¬3) تقدم تخريجه ص (155).

اليمنى ثم اليسرى، والرِّجْل اليُمنى ثم اليسرى. أما الوجه فالنُّصوص تدلُّ على أنَّه لا تيامن فيه، اللهم إلا أن يعجزَ الإِنسان عن غسله دفعة واحدة فحينئذٍ يبدأ بالأيمن منه، وكذلك الرَّأس. والأُذنان يُمسحان مرَّة واحدة؛ لأنَّهما عضوان من عضو واحد، فهما داخلان في مسح الرَّأس، ولو فُرِضَ أنَّ الإِنسان لا يستطيع أن يمسحَ رأسه إِلا بيد واحدة، فإنه يبدأ باليمين، وبالأُذن اليمنى. والدَّليل على مشروعية التَّيامن حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعجبه التَّيمُّنُ في تنعُّله، وترجُّله، وطُهُورِه، وفي شأنه كُلِّه» (¬1). وأما المسح على الخُفين فقال بعض العلماء: يمسحُهما معاً (¬2)، لأنَّهما لما مُسحا كانا كالرَّأس؛ ولأنَّ المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «فمسح على خُفيه» (¬3)، ولم يذكر التَّيامن. وقال بعض العلماء: يُستحب التَّيامن (¬4)، لأن المسح فرعٌ عن الغسل؛ ولأنهما عضوان يتميَّز أحدُهما عن الآخر بخلاف الرأس، وإِنما لم يذكر التَّيامن لكونه معلوماً من هديه صلّى الله عليه وسلّم أنَّه كان يعجبه التَّيامن، كما لو قال في الوُضُوء: ثم غسل رجليه، ولم ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (155). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 418). (¬3) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في الخفاف، رقم (388)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (274). (¬4) انظر: «الإِنصاف» (1/ 418).

وأخذ ماء جديد للأذنين

يذكر اليُمنى قبل اليُسرى. وهذا هو الأقرب؛ أنَّك تبدأ باليُمنى قبل اليُسرى (¬1)، والأمرُ في هذا واسع إِن شاء الله تعالى. وأَخْذُ ماءٍ جديدٍ للأُذُنَيْنِ، .......... قوله: «وأخْذُ ماءٍ جديد للأُذُنَيْن»، أي ومن سُنَن الوُضُوء أخْذُ ماءٍ جديد للأُذُنين، فيُسَنُّ إِذا مسح رأسه أن يأخذ ماءً جديداً لأُذُنيه، والدَّليل حديث عبد الله بن زيد أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوضَّأ، فأخذ لأُذُنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذ لرأسه (¬2). وهذا الحديث شاذٌّ؛ لأنه مخالف لما رواه مسلم أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مسح برأسه بماء غير فضل يديه (¬3)، ولأنَّ جميع من وصَفَ وضوءَه صلّى الله عليه وسلّم لم يذكروا أنَّه أخذ ماءً جديداً للأُذُنين. فعلى هذا يكون الصَّواب: أنَّه لا يُسَنُّ أنْ يأخذ ماءً جديداً للأُذُنين. وأمَّا التَّعليل لمشروعية أخذ ماء جديد للأذنين: أنهما كعضو ¬

_ (¬1) وقال شيخنا في مجموع الفتاوى (11/ 177): « ... يكون المسح باليدين جميعاً على الرجلين جميعاً، يعني اليد اليمنى تمسح الرجل اليمنى، واليد اليسرى تمسح الرجل اليسرى في نفس اللحظة، كما تمسح الأذنان؛ لأن هذا هو ظاهر السنة؛ لقول المغيرة رضي الله عنه: «فمسح عليهما»، ولم يقل: بدأ باليمنى .... ». (¬2) نه رآه في رواية ابن المقري عن حرملة عن ابن وهب بهذا الإِسناد وفيه: ومسح بماء غير فضل يديه لم يذكر الأذنين. وتعقَّبه أيضاً ابن حجر بقوله: «وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماءٍ غير فضل يديه، وهو المحفوظ»، «بلوغ المرام» رقم (42). قال ابن القيم: «لم يثبت أنه أخذ لهما ماءً جديداً، وإِنما صَحَّ ذلك عن ابن عمر». «زاد المعاد» (1/ 95). (¬3) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء، رقم (236) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.

والغسلة الثانية، والثالثة

مستقل. فجوابه أنهما يُمسحان مع الرَّأس مرَّةً واحدة فليسا عضواً مستقلاً. والغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ، والثَّالثة. قوله: «والغَسْلَةُ الثَّانيةُ والثَّالثةُ»، أي من سُنَنِ الوُضُوء الغسلة الثَّانية، والثَّالثة. والأولى واجبة لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. والثَّانية أكمل، والثَّالثة أكمل منهما؛ لأنَّهما أبلغ في التَّنظيف. وقد ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه توضَّأ مرَّة مرَّة (¬1)، ومرَّتين مرَّتين (¬2)، وثلاثاً ثلاثاً (¬3). وتوضَّأ كذلك مخالفاً، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرَّتين، ورجليه مرَّة (¬4). وقد كَرِهَ بعضُ العلماء أن يخالفَ بين الأعضاء في العدد (¬5)، ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الوضوء مرّة مرّة، رقم (157). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب الوضوء مرتين مرتين، رقم (158). من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه. (¬3) رواه البخاري كتاب الوضوء: باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رقم (159)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء وكماله، رقم (226)، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه. (¬4) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب غسل الرجلين إِلى الكعبين، رقم (186)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب في وضوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، رقم (235) من حديث عبد الله بن زيد. (¬5) انظر: «الإِنصاف» (1/ 290).

فإذا غسلت الوجه مرَّة، فلا تغسل اليدين مرَّتين وهكذا. والصَّواب أنَّه لا يُكره؛ فإِنه ثبت أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم خالف فغسل الوجه ثلاثاً، واليدين مرَّتين، والرِّجلين مرَّة. والأفضل أن يأتي بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة. وقد يُقال: إِنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ مرَّة لبيان الجواز، لا على سبيل التعبُّد باختلاف العبادات، وتوضأ مرَّتين لبيان الجواز أيضاً. وخَالف كذلك لبيان الجواز. لكن نقول: إِنَّ الأصل التعبُّد والمشروعية. فالذي يظهر: أن الإِنسان ينوِّعُ، وعلى كلام المؤلِّف: الثَّلاث أفضل من الثِّنتين، والثِّنتان أفضل من الواحدة. وقد ألغز بعض العلماء بهذه المسألة فقال: لنا سُنَّةٌ هي أفضل من واجب (¬1)! وقد قال الله عزّ وجل في الحديث القُدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه» (¬2). والتثليثُ في الوُضُوء سُنَّةٌ، وهي أفضل من الغسل مرَّةً مرَّةً وهي واجبةٌ، وابتداء السَّلام سُنَّةٌ، وهو أفضل من ردّه الواجب. والجواب: أن هذا اللُّغز خطأ من أصله؛ لأن غسل أعضاء الوُضُوء ثلاثاً قد دخل فيه الواجب وزِيد عليه، وأما ابتداء السَّلام فمُناقَشٌ من وجهين: الأول: أن يُقال: لا نسلِّم أنَّ ابتداءه أفضلُ، بل ردُّه أفضلُ ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 290)، «غذاء الألباب شرح منظومة الأداب» (1/ 286). (¬2) رواه البخاري، كتاب الرقاق: باب التواضع، رقم (6502) من حديث أبي هريرة.

لعموم الحديث: «ما تقرَّب إليَّ عبدي ... »، فيبطل الإلغاز من أصله. الثَّاني: أنَّنا لو سلَّمنا أن ابتداء السَّلام أفضل من ردِّه؛ فذلك لأن ردّه مبنيٌّ عليه؛ فحاز مبتدئ السَّلام فضيلتين: الأولى: ابتداءُ السلام، والثانية: أنه كان سبباً للواجب. فالحاصل أن النَّفل لا يمكن أن يكون أفضل من الواجب للحديث الذي ذكرناه وللنَّظر الصَّحيح؛ لأنَّه لولا محبَّة الله لهذه العبادة ما أوجبها، ولجعلها إلى اختيار الإنسان.

باب فروض الوضوء وصفته

بابُ فُرُوضِ الوُضُوءِ وصِفَتِهِ الفُروض: جمع فرض، وجَمَعَهَا مع أن القاعدة عند النَّحْويين أنَّ المصدر لا يُجْمَعُ، ولا يُثَنَّى، ولكن جَمَعَهَا باعتبار تعدُّدها، أو على تقدير أن المصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مفروضات الوُضُوء. والفَرض في اللُّغة يدلُّ على معانٍ أصلها: الحَزُّ والقطع، فالحزُّ قطعٌ بدون إِبانة، والقطعُ حزٌّ مع إبانة. والفرض في الشرع عند أكثر العلماء مرادفٌ للواجب، أي بمعناه، وهو ما أُمِرَ به على سبيل الإِلزام. يعني: أَمَرَ اللَّهُ به ملزماً إِيَّانا بفعله. وحكمه: أن فاعله امتثالاً مُثابٌ، وتاركَهُ مستحِقٌّ للعقاب. وعند أبي حنيفة رحمه الله: الفرض ما كان ثابتاً بدليل قطعيِّ الثُّبوت والدَّلالة. والواجبُ: ما ثبت بدليل ظَنِّيِّ الثُّبوت أو الدِّلالة (¬1). ومثَّلوا لذلك: بقراءة شيء من القُرآن؛ فإِنه فُرضَ في الصَّلاة، لقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]. وقراءة الفاتحة واجبٌ ولا يُسمَّى فرضاً؛ لأن قراءتها من أخبار الآحاد، وعند كثير من الأصوليين وغيرهم، أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظَّنَّ. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِحكام في أصول الأحكام»، للآمدي (1/ 99).

فروضه ستة: غسل الوجه

والمراد بفروض الوُضُوء هنا أركانُ الوُضُوء. وبهذا نعرف أن العُلماء ـ رحمهم الله ـ قد ينوِّعون العبارات، ويجعلون الفروضَ أركاناً، والأركان فروضاً. والدَّليل على أن الفروض هنا الأركان: أن هذه الفروض هي التي تتكوَّن منها ماهيَّة الوُضُوء، وكلُّ أقوال أو أفعال تتكوَّن منها ماهيَّةُ العبادة فإِنَّها أركانٌ. والوُضُوء في اللُّغة: مشتَقٌ من الوَضَاءةِ، وهي النَّظَافَةُ والحُسْنُ. وشرعاً: التعبُّدُ لله عزّ وجل بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. فإن قيل: هذا حدٌّ غيرُ صحيح، لقولك: بغسل الأعضاء، والرَّأس لا يُغسل؟ فالجواب: أنَّ هذا من باب التغليب. وقوله: «وصفَتِهِ» معطوفةٌ على فُروض، وليست معطوفةً على وُضُوء، يعني: وباب صفة الوُضوء. والصِّفة: هي الكيفيَّة التي يكونُ عليها. وللوُضُوء صفتان: صفةٌ واجبةٌ، وصفةٌ مستحبَّةٌ. فروضُهُ سِتَّةٌ: غَسْلُ الوجْهِ، .......... قوله: «فُروضُهُ سِتَّةٌ»، دليلُ انحصارها في ذلك هو التَّتبُّع. قوله: «غسل الوجه»، هذا هو الفرض الأول، وخرج به المسحُ، فلا بُدَّ من الغسل، فلو بلَّلت يدك بالماء ثم مسحت بها وجهك لم يكن ذلك غسلاً.

والفم والأنف منه، وغسل اليدين

والغَسلُ: أن يجري الماء على العضو. وقوله: «الوجه» هو ما تحصُل به المواجهةُ، وحَدُّه طولاً: من منحنى الجبهة إِلى أسفل اللحية، وعرضاً من الأُذن إلى الأذن. وقولنا: من منحنى الجبهة؛ وهو بمعنى قول بعضهم: من منابت شعر الرَّأس المعتاد (¬1)؛ لأنه يصِل إِلى حَدِّ الجبهة وهو المنحنى، وهذا هو الذي تحصُل به المواجهة؛ لأن المنحنى قد انحنى فلا تحصُل به المواجهة والدَّليل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]. وقد سبق حكم مسترسل اللِّحية (¬2). والفَمُ والأَنْفُ منه، وغَسْلُ اليَدَيْن، ......... قوله: «والفمُ والأنفُ منه»، أي: من الوجه؛ لوجودهما فيه فيدخلان في حَدِّه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوُضُوء؛ لكنهما غير مستقلَّين؛ فهما يشبهان قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمِرتُ أن أسْجُدَ على سبعة أَعظُم، على الجبهة، وأشار بيده على أنفه» (¬3)، وإن كانت المشابهة ليست من كُلِّ وجه. قوله: «وغسل اليدين»، هذا هو الفرضُ الثَّاني، وأطلق المؤلِّف رحمه الله لفظ اليدين، ولكن يجب أن يقيِّد ذلك بكونه إلى المرفقين؛ لأنَّ اليد إِذا أطلقت لا يُرادُ بها إِلا الكفّ. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 329)، وسيأتي ذلك في المتن ص (210). (¬2) انظر: ص (172). (¬3) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب السجود على الأنف، رقم (812)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود، رقم (490) من حديث ابن عباس.

ومسح الرأس

والدَّليل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وقوله في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، ولم يمسح النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في التيمُّم إِلا الكفَّين (¬1). والمِرْفَقُ: هو المفْصلُ الذي بين العضد والذِّراع. وسُمِّي بذلك من الارتفاق؛ لأن الإِنسان يرتفق عليه، أي: يتَّكئ. والدَّليل على دخول المرفقين قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] وتفسير النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لها بفعله، حيث كان يغسل يده اليُمنى حتى يشرع في العَضُد، ثم يغسل يده اليُسرى كذلك (¬2). ومَسْحُ الرَّأْسِ ............ قوله: «ومسحُ الرَّأس»، هذا هو الفرضُ الثَّالثُ من فُرُوض الوُضُوء، والفرقُ بين المسح والغسل: أنَّ المسحَ لا يحتاج إِلى جريان الماء، بل يكفي أن يغمس يده في الماء؛ ثم يمسح بها رأسَه، وإِنَّما أوجب الله في الرأس المسحَ دون الغسل؛ لأن الغسلَ يشقُّ على الإِنسان، ولا سيَّما إذا كَثُرَ الشَّعرُ، وكان في أيام الشِّتاء، إِذ لو غُسل لنزلَ الماءُ على الجسم، ولأن الشَّعر يبقى مبتلاً مدةً طويلة، وهذا يَلْحَق الناسَ به العسرُ والمشقَّةُ، والله إِنما يريد بعباده اليسر. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب التيمم: باب التيمم ضربة، رقم (347)، ومسلم، كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (368) عن عمار بن ياسر. (¬2) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب استحباب إِطالة الغرّة والتحجيل، رقم (246)، من حديث أبي هريرة، وأصله مختصراً في البخاري، كتاب الطهارة: باب استحباب إِطالة الغرة والتحجيل، رقم (136).

وحَدُّ الرَّأس من منحنى الجبهة إِلى منابت الشَّعر من الخلف طولاً، ومن الأُذن إِلى الأُذن عرضاً، وعلى هذا فالبياض الذي بين الرَّأس والأُذنين من الرَّأس. واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ فيما إذا غسل رأسه دون مسحه؛ هل يجزئه أم لا؟ على ثلاثة أقوال (¬1): القول الأول: أنه يُجزئه؛ لأن الله إنما أسقط الغسل عن الرَّأس تخفيفاً؛ لأنه يكون فيه شعر فيمسك الماء ويسيل إلى أسفل، ولو كُلِّف النَّاس غسله لكان فيه مشقَّة، ولا سيَّما في أيَّام الشتاء والبَرْد، فإذا غسله فقد اختار لنفسه ما هو أغلظ فيجزئه. القول الثَّاني: أنَّه يجزئه مع الكراهة بشرط أن يُمِرَّ يده على رأسه، وإِلا فلا، وهذا هو المذهب، لأنَّه إِذا أمرَّ يده فقد حصل المسح مع زيادة الماء بالغسل. القول الثالث: أنه لا يجزئه؛ لأنَّه خلاف أمر الله ورسوله، قال تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، وإذا كان كذلك فقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم من حديث عائشة: «من عَمِلَ عَمَلاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬2). ولا ريب أنَّ المسح أفضلُ من الغسل، وإِجزاء الغسل مطلقاً عن المسح فيه نظرٌ، أما مع إِمرار اليد فالأمر في هذا قريب. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 345). (¬2) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب البيوع: باب النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع، انظر رقم (2142)، ووَصَلَهُ مسلمٌ، كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة، رقم (1718) من حديث عائشة.

ومنه الأذنان

ولو مسح بناصيته فقط دون بقيَّة الرَّأس فإِنَّه لا يجزئه؛ لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ولم يقل: «ببعض رؤوسكم» والباء في اللغة العربية لا تأتي للتبعيض أبداً. قال ابن برهان: من زعم أن الباء تأتي في اللّغة العربية للتبعيض فقد أخطأ (¬1). وما ورد في حديث المغيرة بن شعبة أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مسح بناصيته؛ وعلى العِمامة، وعلى خُفَّيْه (¬2). فإجزاء المسح على الناصية هنا لأنه مسح على العِمامة معه، فلا يدلُّ على جواز المسح على الناصية فقط. ومنهُ الأَذُنَان ........... قوله: «ومنه الأذنان»، أي من الرَّأس، والدَّليل مواظبته صلّى الله عليه وسلّم على مسح الأُذُنين. وأما حديث: «الأُذنان من الرَّأس» (¬3) فضعّفه كثير من العلماء كابن الصَّلاح وغيره، وقالوا: إن طرقه واهية، ولكثرة الضَّعف فيها لا يرتقي إلى درجة الحسن. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 176). (¬2) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة، رقم (274). (¬3) رواه أحمد (5/ 268)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب صفة وضوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، رقم (134)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء أن الأذنين من الرأس، رقم (37)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الأذنان من الرأس، رقم (443، 444، 445) وغيرهم من طُرقٍ كثيرة لا يخلو أيٌّ منها من ضعف. قال الحافظ ابن حجر: «وإِذا نظر المنصفُ إِلى مجموع هذه الطرق، عَلم أنَّ للحديث أصلاً، وأنه ليس مما يُطرحُ، وقد حَسَّنوا أحاديث كثيرة باعتبار طُرقٍ لها دون هذه». «النكت على ابن الصلاح والعراقي» (1/ 415). وانظر طُرقه في: «الخلافيات» للبيهقي (1/ 366 ـ 393)، و «التَّلخيص الحبير» (1/ 91، 92) رقم (96).

وغسل الرجلين

وبعض العلماء صحَّحه، وبعضهم حسَّنه، لكن مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم على مسحهما دليلٌ لا إشكال فيه، وعلى القول بصحة الحديث فهل يجب حلق الشَّعر الذي ينبت على الأذنين مع شعر الرَّأس في حلق النسك؟ فالجواب: أنَّ من صحَّح الحديث فإِنَّه يلزمه القول بذلك. ولكن الذي يتأمَّل حلْقَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم شعره في النُّسك لا يظَنُّ أنه كان يحلق ذلك، أو أنَّ النَّاس مكلَّفون بحلقه أو تقصيره، وأمّا على القول بضعف الحديث فلا إشكال. وغَسْلُ الرِّجْلَيْن، ......... قوله: «وغَسْلُ الرِّجلين»، وهذا هو الفرض الرَّابع من فروض الوُضوء. وأطلق رحمه الله هنا الرِّجلين، لكن لا بُدَّ أن يُقالَ: إلى الكعبين، كما قال الله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]؛ ولأن الرِّجل عند الإِطلاق لا يدخل فيها العَقِبُ؛ بدليل أن قُطَّاع الطريق يُقطعون من المفصل الذي بين العَقِبِ وظهر القدم، ويبقى العَقِب فلا يُقطع، وعلى هذا يجب أن نقيِّد كلام المؤلِّف بما قُيَّدتْ به الآيةُ. والكَعْبَان: هما العظمان النَّاتئان اللذان بأسفل السَّاق من جانبي القدم، وهذا هو الحقُّ الذي عليه أهل السُّنَّة. ولكن الرَّافضة قالوا: المراد بالكعبين ما تكعَّب وارتفع، وهما العظمان اللذان في ظهر القدم (¬1)، لأن الله قال: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ولم يقل: «إلى الكِعَاب» وأنتم إذا قلتم: إن الكعبين ¬

_ (¬1) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (2/ 551، 552).

والترتيب

هما: العظمان النَّاتئان فالرِّجلان فيهما أربعة، فلما قال الله: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} عُلم أنَّهما كعبان في الرِّجْلين، فلكُلِّ رِجْلٍ كعب واحد. والرَّدُّ عليهم بسُنة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإِنه كان يغسل رجليه إلى الكعبين اللذين في منتهى السَّاقين، وهو أعلم بمراد الله تعالى، وتبعه على ذلك كلُّ من وصف وُضُوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم من الصَّحابة رضي الله عنهم. والرَّافضة يخالفون الحقَّ فيما يتعلَّق بطهارة الرِّجل من وجوه ثلاثة: الأول: أنهم لا يغسلون الرِّجل، بل يمسحونها مسحاً. الثاني: أنهم ينتهون بالتطهير عند العظم الناتئ في ظهر القدم فقط. الثالث: أنهم لا يمسحون على الخُفين، ويرون أنه محرَّم، مع العلم أنَّ ممن روى المسحَ على الخُفين عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو عندهم إمام الأئمة. والتَّرتيبُ، ......... قوله: «والتَّرتيبُ»، وهو أن يُطهَّر كلُّ عضو في محلِّه، وهذا هو الفرض الخامس من فروض الوُضُوء، والدليل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. وجه الدِّلالة من الآية: إِدخال الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا التَّرتيب، وإلا لسيقت المغسولات على نسقٍ واحد، ولأنَّ هذه الجملة وقعت جواباً للشَّرط، وما كان

جواباً للشَّرط فإِنَّه يكون مرتَّباً حسب وقوع الجواب. ولأن الله ذكرها مرتَّبة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به» (¬1). والدَّليل من السُّنَّة: أن جميع الواصفين لوُضُوئه صلّى الله عليه وسلّم ما ذكروا إِلا أنَّه كان يرتِّبها على حسب ما ذكر الله. مسألة: هل يسقط التَّرتيبُ بالجهل أو النسيان على القول بأنَّه فرض؟ قال بعض العلماء: يسقط بالجهل والنسيان (¬2) لأنهما عُذْر، وإِذا كان التَّرتيب بين الصَّلوات المقضيات يسقط بالنِّسيان فهذا مثله. وقال آخرون: لا يسقط بالنِّسيان (351)؛ لأنه فرض والفرض لا يسقط بالنسيان. والقياس على قضاء الصَّلوات فيه نظر؛ لأنَّ كلَّ صلاة عبادةٌ مستقلة، ولكن الوُضُوء عبادةٌ واحدة. ونظير اختلاف الترتيب في الوُضُوء اختلاف التَّرتيب في رُكوع الصَّلاة وسُجودها، فلو سجد قبل الرُّكوع ناسياً فإِن السُّجود لا يصح؛ لوقوعه قبل محلِّه؛ ولهذا فالقول بأنَّ الترتيب يسقطُ بالنِّسيان؛ في النَّفس منه شيء، نعم لو فُرِضَ أن رجلاً جاهلاً في بادية ومنذ نشأته وهو يتوضَّأ؛ فيغسل الوجه واليدين والرِّجلين ثم ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحج: باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم: رقم (1218)، من حديث جابر. (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 303).

والموالاة

يمسح الرَّأس، فهنا قد يتوجَّه القول بأنه يُعذر بجهله؛ كما عَذَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أُناساً كثيرين بجهلهم في مثل هذه الأحوال. والمُوَالاةُ ......... قوله: «والموالاة»، هذا هو الفرض السَّادس من فروض الوُضُوء؛ وهي أن يكون الشَّيء موالياً للشيء، أي عَقِبَه بدون تأخير، واشتُرطت الموالاة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [المائدة: 6]. ووجه الدِّلالة: أنَّ جواب الشَّرط يكون متتابعاً لا يتأخَّرُ، ضرورة أن المشروط يلي الشرط. ودليله من السُّنَّة: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم توضَّأ متوالياً، ولم يكن يفصل بين أعضاء وُضُوئه، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلاً توضَّأ، وترك على قدمه مثل موضع ظُفُر لم يصبْه الماء، فأمره أن يُحسنَ الوُضُوءَ (¬1). وفي «صحيح مسلم» من حديث عمر رضي الله عنه: «ارجعْ فأحسِنْ وُضُوءَك» (352). وفي «مسند الإمام أحمد»: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رجلاً يُصلِّي، وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرهم لم يصبْها الماءُ، فأمره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يعيد الوُضُوء والصَّلاة (¬2). والفرق بين اللفظين ـ إذا لم نحمل ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب استيعاب جميع أجزاء البدن محل الطهارة، رقم (243) من حديث عمر بن الخطاب. (¬2) «التلخيص الحبير» رقم (103).

وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله

أحدُهما على الآخر ـ أنَّ الأمر بإِحسان الوُضُوء أي: إتمام ما نقص منه. وهذا يقتضي غَسْلَ ما تَرَك دون ما سَبَق، ويمكن حملُ رواية مسلم على رواية أحمد، فلا بُدَّ من إعادة الوُضُوء، ورواية أحمد سندُها جيدٌ قاله أحمد، وقال ابن كثير: «إسناده صحيح». ومن النَّظر: أنَّ الوُضُوء عبادةٌ واحدةٌ، فإِذا فرَّق بين أجزائها لم تكن عبادة واحدة. وقال بعضُ العلماء: إن الموالاة سُنَّةٌ وليست بشرط (¬1)؛ لأن الله أمر بغسل هذه الأعضاء، وهذا حاصل بالتَّوالي، والتفريق. والأَوْلَى: القول بأنها شرط؛ لأنها عبادة واحدة لا يمكن تجزئتها. وهي: أن لا يؤخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشِفَ الذي قَبْلَه. قوله: «وهي: أن لا يؤخِّر غَسْل عُضْوٍ حتى يَنْشِفَ الذي قَبْلَه»، هذا تفسيرالمؤلِّف رحمه الله للموالاة. وهذا بشرط أن يكون ذلك بزمنٍ معتدل خالٍ من الرِّيح أو شِدَّة الحرِّ والبرد. وقوله: «الذي قبله»، أي: الذي قبل العضو المغسول مباشرة، فلو فُرِضَ أنَّه تأخَّر في مسح الرَّأس فمسحه قبل أن تَنْشِف اليدان، وبعد أن نَشِفَ الوجه فهذا وُضُوء مجزئ؛ لأنَّ المراد بقوله: «الذي قبله»، أي: قبله على الولاء، وليس كُلَّ الأعضاء السَّابقة. وقولنا: في زمن معتدل، احترازاً من الزَّمن غير المعتدل، ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 303).

والنية شرط

كزمن الشِّتاء والرُّطوبة الذي يتأخَّر فيه النَّشَاف، وزمن الحرِّ والرِّيح الذي يُسرع فيه النَّشاف. وقال بعض العُلماء ـ وهي رواية عن أحمد ـ: إِن العبرة بطول الفصل عُرفاً، لا بنَشَاف الأعضاء (¬1). فلا بُدَّ أن يكون الوُضُوء متقارباً، فإِذا قال النَّاس: إن هذا الرَّجُل لم يفرِّق وضوءَه؛ بل وضوؤه متَّصلٌ، فإِنَّه يُعتبرُ موالياً، وقد اعتبر العُلماء العُرف في مسائل كثيرة. ولكنَّ العُرْفَ قد لا ينضبطُ، فتعليقُ الحكمِ بنشَافِ الأعضاءِ أقربُ إِلى الضَّبط. وقوله: «الموالاة» يُستثنى من ذلك ما إِذا فاتت الموالاة لأمرٍ يتعلَّق بالطَّهارة. مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائلٌ يمنع وصول الماء «كالبوية» مثلاً، فاشتغل بإزالته فإِنه لا يضرُّ، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر ونَشِفت الأعضاء فإِنَّه لا يضرُّ. أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلَّق بالطَّهارة؛ كأن يجد على ثوبه دماً فيشتغل بإِزالته حتى نَشِفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إِعادةُ الوُضُوء؛ لأن هذا لا يتعلَّق بطهارته. والنيَّةُ شرطٌ ............. قوله: «والنِّية شرطٌ»، وهي القصد، ومحلُّها القلبُ ولا يعلم بالنيَّات إلا الله عزّ وجل. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 305).

والنيَّةُ شرطٌ في جميع العبادات. والكلامُ على النيَّة من وجهين: الأول: من جهة تعيين العمل ليتميَّز عن غيره، فينوي بالصَّلاة أنَّها صلاة وأنَّها الظُّهر مثلاً، وبالحجِّ أنه حجٌّ، وبالصِّيام أنَّه صيام، وهذا يتكلَّم عنه أهل الفقه. الثَّاني: قصدُ المعمول له، لا قصد تعيين العبادة، وهو الإِخلاص وضدُّه الشِّرك، والذي يتكلَّم على هذا أرباب السُّلوك في باب التَّوحيد وما يتعلَّق به، وهذا أهمُّ من الأوَّل، لأنَّه لُبُّ الإِسلام وخلاصة الدِّين، وهو الذي يجب على الإِنسان أن يهتمَّ به. وينبغي للإنسان أن يتذكَّر عند فعل العبادة شيئين: الأول: أمر الله تعالى بهذه العبادة حتى يؤدِّيها مستحضراً أمر الله، فيتوضَّأ للصَّلاة امتثالاً لأمر الله؛ لأنَّه تعالى قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. لا لمجرد كون الوُضُوء شرطاً لصحَّة الصَّلاة. الثاني: التأسِّي بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لتتحقَّق المتابعة. وقوله: «والنيَّةُ شرطٌ» أي لصحَّة العمل وقَبوله وإِجزائه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنما الأعمال بالنيَّات» (¬1). ولأنَّ الله عزّ وجل قيَّد كثيراً من الأعمال بقوله: {ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ}. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رقم (1)، ومسلم، كتاب الإِمارة: باب قوله: «إِنما الأعمال بالنيات»، رقم (1907) عن عمر بن الخطاب.

كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22]، وقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. وهل يَنطِقُ بالنيَّة؟ على قولين للعلماء (¬1)، والصَّحيحُ أنَّه لا ينطق بها، وأن التعبُّد لله بالنُّطق بها بدعة يُنهى عنها، ويدلُّ لذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه لم يكونوا ينطقون بالنيَّة إِطلاقاً، ولم يُحفظ عنهم ذلك، ولو كان مشروعاً لبيَّنه الله على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم الحالي أو المقالي. فالنُّطق بها بدعةٌ سواءٌ في الصَّلاة، أو الزَّكاة، أو الصَّوم. أما الحجُّ فلم يرد عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: نويت أن أحُجَّ أو نويت النُّسك الفلاني، وإِنما يلبِّي بالحجِّ فيُظهر النِّيَّة، ويكون العقد بالنيَّةِ سابقاً على التلبية. لكن إذا احتاج الإِنسانُ إلى اشتراط في نُسُكه، فإِنه لا يشترط أن ينطِقَ بالنية، فيقول: إني أريد كذا، بل له أن يقول: اللهم إِن حَبَسَنِي حابس فَمَحِلِّي حيث حبستني دون النُّطقِ بالنيَّة. والمشهور من المذهب: أنه يُسَنُّ النُّطق بها سرًّا في الحجِّ وغيره، وهذا ضعيف لما سبق. وأمّا القول: بأنه يُسَنُّ النُّطُق بها جهراً؛ فهذا أضعف وأضعف، وفيه من التَّشويش على النَّاس ولا سيما في الصَّلاة مع الجماعة ما هو ظاهرٌ، وليس هناك حاجة إلى التلفُّظ بالنيَّة لأنَّ الله يعلم بها. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 263) (22/ 218)، «الإِنصاف» (1/ 307).

لطهارة الأحداث كلها

والنيَّة ليست صعبة، وإن كانت عند بعض أهل الوسواس صعبة؛ لأنَّ كُلَّ عاقل مختار يعمل عملاً فلا بُدَّ أن يكون مسبوقاً بالنيَّة، فلو قُرِّبَ لرَجُلٍ ماءٌ، ثم سَمَّى وغسلَ كفَّيه، ثم تمضمض واستنشق ... إِلخ؛ فإِن هذا لا يُعقل أن يكون بدون نيَّة. ولهذا قال بعض العلماء رحمهم الله: لو أنَّ الله كلَّفنا عملاً بدون نيَّة؛ لكان من تكليف ما لا يُطاق (¬1). فلو قال الله: صلُّوا ولا تنووا، فإِنَّه غير ممكن، حتى قال شيخ الإسلام: إِذا تعشَّى الإِنسان لياليَ رمضان فإِن عشاءه يدلُّ على نيَّته ولو لم ينوِ الصِّيام من الغد؛ وذلك لأنَّه لن يُكثر من الطَّعام كما يُكثره في سائر أيامه؛ لأنه سوف يتسحَّر آخر الليل. لِطَهَارةِ الأحْداثِ كلِّها، ............ قوله: «لطهارة الأحداث كلِّها»، الحَدَثُ: معنًى يقوم بالبَدَن يمنع من فعل الصَّلاة ونحوها، هذا في الأصل. وأحياناً يُطلقُ على سَبَبِهِ، فيُقال: للغائط حَدَثٌ، وللبول حَدثٌ، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاةَ أحدكم إِذا أحدث حتى يتوضَّأ» (¬2). وخرج بقوله: «طهارة الأحداث» طهارة الأنجاس، فلا يُشترطُ لها نيَّةٌ، فلو عَلَّق إِنسانٌ ثوبه في السَّطح، وجاء المطرُ حتى غسله، وزالت النَّجَاسةُ طَهُرَ؛ مع أن هذا ليس بفعله، ولا بنيَّته. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 262). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب لا تُقبلُ صلاةٌ بغير طهور، رقم (135)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (225). من حديث أبي هريرة.

فينوي رفع الحدث

وكذلك الأرض تصيبها النَّجَاسة، فينزل عليها المطر فتطهُر. وما ذكره المؤلِّف: مذهب مالك (¬1)، والشَّافعي (¬2)، وأحمد (¬3). وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن طهارة الحدث لا يُشترطُ لها النيَّةُ (¬4)، لأنها ليست عبادة مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لتصحيح الصَّلاة، كما لو لَبِسَ ثوباً يستُر به عورته، فإِنه لا يُشترطُ أن ينوي بذلك ستر العورة، بل لو لَبِسَهُ للتجمُّلِ أو لدفع البرد، وما أشبه ذلك أجزأه. وهذا ضعيف. والصَّوابُ أن الوُضُوء عبادةٌ مستقلِّة، بدليل أن الله تعالى رتَّب عليه الفضلَ والثَّوابَ والأجرَ، ومثلُ هذا يكون عبادةً مستقلّةً، وهو قول جمهور العلماء. وإِذا كان عبادة مستقلَّة، صارت النيَّةُ فيه شرطاً، بخلاف إزالة النَّجاسة فإِنَّها ليست فعلاً، ولكنها تَخَلٍّ عن شيء يُطلب إِزالته، فلهذا لم تكن عبادة مستقلَّة، فلا تُشتَرطُ فيها النيَّة. وقوله «كلِّها» أراد به شُمول الحدث الأصغر والأكبر، والطَّهارة بالماء والتيمُّم. فَيَنْوِي رَفْعَ الحدث، ........... قوله: «فينوي رَفْعَ الحدث»، هذه الصُّورة الأولى للنيَّة، فإِذا توضَّأ بنيَّة رفع الحدث الذي حَصَل له بسبب البول مثلاً صحَّ وُضُوءُه، وهذا هو المقصود بالوُضُوء. ¬

_ (¬1) انظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (1/ 78). (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 309). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 307). (¬4) انظر: «بدائع الصنائع» (1/ 19، 20).

أو الطهارة لما لا يباح إلا بها، فإن نوى ما تسن له الطهارة كقراءة، أو تجديدا مسنونا ناسيا حدثه ارتفع

أو الطَّهارة لِمَا لا يُبَاحُ إِلا بها، فإِن نوى ما تُسَنُّ لَهُ الطهارةُ كَقِرَاءةٍ، أو تجديداً مَسْنُوناً ناسياً حدَثَه ارتَفَعَ، .......... قوله: «أو الطَّهارة لما لا يُبَاح إِلا بها»، وهذه هي الصُّورة الثَّانية، أي: ينوي الطَّهارة لشيء لا يُباح إِلا بالطَّهارة كالصَّلاة والطَّواف ومسِّ المصحف، فإِذا نوى الطَّهارَة للصَّلاة ارتفعَ حدثُه، وإِن لم ينوِ رفع الحدث، لأن الصَّلاة لا تصحُّ إلا بعد رفع الحدث. قوله: «فإن نوى ما تُسنُّ له الطَّهارة كقراءة»، هذه هي الصُّورة الثالثة، أي: نوى الطَّهارة لما تُسَنُّ له، وليس لما تجب، كقراءة القرآن، فإِن قراءة القرآن دون مسِّ المصحف تُسَنُّ لها الطَّهارة، بل كلُّ ذِكْرٍ فإِن السُّنَّة أن يتطهَّرَ له؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كَرِهْتُ أن أذكر الله إلا على طهارة» (¬1)، فإذا نوى ما تُسَنُّ له الطَّهارةُ ارتفع حدثُه، لأنَّه إِذا نوى الطَّهارةُ لما تُسَنُّ له فمعنى ذلك أنه نوى رفع الحدث؛ لأجل أن يقرأ، وكذلك إِذا نوى الطَّهارةَ لرفع الغضبِ، أو النَّومِ، فإِنَّه يرتفعُ حدثه. فصار للنيَّة ثلاثُ صُور: الأولى: أن ينويَ رفع الحدث. الثانية: أن ينويَ الطَّهارةَ لما تجبُ له. الثالثة: أن ينويَ الطهارةَ لما تُسَنُّ له. قوله: «أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدَثَه ارتفَعَ»، هذه الصُّورة الرَّابعة. أي: تجديداً لوُضُوءٍ سابق عن غير حدث، بل هو على ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (117).

وُضُوء، فينوي تجديدَ الوُضُوء الذي كان متَّصفاً به. لكن اشترط المؤلِّفُ رحمه الله شرطين: الشرط الأول: أن يكونَ ذلك التجديدُ مسنوناً؛ لأنه إِذا لم يكن مسنوناً لم يكن مشروعاً، فإِذا نوى التَّجديدَ وهو غير مسنونٍ، فقد نوى طهارةً غير شرعية، فلا يرتفع حدثُه بذلك. وتجديد الوُضُوء يكون مسنوناً إِذا صَلَّى بالوُضُوء الذي قبله، فإِذا صلَّى بالوُضُوء الذي قبله فإِنه يُستحبُّ أن يتوضَّأ للصَّلاة الجديدة. مثاله: توضَّأ لصلاة الظُّهر وصلَّى الظُّهر، ثم حَضَر وقتُ العصر وهو على طهارته، فحينئذٍ يُسَنُّ له أن يتوضَّأَ تجديداً للوُضُوء؛ لأنَّه صلَّى بالوُضُوء السَّابق، فكان تجديدُ الوُضُوء للعصر مشروعاً، فإن لم يَصلِّ به؛ بأنْ توضَّأ للعصر قبل دخول وقتها؛ ولم يُصَلِّ بهذا الوُضُوء، ثم لما أذَّن العصرُ جدَّد هذا الوُضُوء، فهذا ليس بمشروع؛ لأنَّه لم يُصلِّ بالوُضُوء الأوَّل، فلا يرتفع حدثُه لو كان أحدث بين الوُضُوء الأول والثَّاني. الشرط الثَّاني: أن ينسى حدثَه، فإِن كان ذاكراً لحدثه فإِنه لا يرتفع، وهذا من غرائب العلم! إذا نوى الشَّيءَ ناسياً صَحَّ، وإِذا نواه ذاكراً لم يصحَّ!. مثاله: رجل صلَّى الظُّهر بوُضُوء، ثم نقضه بعد الصَّلاة، ثم جدَّد الوُضُوء للعصر ناسياً أنه أحدث، فهذا يرتفع حدثُه؛ لأنه نوى تجديداً مسنوناً ناسياً حدثَه. فإِذا كان ذاكراً لحدثه، فلا يرتفع؛ لأنَّه حينئذٍ يكون

وإن نوى غسلا مسنونا أجزأ عن واجب

متلاعباً، فكيف ينوي التجديدَ وهو ليس على وُضُوء؛ لأن التَّجديد لا يكون إلا والإِنسان على طهارة. وإِن نوى غُسْلاً مَسْنُوناً أجْزَأَ عن واجب، ........... قوله: «وإن نوى غُسْلاً مسنوناً أجْزَأَ عن واجبٍ»، مثاله: أن يغتسلَ من تغسيل الميِّت، أو يغتسل للإِحرام، أو للوقوف بعرفة، فهذه أغسال مسنونةٌ، وكذلك غُسْلَ الجمعة عند جمهور العلماء، والصَّحيح: أنه واجبٌ. وظاهر كلام المؤلِّف ـ وهو المذهب ـ: ولو ذكر أن عليه غسْلاً واجباً وقيَّده بعض الأصحاب بما إِذا كان ناسياً حدثه (¬1)، أي: ناسياً الجنابة، فإِن لم يكن ناسياً فإِنَّه لا يرتفع؛ لأن الغُسْل المسنون ليس عن حدث، وإذا لم يكن عن حدث، فقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيَّات» (¬2). وهذا الرَّجلُ لم ينوِ إِلا الغُسْل المسنون، وهو يعلمُ أن عليه جنابة، ويذكر ذلك، فكيف يرتفع الحدث؟ وهذا القول ـ وهو تقييده بأن يكون ناسياً ـ له وجهةٌ من النَّظر. وتعليلُ المذهب: أنه لما كان الغُسْل المسنونُ طهارةً شرعيَّة كان رافعاً للحدث، وهذا التَّعليل فيه شيء من العِلَّة، لأنَّه لا شَكَّ بأنَّه غُسْلٌ مشروع، ولكنه أدنى من الغُسْل الواجب من الجنابة، فكيف يقوى المسنونُ حتى يجزئ عن الواجب الأعلى؟ ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 311، 315). (¬2) متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه، ص (194).

وكذا عكسه

لكن إن كان ناسياً فهو معذور. مثاله: لو اغتسل للجمعة ـ على القول بأنه سُنَّة ـ وهو عليه جنابة لكنه لم يذكرها، أو لم يعلم بالجنابة إِلا بعد الصلاة، كما لو احتلم ولم يعلم إلا بعد الصلاة، فإن صلاة الجمعة تكون صحيحة لارتفاع الجنابة. أما إذا علم ونوى هذا الغسل المسنون فقط، فإن القول بالإجزاء في النفس منه شيء. وكذا عكْسُهُ، ........... قوله: «وكذا عكسه»، كذا: خبر مقدَّم، وعكسه: مبتدأٌ مؤخَّر، أي: إِذا نوى غُسلاً واجباً أجزأ عن المسنون لدُخُوله فيه، كما لو كان عليه جنابة فاغتسل منها عند السَّعي إلى الجُمعة فإِنه يجزئه عن غُسْل الجمعة؛ لأن الواجبَ أعلى من المسنون فيسقطُ به، كما لو دخل المسجد ووجد الناس يصلُّون فدخلَ معهم، فإِن تحيَّة المسجد تَسقطُ عنه؛ لأن الواجب أقوى من المستحبِّ. وإذا نوى الغُسْلين الواجب والمستحبَّ أجزأ من باب أولى؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنيَّات» (¬1). وإِنْ جعل لكلٍّ غُسْلاً فهو أفضل؛ كما اختاره الأصحاب (¬2) رحمهم الله. وعلى هذا فالغُسْل الواجب مع المسنون له أربع حالات: الأولى: أن ينويَ المسنونَ دونَ الواجبِ. ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (194). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 89).

وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءا

الثانية: أن ينويَ الواجبَ دونَ المسنونِ. الثالثة: أن ينويهما جميعاً. الرابعة: أن يغتسل لكلِّ واحد غسلاً منفرداً. وإِن اجتمعت أحداثٌ تُوجِبُ وُضوءاً ........ قوله: «وإن اجتمعت أحداثٌ تُوجِبُ وُضُوءاً»، أي: بأن فعل من نواقض الوُضُوء أشياء متعدِّدة، كما لو بَالَ، وتغوَّط، ونامَ، وأكل لحم إِبل، ونوى الطَّهارة عن البول، فإنه يجزئ عن الجميع. ولكن لو نوى عن البول فقط على أن لا يرتفع غيرُه، فإِنَّه لا يجزئ إلا عن البول؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنيَّات، وإِنما لكُلِّ امرئٍ ما نوى» (¬1). وقيل: يجزئ عنه وعن غيره (¬2)، لأن الحدثَ وصفٌ واحد؛ وإن تعدَّدت أسبابه فإِنه لا يتعدَّد، فإِذا نوى رفعه ارتفع وإِن لم يعيِّن إلا سبباً واحداً من أسبابه. وقيل: إِن عَيَّنَ الأوَّلَ ارتفع الباقي، وإِن عيَّن الثاني لم يرتفعْ شيء منها (¬3)؛ لأنَّ الثَّاني ورد على حدث، لا على طهارة كما لو بال أولاً، ثم تغوَّط، ثم توضَّأ عن الغائط فقط فإِنَّه لا يرتفعُ حدثُه؛ لأن الثَّاني وَرَدَ على حَدَثٍ فلم يؤثِّر شيئاً، وحينئذٍ إِذا نَوى رفع الحدث من الثَّاني لم يرتفع، لأن الحدث من الأول. والصَّحيح: أنه إِذا نوى رفع الحدث عن واحد منها ارتفع ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه، ص (194). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 317، 318). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 317، 318).

أو غسلا، فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها، ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة، وهو التسمية

عن الجميع؛ حتى وإِنْ نوى أن لا يرتفع غيرُه، لأن الحدَثَ وصف واحد وإِن تعدَّدت أسبابه، فإِذا نوى رفعه من البول ارتفع. ولا يعارض قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وإِنّما لكُلِّ امرئٍ ما نوى»، وهذا لم ينوِ إلا عن حدث البول؛ لأن الحدث شيء واحد، فإِذا نوى رفعه ارتفع، وليس الإِنسان إِذا بال في الساعة الواحدة مثلاً صار له حدث، وإِذا تغوَّط في الساعة الواحدة والنصف صار له حدث آخر وهكذا، بل الحَدَثُ واحدٌ، والأسباب متعدِّدةٌ. أو غُسْلاً، فَنَوى بطَهَارَتِهِ أحَدَها ارتفعَ سَائِرُها، ويجبُ الإِتيانُ بها عند أوَّلِ واجباتِ الطَّهَارةِ، وهو التَّسْمِيَةُ، ......... قوله: «أو غُسْلاً فَنَوى بطَهَارَتِهِ أحَدَها ارتفعَ سائُرها»، أي: اجتمعت أحداث توجب غُسْلاً كالجماع، والإِنزال، والحيض، والنِّفاس بالنسبة للمرأة، فإذا اجتمعت ونوى بغُسْلِهِ واحداً منها، فإنَّ جميعَ الأحداث ترتفعُ. وما يُقال في الحدثِ الأصغر، يُقالُ هنا. قوله: «ويجب الإتيان بها عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهو التَّسمية»، أي: يجبُ الإِتيان بالنيَّة عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهي التَّسمية. والنيَّة: عزمُ القلب على فعل الطَّاعة تقرُّباً إلى الله تعالى. والمؤلِّفُ أراد الكلام على محل النيَّة، أي: متى ينوي الإنسان؟ وقوله: «عند»، هذه الكلمة تدلُّ على القُرْب كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *} [الأعراف]. فالعنديَّة تدلُّ على القُرب، وعلى هذا يجب أن تكون النيَّةُ مقترنةً بالفعل، أو متقدِّمةً عليه بزمنٍ يسير، فإِن تقدمت بزمن كثير فإِنها لا تجزئ. وقوله: «عند أوَّل واجبات الطهارة»، لم يقل عند أوَّل فروض الطَّهارة؛ لأن الواجب مقدّمٌ على الفروض في الطَّهارة، والواجب هو التَّسمية. وهذا على

وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب

المذهب من أنَّ التسمية واجبةٌ مع الذِّكر. وقد سبق بيانُ حكم التسمية والخلاف في ذلك، وبيان أنَّ الصَّحيح أنَّها سُنَّةٌ (¬1). فإِذا أراد أن يتوضَّأ فلا بُدَّ أن ينويَ قبل أن يُسمِّيَ، لأن التَّسمية واجبةٌ. وتُسنُّ عِنْدَ أوَّل مسنوناتِها إِن وُجد قَبْلَ واجبٍ، ............. قوله: «وتُسَنُّ عند أوَّل مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ»، أوَّلُ مسنونات الطَّهارة غسل الكفَّين ثلاثاً، فإذا غسلهما ثلاثاً قبل أن يُسمِّي صار الإِتيان بالنيَّة حينئذٍ سُنَّةٌ. وقوله: «إِن وُجِدَ» الضَّمير يعود على أوَّل المسنونات. وقوله: «قبل واجب»، أي: قبل التَّسمية، فلو غسل كَفَّيه ثلاثاً قبل أن يُسمِّيَ، فإِنَّ تَقَدُّمَ النِّيةِ قبلَ غسلِ اليدين سُنَّةٌ. والنيَّةُ لها محلاَّن: الأول: تكونُ فيه سُنَّةٌ، وهو قبل المسنون إِنْ وُجِدَ قبل واجبٍ. الثاني: تكون فيه واجبةً عند أوَّل الواجبات، وقد سبق بيان ¬

_ (¬1) انظر: ص (158).

واستصحاب ذكرها في جميعها، ويجب استصحاب حكمها

ما في ذلك (¬1)، وأنَّه لا يمكن أن يقرِّب الإنسانُ الماء؛ ثم يشرع في الوُضُوء من غير نيَّة؛ ولهذا لا بُدَّ أن تكون النيَّةُ سابقةً حتى على أوَّل المسنونات؛ اللهم إِلا إِن كان إِنما يغسل يديه لتنظيفهما من طعام ونحوه؛ ثم نوى الوُضُوء بعد غسل اليدين، فهذا ربما يُقالُ: إِنه ابتدأ الطَّهارةَ بلا نيَّة، وحينئذٍ فعليه أن يأتيَ بالنيَّة عند التَّسمية. وقولُه: «إن وُجِدَ قبل واجب»، يشير رحمه الله إلى أن هذا المسنون لا يوجد قبلَ الواجب في الغالب، فالغالب أن يُسمِّيَ قبل غسل كفَّيه، وحينئذ يكون الواجب متقدِّماً. واستصحابُ ذِكْرِها في جميعها، ويجبُ استصحاب حُكْمِها. قوله: «واستصحاب ذكرها في جميعها»، أي يُسَنُّ استصحاب ذكرها، والمرادُ ذكرُها بالقلب، أي يُسَنُّ للإِنسان تذكُّرُ النيَّةِ بقلبه في جميع الطَّهارة، فإِن غابت عن خاطره فإنه لا يضرُّ، لأن استصحاب ذكرها سُنَّةٌ. ولو سبقَ لسانُه بغير قصده فالمدارُ على ما في القلب. ولو نوى بقلبه الوُضُوء، لكن عند الفعل نطق بنيَّة العمل؛ فيكون اعتمادُه على عزم قلبه لا على الوهم الذي طرأ عليه، كما لو أراد الحجَّ ودخل في الإحرام بهذه النيَّة؛ لكن سبقَ لسانُه فلبَّى بالعُمْرة فإِنَّه على ما نوى. قوله: «ويجب استصحابُ حكمها»، معناه: أن لا ينوي قطعها. ¬

_ (¬1) انظر ص (203).

فالنيَّةُ إِذاً لها أربع حالات باعتبار الاستصحاب: الأولى: أن يستصحب ذكرها من أوَّل الوُضُوء إِلى آخره، وهذا أكمل الأحوال. الثانية: أن تغيبَ عن خاطره؛ لكنَّه لم ينوِ القَطْعَ، وهذا يُسمَّى استصحابَ حكمِها، أي بَنَى على الحكم الأوَّل، واستمرَّ عليه. الثالثة: أن ينويَ قطعها أثناء الوُضُوء، لكن استمرَّ مثلاً في غسل قدميه لتنظيفهما من الطِّين فلا يصحُّ وُضُوءُهُ؛ لعدم استصحاب الحكم لقطعه النيَّة في أثناء العبادة. الرابعة: أن ينويَ قطع الوُضُوء بعد انتهائه من جميع أعضائه، فهذا لا يَنتقضُ وُضُوءهُ، لأنَّه نوى القطع بعد تمام الفعل. ولهذا لو نوى قطعَ الصَّلاةِ بعد انتهائها، فإِنَّ صلاته لا تنقطع (¬1). قاعدة: قَطْعُ نيَّةِ العبادة بعد فعلها لا يؤثِّر، وكذلك الشكُّ بعد الفراغ من العبادة، سواء شككتَ في النيَّة، أو في أجزاء العبادة، فلا يؤثِّر إِلا مع اليقين. فلو أن رجلاً بعد أن صَلَّى الظُّهر قال: لا أدري هل نويتُها ظُهراً أو عصراً شكّاً منه؟ فلا عبرة بهذا الشكِّ ما دام أنَّه داخل ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 159).

على أنها الظُّهر فهي الظُّهر، ولا يؤثِّر الشَّكُّ بعد ذلك، ومما أُنشِدَ في هذا: والشَّكُّ بعد الفعل لا يؤثِّرُ وهكذا إِذا الشُّكوكُ تكثُر (¬1) ومثله لو شَكَّ ـ بعد الفراغ من الصَّلاة ـ هل سجد سجدة أو سجدتين؟ فإن هذا لا يؤثِّرُ. وهنا مسألةٌ مهمَّةٌ وهي: لو نوى فرض الوقت دون تعيين الصَّلاة، وهذه تقع كثيراً، فلو جاء إنسان مثلاً لصلاة الظُّهر؛ ووجد الناس يُصلُّون ودخل معهم في تلك الساعة؛ ولم يستحضر أنَّها الظُّهر، أو الفجر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء. وإنما استحضر أنَّها فرض الوقت. فالمذهب: لا يجزئه؛ لأنه لا بُدَّ أن يُعيِّنَ إِما الظُّهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الصُّبح. وعن أحمد رواية: أنه إِذا نوى فرض الوقت أجزأه. ذكرها ابن رجب في «جامع العلوم والحكم»، واختارها بعض الأصحاب (¬2). وهذا لا يسعُ النَّاس العمل إِلا به، لأنَّه كثيراً ما يغيب عن الإِنسان تعيينُ الصَّلاة، لكن نيَّته هو أنَّها فرض الوقت. مسألة: رجل سلَّم من ركعتين من الظُّهر بناءً على أنَّها الفجر ثم ذكر، هل يكمل ركعتين أم يستأنف الصَّلاة؟ ¬

_ (¬1) انظر: «منظومة في أصول الفقه وقواعد فقهية»، للمؤلف رحمه الله ص (10). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (3/ 360)، «جامع العلوم والحكم» (1/ 85).

وصفة الوضوء: أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل كفيه ثلاثا ثم يتمضمض

يقولون في هذه الصُّورة: يجب أن يستأنف الصَّلاة (¬1)؛ لأنه سلَّم على أنها صلاة ركعتين؛ بخلاف من سَلَّم من ركعتين عن الظُّهر ونحوها ثم ذكر؛ فإنه يتمُّ أربعاً ويسجد للسَّهو، ولأنَّه سلَّم على أنَّها صلاة رباعية. وصفةُ الوضوء: أن ينويَ، ثُمَّ يُسمِّي، ويغسلَ كفَّيه ثلاثاً ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ، ......... قوله: «وصفة الوُضُوء»، المؤلف رحمه الله ساق صفة الوُضُوء المشتملةَ على الواجب، وغير الواجب. قوله: «أن ينويَ»، النيَّةُ شرطٌ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنيَّات» (¬2). قوله: «ثم يُسمِّي»، التسميةُ واجبةٌ على المذهب وقد سبق بيانُ الخلاف في هذا (¬3). قوله: «ويغسل كفَّيه ثلاثاً»، والدَّليل فعلُ النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإِنَّه كان إذا أراد أن يتوضَّأ غسل كفَّيه ثلاثاً (¬4) وهذا سُنَّةٌ. وتعليل ذلك أنَّ الكفَّين آلةُ الوُضُوء، فينبغي أن يبدأ بغسلهما قبل كُلِّ شيء حتى تكونا نظيفتين. قوله: «ثم يَتَمَضْمَضَ»، المضمضةُ: أن يُدخل الماء في فمه ثم يمجّ وهل يجبُ أن يُدير الماء في جميع فمه أم لا؟ ¬

_ (¬1) انظر: «الإِقناع» (1/ 163). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه، ص (194). (¬3) انظر: ص (158). (¬4) تقدم تخريجه ص (169).

ويستنشق

قال العلماء رحمهم الله: الواجبُ إدارته في الفم أدنى إِدارة (¬1)، وهذا إِذا كان الماء قليلاً لا يملأ الفم، فإن كان كثيراً يملأ الفم فقد حصل المقصودُ. وهي يجب أن يزيلَ ما في فمه من بقايا الطعام فيخلِّلَ أسنانه ليدخلَ الماءُ بينها؟ الظَّاهر: أنه لا يجب. وهل يجبُ عليه أن يزيلَ الأسنانَ المركَّبةَ إِذا كانت تمنعُ وصول الماء إِلى ما تحتها أم لا يجب؟ الظَّاهر أنه لا يجب، وهذا يُشبه الخاتمَ، والخاتم لا يجب نزعُه عند الوُضُوء، بل الأَوْلى أن يحرِّكَه لكن ليس على سبيل الوجوب، لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يلبسه (¬2) ولم يُنْقَلْ أنه كان يحرِّكه عند الوُضُوء، وهو أظهر من كونه مانعاً من وصول الماء من هذه الأسنان، ولا سيَّما أنه يَشُقُّ نزع هذه التركيبة عند بعض النَّاس. ويَسْتَنْشِقَ، ............................................. قوله: «ويستنشقَ»، الاستنشاق: أن يجذِبَ الماء بنَفَسٍ من أنفه. وهل يجب الاستنثار؟ قالوا: الاستنثار سُنَّةٌ (¬3)، ولا شَكَّ أن طهارة الأنف لا تتمُّ ¬

_ (¬1) انظر: «الإِقناع» (1/ 42). (¬2) رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، رقم (6651)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب لبس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاتماً من وَرِقْ ... ، رقم (2091)، من حديث ابن عمر. (¬3) انظر: «الإِنصاف» (1/ 327).

ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس

إِلا بالاستنثار بعد الاستنشاق؛ حتى يزول ما في الأنف من أذىً. وهل يبالغ في المضمضة والاستنشاق؟ قال العلماء: يبالغُ إِلا أن يكونَ صائماً لقوله صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صَبِرَة: « ... وبالغْ في الاستنشاق إِلا أن تكونَ صائماً» (¬1). وكذلك لا يبالغُ في الاستنشاق إِذا كانت له جيوب أنفيَّة زوائد؛ لأنَّه مع المبالغة ربما يستقرُّ الماء في هذه الزوائد ثم يتعفَّن، ويصبح له رائحة كريهة ويصابُ بمرض، أو ضرر في ذلك، فهذا يقال له: يكفي أن تستنشق حتى يكونَ الماء داخل المنخرين. ويَغْسلَ وجْهَهُ مِنْ منابتِ شَعْر الرأس ....................... قوله: «ويغسلَ وجهه»، الوجه ما تحصُلُ به المواجهةُ، وهو أشرف أجزاء البدن. قوله: «من منابت شعر الرأس»، المرادُ: مكان نبات الشَّعر المعتاد بخلاف الأفْرَع، والأنْزَع. فالأفرع: الذي له شعرٌ نازل على الجبهة. والأنزع: الذي انحسر شعرُ رأسه. قال الشاعر يوصي زوجته: ولا تَنْكِحي إِنْ فرَّقَ الدَّهرُ بيننا أغَمَّ القفا والوَجْهِ، ليس بأنْزَعا (¬2) وقوله: «من مناب شعر الرَّأس»، هكذا حدَّه المؤلِّفُ رحمه الله، وقال بعضُ العلماء: من منحنى الجبهة من الرَّأس؛ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (149). (¬2) البيت لهُدبة بن خشرم، انظر: «لسان العرب» مادة (نزع) (8/ 352).

إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وما فيه من شعر خفيف، والظاهر الكثيف

لأن المنحنى هو الذي تحصُل به المواجهة، وهذا أجود. إِلى ما انحَدَرَ من اللَّحْيين والذَّقن طُولاً، ومن الأُذُنِ إِلى الأُذُنِ عَرْضاً، وما فيه من شَعْرٍ خفيفٍ، والظاهر الكثيفَ ........ قوله: «إلى ما انحدر من اللَّحْيَين والذَّقن طولاً»، الذَّقن: هو مجمعُ اللَّحْيَين. واللَّحْيَان: هما العظمان النَّابت عليهما الأسنان. فما انحدر من اللَّحيين، وكذلك إذا كان في الذَّقن شعرٌ طويلٌ فإِنه يُغسل، لأن الوجه ما تحصُل به المواجهةُ، والمواجهةُ تحصُل بهذا الشَّعر فيكون غسله واجباً. وقال بعض العلماء: إِن ما جاوز الفرض من الشَّعر لا يجب غسله، لأنَّ الله قال: {وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]»، والشَّعر في حكم المنفصل. وقد ذكر ابنُ رجب هذا في «القواعد»، وصحَّحَ أنَّه لا يجب غسل ما استرسل من اللَّحيين والذَّقن (¬1). والأحوَطُ والأَوْلى غسلُ ما استرسل من اللَّحيين والذَّقن. قوله: «ومن الأُذُن إِلى الأُذن عرضاً»، والبياضُ الذي بين العارض والأُذُن من الوجه. والشَّعر الذي فوق العظم الناتئ يكون تابعاً للرَّأس، هذا حَدُّ الوجه. والدَّليل على غسله قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]. قوله: «وما فيه من شعر خفيف، والظَّاهرَ الكثيف»، الخفيفُ: ¬

_ (¬1) «القواعد» لابن رجب ص (4).

مع ما استرسل منه ثم يديه مع المرفقين

ما تُرى من ورائه البشرةُ، والكثيف: ما لا تُرى من ورائه. فالخفيفُ: يجب غسله وما تحته؛ لأن ما تحته إِذا كان يُرى فإنَّه تَحصُلُ به المواجهة، والكثيف يجب غسلُ ظاهرهِ دونَ باطنهِ؛ لأن المواجهةَ لا تكون إلا في ظاهر الكثيف. وكذلك يجب غسلُ ما في الوجه من شعر كالشَّارب والعَنْفَقَةِ (¬1) والأهداب والحاجبين والعارضين. ويُستحبُّ تخليل الشَّعر الكثيفِ؛ لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يخلِّل لحيته في الوُضُوء (¬2). مع ما استرسل منه ثمَّ يديه مع المرفقين، ................... قوله: «مع ما استرسل منه»، «استرسل» أي: نَزَلَ. وظاهرُ كلام المؤلِّفِ، ولو نزلَ بعيداً، فلو فُرِضَ أنَّ لرَجُلٍ لحيةً طويلة أكثر مما هو غالب في النَّاس، فإنَّه يجب عليه غسل الخفيف منها، والظَّاهر من الكثيف. قوله: «ثمَّ يديه مع المرفقين»، أي: اليُمنى ثم اليُسرى، ولم يَذْكُرْ هنا التَّيامنُ؛ لأنه سبق في سُنَن الوُضُوء. وقوله: «مع المرفقين»، تعبير المؤلِّف مخالفٌ لظاهر قوله تعالى {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، لأن المعروف عند العلماء أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها، بمعنى: أنك إِذا قُلت لشخص: لك من هذا إِلى هذا، فما دخلت عليه «من» فهو له، وما دخلت عليه «إلى» فليس له، فظاهر الآية أن المرفقين لا يدخلان. لكنهم قالوا: «إلى» في الآية بمعنى «مع»، وجعلوا نظير ¬

_ (¬1) العنفقة: شُعيرات بين الشفة السُّفلى والذقن، «المحيط» مادة (عنفق) .. (¬2) تقدم تخريجه، ص: (173).

هذا قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، أي: مع أموالكم. ولكن هذا التنظير فيه نظرٌ؛ فإِن الآية في المال، ليست كالآية في الغسل، لأنه قال: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، أي: مضمومة إلى أموالكم، فالإنسان لا يأكل مال غيره إِلا إِذا ضمَّه إِلى ماله، فضمَّن قوله: «ولا تأكلوا» معنى الضَّمِّ. أما آية الوُضُوء فليست كذلك. ولكن الجواب الصَّحيح أن الغاية داخلة فيها بدليل السُّنَّة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه توضَّأ حتى أشرع في العَضُد، وقال: هكذا رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يفعل (¬1)، ومقتضى هذا أنَّ المرفق داخل. وكذلك رُويَ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه توضَّأ فأدار الماء على مرفقيه (¬2). وقد يُقال: إن الغاية لا تدخلُ إِذا ذُكِرَ ابتداءُ الغاية «من»، أما إِذا لم تُذكر فإنها تكونَ داخلة، ولهذا لو قال قائل: هل الأفضلُ في غسل اليدين البَدْءُ من المرفق، أو من وسط الذراع، أو من أطراف الأصابع؟. فالجواب: أن الأفضل أن يبدأ من أطراف الأصابع لقوله: «إلى». وإن لم يكن ظُهور ذلك عندي قويًّا؛ لأنَّ الابتداء ¬

_ (¬1) رواه مسلم، وقد تقدّم تخريجه ص (185). (¬2) رواه الدارقطني (1/ 83)، والبيهقي (1/ 56) من حديث جابر. وضعّفه: ابن الجوزي، والمنذري، والنووي، وابن الصلاح، وابن حجر وغيرهم. انظر: «الخلاصة» للنووي رقم (177)، و «التلخيص الحبير» رقم (56).

ثم يمسح كل رأسه مع الأذنين مرة واحدة

لم يُذكر، ولا بُدَّ من الإِتيان بـ «إلى» هنا؛ إِذ لو لم تأتِ وقال: (اغسلوا أيديكم)، لكان الواجبُ غسلَ الكفِّ فقط؛ لأن اليَد إِذا أُطلقت فالمراد بها «الكفُّ» بدليل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وقطعُ يد السَّارق من الكفِّ، وكذلك قوله تعالى في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، ومسحُ اليد في التيمُّمِ إنما يكون إلى الكفِّ؛ بدليل فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وإِن تمسَّك متمسِّكٌ بالظاهر ـ الذي ليس بظاهر ـ وقال: إن الأفضل أن يكون من الأصابع. فأرجو أن لا يكون به بأسٌ. وقوله: «مع المرفقين» تعبير المؤلِّف بـ «مع» من باب التَّفسير والتوضيح. ثم يمسح كلّ رأْسِه مع الأُذُنَيْن مَرَّةً واحدةً، ........ قوله: «ثم يمسحُ كُلَّ رأسه مع الأُذنين مَرَّةً واحدةً»، أي: لا يغسلُه، وإنَّما يمسحُه، وهذا من تخفيف الله تعالى على عباده؛ لأن الغالب أنَّ الرَّأس فيه شعرٌ فيبقى الماءُ في الشَّعر؛ لأن الشعر يمسكُ الماءَ فينزل على جسمه، فيتأذّى به؛ ولا سيَّما في أيَّام الشِّتاء. وقوله: «مع الأُذنين» دليلُ ذلك: 1 ـ ثبوته عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسحُ الأُذنين مع الرَّأس (¬1). 2 ـ أنَّهما من الرَّأس (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (179) من حديث عبد الله بن زيد. (¬2) تقدم تخريجه، ص (187).

ثم يغسل رجليه مع الكعبين

3 ـ أنَّهما آلة السَّمع، فكان من الحكمة أن تُطَهَّرا حتى يَطْهُرَ الإِنسانُ ممَّا تلقَّاه بهما من المعاصي. ثُمَّ يَغسل رجْلَيْه معَ الكعبين ........ قوله: «ثم يغسل رجليه مع الكعبين»، الكلامُ على قوله: «مع الكعبين» كالكلام على قوله: «مع المرفقين»، وكلمة «مع» ليس فيها مخالفةٌ للقرآن؛ لأن «إلى» في قوله تعالى: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] بمعنى «مع» لدلالة السُّنَّة على ذلك؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنه توضَّأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العَضُد، ورجليه حتى أشرع في السَّاق، وقال: هكذا رأيتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يفعلُ (¬1). وعلى هذا فالكعبان داخلان في الغسل وهما: العظمان الناتئان في أسفل السَّاق. فيجبُ غسلُهما، وهذا الذي أجمع عليه أهل السُّنَّة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] بنصب «وأرجلَكم» عطفاً على «وجوهَكم» وهذه قراءة سَبْعيَّة. وأما قراءة «وأرْجُلِكُمْ» بالجرِّ، وهي سَبْعِيَّةٌ أيضاً (¬2)، فتُخرَّج على ثلاثة أوجه: الأول: أنَّ الجرَّ هنا على سبيل المجاورة، بمعنى أنَّ الشيء يتبع ما جاوره لفظاً لا حكماً، والمجاور لها «رؤوسكم» بالجرِّ ¬

_ (¬1) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (185). (¬2) قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة. انظر: «السَّبعة» لابن مجاهد ص (242).

فتجرُّ بالمجاورة. ومنه قول العرب: «هذا جُحر ضَبٍّ خَرِبٍ» بجرِّ خَربٍ، مع أنَّه صِفةٌ لجُحر المرفوع، ومقتضى القواعد رفع خَرب، لأن صفة المرفوع مرفوع، ولكن العرب جرَّته على سبيل المجاورة (¬1). الثاني: أن قراءة النَّصب دلَّت على وجوب غسل الرِّجلين. وأما قراءة الجر؛ فمعناها: اجعلوا غسلكم إِيَّاها كالمسح، لا يكون غسلاً تتعبون به أنفسكم؛ لأن الإِنسان فيما جرت به العادة قد يكثر من غسل الرِّجلين ودلكها؛ لأنَّها هي التي تباشر الأذى، فمقتضى العادة أن يزيد في غسلها، فقُصدَ بالجرِّ فيما يظهر كَسْرُ ما يعتادهُ النَّاسُ من المبالغة في غسل الرِّجلين؛ لأنهما اللتان تلاقيان الأذى. الثالث: أن القراءتين تُنزَّلُ كلُّ واحدة منهما على حال من أحوال الرِّجل، وللرِّجل حالان: الأولى: أن تكونَ مكشوفةً، وهنا يجب غسلها. الثانية: أن تكونَ مستورةً بالخُفِّ ونحوه فيجب مسحُها. فتُنَزَّل القراءتان على حالَيْ الرِّجْل، والسُّنَّةُ بيَّنت ذلك، وهذا أصحُّ الأوجه وأقلُّها تكلُّفاً، وهو متمشٍّ على القواعد، وعلى ما يُعرَفُ من كتاب الله تعالى حيث تُنزَّلُ كلُّ قراءة على معنى يناسبها. ¬

_ (¬1) وردَّه ابنُ خالويه بأن هذا يُستعمل في الشعر والأمثال للاضطرار، والقرآن لا اضطرار فيه. «الحجَّة» ص (129).

ويغسل الأقطع بقية المفروض، فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه

ويكون في الآية إشارة إلى المسح على الخفَّين. ويغسلُ الأقطعُ بقيَّة المفْرُوضِ، فإن قُطِعَ من المَفْصِل غَسَلَ رَأْسَ العَضُد منه، ......... قوله: «ويغسلُ الأقطعُ بقيَّة المفروضِ»، أراد رحمه الله أقطعَ اليدين؛ بدليل قوله: «غَسَلَ رأسَ العَضُد منه». فيغسلُ الأقطعُ بقيةَ المفروض، ولا يأخذ ما زاد على الفرض في المقطوع. فمثلاً: لو أنه قُطِعَ من نصف الذِّراع، فلا يرتفعُ إلى العَضُدِ بمقدار نصفِ الذِّراع؛ لأن العَضُدَ ليس محلًّا للغسل، وإِنما يغسلُ بقيَّة المفروضِ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وهذا اتقى الله ما استطاع. ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمَرتُكُم فأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (¬1)، وما قُطِعَ سقط فرضُه. قوله: «فإِن قُطِعَ من المَفْصِل غَسَلَ رَأْسَ العَضُد منه»، يعني إِذَا قُطِعَ من مفصل المِرْفق غَسَلَ رأسَ العَضُد، لأن رأس العَضُد مع المرفق في موازنة واحدة. وقد سبقَ (¬2) أنه يجبُ غسلُ اليدين مع المرفقين، ورأسُ العَضُدِ داخلٌ في المرفق فيجب غسلُه، وإِن قُطِع من فوق المفصل لا يجبُ غسلُه. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رقم (7288)، ومسلم، كتاب الحج: باب فرض الحج مرَّة في العمر، رقم (1337) من حديث أبي هريرة. (¬2) انظر ص (212 ـ 213).

ثم يرفع بصره إلى السماء

وهكذا بالنسبة للرِّجل إِن قُطِعَ بعضُ القدمِ غَسلَ ما بقيَ، وإِن قُطِع من مفصل العَقِبِ غسلَ طرفَ السَّاقِ؛ لأنَّه منه. وهكذا بالنسبة للأُذُن إِذا قُطِعَ بعضُها مسح الباقي، وإِن قُطِعت كلُّها سقطَ المسحُ على ظاهرِها، ويُدخِلُ أصبعيهِ في صِمَاخ الأُذنين. ثم يرفعُ بصرَهُ إلى السَّماءِ ........... قوله: «ثم يرفعُ بصره إلى السَّماء»، هذا سُنَّةٌ إِن صحَّ الحديث، وهو ما رُويَ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من توضَّأ فأحسن الوُضُوء، ثم رفع نظره إلى السَّماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء» (¬1) وفي سنده مجهولٌ، والمجهولُ لا يُعلم حاله: هل هو حافظ، أو عدل، أو ليس كذلك، وإِذا كان في السند مجهولٌ حُكِمَ بضعف الحديث. والفقهاء ـ رحمهم الله ـ بَنَوا هذا الحكمَ على هذا الحديث. وعلى تعليل وهو: أنه يرفعُ نظرَه إلى السَّماء إِشارةً إلى عُلوِّ اللَّهِ تعالى حيثُ شَهِدَ له بالتَّوحيد. ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 150 ـ 151)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما يقول الرجل إِذا توضأ، رقم (170)، وابن السنِّي رقم (31)، والبزار في «مسنده» رقم (242) كلهم من طريق أبي عقيل، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر، عن عمر به. وابن عم أبي عقيل هذا: أُبهِمَ، ولم يُسمَّ. قال علي بن المديني: هذا حديث حسن. «مسند الفاروق» لابن كثير (1/ 111) قال ابن حجر: «هذا حديث حسن من هذا الوجه، ولولا الرجل المبهم لكان على شرط البخاري؛ لأنه أخرج لجميع رواته؛ من المقرئ فصاعداً إِلا المبهم، ولم أقف على اسمه». «نتائج الأفكار» (1/ 243)، وانظر: «العلل» للدارقطني (2/ 111).

ويقول ما ورد

ويقولُ ما وَرَدَ، ........... قوله: «ويقول ما وَرَدَ»، وهو حديث عمر رضي الله عنه: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهِّرين، فإِنَّ من أسبغ الوُضُوء ثم قال هذا الذِّكر؛ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة الثَّمانية، يدخل من أيّها شاء» (¬1). وناسب أن يقول هذا الذِّكر بعد الوُضُوء، لأن الوُضُوء تطهيرٌ للبَدَن، وهذا الذِّكر تطهيرٌ للقلب؛ لأن فيه الإخلاص لله. ولأن فيه الجمع بين سؤال الله أن يجعله من التَّوابين الذين طهَّروا قلوبهم، ومن المتطهِّرين الذين طهَّروا أبدانهم. وقال بعض العلماء: إِن هذا الذِّكر يُشَرعُ بعد الغسل والتيمُّم (¬2) أيضاً، لأن الغسلَ يشتمل على الوُضُوء وزيادة، فإِن ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب الذكر المستحبِّ عقب الوضوء، رقم (234). دون قوله: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين»، وهذه الزيادة رواها الترمذي، أبواب الطهارة: باب ما يُقال بعدَ الوضوءِ، رقم (55). ـ قال الترمذي: في إِسناده اضطراب. ـ قال ابن حجر: لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث، فإِن جعفر بن محمد شيخ الترمذي تفرَّد بها، ولم يضبط الإِسناد، فإِنه أسقط بين أبي إِدريس وبين عمر: جبير بن نفير وعقبة، فصار منقطعاً، بل معضلاً، وخالفه كلُّ من رواه عن معاوية بن صالح ثم عن زيد بن الحباب ... فاتفاق الجميع أولى من انفراد الواحد». «نتائج الأفكار» (1/ 244). وله شاهد من حديث ثوبان رواه ابن السني رقم (32). وفي إِسناده أبو سعد البقال: ضعيف. وله طريق أخرى عند الطبراني في «الأوسط» رقم (4895). من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان. قال ابن حجر: سالم لم يسمع من ثوبان، والراوي له عن الأعمش ليس بالمشهور. (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 365)، «الأذكار» للنووي ص (59).

وتباح معونته

من صفات الغسل المسنونة أن يتوضَّأ قبله. ولأنَّ المعنى يقتضيه. وأمَّا التيمُّم فلأنه بدل على الوُضُوء، وقد قال الله تعالى بعد التيمم: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] فكان مناسباً. ويرى بعضُ العلماء: أنه يقتصر على ما وَرَدَ في الوُضُوء فقط. وهو ظاهر كلام الأكثر، قال في «الفروع»: «ويتوجَّهُ ذلك بعد الغُسل؛ ولم يذكروه» (¬1)، وقال في «الفائق»: «قلت: وكذا يقوله بعد الغُسل» (¬2). وهذا ـ أعني الاقتصار على قوله بعد الوُضُوء ـ أرجح؛ لأنَّه لم يُنقل بعد الغُسل والتَّيمم، وكلُّ شيء وُجِدَ سَبَبُهُ في عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يمنعْ منه مانع، ولم يفعله، فإِنه ليس بمشروع. نعم؛ لو قال قائل باستحبابه بعد الغُسل إِن تَقَدَّمهُ وُضُوء لم يكن بعيداً إِذا نواهُ للوُضُوء. وقول هذا الذِّكر بعد الغسل أقربُ من قولِه بعد التيمُّم؛ لأنَّ المغتسل يصدق عليه أنه متوضِّئ. وتُبَاحُ معونتُه، ........... قوله: «وتُباحُ معونتُه»، أي: معونة المتوضِّئ، كتقريب الماء إليه وصَبِّه عليه، وهو يتوضَّأ، وهذه الإباحة لا تحتاج إلى دليل؛ لأنها هي الأصل. وقد دَلَّ أيضاً على ذلك: أن المغيرةَ بن شعبة رضي الله عنه صَبَّ الماءَ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يتوضَّأ (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (1/ 154). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 365). (¬3) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (274).

وتنشيف أعضائه

فإن قلت: ألا يكون هذا مشروعاً؛ لأنَّه من باب التَّعاون على البِرِّ والتقوى، فلا يقتصر على الإباحة فقط، بل يُقال: إنه مشروع؟ فالجواب: لا شك أنَّه من باب التَّعاون على البِرِّ والتَّقوى، ولكن هذه عبادة ينبغي للإِنسان أن يُباشِرَها بنفسه، ولم يردْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كُلَّما أراد أن يتوضَّأ طلب من يُعينه فيه. وقال بعضُ العلماء: تُكرَهُ إِعانةُ المتوضِّئ إلا عند الحاجة (¬1)؛ لأنَّها عبادة ولا ينبغي للإِنسان أن يستعينَ بغيره عليها، والمذهب أصَحُّ. وتَنْشِيفُ أعضائِه. قوله: «وتنشيفُ أعضائه»، التنشيف بمعنى: التجفيف. والدَّليل: عدم الدَّليل على المنع، والأصل الإباحة. فإن قلت: كيف تجيبَ عن حديث ميمونة رضي الله عنها بعد أن ذكرت غُسْلَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: «فَنَاولتُهُ ثَوباً فلم يأخُذْهُ، فانطلق وهو يَنْفُضُ يديه» (¬2). فالجواب: أن هذا قضيَّة عين تحتمل عِدَّة أمور: إِما لسببٍ في المنديل، كعدم نظافته، أو يُخشى أنْ يُبِلَّهُ بالماء وبلَلُه بالماء غيرُ مناسب أو غير ذلك. وقد يكونُ إِتيانُها بالمنديل دليلاً على أنَّ من عادتِه أن ينشِّفَ أعضاءه وإلا لم تأت به. والصَّوابُ: ما قاله المؤلِّف أنه مباحٌ. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 369). (¬2) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة، رقم (276) واللفظ له، ومسلم، كتابُ الحيض: باب صفةُ غُسْلِ الجنابةِ، رقم (317).

باب مسح الخفين

بابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ أتى به المؤلِّف بعد صِفَةِ الوُضُوء لأنه حُكمٌ يتعلَّق بأحد أعضاء الوُضُوء. وذكر المؤلِّفُ في هذا الباب المسحَ على العِمَامة، والجبيرةِ، والخِمَارِ، والخُفَّيْنِ، فكان مشتملاً على أربعة مواضيع. والخُفَّان: ما يُلبَسُ على الرِّجل من الجلود، ويُلْحَقُ بهما ما يُلبَسُ عليهما من الكِتَّان، والصُّوف، وشبه ذلك من كُلِّ ما يُلبَسُ على الرِّجْل مما تستفيدُ منه بالتسخين، ولهذا بعث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سريةً وأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتَّسَاخين (¬1). أي: الخِفَاف، وسُمِّيتْ: «تساخين»، لأنَّها تُسَخِّنُ الرِّجْلَ. والمسح على الخفين جائزٌ باتفاق أهل السُّنَّةِ. وخالفَ في ذلك الرَّافضةُ؛ ولهذا ذكره بعضُ العلماءِ في كتب العقيدةِ لمخالفةِ الرافضة فيه (¬2) حتى صار شعاراً لهم. ¬

_ (¬1) رواه أحمد (5/ 277)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب المسح على العمامة، رقم (146)، والحاكم (1/ 169)، عن راشد بن سعد عن ثوبان قال: «بعث رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم سريةً، فأصابهم البردُ، فلما قَدِموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرَهم أن يمسحوا على العصائب والتَّسَاخين»، قال أحمد: «لا ينبغي أن يكونَ راشدٌ سمع من ثوبان، لأنه مات قديماً». تعقَّبه ابنُ عبد الهادي والزيلعيُّ بما نصُّه: «وفي هذا القول نظر، فإِنهم قالوا: إن راشداً شهد مع معاوية صفين، وثوبان مات سنة أربع وخمسين، ومات راشد سنة ثمان ومائة، ووثَّقه ابنُ معين وأبو حاتم ... ». انظر: «المحرَّر» لابن عبد الهادي (1/ 113) رقم (71)، «نصب الراية» (1/ 165). أضف إِلى ذلك أن ثوبان وراشداً حمصيّان. والحديث صحَّحه الحاكم؛ ووافقه الذهبي. وقال الذهبي في «السِّير» (4/ 491): «إسناده قويٌ». (¬2) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (2/ 551، 555).

يجوز لمقيم يوما وليلة

وهو جائز بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجماعِ. أما من الكتاب فقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] على قراءة الجرِّ. وأما من السُّنَّة فقد تواترت الأحاديثُ بذلك عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. قال النَّاظم: ممَّا تواتر حديثُ مَنْ كَذَب ومَنْ بَنَى لله بيتاً واحتسب ورؤيةٌ شفاعةٌ والحوض ومسحُ خُفَّين وهذي بعض قال الإمام أحمد رحمه الله: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1). أي: ليس في قلبي أدنى شَكٍّ في الجواز. وأما الإجماع فقد أجمع أهلُ السُّنَّة على جواز المسح على الخُفَّين في الجملة. يَجُوزُ لمقيمٍ يوماً وليلةً .......... قوله: «يجوزُ لمقيمٍ يوماً وليلةً»، عبَّر ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 360)، «نصب الراية» (1/ 162).

بالجواز، فهل الجوازُ مُنْصَبٌّ على بيان المدَّة، أو على بيان الحكم؟ إن كان على بيان المدَّة فلا إِشكال فيه، يعني: أن الجواز متعلِّق بهذه المدَّة. وإِن كان مُنْصَباً على بيان الحكم فقد يكون فيه إِشكال، وهو أنَّ المسحَ على الخُفَّين للابسهما سُنَّةٌ، وخلْعُهما لغسلِ الرِّجلِ بدعة خلاف السُّنَّة. لكن قد يُجابُ عن هذا الإشكال بأن نقول: إِن المؤلِّفَ عبَّر بالجواز دفعاً لقول من يقول بالمنع، وهذا لا يُنافي أن يكون مشروعاً، والعلماءُ يعبِّرون بما يقتضي الإِباحة في مقابلة من يقول بالمنع، وإن كان الحكم عندهم ليس مقصوراً على الجواز، بل هو إِما واجب، أو مستحبٌّ. ونظيرُ ذلك: قول بعضهم: ولمن أحرم بالحجِّ مفرداً ولم يُسقِ الهدي أن يفسخه لعمرة ليكونَ متمتِّعاً (¬1). فالتعبير باللام الدالَّة على الجواز في مقابل من منع ذلك؛ لأنَّ بعض العلماء يقول بعدم الجواز؛ لأن هذا من إبطال العمل. وقوله: «لمقيم» يشمل المستوطن والمقيمَ؛ لأن الفقهاء رحمهم الله يرون أن النَّاس لهم ثلاث حالات: إحداها: الإقامة. الثانية: الاستيطان. الثالثة: السَّفر. ويُفرِّقون في أحكام هذه الأحوال. والصَّحيح: أنَّه ليس هناك إلا استيطان أو سفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام (¬2)، وأن الإقامة باعتبارها قسماً ثالثاً ينفرد بأحكام خاصَّة لا توجد في الكتاب، ولا في السُّنَّة. والإِقامة عند الفقهاء: هي أن يقيمَ المسافرُ إقامةً تمنع القصْرَ ورُخَصَ السَّفرِ؛ ولا يكون مستوطناً، وعلى هذا فإِنه مقيم، فلا ¬

_ (¬1) انظر: «الإقناع» (1/ 563). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (14/ 136، 139).

ولمسافر ثلاثة بلياليها من حدث بعد لبس

تنعقد به الجمعةُ، ولا تجب عليه؛ أي: بنفسه، ولا يكون خطيباً، ولا إماماً فيها، حتى لو أراد أن يقيم سنتين، أو ثلاثاً. والمستوطنُ: الذي اتَّخَذَ البلدَ وطناً له. وحكم المقيم في المسح على الخُفَّين كحكم المستوطن، كما أنَّ حكمه كحكم المستوطن في وجوب إِتمام الصَّلاة، وفي تحريم الفِطْرِ في رمضان، لكن ليس هو كالمستوطن في مسألة الجمعة، فلا تجب عليه بنفسه، ولا يكون إِماماً فيها، ولا خطيباً، وحينئذٍ يكون في مرتبة بين مرتبتين، ولا دليل على هذه المرتبة. وقوله: «يوماً وليلة» لحديث عليٍّ رضي الله عنه قال: «جعل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن»، أخرجه مسلم (¬1). وهذا نَصٌّ صريحٌ بَيِّنٌ مُفَصَّلٌ. ولمسافرٍ ثلاثةً بلَيَالِيها من حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ ........... قوله: «ولمسافر ثلاثةً بلياليها»، إطلاقُ المؤلِّف رحمه الله يشمل السَّفر الطَّويل والقصير. ويشمل سفرَ القَصر وغيره؛ لأن هناك سفراً طويلاً لكن لا يُقْصَر فيه كالسَّفر المحرَّم، أو المكروهِ على المذهبِ، كمن سافر لشُرب الخمر أو الاستمتاع بالبغايا. والمذهب: أنَّ السَّفر هنا مُقيَّدٌ بالسَّفر الذي يُباحُ فيه القَصرُ، ولعلَّه مراد المؤلِّف رحمه الله. قوله: «من حَدَثٍ بعد لُبْسٍ»، من: للابتداء، يعني: أنَّ ابتداءَ ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب التوقيت في المسح على الخفين، رقم (276).

المدَّةِ سواءٌ كانت يوماً وليلة؛ أم ثلاثة أيَّام، من الحَدَث بعد اللبس، وهذا هو المذهب؛ لأنّ الحَدَثَ سببُ وجوب الوُضُوء فعلَّق الحكم به، وإِلا فإنَّ المسحَ لا يتحقَّقُ إلا في أوَّل مرَّة يمسحُ. ونظيرُ هذا قولُهم في بيع الثِّمار: إذا باع نخلاً قد تشقَّقَ طَلْعُهُ فالثَّمر للبائع؛ مع أن الحديث: «من باع نخلاً قد أُبِّرتْ ... » (¬1)، لكن قالوا: إِن التشقُّقَ سببٌ للتَّأبير فأُنيط الحكم به (¬2). والذي يمكن أن يُعلِّق به ابتداء المُدَّة ثلاثة أمور: الأول: حال اللُّبس. الثاني: حال الحَدَث. الثالث: حال المسح. أما حال اللِّبس، فلا تبتدئ المدَّة من اللِّبس قولاً واحداً في المذهب، وأما حال الحَدَث فالمذهبُ: أن المدَّة تبتدئُ منه. والقول الثاني: تبتدئُ من المسح (¬3)؛ لأنَّ الأحاديث: «يمسح المسافرُ على الخفين ثلاث ليال، والمقيم يوماً وليلة» (¬4) ... إلخ، ولا يمكن أن يَصْدُقَ عليه أنَّه ماسح إِلا بفعل المسح، وهذا هو الصَّحيح. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب البيوع: باب من باع نخلاً قد أبِّرت، رقم (2204)، ومسلم، كتاب البيوع: باب مَنْ باع نخلاً عليها ثمر، رقم (1543)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 279). (¬3) انظر: «الإنصاف» (1/ 400). (¬4) رواه أحمد (5/ 213) ـ واللفظ له ـ وأبو داود، كتاب الطهارة: باب التوقيت في المسح، رقم (157)، والترمذي، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، رقم (95)، وابن حبان رقم (1329) (1330)، والطبراني (4/ رقم 3764) عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت به مرفوعاً. قال البخاري: «لا يصح عندي؛ لأنه لا يُعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت». «العلل الكبير» (1/ 173). وهذا من البخاري بناءً على اشتراطه ثبوت السماع بين الراوي وشيخه. وإلا فإن الحديث قد صححه جمع من الأئمة منهم: ابن معين، والترمذي، وابن حبان، وابن القيم وغيرهم. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 22)، عون المعبود (1/ 264)، «جامع التحصيل» ص (231). وانظر: حديث أبي بكرة ص (249).

ويدلُّ له أن الفقهاء أنفسهم ـ رحمهم الله ـ قالوا: لو أن رجلاً لبس الخُفَّين وهو مقيمٌ؛ ثم أحدثَ؛ ثم سافر؛ ومسحَ في السَّفَر أوَّل مرَّة، فإنه يُتِمُّ مسح مسافر (¬1). وهذا يدلُّ على أنَّه يعتَبر ابتداء المدَّة من المسح وهو ظاهرٌ. فالصَّوابُ: أن العِبْرَةَ بالمسح وليس بالحَدَثِ. مثال ذلك: رجلٌ توضَّأ لصلاة الفجر ولبس الخُفَّين، وبقي على طهارته إلى السَّاعة التَّاسعة ضُحى، ثم أحدث ولم يتوضَّأ، وتوضأ في السَّاعة الثانية عشرة، فالمذهب: تبتدئ المُدَّةُ من السَّاعة التَّاسعة. وعلى القول الرَّاجح: تبتدئ من السَّاعة الثَّانية عشرة إلى أن يأتي دورها من اليوم الثَّاني إِن كان مقيماً، ومن اليوم الرَّابع إن كان مسافراً. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 404).

على طاهر

فالمقيمُ أربعٌ وعشرون ساعةً، والمسافر اثنتان وسبعون ساعةً. وأما قول العامَّة: إنَّ المدَّة خمسُ صلوات فهذا غير صحيح؛ لأنَّ الإِنسانَ قد يُصلِّي أكثر من ذلك ومُدَّة المسح باقية وهو مقيم، كما لو لبس الخُفَّين لصلاة الفَجر، وبقي على طهارته إِلى أن صَلَّى العشاء، فهذا يوم كامل لا يُحسب عليه؛ لأن المدَّة قبل المسح أوَّل مرَّة لا تُحسَبُ، فإذا مسح من الغَدِ لصلاة الفجر، فإِذا بقيَ على طهارته إلى صلاة العشاء من اليوم الثالث، فيكون قد صَلَّى خمس عشرة صلاة وهو مقيمٌ. على طَاهِرٍ ......... قوله: «على طاهر»، هذا هو الشَّرط الثَّاني من شُروطِ صِحَّةِ المسحِ على الخُفَّين، وهو أن يكونَ الملبوس طاهراً. والطَّاهر: يُطلَقُ على طاهر العين، فيخرج به نجس العين. وقد يُطْلَقُ الطَّاهرُ على ما لم تُصبْه نجاسةٌ، كما لو قلت: يجب عليك أن تُصلِّيَ بثوبٍ طاهر، أي: لم تُصبْه نجاسةٌ. والمراد هنا طاهر العين؛ لأن من الخِفَاف ما هو نجس العين كما لو كان خُفَّا من جلد حمار، ومنه ما هو طاهر العين لكنَّه متنجِّس؛ أي: أصابته نجاسة، كما لو كان الخُفُّ من جلد بعيرٍ مُذكَّى لكن أصابته نجاسة، فالأوَّل نجاسته نجاسة عينيَّة؛ والثَّاني نجاسته نجاسة حُكميَّة، وعلى هذا يجوز المسح على الخُفِّ المتنجِّس، لكن لا يُصلِّي به، لأنه يُشترط للصَّلاة اجتناب النَّجاسة. وفائدة هذا أن يستبيح بهذا الوُضُوء مسَّ المصحف؛ لأن

مباح

لا يُشترط للَمْسِ المصحف أن يكون متطهِّراً من النَّجاسة، ولكن يُشترط أن يكون متطهِّراً من الحدث. أما لو اتَّخذ خُفًّا من جلد ميتة مدبوغ تحلُّ بالذَّكَاة، فإِن هذا ينبني على الخلاف (¬1): إن قلنا: لا يطهرُ ـ وهو المذهبُ ـ لم يَجُز المسح عليه. وإن قلنا: يطهُر بالدَّبغ جازَ المسحُ عليه. ووجه اشتراط الطَّهارة: أن المسحَ على نجس العين لا يزيدُه إلا تلويثاً، بل إن اليد إذا باشرت هذا النَّجسَ وهي مبلولةٌ تنجَّست. وربما يُؤخَذُ من قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين» (¬2). لكن معنى الحديث أدْخَلتُهما، أي: القدمين طاهرتين، كما يفسِّره بعض الألفاظ (¬3). مُبَاحٍ .............. قوله: «مباحٍ»، احترازاً من المحرَّم، هذا هو الشَّرط الثَّالث، والمحرَّم نوعان: ¬

_ (¬1) انظر: ص (85). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، رقم (206)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (274) من حديث المغيرة بن شعبة. (¬3) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين، رقم (151). بإسناد حسن عن المغيرة مرفوعاً: « ... فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان». وبوّب به البخاري، انظر الحديث السَّابق. وروى ابن حبان رقم (1324) بسندٍ حسن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: « ... إِذا تطهَّرَ ولبس خفيه فليمسحْ عليهما». وصَحَّحه ابنُ خزيمة رقم (192).

الأول: محرَّم لكسبه كالمغصوب، والمسروق. الثاني: محرَّم لعينه كالحرير للرَّجُلِ، وكذا لو اتَّخَذ «شُرَاباً» (وهو الجورب) فيها صُور فهذا محرَّمٌ، ولا يُقال: إِن هذا من باب ما يُمتهن؛ لأنَّ هذا من باب اللباس، واللباس الذي فيه صُورٌ حرام بكلِّ حال، فلو كان على «الشُّراب» صورةُ أسدٍ مثلاً فلا يجوز المسح عليه. وكلا هذين النوعين لا يجوز المسحُ عليهما. ولا نعلم دليلاً بيِّنا على ذلك. وأما التَّعليل: فلأنَّ المسح على الخُفَّين رُخْصَة، فلا تُستباحُ بالمعصية؛ ولأن القول بجواز المسح على ما كان محرَّماً مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرَّم، والمحرَّم يجب إِنكاره. وربما نقول: بالقياس على بطلان صلاة المُسْبِلِ (¬1) ـ إن ¬

_ (¬1) عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاة رجلٍ مسبل إِزاره». قال النووي: «على شرط مسلم»! «الخلاصة» رقم (983). قلت: بل إِسناده ضعيف؛ فيه ثلاث علل: 1 - أبو جعفر هذا هو المدني: مجهول، كما قال ابن القطان، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم. انظر: «تهذيب التهذيب» (12/ 55). 2 - أبان العطَّار قد خُولف في إسناده؛ كما قال البيهقي، ولبيان ذلك انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (2/ 242). 3 - في إسناده اختلاف. أفاده الحافظ ابن حجر. انظر: «السنن الكبرى» للنسائي (5/ 488) رقم (9703)، «النكت الظراف» مع «التحفة» (10/ 279)، «أطراف المسند» (8/ 309).

ساتر للمفروض

صحَّ الحديثُ ـ فإِن المُسْبِلَ تبطل صلاتُه، لأنَّه لبس ثوباً محرَّماً، فإِذا فسدت الصَّلاةُ بلبس الثَّوب المحرَّم؛ فإنَّ المسح أيضاً يكون فاسداً بلبس الخُفِّ المحرَّم. ساتِرٍ للمفْرُوضِ، ............. قوله: «ساترٍ للمفْروضِ»، أي: للمفْروض غسلُه من الرِّجْلِ، وهذا هو الشَّرط الرابع، فيُشترَط لجواز المسح على الخُفَّين أن يكون ساتراً للمفروض. ومعنى «ساتر» ألا يتبيَّنَ شيءٌ من المفروض من ورائه؛ سواءٌ كان ذلك من أجل صفائه، أو خفَّته، أو من أجل خروق فيه. لأنَّه إِذا كان به خُروقٌ بانَ من ورائه المفروضُ، فلا يصحُّ المسحُ عليه حتى قال بعض أهل العلم ـ وهو المشهور من المذهب ـ: لو كان هذا الخَرْقُ بمقدار رأس المخراز. والتَّعليل: أن ما كان خفيفاً أو به خُروق، فإِن ما ظَهَرَ؛ فَرْضُهُ الغُسْل، والغُسْل لا يجامعُ المسحَ، إِذ لا يجتمعان في عضوٍ واحد. وأمَّا ما يصف البشرة لصفائه؛ فلأنه يُشترَطُ السَّتر وهذا غير ساترٍ، بدليل أن الإِنسان لو صلَّى في ثوب يصف البشرةَ لصفائه فصلاتُه باطلةٌ. وذهب الشافعيةُ إِلى: أنَّ ما لا يَسْتُرُ لصفائه يجوز المسحُ عليه (¬1)، لأنَّ محلَّ الفرض مستورٌ لا يمكن أن يصل إِليه الماء، وكونُه تُرى من ورائه البشرةُ لا يضرُّ، فليست هذه عورة يجب ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 503).

سترها حتى نقول: إن ما يصف البشرة لا يصحُّ المسح عليه. وليس في السُّنَّة ما يدلُّ على اشتراط ستر الرِّجْل في الخُفِّ. وهذا تعليل جَيّدٌ من الشَّافعية. وقال بعض العلماء: إنه لا يُشترطُ أن يكون ساتراً للمفروض (¬1). واستدلُّوا: بأن النُّصوص الواردةَ في المسح على الخُفَّين مُطْلَقةٌ، وما وَرَدَ مُطْلَقاً فإنه يجب أن يبقى على إِطلاقه، وأيُّ أحد من النَّاس يُضيف إِليه قيداً فعليه الدَّليل، وإلا فالواجب أن نُطلق ما أطلقه اللَّهُ ورسولُه، ونقيِّد ما قيَّده الله ورسولُه. ولأن كثيراً من الصَّحابة كانوا فُقَراء، وغالب الفُقراء لا تخلو خفافهم من خُرُوق، فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً من قوم في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم؛ ولم ينبِّه عليه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم، دَلَّ على أنَّه ليس بشرط. وهذا اختيار شيخ الإسلام (¬2). وأما قولهم: إِنَّ ما ظَهَرَ؛ فرضُه الغُسْلُ، فلا يجامع المسحَ، فهذا مبنيٌّ على قولهم: إِنه لا بُدَّ من ستر المفروض، فهم جاؤوا بدليل مبنيٍّ على اختيارهم، واستدلُّوا بالدعوى على نفس المُدَّعَى، فيُقال لهم: مَنْ قال: إِنَّ ما ظَهَرَ؛ فرضُه الغُسْل؟ بل نقول: إِن الخُفَّ إِذا جاء على وفق ما أطلقتْه السُّنَّةُ؛ فما ظَهَرَ من القدم لا يجب غسْلُه، بل يكون تابعاً للخُفِّ، ويُمسحُ عليه. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 405). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 173، 212)، «الاختيارات» ص (13)

ثبت بنفسه

وأما قولهم: لا يجتمع مسحٌ وغُسْلٌ في عضو واحد، فهذا مُنتقضٌ بالجَبيرة إِذا كانت في نصف الذِّراع، فالمسحُ على الجبيرة، والغُسْلُ على ما ليس عليه جبيرة، وعلى تسليم أنَّه لا بُدَّ من ستر كُلِّ القدم نقول: ما ظهر يُغسَلُ، وما استتر بالخُفِّ يُمسحُ كالجبيرة، ولكن هذا غيرُ مُسلَّم، وما اختاره شيخ الإسلام هو الرَّاجح؛ لأن هذه الخفاف لا تسلم غالباً من الخروق، فكيف نشقُّ على النَّاس ونلزمُهم بذلك. ثم إِن كثيراً من النَّاس الآن يستعملون جواربَ خفيفة، ويرونَها مفيدةً للرِّجْل، ويحصُل بها التَّسخينُ، وقد بعث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سريةً، فأصابهم البردُ، فأمرَهم أن يمسحوا على العصائب (يعني العمائم) والتَّساخين (يعني الخِفَاف) (¬1)، والتَّساخين هي الخِفاف؛ لأنها يُقصد بها تسخينُ الرِّجل، وتسخينُ الرِّجْل يحصُلُ من مثل هذه الجوارب. إذاً؛ هذا الشَّرط محل خلاف بين أهل العلم، والصَّحيحُ عدم اعتباره. َثْبُتُ بِنَفْسِهِ ........... قوله: «يَثْبُتُ بنفسه»، أي: لا بُدَّ أن يثبت بنفسه، أو بنعلين فيُمسحُ عليه إِلى خلعهما، وهذا هو الشَّرط الخامس لجواز المسح على الخُفَّين، فإِن كان لا يثبت إِلا بشدِّه فلا يجوزُ المسح عليه. هذا المذهب. فلو فُرِضَ أنَّ رَجُلاً رِجْلُه صغيرةٌ، ولبس خُفَّاً واسعاً لكنَّه ربطه على رجْله بحيث لا يسقط مع المشي، فلا يصحُ المسحُ عليه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (222).

من خف

والصَّحيح: أنه يصحُّ، والدَّليلُ على ذلك أن النُّصوصَ الواردة في المسحِ على الخُفَّين مُطلقةٌ، فما دام أنه يَنْتَفِعُ به ويمشي فيه فما المانع؟ ولا دليل على المنع. وقد لا يجدُ الإِنسانُ إلا هذا الخُفَّ الواسع فيكونُ في منعه من المسح عليه مشقَّة، لكن اليوم ـ الحمد لله ـ كلُّ إنسانٍ يجد ما يريد ..... لكن لو فُرِضَ أنَّ هذا الرَّجُلَ قدمُه صغيرة، وليس عنده إلا هذا الخُفُّ الكبير الواسع وقال: أنا إِذا لَبِسْتُه وشددتُه مشيت، وإن لم أشدُدْهُ سقط عن قدمي، ماذا نقول له؟ نقول: على المذهبِ لا يجوزُ، وعلى القول الرَّاجحِ يجوزُ، ووجه رجحانه أنَّه لا دليل على هذا الشَّرط. فإن قال قائل: ما هو الدَّليلُ على جواز المسح عليه؟ نقولُ: الدَّليلُ عدم الدَّليلِ، أي عدمُ الدَّليلِ على اشتراط أن يَثْبُتَ بنفسه. مِنْ خُفٍّ، ............. قوله: «من خُفٍّ»، من: بيانيَّة لقوله: «طاهر»، فالجارُ والمجرورُ بيان لطاهر، و «من»: إذا كانت بيانيَّة فإِن الجار والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني حال كونه من خُفٍّ. والخُفُّ: ما يكون من الجلد. والجوارب: ما يكون من غير الجلد كالخرق وشبهها، فيجوز المسح على هذا وعلى هذا. ودليل المسح على الجوارب القياس على الخُفِّ، إذ لا

وجورب صفيق

فرق بينهما في حاجة الرِّجْل إليهما، والعِلَّة فيهما واحدة، فيكون هذا من باب الشُّمول المعنوي، أو بالعموم اللفظي كما في حديث: «أن يمسحوا على العصائب والتَّساخين» (¬1). والتَّساخينُ يعمُّ كلَّ ما يُسخِّنُ الرِّجْلَ. وأمَّا «المُوق» فإنه خُفٌّ قصير يُمْسَحُ عليه، وقد ثبت أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مسح على الموقين (¬2). وجَوْرَبٍ صَفِيقٍ، ........... قوله: «وجَوْرَبٍ صفيق»، اشترط المؤلِّفُ أن يكون صفيقاً؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يكون ساتراً للمفروض على المذهب، وغير الصَّفيق لا يستر. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (222). (¬2) رواه أبو داود، كتاب الطَّهارة: باب المسح على الخفين، رقم (153)، والطبراني (1/رقم 1100، 1101)، والحاكم (1/ 170) وصحَّحه عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي عبد الله مولى بني تيم بن مرة، عن أبي عبد الرحمن، عن بلال به مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف. ـ أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن كلاهما مجهول لا يُعرف. ـ شُعبة قد خولف في إسناده. خالفه ابن جريج فرواه عن أبي بكر بن حفص، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي عبد الله به. فيما رواه عبد الرزاق رقم (734). وانظر: «العلل» للدارقطني (7/ 176) رقم (1283)، «تهذيب الكمال» (34/ 32، 43)، «تهذيب التهذيب» (12/ 155). ورواه أحمد (6/ 15)، والطبراني (1/رقم 1112)، وابن خزيمة رقم (189) عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال به مرفوعاً. وهذا إسناد جيد في الظاهر؛ إلا أنه معلول، لأنه قد رواه جماعة عن أيوب فلم يذكروا أبا إدريس الخولاني، وخالفهم حماد فذكره. واختُلف فيه على أوجه أخرى. انظر: «العلل الكبير» للترمذي (1/ 177)، «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 39) رقم (82)، «مسند البزار» رقم (1378)، «العلل» للدارقطني (7/ 182) رقم (1285).

ونحوهما، وعلى عمامة لرجل

وَنَحْوِهِمَا، وعلى عِمَامَةٍ لرجلٍ .......... قوله: «ونحوهما»، أي: مثلهما من كلِّ ما يُلبَسُ على الرِّجْل سواء سُمِّي خُفَّاً، أم جورباً، أم مُوقاً، أم جُرموقاً، أم غير ذلك، فإِنَّه يجوز المسح عليه؛ لأن العِلَّة واحدة ..... قوله: «وعلى عِمَامةٍ لرجُل»، أي ويجوز المسح على عِمَامة الرَّجل، والعِمامةُ: ما يُعمَّمُ به الرَّأس، ويكوَّرُ عليه، وهي معروفةٌ. والدَّليل على جواز المسح عليها حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «مسح بناصيته، وعلى العِمامة، وعلى خُفّيه» (¬1). وقد يُعبَّر عنها بالخِمَار كما في «صحيح مسلم»: «مسح على الخُفَّين والخِمَار» (¬2)، قال: يعني العِمَامة (¬3). ففسَّر الخِمَار بالعِمَامة، ولولا هذا التفسير لقلنا بجواز المسح على «الغُترة»، إِذا كانت مخمِّرة للرَّأس، كما يجوز في خُمُر النِّساء. وقوله: «لرَجُل»، أي: لا للمرأة، وهو أحد شروط جواز المسح على العِمامة، فلا يجوز للمرأة المسحُ على العِمَامة، لأنَّ لبسها لها حرام لما فيه من التشبُّه بالرِّجَال، وقد لعن رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة، رقم (274). (¬2) رواه مسلم، الكتاب والباب السابقين، رقم (275) عن بلال بن رباح رضي الله عنه. (¬3) روى أحمد (6/ 11 ـ 12 ـ 13) من حديث بلال بلفظ: «فيمسح على العمامة والخفين».

محنكة، أو ذات ذؤابة

المتشبهين من الرِّجال بالنِّساء، والمتشبهات من النِّساء بالرِّجال (¬1). ويُشترطُ لها ما يُشترَطُ للخُفِّ من طهارة العين، وأن تكونَ مباحةً، فلا يجوز المسح على عمامةٍ نجسة فيها صورٌ، أو عمامةِ حريرٍ. وقوله: «لرَجُل»، كلمة رَجُل في الغالب تُطلَقُ على البالغ، وهذا ليس بمراد هنا، بل يجوزُ للصبيِّ أن يلبس عِمامةً ويمسحَ عليها. وكلمة «ذَكَر» تُطْلَقُ على ما يُقابل الأنثى. مُحَنَّكَةٍ، أَوْ ذَاتِ ذُؤَابَةٍ ........... قوله: «محنَّكة أو ذات ذؤابة»، هذا هو الشَّرط الثَّاني لجواز المسح على العِمَامة، فالمحنَّكة هي التي يُدار منها تحت الحنك، وذات الذؤابة هي التي يكون أحد أطرافها متدلِّياً من الخلف، وذات: بمعنى صاحبة. فاشترط المؤلِّفُ للعِمامة شرطين: الأول: أن تكون لرَجُل. الثاني: أن تكون محنَّكة، أو ذات ذؤابة. مع اشتراط أن تكون مباحة، وطاهرة العين. والدَّليل على اشتراط التَّحنيك، أو ذات الذؤابة: أنَّ هذا هو الذي جرت العادةُ بلبسه عند العرب ..... ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال، رقم (5885) من حديث ابن عباس.

وعلى خمر نساء

ولأن المحنَّكة هي التي يَشقُّ نزعها، بخلاف المُكوَّرة بدون تحنيك. وعارض شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الشرط (¬1)، وقال: إِنَّه لا دليل على اشتراط أن تكون محنَّكة، أو ذات ذؤابة. بل النصُّ جاء: «العِمامة» (¬2) ولم يذكر قيداً آخر، فمتى ثبتت العِمَامة جاز المسحُ عليها. ولأنَّ الحكمة من المسح على العِمَامة لا تتعيَّنُ في مشقَّة النَّزع، بل قد تكون الحكمةُ أنَّه لو حرَّكها ربما تَنْفَلُّ أكوارُها. ولأنَّه لو نَزَع العِمَامة، فإِن الغالب أنَّ الرَّأس قد أصابه العرقُ والسُّخونَة فإِذا نزعها، فقد يُصاب بضررٍ بسبب الهواء؛ ولهذا رُخِّصَ له المسح عليها. ولا يجب أن يَمسحَ ما ظهر من الرَّأس، لكن قالوا: يُسَنَّ أن يمسحَ معها ما ظهر من الرَّأس؛ لأنَّه سيظهر قليلٌ من النَّاصية ومن الخلف غالباً؛ فيجب المسح عليها، ويستحب المسح على ما ظَهَرَ. وعلى خُمُر نِسَاءٍ ............. قوله: «وعلى خُمُر نساءٍ»، أي ويجوزُ المسحُ على خُمُرِ نساءٍ. خُمُرِ: جمع خِمَار، وهو مأخوذٌ من الخُمْرة، وهو ما يُغطَّى به الشيءُ. فخِمَار المرأة: ما تُغطِّي به رأسها. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 186، 187)، «الاختيارات» ص (14). (¬2) تقدم تخريجه، ص (236).

واختلف العلماء في جواز مسح المرأة على خمارها. فقال بعضهم: إِنه لا يجزئ (¬1) لأن الله تعالى أمر بمسح الرَّأس في قوله: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، وإِذا مَسَحَتْ على الخمار فإِنها لم تمسح على الرَّأس؛ بل مسحت على حائل وهو الخمار فلا يجوز. وقال آخرون بالجواز، وقاسوا الخِمَار على عِمَامة الرَّجُل، فالخِمَار للمرأة بمنزلة العِمَامة للرَّجُل، والمشقَّة موجودة في كليهما. وعلى كُلِّ حالٍ إِذا كان هناك مشقَّة إِما لبرودة الجوِّ، أو لمشقَّة النَّزع واللَّفّ مرَّة أخرى، فالتَّسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأوْلى ألاَّ تمسح ولم ترد نصوصٌ صحيحة في هذا الباب (¬2) ..... ولو كان الرَّأس ملبَّداً بحنَّاء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك فيجوز المسح؛ لأنه ثبت أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في إحرامه ملبِّداً رأسَه (¬3) فما وُضع على الرَّأس مِنَ التَّلبيد فهو تابع له. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 387). (¬2) روى ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات: في المرأة تمسح على خمارها، رقم (249) بإِسناد حسن عن الحسن البصري عن أم سلمة أنها كانت تمسح على الخمار. قال علي بن المديني: رأى الحسن أم سلمة ولم يسمع منها. «جامع التحصيل» ص (163). (¬3) ن حديث ابن عمر.

مدارة تحت حلوقهن

وهذا يدلُّ على أن طهارة الرَّأس فيها شيء من التَّسهيل. وعلى هذا؛ فلو لبَّدت المرأة رأسها بالحِنَّاء جاز لها المسحُ عليه، ولا حاجة إلى أن تنقض رأسَها، وتَحُتُّ هذا الحنَّاء. وكذا لو شدَّت على رأسها حُليًّا وهو ما يُسمّى بالهامة، جاز لها المسحُ عليه؛ لأننا إِذا جوَّزنا المسح على الخمار فهذا من باب أَوْلَى. وقد يُقال: إن له أصلاً وهو الخاتم، فالرَّسول (ص) كان يلبس الخاتم (¬1) ومع ذلك فإِنَّه قد لا يدخل الماءُ بين الخاتم والجلد، فمثل هذه الأشياء قد يُسامِحُ فيها الشَّرع، ولا سيما أن الرَّأس من أصله لا يجب تطهيرُه بالغسل، وإنما يطهرُ بالمسح، فلذلك خُفِّفَتْ طهارتُه بالمسح. وقوله: «على خُمر نساء»، يفيد أنَّ ذلك شرطٌ، وهو أن يكون الخمارُ على نساء. مُدَارَةٍ تَحت حُلُوقِهِنَّ ............ قوله: «مُدَارةٍ تحت حُلُوقِهن»، هذا هو الشَّرط الثَّاني، فلا بُدَّ أن تكون مدارةً تحت الحلق، لا مطلقةً مرسلةً؛ لأن هذه لا يشقُّ نزعُها بخلافِ المُدارةِ. وهل يُشترطُ لها توقيت كتوقيت الخُفِّ؟ فيه خلاف. والمذهب أنَّه يُشترط، وقال بعض العلماء: لا يُشترط، لأنه لم يثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه وقَّتها، ولأنَّ طهارة العُضوِ التي هي عليه أخفُّ من طهارة الرِّجْلِ، فلا يمكن إِلحاقُها بالخُفِّ، فإِذا كان ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (209).

في حدث أصغر

عليكَ فامسح عليها، ولا توقيتَ فيها، وممن ذهب إلى هذا القول: الشَّوكاني في «نيل الأوطار» (¬1)، وجماعة من أهل العلم (¬2). فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ، ............ قوله: «في حَدَثٍ أصغر»، الحَدَث: وصفٌ قائمٌ بالبَدَن يمنع من الصَّلاة ونحوها مما تُشترط له الطَّهارة. وهو قسمان: .... الأول: أكبر وهو ما أوجب الغسل. الثاني: أصغر وهو ما أوجب الوُضُوء. فالعِمامةُ، والخُفُّ، والخِمارُ، إِنما تمسحُ في الحَدَث الأصغر دون الأكبر، والدَّليل على ذلك حديث صفوان بن عَسَّال قال: «أمَرنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذا كُنَّا سَفْراً ألاَّ ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم» (¬3). فقوله: «إلا من جنابة»، يعني به الحدَثَ الأكبر. وقوله: «ولكن من غائط وبول ونوم»، هذا الحدث ¬

_ (¬1) انظر: «نيل الأوطار» (1/ 205، 206). (¬2) انظر: «المحلى» (2/ 65). (¬3) رواه أحمد (4/ 239، 240)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب الوضوء من الغائط والبول، وباب الوضوء من الغائط، (1/ 98) رقم (158، 159)، والترمذي، كتاب الطهارة: باب ما جاء في المسح على الخفين للمسافر رقم (96)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (478). والحديث صحّحه: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والنَّووي، وابن حجر. انظر: «المحرر» رقم (67)، «الخلاصة» رقم (245)، «الفتح» شرح حديث رقم (206).

وجبيرة

الأصغر. فلو حصل على الإِنسان جنابة مدَّةَ المسح فإنه لا يمسح، بل يجب عليه الغُسلُ؛ لأنَّ الحدث الأكبر ليس فيه شيء ممسوح، لا أصلي ولا فرعي، إلا الجبيرة كما يأتي. تنبيه: تَبيَّنَ مما سبق أن لهذه الممسوحات الثلاثة: الخُفّ والعِمامة والخِمار شروطاً تتفق فيها؛ وشروطاً تختصُّ بكل واحد. فالشُّروط المتفقة هي: 1 ـ أن تكون في الحدث الأصغر. 2 ـ أن يكون الملبوس طاهراً. 3 ـ أن يكون مباحاً. 4 ـ أن يكون لبسها على طهارة. 5 ـ أن يكون المسح في المدَّة المحددة. هذا ما ذكره المؤلِّفُ وقد عرفت الخلاف في بعضها. وأما الشُّروط المختلفة فالخفُّ يُشتَرطُ أن يكون ساتراً للمفروض، ولا يُشتَرَطُ ذلك في العِمَامة والخِمَار، والعِمَامة يُشترَطُ أن تكونَ على رَجُلٍ، والخِمَار يُشترَط أن يكون على أنثى، والخُفُّ يجوزُ المسح عليه للذُّكور والإِناث. وجَبِيرَةٍ، ........... قوله: «وجبيرة»، أي: ويجوز المسحُ على جبيرةٍ، والجبيرة: فعيلة بمعنى فاعلة، وهي أعوادٌ توضعُ على الكسرِ ثم يُرْبَطُ عليها ليلتئمَ. والآن بدلها الجبسُ. وأما «جبير» بالنسبة للمكسور فهو بمعنى مفعول أي مجبورٌ.

لم تتجاوز قدر الحاجة، ولو في أكبر

ويُسمَّى الكسيرُ جبيراً من باب التفاؤل، كما يُسمَّى اللَّديغُ سليماً مع أنه لا يُدرى هل يسلم أم لا؟ وتُسمَّى الأرضُ التي لا ماء فيها ولا شجر مَفَازة من باب التَّفاؤل ..... لَمْ تَتَجَاوزْ قَدْرَ الحَاجَةِ، ولو فِي أكْبَرَ ........ قوله: «لم تتجاوز قَدْرَ الحاجة»، هذا أحدُ الشُّروطِ، وتتجاوز: أي تتعدَّى. والحاجة: هي الكسر، وكلُّ ما قَرُبَ منه مما يُحتاجُ إليه في شدِّها. فإِذا أمكن أن نجعل طول العيدان شبراً، فإِنَّنا لا نجعلُها شبراً وزيادة، لعدم الحاجة إلى هذا الزَّائد. وكذا إذا احتجنا إلى أربطةٍ غليظة استعملناها، وإلا استعملنا أربطةً دقيقة. وإِذا كان الكسر في الأصبع واحتجنا أن نربط كلَّ الرَّاحة لتستريحَ اليدُ جاز ذلك لوجود الحاجة. فإِن تجاوزت قَدْرَ الحاجة، لم يُمسح عليها، لكن إِن أمكن نزعُها بلا ضرر نُزِعَ ما تجاوز قدَر الحاجةِ، فإِنْ لم يُمكنْ فقيل: يمسح على ما كان على قدر الحاجةِ ويتيمَّم عن الزَّائد (¬1). والرَّاجح أنه يمسحُ على الجميعِ بلا تيمُّم؛ لأنَّه لما كان يتضرَّرُ بنزع الزَّائدِ صار الجميع بمنزلةِ الجَبيرة. قوله: «ولو في أكبر»، لو: لرفع التَّوهُّمِ، لأنه في العِمَامة ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 426).

والخِمارِ والخُفَّين قال: «في حدث أصغر»، ولو لم يقل هنا «ولو في أكبر» لتوهَّمَ متوهِّمٌ أن المسحَ عليها في الحدث الأصغر فقط مع أنَّه يجوز المسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر. وذلك لوجوه: 1 ـ حديث صاحب الشّجَّة ـ بناءً على أنه حديث حسن، ويُحتَجُّ به ـ فإِن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِنمَّا كان يكفيه أن يتيمَّمَ؛ ويعصِبَ على جُرحه خِرقةً ثم يمسح عليها» (¬1). وهذا في الحدث الأكبر، لأن الرَّجل أجنب. 2 ـ أن المسح على الجبيرة من باب الضَّرورة، والضَّرورة لا فرق فيها بين الحدث الأكبر والأصغر، بخلاف المسح على الخفين فهو رخصة. 3 ـ أنَّ هذا العضو الواجبَ غسلُه سُتِرَ بما يسوغُ ستره به شرعاً فجاز المسحُ عليه كالخُفَّين ..... ¬

_ (¬1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب في المجروح يتيمَّم، رقم (336)، والدارقطني (1/ 189) رقم (719)، والبيهقي (1/ 227). وصحّحه ابن السكن، وقال ابن الملقن: «رجاله ثقات»! قال أبو بكر بن أبي داود: «لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خُريق، وليس بالقوي». قال البيهقي: «ليس هذا الحديث بالقوي». قال عبد الحق الإِشبيلي: «لا يُروى الحديث من وجه قوي». وكذلك ضعفه النووي. وقال ابن حجر: «رواه أبو داود بسندٍ فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته». انظر: «الأحكام الوسطى» (1/ 223)، «الخلاصة» رقم (580)، «التلخيص الحبير» رقم (210)، «البلوغ» رقم (136). _

4 ـ أنَّ المسحَ وردَ التعبُّد به من حيثُ الجُملةُ، فإذا عجزنا عن الغسل انتقلنا إلى المسح كمرحلة أخرى. 5 ـ أنَّ تطهير محلِّ الجبيرة بالمسح بالماء، أقرب إلى الغسل من العدول إلى التيمُّم، والأحاديث في المسح على الجبيرة وإن كانت ضعيفة إلا أن بعضها يجبر بعضاً. ثم إِننا يمكن أن نقيسها ولو من وَجْهٍ بعيد على المسح على الخُفَّين، فنقول: إِنَّ هذا عضو مستور بما يجوز لُبْسُه شرعاً فيكون فرضُه المسحُ. وهذا القياسُ وإِن كان فيه شيءٌ من الضَّعف من جهة أن المسح على الخفَّين رخصةٌ ومؤقَّتٌ، والمسحُ على الجبيرةِ عزيمةٌ وغير مُؤقَّت، والمسحُ على الخُفَّين يكون في الحدث الأصغر، وهذا في الأصغر والأكبر، والمسحُ على الخُفَّين يكون على ظاهر القدم، وهذا يكون على جميعها، ولكن مع ما في هذا القياس من النَّظر إِلا أنه قويٌّ من حيث الأصلُ، وهو أنَّه مستورٌ بما يسوغُ ستره به شرعاً فجاز المسح عليه كالخُفَّين، وهذا ما عليه جمهور العلماء. وقال بعضُ العلماء ـ كابن حزم ـ لا يمسحُ على الجبيرة (¬1)؛ لأنَّ أحاديثها ضعيفةٌ، ولا يَرَى أنه ينجبر بعضها ببعض، ولا يَرَى القياس. واختلف القائلون بعدم جواز المسح. فقال بعضهم: إِنه يسقطُ الغُسْل إِلى بدل، وهو التيمُّم (¬2) بأن ¬

_ (¬1) انظر: «المحلى» (2/ 74). (¬2) انظر: «نيل الأوطار» (1/ 324).

يِغْسِلَ أعضاءَ الطَّهارةِ ويتيمَّمَ عن الموضع الذي فيه الجبيرة، لأنَّه عاجزٌ عن استعمال الماء، والعجز عن البعض كالعجز عن الكُلِّ فيتيمَّم. وقال آخرون: إنه لا يتيمَّمُ، ولا يمسحُ (¬1)؛ لأنه عجز عن غسل هذا العضو فسقط كسائر الواجبات، وهذا أضعفُ الأقوال أنه يسقط الغسلُ إلى غير تيمُّمٍ، ولا مسح، لأنَّ العضو موجود ليس بمفقود حتى يسقط فرضه، فإذا عجز عن تطهيره بالماء تطهر ببدله. ورُبَّما يعمُّه قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، وهذا مريضٌ؛ لأن الكسر أو الجُرحَ نوعٌ من المرض فجاز فيه التيمُّمُ ..... وإذا قُلنا: لا بُدَّ من التيمُّم أو المسح، فإِن المسح أقرب إلى الطَّهارة بالماء، لأنه طهارة بالماء، وذاك طهارة بالتُّراب. وأيضاً: التيمُّم قد يكون في غير محلِّ الجبيرة؛ لأن التيمُّم في الوجه والكفَّين فقط، والجبيرة قد تكون ـ مثلاً ـ في الذِّراع أو السَّاق. فأقرب هذه الأقوال: جواز المسح عليها. وهل يُجمعُ بين المسحِ والتيمُّم؟ قال بعض العلماء: يجبُ الجمعُ بينهما احتياطاً (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: «المحلَّى» (2/ 74، 75). (¬2) انظر: «الإنصاف» (1/ 425).

إلى حلها،

والصَّحيح: أنَّه لا يجب الجمعُ بينهما؛ لأن القائلين بوجوب التيمُّم لا يقولون بوجوب المسح، والقائلين بوجوب المسح لا يقولون بوجوب التيمُّم؛ فالقول بوجوب الجمع بينهما خارج عن القولين. ولأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالفٌ للقواعد الشرعيَّة؛ لأنَّنا نقول: يجب تطهير هذا العضو إما بكذا أو بكذا. أما إيجاب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظير له في الشَّرع، ولا يُكلِّف الله عبداً بعبادتين سببُهما واحد. قال العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ: إن الجُرحَ ونحوَه إِما أن يكون مكشوفاً، أو مستوراً. فإِن كان مكشوفاً فالواجبُ غسلُه بالماء، فإِن تعذَّر فالمسحُ، فإِن تعذَّر المسحُ فالتيمُّمُ، وهذا على الترتيب. وإن كان مستوراً بما يسوغُ ستره به؛ فليس فيه إلا المسحُ فقط، فإِن أضره المسحُ مع كونه مستوراً، فيعدل إلى التيمُّم، كما لو كان مكشوفاً، هذا ما ذكره الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة. إِلى حَلِّهَا، ............ قوله: «إِلى حَلِّها»، بفتح الحاء أي: إِزالتها، وكسر الحاء لحنٌ فاحشٌ يغيِّر المعنى؛ لأنه بالكسر يكون المعنى إلى أن تكون حلالاً، وهذا يفسدُ المعنى، فيمسحُ على الجبيرة إِلى حَلِّها إِمَّا ببرء ما تحتها، وإِمَّا لسبب آخر. فإذا برئ الجرحُ وجب إِزالتها؛ لأن السببَ الذي جاز من أجله وضعُ الجبيرة والمسحُ عليها زال، وإِذا زال السبب انتفى المُسبَّب .....

إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة

إِذَا لَبِسَ ذلك بَعْدَ كَمَال الطهارةِ. قوله: «إِذا لَبِسَ ذلك»، المشارُ إليه الأنواع الأربعة: الخُفُّ، والعِمامةُ، والخِمارُ، والجبيرةُ. قوله: «بعد كمال الطَّهارة»، لم يقلْ: بعد الطَّهارة حتى لا يتجوَّز متجوِّزٌ، فيقول: بعد الطَّهارة، أي: بعد أكثرها. فلو أنَّ رَجُلاً عليه جنابةٌ وغسل رجليه، ولبس الخُفَّين، ثم أكمل الغسل لم يجزْ؛ لعدم اكتمال الطَّهارة. صحيحٌ أن الرِّجلين طهُرتا، لأن الغسل من الجنابة لا ترتيب فيه، لكن لم تكتمل الطهارة. ولو توضَّأ رَجُلٌ ثم غسل رِجْلَه اليُمنى، فأدخلها الخُفَّ، ثم غسل اليُسرى؛ فالمشهورُ من المذهب: عدمُ الجواز، لقوله: «إذا لَبِسَ ذلك بعد كمال الطَّهارة»، فهو لمَّا لبس الخُفَّ في الرِّجْلِ اليُمنى لبسها قبل اكتمال الطَّهارة لبقاء غسل اليُسرى، فلا بُدَّ من غسل اليُسرى قبل إِدخال اليُمنى الخُفَّ. ودليل هذا القول: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين» (¬1). فقوله: «طاهرتين» وصفٌ للقدمين، فهل المعنى أدخلتُ كلَّ واحدة وهما طاهرتان، فيكون أدخلهما بعد كمال الطهارة. أو أن المعنى: أدخلتُ كُلَّ واحدة طاهرة، فتجوز الصُّورة التي ذكرنا؟ هذا محتمل. واختار شيخ الإِسلام: أنه يجوز إِذا طَهَّر اليُمنى أن يلبسَ الخفَّ، ثم يطهِّر اليسرى، ثم يلبس الخُفَّ (¬2). ¬

_ (¬1) تقدَّم تخريجه، ص (229). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 209، 210)، «الاختيارات» ص (14).

وقال: إنه أدخلهما طاهرتين، فلم يُدخل اليُمنى إلا بعد أن طهَّرها، واليُسرى كذلك، فيصدقُ عليه أنه أدخلهما طاهرتين. وعلى المذهب: لو أن رجلاً فعل هذا، نقول له: اخلع اليمنى ثم البسها؛ لأنَّك إذا لبستها بعد خلعها لبستها بعد كمال الطَّهارة. ورُبَّما يُقال: هذا نوعٌ من العبث؛ إذ لا معنى لخلعها ثم لبسها مرَّةً أخرى؛ لأن هذا لم يؤثِّر شيئاً، ما دام أنه لا يجب إعادة تطهير الرِّجْل فقد حصل المقصودُ. ولكن روى أهلُ السُّنن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رَخَّصَ للمقيم إِذا توضَّأ فلبس خُفّيه أن يمسح يوماً وليلة (¬1) ..... فقوله: «إِذا توضَّأ» قد يُرَجِّح المشهورَ من المذهب؛ لأن مَنْ لم يغسل الرِّجل اليسرى لم يصدق عليه أنه توضَّأ. وهذا ما دام هو الأحوط فسلوكه أَوْلى، ولكن لا نجسُر على رَجُلٍ غسلَ رِجْلَه اليمنى ثم أدخلها الخفَّ، ثم غسل اليسرى ثم أدخلها الخُفَّ أن نقولَ له: أعدْ صلاتك ووضوءك، لكن نأمر من لم يفعل ألا يفعل احتياطاً. ¬

_ (¬1) رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر، رقم (556)، وابن خزيمة رقم (192)، وابن حبان رقم (1324) وغيرهم، عن أبي بكرة. والحديثُ صَحَّحه: الشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والخطّابي، والنووي وغيرُهم، وحَسَّنه البخاري. انظر: «الخلاصة» رقم (247)، «التلخيص الحبير» رقم (216).

وأما اشتراط كمال الطَّهارة في الجبيرة، فضعيفٌ لما يأتي: الأول: أنه لا دليل على ذلك، ولا يصحُّ قياسُها على الخُفَّين لوجود الفروق بينهما. الثاني: أنها تأتي مفاجأةً، وليست كالخُفِّ متى شئت لبسته. وعدم الاشتراط هو اختيار شيخ الإسلام (¬1)، ورواية قويَّة عن أحمد اختارها كثيرٌ من الأصحاب (¬2). ويكون هذا من الفروق بين الجبيرة والخُفِّ. ومن الفروق أيضاً بين الجبيرة وبقيَّة الممسوحات: 1 ـ أن الجبيرة لا تختصُّ بعضوٍ معيَّن، والخُفُّ يختصُّ بالرِّجْلِ، والعِمَامة والخِمَار يختصَّانِ بالرَّأسِ. وبهذا نعرف خطأَ من أفتى أن المرأةَ يجوز لها وضع «المناكير» لمدَّة يوم وليلة؛ لأن المسح إِنما ورد فيما يُلبس على الرَّأس والرِّجْلِ فقط، ولهذا لما كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في تبوك عليه جُبَّةٌ شاميَّةٌ وأراد أن يُخرِجَ ذراعيْه من أكمامه ليتوضَّأ، فلم يستطعْ لضيق أكمامِه، فأخرج يده من تحت الجُبَّة، وأَلقَى الجُبَّةَ على منكبيه، حتى صبَّ عليه المغيرةُ رضي الله عنه (¬3)، ولو كان المسح جائزاً على غير القدم والرَّأس، لمسح النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في مثل هذا الحال على كُمَّيهِ. 2 ـ أن المسحَ على الجبيرة جائزٌ في الحَدَثين، وباقي .... ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 179)، «الاختيارات» ص (15). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (1/ 387، 388). (¬3) تقدم تخريجه، ص (229) من حديث المغيرة بن شعبة.

ومن مسح في سفر، ثم أقام، أو عكس

الممسوحات لا يجوز إلا في الحدث الأصغر. 3 ـ أن المسح على الجبيرة غيرُ مؤقَّت، وباقي الممسوحات مؤقّتةٌ، وسبقَ الخلافُ في العِمَامة (¬1). 4 ـ أنَّ الجبيرةَ لا تُشترطُ لها الطَّهارةُ ـ على القول الرَّاجح ـ وبقيَّةُ الممسوحات لا تُلبسُ إلا على طهارة، على خلاف بين أهلِ العلمِ في اشتراطِ الطهارة بالنسبة للعِمَامة والخِمارِ (¬2). وَمَنْ مسحَ في سَفَرٍ، ثُمَّ أقَامَ، أوْ عَكَسَ، ........... قوله: «ومن مسحَ في سَفَر، ثم أقام»، من مَسَحَ في سَفَرٍ ثم أقام، فإِنَّه يُتمُّ مسحَ مقيم إِن بقيَ من المدَّة شيءٌ، وإِن انتهت المدَّةُ خَلَعَ. مثاله: مسافرٌ أقبلَ على بلده وحان وقتُ الصَّلاة، فمسحَ ثم وصل إلى البلد، فإِنَّه يُتمُّ مسحَ مقيمٍ؛ لأن المسحَ ثلاثة أيَّام لمن كان مسافراً والآن انقطع السَّفرُ، فكما أنَّه لا يجوزُ له قَصْرُ الصَّلاة لمَّا وصلَ إلى بلده، فكذا لا يجوز له أن يتمَّ مَسْحَ مسافرٍ. فإن كان مضى على مسحه يومٌ وليلة، ثم وصلَ بلدَه فإِنه يخلعُ، وإِن مضى يومان خَلَعَ، وإن مضى يومٌ بقي له. قوله: «أو عَكَسَ»، أي: مسح في إقامة ثم سافر، فإنه يتمَّ مسح مقيم تغليباً لجانب الحظر احتياطاً. مثاله: مسح يوماً وهو مقيم، ثم سافر، فإنه يبقى عليه ليلة، ¬

_ (¬1) انظر: ص (241). (¬2) انظر: «الإنصاف» (1/ 387، 388).

وما بعد الليلة اجتمع فيه مبيحٌ وحاظرٌ، فالسَّفَر يبيحه والحَضَر يمنعه، فيُغَلَّبُ جانبُ الحظر احتياطاً؛ لأنك إذا خلعت وغسلت قدميك فلا شُبهة في عبادتك، وإن مسحت ففي عبادتك شُبهة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «دَعْ ما يَريْبُك إلى ما لا يَرِيبُك» (¬1). والرِّواية الثانية عن أحمد: أنه يُتِمُّ مسح مسافر؛ لأنَّه وُجِدَ السَّببُ الذي يستبيح به هذه المدَّة، قبل أن تنتهي مُدَّة الإِقامة، أما لو انتهت مُدَّةُ الإقامة كأن يتمَّ له يومٌ وليلة؛ ثم يسافر بعد ذلك قبل أن يمسح؛ ففي هذه الحال يجب عليه أن يخلعَ (¬2). وهذه الرِّواية قيل: إِن أحمد رحمه الله رجع إليها (455)، وهذه رواية قويَّة. مسألة: إذا دخل عليه الوقت ثم سافر، هل يُصلِّي صلاة مسافر أو مقيم؟ .... المذهب: يُصلِّي صلاة مقيم. والصَّحيح: أنه يُصلِّي صلاة مسافر. فهذه المسألة قريبة من هذه؛ لأنَّه الآن صَلَّى وهو مسافر، وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء: 101]. كما أنه إذا دخل عليه الوقتُ وهو مسافر، ثم وصل بلده فإنه يُتمُّ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (32). (¬2) انظر: «الإنصاف» (1/ 302، 403).

أو شك في ابتدائه، فمسح مقيم، وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر، ولا يمسح قلانس

أوْ شَكَّ في ابْتِدائِهِ، فَمَسْحَ مُقِيْمٍ، وإِنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ مَسْحِهِ فَمَسْحَ مُسَافِرٍ، ولا يَمْسَحُ قَلاَنِسَ، ......... قوله: «أو شَكَّ في ابتدائه ... »، يعني هل مَسَحَ وهو مسافرٌ أو مسحَ وهو مقيمٌ؟ فإِنه يُتمُّ مسح مقيم احتياطاً، وهو المذهب. وبناءً على الرِّواية الثَّانية ـ في المسألة السَّابقة ـ يتمُّ مسح مسافر؛ لأنَّ هذه الرِّواية الثَّانية يُباح عليها أن يُتمَّ مسح مسافر، ولو تيقن أنه ابتدأ المسح مقيماً. والصَّحيح في هذه المسائل الثلاث: أنَّه إِذا مسح مسافراً ثم أقام فإنه يتمُّ مسح مقيم، وإذا مسح مقيماً ثم سافر أو شَكَّ في ابتداء مسحه فإِنه يُتمُّ مسح مسافر، ما لم تنته مُدَّة الحضر قبل سفره، فإِن انتهت فلا يمكن أن يمسح. قوله: «وإن أحْدَث ثم سافر قبل مَسْحه فَمَسْحَ مسافرٍ»، أي: أحدث وهو مقيمٌ، ثم سافر قبل أن يمسحَ، فإِنَّه يمسحُ مسحَ مسافرٍ؛ لأنَّه لم يبتدئ المسحَ في الحضر، وإِنَّما كان ابتداء مسحه في السَّفر. وعلى هذا يتبيَّن لنا رُجحان القول الذي اخترناه من قبل: بأنَّ ابتداءَ مُدَّة المسحِ من المسح لا من الحَدَث، وَهُمْ هُنَا قد وافقوا على أنَّ الحُكم معلَّقٌ بالمسح لا بالحَدَث، ويُلزمُ الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أن يقولوا بالقول الرَّاجح؛ أو يطردوا القاعدة، ويجعلوا الحكم منوطاً بالحَدَث، ويقولوا: إِذا أحدثَ ثم سافر، ومسحَ في السَّفر، فيلزمُه أن يمسحَ مسحَ مقيمٍ؛ وإِلا حصلَ التَّناقض ..... قوله: «ولا يَمْسَحُ قَلانس»، القلانس جمع قَلَنْسُوَة، نوع من اللباس الذي يُوضع على الرَّأس، وهي عبارة عن طاقيَّة كبيرة،

ولا لفافة،

فمثل هذا النوع لا يجوزُ المسحَ عليه؛ لأن الأصلَ وجوبُ مسح الرَّأس لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6]. وعَدَل عن الأصل في العِمَامة، لورود النَّصِّ بها. وقال بعض الأصحاب: يمسحُ على القَلانس، إِذا كانت مثل العِمَامة يشقُّ نزعُها (¬1)، أمَّا ما لا يشقُّ نزعُه كالطاقيَّة المعروفة فلا يمسح عليها. ففرَّق بين ما يشقُّ نزعه وما لا يشقُّ. وهذا القول قويٌّ، لأنَّ الشَّارع لا يفرِّق بين متماثلين كما أنه لا يجمع بين متفرقين (¬2)؛ لأن الشَّرع من حكيمٍ عليم، والعِبْرة في الأمور بمعانيها، لا بصورها. وما دام أن الشَّرع قد أجاز المسحَ على العِمَامة، فكلُّ ما كان مثلها في مشقَّة النَّزع فإِنه يُعطى حكمَها. ولاَ لِفَافَةَ، ............ قوله: «ولا لِفَافة»، أي: في القَدَم، فلا يمسح الإِنسان لِفافة لفَّها على قدمه؛ لأنَّها ليست بخُفٍّ فلا يشملُها حكمُه. وكان النَّاس في زمنٍ مضى في فاقةٍ وإعواز، لا يجدون خُفًّا، فيأخذ الإِنسانُ خِرقة ويلفُها على رجله ثم يربطُها. وعلَّة عدم الجواز أنَّ الأصلَ وجوبُ غسل القدم، وخولِفَ هذا الأصل في الخُفِّ لورود النَّصِّ به، فيبقى ما عداه على الأصل. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 385، 386). (¬2) وقال شيخنا رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (11/ 170): «وأما ما يلبس في أيام الشتاء من القبع الشامل للرأس والأذنين، والذي قد يكون في أسفله لفة على الرقبة، فإِن هذا مثل العمامة لمشقة نزعه فيمسح عليه».

ولا ما يسقط من القدم

واختار شيخ الإسلام رحمه الله جوازَ المسح على اللِّفافةِ (¬1)، وهو الصَّحيحُ؛ لأن اللِّفَافة يُعذَرُ فيها صاحبُها أكثر من الخُفِّ؛ لأنَّ خلعَ الخُفِّ ثم غسل الرِّجْل، ثم لبْسَ الخُفِّ أسهل من الذي يَحُلُّ هذه اللِّفافة ثم يعيدها مرَّة أخرى، فإِذا كان الشَّرع أباح المسح على الخُفِّ، فاللِّفافة من باب أولى. وأيضاً: فإِن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر السَّريَّة التي بعثها بأن يمسحوا على العصائب والتَّساخين (¬2) ..... فنأخذ من كلمة «التَّساخين» جواز المسح على اللِّفافة؛ لأنَّه يحصُل بها التَّسخين. والغرض الذي من أجله تُلبس الخِفَاف موجودٌ في لبس اللِّفافة. ولا مَا يَسْقُطُ مِنَ القَدَمِ، ......... قوله: «ولا ما لا يسقط من القَدَم»، يعني: ولا يمسح ما يسقط من القَدَم، وهذا بناءً على أنه يُشترط لجواز المسح على الخُفِّ ثبوتُه بنفسه، أو بنعلين إلى خلعهما؛ لأن ما لا يثبت خُفٌّ غيرُ معتاد؛ فلا يشمله النصُّ، والنَّاس لا يلبسون خِفافاً تسقط عند المشي، ولا فائدة في مثل هذا، وهذا ظاهرٌ فيمن يمشي فإِنَّه لا يلبسه. لكن لو فُرض أن مريضاً مُقْعَداً لَبِسَ مثل هذا الخُفِّ للتدفئة، فلا يجوز له المسح على كلام المؤلِّف. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 185)، «الاختيارات» ص (13). (¬2) تقدم تخريجه، ص (222).

أو يرى منه بعضه، فإن لبس خفا على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني

ولأنَّ الذي يسقط من القَدَم سيكون واسعاً، وإخراج الرِّجْلِ من هذا الخُفِّ سهلٌ، فيخرجها ثم يغسلها، ثم ينشِّفها ثم يردُّها. أو يُرَى منه بَعْضُهُ، فإِن لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ قَبْلَ الحدثِ فالحكمُ للفوقاني ............ قوله: «أو يُرى منه بعضُه»، أي: إِذا كان الخُفُّ يُرى منه بعضُ القَدَم فإِنه لا يُمسح ولو كان قليلاً، وهذا مبنيٌّ على ما سبق من اشتراط أن يكون الخُفُّ ساتراً للمفروض. وسواء كان يُرى من وراء حائل؛ مثل أن يكون خفيفاً؛ أو من البلاستيك، أم من غير حائل. فلو فُرِضَ أن في الخُفِّ خَرقاً قَدْرَ سَمِّ الخِيَاطِ، أو كان جزء منه عليه بلاستيك يُرى من ورائه القَدَم؛ فالمذهب أنَّه لا يجوز المسح عليه. وسبق بيان أن الصَّحيح جواز ذلك (¬1). قوله: «فإِن لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ قبل الحَدَث فالحُكم للفوقاني»، وهذا يقع كثيراً كالشُّراب والكنادر، فهذا خُفٌّ على جَورب. ولا يجوز المسح عليهما إِن كانا مَخْرُوقين على المذهب، ولو سَتَرَا؛ لأنَّه لو انفرد كلُّ واحد منهما لم يجز المسح عليه، فلا يمسح عليهما ..... ¬

_ (¬1) انظر: ص (232، 233).

مثاله: لو لَبِسَ خُفَّين أحدُهما مخروق من فوق، والآخر مخروق من أسفل، فالسَّتر الآن حاصل، لكن لو انفرد كلُّ واحد لم يجز المسحُ عليه فلا يجوز المسح عليهما. ولو كانا سليمين جاز المسحُ عليهما، لأنَّه لو انفرد كلُّ واحد منهما جاز المسح عليه. والصَّحيح: جواز المسح عليهما مطلقاً، بناءً على أنه لا يُشترط سترُ محلِّ الفرض ما دام اسم الخُفِّ باقياً. وإِذا لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ على وجه يصحُّ معه المسحُ، فإِن كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني، وإن كان بعد الحدث فالحكم للتحتاني، فلو لَبِسَ خفًّا ثم أحدث، ثم لبس خُفًّا آخر فالحكم للتحتاني، فلا يجوزُ أن يمسح على الأعلى. فإِن لَبِسَ الأعلى بعد أن أحدث، ومسح الأسفل فالحكم للأسفل، كما لو لبس خُفًّا ثم أحدث، ثم مسح عليه، ثم لبس خفًّا آخر فوق الأوَّل وهو على طهارةِ مَسْحٍ عند لبسه للثاني، فالمذهب أنَّ الحكم للتَّحتاني؛ لأنَّه لبس الثاني بعد الحَدَث. وقال بعض العلماء: إِذا لبس الثَّاني على طهارة؛ جاز له أن يمسح عليه (¬1)؛ لأنه يصدق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإني أدخلتهما طاهرتين» (¬2)، وهو شامل لطهارتهما بالغسل والمسح، وهذا قول قويٌّ كما ترى. ويؤيِّدُه: أنَّ الأصحاب ـ رحمهم الله ـ نَصُّوا على أن المسح على الخُفَّين رافع للحدث، فيكون قد لَبِسَ الثَّاني على طهارة تامَّة، فلماذا لا يمسح؟ (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 507). (¬2) تقدم تخريجه، ص (229). (¬3) وقال شيخُنا رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (11/ 176): « ... وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب، ثم لبس عليها جوارب أخرى أو «كنادر» ومسح العليا فلا بأس به على القول الراجح، ما دامت المدَّة باقية لكن تُحسب المدةُ من المسح على الأول لا من المسح على الثاني».

أما لو لَبِسَ الثَّاني وهو محدثٌ فإِنه لا يمسحُ؛ لأنه لبسه على غير طهارة. وقوله: «فالحكم للفوقاني» هذا لبيان الجواز فإِنه يجوز أن يمسحَ على التَّحتاني حتى ولو كان الحكم للفوقاني. وإِذا كان في الحال التي يمسح فيها الأعلى؛ فَخَلَعه بعد مسحه؛ فإِنه لا يمسح التَّحتاني، هذا هو المذهب ..... والقول الثَّاني: يجوز جعلاً للخُفَّين كالظِّهارة والبِطَانة (¬1)، وذلك فيما لو كان هناك خُفٌّ مكوَّنٌ من طبقتين العُليا تُسمَّى الظِّهارة والسُّفلى تُسمَّى البِطَانة، فلو فرضنا في مثل هذا الخُفِّ أنه تمزَّق من الظِّهارة بعد المسح عليه، وهو الوجه الأعلى فإِنه يمسح على البِطَانة، وهي الوجه الأسفل حتى على المذهب (¬2). فالذين يقولون بجواز المسح على الخُفِّ الأسفل بعد خلع الخُفِّ الأعلى بعد الحدث قالوا: إِنما هو بمنزلة الظِّهارة والبطانة، فهو بمنزلة الخُفِّ الواحد. وهذا القول أيسر للنَّاس؛ لأن كثيراً من الناس يلبس الخُفَّين على الجورب ويمسح عليهما، فإِذا أراد النوم خلعهما، فعلى المذهب لا يمسح على الجورب بعد خلع الخُفَّين؛ لأنَّ زمن المسح ينتهي بخلع الممسوح. وعلى القول الثَّاني: يجوز له أن يمسحَ على الجورب، فإذا مسح ولبس ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (1/ 434). (¬2) انظر: «الإنصاف» (1/ 412).

ويمسح أكثر العمامة، وظاهر قدم الخف

خُفَّيه جاز له أن يمسح عليه مرَّة ثانية؛ لأنه لبسهما على طهارة، ولا شَكَّ أنَّ هذا أيسر للنَّاس؛ والفتوى به حسنة، ولا سيَّما إِذا كان قد صدر من المستفتي ما قبل ذلك فيُفتى بما هو أحوط. ويَمْسَح أكثَرَ العِمَامة، وظاهِرِ قَدَم الخُفِّ .......... قوله: «ويمسحُ أكثرَ العِمَامة»، هذا بيان لوضع المسح وكيفيته في الممسوحات، ففي العِمَامة لا بُدَّ أن يكون المسح شاملاً لأكثر العِمَامة، فلو مسح جُزءاً منها لم يصحَّ، وإن مسح الكُلَّ فلا حرج، ويستحبُّ إِذا كانت النَّاصيةُ بادية أن يمسحها مع العِمَامة. قوله: «وظاهر قَدَم الخُفِّ»، هذا بيان لمسح الخُفَّين. وقوله: «ظاهر» بالجرِّ يعني: ويمسحُ أكثر ظاهر القدم؛ لأن المسح مختصٌّ بالظَّاهر لحديث المغيرة بن شعبة (¬1): «مسح خفيه» فإِنَّ ظاهره أن المسحَ لأعلى الخُفِّ ..... ولحديث عليٍّ رضي الله عنه قال: «لو كان الدِّين بالرَّأي، لكان أسفلُ الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح أعلى الخُفِّ» (¬2). وهذا الحديث وإِنْ كان فيه نَظَرٌ؛ لكن حسَّنه بعضهم. وفي قوله: «لو كان الدِّين بالرَّأي» إِشكال، فإِن الرَّأي هو العقل. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (229). (¬2) رواه أحمد (1/ 114)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب كيف المسح، رقم (162)، وأبو يعلى رقم (346) وغيرهم. قال ابن حجر: «إسناده صحيح». انظر: «التلخيص» رقم (219)، «بلوغ المرام» رقم (60).

من أصابعه إلى ساقه دون أسفله، وعقبه، وعلى جميع الجبيرة

وهل الدِّين مخالفٌ للعقل؟ الجواب: لا، ولكن مرادُ عليٍّ رضي الله عنه ـ إِن صحَّ نسبته إليه ـ هو باديَ الرَّأي كما قال تعالى: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27]، أي: في ظاهر الأمر. لأنه عند التَّأمُّل نجد أن مسح أعلى الخُفِّ هو الأَولى، وهو الذي يدلُّ عليه العقل، لأنَّ هذا المسح لا يُراد به التَّنظيف والتنقيةُ، وإنما يُرادُ به التعبُّد، ولو أنَّنا مسحنا أسفلَ الخُفِّ لكان في ذلك تلويثٌ له. مِنْ أَصابِعِه إلى ساقِه دون أسْفَلِهِ، وعَقِبِه، وعَلَى جَمِيعِ الجَبِيْرَة ............ قوله: «من أصابعه إِلى ساقه»، بيَّن المؤلِّفُ كيفيَّة المسح: بأن يبتدئ من أصابعه أي أصابع رجله إلى ساقه، وقد وردت آثارٌ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه أنه يمسح بأصابعه مفرَّقة حتى يُرى فوق ظهر الخُفِّ خُطوطٌ كالأصابع (¬1). قوله: «دون أسفله وعقبه»، لأنهما ليسا من أعلى القدم، والمسح إِنما ورد في الأعلى كما سبق في حديث المغيرة، فإِنَّ له روايات (¬2) تدلُّ على ما دلَّ عليه حديثُ علي رضي الله عنه. ¬

_ (¬1) رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب في مسح أعلى الخف وأسفله، رقم (551)، والطبراني في «الأوسط» رقم (1157) من حديث جابر. وضعَّفه النووي. وقال ابن حجر: «إسناده ضعيف جداً». انظر: «الخلاصة» رقم (254)، «التلخيص» رقم (219). (¬2) رواه أحمد (4/ 254)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب كيف المسح، رقم (161)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في المسح على الخفِّين ظاهرهما، رقم (98) بلفظ: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يمسح على الخفين على ظاهرهما». وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي الزناد: صدوق؛ تغيّر حفظه لما قدم بغداد، والرواة عنه بغداديون. ويشهد له حديث علي المتقدم. والحديث حسَّنه الترمذيُّ، والنوويُّ، وغيرهما. انظر: «سنن البيهقي» (1/ 291). «الخلاصة» رقم (249)، «التلخيص الحبير» رقم (219).

وإذا كان الخُفُّ أكبر من القدم، فهل يمسحُ من طرف الخُفِّ أو طرف الأصابع؟ إِن نظرنا إلى الظَّاهر؛ فإِنَّه إِن مسح على خُفَّيه مسح من طرف الخُفِّ إلى ساقه؛ بقطع النَّظر عن كون الرِّجْل فيه صغيرة أو كبيرة، وإِن نظرنا إلى المعنى قلنا: الخُفُّ هنا زائدٌ عن الحاجة والزَّائدُ لا حُكم له، ويكونُ الحكم مما يُحاذي الأصابع، والعمل بالظَّاهر هو الأحوط ..... تنبيه: لم يبيِّن المؤلِّفُ رحمه الله هل يمسح على الخُفَّين معاً أو يبدأ باليُمنى؛ فقيل: يمسح عليهما معاً لظاهر حديث المغيرة. وقيل: يبدأ باليُمنى؛ لأن المسح بدلٌ عن الغسل، والبَدلُ له حكم المبدلُ. وهذا فيما إِذا كان يمكنه أن يمسحَ بيديه جميعاً، أما إذا كان لا يمكنه، مثلَ أن تكون إحدى يديه مقطوعة أو مشلولة فإِنه يبدأ باليمنى. قوله: «وعلى جميع الجبيرة»، أي: يمسح على جميع الجبيرة؛ لأن ظاهرَ حديث صاحب الشُّجَّة وهو قوله: «ويمسح عليها» (¬1) شامل لكلِّ الجبيرة من كلِّ جانب. ولو غسل الممسوح بدل المسح: فقال بعض أهل العلم: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (244).

ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث

لا يجزئ (¬1) لأنَّه خلاف ما جاء به الشَّرع، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (¬2)، ثم إِننا بالغسل نقلب الرُّخصة إِلى مشقَّة. وقال بعض العلماء: يجزئ الغسل (¬3)؛ لأنَّه أكمل في الإِنقاء، وإِنما عدل إلى المسح تخفيفاً. وتوسَّط بعضُهم فقال: يجزئ الغسلُ إِن أَمَرَّ يده عليها (¬4)؛ لأنَّ إِمرار اليد جعل الغسل مسحاً، وهذا أحوطُ؛ لكن الاقتصار على المسح أفضل وأَوْلى. ومَتَى ظَهَرَ بعضُ مَحلِّ الفَرْضِ بَعْدَ الحدثِ، ........... قوله: «ومتى ظهر بعضُ محلِّ الفرض بعد الحدث»، فَرْضُ الرِّجْلِ أن تُغسَلَ إِلى الكعبين، فإِذا ظهر من القدم بعضُ محلِّ الفرض كالكعب مثلاً، وكذا لو أن الجورب تمزَّق وظهر طرفُ الإبهام، أو بعض العَقِب، أو أن العِمَامة ارتفعت عمّا جرت به العادة فإِنه يلزمه أن يستأنفَ الطَّهارة، ويغسل رِجليْه، ويمسحَ على رأسه. وهذا بالنسبة للعِمَامة مبنيٌّ على اشتراط الطَّهارة للبسها. وعلى القول بعدم اشتراط الطَّهارة بالنسبة للعمامة (474) فإِنه يعيد لفَّها ولا يستأنف الطَّهارة. وبالنسبة للخُفَّين ونحوهما مبنيٌّ على أنَّ ما ظَهَرَ؛ فرضُه .... ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 345، 419). (¬2) تقدم تخريجه، ص (186). (¬3) انظر: «الإنصاف» (1/ 345، 419). (¬4) انظر: «الإنصاف» (1/ 387، 388).

الغسلُ، وإِذا كان فرضه الغسلُ فإن الغسلَ لا يُجامِعُ المسحَ، فلا بُدَّ من استئنافِ الطَّهارة؛ وغسل القدمين، ثم يلبسُ بعد ذلك. وقول المؤلِّف رحمه الله: «بعد الحدث»، يُفهم منه أنه لو ظهر بعضُ محلِّ الفرض، أو كلُّه قبل الحدث الأوَّل فإِنه لا يضرُّ. كما لو لبس خُفَّيه لصلاة الصُّبح، وبقي على طهارته إِلى قُرب الظُّهر، وفي الضُّحى خلع خُفَّيه، ثم لبسهما وهو على طهارته الأولى فإِنه لا يستأنف الطَّهارة. مسألة: إذا خلع الخُفين ونحوهما هل يلزمُه استئناف الطَّهارة؟ اختُلِفَ في هذه المسألة على أربعة أقوال (¬1): القول الأول: ما ذهب إليه المؤلِّفُ رحمه الله أنه يلزمه استئناف الطَّهارة، حتى ولو كان ظهورها بعد الوُضُوء بقليل وقبل جفاف الأعضاء، فإِنه يجبُ عليه الوُضُوء، والعِلَّة: أنَّه لمَّا زال الممسوحُ بطلت الطَّهارة في موضعه، والطَّهارةُ لا تتبعّضُ، فإِذا بطلت في عضوٍ من الأعضاء بطلت في الجميع، وهذا هو المذهب. القول الثاني: أنه إِذا خلع قبل أن تَجِفَّ الأعضاء أجزأه أن يغسل قدميه فقط، لأنَّه لمَّا بطلت الطَّهارةُ في الرِّجْلَين؛ والأعضاء لم تنشَفْ، فِإنَّ الموالاة لم تَفُتْ، وحينئذٍ يبني على الوُضُوء الأوَّل فيغسل قدميه. القول الثالث: أن يلزمه أن يغسلَ قدميه فقط، ولو جفَّت ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذب» (1/ 526)، «الإنصاف» (1/ 428).

أو تمت مدته استأنف الطهارة

الأعضاءُ قبل ذلك، وهذا مبنيٌّ على عدم اشتراط الموالاة في الوُضُوء. القولُ الرَّابعُ: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام (¬1) ـ أن الطَّهارة لا تبطل سواء فاتت الموالاة أم لم تَفُتْ، حتى يوجد ناقضٌ من نواقض الوُضُوء المعروفة، لكن لا يعيده في هذه الحال ليستأنف المسح عليه؛ لأنَّه لو قيل بذلك لم يكن لتوقيت المسح فائدة؛ إِذ كلُّ مَنْ أراد استمرار المسح خلع الخُفَّ، ثم لَبسه، ثم استأنف المدَّة ..... وحجته: أن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعيٍّ، وما ثبت بمقتضى دليل شرعيٍّ، فإِنه لا ينتقض إلا بدليل شرعيٍّ، وإِلا فالأصل بقاء الطَّهارة، وهذا القول هو الصَّحيحُ، ويؤيِّده من القياس: أنَّه لو كان على رَجُلٍ شَعْرٌ كثيرٌ، ثم مسح على شعره؛ بحيث لا يصل إلى باطن رأسه شيء من البلل، ثم حلق شعره بعد الوُضُوء فطهارتُه لا تنتقض. فإن قيل: إن المسح على الرَّأس أصلٌ، والمسحُ على الخُفِّ فرعٌ، فكيف يُساوى بين الأصل والفرع. فالجواب: أن المسحَ ما دام تعلَّق بشيء قد زال، وقد اتفقنا على ذلك، فكونه أصليًّا، أو فرعيًّا غير مؤثِّر في الحكم. أوْ تَمَّتْ مُدَّتُهُ اسْتَأْنَفَ الطَّهارة. قوله: «أو تمَّت مدَّتُه استأنف الطَّهارة»، يعني إِذا تَمَّت المدَّة، ولو كان على طهارة، فإنه يجب عليه إِذا أراد أن يُصلِّيَ ـ مثلاً ـ أن يستأنفَ الطَّهارة. ¬

_ (¬1) انظر: «الاختيارات» ص (15).

مثاله: إِذا مَسَحَ يوم الثلاثاء الساعة الثانية عشرة، فإِذا صارت الساعة الثانية عشرة من يوم الأربعاء انتهت المدَّة فبطل الوُضُوء، فعليه أن يستأنفَ الطَّهارة، فيتوضَّأ وُضُوءاً كاملاً. هكذا قرَّر المؤلِّفُ رحمه الله. ولا دليل على ذلك من كتاب الله تعالى، ولا من سُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ولا من إجماع أهل العلم. والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وقّتَ مدَّة المسح، ليُعرَفَ بذلك انتهاء مدَّة المسح، لا انتهاء الطَّهارة. فالصَّحيحُ أنَّه إِذا تَمَّت المدَّةُ، والإِنسان على طهارة، فلا تبطل، لأنها ثبتت بمقتضى دليل شرعيٍّ، وما ثبت بمقتضى دليل شرعيٍّ، فلا ينتقض إِلا بدليل شرعيٍّ آخر، ولا دليل على ذلك في هذه المسألة، والأصلُ بقاء الطَّهارة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (¬1). فإن قيل: ألا توجبون عليه الوُضُوء احتياطاً؟ .... قلنا: الاحتياط بابٌ واسعٌ، ولكن ما هو الاحتياط؟ هل هو بلزوم الأيسر؟ أو بلزوم الأشدِّ؟ أو بلزوم ما اقتضته الشَّريعة؟ الأخير هو الاحتياط. فإِذا شككنا هل اقتضته الشَّريعةُ أم لا؟ اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ: فقال بعضهم: نسلك الأيسرَ (¬2)؛ لأن الأصلَ براءة الذِّمَّة؛ ولأنَّ الدينَ مبنيٌّ على اليُسر والسُّهولة. وقال آخرون: نسلك الأشدَّ (478)؛ لأنه أحوط، وأبعد عن الشُّبهة. ¬

_ (¬1) انظر ص (264). (¬2) «إعلام الموقعين» (4/ 219)، «جامع العلوم والحكم» (1/ 282).

ولكن في مسألة نقض الوُضُوء عندنا أصل أصَّله النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو قوله في الرَّجُل يُخيَّل إِليه أنَّه يجدُ الشَّيء في بطنه في الصَّلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً» (¬1). فلم يوجب النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الوُضُوء إلا على من تيقَّن سبب وجوبه، ولا فرق بين كون سبب الوجوب مشكوكاً فيه من حيث الواقعُ كما في الحديث، أو من حيث الحكمُ الشَّرعي، فإِن كُلاًّ فيه شَكٌّ، هذا شكٌّ في الواقع هل حصل النَّاقض أم لم يحصُل، وهذا شكٌّ في الحكم؛ هل يوجبه الشَّرع أم لا؟. فالحديث: دَلَّ على أن الوُضُوء لا ينتقض إلا باليقين، وهنا لا يقين. وعلى هذا؛ فالرَّاجح ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا تنتقض الطَّهارة بانتهاء المدَّة، لعدم الدَّليل. وأيُّ إِنسان أتى بدليل فيجب علينا أن نتَّبع الدَّليل، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فلا يسوغ أن نُلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، لأنَّ أهل العلم مسؤولون أمام الله، ومؤتمنون على الشَّريعة؛ ولهذا جاء في الحديث: «أنهم ورثة الأنبياء» (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (59). (¬2) رواه أحمد (1/ 196)، وأبو داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم (3641)، والترمذي، كتاب العلم: باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم (2682)، وابن ماجه، المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم (223)، وصححه الحاكم وابن حبان. وقال ابن حجر: « .. حسَّنه حمزة الكناني، وضعَّفه بعضهم باضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوَّى بها». انظر: «الفتح» كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل، رقم (67، 68).

وكذلك ـ على المذهب ـ لو برئ ما تحت الجبيرة، لزمه أن يستأنف الطَّهارة إِذا كانت في أعضاء الوُضُوء. وإِذا كانت في أعضاء الغسل، كما لو اغتسل من جنابة ومسح عليها لزمه أن يغسل ما تحتها، ولا يلزمه الغسل كاملاً، لأن الموالاة على المذهب لا تُشترط في الغسل. وكذلك لو انحلَّت الجبيرةُ استأنفَ الطَّهارةَ في الوُضُوءِ إِذا كانت في أحد أعضاء الوُضُوء. والصَّحيح كما سبق: أنه لا تبطل الطَّهارة لبرء ما تحتها، أو انتقاضها، ويعيد شدَّها في الحال، أو متى شاء؛ لأن الجبيرة ـ على القول الرَّاجح ـ لا يُشترط لوضعها الطَّهارةُ كما سبق (¬1) ..... ¬

_ (¬1) انظر: ص (250).

باب نواقض الوضوء

بابُ نَواقِضِ الوُضُوءِ يَنْقُضُ ما خَرَجَ من سَبِيلٍ .......... النَّواقض: جمعُ ناقض؛ لأن «ناقض» اسم فاعل لغير العاقل، وجمعُ اسمِ الفَاعل لغير العاقل على «فواعل». والوُضُوء بالضَّمِّ: الطَّهارة التي يرتفع بها الحَدَث، وبالفتح: الماءُ الذي يُتَوَضَّأُ به كما يُقال: طَهُور بالفتح: لما يُتَطَهَّرُ به، بالضَّمِّ لنفس الفعل، وسَحور بالفتح: لما يُتَسَحَّرُ به، وبالضَّمِّ لنفس الفعل الذي هو الأكل. ونواقض الوُضُوء: مفسداتُه، أي: التي إِذا طرأت عليه أفسدته. والنَّواقض نوعان: الأول: مجمع عليه، وهو المستند إلى كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم. الثاني: فيه خلافٌ، وهو المبنيُّ على اجتهادات أهل العلم رحمهم الله. وعند النِّزاع يجب الردُّ إلى كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «ينقضُ ما خَرَجَ من سَبيلٍ»، هذا هو النَّاقض الأوَّل من نواقض الوُضُوء. وقوله: «ما خرج من سبيل»، ما: اسم موصول بمعنى الذي، وهو للعموم، وكلُّ أسماء الموصولات للعموم؛ سواء

كانت خاصَّة، أم مشتركة، فالخاصة: هي التي تدلُّ على المفرد، والمثنى، والجمع مثل: الذي، اللَّذَيْنِ، الذين. والمشتركة: هي الصَّالحة للمفرد وغيره مثل: «مَنْ»، «ما»، فقوله: «ما خرج من سبيل» يشمل كلَّ خارج. و «من سبيل» مطلق يتناول القُبُل، والدُّبر، وسُمِّيَ «سبيلاً»، لأنَّه طريق يخرج منه الخارج. وقوله: «ما خرج» عام يشمل المعتاد وغير المعتاد؛ ويشمل الطَّاهر والنَّجس (¬1)، فالمعتاد كالبول، والغائط، والرِّيح من الدُّبر، قال الله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6]. وفي حديث صفوان بن عَسَّال: «ولكن من بول، وغائط، ونوم» (¬2). وفي حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً» (¬3) ..... وغير المعتاد: كالرِّيح من القُبُل. واختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما إذا خرجت الرِّيحُ من القُبُل؟ فقال بعضهم: تنقض وهو المذهب (¬4). ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 230). (¬2) تقدم تخريجه ص (241). (¬3) حديث أبي هريرة رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الدَّليل على أن من تيقَّن الطهارة ثم شكَّ في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، رقم (362). وحديث: عبد الله بن زيد متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (59). (¬4) انظر: «الإقناع» (1/ 57).

وخارج من بقية البدن إن كان بولا، أو غائطا،

وقال آخرون: لا تنقض (¬1). وهذه الرِّيح تخرج أحياناً من فُروج النساء، ولا أظنُّها تخرج من الرِّجَال، اللهم إلا نادراً جداً. وتنقضُ الحصاةُ إِذا خرجت من القُبُل، أو الدُّبُر؛ لأنه قد يُصابُ بحصوة في الكِلى، ثم تنزلُ حتى تخرجَ من ذكره بدون بول. ولو ابتلع خرزة، فخرجت من دبره، فإِنه ينتقض وضوءُه لدخوله في قوله: «ينقض ما خرج من سبيل». ويشمل الطَّاهر: كالمنيِّ. والنَّجس ما عداه من بولٍ، ومذيٍ، ووَدْيٍ، ودَمٍ. وهذا هو النَّاقض الأوَّل، وهو ثابت بالنَّصِّ، والإِجماع، إِلا ما لم يكن معتاداً، ففيه الخلاف (¬2). وخَارجٌ مِنْ بَقيَّةِ البَدَنِ إِنْ كَان بَوْلاً، أو غَائِطاً، .......... قوله: «وخارج من بقية البدن إن كان بولاً، أو غائطاً»، هذا هو النَّاقض الثَّاني من نواقض الوُضُوء. وهو معطوف على «ما»، أي: وينقضُ خارجٌ من بقيَّة البَدن، إن كان بولاً، أو غائطاً، وهذا ممكن ولا سيَّما في العصور المتأخِّرة، كأن يُجرى للإِنسان عمليَّةٌ جراحيَّةٌ حتى يخرج الخارج من جهة أخرى. فإِذا خرج بول، أو غائط من أيِّ مكان فهو ناقض، قلَّ أو كَثُرَ. وقال بعض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 5). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 230).

أو كثيرا نجسا غيرهما

فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل رحمه الله (¬1). وهذا قولٌ جيد، بدليل: أنه إِذا تقيَّأ من المعدة، فإنه لا ينتقض وضوءُه على القول الرَّاجح، أو ينتقض إِن كان كثيراً على المشهور من المذهب. ويُستثنى مما سبق مَنْ حَدَثُه دائمٌ، فإِنَّه لا ينتقضُ وضوءهُ بخروجه؛ كَمَنْ به سلسُ بول، أو ريح، أو غائط، وله حال خاصَّةٌ في التطهُّر تأتي إن شاء الله (¬2) ..... وظاهر قوله: «إن كان بولاً، أو غائطاً»، أن الرِّيح لا تنقض إِذا خرجت من هذا المكان الذي فُتِحَ عوضاً عن المخرج، ولو كانت ذات رائحة كريهة، وهذا ما مشى عليه المؤلِّف، وهو المذهب. وقال بعضُ العلماء: إِنها تنقضُ الوُضُوء (¬3)، لأن المخرج إِذا انسدَّ وانفتح غيره كان له حكمُ الفَرج في الخارج، لا في المسِّ، لأنَّ مسَّه لا ينقض الوُضُوء كما سيأتي إن شاء الله (¬4). أو كثيراً نَجساً غَيْرَهُما ............ قوله: «أو كثيراً نجساً غيرَهُما»، أي: أو كان كثيراً نجساً غير البول والغائط، فقيَّد المؤلِّفُ غير البول، والغائط بقيدين. الأول: كونُه كثيراً. الثاني: أن يكون نجساً. ولم يقيِّد البولَ والغائط بالكثير النَّجس؛ لأن كليهما نجس، ولأنَّ قليلَهُما وكثيرَهُما ينقض الوُضُوء. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 218)، (2/ 11، 12). (¬2) انظر: ص (502). (¬3) انظر: «الإنصاف» (2/ 13). (¬4) انظر: ص (282، 292).

وقوله: «أو كثيراً»، أطلق المؤلِّف الكثير، والقاعدة المعروفة: أنَّ ما أتى، ولم يُحدَّدْ بالشَّرع فمرجعُه إلى العُرف، كما قيل: وكلُّ ما أتى ولم يحدَّدِ بالشَّرع كالحِرْزِ فبالعُرف احدُدِ (¬1) فالكثير: بحسب عُرف النَّاس، فإن قالوا: هذا كثيرٌ، صار كثيراً، وإن قالوا: هذا قليلٌ، صار قليلاً. وقال بعض العلماء: إِن المعتبر عند كلِّ أحد بحسبه (¬2)، فكلُّ من رأى أنَّه كثيرٌ صار كثيراً، وكلُّ من رأى أنه قليلٌ صار قليلاً. وهذا القول فيه نظر؛ لأنَّ من النَّاس من عنده وسواس، فالنُّقطَةُ الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإِذا خرج منه دم كثير قال: هذا قليل. والصَّحيح الأول: أن المعتبر ما اعتبره أوساط النَّاس، فما اعتبروه كثيراً فهو كثير، وما اعتبروه قليلاً فهو قليل. وقوله: «نجساً غيرَهُما»، نجساً: احترازاً من الطَّاهر، فإِذا خرج من بقية البدن شيء طاهر، ولو كَثُرَ فإِنه غيرُ ناقض كالعَرَق، واللُّعاب ودمع العين ..... وقوله: «غيرَهُما» أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا الدَّمُ، والقيءُ، ودَمُ الجروح، وماءُ الجروحِ وكلُّ ما يمكن أن يخرج مما ليس بطاهر. ¬

_ (¬1) انظر: «منظومة في أصول الفقه وقواعد فقهية» للمؤلف رحمه الله ص (16). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 16).

فالمشهور من المذهب أنَّه إذا كان كثيراً إِما عُرفاً، أو كل إِنسان بحسب نفسه ـ على حسب الخلاف السابق ـ أنَّه ينقض الوُضُوء، وإن كان قليلاً لم ينقض. واستدلُّوا على ذلك بما يلي: 1 - أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَاءَ، فأفطرَ، فتوضَّأ (¬1). وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، فلما توضَّأ بعد أن قاء فالأُسوة الحسنة أن نفعل كفعله. 2 - أنها فضلات خرجت من البدن فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذْ حكمهما من كلِّ وجهٍ؛ لاختلاف المخرج، فتُعطى حكمهما من وجه دون وجه، فالبول والغائطُ ينقض قليلهُ وكثيرُه؛ لخروجه من المخرج، وغيرهما لا ينقض إلا الكثير. وذهب الشافعيُّ، والفقهاءُ السَّبعةُ (¬2) وهم المجموعون في قول بعضهم: إِذا قيل مَنْ في العلم سبعة أبْحُرٍ روايتهم ليست عن العلم خَارِجَه ¬

_ (¬1) رواه أبو داود، كتاب الصوم: باب الصائم يستقئ عامداً، رقم (2381)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف، رقم (87)، والنَّسائي في «السنن الكبرى»، كتاب الصيام: باب في الصائم يتقيأ، رقم (3123، 3124)، وابن خزيمة، رقم (36) وابن حبان رقم (1097)، عن أبي الدرداء رضي الله عنه. قال ابن منده: «إسناده صحيح متصل». قال ابن حجر: «حديث قوي الإسناد». ثم قال: «هذا حديث صحيح». انظر: «التلخيص الحبير» رقم (885)، «موافقة الخُبر الخَبر» (1/ 441). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 247)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 9).

فقل: هم عُبَيدُ الله، عروة، قاسمٌ سعيدٌ، أبو بكرٍ، سليمانُ، خارجه (¬1) إلى أنَّ الخارج من غير السَّبيلين لا ينقض الوُضُوء قلَّ أو كثُر إلا البول والغائط، وهذا هو القول الثاني في المذهب (¬2)، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (¬3)، واستدلُّوا بما يلي: 1 ـ أن الأصل عدم النَّقض، فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدَّليل. 2 ـ أن طهارته ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إِلا بدليل شرعي. ونحن لا نخرجُ عمّا دلَّ عليه كتاب الله، وسُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، لأننا متعبَّدون بشرع الله، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارةٍ لم تجبْ، ولا أن نرفَعَ عنهم طهارةً واجبة ..... وأما الحديث الذي استدلُّوا به على نقض الوُضُوء فقد ضعَّفه كثيرٌ من أهل العلم. وأيضاً: هو مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدلُّ على الوجوب؛ لأنه خالٍ من الأمر. وأيضاً: هو مقابل بحديث ـ وإِن كان ضعيفاً ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم احتجم، وصلَّى، ولم يتوضَّأ (¬4). وهذا يدلُّ على أن الوُضُوء ليس على سبيل الوجوب، وهذا هوالقول الرَّاجح. ¬

_ (¬1) انظر: «إعلام الموقعين» (1/ 23)، و «سير أعلام النبلاء» (4/ 438). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 13). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 526) و (21/ 242)، «الاختيارات» ص (16). (¬4) رواه الدارقطني (1/ 157)، والبيهقي (1/ 141) من حديث أنس. والحديث ضعَّفه النووي في «الخلاصة» رقم (295) وقال ابن حجر: «في إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف»، انظر: «التلخيص الحبير» رقم (152).

وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد أو قائم

وَزَوَالُ العَقْلِ إِلاَّ يَسِيرَ نَوْمٍ مِنْ قَاعِدٍ أوْ قَائِمٍ ............ قوله: «وزوالُ العقلِ»، هذا هو النَّاقض الثَّالث من نواقض الوُضُوء، وزوال العقل على نوعين: الأول: زواله بالكُلِّيَّة، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون. الثاني: تغطيته بسبب يوجب ذلك لمدَّة معيَّنة كالنَّوم، والإِغماء، والسُّكر، وما أشبه ذلك. وزوال العقل بالجنون والإِغماء والسُّكْرِ هو في الحقيقة فَقْدٌ له، وعلى هذا فيسيرُها وكثيرُها ناقضٌ، فلو صُرِعَ ثم استيقظَ، أو سَكِرَ، أو أُغمي عليه انتقضَ وضوءُه سواءٌ طال الزَّمنُ أم قَصُرَ. قوله: «إلا يسيرَ نوم من قاعدٍ أو قائمٍ»، اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في النَّوم هل هو ناقضٌ، أو مظنَّة النَّقض، على أقوالٍ منها: القول الأول: أن النَّوم ناقضٌ مطلقاً يسيرُه وكثيره (¬1)، وعلى أيِّ صفة كان؛ لعموم حديث صفوان وقد سبق (¬2). ولأنَّه حَدَث، والحدثُ لا يُفرَّقُ بين كثيره ويسيره كالبول. القول الثَّاني: أنَّ النَّوم ليس بناقضٍ مطلقاً (¬3)؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا ينتظرون العِشاء على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى تخفِقَ رؤوسهم ثم يُصلُّون ولا يتوضؤون» (¬4)، .... ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 14). (¬2) تقدم تخريجه ص (241). (¬3) انظر «المغني» (1/ 234)، «الإنصاف» (2/ 20). (¬4) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، رقم (376) وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (200) وهذا لفظه، وصحَّح النووي إسناد أبي داود «الخلاصة» رقم (264).

وفي رواية البزَّار: «يضعون جنوبهم» (¬1). القول الثَّالث: ـ وهو المذهب ـ أن النَّوم ليس بِحَدَثٍ، ولكنه مظنَّة الحدث، ولا يُعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيداً فيه الحدث (¬2)، ولهذا قال المؤلِّف: «إِلا يسير نومٍ من قاعدٍ وقائم». القول الرَّابع: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو الصَّحيح ـ: أنَّ النَّوم مظنَّة الحَدَث، فإِذا نام بحيث لو انتقض وضوءُه أحسَّ بنفسه، فإِن وضوءَه باقٍ، وإِذا نام بحيث لو أحدث لم يحسَّ بنفسه فقد انتقض وضوءُه (¬3). وبهذا القول تجتمع الأدلة، فإن حديث صفوان بن عسَّال دلَّ على أنَّ النَّوم ناقض، وحديث أنس رضي الله عنه دلَّ على أنه غيرُ ناقض. فيُحمل ما ورد عن الصَّحابة على ما إذا كان الإِنسانُ لو ¬

_ (¬1) وأبو يعلى رقم (3199). قال الهيثمي: «رواه البزار وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح»، المجمع (1/ 248). قال البوصيري عن إسناد أبي يعلى: «هذا إسنادٌ صحيحٌ ورواه البزار في مسنده ... »، «إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» (1/ل197). قال ابن القطان: «قال قاسم بن أصبغ أحدثنا محمد بن عبد السلام الخُشني، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: ... فذكره. وهو ـ كما ترى ـ صحيحٌ، من رواية إمام عن شعبة فاعلمه». «بيان الوهم والإيهام» رقم (2806). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 20، 25). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 230)، «الاختيارات» ص (16).

أحدث لأحسَّ بنفسه، ويُحمل حديثُ صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحسَّ بنفسه. ويؤيِّد هذا الجمع الحديثُ المروي «العين وكَاء السَّه، فإِذا نامت العينان استطلق الوكاء» (¬1). فإِذا كان الإِنسانُ لم يُحكِمْ وكاءَه بحيث لو أحدث لم يحسَّ بنفسه فإِن نومه ناقضٌ، وإِلا فلا. وقوله: «إِلاّ يسير نومٍ من قاعد أو قائم»، هذا استثناء من قول المؤلِّف: «وزوال العقل»، فخرج باليسير: الكثير، وخرج بقوله: «من قائم أو قاعد» ما عداهما، فما عدا هاتين الحالين ينقض النَّوم فيها مطلقاً. فعلى هذا يكون النَّومُ الكثيرُ ناقضاً مطلقاً، والنَّومُ اليسيرُ ناقضاً أيضاً إلا من قائم أو قاعد. واليسيرُ يُرجَعُ فيه إلى العُرف، فتارة يكونُ يسيراً في زمنه ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 97)، والطبراني في «الكبير» (19/رقم 875)، والدارقطني (1/ 160) من حديث معاوية. قال ابن حجر: «في إسناده بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف». وروى أبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (203)، وابن ماجه، كتاب الطَّهارة: باب الوضوء من النوم، رقم (477)، والدارقطني (1/ 161) عن علي يرفعه « العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ». قال أحمد: «حديث علي أثبت من حديث معاوية». قال أبو حاتم: «ليسا بقويين». وحسَّن المنذري وابن الصلاح حديث عليٍّ، وقال النَّووي: «رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة». انظر: «الخلاصة» رقم (262)، «التلخيص» رقم (159). ملاحظة: السَّهِ: الدُّبُر. الوكاء: الخيط الذي تُربط به الخريطة.

ومس ذكر متصل، أو قبل بظهر كفه، أو بطنه

بحيث يغفل غفلة كاملة، وربما يرى في منام شيئاً، لكنه شيء يسير؛ لأنَّه استيقظ سريعاً، ولو خرج منه شيء لشمَّه. وتارة يكون يسيراً في ذاته بحيث لا يَغْفُل كثيراً في نومه، فمثلاً يسمع المتكلِّمين، أو إِذا كلَّمه أحدٌ انتبه بسرعة، أو لو حصل له حَدَث لأحسَّ به ..... وظاهر قوله: «من قاعد أو قائم» الإِطلاق، ولكنهم استثنوا ما إِذا كان محتبياً أو متَّكِئاً أو مستنداً فإِنه ينتقض وضوؤُه؛ لأنه في الغالب يستغرق في نومه، وإذا استغرقَ في نومه، فإنه قد يُحدِثُ ولا يحسُّ بنفسه. ولو أن رجلاً نام وهو ساجدٌ نوماً خفيفاً، فالمذهب: ينتقضُ وضوؤُه؛ لأنه ليس قاعداً ولا قائماً. وعلى القول الرَّاجح: لا ينتقض إِلا في حالِ لو أحدث لم يحسَّ بنفسه. وَمَسُّ ذَكَرٍ مُتَّصلٍ، أَوْ قُبُلٍ بظَهْرِ كَفِّه، أَوْ بَطْنِه، ........ قوله: «ومسُّ ذكر متَّصل»، هذا هو النَّاقض الرابع من نواقض الوُضُوء والمسُّ لا بُدَّ أن يكون بدون حائلٍ؛ لأنَّه مع الحائل لا يُعَدُّ مسّاً. وقوله: «ذكرٍ»، أي: أن الذي ينقض الوُضُوءَ مسُّ الذَّكرِ نفسِه، لا ما حوله. وقوله: «متَّصلٍ»، اشترط المؤلِّف أن يكون متَّصلاً احترازاً من المنفصل، فلو قُطِع ذكرُ إِنسان في جناية، أو علاج، أو ما أشبه ذلك، وأخذه إِنسان ليدفنه، فإِن مسَّه لا ينقض الوُضُوء.

وأيضاً: لا بُدَّ أن يكون أصليًّا؛ احترازاً من الخُنثى؛ لأن الخُنثى ذكره غيرُ أصليٍّ؛ لأنَّه إن تبيَّن أنَّه أنثى فهو زائد، وإِن أشكل فلا ينتقضُ الوُضُوءُ مع الإِشكال. قوله: «أو قُبُلٍ»، القُبُل للمرأة، ويُشترَطُ أن يكونَ أصليًّا ليخرج بذلك قُبُل الخُنثى. قوله: «بظهر كفِّه أو بطنه» متعلِّق بـ «مسَّ»، أي: لا بُدَّ أن يكون المسُّ بالكفِّ، سواء كان بحرفه، أو بطنه، أو ظهره. ونصَّ المؤلِّف على ظهر الكفِّ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إنَّ المسَّ بظهر الكفِّ لا ينقض الوُضُوء (¬1)؛ لأن المسَّ والإِمساك عادة إِنَّما يكون بباطن الكَفِّ ..... والمسُّ بغير الكَفِّ لا ينقض الوُضُوء؛ لأن الأحاديث الواردة في المسِّ باليد كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أفضى بيده إلى ذَكره ليس بينهما سِترٌ، فقد وجب عليه الوضوءُ» (¬2). واليد عند الإِطلاق لا يُراد بها إلا الكَفُّ لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، أي: أكُفَّهُما. واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في مسِّ الذَّكر والقُبُل، هل ينقضُ الوُضُوءَ أم لا؟ على أقوال: ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 31). (¬2) رواه أحمد (2/ 333) واللفظ له، وابن حبان رقم (1118)، والدارقطني (1/ 147)، والبيهقي (2/ 131) من حديث أبي هريرة. والحديث صحَّحه: الحاكم، وابن حبان، وابن عبد البر، وعبد الحق الإِشبيلي، والنووي. انظر: «الخلاصة» رقم (270)، «التلخيص الحبير» رقم (166).

القول الأول: وهو المذهب أنَّه ينقض الوُضُوءَ، واستدلُّوا بما يلي: 1 - حديث بُسْرَة بنت صفوان أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ مَسَّ ذكرَه فليتوضأ» (¬1). 2 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا أفضى أحدُكُم بيده إلى ذكره؛ ليس دونها سِتْر فقد وجب عليه الوُضُوء». وفي رواية: «إلى فرجه» (¬2). 3 - أن الإنسان قد يحصُل منه تحرُّكُ شهوةٍ عند مسِّ الذَّكر، أو القُبُل فيخرج منه شيء وهو لا يشعر، فما كان مظَّنة الحدث عُلِّق الحكم به كالنَّوم. القول الثاني: أن مسَّ الذَّكَرِ لا ينقضُ الوضوءَ (¬3)، واستدلُّوا بما يلي: ¬

_ (¬1) سخة دار الكتب، حيث أطال الكلام على هذا الحديث واستوفى طرقه بما لا يزيد عليه، «الخلاصة» رقم (266)، « التلخيص» رقم (165). (¬2) هي رواية ابن حبان انظر ص (246). (¬3) انظر: «الإنصاف» (2/ 26، 27).

1 - حديث طَلْقِ بْنِ عليٍّ أنه سأل النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن الرَّجُل يمسُّ ذَكَرَه في الصَّلاة: أعليه وُضُوءٌ؟ فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا، إِنَّما هو بَضْعة منك» (¬1). 2 - أنَّ الأصل بقاءُ الطَّهارة، وعدمُ النقض، فلا نخرج عن هذا الأصل إِلا بدليل متيقَّن. وحديث بُسرة وأبي هريرة ضعيفان، وإِذا كان فيه احتمالٌ؛ فالأصل بقاءُ الوُضُوء. قال صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً» (¬2)، فإِذا كان هذا في السَّببِ الموجبِ حسًّا، فكذلك السَّببُ الموجبُ شرعاً، فلا يمكن أن نلتفت إليه حتى يكون معلوماً بيقين ..... القول الثَّالث: أنَّه إنْ مسَّهُ بشهوة انتقض الوُضُوء وإلا فلا (¬3)، وبهذا يحصُل الجمع بين حديث بُسرة، وحديث طَلْق بن ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 23) واللفظ له، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الرخصة في ذلك، رقم (182، 183)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء من ذلك (1/ 101)، رقم (165) والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في ترك الوضوء من مسّ الذكر، رقم (85)، وابن ماجه كتاب الطهارة: باب الرخصة في ذلك، رقم (483). وغيرهم. والحديث ضعَّفه: الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، والنووي، لأجل قيس بن طلق، وقد رجَّح الحافظ ابن حجر أنه «صدوق». وصحَّحه بالمقابل: الفلاس، والطبراني، والطحاوي، وابن حزم. وقال ابن المديني: «هو عندنا أحسن من حديث بُسرة». وقال الطحاوي: «إسناده مستقيم غير مضطرب». انظر: «علل الحديث» لابن أبي حاتم (1/ 48)، «سنن البيهقي» (1/ 135)، «الخلاصة» للنووي رقم (281)، «المحرر» رقم (83)، و «التلخيص» رقم (165). (¬2) تقدَّم تخريجه، ص (59). (¬3) انظر: «الإنصاف» (2/ 27).

عليٍّ، وإِذا أمكن الجمع وجب المصير إليه قبل التَّرجيح والنَّسخ؛ لأنَّ الجَمْعَ فيه إِعمال الدَّليلين، وترجيح أحدهما إِلغاء للآخر. ويؤيد ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنمَّا هو بَضْعَة منك» (¬1)، لأنك إِذا مسَسْتَ ذَكَرَكَ بدون تحرُّكِ شهوة صار كأنما تمسُّ سائر أعضائك، وحينئذٍ لا ينتقض الوُضُوء، وإِذا مَسَسْتَه لشهوةٍ فإِنَّه ينتقض؛ لأن العِلَّة موجودة، وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك، فإِذا مسَّه لشهوةٍ وجب الوُضُوء، ولغير شهوة لا يجب الوُضُوءِ، ولأن مسَّه على هذا الوجه يخالف مسَّ بقية الأعضاء. قالوا ـ وهم يحاجُّون الحنابلة ـ: لنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إِنَّ مسَّ المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسَّها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنَّة الحدث. وجمع بعض العلماء بينها بأنَّ الأمر بالوُضُوء في حديث بُسْرة للاستحباب، والنَّفيَ في حديث طَلْق لنفي الوجوب (¬2)؛ بدليل أنه سأل عن الوجوب فقال: «أعليه»، وكلمة: «على» ظاهرة في الوجوب. القول الرَّابع: وهو اختيار شيخ الإسلام أن الوُضُوء من مسِّ الذَّكَر مستحبٌ مطلقاً، ولو بشهوةٍ (¬3). وإذا قلنا: إِنه مستحبٌّ، فمعناه أنه مشروع وفيه أجر، واحتياط، وأما دعوى أنَّ حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ، لأنَّه قَدِمَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (281). (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 42)، «نيل الأوطار» (1/ 251). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 524)، (21/ 222)، «الاختيارات» (16).

على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يبني مسجده أول الهجرة (¬1)، ولم يَعُدْ إِليه بعدُ. فهذا غير صحيح لما يلي: 1 - أنه لا يُصار إلى النَّسخ إلا إِذا تعذَّر الجمع، والجمع هنا ممكن ..... 2 - أن في حديث طَلْق عِلَّة لا يمكن أن تزول، وإِذا رُبط الحُكم بعلَّة لا يمكن أن تزولَ فإن الحكم لا يمكن أن يزولَ؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته، والعلَّة هي قوله: «إنما هو بَضْعَة منك»، ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكرُ الإِنسان ليس بَضْعَةً منه، فلا يمكن النَّسخ. 3 - أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يُعلم بتقدُّم إِسلام الرَّاوي، أو تقدُّم أخذه؛ لجواز أن يكون الرَّاوي حَدَّث به عن غيره. بمعنى: أنه إِذا روى صحابيَّان حديثين ظاهرهما التَّعارض، وكان أحدُهما متأخِّراً عن الآخر في الإِسلام، فلا نقول: إنَّ الذي تأخَّر إِسلامُه حديثُه يكون ناسخاً لمن تقدَّم إِسلامُه، لجواز أن يكون رواه عن غيره من الصَّحابة، أو أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حدَّث به بعد ذلك. ¬

_ (¬1) والطبراني (8/رقم 8242)، والدارقطني (1/ 149)، وابن حبان رقم (1122) عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه به. ورواه الدارقطني (1/ 148) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن جابر، عن قيس به. قال الطحاوي: حديث ملازم صحيح، مستقيم الإسناد. «شرح المعاني» (1/ 76).

ولمسهما من خنثى مشكل، ولمس ذكر ذكره، أو أنثى قبله لشهوة فيهما

والخلاصة: أن الإنسان إِذا مسَّ ذكره استُحِبَّ له الوُضُوءَُ مطلقاً، سواء بشهوة أم بغير شهوة، وإِذا مسَّه لشهوة فالقول بالوجوب قويٌ جدًّا، لكنِّي لا أجزم به، والاحتياط أن يتوضَّأ. ولَمْسُهُمَا من خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه، أَوْ أُنْثَى قُبُلَه لِشَهوةٍ فِيهِمَا ....... قوله: «ولمسُهُما من خُنْثَى مُشْكِل»، لمسُهُما: أي القُبُل والذَّكر. وقوله «من خُنْثَى مُشْكِلٍ» هو الذي لا يُعلم أذكرٌ هو أم أنثى. أي: إِذا مسَّ قُبُلَ الخُنثى وذَكَرَه انتقض وضوءُه؛ لأنه قد مسَّ فَرجاً أصليّاً إِذ إِنَّ أحدَهما أصليٌّ قطعاً. قوله: «ولَمسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه»، أي: لمسُ الذَّكرِ ذَكَرَ الخُنْثَى لشهوة. قوله: «أو أنثى قُبُلَه»، أي: لَمْسُ الأُنثى قُبُلَ الخُنثى لشهوة. قوله: «لشهوة فيهما»، أي: فيما إِذا مسَّ الذَّكرُ ذكرَ الخُنثى، أو الأنثى قُبُلَهُ. مثاله: رجلٌ خُنثى، ورجلٌ صحيحٌ، هذا الصَّحيحُ مَسَّ ذَكَرَ الخُنثى لشهوةٍ فينتقضُ وضوؤُه ..... والعلَّة: أنه لمَّا مسَّ هذا الجزء من بدنه لشهوة، فإن كان أنثى فقد مسَّها لشهوة، ومسُّ المرأة لشهوة يَنْقُضُ الوُضُوء على المذهب كما سيأتي (¬1)، وإن كان ذكراً فقد مسَّ ذَكَرَه، ومسُّ ¬

_ (¬1) انظر: ص (286).

الذَّكر ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضُوؤُه منتقضاً على كلِّ تقدير. وإِنْ مسَّ الرَّجلُّ فرجَ الخُنثى لم ينتقضِ الوُضُوءُ، وإِن كان بشهوة؛ لأنَّ الخُنثى إنْ كان ذكراً فقد مسَّه لشهوة، ومسُّ الرَّجُل الرَّجُلَ لشهوة لا ينقضُ الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مسَّ فرجها، لكن ليس لدينا علم الآن بأنَّه أنثى، بل فيه شَكٌّ، فيبقى الوُضُوء على أصله، ولا ينتقض. وإن كانت الأنثى مَسَّتْ قُبُل الخُنثى لشهوة، فإِن ينتقض الوُضُوء. مثاله: امرأةٌ صحيحةٌ عندها خُنثى، فمسَّتْ قُبُلَه لشهوةٍ، فإنَّه ينتقضُ الوُضُوء. والعِلَّة: أنَّه إِن كان الخُنثى ذكراً، فقد مسَّتْه لشهوةٍ، ومسُّ المرأة الرَّجُلَ لشهوة ينقض الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مسَّت فرجها، ومسُّ فرج المرأة ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضوءُها منتقضاً على كلِّ تقدير، والصُّور كما يلي: 1 - مسُّ أحد فرجي الخنثى المشكل بدون شهوة، فإِنه لا ينقض مطلقاً، سواء كان اللامس ذكراً أم أنثى. 2 - مسُّهُما جميعاً، فإِنه ينتقض الوُضُوء مطلقاً. 3 - مسُّ أحد فرجي الخُنثى المشكل بشهوة؛ فله أربع حالات: حالتان ينتقض الوُضُوء فيهما وهما: 1 - أن يمسَّ الذَّكرُ ذَكَره.

ومسه امرأة بشهوة

2 - أن تمسَّ الأنثى فرجه. وحالتان لا ينتقضُ الوُضُوء فيهما وهما: 1 - أن يمسَّ الذَّكرُ فرجه. 2 - أن تمسَّ الأنثى ذَكَرَه ..... وَمَسُّهُ امرأةً بشهوةٍ .......... قوله: «ومسُّه امرأةً بشهوة»، هذا هو النَّاقض الخامس من نواقض الوُضُوء. والضَّمير في قوله: «ومسُّه» يعود على الرَّجُل، أي: مسُّ الرَّجل امرأة بشهوة؛ وظاهره العموم وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحرِّ والعبد. ولم يقيِّد المؤلِّف المسَّ بكونه بالكَفِّ فيكون عامًّا، فإِذا مسَّها بأيِّ موضع من جسمه بشهوة انتقض وضُوءُه. والباء في قوله: «بشهوةٍ» للمصاحبة، أي: مصحوباً بالشَّهوة. وبعضُهم يعبِّر بقوله: «لشهوة» باللام، فتكون للتعليل (¬1)، أي مسًّا تحملُ عليه الشَّهوةُ. وقوله: «امرأة» المرأة هي البالغة، ولكن البلوغ هنا ليس بشرط، لكن قيَّده بعضُ العلماء ببلوغ سبع سنين، سواءٌ من اللامس أم الملموس (¬2). وفيه نظر؛ لأن الغالب فيمن كان له سبع سنوات أنَّه لا يدري عن هذه الأمور شيئاً؛ ولهذا قيَّده بعضُ ¬

_ (¬1) انظر: «الإقناع» (1/ 59)، «منتهى الإرادات» (1/ 25). (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 28).

العلماء بمن يطأ مثله. ومن تُوطأ مثلها، أي: تشتهي (¬1). والذي يطأ مثله من الرجال هو من له عشر سنوات، والتي تُوطأ مثلُها من النِّساء هي من تم لها تسعُ سنوات، فعلى هذا يكون الحُكم معلَّقاً بمن هو محلُّ الشَّهوة، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ الحُكم إِذا عُلِّق على وصف فلا بُدَّ أن يوجد محلٌّ قابلٌ لهذا الوصف. واختلف أهل العلم في هذا النَّاقض على أقوال: القول الأول: ـ وهو المذهبُ ـ أن مسَّ المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء (¬2). واستدلُّوا: بقوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] وفي قراءة سَبعيَّة: «أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ» (¬3). والمسُّ واللمس معناهما واحد، وهو الجسُّ باليد أو بغيرها، فيكون مسُّ المرأة ناقضاً للوُضُوء ..... فإن قيل الآية ليس فيها قيدُ الشَّهوة، إذ لم يقل الله «أو لامستم النساء بشهوة»، فالجواب: أن مظنَّةَ الحدث هو لمس بشهوة، فوجب حمل الآية عليها، ويؤيد ذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي من الليل، وكانت عائشةُ رضي الله عنها تمدُّ رجليها بين يديه، فإِذا أراد السُّجود غمزها فكفّتْ رجليها (¬4)، ولو كان مجردُ اللَّمس ناقضاً لانتقض وضوءُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم واستأنفَ الصَّلاة. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 45). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 42). (¬3) قرأ بها: حمزة، والكسائي، وخلف. انظر: «إِتحاف فضلاء البشر» للبنَّا (1/ 531) (¬4) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة على الفراش، رقم (382)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الاعتراض بين يدي المصلي، رقم (512).

ولأن إيجابَ الوُضُوء بمجرد المسِّ فيه مشقَّةٌ عظيمة، إذ قلَّ من يسلمُ منه، ولا سيَّما إِذا كان الإِنسان عنده أمٌّ كبيرةٌ، أو ابنةٌ عمياء وأمسك بأيديهما للإِعانة أو الدِّلالة. وما كان فيه حرج ومشقَّةٌ فإِنه منفيٌّ شرعاً. القول الثَّاني: أنه ينقضُ مطلقاً، ولو بغير شهوة، أو قصد (¬1). واستدلُّوا: بعموم الآية. وأجابوا عن حديث عائشة: بأنه يحتمل أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يمسُّها بظُفره، والظُّفر في حكم المنفصل، أو بحائل، والدَّليل إِذا دخله الاحتمال بطل الاستدلال به، وفي هذا الجواب نَظَر، وهذا ليس بصريح. القول الثَّالث: أنه لا ينقض مسُّ المرأة مطلقاً، ولو الفرج بالفرج، ولو بشهوة (527). واستدلُّوا: 1 - حديث عائشةَ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَبَّلَ بعضَ نسائه، ثم خرج إلى الصَّلاة، ولم يتوضَّأ (¬2)، حَدَّثت به ابن اختها عروةَ بن ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 42). (¬2) وقال ابن تيمية: «إسناه جيد». «شرح العمدة» (1/ 315). وقال ابن حجر: «رجاله ثقات». «الدراية» (1/ 45). ورواه أحمد (6/ 210)، وأبو داود رقم (178) عن إبراهيم التيمي عن عائشة به. قال أبو داود: «هذا مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة». وانظر «العلل» للدارقطني [5/ 152 ـ أ]. قال ابن تيمية: «غايةُ ما في الإِسناد نوع إِرسال، وإِذا أُرسل الحديث من وجهين مختلفين اعتضد أحدهما بالآخر، ولا سيما وقد رواه البزار بإِسناد جيد عن عطاء عن عائشة مثله»، «شرح العمدة» (1/ 315). وقد احتج ـ بهذا الحديث ـ الإمام أحمد كما في رواية حنبل عنه. ومَالَ ابن عبد البَر إلى تصحيحه. انظر: «العلل» للدارقطني [5/ل129 ـ ب، ل 151 ـ أ، ل156 ـ أ] نسخة دار الكتب، «سنن الدارقطني» (1/ 137)، «سنن البيهقي (1/ 124)، «التلخيص الحبير» رقم (178).

الزبير فقال: ما أظنُّ المرأةَ إِلا أنت، فضحكت.

وهذا حديثٌ صحيح، وله شواهدُ متعدِّدةٌ، وهذا دليلٌ إيجابي، وكون التَّقبيل بغير شهوة بعيدٌ جداً. 2 - أنَّ الأصل عدم النَّقض حتى يقومَ دليلٌ صحيح صريحٌ على النَّقض. 3 - أن الطَّهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعيٍّ، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، ولا دليل على ذلك وهذا دليل سلبيٌّ ..... وأجابوا عن الآية بأن المُراد بالملامسة الجماع لما يلي: 1 - أن ذلك صحَّ عن ابن عباس (¬1) رضي الله عنهما، الذي دعا له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يعلِّمه الله التأويل (¬2)، وهو أولى من يُؤخذ قوله في التفسير إلا أن يعارضه من هو أرجح منه. 2 - أنَّ في الآية دليلاً على ذلك حيث قُسِّمت الطَّهارةُ إلى أصليَّة وبدل، وصُغرى وكُبرى، وبُيِّنَت أسباب كلٍّ من الصُّغرى ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 184)، وفي «المصنف» رقم (506)، وابن جرير رقم (9583، 9584، 9585، 9586، 9587)، قال ابن كثير: «وقد صَحَّ من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك». «تفسير ابن كثير» (النساء 43). وهذا هو مذهب عمر بن الخطاب، فروى عبد الرزاق رقم (512) عن عمر أنه قبَّلَ امرأته عاتكة بنت زيد، ثم مضى إلى الصلاة فصلَّى ولم يتوضَّأ. والأثر صحَّحه أبو عمر بن عبد البر في «الاستذكار» (1/ 318)، وأقرَّه ابن كثير في «مسند الفاروق» (1/ 115). (¬2) روى البخاري، كتاب العلم: باب قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: اللهم علِّمه الكتاب، رقم (75)، بلفظ: «اللهم علِّمه الكتاب»، ورواه أحمد (1/ 266)، والطبراني (10/رقم 10587)، وغيرهما بلفظ: «اللهم فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التأويل»، وانظر كلام الحافظ في «الفتح» شرح حديث رقم (75).

والكُبرى في حالتي الأصل والبدل، وبيان ذلك أن الله تعالى قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، فهذه طهارة بالماء أصليَّة صُغرى. ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}، وهذه طهارة بالماء أصليَّة كُبرى. ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، فقوله: «فتيمَّمُوا» هذا البدل، وقوله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} هذا بيانُ سبب الصُّغرى، وقوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} هذا بيان سبب الكُبرى. ولو حملناه على المسِّ الذي هو الجسُّ باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصُّغرى، وسكت الله عن سبب الطَّهارة الكُبرى مع أنَّه قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}، وهذا خلاف البلاغة القرآنية ..... وعليه؛ فتكون الآية دالة على أن المُراد بقوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} أي: «جامعتم»، ليكون الله تعالى ذكر السَّببين الموجبين للطَّهارة، السَّببَ الأكبر، والسَّبب الأصغَر، والطَّهارتين الصُّغرى في الأعضاء الأربعة، والكُبرى في جميع البدن، والبدُل الذي هو طهارةُ التيمُّم في عضوين فقط؛ لأنَّه يتساوى فيها الطَّهارة الكُبرى والصغرى. فالرَّاجح: أن مسَّ المرأة، لا ينقضُ الوُضُوءَ مطلقاً إِلا إِذا خرج منه شيءٌ فيكون النَّقضُ بذلك الخارج.

أو تمسه بها ومس حلقة دبر

قوله: «أو تمسُّه بها»، ضمير المفعول في «تمسُّه» يعود على الرَّجل، أي: أو تمسُّ المرأة الرَّجلَ بشهوة، فينتقض وضوءُها. والدَّليل على ذلك: القياس، فإِذا كان مسُّ الرَّجل للمرأة بشهوة ينقض الوُضُوء، فكذا مسُّ المرأة للرَّجُل بشهوة ينقضُ الوُضُوءَ، وهذا مقتضى الطَّبيعة البشرية، وهذا قياسٌ واضحٌ جليٌّ. وعُلِمَ من قوله: «أو تمسُّه بها»، أن المرأة لو مسَّت امرأة لشهوة فلا ينتقض وضوءها، لأن المرأة ليست محلاً لشهوة المرأة الأخرى كما أنَّ الرَّجُل ليس محلاً لشهوة الرَّجُل. ويمكن أن نقول: إِنَّ المرأة إِذا مسَّت امرأة لشهوة انتقض وضوءُها بالقياس على ما إِذا مسَّت الرَّجُل بشهوة؛ لأن العِلَّة واحدة، ويوجد من النِّساء من تتعلَّق رغبتُها بالشَّابات، كما أنه يوجد من الرِّجال ـ والعياذ بالله ـ من تتعلَّق رغبتهم بالشَّباب، وما دامت العلَّة معقولة، فإِن ما شارك الأصلَ في العِلَّة، وجب أن يُعطى حكمَه، لكن سبق أنَّ القولَ الرَّاجح أن مسَّ المرأة لا ينقضُ الوُضُوءَ مطلقاً ما لم يخرج منه شيءٌ، فما تفرَّع عنه فهو مثله ..... أو تَمَسُّهُ بهَا ومَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ، ............. قوله: «ومسُّ حلْقةِ دُبُرٍ»، هذا من النواقض، ولا يحتاج إلى أن يُخصَّ؛ لأنَّه داخل في عموم مسِّ الفَرْج، ولكن لما ذكر المؤلِّفُ «مسَّ الذَّكر احتاج إلى أن يقول: «ومسُّ حلْقة دُبُرٍ»، ولو قال هناك: «مسُّ الفَرْج» لكان أعمَّ ولم يحتج إلى ذكر الدُّبر. وقد روى الإِمامُ أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

لا مس شعر وظفر

أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من مسَّ فرجه فليتوضَّأ» (¬1)، والدُّبُر فَرْجٌ ـ لأنه منفرجٌ عن الجوف، ويخرج منه ما يخرج. وعلى هذا فإنه ينتقضُ الوضوءُ بمسِّ حلْقة الدُّبُر، وهذا فرعٌ من حكم مسِّ الذَّكر فليُرجعْ إِليه لمعرفة الراجح في ذلك (¬2). وقوله: «حلقة دُبُر» يخرج به ما لو مسَّ ما قَرُب منها كالصفحتين، وهما جانبا الدُّبُر، أو مسَّ العجيزة، أو الفخذ، أو الأنثيين، فلا ينتقض الوُضُوء. لاَ مَسَّ شَعرٍ وَظُفُرٍ، ........... قوله: «لا مسَّ شَعْرٍ»، أي: لا ينقض مسُّ شعرٍ ممن ينقضُ مسُّه كمس المرأة بشهوة على المذهب. مثاله: رجلٌّ مسَّ شَعْر امرأته بشهوة، ولم يخرجْ منه شيءٌ، فإِنَّه لا ينتقض وضوءه، لأن الشَّعْر في حكم المنفصل، فكما لو مسَّ خمارها لم ينتقض وضوءُهُ ولو بشهوة، فكذا الشَّعر؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا حياة فيه. قوله: «وظُفُر»، يعني لو مسَّ ظُفُر من ينقضُ الوُضُوءَ مسُّه لم ينقضْ وضوءه (¬3). مثاله: رجل مسَّ ظُفْر امرأته لشهوة فإِنه لا ينتقض وضوءُه، سواء طال هذا الظُّفْر، أو قَصُر. وكذا السِّنُّ، فلو مسَّه بشهوة لا ينتقضُ وضوءهُ، لأنَّه في حكم المنفصل ولا حياة فيه ولا شعور. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (280). (¬2) انظر: ص (278). (¬3) انظر: «المغني» (1/ 260).

وأمرد

وقال ابن عقيل: إذا قلتم: إن هذه الثَّلاثة لا حياة فيها، فقولوا: إنَّ المسَّ بالعضو الأشلِّ لا ينقض الوُضُوء أيضاً، وأنتم تقولون بأنَّه ينقض (¬1) ..... وأَمْرَدٍ، .............. قوله: «وأمْرَدٍ»، أي لا ينقضُ الوُضُوء مَسُّ الأمرد، وهو من طرّ شاربُه، أي: اخضَرَّ ولم تنبت لحيتُه؛ لأنه ليس محلاً للشهوة، ولذا قال لوط لقومه: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ *وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ *} [الشعراء]. فالذَّكَر لم يُخلق للذَّكر فهو كما لو مسَّ بنت ثلاثة أشهر؛ لأن كُلًّا منهما ليس محلًّا للشَّهوة. وهذا القول ضعيف جدًّا، إِذا قلنا بنقض الوُضُوء بمسِّ المرأة لشهوة؛ لأن من النَّاس ـ والعياذ بالله ـ من قَلَبَ اللَّهُ حِسَّه وفطرته فأصبح يشتهي الذُّكور دون النِّساء، بل أشدُّ. وقوم لوط لما جاؤوا إِلى لوط قال: {هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] يقصدون الملائكة الذين أتوا في صورة شباب. والصَّواب: أن مسَّ الأمرد كمسِّ الأُنثى سواء، حتى قال بعض العُلماء: إِنَّ النظر إلى الأمرد حرامٌ مطلقاً كالنظر إلى المرأة فيجب عليه غَضُّ البصر (¬2). وقال شيخ الإسلام: لا تجوز الخلوةُ بالأمرد، ولو بقصد ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 47). (¬2) انظر: «الإنصاف» (20/ 56).

التَّعليم (¬1)؛ لأن الشَّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، وكم من أُناس كانوا قتلى لهذا الأمرد، فأصبحوا فريسة للشَّيطان والأهواء، وهذه المسألة يجب الحذر منها. ولهذا كان القول الرَّاجح أن عقوبةَ اللوطيِّ ـ فاعلاً كان أو مفعولاً به إذا كان راضياً ـ القتلُ بكلِّ حالٍ إِذا كانا بالغين عاقلين، حتى وإن لم يكونا محصنين. قال شيخ الإسلام رحمه الله: إِن الصَّحابةَ رضي الله عنهم أجمعوا على قتلِ الفاعلِ والمفعولِ به، لكن اختلفوا كيف يُقتلُ (¬2) ..... فأبو بكر، وعبد الله بن الزُّبير، وخالد بن الوليد حرَّقوهم بالنَّار؛ لأن فعلتهم هذه من أقبح المنكرات، ولهذا قال الله في الزِّنا: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: 32] يعني: من الفواحش؛ لأن «فاحشةً» نكرة. وقال الله في اللِّواط: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: 80]، فكأنها بلغت في الفُحْشِ غايتَه، وأعلاه. والإِمام يقتله بما يردع عن هذه الفِعلة الخبيثة؛ لأنه لا يمكن التحرُّز منها إِطلاقاً، فالزِّنا يُتَحرَّز منه، فإِذا رأينا رجلاً معه امرأة غريبة، قلنا له: من هذه؟ أما الرَّجُلُ مع الرَّجُل فلا يمكن ذلك. وهذا كما قالوا: إن قتل الغيلة موجبٌ للقتل بكلِّ حال، ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 245، 250، 251). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (11/ 543)، (28/ 335).

ولا مع حائل، ولا ملموس بدنه، ولو وجد منه شهوة،

ولو عفا أولياء المقتول، لأنه لا يمكن التحرُّز منه (¬1). ولا مَعَ حَائِلٍ، ولا مَلْمُوسٍ بَدَنُه، وَلَوْ وُجِدَ منه شَهْوَةٌ، .... قوله: «ولا مع حائل»، أي: ولا ينقض مسٌّ مع حائل؛ لأنَّ حقيقة المسِّ الملامسةُ بدون حائل. قوله: «ولا ملموسٍ بدنُه»، يعني ولا ينتقضُ وضوءُ ملموسٍ بدنُه، فلو أن امرأة مسَّها رَجُلٌ بشهوةٍ، فلا ينتقض وضوءُها، وينتقض وضوءُ الرَّجُل. قوله: «ولو وُجِدَ منه شهوة»، أي: ولو وُجِدَ من الملموس بدنُه شهوةٌ؛ فإِن وضوءَه لا ينتقضُ؛ وهذا غريبٌ: أنه لا ينتقضُ وضوءُ الملموس. مثاله: شابٌّ قَبَّلَ زوجته وهي شابَّةٌ بشهوة، وهي كذلك بشهوة فيجب عليه الوضوء، ولا يجب عليها مع أن العِلَّة واحدة. ولهذا كان القول الصَّحيح في هذه المسألة: أن الملموس إِذا وُجِدَ منه شهوةٌ انتقض وضوءُه؛ على القول بأنَّ اللامس ينتقض وضوءُه، وهو القياس. قال الموفق رحمه الله: كل بشرتين حصل الحدثُ بمسِّ إحداهما؛ فإِن الطَّهارة تجبُ على اللامس والملموس، كالختانين فيه مُجَامَع ومُجَامِع، إِذا التقى الختانان بدون إِنزال منهما وجب الغسل عليهما جميعاً (¬2). وهذا الذي قاله الموفق رحمه الله هو الصَّوابُ؛ لكنَّه مبنيٌّ .... ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (25/ 210)، «الاختيارات» ص (293). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 261).

وينقض غسل ميت

على القول بأن مسَّ المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء، وقد سبق أن الرَّاجح أنه لا ينقض إلا أن يخرج منه شيء. وَيَنْقُضُ غَسْلُ مَيِّتٍ، ............. قوله: «وينقضُ غَسْلُ ميِّتٍ»، هذا هو النَّاقضُ السَّادسُ من نواقض الوضوء. والغَسل بالفتح: بمعنى التغسيل، وبالضم، المعنى الحاصل بالتغسيل، ومعنى: ينقض غَسلُ ميِّت، أي: تغسيل ميِّت، سواء غَسَل الميِّتَ كلَّه أو بعضَه. وقوله: «ميِّت» يشمل الذَّكرَ والأنثى، والصَّغيرَ والكبيرَ، والحُرَّ والعبدَ، ولو من وراء حائل؛ لأن المؤلِّف يقول: «غسل» ولم يقل «مسُّ»، فلو وضع على يده خرقة، وأخذ يغسله انتقض وضوءهُ مطلقاً، وهذا الذي مشى عليه المؤلِّفُ هو المذهبُ، وهو من مفردات مذهبِ أحمد (¬1)؛ لأن الأئمة الثَّلاثة قالوا بخلاف ذلك (¬2). واستدلَّ الأصحاب بما يلي: 1 - ما رُويَ عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم أنهم أمروا غاسل الميِّت بالوُضُوء (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 52). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 256). (¬3) روى عبد الرزاق في «مصنفه» (3/ 405) رقم (6101)، وأبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الجنائز: باب من قال: ليس على غاسل الميت غسل، رقم (11134)، والبيهقي (1/ 305 ـ 306) عن ابن عباس أنه قال في غسل الميت: «يكفي منه الوُضُوء». وروى عبد الرزاق أيضاً (3/ 406، 407)، وأبو بكر بن أبي شيبة، الموضع السابق، رقم (11137)، والبيهقي (1/ 306) عن ابن عمر أنه قال في غسل الميت: «إِنما يكفيك الوُضوء»، واللفظ لعبد الرزاق. وذكر في «المغني» (1/ 256)، و «شرح العمدة» لابن تيمية (1/ 342) عن أبي هريرة أنه قال: «أقلُّ ما فيه الوُضُوء». ورُويَ نحو ذلك عن: عائشة، وعبد الله بن مسعود، وأبي برزة، وعائذ بن عمرو وغيرهم. انظر: «المراجع السابقة».

، وأكل اللحم خاصة من الجزور

2 - أن غاسل الميِّت غالباً يمسُّ فرجه، ومسُّ الفرج من نواقض الوُضُوء. القول الثاني: أن غَسْلَ الميِّت لا ينقضُ الوُضُوءَ (¬1). واستدلُّوا على ذلك بما يلي: 1 - أن النقضَ يحتاجُ إلى دليل شرعيٍّ يرتفعُ به الوُضُوءُ الثَّابتُ بدليل شرعيٍّ، ولا دليل على ذلك من كتاب الله، ولا من سُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا من الإجماع. وأجابوا عما وَرَدَ عن هؤلاء الصَّحابة الثَّلاثة: أن الأمر يحتملُ أن يكون على سبيل الاستحباب، وفرضُ شيء على عباد الله من غير دليل تطمئنُّ إليه النَّفس أمر صعب، لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام. ولأننا إذا فرضنا عليه الوُضُوء، فقد أبطلنا صلاته إِذا غسَّل الميِّت وصلَّى ولم يُعِد الوُضُوء، وإبطال الصَّلاة أمر صعب يحتاج إلى دليل بيِّنٍ ..... ، وأكْلُ اللَّحْمِ خاصَّة من الجَزُور ........... قوله: «وأكل اللَّحم خاصَّة من الجَزُورِ»، يعني وينقض أكلُ اللَّحم خاصَّة من الجزور، وهذا هو النَّاقضُ السابعُ من نواقض الوُضُوء، وهو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 52). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 53، 54).

وقوله: «وأكل اللحم» يشمل النِّيء والمطبوخ؛ لأنَّه كلَّه يُسمَّى لحماً. وخرج بقوله: «أكلُ» ما لو مضغه ولم يبلعه، فإِنه لا ينتقض وضوءُه؛ لأنه لا يُقال لمن مضغ شيئاً ثم لفظه: إنه أكله. وقوله: «خاصَّة» يعود إلى اللَّحم لا إلى الجزور؛ لأن قوله «الجزور» يُغني عن «خاصَّة». وخرج بكلمة «خاصَّة» ما عدا اللحم كالكِرْش، والكبد، والشَّحم، والكلية، والأمعاء، وما أشبه ذلك. والدَّليل على ذلك: 1 - أن هذه الأشياء لا تدخل تحت اسم اللَّحم، بدليل أنك لو أمرت أحداً أن يشتريَ لك لحماً، واشترى كرشاً؛ لأنكرت عليه، فيكون النقضُ خاصًّا باللَّحم الذي هو «الهَبْرُ» (¬1). 2 - أنَّ الأصل بقاءُ الطَّهارة، ودخولُ غير «الهَبْر» دخولٌ احتماليٌّ، واليقينُ لا يزول بالاحتمال. 3 - أنَّ النَّقْضَ بلحم الإِبل أمرٌ تعبُّديٌّ لا تُعرف حكمته، وإِذا كان كذلك، فإِنه لا يمكن قياس غير الهَبْرِ على الهَبْر؛ لأن من شرط القياس أن يكون الأصل معلَّلاً، إِذ القياس إِلحاق فرع بأصل في حُكم لِعلَّةٍ جامعة، والأمور التعبُّدية غير معلومة العِلّة وهذا هو المشهور من المذهب. والصَّحيح: أنه لا فرق بين الهَبْرِ وبقيَّة الأجزاء، والدَّليل على ذلك: .... ¬

_ (¬1) الهَبْرَةُ: القطعة من اللحم لا عظم فيها. «المحيط» مادة (هَبَرَ).

1 - أنَّ اللَّحم في لُغَة الشَّرع يشمل جميعَ الأجزاء، بدليل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، فلحم الخنزير يشمل كلَّ ما في جلده، بل حتى الجلد، وإِذا جعلنا التَّحريمَ في لحم الخنزير ـ وهو مَنْعٌ ـ شاملاً جميع الأجزاء فكذلك نجعل الوُضُوء من لحم الجزور ـ وهو أَمْرٌ ـ شاملاً جميع الأجزاء، بمعنى أنك إِذا أكلت أي جزء من الإِبل، فإِنه ينتقض وضوءُك. 2 - أنَّ في الإِبل أجزاءً كثيرة قد تُقارب الهَبْر، ولو كانت غير داخلة لبيَّن ذلك الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم لعِلْمِهِ أنَّ النَّاس يأكلون الهَبْر وغيره. 3 - أنَّه ليس في شريعة محمَّد صلّى الله عليه وسلّم حيوانٌ تتبعَّضُ أجزاؤه حلًّا وحُرمةً، وطَهارةً ونجاسةً، وسلباً وإيجاباً، وإِذا كان كذلك فلتكن أجزاء الإِبل كلُّها واحدة. 4 - أنَّ النَّصَّ يتناول بقيَّة الأجزاء بالعموم المعنوي، على فرض أنه لا يتناولها بالعُموم اللَّفظي؛ إِذْ لا فرق بين الهَبْر وهذه الأجزاء، لأنَّ الكُلَّ يتغذَّى بدمٍ واحد، وطعام واحد، وشراب واحد. 5 - أنَّه إِذا قلنا بوجوب الوُضُوء وتوضَّأنا وصلَّينا، فالصَّلاة صحيحةٌ قولاً واحداً، وإِن قلنا بعدم الوجوب وصلَّينا بعد أكل شيء من هذه الأجزاء بلا وُضُوء، فالصَّلاة فيها خلاف؛ فمن العلماء من قال بالبطلان، ومنهم من قال بالصِّحة، ففيها شُبهة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من اتَّقى الشُّبهات

فقد استبرأ لدينه وعِرضه» (¬1). وقال صلّى الله عليه وسلّم: «دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» (¬2). 6 - أنَّه روى أحمد في «مسنده» بسندٍ حسن عن أُسيد بن حُضير أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تَوضَّؤوا من ألبان الإِبل» (¬3) ..... ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (52)، ومسلم، كتاب المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (1599). من حديث النعمان بن بشير. (¬2) تقدم تخريجه ص (32). (¬3) أبو يعلى رقم (632). قال الهيثمي: «فيه مَنْ لم يُسمَّ». قال البوصيري: «مدار طرق هذه الأسانيد على ليث بن أبي سليم وهو ضعيف». انظر: «المجمع» (1/ 250)، «المطالب العالية» (1/ 101)، «إتحاف الخيرة المهرة» (1/ل105).

وإِذا دلَّت السُّنَّة على الوُضُوء من ألبان الإِبل، فإِن هذه الأجزاء التي لا تنفصل عن الحيوان من باب أَوْلَى. وعلى هذا يكون الصَّحيحُ أنّ أكل لحم الإِبل ناقضٌ للوُضُوء مطلقاً، سواءٌ كان هَبْراً أم غيره. وقوله: «من الجزور» أي: البعير، وخرج به اللحم من غير الجزور، وإِن شارك الجزور في الحكم كالبقرة، فإِنها تُسمَّى بدنة وتجزئ عنها في الهدي والأضاحي، ومع ذلك فإِنَّ لحمها لا يَنْقُضُ الوُضُوء، وكذلك اللحم المحرَّم لا ينقض الوضوء، كما لو اضطر إِنسانٌ إِلى أكلِ لحم حمار أو ميتة فإِنه لا ينقض الوُضُوء، وكذا لو أكل اللحم المحرَّم لغير ضرورة، فإِنه لا ينقض وضوءه، لأن الأصل بقاء الطهارة. وقوله: «من الجزور» ظاهره أنه لا فرق بين القليل والكثير، والمطبوخ والنِّيء، وسواء كانت الجزور كبيرة أم صغيرة لا تجزئ في الأضحية لعموم الحديث. ولا يُقال: إِنَّ لحم الصَّغير يُترفَّه به كلحم الضأن، فلا يوجب الوُضُوء؛ لأن هذه علَّة مظنونة، والعموم أقوى منها، فنأخذ به. وهذا النَّاقض من نواقض الوُضُوء هو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله واستدلُّوا على ذلك بما يلي:

1 - حديث جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: أنتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: «نعم، فتوضَّأ من لحوم الإِبل»، قال: أنتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضَّأ، وإِن شئت فلا تتوضَّأ» (¬1). وجه الدَّلالة: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم علَّق الوُضُوء بالمشيئة في لحم الغَنَم، فدلَّ هذا على أنَّ لحم الإِبل لا مشيئة فيه ولا اختيار، وأن الوُضُوء منه واجب. 2 - حديث البراء، وفيه: «توضَّؤوا من لحوم الإبل» (¬2). والأصل في الأمر الوجوب، قال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: حديث البراء، وحديث جابر بن سَمُرة (¬3). القول الثاني: أنه لا ينقض الوُضُوء (¬4)، واستدلُّوا على ذلك بما يلي: .... ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الوضوء من لحوم الإِبل، رقم (360). (¬2) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإبل، رقم (184)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإِبل، رقم (81)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، رقم (494)، وابن خزيمة رقم (32) من حديث البراء بن عازب. قال ابن خزيمة: «لم أَر خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه». وصحَّحه أيضاً: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والنووي، وابن تيمية، وغيرهم. انظر: «الخلاصة» رقم (275)، «شرح العمدة» لابن تيمية (1/ 330). «التلخيص الحبير» رقم (154). (¬3) انظر: «المغني» (1/ 251). (¬4) انظر: «الإنصاف» (2/ 54).

1 - حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ـ: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تركُ الوُضُوء مما مسَّت النار»، رواه أهل السُّنن (¬1). ووجه الدلالة أن قوله: «مما مسَّت» عام يشمل الإِبل وغيرها، وقد صرَّح بقوله: «كان آخرُ الأمرين»، وإِذا كان آخر الأمرين، فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشَّريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخاً للأول. 2 - حديث ابن عباس، أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الوُضُوء ممَّا خَرَج، لا ممَّا دخل» (¬2). ¬

_ (¬1) رواه ـ بهذا اللفظ ـ أبو داود، كتاب الطهارة: باب في ترك الوضوء مما مسَّت النار، رقم (192)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ترك الوضوء مما غيَّرت النار (1/ 108) رقم (185)، وابن حبان رقم (1134) عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وأُعِلَّ بعلتين: 1 - أنه مختصر من حديث جابر الطويل؛ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم توضأ ثم أكل خبزاً ولحماً، ثم صَلَّى ولم يتوضَّأ، قاله أبو حاتم الرازي، وأبو داود، وابن حبان، وابن حجر. قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أكل كتفاً ولم يتوضأ. كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حَدَّث به من حفظه فوهم فيه. «العلل» لابنه (1/ 64) رقم (168). 2 - قال الشافعي: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إِنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل. «التلخيص الحبير» رقم (155) ـ وعبد الله هذا صدوق في حديثه لين، ويُقال تغيَّر بآخره كما في «التقريب». ويشهد لمعناه ما رواه البخاري رقم (5457) عن جابر أنه سُئل عن الوضوء مما مسَّت النار؟ فقال: لا. (¬2) رواه الدارقطني (1/ 151) رقم (545)، والبيهقي (1/ 116). وضعَّفه: البيهقي، وابن حجر، وغيرهم. انظر: «التلخيص» رقم (158).

وأجيب عن هذين الدَّليلين بما يلي: أما حديث جابر: «كان آخر الأمرين ترك الوُضُوء مما مسَّت النار»، فلا يعارض حديث الوُضُوء من لحم الإِبل، فضلاً عن أن يكون ناسخاً له؛ لأنه عام، والعام يُحمل على الخاصِّ، باتِّفاق أهل العلم، فيخرج منه الصُّور التي قام عليها دليل التَّخصيص، ولا يُقال بالنسخ مع إِمكان الجمع؛ لأن النَّسخ مع إمكان الجمع إبطال لأحد الدَّليلين، مع أنه ليس بباطل. والغرض من حديث جابر: بيان أن الوُضُوءَ مما مسَّت النَّار ليس بواجب؛ فإِن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان قد أمر بالوُضُوء مما مَسَّت النارُ، وصحَّ عنه الأمر بذلك، فقال جابر: «كان آخُر الأمرين تركَ الوُضُوء مما مسَّت النار». والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أمر بأمرٍ وفعل خلافه، دَلَّ على أن الأمر ليس للوجوب. وأصَّلَ بعضُ أهل العلم أصلاً ليس بأصيل، ومالَ إِليه الشَّوكاني (¬1)، وهو أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم إِذا أمرَ بأمرٍ، وفعل خلافه، صار الفعلُ خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله للوجوب. وهذا ضعيف؛ لأنَّ سُنَّة الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم تشمل قوله صلّى الله عليه وسلّم وفعله، فإِذا عارض قولُه فعلَه، فإِن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولاً وفعلاً، ولا يجوز أن نحمله على .... ¬

_ (¬1) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني، كتاب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإبل (1/ 253) وباب استحباب الوضوء مما مسته النار (1/ 262).

الخصوصية مع إِمكان الجمع، لأن مقتضى ذلك ترك العمل بشطر السُّنَّة، وهو السُّنَّة الفعلية. وأما حديث ابن عباس فضعيف، وإِن صَحَّ موقوفاً (¬1)، فقد خُولف. فظهر بذلك ضعفُ دليل من قال: إِن لحمَ الإِبل لا ينقضُ الوضوءَ، ويبقى حديثُ الوُضُوءِ من لحمِ الإِبل سالماً من المعارض المقاوم، وإِذا كان كذلك، وجب الأخذ به، والقول بمقتضاه. وأما الوُضُوء من ألبان الإِبل؛ فالصَّحيح أنَّه مستحبٌّ وليس بواجب؛ لوجهين: الأول: أنَّ الأحاديث الكثيرة الصَّحيحة واردة في الوُضُوء من لحوم الإِبل، والحديث في الوضوء من ألبانها إِسناده حسن وبعضهم ضعَّفه (¬2). الثَّاني: ما رواه أنس في قصة العُرنيين أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمرهم أن يلحقوا بإِبل الصَّدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها (¬3) ... ولم يأمرْهم أن يتوضؤوا من ألبانها، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك، فدلَّ ذلك على أن الوُضُوء منها مستحبٌّ. ¬

_ (¬1) رواه البيهقي (1/ 116) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس به. وهذا إِسناد صحيح رجاله رجال الصحيح. وانظر: «فتح الباري» شرح حديث رقم (1938). (¬2) تقدم تخريجه ص (303). (¬3) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب أبوال الإِبل والدواب والغنم ومرابضهما، رقم (233)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين: باب حكم المحاربين والمرتدين، رقم (1671) من حديث أنس بن مالك.

مسألة: الوُضُوء من مرقِ لحم الإِبل. المذهب: أنه غير واجب، ولو ظهر طعمُ اللَّحم؛ لأنه لم يأكل لحماً. وفيه وجه للأصحاب: أنه يجب الوُضُوء (¬1)؛ لوجود الطعم في المرق، كما لو طبخنا لحم خنزير، فإِن مرقه حرام. وهذا تعليل قويٌّ جداً. فالأحوط أن يتوضَّأ، أما إِذا كان المرق في الطَّعام، ولم يظهر فيه أثره فإِنه لا يضرُّ. فإن قيل: ما الحكمة من وجوب الوُضُوء من أكل لحم الإبل؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن الحكمة أمرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وكل ما أتى به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم من الأحكام فهو حكمة ..... قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. وقالت عائشة لما سُئلت: ما بال الحائضِ تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت: «كان يُصيبُنا ذلك على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنؤمر بقضاء الصَّوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة» (¬2). ولأننا نؤمن ـ ولله الحمد ـ أن الله لا يأمر بشيء إِلا والحكمة ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 61). (¬2) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب لا تقضي الحائض الصلاة، رقم (321)، ومسلم، كتاب الحيض: باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، رقم (335).

وكل ما أوجب غسلا، أوجب وضوءا

تقتضي فعلَه، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركَه. الثاني: أن بعض العلماء التمس حكمةً فقال: إِن لحم الإِبل شديدُ التَّأثير على الأعصاب، فيُهَيِّجها (¬1)؛ ولهذا كان الطبُّ الحديث ينهى الإِنسان العصبي من الإِكثار من لحم الإِبل، والوُضُوء يسكِّن الأعصاب ويبرِّدها، كما أمر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالوُضُوء عند الغضب (¬2)؛ لأجل تسكينه. وسواء كانت هذه هي الحكمة أم لا؛ فإِن الحكمة هي أمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لكن إِن علمنا الحكمة فهذا فَضْلٌ من الله وزيادة علم، وإن لم نعلم فعلينا التَّسليم والانقياد. وكُلُّ ما أَوْجَبَ غُسْلاً، أَوْجَبَ وُضُوءاً، ............. قوله: «وكلُّ ما أوجب غُسْلاً أوجب وُضُوءاً»، هذا هو النَّاقض الثَّامن من نواقض الوُضُوء وبه تمَّت النَّواقضُ. أي: وكلُّ الذي أوجب غسلاً أوجب وُضُوءاً، وهذا ضابط. ولا بُدَّ من معرفة موجبات الغسل حتى نعرف أن هذا الذي ¬

_ (¬1) انظر: «إِعلام الموقعين» (1/ 395). (¬2) رواه أحمد (4/ 226)، وأبو داود، كتاب الأدب: باب ما يقال عند الغضب، رقم (4784) من طريق عروة بن محمد بن عطية السعدي عن أبيه عن جده به. عروة بن محمد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان وقال: «يخطئ وكان من خيار الناس»، «الثقات» (7/ 287). وَلِيَ اليمن لعمر بن عبد العزيز عشرين سنة. وقد قال ابن كثير: «كلُّ من استعمله عمر بن عبد العزيز فهو ثقة»، «البداية والنهاية» (9/ 219). كما أنه يظهر من كلام ابن حبان فيه أنه قد عرفه. أما أبوه محمد فقد قال الحافظ ابن حجر فيه في التقريب: «صدوق»، وقال الذهبي في الكاشف: «وثِّق» فالإِسناد لا بأس به. وله شاهد رواه أبو نعيم (2/ 130) من حديث معاوية بن أبي سفيان وإِسناده ضعيف. والحديث احتجّ به شيخُ الإِسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (25/ 238).

إلا الموت

أوجب غسلاً أوجب وُضُوءاً، فيكون هذا إِحالة على باب وسيأتي إن شاء الله (¬1). فالحدث الأكبر يدخل فيه الحَدَث الأصغر. مثال ذلك: خروجُ المنيِّ موجبٌ للغسل، وهو خارجٌ من السَّبيلين فيكون ناقضاً للوُضُوء بقاعدة: أن ما خرج من السَّبيلين فهو ناقض ..... وهذا الضَّابط في النَّفس منه شيء لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. فأوجب الله في الجنابة الغسل فقط، ولم يوجب علينا غسلَ الأعضاء الأربعة، فما أوجب غُسْلاً لم يوجب إِلا الغُسْل، إلا إِن دَلَّ إِجماع على خلاف ذلك، أو دليل. ولهذا فالراجح: أن الجنب إِذا نوى رفع الحدث كفى، ولا حاجة إلى أنْ ينويَ رفع الحدث الأصغر. إِلاَّ الموتَ .............. قوله: «إلا الموت»، فالموت موجبٌ للغسل، ولا يوجب الوُضُوءَ بمعنى أنه لا يجب على الغاسل أن يوضِّئ الميِّت أولاً. فلو جاء رجل وغمس الميِّتَ في نهرٍ ناوياً تغسيله ثم رفعه فإنه يجزئ. وهذا من غرائب العلم، كيف ينفون وجوب الوُضُوء في تغسيل الميِّت مع أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوُضُوء منها» (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: ص (333). (¬2) رواه البخاري، كتاب الجنائز: باب ما يستحب أن يُغسل وتراً، رقم (1254)، ومسلم، كتاب الجنائز: باب في غسل الميت، رقم (939) عن أم عطية.

ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو بالعكس بنى على اليقين

والتعليلُ على المذهب لاستثناء الموت: أن الشَّارعَ إِنما أمر بتغسيل الميت فقط. فيُقال: وكذا الشارع أمر بتغسيل الميت والبداءة بمواضع الوضوء منه. فإن قالوا: إِن الموت حَدَث لا يرتفع. قلنا: ولكن الأثر الحاصل بتغسيله عندكم بمعنى ارتفاع الحَدَث، لأننا غسَّلناه وحكمنا بطهارته مع أن الحَدَث الموجب للطَّهارة ما زال باقياً، فيكون بمعنى ارتفاع الحدث. ونحن نوافق أن الموت موجبٌ للغسل، ولا يوجب الوُضُوء، لعدم الدَّليل الصريح على وجوب الوُضُوء. وإِن كان يحتمل أن الوُضُوء واجب؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ومواضع الوُضُوء منها» (¬1). فالظَّاهر أن موجبات الغُسْل لا توجب إِلا الغُسْل لعدم الدَّليل على إِيجاب الوُضُوء ..... ومَنْ تَيَقَّنَ الطهارةَ وشَكَّ في الحَدَثِ، أَوْ بِالْعَكْسِ بَنَى على اليقينِ، ............ قوله: «ومن تيقَّن الطَّهارة وشَكَّ في الحدث أَوْ بالعَكْسِ بَنَى على اليقينِ»، يعني: إِذا تيقَّن أنه طاهر، وشك في الحدث فإِنه يبني على اليقين، وهذا عام في موجبات الغُسل، أو الوُضُوء. مثاله: رجل توضَّأ لصَلاةِ المغرب، فلما أذَّن العِشَاء وقام ليُصلِّي شَكَّ هل انتقض وضوءُه أم لا؟ فالأصل عدم النَّقضِ فيبني على اليقين وهو أنه متوضِّئ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (309).

مثال آخر: استيقظ رجلٌ فوجد عليه بللاً، ولم يرَ احتلاماً، فشكَّ هل هو منيٌّ أم لا؟ فلا يجب عليه الغسل للشَّكِّ. ولو رأى عليه أثر المنيِّ وشكَّ هل هو من الليلة البعيدة أم القريبة؟ يجعله من القريبة لأنها مُتيقَّنة، وما قبلها مشكوك فيه. ودليل ذلك حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما في الرَّجُل يجد الشيءَ في بطنه، ويُشْكِلُ عليه: هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينصرف حتى يسمعَ صوتاً، أو يجد ريحاً» (¬1)، وفي حديث أبي هريرة: «لا يخرج» (566)، أي: من المسجد «حتى يسمعَ صوتاً أو يجدَ ريحاً» (566) مع أن قرينةَ الحَدَثِ موجودةٌ، وهي ما في بَطْنِهِ من القرقرة والانتفاخ. وقوله: «أو بالعكس»، يعني أن من تَيَقَّنَ الحدثَ وشكَّ في الطَّهارة، فالأصْل الحدث. ويُستدلُّ لهذه المسألة بحديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد من باب قياس العكس. وقياس العكس ثابت في الشَّريعة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «وفي بُضْعِ أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوَتَه، ويكون له فيها أجْرٌ؟ قال: «نعم، أرأيتم لو وَضَعَها في حرام؛ أكان عليه وِزْر؟»، قالوا: نعم، فقال: «فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجرٌ (¬2) ......... ¬

_ (¬1) تقدّم تخريجهما، ص (269). (¬2) رواه مسلم، كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم (1006) من حديث أبي ذَرٍّ.

فإن تيقنهما، وجهل السابق

وكذا لو كان عليه جنابة، وشكَّ هل اغتسل أم لا؟ فإِنه يغتسل، ولا يتردَّد. وهذه ـ أعني البناءَ على اليقين وطرحَ الشَّكِّ ـ قاعدة مهمَّة، دَلَّ عليها قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا شَكَّ أحدكم في صلاته فليطرح الشَّكَّ وليَبْنِ على ما استيقن» (¬1)، ولها فروع كثيرة جدًّا في الطلاق والعقود وغيرهما من أبواب الفقه، فمتى أخذ بها الإنسان انحلَّت عنه إشكالات كثيرة، وزال عنه كثير من الوَساوس والشُّكوك، وهذا من بَرَكَةِ كلام النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وحكمه. وهو أيضاً من يُسْرِ الإِسلام وأنه لا يريد من المسلمين الوُقوعَ في القلق والحيرة؛ بل يريد أن تكون أمورهم واضحة جليَّة، ولو استسلم الإِنسان لمثل هذه الشُّكوك لتنغَّصت عليه حياته؛ لأنَّ الشيطان لن يقف بهذه الوساوس والشكوك عند أمور الطَّهارة فقط، بل يأتيه في أمور الصَّلاة والصِّيام وغيرهما، بل في كلِّ أمور حياته؛ حتى مع أهله، فَقَطَعَ الشَّارع هذه الوساوس من أصلها، وأمر بتركها، بل ودفعها حتى لا يكون لها أَثَرٌ على النفس. فإِن تَيَقّنَهُمَا، وَجَهلَ السابقَ، ........... قوله: «فإِن تَيَقَّنَهُمَا وجهل السَّابق»، أي: تيقَّن أنه مرَّ عليه طهارةٌ وحَدَثٌ تَيَقَّنَهُمَا جميعاً، ولكن لا يدري أيُّهما الأول، فيُقال له: ما حالُكَ قَبْلَ هذا الوقت الذي تبيَّن لك أنَّكَ أحدثت وتَطَهَّرْتَ فيه؟ ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم (571) من حديث أبي سعيد الخدري.

فإن قال: محدث، قلنا: أنت الآن متطهِّر. وإِن قال: متطهِّر، قلنا: أنت الآن محدث. مثاله: رجل متيقِّنٌ أنَّه على وُضُوء من صلاة الفجر إلى طلوع الشَّمس، وبعد طلوع الشمس بساعة أراد أن يُصلِّي الضُّحَى، فقال: أنا متيقِّن أنَّه من بعد طلوع الشَّمس إِلى الآن حصل مِنِّي حَدَث ووُضُوء، ولا أدري أيُّهُما السَّابق. نقول: أنت الآن محدث. وإن قال: أنا متيقِّن أني بعد صلاة الفجر نَقَضْتُ الوُضُوءَ، وبعد طلوع الشمس حَصَل مِنِّي حَدَثٌ ووُضُوء، نقول: أنت الآن طاهر ..... والتَّعليل: أنه تيقَّن زوال تلك الحال إلى ضِدِّها، وشَكَّ في بقائه، والأصل بقاؤه. ففي الصُّورة الأولى تيقَّن أنَّه كان على وُضُوء إلى طلوع الشَّمس، ثم تيقَّن أنه أحْدَثَ بعد ذلك، ثم شَكَّ هل زال الحدث أم لا؟ فيُقال: إِنك محدث لأنَّ الأصل بقاء الحدَثِ الذي تَيَقَّنْتَه، وهكذا. فإِن تيقَّن الطَّهارة والحَدَث؛ وجهل السَّابق منهما؛ وجهل حاله قَبْلَهُمَا؛ وَجَبَ عليه الوُضُوء؛ لأنه ليس هناك حال متيقَّنة ويُحَالُ الحكم عليها. وهذا هو المذهب. وقال بعض العُلماء: إِنه يجب الوُضُوء مطلقاً (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 68).

والتَّعليل: أنَّه تيقَّن أنه حصل له حالان، وهذان الحالان مُتَضَادَّان ولا يدري أيُّهما الأسبق، فلا يدري أيُّهما الوارد على الآخر فيتساقطان، وقد تيقَّن زوال تلك الحال الأولى، فيجب عليه الوُضُوء احتياطاً كما لو جهل حاله قبلهما. والقول بوجوب الوُضُوء أَحْوَطَ، لأنه مثلاً بعد طلوع الشمس متيقِّن أنه أَحْدَثَ وتَوَضَّأ، ولا يدري الأسبق منهما، وفيه احتمال أنه توضَّأ تجديداً ثم أحدث، فصار يجب عليه الوُضُوء الآن، وإِذا كان هذا الاحتمال وارداً فلا يخرج من الشَّكِّ إِلا بالوُضُوءِ. وهذا الوُضُوء إِنْ كان هو الواجب فقد قام به، وإِلا فهو سُنَّةٌ. والفقهاء رحمهم الله قالوا: إِذا قَوِيَ الشَّكُّ فإِنه يُسَنُّ الوُضُوء؛ لأجل أن يُؤَدِّي الطَّهارة بيقين (¬1). والحاصل أن الصُّوَرَ أربع وهي: الأولى: أن يتيقَّن الطَّهارة ويَشُكَّ في الحَدَثِ. الثانية: أن يتيقَّن الحَدَثَ ويشكَّ في الطَّهارة. الثَّالثة: أن يَتَيَقَّنَهُمَا ويجهلَ السَّابق منهما، وهو يعلم حاله قَبْلَهُمَا. الرَّابعة: أن يَتَيَقَّنَهُمَا ويجهلَ السَّابق منهما، وهو لا يعلم حاله قَبْلَهُمَا، وقد تبيَّن حكم كلِّ حالٍ من هذه الأحوال ..... وبهذا التَّقسيم وأمثاله يتبيَّن دقَّة ملاحظة أهل العِلْمِ؛ وأنه لا تكاد مسألة تَطْرأُ على البال إِلاَّ وذكروا لها حُكْماً، وهذا من ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 67).

ويحرم على المحدث مس المصحف

حِفْظِ الله تعالى للشَّريعة، لأنَّه لولا هؤلاء العلماء الأَجِلاَّء الذين فَرَّعوا على كتاب الله تعالى وعلى سُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم ما فَرَّعوا؛ لفاتنا كثير من هذه الفروع. ويَحْرُمُ على المحدِثِ مسُّ المُصْحَفِ، .......... قوله: «ويحرم على المحدِث مسُّ المصحف»، المصْحَفُ: ما كُتِبَ فيه القرآن سواء كان كاملاً، أو غير كامل، حتى ولو آية واحدة كُتِبَتْ في ورقة ولم يكن معها غيرها؛ فحكمها حكم المصحف. وكذا اللَّوح له حكم المصحف؛ إِلا أن الفقهاء استثنوا بعض الحالات. وقوله: «المحدِث»، أي: حدثاً أصغر أو أكبر؛ لأن «أل» في المحدث اسم موصول فتشمل الأصغر والأكبر. والحَدَثُ: وصف قائم بالبَدَن يمنع مِنْ فِعْلِ الصلاة ونحوها مما تُشترط له الطَّهارة. والدَّليل على ذلك: 1 - قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الواقعة]. وجه الدِّلالة: أنَّ الضَّمير في قوله: «لا يمسُّه» يعود على القرآن، لأن الآيات سِيقت للتَّحدُّث عنه بدليل قوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الواقعة] والمنزَّل هو هذا القرآن، والمُطَهَّر: هو الذي أتى بالوُضُوء والغُسُل من الجنابة، بدليل قوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (17/ 217 ـ 218).

فإن قيل: يَرِدُ على هذا الاستدلال: أنَّ «لا» في قوله: «لا يمسُّه» نافية، وليست ناهية، لأنه قال: «لا يمسُّه» ولم يقل: «لا يمسَّه»؟ ..... قيل: إِنه قد يأتي الخبر بمعنى الطَّلب، بل إِن الخبر المراد به الطَّلب أقوى من الطَّلب المجرَّد، لأنه يُصوِّر الشيءَ كأنه مفروغ منه، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، فقوله: «يَتَرَبَّصْنَ» خبر بمعنى الأمر. وفي السُّنَّة: «لا يبيع الرَّجُل على بيع أخيه» (¬1) بلفظ الخبر، والمراد النَّهي. 2 - ما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل اليمن وفيه: « ... ألا يمسَّ القرآن إلا طاهر ... » (¬2). والطَّاهر: هو المُتطهِّرُ طهارة حسِّيَّة من الحَدَث بالوُضُوء أو الغُسُل، لأن المؤمن طهارته معنوية كاملة، والمصحف لا يمسُّه غالباً إلا المؤمنون، فلما قال: «إلا طاهر» عُلم أنها طهارة غير الطَّهارة المعنوية، بل المراد الطَّهارة من الحَدَث، ويَدُلُّ لهذا قوله ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب البيوع: باب لا يبيع على بيع أخيه، رقم (2140)، ومسلم، كتاب النكاح: باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، رقم (1413)، من حديث أبي هريرة. (¬2) رواه الطبراني في «الكبير» (12/رقم 13217)، والدارقطني (1/ 121)، والبيهقي (1/ 88) عن ابن عمر، قال ابن حجر: «إِسناده لا بأس به». وروي أيضاً من حديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام وعثمان بن أبي العاص. وصحَّحه: إِسحاق بن راهويه، والشافعي، وابن عبد البر. واحتجَّ به أحمد بن حنبل. انظر: «التلخيص الحبير» رقم (175)، «نصب الراية» (1/ 196).

تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] أي طهارة حسِّيَّة؛ لأنه قال ذلك في آية الوضوء والغُسل. 3 - من النَّظر الصَّحيح: أنَّه ليس في الوجود كلام أشرف من كلام الله، فإذا أَوْجَبَ الله الطَّهارة للطَّواف في بيته، فالطَّهارة لِتِلاوَةِ كتابه الذي تَكَلَّم به من باب أولى، لأننا نَنْطق بكلام الله خارجاً من أفواهنا، فَمُمَاسَّتنا لهذا الكلام الذي هو أشرف من البناء يقتضي أن نكون طاهِرِين؛ كما أن طوافنا حول الكعبة يقتضي أن نكون طاهرين، فتعظيماً واحتراماً لكتاب الله يجب أن نكون على طهارة. وهذا قول جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة (¬1). وقال داود الظَّاهري وبعض أهل العلم: لا يحرم على المُحْدِثِ أن يَمَسَّ المصحف (¬2) ..... واستدلُّوا: بأن الأصل براءة الذِّمة، فلا نُؤَثِّم عباد الله بفعل شيء لم يَثْبُتْ به النَّص. وأجابوا عن أدلَّة الجمهور: أما الآية فلا دلالة فيها، لأن الضَّمير في قوله: «لا يمسُّه» يعود إلى «الكتاب المكنون»، والكتاب المكنون يُحْتَمَلُ أن المرادَ به اللوحُ المحفوظ، ويُحْتَملُ أن المرادَ به الكتب التي بأيدي ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 202)، «مجموع الفتاوى» (21/ 266). (¬2) انظر: «المحلَّى» (1/ 77).

الملائكة. فإن الله تعالى قال: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ *} [عبس]، وهذه الآية تفسير لآية الواقعة، فقوله: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *} كقوله: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *} [الواقعة]. وقوله: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *}، كقوله: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *} [الواقعة]. والقرآنُ يُفسِّر بعضه بعضاً، ولو كان المراد ما ذَكَرَ الجمهور لقال: «لا يمسُّه إلا المطَّهِّرون» بتشديد الطاء المفتوحة وكسر الهاء المشددة، يعني: المتطهرين، وفرق بين «المطهَّر» اسم مفعول، وبين «المتطهِّر» اسم فاعل، كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]. وقولهم: إن الخبر يأتي بمعنى الطَّلب، هذا صحيح لكن لا يُحْمَلُ الخبر على الطلب إِلا بقرينة، ولا قرينة هنا، فيجب أن يبقى الكلام على ظاهره، وتكون الجملة خَبَريَّة، ويكون هذا مؤيِّداً لما ذكرناه من أن المراد بـ «المطهَّرون»، الملائكة كما دلَّت على ذلك الآيات في سورة «عبس». وأما قوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الواقعة]، فهو عائدٌ على القرآن، لأن الكلام فيه، ولا مانع من تداخل الضَّمائر، وعود بعضها إلى غير المتحدَّث عنه، ما دامت القرينة موجودة. ثم على احتمال تساوي الأمرين فالقاعدة عند العلماء إنه إِذا وُجِدَ الاحتمال بَطلَ الاستدلال. فيسقط الاستدلال بهذه الآية، فنرجع إلى براءة الذِّمة .....

وأما بالنسبة لحديث عمرو بن حزم: فهو ضعيف، لأنه مُرسَل، والمرسل من أقسام الضَّعيف، والضَّعيف لا يُحْتَجُّ به في إثبات الأحكام؛ فضلاً عن إِثبات حُكْمٍ يُلْحِقُ بالمسلمين المشَقَّة العظيمة في تكليف عباد الله ألا يقرؤوا كتابه إلا وهو طاهرون، وخاصَّة في أيام البرد. وإذا فرضنا صِحَّتَهُ بناء على شُهْرَتِهِ فإن كلمةَ «طاهر» تَحْتَمِلُ أن يكونَ طاهرَ القلب من الشِّرك، أو طاهر البَدَنِ من النَّجَاسَة، أو طاهراً من الحدث الأصغر؛ أو الأكبر، فهذه أربعة احتمالات، والدَّليل إِذا احتمل احتمالين بَطلَ الاستدلال به، فكيف إِذا احتمل أربعة؟ وكذا فإِن الطَّاهر يُطْلَقُ على المؤمن لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، وهذا فيه إثبات النَّجاسة للمُشرك. وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ المؤمنَ لا يَنْجُس» (¬1)، وهذا فيه نَفْيُ النَّجاسة عن المؤمن، ونفي النَّقيضِ يستلزم ثبوت نقيضه، لأنَّه ليس هناك إِلا طَهَارة أو نَجَاسة، فلا دلالة فيه على أن من مَسَّ المصْحَفِ لا يكون إِلا من مُتَوضِّئ. وأما بالنِّسبة للنَّظَر: فنحن لا نُقِرُّ بالقياس أصلاً، لأن الظَّاهِريَّة لا يقولون به. وعندي: أن ردَّهم للاستدلال بالآية واضح، وأنا أوافقهم على ذلك. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (25).

وأما حديث عمرو بن حزم فالسند ضعيف كما قالوا (¬1)، لكنْ مِنْ حيثُ قَبُولُ النَّاسِ له، واسْتنادُهم عليه فيما جاء فيه من أحكام الزَّكاة والدِّيات وغيرها، وتلقِّيهم له بالقَبُول يَدلُّ على أنَّ له أصلاً، وكثيراً ما يكون قَبُول النَّاس للحديث سواء كان في الأمور العلميَّة أو العَمَليَّة قائماً مقام السَّند، أو أكثر، والحديث يُسْتَدلُّ به من زمن التابعين إِلى وقتنا هذا، فكيف نقول: لا أَصْلَ له؟ هذا بَعيد جدًّا. وكنت في هذه المسألة أميل إلى قول الظَّاهِريَّة، لكنْ لمَّا تأمَّلتُ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر»، والطَّاهرُ يُطْلَق على الطَّاهر من الحدث الأصغر والأكبر لقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، ولم يكن من عادة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن يُعَبِّرَ عن المؤمن بالطَّاهر؛ لأنَّ وَصْفَهُ بالإِيمان أَبْلَغُ، تبيَّن لي أنَّه لا يجوز أن يمسَّ القرآنَ مَنْ كان محدثاً حدثاً أصغر، أو أكبر، والذي أَرْكَنُ إِليه حديث عمرو بن حزم، والقياس الذي استُدلَّ به على رأي الجمهور فيه ضعف، ولا يقوى للاستدلال به، وإِنما العُمْدَة على حديث عمرو بن حزم. وقد يقول قائل: إِنَّ كتابَ عمرو بن حزم كُتِبَ إلى أهل اليَمَنِ، ولم يكونوا مسلمين في ذلك الوقت، فَكَوْنُهُ لِغَيْرِ المسلمين يكون قرينة أنَّ المراد بالطَّاهر هو المؤمِن. وجَوَابُه: أن التَّعبير الكثير مِنْ قوله صلّى الله عليه وسلّم أن يُعَلِّقَ الشَّيء ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (316).

بالإيمان، وما الذي يَمْنَعُهُ مِنْ أن يقول: لا يَمَسُّ القرآنَ إِلا مُؤْمِنٌ، مع أنَّ هذا واضح بَيِّن. فالذي تَقَرَّرَ عندي أخيراً: أنَّه لا يجوز مَسُّ المصْحَفِ إِلا بِوُضُوء ..... مسألة: هل المحرَّمُ مَسُّ القرآنِ، أو مَسُّ المصحفِ الذي فيه القرآن؟ فيه وَجْهٌ للشَّافعية: أن المحرَّم مسُّ نَفْس الحروفِ دونَ الهوامِش (¬1)، لأنَّ الهوامِش وَرَقٌ، قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ *فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ *} [البروج]، والظَّرف غير المظروف. وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَمَسَّ القرآنَ إِلا طَاهِرٌ» (¬2). وقال الحنابلة: يَحْرُمُ مَسُّ القرآن وما كُتِبَ فيه؛ إِلا أنَّه يجوز للصَّغير أن يَمَسَّ لوحاً فيه قُرآن بِشَرْطِ ألاَّ تقع يَدُهُ على الحروف (¬3). وهذا هو الأحوط؛ لأنه يَثْبُتُ تبعاً ما لا يَثْبُتُ استقلالاً. مسألة: هل يَشْمُل هذا الحُكْم مَنْ دونَ البُلُوغ. قال بعض العلماء: لا يَشْمُل الصِّغار لأنَّهم غير مكلَّفين (¬4)، وإِذا كانوا غير مكلَّفين فكيف نُلزمهم بشَيءٍ لا يتعلَّق به كُفْر، ولا ما دون الكُفْرِ؛ إِلا أنه مَعْصِيَة للكبير، وهؤلاء ليسوا من أهل المعاصي لِرَفْعِ القلمِ عنهم. وهل يلزم وَلِيُّهُ أنْ يأمره بذلك، أو لا يلزمه؟ ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذَّب» (2/ 67). (¬2) تقدم تخريجه، ص (316). (¬3) انظر: «الإِقناع» (1/ 61). (¬4) انظر: «الإِنصاف» (2/ 73)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 69).

الصَّحيح عند الشَّافعية: أنه لا يلزمه الوُضُوء، ولا يَلزم وليَّه أن يُلزِمه به (¬1)؛ لأنه غير مكلَّف. ولأن إِلزام وليِّه به فيه مَشَقَّة وهو غير واجب عليه، وإِذا كان فيه مشقَّة في أمر لا يجب على الصَّغير، فإِنه لا يُلزِمه به وَلِيُّه. والمشهور عند الحنابلة: أنه لا يجوز للصَّغير أن يَمَسَّ القرآن بلا وُضُوء، على وليِّه أن يُلزِمه به كما يلزمه بالوُضُوء للصَّلاة (¬2)، لأنه فعل تُشترط لحِلِّه الطَّهارة، فلا بُدَّ من إِلزام وليِّه به. واستثنوا اللوح، فيجوز للصَّغير أن يَمَسَّه ما لَمْ تقع يدهُ على الحروف (¬3). وعَلَّلَ بعضُهم ذلك بالمشقَّة (¬4)، وعَلَّلَ آخرون بأنَّ هذه الكتابة ليست كالتي في المصحف (585)، لأن التي في المصحف تُكْتَبُ للثُّبوت والاستمرار، أمَّا هذه فلا ..... ولو كَتَبْتَ قرآناً معكوساً ووضعتَه أمام المرآة، فإنه يكون قرآناً غير معكوس، ولا يَحْرُم مس المرآة، لأن القرآن لم يُكتبْ فيها. وظاهِرُ كلام الفُقَهاء رحمهم الله: أنه لا يجوز مَسُّ «السُّبُّورة» (¬5) الثَّابتة بلا وُضُوء إِذا كُتِبَتْ فيها آية، لكن يجوز أن تَكتبَ القرآن بلا وُضُوء ما لم تمسَّها. وقد يُقال: إِن هذا الظَّاهر ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 73). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (2/ 73). (¬3) انظر: «الإِنصاف» (2/ 73). (¬4) انظر: «المغني» (1/ 204)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 70). (¬5) السُّبُّورة: لوح كبير يُعلَّق أمام جمهور من الناس، يُكتب عليه ويُمحى. «المعجم العربي الأساسي» ص (604).

والصلاة،

غير مراد؛ لأنه يُفرَّق بين المصحف أو اللوح وبين السُّبُّورة الثَّابتة، بأنَّ المصحف أو اللوح يُنْقَل ويُحْمَل فيكون تابعاً للقرآن بِخِلاف السبّورة الثابتة. وأمَّا كُتُب التَّفسير فيجوز مَسُّها؛ لأنها تُعْتَبر تفسيراً، والآيات التي فيها أقلُّ من التَّفسير الذي فيها. ويُسْتَدَلُ لهذا بكتابة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الكُتُبَ للكُفَّارِ، وفيها آيات من القرآن (¬1)، فدلَّ هذا على أن الحُكْمَ للأغلب والأكثر. أما إِذا تساوى التَّفسير والقُرآن، فإِنَّه إِذا اجتمع مبيحٌ وحاظرٌ ولم يتميَّز أحدُهما بِرُجْحَانٍ، فإِنه يُغلَّب جانب الحظر فيُعْطى الحُكْمُ للقرآن. وإن كان التَّفسير أكثر ولو بقليل أُعْطِيَ حُكْمَ التَّفسير. والصَّلاةُ، ........ قوله: «والصَّلاة»، أي: تَحْرُمُ الصَّلاة على المحدِثِ، وذلك بالنَّصِّ من الكتاب والسُّنَّة والإِجماع. أولاً: الكتاب: قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، ثم علَّلَ ذلك بأن المقصود التطهُّر لهذه الصَّلاة. وعلى هذا فالطَّهارة شَرْطٌ لِصحَّةِ الصَّلاة وجَوازِها، فلا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يُصَلِّيَ وهو مُحْدِثٌ، سواء كان حَدثاً أصغر أو أكبر. فإِن صلَّى وهو مُحْدِثٌ، فإِنْ كان هذا استهزاء منه؛ فهو .... ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (8).

كافر لاستهزائه. وإِنْ كان متهاوناً فقد اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في تكفيره. فمذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه يَكْفُر (¬1)، لأن من صلَّى وهو مُحْدِثٌ مع عِلْمِهِ بإِيجاب الله الوُضُوء فهذا كالمستهزئ، والاستهزاء كُفْرٌ كما قال الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}} [التوبة: 65، 66]. ومَذْهَبُ الأئمة الثَّلاثة: أنَّه لا يَكْفُر (¬2)، لأنَّ هذه معصيةَ، ولا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ أنْ يكونَ مُسْتَهزئاً. ولهذا قلنا: إِنْ صَلَّى بلا وُضُوء استهزاء فإِنَّه كافر، وإلا فلا، وهذا أقرب، لأنَّ الأَصْلَ بقاءُ الإِسلام، ولا يمكن أنْ نُخرِجه منه إلا بدليل. ثانياً: السُّنَّة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَقْبَلُ الله صلاةً بغير طُهُور» (¬3)، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بغير طُهُور» (¬4)، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاة أَحَدِكُمْ إِذا أَحْدَثَ حتى يتوضَّأ» (¬5). ¬

_ (¬1) انظر: «حاشية ابن عابدين» (1/ 81). (¬2) انظر: «الفروع» (1/ 188)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 67). (¬3) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (224). (¬4) رواه أحمد (2/ 57) من حديث ابن عمر، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب فرض الوضوء، رقم (59) من حديث أبي المليح عن أبيه. قال الحافظ ابن حجر: «إِسناده صحيح». انظر: «الفتح» شرح حديث رقم (1410). (¬5) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (135)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (225).

ثالثاً: الإجماع: فقد أجمع المسلمون أنه يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يُصَلِّيَ بلا طَهَارة. والصَّلاة هي التي بَيَّنَهَا الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم تحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم، سواء كانت ذاتَ رُكوع وسُجود أم لا. فالفرائض الخَمسُ صلاة، والجمعة، والعيدان، والاستسقاء، والكسوف، والجنازة صلاة، لأن الجنازة مُفتتحة بالتكبير، مُختتمة بالتَّسليم، فينطبق عليها التَّعريف الشَّرعي، فتكون داخلة في مُسَمَّى الصَّلاة. وقال بعض العلماء: إِنَّ الصَّلاةَ هي التي فيها رُكُوع وسجود (¬1). وقال آخرون: إِن الصَّلاة هي التي تكون رَكْعَتَيْن فأكثر، إِلا الوِتْر فهو صلاة، ولو رَكْعَة (593). والأوَّل هو الأصحُّ. وبناءً على هذا التَّعريف ننظر في سجدتَي التِّلاوة والشُّكر هل يكونان صلاة؟ .... فالمشهور من المَذْهَبِ أنهما صلاة تُفْتَتَحُ بالتكبير، وتُخْتَتَمُ بالتَّسليم، ولهذا يُشرعُ عندهم أن يُكبِّر إِذا سجد وإِذا رفع، ويُسلِّم. وبِنَاءً على هذا يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يَسْجُدَ للتِّلاوة أو الشُّكْر وهو غير طاهر. فالخلاف في اشتراط الطَّهارة لهما مبنيٌّ ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 277، 289)، «تهذيب السُّنن» (1/ 52).

على أنَّ سَجْدَتَي التِّلاوة والشُّكر هل هما صلاة أم لا؟ فإِن قُلْنا: إِنهما صلاة وَجَبَ لهما الطَّهارة، وإن قلنا: إنهما غير صلاة لم تَجِبْ لهما الطهارة. والمتأمِّلُ للسُّنَّةِ يُدْرِك أنهما ليسا بصلاة لما يلي: 1 - أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يسجد للتِّلاوة، ولم يُنْقَل عنه أنه كان يُكبّر إذا سجد أو رفع، ولا يسلِّم، إلا في حديث رواه أبو داود في التَّكبير للسجود دُونَ الرَّفع منه، ودُونَ التَّسليم (¬1). 2 - أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم سَجَدَ في سورة النَّجْمِ، وسجد معه المسلمون والمشركون، والمشركُ لا تصحُّ منه صلاة، ولم يُنكر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك (¬2). وهذا قَدْ يُعَارَضُ فيه، فيُقال: إِنَّ سُجُودَ المشرِكين في ذلك الوقت كان قَبلَ فَرْضِ الوُضُوءِ، لأنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ لمْ يَكُنْ إِلا مع فَرْض الصَّلاةِ، والصَّلاةُ لم تُفرض إِلا مُتأخِّرة قبل الهجرة بسَنةٍ، أو بثلاثِ سَنَوات، وما دام الاحتمالُ قائماً فالاستِدْلال فيه نظر. والمتأمِّل لِسُجُودِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للشُّكر، أو التِّلاوة يَظْهَرُ له أنه ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق رقم (5911)، ومن طريقه أبو داود، كتاب الصلاة: باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب، رقم (1413) عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأ علينا القرآن، فإِذا مرَّ بالسجدة كبّر وسجد وسجدنا». وعبد الله بن عمر العُمري ضعيف. كما في «التقريب». قال النووي: «رواه أبو داود وإِسناده ضعيف. «الخلاصة» رقم (48). (¬2) رواه البخاري، كتاب سجود القرآن: باب ما جاء في سجود القرآن وسُنتها، رقم (1067)، ومسلم، كتاب المساجد: باب سجود التلاوة، رقم (576) عن عبد الله بن مسعود.

والطواف

لا يُكَبِّر، وعليه لا تكون سجدة التِّلاوة والشُّكر من الصَّلاة، وحينئذٍ لا يَحْرُم على مَنْ كان مُحْدِثاً أن يَسْجُدَ للتِّلاوة أو الشُّكْرِ وهو على غَير طَهَارة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام رحمه الله (¬1). وصَحَّ عن عبد الله بنِ عُمَر رضي الله عنه أنه كان يَسْجُدُ للتِّلاوة بلا وُضُوء (¬2) .... ولا رَيْبَ أنَّ الأفضل أن يتوضّأ، ولا سيَّما أن القارئ سوف يَتْلُو القرآن، وتِلاوَةُ القرآن يُشْرَعُ لها الوُضُوء، لأنها مِنْ ذِكْرِ الله، وكلُّ ذكر لله يُشرع له الوُضُوء. أمَّا اشتراط الطَّهارة لِسُجُودِ الشُّكر فَضَعيف، لأنَّ سَبَبَهُ تَجدُّد النِّعَمِ، أو تجدُّد اندفاع النِّقَمِ، وهذا قد يَقَعُ للإِنسان وهو مُحْدِث. فإن قلنا: لا تَسْجُدُ حتّى تَتَوَضَّأ؛ فرُبَّما يطول الفصل، والحُكْمُ المعلَّق بِسَبَبٍ إِذا تأخَّرَ عن سببه سقط، وحينئذٍ إِمّا أن يُقال: اسْجُدْ على غير وُضُوء، أو لا تسجد، لأنه قد لا يَجِدُ الإِنسانُ ماءً يتوضَّأ منه سريعاً ثمَّ يَسْجُد. أما سُجُود التِّلاوة فَيَنْبَغِي ألا يَسْجُدَ الإِنسانُ إِلا وهو على طَهَارةٍ كما أنَّهُ يَنْبغي أَنْ يقرأ على طهارة. والطَّوافُ. قوله: «والطَّواف»، أي: يَحْرُمَ على المُحْدِثِ الطَّوافُ بالبيتِ، سواء كان هذا الطَّواف نُسُكاً في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ أو تَطَوُّعاً، كما لو طَافَ في سَائِرِ الأيَّام. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 279، 293)، «الاختيارات» ص (60). (¬2) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب سجود القرآن: باب سجود المسلمين مع المشركين، انظر ترجمة حديث رقم (1071) ..

والدَّليل على ذلك: 1 ـ أنه ثَبَتَ عنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه حين أراد الطَّواف تَوَضَّأ ثمَّ طاف (¬1). 2 ـ حديث صفيَّة لمَّا قيل له: إِنَّ صَفِيَّة قد حاضَتْ، وظنَّ أنها لم تَطُفْ للإِفاضة فقال: «أحابستنا هي؟» (¬2). والحائِضُ معلوم أنَّها غيرُ طاهِرٍ. 3 ـ حديث عائشة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لها حين حاضت: «افعلي ما يفعل الحاجُّ غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيت» (¬3). 4 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الطَّواف بالبيت صلاة؛ إِلا أنَّ الله أباح فيه الكلام؛ فلا تَكلَّموا فيه إِلا بخير» (¬4) ..... ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحج: باب من طاف بالبيت إِذا قدم مكة، رقم (1614، 1615)، ومسلم، كتاب الحج: باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى من البقاء على الإِحرام وترك التحلل، رقم (1235) من حديث عائشة. (¬2) (¬3) (¬4) رواه الترمذي، كتاب الحج: باب ما جاء في الكلام في الطواف، رقم (960)، وابن خزيمة رقم (2739)، وابن حبان رقم (3836) وغيرهم من حديث ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً. ورجَّح رواية الوقف: النسائي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي. ورجّح رواية الرفع: ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حجر. انظر: «التلخيص الحبير» رقم (174)، «موافقة الخُبر الخبر» (2/ 131).

5 ـ استدلَّ بعضهم بقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]. وجه الدَّلالة: أنه إِذا وَجَبَ تطهير مكان الطَّائف، فتطهيرُ بَدَنِهِ أَوْلَى، وهذا قَول جمهورِ العلماء (¬1). وقال بعض العلماء: إِنَّ الطَّوافَ لا تُشْتَرطُ له الطَّهارة، ولا يَحْرُمُ على المُحْدِثِ أنْ يَطُوفَ، وإِنَّما الطَّهارة فيه أَكْمَل (¬2). واسْتَدَلُّوا: بأنَّ الأَصْلَ بَراءة الذِّمَّة حتى يقوم دليلٌ على تحريمِ هذا الفِعْل إِلاَّ بهذا الشَّرط، ولا دليلَ على ذلك، ولمْ يَقُل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يوماً من الدَّهْر: لا يقبل الله طَوَافاً بغيرِ طهور، أو: لا تطوفوا حتى تطَّهَّروا. وإِذا كان كذلك فلا نُلْزِم الناس بأمرٍ لم يكن لنا فيه دليلٌ بَيِّنٌ على إِلزامهم، ولا سيَّما في الأحوالِ الحرِجَة كما لو انتقضَ الوُضُوءُ في الزَّحْمَةِ الشَّديدةِ في أيَّامِ الموسِمِ، فَيَلْزمه على هذا القَوْلِ إِعَادَةُ الوُضُوء، والطَّوافِ مِنْ جديد. وأجابوا عن أدلَّة الجمهور: أنَّ فِعْلَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم المجرَّد لا يدلُّ على الوُجُوبِ، بل يَدلُّ على أنَّه الأفضل، ولا نِزاع في أنَّ الطَّوافَ على طَهَارة أفضل؛ وإِنَّما النِّزاع في كَوْنِ الطَّهارة شَرْطاً لصِحَّة الطَّواف. وأمَّا حديث عائشة: «افْعَلي ما يفعل الحاجُّ ... » إلى آخره، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في صفيَّة: «أحابِسَتنا هي؟». فالحائض إِنما مُنِعَتْ مِنَ .... ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (5/ 222). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 273)، (26/ 123).

الطَّواف بالبيت، لأنَّ الحيض سَبَبٌ لمنْعِها من المُكْثِ في المسجد، والطَّواف مُكْثٌ. وأيضاً: فالحيض حَدَثٌ أكبر، فلا يُسْتَدلُّ بهذا على أنَّ المحدِثَ حَدَثاً أصغرَ لا يجوزُ لَهُ الطَّواف بالبيت، وأنتم توافقون على أنَّ المحدِثَ حدثاً أصغر يجوز له المُكْثُ في المسجد، ولا يجوز للحائض أن تَمْكُثَ، فَمَنَاطُ حُكْمِ المنْعِ عندنا هو المُكْثُ في المسجد. وأمَّا حديث: «الطَّواف بالبيت صلاة» (¬1) فَيُجَاب عنه: 1 ـ أنَّه موقوفٌ على ابن عباس، ولا يَصِحُّ رفعه للنبي صلّى الله عليه وسلّم. 2 ـ أنَّه مُنْتَقَضٌ، لأنَّنا إِذا أخذنا بِلَفْظِهِ، فإِنَّه على القواعِد الأصوليَّة يقتضي أنَّ جميعَ أحكام الصَّلاة تَثْبُتُ للطَّواف إِلاَّ الكلام، لأن مِنَ القواعد الأصولية: أنَّ الاستثناء مِعيار العُمُوم، أي: إِذا جاء شيء عام ثم استثني منه، فكلُّ الأفراد يتضمَّنه العموم، إلا ما اسْتُثْنِيَ، وإِذَا نظرنا إلى الطَّواف وجدناه يُخالِفُ الصَّلاة في غَالِبِ الأحكام غير الكلام، فهو يجوز فيه الأكلُ، والشُّربُ، ولا يجب فيه تكبير ولا تسليم، ولا قراءة، ولا يبطل بالفعل ونحوه، وكلامه صلّى الله عليه وسلّم يكون مُحْكَماً لا يمكن أن يَنْتَقِضَ، فلمّا انْتَقَضَ بهذه الأمور ووجدنا هذه الاستثناءات علمنا أنَّ هذا لا يصحُّ من قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وهذا أحد الأوجه التي يُسْتَدَلُّ بها على ضَعْفِ الحديث ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (328).

مرفوعاً، وهو أن يكون متخلخلاً، لا يمكن أن يَصْدُرَ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. وأما بالنسبة للآية؛ فلا يَصِحُّ الاستدلال بها، إِذ يلزم منه أنَّ المعْتَكِفَ لا يصحُّ اعتكافُه إلا بطهارة، ولم يَشْتَرِطْ أحدٌ ذلك، إِلا إِنْ كان جُنُباً فيجب عليه أن يَتَطَهَّر ثم يَعْتَكِف؛ لأنَّ الجنابة تُنافي المُكْثَ في المسجد ..... ولا شَكَّ أنَّ الأفضل أن يَطُوفَ بطهارة بالإِجماع، ولا أظنُّ أنَّ أحداً قال: إِنَّ الطواف بطهارة وبغير طهارة سواء، لأنه من الذِّكرِ، ولِفِعْلِهِ صلّى الله عليه وسلّم. مسألة: إِذا اضطُرَّت الحائض إِلى الطَّواف (¬1). على القول بأنَّ الطَّهارة من الحيض شَرْط فإنها لا تطوف؛ لأنها لو طافت لم يصحَّ طوافها؛ لأنه شرط للصِّحَّة. وإن قلنا: لا تطوف لِتَحْرِيمِ المقَام عليها في المسجد الحرام، فإنها إِذا اضْطُرَّت جَازَ لها المُكثُ، وإِذا جاز المُكث جاز الطَّواف. ولهذا اخْتَلَفَ العلماءُ في امرأةٍ حاضت ولم تَطُفْ للإِفاضَةِ، وكانت في قافِلَةٍ ولن ينتظروها (¬2)، فهذه القوافل التي لا يمكن أن تنتظر ولا يمكنُ للمرأة أن تَرْجِعَ إِذا سافرت؛ كما لو كانت في أقصى الهند أو أمريكا، فحينئذٍ إِما أن يُقَال: تكون مُحْصَرة ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (26/ 242)، «إِعلام الموقعين» (3/ 26). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (26/ 199، 243)، «الاختيارات» ص (27).

فَتَتَحَلَّل بِدَمٍ، ولا يَتِمُّ حَجُّهَا؛ لأنَّها لمْ تَطُفْ. وهذا فيه صُعُوبَةٌ لأنها حينئذٍ لم تُؤَدِّ الفريضةَ. أو يقال: تذهب إلى بلدها وهي لم تَتَحَلَّل التَّحَلُّلَ الثَّاني، فلا يَحِلُّ لها أن تتزوَّج ولا يحلُّ لمزوَّجةٍ أن يَقْرَبَهَا زوجُها، وإِنْ مات عنها أو طَلَّقَهَا لا يحلُّ لها أن تتزوَّج، لأنها ما زالت في إِحرام، وهذا فيه مَشَقَّةٌ عظيمة. أو يقال: تَبْقَى في مكَّة وهذا غير ممكن. أو يُقال: تطوف للضَّرورة، وهذا اختيارُ شيخ الإسلام رحمه الله (¬1)، وهو الصَّواب، لكنْ يجبُ عليها أن تَتَحَفَّظَ حتى لا ينْزل الدَّمُ إلى المسجد فيلوِّثه ..... ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (26/ 199، 243)، «الاختيارات» ص (27).9ن

باب الغسل

بابُ الغُسْلِ وموجِبُهُ خروجُ المنيِّ دفقاً بِلذَّةٍ ............ أي: باب ما يوجبه، وصِفَتُهُ، فالباب جَامِعٌ للأمرين. قوله: «ومُوجِبُهُ»، بالكَسْرِ، أي: الشيء الذي يوجب الغُسْل، يقال: موجب بِكَسْرِ الجيم وفَتْحِهَا. فبالكسر: هو الذي يُوجبُ غيره. وبالفتح: هو الذي وَجَبَ بغيره، كما يقال: مُقْتَضي بكسر الضَّادِ: الذي يقتضي غيره، ومقتضَى بفتحها: الذي اقتضاه غيرُه. قوله: «خروج المنيِّ دفقاً بلذَّةٍ»، هذا هو الموجِبُ الأوَّل (¬1). والدَّليل على ذلك: 1 - قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، والجُنُبُ: هو الذي خرج منه المنيُّ دَفقاً بلذَّةٍ. 2 - قَولُه صلّى الله عليه وسلّم: «الماءُ من الماءِ» (¬2)، المراد بالماء الأوَّل ماء الغُسلِ؛ عبَّر به عنه، وبالماء الثَّاني المنيّ، أي: إِذا خرجَ المنيُّ وجبَ الغُسْلُ. وظاهر الحديثِ أنَّه يجب الغُسل سَوَاء خرجَ دَفْقاً بلذَّةٍ، أم لا، وهذا مذهب الشَّافعي رحمه الله: أنَّ خروج المنيِّ مُطلقاً ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 265). (¬2) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب إنما الماء من الماء، رقم (343) من حديث أبي سعيد الخدري.

مُوجِبٌ للغُسْلِ حتى ولو بدونِ شَهْوَةٍ وبأيِّ سَبَبٍ خرج (¬1)، لعُمُومِ الحديث، وجمهور أهل العلم: يشترطون لوُجُوبِ الغُسل بخروجه أن يكون دفقاً بلذَّة (¬2). وقال بعضُ العلماء: بلذَّةٍ. وحَذَفَ «دفقاً»، وقال: إِنَّه متى كان بلذَّة فلا بُدَّ أنْ يكونَ دفقاً (¬3). وذِكْرُ الدَّفقِ أَوْلى لموافقةِ قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *} {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *} [الطارق]. فإِذا خرجَ مِنْ غيرِ لذَّةٍ مِنْ يقظانَ فإِنَّه لا يُوجِبُ الغُسْلَ على ما قاله المؤلِّفُ، وهو الصَّحيح. فإنْ قيل: ما الجواب عن حديثِ: «الماءُ من الماءِ». قلنا: إن يُحملُ على المعهودِ المعروف الذي يَخْرُجُ بلذَّة، ويوجِبُ تحلُّلَ البَدَنِ وفُتُورَه، أما الذي بدونِ ذلك، فإِنه لا يوجبُ تحلُّلَهُ ولا فُتورَه، ولهذا ذكروا لهذا الماء ثلاث علامات (¬4): الأولى: أنْ يَخْرُجَ دفقاً. الثانية: الرَّائحة، فإِذا كان يابساً فإِنَّ رائحتَه تكون كرائِحَة البَيْضِ، وإِذا كان غيرَ يابِسٍ فرائحته تكونُ كرائحة العَجِينِ واللِّقاح (¬5). ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 139). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 266). (¬3) انظر: «حاشية العنقري على الروض المربع» (1/ 74) ..... (¬4) انظر: «الكافي» (1/ 121)، «المجموع شرح المهذَّب» (2/ 141). (¬5) اللقَاح: اسم ما يلقح به النخل.

لا بدونهما من غير نائم

الثالثة: فُتُورُ البَدَنِ بَعْدَ خُروجِه. لا بِدُونِهما مِنْ غيرِ نائِمٍ ........... قوله: «لا بدونهما»، الضَّميرُ يعودُ على الدَّفْقِ، واللَّذَّةِ. قوله: «من غير نائم»، أي: من اليَقْظَان، فإذا خَرَجَ مِنَ اليقظان بلا لذَّةٍ، ولا دَفْقٍ، فإِنه لا غُسْلَ عليه. وعُلم منه: أنَّه إِنْ خرجَ مِنْ نائم وَجَبَ الغُسْلُ مطلقاً، سواء كان على هذا الوصف أم لمْ يكن، لأنَّ النَّائِم قد لا يُحِسُّ به، وهذا يَقَعُ كثيراً أنَّ الإِنسان إِذا استيقظ وجدَ الأثرَ، ولم يشعرْ باحتلامٍ، والدَّليل على ذلك أنَّ أمَّ سُليم رضي الله عنها سألت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن المرْأَةِ ترى في منامِها ما يرى الرَّجُلُ في منامه، هل عليها غُسْل؟ قال: «نعم، إِذا هي رَأتِ الماء» (¬1). فأوجبَ الغُسْل إِذا هي رأت الماء، ولم يشترطْ أكثر من ذلك، فدلَّ على وُجُوبِ الغُسْل على مَنْ استيقظ وَوَجَدَ الماءَ سواء أحسَّ بخُروجِهِ أم لَمْ يُحِسَّ، وسواء رأى أنَّه احتلمَ أم لم يَرَ، لأنَّ النَّائمَ قد ينسى، والمرادُ بالماء هنا المنيُّ. فإِذا استيقظَ ووجد بَللاً فلا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يتيقَّنَ أنَّه مُوجِبٌ للغُسْل، يعني: أنَّه مَنِيٌّ، وفي هذه الحال يجبُ عليه أنْ يغتسلَ سواء ذَكَرَ احتلاماً أم لم يذكر. الثانية: أنْ يتيقَّنَ أنَّه ليسَ بِمِنِيٍّ، وفي هذه الحال لا يجب الغُسْل، لكنْ يجب عليه أنْ يَغْسِلَ ما أصابه، لأن حُكْمَهُ حُكمُ البولِ. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، رقم (130)، ومسلم، كتاب الحيض: باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، رقم (310، 311، 312، 313) من حديث أم سلمة، وأم سُليم، وأنس بن مالك.

وإن انتقل، ولم يخرج، اغتسل له

الثالثة: أنْ يجهلَ هل هو مَنيٌّ أم لا؟ فإِن وُجِدَ ما يُحَالُ عليه الحُكْم بِكَوْنِهِ منيًّا، أو مذياً أُحِيلَ الحكم عليه، وإِنْ لم يوجد فالأصل الطَّهارة، وعدم وجوب الغُسْل، وكيفيَّة إِحالةِ الحُكْمِ أَنْ يُقال: إِنْ ذَكَرَ أنَّه احتلم فإِننا نجعله منيًّا، لأنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم لما سُئِل عن المرأة تَرى في مَنَامِها ما يَرى الرَّجُلُ في مَنَامِهِ؛ هل عليها غسل؟ قال: «نعم، إِذا هي رأت الماءَ» (¬1)، وإِنْ لم يَرَ شيئاً في منامه، وقد سبقَ نومَهُ تفكيرٌ في الجِمَاعِ جعلناه مَذياً، لأنَّه يخرج بعد التَّفكيرِ في الجِمَاعِ دونَ إِحساس، وإِنْ لَمْ يَسْبِقْه تفكير ففيه قَوْلان للعلماء: قيل: يجبُ أن يغتسلَ احتياطاً (¬2). وقيل: لا يجب (617)، وقد تعارضَ هُنا أصْلان. وإِن انْتَقَل، ولَمْ يخرج، اغْتَسل لَه، ......... قوله: «وإن انتقل ولَمْ يخرج، اغْتَسل لَه»، أي: المنيُّ، يعني: أَحَسَّ بانتقاله لكنه لَمْ يَخْرُجْ، فإِنَّه يغتسل، لأن الماء بَاعَدَ محلَّهُ، فَصَدَقَ عليه أنه جُنُبٌ، لأن أصل الجَنَابَةِ من البُعْدِ. وهل يُمكن أنْ يَنتقلَ بلا خُرُوج؟ نعم يمكن؛ وذلك بأن تَفْتُرَ شهوتُه بَعْدَ انتقاله بسببٍ من الأسباب فلا يخرج المنيُّ. ومثَّلوا بمثالٍ آخر: بأنْ يمسكَ بذَكَرِهِ حتى لا يَخْرج المنيُّ، وهذا وإن مَثَّلَ به الفقهاء فإِنه مُضِرٌّ جدًّا، والفقهاء ـ رحمهم الله ـ ¬

_ (¬1) انظر تخريج الحديث السابق. (¬2) انظر: «القواعد» لابن رجب ص (20)، «الإنصاف» (2/ 84).

فإن خرج بعده لم يعده

يمثِّلون بالشَّيء للتَّصويرِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عنْ ضَررِهِ أو عدم ضرره، على أنَّ الغالبَ في مِثْلِ هذا أنْ يخرج المنيُّ بَعْدَ إِطلاق ذَكَرِهِ. وقال بعض العلماء: لا غُسْلَ بالانتقال (¬1)، وهذا اختيار شيخِ الإسلام (¬2) وهو الصَّواب، والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 - حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ وفيه: «نعم، إِذا هي رأت الماءَ» (¬3)، ولم يقلْ: أو أَحَسَّتْ بانتقالِه، وَلَوْ وَجَبَ الغُسْلُ بالانتقالِ لَبَيَّنَهُ صلّى الله عليه وسلّم لدُعَاءِ الحاجَةِ لِبَيَانِهِ. 2 - حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ: «إنما الماءُ من الماءِ» (¬4)، وهُنا لا يوجَدُ ماءٌ، والحديث يَدُلُّ على أنَّه إِذا لم يَكُنْ ماءٌ فلا ماءَ. 3 - أن الأصل بقاءُ الطَّهارة، وعَدَمُ مُوجب الغَسْل، ولا يُعْدَل عنْ هذا الأصْل إِلا بدليل. فإِن خَرَجَ بَعْده لم يُعِدْه، ........ قوله: «فإِن خَرَجَ بَعْدَه لم يُعِدْه»، أي: إِذا اغْتَسَلَ لهذا الذي انتقل ثُمَّ خرجَ مع الحركةِ، فإِنَّه لا يُعِيدُ الغُسْلَ، والدَّليل: 1 - أنَّ السَّببَ واحدٌ، فلا يوجِبُ غُسْلَين. 2 - أنَّه إِذا خَرجَ بعد ذلك خَرَجَ بلا لذَّةٍ، ولا يَجِبُ الغُسْل إِلا إِذا خرج بلذَّةٍ. لكنْ لَوْ خَرَجَ منيٌّ جديدٌ لشهوةٍ طارِئة فإِنَّه يَجِبُ عليه الغُسْل بهذا السَّبب الثَّاني. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 87). (¬2) انظر: «الاختيارات» ص (17). (¬3) تقدم تخريجه ص (335). (¬4) تقدم تخريجه ص (333).

وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي

وتَغْييبُ حَشَفَةٍ أصليَّةٍ في فَرْجٍ أصليٍّ، ......... قوله: «وتَغْييبُ حَشَفَةٍ أصليَّة»، هذا الموجِبُ الثَّاني من مُوجِبَات الغُسل. وتَغْييبُ الشَّيءِ في الشَّيءِ معناه: أنْ يختفيَ فيه. وقوله: «أصليَّة» يُحْتَرز بذلك عن حَشَفَةِ الخُنْثَى المُشْكِل، فإِنها لا تُعتبر حَشَفَةً أصليَّة. فلو غَيَّبَهَا في فَرْجٍ أصليٍّ أو غير أصليٍّ فلا غُسْلَ عليهما. والخُنْثى المُشْكِل: مَنْ لا يُعْلَمُ أذَكَرٌ هو أم أُنثى، مثل: أنْ يكونَ له آلة ذَكَرٍ وآلة أنثى، ويبول منهما جميعاً، فإِنه مُشْكِل، وقد يتَّضِح بعدَ البلوغِ، وما دام على إِشكاله فإِنَّ فَرْجَه ليس أصليًّا. قوله: «في فَرْجٍ أصليٍّ»، احترازاً منْ فرجِ الخُنثى المُشْكِل، فإِنه لا يُعْتبرُ تَغْييبُ الحَشَفَةِ فيه موجباً للغُسْل، لأنَّ ذلك ليس بفَرْجٍ. فإِذا غَيَّبَ الإِنسانُ حَشفَتَهُ في فَرْجٍ أصليٍّ، وجبَ عليه الغُسْلُ أنزلَ أم لم يُنْزِلْ. والدَّليل على ذلك: حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأربَع، ثم جَهَدَهَا، فقدْ وَجَبَ الغُسْلُ»، أخرجه الشَّيخان (¬1). وفي لفظٍ لمسلم: «وإِنْ لمْ يُنْزِلْ» (¬2)، وهذا صريحٌ في ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب إِذا التقى الختانان، رقم (291)، ومسلم، كتاب الحيض: باب نسخ الماء من الماء، رقم (348). (¬2)

قبلا كان أو دبرا، ولو من بهيمة، أو ميت

وُجوبِ الغُسْلِ وإِنْ لم يُنْزِل، وهذا يَخْفَى على كثير منَ النَّاس، فتجد الزَّوجين يحصُلُ منْهما هذا الشَّيء، ولا يغتسلان، ولا سيَّما إِذا كانا صغيرَين ولم يتعلَّما، وهذا بناءً على ظنِّهم عدم وجوب الغُسْل إِلا بالإِنزال، وهذا خطأ. قُبُلاً كَانَ أَوْ دُبُراً، وَلَو من بَهِيمَةٍ، أو مَيْتٍ، ........... قوله: «قُبُلاً كان أو دُبُراً»، وَطْءُ الدُّبُرِ حرام للزَّوج، وغيره من باب أَوْلَى، وهذا من باب التَّمثيل فقط، وقد سبَق أنَّ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يمثِّلون بالشَّيء بِقَطْع النَّظر عن حِلِّهِ، أو حُرْمَتِهِ (¬1)، ويُعرف حُكْمه من محلٍّ آخر. قوله: «ولو من بَهِيمَةٍ أو مَيْتٍ»، لو: إِشارة خِلاف، فَمِنْ أهل العلم من قال: يُشترط لِوُجُوبِ الغُسْلِ بالجِمَاعَ أنْ يكون في فَرْجٍ من آدميٍّ حيٍّ (¬2). وعلى هذا الرَّأي لو أولجَ بفَرجِ امرأة ميْتة ـ مع أنَّه يَحْرُم ـ فعليه الغُسْل، ولو أَوْلَجَ في بهيمة فعليه الغُسْل. وقال بعض العلماء: إِنه لا يجب الغُسل بِوَطْءِ الميْتَةِ إِلا إِذَا أَنْزَلَ (625). والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا جلس بين شُعَبِها الأربع ثم جَهَدَهَا»، وهذا لا يحصلُ إِذا كانت ميتة، لأنه لا يُجْهِدها. وأيضاً: تلذُّذه بها غير تلذُّذه بالحيَّة. أما البَهِيمَة فالأمر فيها أبعدُ وأبعدُ، لأنَّها ليست محلًّا لجِمَاع الآدميِّ بمقتضَى الفطرة، ولا يَحلُّ جِمَاعها بحال. وهل يُشْتَرط عدم وجود الحائل؟ ¬

_ (¬1) انظر ص (336). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (2/ 97).

وإسلام كافر

قال بعض العلماء: يُشْتَرَط أن يكون ذلك بلا حائل (¬1)، لأنَّه مع الحائل لا يَصْدُق عليه أنه مَسَّ الختانُ الختانَ، فلا يجب الغُسْلُ. وقال آخرون: يجب الغُسْلُ (626) لعُموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ثم جَهَدَهَا»، والجَهْدُ يحصُل ولو مع الحائل. وفَصَّل آخرون فقالوا: إنْ كان الحائلُ رقيقاً بحيث تَكْمُل به اللَّذَّةُ وجب الغُسْلُ، وإن لم يكن رقيقاً فإِنه لا يجب الغُسْل (626)، وهذا أقرب، والأَولَى والأحوط أن يغتسل. وإِسْلامُ كافرٍ، ......... قوله: «وإسلامُ كافرٍ»، هذا هو الموجِبُ الثَّالث من موجِبَات الغُسْل، وهو إِسلام الكافر، وإذا أسلم الكافر وجب عليه الغُسْل سواء كان أصليًّا، أو مرتدًّا. فالأصليُّ: من كان من أول حياته على غَيْرِ دِينِ الإِسلام كاليهوديِّ والنَّصْرانيِّ، والبوذيِّ، وما أشبه ذلك. والمرتدُّ: من كان على دين الإِسلام ثم ارتدَّ عنه ـ نسأل الله السَّلامة ـ كَمَنْ ترك الصَّلاة، أو اعتقد أنَّ لله شريكاً، أو دعا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أن يُغِيثَه من الشِّدَّة، أو دعا غيره أن يُغِيثه في أمرٍ لا يمكن فيه الغَوْثُ. والدَّليل على وجوب الغُسْل بذلك: 1 - حديث قَيس بن عاصم أنَّه لمَّا أسلم أَمَره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يغتسل بماءٍ وسِدْر (¬2)، والأَصْلُ في الأمر الوُجوب. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 92، 93)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 134). (¬2) رواه أحمد (5/ 61)، وأبو داود، كتاب الطَّهارة: باب في الرجل يُسلم فيُؤمر بالغسل، رقم (355)، والنَّسائي، كتاب الطَّهارة: باب غسل الكافر إِذا أسلم، (1/ 110)، رقم (188)، والترمذي، كتاب الصلاة: باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل، رقم (605) وغيرهم. والحديث: حسَّنه الترمذي. وصحَّحه ابن خزيمة، رقم (255)، وابن حبان، رقم (1240) وقال ابن المنذر: «حديث ثابت». «الأوسط» (2/ 114)، وصحَّحه أيضاً: النووي في «الخلاصة» رقم (455).

2 - أنه طَهَّر باطنه من نَجَسِ الشِّرْك، فَمِنَ الحِكْمَةِ أن يُطَهِّرَ ظاهره بالغُسْلِ. وقال بعض العلماء: لا يَجِب الغُسْل بذلك (¬1)، واستدلَّ على ذلك بأنه لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أمر عامٌّ مثل: مَنْ أسلم فَلْيَغْتَسِلْ، كما قال: «من جاء مِنْكُم الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِل» (¬2)، وما أكثر الصَّحابة الذين أسلموا، ولم يُنْقَل أنه صلّى الله عليه وسلّم أمرهم بالغُسْلِ أو قال: من أسلم فليغتسل، ولو كان واجباً لكان مشهوراً لحاجة النَّاس إليه. وقد نقول: إنَّ القول الأوَّل أقوى وهو وُجوب الغُسْل، لأنَّ أَمْرَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم واحداً مِنَ الأمَّة بحُكْمٍ ليس هناك معنى معقول لتخصيصه به أمْرٌ للأمة جميعاً، إذ لا معنى لتخصيصه به. وأمْرُه صلّى الله عليه وسلّم لواحد لا يعني عدم أمْرِ غيره به. وأما عدم النَّقل عن كلِّ واحد من الصَّحابة أنه اغتسل بعد إِسلامه، فنقول: عدم النَّقل، ليس نقلاً للعدم؛ لأنَّ الأصلَ العملُ بما أمر به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا يلزم أن يُنْقلَ العمل به من كلِّ واحد. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 98). (¬2) رواه البخاري، كتاب الجمعة: باب فضل الغسل يوم الجمعة، رقم (877)، ومسلم، كتاب الجمعة، رقم (844) من حديث عبد الله بن عمر.

وموت

وقال بعض العلماء: إِنْ أتَى في كفره بما يوجب الغُسْل كالجَنَابَةِ مثلاً وجب عليه الغُسْلُ سواء اغتسل منها أم لا، وإِنْ لم يأت بموجب لم يجب عليه الغُسْلُ (¬1). وقال آخرون: إِنه لا يجب عليه الغُسْلُ مطلقاً، وإِن وجد عليه جنابة حال كُفْرِه ولم يغتسل منها (630)، لأنه غير مأمور بشرائع الإِسلام. والأَحْوَط أن يغتسل؛ لأنه إِن اغتسل وصلَّى فَصَلاتُه صحيحة على جميع الأقوال، ولو صلَّى ولم يغتسل ففي صِحَّة صَلاته خلاف بين أهل العلم. ومَوْتٌ، ........... قوله: «وموت»، هذا هو الموجِب الرابع من موجبَات الغُسْل. أي: إِذا مات المسلم وجب على المسلمين غَسْلُه، والدَّليل على ذلك: 1 - قوله صلّى الله عليه وسلّم فِيمَنْ وَقَصَتْهُ ناقتُه بعرفة: «اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ ... » (¬2)، والأصل في الأَمْرِ الوُجُوب. 2 - حديث أم عطيَّة حين ماتت ابنته وفيه: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (¬3). وهذا الحديث قد يُنازَع فيه بأن يُقال: إِنَّ المقصود مِنْ ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 98، 99). (¬2) رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد: باب سنة المحرم إذا مات، رقم (1851)، ومسلم، كتاب الحج: باب ما يُفعل بالمحرم إذا مات، رقم (1206) من حديث ابن عباس. (¬3) تقدم تخريجه ص (309).

تغسيلِ الميْتِ فيه التنظيف، لأنَّ التَّعبُّد بالطَّهارة حدّه ثلاث، ولا يُوْكَلُ إلى رأي الإِنسان، وفي هذا الحديث وَكَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الأمْرَ إِلى رأيهنَّ. وقد يقال: إِنَّه وَكَلَ الأمر إلى رأيهن في زيادة عدد الغسلات لا في أصل الغُسْل، لكنَّ الدَّليل الأول كافٍ في ذلك، بل إِنَّ تغسيلَ الأمواتِ أَمْرٌ معلوم بالضَّرورة، ومشهور شُهْرَة يكاد يكون متواتراً. وسواء مات فجأة، أو بحادث، أم بمرضٍ، أم كان صغيراً، أم كبيراً. وهل يشمل السَّقط؟ فيه تفصيل: إِن نُفِخت فيه الرُّوح غُسِّل، وكُفِّنَ، وصُلِّيَ عليه، وإِن لم تُنْفَخ فيه الرُّوح فلا. وتُنْفَخُ الرُّوح فيه إِذا تَمَّ له أربعة أشْهُرٍ؛ لحديث عبد الله بن مسعود قال: حدَّثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الصَّادق المصدوق: «إِنَّ أحدَكُم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْن أُمِّه، أربعين يوماً نُطْفَةً، ثم يكون عَلَقَةً مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يُرْسَل إِليه الملك، فيُؤمَرُ بأربع كلمات، بِكَتْبِ: رِزْقِهِ، وأَجَلِهِ، وعَمَلِه، وشقيٌّ أم سعيد، ثم يَنْفُخُ فيه الرُّوح» (¬1)، وهذا لا يعلمه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بدون وَحْي إِذ لا مَدْخل للاجتهاد فيه. ¬

_ (¬1) رواه ـ بهذا السياق ـ أبو عوانة في «مستخرجه» من طريق: وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش قال: سمعت زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود به. ووهب بن جرير: ثقة، روى له الجماعة، وباقي الإِسناد عند البخاري، وأصل الحديث عند البخاري، كتاب القدر: الباب الأول، رقم (6594)، ومسلم، كتاب القدر: باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، رقم (2643) دون قوله: «نطفة»، والله أعلم.

وحيض، ونفاس

وحيضٌ، ونِفَاسٌ، ....... قوله: «وحيض»، هو الموجِبُ الخامس من موجبات الغُسْل، فإِذا حاضت المرأة وَجَبَ عليها الغُسْلُ، وانقطاع الحيض شَرْطٌ، فلو اغتسلتْ قَبل أن تَطْهُرَ لم يصحَّ، إِذ مِنْ شرط صِحَّة الاغتسال الطَّهارة. والدَّليل على وجوب الغُسْل من الحيض ما يلي: 1 - حديث فاطمة بنت أبي حُبيش أنها كانت تُستحاض فأمَرها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن تجلس عادتها، ثم تغتسل وتُصلِّي (¬1). والأصل في الأمر الوجوب. ويشير إلى مُطْلَقِ الفعل قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} ... } الآية [البقرة: 222]، أي: اغْتَسَلْنَ، فهذا دليل على أن التَّطَهُّرَ من الحَيض أمرٌ مشهور بين الناس، والآية وَحْدَها لا تدلُّ على الوجوب؛ ولكن حديث فاطمة رضي الله عنها دليل واضِحٌ على أنه يجب على المرأة إذا حاضت أن تغتسل، لكنَّ شَرْطَ الوجوب انقطاعُ الدَّم. قوله: «ونِفَاسٌ»، هذا هو الموجِبُ السَّادس من موجبات الغُسْلِ. والنِّفَاسُ: الدَّمُ الخارج مع الولادة أو بعدها، أو قَبْلها بيومين، أو ثلاثة، ومعه طَلْقٌ. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيضٍ، رقم (325)، ومسلم، كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم (333).

لا ولادة عارية عن دم ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن

أما الدَّمُ الذي في وسط الحَمْلِ، أو في آخر الحَمْلِ ولكن بدون طَلْقٍ فليس بشيء، فتصلِّي وتصوم، ولا يَحْرُمُ عليها شيء مما يحرم على النُّفساء. والدَّليل على وجوب الغُسْل منه: أنه نوع من الحيض، ولهذا أَطْلقَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم اسمَ النِّفاس على الحيض؛ بقوله لعائشة لمَّا حاضت: «لعلَّكِ نُفِسْتِ» (¬1). وقد أجمعَ العلماء على وجوب الغُسْلِ بالنِّفَاسِ كالحيض. لا وِلادةٌ عاريةٌ عَنْ دمٍ. ومَنْ لَزِمَه الغُسْلُ حَرُمَ عليه قِراءةُ القُرْآنِ، .......... قوله: «لا وِلادةٌ عاريةٌ عن دَمٍ»، لا: عاطفة، تدلُّ على النفي، أي: ليست الولادةُ العاريةُ عن الدَّمِ موجِبَةً للغُسْل، فلو أن امرأة ولَدت، ولم يخرج منها دم فلا غُسْل عليها، لأنَّ النِّفَاس هو الدَّمُ، ولا دَمَ هنا، وهذا نادر جدًّا. وقال بعض العلماء: إِنه يجب الغُسْل، والولادة هي الموجِبَةُ (¬2). ولأن عدم الدَّمِ مع الوِلادة نادر، والنَّادر لا حُكْمَ له. ولأن المرأة سوف يَلْحَقُها من الجُهْدِ والمشقَّة والتَّعَب كما يَلْحَقُها في الوِلادة مع الدَّمِ. قوله: «ومَنْ لَزِمَهُ الغُسْل حَرُمَ عليه قِراءة القُرْآنِ»، مَنْ: اسم شَرْط جازِم، وفعل الشَّرط: لَزِمه، وجوابه: حَرُمَ، وأسماء الشَّرط ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، رقم (305) ومسلم، كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام، رقم (1211). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 106).

تُفيد العموم؛ فيكون المعنى: أيُّ إِنسان لَزِمَهُ الغُسْل سواء كان ذكراً أم أنثى، ويلزَمُ الغُسْل بواحد من الموجِبات السِّتة السَّابقة. فمن لَزِمَهُ الغُسْل حرم عليه: الصَّلاة، والطَّواف، ومَسُّ المصْحَفِ. لأن المؤلِّف سبق أن قال: «ويَحْرُمُ على المحدِثِ ... » (¬1) إلخ. ويَحْرُمُ عليه أيضاً: قراءة القرآن، واللبْثُ في المسجد، وهذان يختصَّان بمن لَزِمَهُ الغُسْل (¬2). وقوله: «حَرُمَ عليه قِراءةُ القُرآنِ»، أي: حتى يغتسل، وإن توضَّأ ولم يغتسل، فالتَّحريم لا يزال باقياً. وقوله: «قراءة القرآن» المراد أن يقرأ آية فصاعداً، سواء كان ذلك من المصْحَفِ، أم عن ظَهْرِ قَلْبٍ، لكن إِن كانت الآية طويلة فإِنَّ بعضها كالآية الكاملة. وأطول آية في القرآن آية الدَّين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} ... } الآية [البقرة: 282]، ومع ذلك لم تستَوعِب حروف اللُّغة العربيَّة، واستوعب حروف اللُّغة العربيَّة آيتان أقصَرُ منها هما: 1 - آخر آية في سُورة الفَتْح وهي قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} ... } [الفتح: 29] 2 - الآية التي في آل عمران وهي قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً} الآية [آل عمران: 154] ¬

_ (¬1) انظر: ص (315). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 200).

وقوله: «قراءة القرآن»، أي: لا قراءة ذِكْرٍ يوافق القرآن، ولم يَقْصِد التِّلاوة؛ فإِنَّه لا بأس به كما لو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أو الحمد لله رب العالمين؛ ولم يقصد التِّلاوة. والدَّليل على أنَّ الجُنُب ممنوع من القرآن ما يلي: 1 - حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُعَلِّمُهم القرآن، وكان لا يَحْجُزه عن القرآن إلا الجَنَابَة» (¬1). 2 - ولأنَّ في مَنْعِهِ من قراءة القرآن حثًّا على المبادرة إِلى الاغتسال، لأنَّه إِذا عَلِمَ أنَّه ممنوع من قراءة القرآن حتى يَغْتسل فسوف يُبادِرُ إلى الاغتسال، فيكون في ذلك مصلحة. 3 - أنَّه رُوِيَ أنَّ المَلَكَ يتلقَّف القرآن من فَمِ القارئ (¬2)، ¬

_ (¬1) رواه أحمد (1/ 84، 107، 124)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في الجنب يقرأ القرآن، رقم (229)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب حجب الجنب من قراءة القرآن، (1/ 144) رقم (265)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً، رقم (146) وغيرهم. والحديث وهَّنه أحمد. وصحَّحه: الترمذي، وابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وعبد الحق الإِشبيلي، والبغوي في «شرح السنة». وحسَّنه شعبة بن الحجاج (وناهيك به). قال ابن حجر: «وضعَّف بعضُهم بعضَ رواته، والحقُّ أنه من قَبيل الحسن يصلح للحُجَّة» «الفتح». شرح حديث رقم (305). وانظر: «الخلاصة» رقم (524)، و «التلخيص الحبير» رقم (184). (¬2) رواه البزار في «مسنده» رقم (603)، والبيهقي (1/ 38) من حديث علي بن أبي طالب. قال الهيثمي: «رواه البزار ورجاله ثقات». قال المنذري: «إسناده جيد لا بأس به». وله شاهد من حديث جابر. انظر: «مجمع الزوائد» (2/ 99)، «الترغيب والترهيب» رقم (335)، «كنز العمال» رقم (26178).

وأنَّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جُنُب (¬1). وعلى هذا إِذا قرأ القرآن فإِمَّا أن يَحْرُمَ الملَك من تلقُّفِ القُرآن، أو يؤذيه بِجَنَابَتِه، وهذا وإِنْ كان فيه شيء من الضَّعف لكن يُعلَّل به. وأما بالنِّسبة للحائض: فإِنَّها مِمَّنْ يلزمه الغُسْل، وعلى هذا فجُمهور أهل العِلْمِ أنَّه لا يجوز لها أنْ تقرأَ القرآن؛ لكنْ لها أن تذكُرَ الله بما يوافق القرآن (¬2). وقال شيخُ الإسلام رحمه الله: إِنه ليس في مَنْعِ الحائض من قراءة القرآن نُصوص صريحة صحيحة (¬3)، وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يلي: ¬

_ (¬1) قال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح خلا العباس بن أبي طالب وهو ثقة». ـ من حديث بُريدة، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» [المطالب العالية، رقم (2247)]، والبزار [مختصر زوائد البزار، رقم (1127)]. قال الهيثمي: «فيه عبد الله الحكم لم أعرفه. وبقية رجاله ثقات». «المجمع» (5/ 72). والحديثُ صحّحه ابن حبان، والحاكم، والذهبي، وحَسَّنه الحافظ ابنُ كثير. «تفسير القرآن العظيم» (الكهف: 18). وانظر: «المعجم الأوسط» رقم (5405)، «العلل» للدارقطني (3/ 257). (¬2) انطر: «المغني» (1/ 199، 200)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 357). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (26/ 191)، «الاختيارات» ص (27)

1 - أنّ الأصْلَ الحِلُّ حتى يقوم دليلٌ على المَنْعِ. 2 - أنَّ الله أمر بتلاوة القرآن مُطْلَقاً، وقد أثنى الله على من يتلو كتابه، فَمَنْ أخرجَ شخصاً من عِبَادة الله بقراءة القرآن فإِنَّنا نُطالبه بالدَّليل، وإِذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنْعِ، فإِنَّها مأمورة بالقراءة. فإن قيل: ألا يُمكِن أن تُقَاسَ على الجُنُبِ بجامع لُزُوم الغُسْلِ لكلٍّ منهما بسبب الخارج؟ أُجِيب: أنَّه قياس مع الفارق؛ لأنَّ الجُنُبَ باختياره أن يُزيل هذا المانع بالاغتسال، وأمّا الحائضُ فليس باختيارها أن تزيل هذا المانع. وأيضاً: فإِن الحائض مُدَّتها تطول غالباً، والجُنُب مدَّته لا تطول؛ لأنه سوف تأتيه الصَّلاة، ويُلْزم بالاغتسال. والنُّفساء من باب أَوْلى أنْ يُرخَّص لها، لأنَّ مُدَّتها أطول من مُدَّة الحائض. وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله مَذْهبٌ قويٌّ. ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفي المسألة أحاديث ضعيفة (¬1)، فلماذا لا نجعل المسألة معلَّقة بالحاجة، فإِذا احتاجتْ إلى القِراءة كالأَوْراد، أو تَعاهُد ما حَفِظَتْهُ حتى لا تنسى، أو تحتاج إِلى تعليم أولادها؛ أو البنات في المدارس فيُباح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأَحْوَطِ، وهي لن تُحْرَم بقيَّة الذِّكْرِ. فلو ذهب ذاهب إِلى هذا لكان مذهباً قويًّا. ¬

_ (¬1) انظر: «التلخيص الحبير» رقم (183).

ويعبر المسجد لحاجة

أما إسلام الكافر: فالكافر ممن يَلْزَمُه الغُسْل، فلو أَسْلَمَ وأراد القراءة مُنِعَ حتى يَغتسل. والدَّليل على ذلك: القياس على الجُنُبِ. وهذا فيه نَظَرٌ قويٌ جدًّا؛ لأن العلماء أجمعوا على وجوب الغُسْل على الجُنُبِ بخلاف الكافر فهو مختلَف في وجوبه عليه كما سبق (¬1)، ولا يُقاس المُختلَفُ فيه على المتَّفَقِ عليه. فإن قيل: نحن نَقِيسُ بناءً على من يقول بوجوب الغُسْلِ على الكافر، أمَّا من يقول بعدم الوجوب فالأمر ظاهر في عدم مَنْعِهِ من قراءة القرآن؟. فالجواب: أنه حتى على قول من يقول بوجوب الغُسْل عليه، فإِنه لا يرى أنَّ وجوبه مُتَحَتِّم كتَحَتُّمِ الغُسْل من الجَنَابة، بل يرى أنه أضعف. وعليه فَمَنْعُ الكافر من قراءة القرآن حتى يغتسل ضعيف؛ لأنَّه ليس فيه أحاديث، لا صحيحة ولا ضعيفة، وليس فيه إِلا هذا القياس. ويَعْبُرُ المسجدَ لحاجةٍ، ......... قوله: «ويَعْبُرُ المسجد لحاجة»، أي: يَمرُّ به عند الحاجة، وهذا يفيد مَنْعَه من المُكْثِ في المسجد، ولذلك لو قال: ويَحْرُم عليه المُكْثُ في المسجد، ثم استثنى العُبور كان أوضح. أي: يَحْرُم على من لَزِمَهُ الغُسْل اللُّبْثُ في المسجد، أي: الإقامة فيه ولو مدَّة قصيرة. والدَّليل على ذلك: .... 1 ـ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ ¬

_ (¬1) انظر: ص (342).

وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43]، يعني: ولا تقربوها جُنُباً إِلا عابري سبيل. وليس المعنى لا تُصَلُّوا إِلا عابري سبيل، لأن عابر السَّبيل لا يُصلِّي، فيكون النَّهْيُ عن قُربان الصَّلاة، أي: النَّهْيُ عن المرور بأماكنها، وهي المساجد، فإِن عَبَر المسجد فلا بأس به، وأمَّا أن يَمْكُثَ فيه فلا. 2 ـ أن المساجد بيوت الله عزّ وجل ومحل ذِكْرِه، وعبادته، ومأوَى ملائكته، وإِذا كان آكل البصل والأشياء المكروهة ممنوعاً من البقاء في المسجد، فالجُنُبُ الذي تَحْرُمُ عليه الصَّلاة من باب أوْلَى، ولا سيَّما إِذا كانت الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جُنُب، فإِنَّها تتأذَّى بمَنْعِهَا من دخول هذا المسجد. وقوله: «لحاجة». والحاجة متنوِّعة، فقد يريد الدُّخول من باب، والخروج من آخر حتى لا يُشاهَد، وقد يفعل ذلك لكونه أخْصَرَ لطريقه، وقد يَعْبُره لينظر هل فيه محتاج فيؤويه أو يتصدَّق عليه، أو هل فيه حَلَقَةُ عِلْمٍ فيغتسل ثم يرجع إليها. وأفادنا رحمه الله بقوله: «لحاجة» أنه لا يجوز له أن يَعْبُرَ لغير حاجة. وظاهر الآية الكريمة: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} العموم؛ فَيَعْبُره لحاجة، أو غيرها، وهو المذهب (¬1) إلا أن الإِمام أحمد رحمه الله كَرِه أن يُتَّخَذ المسجد طريقاً إلا لحاجة، وهذا له وجه لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَ أنَّ هذه المساجد بُنِيَتْ للذِّكر، والصَّلاة، والقراءة (¬2) ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 112). (¬2) تقدم تخريجه، ص (29).

ولا يلبث فيه بغير وضوء

فاتخاذها طريقاً خِلافُ ما بُنِيَتْ له إِلا إِذا كانت حاجة ......... وَلاَ يَلْبثُ فيه بِغَيْر وُضُوءٍ، .......... قوله: «ولا يَلْبَثُ فيهِ بغَيْر وُضُوء»، فإِن توضَّأ جاز المُكْثُ، والدَّليل على ذلك: 1 ـ أن الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا إِذا تَوضَّؤوا من الجنابة مكثوا في المسجد، فكان الواحد منهم ينام في المسجد؛ فإذا احْتَلَمَ ذهب فتوضَّأ ثم عاد (¬1)، وهذا دليل على أنه جائز، لأن ما فُعِلَ في عَهْدِهِ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُنكره، فهو جائز إِن كان من الأفعال غير التَّعَبُّديَّة، وإن كان من الأفعال التَّعَبُّديَّة فهو دليل على أن الإِنسان يُؤْجَر عليه. 2 ـ أن الوُضُوء يُخَفِّفُ الجَنَابَة؛ بدليل أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن الرَّجل يكون عليه الغُسْل؛ أينامُ وهو جُنُب؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إذا توضَّأ أحدُكُم فَلْيَرْقُدْ وهو جُنُبٌ» (¬2). ¬

_ (¬1) روى سعيد بن منصور في «سننه» واللفظ له، وأبو بكر بن أبي شيبة، الطهارات: باب الجنب يمرّ في المسجد قبل أن يغتسل، رقم (1557). عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصَّلاة». وروى حنبل بن إسحاق عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتحدَّثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنباً فيتوضَّأ ثم يدخل المسجد فيتحدث». قال ابن كثير: «هذا إسناد صحيح على شرط مسلم». وروى أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه»، الموضع السابق، نحوه عن عليٍّ وجابر. انظر: «تفسير ابن كثير»، النساء (43)، «نيل الأوطار»، كتاب الطهارة: باب الرخصة في اجتياز الجنب في المسجد (1/ 288). (¬2) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب نوم الجنب، رقم (287)، ومسلم، كتاب الحيض: باب جواز نوم الجنب ... ، رقم (306) عن عمر بن الخطاب به.

ومن غسل ميتا

3 ـ ولأنَّ الوُضُوء أحد الطَّهورَين، ولولا الجنابة لكان رافعاً للحَدَثِ رَفْعاً كُلِّيًّا فحيئذٍ يكون مخفِّفاً للجنابة. ومَنْ غَسَّلَ مَيْتاً، ........... قوله: «ومَنْ غَسَّلَ ميتاً»، هذا شروع في بيان الأَغْسال المسْتَحَبَّة فمنها: الاغتسال من تغسيل الميتِ، فإِذا غَسَّل الإِنسان ميتاً، سُنَّ له الغُسْل، والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ غَسَّل ميتاً فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ فليتوضَّأ» (¬1). قالوا: وهذا الحديث فيه الأَمْرُ، والأَمْرُ الأصل فيه الوُجوب، لكن لمَّا كان فيه شيء من الضَّعف لم يَنتهضْ للإِلزام به. وهذا مبنيٌّ على قاعدة وهي: أنَّ النَّهْيَ إِذا كان في حديث ضعيف لا ¬

_ (¬1) رواه أحمد (2/ 454)، وأبو داود، كتاب الجنائز: باب في الغسل من غَسَّل ميتاً، رقم (3161)، والترمذي، كتاب الجنائز: باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، رقم (993)، وابن ماجه، كتاب الجنائز: باب ما جاء في غسل الميت، رقم (1463) من حديث أبي هريرة. وقد رجَّح الإمام أحمد وأبو حاتم الرازي والبخاري وغيرهم أن رفعه خطأ، والصَّواب أنه موقوف على أبي هريرة. «العلل» لابن أبي حاتم رقم (1035)، «المحرر» رقم (87). وقد ساق ابن القيم لهذا الحديث أحدَ عشر طريقاً، ثم قال: «وهذه الطُّرق تدلُّ على أنَّ الحديث محفوظ». وصحَّحه ابن القطان وابن حزم. وقال ابن تيمية: «إسناده على شرط مسلم». وقال الحافظ ابن حجر: «وفي الجُملة، هو بكثرة طُرقه أسوأُ أحواله أن يكون حسناً». انظر: «الخلاصة» رقم (3339)، «شرح العمدة» (1/ 362)، «تهذيب السنن» (4/ 306)، «التلخيص الحبير» رقم (182).

يكون للتَّحريم، والأمرُ إِذا كان في حديث ضعيف لا يكون للوُجوب، لأنَّ الإِلزام بالمنْعِ أو الفعل يحتاج إلى دليل تَبرأُ به الذِّمة لإِلزام العباد به ......... وهذه القاعدة أشار إليها ابنُ مفلح في «النُّكَت على المحرَّر» في باب موقف الإِمام والمأموم (¬1)؛ ومراده ما لم يكن الضَّعف شديداً بل محتَمِلاً للصِّحَّة، فيكون فِعْلُ المأمور وتَرْكُ المنهيّ من باب الاحتياط، والاحتياط لا يوجب الفعل أو الترك. 2 ـ أنه ورد عن أبي هريرة أَنه أَمَرَ غاسل الميْت بالغُسْلِ (¬2). وهذا القول الذي مشى عليه المؤلِّف هو القول الوسط والأقرب. وقال بعض أهل العِلْم: إنه يجب أن يَغْتَسِلَ (¬3). واستدلُّوا بحديث أبي هريرة السابق، والأصل في الأَمْرِ الوُجُوب. وقال آخرون: لا يجب عليه أن يَغْتَسِل، ولا يُسَنُّ له (653). واستدلُّوا على ذلك بما يلي: 1 - ضَعْف حديث أبي هريرة، فقد قال الإمام أحمد: «لا يَثْبُتُ في هذا الباب شيء»، وإذا لم يَثْبُتْ فدعوى المشروعيَّة تحتاج إِلى دليل؛ ولا دليل. 2 - أنَّ المؤمِن طاهر حيًّا وميْتاً، فإِذا كان لا يُسَنُّ الغُسْلُ من تَغْسيل الحيِّ، فتغسيل الميتِ من باب أولى. فإن قيل: أكثَرُ الذين كانوا يغسِلون الموتى في زمن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كما في حديث الذي وَقَصَتْهُ ناقته، وحديث أم عطيَّة ومَنْ معها من ¬

_ (¬1) انظر: «النكت على المحرر» (1/ 110). (¬2) انظر ص (297). (¬3) انظر: «الإنصاف» (2/ 120).

أو أفاق من جنون، إو إغماء

النِّساء اللاتي غسَّلن ابنته، لم يأمرهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالاغتسال (¬1). فالجواب على ذلك: 1 ـ أن عدم الأمر في القضيَّة المعيَّنة لا يلزمُ منه نفيُ الأَمْرِ الوارد من طريق آخر إِذا صَحَّ. 2 ـ أنَّنا لا نقول بوجوب هذا الغُسْلِ، فَعَدَمُ الأمر في موضعه يدلُّ على عَدَمِ الوُجوب، لكن لا يدلُّ على نفي المشروعيَّة مطلقاً إِذا جاء مِنْ طريق آخر صحيح. أوْ أفاقَ من جُنُونٍ، إو إِغماءٍ ....... قوله: «أو أفاقَ مِنْ جُنُونٍ، أو إِغماءٍ»، هذا هو الثَّاني والثَّالث من الأغْسال المستحبَّة. والجنون: زوال العقل، ومنه الصَّرَعُ فإِنَّه نوع من الجُنُون. والإغماء: التَّغطية، ومنه الغَيْم الذي يُغطِّي السَّماء ..... فالإِغماء: تغطية العقل، وليس زواله، وله أسباب متعدِّدة منها: شِدَّة المَرضِ كما حَصَلَ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فإِنه في مَرَضِه أُغْمِيَ عليه ثم أفاق، فقال: أَصَلَّى الناسُ؟ قالوا: لا، وهم ينتظرونك، فأَمَرَ بماء في مِخْضَبٍ ـ وهو شبيه بالصَّحن ـ فاغتَسَلَ؛ فقام لِيَنُوءَ فأُغْمِيَ عليه مرَّة ثانية، فلما أفاق قال: أصلَّى الناسُ؟ قالوا: لا، وهم ينتظرونك» (¬2)، الحديث. فهذا دليل على أنَّهُ يُغتسل للإِغماء، وليس على سبيل الوجوب، لأن فِعْلَهُ صلّى الله عليه وسلّم المجرَّد لا يدُلُّ على الوُجوب. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجهما، ص (309، 342). (¬2) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب إنما جُعل الإِمام ليؤتم به، رقم (687)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب استخلاف الإِمام إِذا عرض له عذر، رقم (418).

بلا حلم سن له الغسل، والغسل الكامل: أن ينوي

وهل هذا مشروع تعبُّداً، أو مشروع لتقوية البَدَنِ؟ يحتمل كلا الأمرين، والفقهاء رحمهم الله قالوا: إِنه على سبيل التعبُّد، ولهذا قالوا: يُسَنُّ أن يَغْتَسِلَ. وأمَّا بالنِّسبة للجنون، فإِنهم قاسوه على الإِغماء، قالوا: فإِذا شُرِعَ للإِغماء، فالجنون من باب أَوْلَى، لأنه أَشَدُّ (¬1). بلا حُلْمٍ سُنَّ له الغُسْلُ، والغُسْلُ الكاملُ: أَنْ يَنْوي ......... قوله: «بلا حُلْمٍ سُنَّ له الغُسْلُ»، أي: بلا إِنزال، فإِن أنزلَ حال الإِغماء وَجَبَ عليه الغُسْل كالنَّائم إذا احتلم. قوله: «والغُسْلُ الكاملُ ... »، الغُسْل له صفتان: الأولى: صفة إجزاء. الثانية: صفة كمال. كما أنَّ للوُضُوء صفتين، صفة إجزاء، وصفة كمال، وكذلك الصَّلاةُ والحجُّ. والضَّابط: أن ما اشتَمَل على الواجب فقط فهو صفة إِجزاء، وما اشتمل على الواجب والمسْنُون، فهو صفة كمال. قوله: «أن ينويَ»، «أن» وما دخلتْ عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ. والنِّيَّة لغةً: القصد. وفي الاصطلاح: عَزْمُ القلب على فعل الشَّيء عَزْماً جازماً، سواء كان عبادة، أم معاملة، أم عادة. ومحلُّها القلب، ولا تعلُّق لها باللِّسان، ولا يُشْرَع له أن يتكلَّم بما نَوَى عند فِعْلِ العبادة ..... ¬

_ (¬1) انظر: «كشاف القناع» (1/ 151).

فإن قيل: لماذا لا يُقال: يُشْرَع أن يتكلَّم بما نَوَى لِيُوافق القلبُ اللسانَ، وذلك عند فِعْلِ العبادة؟ فالجواب: أنه خِلاف السُّنَّةِ. فإن قيل: إنه صلّى الله عليه وسلّم لم يَنْهَ عنه؟ فالجواب: 1 - أنَّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ» (¬1). 2 - أنَّ كلَّ شيء وُجِدَ سببُه في عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يفعله، كان ذلك دليلاً على أنه ليس بِسُنَّةٍ، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم كان ينوي العبادات عند إرادة فِعْل العبادة، ولم يكن يتكلَّم بما نَوى، فيكون تَرْكُ الشَّيء عند وجود سببه هو السُّنَّة، وفِعْلُه خِلاف السُّنَّة. ولهذا لا يُسَنُّ النُّطْق بها لا سِرًّا ولا جهراً؛ خلافاً لقول بعض العلماء: إِنه يُسَنُّ النُّطْق بها سِرًّا (¬2). ولقول بعضهم: إِنه يُسَنُّ النُّطْق بها جهراً (658)، وكِلا القولين لا أصْلَ له، والدَّليل على خِلافه. والنَّيةُ شَرْط في صِحَّة جميع العبادات لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإِنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (¬3). والنِّيَّة نيَّتان: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (186). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 263) (22/ 218)، «الإنصاف» (1/ 307) وتقدم ذلك ص (195). (¬3) تقدم تخريجه، ص (194).

ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثا،

الأولى: نِيَّة العمل، ويتكلَّم عليها الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أنها هي المصحِّحة للعمل. الثانية: نِيَّة المعمول له، وهذه يتكلَّم عليها أهل التَّوحيد، وأرباب السُّلوك لأنها تتعلَّق بالإخلاص. مثاله: عند إرادة الإِنسان الغسل ينوي الغُسْل، فهذه نيَّة العمل ..... لكن إِذا نَوى الغُسْل تقرُّباً إلى الله تعالى، وطاعة له، فهذه نيَّة المعمول له، أي: قصَد وجهه سبحانه وتعالى، وهذه الأخيرة هي التي نغفل عنها كثيراً فلا نستحضر نيَّة التقرب، فالغالب أنَّنا نفعل العبادة على أننا ملزَمون بها، فننويها لتصحيح العمل، وهذا نَقْصٌ، ولهذا يقول الله تعالى عند ذِكْرِ العمل: {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] و {إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى *} [الليل]، {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22]، و {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الحشر: 8]. ثُمَّ يُسَمِّيَ، ويَغْسِلَ يَديه ثلاثاً، .......... قوله: «ثُمَّ يُسَمِّيَ»، أي: بعد النِّيَّة، والتسميَة على المذهب واجبة كالوُضُوء وليس فيها نَصٌّ، ولكنَّهم قالوا: وَجَبَتْ في الوُضُوء فالغُسْلُ من باب أولى، لأنَّه طهارة أكبر. والصَّحيح كما سبق (¬1) أنها ليست بواجبة لا في الوُضُوء، ولا في الغُسْل. قوله: «ويغسل يديه ثلاثاً»، هذا سُنَّة، واليدان: الكفَّان، ¬

_ (¬1) انظر: ص (158).

وما لوثه، ويتوضأ، ويحثي على رأسه ثلاثا ترويه،

لأنَّ اليَدَ إِذا أُطْلقتْ فهي الكَفُّ، والدَّليل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، والذي يُقْطَع هو الكَفُّ فقط. ولما أراد ما فوق الكفِّ قال تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. وما لَوَّثَه، ويَتَوَضَّأ، ويَحْثِيَ على رأسِهِ ثلاثاً تُروِّيه، ...... قوله: «وما لَوَّثَه»، أي: يغسل ما لَوَّثَه من أَثَرِ الجنابة، وفي حديث ميمونة رضي الله عنها أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم عند غَسْلِهِ ما لوَّثه ضَرَبَ بيَده الأرض، أو الحائط مرَّتين، أو ثلاثاً (¬1) ..... والذي يَظْهَر لي من حديث ميمونة أن الماء كان قليلاً. ولذلك احتاج صلّى الله عليه وسلّم أن يضربَ الحائط بيده مرَّتين، أو ثلاثاً، ليكون أسرع في إزالة ما لوَّثه، وَغَسَلَ رجليه في مكان آخر. قوله: «ويتوضَّأ»، أي: يتوضَّأ وُضُوءه للصَّلاة. وكلام المؤلِّف يدلُّ على أنَّه يتوضَّأ وضُوءاً كاملاً، وهو كذلك في حديث عائشة (¬2) رضي الله عنها. قوله: «ويحثي على رأسه ثلاثاً»، ظاهره أنه يحثي الماء على جميع الرَّأس ثلاثاً. قوله: «تُروِّيه»، أي: تصل إِلى أُصُوله بحيث لا يكون الماء قليلاً. ¬

_ (¬1) رواه البخاري كتاب الغسل: باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده، رقم (274) واللفظ له، ومسلم، كتاب الحيض: باب صفة غسل الجنابة، رقم (317). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (174).

ويعم بدنه غسلا ثلاثا

وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «ثم يخلِّل بيده شَعْره حتى إذا ظَنَّ أنه قد أروى بَشَرَتَهُ أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسَل سائر جَسَده» (¬1). وظاهره أن يصب عليه الماء أولاً ويخلِّله، ثم يفيض عليه بَعْدَ ذلك ثلاث مرات. وقال بعض العلماء: إِن قولها: «ثلاث مرَّات» لا يَعُمُّ جميع الرَّأس، بل مَرَّة للجَّانب الأيمن، ومرَّة للأيسر، ومرَّة للوَسَطِ (¬2)، كما يدلُّ على ذلك صنيعه حينما أتى بشيء نحو الحِلاَب (¬3) فأخذ منه فغسل به جانب الرَّأس الأيمن، ثم الأيسر، ثم وسط الرَّأس (¬4). ويَعُمَّ بدنَه غُسْلاً ثلاثاً، ........ قوله: «ويَعُمَّ بدنَه غسلاً»، بدليل حديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما: «ثم أفاض الماء على سائر جسده» (¬5). قوله: «ثلاثاً»، وهذا بالقياس على الوُضُوء لأنه يُشْرَع فيه التَّثليث، وهذا هو المشهور من المذْهَب. واختار شيخ الإِسلام وجماعة من العلماء، أنه لا تثليث في غَسْلِ البَدَنِ (¬6) لعدم صحَّته عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فلا يُشْرَع ..... ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (174). (¬2) انظر: «فتح الباري» (1/ 368، 370). (¬3) الحِلاَب: إناء يسع قدر حلبة ناقة، يستعمل للغسل، «المصباح المنير» (1/ 146). (¬4) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب من بدأ بالحِلاب أو الطيب عند الغسل، رقم (258)، ومسلم، كتاب الحيض: باب صفة غسل الجنابة رقم (318) بمعناه من حديث عائشة. (¬5) تقدم تخريجه، ص (174). (¬6) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 369)، «الاختيارات» ص (17).

ويدلكه، ويتيامن، ويغسل قدميه مكانا آخر والمجزئ

وَيَدْلُكَهُ، ويَتَيَامن، ويغسل قَدَمَيْه مَكَاناً آخَر. والمجزئُ: ....... قوله: «ويَدْلُكَه»، أي: يمرُّ يده عليه، وشُرع الدَّلك ليتيقَّن وصول الماء إلى جميع البَدَنِ، لأنَّه لو صَبَّ بلا دَلْكٍ ربَّما يتفرَّق في البدن من أجل ما فيه من الدُّهون، فَسُنَّ الدَّلك. قوله: «ويَتَيَامن»، أي: يبدأ بالجانب الأيمن لحديث عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يُعْجِبُه التَّيمُّن في ترجُّله وتنعُّله، وطُهُوره، وفي شأنه كلِّه» (¬1). قوله: «ويغسل قَدَميْه مكاناً آخر»، أي: عندما ينتهي من الغسْل يغسل قَدَميْه في مكان آخر غير المكان الأول. وظاهر كلام المؤلِّف أنه سُنَّة مطْلَقاً، ولو كان المحلُّ نظيفاً كما في حمَّاماتنا الآن. والظَّاهر لي أنه يَغْسل قَدَمَيْه في مكان آخر عند الحاجة كما لو كانت الأرض طِيناً، لأنَّه لو لم يغسلهما لتلوَّثت رِجْلاه بالطِّين. ويدلُّ لهذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ في حديث عائشة بعد الغُسْلِ (¬2). ورواية: «أنه غسل رجليه» (¬3) ضعيفة. والصَّواب: أنه غَسَلَ رِجْلَيْه في حديث ميمونة فقط. قوله: «والمجزئ»، أي: الذي تبرأُ به الذِّمَّة. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (155). (¬2) تقدم تخريجه، ص (174). (¬3) تفرد برواية هذه الزيادة مسلم، كتاب الحيض: باب صفة غسل الجنابة، رقم (316). قال ابن حجر: «هذه الزيادة تفرَّد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام، قال البيهقي: هي غريبة صحيحة. قلت: (أي: ابن حجر): لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقال. نعم له شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة، أخرجه أبو داود الطيالسي». انظر: «الفتح» شرح حديث رقم (248).

أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة

والإِجزاء: سُقوط الطَّلب بالفِعل، فإذا قيل: أَجْزأتْ صلاته، أي: سقطتْ مطالبته بها لِفِعْله إِيّاها، وكذلك يقال في بقيَّة العبادات. فلو أنَّ أحداً صلَّى وهو مُحدِث ناسياً، ثم ذَكَرَ بعد الصَّلاة، فإِنَّ صلاته لا تجزِئه لأنه مطالب بها، وفِعْله لم يسقط به الطَّلب. أن يَنْوِيَ، ويُسَمِّيَ، ويَعُمَّ بَدَنَهُ بالغُسْلِ مَرَّةً ........... قوله: «أن ينويَ ويُسمِّيَ»، سبق الكلام على النِّيَّة (¬1) والتَّسمية (¬2). قوله: «ويعمَّ بدنه بالغُسْل مرَّةً»، لم يذكر المضمضة والاستنشاق، لأن في وُجوبهما في الغسل خِلافاً، فَمِنْ أهل العِلْم من قال: لا يَصحُّ الغُسْل إِلا بهما كالوُضُوء (¬3). وقيل: يصحُّ بدونهما (¬4) ..... والصَّواب: القول الأوّل؛ لقوله تعالى: {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وهذا يَشْمُل البَدَنَ كُلَّه، وداخل الأنْفِ والفَمِ من البَدَنِ الذي يجب تطهيره، ولهذا أَمَرَ النبي صلّى الله عليه وسلّم بهما في الوُضُوء لِدُخولهما تحت قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، فإذا كانا داخلَين في غَسْل الوَجْه، وهو ممَّا يجب تطهيره في الوُضُوء، كانا داخلَين فيه في الغُسْل لأن الطَّهارة فيه أَوْكَدُ. وقوله: «ويَعُمَّ بَدَنَهُ». يشمل حتى ما تحت الشَّعر الكثيف، فيجب غَسْل ما تحته بخِلافِ الوُضُوء، فلا يجب غَسْل ما تحته. ¬

_ (¬1) انظر: ص (356). (¬2) انظر: ص (358). (¬3) انظر: «الإنصاف» (1/ 325، 326). (¬4) انظر: «الإنصاف» (1/ 325، 326).

والشَّعر الكثيف: هو الذي لا تُرى مِنْ ورائه البَشَرة. قال أهلُ العِلْمِ: والشَّعر بالنسبة لتطهيره وما تحته ينقسم إلى ثلاثة أقسام (¬1): الأول: ما يجب تطهير ظاهره وباطنه بكلِّ حال، وهذا في الغُسْل الواجب. الثاني: ما يجب تطهير ظاهره وباطنه إِنْ كان خفيفاً، وتطهير ظاهره إِن كان كثيفاً، وهذا في الوُضُوء. الثالث: ما لا يجب تطهير باطنه سواء كان كثيفاً، أم خفيفاً، وهذا في التَّيَمُّم. والدَّليل على أنَّ هذا الغُسْل مجزئ: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، ولم يَذْكُر الله شيئاً سوى ذلك، ومن عَمَّ بَدَنَه بالغُسْل مَرَّة واحدة صَدَقَ عليه أنَّه قد اطَّهَّرَ. فإن قيل: هذه الآية مُجْملة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم فَصَّلَ هذا الإِجمال بفِعْله فيكون واجباً على الكيفيَّة التي كان يفعلها، كما أنَّ الله لمَّا قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [المزمل: 20]، فَسَّر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هذه الإِقامة بفِعْلِه، فصار واجباً علينا إقامة الصَّلاة كما فعلها الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم. فالجواب في وجهين: الأول: أنَّه لو كان الله يريد منَّا أن نغتسل على وَجْه التَّفصيل لَبيَّنه كما بَيَّن الوُضُوء على وَجْهِ التَّفصيل، فلما أَجْمَلَ الغُسْل .... ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 164، 301 ـ 302)، «القواعد» لابن رجب ص (4). وقد تقدم ذلك ص (172).

وفصَّل في الوُضُوء عُلِمَ أنَّه ليس بواجب علينا أن نغتسل على صفة معيَّنة. الثاني: حديث عِمران بن حصين رضي الله عنه الطويل، وفيه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال للرَّجُل الذي كان جُنباً ولم يُصلِّ: «خُذْ هذا وأَفرِغْه عليك» (¬1)، ولم يُبيِّن له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم كيف يُفرغه على نفْسِه، ولو كان الغُسْل واجباً كما اغتسل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لبَيَّنه له؛ لأنَّ تأخير البَيَان عن وقت الحاجة في مقام البلاغ لا يجوز. فإن قيل: لعلَّ هذا الرَّجُل يعرف كيفيَّة الغُسل. أُجيب بجوابَين: الأول: أنَّ الأصْلَ عدم معرفته. الثاني: أنَّ ظاهر حاله أنه جاهلٌ، بدليلِ أنَّه لم يَعْلَمْ أنَّ التَّيمُّم يُجزئ عن الغُسل عند عدم الماء. والحاصل: أن الغُسْلَ المجزئ أن ينويَ، ثم يسمِّيَ، ثم يعمَّ بدَنَه بالغُسل مرَّة واحدة مع المضمضة والاستنشاق (¬2). ولو أن رَجُلاً عليه جنابة، فنوى الغُسْل، ثم انغمس في بِرْكة ـ مثلاً ـ ثم خرج، فهذا الغُسْل مجزئ بِشَرط أنْ يتمضمض ويستنشق. ولو أنَّه أراد الوُضُوء بعد أن انغمس فلا يجزئ إِلا إِن خَرَج مرتِّباً، لأن التَّرتيب فرْضٌ على المذهب (¬3). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب التيمم: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، رقم (344)، وأصله في مسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (682). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 289 ـ 292). (¬3) انظر: ص (189).

ويتوضأ بمد، ويغتسل بصاع

وظاهرُ كلام المؤلِّف رحمه الله أنَّ الموالاة ليست شرطاً في الغُسل، فلو غسل بعض بدنه ثم أتمَّهُ بعد زمن طويل عُرفاً صَحَّ غُسله، وهذا هو المذهب. وقيل: إِن الموالاة شرطٌ، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وقيل: وجه للأصحاب (¬1) ..... وهذا ـ أعني كون الموالاة شرطاً ـ أصَحُّ، لأن الغُسل عبادة واحدة، فلزم أن ينبني بعضُه على بعض بالموالاة، لكن لو فرَّقه لعُذْرٍ، لانقضاء الماء في أثناء الغسل مثلاً؛ ثم حصَّله بعد ذلك لم تلزمه إِعادة ما غسَّله أولاً؛ بل يُكمل الباقي. وَيَتَوَضَّأُ بِمُدٍّ، وَيَغْتَسِلُ بِصَاعٍ، .......... قوله: «ويتوضَّأُ بمُدٍّ ويَغْتَسِلُ بِصَاعٍ»، يتوضَّأُ: بالرَّفع؛ لأنَّها جملة استئنافية، وليست معطوفة على قوله: «أن ينوي»، لأنها لو كانت معطوفة على قوله: «أن ينوي» لصار المعنى: والمجزئ أن ينوي، وأن يتوضَّأ بمُدٍّ، وليس كذلك، بل المعنى يُسَنُّ أنْ يكون الوُضُوء بِمُدٍّ، والغُسْلُ بصَاعٍ. والمُدُّ: رُبْعُ الصَّاع (¬2). والصَّاع النبويُّ: أقلُّ من الصَّاع العُرْفِي عندنا بالخُمْس وخُمْس الخُمْس، فالصَّاع النبويُّ ـ مثلاً ـ زِنته ثمانون ريالاً فرنسياً، وصاعنا العُرْفي مائة ريال، وأربع ريالات. فيأخذ إِناء يَسَعُ أربعة أخماس الصَّاع العُرْفِي، ويغتسل به، ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 138). (¬2) والصَّاع بالبُرِّ الجيد = 2040 جراماً، فمُدُّ البرِّ = 510 جراماً كما في «تنبيه الأفهام شرح عمدة الأحكام» للمؤلف رحمه الله (1/ 91).

فإن أسبغ بأقل، أو نوى بغسله الحدثين أجزأ

هذه هي السُّنَّة، لِئَلا يُسرِف في الماء، فإِن أسبغ بأقلَّ جاز. فإن قيل: نحن الآن نتوضَّأ مِن الصَّنابير فمقياس الماء لا ينضبط؟ فيقال: لا تَزِدْ على المشروع في غَسْل الأعضاء في الوُضوء، فلا تَزِدْ على ثلاث، ولا تزد في الغُسْل على مرَّة، على القول بِعَدَم الثلاث، وبهذا يحصُل الاعتدال. فإِن أَسْبَغَ بأَقَلَّ، أو نوى بغُسْلِه الحَدَثيْن أَجْزَأَ، ............ قوله: «فإن أسْبَغ بأقلَّ»، أي: إِن أسْبَغَ بأقلَّ مِنَ المدِّ في الوُضُوء، ومِن الصَّاع في الغُسْل أَجْزأَ؛ لأنَّ التَّقدير بالمدِّ والصَّاع على سبيل الأفضليَّة. لكنْ يُشترط ألا يكون مَسْحاً، فإِن كان مَسْحاً فلا يُجزئ. والفرق بين الغُسْل والمسح: أن الغُسْل يتقاطر منه الماء ويجري، والمسح لا يتقاطر منه الماء، والدَّليل على ذلك: .... 1 - قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، ثم قال: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، ففرَّق سبحانه وتعالى بين المسْح، والغُسْل. 2 - قوله تعالى: {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، بيَّنه صلّى الله عليه وسلّم بالغسْل، لا بالمسْح. قوله: «أو نوى بغُسْلِه الحَدَثَيْن أَجْزَأ»، النيَّة لها أربع حالات: الأولى: أن ينوي رفع الحَدَثَيْن جميعاً فيرتفعان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنِّيَّات» (¬1). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (194).

الثانية: أن ينويَ رفع الحَدَثِ الأكبر فقط. ويَسْكت عن الأصغر، فظاهر كلام المؤلِّف أنَّه يرتفع الأكبر، ولا يرتفع الأصغر لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات»، وهذا لم ينوِ إِلاَّ الأكبر. واختار شيخ الإسلام: أنه يرتفع الحَدَثَان جميعاً (¬1)، واستدلَّ بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، فإذا تطهَّر بنيَّة الحَدَثِ الأكبر فإِنَّه يُجزئه، لأنَّ الله لم يذكُر شيئاً سوى ذلك، وهذا هو الصَّحيح. الثالثة: أن ينويَ استباحة ما لا يُباح إِلاَّ بالوُضُوء، أو ارتفاع الحَدَثَيْن جميعاً كالصَّلاة، فإِذا نوى الغُسْلَ للصلاة، ولم ينوِ رَفْع الحَدَثِ، ارتفع عنه الحَدَثَان، لأنَّ مِنْ لازم نيَّة الصَّلاة أن يرتفع الحَدَثَان، لأنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ إِلا بارتفاع الحَدَثَيْن. الرابعة: أن ينوي استباحة ما يُباح بالغُسْل فقط، دون الوُضُوء كقراءة القرآن، أو المُكْثِ في المسجد. فلو اغتسل لقراءة القرآن فقط، ولم يَنوِ رَفْعَ الحَدَثِ أو الحَدَثَيْن فيرتفع حَدَثُه الأكبر فقط، فإِن أراد الصَّلاة، أو مَسَّ المصحفِ، فلا بُدَّ من الوُضُوء. ولكن واقع النَّاس اليوم، نجدُ أنَّ أكثرهم يغتسلون من الجَنَابة من أَجْلِ رَفْعِ الحَدَثَ الأكبر، أو الصَّلاة، وعلى هذا فيرتفع الحَدَثَان ..... ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 396)، «الاختيارات» ص (17).

ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل، ونوم، ومعاودة وطء

ويُسنُّ لجُنُبٍ غَسْلُ فَرْجِهِ، والوُضُوءُ لأكْلٍ، ونَوْمٍ، ومُعَاوَدةِ وَطْءٍ. قوله: «ويُسنُّ لجُنُبٍ غَسْلُ فَرجِهِ، والوُضُوءُ لأكلٍ»، وُضوء الجُنُبِ للأكل ليس بواجب بالإِجماع؛ لكنَّه مستَحَبٌّ والدَّليل على ذلك: 1 - حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جُنُبٌ توضَّأ وضوءه للصَّلاة (¬1). وأمَّا مَنْ حمل هذا على الوُضُوء اللغوي، وهو النَّظَافة، فلا عِبْرة به؛ لأن رواية مسلم صريحة في أنَّ المراد به الوُضُوء الشَّرعي. ولأن القاعدة في أصول الفِقْه: أنَّ الحقائق تُحمَل على عُرْفِ النَّاطِقِ بها، فإِذا كان النَّاطِقُ الشَّرع حُمِلَت على الحقيقة الشَّرعيَّة، وإِذا كان من أهل اللُّغة حُمِلت على الحقيقة اللغويَّة، وإِذا كان من أهل العُرْف حُمِلَت على الحقيقة العُرفيَّة. فمثلاً: «زَيْدٌ قائم» زَيْدٌ في اللغة فاعل؛ لأن الفاعل في اللغة من قام به الفعل، وعند النَّحويِّين مبتدأ؛ لأن الفاعل عندهم: الاسمُ المرفوع المذكور قَبْلَه عامِلُه. 2 - حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رخَّص للجُنُب إِذا أراد أن يأكل، أو يشرب أو ينام أن يتوضَّأ (¬2). ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب جواز نوم الجنب ... ، رقم (305). (¬2) رواه أحمد (4/ 320)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب من قال يتوضأ الجنب، رقم (225، 4601)، والترمذي، أبواب الصلاة: باب ما ذكر في الرخصة للجنب في الأكل والنوم إذا توضأ، رقم (613) عن يحيى بن يعمر عن عمار. قال الترمذي: حسن صحيح. وصحَّحه أيضاً النووي في «الخلاصة»، رقم (504) وأعلَّه أبو داود والدارقطني بالانقطاع بين يحيى بن يعمر وعمار. قلت: ويؤيِّده ما قالاه أن يحيى قال في بعض روايات الحديث: إِنه أخبره رجل عن عمار بن ياسر. انظر: «السنن» لأبي داود رقم (4177).

قوله: «ونومٍ»، أي: يُسْتَحَبُّ للجُنُب إِذا أراد النَّوم أن يتوضَّأ، واستُدلَّ لذلك بحديث عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أَيَرْقُد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: «نعم، إِذا توضَّأ أحدُكم فلْيَرْقُد وهو جُنُب» (¬1)، وفي لفظ: «توضَّأ واغسلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ» (¬2) ..... وهذا الدَّليل يقتضي الوُجوب لأنَّه قال: «نعم إِذا توضَّأ». وتعليق المباح على شَرْط يدلُّ على أنَّه لا يُباح إِلا به، وعليه يكون وُضُوء الجُنُب عند النوم واجباً، وإلى هذا ذهب الظَّاهريَّة وجماعة كثيرة من أهل العِلْمِ (¬3)، ولكن المشهور عند الفقهاء والأئمَّة المتبوعين أنَّ هذا على سبيل الاستحباب (¬4)، واستدلُّوا لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان ينامُ وهو جُنُبٌ من غير أن يمسَّ ماءً» (¬5). ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (352). (¬2) رواه البخاري، كتاب الغسل: باب الجنب يتوضأ ثم ينام، رقم (290)، ومسلم، كتاب الحيض: باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، رقم (306) ..... (¬3) انظر: «فتح الباري» (1/ 395). (¬4) انظر: «المغني» (1/ 303)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 158). (¬5) شرح السُّنة» (2/ 36، 37) «الخلاصة» رقم (511)، «التلخيص الحبير» رقم (187).

قالوا: فَتَرْكُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للوُضُوء في هذه الحال بيان للجَواز، وأن الأمر ليس للوُجوب. وهذه قاعدة صحيحة معتَبَرة، خلافاً لمن قال: إِن فِعْلَه لا يُعارض قولَه، بل يؤخذ بالقول فلا يدلُّ فِعلُه على الجواز. فائدة: هذه الطَّريقة يلجأ إِليها الشَّوكاني رحمه الله في «نَيْل الأوطار» (¬1)، وأنا أتعجَّب من سلوكه هذه الطَّريقة؛ لأنَّه مِنَ المعلوم أنَّنا لا نحمل فعْل الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم على الخُصوصيَّة إِلا حَيث تعذَّر الجَمْع، أما إِذا أمكن الجَمْع فإِنَّه لا يجوز حَمْلُ النَّصِّ على الخُصوصيَّة؛ لأن الأصل التَّأسِّي به صلّى الله عليه وسلّم، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، فإذا كان الأصل التَّأسِّي به فلا وجه لحمل النَّصِّ على الخصوصيَّة مع إِمكان الجمع إِلا بدليل. ويدلُّ على أن فِعْله صلّى الله عليه وسلّم أو قوله لا يُحمَل على الخُصوصيَّة إِلا بدليل قول الله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ .... ¬

_ (¬1) انظر: «نيل الأوطار» (1/ 241).

أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، ووجْه الدَّلالة من الآية: أنَّ الله تعالى بيَّن أنها خالصة للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولولا ذلك لكان مقتضَى النَّص أنه يجوز للإِنسان التزوُّج بالهِبَة. ودليل آخر: أن الله تعالى قال في قصَّة زينب بنت جحش رضي الله عنها: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37]، وكانت زينب تحت زيدِ بن حارثة، وكان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد تَبَنَّاهُ، فلما أحلَّ الله له زينب قال: {لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37]. فهذا الحُكْمُ خاصٌّ، وعِلَّته عامّة، وعلى هذا فالحكم الذي يَثْبُت للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم يَثْبت للأمَّة؛ وإِلا لم يكُنْ لقوله: {لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} فَائدةٌ. وعُورض حديث عائشة: «كان ينام وهو جُنُب من غير أن يمسَّ ماءً» بأمرين: الأول: أنَّه منقطع. ورُدَّ بأنه متَّصل، وأن أبا إسحاق سَمِع من الأسود الذي رواه عن عائشة، وإِذا تعارض الوَصْل والقَطْع، فالمعتَبَر الوصل. الثاني: أنَّ قولها: «من غير أن يمسَّ ماءً»، أي: ماء للغُسْل. ورُدَّ بأن هذا بعيد؛ لأن «ماء» نكرة في سِيَاق النَّفْي فتعُمُّ أيَّ ماءٍ، وعليه فالتَّعليل بالانقطاع غيرُ صَحيح، وكذلك التَّأويل. والذي يظهر لي: أن الجُنُبَ لا ينام إِلا بِوُضُوء على سبيل الاستحباب، لحديث عائشة رضي الله عنها، وكذا بالنِّسبة للأكْلِ والشُّرْب.

وفرَّق الفقهاء ـ رحمهم الله ـ بين الأكل والشُّرب والنَّوم، فقالوا: يُكْرهُ أن ينام على جنابة بلا وُضُوء، ولا يُكْرَه له الأكل، والشُّرب بلا وُضُوء (¬1). قوله: «ومُعَاوَدَةِ وَطْءٍ»، أي: يُسَنُّ للجُنُبِ أن يتوضَّأ إِذا أراد أن يُجَامع مرَّة أُخرى، والدَّليل على ذلك ما ثَبتَ في «صحيح مسلم» أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر مَنْ جَامَع أهلَه، ثم أراد أن يعود أن يتوضَّأ بينهما وُضُوءاً (¬2). والأصل في الأَمْر الوُجُوب، لكن أخرج هذا الأَمر على الوُجُوب ما رواه الحاكم: « ... إِنه أَنْشَطُ للعَوْدِ» (¬3). فَدلَّ هذا أنَّ الوُضُوء ليس عبادة حتى نُلْزِم النَّاسَ به، ولكنْ من باب التَّنْشيط، فيكون الأَمْرُ هنا للإِرشاد، وليس للوجوب. وكان صلّى الله عليه وسلّم يطوف على نسائِه بِغُسْلٍ واحد (¬4)، وإِن كان طوافه عليهن بغسل واحد، لا يَمْنَعُ أن يكون قد توضَّأ بين الفِعْلَين ..... ¬

_ (¬1) انظر «كشاف القناع» (1/ 158). (¬2) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، رقم (308) من حديث أبي سعيد الخدريِّ. (¬3) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» رقم (221)، وابن حبان رقم (1211)، والحاكم (1/ 152) والبيهقي (1/ 204) من حديث أبي سعيد الخدري. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين؛ ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ووافقه الذهبي. وصحَّحه أيضاً النووي. انظر: «الخلاصة» رقم (507). (¬4) رواه ـ بهذا اللفظ ـ مسلم، كتاب الحيض: باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، رقم (309) من حديث أنس، وبوّب به البخاري، كتاب الغسل: باب إِذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه في غسل واحدٍ، ثم أورد حديث عائشة، رقم (267). وبنحوه حديث أنس رقم (268) بلفظ: «كان يدور على نسائه في السَّاعة الواحدة».

باب التيمم

بابُ التَّيَمُّمِ وهُو بَدَلُ طهارَةِ الماءِ التَّيمُّم لغةً: القصد. وشرعاً: التَّعبُّد لله تعالى بقصد الصَّعيد الطَّيِّب؛ لمسْحِ الوجه واليدين به. وهو من خصائص هذه الأمَّة لِمَا رواه جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهُنَّ نبيٌّ من الأنبياء قَبْلي: نُصِرت بالرُّعب مسيرة شَهْر، وجُعِلتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً، فأيّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي أَدْرَكَتْه الصَّلاةُ فَلْيُصلِّ ... »، الحديث (¬1). وكانت الأمم في السَّابق إِذا لم يجدوا ماءً بَقَوا حتى يَجِدوا الماء فيتطهَّروا به، وفي هذا مشقَّة عليهم، وحرمان للإِنسان من الصِّلة بربِّه، وإِذا انقَطَعَتْ الصِّلة بالله حَدَثَ للقَلب قَسْوةٌ وغَفْلةٌ. وسببُ نزول آية التيمُّم ضياعُ عِقْد عائشة رضي الله عنها التي كانت تتجَمَّل به للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وكان هذا العِقد عارية، فلما ضاع بقيَ الناس يطلبونه، فأصبحوا ولا ماء معهم، فأنْزَلَ الله آية التَّيمُّم، فلما نَزَلَتْ بَعَثُوا البعير، فوجدوا العِقد تحته؛ فقال أُسيد بن حضير رضي الله عنه: «ما هي بأوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آل أبي بكر» (¬2). قوله: «وهو بَدَلُ طهارة الماء»، أي: ليس أصْلاً؛ لأن الله ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه، ص (29). (¬2) رواه البخاري، كتاب التيمم: باب قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} رقم (334)، ومسلم، كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (367) .....

تعالى يقول: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] فهو بدلٌ عن أصلٍ، وهو الماء. وفائدة قولنا: «إِنه بدل» أنه لا يُمكن العمل به مع وجود الأصل؛ وإلا فهو قائم مقامه، ولكن هذه الطَّهارة إِذا وُجِدَ الماء بطلت، وعليه أن يغتسل إِن كان التَّيمُّم عن غُسْل، وأن يتوضَّأ إِن كان عن وُضُوء، والدَّليل على ذلك: .... 1 - حديث عمران بن حُصين رضي الله عنه الطَّويل، وفيه قوله صلّى الله عليه وسلّم للذي أصابته جنابة ولا ماء: «عليك بالصَّعيد فإنه يكفيك»، ولمَّا جاء الماءُ قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «خُذْ هذا وأفرغْه عليك» (¬1). فدلَّ على أنَّ التَّيمُّم يَبْطُلُ بوجود الماء. 2 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصَّعيد الطيّب وُضُوء المسْلم، وإِن لم يَجِد الماء عَشر سنين، فإِذا وجَدَ الماء فَلْيَتَّقِ الله ولْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فإِن ذلك خيرٌ» (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (84). (¬2) ن حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة. قال ابن القطان: «إسناده صحيح»، «بيان الوهم والإِيهام» رقم (2464). قال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح»، «المجمع» (1/ 259). قال الدارقطني: الصواب عن ابن سيرين مرسلاً. «العلل» رقم (1423). ورواه أحمد (5/ 146، 155، 180)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الجنب يتيمم، رقم (332، 333)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب التيمم للجنب إِذا لم يجد الماء، رقم (124)، وابن حبان رقم (1311) وغيرهم من طريق عمرو بن بُجدان عن أبي ذرٍ به مرفوعاً في قصةٍ. وعمرو بن بُجدان وثَّقه العجلي وابن حبان وصحَّح حديثه الترمذي، وابن حبان. فهو ثقة. وانظر: «نصب الراية» (1/ 149)، «الكاشف»، «التلخيص» رقم (210). وصحَّح حديث أبي ذر: الترمذي، وابن حبان، والنَّووي، وغيرهم. انظر: إضافة لما سبق: «الخلاصة» رقم (549)، «المعجم الأوسط» للطبراني، رقم (1355).

وهل هو رافِع للحَدَثِ، أو مُبيح لما تَجِبُ له الطَّهارة؟ اختُلِف في ذلك: فقال بعض العلماء: إِنه رافع للحَدَثِ (¬1). وقال آخرون: إِنه مُبيح لما تجب له الطَّهارة (700). والصواب هو القول الأول: 1 - لقوله تعالى لمَّا ذكر التيمم: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]. 2 - وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «وجُعِلَت لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً» (¬2)، والطَّهور بالفتح: ما يُتَطَهَّر به. 3 - ولأنَّه بَدَل عن طهارة الماء، والقاعدة الشَّرعيَّة أنَّ البَدَل له حُكْم المُبْدل، فكما أنَّ طهارة الماء تَرفعُ الحَدَثَ فكذلك طهارة التَّيمُّم. ويترتَّب على هذا الخلاف مسائل منها: أ- إذا قلنا: إِنه مُبيح فَنَوى التَّيمُّم عن عِبادة لم يَستبِح به ما فوقها. فإِذا تيمَّم لنافلة لم يُصلِّ به فريضة؛ لأن الفريضة أعلى، ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 241، 242). (¬2) تقدم تخريجه ص (29) .....

وإذا تيمَّم لِمَسِّ المصحف لم يُصلِّ به نافلة، إِذ الوُضُوء للنَّافلة أعلى فهو مُجْمع على اشتراطه بخلاف الوُضُوء لِمَسِّ المصحف، وهكذا. وإذا قلنا: إنه رافع فإِذا تيمَّمَ لنافلة جازَ أن يُصلِّيَ به فريضة، وإِذا تيمَّم لمسِّ مصحف جاز أن يُصلِّيَ به نافلة ..... ب- إذا قلنا: إنّه مُبيح، فإذا خرج الوقت بَطلَ؛ لأن المبيح يُقتصر فيه على قَدْرِ الضَّرورة، فإِذا تيمَّم للظُّهر ـ مثلاً ـ ولم يُحْدِث حتى دخل وقت العصر فعليه أن يُعيدَ التَّيمُّم. وعلى القول بأنه رافع، لا يجب عليه إعادة التيمُّم، ولا يَبطُل بخروج الوقت. ج- إذا قلنا: إِنه مبيح، اشترط أن ينويَ ما يتيمَّم له، فلو نَوَى رفْع الحَدَث فقط لم يرتفع. وعلى القول بأنه رافع لا يُشْترطَ ذلك، فإذا تيمَّم لرَفْع الحَدَث فقط جاز ذلك (¬1). وظاهر كلام المؤلِّف: أنه بَدَل عن طهارة الماء في كلِّ ما يطهِّره الماء؛ سواء في الحَدَث؛ أم في نجاسة البَدَن؛ أم في نجاسة الثَّوب؛ أم في نجاسة البُقعة، ولكن ليس هذا مراده، بل هو بَدَل عن طهارة الماء في الحَدَث قولاً واحداً؛ وفي نجاسة البَدَن على المذهب (¬2)، أي أنه يتيمَّم إِذا عدم الماء للحَدَث الأصغر والأكبر، ويتيمَّم إِذا كان على بَدَنِه نجاسة ولم يَقْدِرْ على ¬

_ (¬1) انظر ص (400). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 204) .....

إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة

إزالتها، ولا يتيمَّم إِذا كان على ثَوبه أو بُقعَته نجاسة. والصَّحيح: أنه لا يتيمَّم إلا عن الحَدَث فقط لما يلي: 1 - أن هذا هو الذي وَرَد النَّص به. 2 - أن طهارة الحَدَث عبادة، فإِذا تعذَّر الماء تعبَّد لله بتعفير أفضل أعضائه بالتُّراب، وأما النَّجاسة، فشيء يُطْلَبُ التَّخلِّي منه، لا إِيجادُه، فمتى خَلا من النَّجاسة ولو بلا نيَّة طَهُرَ منها، وإِلا صلَّى على حَسَب حاله، لأنَّ طهارة التَّيمُّم لا تؤثِّر في إزالة النَّجاسة، والمطلوب من إِزالة النَّجاسة تخْلِيَة البَدَنِ منها، وإِذا تيمَّم فإِنَّ النَّجاسة لا تزول عن البَدَن، وعلى هذا: إِن وَجَد الماء أزالها به، وإلا صلَّى على حَسَب حاله؛ لأنَّ طهارة التيمُّم لا تؤثِّر في إزالة النَّجاسة ......... إِذا دخلَ وقتُ فريضةٍ أو أُبيحَت نافلةٌ ............ قوله: «إذا دخلَ وقتُ فريضةٍ أو أُبيحَت نافلةٌ»، «إذا» أداة شرط، وفعل الشَّرط «دخل» وما عُطف عليه، وجوابه قوله بعد ذلك: «شُرع التَّيمُّم». أي: يُشترط للتَّيمُّم دخول الوقت، أو إِباحة النَّافلة، وهذا هو الشَّرط الأول لِصِحَّة التَّيمُّم، وهذا مبنيٌّ على القول بأنه مبيح لا رافع وهو المذهب، فيقتصر فيه على الضَّرورة، وذلك بأن يكون في وقت الصَّلاة. وقوله: «أو أبيحَت نافلةٌ». أي: صار فِعْلها مباحاً، وذلك بأن تكون في غير وقت النَّهي، فإِذا كان في وقت نَهْيٍ، فلا يتيمَّم لصلاة نَفْل لا تجوز في هذا الوقت. وقولنا: «لا تجوز في هذا الوقت»، احترازاً مما يجوز في

وعدم الماء أو زاد على ثمنه كثيرا، أو ثمن يعجزه، أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه

هذا الوقت من النَّوافل كَذَوات الأسباب ـ على القول الرَّاجح ـ وهذا مبنيٌّ على القول بأنَّه مبيح لا رافع. والصَّواب أنه رافع، فمتى تيمَّم في أيِّ وقتٍ صحَّ، وقد سبق بيانه (¬1). وعَدِمَ الماء أو زادَ على ثَمَنه كثيراً، أو ثَمَنٍ يُعْجِزُهُ، أَوْ خَافَ باسْتِعْمَالِهِ أو طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ ........ قوله: «وعدم الماء»، هذا الشَّرط الثَّاني لِصِحَّة التَّيمُّم: أن يكون غيرَ واجِدٍ للماء لا في بيته، ولا في رَحْلِه، إن كان مسافراً، ولا ما قَرُبَ منه. قوله: «أو زاد على ثَمَنه كثيراً»، أي: إِذا وجد الماء بثمن زائد على ثمنه كثيراً عَدَل إِلى التَّيمُّم، ولو كان معه آلاف الدَّراهم. وعلَّلوا: أن هذه الزِّيادة تجعله في حُكْم المعدوم. والصَّواب: أنه إِذا كان واجداً لثمنه قادراً عليه وَجَبَ عليه أن يشتريه بأيِّ ثمن، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: 6]، فاشترط الله تعالى للتَّيمُّم عَدَم الماء، والماء هنا موجود، ولا ضرر عليه في شِرائه لِقُدْرَته عليه، وأمَّا كون ثمنه زائداً فهذا يرجع إلى العَرْض والطَّلب، أو أن بعض النَّاس ينتَهِز حاجَةَ الآخرين فيرفع الثَّمن ......... ¬

_ (¬1) انظر: ص (375) ..... قوله: «أو ثَمَن يعجزه»، أي لا يَقْدر على بَذْلِه بحيث لا يكون معه ثَمنه، أو معه ثَمن ليس كاملاً، فَيُعتبر كالعَادِم للماء فيتيمَّم. قوله: «أو خاف باسْتِعْمالِه، أو طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ»، فإذا تضرَّر

بَدَنُه باستعماله الماءَ صار مريضاً، فيدخل في عموم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية [المائدة: 6]. كما لو كان في أعضاء وُضُوئه قُروح، أو في بَدَنِه كُلِّه عند الغُسْل قُروح وخاف ضَرَر بَدَنِه فله أن يتيمَّم. وكذا لو خاف البرْد، فإِنه يُسخِّن الماء، فإِن لم يَجِد ما يسخِّن به تيمَّم؛ لأنَّه خَشِيَ على بَدَنِه من الضَّرر، وقد قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]. واستدلَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه الآية على جواز التَّيمُّم عند البَرْد إِذا كان عليه غُسْل (¬1). وقوله: «أو طلبِه ضرَرَ بدنِهِ»، أي: خاف ضَرَرَ بَدَنِه بطلَبِ الماء، لبُعْدِه بعض الشيء، أو لِشدَّة برودة الجَوِّ، فيتيمم. والدَّليل على هذا قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، وقوله: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وخَوْفُ الضَّرر حَرَجٌ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضَرَرَ، ولا ضِرَار» (¬2). ¬

_ (¬1) رواه البخاري تعليقاً بصيغة التمريض، كتاب التيمم: باب «إذا خاف الجنب على نفسه المرض ... » رقم (345)، ووصله أبو داود والحاكم. قال ابن حجر: «وإسناده قويٌّ؛ لكنه علَّقه بصيغة التمريض لكونه اختصره». «الفتح» شرح ترجمة الباب المذكور. (¬2) رواه أحمد (5/ 326 ـ 327)، وابن ماجه، كتاب الأحكام: باب من بنى في حقِّه ما يضرّ بجاره، رقم (2340) من حديث عبادة بن الصامت. ورُوي أيضاً من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وعائشة وغيرهم. قال النووي: «حديث حسن ... وله طرق يَقْوَى بعضها ببعض». قال ابن رجب: «وهو كما قال». قال ابن الصَّلاح: «هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوِّي الحديث ويحسِّنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجُّوا به». انظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب، شرح حديث رقم (32) .....

أو رفيقه، أو حرمته، أو ماله بعطش، أو مرض، أو هلاك، ونحوه

أو رفيقه، أو حرمته، أو مالِه بعطش، أَوْ مَرَضٍ، أو هلاكٍ، ونَحْوه ........ قوله: «أو رفيقه»، أي: خاف باستعمال الماء أو طَلَبِه ضَرَرَ رفيقه. مثال ذلك: أن يكون معه ماء قليل ورُفْقَة، فإِن استعمل الماء عطِشَ الرُّفْقَة وتضرَّروا، فنقول له: تيمَّم، ودَع الماء للرُّفْقَة ..... وظاهر قوله: «أو رفيقه» أنه يشْمل الكافر والمسلم، لكن بِشَرط أن يكون الكافر معصوماً، وهو الذِّمِّي، والمُعَاهد، والمُسْتَأْمِن. قوله: «أو حرمته»، أي: خاف باستعمال الماء أو طلبِه ضرر امرأته، أو من له ولاية عليها من النِّساء. قوله: «أو مالِه»، أي: خاف باستعمال الماء أو طلبه تضرُّر ماله، كما لو كان معه حيوان، وإِذا استعمل الماء تضرَّر، أو هَلَكَ. قوله: «بِعَطَشٍ»، متعلِّق بـ «ضَرر»، أي: ضرر هؤلاء بعطش. قوله: «أو مَرَضٍ»، مثاله: أن يكون في جِلْدِه جروح تتضرَّر باستعمال الماء. قوله: «أو هَلاكٍ»، كما لو خاف أن يموت من العَطَشِ. قوله: «ونَحْوه»، أي: من أنواع الضَّرر. فالضَّابط أن يُقال: الشَّرط الثاني: تعذُّر استعمال الماء، إِما لِفَقْده، أو للتَّضرُّر باستعماله أو طَلَبِه، وهذا أعمُّ وأوضَحُ من عبارة المؤلِّفِ.

شرع التيمم، ومن وجد ماء يكفي بعض طهره تيمم بعد استعماله

شُرعَ التَّيمُّمُ، ومَنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفي بعضَ طُهرِه تيمَّم بعد اسْتِعمالِه، .......... قوله: «شُرع التَّيمُّمُ»، «شُرع»: جواب «إذا» في قوله: «إِذا دخل»، وإِذا تأخَّر الجواب، وطال الشَّرْط بالمعطوفات عليه، فعِنْد البَلاغيين ينبغي إِعادة العامِل ليتَّضِح المعنى، لكنَّه لو أعاد الشَّرطَ هنا لعَادَ الأمْرُ كما هو؛ لأنَّ هذه الأمور كلها تابعة للشَّرط. وقوله: «شُرع»، أي: وجب لما تجب له الطَّهارة بالماء كالصَّلاة، واستُحبَّ لما تستحبُّ له الطَّهارة بالماء؛ كقراءة القرآن دون مَسِّ المصحَف. قوله: «ومَنْ وجدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهره تيمَّم بعد استعمالِهِ»، أفادنا المؤلِّف أن الإِنسان إذا وَجَدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهرِه، فإِنَّه يَجمع بين الطَّهارة بالماء والتَّيمُّم. مثاله: عنده ماء يكفي لغَسْل الوَجْه واليدين فقط؛ فيجب أن يستعمل الماء أولاً؛ فيغسِل وجهه ويديه، ثم يتيمَّم لما بَقِيَ من أعضائه. وسبب تقديم استعمال الماء، ليَصْدُق عليه أنه عَادِمٌ للماء، إِذا استعمله قبل التَّيمُّم. والدليل على ذلك: 1 - قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. 2 - وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فأْتوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ» (¬1). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رقم (7288) واللفظ له، ومسلم، كتاب الحج: باب فرض الحج مرَّة في العمر، رقم (1337) من حديث أبي هريرة.

فنحن مأمورون بغَسْل الأعضاء، فَغَسَلْنا الوجه واليدين، وانتهى الماء فاتَّقَيْنا الله بهذا الفعل، وتيمَّمنا لمسْحِ الرَّأس، وغَسْل الرِّجلين لتعذُّر الماء، فاتَّقَيْنا الله بهذا الفعل أيضاً، فلا تَضَادّ بين الغَسْل، والتَّيمُّم إِذ الكُلُّ مِنْ تقوى الله. وقال بعض العلماء: لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التَّيمُّم، بل إِذا كان الماء يكفي لِنِصْفِ الأعضاء فأكثر فإنه يستعمل بلا تيمُّم، وإذا كان يكفي لأقلَّ من النِّصف، فلا يستعمل الماء بل يتيمَّم فقط (¬1). وعلَّلوا ذلك بأنَّ الجَمْع بين الطَّهارتين جَمْعٌ بين البدل والمبدل، وهذا لا يَصِحُّ لأنَّه من باب التَّضَادِّ. وعلَّلوا أيضاً: بأن القاعدة العامة في الشَّريعة تغليب جانب الأكثر، فإِذا كانت الأعضاء المغسولة هي الأكثر فلا تَتَيمَّم، وإِذا كان العكس فتيمَّم ولا تغسلها. ورُدَّ هذا: بأن التيمم هنا عن الأعضاء التي لم تُغْسَل، وليس عن الأعضاء المغسولة، فليس فيه جمع بين البَدَل والمبدل، بل هو شبيه بالمسْحِ على الخُفَّين من بعض الوجوه، لأنك غَسَلت الأعضاء التي تُغْسَل، ومَسَحْتَ على الخُفِّ بدلاً عن غَسْل الرِّجْل التي تحته. وقال آخرون: إِنه يستعمل الماء مطلقاً، فيما يقدر عليه ولا يتيمَّم (708) ..... ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 315)، «مجموع الفتاوى» (21/ 137)، «الإنصاف» (2/ 193 ـ 195) .....

ومن جرح تيمم له وغسل الباقي

وعلَّلوا ذلك: بأن التَّيمُّم بَدَلٌ عن طهارة كاملة، لا عن طهارة جُزئيَّة. والصَّواب: ما ذهب إِليه المؤلِّف، وربما يُسْتَدلُّ له بما رُويَ عن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم في حديث صاحب الشُّجَّةِ الذي قال فيه الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «إِنما كان يكفيه أن يتيمَّم، ويَعْصِبُ على جُرْحِه خِرْقَة، ثم يمسَحُ عليها، ويغْسِل سائر جسده» (¬1). فجمَع النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بين طهارة المسْحِ، وطهارة الغسْل. وَمَنْ جُرِحَ تَيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ البَاقي ........... قوله: «ومَنْ جُرِحَ تيمَّم له وغَسَل الباقي»، يعني: من كان في أعضائه جُرْح، والمراد جُرْح يَضرُّه الماء، تيمَّم لهذا الجُرح وغَسَل باقي الأعضاء، والتَّيمُّم للجُرح لا يُشترَط له فُقدان الماء، فلا حَرَجَ أن يتيمَّم مع وجود الماء. وظاهر قول المؤلِّف: «تيمَّم له» أنه لا بُدَّ أن يكون التَّيمُّم في مَوضِع غَسْل العضوِ المجروح، لأنه يُشْترَط الترتيب، وأما إِذا كان الجُرح في غُسْل الجنابة، فإِنه يجوز أن يتيمَّم قبل الغُسْل، أو بعده مباشرة، أو بعد زَمَنٍ كثيرٍ. هذا هو المذهب، لأنهم يَرَون أن الغُسْل لا يُشْترَط له ترتيب ولا مُوالاة (¬2)، فلو بَدَأَ بِغَسْل أعلى بَدَنِه، أو أَسْفَلِه، أو وَسَطِه صَحَّ. واستدلُّوا بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وهذا يشْمَل البَداءة بأعلى الجِسْم، أو وَسَطِه أو أسْفَلِه. وهو ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (244). (¬2) انظر: «الإقناع» (1/ 71).

واضح. أما الموالاة في الغُسْل فقد سَبَق الكلام فيها (¬1). وإِذا كان التَّيمُّم في الحَدَثِ الأصغر فَعَلَى المذهب يُشْترَط فيه التَّرتيب والموالاة. فإِذا كان الجُرْح في اليَدِ وَجَبَ أن تَغْسِل وجهك أولاً، ثم تتيمَّم، ثم تَمْسَح رأسك، ثم تغسِل رجليك. وهنا يجب أن يكون معك منديل، حتى تُنشِّف به وجهك، ويَدَكَ، لأنَّه يُشترط في التُّراب أن يكون له غبار (¬2)، وإِذا كان على وجهك ماء فالتَّيمُّم لا يَصِحُّ وقال بعض العلماء: إِنه لا يُشترط التَّرتيب ولا الموالاة، كالحَدَثِ الأكبر (¬3)، وعلى هذا يجوز التَّيمُّم قَبْل الوُضُوء، أو بعده بِزَمن قليل أو كثير، وهذا الذي عليه عمل النَّاس اليوم، وهو الصَّحيح. اختاره الموفَّق والمجدُ (713) وشيخ الإِسلام ابن تيمية (¬4)، وَصوَّبه في «تصحيح الفروع» (¬5). فائدة: قال بعض العلماء: لا يُشرع التَّيمُّم إِلا في الطَّهارة الواجبة، وأما المستحبَّة فلا يُشْرَع لها (¬6). واستدلُّوا لذلك بأثرٍ ونَظَرٍ. أما الأثر فقالوا: إِن الله تعالى إِنما ذَكَرَ التَّيمُّم في الطَّهارة ¬

_ (¬1) انظر: ص (365). (¬2) انظر: ص (393) ..... (¬3) انظر: «المغني» (1/ 338، 339)، «الإنصاف» (2/ 224، 226). (¬4) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 422، 426)، «الاختيارات» ص (21). (¬5) انظر: «تصحيح الفروع» (1/ 218). (¬6) انظر: «مجموع الفتاوى» (26/ 190)، «الإنصاف» (8/ 137، 138).

ويجب طلب الماء

الواجبة، وذلك في قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} الآية [المائدة: 6]. وأما النَّظَر فقالوا: إِن التَّيمُّم طهارة ضرورة، والطَّهارة غير الواجبة لا ضرورة لها؛ فلا يُشْرَع لها التَّيمُّم. وهذا أحد القولين في المذهب (¬1). وهذا الاستدلال والتعليل مع أنه قويٌّ جداً إِلا أنه يُعكِّر عليه أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم تيمَّم لردِّ السَّلام وقال: «إِني كَرهْتُ أن أَذْكُر الله إِلا على طُهْر» (¬2)، ومعلوم أن التَّيمُّم لردِّ السَّلام ليس واجباً بالإِجماع، وإِذا كان كذلك وقد تيمَّم له النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فإِنه يدلُّ على مشروعيَّة التَّيمُّم في الطَّهارة المستحبَّة. وهذا استدلال واضح جداً. ثم إِن التَّيمُّم بَدَلٌ عن الطَّهارة بالماء، والبَدَلُ له حُكْمُ المبدل منه، فمتى استُحبَّت الطَّهارة بالماء استُحبَّت الطَّهارة بالتَّيمُّم، فيُعارض الاستدلال بالآية بالاستدلال بالحديث، ويُعارض النَّظَرُ بالنَّظَرِ، ويكفيه من ذلك أن يشعرَ بأنه متعبِّد لله تعالى بأحد نوعي الطهارة لهذا العمل الذي تُشْرَع له الطَّهارة ..... ويَجبُ طلبُ الماءِ ........... قوله: «ويَجبُ طَلَبُ الماءِ»، الواجب: ما أَمَرَ به الشَّارع على سبيل الإِلزام بالفعل. وحكمه: أن فاعله مُثَاب، وتارِكَه مستحِقٌّ للعِقاب، ولا نقول يعاقَب تارِكُه؛ لأنه يجوز أن يعفوَ الله عنه قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116]. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (8/ 136، 137). (¬2) تقدم تخريجه ص (117) .....

في رحله، وقربه، وبدلالة، فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد، وإن نوى بتيممه أحداثا

والدَّليل على وجوب طلب الماء قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، ولا يُقال: لم يَجِد إِلا بعد الطَّلب. في رَحْلِه، وقُرْبِه، وبِدلالةٍ، فإن نَسِيَ قدرتَه عليه وتيمَّم أعادَ، وإِن نَوى بتيمُّمِهِ أَحداثاً ..... قوله: «في رَحْلِه»، أي: عند الجماعة الذين معه. والرَّحْل: المَتَاع، والمراد الجماعة، فإِذا كان يعْلَم أنه لا ماء فيه فلا حاجَة إِلى الطَّلب، لأنه حينئذ تحصيل حاصل، وإِضاعَةُ وقت، لكن لو فُرض أنه أَوْصَى مَن يأتي بماء، ويُحتمَل أنه أتى بماء، ووضَعه في الرَّحْل فحينئذ يجب الطَّلب. قوله: «وقُرْبِه»، أي: يجب عليه أن يطلب الماء فيما قَرُبَ منه، فيبحث هل قُرْبه، أو حَوْله بئر، أو غدير؟ والقُرب ليس له حَدٌّ محدَّد، فيُرْجَع فيه إِلى العُرْف، والعُرْف يختلف باختلاف الأزمنة. ففي زمَننا وُجِدَت السيَّارات فالبعيد يكون قريباً. وفي الماضي كان الموجود الإِبل فالقريب يكون بعيداً. فيبحث فيما قَرُبَ بحيث لا يشقُّ عليه طلبه، ولا يفوته وقت الصَّلاة. قوله: «وبِدلالةٍ»، يعني: يجب عليه أن يطلب الماء بدليل يَدُلُّهُ عليه. فإِذا كان ليس عنده ماء في رحْلِه، ولا يستطيع البحث لِقِلَّةِ معرفته، أو لكونه إِذا ذهب عن مكانه ضاع، فهذا فرضُه الدِّلالة؛ فيَطلُب من غيره أن يَدُلَّه على الماء سواء بمال، أم مجاناً. وإِذا لم يَجِد الماء في رحَلْهِ، ولا في قُرْبِه، ولا بدلالة، شُرِعَ له التَّيمُّم.

فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد، وإن نوى بتيممه أحداثا

فإِن نسيَ قدرتَه عليه وتيمَّمَ أعادَ، وإِن نَوى بتيمُّمِه أحداثاً .......... والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]. قوله: «فإِن نسيَ قدرتَه عليه وتيمَّمَ أعادَ»، أي: لو كان يعرف أن حوله بئراً لكنَّه نَسِيَ، فلما صلَّى، وَجَدَ البئر فإِنَّه يُعيد الصَّلاة. فإِن قيل: كيف يعيد الصلاة وقد قال الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. فالجواب: أن هذا تحصيل شَرْط، والشَّرط لا يسقط بالنِّسيان، ولأنه حَصَلَ منه نوع تفريط، فَلَوْ أنه فكَّر جيداً؛ وتروَّى في الأمْرِ لَتَذكَّر. وقيل: لا يُعيد (¬1)، لأنَّه لم يقصد مخالفة أمْرِ الله تعالى، فهو حينما صلَّى كان منتهى قدرته أنَّه لا ماء حَوْلَه. والأَحْوَط: أن يُعيد. والعلماء إِذا قالوا الأَحْوَط لا يَعْنُون أنه واجب، بل يَعْنُون أنَّ الورَعَ فعلُه أو تَرْكه؛ لئلاَّ يُعرِّض الإِنسان نفْسَه للعقوبة، وهنا يُفرِّقون بين الحُكْمِ الاحتياطيِّ، والحُكْمِ المجزوم به. ذكر هذا شيخ الإِسلام (¬2) رحمه الله. قوله: «وإِن نَوى بتيمُّمِه أحداثاً»، أي: أجزأ هذا التَّيمُّم الواحد عن جميع هذه الأحداث، ولو كانت متنوِّعة؛ لأنَّ الأحداث إِمَّا أن تكون من نوع واحد؛ كما لو بال عِدَّة مرَّات فهذه أحداث نَوْعُها واحد وهو البول. ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 202). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 62)، (25/ 100، 110).

أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها، أو عدم ما يزيلها

أو تكون من أنواع من جِنْس واحد كما لو بال، وتغوَّط، وأكل لحم جَزور، فهذه أنواع من جِنْس واحد وهو الحَدَث الأصغر. أو تكون من أجناس كما لو بال، واحْتَلم، فهذه أجناس؛ لأن الأوَّل حَدَث أصغر والثَّاني أكبر. فإِذا تيمَّم، ونَوَى كُلَّ هذه الأحداث، فإِنه يجزئُ، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإِنما لكلِّ امرئ ما نَوَى» (¬1)، والتَّيمُّم عَمَل؛ وقد نَوَى به عِدَّة أحداث فله ما نَوى ..... أَوْ نَجَاسَةً على بدنِه تضُرُّهُ إزالتُها، أوْ عَدِمَ ما يُزيلها، ...... قوله: «أو نَجَاسة على بَدَنِه تضُرُّه إِزالتُها»، مثاله: لو سقطتْ نقطةُ بَولٍ على جُرْحٍ طريّ لا يستطيع أن يغسلَه، ولا يمسَحَه؛ لأنَّه يضرُّه إِزالتها، فيتيمَّم على القول بالتَّيمُّم عن نجاسة البَدَن. قوله: «أوْ عَدِمَ ما يُزيلها»، مثاله: أصابه بول على بَدَنِه ولا ماء عنده يُزيلها به، فيتيمَّم. وأفاد رحمه الله بقوله: «أو نجاسة على بَدَنِه»، أن النَّجاسة على البَدَنِ يتيمَّمُ لها إِذا لم يَقْدِر على إِزالتها، وأما النَّجاسة في الثَّوب، أو البقعة فلا يتيمَّم لها. والصَّحيح: أنه لا يتيمَّم عن النَّجاسة مطلقاً، وقد سبق بيان ذلك (¬2). ومثال نجاسة البُقْعة: كما لو حُبِسَ في مكان نَجِسٍ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (194) ..... (¬2) انظر: ص (376).

أو خاف بردا، أو حبس في مصر فتيمم، أو عدم الماء والتراب صلى، ولم يعد

كالمرحاض، فيتوضَّأ ويصلِّي على حسب حاله، ولا يتيمَّم للنَّجاسة. أوْ خَافَ بَرْداً، أَوْ حُبسَ في مِصْرٍ فَتَيَمَّم، أو عَدِم الماءَ والترابَ صلَّى، ولم يُعِدْ. قوله: «أو خافَ برْداً»، يعني: خاف من ضَرَرِ البرد لو تطهَّر بالماء، إِما لكون الماء بارداً ولم يَجِد ما يُسخِّن به الماءَ، وإِما لِوُجود هواء يتضرَّر به، ولم يَجِد ما يتَّقي به فَلَهُ أن يتيمَّم، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. فإِن وَجد ما يُسخِّن به الماءَ، أو يتَّقي به الهواء، وَجَبَ عليه استعمال الماء، وإِنْ خافَ الأذى باستعمال الماء دون الضَّررِ، وجب عليه استعمالُهُ. قوله: «أو حُبِس في مِصْرٍ فَتَيَمَّم»، «حُبس» أي: لم يتمكَّن من استعمال الماء. والمِصْر: المدينة، وإِنما نَصَّ المؤلِّفُ رحمه الله على ذلك؛ لأن بعض العلماء قال: لا يتيمَّم (¬1)؛ لأنه ليس مسافراً، ولا عادماً للماء؛ لأنَّه في مِصْر. ولكن يقال: إِن الماء الموجود في المِصْر بالنِّسبة له معدوم؛ لأنه حُبِس ولم يتمكَّن من استعمال الماء، وحينئذ تعذَّر عليه الماء فيتيمَّم ..... وإِن حُبِس في مِصْر، ولم يَجِد ماء، ولا تُراباً صلَّى على حَسَب حاله، ولا إِعادة عليه، ولا يؤخِّر صَلاته حتى يقْدِر على إِحدى الطَّهارتين: الماء، أو التُّراب. قوله: «أو عَدِمَ الماء، والتُّراب صلَّى، ولم يُعِد»، كما لو حُبِس في مكان لا تُراب فيه ولا ماء، ولا يستطيع الخروج منه، ولا ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 261) .....

ويجب التيمم بتراب

يُجلب له ماء ولا تُراب؛ فإِنه يُصلِّي على حَسَب حاله، محافظة على الوقت الذي هو أعظم شروط الصلاة. والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا أمَرْتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم» (¬1)، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أيُّما رَجُل من أمَّتي أدْرَكَته الصَّلاةُ فلْيُصَلِّ» (¬2) لأنَّ هذا عام، ومن هنا نأخذ أهمِّية المحافظة على الوقت، وأنَّ الوقت أَوْلى ما يكون ـ من شروط الصَّلاة ـ بالمحافظة. ويَجبُ التيمُّمُ بِتُرابٍ ............ قوله: «ويَجبُ التيمُّمُ بتُرابٍ»، هذا بيان لما يُتيمَّم به. وقد ذكر المؤلِّفُ له شروطاً: الأول: كونه تراباً، والتُّراب معروف، وخرج به ما عداه من الرَّمل، والحجارة وما أشبه ذلك. فإِنْ عَدِم التُّرابَ كما لو كان في بَرٍّ ليس فيه إِلا رَمْل، أو ليس فيه إِلا طِين لكثرة الأمطار فيصلِّي بلا تيمُّم، لأنَّه عادِم للماء والتُّراب. والدَّليل على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وجُعِلت تربتُها لنا طَهُوراً» (¬3)، وفي رواية: «وجُعِل التُّراب لي طَهُوراً» (¬4). قالوا: هذا يُخصِّص عُموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وجُعِلتْ لي الأرض ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (381). (¬2) تقدم تخريجه، ص (29). (¬3) رواه مسلم، كتاب المساجد: الباب الأول، رقم (522) من حديث حُذيفة. (¬4) رواه ابن أبي شيبة، كتاب الفضائل: باب ما أعطى الله تعالى محمداً صلّى الله عليه وسلّم رقم (31638)، وأحمد (1/ 98، 158) من حديث علي بن أبي طالب. قال الهيثمي: «الحديثُ حَسَنٌ»، «المجمع» (1/ 261).

مسجداً وطَهُوراً» (¬1). لأن الأرض كلمة عامَّة، والتُّراب خاصٌّ، فيُقيَّد العام بالخاص. ورُدَّ هذا: بأنه إِذا قُيِّد اللفظ العام بما يوافق حُكْم العام، فليس بِقَيد. وتقرير هذه القاعدة: أنَّ ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق حُكم العام، لا يقتضي تخصيصه ..... مثال ذلك: إِذا قلت: «أكرِم الطَّلَبَة» فهذا عام، فإِذا قلت: أكرم زيداً وهو من الطَّلبة؛ فهذا لا يُخصِّص العام، لأنك ذكرت زيداً بحُكْمٍ يوافق العام. لكن لو قلت: لا تُكْرم زيداً، وهو من الطَّلبة صار هذا تخصيصاً للعام؛ لأنِّي ذَكرته بِحُكْم يُخالف العام. ومن ذلك قول بعض العلماء في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وفي الرِّقَةِ رُبع العُشرِ» (¬2)، أنه يخصِّص عموم الأدلَّة الدَّالة على وجوب الزكاة في الفضَّة مطلقاً (¬3)، لأنه قال: «وفي الرِّقَة»، والرِّقَة: هي السِّكَّة المضروبة. فيقال: إِن سلَّمْنا أن الرِّقَة هي الفِضَّة المضروبة، فذِكْرُ بعض أفراد العام بِحُكْم يوافق العام لا يقتضي تخصيصه. وهذه القاعدة ـ أعني أن ذكر أفرادٍ بِحُكْم يوافق العام لا يقتضي ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (29) ..... (¬2) رواه البخاري، كتاب الزكاة: باب زكاة الغنم، رقم (1454) عن أبي بكر الصدِّيق. (¬3) انظر: «المغني» (4/ 220، 221) .....

طهور

التخصيص ـ إِنَّما هو في غير التقييد بالوصف، أما إِذا كان التَّقييد بالوصف فإِنه يفيد التَّخصيص، كما لو قُلت: أكرِم الطَّلبة، ثم قلت: أكرِم المجتهد من الطَّلبة، فذِكْر المجتهد هنا يقتضي التَّخصيص؛ لأنَّ التَّقييد بِوَصْف. ومثل ذلك لو قيل: «في الإِبل صدقة»، ثم قيل: «في الإِبل السَّائمة صدقة». فالتَّقييد هنا يقتضي التَّخصيص فتأمَّل. والصَّحيح: أنَّه لا يختصُّ التَّيمُّم بالتُّراب، بل بِكلِّ ما تصاعد على وجه الأرض، والدَّليل على ذلك: 1 ـ قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]، والصَّعيد: كلُّ ما تصاعد على وجه الأرض، والله سبحانه يَعْلَم أنَّ النَّاس يطْرُقون في أسفارهم أراضي رمليَّة، وحجريَّة، وتُرابيَّة، فلم يخصِّص شيئاً دون شيء. 2 ـ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، في غزوة تبوك مَرَّ برِمالٍ كثيرة، ولم يُنقل أنَّه كان يحمِل التُّراب معه، أو يصلِّي بلا تيمُّم ..... طَهُورٍ .......... قوله: «طَهُور»، هذا هو الشَّرط الثَّاني لما يُتيمَّم به. وهو إِشارة إِلى أن التُّراب ينقسم إِلى ثلاثة أقسام: .... 1 - طَهُور. 2 - طاهر. 3 - نجِس. كما أن الماء عندهم ينقسم إِلى ثلاثة أقسام (¬1). فخرج بقوله: «طَهُور» التُّراب النَّجس كالذي أصابه بَوْل، ¬

_ (¬1) انظر: ص (28).

غير محترق له غبار

ولم يَطْهُر من ذلك البول، والدَّليل قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]، والطَّيب ضدُّ الخبيث، ولا نعلَم خبيثاً يُوصَف به الصَّعيد إِلا أن يكون نجساً. وخرج أيضاً: التُّراب الطَّاهر كالذي يتساقط من الوجه أو الكفَّين بعد التَّيمُّم، وكذا لو ضَرَبْتَ الأرضَ وغبّرت ومسَحْت وجهك، ثم أتى شخص وضَرب على يديك ومَسَح فلا يجزئ؛ لأن التُّراب الذي على اليدين مستعمل في طهارة واجبة، فيكون طاهراً غير مطهر. أما لو تيمَّمت على أرض، ثم جاء آخر فضرب على موضع ضَرْب يديك فهذا طَهُور، وليس بطاهر، وقد نَصَّ الفقهاء على ذلك (¬1)، وهذا شبيه بما لو توضَّأ جماعة من بِرْكَة واحدة، فإِن ماء البِرْكة يبقى طَهُوراً. والصَّحيح: أنه ليس في التُّراب قِسْم يُسمَّى طاهراً غير مطهِّر كما سبق في الماء (¬2). غير محتَرقٍ له غُبار .......... قوله: «غير محتَرِق»، هكذا في بعض النُّسَخ، وهذا هو الشَّرط الثَّالث من شروط المتيمَّم به. فلو كان محترِقاً كالخَزَفِ والإِسمنت، فلا يجوز التَّيمُّم به. وهذا ضعيف، والصَّواب: أنَّ كلَّ ما على الأرض من تُراب، ورَمْل، وحجر محتَرِق أو غير محتَرِق، وطين رطب، أو يابس فإِنه يُتيمَّم به. قوله: «له غبار»، هذا هو الشَّرط الرَّابع من شروط المتيمَّم ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 334). (¬2) انظر: ص (47، 54) .....

به. فإِن لم يكن له غبار لم يصحَّ التَّيمُّم به كالتُّراب الرَّطب، وعلى هذا لو كنّا في أرض أصابها رَشُّ مطر حتى ذهب الغُبَار فلا نتيمَّم عليها، بل نصلِّي بلا تيمُّم ......... والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، قالوا: «من» للتَّبعيض، ولا تتحقَّق البعضيَّة إِلا بغبار يَعْلق باليد، ويُمْسَح به الوجه واليدان. والصَّحيح: أنه ليس بشرط، والدَّليل على ذلك: 1 - عموم قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]. 2 - أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يسافر في الأرض الرمليَّة، والتي أصابها مطر، ولم ينقل عنه ترك التيمُّم. وأما قولهم إِن «من» تبعيضيَّة فالجواب عنه أن «من» ليست تبعيضيَّة بل لابتداء الغاية فهي كقولك: سرت من مكَّة إِلى المدينة، وهذا وإِن كان خلاف الظَّاهر إِلا أنَّه الموافق لِسُنَّة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حيث لم يكن يَدَعْ التيمُّم في مثل هذه الحال. ومما يُبيِّن هذا أن آية «النِّساء»، ليس فيها «من»، قال تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]، وآية «النساء» سبَقت آية «المائدة» بسنوات. وأيضاً: في حديث عمَّار رضي الله عنه الذي رواه البخاري: أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما ضَرَبَ بكفَّيهِ الأرض نَفَخَ فيهما (¬1)، والنَّفْخُ يُزيل الغبار، وأثر التُّراب. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب التيمم: باب المتيمم هل ينفخ فيهما، رقم (338) وهذا لفظه، وفي باب التيمم ضربة، رقم (347) وفيه: أنه نَفَضَ كفَّيه، ومسلم، كتاب الحيض: باب التيمم، رقم (368) ولفظه: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تَنْفُخَ، ثم تمسحَ بهما وجهك وكفَّيك».

وفروضه: مسح وجهه، ويديه إلى كوعيه،

واشترط الأصحاب أن يكون التُّراب مُبَاحاً، فإِن كان غير مباح فلا يصحُّ تيمُّمُه منه كما لو كان مسروقاً. وهذه المسألة خِلافيَّة (¬1)، والخِلاف فيها كالخِلاف في اشتراط إِباحة الماء للوُضُوء والغُسْل. أما لو كان التُّراب ترابَ أرضٍ مغصوبة، فإِنَّه يصحُّ التَّيمُّم منه، كما لو غَصب بئراً فإِنه يصحُّ الوُضُوء من مائها، ولكن قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: يُكرَه الوُضُوء من ماء بئر في أرض مغصوبة. وفُرُوضُه: مَسْحُ وَجْههِ، ويَديْه إِلى كُوعَيْه، .............. قوله: «وفُرُوضُه: مَسْحُ وَجْهِه ويَديْه إِلى كُوْعَيْه»، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، وهو كقوله تعالى في الوُضُوء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الآية [المائدة: 6]. والكُوع: هو العَظم الذي يلي الإِبهام. وأنشدوا: وعظمٌ يلي الإِبهامَ كوعٌ وما يلي لخنصره الكرسوع، والرَّسغُ ما وَسَطْ وعظمٌ يلي إِبهامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ ببوعٍ؛ فَخُذْ بالعِلْم واحذر من الغَلَطْ (¬2) والدَّليل على أنَّ المسح إِلى الكُوعين: ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 47، 311) (2/ 222) ..... (¬2) انظر: «حاشية ابن عابدين» (1/ 111).

1 - قوله تعالى: {وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، واليَدُ إِذا أُطلقت فالمراد بها الكَفُّ بدليل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، والقَطْع إِنما يكون من مِفْصَل الكَفِّ. 2 - حديث عمار بن ياسر وفيه أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِنما يكفيك أن تقول بيَدَيْك هكذا، ثم ضَرَب بِيَدَيْه الأرض ضربة واحدة، ثم مَسَح الشِّمال على اليمين، وظاهرَ كفَّيه ووجهه» (¬1)، ولم يَمسَحِ الذِّراع. وقال بعض العلماء: إِن التَّيمُّم إِلى المرفقين (¬2)؛ واستدلُّوا بما يلي: 1 - ما رُويَ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «التَّيمُّم ضربتان، ضربةٌ للوَجْه، وضربةٌ لليدين إِلى المرفقين» (¬3)، ورُدَّ هذا بأن الحديث ضعيف شاذٌ مخالف للأحاديث الصَّحيحة في صفة التَّيمُّم؛ وأنه ضربة واحدة، والمسْحُ إِلى الكُوع فقط. 2 - قياس التَّيمُّم على الوُضُوء. ورُدَّ هذا القياس بأمرين: ¬

_ (¬1) وقد تقدَّم تخريجه آنفاً ص (394). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 321). (¬3) رواه الدارقطني (1/ 180)، والحاكم (1/ 179)، والبيهقي (1/ 207) من حديث عبد الله بن عمر. وضعَّف إسناده عبد الحق الإِشبيلي وابن حجر وغير واحد. وللحديث طُرق أخرى كلها متكلَّم فيها. وصحَّح الدارقطني وعبد الحق الإِشبيلي وقفه على ابن عمر. انظر: «الأحكام الوسطى» (1/ 222)، «التلخيص الحبير» رقم (208)، «البلوغ» رقم (130) .....

وكذا الترتيب والموالاة في حدث أصغر

الأول: أنه مقابل للنَّصِّ، والقِياس المقابل للنَّصِّ يُسمَّى عند الأصوليِّين فاسد الاعتبار. الثاني: أنه قياس مع الفارق، والفرق من وجوه: .... الوجه الأول: أن طهارة التَّيمُّم مختصَّة بعضوَين، وطهارة الماء مختصَّة بأربعة في الوُضُوء، وبالبَدَنِ كُلِّه في الغُسْل. الوجه الثَّاني: أنَّ طهارة الماء تختلف فيها الطَّهارتان، وطهارة التَّيمُّم لا تختلف. الوجه الثَّالث: أنَّ طهارة الماء تنظيف حِسِّي، كما أن فيها تطهيراً معنويًّا، وطهارة التَّيمُّم لا تنظيف فيها. 3 ـ أن اليدَين في التَّيمُّم جاءت بلفظ مطلَق، فتُحمل على المُقيَّد في آية الوُضُوء. ورُدَّ هذا بأنَّه لا يُحْمَل المطلَق على المقيَّد إِلا إِذا اتَّفقا في الحُكْم، أمَّا مع الاختلاف فلا يُحْمَل المطلَق على المقيَّد. وكذا التَّرتيبُ والمُوالاةُ في حَدَثٍ أصْغَر. قوله: «وكذا التَّرتيبُ والموالاةُ في حَدَث أصغر»، يعني: أنَّ من فروض التَّيمُّم في الحَدَثِ الأصْغَرِ التَّرتيب والموالاة. فالتَّرتيب: أن يبدأ بالوَجْه قَبْل اليَدَين. ودليله قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6]، فبدأ بالوجه قبل اليدين. وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «ابدؤوا بما بَدَأ الله به» (¬1). ¬

_ (¬1) رواه النسائي في «الكبرى»، كتاب الحج: باب الدعاء على الصفا (2/ 413) رقم (3968)، والدارقطني (2/ 254). وأشار ابن دقيق العيد إلى شذوذ لفظة الأمر «ابدؤوا» لمخالفة رواتها لجمع من الحُفَّاظ. والصواب صيغة الخبر «أبدأُ». انظر: «التلخيص الحبير» رقم (1036).

والموالاة: ألاّ يُؤخِّر مسْحَ اليدين زمناً لو كانت الطَّهارة بالماء لَجَفَّ الوَجْه، قبل أن يطهِّر اليدين. وعلَّلوا: أن التَّيمُّم بَدل عن طهارة الماء، والبَدَل له حُكْمُ المبدَل، فلما كانا واجبَين في الوُضوء، وَجَبَا في التَّيمُّم عن الحَدَثِ الأصغر. وأما بالنسبة للأكبر كالجنابة فلا يُشْتَرط التَّرتيب، ولا الموالاة، لِعَدم وجوبهما في طَهارة الجَنابة، وهذا هو المذهَب. وقال بعض العلماء: إِن التَّرتيب والموالاة فَرْضٌ فيهما جميعاً (¬1). واستدلُّوا بِقَوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث عَمَّار وهو جُنُب: «إِنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ففعل التَّيمُّم مرتَّباً، متوالياً ..... قالوا: وقياس التَّيمُّم على طهارة الحَدَثِ الأكبر في عَدَم وُجوب التَّرتيب والموالاة قياس مع الفارق؛ لأن البَدَنَ كلَّه عُضْوٌ واحد في طهارة الحدث الأكبر بالماء وفي التَّيمُّم عُضْوان. وقال بعض العلماء: إِنهما لَيْسا فرضاً في الطَّهارتين جميعاً (¬2). والذي يظهر أن يقال: إِن التَّرتيب واجب في الطَّهارتين جميعاً، أو غير واجب فيهما جميعاً؛ لأن الله تعالى جعل التَّيمُّم ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 224 ـ 226) ..... (¬2) انظر: «الإِنصاف» (2/ 224 ـ 226).

وتشترط النية لما يتيمم له من حدث، أو غيره

بدلاً عن الطَّهارتين جميعاً، والعضوان للطهارتين جميعاً. وبالنِّسبة للموالاة الأوْلَى أن يُقال: إِنها واجبة في الطَّهارتين جميعاً، إِذ يبعد أن نقول لمن مَسَح وَجْهَه أوَّل الصُّبْح، ويدَيْه عند الظُّهر: إِن هذه صورة التَّيمُّم المشروعة!. وتُشْتَرطُ النيةُ لما يَتَيَمَّمُ له مِنْ حَدَثٍ، أو غَيْرِه. قوله: «وتُشْتَرطُ النيَّةُ»، الشَّرط في اللُّغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18]، أي: علاماتها. وفي اصطلاح الأصوليين: ما يَلزَمُ من عَدَمِه العَدَم، ولا يَلْزَم من وجوده الوُجود. مثاله: الوُضُوء شرط لصحَّة الصَّلاة، يلزم مِن عَدَمِه عَدَمُ الصِّحة، ولا يلزم من وجوده وجود الصَّلاة؛ لأنه قد يتوضَّأ ولا يُصلِّي. والسَّبب: ما يَلزَم من وجوده الوُجود، ويَلزَم من عَدَمِه العَدَم. فالفرق بينه وبين الشَّرط: أن السبب يَلزَم من وجوده الوُجود بخِلاف الشَّرط. والمانع: ما يَلزَم من وُجوده العَدَم، ولا يَلزَم من عَدَمِه الوُجود، عكس الشَّرط. وقوله: «النِّيَّة». سبق الكلام عليها (¬1). قوله: «لما يَتَيَمَّم له من حَدَثٍ، أو غيره»، «من حَدَثِ»: متعلِّق بـ «يَتَيَمَّم»، وليست بياناً للضَّمير في «له»، وذلك أن عندنا ¬

_ (¬1) انظر: ص (193) .....

فإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر

شيئين مُتَيَمَّماً له، ومُتَيَمَّماً عنه، والمؤلِّف جمَع بينهما. فلا بُدَّ أن ينويَ نِيَّتَيْن: ........ الأولى: نِيَّة ما يتيمَّم له، لنعرف ما يستبيحه بهذا التَّيمُّم، وتعليل ذلك: أن التَّيمُّم مبيح لا رافع على المذهب (¬1)، ولا يُستباح الأعلى بنيَّة الأدنى، فلو نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صلاة نافلة الفَجْر لم يُصَلِّ به الفريضة، ولو نوى الفريضة صلَّى به النافلة؛ لأنَّ النَّافلة أدنى والأدنى يُستباح بنيَّة الأعلى. الثَّانية: نيَّة ما يتيمَّم عنه من الحَدَثِ الأصغر أو الأكبر. وقول المؤلِّف رحمه الله: «أو غيره»، يعني به: النَّجاسة التي على البَدَنِ خاصَّة. مثال ذلك: إِذا أحْدَث حَدَثاً أصغر، وأراد صلاة الظُّهر يُقال له: انْوِ التَّيمُّم عن الحَدَثِ الأصغر، وانْوِهِ لصلاة الظُّهر. وأما بالنسبة لطهارة الماء، فلو نَوى الصَّلاة، ولم يطْرأ على باله الحدث ارتفع حَدَثُه، وكذا لو نوى رَفْع الحَدَث، ولم يطرأ على باله الصَّلاة ارتفع حَدَثُه وصلَّى به الفريضة. وإِذا قلنا بالقول الرَّاجح: إِن التَّيمُّم مُطَهِّر ورافع؛ فنجعل نيَّته حينئذٍ كنيَّة الوُضُوء. فإِذا نوى رفع الحَدَث صَحَّ، وإِذا نوى الصَّلاة ـ ولو نافلة ـ صَحَّ وارتفع حَدَثُه وصلَّى به الفريضة. فإِن نَوَى أحدَها لم يُجْزئه عَنْ الآخر، ........... قوله: «فإِن نَوَى أحدَها لم يُجْزئه عَن الآخر»، أي: إِن نَوَى ¬

_ (¬1) انظر: ص (375).

وإن نوى نفلا، أو أطلق لم يصل به فرضا، وإن نواه صلى كل وقته فروضا ونوافل ويبطل التيمم بخروج الوقت

أحدَ ما يتيمَّم عنه، فإِذا نَوى الأصغر لم يرتفع الأكبر، وإِذا نَوى الأكبر لم يرتفع الأصغر، وإِن نَوى عن نجاسة بَدَنِه لم يُجْزِئه عن الحَدَث، وإِن نوى الجميع الأصغر والأكبر والنَّجاسة فإِنه يُجْزِئه لِعُموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّما الأعمال بالنِّيَّات» (¬1). وإِن نَوى نَفْلاً، أو أطلقَ لم يُصَلِّ به فَرْضاً، وإِن نواه صلَّى كُلَّ وقتِهِ فُرُوضاً ونَوافلَ. ويبْطُلُ التيمُّمُ بخروجِ الوَقْتِ، .................. قوله: «وإِن نَوى نَفْلاً، أو أطلقَ لم يُصَلِّ به فَرْضاً»، مثاله: تيمَّم للرَّاتبة القبلية، فلا يُصلِّي به الفريضة، لأنه نَوى نَفْلاً والتَّيمُّم على المذهب استباحة، ولا يستبيح الأعلى بنيَّة الأدنى. وقوله: «أو أطلقَ»، أي: نَوى التَّيمُّم للصَّلاة، وأطلق فلم يَنْوِ فرضاً ولا نَفْلاً، لم يُصَلِّ به فرضاً، وهذا من باب الاحتياط. قوله: «وإِن نواه صَلَّى كُلَّ وقتِهِ فُروضاً ونَوافِلَ»، أي: إِذا نَوى التَّيمُّم لصلاة الفريضة، صلَّى كلَّ وقت الصَّلاة فَرائِض ونَوَافل. فَلَه الجمع في هذا الوقت وقضاء الفَوائِت، ويُصلِّي النَّوافل الرَّاتبة وغير الرَّاتبة ما لم يكن الوقتُ وقتَ نَهْي. وإِنما نَصَّ على ذلك؛ لأن بعض السَّلف قال: يَتَيَمَّم لكلِّ صلاة (¬2)، فكلَّما سَلَّم من صلاة تيمَّم للأخرى. وهذا ضعيف، والصَّواب ما قاله المؤلِّف. قوله: «ويَبْطُلُ التيمُّم بخروجِ الوَقْتِ»، هذا شروعٌ في بيان ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (194) ...... (¬2) انظر: «المغني» (1/ 342)، «الإنصاف» (2/ 232) .....

مبطلات التيمُّم، وهي خروج الوقت الأوَّل، أي: وقت الصَّلاة التي تيمَّم لها، فإِذا تيمَّم لصلاة الظُّهر بَطَلَ بخروجِ الوقت، فلا يصلِّي به العصر. قالوا: لأن هذه استباحة ضرورة فَتُقدَّر بِقَدر الضرورة، فإِذا تيمَّم للصَّلاة؛ فإِن تيمُّمه يتقدَّر بقدر وقتِ الصَّلاة. واستثنوا من ذلك: 1 - إِذا تيمَّم لصلاة الظُّهر التي يريد أن يجمعها مع العصر، فلا يبطل بخروج وقت الظُّهر، لأن الصَّلاتين المجموعتين وقتهما واحد. 2 - إِذا تيمَّم لصلاة الجُمعة وصلَّى ركعة قبل خروج الوقت ثم خرج الوقت، فإِنه يتمُّها، لأن الجُمعة لا تُقْضَى فيبقى على طهارته. وهذا ليس بواضح، لأننا إِذا قلنا: إِن خروج الوقت مُبطِل لزم من ذلك بطلانُ صَلاته، فيخرج منها ويُصلِّي ظُهراً ......... والصَّحيح: أَنَّه لا يَبطل بخروج الوقت، وأنَّك لو تيمَّمت لِصلاة الفَجر، وبقيتَ على طهارتكَ إِلى صلاة العِشاء فتيمُّمك صحيح، وما علَّلوا به فهوَ تعليل عليل لا يصحُّ، والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 - قوله تعالى بعد أن ذَكر الطَّهارة بالماء والتُّراب: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، إِذاً فطهارة التَّيمُّم طهارة تامَّة. 2 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وجُعِلَت ليَ الأرضُ مسجداً وطَهوراً» (¬1). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (29).

وبمبطلات الوضوء، وبوجود الماء، ولو في الصلاة

والطَّهور ـ بالفتح ـ ما يُتَطَهَّر به، وهذا يدُّل على أن التيمُّم مطهِّرٌ؛ ليس مبيحاً. 3 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصَّعيدُ الطَّيِّبُ طَهورُ المسلم، وإِن لم يجِد الماء عَشْر سنين» (¬1). 4 - أنه بَدَل عن طهارة الماء، والبَدَلُ له حكم المبدل. وبمبطلات الوُضُوء، وبوجُودِ الماءِ، ولو في الصَّلاَةِ، ....... قوله: «وبمبطلات الوُضُوء»، هذا هو الثَّاني من مُبطلات التَّيمُّم، وهو مبطلات الوُضُوء، أي: نواقض الوضوء. مثال ذلك: إِذا تيمَّم عن حَدَث أصغر، ثم بال أو تغوَّط، بَطل تيمُّمه؛ لأنَّ البَدَل له حُكْم المبدَل. وكذا التيمُّم عن الأكبر يبطل بموجبات الغُسْل، وهذا ظاهر جدًّا. قوله: «وبوجُودِ الماءِ»، هذا هو الثَّالث من مبطلات التيمُّم؛ وهو وجود الماء فيما إِذا كان تيمُّمه لِعَدَم الماء. فإِذا تيمَّم لِعَدَم الماء بَطلَ بوجوده، وإِذا تيمَّم لمرَضٍ لم يَبْطُلْ بوجود الماء؛ لأنه يجوز أن يتيمَّم مع وجود الماء، ولكن يَبْطُل بالبَرْءِ ُ لزوال المبيح، وهو المرَض. ولهذا لو قال المؤلِّف: «وبزوال المبيح» لكان أَوْلَى. قوله: «ولو في الصَّلاة»، لو: إِشارة خلاف. والعُلماء إِذا نَصُّوا على شيء؛ وهو داخل في العموم السَّابق؛ دَلَّ على أن فيه خلافاً احتاجوا إِلى الإِشارة إِليه؛ لأن قوله: «ولو في الصَّلاة» ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (374) .....

داخل في عموم قوله: «بِوُجود الماء»، فلو سَكتَ ولم يقل: «ولو في الصَّلاة» قلنا: يَبْطُل؛ لأنَّ كلام المؤلِّفِ عامٌّ، وقد يُشيرون إِلى ذلك لدفع تَوَهُّم خروج هذه الصُّورة من العموم لا للإِشارة إِلى خلاف. وذهب كثير من العلماء إِلى عَدَم بُطْلان التَّيمُّم إِذا وُجِدَ الماءُ في الصَّلاة (¬1)، وهو رِواية عن أحمد، لكن قيل: إِنه رجع عنها، وقال: كنت أقول: إِنه لا يَبْطُل، فإِذا الأحاديث تدلُّ على أنه يَبطُل (749). ودليل المذهب ما يلي: 1 - عموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، وهذا وَجَدَ ماءً فَبَطَل حُكْم التَّيمُّم، وإِذا بَطَل حُكْم التَّيمُّم بَطَلتْ الصَّلاة؛ لأنه يعود إِليه حَدَثُه. 2 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإِذا وَجَد الماء، فليتَّقِ الله، وليُمسَّه بَشَرَتَه» (¬2). وهذا وجد الماء، فعليه أن يمسَّه بشرته، وهذا يقتضي بُطْلان التَّيمُّم. 3 - أن التيمُّم بَدَلٌ عن طهارة الماء عند فَقْدِه، فإِذا وُجِدَ الماء، زالت البدَليَّة، فيزول حُكْمُها، فحينئذ يجب عليه الخروج من الصَّلاة، ويتوضَّأ، ويستأنف الصلاة. ودليل القول الثاني ما يلي: 1 - أنه شَرَعَ في المقصود والغاية، وهي الصَّلاة؛ لأنه تيمَّم ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 246، 247). (¬2) تقدم تخريجه، ص (374).

لها، وإِذا كان كذلك، فقد شَرَع فيها على وجْهٍ مأذون فيه شرعاً، وهي فريضة من الفرائض لا يجوز الخروج منها إِلا بِدَليل واضح، أو ضرورة. وهنا لا دَليل واضح ولا ضَرورة؛ لأن الأحاديث السَّابقة (¬1) قد يُراد بها ما إِذا وجد الماء قبل الشُّروع في الصَّلاة، وإِذا وُجِدَ الاحتمال بَطَلَ الاستدلال. 2 - أن الله عزّ وجل قال: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، والصَّلاة التي هو فيها الآن عَمَلٌ صالح ابتدأه بإِذن شرعي، فليس له أن يُبْطِله إِلا بدليل، ولا دليل واضح ..... وهذه المسألة مُشْكِلَة؛ لأنَّ العمل بالاحتياط فيها متعذِّر، لأنَّه إِن قيل: الأحْوَط البطلان. قيل: إِن الأَحْوَط عَدَمُ الخروج من الفريضة. ونظير هذا فيما يتعذَّر فيه الاحتياط: أنَّ المشهور عن أبي حنيفة: أن وقت العصر لا يدخل إِلا إِذا صار ظِلُّ كل شيء مِثلَيه (¬2)، وجمهور العلماء على أنه يَخرُج الوقت الاختياري إِذا صار ظِلُّ كلِّ شيء مِثلَيه (¬3). فإِن قيل: الأَحْوَط أن تُؤخَّر حتى يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءِ مثليه، فأنت آثمٌ عند الجمهور. وإِن قيل: الأحْوَط أن تقدِّم، فأنت عند أبي حنيفة آثم. وحينئذٍ لا بُدَّ أن نُمعن النَّظر لنعرف أيَّ القولَين أسعدُ بالدَّليل. ¬

_ (¬1) انظر: ص (373، 374) ..... (¬2) انظر: «حاشية ابن عابدين» (1/ 360). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 14).

لا بعدها

والذي يَظهر ـ والله أعلم ـ أن المذهب أقربُ للصَّواب؛ لأنَّه وُجِدَ الماء، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إِذَا وَجَدَ الماء فليتَّقِ الله ولْيُمِسَّه بَشَرَتَه» (¬1)، ولأن خروجه من الصَّلاة حينئذ لإِكمالها؛ لا لإِبطالها، كما قال بعض العلماء فيمن شَرع في الصَّلاة وَحْدَه، ثم حضَرَتْ جماعة فله قَطْعها ليصلِّيها مع الجماعة (¬2). لا بَعْدَهَا .......... قوله: «لا بَعْدَها»، أي: إِذا وَجَدَ الماء بعد الصَّلاة، لا يَلْزَمه الإِعادة، وليس مُراده أنَّ التيمُّم لا يَبْطُل كما هو ظاهر عبارته. والدَّليل على هذا: ما رواه أبو داود في قصَّة الرَّجُلين اللذين تَيمَّمَا ثم صَلَّيَا، ثم وَجَدَا الماءَ في الوقت، فأمَّا أحدُهما فلم يُعِدِ الصَّلاة، وأمَّا الآخر فتوضَّأ وأعاد، فَقَدِما على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فأخبراه الخبرَ؛ فقال للذي لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ»، وقال للذي أعاد: «لك الأجْرُ مَرَّتين» (¬3). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (374). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 372)، «الإقناع» (1/ 163). (¬3) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت، رقم (338)، والنسائي، كتاب الغسل: باب التيمم لمن يجد الماء بعد الصلاة، (1/ 212)، رقم (431)، والدارمي رقم (744)، والحاكم (1/ 9، 178) من طريق عبد الله بن نافع، عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعاً. وأُعل: بأن عبد الله بن نافع قد تفرَّد بوصله، وخالفه عبد الله بن المبارك ويحيى بن بكير فروياه عن الليث، عن عَميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرسلاً. قال أبو داود: «وذِكْرُ أبي سعيد في هذا الحديث وَهْمٌ وليس بمحفوظ، وهو مرسل» وروي موصولاً من طريق الليث، وابن لهيعة، وفي كل ذلك نظر من حيث صلاحيته للمتابعة. انظر: «فتح الباري» لابن رجب (2/ 37)، «بيان الوهم والإِيهام» رقم (440)، «نصب الراية» (1/ 160)، «التلخيص الحبير» رقم (213) .....

فإِن قال قائل: أُعيد لأنالَ الأَجْرَ مرَّتين ..... قلنا: إِذا علمت بالسُّنَّة، فليس لك الأَجْرُ مرَّتين، بل تكون مبتدعاً، والذي أعاد وقال له النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لك الأَجْرُ مرَّتين» لم يعْلَم بالسُّنَّة، فهو مجتهد فصار له أجر العملين: الأول، والثاني. ومن هذا الحديث يتبيَّن لنا فائدة مهمّة جدًّا وهي أن موافقة السُّنَّة أفضل من كَثْرة العَمل. فمثلاً تكثير النَّوافل من الصَّلاة بعد أذان الفجر، وقبل الإِقامة غير مشروع؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يفعل ذلك. وكذلك لو أراد أحد أن يُطيل رَكعتي سُنَّة الفجر بالقراءة والرُّكوع والسُّجود، لكونه وقتاً فاضلاً ـ بين الأذان والإِقامة ـ لا يُرَدُّ الدُّعاء فيه، قلنا: خالفتَ الصَّواب؛ لأن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُخفِّف هاتين الرَّكعتين (¬1). وكذا لو أراد أحد أن يتطوَّع بأربع رَكَعَات خلْفَ المقام بعد الطَّواف، أو أراد أن يُطيل الرَّكعتين خلْفَ المقام بعد الطَّواف. قلنا: هذا خطأ؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان يخفِّفهُما، ولا يزيد على الرَّكعتين (¬2). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، أبواب التهجد: باب ما يقرأ في ركعتي الفجر، رقم (1171)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب استحباب ركعتي سُنَّة الفجر، رقم (724) من حديث عائشة رضي الله عنها. (¬2) رواه مسلم، كتاب الحج: باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم رقم (1218) من حديث جابر في وصفه لحجة النبي صلّى الله عليه وسلّم وفيه أنه قرأ فيهما سورتي الإخلاص، والكافرون .....

والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى

والتَّيمُّمُ آخِرَ الوقتِ لراجِي الماءِ أَوْلَى. قوله: «والتَّيمُّمُ آخِرَ الوقتِ لراجِي الماءِ أَوْلَى»، أي: إِذا لم يَجِدْ الماءَ عند دخول الوقت، ولكن يرجو وجُودَه في آخر الوقت؛ فتأخير التَّيمُّم إِلى آخر الوقت أَوْلَى؛ ليصلِّي بطهارة الماء، وإِن تيمَّم وصلَّى في أوَّل الوقت فلا بأس. واعْلَم أن لهذه المسألة أحوالاً: فيترجَّح تأخير الصَّلاة في حالين: الأولى: إِذا عَلِمَ وجود الماء. الثَّانية: إِذا ترجَّح عنده وجود الماء؛ لأن في ذلك محافظة على شَرْطٍ من شروط الصَّلاة وهو الوُضُوء، فيترجَّح على فِعْل الصَّلاة في أوَّل الوقت الذي هو فضيلة. ويترجَّح تقديم الصَّلاة أول الوقت في ثلاث حالات: الأولى: إِذا عَلِمَ عدم وجود الماء. الثَّانية: إِذا ترجَّحَ عنده عَدَمُ وجود الماء ..... الثالثة: إِذا لم يترجَّحْ عنده شيء. وذهب بعضُ العلماء إِلى أنه إِذا كان يَعْلَم وجود الماء فيجب أن يؤخِّر الصَّلاة (¬1)؛ لأن في ذلك الطَّهارة بالماء، وهو الأصل فيتعيَّن أنْ يؤخِّرَها. والرَّاجح عندي: أنه لا يتعيَّن التَّأخير، بل هو أفضل لما يلي: 1 - عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أيُّما رجل من أمتي أدْركَتْه الصَّلاة فليُصَلِّ» (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: «الإِنصاف» (2/ 252). (¬2) تقدم تخريجه، ص (29).

2 - أنَّ عِلْمَه بذلك ليس أمراً مؤكَّداً، فقد يتخلَّف لأمْرٍ من الأمور، وكلَّما كان الظَّن أقوى كان التَّأخير أَوْلَى. والمراد بقوله: «آخِرَ الوقت» الوقت المختار. والصَّلاة التي لها وقتُ اختيار ووقت اضْطرار هي صلاة العَصْر فقط، فوقت الاختيار إِلى اصْفِرار الشَّمس، والضَّرورة إِلى غروب الشَّمس. وأما العِشَاء؛ فالصَّحيح أنه ليس لها إِلا وقت فضيلة ووقت جَواز، فوقت الجواز من حين غَيبوبة الشَّفق، ووقت الفضيلة إِلى نِصف الليل. وأمَّا ما بعد نِصف الليل؛ فليس وقتاً لها؛ لأنَّ الأحاديث الواردة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قد حدَّدتْ وقت العِشاء إِلى نِصف الليل (¬1). ويَنْبَني على هذا: لو أنَّ امرأة طَهُرَتْ من حَيضها بعد نِصف الليل، فعلى هذا القول لا يَلزَمها صلاة العِشاء ولا المغْرِب. وعلى قول من قال: إِنه يمتدُّ وقت ضرورة إِلى طلوع الفجر، فإِنه يَلْزَمها عندهم أن تُصلِّيَ العِشاء. وعند آخرين يَلزمُها أن تصلِّيَ العِشاء والمغرِب (¬2). وإِذا دار الأَمْر بين أن يُدرِك الجماعة في أوَّل الوقت بالتَّيمُّم، أو يتطهَّر بالماء آخِر الوقت وتفوته الجماعة؛ فيجب عليه ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب أوقات الصلوات الخمس، رقم (612) من حديث عبد الله بن عمرو ولفظه: « ... ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ... ». (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 178، 179)، وسياق الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى سيأتي في باب شروط الصلاة .....

وصفته: أن ينوي ثم يسمي، ويضرب التراب بيديه

تقديم الصَّلاة أول الوقت بالتَّيمُّم، لأنَّ الجماعة واجبة. وصِفَتُه: أَنْ يَنْوِيَ ثُمَّ يُسَمِّيَ، ويَضرِب التُّرابَ بِيَدَيْه ....... قوله: «وصِفَتُه»، أي: وصِفَةُ التَّيمُّم. وإِنَّما يَذْكُر العلماء صِفَة العبادات، لأن العبادات لا تَتِمُّ إِلا بالإِخلاص لله تعالى، وبالمتابعة للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، والمتابعة لا تتحقَّق إِلا إِذا كانت العبادة موافِقَة للشَّرع في سِتَّة أمور: فلا تُقْبَل العبادة إِلا إِذا كانت صِفَتُها موافِقة لما جاء عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا احتاج العلماء إِلى ذِكْر صِفَة العبادات كالوُضُوء، والصَّلاة، والصِّيام وغيرها. قوله: «أَنْ يَنْوِي». النِّيَّة ليست صِفَة إِلا على سبيل التَّجوُّز، لأن مَحلَّها القلب، وقد سبق الكلام على النِّيَّة (¬1). قوله: «ثم يُسَمِّي»، أي: يقول: بسم الله. والتَّسمِيَة هنا كالتَّسْمِية في الوُضُوء خِلافاً ومذهباً (¬2)، لأنَّ التَّيمُّم بَدَلٌ، والبَدَلُ له حُكْم المبدَل. قوله: «ويَضْرِبَ التُّرابَ بِيَدَيْه»، لم يَقُلْ: الأرض، لأنَّهم يشتَرِطون التُّراب، والصَّواب أن يُقال: ويَضْرِب الأرضَ سواء كانت تراباً، أم رَمْلاً، أم حجَراً. ¬

_ (¬1) انظر: ص (193). (¬2) انظر: «الفروع» (1/ 225)، وقد تقدَّم الكلام على ذلك ص (158) .....

مفرجتي الأصابع، يمسح وجهه بباطنها، وكفيه براحتيه، ويخلل أصابعه

مُفَرَّجَتَيْ الأصَابِعِ، يَمْسَح وَجْهَهَ بِباطِنِها، وكفَّيهِ براحَتَيْهِ، ويُخَلِّلَ أَصَابِعَه. قوله: «مُفَرَّجَتَي الأصَابِعِ»، أي مُتَباعِدة؛ لأجْل أن يَدْخُل التُّراب بينها، لأنَّ الفقهاء يَرَوْن وُجوب استيعاب الوَجْه والكفَّين هنا، ولذلك قالوا: مُفَرَّجَتَي الأصابع. والأحاديثُ الواردة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه ضَرَب بِيَديه ليس فيها أنه فرَّج أصابعه. وطهارة التَّيمُّم مبنيَّة على التَّسهيل والتَّسامُحِ، ليست كطهارة الماء قوله: «يمسح وجهه بباطنها وكفَّيْه بِراحَتَيْهِ»، أي: بِباطن الأصابع، ويَتْرُك الرَّاحتَين، فلا يَمْسَح بهما، لأنه لو مَسَحَ بكلِّ باطن الكفِّ، ثم أراد أن يَمْسَح كفَّيه؛ صار التُّراب مستعمَلاً في طهارة واجبة؛ فيكون طاهراً غير مطهِّر على المذهب؛ بناءً على أنَّ التُّراب ينقسم إِلى ثلاثة أقسام: طَهُور، وطاهر، ونَجِس كالماء. وهذا غير مُسلَّم، والصَّحيح كما سبق أنَّه لا يوجد تراب يُسمَّى طاهراً غيرُ مطهِّر (¬1)، وأن التُّراب المستعمَل في طهارة واجبة طَهُور، وحينئذ لا حاجة إِلى هذه الصِّفة؛ لأنها مبنيَّة على تعليل ضعيف، ولا دليل عليها؛ بل الدَّليل على خلافها، فإِن حديث عمَّار: «مَسَحَ وجْهَه بيَدَيْه» (¬2) بدون تفصيل، وعلى هذا فنقول: تَمْسَح وجهَك بيدَيك كِلتَيْهما، وتمسح بعضهما ببعض. قوله: «ويخلِّل أصابِعَه»، أي: وُجوباً، بخلاف طهارة الماء فإِنه مُسْتَحَبٌّ، لأن الماء له نفوذ فيدخل بين الأصابع بدون ¬

_ (¬1) انظر: ص (392، 393). (¬2) تقدم تخريجه ص (394).

تخليل، وأما التُّراب فلا يجري فيحتاج إِلى تخليل (¬1). ونحن نقول: إِثبات التَّخليل ـ ولو سُنَّة ـ فيه نَظَر؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم في حديث عمَّار لم يخلِّل أصابعَه. فإِن قيل: ألاَ يدخل في عُموم حديث لَقيط بن صَبِرة رضي الله عنه: «أَسبغ الوُضُوء، وخلِّلْ بين الأصابِع، وبالِغْ في الاسْتِنْشاق» (¬2). أجيب: بالمنْع؛ لأنَّ حديث لَقيط بن صَبِرَة في طَهارة الماء. ولهذا ففي النَّفس شيء من استحباب التخليل في التَّيمُّم لأمرين: أولاً: أنه لم يَرِدْ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. وثانياً: أنَّ طهارة التَّيمُّم مبنيَّة على التَّيسير والسُّهولة، بخلاف الماء؛ ففي طهارة الماء في الجنابة يجب استيعاب كل البَدَنِ؛ وفي التَّيمُّم عُضوان فقط، وفي التَّيمُّم لا يجب استيعاب الوَجْه والكفَّين على الرَّاجِح، بل يُتَسامَح عن الشَّيء الذي لا يَصِل إِليه المسْح إِلا بمشقَّة كباطن الشَّعْر، فلا يجب إِيصال التُّراب إِليه ولو كان خفيفاً، فيُمْسَح الظَّاهرُ فقط، وفي الوُضُوء يجب إِيصال ¬

_ (¬1) قال ابنُ رجب: «وهذا الذي قالوه في صفة التَّيمم؛ لم يُنقل عن الإِمام أحمد، ولا قاله أحدٌ من متقدِّمي أصحابه؛ كالخرقي وأبي بكرٍ وغيرِهما». انظر: «فتح الباري» لابن رجب (2/ 94) ..... (¬2) تقدم تخريجه ص (149).

الماء إِلى ما تحت الشَّعر إِذا كان خفيفاً، ولأن التَّيمُّم لا مضمضة فيه ولا استنشاق، ولأنَّ ما كان من غضون (مسافط) الجبهة لا يجب إِيصال التراب إِليه بخلاف الماء. فالصَّواب: أن نَقْتَصِر على ظاهر ما جاء عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا، واتِّباع الظَّاهر في الأحكام كاتِّباع الظَّاهر في العقائد، إِلا ما دلَّ الدَّليل على خلافه. لكنَّ اتَّباع الظَّاهر في العقائد أَوْكَد، لأنها أمُور غيبيَّة، لا مجال للعَقْل فيها؛ بخلاف الأحكام؛ فإِنَّ العَقْل يدخل فيها أحياناً، لكن الأَصْل أَنَّنا مكلَّفون بالظَّاهر. والكيفيَّة عندي التي توافق ظاهر السُّنَّة: أن تَضْرب الأرض بيدَيك ضَرْبة واحدة بلا تفريج للأصابع، وتَمْسَح وجهك بكفَّيك، ثم تَمْسَح الكفَّين بعضهما ببعض، وبذلك يَتِمُّ التَّيمُّم. ويُسَنُّ النَّفْخ في اليدين؛ لأنه وَرَدَ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، إِلا أن بعض العلماء قيَّده بما إِذا عَلِق في يدَيه تراب كثير (¬2). ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم ص (394). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 324)، «الإقناع» (1/ 86) .....

باب إزالة النجاسة

بابُ إِزالة النَّجَاسة لما أنهى المؤلِّفُ رحمه الله تعالى الكلامَ على طهارة الحدث، بدأ بطهارة النَّجَسِ، لأن الطهارة الحسِّيَّة، إِما عن حَدَث، وإِما عن نجس. وقد سبق تعريف الحدث (¬1). والخبث: عينٌ مستقذرةٌ شرعاً. قولنا: «عين»، أي: ليست وصفاً، ولا معنى. قولنا: «شرعاً»، أي: الشَّرعُ الذي استقذرها، وحَكَمَ بنجاستها وخُبْثِهَا. والنَّجاسة: إِما حُكميَّة، وإِما عينيَّة. والمراد بهذا الباب النجاسة الحُكميَّة، وهي التي تقع على شيء طاهر فينجس بها. وأما العينيَّة: فإِنه لا يمكن تطهيرها أبداً، فلو أتيت بماء البحر لتُطَهِّرَ روثة حمار ما طَهُرَت أبداً؛ لأن عينها نجسة، إِلا إِذا استحالت على رأي بعض العلماء، وعلى المذهب في بعض المسائل. والنَّجاسة تنقسم إِلى ثلاثة أقسام: الأول: مغلَّظة. الثاني: متوسِّطة. الثالث: مُخفَّفة. ¬

_ (¬1) انظر: ص (25).

يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب، وخنزير

يُجزِئ في غَسْلِ النجاسات كلِّها إذا كانت على الأرض غَسْلةٌ واحدةٌ تَذْهَبُ بعَيْنِ النجاسةِ وعلى غَيْرِها سَبْعٌ إِحْدَاها بتُرابٍ في نجاسةِ كَلْبٍ، وخِنْزيرٍ، ......... قوله: «يُجزِئ في غَسْلِ النَّجاسات كلِّها إِذا كانت على الأرض غَسْلةٌ واحدةٌ تَذْهَبُ بعَيْنِ النجاسةِ»، هذا تخفيف باعتبار الموضع، فإِذا طرأت النَّجاسة على أرض؛ فإِنه يُشترَط لطِهَارتها أن تزول عَينُ النَّجاسة ـ أيًّا كانت ـ بغَسْلَة واحدة، فإِن لم تَزُلْ إِلا بغَسْلَتين، فَغَسْلَتان، وبثلاث فثلاث. والدَّليل على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم لما بال الأعرابيُّ في المسجد: «أريقوا على بوله ذَنُوباً من ماء» (¬1)، ولم يأمُرْ بعدد. وإِن كانت النَّجاسة ذات جِرْمٍ، فلا بُدَّ أولاً من إِزالة الجِرْمِ، كما لو كانت عَذِرَة، أو دَمَاً جَفَّ، ثم يُتبع بالماء. فإِن أزيلت بكلِّ ما حولها من رطوبة، كما لو اجتُثَّتِ اجْتِثاثاً، فإِنه لا يحتاج إِلى غَسْل؛ لأن الذي تلوَّث بالنَّجاسة قد أُزيل. قوله: «وعلى غَيْرِها سَبْعٌ»، أي: يُجزئ في غَسْل النَّجاسات على غير الأرض سَبْعُ غَسْلات، فلا بُدَّ من سَبْع، كلُّ غَسْلَة منفصلة عن الأخرى، فيُغسَلُ أولاً، ثم يُعصَر، وثانياً ثم يُعصَر، وهكذا إِلى سَبْع. قوله: «إِحْدَاها بترابٍ في نجاسةِ كَلْبٍ وخِنْزيرٍ»، أي: إِحدى الغَسْلات السَّبْعِ بتراب. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب صبّ الماء على البول في المسجد، رقم (220)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، رقم (284) من حديث أنس بن مالك .....

والدَّليل على ذلك أنه صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مُغَفَّل: «أمَر إِذا وَلَغَ الكَلْب في الإِناء أن يُغْسَل سَبْع مرَّات» (¬1)، «إِحداهنَّ بالتُّراب» (¬2)، وفي رواية: «أولاهنَّ بالتُّراب» (¬3). وهذه الرِّواية أخصُّ من الأُولى، لأن «إِحداهنَّ» يَشْمل الأُولى إِلى السابعة، بخلاف «أولاهنَّ» فإِنه يخصِّصه بالأولى، فيكون أَوْلى بالاعتبار، ولهذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: الأَوْلَى أن يكون التُّراب في الأُولى (¬4) لما يلي: 1 - ورود النَّصِّ بذلك. 2 - أنه إِذا جُعل التُّراب في أوَّل غَسْلة خفَّت النَّجاسة، فتكون بعد أوَّل غَسْلة من النَّجاسات المتوسِّطة. 3 - أنه لو أصاب الماء في الغَسْلة الثَّانية بعد التُّراب مَحلًّا آخرَ غُسِل سِتًّا بلا تراب، ولو جعل التُّراب في الأخيرة، وأصابت الغَسْلة الثانية محلًّا آخر غُسِل سِتًّا إِحداها بالتُّراب. وقوله: «كَلْب» يشمل الأسودَ، والمُعلَّم وغيرهما، وما يُباح اقتناؤه وغيره، والصَّغير، والكبير. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، رقم (172)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، رقم (279). (¬2) رواه البزار من حديث أبي هريرة. قال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار»، «المجمع» (1/ 287)، قال ابن حجر: «إسناده حسن». «التلخيص» رقم (35)، وانظر: «الخلاصة» رقم (424). (¬3) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، رقم (279). (¬4) قال الحافظ ابن حجر: «ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضاً، لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه»، «الفتح» شرح حديث رقم (172) .....

ويشمل أيضاً لما تنجَّس بالولُوغ، أو البَول، أو الرَّوث، أو الرِّيق، أو العَرَق. والدَّليل على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا وَلَغَ الكَلْبُ»، و «أل» هنا لحقيقة الجِنْس، أو لِعُموم الجِنْس، وعلى كلٍّ هي دالَّة على العموم. فإِن قيل: ألا يكون في هذا مَشقَّة بالنِّسبة لما يُباح اقتناؤه؟ أجيب: بلى، ولكن تزول هذه المشقَّة بإِبعاد الكلب عن الأواني المستعمَلة، بأن يُخصَّص له أواني لطعامه وشرابه، ولا نخرجه عن العموم، إِذ لو أخرجناه لأخرجنا أكثر ما دلَّ عليه اللفظ، وهذا غير سديد في الاستدلال. وقال بعض الظَّاهريَّة: إِنَّ هذا الحُكم فيما إِذا وَلَغَ الكلب، أما بَوْله، ورَوْثه فكسائر النَّجاسات (¬1)، لأنهم لا يَرَوْن القياس. وجمهور الفقهاء قالوا: إِن رَوْثَهُ، وبوله كوُلُوغه، بل هو أخبث (¬2)، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم نَصَّ على الوُلُوغ، لأن هذا هو الغالب، إِذ إِن الكلب لا يبول ويروث في الأواني غالباً، بل يَلِغُ فيها فقط، وما كان من باب الغالب فلا مفهوم له، ولا يُخَصُّ به الحكم. ورجَّحَ بعض المتأخِّرين مذهب الظَّاهريَّة (¬3)، لا من أجل الأخذ بالظَّاهر؛ ولكن من أجل امتناع القياس، لأن من شَرْط القياس مساواة الفرع للأصل في العِلَّة حتى يساويه في الحُكم، ¬

_ (¬1) انظر: «المحلَّى» (1/ 109 ـ 111). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 78)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 586). (¬3) انظر: «حاشية الصنعاني على العدة» (1/ 149) .....

ويجزئ عن التراب أشنان، ونحوه

لأن الحكم مرتَّبٌ على العِلَّة، فإِذا اشتركا في العِلَّة اشتركا في الحكم، وإِلا فلا. والفرق على قولهم: أَن لُعاب الكلب فيه دودة شريطيَّة ضارَّة بالإِنسان، وإِذا وَلَغَ انفصلت من لُعابه في الإِناء، فإِذا استعمله أحد بعد ذلك فإِنها تتعلَّق بمعدة الإِنسان وتخرقها، ولا يُتلفها إِلا التُّراب. ولكن هذه العِلَّة إِذا ثبتت طبيًّا، فهل هي منتفية عن بوله، وروثه؟ يجب النَّظر في هذا، فإِذا ثبت أنها منتفية، فيكون لهذا القول وجه من النَّظر، وإِلا فالأحْوَط ما ذهب إِليه عامَّة الفقهاء، لأنك لو طهَّرته سبعاً إِحداها بالتُّراب لم يَقُل أحد أخطأت، ولكن لو لم تطهِّره سَبْع غسلات إِحداها بالتُّراب، فهناك من يقول: أخطأت، والإِناء لم يطهُر. .... وقوله: «وخِنْزير»، الخنزير: حيوان معروف بفَقْدِ الغيرة، والخُبث، وأكلِ العَذِرة، وفي لحمه جراثيم ضارَّة، قيل: إِن النَّار لا تؤثِّر في قتلها، ولذا حَرَّمه الشَّارع. والفقهاء ـ رحمهم الله ـ ألحقوا نجاسته بنجاسة الكلب؛ لأنه أخبث من الكلب، فيكون أوْلى بالحكْم منه. وهذا قياس ضعيف؛ لأن الخنزير مذكور في القرآن، وموجود في عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يَرِدْ إِلحاقه بالكلب. فالصَّحيح: أن نجاسته كنجاسة غيره، فتُغسل كما تُغسل بقية النَّجاسات. ويُجْزِئ عن التراب أشنانٌ، ونحوه. قوله: «ويُجْزِئ عن التُّراب أشنانٌ ونحوه»، الأشنان: شجر

يُدَقُّ ويكون حبيبات كحبيبات السُّكَّر أو أصغر، تغسل به الثِّياب سابقاً، وهو خشن كخشونة التُّراب، ومنظِّف، ومزيل، ولهذا قال المؤلِّف: «يجزئ عن التُّراب» في نجاسة الكلب. وهذا فيه نظر لما يلي: 1 - أن الشارع نَصَّ على التُّراب، فالواجب اتِّباع النَّصِّ. 2 - أن السِّدْر والأشنان كانت موجودة في عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يُشرْ إِليهما. 3 - لعل في التُّراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لُعاب الكلب. 4 - أن التُّراب أحد الطهورين، لأنه يقوم مقام الماء في باب التيمُّم إِذا عُدِم. قال صلّى الله عليه وسلّم: «وجُعِلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» (¬1)، فرُبَّما كان للشَّارع ملاحظات في التُّراب فاختاره على غيره؛ لكونه أحد الطَّهورين، وليس كذلك الأشنان وغيره. فالصَّحيح: أنه لا يجزئ عن التُّراب، لكن لو فُرض عدم وجود التُّراب ـ وهذا احتمال بعيد ـ فإِن استعمال الأشنان، أو الصَّابون خير من عَدَمه. وظاهر كلام المؤلِّف: أنَّ الكلب إِذا صادَ، أو أمسك الصَّيدَ بفمه، فلا بُدَّ من غسْل اللحم الذي أصابه فَمُهُ سبع مرَّات إِحداها بالتُّراب، أو الأشنان، أو الصَّابون، وهذا هو المذهب. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (29) .....

وفي نجاسة غيرها سبع بلا تراب

وقال شيخ الإِسلام: إِن هذا مما عَفَا عنه الشَّارع؛ لأنه لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه أمر بغَسْل ما أصابه فَمُ الكلب من الصَّيد الذي صاده (¬1). وأيضاً: الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِذا وَلَغَ» (¬2)، ولم يقل: «إِذا عَضَّ»، فقد يخرج من معدته عند الشرب أشياء لا تخرج عند العضِّ. ولا شَكَّ أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يغسلون اللحم سبع مرات إِحداها بالتُّراب، ومقتضى ذلك أنه معفوٌّ عنه، فالله سبحانه هو القادر وهو الخالق وهو المشرِّع، وإِذا كان معفوًّا عنه شرعاً زال ضرره قدراً، فمثلاً الميتة نجسة، ومحرَّمة، وإِذا اضطُرَّ الإِنسان إِلى أكلها صارت حلالاً لا ضرر فيها على المضطرِّ. والحمار قبل أن يُحرَّم طيِّب حلالُ الأكل، ولما حُرِّمَ صار خبيثاً نجساً. فالصَّحيح: أنه لا يجب غسل ما أصابه فَمُ الكلب عند صيده لما تقدَّم، لأن صيد الكلب مبنيٌّ على التَّيسير في أصله؛ وإِلا لجاز أن يُكلِّفَ الله عزّ وجل العباد أن يصيدوها بأنفسهم؛ لا بالكلاب المعلَّمة، فالتيسير يشمل حتى هذه الصُّورة، وهو أنه لا يجب غَسْل ما أصابه فَمُ الكلب، وأن يكون مما عَفَا الله تعالى عنه. وفي نجاسةِ غَيْرها سَبْعٌ بلا تُرابٍ، ................... قوله: «وفي نجاسةِ غَيْرهما سَبْعٌ بلا تُرابٍ»، أي: يجزئ في ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 620). (¬2) تقدم تخريجه، ص (416) .....

نجاسة غير الكلب والخنزير سبع غسلات بلا تُراب، فلا بُدَّ من سبع، بأن تُغسل أولاً، ثم تُعصر، ثم تغسل ثانياً، ثم تُعصر، وهكذا إِلى سبع غسلات، وإِن احتاج إِلى الدَّلك فلا بُدَّ من الدَّلك، وإِذا زالت النَّجَاسة بأوَّل غسلة، وبقي المحلُّ نظيفاً، لا رائحة فيه، ولا لون فلا يطهر إِلا بإِكمال السَّبع، وهذا هو المذهب ..... واستدلُّوا: بما رُوي عن ابن عمر أنه قال: «أُمِرْنا بِغَسْل الأنجاس سَبْعاً» (¬1)، وإِذا قال الصَّحابي أُمِرنا فالآمر هو النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، فيكون من المرفوع حُكماً. وقال بعض العلماء: إِنه لا بدَّ من ثلاث غسلات (¬2). واستدلُّوا: بأن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يكرِّرُ الأشياء ثلاثاً، حتى في الوُضُوء أعلاه ثلاث مرات (¬3)، ولأن النَّجاسة لا تزول بدونها غالباً. وقال آخرون: تكفي غَسْلة واحدة تزول بها عَيْن النَّجاسة، ويطهر بها المحلُّ (¬4). واستدلُّوا على ذلك بما يلي: 1 - قوله صلّى الله عليه وسلّم في دَمِ الحيض يُصيب الثَّوب: «تحتُّهُ ثم تَقْرُصُه بالماء، ثم تَنْضِحُهُ، ثم تُصَلِّي فيه» (¬5) ولم يذكر عدداً، والمقام مقامُ بيانٍ؛ لأنه جواب عن سؤال، فلو كان هناك عدد ¬

_ (¬1) ذكره ابن قدامة في «المغني» (1/ 75) عن ابن عمر بدون عزوه لمصدر. (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 287). (¬3) تقدم تخريجه ص (179). (¬4) انظر: «الإنصاف» (2/ 287). (¬5) تقدم تخريجه، ص (29).

معتَبَر لَبيَّنَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا لمَّا كان الدَّمُ جافًّا، قال: تحتُّه أولاً، ولم يقُلْ تغسِلُه، مع أنه مع تكرار الغَسْل يمكن أن يزول، ولو كان جافًّا، لكن بدأ بالأسهل. 2 - أن النَّجاسة عين خبيثة متى زالت زال حُكمها، وهذا دليل عقليٌّ واضح جداً، وعلى هذا فلا يُعتبر في إِزالة النَّجاسة عددٌ؛ ما عدا نجاسة الكلب فلا بُدَّ لإِزالتها من سبع غسلات إِحداها بالتُّراب للنَّصِّ عليه. وأجيب عن حديث ابن عمر بجوابين: 1 - أنَّه ضعيف، لا أصل له. 2 - على تقدير صحَّته؛ فقد روى الإِمام أحمد رحمه الله حديثاً ـ وإِن كان فيه نظر ـ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أُمِر بغسل الأنجاس سبعاً، ثم سأل الله التَّخفيف، فأُمِرَ بغسلها مرَّة واحدة (¬1)، فيُحمل حديث ابن عمر ـ إِن صحَّ ـ على أنه قَبْل النَّسْخ، فيَسقط الاستدلال به. والصَّحيح: أنه يكفي غسلة واحدة تذهب بعين النَّجاسة، ويطهُر المحلُّ، ما عدا الكلب فعلى ما تَقدَّم. فإِن لم تَزُلِ النَّجاسة بغسلةٍ زاد ثانية، وثالثة وهكذا، ولو .... ¬

_ (¬1) رواه الإمام أحمد (2/ 109)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في الغسل من الجنابة، رقم (247) عن عبد الله بن عمر قال: «كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع مرار، فلم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة». قال ابن قدامة في «المغني» (1/ 75) بعد ذكره لهذا الحديث: «في رواته أيوب بن جابر وهو ضعيف» .....

ولا يطهر متنجس بشمس

عشر مرَّات حتى يطهُر المحلُّ، والدَّليل على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم للاَّتي غسَّلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر؛ إِن رأيتنَّ ذلك» (¬1). مع أن تطهير الميْت ليس عن نجاسة في الغالب، فإِذا كان كذلك ـ أي: التطهير الذي ليس عن نجاسة يُزاد فيه على السَّبع إِذا رأى الغاسل ذلك ـ فما كان عن نجاسة من باب أَوْلَى، بل يجب أن يُغسل حتى تطهُرَ النَّجاسة. ولا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بشمسٍ، .................................. قوله: «ولا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بشمسٍ»، المتنجِّس ما أصابته النَّجاسة. وهو هنا نكِرة في سِيَاق النَّفي، فتعمُّ كلَّ متنجِّس، سواء كان أرضاً، أو ثوباً، أو فراشاً، أو جداراً، أو غير ذلك، فلا يطهُر بالشَّمس، يعني بذهاب نجاسته بالشمس، والدليل على ذلك: 1 - قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]، فجعل الله الماء آلة التَّطهير. 2 - قوله صلّى الله عليه وسلّم في البحر: «هو الطَّهور ماؤه» (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (309). (¬2) رواه أحمد (2/ 361، 378)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، رقم (83)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب في ماء البحر، (10/ 50)، رقم (59)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، رقم (69)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، رقم (386) من حديث أبي هريرة. والحديث صحَّحه: البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن عبد البر وغيرهم. انظر: «المحرر» رقم (1)، «التلخيص» رقم (1).

3 - قوله صلّى الله عليه وسلّم في الماء يُفطر عليه الصَّائم: «فإِنَّه طَهور» (¬1)، أي: تحصُل به الطَّهارة، فلم يذكر الله عزّ وجل ولا النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم شيئاً تحصُل به الطَّهارة سوى الماء. 4 - حديث أنس رضي الله عنه: «أنَّ أعرابيًّا دخل المسجد، فبالَ في طائفة منه، فزجره النَّاس، فنهاهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، فلما قضى بوله، أمر بذَنوب من ماء فأُريق عليه» (¬2)، فلم يتركه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للشَّمس حتى تطهِّره. وهذا هو المشهور من المذهب، أنَّ الماء يُشْتَرَط لإِزالة النَّجاسة، فلو كان هناك شيء مُتنجِّس بادٍ للشمس كالبول على الأرض، ومع طول الأيام، ومرور الشمس عليه زال بالكلِّية، وزال تغيُّرُه فلا يطهُر، بل لا بُدَّ من الماء. .... وذهب أبو حنيفة رحمه الله إِلى أن الشمس تُطَهِّرُ المتنجِّس، إِذا زال أثر النَّجاسة بها، وأنَّ عين النَّجاسة إِذا زالت بأيِّ مزيل طَهُر المحلُّ (¬3)، وهذا هو الصَّواب لما يلي: ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 17)، وأبو داود، كتاب الصوم: باب ما يُفطر عليه، رقم (2355)، والترمذي، كتاب الصوم: باب ما جاء ما يستحب عليه الإفطار، رقم (695)، وابن ماجه، كتاب الصيام: باب ما جاء على ما يستحب الفطر، رقم (1699)، وابن حبان في «صحيحه» رقم (3514)، والحاكم (1/ 432) من حديث سلمان بن عامر. وصحَّحه: أبو حاتم الرازي، والترمذي، وابن خزيمة، والحاكم وقال: «على شرط البخاري»، ووافقه الذهبي. انظر: «التلخيص الحبير» رقم (900)، «بلوغ المرام» رقم (661). (¬2) تقدم تخريجه ص (29) ..... (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 474، 481)، «حاشية ابن عابدين» (1/ 311).

1 - أن النَّجاسةَ عينٌ خبيثة نجاستُها بذاتها، فإِذا زالت عاد الشيء إِلى طهارته. 2 - أن إِزالة النَّجاسة ليست من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإِذا حصل بأيِّ سبب كان ثَبَتَ الحُكم، ولهذا لا يُشترط لإِزالة النّجاسة نيَّة، فلو نزل المطر على الأرض المتنجِّسة وزالت النَّجاسة طَهُرت، ولو توضَّأ إِنسان وقد أصابت ذراعَه نجاسةٌ ثم بعد أن فرغ من الوُضُوء ذكرها فوجدها قد زالت بماءِ الوُضُوء فإِن يده تطهر، إِلا على المذهب؛ لأنهم يشترطون سبع غسلات، والوُضُوء لا يكون بسبع. والجواب عما استدلَّ به الحنابلة: أنه لا ينكر أن الماء مطهِّر، وأنه أيسر شيء تطُهَّر به الأشياء، لكن إِثبات كونه مطهِّراً، لا يمنع أن يكون غيره مطهراً، لأن لدينا قاعدة وهي: أن عدم السبب المعيَّن لا يقتضي انتفاء المسَبَّب المعين، لأن المؤثِّر قد يكون شيئاً آخر. وهذا الواقع بالنسبة للنجاسة. وعبَّر بعضهم عن مضمون هذه القاعدة بقوله: انتفاء الدَّليل المعيَّن لا يَستلزِم انتفاء المدلول؛ لأنَّه قد يَثْبُتُ بدليل آخر. وأما بالنسبة لحديث أنس، وأَمْرِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بأن يُصَبَّ عليه الماء (¬1)، فإِنَّ ذلك لأجل المبادرة بتطهيره، لأن الشَّمس لا تأتي عليه مباشرة حتى تُطهِّره بل يحتاج ذلك إِلى أيام، والماء يُطهِّره في الحال، والمسجد يحتاج إِلى المبادرة بتطهيره؛ لأنه مُصلَّى النَّاس. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (29) ....

ولا ريح، ولا دلك، ولا استحالة

ولهذا ينبغي للإِنسان أن يُبادر بإِزالة النَّجاسة عن مسجده، وثوبه، وبَدَنِه، ومصلاَّه لما يلي: 1 - أن هذا هو هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم. 2 - أنَّه تخلُّص من هذا القَذَر. .... 3 - لئلا يَرِدَ على الإِنسان نسيان، أو جهالة بمكان النَّجاسة فيُصلِّي مع النَّجاسة. ولا رِيْحٍ، ولا دَلْكٍ، ولا استحالةٍ، ................................. قوله: «ولا ريح»، أي لا يطهُر المتنجِّس بالرِّيح، يعني الهواء. هذا هو المشهور من المذهب. والدَّليل: ما سبق أنَّه لا يُطَهِّر إِلا الماء. والقول الثَّاني: أنه يطهُر المتنجِّس بالريح (¬1)، لكن مجرد اليُبْس ليس تطهيراً، بل لا بدَّ أن يمضي عليه زمن بحيث تزول عين النَّجاسة وأثرها، لكن يُستثنى من ذلك: لو كان المتنجِّس أرضاً رمليَّة؛ فحملت الرِّيح النَّجاسة وما تلوَّث بها، فزالت وزال أثرها؛ فإِنها تطهر. قوله: «ولا دَلْكٍ»، أي: لا يطهُر المتنجِّس بالدَّلكِ مطلقاً؛ سواء كان صقيلاً تذهبُ عينُ النَّجاسة بدلكه كالمرآة، أم غير صقيل، هذا هو المذهب. والقول الثَّاني: أن المتنجِّس ينقسم إِلى قسمين: الأول: ما يمكن إِزالة النَّجاسة بِدَلْكِه، وذلك إِذا كان صقيلاً كالمرآة والسَّيف، ومثل هذا لا يتشرَّب النَّجاسة، فالصَّحيح أنه ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 523)، «الإنصاف» (2/ 304 ـ 306).

يطهُر بالدَّلْكِ، فلو تنجَّست مرآة، ثم دَلَكْتَها حتى أصبحت واضحة لا دَنَسَ فيها فإِنها تطهُر. الثاني: ما لا يمكن إِزالة النَّجاسة بِدَلْكِه؛ لكونه خشناً، فهذا لا يطهُر بالدَّلك، لأن أجزاءً من النَّجاسة تبقى في خلاله (¬1). قوله: «ولا استحالةٍ»، استحال أي: تحوَّل من حالٍ إِلى حال. أي: أن النَّجاسة لا تطهر بالاستحالة؛ لأنَّ عينها باقية. مثاله: رَوْثُ حمار أُوقِدَ به فصار رماداً؛ فلا يطهُر؛ لأن هذه هي عين النَّجاسة، وقد سبق أن النَّجاسة العينيَّة لا تطهُر أبداً (¬2)، والدُّخَان المتصاعد من هذه النَّجاسة نَجِسٌ على مقتضى كلام المؤلِّف؛ لأنه متولِّد من هذه النَّجاسة، فلو تلوَّث ثوب إِنسان، أو جسمه بالدُّخان وهو رطب، فلا بُدَّ من غَسْله. .... مثال آخر: لو سقط كلبٌ في مَمْلَحَة «أرض ملح» واستحال، وصار مِلْحاً، فإِنه لا يطهُر، ونجاسته مغلَّظة. ويَستَثنون من ذلك ما يلي: 1 - الخَمْرَة تتخلَّل بنفسها (¬3). 2 - العَلَقَة تتحول إِلى حيوان طاهر. والصَّحيح: أنه لا حاجة لهذا الاستثناء، لأن الخَمْرة على القول الرَّاجح ليست نَجِسة كما سيأتي (¬4). ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 523)، «الإنصاف» (2/ 304 ـ 306) ..... (¬2) انظر: ص (414). (¬3) انظر: «المغني» (1/ 97). (¬4) انظر: ص (428).

غير الخمرة

وأما بالنسبة للعَلَقة فلا حاجة لاستثنائها؛ لأنها وهي في معدنها الذي هو الرَّحم لا يُحكم بنجاستها، وإِن كانت نجسة لو خرجت. ولذلك كان بول الإِنسان وعَذِرَتُه في بطنه طاهرين، وإِذا خرجا صارا نجسَين، ولأن المصلِّي لو حمل شخصاً في صلاته لَصحَّت صلاته؛ بدليل أنّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حَمَلَ أُمامة بنت ابنته زينب، وهو يُصلِّي (¬1)، ولو حمل المُصلِّي قارورة فيها بول أو غائط لَبَطلت صلاتُه. غَيْرَ الخَمْرَةِ ............................................. قوله: «غَيْرَ الخَمْرَة»، الخَمْرُ: اسم لكل مُسكِر. هكذا فسَّره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (¬2). والعجبُ ممن قال: إِنَّ الخمر لا يكون إِلا من نبيذ العنب، وقد قال أفصح العرب وأعلمهم: «كلُّ مسكرٍ خَمْر، وكلُّ مُسْكرٍ حرام» (801)، مع أنَّه لو وُجِدَ ذلك في «القاموس المحيط» مثلاً ومؤلِّفه فارسيٌّ لسُلِّمَ به. والخمر حرام بالكتاب، والسُّنَّة، وإِجماع المسلمين. ولهذا قال العلماء: مَن أنكر تحريمه وهو ممن لا يجهل ذلك كَفَرَ، ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الطهارة: باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، رقم (516)، ومسلم، كتاب المساجد: باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، رقم (543) من حديث أبي قتادة. (¬2) رواه مسلم، كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، رقم (2003) من حديث عبد الله بن عمر. ورواه البخاري مختصراً، كتاب الأشربة: باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ} رقم (5575). ورواه مسلم أيضاً، الموضع السابق، رقم (2002) من حديث جابر بن عبد الله .....

ويُستتاب؛ فإِن تاب وإِلاَّ قُتِل؛ سواءٌ كانت من العنب، أم الشَّعير، أم البُرِّ، أم التَّمر، أم غير ذلك. مسألة: نجاسة الخمر: جمهور العلماء ـ ومنهم الأئمَّة الأربعة، واختاره شيخ الإِسلام ـ أنَّها نجسة (¬1)، واستدلُّوا بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]. والرِّجس: النَّجَس؛ بدليل قوله تعالى: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، ولا مانع من أن تكون في الأصل طيِّبة؛ ثم تنقلب إِلى نجسة بعلَّة الإِسكار؛ كما أن الإِنسان يأكل الطَّعام وهو طيِّب طاهر ثم يخرج خبيثاً نجساً. واستدلُّوا أيضاً بقوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإِنسان: 21] يعني في الجَنَّة، فدلّ على أنه ليس كذلك في الدُّنيا. والصَّحيح: أنها ليست نجسة، والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 - حديث أنس رضي الله عنه: «أنَّ الخمرَ لمَّا حُرِّمت خرج النَّاس، وأراقوها في السِّكك» (¬2)، وطُرقات المسلمين لا يجوز أن تكون مكاناً لإِراقة النَّجاسة، ولهذا يَحرُم على الإِنسان أن يبولَ في الطَّريق؛ أو يصبَّ فيه النَّجاسة، ولا فرق في ذلك بين ¬

_ (¬1) انظر: «أحكام القرآن» للقرطبي (6/ 288)، «أضواء البيان» (2/ 127)، «مجموع الفتاوى» (21/ 481)، «الاختيارات» ص (23، 24). (¬2) رواه البخاري، كتاب المظالم: باب صبّ الخمر في الطريق، رقم (2464)، ومسلم، كتاب الأشربة: باب تحريم الخمر ... ، رقم (1980).

أن تكون واسعة أو ضيِّقة كما جاء في الحديث: «اتقوا اللعَّانَين»، قالوا: وما اللعَّانَان يا رسول الله؟ قال: «الذي يَتَخَلَّى في طريق النَّاس أو في ظلِّهم (¬1)». فقوله: «في طريق النَّاس» يعمُّ ما كان واسعاً وضَيِّقاً، على أنَّه يُقال: إِنَّ طُرقات المدينة لم تكن كلُّها واسعة، بل قد قال العلماء رحمهم الله: إِن أوسع ما تكون الطُّرقات سبعة أذرع، يعني عند التَّنازع (¬2). فإِن قيل: هل عَلِم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بإِراقتها؟ .... أجيب: إِنْ عَلِمَ فهو إِقرار منه صلّى الله عليه وسلّم ويكون مرفوعاً صريحاً، وإِن لم يَعْلَم فالله تعالى عَلِمَ، ولا يقرُّ عبادَه على مُنكَر، وهذا مرفوع حُكماً. 2 - أنَّه لما حُرِّمت الخمر لم يؤمروا بِغَسْل الأواني بعد إِراقتها، ولو كانت نجسة لأُمروا بِغَسْلها، كما أُمروا بِغَسْل الأواني من لحوم الحُمُر الأهليَّة حين حُرِّمت في غزوة خيبر (¬3). فإِن قيل: إِنَّ الخمر كانت في الأواني قبل التَّحريم، ولم تكن نجاستها قد ثبتت. أُجيب: أنَّها لما حُرِّمت صارت نجسة قبل أن تُراق. 3 - ما رواه مسلم أن رجلاً جاء براوية خمر فأهداها ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (127). (¬2) انظر: «القواعد» لابن رجب ص (201، 202)، «فتح الباري» (5/ 118) ..... (¬3) رواه البخاري، كتاب المغازي: باب غزوة خيبر، رقم (4196)، ومسلم، كتاب الجهاد والسِّير: باب غزوة خيبر، رقم (1802) من حديث سلمة بن الأكوع.

للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أما علمتَ أنَّها حُرِّمت؟» فَسَارَّةُ رجلٌ أنْ بِعْها، فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بِمَ سارَرْتَهُ؟»، قال: أمَرْتُهُ ببيعِهَا، فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِن الذي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها»، ففتح الرجلُ المزادة حتى ذهب ما فيها (¬1). وهذا بحضرة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يَقُلْ له: اغْسلِها، وهذا بعد التَّحريم بلا ريب. 4 - أنَّ الأصل الطَّهارة حتى يقوم دليل النَّجاسة، ولا دليل هنا. ولا يلزم من التحريم النجاسة؛ بدليل أن السُمَّ حرام وليس بنجس. والجواب عن الآية: أنَّه يُراد بالنَّجاسةِ النَّجاسةُ المعنويَّة، لا الحسِّيَّة لوجهين: الأول: أنها قُرِنَت بالأنصاب والأزلام والميسر، ونجاسة هذه معنويَّة. الثاني: أن الرِّجس هنا قُيِّد بقوله: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} فهو رجسٌ عمليٌّ، وليس رجساً عينيّاً تكون به هذه الأشياء نجسة. وأما قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإِنسان: 21]، فإِننا لا نقول بمفهوم شيء من نعيم الآخرة؛ لأننا نتكلَّم عن أحكام الدُّنيا. وأيضاً: فكلُّ ما في الجنَّة طَهُور فليس هناك شيء نجس. .... ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر، رقم (1579) من حديث عبد الله بن عباس ..... ثم إِن المراد بالطَّهور هنا الطَّهورُ المعنويُّ الذي قال الله

فإن خللت أو تنجس دهن مائع لم يطهر

فيه: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ *} [الصافات] وهذا متعيِّن؛ لأن لدينا سُنَّة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بِعَدَمِ النَّجاسة. ثم إِن شراب أهل الجنَّة ليس مقصوراً على الخمر، بل فيها أنهار من ماء ولَبَن وعسل، وكلُّها يُشرب منها، فهل يمكن أن يُقال: إِنَّ ماء الدنيا ولَبَنَها وعسَلَها نَجِس بمفهوم هذه الآية؟. فإِن قيل: كيف تخالف الجمهور؟. فالجواب: أن الله تعالى أمر عند التَّنازع بالرُّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة، دون اعتبار الكثرة من أحد الجانبين، وبالرُّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة يتبيَّن للمتأمِّل أنه لا دليل فيهما على نجاسة الخمر نجاسة حسيَّة، وإِذا لم يَقُم دليل على ذلك فالأصل الطَّهارة، على أننا بيَّنَّا من الأدلَّة ما يَدُلُّ على طهارته الطَّهارة الحسيَّة. فَإِنْ خُلِّلَتْ أَوْ تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ لم يَطْهُر، .............. قوله: «فإِن خُلِّلَتْ»، الضَّمير يعود إِلى الخمرة، وتخليلها أن يُضاف إِليها ما يُذهِب شدَّتها المسْكِرة من نبيذ أو غيره، أو يصنع بها ما يذهب شدَّتها المسْكِرة. والمشهور من المذهب: أنها إِذا خُلِّلَتْ لا تطهُر، ولو زالت شدَّتُها المسكرة، ولا فرق بين أن تكون خمرة خلاَّل، أو غيره؛ لأن بعض العلماء استثنى خمرة الخلاَّل وقال: إِنه يجوز تخليلُها (¬1)؛ لأن هذه هي كلُّ ماله، فإِذا منعناه من التَّخليل أفسدنا عليه ماله. ولكن الصَّحيح أنَّه لا فرق، وأن الخمر متى تخمَّرت أريقت؛ ولا يجوز أن تُتَّخذ للتَّخليل بخلاف ما إِذا تخلَّلت بنفسها فإِنها تطهُر وتحِلُّ. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 302، 303) .....

. واستدلُّوا: بأن زوال الإِسكار كان بفعل شيء محرَّم، فلم يترتَّب عليه أثره، إِذ التَّخليل لا يجوز؛ بدليل ما رواه أنس أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِل عن الخمر تُتَّخذ خَلًّا؟ ـ أي: تُحَوَّلُ خلًّا ـ قال: «لا» (¬1). ولأن التَّخليل عمل ليس عليه أمْر الله، ولا رسوله، فيكون باطلاً مردوداً، فلا يترتَّبُ عليه أثرٌ كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (¬2). وقال بعض العلماء: إِنها تطهُر، وتحلُّ بذلك، مع كون الفعل حراماً (¬3). وعلّلوا: أنَّ عِلَّة النَّجاسة الإسكار، والإِسكار قد زال، فتكون حلالاً. وقال آخرون: إِنْ خلَّلها مَنْ يعتقدُ حِلَّ الخمر كأهل الكتاب؛ اليهود والنَّصارى، حَلَّت، وصارت طاهرة. وإِن خلَّلها مَنْ لا تَحِلُّ له فهي حرام نجسة (811)، وهو أقرب الأقوال. وعلى هذا يكون الخلُّ الآتي من اليهود والنَّصارى حلالاً طاهراً، لأنهم فعلوا ذلك على وجه يعتقدون حِلَّه، ولذا لا يُمنعون من شرب الخمر. قوله: «أَوْ تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ لم يَطْهُر»، الدُّهن تارة يكون مائعاً، وتارة يكون جامداً، والمائع قيل: هو الذي يتسرَّب أو ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الأشربة: باب تحريم تخليل الخمر، رقم (1983). (¬2) تقدم تخريجه ص (187). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 481 ـ 487)؛ «الإنصاف» (2/ 302)؛ «المجموع شرح المهذب» (2/ 577).

يجري إِذا فُكَّ وعاؤه، فإِن لم يتسرَّب فهو جامد. وقيل: هو الذي لا يمنع سريان النَّجاسة (¬1). فإِذا كان جامداً، وتنجَّس، فإِنها تزال النَّجاسة، وما حولها. مثاله: سقطت فأرة في وَدَكٍ جامد فماتت، فالطَّريق إِلى طهارته أن تأخذ الفأرة، ثم تقوِّر مكانها الذي سقطت فيه، ويكون الباقي طاهراً حلالاً. وإِن كان مائعاً، فالمشهور من المذهب أنَّه لا يطهرُ، سواء كانت النجَّاسة قليلة أم كثيرة، وسواء كان الدُّهن قليلاً أم كثيراً، وسواء تغيَّر أم لم يتغيَّر، فمثلاً: إِذا سقطت شعرة فأرة في «دَبَّةٍ» (¬2) كبيرة مملوءة من الدُّهن المائع، فينجُس هذا الدُّهن ويفسد ..... والصَّواب: أن الدُّهن المائع كالجامد؛ فتلقي النجاسة وما حولها، والباقي طاهر. والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 - أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِل عن فأرة، وقعت في سَمْنٍ فقال: «ألقوها، وما حولها فاطْرَحُوهُ، وكُلُوا سمنَكم» (¬3)، ولم يفصِّلْ. أما رواية: «إِذا كان جامداً، فألقوها وما حولها، وإِذا كان ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 304). (¬2) الدَّبَّة: الظَّرف الكبير للبَزْر والزَّيت، «القاموس المحيط»: مادة «دَبَّ» ..... (¬3) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب، رقم (5538)، وفي كتاب الوضوء: باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، رقم (235). وهذا لفظه من حديث ابن عباس.

وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله

مائعاً، فلا تقربوه» (¬1)، فضعيفة كما ذكر ذلك شيخ الإِسلام (¬2). 2 - أن الدُّهن لا تسري فيه النَّجاسة، سواء كان جامداً أم مائعاً، بخلاف الماء، فتنفذ فيه الأشياء. لكن إِنْ كانت النَّجاسة قويَّة وكثيرة، والسَّمن قليل، وأثَّرت فيه فهل يمكن تطهيره؟. قال بعض العلماء: لا يمكن؛ لأنَّ الأشياء لا تنفذ في الدُّهن (¬3)، فلو جئنا بماء، وصببناه فإِنه لا يدخل في الدُّهن، بل يبقى معزولاً. وقال آخرون: يمكن تطهيره بأن يُغلى بماء حتى تزول رائحةُ النَّجاسة وطعمُها بعد إِزالة عين النَّجاسة (817). وهذا القول يَنْبَنِي على ما سبق وهو أن النَّجاسة عين خبيثة متى زالت زال حُكْمُها. وإن خَفِي مَوْضِعُ نجاسةٍ غَسَل حَتَّى يَجْزِمَ بِزَوَالِهِ، ....... قوله: «وإِن خَفِيَ مَوْضِعُ نجاسةٍ غَسَل حَتَّى يَجْزِمَ بزَوالِهِ»، يعني: إذا أصابت النَّجاسة شيئاً، وخفي مكانها، وجب غسل ما أصابته حتى يتيقَّن زوالها. واعْلَم أنَّ ما أصابته النَّجاسة لا يخلو من أمرين: ¬

_ (¬1) رواه أحمد (2/ 232، 233)، وأبو داود، كتاب الأطعمة: باب في الفأرة تقع في السمن، رقم (3842). قال البخاري: «هو خطأ». قال أبو حاتم الرازي: «هو وَهْمٌ». قال الترمذي: «هو حديث غير محفوظ». انظر: «سنن الترمذي» رقم (1798)، «العلل» لابن أبي حاتم رقم (1507). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 490، 516). (¬3) انظر: «المغني» (1/ 53، 54)، «الإنصاف» (2/ 304، 305) .....

إِما أن يكون ضيِّقاً، وإِمَّا أن يكون واسعاً. فإِن كان واسعاً فإِنه يتحرَّى، ويغسل ما غلب على ظنِّه أنَّ النَّجاسة أصابته، لأن غسْل جميع المكان الواسع فيه صُعوبة. وإِن كان ضيِّقاً، فإِنَّه يجب أن يَغسِل حتى يَجزِم بزوالها. مثال ذلك: أصابت النَّجاسة أَحَدَ كُمَّي الثَّوب، ولم تعرف أيَّ الكُمَّين أصابته، فيجب غسل الكُمَّين جميعاً، لأنه لا يجزم بزوالها إِلا بذلك. وكذا لو علمتَ أحدهما، ثم نسيتَ فيجب غسلهما جميعاً. .... وكلامه رحمه الله يدلُّ على أنه لا يجوز التَّحرِّي ولو أمكن؛ لأنه لا بُدَّ من الجزم واليقين. والصَّحيح: أنه يجوز التَّحرِّي، لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الشَّكِّ في الصَّلاة: «فليتحرَّ الصَّواب، ثم ليتمَّ عليه» (¬1). وعليه؛ إِذا كان للتَّحرِّي مجال، فتتحرَّى أيَّ الكُمَّين أصابته النَّجاسة، ثم تغسله. مثال ذلك: لو مرَرْتَ بالنَّجاسة عن يمينك، وأصابك منها، ولا تدري في أيِّ الكُمَّين، فهنا الذي يغلب على الظَّن أنَّه الأيمن، فيجب عليك غسله دون الأيسر. أما إِذا لم يكن هناك مجال للتَّحرِّي، فتغسل الكُمَّين جميعاً؛ لأنك لا تجزم بزوال النَّجاسة إِلا بذلك، فالأحوال أربع: ¬

_ (¬1) تقدّم تخريجه، ص (62).

ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه

الأولى: أن تجزم بإِصابة النَّجاسة للموضعَين؛ فتغسِلهما جميعاً. الثانية: أن تجزم أنَّها أصابت أحدهما بعينه؛ فتغسِله وحده. الثالثة: أن يغلب على ظنِّك أنها أصابت أحدهما؛ فتغسله وحده على القول الرَّاجح. الرَّابعة: أن يكون الاحتمالان عندك سواء؛ فتغسلهما جميعاً. والمذهب: أن الثَّالثة كالرابعة؛ فتغسلهما جميعاً. ويَطْهُرُ بَوْلُ غلامٍ لم يأكُل الطَّعامَ بنضْحِه، ............. قوله: «ويَطْهُرُ بَولُ غلامٍ»، «بول»: خرج به الغائط. «غلام»: خرج به الجارية. قوله: «لم يأكُل الطَّعامَ بنضْحِه»، خرج من يأكل الطَّعامَ، أي: يتغذَّى به. والنَّضح: أن تُتْبِعَهُ الماء دون فَرْكٍ، أو عَصْرٍ حتى يشمله كلَّه، والدَّليل على ذلك: حديث عائشة (¬1) وأُمِّ قيس بنت محصن الأسديَّة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أُتِيَ بغلامٍ، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فأتْبَعَهُ بَولَه؛ ولم يغسِلْه (¬2). فإِن قيل: ما الحكمة أنَّ بَول الغلام الذي لم يَطْعَمْ يُنضح، ولا يُغسل كَبَول الجارية؟. ¬

_ (¬1) تقدّم تخريجه، ص (29). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب بول الصبيان، رقم (222)، ومسلم كتاب الطهارة: باب حكم بول الطفل الرضيع، وكيفية غسله، رقم (286)، واللفظ له من حديث أم قيس بنت محصن .....

ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس

أُجيب: أنَّ الحكمة أن السُّنَّة جاءت بذلك، وكفى بها حكمة، ولهذا لما سُئِلَت عائشة رضي الله عنها: ما بَالُ الحائض تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟ فقالت: «كان يُصيبنا ذلك على عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم فنُؤْمَر بقضاء الصَّوم، ولا نُؤْمَر بقضاء الصَّلاة» (¬1). ومع ذلك التمس بعض العلماء الحكمة في ذلك (¬2): فقال بعضهم: الحكمة في ذلك التيسير على المكلَّف، لأن العادة أن الذَّكر يُحْمَل كثيراً، ويُفرح به، ويُحَبُّ أكثر من الأُنثى، وبوله يخرج من ثقب ضيِّق، فإِذا بال انتشر، فمع كثرة حمله، ورشاش بوله يكون فيه مشقَّة؛ فخُفِّفَ فيه. وقالوا أيضاً: غذاؤه الذي هو اللبَن لطيف، ولهذا إذا كان يأكل الطَّعام فلا بُدَّ من غسل بوله، وقوَّته على تلطيف الغذاء أكبر من قوَّة الجارية. وظاهر كلام أصحابنا أن التفريق بين بول الغلام والجارية أَمْرٌ تعبُّدي (¬3). وغائط هذا الصبي كغيره لا بُدَّ فيه من الغَسْل. وبَول الجارية والغلام الذي يأكل الطَّعام كغيرهما، لا بُدَّ فيهما من الغَسْل. ويُعْفَى في غير مائعٍ ومَطْعُومٍ عن يسيرِ دمٍ نجسٍ .......... قوله: «ويُعْفَى في غير مائعٍ ومَطْعُومٍ عن يسيرِ دمٍ نجسٍ»، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (307). (¬2) انظر: «إعلام الموقعين» (2/ 59)، «تحفة المودود» ص (129). (¬3) انظر: «شرح منتهى الإرادات» (1/ 98).

العفو: التَّسامح والتَّيسير. والمائع: هو السَّائل، كالماء، واللَّبَن، والمرَق: والمطعوم: ما يُطعَم كالخبز، وما أشبه. فيُعفى في غير هذين النَّوعين كالثياب، والبدن، والفُرش، والأرض وما أشبه ذلك عن يسيرِ دمٍ نجس ... إلخ. أما المائع والمطعوم؛ فلا يُعفى عن يسيره فيهما، هذا هو المذهب، والرَّاجح: العفو عن يسيره فيهما كغيرهما ما لم يتغيَّر أحدُ أوصافهما بالدَّمِ. واختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في ميزان اليسير والكثير على قولين سبق بيانهما، والرَّاجح منهما (¬1) ..... قوله: «دم نجس»، عُلِمَ منه أن الدَّمَ الطَّاهر غير داخل في هذا؛ ويتبيَّن ذلك ببيان أقسام الدِّماء. فالدماء تنقسم إِلى ثلاثة أقسام: الأول: نجس لا يُعْفَى عن شيء منه، وهو الدَّمُ الخارج من السَّبيلَين، ودم محرَّم الأكل إِذا كان مما له نَفْسٌ سائلة كدم الفأرة والحمار، ودم الميْتة من حيوان لا يحلُّ إِلا بالذَّكاة. الثاني: نجس يُعْفَى عن يسيره، وهو دم الآدمي وكلُّ ما ميتته نجسة، ويُستثنى منه دَمُ الشَّهيد عليه، والمسك ووعاؤه، وما يبقى في الحيوان بعد خروج روحه بالذَّكاة الشَّرعيَّة؛ لأنَّه طاهر. الثالث: طاهر، وهو أنواع: 1 - دم السمك، لأن ميْتته طاهرة، وأصل تحريم الميتة من ¬

_ (¬1) في باب نواقض الوضوء، ص (271، 272) .....

أجل احتقان الدَّمِ فيها، ولهذا إِذا أُنهِرَ الدَّمُ بالذَّبْح صارت حلالاً. 2 - دم ما لا يسيل دمه؛ كدم البعوضة، والبقِّ، والذُّباب، ونحوها، فلو تلوَّث الثَّوب بشيء من ذلك فهو طاهر، لا يجب غَسْلُه (¬1). وربما يُستدَلُّ على ذلك ـ بأنَّ ميْتة هذا النوع من الحشَرات طاهرة ـ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا وَقَع الذُّبابُ في شرابِ أحدكم، فلْيَغْمِسْهُ، ثم لينزِعْهُ، فإِن في أحد جناحَيه داء، وفي الآخر شفاء» (¬2). ويلزم من غَمْسِه الموت إِذا كان الشَّراب حارًّا، أو دُهناً، ولو كانت ميْتته نجسة لتنجَّس بذلك الشَّراب، ولا سيَّما إِذا كان الإِناء صغيراً. 3 - الدَّمُ الذي يبقى في المذكَّاة بعد تذكِيَتِها، كالدَّمِ الذي يكون في العُروق، والقلب، والطِّحال، والكَبِد، فهذا طاهر سواء كان قليلاً، أم كثيراً. 4 - دَمُ الشَّهيد عليه طاهر، ولهذا لم يأمُر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، بغَسْل الشُّهداء من دمائهم (¬3)، إِذ لو كان نجساً لأمر النبيُّ بغسله. وهل هو طاهر لأنَّه دم شهيد، وهذا ما ذهب إليه الجمهور (¬4)، أم أنَّه طاهر لأنه دم آدمي؟. ¬

_ (¬1) انظر: «نيل الأوطار» (1/ 77). (¬2) تقدم تخريجه، ص (95). (¬3) تقدم تخريجه، ص (150). (¬4) انظر: «أحكام القرآن» للقرطبي (2/ 221)، «الفروع» (1/ 252، 253) .....

. فعلى رأي الجمهور: لو انفصل عن الشَّهيد لكان نجساً. وعلى الرأي الثَّاني: هو طاهر؛ لأنَّه دم آدمي. والقول بأن دم الآدمي طاهر ما لم يخرج من السَّبيلَين قول قويٌّ، والدَّليل على ذلك ما يلي. 1 - أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة حتى يقوم دليل النَّجاسة، ولا نعلم أنَّه صلّى الله عليه وسلّم أمَر بغسل الدَّمِ إِلا دم الحيض، مع كثرة ما يصيب الإِنسان من جروح، ورعاف، وحجامة، وغير ذلك، فلو كان نجساً لبيَّنه صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك. 2 - أنَّ المسلمين ما زالوا يُصلُّون في جراحاتهم في القتال، وقد يسيل منهم الدَّمُ الكثير، الذي ليس محلاًّ للعفو، ولم يرد عنه صلّى الله عليه وسلّم الأمرُ بغسله، ولم يَرِدْ أنهم كانوا يتحرَّزون عنه تحرُّزاً شديداً؛ بحيث يحاولون التخلِّي عن ثيابهم التي أصابها الدَّم متى وجدوا غيرها. ولا يُقال: إِن الصَّحابة رضي الله عنهم كان أكثرهم فقيراً، وقد لا يكون له من الثياب إِلا ما كان عليه، ولا سيَّما أنهم في الحروب يخرجون عن بلادهم فيكون بقاء الثِّياب عليهم للضَّرورة. فيُقال: لو كان كذلك لعلمنا منهم المبادرة إِلى غسله متى وجدوا إِلى ذلك سبيلاً بالوصول إِلى الماء، أو البلد، وما أشبه ذلك. 3 - أنَّ أجزاء الآدميِّ طاهرة، فلو قُطِعَت يده لكانت طاهرة مع أنَّها تحمل دماً؛ ورُبَّما يكون كثيراً، فإِذا كان الجزء من الآدمي الذي يُعتبر رُكناً في بُنْيَة البَدَن طاهراً، فالدَّم الذي ينفصل منه ويخلفه غيره من باب أولى.

4 - أنَّ الآدمي ميْتَته طاهرة، والسَّمك ميْتته طاهرة، وعُلّل ذلك بأن دم السَّمك طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، فكذا يُقال: إِن دم الآدمي طاهر، لأن ميتته طاهرة. فإِن قيل: هذا القياس يُقابل بقياس آخر، وهو أنَّ الخارجَ من الإِنسان من بولٍ وغائطٍ نجسٌ، فليكن الدَّم نجساً ......... فيُجاب: بأن هناك فرقاً بين البول والغائط وبين الدَّمِ؛ لأنَّ البول والغائط نجس خبيث ذو رائحة منتنة تنفر منه الطِّباع، وأنتم لا تقولون بقياس الدَّم عليه، إِذ الدَّم يُعْفَى عن يسيره بخلاف البول والغائط فلا يُعْفَى عن يسيرهما، فلا يُلحق أحدُهما بالآخر. فإِن قيل: ألا يُقاس على دَمِ الحيض، ودم الحيض نجس، بدليل أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ المرأة أن تَحُتَّه، ثم تقرُصَه بالماء، ثم تَنْضِحَه، ثم تُصلِّي فيه (¬1)؟. فالجواب: أن بينهما فرقاً: أ- أن دم الحيض دم طبيعة وجِبِلَّة للنساء، قال صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ هذا شيءٌ كتبه اللَّهُ على بنات آدم» (¬2)، فَبَيَّنَ أنه مكتوب كتابة قَدريَّة كونيَّة، وقال صلّى الله عليه وسلّم في الاستحاضة: «إِنَّه دَمُ عِرْقٍ» (¬3) ففرَّق بينهما. ب- أنَّ الحيضَ دم غليظ منتنٌ له رائحة مستكرهة، فيُشبه البول والغائط، فلا يصحُّ قياس الدَّم الخارج من غير السَبيلَين على الدَّم الخارج من السَّبيلَين، وهو دم الحيض والنِّفاس والاستحاضة. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (29). (¬2) تقدم تخريجه، ص (328). (¬3) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب عرق الاستحاضة، رقم (327)، ومسلم، كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم (333) من حديث عائشة.

من حيوان طاهر

فالذي يقول بطهارة دم الآدمي قوله قويٌّ جداً؛ لأنَّ النَّصَّ والقياس يدُلاّن عليه. والذين قالوا بالنَّجاسة مع العفو عن يسيره حكموا بحكمين: أ- النَّجاسة. ب- العفو عن اليسير. وكُلٌّ من هذين الحُكْمَين يحتاج إِلى دليل، فنقول: أثبتوا أولاً نجاسة الدَّمِ، ثم أثبتوا أنَّ اليسير معفوٌّ عنه، لأنَّ الأصل أنَّ النَّجس لا يُعْفَى عن شيء منه، لكن من قال بالطَّهارة، لا يحتاج إِلا إِلى دليل واحد فقط، وهو طهارة الدَّم وقد سبق (¬1). فإِن قيل: إِنَّ فاطمة رضي الله عنها كانت تغسل الدَّمَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوة أُحُد (¬2)، وهذا يدلُّ على النَّجاسة. أُجيب من وجهين: أحدهما: أنَّه مجرَّد فِعْل، والفعل المجرَّد لا يدلُّ على الوجوب. ........ الثاني: أنه يُحتَمَل أنَّه من أجل النَّظافة؛ لإِزالة الدَّم عن الوجه، لأنَّ الإِنسان لا يرضى أن يكون في وجهه دم، ولو كان يسيراً، فهذا الاحتمال يبطل الاستدلال. من حيوانٍ طاهرٍ ............ قوله: «من حيوانٍ طاهرٍ»، الحيوانات قسمان: طاهر، ونجس. فالطَّاهر: 1 - كلُّ حيوان حلال كبهيمة الأنعام، والخَيل، والظِّباء، والأرانب ونحوها. ¬

_ (¬1) انظر: ص (441، 442). (¬2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير: باب لبس البيضة، رقم (2911)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير: باب غزوة أُحد، رقم (1790) من حديث سهل بن سعد .........

وعن أثر استجمار بمحله،

2 - كلُّ ما ليس له دم سائل فهو طاهر في الحياة، وبعد الموت، وسبق أن الدَّمَ من هذا الجنس طاهر (¬1). والنَّجس: كل حيوان محرَّم الأكل؛ إِلا الهِرَّة وما دونها في الخِلْقة فطاهر على المذهب؛ لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أنَّه قُدِّمَ إِليه ماء ليتوضَّأ به، فإِذا بِهرَّة فأصغى لها الإِناء حتى شربت، ثم قال: إِن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال في الهِرَّة: «إِنها ليست بِنَجَسٍ، إِنَّها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات» (¬2). وسواء كان ما دون الهرة من الطوَّافين، أم لم يكن من الطَّوَّافين، حتى ولو كان لا يوجد في البيوت أبداً. ولكن ظاهر الحديث: أن طهارتها لمشَقَّة التَّحرُّز منها؛ لكونها من الطوَّافين علينا؛ فيكثر تردُّدها علينا، فلو كانت نجسة؛ لَشقَّ ذلك على النَّاس. وعلى هذا يكون مناطُ الحُكْمِ التَّطْوَافُ الذي تحصُل به المشقَّة بالتَّحرُّز منها، فكل ما شقَّ التَّحرُّز منه فهو طاهر. فعلى هذا؛ البغل والحمار طاهران، وهذ هو القول الرَّاجح الذي اختاره كثير من العلماء (¬3). وعَنْ أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه، ........ قوله: «وعَنْ أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه»، أي: يُعفى عن أثر استجمار بمحلِّه. والمراد: الاستجمار الشَّرعي، الذي تَمَّت شروطُه، وقد ¬

_ (¬1) انظر: ص (440). (¬2) تقدم تخريجه: ص (90). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 520)، «المغني» (1/ 68)، «الإنصاف» (2/ 354).

سبق ذلك في باب الاستنجاء (¬1). فإِذا تَمَّتْ شروطُه، فإِنَّ الأثر الباقي بعد هذا الاستجمار يُعْفَى عنه في محلِّه، ولا يطهُر المحلُّ بالكُليَّة إِلا بالماء. .... والدَّليل على هذا: أنه ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الاقتصار على الاستجمار (¬2) في التَّنَزُّه من البول والغائط. وعليه؛ فإِذا صلَّى الإِنسان وهو مستجمِر؛ لكنه قد توضَّأ؛ فصَلاته صحيحة، ولا يُقال: إِن فيه أثر النَّجاسة، لأن هذا الأثر معفوٌّ عنه في محلِّه. ولو صلَّى حاملاً من استجمَر استجماراً شرعيًّا لعُفِيَ عنه أيضاً. وعُلِم من قوله: «بمحلِّه» أنه لو تجاوز محلَّه لم يُعْفَ عنه، كما لو عَرِقَ وسال العَرَقُ، وتجاوز المحلَّ، وصار على سراويله أو ثوبه، أو صفحتي الدُّبر، فإِنه لا يُعْفَى عنه حينئذ، لأنه تعدَّى محلَّه. وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنَّ الاستجمار لا يُطَهِّر، وأن أثره نجس، لكن يُعْفَى عنه في محلِّه. والصَّحيح: أنه إِذا تَمَّتْ شروط الاستجمار، فإِنه مطَهِّر. والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في العظم والرَّوث: «إِنَّهما لا يُطَهِّران» (¬3)، وإِسناده جيد. ¬

_ (¬1) انظر: ص (129 ـ 136). (¬2) تقدم تخريجه، ص (130 ـ 131). (¬3) تقدم تخريجه، ص (133).

فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يُطَهِّران»، يدلُّ على أن الاستجمار بما عداهما ـ مما يباح به الاستجمار ـ يُطهِّر. وبناءً على هذا القول ـ الذي هو الرَّاجح ـ لو تعدَّى محلَّه، وعَرِقَ في سراويله فإِنه لا يكون نجساً، لأنَّ الاستجمار مطهِّر، لكنَّه عُفي عن استعمال الماء تيسيراً على الأمة. فهذان اثنان مما يُعْفَى عنهما: 1 - يسير الدَّم النَّجس من حيوان طاهر. 2 - أثر الاستجمار بمحلِّه. وظاهر كلامه: أنه لا يُعفَى عن يسير شيء مما سواهما، فالقَيء مثلاً لا يُعْفَى عن يسيره، وكذلك البول، والرَّوث. وللعلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في هذه المسألة أقوال (¬1): القول الأول: أنَّه لا يُعفَى عن اليسير مطْلقاً. القول الثَّاني: المذهب على التَّفصيل السَّابق. القول الثَّالث: أنه يُعفَى عن يسير سائر النَّجاسات. ............ وهذا مذهب أبي حنيفة (¬2)، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيميَّة (¬3) ولا سيَّما ما يُبتلَى به النَّاس كثيراً كبعر الفأر، وروثه، وما أشبه ذلك، فإِنَّ المشقَّة في مراعاته، والتطهُّر منه حاصلة، والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 16 ـ 19)، «الإنصاف» (2/ 317 ـ 321). (¬2) انظر: «حاشية ابن عابدين» (1/ 316 ـ 325). (¬3) انظر: «الاختيارات» ص (26).

ولا ينجس الآدمي بالموت

وكذلك أصحاب الحيوانات التي يمارسونها كثيراً، كأهل الحمير مثلاً، فهؤلاء يشقُّ عليهم التحرُّز من كُلِّ شيء. والصَّحيح: ما ذهب إِليه أبو حنيفة، وشيخ الإِسلام، لأنَّنا إِذا حكمنا بأن هذه نجِسة، فإِمَّا أن نقول: إِنَّه لا يُعفَى عن يسيرها كالبول والغائط؛ كما قال بعض العلماء، وإِما أن نقول بالعَفْوِ عن يسير جميع النَّجاسات، ومن فرَّق فعليه الدَّليل. فإِن قيل: إِنَّ الدَّليلِ فِعْلُ الصَّحابة حيث كانوا يُصلُّون بثيابهم، وهي ملوَّثة بالدَّم من جراحاتهم. فنقول: إِنَّه دليل على ما هو أعظم من ذلك وهو طهارة الدَّمِ. ومن يسير النَّجاسات التي يُعْفَى عنها لمشَقَّةِ التَّحرُّز منه: يسير سَلَسِ البول لمن ابتُلي به، وتَحفَّظ تحفُّظاً كثيراً قدر استطاعته. ولا يَنجُسُ الآدمِيُّ بالمَوْتِ. قوله: «ولا يَنجُسُ الآدمِيُّ بالمَوْتِ»، الآدمي: مَنْ كان من بني آدم من مؤمن، وكافر، وذكر، وأنثى، وصغير، وكبير، فإِنه لا يَنْجُسُ بالموت. 1 - لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِن المؤمن لا يَنجُسَ» (¬1). 2 - قوله صلّى الله عليه وسلّم فيمن وَقَصَتْه ناقته: «اغسلوه بماءٍ وسِدْر» (¬2). 3 - قوله صلّى الله عليه وسلّم لمن غَسَّلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إِن رأيتنَّ ذلك» (¬3). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (25). (¬2) تقدم تخريجه، ص (151). (¬3) تقدم تخريجه، ص (309).

......... وهذا يدلُّ على أن بَدَنَ الميْت ليس بِنَجِس، لأنَّه لو كان نجساً لم يُفِد الغسل فيه شيئاً، فالكلب مثلاً لو غسَلْتَه ألف مرَّة لم يطهر؛ ولولا أن غسل بَدَنِ الميْت يؤثِّر فيه بالطَّهارة لكان الأمْرُ بغسله عبثاً. فإِن قيل: إِن هذا ظاهر في المؤمن أنَّه لا يَنْجُس، أما بالنسبة للمشرك فكيف يُقال: لا يَنْجُس، والله يقول: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]. فالجواب: أنَّ المراد بالنَّجاسة هنا النَّجاسة المعنويَّة؛ بدليل أنَّ الله تعالى أباح لنا أن نتزوَّج نساء أهل الكتاب، وأن نأكل طعامهم، مع أنَّ أيديهم تلامسه؛ والإِنسان يلامس زوجته إِذا كانت من أهل الكتاب، ولم يَرِدْ أَمْرٌ بالتَّطَهُّر مِنْهنَّ؛ وهذا هو القول الصَّحيح. وقال بعض العلماء: إن الكافر يَنجُس بالموت (¬1)، واستدلُّوا بما يلي: 1 - منطوق الآية السَّابقة. 2 - مفهوم الحديث السَّابق. 3 - أنه لا يُغَسَّل، وإِذا كان لا يُغَسَّل، فالعِلَّة فيه أنه نَجِسُ العين، وما كان نَجِس العين فإِن التَّغسيل لا يفيد فيه. ورُدَّ هذا: بأن المراد بالنَّجس في الآية النَّجاسة المعنويَّة؛ للأدلَّة التي استدلَّ بها من قال بطهارة بَدَنِ الكافر، وكذلك يُجاب عن مفهوم حديث: «إِن المؤمن لا يَنجُس». وأما عَدَم تغسيله: فلأن تغسيل الميت إِكرام؛ والكافر ليس محلًّا للإِكرام. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 338).

وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر

وما لا نَفْسَ له سائِلَةٌ مُتَولِّد مِنْ طَاهرٍ ....................... قوله: «وما لا نَفْسَ له سائِلَةٌ متَولِّد مِنْ طاهر»، الصَّواب في قوله: «متولِّد» من حيث الإِعراب أن يكون «متولداً» بالنَّصب لأنّه حال، ولهذا قدَّر في «الروض» مبتدأ ليستقيمَ الرَّفع فقال: «وهو متولِّد» (¬1). وقوله: «نَفْس»، أي: دم. وقوله: «سائلة»، أي: يسيل إِذا جُرِح، أو قُتِل. وقوله: «متولِّد من طاهر»، أي مخلوق من طاهر. فاشترط المؤلِّف رحمه الله شرطين: الأول: ألا يكون له نَفْس سائلة. ............ الثاني: أن يكون متولِّداً من طاهر، فهذا لا يَنْجُس بالموت، وكذلك لا يَنْجُس في الحياة من باب أَوْلَى. مثال ذلك: الصَّراصير، والخنفساء، والعقرب، والبَقُّ (صغار البعوض)، والبعوض، والجراد. فإِذا سَقَطَتْ خنفساء في ماء وماتت فيه، فلا يَنْجُس؛ لأنها طاهرة. وأما الوزغُ؛ فقد قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى: «إِنَّ له نَفْساً سائلة» (¬2)، وعلى هذا تكون ميتته نَجِسَة، والفأرة لها نَفْس سائلة، فإِذا ماتت فهي نَجِسَة. ومفهوم قوله: «متولِّد من طَاهرٍ»، أنَّه إِذا تولَّد من نَجِسٍ فهو نَجِسٌ، وهذا مبنيٌّ على أنَّ النَّجس لا يطهُر بالاستحالة. ¬

_ (¬1) انظر: «الروض المربع» (1/ 103). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 343، 344).

وبول ما يؤكل لحمه، وروثه،

وأمَّا على قول من يقول: بأنَّ النَّجس يطهر بالاستحالة (¬1)، فإِن ميتته طاهرة؛ وعليه فلا يشترط أن يكون متولِّداً من طاهر. فصراصير الكُنُفِ (المراحيض) ـ على المذهب ـ نجسة؛ لأنها متولِّدة من نجس، وعلى القول الثَّاني طاهرة (849). وبَوْلُ ما يُؤكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُه، .............................. قوله: «وبَوْلُ ما يُؤكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُه»، يعني: أنه طاهر. كالإِبل، والبقر، والغنم، والأرانب، وما شابه ذلك. والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 - أنه صلّى الله عليه وسلّم أمر العُرنيين أن يلحقوا إِبل الصَّدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها (¬2)، ولم يأمرهم بغسل الأواني، ولو كانت نجسة لم يأذن لهم بالشُّرْبِ، ولأَمَرَهُمْ بغسل الأواني منها. 2 - أنه صلّى الله عليه وسلّم أَذِنَ بالصَّلاة في مرابِضِ الغنم (¬3)، وهي لا تخلو من البول، والرَّوث. 3 - البراءة الأصلية، فمن ادَّعى النَّجاسة في أيِّ شيء فعليه الدَّليل، فالأصل الطَّهارة. فإِن قيل: ما الجواب عن حديث ابن عباس في قصَّة صاحب القَبْرَين، وفيه: «أما أحدهما فكان لا يستتر من البول» (¬4)، والبول عام سواء جعلنا «أل» للجنس، أو للاستغراق، فإِن ذلك يدُّل على نجاسة البول؟. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 299). (¬2) تقدّم تخريجه، ص (306). (¬3) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الوضوء من لحوم الإِبل، رقم (360)، من حديث جابر بن سمرة. (¬4) متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه، ص (133).

......... وكذلك ما الجواب عن نهي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عن الصَّلاة في مَعاطِنِ الإِبل، فإِن هذا يدلُّ على نجاستها أيضاً؟. فالجواب عن حديث ابن عباس أن قوله: «من البول»، أي بول نفسه. «فأل» للعهد الذِّهني، والدَّليل على ذلك أنَّه في بعض ألفاظ الحديث عند البخاري: «أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله» (¬1)، وهذا نَصٌّ صريح فَيُحْمَل الأوَّل عليه. وأما النَّهي عن الصَّلاة في معاطِن الإِبل، فالعِلَّة في النَّهي ليست هي النَّجاسة، ولو كانت العِلَّة النَّجاسة لم يكن هناك فرق بين الإِبل والغنم، ولكن العِلَّة شيء آخر. فقيل: إن هذا الحكم تعبُّدي، يعني: أنه غير معلوم العِلَّة (¬2). وقيل: يُخشَى أنه إِذا صلَّى في مباركها أن تَأْوي إِلى هذا المبرك وهو يصلِّي، فَتُشوِّش عليه صلاته لِكِبَر جسمها، بخلاف الغنم (¬3). وقيل: إنها خُلِقت من الشَّياطين (855) كما ورد بذلك الحديث (¬4). وليس المعنى أنَّ أصل مادَّتها ذلك، ولكن المعنى أنها خُلِقت من الشَّيطنة، وهذا كقوله تعالى: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]، وليس المعنى أن مادة الخَلْق من عجل، لكن هذه طبيعته، كما قال تعالى: {وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإِسراء: 11]. ¬

_ (¬1) تقدّم تخريجه، ص (133). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 41)، «شرح منتهى الإرادات» (1/ 155). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 320)، «فتح الباري» (1/ 527، 580). (¬4) تقدم تخريجه ص (301)، من حديث البراء بن عازب.

وكذا ورد وإِن كان ضعيفاً: «أن على ذروة كُلِّ بعير شيطاناً» (¬1)، فيكون مأوى الإِبل مأوى للشياطين، فهذا يشبه النهي عن الصلاة في الحمَّام؛ لأن الحمَّام مأوى الشياطين. فإن قيل: إِن النبي صلّى الله عليه وسلّم أباح شرب أبوال الإِبل للضَّرورة، والضَّرورات تُبيح المحظورات؟. فالجواب من وجوه: الأول: أن الله لم يجعل شفاء هذه الأُمَّة فيما حَرَّم عليها (¬2). ¬

_ (¬1) ن حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة به مرفوعاً. قال البوصيري: «رواه مسدد ورجاله ثقات. وعبد الرحمن بن أبي عميرة مختلف في صحبته». «مختصر إِتحاف السادة المهرة» رقم (2858). قلت: عبد الرحمن بن أبي عميرة أثبت له الصحبة أبو حاتم والبخاري وابن سعد وابن السكن وابن حبان وابن حجر وغيرهم. انظر «الإصابة» (4/ 287) ط/دار الكتب، «التقريب» ص (593، 1254) ط/دار العاصمة. وله شاهد من حديث أبي لاس الخزاعي رواه أحمد (4/ 221)، والطبراني في «الكبير» (22/رقم 837، 838) والحاكم (1/ 144) وضعّف ابن حجر والبوصيري سنده؛ لأن فيه ابن إسحاق: مدلس ولم يصرح بالتحديث، «الفتح»، شرح ترجمة حديث رقم (1468)، «مختصر إتحاف السادة المهرة» رقم (2859). قال الهيثمي: «رواه أحمد والطبراني بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح، غير محمد بن إسحاق وقد صرّح بالسماع»، المجمع (10/ 131). قلت: ابن إسحاق قد صرَّح بالتحديث عند أحمد والطبراني في «الكبير» (22/ رقم 838). (¬2) لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم»، رواه أحمد في «الأشربة» رقم (159)، والطبراني (23/ رقم 749)، وابن حبان رقم (1391) من حديث أم سلمة. وفيه حسان بن مخارق لم يوثقه إلا ابن حبان. ورواه البخاري، كتاب الأشربة: باب شراب الحلوى والعسل، رقم (5614) موقوفاً على عبد الله بن مسعود تعليقاً بصيغة الجزم.

ومنيه، ومني الآدمي،

الثاني: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يأمرهم بِغَسْل الأواني بعد الانتهاء من استعمالها، إِذ لا ضرورة لبقاء النَّجاسة فيها. ........ الثالث: القاعدة العامة: «لا ضرورة في دواء». ووجه ذلك: أن الإِنسان قد يُشفَى بدونه، وقد لا يُشفَى به. ومَنِيّه، ومنيّ الآدَميّ، ............ قوله: «ومَنِيّه»، أي: منيُّ ما يُؤكل لحمه، أي: طاهر. وعُلم من كلامه أن له مَنِيّاً، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45]. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]. وإذا كان بَوْلُه، ورَوْثه طاهرين، فمَنِيُّه من باب أَولَى، ولأنَّ المنِيَّ أصلُ هذا الحيوان الطَّاهر فكان طاهراً. قوله: «ومنيُّ الآدمَيّ»، أي: طاهر. والمنِيُّ: هو الذي يَخْرج من الإِنسان بالشَّهْوة، وهو ماء غليظ، وَصَفَهُ الله تعالى بقوله: {أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ *} [المرسلات]، أي: غليظ لا يسيل من غلظه، بخلاف الماء الذي يسيل، فهو ماء ليس بِمَهين، بل مُتَحرِّك، وهذا الماء خُلِقَ مِنْه بنو آدم عليه السلام، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *} [المؤمنون]. فَمِن هذا الماء خُلِق الأنبياء، والأولياء، والصِّدِّيقون،

والشُّهداء، والصَّالحون، ولنا في تقرير طهارته ثلاث طُرُق: 1 - أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة، فَمَن ادَّعى نجاسة شيء فَعَلَيْه الدَّليل. 2 - أن عائشة رضي الله عنها كانت تَفرُك اليابس من مَنِيِّ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، وتَغْسِل الرَّطب منه (¬2)، ولو كان نَجِساً ما اكتفت فيه بالفَرْكِ، فقد قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ في دَمِ الحيض يُصيب الثَّوب، قال: «تَحُتُّه، ثمَّ تَقْرُصُه بالماء، ثمَّ تَنْضِحُه، ثمَّ تصلِّي فيه» (¬3). فلا بُدَّ من الغَسْل بعد الحتِّ، ولو كان المنيُّ نجساً كان لا بُدَّ من غَسْله، ولم يُجْزِئ فَرْكُ يابِسِه كدَمِ الحيض. 3 - أن هذا الماء أصل عِبَاد الله المخلصين من النَّبيين، والصِّدِّيقين، والشُّهداء، والصَّالحين، وتأبى حكمة الله تعالى، أن يكون أصل هؤلاء البَررة نَجِساً. ومرَّ رجل بعالمين يتناظران، فقال: ما شأنكما؟ قال: أحاول أن أجعل أَصْلَه طاهراً، وهو يحاول أن يجعل أصْلَه نجِساً؛ لأن أحدهما يرى طهارة المنيِّ، والآخر يرى نجاسته. وقد عَقَد ابنُ القيم رحمه الله في كتابه «بَدائعُ الفَوائدِ» (¬4) ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الطهارة: باب حكم المني، رقم (288). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة، رقم (229، 230). وباب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره، رقم (231، 232)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب حكم المني، رقم (289). (¬3) تقدّم تخريجه ص (29). (¬4) انظر: «بدائع الفوائد» (3/ 119 ـ 126).

مناظرة بين رَجُلَين أحدهما يرى طهارة المنيِّ، والآخر يرى نجاسته، وهي مناظرة مفيدة لطالب العلم. فإن قيل: لماذا لا يُقال: بأنه نجس كفَضَلات بني آدم من بول، وغائط؟. فالجواب: 1 - أنه ليس جميع فضلات بني آدم نجسة، فَرِيقُهُ، ومخاطه، وعَرَقُه كلُّه طاهر. .... 2 - أنَّ هناك فَرْقاً بين البول، والغائط، والمنيِّ. فالبول والغائط فَضْلَةُ الطَّعام والشَّراب، وله رائحة كريهة مستخْبَثَة في مشامِّ الناس ومناظِرِهم، فكان نجساً، أما المنيُّ فبالعكس فهو خلاصة الطَّعام والشَّراب، فالطَّعام والشَّراب يتحوَّل أولاً إِلى دَمٍ، وهذا الدَّم يسقي الله تعالى به الجسم، ولهذا يمرّ على الجسم كلِّه، ثم عند حدوث الشَّهوة يتحوَّل إِلى هذا الماء الذي يُخلَق منه الآدميُّ، فالفرق بين الفضْلَتَين من حيثُ الحقيقةُ واضح جدًّا، فلا يمكن أن نُلحِق إِحداهما بالأخرى في الحكْم، هذه فضلة طيِّبَة طاهرة خلاصة، وهذه خبيثة مُنْتِنَة مكْروهة. وقوله: «ومنيّ الآدمِيِّ» مفهومه أنَّ منيَّ غير الآدميِّ نجس، ولكن هذا المفهوم لا عموم له، أي: أنه لا يخالف المنطوق في جميع الصُّور، لأنه يصدق بالمخالفة في صورة واحدة من الصُّور، وإِن كان في الباقي موافقاً، وعلى هذا فمنيُّ غير الآدميّ إِن كان من حيوان طاهر البول والرَّوث فهو طاهر، وإِن كان من حيوان نجس البول والرَّوث فهو نجس.

ورطوبة فرج المرأة

والدَّليل على ذلك: أنَّ بوله وروثه نجس، فكذا مَنِيُّه؛ لأنَّ الكُلَّ فضلة. فإن قيل: الآدميُّ بوله وروثه نجس، فليكن منيُّه نجساً؟. فالجواب: أنَّه قام الدَّليل على طهارة مَنِيِّ الآدميِّ بخلاف غيره، وقال بعض العُلماء: ما كان طاهراً في الحياة فمنيُّه طاهر (¬1)، ولا يصحّ قياس المنيِّ على البول والرَّوث، بل هو من جنس العَرَقِ، والرِّيق، وما أشبه ذلك. ورُطُوبَةُ فرجِ المرْأَةِ، ....................................... قوله: «وَرُطُوبَةُ فرجِ المرْأَةِ»، أي: طاهرة. واخْتُلِفَ في هذه المسألة. فقال بعض العلماء: إنها نجسة (¬2)، وتُنَجِّسُ الثِّياب إِذا أصابتها، وعلَّلُوا: بأن جميع ما خرج من السَّبيل، فالأصل فيه النَّجاسة إِلا ما قام الدَّليل على طهارته. .... وفي هذا القول من الحرج والمشقَّة ما لا يعلمه إِلا الله تعالى، خصوصاً مَنِ ابتُلِيَتْ به من النِّساء؛ لأنَّ هذه الرُّطوبة ليست عامَّة لكُلِّ امرأة، فبعض النِّساء عندها رطوبة بالغة تخرج وتسيل، وبعض النِّساء تكون عندها في أيام الحمل، ولا سيَّما في الشُّهور الأخيرة منه، وبعض النساء لا تكون عندها أبداً. وقال بعض العلماء: إِنها طاهرة، وهو المذهب (864). وعلَّلوا: بأن الرَّجل يُجامع أهله، ولا شَكَّ أنَّ هذه الرُّطوبة ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 346، 347). (¬2) انظر: «الإِنصاف» (2/ 353) .....

سوف تَعْلَق به، ومع ذلك لا يجب عليه أن يغسلَ ذكره، وهذا كالمُجمع عليه في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إِلى يومنا هذا عند النَّاس، ولا يُقالُ بأنها نجسة ويُعفى عنها؛ لأنَّنا إِذا قلنا ذلك احتجنا إِلى دليل على ذلك. فإِن قيل: إِن الدَّليل المشقَّة، وربما يكون ذلك، وتكون هي نجسة، ولكن للمشقَّة من التحرُّز عنها يُعْفَى عن يسيرها كالدَّم، وشبهه مما يَشُقُّ التحرُّز منه. ولكنَّ الصَّوابَ الأوَّلُ، وهو أنها طاهرة، ولبيان ذلك نقول: إِن الفرجَ له مجريان: الأولُ: مجرى مسلك الذَّكر، وهذا يتَّصل بالرَّحم، ولا علاقة له بمجاري البول ولا بالمثانة، ويخرج من أسفل مجرى البول. الثَّاني: مجرى البول، وهذا يَتَّصِلُ بالمثانة ويخرج من أعلى الفرج. فإِذا كانت هذه الرُّطوبةُ ناتجةً عن استرخاء المثانة وخرجت من مجرى البول، فهي نجسةٌ، وحكمها حكم سلس البول. وإِذا كانت من مسلك الذَّكر فهي طاهرة، لأنها ليست من فضلات الطعام والشراب، فليست بولاً، والأصل عدم النَّجاسة حتى يقومَ الدليل على ذلك، ولأنَّه لا يلزمه إِذا جامع أهله أن يغسل ذكره ولا ثيابه إِذا تلوَّثت به، ولو كانت نجسة للزم من ذلك أن ينْجُسَ المنيُّ، لأنَّه يتلوَّث بها. وهل تنقض هذه الرُّطوبةُ الوُضُوءَ؟. ....

وسؤر الهرة، وما دونها في الخلقة: طاهر

أما ما خرج من مسلك البول، فهو ينقضُ الوُضُوء، لأنَّ الظَّاهر أنَّه من المثانة. وأما ما خرج من مسلك الذَّكر: فالجمهور: أنه ينقض الوُضُوء (¬1). وقال ابن حزم: لا ينقض الوُضُوء (¬2)، وقال: بأنه ليس بولاً ولا مذياً، ومن قال بالنَّقض فعليه الدَّليل، بل هو كالخارج من بقية البدن من الفضلات الأخرى. ولم يذكر بذلك قائلاً ممن سبقه. والقول بنقض الوُضُوء بها أحوط. فيُقال: إِن كانت مستمرَّة، فحكمها حكم سلس البول، أي: أن المرأة تتطهَّر للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها، وتتحفَّظُ ما استطاعت، وتُصلِّي ولا يضرُّها ما خرج. وإِن كانت تنقطع في وقت معيَّن قبل خروج الصَّلاة فيجب عليها أن تنتظرَ حتى يأتيَ الوقتُ الذي تنقطع فيه؛ لأنَّ هذا حكم سلس البول. فإن قال قائل: كيف تنقض الوُضُوء وهي طاهرة؟ فالجواب: أن لذلك نظيراً، وهو الرِّيح التي تخرج من الدُّبُر، تنقض الوُضُوء مع كونها طاهرة. وسُؤْرُ الهِرَّةِ، وما دُونَها في الخِلْقَةِ: طاهرٌ. قوله: «وسؤرُ الهِرَّة وما دونها في الخِلْقَة طاهر»، السُّؤر: ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 230)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 6). (¬2) انظر: «المحلَّى» (1/ 255).

بقيَّة الطَّعام والشَّراب، ومنه كلمة سائر؛ بمعنى الباقي. والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في الهِرَّة: «إِنَّها ليست بنجس، إِنَّها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات» (¬1). فحكم بأنها ليست بنجس، والطَّهارة والنَّجاسة نقيضان فيلزم منه أنها طاهرة؛ إِذ ليس بعد النجاسة إِلا الطَّهارة. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنها ليست بنجس، إِنها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات» (867). الطَّوَّافُ من يُكثر التَّرداد، ومنه الطَّوَاف بالبيت، لأنَّ الإِنسان يكثر الدَّوران عليه. وقوله: «وما دونها في الخِلْقَة طاهر». والدَّليل: القياس على الهِرَّة ..... والقياس: إِلحاق فرع بأصل في حكمٍ لِعِلَّة جامعة. وإِذا كانت العِلَّة في الهِرَّة هي التَّطواف وجب تعليق الحكم به؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يعلِّل بكونها صغيرة الجسم، ولو علَّل بذلك لقلنا به وجعلناه مَنَاط الحكم. فكون العِلَّة صغر الجسم غير صحيح؛ لأنه إِثبات علَّة لم يعلِّل بها الشَّارع، وإِلغاءٌ لِعِلَّة علَّل بها الشَّارع، فالعلَّة هي التَّطواف، وهي علَّةٌ معلومة المناسبة، وهي مشقَّة التَّحرُّز، فيجب أن يُعلَّق الحكم بها. وأيضاً: لو أردنا أن نقيس قياساً تامًّا؛ على تقدير كون العلَّة صغر الجسم، لوجب أن نقول: سؤر الهرَّة، ومثلها في ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (90).

وسباع البهائم والطير، والحمار الأهلي، والبغل منه: نجسة

الخلقة طاهر، لا أن نقول: وما دونها، لأن الفرع لا بُدَّ أن يكون مساوياً للأصل، ولا يظهر قياس ما دونها عليها قياساً أولوياً. وظاهر كلامه: أن ما كان قَدْرها من السِّباع التي لا تؤكل نجس. والرَّاجح: أن العِلَّة التي يجب أن تُتَّبع مَا علَّل به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وهي: أنَّها من الطَّوافين علينا. وعلى هذا: كلُّ ما يكثر التطواف على الناس؛ مما يشقُّ التَّحرُّز منه فحكمه كالهرَّة. لكن يُستثنى من ذلك ما استثناه الشَّارع، وهو الكلب، فهو كثير الطَّواف على النَّاس، ومع ذلك قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا ولغ الكلب في إِناء أحدكم، فليغسله سبعاً إِحداهن بالتُّراب» (¬1). وسِبَاعُ البهائِم والطَّيْرِ، والحمارُ الأَهْلِيُّ، والبَغْلُ منه: نَجِسَةٌ. قوله: «وسباع البهائم»، يعني: نجسة. وسباع البهائم: هي التي تأكل وتفترس كالذِّئبِ، والضَّبُعِ، والنَّمِر، والفَهْدِ، وابن آوى، وابن عُرس، وما أشبه ذلك مما هو أكبر من الهِرَّة. قوله: «والطير»، أي: وسباع الطَّير كالنسر، التي هي أكبر من الهرة. قوله: «والحمارُ الأهليُّ»، احترازاً من الحمار الوحشيِّ، لأن الوحشيَّ حلالُ الأكل فهو طاهر. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (416).

وأما الأهليُّ فهو محرَّمٌ نجِسٌ كما في حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر أبا طلحة رضي الله عنه أن يِناديَ يومَ خيبر: «إِنَّ الله وَرسولَه ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهليَّة، فإِنها رجس أو نجس» (¬1). قوله: «والبغل منه: نَجِسةٌ»، أي: من الحمار الأهليِّ، والبغل: دابَّة تتولَّد من الحمار إِذا نَزَا على الفرس. وتعليل ذلك: تغليب جانب الحظر؛ لأن هذا البغل خُلِقَ من الفرس والحمار الأهليِّ، على وجه لا يتميَّز به أحدهما عن الآخر؛ فلا يمكن اجتناب الحرام إِلا باجتناب الحلال. فإِن كان من حمار وحشيٍّ، كما لو نزا حمارٌ وحشيٌّ على فرس، فإِن هذا البغل طاهرٌ، لأن الوحشيَّ طاهرٌ، والفرسَ طاهرٌ، وما يتولَّدُ من الطاهر فهو طاهر. وإذا كانت هذه الأشياء نجسة، فإن آسارَها ـ أي بقية طعامها وشرابها ـ نجسة. فلو أن حماراً أهليًّا شرب من إِناء، وبقي بعد شربه شيء من الماء، فإِنه نجس على كلام المؤلِّف. وذهب كثيرٌ من أهل العلم إِلى أن آسار هذه البهائم طاهرةٌ إِذا كانت كثيرةَ الطَّواف علينا (¬2). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد: باب لحوم الحمر الإِنسية، رقم (5528)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح: باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، رقم (1940). (¬2) انظر: «المغني» (1/ 68)، «مجموع الفتاوى» (21/ 520، 621) ......................

وعلَّلوا: بأن هذا يشقُّ التَّحرُّز منه غالباً، فإِنَّ النَّاس في البادية تكون أوانيهم ظاهرةً مكشوفةً، فتأتي هذه السِّباعُ فتردُ عليها، وتشرب. فلو ألزمنا النَّاس بوجوب إراقة الماء، ووجوب غسل الإِناء بعدها لكان في ذلك مشقَّة. والأحاديثُ في ذلك فيها شيء من التَّعارض. فبعضها يدلُّ على النَّجاسة، وبعضها يدلُّ على الطَّهارة .... فممَّا وَرَدَ يدلُّ على الطَّهارة، حديث القُلَّتين الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ عن الماء، وما ينوبُه من السِّباع؟ فقال: «إِذا بلغ الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَث» (¬1)، ولم يقل بأن هذه طاهرة، بل جعل الحكم منوطاً بالماء، وأنه إِذا بلغ قُلَّتين لم يحمل الخبث، فدلَّ ذلك على أن ورود هذه السِّباع على الماء يجعله خبيثاً لولا أن الماء بلغ قلتين. وفيه أحاديث أخرى، وإن كان فيها ضعف، لكن لها عِدَّة طرق تدلُّ على أن آسار البهائم طاهرة، حيث سُئِلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غَبَرَ طَهور» (¬2)، وهذا يدلُّ على الطهارة. ويمكن الجمع بين الحديثين، فيُقالُ: إِن كان الماء كثيراً لا ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (40). (¬2) رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة: باب الحيض، رقم (519)، والطَّحاوي في «شرح المشكل» رقم (2647)، والدارقطني (1/ 31)، والبيهقي (1/ 258). قال الطحاوي بعد روايته: «ليس من الأحاديث التي يحتج بمثلها، لأنه إنما دار على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف». وضعفه كذلك البيهقي والبوصيري وغيرهما.

يتغيَّر بالشُّرب فلا بأس به، ويكون طَهوراً. وإِن كان يسيراً، وتغيَّر بسبب شربها منه؛ فإِنه نجس. وقال ابن قدامة رحمه الله: إِنَّ الحمار والبغل طاهران (¬1)؛ لأنَّ الأمة تركبهما، ولا يخلو ركوبهما من عَرَقٍ، ومن مطر ينزل، وقد تكون الثياب رطبة، أو البدن رطباً، ولم يأمر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أمَّته بالتحرُّز من ذلك. وهذا هو الصَّحيح. وعلى هذا فسؤرهما، وعرقهما، وريقهما، وما يخرج من أنفهما طاهر، وهذا يؤيِّد ما سبق أنْ ذكرناه في حديث أبي قتادة في الهِرَّة (¬2)، فإِن الحمار بلا شكٍّ من الطَّوافين علينا، ولا سيَّما أهل الحُمُر الذين اعتادوا ركوبها، فالتحرُّز منها شاقٌّ جدًّا. فإِن قيل: الكلاب أيضاً لمن له اقتناؤها كصاحب الزَّرع، والماشية والصَّيد، يكثر تطوافها عليهم؟ فالجواب: أنَّ الكلاب فيها نصٌّ أخرجها وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذا ولغ الكلب ... »، الحديث (¬3). وهذا يدلُّ على نجاسة سؤر الكلب، حتى وإِن كان من الطَّوَّافين ..... ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 68). (¬2) تقدم تخريجه، ص (90). (¬3) تقدم تخريجه، ص (416) .............

باب الحيض

بابُ الحَيْضِ هذا الباب من أصعب أبواب الفقه عند الفقهاء، وقد أطالوا فيه كثيراً. وفيما يبدو لنا أنَّه لا يحتاج إِلى هذا التَّطويل والتفريعات والقواعد التي أطال بها الفقهاء ـ رحمهم الله ـ والتي لم يكن كثيرٌ منها مأثوراً عن الصَّحابة رضي الله عنهم. فالمرأة إذا جاءها الحيض تركت الصَّلاة ونحوها، وإِذا طَهُرَتْ منه صلَّت، وإِذا تنكَّر عليها لم تجعله حيضاً. فقواعده في السُّنَّة يسيرة جدًّا، ولهذا كانت الأحاديث الواردة فيه غير كثيرة. ولكن بما أننا نقرأ كلام الفقهاء، فيجب علينا أن نعرف ما قاله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في هذا الباب، ثم نعرضه على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فما وافق الكتاب والسُّنَّة أخذناه، وما خالفهما تركناه، وقلنا: غفر الله لقائله. الحيض في اللُّغة: السَّيلان، يُقال: حَاضَ الوادي إِذا سال. وفي الشَّرع: دم طبيعة يصيب المرأة في أيام معلومة إِذا بلغت. خلقه الله تعالى لحكمة غذاء الولد، ولهذا لا تحيض الحامل في الغالب، لأن هذا الدَّم ـ بإِذن الله ـ ينصرف إِلى الجنين عن طريق السُّرَّة، ويتفرَّق في العروق ليتغذَّى به، إِذ إِنه لا يمكن أن يتغذَّى بالأكل والشُّرب في بطن أمه، لأنه لو تغذَّى بالأكل والشُّرب

لا حيض قبل تسع سنين

لاحتاج غذاؤه إلى الخروج. هكذا قال الفقهاء (¬1) رحمهم الله. والحيض دم طبيعة، ليس دماً طارئاً أو عارضاً، بل هو من طبيعة النساء لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كتبه اللَّهُ على بنات آدم» (¬2) أي كتبه قَدَراً، بخلاف الاستحاضة فهي دم طارئ عارض كما قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في الاستحاضة: «إِنها دَمُ عِرْق» (¬3). فإِذا عرف الإِنسان أنه مكتوب عليه وعلى غيره، فإِنَّه يهون عليه. والدِّماء التي تصيب المرأة أربعةٌ: الحيضُ، والنِّفاس، والاستحاضةُ، ودَمُ الفساد، ولكلٍّ منها تعريفٌ وأحكامٌ كما سيأتي إِن شاء الله تعالى. فالحيض دمُ طبيعةٍ كما سبق، وهل له حدٌّ في السِّنِّ، ابتداءً وانتهاءً، وكذا في الأيام؟. المعروف عند الفقهاء أنَّ له حدًّا. والصَّحيح: أنَّه ليس له حدٌّ. لاَ حَيْضَ قَبْلَ تسعِ سِنين، ............ قوله: «لا حَيضَ قبل تسع سنين»، أي: لا حيض شرعاً قبل ¬

_ (¬1) وقال أهل الطب: يستعدُّ جسمُ المرأة كلَّ شهر للحمل، فتتضخَّمُ بطانةُ جدار الرَّحم وتحتقنُ بالدَّم؛ استعداداً لتلقِّي البويضة الملقَّحة كي تُعشعش فيها، فإِذا لم يحدث التلقيح والحمل انكمشت البطانةُ المحتقنة بالدَّم وانسلخت، ثم تتساقط من الفرج. فيحدث ما يُعرف بالحيض. انظر: «القرار المكين» للدكتور: مأمون الشقفة ص (41 ـ 48). (¬2) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب الأمر بالنُّفساء إِذا نُفِسْنَ، رقم (294)، ومسلم، كتاب الحج، باب إحرام النفساء، رقم (1211) من حديث عائشة. (¬3) تقدم تخريجه، ص (442).

ولا بعد خمسين

تسع سنين، فإِن حاضت قبل تمام التِّسع فليس بحيض، حتى وإِن حاضت حيضاً بالعادة المعروفة، وبصفة الدَّم المعروف، فإنه ليس بحيض، بل هو دم عِرْق، ولا تثبت له أحكامُ الحيض. وقوله: «قبل تسع سنين» أي انتهاؤها، فإِذا حاضت من لها تسعٌ، فليس بحيض، وبعد التِّسع حيض. ومن المأثور عن الشَّافعي رحمه الله: أنه رأى جَدَّة لها إِحدى وعشرون سنة (¬1). ويُتصوَّر هذا بأن تحيض لتسع سنين، وتلد لعشر، وبنتها تحيض لتسع، وتلد لعشر، فهذه عشرون سَنَة، وسَنَة للحمل، فتضع مولوداً، فهذه إِحدى وعشرون سَنَة. ولا بَعْدَ خَمْسِينَ، .............. قوله: «ولا بعد خمسين»، أي ولا حيض بعد تمام خمسين سنة، فلو أنَّ امرأة استمرَّ بها الحيض على وتيرة وطبيعة واحدة بعد تمام الخمسين فليس بحيض. مثاله: امرأة تُتِمُّ خمسين سنة في شهر ربيع الأول، وفي شهر ربيع الثاني جاءها الحيض على عادتها، فعلى كلام المؤلِّف ليس بحيض، لأنَّه لا حيض بعد الخمسين. ولا فرق عندهم بين المرأة الأعجميَّة، ولا العربيَّة، ولا الصَّحيحة، ولا المريضة، ولا المرأة التي تأخَّر ابتداءُ حيضها، ولا التي تقدَّم. ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في «السنن» (1/ 319) وتعقَّبه ابن التركماني بقوله: «في سنده أحمد بن طاهر بن حرملة، قال الدارقطني: كذَّاب، وقال ابن عدي: حدَّث عن جده عن الشافعي بحكايات بواطيل يطول ذكرها»، وهذه الحكاية من جملتها.

واستدلُّوا على ذلك: بأن هذا ليس معروفاً عادة، فالعادة الغالبةُ ألا تحيض قبل تمام تسعِ سنين، ولا بعد خمسين سنة. والعادة والغالب لها أثرٌ في الشَّرع، فالرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم قال للمستحاضة: «امكُثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» (¬1)، فَرَدَّها إِلى العادة. وقال شيخُ الإِسلام (¬2)، وابنُ المنذر، وجماعةٌ من أهل العلم (¬3): إِنه لا صحَّة لهذا التَّحديد، وأن المرأة متى رأت الدَّم المعروف عند النِّساء أنه حيض؛ فهو حيض؛ صغيرةً كانت أم كبيرةً، والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 - عموم قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً} [البقرة: 222]، فقوله: {قُلْ هُوَ أَذىً} حكمٌ معلَّقٌ بِعلَّة، وهو الأذى، فإِذا وُجِدَ هذا الدَّمُ الذي هو الأذى ـ وليس دم العِرْق ـ فإِنَّه يُحكمُ بأنه حيضٌ. وصحيحٌ أن المرأة قد لا تحيضُ غالباً إلا بعد تمام تسع سنين، لكن النِّساء يختلفن، فالعادةُ خاضعةٌ لجنس النِّساء، وأيضاً للوراثة، فمن النساء من يبقى عليها الطُّهر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض لمدَّة شهر كامل، كأنه ـ والله أعلم ـ ينحبس، ثم يأتي جميعاً. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب الاستحاضة، رقم (306)، ومسلم، كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم (334)، من حديث عائشة. (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 237، 240)، «الاختيارات» ص (28). (¬3) انظر: «المغني» (1/ 389)، «المجموع شرح المهذَّب» (2/ 373).

ومن النِّساء من تحيض في الشهر ثلاثة أيام، أو أربعة، أو خمسة، أو عشرة. 2 - قوله تعالى: {وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، أي: عِدَّتهن ثلاثةُ أشهر، ولم يقل: واللائي قبل التسع أو بعد الخمسين، بل قال: واللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن، فالله سبحانه رَدَّ هذا الأمر إِلى معقول معلَّل، فوجب أن يثبت هذا الحكم بوجود هذه الأمور المعقولة المعلَّلة، وينتفي بانتفائها، والمرأة التي حاضت في آخر شهر من الخمسين، وأوَّل شهر من الحادية والخمسين غير آيسة، فهو حيضٌ مطَّردٌ بعدده وعدد الطُّهر بين الحيضات ولا اختلاف فيه، فمن يقول بأنَّ هذه آيسة؟!. والله علَّق نهاية الحيض باليأس، وتمام الخمسين لا يحصُل به اليأس إِذا كانت عادتُها مستمرَّةٌ، فتبيَّن أنَّ تحديد أوَّله بتسع سنين، وآخره بخمسين سَنَة لا دليل عليه. فالصَّواب: أنَّ الاعتماد إِنَّما هو على الأوصاف، فالحيض وُصِفَ بأنَّه أذى، فمتى وُجِدَ الدَّمُ الذي هو أذىً فهو حيض. فإِن قيل: هل جرت العادة أن يذكر القرآن السَّنوات بأعدادها؟. فالجواب: نعم، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15]، ولو كانت مدَّة الحيض معلومة بالسَّنوات لبيَّنه الله تعالى، لأنَّ التَّحديدَ بالخمسين أوضحُ من التحديد بالإِياس.

ولا مع حمل

ولا مع حَمْلٍ، ............ قوله: «ولا مع حَمْلٍ»، أي: لا حيض مع الحمل، أي حال كونها حاملاً. والدَّليل من القرآن، والحسِّ. أما القرآن: فقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، وقال تعالى: {وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، أي: عدتهن ثلاثة أشهر. وقال تعالى: {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فدلَّ هذا على أنَّ الحامل لا تحيض، إِذ لو حاضت، لكانت عِدَّتها ثلاث حِيَضٍ، وهذه عِدَّة المطلقة. وأما الحِسُّ: فلأَنَّ العادة جرت أنَّ الحامل لا تحيض، قال الإِمام أحمد رحمه الله: «إِنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدَّم» (¬1). وقال بعض العلماء: إِن الحامل قد تحيض إِذا كان ما يأتيها من الدَّم هو الحيض المعروف المعتاد (¬2). واستدلُّوا: بما أشرنا إِليه من أنَّ الحيض أذىً، فمتى وُجِدَ هذا الأذى ثبت حكمه. وأما إِلغاء الاعتداد بالحيض بالنسبة للحامل، فليس من أجل أنَّ ما يصيب المرأة من الدَّم ليس حيضاً، ولكن لأنَّ الحيض لا يصحُّ أن يكون عدةً مع الحمل، لأن الحمل يقضي على ما عداه ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 444). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 239)، «الإنصاف» (2/ 389).

وأقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما

من العِدد، إِذ يُسمَّى عند الفقهاء ـ رحمهم الله ـ «أمُّ العِدد» (¬1)، ولهذا لو مات عن امرأته، ووضعت بعد ثلاث ساعات أو أقلَّ من موته، فإِن العِدَّة تنقضي، بينما المُتوفَّى عنها زوجُها بلا حمل عِدَّتها أربعة أشهر وعشر، فلو حاضت الحامل المطلَّقة ثلاث حِيَضٍ مطَّردة كعادتها تماماً، فإِنَّ عدَّتها لا تنقضي بالحيض. ولذا كان طلاق الحامل جائزاً، ولو وطئها في الحال، لأنها تَشْرَعُ في العِدَّة من فور طلاقها، فليس لها عِدَّةُ حيضٍ، ويقع عليها الطَّلاق. فالرَّاجح: أن الحامل إِذا رأت الدَّم المطَّرد الذي يأتيها على وقته، وشهره؛ وحاله؛ فإِنه حيضٌ تترك من أجله الصَّلاة، والصَّوم، وغير ذلك، إِلا أنه يختلف عن الحيض في غير الحمل بأنه لا عِبْرَة به في العِدَّة، لأن الحمل أقوى منه. والحيض مع الحمل يجب التحفُّظ فيه، وهو أنَّ المرأة إِذا استمرت تحيضُ حيضَها المعتاد على سيرته التي كانت قبل الحمل فإِنَّنا نحكم بأنه حيض. أما لو انقطع عنها الدَّم، ثم عاد وهي حاملٌ، فإِنَّه ليس بحيضٍ. وأقَلُّهُ يومٌ وليلةٌ، وأَكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً، .......... قوله: «وأقلُّه يومٌ وليلة»، يعني: أقلَّ الحيض يومٌ وليلةٌ، والمراد أربعٌ وعشرون ساعة. هذا أنهى شيء في القلَّة، فلو أنها رأت الحيض لمدَّة عشرين ساعة وهو المعهود لها برائحته، ولَونه، ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (11/ 226، 227)، «إعلام الموقعين» (2/ 66).

وثخونته، فليس حيضاً، فما نَقَصَ عن اليوم والليلة، فليس بحيض. هذا المذهب. واستدلُّوا: بأن العادة لم تجرِ أن يوجد حيضٌ أقلُّ من يوم وليلة، فإِذا لم يوجد عادة، فليكن أقلُّه يوماً وليلة. وهذا ليس بدليل، لأن من النِّساء من لا تحيض أصلاً، ومنهن من تحيض ساعات ثم تطهر، فالصحيح: أنه لا حَدَّ لأقلِّه. قوله: «وأكثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً»، أي: أكثر الحيض، وهذا المذهب. واستدلُّوا: بالعادة، وهو أن العادة أن المرأة لا يزيد حيضها على خمسة عشر يوماً، ولأنَّ ما زاد على هذه المدَّة فقد استغرق أكثر الشهر، ولا يمكن أن يكون زمن الطُّهر أقلَّ من زمن الحيض. فإِذا كان سِتَّة عشر يوماً، كان الطُّهر أربعة عشر يوماً، ولا يمكن أن يكون الدَّم أكثر من الطُّهر، وعند العلماء أن الدَّم إِذا أطبق على المرأة وصار لا ينقطع عنها، فإِنها تكون مستحاضة، فأكثر الشَّهر يجعل له حُكْم الكُلِّ، ويكون الزَّائد على خمسة عشر يوماً استحاضة، فكلُّ امرأة زاد دمها على خمسة عشر يوماً يكون استحاضة. وإِذا سَأَلت المرأة عن دم أصابها لمدَّة عشرين ساعة، هل تقضي ما عليها من الصَّلاة التي تركتها في هذه المدَّة؟. فالجواب: عليها القضاء؛ لأنَّ هذا ليس بحيض، فهي قد جلست في زمن طُهْر.

وغالبه ست، أو سبع، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما

وإِذا سَأَلت عن دم زاد على خمسة عشر يوماً؟ فالجواب أن نقول: إِنك مستحاضة، فلا تجلسي هذه المدَّة، وما ليس بحيض مما هو دون اليوم والليلة، أو مع الحمل، فليس استحاضة، ولكن له حُكم الاستحاضة، ومن الفقهاء من يُطْلِق عليه بأنَّه دَمُ فساد (¬1). والصَّحيح في ذلك أيضاً: أنه لا حَدَّ لأكثره؛ فمن النِّساء من تكون لها عادة مستقرَّة سبعة عشر يوماً؛ أو ستة عشر يوماً، فما الذي يجعل الدَّم الذي قبل الغروب من اليوم الخامس عشر حيضاً، والدَّم الذي بعد الغروب بدقيقة واحدة استحاضة مع أن طبيعته ولونه وغزارته واحدة، فكيف يقال: إِنه بمضيِّ دقيقة أو دقيقتين تحوَّل الدَّم من حيض إِلى استحاضة بدون دليل. ولو وُجِدَ دليل على ما قالوا لسَلَّمنا. فإِذا كان لها عادة مستمرَّة مستقرَّة سبعة عشر يوماً ـ مثلاً ـ قلنا: هذا كله حيض. أما لو استمرَّ الدَّم معها كُلَّ الشَّهر؛ أو انقطع مدَّة يسيرة كاليوم واليومين، أو كان متقطِّعاً يأتي ساعات، وتطهُر ساعات في الشَّهر كلِّه، فهي مستحاضة؛ وحينئذ نعاملها معاملة المستحاضة كما سيأتي إِن شاء الله تعالى (¬2). وغَالِبُهُ ستٌّ، أو سَبْعٌ، وأَقَلُّ الطُّهرِ بين الحَيضَتَيْن ثَلاثَة عَشَرَ يوماً ............ قوله: «وغَالِبُهُ ستٌّ، أو سَبْعٌ»، أي غالب الحيض ستُّ ليال أو سبع. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 631، 632). (¬2) انظر ص (486).

وهذا صحيح؛ لثبوت السُّنَّة به؛ حيثُ قال صلّى الله عليه وسلّم للمستحاضة: «فَتَحيَّضِي ستَّة أيَّامٍ، أو سبعة أيَّام في علم الله، ثم اغتسلي» (¬1). وهذا أيضاً هو الواقع، فإِنه عند غالب النساء يكون ستًّا، أو سبعاً. قوله: «وأَقَلُّ الطُّهرِ بين الحَيْضَتَين ثَلاثَة عشَرَ يوماً»، وكذا لو أتاها بعد عشرة أيام بعد طُهْرِها، فليس بحيض، فما تراه قبل ثلاثة عشر يوماً ليس بحيض، لكن له حُكْم الاستحاضة. والدَّليل على ذلك: ما رُويَ عن عليِّ رضي الله عنه أن امرأة جاءت، وقالت: إِنها انْقَضَت عدَّتُها في شهر، فقال علي لشُرَيحٍ: «اقْضِ فيها»، فقال: «إِن جاءت ببيِّنة من بطانة أهلها ممن يُعرف دينه وخلقه فهي مقبولة، وإِلا فلا. قال علي: «قالون» أي جيِّد بالرُّومية (¬2). ¬

_ (¬1) رواه أحمد (6/ 439)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب من قال إِذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة: رقم (287)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين، رقم (128) وغيرهم. والحديث وهّنه أبو حاتم الرازي، وقال الدارقطني: «تفرَّد به ابنُ عقيل، وليس بقويٍّ»، ونحوه قال البيهقي. قلت: عبد الله بن محمد بن عقيل، قال عنه البخاري: «مقارب الحديث». قال الذهبي: «حسن الحديث؛ احتجَّ به أحمد وإسحاق»، «المغني» له (1/رقم3337). قال ابن حجر: «صدوق في حديثه لين، ويُقال تغيَّر بأخَرَة» «تقريب» (542). وصحَّح الحديث: أحمد بن حنبل، والترمذي، والنووي، وحسَّنه البخاري. انظر: «علل الترمذي الكبير» (1/ 187)، «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 51) رقم (123)، «الخلاصة» رقم (632)، «التلخيص» رقم (224). (¬2) رواه البخاري معلَّقاً بصيغة التمريض، كتاب الحيض: باب إِذا حاضت في شهر ثلاث حيض. قال ابن حجر: وصله الدارمي ورجاله ثقات. انظر: «سُنن الدارمي» رقم (854)، «الفتح» شرح ترجمة حديث رقم (325).

لأنَّه إِذا كان لها شهر، وادَّعَتْ انتهاء العِدَّة، فهذا بعيد، فاحتاجت إِلى بيِّنة. ويُتصوَّر أن تحيض ثلاث مرَّات خلال شهر كما يلي: تحيض يوماً وليلة، وتطهر ثلاثة عشر يوماً، فمضى من الشهر أربعة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، فبقي الآن أربعة عشر يوماً بالتأكيد، أو خمسة عشر يوماً، ثم طَهُرَتْ ثلاثة عشر يوماً، بقي الآن يوم أو يومان، ثم حاضت يوماً وليلة الحيضة الثالثة، فانتهت العِدَّة، وهذا نادر جدًّا. والمرأة إِذا ادَّعت انتهاء العِدَّة بالحيض، فإِن كان بزمن معتاد، قُبِلَ قولُها كما لو ادَّعت انتهاء عدَّة الطَّلاق بالحيض بشهرين ونصف، فيُقبَلُ قولُها بلا بينة، لأن الله جعل النِّساء مؤتمنات على عدَدهنَّ فقال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة: 228]. ولو ادَّعت مطلَّقةٌ انتهاء العِدَّة بعد ثمانية وعشرين يوماً؛ فهذه تُرَدُّ ولا تُسمَعُ دعواها؛ ولو كانت من أصدق النِّساء؛ لأنَّ هذا مستحيل، مادمنا قعَّدنا قواعد أنَّ أقلَّ الحيض يومٌ وليلةٌ، وأقلَّ الطُّهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، فلا يمكن أن تنقضي بثمانية وعشرين يوماً. ولو ادَّعت بعد مضيِّ شهر؛ أي: تسعة وعشرين يوماً إِلى ثلاثين انتهاء العِدَّة، فهذه تُسمَعُ دعواها، أي: يَلتفتُ القاضي لها

ولا حد لأكثره

وينظر في القضية، ولا يقبل قولَها إِلا ببيِّنَةٍ. والصَّحيح: أنه لا حدَّ لأقلِّ الطُّهر كما اختاره شيخ الإِسلام (¬1)، ومالَ إِليه صاحب «الإِنصاف»، وقال: «إِنه الصَّواب» (¬2). ولا حدَّ لأكثرِهِ، .......... قوله: «ولا حدَّ لأكثره»، أي: لا حدَّ لأكثر الطُّهر بين الحيضتين، لأنه وُجِدَ من النساء من لا تحيض أصلاً، وهذا صحيحٌ. وتَقْضي الحائِضُ الصَّوْمَ، لا الصَّلاةَ، ولا يَصِحَّان مِنْهَا، بل يَحْرُمَانِ، ............ قوله: «وتقضي الحائض الصَّوم، لا الصَّلاة»، استفدنا من هذه العبارة أربعةَ أحكام: الأول: أنَّها لا تصوم. الثاني: أنَّها لا تُصلِّي. الثَّالث: أنَّها تقضي الصوم. الرَّابع: أنَّها لا تقضي الصَّلاة. أما الأول والثَّاني، فاستفدناهما بدلالة الالتزام والإِشارة؛ لأنَّ من لازم قوله: «تقضي» أنها لم تفعل. وأما الثَّالث والرَّابع، فاستفدناهما من منطوق كلام المؤلِّف، والدِّلالة عليه من باب دَلالة المطابقة. والدَّليل عليه ما يلي: 1 - أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما سألته النِّساء: وما نُقصانُ ديننا وعقلنا ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 237، 240)، «الاختيارات» ص (28). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 396).

يا رسول الله؟ قال: « ... أليس إِذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟»، قُلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» (¬1). 2 - أن عائشة رضي الله عنها سُئِلتْ ما بَالُ الحائض تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة» (¬2). 3 - أن الإِجماع قائم على ذلك. فإِن قيل: ما الحكمة أنَّها تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟. قلنا: الحكمة قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كما سبق. واستنبط العلماء ـ رحمهم الله ـ لذلك حكمة، فقالوا: إِن الصَّوم لا يأتي في السَّنة إِلا مَرَّةً واحدة، والصَّلاة تتكرَّر كثيراً، فإِيجاب الصَّوم عليها أسهل، ولأنها لو لم تقضِ ما حصل لها صومٌ. وأمَّا الصَّلاة فتتكرَّر عليها كثيراً، فلو ألزمناها بقضائها لكان ذلك عليها شاقًّا. ولأنَّها لن تعدم الصَّلاة لتكرُّرِها، فإِذا لم تحصُل لها أوَّل الشَّهر حصلت لها آخره (¬3). قوله: «ولا يَصحَّان منها»، أي: لا يصحُّ منها صومٌ، ولا صلاةٌ. فلو أنها تذكَّرت فائتةً قبل حيضها، ثم قضتها حال الحيض ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب ترك الحائض للصوم رقم (304) واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان: باب بيان نقصان الإِيمان بنقص الطاعات، رقم (80)، وانظر رقم (79) من حديث أبي سعيد الخدري. (¬2) تقدم تخريجه ص (307). (¬3) انظر: «إعلام الموقعين» (2/ 60).

ويحرم وطؤها في الفرج، فإن فعل فعليه دينار، أو نصفه كفارة، ويستمتع منها بما دونه

لم تبرأ ذمَّتُها بذلك، وإِنّما مَثَّلتُ بالفائتة لأنَّها واجبةٌ عليها، أما الحاضرة فليست واجبةً عليها. وكذا لو قالت: أحبُّ الصَّوم مع النَّاس وأتحفَّظ حتى لا ينزل الدَّم، فصامت؛ فصومُها غيرُ صحيح للحديث السَّابق. قوله: «بل يحرمان»، أي: الصَّوم والصَّلاة. وتعليل ذلك: أنَّ كلَّ ما لا يصح فهو حرام. قال صلّى الله عليه وسلّم: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإِن كان مائة شرط» (¬1). ويَحْرُمُ وطؤُها في الفَرْج، فإِن فعل فعليه دينارٌ، أو نِصْفُهُ كفَّارةٌ، ويَسْتَمْتِعُ منها بما دُونَه .... قوله: «ويحرم وطؤها في الفرج»، أي يحرم وطء الحائض في فرجها. والحرام: ما نُهِيَ عنه على سبيل الإِلزام بالترك. وحكمه: يُثاب تاركُه امتثالاً، ويستحقُّ العقابَ فاعلُه. والدَّليل على تحريم وطء الحائض في الفَرْج: 1 - قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]. والمحيض: مكان وزمان الحيض، أي: في زمنه ومكانه وهو الفَرْج، فما دامت حائضاً فوطؤها في الفَرْج حرام. 2 - قوله صلّى الله عليه وسلّم لما نزلت هذه الآية: «اصنعوا كلَّ شيءٍ إِلا ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الشُّروط: باب الشرط في الولاء، رقم (2561، 2562)، ومسلم، كتاب العتق: باب إنما الولاء لمن أعتق، رقم (1504) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

النِّكاح» (¬1)، أي: إِلا الوَطء. قوله: «فإِن فعل»، أي: وَطئها في الفَرْج. قوله: «فعليه دينار، أو نصفه كفَّارة»، أي: يجب عليه دينار أو نصفه كفَّارة. والدِّينار: العُملة من الذَّهب، وزِنةُ الديِّنار الإِسلاميِّ مثقالٌ من الذهب، والمثقالُ غرامان وربع، والجنيه السعودي: مثقالان إِلا قليلاً، فنصف جنيه سعودي يكفي، فيُسأل عن قيمته في السُّوق. فمثلاً: إِذا كان الجنيه السعودي يساوي مائة ريال، فالواجب خمسون أو خمسة وعشرون ريالاً تقريباً، ويُدفع إِلى الفقراء. وقوله: «أو نِصْفُه» أو: للتخيير، فيجب عليه أن يتصدَّق بدينار، أو نصفه، لأنَّ الأصل في «أو» أنها للتخيير. والدَّليل على ذلك: ما رواه أهلُ السُّنن عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يتصدَّق بدينار أو بنصف دينار» (¬2). ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها .. ، رقم (302) من حديث أنس بن مالك. (¬2) رواه أحمد (1/ 230، 237)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب في إِتيان الحائض، رقم (264)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضتها بعد علمه بنهي الله عزّ وجل عن وطئها، رقم (288) (1/ 153)، والترمذي، أبواب الطهارة: ما جاء في الكفارة في إتيان الحائض، رقم (136)، وابن ماجه، كتاب الطَّهارة: باب في كفارة من أتى حائضاً، رقم (640) وغيرهم من حديث ابن عباس. والحديثُ ضعَّفه البيهقيُّ وتبعه النوويٌّ؛ بسبب الاضطراب في سنده. وذهب ابن القطان وابن التركماني وابن حجر وغيرهم إلى أن بعضَ رواياته سالمةٌ من الاضطراب. والحديث صححَّه: الحاكم، وابن القطان، وابن دقيق العيد، وابن تيمية، وابن التركماني، وابن القيم، والخطابي، وابن حجر وغيرهم. واستحسنه أحمد بن حنبل. انظر: «المستدرك» للحاكم (1/ 171)، «السنن الكبرى» للبيهقي مع «الجوهر النقي» (1/ 314) «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان رقم (2468)، «الخلاصة» للنووي رقم (605)، «شرح العمدة» لابن تيمية (1/ 467)، «التلخيص الحبير» رقم (228).

واختلف العلماء في تصحيحه، فصحَّحه جماعةٌ من العلماء حتى قال الإِمام أحمد: ما أحسنه من حديث (¬1). وقال أبو داود لمَّا رواه: هذه هي الرِّواية الصَّحيحة (¬2). وضعَّفه بعض العلماء حتى قال الشَّافعيُّ رحمه الله: «لو ثبت هذا الحديث لَقُلْتُ به» (¬3). ولهذا كان وجوبُ الكفَّارة من مفردات المذهب، والأئمة الثَّلاثة يرون أنَّه آثم بلا كفارة (¬4). والحديثُ صحيحٌ، لأنَّ رجالَه كلَّهم ثقاتٌ، وإِذا صحَّ فلا يضرُّ انفرادُ أحمد بالقول به. فالصحيح: أنها واجبةٌ، وعلى الأقل نقولُ بالوجوب احتياطاً. وهل على المرأة كفَّارة؟ سكت المؤلِّفُ عن ذلك. ¬

_ (¬1) انظر: «مسائل الإمام أحمد»، لأبي داود ص (26). (¬2) انظر: «سنن أبي داود» حديث رقم (264). (¬3) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 360). (¬4) انظر: «المغني» (1/ 416)، «الإنصاف» (2/ 377).

فقيل: لا كفارة عليها (¬1)؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «يتصدَّقُ بدينار؛ أو نصفه». وسكت عن المرأة. وقيل: عليها كفَّارة كالرَّجل إِن طاوعته (902). وعلَّلوا: بأن الجنايةَ واحدةٌ، فكما أنَّ عليه ألاَّ يقربها، فعليها ألا تمكِّنه، فإِذا مكَّنته فهي راضيةٌ بهذا الفعل المحرَّم فلزمتها الكفَّارة. وأيضاً: تجب عليها قياساً على بقية الوَطء المحرَّم، فهي إذا زنت باختيارها فإِنه يُقامُ عليها الحدُّ، وإِذا جامعها زوجُها في الحجِّ قبل التَّحلُّل الأول فسد حجُّها، وكذا إِذا طاوعته في الصِّيام فسد صومُها ولزمتها الكفارة. وسكوتُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عن المرأة لا يقتضي الاختصاص بالرَّجل، لأن الخطاب الموجَّه للرِّجال يشمَل النِّساء، وبالعكس، إِلا بدليل يقتضي التَّخصيص. ولا تجب الكفَّارة إِلا بثلاثة شروط: 1 - أن يكون عالماً. 2 - أن يكون ذاكراً. 3 - أن يكون مختاراً. فإِن كان جاهلاً للتّحريم، أو الحيضِ، أو ناسياً، أو أُكرهت المرأةُ، أو حَصَلَ الحيضُ في أثناء الجماع، فلا كفَّارة، ولا إِثم. قوله: «ويستمتعُ منها بما دُونه»، أي يستمتعُ الرَّجل من الحائض بما دون الفَرْج. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 380).

فيجوز أن يستمتعَ بما فوق الإِزار، وبما دون الإزار، إِلا أنَّه ينبغي أن تكون متَّزرة؛ لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم كان يأمر عائشة رضي الله عنها أن تَتَّزِرَ فيباشرها وهي حائض (¬1)، وأَمْرُه صلّى الله عليه وسلّم لها بأن تتَّزِرَ لئلاَّ يَرى منها ما يكره من أثر الدَّم، وإِذا شاء أن يستمتع بها بين الفخذين مثلاً، فلا بأس. فإِن قيل: كيف تجيب عن قوله صلّى الله عليه وسلّم لما سُئِلَ ماذا يَحِلُّ للرَّجُل من امرأته وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإِزار» (¬2)، وهذا يدلُّ على أن الاستمتاع يكون بما فوق الإِزار. فالجواب عن هذا بما يلي: ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب مباشرة الحائض، رقم (300)، ومسلم، كتاب الحيض: باب مباشرة الحائض فوق الإِزار، رقم (293). (¬2) والبيهقي (1/ 312) عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عمير مولى عمر، عن عمر بن الخطاب به. وقد رُوي هذا الحديث من أوجهٍ أخرى عن عاصم بن عمرو؛ هذا أرجحُها. انظر: «العلل» للدارقطني رقم (216). قال البوصيري: مدار الطريقين على عاصم بن عمرو، وهو ضعيف، ذكره العقيلي في «الضعفاء». وقال البخاري: لم يثبت حديثه. قال أبو حاتم الرازي: صدوق، يحوّل من كتاب الضعفاء ـ (الذي للبخاري). وذكره ابن حبان في «الثقات». «تهذيب الكمال» (13/ 534). وقال ابن حجر في «التقريب»: صدوق رُمي بالتشيع. أما عمير؛ فقد ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال ابن حجر: مقبول. والحديث: حسَّنه النووي في «الخلاصة» رقم (602). وقال ابن كثير: .. فهذه شواهد تدلُّ على صحة هذا الحديث. «مسند الفاروق» (1/ 128، 129). قال ابن حجر: هذا حديثٌ حسن. «الأمالي الحلبية» له ص (43).

وإذا انقطع الدم، ولم تغتسل لم يبح غير الصيام، والطلاق

1 - أنَّه على سبيل التنزُّه، والبعد عن المحذور. 2 - أنه يُحمَلُ على اختلاف الحال، فقولُه صلّى الله عليه وسلّم: «اصنعوا كلَّ شيء إِلا النكاح» (¬1)، هذا فيمن يملك نفسه، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لك ما فوق الإِزار»، هذا فيمن لا يملك نفسه إِما لقلَّة دينه أو قوَّة شهوته. وإِذا استمتع منها بما دون الفَرْج فلا يجب عليه الغُسْل إِلا أن يُنزِلَ. والمرأة إِذا أنزلت وهي حائض استُحِبَّ لها أن تغتسل للجنابة، لئلا يبقى عليها أثر الجنابة، سواء حَدَثت لها الجنابة بعد الحيض كما لو احتلمت، أو كانت على جنابة حين الحيض، هكذا قال العلماء (¬2)، وتستفيد من هذا الغسل استباحة قراءة ما تحتاجه من القرآن كالأوراد والتَّعلُّمِ والتَّعليم. وإِذا انقَطَعَ الدَّمُ، ولم تغتسلْ لم يُبَحْ غَيْرُ الصِّيامِ، والطَّلاقِ. قوله: «وإِذا انقطع الدَّم ولم تغتسل لم يُبَحْ غير الصيِّام والطَّلاق». يعني: إِذا انقطع الدَّمُ ولم تغتسل؛ بقي كلُّ شيء على تحريمه إِلا الصِّيامَ، والطَّلاقَ. أما الصِّيام فقالوا: لأنها إِذا طَهُرَتْ صارت كالجُنُبِ تماماً، والجُنُبُ يصحُّ منه الصِّيامُ بدلالة الكتاب والسُّنَّة: فالكتاب قوله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب جواز غُسْل الحائض رأس زوجها ... ، رقم (302) من حديث أنس. (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 104، 105).

الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وإِذا جاز الجِمَاع إِلى طُلوع الفجر لزمَ من ذلك أن يصبحَ جُنُباً. والسُّنَّة ما روته عائشةُ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يصبحُ جُنُباً من جماعٍ غير احتلامٍ، في رمضان ثم يصوم (¬1). ولم يذكر المؤلِّف فيما سبق تحريم الطَّلاق، لكن يُفْهَمُ من قوله هنا: «لم يُبَحْ غير الصِّيام والطَّلاق»، أنه محرَّمٌ. والدَّليل على جواز الطَّلاق بعد انقطاع الدم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثم لِيُطَلِّقْهَا طاهراً أو حاملاً» (¬2)، والمرأة تَطْهُرُ بانقطاع الدَّم. فإِن قيل: هل يجوز الجِمَاع؟ فالجواب: لا، والدَّليلُ على هذا قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. فإِن قيل: المرأة إِذا كان عليها جنابةٌ جاز أن تُجَامَعَ قبل الغُسل فكذلك هذه أيضاً؟. فالجواب: أن هذا قياسٌ في مقابلة النَّصِّ، فلا يُعتَبَرُ. فإن قيل: المراد بقوله: «تَطَهَّرْنَ» أي: غَسَّلْنَ أثرَ الدَّم؟. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الصوم: باب اغتسال الصائم، رقم (1931، 1932)، ومسلم، كتاب الصيام: باب صحَّة صوم من طلع عليه الفجرُ وهو جُنُبٌ، رقم (1109). (¬2) ن حديث ابن عمر، واللفظ له.

والمبتدأة تجلس أقله، ثم تغتسل، وتصلي، فإن انقطع لأكثره فما دون، اغتسلت عند انقطاعه

الجواب: أنَّ هذا قال به بعضُ العلماء كابن حزم رحمه الله (¬1)، ولكن نقول: إن المراد بالتطهُّر هو التطهُّر من الحَدَث، وهذا لا يكون إِلا بالاغتسال، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، وقال تعالى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}. والمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ أَقَلَّه، ثُمَّ تَغْتَسلُ، وتُصَلِّي، فإن انقَطَع لأكْثَره فَمَا دُون، اغْتَسلَتْ عِنْدَ انقطاعِهِ، ........... قوله: «والمُبْتَدَأةُ تجلس أقلَّه، ثم تغتسلُ وتصلِّي»، بدأ رحمه الله ببيان الدِّماء التي تكون حيضاً، والتي لا تكون حيضاً. والمُبْتَدأةُ: هي التي ترى الحيضَ لأوَّل مرَّة، سواءٌ كانت صغيرةً، أم كبيرة لم تحضْ من قبلُ ثم أتاها الحيضُ. ومعنى قوله: «تجلسُ»، أي: تدعُ الصَّلاةُ والصِّيام، وكلَّ شيء لا يُفْعَلُ حال الحيض. وقوله: «أقلَّه»، أي: أقلَّ الحيض وهو يومٌ وليلةٌ. وقوله: «ثم تغتسل وتُصلِّي». أي: بعد أن يمضي عليها أربعٌ وعشرون ساعة، تغتسلُ وتُصلِّي ولو لم يتوقَّف الدَّمُ. وعلَّلوا: بأنَّ أقل الحيض هو المتيقَّنُ، وما زاد مشكوكٌ فيه، فيجب عليها أن تجلس أقلَّ الحيض. وقوله: «وتصلِّي»، أي: المفروضة. وظاهر كلامه حتى النَّوافل، وهل هذا الظَّاهر مرادٌ؟. الذي يظهر لي: أنَّه إِنْ كان مراداً فهو ضعيف، لأنَّ صلاتها ¬

_ (¬1) انظر: «المحلَّى» (2/ 172).

الآن من باب الاحتياط، فيجب عليها أن تقتصر على الفرائض، إِذ الأصل أنَّ هذا الدَّمَ دمُ حيض، أمَّا النَّافلة فليس فيها احتياط، لأنَّ الإِنسان لا يأثم بتركها، فلا حاجة للاحتياط فيها. وعلى هذا ينبغي أن يُحمَلَ قولُه: «وتصلِّي»، أي: المفروضة، لأنها هي التي يُخشى أن تأثم بتركها بخلاف النَّافلة. وتصوم الصَّوم الواجب؛ كما لو ابتدأ بها في رمضان؛ فتجلس يوماً وليلة، ثم تصوم من باب الاحتياط. قوله: «فإِن انقطعَ لأكْثَره فما دُون اغتسلت عند انقطاعه»، أي: انقطع الدّم لأكثر الحيض كخمسة عشر يوماً، فما دونه كعشرة أيام، إِن لم ينقصْ عن يوم وليلة. وسنقرِّر المذهب حتى نعرفه، ثم نرجع إِلى القول الرَّاجح. مثال ذلك: امرأة جلست يوماً وليلةً، ثم اغتسلت، وصارت تُصلِّي وتصوم الواجب، فانقطع لأكثره فأقل، فمثلاً: انقطع لعشرة أيام، فتغتسل مرَّةً أخرى، ولهذا قال: «اغتسلت عند انقطاعه» وهذا على سبيل الوجوب؛ لاحتمال أن يكون الزَّائدُ عن اليوم واللَّيلة حيضاً، فتغتسل احتياطاً، فهنا اغتسلت مرَّتين؛ الأولى عند تمام اليوم واللَّيلة، والثَّانية عند الانقطاع. ولنفرض أنَّه في شهر «محرَّم» فعلت هذا الشيء؛ فإِذا جاء «صفر» تعمل كما عملت في «محرَّم»، فإِذا جاء الشهر الثَّالث وهو «ربيعٌ الأولُ» تعمل كما عملت في شهر «محرَّم» تجلس يوماً وليلة، ثم تغتسل وتُصلِّي وتصوم، فإِذا انقطع لعشرة أيام كما ذُكِرَ في المثال اغتسلت أيضاً ثانية وصلَّت، فالآن تكرَّر عليها ثلاثَ مرَّاتٍ.

فإن تكرر ثلاثا فحيض، وتقضي ما وجب فيه، وإن عبر أكثره فمستحاضة، فإن كان بعض دمها أحمر، وبعضه أسود

فإنْ تَكرَّرَ ثلاثاً فَحَيْضٌ، وتَقْضِي ما وَجَبَ فيه، وإِن عَبَر أكْثَرَهُ فَمُسْتَحَاضَةٌ، فإن كان بعضُ دَمِهَا أَحْمَرَ، وبعضُه أسْودَ، ......... قوله: «فإِن تكرَّر ثلاثاً فحيضٌ»، كما في المثال السَّابق، فتكون عادتُها عشرةَ أيام، لكن ماذا تصنع بالنِّسبة لما بين اليوم والليلة إِلى اليوم العاشر؛ لأنها كانت تُصلِّي فيها وتصوم، وتبيَّن أنَّها أيَّامُ حيض؟ فيُقال: أمَّا بالنِّسبة للصَّلاة فإِنَّها وإِن لم تصحَّ منها؛ فإِنها لا تُقضى، لأنَّ الحائض لا تجب عليها الصَّلاةُ ولا تأثم بفعلها؛ لأنَّها فعلتها تعبُّداً لله واحتياطاً. وتقضي الصَّوم، لأن تبينَّ أنَّها صامت في أيام الحيض، والصَّوم لا يصحُّ مع الحيض، لو فُرِضَ أنَّ هذا وَقَعَ في رمضان. قوله: «وتقضي ما وَجَبَ فيه»، أي: تُقضَى كلُّ عبادة واجبة على الحائض؛ لا تصحُّ منها حال الحيض، كما في المثال السَّابق. وهذه قاعدةٌ. فإِن قُدِّرَ أن هذا الحيض لم يتكرَّر بعدده ثلاثاً، أي: جاءها أول شهر عشرةٌ، والشهرُ الثاني ثمانيةٌ، والثالث ستةٌ، فالسِّتةُ هنا هي الحيض فقط، ففي الشَّهر الرَّابع إِن تكرَّرت الثمانية ثلاث مرَّات صارت عادتُها ثمانية، وفي الشهر الخامس إِن تكرَّرت العشرة ثلاثاً صارت عادتها عشرة، فما تكرَّر ثلاثاً فهو حَيضٌ. قوله: «وإِن عَبَر أكثره فمستحاضةٌ»، «عبر» أي جاوز، «أكثرَه»، أي: أكثر الحيض وهو خمسة عشر يوماً، «فمستحاضةٌ» ويكون من مُبْتَدَأَة ومُعْتَادة. مثال المُبْتَدَأة: امرأة جاءها الحيض لأوَّل مرَّة واستمرَّ معها

حتى جاوز الخمسة عشر؛ فهذه المبتدأةُ ليس لها عادةٌ سابقةٌ ترجع إليها، فلا يكون أمامها بالنسبة للاستحاضة إِلا شيئان: الأول: التَّمييز، وهذه علامةٌ خاصَّة. الثَّاني: عادة غالب نسائها، وهذه عامَّةٌ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العام، والاستحاضة: سيلان دم عِرْقٍ في أدنى الرَّحم يُسمَّى العاذل. مثل: لو حصل لها جُرح في عِرقٍ، وخرج الدَّم باستمرار، فهذا ليس طبيعيًّا، ولكنه مرضٌ بسبب انفصام أحد العُروق في أدنى الرَّحم. والحيض: سيلان دَم عِرْقٍ في قعر الرَّحم يُسمَّى العاذر. ثم بَيَّنَ المؤلِّفُ ـ رحمه الله تعالى ـ التَّمييز فقال: «فإِن كان بعضُ دمها أحمرَ وبعضه أسودَ»، هذه علامة من علامات التَّمييز، فيُقال لها: ارجعي إِلى التَّمييز. والتَّمييزُ: التَّبيُّن حتى يُعرفَ هل هو دُم حيض، أو استحاضة. والمؤلِّف رحمه الله ذكر علامةً واحدةً وهي اللَّون. والتَّمييز له أربع علامات: الأولى: اللَّون: فدم الحيض أسودُ، والاستحاضةِ أحمرُ. الثانية: الرِّقة: فدم الحيض ثخينٌ غليظٌ، والاستحاضةِ رقيقٌ. الثالثة: الرَّائحة: فدم الحيض منتنٌ كريهٌ، والاستحاضةِ غيرُ منتنٍ، لأنه دَمُ عِرْقٍ عادي.

ولم يعبر أكثره، ولم ينقص عن أقله فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني، والأحمر استحاضة، وإن لم يكن دمها متميزا قعدت غالب الحيض من كل شهر

الرَّابعةُ: التَّجمُّد: فدم الحيض لا يتجمَّد إِذا ظهر، لأنه تجمَّد في الرَّحم، ثم انفجر وسال، فلا يعود ثانية للتجمُّد، والاستحاضة يتجمَّد، لأنه دم عِرْقٍ. هكذا قال بعضُ المعاصرين من أهل الطبِّ، وقد أشار صلّى الله عليه وسلّم إِلى ذلك بقوله: «إِنه دَمُ عِرْقٍ»، والمعروف أنَّ دماء العروق تتجمَّد. ولم يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ، ولم يَنْقُصْ عن أَقَلِّه فهو حَيْضُها تَجْلسُهُ في الشَّهْرِ الثَّاني، والأحْمَرُ استحاضةٌ، وإن لم يكُنْ دَمُهَا مُتَميِّزاً قَعَدَتْ غالبَ الحَيْضِ من كلْ شهرٍ. قوله: «ولم يَعبُرْ أكثره»، أي: لم يتجاوز الأسود أكثر الحيض، لأنه إِذا عَبَرَ أكثرهُ لم يصلُح أن يكونَ حيضاً. فلو أنَّ امرأةً جاءها الدَّم لمدَّة خمسة وعشرين يوماً، منها عشرون يوماً أسود وخمسةٌ أحمر، فالأسودُ لا يصلح أن يكون حيضاً، لأنَّه تجاوز أكثر الحيض .. قوله: «ولم يَنْقُصْ عن أَقَلِّه فهو حَيْضُها تَجْلِسُهُ في الشَّهْرِ الثَّاني، والأحْمَرُ استحاضةٌ»، أي: لم ينقص الأسود عن أقلِّ الحيض. وأقلُّه يوم وليلةٌ، فلو قالت المُبْتَدَأة: إِنَّه أول يوم أصابها الدَّم كان أسود، ثم صار أحمر لمدة عشرين يوماً، فلا ترجع إِلى التَّمييز، لأنَّه لا يصلح أن يكون حيضاً؛ لنقصانه عن يوم وليلة. وإن قالت: أصابها الدَّم الأسود ستَّةَ أيام، فإِنَّه حيضٌ، لأنَّه لم ينقص عن أقلِّه، ولم يزد على أكثره، والباقي الأحمر استحاضة. قوله: «وإِنْ لم يكن دَمُهَا متميِّزاً قعدتْ غالبَ الحيضِ»، قعدت؛ أي: المُبْتَدأةُ.

وغالب الحيض: ستَّة أيام أو سبعةٌ، والدَّليل على ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «تحيَّضي في علم الله ستًّا أو سبعاً» (¬1). ولأنَّه إِذا تعذَّر علم الشَّيء بعينه رجعنا إِلى جنسه، فهذه المرأة لمَّا تعذَّر علم حيضها بعينها ترجع إِلى بني جنسها. والأرجح: أن ترجع إِلى عادة نسائها كأختها وأمِّها، وما أشبه ذلك، لا إِلى عادة غالب الحيَّض، لأنَّ مشابهة المرأة لأقاربها أقرب من مشابهتها لغالب النساء. قوله: «من كلِّ شهر»، لأن غالب النساء تحيض في الشَّهر مرَّة. والدَّليل على ذلك قولُه تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، وقال تعالى: {وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]. فجعل اللَّهُ لكلِّ حيضة شهراً، وهذا هو الغالب. وتبدأ الشَّهر من أوَّل دم أصابها، فإِذا كان أول يوم أصابها الدَّم فيه هو الخامس عشر، فإِنها تبدأ من الخامس عشر، فإِذا قلنا: سبعة أيام، فإِلى اثنين وعشرين، وإِن قلنا: ستة فإِلى واحد وعشرين، وهكذا. وإِن نسيت ولم تَدْرِ هل جاءها الحيض من أول يوم من الشَّهر، أم في العاشر، أم العشرين، فلتجعلْهُ من أوَّل الشَّهر على سبيل الاحتياط. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (473).

والمستحاضة المعتادة، ولو مميزة تجلس عادتها، وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح

واعلم: أن هذه الأحكام ليست من أجل الصَّلاة فقط، بل كلُّ الأحكام المترتِّبَة على الحيض تترتَّب على هذه الأيام إِذا حكمنا بأنها أيَّام حيض، وإِذا قلنا بأنها أيام طُهْر يترتَّب على ذلك كلُّ ما يترتَّب على الطُّهر. والخلاصة: أن المستحاضة المُبْتَدأة تعمل بالتَّمييز، فإِن لم يكن لها تمييزٌ عملت بغالب عادة النساء، فتجلس ستَّة أيَّام أو سبعة من أوَّل وقت رأت فيه الدَّم، فإِن نسيت متى رأته فمن أول كلِّ شهر هلالي، وسبق أنَّ الأرجح أن تعمل بعادة نسائها. والمستَحاضةُ المُعْتَادةُ، ولو مُميِّزة تَجْلِس عادتَها، وإن نسيتها عَملتْ بالتَّمييز الصَّالح، ......... قوله: «والمستحاضةُ المعتادةُ ولو مميِّزة تجلسُ عادتَها»، المعتادة: هي التي كانت لها عادةٌ سليمةٌ قبل الاستحاضة، ثم أُصيبتْ بمرض الاستحاضة. مثال ذلك: امرأةٌ كانت تحيض حيضاً مطَّرداً سليماً ستَّة أيَّام من أوَّل كلِّ شهر، ثم أُصيبت بمرض الاستحاضة؛ فجاءها نزيفٌ يبقى معها أكثر الشَّهر، فهذه مستحاضةٌ معتادة، نقول لها: كلَّما جاء الشَّهر فاجلسي من أول يوم إِلى اليوم السَّادس. وقوله: «ولو مميِّزة»، لو: إِشارة خلاف. أي: هذه المعتادة تجلس العادة، ولو كان دمُها متميِّزاً فيه الحيضُ من غيره. مثاله: امرأةٌ معتادةٌ عادتها من أول يوم من الشهر إِلى اليوم العاشر؛ لكنها ترى في اليوم الحادي عشر دماً أسود لمدَّة ستَّة أيَّام، والباقي أحمر، فهذه معتادة مميِّزة. فالمشهور من المذهب: أنها تأخذ بالعادة.

واستدلُّوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم لأمِّ حبيبة بنت جحش: «امْكُثي قَدْرَ ما كانت تحبسُكِ حَيْضَتُكِ» (¬1). فردَّها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للعادة، واحتمال وجود التَّمييز معها ممكنٌ، ولم يستفصل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم. فلمَّا لم يستفصل مع احتمال وجود التَّمييز عُلِمَ أنها ترجع إِلى العادة مطلقاً، وأنَّ المسألة على سبيل العموم، إِذ من القواعد الأصولية المقرَّرة: «أنَّ ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلُ منزلةَ العموم في المقال». وذهب الشَّافعيُّ (¬2)، وهو روايةٌ عن أحمد (¬3): أنها ترجع للتَّمييز. واستدلُّوا بما يلي: 1 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ دمَ الحيضِ أسودُ يُعرَفُ» (¬4)، قال هذا ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم (334) من حديث عائشة. (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 431). (¬3) انظر: «الإنصاف» (2/ 412). (¬4) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب من قال إِذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، رقم (286)، والنسائي، كتاب الطهارة: باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، (1/ 123)، رقم (215، 216)، وابن حبَّان، رقم (1348)، والدارقطني (1/ 207) وغيرُهم عن ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة به مرفوعاً .. قال الدارقطني: «رواته كلُّهم ثقات». وصحَّحه: ابن حبان، والحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. قال النوويُّ: «صحيحٌ، رواه أبو داود والنسائي بأسانيد صحيحة»، «الخلاصة» رقم (609). قلت: كذا قالوا! مع أن الحديث قد أُعِلَّ بعلَّتين قادحتين: 1 - أنه قد اختُلف على ابن عدي في إِسناده، فحدَّث به مرَّة كما تقدم من حفظه، وحدَّث به أخرى من كتابه عن محمد بن عمرو، عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش. قال ابن رجب الحنبلي: «قيل: إِن روايته عن عروة عن فاطمة أصحُّ؛ لأنها في كتابه كذلك، وقد اختُلف في سماع عروة من فاطمة». «فتح الباري» لابن رجب (1/ 438). 2 - قال أبو حاتم الرازي: «لم يُتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر»، «العلل» (1/ 50) رقم (117). وأعلَّه النسائي بهذه العلَّة أيضاً عقب روايته له. وانظر: «المحرر» لابن عبد الهادي رقم (133)، «فتح الباري» لابن رجب (1/ 437).

في المستحاضة، والنساء اللاتي استحضن على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حوالي سبع عشرة امرأة (¬1)، ولا يُستبعد أن تنتقلَ العادةُ من أوَّل الشَّهر إِلى وسطه بسبب مرض الاستحاضة الذي طرأ عليها. 2 - أنَّ التَّمييز علامةٌ ظاهرةٌ واضحةٌ، فيُرجع إِليها. والرَّاجح: أنها ترجع للعادة، ولأنَّ الحديث الذي فيه ذكر التَّمييز قد اختُلِفَ في صحَّته. ولأنه أيسر وأضبطُ للمرأة، لأنَّ هذا الدَّمَ الأسود، أو المنتنَ، أو الغليظَ، ربما يضطرب، ويتغيَّر أو ينتقل إِلى آخر الشَّهر، أو أوَّله، أو يتقطَّع بحيث يكون يوماً أسود، ويوماً أحمر. قوله: «وإِن نسيتها عملت بالتَّمييز الصَّالح»، أي نسيت عادتها. والتَّمييزُ الصالحُ: هو الّذي يصلُحُ أن يكونَ حيضاً، بأن لا ينقص عن أقلِّه، ولا يزيد على أكثره. مثاله: امرأةٌ نسيت عادتها؛ لا تدري هل هي في أوَّل ¬

_ (¬1) انظر: «فتح الباري» (1/ 412)، «فرائد الفوائد» للمؤلف ص (191).

فإن لم يكن لها تمييز فغالب الحيض كالعالمة بموضعه الناسية لعدده

الشَّهر، أو وسطه أو آخره، فنقول: ترجع إِلى المرحلة الثَّانية، وهي التَّمييز، لأنها لما نسيت العادة تعذَّر العمل بها، فترجع إِلى التَّمييز. فنقول: هل دمك يتغيَّر؟ فإن قالت: نعم، بعضُه أسودُ، أو منتنٌ، أو غليظٌ، نقول لها أيضاً: كم يوماً يأتي هذا الأسود، أو المنتن، أو الغليظ؟ فإِذا قالت: يأتي خمسة أيَّام أو سِتَّة أيَّام مثلاً، نقول لها: اجلسي هذا الدَّم، والباقي تطهَّري وصلِّي، وإِن قالت: إِنه يأتيها يوماً واحداً أو أكثر من خمسة عشر يوماً فلا عِبْرَة به؛ لأنَّه لا يصلح أن يكونَ حيضاً. فإِن لم يكُنْ لها تمييزٌ فغَالب الحيض كالعَالِمَة بموْضِعِه النَّاسية لِعَدَدِه، ........... قوله: «فإِن لم يكن لها تمييزٌ فغالب الحيض»، أي: أنه ليس لها تمييزٌ، بأن كان دمُها لا يتغيَّر فتجلسَ غالب الحيض مثاله: امرأة يأتيها الدَّم أسود دائماً؛ أو أحمر دائماً ونحو ذلك. فنقول هنا: تجلس غالب الحيض سِتَّة أيَّام أو سبعة. والرَّاجح كما قلنا في المُبْتَدَأة أنَّها ترجعُ إِلى أقاربها، وتأخذ بعادتهن في الغالب من أَوَّلِ الشهر الهلاليِّ، ولا نقول من أوَّل يوم أتاها الحيضُ، لأنَّها قد نسيت العادة. قوله: «كالعالمة بموضعه النَّاسية لعدَدِه»، يعني: كما تجلسُ العالمة بموضعه الناسية لعدده. أي: أن العالمة بموضعه الناسية لعدده تجلس غالب الحيض، ولا ترجع للتَّمييز. ومثاله: امرأة تقول: إنَّ عادتها تأتيها في أوّل يوم من الشهر

وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جلستها من أوله، كمن لا عادة لها ولا تمييز ومن زادت عادتها، أو تقدمت، أو تأخرت، فما تكرر ثلاثا فحيض، وما نقص عن العادة طهر، وما عاد فيها جلسته

الهلاليِّ لكنها لا تدري هل هي ستَّة أيام، أو سبعةٌ، أو عشرةٌ؟ فهي نسيت العدد، وعلمت الموضع. فنقول: ترجع إلى غالب الحيض، فتجلس ستَّة أيَّام أو سبعة من أوَّل الشهر؛ لأنها علمت أن عادتها من أول الشَّهر. وسبق أنها ترجع إلى غالب عادة نسائها على القول الرَّاجح. وإِن علمتْ عدَدَهُ ونسيتْ موضعَهُ من الشَّهرِ ولو في نصفه جلستها من أوَّله، كَمَنْ لا عادة لها ولا تمييز ومَنْ زادتْ عادتُها، أو تقدَّمتْ، أو تأخَّرَتْ، فما تكرر ثلاثاً فحيضٌ، وما نَقَصَ عن العادةِ طُهْرٌ، وما عاد فيها جَلَسَتْهُ، ......... قوله: «وإِن علمت عَدَدَهُ ونسيت موضعه من الشَّهرِ»، هذه المسألة عكس المسألة السَّابقة، علمت العَدَدَ؛ ونسيت الموضعَ من الشَّهر. فنقول لها: كم عادتُك؟ فإذا قالت: ستَّةٌ لكنني نسيت هل هي في أوَّل الشَّهر، أو وسطه، أو آخره؟ فنأمرها أن تجلس من أوَّل الشَّهر على حسب عادتها. قوله: «ولو في نصفه جلستها من أوَّلِهِ»، لو: إِشارة خلاف. أي: علمت أنَّها في نصفه، لكن لا تدري في أيِّ يوم من النِّصف هل هو في الخامس عشر، أو العشرين؟ فترجع إِلى أوَّل الشَّهر لسقوط الموضع، وهذا هو المذهب. والقول الثَّاني: تجلس من أوَّل النِّصف (¬1)، لأنَّه أقرب من أوَّل الشَّهر. وهذا هو الصحيح. قوله: «كمن لا عادة لها، ولا تمييز»، مَنْ: نكرة موصوفة، والتقدير: كمُبْتَدَأَة. وعرفنا هذا التقدير من قوله: «لا عادة لها». ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 431).

إِذن؛ فالمُبْتَدَأَة التي لا عادة لها ولا تمييز؛ تجلس غالبه من أوَّل الشَّهر، وهذه فائدة قوله: «كمن لا عادة لها، ولا تمييز». والصحيح في المُبْتَدَأَة: أنَّ دمَها دم حيض ما لم يستغرق أكثر الشهر، فالمبتدأةُ من حين مجيء الحيض إِليها فإِنها تجلس حتى تطهر أو تتجاوز خمسة عشر يوماً. والدَّليل على ذلك قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً} [البقرة: 222]. فمتى وُجِدَ هذا الدَّمُ الذي هو أذىً فهو حيضٌ قلَّ أو كَثُرَ. إِذ كيف يُقالُ: اجلسي يوماً وليلة، ثم اغتسلي وصلِّي، ثم اغتسلي عند انقطاعه ثانية، واقضي الصوم؟!!. إِذ معنى هذا أننا أوجبنا عليها العبادة مرَّتين، والغسل مرَّتين، وهذا حكم لا تأتي بمثله الشَّريعةُ، والعبادات تجبُ مرَّةً واحدة لا أكثر من ذلك. وإِن استغرق دمُ المُبْتَدَأَةِ أكثرَ الوقت، فإِنَّها حينئذ مستحاضةٌ، ترجع إِلى التَّمييز، فإِن لم يكن تمييزٌ فغالب الحيض أو حيض نسائها، هذا هو الصحيح. قوله: «ومن زادت عادتها»، مَنْ: اسم شرط جازم، يفيدُ العموم، فيشمل كلَّ امرأة. مثاله: امرأةٌ عادتُها خمسةُ أيَّام، ثم زادت فصارت سبعة أيام. قوله: «أو تقدَّمت»، مثالُه: امرأةٌ عادتُها في آخر الشهر، فجاءتها في أوَّل الشَّهر.

قوله: «أو تأخَّرت»، مثاله: عادتُها في أوَّل الشَّهر فجاءتها في آخره. فالصُّور في تغيُّر الحيض ثلاث: الزِّيادة، التَّقدُّم، التَّأخُّر، وبقيت صورةٌ رابعةٌ وهي النقصُ، وسيذكرها المؤلِّف (¬1). قوله: «فما تكرر ثلاثاً فحيض»، كالمبتدأة تماماً. مثال الزِّيادة: عادتُها خمسةُ أيام، فجاءها الحيضُ سبعةٌ، فتجلس خمسةٌ فقط، ثم تغتسل وتُصلِّي وتصوم، فإِذا انقطع اغتسلت ثانية كالمُبْتَدَأة إِذا زاد دمُها على أقلِّ الحيض، وإِذا كان الشَّهرُ الثَّاني وحاضت سبعة تفعل كما فعلت في الشهر الأول، وإِذا كان الشهر الثَّالث وحاضت سبعة صار حيضاً، وحينئذ يجب عليها أن تقضي ما يجب على الحائض قضاؤه فيما فعلته بعد العادة الأولى؛ فتقضي الصَّوم الواجب إِن كانت صامت في اليومين، والطَّواف الواجب، إِن كانت طافت فيهما، لأنه تبيَّن أنهما حيضٌ؛ والحيض لا يصحُّ معه الصِّيام ولا الطَّواف. وهذا مبنيٌّ على ما سبق في المُبْتَدَأة، وتقدَّم أنَّ الصَّحيح: أنَّ المُبْتَدَأَة تجلسُ حتى تطهر (¬2)، وعلى هذا إِذا زادت العادةُ وجبَ على المرأة أن تبقى لا تُصلِّي ولا تصومُ، ولا يأتيها زوجُها حتى تطهَر ثم تغتسل وتُصلِّي؛ لأنَّ هذا دمُ الحيض ولم يتغيَّر، والله قد بيَّن لنا الحيضَ بوصف منضبط فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ¬

_ (¬1) تنبيه: قد وَهِمَ صاحب «الروض» رحمه الله في هذا الموضع؛ فجعل صورة التَّقدم للتأخر؛ وصورة التأخُّر للتقدُّم، فتنبَّه. (¬2) انظر: ص (495).

الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً} [البقرة: 222]، فما دام هذا الأذى موجوداً فهو حيض. ومثال التَّقدُّم: عادتُها في آخر الشَّهر فجاءها في أوَّله فنقول: انتظري، فإِذا تكرَّر ثلاثاً فحيض، وإِلا فليس بشيء. والصَّحيح: أنه حيضُ، وأنه لو كانت عادتُها في آخر الشَّهر، ثم جاءتها في أوَّله في الشَّهر الثَّاني، وجب عليها أن تجلسَ ولا تُصلِّي ولا تصوم ولا يأتيها زوجُها. ومثال التَّأخر: عادتُها في أوَّل الشَّهر، ثم تأخرت إِلى آخره، فعلى ما مشى عليه المؤلِّف إِذا جاءها في آخره لا تجلس ـ وإِن كان هو دم الحيض الذي تعرفه برائحته وغلظه وسواده ـ حتى يتكرَّرَ ثلاثاً، وتُصلِّي وتصوم، فإِذا تكررَ ثلاث مرَّات أعادتْ ما يجب على الحائضِ قضاؤه. والرَّاجحُ: أنه إِذا تأخَّرت عادتُها، وجب عليها أن تجلس لكونه حيضاً، لأنه معلوم بوصف الله إِيَّاه بأنَّه أذى. قوله: «وما نَقَصَ عن العادة طُهْرٌ»، هذا تَغَيُّر العادة بنقص. مثاله: عادتُها سبعٌ، فحاضت خمسةً، ثم طَهُرت، فإِنّ ما نقص طُهْرٌ، يجب عليها أن تغتسل، وتُصلِّي، وتصوم الواجب، ولزوجها أن يجامعها كباقي الطَّاهرات. والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 - قولُه تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].

والصفرة، والكدرة في زمن العادة: حيض

2 - قولُه صلّى الله عليه وسلّم: «أليس إِذا حاضت لم تصلِّ، ولم تصم» (¬1). وهذه المرأة انتهى حيضها. فائدة: علامةُ الطُّهر معروفةٌ عند النِّساء، وهو سائلٌ أبيضُ يخرج إِذا توقَّفَ الحيضُ، وبعض النِّساء لا يكون عندها هذا السَّائل، فتبقى إِلى الحيضة الثَّانية دون أن ترى هذا السَّائل، فعلامةُ طُهْرِها أنَّها إِذا احتشت بقطنة بيضاء، أي: أدخلتْهَا محلَّ الحيض ثم أخرجَتْهَا ولم تتغيَّرْ، فهو علامةُ طهرها. قوله: «وما عاد فيها جَلَسَته»، أي: ما عاد في العادة بعد انقطاعه، فإِنها تجلسه بدون تكرار، لأنَّ العادة قد ثَبَتَتْ، وعاد الدَّم الآن في نفس العادة. مثاله: عادتُها ستَّة أيَّام وفي اليوم الرَّابع انقطع الدَّم، وطَهُرَتْ طُهْراً كاملاً، وفي اليوم السادس جاءها الدَّمُ، فإِنها تجلس اليوم السَّادس؛ لأنه في زمن العادة، فإِن لم يعدْ إِلا في اليوم السَّابع، فإِنَّها لا تجلسه، لأنه خارجٌ عن العادة، وقد سبق أنه إِذا زادت العادة، فليس بحيض حتى يتكرَّر ثلاث مرَّات، وسبق القولُ الرَّاجح في ذلك (¬2). قوله: «والصُّفرة، والكُدرة»، الصُّفرة والكُدرة سائلان يخرجان من المرأة، أحياناً قبل الحيض، وأحياناً بعد الحيض. والصُّفْرَةُ، والكُدْرَةُ في زمن العادةِ: حيضٌ، ........... والصُّفرة: ماءٌ أصفر كماء الجُروح. والكُدرة: ماءٌ ممزوجٌ بحُمرة، وأحياناً يُمزَجُ بعروق حمراء ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (476). (¬2) انظر: ص (495 ـ 497).

كالعَلَقة، فهو كالصَّديد يكون ممتزجاً بمادة بيضاء وبدم. قوله: «في زمن العادة حيضٌ»، أي: في وقتها، وظاهر كلامه أنهما إِن تقدَّما على زمن العادة أو تأخَّرا عنه فليسا بحيض. وهذا أحد الأقوال في المسألة (¬1). والقول الثاني: أنَّهما ليسا بحيض مطلقاً؛ لقول أمِّ عطيَّة: «كُنَّا لا نعدُّ الكُدْرة والصُّفرة شيئاً» رواه البخاري (¬2). ومعنى قولها: «شيئاً» من الحيض، وليس المعنى أنَّه لا يؤثِّر، لأنه ينقض الوُضُوء بلا شكٍّ، وظاهر كلامها العموم. والقول الثَّالث: أنَّهما حيض مطلقاً؛ لأنَّه خارجٌ من الرَّحم ومنتنُ الرِّيح، فحكمه حكم الحيض. واستُدلَّ لما قاله المؤلِّف: 1 ـ بما رواه أبو داود في حديث أمِّ عطيَّة: «كُنَّا لا نَعُدُّ الصُّفرة والكُدْرَةَ بعد الطُّهرِ شيئاً» (¬3). فهذا القيد يدلُّ على أنه قبل الطُّهر حيضٌ. ¬

_ (¬1) انظر الأقوال في المسألة في: «المغني» (1/ 413)، «الإنصاف» (2/ 449)، «المجموع شرح المهذب» (2/ 395). (¬2) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب الكدرة والصفرة، رقم (326). (¬3) رواه أبو داود، كتاب الطهارة: باب في المرأة ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر، رقم (307)، والحاكم (1/ 174)، والبيهقي (1/ 337)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي. قال النووي: «إسناده صحيح». «الخلاصة» رقم (613). قال ابن حجر: «وهو موافق لما ترجم به البخاري». «الفتح» شرح حديث رقم (326). وفي رواية الدارمي، كتاب الطهارة: باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض، رقم (870): «كنّا لا نعتدُّ بالصُّفرة والكُدرة بعد الغُسل شيئاً». قال النوويُّ: «إسناده صحيحٌ». «الخلاصة» رقم (612). وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (1/ 521، 522).

ومن رأت يوما دما ويوما نقاء، فالدم حيض، والنقاء طهر ما لم يعبر أكثره، والمستحاضة ونحوها تغسل فرجها، وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي فروضا ونوافل، ولا توطأ إلا مع خوف العنت، ويستحب غسلها لكل صلاة

2 ـ أنَّه إِذا كان قبل الطُّهر يثبت له أحكام الحيض تبعاً للحيض، إِذ من القواعد الفقهيَّة: «أنه يثبت تَبَعَاً ما لا يثبتُ استقلالاً»، أما بعد الطُّهر فقد انفصل، وليس هو الدَّم الذي قال الله فيه: {هُوَ أَذىً} فهو كسائر السَّائلات التي تخرج من فرج المرأة، فلا يكون له حكم الحيض. ومن رأتْ يوماً دماً ويوماً نقَاءً، فالدَّمُ حيضٌ، والنَّقَاءُ طُهْرٌ ما لم يَعْبُر أكْثَرهُ، والمُسْتَحاضَةُ ونَحْوُها تَغْسِلُ فَرْجَهَا، وتَعْصبُه وتتوضَّأُ لوقت كُلِّ صَلاَةٍ، وتصلِّي فُروضاً ونَوافِلَ، ولا تُوطأُ إِلا مَعَ خوفِ العَنَتِ، ويُسْتَحبُ غُسْلُها لِكلِّ صلاةٍ. قوله: «ومن رأت يوماً دماً، ويوماً نقاءً، فالدَّم حيضٌ، والنَّقاء طُهرٌ». مثاله: امرأة ترى يوماً دماً، ويوماً نقاءً، فإذا أذَّن المغرب رأت الدَّم، وإِذا أذَّن المغرب في اليوم الثاني رأت الطُّهر. فالحكم يدور مع عِلَّته، فيوم الحيض له أحكام الحيض، ويوم النَّقاء له أحكام الطُّهر؛ لأن هذا هو مقتضى قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]. فما دام الأذى ـ وهو الدم ـ موجوداً فهو حيض، وإِذا حصل لها النَّقاء منه فهو طُهْرٌ، وعلى هذا فإِننا نُلزِمُ المرأة أن تغتسل ثلاث مرَّات في ستَّة أيام. القول الثاني: أنَّ اليومَ ونصفَ اليوم لا يُعدُّ طُهراً (¬1)؛ لأنَّ عادة النِّساء أن تجفَّ يوماً أو ليلة؛ حتى في أثناء الحيض ولا ترى الطُّهر، ولا ترى نفسها طاهرة في هذه المدَّة، بل تترقَّب ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (1/ 437)، «الإنصاف» (2/ 453).

نزول الدم، فإذا كان هذا من العادة، فإِنه يُحكم لهذا اليوم الذي رأت النَّقاء فيه بأنه يومُ حيض؛ لا يجب عليها فيه غُسْلٌ، ولا صلاةٌ، ولا تطوف ولا تعتكف؛ لأنَّها حائض، حتى ترى الطُّهر. ويؤيِّد هذا: قول عائشة رضي الله عنها للنِّساء إِذا أحضرن لها الكرسف ـ القطن ـ لتراها هل طَهُرتْ المرأة أم لا؟ فتقول: «لا تعجلن حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاء» (¬1). أي لا تغتسلن، ولا تصلِّين حتى تَرَيْنَ القصَّةَ البيضاء. ولأن في إِلزامها بالقول الأول مشقَّةً شديدةً، ولا سيَّما في أيَّام الشَّتاء وأيام الأسفار ونحوها. وهذا أقرب للصَّواب، فجفافُ المرأة لمدَّة عشرين ساعة، أو أربع وعشرين ساعة أو قريباً من هذا لا يُعَدُّ طُهراً؛ لأنه معتاد للنِّساء. قوله: «ما لم يَعْبُرْ أكثَره»، أي ما لم يتجاوز مجموعُهما أكثرَ الحيض، فإِن تجاوز أكثره فالزَّائد عن خمسة عشر يوماً، يكون استحاضةً؛ لأنَّ الأكثر صار دماً. قوله: «والمستحاضةُ ونحوُها»، المستحاضة على المذهب: هي التي يتجاوز دمُها أكثر الحيض. وقيل: إِنّ المستحاضة هي التي ترى دماً لا يصلُح أن يكونَ حيضاً، ولا نفاساً (¬2). ¬

_ (¬1) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب الحيض، باب إِقبال المحيض وإِدباره، رقم (320)، ورواه مالك موصولاً في «الموطأ» رقم (150). (¬2) انظر: «كشَّاف القناع» (1/ 207).

فعلى التَّعريف الأخير يشمل من زاد دمُها على يوم وليلة وهي مُبْتَدَأة، لأنَّه ليس حيضاً ولا نِفَاساً، فيكون استحاضة حتى يتكرَّر كما سبق. وعلى الأوَّل يكون دَمَ فساد، يُنْظَرُ فيه هل يلحق بالحيض، أو بالاستحاضة؟. قوله: «ونحوها»، أي: مثلها. والمُراد به من كان حدثُه دائماً، كمن به سَلَسُ بولٍ أو غائط فحكمه حكم المستحاضة. قوله: «تغسل فرجها»، أي: بالماء فلا يكفي تنظيفُه بالمناديل وشبهها، بل لا بُدَّ من غسله حتى يزولَ الدَّم. فإِن كانت تتضرَّرُ بالغُسل أو قرَّر الأطباءُ ذلك، فإِنها تنشِّفه بيابس كالمناديل وشبهها، لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، وقوله: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. ومن به سَلَسُ بول يغسل فرجه، ومن به سلس ريح لا يغسل فرجه، لأن الرِّيحَ ليست بنجسة. والدَّليل على أنها تغسل فَرْجَها قوله صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «اغسلي عنك الدَّمَ وصَلِّي» (¬1)، فهذا يدلُّ على أنه لا بُدَّ من غسله. قوله: «وتَعْصِبُه»، أي: تشدُّه بخِرْقَة، ويُسَمَّى تَلجُّماً، واستثفاراً. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب الاستحاضة، رقم (306)، ومسلم، كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها، رقم (333).

والذي ينزف منه دمٌ دائماً من غير السَّبيلين لا يلزمُه الوُضُوء، إِلا على قول من يرى أن الدَّم الكثيرَ ينقض الوُضُوء إِذا خرج من غير السَّبيلين (¬1). والرَّاجح: أنه لا يلزمه الوُضُوءُ؛ لأن الخارج من غير السَّبيلين لا دليل على أنه ناقض للوُضُوء، والأصل بقاء الطَّهارة. قوله: «وتتوضَّأ لوقت كُلِّ صلاةٍ»، أي: يجب على المستحاضة أن تتوضَّأ لوقتِ كُلِّ صلاة إِن خرج شيء، فإِن لم يخرج منها شيء بقيت على وضوئِها الأوَّل (¬2). قوله: «وتُصلِّي فروضاً ونوافل»، أي: إِذا توضَّأت للنَّفل فلها أن تُصلِّيَ الفريضة، لأنَّ طهارتها ترفع الحدث. قوله: «ولا تُوطَأُ إِلا مع خوف العَنَتِ»، يعني: أن المستحاضة لا ¬

_ (¬1) انظر ص (271). (¬2) هذا ما كان يراه شيخنا رحمه الله سابقاً، ثم إنه رجع عن ذلك وقال، إن المستحاضة ونحوها ممن حدثه دائم لا يجب عليه الوضوء لكل صلاة بل يستحب، فإذا توضأ فلا ينتقض وضوءه إلا بناقض آخر، وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، لعدم الدليل على النقض، ولأن من حدثه دائم لا يستفيد بالوضوء شيئاً لأن الحدث معه دائم ومستمر. وأما رواية البخاري ثم توضئ لكل صلاة» فهذه الزيادة ضعفها مسلم، وأشار إلى أنه حذفها عمداً فقال: وفي حديث حماد حرف تركناه اهـ وضعفها أيضاً أبو داود والنسائي وذكرا أن جميع الروايات ضعيفة لانفراد حماد بها. وقال ابن رجب، إن الأحاديث بالأمر بالوضوء لكل صلاة مضطربة ومعللة اهـ، وأما رطوبة فرج المرأة فالقول بوجوب الوضوء منها أضعف من القول بوجوبه في الاستحاضة لأن الاستحاضة ورد فيها حديث بخلاف رطوبة فرج المرأة مع كثرة ذلك من النساء والله أعلم. انظر: الاختيارات ص (15)، فتح الباري لابن رجب (2/ 69 ـ 75).

يحلُّ وَطْؤها إِلا مع خَوفِ العَنَتِ، أي: المشقَّة بترك الوَطءِ ـ هذا هو المذهب ـ إِلا أنَّ هذا التَّحريم ليس كتحريم وطءِ الحائض كما سيأتي. واستدلُّوا بما يلي: 1 - قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]. فجعل الله علَّة الأمر باعتزالهنَّ أنَّ الدَّم أذى، ومعلوم أن دم الاستحاضة أذىً فهو دم مستقذَرٌ نجس. 2 - أنه عند الوَطء يتلوَّث الذَّكر بالدَّم، والدَّمُ نجسٌ، والأصل أنَّ الإِنسانَ لا يباشر النَّجاسة إِلاَّ إِذا دعت الحاجةُ إلى ذلك. لكنَّ تحريمَ وَطءِ المستحاضة أهونُ من تحريم وطء الحائض لأمور هي: 1 - أن تحريم وطء الحائض نصَّ عليه القرآنُ، أما وطء المستحاضة فإِنَّه إِما بقياس، أو دعوى أن النَّصَّ شَمِلَهُ. 2 - أنه إِذا خاف الرَّجلُ أو المرأة المشقَّة بترك الجِمَاع جاز وطءُ المستحاضة، بخلاف الحائض فلا يجوز إِلا عند الضَّرورة. 3 - أنه إِذا جاز وَطءُ المستحاضة للمشقَّة، فلا كفَّارة فيه بخلاف وطء الحائض. القول الثَّاني: أنه ليس بحرام (¬1)، وهو الصَّحيح، ودليل ذلك: 1 - قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]. 2 - أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم الذين استُحيضتْ نساؤهم وهنَّ حوالي سبع عشرة امرأة، لم يُنقَلْ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر أحداً ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 469).

منهم أن يعتزل زوجته، ولو كان من شرع الله لبيَّنه صلّى الله عليه وسلّم لمن استُحيضَت زوجتُه، ولَنُقِلَ حفاظاً على الشريعة، فلما لم يكن شيءٌ من ذلك عُلِمَ أنه ليس بحرام. 3 - البراءة الأصلية، وهي الحلُّ. 4 - أنَّ دم الحيض ليس كدم الاستحاضة، لا في طبيعته، ولا في أحكامه؛ ولهذا يجب على المستحاضة أن تُصلِّيَ، فإِذا استباحت الصَّلاةَ مع هذا الدَّم فكيف لا يُباح وطؤُها؟ وتحريمُ الصَّلاة أعظمُ من تحريم الوَطء. ولا يُسلَّمُ أنه داخلٌ في الآية؛ لأنَّ الله قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً} [البقرة: 222]. فقوله: «هو» ضميرٌ يدلُّ على التَّخصيص، أي: هو لا غيره أذىً. ولا يُسَلَّم القياس في أكثر الأحكام؛ فكيف يُقاس عليه والحالةُ هذه!. 5 - أنَّ الحيض مدَّته قليلةٌ، فمنع الوطء فيه يسيرٌ؛ بخلاف الاستحاضة فمدَّتُها طويلةٌ؛ فمنع وطئها إِلا مع خوف العَنَتِ فيه حرجٌ والحرجُ منفيٌّ شرعاً. وأما كونُ الذَّكر يتلوَّث عند الوطء بالدَّم النَّجس؛ فإِن قلنا: إِنه يُعفى عن يسير دم الاستحاضة فلا إِشكال؛ لأنَّ ما يعلق منه بالذَّكر يسيرٌ، وإِنْ قلنا: لا يُعفى عنه فهو مباشرةٌ للدم غير مقصودة ولا مستمرَّة؛ إِذ يجبُ عليه غسله بعد ذلك. لكن إِذا استقذره، وكَرِه أن يجامعَ مع رؤية الدَّم؛ فهذا شيءٌ نفسيٌّ لا يتعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ، فقد يَكره الإِنسان الشيءَ كراهةً نفسيَّةً، ولا يُلام إِذا تجنَّبَه، كما كَرِهَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أكل الضَّبِّ مع أنَّه

وأكثر مدة النفاس أربعون يوما

حلالٌ، وقال: «إِنه ليس في أرض قومي فأجِدُني أعَافُهُ» (¬1). قوله: «ويُستَحبُّ غُسلها لكلِّ صلاة»، أي غُسل المستحاضة لوقتِ كلِّ صلاة؛ لا لفعل كلِّ صلاة. والدَّليل على ذلك: أمره صلّى الله عليه وسلّم بذلك (¬2). وهذا إِذا قويت أن تغتسلَ لكلِّ صلاة، وإِلا فإِنَّها تجمعُ بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فبدلاً من أن تغتسلَ خمس مرَّات تغتسلُ ثلاث مرات، مرَّةً للظُّهر والعصر، ومرَّة للمغرب والعشاء، ومرَّة للفجر. وهذا الاغتسال ليس بواجب، بل الواجب ما كان عند إِدبار الحيض، وما عدا ذلك فهو سُنَّة. وفيه فائدةٌ من النَّاحية الطِّبيَّة، لأنه يوجب تقلُّص أوعيةِ الدَّم، وإِذا تقلَّصت انسدَّت، فيقلُّ النَّزيف، وربما ينقطع بهذا الاغتسال؛ لأنَّ دم الاستحاضة دمُ عِرْقٍ، ودمُ العِرْق يتجمَّد مع البرودة. وأكثرُ مُدةِ النِّفاسِ أربعونَ يوماً، ......... قوله: «وأكثر مدَّة النِّفاس أربعون يوماً»، النِّفاس آخرُ الدِّماء، لأن الدماء ثلاثةٌ: حيضٌ، واستحاضةٌ، ونِفاس، وبعضهم يزيد دماً رابعاً: دمُ فساد، وبعضهم يُدخِلُ دمَ الفساد في دم الاستحاضة. والنِّفاس: بكسر النون من نَفَّسَ اللَّهُ كُربَتَه، فهو نِفاس، لأنه نُفِّسَ للمرأة به، يعني لما فيه من تنفيس كُربة المرأة. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأطعمة: باب الشواء، رقم (5400)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح: باب إباحة الضَّب، رقم (1945) عن ابن عباس وعن خالد بن الوليد. (¬2) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب عرق الاستحاضة، رقم (327)، ومسلم، كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها، رقم (334) من حديث عائشة.

ولا شكَّ أن المرأة تتكلَّفُ عند الحمل، وعند الولادة، قال الله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} [لقمان: 14]، وقال تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15]. والنِّفاس: دمٌ يخرج من المرأة بعد الولادة، أو معها، أو قبلها بيومين، أو ثلاثةٍ مع الطَّلق، أما بدون الطَّلق، فالذي يخرج قبل الولادة دمُ فساد وليس بشيء. فإِن قيل: كيف نعرف أنه قبل الولادة بيومين أو ثلاثة؟ فهنا امرأة أحسَّت بالطَّلق، وصار الدَّم يخرج منها؛ لكن هل نعلم أنها سَتَلِدُ خلال يومين أو ثلاثة؟. الجواب: لا نعلم، والأصل أنها لا تجلس، لكن عندنا ظاهرٌ يَقْوَى على هذا الأصل وهو الطَّلق، فإِنه قرينةٌ على أنَّ الدَّم دمُ نِفاسٍ، وأن الولادةَ قريبةٌ، وعلى هذا تجلسُ ولا تُصلِّي، فإِن زاد على اليومين قضت ما زاد؛ لأنَّه تبيَّن أنَّ ما زاد ليس بنفاس، بل هو دمُ فساد. وقال بعض العلماء: لا نفاس إِلا مع الوِلادة أو بعدها، وما تراه المرأةُ قبل الولادة ـ ولو مع الطَّلق ـ فليس بنِفاس (¬1). وعلى هذا القول تكونُ المرأة مستريحةً، وتُصلِّي وتصومُ حتى مع وجود الدَّم والطَّلق ولا حرج عليها، وهذا قول الشَّافعية (¬2)، وأشرت إِليه لقوَّته؛ لأنَّها إِلى الآن لم تتنفَّس، والنِّفاس يكون بالتنفُّس. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 392، 481). (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 521).

مسألة: هل كلُّ دم يخرج عند الوضع يكون نفاساً؟. الجواب: لا يخلو هذا من أحوال: الأولى: أن تُسقِطَ نطفةً، فهذا الدَّم دمُ فساد وليس بنِفَاس. الثَّانية: أن تضع ما تمَّ له أربعةُ أشهر، فهذا نِفاسٌ قولاً واحداً؛ لأنه نُفِختْ فيه الرُّوحُ، وتيقَّنَّا أنَّه بَشَرٌ، وهذان الطَّرفان محلُّ اتفاق، وما بينهما محل اختلاف. الثَّالثة: أن تُسقِطَ علقةً. واختُلفَ في ذلك: فالمشهور من المذهب: أنه ليس بحَيضٍ ولا نِفَاس. وقال بعض أهل العلم: إِنه نفِاس (¬1). وعلَّلوا: أن الماء الذي هو النُّطفة انقلب من حاله إِلى أصل الإِنسان، وهو الدَّمُ، فتيقَّنَّا أن هذا السَّقط إِنسانُ. الرابعة: أن تُسقِط مُضغَةً غير مخلَّقة. فالمشهور من المذهب: أنَّه ليس بِنفَاسٍ. وقال بعض أهل العلم: إِنَّه نفاس (935). وعلَّلوا: أن الدَّم يجوز أن يفسد، ولا ينشأ منه إِنسان، فإذا صار إلى مضغة لحم فقد تيقَّنّا أنه إنسان، فدمُها دمُ نِفاس. الخامسة: أن تُسقِطَ مُضغةً مخلَّقة بحيث يتبينُ رأسُه ويداه ورجلاه. فأكثر أهل العلم ـ وهو المشهور من المذهب ـ أنَّه نِفَاس. والتَّعليل: أنه إِذا سقط ولم يُخَلَّقْ يُحتمل أن يكون دماً ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 481).

متجمِّداً، أو قطعة لحم ليس أصلها الإِنسان، ومع الاحتمال لا يكون نِفَاساً؛ لأنَّ النِّفاس له أحكام منها إِسقاط الصَّلاة والصَّوم، ومنع زوجها منها، فلا نرفع هذه الأشياء إِلا بشيء مُتيقَّنٍ، ولا نتيقَّن حتى نتبيَّن فيه خَلْقَ الإِنسان. وأقلُّ مدَّة يتبيَّن فيها خَلْقُ الإِنسان واحدٌ وثمانون يوماً؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه وفيه: «أربعون يوماً نطفة، ثم علقة مثل ذلك» (¬1). فهذه ثمانون يوماً، قال: «ثم مضغة»، وهي أربعون يوماً، وتبتدئ من واحد وثمانين. فإِذا سقط لأقلَّ من ثمانين يوماً، فلا نِفاس، والدَّمُ حكمُه حكمُ دم الاستحاضة. وإِذا ولدت لواحد وثمانين يوماً فيجب التثبُّتُ، هل هو مخلَّق أم غير مخلق؛ لأن الله قسَّمَ المُضْغَة إِلى مخلَّقة، وغير مخلَّقة بقوله: {مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5]، فجائز ألاَّ تُخلَّق. والغالب: أنه إِذا تمَّ للحمل تسعون يوماً تبيَّن فيه خلق الإِنسان، وعلى هذا إِذا وضعت لتسعين يوماً فهو نِفَاس على الغالب، وما بعد التِّسعين يتأكَّد أنه ولدٌ وأنَّ الدَّم نفاسِ، وما قبل التسعين يحتاج إِلى تثبُّتٍ. وإِذا نَفِستِ المرأةُ فقد لا ترى الدَّم، وهذا نادرٌ جدًّا، وعلى هذا لا تجلس مدَّة النِّفاس، فإِذا ولدت عند طُلوع الشَّمس ودخل ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (343).

وقت الظُّهر ولم تَرَ دَماً فإِنها لا تغتسلُ، بل تتوضَّأْ وتُصلِّي. وإِذا رأت النُّفساء الدَّم يوماً أو يومين أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين أو أربعين يوماً فهو نِفَاس، وما زاد على ذلك فالمذهبُ أنَّه ليس بنِفَاسٍ؛ لأنَّ أكثرَ مدَّة النَّفاس أربعون يوماً. واستدلُّوا: بما رُويَ عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: «كانت النُّفساء تجلس على عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مُدَّة أربعين يوماً» (¬1)، وهذا الحديث من العلماء من ضعَّفه، ومنهم من حسَّنه وجوَّده، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن. فيحتمل أن يكون معناه أنَّ هذا أكثرُ مدَّة النِّفاس، ويُحتمل أن يكونَ هذا هو الغالب. فعلى الأوَّل إِذا تمَّ لها أربعون يوماً؛ والدَّم مستمرٌ؛ فإِنَّه ¬

_ (¬1) رواه أحمد (6/ 300، 304، 309، 310)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب ما جاء في وقت النفساء، رقم (311)، والترمذي، أبواب الطهارة: باب ما جاء في كم تمكث النفساء، رقم (139)، وابن ماجه، كتاب الطهارة: باب النفساء كم تجلس، رقم (648)، والحاكم (1/ 175) وغيرهم من حديث كثير بن زياد، عن مُسَّة الأزدية، عن أم سلمة به. وضُعِّف إسنادُه بسبب مُسَّة الأزدية: لا يُعرف حالُها، قال الحافظ فيها: «مقبولة» «تقريب» (1372)، أي حيث تُتابع. وللحديث شواهد كثيرة لكنْ لا يخلو أيُّ واحد منها من مقال، وفي صلاحيتها للمتابعة نظر. انظر: «نصب الراية» (1/ 204). والحديثُ صحّحه الحاكم ووافقه الذهبيُّ. قال النووي: «حديثٌ حسن، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. وقال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث، وأما قول جماعةٍ من مصنفي الفقهاء إِنه ضعيفٌ فمردودٌ عليهم». «الخلاصة» رقم (640). فثناءُ البخاريّ على هذا الحديث هو المعوَّلُ عليه. والله أعلم. انظر: «علل الترمذي الكبير» (1/ 193).

يجب عليها أن تغتسل وتصلِّي وتصومَ؛ إِلا أن يوافق عادةَ حيضِها فيكونُ حيضاً؛ لأنَّ أكثر مدَّة النِّفاس أربعون يوماً. وعلى الثَّاني تستمرُّ في نِفَاسها حتى تبلغَ ستين يوماً، وهذا قول مالك (¬1) والشَّافعي (¬2) وحكاه ابنُ عقيل رواية عن أحمد (¬3). وعلَّلوا: بأن المرجع فيه إِلى الوجود وقد وُجد من بَلَغَ نِفاسُها ستين يوماً. وحملوا حديث أمِّ سلمة على الغالب. ويدُّل لهذا الحمل أنه يوجد من النِّساء من يستمرُّ معها الدَّمُ بعد الأربعين على طبيعته، ورائحته، وعلى وتيرة واحدة. فكيف يُقال مثلاً: إِذا ولدت في السَّاعة الثانية عشرة بعد الظُّهر، وتمَّ لها أربعون يوماً في الثَّانية عشرة من اليوم الأربعين. كيف يُقال: إِنها في السَّاعة الثانية عشرة إِلا خمس دقائق من اليوم الأربعين دمُها دمُ نِفاس، وفي السَّاعة الثانية عشر وخمس دقائق من اليوم نفسه دمُها دمُ طُهْرٍ؟ فالسُّنَّة لا تأتي بمثل هذا التَّفريقِ مع عدم الفارق. فإِن قيل: هذا الإِيرادُ يَرِدُ على الستِّين أيضاً. فالجواب: أنَّ هذا أكثر ما قيل في هذه المسألة عن العلماء المعتبرين، وإِن كان بعضُ العلماءِ قال: أكثرُه سبعون (¬4)، لكنه قولٌ ضعيفٌ شاذٌّ. ¬

_ (¬1) انظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (1/ 174). (¬2) انظر: «المجموع شرح المهذب» (2/ 524). (¬3) انظر: «الإنصاف» (2/ 471). (¬4) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 239)، «الإنصاف» (2/ 471).

ومتى طهرت قبله تطهرت وصلت، ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهر

والذي يترجَّح عندي: أنَّ الدَّم إِذا كان مستمرًّا على وتيرة واحدة، فإِنَّها تبقى إِلى تمام ستِّين، ولا تتجاوزه. وعلى التَّقديرين، السِّتِّين أو الأربعين على القول الثَّاني إِذا زاد على ذلك نقول: إِن وافق العادة فهو حيضٌ. مثاله: امرأةٌ تمَّ لها أربعون يوماً في أوَّل يوم من الشَّهر، وعادتُها قبل الحمل أن يأتيها الحيضُ أولَ يوم من الشَّهر إِلى السِّتَّة الأيام فإِذا استمرَّ الدَّمُ من اليوم الأوَّل إِلى السَّادس، فهذه الأيَّام نجعلُها حيضاً؛ لأنَّه وافق العادة، وهو لمَّا تجاوز أكثَر النِّفاس صار حكمُه حكم الاستحاضة، وقد تقدَّم أن المستحاضةَ المعتادةَ ترجعُ إِلى عادتِها (¬1)، فَنَرُدُّ هذه إِلى عادتها. فإِن لم يصادف العادةَ فدَمُ فساد، لا تترك من أجله الصَّومَ ولا الصَّلاةَ، وأما أقلُّ النِّفاس فلا حدَّ له، وبهذا يُفارق الحيضَ، فالحيضُ على كلام الفقهاء أقلُّه يومٌ وليلة، وأما النِّفاس فلا حَدَّ لأقلّه. ومتى طَهُرتْ قَبْلَه تَطَهَّرتْ وصَلَّتْ، ويُكْرَهُ وَطْؤُها قَبْلَ الأرْبَعِينَ بَعدَ التَّطَهُّر، ............. قوله: «ومتى طَهُرَتْ قَبلَه»، أي: طَهُرَت النُّفساء قبل مدَّة أكثر النِّفاس. وذلك بانقطاع الدَّم، والمرأةُ تعرف الطَّهارةَ. قوله: «تطهَّرت»، أي: اغتسلت. قوله: «وصلَّت»، أي: فروضاً ونوافل، فالفرائض وجوباً، والنَّوافل استحباباً. ¬

_ (¬1) انظر: ص (486).

قوله: «ويُكره وَطؤها قبل الأربعين بعد التَّطهُّر»، أي: يُكره وَطءُ النُّفساء إِذا تطهَّرت قبل الأربعين. واستدلُّوا على ذلك بما يلي: 1 - أن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه لما طَهُرتْ زوجتُه قبل الأربعين وأتت إِليه قال: «لا تقربيني» (¬1). وهو من الصَّحابة، وقوله: «لا تقربيني» نهيٌ، وأقلُّه الكراهةُ. 2 - وخوفاً من أن يرجع الدَّم، لأنَّ الزَّمنَ زمنُ نِفاس. فأخرجوا حكم الوَطء عن الحكم الأصليِّ، وهو التَّحريم في حالة نزول الدَّم إِلى الكراهة بانقطاعه؛ لزوال علَّة التحريم وهو الدَّم، فلماذا لا يخرجُ عن التَّحريم إِلى الإِباحة؟ لأن وَطء النُّفساء إِما حلالٌ، وإِما حرامٌ، والكراهةُ تحتاجُ إِلى دليل، ولا دليل. فالرَّاجح: أنه يجوز وطؤُها قبل الأربعين إِذا تطهَّرت. وقول عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه يُجاب عنه بما يلي: 1 - أنَّه ضعيف. 2 - أنه قد يَتَنَزَّه عن ذلك دون أن يكونَ مكروهاً عنده، فلا يدلُّ على الكراهة. ¬

_ (¬1) روى عبد الرزاق في «مصنفه» رقم (1202)، والدارقطني في «سننه» (1/ 219) رقم (842) عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أنه كان يقول للمرأة من نسائه إِذا نفست: «لا تقربيني أربعين ليلة». وروى عبد الرزاق أيضاً، رقم (1201)، والدارمي رقم (944)، وابن الجارود رقم (118) عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أنه كان لا يقرب النساء أربعين ليلة ـ يعني في النفاس». والحسن مدلِّسٌ وقد عنعن. وقيل: لم يسمع من عثمان بن أبي العاص، «تهذيب الكمال» (19/ 409).

فإن عاودها الدم فمشكوك فيه تصوم، وتصلي، وتقضي الواجب

3 - أنه ربما كان فعله من باب الاحتياط، فقد يخشى أنها رأت الطُّهر وليس بطُهْرٍ، أو يخشى أن ينزل الدَّم بسبب الجماع، أو غير ذلك من الأسباب. فإِن عَاوَدَهَا الدَّمُ فَمَشْكُوكٌ فيه تَصُومُ، وتُصَلِّي، وتَقْضِي الواجب، ............. قوله: «فإِن عاودها الدَّم»، أي: عاد الدَّم إِلى النُّفساء بعد انقطاعه. قوله: «فمشكوكٌ فيه»، أي: لا ندري أنِفاسٌ هو؟ أم دمُ فساد؟. فإِن كان نفاساً ثبت له حُكْمُ النِّفاس، وإِن كان دم فساد لم يثبتْ له حكمُ النِّفاس. قوله: «تصومُ وتُصلِّي»، أي: يجب عليها أن تتطهَّر، وتصلي وتصومَ إِذا صادف ذلك رمضان، ولكنها تتجنَّب ما يحرم على النّفساء كالجماع مثلاً فلا تفعله، لأننا نأمرها بفعل المأمور كالصَّلاة والصَّوم من باب الاحتياط، ونمنعُها من المحرَّم من باب الاحتياط. قوله: «وتقضي الواجب»، يعني من الصَّوم والصَّلاة إِن كان يُقْضَى. مثال ذلك: امرأةٌ كان يوم طُهرِها في اليوم العاشر من رمضان، ولها عشرون يوماً في النِّفاس، بمعنى أنَّها ولدت قبل رمضان بعشرة أيَّام، وطَهُرت في العاشر من رمضان، واستمرَّ الطُّهر إِلى عشرين من رمضان، ثم عاودها الدَّم في العشر الأواخر من رمضان، فيجب عليها أن تصلِّي وتصوم احتياطاً، لأنه يحتمل أنه ليس دمَ نفاس.

وهو كالحيض فيما يحل، ويحرم، ويجب، ويسقط، غير العدة، والبلوغ

ثم إِذا طَهُرَتْ عند تمام الأربعين وذلك في يوم العيد، وجب عليها أن تغتسلَ وأن تقضيَ الصَّوم الذي صامته في أثناء هذا الدَّم، لأنه يُحتمل أنه دمُ نفاس، والصَّوم لا يصحُّ مع دم النِّفاس. وأمَّا الأيَّام التي صامتْها أثناء الطُّهر ـ وهي ما بين العاشر إِلى العشرين من رمضان ـ فلا تقضيها، لأنها صامتها وهي طاهرٌ ليس عليها دمٌ. وأما بالنسبة للصلاة؛ فلا يجب عليها أن تقضيَ الصَّلوات التي فعلتها بعد معاودة الدَّم، لأنَّه إِن كان دم فساد فقد صلت وبرئت ذمَّتُها، وإِن كان دمَ نفاس فالصَّلاة لا تجب على النُّفساء. فصار حكم الدَّم المشكوك فيه أن المرأة يجب عليها فعلُ ما يجب على الطَّاهرات لاحتمال أنه دمُ فساد، ويجب عليها قضاءُ ما يجب على النُّفساء قضاؤه لاحتمال أنه دمُ نِفاس، هذا ما قاله المؤلِّف وهو المذهب. والرَّاجح: أنَّه إِن كان العائدُ دمَ النِّفاس بلونه ورائحته، وكلِّ أحواله، فليس مشكوكاً فيه، بل هو دمٌ معلومٌ، وهو دمُ النِّفاس فلا تصومُ، ولا تصلِّي، وتقضي الصَّوم دون الصَّلاة. وإِن عَلِمَت بالقرائنِ أنه ليس دمَ نفاس فهي في حكم الطَّاهرات تصومُ وتصلِّي، ولا قضاءَ عليها؛ لأن الله لم يوجبْ على العباد العبادةَ مرَّتين. فإِمّا أن تكونَ أهلاً للصوم فتصوم وإِلا فلا. لكن إِن صادف العائدُ عادة حيضها فهو حيض. وهو كالْحيض فيما يَحِلُّ، ويَحْرُمُ، ويَجِبُ، ويَسْقُطُ، غَيْرَ العِدَّة، والبُلُوغِ، ............ قوله: «وهو كالحيض فيما يحلُّ»، يعني أن حكمَ النِّفاس

حكمُ الحيض. فيما يحلُّ كاستمتاعِ الرَّجل بالمرأة بغير الوَطء، والمرورِ في المسجد مع أمن التَّلويث. قوله: «ويحرم»، يعني أنه كالحيض فيما يحرُمُ. كالصَّوم، والصَّلاة، والوطءِ، والطَّواف، والطَّلاق على حسب كلام المؤلِّف. قوله: «ويجب»، يعني أنه كالحيض فيما يجب. كالغسل إِذا طَهُرتْ. قوله: «ويسقُطُ»، يعني أنه كالحيض فيما يَسقُطُ به، كالصَّوم، والصَّلاةِ فإِنهما يسقطانِ عنها، لكن الصومَ يجبُ قضاؤه، والصلاةَ لا تُقضى. قوله: «غير العِدَّة»، يعني أن النِّفاس يفارق الحيض في العدَّة. فالحيضُ يُحْسَبُ من العِدَّة، والنِّفاس لا يُحْسَبُ من العدَّة. مثاله: إِذا طلَّق امرأته، فإِنها تعتدُّ بثلاث حِيَضٍ، وكلُّ حيضةٍ تحسبُ من العدَّةِ. والنِّفاس لا يُحسب؛ لأنه إِذا طلَّقها قبلَ الوضعِ انتهتِ العدَّةُ بالوضع، وإِن طلَّقها بعده انتظرتْ ثلاث حيض، فالنِّفاسُ لا دخلَ له في العِدَّة إِطلاقاً. قوله: «والبلُوغ»، يعني: أنه يفارقَ الحيضَ في البلوغِ، أي: أن الحيضَ من علامات البلوغ. أما الحَملُ فليس من علامات البلوغ؛ لأنَّها إِذا حملت، فقد

علمنا أنَّها أنزلت، وحصل البلوغُ بالإِنزال السَّابق على الحمل. ويُستثنى أيضاً مدَّة الإِيلاء، وهو أن يحلف عن ترك وطء زوجته إِما مُطْلَقاً، أو مدَّة تزيد على أربعة أشهر. مثل أن يقول: والله لا أَطَأُ زوجتي. أو يقول: والله لا أطأ زوجتي حتى يخرج الدجَّال. فهذا يُحسب عليه أربعةُ أشهر، فإِن رجعَ وجامع كَفَّر عن يمينه، وإِنْ أَبَى، فإِن تمَّت المدَّةُ يُقال له: ارجعْ عن يمينك، أو طلِّقْ. فإن قال: إِن امرأته تحيضُ في كلِّ شهر عشرةَ أيام، فيبقى من مدَّة الإِيلاء أربعون يوماً، وطلب إِسقاطها من مدَّة الإِيلاء يُقال له: لا تُسْقَطُ عنك أيَّام الحيض، بل تُحسَبُ عليك. أما بالنِّسبة للنِّفاس فلا تُحسب مدَّتُه على المولي. مثاله: حلف ألا يجامع زوجتَه وهي في الشَّهر التَّاسع من الحمل، فيُضربُ له أربعَة أشهرٍ، فإِذا وضعتْ زوجته ومضى أربعةُ أشهرٍ من الأجل الذي ضربناه له، قلنا: طلِّقْ، أو جامعْ، فإِن قال: إِنَّ زوجته جلستْ أربعين يوماً في النَّفاس، وأريد إِسقاطها عنِّي، فهذه نسقطها عنه ونزيدُه أربعين يوماً، وإن جلستْ ستِّين يوماً زدناه ستِّين يوماً. فهذا فرق بين الحيض والنِّفاس، ووجهُ الفرق كما قال أهلُ العلم (¬1): أن الحيضَ أمرٌ معتادٌ، وقد جعل اللَّهُ تعالى لهذا الزوج ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (11/ 34).

أربعةَ أشهرٍ وعشراً؛ وهو سبحانه وتعالى يعلم أن غالب النساء يحضن في كلِّ شهر مرَّة. وأما النِّفاس فهو أمرٌ نادرٌ وهو حالٌ تقتضي أن لا يميلَ المولي إلى زوجه حال النِّفاس والدم، والمسألة مع ذلك لا تخلو من خلاف (¬1). ومن الفروق أيضاً: أنَّ المرأةَ المعتادة التي عادتُها في الحيض ستَّةُ أيَّام؛ إِذا طَهُرَتْ لأربعة أيام طهراً كاملاً يوماً وليلة، ثم عاد إِليها الدَّم؛ فيما بقي من مدَّة العادة وهو يومٌ وليلةٌ، فهو حيضٌ، وفي النِّفاس إِذا عاد في المدَّة يكون مشكوكاً فيه، وهذا على المذهب. ومن الفروق أيضاً: وهو خلاف المذهب، أن الطَّلاق في الحيض حرامٌ، وهل يقعُ؟ فيه خلافٌ (¬2). وفي النِّفاس ـ على المذهب ـ حرام أيضاً كما قال المؤلِّفُ: «وهو كالحيض فيما يحلُّ ويحرمُ». لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعمر: «مُرْهُ فليطلِّقها طاهراً، أو حاملاً» (¬3)، والنُّفساء غير طاهر. والصحيح: أنُّه ليس بحرام. والدليل على ذلك: أن الطَّلاق في الحيض حُرِّمَ لكونه طلاقاً لغير العدَّة، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، فإِذا طلَّق وهي حائضٌ فإِن بقيَّة هذه ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (23/ 193). (¬2) انظر: «المغني» (10/ 327)، «مجموع الفتاوى» (33/ 21). (¬3) تقدم تخريجه ص (483).

وإن ولدت توأمين، فأول النفاس، وآخره من أولهما

الحيضة لا تحسب، فلا بدَّ أن تأتي ثلاثُ حِيَضٍ جديدةِ، فلا تدخل في العدَّة من حينِ الطَّلاقِ. أما النِّفاس فلا دخل فيه في العدَّة، لأنه لا يُحسب منها، فإِذا طلقَّها فيه شرعت في العدَّة من حين الطَّلاق فيكون مطلِّقاً للعدة، وإِذا كان كذلك فإِذا طلَّقها في النِّفاس أو بعده، فهو على حدٍّ سواء. أما قولُه صلّى الله عليه وسلّم: «مُرْهُ فليطلِّقها طاهراً، أو حاملاً» (¬1)، أي: طاهراً من الحيض بدليل ما جاء في الحديث: «أنه طلَّق امرأته وهي حائضٌ» (948)، ولأنه صلّى الله عليه وسلّم قرأ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وهذا الحكمُ يختصُّ بالطَّلاق في الحيض دون النِّفاس. ومن الفروق بين الحيض والنِّفاس: أنَّه يُكره وطءُ النُّفساء إِذا طَهُرَتْ قبل الأربعين على المشهورِ من المذهبِ، ولا يُكرهُ وطء الحائضِ، إِذا طَهُرَتْ قبلع زمن العادةِ. ومن الفروق أنه لا حدَّ لأقل النِّفاس بخلاف الحيض. فهذه سبعةُ فروقٍ بين الحيضِ والنِّفاس. وإِن وَلَدتْ تَوْأَمَيْنِ، فَأوَّلُ النِّفاسِ، وآخِرُهُ من أَوَّلِهِمَا. قوله: «وإِن ولدت توأمين»، أي: ولدين. قوله: «فأوَّلُ النِّفاس، وآخرُه من أوَّلهما»، أي: أوَّل الولدين خروجاً. حتى ولو كان بينهما مدَّة كيومين، أو ثلاثة، فلو قُدِّر أنها ولدت الأول في أول يوم من الشهر، والثَّاني في العاشرِ من ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (483).

الشَّهر، فإِنه يبقى لها ثلاثون يوماً؛ لأن أوَّل النِّفاس من الأوَّل. ولو قُدِّر أنها ولدت الأوَّل في أوَّلِ الشَّهر، وولدت الثَّاني في الثَّاني عشر من الشَّهر الثَّاني، فلا نفاس للثَّاني؛ لأن النِّفاس من الأوَّل، وانتهت الأربعون يوماً، ولا يمكن أن يزيدَ النِّفاس على أربعين يوماً على المذهب؛ لأن الحملَ واحدٌ والنَّفاس واحدٌ، وإن تعدَّد المحمولُ. والرَّاجحُ: أنه إِذا تجدَّدَ دمٌ للثاني، فإِنَّها تبقى في نفاسِها، ولو كان ابتداؤه من الثاني، إِذ كيفَ يُقال: ليس بشيءٍ، وهي ولدتْ وجاءها دم؟!. انتهى بحمد الله تعالى المجلد الأوَّل ويليه بمشيئة الله عز وجل المجلد الثَّاني وأوَّله: «كتاب الصَّلاة»

كتاب الصلاة

كتابُ الصَّلاة كتابُ الصَّلاة ............ الصَّلاةُ في اللُّغة: الدُّعاءُ، وشاهد ذلك قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، أي: ادعُ لهم. أمَّا في الشَّرع: فهي التعبُّدُ للَّهِ تعالى بأقوال وأفعال معلومة، مفتتَحة بالتَّكبير، مختتَمة بالتَّسليم. وإن شئت فقل: هي عبادةٌ ذاتُ أقوال وأفعال، مفتتحة بالتَّكبير، مختتمة بالتَّسليم. أمَّا قول بعض العلماء: «إنَّ الصَّلاة هي: أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتَّكبير، مختتمة بالتَّسليم» (¬1). فهذا فيه قصور، بل لا بُدَّ أن نقول: عبادةٌ ذات أقوال، أو نقول: التَّعبُّدّ لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة، حتى يتبيَّن أنَّها من العبادات. والصَّلاة مشروعة في جميع المِلَل، قال الله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَّبِكِ واسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ *} [آل عمران]، وذلك لأهمِّيتها، ولأنَّها صِلَةٌ بين الإنسان وربِّه عزّ وجل. وقد فرضها الله سبحانه وتعالى على هذه الأمَّة على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم ليلة عُرِجَ به بدون واسطة. وتأمَّلْ كيف أخَّرَ اللَّهُ تعالى فريضتها إلى تلك الليلة إشادةً بها، وبياناً لأهمِّيتها لأنَّها: ¬

_ (¬1) انظر: «الروض المربع» (1/ 118).

أولاً: فرضت من الله عزّ وجل إلى رسوله بدون واسطة. ثانياً: فُرضت في ليلة هي أفضلُ الليالي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما نعلم. ثالثاً: فُرضت في أعلى مكان يصلُ إليه البشر. رابعاً: فُرضت خمسين صلاة، وهذا يدلُّ على محبَّة الله لها، وعنايته بها سبحانه وتعالى، لكن خُفِّفَت فجُعِلت خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، فكأنَّما صلَّى خمسين صلاة. وليس المراد تضعيف الحسنة بعشر أمثالها؛ لأنَّه لو كان المراد الحسنة بعشر أمثالها؛ لم يكن لها مزيَّة على غيرها من العبادات؛ إذ في كلِّ عبادة الحسنةُ بعشر أمثالها، لكن الظَّاهر أنَّه يُكتَبُ للإنسان أجرُ خمسين صلاة بالفعل، ويؤيِّده: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو إمامُ أمَّتِه ـ قَبِلَ فريضة الخمسين وَرَضِيَها، ثم خفَّفها اللَّهُ تعالى فكتب للأمَّة أجرَ ما قَبِلَه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ورضيَه، وهو خمسون صلاة. ويدلُّ لذلك: ما رواه البخاريُّ من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «فراجَعته ـ يعني: الله ـ فقال: هي خمس وهي خمسون» (¬1)، وفي رواية مسلم أنَّ الله قال: «يا محمد، إِنَّهنَّ خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لِكُلِّ صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة» (¬2)، وفي رواية النَّسائي: «فخمس بخمسين، فَقُمْ بها أنت ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم (349)، ومسلم، كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السماوات، رقم (163) من حديث أنس. (¬2) رواه مسلم في الكتاب والباب السابقين، رقم (162) من حديث أنس.

تجب

وأمَّتُك» (¬1)، وهذا فضلٌ عظيم من الله عزّ وجل بالنِّسبة لهذه الأمَّة، ولا نجدُ عبادةً فُرضت يوميًّا في جميع العُمر إلاَّ الصَّلاة، فالزَّكاة حَوليَّةٌ، والصِّيام حَوْليٌّ، والحَجُّ عُمْريٌّ. تَجبُ ............. قوله: «تجب»، أي: الصَّلاة، والمراد بالوجوب هنا أعلى أنواع الوجوب وهو الفريضة. وهي في الدِّين في المرتبة الثانية بعد الشَّهادة بالتَّوحيد والرِّسالة، فالإسلام: شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله؛ وأنَّ محمَّداً رسول الله، وهذه واحدة، وإِنَّما صارت هاتان الجملتان واحدة؛ لأنَّ كلَّ عبادة لا بُدَّ فيها من إِخلاص تتضمَّنه شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ الله، ومتابعةٍ تتضمَّنه شهادةُ أنَّ محمَّداً رسول الله، فلهذا جعلهما النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم شيئاً واحداً. والمرتبة الثَّانية هي الصَّلاة، فهي من أعلى أنواع الفرض. فقول المؤلِّف: «تجب»، قد يقول قائل: إنَّ فيه شيئاً من القُصُور؛ لأنَّك لو قلت عن كبيرة من الكبائر: تَحرمُ، لهوَّنْتَ من أمرها، فإذا قلت في مثل الصَّلاة: تجب، قد يقول قائل: إنَّ في هذا شيئاً من التَّهوين بأمرها؟ ولكنَّنا نقول: إنَّ المؤلِّف أراد أن يُبيِّن جنسَ حُكم هذه الصَّلوات، وأنَّها ليست من النَّوافل أو التَّطوعات، بل هي من جنس الواجب. ¬

_ (¬1) رواه النسائي: كتاب الصلاة: باب فرض الصلاة ... ، (1/ 223) رقم (449) من حديث أنس أيضاً.

على كل مسلم

والدَّليل على وجوبها: كتاب الله، وسُنَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإجماع المسلمين على ذلك إجماعاً قطعيًّا معلوماً بالضَّرورة من الدِّين. أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]. والشَّاهد: قوله: {كِتَابًا}، لأنَّ كتاباً بمعنى مكتوب، والمكتوب بمعنى المفروض، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، أي: فُرِضَ. ومن السُّنَّة: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وقد بعثَ معاذاً إلى اليمن: «أعْلِمْهُمْ أنَّ الله افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كُلِّ يومٍ وليلةٍ» (¬1). وأما الإجماع: فهو معلومٌ بالضَّرورة من الدِّين، ولهذا لم يُنكرْ أحدٌ من أهل القِبلة ـ ممَّن ينتسبون إلى الإسلام ـ فَرْضَهَا؛ حتى أهل البدع يقرُّون بفرضِهَا. عَلَى كُلِّ مسلمٍ .......... وقوله: «على كُلِّ مسلم»، المسلم هو: الذي يشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، ويقيمُ الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويصومُ رمضانَ، ويحجُّ البيتَ. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة، رقم (1395)، ورقم (1496). ومسلم، كتاب الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين، رقم (19).

هذا هو المسلم الكامل الإسلام، ولكن المراد بالمسلم هنا: من يشهد أن لا إله إلا الله؛ وأنَّ محمداً رسول الله؛ لقول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل: «إنك تأتي قوماً من أهلِ الكتاب، فادْعُهُمْ إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله، فإن هم أطاعُوا لذلك؛ فأعْلِمْهُم أنَّ الله افترض عليهم خمسَ صلوات ... ». الحديث. فتَجِبُ على هذا الذي شَهِدَ أنْ لا إله إلا الله؛ وأنَّ محمداً رسولُ الله، فالكافر لا تجب عليه، والمراد بنفي الوجوب على الكافر أنَّها لا تَلْزَمُهُ حال كفره، ولا يَلزَمُه قضاؤها بعد إسلامه. والدَّليل على أنَّها لا تَلزَمُه حال كفره، قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ *} [التوبة]. فهذا دليلٌ على أنَّ الصَّلاة لا تُقبل منه، وإذا لم تُقبل منه فإِنَّها لا تصحُّ، وإذا لم تصحَّ لم تجب؛ لأنَّها لو وجبت وأتى بما يلزم فيها لصحَّت. وأيضاً: رُبَّما نستدلُّ بحديث معاذ؛ لأنَّه لم يَذْكُرِ افتراضَ الصَّلاة عليهم إِلاَّ بعد الشَّهادتين. إِذاً؛ الكافر لا تلزمه الصَّلاة؛ ولا يلزمه قضاؤها إذا أسلم؛ لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ

سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «الإسلامُ يَهْدِمُ ما كان قبلَه» (¬1)، أو «يَجُبُّ ما قبله» (¬2). ولم يُلزِمِ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الذين أسلموا بقضاء صلواتهم الماضية وقال: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير» (¬3). وثَمَّ دليل من النظر، وهو: أننا لو ألزمناه بقضَائِها بعد إسلامه؛ لكان في ذلك مشقَّة وتنفير عن الإسلام. ولكن يُحَاسَب عليها في الآخرة، واستدلَّ العلماء لذلك بقوله تعالى: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *} [المدثر]. فإن قال قائل: مجرَّد تكذيبهم بيوم الدين يوجب أن يدخلوا النَّار؟. فالجواب أن يُقال: لولا أنَّ لتركهم الصَّلاة وإِطعامِ المسكين وخوضِهم مع الخائضين تأثيراً في تعذيبهم؛ لكان ذكره من باب العبث. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب كون الإسلام يهدم ما قبله، رقم (121). من حديث عمرو بن العاص. (¬2) والطحاوي في «شرح المشكل» رقم (507) وغيرهم، من حديث عمرو بن العاص. قال الهيثمي: «رواه أحمد والطبراني ... ورجالهما ثقات». «المجمع» (9/ 351). وانظر: «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف»، للزيلعي (2/ 27). (¬3) رواه البخاري، كتاب الزكاة: باب من تصدق في الشرك ثم أسلم، رقم (1436)، ومسلم، كتاب الإيمان: باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، رقم (123) واللفظ له، من حديث حكيم بن حزام.

وأمَّا من حيث النَّظرُ: فيقال: إذا كان المسلم يُعاقَب على ترك هذا الواجب، وهو أكرم عند الله ـ بلا شكٍّ ـ من هذا الكافر، فكيف لا يُعذَّب الكافر؟!. فإن قلت: لا يُعذَّب الكافرُ؛ لأنَّه غير ملتزم بذلك؛ إذ هو كافر؟ فنقول: وإن لم يلتزم؛ لكنَّه مُلزم شرعاً؛ لكونه عبداً لله، فكونه لا يلتزم عناداً منه واستكباراً. بل أقول: إن الكافر يُحاسَب على كلِّ نعمة أنعمها الله عليه يوم القيامة. ودليل ذلك من الأثر قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93]، والذين لم يؤمنوا ولم يتَّقوا ولم يعملوا الصَّالحات عليهم جُناحٌ بالمفهوم، أي: مفهوم وصف ومعنى، وهو الإيمان والعمل، وقال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32]، أما هؤلاء الكفَّار فهي حرام عليهم ويُحاسَبون عليها، بخلاف المؤمنين، فهي حلال لهم في الدُّنيا، ولا يُحاسَبون عليها يوم القيامة. فإن قلت: إذا كانت حراماً عليهم، فلماذا لا نمنعهم من الأكل والشُّرب؟ فالجواب على ذلك: أنَّ الله عزّ وجل يرزق العبادَ الحلالَ والحرامَ؛ لأنَّه تكفَّل بالرِّزق، قال اللَّهُ تعالى: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].

مكلف

إذاً؛ صار الكافر في الدُّنيا أشدَّ محاسبة من المؤمن؛ لأنَّ الكافر يُحاسَب على الأكل، والشّرب، واللباس، وكلِّ نعمة. أما النَّظر الذي يدلُّ على أنَّ الكافر يُعذَّب في الآخرة على ما استمتع به من نِعَمِ الله: فلأنَّ العقل يقتضي أنَّ من أحسن إليك فإنَّك تُقابله بالامتثال والطَّاعة إذا أمرك، ويرى العقلُ أنَّ من أقبح القبائح أن تُنابذَ من أحسن إليك بالاستكبار عن طاعته وتكذيب خبره، ولهذا قال الله عزّ وجل في الحديث القُدسي: «كَذَّبَني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتَمني ولم يكن له ذلك» (¬1). فإذا لم يكن ذلك حقاً له دلَّ على أنَّ عمله من أقبح القبائح أن يستمتع بنِعَمِ الله، ثمَّ يُنكر هذا الفضل بالاستكبار عن الطاعة، وتكذيب الخبر. مُكَلَّفٍ .............. قوله: «مُكلَّف»، التَّكليف في اللُّغة: إلزامُ ما فيه مشقَّة، ولكن في الشَّرع ليس كذلك؛ لأنَّ الشَّرع ليس فيه مشقَّة، قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وهو في الشَّرع: إلزامُ مقتضى خطاب الشَّرع. والتَّكليف يتضمَّن وصفين هما: البلوغ والعقل. فمعنى مكلَّف أي: بالغ عاقل، فغير البالغ وغير العاقل لا تلزمه الصَّلاة بالدَّليل الأثري والنَّظري. أما الأثري: فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «رُفع القلمُ عن ثلاثة: عن المجنون ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب التفسير: باب (سورة الإخلاص) قل هو الله أحد، رقم (4974) من حديث أبي هريرة.

حتى يُفيق، وعن الصَّبيِّ حتى يبلُغ، وعن النَّائم حتى يستيقظ» (¬1). وأما النَّظر: فلأنَّهما ليسا أهلاً للتَّكليف؛ إذ إنَّ قصدهم قَاصِرٌ مهما كان، ولهذا يختلف غير المكلَّف عن المكلَّف في بعض الأمور؛ فأُبيح للصَبيِّ من اللَّعب واللَّهو ما لم يُبَحْ لغيره، وَوُسِّعَ للصَّبيِّ في الواجبات ما لم يُوسَّع لغيره، حتَّى إنَّ الشَّيء الذي يكون جريمة في البالغ لا يكون جريمة في الصَّغير؛ لأن نظره قاصر، وكذا قصده، والمجنون من باب أولى، فالمجنون البالغ غير مكلَّف. والصَّغير العاقل غير مكلَّف. فإن قلت: إذا لم يجب على الصَّبيِّ صلاة؛ أَفَلَيْسَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد أوجبَ على الإنسان أن يأمرَ ابنه أو ابنتبالصَّلاة لسبعٍ، ¬

_ (¬1) رواه أبو داود، كتاب الحدود: باب في المجنون يسرق أو يصيب حَدّاً، رقم (4401)، والنسائي في «السنن الكبرى»، أبواب التعزيرات والحدود: باب المجنونة تصيب حدّاً، رقم (7343) من طريق جرير بن حازم، عن سليمان بن مهران، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، عن علي به مرفوعاً. قال النووي: «رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح». «الخلاصة» رقم (679) إلا أنه قد خالف جرير بن حازم وكيع بن الجراح ومحمدُ بن فضيل؛ فروياه عن علي بن أبي طالب وعُمر بن الخطاب موقوفاً. ورجَّح النسائيُّ والترمذيُّ والدارقطنيُّ وغيرهم وقْفَهُ على عُمر وعليّ. ورواه أبو داود، كتاب الحدود: باب في المجنون يسرق أو يصيب حَدّاً، رقم (4398)، وابن حبان رقم (142) بنحوه من حديث عائشة. قال النسائي: ليس في هذا الباب صحيح إلا حديث عائشة، فإنه حَسنٌ. قال البخاري: أرجو أن يكون محفوظاً. قال ابن المنذر: هو ثابت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. انظر: «علل الترمذي الكبير» (1/ 593)، «العلل» للدارقطني رقم (291، 354)، «فتح الباري» لابن رجب (5/ 294).

لا حائضا ونفساء

ويضربه عليها لعشر (¬1)؟ وهل يُضرَبُ الإنسان على شيء لا يجب عليه؟ فالجواب على ذلك أن نقول: إِنَّما أُلزم الوالدُ بأمر أولاده وضربهم؛ لأنَّ هذا من تمام الرِّعاية والقيام بالمسؤولية التي حملها، والأب أهلٌ للمسؤولية. لا لأنَّ الصَّبيَّ تجب عليه الصَّلاة، ولذلك لا يلزمه قضاؤها لو تركها. ولو كان الصَّبيُّ له ستُّ سنوات؛ لكنَّه فَطِنٌ وذكيٌّ، فظاهر الحديث أنَّه لا يأمره؛ لأنَّ الشَّارع حدَّها بالسَّبع؛ لأنَّ الغالب أنه يكون بها التَّمييز، والنَّادر لا حكم له. فإن قلنا: إنَّ التَّمييز ليس محدوداً بسنٍّ وإنَّما هو بالمعنى، وأنَّ التَّمييز هو: أن يفهم الخطاب، ويَرُدَّ الجواب، كما يدلُّ عليه الاشتقاق، فهل يجعل الحكم في أمره بالصَّلاة منوطاً به؛ ولو كان دون السَّبع أم لا؟ هذا محلُّ نظر، قد يُقال: إنَّنا نجعل الحكم منوطاً بالتَّمييز، وقد نقول: إنَّه منوط بالسَّبع كما جاء في السُّنَّة. والشَّارع أحكم منَّا، فيتقيَّد أمْرُه بالصَّلاة وضَرْبُه عليها بما جاءت به السُّنة. لا حَائِضاً وَنُفَسَاءَ، ............ قوله: «لا حائضاً ونُفساء»، هكذا في النُّسخ بالنَّصب، ¬

_ (¬1) رواه أحمد (2/ 180)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، رقم (495) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به مرفوعاً. قال النووي: «رواه أبو داود بإسناد حسن»، «الخلاصة» رقم (687). ورواه أحمد (3/ 404)، وأبو داود ـ الموضع السابق ـ رقم (494)، والترمذي، أبواب الصلاة: باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، رقم (407)، والحاكم (1/ 201) من حديث سَبرة بن معبد الجُهني. والحديث صححه: الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم وغيرهم.

ويقضي من زال عقله بنوم

ووجهه: أنها مفعول لفعل محذوف؛ والتقدير: لا تلزم حائضاً ونُفَسَاء، أي: لا تجب عليهما الصَّلاة بدليل أثريٍّ وإجماعيٍّ. قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في الحائض: «أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تَصُمْ» (¬1). والنُّفساءُ كالحائضِ في ذلك بالإجماع، والعلماءُ مجمعون على أنَّ الحائضَ والنُّفساءَ لا تلزمهما الصَّلاة، ولا يلزمهما قضاء الصَّلاة. ويَقْضي مَنْ زالَ عقْلُهُ بنومٍ .......... قوله: «ويقضي مَنْ زالَ عقلُهُ بنومٍ»، وعندي أنَّ في العبارة شيئاً من التَّساهل؛ لأنَّ النَّائمَ ليس زائلَ العقلِ بل مُغطًّى عقلُهُ، وفاقدٌ لإحساسه الظَّاهريِّ. والمعنى: أنَّ النَّائمَ يقضي الصَّلاة، وهذا ثابتٌ بالنَّصِّ والإجماع (¬2). أمَّا النَّصُّ: فهو قوليٌّ وفعليٌّ، فالقوليُّ: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من نسيَ صلاةً أو نَامَ عَنها، فكفَّارتُها أن يصلِّيَهَا إذا ذكرها» (¬3). وأمَّا الفعليُّ: فلأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قضى صلاة الفجر حين نام عنها في السَّفر (¬4). ولأنَّنا لو قلنا بعدم قضائها مع كثرة النَّوم لسقط ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 476). (¬2) انظر: «الإفصاح» لابن هبيرة (1/ 100). (¬3) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب من نسي صلاة فليصلّ إذا ذكرها، رقم (597)، ومسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (684) من حديث أنس بن مالك واللفظ لمسلم. (¬4) روى ذلك البخاري، كتاب التيمم: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، رقم (344)، ومسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، رقم (682) من حديث عمران بن حصين.

أو إغماء أو سكر أو نحوه

منها كثير، ولكان ذلك مَدْعاة للتَّساهل بها في النَّوم عنها. وأمَّا الإجماع: فقد نقله غيرُ واحد من أهل العلم. وأفاد قوله: «ويقضي» أنَّ صلاة النَّائم ونحوه بعد خروج الوقت تُعتبر قضاءً، وذهب شيخُ الإسلام ابنُ تيمية إلى أنَّ كلَّ من صَلَّى بعد الوقت معذوراً فصلاتُه أداءً (¬1)، لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وقَّت للنَّائم الصَّلاة عند استيقاظه، والنَّاسي عند ذِكْرِه. أَوْ إِغْمَاءٍ أو سُكْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، ........... قوله: «أو إغماء»، أي: يقضي من زال عقلُهُ بإغماءٍ، والإغماء: هو التَّطبيق على العقل، فلا يكون عنده إحساس إطلاقاً، فلو أَيْقَظْتَه لم يستيقظ. فإذا أُغمي عليه وقتاً أو وقتين وجبَ عليه القضاء؛ لورود ذلك عن بعض الصَّحابة رضي الله عنهم كعمار بن ياسر (¬2)، وقياساً على النَّوم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل. والأئمةُ الثَّلاثةُ يَرَون عدم وجوب القضاء على المُغمى ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 36، 37)، «الاختيارات» ص (35). (¬2) روى عبد الرزاق (2/ 479)، وأبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الصلاة: باب ما يعيد المغمى عليه من الصلاة، رقم (6583)، والدارقطني (2/ 81)، رقم (1841)، والبيهقي (1/ 388)، وفي «المعرفة والآثار» (2/ 220) من طريق السُّدِّي، عن يزيد مولى عمار، أن عمار بن ياسر أُغمي عليه في الظُّهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلّى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء». قال الشَّافعي: «ليس بثابتٍ عن عمار». وضعَّفه البيهقي أيضاً. «المعرفة والآثار» (2/ 221)، وقال ابن التركماني: «سنده ضعيف». «الجوهر النقي» مع السنن (1/ 387).

عليه (¬1)، لكنَّ أبا حنيفة رحمه الله يقول: إذا كانت خمس صلوات فأقلَّ فإنَّه يقضي (¬2)؛ لأنَّها سهلة ويسيرة، أمَّا إذا زادت على الخمس فلا يقضي، وكلامُ أبي حنيفة مبنيٌّ على شيء من العقل والرَّأي؛ فأخذ بعِلَّةِ مَنْ عَلَّل بالقضاء، وأخذ بسقوط الأمر للمشقَّة. ولكن لا شَكَّ أنَّ مثل هذا التَّقديرِ الدَّقيق يحتاج إلى دليل، وإلاَّ فهو تحكُّمٌ؛ فالإنسان الذي لا يَشُقُّ عليه خمسُ صلوات لا يَشُقُّ عليه ستُّ صلوات. فإذا نظرنا إلى التَّعليل وجدنا أنَّ الرَّاجح قول من يقول: لا يقضي مطلقاً؛ لأنَّ قياسه على النَّائم ليس بصحيح، فالنَّائم يستيقظ إذا أُوقِظَ، وأمَّا المُغمى عليه فإنَّه لا يشعر. وأيضاً: النَّوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنَّه لا يقضي سقط عنه كثير من الفروض. لكن الإغماء قد يمضي على الإنسان طولُ عمره ولا يُغمى عليه، وقد يسقط من شيء عالٍ فيُغمى عليه، وقد يُصاب بمرضٍ فيُغمى عليه. وأما قضاء عمَّار ـ إن صحَّ عنه ـ فإنَّه يُحمل على الاستحباب، أو التَّورُّعِ، وما أشبه ذلك (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «المدونة» (1/ 93، 94)، «المجموع شرح المهذب» (3/ 6، 7)، «المغني» (2/ 50، 51). (¬2) انظر: «المبسوط» (1/ 217). (¬3) روى مالك في «الموطأ»، كتاب وقوت الصلاة: باب جامع الوقوت، رقم (24)، وعبد الرزاق (2/ 479)، وأبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الصلاة: باب من قال ليس عليه (المغمى عليه) إعادة، رقم (6599)، والدارقطني (2/ 82) واللفظ له، والبيهقي في «المعرفة والآثار» (2/ 219) عن نافع: «أن ابن عمر أُغمي عليه ثلاثة أيام ولياليهن، فلم يقضِ». وإسناده غايةٌ في الصِّحة.

قوله: «أو سُكْرٍ»، أي: يقضي من زال عقله بسُكْر، فإذا كان آثماً بسُكْره فلا شكَّ في وجوب القضاء عليه؛ لأنَّه حصل باختياره، ولأنَّه غير مأذون له بذلك، ولأنَّنا لو أسقطنا عنه قضاء الصَّلاة، وهو من أهل شُرب الخمر، فإنَّه كلَّما أراد ألاَّ يُصلِّي شرب مسكراً، فحصل على جنايتين: على شرب المُسكر، وعلى ترك الصَّلاة. وإن كان غير آثم بسُكْره كما لو شرب شراباً جاهلاً أنَّه مسكر، فإنَّه يقضي أيضاً؛ لأنَّ هذا حصل باختياره، لكن لا إثم عليه؛ لأنَّه جاهلٌ بكونه مُسْكراً. وأما قياسه على المُغمى عليه ففيه نظر. فإن قلت: «أليس الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، فكيف يُلزم بقضاء ما نُهي عن قِرْبَانه؟ فالجواب: أنَّه ليس في الآية نهي عن قِرْبان الصَّلاة مطلقاً؛ وإنَّما نُهي عن قِرْبَانها حال السُّكْرِ حتى يعلم السَّكران ما يقول، فإذا علم ما يقول لزمته الصَّلاة أداءً إن كان في وقتها، أو قضاءً إن كان بعد الوقت، ولهذا كان الأئمة الأربعة متَّفقين على أنَّ مَنْ زال عقلُهُ بسُكْرٍ فإنَّه يَقضي (¬1). قوله: «أو نحوه»، أي: نحو ما ذُكِرَ مثل البَنْج والدَّواء، وهذا محلُّ خِلاف (¬2)، فمن أهل العلم من قال: إن زالَ عقلُهُ بشيء مباح فلا قضاء عليه؛ لأنَّه معذور. والذي يترجَّحُ عندي: ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 52)، «المجموع شرح المهذَّب» (3/ 6، 7). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 52)، «الإنصاف» (3/ 10).

ولا تصح من مجنون ولا كافر، فإن صلى فمسلم حكما

أنه إن زال عقلُهُ باختياره فعليه القضاء مطلقاً، وإن كان بغير اختياره فلا قضاء عليه. ولا تصحُّ من مجنونٍ ولا كافرٍ، فإِنْ صلَّى فَمُسْلمٌ حُكْماً. قوله: «ولا تصحُّ من مجنون ولا كافر»، أي: لا تصحّ الصَّلاة من مجنون؛ لعدم القصد؛ لأنَّ المجنون لا قصد له، ومَنْ لا قصد له لا نيَّة له، ومَنْ لا نيَّة له، لا عمل له؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمالُ بالنيَّات» (¬1)، ومثله من زال عقلُهُ ببِرْسَامٍ (¬2)، ومثله الهَرِم الذي لا يعقل. وقوله: «ولا كافر»، أي: ولا تصحُّ الصَّلاة من كافر، سواءٌ أكان أصليًّا أم مرتدًّا، فلا تصحُّ الصَّلاة منهما. والدَّليل قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة: 54]، مع أنَّ النَّفقات نفعُها مُتَعَدٍّ، فإذا كانت لا تُقبل منه؛ فالتي نفعُها غيرُ مُتَعَدٍّ لا تُقبلُ من باب أولى، ولأنَّه ليس من أهل العبادة حتَّى يُسْلِم؛ لحديث معاذ: «فليكنْ أوَّلَ ما تدعوهم إليه: شهادةُ أنْ لا إله إلا الله؛ وأنَّ محمداً رسول الله، فإن هُمْ أجابوك لذلك، فأَعْلِمْهُم أنَّ الله افترض عليهم خمسَ صلوات» (¬3). قوله: «فإن صلَّى فمسلمٌ حُكْماً»، أي: إذا صلَّى الكافر فإننا نحكم بإسلامه، ولكنَّه مسلم حُكْماً لا حقيقة؛ حتى وإن لم يَنْوِ الإسلامَ بما فعله. ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 194). (¬2) البِرْسَام: مرض يسبب الهَذيان. انظر: «القاموس المحيط» مادة: «برسم». (¬3) تقدم تخريجه ص (8).

ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر، فإن بلغ في أثنائها، أو بعدها في وقتها أعاد

وفائدتُه: أنَّنا إذا حكمنا بإسلامه طالبناه بلوازم الإسلام؛ فيَرثُ أقاربَه المسلمين ويرثونَه. وإن قال: «فعلتُه استهزاءً» فنعتبره مرتدًّا. والفرق بين كونه مرتدًّا وبين كفره الأصليِّ: أنَّ كُفْرَ الرِّدَّة لا يُقَرُّ عليه، بخلاف الكفر الأصليِّ فيُقَرُّ عليه، فالكافر بالرِّدَّة يُطَالَبُ بالإسلام؛ فإن أسلم وإلاَّ قتلناه. وَيُؤْمَرُ بها صغيرٌ لِسْبعٍ، ويُضْرَبُ عليها لعشْرٍ، فإِنْ بَلَغَ في أَثْنَائِها، أَوْ بَعْدَهَا في وقتِها أَعَادَ. قوله: «وَيُؤْمَرُ بها صغيرٌ»، يُؤمر: مبنيٌّ للمجهول؛ لأنَّ الأمرَ لا يتعيَّن، فكلُّ من له الإمْرَةُ على هذا الصَّبيِّ فإنَّه يأمره بالصَّلاة كالأب، والأخ، والعمِّ، والأمِّ. قوله: «لِسَبْعٍ»، أي: لتمامها لا لبلوغها، فلا يُؤْمَرُ إلا إذا دخل الثامنةَ؛ وإذا كنَّا نأمره بالصَّلاة فإنَّنا نأمره بلوازم الصَّلاة من الطَّهارة؛ وغيرها من الواجبات، ويستلزم تعليمَه ذلك. قوله: «ويُضْرَبُ عليها لعَشرٍ»، أي: على الصَّلاة، «لعشرٍ» أي: لتمام عشرٍ ليفعلها، ولا يكون ذلك إلاَّ بالتَّرك، فنضربه حتى يصلِّي، في كلِّ وقت، والضَّرب باليد أو الثوب أو العصا، أو غير ذلك، ويُشْتَرطُ فيه ألاَّ يكون ضرباً مُبرِّحاً؛ لأنَّ المقصود تأديبُه لا تعذيبُه. قوله: «فإن بَلَغَ في أثنائها، أو بَعْدَها في وَقْتِها أعادَ»، أي: إذا بلغ الصَّغيرُ في أثناء الصَّلاة، أو بعد انتهائها، لكن في وقتها أعاد الصَّلاة، ويحصُلُ هذا إذا حرَّرنا ولادته بالسَّاعة، والسَّاعاتُ موجودةٌ في عَصْرِ مَنْ مضى، ولكنها غير ساعاتنا هذه، ودليل وجودها أنَّ ابنَ حزمٍ الظَّاهريَّ في توقيته المسحَ على الخفَّين ذكر

ويحرم تأخيرها عن وقتها

الدَّقائق، وهذا يدلُّ على أنَّها موجودةٌ من قبلُ. وتعليلُ وجوبِ إعادة الصَّبيِّ إذا بلغ في أثناء الصَّلاة أنَّه شَرَعَ فيها؛ وهي في حَقِّه نَفْلٌ، والفرض لا يَنْبَنِي على النَّفل. وكذلك إذا بلغ بعدها في وقتها لزمه إعادتها؛ لأنَّه صار من أهل الوجوب قبلَ خروج وقتها فلزمَه فعلُها، وصلاتُه قبل بلوغه نافلة فلا تسقط بها الفريضة. والأصحاب قالوا: إذا بلغ الصَّبيُّ وهو صائمٌ مضى في صومه ولم تلزمه الإعادة (¬1). ففرَّقوا بين الصَّلاة والصِّيام، ولم يذكروا سبباً مقنعاً للتَّفريق، ولهذا جعل بعضُ الأصحاب حكمهما واحداً، وأوجبَ القضاءَ على مَنْ بلغ أثناء صومه (¬2). ولكن الصَّواب: أنَّه يمضي في صلاته وصومه ولا إعادة عليه، وكذلك لو بلغ بعد صلاته لم تلزمه إعادتها، كما لا يلزمه إعادةُ صيام الأيام الماضية من رمضان قولاً واحداً (¬3)؛ لأنَّه قام بفعل الصَّلاة والصِّيام على الوجه الذي أُمِرَ به، فسقط عنه الطَّلبُ، وهذا واضحٌ ولله الحمد. ويؤيِّد هذا: أنَّه يقع كثيراً، ولم يُحْفَظْ عن الصَّحابة أنَّهم يأمرون من بلغ في أثناء الوقت بالإعادة. ويَحْرُمُ تَأْخيرُها عَنْ وَقْتِها ............... قوله: «وَيَحْرُمُ تأخيرُها عن وَقْتِها»، وذلك لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، وإذا ¬

_ (¬1) انظر: «الإقناع» (1/ 490). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 22)، (7/ 361). (¬3) انظر: «المغني» (4/ 414).

إلا لناو الجمع، ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريبا

كانت مفروضةً في وقت معيَّن فتأخيرُها عن وقتها حرامٌ. وكذلك النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وقَّتَ أوقاتَ الصَّلاة، وهذا يقتضي وجوبَ فعلها في وقتها. وقوله: «تأخيرها» يشمَلُ تأخيرها بالكلِّيَّة؛ أو تأخيرَ بعضها، بحيث يؤخِّر الصَّلاة حتَّى إذا لم يبقَ إلاَّ مقدارُ ركعةٍ صلَّى، فإنَّه حرامٌ عليه؛ لأنَّ الواجبَ أن تقع جميعُها في الوقت. وقوله: «عن وقتها» يشمَلُ وقت الضَّرورة ووقت الجواز؛ لأنَّ صلاة العصر مثلاً لها وقتان: وقتُ ضرورة؛ ووقتُ جواز، فوقتُ الضَّرورة من اصفرار الشَّمس إلى غروبها، ووقتُ الجواز من دخول وقتها إلى اصفرار الشَّمس، فيحرم أن يؤخِّرها عن وقت الجواز إلاَّ لعذر. ويُستثنى من ذلك مسألتان: إِلاَّ لِنَاوِ الْجَمْعِ، ولمشتغلٍ بشَرْطِها الذي يُحَصِّلُهُ قريباً. المسألة الأولى: أشار إليها بقوله: «إِلا لِنَاوِ الجَمْعِ»، ونزيد قيداً: وكان ممَّن يَحِلُّ له أن يجمع. وهذا الاستثناء يشبه أن يكون صُوريًّا، وذلك لأنَّه إذا جاز الجمعُ بين الصَّلاتين صار وقتاهما وقتاً واحداً، ولا يقال: «أخَّرها عن وقتها». المسألة الثانية: ذكرها بقوله: «ولمُشْتَغِلٍ بشَرْطها الذي يُحَصِّلُهُ قريباً». مثاله: إنسان انشقَّ ثوبه فصار يخيطُه فحانَ خروجُ الوقت، فإن صَلَّى قبل أن يخيطَه صلَّى عُرْياناً، وإن انتظر حتَّى يخيطَه صلَّى مستتراً بعد الوقت، فهذا تحصيلُه قريب، فهنا يجوز أن يؤخِّرها عن وقتها، أمَّا إذا كان بعيداً فلا. ومثله لو وصل إلى الماء عند غروب الشَّمس، فإن اشتغل باستخراجه غربتِ الشَّمسُ؛

فله أن يؤخِّرها عن وقتها، لأنَّه اشتغل بشرطٍ يُحصِّلُه قريباً، وهو استخراج الماء من البئر، وإن كان يحتاج إلى حفر البئر فلا يؤخِّرها؛ لأن هذا الشَّرطَ يُحصِّله بعيداً. هذا ما ذهب إليه المؤلِّف. والصَّواب: أنَّه لا يجوز أن يؤخِّرها عن وقتها مطلقاً، وأنَّه إذا خاف خروجَ الوقت صَلَّى على حَسَبِ حاله؛ وإن كان يمكن أن يُحصِّل الشَّرطَ قريباً استدلالاً بالآية. ولأنَّه لو جاز انتظار الشُّروط ما صحَّ أن يُشْرَعَ التَّيمُّمُ؛ لأنَّه بإمكان كُلِّ إنسان أن يُؤخِّر الصَّلاةَ حتى يجد الماء. وانفكاكهم عن هذا الإيراد بقولهم: «قريباً» انفكاك لا يؤثِّر؛ لأنَّ الذي أخَّر الصلاة عن وقتها لا فرق بين أن يؤخِّرها إلى وقت طويل أو إلى وقت قصير؛ لأن في كليهما إخراجاً عن وقتها، وهذا اختيار شيخ الإسلام (¬1). فعلى هذا يصلِّي في الوقت بالتَّيمُّم وعُرياناً. ويكون الذي يُستثنى مسألة واحدة وهي من نوى الجمع، وسبق التنبيه على أنه تأخير صوريٌّ فقط. مسألة: اختلف العلماء هل يجوز تأخير الصَّلاة لشدَّة الخوف بحيث لا يتمكَّن الإنسانُ من الصَّلاة بوجه من الوجوه؛ لا بقلبه؛ ولا بجوارحه على قولين (¬2)، والصَّحيح منهما أنه يجوز في هذه الحال؛ لأنَّه لو صَلَّى؛ فإنَّه لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 57)، «الاختيارات» ص (32، 33). (¬2) انظر: «المغني» (3/ 316)، «مجموع الفتاوى» (22/ 28، 29)، «الإنصاف» (5/ 146).

ولأنَّه يدافع الموت. وقد ورد ذلك عن بعض الصَّحابة كما في حديث أنس في فتح تُسْتَر (¬1)، فإنَّهم أخَّروا صلاةَ الفَجر عن وقتها إلى الضُّحى حتى فَتَح اللَّهُ عليهم (¬2)، وعليه يُحمل تأخير النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يوم الخندق الصلاةَ عن وقتها (¬3)، فإنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «شَغلونا عن الصَّلاة الوسطى» (¬4)، أي: بحيث لم يستطع أن يصلِّيَها في وقتها. وغزوة الخندق كانت في السَّنةِ الخامسة، وغزوة ذات الرِّقاع كانت في السَّنة الرَّابعة على المشهور (¬5)، وقد صلَّى فيها صلاة الخوف، فتبيَّن أنَّه أخَّرها في الخندق لشدَّة الخوف، فيكون هذا الاستثناء الثَّاني في التأخير، وعليه يكون تأخير الصَّلاة عن وقتها في موضعين: ¬

_ (¬1) ذكر خليفةُ أنَّ فَتْحها كان في سنة عشرين في خلافة عُمر. «الفتح» لابن رجب، ولابن حَجر شرح حديث رقم (945). «معجم البلدان» (2/ 29)، «التاريخ الإسلامي» لمحمود شاكر (3/ 179). (¬2) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب الخوف: باب الصَّلاة عند مناهضةِ الحصون ولقاءِ العدو. ووصله خليفة بن خياط في «تاريخه» ص (146) قال: ثنا ابن زُريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس به، وإسناده صحيح. ووصله أيضاً ابن سعد، وابن أبي شيبة من وجه آخر عن قتادة. انظر «الفتح» شرح حديث (945). (¬3) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب مَنْ صلّى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، رقم (596)، ومسلم، كتاب المساجد: باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، رقم (631) من حديث جابر. (¬4) رواه مسلم، في الكتاب والباب السابقين، رقم (627، 628) من حديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود. (¬5) انظر: «زاد المعاد» (3/ 250)، «فتح الباري» (7/ 417).

ومن جحد وجوبها كفر

أحدهما: عند الجمع. والثَّاني: في شدَّة الخوف الذي لا يتمكَّن معه من الصَّلاة بأيِّ وَجْهٍ من الوجوه كما سبق. وهل يجوز تأخير الصَّلاةِ من أجل العمل؛ إذا كان لا يتمكَّن صاحبُه من أداء الصلاة في وقتها فيؤخِّرها؟. والجواب: إن كان ذلك للضَّرورة كإطفاء الحريق وإنقاذ الغريق فالظَّاهر الجواز، وإن كان لغير الضرورة لا يجوز. ومَنْ جَحَدَ وُجُوبَها كَفَرَ، ........... قوله: «وَمَنْ جَحَدَ وجُوبها كَفَرَ»، أي: وجوبَ الصَّلاة المُجمع على وجوبها وهي: الصلوات الخمس والجُمُعة فهو كافر؛ لأنَّه مكذِّبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين القطعيِّ، وحتى لو جَحَدَ وجوبها وصلَّى، وكذا لو جَحَدَ وجوبَ بعضها، وكذا لو جَحَدَ وجوبَ ركعة واحدة، فإنَّه يكفر. وكذا لو جَحَدَ وجوبَ رُكْنٍ واحد فقط، كفر إذا كان مُجمَعاً عليه. واستثنى العلماءُ من ذلك: ما إذا كان حديثَ عهدٍ بكفر وجَحَدَ وجوبها، فإنَّه لا يكفر (¬1)، لكن يُبيَّنُ له الحق، فإذا عُرض له الحقُّ على وجهٍ بَيِّنٍ ثُمَّ جَحَدَ كفر. وهذه المسألة التي استثناها العلماء تُبَيِّنُ أنَّه لا فرق بين الأمور القطعيَّة في الدِّين وبين الأمور الظنِّيَّة في أنَّ الإنسان يُعْذَر بالجهل فيها، وهذه المسألة ـ أعني العذر بالجهل ـ مهمَّةٌ تحتاج إلى تثبُّتٍ حتى لا نُكفِّر من لم يَدُلَّ الدَّليل على كفره. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (3/ 351).

وكذ تاركها تهاونا ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها

وَكَذَ تَارِكُهَا تَهَاوُناً وَدَعَاهُ إِمامٌ أو نَائِبُهُ فَأَصَرَّ وَضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ عَنْهَا، ......... قوله: «وكذا تاركُها تهاوناً، ودَعَاهُ إمامٌ أو نائبُه فأَصرَّ وضَاقَ وَقْتُ الثَّانية عنها»، فَصَلَ هذه المسألة عن الأولى بقوله: «وكذا»، لأنَّ هذه لها شروط، فإذا تركها تهاوناً وكسلاً مع إقراره بفرضيتها، فإنَّه كافرٌ كفراً أكبرَ مخرجاً عن المِلَّة ولكن بشرطين: الأول: ذكره بقوله: «ودَعَاهُ إمامٌ أو نائبُه»، أي: إلى فعلها. والمراد بالإمام هنا: مَنْ له السُّلطة العُليا في البلد. والثاني: ذكره بقوله: «وضاقَ وقتُ الثَّانية عنها» فإنَّه يكفرُ. وعليه؛ فإذا ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها، فإنَّه لا يكفر، وظاهره أنَّه سواءٌ كانت تُجمع إلى الثانية أو لا تُجمع، وعلى هذا؛ فمذهب الإمام أحمد المشهور عند أصحابه أنَّه لا يمكن أن يُحْكَمَ بكفر أحد تركَ الصَّلاةَ إذا لم يَدْعُهُ الإمامُ؛ لأننا لم نتحقَّق أنه تركها كسلاً؛ إذ قد يكون معذوراً، بما يعتقده عذراً وليس بعذرٍ، لكن إذا دعاه الإمام وأصرَّ علمنا أنه ليس معذوراً. وأما اشتراطُ ضِيْقِ وقت الثانية؛ فلأنَّه قد يظنُّ جوازَ الجمع من غير عذرٍ. فلاحتمال هذا الظَّنِّ لا نحكم بكفره. ولكن القول الصَّحيح ـ بلا شكٍّ ـ ما ذهب إليه بعض الأصحاب من أنه لا تُشترط دعوةُ الإمام (¬1)؛ لظاهر الأدلَّة، وعدم الدَّليل على اشتراطها. وأيضاً: هل نقول في المسائل التي يُكفَّر بها: إنَّه لا يُكفَّر ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 30).

إلاَّ إذا دعاه الإمام؟ لأنَّ احتمالَ العُذر فيها كاحتمال العُذر في تارك الصَّلاة تهاوناً وكسلاً، فإما أن نقول بذلك في الجميع؛ أو نترك هذا الشرط في الجميع؛ لعدم الدَّليل على الفرق. وقال بعض العلماء: يكفرُ بترك فريضةٍ واحدة (¬1)، ومنهم من قال: بفريضتين (38)، ومنهم من قال: بترك فريضتين إن كانت الثَّانية تُجمع إلى الأولى (38). وعليه؛ فإذا ترك الفجر فإنَّه يكفر بخروج وقتها، وإن ترك الظُّهر، فإنَّه يكفر بخروج وقت صلاة العصر. والذي يظهر من الأدلَّة: أنَّه لا يكفر إلا بترك الصَّلاة دائماً؛ بمعنى أنَّه وطَّنَ نفسَه على ترك الصَّلاة؛ فلا يُصلِّي ظُهراً، ولا عَصراً، ولا مَغرباً، ولا عِشاء، ولا فَجراً، فهذا هو الذي يكفر. فإن كان يُصلِّي فرضاً أو فرضين فإنَّه لا يكفر؛ لأنَّ هذا لا يَصْدُقُ عليه أنه ترك الصَّلاة؛ وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بين الرَّجُلِ وبين الشِّركِ والكفرِ تَرْكُ الصَّلاة» (¬2)، ولم يقل: «تَرَكَ صلاةً». وأما ما رُوي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ تَركَ صلاةً مكتوبةً متعمِّداً فقد بَرئت منه الذِّمَّةُ» (¬3)، ففي صحَّته نظر. ولأنَّ الأصلَ ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (3/ 354)، «مجموع الفتاوى» (22/ 60)، «الإنصاف» (3/ 28). (¬2) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب بيان إطلاق اسم الكفر على مَنْ ترك الصَّلاة، رقم (82) من حديث جابر بن عبد الله. (¬3) رواه البخاري في «الأدب المفرد» رقم (18)، وابن ماجه، كتاب الفتن: باب الصبر على البلاء، رقم (4034)، والبيهقي في «الشُّعب» رقم (5589) عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء به مرفوعاً. قال ابن حجر: «في إسناده ضعف». «التلخيص الحبير» رقم (810). قال في موضع آخر: «إسناده حسن موصول». «الأمالي المطلقة» ص (74). قال البوصيري: «إسناده حسن، وشهر مختلف فيه». قلت: شهر بن حوشب ضعّفه شعبة والنسائي وغيرهما، ووثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان، وحَسَّن أحاديثه أحمد بن حنبل والبخاري. وقال ابن حجر: «صدوق كثير الإرسال والأوهام» «تقريب» ص (441). ورواه ابن أبي شيبة بنحوه في «مصنّفه»، كتاب الصلوات: باب في التفريط في الصلاة، رقم (3445) عن أبي قلابة عن أبي الدرداء. وله شاهد من حديث أميمة مولاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رواه الطبراني (24/رقم 479) والحاكم (4/ 41)، قال ابن الملقن: «في إسناده يزيد بن سنان الرهاوي وهو ضعيف». «خلاصة البدر المنير» (1/ 283). وله شاهد من حديث أم أيمن رواه البيهقي (7/ 304)، وفي «الشُّعب» رقم (7865) وحسَّنه الحافظ في «الأمالي». ومن ثم؛ فإن الحافظ قد قوَّى هذا الحديث بشواهده «الأمالي المطلقة» ص (75).

بقاءُ الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين؛ لأنَّ ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، فأصل هذا الرَّجُل المُعَيَّن أنَّه مسلمٌ؛ فلا نخرجه من الإسلام المتيقَّن إلا بدليل يخرجه إلى الكفر بيقين. وقال بعض العلماء: لا يكفر تاركها كسلاً (¬1). وقول الإمام أحمد بتكفير تارك الصلاة كسلاً هو القول الرَّاجح، والأدلة تدلُّ عليه من كتاب الله وسُنَّةِ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، وأقوال السَّلف، والنَّظر الصحيح. أمَّا الكتاب: فقوله تعالى في المشركين: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]، فاشترط الله لثبوت الأُخُوَّة في الدِّين ثلاثةَ شروط: ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (3/ 354، 355)، «الإنصاف» (3/ 35 ـ 41).

الأولُ: التوبة من الشِّرك، والثَّاني: إقامة الصَّلاة، والثالث: إيتاء الزَّكاة. فالآية تدلُّ على أنَّه لا يكون أخاً لنا في الدِّين إذا لم يُصَلِّ ولم يُزكِّ، وإن تاب من الشِّرك. والأُخُوَّة في الدِّين لا تنتفي بالمعاصي وإن عَظُمَتْ، كما في آية القصاص حيث قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ} [البقرة: 178]، فجعلَ المقتولَ أخاً للقاتل عمداً، وكما في اقتتال الطَّائفتين من المؤمنين حيثُ قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]، فلم تنتفِ الأُخوة الإيمانية مع الاقتتال؛ وهو من كبائر الذُّنوب. أمَّا مانعُ الزَّكاة فمن العلماء من التزم بذلك وقال بأنَّه كافر، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله (¬1)، ولكن يمنع هذا القول ما ثبت في «صحيح مسلم» فيمن آتاه الله مالاً من الذَّهب والفضَّة ولم يُؤدِّ زكاتَه «أنه يرى سبيله إما إلى الجَنَّة وإما إلى النَّار» (¬2)، وهذا يَدلُّ على أنه ليس بكافر؛ إذ لو كان كذلك لم يجد سبيلاً إلى الجنَّة. وأما السُّنَّة: فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بين الرَّجُل وبين الشِّرك والكفر تركُ الصَّلاة» (¬3)، وقال: «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (4/ 7، 8)، «الإنصاف» (3/ 34)، (7/ 147، 148)، (27/ 113، 114). (¬2) رواه مسلم، كتاب الزكاة: باب إثم مانع الزكاة، رقم (987)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (¬3) تقدم تخريجه ص (27).

فمن تركها فقد كفر» (¬1). والبَيْنيَّةُ تقتضي التَّمييز بين الشيئين، فهذا في حَدٍّ، وهذا في حَدٍّ. وقوله في الحديث: «الكفر»، أتَى بأل الدالة على الحقيقة، وأنَّ هذا كفرٌ حقيقي وليس كفراً دون كُفر، وقد نَبَّه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» (¬2)، فلم يقل صلّى الله عليه وسلّم: «كفر»، كما قال: «اثْنَتَان في النَّاس هُمَا بهم كُفْرٌ: الطَّعن في النَّسب، والنِّياحة على الميِّت» (¬3)، وإنما قال: «بين الرَّجُل والشِّرك والكفر»، يريد بذلك الكفر المطلق وهو المُخْرج عن المِلَّة. وأما أقوال الصَّحابة: فإنها كثيرة، رُويت عن سِتَّة عشر صحابياً، منهم عمر بن الخطاب (¬4). ونقل عبد الله بن شقيق وهو ¬

_ (¬1) رواه أحمد (5/ 346)، والترمذي، كتاب الإيمان: باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (2621)، والنسائي، كتاب الصلاة: باب الحكم في تارك الصلاة، (1/ 231)، رقم (462)، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، رقم (1079)، وغيرهم من حديث بريدة بن الحصيب. والحديث صحّحه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والنووي، والذهبي. وقال هبة الله الطبري: «هو صحيح على شرط مسلم». انظر: «شرح أصول الاعتقاد» رقم (1518)، «الخلاصة» رقم (658). (¬2) «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/ 208). (¬3) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب، رقم (68). (¬4) ولفظه: «لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة»، رواه مالك، كتاب الطهارة: باب العمل فيمن غلبه الدم من جرحٍ أو رعاف، رقم (86)، وابن أبي شيبة في «الإيمان» رقم (103)، والبيهقي (1/ 357) من طريق: هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة عن عمر به. ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» رقم (579) عن هشام، عن أبيه، حدثني سليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة، عن عمر به، وإسناده صحيح. ورواه ابن سعد (3/ 351)، والآجري في «الشريعة» رقم (271، 272) واللالكائي رقم (1528)، والطبراني في «الأوسط» رقم (8181) عن المسور بن مخرمة أيضاً عن عمر به. قال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح»، «المجمع» (1/ 295). ورواه اللالكائي (1529) عن ابن عباس عن عمر به. وانظر بقية أقوال الصحابة والتابعين في تكفير تارك الصلاة في: «شرح أصول الاعتقاد» (4/ 906)، و «الشريعة» (2/ 644)، و «المصنَّف» (1/ 150)، و «تعظيم قدر الصلاة» (2/ 876 ـ 925).

من التابعين عن أصحاب النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عموماً القول بتكفير تارك الصلاة، فقال: «كان أصحابُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لا يَرَونَ شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» (¬1)، ولهذا حَكى الإجماعَ إِسحاقُ بن راهويه الإمام المشهور فقال: ما زال الناس من عهد الصحابة يقولون: إن تاركَ الصَّلاة كافر (¬2). وأما النَّظَر: فإنه يُقال: إنَّ كلَّ إنسان عاقل في قلبه أدنى مثقال ذَرَّة من إيمان لا يمكن أن يُدَاوِمَ على ترك الصَّلاة، وهو يعلَم عِظَمَ شأنها، وأنَّها فُرضت في أعلى مكان وصل إليه البشر، وكان فرضها خمسين صلاة لكنها خُفِّفَت، ولا بُدَّ فيها من طهارة بدون خلاف، ولا بُدَّ للإنسان أن يتَّخذ فيها زينة، فكيف يشهد أنْ لا إله إلا الله، ويُحافظ على ترك الصَّلاة؟ إنَّ شهادةً كهذه تستلزم ¬

_ (¬1) رواه الترمذي، كتاب الإيمان: باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (2622)، وابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» رقم (948)، والحاكم (1/ 7). قال النووي: رواه الترمذي في الإيمان بإسناد صحيح. «الخلاصة» رقم (660). (¬2) انظر: «تعظيم قدر الصَّلاة» رقم (990)، «المحلَّى» (2/ 242، 243).

أن يعبده في أعظم العبادات، فلا بُدَّ من تصديق القول بالفعل، فلا يمكن للإنسان أن يَدَّعي شيئاً وهو لا يفعله، بل هو كاذب عندنا، ولماذا نكفِّره في النّصوص التي جاءت بتكفيره مع أنه يقول: لا إله إلا الله، ولا نكفره بترك الصَّلاة مع أنَّ النصوصَ صريحةٌ في كفره؟ ما هذا إلا تناقض. ولا يمكن أنْ نحمل نصوصَ التَّكفير على مَنْ تركها جاحداً، فإن الإنسانَ لو صَلّى الصّلاة كاملة؛ وهو جاحدٌ لوجوبها فإنَّه كافر، ولهذا لما قيل للإمام أحمد في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا} ... } [النساء: 93] الآية: إنَّ هذا فيمن استحلَّ قتل المسلم؛ قال: سبحان الله! من استحلَّ قتل المسلم فهو في النَّار، سواء قتله أم لم يقتله. وهذا مثله، وأنت إذا حملتَ الحديثَ على هذا فقد حَرَّفته من وجهين: أولاً: حملتَ دلالته على غير ظاهره؛ لأن الحديث معلَّق بالتَّرك لا بالجحود. ثانياً: أبطلتَ دلالته فيما دَلَّ عليه، وهو التَّرك؛ حيث حملته على الجحود. وهذا من باب الاعتقاد ثم الاستدلال، والذي يحكم بالكفر والإسلام هو اللَّهُ عزّ وجل. بقي أن يُقال: هناك أحاديث تُعارض الأحاديثَ الدَّالة على الكفر؟ فنقول: أولاً يجب أن نعرف ما معنى المعارضة قبل أن نقول بها، ولهذا نقول: حَقِّقْ قبل أن تُنَمِّقَ، هل جاء

حديث أو آية تقول: مَنْ ترك الصَّلاة فليس بكافر أو نحوه؟ لو جاءت على مثل هذا الوجه قلنا: هذه معارضة، ولكن ذلك لم يكن، فالنُّصوص التي عارضوا بها تنقسم إلى خمسة أقسام: القسم الأول: ما لا دليل فيه أصلاً للمسألة، مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116]، فإن قوله: {مَا دُونَ ذَلِكَ} يدخل فيه تَرْكُ الصَّلاة؛ فيكون داخلاً تحت المشيئة، وما كان كذلك لم يكن كفراً. فيجاب: بأن معنى قوله: {مَا دُونَ ذَلِكَ} ما هو أقلُّ من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك، بدليل أنَّ من كذَّبَ بما أخبر الله به ورسولُه فهو كافر كفراً لا يُغفر، وليس ذَنْبُه من الشِّرك. ولو سلَّمنا أن معنى: {مَا دُونَ ذَلِكَ} ما سوى ذلك؛ لكان هذا من باب العام المخصوص بالنُّصوص الدَّالَّة على الكفر بما سوى الشِّرك، والكفر المُخرج عن المِلَّة من الذنب الذي لا يُغفر، وإن لم يكن شركاً. ومن هذا القسم: ما يكون مشتبهاً لاحتمال دلالته، فيجب حمله على الاحتمال الموافق للنصوص المحكمة، كحديث عُبادة بن الصَّامت: «خمسُ صلوات؛ افترضهُنَّ اللَّهُ تعالى، مَنْ أحسن وضوءَهُنَّ، وصَلاَّهُنَّ لوقتهنَّ؛ وأتمَّ رُكوعَهُنَّ وخُشوعَهُنَّ، كان له على الله

عهدٌ أن يغفرَ له، ومَنْ لم يفعلْ؛ فليس له على الله عهدٌ، إن شاء غَفرَ له، وإن شاء عَذَّبه» (¬1)، فإنه يحتَمِلُ أن يكون المراد به: من لم يأتِ بهنَّ على هذا الوصف، وهو إتمام الركوع والسجود والخشوع. ويحتمل أن يكون: لم يأتِ بهنَّ على هذا الوصف، وهو إتمام الركوع والسجود والخشوع. ويحتمل أن يكون: لم يأتِ بهنَّ كلِّهنَّ؛ بل كان يُصلّي بعضاً ويترك بعضاً. ويحتمل أن يكون: لم يأتِ بواحدةٍ منهنّ، بل كان يَتركهُنَّ كلَّهنَّ. وإذا كان الحديث محتملاً لهذه المعاني كان من المتشابه، فيُحمل على الاحتمال الموافق للنُّصوص المحكمة. القسم الثاني: عامٌ مخصوص بالأحاديث الدَّالة على كفر تارك الصلاة، مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث معاذ بن جبل: «ما من عبدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله؛ وأنَّ محمداً عبده ورسوله؛ إلا ¬

_ (¬1) رواه مالك في «الموطأ» رقم (320)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب في المحافظة على وقت الصلوات، رقم (425)، والنسائي، كتاب الصلاة: باب المحافظة على الصلوات الخمس، (1/ 230)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس، رقم (1401)، والبيهقي (2/ 215)، عن عبادة به مرفوعاً. قال ابنُ عبد البر: «حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ». «التمهيد» (23/ 288). قال النووي: «إسناده على شرط الصحيحين». «الخلاصة» رقم (661). قال ابن كثير: «إسناده صحيح». «إرشاد الفقيه» ص (91).

حَرَّمه اللَّهُ على النَّار» (¬1). وهذا أحدُ ألفاظه، وورد نحوه من حديث أبي هريرة (¬2) وعُبادة بن الصامت (¬3) وعِتْبَان بن مالك (¬4) رضي الله عنهم. القسم الثالث: عامٌ مقيَّد بما لا يمكن معه ترك الصَّلاة، مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث معاذ: «ما من أحدٍ يشهد أنْ لا إله إلا الله؛ وأنَّ محمداً رسول الله ـ صِدْقاً من قلبه ـ إلا حَرَّمه الله على النَّار» (52)، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث عِتْبَان بن مالك: «فإن الله حَرَّم على النَّار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وَجْهَ الله» (52)، رواه البخاري. فتقييدُ الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب يمنعه من ترك الصَّلاة، إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويُخْلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصَّلاة ولا بُدّ، فإن الصَّلاة عَمُود الإسلام، وهي الصِّلة بين العبد وربِّه، فإذا كان صادقاً في ابتغاء وجه الله، فلا بُدَّ أن يفعل ما يوصله إلى ذلك، ويتجنَّبَ ما يحول بينه وبينه. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب العلم: باب من خصَّ بالعلم قوماً دون قوم، رقم (128)، ومسلم، كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنّة، رقم (32) واللفظ له من حديث أنس بن مالك. (¬2) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعاً، رقم (31) عن أبي هريرة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنَّة». (¬3) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء: باب قوله: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ... } رقم (3435)، ومسلم في الكتاب والباب السابقين، رقم (28). (¬4) رواه البخاري، كتاب الرقاق: باب العمل الذي يُبتغى به وجه الله، رقم (6423)، ومسلم في الكتاب والباب السابقين، رقم (33).

وكذلك من شهد أنْ لا إله إلا الله؛ وأنَّ محمداً رسول الله صِدْقاً من قلبه؛ فلا بُدَّ أن يحمله ذلك الصِّدق على أداء الصَّلاة مخلصاً بها لله تعالى متَّبعاً فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشَّهادة الصَّادقة. القسم الرابع: ما ورد مقيَّداً بحال يُعذر فيها بترك الصلاة، كالحديث الذي رواه ابنُ ماجه عن حُذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوب» الحديث، وفيه: «وتبقى طوائفُ من النَّاس: الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمةِ: لا إله إلا الله، فنحن نقولُها». فقال له صِلَة: ما تُغْني عنهم: لا إله إلا الله؛ وهم لا يَدْرون ما صلاة؛ ولا صيام؛ ولا نُسُكٌ؛ ولا صَدَقَةٌ. فأعرض عنه حُذيفة، ثم ردَّها عليه ثلاثاً. كُلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه حُذيفة، ثم أقبل عليه في الثَّالثة، فقال: يا صِلَةُ، تُنْجِيهم من النَّار. ثلاثاً (¬1). فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمةُ من النَّار كانوا معذورين بترك شَرائعِ الإسلام؛ لأنهم لا يَدْرون عنها، فما قَامُوا به هو غايةُ ما يقدرون عليه، وحالهم تُشبه حالَ مَنْ ماتوا قبل فرض الشَّرائع، أو ¬

_ (¬1) رواه ابن ماجه، كتاب الفتن: باب ذهاب القرآن والعلم، رقم (4049)، والحاكم (4/ 473، 545). قال الحاكم: «حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». قال الذهبي: «على شرط مسلم». قال ابن حجر: «سنده قوي». «الفتح» شرح حديث (7061). قال البوصيري: «إسناده صحيح. رجاله ثقات».

قبل أن يتمكَّنُوا من فعلها، كمن مات عُقيب شهادته قبل أن يتمكَّنَ من فعل الشَّرائع، أو أسلم في دار الكفر قبل أن يتمكَّنَ من العلم بالشرائع. القسم الخامس: أحاديث ضعيفة لا تقاوم أدلَّة كفر تارك الصَّلاة. والحاصل: أن ما استدلَّ به مَنْ لا يرى كُفْر تارك الصَّلاة لا يقاوم ما استدلَّ به من يرى كفره؛ لأنَّ ما استدلَّ به أولئك: إما ألا يكون فيه دلالة أصلاً، وإما أن يكون مقيَّداً بوصفٍ لا يتأتَّى معه ترك الصَّلاة، أو مقيَّداً بحال يُعذر فيها بترك الصَّلاة، أو عاماً مخصوصاً بأدلَّة تكفيره أو ضعيفاً لا يقاوم الأدلَّة الدَّالة على كفره. فإذا تَبيَّن كفره بالدَّليل القائمِ السالمِ عن المُعارض المقاوم؛ وجَبَ أن تترتَّبَ أحكام الكُفْر والرِّدَّة عليه؛ ضرورة أن الحكم يدور مع عِلَّته وجوداً وعدماً. والقولُ بعدم تكفير تارك الصَّلاة يُؤدي إلى تركها والتَّهاونِ بها؛ لأنَّك لو قلت للنَّاس على ما فيهم من ضعف الإيمان: إنَّ ترك الصَّلاة ليس بكُفْر، تركوها. والذي لا يُصلِّي لا يغتسل من الجنابة، ولا يستنجي إذا بال، فيُصبح الإنسان على هذا بهيمة، ليس همُّه إلا أكلٌ وشربٌ وجِمَاعٌ فقط، والدليل على كفره قائم؛ وهو سالم عن المُعارض القائم المقاوم تماماً ولله الحمد. ولنا في ذلك رسالة مستقلَّة؛ أوسع من هذا البحث؛ فليُراجعها من أحبَّ؛ لأهميَّةِ الموضوع.

ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا فيهما

وَلاَ يُقْتَلُ حتى يُستتاب ثَلاَثاً فِيهِما. قوله: «وَلاَ يُقْتَلُ حتى يُستتاب ثَلاثاً فِيهِما»، أي: لا يقتل من جَحَد وجوب الصَّلاة أو تركها تهاوناً وكسلاً «حتى يُستتاب»، أي: يستتيبه الإمام أو نائبه ثلاثة أيام، فيقول له: تُبْ إلى الله وصَلِّ وإلا قتلناك. وهذه المسألة، فيها خلافٌ بين أهل العلم، وعن الإمام أحمد روايتان (¬1)، هل يُستتابُ كلُّ مرتد أم لا؟ والمذهب: أن المرتدين قسمان (¬2): قسم لا تقبل توبتهم، فهؤلاء لا يُستتابون لعدم الفائدة وهم: من سَبَّ الله، أو رسوله، أو تكرَّرت رِدَّتُه، فإن هذا يُقتل حتى لو تاب. والصَّحيح: أنَّه تُقبل توبتهم؛ لعموم الأدلة الدَّالة على قَبُول الله تعالى التَّوبة من كلِّ ذنب؛ بل في خُصوص المستهزئين بالله وآياته ورسوله كما قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *} [الزمر]، وقال في المستهزئين: {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} [التوبة: 66]. لكن من سَبَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قُتِلَ وجوباً وإِنْ تابَ؛ لأنه حَقُّ آدميٍّ فلا بُدَّ من الثَّأر له صلّى الله عليه وسلّم. والقسم الثاني من المرتدين تُقبل توبتهم، وفي استتابتهم روايتان (¬3): ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (6/ 169)، «الإنصاف» (27/ 114 ـ 118). (¬2) انظر: «الإقناع» (4/ 291، 293). (¬3) انظر: «الإنصاف» (27/ 114 ـ 118)، «الإقناع» (4/ 291).

الرِّواية الأولى: لا يُستتابون بل يقتلون؛ لأن النصوص الواردة عامَّة، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ بدّلَ دينه فاقتلوه» (¬1)، ولم يقل: «فاستتيبوه». والرِّواية الثانية: أنهم يُستتابون ثلاثة أيَّام، واستدلُّوا بأثرٍ عن عمر رضي الله عنه أنه ذُكر له رجلٌ ارتدَّ فقُتِلَ، فقال لهم: «فهلاّ حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كلَّ يومٍ رغيفاً، واستتبتُموه لَعَلَّه يتوب ويُراجع أمر الله، اللهم إنِّي لم أحضرْ، ولم آمُرْ، ولم أَرْضَ إذ بلغني» (¬2). وهناك قول ثالث: أنَّ هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم (¬3)، وهذا لا يُنافي ما قاله عمر، ولا يُخالف الأدلَّة، وهذا القول هو الصَّحيح. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب استتابة المرتدين: باب إثم من أشرك بالله، رقم (6922) من حديث ابن عباس. (¬2) رواه مالك، كتاب الأقضية: باب القضاء فيمن ارتدَّ عن الإسلام، رقم (2152)، وعبد الرزاق رقم (18695)، والبيهقي (8/ 206) عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عَبْد القاري، عن أبيه به. ومحمد بن عبد الله بن عَبْد القاري، ذكره ابن حبان في «الثقات» (7/ 384)، ولم يوثِّقه غيره. قال الشافعيُّ: «وممن قال لا يُتأنَّى به؛ من زعم أنَّ الحديث الذي رُوي عن عُمر ليس بثابت، ولأنه لا يعلمه متَّصلاً، وإنْ كان ثابتاً كان لم يجعل على مَنْ قتله قبل ثلاث شيئاً». «المعرفة والآثار» (12/ 258). (¬3) انظر: «فتح الباري» (12/ 269، 272).

باب الأذان والإقامة

بابُ الأَذَان والإِقامة هذا الباب عنوان لمسألتين، لكنهما مسألتان متلازمتان: إحداهما الأذان، والثانية الإقامة. الأذان في اللُّغة: الإعلامُ، ومنه قوله تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]، وقوله: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة: 3]. وفي الشَّرع: إعلامٌ خاصٌ يأتي ذكره، وهذا الغالب في التَّعريفات الشَّرعيَّة أنها تكون أخصَّ من المعاني اللُّغويَّة، وقد يكون بالعكس. فالإيمان في اللُّغة: التَّصديق، وفي الشَّرع أعمُّ منه، ولكن الغالب الأول. أما تعريف الأذان شرعاً: فهو التعبُّد لله بذكرٍ مخصوص؛ بعد دخول وقت الصَّلاة؛ للإعلام به. وهذا أولى من قولنا: الإعلامُ بدخول وقتِ الصَّلاة؛ لأنَّ الأذان عبادة فينبغي التنويه عنها في التَّعريف، ولأنَّ الأذان لا يتقيَّد بأوَّل الوقت؛ ولهذا إذا شُرع الإبراد في صلاة الظُّهر شُرِعَ تأخير الأذان أيضاً؛ كما وَرَدَ ذلك في الصحيح (¬1). والأذان عبادة واجبة؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمرَ به، ولأنَّ الله أشار إليه في القرآن في قوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة ... ، رقم (629)، وانظر رقم (535)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم (616) من حديث أبي ذرٍ.

[المائدة: 58] وهذا عام، وقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وهذا خاص. أما الإقامة: فإنها في اللُّغَةِ مصدرُ أقام، من أقام الشيءَ إذا جعله مستقيماً. أما في الشَّرع: فهي التعبُّد لله بذكرٍ مخصوص عند القيام للصَّلاة. والفرق بينها وبين الأذان: أن الأذان إعلام بالصلاة للتهيُّؤ لها والإقامة إعلامٌ للدُّخول فيها والإحرام بها، وكذلك في الصِّفة يختلفان. مسألة: واختلف العلماء أيُّها أفضل، الأذان، أم الإقامة، أم الإمامة (¬1)؟ والصَّحيح: أنَّ الأفضل الأذان؛ لورود الأحاديثِ الدَّالة على فضله (¬2). ولكن إذا قال قائل: الإمامة رُبطتْ بأوصاف شرعيَّة مثل: «يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله» (¬3)، ومعلومٌ أن الأقرأ أفضل؛ فَقَرْنُها به يدلُّ على أفضليتها؟ ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 54)، «الاختيارات» ص (36)، «الإنصاف» (3/ 43). (¬2) كحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ... »، أخرجه البخاري في كتاب الأذان: باب الاستهام في الأذان رقم (615)، ومسلم في كتاب الصلاة: باب تسوية الصفوف رقم (437) وحديث معاوية بن أبي سفيان عند مسلم، كتاب الصلاة: باب فضل الأذان، رقم (387). (¬3) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب من أحق بالإمامة رقم (673)، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

هما فرض كفاية

فنجيب عليه: بأننا لا نقول لا أفضليَّة في الإمامة، بل الإمامة ولاية شرعيَّة ذات فضل، ولكننا نقول: إنَّ الأذان أفضل من الإمامة لِمَا فيه من إعلان ذكرِ الله وتنبيه النَّاس على سبيل العموم، فالمؤذِّن إمام لكلِّ من سمعه، حيث يُقتدى به في دخول وقت الصَّلاة؛ وإمساك الصَّائم وإفطاره، ولأنَّ الأذان أشقُّ من الإمامة غالباً، وإنَّما لم يؤذِّن رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وخلفاؤه الرَّاشدون؛ لأنَّهم اشتغلوا بالأهمِّ عن المهم؛ لأنَّ الإمام يتعلَّق به جميع النَّاس، فلو تفرَّغ لمراقبة الوقت لانشغل عن مهمَّات المسلمين، ولا سيَّما في الزَّمن السَّابق حيثُ لا ساعات ولا أدلَّة سهلة. هُمَا فَرْضُ كِفَايةٍ .............. قوله: «هما فرضُ كِفَاية»، هذا بيان لحكمهما. الفرض في اللُّغة: القطع. وشرعاً: ما أُمِرَ به على سبيل الإلزام وهل هو أوكد من الواجب، أم هما بمعنى واحد (¬1)؟ الصحيح: أنهما بمعنى واحد، لكن ينبغي مراعاة ألفاظ الشَّرع، فما جاء بلفظ الفرض فَلْيُعبَّر عنه بالفرض، وإلا فبما عبَّر عنه الشَّارع؛ لأنَّ هذا أَولى في المتابعة. والدَّليل على فرضيتهما: أَمْرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بهما في عِدَّة أحاديث (¬2)، وملازمته لهما في الحضر والسَّفر، ولأنه لا يتمُّ العلم بالوقت إلا بهما غالباً، ولتعيُّن المصلحة بهما؛ لأنَّهما من شعائر الإسلام الظَّاهرة. ¬

_ (¬1) انظر: «شرح الكوكب المنير» (1/ 351 ـ 353). (¬2) كحديث مالك بن الحويرث الآتي.

على الرجال

وقوله: «كفاية» وهو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. ودليلُ كونه فرض كفاية: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لمالك بن الحُويرث: «إذا حضرت الصلاةُ فليُؤذِّنْ لكم أحدُكم» (¬1)، وهذا يدلُّ على أنه يُكتَفَى بأذان الواحد، ولا يجبُ الأذان على كُلِّ واحد. قال بعض أهل العلم: ما طُلبَ إيجاده من كلِّ شخصٍ بعينه فإنَّه فرضُ عَين، وما طُلبَ إيجاده بقطع النَّظر عن فاعله فهو فرضُ كفاية (¬2). ففي الأول لوحظ العامل، وفي الثَّاني لوحظ العمل، فإن قيل: أيُّهما أفضل فرض العين أم فرض الكفاية؟ فالجواب: أن الأفضل فرض العين على القول الرَّاجح؛ لأنَّ فرضه على كلِّ أحد بعينه دليل على أهميته، وأنه لا يتمُّ التعبُّد لله تعالى من كلِّ واحد إلا به، بخلاف فرض الكفاية. على الرِّجَال ................ قوله: «على الرِّجال»، جمع رَجُل، وتُطلق على البالغين، فخرج بذلك الصِّغار والإناث والخُنثى المُشكِل، فلا يجب على الصِّغار؛ لأنهم ليسوا رجالاً، وليسوا من أهل التَّكليف. أمَّا النِّساء: فعلى المذهب لا يجب عليهنَّ أذان؛ سواء كُنَّ منفردات عن الرِّجال أو كُنَّ معهم، وإذا لم نقل بالوجوب عليهنَّ فما الحكم حينئذ؟ فيه روايات عن الإمام أحمد (¬3): رواية أنَّهما ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب الأذان للمسافر ... ، رقم (631)، ومسلم، كتاب المساجد: باب من أحق بالإمامة، رقم (674). (¬2) انظر: «القواعد والفوائد الأصولية» ص (186). (¬3) انظر: «الإنصاف» (3/ 48، 49).

المقيمين للصلوات الخمس المكتوبة المؤداة

يُكرهان، ورواية أنَّهما يُبَاحان، ورواية أنَّهما يُستحبَّان، ورواية أنَّ الإقامة مستحبَّة دون الأذان. وكلُّ هذا مشروطٌ بما إذا لم يرفعنَ الصَّوت على وجهٍ يُسمَعْنَ، أما إذا رفعن الصَّوت فإما أن نقول بالتَّحريم أو الكراهة. والمذهب الكراهة مطلقاً؛ لأنهنَّ لَسْنَ من أهل الإعلان فلا يُشرع لهنَّ ذلك، ولو قال قائل بالقول الأخير ـ وهو سُنِّيَّةُ الإقامة دون الأذان؛ لأجل اجتماعهن على الصَّلاة ـ لكان له وجه. المُقِيمِينَ للصَّلَواتِ الخَمْسِ المَكْتُوبَةِ المُؤَدَّاةِ، ................. قوله: «المقيمين»، ضِدُّ المسافرين، فالمسافرون لا أذان عليهم ولا إقامة، ولكن يُسَنُّ. هذا هو المذهب، ولكن لا دليل له، بل الدَّليل على خِلافه، وهو أنَّهُمَا واجبان على المقيمين والمسافرين، ودليله: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لمالك بن الحويرث وصحبِه: «إذا حضرت الصَّلاةُ فليؤذِّن لكم أحدُكُم» (¬1)، وهم وافدون على الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام مسافرون إلى أهليهم، فقد أمر الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أن يُؤذِّن لهم أحدُهم، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يَدَعِ الأذان ولا الإقامة حَضَراً ولا سَفَراً، فكان يُؤذِّن في أسفاره ويأمر بلالاً رضي الله عنه أن يُؤذِّنَ. فالصَّواب: وجوبُه على المقيمين والمسافرين. قوله: «للصَّلوات»، اللام للتعليل، يعني أنَّ الأذان والإقامة واجبان للصَّلاة وليسا واجبين فيها، والفرق بين الواجب للشيء والواجب فيه: أنَّ الواجب في الشيء من حقيقته وماهيَّتِه، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (43).

كالتَّشهُّد الأوَّل مثلاً، وأمَّا الواجب للشيء فهو خارجٌ عن الحقيقة والماهيَّة، كالأذان والإقامة للصَّلاة، فهما خارجان عن الصَّلاة واجبان لها؛ فلو صَلَّى بدونهما صحَّت صلاتُه، ولو ترك التَّشهُّد الأوّل عمداً لم تصحَّ. وقوله: «الخَمْسِ المكتوبة»، يعني: المفروضة ومنها الجُمُعة؛ لأنها حَلَّت محلَّ الظُّهر. ودليل وجوبه: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حضرت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم» (¬1). وهو عامٌ في كلِّ الصَّلوات الخمس، ولأن مؤذِّنَه كان يواظب على أن يؤذِّن للصَّلوات الخمس، فكان واجباً. وقوله: «المكتوبة»، أي: المفروضة، والوصف هنا بيان للواقع؛ إذ ليس هناك صلوات خمس غير مكتوبة؛ اللهم إلا أن يريد بقوله: «المكتوبة» المؤدَّاة، أي: التي تُفعل في الوقت، فيكون هذا له مفهوم؛ لأن المقضيَّة لا يجب لها الأذان على المذهب. وقوله: «للصّلوات الخمس» خرج به ما عداها، فلو أراد الإنسان الوتر فإنه لا يؤذِّن له، ولو كُسِفَت الشمسُ لم يؤذِّنْ لذلك، وكذلك صلاة العيد لا أذان لها، ومثل ذلك المنذورة. قوله: «المؤدَّاة»، هكذا في بعض نُسخ «الرَّوض» (¬2)، فخرج بهذا المقضيَّة، وهي التي تُصلَّى بعد الوقت، فلا يجب الأذان لها لكن يُسَنُّ. ¬

_ (¬1) انظر: «الروض المربع» (1/ 123). (¬2) تقدم تخريجه، ص (15).

والصَّواب: وجوبهما للصَّلوات الخمس المؤدَّاة والمقضيَّة، ودليله: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «لمَّا نام عن صلاة الفجر في سفره، ولم يستيقظ إلا بعد طُلوع الشَّمس؛ أمر بلالاً أن يُؤذِّنَ وأن يُقيمَ» (¬1)، وهذا يَدلُّ على وجوبهما. ولعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حضرت الصَّلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم» (¬2)، فإنه يشمل حضورَها بعد الوقت وفي الوقت، ولكن إذا كان الإنسان في بلد قد أُذِّنَ فيه للصَّلاة، كما لو نام جماعةٌ في غرفة في البلد؛ ولم يستيقظُوا إلا بعد طلوع الشَّمس؛ فلا يجب عليهم الأذان اكتفاءً بالأذان العام في البلد، لأنَّ الأذان العام في البلد حصل به الكفاية وسقطت به الفريضةُ، لكن عليهم الإقامة. وقوله: «للصلوات الخمس» هذا ما لم تُجمع الصَّلاة، فإنه يكفي للصَّلاتين أذان واحد، ولكن لا بُدَّ من الإقامة لكلِّ واحدة منهما. والخُلاصة: أنه لا بُدَّ لوجوب الأذان والإقامة من شروط منها: 1 ـ أن يكونوا رجالاً. 2 ـ أن يكونوا مقيمين. 3 ـ في الصلوات الخمس. 4 ـ المؤدَّاة. 5 ـ أن يكونوا جماعة، بخلاف المنفرد فإنه سُنَّة في حَقِّه؛ لأنَّه ورد فيمن يرعى غنمه ويُؤذِّن للصَّلاة أنَّ الله يَغفر له ويُثيبه على ذلك (¬3). وهذا يَدلُّ على استحباب الأذان للمنفرد، وأنَّه ليس ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه، ص (15). (¬2) تقدم تخريجه، ص (43). (¬3) رواه أحمد (4/ 145، 157، 158)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب الأذان في السفر، رقم (1203)، والنسائي، كتاب الأذان: باب الأذان لمن يصلي وحده (2/ 20) رقم (665) عن أبي عُشَّانة، عن عُقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يعجبُ ربُّك من راعي غنمٍ في رأس شظيَّة الجبل، يؤذِّن بالصَّلاة ويُصلّي، فيقولُ الله عزّ وجل: انظروا إلى عبدي هذا، يؤذِّنُ ويقيم الصَّلاة، ويخافُ منِّي، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنَّة». والحديث صحَّحه ابنُ حبان رقم (1660)، وقال المنذري: «رجال إسناده ثقات». «مختصر سنن أبي داود» (2/ 50).

يقاتل أهل بلد تركوهما

بواجب. فأصبحت الشروط خمسة. وقد يُفهم اشتراط كونهم «جماعة» من كلمة «رجال». يُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ تَرَكُوْهُمَا، ............. قوله: «يُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ تَرَكُوْهُمَا»، والذي يِقاتِلهم الإمام إلى أنْ يُؤذِّنُوا، وهذا من باب التعزير لإقامة هذا الفرض، وليس من باب استباحة دمائهم، ولهذا لا يُتْبَع مُدْبِرُهم، ولا يُجْهَزُ على جَريحِهم، ولا يُغْنَمُ لهم مالٌ، ولا تُسْبَى لهم ذُرِّيَّة؛ لأنَّهم مسلمون، وإنما قُوتلوا تعزيراً، ودليل ذلك: أنَّ الأذان والإقامة هما علامة بلاد الإسلام، فقد كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا غزا قوماً أمسك حتى يأتيَ الوقتُ، فإن سمعَ أذاناً كَفَّ، وإلا قاتلهم (¬1). فهما من شعائر الإسلام الظَّاهرة. وقوله: «تركُوهُمَا»، يحتمل تركوهما جميعاً، أو تركوا واحداً منهما. فإن تركوهما أو تركوا الأذان فقتالهم ظاهر؛ لأن الأذان من العلامات الظَّاهرة، وإن تركوا الإقامة يحتمل أن يقاتلوا؛ لأنَّها علامة ظاهرة، لكنَّها ليست كالأذان؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب ما يُحقن بالأذان من الدماء، رقم (610)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سُمع فيهم الأذان، رقم (382) من حديث أنس بن مالك.

وتحرم أجرتهما

«إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصَّلاة» (¬1). فدلَّ على أنها علامة ظاهرة تُسْمَعُ. ويحتمل ألاَّ يُقاتَلوا. فإن قال قائلٌ: كيف يُقَاتَلون، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ يشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله، إلا بإحدى ثلاث: الثَّيِّبُ الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّاركُ لدينه؛ المفارقُ للجماعة» (¬2). قلنا: المراد بهذا الحديث القتل؛ وهو أخصُّ من القتال، فهناك فرق بين القتل والقتال، فليس كلُّ مَنْ جاز قتاله جاز قتله، ولهذا نقاتل إحدى الطَّائفتين المقتتلتين حتى تفيء إلى أمر الله، مع أنها مؤمنة لا يحلُّ قتلها. أما القتل فليس يلزم منه مقاتلة الجميع، فقد يكون واحدٌ من هؤلاء يستحقُّ القتل فنقتله ولا نقاتل الجميع، فَتبيَّن بهذا أنَّه لا تَلازَم بين القتال والقتل، وأن جواز القتال أوسع من جواز القتل؛ لأنَّ القتل لا يكون إلا في أشياء معيَّنة. وتَحْرُمُ أجْرَتُهُمَا ................ قوله: «وتَحْرُمُ أجرتُهُمَا»، أي: أن يعقدَ عليهما عقد إجارة، بأن يستأجرَ شخصاً يؤذِّن أو يُقيم؛ لأنهما قُربة من القُرَب وعبادةٌ من العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها؛ لقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب لا يسعى إلى الصلاة ... ، رقم (636) واللفظ له، ومسلم كتاب المساجد: باب استحباب إتيان الصَّلاة بوقار وسكينة ... ، رقم (602). من حديث أبي هريرة. (¬2) رواه البخاري، كتاب الديَّات: باب قول الله تعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} ... }، رقم (6878)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين: باب ما يُباح به دم المسلم، رقم (1676) من حديث ابن مسعود.

لا رزق من بيت المال لعدم متطوع

وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [هود]. ولأنه إذا أراد بأذانه أو إقامته الدُّنيا بطل عملُه، فلم يكن أذانه ولا إقامته صحيحة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِل عَمَلاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬1). أما الجُعَالة؛ بأن يقول: من أذَّن في هذا المسجد فله كذا وكذا دُونَ عقدٍ وإلزام فهذه جائزة؛ لأنَّه لا إلزام فيها، فهي كالمكافأة لمن أذَّن، ولا بأس بالمكافأة لمن أذَّن، وكذلك الإقامة. لا رَزْق مِنْ بيتِ المَالِ لِعَدَمِ مُتَطَوِّع. وَيَكُونُ المُؤَذِّنُ صَيِّتاً أَمِيْناً عَالِماً بِالْوقْتِ. قوله: «لا رَزْقٍ من بيتِ المَالِ»، الرَّزْق بفتح الراء: الإعطاء، والرِّزْق بكسر الراء: المرزوق، فلا يحرم أن يُعْطَى المؤذِّن والمُقيم عطاءً من بيت المال، وهو ما يُعرفَ في وقتنا بالرَّاتب؛ لأن بيت المال إنما وُضِعَ لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين. قوله: «لعدم مُتَطَوِّع»، هذا شرط لأخذ الرَّزْق، فإن وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ أَهْلٌ فلا يجوز أن يُعطَى من بيت المال، حمايةً لبيت المال من أن يُصرفَ دُونَ حاجة إلى صرفه. وبهذا الذي قَرَّره الفقهاء يُعرف تحريم استغلال بيت المال بغير مسوِّغ شرعي. قوله: «ويكون المُؤَذِّنُ صَيِّتاً أميناً عَالماً بالوَقْتِ»، كلمة ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 186).

«يكون» تحتمل الوجوب؛ وتحتمل الاستحباب، فيحتمل أنَّ المعنى يُستحب، ويحتمل أن المعنى يجب. ويمكن أن ننظر ما تقتضيه الأدلَّةُ من هذه الصِّفَات، فما دلَّت على وجوبه قلنا بوجوبه، وما دَلَّت على استحبابه قلنا باستحبابه. فقوله: «صَيِّتاً» هذا مستحبٌ، وليس واجباً، فالواجب أن يُسْمِعَ من يُؤَذِّنُ لهم فقط، وما زاد على ذلك فغير واجب. وقوله: «صَيِّتاً» يحتمل أن يكون المعنى قويَّ الصَّوتِ، ويحتمل أن يكون حسنَ الصَّوت، ويحتمل أن يكون حسنَ الأداء، ولكن الاحتمال الأخير ليس واضحاً من العبارة. فهنا ثلاثةُ أوصاف تعود على التلفُّظ بالأذان: 1 - قوَّة الصَّوت. 2 - حُسْن الصَّوتِ. 3 - حُسْن الأدَاءِ. فهذا كُلُّه مطلوب. ونستنبط من قوله: «صَيِّتاً» أن مكبِّرات الصَّوت من نعمة الله؛ لأنَّها تزيد صوت المؤذِّن قوَّة وحُسناً، ولا محذور فيها شرعاً، فإذا كان كذلك وكانت وسيلة لأمر مطلوب شرعي، فللوسائل أحكام المقاصد. ولهذا أمرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم العبَّاس بن عبد المطلب أن ينادي يوم حنين: «أين أصحابُ السَّمُرَة» (¬1)، لقوَّةِ صَوته. فدلَّ على أنَّ ما يُطلبُ فيه قوَّةُ الصَّوت ينبغي أن يُختار فيه ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير؛ باب في غزوة حنين، رقم (1775).

ما يكون أبلغ في تأديَة الصَّوت. ولكن ما يُتَّخذُ من تفخيم الصوت بما يسمُّونه «الصَّدَى» فليس بمشروع، بل قد يكون منهيًّا عنه إذا لزم منه تكرار الحرف الأخير لما فيه من الزِّيادة. وقوله: «أميناً»، الظَّاهر من المذهب: أن كونه أميناً سُنَّة (¬1). والصَّحيح أنَّه واجب؛ لأنَّ الأمانة أحد الرُّكنين المقصودين في كلِّ شيء، والثاني القوَّة كما قال تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]. وقال العِفْريت الذي أراد أن يأتي بعرش «بلقيس» إلى سليمان: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]. وعدم السَّداد في العمل يأتي من اختلال أحد الوصفين: القوَّة والأمانة. وإذا وُجِدَ ضعيفٌ أمينٌ؛ وقويٌّ غيرُ أمين؛ أيُّهما يقدم؟ فالجواب: أنَّ الصَّحيح حسب ما يقتضيه العمل، فبعض الأعمال تكون مراعاة الأمانة فيه أَولى، وبعضها تكون مراعاة القوَّة أولى، فمثلاً القوَّة في الإمارة قد تكون أولى بالمراعاة، والأمانة في القضاء قد تكون أولى بالمراعاة. وقوله: «أميناً»، أي: على الوقت، وعلى عورات النَّاس خصوصاً فيما سبق؛ حيث كان النَّاس يؤذِّنون فوق المنارة. وقوله: «عالماً بالوقت»، هذا ليس بشرط إن أراد أن يكون عالماً به بنفسه؛ لأن ابنَ أمِّ مكتوم كان رجلاً أعمى لا يؤذِّن ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 59، 60)، «منتهى الإرادات» (1/ 53).

حتى يُقال له: «أصبحتَ أصبحتَ» (¬1)، لكن الأفضل أن يكون عالماً بالوقت بنفسه؛ لأنه قد يتعذَّر عليه من يُخبره بالوقت. وقد يقال: المراد أن يكون عالماً بالوقت بنفسه أو بتقليد ثقة. والعِلْمُ بالوقت يكون بالعلامات التي جعلها الشَّارع علامة، فالظُّهر بزوال الشَّمس، والعصر بصيرورة ظلِّ كُلِّ شيءٍ مثله بعد فيء الزَّوال، والمغرب بغروب الشَّمس، والعِشاء بمغيب الشَّفق الأحمر، والفجر بطلوع الفجر الثَّاني. وهذه العلامات أصبحت في وقتنا علامات خفيَّة؛ لعدم الاعتناء بها عند كثير من النَّاس، وأصبح النَّاس يعتمدون على التقاويم والسَّاعات. ولكن هذه التقاويم تختلف؛ فأحياناً يكون بين الواحد والآخر إلى ست دقائق، وهذه ليست هيِّنة ولا سيَّما في أذان الفجر وأذان المغرب؛ لأنَّهما يتعلَّق بهما الصِّيام، مع أن كلَّ الأوقات يجب فيها التَّحري، فإذا اختلف تقويمان وكلٌّ منهما صادرٌ عن عارف بعلامات الوقت، فإننا نُقدِّم المتأخِر في كلِّ الأوقات؛ لأنَّ الأصل عدم دخول الوقت، مع أن كلًّا من التَّقويمين صادر عن أهلٍ، وقد نصَّ الفقهاء رحمهم الله على مثل هذا فقالوا: لو قال لرَجُلين ارْقُبَا لي الفجر، فقال أحدهما: طلع الفجرُ، وقال الثاني: لم يطلع؛ فيأخذ بقول الثَّاني، فله أن يأكلَ ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، رقم (617)، ومسلم، كتاب الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، رقم (1092) من حديث عبد الله بن عمر.

فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه، ثم أفضلهما في دينه وعقله

ويشرب حتى يتَّفقا بأن يقول الثَّاني: طلع الفجر (¬1)، أما إذا كان أحد التقويمين صادراً عن أعلم أو أوثق فإنَّه يقدَّم. فَإِنْ تَشَاحَّ فيه اثْنَانِ قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فيه، ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِيْنِهِ وعَقْلِهِ، .......... قوله: «فإن تَشاحَّ فيه اثنان قُدِّمَ أفضلُهُما فيه»، تشاحَّ: أي: تزاحما فيه، وهذا في مسجد لم يتعيَّن له مؤذِّن، فإن تعيَّن بقي الأمر على ما كان عليه لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَؤُمَّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في سُلطانه» (¬2)، فيقال: وكذلك أيضاً لا يؤذِّن الرَّجلُ في سلطان مؤذِّن آخر. وقوله: «قُدِّم أفضلُهُما فيه»، أي: أقومهما في الأذان من حُسنِ الصَّوت، والأداء، والأمانة، والعلم بالوقت، وذلك لأنَّهما قد تزاحما في عمل فقُدِّم أفضلهما فيه، وقد قال الله: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]. وقوله: «فيه» خرج به ما لو كان أحدُهما أقرأ، لكنَّه دون الآخر فيما يتعلَّق بالأذان؛ فلا يُقدَّم على الآخر. قوله: «ثم أفضلُهُمَا في دينه وعقلِهِ»، أي: أطوعهما لله. وقوله: «وعَقْلِهِ» المراد: حُسن التَّرتيب، فيستطيع أن يرتِّبَ نفسه، ويجاري النَّاس بتحمُّلِهم في أذاهم، ولم يذكر المؤلِّف أفضلهما في علمه، وهذا أمرٌ لا بُدَّ منه، فإنَّنا نقدم أعلمهما، ورُبَّما قال قائل: هذا داخل في قوله: «أفضلهما فيه»، فنقول: إن تَحَمَّلَتْهُ الكلمة فهذا هو المطلوب، وإلا فَيَجِبُ أن نراعيَها. ¬

_ (¬1) انظر: «الإقناع» (1/ 504). (¬2) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (41).

ثم من يختاره الجيران، ثم قرعة"

ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الجِيْرَان، ثُمَّ قُرْعةٌ". قوله: «ثم من يختارُهُ الجِيْرَان»، أي: أهل الحيِّ، وإذا تَعَذَّر إجماع الجيران على اختياره أخذنا بقول الأكثر؛ لأنَّه قَلَّ أن تجد رجلاً يُجْمِعُ النَّاسُ عليه. وظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا اعتبار في اختيار الجهة المسؤولة عن المساجد، لأنَّ الأذان لأهل الحيِّ فهم المسؤولون، ولكن هذا فيه نظر، بل نقول: المسؤول عن شؤون المساجد لا بُدَّ أن يكون له نوع اختيار، لأنَّه هو المسؤول، ولهذا عندما يحصُل إخلال من المؤذِّن يُرجع إلى المسؤول عن شؤون المساجد. ولعل المساجد في زمن المؤلِّف وما قبله ليس لها مسؤول خاصٌّ. قوله: «ثم قُرْعَةٌ»، هذا إذا تعادلت جميع الصِّفات، ولم يُرجِّح الجيران، أو تعادل التَّرجيح، فحينئذ نرجع إلى القُرْعة؛ لأنَّه يحصُل بها تَمييز المشتبه وتَبْيين المجمل عند تساوي الحقوق، وقد جاءت القُرْعَة في القرآن والسُّنَّة ففي القرآن قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]، وقال: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *} [الصافات] أما السُّنّة: فوردت في عِدَّةِ أحاديث منها: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لو يعلمُ النَّاس ما في النداء ـ يعني الأذان ـ والصَّفِّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (¬1). وقالت عائشة ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب أذان الأعمى ... ، رقم (617)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب تسوية الصفوف وإقامتها، رقم (437).

وهو خمس عشرة جملة يرتلها على علو

رضي الله عنها: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد سفراً أقْرعَ بين نسائه فأيَّتُهُنَّ خرج سهمُها خرج بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه» (¬1). ولأن القُرْعَة يحصُل بها فَكُّ الخصومة والنِّزاع، فهي طريق شرعيٌّ، وأيُّ طريق أقرع به فإنَّه جائز؛ لأنَّه ليس لها كيفيَّة شرعيَّة فيرجع إلى ما اصطلحا عليه. وَهو خَمسَ عَشْرَةَ جُمْلَةً يُرَتِّلُها عَلَى عُلْوٍ ............. قوله: «وَهو خَمْسَ عَشْرَةَ جُمْلَةً يُرَتِّلُها عَلَى عُلْوٍ»، هو: ضمير منفصل يعود على الأذان مبتدأ، و «خمس عشرة» بالفتح؛ اسم مبني على فتح الجزئين في محل رفع خبر للمبتدأ. و «جملة»: تمييز. فالتَّكبير في أوَّله أربع، والشَّهادتان أربع، والحيعلتان أربع، والتَّكبير في آخره مرَّتان، والتَّوحيد واحدة. فالمجموع خمسَ عشرةَ جملة (¬2)، وهذا أوَّلُ الشروط في الأذان، ألا يَنْقُصُ عن خمسَ عَشْرةَ جملة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمسألة فيها خلاف (¬3). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب المغازي: باب حديث الإفك، ومسلم، كتاب التوبة: باب حديث الإفك، رقم (2770) من حديث عائشة. (¬2) ورد ذلك في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربّه رواه أحمد (4/ 43)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب كيف الأذان، رقم (499) والترمذي، أبواب الصلاة: باب ما جاء في بَدء الأذان، رقم (189)، وابن ماجه، كتاب الأذان: باب بدء الأذان، رقم (706). والحديث صحّحه: البخاري، والترمذي، وابن خزيمة (363) (371)، وابن حبان (1679) والحاكم، وغيرهم. انظر: «المعرفة والآثار» للبيهقي (2/ 260)، «نصب الراية» (1/ 259)، «التلخيص الحبير» رقم (291). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 56)، «الإنصاف» (3/ 64)، «المنتقى من فرائد الفوائد» للمؤلِّف ص (221).

ونقول: كلُّ ما جاءت به السُّنَّة من صفات الأذان فإنه جائز، بل الذي ينبغي: أنْ يؤذِّنَ بهذا تارة، وبهذا تارة إن لم يحصُل تشويش وفتنةٌ. فعند مالك سبعَ عَشْرةَ جملة، بالتكبير مرتين في أوَّله مع الترجيع (¬1) ـ وهو أن يقول الشهادتين سِرًّا في نفسه ثم يقولها جهراً ـ. وعند الشافعي تسعَ عَشْرَة جملة، بالتكبير في أوَّله أربعاً مع الترجيع (¬2)، وكلُّ هذا مما جاءت به السُّنَّة، فإذا أذَّنت بهذا مرَّة وبهذا مرَّة كان أولى. والقاعدة: «أن العبادات الواردة على وجوه متنوِّعة، ينبغي للإنسان أن يفعلها على هذه الوجوه»، وتنويعها فيه فوائد: أولاً: حفظ السُّنَّة، ونشر أنواعها بين النَّاس. ثانياً: التيسير على المكلَّف، فإن بعضها قد يكون أخفَّ من بعض فيحتاج للعمل. ثالثاً: حضور القلب، وعدم مَلَله وسآمته. ¬

_ (¬1) ورد ذلك في حديث أبي مَحذورة عند مسلم، كتاب الصلاة: باب بدء الأذان، رقم (379). وانظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (1/ 193). (¬2) ورد ذلك في حديث أبي محذورة الذي رواه أحمد (3/ 408) وأبو داود، كتاب الصلاة: باب كيف الأذان، رقم (500، 503)، والترمذي أبواب الصلاة: باب ما جاء في الترجيع في الأذان، رقم (191)، (192)، والدارمي، كتاب الصلاة: باب الترجيع في الأذان، رقم (1178)، وابن ماجه، كتاب الأذان: باب الترجيع في الأذان، رقم (708). والحديث صحّحه: الترمذي، وابن خزيمة (378)، وابن دقيق العيد، وابن القيم، والبُوصيري. انظر: «زاد المعاد» (2/ 389)، «التلخيص الحبير» رقم (294، 296). وانظر أيضاً: «المجموع شرح المهذب» (3/ 91، 93).

متطهرا مستقبل القبلة

رابعاً: العمل بالشَّريعة على جميع وجوهها. وقوله: «يُرَتِّلُها»، أي: يقولها جملةً جملةً، وهذا هو الأفضل على المشهور (¬1). وهناك صفة أخرى: أنه يقرُ ِ نُ بين التَّكبيرتين في جميع التَّكبيرات فيقول: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، ثم: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، ويقول في التَّكبير الأخير: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ. والأفضل أن يعمل بجميع الصِّفات الثابتة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلا أن يخاف تشويشاً أو فتنة، فليقتصر على ما لم يحصُل به ذلك؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم تَرَكَ بناءَ الكعبة على قواعد إبراهيم خوفاً من الفتنة (¬2). ولكن ينبغي أن يُروَّض النَّاسُ بتعليمهم بوجوه العبادة الواردة، فإذا اطمأنت قلوبُهم وارتاحت نفوسُهم؛ قام بتطبيقها عمليّاً؛ ليحصُل المقصود بعمل السُّنَّة من غير تشويش وفتنة. وقوله: «على عُلْو»، أي: ينبغي أن يكون الأذان على شيء عالٍ؛ لأنَّ ذلك أبعد للصَّوت، وأوصل إلى النَّاس، ومن هنا نأخذ أن الأذان بالمكبِّر مطلوبٌ؛ لأنَّه أبعد للصَّوت وأوصل إلى النَّاس (¬3). مُتَطَهِّراً مُسْتَقبلَ القِبْلَةِ ................ قوله: «متطهِّراً»، أي: من الحَدَث الأكبر والأصغر وهو سُنَّة، ولكن قال الفقهاء رحمهم الله: إنه يُكره أذان الجُنب دون ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 71)، «الإقناع» (1/ 120). (¬2) رواه البخاري، كتاب العلم: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر، رقم (126)، ومسلم، كتاب الحج: باب نقض الكعبة وبنائها، رقم (1333) من حديث عائشة رضي الله عنها. (¬3) فائدة: يُسَنُّ أن يكون قائماً في الأذان والإقامة، وفي الأذان أوكد. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من السُّنَّة أن يؤذِّن قائماً، وانفرد أبو ثور فقال: يؤذِّن جالساً من غير عِلّة». «الإجماع» ص (39).

أذان المُحْدِث حَدَثاً أصغر (¬1)، هذا إذا لم تكن المنارةُ في المسجد، فإن كانت في المسجد فإنَّه لا يجوز أن يمكُثَ في المسجد إلا بوُضُوء، فالمراتب ثلاث: 1 ـ أن يكون متطهِّراً من الحدثين، وهذا هو الأفضل. 2 ـ أن يكون محدثاً حدثاً أصغر، وهذا مباح. 3 ـ أن يكون محدثاً حدثاً أكبر، وهذا مكروه. قوله: «مستقبل القِبْلَة»، أي: يُسَنُّ أن يكون مستقبل القِبلة حال الأذان؛ لأن هذا هو الذي وَرَدَ (¬2). ولأنَّ الأذان عبادة (¬3)، والأفضل في العبادة أن يكون ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 75)، «الإقناع» (1/ 120). (¬2) ن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن ابن أبي ليلى قال: جاء عبد الله بن زيد ... هكذا دون ذكر معاذ فهو مرسل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من مُعاذ. قال البيهقي: «وبمعناه رواه جماعة عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي غير أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يذكر معاذاً فهو مرسل». «السنن» (1/ 391). (¬3) قال ابن المنذر في «الإجماع» ص (38): «وأجمعوا على أن من السُّنَّة أن يستقبل القبلة في الأذان».

جاعلا إصبعيه في أذنيه غير مستدير ملتفتا في الحيعلة يمينا وشمالا قائلا بعدهما في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين

الإنسان فيها مستقبل القِبْلَة ما لم يَرِدْ خلافه، على ما قاله صاحب «الفروع» فإنه علَّق على قول الفقهاء رحمهم الله: إنه يُسَنُّ أن يتوضَّأ وهو مستقبل القِبْلَة بقوله: «وهو متوجِّه في كلِّ طاعة إلا بدليل» (¬1). ولكن هذا فيه مناقشة؛ لأن استحبابه في كلِّ طاعة إلا بدليل يحتاج إلى دليل. جَاعلاً إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ غَيْرَ مُسْتديرٍ مُلْتَفِتاً فِي الحَيْعَلة يَمِيْناً وشِمَالاً قَائِلاً بَعْدَهما في أَذَانِ الصُّبحِ: الصَّلاةُ خَيرٌ من النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ. قوله: «جَاعلاً إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ»، أصبعيه يعني: السَّبَّابتين؛ لحديث أبي محذورة؛ ولأنَّ في ذلك فائدتين: الأولى: أنه أقوى للصَّوت. الثانية: ليراه من كان بعيداً، أو مَنْ لا يسمع فيعرف أنه يؤذِّن، والفائدة الأولى لا تزال موجودة حتى الآن، والثانية قد تكون موجودة وقد لا تكون. قوله: «غيرَ مستدير»، أي: لا يستدير على المنارة، قاله المؤلِّف رَدًّا على قول بعض الفقهاء: إنه إذا كان في منارة ـ أي: لها طوق ـ فإنه يستدير لكي يُسمِعَ النَّاس من كلِّ جهة (¬2)، فنفى المؤلِّف القول بهذا. قوله: «ملتفتاً في الحيعلة يميناً وشمالاً»، الحيعلة: أي: قول «حَيَّ على الصَّلاة»، وهي مصدر ويُسمَّى مثله: المصدر المصنوع؛ لأنه مركَّب من عِدَّة كلمات: حيعلة: مِنْ حَيَّ على، ومثلها: بسملة، وحوقلة، وحمدلة، وهيللة، ففي الحيعلتين يلتفت يميناً وشمالاً. ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (1/ 152). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 77).

والمؤلِّف رحمه الله أجملَ كيفيَّة الالتفات. فقال بعضهم: إنه يلتفت يميناً لـ «حيَّ على الصَّلاة» في المرَّتين جميعاً، وشمالاً لـ «حيَّ على الفلاح» في المَرَّتين جميعاً (¬1). وقال بعضهم: إنه يلتفت يميناً لـ «حيَّ على الصَّلاة» في المَرَّة الأولى، وشمالاً للمرَّة الثانية؛ و «حيَّ على الفلاح» يميناً للمرَّة الأولى، وشمالاً للمرَّة الثانية ليُعطي كلَّ جهة حَظَّها من «حَيَّ على الصَّلاة» و «حَيَّ على الفلاح» (¬2). ولكن المشهور وهو ظاهر السُّنَّة: أنه يلتفت يميناً لـ «حيَّ على الصَّلاة» في المرَّتين جميعاً، وشمالاً لـ «حيَّ على الفلاح» في المَرَّتين جميعاً. ولكن يلتفت في كُلِّ الجملة (¬3). وما يفعله بعض المؤذِّنين أنَّه يقول: «حيَّ على» مستقبل القبلة ثم يلتفت، لا أصل له. ومثلها التَّسليم، فإن بعض الأئمة يقول: السَّلام عليكم قبل أن يلتفت، ثم يقول: ورحمة الله حين يلتفت. ولا أصل لهذا ولا لهذا. تنبيه: الحكمة من الالتفات يميناً وشمالاً إبلاغ المدعوين من على اليمين وعلى الشمال، وبناءً على ذلك: لا يلتفت من أذَّن بمكبر الصَّوت؛ لأنَّ الإسماع يكون من «السَّمَّاعات» التي في المنارة؛ ولو التفت لَضَعُف الصَّوت؛ لأنه ينحرف عن «الآخذة». ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 84)، «الإنصاف» (3/ 79). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 84)، «الإنصاف» (3/ 79). (¬3) انظر: «منتهى الإرادات» (1/ 54).

قوله: «قَائِلاً بَعْدَهما في أَذَانِ الصُّبحِ: الصَّلاةُ خَيرٌ من النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ»، قائلاً بعدهما ـ أي: بعد الحيعلتين ـ: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم في أذان الصُّبْحِ مَرَّتين. وقوله: «الصَّلاة خيرٌ من النَّوم» مبتدأ وخبر، ولم يذكر العلماء أنه يجوز فيه الوجهان الرَّفع والنَّصب، وكما قالوا في: «الصَّلاةُ َ جامعة» في صلاة الكُسوف. وقوله: «مَرَّتين»، أي: يُرَدِّدُها مَرَّتين، ولم يذكر العلماء هل يلتفت يميناً وشمالاً، أو يبقى مستقبل القبلة؟ والأصل إذا لم يُذكر الالتفات أن يبقى على التوجّه إلى القِبلة. وهذا القول يُسمَّى التثويب، من ثاب يثوب إذا رجع؛ لأن المؤذِّنَ ثاب إلى الدَّعوة إلى الصلاة بذكر فضلها. وقوله: «في أذان الصُّبْح» «أذان» مضاف و «الصُّبْح» مضاف إليه من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: الأذان الذي سببه طلوع الصُّبح، ويجوز أن يكون من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أي: الأذان من الصُّبح، وأذان الصُّبْح: هو الأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر، واختُصَّ بالتثويب لأن كثيراً من النَّاس يكون في ذلك الوقت نائماً، أو متلهِّفاً للنَّوم. وقد توهَّمَ بعض النَّاس في هذا العصر أن المُرَاد بالأذان الذي يُقال فيه هاتان الكلمتان هو الأذان الذي قبل الفجر، وشُبهتُهم في ذلك: أنه قد وَرَدَ في بعض ألفاظ الحديث: «إذا أذَّنت الأوَّلَ لصلاة الصُّبْحِ فقل: الصلاة خيرٌ

من النَّوم» (¬1)، فزعموا: أن التثويب إنما يكون في الأذان الذي يكون في آخر الليل؛ لأنهم يُسمُّونه «الأوَّل»، وقالوا: إن التثويب في الأذان الذي يكون بعد الفجر بدعة. فنقول: إنَّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: «إذا أذَّنت الأوَّلَ لصلاة الصُّبح»، فقال: «لصلاة الصُّبح»، ومعلوم أن الأذان الذي في آخر الليل ليس لصلاة الصُّبْح، وإنما هو كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسَّلام: «ليوقظ النَّائمَ ويرجع القائمَ» (¬2). أما صلاة الصُّبح فلا يُؤذَّن لها؛ إلا بعد طلوع الصُّبح، فإن أذَّنَ لها قبل طُلوع الصُّبْح فليس أذاناً لها؛ بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حضرت الصَّلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُكُم ... » (¬3). ومعلومٌ أنَّ الصَّلاة لا تحضُر إلا بعد دخول الوقت، فيبقى الإشكال في قوله: «إذا أذَّنت الأوَّل» فنقول: لا إشكال، لأنَّ الأذان هو الإعلام في اللُّغة، والإقامةُ إعلامٌ كذلك، فيكون الأذان لصلاة الصُّبحِ بعد دخول وقتها أذاناً أوَّل. وقد جاء ذلك صريحاً فيما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها في صلاة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الليل قالت: «كان ينام ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق رقم (1821)، وأحمد (3/ 408)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب كيف الأذان، رقم (501)، والنسائي، كتاب الأذان: باب الأذان في السفر، (2/ 7) رقم (632)، عن أبي محذورة. قال النووي: «حديث حسن»، «الخلاصة» رقم (810). (¬2) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب الأذان قبل الفجر، رقم (621)، ومسلم، كتاب الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، رقم (1093) من حديث ابن مسعود. (¬3) تقدم تخريجه ص (43).

أوَّل الليل ويُحيي آخره، ثم إن كان له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأوَّلِ (قالت) وَثَبَ (ولا والله: ما قالت: قام) فأفاض عليه الماءَ (ولا والله: ما قالت اغتسل) وإن لم يكن جُنباً توضَّأ وُضُوءَ الرَّجل للصَّلاة، ثم صلَّى الرَّكعتين» (¬1). والمراد بقولها: «عند النداء الأوَّل» أذان الفجر بلا شَكٍّ، وسُمِّي أولاً بالنسبة للإقامة، كما قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بين كُلِّ أذانين صلاة» (¬2)، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة. وفي «صحيح البخاري» قال: «زاد عثمان الأذان الثالث في صلاة الجمعة» (¬3)، ومعلوم أنَّ الجمعة فيها أذانان وإقامة؛ وسَمَّاه أذاناً ثالثاً، وبهذا يزول الإشكال، فيكون التثويب في أذان صلاة الصُّبْحِ. وقالوا أيضاً: إنه قال: «الصَّلاة خيرٌ من النَّوم»، فدلَّ هذا على أنَّ المراد في الأذان الأوَّل هو ما قبل الصُّبحِ لقوله: «الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم»، أي: صلاة التهجُّد وليس صلاة الفريضة، إذ لا مفاضلة بين صلاة الفريضة وبين النوم، والخيرية إنما تُقال في باب الترغيب. فقالوا: هذا أيضاً يرجِّحُ أنَّ المراد بالأذان الأذان في آخر الليل. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، أبواب التهجد: باب من نام أول الليل وأحيا آخره، رقم (1146)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين: باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلّى الله عليه وسلّم، رقم (739)، واللفظ له. (¬2) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء، رقم (627)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين باب بين كل أذانين صلاة، رقم (838)، من حديث عبد الله بن بريدة. (¬3) رواه البخاري، كتاب الجمعة: باب المؤذن الواحد يوم الجمعة، رقم (913) عن السَّائب بن يزيد.

وهي إحدى عشرة يحدرها، ويقيم من أذن في مكانه إن سهل

فنقول لهم: هذا أيضاً يُضاف إلى الخطأ الأوَّل؛ لأن الخيريَّة قد تُقال في أوجب الواجبات كما قال تعالى؛ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنَجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *} {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} [الصف: 10، 11]، فذكر اللَّهُ الإيمانَ والجهادَ بأنه خير؛ أي: خيرٌ لكم مما يُلهيكم من تجارتكم، والخيريَّة هنا بين واجب وغيره. وقال تعالى في صلاة الجمعة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} [الجمعة: 9]، أي: خير لكم من البيع، ومعلومٌ أن الحضور إلى صلاة الجُمعة واجب ومع ذلك قال: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} ففاضل بين واجبٍ وغيره. وعلى هذا؛ لو ثَوَّبَ في الأذان الذي قبل الصُّبْحِ لقلنا: هذا غير مشروع. وَهِيَ إِحْدى عَشْرَةَ يَحْدُرُها، وَيُقِيمُ مَنْ أَذَّنَ في مَكَانَه إِنْ سَهُلَ. قوله: «وهي إحدى عشرة يَحْدُرُها»، و «هي» أي: الإقامة إحدى عشرة جملة، وحذفَ التَّمييز؛ لأنه ذُكِرَ في الأذان. وقوله: «يحدُرُها»، أي: يُسرع فيها فلا يرتِّلها، وكانت إحدى عشرة؛ لأنَّ «التكبير» في أوَّلاها مرَّتان، و «التَّشهد» للتَّوحيد والرِّسالة مرَّة مرَّة، و «الحيعلتان» مرَّة مرَّة، و «قد قامت الصَّلاة» مرَّتان، و «التكبير» مرَّتان، و «التوحيد» مرَّة، فهذه إحدى عشرة، وهذا ما اختاره الإمام أحمد رحمه الله (¬1). ومن العلماء من اختار سوى ذلك، وقال إنها: سبعَ عَشْرَة (110)، ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 58)، «زاد المعاد» (2/ 390)، «المنتقى من فرائد الفوائد» للمؤلِّف ص (222).

فيجعل «التكبير» أربعاً، و «التشهدين» أربعاً، و «الحيعلتين» أربعاً، و «قد قامت الصلاة» اثنتين، و «التكبير» مرَّتين، و «التوحيد» مرَّة، فيكون المجموع سَبْعَ عَشْرَة. ومنهم من قال: إنها على جُملة جُملة إلا «قد قامت الصلاة»، فتكون تسع جُمَل، وهذا هو ظاهر حديث أنس بن مالك رضي الله عنه حيث قال: أُمِرَ بلالٌ أنْ يشفعَ الأذانَ ويُوتِرَ الإقامةَ (¬1). ولكن المشهور من المذهب ما ذهب إليه المؤلِّف. وأجابوا عن قوله: «يوتر الإقامة» بأنَّ تكرار التَّكبير في أوَّلها مَرَّتين بمنزلة الوتر بالنسبة لتكراره أربعاً في الأذان. وينبغي أن يُعلم «قاعدة» أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية (¬2) وغيره من أهل العلم: «بأن العبادات الواردة على وجوه متنوِّعة؛ ينبغي أن تُفعل على جميع الوجوه؛ هذا تارة وهذا تارة، بشرط ألا يكون في هذا تشويش على العامة أو فتنة». قوله: «ويقيم من أذَّن»، أي: يتولَّى الإقامةَ من يتولَّى الأذان؛ لأن بلالاً رضي الله عنه كان هو الذي يتولَّى الإقامة وهو الذي يؤذِّن، وهذا دليل من السُّنَّة. وأما من النَّظر: فإنه ينبغي لمن تولَّى الأذان وهو الإعلام أولاً أن يتولَّى الإعلام ثانياً، حتى لا يحصُل التباس بين النَّاس ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب الإقامة واحدة ... ، رقم (607)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الأمر بشفع الأذان، رقم (378): من حديث أنس. (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 335 ـ 337).

في هذا الأمر، وحتى يعلم المؤذِّن أنَّه مسؤول عن الإعلامين جميعاً. لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام أو عُذْره؛ لأن بلالاً رضي الله عنه كان لا يقيم حتى يخرج النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، وحتى كانوا يُراجعونه إذا تأخَّرَ يقولون: «الصَّلاةَ، يا رسولَ الله» (¬1). وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنَّ المؤذِّنَ يتولَّى الإقامة؛ وإن كان نائباً عن المؤذِّن الرَّاتب، مثل أنْ يوكِّلَ الرَّاتب من يؤذِّن عنه لعُذرٍ ثم يحضُرُ قبل الإقامة فيتولَّى الإقامة المؤذِّن دون الراتب. وقد ورد في ذلك حديث (¬2) إنْ صَحَّ فهو هو؛ وإن لم يصحَّ فيحتمل أن يتولَّى الإقامة المؤذِّن الرَّاتب؛ لأنَّه أصلٌ والوكيل فرع ناب عنه لغيبته، فإذا حَضَرَ زال مقتضى الوكالة. قوله: «في مكانه إن سَهُلَ»، أي: يقيم في مكان أذانه. نَصَّ ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب النوم قبل العشاء، رقم (569)، ومسلم، كتاب المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها، رقم (638) من حديث عائشة رضي الله عنها. (¬2) رواه أحمد (4/ 169)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر، رقم (514)، والترمذي، أبواب الصلاة: باب من أذّن فهو يقيم، رقم (199)، وابن ماجه، كتاب الأذان: باب السنة في الأذان، رقم (717) من حديث عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث بلفظ: « ... من أذَّن فهو يُقيم». والإفريقي هذا ضعيف. والحديث ضعّف إسناده البغوي، وابن التركماني، والنووي. انظر: «سنن البيهقي» (1/ 399)، «شرح السُّنة» للبغوي (2/ 302)، «الخلاصة» رقم (848). فائدة: قال النوويُّ: باب: من أذن فهو يقيم، المعتمدُ فيه الأحاديث الصحيحة أن بلالاً كان هو المؤذِّن والمقيم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم». «الخلاصة» (1/ 296).

عليه الإمام أحمد رحمه الله (¬1)، واستدلَّ بقول بلالٍ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تسبقني بآمين» (¬2). وهو حديثٌ في صحَّته نظر؛ لكن يؤيِّده ظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصَّلاة ... » (¬3) الحديث. وقيَّد المؤلف رحمه الله ذلك بقوله: «إن سَهُلَ» فعُلِمَ منه أنَّه لو صَعُبَ؛ كما لو أذَّن في منارة فإنه يُقيم حيث تيسَّر. وفي وقتنا الحاضر يمكن أن يكون من أقام في مكبِّر ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 71). (¬2) رواه عبد الرزاق رقم (2636)، ومن طريقه الطبراني (1/رقم 1124)، والبيهقي (1/ 56). ورواه أيضاً الإمام أحمد (6/ 12، 15)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب التأمين وراء الإمام، رقم (937)، والبزار رقم (1375) والطبراني (1/رقم 1125)، (6/رقم 6136)، والطحاوي «شرح مشكل الآثار» رقم (5625، 5626)، والحاكم (1/ 219)، والبيهقي (1/ 23) بأسانيدهم عن أبي عثمان النهدي أن بلالاً قال للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فذكره. أعلَّه البيهقيُّ بالإرسال. فتعقبه ابنُ التركماني بقوله: «أبو عثمان أسلم على عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وسمع جمعاً كثيراً من أصحابه كعمر بن الخطاب وغيره، فإذا روى عن بلال بلفظ «عن» أو «قال» فهو محمول على الاتصال على ما هو المشهور عندهم». (1/ 23). قال أبو حاتم الرازي: «هذا خطأ؛ رواه الثقات عن عاصم عن أبي عثمان أن بلالاً قال للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلاً». «العلل» لابن أبي حاتم رقم (314). قال ابن حجر: «رجاله ثقات، لكن قيل إن أبا عثمان لم يلقَ بلالاً، وقد رويَ عنه بلفظ: «إن بلالاً قال» وهو ظاهر الإرسال، ورجَّحه الدارقطني وغيره على الموصول». انظر: «الفتح» شرح حديث (780). (¬3) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب لا يسعى إلى الصلاة ... ، رقم (636)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ... ، رقم (602) من حديث أبي هريرة.

ولا يصح إلا مرتبا متواليا

الصَّوت كمن أقام في مكان أذانه؛ لأنَّ صوته يُسمع من سمَّاعات المنارة، فيكون إسماع الإقامة من المنارة بمكبر الصَّوت جارياً على ما قاله الفقهاء رحمهم الله: إنه يقيم في مكانه ليُسمعَ النَّاس الإقامة فيحضروا. وَلاَ يَصِحُّ إِلا مُرَتَّباً مُتَوَاليِاً ................ قوله: «ولا يصحُّ إلا مرتَّباً»، أي: لا يصحُّ الأذان إلا مرتَّباً، والترتيب أن يبدأ بالتكبير، ثم التَّشهُّد، ثم الحيعلة، ثم التَّكبير، ثم التَّوحيد، فلو نَكَّسَ لم يجزئ. والدَّليل: أنَّ الأذان عبادة وردت على هذه الصِّفة؛ فيجب أنْ تُفعَلَ كما وردت؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬1). وقوله: «لا يصحُّ إلا مرتَّباً» يفيد أنَّه لا يصحُّ إلا بهذا اللفظ، فلو قال: «الله أجلُّ» أو «الله أعظمُ» لم يصحَّ؛ لأنَّ هذا تغيير لماهيَّة الأذان، فإذا كان وصفه ـ وهو التَّرتيب ـ لا بُدَّ منه، فكذلك ماهيَّته لا بُدَّ منها، فعُلِمَ من قوله: «لا يصحُّ إلا مرتَّباً» أنه لو لم يأتِ به على الوجه الوارد مثل أن يقول: «الله الأكبر» فإنه لا يصحُّ، ولو قال: «أُقِرُّ أنْ لا إله إلا الله» لا يصحُّ، وكذلك لو قال: «أَقبِلُوا إلى الصَّلاة» بدل «حَيَّ على الصَّلاة» فإنه لا يصحُّ. قوله: «متوالياً»، يعني: بحيث لا يَفْصِلُ بعضَه عن بعض، فإن فَصَلَ بعضَه عن بعض بزمن طويل لم يجزئ، فلا بُدَّ أن يكون متوالياً؛ لأنَّه عبادة واحدة، فلا يصحُّ أن تتفرَّق أجزاؤها، فإن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 186).

من عدل

حَصَل له عُذر مثل إن أصابه عُطاس أو سُعَال، فإنه يبني على ما سبق؛ لأنه انفصل بدون اختياره. من عَدْل ................ قوله: «من عَدْل»، هذه الكلمة صفة لموصوف محذوف، والتقدير: «من رَجُلٍ واحد عدل» فلا يصحُّ من امرأة، ولا من اثنين فأكثر، ولا يُكمِلُ الأذان إذا حصَل له عُذر بل يستأنف. واستفدنا من قوله: «عدل» أنه لا بُدَّ أن يكون مسلماً، فلو أذَّنَ الكافر لم يصحَّ؛ لأن الأذان عبادة فاشتُرطَ فيه الإسلام، ولو أذَّن المعلنُ بفسقه كحالق اللحية ومن يشرب الدُّخان جهراً، فإنه لا يَصِحُّ أذانه على كلام المؤلِّف. والرواية الثانية عن الإمام أحمد صحَّة أذان الفاسق (¬1)؛ لأن الأذان ذِكْرٌ؛ والذِّكْرُ مقبولٌ من الفاسق؛ لكن لا ينبغي أن يتولَّى الأذان والإقامة إلا من كان عدلاً. وكذلك الأذان بالمُسجِّل غير صحيح؛ لأنَّه حكاية لأذان سابق، ولأنَّ الأذان عبادة، وسَبَقَ أنه أفضل من الإمامة (¬2)، فكما أنَّه لا يصحُّ أن نسجِّل صلاة إمام ثم نقول للناس ائتمُّوا بهذا «المسجِّل»، فكذلك لا يصح الاعتماد على «المسجِّل» في الأذان، فمن اقتصر عليه لم يكن قائماً بفرض الكفاية. وأفاد قوله: «عدل» على اشتراط العقل؛ لأن العدالة تستلزم العقل، والمجنون رُفِعَ عنه القلم، فلا يُوصفُ بعدالة ولا فسق. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 102 ـ 104). (¬2) انظر: ص (41).

ولو ملحنا أو ملحونا

فكلمة «عدل» تضمَّنت أن يكون مسلماً عاقلاً ذَكَراً واحداً عدلاً. وَلَو مُلَحَّناً أَوْ مَلْحُوناً .............. قوله: «ولو مُلَحَّناً»، الملحن: المطرَّب به، أي: يؤذِّنُ على سبيل التطريب به كأنما يجرُّ ألفاظ أغنية، فإنه يجزئ لكنه يُكره. وفي قوله «لو» إشارة إلى الخلاف، فإن من العلماء من قال: لا يصحُّ الأذان الملحَّن (¬1)؛ لأنَّ الأذان عبادة، والتَّلحين يخرجه عن ذلك، ويميل به إلى الطَّرب والأغاني. قوله: «أو مَلْحُوناً»، الملحون: هو الذي يقع فيه اللَّحن، أي: مخالفة القواعد العربية. ولكن اللَّحن ينقسم إلى قسمين: 1 - قسم لا يصحُّ معه الأذان، وهو الذي يتغيَّر به المعنى. 2 - وقسم يصحُّ به الأذان مع الكراهة، وهو الذي لا يتغيَّر به المعنى، فلو قال المؤذَّن: «الله أكبار» فهذا لا يصحُّ، لأنه يُحيل المعنى، فإن «أكبار» جمع «كَبَر» كأسباب جمع «سبب» وهو الطَّبل. ولو قال: «الله وكبر» فإنَّه يجوز في اللغة العربية إذا وقعت الهمزة مفتوحة بعد ضَمٍّ أن تَقلب واواً، ولو قال: «أشهد أن محمداً رسولَ الله» بنصب «رسول» فهو لا شكَّ أنَّه لَحْنٌ يُحيل المعنى على اللُّغة المشهورة؛ لأنه لم يأتِ بالخبر، لكن هناك لغة أن خبر «أن» يكون منصوباً فيُقبل هذا. قال عمر بن أبي ربيعة وهو من العرب العرباء: ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 69)، «الإنصاف» (3/ 104).

ويجزئ من مميز

إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ خُطَاكَ خِفَافاً، إنَّ حُرَّاسنا أُسْدَا (¬1) وعلى هذه اللُّغة لا يضرُّ نصب «رسول» إذا اعتقد القائل أنها خبر «إن»، والمؤذِّنون يعتقدون أن «رسول الله» هو الخبر. ولو قال: «حيَّا على الصَّلاة» فعلى اللُّغة المشهورة ـ وهي أنَّ اسم الفعل لا تلحقه العلامات ـ فهذا لا يتغيَّر به المعنى فيما يظهر، وحينئذ يكون الأذان صحيحاً؛ لأنَّ غايته أنه أشبع الفتحة حتى جعلها ألفاً. وَيُجْزِئُ مِنْ مُمَيِّزٍ ................. قوله: «ويُجْزِئُ من مُمَيِّز»، يُجزئ: الفاعل يعود على الأذان. والمميِّز: من بلغ سبعاً إلى البلوغ، وسُمِّيَ مميِّزاً لأنه يميِّز فيفهم الخطاب ويردُّ الجواب. وقال بعضُ العلماء: إن المميِّز لا يتقيَّد بسنٍّ، وإنما يتقيَّد بوصف (¬2). فالذين قالوا: إنه يتقيد بسنٍّ؛ استدلوا بقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مُرُوا أبناءَكم بالصَّلاة لسبعِ، واضربُوهم عليها لعشرٍ» (¬3)، فجعل أوَّلَ سِنٍ يُؤمر به الصبيُّ سبعَ سنين، وهذا يدلُّ على أنه قبل ذلك لا يصحُّ توجيه الأمر إليه، فقد يُقال: لأنه لا يفهم الأمر، وقد يُقال: لأنه لا يحتمل الأمر، فإن قلنا بالعِلَّة الأُولى صارت سبعَ السنين هي الحَدُّ للتَّمييز، وإن قلنا بالثَّانية لم يكن ذلك حَدًّا للتَّمييز. ¬

_ (¬1) انظر: «مغني اللبيب» (1/ 37). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 19). (¬3) تقدم تخريجه ص (14).

ويبطلهما فصل كثير،

والذين قالوا: إنه يتقيَّد بالوصف قالوا: لأن كلمة «مميِّز» اسم فاعل مشتق من التَّمييز، وإذا كان مشتقاً من ذلك، فإذا وُجِدَ هذا المعنى في طفل ثَبَتَ له الوصف، فالمُميِّز هو الذي يفهم الخطاب ويردُّ الجواب. لكن سبع السَّنوات غالباً هي الحدُّ، والمراد: الذي يفهم المعنى بأن تطلب منه شيئاً ـ كماء ـ فيذهب ويحضره لك. وسبق شيءٌ من ذلك في أوَّل كتاب الصَّلاة (¬1). فهل يصحُّ أذان المُميِّز أو لا يصحُّ؟ قال المؤلِّف: إنَّه يصحُّ، فلو لم يوجد في البلد إلا هذا الصبيُّ المميِّز وأذَّن فإنه يُكتفى به. ووجه الإجزاء: أنَّ هذا ذِكْر، والذِّكْر لا يُشترط فيه البلوغ، فإن الصبيَّ يُكْتَبُ له ولا يُكْتَبُ عليه، فإذا ذَكَرَ اللَّهَ، كتبَ اللَّهُ له الأجرَ وصحَّ منه الذِّكْرُ، فإذا أذَّن المُميِّز فإنه يُكتفى بأذانه. وقال بعض العلماء: لا يجزئ أذان المُميِّز (¬2)؛ لأنه لا يُوثق بقوله ولا يُعتمد عليه، فقد لا يعرف متى تزول الشَّمس، ومتى يكون ظلُّ كلِّ شيء مثله وغير ذلك. وفَصَّلَ بعض العلماء فقال: إنْ أذَّنَ معه غيرهُ فلا بأس، وإن لم يكن معه غيرُه فإِنَّه لا يُعتمد عليه، إلا إذا كان عنده بالغ عاقل عارف بالوقت ينبِّهه عليه (126). وهذا هو الصَّواب. وَيُبْطِلُهُمَا فَصْلٌ كَثيرٌ، ................ قوله: «ويُبطلُهُما فصلٌ كثيرٌ»، يبطلهما: الضَّمير يعود على ¬

_ (¬1) انظر: ص (13، 14، 15). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 68)، «الإنصاف» (3/ 100 ـ 102).

ويسير محرم، ولا يجزئ قبل الوقت

الأذان والإقامة. والفصل الكثير هو الطويل عُرفاً، وإنما أبطلهما لأن الموالاة شرط؛ حيث إن كلَّ واحد منهما عبادة، فاشترطت الموالاة بين أجزائها كالوُضُوء، فلو كبَّر أربع تكبيرات ثم انصرف وتوضَّأ ثم أتى فأتمَّ الأذان، فإن هذا الأذان لا يصحُّ، بل يجب أن يَبْتَدِئَهُ من جديد. وَيَسيرٌ مُحَرَّمٌ، ولا يُجْزِئُ قَبْلَ الوقتِ ............... قوله: «ويَسيرٌ مُحَرَّمٌ»، وذلك لأن المحرَّم يُنافي العبادة، مثل لو كان رجلٌ يؤذِّن وعنده جماعة يتحدَّثون؛ وفي أثناء الأذان التفت إليهم وقال: فلان فيه كذا وكذا يغتابه، فالغيبة من كبائر الذُّنوب، فنقول: لا بُدَّ أن تعيد الأذان؛ لأنه قد بَطَلَ، وهذا رُبَّما يقع كثيراً في الرَّحلات عند بعض النَّاس. وعُلِمَ من قوله: «يَسيرٌ مُحَرَّم»، أنَّه إذا كان يسيراً مُباحاً كما لو سأله سائل وهو يؤذِّنُ: أين فلان؟ فقال: ذهب. فهذا يسيرٌ مباح فلا يبطله. قوله: «ولا يُجزِئُ قبل الوقت»، لدليل، وتعليل. فأمَّا الدَّليل: فهو قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حضرت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم ... » (¬1)، فقال: «إذا حضرت الصَّلاةُ»، والصَّلاة لا تحضر إلا بدخول الوقت، وقد يُستفاد من قوله: «إذا حضرت» أن المراد دخول وقتها وإرادة فعلها. ولهذا لما أراد بلال أن يؤذِّن، وكان مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في سفر في شدَّة الحَرِّ؛ فزالت الشَّمس؛ فقام ليؤذِّن قال: «أبرد»، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (43).

إلا الفجر بعد نصف الليل

ثم انتظر، فقام ليؤذِّن فقال: «أبرد» حتى رأوا فيءَ التُلُول، بل حتى سَاوى التَّلُ فيئَهُ (¬1). أي: قريب العصر، ثم أمره بالأذان، فهذا يدلُّ على أنه ينبغي في الأذان أن يكون عند إرادة فعل الصَّلاة، وينبني على ذلك ما لو كانوا جماعة في سَفر أو في نُزهة؛ وأرادوا صلاة العشاء، وأحبُّوا أن يؤخِّروها إلى الوقت الأفضل وهو آخر الوقت، فيؤذِّنون عندما يريدون فعل الصَّلاة، لا عند دخول وقت العشاء. وأمَّا التَّعليل: فلأن الأذان إعلام بدخول وقت الصَّلاة؛ والإعلام بدخول الشيء لا يكون إلا بعد دخوله، وعلى هذا؛ فلو أذَّن قبل الوقت جاهلاً قلنا له: إذا دخل الوقت فأعد الأذان، وهذا يقع أحياناً فيما إذا غَرَّت الإنسانَ ساعتُهُ، ويُثَاب على أذانه السَّابق للوقت ثواب الذِّكْرِ المطلق. إِلا الفَجْرَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ............... قوله: «إلا الفَجْرَ بعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ»، استثنى المؤلِّف من شرط دخول الوقت أذان الفجر فقال: «إلا الفجر بعد نصف الليل»، فيصحُّ الأذان وإن لم يؤذِّن في الوقت، وعلى هذا؛ فلو أنَّ المؤذِّنين أذَّنوا للفجر بعد منتصف الليل بخمس دقائق، ولم يؤذِّنوا عند طُلوع الفجر، فهذا على كلام المؤلِّف يجزئ، لقول الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام: «إن بلالاً يؤذِّنُ بليل؛ فكُلُوا واشربُوا حتى يؤذِّن ابنُ أُمِّ مكتوم، فإنه لا يؤذِّنُ حتى يطلع الفجر» (¬2)، فقال: «إن بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ» مقرِّراً ذلك. ولكن هذا الحديث لا يصحُّ الاستدلال به لما يلي: ¬

_ (¬1) متفق عليه، وسيأتي تخريجه ص (104). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (52)، وهذا لفظ البخاري رقم (1918).

أولاً: لأنَّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام صَرَّح في الحديث بأنَّ هناك من يؤذِّنُ إذا طلع الفجر، فتحصُل به الكفاية وهو ابنُ أُمِّ مكتوم، ومعلوم أنه إذا كان يوجد من يؤذِّن لصلاة الفجر حصلت به الكفاية. ثانياً: أنه قد بيَّن في الحديث الذي أخرجه الجماعة: «أن بلالاً يؤذِّن بليلٍ؛ ليوقظ النَّائمَ ويرجع القائمَ» (¬1)، فليس أذانه لصلاة الصُّبح، بل ليوقظ النَّائم ويرجع القائم من أجل السُّحُور، ولهذا قال: «فكُلُوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم». وقوله: «بعد نصف الليل» هذا أيضاً فيه نظر، فحديث بلال الذي استدلُّوا به لا يدلُّ على أن الأذان بعد نصف الليل، بل يدلُّ على أن الأذان قريب من الفجر، ووجهه: أنَّه قال: «كُلُوا واشربوا حتى يؤذِّن ابنُ أُمِّ مكتوم»، وقال: «ليرجع قائمَكم ويوقظ نائمَكم». وهذا دليل على أنه لم يكن بين أذان بلال والفجر إلا مُدَّة وجيزة بمقدار ما يتسحَّر الصَّائم، ولهذا ربما يتوهَّمُ بعض النَّاس فيمسك عند أذان بلال، فقال لهم الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام: كُلُوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مكتوم»، وهذا يدلُّ على أن أذان بلال كان قريباً من طلوع الفجر. والقول الثاني: في هذه المسألة: أنه لا يصحُّ الأذان قبل الفجر إلا إذا وُجِدَ من يؤذِّن بعد الفجر (¬2)، وهؤلاء لهم حَظٌ من حديث بلال. ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (62). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 62 ـ 65)، «الإنصاف» (3/ 88).

ووجهه: أن ابنَ أُمِّ مكتوم يؤذِّنُ بعد طلوع الفجر الذي تحِلُّ فيه الصَّلاة ويحرم به الطَّعام على الصَّائم. والقول الثالث: أنه لا يصحُّ الأذان لصلاة الفجر، ولو كان يوجد من يؤذِّن بعد الفجر، وأن الأذان الذي يكون في آخر الليل ليس للفجر، ولكنه لإيقاظ النُّوَّمِ؛ من أجل أن يتأهَّبوا لصلاة الفجر، ويختموا صلاة الليل بالوتر، ولإرجاع القائمين الذين يريدون الصِّيام (¬1). وهذا القول أصحُّ. ودليله: الحديث السَّابق وهو: «إذا حضرت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم» (¬2)، وهذا عام لا يُستثنى منه شيء، ولا يُعارض حديث: «إنَّ بلالاً يؤذِّن بليل» (¬3)، لأنَّ أذان بلال ليس لصلاة الفجر؛ ولكن ليوقظ النائمَ ويرجع القائمَ. والخلاصة: أن الأذان له شروط تتعلَّقُ بالأذان نفسه، وشروط تتعلَّقُ بوقته، وشروط تتعلَّقُ بالمؤذِّن. أما التي تتعلق به فيُشترط فيه: 1 - أن يكون مرتَّباً. 2 - أن يكون متوالياً. 3 - ألا يكون فيه لَحْنٌ يُحيل المعنى، سواء عاد هذا اللَّحن إلى علم النحو، أو إلى علم التَّصريف. 4 - أن يكون على العدد الذي جاءت به السُّنَّة. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 62 ـ 65)، «الإنصاف» (3/ 88). (¬2) تقدم تخريجه ص (43). (¬3) تقدم تخريجه ص (52).

ويسن جلوسه بعد أذان المغرب يسيرا

أما في المؤذِّن؛ فلا بُدَّ أن يكون: 1 - ذكراً. 2 - مسلماً. 3 - عاقلاً. 4 - مميِّزاً. 5 - واحداً. 6 - عدلاً. أما الوقتُ؛ فيُشترطُ أن يكون بعد دخول الوقت، فلا يُجزئ قبله مطلقاً على القول الرَّاجح، ويُستثنى أذان الفجر على كلام المؤلِّف. وَيُسَنَّ جُلُوسُهُ بَعْدَ أَذَانِ المغربِ يَسِيْراً ............... قوله: «وَيُسَنَّ جُلُوسُهُ بَعْدَ أَذَانِ المغربِ يَسِيْراً»، هنا أمران: «جلوسه» و «يسيراً» ففيه سُنَّتَان: الأولى: أن يجلس بحيث يفصل بين الأذان والإقامة. والثانية: أن يكون الجلوس يسيراً، وإنما قال المؤلِّفُ ذلك لأنَّ من العلماء من يرى أن السُّنَّة في صلاة المغرب أن تُقرن بالأذان (¬1)، فبيَّن المؤلِّف أن الأفضل أن يجلس يسيراً. ودليل ذلك: أن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «صَلُّوا قبل المغرب، صَلُّوا قبل المغرب، صَلُّوا قبل المغرب، وقال في الثالثة: لمن شاء. كراهية أن يتَّخذها النَّاسُ سُنَّة» (¬2). وهذا يدلّ على الفصل بين الأذان والإقامة في المغرب. وثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أذَّن المغرب قاموا يُصلُّون والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يراهم فلم يَنْهَهُمْ (¬3)، وهذا إقرار ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 66)، «المجموع شرح المهذب» (3/ 121). (¬2) رواه البخاري، أبواب التهجد: باب الصلاة قبل المغرب، رقم (1183) من حديث عبد الله بن مغفَّل المزني. (¬3) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة إلى الأسطوانة، رقم (503)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين: باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب، رقم (837) من حديث أنس بن مالك.

ومن جمع أو قضى فوائت أذن للأولى ثم أقام لكل فريضة

منه على هذه الصلاة، فثبت الفصلُ بالسُّنَّة القوليَّة والسنَّة الإقرارية. وعليه، يلزم من الأمر بهذه السُّنَّة وإقرارِها أن يكون هناك فصلٌ بين الأذان والإقامة. وقوله: «يسيراً»، أي: لا يطيل؛ لأنَّ صلاة المغرب يُسَنُّ تعجيلُها، وكلُّ صلاة يُسَنُّ تعجيلها فالأفضل أن لا يطيل الفصل بين الأذان والإقامة، لكن مع ذلك ينبغي أن يراعي حديث: «بين كُلِّ أذانين صلاة» (¬1)، ولهذا قال العلماء: ينبغي في هذا أن يفسَّر التَّعجيل بمقدار حاجته، من وُضُوء، وصلاة نافلة خفيفة أو راتبة (¬2). ويُسَنُّ تعجيلُ جميعِ الصَّلوات إلا العشاء، وإلا الظُّهر عند اشتداد الحرِّ (¬3)، ولكن الصَّلوات التي لها نوافل قبلها كالفجر والظُّهر؛ ينبغي للإنسان أن يُراعي حال النَّاس في هذه، بحيث يتمكَّنون من الوُضُوء بعد الأذان ومن صلاة هذه الرَّاتبة. وَمَنْ جَمَعَ أَوْ قَضَى فَوائِتَ أَذَّنَ لِلأُولى ثُمّ أَقَامَ لكُلِّ فَرِيضَةٍ. قوله: «وَمَنْ جَمَعَ أَوْ قَضَى فَوَائِتَ أَذَّنَ لِلأُولى ثُمّ أَقَام لِكُلِّ فَرِيضَةٍ»، هاتان مسألتان: الأولى: الجمع، ويُتصوَّر بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وسيأتي بيان سبب الجمع (¬4)، وأنَّه المشقَّة، فكُلَّما كان ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (63). (¬2) انظر: «الإقناع» (1/ 122). (¬3) انظر: ص (103، 115). (¬4) في الجزء الرابع، في باب صلاة أهل الأعذار.

يَشُقُّ على الإنسان أن يُصلِّي كلَّ صلاة في وقتها؛ فإنَّ له أن يجمع، سواء كان في الحضر أم في السَّفر، فإذا جمع الإنسانُ أذَّن للأُولى؛ وأقام لكلِّ فريضة، هذا إن لم يكن في البلد، أما إذا كان في البلد؛ فإنَّ أذان البلد يكفي؛ وحينئذ يُقيم لكلِّ فريضة. دليل ذلك: ما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث جابر رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أذَّن في عَرفة، ثم أقام فصَلَّى الظُّهر، ثم أقام فصلَّى العصر، وكذلك في مُزدَلِفَة حيث أذَّن وأقام فصَلَّى المغرب، ثم أقام فَصَلَّى العشاء (¬1). وأما التَّعليل: فلأن وقت المجموعتين صار وقتاً واحداً، فاكتُفِي بأذان واحد ولم يُكتَفَ بإقامةٍ واحدة، لأن لكلِّ صلاة إقامة، فصار الجَامِعُ بين الصَّلاتين يؤذِّن مَرَّة واحدة، ويقيم لكلِّ صلاة. المسألة الثانية: من قضى فوائت فإنه يؤذِّن مرَّة واحدة، ويُقيم لكلِّ فريضة. يعني: إذا كانت فوائت متعدِّدة، فإنه يؤذِّن لها مرَّة واحدة، ويقيم لكلِّ فريضة كالمجموعات، فإنه ثبت أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أذَّن وأقام في غزوة الأحزاب (¬2). فالدَّليل بالنَّصِّ، وبالقياس على المجموعة التي ثبت أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يؤذِّن مرَّة واحدة ويقيم بعدد الصَّلوات. وقوله: «أو قضى فوائت»، قال العلماء: أوصاف الصَّلاة ثلاثة: أداء، وإعادة، وقَضاء (¬3). ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحج: باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، رقم (1218). (¬2) يأتي تخريجه ص (143 ـ 146). (¬3) انظر: «شرح الكوكب المنير» (1/ 365 ـ 368).

ويسن لسامعه متابعته سرا

فالأداء: ما فُعل في وقته لأوّل مرّة. والإعادة: ما فُعِلَ في وقته مرَّة ثانية كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صَلَّيتُما في رِحالِكُما؛ ثم أتيتما مسجدَ جماعة فصلِّيا معهم، فإنَّها لكما نافلة» (¬1). والقضاء: ما فُعِلَ بعد وقته، وهذا بناءً على المشهور عند أكثر أهل العلم أنَّ ما فُعِلَ بعد الوقت فهو قَضاء. ولكن هناك قولاً ثانياً هو الأصحُّ: وهو أنَّ ما فُعِلَ بعد الوقت؛ فإن كان لغير عُذْرٍ لم يقبل إطلاقاً، وإِن كان لعُذْرٍ فهو أداء وليس بقضاء (¬2). ودليل ذلك قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها» (¬3). فجعل وقتها عند ذكرها، وكذلك في النوم عند الاستيقاظ. والخلاف في هذا قريب من اللفظي؛ لأن الكُلَّ يتَّفقون على أنه يُشرع الأذان والإقامة حتى فيما فُعِلَ بعد الوقت. وَيَسَنُّ لسَامِعِهِ مُتَابَعَتُه سِرًّا ............ قوله: «ويُسَنُّ لسامعه مُتابعتُه سِرًّا»، السُّنَّة لها إطلاقان: ¬

_ (¬1) رواه أحمد (4/ 160)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب من صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، رقم (575، 576)، والنسائي، كتاب الإمامة: باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، (2/ 112) رقم (54)، والترمذي، كتاب الصلاة: باب في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة، رقم (219) واللفظ له من حديث يزيد بن الأسود. وصححه: الترمذي، وابن خزيمة (1279)، وابن حبان (1564)، وابن السَّكن، والحاكم (1/ 244)، والنوويُّ وغيرهم. انظر: «الخلاصة» رقم (770)، «التلخيص الحبير» رقم (564). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 36، 37)، «كتاب الصلاة» لابن القيم ص (72). (¬3) متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه ص (15).

إطلاق اصطلاحي عند الفقهاء، وإطلاق شرعي في لسان الشَّارع. أما عند الفقهاء: فيطلقون السُّنَّة على ما يُثاب فاعُله، ولا يُعاقبُ تاركُه. وأما في لسان الشَّارع، فالسُّنَّة هي: الطريقة التي شرعها الرَّسولُ عليه الصَّلاة والسَّلام، سواء كانت واجبة يُعاقب تاركها أم لا. فحديث أنس: «من السُّنَّةِ إذا تزوَّج البكرَ على الثَّيِّبِ أقام عندها سبعاً» (¬1)، من السُّنَّةِ الواجبة. وحديث ابن الزبير: «من السُّنَّةِ وضْعُ اليد اليُمنى على اليد اليسرى في الصَّلاة» (¬2). هذا من السُّنَّة المستحبَّة، فإذا وجدنا السُّنَّة في كلام الفقهاء فالمُراد به السُّنَّة الاصطلاحيَّة. وقول المؤلِّف: «يُسَنُّ لسامعه»، أي لسامع الأذان فيشمل الذَّكر والأُنثى، ويشمل المؤذِّن الأول والثاني إذا اختلف المؤذِّنُون. فيجيب الأول ويجيب الثَّاني؛ لعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول» (¬3). ثم هو ذِكْرٌ يُثاب الإنسان عليه، ولكن لو صَلَّى ثم سمع مؤذِّناً بعد الصَّلاة فظاهر الحديث أنَّه يجيب لعمومه. ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه (1/ 168). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 168). (¬3) رواه مسلم، كتاب الصلاة: باب استحباب القول مثل قول المؤذن، رقم (384) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

وقال الأصحاب: إنه لا يجيب (¬1)؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان فلا يتابعه. وأجابوا عن الحديث: بأن المعروف في عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن المؤذِّنَ واحد، ولا يمكن أن يؤذِّن آخر بعد أن تُؤدَّى الصَّلاة، فيُحمل الحديث على المعهود في عهد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنه لا تكرار في الأذان. ولكن لو أخذ أحدٌ بعموم الحديث وقال: إنه ذِكْر؛ وما دام الحديث عاماً فلا مانع من أن أذكر الله عزّ وجل. وقوله: «يُسَنُّ لسامعه متابعتُه سِرًّا»، صريحٌ بأنه لو ترك الإجابة عمداً فلا إثم عليه، وهذا هو الصَّحيح. وقال بعض أهل الظَّاهر: إن المتابعة واجبة، وإنه يجب على من سمع المؤذِّن أن يقول مثلَ ما يقول (¬2). واستدلُّوا بالأمر: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول» والأصل في الأمر الوجوب، ولكن الجمهور على خلاف ذلك (¬3). واستدلَّ الجمهور بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سمع مؤذِّناً يؤذِّن فقال: «على الفِطرة» (¬4)، ولم يُنقل أنه أجابه أو تابعه، ولو كانت المُتابعة واجبة لفعلها الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام ولنُقِلَتْ إلينا. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 107)، «كشَّاف القناع» (1/ 245). (¬2) انظر: «المحلَّى» (3/ 148). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 85)، «النكت على المحرر» (1/ 38، 39). (¬4) رواه مسلم، وقد تقدَّم تخريجه ص (47)، من حديث أنس بن مالك. وعندي دليلٌ أصرحُ من ذلك، وهو قولُ النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام لمالك بن الحُويرث ومن معه: «إذا حضرت الصَّلاةُ

فليؤذِّنْ لكم أحدُكم، ثم لِيَؤمَّكُم أكبرُكم» (¬1)، فهذا يدلُّ على أنَّ المتابعة لا تجب. ووجه الدلالة: أن المقام مقام تعليم؛ وتدعو الحاجةُ إلى بيان كلّ ما يُحتاج إليه، وهؤلاء وَفْدٌ قد لا يكون عندهم علم بما قاله النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في متابعة الأذان، فلمَّا ترك النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم التنبيه على ذلك مع دُعاءِ الحاجة إليه؛ وكون هؤلاء وفداً لَبِثُوا عنده عشرين يوماً؛ ثم غادروا؛ يدلُّ على أنَّ الإجابة ليست بواجبة، وهذا هو الأقرب والأرجح. وقوله: «يُسَنُّ لسَامعه متابعتُه سِرًّا»، ظاهره: أنه إذا رآه ولم يسمعه فلا تُسَنُّ المتابعة؛ لأن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «إذا سمعتم» فعلَّق الحكمَ بالسَّماع؛ ولأنه لا يمكن أن يتابعَ ما لم يسمعه؛ لأنه قد يتقدَّم عليه. وظاهر كلامه أيضاً: أنه لو سَمِعَه ولم يَرَهُ؛ تابعه للحديث. وظاهر الحديث كما هو ظاهرُ كلام المؤلِّف أنه يتابعه على كلِّ حال؛ إلا أن أهل العلم استثنوا مَنْ كان على قضاء حاجته (¬2)؛ لأنَّ المقام ليس مقام ذِكْر، وكذا المصلِّي لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن في الصَّلاةِ شُغْلاً» (¬3)، فهو مشغول بأذكار الصَّلاة. وقال شيخ الإسلام: بل يتابع المصلّي المؤذِّنَ؛ لعموم ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه ص (43). (¬2) انظر: «النكت على المحرر» (1/ 41)، «الإنصاف» (3/ 108). (¬3) رواه البخاري، كتاب العمل في الصلاة: باب ما يُنهى من الكلام في الصلاة، رقم (1199)، ومسلم، كتاب المساجد: باب تحريم الكلام في الصَّلاة، رقم (538). من حديث عبد الله بن مسعود.

وحوقلته في الحيعلة

الأمر بالمتابعة (¬1)، ولأنه ذِكْرٌ وُجِدَ سببُه في الصَّلاة، فكان مشروعاً، كما لو عَطَسَ المصلِّي فإنه يحمد الله كما جاءت به السُّنَّة. لكن قد يقال: إن بينهما فَرْقاً، فإن حَمْدَ العاطس لا يُشْغِلُ كثيراً عن أذكار الصَّلاة، بخلاف متابعة المؤذِّن، وربما يكون ذلك أثناء قراءة الفاتحة فتفوت الموالاة بينها، فالرَّاجح أن المصلِّي لا يتابع المؤذِّن، وكذا قاضي الحاجة. لكن هل يقضيان أم لا؟ المشهور من المذهب أنهما يقضيان (¬2)؛ لأن السبب وُجِدَ حال وجود المانع؛ فإذا زال المانع ارتفع وقضى ما فاته. وفي النَّفس من هذا شيء، خصوصاً إذا طال الفصلُ والله أعلم. وَحَوْقَلَتُهُ فِي الحَيْعَلَة. قوله: «وحَوقَلَتُه في الحَيْعَلة»، هذان مصدران مصنوعان ومنحوتان؛ لأنَّ الحَوقَلَة مصنوعة من «لا حولَ ولا قوَّة إلا بالله»، والحيعلة من «حيَّ على الصَّلاة» «حيّ على الفلاح»، فتقول إذا قال المؤذِّنُ: «حَيَّ على الصَّلاة»: لا حولَ ولا قوَّة إلا بالله، وإذا قال: «حَيَّ على الفلاح»: لا حولَ ولا قوَّة إلا بالله. لو قال قائل: هل ابتُليتُ بمصيبة حتى أقول: لا حولَ ولا قوَّة إلا بالله؟ لأنَّ العامَّة عندهم أن الإنسان إذا أُصيب بمصيبة قال: «لا حولَ ولا قوَّة إلا بالله». والمشروع عند المصائب أن تقول: «إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون»، أما هذه الكلمة: «لا حول ¬

_ (¬1) انظر: «الاختيارات» ص (39). (¬2) انظر: «الإنصاف» (1/ 191)، (3/ 108)، «الإقناع» (1/ 123).

ولا قوة إلا بالله» فهي مشروعة عند التحمُّل، وهي كلمة استعانة، وليست كلمة استرجاع. فالجواب: أن المؤذِّنَ لما قال: «حيَّ على الصلاة»، فإنما دعاك إلى حضورها؛ فاستعنت بالله، وذلك حيثُ تبرَّأت من حولك وقوَّتك إلى ذي الحَول والقوَّة عزّ وجل فاستعنت به، وقلت: لا حَول ولا قوَّة إلا بالله، وهذا من باب التوسُّل بذكر حال الدَّاعي وكمال المدعو. فإن قيل: ما هو الحَول؛ وما هي القوَّة؟ فقد قال العلماء: الحَول بمعنى التحوُّل، أي: لا تحوّل من حال إلى حال إلا بالله عزّ وجل. والقوَّة أخصُّ من القدرة، فكأنَّك قلت: لا أستطيع ولا أقوى على التَّحوُّل إلا بمعونة الله، ولهذا نقول: إن «الباء» في قوله: «إلا بالله» للاستعانة، فكلُّ إنسان لا يستطيع أن يتحوَّل من حال إلى حال، سواء من معصية إلى طاعة، أو من طاعة إلى أفضل منها إلا بالله عزّ وجل. وقوله: «حيَّ على الفلاح» بعد قوله: «حيَّ على الصّلاة» تعميمٌ بعد تخصيص، أو دعاء إلى النتيجة والثَّواب بعد الدُّعاء إلى الصَّلاة، كأنه قال: أقبل إلى الصَّلاة، فإذا صليت نِلْتَ الفلاح. وفي متابعة المؤذِّنِ دليلٌ على رحمة الله عزّ وجل، وسِعة فضله؛ لأن المؤذِّنين لما نالوا ما نالوه من أجر الأذان شُرع لغير المؤذِّن أن يتابعه؛ لينال أجراً كما نال المؤذِّن أجراً، ولهذا نظائر، فمن ذلك أنَّ الحُجَّاج يذبحون الهدايا يوم النَّحر، وغيرهم ممن لم يحجَّ شُرِع لهم ذبح الأضاحي، وكذلك الحجَّاج إذا

وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة،

أحرموا تركوا الترفُّه فلا يحلقون شعر الرَّأس، وغيرهم من أهل الأضاحي لا يأخذون من شعورهم. وَقَوْلُه بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوةِ التَّامَّةِ، .................... قوله: «وقوله بعد فراغه: اللهم رَبَّ هذه الدَّعوةِ التَّامَّة ... إلخ»، الحقيقة أن المؤلِّف اقتصر في الدُّعاء الذي بعد الأذان على ما ذكره، وإلا فينبغي بعد الأذان أن تُصلِّي على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1) ثم تقول: «اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة ... إلخ»، وفي أثناء الأذان إذا قال المؤذِّن: «أشهد أنْ لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمداً رسولُ الله» وأجبته تقول بعد ذلك: «رضيت بالله رَبًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً» كما هو ظاهر رواية مسلم حيث قال: «من قال حين سمع النداء: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، رضيت بالله رَبًّا وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غُفِرَ له ذَنْبه». في رواية ابن رُمْح ـ أحد رجال الإسناد ـ: «من قال: وأنا أشهد» (¬2). وفي قوله: «وأنا أشهد» دليلٌ على أنه يقولها عقب قول المؤذِّن: «أشهد أنْ لا إله إلا الله»، لأنَّ الواو حرف عطف، فيعطف قولَه على قولِ المؤذِّن. فإذاً؛ يوجد ذِكْرٌ مشروع أثناء الأذان. ¬

_ (¬1) روى مسلم، كتاب الصلاة: باب استحباب القول مثل قول المؤذن، رقم (384) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنه من صَلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلَّت له الشفاعة». (¬2) رواه مسلم، كتاب الصلاة: باب استحباب القول مثل قول المؤذن، رقم (386) من حديث سعد بن أبي وقاص ....

والصلاة القائمة

وقوله: «اللهم رَبَّ هذه الدعوة التَّامة»، الدعوة التامة: هي الأذان؛ لأنه دعوة، ووَصَفَها بالتَّامة؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير. وقوله: «اللهُم رَبَّ»، اللَّهُ بالضم، وربَّ بالفتح، لأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ مفردٌ فيُبنى على الضمِّ، و «ربَّ» مضاف، فيكون منصوباً؛ لأن المُنادى أو ما وقع بدلاً منه إذا كان مضافاً فإنه يكون منصوباً. وقوله: «اللهم» منادى حُذِفَت منه ياءُ النداء، وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلَت الميم بعد لفظ الجلالة تيمُّناً وتبرُّكاً بالابتداء بلفظ الجلالة، واخْتِيرَ لفظ الميم دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع؛ كأن الدَّاعي يجمع قلبه على ربِّه عزّ وجل، وعلى ما يريد أن يدعوه به. وقوله: «رَبَّ»، «ربّ» هنا بمعنى صاحبَ الدَّعوة الذي شرعها، ولو كانت «ربّ» بمعنى خالق أشكل علينا؛ لأنَّ هذه الدَّعوة فيها أسماء الله وهي غير مخلوقة؛ لأنها من الكلام الذي أخبر به عن نفسه، وكلامه غير مخلوق، لكن لو فَسَّرنا «ربّ» بمعنى خالق على إرادة اللفظ الذي هو فعل المؤذِّن، فهذا لا إشكال فيه. والصَّلاَةِ القَائِمَةِ .............. قوله: «والصَّلاة القائمة»، أي: وربَّ هذه الصَّلاة القائمة؛ والمشار إليه ما تصوَّره الإنسانُ في ذِهنه؛ لأنك عندما تسمع الأذان تتصوَّر أنَّ هناك صلاة. و «القائمة»: قال العلماء: التي ستقام فهي قائمة باعتبار ما سيكون (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «فتح الباري» (2/ 95) .........

آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته

آتِ محمداً الوَسِيْلَةَ والفَضِيْلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتُه. قوله: «آتِ محمداً الوسيلةَ والفضيلةَ»، آتِ: بمعنى أعطِ، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأوَّل «محمداً» و «الوسيلة» المفعول الثَّاني. والوسيلة: بيَّنها الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أنها: «درجة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله»، قال: «وأرجو أن أكون أنا هو» (¬1). ولهذا نحن ندعو الله ليتحقَّق لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما رجَاه عليه الصَّلاة والسلام. وأما الفضيلة: فهي المَنْقبَة العالية التي لا يشاركه فيها أحد. قوله: «وابْعَثْهُ مَقَامَاً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتهُ»، ابعثه يوم القيامة «مقاماً» أي: في مقام محمود الذي وعدته، وهذا المقام المحمود يشمل كلّ مواقف القيامة، وأَخَصُّ ذلك الشفاعة العُظمى، حينما يلحق الناس من الكرب والغَمِّ في ذلك اليوم العظيم ما لا يُطيقون، فيطلبون الشفاعة من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم الصَّلاة والسَّلام، فيأتون في النهاية إلى نبيِّنا محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام فيسألونه أن يشفع إلى الله فيشفع لهم (¬2). وهذا مقام محمود؛ لأن الأنبياء والرُّسل كلهم يعتذرون عن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (86). (¬2) حديث الشفاعة العظمى رواه البخاري، كتاب التفسير: باب (ذرية مَنْ حملنا مع نوح)، رقم (4712)، ومسلم، كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم (194) من حديث أنس بن مالك.

الشَّفاعة، إما بما يراه عُذراً كآدم ونوح وإبراهيم وموسى، وإمَّا لأنه يرى أن في المقام مَنْ هو أولى منه كعيسى. وانظر كيف أَلْهَمَ اللَّهُ الناسَ أن يأتوا إلى هؤلاء؛ لأن هؤلاء الأربعة هم أولو العزم، وآدم أبو البشر خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، ثم انظر كيف يُلْهِمُ الله هؤلاء أن يعتذر كُلُّ واحد بما يرى أنَّه حائل بينه وبين الشفاعة، لأن الشافع لا يتقدَّم في الشَّفَاعة، وهو يرى أنه فعل ما يُخِلُّ بمقام الشَّفاعة، وهؤلاء الأربعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى؛ استحيوا أن يتقدَّموا في الشَّفاعة؛ لكونهم فعلوا ما يُخِلُّ بمقام الشَّفاعة في ظَنِّهم، مع أنهم قد تابوا إلى الله تعالى. أما بالنسبة لإبراهيم عليه السلام فالذي فعله كان تأويلاً، لكن لكمال تواضعه اعتذر به. والخامس لم يذكر شيئاً يُخِلُّ بمقام الشفاعة، ولكن ذَكَرَ مَنْ هو أَولى منه في ذلك، وهو محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام لتتمَّ الكمالات لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وهذا من المقام المحمود الذي قال الله له فيه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا *} [الإسراء] هذه الدعوات. وقد ثَبَت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن من صَلَّى عليه، ثم سأل الله له الوسيلة، فإنها تحلُّ له الشفاعة يوم القيامة» (¬1). فيكون مستحقًّا لها، وهذا لا شَكَّ أنه من نعمة الله سبحانه علينا وعلى الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم. أما علينا فلِمَا ننالُه من الأجر من هذا الدُّعاء، وأما على الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم. فلأن هذا مما يرفع ذكرَه أن تكون أمته إلى يوم القيامة تدعو الله له. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (86).

لكن لو قال قائل: إذا كانت الوسيلة حاصلة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما الفائدة من أن ندعو الله له بها؟ فالجواب: لعلَّ من أسباب كونها له دُعاءُ النَّاس له بذلك، وإن كان صلّى الله عليه وسلّم أحقَّ الناس بها. ولأن في ذلك تكثيراً لثوابنا؛ وتذكيراً لحقِّه علينا. وفي هذا الدُّعاء عِدَّة مسائل: المسألة الأولى: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بشرٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضَرًّا، ووجهه: أننا أمرنا بالدُّعاء له. المسألة الثانية: أن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أفضل البشر؛ لأنَّ الوسيلة لا تحصُل إلا له خاصَّة، ومعلومٌ أن الجزاء على قَدْرِ قيمة المجزيِّ، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]. المسألة الثالثة: الإشكال في قوله: «آتِ محمَّداً»، ولم يقل: «آتِ رسول الله»، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] على أحد التفسيرين في أنَّ المعنى لا تنادوه باسمه كما يُنادي بعضكم بعضاً؟ والجواب: أن النهي في الآية عن مناداته باسمه، وأما في باب الإخبار فلا نهيَ في ذلك. وفي الآية قولٌ آخر؛ وهو أن قوله: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] من باب إضافة المصدر إلى فاعله لا إلى مفعوله، يعني: لا تجعلوا دُعاءَ الرَّسول إيَّاكم

كدُعاء بعضكم بعضاً، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل تجب إجابته. تنبيه: لم يذكر المؤلِّف قوله: «إنك لا تخلف الميعاد»؛ لأن المحدثين اختلفوا فيها، هل هي ثابتة أو ليست بثابتة؟ فمنهم من قال: إنها غير ثابتة لشُذُوذِها؛ لأن أكثر الذين رَوَوا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، قالوا: والمقام يقتضي ألا تُحذف؛ لأنه مقام دُعاء وثناء، وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه إلا لكونه غير ثابت؛ لأنه مُتَعَبَّدٌ به. ومن العلماء من قال: إنَّ سندها صحيح، وإنها تُقال؛ لأنها لا تُنَافي غيرَها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: إن سندَها صحيح، وقد أخرجها البيهقي (¬1) بسند صحيح. وقالوا: إنَّ هذا مما يُختم به الدُّعاء كما قال تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ *} [آل عمران] فمن رأى أنَّها صحيحة فهي مشروعة في حقِّه، ومن رأى أنَّها شاذة فليست مشروعة في حقِّه، والمؤلِّف وأصحابُنَا يرون أنها شاذَّة ولا يُعمل بها. تَنْبِيهات: الأوَّل: ظاهر كلام المؤلِّف أنه لا تُسَنُّ متابعةُ المقيم، وهو أظهر. وقيل: بل تُسَنُّ (¬2)، وفيها حديث أخرجه أبو داود لكنه ¬

_ (¬1) «سنن البيهقي» (1/ 410)، وانظر: «إرواء الغليل» (1/ 260)، «فتاوى إسلامية» جمع: محمد المسند (1/ 254). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 108)، «منتهى الإرادات» (1/ 55).

ضعيف (¬1)؛ لا تقوم به الحُجَّة. الثاني: ظاهر كلامه: أنَّه إذا قال المؤذِّن في صلاة الصُّبْح: «الصَّلاة خير من النوم»، فإن السَّامع يقول مثل ما يقول: «الصَّلاةُ خير من النوم» وهو الصَّحيح؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول» (¬2)، وهذا عامٌّ في كلِّ ما يقول، لكن الحيعلتين يُقال في متابعتهما: «لا حول ولا قوَّة إلا بالله» كما جاء في الحديث، ولأن السَّامع مدعو لا داع، والمذهب أنه يقول في المتابعة في «الصلاة خير من النوم»: «صدقت وبررت» (¬3) وهذا ضعيف، لا دليل له؛ ولا تعليل صحيح. التنبيه الثالث: ظاهر كلام المؤلِّف أيضاً: أن المؤذِّن لا يتابعُ نفسَه، وهو الصَّحيح؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول»، والمذهب أنه يُتابع نفسه (170)، وهو ضعيفٌ مخالف لظاهر الحديث، وللتعليل الصَّحيح وهو: أن المقصود مشاركة السَّامع للمؤذِّن في أصل الثواب. ¬

_ (¬1) رواه أبو داود، كتاب الصلاة: باب ما يقول إذا سمع الإقامة، رقم (528)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (104) من حديث أبي أُمامة: أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أقامها الله وأدامها». والحديث ضعّفه: النَّووي، وابن حجر، وقال ابن كثير: «ليس هذا الحديث بثابتٍ». انظر: «الخلاصة» (843)، «إرشاد الفقيه» ص (105)، «التلخيص الحبير» رقم (311). (تنبيه): زاد بعض الفقهاء في هذا الحديث الضعيف بعد «أقامها الله وأدامها» عبارة: «واجعلني من صالحي أهلها»، وهي زيادة باطلة لا أصل لها كما قال الحافظُ ابن حجر وغيره. (¬2) تقدم تخريجه ص (86). (¬3) انظر: «الإنصاف» (3/ 108)، «منتهى الإرادات» (1/ 55).

باب شروط الصلاة

بابُ شُرُوط الصَّلاة الشَّرط لُغةً: العلامة، ومنه قوله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18]، أي: علاماتها. والشَّرطُ عند الأصوليين: ما يلزم من عَدَمِهِ العدمُ، ولا يلزم من وجوده الوجودُ. مثل: الوُضُوء للصَّلاة؛ يلزمَ من عدمه عدم صحَّة الصَّلاة؛ لأنه شرط لصحَّة الصَّلاة، ولا يلزم من وجوده وجود الصَّلاة، فلو توضَّأ إنسان فلا يلزمه أن يُصلِّي، لكن لو لم يتوضَّأ وصلَّى لم تصحَّ. قوله: «شروط الصَّلاة»، الإضافة هنا على تقدير اللام، أي: شروط للصَّلاة، وذلك لأن الإضافة تارة تكون على تقدير «في»، وتارة تكون على تقدير «من»، وتارة تكون على تقدير اللام. فتكون على تقدير «من» إذا كان الثاني جنساً للأول مثل: خَاتم حديد، أي: من حديد، وباب خشب، أي: من خشب. وتكون على تقدير «في» إذا كان الثاني ظرفاً للأول كقوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33]، أي: في الليل والنهار. وما عدا ذلك على تقدير اللام، وهو الأكثر. تنبيه: اعترض بعضُ النَّاس على الفقهاء في كونهم يقولون: شروط، وأركان، وواجبات، وفروض، ومفسدات، وموانع،

وما أشبه ذلك، وقالوا: أين الدَّليل من الكتاب والسُّنَّة على هذه التَّسمية، هل قال الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: إن شروط الصَّلاة كذا، وأركانها كذا، وواجباتها كذا ... فإن قلتم: نعم، فأرونا إيَّاه، وإن قلتم: لا، فلماذا تُحْدِثُون ما لم يفعله الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم؟!. والجواب: أنَّ مثل هذا الإيراد دليلٌ على قِلَّة فَهْمِ مُوْرِدِه، وأنَّه لا يُفَرِّق بين الغاية والوسيلة، فالعلماء لمَّا ذكروا الشُّروط والأركان والوجبات؛ لم يأتوا بشيء زائد على الشَّرع، غاية ما هنالك أنهم صَنَّفوا ما دَلَّ عليه الشَّرع؛ ليكون ذلك أقرب إلى حصر العلوم وجمعها؛ وبالتَّالي إلى فهمها. فهم يصنعون ذلك لا زيادة على شريعة الله، وإنما تقريباً للشَّريعة، والوسائل لها أحكام المقاصد، كما أنَّ المسلمين لا زالوا ـ وإلى الآن ـ يبنون المدارس، ويؤلِّفون الكتب وينسخونها، وفي الأزمنة الأخيرة صاروا يطبعونها في المطابع، فقد يقول قائل أيضاً: لماذا تطبعون الكتب؛ وفي عهد الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام كان النَّاس يكتبون بأيديهم، فلماذا تفعلون شيئاً محدثاً؟ فنقول: هذه وسائل يَسَّرَها اللَّهُ عزّ وجل للعباد؛ لتُقَرِّبَ إليهم الأمورَ، ولم يَزدِ العلماء في شريعة الله شيئاً، بل بوَّبوها ورتَّبوها، فمثلاً قول الرَّسول عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل اللَّهُ صلاةً بغير طُهُور» (¬1)، فمِنْ هذا الحديث يُفهم أنه إذا صَلَّى الإنسانُ بغير طُهُور فصلاتُه باطلة، إذاً؛ الطُهُور شرط لصحَّة الصَّلاة، فما الفرق بين ذلك وبين أن أقول: يُشترط لصحَّة الصَّلاة ¬

_ (¬1) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه (1/ 324).

شروطها قبلها منها الوقت

الطُهُور، فمَنْ لم يتطهَّر فلا صلاة له. وحينئذ نقول: لا اعتراض على صنيع الفقهاء رحمهم الله، بل هو من الصَّنيع الذي يُشكرون عليه؛ لما فيه من تقريب شريعة الله لعباد الله. شُرُوطُهَا قَبْلَها منها الْوَقْتُ ................. قوله: «شُرُوطُهَا قَبْلَها»، جملة خبرية مركَّبة من مبتدأ وخبر، ومعناها أن الشرُوط تقع قبلها؛ لكن لا بُدَّ من استمرارها فيها، والأركان توافق الشُّروط في أنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلا بها، لكن تُخالفها فيما يلي: أولاً: أنَّ الشُّروط قبلها، والأركانَ فيها. وثانياً: أنَّ الشُّروطَ مستمرَّة من قبل الدّخول في الصَّلاة إلى آخر الصَّلاة، والأركان ينتقل من ركن إلى ركن: القيام، فالرُّكوع، فالرَّفع من الرُّكوع، فالسُّجود، فالقيام من السُّجود، ونحو ذلك. ثالثاً: الأركان تتركَّبُ منها ماهيَّةُ الصَّلاة بخلاف الشُّروط، فَسَتْرُ العورة لا تتركَّبُ منه ماهيَّة الصَّلاة؛ لكنه لا بُدَّ منه في الصَّلاة. قوله: «منها الوقت»، «من» هنا للتبعيض، وهو يدلُّ على أنَّ هناك شروطاً أخرى، وهو كذلك؛ منها: الإسلام، والعقل، والتَّمييز، فهذه ثلاثة شروط لم يذكرها المؤلِّف؛ لأنَّ هذه الشُّروط معروفة، فكلُّ عبادة لا تصحُّ إلا بإسلامٍ وعقلٍ وتمييزٍ إلا الزَّكاة، فإنها تلزم المجنون والصَّغير على القول الرَّاجح، وأما صحَّة الحجِّ من الصَّبي فلورود النصِّ بذلك. والدَّليل على اشتراط الوقت: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، أي: مؤقَّتاً بوقته،

وقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *} [الإسراء]. والأدلَّة من السُّنَّة كثيرة، منها قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وقت الظُّهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرَّجُلِ كطوله ما لم يحضرِ العصر، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشَّمسُ» (¬1)، الحديث. والصَّلاة لا تصحُّ قبل الوقت بإجماع المسلمين (¬2)، فإن صلَّى قبل الوقت، فإن كان متعمِّداً فصلاته باطلة، ولا يسلم من الإثم، وإن كان غير متعمِّد لظنِّه أنَّ الوقت قد دخل، فليس بآثم، وصلاته نَفْل، ولكن عليه الإعادة؛ لأنَّ من شروط الصَّلاة دخول الوقت. وقول المؤلِّف: «منها الوقت»، هذا التَّعبير فيه تساهل؛ لأن الوقت ليس بشرط، بل الشَّرط دخول الوقت، لأننا لو قلنا: إنَّ الشَّرط هو الوقت، لزم ألا تصحَّ قبله ولا بعده، ومعلوم أنها تصحُّ بعد الوقت لعُذر؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها» (¬3)، وثبت عنه أنَّه صَلَّى الفجر بعد طلوع الشَّمس (172)، فتحريرُ العِبارة أن يقول: «منها دخول الوقت». وسبقَ أن الصَّلاة قبل الوقت لا تصحُّ بالإجماع. وهل تصحُّ بعد الوقت؟ نقول: إن كان الإنسان معذوراً فإنها تصحُّ بالنصِّ والإجماع. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب أوقات الصلوات، رقم (612) من حديث عبد الله بن عمرو. (¬2) انظر: «المغني» (2/ 45). (¬3) تقدم تخريجه ص (15).

أما النصُّ: فالقرآن والسُّنَّة. أما القرآن: فإن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر قوله: «من نام عن صلاة ... » إلخ، تلا قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وتلاوته للآية استشهادٌ بها. ومن السُّنَّة: الحديث السابق. وأما الإجماع: فمعلومٌ. وهل تصحُّ بعد خروج الوقت بدون عُذر؟ جمهور أهل العلم على أنها تصحُّ بعده مع الإثم (¬1). والصَّحيح: أنها لا تصحُّ بعد الوقت إذا لم يكن له عُذر، وأنَّ من تعمَّد الصَّلاة بعد خروج الوقت فإن صلاته لا تصحُّ، ولو صَلَّى ألف مَرَّة؛ لأن الدَّليل حدَّد الوقت، فإذا تعمَّد أن تكون صلاتُه خارج الوقت لم يأتِ بأمر الله، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬2)، إذاً فتكون الصَّلاةُ مردودة. وقد يُشكل على بعض الناس فيقول: إذا كان المعذور يلزمه أن يُصلِّي بعد الوقت، وإذا تعمَّد يُقال: لا يصلِّي!! أليس إلزام المتعمِّد بالقضاء أَولى من إلزام المعذور. فيقال: إن قولنا للمتعمّد: لا يقضي بعد الوقت؛ ليس تخفيفاً عليه، ولكن ردًّا لعَمَلِه؛ لأنه على غير أمر الله وهو آثم، فيكون هذا أبلغ في رَدْعِهِ وأقربُ لاستقامته، والذي صَلَّى وهو ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذب» (3/ 71)، «كتاب الصلاة» لابن القيم ص (72)، «نيل الأوطار» (2/ 2، 3). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 186).

والطهارة من الحدث، والنجس

معذور بعد الوقت غير آثم. إذاً؛ المتعمّد عليه أن يتوبَ إلى الله تعالى مما فعله، ولا يُصلِّي. والطَّهَارةُ مِن الحَدَثِ، والنَّجَسِ ............. قوله: «والطَّهارة من الحدث»، أي: ومن شروط الصَّلاة: الطهارة من الحدث، ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]. ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر ـ إذا قمنا إلى الصَّلاة ـ بالوُضُوء من الحدث الأصغر، والغُسُل من الجنابة، والتيمُّم عند العدم، وبَيَّن أن الحكمةَ في ذلك التطهير. إذاً؛ الإنسان قبل ذلك غيرُ طاهر، ومن كان غيرَ طاهر فإنه غيرُ لائق أن يكون قائماً بين يدي الله عزّ وجل. وأما الدَّليل من السُّنَّة: فمنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحدثَ حتى يتوضَّأ» (¬1)، وهذا نصٌّ صريحٌ وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بغير طُهُور» (¬2). قوله: «والنَّجَس»، أي: ومن شروط الصَّلاة الطهارة من النَّجس. وقد تقدم ـ في باب إزالة النَّجاسة ـ بيانُ الأعيان النجسة (¬3). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (135)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم (225) من حديث أبي هريرة. (¬2) تقدم تخريجه (1/ 324). (¬3) انظر: (1/ 414 ـ 463).

والطَّهارةُ من النَّجس يعني: في الثوب، والبقعة، والبدن، فهذه ثلاثة أشياء. فالدليل على اشتراط الطهارة من النَّجاسة في الثَّوب: أولاً: ما جاء في أحاديث الحيض أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن دم الحيض يصيب الثَّوب فأمر أن «تَحُتَّه ثم تَقْرُصَه بالماء، ثم تَنْضِحَهُ، ثم تصلِّي فيه» (¬1)، وهذا دليل على أنه لا بُدَّ من إزالة النَّجاسة. ثانياً: أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أُتيَ بصبيٍ لم يأكل الطَّعام؛ فبالَ في حِجْرِه، فدعا بماءٍ فأتبعه إيَّاه (¬2). وهذا فعل، والفعل لا يقوى على القول بالوجوب، لكن يؤيِّده ما جاء في الحديث السابق. ثالثاً: أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم صلَّى ذات يوم بنعليه، ثم خلع نعليه، فخلع الصحابةُ نِعالهم، فسألهم حين انصرف من الصَّلاة: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أنَّ فيهما أذًى أو قذراً» (¬3)، وهذا يدلُّ على وجوب التَّخلي من النَّجَاسة حال الصَّلاة في الثوب. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحيض: باب غسل دم المحيض، رقم (307)، ومسلم، كتاب الطهارة: باب نجاسة الدم وكيفية غسله، رقم (291)، واللفظ له عن أسماء بنت أبي بكر. (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 29). (¬3) رواه أحمد (3/ 20)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب الصلاة في النعل، رقم (650) والحاكم (1/ 260)، والبيهقي (2/ 431) من حديث أبي سعيد الخدري. قال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي. قال النووي: «إسناده صحيح». «المجموع» (2/ 179). قال ابن حجر: «هذا حديث صحيح». «موافقة الخُبر الخَبر» (1/ 91). وانظر: «العلل» للدارقطني رقم (2316) (11/ 329).

فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال

والدَّليل على اشتراط الطَّهارة من النَّجاسة في البدن: أولاً: كُلُّ أحاديث الاستنجاء والاستجمار (¬1) تدلُّ على وجوب الطَّهارة من النَّجاسة؛ لأن الاستنجاء والاستجمار تطهير للمحلِّ الذي أصابته النَّجَاسة. ثانياً: أمْرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بغسل المذي (¬2) يدلُّ على أنَّه يُشترط التَّخلِّي من النَّجاسة في البدن. ثالثاً: إخباره عن الرَّجُلين اللذين يُعذَّبان في قبريهما؛ لأن أحدهما كان لا يَسْتَنْزِهُ من البول (¬3). والدَّليل على اشتراط الطَّهارة من النَّجاسة في المكان: أولاً: قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]. ثانياً: أنه لما بال الأعرابيُّ في المسجد؛ أمرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذَنُوبٍ من ماء فأُهريق عليه (¬4). إذاً؛ فلا بُدَّ من اجتناب النَّجاسة في هذه المواطن الثلاثة، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ الكلام على اجتناب النَّجاسة مفصَّلاً في كلام المؤلِّف (¬5). فَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ الزَّوَالِ إِلى مُسَاوَاةِ الشَّيءِ فَيْئَه بَعْدَ فَيءِ الزوال. ثم شرع المؤلِّف رحمه الله في بيان أوقات الصَّلاة تفصيلاً (¬6) فقال: «فوقت الظُّهر من الزَّوال»، بدأ بها المؤلِّف؛ لأن جبريل بدأ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجها (1/ 130 ـ 133). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 139). (¬3) تقدم تخريجه بألفاظه (1/ 133). (¬4) تقدم تخريجه (1/ 415). (¬5) انظر: ص (223) وما بعدها. (¬6) انظر: «رسالة في مواقيت الصلاة» للمؤلف ـ رحمه الله ـ ضمن «مجموع الفتاوى والرسائل» (12/ 235).

بها حين أَمَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، ولأن الله تعالى بدأ بها حين ذكر أوقات الصَّلاة فقال: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الآية [الإسراء: 78]، وبعض العلماء يبدأ بالفجر (¬2)؛ لأنها أوَّل صلاة النَّهار، ولأنَّها هي التي يتحقَّق بالبَدَاءة بها أن تكون صلاة العصر الوسطى من حيثُ العدد. والخَطْبُ في هذا سَهْلٌ، يعني سواء بدأنا بالظُّهر، أو بدأنا بالفجر، المهم أن نعرف الأوقات. قوله: «إلى مُسَاواةِ الشَّيءِ فيئَه»، أي: ظِلَّه، «بعد فيءِ الزَّوال»، يقول بعضُ أهل اللغة: الفيءُ هو الظِلُّ بعد الزَّوال، وأما قبله فيُسمَّى ظلاً، ولا يُسمَّى فيئاً، وما قالوه له وجه، لأنَّ الفيءَ مأخوذ من فاء يفيء، إذا رجعَ، كأن الظِلَّ رجع بعد أن كان ضياء، أما الذي لم يزل موجوداً فلا يُسمَّى فيئاً؛ لأنَّه لم يزل مظلماً. فقوله: «مساواةِ الشَّيءِ فيئَه بعد فيءِ الزَّوال»، وذلك أن الشَّمس إذا طلعت صار للشَّاخص ظِلٌّ نحو المغرب ـ والشَّاخص ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق رقم (2028)، وأحمد (1/ 333، 354)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في المواقيت، رقم (393)، والترمذي، أبواب الصلاة: باب ما جاء في مواقيت الصلاة، رقم (149)، وابن خزيمة رقم (325)، والحاكم (1/ 193)، من حديث ابن عباس. والحديث صَحَّحه: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر، وابن العربي، والنووي، وابن كثير. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم رقم (354)، «التمهيد» لابن عبد البر (8/ 28، 33)، «المجموع» للنووي (3/ 23)، «إرشاد الفقيه» لابن كثير ص (93)، «التلخيص الحبير» رقم (243)، ورُوي أيضاً من حديث جابر بن عبد الله، انظر: ص (108). (¬2) انظر: «الاختيارات» ص (33)، «الإنصاف» (3/ 125).

وتعجيلها أفضل إلا في شدة حر

الشيء المرتفع ـ ثم لا يزال هذا الظِلُّ ينقص بقدر ارتفاع الشمس في الأُفق حتى يتوقف عن النقص، فإذا توقَّف عن النقص، ثم زاد بعد توقُّف النقص ولو شعرة واحدة فهذا هو الزَّوال، وبه يدخل وقت الظُّهر. وقوله: «بعد فيءِ الزَّوال»، أي: أنَّ الظِلَّ الذي زالت عليه الشمس لا يُحسب، ففي وقتنا الآن حين كانت الشِّمس تميل إلى الجنوب لا بُدَّ أن يكون هناك ظِلٌّ دائمٌ لكلِّ شاخص من النَّاحية الشِّمالية له، وهذا الظِلُّ لا يُعتبر، فإذا بدأ يزيد فَضَعْ علامةً على ابتداء زيادته، ثم إذا امتدَّ الظِلُّ من هذه العلامة بقدر طول الشَّاخص، فقد خرج وقت الظُّهر، ودخل وقت العصر، ولا فرق بين كون الشَّاخص قصيراً أو طويلاً، لكن تَبَيُّن الزِّيادة والنقص في الظِلِّ فيما إذا كان طويلاً أظهر. أما علامة الزَّوال بالسَّاعة فاقسمْ ما بين طُلوع الشَّمس إلى غروبها نصفين، وهذا هو الزَّوال، فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغيب في الساعة السادسة، فالزوال في الثانية عشرة. وَتَعْجِيْلُها أَفْضَلُ إِلاَّ في شِدَّةِ حَرٍّ ............ قوله: «وتعجيلها أفضل»، أي: تعجيل صلاة الظُّهرِ أفضل لما يلي: أولاً: لقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، أي: سارعوا، ولا شكَّ أن الصَّلاة من الخيرات، فالاستباق إليها معناه المبادرة إليها. ثانياً: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حَثَّ على البَدَاءة بالصَّلاة من حين

الوقت؛ فسأله ابن مسعود: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصَّلاةُ على وقتها» (¬1)، أي: من حين دخول وقتها. وقد قال بعض العلماء: إن معنى قوله: «على وقتها»، أي: وقتها المطلوب فعلها فيه شرعاً، سواء كان ذلك في أول الوقت أم آخره (¬2). وهذا حقٌ، لكن الأفضل التقديم؛ حتى يقوم دليلٌ على رُجحان التَّأخير. ثالثاً: أن هذا أسرع في إبراء الذِّمة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون في أوَّل الوقت نشيطاً قادراً تَسْهُلُ عليه العِبادة، ثم يمرض، وتصعب عليه الصَّلاة، وربما يموت، فالتَّقديم أسرع في إبراء الذِّمة، وما كان أسرع في إبراء الذِّمة فهو أولى. فيكون فضل تعجيلها دَلَّ عليه الدَّليل الأثري والنَّظري. قوله: «إلا في شِدَّة حَرٍّ»، ففي شدَّة الحَرِّ الأفضل تأخيرها حتى ينكسر الحرُّ؛ لثبوت ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصَّلاة، فإنَّ شدَّة الحرِّ من فَيْحِ جهنَّم» (¬3)، ولأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في سفر فأراد المؤذِّنُ أن يؤذِّنَ فقال: «أبرد»، ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب فضل الصلاة لوقتها، رقم (527)، ومسلم، كتاب الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله أفضل الأعمال، رقم (85). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 92، 93). (¬3) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم (536)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم (615) من حديث أبي هريرة.

ثم أراد أن يؤذِّنَ فقال: «أبرد»، ثم أراد أن يؤذِّنَ فقال: «أبرد»، ثم أذَّن لمَّا ساوى الظِلُّ التُّلُولَ (¬1). يعني: قُرب وقت صلاة العصر؛ لأنه إذا ساوى الشيءُ ظِلَّه؛ لم يبقَ ما يسقط من هذا الظلِّ إلا فيء الزَّوال، وفيءُ الزَّوال في أيَّام الصيف وشدَّة الحَرِّ قصير جداً. فقوله في الحديث: «حتى سَاوى الظِلُّ التُّلُولَ»، يعني: مع فيءِ الزَّوال، وهذا متعيِّن؛ لأنه لو اعتبرت المساواة بعد فيء الزَّوال؛ لكان وقت الظُّهر قد خرجَ؛ فينبغي في شِدَّة الحرِّ الإبرادُ إلى هذا الوقت، يعني: قُرب صلاة العصر. وقال بعض العلماء: بل حتى يكون للشَّواخص ظِلٌّ يُستظلُّ به (¬2). لكن هذا ليس بمنضبط؛ لأنه إذا كان البناء عالياً وُجِدَ الظِلُّ الذي يُستظلُّ به قريباً، وإذا كان نازلاً فهو بالعكس. فمتى يكون للنَّاس ظِلٌّ يمشون فيه؟!. لكن أصحُّ شيء أن يكون ظِلُّ كلِّ شيء مثله مضافاً إليه فيء الزَّوال، يعني: أنه قُرب صلاة العصر، وهذا هو الذي يحصُل به الإبراد، أمَّا ما كان النَّاس يفعلونه من قبلُ، حيث يصلُّون بعد زوال الشَّمس بنحو نصف ساعة أو ساعة، ثم يقولون: هذا إبراد. فليس هذا إبراداً! هذا إحرار؛ لأنه معروف أن الحرَّ يكون أشدَّ ما يكون بعد الزَّوال بنحو ساعة. فإذا قَدَّرنا مثلاً أن الشَّمس في أيام الصَّيف تزول على ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب الأذان للمسافر، رقم (629)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب الإبراد بالظهر، رقم (616). من حديث أبي ذر. (¬2) انظر: «فتح الباري» (2/ 20)، «الإنصاف» (3/ 138).

ولو صلى وحده أو مع غيم لمن يصلي جماعة

الساعة الثانية عشرة، وأن العصر على الساعة الرابعة والنصف تقريباً، فيكون الإبراد إلى الساعة الرابعة تقريباً. وَلَو صَلَّى وَحْدَه أَوْ مَعَ غَيْمٍ لمَنْ يصلِّي جَمَاعَةً، ............. قوله: «ولو صَلَّى وَحْدَه»، «لو»: إشارة خلاف؛ لأنَّ بعض العلماء يقول: إنَّما الإبراد لمن يصلِّي جماعة (¬1)، وزاد بعضهم: إذا كان منزله بعيداً بحيث يتضرَّرُ بالذَّهاب إلى الصَّلاة (196). وهذا قيدٌ لما أطلقه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصَّلاة» والخطاب للجميع، وليس من حقِّنا أن نقيِّد ما أطلقه الشَّارع، ولم يُعلِّلِ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك بأنه لمشقَّة الذَّهاب إلى الصلاة، بل قال: «إنَّ شدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جهنَّم» (¬2). وهذا يحصُل لمن يُصلِّي جماعة، ولمن يصلِّي وحده، ويدخل في ذلك النِّساء، فإنه يُسنُّ لهنَّ الإبراد في صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ. قوله: «أو مع غَيْمٍ لمَنْ يصلِّي جماعةً»، أي: يُسنُّ تأخير صلاة الظُّهر مع الغيم لمن يُصلِّي جماعةً، والمُراد: الجماعة في المسجد. وعلَّلوا ذلك: بأنه أرفق بالنَّاس، حتى يخرجوا إلى صلاة الظُّهر والعصر خروجاً واحداً، لأن الغَالب مع الغيم أن يحصُلَ مطرٌ، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نشقَّ على النَّاس؛ بل ننتظر ونؤخِّر الظُّهرَ، فإذا قارب العصرَ بحيث يخرج النَّاس من بيوتهم إلى المساجد خروجاً واحداً لصلاة الظُّهر والعصر، صلينا الظُّهر. هذا ما ذهب إليه المؤلِّف، والعِلَّة فيه كما سبق. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 36)، «الإنصاف» (3/ 137). (¬2) تقدم تخريجه ص (103).

لكن هذه العِلَّة عليلة من وجهين: الوجه الأول: أنها مخالفة لعموم الأدلَّة الدَّالَّة على فضيلة أول الوقت. الوجه الثاني: أنه قد تحصُل غيوم عظيمة، ويتلبَّد الجوُّ بالغمام، ومع ذلك لا تُمطر. إذاً؛ فالصَّواب: عدم استثناء هذه الصُّورة، وأن صلاة الظُّهر يُسنُّ تقديمها إلا في شدَّة الحرِّ فقط، وما عدا ذلك فالأفضل أن تكون في أوَّل الوقت. وَيَلِيه وَقْتُ العَصْرِ إِلَى مَصيرِ الفَيءِ مِثْلَيْه بَعْدَ فَيءِ الزَّوَالِ، والضَّرُوْرَةُ إِلى غُرُوبِهَا .............. قوله: «وَيَليه وَقْتُ العَصْرِ»، أي: يلي وقتَ الظُّهر وقتُ العصرِ، واستفدنا من قول المؤلِّف: «ويليه» أنه لا فاصل بين الوقتين، إذ لو كان هناك فاصل فلا موالاة، وأنَّه لا اشتراك بين الوقتين؛ إذ لو كان هناك اشتراكٌ لَدَخَلَ وقتُ العصر قبل خروج وقت الظُّهر، وبكلٍّ من القولين قال بعض العلماء. فقال بعضهم: إن هناك فاصلاً بين وقت الظُّهر ووقت العصر لكنه يسير (¬1). وقال آخرون: هناك وقت مشترك بقَدْرِ أربع ركعات بين الظُّهر والعصر (198). والصَّحيح: أنه لا اشتراك، ولا انفصال، فإذا خرج وقتُ الظُّهر دخل وقتُ العصر. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني (2/ 14)، «الإنصاف» (3/ 142).

قوله: «إِلَى مَصيرِ الفَيءِ مِثْلَيْه بَعْدَ فَيءِ الزَّوَالِ»، يعني: أنَّ فيءَ الزَّوال لا يُحسب، فنبدأُ منه، فإذا صار الظِلُّ طول الشَّاخص فهذا نهاية وقت الظُّهر ودخول وقت العصر؛ وإذا كان طول الشَّاخص مرَّتين؛ فهو نهاية وقت العصر، فوقت الظُّهر من فيء الزَّوال إلى أن يكون ظِلُّ الشَّيءِ مثله، والعصر إلى أن يصير مثليه، وبهذا يكون وقت الظُّهر أطول من وقت العصر بكثير؛ لأن الظِلَّ في آخر النهار أسرع، وكلما دنت الشَّمس إلى الغروب كان الظِلُّ أسرع، فيكاد يكون الفرق الثُّلث. فوقت الظُّهر طويل بالنسبة لوقت العصر الاختياري، لكن وقت الضَّرورة في العصر إلى غروب الشَّمسِ، فيكون بهذا الاعتبار طويلاً. فلننظر هذا الأمر بالتوقيت الغروبي: فالتوقيت الغروبي في أطول يوم من السَّنَة، يُؤذَّنُ للظُّهر الساعة (5.7) ويُؤذَّن للعصر تمام الساعة (8.35). فالفارق بينهما ثلاث ساعات ونصف تقريباً، ومن الساعة (8.35) إلى الغروب ثلاث ساعات وخمس وعشرون دقيقة، إذاً؛ وقت الظُّهر أطول حتى ولو كان وقت العصر مضافاً إليه وقت الضَّرورة. قوله: «والضَّرُورَة إلى غُرُوبها»، أي: وقت الضَّرورة إلى غروبها، أي: أنه يمتدُّ وقت الضَّرورة إلى غروب الشَّمس، والدَّليل على جعل الوقت الاختياري إلى مصير ظِلِّ كلِّ شيء

مثله: حديث جابر في قصة جبريل (¬1). ولكن الرَّاجح في هذه المسألة: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «وقت العصر ما لم تصفرَّ الشمسُ» (¬2)، أي: ما لم تكن صفراء، وهذا في الغالب يزيد على مصير ظِلِّ كلِّ شيء مثليه، وهذه الزيادة تكون مقبولة؛ لأن الحديث في «صحيح مسلم»، ومن قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم. ويمكن أن يُجاب عن حديث جبريل: بأنه ابتدأ الصَّلاة بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حين صار ظِلُّ كلِّ شيء مثليه، وأنها إذا صُلِّيت وانتُهيَ منها تكون الشمس قد اصفرَّت؛ ولا سيَّما في أيام الشتاء وقِصَر وقت العصر. وسواءٌ صَحَّ هذا الجمع أم لم يصحَّ فإن الأخذ بالزَّائد متعيِّن؛ لأنَّ الأخذ بالزَّائد أخذٌ بالزَّائد والناقص، والأخذ بالناقص إلغاء للزائد. وعليه فنقول: وقت العصر إلى اصفرار الشمس. والدَّليلُ على أنَّ وقتها يمتدُّ إلى غروب الشمس: قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أدرك ركعةً من العصر، قبل أن تَغْرُبَ الشَّمسُ فقد أدرك العصرَ» (¬3) وهذا نصٌ صريحٌ في أن الوقت يمتدُّ إلى ¬

_ (¬1) رواه أحمد (3/ 330)، والنَّسائي، كتاب المواقيت: باب أول وقت العشاء، (1/ 263)، والترمذي، أبواب الصلاة: باب ما جاء في مواقيت الصلاة، رقم (149)، وابن حبان رقم (1472)، والحاكم (1/ 195). من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري؛ بنحو حديث عبد الله بن عباس المتقدم ص (101). قال البخاريُّ: أصحُّ شيءٍ في المواقيت حديث جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. (¬2) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (96). (¬3) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب من أدرك من الفجر ركعة، رقم (579)، ومسلم، كتاب المساجد: باب من أدرك ركعة من الصلاة، رقم (608) من حديث أبي هريرة.

ويسن تعجيلها

الغروب؛ لكنه يُحمل على وقت الضَّرورة جمعاً بينه وبين النصوص الدَّالَّة على أن وقتها إلى اصفرار الشمس. فإذا قال قائل: لماذا لم نأخذ بهذا الحديث؛ لأنه زائد على حديث عبد الله بن عمرو ونحوه؛ لأنّ الزيادة يُؤخذ بها؛ لأنها تنتظم النقص ولا عكس؟ فيُجاب عن ذلك بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم حدَّد وقت العصر في حديث عبد الله بن عمرو وقال: «ما لم تصفرَّ الشَّمسُ»، فيُجمع بين الحديثين بأن يُقال: «ما لم تصفرَّ الشَّمسُ» هذا وقت الاختيار، و «إلى الغروب» وقت الضَّرورة. فإن قيل: ما معنى وقت الضَّرورة؟ فالجواب: أن يضطر الإنسان إلى تأخيرها عن وقت الاختيار. مثاله: أن يشتغل إنسان عن العصر بشغل لا بُدَّ منه، ولنفرض أنه أُصيب بجرح؛ فاشتغل به يُلبِّده ويِضَمّدُه، وهو يستطيع أن يصلِّيَ قبل الاصفرار، لكن فيه مشقَّة، فإذا أخَّر وصَلَّى قُبيل الغروب فقد صَلَّى في الوقت ولا يأثم، لأنَّ هذا وقت ضرورة، فإذا اضطر الإنسان إلى تأخيرها لوقت الضَّرورة فلا حرج، وتكون في حقِّه أداء. وَيُسَنُّ تَعْجِيْلُها. قوله: «ويُسَنُّ تَعجِيلُها»، أي: يُسَنُّ في صلاة العصر تعجيلُها في أوَّل الوقت وذلك لما يلي: 1 - لعموم الأدلة الدَّالة على المبادرة إلى فعل الخير كما في قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]. 2 - ما ثبت أن الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل.

3 - ما ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام من حديث أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمي أنه كان صلّى الله عليه وسلّم يُصلِّي العصرَ والشَّمسُ مرتفعة؛ حتى إنهم يذهبون إلى رِحَالِهم في أقصى المدينة والشَّمسُ حَيَّةٌ (¬1). وَيَلِيه وَقْتُ المغْرِبِ إِلى مَغِيْبِ الحُمْرَةِ، وَيُسَنُّ تَعْجيلُها إِلا لَيْلَةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَها مُحْرِماً ............. قوله: «ويليه وَقْتُ المَغْرب إلى مَغيب الحُمْرَة»، أي: يلي وقتَ العصر، بدون فاصل وبدون اشتراك بينهما في الوقت، فوقت المغرب من مغيب الشَّمس إلى مغيب الحُمْرة. وقوله: «إلى مغيب الحُمْرة»، أي: الحُمْرة في السَّماء، فإذا غابت الحُمْرة لا البياض، فإنه يخرجُ وقتُ المغرب، ويدخلُ وقتُ العِشَاءِ، ومقداره في السَّاعة يختلف باختلاف الفُصول، فتارة يطول وتارة يقصر؛ لكنه يُعرف بالمشاهدة، فمتى رأيت الحُمْرة في الأُفُقِ قد زالت فهذا دليل على أن وقت المَغْربِ قد انقضى، وهو يتراوح ما بين ساعة وربع، إلى ساعة ونصف وثلاث دقائق تقريباً بعد الغروب. قوله: «ويُسَنُّ تعجيلُها»، أي: يُسَنُّ تعجيل صلاة المَغْرب؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يصلِّيها إذا وجبت (¬2)، أي: إذا وجبت الشَّمس وغربت؛ فيُبادر بها، لكن المبادرة ليس معناها أنه حين ما يؤذِّن يقيم، لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلُّوا قبل المغرب، قالها ثلاثاً، ثم قال في الثالثة: لمن شاء» (¬3)، وكان الصَّحابة رضي الله عنهم إذا أذَّن ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب المواقيت: باب وقت العصر، رقم (547)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب التبكير في الصبح، رقم (647). (¬2) رواه البخاري، كتاب المواقيت: باب وقت المغرب، رقم (560)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، رقم (646). من حديث جابر بن عبد الله. (¬3) رواه البخاري، وقد تقدم تخريجه ص (77).

المغربُ يقومون فيُصلّون، وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يراهم ولا ينهاهم (¬1)، وهذا يدلُّ على أن معنى التَّعجيل أن يبادر الإنسان من حين الأذان، ولكن يتأخَّر بمقدار الوُضُوء والركعتين وما أشبه ذلك. قوله: «إلا ليلة جَمْعٍ»، جَمْع اسم «مُزْدَلِفة»، وسُميت جَمْعاً؛ لاجتماع الناس فيها ليلة العيد، من قريش وغيرهم، و «عَرَفة» لا يجتمع فيها الناس؛ لأن قريشاً في الجاهلية كانوا لا يقفون في «عرفة»، ويقفون في «مزدلفة». قوله: «لَمن قَصَدها مُحْرماً»، أي: قصد «جَمْعاً» محرماً، فالضَّمير هنا يعود على «جَمْع»، وليس على الصَّلاة، ولو قال المؤلِّف رحمه الله: إلا ليلة مُزْدَلفة للحاجِّ لكان أوضح وأخصر، وهو مؤدَّى العبارة، لكن كثيراً من الفقهاء، ولا سيّما أصحاب المذاهب المقلِّدة، يتناقلون العبارة من أوَّل مَنْ عَبَّر بها إلى آخر من تكلَّم بها، ولا سيَّما وأن هذا الكتاب مختصر من «المقنع» للموفق، فتجده تَبِع في العبارة من سبقه. وعلى كُلٍّ؛ فالمؤلِّف رحمه الله استثنى في صلاة المغرب مسألة واحدة وهي: الحاجُّ إذا دفع من «عَرَفة» فإنه لا يُصلِّي في «عَرَفة» ولا في الطريق، بل يُصلِّي في «مُزْدَلفة». ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزل وبَالَ في «الشِّعْبِ» قال له أسامة بن زيد ـ وكان رديفاً له ـ: الصَّلاةَ يا رسول الله، فقال: «الصَّلاةُ أمامك» (¬2) فلم يصلِّ. إذاً؛ يؤخِّرها إلى مُزْدَلِفة. واستثنى ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (77). (¬2) رواه البخاري، كتاب الوضوء: باب إسباغ الوضوء، رقم (139)، ومسلم، كتاب الحج: باب الإفاضة من عرفات، رقم (1280) من حديث أسامة بن زيد.

فقهاؤنا رحمهم الله في الكتب المطوَّلة: إن لم يُوافها وقت الغروب (¬1)، أي: إن لم يَصلْ إليها وقت الغروب، فإن وافاها في ذلك الوقت صلاَّها في وقتها وبادر بها. فإن قال قائل: لو تأخَّرتُ في الطريق، وخفتُ أن يخرج وقتُ العشاء، فماذا أصنع؟ فالجواب: إذا خاف خروج الوقت وجب عليه أن ينزل فيصلِّي، فإن لم يمكنه النُّزول صَلَّى، ولو على ظهر راحلته. مُحْرِماً وَيَلِيه وَقْتُ العِشَاءِ إِلى الفَجْرِ الثَّانِي وَهُوَ: البَيَاضُ المُعْتَرِضُ ........... قوله: «وَيَلِيه وَقْتُ العِشَاءِ إلى الفَجْرِ الثَّانِي وَهُوَ: البَيَاضُ المُعْتَرِضُ». أي: يلي وقتَ المَغْرب وقتُ العشاء، وعلى كلام المؤلِّف يمتدُّ إلى طلوع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض، وعلى هذا تكون صلاة العشاء أطول الصَّلوات وقتاً؛ لأنها من خروج وقت المَغْرب إلى طلوع الفجر الثَّاني. والفجر الثاني بيَّنه المؤلِّف بقوله: «وهو البياض المعترض» في الأُفق، يعني: من الشَّمال إلى الجنوب. وأفادنا المؤلِّف رحمه الله بقوله: «إلى طُلوع الفجر الثاني» أنَّ هناك فجراً أوّل وهو كذلك. والفجر الأوَّل يخرج قبل الثَّاني بنحو ساعة، أو ساعة إلا ربعاً، أو قريباً من ذلك. وذكر العلماء أن بينه وبين الثاني ثلاثة فُروق (¬2): ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 156)، «الإقناع» (1/ 127). (¬2) انظر: «الفروع» (1/ 302، 303).

الفرق الأول: أن الفجر الأوَّل ممتدٌّ لا معترض، أي: ممتدٌّ طولاً من الشَّرق إلى المغرب، والثاني معترض من الشّمال إلى الجنوب. الفرق الثاني: أن الفجر الأوَّل يُظلم، أي: يكون هذا النُّور لمدَّة قصيرة ثم يُظلم، والفجر الثاني: لا يُظلم بل يزداد نوراً وإضاءة. الفرق الثالث: أن الفجر الثَّاني متَّصل بالأُفق، ليس بينه وبين الأُفق ظُلمة، والفجر الأوَّل منقطع عن الأُفق، بينه وبين الأُفق ظُلمة. والفجر الأوَّل لا يترتَّب عليه شيء من الأمور الشرعيَّة أبداً، لا إمساك في صوم، ولا حِلُّ صلاة فجر، فالأحكام مرتَّبة على الفجر الثَّاني. والدَّليل على دخول وقتها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (¬1) وحديث جبريل (¬2)، فإنهما يدلاَّن على أنَّ وقت العشاء يدخل بمغيب الشَّفق. والدَّليل على أنّ آخر وقتها إلى طلوع الفجر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس في النَّوم تفريط، إنَّما التفريط على من أخَّرَ الصَّلاة حتى يدخل وقتُ الصَّلاة الأُخرى» (¬3). قالوا: فهذا دليل على أن أوقات ¬

_ (¬1) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (96). (¬2) تقدم تخريجه ص (101، 108). (¬3) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (681) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

الصَّلاة مُتَّصِلة، وإذا كان كذلك فآخِرُ وقتِ العشاء الآخرة وقتُ طلوع الفجر (¬1). ولكن هذا ليس فيه دليل؛ لأن قوله: «إنما التفريط على من أخَّرَ الصَّلاة حتى يدخل وقتُ الصَّلاة الأُخرى»، يعني: فيما وقتاهما متَّصل، ولهذا لا يدخل فيه صلاة الفجر مع صلاة الظُّهر بالإجماع (¬2)، فإن صلاة الفجر لا يمتدُّ وقتُها إلى صلاة الظُّهر بالإجماع. وإذا لم يكن في هذا الحديث دليل؛ فالواجب الرُّجوع إلى الأدلَّة الأخرى، والأدلَّة الأخرى ليس فيها دليل يدلُّ على أن وقت العشاء يمتدُّ إلى طلوع الفجر، بل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (¬3)، وحديث جبريل (¬4)، يدلاَّن على أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل. وهذا الذي دلّت عليه السُّنَّة، هو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن؛ لأن الله عزّ وجل قال في القرآن: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78]، أي: من دُلُوك الشَّمس، لكن أتى باللام للدَّلالة على أن دخول الوقت عِلَّة في الوجوب، أي: سبب، ولهذا قال الفقهاء: الوقت سبب لوجوب الصَّلاة، وشرط لصحَّتها (¬5). والدليل على أن اللام بمعنى «من»: الغاية «إلى»، والغاية يكون لها ابتداء كأنَّه قال: «مِنْ دُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْل»، لكن أتى باللام إشارة إلى أنَّ ¬

_ (¬1) انظر: «كشاف القناع» (1/ 254). (¬2) انظر: «التمهيد» لابن عبد البَرِّ (8/ 74). (¬3) تقدم تخريجه ص (96). (¬4) تقدم تخريجه ص (101، 108). (¬5) انظر: «الإنصاف» ص (3/ 123، 124).

وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سهل

دخول الوقت عِلَّة الوجوب، ويكون غَسَقُ الليل عند منتصفه؛ لأن أشدَّ ما يكون الليلُ ظُلمة في النصف، حينما تكون الشَّمس منتصفة في الأُفق من الجانب الآخر من الأرض. إذاً: من نصف النَّهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل جعله الله وقتاً واحداً؛ لأن أوقات الفرائض فيه متواصلة، الظُّهر، يليه العصر، يليه المَغْرب، يليه العِشَاء، إذاً ما بعد الغاية خارج، ولهذا فَصَلَ فقال: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} فَفَصَل وجعل الفجر مستقلاً، فدلَّ هذا على أن الصَّلوات الخمس أربعٌ منها متتالية، وواحدة منفصلة. فالصَّواب إذاً: أنَّ وقت العِشَاء إلى نصف الليل. ولكن ما المراد بنصف الليل؟ هل الليل من غروب الشَّمس إلى طُلوعها؟ أو من غروب الشَّمس إلى طُلوع الفجر؟ أما في اللغة العربية: فكلاهما يُسمَّى ليلاً، قال في «القاموس»: «الليل: من مغرب الشَّمس إلى طُلوع الفجر الصَّادق أو الشمس» (¬1). أما في الشَّرع: فالظَّاهر أن الليل ينتهي بطلوع الفجر، وعلى هذا نقول: الليل الذي يُنَصَّفُ من أجل معرفة صلاة العشاء: من مغيب الشَّمس إلى طُلوع الفجر، فنِصْفُ ما بينهما هو آخر الوقت، وما بعد منتصف الليل ليس وقتاً للصَّلاة المفروضة، إنما هو وقت نافلة وتهجُّد. وتَأْخِيْرُهَا إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ إِنْ سَهُلَ. قوله: «وتأخيرها إلى ثُلُثِ الليل أفضل إن سَهُلَ»، فإن شَقَّ ¬

_ (¬1) انظر: «القاموس المحيط» ص (1364) مادة «الليل».

فَتُعَجَّل في أوَّل الوقت، ثم إذا سَهُلَ فالأفضل تأخيرها إلى ثُلُث الليل. دليل ذلك: حديث أبي بَرْزَة رضي الله عنه قال: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يستحبُ أن يؤخِّرَ العشاء» (¬1)، وفي حديث جابر رضي الله عنه: «إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّرَ» (¬2)، وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه تأخَّر ذات ليلة حتى ذهب عامةُ الليل، فقامَ إليه عمرُ فقال: يا رسول الله، نامَ النساءُ والصبيانُ، [فخرج ورأسُه يقطرُ ماءً] وقال: «إنه لوقتها لولا أن أشقَّ على أمتي» (¬3). فهذه أدلَّة واضحة على أن تأخيرها إلى ثُلث الليل أفضل، ولكن إن سَهُلَ، وإن صَلَّى بالنَّاس فالأفضل مراعاة النَّاس، إذا اجتمعوا صَلَّى، وإن تأخَّروا أخَّر. كما في حديث جابر. وإذا كانوا جماعة محصورين لا يهمهم أن يعجِّل، أو يؤخِّر فالأفضل التأخير. والنساء في بيوتهن الأفضل لهنَّ التَّأخير إن سَهُل. فإن قال قائل: هل الأَولى مراعاة تأخير الصَّلاة إلى آخر الوقت، أو الصلاة مع الجماعة؟ فالجواب: الصَّلاة مع الجماعة؛ ¬

_ (¬1) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وقد تقدم تخريجه ص (110). (¬2) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب وقت العشاء رقم (565)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب التبكير بالصبح، رقم (646). (¬3) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة: باب فضل العشاء، رقم (566)، ومسلم، كتاب المساجد: باب وقت العشاء وتأخيرها، رقم (638) من حديث عائشة، إلا قوله: «فخرج ورأسه يقطر ماءً»، فهذه الزيادة في حديث ابن عباس فقط، رواه البخاري في الموضع السابق، رقم (571)، ومسلم، الموضع السابق، رقم (642).

ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس

لأن صلاة الجماعة واجبة، والتأخير مستحبٌّ، ولا مقارنة بين مستحبٍّ وواجب. وظاهر كلامه أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل جائز؛ لأنه لم يُفصح أنه وقت ضرورة، وقد صرَّح غيره بأنه وقت ضرورة (¬1) لا يجوز تأخير الصَّلاة إليه إلا لضرورة، وقد سبق أن الصحيح أن وقتها ينتهي بنصف الليل (¬2). وَيَليهِ وَقْتُ الفَجْرِ إِلى طُلُوعِ الشَّمسِ. قوله: «ويليه وقتُ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمسِ»، لم يُبيِّن المؤلِّفُ ابتداء وقت الفجر؛ لأنه يرى أن وقت العشاء يمتدُّ إلى طلوع الفجر، ولهذا قال: «ويليه وقتُ الفَجْرِ» فيكون من طلوع الفجر الثَّاني إلى طلوع الشَّمس. ومقداره بالسَّاعة يختلف، قد يكون ساعة ونصفاً، وقد يكون ساعة وربعاً كالمغرب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «من ظَنَّ أن حِصَّة الفجر كحِصَّة المغرب فقد أخطأ وغلط» (¬3)، أي: أن بعض النَّاس يجعل ساعة ونصفاً بين طُلوع الفجر وطُلوع الشَّمس، وساعة ونصفاً بين مغيب الشمس ومغيب الشفق شتاءً وصيفاً، يقول شيخ الإسلام: هذا خطأ، وليس بصحيح؛ لأن مقدار ما بين طُلوع الفجر وطُلوع الشَّمس في أيام الشتاء يطول لتصاعد الأبخرة إلى فوق؛ فينعكس عليه ضوءُ الشَّمس مبكِّراً؛ فتطول حِصَّةُ الفجر، وعكس ذلك في الصيف، وإذا طالت حِصَّة الفجر قَصُرَت حِصَّةُ المغرب، والعكس بالعكس. وعلى كُلٍّ؛ هذه ظواهر أُفقيَّة ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 160)، «الإقناع» (1/ 128). (¬2) انظر: ص (115). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 93، 94)، «الاختيارات» ص (33).

وتعجيلها أفضل

يمكن أن يُطَّلَع على أكثر مما قال شيخ الإسلام رحمه الله. أما بالنسبة للمُشَاهد، فإذا كنت في بَرٍّ وليس حولك أنوار تمنع الرؤية ولا قَتَرٌ، فإذا رأيت البياض ممتدًّا من الشِّمال إلى الجنوب فقد طلع الفجرُ ودخل وقتُ الصَّلاة، أما قبل أن يتبيَّن فلا تصلِّ الفجر. وقوله: «إلى طُلوع الشَّمس» ودليل ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم (¬1) وغيره. وبعد طُلوع الشَّمس إلى زوال الشَّمس ليس وقتاً لصلاة مفروضة، كما أن من نصف الليل إلى طُلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة على القول الرَّاجح (¬2). وَتَعْجِيْلُها أَفْضَلُ ........... قوله: «وَتَعْجِيْلُها أَفْضَلُ»، أي: تعجيل صلاة الفجر في أوَّل وقتها أفضل. دليل ذلك ما يلي: أولاً: من القرآن: قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21]، وهذا يحصُل بالمبادرة بفعل الطَّاعة. ثانياً: من السُّنَّة: أن الرَّسولَ عليه الصَّلاة والسَّلام كان يصلِّيها بغَلَسٍ (¬3)، وينصرف منها حين يعرفُ الرَّجُلُ جليسَه، وكان يقرأ بالسِّتين إلى المائة (¬4)، وقراءة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مرتَّلة، يقف عند كلِّ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (96). (¬2) انظر: ص (115). (¬3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (110). والغَلَسُ: بفتحتين، ظلامُ آخرِ الليل. انظر: «المصباح المنير» (2/ 450). (¬4) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (110).

آية مع الرُّكوع والسُّجود وبقيَّة أفعال الصَّلاة، فدلَّ ذلك على أنَّه كان يُبادر بها جداً. ثالثاً: من حيثُ المعنى: أنَّ المبادرة أفضل، وذلك لأنَّ الإنسان لا يدري ماذا يعرض له، قد يدخل الوقت وهو صحيح معافى، واجدٌ لجميع شروط الصَّلاة، ثم يطرأ عليه ما يمنعه من فعل الصَّلاة، أو من كمالها بمرض أو موت أو حَبْسٍ أو غير ذلك، فكان مقتضى النَّظَرِ أن يتقدَّم بفعلها. وأما من رأى أن تأخير الفجر أفضل واستدلَّ بحديث: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم لأجوركم» (¬1)، فهذا الحديث ـ إن صَحَّ ـ فالمراد به: ألا تتعجَّلوا بها حتى يتبيَّن لكم «السَّفْرُ»، أي: الإسفار وتتحقَّقُوا منه، وبهذا نجمع بين هدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الرَّاتب الذي كان لا يَدَعُهُ وهو التَّغليس بها، وبين هذا الحديث. فإن قيل: ما الحكمة في جعلها في هذه الأوقات؟ ¬

_ (¬1) سخة دار الكتب المصرية، «نصب الراية» (1/ 238)، «مجموع الفتاوى» (22/ 97)

وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها

فالجواب: أمَّا الفجر: فإن ظُهور الفجر بعد الظَّلام الدَّامس من آيات الله عزّ وجل التي يستحقُّ عليها التَّعظيم والشُّكر، فإن هذا النُّور السَّاطع بعد الظَّلام الدَّامس لا أحد يستطيع أن يأتيَ به إلا الله؛ لقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِضِيَاءٍ} [القصص: 71]. وأما الظُّهر: فلأنَّ انتقال الشَّمس من الناحية الشرقية إلى الغربية أيضاً من آيات الله عزّ وجل، فإنه لا يستطيع أحدٌ أن ينقلها من هذه الجهة إلى هذه الجهة إلا اللَّهُ عزّ وجل. وأما العصر: فلا يظهر لنا فيها حكمة، ولكنَّه لا شَكَّ أن لها حكمةً بالغةً. وأما المغرب: فالحكمة فيها كالحكمة في صلاة الفجر، وهو أن الليل من آيات الله عزّ وجل العظيمة التي يستحقُّ عليها الشُّكر والتَّعظيم. وكذلك نقول في العِشَاء: لأنَّ مغيب الشَّفق وزوال آثار الشَّمس، هو أيضاً من الآيات العظيمة الدَّالة على كمال قدرة الله عزّ وجل وحكمته. وَتُدْرَكُ الصَّلاَةُ بِتَكْبِيْرَةِ الإِحْرامِ في وَقْتِها ............ قوله: «وَتُدْرَكُ الصَّلاَةُ بِتَكْبِيْرَةِ الإِحْرامِ في وَقْتِها»، قوله: «الصَّلاة» عامَّة لصلاة الفريضة وصلاة النَّافلة المؤقَّتة مثل صلاة الضُحى والوتر، فإنهما مؤقَّتان، وكذلك الرَّواتب فإنها مؤقَّتة، فالرَّواتب القَبليَّة وقتها من دخول وقت الصَّلاة إلى إقامة الصَّلاة، والرَّواتب البعديَّة من انتهاء الصَّلاة إلى خروج الوقت، فكلُّ صلاة مؤقَّتة تُدرك بتكبيرة الإحرام.

وتعليل ذلك: أن من أدرك تكبيرة الإحرام أدرك جُزءاً من الوقت، وإدراك الجُزء كإدراك الكُلِّ، فالصَّلاة لا تتبعَّضُ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، سواء كان هذا الإدراك من أوَّل الوقت أم من آخر الوقت. فمثال ما كان من أوَّل الوقت: لو أنَّ امرأة أدركت مقدار تكبيرة الإحرام من صلاة المغرب، ثم أتاها الحيضُ فنقول: أدركت الصَّلاة، فيجب عليها إذا طَهُرت أن تُصلِّيَ المغربَ، لأنها أدركت مقدار تكبيرة الإحرام من الوقت. ومثال ما كان من آخره: لو كانت امرأة حائضاً، ثم طَهُرت قبل غروب الشَّمس بقَدْرِ تكبيرة الإحرام، فإنَّ صلاة العصر تلزمها؛ لأنها أدركت من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، هذا من جهة الحكم. ومن جهة الثَّواب، يُثاب من أدرك تكبيرة الإحرام في الوقت ثواب من أدرك جميع الصَّلاة، وتكون الصَّلاةُ في حقِّه أداء، لكنه لا يجوز أن يؤخِّر الصَّلاة، أو بعضَها عن وقتها، ويأثم بذلك، لكن مع ذلك نقول إنك قد أدركتها أداء. هذا تقرير المذهب. والقول الثاني: أنها لا تُدرك الصَّلاة إلا بإدراك ركعة (¬1)؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أدرك ركعةً من الصَّلاة فقد أدركَ الصَّلاةَ» (¬2)، وهذا القول هو الصَّحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 47)، «الإنصاف» (3/ 170). (¬2) رواه البخاري، كتاب المواقيت: باب من أدرك من الصلاة ركعة، رقم (580)، ومسلم، كتاب المساجد: باب من أدرك ركعة من الصلاة، رقم (607) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها

ابن تيمية (¬1)؛ لأن الحديث ظاهر فيه، فهو جملة شرطيَّة «مَنْ أدرك ركعةً فقد أدرك ... »، مفهومه: من أدرك دون ركعة فإنه لم يُدركْ، فعلى هذا؛ لو حاضت المرأة بعد دخول الوقت بأقلَّ من مقدار ركعة لم يلزمها القضاء؛ لأنها لم تدرك ركعة، وإن حاضت بعد دخوله بركعة لزمها القضاء. وقيل: لا يلزمها القضاء إلا أن تحيض قبل خروج الصَّلاة بمقدار الصَّلاة والتطهُّر لها (¬2)، لأنها قبل ذلك لا يلزمها فعل الصَّلاة؛ لكون الوقت مُوسَّعاً، ولو طَهُرت قبل خروج الوقت بأقلَّ من رَكعة فإنّه لا يلزمها قضاء الصَّلاة؛ لأنها لم تدرك ركعة. ويَنْبَني على هذا أيضاً إدراكات أخرى مثل إدراك الجماعة: هل تُدرك الجماعة بركعة، أو تُدرك بتكبيرة الإحرام (¬3)؟ والصَّحيح: أنها لا تُدرك إلا بركعة، كما أن الجُمعة لا تُدرك إلا بركعة بالاتفاق، فكذلك الجماعة لا تدرك إلا بركعة. وقوله: «بتكبيرة الإحرام في وقتها» يشمل وقت الضَّرورة ووقت الاختيار، وليس عندنا صلاةٌ لها وقتان إلا صلاةٌ واحدة وهي العصر على القول الرَّاجح. فلو أدرك تكبيرة الإحرام قبل غروب الشَّمس فقد أدرك صلاة العصر، لكن سبقَ أنَّ الإدراك معلَّق بركعة. ولاَ يُصَلِّي قَبْلَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا ............. قوله: «ولاَ يُصَلِّي قَبْلَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا»، أي: لا ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (23/ 330، 331)، «الاختيارات» ص (34). (¬2) انظر: «الفروع» (1/ 306)، «الإنصاف» (3/ 177، 178). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (23/ 330 ـ 335)، «الإنصاف» (3/ 177).

يصلِّي الإنسان، وإن شئت فقل: ولا يصلِّي مصلٍّ؛ لأنه إذا لم يكن عَوْدُ الضَّمير على شيء معلوم؛ فليكنْ عَوْدُ الضَّمير على وصف مشتقٍّ من المصدر الذي اشتُق منه الفعل. وقوله: «قبل غلبة ظَنِّه بدخول وقتها»، أفادنا المؤلِّف بقوله: قبل غلبة ظَنِّه» أنه يجوز أن يُصلِّي إذا غلب على ظنِّه دخول الوقت، فإذا كان الجوُّ صحواً وشاهدنا الشَّمس قد غربت نصلِّي المغرب، فهنا تيقَّنَّا دخول الوقت، وإذا كانت السماء مُغَيِّمَة ولم نشاهد الشَّمس، ولكن غلب على ظنِّنَا أنها قد غابت، نُصلِّي، وهذه صلاة بغلبة الظنِّ. أما الأوّل فدليله ظاهر. وأما الثَّاني ـ وهو الصَّلاة بناءً على غلبة الظنِّ ـ فلأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أفطر هو وأصحابه بغلبة الظَّنِّ. كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «أفطرنا على عهد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في يوم غيم؛ ثم طلعت الشَّمسُ» أخرجه البخاري (¬1)، وهنا أفطروا بغلبة الظنِّ قطعاً لا باليقين، فإذا جاز العمل بغلبة الظَّنِّ في خروج الوقت، وهو هنا وقت الصَّوم جاز العمل بغلبة الظنِّ في دخول الوقت، بل إن لازم ذلك أنهم لو صَلُّوْا المغرب حين أفطروا صحَّت الصلاة إذا لم يتبيَّن الأمر خلاف ذلك. مسألة: هل يُصلِّي مع الشَّكِّ في دخول الوقت؟ ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الصوم: باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس، رقم (1959) عن أسماء رضي الله عنها.

الجواب: لا يصلِّي مع الشَّكِّ، وذلك لأنَّ الأصل العدم، فلا يُعدل عن الأصل إلا بمسوِّغ شرعي. وهل يُصلِّي مع غلبة الظنِّ بعدم دخول الوقت؟ الجواب: لا يُصلِّي من باب أَولى. وهل يُصلِّي مع اليقين بعدم دخول الوقت؟ الجواب: لا يجوز. إذاً؛ لا يُصلي في ثلاث صُور، ويصلِّي في صورتين، فالصُّور خمس: تيقُّنُ دخول الوقت، وغلبة الظنِّ بدخوله، فله الصَّلاة في هاتين الصُّورتين، لكن لو تيقَّن في الصّورة الثانية أنه صلَّى قبل الوقت لزمته الإعادة، وتكون الأُولى نَفْلاً. الصورة الثالثة والرابعة والخامسة: الشكُّ في دخوله، وغلبة الظنِّ بعدم دخوله، واليقين بعدم دخوله فلا يُصلِّي. واستفدنا من كلام المؤلِّف: أنَّ غلبةَ الظنِّ لها مدخل في العبادات، وإن كان بعض العبادات لا يمكن أن تُفعل إلا باليقين، لكن كثيراً من العبادات مبنيَّة على غلبة الظنِّ، بل هذه قاعدة في العبادات وهي: «البناء على غلبة الظَنِّ»، ولهذا لو شَكَّ الإنسان كم صَلَّى، فالصَّحيح أنه يعمل بما ترجَّحَ عنده، والمذهب: لا يعمل إلا باليقين (¬1)، وإذا شَكَّ في عدد أشواط الطَّواف، أو أشواط السَّعي، فإنه يبني على غالب ظنِّه إذا كان عنده ترجيح، أمَّا إذا لم يكن عنده ترجيح فيبني على اليقين. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (4/ 65، 66)، «الإقناع» (1/ 214).

أإما باجتهاد، وخبر ثقة متيقن

أإِمّا باجْتِهَادٍ، َوْ خَبَرِ ثِقَةٍ مُتَيَقِّنٍ ............. قوله: «إمَّا باجتهادٍ أو خبرِ ثقةٍ مُتَيقِّنٍ»، هنا ذكر المؤلِّف الطُّرق التي يحصُل بها غلبة الظنِّ: الطريق الأول: الاجتهاد، لكن بشرط أن يكون المجتهد عنده أداة الاجتهاد، بأن يكون عالماً بأدلَّةِ الوقت، فإن لم يكن عالماً فإنه لا يعمل باجتهاده؛ إذ إنه ليس من أهل الاجتهاد، فلو أن شخصاً صَلَّى الظُّهر، وقال: أُصلِّي العصر إذا انتصف ما بين الظُّهر والمغرب، فلما انتصف ما بين الظُّهر والمغرب صَلَّى العصر، فهذا بَنَى على اجتهاد غير صحيح، فتلزمه الإعادة إذا تبيَّن أنه صلَّى قبل الوقت، وكذلك في صلاة العشاء، لو أنَّه اجتهد ولما رأى أنَّ النُّور السَّاطعَ القويَّ قد اختفى صَلَّى العشاء مع وجود الحُمْرة، فهذا لا تصحُّ صلاتُه؛ لأنه صَلَّى قبل الوقت، ولأنه ليس أهلاً للاجتهاد، حيث إنه لا يعرف متى يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء. الطَّريق الثَّاني: خبرُ ثقةٍ مُتيقِّنٍ، وهذا الطريق من عند غيره، أي: رَجُلٌ أخبرك بأن الوقت دخل، ولكنه أخبرك عن يقين بأن قال: رأيت الشمس غربت، أو قال: رأيت الفجر قد طلع، فإن أخبرك عن اجتهادٍ أو عن غلبة ظنٍّ فإنك لا تعمل بقوله، لأن المؤلِّف يقول: «خبر ثقةٍ متيقِّنٍ» لا مجتهد، ولا مَنْ بَنَى على غلبة ظنٍّ، بل لا بُدَّ أن يكون متيقِّناً. فإن قال قائل: أليس يجوز للإنسان أن يبني على اجتهاد نفسه وغلبة ظنِّ نفسه؟ قلنا: بلى، لكن هنا بَنَى على خبر غيره، والفرع أضعف من

فإن أحرم باجتهاد فبان قبله فنفل وإلا ففرض

الأصل؛ لأنّه إذا اجتهد لنفسه فهو أصل، وإذا بَنَى على خبر غيره فهو فرع. فلو قال: أظنّها غربت. هل يُعملُ بقوله؟ فالجواب: لا يُعمل به على ما اقتضاه كلام المؤلِّف. وقوله: «ثقة»، الثِّقة هو: مَنْ يُوثق بقوله؛ لكونه مُكَلَّفاً صدوقاً. أي: بالغاً عاقلاً لم يُعرف بالكذب، أو بالعجلة والتَّسرع. وهذا القول الذي ذهب إليه المؤلِّف بأنَّه لا بُدَّ أن يكون خَبَرُ الثقة عن يقين فيه نظر. والصَّواب: أنه إذا أَخبرك مَنْ تثقُ به جاز أن تُصلِّي على خبره، سواء كان إخباره عن يقين أم غلبة ظنٍّ، لأنك إذا لم تكن تعرف الوقت، ثم قلنا: لا تعمل بخبر غيرك وهو مجتهد، كان فيه مشقَّة. ولا زال المسلمون يعملون بأذان المؤذِّنين، وكثير من المؤذِّنين يكون أذانهم أحياناً على غلبة الظَّنِّ، لأن الغيوم كثيرة، وليس عندهم ساعات يحرِّرون بها الوقت. إذاً؛ فنقول: الإنسان يعرف دخول الوقت إما باجتهاد منه؛ لكونه من أهل الاجتهاد؛ لمعرفته بالأوقات ابتداء وانتهاءً، وإما بخبر مَنْ يَثِقُ بقوله؛ سواء أخبر عن ظنٍّ أم يقين. وقوله: «أو خبر ثقة» يشمل المرأة، فلو أخبرتك امرأة ثقة بدخول الوقت عملت بقولها؛ لأن هذا خبر دينيٌّ، وليس بشهادة. فَإِنْ أَحْرَمَ بِاجْتِهادٍ فَبَانَ قَبْلَه فَنَفْلٌ وإِلاَّ فَفَرضٌ. قوله: «فإن أحرمَ باجتهاد فَبَانَ قَبْلَه فَنَفْلٌ وإلا فَفَرْضٌ»، أي: اجتهد في تحرِّي الوقت، فَبَان أنه أحرم ـ أي: كبَّر للإحرام ـ قبل دخول الوقت، فصلاته تكون نَفْلاً لا يُحرَمُ ثوابه.

وقوله: «وإلا ففرض»، أي: وإلا يتبيَّن أنه أحرم قَبْلَه فصلاتُه فرض، وهذا يَشْمَل صورتين: الأولى: أن يتبيَّن أنه أحرم بعد دخول الوقت. والثانية: أن لا يتبيَّن له شيء فتصحُّ فرضاً؛ لأنَّه أتى بالعبادة على وجهٍ أُمِرَ به، ولم يتبيَّن فساده فتكون صحيحة. فههنا خمسُ صُور في صلاة المجتهد في الوقت: الصُّورة الأولى: أن يتبيَّن أنها في الوقت، فالأمر واضحٌ؛ تكون فرضاً. الصُّورة الثَّانية: أن يتبيَّن أنها قبل الوقت، فتكون نَفْلاً. الصُّورة الثَّالثة: أن يغلبَ على ظنِّه أنها في الوقت فتكون فرضاً. الصُّورة الرَّابعة: أن يغلبَ على ظنِّه أنها قبل الوقت، فلا يحِلُّ له الدُّخول فيها بنيَّة الفريضة؛ لأنَّه تلاعبٌ. الصُّورة الخامسة: أن يشكَّ في دخول الوقت، وحكمها كالرَّابعة. فإن قيل في الصُّورة الثانية التي تكون نَفْلاً: لماذا صارت نَفْلاً وهو لم ينوِها؛ وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمالُ بالنيَّات» (¬1)؟ فالجواب: أن يُقال: صلاة الفريضة تتضمَّن نيَّتين: نيَّةَ صلاة، ونيَّةَ كونها فريضة، فنيَّةُ كونها فريضة بَطَلَت لتبيُّن أنها قبل ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 194).

وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه، أو حاضت، ثم كلف وطهرت؛ قضوها

الوقت، فيبقى نيَّةُ كونها صلاة، ولهذا ينبغي أن يُذكر هنا قاعدة، ذكرها الفقهاء في قولهم: «وينقلب نَفْلاً ما بان عَدَمُهُ، كفائتةٍ لم تَكُنْ، وفرضٍ لم يدخلْ وقتُهُ» (¬1). مثال ذلك: إنسان ظَنَّ أن عليه صلاةً فائتةً، فصلَّى، ثم تبيَّن أنَّه قد صلاَّها من قبل، فتكون هذه الصلاة نافلة. ومثال الفرض الذي لم يدخل وقتُهُ: أن يصلِّي المغربَ ظنًّا منه أن الشَّمس قد غربت، ثم يتبيَّن أنها لم تغرب، فتكون هذه نافلة، ويُعيدُها فرضاً بعد الغروب. وَإِنْ أَدْرَكَ مُكَلَّفٌ مِنْ وَقْتِها قَدْرَ التَّحرِيْمَةِ، ثُمَّ زَالَ تَكْلِيْفُه، أَوْ حَاضَتْ، ثُمَّ كُلِّفَ وَطَهُرَتْ؛ قَضَوْها ............ قوله: «وإن أدرك مكلَّفٌ»، «المكلَّف»: هو البالغ العاقل، ووُصِفَ بذلك للزوم العبادات له، والعبادات نوع إلزام وتكليف، وإن كان ليس فيها مشقَّة، لكن الإنسان ملزمٌ بها. قوله: «من وقتها قدْرَ التَّحريمة»، أي: قَدْرَ تكبيرة الإحرام، وهذا مبنيٌّ على أن المعتبر في إدراك الصَّلاة هو إدراك تكبيرة الإحرام. قوله: «ثم زالَ تكليفُه»، أي: بأن جُنَّ بعد العقل، أو أُغميَ عليه. قوله: «أَوْ حَاضَتْ، ثُمَّ كُلِّفَ وَطَهُرتْ؛ قَضَوْها»، أي: المرأة بعد دخول وقتِ الصَّلاة بِقَدْرِ تحريمة، فزال تكليفُها، لكن لا لفوات شرط، ولكن لوجود مانع الوجوب وهو الحيض، وإلا ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (1/ 371)، «منتهى الإرادات» (1/ 73)

فهي بالغة عاقلة، ولهذا فرَّق المؤلِّف فقال: «ثم كُلِّفَ، وطَهُرَت»، أي طَهُرَت الحائض. وفي هذا لَفٌّ ونشرٌ مرتَّبٌ. فقوله: «ثم كُلِّف»، عائد على قوله: «ثم زال تكليفُه». وقوله: «طَهُرت»، عائد على قوله: «أو حاضت»، فاللفُّ والنَّشر هنا مرتَّبٌ، ومعنى اللَّفِّ والنَّشرِ المرتَّب: أنك إذا أتيت بالحكم عائداً على ما سبق، فإن كان على ترتيب ما سبق؛ فهو مرتّب، وإن كان على خلافه؛ فهو غير مرتَّب؛ ويُسمَّى «مشوَّشاً». مثال غير المرتَّب: قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، ثم قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106]، فبدأ بحكم الثاني قبل الأول. ومثال المرتَّب: قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105]، {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ} [هود: 106]، فبدأ بحكم الأوَّل ..... وقوله: «ثم كُلِّفَ وطَهُرَت؛ قَضَوها». كيف قال: «قَضَوها» وقد قال قبل ذلك: «إن أدرك مكلَّف من وقتها»، وقال: «ثم حاضت» ولم يقل: قضياها؟ لأنَّ المراد بالمكلَّف هنا الجنس، أو العموم؛ لوقوعه بعد الشَّرط، فلهذا صَحَّ أن يعود الضمير على اثنين مجموعاً. «قَضَوها»، أي: قَضَوا تلك الصَّلاة. مثال الحائض: امرأة حاضت بعد أن غربت الشَّمسُ، وبعد أن مضى مقدار تكبيرة الإحرام، فنقول لها: إذا طَهُرْتِ وجب عليك قضاء صلاة المغرب، وأما صلاة العشاء فلا يلزمها قضاؤها، لأنَّه أتى عليها الوقتُ وهي حائضٌ. مثال المكلَّف الذي زال تكليفُه: إنسان بعد أن غربت

الشَّمسُ أُغميَ عليه بعد مُضِيِّ مقدار التَّحريمة، ثم أفاق بعد منتصف الليل؛ يلزمه قضاء صلاة المغرب؛ لأنه أدرك من وقتها قَدْر التَّحريمة، وأمَّا صلاة العشاء ففي لُزومها عليه خلاف (¬1). فمن قال: إن المُغمَى عليه يقضي الصَّلوات التي فات وقتها وهو في الإغماء قال: تلزمه صلاة العشاء؛ لا لأنَّه أدرك من المغرب قَدْر التَّحريمة، ولكن لأنَّ الإغماء لا يُسقط فرضَ الصَّلاة، ومن قال ـ وهو الصَّحيح ـ: إن الإغماء يُسقط فرضَ الصَّلاة، قال: لا يلزمه في هذه الصُّورة إلا قضاء صلاة المغرب بناءً على أنَّها تُدرك بمقدار تكبيرة الإحرام (¬2). مثال آخر: رَجُلٌ غربت عليه الشَّمسُ ثم أُصيب ـ والعياذ بالله ـ بالجُنون، ثم أفاق بعد منتصف الليل فيلزمه قضاءُ صلاة المغرب؛ لأنَّه أدرك من وقتها قَدْر التَّحريمة. وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء الصَّلاة؛ إلا إذا أدرك من وقتها قَدْر ركعة (¬3)؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أدركَ ركعةً من الصَّلاة فقد أدرك الصَّلاة» (¬4)، وهذا لم يُدرك ركعة. هذان قولان. وقال بعض أهل العلم ـ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ: لا يلزمه القضاء لا المكلَّف ولا الحائض؛ إلا إذا بقي من وقت .... ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 47)، «الإنصاف» (3/ 10، 179 ـ 182). (¬2) انظر: ص (16 ـ 18). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 46، 47)، «الإنصاف» (3/ 179، 180). (¬4) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (121).

الصَّلاة بمقدار فعل الصَّلاة فحينئذ يلزم القضاء (¬1). الأدلة: أما دليل الأوَّل الذي يجعل ذلك منوطاً بتكبيرة الإحرام: فبناءً على التّعليلِ السَّابق: أنَّه أدرك جُزءاً من الصَّلاةِ، والصَّلاةُ لا تتجزَّأ، فيكون كما لو كان أدركها كاملة. وأما القائلون بإدراك رَكعة فحجَّتُهم الحديث: «من أدرك ركعةً من الصَّلاة فقد أدرك الصَّلاة» (¬2). وأما الذين قالوا: إنه لا يلزمه حتى يتضايق الوقت عنها فقالوا: إن الإنسان له أن يؤخِّرَ هذه الصَّلاة حتى يتضايق وقتها، فإذا طرأ المانع فقد طرأ عليه في وقت يجوز له تأخيرها إليه، وهو غير مفرِّط ولا معتدٍ؛ بل فاعل ما يجب عليه، ولأن هذا الأمر يقع كثيراً في حيض النِّسَاء، ولم يُنقل أن المرأة إذا حاضت في أثناء الوقت أُلزِمَت بقضاء الصَّلاة التي حاضت في أثناء وقتها، والأصل براءة الذِّمة، وهذا التَّعليل تعليلٌ قويٌّ جداً. وبناءً عليه: إذا زال التكليف، أو وُجِدَ المانعُ في وقت واسع، فإنَّ هذه الصَّلاة لا يلزم قضاؤها، فإنْ قضاها احتياطاً فهو على خير، وإن لم يقضها فليس بآثم، والعِلَّة كما ذكرت. وأجابوا عن الحديث: بأن قوله: «من أدرك ركعةً من الصَّلاة» (243) فالإدراك يكون في الغالب في الأخير لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (23/ 334، 335)، «الاختيارات» ص (34). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (121).

ومن صار أهلا لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته

« ... ما أدركتم فصلُّوا» (¬1)، أي: ما أدركتم في آخر صلاة الإمام، فالإدراك غالباً يكون في الأخير. ونقول: إذا أدرك من وقتها قَدْرَ فعلها فإنَّه يكون قد أدركها، أما إذا زال التَّكليف، أو وُجِدَ المانعُ في وقتٍ يجوز له التَّخيُّر فيه فإنه ليس بآثم ولا معتدٍ، فلا يُلزم بالقضاء. والقول الثَّاني أحوطُ ..... وَمَنْ صَارَ أَهْلاً لِوُجُوبِهَا قَبْلَ خُرُوج وَقْتِها لَزِمَتْه ............ قوله: «وَمَنْ صَارَ أَهْلاً لِوُجُوبِهَا»، أهليَّة الوجوب تكون بالتَّكليف أو زوال المانع، فيصير أهلاً لوجوبها إذا بلغ قبل خروج الوقت، وإذا عَقِلَ قبل خروج الوقت، وإذا زال الإغماءُ قبل خروج الوقت على قول أن المُغمى عليه لا يقضي الصَّلاة (¬2). وأما زوال المانع فمثاله: إذا طَهُرت قبل خروج الوقت. فقوله: «من صار أهلاً لوجوبها» يشمل من صار أهلاً لوجوبها لكونه لم يُكلَّف ثم كلِّف، أو لكونه متَّصفاً بمانع ثم زال، فمتى صار أهلاً لوجوبها قبل خُروج الوقت بمقدار تكبيرة الإحرام لزمته على المذهب، وعلى القول الثاني لا تلزمه إلا إذا أدرك من وقتها قَدْرَ رَكعة (¬3). قوله: «قَبْلَ خُرُوج وَقْتِها لَزِمَتْه»، أي: لزمته تلك الصَّلاة التي أدرك من وقتها قَدْرَ التَّحريمة على المذهب، أو قَدْر ركعة على القول الرَّاجح، وهذا واضح أنها تلزمه؛ لأنه خُوطبَ بها في ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب لا يسعى إلى الصلاة (636)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (602) عن أبي هريرة. (¬2) انظر: ص (16 ـ 18، 130). (¬3) انظر: ص (130، 131).

وما يجمع إليها قبلها

الوقت، ولقول الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام: «من أدرك ركعةً من الصَّلاة فقد أدرك الصَّلاة» (¬1). وَمَا يُجْمَعُ إِلَيْهَا قَبْلَها ............. قوله: «وَمَا يُجْمَعُ إلَيْهَا قَبْلَها»، أي: ولزمه ما يُجمع إليها قبلها، مثال ذلك: إذا أدرك من وقت صلاة العصر قَدْر ركعة أو قَدْرَ التَّحريمة لزمته صلاة العصر، ولزمته صلاة الظُّهر أيضاً، وإن أدرك ذلك من وقت صلاة العشاء لزمته صلاة العشاء وصلاة المغرب أيضاً، وإن أدرك ذلك من وقت صلاة الفجر لا يلزمه إلا الفجر؛ لأنها لا تُجمع إلى ما قبلها. فإن قيل: ما وجه وجوب صلاة الظُّهر في المثال الأوَّل؛ وصلاة المغرب في المثال الثَّاني؟ فالجواب: الأثرُ، والنَّظرُ. أما الأثر: فإنَّه رُوي ذلك عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم (¬2) ..... ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (121). (¬2) رُويَ عن عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف. ـ أما أثر عبد الله بن عباس فرواه أبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الصلاة: باب الحائض تطهر آخر النهار، رقم (7206)، والدارمي، كتاب الطهارة: باب المرأة تطهر عند الصلاة أو تحيض، رقم (886) عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس في الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس صلّت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء. ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (2/ 243)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 387) وفي «المعرفة والآثار» (2/ 217) عن يزيد بن أبي زياد، عن طاوُس، عن ابن عباس به، أي: إن يزيد يرويه تارة عن مقسم، وأخرى عن طاوُس!؟. وضعَّف إسناده ابنُ التركماني في «الجوهر النقي» بسبب ضعف يزيد بن أبي زياد. ويزيد ضعيف كما في «التقريب». زِدْ على ذلك أنه اضطراب فيه كما تقدم. إلا أنه تابعه ليث بن أبي سليم، عن طاوس وعطاء، عن ابن عباس، فيما رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 378)، وفي «المعرفة والآثار» (2/ 217). وليث بن أبي سليم إضافةً لكونه مختلط قد اختُلِفَ عليه أيضاً. فتارة رفعه إلى ابن عباس كما تقدم، وتارة أوقفه على طاوُس وعطاءَ؛ فيما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، الموضع السابق، رقم (7208). وقد ضعَّف هذا الإسناد ابنُ التركماني في «الجوهر النقي». ـ أمَّا أثر عبد الرحمن بن عوف، فرواه أبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الصلاة: باب في الحائض تطهر آخر النهار، رقم (7204)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (2/ 243)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 387)، وفي «المعرفة والآثار» (2/ 217) عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن نحو أثر ابن عباس. قال ابن التركماني: «هذا المولى مجهول». رواه عبد الرزاق رقم (1285) عن ابن جريج قال: حُدِّثت عن عبد الرحمن ابن عوف فذكره. وفيه جهالة من حدَّثه أيضاً. فالإسناد ضعيف.

وأما النَّظر: فلأن وقت الصَّلاة الثانية وقت للأولى عند العُذر الذي يُبيح الجمع، فلما كان وقتاً لها عند العُذر صار إدراك جُزء منه كإدراك جزء من الوقتين جميعاً، وهذا هو المشهور من المذهب (¬1). وقال بعض أهل العلم: إنه لا يلزمه إلا الصَّلاة التي أدرك وقتها فقط، فأما ما قبلها فلا يلزمه (¬2). وهو القول الرَّاجح. واحتجوا بالأثر والنَّظر. أما الأثر: فقول الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام: ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 179)، «الإقناع» (1/ 129، 130). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 47)، «مجموع الفتاوى» (23/ 334، 335).

«من أدرك ركعةً من الصَّلاة فقد أدرك الصَّلاة» (¬1). و «أل» في قوله: «الصَّلاة» للعهد، أي: أدرك الصَّلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وأما الصَّلاة التي قبلها فلم يدرك شيئاً من وقتها، وقد مَرَّ به وقتها كاملاً، وهو ليس أهلاً للوجوب فكيف نلزمه بقضائها؟! وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (¬2)، ولم يذكر وجوب قضاء الظُّهر. وأما النَّظر فقالوا: إن هذا مُقتضى القياس الصَّحيح؛ لأننا متَّفقون على أنه لو أدرك ركعةً من صلاة الظُّهر ثم وُجِدَ مانعُ التكليف، لم يلزمه إلا قضاء الظُّهر فقط، مع أن وقت الظُّهر وقتٌ للظُّهر والعصر عند العُذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟! كلتاهما أتى عليه وقت إحدى الصَّلاتين وهو ليس أهلاً للتكليف، لكن في المسألة الأولى مَرَّ عليه وقت الصَّلاة الأُولى، وفي المسألة الثانية مَرَّ عليه وقت الصَّلاة الثانية، فأنتم إما أن تُلزموه بالقضاء في المسألتين، كما قال به بعض العلماء (¬3)، وإما ألا تُلزموه فيهما كما قاله أيضاً آخرون (253)، أمَّا أن تُفرِّقوا فلا وجه لذلك. فإن قالوا: فَرَّقنا بناءً على الأثر الوارد عن الصَّحابة (¬4)، فالجواب: الأثر الوارد عن الصَّحابة يُحمل ـ إن صَحَّ ـ على سبيل .... ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (121). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (108). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 46، 47)، «الفروع» (1/ 306). (¬4) تقدم تخريجها ص (133).

ويجب فورا قضاء الفوائت

الاحتياط فقط؛ خوفاً من أن يكون المانعُ قد زال قبل أن يخرج وقت الأُولى، ولا سيما الحيض، فإن الحيض قد لا تعلم المرأة بطُهْرِها إلا بعد مُدَّة من طهارتها. وَيَجِبُ فَوْراً قضاءُ الفَوَائِتِ ........... قوله: «ويجب فوراً قضاء الفوائت»، الواجب: ما أُمِرَ به على وجه الإلزام بالفعل. وقوله: «فوراً»، أي: مبادرة بدون تأخير. وقوله: «قضاء الفوائت»، القضاء: ما فُعِلَ بعد وقته المحدَّد له. والفوائت جمع فائتة، وهي كلُّ عبادة مُؤقَّتة خرج وقتها قبل فعلها؛ سواء كانت نَفْلاً أم فرضاً كالصَّلوات الخمس. دليل وجوب القضاء: قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نَامَ عن صلاةٍ أو نسيها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها» (¬1). واللام في قوله: «فَلْيُصَلِّها» للأمر، والأمر للوجوب. ولأنَّ الذي فاتته العبادة شُغِلت ذمَّتُه بها، فوجبَ عليه قضاؤها؛ لأنها كانت دَيْناً كما قال الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام في المرأة التي سألته هل تحجُّ عن أمِّها قال: «أرأيت إنْ كان على أمِّكِ دَيْنٌ؛ أكنتِ قَاضِيَةً؟ اقضُوا اللَّهَ، فاللَّهُ أحقُّ بالوفاءِ» (¬2). وقوله: «يجب فوراً قضاء الفوائت»، ظاهر كلام المؤلِّف أنَّه لا فرق بين أن يدعها عمداً بلا عُذر، أو يدعها لعُذر، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم: أن قضاء الفوائت واجب، سواء ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (15). (¬2) رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد: باب الحج والنذور عن الميت، رقم (1852) من حديث ابن عباس.

تركها لعُذر أم لغير عُذر، أي: حتى المتعمِّد الذي تعمَّد إخراج الصَّلاة عن وقتها يقال له: إنك آثم وعليك القضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور أهل العلم (¬1) ..... والقول الثاني في المسألة: أنَّه إذا فاتت العبادة المؤقَّتة عن وقتها لعُذرٍ قُضيت، وإن فاتت لغير عُذرٍ فلا قضاء (¬2)، ليس تخفيفاً عن المؤخِّر، ولكن تنكيلاً به وسُخطاً لفعله، وهناك فرق بين التخفيف وبين التنكيل والسُّخط، فنحن نقول لمن تركها عمداً: لا تقضِ؛ لأنك لو تقضي ألف مرَّة ما قَبِلَ اللَّهُ منك حتى ولو تُبْتَ، لكن إذا تُبْتَ فأحْسِن العملَ. حجَّة القائلين بأنه يقضي ولو كان لغير عُذر ما يلي: أولاً: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من نامَ عن صلاةٍ أو نسيها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها» (¬3)، فإذا كان المعذور بنوم أو نسيان يلزمه القضاء، فغير المعذور من باب أَولى. ثانياً: وقالوا أيضاً: إنه لما ترك الصَّلاة حتى خرج وقتها كانت دَيْناً عليه، والدَّين لا وقت له، ويجب على الإنسان أن يؤدِّيه فوراً، ولو خرج وقتُه. أرأيت لو كان بينك وبين شخص معاملة يَحِلُّ الدَّين فيها لأوّل ليلة من شهر ربيع الأول، ثم مضت الليلة ولم توفِ، هل يسقط؟ ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذَّب» (3/ 71)، «كتاب الصلاة» لابن القيم ص (72)، «نيل الأوطار» (2/ 2، 3) (¬2) انظر: «المحلَّى» (2/ 235)، «مجموع الفتاوى» (22/ 18، 19، 39). (¬3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (15).

الجواب: لا، بل يبقى في ذمَّتك حتى توفّيه، ولو بعد حين، وقد سمَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم العبادات «دَيْناً» (¬1)، فإذا كان سمَّاها «دَيْناً» فإنه يجب قضاؤها، ولو تركها لغير عُذر. أما دليل الذين قالوا بعدم الوجوب إذا كان لغير عُذر فهو ما يلي: أولاً: أن هذه الصَّلاة المؤقَّتة محدودة أولاً وآخراً، والمحدود موصوف بهذا الوقت، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، أي: صلاتها في هذا الوقت، فإذا أخَّرها عنه بلا عُذر فقد صلاَّها على غير الوصف الذي فُرضت عليه، فترك واجباً من واجباتها عمداً فلا تصحُّ، كما لو صَلَّى بغير وُضُوء عمداً بلا عُذر فإنَّها لا تصحُّ ..... ثانياً: إذا أخَّرها عن وقتها لغير عُذر فقد فعلها على وجهٍ لم يُؤمر به، وقد ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من عَمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬2). وهذا نصٌّ صريحٌ عامٌ، «من عَمِل عملاً»، عملاً: أيَّ عمل يكون؛ لأنه نكرة في سياق الشَّرط فكان للعموم؛ «فهو ردٌّ»، أي: مردود. ثالثاً: أنه لو صلَّى قبل الوقت متعمِّداً فصلاته لا تجزئه بالاتفاق (¬3)، فأيُّ فرق بين ما إذا فعلها قبل الوقت أو فعلها بعده؟ فإن كُلَّ واحد منهما قد تعدَّى حُدودَ الله عزّ وجل، وأخرج العبادة عن وقتها: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229]. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (136). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 186). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 45).

رابعاً: أن هذا الرَّجُل إذا أخَّرها عن وقتها فإنه ظالمٌ معتدٍ، وإذا كان ظالماً معتدياً فالله لا يحبُّ المعتدين، ولا يحبُّ الظَّالمين، فكيف يُوصف هذا الرَّجُل الذي لا يحبُّه الله لعدوانه وظُلمه بأنه قريب من الله متقرِّب إليه؟! هذا خلاف ما تقتضيه العقول والفِطَر السَّليمة. أما قولهم: إنَّه وجب على المعذور القضاء بعد الوقت؛ فغير المعذور من باب أَولى؛ فممنوع، لأن المعذور معذور غير آثم، ولا يتمكَّن من الفعل في الوقت، فلما لم يتمكَّن، لم يُكلَّف إلا بما يستطيع، أما هذا الرَّجُل غير المعذور فهو قادر على الفعل مُكلَّف به، فخالف واستكبر ولم يفعل، فقياس هذا على هذا من أبعد القياس، إذاً؛ فهذا قياس فاسد غير صحيح مع مخالفته لعموم النُّصوص: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬1)، ومع أنَّه مخالف للقياس فيما إذا صَلَّى قبل دخول الوقت. فالصَّواب: أن من ترك الصَّلاة عمداً ـ على القول بأنه لا يكفر ـ كما لو كان يصلِّي ويخلِّي، فإنه لا يقضيها، ولكن يجب عليه أن تكون هذه المخالفة دائماً نُصْبَ عينيه، وأن يُكثر من الطَّاعات والأعمال الصَّالحة لعلَّها تُكفِّر ما حصل منه من إضاعة الوقت. وقوله: «قضاء الفوائت» يُستفاد منه أنَّه يقضي الصَّلاة الفائتة على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذه القاعدة المعروفة، فعلى هذا إذا قضى صلاة ليل في النَّهار جهر فيها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أسرَّ فيها بالقراءة ..... ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 186).

والدليل على ذلك ما يلي: 1 - قول الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ نام عن صلاةٍ أو نسيها فَليُصلِّها إذا ذكرها» (¬1)، فكما أن الأمرَ عائدٌ إلى ذات الصَّلاة فهو عائد إلى صفة الصَّلاة أيضاً، ومن صفاتها الجهرُ بالقِراءة إذا كانت الصَّلاة ليليَّة، والإسرارُ بالقراءة إذا كانت الصَّلاة نهاريَّة. 2 - حديث أبي قتادة في نومهم عن صلاة الصُّبح مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «فصلَّى الغداة فَصَنَع كما كان يصنع كُلَّ يوم» (¬2). 3 - أن القضاء يحكي الأداء. ويُستفاد من حديث أبي قتادة أيضاً: أنه تُشرع فيها ـ أي: في المقضيَّة ـ الجماعةُ إذا كانوا جَمْعاً، لأن القضاء يحكي الأداء، فكما أنهم لو صلَّوها في الوقت صلَّوها جماعة، فإذا قَضَوها فإنهم يصلُّونها جماعة، وهذا أيضاً جاءت به السُّنَّة في حديث أبي هريرة، فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أمر بلالاً فأذَّن ثم صلَّى ركعتي الفجر، ثم صَلَّى بهم الفجرَ جماعة (¬3). والدَّليل على وجوب القضاء فوراً: 1 - قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نَامَ عن صلاة، أو نسيها فَلْيُصلِّها إذا ذكرها» (¬4)، فقوله: «فليصلِّها» اللام للأمر وقد عَلَّقه بقوله: «إذا ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (15). (¬2) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (681). (¬3) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (680). (¬4) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (15).

ذكرها»، وهذا يدلُّ على أنها تُقضى فورَ الذِّكر، وفورَ الاستيقاظ، لأن الأصل في الأمر الوجوب والفورية. 2 - أن هذا دَيْنٌ واجبٌ عليه، والواجب المبادرة به؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له إذا أخَّر. 3 - ولأن الإنسان إذا عَوَّدَ نَفسَهُ التهاون والتكاسل في الطَّاعات اعتادت هذا، وصار ذلك خُلقاً لها، إذاً فلا بُدَّ من المبادرة ..... فإن قلت: أليس النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لما استيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكانٍ آخر؟ فالجواب: بَلى، ولكنَّه علَّل ذلك بأنه: «مكانٌ حَضَرَ فيه الشَّيطانُ» (¬1)، فلا ينبغي أن يُصلَّى في أماكن حضور الشياطين، ولهذا نَهَى عن الصَّلاة في الحَمَّام (¬2)؛ لأنه مَأوى الشَّياطين، وفي ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة (680) عن أبي هريرة. (¬2) رواه أحمد (3/ 83، 96)، وأبو داود،. كتاب الصلاة: باب في المواضع التى لا تجوز فيها الصلاة، رقم (492)، والترمذي، أبواب الصلاة: باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، رقم (317)، وابن ماجه، كتاب المساجد: باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، رقم (745) والدارمي رقم (1362) وغيرهم عن حماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زياد، وعمارة بن غزيَّة، والدراوردي، ومحمد ابن إسحاق كلهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «الأرضُ كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام». والحديثُ صحَّحهُ متَّصلاً: ابنُ خزيمة (791)، وابن حبان (1699)، والحاكم (1/ 251)، والذهبي. قال ابن تيمية: أسانيده جيدة، ومن تكلَّم فيه مما استوفى طُرقه. «اقتضاء الصراط المستقيم» ص (677). وقال: «إسناده صحيح». «شرح العمدة» له (2/ 425). قال الدارقطني: ورواه جماعةٌ عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلاً. ورجَّح إرساله: الترمذيُّ، والدارميُّ، والدارقطنيُّ، والبيهقيُّ وغيرهم. قال الترمذي: «هو حديث فيه اضطراب»، وقال النوويّ: ضعَّفه الترمذيُّ وغيره، قال: هو مضطرب، ولا يُعارضُ هذا بقول الحاكم: أسانيده صحيحة. فإنهم أتقن في هذا منه؛ ولأنه قد تصحُّ أسانيدهُ وهو ضعيفٌ لاضطرابه». «الخلاصة» رقم (938). انظر: «علل الترمذي الكبير» (1/ 239)، «العلل» للدارقطني (11/ 319) رقم (2310)، «السنن الكبرى» للبيهقي (2/ 434)، «التلخيص الحبير» رقم (434).

الحُشِّ، بل وفي أعطان الإبل (¬1)، لأنها خُلقت من الشَّياطين (¬2)، وليس معناه: مادتها من الشَّياطين، بل لأن فيها خُلُقاً كبيراً من أخلاق الشَّياطين، وإذا كان في المخلوق خُلُقٌ كبير من شيء معين نُسب إليه، ولهذا قال تعالى: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] مع أنه خُلق من تُراب، لكن لما كانت طبيعتُه العَجلة صار كأنه ناشئٌ منها، كأنها عنصر وجوده. وهذا الحديث لا يدلُّ على عدم وجوب الفورية، وإن كان ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الحيض: باب الوضوء من لحوم الإبل، رقم (360) من حديث جابر بن سَمُرة، وانظر: ص (242). (¬2) رواه عبد الرزاق رقم (1602)، وأحمد (5/ 54، 55، 56، 57)، وابن ماجه، كتاب المساجد: باب الصلاة في أعطان الإبل، رقم (769)، وابن حبان رقم (1702) عن الحسن، عن عبد الله بن مُغفَّل به. قال ابن رجب: وله طُرق متعدِّدة عن الحسن. قال ابنُ عبد البر: رواه عن الحسن خمسة عشر رجلاً. والحسنُ سمع من عبد الله بن مُغفَّل؛ قاله الإمام أحمد. «فتح الباري» لابن رجب (2/ 420). وله شاهد من حديث البراء، رواه أحمد (4/ 288)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب الوضوء من لحوم الإبل، رقم (184). وصحَّحه إسحاق بن راهويه وغيره. انظر: «سنن الترمذي» رقم (81).

مرتبا

بعض العلماء قال بعدم وجوب الفورية لهذا الحديث (¬1). مُرَتِّباً .............. قوله: «مرتِّباً»، أي: يبدأ بها بالتَّرتيب، فإذا كان عليه خمس صلوات تبتدئ بالظُّهر، صَلَّى الظُّهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر. والدليل على ذلك ما يلي: 1 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نام عن صلاة، أو نسيها فَلْيُصلِّها ... » (¬2) فهذا يشمل عينَ الصلاة، وكيفيَّة الصَّلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة في موضعها من الصّلوات، فيلزم أن تكون في موضعها الترتيبي، فمثلاً: الظُّهر يصلِّيها ما بين الفجر والعصر، وحينئذ يكون صلاَّها، وكذلك المغرب ما بين العصر والعشاء. 2 - وكذلك ثبت عن النبيِّ عليه الصلاة والسَّلام أنه فاته أربعُ صلواتٍ في الخندق فقضاها مرتِّباً (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذب» (3/ 69)؛ «الفُروع» (1/ 307). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (15). (¬3) رواه أحمد (3/ 25)، والنسائي، كتاب الأذان: باب الأذان للفائت من الصلاة، (2/ 17) رقم (660)، والدارقطني في «العلل» له (11/ 300) من حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري. والحديثُ صحّحه: ابن خزيمة رقم (996)، وابن حبان رقم (2890)، وابن السَّكن. قال ابن سيد الناس: «إسناده صحيح جليل». وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود، رواه أحمد (1/ 375)، والترمذي، كتاب الصلاة: باب في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ، رقم (179)، والنسائي، كتاب المواقيت: باب كيف يقضي الفائت من الصلاة (1/ 297) من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود. وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود كما قال الترمذي وغيره. انظر: «الفتح» شرح حديث رقم (596)، «التلخيص الحبير» رقم (288)، «نيل الأوطار» كتاب الصلاة: باب الترتيب في قضاء الفوائت، (2/ 37).

3 - وكذلك في الجَمْع؛ كان يجمع بين الصَّلاتين، فيبدأ بالأُولى (¬1). فكلُّ هذه الأدلَّة تدلُّ على أنه يجب الترتيب في قضاء الفوائت. لكن هل يسقط الترتيب بعُذر من الأعذار؟ ..... وَيَسْقُطُ التَّرتيبُ بِنِسْيَانِه، وبِخَشْيَةِ خُرُوجِ وَقْتِ اختيارِ الحَاضِرةِ .......... قال المؤلِّف رحمه الله: «ويَسْقطُ التَّرتيبُ بنسْيَانِهِ، وبخَشْيَةِ خُرُوجِ وقت اختيار الحاضرة»، فذكر أنه يسقط بشيئين: الأول: النسيان، فلو كان عليه خمس فرائض تبتدئ من الظُّهر، فنسي فبدأ بالفجر مع أنها هي الأخيرة؛ نقول: قضاؤه صحيح؛ لأنه نسي. لو بدأ بالعصر قل الظُّهر نسياناً صَحَّ القضاء؛ لأنه يسقط بالنسيان. والدليل: عموم قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. الثاني: «خشية خروج وقت اختيار الحاضرة»، في هذه العبارة أربعُ إضافات، ومثلُ هذا عند البلاغيين خارجٌ عن البلاغة لكثرة الإضافات، لكن نقول: إذا كان لا يتَّضحُ المعنى إلا بذلك؛ فليس بخارج عن البلاغة، ويمكن أن يُعَدَّلَ لفظُ المؤلِّف فيُقال: «وإذا خشي أن يخرجَ وقتُ الحاضرة المختار»، وعلى كل حال فالمعنى، أنَّه إذا كان يخشى أن يخرجَ وقتُ اختيار الحاضرة ¬

_ (¬1) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (79).

فإنه يسقط التَّرتيب، وإذا خشيَ أن يخرجَ الوقتُ كلُّه من باب أولى، وليس عندنا وقت ضرورة على القول الرَّاجح إلا في صلاة العصر؛ لأنه سبق لنا أن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل (¬1)، وأما من جعله ينتهي بطلوع الفجر؛ فيجعل ما بين نصف الليل وطلوع الفجر وقت ضرورة. مثال ذلك: رَجُل ذكر أن عليه فائتة، وقد بَقِيَ على أن يكون ظِلُّ كلِّ شيء مثليه ما لا يتَّسع للفائتة والحاضرة، ماذا نقول؟ الجواب: نقول: قَدِّم الحاضرةَ. ورَجُل آخر ذكر فائتة، وقد بقيَ على طُلوع الشَّمس ما لا يتَّسع لصلاة الفائتة والفجر؛ ماذا نقول له؟ الجواب: نقول: قَدِّم الحاضرةَ، وهي الفجر. ودليل الوجوب ما يلي: أولاً: أن الله أمر أن تُصلَّى الحاضرةُ في وقتها، فإذا صَلَّيتَ غيرها أخرجتها عن الوقت ..... ثانياً: أنك إذا قدَّمت الفائتة لم تستفدْ شيئاً، بل تضرَّرت؛ لأنَّك إذا قدمت الفائتة صارت كلتا الصَّلاتين قضاء، وإذا بدأت بالحاضرة صارت الحاضرة أداء والثانية قضاء، وهذا أولى بلا شَكٍّ. مسألة: هل يسقط الترتيب لغير ذلك؟ ¬

_ (¬1) انظر: ص (115).

الجواب: نقول: نعم، يسقط، بما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد كصلاة الجُمعة، فإنه لو ذكر أن عليه فائتة بَعْد أن أُقيمت صلاة الجُمُعة، ولا يتمكَّن من قضائها وإدراك الجُمُعة، فإنه يبدأ بالجُمُعة؛ لأن فوات جماعة الجُمُعة كفوات الوقت؛ لأنها لو فاتت الجماعة عليك فاتتك الجُمُعة، ولا يمكن أن تصلِّيها جُمُعة بعد فوات الجماعة فيها. مسألة: وهل يسقط التَّرتيبُ بالجهل؟ في هذا خلافٌ بين العلماء (¬1)، وظاهر كلام المؤلِّفِ أنَّه لا يسقط، فلو جاءنا رَجُلٌ يسأل ويقول: عَلَيَّ فوائت الظُّهر والعصر والمغرب. فبدأت بصلاة المغرب، ثم بالعصر، ثم بالظُّهر جهلاً؟ فالجواب: نقول: كلام المؤلّف يدلُّ على أنَّه لا يسقط التَّرتيب؛ لأنه لم يذكر لسقوطه إلا النسيان، وخروج وقت اختيار الحاضرة، والفرق بين الجاهل والنَّاسي، أن الجاهل قد يكون مفرِّطاً بترك التعلُّم فلا يُعذر. وعلى هذا؛ فنقول لهذا الرجل الذي سألنا فقدَّم المغرب، ثم العصر، ثم الظُّهر: أَعِدِ العصرَ ثم المغربَ، أما الظُّهر فلا يعيدها؛ لأنَّها في مكانها. وهكذا كلُّ شيء فيه التَّرتيب إذا عكست فآخر شيء لا تعيده؛ لأنه يكون هو أول شيء؛ لأن الذي قدَّمته هو الذي لم يصحَّ، أما الذي كان هو الآخر فيصحُّ؛ ولا يُستثنى شيء من هذه القاعدة. وقال بعض العلماء: بل يسقط التَّرتيب بالجهل؛ لأن الجهل .... ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 346)، «الإنصاف» (3/ 191).

أخو النسيان في كتاب الله، وكلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الله تجاوز عن أُمَّتِي الخطأَ والنسيانَ وما استُكْرِهُوا عليه» (¬1). فإذا كان هذا جاهلاً فإنه لا يَضرُّه تركُ الترتيب، ونقول: صلاتُك صحيحة، وهذا القول هو الصَّواب. مسألة: هل يسقطُ التَّرتيب بخوف فَوْتِ الجماعة؟ الجواب: المذهب: لا يسقط التَّرتيب، فنقول: ابدأْ بالفائتة، ثم صَلِّ الحاضرةَ مع الجماعة إنْ أدركتها؛ وإلا فلا شيء عليك. وذهب بعضُ العلماء إلى أن التَّرتيب يسقطُ بخوف فَوْت الجَماعة (¬2)، ولا سيَّما على القول بأن الجماعة شرط لصحَّة الصَّلاة، فيجب أن تُقدِّمَ الصَّلاة الحاضرة مع الجماعة ثم تُصَلِّي الفائتة. ¬

_ (¬1) رواه ابن ماجه، كتاب الطلاق: باب طلاق المكره والناسي، رقم (2045)، والطبراني في «الصغير» (1/ 270)، والدارقطني (4/ 170)، والبيهقي (7/ 356)، من حديث ابن عباس. واستنكره الإمامُ أحمد جداً. وقال أبو حاتم: «لا يصحُّ هذا الحديث؛ ولا يثبت إسناده». وقال محمد بن نصر: «ليس له إسناد يُحتجّ بمثله». وللحديث شواهد من حديث أبي الدرداء، وأم الدرداء، وأبي بكرة، وثوبان، وعقبة بن عامر، وأبي ذر، وابن عمر، إلا أن جميعها لا يخلو من مقال وضعف وعلَّة، بل ونكارة. قال ابن حجر: «بمجموع هذه الطُرق يظهرُ أنَّ للحديث أصلاً». «موافقة الخُبر الخَبر» (1/ 510) كذا قال، والله أعلم. انظر: «إرشاد الفقيه» لابن كثير ص (90)، «جامع العلوم والحكم» شرح الحديث رقم (39)، «التلخيص الحبير» رقم (451). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 105 ـ 108)، «الإنصاف» (3/ 188).

ومنها ستر العورة

والقول بأنه يسقط الترتيب بخوف فَوْت الجماعة، مبنيٌّ على القول بأنه لا يصحُّ أن يُصلِّي خلف من يُصلِّي صلاة أخرى (¬1)، أما على القول بالجواز (280) فنقول: صَلِّ معهم في الجماعة، وانْوِ بها الصَّلاة الفائتة التي عليك. مثال ذلك: لو كان عليك الظُّهر؛ وجئت وهم يصلُّون العصر، فإنا نقول لك على القول الرَّاجح: ادخلْ معهم بنيَّة الظُّهر؛ واختلاف النيَّة لا يضرُّ، لكن على القول بأن اختلاف النيَّة يضرُّ، فإنهم يقولون: لا يسقط التَّرتيب بخوف فَوت الجماعة كما هو المذهب. فصار عندنا من مسقطات الترتيب خمسة أشياء وهي: 1 - النسيان. 2 - خوف خروج وقت الحاضرة. 3 - خوف فوات الجمعة. 4 - خوف فوات الجماعة. 5 - الجهل. فالمذهب يُعذر بالثَّلاثة الأُوَلِ وهي: النسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجُمعة. وأما الرابع والخامس فلا يُعذر فيهما، والصَّحيح أنه يُعذر فيهما ..... وَمِنْها سَتْرُ العَوْرَةِ ............. قوله: «وَمِنْها سَتْرُ العَوْرَةِ»، أي: من شروط الصَّلاة ستر العورة والسَّترُ بمعنى التغطية. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (4/ 411، 412) .....

والعَوْرة: هي ما يسوءُ الإنسان إخراجه، والنَّظر إليه؛ لأنها من «العَوَر» وهو العيب، وكلُّ شيء يَسُوءُكَ النَّظرُ إليه، فإن النَّظر إليه يُعتبر من العيب. ولكن سنناقش هذا التعبير «سَتْرُ العَوْرَة». هل جاء في الكتاب أو السُّنَّة كلمة «سَتْرُ العَوْرَة» فيما يتعلَّق بالصَّلاة أم لا؟. الجواب: لا، لم تأتِ كلمة «سَتْرُ العَوْرَة» في الكتاب أو السُّنَّة، ومن أجل أنَّه لم تأتِ ينبغي أن لا نعبِّر إلا بما جاء في القرآن والسُّنَّة في مثل هذا الباب، ونظيرُ هذا التعبير الذي أوهم، تعبيرُ بعضهم في باب محظورات الإحرام بلبس المخيط بدلاً عن القميص والسَّرَاويلِ والبَرَانِسِ والعِمَامةِ والخِفَافِ. ولمَّا قال العلماء: «سَتْرُ العَوْرَة» اشتبه على بعض النَّاس عورة الصَّلاة وعورة النَّظر واختلطت عليهم؛ حتى قال بعضهم: هذه وهذه سواء. والأمر ليس كذلك، فبين عورة الصَّلاة وعورة النَّظر فرق، لا تتَّفقان طرداً ولا عكساً، كما سيتبيَّن إن شاء الله. إذاً؛ فلو عَبَّرَ بما جاء في القرآن أو السُّنَّة لكان أسلم، والذي جاء في القرآن: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]. فأمر الله تعالى بأخذ الزِّينة عند الصَّلاة، وأقلُّ ما يمكن لباس يُواري السَّوأة، وما زاد على ذلك فهو فَضْل، والسُّنة بيَّنت ذلك على سبيل التفصيل، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل مَلِكاً من الملوك بثياب لا تستر، أو نصف بدنه ظاهر، فكيف لا يستحي أن يقفَ بين يدي مَلِكَ الملوك عزّ وجل بثياب غير مطلوب منه أن يلبسها؟! ولهذا قال عبد الله بن عمر لمولاه نافع ....

وقد رآه يصلِّي حاسرَ الرَّأس: «غَطِّ رأسك، هل تخرج إلى النَّاس وأنت حاسر الرَّأس؟ قال: لا. قال: فاللَّهُ أحقُّ أن تتجمَّلَ له» (¬1)، وهذا صحيح لمن عادتهم أنهم لا يحسرون عن رؤوسهم، ولا يمكن أن يخرج حاسر الرَّأس أمام النَّاس. إذاً؛ فاتِّخاذُ الزِّينة غير سَتْر العَوْرَة، ونقول: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكُمْ في الثَّوبِ الواحدِ ليس على عاتِقِهِ منه شيءٌ» (¬2)، وعاتق الرَّجُلِ ليس بعورة بالاتفاق، ومع ذلك أمر النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام بستره في الصَّلاةِ فقال: «ليس على عاتقه منه شيء»، فدلَّ هذا على أن منَاط الحُكم ليس ستر العورة. وقال صلّى الله عليه وسلّم لجابر: «إن كان ضيِّقاً فاتَّزرْ به، وإن كان واسعاً ¬

_ (¬1) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى (22/ 117) دون عزوه لمصدر، ولم أقف عليه ـ بهذا اللفظ ـ سوى عنده. بينما روى عبد الرزاق في «المصنف» (1/ 357)، وأحمد (1/ 17)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 377) عن نافع أنَّ ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، فدخل ابنُ عمر المسجد، فوجده يصلِّي متوشِّحاً في ثوب، فقال: أليس لك ثوبان تلبسهما؟ فقلت: بلى، فقال: أرأيت لو أرسلتك إلى وراء الدار، أكنت لابسهما؟ قال: نعم، قال ابن عمر: ... فالله أحقُّ أن تزيِّن له ... ». قال ابن كثير: «إسناده جيد». «مسند الفاروق» (1/ 149). (¬2) رواه ـ بهذا اللفظ ـ عبد الرزاق في «المصنف» (1/ 353)، والنسائي، كتاب الصَّلاة: باب صلاة الرجل في الثوب الواحد، (3/ 71) رقم (768) من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري، كتاب الصلاة: باب إذا صلَّى في الثوب الواحد، رقم (359)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، رقم (516) بلفظ: «لا يُصلِّي أحدُكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه منه شيء».

فالتحفْ به» (¬1). ومعلوم أنه لا يُشترط لسَتْرِ العَوْرَة أن يلتحف الإنسان، بل يُغطِّي ما يجب ستره في غير الصَّلاة. إذاً؛ فليس مَنَاط الحُكم سَتْر العَورة، إنما مَنَاط الحُكم اتِّخاذ الزِّينة، هذا هو الذي أمرَ الله به، ودلَّت عليه السُّنَّة. والدَّليل على أنَّ من شَرْط صحَّة الصَّلاة سَتْر العَورة ما يلي: 1 - قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *} [الأعراف]، لأن أخذ الزِّينة يلزم منه سَتْر العورة ..... 2 - قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنْ كان واسعاً فالتحفْ به، وإن كان ضيقاً فاتَّزرْ به» فلا بُدَّ من الاتِّزار، وإذا كان واجباً في العبادة، فكلُّ واجب في العبادة شرط لصحَّتها، فالقاعدة الشَّرعية: «أنَّ كلَّ واجب في العبادة هو شرط لصحَّتها». فإذا تركه الإنسان عمداً بطلت هذه العبادة، ولهذا لو تركَ الإنسانُ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، أو الأخير في الصَّلاة مُتعمِّداً بطلت صلاتُه. وكذلك بقية الواجبات؛ لو تركها متعمِّداً بطلت الصَّلاةُ. ولهذا نقول: إنَّ سَتْرَ العورة شرط لصحَّة الصَّلاة، وأنَّ من صَلَّى من غير أن يلبس ما يستر به العورة، أو ما يجب ستره على الأصحِّ، فإن صلاتَه باطلةٌ. 3 - نقل ابنُ عبد البَرِّ إجماعَ العُلماء على أنَّ من صَلَّى ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب إذا كان الثوب ضيقاً، رقم (361)، واللفظ له، ومسلم، كتاب الزهد: باب حديث جابر الطويل، رقم (3010)، ولفظه: «إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقاً فاشدُدْهُ على حقوِك».

فيجب بما لا يصف البشرة

عُرياناً مع قُدْرَته على اللباس فصلاتُه باطلة (¬1). وكذلك نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن العلماء اتفقوا على أن الإنسان الذي يصلِّي عُرياناً وهو قادر على اللباس فصلاته باطلة (¬2). فَيَجِبُ بما لا يَصِفُ البَشرَة. قوله: «فيجب بما لا يَصِفُ البَشَرة»، «يجب» الفاعل يعود على «سَتْرِ العَوْرَة»، أي: فيجب سَتْر العَوْرَة «بما» أي: بالذي، ويجوز أن نجعل «ما» نكرة موصوفة، أي: بثوب لا يَصِفُ بَشَرَتَه. أي: يُشترط للسَّاتر ألاَّ يصفَ البشرة، لا ألاَّ يبيِّن العُضوَ. ووَصْفُ الشيءِ ذِكْرُ صِفَاتِه، والثوب لا يصف نطقاً، ولكن يصفه بلسان الحال، فإذا كان هذا الثَّوب الذي على البدن يبيِّنُ تماماً لون الجلد فيكون واضحاً، فإنَّ هذا ليس بساتر. أما إذا كان يُبيِّن مُنتهى السِّروال من بقيِّةِ العضو ـ مثلاً ـ فهذا ساتر. شروط الثَّوب: يُشترط في الثَّوب السَّاتر أربعة شروط: .... الشَّرط الأول: ألاَّ يصفَ البشرة كما قال المؤلِّفُ، فإن وَصَفَها لم يجزئ؛ لأن السَّتر لا يحصُل بدون ذلك، وعلى هذا لو لبس ثوباً من «البلاستيك» يمنع وصولَ الماء والهواء، فإنها لا تصحُّ الصَّلاة به؛ لأن ذلك لا يستر؛ بل هو يصفُ البشرة. الشَّرط الثاني: أن يكون طاهراً. فإذا كان نجساً فإنه لا يصحُّ أن يصلِّي به، ولو صَلَّى به لا تصح صلاتُه، لا لعدم السَّتر، ولكن لأنَّه لا يجوز حمل النَّجس في الصَّلاة، والدليل ما يلي: ¬

_ (¬1) انظر: «التمهيد» لابن عبد البَرِّ (6/ 379). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 116، 117).

1 - قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *} [المدثر]، فـ «ثياب» مفعول مُقدَّم لـ «طَهِّر»، يعني «طَهِّرْ ثيابك» وهو ظاهر في أنَّ المراد ثياب اللباس. وقال بعض أهل العلم {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *}، أي: عملك طهِّره من الشِّرك (¬1)؛ لأن العمل لباس كما قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، فيكون المراد تنقيةُ العمل من الشِّرك، ولهذا قال بعدها: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ *} [المدثر]، فنقول: الآية تحتمل هذا وهذا، ولا يمتنع أن تُحمل على المعنيين؛ لأنهما لا يتنافيان، وكلُّ معنيين يحتملهما اللفظ القرآنيُّ أو اللفظ النبويُّ، ولا يتنافيان فإنهما مُرادان باللفظ. 2 - أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أُتِيَ بصبيٍ لم يأكل الطَّعام؛ فأجلسه في حِجْرِه، فَبَالَ الصبيُّ في حِجْرِه، فدعا بماءٍ فأتْبَعَهُ إيَّاه (¬2)، وهذا يَدلُّ على أنه لا بُدَّ أن يكون الثَّوبُ طاهراً، ولهذا بادر النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام بتطهيره. 3 - أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي ذات يوم بأصحابه؛ فخلع نعليه، فخلع الناسُ نعالَهم، فلما سَلَّمَ سألهم: لماذا خلعوا نِعَالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أنَّ فيهما أذى» (¬3)، وهذا يدلُّ على وجوب التَّنزُّه مما فيه نجاسة. 4 - حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مَرَّ .... ¬

_ (¬1) انظر: «تفسير القرآن العظيم»، لابن كثير (4/ 531). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 30، 437). (¬3) تقدم تخريجه ص (99).

بقبرين يُعذَّبان، فقال: «إنَّ أحدهما كان لا يَسْتَتِرُ من البول» (¬1)، وفي رواية «يَسْتَنْزِهُ»، وهذا فيه شيءٌ من النَّظَرِ والمُنَاقَشَةِ. 5 - قوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]، قالوا: فإذا أمر اللَّهُ تعالى بتطهير المَحَلِّ، وهو منفصل عن المصلِّي، فاللباس الذي هو مُتَّصِلٌ به يكون الأمر بتطهيره من باب أولى. الشَّرطُ الثَّالثُ: أن يكون مباحاً، أي: ليس بمحرَّمٍ، والمحرَّمُ ثلاثة أقسام: محرَّم لعينه، محرَّم لوَصْفِهِ، محرَّمٌ لكسبه. أما المحرم لعينه: فكالحرير للرَّجُل، فهو حرام على الرِّجال، فلو صَلَّى رَجُلٌ بثوب حرير، فصلاتُه باطلة بناءً على هذا الشَّرط؛ لأنه سَتَرَ عَوْرَته بثوبٍ غيرِ مأذونٍ فيه، ومن عمل عملاً ليس عليه أمْرُ الله ورسوله فهو رَدٌّ. وأما المحرَّم لوصفه: فكالثوب الذي فيه إسبال، فهذا رَجُل عليه ثوب مباح من قُطْنٍ، ولكنَّه أنزله إلى أسفلَ من الكعبين، فنقول: إن هذا محرَّم لوَصْفه؛ فلا تصحُّ الصَّلاة فيه؛ لأنه غير مأذونٍ فيه، وهو عاصٍ بِلُبْسه، فيبطل حُكمه شرعاً، ومن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ. وأما المحرَّم لكسبه: فأن يكون مغصوباً أو مسروقاً، مثل: رَجُلٌ سرقَ ثوبَ إنسانٍ وصَلَّى فيه، فنقول: الصَّلاة هنا غيرُ صحيحة؛ لأنك سترت عورتك بثوبٍ محرَّمٍ عليك، فلا تصحُّ صلاتُك ..... ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه بألفاظه (1/ 133).

أما الشَّرطان الأولان فواضحان وأدلتهما ظاهرة. وأما الثَّالث؛ فمحلُّ خلافٍ بين العلماء (¬1)، فمن أهل العلم من يقول: إن السَّتر يحصُل بالثَوب المحرَّم؛ لأن جهة النَّهي والأمر مختلفة؛ لأن المحرَّم في هذا الثوب ليس هو لُبْسُه في الصَّلاة حتى نقول: إنه يُعارض الأمر بلُبْسِه في الصَّلاة. بل المحرَّم لُبْسُ هذا الثوب مطلقاً، وعلى هذا فيكون مورد النهي غير مورد الأمر، يعني: لو قيل لك: لا تلبس الحرير في الصَّلاة، ثم لَبِستَه، فحينئذ لا تصحُّ صلاتُك؛ لأن مورد الأمر والنهي واحد، والأمر اتِّخاذُ اللباس أو الزِّينة، والنَّهي عن لُبْس الحرير في الصَّلاة، لو كان الأمر كذلك لقلنا: إن الصَّلاة لا تصحُّ لتعارض الأمر والنهي. لكن في مسألتنا النَّهي خارجٌ عن الصَّلاة، لا تلبس الحرير مطلقاً، وهذا الرَّجُل لَبِسَه، فهو آثم بلُبْسِه لا شكَّ؛ لكنه ليس على وجهٍ يختصُّ بالصَّلاة حتى نقول: إنه ينافيها. وعلى هذا؛ فإذا صَلَّى بثوبٍ مُحَرَّمٍ فصلاتُه صحيحة؛ لكنه آثمٌ؛ لأنه متلبِّسٌ بثوب محرَّم. الشَّرط الرابع: يُشترط لوجوب السَّتر ألا يضرُّه، فلو كان الثَّوب فيه مسامير، فهل نُلزِمُه بأن يلبس هذا الثَّوب الذي يأكل جلده أو يُدميه؟ الجواب: لا؛ لأن الله تعالى لَمْ يوجب على عباده ما يَشُقُّ عليهم، ثم هو في أثناء صلاته لا يمكن أن يطمئنَّ أبداً. ولو أنَّ إنساناً في جلده حَسَاسية لا يمكن أن تقبل أيَّ ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 223).

وعورة رجل، وأمة، وأم ولد، ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة

ثوب، ولو لَبِس ثوباً لكان مشغولاً جداً فماذا يصنع؟ فالجواب: أن يُقال: إن الحرير يُخَفِّفُ هذه الحَسَاسية، وأن الإنسان إذا كان في جلده حَساسية ولبس الحرير، فإن الحَساسية تبرد عليه ما دام عليه هذا الثَّوب. وحينئذ نقول: الْبِسْ ثوباً من حرير إذا تمكَّنت، وإذا لم تتمكَّنْ فصلِّ حَسَبَ الحال ..... وَعَوْرَةُ رَجُلٍ، وَأَمَةٍ، وَأُمِّ وَلَدٍ، وَمُعْتَقٍ بَعْضُها مِنَ السُّرَّةِ إِلى الرُّكْبَةِ ........... قوله: «وعورة رَجُلٍ وأَمَةٍ، وأُمِّ وَلَدٍ، ومُعْتَقٍ بعضُها، من السُّرَّة إلى الرُّكبة ... »، بدأ المؤلِّف يفصِّل في العورة. فالعورة في الصَّلاة على المشهور من مذهب الحنابلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلَّظة، ومخفَّفة، ومتوسِّطة. فالمخفَّفة: عورة الذَّكر من سبع إلى عشر سنوات، وهي الفَرْجَان فقط، أي: إذا سَتَرَ قُبُلَهُ ودُبُرَه فقد أجزأه السَّتْرُ، ولو كانت أفخاذهُ بادية. والمغلَّظة: عورة الحُرَّة البالغة؛ فكلُّها عَورة إلا وجهها؛ فإنه ليس عورة في الصَّلاة، وإن كان عورة في النَّظر، ونحن نضطر إلى أن نعبِّرَ بكلمة عورة، ولو كُنَّا في باب ما يجب ستره في الصَّلاة تبعاً للمؤلِّف، ولو صَلَّت في بيتها وليس عندها أحد لَوَجَبَ أن تَسْتُرَ كلَّ شيء إلا وجهها. والمتوسِّطَة: ما سوى ذلك، وحدُّها ما بين السُّرَّة والرُّكبة، فيدخلُ فيها الذَّكر من عشر سنوات فصاعداً، والحُرَّة دون البلوغ، والأَمَةُ ولو بالغة. وقوله: «وعورة رَجُل» إلى أن قال: «من السُّرَّة إلى الرُّكبة».

الرَّجل في الأصل: الذَّكر البالغ، والمُراد هنا: من بلغ عشر سنين فما فوق، وقد ذكر المصنِّفُ ـ أي: في العورة المتوسطة ـ أربعة أصناف: أولاً: الذَّكَر من عشر سنوات فما فوق، فعورته من السُّرَّة إلى الرُّكبة، سواء كان حُرًّا أم عبداً. ثانياً: الأَمَةُ ـ ولو بالغة ـ وهي المملوكة، فعورتها من السُّرَّة إلى الرُّكبة، فلو صلَّت الأَمَةُ مكشوفة البدن ما عدا ما بين السُّرَّة والرُّكبة، فصلاتها صحيحة، لأنَّها سترت ما يجب عليها سَتْرُه في الصَّلاة ..... وأما في باب النَّظر: فقد ذكر الفقهاءُ رحمهم الله تعالى أن عورة الأَمَة أيضاً ما بين السُّرَّة والرُّكبة (¬1)، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله في باب النَّظر عارض هذه المسألة (¬2)، كما عارضها ابن حزم في باب النَّظر، وفي باب الصَّلاة (¬3)، وقال: إن الأمة كالحُرَّة؛ لأن الطَّبيعة واحدة والخِلْقَة واحدة، والرِّقُّ وصف عارض خارج عن حقيقتها وماهيَّتها، ولا دليلَ على التَّفريق بينها وبين الحُرَّة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنَّ الإماء في عهد الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، وإن كُنَّ لا يحتجبن كالحرائر؛ لأن الفتنة بهنَّ أقلُّ، فَهُنَّ يُشبهنَ القواعدَ من النِّساء اللاتي لا يرجون ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (20/ 54). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 109 ـ 120)، «الاختيارات» ص (40، 41). (¬3) انظر: «المحلَّى» (3/ 218، 219).

نكاحاً، قال تعالى فيهن: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور: 60]، يقول: وأما الإماء التركيَّات الحِسَان الوجوه، فهذا لا يمكن أبداً أن يَكُنَّ كالإماء في عهد الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، ويجب عليها أن تستر كلَّ بدنها عن النَّظر، في باب النَّظر. وعلَّل ذلك بتعليل جيِّدٍ مقبولٍ، فقال: إن المقصود من الحجاب هو ستر ما يُخاف منه الفِتنة بخلاف الصَّلاة، ولهذا يجب على الإنسان أن يستتر في الصَّلاة، ولو كان خالياً في مكان لا يطَّلع عليه إلا الله. لكن في باب النَّظر إنما يجب التَّستر حيث ينظر الناس. قال: فالعِلَّة في هذا غير العِلَّة في ذاك، فالعِلَّة في النَّظر: خوف الفتنة، ولا فرق في هذا بين النِّساء الحرائر والنِّساء الإماء. وقوله صحيح بلا شكٍّ، وهو الذي يجب المصير إليه. وقوله: «وأُمِّ ولد» هذا هو الثالث، وأُمُّ الولد: هي الأَمَة التي أتت من سيِّدها بولد، وهي رقيقة حتى يموت سيِّدُها، فإذا مات سَيِّدُها عُتقت بموته وحُكمها حكم الأَمَة؛ أي: أن عورتها من السُّرَّة إلى الرُّكبة ..... وقوله: «ومُعْتَقٍ بعضُها» هذا هو الرابع، أي: بعضها حُرٌّ وبعضها رقيقٌ. مثال ذلك: أَمَة بين رَجُلين مملوكةٌ لهما، فإذا أعَتقَ أحدُهما نصيبه عُتِقَ الباقي، وأُخذ من السَّيد المُعْتِق قيمته لمالك النصف، فإذا كان الذي أعتق نصيبه فقيراً فإن المشهور من المذهب أنه لا يُعتق الباقي، وعَلَّلوا ذلك بأنه لو سرى العتقُ إلى الباقي تضرَّر

الشريك بأن خرج من ملكه بدون عِوض (¬1). وأيضاً: المُعسر؛ لا نُوجب عليه العِتق وهو مُعسر، ولو كان على المُعسر كفَّارة لم نوجبها عليه فكيف نوجب عليه سريان العِتق؟ فهذا الفقير لا يمكن أن يسريَ عليه العِتق؛ لأنه فقير، ولا يُكلِّف الله نفساً إلا وسعها، فتكون الأَمَة مُبَعّضَة. ولو قال قائل: لماذا لا يسري العتقُ ويبقى هذا دَيْناً في ذِمَّتهِ؟. قلنا: في هذا ضرر عليه؛ لأن ذِمَّته تكون مشغولة، وضرر على صاحب النصف؛ لأن عوض نصيبه يبقى مؤخَّراً إلى أجل غير مُسمَّى. ولكن هناك قولاً آخر في المسألة وهو: أن يُستسعى العبد (¬2)، فيقال له: اعمل لتحرِّر نفسك، فإذا كان العبدُ لا يستطيع أن يعمل؛ فحينئذ يُتصوَّر أن يكون معتقاً بعضها، فهذه تُعطى حكم الرقيق. فإن قال قائل: لماذا لا تعطونها حكم الحُرَّة تغليباً لجانب الحَظر، واحتياطاً للواجب؟ فالجواب: أن الشرط لم يتحقَّق، فالمسألة هنا ليست لوجود مانع، بل هي لفوات شرط، والشرط هو الحُرِّية الكاملة، وليس هنا حرية كاملة فالشَّرط لم يتمَّ، ولا بُدَّ من استتمام الشُّروط، ¬

_ (¬1) انظر: «الإقناع» (3/ 256، 257). (¬2) انظر: «الإنصاف» (19، 51).

وكل الحرة عورة إلا وجهها

ولهذا قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتُكم عنه فاجتنبوه» (¬1). وعلى هذا؛ فالمرأة المُعْتق بعضُها كالأَمَة الخالصة ..... وقوله: «من السُّرَّة إلى الرُّكبة»، المعروف أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها إذا ذُكِرَ ابتداؤها، مثل أن تقول: لك من الأرض من ههنا إلى ههنا. وعلى هذا تكون السُّرَّة في ظاهر كلام المؤلِّف داخلة في العَوْرَة؛ لأنها ابتداء الغاية فيجبُ سَتْرها، والرُّكبة غير داخلة. وفي المسألة أقوال (¬2): أحدها: أن الرُّكبة داخلة في العَوْرة فيجب سَتْرها. القول الثاني: أن السُّرَّة والرُّكبة كلتيهما من العَوْرَة فيجب سترهما. القول الثالث: ـ وهو المشهور من المذهب ـ أن السُّرَّة والرُّكبة لا تدخلان، فلا يجب سترهما، وعلى هذا؛ فالعبارة التي تخرجهما أن يقال: «ما بين السُّرَّة والرُّكبة». وكُلُّ الحُرَّةِ عَوْرةٌ إِلا وَجْهَهَا، ............ قوله: «وكُلُّ الحُرَّةِ عَوْرَة إلا وَجْهَهَا»، فيجب ستر جميع بدنها إلا وجهها، وليس هناك دليلٌ واضحٌ على هذه المسألة، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الحُرَّة عورة إلا ما يبدو منها في بيتها وهو الوجه والكَفَّان والقدمان. وقال: إن النِّساء في عهد الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام كُنَّ في البيوت يلبسن ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 381). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 205).

القُمُص، وليس لكل امرأة ثوبان (¬1)، ولهذا إذا أصابَ دَمُ الحيضِ الثوبَ غسلته وصَلَّت فيه (¬2)، فتكون القدمان والكَفَّان غير عورة في الصَّلاة؛ لا في النَّظر ..... وبناءً على أنه ليس هناك دليلٌ تطمئنُّ إليه النفس في هذه المسألة، فأنا أقلِّد شيخ الإسلام في هذه المسألة، وأقول: إن هذا هو الظَّاهر إنْ لم نجزم به؛ لأن المرأة حتى ولو كان لها ثوب يضرب على الأرض، فإنها إذا سجدت سوف يظهر باطنُ قدميها، وعلى كلام المؤلِّف لا بُدَّ أن يكون الثَّوب ساتراً لباطن القدمين وظاهرهما، وكذلك الكَفَّان، ولا يبقى إلا الوجه، والوجه حَدّه كحَدِّ الوجه في الوُضُوء تماماً، أي: من مُنحنى الجبهة من فوق إلى أسفل اللحية من أسفل، ومن الأُذن إلى الأُذن عرضاً، وعلى هذا فيجب عليها أن تتحفَّظ بالنسبة لشعر الرَّأس ألاَّ يخرج؛ بناءً على أنه ما دام متَّصلاً فله حكم المتَّصل. وقد قال ابن رجب في القاعدة الثانية: إن في المذهب خلافاً في هذا، فمنهم من يقول: إن الشَّعر في حكم المُتَّصل، ومنهم من يقول: إنه في حكم المنفصل (¬3). وأما في باب النَّظر، فالمقصود منه سَدُّ ذرائع الفتنة، فيجب عليها ستر الوجه عن غير المحارم، وممن يرى وجوب ستر الوجه شيخ الإسلام، وكذلك يرى وجوب ستر الكفَّين والقدمين للمرأة، بناءً على أن العِلَّة الافتتان، بخلاف الصَّلاة (298)، فالمقصود أخذ الزِّينة. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 109 ـ 120). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 29). (¬3) انظر: «القواعد» لابن رجب ص (4).

فصار المذهب على أنَّ العورة ثلاثة أقسام: الحُرَّة البالغة كلُّها عورة إلا وجهها (¬1). والذَّكر من سبع سنين إلى عشر عورته الفَرجان فقط (¬2). وما سوى ذلك ما بين السُّرَّة والرُّكبة وقد سَبَقَ بيان ذلك. وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أنَّ عورة الرَّجل الفَرجان فقط (302). وظاهر النَّقل: أنَّه لا فرق بين الصَّلاة والنَّظر، وأن هذه الرِّواية حتى في الصَّلاة، وأنه يمكن للرَّجل أن يُصلِّي وهو لم يستر إلا السَّوأتين فقط، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله أَبَى ذلك وقال: أما في الصَّلاة فلا ينبغي أن يكون خلاف في أن الواجب ستر الفخذين (¬3). وأمَّا في النَّظر؛ فالنَّظر شيء آخر ..... وهذا الذي ذكره هو القول الرَّاجح المتعيِّن، ولهذا كان الصَّحابة رضي الله عنهم إذا كانت عليهم أُزُرٌ قصيرة يعقدونها على مناكبهم حتى لا تنزل (¬4)، وهذا يدلُّ على أنهم يَرَون أنَّ الصَّلاة لا بُدَّ فيها من ستر ما بين السُّرَّة والرُّكبة، حتى وإن قلنا إنَّ الفخذ ليس بعورة. وما قاله رحمه الله صحيح، ولهذا قال الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام: «إنْ كان ضيِّقاً فاتَّزرْ به» (¬5)، وقال: «لا يُصلينَّ ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 109، 120). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 200، 201). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 116). (¬4) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب عقد الثياب وشدها (814)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب أمر النساء المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رؤوسهن من السجود حتى يرفع الرجال (441) من حديث سهل بن سعد. (¬5) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (151).

أحدكم في الثَّوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» (¬1)، فالصَّلاة ليست مبنيَّة لا طرداً ولا عكساً على مسألة النَّظر، ولذلك تجد أن الرَّجل لو خلا بامرأته جاز أن ينظر إلى جميع بدنها، وأن تنظر إلى جميع بدنه، لكن لو صَلَّت بحضرته فقط يجب عليها السَّتر، وكذلك لو صَلَّى هو أيضاً بحضرتها يجب عليه السَّتر. وبناءً على ذلك فنقول: الفَخِذَان في الصَّلاة لا بُدَّ من سترهما؛ لأنَّ هذا أدنى ما يُقال إنه زينة، والله يقول: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] ..... وأما في النَّظر؛ فالمقصود منه سَدُّ ذرائع الفتنة، فالنَّظر إلى ما كان محاذياً للسَّوأتين فله حكمهما، يعني أعلى الفخذ له حكم السوأتين، وما دون ذلك من الفخذ، فإن الذي يظهر من النُّصوص أنه ليس بعورة من حيث النَّظر؛ لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قد حَسَرَ عن فخذه (¬2)، وهو ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أشدُّ النَّاس حياءً، لكن بالنسبة للشباب أرى أنه لا بُدَّ أن يستر الشاب فخذه كلَّه وما دون السُّرَّة، خوفاً من الفتنة، ولا تقلْ إنه لا فتنة؛ لأنه لا يفتتن ذَكَر بذَكَرٍ مثله، فهذا القول ليس بصواب، وهو خلاف الواقع، فإن من النَّاس من يفتتن بالشاب، ولو كان ذَكَراً، ومن النَّاس من لا يهتمُّ به، وكأنما ينظر إلى أحد أولاده، فلا يمكن أن يتمتَّع بالنَّظر إليه، ومن النَّاس من حكى الله عنهم أنهم يأتون الرِّجَالَ شهوةً فيذهبون ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (150). (¬2) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب ما يذكر في الفخذ، رقم (371)، ومسلم، كتاب النكاح: باب فضيلة إعتاق أَمَة ثم يتزوجها، رقم (1365) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

وتستحب صلاته في ثوبين

إلى مَحلِّ القَذَر والأَذَى ـ والعياذ بالله ـ ويَدَعُون ما خلق الله لهم من أزواجهم، ولو كانت من أجمل النساء. وقال شيخ الإسلام: يحرم النَّظر إليه ـ أي: إلى الشَّاب الذي يُخاف من النّظر إليه الفتنة ـ إذا تمتَّع الإنسان بالنَّظر إليه أو تلذَّذ؛ لأن هذا شرٌّ (¬1)، وكم نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلابل، كما قاله الإمام أحمد (¬2). وَتُسْتَحبُّ صَلاَتُه فِي ثَوْبَيْنِ .......... قوله: «وتُستَحبُّ صلاتُه في ثَوْبَيْن»، أي: ينبغي للإنسان أن يُصلِّي في ثوبين؛ لأنهما أستر، ومن الثوبين: الإزار والرِّداء ..... والثَّوب الواحد إما أن يكون رداءً سابغاً يلتحف به، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنه صَلَّى ملتحفاً به (¬3). وإما أن يكون إزاراً، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «إنْ كان ضيِّقاً فاتَّزرْ به» (¬4). فالثَّوب الواحد مجزئ، وسواء كان ثوباً سابغاً يلتحف به جميع بدنه أم كان إزاراً، وقد صَلَّى جابرُ بن عبد الله رضي الله عنهما في إزار، ورداؤه على المشجب، فذكَّره رَجُلٌ بذلك، فقال: «فعلت هذا ليراه أحمق مثلك» (¬5) أي: جاهل، لا سيئ التصرف؛ لأن ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 249 ـ 253)، «الاختيارات» ص (201). (¬2) انظر: «الإنصاف» (20/ 54). (¬3) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به، رقم (354)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد، رقم (517) عن عمر بن أبي سلمة. (¬4) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (151). (¬5) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب القفا في الصَّلاة، رقم (352)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق: باب حديث جابر الطويل، رقم (3008). من حديث جابر.

الأحمق هو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، والمخطئ الذي يرتكبه عن جهل وعدم عمد، ومراد جابر رضي الله عنه بالأحمق: الجاهل؛ لأنه ورَدَ في لفظٍ آخر: «ليراه الجُهَّالُ» (¬1). والمشجب: ثلاثة أعواد تُقرن رؤوسُهن، ويُفَرَّج ما بين قوائمها وتثبَّت على الأرض، يستعملها الناس لتعليق الأسقية عليها أو غير ذلك (¬2). لكن الأفضل أن يُصلِّي في ثوبين؛ لأنه أبلغُ في السَّتر وأحوط، وصَحَّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «إذا وَسَّع الله عليكم فَأوسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عليه ثيابَهُ، صَلَّى رَجُل في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميص ... » (¬3) وذكر أشياء، فدلَّ هذا على أنه إذا كان الإنسان في سَعَة فالثَّوبان أفضل، ويؤيِّد ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ: أيُصلِّي أحدُنا في الثَّوب الواحد؟ فقال: «أوَلِكُلِّكُم ثَوبان» (¬4)؟ وهذا يدلُّ على أن الثَّوب الواحد مجزئ، لكن إذا أوسع الله علينا فلنوسِّع، لأن قوله: «أوَلِكُلِّكُم ثوبان» يدلُّ على أنه ليس لكلِّ أحد من النَّاس ثوبان، .... ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة بغير رداء، رقم (370). (¬2) «القاموس المحيط» ص (127)، وانظر: «الفتح» شرح حديث رقم (352). (¬3) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في القميص والسراويل، رقم (365). (¬4) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في الثوب الواحد، رقم (358)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد، رقم (515) عن أبي هريرة.

ويكفي ستر عورته في النفل

بل كثير من النَّاس في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم على ثوب واحد. وظاهر كلام المؤلِّف: أن سَتْرَ الرَّأس ليس بسُنَّة؛ لأنَّه قال: «صلاته في ثوبين» إزار ورداء، قميص ورداء، وما أشبه ذلك، فظاهره أنه لا يُشرع ستر الرأس، وقد سبق في أثر ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: «أتخرجُ إلى النَّاس حاسرَ الرَّأس؟ قال: لا، قال: فالله عزّ وجل أحقُّ أن يُستحى منه» (¬1). وهو يدلُّ على أن الأفضل ستر الرأس، ولكن إذا طبَّقنا هذه المسألة على قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] تبيَّن لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزِّينة، أما إذا كُنَّا في قوم لا يُعتبر ذلك من أخذ الزينة، فإنَّا لا نقول: إنَّ ستره أفضل، ولا إنَّ كشفه أفضل، وقد ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «أنه كان يُصلِّي في العِمامة» (¬2)، والعِمَامة ساترة للرَّأس. وَيَكْفِي سَتْرُ عَوْرَتِه في النَّفْلِ .......... قوله: «ويكفي سَتْرُ عَوْرَته في النَّفل»، أي: عورة الرَّجُل، وهي ما بين السُّرة والرُّكبة، إلا من سبع إلى عشر فهي الفَرْجان، ¬

_ (¬1) تقدم الكلام عليه ص (150). (¬2) روى البخاري، كتاب الوضوء: باب المسح على الخفين، رقم (205)، عن جعفر بن عمرو عن أبيه قال: «رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يمسح على عِمامته»، وما مسح عليها في الوضوء إلا ليصلي بها. ـ وروى مسلم، كتاب الحج: باب دخول مكة بغير إحرام، رقم (1359)، عن عمرو بن حريث أنه رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يخطب على المبنر وعليه عِمامة سوداء ... ». ـ وروى البخاري، كتاب الصلاة: باب السجود على الثوب في شدة الحرِّ، معلقاً بصيغة الجزم، ووصله عبد الرزاق (1/ 400)، وابن أبي شيبة عن الحسن: «أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانوا يسجدون على عمائمهم ... ».

ومع أحد عاتقيه في الفرض

القُبُل والدُّبُر، فيكفي ستر العورة، أما الزيادة فهو سُنَّة. وقوله: «في النَّفْلِ»، النَّفْل: كلُّ ما عدا الفرض، كالرَّواتب التَّابعة للمكتوبات؛ ورَكعتي الضُّحى وغيرهما. والمُهم: أن صلاة النَّافلة يكفي فيها سَتْرُ العورة. وَمَعَ أَحَدِ عَاتِقيْه في الفَرْضِ ............ أما الفريضة فقد قال المؤلِّف: «ومع أحد عاتقيه في الفرض»، يعني: أنه يجب ستر أحد العاتقين مع العورة في الفرض، وهو ما يأثم بتركه كالصَّلوات الخمس والجُمُعة. وظاهر كلامه: أنه يشمل الفرض بأصل الشَّرع والواجب بالنَّذر، ويشمل فرضَ العين، وفرضَ الكفاية؛ كصلاة الجنازة، وصلاة العيدين على أحد الأقوال (¬1) ..... والعاتق: هو موضع الرِّداء من الرَّقبة، فالرِّداء يكون ما بين الكَتِف والعُنق، ففي الفريضة لا بُدَّ أن تُضيفَ إلى سترِ العورة ستر أحد العاتقين الأيمن أو الأيسر. والدَّليلُ قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يُصلِّينَّ أحدُكُم في الثَّوب الواحد ليس على عاتِقِه منه شيء» (¬2)، وفي لفظ: «ليس على عاتِقَيْهِ منه شيء» (¬3) بالتثنية، والتثنية لا تُعارض المفرد؛ لأن المفرد مُضاف، والمُضاف يعمُّ. وهذا الدَّليل أعمُّ من المدلول، فالدَّليل: «لا يُصلِّينَّ أحدُكُم» وهذا يشمل الفرضَ والنَّفلَ، فكوننا نستدلُّ بالأعمِّ على الأخصِّ يُعتبر نقصاً في العمل بالنصِّ؛ لأنه إذا دلَّ النصُّ على حُكم عام؛ ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (5/ 416، 317) ..... (¬2) تقدم تخريجه ص (150). (¬3) هذا لفظ الصحيحين، وقد تقدم تخريجه ص (150).

وصلاتها في درع، وخمار، وملحفة، ويجزئ ستر عورتها

ثم قَصَرْتَه على بعض أفراده؛ كان ذلك نقصاً في العمل به؛ إذاً إن العام يجبُ العملَ بعمومه إلا بدليل، ولا دليل هنا، فمقتضى الاستدلال بالحديث العموم في الفرض والنَّفْل: «لا يصلِّي أحدُكُم في الثَّوب الواحد ليس على عاتِقَيْهِ منه شيء» (¬1)، والتفريق بين الفرضِ والنَّفلِ مخالفٌ لظاهرِ الحديث. ثم إن المؤلَّف يقول: «مع أحد عاتقيه»، والحديث يدلُّ على سَتْرِ العَاتقين جميعاً، وما قاله المؤلِّفُ هو المشهور من المذهب. والقول الثاني: أنَّ سَتْرَ العاتقين سُنَّة؛ وليس بواجب؛ لا فرق بين الفرضِ والنَّفلِ (¬2)؛ لحديث: «إنْ كان ضيِّقاً فاتَّزِرْ به» (¬3)، وهذا القول هو الرَّاجح، وهو مذهب الجمهور (¬4)، وكونه لا بُدَّ أن يكون على العاتقين شيء من الثَّوب ليس من أجل أن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس وشدِّ الإزار؛ لأنه إذا لم تشدَّه على عاتقيك ربما ينسلخُ ويسقطُ، فيكون ستر العاتقين هنا مراداً لغيره لا مراداً لذاته ............. وَصَلاتُها في دِرْع، وَخِمَارٍ، ومِلْحَفَةٍ، وَيُجْزِئُ سَتْرُ عَوْرَتِها. قوله: «وصلاتها في دِرْعٍ وخِمَارٍ ومِلْحَفَة»، الضمير يعود على المرأة يعني: تُسَنُّ صلاةُ المرأة في دِرْع وخِمار ومِلحفة. والدِرْعُ هو: القميص السابغ الذي يصل إلى القدمين. والخِمَار: ما يُلَفُّ على الرَّأس. والمِلحَفَة: ما يُلَفُّ على الجسم كلِّه كالعَباءة والجلباب وما أشبههما. فيُسَنُّ للمرأة أن تُصلِّي في ¬

_ (¬1) هذا لفظ الصحيحين، وقد تقدم تخريجه ص (150). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 213 ـ 218). (¬3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (151). (¬4) انظر: «المغني» (2/ 289 ـ 292)، «المجموع شرح المهذَّب» (3/ 175).

هذه الأثواب الثلاثة: دِرْع، وخِمار، ومِلحفة. ولم يذكر السَّراويل، بل اقتصر على هذا؛ لأن هذا هو ما رُويَ عن عُمر وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم (¬1) أن المرأة تُصلِّي في الدِّرع والخِمَار، فلو اقتصرت على الدِّرع والخِمَار أجزأ، لكن لا بُدَّ من ستر اليدين بالقُفَّازين، وستر القدمين إمَّا بالجوارب، وإمَّا بأن يُجعل الدِّرعُ سابغاً بناءً على القول بأنه لا بُدَّ من ستر الكفَّين والقدمين. أمَّا على القول الرَّاجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (¬2) وصاحب «الإنصاف» (¬3) فإنه لا يجب ستر الكفَّين والقدمين، وبناءً على ذلك: يكفي إذا كان الدِّرْعُ إلى القدمين وأكمامُه إلى الرُّسغ. ¬

_ (¬1) وب تصلّي، رقم (6167)، والبيهقي (2/ 235) عن عمر بن الخطاب قال: «تصلّي المرأة في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار». قال ابن كثير: «إسناده صحيح، على شرطهما». «مسند الفاروق» (1/ 151). ـ وروى عبد الرزاق الصنعاني (3/ 128)، وأبو بكر بن أبي شيبة، الموضع السابق، رقم (6168) عن علي بن أبي طالب قال: «تصلي المرأة في درع سابغٍ وخِمَار»، فأقرَّته عائشة وقالت: «صدق». ـ وروى عبد الرزاق «الموضع السابق»، وأبو بكر بن أبي شيبة «الموضع السابق»، رقم (6171)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب في كم تصلي المرأة، رقم (639)، والبيهقي في المعرفة والآثار» (3/ 145) عن أم سلمة قالت: «تصلِّي في الخِمار، والدرع السَّابغ الذي يُغيِّبُ ظُهورَ قدميها». وروي نحو ذلك عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأم حبيبة، وميمونة بنت الحارث. انظر: «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني، و «المصنف» لأبي بكر بن أبي شيبة ـ المواضع السابقة. (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 114، 115). (¬3) انظر: «الإنصاف» (3/ 206، 209).

ومن انكشف بعض عورته وفحش

قوله: «ويجزئ سَتْر عورتها»، أي: يجزئ المرأة ستر عورتها، ولو بثوبٍ واحدٍ، فلو تَلَفْلَفَت المرأةُ بثوب يستر رأسها وكفَّيها وقدميها وبقية بدنها، ولا يخرج منه إلا الوجه أجزأ، ولو لفّت نفسها بثوب يخرج منه الكفَّان والقدمان مع الوجه أجزأ على القول الرَّاجحِ. وهنا لم يفرِّق المؤلِّفُ في سَتْر المرأة بين الفَرض والنَّفل؛ لعدم الدَّليل، وفَرَّقَ في ستر عورة الرَّجل بناءً على استدلاله بالحديث (¬1)، وسبق بيان ذلك (¬2)، وأنَّ ظاهر الحديث لا فرق بين الفرض والنَّفل ......... وَمَن انْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرتِه وفَحُشَ، ............. قوله: «ومن انْكَشَفَ بعضُ عَوْرَتِهِ وفَحُشَ»، «مَنْ» شرطيَّة «انكَشَفَ» فعل الشَّرط «أعَادَ» جوابه. «انكشف» أي: زال عنه السَّترُ و «بعض العورة» يشمل السَّوأة وغيرها مما قلنا إنه عورة. وقوله: «فَحُشَ»، أي: غَلُظَ وعَظُمَ، ولم يُقيِّده المؤلِّفُ رحمه الله بشيء، يعني لم يقلْ: قَدْرَ الدِّرهم، أو قَدْرَ الظُّفْر، أو قَدْرَ جُبِّ الإبرة وما أشبه ذلك، فيُرجعُ إلى العُرف؛ لأن الشيءَ إذا لم يُقيَّد بالشَّرع أُحِيْلَ على العُرف، وعليه قول النَّاظم: وكلُّ ما أَتَى ولم يُحدَّدْ بالشَّرع كالحِرْزِ فبالعرف احدُدْ (¬3) وعلى هذا فنقول: «فَحُشَ» أي عُرْفاً، فإذا قال النَّاس: هذا ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (150). (¬2) انظر: ص (167، 168). (¬3) انظر: «منظومة في أصول الفقه وقواعد فقهية»، للمؤلف رحمه الله ص (16).

كبير، كان فاحشاً. وإذا قالوا: هذا يسير، يكون غير فاحش ولا يؤثِّر. ثم إن الفُحْشَ يختلف باختلاف المنكشف، فلو انكشف شيء من أسفل الفخذ مما يلي الرُّكبة على قَدْر الظُّفر، وانكشف على السَّوأتين نفسِهِما على قَدْر الظُّفر لعُدَّ الثاني فاحشاً، والأول غير فاحش. فإذاً؛ اختُلف باعتبار المكان الذي انكشف، وبناءً على ذلك يوجد بعض الناس يكون عليهم «بنطلون»، ثم إذا سجد انكشف بعضُ الظَّهر من أسفل الظَّهر بعيداً عن الدُّبُر، فإذا كان انكشافاً يسيراً في العُرف، كأن يكون كخطِّ الإصبع مثلاً، فهذا يسير لا يضرُّ، أما إذا كان السِّروال قصيراً ثم لمَّا سجد انكشف منه كثيرٌ فهذا فاحش. وظاهر قوله: «ومن انكشف»، أن هذا انكشاف دُونَ عمد، وأنَّه لو تعمَّد لم تصحَّ الصَّلاةُ، سواء كان الانكشافُ يسيراً، أم فاحشاً؛ لأن هناك فرقاً بين الانكشافِ وبين الكشف. وعلى هذا فلو تعمَّد أن يَكشِفَ شيئاً من عورته ولو يسيراً، ولو في زمن يسير، فإن صلاته تبطل، فلو رفع سروالَه ليَحُكَّ ركبته، ورفع حتى ظهر الفَخِذُ ـ وقلنا إن الفخذ عورة ـ بطلت صلاته؛ لأنه تعمَّد الكشف ..... فإن فَحُشَ ولكنه في زمن يسير، بحيث انكشف ثم ستره؛ فظاهر كلام المؤلِّف أن صلاته لا تصحُّ، وهذا ليس بصحيح، بل نقول: إذا انكشف كثير وستره في زمن يسير، فإن صلاته

لا تبطل، ويُتَصَوَّرُ ذلك فيما لو هبَّت ريحٌ، وهو راكع وانكشف الثَّوب، ولكن في الحال أعاده، فظاهر كلام المؤلِّف أن الصَّلاة تبطل، والصَّحيح: أنها لا تبطل؛ لأنه ستره عن قُرْب، ولم يتعمَّد الكشف، وقد قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وخلاصة هذه المسألة: أولاً: إذا كان الانكشاف عَمْداً بطلت الصَّلاة، قليلاً كان أو كثيراً، طال الزَّمنُ أو قَصُرَ. ثانياً: إذا كان غير عَمْدٍ وكان يسيراً، فالصَّلاة لا تبطل. ثالثاً: إذا كان غير عَمْد، وكان فاحشاً لكن الزمن قليل، فظاهر كلام المؤلِّف أنها تبطل، والصَّحيح أنها لا تبطل. رابعاً: إذا انكشف عن غير عَمْد انكشافاً فاحشاً، وطالَ الزَّمن بأن لم يعلم إلا في آخر صَلاتِهِ، أو بعد سلامه، فهذا لا تصحُّ صلاته؛ لأنَّه فاحش والزَّمن طويل. مثاله: إنسانٌ صَلَّى في سروال أو إزار، وبعد صلاته وَجَدَ أن هناك فتحة كبيرة تُحاذي السَّوأة، ولكن لم يعلم بها إلا بعد أن سَلَّم، فنقول: صلاتُه غير صحيحة ويُعِيد؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصَّلاة، والغالب عليه في مثل الحال أنه مفرِّط. أما إذا انشق الثَّوب في أثناء الصَّلاة، وهذا يقع كثيراً، ولا سيَّما في الثِّياب الضيِّقة، ثم بسرعة أمسكه بيده فالصَّلاة صحيحة؛ لأنه وإن كان فاحشاً فالزَّمن قصير، ولم يتعمَّد.

أو صلى في ثوب محرم عليه

أَوْ صَلَّى في ثَوْب مُحَرَّمٍ عَلَيْه ........ قوله: «أو صَلَّى في ثوب محرَّم عليه»، أي: لم تصحَّ صلاتُهُ؛ لأنه سبقَ أن من شرط السَّاتر أن يكون مباحاً (¬1)، فإذا صَلَّى في ثوب محرَّم عليه، إما لكَسْبِه، وإما لعَيْنِه، وإما لوصفه، وإمَّا لكون ثمنه المعيَّن حراماً، فصلاته غيرُ صَحيحة ..... مثال المحرَّم لكسبه: أن يكون مغصوباً، أو مسروقاً، أو ما أشبه ذلك. ومثال المحرَّم لعينه: أن يكون حريراً على رَجُل، أو فيه صُور على رَجُل أو امرأة، لأن الثَّوب الذي فيه صُور حرام لُبْسه على الرِّجال والنِّساء. ومثال المحرَّمِ لِوَصْفِهِ: صلاة الرَّجل في ثوب امرأة أو بالعكس. ومثال المحرَّم لكون ثمنه المعيَّن حراماً: لو اشترى بدراهم سرقها ثوباً، ففيه تفصيل: إن وقع العقد على عين الدَّراهم لم تصحَّ الصَّلاة فيه، وإن وقع العقد على غير عين الدَّراهم، أي: في ذمَّة المشتري، فالصَّلاة فيه صحيحة. وهذا من دقَّة الفقهاء رحمهم الله، فإذا جئت لصاحب الثَّوب وقلت: بِعْ عليَّ هذا الثَّوب بهذه الدراهم ـ يَعني المسروقة ـ فَبَاعه، فإنه لا تصحُّ الصَّلاةُ فيه؛ لأن العقد فاسد؛ لوقوعه على عين النقود المحرَّمة المسروقة، لكن لو قلت: بِعْ عليَّ هذا الثوب بعشرة، وبَاعَهُ عليك، وأوفيت الثمن من دراهم مسروقة، فالعقد صحيح مع أن ¬

_ (¬1) انظر: ص (154).

ثمنه محرَّم؛ لكنها لم تُعيَّن الدراهم في العقد، لأن الثَّمنَ ثبت في الذِّمة، وأوفاه المشتري من الدّراهم المسروقة. والدليل على عدم صحَّة الصَّلاة: أن السَّتر عبادة، والعبادة إذا وقعت على وجه منهيٍّ عنه، فقد وقعت على غير أمر الله وأمر رسوله فتكون مردودة؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (¬1) ..... ولأن السَّتر شرطٌ من شروط الصَّلاة، ولُبْسُ هذا الثوب محرَّم، ولا يمكن أن يَرِدَ وجوبٌ وتحريم على عَيْنٍ واحدة، فهذا الثَّوب المحرَّم يلبسه للصَّلاة على سبيل الوجوب، ويحرم لُبْسُه؛ لأنه محرَّم، فيتصادم عندنا الوجوب والتحريم، وإذا تصادما فإن وجود المحرَّم كعدمه شرعاً، فلا يكون قائماً بالواجب عليه، وحينئذ يكون هذا السَّتر كالعدم؛ لأنه جعل المنهيَّ عنه بدلاً عن المأمور به، فاصطدم الأمر والنهي، فبطل الأمر وصار كأنه لم يأتِ بما أُمِرَ به، وهذا تعليلٌ قويٌّ، ويؤيِّده الحديث الذي يُروى عن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم في الرَّجُلِ المُسبل إزاره أنه أمره بإعادة الصَّلاة (¬2)، وهذا يدلُّ على أنه من شرط الثَّوب الذي تُستر به العورة أن يكون مُباحاً. وذهب كثيرٌ من أهل العلم: إلى أن الصَّلاة لا تبطل إذا ستر عورته بثوب محرَّم (¬3)؛ لأن السَّترَ حصل به، والجهة منفكَّة؛ لأن تحريم لُبْس الثَّوب ليس من أجل الصَّلاة؛ ولكنه تحريمٌ مطلق، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 186). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 230). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 303)، «المجموع شرح المهذب» (3/ 180).

فلو قال الشَّارع مثلاً: لا تصلِّ في هذا الثَّوب، فَصلَّى فيه، قلنا: إن الصَّلاة باطلة إن صلَّيتَ في هذا الثَّوب؛ لأن الصَّلاة فيه تُناقض نهي الشَّارع عن الصَّلاة فيه، أمَّا والشَّارع لم يَنْهَ عن الصَّلاة في هذا الثوب، وإنما نهى عن لُبْسِ الثَّوب المحرَّم مطلقاً في صلاة أو غيرها، فهذا لا يقتضي بُطلان الصَّلاة؛ لأن الجهة مُنفكَّة، فالأمر بلبْسِ الثَّوب في الصَّلاة من أجل الصَّلاة {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، والنهيُ عن لُبْسِ الثَّوب المحرَّم، لا من أجل الصَّلاة، ولكن من أجل استعمال شيء لا يجوز لك استعماله ..... وهذا القول ـ أعني صحَّة الصّلاة بستر العورة بثوبٍ محرَّم ـ هو الرَّاجح، إلا إذا ثبت الحديث في المُسبل ثوبه بإعادة الصَّلاة، فإن ثبت الحديث تعيَّن القول بموجبه، لكن كثيراً من أهل العلم ضَعَّفه (¬1)، وقالوا: لا تقوم به حُجَّة، ولا يمكن أن نلزم إنساناً بإعادة صلاته بناءً على حديث ضعيف. ولو صَلَّى في ثوبٍ محرَّم وعليه غيره؟ فظاهر كلام المؤلِّف أن الصَّلاة لا تصحّ؛ لأنه قال: «أو صَلَّى في ثوبٍ محرَّمٍ عليه»، ولم يقل: «ستر بثوب محرَّم عليه»، وعلى هذا؛ فلو صَلَّى في ثوب حرير وتحته ثوب قطن أو صوف، فصلاته غير صحيحة على مُقتضى كلام المؤلِّف، وقيل: إن كان الثَّوب المحرَّم شعاراً والمباح دثاراً فإنها لا تصحُّ، وإن كان العكس صحّت (¬2). والشِّعار: الذي يلي الجسد، والدِّثار: الفَوقاني، لأنه إذا ¬

_ (¬1) انظر: (1/ 230). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 224).

كان شعاراً صار السَّتر به، وإن كان دِثاراً فالسَّتر بالذي تحته، فيُفرَّق بين هذا وهذا، وظاهر كلام المؤلِّف أنه لا فرق. والرَّاجح: ما سبق من أن الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم صحيحة. مسألة: إذا سألَنَا سائل قد صَلَّى في ثوب محرَّمٍ، فلا يتوجَّه أمره بالإعادة. وأما إذا سألنا قبل أن يُصلِّي فنقول: يجب عليك أن تخلعه، لا من أجل الصَّلاة فحسب، ولكن لأنه ثوب محرَّم لا يجوز استعمالُه، فهناك فرق بين أن يُمَكَّن الإنسان من أن يستعمل المحرَّم فلا نمكِّنه، وبين أن يَسأل عن أمرٍ قد مضى وانقضى، فلا يُؤمر بالإعادة، لكن على المذهب تجب الإعادة. ويُشترط لبطلان الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم أن يكون عالماً ذاكراً، فإن كان جاهلاً أو ناسياً فلا إعادة عليه. مسألة: إذا لم يجد إلا ثوباً محرَّماً فهل يصلِّي فيه؟ ..... الجواب: ننظر، فإن كان محرَّماً لحق العباد كالمغصوب، فإنه لا يصلِّي فيه، فإذا لم يكن عليه إلا ثوب مغصوب نقول: اخلعِ الثَّوبَ وصَلِّ عُرياناً، ولا يجوز أن تُصلِّي بالثَوب؛ لأنه محرَّم لحقِّ العباد؛ إلا إذا كنت مضطراً لدفع البرد فهنا صَلِّ به؛ لأن لُبْسَه حينئذ مباح. وإن كان محرَّماً لحقِّ الله فلا حرج عليه أن يُصلِّي فيه، كالثَّوب الحرير للرَّجُل إذا لم يجد غيره، فإنه يُصلِّي فيه؛ لأن التَّحريم لحقِّ الله عزّ وجل يزول عند الضَّرورة، وحينئذ يُصلِّي ولا إعادة عليه، وكذلك لو كان ثوبه فيه صُوَر يُصلِّي فيه إذا لم يجد غيره.

وقال بعض أهل العلم: إذا كان محرَّماً لحقِّ العباد لا بأس أن يُصلِّي فيه؛ لأن هذا استعمال يسير جرت العادةُ والعُرف بالتَّسامح فيه (¬1). ونحن يَغْلِبُ على ظنِّنا أن صاحب هذا الثوب إذا علم أنك استعملته لعدم وجود غيره فسوف يسمح، هذا هو الغالب إن لم يكن المعلوم. وهذا القول ليس بعيداً من الصَّواب، ولا سيما إذا كنت تعرف أن صاحب هذا الثوب رَجُلٌ كريم جيد، فهنا قد نقول: يتعيَّن عليك أن تُصلِّي فيه؛ لأن مثل هذا يُعلم رضاه. أو نَجِسٍ أَعَادَ ......... قوله: «أو نجسٍ أعاد»، أي: أو صَلَّى في ثوبٍ نجس، والمراد بالثَّوبِ النَّجس ما كان نجساً بعينه كجلد السِّباع أو متنجِّساً بنجاسة لا يُعفى عنها، فإن كانت نجاسة يُعفى عنها فلا حرج عليه أن يُصلِّي فيه، مثل: اليسير من الدم المسفوح. ودليل وجوب الإعادة: ما سبق عند ذكر اشتراط طهارة الثَّوب (¬2). وقوله: «أعاد» ظاهره: سواء كان عالماً، أم جاهلاً، أم ذاكراً، أم ناسياً، أم عادماً، أم واجداً. وهذا هو المذهب، فهذه ستُّ صور. وأمثلتها ما يلي: 1 - صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ يعلم نجاسته؛ مع القُدرة على تطهيره، فلا تصحُّ صلاتُهُ؛ لأنَّه خالف أمر الله ورسوله، فوجب عليه إعادة الصَّلاة. ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (1/ 332)، «الإنصاف» (3/ 225). (¬2) انظر: ص (152).

2 - صَلَّى في ثوب نجسٍ جاهلاً النَّجاسة، أو جاهلاً بوجوب تطهيره، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصَّلاة، فيعيد لأنه أخلَّ بشرط في الصَّلاة، والإخلال بالشَّرط لا يُغتفر، قال الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام للرَّجل الذي لا يطمئن: «إنك لم تُصَلِّ» (¬1)، وقال: «لا يقبلُ اللَّهُ صلاةً بغير طُهور» (¬2). 3 - صَلَّى في ثوب نجس وهو يذكر النَّجاسة؛ فيعيدُ. 4 - صَلَّى في ثوب نجس، فنسيَ أنه نجس، أو نسي أن يغسلها؛ فيعيد. 5 - صَلَّى في ثوب نجس، وليس عنده ما يغسلها به، وليس عنده غير هذا الثَّوب؛ فيعيد مع أنه يجب عليه أن يُصلِّي به. 6 - صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ وعنده ثوبٌ طاهر ولم يصلِّ به؛ فيعيد. وقال بعضُ أهل العلم: إنه إذا كان جاهلاً، أو ناسياً، أو عادماً، فلا إعادة عليه (¬3)، واستدلُّوا بقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، فقال الله تعالى: «قد فعلتُ» والآية عامَّة، وتُعتبر من أكبر وأعظم قواعد الإسلام، لأن الذي علَّمنا هذا الدُّعاء هو الله عزّ وجل، وأوجب على نفسه عزّ وجل أن يفعل، فقال: «قد فعلت» كما صحَّ في الحديث الذي رواه ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم (757)، ومسلم كتاب الصلاة: باب وجوب القراءة في كل ركعة، رقم (397) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬2) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه (1/ 324). (¬3) انظر: «الفروع» (1/ 333)، «الإنصاف» (3/ 233، 227).

مسلم (¬1). إذاً؛ هذا الرَّجل الذي صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ، وهو لا يدري بالنَّجاسة إلا بعد فراغه مخطئ لا خَاطئ، ولو كان يعلم بالنَّجاسة لقُلنا: إنه خاطئ، ولكن هو الآن مخطئ جاهل، فليس عليه إعادة بمقتضى هذه الآية العظيمة التي تُعتبر أساساً في الدِّين الإسلامي. وهناك دليل خاصٌّ بالمسألة، وهو أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم لما أخبره جبريلُ بأنَّ في نعليه أذى أو قَذَرٌ خلعهما (¬2) واستمرَّ في صلاته، ولو كان الثَّوب النَّجس المجهول نجاسته تبطل به الصَّلاة لأعادها من أوَّلها. وأما النسيان: بأن نسيَ أن يكون عليه نجاسة، أو نسيَ أن يغسلها فَصَلَّى بالثوب النَّجس؛ فالصَّحيح أنه لا إعادة عليه. والدليل: قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. ودليل آخر: ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نسيَ وهو صائمٌ فأكلَ أو شربَ فليُتِمَّ صومَه» (¬3). والأكل والشّرب في الصِّيام فعل محظور، والصَّلاةُ في ثوب نجس فِعْلٌ محظورٌ أيضاً. فلمَّا سقط حكمه بالنسيان في باب الصِّيام قِيْسَ عليه حُكمه بالنسيان في باب الصَّلاة. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب بيانه أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق، رقم (125) (126)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنهما. (¬2) تقدم تخريجه ص (99). (¬3) رواه البخاري، كتاب الصوم: باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً، رقم (1933)، ومسلم كتاب الصيام: باب أكل الناسي وشربه (1155) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فإن قال قائل: أوجبوا عليه الإعادة لظُهور الفرق بينه وبين الجاهل، لأن الجاهل لم يعلم أصلاً بالنَّجاسة؛ فهو معذور، والنَّاسي مفرِّط، فلم يبادر بالغسل فليس بمعذور؟ وكان من هدي الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أن يُبادر بإزالة النَّجاسة، فالذي بَالَ في المسجد قال: «أريقوا على بولِهِ ذَنُوباً من ماء» (¬1)، فأمر بالمبادرة، والصبيُّ الذي بَالَ في حِجْرِه دعا بماء فأتبعه إيَّاه (¬2)، والإنسان معرَّض للنسيان، ولا سيما إذا كان كثير النسيان، فما هو الجواب؟ الجواب: أننا لم نسقط القضاءَ عن النَّاسي بالقياس على الجاهل حتى يُنْقَض القياس بهذا الفرق، وإنما أسقطناه عن النَّاسي بالدَّليل المستقل وهو قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. ثم يقال: إن مبادرة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بتطهير النَّجاسة ليس على سبيل الوجوب؛ لأن الله تعالى لم يوجب الوُضُوء، وهو آكد من إزالة النجاسة إلا عند القيام إلى الصَّلاة فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} [المائدة: 6]. فلو أحدث الإنسان قبل الصَّلاة بساعة، لم يجب عليه الوُضُوء، مع أن فيه احتمالاً أن يُصلِّي وينسى أنه أحدث، فإذا كان كذلك لم يكن تأخير التَّطهير تفريطاً، فإذا نسيَ النَّجاسة أو تطهيرها كان معذوراً، وأما العدم بمعنى أن لا يكون عنده ثوب طاهر، ولا يتمكَّن من ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 415). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 30، 437).

تطهير ثوبه فقد ذكرنا أنَّ المذهب أنه يصلِّي به ويُعيد، وهذه المسألة فيها أقوال أشهرها ثلاثة: القول الأول: وجوب الصَّلاة مع الإعادة، وهو المذهب (¬1). والقول الثاني: أنه يُصلِّي عُرياناً ولا يعيد، وهو قول الشَّافعي (¬2) ورواية عن أحمد (¬3). والقول الثالث: أنه يُصلِّي به، ولا إعادة، اختاره الشَّيخان: الموفَّق والمجد (350)، وهو مذهب مالك (¬4). أما الذين قالوا يُصلِّي ويعيد، فعلَّلوا قولهم: بأنَّ سَتْرَ العورة واجب، فيجب أن يصلِّي ويجب أن يُعيد؛ لأنه حامل للنَّجاسة الواقعة بهذا الثَّوب. وأما الذين قالوا: يُصلِّي عُرياناً ولا يُعيد؛ فعلَّلوا ذلك بأن هذا الثَّوب لا يجوز لُبْسُه في الصَّلاة، وكونه مضطراً لِسَتْرِ عورته لا يُبرِّر له أن يلبسه في الصَّلاة وهو نجس، فيجب عليه أن يخلعه ويُصلِّي عُرياناً. وأما الذين قالوا: يُصلِّي به بلا إعادة فقالوا: إن السَّتر واجب، وإنَّ حَمْله للنَّجسِ حينئذ للضَّرورة؛ لأنه ليس عنده ما يُزيلُ به هذه النَّجاسة، وليس عنده ما يكون بدلاً عن هذا الثَّوب، فيكون مضطراً إلى لُبْسِهِ، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 228). (¬2) انظر: ««المجموع شرح المهذَّب» (3/ 142، 143). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 315 ـ 316)، «الإنصاف» (3/ 228، 229). (¬4) انظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (1/ 217).

لا من حبس في محل نجس

الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وهذا هو القول الرَّاجح. ويلزم على القول الأول: أنه يُصلِّي في ثوب نجسٍ، ويتقرَّب إلى الله وثوبُه ملطَّخ بالنَّجاسة، ثم يُقال: هذه الصَّلاة غير مقبولة، فيجب أن تُعيدها، فأوجبنا عليه صلاتين، صلاةً مردُودة وصلاةً مقبولة، وهذا قول إذا تصوَّره الإنسانُ عرف أنَّه بعيد. ويلزم على القول الثَّاني؛ وهو أن يُصلِّي عُرياناً: ما هو أقبح، فإن صورة الرَّجل العُريان بين يدي الله عزّ وجل أقبحُ من أن يكون حاملاً لثوب نجس للضَّرورة، والله تعالى أحقُّ أن يُستحى منه. لا مَنْ حُبِسَ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، ......... قوله: «لا مَنْ حُبِسَ في مَحَلٍّ نَجِسٍ»، معطوف على قوله: «أعاد»، أي: لا يُعيد من حُبِسَ في مَحَلٍّ نجسٍ، ولم يتمكَّن من الخروج إلى مَحَلٍّ طاهرٍ؛ لأنَّه مُكره على المُكْثِ في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة، كما قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «إن الله تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيانَ وما استُكرِهُوا عليه» (¬1). والفرق بينه وبين مَنْ صَلَّى في ثوبٍ نجس أنَّ مَنْ صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ ليس مُكرهاً على الصَّلاة فيه، ولذلك لو أُكره على الصَّلاة في ثوبٍ نجس، فإنه يُصلِّي فيه ولا إعادة. ولكن كيف يُصلِّي من حُبِسَ في مَحَلٍّ نَجِسٍ؟ الجواب: إن كانت النَّجاسة يابسة صَلَّى كالعادة، وإن كانت ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (147).

ومن وجد كفاية عورته سترها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكفهما فالدبر

رطبة صَلَّى قائماً ويركع ويرفع من الرُّكوع، ويجلس على قدميه عند السُّجود، ويومئ بالسُّجود، ولا يضع على الأرض شيئاً من أعضائه؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، لأنَّه إذا كانت رَطْبَة يجب أن يتوقَّاها بقَدْرِ الإمكان، وأقلُّ ما يمكن أن يباشر النَّجاسة أن يجلس على القدمين، ولا يقعد مفترشاً ولا متورِّكاً، لأنه لو قَعَد لتلوَّث ساقُه وثوبُه وركبتُه، والواجب أن يُقلِّلَ من مباشرة النَّجاسة. وَمَنْ وَجَدَ كِفَايةَ عَوْرَتِه سَتَرَهَا، وَإِلاَّ فَالفَرْجَينِ، فإِنْ لَمْ يَكْفِهِما فَالدُّبُر. قوله: «ومَنْ وَجَدَ كِفَاية عورته سَتَرَهَا»، «مَنْ» شرطية، وفعل الشرط «وَجَدَ»، وجوابه «سَتَرَها»، أي: وجوباً، أي: من وَجَدَ كفاية العورة وجب عليه سَتْرها، والعورة سبق بيانُها (¬1)، فإذا وجد كفاية العورة وجب عليه أن يسترَها؛ لما سبق من كون سترها من شروط الصَّلاة (¬2). قوله: «وإلا فالفَرْجَين»، «إلا» هذه مركَّبة، من «إنْ» و «لا» النَّافية لكنها أُدغمت «إنْ» بـ «لا» لوجود شرط الإدغام. وفعل الشرط محذوف، والتقدير: وإلا يجد فالفَرْجَين، أي: فليستر الفَرْجين، فإذا قُدِّرَ أن شخصاً تَعرَّض له قُطَّاع طريق وسلبوا رَحْله وثيابه، ولم يُبقوا معه إلا منديلاً فقط، والمنديل لا يمكن أن يستر به عورته، نقول: استرْ الفَرْجَين، يعني: القُبُل والدُّبُر. قوله: «فإن لم يكفِهِما فالدُّبُر»، أي: إن لم يكفِ الموجود الفَرْجَين سَتَرَ الدُّبُر، لأن القُبُل إذا ضَمَّ فخذيه عليه ستره، والدُّبُر ¬

_ (¬1) انظر: ص (156). (¬2) انظر: ص (149).

وإن أعير سترة لزمه قبولها

إذا سجد انفرجَ وبانَ، فيكون سترُ الدُّبُر أولى من ستر القُبُل، والواجب أنْ يخفَّفَ الأمرُ بقَدْر الإمكان، وظاهر كلام المؤلِّف أن ستر الدُّبُر هنا مقدَّم وجوباً، لكن قال في «الإنصاف» (¬1): «الخلافُ إنما هو في الأولويَّة». وعن أحمد رواية ثانية: أنَّه يستر القُبُل، وهو أولى؛ لأنه أفحش من الدُّبُر، ولهذا جاز استدبار الكعبة حال قضاء الحاجة في البُنْيَان دون استقبالها. وَإِنْ أُعِيْرَ سُتْرَةً لَزِمَه قَبُولُها. قوله: «وإن أُعِيْرَ سُتْرَةً لَزِمَه قَبُولُها»، «إنْ» شرطية، وفعل الشرط «أُعيرَ»، و «لَزِمَ» جواب الشَّرط. والعَارِيَّةُ: إباحة نفع عين تبقى بعد الاستيفاء. وقوله: «إن أُعِيرَ» لم يذكر المؤلِّفُ الفاعلَ؛ ليشمل أيَّ إنسان يُعيرُه سواء كان هذا المعير من أقاربه، أم من الأباعد من المسلمين، أم من الكُفَّار. وتعليل ذلك: أنه قَدِرَ على ستر عورته بلا ضرر ولا مِنَّةٍ، لأن المِنَّةَ في مثل هذا الأمر مِنَّةٌ يسيرة، كلُّ أحد يتحمَّلُها، فالنَّاسُ كُلُّهم يستعير بعضُهم من بعض، وكُلُّ النَّاس يُعير بعضهم بعضاً. لكن لو أن هذه الإعارة يريد المُعير منها أن تكون ذريعة لنيل مأرب له باطل، فهنا لا يلزمه القَبول؛ لأنه يخشى إذا لم يفعل ما يريد؛ أن يجعل ذلك سُلَّماً للمِنَّةِ عليه وإيذائه أمام النَّاس، لكن الكلام على إعارة سالمة من محظور فيلزمه القَبُول. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 234).

وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنه لو أُعطيها هِبَة لم يلزمه قَبولها؛ لقوله: «وإن أُعِيرَ». وظاهرُ كلامه أيضاً: أنَّه لا يلزمه الاستعارة، أما الهِبَة فلا يلزمه قَبولها، لأن في ذلك مِنَّة عظيمة، فقد يساوي الثوب قيمةً كبيرة، فيكون في ذلك مِنَّة لا يستطيع الإنسان أن يتحمَّلَها، فلا يلزمه قَبول الهبة، وأما الاستعارة فلا تلزمه؛ لأن في طلب العارية إذلالاً للشَّخص، وهذا عادم لما يكون به الواجب، وهو السَّتر، ولا واجب مع العجز، فلا يلزمه أن يستعير؛ مع أنهم ذكروا في باب التيمّم: أنه لو وُهِبَ لعادم الماء ماء لزمه قَبوله (¬1)، ولكنهم يفرِّقون: بأن الماء لا تكون به المِنَّة كالمِنَّة بالثياب (¬2)، فالماء المِنَّة فيه قليلة، بخلاف الثِّياب، ولكن يقال: قد يكون الماء في موضع العدم أغلى من الثياب، فتكون المنَّة فيه كبيرة، فنقول: حتى لو كان في موضع العدم، فإن الإنسان الذي يعطي الماء في موضع العدم يشعر بأنه هو الرَّابح؛ لأنه أنقذ معصوماً بخلاف الثِّياب. وعَلى كُلٍّ؛ فالقول الرَّاجح في هذه المسألة: أنه يلزمه تحصيل السُّترة بكل وسيلة ليس عليه فيها ضرر ولا مِنَّة، سواء ببيع أم باستعارة، أم بقَبول هِبَة، أم ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وهذا الإنسان مأمور بستر عورته، فيجب عليه بقَدْرِ الاستطاعة أن يأتي بهذا الواجب. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 186). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 272).

ويصلي العاري قاعدا بالإيماء استحبابا فيهما

والمسألة يختلف النَّاس فيها، قد يكون طلبك من شخص ثوباً لتستر به عورتك بمنزلة المِنَّة عليه لا مِنْهُ، فقد يفرح أن تأتيَ إليه، وتقول: أنا في حاجة إلى سَتْر عورتي في صلاتي، فهذا ليس في إعطائه مِنَّة، ولا في الاستعارة منه مِنَّة، وبعض النَّاس لا يعيرك ولو أعارك لوجدت في ذلك غضاضة عليك لكونه مَنَّاناً. والصَّواب: أن نأخذَ بقاعدةٍ عامَّة، وهي أنه يجب على المصلِّي تحصيل السُّترة بكلِّ طريقة ليس فيها ضرر عليه ولا غَضَاضة، وهذه القاعدة قد يخرج منها ما ذكره المؤلِّف، وقد يدخل فيها ما أخرجه. وَيُصَلِّي العَارِي قَاعِداً بِالإِيْماءِ اسْتحبَاباً فِيْهِما، ........ قوله: «ويُصلِّي العاري قاعداً بالإيماء»، أي: إذا كان إنسانٌ عارٍ ليس عنده ثوب، فإنه يُصلِّي قاعداً، ولو كان قادراً على القيام؛ لأنه أستر لعورته؛ لأن القاعد يمكن أن ينضمَّ، فيكون ما ينكشف من عورته أقلَّ. قوله: «استحباباً فيهما»، أي: أننا نستحبُّ له ذلك وهو القُعود والإيماء استحباباً لا على وجه الوجوب، وعلى هذا فلو صَلَّى قائماً وركع وسَجَد صَحَّت صلاتُه. وظاهر كلام المؤلِّف: أن هذا الحكم ثابتٌ، سواء كان حوله أحدٌ أم لم يكن حوله أحد؛ لإطلاق كلامه، فإن كان حولَه أحد فما قاله المؤلِّف وجيه؛ أنه يُصلِّي قاعداً بالإيماء؛ لأن الإنسان يستحي أن يقوم أمام النَّاس فتبدو عورته، وإذا سَجَدَ انفرج دُبُره، لكن إذا لم يكن عنده أحد لا يستحي منه فكلامه فيه

ويكون إمامهم وسطهم

نظر. وما ذكره المؤلِّف هو المذهب (¬1). والقول الثاني: لا يجوز أن يُصلِّي قاعداً، بل يجب أن يُصلِّي قائماً مطلقاً ويركع ويسجد (¬2)؛ لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فأوجب الله تعالى القيام، والسَّترُ هنا ساقطٌ عنه لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. فإذا كان القيام واجباً بالدليل الذي ذكرت، والسَّتر واجباً أيضاً بدليله؛ فإنه يقوم لوجود مقتضى القيام، ويُصلِّي عَارياً لسقوط وجوب السَّتر لكونه عاجزاً. وقال بعض أهل العلم: في هذا تفصيل؛ فإن كان حولَه أحدٌ صَلَّى قاعداً، وإن لم يكن حوله أحد، أو كان في ظُلْمَة، أو حوله شخص لا يُبْصِرُ، أو شخص لا يستحي من انكشاف عورته عنده كالزوجة فإنه يُصلِّي قائماً ويركع ويسجد؛ لأنه لا عُذْرَ له (359). وهذا القول أقرب الأقوال إلى الحقِّ؛ لأنه يجمع بين حَقِّ الله وحَقِّ النَّفْسِ، فإن حقَّ الله إذا لم يكن حوله أحد يراه أن يُصلِّي قائماً؛ لأنه قادر، وحقُّ النَّفْسِ إذا كان حوله أحد أن يصلِّي قاعداً؛ لأنه يخجل من القيام ويشُقُّ عليه نفسيًّا. ويكُونُ إِمَامُهُم وَسَطَهُم .............. قوله: «ويكون إمَامُهُم وَسَطَهُم»، «إمَامُهُم» أي: إمام العُراة «وَسَطَهم»، أي: بينهم، أي: لا يتقدَّم؛ لأنه أستر له، وعلى هذا؛ فإذا كان عشرة كلُّهم عُراة، تعرَّض لهم قُطَّاع الطَّريق، وأخذوا ثيابَهم، وحانَ وقتُ الصَّلاة؛ صَلُّوا جماعة صفًّا واحداً، ¬

_ (¬1) انظر: «منتهى الإرادات» (1/ 62). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 237، 238).

ويصلي كل نوع وحده، فإن شق صلى الرجال واستدبرهم النساء، ثم عكسوا

والإمام بينهم، ولو طال الصفُّ، ويصلُّون على المذهب قُعوداً استحباباً؛ ويُومِئُون بالرُّكوع والسُّجود استحباباً أيضاً (¬1). وقال بعض أهل العلم: بل يتقدَّم الإمام؛ لأن السُّنَّة أن يكون الإمام أمامَهم (360)، وتأخُّره لا يفيد شيئاً يُذكر، والإنسان إذا شاركه غيرُه في عيبه خَفَّ عليه، فهو إذا تقدَّم لا يرى في نفسه غَضَاضة، أو حياء، أو خجلاً؛ لأن جميع مَنْ معه على هذ الوجه، ولا ينبغي أن نُفَوِّت موقف الإمام وانفراده في المكان المشروع؛ لأن الإمام مَتْبُوع، فينبغي أن يتميَّز عن أتباعه الذين هم المأمومون، وهذا القول أقربُ إلى الصَّواب. ويُستثنى من كلام المؤلِّف: ما إذا كانوا في ظُلمة، أو لا يبصرون، فإن إمامهم يتقدَّم عليهم كالعادة؛ لأن المحذور معدوم. وَيُصَلِّي كُلُّ نوعٍ وَحْدَه، فَإِنْ شَقَّ صَلَّى الرِّجَالُ واسْتَدْبَرهُم النِّسَاءُ، ثم عَكسُوا ........... قوله: «ويُصلِّي كلُّ نوعٍ وحده»، أي: إذا اجتمع رجالٌ ونساءٌ عُراة، صَلَّى الرِّجَال وحدهم، والنِّساء وحدهنَّ، فلا يُصلُّون جميعاً؛ لأن النِّساء لا يمكن أن يقفن في صَفِّ الرِّجال، فلا بُدَّ لهُنَّ من صَفٍّ مؤخَّر، فإذا صففن وراء الرِّجال صِرْنَ يَرَيْن عورات الرِّجال، فلا تُصلِّي النِّساء مع الرِّجال، بل يُصلِّي الرِّجال في مكان، والنساء في مكان؛ ولا يُصلون جماعة. قوله: «فإن شقَّ»، أي: شقَّ صلاةُ كلِّ نوع وحده بحيث لا يوجد مكان آخر «صَلَّى الرِّجال واستدبرهم النِّساء ثم عكسوا»، ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 242).

فإن وجد سترة قريبة في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ

ومعنى تستدبرهم النساء تلقِّيهم ظُهُورُهن، فتكون ظُهُور النِّساء إلى القِبْلة، لئلا يَرَيْن عورات الرِّجَال، ثم بعد ذلك تُصلِّي النِّسَاء. ويستدبرهنَّ الرِّجال، فتكون ظُهُور الرِّجال نحو القِبْلة لئلا يروا عورات النِّساء. فإن قيل: إذا كان المكان ضيِّقاً ولم يتَّسعْ لكونهم صَفاً واحداً فهل يصفُّون صَفَّين أو ينتظر بعضهم حتى يُصلِّي من يتَّسع له الصفُّ؟. فالجواب: فيه قولان لأهل العلم (¬1)، فبعضهم قال: ينتظر من لا يتَّسع له الصف حتى يُصلِّي من يتَّسع له ثم يُصلِّي، ومنهم من قال: بل يُصلُّون جماعة واحدة، فإذا كان الإنسان يخشى على نفسه الانشغال برؤية هؤلاء فإنه يُغمض عينيه، وإن كان لا يَخشى، ولا يهتمُّ إلا بصلاتِه، وسينظر إلى موضع سجوده، وموضِع إشارته في الجلوس فلا حاجة أن يُغمض عينيه. فَإِنْ وَجَدَ سُتْرةً قَرِيبَةً فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ سَتَرَ وَبَنى وإِلاَّ ابْتَدَأَ. قوله: «فإن وجد سُتْرة قريبة في أثناء الصَّلاة سَتَر وَبَنَى وإلا ابتدأ»، إنْ وجد الذي يُصلِّي عُرياناً في أثناء الصَّلاة سُتْرة، فإن كانت قريبة، أي: لم يطل الفصل؛ أخذها وستر وبَنَى على صلاته، وإن كانت بعيدة فإنَّه يقطع صلاته ويبتدئ الصَّلاة من جديد. مثال القريبة: جاء إليه رَجُلٌ وهو يُصلِّي عُرياناً وقال: خُذْ استُرْ نفسك. فهنا نقول: يأخذها ويستتر ويبني على ما مضى من صلاته. ومثال البعيدة: أنْ يتذكَّر ثوباً في رَحْلِهِ بعيداً عنه، فنقول له: اقطعْ صلاتك، واستترْ، واستأنف الصلاة. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 242)، «المجموع شرح المهذَّب» (3/ 185، 186).

مكروهات الصلاة

مسألةٌ يُلغز بها: يقولون: امرأة بطلت صلاتُها بكلام إنسان (¬1)! فكيف ذلك؟ وجواب هذه: أَمَةٌ تُصلِّي ساترة كلَّ بدنها إلا رأسها وساقيها مثلاً، فقال لها سيِّدُها: أنت حُرَّة، فصارت حُرَّة يجب عليها أن تستر جميع بدنها إلا الوجه، ولم تجد شيئاً تستر به؛ فتبتدئ الصَّلاة من جديد، فإن كان سيدُها ذكياً وفقيهاً فجاء بالسُّترة معه وقال: أنت حُرَّة، ثم وضع على رأسها وعلى بقية المنكشف منها سُتْرة؛ بَنَت على ما سَبَقَ من صلاتها؛ لأنها سترت عورتها عن قُرب. مكروهات الصلاة وَيُكْرَه في الصَّلاةِ السَّدْلُ، ........... قوله: «ويُكره في الصَّلاة السَّدْلُ»، الكراهة عند الفقهاء: هي النَّهي عن الشيء من غير إلزام بالتَّرك، والمكروه: ما نهي عنه من غير إلزام بالتَّرك. أما في لُغة القرآن والسُّنَّة وغالب كلام السَّلف: فالمكروه هو المحرَّم. قال تعالى في سورة الإسراء: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *} [الإسراء]، ومعلومٌ أن المشار إليه ما سبق من المنهيات وفيها الشِّرك والكبائر وسمَّاها الله تعالى: «مكروهاً»؛ لأنه مُبْغَضٌ عند الله عزّ وجل، ولهذا قال أصحاب الإمام أحمد: إذا قال الإمام أحمد: «أكره كذا»، يعني أنه محرَّم (¬2). وحكمُه عند الفقهاء: أنه يُثاب تاركه امتثالاً، ولا يُعاقب فاعله، ويجوز عند الحاجة وإن لم يضطر إليه، أما المحرَّم فلا يجوز إلا عند الضّرُورة. ¬

_ (¬1) انظر: «كشَّاف القناع» (1/ 272، 273). (¬2) انظر: «الإنصاف» (30/ 374، 375).

والسَّدلُ: أن يَطّرَح الرِّداءَ على كتفيه، ولا يردَّ طرفَه على الآخر. وقال بعضهم: السَّدْلُ: أن يضع الرِّداء على رأسه ولا يجعل أطرافه على يمينه وشماله (¬1). وقال بعضهم: السَّدْلُ: أن يُرسل ثوبه حتى يكون تحت الكعبين (¬2)، وعلى هذا فيكون بمعنى الإسبال. والمعروف عند فقهائنا هو: أن يطرح الثَّوب على الكتفين، ولا يردَّ طرفه على كتفه الآخر (365)، ولكن إذا كان هذا الثَّوب مما يلبس عادة هكذا، فلا بأس به، ولهذا قال شيخ الإسلام: إنَّ طَرْح القَبَاءَ على الكتفين من غير إدخال الكمَّين لا يدخل في السَّدْلِ (¬3). والقَبَاء يُشبه ما يُسمَّى عندنا «الكوت» أو «الجُبَّةَ». قوله: «واشتمال الصَّمَّاء»، هنا أُضيف الشيءُ إلى نوعه، أي: اشتمال لُبْسة الصَّمَّاء، أي: أن يلتحف بالثوب ولا يجعل ليديه مخرجاً؛ لأن هذا يمنع من كمال الإتيان بمشروعات الصَّلاة، ولأنه لو قُدِّر أنَّ شيئاً صَالَ عليه فإنَّه لا يتمكَّن من المبادرة بردِّه، ولا سيِّمَا إذا كان هذا الثَّوب قميصاً، فهو أشدُّ، أي: بأن يلبس القميص، ولا يدخل يديه في كُمَّيْه، فهذا اشتمال أصمّ، وأصمّ من الصمَّاء؛ لأن الرِّداء مع الحركة القويّة قد ينفتح، وهذا لا ينفتح. وقال بعض العلماء: إن اشتمال الصمَّاء أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره وهو المذهب (¬4)، أي: أن يكون عليه ثوب واسع ثم يضطبع فيه. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 247). (¬2) انظر: «الإقناع» (1/ 138). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 144). (¬4) انظر: «الإنصاف» (3/ 248).

واشتمال الصماء وتغطية وجهه

أما إذا كان عواشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَتَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، ........... ليه ثوب آخر فلا كراهة؛ لأنه لُبْسة المُحْرِم (¬1)، وفَعَلَها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (¬2). والاضطباع: أن يُخرج كتفه الأيمن، ويجعل طرفي الرِّداء على الكتف الأيسر. ووجه الكراهة هنا: أن فيه عُرضَةً أن يسقطَ فتنكشف العورة، فإنْ خِيْفَ من انكشاف العورة حقيقة كان حراماً. وقيل هو: أن يجعل الرِّداء على رأسه ثم يسدل طرفيه إلى رجليه (¬3). فهذه ثلاث صفات لاشتمال الصمَّاء، وكلُّ هذه الصِّفات إذا تأمَّلتها وجدت أنها تُخَالف قول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، فإن أخذ الزِّينة على هذا الوجه فيه شيء من التقصير؛ لأن أخذ الزِّينة كاملة أن يلبسها على ما يعتاد النَّاس لُبْسها بحيث تكون ساترة، وتكون ¬

_ (¬1) روى أحمد (2/ 33)، وابن خزيمة رقم (2601)، وابن الجارود رقم (416) وغيرهم عن: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً: « ... وَلْيُحْرمْ أحدُكم في إزار ورداء ونعلين ... ». قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. «المغني» (5/ 76). قلت: وهذا إسناد صحيح. وأصله في «الصحيحين» من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر به سواء، وزاد عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم هذه الزيادة. قال ابن حجر: «وهي زيادة حسنة». «الفتح» شرح حديث (1542). (¬2) روى مسلم، كتاب الصلاة: باب وضع اليمنى على اليسرى، رقم (401) عن وائل بن حُجْر؛ أنه رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رفع يديه حين دخل في الصلاة، كَبَّرَ؛ ثم التحف بثوبه. ثم وضع يدَهُ اليُمنى على اليُسرى، فلما أراد أن يركعَ أخرجَ يَديَه من الثَّوب، ثم رَفَعَهُمَا ... الحديث. (¬3) انظر: «الإنصاف» (3/ 249، 250).

واللثام على فمه وأنفه

معهودة مألوفة بخلاف الشيء الذي لا يكون معهوداً ولا مألوفاً. قوله: «وتغطيةُ وجهِهِ»، أي: يُكره أن يغطِّيَ الإنسانُ وجهه وهو يُصلِّي؛ لأن هذا قد يُؤدِّي إلى الغَمِّ، ولأنه إذا سجد سيجعل حائلاً بينه وبين سجوده؛ فلذلك كُره هذا الفعل، لكن لو أنَّه احتاج إليه لسبب من الأسباب، ومنه العُطاس مثلاً ـ لأن الأفضل عند العطاس تغطية الوجه ـ فإن المكروه تُبيحه الحاجة. ويُستثنى من ذلك: المرأة إذا كان حولها رجال ليسوا من محارمها، فإن تَغْطِيَة وجهها حينئذ واجب، ولا يجوز لها كشفه. واللِّثَامُ على فَمِه وأَنْفِه، ......... قوله: «واللِّثَامُ على فَمِه وأَنْفِه»، أي: يُكره اللِّثام على فَمِهِ وأنفه بأن يضع «الغُترة» أو «العِمَامة»، أو «الشِّماغ» على فمه، وكذلك على أنفه؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَهَى أن يُغطِّيَ الرَّجلُ فَاه في الصَّلاة (¬1)، ولأنه قد يؤدِّي إلى الغمِّ وإلى عدم بيان الحروف عند القِراءة والذِّكر. ويُستثنى منه ما إذا تثاءب وغَطَّى فمه ليكظم ¬

_ (¬1) رواه أبو داود، كتاب الصلاة: باب ما جاء في السَّدل في الصَّلاة، رقم (643)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة: باب ما يُكره في الصلاة، رقم (966) وابن خزيمة رقم (772)، وابن حبان رقم (2353)، والحاكم (1/ 253)، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة به مرفوعاً. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا فيه تغطية الرَّجل فاه في الصّلاة. تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: «لم يحتجَّ مسلمٌ بالحسن بن ذَكوان، وهو ضعيفٌ لم يُخرج له البخاريُّ سوى شيء يسير في غير الاحتجاج؛ فيما أظنُّ». «إتحاف المهرة» (15/ 375). قلت: أضفْ إلى ذلك أنه قد اختُلف على الحسن بن ذكوان في هذا الحديث. انظر: «العلل» للدارقطني (8/ 338) رقم (1608).

وكف كمه ولفه

التثاؤب فهذا لا بأس به، أما بدون سبب فإنه يُكره، فإن كان حوله رائحة كريهة تؤذيه في الصَّلاة، واحتاج إلى اللِّثام فهذا جائز؛ لأنه للحاجة، وكذلك لو كان به زُكام، وصار معه حَساسية إذا لم يتلثَّم، فهذه أيضاً حاجة تُبيح أن يتلثَّم. وكَفُّ كُمِّه وَلَفُّه .............. قوله: «وكَفُّ كُمِّه وَلَفُّه»، أي: يُكره أن يكفَّ الإنسانُ كُمَّه في الصَّلاة، أو يَلُفَّه. وكفُّ الكُمِّ: أن يجذبه حتى يرتفع. وَلَفُّهُ: أن يطويه حتى يرتفع. قال فقهاؤنا: ولا فرق بين أن يفعل ذلك عند الصَّلاة من أجل الصَّلاة، أو أن يفعل ذلك لعمل قبل الصَّلاة (¬1). كما لو كان يشتغل، وقد كفَّ كُمَّه أو لَفَّه ثم جاء يُصلِّي، نقول له: أطلق الكُمَّ وفُكَّ اللفَّة. والدليل: قولُ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «أُمِرْتُ أن أسجُد على سَبْعَة أَعْظُم، ولا أكُفَّ شَعْراً ولا ثَوْباً» (¬2)، قالوا: ونهيه يشمل كفّ الثوب كلِّه، كما لو كفَّه من أسفل، أو كفَّ بعضه كالأكمام، ويا ليت المؤلِّف ذكر كفَّ الثوب؛ ليكون موافقاً للفظ الحديث، إذ يُكره كفُّ الثَّوبِ بأن يرفع الثوب من أسفل، ولفُّ الثوب أيضاً بأن يطويه حتى يحزمه على بطنه، كلُّ هذا مكروهٌ للحديث، ولأنه ليس من تمام أخذ الزِّينة، فإنَّ أخذ الزِّينة عند الناس أن يكون الثَّوب مرسلاً غير مكفوف، ثم إن الإنسان قد يفعله ترفُّعاً؛ لئلا ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 250، 252). (¬2) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب السجود على سبعة أعظم، رقم (810)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب أعضاء السجود والنهي عن كفّ الشعر والثوب، رقم (490) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وشد وسطه كزنار

يتلوَّث ثوبُه بالتُّراب فيكون في هذا نوعٌ من الكبرياء. ثم إنه ينبغي أيضاً أن ينتشر الثوبُ ولا يُكفَّ؛ لأنه ربما يُؤجَر الإنسان على كلِّ ما يتَّصل به مما يُباشر الأرض، فلهذا يُكره كَفُّ الثَّوب. مسألة: فإن قيل: هل من كَفِّ الثَّوب ما يفعله بعض الناس بأن يكفَّ «الغُتْرَة» بأن يردَّ طرف «الغُتْرَة» على كتفه حول عنقه؟ فالجواب: هذا ليس من كفِّ الثَّوب؛ لأن هذا نوع من اللباس، أي: أن «الغُتْرة» تُلبس على هذه الكيفيَّة، فَتُكفُّ مثلاً على الرَّأس، وتُجعل وراءه، ولذلك جاز للإنسان أن يُصلِّي في العِمَامة، والعِمَامة مكوَّرة على الرَّأس غير مرسلة، فإذا كان من عادة الناس أن يستعملوا «الغُتْرة» و «الشِّمَاغ» على وجوه متنوِّعة فلا بأس، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنَّ طرح «القَبَاء» على الكتفين بدون إدخال الأكمام لا يُعدُّ من السَّدل (¬1) لأنه يُلبس على هذه الكيفيَّة أحياناً. لكن لو كانت «الغُتْرة» مرسلة؛ ثم كفَّها عند السُّجود؛ فالظَّاهر أن ذلك داخل في كَفِّ الثَّوب. وَشَدُّ وَسَطِهِ كَزُنَّار ............ قوله: «وشَدُّ وسَطِهِ كزُنَّار»، أي: يُكره أيضاً للإنسان أن يَشُدَّ وسَطَهُ لكن لا مطلقاً، بل بما يُشبه الزُّنَّار. وشَدُّ الوسط، أي: أن يربط على بطنه حَبلاً، أو سَيراً، أو ما أشبه ذلك، وهذا يُفعل كثيراً، فهو يُكره إن كان على وجه يُشبه الزُّنَّار، والزُّنَّار سَيْر معروف عند النَّصَارى يشدُّون به أوساطهم، وإنما كُرِه ما يشبه شَدَّ الزُّنَّار؛ لأنه تشبُّه بغير المسلمين، وقد قال ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 144).

النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ تَشبَّه بقومٍ فهو منهم» (¬1). قال شيخ الإسلام رحمه الله: «أقلُّ أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كُفْرَ المُتشبِّه بهم» (¬2). إذاً؛ فلا يقتصر على الكراهة فقط، لأننا نقول: إن العِلَّة في ذلك أن يُشَابه زُنَّار النَّصارى، وهذا يقتضي أن يكون حراماً؛ لقول الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ تَشَبَّه بقوم فهو منهم» وليس المعنى أنه كافر، لكن منهم في الزِّيِّ والهيئة المشابهة لهم، ولهذا لا تكاد تُفرِّقُ بين رَجُل متشبِّه بالنَّصارى في زِيِّه ولباسه وبين النَّصْرَاني، فيكون منهم في الظَّاهر. قالوا: وشيء آخر، وهو: أن التشبّه بهم في الظَّاهر يجرُّ إلى التشبّه بهم في الباطن (376). وهو كذلك، فإن الإنسان إذا تشبَّه بهم في الظَّاهر؛ يشعر بأنه موافق لهم، وأنه غير كاره لهم، ويجرُّه ذلك إلى أن يتشبَّه بهم في الباطن، فيكون خاسراً لدينه ودُنياه، فاقتصار المؤلِّف على الكراهة فيما يُشبه شَدَّ الزنَّار فيه نظر، والصَّواب: أنه حرام. فإن قال قائل: أنا لم أقصد التشبُّهَ؟ قلنا: إن التشبُّهَ لا يفتقر إلى نيَّة؛ لأن التشبُّهَ: المشابهة في الشَّكلِ والصُّورة، فإذا حصلت، فهو تشبُّه سواء نويت أم لم تنوِ، لكن إن نويت صار أشَدَّ وأعظم؛ لأنك إذا نويت، فإنما فعلت ذلك محبَّةً وتكريماً وتعظيماً لما هم عليه، فنحن ننهى أيَّ إنسان وجدناه يتشبَّهُ بهم في ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 168). (¬2) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/ 241، 488).

وتحرم الخيلاء في ثوب وغيره

الظَّاهر عن التشبه بهم، سواء قصد ذلك أم لم يقصده، ولأن النيَّة أمر باطن لا يمكن الاطلاع عليه، والتشبُّه أمرٌ ظاهر فيُنهى عنه لصورته الظَّاهرة. وَتَحْرُمُ الخُيَلاءُ في ثوبٍ وَغَيْرِهِ .......... قوله: «وتَحْرمُ الخُيَلاءُ في ثوبٍ وغيرهِ»، الخُيَلاء: مأخوذة في الأصل من الخَيل، لأن الخَيل تجلب التَّباهي والترفُّع والتَّعالي. فالخُيَلاء: أن يجدَ الإنسانُ في نفسه شيئاً من التَّعاظُم على الغَير، وهذا حرام في الثَّوب وغيره، فالثَّوب كالقميص والسَّراويل والإزار، وغير الثوب كالخَاتم، فبعض النَّاس يلبس الخَاتم، ويضع عليه فَصًّا كبيراً جداً، وأحياناً تشعر بأنه يتخايل به، كأن يحرِّك أصبعه بالخَاتم خُيلاء، ولهذا قال المؤلِّف: «في ثَوبٍ وغَيْرِه» فأطلقَ. فإن قال قائل: إن النبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: «مَنْ جَرَّ ثَوبه خُيَلاء لم ينظر الله إليه»، فخصَّ ذلك بالثَّوب؟ فالجواب: أنَّ الحكم يدور مع علَّته، وذِكْرُ الثوب مقروناً بالوصف الذي هو عِلَّة الحكم يكون كالمثال؛ فكان المحرّم في الأصل هو الخُيلاء، وذَكَر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مثالاً مما تكون فيه الخُيلاء وهو الثَّوب، ولهذا قال بعضُ العلماء: إن الخُيَلاء ليست في جَرِّ الثَّوب فقط، بل في كُلِّ هيئة للثَّوب حتى يقول: إن توسيع الأكمام من الخُيَلاء (¬1). والمُهِمُّ: أن الخُيلاء إنما ذُكِرَت في الحديث بالإزار أو الثَّوب من باب ضرب المثال. ¬

_ (¬1) انظر: «زاد المعاد» (1/ 135).

والتصوير

والخُيَلاء في الثَّوب منها: ما ذكره الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أن يَجُرَّه خُيَلاء، أي: يجعله يضرب على الأرض خُيَلاء. عقوبة هذا ـ والعياذ بالله ـ: «أن الله لا يُكلِّمه يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكِّيه، وله عذابٌ أليم» (¬1)، فعُوقِبَ بأمرين: عذابٌ مؤلم، وإعراضٌ من الله عزّ وجل، ولهذا لما قال الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام: «ثلاثةٌ لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزَكِّيهم، ولهم عذاب أليم» كرَّرها ثلاثاً، قال أبو ذَرٍّ: مَنْ هم يا رسول الله؟ خَابوا وخَسِروا، قال: «المُسْبِلُ، والمَنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِب» (¬2). فإذا جَرَّ ثوبه خُيَلاء، فهذه عقوبته والعياذ بالله، وإن لم يجرَّه خُيَلاء، فلا يستحقُّ هذه العقوبة، ولكن عقوبة ثانية وهي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أسفلَ من الكعبين مِنَ الإزارِ ففي النَّار» (¬3) فيُقال: إنك تُعذَّبُ في النَّار بقَدْرِ ما نزل من ثوبك عن كعبيك. وأما ما بين الكعب إلى نصف السَّاق فهذا محلُّ جواز، فللرَّجل أن يجعله إلى الكعب، أو أرفع إلى نصف السَّاق، أو أرفع قليلاً أيضاً. والتَّصْوِيرُ ....... قوله: «والتَّصويرُ»، التَّصوير محرَّم، والتصوير أنواع ثلاثة: النَّوع الأول: تصوير ما يصنعه الآدمي، فهذا جائز؛ مثل: أن يُصوِّرَ إنسانٌ سيَّارةً، فإذا رأيتها قلت: هذه طِبْقُ الأصل، ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب بيان غِلَظ تحريم إسبال الإزار، رقم (106) من حديث أبي ذَرٍّ. (¬2) انظر الأعلى. (¬3) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار، رقم (5787) عن أبي هريرة.

فنقول: هذا جائز؛ لأنَّ الأصل من صُنْعِ الآدمي، فإذا كان الأصلُ جائزاً فالصُّورة من باب أولى. النَّوع الثاني: أن يُصوِّر ما لا روح فيه مما لا يخلقه إلا الله؛ وفيه حياة، إلا أنها ليست نَفْساً، كتصوير الأشجار والزُّروع، وما أشبه ذلك. فجمهور أهل العلم: أن ذلك جائز لا بأس به (¬1). وقال مجاهد: إنَّه حرام (381). فلا يجوز للإنسان أن يصوِّر شجرة، أو زرعاً، أو برسيماً، أو غير ذلك من الأشياء التي فيها حياة لا نَفْس. النَّوع الثالث: أن يُصوِّر ما فيه نَفْسٌ من الحيوان مثل: الإنسان والبعير والبقر والشَّاة والأرانب وغيرها، فهذه اختلف السَّلف فيها (381)، فمنهم من قال: إنها حَرام إن كانت الصُّورة مُجسَّمة؛ بأن يصنع تمثالاً على صورة إنسان أو حيوان، وجائزة إن كانت بالتلوين، أي: غير مجسَّمة. ومنهم من قال وهم الجمهور ـ وهو الصَّحيح ـ: إنها محرَّمة سواء كانت مجسَّمة، أم ملوَّنة (¬2)، فالذي يخطُّ بيده ويصنع صُورة كالذي يعملها ويصنعها بيده ولا فرق، بل هي من كبائر الذُّنوب؛ لحديث عليِّ بن أبي طالب أنه قال لأبي الهيَّاج الأسدي: «ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ أنْ لا تَدَعَ صُورةً إلا ¬

_ (¬1) انظر: «فتح الباري» (10/ 385، 388، 391، 394، 395)، «الإنصاف» (3/ 257). (¬2) انظر: المصدر السابق.

طَمسْتَها» (¬1) وظاهر هذا أنه في الملوَّن، وليس في المجسَّم، لأنه لو كان في المجسَّم لقال: إلا كسرتها أو نحو ذلك. ومع الأسف؛ أصبح هذا في عصرنا الحاضر فنًّا يُدرَّس ويُقَرُّ ويُمدحُ عليه الإنسانُ، فإذا صَوَّرَ الإنسانُ بقرةً أو بعيراً أو إنساناً، قالوا: ما أحْذَقَهُ! وما أقْدَرَه!، وما أشبه ذلك، ولا شَكَّ أن هذا رِضاً بشيءٍ من كبائر الذُّنوبِ، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال ـ فيما يرويه عن الله سبحانه وتعالى ـ: «ومَنْ أظلمُ ممن ذهبَ يخلقُ كخلقي» (¬2)، أي: لا أحد أظلم ممن أراد أن يُشَارك الخالق في صنعه، هذا ظلم واجتراء على الله عزّ وجل، تُريد أن تشبِّه نفسك ـ وأنت مخلوق ـ بالخالق، ثم تحدَّاهم الله فقال: «فليخلقوا ذَرَّة أو ليخلقوا شعيرة»، تحدَّاهم الله بأمرين: بما فيه رُوح، وهو من أصغر المخلوقات وهو الذَّرُّ، وبما لا رُوح فيه وهو الشَّعيرة، فهم لا يقدرون على هذا لو اجتمعوا من آدم إلى يوم القيامة. فإن قيل: الآن يوجد أَرُز صناعي يشبه الحقيقي، فهل صناعته محرَّمة؟ فالجواب: ليس هذا كالأَرُز الحقيقي، فإنك لو ألقيته في الأرض وصَبَبْتَ عليه الماء ليلاً ونهاراً ما نبت. لكن ما الذي ينبت؟ الجواب: الذي ينبت هو صُنْع الله عزّ وجل كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام: 95] فإذاً؛ ليس هذا كسراً ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الجنائز: باب الأمر بتسوية القبر، رقم (969). (¬2) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب نقض الصور، رقم (5953)، ومسلم، كتاب اللباس: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2111) من حديث أبي هريرة.

للتَّحدِّي الذي تحدَّى اللَّهُ به الخلق: «فليخلقوا ذَرَّة أو ليخلقوا شعيرة». والحاصل: أنَّ التَّصوير حرامٌ، سواء كان ذلك مجسَّماً أم ملوَّناً، وهو من كبائر الذُّنوب، وفاعلُه ولو مرَّة واحدة يخرج به عن العدالة، ويكون فاسقاً إلا أن يتوب. وأما الصُّور بالطُّرقِ الحديثةِ فهي قسمان: القسم الأول: ما لا يكون له منظرٌ ولا مشهدٌ ولا مظهر، كما ذُكِرَ لي عن التصوير بأشرطة «الفيديو»، فهذا لا حُكم له إطلاقاً، ولا يدخلُ في التَّحريم مطلقاً، ولهذا أجازه أهل العلم الذين يمنعون التَّصوير بالآلة «الفتوغرافيَّة» على الورق، وقالوا: إن هذا لا بأس به، حتى حصل بحثٌ: هل يجوز أن تُصوَّر المحاضرات التي تُلقى في المساجد؟ فكان الرَّأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يُشوِّش على المصلِّين، وربما يكون المنظرُ غيرَ لائقٍ، وما أشبه ذلك. القسم الثاني: التَّصوير الثَّابت على الورق. وهذا إذا كان بآلة «فوتوغرافية» فورية، فلا يدخل في التَّصوير، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن فاعله ملعونٌ؛ لأنه لم يُصَوِّرْ في الواقع، فإن التَّصوير مصدر «صَوَّرَ يُصوِّر»، أي: جعل هذا الشيءَ على صورة معيَّنة، كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6]، وقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: 3]. فالمادة تقتضي أن يكون هناك فعل في نفس الصُّورة؛ لأن «فَعَّلَ» في اللغة العربية تقتضي هذا، ومعلوم أن نقل الصُّورة

بالآلة ليس على هذا الوجه، وإذا كان ليس على هذا الوجه فلا نستطيع أن نُدخِلَه في اللَّعن، ونقول: إنَّ هذا الرَّجل ملعونٌ على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، لأنه كما يجب علينا التورُّعُ في إدخال ما ظاهر اللفظ عدم دخوله فيه، يجب علينا أيضاً التورُّعُ في منع ما لا يتبيَّن لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب، فكما نتورَّعُ في الإيجاب نتورَّع أيضاً في السَّلب، وكذلك كما يجب أن نتورَّعَ في السَّلب يجب أن نتورَّعَ في الإيجاب، فالمسألة ليست مجرد تحريم، ولكن سيترتَّبُ عليها العقوبة، فهل نشهد أن هذا معاقب باللَّعن وشدَّة الظُّلم، وما أشبه ذلك؟ لا نستطيع أن نجزَم إلا بشيء واضح؛ ولهذا يُفَرَّقُ بين رجلٍ أخذ الكتاب الذي خطته يدي، وألقاه في الآلة «الفوتوغرافية» وحرَّكَ الآلة فانسحبت الصُّورةُ، فيُقال: إنَّ هذا الذي خرج بهذا الورق رَسْمُ الأول، ويقال: هذا خَطُّه، ويشهد النَّاس عليه، وبين أن آتي بخطك أقلِّدُه بيدي، أرسم مثل حروفه وكلماته، فأنا الآن حاولت أن أقلِّدَك، وأن أكتبَ ما كتبْتَ، وأصوِّر كما صوَّرت. أما المسألة الأولى فليس منِّي فعلٌ إطلاقاً، ولهذا يمكن أن أصوِّر في الليل، ويمكن أن يصوِّر الإنسانُ وقد أغمض عينيه، ويمكن أن يُصوِّر الرَّجلُ الأعمى، فكيف نقول: إن هذ الرَّجل مصوِّر؟!. فالذي أرى: أن هذا لا يدخل تحت اشتقاق المادة «صَوَّر» بتشديد الواو، فلا يستحقُّ اللعنة. ¬

_ (¬1) وَرَدَ لَعْنُ «المُصَوِّر» في حديث أبي جحيفة، رواه البخاري، كتاب اللباس: باب من لعن المصوِّر، رقم (5962).

واستعماله

ولكن يبقى النَّظر: إذا أراد الإنسان أن يصوِّر هذا التصوير المباح، فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قصد به شيئاً محرَّماً فهو حرامٍ، وإن قصد به شيئاً واجباً كان واجباً، فقد يجب التَّصوير أحياناً، فإذا رأينا مثلاً إنساناً متلبِّساً بجريمة من الجرائم التي هي من حَقِّ العباد؛ كمحاولة أن يقتلَ، وما أشبه ذلك، ولم نتوصَّلْ إلى إثباتها إلا بالتَّصوير، كان التَّصويرُ حينئذ واجباً، خصوصاً في المسائل التي تضبط القضيَّة تماماً؛ لأنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، وإذا صَوَّرَ إنسانٌ صورةً ـ يحرم تمتُّعُه بالنَّظر إليها ـ من أجل التَّمتُّع بالنَّظر إليها فهذا حرام بلا شكٍّ، وكالصُّورة للذِّكرى؛ لأننا لا نقول: إنها غير صورة؛ بل هي صورة لا شَكَّ، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، كما سيأتي إن شاء الله (¬1). واسْتِعْمَالُهُ .......... قوله: «واسْتِعْمَالُهُ»، هذه الجُملة فيها شيء من التجوُّز، لأننا لو أخذناها بظاهرها لكان المعنى: واستعمال التصوير، لأن الضمير يعود على التَّصوير، وليس هذا بمراده قطعاً. وقال في «الرَّوض»: واستعمال المصوَّر (¬2). فالتَّصوير المراد به المصوَّر، فالضَّمير عاد على مصدر يُراد به اسم المفعول، يعني: أن استعمال المصوَّر حرام. وظاهر إطلاق المؤلِّف العموم، أنه يحرم على أي وجهٍ كان، ولكن ينبغي أن نعلم التَّفصيل في هذا. ¬

_ (¬1) انظر: ص (205). (¬2) انظر: «الروض المربع» (1/ 146).

فاستعمالُ المُصَوَّرِ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يستعمله على سبيل التَّعظيم، فهذا حرام سواء كان مجسَّماً أم ملوَّناً، وسواء كان التَّعظيم تعظيم سلطان، أم تعظيم عبادة، أم تعظيم عِلْمٍ، أم تعظيم قَرابة، أم تعظيم صُحبة، أيًّا كان نوعُ التعظيم. وفي الحقيقة؛ إنه ليس فيه تعظيم، فمثلاً: إذا أراد أن يصوِّر أباه، فإن كان أبوه حيًّا فالتَّعظيم بإعطائه ما يلزمه من البِرِّ القولي والفعلي والمالي والجاهي وغير ذلك، وإن كان ميِّتاً فلا ينتفع بهذا التَّعظيم، بل فيها كسب الإثم وتجديد الأحزان، ولذلك يجب على مَنْ كان عنده صورة من هذا النوع أن يمزِّقها، أو يحرقها، ولا يجوز له إبقاؤها؛ لأن هذا فيه خطورتان: الخطورة الأولى: تجنّب الملائكة لدخول البيت. والخطورة الثانية: أن الشيطان قد يدخل على الإنسان من هذا التعظيم، حتى يستولي تعظيمهم على قلبه، ويسيطر عليه، ولا سيَّما فيما يَتَعَلَّق بالعِلْم والعبادة، فإن فتنة قوم نوح كانت في الصُّور، وهذا لا فرق فيه بين الملوَّن والمجسَّم، أي: سواء كان صورة على ورقة، أم على خِرقة، أم كانت صورة مجسَّمة. القسم الثاني: أن يتَّخذه على سبيل الإهانة مثل: أن يجعله فراشاً، أو مِخَدَّة، أو وسادة، أو ما أشبه ذلك، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم (¬1): فأكثر أهل العلم على الجواز، وأنه لا بأس به؛ لأن ¬

_ (¬1) انظر: «فتح الباري» (10/ 388، 391)، «الإنصاف» (3/ 257).

الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم اتَّخذ وسادة فيها صورة (¬1)، ولأن هذا ضِدُّ السبب الذي من أجله حُرِّم استعمال الصُّور؛ لأن هذا إهانة. وذهب بعضُ أهل العلم إلى التَّحريم، واستدلَّ هؤلاء بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم جاء إلى بيته ذات يوم فرأى «نُمْرُقَةً» ـ أي: مِخَدَّة ـ فيها صُوَر؛ فوقف ولم يدخل، قالت عائشة: فعرفتُ الكراهيةَ في وجهه، فقلت: أتوب إلى الله ورسوله ممَّا صنعتُ؟ فقال: «إنَّ أهل هذه الصُّور يُعذَّبون؛ يُقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم» (¬2). قالوا: فنكرهُهَا؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كرهها وقال: «إِنَّ أهل هذه الصُّور يعذَّبُون»، وقال: «إنَّ الملائكةَ لا تدخل بيتاً فيه صُورة» (¬3) ويُحمل ما ذُكر عنه أنه اتَّكأ على مِخَدَّة فيها صورة (¬4) بأن هذه الصورة قُطِعَ رأسُها، وإذا قُطِعَ رأس الصُّورة فهي جائزة. ولا شكَّ أن تجنُّبَ هذا أورع وأحوط، فلا تستعمل الصُّور، ولو على سبيل الامتهان كالفراش والمخدَّة، والسَّلامة أسلم، وشيء كَرِه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم أن يدخل البيت من أجله، فلا ينبغي لك أن ينشرح صدرُك به، فمن يستطيع أن ينشرح صدرُه في مكان ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب المظالم: باب هل تكسر الدنان التي فيها خمر، رقم (2479)، ومسلم، كاتب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107) عن عائشة رضي الله عنها. (¬2) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق: باب إذا قال أحدكم آمين، رقم (3224)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107) من حديث عائشة رضي الله عنها. (¬3) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب التصاوير، رقم (5949)، ومسلم، الموضع السابق، رقم (2106) من حديث أبي طلحة، ورقم (2107) من حديث عائشة. (¬4) ورد ذلك في حديث عائشة عند مسلم المتقدم تخريجه.

كَرِهَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم دخوله. لهذا فالقول بالمنع إن لم يكن هو الصَّواب فإنه هو الاحتياط. القسم الثالث: ألا يكون في استعمالها تعظيم ولا امتهان، فذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم استعمال الصُّور على هذا الوجه (¬1)، ونُقل عن بعض السَّلف الإباحة إذا كان ملوَّناً، حتى إن بعض السَّلف كان عندهم في بيوتهم السَّتائر يكون فيها صُور الحيوان، ولا يُنكرون ذلك، ولكن لا شَكَّ أن هؤلاء الذين فعلوه من السَّلف كالقاسم بن محمد (¬2) رحمه الله لا شكَّ أنه يُعتَذر عنهم بأنهم تأوَّلوا، ولا يحتجُّ بفعلهم؛ لأن الحُجَّة قولُ الله ورسوله، أو لم يبلغهم الخبر، أو ما أشبه ذلك من الأعذار. مسألتان: المسألة الأولى: ما عمَّت به البلوى الآن من وجود هذه الصُّور في كلِّ شيء إلا ما ندر، فتوجد في أواني الأكل والشُّرب، وفي «الكراتين» الحافظة للأطعمة، وفي الكُتُب، وفي الصُّحف، فتوجد في كلِّ شيءٍ إلا ما شاء الله. ¬

_ (¬1) انظر: «فتح الباري» (10/ 388). (¬2) روى ابنُ أبي شيبة في «المصنَّف»، كتاب اللباس والزينة: باب الرجل يتكئ على المرافق المصوَّرة، رقم (25292) عن أزهر، عن ابن عون قال: «دخلتُ على القاسم وهو بأعلى مكَّة في بيته، فرأيتُ في بيته حجلة فيها تصاوير القُندس والعنقاء». قال الحافظُ ابن حجر: سنده صحيح. «الفتح» شرح حديث رقم (5954). والقاسم هو: ابن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، القرشي، التيمي، أحد الفقهاء السَّبعة، كان عالماً ورعاً، كثير الحديث، ثقة. توفي سنة (106) اهـ. «سير أعلام النبلاء» (5/ 53 ـ 60).

فنقول: إن اقتناها الإنسان لما فيها من الصُّور فلا شكَّ أنه محرَّم، أي: لو وَجَدَ صورةً محرّمة في هذه «المجلة» أو في هذه «الجريدة» فأعجبته؛ فاقتناها لهذا الغرض فهذا حرام لا شكَّ. أو كان يشتري «المجلات» التي تُنشر فيها الصُّور للصُّور فهذا حرام، أما إذا كانت للعلم والفائدة والاطلاع على الأخبار؛ فهذه أرجو ألاَّ يكون بها بأس، نظراً للحرج والمشقَّة، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، فهذه الصُّور ليست مقصودة للإنسان، لا حال الشراء، ولا حال القراءة، ولا تهُمُّهُ. لكن لو فُرض أنَّ الإنسان عنده أهل؛ ويخشى أن يكون في هذه الصُّور من هو وسيم وجميل تُفْتَتَنُ به النِّساء، فحينئذٍ لا يجوز أن تكون هذه «المجلة» أو «الصحيفة» في بيته، لكن هذا تحريم عارض، كما أن مسألة الأواني و «الكراتين» الحافظة للأطعمة وشِبْهِ ذلك قد يُقال: إنَّ فيها شيئاً من الامتهان، فلا تكون من القسم المحرَّم. المسألة الثانية: وهي الصُّور التي يلعب بها الأطفال، وهذه تنقسم إلى قسمين: الأول: قسم من الخِرَق والعِهْن وما أشبه ذلك، فهذه لا بأس بها؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تلعبُ بالبنات على عَهْد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُنكر عليها (¬1). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأدب: باب الانبساط إلى الناس، رقم (6130)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة: باب فضل عائشة، رقم (2440) عن عائشة رضي الله عنها.

ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهب قبل استحالته

الثاني: قسم من «البلاستيك» وتكون على صورة الإنسان الطبيعي إلا أنها صغيرة، وقد يكون لها حركة، وقد يكون لها صوت، فقد يقول القائل: إنها حرام؛ لأنها دقيقة التَّصوير، وعلى صورة الإنسان تماماً، أي: ليست صورة إجماليَّة ولكن صورة تفصيليَّة، ولها أعين تتحرَّك، وقد نقول: إنها مباحة؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات، ولم يُنكر عليها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم. ولكن قد يقول القائل: إن الصُّور التي عند عائشة ليست كهذه الصُّور الموجودة الآن، فبينهما فرقٌ عظيم، فمن نظر إلى عموم الرُّخصة وأنَّه قد يُرخَّص للصِّغار ما لا يُرخَّص للكبار، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في باب السَّبْق، لما ذكر بعض آلات اللهو قال: «إنه يُرخَّصُ للصِّغار ما لا يُرخَّصُ للكبار» (¬1)، لأن طبيعة الصِّغار اللهو، ولهذا تجد هذه الصُّور عند البنات الصِّغار كالبنات حقيقة، كأنها ولدتها، وربما تكون وسيلة لها لتربِّي أولادها في المستقبل، وتجدها تُسمِّيها أيضاً هذه فلانة وهذه فلانة، فقد يقول قائل: إنه يُرَخَّصُ لها فيها. فأنا أتوقَّفُ في تحريمها، لكن يمكن التخلُّص من الشُّبهة بأن يُطمس وجهها. وَيَحْرمُ اسْتِعْمَالُ مَنْسُوجٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ قَبْلَ اسْتِحَالَتِه، ........ قوله: «ويحرمُ استعمالُ مَنْسوجٍ أو مُمَوَّهٍ بذَهَبٍ قبل استِحَالَتِه». قوله ـ فيما بعد ـ: «على الذُّكور» متعلِّق بقوله «يَحْرُم»، يعني: يحرم على الذَّكر استعمال منسوج بذهب أو مُموَّه به. والمنسوج بذَهَبٍ: هو أن يكون فيه خيوط من الذَّهب ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (30/ 216)، «الاختيارات» ص (160).

تُنْسج؛ سواء كانت هذه الخيوط على جميع الثَّوب، أو في جانب منه كالطَّوق مثلاً أو طرف الكُمِّ، أو في أيِّ موضع؛ لعموم قول النبيِّ (ص): «أُحِلَّ الذَّهب والحرير لإناث أمتي وحُرِّم على ذكورها» (¬1)، ولأن الرَّجُل ليس بحاجة إلى أن يتحلَّى بذهبٍ؛ إذ ¬

_ (¬1) رواه الطيالسي رقم (506)، وأحمد (4/ 392، 394، 407)، والنسائي، كتاب الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال (8/ 161) رقم (5163)، والترمذي، كتاب اللباس: باب ما جاء في الحرير والذهب، رقم (1720) وغيرهم، من حديث أبي موسى الأشعري. وأعلَّهُ: الدارقطني، وابن حبان، وابن حجر، وغيرهم بالانقطاع. انظر: «العلل» للدراقطني (7/ 241)، «صحيح ابن حبان» رقم (5434)، «التلخيص الحبير» رقم (51). وللحديث شواهدُ كثيرةٌ من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعقبة بن عامر، وزيد بن أرقم. لكنها ضعيفة وغالبها معلول. قال البزار: «لا نعلم فيما يُروى في ذلك حديثاً ثابتاً عند أهل النقل». «البحر الزخار» (1/ 467). وأمثلُ هذه الشواهد حديث عقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب. فأما حديث عقبة بن عامر فرواه الطحاوي (4/ 251)، والبيهقي (2/ 275) من طريق: يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمرو بن الحارث والحسن بن ثوبان، عن هشام ابن أبي رقية، عن عقبة بن عامر مرفوعاً: «من كذب عليَّ متعمداً؛ فليتبوَّأ بيته من جهنم»، ثم قال ... فذكره بلفظه سواء. يحيى بن أيوب؛ قال أحمد: سيء الحفظ. قال النسائي: ليس بالقوي. قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ. انظر: «تهذيب الكمال» (31/ 236). وخالفه: عبد الله بن وهب ـ وهو ثقة حافظ ـ فرواه عن عمرو بن الحارث بإسناده ومتنه؛ إلا أنه قال في آخره (وهو موضع الشاهد): «مَنْ لبس الحرير في الدنيا حُرمه أن يلبسه في الآخرة»، انظر: «شرح مشكل الآثار» (12/ 309، 310). وهشام بن أبي رقية ذكره ابن حبان في «الثقات» (5/ 501) ولم يوثقه غيره. وأما حديث عليّ بن أبي طالب فرواه أحمد (1/ 115)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب في الحرير للنساء، رقم (4057)، والنسائي، كتاب الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال (8/ 159)، وابن ماجه، كتاب اللباس: باب لبس الحرير والذهب للنساء، رقم (3595) من طريق أبي أفلح، عن عبد الله بن زُرَير الغافقي، عن عليّ به. أبو الأفلح: وثَّقه العجليُّ، وقال الذهبي في «الميزان»: قال ابن القطان: مجهول. وقال في «الكاشف»: صدوق، وقال ابن حجر في «التقريب»: مقبول. وعبد الله بن زرير: وثقة العجلي وابن سعد. وقال ابن حجر: ثقة رُمي بالتشيع. قال عليُّ بن المديني: هو حديث حسن، رجاله معروفون، ولا يجيء عن علي إلا من هذا الوجه. انظر: «العلل» للدارقطني (3/ 260)، «التمهيد» لابن عبد البر (14/ 248) «الأحكام الوسطى» لعبد الحق (4/ 184)، «نصب الراية» (4/ 223)، «التلخيص الحبير» رقم (51).

إنَّهُ يُتَحَلَّى له ولا يَتحلَّى هو لأحد، كما قال الله تعالى في وصف الأنثى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *} [الزخرف]، أي: يُربَّى في الحِلْيَة، فالمرأة هي التي تحتاج إلى أن تتزيَّن وتتحلَّى، وأما الرَّجل فلا ينبغي له أن يكسر رُجولَتَه حتى يتنزَّل إلى أن يكون على صفات الإناث في النعومة ولباس الذَّهب وما أشبه ذلك. وتحريمُ لباس الخالص من الذهب بالنسبة للرَّجل من باب أولى، ولهذا يحرم عليه أن يلبس خاتماً من الذَّهب، أو قِلادةً، أو سِلسِلةً، أو خُرْصاً، أو ما أشبه ذلك. وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عَبَّاس؛ أنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم رَأَى خَاتماً من ذَهَبٍ في يَدِ رَجُلٍ. فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ وَقَالَ: «يعْمِدُ أَحدُكُم إلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ»، فَقيلَ لِلرَّجُلِ بعَدَ مَا

وثياب حرير، وما هو أكثره ظهورا على الذكور

ذَهَبَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ به. قَالَ: لا، والله! لاَ آخُذُهُ أَبَداً، وقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم (¬1). وقوله: «أو مُمَوَّهٍ بذهبٍ قبل استحالتِه»، أي: ويحرُم مموَّهٌ بذهبٍ، وهو المطليُّ بالذَّهب على الرَّجل؛ لعموم الحديث، إلا أن المؤلِّف استثنى إذا استحال هذا الذهب وتغيَّر لونُه. وصار لو عُرِضَ على النَّار لم يحصُل منه شيءٌ، فهذا لا بأس به؛ لأنه ذهب لونُه، فمثلاً: لو أنه مع طول الزَّمن تآكل، وذهب لونُه، ولم يكن لونُه كلون الذَّهب، وصار لو عُرِضَ على النار وصُهِرَ لم يحصُل منه شيءٌ، فحينئذ نقول: هذا جائز؛ لأنه ذهب عنه لونُ الذَّهب ما بقي إلا أنه كان قد مُوِّه به. وثِيَابُ حَرَيْرٍ، وما هو أكْثَرُهُ ظُهُوراً على الذُّكُورِ ......... قوله: «وثِيَابُ حَرِيْرٍ»، أي: ويَحرُم ثيابُ حرير خَالصة. والمراد بالحرير هنا الحريرُ الطبيعي دون الصناعي، والحرير الطبيعي يخرج من دودة تُسمَّى «دودة القَزِّ» وهو غالٍ وناعم، ولهذا حُرِّم على الرَّجل؛ لأنه يشبه من بعض الوجوه الذهب؛ لكونه مما يُتَحلَّى به، وإن كان ملبوساً على صفة الثياب، ولكنه لا شَكَّ أنه يُحرِّك الشَّهوة بالنسبة للمرأة، فلا يليقُ بالرَّجُل أن يلبس مثل هذا الثَّوب لهذه العِلَّة وللحديث السابق (¬2). قوله: «وما هو أكْثَرُهُ ظُهُوراً على الذُّكُورِ»، «ما» هنا نكرة موصوفة، أي: ويحرمُ ثوبٌ، «هو» أي: الحرير، «أكثره» أي: ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم خاتم الذهب على الرجال ... رقم (2090). (¬2) تقدم تخريجه ص (209).

أكثر هذا الثَّوب، «ظهوراً» أي: بُرُوزاً للنَّاس، أي: يحرم على الذُّكور ثوبٌ يكون الحرير أكثره ظهوراً. مثال ذلك: لو كان هناك ثوب فيه أعلام، ثُلُثَاه من الحرير وثُلُثُه من القطن، أو الصُّوف، فهو حرام؛ لأن أكثره الحرير. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنه لو كان الحرير أقلَّ، فليس بحرامٍ، مثل لو كان فيه أعلام حرير أعني خُطُوطاً، وهذه الخطوط إذا نُسِبَتْ إلى ما معها من القُطن أو الصُّوف وجدنا أنها الثُّلُث، فالثَّوب حينئذ حلال اعتباراً بالأكثر، فإن تساويا فسيأتي في كلام المؤلِّف أنه ليس بحرام، وقيل: إنَّه حرام (¬1). وقوله: «على الذُّكور»، أي: دون النِّساء لما علمنا من قبل من الدَّليل والتعليل (¬2). وهل لُبْسُ الحرير من باب الصَّغائر؟. الجواب: نقول هو من باب الكبائر؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «من لَبِس الحريرَ في الدُّنيا لم يلبسه في الآخرة» (¬3)، وهذا وعيد. وقد اختلف العلماء رحمهم الله في معنى هذا الوعيد (¬4)، فقيل: المعنى أنه لا يدخل الجَنَّة؛ لأنَّ لِبَاسَ أهل الجنَّة الحرير، ومن لازم حرمان اللباس أن لا يدخل، وعلى هذا فيكون فيه ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 261). (¬2) انظر: ص (211). (¬3) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، رقم (5834)، ومسلم، كتاب اللباس: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، رقم (2068) عن عمر بن الخطاب. (¬4) انظر: «فتح الباري» (10/ 32، 289).

لا إذا استويا

تحذير شديد أن ينسلخ الإيمان من قلب هذا الرَّجُل حتى يموت على الكفر فلا يدخل الجنَّة. وقيل: المعنى أنه وإن دخل الجنَّة؛ فإنه لا يلبس الحرير، فيُحْرَم من ذلك. فإن قال قائل: يَرِدُ على هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ} [الزخرف: 71]، ومن المعلوم أن لِبَاس الحرير لِبَاسٌ تشتهيه النَّفس، فكيف الجواب؟ نقول: الجواب: ـ والعلم عند الله ـ إما أنه يُحْرَمُ من لباس الحرير إلى مُدَّةٍ؛ الله أعلمُ بها، وإما ألا تشتهي نفسُه هذا الحرير، ويكون هذا نقصاً في نعيمه، فلا يتنعَّم كمال التَّنعُّم، كما أن المريض قد لا يشتهي نوعاً من الطَّعام، ويكون هذا نقصاً في مأكله. لاَ إِذَا اسْتَوَيَا ......... قوله: «لا إذَا اسْتَوَيَا»، أي: لا يحرم الحرير إذا استويا. والضَّمير يعود على الحرير وما معه، لأنه قد اجتمع مبيحٌ وحاظر، والأصلُ الإباحة حتى نعلم أن هذا مما يدخله التَّحريم، فنحن في شك من دخوله في تحريم الحرير والأصل الإباحة. وقال بعض أصحابنا رحمهم الله: بل إذا استويا يَحرُم (¬1)، وعلَّلوا بالقاعدة المشهورة: «أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحظر» ولكلٍّ منهما وجه، فكلٌّ من التعليلين صحيح؛ لأن الذين يقولون: إنه إذا استويا لا يحرم يقولون: إن المحرَّم هو الحرير، وألحقنا الأكثر بالكُلِّ، أما أن نُلحق المساوي بالكُلِّ، ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 261).

ولضرورة أو حكة

فهذا بعيدٌ من القواعد الشَّرعيَّة. والذين قالوا بالتَّحريم قالوا: إنما اجتمع مبيح وحاظر فغُلِّبَ جانبُ الحظر، وهذه قاعدة شرعية مُطَّرِدَة في مثل هذه الأشياء التي تتعارض فيها الأدلَّة، وموقفنا منها الاحتياط، والاحتياطُ في مقام الطَّلب: الفعلُ، وفي مقام النهي: التركُ. والحاصل: أن المحرَّم هو الحريرُ الخالص أو الذي أكثره الحرير، وأما ما أكثره غير الحريرُ فحلال، وأما ما تساوى فيه الحرير وغيره فمحلُّ خلاف. وَلِضَرُورَةٍ أَوْ حِكَّةٍ ......... قوله: «ولضرورة»، هذا عائد على الحرير، أي: أو لُبْسه لضرورة، ومن الضَّرورة ألا يكون عنده ثوب غيره، ومن الضَّرورة أيضاً أن يكون عليه ثوب، ولكنه احتاج إلى لُبْسِهِ لدفع البرد، ومن الضَّرورة أيضاً أن يكون عليه ثوب لا يستر عورته لتمزُّقٍ فيه، فكلُّ ما دعت إليه الضَّرورة جاز لُبْسُهُ. قوله: «أو حِكَّةٍ»، أي: أنه إذا كان فيه حِكَّة جاز لُبْسه. والحكمة: أن الحرير لنعومته ولينه يطفئ الالتهاب من الحِكَّة فلهذا أجازه الشَّارع. فقد رَخَّصَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لعبد الرحمن بنِ عَوف والزُّبير رضي الله عنهما أن يلبسا الحرير من حِكَّة كانت بهما (¬1). فالحِكَّة إذاً تُبيح لُبْس الحرير. فإذا قال قائل: لدينا قاعدة شرعية وهي: أن المحرَّم لا ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الجهاد: باب الحرير في الحرب. رقم (2920)، ومسلم، كتاب اللباس: باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة، رقم (2076) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

تُبيحه إلا الضَّرورة، وهنا الحِكَّة هل هي ضرورة؟ فالجواب: أنها قد تكون ضرورة، فأحياناً يُبتلى الإنسان بحِكَّة عظيمة لا تجعله يستقر، وعلى هذا فلا إشكال، لكن إذا كان لُبْسُه لحاجة فكيف يجوز ولا ضرورة؟ فالجواب: أن تحريم لُبْسِ الحرير من باب تحريم الوسائل، وذلك لأن الحريرَ نفسَه من اللباس الطيِّب ولِبَاس الزِّينة، ولكن لما كان مدعاة إلى تنعُّم الرَّجل كتنعُّم المرأة؛ بحيث يكون سبباً للفتنة؛ صار ذلك حراماً، فتحريمه إذاً من باب تحريم الوسائل، وقد ذكر أهلُ العلم أن ما حُرِّمَ تحريم الوسائل أباحته الحاجة، وضربوا لذلك مثلاً بالعَرَايا (¬1)، وهي بيع الرُّطب بالتَّمر، وبيع الرُّطب بالتَّمر حرام؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما سُئل عن بيع التمر بالرطب، قال: «أينقص الرُّطب إذا يَبسَ؟»، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (¬2) لأنه رِبَا؛ إذ إن الجهل بالتساوي كالعلم بالتَّفاضل، لكن العَرَايا أُبيحت للحاجة، والحاجة هي أن الإنسانَ الفقيرَ الذي ليس عنده نقودٌ إذا كان عنده ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 539)، (23/ 186، 187)، «إعلام الموقعين» (2/ 140). (¬2) رواه مالك، كتاب البيوع: باب ما يكره من بيع التمر، رقم (1352)، وأبو داود، كتاب البيوع: باب في التمر بالتمر، رقم (2359)، والنسائي، كتاب البيوع: باب اشتراء التمر بالرطب (7/ 269) رقم (4559)، والترمذي كتاب البيوع: باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم (1225)، وابن ماجه، كتاب التجارات: باب بيع الرطب بالتمر، رقم (2264). من طريق عبد الله بن يزيد، عن زيد أبي عياش، عن سعد بن أبي وقاص به. والحديث صحّحه: عليُّ بن المديني، والترمذيُّ، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وغيرهم. انظر: «بلوغ المرام» رقم (845).

أو مرض، أو قمل، أو حرب أو حشوا

تمر، واحتاج إلى التَّفكُّة بالرُّطب، كما يتفكَّهُ النَّاسُ أباح له الشَّارع أن يشتري بالتَّمر رُطباً على رؤوس النخل، بشرط ألا تزيد على خمسة أوسق، وأن يكون بالخَرْصِ، أي: أننا نَخْرِصُ الرُّطب لو كان تمراً بحيث يساوي التَّمر الذي أبدلناه به. فهذا شيء من الرِّبا، ولكن أُبيح للحاجة. لماذا؟ لأن تحريم رِبَا الفضل من باب تحريم الوسائل، بخلاف رِبَا النسيئة، فإن تحريم رِبَا النسيئة من باب تحريم المقاصد، ولهذا جاء في حديث أسامة بن زيد «لا رِبا إلا في النَّسيئة. أو: إنما الرِّبَا في النَّسيئة» (¬1)، قال أهل العلم: المراد بهذا الرِّبَا الكاملُ المقصودُ، أما رِبَا الفضل فإنه وسيلة (¬2). أَوْ مَرَضٍ، أَوْ قَمْلٍ، أو حَرْبٍ أَو حَشْواً، ........ قوله: «أو مَرضٍ»، أي: يجوز لُبْس الحرير إذا كان فيه مرض يخفِّفُه الحرير أو يُبرئه، والمرجع في ذلك إلى الأطباء، فإذا قالوا: هذا الرَّجل إذا لَبِسَ الحرير شُفي من المرض، أو هان عليه المرض، فله أن يَلْبَسَه. قوله: «أو قَمْلٍ»، أي: يجوز لُبْسُ الحرير لطرد القمل، لأنَّه محتاج لذلك إمَّا حاجة نَفْسيَّة؛ إذ إنَّ الإنسان لا يُطيق أن يخرج إلى النَّاس وعلى ثيابه القمل، وإمَّا حاجةً جسدية؛ لأن هذا القمل يقرصُ الإنسانَ ويتعبه، والحرير للُيُونته ونظافته ونعومته يطرد القملَ؛ لأنه أكثر ما يكون مع الوسخ. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب البيوع: باب بيع الدينار بالدينارين، رقم (2178)، ومسلم: كتاب المساقاة: باب بيع الطعام مثلاً بمثل، رقم (1596). (¬2) انظر: «إعلام الموقعين» (2/ 135).

قوله: «أو حرب»، أي: ويجوزُ لُبْس الحرير لحربٍ مع الكُفَّار، وفي بعض النُّسخ «أو جَرَبٍ». أمَّا على نسخة «أو جَرَب» فعطفه على الحِكَّة من باب عطف الخاصِّ على العام؛ لأن الجَرَب حِكَّة. وأمَّا على نسخة «أو حَرْب» فإنه عطف مباين على مباين، وإذا تعارض عندنا أن يكون العطف مبايناً على مباين، أو عطف خاصٍّ على عام فالأَوْلى عطف مباين على مباين؛ لأن عطف الخاصِّ على العام شبه تكرار لبعض أفراده، وقد استُفيد هذا الفرد الذي عُطف من صيغة العموم، وعلى هذا فالنسخة الأُولى أَوْلَى. فالحرب يجوز فيه لِبَاس الحرير لما في ذلك من إغاظة للكفَّار، فإن الكُفَّار إذا رأوا المسلمين بهذا اللباس اغتاظوا، وانكسرت معنويَّاتهم، وعرفوا أن المسلمين في نعمة، وأن المسلمين أيضاً غير مبالين بالحَرب؛ لأن الرَّجل الذي يتجمَّل بالحرير، كأنه يقول بلسان الحال: أنا لا أهتمُّ بالحرب، ولهذا ذَهَبْتُ ألبسُ هذا الثوب الناعم، ولهذا كانوا في الحرب، ربما يجعلون على عمائمهم ريش النَّعام؛ ليُعرف الرَّجُلُ أنَّه شُجَاع، وأنه غير مبالٍ بالحرب. ورأى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أبا دُجَانة «سِماكَ بن خَرَشَة» يختال في مشيته بين الصفَّين في معركة أُحد، يعني يتبختر، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إنها لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُها الله إلا في مثل هذا الموطن» (¬1)، لأجل أن يُظهر العلوَّ والفخرَ على هؤلاء الكُفَّار. ¬

_ (¬1) رواه محمد بن إسحاق (انظر مختصر السيرة لابن هشام: 3/ 16)، ومن طريقه: الطبري في «التاريخ» (2/ 511)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 233). بسندٍ فيه جهالة وانقطاع. وله شاهد رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 54). والطبراني في «المعجم الكبير» (7/رقم 6508) عن خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن سماك، عن أبيه، عن جده: أن سماك فذكره. قال الهيثمي: «فيه مَنْ لم أعرفه». «المجمع» (6/ 109).

وكلُّ شيء يغيظ الكافر فإنه يُرضي الله عزّ وجل، وكلُّ شيء فيه إكرام للكافر فإنه يُغضبُ الله عزّ وجل؛ لأن إكرام الكافر معناه إظهار الإكرام لمن أهانه الله، وهذه مراغمة لله عزّ وجل، ولهذا قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام في اليهود والنَّصارى: «لا تَبْدَؤوا اليهودَ ولا النَّصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدَهُم في طريقٍ فاضْطَرُّوهُ إلى أضيقِهِ» (¬1)، فإذا تقابل المسلمون والكُفَّار في الطَّريق فلا بُدَّ أن يتمايز بعضُهم عن بعض، فهل نحن نتمايزُ حتى يَجتازوا؟ فالجواب: لا، بل نبقى نحن صامدين ونجعل الضِّيق عليهم، فهم الذي يتمايزون، وهذا معنَى الحديث، وليس معنى الحديث أن الإنسان إذا رأى الكافر ضايقه حتى يكون على الجدار، هذا لم يكن معروفاً في عهد الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، ولا أراده النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام. فكلُّ شيء فيه إكرام الكافر فإنه حرام لا يجوز، ولهذا قال الله عزّ وجل: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120]. وقال في وصف النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام وأصحابه: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب السَّلام: باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسَّلام، رقم (2167) من حديث أبي هريرة.

أو كان علما أربع أصابع فما دون

وأما بِرُّ الكافر والإحسان إليه فلا حرج فيه، إذا كانوا لا يقاتلوننا في الدِّين، ولا يخرجوننا من ديارنا؛ لقوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} [الممتحنة]. قوله: «أو حَشْواً»، بالنصب خبراً لكان المحذوفة، والتقدير: أو كان حشواً، أي: يجوز أن يلبس الإنسان ثوباً محشوًّا بالحرير، فإذا قُدِّر أن رجلاً رأى ثوباً يُبَاع، وفيه حشوُ حرير، واشتراه ليلبسه، فلا بأس بذلك، وإنْ رَأى فراشاً حَشْوه حرير واشتراه لينامَ عليه، فلا بأس بذلك. أو كَانَ عَلَماً أَرْبعُ أَصابِع فَمَا دُونَ ........... قوله: «أو كان عَلَماً»، هذه معطوفة على ما قبلها، أي: يجوز لُبْس الحرير إذا كان عَلَماً في ثوبٍ، والعَلَمُ معناه: الخَطُّ يُطرَّز به الثَّوب. وتطريزُ الثَّوب قد يكون من أسفل، وقد يكون في الجَيْبِ، وقد يكون في الأكمام، وقد يكون ثوباً مفتوحاً فيكون التَّطريز من جوانبه. المهمُّ: إذا كان في الثَّوب عَلَم، أي: خطٌّ من الحرير، فهو جائز لكن بشرطٍ ذكره المؤلِّف في قوله: «أربعُ أصابِع فما دونَ»، أي: أن العَلَمَ يكون قدْرَ أربعة أصابع فما دون، والمرادُ أصابع إنسان متوسِّط، ومثلُ هذا يُرجع فيه إلى الوسط، ولهذا قال الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «إيَّاك وكرائمَ أموالهم» (¬1)، حتى لا تأخذ الأعلى، ولا تأخذ الأدنى أيضاً، فنأخذ بالوسط. فإذا كان العَلَمُ أربعة أصابع في مكان واحد فما دون فهذا ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (8)، من حديث بَعْث معاذ إلى اليمن.

أو رقاعا، أو لبنة جيب وسجف فراء ويكره المعصفر والمزعفر للرجال

لا بأس به؛ لحديث عمر رضي الله عنه: «أنَّه لم يُرخِّصْ في الحرير إلا إذا كان عَلَماً أربع أصابعٍ فما دون» (¬1)، ولا فرق بين أن يكون عَلَماً مستطيلاً في الثَّوب أو في بُقْعَةٍ منه. فإن قيل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: «وما هو أكثرُه ظُهوراً»؟ لأنَّنا لو أخذنا بظاهر العبارة السَّابقة لقلنا: إذا كان عَلَماً عرضه خمس أصابع، وإلى جنبه عَلَم من القُطن عرضه ستَّة أصابع، فإن نظرنا إلى ظاهر ما سبق قلنا: إنَّه جائز. ولكن ما سبق مقيَّد بما يلحق، فيكون مراده فيما سبق إذا كان الثَّوب مشجَّراً، أو إذا كان فيه أعلام أقلُّ من أربع أصابع، أو أعلامٌ كثيرةٌ مفرَّقة، فهنا نعتبر الأكثر، أما إذا كان عَلَماً متَّصِلاً فإن الجائز ما كان أربع أصابع فما دونها. أو رِقَاعاً، أَوْ لَبِنَةَ جَيْبٍ وَسُجُفِ فِرَاءٍ. وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ والمُزَعْفَرُ للرِّجَال ....... قوله: «أو رِقَاعاً أو لَبنة جَيْبٍ»، الرِّقَاع: جمع رُقْعَة، أي: لو رَقَّعَ الثَّوبَ بالحرير فإنَّه يجوز، لكن يجب أن نلاحظ أنه يُقيد بأن يكون أربع أصابع فما دون، وكذلك «لَبنة الجَيْب». والجَيْبُ: هو الذي يدخل معه الرَّأس، و «لَبِنَتهُ» هي: ما يُوضع من حرير على هذا الطَّوق وهو معروف في بعض الثِّياب الآن. قوله: «وسُجُفِ فِرَاءٍ»، الفِراء: جمع فروة، و «سُجُفها» ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب اللباس: باب تحريم استعمال أواني الذهب ... ، رقم (15 ـ 2069) عن عمر بن الخطاب قال: «نهى نبيُّ الله عن لُبس الحرير، إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع»، ورواه النسائي كتاب الزينة باب الرخصة في لبس الحرير (2/ 202) رقم (5328) بلفظ: «أنه لم يرخص في الديباج إلا موضع أربع أصابع». وانظر: «صحيح البخاري» كتاب اللباس: باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، رقم (5828 ـ 5835).

أطرافها، والفروة مفتوحة من الأمام، «فسجفُها» أي: أطرافها. فهذا لا بأس به، لكن بشرط أن يكون أربع أصابع فما دون. قوله: «ويُكره المُعَصْفَر والمُزَعْفَر للرِّجَال»، أي: كراهة تنزيه، ويجب أن نعلم أنَّ الفقهاء المتأخِّرين رحمهم الله إذا قالوا: «يُكره» فالمُراد كراهة التَّنزيه، ولا يَقْصِدُون بذلك كراهة التَّحريم. والمُزَعْفَرُ: هو المصبوغ بالزَّعفران، والمُعَصْفر: هو المصبوغ بالعُصْفر، مكروه للرِّجال. ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين مُعَصْفَرين فنهاه أن يلبسهما وقال: «إنَّ هذه من ثِيابِ الكُفَّار، فلا تَلْبَسْهَا» (¬1)، فنهاه وعلَّل. وإذا استدللنا بهذا الحديث على هذا الحُكم وجدنا أنَّ الحُكم بالكراهة التّنزيهيَّة فيه نَظَر؛ لأنَّ هذا الحديث يقتضي أنَّه حرامٌ، وهذا هو القَوْل الصَّحيحُ: أنَّ لُبْسَ المُعَصْفَر حرامٌ على الرَّجُل، والمُزَعفر مثله؛ لأنَّ اللون واحد أو متقارب، فلا يجوز للرَّجُل أن يَلبسَ ثياباً مُزَعفرة أو ثياباً معصفرة؛ لأنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ هذه من ثيابِ الكُفَّار ... »، ولا يمكن أن نقول: إنَّها مكروهة كراهة تنزيه، والرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام جعلها من لِبَاس الكُفَّار. ولكن يَرِدُ على هذا: أنَّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام كان ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب اللباس: باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، رقم (2077)، من حديث عبد الله بن عمر.

يَلْبَسُ الحُلَّةَ الحمراء (¬1)، والحمراء أغلظ حمرة من المُعَصْفر، فكيف ينهى عن المُعْصْفَر ويقول: إنه من لِبَاسِ الكُفَّار، ثم يلبسُ الأحمر؟ أُجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة (¬2): الجواب الأول: أنَّ الأحمر الخالص ليس هو لِبَاس الكُفَّار، فلباس الكفار هو المُعْصْفَر، والمُعَصْفَر يميل إلى الحُمْرَة، ولكن ليس خالصاً، والحُلَّة الحمراء التي كان الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم يلبسها كانت حمراء خالصة. وهذا الجواب فيه نظر، لأنَّ الأحمر الخالص أشدُّ من المعصفر. الجواب الثاني: أنَّ هذا فعل، والفعل لا يُعارض القول؛ لاحتمال الخُصوصية، وهذه القاعدة مشى عليها الشَّوكاني في «شرح المنتقى» (¬3) فيجعل فعلَ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام المعارض لعموم قوله من خصائصه، ولا يحاول أن يجمع، ولكن هذه الطريقة ليست بصواب؛ لأن فعلَ الرَّسول سُنَّةٌ وقولَه سُنَّة، ومتى أمكن الجمع بينهما وَجَبَ؛ لئلا يكون التَّناقض، ولأنَّ الأصل عدم الخُصوصيَّة. الجواب الثَّالث: أنَّ الحُلَّة الحمراء هي التي خُطوطها حُمْر، وليست حمراء خالصة، وإلى هذا ذهب ابنُ القيم (¬4) رحمه الله. كما ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب الثوب الأحمر، رقم (5848)، ومسلم، كتاب الفضائل: باب صفة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، رقم (2337)؛ عن البراء قال: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مربوعاً، وقد رأيته في حُلَّةٍ حمراءَ، ما رأيت شيئاً أحسنَ منه». (¬2) انظر: «فتح الباري» (10/ 305، 306). (¬3) انظر: «نيل الأوطار» (2/ 88). (¬4) انظر: «زاد المعاد» (1/ 137).

ومنها: اجتناب النجاسات

يُقال: هذا الرَّجل «شِماغه» (¬1) أحمر، وهذا الرَّجل «شِمَاغه» أسود، وليس المُراد أنَّ كلَّه أحمر أو كلَّه أسود، فيقول رحمه الله: إن هذه الحُلَّة الحمراء لا تُعارض نهيه؛ لأنها حُلَّة حمراء لكن ليست خالصة، وإذا كان مع الأحمر شيء يُزيل عنه الحُمرة الخالصة فإن هذا لا بأس به. وهذا الجواب أظهر الأجوبة. ومنها: اجْتِنَابُ النَّجَاسَاتِ ........... قوله: «ومنها اجتنابُ النَّجَاسات»، أي: ومن شروط صحّة الصَّلاة اجتنابُ النَّجاسات، أي: التنزُّه منها، وهذا في البدن والثوب والبقعة، ونحتاج إلى دليل لكلِّ هذه الثَّلاثة فنقول: أما البدن؛ فالدّليل على اشتراط الطّهارة فيه، ووجوب التنزُّه من النَّجاسة: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مَرَّ بقبرين يُعذَّبَان، وأحدُهما كان لا يستتر من البول (¬2). وهذا دليل على أنَّه يجبُ التنزُّه من البول، وكذلك أحاديث الاستنجاء والاستجمار (¬3) كلُّها تفيد أنه يجب التنزُّه من النَّجاسة في البدن. وأما دليلها في الثَّوبِ فمن أدلتها: 1 - قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *} [المدثر]، على أحد التَّفاسير (¬4). 2 - أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر الحائض إذا أصابها دم الحيض أن تغسله ثم تُصلِّي فيه (¬5). ¬

_ (¬1) الشِّماغ: ما يُلبس على الرأس. (¬2) تقدم تخريجه (1/ 133). (¬3) تقدم تخريجها في (1/ 130، 131). (¬4) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (4/ 531)، «الفروع» (1/ 367). (¬5) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 29).

3 - خَلْعُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم نعليه لمَّا أخبره جبريلُ أنَّ فيهما أذى (¬1)، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوز استصحاب النَّجَاسة في حال الصَّلاة. وأما الدَّليل على طهارة المكان: فمنها قوله تعالى في سورة البقرة: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]. ومنها أيضاً: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال في المساجد: «إنَّه لا يصلُح فيها شيءٌ من الأذى والقَذَر»، وأمر أن يُصبَّ على بول الأعرابي ذَنوبٌ من ماء ليطهِّرَه (¬2). وجمهور أهل العلم على أنَّ التنزُّهَ من النَّجاسة شَرطٌ لصحَّةِ الصَّلاة، وأنَّه إذا لم يتنزَّه من ذلك فصلاتُه باطلة (¬3). وذهب بعض أهل العلم إلى أنها ليست شرطاً للصِّحَّةِ، ولكنها واجبة، فلو صَلَّى وعليه نجاسة فهو آثم، وصلاته صحيحة (¬4). والقول الرَّاجح: هو قول الجمهور؛ لأنَّ هذا الواجب خاصٌ بالصَّلاة، وكلُّ ما وجب في العِبَادة، فإن فواته مبطل لها إذا كان عمداً، وعلى هذا فنقول: إن القول الرَّاجح أنَّ صلاتَه باطلةٌ، فكأنه قيل: لا تُصلِّ وأنت متلبِّس بهذه النَّجاسة، فإذا ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (99). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 415). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 464)، «الإنصاف» (3/ 279 ـ 281)، «المجموع شرح المهذب» (3/ 132). (¬4) انظر: «المغني» (2/ 464)، «الإنصاف» (3/ 279 ـ 281)، «المجموع شرح المهذب» (3/ 132).

فمن حمل نجاسة لا يعفى

صَلَّى وهو متلبِّسٌ بها، فقد صَلَّى على وجه ما أراده الله ورسوله، ولا أمره به الله ورسوله، وقد ثَبَتَ عنه عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه قال: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنَا فهو رَدٌّ» (¬1)، فهذا وجه تقرير كون اجتناب النَّجَاسة من شُروط الصَّلاة. فَمَنْ حَمَلَ نَجَاسَةً لا يُعْفَى ........... قوله: «فمن حَمَل نجاسةً لا يُعفى عَنها»، الفاء هنا للتفريع، وأفادنا رحمه الله بقوله: «لا يُعفى عنها» أنَّ من النَّجاسات ما يُعفى عنه، وهو كذلك، وقد سَبَقَ أنه يُعفى عن يسير الدَّم إذا كان من حيوان طاهر كدم الآدمي مثلاً، ودم الشَّاة والبعير وما أشبهها (¬2)، وسَبَقَ أيضاً: أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله يرى العفوَ عن يسير جميع النَّجَاسات، ولا سيَّما إذا شَقَّ التَّحرُّزُ منها مثل أصحاب الحمير الذين يلابسونها كثيراً، فلا يَسلمُ من رشاش بول الحمار أحياناً بل غالباً، فشيخُ الإسلام يرى أنَّ العِلَّة المشقَّة، فكلَّما شَقَّ اجتناب النَّجَاسة فإنَّه يُعفى عن يسيرها (¬3)، وكذا يقال في مثل أصحاب «البويات» إنَّه يُعفى عن يسيرها إذا أصابت أبدانهم مما يحول بينها وبين الماء؛ لأنَّ الدِّين يُسر، ومثل هذه المسائل تحصُل غالباً للإنسان، وهو لا يشعر بها أحياناً أو يشعر بها، ولكن يشقُّ عليه التَّحرُّز منها. مثال حمل النَّجَاسة: إذا تلطَّخ ثوبُه بنجاسةٍ، فهذا حامل لها في الواقع؛ لأنَّه يَحمِلُ ثوباً نجساً، وإذا جعل النَّجَاسة في قارورة في جيبه، فقد حَمَل نجاسة لا يُعفى عنها، وهذا يقع أحياناً في ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 186). (¬2) انظر: (1/ 438 ـ 443). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 578، 579)، «الاختيارات» ص (12، 26).

عصرنا فيما إذا أراد الإنسان أن يحلِّلَ البِرَاز أو البول؛ فحَمَله في قارورة وهو يُصلِّي، فهذا صلاته لا تصحُّ؛ لأنَّه حَمَل نجاسة لا يُعفى عنها. فإن قال قائل: يَرِدُ عليكم على هذا التقرير ما ثَبَت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه حَمَل أُمَامة بنت زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يُصلِّي (¬1) والطِّفلة بطنها مملوء من النَّجَاسات، بل إن شاء أورد عليك أنك أنت تحمل النَّجاسة في بطنك، فما جوابك على هذا؟ أجاب العلماء على ذلك فقالوا: إنَّ النَّجاسة في معدنها لا حُكم لها، فلا تَنْجُسُ إلا بالانفصال (¬2)، وما في بطن الإنسان لم ينفصل بعد، فلا حُكم له، وهذا الجواب صحيحٌ، ولهذا قال بعض العلماء: إن العَلَقَة في الرَّحم إذا استحالت إلى مُضغة، ثم إلى حيوان طاهر؛ لم يصحَّ أن نقول: إن هذه طَهُرت بالاستحالة، وإن كان المعروف عند الفقهاء رحمهم الله أنهم يستثنون ـ مما يطهر بالاستحالة ـ العَلقَةَ تصير حيواناً طاهراً (¬3). لكن بعض العلماء رَدَّ هذا الاستثناء وقال: إنَّ العَلقَة في معدِنها في الرَّحم ليس لها حُكم، فهي ليست بنجسة، ولا طاهرة، ولا حُكم لها (433)، بناءً على هذه القاعدة، وهو أنَّ الشَّيءَ في معدنه لا حُكم له ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب المساجد: باب جواز حمل الصبيان في الصَّلاة (543) عن أبي قتادة رضي الله عنه. (¬2) انظر: «كشَّاف القناع» (1/ 290). (¬3) انظر: «الإنصاف» (2/ 324، 325).

عنها أو لاقاها بثوبه، أو بدنه لم تصح صلاته

عَنْهَا أَوْ لاَقَاهَا بِثَوْبِهِ، أَوْ بَدَنِه لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ. وإِنْ طَيَّنَ أَرْضاً نَجِسةً، أَوْ فَرَشَها طَاهِراً كُرِه وَصَحَّتْ. قوله: «أَوْ لاَقَاهَا بِثَوْبِهِ، أوْ بَدَنِه لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ»، أي: باشر المصلِّي النَّجاسة بثوبه؛ أو بدنه؛ لم تصحَّ صلاتُه. مثاله: استند رجلٌ إلى جدار نجس، نقول: هذا لاقى النَّجاسة، أو كان جالساً في التَّشهُّد أو بين السَّجدتين، وحوله شيء نجس قد وضع يده عليه، فإنه قد لاقاها، فلا تصحّ صلاتُه. فإن مسَّ ثوبُه شيئاً نجساً؛ لكن بدون اعتماد عليه، فقد قال أهل العلم: لا يضرُّ (¬1)؛ لأن هذا ليس بثابتٍ. فإذا قُدِّرَ أنَّ الإنسان المصلِّي لمَّا رَكَعَ مسَّ ثوبُه الجدارَ النَّجس، ولم يستندْ عليه، فإن هذا لا يؤثِّرُ، لأنَّه لم يعتمدْ عليه، فلا يُعدُّ ذلك ملاقاة. ولو صَلَّى رجلٌ على بساط فيه بُقْعَةٌ نجسة؛ فإذا سجد صارت البقعة بين ركبتيه ويديه، فتصحُّ صلاتُه، لأنَّه لم يُلاقِها، ولم يحملْهَا وبالأَوْلَى أيضاً: لو كانت النَّجاسة على جانب من زاوية البساط فإنَّه تصحُّ صلاتُه؛ لأنَّه لم يُلاقِها. قوله: «وإن طَيَّن أرضاً نَجِسةً أو فرشها طاهِراً كُرِه وصَحَّتْ»، هذان حُكمان: إذا طيَّن أرضاً نَجِسَة، أي: كساها بالطِّين، وإن سُمِّتَتْ أو زُفِّتَتْ فمثله، فإذا صلَّى على هذا الطِّين الذي كُسيتْ به هذه الأرض، فَذَكر المؤلِّف فيه حكمين: الأول: كُرِه. ¬

_ (¬1) انظر: «كشَّاف القناع» (1/ 289، 290).

والثَّاني: صَحَّت. فالصَّلاة إذاً صحيحة، والفعل مكروه، والمكروه معناه: أنه لا يُعاقب فاعله، ويُثاب تاركه امتثالاً. وصحَّت الصَّلاةُ؛ لأنَّ هذا الرَّجُل لم يحمل النَّجَاسة، ولم يُلاقِ النَّجاسة؛ فأتى بالشَّرط، وإذا أتى بالشَّرط فصلاتُه صَحيحة. وكُرِهَ الفعلُ: لأنَّه اعتمد على ما لا تصحُّ الصَّلاةُ عليه. هكذا علَّلوا، ولكن هذا التَّعليل عليل في الواقع! لأنَّنا نقول: هذا الذي لا تصحُّ صلاتُه عليه حال بينه وبينه حائل صَفيق، لا يمكن أن يَمسَّ أو يُلاقيَ النَّجاسة من ورائه، ولو أنَّنا أخذنا بهذا لقلنا: لا تسلم صلاة أحد من الكراهة، ولا سيَّما في البيوت التي يكثر فيها الصِّبيان والبول، وما أشبه ذلك، فكلُّهم يفرشون مصلياتهم ويُصلُّون عليها. وهذا فيه نظر ظاهر. والصَّواب: أنَّها تصحُّ ولا تُكره؛ لأنَّه ليس على الكراهة دليل صحيح. وقوله: «أو فَرَشَها طاهراً»، أي: فرش عليها، أي: على الأرض النَّجسة شيئاً طاهراً، مثل: ثوب أو سَجَّادة وصَلَّى عليه؛ فالصَّلاة صحيحة لكن مع الكراهة. فإذا فرشَ شيئاً طاهراً؛ فإنَّ صلاتَه تصحُّ لعدم مباشرته النَّجاسة؛ لأنَّه ليس بحاملٍ لها؛ ولا ملاقٍ لها، وتُكره لاعتماده على ما لا تصحُّ الصَّلاة عليه. ولكن الصَّحيح: أنها لا تُكره؛ لأنه صَلَّى على شيءٍ طاهر يحول بينه وبين النجاسة.

وإن كانت بطرف مصلى متصل صحت إن لم ينجر بمشيه

فإن قيل: لو فرشَها تُراباً، فهل تصحُّ صلاته؟ فالجواب: إنْ كان كثيراً؛ بحيثُ لا يُلاقي النَّجاسة إذا كَبَسَ عليه؛ فالصَّلاةُ صحيحة، وإنْ كان قليلاً؛ بحيثُ يَمُسُّ النَّجاسةَ إذا كَبَسَ عليه؛ فالصَّلاةُ غيرُ صحيحة. وَإِنْ كَانَتْ بِطَرفِ مُصَلَّى مُتَّصلٍ صَحَّتْ إِنْ لَمْ يَنْجَرَّ بِمَشْيِهِ ... قوله: «وإن كانت»، الضَّمير يعودُ على النجاسة. قوله: «بطرفِ مُصَلَّى مُتَّصلٍ صَحَّتْ»، مثاله: رجلٌ يُصلِّي على سَجَّادَة وطرفُها نَجِسٌ، وهذا الطَّرف متَّصلٌ بالذي يُصلِّي عليه، ولكنَّه لا يُباشر النَّجاسة، ولا يُلاقيها، فنقول: إنَّ صلاتَه صحيحةٌ. قوله: «إنْ لم يَنْجَرَّ بمشيه»، هذه العبارة فيها رَكَاكَة، فهي لا تَتَّفقُ مع الأُولى إلا على تقدير؛ لأن قوله: «وإنْ كان بطرفِ مُصَلَّى» فالمُصَلَّى لا ينجرُّ بالمشي، فلو مَشَيت فإنَّه يبقى في مكانه، ولكن يُشير المؤلِّف إلى مسألة أخرى، وهي إذا كانت النَّجاسة متَّصلة بشيءٍ مُتعلِّقٍ بالمُصلِّي، فإن كانت تنجرّ بمشيه لم تصحَّ صلاتُه، وإن كانت لا تنجرُّ صحَّت صلاتُه. مثال ذلك: رَجُل معه حبل، وربطه على رقبة حمار، وقد أمسكه بيده أو ربطه على بطنه، فهنا صلاتُه تصحُّ؛ لأنَّ الحِمَار لو استعصى عليه لم ينجرَّ إذا مشى، وهذا في الغالب، فالصَّلاة هنا صحيحة؛ لأنَّ الرَّجُلَ غير حامل للنَّجَاسة، ولا النَّجاسة تتبعه، وليس مباشراً لها، وهذا على القول بأنَّ الحِمَار نجسٌ. مثالٌ ثانٍ: رَجُلٌ آخر ربط حَبْلاً بيده أو ببطنه، وربطَ طرَفَهُ الآخر في رقبة كلب صغير، فهذا الرَّجُل صلاته لا تصحُّ؛ لأنَّه إذا مشى انجرَّ الكلب فهو مستتبع للنجاسة الآن.

ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته، وجهل كونها فيها لم يعد، وإن علم أنها كانت فيها، لكن نسيها أو جهلها أعاد

مثالٌ ثَالِثٌ: رَجُلٌ ربط حبلاً بحجرٍ كبيرٍ متلوِّثٍ بالنَّجاسة، وربط الحبلَ بيده، أو على بطنه؛ فصلاتُه صحيحة؛ لأن الحجر الكبير لا ينجرُّ بمشيه. مثال رابع: رَجُلٌ ربط حبلاً بحجرٍ صغير متنجِّس، وربط الحبل بيده أو على بطنه، فلا تصحُّ صلاتُه؛ لأنَّه ينجرُّ بمشيه فهو مُسْتَتْبَعٌ له، فيكون كالحامل للنَّجاسة. وهذا قد يُلغَزُ به فيُقالُ: رَجُل اتَّصلَ بنجاسةٍ كبيرة عظيمة، وقلنا: إنَّ صلاتَه صحيحة، ورَجُل اتَّصلَ بنجاسة صغيرة قليلة وقلنا: إنَّ صلاتَه باطلة. وهذا ما ذهب إليه المؤلِّفُ رحمه الله. والصَّحيحُ: أنَّها لا تبطلُ الصَّلاة في كلتا الصُّورتين؛ لأنَّ النَّجاسة هنا لم يُبَاشِرها ثوبه الذي هو سُتْرَةُ صلاته، ولا بُقعة صلاته، ولا بدنه، والحاجة تدعو إلى ذلك، ولا سيَّما في الزَّمن السَّابق، فقد يكون الإنسان في البَرِّ ومعه كلبٌ صغير؛ يَخشى إن أطلقه أن يهربَ ولا يجيء، وليس حوله شجرة يربطه بها؛ فأمسكه بيده وصَلَّى، فما الذي يُبطِلُ صلاتَه؟! وقولهم: إنه مُسْتَتْبَعٌ للنَّجَاسة، نقول: لكنَّها منفصلةٌ عنه في الواقع، وبينه وبينها فاصل؛ وهو هذا الحبل. وَمَنْ رَأَى عَلَيه نَجَاسَةً بَعْدَ صَلاَتِهِ، وَجَهِلَ كَوْنَهَا فيها لَمْ يُعِدْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهَا، لَكِنْ نَسِيهَا أَوْ جَهِلَها أَعَادَ قوله: «وَمَنْ رَأَى عَلَيه نَجَاسَةً بَعْدَ صَلاَتِهِ، وَجَهِلَ كَوْنَهَا فيها لَمْ يُعدْ، وإنْ عَلِمَ أنَّهَا كَانَتْ فِيهَا، لَكِنْ نَسِيهَا أَوْ جَهِلها أَعَادَ»، المراد بالنَّجاسة ما لا يُعفى عنه من النجاسات؛ لأنَّ ما يُعفى عنه لا يضرُّ وجوده.

وقوله: «عليه»، أي: على بدنه أو ثوبه. وقد ذكر المؤلِّفُ هنا صورتين: الصُّورة الأُولى: أشار إليها بقوله: «وجهل كونها فيها»، أي: لا يدري هل كانت عليه وهو في صلاته، أم أصابته بعد الصَّلاة، ففي هذه الصُّورة لا إعادة عليه لوجهين: الوجه الأول: أنَّ صلاتَه قد انقضت من غير تيقُّن المفسد، والأصلُ عَدمُه، ولهذا لو شَكَّ إنسانٌ بعد الصَّلاة هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ فلا يضرُّه؛ لأنَّه فَرَغَ من الصَّلاة. الوجه الثَّاني: أنَّه لا يدري؛ أحصلت تلك النَّجاسة قبل سلامه أو بعد سلامه، والأصل عدم الحصُول فلا إعادة. وإن غلب على ظنِّه أنَّها كانت قبلَ الصَّلاة فلا إعادة عليه أيضاً؛ لأنَّ غلبة الظَّنِّ هنا كالشَّكِّ، والشَّكّ كالعدم، ولهذا لمَّا سُئِل الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم عن الرَّجُلِ يُشكِلُ عليه ـ وهو في صلاته ـ أخرج منه شيء؟ قال: «لا يخرجُ حتى يسمعَ صوتاً؛ أو يجدَ ريحاً» (¬1). ولأنَّ القاعدة: أنَّ اليَقين لا يزولُ إلا بيقين، فلا يزول بشيءٍ مظنون أو مشكوكٍ فيه. الصُّورة الثَّانية: عَلِمَ أنَّ النَّجاسة كانت في الصَّلاة؛ لكن جهلها فلم يعلم إلا بعد صلاته، فعليه الإعادة على كلام المؤلِّف. مثاله: رَجُل صَلَّى؛ فلما سَلَّم وَجَدَ على ثوبه نجاسة يابسة؛ يتيقَّن أنها أصابته قبل الصَّلاة، ولكن لم يعلم بها. ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 59، 269).

واعلمْ أنَّ الجهل ثلاثة أقسام: الأول: أن يعلم أن النَّجاسة كانت في الصلاة لكن بعد أن سلَّم، وهذا ما ذكره المؤلِّف. الثاني: أن يعلم وجودها في الصلاة، لكن لا يدري أهي من النَّجاسات المانعة من صحة الصَّلاة أم لا. مثاله: رَجُل صلَّى وفي ثوبه بُقعٌ؛ لا يدري أهي من النجاسات المعفوِّ عنها أم لا؟ فتبيَّن أنها من النَّجاسات التى لا يُعفى عنها. الثالث: أن يعلمَ وجودها في الصَّلاة؛ لكن لا يدري أنَّ إزالتها شرطٌ لصحَّة الصَّلاة. والمثال واضح. ففي هذه الأقسام كلِّها تلزمه إعادة الصَّلاة؛ لإخلاله بشرطِ الصَّلاة، وهو اجتناب النَّجاسة، فهو كما لو صَلَّى بغير وُضُوء جاهلاً بالحدث. وقوله: «أو نَسيَها»، أي: نَسيَ أنَّ النَّجاسة أصابته، ولم يذكر إلا بعد سلامه فعليه الإعادة على كلام المؤلِّف؛ لإخلاله بشرط الصَّلاة؛ وهو اجتناب النجاسة؛ فهو كما لو صَلَّى محدثاً ناسياً حدثه. ومثل ذلك لو نسيَ أن يغسلها. والرَّاجح في هذه المسائل كلِّها: أنه لا إعادة عليه سواء نسيها، أم نسي أن يغسلها، أم جهل أنها أصابته، أم جهل أنها من النَّجاسات، أم جهل حكمها، أم جهل أنها قبل الصَّلاة، أم بعد الصلاة.

والدَّليل على ذلك: القاعدة العظيمة العامة التي وضعها الله لعباده وهي قوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وهذا الرَّجُل الفاعل لهذا المحرَّم كان جاهلاً أو ناسياً، وقد رفع الله المؤاخذة به، ولم يبقَ شيء يُطالب به. وهناك دليل خاصٌّ في المسألة، وهو أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين صَلَّى في نعلين وفيهما قَذَرٌ؛ وأعلمه بذلك جبريل لم يستأنف الصَّلاة (¬1) وإذا لم يُبْطِل هذا أولَ الصَّلاة، فإنه لا يُبْطِلُ بقيَّة الصَّلاة. ولو قال قائل: ما الذي منع قياسها على ما إذا صَلَّى محدثاً وهو جاهل أو ناسٍ؟ فالجواب: أنَّ ترك الوُضُوء من باب ترك المأمور، فالوُضُوء شيء مأمور به؛ يُطلب من الإنسان أن يقوم به، والنجاسة شيء منهيٌّ عنه؛ يُطلب من الإنسان أن يتخلَّى عنه، فلا يمكن قياس فعل المحظور على ترك المأمور؛ لأن فعل المحظور إذا عُفي عنه مع الجهل والنسيان كان فاعله كمن لم يفعله سَوَاء؛ لعدم الإثم به. أمَّا ترك المأمور مع الجهل والنسيان فيُعفى عنه حال تركه؛ فليس في الإثم كمن تركه عامداً؛ لكنه يمكن تدارك مصلحته بإعادته على الوجه المأمور به، فتنبَّه للفرق فإنه واضح. وعلى هذا؛ لو أن أحداً أكل لحم إبل، وهو لم يعلم أنه ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (99).

ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر

لحم إبل، أو أنه ناقض للُوضُوء، أو علم بذلك لكن نسيَ أن يتوضَّأ؛ أو نسيَ أنه أكله؛ وقام وصلَّى بلا وُضُوء ثم علم، فعليه الإعادة؛ لأن هذا من باب ترك المأمور؛ بخلاف النَّجاسة، فهي من باب فعل المحظور، هذا هو الصَّحيح في هذه المسألة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (¬1)، وهو رواية عن الإمام أحمد (¬2). وَمَنْ جُبِرَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ لَمْ يَجِبْ قَلْعُهُ مَعَ الضَّرَرِ ......... قوله: «ومن جُبر عظمُه بنجس لم يجبْ قَلْعُه مع الضَّرر». مثال ذلك: رجل انكسر عظمه وسقط أجزاء من العظم، فلم يجدوا هذه الأجزاء، وعندهم كلب، فكسروا عظم الكلب، وجَبَروا به عظمَ الرَّجل. فقد جُبِرَ الآن بعظم نجس، فإذا صَلَّى فسيكون حاملاً نجاسة؛ فنقول له: اقلعْ هذا العظم النَّجس؛ لأنه لا يجوز لك أن تُصلِّي وأنت حامل للنَّجاسة، فإن قال الأطباء: إذا قلعه تضرَّر وعاد الكسر وربما لا يُجبر. فنقول: لا يجب قلعه حينئذ؛ لأن الله عزّ وجل أباح ترك الوُضُوء عند خوف الضَّرر؛ فترك اجتناب النَّجاسة من باب أولى عند خوف الضَّرر. لكن هل يتيمَّم لحمله هذه النجاسة؟ الجواب: الصَّحيح أنه لا يجب التيمم؛ بل ولا يُشرع لهذه النَّجاسة. والمذهب: إن كان قد غطَّاه اللحم لم يجب التيمُّم؛ لأنه غير ظاهر، وإن كان لم يغطِّه وجب التيمُّم؛ لأن النَّجاسة ظاهرة (¬3). ولكن الصَّحيح كما ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 184)، «الاختيارات» ص (43، 44). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 289، 290). (¬3) انظر: «الإقناع» (1/ 146).

وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر

سبق في باب التيمُّم أن النَّجاسات لا يُتَيمَّمُ عنها؛ وأنَّ من كان على بدنه نجاسة وتعذَّر عليه غسلها فليُصلِّ بدون تيمم؛ لأنَّ التَّيمُّم إنما ورد في طهارة الحدث، لا في طهارة الخَبَث (¬1). وَمَا سَقَطَ مِنْهُ مِنْ عُضْوٍ أَوْ سِنٍّ فَطاهِرٌ ........... قوله: «وما سقط منه من عُضوٍ أو سِنٍّ فطاهرٌ»، أي: إذا سقط من الإنسان عضو؛ أو سِنٌّ فهو طاهر. مثال العضو: قطع الأصبع. مثال السِّنِّ: واضح. ودليل ذلك قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المؤمن لا ينجس» (¬2)، أي: لا حيًّا ولا ميْتاً. وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «ما قُطع من البهيمة وهي حَيَّة فهو ميِّتٌ» (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: (1/ 375، 376). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 25). (¬3) والحاكم (4/ 239) من طريق المسور بين الصلت، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعاً. قال البزار: لا نعلم أحداً أسنده إلا المسور، وليس هو بالحافظ. قال الهيثمي: فيه مسور بن الصلت وهو متروك. «المجمع» (4/ 32). ورواه ابن ماجه، كتاب الصيد: باب ما قُطع من البهيمة وهي حيَّة، رقم (3216). عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر به مرفوعاً. هشام بن سعد، قال ابن حجر: صدوق له أوهام ورُمي بالتشيع. ونصّ أبو زرعة الرازي على أن هذه الرواية وَهْمٌ أيضاً. ورجَّح أبو زرعة الرازي والدارقطني ـ من ذلك كلِّه ـ المرسلَ. والله أعلم. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم رقم (1479)، (1526)، «العلل» للدارقطني (6/ 297) رقم (1152)، «نصب الراية» (4/ 317)، «التلخيص الحبير» رقم (14).

وأخذ العلماء من ذلك قاعدة: وهي ما أُبين من حيٍّ فهو كميتته حِلًّا وحُرمة؛ وطهارة ونجاسة (¬1)، وميتة الآدمي طاهرة، إذاً؛ فالعضو المنفصل منه طاهر، ولكن الغريب أنَّ أهل العلم رحمهم الله يقولون: ما انفصلَ من الإنسان فهو طاهرٌ إلا شيئاً واحداً، وهو الدَّمُ فهو نجس يُعفى عن يسيره (¬2)؛ لأن الدَّم ليس بولاً ولا غائطاً، إذ البول والغائط هما فضلات الطعام والشراب التي ليس فيها فائدة للجسم، وقالوا: إن الدَّم لا هو من الفضلة التي ليس فيها فائدة، وليس من الجسم نفسِهِ الذي يغذِّيه الدَّم، فهو بين هذا وهذا، ولهذا أعطيناه الحكم بين بين، فقلنا ليس كالعضو الذي ينفصل، وليس كالبول والغائط، فهو نجس يُعفى عن يسيره. ولكن ذهب كثيرٌ من أهل العلم، إلى أن دم الآدمي طاهر، وقالوا: إذا كان العضو لا يَنْجُسُ بالبينونة، فالدَّم من باب أَولى، وليس هناك دليلٌ على نجاسة دم الآدمي؛ إلا ما خرج من السَّبيلين كالحيض؛ فقد قام الدَّليل على نجاسته (¬3). فإن قيل: ما مناسبة هذه المسألة: «وما سقط منه من ¬

_ (¬1) انظر: (1/ 441). (¬2) انظر: «الإنصاف» (2/ 317). (¬3) انظر: (1/ 438 ـ 442).

ولا تصح الصلاة في مقبرة وحش

عضو ... »، لشرط اجتناب النَّجاسة في باب شروط الصَّلاة؟ فالجواب: أن المناسبة أنه لو سقط منه عضو، ثم أعاده في الحال فَالْتَحَمَ يكون طاهراً لا يلزمه أن يزيله إذا أراد الصَّلاة. وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ في مَقْبَرةٍ وَ ُحِشٍّ، .......... قوله: «ولا تصحُّ الصَّلاةُ في مَقْبَرة»، نفيُ الصِّحَّة يقتضي الفساد؛ لأنَّ كلَّ عبادة إما أن تكون صحيحة، وإما أن تكون فاسدة، ولا واسطة بينهما، فهما نقيضان شرعاً، فإذا انتفت الصِّحَّة ثبت الفساد. وقوله: «الصَّلاة» يعمُّ كلَّ ما يُسمَّى صلاة، سواءٌ كانت فريضةً أم نافلة، وسواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود أم لم تكن؛ لأنه قال: «الصلاة» وعليه فيشمل صلاة الجنازة فلا تصح في المقبرة. لكن قد دلَّت الأدلَّةُ على استثناء صلاة الجنازة، كما سنذكره إن شاء الله (¬1)، وعلى هذا؛ فالمراد بالصَّلاة ما سوى صلاة الجنازة. وهل يجوز السُّجود المجرَّد كسجود التِّلاوة مثلاً؛ كما لو كان الإنسان يقرأ في المقبرة ومرَّ بآية سجدة؟ ينبني هذا على اختلاف العلماء في سجود التلاوة، فمنهم من قال: إنه صلاة. ومنهم من قال: إنَّه ليس بصلاة (¬2). فالذين قالوا: ليس بصلاة يقولون: إنه يجوز أن يسجد الإنسان سجود التلاوة في المقبرة، والذين قالوا: إنه صلاة يقولون لا يجوز (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: ص (240). (¬2) انظر: «الإنصاف» (4/ 209). (¬3) سيأتي بحث هذه المسألة في باب صلاة التطوع في المجلد الرابع.

وهل المراد بالمقبرة هنا ما أُعِدَّ للقبر، وإن لم يدفن فيه أحد، أم ما دُفِنَ فيه أحد بالفعل؟ الجواب: المراد ما دُفِنَ فيه أحد، أمَّا لو كان هناك أرض اشتُريت؛ لتكون مقبرة، ولكن لم يُدْفَنْ فيها أحد، فإن الصَّلاة فيها تصحُّ، فإن دُفِنَ فيها أحد، فإن الصَّلاة لا تصحُّ فيها؛ لأنها كلّها تُسمَّى مقبرة. والأصل صحَّة الصَّلاة في كلِّ الأراضي؛ لقول النبي عليه الصَّلاة والسَّلام: «جُعِلت ليَ الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» (¬1)، ولهذا لا بُدَّ أن يُؤتى بدليل للأماكن التي لا تصحُّ فيها الصَّلاة. فإذا قال قائل: ما الدَّليل على عدم صحَّة الصَّلاة في المقبرة؟. قلنا: الدليل: أولاً: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام» (¬2)، وهذا استثناء، والاستثناء معيار العموم. ثانياً: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لعن اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مَسَاجدَ» (¬3). والمساجد هنا قد تكون أعمَّ من البناء؛ لأنه قد يُراد به المكان الذي يُبنى، وقد يُراد به المكان الذي يُتَّخذ ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه (1/ 29). (¬2) تقدم تخريجه ص (141). (¬3) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في البيعة، رقم (435)، ومسلم، كتاب المساجد: باب النهي عن بناء المساجد على القبور، رقم (529) ـ واللفظ له ـ من حديث عائشة.

مسجداً وإنْ لم يُبْنَ؛ لأنَّ المساجد جمع مَسْجِد، والمسْجِد مكان السُّجود، فيكون هذا أعمَّ من البناء. ثالثاً: تعليل؛ وهو أنَّ الصَّلاة في المقبرة قد تُتَّخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبُّه بمن يعبدُ القُبور، ولهذا لمَّا كان الكُفَّار يسجدون للشَّمس عند طلوعها وغروبها، نَهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن الصَّلاة عند طلوعها وغروبها (¬1) لئلا يُتَّخَذَ ذريعة إلى أن تُعبد الشَّمس من دون الله، أو إلى أن يُتَشبَّه بالكُفَّار. وأمَّا مَنْ علَّل ذلك بأن عِلَّة النَّهي عن الصلاة في المقبرة خشية أن تكون المقبرة نجسة، فهذا تعليل عليل، بل ميِّت لم تَحُلَّ فيه الرّوحُ. قالوا: لأنها ربما تُنبش وفيها صديد من الأموات ينجِّسُ التُّراب (¬2). فيُجابُ عنه بما يلي: أولاً: أنَّ نبش المقبرة الأصل عدمُه. ثانياً: من يقول إنك ستُصلِّي على تُراب فيه صديد؟ ثالثاً: مَنْ يقول: إنَّ صديد ميتة الآدمي نجس؟ رابعاً: أنه لا فرق عند هؤلاء بين المقبرة القديمة؛ والمقبرة الحديثة التي يُعلم أنها لم تُنبش؛ فكلُّ هذه المقدمات لا يستطيعون الجواب عنها؛ فيبطُل التَّعليل بها. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين: باب إسلام عمرو بن عبسة رقم (832) عن عمرو بن عبسة. (¬2) انظر: «المغني» (2/ 471)، «مجموع الفتاوى» (21/ 321).

فإن قال قائل: هل القبر الواحد يمنعُ صِحَّة الصَّلاة أو لا بُدَّ من ثلاثة فأكثر؟ فالجواب: أنَّ في ذلك خلافاً (¬1)، فمن العلماء مَنْ قال: إنَّ القبر الواحد والاثنين لا يمنعُ صحَّة الصَّلاة، ومنهم من قال: بل يمنعُ. والصَّحيح: أنه يمنع حتى القبر الواحد؛ لأنَّ المكان قُبِرَ فيه فصار الآن مقبرة بالفعل، والنَّاس لا يموتون جملة واحدة حتى يملؤوا هذا المكان، بل يموتون تِباعاً واحداً فواحداً. فإن قال قائل: إذا جعلتم الحكمَ منوطاً بالاسم، فقولوا: إذا أُعِدَّتْ أرضٌ لأن تكون مقبرة فلا يُصلَّى فيها؟. فالجواب: أن هذه لم يتَحقَّق فيها الاسم، فهي مقبرة باعتبار ما سيكون؛ فتصحُّ الصَّلاة فيها؛ لكن التي دُفِنَ فيها ولو واحد أصبحت مقبرة بالفعل. مسألة: يُستثنى من ذلك صلاة الجنازة، فإن كانت الصلاة على القبر فلا شَكَّ في استثنائها؛ لأنه ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه فَقَدَ المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد، فسأل عنها، فقالوا: «إنَّها ماتت»، وكانت قد ماتت بالليل، والصَّحابةُ رضي الله عنهم كرهوا أنْ يُخبروا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بالليل فيخرُجَ، فقال لهم: هلاَّ آذنتموني»، أي: أخبرتموني، ثم قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «دُلُّوني على قبرها» فدلُّوه على القبرِ، فقامَ وصَلَّى عليها عليه الصَّلاة والسَّلام (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 298)، «الاختيارات» ص (44). (¬2) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب كنس المسجد والتقاط الخرق، رقم (458)، ومسلم، كتاب الجنائز: باب الصلاة على المقبرة، رقم (956) من حديث أبي هريرة.

لكن لو جِيءَ بالميت وصُلِّيَ عليه في المقبرة، قبل الدَّفن فما الحكم؟ فالجواب أن نقول: لدينا الآن عموم: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمَّام» (¬1)، والصَّلاة على الميِّت صلاة بلا شَكٍّ. ولهذا تُفتتح بالتكبير، وتُختتم بالتَّسليم، ويُشترط لها الطَّهارة والقراءة؛ فهي صلاة، فما الذي يُخرجُها من عموم قوله: «إلا المقبرة؟»، لكن ربما يسوغ لنا أن نقيسها على الصَّلاة على القبر، وما دام أنه قد ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى على القبر؛ فلا فرق بين أن يُصلَّى على جنازة مدفونة، أو على جنازة غير مدفونة؛ لأن العِلَّة واحدة، وهي أن هذا الميِّت الذي يُصلَّى عليه كان في المقبرة، وعَمَلُ الناس على هذا، أنه يُصلَّى على الميت، ولو قبل الدَّفن في المقبرة. ورُبَّما يقال: إن الصَّلاة على الميت لا تدخل في ذلك أصلاً؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الأرض كلُّها مسجد»، أي: مكان للصَّلاة ذات السُّجود، وصلاة الجنازة لا سُجود فيها. قوله: «وحُشٍّ»، الحُش: المكان الذي يَتخلَّى فيه الإنسان من البول أو الغائط؛ وهو الكَنيف، فلا تصحُّ الصلاة فيه، لأنه نجس خبيث، ولأنَّه مأوى الشياطين، والشياطين خبيثة، فأحبُّ الأماكن إلى الشياطين أنجس الأماكن قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (141).

وحمام وأعطان إبل

لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور: 26] وهذا من حكمة الله عزّ وجل. فالمساجد بيوت الله ومأوى الملائكة، أما الحُشوش فهي مأوى الشَّياطين، فلهذا يُشرع للإنسان عند دخول الخلاء أن يقول: «أعوذ بالله من الخُبْثِ والخَبَائث» (¬1)، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكاناً لعبادة الله عزّ وجل. وكيف يستقيم هذا وأنت تقول في الصَّلاة: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم، وأنت في مكان الشَّياطين؟!. وحَمَّامٍ وَأَعْطَانِ إِبِلٍ ........... قوله: «وحمَّام»، كلُّ ما يُطلق عليه اسم الحَمَّام يدخل في ذلك؛ حتى المكان الذي ليس مبالاً فيه فإنه لا تصحُّ فيه الصَّلاة، للحديث: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام» (¬2)، ولأن الحمَّام، مكان كشف العورات. والحَمَّام هو المغتسل، وكانوا يجعلون الحمَّامات مغتسلات للنَّاس يأتي النَّاس إليها ويغتسلون، يختلط فيه الرِّجال والنساء، وتنكشف العورات، وليس المقصود به «المرحاض»، ولهذا نهى الشَّرع عن الصَّلاة فيه. وظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون الحَمَّام فيه ناس يغتسلون، أو لم يكن فيه أحد، فما دام يُسمَّى حَمَّاماً فالصَّلاة لا تصحُّ فيه. قوله: «وأعطان إبِلٍ»، جمع عَطَن، ويُقال: مَعَاطِن جمع مَعْطَنٌ، وأعطان الإبل فُسِّرتْ بثلاثة تفاسير (¬3): ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 104). (¬2) تقدم تخريجه ص (141). (¬3) انظر: «الإنصاف» (3/ 299، 300).

قيل: مباركها مطلقاً، وقيل: ما تُقيم فيه وتأوي إليه، وقيل: ما تبرك فيه عند صدورها من الماء؛ أو انتظارها الماء. فهذه ثلاثة أشياء، والصَّحيح: أنَّه شاملٌ لما تقيم فيه الإبل وتأوي إليه، كمَرَاحِها، سواءٌ كانت مبنيَّة بجدران أم محوطة بقوس أو أشجار أو ما أشبه ذلك، وكذلك ما تعطن فيه بعد صدورها من الماء. وإذا اعتادت الإبِلُ أنها تبرك في هذا المكان، وإن لم يكن مكاناً مستقراً لها فإنه يعتبر معطناً. أما مبرك الإبل الذي بركت فيه لعارض ومشت، فهذا لا يدخل في المعاطن؛ لأنه ليس بمبرك. والدَّليل قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «صلُّوا في مرابضِ الغنم، ولا تُصَلّوا في أعطان الإبل» (¬1)، والحديث في «الصَّحيح». ووجه ¬

_ (¬1) رواه ـ بهذا اللفظ ـ أحمد (2/ 451، 491، 509)، والترمذي، أبواب الصلاة: باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم ... ، رقم (348)، وابن ماجه، كتاب المساجد: باب الصلاة في أعطان الإبل، رقم (768) عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به. قال الترمذيُّ: «حسن صحيح». قال ابنُ رجب: إسنادُه كلهم ثقات، إلا أنه اختُلف على ابن سيرين في رفعه ووقفه. انظر: «علل الترمذي الكبير» ص (247)، «العلل» للدارقطني رقم (1434) (8/ 109)، «فتح الباري» لابن رجب (2/ 419). ورواه أحمد (4/ 150) من حديث عقبة بن عامر. قال ابن رجب: إسناده جيد. «فتح الباري» له (2/ 421). ورواه البيهقي (2/ 449) من حديث عبد الله بن مغفل. قال النوويُّ: «حديث حسن». «الخلاصة» رقم (922). وأصله في «صحيح مسلم» رقم (360) من حديث جابر ابن سَمُرة دون صيغة الأمر.

الدَّلالة من كون الصَّلاة لا تصحُّ في معاطن الإبل: النهي عن الصلاة فيها، فإذا صلَّيت فيها فقد وقعت فيما نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذلك معصية، ولا يمكن أن تنقلب المعصية طاعة. وإذاً؛ لا تصحُّ الصلاة. فإن قال قائل: قوله: «صَلُّوا في مرابض الغنم» أمرٌ، والأمر للوجوب، فهل هذا يقتضي أن أبحث عن مرابض غنم لأُصَلِّيَ فيها؟ فالجواب: لا؛ فإن الأمر هنا للإباحة؛ لأنه في مقابل النهي عن الصَّلاة في معاطن الإبل، ولهذا قال العلماء إن الأمر بعد الحظر للإباحة (¬1)، فلما كان يُتوهَّم أنه لما نُهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل أنَّه يُنهى كذلك عن الصَّلاة في مرابض الغنم. قال: «صَلُّوا في مرابض الغنم»، كأنه قال: لا تُصلّوا في أعطان الإبل، ولكم أن تُصلُّوا في مرابض الغنم. والحكمة من عدم صحَّة الصلاة في أعطان الإبل: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عنه، فنهيُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأمره الشَّرعي هو العِلَّة بالنسبة للمؤمن بدليل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. فالمؤمن يقول: سمعنا وأطعنا. ويدلُّ لذلك أن عائشة سُئِلت: ما بالُ الحائض تقضي الصَّوم ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت: «كان يُصيبنا ذلك؛ فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصَّلاة» (¬2)، فبيَّنت أنَّ العِلَّة في ذلك هو الأمر. ¬

_ (¬1) انظر: «شرح الكوكب المنير» (3/ 56). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 307).

لكن لا يمنع أن الإنسان يتطلَّبُ الحكمةَ المناسبة، لأنه يعلم أن أوامر الشَّرع ونواهيه كلها لحكمة، فما هي الحكمة؟ وسؤال الإنسان عن الحكمة في الأحكام الشرعية أو الجزائية أمرٌ جائز، بل قد يكون مطلوباً إذا قُصِدَ به العلم، ولهذا لمَّا قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم في النساء: «إنَّكُنَّ أكثرُ أهلِ النَّارِ»، قُلْن: بِمَ يا رسولَ الله؟ فسألن عن الحِكمة؟ قال: «لأنَّكُنَّ تُكثِرْنَ اللَّعنَ وتَكْفُرْنَ العَشير» (¬1). وأما إذا قصد أنَّه إن بانت العِلَّة امتثل وإلا فلا، فالسؤال حينئذ حرام؛ لأنه لازمُه قَبُول الحقِّ إنْ وافق هواه، وإلا فلا وقد اختلف العلماء رحمهم الله في التَّعليل للنَّهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل من حيثُ النظرُ (¬2)، فقال بعضهم: إننا لا نعلم الحكمة، والحكم الشرعي الذي لا تُعلم حكمته يُسمَّى عند أهل العلم تعبُّديًّا. إذاً؛ الحكمةُ تحقيق العبادة بالتسليم لله، سواء علمنا الحكمة في ذلك أم لم نعلم، وهذه والله حكمة عظيمة. فرميُ الحصى في محلِّ الجمرات في الحَجِّ، لو قال قائل ما حكمته؟ قلنا: حكمته التعبُّد لله: «إنَّما جُعلَ الطَّوافُ بالبيت، وبالصَّفا والمروة، ورميُ الجِمَار؛ لإقامة ذِكْرِ الله» (¬3). فالتعبُّد لا ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ... ، رقم (79) من حديث عبد الله بن عمر .. (¬2) انظر: «إعلام الموقعين» (1/ 396)، «نيل الأوطار» (2/ 141). (¬3) سخة دار الكتب المصريَّة، «سنن البيهقي» (5/ 145)، «تحفة أشراف» (12/ 279).

شَكَّ أنَّه من أعظمِ الحِكَمِ، ولهذا قال بعض العلماء: إنَّ النهيَ عن الصَّلاة في أعطان الإبلِ تعبُّديٌّ، أي: أنَّنا لا نعلم عِلَّته، ولكن نتعبَّدُ لله به. فأيُّهما أعظمُ استسلاماً وانقياداً؟ أن يستسلمَ الإنسانُ للأمر إذا لم يعلم حكمته، أو يستسلم له إذا علم حكمته؟ الأوَّلُ أعظمُ. وقال بعضُ العلماء: بل لأنَّ أرواثها وأبوالها نجسة (¬1)، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الأبوال والأرواث نجسة؛ ولو من الحيوان الطَّاهر، والصَّحيح خلافه كما تقدَّم في باب إزالة النَّجاسة (¬2)، ولكن هذه العِلَّة باطلة، إذ لو كانت هذه هي العِلَّة ما جازت الصَّلاة في مرابض الغنم، لأنَّ القائلين بنجاسة أبوال الإبل وأرواثها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها. وقيل: لأنَّ الإبل شديدة النُّفور، ورُبَّما تنفر وهو يُصلِّي، فإذا نفرت ربما تصيبه بأذى، حتى وإن لن تصبه فإنه ينشغل قلبه إذا كانت هذه الإبل تهيج؛ فيكون النهي عن الصَّلاة في أعطانها ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذَّب» (3/ 161). (¬2) انظر: (1/ 447).

لئلاَّ ينشغل قلبُه (¬1)، لكن هذه العِلَّة أيضاً فيها نظر؛ لأن مقتضاها ألا يكون النَّهيُ إلا والإبل موجودة، ثم قد تنتقض بمرابض الغنم. فالغنم تهيج وتُشغل، فهل نقول: إنها مثلها؟ لا. وقال بعضُ أهل العلم: إنما نُهي عن الصلاة في مبارك الإبل أو أعطانها؛ لأنها خُلقت من الشياطين، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (¬2)، فإذا كانت مخلوقة من الشياطين، فلا يبعد أن تصحبها الشياطين، وتكون هذه الأماكن مأوى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحكمة في النهي عن الصلاة فيها كالحكمة في النهي عن الصلاة في الحمَّام، وهذا الذي اختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية (¬3) رحمه الله، وهو أقرب ما يُقال في الحكمة، ومع ذلك فالحكمة الأصيلة هي التعبُّد لله بذلك. ويُشبهُ في السؤال عن الحكمة ما يفعله بعض الناس إذا وَرَدَ عليه الأمر قال: هل هو للوجوب؟ وإذا وَرَدَ عليه النَّهيُ قال: هل هو للتَّحريم؟ ومثلُ هذا السؤال لا ينبغي؛ لأنه ينبئ عن التَّردُّد في الامتثال؛ ولأنَّ الصحابة رضي الله عنهم وهم أشدُّ الناس حرصاً على التزام حدود الله؛ لم يكونوا يسألون رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأمر إذا ورد عليهم؛ هل هو للاستحباب أو للوجوب؟ ولا عن النَّهي؛ هل هو للتنزيه أو التحريم؟ بل يمتثلون الأمر؛ ويجتنبون النَّهيَ دون سؤال، ولا ريب أن هذا أكمل في التعبُّد والامتثال. ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع شرح المهذَّب» (3/ 161). (¬2) تقدم تخريجه ص (142). (¬3) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 41)، (21/ 320).

ومغصوب

نعم، إذا تورَّط العبد في المخالفة؛ حَسُنَ أن يسأل ليتوبَ من الوقوع في الإثم ويستدرك الواجب؛ إن كان خالف في واجب؛ أو فِعْلِ محرَّم، ويكون في حِلٍّ إذا لم يكن وقع في إثم بأن كان الأمر للاستحباب والنهيُ للتنزيه. وَمَغْصُوبٍ، ............ قوله: «ومغصوبٍ»، أي: ولا تصحُّ الصلاة في مغصوب، والمغصوب: كلُّ ما أُخِذَ من مالكه قهراً بغير حقٍّ، سواءٌ أُخِذَ بصورة عقد أو بدون صورة عقد. فمثلاً: لو جاء إنسان لآخر وغصب منه أرضاً وصَلَّى فيها؛ فصلاته لا تصحُّ؛ لأنها مغصوبة. ولو جاء إنسانٌ إلى آخر وقال: بِعْنِي أرضك، قال: لا أبيعها، قال: بِعْهَا وإلا قتلتك، فباعها إكراهاً، وصَلَّى فيها المُكْرِه فلا تصحُّ؛ وإن كانت مأخوذة بصورة عقد. ولا أعلم دليلاً أثريّاً يدلُّ على عدم صحَّة الصَّلاة في الأرض المغصوبة، لكن القائلين بذلك علَّلوا بأن الإنسان منهيٌّ عن المقام في هذا المكان؛ لأنه مُلْك غيره، فإذا صَلَّى فصلاتُه منهيٌّ عنها؛ والصَّلاة المنهيُّ عنها لا تصحُّ؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬1)، ولأنها مضادَّة للتعبُّد، فكيف يُتعبَّد لله بمعصيته؟ والقول الثَّاني في المسألة: أنها تصحُّ في المكان المغصوب مع الإثم (¬2)؛ لأن الصلاة لم يُنْهَ عنها في المكان المغصوب، بل ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 186). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 302)، (21/ 89، 90)، «الإنصاف» (3/ 302).

وأسطحتها

نُهيَ عن الغصب، والغصب أمر خارج، فأنت إذا صَلَّيت فقد صَلَّيت كما أُمرت، وإقامتك في المغصوب هي المحرَّمة. وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، فلا دليل فيه على عدم صحَّة الصلاة في المكان المغصوب إلا لو قال: لا تصلُّوا في الأرض المغصوبة، فلو قال ذلك لقلنا: إن صلَّيت في مكان مغصوب، فصلاتُك باطلة، لكنه قال في النَّهي عن الغصب: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، وهذا يدلُّ على تحريم الغصب لا على بُطلان الصَّلاة في المغصوب. والقول الثاني في هذه المسألة هو الرَّاجح. وَأَسْطِحَتِهَا ........... قوله: «وأسطحتها»، يعني: لا تصحُّ الصلاة في أسطحة هذه الأماكن، فيكون هذا الموضع السادس، والأسطحة هي ما يلي: أولاً: سطح المقبرة، لا تصحُّ الصلاة فيه، فلو وجدنا حجرة مبنيَّة في المقبرة، فهل يجوز أن نُصلِّيَ على سطحها؟ لا؛ لأنَّ الهواء تابع للقرار، والهواء وما فوق هذا القرار إلى سماء الدُّنيا تابع للقرار. ولكن هنا عِلَّة أقوى من هذه بالنسبة للمقبرة وهي: أن عِلَّة النَّهي بالنسبة للصلاة في المقبرة خوفُ أن تكون ذريعة لعبادة القبور، والصَّلاة على سطح الحجرة التي في المقبرة قد تكون ذريعة، ولا سيَّما أنَّ البناء على المقابر أصله حرام فيكون صَلَّى على بناء محرَّم للعِلَّة التي نُهيَ عن الصلاة في المقبرة من أجلها. ثانياً: سطح ِ الحُشِّ، لا تصحُّ الصلاة فيه؛ لأن الهواء تابع

للقرار، ولكن هذا التَّعليل عليل، فالهواء تابع للقرار في المُلْكِ، أما في الحُكم فلا؛ فقد نُهيَ عن الصلاة في الحُشِّ من أجل النَّجاسة، فإذا لم يكن نجاسة في سطحه فلا مانع، وهذا هو القول الصَّحيح الذي اختاره صاحب «المغني» (¬1). والدَّليل على أنها صحيحة: عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» (¬2)، وبناءً على ذلك فإن الصلاة على «البيَّارة» و «البلاَّعة» لا بأس بها؛ لأنها أقلُّ من سطح الحُشِّ، فإن سطح الحُشِّ قد يقول قائل: إنه داخل في اسم الحُشِّ؛ فلا تصحُّ الصَّلاة فيه، أما سطح «البيَّارة» فليس تابعاً لها، بل هو مستقلٌّ، وهذا هو الذي عليه عمل الناس، فإن «البيَّارات» أو أنابيب المجاري الوسخة تمرُّ من الأحواش ويُصلِّي الناس عليها. ثالثاً: سطح الحَمَّام، لا تصحُّ الصلاة عليه، وعلَّلوا ذلك بأن الهواء تابع للقرار، وبأن سطح الحَمَّام داخل في مُسمَّاه. والقول الثَّاني في المسألة: أنَّ الصلاة على سطح الحَمَّام صحيحة (¬3)؛ لأن الحَمَّام إنْ كانت العِلَّة فيه أنه مأوى الشياطين؛ فإن الشياطين لا تأوي إلا إلى المكان الذي تُكشف فيه العورات، وإن كانت العِلَّة فيه خوف النجاسة؛ فالسطح بعيد من هذه العِلَّة، وعلى هذا فتصحُّ الصلاة على سطح الحمَّام. رابعاً: سطح أعطان الإبل، لا تصحُّ الصلاة عليه، وعلَّلوا ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 474). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 29). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 474)، «الإنصاف» (3/ 305).

ذلك: بأن الهواء تابع للقرار، فلو كان هناك حوشٌ للإبل تقيم فيه وتأوي إليه، وجانب منه مُسقَّف كما يُفعل كثيراً في أحواش الإبل، فالسَّقف الذي فوق هذا الحوش ـ على المذهب ـ لا تصحُّ الصلاة فيه. والصَّحيح: صحَّة الصلاة؛ في سطح أعطان الإبل؛ لأنَّ هذا لا يدخل في قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لا تصلُّوا في أعطان الإبل» (¬1) فإن الإبل لا تبرك فوق السطح، إنما تبرك في أسفله. خامساً: سطح المغصوب، فالصَّلاة على سطح المغصوب كالصَّلاة في المغصوب إن كان السطح مغصوباً، فإن لم يكن مغصوباً فإنه لا شَكَّ في صحة الصَّلاة فيه. فإن قُلت: كيف صورة كون الأسفل مغصوباً والسَّطح غير مغصوب؟ قلنا: يأتي رَجُلٌ فيغصب أسفل البيت ويدع أعلاه لصاحبه، فالسطح غير مغصوب، لكن نقول: إذا غصب الإنسانُ البيتَ كلَّه، فإنه يكون كلُّه مغصوباً، وإذا كان مغصوباً فإنه لا تصحُّ الصلاة فيه على قاعدة المذهب (¬2). والحاصل: أن سطح المغصوب في تصويره نظر؛ لأننا نقول: إذا كان سطح المغصوب داخلاً في الغصب فهو مغصوب، وإن كان خارجاً عن الغصب فهو ملك لصاحبه، ولا نظنُّ أنَّ أحداً من أهل العلم قال: إن الصلاة لا تصحُّ فيه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (243). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 295، 296).

وتصح إليها

وعلى هذا؛ فالقول الرَّاجح: أن جميع هذه الأسطحة تصحُّ الصلاة فيها إلا سطح المقبرة وسطح الحَمَّام. أمَّا المقبرة، فلأنَّ البناء على المقبرة كالمقبرة في كونه ذريعة إلى عبادة القبور، ولهذا نُهيَ عن البناء على القبر، وأما سطح الحَمَّام فلأنه داخل في مسمَّاه؛ لكن سبق البحث في ذلك (¬1)، فهو محل تردُّدٍ عندي. وَتَصِحُّ إِلَيْهَا ........... قوله: «وتصحُّ إليها»، أي: تصحُّ الصلاة إلى هذه الأماكن، ومعنى تصحُّ إليها يعني تصحُّ الصلاة إذا كانت في قبلتك، فلو كان في قِبْلة الإنسان حَمَّامٌ؛ أو أعطان إبل؛ أو مغصوب، أو قبر؛ فصلاتُه صحيحة؛ هذا مقتضى كلام المؤلِّف. إلا أنهم قالوا: إنها تُكره إذا لم يكن حائل، ولو كمُؤْخِرَة الرَّحْل (¬2)، ومُؤْخِرَة الرَّحْل يكون نصف متر في نصف متر. أما دليل الصحة: فعموم قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: ¬

_ (¬1) انظر: ص (250). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 311).

«جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» (¬1) وهذه من الأرض، وهي طَهُور وليس فيها ما يمنع الصَّلاة. وأما دليل الكراهة فقالوا: لأنها أماكن نُهيَ عن الصلاة فيها فكُرِه استقبالها (¬2). وربما يُعلِّلُ مُعَلِّلٌ: بأن هذا موضع اختلف العلماء في صِحَّة الصلاة فيه؛ فكُرهت الصلاةُ إليها خروجاً من الخلاف. وكلا التَّعليلين عليل. أما الأوَّل فيُقال: إن عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» (¬3) يشمل هذه المواضع؛ فيحتاج إخراج شيء منها إلى دليل؛ لكن ربما نقول: إن الحُشَّ والحَمَّام تُكره الصَّلاة إليهما؛ لأنَّ فيهما رائحة كريهة قد تؤثِّر على المُصلِّي بأذيَّة أو تشويش، والشيء الذي يؤثِّر على المُصلِّي ويُشَوِّشُ عليه مكروه. وأما أعطان الإبل؛ فربما نقول: إذا كانت الإبل موجودة باركة فرُبَّما تُكره الصلاة إليها؛ لأنه ربما تتحرَّك أو ترغو، أو ما أشبه ذلك فيؤثِّر عليه في صلاته، فيكون في ذلك تشويش عليه، وإذا كانت غير موجودة فلا وجه للكراهة؛ إلا إن كانت هناك رائحة. وأمَّا المغصوب: فلا وجه للكراهة في الصلاة إليه. وأما المقبرة: فالصَّحيح تحريم الصلاة إليها، ولو قيل بعدم الصِّحَّة لكان له وجه (¬4)؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَحَّ عنه في حديث أبي مَرْثَد الغَنَويِّ أنه قال: «لا تجلِسُوا على القُبُور، ولا تُصَلُّوا إليها» (¬5)، فهذا يدلُّ على تحريم الصلاة إلى المقبرة؛ أو إلى القبور؛ أو إلى القبر الواحد. ولأن العِلَّة من منع الصلاة في المقبرة موجودة في الصلاة إلى القبر، فما دام الإنسان يتَّجه إلى القبر أو إلى المقبرة اتِّجاهاً يُقال: أنه يُصلِّي إليها؛ فإنه يدخل في النَّهي، وإذا كان داخلاً في ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 29). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 273، 274). (¬3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 29). (¬4) انظر: «المغني» (2/ 473)، «الإنصاف» (3/ 310، 311). (¬5) رواه مسلم، كتاب الجنائز: باب النهي عن الجلوس في القبر، رقم (972).

النَّهي فلا تصحُّ؛ لقوله: «لا تُصلُّوا»، فالنَّهي هنا عن الصلاة، فإذا صَلَّى إلى القبر، فقد اجتمع في فعله هذا طاعة ومعصية، وهذا لا يمكن أن يُتقرَّب إلى الله تعالى به. فإذا قال قائل: ما هو الحَدُّ الفاصل في الصلاة إليها؟ قلنا: الجدار فاصل، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ففي النفس منه شيء، لكن إذا كان جداراً يحول بينك وبين المقابر، فهذا لا شَكَّ أنه لا نهي، كذلك لو كان بينك وبينها شارع فهنا لا نهي، أو كان بينك وبين المقبرة مسافة لا تُعَدُّ مصلِّياً إليها، حدَّها بعضُهم بمسافة السُّترة للمصلِّي (¬1)، وعلى هذا فتكون المسافة قريبة، لكن لا شَكَّ أن هذا يُوهم، فإن أحداً من النَّاس لو رآك تُصلِّي وبينك وبين المقبرة ثلاثة أذرع بدون جدار لأَوهم ذلك أنك تُصلِّي إلى القبور. فإذاً؛ لا بُدَّ من مسافة يُعلم بها أنك لا تُصلِّي إلى القبر. وظاهر كلام المؤلِّف: أن ما عداها تصحُّ الصلاة فيه فرضاً أو نَفْلاً، فتصحُّ في المجزرة إلا إذا صَلَّى على المكان النَّجس منها. وتصحُّ في المزبلة: إذا كان الزِّبل طاهراً، أما إذا كان نجساً فقد دخل في كلام المؤلِّف في المنع. وتصحُّ في قارعة الطريق، يعني: لو صلَّى في قارعة الطريق فصلاتُه صحيحة، لكن إذا كان الطريق مسلوكاً فالصلاة فيه حال ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 311، 312).

ولا تصح الفريضة في الكعبة، ولا فوقها

سلوك الناس فيه مكروهة؛ من أجل الانشغال والتشويش، فإن كان مسلوكاً بالسيارات فقد نقول بالتَّحريم؛ لأنَّه لا يمكن أن يقيم الصَّلاة والسيارات تمشي، أو يُعطِّل الناس فيعتدي عليهم؛ لأن وقوف الناس بأماكن الطُّرق يمنع الناس من التَّطرُّق؛ ففيه عُدوان عليهم، والحقُّ لهم. وَلاَ تَصِحّ الفَرِيْضَةُ فِي الكَعْبَةِ، ولا فَوْقَهَا ........... قوله: «ولا تصحُّ الفريضة في الكعبة»، الفريضة إذا أُطلقت فالمراد ما وجب بأصل الشَّرع، والفرائض ست: الفجر، والظُّهر، والعصر والمغرب، والعشاء، والجمعة. وإن شئنا قلنا خمس؛ لأن الجُمعة فرض وقت الظُّهر. والدَّليل على عدم صحَّة الفريضة في الكعبة قول الله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 149]، والمُصلِّي في الكعبة لا يكون مستقبلاً للبيت كلِّه؛ لأن بعض البيت يكون خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا تصحُّ. قوله: «ولا فَوْقَهَا»، أي: ولا تصحُّ الفريضة فوق الكعبة، أي: على السطح، فلا تصحُّ داخلها ولا فوقها على سطحها؛ للعِلَّة التي ذكرنا أنَّه لم يستقبل جميع البيت؛ وإنما يستقبل جانباً؛ إلا إذا وقف على مُنتهى الجدار بحيث تكون الكعبة كلُّها أمامه فتصحُّ؛ مثل لو وقف على آخر العَتَبَةِ من الباب، أو وقف على آخر الجدار من السَّطح فإن الصلاة تصحُّ؛ لأنَّ الكعبة كلَّها حينئذ بين يديه، هكذا عَلَّلوا (¬1). وعُلم من كلام المؤلِّف: صحَّة صلاة النَّفْل في الكعبة وفوقها. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 476).

والدَّليل: ما ثبت في «الصحيحين» وغيرهما من أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلَّى في جوف الكعبة ركعتين نافلة (¬1). وهل تصحُّ المنذورة في الكعبة؟ أي: إذا نَذَرَ أحدٌ أن يُصلِّي ركعتين، فهل يصحُّ أن يصلِّيهما في الكعبة؟. نقول: كلام المؤلِّف اشتمل على منطوق ومفهوم، فالفريضة عرفنا حكمها بالمنطوق وأنها لا تصحُّ، والنَّافلة عرفنا حكمها بالمفهوم أنها تصحُّ، بقي المنذورة. فالمنذورة يمكن أن نقول: إن كلام المؤلِّف يقتضي أن يكون مسكوتاً عنها؛ لأنها لا تدخل في الفريضة؛ ولا تدخل في النَّافلة، وقد يقول قائل: نلحقها بالأقرب إليها، فإن نظرنا إلى أنها لم تجب بأصل الشَّرع؛ وإنما أوجبها المكلَّف على نفسه قلنا: إلحاقها بالنافلة أقربُ؛ لأنَّ الشَّرع لم يلزمه بها. وإن نظرنا إلى أنَّ الشَّرع ألزمه بها إذا وُجِدَ سَبَبُها وهو النَّذر؛ لقول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطيعَ اللَّهَ فليُطعْهُ» (¬2). قلنا: إنها أقرب إلى الفريضة، ولذلك اختلف العلماء فيها (¬3). فمنهم من قال: إنَّ المنذورة تلحق بالفريضة؛ فلا تصحُّ في الكعبة. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحج: باب إغلاق البيت، رقم (1598)، ومسلم، كتاب الحج: باب استحباب دخول الكعبة للحاج، رقم (1329) عن ابن عمر رضي الله عنهما. (¬2) رواه البخاري، كتاب الإيمان والنذور: باب النذر فيما لا يملك رقم (6700) عن عائشة رضي الله عنها. (¬3) انظر: «الاختيارات» ص (45)، «شرح منتهى الإرادات» (1/ 158).

ومنهم من قال: تلحق بالنَّافلة؛ لأنها غير واجبة بأصل الشَّرع، وتصحُّ في الكعبة. هذا الحكم في النَّذر المطلق الذي قال فيه الناذر: لله عَليَّ نذرٌ أن أُصلِّي رَكعتين. أما النَّذر المقيَّد في الكعبة فيصحُّ فيها؛ مثل أن يقول: لله عَلَيَّ نذرٌ أن أصلِّيَ ركعتين في الكعبة، فتصحُّ صلاتُه في الكعبة قولاً واحداً (¬1)؛ لأنَّه نذرها نذراً مقيَّداً في الكعبة. والقول الثاني في أصل المسألة: أنَّ الفريضة تصحُّ في الكعبة كما تصحُ النَّافلة (490)، وحديث ابن عمر أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يُصلِّي في سبعة مواطن ذكر منها: «فوقَ ظهر بيت الله» (¬2)، ضعيفٌ لا تقوم به حُجَّة. وأيضاً: الأصل تساوي الفرض والنَّفْل في جميع الأحكام إلا بدليل، فكلُّ ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض، وكلُّ ما انتفى في النَّفْل انتفى في الفرض إلا بدليل، ويُستدلُّ لهذا الأصل بأن الصَّحابة لمَّا ذكروا أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي على راحلته حيثما توجَّهت به، قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 313، 314). (¬2) رواه ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات: باب المواضع التي تُكره فيها الصلاة، رقم (747) من حديث ابن عمر، عن عمر بن الخطاب به. قال أبو حاتم الرازي: «حديث واهٍ». «العلل» لابنه (1/ 148). وضعَّفه أيضاً الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» رقم (321). وانظر: «مسند الفاروق» لابن كثير (1/ 160). (¬3) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب ينزل للمكتوبة، رقم (1098)، ومسلم، كتاب الصلاة المسافرين: باب جواز صلاة النافلة على الدابة، رقم (700) عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُسبِّح على الراحلة قِبَل أي وجهة توجَّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبة».

وتصح النافلة باستقبال شاخص منها

استثنوا: «غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة»، وهذا يَدلُّ على أنَّهم لو لم يستثنوا لكانت المكتوبة كالنَّافلة تُصلَّى على الرَّاحلة. ولأن الله عزّ وجل يقول: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 149] وشطره بمعنى جهته، وهذا يشمل استقبال جميع الكعبة أو جزء منها، كما فَسَّرت ذلك السُّنَّة بصلاة الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم في الكعبة (¬1). إذاً؛ فالصَّحيح في هذه المسألة: أنَّ الصلاة في الكعبة صحيحة فرضاً ونَفْلاً. فإن قال قائل: أنَّى لنا أن نُصلِّيَ في الكعبة؟ فالجواب: أن ذلك غير ممتنع عقلاً ولا حِسًّا؛ بإمكان الإنسان أن يُفتحَ له باب الكعبة ويُصلِّيَ في جوفها، ثم إذا لم يمكن أن يُفتح له الباب فالحِجْر «بكسر الحاء» مفتوح، والحِجْر منه ستة أذرع وشيء، من الكعبة (¬2)، فمن الممكن أن يُصلِّيَ الإنسان الفريضة في الحِجْر. وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ باسْتِقْبَالِ شَاخِصٍ مِنْهَا ........ قوله: «وتصحُّ النَّافلة باستقبال شاخص منها»، يعني: تصحُّ النَّافلة في الكعبة باستقبال شاخص منها، أي: لا بُدَّ أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ حتى في النَّافلة، والشَّاخص: الشيء القائم ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدَّم تخريجه ص (256). (¬2) انظر: «صحيح البخاري»، كتاب الحج: باب فضل مكة وبنيانها، رقم (1586)، و «صحيح مسلم»، كتاب الحج: باب نقض الكعبة وبنائها، رقم (1333).

المتَّصل بالكعبة، المبنيُّ فيها، وعلى هذا فلو صَلَّى نافلة إلى جهة الباب وهو مفتوح، وهو داخل الكعبة لم تصحَّ؛ لأنه ليس بين يديه شاخص منها، فإن وضع لَبِنةً أو لَبِنتين بين يديه لم تصحَّ أيضاً؛ لأنا ليست منها، وليست متَّصلة. وقال بعض أهل العلم: تصحُّ النَّافلة في الكعبة؛ وإن لم يكن بين يديه شيء منها شاخص (¬1)، واستدلُّوا لذلك: بأن الواجب استقبال الهواء، والهواء تابع للقرار، قالوا: ولذلك لو صَلَّى على جبل أعلى من الكعبة كجبل «أبي قُبيس»، الذي في أسفله الصَّفا، فلا شَكَّ أن الكعبة تحته، وليس بين يديه شاخص منها، ومع ذلك تصحُّ بالاتفاق (¬2). فكذلك إذا صلَّى نافلة في جوف الكعبة؛ لا يُشترط أن يكون بين يديه شاخص منها. ولكن هذا القياس فيه نظر؛ لأن المُصلِّي إلى الكعبة في مكان أعلى يشاهد شيئاً شاخصاً بين يديه، وإن كان غير محاذٍ له، فلا يصحُّ القياس، بخلاف الإنسان الذي ليس بين يديه شيء أبداً؛ وهو في نفس الكعبة. فبينهما فرق. ولا شَكَّ أن الاحتياط أن يكون بين يديه شاخص منها، ولكن لو أن الإنسان صَلَّى، وجاء يستفتينا فلا نستطيع أن نقول: إن صلاتك ليست صحيحة، وإنما نأمره قبل أن يُصلِّيَ ألا يُصلِّيَ في جوف الكعبة إلا إلى شيء شاخص منها. ولهذا لمَّا هُدِمت الكعبة في عهد عبد الله بن الزُّبير بَنَى أخشاباً وأرخى عليها السُّتُورَ (¬3) من أجل أن يُصلِّيَ الناس إليها، قال شيخ الإسلام: وهذا دليل على أنه لا بُدَّ أن يكون هناك شاخص يُصلَّى إليه (¬4). ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 476)، «الإنصاف» (3/ 314، 315). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 476)، «الإنصاف» (3/ 314، 315). (¬3) رواه مسلم، كتاب الحج: باب نقض الكعبة وبنائها، رقم (402 ـ 1333). (¬4) انظر: «الاختيارات» ص (47).

ومنها استقبال القبلة

وخلاصة ما ذكره المؤلِّف؛ من المواضع التي لا تصحُّ الصلاة فيها ما يلي: 1 - المكان النَّجس إذا باشر النجاسة. 2 ـ المقبرة. 3 - الحِش. 4 - الحَمَّام. 5 - أعطان الإبل. 6 - المكان المغصوب. 7 - أسطحتها. 8 - الكعبة وسطحُها في الفريضة خاصَّة. وَمِنْهَا اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ ......... قوله: «ومنها استقبال القِبلة»، أي: من شروط الصَّلاة استقبال القبلة، والمراد بالقِبلة الكعبة، وسُمِّيَت قِبْلة؛ لأن النَّاس يستقبلونها بوجوههم ويؤمُّونها ويقصدونها، وهو من شروط الصَّلاة بدلالة الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]. وأما السُّنَّة: فكثيرة؛ منها: قوله صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصَّلاة فأسبغ الوُضُوء، ثم استقبل القِبْلة فكبِّر» (¬1). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الاستئذان: باب من رد فقال: عليك السلام، رقم (6251)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة، رقم (397) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب استقبال القِبْلَة في الصَّلاة (¬1). والحكمة من ذلك هي: أن يتَّجه الإنسان ببدنه إلى مُعَظَّمٍ بأمر الله وهو البيت، كما يتَّجه بقلبه إلى ربِّه في السَّماء، فهنا اتجاهان: اتجاهٌ قلبي واتجاهٌ بدني، الاتجاه القلبي إلى الله عزّ وجل، والاتجاه البدني إلى بيته الذي أُمِرَ بالاتِّجاه إليه وتعظيمه، ولا ريب أنَّ في إيجاب استقبال القِبْلة من مظهر اجتماع الأمَّة الإسلامية ما لا يخفى على الناس، لولا هذا لكان النَّاس يُصلُّون في مسجد واحد، أحدهم يُصلِّي إلى الجنوب، والثاني إلى الشمال، والثالث إلى الشرق، والرابع إلى الغرب، وقد تتعذَّر الصفوف في الجماعة، لكن إذا كانوا إلى اتجاه واحد صار ذلك من أكبر أسباب الائتلاف. وكان الرّسول عليه الصَّلاة والسَّلام يُصلِّي إلى بيت المقدس، ولكن الكعبة بينه وبين بيت المقدس (¬2)، فيكون مقامه ¬

_ (¬1) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم ص (26). (¬2) رواه أحمد (1/ 325)، والبزار «كشف الأستار رقم (418)، والطبراني (11/رقم 11066)، والبيهقي (2/ 3) من طريق يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس به. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. «المجمع (2/ 12). قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ إلا أن في رواية الأعمش عن مجاهد مقالاً. قال أبو حاتم الرازي: الأعمش قليل السَّماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلَّس. «العلل» لابن أبي حاتم رقم (2119) (2/ 210). قال الترمذيُّ: قلت لمحمد ـ يعني البخاري ـ يقولون: لم يسمع الأعمش من مجاهد إلا أربعة أحاديث؟ قال: ريح؛ ليس بشيء، لقد عددت له أحاديث كثيرة؛ نحواً من ثلاثين أو أقل أو أكثر؛ يقول فيها: حَدَّثنا مجاهد. «علل الترمذي الكبير» (2/ 966).

فلا تصح بدونه إلا لعاجز ومتنفل راكب سائر في سفر

في صلاته، بين الرُّكن اليماني والحَجَر الأسود؛ لتكون الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ولما هاجر إلى المدينة بقيَ بأمر الله عزّ وجل يُصلِّي إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً وبعض السَّابع عشر، ثم بعد ذلك أُمِرَ بالتَّوجه إلى الكعبة (¬1). فَلاَ تَصِحُّ بِدُونِه إِلاَّ لِعَاجِزٍ وَمُتَنَفِّلٍ رَاكبٍ سَائِرٍ في سَفَرٍ ......... قوله: «فَلاَ تَصِحُّ بِدُونِه»، أي: لا تصحُّ الصلاة بدون استقبال القِبلة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬2)، ولأن استقبال القبلة شرط، والقاعدة: أنه إذا تخلَّف الشرط تخلَّف المشروط، فلا تصحُّ الصَّلاة بدونه لهذه العِلَّة. قوله: «إلا لعاجز»، أي: لعاجز عن استقبال القبلة فيسقط عنه وجوب الاستقبال، وقد استثنى المؤلِّف مسألتين: الأولى: العاجز؛ تصحُّ صلاته بدون استقبال القِبلة، وله أمثلة منها: أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة، وليس عنده أحد يوجِّهه إلى القبلة، فهنا يتَّجه حيث كان وجهه؛ لأنَّه عاجز. ودليل ذلك قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب أخبار الآحاد: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، رقم (7252)، ومسلم، كتاب المساجد: باب تحويل القبلة، رقم (525) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. (¬2) تقدم تخريجه (1/ 186).

286]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأعراف: 42]. وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (¬1). ومن القواعد المقرَّرة عند أهل العلم المأخوذة من نصوص الكتاب والسُّنة: أنه لا واجبَ مع عَجزٍ، ولا محرَّمَ مع ضَرورة (¬2). ومن الأمثلة: حال اشتداد الحرب، فيسقط استقبال القِبْلة، مثل لو كانت الحرب فيها كَرٌّ وفَرٌّ؛ فإنه يسقط عنه استقبال القِبْلة في هذه الحال. ومنها: لو هرب الإنسان من عدوٍ، أو من سيل، أو من حريق، أو من زلازل، أو ما أشبه ذلك، فإنه يسقط عنه استقبال القِبْلة. قوله: «ومتنفِّلٍ راكبٍ سَائرٍ في سَفَرٍ»، هذه هي المسألة الثَّانية، «المتنفِّل» أي: المصلِّي نافلة إذا كان راكباً، واشترط المؤلِّف شرطين: أحدهما: أن يكون سائراً. الثاني: أن يكون في سفرٍ. فأمَّا الماشي فسيأتي حكمُه. وعُلِمَ من كلامه أن النَّازل في السَّفر يلزمه استقبال القِبْلة، وأنَّ السَّائر في الحضر يلزمه استقبال القِبْلة. ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 217). (¬2) انظر: «تهذيب السنن» (1/ 47، 48)، «إعلام الموقعين» (2/ 22).

فإذا قال قائل: هذا استثناء من عموم نصوص الكتاب والسُّنَّة، فقد قال الله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]. وهذا عموم من أقوى العمومات، فإنَّ {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} جملة شرطيَّة من أقوى العمومات؛ فما الذي أخرج هذه الحال من هذا العموم؟ فالجواب: أخرجتها السُّنَّة؛ بفعل الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، فقد ثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي النَّافلة على راحلته حيثما توجَّهتْ به، غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (¬1)، فهذه السُّنَّة خصَّصت عموم الآيات والحديث. فإن قال قائل: أفلا يُمكن أن يكون هذا قبل وجوب استقبال القِبْلة؟ قلنا: لا يمكن؛ لأنَّ الصحابة استثنوا الفرائض، فدلَّ هذا على أنَّه بعد وجوب استقبال القِبْلة. فإذا قال قائل: ما نوع هذا التَّخصيص؟ قلنا: هذا في الحقيقة من غرائب التَّخصيصات؛ لأنه قرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، وقولٌ خُصَّ بفعلٍ، يعني: لم يقل الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: من تنفَّلَ في السَّفر فلا يستقبل. ومعلومٌ أن تخصيص قول بفعلٍ، أضعف من تخصيص قول بقول؛ لاحتمال الخصوصية، ولاحتمال العُذر، بخلاف القول. ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (257).

وأيضاً: تخصيص القرآن بالسُّنَّة أضعف من تخصيص القرآن بالقرآن. ولكن نقول: إن السُّنَّة تكون من الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بأمر الله الصَّريح؛ أو بأمره الحُكمي الذي يُقِرُّ الله سبحانه وتعالى فيه نبيَّه على ما قالَ أو على ما فعلَ، ولهذا إذا فعل الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام شيئاً لا يُقِرُّهُ الله عليه بَيَّنَه، كما قال الله تعالى له: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ *} [التوبة]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، وقال عزّ وجل: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]. فإذاً؛ نقول: إن فعل الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام في تَرْكِ استقبال القِبْلة في التنفُّل في السَّفر كان بأمر الله الحُكمي؛ لأنه أقرَّه، فيكون ما جاءت به السُّنَّة كالذي جاء به القرآن تماماً في أنه حُجَّة. فإن قيل: هل تجوز الفريضة للرَّاكب السَّائر في السَّفر بدون استقبال القِبْلة؟ فالجواب: لا؛ إلا في الحال التي يتعذَّر فيها استقبال القِبْلة. فإن قيل: إذا كان المسافرُ نازلاً في مكان، فهل يجوز أن يتنفَّل إلى غير القبلة؟ فالجواب: لا؛ لأنَّ تخصيص العام يُقتصر فيه على الصُّورة التي وقع فيها التَّخصيص فقط.

ويلزمه افتتاح الصلاة إليها

فإن قيل: إذا كان الإنسانُ في بلده، لكن البلد متباعد الأحياء؛ فهل له أن يتنفَّل في هذه الحال إلى جهة سيره؟ فالجواب: ليس له ذلك؛ لأنه غير مسافر. ولو قال قائل: رجل في مَكَّة يتنقَّل في سيارته، هل يجوز له أن يتنفَّل عليها غير مستقبل القبلة أو لا؟ فالجواب: إن كان من أهل مَكَّة فلا يجوز، وإن كان من غيرهم فيجوز، إذاً؛ لو ذهبت إلى مَكَّة في العُمرة، وصرت تتنقَّل من المسجد الحرام إلى بيتك على السيَّارة جاز؛ ولو كانت الكعبة خلف ظهرك؛ لأنَّك مسافر، هذا هو الظَّاهر من عمومات الأدلَّة، وفيه شيء من البحث والنَّظر. وظاهر كلام المؤلِّف: أنه يجوز أن يتنفَّلَ على راحلته، ولو كان السَّفر قصيراً؛ فإذا خَرجتَ من البلد؛ ولو إلى بلد قريب منك لا يُعَدُّ الخروج إليه سفراً تُقصر فيه الصلاة؛ جاز لك التنفُّل على الرَّاحلة غير مستقبل القِبْلة للعموم، ولكن بعض الأصحاب رحمهم الله قالوا: لا يجوز التنفُّل على الرَّاحلة إلا في سفر يقصر فيه، فإن كان لا يقصر فيه فإنه لا يجوز (¬1). ويَلْزَمُهُ افتِتاحُ الصَّلاةِ إليها ......... قوله: «ويلزمه افتتاحُ الصَّلاةِ إليها»، «يلزمه»، أي: الرَّاكب «افتتاح الصَّلاة إليها»، أي: إلى الكعبة، ثم بعد ذلك يكون حيث كان وجهه. ودليل هذا: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 320، 321).

أخرجه أبو داود وغيره أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا سافر؛ فأراد أن يتطوَّع؛ استقبل بناقته القِبْلة؛ فكبَّر، ثم صَلَّى حيث وجَّهه رِكابُه (¬1). قالوا: فهذا دليل على أنه يجب افتتاح الصَّلاة إلى القِبْلة، لأن تكلُّفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ومعاناته لإيقاف البعير واتجاهه إلى القِبْلة وقطع المسير يدلُّ على أنه أمر واجب (¬2). وقال بعض أهل العلم: إنه ليس بواجبٍ (509). وأجابوا عن هذا الحديث بأمرين: أولاً: أنَّه ليس إلى ذاك في الصِّحَّة، وغاية ما قيل فيه: إنه حسن. والثاني: أنه فعل، ومجرد الفعل لا يدلُّ على الوجوب. وحديث ابن عمر وغيره من الأحاديث عامة: «أنَّه كان يُصلِّي حيث كان وجهه» (¬3). وظاهرها أنه من ابتداء الصلاة إلى انتهائها. ¬

_ (¬1) رواه أحمد (3/ 203)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب التطوع على الراحلة والوتر، رقم (1225)، والطبراني في «الأوسط» رقم (2557)، والدارقطني (1/ 395)، والبيهقي (2/ 5). من طُرقٍ عن ربعي بن عبد الله بن الجارود، عن عمرو بن أبي الحجاج، عن الجارود بن أبي سبرة، عن أنس به. قال الطبراني: لا يُروى عن الجارود إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به ربعي. قال ابنُ كثير: إسناده غريب. «إرشاد الفقيه» (1/ 116). قلتُ: ربعيُّ هذا؛ قال ابن معين: صالح، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الذهبي وابن حجر: صدوق. انظر: «تهذيب الكمال» (9/ 57). والحديث صحَّحه ابن السكن. وحسَّنه المنذري في «مختصر السنن» (1179). قال ابن الملقن: «رواه أبو داود بإسناد صحيح»، «خلاصة البدر المنير» (1/ 110). قال ابن حجر: «إسناده حسن». «بلوغ المرام» رقم (214) والله أعلمُ. (¬2) انظر: «المغني» (2/ 98)، «الإنصاف» (3/ 327). (¬3) تقدم تخريجه ص (257).

وماش ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها

وعليه فنقول: إن الصَّحيح في هذه المسألة أن الأفضل أن يبتدئ الصَّلاة متَّجهاً إلى القِبْلة، ثم يتَّجه حيث كان وجهه، أمَّا أن يكون واجباً بمقتضى هذا الدَّليل المُعَارِضِ للأدلَّة التي هي أصحُّ منه ففي النَّفس منه شيء. وماشٍ وَيَلْزَمُهُ الافْتِتَاحُ والرُّكُوعُ والسّجُود إلَيْهَا .......... قوله: «وماشٍ»، هذا معطوف على قوله: «راكب»، يعني: ولمتنفِّلٍ ماشٍ، يعني: يمشي على قدميه. فيجوز للإنسان المسافر إذا كان يمشي على قدميه؛ أن يكون اتِّجاهُه حيث كان وجهه في صلاة النَّفل، ويسقط عنه استقبال القبلة. قوله: «وَيَلْزَمُهُ الافْتِتَاحُ والرُّكُوعُ والسّجُودُ إلَيْهَا»، «يلزمه» أي: الماشي. «الافتتاح» أي: إلى القِبْلة؛ لأنه إذا لزم الرَّاكب مع معاناةِ صَرْفِ المركوب؛ فلزُومُه في حقِّ الماشي من باب أَولى؛ لأنَّ انصراف الماشي إلى القِبْلة أسهل من انصراف مركوبِهِ لو كان راكباً. وكذلك يلزمه الرُّكوع والسُّجود إليها أيضاً، أما الرَّاكب فلا يلزمه رُكوع ولا سجود، وإنما يومئ إيماء فيختلف الماشي عن الرَّاكب في أمرين: الأول: أنه يلزمه الرُّكوع والسُّجود، والرَّاكب يكفيه الإيماء. الثَّاني: أنه يجب أن يكون الرُّكوع والسُّجود إلى القبلة بخلاف الرَّاكب، والعِلَّة في ذلك قالوا: لأن هذا سهل على الماشي، أما الراكب فلا يتحقَّقُ له الرُّكوع والسُّجود إلى القِبْلة إلا إذا نزل، ونزوله من مركوبه فيه صعوبة ومشقَّة (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 99).

ولكن الصَّحيح: أننا إن جوَّزنا للماشي التَّنفُّل فإنه لا يلزمه الرُّكوع والسُّجود إلى القِبْلة؛ لأنَّ في ذلك مشقَّة عليه؛ لأنه يستلزم الوقوف للرُّكوع والسجود والجلوس بين السَّجدتين، وهذا يعيقُه بلا شَكٍّ، لكن لو قلنا يومئُ إيماء؛ أمكنه أن يومئ وهو ماشٍ في ركوعه وسجوده، فحكمه حكم الرَّاكب في أنه يلزمه الافتتاح فقط؛ لأن الافتتاح مدَّتُه وجيزة والانحراف إلى القِبْلة فيه سهل فلا يضرُّه. وقولنا: إن جوَّزنا للماشي التَّنفُّل، فيه إشارة إلى أنَّ في المسألة خلافاً (¬1)، فإن من العلماء من يقول: إن المسافر الماشي لا يجوز أن يتنفَّل حال مشيه، لأنَّ الماشي سوف يعمل أعمالاً كثيرة بالمشي، والرَّاكب ساكن لا يعمل، فلا يُلحق هذا بهذا. ولأن تنفُّل المسافر الرَّاكب على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل فهو خارجٌ عن الأصل، ولا يُقاس عليه. ولكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن القول الرَّاجح: ما قاله المؤلِّف في إلحاق الماشي بالرَّاكب، لأن العِلَّة في جواز التنفُّل على الرَّاحلة بدون عُذْر هو حمل الإنسان وتشجيعه على كثرة النَّوافل، وهذا حاصل للمسافر الماشي، كما هو حاصل للمسافر الرَّاكب. وقولهم: إن هذا خلافُ الأصل، وما كان خلافَ الأصل ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 324، 325).

فلا يُقاس عليه، نقول في جوابه: ما خرج عن الأصل لعِلَّة معقولة فلا مانع من أن يُقاس عليه؛ لأنَّ القاعدة العامَّة في هذه الشَّريعة: «أنها لا تُفرِّقُ بين متماثلين، ولا تجمع بين متفرِّقين». فإذا علمنا أنَّ الشَّارع إنما رَخَّص في الصَّلاة حيث كان وجهه على بعيره من أجل أن يحمل النَّاسَ على كَثْرَة النَّوافل ولا يحرمهم، نقول: هذا أيضاً في الماشي. وكثيرٌ من النَّاس المسافرين لا يجدون مركوباً فتجدهم يمشون مع الرُّكبان على أقدامهم من بلادهم، إلى أن يرجعوا إلى بلادهم، وهذا شيء معلوم يعرفه النَّاس من قَبْلُ لمَّا كانوا يسافرون على الإبل. لكن ماذا يستقبل؟ بيَّنت السُّنَّة أنَّ قِبْلَتَهُ جهةُ سيره، فلا بُدَّ أن يكون متَّجهاً إمَّا إلى القِبْلة، وإما إلى جهة سيره، فلو حَرَفَ البعيرَ عن جهة سيره إلى جهة القِبْلة صَحَّ؛ لأنَّها الأصل، ولو حَرَفَها عن جهة سيره لغير القِبلة فقد قال العلماء: لا يجوز (¬1)، لأنَّه خرج عن استقبال القِبْلة؛ وخرج عن استقبال جهة سيره التي أباح الشَّارع أن تكون قِبْلته من أجل تسهيل سيره، فإذا عدل بها عن جهة سيره فإنها تبطل. أما إذا عَدَلت به الدَّابة؛ فقال بعض أهل العلم: إن طال الفصل بطلت صلاته، وإن لم يطلْ لم تبطل صلاته (¬2). والصَّحيح: أنه إذا عَجَزَ عن ردِّها لم تبطل مطلقاً، لأنه يدخل في العاجز عن استقبال القِبْلة، ولو طال الفصلُ. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 98). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 328).

وفرض من قرب من القبلة إصابة عينها، ومن بعد جهتها

وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنْ القِبْلَةِ إِصَابَةُ عَيْنِهَا، وَمنْ بَعُدَ جِهَتُها قوله: «وفَرْضُ من قَرُبَ من القِبْلَة إصابَةُ عينها، ومَنْ بَعُدَ جهتُها». بيَّنَ المؤلِّف رحمه الله كيف يكون استقبال القِبْلة، وذَكَرَ أنه على وجهين: الوجه الأول: أنه يلزمُه استقبالُ عينِ الكعبة. والوجه الثاني: أنه يلزمُه استقبالُ جهةِ الكعبة. فالأول إذا كان قريباً من الكعبة؛ وهو الذي يمكنه مشاهدتها. والثاني إذا كان بعيداً عنها أو قريباً لا يمكنه المشاهدة. وظاهر كلامهم: أنَّ المراد الإمكان الحسيّ، وأنه إذا أمكنه المشاهدة حِسًّا وجب عليه إصابةُ العين، وإن كان لا يمكن شرعاً، وعلى هذا؛ فمن كان في صحن المسجد، فاستقبالُ عين الكعبة عليه فرض، وهذا سهل. ومَنْ كان في السَّطح الأعلى أو الأوسط فهذا قد تكون إصابة عين الكعبة سهلة عليه، وقد تكون صعبة، فإذا كانت الصُّفوف متراصَّة أو أمامه أعمدة تمنعه من مشاهدة الكعبة، فهنا قد لا يستطيع الرُّؤية، ولا يستطيع أن يتحوَّل عن مكانه، لأنَّ الصُّفوف متراصَّة والتَّعذُّر هنا شرعي. وظاهر كلامهم: أنها لا تصحُّ صلاته حتى يكون مصيباً للعين (¬1)، وإذا أخذنا بهذا الرَّأي فإن كثيراً من الذين يصلُّون في ¬

_ (¬1) انظر: «كشَّاف القناع» (1/ 304، 305).

المسجد الحرام لا تصحُّ صلاتهم؛ لأنَّ كثيراً منهم نشاهدهم بأعيننا لا يصيبون عينَ الكعبة، يتَّجهون إلى جهتها ولا يُصيبون عينها، فتجد الصَّفَّ مستطيلاً، وبعضهم يتَّجه عن يمين الكعبة، وبعضهم عن يسار الكعبة، وبعضهم يتَّجه إلى الكعبة تماماً، وهذه المسألة مشكلة باعتبار أن الإنسان إذا كان بآخر الصفوف لا يتمكَّن من مشاهدة الكعبة قطعاً، ولا يقول: إنه أصاب عينها، وأحياناً يرى الظُّلْمَة والسَّواد ويقول: هذا عينُ الكَّعبة، ثم يُصلِّي، وإذا سَلَّم يجد الكعبة عن يمينه أو عن يساره، وهذا كثير. ولكنِّي ما رأيت أحداً من أهل العلم قال: إنَّ مَنْ كان بداخل المسجد فإن فرضه استقبال الجهة إلا قولاً في «سُبُل السَّلام شرح بلوغ المرام» لم يعزُه لأحد (¬1)، ولكنَّه قاله تَفَقُّهاً من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قَبْله فهو غير مُسَلَّم؛ لأن المعروف من كلام أهل العلم قاطبة أنه من كان يمكنه مشاهدتها ففرضُه إصابةُ العين (¬2). ويجب أن يصيبَ عينَ الكعبة بكلِّ بدنه، فلو فُرِضَ أن جانبَ الوجه الأيمن مساوٍ للكعبة؛ والجانبَ الأيسر خارج عن الكعبة؛ لم تصحَّ صلاته، فلا بُدَّ أن يكون اتجاهُه كلُّه إلى عين الكعبة، وذلك لأنَّه أمكن الاتجاه عن يقين، فوجب عليه، ولأنَّ الأصل وجوب الاستقبال إلى البيت الذي هو البناء وليس إلى المسجد كلِّه، وإلا لصحَّ أن نقول: إن الذي يصلِّي إلى الجانب ¬

_ (¬1) انظر: «سبل السلام» (1/ 260). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 100)، «الإنصاف» (3/ 330).

الجنوبي منه مثلاً له أن يستقبل الجانب الشمالي منه، ولو كانت الكعبة عن يمينه أو عن يساره، ولا أحد يقول بهذا، فالمقصود الأول هو عينُ الكعبة، فإذا أمكن وجب. وقوله: «ومَنْ بَعُدَ جهتُها»، أي: من بَعُدَ عن الكعبة بحيث لا يمكنه المشاهدة؛ فيجب عليه إصابةُ الجهة، والجهة حدَّدها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «لا تستقبلوا القِبْلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبرُوها، ولكن شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا» (¬1). لمَّا قال: «شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا» يريد بذلك عكس القِبْلة، وعلى هذا فيكون ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لأهل المدينة كلُّه قِبْلة، فالجنوب كلُّه قِبْلة لهم، ليس قِبْلتهم ما سامت الكعبةَ فقط، وبهذا نعرف أنَّ الأمر واسع، فلو رأينا شخصاً يُصلِّي منحرفاً يسيراً عن مُسامَتَةِ القِبْلة، فإن ذلك لا يضرُّ، لأنَّه متَّجه إلى الجهة وهذا فرضه. وجهة القِبْلة لمن كانوا شمالاً عن الكعبة ما بين الشَّرق والغرب، ولمن كانوا شرقاً عن الكعبة ما بين الشَّمال والجنوب. ولمن كانوا غرباً ما بين الشَّمال والجنوب، ولمن كانوا جنوباً عن الكعبة ما بين الشرق والغرب، فالجهات إذاً أربع، وهذا مقتضى حديث أبي أيوب. واعلمْ أنه كلَّما قَرُبتَ من الكعبة صَغُرت الجهة، فإذا صِرتَ تحت جدار الكعبة تكون الجهة بقَدْر بدنك فقط، أي: لو انحرفت أقلَّ انحراف عن الكعبة، إما عن يسارك أو عن يمينك بطلت. ¬

_ (¬1) متفق عليه من حديث أبي أيوب، وقد تقدم تخريجه (1/ 123).

أخبره ثقة بيقين،

أَخْبَرَه ثِقَةٌ بِيَقِينٍ، .......... قوله: «فَإنْ أَخْبَرَه ثِقَةٌ بِيَقِينٍ»، شرع المؤلِّف في بيان ما يُستدلُّ به على القِبْلة. فذكر أشياء: الأول: خبرُ ثقة؛ لكن عن يقين، فلو أخبره ثقة بيقين ـ رَجُل أو امرأة ـ أن هذه هي القِبْلة، لَزِم الأخذ بقوله. والثقة: تستلزم العدالة والخبرة، فإن لم يكن عدلاً فليس بثقة؛ لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] فأوجب الله سبحانه وتعالى أن نَتَبَيَّن، وأن نتثبَّت في خبر الفاسق، ولم يوجب ردَّه مطلقاً؛ ولا قَبُوله مطلقاً، فإذا قال لنا إنسانٌ فاسقٌ: القِبْلة هنا، وإنْ كان ذا خبرة، فإننا لا نعمل بقوله؛ لأنه ليس بعدل، وكذلك إذا قال لنا إنسانٌ عدل ظاهراً وباطناً صاحب عبادة وزهد وورع: هذه هي القِبْلة، ولكنه ليس ذا خبرة، فإنَّنا لا نأخذ بقوله؛ لعدم الثِّقة بقوله؛ لكونه ليس ذا خبرة. وأفاد المؤلِّف بقوله: «فإن أخبره ثقة» أنه لا يُشترط التَّعدد، يعني: لا يُشترط أنه يخبره ثقتان، وهذا بخلاف الشَّهادة؛ لأن هذا خبر ديني فاكتُفيَ فيه بقول الواحد، كما نعمل بقول المؤذِّن بدخول الوقت. وأفادنا أيضاً بقوله: «ثقة» أنه لو كان المخبر امرأة يُوثق بقولها؛ لكونها عدلاً وذات خِبرة، فإننا نأخذ بقولها. والعِلَّة: أن هذا خبر ديني فيُقبل فيه خبر المرأة كالرِّوَاية، فإنَّا نقبل فيها قول المرأة إذا كانت عدلاً حافظة. وقول المؤلِّف: «بيقين»، أي: بأن أخبره عن مشاهدة،

أو وجد محاريب إسلامية

وأفادنا أنَّه لو أخبره الثقة عن اجتهاد، فإنه لا يعمل بقوله، مثل: جماعة في سفر، كلُّهم لا يعرفون القِبْلة، ولا يستطيعون الاجتهاد إلى جهتها، لكن واحداً منهم يعرف ذلك عن اجتهاد، فظاهر كلام المؤلف أننا لا نأخذ بقوله، ولكن هذا فيه نظر. والصَّواب: أنه لو أخبره ثقة سواءٌ أخبره عن يقين أم عن اجتهاد، فإنه يعمل بقوله كما نعمل بقول الثِّقة بالاجتهاد في مسائل الدِّين؛ الحلال والحرام والواجب، فكيف لا نعمل به في إخباره بالقِبْلة؟ أَوْ وَجَدَ مَحَارِيْبَ إِسْلامِيّةً .......... قوله: «أو وَجَدَ محاريبَ إسلاميَّة»، هذا هو الثاني مما يُستدلُّ به على القِبْلة: المحاريب الإسلامية، فإذا وجد محاريبَ إسلاميَّة فإنه يعمل بها؛ لأن الغالب بل اليقين أن لا تُبنى إلا إلى جهة القِبْلة. والمحاريب: جمعُ مِحْرَاب، وهو طَاقُ القِبْلة الذي يقف نحوه الإمام في الجماعة. وقوله: «محاريب إسلامية»، يُفهم منه أن المسلمين لا زالوا يستعملون المحاريب، وأن لهم محاريبَ خاصَّة تتميَّز عن محاريب النَّصارى وغيرهم، وهو كذلك. وقد اختلف العلماء رحمهم الله في اتِّخاذ المِحراب؛ هل هو سُنَّة؛ أم مستحبٌّ؛ أم مباح (¬1)؟ والصَّحيح أنَّه مستحبٌّ، أي: لم تَرِدْ به السُّنَّة، لكن النُّصوص الشَّرعيَّة تدلُّ على استحبابه؛ لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها بيان القِبْلة للجاهل. وأما ما رُويَ عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام من النَّهي عن ¬

_ (¬1) انظر: «الفروع» (2/ 37، 38)، «الإنصاف» (4/ 458).

ويستدل عليها في السفر بالقطب

مذابح كمذابح النَّصارى (¬1) أي: المحاريب، فهذا النَّهيُ فيما إذا اتُّخِذَت محاريب كمحاريب النَّصارى، أما إذا اتُّخِذت محاريب متميّزة للمسلمين، فإن هذا لا نهي عنه. وعُلِمَ من كلامه: أنه لو وجد محاريبَ غير إسلاميَّة لم يَعملْ بها؛ لأنه لا يُوثق ببنائهم، كما أنه لا يُوثق بكلامهم في مسائل الدِّين، وإلا فيُمكن أن يُقال: إنَّ المعروف عند غير المسلمين من أهل الكتاب أنهم يتَّجهون إلى بيت المقدس، فإذا وجدنا محاريبَ لهم متَّجهة إلى بيت المقدس، ونحن مثلاً في جهة بين بيت المقدس وبين الكعبة فإننا نعرف أن القِبْلة في استدبار محاريبهم، ولكننا لا نثق بمحاريبهم؛ لأننا نخشى أن يكونوا قد بدَّلُوا أو غيَّروا، فلهذا قيَّدَ المؤلِّف هذا بقوله: «أو وَجَدَ محاريبَ إسلاميَّة». قال في «الرَّوض» (¬2): «لأنَّ اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتُها حيثُ عَلِمَهَا للمسلمين». وَيُسْتَدلُّ عَلَيْهَا في السَّفَرِ بالقُطْبِ .......... قوله: «ويُستدلُّ عليها في السَّفرِ بالقُطْبِ»، هذا هو الثَّالث مما يُستدلُّ به على القِبْلة: القُطْب؛ وهذا دليل آفاقي، أي: دليل ¬

_ (¬1) روى ابن أبي شيبة في «مصنفه»، كتاب الصلوات: باب الصلاة في الطاق، رقم (4699) عن أبي إسرائيل، عن موسى الجهني عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزال أمتي بخير ما لم يتَّخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى». وهذا إسناد ضعيف، موسى الجهني لم يسمع أحداً من الصحابة؛ فضلاً عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو إسرائيل فيه ضعف. وروى ابن أبي شيبة، «الموضع السابق» عن إبراهيم النخعي قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اتقوا هذه المحاريب»، وكان إبراهيم لا يقوم بها. (¬2) انظر: «الروض المربع» (1/ 158).

والشمس والقمر

على الأُفق. والقُطْبُ: هو الشيء الذي تدور عليه الأشياء، وهو أصل الشيء، وهو نجم خفيٌّ جداً من جهة الشَّمال الشَّرقي بالنسبة لنا في «القصيم»، قال العلماء: لا يراه إلا حديد البَصَر في غير ليالي القمر، إذا كانت السماء صافية (¬1)، لكن له جار بيِّنٌ واضح يُستدلُّ به عليه وهو «الجَدي»، فإن «الجَدي» قريب منه، ولهذا يظنُّ بعض النَّاس أن «الجدي»، ثابت لا يتغيَّر، وليس كذلك، بل «الجَدي» يتحرَّك يسيراً، لكن لقربه من القُطْبِ لا تتبيَّنُ حركته، أما القُطْب نفسه فلا يتغيَّر ولا يتحرَّك، كقُطْبِ الرَّحا، والرَّحا إذا دارت فيما كان حول قطبها فإن دورانها يَسيرٌ خفيٌّ جداً، وكلما قَرُبَ كان أخفى، والبعيد تكون دورته واسعة بَيِّنة، وهكذا النجوم على القُطْب، ما كان قريباً من القُطْب فدورته يسيرةٌ جداً؛ حتى إن بعض الناس يظنُّ أنَّه لا يدور، وما كان بعيداً فإنه يدور دوراناً كبيراً بيِّناً. وأضربُ لكَ مثلاً ببنات نعش الكُبرى والصُّغرى، وهي سبعة نجوم كبيرة، وسبعة نجوم صغيرة. فبنات نعش الصُّغرى في أحد طرفيها «الجَدي»، وفي الآخر «الفَرقدان» اللذان قال فيهما الشاعر: «وفرقدا السَّماء لن يفترقا». وهي لا تغيب أبداً، نُشاهدُها وهي تدور، فأحياناً يكون «الفرقدان» في الجنوب و «الجَدي» في الشِّمال، وأحياناً يكون «الفرقدان» في الشمال و «الجَدي» في الجنوب لا يغيب، أما «بنات نعش الكُبرى» فإنها تغيب؛ لكن لا تكاد تمضي ساعة أو ساعة ونصف إلا وقد طلع ¬

_ (¬1) انظر: «الإقناع» (1/ 156).

أوَّلها من الشرق بعد أن يغيب آخرها من الغرب؛ لأن المسافة غير بعيدة. والدَّليل على اعتبار النُّجوم دليلاً قوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16]، فإن الله سبحانه وتعالى أطلق الاهتداء بالنَّجم، فالنَّجم يُهتدى به على الجهات لكلِّ غرض. والشَّمْسِ والقَمَرِ .......... قوله: «والشمس والقمر»، هذا هو الرَّابع مما يستدلُّ به على القِبْلة؛ لأنَّ الشمس والقمر كلاهما يخرج من المشرق ويغرب من المغرب، فإذا كنت عن الكعبة غرباً فالقِبْلة شرقاً، وإذا كنت عن الكعبة شرقاً، فالقِبْلة غرباً، وإذا كنت عن الكعبة شمالاً فالقِبْلة جنوباً، وإذا كنت عن الكعبة جنوباً فالقِبْلة شمالاً، «وما بين المشرق والمغرب قِبْلة» كما قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام (¬1)، وذلك لأهل المدينة ومن ضاهاهم. ¬

_ (¬1) رواه الترمذي، أبواب الصلاة: باب ما جاء أن بين المشرق والمغرب قِبلة، رقم (344)، والطبراني في «الأوسط» رقم (794)، (9140) عن عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة». قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح!. قال الإمام أحمد بن حنبل: ليس له إسنادٌ. وقال مرَّة: ليس بالقوي. قال أبو داود: يريد ـ أي أحمد ـ بقوله: «ليس له إسناد» لحال عثمان الأخنسي، لأن في حديثه نكارة. «مسائل أبي داود» ص (300). قال ابن رجب: يعني: أنَّ في أسانيده ضعفاً ... والأخنسي: وثَّقهُ ابنُ معين وغيره. والمخرمي: خرَّج له مسلم، وقال ابن المديني: روى مناكير. «فتح الباري» له (2/ 289 ـ 290). ورواه الترمذي أيضاً ـ الموضع السابق ـ رقم (342)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة: باب القبلة، رقم (1011) من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعاً. قال النسائي: منكر. «السُّنن» له (4/ 171 ـ 172). وله شاهد من حديث ابن عمر، رواه الدارقطني (1/ 271)، والحاكم (1/ 206)، والبيهقي (2/ 9) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن المجبَّر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً. قال أبو زرعة: هذا وهمٌ، والحديث حديث ابن عمر موقوف. «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 184) رقم (528). ورواه الدارقطني (1/ 271)، وفي «العلل» له (2/ 32)، والحاكم (1/ 205) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع به. لكن؛ رَفْعُه غير صحيح عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما من الحفّاظ. إلا أنَّ هذا المعنى قد صَحَّ عن عمر بن الخطاب من قوله، كما قال الإمام أحمد. ورُويَ عن: عثمان، وعليِّ، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. قال ابن رجب: ولا يُعرف عن صحابيٍّ خِلافُ ذلك.

وَمَنَازِلِهِمَا ......... قوله: «ومنازلهما»، أي: منازل الشمس والقمر، يعني: منازل النجوم الصيفيَّة والشتوية، وهي ثمان وعشرون منزلة ينزلها القمر كلَّ ليلة له منزلة منها، وليلتان أو ليلة واحدة يكون مستتراً لا يُرى، ولهذا تُسمَّى ليلة التاسع والعشرين والثلاثين، أو الثامن والعشرين والتاسع والعشرين «ليالي الاستسرار»، أي: أنَّ القمر يستتر فيها ولا يُرى. والثمان والعشرون منزلة هذه تنزلها الشمس على مدى سَنَة كاملة، أما القمر فيطوف بها خلال شهر، وفي السَّنَة اثنتي عشرة مَرَّة. أما الشمس فتطوف بها في السَّنَة مرَّة واحدة. وكيف نستدلَّ بمنازلهما؟ الجواب: ننظر مثلاً إلى النجوم الشَّمالية التي تقسم المشرق

نصفين والمغرب نصفين. والنُّجوم الجنوبية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين. فالجنوبية من جهة الجنوب، والشمالية من جهة الشمال، لكن هذه لا يعرفها إلا من تَمَرَّسَ وكان في البَرِّ، وليس حوله أنوار كهرباء بحيث يعرف هذه النُّجوم، والذين يعرفونها يستطيعون أن يحكموا على الليل والنهار بالسَّاعات، بل بأقلَّ من السَّاعات، فيقولون: الآن ذهب من الليل نصفُه، ذهب رُبعُه، ذهب ثُمنُه، ذهب عُشرهُ، ويستدلُّون على ذلك بهذه المنازل. وقال بعضُ العلماء: يُستدلُّ أيضاً بالجبال الكِبَار (¬1). وقال بعضهم: يُستدلُّ بالأنهار ومصابِّها (524). وقال بعضهم: يُستدلُّ بالرِّياح (524). لكن هذه الثلاثة دلالتها خفيَّة، ولهذا أغفلها المؤلِّف رحمه الله ولم يذكرها، فإن من النَّاس من يكون عنده قوَّة إحساس؛ بحيث يقول لك: الهواءُ جنوبي، الهواءُ شرقي، الهواءُ غربي ـ ولو كان أعمى ـ، ويَستدلُّ بالرِّياح على الجهات. وفي زمننا هذا أنْعَمَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بالآلات الدَّقيقة التي يُستدلُّ بها على جهة القِبْلة، بل إنني سمعت أنه يوجد آلات يُستدلُّ بها على عين القِبْلة؛ لأنهم يقولون: إن الكعبة هي مركز الكُرَة الأرضيَّة، وأنهم الآن توصَّلُوا إلى آلات دقيقة يكون اتجاهُها دائماً إلى مركز الأرض وهو وسطها. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 343، 344).

وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة

وَإِنْ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ فَاخْتَلَفَا جِهَةً .......... قوله: «وَإنْ اجتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ فَاخْتَلَفَا جِهَةً»، أي: بذلا الجُهد في معرفة القِبْلة. والمجتهد في جهة القِبْلة هو: الذي يعرف أدلَّتها، كما أنَّ المجتهد في باب العِلْم هو الذي يعرف أدلَّة العلم، فالنَّاس بالنسبة للقِبْلة إمَّا مجتهدٌ يعرف كيف يستدلُّ بأدلَّتها، وإما مقلِّدٌ لا يعرف ولا يدري. والمقلِّدُ فرضُه التَّقليد، ولكن سبق أنَّه لا بُدَّ أن يكون المُقَلِّد يخبر عن يقين على المذهب (¬1). والصَّحيح: أنه يُقَلَّد؛ سواء أَخْبَرَ عن يقين أم عن اجتهاد. وقوله: «فاختلفا جِهَةً»، أي: قال أحدُهما: إنَّ القِبْلة هنا؛ ويُشير إلى الشِّمال؛ والثَّاني يقول: القِبْلة هنا؛ ويشير إلى الجنوب، فلا يجوز أن يَتْبَعَ أحدُهما الآخر. لأنَّ كُلَّ واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، وهذا فيما إذا كان الاختلاف في جهتين. أما إذا اختلفَا في جهةٍ واحدة؛ بأن اختلفا في الانحراف في جهة واحدة، فهنا لا بأس أن يَتْبَعَ أحدُهما الآخر، مثل: أن يتَّجِهَا إلى الجنوب لكن أحدهما يميل إلى الغرب، والآخر يميل إلى الشَّرق فلا يأس للذي يميل إلى الغرب أن يَتْبَع الذي يميل إلى الشَّرق، ويميل معه إلى الشَّرق أو العكس؛ لأن الانحراف في الجهة لا يضرُّ؛ ولا يُخِلُّ بالصَّلاة. ¬

_ (¬1) انظر: ص (274).

لم يتبع أحدهما الآخر

لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ ......... قوله: «لم يَتْبَع أحدُهُما الآخر»، المراد بالاتِّباع هنا في القِبْلة، فلا يجوز أن يَتْبَع أحدُهما الآخر؛ حتى ولو كان أعلمَ منه وأعرف، ما دام أنَّه خالفه، فإن كان المجتهدُ حين اجتهد؛ واجتهد الآخر الذي هو أعلمُ منه صار عنده تردُّد في اجتهاده، وغلبة ظنِّه في اجتهاد صاحبه. فعلى المذهب لا يتبعه؛ لأنهم يقولون: لا بُدَّ أن يكون خبر الثّقة عن يقين (¬1). والصَّحيح: أنه يَتْبَعه؛ لأنَّه لمَّا تردَّدَ في اجتهاده بطل اجتهاده، ولمَّا غلب على ظَنِّه صحَّة اجتهاد صاحبه وجب عليه أن يَتْبَع ما هو أَحْرَى، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث عبد الله بن مسعود في الشَّكِّ في عدد الرَّكعات: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّواب، ثم لِيَبْنِ عليه» (¬2)، وهذا دليل على أنَّ من كان عنده غلبة ظنٍّ في أمر من أمور العبادة فإنه يَتْبَع غلبة الظَّنِّ. وهذا أيضاً له أصلٌ في الكتاب، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وهذه استطاعته. وقوله: «لم يَتْبَع أحدُهما الآخر» يشمل متابعة الائتمام، فلا يأتمُّ به؛ لأنَّ كُلَّ واحد منهما يعتقد أنَّ هذا أخطأ القِبْلة، فالإمام يرى أن القِبْلة جنوب، والمأموم يرى أن القِبْلة شمال؛ فيتَّجِه الإمامُ إلى الجنوب والمأموم إلى الشَّمال، فصار المأموم قد استدبر الإمام، فإذا ركع الإمامُ إلى الجنوب ركع المأموم إلى الشَّمال، وهذا تضادٌّ. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 335، 336). (¬2) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (401)، ومسلم، كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة، رقم (572).

والمقصود من الجماعة هو الائتلاف. وقال بعض أهل العلم: بل يجوز أن يتبعه في الائتمام (¬1)، وإذا كانت الصَّلاة صلاةَ جماعة واجبة وجب أن يَتْبَعه ويأتمَّ به، لأن كلَّ واحد منهما يعتقد خطأ الآخر بالنسبة لاجتهاده، ويعتقد صوابه بالنسبة لاجتهاده نفسه، فأنا أعتقد أن الإمام مخطئ لما اتَّجَه إلى الجنوب باعتقادي أنا، لكن باجتهاده هو أعتقد أنه مُصيب وأنَّه لو تابعني لبطلت صلاتُه. قالوا: ونظير ذلك لو أنَّ رَجُلَين أكلا من لحم إبل، أحدهما يعتقد أنَّ لحم الإبل ناقض، والثاني يعتقد أن لحم الإبل غير ناقض، فَأْتمَّ أحدُهما بالآخر، فهنا أحدهما يعتقد بطلان صلاة الآخر، ومع ذلك يجوز أن يَأْتمَّ أحدُهما بالآخر، قالوا: فهذا مثل هذا، واعتقاد الخطأ في الحكم كاعتقاد الخطأ في الحال (¬2)، فالذي خالفني في القِبْلة قد اتفقت معه على الحكم؛ وهو أن استقبال القِبْلة شرط، لكن اختلفنا في الحال، أنا أعتقد أن هذه القِبْلة، وهو يعتقد أن القِبْلة مخالفة لذلك، فلا فرق بين أن أعتقد أن هذا اللحم ناقض للوُضُوء، وهو يعتقد أنه ليس بناقض. وهذا القول أقرب للصَّواب، وهو جواز اتِّباع أحدهما الآخر في الائتمام مع اختلافهما في جهة القِبْلة. والتضاد هنا لا يمنع من الائتمام كما لو ائتمَّ أحدُهما بالآخر في جوف الكعبة، وأحدهما مستقبل الجدار الشِّمالي؛ والثاني مستقبل الجدار الجنوبي. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 346). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 108، 109).

ويتبع المقلد أوثقهما عنده

بقي علينا إذا كان هناك ثالث ليس بمجتهد، أي: لدينا رجلان اجتهدا، وعندهما ثالث ليس بمجتهد، وقد بيَّنه المصنف بقوله: وَيَتْبَعُ المُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا عِنْدَهُ. وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلاَ تَقْلِيدٍ قَضَى إِنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُه. قوله: «وَيَتْبَعُ المُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا عِنْدَهُ»، يعني: إذا اجتهد مجتهدان إلى القِبْلة؛ فقال: أحدهما: القِبْلة هنا وأشار إلى ناحية، وقال الثاني: القِبْلة هنا وأشار إلى ناحية مخالفة، وعندهما رجل ثالث فَيَتْبع أوثقهما، فإن تَبِعَ غير الأوثق مع وجود الأوثق، فصلاته باطلة؛ لأنه يعتقد بطلانها، ويكون كالمتلاعب في صلاته. قوله: «وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلاَ تَقْلِيْدٍ قَضَى إنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُه»، يعني: «من صَلَّى بغير اجتهادٍ» إن كان يحسنه، «ولا تقليد» إن كان لا يُحسنه فإنه يقضي؛ لأنَّه لم يأتِ بما يجب عليه، فكان بذلك مفرِّطاً فوجب عليه القضاء. مثال ذلك: رَجُلٌ يُحسنُ الاجتهاد، ويعرف دلائل القِبْلَة بالقُطْبِ، أو الشمس، أو القمر، وصَلَّى بغير اجتهاد فإنه يجبُ عليه القَضاء. وظاهر كلام المؤلِّف أنه يقضي ولو أصاب، وذلك لأنَّه لم يَقُمْ بالواجب عليه من الاجتهاد، وإصابته وقعت على سبيل الاتفاق، لا على سبيل الرُّكُون إلى هذه الجهة؛ لأنه لم يج

كذلك لو كان ليس من أهل الاجتهاد، ففرضه التَّقليد، لكنَّه لم يُقلِّد، فلم يسأل أحداً من النَّاس وصَلَّى، فإنَّه يقضي ولو أصاب؛ لأنه ترك ما يجب عليه، إذ الواجب أن يعرف أن هذه هي القِبْلَة، إما باجتهاده إن كان يُحسنُه وإما بتقليد إذا كان لا يحسنه، وهذه الأخيرة تقع كثيراً، فمثلاً: يأت رَجُل إلى شخص فينزل ضيفاً عليه، ثم يقوم يُصلِّي، ولا يسأل صاحب البيت أين القبلة، فيصلِّي وهو ليس من أهل الاجتهاد الذين يعرفون القِبْلة بالأدلَّة، فيجب عليه أن يُعيد الصَّلاة ولو أصاب؛ لأنَّه لم يأتِ بالواجب من الاجتهاد، ولا من التَّقليد، فالواجب على هذا الضَّيف إذا أراد أن يُصلِّي أن يسأل صاحب البيت؛ لأن صاحب البيت عنده عِلْم بالقِبْلة. وقال بعض العلماء: إنه إذا أصاب أجزأ (¬1)؛ لأنه لن يُصلِّي إلا إلى جهة تميلُ إليها نفسُه، وهذا الميل يوجب غلبة الظَّنِّ، وغلبةُ الظَّنِّ يُكتفى به في العبادات؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلْيتحَرَّ الصَّواب ثم لِيَبْنِ عليه» (¬2). فإذا أصاب فلماذا نُلزمه بالقضاء؟ وهذا القول أصحُّ، فإن أخطأ وجبت عليه الإعادة؛ لأنَّه لم يأتِ بما يجب عليه من السُّؤال ولا من الاجتهاد. وهل الحضر محلٌّ للاجتهاد أم لا؟ الجواب: أمَّا المذهب عند الأصحاب فليس محلًّا للاجتهاد (¬3)، ولا ريب أنَّ هذا القول ضعيف. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 353، 354). (¬2) تقدم تخريجه ص (282). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 114)، «الإنصاف» (3/ 351).

والصَّواب: أنَّ الحضر والسَّفر كلاهما محلٌ للاجتهاد، فإن الإنسان في الحضر قد يصعد إلى السَّطح في الليل، وينظر إلى القُطب ويَستدلُّ به، وفي النهار ينظر إلى الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، والعلامات التي في السَّفر هي علامات في الحضر. وأما قولهم: إنه لا اجتهاد في الحضر؛ لأنه يَستدلُّ على ذلك بخبر أهل البلد وبالمحاريب الإسلامية، فنقول: إذا كان من أهل الاجتهاد فلا مانع أن يجتهد في الحضر كما يجتهد في السَّفر. فالصَّواب: أنه إذا اجتهد في الحضر فإنه تصحُّ صلاته، فإن أصاب فالأمر ظاهر، وإن لم يُصب فإنه اجتهد وأخطأ وله أجر، وإذا اجتهد فلا إعادة عليه مطلقاً؛ سواء أصاب أم لم يصب؛ لأنه فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما وجب عليه فقد اتّقى الله ما استطاع، ومن اتَّقى الله ما استطاع فليس عليه أن يُصلِّي مرَّتين؛ لأن الله لم يوجب على عباده العبادة مرَّتين إذا أَتَوا بها على الوجه الذي أُمِرُوا به. مسألة: إذا كان من غير أهل الاجتهاد في الحضر، واستند إلى قول صاحب البيت، وتبيَّن أنَّ قول صاحب البيت خطأ، فالمذهب أنه يُعيد (¬1)؛ لأنه سبقَ أنه لا بُدَّ أن يستند إلى قول ثقة بيقين (¬2). والصَّحيح: أنه لا يُعيد، لأن هذا الإنسان استند إلى خبر ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 335). (¬2) انظر: ص (274).

ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة

ثقة، وفعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فإنه لا إعادة عليه، كما لو أفتاه مُفْتٍ بحكم فتبيَّن خطؤه فيه. وخُلاصة المسألة: أولاً: مَنْ صَلَّى باجتهاد، فصلاتُه صحيحة؛ سواءٌ أخطأ أم أصاب، وسواء في السَّفر أم في الحضر على القول الرَّاجح. ثانياً: إذا صَلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد، فإن أخطأ أعاد، وإن أصاب لم يُعِدْ على الصَّحيح. وقوله: «إن وجد مَنْ يقلِّده»، عُلِمَ منه أنه إذا لم يجد من يُقلِّده وتحرَّى؛ فإنه لا تلزمه الإعادة. وَيَجْتَهِدُ العَارِفُ بِأَدِلَّةِ القِبْلَةِ لِكُلِّ صَلاَةٍ، ........... قوله: «وَيَجْتَهِدُ العَارِفُ بِأَدِلَّةِ القِبْلَةِ لِكُلِّ صَلاَةٍ»، العارف بأدلَّة القِبْلة هو المجتهد، وسُمِّيَ بذلك لأنَّه أهل للاجتهاد؛ لمعرفته بأدلَّة القِبْلة، فيجب عليه أن يجتهد لكلِّ صلاة، فإذا اجتهد مثلاً لصلاة الظُّهر؛ وتبيَّن له أن القِبْلة أمامه؛ ووضع العلامة على القِبْلة؛ وصَلَّى فصلاته صحيحة، فإذا جاء العصر فلا يعتمد على الاجتهاد الأوَّل، ويجب أن يعيد الاجتهاد مرَّة ثانية، وينظر إلى الأدلَّة مرَّة ثانية، فلكلِّ صلاة اجتهاد؛ لاحتمال الخطأ في الاجتهاد الأوَّل. لكن هذا القول ضعيف أيضاً. والصَّواب: أنه لا يلزمه أن يجتهد لكلِّ صلاة، ما لم يكن هناك سبب، مثل أن يطرأ عليه شَكٌّ في الاجتهاد الأوَّل، فحينئذ يعيد النَّظر، وسواءٌ كان الشَّكُّ بإثارة الغير أم بإثارة من نفسه. ونظير ذلك: المجتهد في المسائل العلميَّة، إذا حقَّق مسألة من المسائل مثلاً، واجتهد فيها ورأى أن الحكم فيها كذا وكذا؛

ويصلي بالثاني، ولا يقضي ما صلى بالأول ومنها النية

ثم حدثت مرَّة أخرى فإنه لا يلزمه أن يُعيد البحث والمناقشة، بل يكتفي بالأوَّل ما لم يكن هناك سبب لإعادة النَّظر. وَيُصَلِّي بالثَّانِي، وَلاَ يَقْضِي ما صَلَّى بالأوَّلِ وَمِنْهَا النِّيَّةُ .... قوله: «وَيُصَلِّي بالثَّانِي، وَلاَ يَقْضِي ما صَلَّى بالأَوَّلِ»، «يُصلِّي» أي: المجتهد «بالثاني»، أي: بالاجتهاد الثاني «ولا يقضي ما صَلَّى بالأول» أي: إذا تبيَّن له خطؤه؛ لأن الأول مبنيٌّ على اجتهاد قد أتى الإنسان بما يجب عليه فيه، ومن أتى بما يجب عليه لم يُلزم بإعادة العبادة، لأننا لو قلنا بلزوم الإعادة لأوجبنا عليه العبادة مرَّتين. فإذا صَلَّى الظُّهر إلى الشمال معتقداً بحسب اجتهاده أن هذه هي القِبْلة، وفي العصر تبيَّن له أن القِبْلة نحو الجنوب فلا يُعيد الظُّهر؛ لأنه صلاَّها باجتهاد حسب ما أُمِرَ، والاجتهاد لا يُنقض باجتهاد ومثله: المسائل العِلميَّة، لو كان الإنسان يرى رأياً بناءً على أن هذا مقتضى النُّصوص، ثم بعد البحث والمناقشة والاطِّلاع تبيَّن له خلاف رأيه الأول، فإنه لا يلزمه نقض الحكم إن كان حاكماً به، ولا نقض الفتوى، فلا يلزمه أن يذهب إلى الذي أفتاه في الأول، ويقول: إني أفتيتك بكذا وتبيَّن لي أني أخطأت. لأنَّ الأول صادر عن اجتهاد، فلا يُنقض بالاجتهاد الثاني. وإنما قلنا: لا يُنقض؛ لأنه كما كان الخطأ في اجتهاده الأول يمكن أن يكون الخطأ في الثاني، فربما يكون الأول هو الصَّواب؛ وقد ظَنَّ أنَّ الثاني هو الصَّواب فلهذا قالوا: لا يُنقض الاجتهاد بالاجتهاد.

ورُويَ عن عمر رضي الله عنه في مسألة «الحِمَاريَّة» أنَّه قضى فيها بحرمان الإخوة الأشقاء، ثم حدثت مرَّة أخرى وقضى فيها بالتَّشريك، فقيل له في ذلك، فقال: «ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي» (¬1)، ولم ينقض الحكمَ الأولَ. قوله: «ومنها النِّيَّةُ»، أي: ومن شروط الصَّلاة النيَّة، وهذا هو الشَّرط التَّاسع وهو الأخير. فَشُروط الصَّلاة: الإسلام، والعقل، والتَّمييز، ودخول الوقت، وستر العورة، والطَّهارة من الحدث، واجتناب النَّجاسة، واستقبال القِبْلة، والنِّيَّة. ففي أوَّل الباب قال: «منها الوقت» (¬2)، و «من» للتبعيض، فيُفيد أنه لم يذكر كلَّ الشُّروط؛ وهو كذلك؛ فقد أسقط: الإسلام، والعقل، والتَّمييز، وذلك لأنَّ هذه الثلاثة شرط في كلِّ عبادة سوى ما اسْتُثني. و «النيَّة» بمعنى القصد، وأمَّا في الشَّرع: فهي العزم على فعل العبادة تقرُّباً إلى الله تعالى. ¬

_ (¬1) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» رقم (19005)، وسعيد بن منصور رقم (62)، وأبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه»، كتاب الفرائض: باب في زوج وأم وإخوة وأخوات لأب وابن وإخوة لأم، من أشرك بينهم، رقم (31088) ـ وهذا لفظه ـ والبخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 332) والدارقطني (4/ 87)، والبيهقي (6/ 255) من طريق وهب بن منبّه، عن الحكم بن مسعود الثقفي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه به. قال البخاري: لم يتبيَّن سماع وهب من الحكم. «التاريخ الكبير» (2/ 332). قال الذهبي: هذا إسناد صالح. «الميزان» (2/ 346). (¬2) انظر ص (95).

وتنقسم إلى قسمين: 1 - نيَّة المعمول له. 2 - ونيَّة العمل. أما نيَّة العمل فهي التي يتكلَّم عنها الفقهاء؛ لأنهم إنَّما يقصدون من النيَّةِ النيَّةَ التي تتميَّز بها العبادة عن العادة، وتتميَّز بها العبادات بعضها عن بعض. وأما نيَّة المعمول له فهي التي يتكلَّم عليها أرباب السُّلوك؛ فتُذكر في التَّوحيد، وهي أعظم من الأُولى، فنيَّة المعمول له أَهمُّ من نيَّة العمل؛ لأنَّ عليها مدار الصحَّة، قال تعالى في الحديث القُدسي: «أنا أغنى الشُركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِلَ عملاً أشرك فيه معي غيري؛ تَركْتُهُ وشِرْكَهُ» (¬1). ونيَّة العمل: تتميَّز بها العبادات من غير العبادات، وتتميَّز العبادات بعضها عن بعض، فينوي أن هذه عبادة، وينوي أنَّها صلاة، وينوي أنها فريضة، أو نافلة، وهكذا، وقد أشار النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى اعتبار النيَّة بقوله: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكُلِّ امرئٍ ما نوى» (¬2). ولا بُدَّ من ملاحظة الأمرين جميعاً. أولاً: نيَّة المعمول له؛ بحيث تكون نيَّته خالصة لله عزّ وجل، فإن خالط هذه النيَّة نيَّةٌ لغير الله بطلت، فلو قام رَجُل يُصلِّي ليراه النَّاس فالصلاة باطلة؛ لأنه لم يُخلص النيَّة للمعمول له، وهو الله عزّ وجل. ¬

_ (¬1) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق: باب من أشرك في عمله غير الله، رقم (2985) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 194).

فيجب أن ينوي عين صلاة معينة

وثانياً: نيَّة تمييز العبادات عن غيرها، وتمييز العبادات بعضها عن بعض. واعلمْ أن النيَّة محلُّها القلب، ولهذا قال الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»، فليست من أَعمال الجوارح، ولهذا نقول: إن التلفّظَ بها بدعة، فلا يُسَنُّ للإنسان إذا أراد عبادة أن يقول: اللهم إني نويت كذا؛ أو أردت كذا، لا جهراً ولا سِرًّا؛ لأن هذا لم يُنقل عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولأنَّ الله تعالى يعلم ما في القُلوب، فلا حاجة أن تنطق بلسانك ليُعْلم ما في قلبك، فهذا ليس بِذِكْرٍ حتى يُنطق فيه باللسان، وإنَّما هي نيَّة محلُّها القلب، ولا فرق في هذا بين الحَجِّ وغيره؛ حتى الحجُّ لا يُسَنُّ للإنسان أن يقول: اللهم إني نويت العُمْرَة؛ أو نويت الحجَّ، لأنه لم يُنقل عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولكن يُلبِّي بما نوى، والتلبية غير الإخبار بالنيَّة؛ لأن التلبية تتضمَّن الإجابة لله، فهي بنفسها ذِكْرٌ ليست إخباراً عمَّا في القلب، ولهذا يقول القائل: لبَّيك عُمرة أو لبَّيك حَجّاً. نعم؛ لو احتاج إلى الاشتراط فله أن يتلفَّظ بلسانه، بل لا بُدَّ أن يتلفَّظ فيقول مثلاً: لبَّيك اللهمَّ عُمرة، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيث حبستني. فَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ عَيْنَ صَلاَةٍ مُعَيَّنَةٍ .......... قوله: «فَيَجِبُ أنْ يَنْوِيَ عَيْنَ صَلاَةٍ مُعَيَّنَةٍ»، أي: يجب على من أراد الصَّلاة أن ينويَ عينَها إذا كانت معيَّنة، مثل: لو أراد أن يُصلِّي الظُّهر يجب أن ينوي صلاةَ الظُّهر، أو أراد أن يُصلِّي الفجر فيجب أن ينويَ صلاة الفجر، أو أراد يُصلِّي الوِتر فيجب أن ينويَ صلاة الوِتر.

فإن كانت غير معيَّنة كالنَّفل المطلق، فينوي أنه يريد أن يُصلِّي فقط بدون تعيين. وأفادنا المؤلِّف: أنه لا بُدَّ أن ينويَ عين المعيَّن كالظُّهر، فلو نوى فرض هذا الوقت أو الصَّلاة مطلقاً، كأن جاء إلى المسجد والنَّاسُ يُصلُّون، فدخل وغاب عن ذِهْنِه أنها الظُّهر أو العصر، أو أنها فرضٌ أو نَفْلٌ، فعلى كلام المؤلِّف: صلاتُه غير صحيحة؛ لأنه لم ينوِ الصَّلاة المعيَّنة، وتصحُّ على أنها صلاةٌ يؤجَرُ عليها. وقيل: لا يُشترط تعيين المعيَّنة، فيكفي أن ينويَ الصلاة؛ وتتعيَّن الصلاة بتعيُّن الوقت (¬1)، فإذا توضَّأ لصلاة الظُّهر ثم صَلَّى، وغاب عن ذهنه أنَّها الظُّهر أو العصر أو المغرب أو العشاء فالصَّلاة صحيحة؛ لأنه لو سُئِل: ماذا تريد بهذه الصَّلاة؟ لقال: أريد الظُّهر، فيُحمل على ما كان فرضَ الوقت، وهذا القول هو الذي لا يسعُ النَّاس العمل إلا به؛ لأن كثيراً من الناس يتوضَّأ ويأتي ليُصلِّي، ويغيب عن ذهنه أنها الظُّهر أو العصر، ولا سيَّما إذا جاء والإمام راكع؛ فإنه يغيب عنه ذلك لحرصه على إدراك الرُّكوع. ويَنْبَني على هذا الخلاف: لو كان على الإنسان صلاة رباعية؛ لكن لا يدري هل هي الظُّهر أو العصر أو العشاء؟ فصلَّى أربعاً بنيَّة الواجب عليه، فعلى القول بأنه لا يجب التعيين: تصحُّ، وتكون عن الصلاة المفروضة التي عليه. وعلى القول بوجوب ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 360، 361).

التَّعيين: لا تصحُّ؛ لأنه لم يعيِّنها ظُهراً ولا عصراً ولا عشاءً، وعليه؛ لا بُدَّ أن يُصلِّي أربعاً بنيَّة الظُّهر، ثم أربعاً بنيَّة العصر، ثم أربعاً بنية العشاء (¬1). والذي يترجَّحُ عندي: القول بأنه لا يُشترط التَّعيين، وأن الوقت هو الذي يُعيِّنُ الصَّلاة، وأنه يصحُّ أن يُصلِّي أربعاً بنيَّة ما يجب عليه، وإنْ لم يعينه، فلو قال: عليَّ صلاة رباعيَّة لكن لا أدري: أهي الظُّهر أم العصر أم العشاء؟ قلنا: صَلِّ أربعاً بنيَّة ما عليك وتبرأ بذلك ذِمَّتُك. وعليه؛ فلو قال: أنا عليَّ صلاة من يوم؛ ولا أدري: أهيَ الفجر؛ أم الظُّهر؛ أم العصر؛ أم المغرب؛ أم العشاء؟ فعلى القول بعدم اشتراط التَّعيين نقول: صَلِّ أربعاً وثلاثاً واثنتين، أربعاً تجزئ عن الظُّهر أو العصر أو العشاء، وثلاثاً عن المغرب، واثنتين عن الفجر. وعلى القول الثَّاني: يُصلِّي خمس صلوات؛ لأنه يُحتمل أنَّ هذه الصَّلاة الظُّهر؛ أو العصر؛ أو المغرب؛ أو العشاء؛ أو الفجر، فيجب عليه أن يحتاط ليبرئَ ذِمَّته بيقين ويُصلِّي خمساً. مسألة: يقول بعض الناس: إن النيَّة تَشُقُّ عليه. وجوابه: أنَّ النيَّة سهلة، وتركها هو الشَّاقُّ، فإنه إذا توضَّأ وخرج من بيته إلى الصلاة، فإنه بلا شَكٍّ قد نوى، فالذي جاء به إلى المسجد وجعله يقف في الصَّف ويكبِّر هو نيَّة الصلاة، حتى ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 194، 195، 360).

ولا يشترط في الفرض، والأداء، والقضاء، والنفل، والإعادة نيتهن وينوي مع التحريمة

قال بعض العلماء: لو كلَّفنا الله عملاً بلا نيَّة لكان من تكليف ما لا يُطاق (¬1). فلو قيل: صَلِّ ولكن لا تنوِ الصَّلاة. توضَّأ ولكن لا تنوِ الوُضُوء؛ لم يستطع. ما من عمل إلا بنيَّة. ولهذا قال شيخ الإسلام: «النيَّة تتبع العلم؛ فمن علم ما أراد فِعْلَه فقد نواه، إذ لا يمكن فعله بلا نيَّة» (¬2)، وصَدَق رحمه الله. ويدلُّك لهذا قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «إنَّما الأعمال بالنيَّات» (¬3)، أي: لا عمل إلا بنيَّة. وَلاَ يُشْتَرطُ في الفَرْضِ، والأداءِ، والقَضَاءِ، والنَّفْلِ، والإِعَادَةِ نِيَّتَهُنَّ وَيَنْوِي مَعَ التَّحْرِيمَةِ، .......... قوله: «ولا يُشترطُ في الفرضِ، والأداءِ، والقضاءِ، والنَّفلِ، والإعادةِ نيَّتَهُنَّ»، أي: لا يُشترط في الفرض نيَّة الفرض، والأداء والقضاء والنَّفْل والإعادة نيَّتهُنَّ اكتفاء بالتعيين. فمثلاً: إذا نوى أنها صلاة الظُّهر، لا يُشترط أن ينوي أنها فرض؛ لأن نيَّة الظُّهر تتضمَّن نيَّة الفرض، فإن صلاة الظُّهر فرض. ولذلك قال: «لا يُشترط في الفرض نيَّة الفرض»، ولا يُشترط أيضاً في الأداء نيَّته، والأداء ما فُعل في وقته؛ لأنه متى صَلَّى في الوقت فهي أداء. ولا يُشترط في القضاء نيَّة القضاء. والقضاء: هو الذي فُعِلَ بعد وقته المحدَّد له شرعاً؛ كصلاة الظُّهر إذا نام عنها حتى دخل وقتُ العصر، فصَلَّى الظُّهر، فهذه قضاء؛ لأنها فُعِلت بعد الوقت. ¬

_ (¬1) انظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 262)، «إغاثة اللهفان» (1/ 134). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 219، 220، 232). (¬3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 194).

ولا يُشترط مع نيَّة الظُّهر أن ينويَ أنَّها قضاء؛ لأن صلاتها بعد الوقت يكفي عن نيَّة القضاء. وقوله: «النَّفْل»، يعني: في النَّفْل المطلق، أو النَّفْل المعيَّن أن ينويه نفلاً. أما في النَّفْل المعيَّن فالتعيين يكفي. مثال ذلك: إذا أراد أن يوتر، لا يُشترط أن ينويَ أنه نَفْل، وإذا أراد أن يُصلِّيَ راتبة الظُّهر مثلاً، لا يُشترط أن ينويها نَفْلاً؛ لأن تعيينها يكفي عن النَّفل، ما دام أنه قد نوى أنَّها راتبة الظُّهر، فإن راتبة الظُّهر نَفْل، وما دام أنه نوى الوِتر فإن الوِتر نَفْل. وكذلك النَّفْل المطلق لا يُشترط أن ينويه نَفْلاً. مثال ذلك: قام يُصلِّي من الليل، فلا حاجة أن ينويَ أنها نَفْل؛ لأنَّ ما عدا الصَّلوات الخمس نَفْل. وقوله: «الإعادة»، أي: لا يُشترط في الإعادة نيَّة الإعادة. والإعادة: ما فُعِلَ في وقته مرَّة ثانية، سواء كان لبطلان الأُولى أم لغير بُطلانها. فمثلاً: إذا صَلَّى الظُّهر؛ ثم ذكر أنه محدث، فتجب عليه الإعادة ولا يجب أن ينويَ أنها إعادة. ومثلاً: إذا صَلَّى الظُّهر في مسجد ثم حضر إلى مسجد ثانٍ وأُقيمت الصَّلاة؛ فيُشرع أن يعيدَ، ولا يُشترط أن ينويَ أنها إعادة؛ لأنَّه قد فعل الأُولى، واعتقد أن هذه الثانية نَفْلٌ فلا يُشترط أن ينويها مُعَادة. قوله: «وَيَنْوِي مَعَ التَّحْرِيمَةِ»، ذكر المؤلِّف هنا محلَّ النيَّة متى تكون؟ الأَوْلَى أن تكون مقارِنَةً للتَّحريمة أو قبلها بيسير؛

وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت فإن قطعها في أثناء الصلاة، أو تردد بطلت

ولهذا قال: «ينوي مع التَّحريمة»، أي: يجعل النيَّة مقارنة لتكبيرة الإحرام، فإذا أراد أن يكبِّر كبَّر وهو ينوي في نفس التَّكبير أنها صلاة الظُّهر مثلاً. وَلَهُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا بِزَمنٍ يَسيرٍ فِي الوقْتِ فإِنْ قَطَعَهَا في أَثْنَاءِ الصَّلاةِ، أَوْ تَرَدَّدَ بَطَلَتْ ............ قوله: «وَلَهُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا بِزَمنٍ يَسيرٍ في الوقْتِ»، أي: له أن يقدِّم النيَّة قبل التَّحريمة لكن بزمنٍ يسير، وشرط آخر «في الوقت»، فلو نوى الصَّلاة قبل دخول وقتها، ولو بزمنٍ يسير، ثم دخل الوقت وصَلَّى بلا تجديد نيَّة، فصلاتُه غيرُ صحيحة؛ لأن النيَّة سبقت الوقت، وإن نوى في الوقت ثم تشاغل بشيء في زمن يسير، ثم كبَّر، فصلاتُه صحيحة؛ لأنَّ الزَّمن يسير، فإن طال الوقت فظاهر كلام المؤلِّف أنَّ النيَّة لا تصحُّ؛ لوجود الفصل بينها وبين المنوي. وقال بعض العلماء: بل تصحُّ ما لم ينوِ فَسْخَها (¬1)؛ لأن نيَّتَه مستصحبَةُ الحكم ما لم ينوِ الفسخ، فهذا الرَّجُل لما أذَّن قام فتوضَّأ ليُصَلِّيَ، ثم عزبت النيَّة عن خاطره، ثم لمَّا أُقيمت الصلاة دخل في الصَّلاة بدون نيَّة جديدة، فعلى كلام المؤلِّف لا تصحُّ الصَّلاة؛ لأنَّ النيَّة سبقت الفعل بزمن كثير، وعلى القول الثاني تصحُّ الصَّلاة؛ لأنه لم يفسخ النيَّة الأولى، فحكمها مستصحب إلى الفعل. وهذا القول أصحُّ؛ لعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيَّات» (¬2)، وهذا قد نوى أن يُصلِّي، ولم يطرأ على نيَّته ما يفسخها. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 365). (¬2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 194).

قوله: «فإنْ قَطَعَهَا في أَثْنَاءِ الصَّلاةِ، أوْ تَرَدَّدَ بَطَلَتْ»، «فإن قطعها» أي: النيَّة «في أثناء الصَّلاة أو تردَّد بطلت»، أي: إذا قطعها في أثناء الصَّلاة بطلت صلاتُه. مثاله: رَجُلٌ قام يتنفَّل، ثم ذكر أن له شُغلاً فقطع النيَّة، فإن الصَّلاة تبطل ولا شكَّ؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»، وهذا قد نوى القطع فانقطعت. وقوله: «أو تردَّد»، أي: تردَّد في القطع. مثاله: سمع قارعاً يقرع الباب فتردَّد؛ أأقطعُ الصلاةَ أو أستمرُّ؟ يقول المؤلِّف: إن الصلاة تبطل، وإن لم يعزم على القطع، وكذلك لو سمع جرسَ الهاتف فتردَّد؛ هل يقطع الصلاةَ ويُكلِّم أو يستمرُّ؟ فالمؤلِّف يقول: إن صلاته تبطل؛ لأنَّ استمرار العزم شرط عنده. وقال بعض أهل العلم: إنها لا تبطل بالتردُّد (¬1)؛ وذلك لأن الأصل بقاء النيَّة، والتردُّد هذا لا يبطلها، وهذا القول هو الصَّحيح، فما دام أنه لم يعزم على القطع فهو باقٍ على نيَّته، ولا يمكن أن نقول: إن صلاتك بطلت للتردُّد في قطعها. مسألة: إذا عزم على مبطل ولم يفعله، مثاله: عزم على أن يتكلَّم في صلاته ولم يتكلَّم، عزم على أن يُحْدِث ولم يُحْدِث، فقال بعض العلماء: إنها تبطل (¬2)، لأن العزمَ على المفسد عزمٌ على قطع الصَّلاة، والعزمُ على قطع الصَّلاة مبطلٌ لها. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 368 ـ 370)، «منتهى الإرادات» (1/ 72). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 368 ـ 370)، «منتهى الإرادات» (1/ 72).

ولكن المذهب: أنها لا تبطل بالعزم على فعل مبطل إلا إذا فعله (¬1)؛ لأن البطلان متعلِّق بفعل المبطل، ولم يوجد، وهو الصَّحيح. وكذلك لو عزم الصَّائم على الأكل، ولم يأكل لكنه لم يقطع الصَّوم، فإن صومه لا يبطل. مسألة: هل جميع العبادات تبطل بالعزم على القطع؟ الجواب: نعم، إلا الحجَّ والعمرة، فإن الحجَّ والعمرة لا يبطلان بإبطالهما؛ حتى لو صرَّح بذلك وقال: إني قطعت نُسكي، فإنه لا ينقطع ولو كان نَفْلاً، بل يلزم المضي فيه ويقع صحيحاً، وهذا من خصائص الحجِّ والعمرة أنهما لا يبطلان بقطع النيَّة؛ لقول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. ولو علَّق القطعَ على شرطٍ فقال: إن كلَّمني زيد قطعت النيَّة أو أبطلت صلاتي؟ فإنها تبطل على كلام الفقهاء (¬2)، والصَّحيح أنها لا تبطل؛ لأنه قد يعزم على أنه إنْ كلَّمه زيد تكلَّم؛ ولكنه يرجع عن هذا العزم. فعندنا الآن قطعٌ مجزومٌ به، وقطعٌ معلَّق على شرط، وقطعٌ متردَّدٌ فيه، وعزم على فعل محظور هذه أربعة. أما الأول: فإذا قطع النيَّة جازماً، فلا شكَّ أن الصَّلاة تبطل. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 368 ـ 370)، «منتهى الإرادات» (1/ 72). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 369).

وأما الثاني: فإذا علَّق القطع على شرط، فالمذهب: أنها تبطل. وأما الثالث: فإذا تردَّد هل يقطعها أم لا؟ فالمذهب أنها تبطل، والصَّحيح في المسألتين: أنها لا تبطل. الرَّابع: إذا عزم على فعل محظور ولم يفعله، فهنا لا تبطل؛ لأن البطلان هنا معلَّق بفعل المحظور ولم يوجد. وإِذَا شَكَّ فِيهَا استَأْنَفَها. قوله: «وإذا شَكَّ فيها استأنفَها»، أي: إذا شكَّ هل نوى أم لم ينوِ، فإنه يستأنفها؛ أي: الصَّلاة؛ وذلك لأنَّ الأصل العدم. ولكن يبقى: هل هذه الصُّورة واردة، بمعنى: هل يمكن أن يأتي إنسان ويتوضَّأ ويقدم إلى المسجد ويكبِّر ويقول: أنا أشكُّ في النيَّة؟ الظاهر: أن هذا لا يمكن، وأن المسألة فرضيَّة، إلا أن يكون موسوساً والموسوس لا عِبْرَة بشكِّه، ولهذا قال الناظم: والشكُّ بعد الفعل لا يؤثِّر وهكذا إذا الشكوك تكثر (¬1) فإذا كثُرت الشكوك فهذا وسواس لا يُعتدُّ به، ولهذا فإنَّ تَصوُّرَ هذه المسألة صعب؛ لأنه من المستحيل أن يكون إنسان عاقل يدري ما يفعل؛ أن يأتي ويدخل في الصلاة، ويكبِّر ويقرأ؛ ثم يقول: أنا شككتُ في النيَّة، ولهذا قال بعض أهل العلم: لو كلَّفنا الله عملاً بلا نيَّة لكان من تكليف ما لا يُطاق (¬2). لكن على تقدير وجوده ـ ولو نظريًّا ـ فإننا نقول: إذا شكَّ في النيَّة وجب أن يستأنف العبادة؛ لأن الأصل عدم الوجود، وهو قد شكَّ في ¬

_ (¬1) انظر: «منظومة في أصول الفقه وقواعد فقهية» للمؤلف رحمه الله ص (10). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 262)، «إغاثة اللهفان» (1/ 134)

وإن قلب منفرد فرضه نفلا في وقته المتسع جاز

الوجود وعدمه، فوجب الرُّجوع إلى الأصل، وهو أن النيَّة معدومة، وحينئذ لا بُدَّ من الاستئناف، لكن على كلام المؤلِّف: يقيَّد بما إذا لم يكن كثير الشُّكوك، فإذا كان كثيرَ الشُّكوك بحيث لا يتوضَّأ إلا شكَّ، ولا يصلِّي إلا شَكَّ، فإن هذا لا عِبْرَة بشكِّه، لأن شكَّه حينئذ يكون وسواساً. مسألة: لو تيقَّن النيَّة وشكَّ في التَّعيين، فإن كان كثيرَ الشُّكوك فلا عِبْرة بشكِّه، ويستمرُّ في صلاته، وإن لم يكن كثيرَ الشُّكوك؛ لم تصحَّ صلاتُه عن المعينة؛ إلا على قول من لا يشترط التعيين، ويكتفي بنيَّة صلاة الوقت (¬1). وَإِنْ قَلَبَ مُنْفَردٌ فَرْضَهُ نَفْلاً في وَقْتِه المُتَّسع جَازَ .......... قوله: «وَإِنْ قَلَبَ مُنْفَردٌ فَرْضَهُ نَفْلاً في وَقْتِه المُتَّسع جَازَ»، شرع المؤلِّف في بيان حكم الانتقال من نيَّة إلى نيَّة، والانتقال من نيَّة إلى نيَّة له صُور متعددة: منها: ما ذكره المؤلِّف: «قَلَبَ منفردٌ فرضَه نَفْلاً في وقته المتَّسع جاز». مثال ذلك: دخل رَجُلٌ في صلاة الظُّهر وهو منفرد، وفي أثناء الصَّلاة قَلَبَ الفرض إلى نَفْلٍ، فهذا جائز؛ بشرط أن يكون الوقت متَّسعاً للصلاة، فإن كان الوقت ضيِّقاً؛ بحيث لم يبقَ منه إلا مقدار أربع ركعات فإن هذا الانتقال لا يصحُّ؛ لأن الوقت الباقي تعيَّن للفريضة، وإذا تعيَّن للفريضة لم يصحَّ أن يشغله بغيرها، فإن فعل فإن النَّفْل يكون باطلاً؛ لأنه صَلَّى النَّفْل في ¬

_ (¬1) انظر: ص (291، 292).

وقت منهيٍّ عنه، كما لو صَلَّى النَّفل المطلق في أوقات النَّهي فإنه لا يصحُّ. وقول المؤلِّف: «وإن قَلَبَ منفردٌ» خرج بذلك المأموم، وخرج بذلك الإمام، فظاهر كلام المؤلِّف: أن المأموم لا يصحُّ أن يقلب فرضه نَفْلاً، وأنَّ الإمام لا يصحُّ أن يقلب فرضه نَفْلاً؛ لأن المأموم لو قَلَب فرضه نَفْلاً فاتته صلاة الجماعة في الفرض، وصلاة الجماعة في الفرض واجبة، وحينئذ يكون انتقاله من الفريضة إلى النَّفْل سبباً لفوات هذا الواجب، فلا يحلُّ له أن يقلب فرضه نَفْلاً، ولأن الإمام إذا قلب فرضه نَفْلاً لزم من ذلك أن يأتمَّ المأموم المفترض بالإمام المتنفِّل، وائتمام المفترض بالمتنفِّل غير صحيح. فيلزم أن تبطل بذلك صلاة المأموم، فيكون في هذا عُدوان على غيره. فإن قيل: هل قَلْبُ الفرض إلى نَفْل، مستحبٌّ أم مكروه؟ أم مستوي الطرفين؟ فالجواب: أنه مستحبٌّ في بعض الصُّور، وذلك فيما إذا شَرَع في الفريضة منفرداً ثم حضر جماعة؛ ففي هذه الحال هو بين أمور ثلاثة: إمَّا أن يستمرَّ في صلاته يؤدِّيها فريضة منفرداً، ولا يُصلِّي مع الجماعة الذين حضروا، وإمَّا أن يقطعها ويُصلِّي مع الجماعة، وإما أن يقلبها نَفْلاً فيكمل ركعتين، وإن كان صَلَّى ركعتين، وهو في التشهد الأوَّل فإنه يتمُّه ويُسلِّم، ويحصُل على نافلة، ثم يدخل مع الجماعة، فهنا الانتقال من الفرض إلى النَّفْل مستحبٌّ من أجل تحصيل الجماعة، مع إتمام الصلاة نَفْلاً، فإن

وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا

خاف أن تفوته الجماعة فالأفضل أن يقطعها من أجل أن يُدرك الجماعة. وقد يقول قائل: كيف يقطعها وقد دخل في فريضة، وقطع الفريضة حرام؟ فنقول: هو حرامٌ إذا قطعها ليترُكَهَا، أما إذا قطعها لينتقل إلى أفضل، فإنه لا يكون حراماً، بل قد يكون مأموراً به، ألم تَرَ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهديَ أن يجعلوا حجَّهم عُمْرة (¬1) من أجل أن يكونوا متمتِّعين، فأمرهم أن يقطعوا الفريضة نهائياً؛ لأجل أن يكونوا متمتِّعين؛ لأن التَّمتُّع أفضل من الإفراد، ولهذا لو نَوى التَّحلل بالعُمْرة ليتخلَّص من الحجِّ لم يكن له ذلك، فهذا لم يقطع الفرض رغبة عنه؛ ولكنه قطع الفرض إلى ما هو أكمل وأنفع. وَإِنِ انْتَقَلَ بِنِيَّةٍ مِنْ فَرْضٍ إِلى فَرْضٍ بَطَلا ........... قوله: «وَإنِ انْتَقَلَ بِنِيَّةٍ مِنْ فَرْضٍ إلى فَرْضٍ بَطَلا»، هذه هي الصورة الثانية من صور الانتقال من نيَّة إلى نية، وهي أن ينتقل من فرض إلى آخر. مثال ذلك: شَرَعَ يُصلِّي العصر، ثم ذكر أنه صَلَّى الظُّهر على غير وُضُوء؛ فنوى أنها الظُّهر، فلا تصحُّ صلاة العصر، ولا صلاة الظُّهر؛ لأن الفرض الذي انتقل منه قد أبطله، والفرض الذي انتقل إليه لم ينوِه من أوِّلهِ. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الحج: باب التمتع والإقران بالحج، رقم (1566. 1567، 1568)، ومسلم، كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام، رقم (1216) من حديث جابر.

وقوله: «بنيَّة» خرج ما لو انتقل من فرض إلى فرض بتحريمة، والتَّحريمة بالقول، ففي المثال الذي ذكرنا ذكر أنه صَلَّى الظُّهر على حَدَث فانتقل من العصر وكبَّر للظُّهر؟ نقول: بطلت صلاةُ العصر؛ لأنه قطعها وصحَّت الظُّهر؛ لأنه ابتدأها من أوَّلها، ولهذا قيَّده المؤلِّف بقوله: «بنيَّة»، أي: لا بتحريمة. وقوله: «بَطَلا» هذه العبارة فيها تسامح وتغليب، والصَّواب أن يُقال: بطلت الأُولى، ولم تنعقد الثَّانية؛ لأن البُطلان يكون عن انعقاد، فالبُطلان يَرِدُ على شيء صحيح فيُبطله، لكن هذا من باب التَّسامح والتغليب، كما يُقال: العُمَرَان لأبي بكر وعُمر، والقَمَران للشَّمس والقمر. والخلاف في هذا سهل. وعُلِمَ من قول المؤلِّف: «انتقل من فرض إلى فرض»، أنَّه إن انتقل من نَفْل إلى نَفْل لم يبطلا، وهذه الصُّورة الثالثة، لكن هذا غير مُراد على إطلاقه؛ لأنَّه إذا انتقل من نَفْل معيَّن إلى نَفْل معيَّن؛ فالحكم كما لو انتقل من فَرْض إلى فَرْض، فلو انتقل مثلاً من راتبة العشاء إلى الوِتر، فالرَّاتبة معيَّنة والوِتر معيَّنة، بطل الأول ولم ينعقد الثاني؛ لأن الانتقال من معيَّن إلى معيَّن يُبطل الأول ولا ينعقد به الثَّاني، سواء أكان فريضة أم نافلة. وإن انتقل من فَرض معيَّن، أو من نَفْل معيَّن إلى نَفْل مطلق؛ صحَّ. وهذه الصُّورة الرابعة، لكن يُشترط في الفرض أن يكون الوقت متَّسعاً. والتَّعليل: لأن المعيَّن اشتمل على نيَّتين: نيَّة مطلقة، ونيَّة معيَّنة، فإذا أبطل المعيَّنة بقيت المطلقة.

ويجب نية الإمامة والائتمام

مثال ذلك: دخل يُصلِّي الوِتر ينوي صلاة الوتر، فألغى نيَّة الوِتر فتبقى نيَّة الصلاة. فالصُّور إذاً أربع: 1 - انتقل من مُطلق إلى مُطلق، فصحيح؛ إن تُصُوِّرَ ذلك. 2 - انتقل من مُعيَّن إلى مُعيَّن، فلا يصحُّ. 3 - انتقل من مُطلق إلى معيَّن، فلا يصحُّ. 4 - انتقل من مُعيَّن إلى مُطلق؛ فصحيحٌ. وَيَجِبُ نِيَّةُ الإِمَامَةِ والائتِمَام ......... قوله: «وَيَجِبُ نيَّةُ الإمَامَةِ والائتِمَام»، الجماعة وصفٌ زائد على أصل الصَّلاة، لأنها اجتماع على هذه الصَّلاة، ولهذا نقول: الجماعة تجب للصَّلاة؛ لا في الصَّلاة، فهل تُشترط نيَّة هذا الوصف، أو تكفي الموافقة في الأفعال؟ هذا ما سيبحثه المؤلِّف بقوله: «يجب نيَّة الإمامة والائتمام»، يعني: تجب نيَّة هذا الوصف؛ فتجب نيَّة الإمامة على الإمام، ونيَّة الائتمام على المأموم، أي: يجب أن ينوي الإمامُ الإمامة، وينوي المأمومُ الائتمامَ، وذلك لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (¬1). ولا شكَّ أن هذا شرط لحصول ثواب الجماعة لهما، فلا ينال ثواب الجماعة إلا بنيَّة الإمام الإمامةَ، ونيَّة المأموم الائتمامَ، لكن هل هو شرط لصحَّة الصلاة؟ كلام المؤلِّف صريحٌ في أنَّه شرط لصحَّة الصَّلاة، وأن ¬

_ (¬1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 194).

الإمام إذا لم ينوِ الإمامةَ أو المأموم لم ينوِ الائتمام فصلاتُهما باطلة، لكن في المسألة خلافٌ (¬1) يتبيَّن في الصُّور الآتية: الصُّورة الأولى: أن ينويَ الإمامُ أنه مأموم، والمأموم أنه إمام، فهذه لا تصحُّ؛ للتضاد؛ ولأنَّ عمل الإمام غير عمل المأموم. الصُّورة الثانية: أن ينويَ كلُّ واحد منهما أنه إمام للآخر، وهذه أيضاً لا تصحُّ؛ للتضاد؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإمام في نفس الوقت مأموماً. الصُّورة الثالثة: أن ينويَ كلُّ واحد منهما أنه مأموم للآخر، فهذه أيضاً لا تصحُّ؛ للتضاد، ولأنَّه إذا نوى كلٌّ منهما أنه مأموم للآخر فأين الإمام. الصُّورة الرابعة: أن ينويَ المأمومُ الائتمامَ، ولا ينويَ الإمامُ الإمامة فلا تصحّ؛ صلاة المؤتمِّ وحدَه، وتصحُّ صلاة الأول. مثاله: أن يأتي شخصٌ إلى إنسان يُصلِّي فيقتدي به على أنه إمامه، والأول لم ينوِ أنه إمام؛ فتصحُّ صلاة الأوَّل دون الثَّاني؛ لأنَّه نوى الائتمام بمن لم يكن إماماً له. هذا المذهب، وهو من المفردات كما في «الإنصاف» (¬2). والقول الثاني في المسألة: أنَّه يصحُّ أن يأتمَّ الإنسان بشخص لم ينوِ الإمامة (556). ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (3/ 73 ـ 76)، «الإنصاف» (3/ 374 ـ 380). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 374، 375).

واستدلَّ أصحاب هذا القول: بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قام يُصلِّي في رمضان ذات ليلة فاجتمع إليه ناس فصلُّوا معه، ولم يكن قد عَلِمَ بهم، ثم صَلَّى في الثَّانية والثَّالثة وعَلِمَ بهم، ولكنه تأخَّر في الرَّابعة خوفاً من أن تُفرض عليهم (¬1)، وهذا قول الإمام مالك (¬2) وهو أصحُّ. ولأن المقصود هو المتابعة، وقد حصلت، وفي هذه الحال يكون للمأموم ثواب الجماعة، ولا يكون للإمام؛ لأن المأموم نوى فكان له ما نوى، والإمام لم ينوِ فلا يحصُل له ما لم ينوه. الصُّورة الخامسة: أن ينويَ الإمامُ دون المأموم، كرَجُلٍ جاء إلى جَنْبِ رَجُل وكبَّر، فظنَّ الأول أنه يريد أن يكون مأموماً به فنوى الإمامة، وهذا الرَّجُل لم ينوِ الائتمام، فهنا لا يحصُل ثواب الجماعة لا للإمام ولا للمأموم؛ لأنَّه ليس هناك جماعة، فالمأموم لم يأتمَّ بالإمام ولا اقتدى به، والإمام نوى الإمامة لكن بغير أحد، فلا يحصُل ثواب الجماعة من غير أن يكون هناك جماعة. ولو قال قائلٌ بحصول الثواب للإمام في هذه الصُّورة لم يكن بعيداً؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى» (¬3). ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الجمعة: باب من قال في الخطبة بعد الثناء. أما بعد، رقم (924)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين: باب الترغيب في قيام رمضان، رقم (761) عن عائشة رضي الله عنها. (¬2) انظر: «مواهب الجليل» (1/ 376، 377). (¬3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/ 194).

وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح

وكلام المؤلِّف يقتضي أنه لا يصحّ شيء من هذه الصُّور الخمس، وقد سبق بيان الصَّحيح في ذلك. الصُّورة السادسة: أن يتابعه دُون نيَّة، وهذه لا يحصُل بها ثواب الجماعة لمن لم ينوِها؛ وصورتها ممكنة فيما لو أنَّ شخصاً صَلَّى وراء إمام لا تصحُّ صلاتُه، لكن تابعه حياءً دون نيَّة أنه مأموم، أو يُحْدِث وهو مأموم، ويخجل أن ينطلق ليتوضَّأ فيتابع مع النَّاس، وهو لم ينوِ الصَّلاة لأنه محدث، وهذه تقع مع أن هذا لا يجوز، والواجب أن ينصرف فيتوضَّأ ثم يستأنف الصَّلاة. ثم ذكر المصنف رحمه الله أنواع الانتقالات في النيَّة. وَإِنْ نَوَى المُنْفَردُ الائْتِمَامَ لَمْ تَصِحَّ ........ النوع الأول: ما ذكره في قوله: «وَإنْ نَوَى المُنْفَردُ الائْتِمَامَ لَمْ تَصِحَّ»، يعني: إذا انتقل من انفراد إلى ائتمام لا تصحُّ الصلاة. مثاله: شخصٌ ابتدأ صلاته منفرداً؛ ثم حضرت جماعة فصلُّوا جماعة؛ فانتقل من انفراده إلى الائتمام بالإمام الذي حضر، فإن صلاتَه لا تصحُّ، لأنه نوى الائتمام في أثناء الصَّلاة فتبعَّضت النيَّة؛ حيث كان في أول الأمر منفرداً ثم كان مؤتمّاً، فلما تبعّضت النيَّة بطلت الصلاة، كانتقاله من فَرْض إلى فَرْض، وهذا هو المذهب. والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أنه يصحُّ أن ينويَ المنفرد الائتمام (¬1)؛ لأن الاختلاف هنا اختلاف في صفة من صفات النيَّة، فقد كان بالأوَّل منفرداً ثم صار مؤتمّاً، وليس تغييراً لنفس النيَّة فكان جائزاً، وهذا هو الصَّحيح. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 376).

قالوا: والدليل على هذا: أنه ثبت في السُّنَّة صحَّة انتقال الإنسان من انفراد إلى إمامة كما سيأتي (¬1) ـ إن شاء الله ـ فدلَّ هذا على أن مثل هذا التَّغيير لا يؤثِّر، فكما يصحُّ الانتقال من انفرادٍ إلى إمامة؛ يصحُّ الانتقال من انفرادٍ إلى ائتمام ولا فرق، غاية ما هنالك أنَّه في الصُّورة الأُولى صار إماماً، وفي الصُّورة الثانية صار مؤتمّاً. فإذا قال قائل: على القول بالصِّحَّة، إذا كان قد صَلَّى بعضَ الصلاة، وحضر هؤلاء لأداء الجماعة مثلاً في صلاة الظُّهر، وكان قد صَلَّى ركعتين قبل حضورهم، فلما حضروا دخل معهم، فسوف تتمُّ صلاته إذا صَلُّوا ركعتين، فماذا يصنع؟ فالجواب: يجلس ولا يتابع الإمام؛ لأنه لو تابع الإمام للزم أن يُصلِّي ستًّا، وهذا لا يجوز، فيجلس وينتظر الإمام ويُسلِّم معه، وإن شاء نوى الانفراد وسلَّم، فهو بالخيار. النوع الثاني: الانتقال من انفراد إلى إمامة، وقد ذكره بقوله: «كنيَّة إمامته فرضاً»، أي: كما لا يصحُّ أن ينتقل المنفرد إلى إمامة في صلاة الفرض. مثاله: رَجُلٌ ابتدأ الصَّلاة منفرداً، ثم حضر شخصٌ أو أكثر فقالوا: صلِّ بنا، فنوى أن يكون إماماً لهم، فقد انتقل من انفراد إلى إمامة، فلا يصحُّ؛ لأنه انتقل من نيَّة إلى نيَّة، فتبطل الصَّلاة كما لو انتقل من فَرْض إلى فَرْض ¬

_ (¬1) انظر: ص (309).

كنية إمامته فرضا

كَنِيَّةِ إِمَامَتِه فَرْضاً .......... وعُلِمَ من قول المؤلِّف: «كنيَّة إمامته فرضاً»، أنه لو انتقل المنفردُ إلى الإمامة في نَفْل فإن صلاته تصحُّ. والدَّليل على ذلك: أن ابن عباس رضي الله عنهما باتَ عند النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة، فقام النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم من الليل، فقام ابنُ عباس فوقف عن يساره، فأخذَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم برأسِهِ من ورائه فجعله عن يمينه (¬1). فانتقل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هنا من انفراد إلى إمامة في نَفْل. وعلى هذا؛ فيكون في انتقال المنفرد من انفراد إلى إمامة في النَّفْلِ نصٌّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والقول الثاني في المسألة: أنه يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى إمامة في الفرض والنَّفْل (¬2). واستدلَّ هؤلاء: بأن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل، وهذا ثابتٌ في النَّفْل فيثبت في الفرض. والدَّليل على أن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل: أن الصَّحابة رضي الله عنهم الذين رَوَوْا أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي على راحلته في السَّفر حيثما توجَّهت به، قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها الفريضة (¬3)، فدلَّ هذا على أنه من المعلوم عندهم أن ما ثَبَتَ في النَّفل ثَبَتَ في الفرض، ولولا ذلك لم يكن لاستثناء الفريضة وَجْهٌ. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام، رقم (698)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل، رقم (763) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 379). (¬3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (257).

القول الثَّالث في المسألة: أنه لا يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى إمامة؛ لا في الفرض ولا في النَّفْل، كما لا يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى ائتمام لا في الفرض ولا في النَّفْل، وهذا هو المذهب (¬1). فيكون قول المؤلِّف هنا وسطاً بين القولين. ولكن الصَّحيح: أنه يصحُّ في الفرض والنَّفْل، أما النَّفْل فقد وَرَدَ به النَّصُّ كما سبق، وأما الفرض فلأن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل. فإذا قال قائل: بماذا يجيب القائلون بأنه لا يصحُّ في الفرض ولا في النَّفْل عن حديث ابن عباس؟ فالجواب: يُجيبون عنه بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى منفرداً، وهو يغلب على ظَنِّه أن ابن عباس سيُصلِّي معه، وبَنَوا على ذلك أنه إذا انتقل المنفرد من انفراد إلى إمامة، وكان قد ظَنَّ قبل أن يدخل الصَّلاة أنه سيأتي معه شخص يكون إماماً له، فإن ذلك صحيح، قالوا: لأنه لما ظَنَّ أنه سيحضر معه شخص؛ فقد نوى الإمامة في ثاني الحال من أوَّل الصلاة فلا يضرُّ (¬2). والردُّ عليهم من وجهين: الوجه الأول: يبعد أن يظنَّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أن ابن عباس سيُصلِّي معه وهو غلام صغير نائم. الثاني: أننا نقول: حتى وإن لم يكن ذلك بعيداً، فمن الذي يقول إنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم ظن ذلك، فهذا يحتاج إلى دليل؛ لأن ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 377)، «الإقناع» (1/ 164). (¬2) انظر: «كشاف القناع» (1/ 319، 320).

وإن انفرد مؤتم بلا عذر بطلت

الأصل عدم ظَنِّه، فيبقى حديث ابن عباس محكماً سالماً من المعارضة، ويُقاس على النَّفْلِ الفرضُ قياساً لا شُبهة فيه. النوع الثالث من الانتقالات: ما ذكره المؤلِّف بقوله: وَإِنْ انْفَرَدَ مُؤْتَمٌّ بلا عُذْرٍ بَطَلتْ ......... «وَإِنْ انْفَرَدَ مُؤْتَمٌّ بلا عُذْرٍ بَطَلتْ»، وهذا يُعَبَّر عنه بالانتقال من ائتمام إلى انفراد، وفي هذا تفصيل: إن كان هناك عُذْر جاز، وإن لم يكن عُذْر لم يَجُزْ. مثال ذلك: دخل المأموم مع الإمام في الصَّلاة؛ ثم طرأ عليه أن ينفرد؛ فانفرد وأتمَّ صلاته منفرداً، فنقول: إذا كان لعُذر فصحيح، وإن كان لغير عُذْرٍ فغير صحيح. مثال العُذْر: تطويل الإمام تطويلاً زائداً على السُّنَّة، فإنه يجوز للمأموم أن ينفرد، ودليل ذلك: قصَّة الرَّجُل الذي صَلَّى مع معاذ رضي الله عنه وكان معاذ يُصلِّي مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم العشاءَ، ثم يرجع إلى قومه فيُصلِّي بهم تلك الصَّلاة، فدخل ذات ليلة في الصَّلاة فابتدأ سُورةً طويلة «البقرة» فانفرد رَجُلٌ وصَلَّى وحده، فلما عَلِمَ به معاذ رضي الله عنه قال: إنه قد نافق، يعني: حيث خرج عن جماعة المسلمين، ولكن الرَّجُل شكا ذلك إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ: «أتريدُ أنْ تكون فتَّاناً يا مُعَاذُ» (¬1) ولم يوبِّخِ الرَّجُلَ، فَدلَّ هذا على جواز انفراد المأموم؛ لتطويل الإمام، لكن بشرط أن يكون تطويلاً خارجاً عن السُّنَّة؛ لا خارجاً عن العادة. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأدب: باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولاً، رقم (6106)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب القراءة في العشاء، رقم (465) عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما.

ولذلك لو أمَّ رَجُلٌ جماعةً؛ وكان إمامُهم الرَّاتب يُصلِّي بهم بقراءة قصيرة ورُكوع وسُجود خفيفين؛ فصلَّى بهم هذا بقراءة ورُكوعٍ وسُجودٍ على مقتضى السُّنَّة، فإنه لا يجوز لأحد أن ينفرد؛ لأن هذا ليس بعذر. ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان قَيْئٌ في أثناء الصَّلاة؛ لا يستطيع أن يبقى حتى يكمل الإمام؛ فيخفِّف في الصَّلاة وينصرف. ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان غازاتٌ «رياح في بطنه» يَشُقُّ عليه أن يبقى مع إمامه فينفرد ويخفِّف وينصرف. ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ عليه احتباسُ البول أو الغائط فيُحصر ببول أو غائط. لكن إذا قُدِّرَ أنه لا يستفيد من مفارقة الإمام شيئاً؛ لأن الإمام يخفِّف، ولو خفَّف أكثر من تخفيف الإمام لم تحصُل الطُّمأنينة فلا يجوز أن ينفردَ؛ لأنه لا يستفيد شيئاً بهذا الانفراد. ومن الأعذار أيضاً: أن تكون صلاة المأموم أقلَّ من صلاة الإمام، مثل: أن يُصلِّي المغرب خلف من يصلِّي العشاء على القول بالجواز؛ فإنه في هذه الحال له أن ينفرد ويقرأ التشهد ويُسَلِّمَ وينصرف، أو يدخل مع الإمام إذا كان يريد أن يجمع مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، ثم يُتمُّ بعد سلامه. وهذا القولُ رواية عن الإمام أحمد (¬1) رحمه الله. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (4/ 411 ـ 413).

وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (¬1) رحمه الله وهو الحقُّ، ونوعُ العُذر هنا عُذر شرعيّ؛ لأنَّه لو قام مع الإمام في الرَّابعة لبطلت صلاتُه. وإن انفرد بلا عُذر؛ فصريح كلام المؤلِّف أنها تبطل، وهو المذهب، والقول الثاني: أنها لا تبطل (¬2)، لكن إن قلنا به فيجب أن يقيَّد بما إذا أدرك الجماعة بأن يكون قد صَلَّى مع الإمام رَكعةً فأكثر، أما إذا لم يكن أدرك الجماعة فإنه لا يَحِلُّ له الانفراد؛ لأنه يُفضي إلى ترك الجماعة بلا عُذر، لكن لو صَلَّى ركعةً، ثم أراد أن ينفرد فإنه حينئذ يجوز له، لكن القول بجواز الانفراد بلا عُذر في النَّفس منه شيء، أما مع العُذر الحسِّي أو الشرعي فلا شَكَّ في جوازه. مسألة: هل من العُذر أن يكون المأموم مسافراً والإمام مقيماً، فينفرد المأموم إذا صَلَّى ركعتين ثم يُسلِّم؟ الجواب: لا، لأن المأموم المسافر إذا اقتدى بإمام مقيم وجب عليه الإتمام؛ لقول النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به» (¬3)، وقوله: «ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا» (¬4). ¬

_ (¬1) انظر: «الاختيارات» ص (68). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 382). (¬3) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، رقم (689) ومسلم، كتاب الصلاة: باب ائتمام المأموم، رقم (411) عن أنس رضي الله عنه. (¬4) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب لا يسعى إلى الصلاة، رقم (636)، ومسلم، كتاب المساجد: باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، رقم (602) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وسُئل ابن عباس رضي الله عنهما: ما بالُ المسافر يُصلِّي ركعتين إذا انفردَ، وأربعاً إذا ائتمَّ بمقيم؟ فقال: «تلك السُّنَّة» (¬1). مسألة: إذا انفردَ المأمومُ لِعُذر؛ ثم زال العُذرُ، فهل له أنْ يرجعَ مع الإمام أو يستمرَّ على انفراده؟ قال الفقهاء: يجوزُ أنْ يرجعَ مع الإمام، وأن يستمرَّ على انفراده (¬2). فإذا قدرنا أنه انفردَ وصَلَّى ركعةً؛ ثم رجع مع إمامه، والإمامُ لم يزل في ركعته التي انفرد عنه فيها، فسيكون الإمام ناقصاً عنه بركعة. فإذا قام الإمام ليكمل صلاته فله أن يجلسَ وينتظره، أو ينفردَ ويتمَّ. وهذا يَرِدُ أحياناً فيما إذا سَلَّم الإمام قبل تمام صَلاتِهِ، ثم قام المأمومُ المسبوق ليقضيَ ما فاته، ثم قيل للإمام: إنه بقي عليه رَكعة، فقامَ الإمامُ ليُكملَ هذه الرَّكعة. فنقول: إنَّ المأموم انفردَ الآن بمقتضى الدَّليل الشَّرعيِّ، فهو معذورٌ في هذا الانفراد، فإذا عادَ الإمامُ لإكمال صلاته فهو بالخِيار، إنْ شاء استمرَّ في صلاته، وإنْ شاء رجعَ مع الإمام. النوع الرابع: الانتقال من إمامة إلى انفراد، وهذا لم يذكره المؤلِّف، وله صُورتان: الأُولى: أنْ تَبْطُلَ صلاة المأموم، بأن تكون الجماعة من إمام ومأموم؛ فتَبْطُل صلاة المأموم، فهنا يتعيَّن أن ينتقل من إمامة إلى انفراد؛ لأن مأمومه بطلت صلاتُه. ¬

_ (¬1) رواه أحمد (1/ 216). قال ابن حجر: «أصله في مسلم والنسائي». انظر: «صحيح مسلم» رقم (688)، «التلخيص الحبير» رقم (612). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 382).

الصُّورة الثانية: أنْ ينفردَ المأموم عن الإمام لعُذر؛ فهنا ينتقل من إمامة إلى انفراد؛ بأن يكون للمأموم عُذر شرعيٌّ أو حسيٌّ؛ فينفرد عن إمامه، ويبقى الإمامُ وحدَه، فهنا يكون قد انتقل من إمامة إلى انفراد. النوع الخامس: الانتقالُ من إمامة إلى ائتمام، وقد ذكره في قوله: «وإِنْ أَحْرَمَ إِمَامُ الحَيِّ بِمَنْ أَحْرَمَ بِهِمْ نَائِبُهُ وَعَادَ النَّائِبُ مُؤْتَمّاً صَحَّ»، إمام الحيِّ هو الإمام الرَّاتب. وصورة ما ذكر المؤلِّف: أحرمَ شخصٌ بقوم نائباً عن إمام الحَيِّ الذي تخلَّف، ثم حضر إمامُ الحيِّ، فتقدَّم ليُكمل بالنَّاس صلاة الجماعة، فنائبه يتأخَّر إنْ وجد مكاناً في الصَّفِّ، وإلا بقي عن يمين الإمام، فهنا ينتقل الإمام النَّائب من إمامة إلى ائتمام، وهذا جائز. ودليله: ما وقع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أمرَ أبا بكر أن يُصلِّيَ بالنَّاس؛ فوجدَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم خِفَّةً؛ فخرج إلى النَّاس فصَلَّى بهم، فجلس عن يسار أبي بكر؛ وأبو بكر عن يمينه، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يكبِّر، ولكن صوته خفيّ؛ فكان يكبِّر، وأبو بكر يكبِّر بتكبيره؛ ليُسمع النَّاسَ (¬1). فهنا انتقل أبو بكر من إمامة إلى ائتمام، والمأمومون انتقلوا من إمام إلى إمام آخر، ولكنهم ما زالوا مؤتمِّين. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب إنما جُعل الإمام ليؤتم به، رقم (687)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب استخلاف الإمام ... ، رقم (418) عن عائشة رضي الله عنها.

وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتما صح

وإِنْ أَحْرَمَ إِمَامُ الحَيِّ بِمَنْ أَحْرَمَ بِهِمْ نَائِبُهُ وَعَادَ النَّائِبُ مُؤْتَمّاً صَحَّ ......... وقول المؤلِّف: «وإن أحرم إمامُ الحيِّ بمَنْ أحرم بهم نائبُه» ظاهره: أنه لو وقع ذلك لغير إمام الحيِّ لم يصحَّ؛ لأن إمام الحيِّ هو الأصل في الإمامة؛ فإمامته رجوع إلى الأصل بخلاف غيره، ولكن الظاهر أنه لا فرق إذا كان للإمام الثاني مزيَّة حُسْن القراءة، أو زيادة في العِلْم؛ أو العبادة، فإن لم يكن له مزيَّة لم يصحَّ. النوع السَّادس: الانتقال من ائتمام إلى إمامة، أي: كان مؤتمّاً ثم صار إماماً، وله صُور منها. الصُّورة الأُولى: أن يُنيبه الإمام في أثناء الصَّلاة؛ بأن يُحسَّ الإمام أن صلاته ستبطل؛ لكونه أحسَّ بانتقال البول مثلاً، وعرف أنه سيخرج، فقدَّم شخصاً يُكمل بهم الصلاة، فقد عاد المؤتمُّ إماماً، وهذا جائز. الصُّورة الثَّانية: دخل اثنان مسبوقان، فقال أحدُهما للآخر: إذا سلَّم الإمامُ فأنا إمامُك؛ فقال: لا بأس، فلما سلَّمَ الإمامُ صار أحد الاثنين إماماً للآخر، فقد انتقل هذا الشَّخص من ائتمام إلى إمامة، وانتقل الثَّاني من إمامة شخص إلى إمامة شخص آخر. فالمذهب: أن هذا جائز؛ وأنه لا بأس أن يتَّفق اثنان دخلا وهما مسبوقان ببعض الصَّلاة على أن يكون أحدُهما إماماً للآخر، وقالوا: إن الانتقال من إمام إلى إمام آخر قد ثبتت به السُّنَّة كما في قضيَّةِ أبي بكر مع الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلامُ. وقال بعض أصحاب الإمام أحمد: إن هذا لا يجوز (¬1)؛ ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 389، 390).

لأن هذا تضمَّن انتقالاً من إمام إلى إمام، وانتقالاً من ائتمام إلى إمامة بلا عُذر، ولا يمكن أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، فكون الإنسان إماماً أعلى من كونه مأموماً. قالوا: ولأنَّ هذا لم يكن معروفاً في عهد السَّلف، فلم يكن الصَّحابة إذا فاتهم شيء من الصَّلاة يتَّفقون أن يتقدَّم بهم أحدُهم؛ ليكون إماماً لهم، ولو كان هذا من الخير لسبقونا إليه. لكن القائلين بجوازه لا يقولون: إنه مطلوب من المسبوقين أن يتَّفِقَا على أن يكون أحدهما إماماً. بل يقولون: هذا إذا فُعل فهو جائز، وفرق بين أن يُقال: إنه جائز وبين أن يُقال بأنه مستحبٌّ ومشروع، فلا نقول بمشروعيَّته ولا نندب النَّاس إذا دخلوا؛ وقد فاتهم شيء من الصَّلاة؛ أن يقول أحدُهم: إني إمامُكم. لكن لو فعلوا ذلك فلا نقول: إن صلاتَكم باطلة. وهذا القول أصحُّ، أي: أنه جائز، ولكن لا ينبغي؛ لأن ذلك لم يكن معروفاً عند السَّلف، وما لم يكن معروفاً عند السَّلف فإن الأفضل تركه؛ لأننا نعلم أنهم أسبق منَّا إلى الخير، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. تَتِمَّة: تلخيص ما سبق من أنواع الانتقالات كما يلي: الأول: الانتقال من انفراد إلى ائتمام، وفي الصِّحَّة روايتان عن الإمام أحمد، والمذهب عدم الصِّحَّة (¬1). الثاني: الانتقال من انفراد إلى إمامة، وفي صِحَّة ذلك أقوال، أحدها الصِّحَّة في النَّفْلِ دون الفرض (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: ص (307 ـ 309). (¬2) انظر: ص (309).

وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه فلا استخلاف

الثالث: الانتقال من ائتمام إلى انفراد، فإن كان لعُذر جاز، وإن كان لغير عُذر ففيه عن أحمد روايتان، والمذهب عدم الصِّحَّة (¬1). الرابع: الانتقال من إمامة إلى انفراد، وله صُورتان صحيحتان (¬2). الخامس: الانتقال من إمامة إلى ائتمام، وله صُورة صحيحة (¬3). السادس: الانتقال من ائتمام إلى إمامة، وله صُورتان جائزتان على خلاف في الثانية، وتفاصيل ذلك وأدلَّته مذكورةٌ في الأصل (¬4). وتَبْطُلُ صَلاَةُ مَأْمُومٍ ببُطْلاَنِ صَلاَةِ إِمَامِهِ فَلا اسْتِخْلاَفٍ. قوله: «وتَبْطُلُ صَلاَةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلاَنِ صَلاَةِ إِمَامِهِ فَلا اسْتِخْلاَفٍ». صلاةُ المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، ولهذا يتحمَّل الإمام عن المأموم أشياء كثيرة منها: التَّشهُّد الأوَّل إذا قام الإمام عنه ناسياً؛ فإن المأموم يلزمه أن يتابع إمامه؛ لحديث عبد الله بن بُحَيْنَة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صلَّى بهم الظُّهر؛ فقام من الرَّكعتين فلم يجلس، فقام النَّاس معه (¬5). ومنها: الجلوس الذي يُسمَّى جلسة الاستراحة، فإن الإمام ¬

_ (¬1) انظر: ص (311). (¬2) انظر: ص (315). (¬3) انظر: ص (315). (¬4) انظر: ص (316). (¬5) رواه البخاري، كتاب السهو: باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة، رقم (1224، 12252)، ومسلم، كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة، رقم (570).

يتحمَّلها عن المأموم، فإذا كان الإمامُ لا يجلس فإن المشروع في حَقِّ المأموم ألا يجلس؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به» (¬1)، ولأن المأموم يجلس في ثانية الإمام، وهي له أُولى من أجل متابعة الإمام، ولأن المأموم يدع الجلوس للتشهُّد الأوَّل وهو واجب من أجل متابعة الإمام، ولأن المأموم يجلس في ثانية الإمام، وهي له أُولى من أجل متابعة الإمام، يعني: لو دخل في الرَّكعة الثَّانية من الظُّهر أو العصر جلس في الرَّكعة الأُولى التي هي ثانية الإمام، ولأن المأموم يدع التَّشهُّد الأوَّل في ثانيته التي هي للإمام ثالثة، كل ذلك من أجل متابعة الإمام، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا كان الإمام لا يجلس للاستراحة فإن الأَوْلَى للمأموم ألاَّ يجلس؛ لتحقيق المتابعة (¬2)، كما أنه إذا كان الإمام يجلس للاستراحة فالأَوْلَى للمأموم أن يجلس، بل يجب عليه؛ لئلا يسبق الإمام، وإن كان هو لا يرى مشروعيَّة الجلوس من أجل متابعة الإمام؛ لأن الشَّارع يَحْرِصُ على أن يتَّفقَ الإمامُ والمأموم. أما الشيء الذي لا يقتضي التَّأخُّر عن الإمام ولا التَّقدُّم عليه، فهذا يأخذ المأموم بما يراه. مثاله: لو كان الإمام لا يرى رفع اليدين عند التَّكبير للرُّكوع، والرَّفع منه، والقيام من التَّشهد الأوَّل، والمأموم يرى أن ذلك مستحبٌّ، فإنه يفعل ذلك؛ لأنه لا يستلزم تأخراً عن الإمام ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (313). (¬2) انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 451، 452)، (23/ 352، 377).

ولا تقدُّماً عليه. ولهذا قال الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كَبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا» (¬1)، و «الفاء» تدلُّ على التَّرتيب والتَّعقيب، وكذلك أيضاً: لو كان الإمام يَتورَّكُ في كلِّ تشهُّد يعقبه سَلام حتى في الثُّنائيَّة، والمأموم لا يرى أنه يَتورَّك إلا في تشهُّد ثانٍ فيما يُشرع فيه تشهُّدان، فإنه هنا له ألا يتورَّك مع إمامه في الثُّنائيَّة؛ لأن هذا لا يؤدِّي إلى تخلُّف ولا سبق. ويتحمَّل الإمام عن المأموم سُجود السَّهو؛ بشرط أن يدخل المأموم مع الإمام من أوَّل الصلاة، فلو قُدِّرَ أن المأموم جلس للتَّشهُّد الأوَّل، وظَنَّ أنه بين السَّجدتين، فصار يقول: «رَبِّ اغفرْ لي وارحمني» فقام مع إمامه، فهنا يتحمَّل عنه الإمامُ سجود السَّهو؛ إن كان لم يَفُتْهُ شيء من الصَّلاة؛ وذلك لأنه لو سجد في هذه الحال لأدَّى إلى مخالفة الإمام، أما لو فاته شيء من الصلاة فإن الإمام لا يتحمَّل عنه. ومن ذلك: أن الإمام يتحمَّل عن المأموم قراءة غير الفاتحة في الصَّلاة التي تُشرع فيها قراءة زائدة على الفاتحة في الجهرية، مثل: لو قرأ الإمام في الجهرية الفاتحة، وقرأ المأموم الفاتحة، ثم قرأ آيات أُخرى فإنه يتحمَّل ذلك، بمعنى: أنه لا يُشرع للمأموم أن يقرأ شيئاً من الآيات سوى الفاتحة. ومنها السُّترة؛ فإن سُترة الإمام سُترة للمأموم. ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، رقم (733)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب ائتمام المأموم بالإمام، رقم (411) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

وبناءً على هذا الارتباطِ بين صلاة الإمام والمأموم قال الأصحابُ: إنَّ صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام، أي: إذا حَدَثَ للإمام ما يُبطل صلاته بطلت صلاتُه وصلاة المأمومين، وإن لم يوجد منهم مبطل، ولا يُستثنى من ذلك شيء، إلا إذا صَلَّى الإمام مُحْدثاً ونسيَ، أو جهل ولم يعلم بالحَدَث، أو لم يذكر الحدث إلا بعد السَّلام، فإنه في هذه الحال يلزم الإمام إعادة الصلاة، ولا يلزم المأموم إعادتها حتى على المذهب (¬1). وعلى هذا؛ فيقول المؤلِّف: «فلا استخلاف»، أي: فلا يستخلف الإمام من يتمُّ بهم الصلاة إذا بطلت صلاته. ومثال ذلك: إمام في أثناء صلاته سَبَقَه الحدَثُ، ومعنى سَبَقَه الحَدَث: أنه أحدث ببول أو ريح أو غير ذلك من الأحداث، فإن صلاته تبطل، وتبطل صلاة المأمومين فيلزمهم إعادة الصَّلاة، فإن أحسَّ بالحدث واستخلف قبل أن تبطل صلاتُه، فهذا جائز ولا تبطل صلاة المأمومين؛ لأنه استخلف بهم من يُتمُّ الصَّلاة قبل أن تبطل صلاتُه، فلمَّا استخلف بهم من يُتمُّ الصَّلاة قبل بطلان الصَّلاة صار مستخلفاً لهم وصلاتُه صحيحة، والإمام النَّائب شَرَعَ بهم وهم في صلاة صحيحة فيتمُّها بهم، فيكون قول المؤلِّف: «فلا استخلاف»، أي: بعد بطلان الصَّلاة. ومن ذلك: إذا شَرَعَ في الصَّلاة ثم ذكر في أثنائها أنه ليس على وُضوُء فإن صلاتَه غير منعقدة؛ لأنه محدث، والمحدث لا تنعقد صلاته، فلا يستخلف، بل يستأنف المأمومون صلاتهم؛ ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 383).

لأنه تبيَّن في أثناء الصلاة أن صلاته باطلة، أي: غير منعقدة، وإذا بطلت صلاةُ الإمام بطلت صلاة المأموم؛ لارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به» (¬1)، ولا يمكن أن يبني خليفتُه على صلاة باطلة، وهذا الذي قاله المؤلِّف هو المشهور من المذهب (¬2). والقول الثاني في المذهب الذي اختاره شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم: أنه يستخلف، وأن صلاة المأموم لا تبطل بصلاة الإمام (589)، بل إذا بطلت صلاةُ الإمام بطلت صلاته فقط، وبقيت صلاةُ المأموم صحيحة، وهذا القول هو الصَّحيح. ووجه ذلك: أن الأصل صِحَّة صلاة المأموم، ولا يمكن أن نُبْطِلها إلا بدليل صحيح، فالإمام بطلت صلاتُه بمقتضى الدَّليل الصَّحيح، لكن المأموم دخل بطاعة الله، وصَلَّى بأمر الله، فلا يمكن أن نُفْسد صلاته إلا بأمر الله. فأين الدَّليل من كتاب الله، أو سُنَّة رسوله، أو إجماع المسلمين على أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام؟ والارتباطات المذكورة لا تستلزم أن تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام. واستدلَّ بعضُ أهل العلم: أن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه لما طُعِنَ في صلاة الفجر؛ أمرَ عبد الرحمن بن عَوف أن يُصلِّي بالنَّاس؛ ولم يَرِدْ أنه استأنف الصَّلاة (¬3)، ومعلومٌ أنَّ عمرَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (313). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 383 ـ 385)، «مجموع الفتاوى» (20/ 364) (23/ 352)، «الاختيارات» ص (69). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 504)، «المختارات الجلية» ص (33 ـ 34).

رضي الله عنه سبقه الحَدَثُ وتكلَّم، وقال: «أكَلَنِي الكلبُ» (¬1). وأيضاً: فإن عثمان رضي الله عنه صَلَّى بالنَّاس وهو جُنب ناسياً، فأعَاد ولم يعيدوا (¬2). وأُورِدَ على أثر عثمان: بأن عثمان لم يذكر إلا بعد سلامه. فنقول: إذا قلتم بأن جُملة الصَّلاة صحيحة لعدم عِلم المأموم، فصحَّة بعضها من باب أَولى، فلا فرق بين عِلم المأموم قبل السَّلام أو بعده، أما من عَلِمَ أن إمامه على غير وُضُوء فلا يجوز له الدُّخول مع الإمام؛ لأنه ائتم بمن لا تصحُّ صلاتُه، وهذا تلاعب. وبناءً على هذا القول؛ فإنه إذا سبق الإمامَ الحَدَثُ، أو ذَكَرَ أنه ليس على وُضُوء، فإنه يقدِّم أحدَ المأمومين ليتمَّ بهم الصَّلاة، ولا يَحِلُّ له أن يقول لهم: استأنفوا الصَّلاة؛ لأنه إذا قال: ¬

_ (¬1) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة: باب قصة البيعة، رقم (3700). (¬2) والدارقطني (1/ 364)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 400)، وفي «المعرفة والآثار» (3/ 348) عن هشيم، عن خالد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن الحارث فذكره. وروى الدارقطني (1/ 363)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 399)، وفي «المعرفة والآثار» (3/ 348) عن ابن المنكدر، عن الشريد الثقفي: «أن عمر صلَّى بالناس وهو جنب، فأعاد ولم يعيدوا». ورواه مالك، كتاب الطهارة: باب إعادة الجنب الصلاة، رقم (115، 116، 117، 118)، وعنه عبد الرزاق في «المصنف» رقم (3644) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زييدصح بن الصلت، عن عمر بن الخطاب به. قلت: إسناده صحيح، وزُييد بن الصلت، قال ابن معين: ثقة. قال البخاري: سمع عُمرَ بن الخطاب. «التاريخ الكبير» (3/ 447). «الجرح والتعديل» (3/ 622).

استأنفوا الصَّلاة أخرجهم من فرض، والخروج من الفرض لا يجوز إلا بسبب شرعي يُبيح ذلك، وليس هذا سبباً شرعيًّا، ولهذا قال العلماء: من دخل في فرض حَرُمَ عليه قطعه إلا بعُذر (¬1)، وهذا ليس بعُذر؛ فالأصل صحَّة صلاتهم، وعدم جواز الخروج منها، فإن لم يستخلفْ فلهم أن يقدِّموا أحدَهم ليتمَّ بهم الصَّلاة، فإن لم يفعلوا أتمُّوها فُرادى، ولكن الأَوْلَى أن يستخلفَ؛ لئلا يحصُل عليهم تشويش. تنبيه: ليس هناك شيءٌ تبطلُ به صلاةُ المأموم ببطلان صلاة الإمام على القول الرَّاجح؛ إلا فيما يقوم فيه الإمامُ مقامَ المأموم، والذي يقوم فيه الإمامُ مقامَ المأموم هو الذي إذا اختلَّ اختلت بسببه صلاةُ المأموم؛ لأنَّ ذلك الفعل من الإمام للإمام وللمأمومين، مثل: السُّترة؛ فالسُّترة للإمام سُتْرَة لمن خلفه، فإذا مرَّت امرأة بين الإمام وسُترته بطلت صلاة الإمام وبطلت صلاة المأموم؛ لأنَّ هذه السُّترة مشتركة، ولهذا لا نأمر المأموم أن يتَّخِذَ سُترة، بل لو اتَّخذ سُترة لعُدَّ متنطِّعاً مبتدعاً، فصار انتهاك السُّترة في حَقِّ الإمام انتهاكاً في حَقِّ المأموم، فبطلت صلاة المأموم كما بطلت صلاة الإمام. وهنا قاعدة مهمَّة وهي: أنَّ من دخل في عبادة فأدَّاها كما أُمِرَ؛ فإننا لا نُبْطِلُها إلا بدليل؛ لأن الأصلَ الصِّحةُ وإبراءُ الذِّمة؛ حتى يقوم دليل البطلان. انتهى بحمد الله تعالى المجلَّدُ الثَّاني ويليه بمشيئة الله عز وجل المجلَّدُ الثالث وأوَّله: «باب صفة الصَّلاة». ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (7/ 549، 550)، «الإقناع» (1/ 511).

باب صفة الصلاة

باب صفة الصلاة صِفةُ الصَّلاة: أي: الكيفية التي تكون عليها. وعلماء الفقه رحمهم الله تكلموا على صِفةِ الصَّلاة، وعلى صِفةِ الحَجِّ وغيرهما؛ وذلك لأنَّ شرط العبادة أمران: 1 ـ الإخلاصُ لله تعالى. 2 ـ المتابعةُ للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم. فأما الإِخلاصُ لله؛ فيتكلَّمُ عليه أهلُ التوحيد والعقائد. وأما المتابعةُ للرسول صلّى الله عليه وسلّم فيتكلَّمُ عليها الفقهاءُ. وضِدُّ الإِخلاصِ: الإِشراك، وضِدُّ المتابعةِ: البدعة. فمَن تابع الرَّسولَ بدون إخلاص لم تصحَّ عبادتُه؛ لقوله تعالى في الحديث القُدسي: «أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشِّركِ، مَن عَمِلَ عملاً أشركَ فيه معي غيري تركْتُهُ وشِرْكَهُ» (¬1)، ومَن أخلص لله ولم يَتَّبعْ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فإن عبادتَه مردودة؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬2). ومن ثَمَّ اضطرَّ العلماءُ إلى بيان صِفةِ الصَّلاةِ والحجِّ وغيرهما، لكن؛ لم نجدهم ذكروا باباً لصِفة الصِّيام، ولا الزَّكاة. بل بيَّنوا ما يتركه الإِنسان ببيان المفطرات، وقالوا: إنَّ الصِّيامَ هو الإِمساكُ عن المفطرات بنيَّة التعبُّد لله تعالى؛ مِن طُلوعِ الفجر إلى غُروبِ الشمس. وهذا هو الكيفيَّة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الزهد، باب تحريم الرياء (2985) (46). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة (1718) (18).

وفي الزَّكاةِ ذكروا الأموال الزكوية ومقدار الأنصبة، والواجب وأهل الزكاة. وهذا في الحقيقة هو الكيفية. والصَّلاةُ كما نعلم هي أعظم أركان الإِسلام بعد الشهادتين، وهي التي إذا تركها الإِنسان تهاوناً وكسلاً كان كافراً (¬1)، وإنْ جَحَدَ وجوبَها كان كافراً ولو صَلَّى، فإذا قال: أنا أصلِّي هذه الصلوات الخمس على أنها نافلة. كان كافراً ـ وإن كان يصلِّيها ـ إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو نَشأ في بادية بعيدة؛ لا يَعرفُ عن أركان الإسلام؛ فَيُعَرَّفُ بوجوبِها أولاً، ثم يُحكم بكفره إنْ جَحَدَ الوجوبَ بعد تعريفه به. والصَّلاةُ إما في جماعة، وإما في انفراد. فإذا كان في جماعةٍ فأحسن ما يكون: أن يتوضَّأ الإِنسانُ في بيته، ويُسْبِغَ الوُضُوءَ، ثم يخرج من بيته بنيَّة الصَّلاةِ مع الجماعةِ. فإذا فَعَلَ ذلك لم يَخْطُ خَطوةً إلا رَفَعَ اللَّهُ له بها درجةً، وحَطَّ عنه بها خطيئة؛ قَرُبَ بيته أو بَعُدَ (¬2). ولا يعني هذا أنه ينبغي أن يتقصَّد الأبعدَ مِن المساجد، بل يعني ذلك أنه إذا بَعُدَ منزلك مِن المسجد فلا تستبعد المسجدَ، وتقل: إن في ذلك تعباً عَليَّ، بلِ اسْعَ إليه، ولك في كلِّ خَطوة إذا خرجت مُسبغاً للوُضُوء قاصداً المسجد أنْ يرفعَ الله لك بها درجة؛ ويَحطَّ عنك بها خطيئةً. ¬

_ (¬1) تقدمت هذه المسألة (2/ 26). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (647)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب فضل الصلاة المكتوبة في جماعة وفضل انتظار الصلاة وكثرة الخطا إلى المساجد وفضل المشي إليها (649) (272).

وينبغي أن يأتي إليها بسكينةٍ ووَقَار، سكينة في الألفاظ والحركة، ووقار في الهيئة، فلا يأتي إليها وهو منزعجٌ، أو يمشي مشية الإِنسانِ الذي ليس بمنتظم، بل يكون وَقوراً؛ لأنه مُقبلٌ على مكانٍ يقفُ فيه بين يدي الله عزّ وجل. ونحن نعلم أن الإنسان لو أقبل على قصر مَلِكٍ مِن الملوك؛ لوجدته يتهيَّأ، وينظر كيف وجهه؟ وكيف ثوبه؟ ويأتي بسكينة ووَقار، ويظهر عليه ذلك، فكيف بمن يأتي إلى بيت الله عزّ وجل ليقف بين يديه؟ فلا يسرع حتى وإن خاف أن تفوته الصلاة؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم الإِقامة فامشوا إلى الصَّلاةِ؛ وعليكم السَّكينةُ والوَقارُ؛ ولا تسرعوا» (¬1). فما أدركت فصلِّ وما فاتك فأتم؛ لأن هذا هو حقيقة الأدب مع الله عزَّ وجلَّ. ثم إذا حضرت المسجدَ فصَلِّ ما تيسَّرَ لك، فإن كان قد أذَّنَ فإنه يمكنك أن تُصلِّي الرَّاتبةَ؛ إذا كانت لهذه الفريضة راتبةٌ قبلَها، وإن لم يكن لها راتبة قبلها فسُنَّة ما بين الأذانين؛ لأن بين كلِّ أذانين صلاةً، وتجزئ هذه الصلاة ـ أعني: سُنَّة ما بين الأذانين أو الراتبة ـ عن تحيَّة المسجد؛ لأن قول الرَّسول عليه الصلاة والسلام: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلِّيَ ركعتين» (¬2). يَصْدق بما ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بالسكينة والوقار (636)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (602). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين (444)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحيَّة المسجد بركعتين (714) (70).

يسن القيام عند «قد» من إقامتها

إذا صَلَّى الإِنسانُ الراتبةَ، أو سُنَّةَ ما بين الأذانين (¬1). ثم اجْلسْ بنيَّة انتظار الصَّلاة، واعلمْ أنك إذا أتيت المسجدَ على هذا الوجه لا تزال في صلاة ما انتظرتَ الصَّلاةَ؛ حتى لو تأخَّر الإِمامُ وزاد خمسَ دقائق أو عشراً فإنك على خير؛ لأنك لا تزال في صلاة ما انتظرتَ الصَّلاةَ، ثم مع ذلك الملائكةُ تُصلِّي عليك ما دمت في مصلاك، ورَجلٌ تُصلِّي عليه الملائكة حَريٌّ بأن يستجيبَ اللَّهُ سبحانه وتعالى دعاءَ الملائكة له. يُسَنُّ القِيَامُ عِنْدَ «قَدْ» مِنْ إِقامَتِها، .............. قوله: «يُسنُّ القيامُ عند قد من إقامتها». أي: يُسنُّ للمأموم أن يقوم إذا قال المقيم: «قد» من «قد قامت الصلاة»، لأن «قد» تفيدُ التحقيقَ، و «قامت» تفيدُ الواقعَ، وحينئذٍ يكون موضع القيام للصَّلاةِ عند قوله: «قد» من «قد قامت الصلاة»، وظاهر كلام المؤلِّفِ أنه يُسنُّ القيامُ عند هذه الجملة؛ سواء رأى المأمومون الإِمامَ أم لم يَروه، وهذا أحدُ الأقوال في المذهب (¬2). والمشهورُ مِن المذهب (¬3): أنهم لا يقومون عند إقامتها؛ إلا إذا رأوا الإِمامَ، فإنْ لم يَروه انتظروا حتى يَروا الإِمامَ؛ لأنهم تابعون، ولو قاموا في الصَّفِّ قبل أن يَروا الإِمامَ لكانوا متبوعين؛ لأن الإِمامَ سيأتي بعدَهم بعد أن يصطفُّوا ويقوموا، والغالب أنها لا تُقام عندنا في هذا البلد حتى يدخل الإِمامُ المسجدَ، ويراه الناسُ ثم يقيم المؤذِّنُ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء (627)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بين كل أذانين صلاة (838) (304). (¬2) انظر: «الإنصاف» (3/ 401). (¬3) انظر: «منتهى الإرادات» (1/ 204)، «الإنصاف» (3/ 402).

وتسوية الصف

وقيل: يقوم إذا رأى الإِمام مطلقاً. وقيل: يقوم إذا شُرع بالإِقامة. وقيل: يقوم إذا قال: «حيَّ على الصلاة». وقيل: يقوم إذا كبَّرَ الإِمامُ تكبيرة الإِحرام. وقيل: الأمر في ذلك واسع (¬1)، والسُّنَّة لم تردْ محدِّدة لموضع القيام؛ إلا أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أُقِيمَت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تَرَوْنِي» (¬2). فإذا كانت السُّنَّةُ غيرَ محدِّدة للقيام؛ كان القيامُ عند أوَّل الإِقامة، أو في أثنائها، أو عند انتهائها، كلُّ ذلك جائز. المهمُّ: أن تكون متهيِّئاً للدُّخول في الصلاة قبل تكبيرةِ الإمامِ؛ لئلا تفوتك تكبيرةُ الإِحرام. وتسوِيةُ الصَّفِ ..................... قوله: «وتسويةُ الصفِّ» يعني: تُسنُّ تسويةُ الصَّفِّ؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يأمرُ بذلك فيقول: «سَوُّوا صُفُوفَكُم» (¬3)، ويُرشِدُ أصحابَه لهذا حتى فهموا ذلك عنه وعَقَلوه عَقْلاً جيداً. وفي يوم من الأيام خَرَجَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُقيمتِ الصَّلاةُ؛ فالتفتَ فإذا رَجُلٌ قد بَدَا صدرُه (¬4)؛ فقال: «عباد الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بين وُجُوهِكُم» (¬5)، فقوله: «لتسوُّنَّ صُفُوفكم» «اللام» ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 123)، «المجموع» (3/ 233). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة (637)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة (604) (156). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة (723)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (433). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (436) (128). (¬5) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها (717)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (436) (128).

واقعة في جواب قَسَم مقدَّر، وتقدير الكلام: «والله لتسوُّنَّ»، فالجملة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات، وهي: القسم، واللام، والنون. وهذا خَبرٌ فيه تحذير؛ لأنه قال: «لتسوُّنَّ صُفُوفكم، أو ليُخَالفَنَّ اللَّهُ بين وُجُوهِكم» أي: بين وجهات نظركم حتى تختلف القلوب، وهذا بلا شكٍّ وعيدٌ على مَن تَرَكَ التسويةَ، ولذا ذهب بعضُ أهل العِلم إلى وجوب تسوية الصَّفِّ (¬1). واستدلُّوا لذلك: بأمْرِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم به، وتوعُّدِه على مخالفته، وشيء يأتي الأمرُ به، ويُتوعَّد على مخالفته لا يمكن أن يُقال: إنه سُنَّة فقط. ولهذا كان القولُ الرَّاجحُ في هذه المسألة: وجوب تسوية الصَّفِّ، وأنَّ الجماعة إذا لم يسوُّوا الصَّفَّ فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله (¬2). لكن إذا خالفوا فلم يسوُّوا الصَّفَّ فهل تبطل صلاتهم؛ لأنهم تركوا أمراً واجباً؟ الجواب: فيه احتمالٌ، قد يُقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب. ولكن احتمال عدم البطلان مع الإِثم أقوى؛ لأن التسويةَ واجبةٌ للصلاةِ لا واجبة فيها، يعني أنها خارج عن هيئتها، والواجبُ للصَّلاةِ يأثمُ الإِنسانُ بتَرْكِه، ولا تبطلُ الصَّلاةُ به، كالأذان مثلاً، فإنه واجبٌ للصَّلاةِ، ولا تبطل الصَّلاةُ بتَرْكِه. وتسوية الصَّفِّ تكون بالتساوي، بحيث لا يتقدَّم أحدٌ على أحد، وهل المعتبر مُقدَّم الرِّجْلِ؟ الجواب: المعتبر المناكب في أعلى البَدَن، والأكعُب في أسفل البَدَن، وهذا عند الاعتدال، أما إذا كان في الإِنسان احديداب فلا عِبرة بالمناكب؛ لأنه لايمكن ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (2/ 39). (¬2) انظر: «الاختيارات» ص (50).

أن تتساوى المناكبُ والأكعُب مع الحَدَب، وإنما اعتُبرت الأكعب؛ لأنها في العمود الذي يَعتمد عليه البدنُ، فإن الكعب في أسفل السَّاق، والسَّاقُ هو عمودُ البَدَن، فكان هذا هو المُعتبر. وأما أطراف الأرجُل فليست بمعتبرة؛ وذلك لأن أطراف الأرجُلِ تختلف، فبعض الناس تكون رِجْلُه طويلة، وبعضهم قصيرة، فلهذا كان المعتبر الكعب. ثم إن تسوية الصَّفِّ المتوعَّد على مخالفتها هي تسويته بالمحاذاة، ولا فَرْقَ بين أن يكون الصَّفُّ خلف الإِمام أو مع الإِمام، وعلى هذا؛ فإذا وقف إمامٌ ومأموم فإنه يكون محاذياً للمأموم، ولا يتقدَّم عليه خلافاً لمن قال من أهل العلم: إنه ينبغي تقدُّم الإِمام على المأموم يسيراً؛ ليتميَّز الإِمامُ عن المأموم. فيقال: إنَّ هذا خِلافُ ظاهرِ النَّصِّ، فابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أخَذَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم برأسه مِن ورائِه، وجعله عن يمينه. ولم يُنقل أنه أخَّره قليلاً (¬1)، ثم إن الإِمامَ والمأموم يُعتبران صفًّا، فإذا اعتبرناهما صفًّا كان المشروعُ تسويةَ الصَّفِّ. وهناك تسوية أخرى بمعنى الكمال؛ يعني: الاستواء بمعنى الكمال كما قال الله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: 14] أي: كَمُلَ، فإذا قلنا: استواءُ الصَّفِّ بمعنى كماله؛ لم يكن ذلك مقتصراً على تسوية المحاذاة، بل يشمَل عِدَّة أشياء: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما (698)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعائه بالليل (673) (181).

1 ـ تسويةَ المحاذاة، وهذه على القول الرَّاجح واجبة، وقد سبقت (¬1). 2 ـ التَّراصَّ في الصَّفِّ، فإنَّ هذا مِن كماله، وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يأمر بذلك، ونَدَبَ أمَّتَهُ أن يصفُّوا كما تصفُّ الملائكةُ عند ربِّها، يتراصُّون ويكملون الأول فالأول (¬2)، ولكن المراد بالتَّراصِّ أن لا يَدَعُوا فُرَجاً للشياطين، وليس المراد بالتَّراص التَّزاحم؛ لأن هناك فَرْقاً بين التَّراصِّ والتَّزاحم؛ ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب ... ولا تذروا فُرُجَات للشيطان» (¬3) أي: لا يكون بينكم فُرَج تدخل منها الشياطين؛ لأن الشياطِين يدخلون بين الصُّفوفِ كأولاد الضأن الصِّغارِ (¬4)؛ من أجل أن يُشوِّشوا على المصلين صلاتَهم. 3 ـ إكمالَ الأول فالأول، فإنَّ هذا مِن استواءِ الصُّفوف، فلا يُشرع في الصَّفِّ الثاني حتى يَكمُلَ الصَّفُّ الأول، ولا يُشرع في الثالث حتى يَكمُلَ الثاني وهكذا، وقد نَدَبَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى تكميل الصفِّ الأول فقال: «لو يعلم الناسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ؛ ثم لم يجدوا إلاّ أن يَسْتَهِمُوا عليه لاسْتَهَمُوا» (¬5). يعني: ¬

_ (¬1) انظر: ص (9). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة (430) (119). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (2/ 98)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (666)؛ والحاكم (1/ 213) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (¬4) أخرجه الإمام أحمد (3/ 154)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (667)؛ والنسائي، كتاب الإمامة، باب حث الإمام على رصِّ الصفوف. (¬5) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان (615)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (437) (129).

يقترعون عليه؛ فإذا جاء اثنان للصفِّ الأول، فقال أحدهم: أنا أحقُّ به منك، وقال الآخر: أنا أحقُّ، قال: إذاً نقترعُ، أيُّنا يكون في هذا المكان الخالي. ومِنْ لَعِبِ الشيطان بكثير من الناس اليوم: أنهم يرون الصفَّ الأول ليس فيه إلا نصفُه، ومع ذلك يشرعون في الصفِّ الثاني، ثم إذا أُقيمت الصلاة، وقيل لهم: أتمُّوا الصفَّ الأول، جعلوا يتلفَّتون مندهشين، وكل ذلك في الحقيقة سببه: أولاً: الجهل العظيم. وثانياً: أن بعضَ الأئمة لا يبالون بهذا الشيء، أي: بتسوية المأمومين، وتراصِّهم وتكميلِ الأول فالأول، والأمرُ بالتسوية سُنَّة عند الحاجة إليها، أي: مع عدم استواء الصَّفِّ، وليست سُنَّةً مطلقةً، لكن ينبغي أن تكون سُنَّة مؤثِّرة، بحيث إذا وَجَد الإِمامُ واحداً متقدِّماً قال له: تأخَّر يا فلان، ولقد سبق قول الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حينما رأى رَجُلاً بادياً صدره (¬1)، وكان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُسوِّي الصفوفَ بيده، ويمسحُ المناكبَ (¬2) والصُّدورَ مِن طَرَف الصفِّ إلى طَرَفه (¬3)، والواجب على الإِمامِ أن يصبرَ ويعوِّدَ النَّاسَ على تسويةِ الصَّفِّ، حتى يسوُّوا الصفوفَ، ولا يمكن لإنسان مؤمن يبلُغُه أنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (9). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (432) (122). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (4/ 285، 297)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (664)؛ والنسائي، كتاب الإمامة، باب كيف يقوِّم الإمام الصفوف (811).

«لتُسوُّنَّ صفوفَكم، أو ليُخَالفنَّ اللَّهُ بينِ وجوهِكم» (¬1). ثم لا يبالي بتسوية الصفِّ. وهاهنا حديث مشهور بين النَّاسِ، وليس له أصلٌ وهو: «إنَّ اللَّهَ لا ينظرُ إلى الصَّفِّ الأعوج». 4 ـ ومِن تسوية الصُّفوف: التقاربُ فيما بينها، وفيما بينها وبين الإِمام؛ لأنهم جماعةٌ، والجماعةُ مأخوذةٌ مِن الاجتماع: ولا اجتماع كامل مع التباعد، فكلما قَرُبَت الصُّفوفُ بعضها إلى بعض، وقَرُبَت إلى الإِمام كان أفضل وأجمل، ونحن نرى في بعض المساجد أنَّ بين الإِمام وبين الصَّفِّ الأول ما يتَّسع لصفٍّ أو صفَّين، أي: أنَّ الإِمام يتقدَّم كثيراً، وهذا فيما أظنُّ صادر عن الجهل، فالسُّنَّةُ للإمام أن يكون قريباً مِن المأمومين، وللمأمومين أن يكونوا قريبين مِن الإِمام، وأن يكون كلُّ صفٍّ قريباً مِن الصَّفِّ الآخر. وحَدُّ القُرب: أن يكون بينهما مقدار ما يَسَعُ للسُّجودِ وزيادة يسيرة. مسألة: وهل الصَّفُّ الثاني بالنسبة للصفِّ الثالث صفٌّ أول؛ بحيث يدخل في قول الرسول عليه الصَّلاةِ والسَّلامُ: «لو يعلمُ الناسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ؛ ثم لم يجدوا إلاّ أن يستهمُوا عليه لاستهموا» (¬2) أو لا؟. الظاهر: لا؛ وذلك لأن الصفَّ الأول يقتضي المبادرة والتبكير، بخلاف الصفِّ الثاني، والتقدُّم إلى المسجدِ أمرٌ مطلوبٌ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (9). (¬2) تقدم تخريجه ص (12).

5 ـ ومِن تسوية الصُّفوفِ وكمالها: أن يدنوَ الإِنسانُ مِن الإِمامِ؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لِيَلِنِي منكم أولُو الأحْلامِ والنُّهَى» (¬1) وكلَّما كان أقربَ كان أَولى، ولهذا جاء الحثُّ على الدُّنوِّ مِن الإِمام في صلاة الجُمعة (¬2) لأن الدُّنوَّ مِن الإِمام في صلاة الجُمعة يحصُل به الدُّنُو إليه في الصَّلاةِ، وفي الخطبة، فالدُّنُو مِن الإِمام أمرٌ مطلوب، وبعضُ الناس يتهاون بهذا؛ ولا يحرِصُ عليه. 6 ـ ومِن تسوية الصُّفوف: تفضيل يمين الصفِّ على شماله، يعني: أنَّ أيمن الصَّفِّ أفضل مِن أيسره، ولكن ليس على سبيل الإِطلاق؛ كما في الصَّفِّ الأول؛ لأنه لو كان على سبيل الإِطلاق، كما في الصف الأول؛ لقال الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام: «أتمُّوا الأيمن فالأيمن» كما قال: «أتمُّوا الصَّفَّ الأول، ثم الذي يليه» (¬3). وإذا كان ليس مِن المشروع أن تبدأ بالجانب الأيمن حتى يكمُلَ، فإننا ننظرُ في أصول الشَّريعة، كيف يكون هذا بالنسبةِ لليسار؟ نجد أن هذا بالنسبة لليسار إذا تحاذى اليمينُ واليسار وتساويا أو تقاربا فالأفضل اليمين، كما لو كان اليسار خمسة واليمين خمسة؛ وجاء الحادي عشر؛ نقول: اذهبْ إلى اليمين؛ لأنَّ اليمين أفضلُ مع التَّساوي، أو التقارب أيضاً؛ بحيث لا يظهر التفاوتُ بين يمين الصَّفِّ ويسارِه، أما مع التَّباعد فلا ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (432) (122). (¬2) انظر: «سنن أبي داود»، كتاب الطهارة، باب في الغسل للجمعة (345). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (3/ 132)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف (671)، والنسائي، كتاب الإمامة، باب الصفّ المؤخَّر (819) واللفظ له. قال النووي: «رواه أبو داود بإسنادٍ حسن». «رياض الصالحين» (1091).

شكَّ أنَّ اليسار القريبَ أفضل من اليمين البعيد. ويدلُّ لذلك: أنَّ المشروع في أول الأمر للجماعة إذا كانوا ثلاثة أن يقف الإِمام بينهما، أي: بين الاثنين (¬1). وهذا يدلُّ على أن اليمينَ ليس أفضلَ مطلقاً؛ لأنه لو كان أفضلَ مطلقاً؛ لكان الأفضل أن يكون المأمومان عن يمينِ الإِمامِ، ولكن كان المشروعُ أن يكون واحداً عن اليمين وواحداً عن اليسار حتى يتوسَّط الإِمام، ولا يحصُل حَيْفٌ وجَنَفٌ في أحد الطرفين. 7 ـ ومِن تسوية الصُّفوفِ: أن تُفرد النِّساءُ وحدَهن؛ بمعنى: أن يكون النِّساءُ خلف الرِّجال، لا يختلط النِّساء بالرِّجال لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «خيرُ صُفوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وشرُّها آخِرُها، وخيرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُها، وشرُّها أوَّلُها» (¬2) فبيَّن عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه كلما تأخَّرت النِّساءُ عن الرِّجالِ كان أفضلَ. إذاً؛ الأفضلُ أن تُؤخَّر النِّساءُ عن صفوفِ الرِّجَالِ لما في قُربهنَّ إلى الرِّجَال مِن الفتنة. وأشدُّ مِن ذلك اختلاطُهنَّ بالرِّجال، بأن تكون المرأةُ إلى جانب الرَّجُلِ، أو يكون صَفٌّ مِن النِّساءِ بين صُفوفِ الرِّجَال، وهذا لا ينبغي، وهو إلى التَّحريمِ مع خوف الفتنة أقربُ. ومع انتفاء الفتنة خِلافُ الأَولى، يعني: إذا كان النِّساءُ مِن محارمه فهو خِلافُ الأَولى، وخلاف الأفضل. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب ونسخ التطبيق (534) (26). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (440) (132).

8 ـ هل مِن استواء الصُّفوفِ أن يتقدَّمَ الرِّجَالُ ويتأخَّرَ الصبيان؟. قال بعض العلماء (¬1): إنَّ هذا مِن تسوية الصُّفوفِ وكمالِها، أنْ يكون الرِّجالُ البالغون هم الذين يلون الإِمامَ، وأن يكون الصبيانُ في الخلفِ، فإذا كان عندنا مِئَةُ رجُل يمثِّلون صَفًّا، ومِئَةُ صبيٍّ يمثِّلون نصف الصَّفِّ، نجعلُ المِئَةَ الرَّجُل الصفَّ الأول، ومِئَةَ الطفل الصفَّ الثاني، حتى لو تقدَّم صبيٌّ إلى الأول أخَّرْنَاه؛ لأنَّ استواء الصفِّ أن يكون الرِّجالُ البالغون هم المقدَّمون. واستُدِلَّ لذلك: بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لِيَلِني منكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى» (¬2). ولكن في هذا نظرٌ، بل نقول: إنَّ الصبيان إذا تقدَّموا إلى مكان، فهم أحقُّ به مِن غيرهم؛ لعموم الأدلَّة على أنَّ مَن سبقَ إلى ما لم يسبق إليه أحدٌ فهو أحقُّ به، والمساجدُ بيوتُ الله، يستوي فيها عباد الله، فإذا تقدَّم الصبيُّ إلى الصفِّ الأول ـ مثلاً ـ وجَلَسَ فليكنْ في مكانِه، ولأننا لو قلنا بإزاحة الصِّبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد أدى ذلك إلى لَعبِهم؛ لأنَّهم ينفردون بالصَّفِّ، ثم هنا مشكل، إذا دخل الرِّجالُ بعد أن صفَّ الجماعة هل يُرجعونهم، وهم في الصلاة؟ وإن بَقَوا صفًّا كاملاً فسيُشوِّشون على مَنْ خلفَهم مِن الرِّجَال. ثم إنَّ تأخيرهم عن الصَّفِّ الأول بعد أن كانوا فيه يؤدِّي إلى محذورين: ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (4/ 427). (¬2) تقدم تخريجه ص (15).

المحذور الأول: كراهة الصَّبيِّ للمسجدِ؛ لأن الصَّبيَّ ـ وإنْ كان صبيًّا ـ لا تحتقره، فالشيء ينطبع في قلبه. المحذور الثاني: كراهته للرَّجُل الذي أخَّره عن الصَّفِّ. فالحاصل: أنَّ هذا القولَ ضعيفٌ، أعني: القول بتأخير الصِّبيان عن أماكنهم، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لِيَلِني منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهى» (¬1) فمرادُه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ حَثُّ البالغين العقلاء على التقدُّم؛ لا تأخير الصِّغار عن أماكنهم. وقوله: «وتسوية الصفِّ» «أل» هنا للعموم، ولهذا عَبَّرَ بعضُ الفقهاءِ بقوله: تسوية الصُّفوف. فالصفُّ هنا اسمُ جنسٍ يشمَلُ جميعَ الصُّفوف: الأول، والثاني، والثالث ... إلخ. مسألة: إذا كان يمينُ الصَّفِّ أكثرَ مِن يساره؛ فهل يَطلبُ الإمامُ مِن الجماعة تسوية اليمين مع اليسار؟. الجواب: إذا كان الفَرْقُ واضحاً فلا بأس أنْ يطلبَ تسويةَ اليمينِ مع اليسار، لأجل بيان السُّنَّة؛ لأنَّ كثيراً مِن النَّاسِ الآن يظنُّونَ أن الأفضل اليمين مطلقاً؛ حتى إنه ليكمُل الصفُّ أحياناً مِن اليمين، وليس في اليسار إلا واحدٌ أو اثنان. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال أنَّ بُعْدَ يمينه ليس أفضلَ مِن قُرْبِ يسارِه ولعله مرادهم (¬2) اهـ. مسألة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا توضَّأ فأحسنَ الوُضُوء، لم يخطُ خَطوة إلا رُفعت له بها درجة ... » الحديث (¬3)، فهل إذا خرجَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (15). (¬2) انظر: «الفروع» (1/ 407). (¬3) تقدم تخريجه ص (6).

ويقول: «الله أكبر»

الإِنسانُ مِن بيته قاصداً المسجدَ، ثم توضَّأ في دورةِ المياه التي في المسجد، يكون له هذا الأجر؟ الجواب: ظاهرُ الحديثِ أنَّه لا يكون له هذا الأجر؛ لأنَّ هناك فَرْقاً بين مَن يخرج مِن بيتِه متهيِّئاً للصَّلاةِ قاصداً لها، وبين إنسان يأتي إلى المسجدِ غير متهيِّئ للصَّلاةِ. نعم؛ لو كان بيتُه بعيداً، ولم يتهيَّأ له الوُضُوء منه فيُرجى أن ينال هذا الأجر. وَيَقُولُ: «اللَّهُ أكبرُ» ............... قوله: «ويقول: الله أكبر» أي: يقول المصلِّي: «الله أكبر» والقول إذا أُطلق فإنما هو قول اللِّسان، أما إذا قُيِّد فقيل: يقول في قلبه، أو يقول في نفسِه، فإنه يتقيَّد بذلك، وهذا التكبيرُ رُكْنٌ، لا تنعقدُ الصَّلاةُ بدونه؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال للمسيء في صلاتِه: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فأسْبِغ الوُضُوءَ، ثم اسْتقبل القِبْلةَ فكبِّر» مع أنه قال في الأول: «ارجِعْ فَصَلِّ فإنك لم تُصلِّ» (¬1). وعلى هذا؛ فيكون كلُّ ما أمَرَ به الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ المسيءَ في صلاتِه رُكناً لا تصِحُّ الصَّلاةُ بدونه، وإنْ شئت فقل: واجباً لا تصلحُ الصَّلاةُ بدونه؛ لأجل أن يشمَلَ إسباغَ الوُضُوء؛ لأنه ليس برُكنٍ في الصَّلاةِ، بل هو شرط. وإذا عَجَزَ الإِنسانُ عنها؛ لكونه أخرسَ لا يستطيع النُّطقَ، فهل تسقطُ عنه، أو ينويها بقلبِه، أو يحرِّك لسانَه وشفتيه (¬2)؟ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها (757)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب القراءة في كل ركعة (397) (45). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 130).

الجواب: نقول: ينويها بقلبِه؛ لأن قول الإِنسان: «الله أكبر» متضمِّن لقول اللسان وقول القلب؛ لأنه لم يقل بلسانه: «الله أكبر» إلا حين قالها بقلبه وعَزَم عليها، فإذا تعذَّر النُّطقُ باللِّسان وَجَبَ القولُ بالقلبِ، فيقولُها بقلبِه، ولا يحرِّك لسانَه وشفتيه، خِلافاً لمن قال مِن أهل العِلم: إنه يحرِّكُ لسانَه وشفتيه؛ مُعَلِّلاً ذلك بأن في القول تحريك اللِّسان والشفتين، فلما تعذَّر الصَّوتُ وَجَبَ التحريكُ. والردُّ على هذا: أنَّ تحريك اللِّسان والشفتين ليس مقصوداً لذاته؛ بل هو مقصودٌ لغيره؛ لأنَّ القول لا يحصُلُ إلا به، فإذا تعذَّر المقصودُ الأصلي سقطت الوسيلةُ، وصارت هذه الوسيلةُ مجرَّد حركة وعبث، فما الفائدة مِن أن يُحرِّك الإِنسانُ شفتيه ولسانه، وهو لا يستطيع النُّطقَ، فالقول الرَّاجح في هذه المسألة: أنَّ الإِنسانَ إذا كان أخرسَ لا يستطيعُ أن يقول بلسانه فإنه ينوي ذلك بقلبه، ولا يحرِّك شفتيه ولا لسانه، لأن ذلك عبث وحركة في الصَّلاة لا حاجة إليها. وقوله: «ويقول» إذا قلنا: إن القول يكون باللسان؛ فهل يُشترط إسماع نفسه لهذا القول؟ في هذا خِلافٌ بين العلماء (¬1)، فمنهم مَن قال: لا بُدَّ أن يكون له صوتٌ يُسمعَ به نفسَه. وهو المذهب (¬2)، وإن لم يسمعه مَنْ بجنبه، بل لا بُدَّ أنْ يُسمع نفسَه، فإنْ نَطَقَ بدون أن يُسمعَ ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 414). (¬2) انظر: «منتهى الإرادات» مع حاشية النجدي (1/ 206).

نفسَه فلا عِبْرَة بهذا النُّطقِ، ولكن هذا القول ضعيف. والصَّحيحُ: أنه لا يُشترط أن يُسمِعَ نفسَه؛ لأن الإسماعَ أمرٌ زائدٌ على القول والنُّطقِ، وما كان زائداً على ما جاءت به السُّنَّةُ فعلى المُدَّعي الدليلُ. وعلى هذا: فلو تأكَّدَ الإنسان من خروج الحروف مِن مخارجها، ولم يُسمعْ نفسَه، سواء كان ذلك لضعف سمعه، أم لأصوات حولَه، أم لغير ذلك؛ فالرَّاجحُ أنَّ جميعَ أقواله معتبرة، وأنه لا يُشترط أكثر مما دلَّت النُّصوصُ على اشتراطِه وهو القول. وقوله: «الله أكبر» أي: بهذا اللفظ: «الله أكبر» فلا يُجزئُ غيرها، ولو قام مقامها، كما لو قال: «الله الأجلُّ، أو الله أجلُّ، أو الله أعظمُ» أو ما شابه ذلك، فإنه لا يُجزئُ؛ لأن ألفاظَ الذِّكر توقيفية؛ يُتوقَّفُ فيها على ما وَرَدَ به النصُّ، ولا يجوز إبدالها بغيرها؛ لأنها قد تحمل معنًى نظنُّ أنَّ غيرَها يحملُه، وهو لا يحملُه، فإن قال: الله الأكبرُ، فقال بعضُ العلماء: إنه يجزئُ، وقال آخرون: بل لا يجزئ (¬1). والصَّحيح: أنه لا يجزئ؛ لأن قولك: «أكبر» مع حذف المفضَّل عليه يدلُّ على أكبريَّة مطلقة، بخلاف الله الأكبرُ، فإنك تقول: ولدي هذا هو الأكبر. فلا يدلُّ على ما تدلُّ عليه «أكبر» بالتنكير، ثم إن هذا هو الذي وَرَدَ به النصُّ، وقد قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» (¬2) فالواجب أن يقول: «اللَّهُ أكبرُ». مسألة: وإذا كان لا يعرفُ اللغةَ العربيةَ، ولا يستطيع النُّطقَ بها فماذا يصنع؟. ¬

_ (¬1) انظر: «المغني» (2/ 126). (¬2) تقدم تخريجه ص (5).

نقول: لدينا قاعدة شرعية قال الله فيها: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (¬1). فليكبِّر بلغتِه ولا حَرَجَ عليه؛ لأنه لا يستطيع غيرَها. فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون له: اسكتْ وانوِ التكبير بقلبِك؟ فالجواب: لأن التكبير يشتملُ على لفظٍ، ومعنًى، وقول بالقلب، فهو يشتمل على ثلاثة أشياء: قول القلب، واللفظ الذي جاء به النصُّ وهو العربي، والثالث المعنى. وهذا الرَّجُلُ الذي لا يعرف اللغةَ العربيةَ يستطيع أن يكبِّر بقلبِه ويستطيع أن يكبِّر بالمعنى، ولا يستطيع أن يكبِّر باللفظ، وإذا أخذنا بالآية الكريمة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. قلنا: أنت الآن تستطيع شيئين وتعجز عن الثالث فقم بالشيئين، وهما: تكبير القلب والمعنى، ويسقط عنك الثالث، وهو التكبير اللفظي؛ لأنك عاجزٌ عنه. ثم نرجع إلى معنى هذه الكلمة: «اللَّهُ أكبرُ» ما معناها؟ وما مناسبةُ الابتداءِ بها؟ الجواب: معناها: أنَّ الله تعالى أكبر مِن كلِّ شيء في ذاتِه ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (7288)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (1337) (412).

وأسمائِه وصفاتِه، وكلُّ ما تحتمله هذه الكلمة مِن معنى. قال الله عزّ وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ} [الزمر: 67] وقال عزّ وجل: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ *} [الأنبياء] ومن هذه عظمته فهو أكبر مِن كل شيء. وقال الله تعالى: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الجاثية]. فكلُّ معنى لهذه الكلمة مِن معاني الكبرياء فهو ثابتٌ لله عزّ وجل. تنبيه: زعم بعضُ العلماء أن معنى «الله أكبر»: الله كبير (¬1)، ولكن هذا زعمٌ ضعيف جدًّا؛ لأن كلَّ إنسانٍ يعرفُ الفَرْقَ بين كبير وأكبر. صحيحٌ أنَّ الله تعالى سمَّى نفسَه {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9] لكن معنى «أكبر» غير معنى «الكبير»، فهم فَرُّوا مِن المفاضلة بين الخالق والمخلوق، ولكن هذا الفرار الذي فروا منه أوقعهم في شرٍّ ممَّا فَرُّوا منه، أوقعهم بأن يأتوا بوصف لو أخذنا بظاهره لكان المخلوق والخالق سواء، وهذا نظير تفسير بعضهم قول الله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} [القلم: 7]. قالوا: هو عالِمٌ؛ لأنك إذا قلت: أعلم اقتضى مفضَّلاً ومفضَّلاً عليه، فيُقال: وما المانع أن يكون الله أعلَمُ مِن كلِّ عالِم؟ لكن لو قلت: الله عالِمٌ أتيت بلفظ لا يمنع المشاركة؛ لأنك تقول: الله عالِمٌ، وفلان عالِمٌ، وأيُّهما أبلغ في الوصف؛ أن تأتيَ بلفظٍ يمنعُ ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع» (3/ 257)، «الإنصاف» (3/ 408).

المشاركةَ وهو الأفضلية المطلقة، أو بلفظ لا يمنع المشاركة؟ الجواب: الأول هو الأفضل، والله يقول عن نفسه: الله أعلَمُ فكيف تقول: اللَّهُ عالِمٌ؟ هذا فيه شيء مِن نقص المعنى. إذاً؛ نقول: «الله أكبر» اسمُ تفضيلٍ على بابه، وحُذف المفضَّل عليه ليتناول كلَّ شيء، فهو أكبر مِن كلِّ شيء عزَّ وجلَّ وهكذا يُقال في «أَعْلم». مسألة: كيف النُّطقُ بهذه الكلمة؟ الجواب: قال العلماء: يُكره تمطيط التَّكبير (¬1)، حتى في النهوض من السُّجود إلى القيام مع طول النُّهوضِ، وحتى في الهويِّ إلى السُّجود مع طول ما بين القيامِ والسُّجودِ. قالوا: لأن هذا لم تَرِدْ به السُّنَّةُ، فيكون مكروهاً، هكذا نصَّ عليه الفقهاءُ رحمهم الله. ولكن؛ الظاهرُ ـ والله أعلم ـ أنَّ الأمرَ في هذا واسعٌ ما لم يُخِلَّ بالمعنى، ولكن ليس مدَّها بأفضل مِن قصرها كما يتوهَّمُه بعض الناس، فبعضُ النَّاسِ يقول: تجعل للرُّكوعِ هيئة في التكبير، وللسُّجودِ هيئة وللجلوس هيئة، وللتشهُّدِ هيئة، وبين السجدتين؛ لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة متحرِّكة، لأن المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف فإنه يتابع هذا التكبير، حتى ولو كان سارحَ القلبِ إن كبَّرتَ تكبيرةَ السُّجودِ سَجَدَ، وإن كبَّرتَ تكبيرةَ النُّهوضِ نَهَضَ، لكن إذا قصرت التَّكبير كلَّه؛ ولم تميِّز بين التكبيرات؛ صار المأمومُ قد أحضر قلبَه وفِكرَه، يُخشى أن يقومَ في موضع الجلوس، أو أن يجلس في موضع القيام، وأمَّا المسبوق فقد يلتبس عليه الأمر إذا لم تميِّز بين ¬

_ (¬1) انظر: «الرَّوض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 13).

رافعا يديه

التَّكبير. ولكن هذا محذورٌ يُمكن إزالتُه بأن يقال: إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يُنقل عنه أنه كان يفرِّقُ بين التَّكبيراتِ، بل إن ظاهر صنيعه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه لا يُفرِّقُ؛ لأنه لما صُنع له المنبر صَلَّى عليه وقال: «يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا بي؛ ولتعلموا صلاتي» (¬1)، فلو كان يخالفُ بين التَّكبير لكان النَّاسُ يأتمُّونَ به، ولو لم يكن على المنبر، ثم نقول: هذا المسبوقُ سيلي شخصاً آخر غير مسبوق فيقتدي به. وأهمُّ شيءٍ هو اتِّباعُ السُّنَّةِ مع حصول الفائدة في كون المأموم يُحضِر قلبَه حتى يعرف عدد الرَّكعات. وقال بعضُ الفقهاءِ: (¬2) يمدُّ التَّكبيرَ في الهويِّ إلى السُّجودِ، وفي القيامِ مِن السُّجودِ لطول ما بين الرُّكنين. ولكن لا دليل لذلك. رَافِعاً يَدَيْهِ ................. قوله: «رافعاً يديه». «رافعاً» حال من فاعل «يقول»، أي: حال مقارنة، يعني: حال القول يكون رافعاً يديه. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر (917)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة ... وجواز صلاة الإمام على موضع أرفع من المأمومين للحاجة كتعليمهم الصلاة أو غير ذلك (544) (44). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 192).

مضمومتي الأصابع ممدودة

ودليله: جاءت به السُّنَّةُ في عِدَّة أحاديث؛ كحديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يرفعُ يديه حذوَ مَنكبيه؛ إذا افتتح الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكوع، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع» (¬1). وصَحَّ عنه أيضاً أنه يرفعُ يديه إذا قام مِن الجلسة للتشهُّدِ الأول (¬2)، فهذه أربعة مواضع تُرفع فيها اليدان جاءت بها السُّنَّةُ، ولا تُرفع في غير هذه المواضع. مَضْمُومَتَي الأصابعِ مَمْدُودَةً .............. قوله: «مضمومتي الأصابع». يعني: يضمُّ بعضها إلى بعض، يعني: يرصُّ بعضها إلى بعض، وقال بعضُ العلماء: إنه ينشرها (¬3)، ولكن الصحيح ما ذكره المؤلِّفُ؛ لأنه الوارد عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «ممدودة» يعني: غير مقبوضة، والمدُّ: فتحها ضدُّ القبض، والقبض أن يضمَّ الأصابع إلى الراحة. وقد جاء هذا في «السُّنن» (¬4). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع (739)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، مع تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الرفع من الركوع (390) (21). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين (739). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 138). (¬4) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير (239)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا قام للصلاة رفع يده مداً». وخرّجه النسائي، كتاب الافتتاح، باب رفع اليدين مداً (884)؛ والحاكم (1/ 324) وصححه ووافقه الذهبي.

وقوله: «رافعاً يديه» لم يبيِّن المؤلِّفُ هل هذا عامٌّ للرِّجَال والنِّساءِ، أو خاصٌّ بالرِّجَال؟ ولكنه سيأتي إن شاء الله في آخر صفة الصلاة (¬1) أن المرأةَ كالرَّجُلِ، إلا أنها تسدل رجليها، وتضمُّ نفسَها، فلا تتجافى عند السُّجودِ، ولا ترفع يديها، فتخالفَ في هذه الأمور الثلاثة، وربما في أكثر كما سننظر إن شاء الله. ولكن الصَّحيحُ أنَّ ذلك عامٌّ في حقِّ الرَّجُل وحقِّ المرأة، وأنَّ المرأةَ ترفع يديها كما يَرفع الرَّجُل، فإذا قال قائل: فما الدَّليلُ على عموم هذا الحُكم للرِّجَال والنساء؟. قلنا: الدَّليلُ عَدَمَ الدَّليلِ على التخصيص، والأصل: أن ما ثَبَتَ في حقِّ الرِّجَال ثبت في حقِّ النساء، وما ثبت في حقِّ النساءِ ثَبَتَ في حقِّ الرِّجَال إلا بدليل، ولا دليلَ هنا على أن المرأةَ لا ترفعُ يديها، بل النصوص عامَّة، وقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (¬2)؛ الخطاب فيه للرِّجَال والنِّساءِ. فإنْ قال قائل: ما الحكمة مِن رَفْعِ اليدين؟. فالجواب على ذلك: أنَّ الحكمةَ في ذلك الاقتداءُ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو الذي يَسْلَم به المرءُ مِن أن يتجوَّل عقلُه هنا وهناك، ولهذا لما سُئلت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما بالُ الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنُؤمر بقضاء الصَّومِ، ولا نُؤمر بقضاءِ الصَّلاةِ» (¬3) ¬

_ (¬1) انظر: ص (217). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة (631). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة (321)؛ ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (335) (69).

حذو منكبيه

وإنَّما علَّلت بالنَّصِّ؛ لأن النَّصَّ غايةُ كلِّ مؤمن؛ كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. فالمؤمن إذا قيل له: هذا حكمُ اللَّهِ ورسولِه، وظيفتُه أن يقول: سمعنا وأطعنا. ومع ذلك يمكن أن نتأمَّلَ لعلنا نحصُلُ على حكمة مِن فِعْلِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم. ونقول: الحكمة في رَفْعِ اليدين تعظيم الله عزَّ وجلَّ، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي والتعبُّد لله بهما، فإن قولك: «اللَّهُ أكبرُ» لا شكَّ أنك لو استحضرت معنى هذا تماماً لغابت عنك الدُّنيا كلُّها؛ لأن الله أكبرُ مِن كلِّ شيء، وأنت الآن واقفٌ بين يدي مَنْ هو أكبر مِن كلِّ شيء. ثم إن بعض العلماء علَّل بتعليل آخر: أنه إشارة إلى رَفْعِ الحِجاب بينك وبين الله، والإِنسانُ عادة يرفع الأشياء بيديه ويعمل بيديه (¬1). وعلَّل بعضُهم بتعليل ثالث: وهو أنَّ ذلك مِن زينة الصَّلاةِ؛ لأنَّ الإِنسان إذا وَقَفَ وكبَّر بدون أن يتحرَّك لم تكن الصَّلاةُ على وَجْهٍ حَسَنٍ كامل، ولا مانع أن تكون كلُّ هذه مقصودة. حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ .......... قوله: «حذو منكبيه» أي: موازيهما. والمنكبان: هما الكتفان، فيكون منتهى الرَّفْعِ إلى الكتفين، فإذا قُدِّر أن في الإِنسان آفة تمنعه من رَفْعِ اليدين إلى المنكبين فماذا يصنع؟ ¬

_ (¬1) الإنصاف (3/ 421).

الجواب: يرفعُ إلى حيث يقدِرُ عليه؛ لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، كذلك إذا قُدِّرَ أنَّ في الإِنسان آفةً لا يستطيعُ أن يرفعهما إلى حَذوِ المنكبين، بل إلى أكثر مِن ذلك، كما لو كانت مرافقُه لا تنحني، بل هي واقفة، فهل يرفع؟ الجواب: يرفع، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وإذا كان لا يستطيع رَفْعَ واحدةٍ رَفَعَ الأُخرى للآية، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا كان واقفاً بعرفة فَسَقَطَ خِطامُ ناقتِه، وكان رافعاً يديه يدعو؛ أخذه بإحدى يديه، والأخرى مرفوعة يدعو اللهَ بها (¬1). وله أن يرفعهما إلى فُروع أُذنيه؛ لورود ذلك عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬2)، فتكون صفة الرَّفْعِ مِن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة. والعلماءُ ـ رحمهم الله ـ اختلفوا في العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة، هل الأفضل الاقتصار على واحدة منها، أو الأفضل فِعْلُ جميعها في أوقات شتَّى، أو الأفضل أنْ يجمعَ بين ما يمكن جَمْعُه (¬3)؟ والصَّحيح: القول الثاني الوسط، وهو أن ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 209)؛ والنسائي، كتاب المناسك، باب رفع اليدين في الدعاء بعرفة (5/ 254). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع (391) (25، 26). (¬3) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (22/ 335 ـ 337)، و «قواعد ابن رجب» ص (14).

العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة تُفعل مرَّة على وجهٍ، ومرَّة على الوجه الآخر، فهنا الرَّفْعُ وَرَدَ إلى حَذوِ منكبيه، ووَرَدَ إلى فُرُوع أُذنيه؛ وكُلٌّ سُنَّة، والأفضل أن تَفعلَ هذا مرَّة، وهذا مرَّة؛ ليتحقَّقَ فِعْلُ السُّنَّةِ على الوجهين، ولبقاء السُّنَّةِ حيَّة؛ لأنك لو أخذت بوجهٍ، وتركت الآخر مات الوجهُ الآخر، فلا يُمكن أن تبقى السُّنَّةُ حيَّة إلا إذا كُنَّا نعمل بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة، ولأن الإِنسان إذا عَمِلَ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة صار قلبُه حاضراً عند أداء السُّنَّة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائماً فإنه يكون فاعلاً له كفعل الآلة عادة، وهذا شيء مشاهد، ولهذا مَن لزم الاستفتاح بقوله: «سبحانك اللهمَّ وبحمدك» دائماً تجده مِن أول ما يُكبِّر يشرع «بسبحانك اللهم وبحمدك» مِن غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرَّة، والثاني مرَّة صار منتبهاً، ففي فِعْلِ العباداتِ الواردة على وجوهٍ متنوِّعة فوائد: 1 ـ اتِّباعُ السُّنَّة. 2 ـ إحياءُ السُّنَّة. 3 ـ حضورُ القلب. وربما يكون هناك فائدة رابعة: إذا كانت إحدى الصِّفات أقصرَ مِن الأخرى، كما في الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ؛ فإن الإِنسان أحياناً يحبُّ أن يُسرع في الانصراف؛ فيقتصر على «سبحان الله» عشر مرات، و «الحمد لله» عشر مرات، و «الله أكبر» عشر مرات، فيكون هنا فاعلاً للسُّنَّة قاضياً لحاجته، ولا حَرَجَ على الإِنسان أن يفعل ذلك مع قصد الحاجة، كما قال تعالى في الحُجَّاج: {لَيْسَ

كالسجود

عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]. وقال بعضُ العلماءِ: إلى فُروع الأذنين باعتبار أعلى الكفِّ، وإلى حَذوِ المنكبين باعتبار أسفله (¬1). ولكنَّا نقول: لا حاجة إلى هذا الجَمْعِ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ المراد الكفُّ نفسُه؛ لا أعلاه ولا أسفله؛ والظَّاهر أنَّ الأمر في هذا واسع؛ لتقارب الصِّفات بعضها مِن بعض. وقوله: «رافعاً يديه». الأحاديث الواردة في ابتداءِ رَفْعِ اليدين وَرَدَتْ أيضاً على وجوهٍ متعدِّدة؛ فبعضُها يدلُّ على أنه يرفع ثم يكبِّر (¬2)، وبعضها على أنه يكبِّر ثم يرفع (¬3)، وبعضها على أنه يرفع حين يكبِّر (¬4) يعني يكون ابتداء التَّكبير مع ابتداء الرَّفْعِ، وانتهاؤه مع انتهاء الرَّفْعِ، ثم يضع يديه. ونحن نقول: إن الأمرَ أيضاً في هذا واسع، يعني سواء رَفعتَ ثم كبَّرت، أو كبَّرت ثم رفعتَ، أو رَفعتَ مع التَّكبيرِ، فإنْ فعلتَ أيَّ صفة مِن هذه الصِّفات فأنت مصيبٌ للسُّنَّة. كَالسُّجُودِ ............. قوله: «كَالسُّجُودِ» أي: كما يفعل في السجود إذا سَجَدَ، فإنه يَجعلُ يديه حَذوَ منكبيه، وهذه إحدى الصفتين في السُّجودِ، وسيأتي إن شاء الله كيف تكون الذراعان. والصِّفة الأخرى: أن ¬

_ (¬1) انظر: «زاد المعاد» (1/ 202)، «الإنصاف» (3/ 420). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين (390) (22). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين (391) (25). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إلى أين يرفع يديه (738).

ويسمع الإمام من خلفه

يَسجدَ بين كفَّيه، لكن المؤلِّف ذكر هذا استطراداً؛ لأنه ليس هذا موضع ذِكُر اليدين في حال السُّجود. وَيُسْمِعُ الإِمَامُ مَنْ خَلْفَهُ ........... قوله: «ويسمع الإِمام من خلفه» أي: حسب ما تقتضيه الحال، إنْ كان مَن خلفَه واحداً فالصوت الخفي يكفي، وإنْ كان مَن خلفَه جمعاً فلا بُدَّ مِن رَفْعِ الصَّوت، وإذا كان لا يسمع صوته مَنْ وراءه استعان بمبلِّغٍ يُبلِّغُ عنه؛ كما فَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين جاء وأبو بكر رضي الله عنه يُصلِّي بالناس، وكان صلوات الله وسلامه عليه مريضاً لا يُسْمِعُ صوته المأمومين، فصلَّى أبو بكر رضي الله عنه عن يمينه؛ وجعل يبلِّغُ الناسَ تكبيرَ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، إذا كَبَّرَ الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بصوتٍ منخفضٍ كَبَّرَ أبو بكر بصوت مرتفع فسمعه الناسُ (¬1)، وهذا هو أصل التبليغ وراء الإِمام، فإن كان لا حاجة إلى المبلغ بأن كان صوت الإِمام يبلغ الناسَ مباشرة، أو بواسطة، فلا يُسنُّ أن يبلِّغ أحدٌ تكبيرَ الإِمام باتِّفاقِ المسلمين. وقول المؤلِّف: «ويُسمع الإِمامُ مَنْ خَلْفَه» هل هذا على سبيل الاستحباب، أو على سبيل الوجوب؟. المشهور مِن المذهب: أنه على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب (¬2)، وأن الإِمام له أن يكبِّر تكبيراً خفيًّا لا يُسْمَع، كما أن المنفرد والمأموم لا يرفعان الصوت؛ فللإِمام أن ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (687)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (411) (85). (¬2) انظر: «منتهى الإرادات» (1/ 206).

كقراءته في أولتي غير الظهرين

يفعل كذلك؛ فلا يرفع صوتَه، ولكن الأفضل أن يرفع صوتَه. وظاهر كلام المؤلِّفِ: أن هذا على سبيل الوجوب، لا على سبيل الاستحباب؛ لأنه قال: «وغَيْرُه نفسَه» وإسماع غير الإِمام نفسه واجب فيكون قوله: «ويُسمعُ الإِمامُ مَنْ خَلْفَه» واجباً. وظاهر كلام المؤلِّف: هو القول الصَّحيح؛ أنه يجب على الإِمامِ أن يُكبِّر تكبيراً مسموعاً يَسمعه مَنْ خلفَه: أولاً: لفعل النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنه لو كان الأمر غير واجب لم يكن هناك داعٍ إلى أن يُبلِّغ أبو بكر رضي الله عنه التَّكبيرَ لمَن خلفَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. ثانياً: لأنَّه لا يتمُّ اقتداء المأمومين بالإِمام إلا بسماع التكبير، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، ولو أن الإِمام إذا قام مِن السُّجودِ لم يرفع صوتَه بالتكبير فمتى يقوم النَّاسُ؟ لا يقومون إلا إذا شرع في الفاتحة وجَهَرَ بها، مع أن جَهْرَه بالفاتحة على سبيل الاستحباب، وليس في كُلِّ صلاة، ولا في كُلِّ ركعة؛ ما عدا الفجر. كَقِرَاءَتِهِ في أولتي غَيْر الظُّهْرَين، .......... قوله: «كقراءته في أولتي غير الظُّهَرين» أي: كما يسمع القراءة في أولتي غير الظُّهرين، وقوله: «أولتي» مثنَّى حُذفت النونُ للإِضافة؛ لأنه يُحذف التنوين والنون عند الإِضافة. والظُّهران: هما الظُّهر والعصر، وأُطلق عليهما اسمُ «الظُّهْرين» تغليباً، كما نقول: العشائين، والعُمَرَين، والقمرين. فيَجهر في كُلِّ ركعتين أوليين في غير الظُّهرين، ويشمَلُ المغربَ والعشاءَ والفجرَ، لكن الفجر ليس إلا ركعتين، ويشمَلُ الجُمعةَ،

وغيره نفسه

والعيدين، والاستسقاءَ، والتراويحَ، والوِترَ، والكسوفَ، وكُلُّ ما تُشرع فيه الجماعةُ، فإنه يُسنُّ أن يجهرَ بالقراءة، ما عدا الظُّهرين، فإذا قال قائل: صلاةُ الليلِ جهريَّة؛ وصلاةُ النَّهارِ سريَّة؛ لماذا؟ فالجواب: أن الليل تَقِلُّ فيه الوساوسُ، ويجتمعُ فيه القلبُ واللِّسانُ على القراءةِ، فيكون اجتماعُ النَّاسِ على صوتِ الإِمامِ وقراءتِهِ أبلغَ من تفرقهم، ولهذا لا يُشرع الجهر في النهار إلا في صلاة جامعة كصلاة الجُمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، لأنَّ النَّاسَ مجتمعون، ولا شَكَّ أن إنصاتهم على قراءةِ الإِمامِ تجعل قراءتهم قراءة واحدة؛ لأن المستمع كالقارئ، ولو كان الإِمام يُسِرُّ لكان كُلُّ واحد يقرأ لنفسه، فيكون الجهر أجمع على القراءة، بخلاف السِرِّ، هذا ما ظهر لي مِن الحكمة في الجهر في صلاة الجمعة والعيدين وشبههما، وكذلك في صلاة الليل. والله أعلم. وَغَيْرُهُ نَفْسَهُ ............. قوله: «وغيره نفسه». أي: ويُسمِعُ غيره، أي: غيرُ الإِمامِ نفسَه، وهو المأموم، والمنفرد يُسمعُ نفسَه، يعني: يتكلَّم وينطق بحيث يُسمعُ نفسَه، فإن أبان الحروفَ بدون أن يُسمعَ نفسَه لم تصحَّ قراءته، بل ولم يصحَّ تكبيره، ولو كبَّر وقال: «الله أكبر»، ولكن على وجه لا يُسمعُ نفسَه لم تنعقد صلاتُه؛ لأن التكبير لم يصحَّ، ولكن يُشترط لوجوب إسماعِ نفسِه أن لا يكون هناك مانع مِن الإسماعِ، فإن كان هناك مانع؛ سقط وجوبُ الإسماع؛ لوجود المانع، فلو كان يُصلِّي وحولَه أصواتٌ مرتفعة، فهذا لا يمكن أن يُسمعَ نفسَه إلا إذا رَفَعَ صوته كثيراً، فنقول: يكفي أن تنِطقَ بحيث

ثم يقبض كوع يسراه

تُسمعُ نفسَك لولا المانع. ولكن سبق لنا أنه لا دليلَ على اشتراطِ إسماعِ النَّفْسِ (¬1)، وأنَّ الصحيح أنه متى أبان الحروفَ فإنه يصحُّ التكبيرُ والقراءةُ، فكلُّ قولٍ فإنه لا يُشترط فيه إسماعُ النَّفْسِ. والغريب أنهم قالوا هنا رحمهم الله: يُشترط إسماعُ النَّفْسِ في التكبيرِ والقراءةِ، وقالوا فيما إذا قال الإِنسان لزوجته: أنت طالق، تَطْلُقُ، وإن لم يُسمع نفسَه، وكان مقتضى الأدلَّة أن تكون المعاملة بالأسهل في حقِّ الله، فكيف نعامله بحقِّ الله بالأشدِّ ونقول: لا بُدَّ أن تسمعَ نفسَك. وفي حقِّ الآدمي ـ ولا سيما الطلاق الذي أصله مكروه ـ نقول: يقع الطلاق وإن لم تُسمعْ نفسَك؟! ثَم يَقْبِضُ كُوعَ يُسْراه ............. قوله: «ثم يقبض كوع يُسراه» أي: بعد التكبيرِ ورَفْعِ اليدين يقبضُ كُوعَ يُسراه، وبعضُ الناس يقول: الله أكبر، ثم يرسل يديه، ثم يرفعهما ويقبضهما، وهذا ليس له أصل، بل مِن حين أن ينزلهما مِن الرَّفْعِ يقبض الكُوعَ. والكُوعُ: مفصل الكفِّ مِن الذِّراع، ويقابله الكُرسوع، وبينهما الرُّسغ. فالكُوعُ: العظم الذي يلي الإِبهام. والكُرسوع: هو الذي يلي الخنصر. والرسغ: هو الذي بينهما. وأنشدوا على ذلك: وعظمٌ يلي الإِبهامَ كوعٌ وما يلي لخنصره الكرسوعُ والرُّسغُ ما وسط وعظمٌ يلي إبهامِ رِجْلٍ ملقب ببُوعٍ فخذ بالعِلم واحْذرْ مِن الغلط ¬

_ (¬1) تقدم ص (20).

تحت سرته

ومراد المؤلِّف بقوله: «يقبض كُوعَ يسراه»: المفصل. فأفادنا المؤلِّف رحمه الله: أن السُّنَّةَ قَبْضُ الكُوعِ، ولكن وَرَدَت السُّنَّةُ بقَبْضِ الكوعِ (¬1)، ووَرَدَت السُّنَّةُ بوضع اليد على الذِّراع مِن غير قَبْضٍ (¬2)، إذاً؛ هاتان صفتان: الأُولى قَبْض، والثانية وَضْع. مسألة: نرى بعضَ النَّاس يقبض المرفق، فهل لهذا أصل؟ الجواب: ليس لهذا أصلٌ، وإنما يقبض الكُوعَ أو يضع يده على الذِّراع، ففي «صحيح البخاري» من حديث سهل بن سعد أنه قال: «كان النَّاسُ يؤمرون أن يضعَ الرَّجُلُ يدَه اليُمنى على ذِرِاعِهِ اليُسرى في الصَّلاةِ» (68). تَحْتَ سُرّتِهِ، ............ قوله: «تحت سرته» يعني يجعل اليدَ اليمنى واليسرى تحت السُّرَّة. وهذه الصفة ـ أعني: وَضْع اليدين تحت السُّرَّة ـ هي المشروعة على المشهور مِن المذهب (¬3)، وفيها حديث علي رضي الله عنه أنه قال: «مِن السُّنَّةِ وَضْعُ اليدِ اليُمنى على اليُسرى تحت السُّرَّةِ» (¬4). ¬

_ (¬1) أخرجه النسائي، كتاب الافتتاح، باب وضع اليمين على الشمال (2/ 125)؛ وأخرجه الدارقطني (2/ 286) عن وائل بن حُجْر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قَبضَ بيمينه على شماله، وأصله في مسلم (401). ورواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة (727). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (740). (¬3) «منتهى الإرادات» (1/ 207). (¬4) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، كتاب الصلاة، باب وضع اليمين على الشمال (3945)؛ والدارقطني (1/ 286)؛ والبيهقي (2/ 31)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (756)؛ وضعَّفه الإمام أحمد، والنووي في «المجموع» (3/ 313)؛ والزيلعي في «نصب الراية» (1/ 314)، وابن حَجَر في «الفتح» (2/ 186) وغيرهم.

وذهب بعضُ العلماء: إلى أنه يضعها فوق السُّرة، ونصَّ الإِمام أحمد على ذلك (¬1). وذهب آخرون مِن أهل العِلم: إلى أنه يضعهما على الصَّدرِ (¬2)، وهذا هو أقرب الأقوال، والوارد في ذلك فيه مقال، لكن حديث سهل بن سعد الذي في البخاري ظاهرُه يؤيِّد أنَّ الوَضْعَ يكون على الصَّدرِ، وأمثل الأحاديث الواردة على ما فيها من مقال حديث وائل بن حُجْر أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يضعُهما على صدرِه» (¬3). مسألة: نرى بعضَ النَّاسِ يضعُهما على جنبِه الأيسر، وإذا سألته لماذا؟ قال: لأنَّ هذا جانب القلب، وهذا تعليل عليل لما يلي: أولاً: لأنَّه في مقابل السُّنَّة، وكلُّ تعليلٍ في مقابلِ السُّنَّةِ فإنَّه مردودٌ على صاحبِه؛ لأنَّ السُّنَّةَ أحقُّ بالاتِّباعِ. وثانياً: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يُصلِّيَ الرَّجلُ متخصراً (¬4) أي: واضعاً يده على خاصرتِه، وهذا إن لم ينطبقْ عليه النَّهيُ فهو قريبٌ منه. ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 269)، «الإنصاف» (3/ 423). (¬2) «المجموع» (3/ 270)، «المغني» (2/ 141). (¬3) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (479)؛ والبيهقي (2/ 30)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (759). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب الخصر في الصلاة (1220)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهية الاختصار في الصلاة (545) (46).

وينظر مسجده

لهذا؛ إذا رأيتَ أحداً يفعل هكذا فانصحه، ثم إنَّ فيه شيئاً آخر، وهو أنَّ فيه إجحافاً؛ لعدم التوسُّط في البدن؛ لأنه فَضَّلَ جانب اليسار على جانب اليمين، فنقول: خيرُ الأمورِ الوسط، فَكُنْ بين اليمين وبين اليسار، وضَعْ اليدين على الصَّدرِ. وَيَنْظُرُ مَسْجِدَهُ، .......... قوله: «وينظر مسجده» أي: موضع سجوده، والضَّميرُ يعودُ على المُصلِّي، وهو شاملٌ للإِمام والمأموم والمنفرد؛ أنه ينظر موضعَ سجودِه، وعلى هذا كثير مِن أهلِ العلمِ (¬1)، واستدلُّوا بحديث رُويَ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا: «أنه كان ينظر إلى موضع سجودِه في حال صلاتهِ» (¬2)، وكذلك قالوا في تفسير قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ *} [المؤمنون] الخشوع: أن ينظر إلى موضع سجوده. وقال بعضُ العلماءِ: ينظرُ تلقاء وجهِهِ، إلا إذا كان جالساً، فإنَّه ينظر إلى يدِه حيث يُشير عند الدُّعاء (¬3). وفصل بعض العلماء بين الإِمام والمنفرد وبين المأموم فقال: إن المأموم ينظر إلى إمامه ليتحقق من متابعته (¬4)؛ ولهذا قال البراء بن عازب: «كان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إذا قال: سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِده، لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَه؛ حتى يقعَ النبي صلّى الله عليه وسلّم ساجداً، ثم ¬

_ (¬1) انظر: «المجموع» (3/ 270). (¬2) أخرجه الحاكم (1/ 479)؛ والبيهقي (5/ 158) عن عائشة أنه لما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الكعبة لم يخلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. (¬3) انظر: «الإنصاف» (3/ 424). (¬4) انظر: «نيل الأوطار» (1/ 749).

نقعُ سجوداً بعده» (¬1) قالوا: فهذا دليل على أنهم ينظرون إليه. واستدلُّوا أيضاً: بما جرى في صلاةِ الكسوفِ، حيث أخبرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الصحابةَ أنه عُرضت عليه الجنَّةُ، وعُرضت عليه النَّارُ (¬2)، وقال فيما عُرضت عليه الجنَّةُ: «حيث رأيتموني تقدَّمت»، وفيما عُرضت عليه النَّارُ قال: «فيما تأخَّرت» وهذا يدلُّ على أنَّ المأمومَ ينظر إلى إمامه. والأمر في هذا واسع، ينظر الإِنسان إلى ما هو أخشع له؛ إلا في الجلوس، فإنه يرمي ببصره إلى أصبعه حيث تكون الإِشارة كما وَرَدَ ذلك (¬3). واستثنى بعضُ أهلِ العِلمِ: فيما إذا كان في صلاة الخوف (¬4)، لقوله تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102] وبأن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعثَ عيناً يوم حُنين، فجعل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ينظر إلى ناحية الشِّعْبِ وهو يُصلِّي (¬5)؛ لينظر إلى هذا العين، والعين هو ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب متى يسجد من خلف الإمام (690)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب متابعة الإمام والعمل بعده (474) (198). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة (1052)؛ ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (904) (10). (¬3) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد (990)؛ والنسائي، كتاب السهو، باب موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة (3/ 39) (1274). وقال النَّووي: «فيه حديث صحيح في سنن أبي داود». «شرح مسلم» (5/ 81). (¬4) «الإنصاف» (3/ 424). (¬5) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرخصة في ذلك، النظر في الصلاة (916)؛ والحاكم (2/ 83)، والبيهقي (2/ 9، 348). قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي.

الجاسوس، ولأنَّ الإِنسان يحتاج إلى النَّظَرِ يميناً وشمالاً في حال الخوف، والعملُ ـ ولو كان كثيراً ـ في حال الخوف مغتفر، فكذلك عَمَلُ البصر، وهذا الاستثناء صحيحٌ. واستثنى بعضُ العلماءِ أيضاً: المُصلِّي، في المسجد الحرام وقالوا: ينبغي أن ينظر إلى الكعبة؛ لأنها قِبْلةُ المصلِّي، ولكن هذا القول ضعيف؛ فإن النَّظَرَ إلى الكعبة يشغل المُصلِّي بلا شَكٍّ؛ لأنه إذا نَظَرَ إلى الكعبة نَظَرَ إلى النَّاسِ وهم يطوفون فأشغلوه، والصَّحيح أنَّ المسجدَ الحرامَ كغيره؛ ينظر فيه المصلِّي إما إلى موضع سجودِه، أو إلى تلقاءِ وجهه. وأما النَّظَرُ إلى السَّماءِ فإنه محرَّم، بل مِن كبائر الذُّنوب؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَهى عن ذلك، واشتدَّ قوله فيه حتى قال: «لينتهينَّ ـ يعني الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ـ أو لتُخطفنَّ أبصارُهم» (¬1)، وفي لفظ: «أو لا ترجع إليهم» (¬2). وهذا وعيد، والوعيد لا يكون إلا على شيء مِن كبائر الذنوب، بل قال بعضُ العلماءِ: إن الإِنسان إذا رَفَعَ بصرَه إلى السماءِ وهو يُصلِّي بطلتْ صلاتهُ، واستدلُّوا لذلك بدليلين: الأول: أنَّه انصرفَ بوجهِه عن جهِة القِبْلةِ، لأنَّ الكعبةَ في الأرض، وليست في السَّماءِ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة (750)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة (428) (118). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة (428) (117).

الثاني: أنَّه فَعَلَ محرَّماً منهيًّا عنه في الصَّلاةِ بخصوصها، وفِعْلُ المحرَّمِ المنهيُّ عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانَها. ولكن؛ جمهورُ أهل العِلم على أنَّ صلاتَه لا تبطل برَفْعِ بصرِه إلى السَّماءِ، لكنَّه على القول الرَّاجح آثمٌ بلا شَكٍّ؛ لأن الوعيد لا يأتي على فِعْلِ مكروه فقط. إذاً؛ ينظرُ المصلِّي إما إلى تلقاء وجهه، وإما إلى موضعِ سجودِه في غير ما استُثنيَ. ولكن أيُّهما أرجح؟ الجواب: أن يختارَ ما هو أخشعُ لقلبِه؛ إلا في موضعين: في حال الخوف، وفيما إذا جَلَسَ، فإنه يرمي ببصره إلى موضع إشارته إلى أصبعه؛ كما جاءت به السُّنَّةُ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1). ومِن العجيب أن الذين قالوا: ينظر إلى الكعبة، علَّل بعضهم ذلك بأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التَّعليلُ يحتاجُ إلى دليلٍ، فمِن أين لنا أنَّ النَّظَرَ إلى الكعبة عبادةٌ؟ لأن إثبات أيِّ عبادةٍ لا أصل لها مِن الشرع فهو بدعة. مسألة: إغماض العينين في الصَّلاةِ. الصَّحيحُ أنَّه مكروهٌ؛ لأنه يُشبه فِعْلِ المجوس عند عبادتهم النيران، حيث يُغمضون أعينَهم. وقيل: إنه أيضاً مِن فِعْلِ اليهودِ، والتشبُّه بغير المسلمين أقلُّ أحواله التحريم، كما قال شيخ الإِسلام رحمه الله، فيكون إغماضُ البَصَرِ في الصَّلاةِ مكروهاً على أقل تقدير، إلا إذا كان هناك سبب مثل أن يكون حولَه ما يشغلُه لو فَتَحَ عينيه، فحينئذٍ يُغمِضُ تحاشياً لهذه المفسدة. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (39).

ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك»

فإِن قال قائل: أنا أجِدُ نفسي إذا أغمضت عينيَّ أخشعُ، فهل تُفْتُونَني بأن أُغمِضَ عينيَّ؟ الجواب: لا، لأن هذا الخشوعَ الذي يحصُلُ لك بفِعْلِ المكروه مِن الشيطان، فهو كخشوعِ الصوفية في أذكارهم التي يتعبَّدونَ بها وهي بدعة، والشيطان قد يبعد عن قلبك إذا أغمضت عينيك فلا يوسوس، من أجل أن يوقعك فيما هو مكروه، فنقول: افْتَحْ عينيك، وحاول أن تخشعَ في صلاتِك. أما أن تُغمِضَ عينيك بدون سببٍ لتخشعَ فلا؛ لأنَّ هذا مِن الشيطان. ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إلهَ غَيْرُكَ». قوله: «ثم يقول» أي: بعد ما سبق من التكبير ووضع اليدين وغير ذلك «سبحانك اللهم وبحمدك» وهذه جملة تتضمَّن التنزيه والإِثبات. تتضمَّن التنزيه في قوله: «سبحانك اللَّهُمَّ»، والإِثبات في قوله: «وبحمدِك» لأنَّ الحمدَ هو وَصْفُ المحمودِ بالكمالِ مع محبَّتِه وتعظيمِه، فتكون هاتان الجملتان جامعتين للتنزيه والإِثبات. وقوله: «سبحانك» اسمُ مصدر من سَبَّحَ يُسبِّحُ، والمصدر تَسْبيح، واسمُ المصدر سُبحان، دائماً منصوب على المفعولية المطلقة، محذوف العامل، مضاف. ففيه ثلاثة أشياء: أولاً: أنَّه منصوب على المفعولية المطلقة دائماً. والثاني: أنَّه محذوف العامل دائماً. والثالث: أنَّه مضاف دائماً. ومعناه: تنزيهاً لك يا ربِّ عن كُلِّ نَقْصٍ، والنَّقصُ إما أن

يكون في الصِّفاتِ، أو في مماثلة المخلوقات، فصفاتُه التي يتَّصف بها منزَّه فيها عن كُلِّ نقص، يتَّصف بالعِلمِ الكاملِ، وبالحياةِ الكاملةِ، وبالسَّمْعِ الكامل، وبالبصر الكامل ... وهكذا جميع الصفات التي يتَّصف بها هو فيها مُنزَّه عن النَّقْصِ، كذلك مُنزَّه عن أن يوصف بصفة نَقْصٍ محضة، مثل أن يوصف بالعجز، أو الظُّلم، أو ما أشبه ذلك. مُنزَّه عن مماثلة المخلوقات، ولو فيما هو كمال في المخلوقات فإن الله تعالى مُنزَّه عنه، فمُنزَّه عن أن تكون صفاتُه الخبريَّة كصفات المخلوقين، مثل: الوجه، واليدين، والقدم، والعينين، ومُنزَّه أن تكون صفاتُه الذاتية المعنوية كصفات المخلوقين، فعلمُه ليس كعِلْمِ المخلوق؛ لأنَّ عِلْمَ المخلوق كلُّه نَقْصٌ، نَقْصٌ في ابتدائِه؛ لأنَّه مسبوقٌ بجهلٍ، وفي غايته؛ لأنه ملحوق بالنسيان، وفي شُمولِه؛ لأنَّه قاصرٌ، حتى رُوحك التي بين جنبيك لا تعلم عنها شيئاً. كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *} [الإسراء] حتى ما تريد أن تفعله غداً لست على يقينٍ مِن أنْ تفعلَه، لكنك ترجو وتؤمِّل، وإلاّ فلا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غداً، إذاً؛ هذا نَقْصٌ عظيمٌ في العِلْمِ، أما الله عزَّ وجلَّ فإنَّه كاملُ العِلْمِ. كذلك أيضاً لا يماثل المخلوق في صفاته الفعلية، مثل: الاستواء على العرش، والنُّزول إلى السَّماءِ الدُّنيا، والمجيء إلى الفصل بين العباد، والرِّضى والغضب، وما أشبه ذلك، وإنْ وافقها في الاسم، فالاسمُ هو الاسمُ، ولكن المُسمَّى غير

المُسمَّى، فالصِّفةُ هي الصفة، ولكن الموصوف غير الموصوف؛ فلا تماثل بين الخالق والمخلوق. إذاً؛ يُنزَّه اللَّهُ عن ثلاثة أشياء: 1 ـ عن النَّقصِ في صفات الكمال. 2 ـ عن صفات النَّقصِ المجردة عن الكمال. 3 ـ عن مماثلة المخلوقين. وتمثيله بالمخلوقين نَقصٌ؛ لأنَّ تسويةَ الكاملِ بالنَّاقصِ تجعله ناقصاً قال الشاعر: ألم تَرَ أنَّ السَّيفَ ينقصُ قَدْرَه إذا قيل إنَّ السَّيفَ أمضى مِن العَصَا إذا قلت: عندي سيفٌ عظيم، ومَدحته مدحاً كثيراً، ثم قلت: هو أمضى مِن العصا؛ فإنه يهبط هبوطاً عظيماً، ولا ترى لهذا السَّيفِ قَدْراً؛ لأنك نفيت أن يكون مماثلاً للعصا، وسيفٌ يمكن أن يَتصوَّرَ الإِنسانُ مماثلته للعصا ناقصٌ لا ريب في ذلك. أما «الحمد» فهو: وصفُ المحمود بالكمال، الكمال الذَّاتي والفعلي، فالله سبحانه وتعالى كاملٌ في ذاته، ومِن لازمِ كمالِه في ذاتِه أن يكون كاملاً في صفاته. كذلك في فِعْلِه، فَفِعْلُه دائرٌ بين العدل والإِحسان؛ لا يمكن أن يظلم، بل إما أن يعامل عبادَه بالعدلِ، وإما أن يعاملَهم بالإِحسان، فالمسيءُ يعاملُه بالعدل كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] لا يمكن أن يزيد. والمحسن يعامله بالفضل كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] فَفِعْلُه عزَّ وجلَّ دائرٌ بين الأمرين، ومَن كان فِعْلُه دائراً بين هذين الأمرين: العدل والفضل، فلا

شَكَّ أنه محمودٌ على أفعالِه، كما هو محمودٌ على صفاته. إذاً؛ جمعتَ بين التَّنزيهِ والكمالِ في قولك: «سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك» فعلى هذا؛ فالواو تفيد معنى المعيَّة، يعني: ونزَّهتُك تنزيهاً مقروناً بالحمد. قوله: «وتبارك اسمك» «اسم» هنا مفرد، لكنه مضاف فيشمل كُلَّ اسمٍ مِن أسماءِ الله. وهل المراد بالاسم هنا المُسمَّى كما في قوله: «تباركت يا ذا الجلال والإِكرام» ويكون المراد بـ «تَباركَ اسمُكَ» أي: تباركتَ، كقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى] والمُسبَّح الله المُسَمَّى، أو أن المراد أنَّ اسمَ الله نفسَه كلَّه بَركة، وإذا كان اسم المُسمَّى بركة فالمُسمَّى أعظم بركة وأشدُّ وأَولى؟ الجواب: الثاني أظهر؛ لأننا نَسْلَم فيه مِن التجوُّز بالاسم عن المُسمَّى، ولأنه يلزم منه تبارك المُسمَّى. أمثلة مِن بَرَكة اسمِ الله: لو ذبحتَ ذبيحةً بدون تسميةٍ؛ لكانت ميتةً نجسةً حراماً، ولو سمَّيت اللَّهَ عليها لكانت ذكيةً طيبةً حلالاً. وأيضاً: إذا سمَّيتَ على الطَّعام لم يشاركك الشيطانُ فيه، وإن لم تسمِّ شاركك. وإذا سمَّيت على الوُضُوء ـ على قول مَن يرى وجوبَ التَّسمية ـ صَحَّ وضوؤك، وإن لم تسمِّ لم يصحَّ وضوؤك. وعلى قول مَن يرى استحبابها يكون وضوؤك أكمل مما لو لم تسمِّ، فهذه مِن بركة اسمِ الله عزَّ وجلَّ.

قوله: «وتعالى جدُّك» «تعالى» أي: ارتفعَ ارتفاعاً معنوياً، والجَدُّ: بمعنى العظمة، يعني: أنَّ عظمتَك عظمة عظيمة عالية؛ لا يساميها أي عظمة مِن عظمة البشر، بل مِن عظمة المخلوقين كلهم. قوله: «ولا إله غيرك» هذه هي كلمةُ التوحيدِ التي أُرسل بها جميعُ الرُّسل كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء] وكما قال صلّى الله عليه وسلّم: «ومَن كان آخرُ كلامِه مِن الدُّنيا لا إله إلا الله دَخَلَ الجنَّةَ» (¬1) فهي أفضلُ الذِّكرِ، ومعناها: لا معبودَ حقٌّ إلا الله. فـ «إله»: بمعنى مألوه، وهو اسمٌ، «لا»: النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حقّ، «إلا الله»: «إلا» أداة استثناء، و «الله» بدل مِن الخبر المحذوف، هذا أصحُّ ما قيل في معناها وفي إعرابها. إذاً معناها: لا معبودَ حقٌّ إلا الله، فهل هناك معبودٌ باطلٌ؟ الجواب: نعم، هناك معبودٌ باطلٌ وهو مَنْ سِوى الله؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62]. وهذه الآلهة وإن سُمِّيت آلهة فما هي إلا أسماء لا حقيقة لها، فهي باطلة كما قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23]. وهذه الكلمة لها مقتضى، فمقتضاها التسليم التام لله عزَّ وجلَّ؛ لأن العبادة مأخوذة من الذُّلِّ، ومنه: طريق معبَّد، أي: مذلَّل ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 233، 247)؛ وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في التلقين (3116)؛ والحاكم (1/ 351) وصحَّحه ووافقه الذهبي.

مُسهَّل. فمقتضى هذه الكلمةِ العظيمةِ الاستسلامُ لله تعالى ظاهراً وباطناً، فأنت إذا قلتها تخبر خبراً تنطِقُه بلسانك، وتعتقدُه بجَنَانك بأنَّ اللَّهَ هو المعبودُ حقًّا، وما سواه فهو باطل، ثم تأمَّل كيف جاءت هذه الكلمةُ التي فيها توحيد الله بألوهيَّته بعد الثناء عليه؛ ليكون توحيده بالألوهية مبنيًّا على كماله. «سبحانك اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ، وتباركَ اسمُكَ، وتعالى جَدُّكَ» كُلُّ هذا ثناءٌ على الله بالكمال، ثم قال: «ولا إله غيرُكَ» فيكون هذا السَّابق كالسبب المبني عليه اللاحق، يعني: أنه لكمال صفاتِك لا معبودَ حقٌّ إلا أنت، ولا إلهَ غيرُك. هذا هو دعاء الاستفتاح، وكان عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه يستفتحُ به، رواه مسلم بسند فيه انقطاع (¬1)؛ لكن وصله البيهقيُّ (¬2). وعُمرُ أحدُ الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتِّباعهم. وقد رُويَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مرفوعاً (¬3). هل هناك دعاءٌ آخر يُستفتح به؟ الجواب: نعم؛ فيه أنواع ـ ولشيخ الإِسلام ابن تيمية رسالة في أنواع الاستفتاحات (¬4) ـ منها ما ثَبَتَ في «الصَّحيحين» من ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (399) (52). (¬2) البيهقي (2/ 34). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (3/ 50)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك (775، 776)؛ والدارقطني (1/ 298)؛ والحاكم (1/ 235)؛ والبيهقي (2/ 34)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة (243). (¬4) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (22/ 376 ـ 403).

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا كبَّرَ للصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيتَ سكوتَك بين التكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: أقول: «اللَّهُمَّ بَاعدْ بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ نقِّني مِن خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنسِ، اللَّهُمَّ اغسلني مِن خَطَايَاي بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ» (¬1). وهذا أصحُّ من الحديث الذي فيه الاستفتاح بـ «سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك ... »، وكلٌّ مِن النوعين جائزٌ وسُنَّةٌ، وينبغي للإِنسان أن يستفتحَ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة؛ ليأتي بالسُّنَنِ كلِّها، وليكون ذلك إحياءً للسُّنَّة. ولأنه أحضرُ للقلب؛ لأن الإِنسان إذا التزم شيئاً معيَّناً صار عادةً له، حتى إنه لو كَبَّر تكبيرةَ الإِحرام وغَفَلَ ومِن عادته أن يستفتح بـ «سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك» يَجِدُ نفسَه قد شَرَعَ فيه بدون قصد. شرح الاستفتاح الوارد في حديث أبي هريرة: «اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خَطاياي ... ». ثَبَتَ في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا كَبَّرَ للصلاة سكت هُنيَّةً» ومِن حِرْصِ أبي هريرة رضي الله عنه على العِلم بشهادةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم له حين قال له: يا رسول الله، مَنْ أسعدُ النَّاسِ بشفاعتِكَ يومَ القيامةِ؟ قال: «لقد ظَنَنتُ ـ يا أبا هريرة ـ أن لا يسألَنِي عن هذا الحديث أحدٌ أوَّلُ منك، لِمَا رأيتُ مِن حرصِك على الحديثِ. ثم قال: أسعدُ النَّاسِ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير (744)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب ما يقول بين تكبيرة الإحرام والقراءة (598) (147).

بشفاعتِي يومَ القيامةِ: مَنْ قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه» (¬1). أنه لما رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يسكتُ بين التكبيرِ والقراءة، عَلِمَ أنه لا بُدَّ أن يقول شيئاً، لأنَّ الصلاة ليس فيها سكوتٌ مطلقٌ فقال: «أرأيتَ سكوتَك بين التكبير والقراءةِ؛ ما تقولُ؟» وكلمة «ما تقول» تدلُّ على أنه يعتقد أنه يقول شيئاً؛ لأنه لم يقل: هل أنت ساكتٌ؟ قال: أقول: «اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خَطَايَاي كما باعدت بين المشرق والمغرب» ومعناه: أنه سأل الله أن يُباعد بينه وبين خطاياه؛ كما باعَدَ بين المشرقِ والمغربِ، والمباعدة بين المشرق والمغرب هو غاية ما يبالغ فيه النَّاسُ، فالنَّاسُ يبالغون في الشيئين المتباعدين إمَّا بما بين السماء والأرض، وإما بما بين المشرقِ والمغربِ، ومعنى «باعِدْ بيني وبين خَطَاياي» أي: باعِدْ بيني وبين فِعلِها بحيث لا أَفْعَلُها، وباعِدْ بيني وبين عقوبِتها. وقوله: «اللَّهُمَّ نقِّني مِن خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنس»، هذه الجملةُ تدلُّ على أنَّ المرادَ بذلك الخطايا التي وقعت منه، لأنه قال: «نقِّني منها كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنس». أي: كما يُغسل الثوبُ الأبيضُ إذا أصابه الدَّنس فيرجع أبيض، وإنما ذَكَرَ الأبيضَ؛ لأن الأبيض هو أشدُّ ما يؤثِّر فيه الوسخ؛ بخلاف الأسود، ولهذا في أيام الشتاء الثياب السوداء تبقى شهراً أو أكثر، لكن الأبيض لا يبقى أسبوعاً إلا وقد تدنَّسَ، فلهذا قال: «كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنَسِ» وهذا ظاهرٌ أنه في الذُّنوب التي فَعَلَهَا يُنقَّى منها، وبعد التنقية ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار (6570).

قال: «اللَّهُمَّ اغسلْنِي مِن خطاياي بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ». إذاً؛ فالذي يظهر: أنَّ الجملةَ الأُولى في المباعدة، أي: أن لا أفعلَ الخطايا، ثم إن فَعلتُها فنقِّني منها، ثم أزِلْ آثارَها بزيادة التطهير بالماء والثَّلجِ والبَرَدِ، فالماء لا شَكَّ أنه مطهِّرٌ، لكن الثَّلجُ والبَرَدُ مناسبته هنا أنَّ الذُّنوب آثارها العذابُ بالنَّارِ، والنَّارُ حارَّة، والحرارةُ يناسبها في التنقية منها الشيء البارد، فالماء فيه التنظيف، والثَّلجُ والبَرَدُ فيهما التبريدُ. هذا هو معنى حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبقي أن يُقال: هل الخطأ يقع مِن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؟ الجواب: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ اغسلْنِي مِن خطاياي» فأضاف الخطايا إلى نفسِه، وكان يقول: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّهُ، وأوَّلَه وآخره، وعَلانيته وسِرَّه» (¬1) وقال الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] وقال الله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] ولكن الشأن كلُّ الشأن هل الذُّنوب هذه تبقى أم لا؟ الجواب: لا، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم معصومٌ مِن الإِقرارِ على الذَّنبِ، ومغفورٌ له، بخلاف غيره، فإنه يذنب، وقد يُقَرُّ على ذلك ويستمرُّ في معصيته، وقد لا يُغفر له، أما النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فلا بُدَّ أن يُنبَّه عليه مهما كان الأمر: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [التحريم]. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول في الركوع والسجود (483) (216).

هذا هو فَصْلُ الخطاب في هذه المسألة التي تنازعَ النَّاسُ فيها، لكن هناك مِن الذنوب ذَنْبٌ لا شَكَّ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم معصومٌ منه، وهو الكذبُ والخيانة؛ لأنه لو قيل بجواز ذلك عليه؛ لكان في ذلك قَدْحٌ في رسالته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلا يمكن أن يقعَ منه. كذلك أيضاً معصوم مما يُخلُّ بأصل العبادة وأصلِ الأخلاق، كالشِّركِ، وكسفاسف الأخلاق مثل الزِّنا وشبهه، لكن الخطايا التي بينه وبين ربِّه هذه قد تقعُ منه ولكنها خطايا صغيرة تُكَفَّر، وقد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخَّر. قلتُ: ذلك؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن كلَّ شيء وَصَفَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم نفسَه به من الذُّنوبِ فالمراد ذنوبُ أُمَّتِه؛ لا ذنبه هو؛ لأنه هو لا يُذنب، وكلُّ خطيئة أضافها لنفسه فالمراد خطايا أُمَّتِه، ولا شَكَّ أن هذا قول فيه ضعف؛ لأن الله قال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [محمد: 19] فإن العطف يقتضي المغايرة، وليس في ذلك أيُّ قَدْح في أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقعُ منه الذُّنوب الصغيرة، ولكنه لا يُقَرُّ عليها، ثم هو مغفورٌ له، وما أكثر ما يكون الإِنسان منَّا بعد المعصية خيراً منه قبلها، وفي كثير من الأحيان يخطئ الإِنسان ويقع في معصية، ثم يَجدُ مِن قلبِه انكساراً بين يدي الله عزّ وجل وإنابةً إلى الله، وتوبةً إليه حتى إن ذَنْبَه يكون دائماً بين عينيه يندم عليه ويستغفر، وقد يرى الإِنسانُ نفسَه أنه مطيع، وأنه من أهل الطاعة فيصير عنده من العُجب والغرور وعدم الإِنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه، فالله عزّ وجل حكيم قد يبتلي الإِنسان بالذنب ليُصلح حالَه، كما يبتلي الإِنسانَ بالجوع

لتستقيم صحَّته. وهل حصل لآدم الاجتباء إلا بعد المعصية والتوبة منها. كما قال: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 122] أي: بعد أن أذنبَ وتابَ؛ اجتباه ربُّه فتاب عليه وهداه، وانظر إلى الذين تخلَّفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم؟ لا شَكَّ أنه حصل لهم من الإِيمان، ورِفْعَةِ الدرجات، وعلوِّ المنزلة ما لم يكن قبل ذلك، وهل يمكن أن تنزل آيات تُتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنهم حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله؟ والمُهمُّ أن الإِنسان لا يُعصم مِن الخطأ، ولكن الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ معصومون مما أشرنا إليه، ومعصومون مِن الإِقرار على الصغائر، بل لا بُدَّ أن يتوبوا منها. مسألة: هل يجمع بين أنواع الاستفتاح؟ الجواب: لا يجمع بينها، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أجاب أبا هريرة رضي الله عنه حين سأله بأنه يقول: «اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي» ... إلخ. ولم يذكر «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِك» فدلَّ على أنه لا يجمع بينها. فهذان نوعان من الاستفتاحات، وبقيت أنواعٌ أُخرى بعضُها في صلاة الليل خاصَّة، فليُرجع إليها في المطوَّلات. مسألة: هل يستفتح في صلاة الجنازة؟ فيه خلاف (¬1): قال بعض العلماء: يَستفتح، لأنها صلاة، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَستفتح في الصَّلاةِ. ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 275).

ثم يستعيذ

والمشهور من المذهب: (¬1) أنه لا يَستفتح؛ لأنها مبنيَّة على التَّخفيف، فلا ركوع فيها، ولا سجود، ولا تشهُّد؛ مما يدلُّ على أن الشارع لاحَظَ فيها التخفيفَ؛ وهذا أقربُ. ثمَّ يَسْتَعِيذُ، .......... قوله: «ثم يستعيذ»، أي: يقول: أعوذُ بالله مِن الشيطان الرجيم وإن شاء قال: «أعوذُ باللَّهِ السميعِ العليمِ من الشيطانِ الرَّجيمِ؛ من همزه ونفخِه ونفثِه» (¬2) وإن شاء قال: «أعوذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ» (¬3) والاستعاذةُ للقراءة، وليست للصَّلاةِ، إذ لو كانت للصَّلاةِ لكانت تلي تكبيرةَ الإِحرامِ، أو قبل تكبيرة الإِحرامِ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} [النحل]. فأمر اللَّهُ بالاستعاذة مِن الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن. وفائدةُ الاستعاذة: ليكون الشيطانُ بعيداً عن قلب المرءِ، وهو يتلو كتابَ الله حتى يحصُل له بذلك تدبّرُ القرآن وتفهّمُ معانيه، والانتفاعُ به؛ لأن هناك فَرْقاً بين أن تقرأ القرآنَ وقلبُك حاضرٌ وبين أن تقرأ وقلبُك لاهٍ. إذا قرأته وقلبُك حاضرٌ حصل لك من معرفة المعاني والانتفاعِ بالقرآن ما لم يحصُلْ لك إذا قرأته وأنت غافل، وجرّبْ تجدْ. ¬

_ (¬1) «منتهى الإرادات» (1/ 409). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (3/ 50)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك (775)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة (242) وقال: أشهر حديث في الباب. (¬3) «المغني» لابن قدامة (2/ 145).

فلهذا شُرع تقديمُ الاستعاذة على القِراءة في الصَّلاةِ وخارج الصلاة. بل قال بعض العلماء (¬1): بوجوب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءة القرآن لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} [النحل]. ومعنى: «أعوذ بالله» أي: ألتجئ وأعتصم به؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الملاذُ وهو المعاذُ، فما الفَرْق بين المعاذ والملاذ؟ قال العلماء: الفَرْق بينهما: أن اللِّياذ لطلب الخير، والعياذ للفرار من الشرِّ، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر: يا مَنْ ألُوذُ به فيما أُؤَمِّلُهُ ومَنْ أعُوذُ به مِمَّا أُحاذِرُهُ لا يَجْبُرُ النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُ ولا يَهيضُونَ عظماً أنت جَابِرُهُ ومعنى: «مِن الشيطان الرجيم» الشيطان: اسمُ جنْسٍ يشمَلُ الشيطان الأول الذي أُمِرَ بالسُّجود لآدم فلم يسجدْ، ويشمَلُ ذُرِّيَّته، وهو مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ؛ لبعده من رحمة الله، فإن الله لَعَنَهُ، أي: طَرَدَه وأبعدَه عن رحمته. أو مِن شَاطَ إذا غَضِبَ؛ لأنَّ طبيعته الطَّيشُ والغضبُ والتسرُّعُ، ولهذا لم يتقبَّل أمْرَ الله سبحانه وتعالى بالسُّجودِ لآدم، بل ردَّه فوراً، وأنكرَ السُّجودَ له وقال: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [الإسراء: 61]، والمعنى الأول هو الأقربُ، ولذلك لم يُمنعْ من الصَّرْفِ؛ لأنَّ النون فيه أصليّة. وأما الرجيم: فهو بمعنى: راجم، وبمعنى: مرجوم؛ لأن ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 283).

ثم يبسمل

فَعيلاً تأتي بمعنى: فاعل، وبمعنى: مفعول، فمِن إتيانها بمعنى فاعل: سميع، وبصير، وعليم، والأمثلة كثيرة. ومِن إتيانها بمعنى مفعول: جَريح، وقَتيل، وكسير، وما أشبه ذلك. فالشيطانُ رجيمٌ بالمعنيين، فهو مرجوم بلعنة الله ـ والعياذُ بالله ـ وطَرْدِه وإبعادِه عن رحمته، وهو راجم غيره بالمعاصي، فإن الشياطين تَؤزُّ أهلَ المعاصي إلى المعاصي أزًّا. ثُمَّ يُبَسْمِلُ ........... قوله: «ثم يُبسمل» أي: يقول: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} وأتى المؤلِّف مِن كلِّ كلمة بحرفٍ، أتى بالباء، والسين، والميم، واللام، ويُسمَّى هذا التَّصرُّفُ عند علماء النحو بـ «النَّحْت» لأن الإِنسان ينحِتُ الكلمات حتى استخلص هذه الكلمة. والبسملة تتضمَّن: جاراً ومجروراً، وصفة وموصوفاً. فالجار هو: الباء، والمجرور هو: اسم. والصفة: الرحمن الرحيم، والموصوف: الله، ومضافاً ومضافاً إليه، «اسم» مضاف إلى لفظ الجلالة. هذه البسملة لا بُدَّ أن تكون متعلِّقة بشيء؛ لأن كُلَّ حرف جرٍّ لا بُدَّ أن يتعلَّق بشيء؛ كما قال ناظم قواعد الإعراب: لا بُدَّ للجار مِن التَّعلُّقِ بفعلٍ أو معناه نحو مرتقي واستثنِ كلَّ زائد له عَمَل كالبا ومِن والكاف أيضاً ولعل فهنا الباء لا بُدَّ أن تُعلَّق بشيء، وأحسن ما قيل في متعلقها: أنه فِعْلٌ مؤخَّرٌ مناسب للمقام، فإذا كنت تسمِّي على قراءة فالتقدير: بسم الله أقرأ، وإذا كنت تُسمِّي على أكل فالتقدير: بسم الله آكل، وعلى شُرْب: بسم الله أشربُ، وعلى وُضُوء: بسم الله أتوضَّأ، وهكذا.

وهنا نقرأُ البسملةَ لنقرأ الفاتحةَ، فيكون التقدير فيها: بسم الله أقرأ. وقلنا: بأن متعلَّقها فِعْل؛ لأن الأفعال هي الأصل في العمل. وقلنا: محذوف، تبرُّكاً بالاقتصار على اسمِ الله عزَّ وجلَّ، ولكثرة الاستعمال. وقلنا: متأخِّر؛ لأن في تقديره متأخِّراً فائدتين: 1 ـ التبرك بتقديم اسم الله عزَّ وجلَّ. 2 ـ الحصر؛ لأن تقديمَ المعمولِ يفيدُ الحصرَ. وقدَّرناه مناسباً للمقام؛ لأنه أدلُّ على مقصود المُبَسْمِل، فإنك إذا قلت: بسم الله، وأنت تريد القراءة، فالتقدير بسم الله أقرأ، وهذا أخصُّ مما لو قلت: التقدير: بسم الله أبتدئُ؛ لأن القراءة أخصُّ من مطلق الابتداء. وأما «الله» فهو عَلَمٌ على الرَّبِّ عزّ وجل، وأصلُه: الإله، لكن حُذفت الهمزةُ تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، و «إله» بمعنى: مألوه، والمألوه: هو المعبود محبَّة وتعظيماً. وأما «الرحمن»: فهو اسمٌ مِن أسماء الله، وهو من حيثُ الإِعرابُ صفة، وهو ذو الرحمة الواسعة الواصلة لجميع الخلق. «والرحيم» فعيل مِن الرحمة أيضاً، لكن رُوعِيَ فيها الفعلُ دون الصفة؛ لأن الرحمة وصف، والفعل إيصال الرحمة إلى المرحوم.

سرا وليست من الفاتحة

سِرًّا وَلَيْسَتْ مِنَ الفَاتِحَةِ ........... قوله: «سِرًّا»، أي: يُبسمِلُ سِرًّا، يعني: إذا كانت الصَّلاةُ جهريَّة. أما إذا كانت الصلاة سِرِّية فإنه سوف يُسرُّ بالبسملة وبالقراءة، فقوله: «سِرًّا» يعني: أنه لا يسمعها المأمومين، وإن كان يجهر بالقراءة؛ وذلك لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تدلُّ على أنه كان يقرؤها سِرًّا (¬1). بل قد قيل: إنَّ كُلَّ حديث ذُكر فيه الجهرُ بالبسملة فهو ضعيف (¬2). قوله: «وليست من الفاتحة» الضَّميرُ يعودُ على البسملة، بل هي آيةٌ مستقلِّة يُفتتح بها كلُّ سورة مِن القرآن؛ ما عدا براءة، فإنه ليس فيها بسملة اجتهاداً من الصحابة، لكنه اجتهاد ـ بلا شك ـ مستندٌ إلى توقيف؛ لأننا نعلم أنه لو نزلت البسملة بين الأنفال وبراءة لوجب بقاؤها؛ لأن الله يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحجر: 9] فلمَّا لم يكن، عُلِمَ أن اجتهاد الصَّحابة كان موافقاً للواقع. والدليل على أنها ليست من الفاتحة ما ثبت في «الصحيح» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، قال اللَّهُ تعالى: حَمَدَني عبدي ... » (¬3) الحديث. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير (743)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (399) (50). (¬2) انظر: «المغني» لابن قدامة (2/ 149)، و «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (22/ 275). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (395) (38).

فإن قيل: إذا لم تكن مِن الفاتحة؛ فإنه مِن المعلوم أنَّ الفاتحةَ سبعُ آيات، فكيف تُوزَّع السَّبع الآيات على الفاتحة إذا أخرجنا البسملةَ منها؟ فالجواب: أنها توزَّع كالآتي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} الأولى. {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} الثانية. {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *} الثالثة. {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} الرابعة. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *} الخامسة. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} السادسة. {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} السابعة. هذا التَّوزيعُ هو المطابق للمعنى واللَّفظِ. أما مطابقته للَّفظ: فإننا إذا وزَّعنا الفاتحةَ على هذا الوجه صارت الآيات متناسبة ومتقاربة. لكن إذا قلنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *} هذه الآية السادسة. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ *} صارت السابعة طويلة لا تتناسب مع الآية السَّابقة، فهذا تناسبٌ لفظي. وأما التَّناسبُ المعنوي: فإن الله تعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سألَ. فإذا قال العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} قال الله تعالى: حَمَدني عبدي. وإذا

قال: {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} قال: أثنى عَليَّ عبدي. وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}، قال: مجَّدَني عبدي. فهذه ثلاث آيات كلُّها لله. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» (¬1). فيقتضي أن تكون النِّصفُ هي: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}، وهي الرابعة. والخامسة، والسادسة والسابعة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ *} فتكون الآيات الثلاث الأولى لله تعالى، والآيات الثلاث الأخيرة للعبد و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} الآية الوسطى، بين العبد وبين ربِّه. فإن قال قائل: إذا قلتم ذلك فكيف الجواب عمَّا نجدُه في المصاحف: أن أول آية في الفاتحة هي البسملة؟ فالجواب: هذا الترقيم على قول بعض أهل العلم (¬2): أنَّ البسملة آية من الفاتحة. ولهذا في بقية السُّور لا تُعدُّ مِن آياتها ولا تُرقَّم. والصَّحيحُ أنها ليست مِن الفاتحة، ولا مِن غير الفاتحة، بل هي آية مستقلَّة. إذا قال قائل: قلتم: إن البسملة آية مستقلَّة. ونحن وجدناها في كتاب الله آية ضمن آية في قوله: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *} [النمل] قلنا: هذه حكاية وخبر عن كتابٍ صَدَرَ مِن سُليمان، وليس الإِنسان يقرؤها على أنه سيبتدئ بها في ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (57). (¬2) «المغني» (2/ 151)، «الإنصاف» (3/ 431).

ثم يقرأ الفاتحة

مقدمة قراءته للسُّورة، لكنها مقدِّمة كتاب كَتَبَهُ سُليمان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَقَلَهُ لنا اللَّهُ عزّ وجل، فليس من هذا الباب. ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحةَ ............. قوله: «ثم يقرأ الفاتحة». «أل» هذه للعموم، يعني: يقرؤها كاملة مرتَّبة بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها، فلو قرأ ستَّ آيات منها فقط لم تصحَّ، ولو قرأ سبع آيات؛ لكن أسقط «الضَّالين» لم تصحَّ، ولو قرأ كلَّ الآيات، ولم يسقط شيئاً من الكلمات؛ لكن أسقط حرفاً مثل أن يقول: {صراط الذين أنعم عليهم} فأسقط «التاء» لم تصحَّ، ولو أخلف الحركات فإنها لا تصحُّ؛ إنْ كان اللَّحنُ يُحيل المعنى؛ وإلا صحَّت، ولكنه لا يجوز أن يتعمَّد اللَّحنَ. مثال الذي يُحيل المعنى: أن يقول: «أَهْدِنَا» بفتح الهمزة: لأن المعنى يختلف؛ لأن معناه يكون مع فتح الهمزة أعطنا إيَّاه هدية، لكن {اهْدِنَا} بهمزة الوصل بمعنى: دُلَّنا عليه، ووفِّقْنَا له، وَثَبِّتْنَا عليه. ولو قال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لم تصحَّ؛ لأنه يختلف المعنى، يكون الإِنعامُ مِن القارئ، وليس مِن الله عزّ وجل. ومثال الذي لا يُحيل المعنى: أن يقول: «الحمدِ لله» بكسر الدال بدل ضمِّها. ولو قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ} بدون تشديد الباء لم تصحَّ؛ لأنه أسقط حرفاً؛ لأن الحرف المشدَّد عبارة عن حرفين. إذاً؛ لا بُدَّ أن يقرأها تامَّة، بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها، فإن ترك آية، أو حرفاً، أو حركة تُخِلُّ بالمعنى لم تصحَّ.

وقوله: «ثم يقرأ الفاتحة» أي: بعد البسملة يقرأ الفاتحة، و «ثم» هنا لا يُراد بها الترتيب والتراخي، بل هي لمجرد الترتيب؛ لأنه لا تراخي بين البسملة وقراءة الفاتحة، بل يُبسملُ ثم يَشرعُ في الفاتحة فَوراً. وقوله: «يقرأ الفاتحة» وهي معروفة، وهي أعظم سورة في كتاب الله، وسُمِّيت «فاتحة» لأنه افتُتِحَ بها المُصحفُ في الكتابة. ولأنها تُفتتحُ بها الصَّلاةُ في القراءة، وليست يُفتتح بها كلُّ شيء؛ كما يصنعه بعض الناس اليوم إذا أرادوا أن يشرعوا في شيء قرأوا الفاتحة، أو أرادوا أن يترحَّمُوا على شخص قالوا: «الفاتحة» يعني: اقرؤوا له الفاتحة، فإن هذا لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم. والفاتحةُ هي أمُّ القرآن؛ وذلك لأن جميعَ مقاصدِ القرآن موجودةٌ فيها، فهي مشتملة على التوحيد بأنواعه الثلاثة، وعلى الرسالة، وعلى اليوم الآخر، وعلى طُرق الرُّسل ومخالفيهم، وجميعُ ما يتعلَّق بأصول الشَّرائع موجودٌ في هذه السُّورة، ولهذا تُسمَّى «أمُّ القرآن» (¬1) وتُسمَّى «السَّبْعُ المثاني» كما صحَّ ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (¬2). وقد خصَّها الله بالذِّكْرِ في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ *} [الحجر] وعَطْفُ ¬

_ (¬1) 4704)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (394) (36). (¬2) 4704).

فإن قطعها بذكر، أو سكوت غير مشروعين، وطال

«القرآن العظيم» عليها من باب عَطْفِ العام على الخاص. والفاتحة رُكْنٌ مِن أركان الصَّلاةِ، وشرطٌ لصحَّتها، فلا تصحُّ الصَّلاةُ بدونها؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ» (¬1) وسيأتي الكلام عليها مفصَّلاً في فصل أركان الصَّلاةِ. وقوله: «يقرأ الفاتحة» يفيد هذا القول أنه لا بُدَّ أن يقرأ الفاتحةَ بجميع حروفها وحركاتها وكلماتها وآياتها وترتيبها، هذه خمسة أمور: الآيات، والكلمات، والحروف، والحركات، والترتيب. وهو مأخوذ مِن قول المؤلِّفِ: «الفاتحة» فإن «أل» هنا للعهد الذِّهني؛ فيكون المراد به الفاتحة المعروفة التي فيها الآيات السَّبْع والكلمات والحروف والحركات على ترتيبها، ولا بُدَّ أن تكون متوالية؛ يعني: ألا يقطعها بفصل طويل؛ لأنها عبادة واحدة، فاشتُرطَ أن ينبني بعضُها على بعض، كالأعضاء في الوُضُوء. فالوُضُوء: الوجه، ثم اليدان، ثم الرأس، ثم الرجلان، لا بُدَّ أن يتوالى غَسْلُ هذه الأعضاء الأربعة مرتَّبة، كذلك سورة الفاتحة الآية الأُولى، ثم الثانية، ثم الثالثة ... إلخ، لا بُدَّ أن تتوالى. فَإِنْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ، أوْ سكوت غَيْرِ مَشْرُوعَيْن، وَطَالَ، ........... قوله: «فإن قطعها بذِكْرٍ، أو سكوت غير مشروعين، وطَالَ» ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها (756)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (394) (34).

أو ترك منها تشديدة، أو حرفا، أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها

أي: قَطَعَ الفاتحةَ فلم يواصلْ قراءتها، يعني: لما قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} جعل يُثني على الله سبحانه وتعالى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وقام يدعو بدعاء، ثم قال: {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ}. نقول: هذا غيرُ مشروع، فإذا طال الفصلُ وَجَبَ عليك الإِعادة، كذلك لو قَطَعَها بسكوت، قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} ثم سَمِعَ ضَوضاءَ فسكت يستمعُ ماذا يقول النَّاسُ، وطال الفصلُ، فإنه يعيدها مِن جديد؛ لأنه لا بُدَّ فيها من التَّوالي، لكن اشترط المؤلِّفُ فقال: «غير مشروعين» أي: الذِّكْر والسُّكوت، فإن كانا مشروعين كما لو قَطَعَها ليسأل الله أن يكون مِن الذين أنعمَ اللَّهُ عليهم، مثل لما مرَّ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} قال: اللَّهُمَّ اجْعلنِي منهم، وألحقني بالصَّالحين. فهذا يسير، ثم هو مشروعٌ في صلاةِ الليل. كذلك إذا سكتَ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكان يعلم أن إمامَه يسكتُ قبل الرُّكوعِ سكوتاً يتمكَّن معه أن يكملها، فسكتَ استماعاً لقراءة إمامِه، ثم أتمَّها حين سكتَ الإِمامُ قبل الرُّكوعِ، فإن هذا السُّكوتَ مشروعٌ، فلا يضرُّ ولو طال. أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفاً، أو تَرْتِيباً لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها. قوله: «أو ترك منها تشديدة» أي: لو تَرَكَ تشديدة حرف منها فقرأه بالتَّخفيف، مثل تخفيف الباء من قوله: {رب العالمين} لم تصحَّ، وإنما لم تَصحَّ؛ لأن الحرف المشدّد عبارة عن حرفين، فإذا تَرَكَ التشديدَ أنقصَ حرفاً. قوله: «أو حرفاً» أي: تَرَكَ حرفاً مِن إحدى كلماتها، مثل:

أن يترك (أل) في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهذا يقعُ كثيراً مِن الذين يُدغمون بسبب إسراعهم في القراءة، فلا تصحُّ. قوله: «أو ترتيباً» يعني: إذا أخلَّ بترتيب آياتِها أو كلماتِها فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *} {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} أو قال: الرحيم الرحمن، مالك يوم الدين. فإنها لا تصحُّ؛ لأنه أخلَّ بالترتيب، وترتيب الآيات والكلمات توقيفي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وليس اجتهادياً، ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ضعوا هذه الآية في السُّورة التي يُذكر فيها كذا» (¬1)، ولو لم يكن بالنسبة للفاتحة إلا قراءةُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إيَّاها على هذا الترتيب الذي أجمعَ عليه المسلمون. قوله: «لزم غير مأموم إعادتها» «غير» بالنصب على أنها مفعول مقدَّم للزم، و «إعادة» فاعل مؤخَّر، يعني: لزمت إعادتُها على غير مأموم؛ لأن قراءة الفاتحة في حقِّ المأموم ـ على المشهور من المذهب ـ ليست بواجبة، فلو تَرَكَها المأمومُ عمداً لم يلزمه إعادة الصَّلاةِ، ولكن مع ذلك يحرم عليه أن ينكِّس الآيات، أو أن يُنكِّس الكلمات، إنما من حيث وجوبُ إعادة الفاتحة لا يجبُ على المأموم إذا فَعَلَ ذلك؛ لأنها لا تجب عليه، ولكن هل ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 57، 69)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من جهر بها (786، 787)؛ والترمذي، كتاب التفسير، باب من سورة التوبة (3086) وقال: «حديث حسن صحيح». والحاكم (2/ 221) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.

تبطل صلاته من أجل مخالفة التَّرتيب في الكلمات أو الآيات؛ لأنه مُحرَّمٌ عليه؟ هذا محلُّ نَظَر. وقوله: «لزم غير مأموم إعادتها» ظاهر كلامه: أنه يعيدُها من أولها، فلو أسقطَ «أل» مِن قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} فظاهرُ كلامِه أنه يلزمه إعادة الفاتحة كلها؛ وليس هذا بوجيه، وقد لا يكون هذا مراده، بل يلزمه إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه؛ لأن ما قبلَه وَقَعَ صحيحاً، والمدَّة ليست طويلة حتى يُقال: إنه لو أعاد مِن حيث أخلَّ لَزِمَ طول الفصل بين الجزء الصَّحيح الأول والجزء الصَّحيح الثاني؛ لأن كلَّ الفاتحة لا تستوعب زمناً طويلاً، وعلى هذا؛ فإذا أخلَّ بشيءٍ مِن آخرِها، فإنه لا يلزمه إلاَّ إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه، مراعاةً للترتيب، فإن كان في أول آية مثل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} بتخفيف الباء لزمتُه الإِعادة مِن الأول. مسألة: كيف يقرأُ هذه السُّورة؟. نقول: يقرؤها معربةً مرتَّبةً متواليةً، وينبغي أن يفصِلَ بين آياتِها، ويقفَ عند كلِّ آية، فيقف سبعَ مرَّات، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} ـ فيقف ـ {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ـ فيقف ـ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *} ـ فيقف ـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} ـ فيقف ـ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *} ـ فيقف ـ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ـ فيقف ـ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} ـ فيقف. لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُقطِّعُ قراءَتَهُ، فيَقِفُ عند

ويجهر الكل بآمين في الجهرية

كلِّ آية (¬1) وإن لم يقفْ فلا حرجَ؛ لأنَّ وقوفه عند كلِّ آيةٍ على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الوجوبِ؛ لأنَّه مِن فِعْلِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم دون أمْرِه، وما فَعَلَه النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دون أَمْرٍ به مما يُتعبَّد به فهو مِن قبيل المستحبِّ، كما ذُكر ذلك في أصول الفقه: أنَّ الفعلَ المجرَّدَ مما يُتعبَّدُ به يفيد الاستحباب، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا عَلَّمَ المسيءَ في صلاتِه أمره أن يقرأ ما تيسَّر مِن القرآن (¬2) ولم يقل: ورتِّل، أو: قِفْ عند كلِّ آية. فإنْ قال قائل: ذكرتم أنه إذا أبدل حرفاً بحرف فإنَّها لا تصحُّ، فما تقولون فيمَن أبدَل الضَّادَ في قوله: {وَلاَ الضَّالِّينَ} بالظاء؟ قلنا: في ذلك وجهان لفقهاء الحنابلة: الوجه الأول: لا تصحُّ؛ لأنه أبدلَ حَرْفاً بحرف. الوجه الثاني: تصحُّ، وهو المشهور مِن المذهب، وعلَّلوا ذلك بتقارب المخرجين، وبصعوبة التفريق بينهما، وهذا الوجه هو الصَّحيح، وعلى هذا فمَن قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} بالظاء فصلاته صحيحة، ولا يكاد أحدٌ من العامة يُفرِّق بين الضَّاد والظاء. وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة .......... قوله: «ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة» أي: المنفرد، والمأموم، والإِمام بالجهرية. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (6/ 302)؛ وأبو داود، كتاب الحروف والقراءات (4001)، والدارقطني (1/ 312) وقال: «إسناده صحيح وكلهم ثقات»، والحاكم (2/ 232) وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. (¬2) تقدم تخريجه ص (19).

أما الإِمام فواضح أنه يجهر بآمين؛ لأن ذلك ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا» (¬1) فعلَّق تأميننا بتأمين الإِمام، ولولا أننا نسمعُهُ لم يكن بتعْليقِهِ بتأمين الإِمامِ فائدة، بل لكان حَرَجاً على الأمة، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يجهرُ بآمين حتى يَمُدَّ بها صوتَه (¬2). وكذلك المأمومون يجهرون بها، كما كان الصَّحابةُ رضي الله عنهم يجهرون بذلك خلفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ حتى يرتجَّ المسجدُ بهم (¬3) وهذه السُّنَّةُ صحيحةٌ ثابتة. لكن المنفرد إن جَهَرَ بقراءته؛ جَهَرَ بآمين، وإن أسرَّ؛ أسرَّ بآمين، ودليل ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في صلاة السِرِّ كالظُّهر والعصر لا يجهر بآمين، وهذا يقتضي أنك إذا لم تجهر بالقراءة لم تجهر بآمين. والمنفرد الذي يقوم الليل مثلاً، وأحياناً يرى أن حضورَ قلبِه وقوَّة يقظته وطرد النوم عنه بالجهر، فيجهر كما فَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين صَلَّى بحذيفة بن اليمان (¬4) رضي الله عنهما. فإذا جَهَرَ بالقراءة جَهَرَ بالتأمين، وأحياناً يرى أن الإِسرار أفضل له وأخشع، وأبعد عن الرِّياء، أو أن هناك مانعاً يمنعه من ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين (780)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين (410) (72). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التأمين وراء الإمام (932)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في التأمين (248) وقال: «حديث حسن»؛ والحاكم (1/ 223) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. (¬3) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب الجهر بآمين (853). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (772) (203).

الجَهْر لكون مَن حولَه نياماً، وما أشبه ذلك، فإذا أسرَّ بالقراءة فإنه يُسِرُّ بالتأمين، ولا يجهر به. وقوله: «بآمين»: معناها: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، وعلى هذا؛ فهي اسمُ فِعْلِ دعاء، واسمُ الفعل ما كان فيه معنى الفعل دون حروفه. هلم: اسمُ فِعْلٍ؛ لأنه بمعنى أقبل. «صَهْ» اسمُ فِعْلٍ بمعنى اصمُتْ. فأحياناً أقول «صَهٍ»، وأحياناً أقول «صَهْ»، وبينهما فَرْق، فإن قلت: «صهٍ» فمعناها اسكتْ عن كُلِّ شيء، إن قلت: «صَهْ» فمعناها اسكتْ عن كلام معيَّن. قال الفقهاء: فإن شدَّدَ الميمَ في «آمين» بطلت الصَّلاةُ؛ لأنَّ معناها حينئذٍ «قاصدين»؛ ولهذا قالوا: يحرم أن يُشدِّد الميم، وتبطل الصَّلاةُ؛ لأنه أتى بكلامٍ مِن جنسِ كلام المخلوقين. فإن قيل: متى يقول آمين؟ فالجواب: أما الإِمامُ فإذا انتهى من قوله: {وَلاَ الضَّالِّينَ} وكذلك المنفرد. وأمَّا المأموم فقال بعضُ العلماءِ (¬1): يقول: «آمين» إذا فَرَغَ الإِمامُ مِن قول آمين. واستدلُّوا بظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا» (¬2) قالوا: وهذا كقوله: «إذا كبَّر فكبِّروا» (¬3) ومعلومٌ أنك لا تكبِّر حتى يفرغ ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 447). (¬2) تقدم تخريجه ص (67). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة (734)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (414) (86).

الإِمامُ مِن التكبير فيكون معنى قوله «إذا أمَّنَ» أي: إذا فَرَغَ مِن التأمين. ولكن هذا القول ضعيف؛ لأنه مصرَّحٌ به في لفظٍ آخر: «إذا قال الإِمام: ولا الضَّالين، فقولوا: آمين» (¬1). وعلى هذا؛ فيكون المعنى: إذا أمَّن، أي: إذا بَلَغَ ما يُؤمَّنُ عليه وهو {وَلاَ الضَّالِّينَ}، أو إذا شَرَعَ في التَّأمين فأمِّنوا؛ لتكونوا معه، لكن نسمع بعض الأحيان بعض الجماعة يتعجَّل؛ لا يكاد يصل الإِمام النون من {وَلاَ الضَّالِّينَ} إلا وقد قال: «آمين» وهذا خِلافُ السُّنَّةِ، وهذا نوعٌ مِن مسابقة الإِمام؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَصلْ إلى الحدِّ الذي يُؤمَّنُ عليه وهو فراغه من قوله: {وَلاَ الضَّالِّينَ}. مسألة: لم يفصح المؤلِّف ـ رحمه الله ـ هنا عَمَّا إذا لم يعرفْ الفاتحةَ هل يلزمه أن يتعلَّمها؟ والجواب: نعم؛ يلزم أن يتعلَّمها؛ لأن قراءتَها واجبةٌ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ. كعادم الماء؛ يجب عليه طلبُه وشراؤه للوُضُوء أو الغسل به إنْ كان يُباع؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، وليس هذا من باب: ما لا يتمُّ الوجوب إلا به؛ لأن وجوب الفاتحة ثابتٌ، فيلزم أن يتعلَّم هذه السُّورة، فإن ضاق الوقتُ قرأ ما تيسَّرَ من القرآن من سواها؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اقرأ ما تيسَّرَ معك من القرآن» (¬2) فإن لم يكن معه قرآن فإنه يُسَبِّحُ، فيقول: «سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللَّهُ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب جهر المأموم بالتأمين (782). (¬2) تقدم تخريجه ص (19).

أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (¬1) خمس كلمات. فإذا قال قائل: كيف يجزئ الخمس عن السَّبع؛ لأن الآيات في الفاتحة سَبْع؟ فالجواب: أنه لا يلزمُ أن يكون البدلُ مساوياً للمُبدل منه، أَلا ترى أنَّ كسوةَ العشرة في كفَّارة اليمين لا يساويها إطعامُهم في الغالب، ولا تساوي عِتْقَ الرَّقَبة أيضاً، فالبدلُ لا يلزم منه مساواة المُبدل منه، لكن قال فقهاؤنا رحمهم الله: إذا كان عنده شيءٌ من القرآن سوى الفاتحة وجب عليه أن يقرأ منه بقَدْرِ الفاتحة، وفرَّقوا بين هذا وبين الذِّكر؛ بأن ما يُقدر عليه من جنس ما عُجز عنه؛ فوجب أن يكون مساوياً له، بخلاف البدل المحض فإنه لا يلزم. فصارت المراتب الآن: قراءة الفاتحة، فإن عجز فبما تيسَّرَ مِنَ القرآن مِن غيرها، فإن عَجَزَ فالتَّسبيحُ، والتَّحميد، والتَّكبير، والتَّهليل والحَوقلة. فإذا قال قائل: إذا لم أجد مَنْ يُعَلِّمني إيَّاها إلا بأُجرة، فهل يلزمُني دفع أجرة إليه؟ فالجواب: نعم؛ كما لو لم يجد ماءً إلا ببيع، فإنه يلزمُه شراؤه للوُضُوء، ولكن يبقى النَّظرُ: هل يجوز للآخر أن يطلب أُجْرةً على تعليم القرآن؟ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 353، 356، 382)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة (832)؛ والنسائي، كتاب الافتتاح، باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن (923)؛ والحاكم (1/ 241) وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

الجواب: الصحيح: الجواز؛ لعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ أحَقَّ ما أخذتُم عليه أجراً كتابُ الله» (¬1) وهذا الذي استُؤجر أو طَلَبَ الأُجرةَ طَلَبَ على عَمَلٍ متعدٍّ وهو التَّعليم، بخلاف مَن طَلَبَ أُجرة على القِراءة، فإنه لا يجوز، كما لو قال: أنا أقرأُ سورةَ البقرةِ وتُعطيني كذا وكذا. قلنا: هذا حَرام. أمَّا إذا قال: أعلِّمُكَ إياها بكذا وكذا؛ فهذا جائز، ولهذا زوَّجَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الرَّجُلَ الذي لم يجدْ مهراً بما معه من القُرآن يعلِّمُها إيَّاه (¬2). قوله: «ثم يقرأ» هل «ثم» هنا على معناها الأصلي، أي: أنها تفيد الترتيب والتراخي، أو لمجرد الترتيب؟ هذا مبنيٌّ على القول باستحبابِ السُّكوتِ بعدَ الفاتحة أو عدمِه. فإن قلنا: باستحباب السُّكوتِ ـ وهو المذهب (¬3) ـ صارت «ثم» هنا على معناها الأصلي، أي: أنها للتَّرتيب والتَّراخي، وعلى هذا؛ فيسكتُ الإِمامُ بعدَ الفاتحةِ سكوتاً، ولكن كم مقدار هذا السُّكوت؟ قال بعض العلماء: (¬4) إنه بمقدار قراءة المأموم سُورةَ الفاتحةِ، وعلى هذا؛ فيكون طويلاً بعضَ الشَّيء. وقيل: بل إنه سكوت ليترادَّ إلى الإِمام نفسُه (124)، وليتأمَّل ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الشرط في الرقية بفاتحة الكتاب (5737). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الوكالة، باب وكالة المرأة الإمام في النكاح (2310)؛ ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير (1425) (76). (¬3) «الإقناع» (1/ 177)، «المغني» (2/ 163). (¬4) «المغني» (2/ 163).

ثم يقرأ بعدها سورة

ماذا يقرأ بعدَ الفاتحةِ، ولِيَشْرَع المأموم في قراءة الفاتحة حتى يستمرَّ فيها؛ لأن الإِمام لو شَرَعَ فوراً بقراءة السُّورة لم يبدأ المأموم بالقراءة، وحينئذٍ تفوته قراءةُ الفاتحةِ. والصَّحيح: أن هذه السَّكتة سكتة يسيرة؛ لا بمقدار أن يقرأَ المأمومُ سُورةَ الفاتحة، بل السُّكوت بهذا المقدار إلى البدعة أقرب منه إلى السُّنّة؛ لأن هذا السُّكوتَ طويلٌ، ولو كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يسكتُه؛ لكان الصَّحابةُ يسألون عنه، كما سألَ أبو هريرة رضي الله عنه النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن سُكوته فيما بين التكبير والقِراءة: ما يقول (¬1)؟ فالصَّحيح أنَّها سكتةٌ يسيرة فيها فوائد: 1 ـ التَّمييز بين القِراءةِ المفروضةِ والقراءة المستحبَّة. 2 ـ ليترادَّ إليه النفسُ. 3 ـ لأجل أن يشرع المأمومُ بالقِراءة. 4 ـ ربما لا يكون قد أعدَّ سورةً يقرأ بها بعدَ الفاتحة، فيتأمَّل ماذا يقرأ. ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً، ........... وقوله: «ثم يقرأ بعدها». أي: بعدَ الفاتحة، وأفاد قوله: «بعدَها» أنه لا تُشرع القراءةُ قبل الفاتحة، فلو نسيَ وقرأ السُّورةَ قبل الفاتحةِ أعادها بعد الفاتحة؛ لأنه ذِكْرٌ قالَه في غير موضعه فلم يجزئ. وقوله: «سورة» السُّورةُ جملةٌ من القرآن مُحَوَّطَةٌ بالبسملة قبلَها لها، وبعدَها للسُّورة التي بعدها. سُمِّيت بذلك لأن البسملتين كانتا كالسُّورِ لها. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (48).

وقراءةُ السُّورة على قول جمهور أهل العلم سُنَّةٌ (¬1)، وليست بواجبةٍ؛ لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة. وأفادنا المؤلِّف بقوله: «سُورة» إلى أنَّ الذي ينبغي للإِنسانِ أن يقرأَهُ سورةً كاملةً، لا بعضَ السُّورة، ولا آيات من أثناء السُّورة؛ لأن ذلك لم يَرِدْ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأطلقه ابن القيم في «زاد المعاد» حيث قال: «وأمَّا قراءة أواخر السُّورِ وأواسطها فلم يُحفظ عنه». ولكن ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ في سُنَّةِ الفجر آيات من السُّور، فكان أحياناً يقرأ في الرَّكعة الأُولى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] الآية، وفي الثانية: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64]، الآية (¬2)، والأصل: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض؛ إلا بدليل. ويدلُّ لهذا الأصل: أن الصَّحابة رضي الله عنهم لما حَكَوا أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يُوتِرُ على راحلته قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبةَ. فلما حَكَوا أنه يوتر، ثم قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (¬3)، دَلَّ ذلك على أنَّ المعلومَ أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفل ثبتَ في الفرض. ولأنهما عبادتان من جنس واحد، والأصل اتفاقهما في الأحكام. ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 163). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر (727) (99). (¬3) تقدم تخريجه (2/ 257).

تكون في الصبح من طوال المفصل

على كُلٍّ؛ نرى أنه لا بأس أن يقرأ الإِنسانُ آيةً من سورةٍ في الفريضة وفي النافلة. وربما يُستدل له أيضاً بعموم قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] لكن السُّنَّة والأفضل أن يقرأَ سورةً، والأفضلُ أن تكون كاملةً في كلِّ ركعة، فإن شَقَّ فلا حَرَجَ عليه أن يقسم السُّورة بين الركعتين؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ ذات يوم سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *} فلما وصل إلى قصة موسى وهارون أخذته سَعْلةٌ فَرَكَعَ (¬1). فدلَّ هذا على جواز قَسْمِ السُّورة؛ ولا سيَّما عند الحَاجة. وقوله: «سُورة» يلزم من قراءة السُّورة أن يقرأَ قبلها: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وعلى هذا؛ فتكون البسملةُ مكرَّرة مرَّتين: مرَّة للفاتحة، ومرَّة للسُّورة. أما إنْ قرأ مِن أثناء السُّورة فإنه لا يُبسمل؛ لأن الله لم يأمر عند قراءة القرآن إلا بالاستعاذةِ، والبسملة لا تُقرأ في أواسط السُّور، لا في الصلاة ولا خارجها. تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ، ............ قوله: «تكون في الصبح من طِوال المفصل» أي: تكون السُّورة في صلاة الصُّبح من طِوال المُفصَّلِ بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل، وأما طِوال بالكسر فهي جمع طويلة، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل. والمُفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط. فمِن {ق} إلى {عَمَّ} هذا هو الطِوال. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح (455) (163).

وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه،

ومِن {عَمَّ} إلى {الضُّحَى} أوساط. ومُن {الضُّحَى} إلى آخره قِصار. وسُمِّيَ مُفصَّلاً لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ. فمن {ق} إلى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *} أربعة أجزاء وشيء، يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعاً مِن النساء، ويزيد شيئاً قليلاً، وإنما شُرع أن تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لأن الله عزَّ وجلَّ نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *} [الإسراء] فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِباً لأكثرها، وهو كذلك (¬1)، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء زِيدت. وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، ........ قوله: «وفي المغرب من قصاره»، أي: من قِصار المفصَّل، يعني: من الضُّحى إلى آخره (¬2). قوله: «وفي الباقي من أوساطه» أي: من {عَمَّ} إلى {الضحى} ودليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فإن الغالب ¬

_ (¬1) لما أخرجه البخاري في كتاب المواقيت، باب وقت الظهر عند الزوال (541)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها (647) عن أبي برزة قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يُصلِّي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين السِّتين إلى المِئَةِ». (¬2) لما أخرجه الإمام أحمد (2/ 329)؛ والنسائي، كتاب الافتتاح، باب القراءة في المغرب بقصار المفصل (984). عن أبي هريرة قال: «ما صلَّيت وراء أحدٍ أشبه صلاة برسول الله من فلان. وكان يقرأ في المغرب بقصار المُفصَّل، وفي العشاء بِوَسَطِ المُفصَّل، ويقرأ في الصبح بطِوال المفصَّل». قال ابن حَجَر: «إسناد صحيح». «البلوغ» (288).

مِن فِعْلِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هذا (¬1). لكنه أحياناً يقرأ في الفجر مِن القِصَار، وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـ {إِذَا زُلْزِلَتِ} قرأها في الرَّكعتين (¬2)، ومرَّة قرأ في المغرب بسُورة {الأَعْرَافِ} (¬3)، وقرأ بسورة {الْطُّورَ} (¬4)، وقرأ {بالمرسلات} (¬5)، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالباً على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر. وقوله: «وفي الباقي من أوساطه» الدليل على ذلك: أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *}، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *}، و {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *} (¬6) ¬

_ (¬1) لحديث أبي هريرة المتقدم: «وكان يقرأ في العشاء بوَسَط المفصَّل» هذا فيما يتعلق بالعشاء. أما الظُّهر والعصر؛ فقد أخرج مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح (459)، عن جابر بن سَمُرة قال: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأُ في الظُّهر بـ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *}، وفي العصر نحو ذلك». (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين (816)، والبيهقي (2/ 390). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب (764)؛ «سنن أبي داود»، كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في المغرب (812) «وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف». (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في المغرب (765)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح (463) (174). (¬5) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب (763)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح (462) (173). (¬6) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طَوَّلَ (705)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء (465) (178).

ونحوها فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل. وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟ الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه قرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ} في الرَّكعتين جميعاً كرَّرها (¬1). لكن؛ قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة. والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن احتمال التشريع ـ أي: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كرَّرها تشريعاً للأمة ليبيِّن أن ذلك جائز ـ يُرجَّح على احتمالِ النسيان؛ لأنَّ الأصلَ في فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ التشريعُ، وأنه لو كان ناسياً لَنُبِّهَ عليه، وهذا الأخيرُ ـ أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع ـ أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ. تتمة: في تنكيس السُّور، والآيات، والكلمات، والحروف. أما تنكيس الحروف؛ بمعنى: أن تكون الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف؛ فيبدؤها الإِنسان مِن آخرها مثلاً، فهذا لا شكَّ في تحريمه، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ به؛ لأنه أخرج القرآنَ عن الوجه الذي تكلَّم الله به، كما أن الغالب أنَّ المعنى يختلفُ اختلافاً كبيراً. وأما تنكيس الكلمات؛ أي: يبدأ بكلمة قبل الأُخرى، مثل: أن يقول: الحمد لربِّ العالمين، الله الرحمن الرحيم. فهذا أيضاً ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (76).

محرَّم بلا شكٍّ؛ لأنه إخراجٌ لكلامِ الله عن الوجه الذي تكلَّم اللَّهُ به. وتبطلُ به الصَّلاةُ. وأما تنكيس الآيات أيضاً؛ فمحرَّم على القول الرَّاجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه يُتوقَّفُ فيه على ما وَرَدَ به الشَّرعُ. ولهذا تَجِدُ أحياناً بعضَ الآيات بين آيات لا يَظهرُ لك تَعَلُّقُها بها، أو مقدَّماً على ما سَبَقَه في النُّزول مما يدلُّ على أن الأمر توقيفي مثل: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] وقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} الآية [البقرة: 240]. الأولى: سابقة بالقراءة. والثانية: أسبق نزولاً، ولو كان التَّرتيبُ غيرَ توقيفي؛ لكان على حسب النُّزولِ. ومثال الأول: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ *} [البقرة] الآية فإنَّ هاتين الآيتين كانتا بين آيات المعتدات، وهذا دليلٌ على أنَّ ترتيب الآيات توقيفي. وأما تنكيس السُّور؛ فيُكره، وقيل: يجوز. أما الذين قالوا بالجواز فاستدلُّوا: بحديث حذيفة بن اليمان الذي في «صحيح مسلم» أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قامَ مِن اللَّيلِ فقرأَ بسورةِ

البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران (¬1)، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم دليلٌ على الجواز. وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام ـ الذي يكادون يجمعون عليه ـ في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب (¬2)، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه. ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله عزّ وجل إذا رأوا أنَّ النَّاسَ يقدِّمون، ويؤخِّرون فيه. ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ، فيقال: إنَّ الصحابةَ لم يجمعوا على هذا الترتيب، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود رضي الله عنه، وأما قراءة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديث حذيفة «النساء» قبل «آل عمران» فهذا ـ لعلَّه ـ قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم القرآن في كُلِّ رمضان (¬3)، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، ولا سيما وأنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقرُنُ بين البقرة وآل عمران (¬4)، مما يدلُّ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (67)، حاشية رقم (4). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن (4987). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلّم (4997)؛ ومسلم، كتاب الفضائل، باب جوده صلّى الله عليه وسلّم (2308) (50). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة (804).

ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان

على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه للنساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير. والحق: أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين «الجُمعة» و «المنافقين»، وبين «سَبِّحِ» و «الغاشية» فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَ «الجمعة» قبل «المنافقين» (¬1). وقرأ «سَبِّح» قبل «الغاشية» (¬2) فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ للصَّوابِ. وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ .......... قوله: «ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان». قوله: «الصلاة»: عامة تشمَلُ الفريضةَ والنافلةَ. قوله: «لا تَصِحُّ» نفيُ الصِّحَّة يقتضي الفساد، فإذا قرأ بقراءة خارجة عن مصحف عثمان فصلاتُه فاسدة على كلام المؤلِّف. وما المرادُ بالصحَّة إذا قال العلماء: تصحُّ، أو: لا تصحُّ؟ قال العلماء: الصَّحيح: ما سقطَ به الطَّلبُ وبَرئت به الذِّمةُ. والفاسد: ما ليس كذلك. فإذا فَعَلَ الإِنسانُ عبادة ولم يسقطِ الطلبُ بها عنه لاختلال شرط، أو وجود مفسد، قلنا: إنها فاسدة. وإذا فَعَلَ عبادةً وسقط بها الطلبُ، وبرئت بها الذِّمةُ، قلنا: إنَّها صحيحةٌ. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (877) (62). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (878) (62).

وقوله: «بقراءة خارجة عن مصحف عثمان». مصحف عثمان رضي الله عنه هو الذي جَمَعَ الناسَ عليه في خلافته، وذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم تُوفِّيَ والقرآن لم يُجمعْ، بل كان في صُدورِ الرِّجال، وفي عُسُبِ النَّخْل، وفي اللِّخَافِ «الحجارة البيضاء الرهيفة» وما أشبه ذلك، ثم جُمِعَ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه حين استحرَّ القتلُ بالقُرَّاء في اليَمامةِ (¬1)، ثم جُمِعَ في عهدِ عُثمان رضي الله عنه (¬2). وسبب جمعه: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ القرآنَ أُنزِلَ على سبعةِ أحرفٍ» (¬3) فكان النَّاس يقرأون بهذه الأحرف، وقد اختلفت لهجاتُ النَّاسِ؛ فصار فيه خلافٌ في الأجناد؛ الذين يقاتلون في أطراف المملكة الإِسلامية، فخشيَ بعضُ القُوَّادِ من الفتنة، فكتبوا إلى عثمان رضي الله عنه في ذلك؛ فاستشار الصحابةَ بجَمْعِ القراءات، على حرفٍ واحد، يعني على لغة واحدة وهي لغة قريش (¬4)، واختارها؛ لأنها أشرف اللغات، حيث إنَّها لغةُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي أعربُ اللُّغاتِ أيضاً، يعني: أنها أرسخها في العربية، فَجَمَعَ المصاحفَ كلَّها على مصحفٍ واحدٍ وأحرقَ ما سواها، فاجتمعت الأمةُ على هذا المصحف، ونُقِلَ إلينا نقلاً ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن (4986). (¬2) تقدم تخريجه ص (79). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (4991)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف (818) (270). (¬4) تقدم تخريجه ص (79).

متواتراً، ينقله الأصاغرُ عن الأكابرِ، ولم تختلف فيه الأيدي ولا النَّقَلَةُ، بل هو محفوظٌ بحفظِ الله عزّ وجل إلى يوم القيامة. لكن؛ هناك قراءات خارجة عن هذا المصحف الذي أَمَرَ عثمان بجَمْعِ المصاحف عليه، وهذه القراءات صحيحة ثابتة عمَّن قرأ بها عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لكنها تُعَدُّ عند القُرَّاء شاذَّة اصطلاحاً، وإنْ كانت صَحيحةً. وقد اختلف العلماءُ رحمهم الله في هذه القِراءةِ الشاذَّةِ في أمرين: الأمر الأول: هل تجوزُ القراءة بها داخل الصَّلاة وخارجها، أو لا تجوز؟ الأمر الثاني: هل هي حُجَّة في الحُكْمِ، أو ليست بحُجَّة؟ فمنهم من قال: إنها ليست بحُجَّة، ومنهم من قال: إنها حُجَّة. وأصحُّ الأقوال: أنه إذا صحَّت هذه القراءة عَمَّن قرأ بها مِن الصَّحابة فإنها مرفوعةٌ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتكون حُجَّةً، وتصحُّ القراءةُ بها في الصَّلاة وخارج الصَّلاة؛ لأنها صحَّت موصولةً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. لكن؛ لا نقرأ بها أمامَ العامَّة؛ لأننا إذا قرأنا بها أمامَ العامَّة حصل بذلك فتنةٌ وتشويشٌ، وقِلَّةُ اطمئنان إلى القرآن الكريم، وقِلَّةُ ثقةٍ به، وهذا لا شَكَّ أنه مؤثِّرٌ ربما على العقيدة فضلاً عن العمل، لكن الكلام فيما بين الإِنسان وبين نفسِه، أو فيما بينه وبين طَلَبَةِ العِلم الذين يفهمون حقيقة هذا الأمر. فإن قال قائل: إذا صحَّت القراءةُ، وصحَّحتُم الصَّلاةَ

والقراءةَ بها، وأثبتم الأحكامَ بها، فلماذا لا تقرأونها على العامَّة؟ فالجواب أنَّ هديَ الصَّحابة رضي الله عنهم ألا تُحدِّثَ النَّاسَ بحديث لا تبلغه عقولُهم، كما في حديث عليٍّ رضي الله عنه: «حَدِّثوا النَّاس بما يعرفون ـ أي: بما يمكن أن يعرفوه ويهضموه وتبلغه عقولُهم ـ أتحبُّونَ أن يُكذَّبَ اللَّهُ ورسولُه؟» (¬1) لأنَّ العاميَّ إذا جاءه أمرٌ غريبٌ عليه نَفَرَ وكَذَّبَ، وقال: هذا شيء مُحَال. وقال ابنُ مسعود: «إنك لا تُحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة» (¬2) وصَدَقَ رضي الله عنه، فلهذا نحن لا نحدِّثُ العامة بشيء لا تبلغه عقولُهم؛ لئلا تحصُلَ الفتنة ويتضرَّرَ في عقيدته وفي عَمَلِهِ. ومِن ذلك أيضاً: ما يكثُر السُّؤال عنه من بعض الطَّلبة، وهو: أنه ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه لما قرأ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا *} [النساء] أنَّه وَضَعَ إبهامَه وسبَّابته على أُذُنِهِ وعلى عينِهِ (¬3). فقال: هل يجوز أن أفعل مثل هذا؟ فجوابنا على هذا أنْ نقول: لا تفعلْه أمامَ العامَّة؛ لأن العامَّة ربَّما ينتقلون بسرعة إلى اعتقادِ المشابهة والمماثلة؛ بخلاف ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من خَصَّ بالعلم قوماً دون قوم، كراهية أن لا يفهموا (127) من قوله رضي الله عنه. (¬2) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (15). (¬3) أخرجه أبو داود، كتاب السُّنة، باب في الجهمية (4728)؛ والحاكم (1/ 24) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

طالب العلم، ثم هذا فِعْلٌ مِن الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وليس أمراً، لم يقل: ضعوا أصابعكم على أعينكم وآذانكم، حتى نقول: لا بُدَّ مِن تنفيذِ أمْرِ الرَّسول، بل قَصَدَ بهذا تحقيق السَّمع والبصر، لا التعبُّد في ذلك فيما يظهر لنا، فلماذا نلزم أنفسنا ونكرِّر السؤال عن هذا من أجل أن نقوله أمام العامَّة؟ فالحاصلُ: أنه ينبغي لطالب العِلم أن يكون معلِّماً مربيًّا، والشيءُ الذي يُخشى منه الفتنة؛ وليس أمراً لازماً لا بُدَّ منه؛ ينبغي له أن يتجنَّبه. وأشدُّ مِن ذلك ما يفعله بعضُ النَّاسِ، حين يسوق حديث: «إن قلوبَ بني آدم بين أصبعين مِن أصابعِ الرَّحمن» (¬1) فيذهب يُمثِّل ذلك بضمِّ بعض أصابعه إلى بعض، مُمَثِّلاً بذلك كون القلب بين أصبعين من أصابع الله، وهذه جرأة عظيمة، وافتراءٌ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه لم يمثِّل بذلك. وما الذي أدرى هذا المسكين المُمثِّلُ أن كون القلوب بين أصبعين من أصابع الله على هذا الوصف؟ فليتَّقِ الله ربَّه ولا يتجاوز ما جاء به القرآنُ والحديثُ. يقول المؤلِّفُ ـ رحمه الله ـ: لو قرأ بقراءةٍ خارجةٍ عن مصحف عثمان لم تصحَّ الصَّلاة. مثال ذلك: قوله تعالى في آيةِ كَفَّارةِ اليمين: {الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (2654) (17).

كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] في قراءة ابن مسعود: «فمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيامٍ مُتَتَابِعَةٍ» (¬1). فلو قرأ الإِنسانُ في الصَّلاة «فصيامُ ثَلاثَةِ أيامٍ مُتَتَابِعَةٍ» بطلتْ صلاتُهُ على هذا القول. قالوا: لأن هذه الكلمة ليست مِن كلامِ الله حُكماً، وإن كانت قد تكون مِن كلام الله حقيقة، لكنَّنَا لا نعتبرها حكماً مِن كلامِ الله، فتكون مِن كلام الآدميين، وقد قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ مِن كلامِ النَّاسِ» (¬2). ولكن هذا القول إذا تأمَّلته وجدته ضعيفاً، وكيف تكون مِن كلام الآدميين وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ بها؟ ولا سيَّما قراءة ابن مسعود، الذي قال فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من سَرَّه أن يقرأ القرآنَ غَضًّا كما أُنزل ـ وفي لفظٍ: طريًّا كما أُنزل ـ فليقرأ بقراءة ابنِ أمِّ عَبْدٍ» (¬3) ¬

_ (¬1) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف»، كتاب الأيمان، باب صيام ثلاثة أيام وتقديم التكفير (16103)؛ والبيهقي، كتاب الأيمان، باب التتابع في صوم الكفارة (10/ 60). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (537) (33). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (1/ 445)؛ وابن ماجه، المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (138)؛ والحاكم (2/ 227) وقال: «صحيح الإسناد على شرط الشيخين».

ثم يركع مكبرا

يعني: قراءة ابن مسعود. فقراءة أوصى بها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم كيف يقول قائل ـ بعد صحَّتها وثبوتها عن ابن مسعود ـ: إنَّ الصَّلاةَ لا تصحُّ بها؟ ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّراً ............ قوله: «ثم يركع مكبِّراً». أي: بعد القراءة يركع مكبِّراً، وقوله: «ثم يركع» نقول فيها مثل ما قلنا في «ثم يقرأ بعد الفاتحة» أنها للترتيب والتراخي، فينبغي قبل أن يركع أن يسكت سكوتاً؛ لكنه ليس سكوتاً طويلاً، بل بقَدْرِ ما يرتدُّ إليه نَفَسُه، فإن ذلك قد جاء في حديث سَمُرَة بن جُندب رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يسكتُ سكتتين: إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ، وإذا فَرَغَ مِن قراءة فاتحةِ الكتابِ وسورة عند الرُّكوعِ. فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين! فكتبوا إلى أُبَيٍّ في ذلك إلى المدينة. قال: فَصَدَقَ سَمُرة (¬1). وقوله: «يركع» الركوع: هو الانحناء، والانحناء في الظَّهْرِ، وهذا الرُّكوع المقصودُ به تعظيم الله عزّ وجل، فإنَّ هذه الهيئة مِن هيئات التَّعظيم؛ ولذلك كان النَّاسُ يفعلونها أمام الملوك والكبراء والسَّادة ينحنون لهم ورُبَّما يركعون، ورُبَّما يسجدون والعياذ بالله، فالرُّكوعُ هيئةٌ تدلُّ على تعظيم الرَّاكعِ بين يدي مَنْ رَكَعَ له، ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «أما الرُّكوع فَعَظِّموا فيه الربَّ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 11)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب السكتة عند الافتتاح (777، 778)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في السكتتين في الصلاة (251) وقال: «حديث حسن»؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب في سكتتي الإمام (844).

عزّ وجل» (¬1) ليجتمع فيه التعظيم القولي والتعظيم الفِعلي. وقوله: «مكبِّراً» حال من فاعل «يركع» حال مقارنة، يعني: في حال هويه إلى الرُّكوعِ يكبِّرُ فلا يبدأ قبل، ولا يؤخِّره حتى يَصِل إلى الرُّكوعِ، أي: يجب أن يكون التَّكبيرُ فيما بين الانتقالِ والانتهاءِ، حتى قال الفقهاءُ رحمهم الله: «لو بدأ بالتَّكبير قبل أن يهويَ، أو أتمَّهُ بعد أن يَصِلَ إلى الرُّكوع؛ فإنه لا يجزئه». لأنهم يقولون: إنَّ هذا تكبيرٌ في الانتقال فمحلُّه ما بين الرُّكنين، فإنْ أدخلَه في الرُّكن الأول لم يصحَّ، وإن أدخله في الرُّكن الثاني لم يصحَّ؛ لأنه مكان لا يُشرع فيه هذا الذِّكرُ، فالقيامُ لا يُشرع فيه التَّكبيرُ، والرُّكوع لا يُشرع فيه التكبيرُ، إنما التكبيرُ بين القيام وبين الرُّكوعِ. ولا شَكَّ أن هذا القولَ له وجهة مِن النَّظر؛ لأن التَّكبيرَ علامةٌ على الانتقالِ؛ فينبغي أن يكون في حالِ الانتقال. ولكن؛ القول بأنه إن كمَّلَه بعد وصول الرُّكوع، أو بدأ به قبل الانحناء يُبطلُ الصَّلاةَ فيه مشقَّةٌ على النَّاس، لأنك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت كثيراً مِن النَّاسِ لا يعملون بهذا، فمنهم من يكبِّرُ قبل أن يتحرَّك بالهوي، ومنهم مَن يَصِلُ إلى الرُّكوعِ قبل أن يُكمل. والغريب أن بعض الأئمة الجُهَّالِ اجتهد اجتهاداً خاطئاً وقال: لا أكبِّرُ حتى أصل إلى الرُّكوع، قال: لأنني لو كبَّرت قبل ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (479) (207).

رافعا يديه

أن أَصِلَ إلى الرُّكوع لسابقني المأمومون، فيهوُون قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع، وربما وصلوا إلى الرُّكوع قبل أنْ أَصِلَ إليه، وهذا مِن غرائب الاجتهاد؛ أن تُفسد عبادتك على قول بعض العلماء؛ لتصحيح عبادة غيرك؛ الذي ليس مأموراً بأن يسابقك، بل أُمر بمتابعتك. ولهذا نقول: هذا اجتهادٌ في غير محلِّه، ونُسمِّي المجتهدَ هذا الاجتهاد: «جاهلاً جهلاً مركَّباً»؛ لأنه جَهِلَ، وجَهِلَ أنه جاهلٌ. إذاً؛ نقول: كَبِّرْ مِن حين أن تهويَ، واحرصْ على أن ينتهي قبل أن تَصِلَ إلى الرُّكوع، ولكن لو وصلت إلى الرُّكوع قبل أن تنتهي فلا حرجَ عليك، والقولُ بأن الصَّلاةَ تفسدُ بذلك حَرَج، ولا يمكن أن يُعملَ به إلا بمشقَّةٍ. فالصوابُ: أنه إذا ابتدأ التَّكبيرَ قبل الهوي إِلى الرُّكوعِ، وأتمَّه بعدَه فلا حرج، ولو ابتدأه حين الهوي، وأتمَّه بعد وصولِهِ إلى الرُّكوعِ فلا حَرَجَ، لكن الأفضل أن يكون فيما بين الرُّكنين بحسب الإمكان. وهكذا يُقال في: «سمعَ الله لمن حمده» وجميعِ تكبيرات الانتقال. أمَّا لو لم يبتدئ إلا بعد الوصول إلى الرُّكن الذي يليه، فإنه لا يعتدُّ به. رَافِعاً يَدَيْهِ، ............ قوله: «رافعاً يديه» أي: إلى حَذوِ مَنكبيه، أو إلى فُروع أُذنيه كما سبق عند تكبيرة الإِحرام (¬1). ويرفع يديه إذا أراد أن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (25).

ويضعهما على ركبتيه مفرجتي الأصابع

يركع، ثم يضعهما على رُكبتيه، ودليل ذلك: حديث ابن عُمر أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يرفعُ يديه إذا كَبَّرَ للرُّكوعِ» والحديث ثابت في «الصحيحين» وغيرهما (¬1). قوله: «ويضعهما على رُكبتيه» «ويضعهما» أي: اليدين، والمراد باليدين هنا: الكَفَّان؛ لأنه سبق لنا بيان قاعدة: أنَّ اليدَ إذا أُطلقت فهي الكَفُّ. ودليل هذه القاعدة: أنَّ الله لما أراد ما زَادَ عن الكَفِّ بَيَّنه في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الآية [المائدة: 6]. ولهذا يُقطع السارق مِن مفصل الكَفِّ؛ لقوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} الآية [المائدة: 38] ولا يُقطع من المِرفق؛ لأن الله لو أرادَ ذلك لقيَّده. وَيَضَعُهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الأَصَابِع، ............ وقوله: «يضعهما على رُكبتيه» هذا هو السُّنَّة، وهي السُّنَّة الأخيرة، وقد كانت السُّنَّة قبل ذلك التطبيق، وهي: أن يضعَ المصلِّي بطن كَفِّه على بطن كَفِّه الأُخرى، ثم يضعهما بين رُكبتيه أو فخذيه، ثم نُسِخَ هذا بعد ذلك، كما في «صحيح مسلم» (¬2)، وقد كان عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه يَعملُ بذلك؛ لأنه لم يبلغه الناسخ (¬3). وعلى هذا؛ فيضعُ الكفَّين على الرُّكبتين معتمداً عليهما؛ وليس مجرد لَمْسٍ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (26). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وضع الأكف على الرُّكب في الركوع (790)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب الندب إلى وضع الأيدي على الرُّكب في الركوع ونسخ التطبيق (535) (29). (¬3) أخرجه مسلم، الموضع السابق (534) (26).

مستويا ظهره، ويقول: «سبحان ربي العظيم»

قوله: «مفرَّجتي الأصابع» يعني: لا مضمومة بل مفرَّجة؛ كأنه قابض رُكبتيه، كما جاءت بذلك السُّنَّة (¬1). مُسْتَوِياً ظَهْرُهُ، وَيَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، .......... قوله: «مستوياً ظهره». الاستواء: يشمل استواء الظهر في المَدِّ، واستواءه في العلوِّ والنزول، يعني لا يقوِّس ظهره، ولا يهصره حتى ينزل وسطه، ولا ينزل مقدم ظهره، بل يكون ظهره مستوياً، وقد جاء ذلك عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه ولم يُصَوِّبْهُ» (¬2) لم يُشْخِصْه يعني: لم يرفعه، ولم يُصوِّبْه: لم ينزله، ولكن بين ذلك. وجاء فيما رواه الإِمام أحمد أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يسوِّي ظهره» (¬3) وجاء عنه أيضاً: «أنه كان يُسوِّيه، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرَّ» (¬4) وهذا يدلُّ على كمالِ التَّسوية، فيكون الظَّهرُ والرأسُ سواء، ويكون الظَّهرُ ممدوداً مستوياً. وينبغي كذلك أن يفرِّج يديه عن جنبيه، ولكنه مشروط بما إذا لم يكن فيه أذيَّة، فإنْ كان فيه أذيَّة لِمَن كان إلى جنبه؛ فإنه لا ينبغي للإِنسان أن يفعل سُنَّة يؤذي بها غيره؛ لأن الأذية فيها ¬

_ (¬1) أخرجه ابن خزيمة (594)؛ والحاكم (1/ 224، 227) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة وما تفتتح به ويختم به وصفة الركوع (498) (240). (¬3) «المسند» (1/ 123). (¬4) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب الركوع في الصلاة (782) وفي إسناده طلحة بن زيد. قال في «الزوائد»: «في إسناده طلحة بن زيد»، قال البخاري وغيره: «منكر الحديث»، وقال أحمد بن المديني: «يضع الحديث».

تشويش على المصلِّي إلى جنبه وتلبيس عليه، ثم إنه يُخشى أن يكون ذلك داخلاً في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً *} [الأحزاب] فإنَّ هذا يشمَل الأذى القولي والفِعلي. والواجبُ مِن الرُّكوع: أن ينحني بحيث يكون إلى الرُّكوع التَّامِّ أقربَ منه إلى الوقوفِ التَّامِّ، يعني: بحيث يعرف مَن يراه أنَّ هذا الرَّجُلَ راكعٌ. هكذا قال بعض العلماء (¬1). والمشهور من المذهب (166): أنه ينحني بحيث يمكن أن يَمَسَّ رُكبتيه بيديه إذا كان وسطاً، يعني: إذا كانت يداه ليستا طويلتين ولا قصيرتين، لكن القول الأول أظهر. قوله: «ويقول: سبحان رَبِّيَ العظيم» أي: يقول في ركوعه: «سبحان رَبِّي العظيم»، سبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة دائماً، محذوف العامل دائماً أيضاً، ومعنى التسبيح: التنزيه، والذي يُنزَّه الله عنه أمور: أحدها: مطلق النقص. والثاني: النقص في كمالِهِ. والثالث: وقد يكون مِن الثاني ـ مماثلة المخلوقين. فهذه ثلاثة أشياء يُنزَّه اللهُ عنها. أمَّا الأول: فيُنزَّه عزّ وجل عن الجهلِ، والعجزِ، والضَّعفِ، والموتِ، والنومِ وما أشبه ذلك. ¬

_ (¬1) انظر: «الإنصاف» (3/ 480).

أمَّا الثاني: فيُنزَّه عن التَّعبِ فيما يفعله، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ *} [ق] فالقُدْرَة والخلق لا شَكَّ أنها كمال، لكن قد يعتريها النقص بالنسبة للمخلوق، فالمخلوق قد يصنع باباً، وقد يصنع قِدْراً، وقد يبني بناءً، ولكن مع التعب والإِعياء، فيكون هذا نقصاً في الكمال. أمَّا الرَبُّ عزّ وجل؛ فإنَّه لا يلحقُه تعبٌ ولا إعياءٌ، حتى مع خَلْقِهِ لهذه المخلوقات العظيمة السماوات والأرض، وفي هذه المدَّة الوجيزة. وأما الثالث: مماثلة المخلوقين، فإن مماثلة المخلوقين نقصٌ؛ لأن إلحاق الكامل بالناقص يجعله ناقصاً، بل مقارنة الكامل بالناقص يجعله ناقصاً كما قيل: ألم تَرَ أنَّ السَّيفَ ينقصُ قَدْرُه إذا قيل: إنَّ السيفَ أمضى مِن العَصَا لأنك لو قلت: عندي سيف حديد قويٌ أمضى مِن العصا. فسيفهم الناس مِن هذا السيف أنه ضعيف؛ لأن قولك: «أمضى مِن العصا» معناه: أنه ليس بشيء. وقوله: «رَبِّي العظيم». العظيم في ذاتِهِ وصفاتِهِ، فإنه سبحانه وتعالى في ذاته أعظم مِن كلِّ شيء، قال الله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ *} [الأنبياء]. وطَيُّ السِّجِلِّ للكُتُب سهل جدًّا، إذا كَتَبَ الإِنسانُ وثيقةً فطيُّها عنده سهل، وقال عزّ وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *} [الزمر]. وما السماوات السبع والأرضون السبع في كَفِّ الرحمن إلا كخَرْدَلة في كَفِّ أحدنا. وأمَّا عِظَمُ صفاته فلا تسأل عنها، ما من صفة من صفاته إلا وهي عُظمى كما قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60]. إذاً؛ أنت تُنزِّه الله سبحانه وتعالى، وتصفه بعد تنزيهه بأمرين كماليين كاملين وهما: الربوبية والعظمة، فيجتمع مِن هذا الذِّكرِ: التَّنزيه والتَّعظيم. والتَّنزيه والتَّعظيم باللسان تعظيم قوليٌّ، وبالرُّكوع تعظيم فعليٌّ، فيكون الراكع جامعاً بين التعظيمين: القوليّ والفعليّ. ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «ألا وإنِّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرَّب» (¬1). ولما كان القرآنُ أشرفَ الذِّكْرِ؛ لم يُناسبْ أن يقرأه الإِنسانُ وهو في هذا الانحناء، بل يُقرأ في حال القيام. وقوله: «يقول: سبحان ربِّيَ العظيم». لم يذكر المؤلِّفُ كم يقول ذلك، ولكن سيأتينا إنْ شاءَ اللهُ تعالى في ذِكْرِ واجبات الصَّلاةِ أنَّ الواجبَ مرَّة، وما زاد فهو سُنَّة (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (87). (¬2) انظر: ص (319).

وظاهرُ قولِ المؤلِّفِ: أنَّه لا يزيد عليها شيئاً، فلا يقول: «وبحمدِه» وهذا هو المشهور مِن المذهب (¬1)، وهو أن الاقتصار على قول: «سبحان ربي العظيم» أفضل من أن يزيد قوله: «وبحمدِه». ولكن الصَّحيح أنَّ المشروعَ أن يقولَ أحياناً: «وبحمدِه»؛ لأنَّ ذلك قد جاءت به السُّنَّةُ (¬2). وقد نَصَّ الإِمام أحمد رحمه الله أنه يقول هذا وهذا؛ لورود السُّنَّةِ به، فيقتصر أحياناً على: «سبحان رَبِّيَ العظيم»، وأحياناً يزيد: «وبحمدِه» (¬3). وظاهر كلامه أيضاً: أنه لا يقول: «سبحانك اللَّهُمَّ رَبَّنا وبحمدِك، اللهم اغفِرْ لي» ولكن السُّنَّةُ قول ذلك؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقوله كما في حديث عائشة رضي الله عنها (¬4). وكذلك أيضاً ظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكة والرُّوحِ»، ولكن السُّنَّةُ قد جاءت به وصحَّت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬5). فعلى هذا يزيد: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكةِ والرُّوحِ»، ولكن هل يقول هذه الزِّيادة الأخيرة دائماً بالإِضافة إلى: «سبحان رَبِّيَ العظيم» و «سبحانك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبحمدك» أو أحياناً؟ ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 481). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده؛ وصححه الألباني في صفة الصلاة (133). (¬3) انظر: «المغني» (2/ 279). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء في الركوع (794)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول في الركوع والسجود (484) (217). (¬5) أخرجه مسلم، الموضع السابق (487) (223).

ثم يرفع رأسه ويديه قائلا إمام ومنفرد: «سمع الله لمن حمده»

هذا محلُّ احتمال، وقد سبق أن الاستفتاحات الواردة لا تُقال جميعاً، إنما يُقال بعضها أحياناً وبعضها أحياناً (¬1)، وبيَّنا دليل ذلك، لكن أذكار الرُّكوع المعروفة تُقال جميعاً عند عامَّة العلماء. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ قَائلاً إِمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه». قوله: «ثم يرفع رأسه» مراده: يرفعُ رأسَه وظهرَه، لأنَّ المؤلِّفَ قال: «ثم يركع» والرُّكوع هو انحناء الظَّهر. قوله: «ويديه» أي: ويرفع يديه، والمراد إلى حذو منكبيه، كما سَبَقَ في رفعهما عند تكبيرة الإحرام. ورفعهما هنا سُنَّة ثَبَتَت في حديث ابنِ عُمر رضي الله عنهما الثابت في «الصحيحين» وغيرهما أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يرفعُ يديه إذا كَبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رَفَعَ مِن الرُّكوعِ» (¬2). قوله: «قائلاً إمام ومنفرد: سَمِع الله لمن حمده». «قائلاً» حال من فاعل «يرفع» إذاً؛ فيكون القول في حال الرَّفْعِ، ويكون هذا الذِّكْرُ «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه» مِن أذكار الرَّفْعِ، فلا يُقال قبل الرَّفْعِ، ولا يُؤخَّر لما بعدَه، ويُقال في هذا ما قيل في التكبير للرُّكوعِ، فمن العلماء من قال: يجب أن يكون قوله: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه» ما بين النهوض إلى الاعتدال، فإن قاله قبل أن ينهض، أو أخَّرَ بعضه، أو كلَّه حتى اعتدل فلا عِبْرة به. لكن؛ سَبَقَ لنا أن الأمر في هذا واسعٌ، وأنه لا ينبغي إلحاق الحَرَجِ بالنَّاسِ في هذا الأمر (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: ص (52). (¬2) تقدم تخريجه ص (26). (¬3) انظر: ص (87).

قوله: «إمام ومنفرد» خَرَجَ به المأمومُ، وسيأتي الكلامُ عليه إن شاء الله. وقوله: «سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه»: سمع: مِن المعروف أنَّها تتعدَّى بنفسها كما قال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] وهنا تعدَّت باللام، ولا يمكن أن نقول: إنَّ تعديتها باللام مِن أجل ضَعْفِ العامل، لأن العامل هنا فِعْلٌ، وهو الأصل في العمل، ولكن نقول: تعدَّت باللام؛ لأنها ضُمِّنت معنى فعل يُعدَّى باللام. وأقربُ فِعْلٍ يتناسب مع هذا الفعل «استجاب» قال الله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} الآية [آل عمران: 195] وعلى هذا؛ فمعنى «سَمِعَ» أي: استجابَ، وهذا هو المراد بدلالة اللفظ ودلالة المقام عليه. أما دلالة اللفظ: فهو تعدِّي الفعل باللام. وأما دلالة المقام: فلأن مجرَّدَ السَّمْعِ لا يستفيدُ منه الحامدُ، إنَّما يستفيد بالاستجابة، فإن الله يسمعُ مَنْ يحمدُه، ومَنْ لم يحمدْه. وقوله: «سمع الله لمن حمده» سَبَقَ أنَّ «الحَمْد» هو: وَصْفُ المحمود بالكمال مع المحبَّة والتَّعظيم (¬1). ولكن قد يقول قائل: كيف تقولون بأن «سَمِعَ» بمعنى: استجاب، والحمد ليس فيه دعاء؟ ¬

_ (¬1) انظر: ص (42).

وبعد قيامهما: «ربنا ولك الحمد، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد»

الجواب على ذلك: أن نقول: إنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ، فإنه قد دعا رَبَّه بلسان الحال؛ لأن الذي يحمَدُ اللهَ يرجو الثَّوابَ، فإذا كان يرجو الثَّوابَ فإن الثناء على الله بالحَمْد والذِّكر والتكبير متضمِّنٌ للدُّعاء؛ لأنه لم يَحمَدِ الله إلا رجاءَ الثَّوابِ، فيكون قولنا: «استجاب»؛ مناسباً تماماً لذلك. وقوله: «سمع الله لمن حمده» لا بُدَّ أن يكون بهذا اللفظ، فلو قال: استجاب الله لمن أثنى عليه فلا يصحُّ؛ لأن هذا ذِكْرٌ واجبٌ، فيُقتصرُ فيه على الوارد، ولا بُدَّ أن يكون على هذا الترتيب: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه» فلو قال: اللهُ سَمِعَ لمن حَمِدَه، لم يصحَّ، ولو قال: لمَن حَمِدَه سَمِعَ اللهُ، لم يصحَّ أيضاً؛ لأن السُّنَّة وردت هكذا، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (¬1) ولأنه ذِكْرٌ واجبٌ فوجب الاقتصار فيه على الوارد. وَبَعْدَ قِيَامِهِمَا: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَماء، ومِلْءَ الأَرْض، ومِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» ........... قوله: «وبعد قيامهما ربَّنا ولك الحمد، ملءَ السماء، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد». الضمير: يعودُ على الإِمامِ والمنفرد، أي: بعد قيامهما يقولان: ربَّنا ولك الحمدُ، ملءَ السماء، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت مِن شيءٍ بعدُ. ولم يذكر المؤلِّف غير هذه الصيغة: «ربنا ولك الحمد» فهل هذا يقتضي أن تكون هي الواجبة؟ يحتمل أن يكون هذا، ويحتمل ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (27).

أن المؤلِّف اقتصر على هذه الصيغة طلباً للاختصار، وعلى كلٍّ؛ فهذه الصيغة لها أربع صفات: الصفة الأولى: رَبَّنا ولك الحمدُ (¬1). الصفة الثانية: رَبَّنا لك الحمدُ (¬2). الصفة الثالثة: اللَّهُمَّ رَبَّنا لك الحمدُ (¬3). الصفة الرابعة: اللَّهُمَّ رَبَّنا ولك الحمدُ (¬4). وكلُّ واحدة من هذه الصِّفات مجزئة، ولكن الأفضل أن يقول هذا أحياناً، وهذا أحياناً، على القاعدة التي قرَّرناها فيما سبق، مِن أنَّ العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة الأفضلُ فيها فِعْلُها على هذه الوجوه. وذكرنا أن في ذلك ثلاث فوائد (¬5) وهي: 1 ـ المحافظة على السُّنَّة. 2 ـ اتِّباع السُّنَّة. 3 ـ حضور القلب. لأنَّ الإِنسانَ إذا صار مستمرًّا على صيغة واحدة؛ صار كالآلة يقولها وهو لا يشعر، فإذا كان يُغيِّرُ، يقول هذا أحياناً، وهذا أحياناً؛ صار ذلك أدعى لحضور قلبه. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة (732)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (411) (77). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من الركوع (789). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا ولك الحمد (796)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين (409) (71). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع (795). (¬5) انظر: ص (30).

وقوله: «سمع الله لمن حمده» وبعد قيامهما: «ربَّنا ولك الحمد». الحمدُ: وصف المحمود بالكمال مع المحبَّة والتَّعظيم، فيُقال: حَمِدَ فلانٌ رَبَّه، أي: وَصَفَه بصفات الكمال مع محبَّته وتعظيمه، وأنه ذو احترام في قلبه. قال ابن القيم: وبهذا يُعرف الفَرْقُ بين الحَمْدِ والمدح؛ فإنَّ المدحَ: وَصْفُ الممدوح بالكمال، أو بالصِّفات الحميدة، لكن لا يلزم منه أن يكون محبوباً معظَّماً، فقد يمدحُه مِن أجل أن ينالَ غَرَضاً له، وقد يمدحُه مِن أجل أن يتَّقي شَرَّه، لكن؛ الحمدُ لا يكون إلا مع محبَّةٍ وتعظيمٍ. وبهذا نعرف قوَّةَ سِرِّ اللغةِ العربيةِ، حيث إن الحروف واحدة هنا «حمد» و «مدح» لكن لما اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى. وأمَّا من عَرَّفَ «الحَمْدَ» بأنه: الثناء بالجميل الاختياري، فهذا قاصر: أولاً: لأن الثناء أخصُّ من المدح؛ لأن الثناء هو مدحٌ مكرَّر كما جاء في الحديث القدسي الصحيح: «أن الإِنسان إذا قال: الحمد لله رَبِّ العالمين، قال الله: حَمِدَني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عَليَّ عبدي» (¬1) ففرَّقَ اللهُ سبحانه وتعالى بين الحَمْدِ والثناء. ثانياً: أنه بالجميل الاختياري يخرجُ الحَمْدُ على كمال الصِّفات اللازمة؛ التي لا تتعدَّى كالعظمة والكبرياء، وما أشبه ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (57).

ذلك، والله تعالى محمود على صفات الكمال اللازمة، وصفات الكمال المتعدية، فهو محمودٌ على كمالِهِ ومحمودٌ على إحسانِهِ سبحانه وتعالى. وقوله: «ملءَ السماء، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد». ملءَ: صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: حمداً ملء، وحمداً المحذوفة منصوبة على المصدر، والعامل فيها المصدر في قوله: «رَبَّنَا ولك الحمدُ». وقوله: «ملءَ السماء» هكذا قال المؤلِّف بلفظ الإِفراد، وأكثرُ الرِّوايات الواردة في هذا عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بلفظ الجمع «مِلءَ السماواتِ ومِلءَ الأرضِ» (¬1) وفي روايةٍ لمسلم: «مِلءَ السماء» (¬2) وقوله: «مِلءَ الأرض»، جاء بها مفردة؛ لأن هذا هو التعبير القرآني، فالله سبحانه وتعالى في القرآن يعبِّر عن الأرض بالإِفراد، وعن السماوات بالجمع غالباً. وقوله: «ملءَ السماء والأرض». قال بعضُ أهل العِلم (¬3): معناه أنه لو كان الحَمْدُ أجساماً لملأ السَّماءَ والأرضَ، فيكون ملأهما بالحجم. ولكن؛ الصحيحُ خِلافُ ذلك، وأن معنى قوله: مِلءَ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (476) (202). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (476) (204). (¬3) انظر: «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 47).

ومأموم في رفعه: «ربنا ولك الحمد فقط»

السَّماءِ: هو أنَّ الله سبحانه وتعالى محمودٌ على كلِّ مخلوق يخلُقُه، وعلى كلِّ فِعْلٍ يفعلُهُ. ومعلومٌ أن السماواتِ والأرضَ بما فيها كلُّها مِن خَلْقِ الله، فيكون الحمدُ حينئذٍ مالئاً للسماوات والأرض؛ لأن المخلوقات تملأ السَّماواتِ والأرضَ. وهذا أَولى؛ لأن الإِنسانَ يستحضرُ به أنَّ الله محمودٌ على كلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ، وعلى كُلِّ خَلْقٍ خَلَقَهُ. أمَّا أن يُقدَّر أنه أجسامٌ متراكمة فهذه أيضاً تختلف؛ لأن الأجسامَ قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، ومعلومٌ الفَرْقَ بين ما مُلِئ بأجسام صغيرة، وما مُلِئ بأجسامٍ كبيرة؛ لأن ما مُلِئ بأجسام كبيرة في الغالب يكون فيه فراغات، وقَدِّرْ ذلك بصاع مِن الأقط المقروص الذي جُعل كالقُرصان، وصاعٍ من الرُّزِّ تجد الفراغات الكثيرة في الأول دون الثاني. وقوله: «وملء ما شئت من شيء بعد» تحتمل معنيين: أحدهما: أن يُراد بذلك ما سِوَى السَّماواتِ والأرضِ مما لا نعلمُه. والثاني: أن يُراد بذلك ما يشاؤه تعالى بعد فناء السَّماءِ والأرضِ. والأول أشمل. تنبيه: في بعض روايات مسلم: «وملءَ ما بينهما». والأكثر على حَذْفِها، وإنْ أتى بها أحياناً فَحَسنٌ. ومَأْمُومٌ فِي رَفْعِهِ: «رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ فَقَطْ» ............ قوله: «ومأموم في رفعه»، أي: أنَّ المأمومَ يقول في حال الرَّفْعِ: «رَبَّنا ولك الحمدُ» أما الإِمامُ والمنفردُ فيقول في رَفْعِهِ: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه». قوله: «فقط» بمعنى: فحسب، يعني: لا يزيد على ذلك،

فيقتصر على ذلك ويقفُ ساكتاً، والدَّليلُ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قال الإِمامُ: سَمِعَ اللهُ لمن حِمِدَه؛ فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ» (¬1). ولكن عند التأمل نجد أنَّ هذا القولَ ضعيفٌ، وأنَّ الحديثَ لا يدلُّ عليه، وأنَّ المأموم ينبغي أن يقول كما يقول الإِمامُ والمنفردُ، يعني: يقول بعد رَفْعِهِ: «مِلءَ السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» وذلك لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ» فَجَعَلَ قولَ المأموم: «رَبَّنا ولك الحمدُ» معادلاً لقول الإمام: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه»، والإِمام يقول: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه» في حال الرَّفْعِ، فيكون المأموم في حال الرَّفْعِ يقول: «رَبَّنا ولك الحمدُ»، أما بعد القيام فيقول: «مِلءَ السماوات ... » إلخ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (¬2) وهذا هو القول الرَّاجح في هذه المسألة. وعُلِمَ مِن كلام المؤلِّف: أنَّ المأمومَ لا يقول: «سَمِعَ اللهِ لمَن حَمِدَه» وهو كذلك. فإذا قال قائل: ما الجوابُ عن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي»، وقد كان يقول: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه» فيقتضي أنَّ المأمومَ يقول ذلك؟. فالجوابُ على هذا سهلٌ: وهو أن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» عامٌ، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه»، فقولوا: «رَبَّنا ولك الحمدُ» فهذا خاصٌّ، والخاصُّ يقضي على العامِّ، فيكون المأموم مُستثنى مِن هذا العموم بالنسبة لقول: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (98). (¬2) تقدم تخريجه ص (27).

«سَمِعَ الله لمَن حَمِدَه» فإنه يقول: رَبَّنا ولك الحمدُ. وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنَّه لا يزيدُ على هذا الذِّكر بعد القيام مِن الرُّكوع، ولكن الصَّحيح أنه يزيد ما جاءت به السُّنَّةُ مثل: «أهلَ الثناءِ والمَجْدِ، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عَبدٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعطِيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» (¬1). وعلى هذا، فالظَّاهرُ: أنَّ المؤلِّف حذفَ هذه الجملةَ اقتصاراً أو اختصاراً، إن كان اختصاراً فالمعنى: أن المؤلِّف اقتصر على بعض الذِّكر الوارد، وإذا كان اقتصاراً فالمعنى: أن المؤلِّفَ يرى ألا يقول سواها، بل يقتصر على هذا. ولكن الذي يظهر أنه حذفها اقتصاراً؛ لأن المقام مقام ذِكْرٍ، والذِّكرُ ينبغي أن يُذكر كلُّ ما فيه؛ إلا أن يدَّعي مُدَّعٍ أن المؤلِّف رأى أنَّ هذا الكتابَ مختصرٌ فاختصرَ. تتمة: لم يذكر المؤلِّفُ رحمه الله ماذا يصنع بيديه بعد الرَّفع من الرُّكوع، هل يعيدهما على ما كانتا عليه قبل الرُّكوعِ؛ فيضعُ يدَه اليُمنى على ذراعه اليُسرى، أو يرسلهما؟ والمنصوص عن الإِمام أحمد رحمه الله: أن الإِنسان يُخيَّر بين إرسالهما، وبين وَضْعِ اليد اليُمنى على اليُسرى. وكأن الإِمام أحمد رحمه الله رأى ذلك؛ لأنه ليس في السُّنَّة ما هو صريح في هذا، فرأى أنَّ الإِنسان مخيَّرٌ. وهذا كما يقول بعض العلماء في ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (100).

ثم يخر مكبرا ساجدا

مثل هذه المسألة: الأمرُ في ذلك واسع. ولكن الذي يظهر أن السُّنَّة وَضْعُ اليد اليُمنى على ذراع اليُسرى؛ لعموم حديث سهل بن سعد الثابت في «صحيح البخاري»: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (¬1) فإنك إذا نظرتَ لعموم هذا الحديث: «في الصَّلاة» ولم يقل في القيام تبيَّن لك أن القيام بعد الرُّكوع يُشرع فيه الوضع، لأن الصَّلاةَ اليدان فيها حال الركوع: تكونان على الرُّكبتين، وفي حال السُّجودِ: على الأرض، وفي حال الجلوس: على الفخذين، وفي حال القيام ـ ويشمل ما قبل الرُّكوعِ وما بعدَ الرُّكوعِ ـ يَضَعَ الإِنسانُ يدَه اليُمنى على ذراعِهِ اليُسرى، وهذا هو الصحيح. ثُمَّ يَخِرُّ مُكَبِّراً ساجداً ............. قوله: «ثم يخرُّ مكبِّراً ساجداً». «ثم» حرف عطف يفيدُ الترتيب والتَّراخي، ولم يبيِّن المؤلِّفُ رحمه الله مقدار هذا التَّراخي، ولكن قد دلَّت السُّنَّةُ مِن حديث البراء بن عازب وغيره أن هذا القيام ـ أعني الاعتدال بعد الرُّكوع ـ يكون بمقدار الرُّكوع تقريباً، فقد قال البراء بن عازب رضي الله عنه: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مع محمد صلّى الله عليه وسلّم فوجدت قيامَهُ فركعَتَه، فاعتدَالَه بعد رُكُوعه، فسجدَتَهُ، فجلسَتَهُ بين السَّجدتين، فسجدَتَه، فجلسَتَه ما بين التسليم والانصراف قريباً من السَّواء» (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (36). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه (792)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام (471) (193).

وعلى هذا؛ فالسُّنَّة الواردةُ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام إطالة هذا الرُّكن أعني: ما بين الرُّكوعِ والسُّجودِ خلافاً لمن كان يُسرعُ فيه، بل لمن كان لا يطمئنُّ فيه، كما نشاهدُه من بعض المصلِّين، من حين أن يرفعَ من الرُّكوع يسجد، فالذي يفعل هذا ـ أي: لا يطمئنُّ بعد الرُّكوع ـ صلاتُه باطلة؛ لأنه تَرَكَ رُكناً مِن أركان الصَّلاةِ. وقد رأى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم رَجُلاً يُصلِّي ولا يطمئنُّ، فَصلَّى الرَّجُلُ ثلاث مرَّات، وكلُّها يقول فيها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «ارجعْ فصلِّ فإنك لم تُصلِّ» (¬1). والآفةُ التي جاءت المسلمين في هذا الرُّكن: القيام بعد الرُّكوعِ، وفي الرُّكن الذي بين السجدتين كما يقول شيخ الإِسلام: إنَّ هذا من بعض أمراء بني أميَّة، فإنهم كانوا لا يطيلون هذين الرُّكنين، والنَّاسُ على دين ملوكهم، فتلقّى النَّاسُ عنهم التَّخفيفَ في هذين الرُّكنين فظنَّ كثيرٌ من النَّاسِ أنَّ ذلك هو السُّنَّة، فماتت السُّنَّةُ حتى صار إظهارُها من المنكر، أو يكاد يكون منكراً، حتى إن الإِنسان إذا أطال فيهما ظَنَّ الظَّانُّ أنه قد نسيَ أو وَهِمَ. وبناءً على ذلك؛ في صلاة الكُسوف يُطيل الرُّكوع إطالةً طويلةً، فإذا رَفَعَ من الرُّكوع الثاني فإنه ـ أيضاً ـ يُطيل القيام نحواً من الرُّكوع، ولكن ماذا يقول؟ إنْ كان يعرف ما وَرَدَ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في هذا المقام قاله، وإن كان لا يعرفُ كرَّرَ الحمدَ، لأن هذا الرُّكن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (19).

ذِكْرُه الحَمْدُ من حين الرَّفْع، ولو قلت: «لربِّي الحَمْد» (¬1)، «رَبِّي ولك الحَمْد» وما أشبه ذلك من الكلمات كفى. وقوله: «ثم يَخِرُّ مكبِّراً ساجداً». «مكبراً» حال من فاعل «يَخِرُّ» والحال الأصل فيها أنها مقارنة للفعل، فإذا قلت مثلاً: جاء زيدٌ راكباً، فركوبُه حين مجيئه، فيكون التَّكبير إذاً حالَ الخُرور من القيام إلى السُّجودِ، وكذلك جميع تكبيرات الانتقال، محلُّها ما بين الرُّكنِ الذي انتقلتَ منه، والرُّكن الذي انتقلتَ إليه، وقد سبق لنا البحث في هذا. ولم يذكر المؤلِّفُ رحمه الله رَفْعَ اليدين، فهل هذا مِن باب الاختصار، أو الاقتصار، أو العمد؟ الجواب: الثالث من باب العَمْد؛ لأن رَفْعَ اليدين عند السُّجودِ ليس بسُنَّة، فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما ـ وهو مِن أشدِّ النَّاسِ حِرصاً على السُّنَّةِ، وأضبط النَّاسِ لها ـ أنه ذكر «أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يرفع يديه إذا كَبَّرَ للإِحرام، وإذا كَبَّرَ للرُّكوع، وإذا رَفَعَ من الرُّكوع قال: وكان لا يفعل ذلك في السُّجودِ» (¬2) يعني: لا إذا سَجَدَ، ولا إذا قام من السُّجودِ. والرَّجُلُ قد ضَبَطَ وفَصَّلَ وبَيَّنَ، وليس هذا من باب النفي المجرَّد، هذا نفيٌ يدلُّ على إثبات تَرْكِ الفعل؛ لأن الرَّجُلَ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 398)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (874)؛ والنسائي، كتاب التطبيق، باب ما يقول في قيامه ذلك (1070)؛ وصحَّحه ابن القيِّم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد» (1/ 221). (¬2) تقدم تخريجه ص (26).

قد تحرَّى الصَّلاةَ وضَبَطَ تكبيرَه ورَفْعَه عند الدُّخول في الصَّلاةِ، وعند الرُّكوع، وعند الرَّفع منه، فأثبت التَّكبيرَ والرَّفْعَ في ثلاثة مواضع، ونَفَى الرَّفعَ في السُّجود وعند القيام من السُّجود. وعلى هذا؛ فليس من السُّنَّة أن يرفعَ يديه إذا سَجَدَ. وقد رُويَ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه كان يرفع يديه في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ. ولكن الحافظ ابن القيم (¬1) رحمه الله ذكر أن هذا وَهْمٌ، وأن صواب الحديث: «كان يكبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ» (¬2) ووَجْهُ الوَهْمِ فيه حديثُ ابن عُمر؛ فإنه صريحٌ بعدم الرَّفْعِ عند السُّجودِ، وعند الرَّفْعِ من السُّجودِ، وليس هذا من باب تعارض مثبت ومنفي؛ حتى نقول بالقاعدة المشهورة: إن المثبتَ مقدَّم على النَّافي؛ لأنَّ النفي هنا في قوة الإِثبات، فإنه رَجُلٌ يحكي عن عَمَلٍ واحد فَصَّلَه، قال: هذا فيه كذا وأثبته، وهذا ليس فيه كذا ونَفَاه، وفَرْقُ بين النَّفْي المطلق وبين النَّفْي المقرون بالتفصيل، فإن النَّفْيِ المقرون بالتفصيل دليلٌ على أن صاحبَه قد ضَبَطَ حتى وصل إلى هذه الحال، عرف ما ثبت فيه الرَّفْعُ وما لم يثبت فيه الرَّفْعُ، وعلى هذا فنقول: إن حديث ابن عُمرَ الثابتَ في «الصحيحين» مقدَّمٌ على ذلك الحديث الضَّعيف، والوهم فيه قريب. فإذا قال قائل: ما الفَرْقُ بين الهوي للرُّكوعِ والهوي للسُّجودِ، أليس كلٌّ منهما انتقالاً من أعلى إلى أسفل؟ ¬

_ (¬1) في «زاد المعاد» (1/ 215). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 386، 442، 443)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في التكبير عند الركوع والسجود (253) وقال: «حديث حسن صحيح».

على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه

فالجواب: بلى، ولكن العبادات مبنيَّة على التوقيف، فلا قياس فيها، ولو دخل القياس في صفات العبادات، وما أشبهها لضاع انضباطُ النَّاسِ، ولصار كلُّ إنسان يقيس على ما يريد، أو على ما يظنُّ أن القياسَ فيه تامُّ الأركان، ويضيع الاتفاق بين الأمة في عبادتهم التي يتقرَّبون بها إلى الله عزّ وجل. وقوله: «ساجداً». حال من فاعل «يَخِرُّ» ولكنها حالٌ لاحقة؛ لأن هذه الحال ـ أعني: السجود ـ لا تكون في حال الخُرور، ولكنها تكون بعد انتهاء الخُرور، فهي حالٌ لاحقة، والسُّجود بحيث تتساوى أطرافه العليا والسُّفلى، فلو فُرض أنه سَجَدَ على شيء مرتفع منزلق، وصار إلى القعود أقرب منه إلى السجود، فإن ذلك لا يُعَدُّ سجوداً، فلا بُدَّ من تساوي الأعالي والأسافل، أو على الأقل أن يكون إلى السُّجودِ التام أقربَ منه إلى الجلوس التام؛ فيما لو كانت الأرض متصاعدة. عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاء: رِجْلَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتِهِ مَعَ أَنْفِهِ قوله: «على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه». قال: «سبعة أعضاء» وبيَّنها قال: رجليه، ثم ركبتيه، ـ أربعة. ثم يديه ـ ستة. ثم جبهته مع أنفه ـ سبعة. والواقع أن الجبهة والأنف ليسا شيئاً واحداً، لكن الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ألحق الأنفَ بالجبهة إلحاقاً، والدَّليل على

ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أُمِرْتُ أن أسجُدَ على سَبْعَة أعظُم: على الجبهة ـ وأشار بيده على أنفه ـ، واليدين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين، ولا نَكْفِتَ الثِّيابَ والشَّعْرَ» (¬1) وهنا لو كان الأنفُ من الجبهة حكماً وحقيقةً ما أشار إليه، ولو كان عضواً مستقلاً لنصَّ عليه، وجَعَله مستقلاً، فكانت الأعضاءُ ثمانية. إذاً فهو تابع، فهو من الجبهة حُكماً لا حقيقة، ولهذا أشار إليه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إشارة. وقوله: «ثم يديه» أي: كفَّيه، كما في الحديث؛ لأن اليَد عند الإِطلاق هي الكفُّ فقط، كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} الآية [المائدة: 38]، وقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} الآية [المائدة: 6]، فالمراد باليدين في الآيتين الكفُّ، ولهذا يُقطع السارقُ مِن مفصلِ الكفِّ، وفي التيمم أرى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عمارَ بن ياسر كيف مَسْح اليدين، فمسحَ ظاهرَ كفَّيه، ومسحَ الشمالَ على اليمين (¬2). إذاً؛ كلامُ المؤلِّف لا يُعارِض الحديثَ، لأن اليدين عند الإِطلاق يُراد بهما الكفُّ، وأما إذا قُيِّدت اليدُ فعلى حسب ما قُيِّدت به، كما في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الآية [المائدة: 6]. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف (812)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة (490) (230). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 394).

وقوله: «ثم جبهته مع أنفه» لم يقل: جبهته وأنفه، أو ثم أنفه، بل قال: «مع» إشارة إلى أنَّ الأنفَ تابعٌ مصاحبٌ وهو كذلك. وبقي علينا نَظَرٌ آخر في هذه العبارة، فقوله: «على سبعة أعضاء، ... رجليه» أليس هو قائماً على رجليه مِن الأصل؟ الجواب: أنه رُبَّما يرفعهما إذا سَجَدَ، ولهذا نصَّ عليهما حتى لا يرفعهما. وقوله: «ثم ركبتيه، ثم يديه» أفادنا المؤلِّفُ بالنصِّ الصَّريح أنَّ الرُّكبتين مقدمتان على اليدين في السُّجود، كما ذَهَبَ إليه عُمرُ بنُ الخطَّاب (¬1) رضي الله عنه، وعامةُ أهلِ العِلم؛ ومنهم الأئمةُ الثلاثةُ: أحمدُ وأبو حنيفة والشافعيُّ، وهذا مقتضى النصِّ المرويِّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم من فِعْلِه، والذي ثبت عنه أو كاد يثبت من قوله، وأيضاً: هو مقتضى النظر. أمَّا أنه مقتضى النصِّ المرويِّ من فِعْلِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فلأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رُوي عنه أنَّه كان إذا سَجَدَ بدأ بركبتيه قبل يديه. (¬2) لكن هذا الحديث طَعَنَ فيه كثيرٌ من أهلِ العِلم، وقالوا: إنه ضعيف. وأما أنَّه ثَبَتَ عنه من قوله، أو كاد يثبت؛ فلحديث أبي ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، باب في الرجل إذا انحط إلى السجود أي شيء يقع منه قَبْلُ إلى الأرض (1/ 263). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه (838)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود (268) وقال: «حديث حسن غريب»؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب السجود (882).

هريرة، وهو قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا سَجَد أحدُكم فلا يَبْرُك كما يبرك البعيرُ» (¬1) فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يَبْرُكَ الرَّجلُ كما يَبْرُك البعيرُ، والبعيرُ إذا بَرَكَ يُقدِّم يديه، فيقدِّم مقدمه على مؤخره كما هو مشاهد، وقد ظَنَّ بعضُ أهل العِلم أن معنى قوله: «فلا يبرك كما يبرك البعير» يعني: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وأنه نهى أن يبركَ الإِنسانُ على رُكبتيه، وعلى هذا؛ فيقدِّم يديه، ولكن بين اللفظين فَرْقاً واضحاً، فإنَّ النهيَ في قوله: «كما يبرك» نهيٌ عن الكيفية؛ لأن الكاف للتشبيه، ولو كان اللفظ: «فلا يبرك على ما يبرك» لكان نهياً على ما يسجد عليه، وعلى هذا؛ فلا يسجد على رُكبتيه؛ لأن البعير يبرك على ركبتيه، وعلى هذا فيقدِّم يديه. وأما كونه مقتضى النظر: فلأن الوضعَ الطبيعيَّ للبدن أن ينزلَ شيئاً فشيئاً، كما أنه يقومُ مِن الأرض شيئاً فشيئاً، فإذا كان ينزلُ شيئاً فشيئاً، فالأسفلُ منه ينزل قبل الأعلى، وإذا قامَ شيئاً فشيئاً، فالأعلى يكون قبل الأسفل. وعلى هذا؛ فيكون هذا القول الذي عليه عامة أهل العِلم هو الموافق للمنقول والطبيعة، لكن مع ذلك لو أن إنساناً كان ثقيلاً، أو مريضاً، أو في ركبتيه ما يشقُّ عليه به السُّجودُ على الرُّكبتين، ففي هذه الحال لا بأس أن يُقدِّمَ اليدين، ويكون النَّهيُ ما لم يوجد سببٌ يقتضيه، فإن وُجِدَ سببٌ يقتضيه فإن هذا لا بأس به؛ لأن مبنى الدِّين الإسلامي ولله الحمد ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 381)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه (840).

على اليسر والسهولة، ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} الآية [البقرة: 185] والإرادة هنا شرعية، يعني: أن الشَّرعَ هو التيسير، وفي السُّنَّة: «بُعثتُ بالحنيفية السَّمحة» (¬1) و «يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا» (¬2). فالمقصود الوصول إلى السجود، فإن تمكَّن الإنسانُ أن يأتيَ به على الوجهِ الأكملِ فهو أكملُ، وإنْ شَقَّ عليه فإنه يفعل ما تيسَّر. ومِن العلماء مَن يقول: بل يسجدُ على يديه أولاً (¬3)، ظنًّا منه أن قوله: «فلا يبركْ كما يبركُ البعيرُ» يُراد به: فلا يبركْ على ما يَبركُ عليه البعيرُ، وقال: إن ركبتي البعير في يديه، وهذا صحيحٌ أنَّ ركبتي البعيرِ وكلُّ ذات أربع في اليدين، لكن الحديث لا يساعدُ لفظُه على هذا المعنى، وأما آخرُ الحديث المفرَّع على أوله وهو قوله: «وليضعْ يديه قبل ركبيته» ففيه انقلابٌ كما حقَّقه ابنُ القيم (¬4)؛ لأنه لو لم يكن فيه انقلابٌ لكان مناقضاً لأول الحديث، وكلامُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لا مناقضةَ فيه. ومِن الإخوة المبتدئين مَن حاول أن يجمعَ بين الأمرين، فقال: لا أُنْزل أعالي بدني، ولا أسجدُ على الرُّكبتين، أجلسُ مستوفزاً، ثم أضعُ يدي على الأرض، ثم أرفعهما إلى الأمام، فنقول: مَنْ جاء بهذه الصِّفة؟! ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 266)؛ والطبراني (8) (7868). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا (69)؛ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير (1734) (8). (¬3) انظر: «الإنصاف» (3/ 500). (¬4) انظر: «زاد المعاد» (1/ 226).

ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده

فهذه الصِّفة ما قال بها أحدٌ مِن المتقدِّمين، والجَمْعُ بين النصوص في صفةٍ تُخالفُ ما تقتضيه النصوص، وتخرج عما قاله العلماءُ خطأ، ثم إن هذا فِعْلٌ يُخالف الطبيعةَ والجِبِلَّةَ، وكلُّ فِعْلٍ يُخالفُ الطبيعةَ والجِبِلَّةَ في الصَّلاةِ يحتاجُ إلى دليل، لأن الصَّلاة عبادةٌ كلَّها بأفعالها وأقوالها، وهذه قاعدةٌ أُحِبُّ أن يُنْتَبَه لها: «كلُّ فِعْلٍ يُخالفُ مقتضى الطَّبيعةِ الحاصلةِ عند تنقلاتِ البَدَن يحتاجُ إلى دليلٍ على إثباته، ليكون مشروعاً». وبناءً على ذلك نقول: الأصلُ وَضْعُ الأعضاء على ما هي عليه بمقتضى الطَّبيعةِ حتى يقوم دليلٌ على المخالفة، ولهذا لولا أنه وَرَدَ ما يدلُّ على تطابق الرِّجلين في السُّجُودِ (¬1)، لكنا نقول: إنَّ الإنسانَ يجعلها طبيعيتين، فإذا كانت الرُّكبتان متباعدتين فلتكن القدمان كذلك، لكن لمَّا وَرَدَ ما يدلُّ على أنه يلصَقُ بعضُها ببعض، خرجنا عن هذا الأصل، فكلُّ شيء لم ينقل عن عادة البدن؛ فإنه يبقى على ما هو عليه مِن عادة البدن. وَلَوْ مَعَ حَائلٍ لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ سُجُودِهِ ........... قوله: «ولو مع حائلٍ ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ» أي: يَسجُد على الأرض؛ ولو مع حائل ليس مِن أعضاء السُّجودِ. والحائل: يشمَلُ الثوبَ، والغُترةَ، والمشلحَ، وما كان مِن جنس الأرضِ، وما كان من غير جنسها فهو عامٌّ، لكن لا بُدَّ أن يكون طاهراً؛ لأنه لا يمكن السُّجود على النَّجِسِ؛ إذ إن مِن شرط الصَّلاةِ كما سَبَقَ اجتنابُ النجاسة (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: ص (122). (¬2) انظر: (2/ 223).

قوله: «ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ» أي: لا يجوز أن يسجد على حائلٍ من أعضاء السُّجود: بأن يضع جبهته على كفَّيه مثلاً، أو يضع يديه بعضهما على بعض، أو يضع رجليه بعضهما على بعض، لأنه إذا فَعَلَ ذلك فكأنما سَجَدَ على عضوٍ واحدٍ. وقوله رحمه الله: «ولو مع حائلٍ ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ»: لم يبيِّن حُكمَ السُّجودِ على حائلٍ إذا كان مِن غير أعضاء السُّجودِ، إنما بَيَّنَ أنَّ السجودَ يجزئُ مع الحائل، فما حُكم وَضْعِ الحائل؟ قال أهلُ العلم: إن الحائل ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون متَّصلاً بالمصلِّي، فهذا يُكره أن يسجدَ عليه إلا مِنْ حَاجةٍ مثل: الثَّوب الملبوس، والمشلح الملبوس، والغترة، وما أشبهها، ودليل ذلك: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في شِدَّة الحَرِّ، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّنَ جبهتَه مِن الأرض؛ بَسَطَ ثوبَه فَسَجَدَ عليه» (¬1). فقوله: «إذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّنَ» دَلَّ على أنَّهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة، ثم التعبير بـ «إذا لم يستطع»؛ يدلُّ على أنه مكروه، لا يُفعل إلا عند الحاجة. القسم الثاني: أن يكون منفصلاً، فهذا لا بأس به ولا كراهة ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب السجود على الثوب في شدة الحر (385)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت (620) (191).

فيه؛ لأنه ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه صَلَّى على الخُمْرَة (¬1). والخُمْرة: عبارة عن خَصيف مِن النَّخْلِ، يسعُ جبهةَ المصلِّي وكفِّيه فقط، وعلى هذا فتكون الحوائل ثلاثة أقسام: 1 ـ قسم مِن أعضاء السُّجود، فهذا السُّجودُ عليه حرام، ولا يجزئ السُّجود. 2 ـ قسم من غير أعضاء السجود؛ لكنه متَّصل بالمصلِّي، فهذا مكروه، ولو فُعِلَ لأجزأ السُّجود؛ لكن مع الكراهة. 3 ـ قسم منفصل، فهذا لا بأس به، ولكن قال أهل العِلم: يُكره أن يخصَّ جبهته فقط بما يسجد عليه. وعلَّلوا ذلك: بأن هذا يشابه فِعْلَ الرافضة في صلاتِهم، فإن الرافضة يتَّخذون هذا تديناً يُصلُّون على قطعة من المَدَر كالفخَّار يصنعونها مما يسمونه «النَّجف الأشرف»، يضعون الجبهة عليه فقط، ولهذا تَجِدُ عند أبواب مساجدهم «دواليب» ممتلئة من هذه الحجارة، فإذا أراد الإنسان أن يدخل المسجد أخذ حجارة ليسجد عليها، ومنهم من يفعل ذلك؛ لأنه يرى أنه لا يجوز السجود إلا على شيء من جنس الأرض، فلا يجوز السجود على الفراش ولو من خصيف النخل، مع أنه ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سجد على خصيف النخل، كما في حديث أنس حينما غَسَل للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الخمرة (381)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات (513) (270).

الحصير الذي اسْوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ وصَلَّى عليه صلّى الله عليه وسلّم (¬1). والسُّجود على هذه الأعضاء السَّبعة واجب في كل حال السُّجود، بمعنى أنه لا يجوز أن يرفع عضواً من أعضائه حال سجوده، لا يداً، ولا رِجْلاً، ولا أنفاً، ولا جبهة، ولا شيئاً من هذه الأعضاء السبعة. فإن فَعَلَ؛ فإن كان في جميع حال السجود فلا شَكَّ أن سجوده لا يصحُّ؛ لأنه نقص عضواً من الأعضاء التي يجب أن يسجد عليها. وأمَّا إن كان في أثناء السجود؛ بمعنى أن رَجُلاً حَكَّته رِجْلُهُ مثلاً فَحَكَّها بالرِّجْلِ الأخرى فهذا محلُّ نظر، قد يُقال: إنها لا تصحُّ صلاته لأنه تَرَكَ هذا الرُّكن في بعض السجود. وقد يُقال: إنه يجزئه لأن العبرة بالأَعمِّ والأكثر، فإذا كان الأعمُّ والأكثر أنه ساجد على الأعضاء السبعة أجزأه، وعلى هذا فيكون الاحتياط: ألا يرفع شيئاً وليصبر حتى لو أصابته حِكة في يده مثلاً، أو في فخذه، أو في رِجْلِهِ فليصبر حتى يقومَ من السُّجود. مسألة: إذا عَجَزَ عن السُّجود ببعض الأعضاء فماذا يصنع؟ الجواب: لدينا قاعدةٌ؛ وهي قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير (380)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات (658) (266).

استطعتم» (¬1). فإذا قُدِّرَ أنَّ إحدى يديه جريحة، لا يستطيع أن يسجدَ عليها، فليسجدْ على بقية الأعضاء؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وإذا قُدِّر أنه قد عَمل عمليَّة في عينيه، وقيل له: لا تسجدْ على الأرض؛ فليومئ ما أمكنه، وليضع مِن أعضاء السجود ما أمكنه. وأما قول بعض الفقهاء: من عَجَزَ عن السُّجودِ بالجبهة لم يلزمه بغيرها (¬2)، فهذا مُسلَّمٌ في بعض الأحوال، مُسَلَّم فيما إذا كان لا يستطيع أن ينحني؛ بحيث يكون إلى السُّجود التامِّ؛ أقرب منه إلى الاعتدال التامِّ، فهذا لا يلزمُه السُّجود. أما إذا كان يستطيع أن يومئ؛ بحيث يكون إلى السُّجود التامِّ؛ أقرب منه إلى الجلوس التامِّ، فهذا يلزمه أن يسجدَ ببقية الأعضاء؛ فيدنو من الأرضِ بِقَدْرِ ما يمكنه؛ ثم يضع يديه. فإذا قال قائل: ما هو الدَّليل على هذا؟ فالجواب: أنَّ الدَّليل: أننا أمرنا بالسُّجودِ، وأمرنا أن نتَّقي الله ما استطعنا، فإذا كنا نستطيع أن نَقْرُبَ إلى السُّجودِ التامِّ وَجَبَ أن نَقْرُبَ؛ لأننا نكون كهيئة السَّاجدِ الذي رَفَعَ جبهته. أما إذا كُنَّا لا نستطيع أن ندنو إلى الأرض؛ بحيث نكون إلى السُّجودِ أقربَ؛ ففرضنا حينئذٍ الإيماء، فيومئ الإنسان ولا يلزمه أن يضع يديه أو ركبتيه على الأرض. والحكمة مِن السُّجودِ: أنه مِن كمال التعبُّد لله والذُّلِّ له، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 381). (¬2) انظر: «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 54).

فإن الإنسان يضع أشرف ما فيه وهو وجهه؛ بحذاء أسفل ما فيه وهو قدمه. وأيضاً: يضعه على موطء الأقدام، يفعل كلَّ هذا تعبُّداً لله تعالى وتقرُّباً إليه. ومِن أجل هذا التَّطامن والنزول الذي فَعَلَهُ لله تعالى صار أقرب ما يكون الإنسان من رَبِّه وهو ساجد، مع أنه لو قام لكان أعلى وأقرب، لكن لنزوله لله عزَّ وجلَّ صار أقرب إلى الله، «فما تواضعَ أحدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللَّهُ» (¬1). هذه هي الحكمة والسِّرُّ في هذا السجود العظيم، ولهذا ينبغي لنا أن تسجد قلوبُنا قبل أن تسجدَ جوارحنا؛ بأن يشعر الإنسان بهذا الذُّلِّ والتَّطامن والتواضع لله عزَّ وجلَّ، حتى يدرك لذَّةَ السُّجود وحلاوته، ويعرف أنَّه أقرب ما يكون إلى الله. وهذا المعنى قد يغفل عنه أصحابُ الظَّواهر الذين يريدون أن يُجمِّلُوا الطاعات بظاهرها، وهم يُحمدون على هذا، ولا شَكَّ أنَّنا مأمورون أن نُجَمِّلَ الطاعات بظواهرها، بتمام الاتِّباعِ وكماله، لكن هناك شيءٌ آخر يَغْفُلُ عنه كثيرٌ من الناس؛ ويعتني به أربابُ السُّلوكِ، وهو تكميل الباطن؛ بحيث يركعُ القلبُ قبل رُكوع البدن، ويسجد قبل سجودِ البدن، ولكن قد يُقصِّر أربابُ السُّلوكِ الذين يعتنون بالبواطن في إصلاح الظواهر؛ فتجدهم يُخِلُّون كثيراً في إصلاح الظواهر، والكمال هو إصلاح الأمرين جميعاً؛ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع (2588) (69).

والعنايةُ بكمالهما جميعاً؛ بكمال البواطن وكمال الظواهر. وإنِّي والله، وأشهد الله، أننا لو أقمنا الصَّلاةَ كما ينبغي؛ لكُنَّا كُلَّما خرجنا من صلاة؛ نخرج بإيمان جديد قوي؛ لأن الله يقول: {اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} الآية [العنكبوت: 45]. لكن؛ نسألُ اللهَ أن يعاملنا بعفوه؛ ندخل فيها بقلب ونخرج بقلب، هو القلب الأول؛ لأننا لا نأتي بما ينبغي أن نأتيَ به مِن خضوع القلب وحضوره؛ وشعوره بهذه التنقُّلات؛ التي هي رياض متنوِّعة وأفعال مختلفة، وأقوال هي ما بين قراءة كلام الله عزَّ وجلَّ، وذكره وتعظيمه، وتكبيره ودعائه، والثناء عليه، ووصفه بأكمل الصفات «التحيات لله والصلوات ... إلخ»، فهي رياض عظيمة، لكن فينا قصور مِن جهة مراعاة هذه الأسرار. وقد وَرَدَ في الحديث: «إن الله حَرَّمَ على النَّار أن تأكل أثَرَ السُّجود» (¬1) فيمن يدخل النارَ من العُصاة؛ لأن عُصاةَ المؤمنين إذا لم يَتُبِ الله عليهم، ولم يكن لهم حسنات ترجح على سيئاتهم، فإنهم يُعذَّبون بالنار بقَدْرِ ذنوبهم؛ لكن أعضاء السُّجود محترمة لا تأكلها النار، ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم: يا ربِّ أعضاءَ السُّجودِ أعتقتَها ... مِن فَضْلِكَ الوافي وأنت الباقي والعتقُ يسري في الغني يا ذا الغنى ... فامْنُنْ على الفاني بعتق الباقي ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود (806)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (182) (299).

ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويفرق ركبتيه

فتوسَّلَ إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يعتق جميعَ البَدَنِ لسريان العتق إليه. وَيُجَافِي عَضُدَيْه عَنْ جَنْبَيْه، وبَطْنهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، .......... قوله: «ويجافي عضديه عن جنبيه». الفاعل المُصلِّي السَّاجد، يجافي عضديه عن جنبيه، يعني: يبعدهما؛ لأنه ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه كان يفعل ذلك، حتى إنَّ الصحابة يرِقُّون له من شدَّة مجافاته صلوات الله وسلامه عليه (¬1)، وحتى إنه ليُرى بياضُ إبطه من شدَّة مجافاته (¬2)، وحتى إنه لو شاءت أن تمرَّ البَهْمَةُ ـ وهي صغار الغنم ـ من تحته لمرَّت من شدَّة مجافاته (¬3). ويُسْتثنى من ذلك: ما إذا كان في الجماعة؛ وخشي أن يؤذي جاره، فإنه لا يُستحبُّ له؛ لأذيَّة جاره، وذلك لأن هذه المجافاة سُنَّةٌ، والإيذاء أقلُّ أحواله الكراهة، ولا يمكن أن يفعل شيء مكروه مؤذٍ لجاره مشوِّش عليه من أجل سُنَّة، ولهذا استثنى العلماء رحمهم الله ذلك، فقالوا: ما لم يؤذِ جاره، فإن آذى جاره فلا يفعل. ولكن اعلمْ أنك متى تركت السُّنَّةَ لدرء المفسدة ـ والله يعلم أنه لولا ذلك لفعلت ـ فإنه يكتب لك أجرها، فإن الرَّجُلَ إذا تَرَكَ العملَ لله عوَّضه الله عزَّ وجلَّ، بل حتى إذا تركه بغير اختياره، قال صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مَرِضَ العبدُ، أو سافرَ، كُتِبَ له مثلُ ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً» (¬4). ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 30)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب صفة السجود (900)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب السجود (886). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب يُبدي ضبعيه ويجافي في السجود (390)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود ... (495) (235). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود (496) (237). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة (2996).

قوله: «وبطنَه عن فَخِذَيهِ». أي: يرفعه عن فخذيه، وكذلك أيضاً يرفع الفخذين عن الساقين، فهذه ثلاثة أشياء: 1 ـ التَّجافي بالعَضُدين عن الجنبين. 2 ـ وبالبطن عن الفخذين. 3 ـ وبالفخذين عن السَّاقين. ولهذا قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اعتدلوا في السُّجود» (¬1) أي: اجعلوه سجوداً معتدلاً، لا تهصرون فينزل البطنُ على الفخذ، والفخذ على السَّاق، ولا تمتدُّون أيضاً؛ كما يفعل بعضُ الناس إذا سجد يمتدُّ حتى يَقْرُبَ من الانبطاح، فهذا لا شَكَّ أنه من البدع، وليس بسُنَّة، فما ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا عن الصَّحابةِ ـ فيما نعلم ـ أن الإنسان يمدُّ ظهره في السُّجود، إنما مدُّ الظهر في حال الرُّكوع. أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمدُّه. قوله: «ويفرق ركبتيه». أي: لا يضمُّ ركبتيه بعضهما إلى بعض، بل يفرِّقُهما، وأما القدمان فقد اختلف العلماءُ في ذلك: فمِن العلماء من يقول: إنه يفرِّق قدميه أيضاً (¬2)، لأن القدمين تابعان للساقين والرُّكبتين، فإذا كانت السُّنَّة تفريق الرُّكبتين، فلتكن السُّنَّة أيضاً تفريق القدمين، حتى إن بعض الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قدَّروا ذلك بأن يكون بينهما مقدار شبر بالتفريق. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب لا يفترش ذراعيه في السجود (822)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود (493) (233). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 202).

ولكن الذي يظهر مِن السُّنَّة: أن القدمين تكونان مرصوصتين، يعني: يرصُّ القدمين بعضهما ببعض، كما في «الصحيح» من حديث عائشة حين فَقَدَتِ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فوقعت يدُها على بطن قدميه، وهما منصوبتان، وهو ساجد (¬1). واليد الواحدة لا تقع على القدمين إلا في حال التَّراصِّ، وقد جاء ذلك أيضاً في «صحيح ابن خزيمة» في حديث عائشة المتقدِّم: «أنَّ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان رَاصًّا عقبيه» (¬2). وعلى هذا؛ فالسُّنَّةُ في القدمين هو التَّراصُّ بخلاف الرُّكبتين واليدين. ولم يذكرِ المؤلِّفُ ـ رحمه الله ـ هنا محلَّ اليدين، ولكنه ذَكَرَه في أول باب صفة الصلاة حين قال: «يرفع يديه حَذوَ منكبيه كالسُّجود» (¬3). وعلى هذا؛ يكون موضع اليدين على حذاء المنكبين، وإن شاء قدَّمهما وجعلهما على حذاء الجبهة، أو فُروع الأذنين؛ لأن كلَّ هذا مما جاءت به السُّنَّةُ. مسألة: لو طال السُّجودُ؛ بأن كان خلف إمامٍ يُطيلُ السُّجودَ، هل يضع ذراعيه على الأرض يتَّكئ على الأرض؟ نقول: لا يَتَّكئ على الأرض؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (486) (222). (¬2) أخرجه ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب ضم العقبين في السجود (654)؛ والحاكم (1/ 228) وقال: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. (¬3) ص (31).

ويقول: «سبحان ربي الأعلى»

قال: «اعتدلوا في السُّجود، ولا يبسط أحدُكم ذراعيه انبساط الكلبِ» (¬1) لكن قال العلماء رحمهم الله (¬2): يعتمِدُ بمرفقيه على ركبتيه إذا شقَّ عليه طول السُّجود، وهذا إذا كان مع إمام، أما إذا كان يُصلِّي لنفسه؛ فإنه لا ينبغي له أن يكلِّف نفسه ويشقَّ عليها، بل إذا شَقَّ عليه وتعب فإنه يقوم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يَسَّر على عباده. وَيَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، .............. قوله: «ويقول: سبحان ربي الأعلى». أي: حال السُّجودِ يقول: «سبحان ربي الأعلى» وقد سَبَقَ معنى التسبيح، وما الذي يُسبَّح الله عنه، أي: يُنَزَّه عنه (¬3). وأما قوله: «رَبِّي الأعلى» دون أن يقولَ رَبِّيَ العظيم؛ لأن ذِكْرَ علوِ الله هنا أنسب من ذكر العظمة، لأن الإنسان الآن أنزل ما يكون، لذا كان من المناسب أن يُثني على الله بالعلو، وانظر إلى الحكمة والمناسبة في هذه الأمور، كيف كان الصَّحابةُ في السفر إذا علوا شيئاً كَبَّروا، وإذا هبطوا وادياً سَبَّحوا (¬4)؛ لأن الإنسان إذا علا وارتفع قد يتعاظم في نفسه ويتكبَّر ويعلو، فمناسبٌ أن يقول: «الله أكبر» لِيُذكِّرَ نفسَه بكبرياء الله عزَّ وجلَّ، أما إذا نزل فإن النزول نقص، فكان ذِكْرُ التسبيح أَولى؛ لتنزيه الله عزَّ وجلَّ عن النقص الذي كان فيه الآن، فكان من المناسب أن يُذَكِّرَ الإنسانُ نفسَه بِمَنْ هو أعلى منها. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (121). (¬2) «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 56). (¬3) ص (42). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب التسبيح إذا هبط وادياً (2993).

ونظير هذا من بعض الوجوه: أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى شيئاً يعجبه من الدنيا يقول: «لبيكَ، إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة» (¬1) لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبُه مِن الدُّنيا رُبَّما يلتفت إليه فيُعرض عن الله، فيقول: «لبيك» استجابةً لله عزَّ وجلَّ، ثم يوطِّنُ نفسه فيقول: «إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة» فهذا العيش الذي يعجبك عيش زائل، والعيش حقيقة هو عيش الآخرة، ولهذا كان من السُّنَّة إذا رأى الإنسانُ ما يعجبُه في الدُّنيا أن يقول: «لبيك، إن العيشَ عيشُ الآخرة». وما المراد بالعلو في قول: «سبحانَ ربِّيَ الأعلى» أعلوُّ المكان، أم علوُّ الصفة؟ الجواب: يشمَلُ الأمرين جميعاً، وهذا متفق عليه في فِطَرِ الناس؛ إلا مَن اجتالتْهُ الشياطين عن فطرته، فإن علوَّ الله عزَّ وجلَّ علو ذات، أمرٌ مفطور عليه الخلق، فلو أنك قلت للعامي: ماذا تريد بقولك «سبحان رَبِّيَ الأعلى»؟ لقال: أريد أنه فوق كلِّ شيءٍ، ولا يدري عن علوِّ الصِّفة، ومع ذلك فقد أنكر علوه في ذاته مَنْ أنكر ممن يستقبلون قبلتنا، ولا شَكَّ أنهم خالفوا الكتابَ والسُّنَّةَ وإجماعَ السَّلفِ والعقلَ والفطرةَ، ولو رجعوا إلى فِطَرهم لعلموا أن الإيمان بعلوِّ الله تعالى بذاته أمرٌ لا بُدَّ منه، ولا بُدَّ من الإقرار به، فهم عندما يصيبهم شيءٌ تنصرفُ قلوبُهم إلى السَّماء إلى العلوِّ. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحج، باب في الحج على الرحل أفضل من المحمل (15801) (4/ 107).

وهم يقفون بعَرَفَة يدعون الله، فهل يرفعون أيديهم، أم ينزلوها إلى الأرض؟ ومن العجيب أنهم يرفعون أيديهم، ويدَّعون أنَّ الله في الأرض! نسأل الله العافية. المهم أننا نشعر في قولنا: «سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى» أنَّ اللَّهَ عَلِيٌّ في ذاته، وعَلِيٌّ في صفاته، بل هو أعلى مِنْ كلِّ شيء، والله تعالى وَصَفَ نفسَه أحياناً بالأعلى، وأحياناً بالعليِّ، لأن الوصفين ثابتان له: العلو، وكونه أعلى، كما أنه يوصف بأنه الكبير وأنه الأكبر، وبالعليم وبالأعلم. وصيغة التفضيل في هذه الأشياء على بابها، وليست بمعنى اسم الفاعل كما يدَّعيه بعض العلماء. وفي قوله: «ويقول سبحان رَبِّي الأعلى» قد ذكرنا في أول باب صِفة الصَّلاةِ أنه لا بُدَّ من أن يُسمِعَ الإنسانُ نفسَه في كلِّ قولٍ واجب، وذكرنا أنَّ القولَ الرَّاجح أن ذلك ليس بشرط (¬1)، فالشرطُ أن يخرجَ الحروفَ مِن مخارجها سواءٌ أسْمَعَ نفسه أم لم يُسمعها. ولم يذكرِ المؤلِّفُ هنا كم مرَّة يقولها؟ ولم يذكر هل يذكر معها غيرها؟ والسُّنَّة أن تُكرر ثلاث مرات، وأن يزيد معها ما جاءت به السُّنَّةُ أيضاً مثل: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكةِ والرُّوح» (¬2)، «سبحانك اللهمَّ رَبَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغْفِرْ لي» (¬3)، ¬

_ (¬1) انظر: ص (31). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (487) (223). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود (817)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (484) (217).

ثم يرفع رأسه مكبرا، ويجلس مفترشا يسراه، ناصبا يمناه

لكن؛ عُذْرُ المؤلِّف أنه كتاب مختصر، فيقتصر المؤلِّف فيه على أدنى الكمال، أو أحياناً على أدنى الواجب. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّراً، وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشاً يُسْرَاهُ، نَاصِباً يُمْنَاهُ ....... قوله: «ثم يرفع رأسه مكبِّراً». أي: يرفعُ رأسَه وما يتبعه من اليدين «مكبِّراً» حال من فاعل «يرفع». وعلى هذا؛ فيكون التَّكبيرُ في حال الرَّفْعِ؛ لأن هذا التكبير تكبيرُ انتقال، وتكبيرات الانتقال كلُّها تكون ما بين الرُّكنين، لا يبدأ بها قبلُ، ولا يؤخِّرها إلى ما بعدُ؛ لأنه إنْ بدأها قبلُ أدخلها على أذكار الرُّكن الذي انتقلَ منه، وإن أخَّرها أدخلها على أذكار الرُّكن الذي انتقلَ إليه، فالسُّنَّةُ أن يكون التَّكبيرُ في حال الانتقال (¬1). قوله: «ويجلس مفترشاً يسراه». «يجلس»: أي: بعد السَّجدة الأُولى «مفترشاً يسراه» أي: يُسرى رِجليه، أي: جاعلاً إيَّاها كالفراش، والفراش يكون تحت الإنسان، أي: يضعها تحته مفترشاً لها لا جالساً على عقبيه، بل يفترشها، وعليه؛ فيكون ظهرُها إلى الأرض وبطنُها إلى أعلى. قوله: «ناصباً يُمناه». أي: جاعلها منتصبة، والمراد: القدم، وحينئذٍ لا بُدَّ أن يخرجها من يمينه، فتكون الرِّجلُ اليُمنى مخرجة من اليمين، واليسرى مُفتَرشةً، أي: أنه يجلس بين السَّجدتين هكذا، لا يجلس متورِّكاً وهذه الصفة متفق عليها. وظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا يُسَنُّ في هذا الجلوس سوى هذه الصِّفَة. وذهب بعضُ أهل العلم (¬2) إلى أنه يجلس على عقبيه ناصباً قدميه. ¬

_ (¬1) انظر: ص (106). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 206).

واستدلُّوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «إنَّ ذلك هو السُّنَّة» (¬1) ولكن المعروف عند أصحاب الإمام أحمد رحمه الله أن ذلك ليس مِن السُّنَّةِ؛ لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كُلّها تصف هذه الجلسة بالافتراش، ولا يبعد أن يكون ابن عباس رضي الله عنهما ذَكَرَ ما كان أولاً، فإن صفة الجلوس قد تكون كصفة الرُّكوعِ، وكان المسلمون في أول الأمر يركع الرَّجل فيضع يديه بين فخذيه، ولا يضعهما على الرُّكبتين، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه تمسَّك بهذا (¬2) ويُسمَّى عندهم «التطبيق» ولم يعلم ابنُ مسعود بالسُّنَّة التي نسخت هذا الفعل، مع أنه منسوخٌ بلا شَكٍّ، صَحَّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هذا (¬3)، ففقهاؤنا رحمهم الله يرون أن هذه الجلسة ليس لها إلا صفة الافتراش فقط. تنبيه: لم يذكر المؤلِّف ـ رحمه الله ـ أين يضع اليدين؟ وكيف تكونان؟ مع أنه من الأمر المهمِّ في هذه الجلسة، فلنبينه: الصفة الأُولى: أن يضع يديه على فخذيه، وأطراف أصابعه عند ركبتيه (¬4). الصفة الثانية: أنه يضع اليد اليُمنى على الرُّكبة، واليد اليُسرى يلقمها الرُّكبة كأنه قابض لها (¬5). وأما كيف تكون اليدان: ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب جواز الإقعاء على العقبين (536) (32). (¬2) تقدم تخريجه ص (89). (¬3) تقدم تخريجه ص (87). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين (580) (116). (¬5) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، الباب السابق (579) (113).

أما بالنسبة لليُسرى: فتكون مبسوطة مضمومة الأصابع موجهة إلى القبلة، ويكون طرف المرفق عند طرف الفخذ، بمعنى: لا يُفرِّجها، بل يضمُّها إلى الفخذ. أما اليمين: فإن السُّنَّة تدلُّ على أنه يقبض منها الخنصر والبنصر، ويُحَلِّقُ الإبهام مع الوسطى، ويرفع السَّبَّابة، ويُحرِّكُها عند الدُّعاء. هكذا جاء فيما رواه الإمام أحمد من حديث وائل بن حُجْر (¬1) بسند قال فيه صاحب «الفتح الرباني»: «إنه جيد» (¬2). وقال فيه المحشِّي على «زاد المعاد»: إنه صحيح، وإلى هذا ذهب ابنُ القيم رحمه الله (¬3). أما الفقهاء: فيرون أن اليد اليُمنى تكون مبسوطة في الجلسة بين السجدتين كاليد اليُسرى (¬4)، ولكن اتِّباعُ السُّنَّة أَولى، ولم يَرِدْ في السُّنَّة لا في حديث صحيح، ولا ضعيف، ولا حَسَن أن اليد اليُمنى تكون مبسوطة على الرِّجْلِ اليُمنى، إنما وَرَدَ أنها تُقبض، يقبض الخنصر والبنصر، ويُحلِّق الإِبهام مع الوسطى (¬5)، أو تضم الوسطى أيضاً، ويضم إليها الإبهام إذا جلس في الصَّلاة (¬6)، هكذا جاء عامًّا، وفي بعض الألفاظ: «إذا جلس في التشهُّد» (¬7) ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 317)؛ وانظر: كلام الشيخ رحمه الله في سنده أعلاه. (¬2) «الفتح الرباني» (4/ 14). (¬3) «زاد المعاد» (1/ 238). (¬4) «الإقناع» (1/ 186). (¬5) كما في حديث وائل بن حُجْر رضي الله عنه السابق. (¬6) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين (580) (116). (¬7) أخرجه مسلم، الموضع السابق.

وكلاهما في «صحيح مسلم»، فنحن إذا أخذنا كلمة «إذا جلس في الصلاة» قلنا: هذا عام في جميع الجلسات، وقوله: «إذا جلس في التشهد» في بعض الألفاظ لا يدلُّ على التخصيص؛ لأن لدينا قاعدة ذكرها الأصوليون، وممن كان يذكرها دائماً الشوكاني في «نيل الأوطار» والشنقيطي في «أضواء البيان» أنه إذا ذُكِرَ بعضُ أفراد العام بحكم يُطابق العام، فإن ذلك لا يَدلُّ على التَّخصيص، إنما التخصيص أن يُذكر بعضُ أفراد العام بحكم يُخالف العام. مثال الأول: قلت لك: أكرمِ الطَّلبةَ، هذا عام يشمل كلَّ طالب، ثم قلت: أكرم فلاناً وهو من الطلبة، فهل يقتضي هذا ألاَّ أُكْرِمَ سواه؟ الجواب: لا، لكن يقتضي أن هناك عناية به من أجلها خَصَّصْتُهُ بالذِّكر. ومثال الثاني: أكرمِ الطَّلبةَ، ثم قلت: لا تكرم فلاناً وهو من الطلبة، فهذا تخصيص؛ لأنني في الأول ذكرت فلاناً بحكم يوافق العام لدخوله في العموم، وهنا ذكرته بحكم يخالف العام، ولهذا يقولون في تعريف التَّخصيص: تخصيص بعض أفراد العام بحكم مخالف. أو: إخراج بعض أفراد العام من الحكم. فلا بُدَّ أن يكون مخالفاً، أما إذا كان موافقاً فإن جمهور الأصوليين كما حكاه صاحب «أضواء البيان» يرون أنه لا يفيد التَّخصيص، وهو ظاهر كما في المثال الذي ذكرناه. وعلى هذا فيكون بعض ألفاظ حديث ابن عمر الذي خَصَّ القبض بالتشهد (¬1) لا يقتضي التخصيص من بعضِ ألفاظه الدَّالة على العموم. أمَّا الفقهاء ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (128).

ويقول: رب اغفر لي

ـ رحمهم الله ـ فقالوا: في هذه الجلسة يبسط يده اليُمنى كما يبسط يده اليُسرى، وبناءً على كلام الفقهاء: تكون كلُّ جلسة من جلسات الصلاة مخالفة للأخرى من أجل التمييز. فالجلسة بين السَّجدتين: افتراش مع كون اليدين مبسوطتين. وفي التشهد الأول: افتراش لكن اليُمنى تقبض. وفي التشهد الأخير: تَورُّك، وإن كان يوافق التشهد الأول في قَبْضِ اليد، فهم ـ رحمهم الله ـ يجعلون لكلِّ جلسة صفة تميّزها عن الجلسات الأخرى. ويقول: رَبِّ اغفِر لي ............... قوله: «ويقول: رَبِّ اغفرْ لي» أي: يقول حال جلوسه: رَبِّ اغفرْ لي، أي: يا رَبِّ، اغفرْ لي. واقتصر ـ رحمه الله ـ على الواجب (¬1). ولكن الصحيح أنه يقول كلَّ ما ذُكر عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «ربِّ اغفرْ لي، وارحمني، (وعافني)، واهدني، وارزقني» (¬2) أو «اجبرني» (¬3) بدل «ارزقني» وإن شاء جمع بينهما؛ لأن المقام مقام دعاء. وقوله: «رَبِّ اغفرْ لي»: أي: أنك تسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفرَ لك الذُّنوبَ كلَّها الصغائر والكبائر. ¬

_ (¬1) انظر: ص (93). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين (850). (¬3) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة: باب ما يقول بين السجدتين (284)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين (898)؛ والحاكم (1/ 271) وصححه ووافقه الذهبي.

والمغفرة هي: والعفو عنه، مأخوذة من المِغْفر الذي يكون على رأس الإنسان عند الحَرْبِ يتَّقي به السهام. وأما «ارحمني»: فهو طلبُ رحمة الله عزّ وجل التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، هذا إذا جُمع بينهما. أما إذا فُرِّقت المغفرة عن الرحمة؛ فإنَّ كُلَّ واحدة منهما تشمَلُ الأخرى، ولهذا نظائر في اللغة العربية: فالفقير والمسكين إذا ذُكِرَا جميعاً صار لكلِّ واحد منهما معنى، وإذا أُفرد أحدُهما عن الآخر صار معناهما واحداً، أي: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. وأما قوله: «ارزقني» فهو طلب الرزق، وهو ما يقوم به البدن، وما يقوم به الدِّين. يعني؛ أنَّ رِزْقَ الله عزّ وجل ما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسَكَنٍ، وما يقوم به الدِّين من عِلْمٍ وإيمانٍ وعَمَلٍ صالح. والإنسان ينبغي له أن يعوِّد نفسَه على استحضار هذه المعاني العظيمة حتى يخرج منتفعاً. فإذا قال: «ارزقني» يعني: ارزقني ما به قِوام البدن، وما به قِوام الدِّين. قوله: «وعافني» أي: أعطني العافية مِن كلِّ مرضٍ ديني أو بدني، ثم إن كان متَّصفاً بهذا المرض؛ فهو دعاء برَفْعِهِ، وإن كان غير متَّصف فهو دعاء بدَفْعِهِ، بحيث لا يتعرَّض له في المستقبل. فينبغي للإنسان إذا سأل العافية في هذا المكان أو غيره أن

يستحضر أن يسأل الله العافية: عافية البدن، وعافية الدِّين. قوله: «واجبرني» الجَبْرُ يكون من النَّقْصِ، وكلُّ إنسان ناقص مفرِّط مُسِرفٌ على نفسه بتجاوز الحدِّ أو القصور عنه، ويحتاج إلى جَبْرٍ حتى يعود سليماً بعد كَسْرِه؛ لأن الإنسان يحتاج إلى جَبْرٍ يَجبرُ له النَّقْصَ الذي يكون فيه. فهذه المعاني التي تُذكر في الأدعية ينبغي للإنسان أن يستحضرها. فإن قال قائل: أليس يغني عن ذلك كله أن يقول: «اللَّهُمَّ ارحمني»؟ لأنَّ الرحمة عند الإطلاق: بها حصولُ المحبوب وزوال المكروه؟ فالجواب: بلى، لكن مقام الدُّعاء ينبغي فيه البسط، لكن على حسب ما جاءت به السُّنَّة، وليس البسط بالأدعية المسجوعة التي ليس لها معنى، أو يكون لها معنى غير صحيح. وإنما كان البسط مشروعاً في الدُّعاء لأسباب: 1 ـ لأنّ الدُّعاء عبادة، وكلما ازددتَ من العبادة ازددتَ خيراً. 2 ـ أنَّ الدُّعاء مناجاة لله عزّ وجل، وأحبُّ شيء للمؤمن هو الله عزّ وجل، ولا شكَّ أنَّ كثرةَ المناجاة مع الحبيب مما تزيد الحُبَّ. 3 ـ أن يستحضر الإنسانُ ذنوبَه على وجه التفصيل، لأن للذُّنوب أنواعاً، فإذا زِيدَ في الدُّعاء استحضرت، ولهذا كان من دُعاء الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذنبي كُلَّهُ، دِقَّهُ وجِلَّهُ، وأوَّلَهُ وآخرهُ، وعلانيتَهُ وسِرَّهُ» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (483) (216).

وَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُْولَى، ثُمَّ يَرْفَعُ مُكَبِّراً نَاهِضاً عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ قوله: «ويسجد الثانية كالأُولى».أي: في القول والفعل، يعني: فيما يُقال فيها من الأذكار، وما يُفعل فيها من الأفعال، وسبق لنا أن أقوال السُّجودِ: أن يقول: «سبحان ربِّي الأعلى» (¬1)، «سبحانك اللَّهُمَّ ربَّنَا وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لي» (¬2) «سُبُّوحٌ قدوسٌ رَبُّ الملائكة والرُّوح» (¬3) ويدعو، وكُلَّما أكثر من الدُّعاء في السُّجود كان أَولى؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وأما السُّجود؛ فاجتهدوا في الدُّعاء؛ فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (¬4). وهل يقرأ القرآن وهو ساجد؟ الجواب: لا، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نُهِيَ أن يقرأ القرآن وهو راكع، أو ساجد (¬5)، اللهم إلا إذا دعا بجملة من القرآن مثل: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *} [آل عمران] فهذا لا يضرُّ، لأن المقصود به الدُّعاء. قوله: «ثم يرفع مكبِّراً ناهضاً على صدور قدميه». أي: من السجدة الثانية «مكبِّراً» حال من فاعل «يرفع» فيكون التكبير في حال الرَّفْعِ. قوله: «ناهضاً على صدور قدميه» قال في «الرَّوض»: ولا يجلس للاستراحة، يعني: ينهض على صدور قدميه؛ معتمداً على رُكْبَتَيْه بدون جلوس. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (125). (¬2) تقدم تخريجه ص (125). (¬3) تقدم تخريجه ص (125). (¬4) تقدم تخريجه ص (87). (¬5) تقدم تخريجه ص (87).

معتمدا على ركبتيه إن سهل

مُعْتَمِداً عَلَى رُكْبَتيه إنْ سَهُلَ ............. قوله: «معتمداً على ركبتيه إن سهل» أي: وإن لم يَسْهُلْ عليه فإنه يعتمدُ على الأرض، ويبدأ بالنُّهوض مِن السُّجود بالجبهة والأنف، ثم باليدين؛ فيضعهما على الرُّكبتين، ثم ينهض على صدور القدمين. هذا هو السُّنَّةُ على ما قاله المؤلِّف ـ رحمه الله ـ وهو المذهب. فاستفدنا مِن كلامه أنه لا يجلس إذا قام إلى الركعة الثانية، وهذه المسألة فيها خِلاف بين أهل الحديث وبين الفقهاء أيضاً (¬1). فالقول الأول: لا يجلس كما ذَكَرَه المؤلِّفُ، فلا يُسَنُّ الجلوس مطلقاً. وهو المذهب. القول الثاني: يجلس مطلقاً، سواء احتاجَ للجلوس أم لم يحتجْ، يجلس تعبُّداً لله عزّ وجل. وهذا قول أكثر أهل الحديث، وهذان قولان متقابلان. القول الثالث: وسط؛ وافق هؤلاء في حال؛ ووافق هؤلاء في حال، فقالوا: إن كان الإنسان محتاجاً إلى الجلوس؛ أي: لا يستطيع أن ينهضَ بدون جلوس؛ فيجلس تعبُّداً، وإذا كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس. وهو اختيار صاحب «المغني» (¬2) وابن القيم (¬3)، ولكلِّ قول من هذه الأقوال الثلاثة دليل. وهذه الجِلْسة تُسَمَّى عند العلماء: جِلْسَةَ الاستراحة. ومعلوم أن إضافتها إلى الاستراحة يعطيها حكماً خاصاً بما إذا كان الإنسان يستريح بها، ولهذا رفض بعضهم أن تُسمَّى جِلْسَة ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 212). (¬2) انظر: «المغني» (2/ 213). (¬3) انظر: «زاد المعاد» (1/ 241).

الاستراحة، وقال: يجلس؛ ولا نقول: جِلْسَة الاستراحة؛ لأننا إذا سمَّيناها جِلْسَة الاستراحة رفعنا عنها حكم التعبُّد، وصارت لمجرد الاستراحة، ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأن الاستراحةَ للتقوِّي على العبادة عبادةٌ؛ لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} الآية [البقرة: 185] فتسمية العلماء لها قاطبة فيما نعلم بجِلْسَة الاستراحة لا يُنكر؛ لأننا نقول: حتى وإن سمَّيناها جِلْسَة الاستراحة؛ فإنَّ التعبُّدَ لله بها إذا كان الإنسان يستريح بها لينشطَ على العبادة يجعلها عبادة. استدلّ من قال: يجلس مطلقاً: أنه ثبت في «صحيح البخاري» من حديث مالك بن الحُويرث أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا كان في وِتْرٍ مِن صلاتِه لم ينهض حتى يستوي قاعداً» (¬1)، وكذلك في الحديث نفسِه أنَّه كان يعتمدُ على الأرض ثم يقوم (¬2). قالوا: وهذا دليل على أنها جِلْسَةٌ يستقرُّ فيها؛ لأن الاستواء بمعنى الاستقرار، ومنه قوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ *وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ *} [الزخرف] فإذا كان مالك بن الحويرث يروي هذا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الذي روى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (¬3) وقد جاء في وَفْدِ قومِه ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من استوى قاعداً في وتر من صلاته، ثم نهض (823). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة (824). (¬3) تقدم تخريجه ص (27).

في السَّنَةِ التاسعة في آخر حياة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإن هذا يدلُّ على أنها مستحبَّةٌ، وأنها مِن الجِلسات المندوبة وليست مِن الجِلسات التي تُفعل بمقتضى الطبيعة والجِبلَّة. واستدلَّ مَنْ قال: «لا يجلس» بحديث وائل بن حُجْر بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم «كان إذا نَهَضَ؛ نَهَضَ على رُكبتيه، واعتمدَ على فَخِذيهِ» (¬1). واستدلَّ من يرى التفصيل بأنه مِن المعلوم أن للرسول صلّى الله عليه وسلّم حالين: حالاً كان فيها نشيطاً شابًّا قويًّا. وحالاً كان فيها دون ذلك، فإنه كان عليه الصلاة والسلام في آخر حياته يُصلِّي الليلَ قاعداً أكثر من سَنَة (¬2)، وكان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يسابق عائشة فَسَبَقَتْهُ (¬3)، ثم إنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يحبُّ أن يُيسِّرَ على نفسِه في العبادة، وكذلك يحبُّ أن ييسر الإنسان على نفسه في العبادة، حتى إنه أنكر على الذين قالوا: نصومُ ولا نفطرُ، ونقومُ ولا ننامُ، ولا نتزوجُ النساء (¬4). ومَنَعَ عبدَ الله بن عَمرو بن العاص ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (128). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائماً وقاعداً (733) (118). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (6/ 39، 261)؛ وابن ماجه، كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء (1979). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (5063)؛ ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة (1401) (5).

أن يصوم الدَّهر، وأرشده إلى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً (¬1)، ومَنَعَه من أن يقوم الليلَ كلَّه وأرشده إلى أن ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سُدسه (267). وهذا دليل على أنَّ شريعة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مبنية على اليُسرِ والسُّهولة. وكان مالك بن الحُويرث قدم إليه في آخر حياته؛ فكان صلّى الله عليه وسلّم يحبُّ التيسير على نفسِه، فيجلس ثم يعتمد بيديه على الأرض (¬2) وهذا يدلُّ على أن قيامه فيه شيء من المشقَّة، بدليل اعتماده على الأرض؛ لأن من كان نشيطاً؛ فإنه وإنْ جَلَسَ للتشهُّد أو لغير التشهد لا يحتاج إلى الاعتماد. وقالوا أيضاً: إنَّ مِن المعلوم أن جميع أفعال الصَّلاة المستقلَّة أركان أو واجبات، وهذه ليست ركناً ولا واجباً بالإجماع، وأكثر ما فيها أن العلماء اختلفوا في مشروعيتها، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنها غير ركن. وأيضاً: كُلُّ فِعْلٍ من أفعال الصلاة له ذِكْرٌ وفيه ذِكْرٌ، وهذه ليس لها ذِكْرٌ، وليس فيها ذِكْرٌ. فدلَّ على أنها ليست على سبيل التعبُّد. وعليه؛ فنقول: إن احتاجَ الإنسانُ إليها صارت مشروعة لغيرها للراحة وعدم المشقَّة، وإن لم يحتج إليها فليست بمشروعة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} (3418)؛ ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صيام الدهر (1159) (181). (¬2) تقدم تخريجه ص (135).

وهذا القول كما ترى قولٌ وَسَطٌ، تجتمع فيه الأخبار كما قال صاحب «المغني» رحمه الله، وهو اختيار ابن القيم، أننا لا نقول سُنَّة على الإطلاق، ولا غير سُنَّة على الإطلاق، بل نقول هي سُنَّة في حَق مَنْ يحتاج إليها لكبر أو مرض أو غير ذلك. وكنت أميلُ إلى أنها مستحبَّة على الإطلاق وأن الإنسان ينبغي أن يجلس، وكنت أفعلُ ذلك أيضاً بعد أن كنت إماماً، ولكن تبيَّن لي بعد التأمل الطويل أن هذا القول المفصَّل قول وسط، وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقاً، وإن كان الرُّجحان فيه ليس قوياً عندي، لكن تميل إليه نفسي أكثر، فاعتمدت ذلك. مسألة: إذا كان الإنسان مأموماً فهل الأفضل له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سُنَّة، أو متابعة الإمام أفضل؟ الجواب: أنَّ متابعةَ الإمام أفضل، ولهذا يَتركُ الواجبَ وهو التشهُّد الأول، ويَفعلُ الزَّائدَ؛ كما لو أدرك الإمامَ في الرَّكعةِ الثانية، فإنه سوف يتشهَّدُ في أول ركعة؛ فيأتي بتشهد زائد مِن أجل متابعة الإمام، وسوف يترك التشهُّد الأول إذا قامَ الإمامُ للرابعة، مِن أجل متابعة الإمام، بل يتركُ الإنسانُ الرُّكنَ من أجل متابعة الإمام، فقد قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا صَلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً» (¬1) فيترك رُكنَ القيام، ورُكنَ الرُّكوع فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الرُّكوع، كلُّ هذا من أجل متابعة الإمام. فإن قال قائل: هذه الجِلْسة يسيرة، لا يحصُل بها تخلُّف كثير عن الإمام. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (98) حاشية (1).

ويصلي الثانية كذلك

فالجواب: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا رَكَعَ فاركعوا وإذا سَجَدَ فاسجدوا (¬1)» فأتى بالفاء الدَّالة على الترتيب والتعقيب بدون مُهلة، وهذا يدلُّ على أن الأفضل في حَقِّ المأموم ألا يتأخَّر عن الإمام ولو يسيراً، بل يبادر بالمتابعة، فلا يوافق، ولا يسابق، ولا يتأخَّر، وهذا هو حقيقة الائتمام. فإن كان الأمرُ بالعكس، بأن كان الإمامُ يرى هذه الجِلْسَة وأنت لا تراها، فإن الواجب عليك أن تجلس؛ لأنك لو لم تجلس لقمت قبل إمامك وهذه مسابقة للإمام والمسابقة حرام، لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «أما يخشى الذي يرفعُ رأسَه قبل الإمام أن يحوِّلَ اللَّهُ رأسَه رأسَ حِمَارٍ، أو يجعلَ صورتَهُ صورةَ حِمَارٍ» (¬2). وقد يقول: أنا لا أقوم قبله، لكن أتأنَّى في السُّجودِ حتى أظنَّ أنه قام، قلنا: إنك حينئذٍ لم تفعل محرَّماً؛ لكنك تركت سُنَّة وهي المبادرة بمتابعة الإمام، فإذا كنت لا ترى أنها مستحبَّة، والإمام يرى ذلك فاجلسْ مع إمامك؛ كما أنك تجلس معه في التشهُّد الذي ليس في محلِّ تشهُّدك مِن أجل المتابعة. وَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، ............. قوله: «ويصلي الثانية كذلك». أي: يُصلِّي الركعةَ الثانية كالأُولى. وعلى هذا؛ فالثانية صفة لموصوف محذوف والتقدير كالركعة الثانية. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (68). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام (691)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما (427) (114).

ما عدا التحريمة والاستفتاح

فإذا قال قائل: هل يجوز أن يُحذف الموصوفُ وتبقى الصِّفةُ؟ فالجواب: نقول: نعم، وهذا كثير جدًّا في القرآن، وفي كلام الناس قال الله تعالى: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 11] أي: دروعاً سابغات وقال: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 6] أي: الأعمال الصالحات، وأمثالها كثير، لكن الذي يقلُّ هو العكس، وهو حذف النعت وبقاء المنعوت، لأن النعت وهي الصفة هو المقصود ولهذا قال ابن مالك: وما مِن المنعوتِ والنعت عُقِل يجوزُ حذفُه وفي النَّعتِ يقِل قوله: «كذلك»، أي: يصلِّيها كالأُولى، يعني: في القيام والرُّكوعِ والسُّجودِ والجلوسِ، وما يُقال فيها. قوله: «ما عدا التحريمة»، أي: تكبيرة الإحرام؛ لأن التحريمة تُفتتح بها الصَّلاةُ، وقد اسْتُفْتِحَتْ، بل لو كَبَّرَ ناوياً التَّحريمة بطلت صلاتُه؛ لأن لازم ذلك أن يكون قد قطع الركعة الأُولى، وابتدأ الثانية مِن جديد، وهذا يُبطل الصَّلاةَ. مَا عَدَا التَّحْرِيمَةَ والاسْتِفْتَاحَ، ............. قوله: «ما عدا التحريمة» بالنصب وجوباً؛ لأنها مسبوقة بـ «بما»، أما لو خلت من «ما» لجاز الوجهان: النصب، والجر. قوله: «والاستفتاح» أيضاً الاستفتاح لا يُسَنُّ في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تُفتتح به الصَّلاةُ بعد التحريمة. فإن قال قائل: لو أن أحداً مِن النَّاس استفتحَ في الركعة الأُولى بنوعٍ من الاستفتاحات، واستفتحَ في الركعة الثانية بنوعٍ آخر؟

والتعوذ

لقلنا: هذا بدعة؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يستفتح مرَّة واحدة في أوَّل الصَّلاةِ (¬1) ولم يُنقل عنه أنه كرَّر نوعين مِن الاستفتاح. والتَّعَوُّذَ، ............. قوله: «والتعوذ» أي: وما عدا التعوُّذَ، يعني: قوله «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، فإنه يُشرع في الأُولى ولا يُشرع في الثانية؛ لأن قراءة الصَّلاة واحدة، فإنَّ الصَّلاةَ عبادةٌ واحدةٌ من أوَّلها إلى آخرها، فإذا تعوَّذَ لأوَّل مرَّة كفى، ولهذا قالوا: لو قرأ في الرَّكعة الأُولى سورةً، ثم قرأ في الركعة الثانية ما قبلها؛ لكان ذلك مكروهاً؛ لمخالفة التَّرتيب، ولو كان في الركعة الثانية؛ لأن قراءة الصَّلاةِ واحدة. قال في «الرَّوض» (¬2): إلا إذا لم يتعوَّذ في الأُولى فيتعوَّذُ في الثانية، وهذا استثناء جيد، مثل أن يدركَ الإمامَ راكعاً فإنه سوف يُكبِّر تكبيرة الإحرام؛ ثم يُكبِّر للرُّكوع ويركع، وتكون القراءة في الرَّكعةِ الثانيةِ هي أوَّل قراءته، وحينئذٍ يتعوَّذ. وهذا الذي قاله في «الرَّوض» هو مرادهم فيما يظهر، لأن تعليلهم يدلُّ عليه حيث قالوا: إنه يتعوَّذ في القراءةِ الأُولى. وقراءةُ الصَّلاةِ قراءةٌ واحدة. وقال بعض أهل العلم (¬3): بل يتعوَّذ في كلِّ رَكعة؛ وذلك لأنه حال بين القراءتين أذكارٌ وأفعالٌ، فيستعيذ بالله عند القراءة في كلِّ رَكعة. ¬

_ (¬1) انظر: ص (52). (¬2) «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 63). (¬3) «المغني» (2/ 216).

وتجديد النية، ثم يجلس مفترشا،

والأمرُ في هذا واسعُ. وَتَجْدِيدَ النِّيَّةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْترشاً، .............. قوله: «وتجديد النية»، أي: أنَّه لا يأتي بنيَّةٍ جديدة، بخلاف الرَّكعةِ الأُولى، فإن الرَّكعةَ الأُولى يدخُلُ بها في الصَّلاةِ بنيَّةٍ جديدة، فلو نوى الدخول بنيَّةٍ جديدةٍ في الرَّكعة الثانية لبطلت الأُولى؛ لأنَّ لازمَ تجديد النيَّة في الركعة الثانية قَطْعُ النيّة في الركعة الأُولى، ولم تنعقد الثانية لعدم التَّحريمة. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ ـ رحمه الله ـ أن الركعة الثانية كالأُولى في مقدار القراءة؛ لأنه لم يَستثنِ إلا هذه المسائل الأربع وهي: التحريمة، والاستفتاح، والتعوُّذ، وتجديد النيَّة. فظاهره: أنَّ القراءة في الرَّكعة الثانية كالقراءة في الرَّكعة الأُولى، ولكن الصواب خِلافُ ذلك، فإنَّ القراءةَ في الركعةِ الثانيةِ دون القراءة في الركعة الأُولى، كما هو صريح حديث أبي قتادة (¬1)، لكن في حديث أبي سعيد (¬2) ما يدلُّ على أن الركعة الثانية كالأُولى، إلا أن حديث أبي سعيد يدلُّ على أن القراءة مشروعة في الركعات الأربع، فإن حديث أبي سعيد الخدري يدلُّ على أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقرأ مع الفاتحة في كلِّ ركعة، لكن في الركعتين الأوليين يقرأ قراءة سواء، وفي الركعتين الأخريين سواء، لكن على النِّصْفِ مِن الأوليين. قوله: «ثم يجلس مفترشاً» أي: بعد أن يُصلِّي الثانيةَ بركوعها وسجودها وقيامها وقعودها. «يجلس» وهذا الجلوس ¬

_ (¬1) سيأتي تخريجه ص (215) وهو في الصحيحين. (¬2) سيأتي تخريجه ص (215) وهو في صحيح مسلم.

ويداه على فخذيه

للتشهُّدِ إمَّا الأول، وإمَّا الأخير، إن كانت الصَّلاةُ رباعية أو ثلاثية فهو أوَّل، وإن كانت سوى ذلك فهو أخير. «مفترشاً» سَبَقَ تفسيرُها، وأنَّ معنى الافتراش أن يجعلَ رِجْلَهُ اليسرى تحت مقعدته كأنها فراش، ويُخرج اليُمنى مِن الجانب الأيمن ناصباً لها. وَيَدَاهُ عَلَى فَخِذَيْهِ .............. قوله: «ويداه على فخذيه» هذه الجملةُ يحتملُ أن تكون في مَوضعِ نَصْبٍ على الحال مِن فاعل «يجلس»، يعني: يجلس والحالُ أن يديه على فخذيه، ويحتملُ أنها جملةٌ استثنائية، وعلى كُلِّ تقديرٍ؛ فإنَّ معنى العبارة: أنه في هذا الجلوس يَجعلُ يديه على فخذيه. وظاهر كلامه: أنه لا يقدمهما حتى تكونا على الرُّكبة؛ لأن الفخذَ حَدُّهُ الرُّكبة، والرُّكبة ليست مِن الفخذِ، فتجعل اليد اليمنى واليد اليسرى على الفخذ لا تصل إلى حِذاء الرُّكبة، بل على حَدِّها؛ لأنها لو وصلت إلى حِذاء الرُّكبة خرجت عن الفخذ، وعلى هذا؛ فلا يُلْقِم اليُسرى ركبته، ولا يضع اليُمنى على حرف الفخذِ، هذا ما قاله المؤلِّفُ، ولكن السُّنَّة دَلَّت على مشروعية الأمرين، أي: أن تضعَ اليدين على الفخذين، وأن تُلْقِمَ اليُسرى الرُّكبةَ اليُسرى وتَجعلَ اليُمنى على حَرْفِ الفخذِ، أي: على طَرَفِهِ، فكلتاهما صفتان (¬1). وعلى هذا نقول: إن اليدين لهما صفتان في الرَّفْعِ والسُّجود والجلوس. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (127).

يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى، ويشير بسبابتها في تشهده

في الرفع: حَذْوَ المَنكبين (¬1)، أو فُروع الأذنين (¬2). في السجود: حَذْوَ المَنكبين (¬3) أو أن يسجدَ بينهما (¬4). في الجلوس: إمَّا أن يجعلَهما على الفخذين، أو على الرُّكبتين، فاليُمنى على حَرْفِ الفخذِ، واليُسرى تُلْقَم الرُّكبة. يَقْبِضُ خِنْصَرَ يَدِهِ الْيُمْنَى وَبنْصَرَهَا، وَيُحَلِّقُ إبْهَامَهَا مَعَ الْوُسْطَى، ويُشِيرُ بِسبَّابَتِهَا في تَشَهُّدِهِ ............ قوله: «يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى» الخنصر: الأصبع الأصغر، والبنصر: الذي يليه، والوسطى: هي التي تلي البنصر، ويُحَلِّقُ الإبهامَ مع الوسطى، وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً لا يضمُّها. وهذه صفة أيضاً، واقتصار المصنِّف ـ رحمه الله ـ عليها لا يسلتزم نفي ما عداها، وهناك صفة أخرى؛ بأن يضمَّ الخنصرَ والبنصرَ والوسطى، ويضمَّ إليها الإبهامَ وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً، فهاتان أيضاً صفتان في كيفية أصابع اليد اليُمنى. قوله: «ويشير بسبابتها» أي: يشير بسبَّابته إلى أعلى. والسَّبَّابة: ما بين الإبهام والوسطى، وسُمِّيت سَبَّابة، لأن الإنسان يُشيرُ بها عند السَّبِّ، وتُسَمَّى أيضاً سَبَّاحة، لأنه يُسَبَّح بها اللَّهُ عزّ وجل؛ لأنه يُشيرُ بها عند تسبيح الله. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (26). (¬2) تقدم تخريجه ص (29). (¬3) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة (734)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف (270) وقال: «حديث حسن صحيح». (¬4) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام ... ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه (401) (54).

قوله: «في تشهده»: «في» للظَّرفية، والظَّرفُ أوسعُ مِن المظروف، فهل المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه مِن حين ما يبدأ إلى أن ينتهي، أو المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه في موضع الإشارة؟ كلامُ المؤلِّف فيه احتمال، لكن غيره بَيَّنَ أنه يُشيرُ بها عند وجودِ سبب الإشارة. وما هو سبب الإشارة؟ سببُهُ ذِكْرُ الله، واختلف الفقهاءُ في معنى كلمة «ذِكْر الله» فقيل: عند ذِكْرِ الجلالة، وعلى هذا؛ فإذا قلت: التحيات لله ـ تُشِيرُ، السَّلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله ـ تُشِيرُ، السَّلام علينا وعلى عباد الله ـ تُشِيرُ، أشهد أنْ لا إله إلا الله ـ تُشِيرُ، هذه أربع مرَّات في التشهُّدِ الأول. اللَّهم صَلِّ ـ خَمْس؛ لأن «اللهم» أصلُها «يآلله»، ـ اللَّهُمَّ بارك ـ سِتٌّ، أعوذ بالله مِن عذاب جهنم ـ سبع. وقيل: المراد بذِكْرِ الله: الذِّكْر الخاصُّ وهو «لا إله إلا الله»، وعلى هذا؛ فلا يُشيرُ إلا مَرَّةً واحدةً، وذلك عندما يقول: أشهد أنْ لا إله إلا الله. هذا اختلاف الفقهاء، ولكن السُّنَّة دَلَّت على أنه يُشير بها عند الدعاء فقط لأن لفظ الحديث: «يُحرِّكُها يدعو بها» (¬1) وقد وَرَدَ في الحديث نَفْيُ التَّحريك وإثباتُ التحريك (¬2). والجمعُ بينهما ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 318)؛ والنسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة (890)، وكتاب التطبيق، باب الإشارة بالأصبع في التشهد الأول (1162)؛ والبيهقي (2/ 132)؛ وابن خزيمة (714) وصححه. (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد (989)؛ والبيهقي (2/ 31، 132).

ويبسط اليسرى

سهل: فنفيُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ الدَّائم، وإثباتُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ عند الدُّعاء، فكلما دعوت حرِّكْ إشارة إلى علوِّ المدعو سبحانه وتعالى، وعلى هذا فنقول: «السلام عليك أيُّها النبيِّ» فيه إشارة؛ لأن السَّلامَ خَبَرٌ بمعنى الدُّعاءِ، «السَّلامُ علينا» فيه إشارة، «اللهم صَلِّ على محمَّد» فيه إشارة، «اللهم بارك على محمَّد» فيه إشارة، «أعوذ بالله من عذاب جهنَّم» فيه إشارة، «ومِن عذاب القبر» فيه إشارة، «ومِن فتنة المحيا والممات» فيه إشارة، «ومِن فتنة المسيح الدَّجَّال» فيه إشارة، وكُلَّما دعوت تُشيرُ إشارةً إلى عُلُوِّ مَنْ تدعوه سبحانه وتعالى، وهذا أقربُ إلى السُّنَّة. وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى، ............. قوله: «ويبسط اليسرى» يعني: أصابعها على الفخذِ الأيسر؛ لأنه قال في الأول: «ويداه على فخذيه». وَيَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، ........... قوله: «ويقول: التحيات لله ... » يقول بلسانه متدبِّراً ذلك بقلبه وهل يُشترطُ أن يُسمعَ نفسَه؟ فيه خِلافٌ سَبَقَ ذِكْرُه (¬1). أمَّا المذهبُ فيُشترط أن يُسمعَ نفسَه في الفاتحة، وفي كُلِّ ذِكْرٍ واجبٍ. قوله: «التحيات لله» التحيات: جمع تحيَّة، والتحيَّة هي: التَّعظيم، فكلُّ لَفْظٍ يدلُّ على التَّعظيم فهو تحيَّة، و «الـ» مفيدة للعموم، وجُمعت لاختلاف أنواعها، أما أفرادها فلا حدَّ لها، يعني: كُلَّ نوع من أنواع التَّحيَّات فهو لله، واللام هنا للاستحقاق ¬

_ (¬1) انظر: ص (20).

والاختصاص؛ فلا يستحقُّ التَّحيَّات على الإطلاق إلا الله عزّ وجل. ولا أحد يُحَيَّا على الإطلاق إلا الله، وأمَّا إذا حَيَّا إنسانٌ إنساناً على سبيل الخصوص فلا بأس به. لو قلت مثلاً: لك تحيَّاتي، أو لك تحيَّاتُنَا، أو مع التحيَّة، فلا بأس بذلك، قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} الآية [النساء: 86] لكن التَّحيَّات على سبيل العموم والكمال لا تكون إلا لله عزّ وجل. فإذا قال قائل: هل اللَّهُ بحاجة إلى أن تحييه؟ فالجواب: كلاَّ؛ لكنه أهْلٌ للتعظيم، فأعظِّمه لحاجتي لذلك لا لحاجته لذلك، والمصلحة للعبد قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7]. قوله: «والصلوات» أي: لله، وهو شاملٌ لكلِّ ما يُطلق عليه صلاة شرعاً أو لُغةً، فالصَّلوات كلُّها لله حقًّا واستحقاقاً، لا أحد يستحقُّها؛ وليست حقًّا لأحد سوى الله عزّ وجل، والدُّعاءُ أيضاً حقٌّ واستحقاق لله عزّ وجل كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ *} [غافر] فكلُّ الصلوات فرضُها ونفلُها لله، وكُلُّ الأدعية لله. قوله: «والطيبات». الطيبات لها معنيان: المعنى الأول: ما يتعلَّق بالله. المعنى الثاني: ما يتعلَّق بأفعال العباد.

فما يتعلَّق بالله فله مِن الأوصاف أطيبها، ومِن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله طيب، لا يَقبلُ إلا طيباً ... » (¬1) يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يَفعلُ إلا الطَّيب، ولا يتَّصفُ إلا بالطيب، فهو طيب في كُلِّ شيء؛ في ذاته وصفاته وأفعالِه. وله أيضاً مِن أعمال العباد القولية والفعلية الطَّيبُ (285)، فإن الطَّيبَ لا يليقُ به إلا الطَّيب ولا يقدم له إلا الطيب، وقد قال الله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] فهذه سُنَّةُ الله عزّ وجل. فهل أنت أيُّها المصلِّي تستحضر حين تقول «الطيبات لله» هذه المعاني، أو تقولها على أنها ذِكْرٌ وثناء؟ أغلبُ النَّاسِ على الثاني، لا يستحضر عندما يقول: «الطيبات» أن الله طيِّب في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه وأقوالِه، وأنه لا يليقُ به إلا الطَّيب مِن الأقوال والأفعال الصَّادرة مِن الخَلْقِ. وضدُّ الطَّيِّب شيئان: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ لأن الله سبحانه له الأوصاف العُليا {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [الروم: 27] فلا يُمكنُ أن يكون في أوصافه أو أفعاله أو أقواله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كُلُّ أفعالِه وأقوالِه وصفاتِه كلُّها طيبة. أما ما يصدرُ مِن الخَلْق؛ فمنه ما هو طيِّبٌ، ومنه ما هو خبيثٌ، ومنه ما ليس كذلك، لكن ما الذي يَصعد إلى الله ويُرفع إلى الله؟ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (1015) (65).

الجواب: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] وما ليس بطيِّبٍ فهو إلى الأرض، لا يصعدُ إلى السَّماءِ. قوله: «السلام عليك» «السَّلام» قيل: إنَّ المراد بالسَّلامِ: اسمُ الله عزّ وجل؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» (¬1) كما قال عزّ وجل في كتابه: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ} [الحشر: 23] وبناءً على هذا القول يكون المعنى: أنَّ الله على الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم بالحِفظ والكَلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: اللَّهُ عليك، أي: رقيب حافظ مُعْتَنٍ بك، وما أشبه ذلك. وقيل: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ بمعنى التَّسليم كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] فمعنى التسليم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم: أننا ندعو له بالسَّلامة مِن كُلِّ آفة. إذا قال قائل: قد يكون هذا الدُّعاء في حياته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ واضحاً، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسَّلامةِ وقد مات صلّى الله عليه وسلّم؟ فالجواب: ليس الدُّعاءُ بالسَّلامة مقصوراً في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرُّسل إذا عَبَرَ النَّاسُ على الصِّراط: «اللَّهُمَّ، سَلِّمْ؛ سَلِّمْ» (¬2)، فلا ينتهي المرءُ مِن المخاوف والآفات بمجرد موته. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة (831)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (402) (55). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (6573)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (182) (299).

السلام عليك أيها النبي

إذاً؛ ندعو للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بالسَّلامةِ من هول الموقف، ونقول أيضاً: قد يكون بمعنى أعم، أي: أنَّ السَّلامَ عليه يشمَلُ السَّلامَ على شرعِه وسُنَّتِهِ، وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين؛ كما قال العلماءُ في قوله تعالى: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قالوا: إليه في حياته، وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته. السَّلامُ عَلَيْك أيُّهَا النَّبيُّ ............ وقوله: «السلام عليك» هل هو خَبَرٌ أو دعاءٌ؟ يعني: هل أنت تخبر بأن الرسولَ مُسَلَّمٌ، أو تدعو بأن الله يُسلِّمُه؟ الجواب: هو دُعاءٌ تدعو بأنَّ الله يُسلِّمُه، فهو خَبَرٌ بمعنى الدُّعاء قوة رجاء الإجابة أمرٌ واقع. ثم هل هذا خطاب للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كخطابِ النَّاسِ بعضهم بعضاً؟ الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين. ولأنَّه لو كان كذلك لجَهَرَ به الصَّحابةُ حتى يَسمعَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولردَّ عليهم السَّلام كما كان كذلك عند ملاقاتِهم إيَّاه، ولكن كما قال شيخ الإسلام في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»: لقوَّة استحضارك للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه. ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد آخر، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير بلده وفي عصر غير عصره. وأمّا ما وَرَدَ في «صحيح البخاري» عن عبد الله بن مسعود

رضي الله عنه أنهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «السَّلامُ على النَّبيِّ ورحمة الله وبركاته» (¬1) فهذا مِن اجتهاداتِه رضي الله عنه التي خالَفه فيها مَنْ هو أعلمُ منه؛ عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه، فإنه خَطَبَ النَّاسَ على مِنبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال في التشهُّدِ: «السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله» كما رواه مالك في «الموطأ» بسَنَدٍ من أصحِّ الأسانيد (¬2)، وقاله عُمرُ بمحضر الصَّحابة رضي الله عنهم وأقرُّوه على ذلك. ثم إن الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ علَّمه أمَّته، حتى إنه كان يُعَلِّم ابنَ مسعود، وكَفُّه بين كفَّيه (¬3) من أجل أن يستحضر هذا اللَّفظَ، وكان يُعلِّمُهم إيَّاه كما يُعلِّمُهم السُّورة من القرآن، وهو يعلم أنه سيموت؛ لأن الله قال له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ *} [الزمر] ولم يقلْ: بعد موتي قولوا: السَّلامُ على النَّبيِّ، بل عَلَّمَهم التشهُّدَ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن بلفظها. ولذلك لا يُعَوَّلُ على اجتهاد ابن مسعود، بل يُقال: «السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ». قوله: «أيُّها النبيُّ» مُنادى حُذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبيُّ، وحُذفت ياء النداء لكثرة الاستعمال والتخفيف، والبداءة بالكناية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ويُقال: النَّبيءُ بالهمزة، ويقال: النَّبيُّ بتشديد الياء بدون همزة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب الأخذ باليد (6265). (¬2) الموطأ، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (240). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب الأخذ باليدين (6265)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (402) (59).

ورحمة الله وبركاته

أمّا إذا قيل: النبيءُ بالهمزة، فهو فعيل مِن النبأ بمعنى الخَبَر، لكنه فعيل، بمعنى فاعل ومفعول؛ لأنه منبئ ومنبأ. وأما إذا قيل: النَّبيُّ بتشديد الياء بلا همز، فإما أن تكون أصلها مهموزاً وحُذفت الهمزة تخفيفاً، وإمَّا أن تكون من «النَّبْوَة» وهي الارتفاع وسُمِّيَ بذلك لارتفاع رُتبته صلّى الله عليه وسلّم. فإن قيل: ألا يمكن أن نقول بأنها النَّبي بالياء من الأمرين جميعاً من النَّبْوَة وهو الارتفاع، ومن النبأ وهو الخبر؟ فالجواب: يمكن، لأن القاعدة: أن اللفظ إذا احتمل معنيين لا يتنافيان ولا مُرَجِّح لأحدهما على الآخر؛ حُمل عليهما جميعاً. ولا شَكَّ أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم مقامُه أرفع المقامات وأنه منبأ ومنبئ. وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ........... قوله: «ورحمة الله» «رحمة» معطوفة على «السَّلام عليك» يعني: ورحمة الله عليك، فيكون عطف جملة على جملة والخبر محذوف، ويجوز أن يكون مِن باب عطف المفرد على المفرد، فلا يحتاج إلى تقدير الخبر. والرحمة إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسَّلامِ صار لها معنى، وإن أُفردت صار لها معنى آخر، فإذا قُرنت بالمغفرة، أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصُل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أُفردت شملت الأمرين جميعاً، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالسَّلام دعوت له بالرَّحمة؛ ليزول عنه المرهوب ويحصُل له المطلوبُ. فإن قال قائل: لماذا بدأ بالسَّلام قبل الرحمة؟ فالجواب: أنَّ التَّخلية قبل التحلية.

فالتخلية: السَّلامة من النقائص، والتَّحلية: ذِكْرُ الأوصاف الكاملة، فنبدأ بطلب السلامة أولاً، ثم بطلب الرحمة. قوله: «وبركاته» جمع بَرَكَة، وهي الخير الكثير الثَّابت، لأن أصلها من «الْبِرْكة» بكسر الباء «والْبِرْكة» مجتمع الماء الكثير الثابت. والْبَرَكَةُ هي: النَّمَاءُ والزِّيادة في كلِّ شيء من الخير، فما هي البركات التي تدعو بها للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد موته؟ ففي حياته ممكن أن يُبارك له في طعامه، في كسوته، في أهله، في عمله. فأما البَرَكة بعد موته: فبكثرة أتباعه وما يتبع فيه، فإذا قَدَّرنا أن شخصاً أتباعه مليون رَجُل، وصار أتباعه مليونين فهذه بَرَكَة. وإذا قَدَّرْنا أن الأتباع يتطوَّعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة صار في الثاني زيادة. إذاً؛ نحن ندعو للرسول صلّى الله عليه وسلّم بالبَرَكَة وهذا يستلزم كَثْرَة أتباعه، وكَثْرَة عمل أتباعه؛ لأنّ كلَّ عمل صالح يفعلهُ أتباع الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة. وأقول استطراداً: إن هذا أحد الأوجه التي يُرَدُّ بها على من يهدون ثواب القُرَب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن بعض المحبِّين للرَّسُول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يهدون إليه القُرَب؛ كالختمة والفاتحة على روح محمَّد كما يقولون وما أشبه ذلك، فنقول: هذا من البدع ومن الضلال. أسألك أيُّها المُهْدي للرسول عبادة، هل أنت أشدُّ حُبًّا للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من أبي بكر وعُمر وعُثمان وعليّ؟

السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين،

إن قال: نعم، قلنا: كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت. وإن قال: لا، قلنا: لماذا لم يُهْدِ أبو بكر والخلفاء بعده للرسول صلّى الله عليه وسلّم ختمة ولا فاتحة ولا غيرها؟ فهذا بدعة. ثم إن عملك الآن وإن لم تُهْدِ ثوابه سيكون للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم مثله. فإذا أهديت الثَّوابَ، فمعناه أنك حرمت نفسك من الثواب فقط، وإلاَّ فللرسول صلّى الله عليه وسلّم مثل عملك أهديت أم لم تُهْدِ. السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، .......... قوله: «السلام علينا». نقول في السلام كما قلنا في الأول (¬1). وأما علينا فـ «نا» لا شَكَّ أنه لا يُراد بها الشخص نفسه فقط، وإنما يُراد بها الشَّخص ومَن معه، فمن الذي معه؟ قيل: المصلُّون. وقيل: الملائكة. وقيل: المراد جميع الأُمَّة المحمَّدية. وهذا القول الأخير أصحُّ، فكما دعونا لنبينا محمَّد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالسَّلامِ؛ ندعو أيضاً لأنفسنا بالسَّلام؛ لأننا أتباعه. قوله: «وعلى عباد الله الصالحين». هذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن عباد الله الصالحين هم كُلُّ عبدٍ صالح في السماء والأرض؛ حيّ أو ميِّت من الآدميين والملائكة والجِنِّ. وعباد الله هم الذين تعبَّدوا لله: أي تذلَّلوا له بالطاعة امتثالاً للأمر واجتناباً للنهي، وأفضل وَصْفٍ يتَّصف به الإنسان هو أن يكون عبداً لله، ولهذا ذَكَرَ اللهُ وَصْفَ رسوله بالعبودية في أعلى مقاماته. ¬

_ (¬1) انظر: ص (150).

في الإسراء {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] والمعراج {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} [النجم: 10]، والإسراء والمعراج مِن أفضل ما يكون من المقامات للرسول صلّى الله عليه وسلّم. ووَصَفَهُ بذلك في مقام الدِّفاع عنه {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23]. ووَصَفَهُ بذلك في مقام التنزيل عليه {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1]. فالحاصل: أن أشرف وصف للإنسان أن يكون عبداً لله ـ أسأل الله أن يحقِّق ذلك لعباده المؤمنين ـ لا عبداً لهواه، إذا سَمِعَ أَمْرَ رَبِّه قال: سمعنا وأطعنا، وإذا سَمِعَ نهيه، قال: سمعنا وَتَجَنَّبْنَا، وإذا سَمِعَ خبراً قال: سمعنا وصدَّقنا وقبلنا. وعباد الله الصالحون هم الذين صَلُحتْ سرائرُهم وظواهرُهم. فصلاح السرائر: بإخلاص العبادة لله، والظَّواهر: بمتابعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. هؤلاء هم الصَّالحون، وضِدُّ ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسَّرائر، وإما بالظَّواهر، فالمشركُ فاسدُ السَّريرة، والمبتدعُ فاسدُ الظَّاهر؛ لأنَّ بعض المبتدعة يريد الخيرَ، لكنه فاسدُ الظَّاهر لم يمشِ على الطَّريق الذي رَسَمَهُ رسولُ الله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. والمشركُ فاسدُ الباطن، ولو عَمِلَ عملاً ظاهرُه الصِّحة والصَّلاح مثل المرائي.

أشهد أن لا إله إلا الله

مسألة: هل هناك عباد لله فاسدون؟ نعم؛ كُلُّ مَنْ في السماوات والأرض فهم عباد لله بالعبودية الكونية كما قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا *} [مريم]، فالكُفَّار عبيد لله، بالعبودية الكونية القدرية؛ لا بالعبودية الشرعية. قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله». الشهادة هي الخبر القاطع، فهي أبلغ مِن مجرد الخبر. لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قَطْعٍ، كأنما يشاهد الإنسانُ بعينيه ما شَهِدَ به. أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ، ........... تنبيه: يقول بعض الناس: «أشهد أنَّ لا إله إلا الله» بتشديد «أنّ»، وهذا خطأ من حيث اللغةُ العربيةُ، لأن «أنَّ» لا تكون بمثل هذا التركيب، والتي تكون بمثل هذا التركيب «أنْ» المخفَّفة مِن الثقيلة وجملة «لا إله إلا الله» في مَحلِّ رَفْعِ خبرها، واسمُها ضمير الشأن محذوف وجوباً. إذاً؛ النُّطقُ الصحيحُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، بتخفيف «أنْ». و «لا إله إلا الله» كلمةُ التوحيد التي بعثَ اللهُ بها جميعَ الرُّسلِ كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء]، وبها يكون تحقيق توحيد الألوهية، وإن شئت فقل: تحقيق توحيد العِبادة، وهما بمعنى واحد، لكن يُسمَّى توحيدُ الألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد العِبادة باعتبار إضافته إلى العبد. ومعنى «لا إله إلا الله»: أي: لا معبود حقٌّ إلا الله،

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»

وفَسَّرْناها بهذا التفسير؛ لأن «إله» فِعَال بمعنى مفعول، والمألوه: هو المعبود حُبًّا وتعظيماً وخبر «لا» محذوف والتقدير: لا إله حَقٌّ إلا الله، و «الله» بدل مِن الخبر المحذوف، ومعنى هذه الجملة العظيمة: أنه لا معبود حقٌّ سوى الله عزّ وجل، أما المعبود بغير حقٍّ فليس بإله حقاً وإنْ سُمِّيَ إلهاً، ولهذا قال الله عزّ وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} [لقمان: 30]، وفي الآية الأخرى: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62]، ولا بطلان أعظم مِن بطلانه، وقال الله تعالى يخاطب الذين يعبدون مِن دون الله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23]، وليست حقائق بل هي مجرَّد أسماء. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». قوله: «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله»، سبق معنى «أشهد». وأما «محمد» فهو محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، بَعَثَهُ اللَّهُ عزّ وجل بمكَّة أمِّ القرى، وأحبِّ البلاد إلى الله، وهاجر إلى المدينة، وتُوفِّي فيها صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «عبده» أي: العابد له، وليس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم شَرِكَةٌ في مِلْكِ الله أبداً، وهو بَشَرٌ مثلُنا تميَّز عنا بالوحي، وبما جَبَلَه الله عليه مِن العبادة والأخلاق العظيمة. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]، وقال اللَّهُ تعالى: {} [القلم: 4]. قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما أنا بَشَرٌ مثلُكم، أنسَى كما تَنْسَون» (¬1) ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان (401)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة (572) (89).

وأمَرَه اللَّهُ تعالى أن يقول: {لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50]. وقال له في آية أخرى: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا *قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا *} [الجن]، يعني: لو أرَادَ اللَّهُ به سوءاً ما مَنَعَه أحدٌ، فهو عَبْدٌ مِن العباد، وهو صلّى الله عليه وسلّم أشدُّ الناسِ خشيةً لله، وأقومهم تعبّداً لله، حتى إنه كان يقوم لله عزّ وجل حتى تتورَّمَ قدماه، فيُقال له: لقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر. فيقول: «أفلا أكون عَبْداً شكوراً» (¬1). وقوله: «ورسولُهُ» أي: مُرْسَلُهُ، أرسله الله عزّ وجل وجعله واسطة بينه وبين الخَلْق في تبليغ شرعه فقط، إذْ لولا رسول الله ما عرفنا كيف نعبد الله عزّ وجل، فكان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رسولاً مِن الله إلى الخَلْقِ، ونِعْمَ الرسول، ونِعْمَ المرسِل، ونعم المرسَل به، فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو رسولٌ مرسلٌ مِنَ الله، وهو أفضل الرُّسل، وخاتمهم، وإمامهم، ولهذا لما جُمِعُوا له ليلة المعراج تقدَّمهم إماماً مع أنه آخرهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ (¬2). وعُلِمَ من هذين الوصفين للرسول صلّى الله عليه وسلّم ـ العبودية والرسالة ـ ضلالُ طائفتين ضَلَّتا فيه. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (2820) (81)؛ وعند البخاري: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً)، كتاب التفسير، باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (4837). (¬2) أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/ 257).

الطائفة الأولى: ظَنَّتْ أنَّ له حقًّا في الرُّبوبية، فصارت تدعو الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصار تعظيمُه في قلوبهم أشدَّ مِن تعظيم الله ـ نعوذ بالله ـ حتى إنه إذا ذُكِرَ الرَّسولُ اقشعرت جلودهم؛ ثم تلين كأنما ذكر الله. وإذا ذُكِرَ الله فإنما هو كالماء البارد على جلودهم لا يتحرَّكون، فهؤلاء أشركوا بالله حيث ساووا الرَّسولَ بالله بل جعلوه أعظم مِن الله عزّ وجل. الطائفة الثانية: {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 24] وإمَّا أنه كاذب في تعميم الرِّسالة كما يقول النَّصارى الذين يداهنون المسلمين، وانخدعَ بهم بعضُ العرب قالوا: محمدٌ رسولُ الله لكن إلى العرب فقط. ولبَّسوا على النَّاسِ بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2] وهم يقولون: نحن لسنا بأميين، نحن مِن بني إسرائيل مِن أهل الكتاب. والنصارى يقولون: رسولنا عيسى، ويَغْلُون به حتى جعلوه إلهاً مع الله. واليهود يقولون: عيسى كاذبٌ ابن زانية ـ والعياذ بالله ـ مقتولٌ مصلوبٌ، ونبيهم موسى. وعلى كُلٍّ؛ نقول لمن ادعى خصوصية رسالة الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام في العرب: هل تؤمن بأنه رسول؟ إذا قال: نعم، نقول: هل الرسول يكذب؟ إنْ قال: نعم، بطلت شهادتُه، فالرَّسولُ لا يكذب، وإنْ

هذا التشهد الأول

قال: لا، قلنا: اقرأ قولَ الله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *} [الأعراف]. أما أن تُلبِّس وتأتي بآيات متشابهة فإنك أحقُّ مَنْ يدخلُ في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]. هذا التَّشَهُّدُ الأوَّلُ، ............ قوله: «هذا التشهد الأول» هذا المشار إليه ما ذُكِرَ مِن قوله: «التحيات» إلى قوله «وأنَّ محمداً عبدُه ورسوله». وقوله: «التشهُّدُ الأول» يعني: في الثلاثية والرباعية. واعْلَمْ أن الأحاديث وَرَدَتْ في التشهُّدِ على أكثر من وَجْهٍ، فما موقفنا مِن هذه الوجوه؟ الجواب: أنَّ العلماء رحمهم الله اختلفوا في مثل هذه الوجوه، وهذا بعد أن نعلم أنه لا يمكن جَمْع الذِّكْرَين في آنٍ واحدٍ، أمَّا إذا كان يُمكن أن نجمعهما في آنٍ واحدٍ فجمعُهما أولى، إلا إذا كان هناك قرينة تدلُّ على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده كما في دعاء الاستفتاح. فالتشهُّدُ عَلَّمَه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَبدَ الله بن مسعود (¬1)، وعَلَّمَه عبدَ الله بن عبَّاس (¬2). وحديث عبد الله بن مسعود في «الصحيحين»، وحديثُ عبدِ الله بن عبَّاس في «مسلم» وكلاهما صحيح، وليس بينهما إلا اختلاف يسير مما يدلُّنا على ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (151). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (403) (60).

أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده، وأن هذا الاختلاف اليسير مما جاءت به السُّنَّةُ. وقد سَبَقَ ذِكْرُ الخِلافِ والتفصيل في العبادات الواردة على وجوه متنوِّعةٍ عند الكلام على رَفْعِ اليدين عند تكبيرة الإحرام. مسألة: ظاهر كلام المؤلِّف أنه لا يزيد في التشهُّدِ الأولِ على ما ذَكَرَ. وعلى هذا؛ فلا يستحبُّ أن تُصلِّيَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في التشهُّد الأوَّل، وهذا الذي مشى عليه المؤلِّف ظاهرُ السُّنَّة، لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يُعلِّم ابنَ مسعود (¬1) وابنَ عباس (¬2) إلا هذا التشهُّد فقط، وقال ابنُ مسعود: «كُنَّا نقولُ قبلَ أن يُفرضَ علينا التشهُّدِ» (¬3) وذكر التشهد الأول فقط؛ ولم يَذكرِ الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في التشهُّدِ الأول. فلو كان سُنَّةً لكان الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يعلِّمهم إيَّاه في التشهُّدِ. وأما قولهم: «يا رسولَ الله، أمَّا السَّلامُ عليك فقد عَرفنَاه، فكيف نُصَلِّي عليك (¬4) إذا نحن صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟» (¬5)، فهو سؤال عن الكيفيَّة وليس فيه ذِكْرُ الموضع، وفَرْقٌ بين أن يُعَيَّنَ الموضع أو تُبَيَّنَ الكيفيَّة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد»: كان من هدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تخفيف هذا التشهد جدًّا، ثم ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (151). (¬2) تقدم تخريجه ص (160). (¬3) انظر: سنن الدارقطني (1/ 350). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد التشهد (406) (66). (¬5) أخرجه الإمام أحمد (4/ 119)؛ والدارقطني (1/ 354)؛ والحاكم (1/ 268) وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي.

ثم يقول: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد

ذَكَرَ الحديث أنه كان كأنَّما يجلس على الرَّضْفِ ـ يعني: الحجارة المحمَّاة ـ من شِدَّة تعجيله (¬1)، وهذا الحديث وإن كان في سنده نظر، لكن هو ظاهر السُّنَّة، أي: أنه لا يزيد على هذا، وفي «صحيح ابن خزيمة»: «أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إذا كان في وَسَطِ الصَّلاة نَهَضَ حين يفرُغ من تشهُّدِه، وإنْ كان في آخرها دعا بعد تشهُّدِه بما شاء الله أن يدعوَ، ثم يُسلّم» (¬2). ومع ذلك لو أن أحداً مِن النَّاس صَلَّى على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الموضع ما أنكرنا عليه، لكن لو سألنا أيُّهما أحسن؟ لقلنا: الاقتصار على التشهُّدِ فقط، ولو صَلَّى لم يُنْهَ عن هذا الشيء؛ لأنه زيادة خير، وفيه احتمال، لكن اتباع ظاهر السُّنَّة أَولى. ثم يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ......... قوله: «ثم يقول» أي: بعد التشهد الأول «اللهم» معناها: يا الله. لكن حُذفت ياء النداء، وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلت الميم في الآخر تيمُّناً بالبداءة باسم الله عزّ وجل، وكانت ميماً ولم تكن جيماً ولا حاءً ولا خاءً، لأن الميم أدلُّ على الجَمْعِ، ولهذا تجتمع الشفتان فيها، فكأن الدَّاعي جمع قَلْبَه على رَبِّه ودعا وقال: اللَّهُمَّ. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 386، 428، 436، 460)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في تخفيف القعود (995)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين (366) وقال: «حديث حسن إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه». وانظر: كلام الشيخ رحمه الله أعلاه. (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 459)؛ وابن خزيمة (708) عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن الأسود النخعي، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 142): «رواه أحمد ورجاله موثقون».

إعراب «اللَّهُمَّ»: «الله» منادى مبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ نصب. ومعنى «الله»: أي: ذو الألوهية الذي يألهه كلُّ مَن تعبَّد له سبحانه وتعالى. قوله: «صلِّ على محمد» قيل: إنَّ الصَّلاةَ مِن الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدُّعاء. فإذا قيل: صَلَّتْ عليه الملائكة، يعني: استغفرت له. وإذا قيل: صَلَّى عليه الخطيبُ يعني: دعا له بالصلاة. وإذا قيل: صَلَّى عليه الله، يعني: رحمه. وهذا مشهورٌ بين أهل العلم، لكن الصحيح خِلاف ذلك، أن الصَّلاةَ أخصُّ من الرحمة، ولذا أجمع المسلمون على جواز الدُّعاء بالرحمة لكلِّ مؤمن، واختلفوا: هل يُصلَّى على غير الأنبياء؟ ولو كانت الصَّلاةُ بمعنى الرحمة لم يكن بينهما فَرْقٌ، فكما ندعو لفلان بالرحمة نُصلِّي عليه. وأيضاً: فقد قال الله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] فعطف «الرحمة» على «الصلوات» والعطفُ يقتضي المغايرة فتبيَّن بدلالة الآية الكريمة، واستعمال العلماء رحمهم الله للصلاة في موضع، والرحمة في موضع أن الصَّلاة ليست هي الرحمة. وأحسن ما قيل فيها: ما ذكره أبو العالية ـ رحمه الله ـ أنَّ صلاةَ الله على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب التفسير، باب «إن الله وملائكته يصلّون على النبي» (4797). ولفظه: «صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة».

فمعنى «اللَّهمَّ صَلِّ عليه» أي: أثنِ عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقرَّبين. فإذا قال قائل: هذا بعيد مِن اشتقاق اللفظ، لأن الصَّلاة في اللُّغة الدُّعاء وليست الثناء. فالجواب على هذا: أن الصلاة أيضاً من الصِّلَة، ولا شَكَّ أن الثناء على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الملأ الأعلى من أعظم الصِّلات؛ لأن الثناء قد يكون أحياناً عند الإنسان أهمُّ من كُلِّ حال، فالذِّكرى الحسنة صِلَة عظيمة. وعلى هذا؛ فالقول الرَّاجح: أنَّ الصَّلاةَ عليه تعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى. وقوله: «على محمَّد» قد يقول قائل: لماذا لم يقلْ على النبيِّ أو على نبيك محمَّد، وإنما ذَكَرَه باسمه العَلَم فقط. الجواب: أنَّ هذا من باب الخبر، والخبر أوسع من الطَّلب. قوله: «وعلى آل محمَّد». أي: وصَلِّ على آل محمَّد. وآل محمد، قيل: إنهم أتباعه على دينه (¬1)؛ لأن آل الشخص: كلُّ مَنْ ينتمي إلى الشخص، سواءٌ بنسب، أم حمية، أم معاهدة، أم موالاة، أم اتِّباع كما قال الله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]. فيكون «آله» هم أتباعُه على دينِهِ. ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 232)، «المجموع» (3/ 448).

كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد

وقيل: «آل النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم» قرابته المؤمنون (¬1)، والقائل بذلك خَصَّ القرابة المؤمنين، فخرج بذلك سائر الناس، وخَرَجَ بذلك كُلُّ مَن كان كافراً مِن قرابة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولكن الصحيح الأول، وهو أن الآل هم الأتباع، لكن لو قُرِنَ «الآل» بغيره فقيل: على محمد وآله وأتباعه. صار المراد بالآل المؤمنين مِن قرابته. كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ........... قوله: «كما صَلَّيت على آل إبراهيم» هل الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل؟ الجواب: أكثر العلماء يقولون: إنها للتشبيه، وهؤلاء فتحوا على أنفسهم إيراداً يحتاجون إلى الجواب عنه، وذلك بأن القاعدة أن المشبَّه دون المُشبَّه به، وعلى هذا؛ فأنت سألت اللَّهَ صلاةً على محمَّدٍ وآله دون الصَّلاة على آل إبراهيم؟ ومعلومٌ أنَّ محمداً وآله أفضل مِن إبراهيم وآله، فلذلك حصل الإشكال؛ لأن هذا يعارض القاعدة المتفق عليها وهي: أن المشبَّه أدنى من المشبَّه به. وأجابوا عن ذلك بأجوبة. فقال بعض العلماء: إن آل إبراهيم يدخل فيهم محمَّد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لأنه من آله، فإبراهيم أبوه، فكأنه سُئل للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الصَّلاة مرَّتين، مرَّة باعتبار الخصوص «اللهم صَلِّ على محمَّد»، ومرَّة باعتبار العموم «كما صَلَّيت على آل إبراهيم» ولكن هذا جواب فيه شيء، وليس بواضح. وقال بعض العلماء: إنها للتعليل ـ أي: الكاف ـ وأنَّ هذا ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 232)، «المجموع» (3/ 448).

وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد

مِن باب التوسُّل بفعل الله السابق؛ لتحقيق الفعل اللاحق، يعني: كما أنك سبحانك سَبَقَ الفضلُ منك على آل إبراهيم؛ فألْحِقِ الفضلَ منك على محمد وآله، وهذا لا يلزم أن يكون هناك مشبَّه ومشبَّه به. فإن قال قائل: وهل تأتي الكاف للتعليل؟ قلنا: نعم، تأتي للتعليل، استمعْ إليها من كلام العلماء، واستمعْ إلى مثالها. قال ابن مالك: شَبِّه بكافٍ وبها التَّعليل قد يُعنى وزائداً لتوكيد وَرَدْ فأفاد بقوله: «وبها التعليل قد يُعنى» أنه قد يُقصد بها التعليل. وأمّا المثال فكقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ} [البقرة: 151] فإن الكاف هنا للتعليل لما سبق. وكقوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] أي: لهدايتكم، وإن كان يجوز فيها التشبيه، يعني: واذكروه الذِّكرَ الذي هداكم إليه. فهذا القول ـ أعني: أنَّ الكاف في قوله: «كما صَلَّيت» للتعليل من باب التوسل بالفعل السابق إلى تحقيق اللاحق ـ هو القول الأصحُّ الذي لا يَرِدُ عليه إشكال. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، ........... قوله: «وبارك على محمَّد» أي: أنزل عليه البَرَكَةَ، ولهذا جاءت متعدِّية بعلى دون اللام، والبَرَكَة: مأخوذة من «البِرْكَة» وهو

مجتمع الماء، ولا يكون إلا على وَجْهِ الكثرة والقرار والثبوت، وعليه فالبَرَكة كثرة الخيرات ودوامها واستمرارها، ويشمَلُ البَرَكَة في العمل والبَرَكة في الأثر. أما البَرَكَة في العمل: فأن يُوفِّق الله الإنسان لعمل لا يُوفَّق له مَن نُزعت منه البَرَكة. وأما البَرَكَة في الأثر: بأن يكون لعمله آثار جليلة نافعة ينتفع بها الناس، ولا شَكَّ أن بَرَكَة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لا نظيرَ لها، وذلك لأن أمَّته أكثر الأمم، ولأن اجتهادهم في الخير أكثر من اجتهادِ غيرهم، فَبُورِكَ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فيمن اتبعَه، وبُورِكَ له في عَمَلِ من اتبعَه. قوله: «وعلى آل محمد كَمَا باركت على آل إبراهيم» سَبَقَ أنَّ الآل إذا أُفرِدت تشمَلُ جميعَ الأتباعِ، فالمرادُ بآله أتباعه، وسَبَقَ الشَّاهدُ من كون الآل بمعنى الأتباع، وهو قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] يعني: أتباعه. أما إذا قُرنت الآلُ بالأصحاب والأتباع؛ صار المرادُ بها المؤمنين مِن قرابتِه من بني هاشم، ومَن تفرَّع منهم؛ لأن الآل يشمَلُ إلى الجَدِّ الرابع. ولا عَجَبَ أن يكون لِلَّفْظِ معنًى عند الانفراد، ومعنًى عند الاقتران، فالمسكين مثلاً والفقير بمعنى واحد عند الانفراد، ولكُلِّ واحدٍ منهما معنى عند الاقتران والاجتماع، والبِرُّ والتقوى كذلك؛ لكُلِّ واحدة منهما معنى عند الاقتران، ويتَّفق معناهما عند الافتراق.

ويستعيذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر

والكاف هنا على القول الذي رجَّحناه فيما مضى في قوله: «كما صَلَّيت» للتَّعليل، وعلى هذا؛ فيكون ذِكْرُها مِن باب التوسُّلِ بفِعْلِ الله السَّابق إلى فِعْله اللاحق، كأنك تقول: كما أنك يا رَبِّ قد تفضَّلت على آل إبراهيم وباركت عليهم فبارك على آل محمَّد. قوله: «إنك حميد مجيد»، الجملة هذه استئنافية تفيد التَّعليل. «حميد»: فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يُحمدُ عزّ وجل على ما له من صفات الكمال، وجزيل الإنعام. وأما «المجيد»: فهي فعيل بمعنى فاعل، أي: ذو المجد. والمجدُ هو: العظمة وكمالُ السُّلطان، ويُقال: «في كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ» (¬1). هذا مثلٌ مشهور عند العرب، والمَرْخُ والعَفَار نوعان من الشَّجرِ في الحجاز معروفان، يعني: أنهما أسرعُ الشَّجرِ انقداحاً إذا ضربت بالزَّنْدِ، وإلا ففي كُلِّ الأشجار نار، كما قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا} [يس: 80]. وَيَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ومنْ عَذابِ الْقَبْرِ ............ قوله: «ويستعيذ» أي: يقول: أعوذُ بالله مِن عذابِ جهنَّم، والعياذ: هو الالتجاء أو الاعتصام مِن مكروه، يعني: أن يعتصم بالله من المكروه. واللِّياذ: أن تلجأ إليه لحصول المطلوب، كما قال الشاعرُ: يا مَنْ ألُوذُ به فيما أُؤَمِّلُهُ ومَنْ أعُوذُ به مِمَّا أُحَاذِرُهُ ¬

_ (¬1) انظر: «مجمع الأمثال»، للميداني (2/ 74).

لا يَجْبُرُ النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُ ولا يَهيضُونَ عظماً أنت جَابِرُهُ فجعلَ اللِّياذ فيما يُؤمَّل، والعياذ فيما يُحذَرُ مِن الأشياء المكروهة. وهذان البيتان لا يصلحان إلا للَّهِ تعالى، وإنْ كان قائلُهما يَمدحُ بهما مخلوقاً، فهما مِن شطحاتِ الشُّعراء. قوله: «من عذاب جهنم» أي: العذاب الحاصل منها، فالإضافة هنا على تقدير «من» فهي جنسيَّة كما تقول: خاتم حديد، أي: خاتم مِن حديد، ويحتمل أن تكون الإضافة على تقدير «في»، أي: عذابٌ في جهنم كما قال تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ} [سبأ: 33] أي: مكرٌ في الليل، والإضافة تأتي على تقدير «مِن» وعلى تقدير «في» وعلى تقدير «اللام» وهي الأكثر. وقوله: «جهنم» عَلَمٌ على النَّارِ التي أعدَّها عزّ وجل للكافرين، قال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *} [آل عمران: 131]، وهذه النَّار وَرَدَ في صفاتها وصفات العذاب فيها في الكتاب والسُّنَّة ما تقشعِرُّ منه الجلودُ، والبحث فيها من عِدَّة وجوه. الوجه الأول: هل هي موجودة الآن، أو ليست بموجودة؟ الجواب: هي موجودة؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عُرضت عليه النَّارُ في صلاة الكسوف وهو يُصلِّي بالنَّاسِ (¬1)، وكذلك في المعراج ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (39).

رأى النَّارَ أيضاً (¬1) والقرآن يدلُّ على ذلك كما قال تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] والإعداد بمعنى: التهيئة والفعل ماضٍ، فيقتضي: أن الإعداد حاصل الآن. الوجه الثاني: هل هي مؤبَّدة أو مؤمَّدة؟ يعني: هل تفنى أو هي دائمة أبد الآبدين؟ الجواب: المتعيِّن قطعاً أنها مؤبَّدة، ولا يكاد يُعرف عند السَّلفِ سوى هذا القول، ولهذا جَعَله العلماء مِن عقائدهم؛ بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبَّدة أبد الآبدين، وهذا أمرٌ لا شَكَّ فيه؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ التأبيد في ثلاثة مَواضع مِن القرآن في سورة «النساء» في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا *} {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 168، 169]. والثاني في سورة «الأحزاب» في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا *} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الأحزاب: 64، 65]. والثالث في سورة «الجن» في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23]، ولو ذَكَرَ اللَّهُ عزّ وجل التأبيد في موضعٍ واحد لكفى، فكيف وهو قد ذَكَرَه في ثلاثة مواضعٍ؟ ومِن العجب أن فِئةً قليلة مِن العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناءً على عِللٍ عَليلة؛ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسُّنَّة، وحَرَّفوا مِن أجلها الكتابَ والسُّنَّةَ فقالوا: إن {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} ما دامت موجودة. فكيف هذا؟!! ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (158).

إذا كانوا خالدين فيها أبداً لزم أن تكون هي مؤبَّدة، لأن قوله: {فِيهَا} أي: هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسان خالداً مؤبَّداً تخليده لزم أن يكون مكان الخُلود مؤبَّداً، لأنه لو فَنِيَ مكانُ الخلود ما صَحَّ تأبيد الخُلود. والتعليلات المخالفة للنصِّ مردودة على صاحبها، وهذا الخلاف الذي ذُكِرَ عن فِئةٍ قليلة مِن أهل العِلم خلافٌ مُطَّرَحٌ؛ لأنه مخالف للنصِّ الصَّريح الذي يجب على كُلِّ مؤمن أن يعتقده، ومَن خالفَه لشُبهة قامت عنده فيُعذر عند الله، لكن من تأمَّل نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ عَرَفَ أنها مؤبَّدة، والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عُمُرَه في محاربة الله عزّ وجل ومعصيته، والكفر به وتكذيب رُسُله، مع أنه جاءه النذيرُ، وأعذر، وبُيِّنَ له الحقُّ، ودُعِي إليه، وقوتِلَ عليه، وأصرَّ على الكفر والباطل، فكيف نقول: إنَّ هذا لا يؤبَّد عذابه! والآيات في هذا صريحة. الوجه الثالث: هل عذابها حقيقي يُؤلِم، أو أنَّ أهلَها يكونون فيها كأنهم حِجارة لا يتألَّمون؟ الجواب: أن عذابها حقيقي يُؤلِم، ومَنْ قال خِلاف ذلك فقد أخطأ، وأبعد النَّجْعَة، فهم يُعَذَّبون ويألمون ألماً عظيماً شديداً، كما قال تعالى في عِدَّة آيات {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10] حتى إنهم يتمنَّون الموتَ، والذي يتمنَّى الموت، هل يُقال: إنه يتألَّم أو إنه تأقلم؟ الجواب: لو تأقلمَ ما تألَّمَ، ولا دعا الله أنْ يقضيَ عليه، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ *لَقَدْ

جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ *} [الزخرف]. إذاً؛ هم يتألَّمون بلا شَكٍّ، والحرارة النارية تؤثِّر على أبدانهم ظاهرِها وباطنِها، قال الله تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا *} [النساء] وهذا واضحٌ؛ أن ظاهر أبدانهم يتألَّم وينضج، وقال تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف: 29]، وشَيُّ الوجه واللَّحم معروف، فهم إذا استغاثوا {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} [الكهف: 29] بعد مُدَّة طويلة، وهذا الماء إذا أقبل على وجوههم شواها وتساقطت ـ والعياذ بالله ـ فإذا شَرِبوه قَطَّعَ أمعاءَهم كما قال تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15] وهذا عذاب الباطن، وقال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في أهونِ أهلِ النَّارِ عذاباً: «إنَّه في ضَحْضَاح مِنْ نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغُه» (¬1) فإذا كان الدِّماغ يَغْلي، فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النَّعلين، وهذا دليل واضحٌ على أنَّهم يتألَّمون، وأنَّ هذه النارَ تؤثِّر فيهم، وقال تعالى: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 22] أي: المُحرِق، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة. الوجه الرابع: هل هناك ناران: نارٌ لأهل الكفر، ونار لأهل التوحيد الذين يُعذَّبون فيها ثم يخرجون؟ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب (3885)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه (210) (360)، وباب أهون أهل النار عذاباً (211) (361).

الجواب: زَعَمَ بعضُ العلماء ذلك، وقال: إنَّ النَّارَ ناران، نارٌ لأهل الكفر؛ ونار لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فَرْقٌ، ولكن هذا لا أعلمُ له دليلاً؛ لا مِن القرآن ولا من السُّنَّة، والذي أعلمُه أنَّ النَّارَ واحدة لا تختلف لكن عذابها يختلفُ، فلا شَكَّ أنَّها على عُصاة المؤمنين ليست كما هي على الكافرين. وكوننا نقول بالتقسيم بناءً على استبعاد عقولنا أن تكون ناراً واحدة تؤثِّر تأثيرين مختلفين لا وَجْهَ له لما يلي: أولاً: أن الله على كلِّ شيءٍ قدير، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل النَّارَ الواحدة لشخص سلاماً ولآخر عذاباً. ثانياً: أن أحوال الآخرة لا تُقاس بأحوال الدنيا أبداً؛ لظهور الفَرْقِ العظيم بينهما، فلا يجوز أنَّ تقيس أحوال الآخرة بأحوال الدُّنيا؛ لتنفي ما لا يتَّسعُ له عقلك، بل عليك ـ بالنسبة لأحوال الآخرة ـ أن تسلِّم وتقبل وتُصدِّق. أليست هذه الشمسُ تدنو مِن الخلائق قَدْرَ ميل يوم القيامة؟ ولو كانت أحوالُ النَّاسِ يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتهم؛ لأنَّ هذه الشمسَ في أوجها لو نزلت في الدُّنيا ولو يسيراً أحرقت الأرضَ ومَحَتْهَا عن آخرها، ونحن نحسُّ بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مسافات عظيمة، ولا سيَّما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو مِن الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل، ولا يحترقون بها. وكذلك أيضاً في يوم القيامة؛ الناسُ في مقام واحد، المؤمنون لهم نورٌ يَسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكُفَّار في ظُلْمَة، لكن في الدنيا لو كان بجانبك واحد على يمينه نورٌ

وبين يديه نورٌ فإنك تنتفع به، أمَّا في الآخرة فلا. وفي الآخرة أيضاً يَعْرَقُ النَّاسُ، فيختلف العَرَقُ اختلافاً عظيماً بينهم؛ وهم في مكانٍ واحد، فمِن النَّاسِ مَن يَصِلُ العَرَقُ إلى كعبيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى ركبتيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى حقويه، ومنهم مَنْ يُلجمُه العَرَقُ. فلا يجوز أن نقيسَ أحوالَ الآخرة بأحوال الدُّنيا، ثم نذهب ونُحدِث أشياء لم تأتِ في الكتاب والسُّنَّة، كتقسيم النَّار إلى نارين: نار للعصاة، ونار للكافرين. فالذي بلغنا ووصل إليه عِلمُنا أنها نارٌ واحدة لكنها تختلف. الوجه الخامس: أين مكان وجودها؟ الجواب: مكانها في الأرض، ولكن قال بعضُ أهل العِلْم: إنَّها البحار. وقال آخرون: بل هي في باطن الأرض. والذي يظهر: أنَّها في الأرض، ولكن لا ندري أين هي مِن الأرض على وَجْهِ التعيين. والدَّليل على أنَّ النَّارَ في الأرض: قول الله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ *} [المطففين: 7] وسِجِّين الأرض السُّفلى كما جاء في حديث البَراءِ بن عَازبٍ فيمن احتُضِرَ وقُبِضَ مِن الكافرين، أنَّها لا تُفتَّحُ لهم أبوابُ السَّماءِ، ويقول الله تعالى: «اكتبوا كتابَ عبدي في سِجِّين في الأرض السُّفلى، وأعيدوه إلى الأرض» (¬1) ولو كانت النَّارُ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 287، 295)؛ وأبو داود، كتاب السُّنة، باب المسألة في القبر وعذاب القبر (4753)؛ والحاكم (1/ 37) وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي؛ وصححه ابن القيم في «تهذيب السنن» (4/ 337).

في السَّماء لكانت تُفتَّحُ لهم أبوابُ السَّماءِ ليدخلوها؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى أصحابَها يعذَّبون فيها، وإذا كانت في السَّماءِ لَزِمَ مِن دخولهم في النَّارِ التي في السماء أن تُفَتَّحَ لهم أبوابُ السَّماءِ. لكن؛ بعضُ الطَّلبة استشكلَ وقال: كيف يراها الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم ليلة عُرِجَ به (¬1) وهي في الأرض؟ وأنا أعجب لهذا الاستشكال! ولا سيَّما وقد وَرَدَ مِن طالب عِلم، فإذا كُنَّا ـ ونحن في الطائرة ـ نرى الأرضَ تحتنا بعيدة وندركها، فكيف لا يرى النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ النَّارَ وهو في السماء؟!! ثم إن أمورَ الغيب لا تُقاس بأمور الشهادة. فالحاصل: أنَّ النَّارَ في الأرض، وقد رُوِيَ في هذا أحاديثُ؛ لكنها ضعيفة، ورُوِيَ آثار عن السَّلف كابن عباس، وابن مسعود (¬2)، وهو ظاهر القرآن قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، والذين كذَّبوا بالآيات واستكبروا عنها لا شَكَّ أنهم في النّار. الوجه السادس: ما أسماؤها؟ الجواب: لها أسماء متعدِّدة، وهذا التعدُّد في الأسماء لاختلاف صفاتها؛ فتُسمَّى الجحيم، وتُسمَّى جهنَّم، وتُسمَّى لَظَى، وتُسمَّى السَّعير، والمُسمَّى واحد، فكلُّ ما وَرَدَ في كتاب الله أو ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (158). (¬2) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (2/ 238).

صَحَّ في سُنَّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم مِن أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدِّق به ويُثْبِتَه. وقوله: «من عذاب جهنَّم» هل المراد أنه يتعوَّذ بالله من فِعْلِ المعاصي المؤدِّية إلى جهنم، أو يتعوَّذ بالله من جهنَّم، وإن عَصَى فهو يطلب المغفرة من الله، أو يشمَلُ الأمرين؟ الجواب: يشمَلُ الأمرين، فهو يستعيذُ بالله مِن عذاب جهنَّم، أي: مِن فِعْلِ الأسباب المؤدِّية إلى عذاب جهنَّم. ومِن عذاب جهنَّم، أي: من عقوبة جهنَّم إذا فَعل الأسباب التي توجب ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرين: إمَّا عصمة مِن الذُّنوبِ، فهذا إعاذة الله من فِعْلِ السبب، وإما عفوٌ عن الذُّنوبِ وهذا إعاذة الله مِن أَثَرِ السبب. وقولنا: العصمة مِن الذُّنوبِ، ليس معناه العصمة المطلقة؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلُّ بني آدم خَطَّاء، وخيرُ الخَطَّائين التوَّابُون» (¬1). وقال: «لو لم تُذنبوا؛ لذهبَ اللَّهُ بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون؛ فيستغفرون الله؛ فيغفر لهم» (¬2). قوله: «ومن عذاب القبر» معطوفة على «مِن عذاب جهنَّم» وعذاب القبر ما يحصُل فيه من العقوبة، وأصل القبر مدفن الميِّت، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *} [عبس] قال ابنُ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (3/ 198)؛ والترمذي، كتاب صفة القيامة (2499) وقال: «حديث غريب»؛ وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة (4251)؛ والحاكم (4/ 244). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار والتوبة (2749) (9).

عباس: «أي: أكرمه بدفنه». وقد يُراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة، وإن لم يُدفن، كما قال تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمون: 100] يعني: مِن وراء الذين ماتوا؛ لأن أوَّلَ الآية يدلُّ على هذا، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *} [المؤمنون]. فهل الدَّاعي إذا استعاذ بالله مِن عذابِ القبر؛ يريد مِن عذاب مدفن الموتى، أم مِن عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام السَّاعة؟ الجواب: يُريد الثاني؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويُدفن، أو يموت وتأكله السِّباع، أو يَحترق ويكون رماداً، قال الله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] فاستحضر أنك إذا قلت: «من عذاب القبر» أي: مِن العذاب الذي يكون للإنسان بعد موتِه إلى قيام السَّاعة. والبحث في عذاب القبر مِن عِدَّة أوجه: الوجه الأول: بماذا ثبت عذاب القبر؟ الجواب: ثبت بصريح السُّنَّة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين. أمَّا صريحُ السُّنَّة: فحديث البَراء بن عَازبٍ وأمثاله، قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «استعيذوا بالله مِن عذابِ القبر، استعيذوا بالله مِن عذاب القبر، استعيذوا بالله مِن عذاب القبر» (¬1). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (174).

وأمَّا إجماع المسلمين: فلأن جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: «أعوذُ بالله من عذاب جهنَّم، ومِن عذاب القبر»، حتى العامَّة الذين ليسوا من أهل الإجماع، ولا من العلماء. وأما ظاهر القرآن: فمثل قوله تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ *} [غافر] قال: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} ثم قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} ولا شَكَّ أن عَرْضهم على النَّارِ مِن أجل أن يصيبهم مِن عذابها، وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ} [الأنعام: 93] فهم يَشِحُّون بأنفسهم لا يريدون أن تخرج {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]. فقال: {الْيَوْمَ} «أل» هنا للعهد الحضوري، يعني: اليوم الحاضر الذي هو يوم وفاتهم {تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] وهذا الظَّاهر من القرآن يكاد يكون كالصَّريح؛ لأن الآيتين اللتين ذكرناهما كالصَّريح في ذلك. الوجه الثاني: هل هو على البدن، أو على الرُّوح، أو عليهما؟ الجواب: الأصلُ أنَّه على الرُّوح؛ لأن الحُكْمَ بعد الموت للرُّوح، والبدن جُثَّة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، لكن قال شيخ

الإسلام ابن تيمية: إن الرُّوح قد تتَّصلُ بالبَدَنِ فيتعذَّب. واعتمدوا في ذلك على أنَّ هذا قد رُئِيَ حِسًّا في القبر، فقد فُتِحَتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ العذاب على الجسم، وفُتِحت بعضُ القبور ورُئِيَ أثر النَّعيم على الجسم، وقد حدثني بعضُ النَّاسِ أنَّهم في هذا البلد هنا في «عُنَيزة» كانوا يَحْفِرُون لسور البلد الخارجي، فمرُّوا على قَبْرٍ فانفتح اللَّحْدُ فوجدوا فيه ميتاً قد أكلت كَفَنَه الأرضُ، وبقي جسمُه يابساً؛ لكن لم تأكل منه شيئاً، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته وفيها الحناء، وفاح عليهم رائحة كأطيب ما يكون من المسك، فتوقَّفوا وذهبوا إلى الشيخ، وكان في ذلك الوقت «عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين» وسألوه فقال: دعوه على ما هو عليه وجنِّبوا عنه، فاحفِروا عن يمين أو يسار. فبناءً على ذلك قال العلماء: إن الرُّوح قد تتَّصل بالبدن فيكون العذابُ على هذا وهذا، وربما يُستأنس لذلك بحديث البَراءِ بن عازبٍ المتقدِّم الذي قال فيه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن القبرَ ليضيق على الكافر؛ حتى تختلف فيه أضلاعُه» (¬1)، فهو يدلُّ على أن العذابَ يكون على الجسم؛ لأن الأضلاع في الجسم. الوجه الثالث: إذا لم يُدفن الميِّت وأكلته السِّباعُ، أو ذرَّته الرِّياحُ، أو سقط في اليَمِّ فأكلته الحيتان. هل يكون عليه عذاب؟ الجواب: نعم، ويكون العذاب على الرُّوح؛ لأن الجسدَ قد زال وتَلِفَ وفَنِيَ، وإنْ كان هذا أمراً غيبيًّا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله مِن هذا العذاب شيء؛ ولو كان قد فَنِيَ واحترق؛ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (174).

لأن الأمر الأُخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدُّنيا. الوجه الرابع: هل عذابُ القبر دائم، أو منقطع؟. الجواب: أما إنْ كان الإنسان كافراً ـ والعياذ بالله ـ فإنه لا طريق إلى وصول النَّعيم إليه أبداً، ويكون عذابُه مستمرًّا، وأما إنْ كان عاصياً وهو مؤمن فإنه إذا عُذِّبَ في قَبْرِه يُعذَّب بقَدْرِ ذنوبه، وربَّما يكون عذابُ ذنوبه أقل مِن البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعاً. الوجه الخامس: هل يُخفَّفُ عذابُ القبر بالنسبة للمؤمن العاصي؟ الجواب: نعم، قد يُخفَّف؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مرَّ بقبرين فقال: «إنَّهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير، بلى إنه كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستبرئ أو قال: لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، ثم أخذ جريدةً رطبةً فشقَّها نصفين، فغرز في كُلِّ قبر واحدة، وقال: «لعله يخفَّف عنهما ما لم ييبسا» (¬1)، وهذا دليل على أنه قد يُخفَّف العذابُ، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذَّبين؟ الجواب (¬2): قيل: لأنَّهما تسبِّحان ما لم تيبسا، والتسبيح ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول (1378)؛ ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (292) (111). (¬2) «شرح مسلم» للنووي (3/ 192).

يخفِّف مِن العذاب على الميِّت، وفرَّعوا على هذه العِلَّة المستنبطة التي قد تكون مستبعدة؛ أنه يُسنُّ للإنسان أن يذهب إلى القبور ويسبِّح عندها مِن أجل أن يخفِّف عنها العذاب. وقال بعضُ العلماء: هذا التَّعليل ضعيف؛ لأن الجريدتين تسبِّحان، سواء كانتا رطبتين أم يابستين لقول الله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]. وسُمِعَ تسبيحُ الحَصى بين يدي الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مع أن الحَصى يابس ولا ينمو. والعِلَّة القريبة: أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم رجا مِن الله عزّ وجل أن يخفِّف عنهما مِن العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين، يعني: أن المدَّة ليست طويلة. وذلك مِن أجل التَّحذير عن فِعْلِهما؛ لأن فِعْلَهما كبير كما جاء في الرواية: «بلى؛ إنه كبير» أحدهما لا يستبرئ من البول، وإذا كان لا يستبرئ مِن البول صَلَّى بغير طهارة، والثاني يمشي بالنميمة؛ يُفسد بين عباد الله ـ والعياذ بالله ـ ويُلقي بينهم العداوة والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا هو الأقرب أنها شفاعة مؤقَّتة تحذيراً للأمة، لا بُخلاً مِن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالشفاعة الدائمة. ونقول استطراداً: إن بعض العلماء ـ عفا الله عنهم ـ قالوا: يُسَنُّ أن يضع الإنسان جريدة رطبة أو شجرة أو نحوها على القبر ليخفِّف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جدًّا؛ ولا يجوز أن نصنع ذلك لما يلي:

أولاً: أنه لم يُكشف لنا أن هذا الرَّجل يُعذَّب، بخلاف النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فقد كُشِفَ له عن القبرين. ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميِّت؛ لأننا ظننَّا به ظَنَّ سوءٍ أنه يُعذَّب، وما يدرينا فلعله يُنَعَّم، لعل هذا الميت ممن مَنَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته؛ لوجود سبب مِن أسباب المغفرة الكثيرة، فمات وقد عفا رَبُّ العباد عنه، وحينئذٍ لا يستحقُّ عذاباً. ثالثاً: أنَّهُ مخالفٌ لهدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنه لم يكن يفعل ذلك في كلِّ قَبْرٍ. رابعاً: أنَّه مخالفٌ لما كان عليه السَّلف الصَّالح الذين هم أعلمُ النَّاس بشريعة الله، فما فَعَلَ هذا أحدٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم. خامساً: أنَّ الله تعالى قد فَتَحَ لنا ما هو خير منه، فكان النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام إذا فَرَغَ مِن دفن الميِّت وَقَفَ عليه وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسأل» (¬1). الوجه السادس: هل عذاب القبر من أمور الغيب، أم من أمور الشَّهادة؟ الجواب: مِن أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يُعذَّب، ونحن لا نشعرُ به، وكم جار له مُنعَّم مفتوح له باب إلى ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف (3221)؛ والبيهقي (4/ 56)؛ والحاكم (1/ 370) وقال: «حديث صحيح» ووافقه الذهبي.

الجنة ونحن لا نشعر به، فما في القبور لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا به ما علمنا؛ ولهذا لمَّا دَخَلَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم على عائشة، وعندها امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرتِ أنكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فارتاعَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «إنَّما تُفْتَنُ يَهُودُ» قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هل شعرتِ أنه أُوحي إلي أنكم تُفتنون في القبور» قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بَعْدُ يستعيذُ مِن عذاب القبر (¬1). ولكن قد يُطلع الله تعالى عليه مَنْ شاء مِن عباده، مثل ما أطلع نبيه صلّى الله عليه وسلّم على الرَّجُلين اللذين يعذَّبان، أحدُهما يمشي بالنميمة، والآخر لا يستنزه من البول (¬2). والحكمة من جَعْلِهِ من أمور الغيب ما يلي: أولاً: أنَّ الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين؛ فلو كُنَّا نَطَّلِعُ على عذاب القبور لَمِتنا؛ لأن الإنسان إذا اطَّلع على أنَّ أباه، أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يُعذَّب في القبر ولا يستطيع فِكَاكَه، فإنه يَقْلق ولا يستريح، وهذه مِن نعمة الله سبحانه. ثانياً: أنه أستر للميِّت، فهذا الميِّت قد سَتَرَ الله عليه، ولم نعلم عن ذنوبه التي بينه وبين رَبِّه عزّ وجل، فإذا مات وأطلعنا الله ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب التعوّذ من عذاب القبر (584) (123). (¬2) تقدم تخريجه ص (180).

على عذابِهِ صار في ذلك فضيحة عظيمة له، ففي سَتْرِه رَحْمةٌ مِن الله بالميِّت. ثالثاً: أنه قد يَصعُب على الإنسان دَفْنُ الميِّت؛ كما صَحَّ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لولا ألاَّ تدافنوا؛ لسألتُ اللَّهَ أن يسمِعَكم مِن عذاب القبر الذي أسمعُ منه» (¬1). رابعاً: أنَّ في ذلك إزعاجاً لأهله وذويه، وربما عُيِّرُوا بذلك وأُهينُوا. خامساً: لو كان العذاب ظاهراً لم يكن للإيمان به مزيَّة، لأنه يكون مشاهداً، وهو من أمور الغيب التي يُثنى على مَنْ آمن بها، ثم إنَّه قد يحمِلُ النَّاسَ على أن يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [غافر: 84] فلو رأى النَّاسُ هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون لآمنوا وما كفر أحد، لأنه أيقن بالعذاب عين اليقين، فكأنه نزل به فلم يكن للإيمان به فائدة. وحِكَمُ الله سبحانه وتعالى عظيمة والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزمُ بخبر الله أكثر مما يجزمُ بما شاهده بعينه، لأن خَبَرَ الله عزّ وجل لا يتطرَّقُ إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يمكن أن تتوهمه. فكم مِن إنسان شَهِدَ أنَّه رأى الهلالَ؛ وإذا هي نجمة. وكم مِن إنسان شَهِدَ أنه رأى الهلال؛ وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه، وهذا وَهْمٌ، وكم مِن إنسان يرى شَبَحاً ويقول: هذا ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (2867) (67).

إنسان مقبل؛ وإذا هو جذع نخلة. وكم من إنسان يرى السَّاكن متحرِّكاً والمتحرِّك ساكناً. لكن خبر الله لا يتطرَّق إليه الاحتمال أبداً. ولهذا نسألُ الله لنا ولكم الثبات. فالمؤمن يُوقن بخبر الله أشدَّ مما يراه في عينه مِن قَبوله والإيمان به. وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَيَدْعُو بِمَا وَرَدَ. قوله: «ومن فتنة المحيا والممات» معطوفة على «من عذاب جهنم» والمراد بالفتنة اختبار المرء في دينه؛ في حياته وبعد مماته، وفتنة الحياة عظيمة وشديدة، وقلَّ من يتخلَّص منها إلا مَنْ شاء الله، وهي تدور على شيئين: 1 ـ شُبُهات. 2 ـ شهوات. أما الشُّبُهات فتعرض للإنسان في عِلْمِهِ، فيلتبس عليه الحقُّ بالباطل، فيرى الباطل حقًّا، والحقَّ باطلاً، وإذا رأى الحقَّ باطلاً تجنَّبه، وإذا رأى الباطلَ حقاً فَعَلَهُ، وأمَّا الشَّهوات فتعرض للإنسان في إرادته، فيريد بشهواته ما كان محرَّماً عليه، وهذه فتنة عظيمة، فما أكثر الذين يرون الرِّبا غنيمة فينتهكونه! وما أكثر الذين يرون غِشَّ النَّاسِ شطارةً وجَودةً في البيع والشِّراء فيغشُّون! وما أكثر الذين يرون النَّظَرَ إلى النساء تلذُّذاً وتمتُّعاً وحرية، فيطلق لنفسه النظر للنساء! بل ما أكثر الذين يشربون الخمر ويرونه لذَّة وطرباً! وما أكثر الذين يرون آلاتِ اللهو والمعازف فنًّا يُدرَّسُ ويُعطى عليه شهادات ومراتب! وأما فتنة الممات فاختلف فيها العلماءُ على قولين (¬1): ¬

_ (¬1) «شرح صحيح مسلم» للنووي (5/ 87).

القول الأول: إن فتنة الممات سؤال الملكين للميِّت في قَبْرِه عن ربِّه، ودينه ونبيِّه؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنه أُوحِيَ إلي أنكم تُفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة المسيح الدَّجَّال» (¬1). فأمَّا مَنْ كان إيمانُه خالصاً فهذا يسهل عليه الجواب. فإذا سُئل: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله. مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد. ما دينك؟ قال: ديني الإسلام. بكلِّ سُهولة. وأما غيره ـ والعياذ بالله ـ فإذا سُئل قال: هاه ... هاه ... لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته (¬2). وتأمل قوله: «هاه ... هاه ... » كأنه كان يعلم شيئاً فنسيه، وما أشدَّ الحسرة في شيء علمتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهل لم يكسب شيئاً، لكن النَّاسي كسب الشيء فخسره، والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيي. فهذه فتنة عظيمة؛ أسألُ الله أن ينجِّيني وإيَّاكم منها، وهي في الحقيقة تدور على ما في القلب، فإذا كان القلب مؤمناً حقيقة يرى أمور الغيب كرأي العين، فهذا يجيب بكلِّ سُهولة، وإن كان الأمر بالعكس فالأمر بالعكس. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (86)؛ ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (905) (11). (¬2) كما في حديث البراء المشهور، وقد تقدم تخريجه ص (174).

وأهميتها، كما نصَّ على فِتنة الدَّجَّال مع أنها مِن فتنة المحيا، فهي فِتنة ممات؛ لأنها قُرب الممات، وخصَّها بالذِّكر؛ لأنها أشدُّ ما يكون، وذلك لأن الإنسان عند موته ووداع العمل صائر إما إلى سعادة، وإما إلى شقاوة، قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحدَكُم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتابُ؛ فيعملُ بعملِ أهل النَّارِ» (¬1) فالفتنة عظيمة. وأشدُّ ما يكون الشيطانُ حرصاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة، والمعصومُ مَنْ عَصَمَه الله، يأتي إليه في هذه الحال الحرجةِ التي لا يتصوَّرها إلا من وقع فيها قال تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ *وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ *وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ *وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ *} [القيامة]، حال حرجة عظيمة، الإنسانُ فيها ضعيفُ النَّفْسِ، ضعيفُ الإِرادة، ضعيفُ القوَّة، ضيقُ الصَّدر، فيأتيه الشيطانُ ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى إنه كما قال أهل العلم: قد يعرضُ للإِنسان الأديان اليهودية، والنصرانية، والإسلامية بصورة أبويه، فيعرضان عليه اليهودية والنصرانية والإسلامية، ويُشيران عليه باليهودية أو بالنصرانية، والشيطان يتمثَّلُ كُلَّ واحد إلا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذه أعظم الفِتَنِ. ولكن هذا والحمد لله لا يكون لكلِّ أحد، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وحتى لو كان الإنسان لا يتمكَّن الشيطان من أن يَصِلَ إلى هذه الدرجة معه، لكن مع ذلك يُخشى عليه منه. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم (3208)؛ ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (2643) (1).

يقال: إنَّ الإمام أحمد رحمه الله وهو في سكرات الموت كان يُسمَعُ وهو يقول: بعدُ .. بعدُ. فلما أفاق قيل له في ذلك؟ قال: إنَّ الشيطان كان يعضُّ أنامله يقول: فُتَّني يا أحمد. يعضُّ أنامله ندماً وحسرة كيف لم يُغوِ الإمام أحمد؟ فيقول له أحمد: بعدُ .. بعدُ. أي: إلى الآن ما خرجت الرُّوح، فما دامت الرُّوح في البدن فكلُّ شيء وارد ومحتمل {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] في هذه الحال فتنة عظيمة جدًّا، ولهذا نصَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عليها قال: «مِن فِتنة المحيا والممات». فالحاصل: أنَّ فتنة الممات فيها تفسيران: التفسير الأول: الفتنة التي تكون عند الموت. والثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملكين الإنسان عن رَبِّه ودينه ونبيِّه. ولا مانع بأن نقول: إنَّها تشمَلُ الأمرين جميعاً، ويكون قد نصَّ على الفتنة التي قبل الموت وعند الموت؛ لأنَّها أعظم فتنة تَرِدُ على الإنسان، وذكر ما يُخشى منها من سوء الخاتمة إذا لم يُجِرِ اللَّهُ العبد من هذه الفتنة. وعلى هذا، ينبغي للمتعوِّذ مِن فِتنة الممات أن يستحضر كلتا الحالتين. مسألة: هل سؤال الملكين حقيقي، بمعنى: أن الإنسان يُجْلَسُ في قبره ويُناقش، أو أنه خيال؟ الجواب: هو حقيقي بلا شَكٍّ، وأن الإنسان في قبره يُجْلَسُ ويُناقش ويُسأل؛ نسأل الله الثبات.

فإن قال قائل: إن القبر محدود ضيِّق فكيف يجلس؟ فالجواب على ذلك: أولاً: أنَّ الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدِّق، ولا يسأل عما وراء ذلك، بل يقول: سمعنا وآمنَّا، وصدَّقنا وقَبِلْنَا، ولا يسأل: كيف ولِمَ؛ لأنه لا يَسأل عن كيف ولِمَ إلا مَنْ شَكَّ، وأما من آمن وانشرح صدرُه لأخبار الله ورسوله فإنه يُسَلِّم ويقول: الله أعلم بكيفية ذلك. ثانياً: أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدُّنيا، لظُهور الفَرْق العظيم بينهما، وعدم الجامع المقتضي لإلحاق إحداهما بالأخرى. وتعلُّق الرُّوح بالبدن بعد الموت ليس كتعلُّقها به في حال الحياة، بل إن تعلُّقَ الرُّوح بالبدن في حال النوم ليس كتعلقها به في حال اليقظة، فللرُّوح مع البدن شؤون عظيمة لا يدركها الإنسان، وتعلُّقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يُقاس بتعلُّقها به في حال الحياة، وها هو الإنسان في منامه؛ يرى أنه ذهب وجاء وسافر وكَلَّم أُناساً والتقى بأناس أحياء وأموات، ويرى أنه له بستاناً جميلاً؛ أو داراً موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيَّارة مريحة، ويرى مرَّة أنه صَدَمَ، ومرَّة أنه صُدِم، كلُّ هذا يمكن، مع أن الإنسان على فراشه لم يتغيَّر، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغيَّر، وهذا أمر يكون حقًّا إذا كانت رؤيا صالحة. فالإنسان يمكن أن يُجْلَسَ في قبره ويُسأل، ولو كان القبر محدوداً ضيِّقاً. إذاً؛ فالفتنة حقيقة؛ يُسأل المرءُ عن ثلاثة أشياء: عن ربِّه، ودينه، ونبيِّه. وسَبَقَ لنا ذِكْرُ كيفيَّة الجواب من المسؤول، وأن

المؤمن يقول: ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. وأما الكافر أو المرتاب فيقول: هاه ... هاه ... لا أدري، سمعتُ النَّاسَ يقولون شيئاً فقلتُه (¬1). قوله: «وفتنة المسيح الدَّجَّال». معطوفة على قوله: «مِن عذاب جهنَّم» المراد بفتنة المسيح الدَّجَّال ما يحصُلُ به مِن الإضلال والإغواء بما معه من الشُّبهات و «المَسيْح» فعيل بمعنى مفعول من المسح؛ لأنه يمسح الأرض بسرعة سيره فيها، أو لأنه كان ممسوح العين؛ لأنه أعور العين اليُمنى، كأن عينه عِنَبَة طافية، أو عنبة طافئة. إن كانت طافئة فهي خابئة، أي: أنها غائرة، وإن كانت طافية بالياء فهي كالعنبة الطافية فوق الماء أي: أنها ناتئة. وعلى كُلٍّ؛ فإن هذا المسيح الدَّجَّال فِتنته مِن فتنة الدُّنيا؛ لأنه لا يَفتن إلا الأحياء، فالأموات قد سَلِموا منه. فإن قال إنسان: إذا كان مِن فِتنة الدُّنيا أو مِن فِتنة المحيا، فلماذا ذُكِرَ وحده؟ فالجواب: لأن أعظمَ فِتنة على وَجْهِ الأرض منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة هي فِتنةُ الدَّجَّال، كما قال ذلك النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (¬2)، ولهذا ما من نبيٍّ مِن نوح إلى محمَّد صلوات الله وسلامه عليهم ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (174). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية من أحاديث الدجال (2946) (124).

إلا أنذر قومَه منه (¬1) تنويهاً بشأنه وتحذيراً منه، وإلا فإن الله يعلم أنه لن يخرج إلا في آخر الزمان، ولكن أَمَرَ الرُّسل أن ينذروا قومهم إيَّاه من أجل أن يتبيَّن عِظَمُه وفداحته، وقد صَحَّ ذلك عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ وقال: «إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم ـ يعني: أكفيكم إيَّاه ـ وإن يخرجْ، ولست فيكم؛ فامرؤٌ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم» (¬2) نِعْمَ الخليفةُ ربُّنا جَلَّ وعلا. لذلك كان الدَّجَّال حريًّا بأن تُخصَّ فِتنته من بين فِتَنِ المحيا. وأما الدَّجَّال فهو مأخوذ من الدَّجَل وهو التمويه؛ لأن هذا أعظم مموِّه، وأشدُّ الناس دجلاً. والبحث فيه من وجوه: أولاً: زَمنه، هو من علامات الساعة؛ ولكنه غير محدَّد، فلا نعلمه؛ لأنه لا يعلم متى تكون السَّاعة إلا الله، فكذلك أشراطها لا نعلم منها إلا ما ظهر، فوقت خروجه غير معلوم لنا. ثانياً: مكانه، فإنه يخرج من المشرق جهة الفتن والشَّرِّ، كما قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «الفتنة ههنا؛ وأشار إلى المشرق» (¬3) فالمشرق منبع الشَّرِّ والفِتن مِن خُراسان؛ مارًّا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي (3057)؛ ومسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (2933) (101). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (2937) (110). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الفتنة من قبل المشرق» (7092)؛ ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان (2905) (45).

بأصفهان؛ داخلاً الجزيرة من بين الشام والعراق، ليس له هَمٌّ إلا المدينة، لأن فيها البشير النذير عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فيحبُّ أن يقضي على أهل المدينة، ولكنَّها محرَّمة عليه، كما ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن على كُلِّ باب منها ملائكة يحفظونها (¬1)، يخرج خَلَّةً بين الشام والعراق (¬2)، ويتبعه مِن يهود أصفهان سبعون ألفاً (¬3)؛ لأنهم جنوده، واليهود من أخبث عباد الله، وهو أضلُّ عباد الله، فيتبعونه ويؤيدونه وينصرونه، ويكونون مسالح له، أي: جنوداً مجندين هم وغيرهم ممن يتبعهم، قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسلام: «يا عباد الله فاثبتوا ... » (¬4) يثبتنا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لأن الأمر خطير، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فلينأ عنه فإن الرَّجُل يأتيه وهو مؤمن؛ فلا يزال به حتى يتبعه لما يُلقي من الشُّبهات» (¬5) أي: يأتيه الإنسان ويقول: لن يضلَّني، ولن أتأثَّر به، ولكن لا يزال يُلقي عليه من الشُّبهات حتى يتبعه والعياذ بالله. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، أبواب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (1881)؛ ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجسّاسة (2943) (123). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجَّال (2937) (110). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية أحاديث الدجال (2944) (124). (¬4) تقدم تخريجه ص (191). (¬5) أخرجه الإمام أحمد (4/ 431، 441)؛ وأبو داود، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (4319)؛ والطبراني في «الكبير» (18/ 220) (550، 551، 552)؛ والحاكم (4/ 532) وقال: «حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه».

ثالثاً: دعوته، فقد ذُكِرَ أنَّه أول ما يخرج يدعو إلى الإسلام، ويقول: إنه مسلم، وينافح عن الإسلام، ثم بعد ذلك يدَّعي النبوة، ثم بعد ذلك يدَّعي أنه إله، فهذه دعواه، نهايتها بداية فرعون، وهي ادّعاء الرُّبوبية. رابعاً: فِتنته، مِن حكمة الله عزّ وجل أن الله سبحانه وتعالى يعطيه آيات فيها فِتَنٌ عظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتَّبعونه فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أوفر ما تكون لبناً وأسبغ ضروعاً، يعني: أنهم يعيشون برغدٍ، لأنهم اتبعوه. ويأتي القومَ فيدعوهم فلا يتَّبعونه فيصبحون ممحلين ليس في أراضيهم شيء، وهذه فِتنة عظيمة ولا سيما في الأعراب، ويمرُّ بالخَرِبَة فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل من ذهب وفضَّة وغيرها بدون آلات وبدون أيِّ شيء، فِتنةً من الله عزّ وجل، فهذه حاله ومعاملته مع أهل الدُّنيا لمن يريد التمتُّع بالدنيا أو يبأس فيها. ومِن فِتنته: أن الله تعالى جَعَلَ معه مثل الجنة والنَّار (¬1)، بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنَّة، مَن أطاعه أدخله هذه الجنَّة فيما يرى النَّاسُ، ولكنها نار محرقة والعياذ بالله، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه النَّاسُ، ولكنها جَنَّةٌ وماء عذب طيِّب. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا} (3338)؛ ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (2936) (109).

إذاً؛ يحتاج الأمرُ إلى تثبيت مِن الله عزّ وجل، إنْ لم يثبِّت اللَّهُ المرءَ هلك وضلَّ. ومن فتنته: أنه يخرجُ إليه شابٌ فيقول له: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فيدعوه فيأبى أن يتبعه، فيضربه ويشجّه في المرَّة الأولى، ثم يقتله، ويمرُّ بين شقيه، ثم يدعوه فيقوم يتهلَّلُ وجهه، ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم يأتي ليقتله فلا يُسلَّط عليه، ويعجزُ عن قتله، ولن يُسلَّط على أحد بعدَه، فهذا من أعظم النَّاس شهادةً عند الله (¬1)، لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا يتصوَّر رهبته إلا مَن باشره، يُصرِّحُ على الملأ إعذاراً وإنذاراً بأنك أنت الدَّجَّال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. خامساً: مقدار لُبثه في الأرض أربعون يوماً فقط، يوم كسنةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدَّث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، قال الصَّحابةُ رضي الله عنهم: يا رسولَ الله، هذا اليوم الذي كَسَنَة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لا، اقدُروا له قَدْرَه» (¬2) انظروا إلى هذا المثال، لنأخذ منه عبرة، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرسول الله؟ ما ذهبوا يحرِّفون أو يؤوِّلُون، أو يقولون: إنَّ اليوم لا يمكن أن يطول؛ لأن الشمس ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (1882)؛ ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في صفة الدجال وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه (2938) (112). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (2937) (110).

تجري في فلكها ولا تتغيَّر، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه وعِظَمِها، فطولُه لأنه متعب، لم يقولوا هذا، كما يقوله بعضُ المتحذلقين. ولكن صَدَّقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهراً حقيقة، بدون تحريف ولا تأويل، وهكذا حقيقة المؤمن، ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، وإن حَارَ فيها عقلُه، لكن يجب أن نعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون فيما يكون محالاً في العقول، لكن فيما يكون حيرةً لأنها لا تدركه. ولو أن هذا الحديث مَرَّ على المتأخِّرين الذين يدَّعون أنهم هم العقلاء؛ لقالوا: إنَّ طوله مجاز عمَّا فيه مِن التَّعبِ والمشاق؛ لأن أيام السرور قصيرة، وأيام الشرور طويلة، ولكن الصَّحابة رضي الله عنهم مِن صفائهم وقَبولهم سَلَّموا في الحال، وقالوا: إنَّ الذي خَلَقَ الشَّمسَ؛ وجعلها تجري في أربع وعشرين ساعة في اليوم والليلة؛ قادر على أن يجعلها تجري في اليوم اثني عشر شهراً، لأن الخالق واحد عزّ وجل؛ فهو قادر، ولذلك سَلَّموا؛ وقالوا: كيف نُصلِّي؟ لم يسألوا عن الأمر الكوني؛ لأنهم يعلمون أن الله قادر على كلِّ شيء، بل سألوا عن الأمر الشرعي الذي هم مكلَّفون به وهو الصَّلاة، وهذا ـ والله ـ حقيقة الانقياد والقَبول. فأجابهم بقوله: «اقدروا له قَدْرَه» (¬1). وإذا تأملت؛ وجدت أن هذا الدِّينَ تامٌّ كامل؛ لا يمكن أن تكون مسألة يَحتاجُ النَّاسُ إليها إلى يوم القيامة إلا وُجِدَ لها ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (194).

أصلٌ، انظر كيف أنطقَ اللَّهُ سبحانه وتعالى الصَّحابةَ أن يسألوا هذا السؤال؟ حتى يكون الدِّين كاملاً لا يَحتاجُ إلى تكميل، وقد احتاج النَّاسُ إلى هذا الآن، كما في المناطق القُطبية؛ يبقى الليل فيها سِتَّة أشهر والنهار ستة أشهر، فنحتاج إلى هذا الحديث، وانظر كيف أفتى الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المسألة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] والله لو نتأمَّل هذه الكلمة {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فلا يوجد شيء ناقص في الدِّين أبداً، فهو كامل مِن كلِّ وَجْهٍ، لكن النقص فينا، إما قصور في عقولنا، أو في أفهامنا أو في عُلُومنا، أو في إرادات تكون غير منضبطة، فمِن النَّاسِ من يريد أن ينصر قوله فيَعْمَى عن الحقِّ؛ نسأل الله العافية. فلو نظرنا بعلم وفَهْمٍ وعَقْلٍ وحُسْنِ نية لوجدنا أن الدِّينَ ولله الحمدُ لا يحتاج إلى مكمِّل، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة إلا وُجِدَ حَلُّها في الكتاب والسُّنَّة، لكن لما كَثُرَ الهوى، وغلب على كثير من النَّاسِ صار بعض الناس يَعْمَى عليه الحقُّ، ويَخْفَى عليه، وتجدهم إذا نزلت فيهم الحادثة التي لم تكن معروفة مِن قبل بعينها، وإن كان جنسها معروفاً يختلفون فيها أكثر من أصابعهم، وإذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة؛ لأنَّ الهوى غلب على النَّاسِ الآن، وإلا فلو كان القصد سليماً والفهم صافياً والعلم واسعاً والعقل راجحاً لما حصل هذا. ثم بعد أن يمكث الدَّجَّال أربعين يوماً، ينزل المسيحُ عيسى بن مريم؛ الذي رَفَعَهُ الله إليه، وقد جاء في الأحاديث أنه

ينزِلُ عند المنارة البيضاء شرقيِّ دمشق، فلا يَحِلُّ لكافرٍ يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، ونَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طَرْفُهُ ـ وهذه من آيات الله ـ فيلحق الدَّجَّال عند باب اللُّدِّ في فلسطين فيقتله هناك (¬1)، وحينئذٍ يقضي عليه نهائياً، ولا يقبل عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلا الإسلام، لا يقبل الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويريق الخمر (¬2)، فلا يُعبد إلا الله. وعلى هذا؛ فالجزية التي فرضها الإسلامُ جَعَلَ الإسلامُ لها أمداً تنتهي إليه عند نزول عيسى، ولا يُقال: إن هذا تشريع مِن عيسى؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر بذلك مقرِّراً له، فَوَضْعُ الجزية عند نزول عيسى من سُنَّة الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، لأن سُنَّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم هي قوله، وفِعْلُه، وإقراره، وكونه يتحدَّث عن عيسى بن مريم مقرًّا له، هذا من سُنَّتِهِ، وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرعٍ جديد ولا أحد يأتي بشرعٍ جديد بعد محمد صلّى الله عليه وسلّم، فليس إلا شرعُ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام إلى يوم القيامة. تنبيه: قال بعضُ أهل العِلْمِ: إن الرُّسل الذين أنذروا قومهم به لم ينذروهم بعينه، وإنما أنذروهم بجنس فِتنتِه، يعني: أنذروهم من الدَّجَاجِلة، ولكن هذا القول ضعيف، بل هو نوع مِن التَّحريف؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر بأنه ما مِن نبيٍّ إلا أنذر به قومَه، ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (2937) (110). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب قتل الخنزير (2222)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريعة نبيناً محمد صلّى الله عليه وسلّم (155) (242).

وهذا صريحٌ بأن الأنبياء أنذروا قومهم بعين الرَّجُل هذا، وقد سَبَقَ لنا بيان الحكمة من إنذار الرُّسل به، ولكن يجب علينا أن نعلم أن جِنْسَ هذه الفِتنة موجود حتى في غير هذا الرَّجُل، فيوجد مِن بني آدم الآن من يُضِلُّ النَّاسَ بحالِه وقالِه، وبكل ما يستطيع، وتجد أن الله سبحانه وتعالى بحكمته أعطاه بياناً وفصاحة {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42]. فالدَّجَّال المعيَّن لا شَكَّ أن فِتنته أعظم شيء، لكن هناك دَجَاجِلة يدجِّلُون على النَّاسِ ويموِّهون عليهم، فيجب الحذر منهم ومعرفة إراداتهم ونواياهم، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} ـ مع أنه قال ـ {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} أي: لبيانه وفصاحته وعِظَمِه يجرُّك جَرًّا إلى أن تسمع لكن {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4] حتى الخُشُب ليست قائمة بنفسها {مُسَنَّدَةٌ} أي: تقوم على الجدار؛ فلا خير فيها، فهؤلاء الذين يتزيَّنون للناس بأساليب القول سواء في العقيدة، أو في السلُّوك والمنهج يجب الحذر منهم، وأن تُعرضَ أقوالُهم وأفعالهم على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فما خالفهما فهو باطل مهما كان، ولا يُغترُّ بما فيها من زخارف القول؛ فإن هذه الزخارف كما قيل: حُججٌ تهافت كالزُّجاج تخالها حقًّا، وكلٌّ كاسر مكسور ولا تقولوا: إن هؤلاء القوم أُعطوا فصاحة وبياناً لينصروا الحقَّ، فإن الله تعالى قد يبتلي فيعطي الإنسانَ فصاحة وبياناً، وإنْ كان على باطل، كما ابتلى اللَّهُ الناسَ بالدَّجَّال وهو على باطل بلا شَكٍّ.

سادساً: هل الدَّجَّال مِن بني آدم؟ الجواب: نعم، هو مِن بني آدم. وبعض العلماء يقول: إنه شيطان. وبعضهم يقول: إن أباه إنسي وأمه جنيَّة. وكلُّ هذه الأقوال ليست صحيحة؛ لأنه يَحتاجُ إلى الأكل والشُّرب وغير ذلك، ولهذا يقتله عيسى قتلاً عاديًّا كما يقتل البشر. سابعاً: هل هو موجود الآن؟ الجواب: هو غير موجود، ولكن الله يبعثه متى شاء؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم خطب النَّاسَ في آخر حياته وقال: «إنه على رأس مِئَةِ سَنَة لا يبقى على وَجْهِ الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» (¬1) وهذا خَبَرٌ، وخَبَرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لا يدخله الكذب نهائيًّا، وهو مُتلقَّى من الوحي، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلم الغيب. وقول المؤلِّف: «ويستعيذ بالله من أربع»، لم يُفصح ـ رحمه الله ـ هل هذه الاستعاذة واجبة أم لا؟ وسيأتي ما يفيد حكمها في ذِكْرِ الأركان والواجبات. وفي التعوّذ من هذه الأربع قولان (¬2): القول الأول: أنه واجب، وهو رواية عن الإمام أحمد، لما يلي: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم (116)؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب بيان معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «على رأس مائة سنة لا يبقى نفس منفوسة من هو موجود الآن» (2537) (217). (¬2) «الإنصاف» (3/ 553).

1 ـ لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بها (¬1). 2 ـ ولشدَّة خطرها وعظمها. والقول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال جمهور العلماء. ولا شَكَّ أنه لا ينبغي الإخلالُ بها، فإن أخلَّ بها فهو على خَطَرٍ من أمرين: 1 ـ الإثم. 2 ـ ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعضُ السَّلف يأمر مَنْ لم يتعوَّذ منها بإعادة الصَّلاة (¬2). قوله: «ويدعو بما ورد». ليت المؤلف قال: «ويدعو بما أحبَّ» لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما ذَكَرَ حديث ابن مسعود في التشهُّدِ قال: «ثم يتخيَّر من الدُّعاء ما شاء» (¬3) لكن يمكن أن نجيب عن كلام المؤلِّف فنقول: إنه ينبغي أن يبدأ الإنسان بما وَرَدَ؛ لأن الدُّعاء الوارد خير من الدُّعاء المصطنع، فإذا وجد دعاءً وارداً، فالتزامه أَولى، ثم تدعو بما شئت. ومما وَرَدَ في هذا: «اللَّهُمَّ أعنِّي على ذِكْرِك، وشُكرك، وحُسْن عبادتك» (¬4) فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ معاذ بن جبل أن يدعو به ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (588) (128). (¬2) أخرجه مسلم عن طاووس رحمه الله، كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (590) (134). (¬3) تقدم تخريجه ص (151). (¬4) أخرجه الإمام أحمد (5/ 244، 245)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (1522)؛ والنسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء (1304)؛ والحاكم (1/ 273) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

دُبُرَ كُلِّ صلاة مكتوبة، وفي بعض الألفاظ أمره أن يدعو به في كُلِّ صلاة، فإذا جمعنا بين اللفظين قلنا: في صلاته في دُبُرِها أي: في آخرها، والقول بأن هذا الدُّعاء في آخر الصَّلاة أصحُّ من القول بأنه بعد السَّلام؛ لأن الذي بعد السَّلام إنما هو الذِّكر، {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [النساء: 103] وأما ما قيد بدُبُر الصَّلاة وهو دُعَاء فإنه في آخرها. وسُئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ كيف يكون في آخر الصلاة وقد قيِّد بدُبُرِها فقال: دُبُرُ الشيء منه كدُبُرِ الحيوان، فإن الحيوان له دُبُر، ودُبُره في نفس الجسم، فكذلك دُبُر الصَّلاة يكون من الصَّلاة، وإذا كان الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أرشدنا بأن ندعو بعد التشهُّدِ صار الدُّعاء المقيَّد بالدُّبُر محلَّه قبل السَّلام آخر الصَّلاة. أما بعدَ الصَّلاة فهو الذِّكر، ولهذا لا يَرِدُ علينا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «تُسَبِّحُون وتحمدُون وتُكبِّرون في دُبُر كُلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين مَرَّة» (¬1) ومعلومٌ أن هذا بعد السَّلام بالاتفاق؛ لأن هذا مطابق للآية: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [النساء: 103] والأول الدُّعاء الذي في آخر الصلاة قبل السَّلام مطابق للحديث: «ثم ليتخيَّر من الدُّعاء ما شاء» (¬2). وقوله: «يدعو بما ورد» يفيد أن الدُّعاء يكون بعد التشهُّدِ والتعوُّذ من الأربع. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (843) ولفظه: «خلف كل صلاة»؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (595) (42). (¬2) تقدم تخريجه ص (151).

وهذا الذي دلَّ عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم علَّمه التشهُّدَ ثم قال: «ثم يَتَخَيَّرُ من الدُّعاء ما شاء» وبناءً على ذلك؛ إذا سألَنا سائل: هل أدعو بعد السَّلام أو قبل السَّلام؟ قلنا له: ادعُ قبل السَّلام؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولأنك ما دمت في صلاة فإنك تناجي رَبَّك، وإذا سَلَّمتَ انصرفتَ، وكونك تدعو في الحال التي تناجي فيها ربَّك خيرٌ من كونك تدعو بعد الانصراف، وهذا ترجيح نظريٌّ، وأما ما يفعلُه بعضُ النَّاسِ من كونهم كلَّما سَلَّموا دَعَوا في الفريضة، أو في النافلة؛ فهذا لا أصل له، ولم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما نعلم؛ إلا حين وضع كُفَّار قريش سَلا النَّاقة عليه وهو ساجد، فإنه لما سَلَّم رَفَعَ صوته يدعو عليهم (¬1) وهذا قد يُقال: إنه فَعَلَ ذلك لمناسبة، وهي تخويفهم؛ لأنه لو دعا وهو يُصلِّي ما علموا بذلك. وأما الاستدلال بقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حين سُئل: أيُّ الدُّعاء أسمعُ؟ ـ يعني: أقرب إجابة ـ قال صلّى الله عليه وسلّم: «جوف الليل، وأدبار الصلوات المكتوبة» (¬2) قالوا: والأدبار تكون بعدُ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «تُسبِّحون وتَحمدُون وتُكبِّرون دُبُرَ كُلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين مرَّة» (¬3) ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (2934)؛ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلّى الله عليه وسلّم من أذى المشركين والمنافقين (1794) (107). (¬2) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب حديث ينزل ربنا كل ليلة ... (3499) وقال: «حديث حسن». (¬3) تقدم تخريجه ص (201).

ومعلومٌ أن هذا لا يُقال إلا بعد السَّلام فيكون قوله: «أدبار الصَّلوات المكتوبة»، أي: بعد السَّلام. فنقول: هذا الفهم للحديث غير متعيِّن، بل يجب أن يُحمل على أنه المراد بالأدبار آخرُ الصَّلوات؛ بدليل حديث ابن مسعود، حيث أمره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالدُّعاء بعد التشهُّدِ (¬1)، والسُّنَّة يُفسِّر بعضُها بعضاً، أما أدبار الصَّلوات فقد أرشد الله سبحانه وتعالى عبادَه إلى أن يذكروا الله بعدَها فقال: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [النساء: 103]، وليس فيه الأمر بالدُّعاء. وعلى هذا فنقول: ما وَرَدَ مقيَّداً بدُبُر الصَّلاة، فإن كان ذِكْراً فهو بعد السَّلام، وإن كان دُعاء فهو قبل السَّلام. فإن قال قائل: دُبُرُ الشيء بعدَه كما في الحديث: «أن رَجُلاً أعتقَ غلاماً له عن دُبُرٍ» (¬2)، أي: بعد موته؟ الجواب: أن الدُّبُر ما كان الشيء مستدبراً له، وقد يكون منه، وقد لا يكون منه، والذي يُعيِّن كونه منه أو ليس منه القرائن والسِّياق، ولهذا يقال: دُبُر الحيوان وهو منه، فالدُّبر يُفسَّر في كلِّ موضع بما يقتضيه الحال والسِّياق. بقي علينا المحافظة على الدُّعاء بعدَ النَّافلة كما يفعله بعضُ العوام، فهم يحافظون عليه محافظةً شديدة، حتى إن بعضَهم إذا أُقيمت الصَّلاةُ وهو يُسلِّم مِن النَّافلة، وقبل أن يقوم يُصلِّي ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (151). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب كفارات الإيمان، باب عتق المدبر وأم الولد (6716)؛ ومسلم، كتاب الأيمان، باب جواز بيع المدبر (997) (58).

الفريضة يرفع يديه، حتى إنك تَشكُّ هل دعا أم لا؟ ثم يمسحُ وجهَه، ويمسحُ يديه بعضهن ببعض، ثم يُصلِّي، فيُلازمون على هذا ظنًّا منهم أنَّه أمرٌ واجب، أو قريب مِن الوجوب، فهذا لا شَكَّ أنه لا أصل له، ولهذا ينبغي لطَلَبةِ العِلم أن يُنبِّهوا النَّاسَ، ولكن بالرفق، لأنَّ العامة إذا أُنكِرَ عليهم ما اعتادوه نفروا، فإذا أُتوا بالحكمة واللِّين قَبِلوا، ولذلك ما أكثر الذين يسألون عن حُكم رَفْعِ اليدين بعد الصَّلاة النَّافلة! فيظنُّون أن الحُكم معلَّق برَفْعِ اليدين، والحكم ليس معلَّقاً برِفْعِ اليدين، بل الحُكم معلَّق بالدُّعاء، سواء رَفَعْتَ أم لم ترفع، فما دُمت تريد أن تدعو الله فادعه قبل أن تُسلِّم، فهذا هو المشروع. قوله: «ويدعو بما وَرَدَ»، «ما» اسم موصول يشمَلُ كُلَّ الوارد، ولكن ليس مراده أن كلَّ دُعاء وَرَدَ في السُّنَّة يُدعَى به هنا، وإنما مراده بما وَرَدَ الدُّعاء به في هذا المكان، ومنه ما سبق: «اللَّهُمَّ أعنِّي على ذِكْرِك، وشكرك، وحُسن عبادتك» (¬1)، ومنه ما علَّمه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر رضي الله عنه حين قال: يا رسول الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل: اللَّهُمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنت، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندك، وارحمنِي؛ إنك أنت الغفور الرحيم» (¬2). ولكن لو دعا بدعاء غير ذلك فإنه يجوز. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (200). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام (834)؛ ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الدعوات والتعوذ (2705) (48).

وظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا بُدَّ أن يكون الدُّعاء وارداً، ولكن هل مراده أن يكون وارداً باعتبار الجنس، أو باعتبار النوع والعين؟ الجواب: فيه احتمال، يحتمل أن يريد بما وَرَدَ بعينه، ويحتمل أن يريد بما وَرَدَ بجنسه، والذي وَرَدَ الدُّعاء بجنسه في الصَّلاة هو ما يتعلَّق بأمر الآخرة، وإذا قلنا بهذا الاحتمال؛ صار معنى كلام المؤلِّف: أن يدعو بدعاء يتعلَّق بأمور الآخرة، سواء وَرَدَ هذا الدُّعاء بعينه أم لم يرد، وإنْ قلنا بالاحتمال الأول بما وَرَدَ بعينه صار يتقيَّد بما وَرَدَ بعينه في هذا الموضع. لكن الاحتمال الأول أشمل، وهو أن يدعو بما وَرَدَ باعتبار الجنس، وهو ما يتعلَّق بأمور الآخرة، فيدعو بما يتعلَّق بأمور الآخرة بما شاء، ولكن ههنا مسألة؛ وهي أنه ينبغي المحافظة على الوارد في هذا المكان بعينه، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء. وظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا يدعو بغير ما وَرَدَ، سواء قلنا: إن المراد ما وَرَدَ بجنسه أو قلنا: ما وَرَدَ بعينه، فلا يدعو بشيء مِن أمور الدُّنيا مثل أن يقول: اللَّهُمَّ ارزقني بيتاً واسعاً، أو: اللَّهُمَّ ارزقني زوجة جميلة، أو: اللَّهُمَّ ارزقني مالاً كثيراً، أو: اللَّهُمَّ ارزقني سيارة مريحة، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا يتعلَّق بأمور الدُّنيا، حتى قال بعض الفقهاء رحمهم الله: لو دعا بشيء مما يتعلَّق بأمور الدنيا بطلت صلاتُه (¬1)، لكن هذا قول ضعيف بلا شَكٍّ. ¬

_ (¬1) «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 76 ـ 77).

والصحيح (¬1): أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلَّق بأمور الدُّنيا؛ وذلك لأن الدُّعاء نفسه عبادة؛ ولو كان بأمور الدنيا، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أقربُ ما يكون العبدُ مِن ربِّه وهو ساجد» (¬2) ويقول: «أمَّا السُّجودُ فأكثروا فيه مِن الدُّعاء فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (¬3) ويقول في حديث ابن مسعود لما ذَكَرَ التَّشهُّدَ: «ثم ليتخيَّر مِن الدُّعاء ما شاء» (¬4) والإنسان لا يجد نفسه مقبلاً تمام الإقبال على الله إلا وهو يُصلِّي، فكيف نقول: لا تسأل الله ـ وأنت تُصلِّي ـ شيئاً تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا. وقد جاء في الحديث عن الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ليسألْ أحدُكم ربَّه حاجته كلها حتى شِسْعَ نَعْلِه» (¬5) وشِسْع النَّعل: يتعلَّق بأمور الدُّنيا. فالصَّواب بلا شَكٍّ أن يدعو بعد التشهُّدِ بما شاء مِن خير الدُّنيا والآخرة، وأجمع ما يُدعى به في ذلك: «ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقِنَا عذابَ النَّار» فإن هذه جامعة لخير الدنيا والآخرة. مسألة: هل يجوز الدُّعاء لمعين، بأن يقول: اللهم اجْزِ فلاناً عنِّي خيراً، أو اللَّهُمَّ اغفِرْ لفلان؟ ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 454). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يُقال في الركوع والسجود (482) (215). (¬3) تقدم تخريجه ص (87). (¬4) تقدم تخريجه ص (151). (¬5) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها (3604) (8) وقال: «حديث غريب» من طريق قطن البصري عن جعفر، ومن طريق صالح بن عبد الله عن جعفر قال: «وهذا أصح من حديث قطن».

الجواب: يجوز، لأن هذا دعاء؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ثبت عنه أنه في نفس الصَّلاة دعا على قوم معينين، ودعا لقوم معينين، فدعا للمستضعفين في مكَّة، ودعا على الطُّغاة في مكَّة (¬1)، لكنه نُهِيَ عن الدُّعاء على الطُّغاة باللَّعن (¬2). لكن؛ لو دعا لشخص بصيغة الخطاب فقال مثلاً: غَفَرَ الله لك يا شيخ الإسلام ابن تيمية. فالفقهاء يقولون: تبطل (¬3)؛ لأنه أتى بكاف الخطاب، والخطابُ لا يجوز في الصَّلاة؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام النَّاسِ» (¬4) ولم يستثنوا إلا النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: إنك تخاطبه: «السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ»، أما غيره فلا تأتِ له بكاف الخطاب مطلقاً، ولكن هذا القول في النَّفْسِ منه شيء، وذلك لأنك إذا قلت: غَفَرَ الله لك يا فلان؛ وأنت تُصلِّي، فإنك لا تشعر بأنك تخاطبه أبداً، ولكن تشعرُ بأنك مستحضرٌ له غاية الاستحضار حتى كأنه أمامك، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال حين تفلَّت عليه الشيطان: «ألعنك بلعنة الله التَّامَّة» (¬5) فخاطبه، فبعضهم قال: إن هذا الحديث ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (2932)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة (675) (294). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ} (4069)؛ ومسلم، الموضع السابق (675) (294). (¬3) «منتهى الإرادات» (1/ 221). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (537) (33). (¬5) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة (542) (40).

ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله

قبل تحريم الكلام، وبعضهم يؤوِّله، ولكن في كلا الجوابين نَظَرٌ. فالذي يظهر: أن خطاب الآدميين المنهيِّ عنه: أن تخاطبه المخاطبة المعتادة، فتقول مثلاً: يا فلان تعال، فهذا كلام آدميين تبطل به الصَّلاة، لكن شخصاً يستحضر شخصاً ثم يقول: غَفَرَ الله لك يا فلان، فكون هذا مبطلاً للصَّلاةِ فيه نَظَر، ولكن درءاً للشُّبهة بدل أن تقول: غَفَرَ الله لك، فقل: اللَّهُمَّ اغفِر له، فهذا جائز بالاتفاق. ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ............ قوله: «ثم يُسلِّم عن يمينه» أي: بعد التشهُّدِ والدُّعاء، يُسلِّم عن يمينه وعن يساره، فيقول، عن يمينه: «السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله»، وعن يساره: «السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله» وهذا خطابٌ، لكنه خطابٌ يخرجُ به من الصَّلاة، بخلاف الخطابِ الذي يكون في أثناء الصَّلاة. مسألة: إذا قيل: على مَنْ يُسلِّم؟ فالجواب: يقولون: إذا كان معه جماعة فالسَّلام عليهم، وإذا لم يكن معه جماعة فالسَّلام على الملائكة الذين عن يمينه وشماله يقول: السَّلامُ عليكم ورحمة الله. وإذا سَلَّمَ الإنسانُ مع الجماعة، هل يجب على الجماعة أن يردُّوا عليه؟ الجواب: لا، وإن كان قد روى أبو داود أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمرَهم أن يردُّوا على الإمام، ويُسلِّم بعضهم على بعض (¬1) فمراده: ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرد على الإمام (1001)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ردّ السلام على الإمام (922)؛ والحاكم (1/ 270) وقال: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي.

وعن يساره كذلك

أن يسلِّموا كما سلَّم بعد انتهاء سلامه، فيكون سلامُهم بعدَه كالردِّ عليه، وليس مراده أن يقولوا: عليك السَّلام، لأن ذلك يُنافي عملهم الذي كانوا عليه. وأما قوله: «ويُسلِّم بعضهم على بعض» فمراده أن كلَّ واحد يقول: السَّلام عليكم، فكلُّ واحد يُسلِّم على الآخر بهذا اللفظ؛ فاكتفى بسلام الثاني عن الرَّدِّ؛ هذا هو أقرب ما يُقال في رَدِّ هذا السلام، ولا شَكَّ أن المأمومين يُسلِّم بعضُهم على بعض بهذا، كما قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام حينما كانوا يرفعون أيديهم يُوْمِئُون بها قال: «عَلاَمَ تُؤْمُونَ بأيديكم كأنَّها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ؟ إنما كان يكفي أحدكُم أن يضعَ يده على فخذه، ثم يُسَلِّمُ على أخيه مِن على يمينه وشماله» (¬1). وهذا يدلُّ على أن السَّلام يقصد به السَّلام على مَن بجانبه، لكنه لما كان كُلُّ واحد يُسلِّم على الثاني اكتُفي بهذا عن الرَّدِّ، والله أعلم. قوله: «السلام عليكم ورحمة الله» سَبَقَ شرحُها عند شرح التشهُّدِ (¬2). وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ ............. قوله: «وعن يساره كذلك» أي: يقول: «السَّلامُ عليكم ورحمة الله». وهنا بحثٌ في السَّلام: أولاً: لو قال: سلام عليكم بدون (أل) هل يجزئ؟ الجواب: نعم، لكن السُّنَّة أن يكون بـ (أل) فيقول: «السَّلام عليكم». ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام (431) (120). (¬2) انظر: ص (149).

ثانياً: لو جاء بالإفراد فقال: «السَّلام عليك ورحمة الله»، فإنه لا يجزئ، لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬1) وَلِوُجُود الفَرْقِ بين الإفراد وبين الجمع. ثالثاً: لو قال: «السَّلام عليكم» فقط، فهل يجزئ؟ فيه خلاف بين العلماء (¬2): مِنهم مَن قال: لا يجزئ، وهو المذهب (¬3). ومِنهم مَن قال: يجزئ، وهو رواية عن أحمد (¬4)؛ لأنه قد وَرَدَ في حديث جابر بن سَمُرَة قال: «صَلَّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكُنَّا إذا سَلَّمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم ... » (¬5). بدون ذِكْرِ «ورحمة الله» وعلى هذا فيكون قوله: «ورحمة الله» سُنَّة، وليس بواجب. رابعاً: هل يزيد في ذلك فيقول: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟ الجواب: هذا موضع خلاف بين العلماء (¬6)، فمنهم من قال: الأفضل ألا يزيد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (¬7)، لا في التسليمة الأولى، ولا في التسليمة الثانية. وذهب بعضُ أهل العلم: إلى أن يزيد في التَّسليمةِ الأُولى ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (5). (¬2) «المغني» (2/ 245). (¬3) «منتهى الإرادات» (1/ 221). (¬4) «الإنصاف» (3/ 567). (¬5) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام (431) (121). (¬6) «المغني» (2/ 245). (¬7) «منتهى الإرادات» (1/ 221).

«وبركاته» دون الثانية، فيقول في الأولى: «السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته»، وفي الثانية: «السلام عليكم ورحمة الله» الحديث أخرجه أبو داود (¬1) قال الحافظ ابن حجر: إن إسناده صحيح. خامساً: لو اقتصرَ على تسليمةٍ واحدةٍ فهل يجزئ؟ الجواب: هذا أيضاً موضع خلاف بين العلماء (¬2)، فمنهم مَن قال: يجزئ؛ لحديث عائشة: «وكان يختِم الصَّلاة بالتسليم» (¬3)، وهذا لفظ مطلق يصدق بواحدة. ومنهم مَن قال: لا يجزئ؛ لأن «أل» في «التسليم» للعهد الذهني، أي: بالتسليم بالمعهود وهو «السلام عليكم ورحمة الله» عن اليمين، و «السلام عليكم ورحمة الله» عن اليسار، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (¬4)، واستدلُّوا لذلك: 1 ـ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما كان يكفي أحدُكم أن يضع يدَه على فخذه ويسلِّم على أخيه من على يمينه ومن على شماله» (¬5) وقالوا: إن ما دون الكفاية لا يكون مجزياً. 2 ـ محافظته صلّى الله عليه وسلّم على التسليمتين حضراً وسفراً، في حضور البوادي، والأعراب، والعالم، والجاهل وقوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (¬6) يدلُّ على أنه لا بُدَّ منهما. ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في السلام (997). (¬2) «المغني» (2/ 243 ـ 244)، «المجموع» (3/ 462 ـ 463). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة (498) (240). (¬4) «منتهى الإرادات» (1/ 221). (¬5) تقدم تخريجه ص (209). (¬6) تقدم تخريجه ص (27).

وقال بعض أهل العلم: تجزئ واحدة في النَّفل دون الفرض (¬1)؛ لأنه وَرَدَ عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام «أنه سَلَّم في الوتر تسليمةً واحدةً تِلقاء وجهه» (¬2) وقالوا: إن النَّفل قد يُخفَّف فيه ما لا يُخفَّف في الفرض. فهذه أقوال ثلاثة. والاحتياط فيها أن يُسلِّم تسليمتين؛ لأنه إذا سَلَّم مرَّتين لم يقل أحدٌ مِن أهل العلم إن صلاتك باطلة، ولو سلَّمَ مرَّةً واحدة لقال له بعضُ أهل العلم: إن صلاتك باطلة. ومن المعلوم أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر بالاحتياط فيما لم يتضح فيه الدَّليل، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهات، فمَنِ اتقى الشُّبهات استبرأ لدينه وعِرْضِهِ، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبهات وَقَعَ في الحرامِ» (¬3). وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» (¬4). وأنت إذا أتيت بالتَّسليمةِ الثانية فقد أتيت بذِكْرٍ تتقرَّبُ ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 244). (¬2) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في التسليم في الصلاة (296)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب من يسلم تسليمة واحدة (919)؛ وابن خزيمة (729) وصححه؛ والحاكم (1/ 230) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وعند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: «ثم يجلس فيتشهد ويدعو ثم يسلم تسليمة واحدة السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا» (6/ 236)، وصححه الألباني رحمه الله في «الإرواء» (2/ 32). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (52)؛ ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599) (107). (¬4) أخرجه الإمام أحمد (1/ 200)؛ والترمذي، كتاب صفة القيامة (2518) وقال: «حديث حسن صحيح»؛ والحاكم وصححه (2/ 13).

وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبرا بعد التشهد الأول

به إلى الله عزَّ وجلَّ، وتَسْلَمُ به مِن أن يُقال: إن صلاتك باطلة. على أن الذين قالوا بوجوب التسليمتين في الفرض والنَّفل أجابوا عن فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام بأنه قضية عين تحتمل النسيان أو غير ذلك، فلا يقدَّم هذا الفعل على القول الذي قال فيه: «إنَّما كان يكفي أحدُكم أن يقول كذا، وكذا، وذَكَرَ التَّسليمتين» (¬1) ولكن هذا الاحتمال فيه نظر؛ لأن الأصل في فِعْلِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم التشريعُ وعدم النسيان، ولا سيما أنه سلَّم واحدة تلقاء وجهه على خلاف العادة، مما يدلُّ على أنه أرادها قصداً، لكن كما قلت: الاحتياط أن يُسلِّمَ مرَّتين في الفرض والنَّفل. وإِنْ كَانَ فِي ثُلاَثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّراً بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ قوله: «وإن كان في ثلاثية، أو رباعية» «ثلاثية» مثل المغرب، «رباعية» مثل الظُّهر، والعصر، والعشاء. قوله: «نهض مكبِّراً» مكبِّراً: حال مِن فاعل «نهض»؛ يدلُّ على أنه يكون التكبيرُ في حال النُّهوضِ، وهو كذلك؛ لأن جميع تكبيرات الانتقال محلُّها ما بين الرُّكنين. قوله: «بعد التشهد الأول» التشهُّدُ الأول ينتهي عند قوله: «أشهدُ أنْ لا إله إلا الله؛ وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسولُه» وظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا يرفع يديه؛ لأنه لم يذكره، وهذا هو المشهور من المذهب (¬2): أنه لا يرفع يديه إذا قام مِن التشهُّدِ الأول؛ لأن مواضع رَفْعِ اليدين على المذهب ثلاثة ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (209). (¬2) «منتهى الإرادات» (1/ 218).

وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط

فقط: عند تكبيرة الإحرام، وعند الرُّكوع، وعند الرَّفع منه. ولكن الصَّحيح: أنه يرفع يديه؛ لأنه صَحَّ عن ابن عُمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1). ولأنه انتقال مِن نوع إلى نوع آخر في الصَّلاة، فإن الرَّكعتين الأوليين يُشرع فيهما ما لا يُشرع في الرَّكعتين الأخريين، فصار مِن الحكمة أن يميِّز هذا الانتقال بالرَّفْعِ، كأنه صلاة جديدة؛ لتميزها عن الرَّكعتين الأوليين. وعلى هذا؛ فمواضع رَفْع اليدين أربعة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الرُّكوعِ، وعند الرَّفْعِ منه، وإذا قام من التشهُّدِ الأول. ويكون الرَّفْعُ إذا استتمَّ قائماً؛ لأن لفظ حديث ابن عُمر: «وإذا قام من الرَّكعتين رَفَعَ يديه» (¬2)، ولا يَصدُق ذلك إلا إذا استتمَّ قائماً، وعلى هذا، فلا يرفع وهو جالس ثم ينهض، كما توهَّمَهُ بعضهم، ومعلوم أن كلمة «إذا قام» ليس معناها حين ينهض؛ إذ إن بينهما فرقاً. ولا رَفْعَ فيما سوى ذلك. وَصَلَّى مَا بَقِيَ كَالثَّانِيَةِ بِالْحَمْدِ فَقَطْ، .......... قوله: «وصلَّى ما بقي كالثَّانية بالحمد فقط»: أي: كالرَّكعة الثانية، أي: فليس فيه تكبيرة إحرام، ولا استفتاح، ولا تعوُّذ، ولا تجديد نيَّة، وتمتاز هاتان الرَّكعتان عن الأوليين، بأنه يُقتصر فيهما على الحَمْد، وأنه يُسرُّ فيهما بالقراءة في الصلاة الجهرية، فهما ركعتان مِن نوع جديد. ¬

_ (¬1) و (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين (739).

وقوله: «بالحمد فقط» أي: بالفاتحة لا يزيد عليها، وهذا هو مُقتضى حديث أبي قتادة رضي الله عنه الثَّابت في «الصحيحين» أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ في الرَّكعتين الأخريين بفاتحة الكتاب فقط (¬1)، ولكن في حديث أبي سعيد الخدري ما يدلُّ على أن الركعتين الأخريين يقرأ فيهما؛ لأنه ذَكَرَ أنَّ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام كان يقرأ في الرَّكعتين الأوليين بسورة، ولا يطوّل الأولى على الثانية، ويقرأ بالرَّكعتين الأخريين بنصف ذلك (¬2). وهذا يدلُّ على أنه جَعَلَ الرَّكعتين الأوليين سواء، والرَّكعتين الأخريين سواء. لكن بعض العلماء رجَّحَ حديث أبي قتادة؛ لأنه متفق عليه، وحديث أبي سعيد في مسلم، ولأن حديث أبي قتادة جَزَمَ به الرَّاوي، وأما حديث أبي سعيد فقال: «حزرنا قيامه» أي: خرصناه وقدَّرناه، وفَرْقٌ بين مَن يجزم بالشيء وبين مَن يخرُصُه ويقدِّرُه (¬3). وهذا هو المذهب كما مشى عليه المؤلِّف (¬4). ولكن الذي يظهر أن إمكان الجَمْعِ حاصلٌ بين الحديثين، فيُقال: إن الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم أحياناً يفعل ما يدلُّ عليه حديث أبي سعيد، وأحياناً يفعل ما يدلُّ عليه حديث أبي قتادة؛ لأن الصلاة ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، (776)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر (451) (154). (¬2) أخرجه مسلم، في الموضع السابق (452) (156). (¬3) «الإنصاف» (3/ 579 ـ 580). (¬4) «منتهى الإرادات» (1/ 218).

ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا

ليست واحدة حتى نقول: فيه تعارض، بل كلُّ يوم يصلِّي الرسول صلّى الله عليه وسلّم خمس مرَّات، وإذا أمكن الجَمْعُ وَجَبَ الرُّجوعُ إليه قبل أن نقول بالنَّسخ، أو بالترجيح. ثُمَّ يَجْلِسُ فِي تَشَهُّدِهِ الأخِير مُتَوَرِّكاً ............ قوله: «ثم يجلس في تشهده الأخير متورِّكاً»، أي: إذا أتى بما بقي إما ركعة إن كانت الصَّلاةُ ثلاثية، وإما ركعتين إن كانت رباعية جَلَسَ في التشهُّدِ الأخير متورِّكاً. وكيفية التورُّك: أن يُخرِجَ الرِّجلَ اليُسرى مِن الجانب الأيمن مفروشة، ويجلس على مَقعدته على الأرض، وتكون الرِّجل اليُمنى منصوبة (¬1). وهذه إحدى صفات التورُّكِ. الصفة الثانية: أن يَفرُشَ القدمين جميعاً، ويخرجهما مِن الجانب الأيمن (¬2). الصفة الثالثة: أن يَفرُشَ اليُمنى، ويُدخل اليُسرى بين فخذ وساق الرِّجل اليُمنى (¬3). كلُّ هذه وردت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في صفة التورُّك، وعلى هذا فنقول: ينبغي أن يَفعلَ الإنسانُ هذا مرَّة، وهذا مرَّة، بناءً على القاعدة التي قعَّدها أهلُ العلم وهي: أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة؛ ينبغي أن يفعلَها على جميع الوجوه الواردة، لأن هذا أبلغ في الاتَّباعِ مما إذا اقتصر على شيء واحد (¬4). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب سُنّة الجلوس في التشهد (828). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من ذكر التورك في الرابعة (965)؛ والبيهقي (2/ 128)؛ وابن حبان في «صحيحه» (1867). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس (579) (112). (¬4) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (22/ 337).

والمرأة مثله

وعُلِمَ مِن قوله: «في تشهُّدِه الأخير» أنه لا تورُّك إلا في التشهُّدِ الأخير من صلاةٍ ذات تشهُّدين، والمراد التشهُّدُ الأخير الذي يعقبه السَّلام، وقولنا: «الذي يعقبه السَّلام» احترازٌ مِن التشهُّدِ الأخير الذي لا يعقبه سلام، كما لو سُبِقَ المأمومُ بركعة، وجَلَسَ مع إمامه في تشهُّدِه الأخير؛ فإنه لا يتورَّك لأن تشهُّدَه هذا لا يعقبه سلام. ولكن ههنا مسألة؛ وهي أنه يجب على الإنسان الذي يفعل هذه العبادات المتنوِّعة أن يكون على يقين منها، فإن شكَّ رَجَعَ إلى ما يتيقَّنُه، فمثلاً: حديث ابن عباس في التشهُّدِ (¬1)، وحديث ابن مسعود (¬2)، بينهما بعض الاختلاف فأحياناً ينسى الإنسان ما جاء في حديث ابن عباس، وحينئذ يقتصر على الذي يعلم، كما قلنا في القراءات الواردة في قراءة القرآن الكريم، إذا كُنتَ حافظاً لها مجيداً متقناً لها فالأفضل أن تقرأ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة؛ ما لم يكن بحضرة العَوَام، وأما إذا كنت غير مجيد لها فإنك تقتصر على ما تعلم؛ لئلا تخلِّط في القرآن، وهكذا العبادات. وَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُ ............ قوله: «والمرأة مثله» أي: مثل الرَّجل؛ لعدم الدليل على التفريق بين الرَّجُل والمرأة، والأصل في النِّساء أنهن كالرِّجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرِّجَال أنهم كالنِّساء في الأحكام. ولهذا مَنْ قَذَفَ رجلاً ترتَّب عليه حَدُّ القَذْفِ، كما لو قَذَفَ امرأة مع أن آية القذف في النساء قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (160). (¬2) تقدم تخريجه ص (151).

لكن تضم نفسها، وتسدل رجليها في جانب يمينها

أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *} {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [النور: 4 ـ 5] وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في المُوبِقَات: «وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافلاتِ المؤمناتِ» (¬1). فالأصلُ اشتراكُ المكلَّفين مِن الرِّجَال والنِّساء في الأحكام؛ إلا ما قام الدَّليلُ عليه. مثل: الولاية العامة كالإمارة، والقضاء، وما أشبهه، فهي خاصَّة بالرِّجال، لكن قد تتولَّى المرأةُ إمارةً محدودة، كما لو سافرت مع نساء وصارت أميرتهنَّ في السَّفر، وكمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك. لَكِنْ تَضُمُّ نَفْسَهَا، وتسدل رجليها في جانب يمينها ............. قوله: «لكن تَضُمُّ نفسها» أي: أن المرأة تضمُّ نفسها في الحال التي يُشرع للرَّجل التَّجافي، كما في حال الرُّكوعِ والسُّجود يشرع للرَّجُل مجافاة العضدين عن الجنبين، وفي حال السجود مجافاة العضدين عن الجنبين، والفخذين عن الساقين. والمرأة لا تجافي، بل تضمُّ نفسَها، فإذا سَجَدَتْ تجعل بطنَها على فخذيها، وفخذيها على ساقيها، وإذا ركعتْ تضمُّ يديها. والدَّليل على ذلك: القواعد العامة في الشريعة، فإن المرأة ينبغي لها السَّتر، وضمُّها نفسها أستر لها مما لو جافت. هكذا قيل في تعليل المسألة!. والجواب على هذا من وجوه: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب رمي المحصنات (6857)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها (89) (145).

أولاً: أن هذه عِلَّة لا يمكن أن تقاوم عمومَ النُّصوص الدَّالة على أن المرأة كالرَّجُل في الأحكام، لا سيما وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (¬1) فإن هذا الخطاب عامٌّ لجميع الرِّجال والنساء. ثانياً: ينتقض فيما لو صَلَّت وحدَها، والغالبُ والمشروعُ للمرأة أن تُصلِّي وحدها في بيتها بدون حضرة الرِّجال، وحينئذٍ لا حاجة إلى الانضمام ما دام لا يشهدها رِجَال. ثالثاً: أنهم يقولون: إنها ترفع يديها، في مواضع الرَّفْعِ، ورَفْعُ (¬2) اليدين أقربُ إلى التكشُّف مِن المجافاة، ومع ذلك يقولون: يُسَنُّ لها رَفْعُ اليدين؛ لأن الأصل تساوي الرِّجَال والنِّساء في الأحكام. فالقول الرَّاجح: أن المرأة تصنعُ كما يصنعُ الرَّجُلُ في كلِّ شيء، فترفَعُ يديها وتجافي، وتمدُّ الظَّهرَ في حال الرُّكوعِ، وترفعُ بطنَها عن الفخذين، والفخذين عن الساقين في حال السُّجود. قوله: «وتسدل رجليها في جانب يمينها» يعني: أنها تخالف الرَّجل في كيفيَّة الجلوس، فلا تفترش، ولا تتورَّك، ولكن تسدلُ الرِّجْلين بجانب اليمين في الجلوس بين السَّجدتين، وفي التشهُّدين. وهذا أيضاً ليس عليه دليل، بل الدليل يدلُّ على أنها تفعل كما يفعل الرَّجل تفترش في الجلوس بين السَّجدتين، وفي التشهُّدِ الأول، وفي التشهُّدِ الأخير في صلاة ليس فيها إلا تشهُّدٌ واحدٌ، وتتورَّك في التشهُّدِ الأخير في الثلاثية والرباعية. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (27). (¬2) «المغني» (2/ 139).

وعلى هذا؛ تكون المرأةُ مساوية للرَّجُل في كيفية الصَّلاة. انتهى المؤلِّفُ ـ رحمه الله ـ من الكلام على صفة الصَّلاة، ولكن لم يذكر رحمه الله ماذا يقول بعد السَّلام مِن الصَّلاة؛ لأن الكتاب مختصر، ولكن ينبغي أن نعرفَ ماذا يقول الإنسان بعد السَّلام من الصَّلاة. فيقول إذا سَلَّم: «أستغفرُ الله» ثلاث مرَّات (¬1) أي: أطلبُ مِن الله المغفرةَ، وإنما شُرع للإنسان سؤال المغفرة بعد أداء هذه العبادة العظيمة؛ لأنها جديرة بالاعتناء والاهتمام. وكثيرٌ من الناس يُفرِّط فيها، إما بالمشروعات الظَّاهرة، أو بالمشروعات الباطنة. ففي المشروعات الباطنة يفرِّط تفريطاً كثيراً فيستولي الوسواسُ على صلاته أو أكثرها، وما أكثر الذين يُصلُّون بظواهرهم لا ببواطنهم، وفي المشروعات الظَّاهرة أيضاً لا يخلو الإنسان من تقصير أو تجاوز، ربما يُقصِّرُ في وَضْعِ اليدين، أو في استواء الظَّهر مع الرَّأس في الرُّكوع، أو في التَّجافي، أو في غير ذلك، وربَّما يكون منه تجاوز بالحركات، كما يشاهد مِن بعض المصلِّين. وهذا كلُّه مِن الشيطان يُذكِّرُ الإنسان بالشيء، وإذا انتهى من الصَّلاة أنساه إيَّاه، حتى تأتي الصلاة الثانية ثم يذكره، ولهذا يُذكرُ أن رجلاً جاء إلى أبي حنيفة وقال: إنه نسيَ كذا وكذا، فقال له: ¬

_ (¬1) لما رواه ثوبان قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام». أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (591) (135). وفي رواية: (يا ذا الجلال والإكرام) الموضع السابق (592) (136).

اذهبْ فَصَلِّ، فذهب الرَّجُل وصَلَّى؛ فتذكَّر؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر بأن الشيطان يقول للإنسان في حال صلاته: «اذكرْ كذا» (¬1). فأبو حنيفة ـ رحمه الله ـ استنبط مِن هذا الحديث: أن الصَّلاةَ سببٌ للتذكُّر. والمهمُّ أن الاستغفار بعد السَّلام له مناسبةٌ عظيمة، وهي جَبْرُ التقصير والخلل في الصَّلاة، فنسأل الله المغفرةَ، ولهذا استُحبَّ للإنسان أن يختِمَ عملَه بالاستغفار، وأن يختِمَ عُمُرَه بالاستغفار، أما العُمُرُ فقد قال الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *} [النصر] قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا نعيُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال عُمرُ: ما أعلم منها إلا ما تقول (¬2). وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «خَبَّرَني رَبِّي أنِّي سأرى علامةً في أُمَّتي، فإذا رأيتُها أكثرتُ مِن قول: سبحان الله وبحمدِه، أستغفُر الله وأتوب إليه، فقد رأيتُها، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *} فَتْح مكة، {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *}» (¬3) فجاء نَصْرُ الله والفتحُ، ورأى العلامةَ، ولهذا كان يُكثر عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد ذلك أن ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب السهو، باب إذا لم يدر كم صلى ... (1231)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (389) (83). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} ... } (4970). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يُقال في الركوع والسجود (484) (220).

يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللَّهمَّ؛ ربّنا وبحمدك، اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» (¬1). ثم يقول بعد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أنت السَّلامَ ومنك السَّلامُ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (¬2)، والمناسبة في هذا ظاهرة، كأنك تقول: اللَّهُمَّ أنت السَّلام، فسلِّمْ لي صلاتي مِن الرَّدِّ والنَّقْصِ، لأن الصَّلاةَ قد تُقبل وقد لا تُقبل، قد تُلَفُّ ويُضرب بها وَجْهُ صاحبها والعياذ بالله، وقد تُقبل، وما أربح الذين يَقبل الله صلاتهم! ثم يقول ما وَرَدَ من الذِّكرْ. والتَّرتيب بعد الاستغفار، وقوله: «اللَّهمَّ أنت السَّلامُ، ومنك السَّلامُ» لا أعلم فيه سُنَّة، فإذا قَدَّم شيئاً على شيء فلا حَرَجَ. والمهمُّ أن يحرِصَ الإنسانُ على ما وَرَدَ عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام في هذا الباب، ومنه التسبيح والتحميد والتكبير وقد وَرَدَ على عدَّة أوجه: الوجه الأول أن يقول: «سبحان الله» ثلاثاً وثلاثين، و «الحمد لله» ثلاثاً وثلاثين، و «الله أكبر» ثلاثاً وثلاثين، ويختمُ بـ «لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كُلِّ شيء قدير» فتكون مِئَة (¬3). الوجه الثاني أن يقول: «سبحان الله» ثلاثاً وثلاثين، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (94). (¬2) تقدم تخريجه ص (220). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (597) (146).

و «الحمد لله» ثلاثاً وثلاثين، و «الله أكبر» أربعاً وثلاثين، فيكون الجميع مِئَة (¬1). الوجه الثالث أن يقول: «سبحان الله» عشراً، و «الحمد لله» عشراً، و «الله أكبر» عشراً، فيكون الجميع ثلاثين (¬2). الوجه الرابع أن يقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» خمساً وعشرين مرَّة، فيكون الجميع مِئَة (¬3). وهذا الاختلاف مِن اختلاف التنوُّع، وقد مَرَّ علينا أنه ينبغي للإنسان في العبادات الواردة على وجوه متنوِّعة أن يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وذكرنا فوائد ذلك (¬4) وينبغي أيضاً أن يَقرأ آيةَ الكرسيِّ؛ لأنه رُويَ فيها أحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬5) لكن إن صَحَّت ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، في الموضع السابق (596) (144). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 160 ـ 205)؛ وأبو داود، كتاب الأدب، باب التسبيح عند النوم (5065)؛ والترمذي، أبواب الدعوات، باب ما جاء في التسبيح والتكبير والتحميد عند المنام (3410) وقال: «حديث حسن صحيح»؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقال بعد التسليم (926). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (5/ 184، 190)؛ والنسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من عدد التسبيح (1351)؛ والترمذي، كتاب الدعوات، باب في فضل التسبيح والتحميد والتكبير في دبر الصلوات (3413) وقال: «حديث صحيح». (¬4) انظر: ص (30). (¬5) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى»، كتاب عمل اليوم والليلة، باب من قرأ آية الكرسي دُبُر كل صلاة (9928)؛ وصححه المنذري في «الترغيب والترهيب» (2373). وقال ابن عبد الهادي: «حديث صحيح». «المحرر» (278). وقال ابن كثير: «إسناده على شرط البخاري». «التفسير» (1/ 454).

فصل

فقد وقعت محلَّها، وإن لم تكن صحيحة فهي زيادة حِرْزٍ للإنسان، لأن قراءة «آية الكرسي» يحفظُ الإنسانَ من الشياطين، وكذلك: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *} (¬1) ومن أراد بَسْطَ هذا فليرجعْ إلى الكتب المؤلَّفة في ذلك، مثل كتاب «الأذكار» للنووي، وكتاب «الوابل الصَّيِّب» لابن القيم، وهو كتاب مفيد؛ لأنه ـ رحمه الله ـ ذَكَرَ فيه فوائد الذِّكر، وذَكَرَ فيه فوق مِئَة فائدة من فوائد الذِّكر .. فَصْلٌ وَيُكْرَهُ فِي الصَّلاةِ التِفَاتُهُ، ......... قوله: «ويكره في الصلاة التفاتُهُ» «التفات» نائب فاعل، يعني: يُكره للمصلِّي أن يلتفت؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن الالتفات في الصَّلاة فقال: «هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشيطانُ مِن صلاة العبد» (¬2) أي: سرقة ونهب، يختلسه الشيطان مِن صلاة العبد، وقال لأنس بن مالك: «يا بُنيَّ، إيَّاك والالتفات في الصَّلاة، فإنه ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 155، 201)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (1523)؛ والنسائي، كتاب السهو، باب الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم من الصلاة (1337)؛ والترمذي، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في المعوِّذتين (2903) وقال: «حديث حسن غريب»؛ وابن خزيمة (755)؛ والحاكم (1/ 253) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة (751).

هَلَكَة، فإنْ كان لا بُدَّ ففي التطوّع لا في الفريضة» (¬1) ولأن الالتفات حركة لا مبرر لها، والأصل كراهة الحركات في الصَّلاة، ولأن في الالتفات إعراضاً عن الله عزّ وجل، فإذا قام الإنسان يُصلي فإنَّ اللهَ تعالى قِبَلَ وجهه، ولهذا حُرِّمَ على المُصلِّي أن يتنخَّعَ قِبَلَ وجهه؛ لأنه مِن سوءِ الأدب مع الله. ولكن إذا كان الالتفات لحاجة فلا بأس، فمن الحاجة ما جرى للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يوم حُنين حيث أرسلَ عيناً تترقَّبُ العدوَ، فكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُصلِّي ويلتفت نحو الشِّعْبِ الذي يأتي منه هذا العين (¬2) ـ والعين هو الجاسوس ـ ولأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمَرَ الإنسان إذا أصابه الوسواسُ في صلاته أن يَتْفُلَ عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم (¬3)، وهذا التفاتٌ لحاجة. ومِن ذلك: لو كانت المرأة عندها صبيُّها؛ وتخشى عليه؛ فصارت تلتفت إليه؛ فإن هذا مِن الحاجة ولا بأس به، لأنه عمل يسير يحتاج إليه الإنسان، ثم اعْلَمْ أن الالتفات نوعان: 1 ـ التفات حسِّي بالبدن، وهو التفات الرأس. 2 ـ التفات معنوي بالقلب، وهو الوساوس والهواجيس التي تَرِدُ على القلب. ¬

_ (¬1) 1/ 248). (¬2) تقدم تخريجه ص (39). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة (2203) (68).

ورفع بصره إلى السماء

فالالتفات بالبدن سبق حكمُه، أما الالتفات المعنوي القلبي فهذا هو العِلَّة التي لا يخلو أحدٌ منها، وما أصعب معالجتها! وما أقل السالم منها! وهو منقص للصلاة، ويا ليته التفات جزئي! ولكنه التفات من أول الصلاة إلى آخرها، وينطبق عليه أنه اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد، بدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما شَكَى إليه الرَّجُلُ هذه الحال قال له: «ذاك شيطان يُقال له: خِنْزَبٌ، فإن أحسست به فاتفل عن يسارِك ثلاث مَرَّات، وتعوَّذ بالله منه» (¬1). وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ........... قوله: «ورفع بصره إلى السماء» أي: يُكره رَفْعُ بصرِه إلى السماء وهو يُصلِّي، سواءٌ في حال القراءة أو في حال الرُّكوعِ، أو في حال الرَّفْعِ من الرُّكوع، أو في أي حال من الأحوال؛ بدليل وتعليل: أما الدليل، فلأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لينتهينَّ أقوامٌ عن رَفْعِ أبصارِهم إلى السَّماءِ في الصَّلاة؛ أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم» (¬2) أي: إما أن ينتهوا، وإما أن يعاقبوا بهذه العقوبة وهي: أن تُخطف أبصارهم فلا ترجع إليهم، واشتدَّ قوله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك، والحقيقة أن الدَّليل أقوى من المدلول؛ لأن الدليل يقتضي أن يكون رَفْعُ البصرِ إلى السَّماءِ محرَّماً، فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم حَذَّر منه، واشتدَّ قوله فيه، ثم ذَكَرَ عقوبة محتملة، وهي أن تُخطف أبصارهم، ولا ترجع إليهم. ومن المعلوم أن التحذير عن الشيء بِذِكْرِ عقوبة يدلُّ على أنه حرام، كما قلنا في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَمَا يَخشى الذي يرفعُ رأسَه ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم وهو الحديث السابق. (¬2) تقدم تخريجه ص (40).

قبل الإمام أن يحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ حِمارٍ، أو يجعل صورتَه صورةَ حِمار» (¬1)، إن هذا دليل على تحريم مسابقة الإمام، وقلنا في قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لتسوُّن صفوفكم أو ليخالفَّن اللهُ بين قلوبكم» (¬2)، إنَّ فيه دليلاً على القول الرَّاجح، وهو وجوب تسوية الصفِّ. وهذا الحديث في رَفْع البصرِ إلى السَّماءِ لا يقصر دلالة عن دلالة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَمَا يَخشى الذي يرفعُ رأسَه قبل الإِمام أن يحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ حِمار، أو يجعل صورتَه صورةَ حِمار»، بل قد يكون أشدَّ وأبلغَ أن يرجع بصرُ الإنسان إلى عمى قبل أن يرتدَّ إليه. وأما التعليل: فلأن فيه سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن المصلِّي بين يدي الله، فينبغي أن يتأدَّبَ معه، وأن لا يرفعَ رأسَه، بل يكون خاضعاً، ولهذا قال عَمرو بن العاص رضي الله عنه: إنه كان قبل أن يُسْلِمَ يكره النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كراهةً شديدةً، حتى كان يحبُّ أن يتمكَّن منه فيقتله، فلما أسلَمَ قال: ما كنت أطيق أن أملأ عينيَّ منه؛ إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ (¬3). ولهذا كان القول الرَّاجح في رَفْعِ البصرِ إلى السَّماءِ في الصَّلاة أنه حرام (¬4)؛ وليس بمكروه فقط، ولكن إذا قلنا بأنه حرام؛ ثم رَفَعَ بصرَه إلى السَّماءِ؛ فهل تبطل صلاتُه؟ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (139). (¬2) تقدم تخريجه ص (9). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله (121) (192). (¬4) «المحلى» (4/ 15).

وتغميض عينيه،

الجواب: اختلفَ في ذلك أهلُ العِلم (¬1)، فقال بعضُهم: إنها تبطل الصلاة، وعلَّلوا ذلك بتعليلين: التعليل الأول: أنه فِعْلٌ منهيٌّ عنه في العبادة، والإنسان إذا فَعَلَ فِعْلاً منهيًّا عنه في العبادة أبطلها؛ كالكلام في الصَّلاة، والأكل والشُّرب في الصَّوم؛ لأنه ينافيها. التعليل الثاني: أن فيه انحرافاً عن القِبْلة؛ لأنه إذا رَفَعَ رأسَه صار مستقبلاً القِبْلة بجسده لا بوجهه. ولكن الذي يظهر لي أن المسألة لا تَصِلُ إلى حَدِّ البطلان. أما التعليل: بأنه انحرافٌ عن القِبْلة فإنه منقوضٌ بالالتفات، فإن الملتفت إلى اليمين أو اليسار قد انحرفَ عن القِبْلة، ومع ذلك لا تبطل صلاتُه. وأما التعليل: بأنه فِعْلٌ منهيٌّ عنه في العبادة فأبطلها، كما أن الصَّلاة تبطل بالكلام؛ والصوم بالأكل والشُّرب؛ فهذا مثله، فهذا لا شَكَّ أنه تعليل قويٌّ؛ لكن النَّفْسَ لا تطمئنُّ إلى أَمْرِ المُصلِّي بالإعادة إذا رَفَعَ رأسَه إلى السَّماءِ، إنما نقول: إنَّ صلاتك على خَطَرٍ، وأما الإثم فإنك آثم، وبناءً على ذلك يجب على طالب العِلم إذا رأى الذين يرفعون أبصارهم في الصَّلاة أن يعلمهم أن هذا حرام، وأنا أرى كثيراً من الناس إذا رفَعَ رأسَه من الرُّكوع خاصَّة رَفَعَ وجهَه إلى السَّماءِ! فليَحْذَرْ ذلك. وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، .............. قوله: «وتغميض عينيه» أي: أنه يُكره تغميض عينيه، أي: ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 590).

وإقعاؤه

تطبيقهما، وعُلِّلَ ذلك: بأنه فِعْلُ اليهود في صلاتهم، ونحن منهيُّون عن التَّشبُّهِ بالكُفَّار من اليهود وغيرهم، لا سيما في الشَّعائر الدينية؛ لأن دياناتهم ديانات منسوخة نَسَخَهَا الله تعالى بِشَرْعِ مُحمَّد صلّى الله عليه وسلّم، فلا يجوز أن نتشبَّه بهم في العبادات ولا غيرها. ولكن يذكر كثيرٌ من الناس أنه إذا أغمض عينيه كان أخشع له. وهذا من الشيطان، يُخَشِّعُهُ إذا أغمض عينيه من أجل أن يفعل هذا المكروه، ولو عالجَ نفسَه وأبقى عينيه مفتوحة وحاول الخشوع لكان أحسن. لكن لو فُرِضَ أن بين يديك شيئاً لا تستطيع أن تفتح عينيك أمامه؛ لأنه يشغلك، فحينئذٍ لا حَرَجَ أن تُغمض بقَدْرِ الحاجة، وأما بدون حاجة فإنه مكروه كما قال المؤلِّف، ولا تغترَّ بما يُلقيه الشيطان في قلبك من أنك إذا أغمضتَ صار أخشعَ لك. وَإِقْعَاؤُهْ، ........... قوله: «وإقعاؤه» أي: يُكره للمصلِّي إقعاؤه في الجلوس؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب (¬1)، ولأنَّ الإنسانَ لا يستقرُّ في حال الإقعاء؛ لأنه يتعب. والإقعاء له صُوَر: الأولى: أن يَفْرُشَ قدميه، أي: يجعل ظُهُورَهما نحو الأرض، ثم يجلس على عقبيه، وهذا مكروه لما يلي: أولاً: لأنه يشبه من بعض الوجوه إقعاء الكلب. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 311)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب الجلوس بين السجدتين (895) (896)، وحسّنه الألباني رحمه الله في صفة الصلاة.

ثانياً: أنه مُتْعِبٌ، فلا يستقرُّ الإنسانُ في حال جلوسه على هذا الوجه. الصورة الثانية: أن ينصبَ قدميه ويجلسَ على عقبيه، وهذا لا شَكَّ أنه إقعاء، كما ثَبَتَ ذلك في «صحيح مسلم» مِن حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بعضُ أهل العلم (¬1) قال: إن هذه الصورة من الإقعاء من السُّنَّة، لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنها سنة نبيِّك» (¬2)، ولكن أكثرُ أهلِ العِلم على خلاف ذلك (432) وأن هذا ليس من السُّنَّة، ويُشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون قول ابن عباس رضي الله عنهما تحدُّثاً عن سُنَّة سابقة نُسخت بالأحاديث الكثيرة المستفيضة بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يفرُشُ رِجْلَه اليُسرى وينصب اليُمنى (¬3). الثالثة: ـ وهي أقربُها مطابقة لإقعاء الكلب ـ أن ينصب فخذيه وساقيه ويجلسَ على أليتيه، ولا سيما إن اعتمد بيديه على الأرض، وهذا هو المعروف من الإقعاء في اللغة العربية. الصورة الرابعة: أن ينصبَ قدميه ويجلسَ على الأرض بينهما. بقي صفات أخرى للجلوس لا تُكره لكنها خلاف السُّنَّة، كالتربُّع مثلاً؛ فليست مشروعةً ولا مكروهةً، ولكنها مشروعة في حال القيام إذا صَلَّى الإنسان جالساً في موضع القيام، والرُّكوع ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 592). (¬2) تقدم تخريجه ص (127). (¬3) تقدم تخريجه ص (127).

وافتراش ذراعيه ساجدا

يتربَّع، وفي موضع السُّجود والجلوس يفترش إلا في حال التورُّك (¬1). وافْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِداً، ........... قوله: «وافتراش ذراعيه ساجداً» أي: يُكره أن يفترش ذراعيه حال السُّجود، وإنما قال: «ساجداً» لأن هذا هو الواقع؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اعتدلوا في السُّجود؛ ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (¬2) لأن الإنسان لا ينبغي أن يتشبَّه بالحيوان، فإن الله لم يَذكرْ تشبيه الإنسان بالحيوان إلا في مقام الذَّمِّ كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في الذي يتكلَّم والإمامُ يخطب: «كمثل الحِمَار يحمِلُ أسفاراً» (¬3). وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ *} {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 175، 176] وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «العائدُ في هِبَتِهِ كالكلب يَعودُ في قَيئِهِ، ليس لنا مَثَلُ السَّوْء» (¬4). إذاً؛ فالإنسان لا يُشبَّه بالحيوان إلا في حال الذَّمِّ، وبناءً على ذلك نقول: إذا كان التَّشبُّه بالحيوان في غير الصَّلاة مذموماً؛ ففي الصلاة من باب أَولى. ¬

_ (¬1) كما سيأتي إن شاء الله في باب صلاة أهل الأعذار في المجلد الرابع. (¬2) تقدم تخريجه ص (121). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (1/ 230) مرفوعاً. قال ابن حَجَر: «رواه أحمد إسناده لا بأس به». «بلوغ المرام» (454). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الحيل، باب في الهبة والشفعة (6975) واللفظ له؛ ومسلم، كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة بعد القبض (1622) (5).

وعبثه،

فيجافي ذراعيه، ويرفعهما عن الأرض، إلا أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا طال السُّجودُ وشَقَّ عليه؛ فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه (¬1)؛ لأن هذا مما فيه تيسير على المكلَّف، والشارعُ يريد منَّا اليُسر، ومن ثم شُرعت جلسة الاستراحة لمن يتثاقل أن ينهض بدون جلوس. وَعَبْثُهُ، .......... قوله: «وعبثه» أي: يُكره عبث المصلِّي، وهو تشاغله بما لا تدعو الحاجة إليه، وذلك لأن العبث فيه مفاسد: المفسدة الأولى: انشغال القلب، فإنَّ حركةَ البَدَنِ تكون بحركة القلب، ولا يمكن أن تكون حركةُ البَدَن بغير حركة القلب، فإذا تحرَّك البَدَنُ لزم من ذلك أن يكون القلب متحرِّكاً، وفي هذا انشغال عن الصَّلاة، وقد قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلام حينما نَظَرَ إلى الخميصة نظرةً واحدةً: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْم، وأْتُوني بأنبجانيَّة أبي جَهْم، فإنَّها ألهتني آنفاً عن صلاتي» (¬2) فيؤخذ من هذا الحديث: تجنُّب كل ما يُلهي عن الصَّلاة. المفسدة الثانية: أنَّه على اسمه عبثٌ ولغو، وهو ينافي الجديَّة المطلوبة مِن الإنسان في حال الصَّلاة. المفسدة الثالثة: أنه حركة بالجوارح، دخيلة على الصَّلاة، لأنَّ الصَّلاةَ لها حركات معيَّنة مِن قيام وقعود ورُكوع وسُجود. وأما ما ذَكَرَه صاحب «الرَّوض» (¬3) ـ رحمه الله ـ بقوله: لأنه ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 512). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا صَلَّى في ثوب له أعلام (373)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب النظر في الصلاة (556) (61). (¬3) «الروض المربع مع حاشية ابن القاسم» (2/ 91).

وتخصره

عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رأى رَجُلاً يعبث في صلاته فقال: «لو خَشَعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه» (¬1) فهذا الحديث ضعيف، ولا يُحتجُّ به. ورُويَ عن سعيد بن المسيِّب (¬2)، ولكن المفاسد التي ذكرناها واضحة تُغْني عنه. وَتَخَصُّرُهُ، ......... قوله: «وتخصُّره» أي: وَضْعُ يده على خاصرته، والخاصرة هي: المستدق من البطن الذي فوق الورك، أي: وسط الإنسان، فإنه يُكره؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَهى أن يُصلِّي الرَّجلُ (¬3) متخصراً أي: واضعاً يديه على خاصرته. وقد جاء تعليل ذلك في حديث عائشة بأنه فِعْلُ اليهود (¬4)، فكان اليهود يفعلون هذا في صلاتهم، ولأنَّه في الغالب يأتي في حال انقباض الإنسان، وكأنه يُفكِّرُ في شيء. وَتَرَوُّحُهُ، ........... قوله: «وتروحه» أي: أن يروِّحَ على نفسه بالمروحة، مأخوذة من الرِّيح، والمروحة تُصنع من خوص النَّخل، تُخصف ويوضع لها عود، ثم يتروَّح بها الإنسان، يحرِّكُها يميناً وشمالاً، فيأتيه الهواء، وهذا مكروه؛ لأنه نوع من العبث والحركة، ومُشْغِلٌ للإنسان عن صلاته، لكن إنْ دعت الحاجةُ إلى ذلك بأن كان قد أصابه غَمٌّ وحَرٌّ شديد ورَوَّحَ عن نفسِه بالمروحة، من أجل أن تخفَّ عليه وطأة الغَمِّ والحرِّ في الصَّلاةِ فإن ذلك لا ¬

_ (¬1) ذكره السيوطي في «الجامع الكبير» (1/ 666). (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، باب في مسِّ اللحية في الصلاة (6786). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب الخصر في الصلاة (1220)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الاختصار في الصلاة (545) (46). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكر عن بني إسرائيل (3458) من حديث عائشة رضي الله عنها موقوفاً عليها.

وفرقعة أصابعه، وتشبيكها

بأس به؛ لأن القاعدة عند الفقهاء: أنَّ المكروه يُباح للحاجة. وأما التروُّح الذي هو المراوحة بين القدمين بحيث يعتمد على رِجْل أحياناً، وعلى رِجْل أُخْرى أحياناً؛ فهذا لا بأس به، ولا سيما إذا طال وقوف الإنسان، ولكن بدون أن يقدِّمَ إحدى الرِّجلين على الثانية، بل تكون الرِّجْلان متساويتين، وبدون كثرة. وَفَرْقَعَةُ أَصَابِعهِ، وَتَشْبِيكُهَا، ........... قوله: «وفرقعة أصابعه» أي: ويُكره فرقعة أصابعه، أي: غمزها حتى تفرقع ويكون لها صوت، لأن ذلك مِن العبث، وفيه أيضاً تشويش على مَنْ كان حوله إذا كان يُصلِّي في جماعة. قوله: «وتشبيكها» أي: يُكره التشبيك بين الأصابع؛ وهو إدخال بعضها في بعض في حال صلاتِه؛ لحديث وَرَدَ فيمَن قَصَدَ المسجدَ أن لا يُشَبِّكَنَّ بين أصابعه (¬1)، فإذا كان قاصدَ المسجد للصَّلاة منهيًّا عن التشبيك بين الأصابع، فمن كان في نَفْسِ الصَّلاةِ، فهو أَولى بالنَّهي، ويُذكر أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى رَجُلاً قد شَبَّكَ بين أصابعه ففرَّج النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بينهما (¬2)، وأما بعد الصلاة فلا يُكره شيء من ذلك، لا الفرقعة، ولا التشبيك، لأن التشبيك ثَبَثَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه فَعَلَه، وذلك في حديث ذي اليدين؛ حين صَلَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه إحدى صلاتي العشيِّ، فَسَلَّمَ من ركعتين، ثم ¬

_ (¬1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الدارمي (1/ 327)؛ والحاكم (1/ 206) وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. قال الألباني رحمه الله: «وهو كما قالا». «الإرواء» (2/ 102). (¬2) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يكره في الصلاة (967) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه. قال ابن حجر رحمه الله: «في إسناده اختلاف ضعفه بعضهم بسببه». «فتح الباري» (1/ 566).

وأن يكون حاقنا أو بحضرة طعام يشتهيه

قام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتَّكأ عليها، وشَبَّكَ بين أصابعه (¬1). وأما الفرقعة فإن خشيَ أن تشوش على مَن حوله إذا كان في المسجد فلا يفعل. وَأَنْ يَكُونَ حَاقِناً أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَشْتَهِيهِ، .......... قوله: «وأن يكون حاقناً» أي: يُكره أن يُصلِّي وهو حاقن، والحاقن هو المحتاج إلى البول، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الصَّلاةِ في حضرة طعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان (¬2). والحكمة من ذلك: أن في هذا ضرراً بدنيًّا عليه، فإن في حبس البول المستعدِّ للخروج ضرراً على المثانة، وعلى العصب التي تمسك البول، لأنه ربما مع تَضخُّمِ المثانة بما انحقن فيها مِن الماء تسترخي الأعصاب، لأنها أعصاب دقيقة، وربما تنكمش انكماشاً زائداً، وينكمش بعضُها على بعض، ويعجز الإنسان عن إخراج البول، كما يجري ذلك أحياناً. وفيه أيضاً ضررٌ يتعلَّقُ بالصَّلاة؛ لأن الإنسان الذي يُدافع البول لا يمكن أن يُحضر قلبه لما هو فيه من الصَّلاة؛ لأنه منشغل بمدافعة هذا الخَبَث، وإذا كان حاقباً فهو مثله، والحاقب: هو الذي حَبَسَ الغائط، فيُكره أن يُصلِّي وهو حابس للغائط يدافعه، والعِلَّة فيه ما قلنا في عِلَّة الحاقن، وكذلك إذا كان محتبس الرِّيح فإنه يُكره أن يُصلِّي وهو يدافعها. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (482). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام (560) (67).

مسألة: إذا قال قائل: رَجُلٌ على وُضُوء، وهو يدافع البول أو الرِّيح، لكن لو قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضَّأ به، فهل نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم للصَّلاة، أو نقول: صَلِّ وأنت مدافع للأخبثين؟ فالجواب: نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم، ولا تُصَلِّ وأنت تُدافع الأخبثين، وذلك لأن الصلاة بالتيمُّم لا تُكره بالإجماع، والصَّلاةُ مع مدافعة الأخبثين منهيٌّ عنها مكروهة، ومِن العلماء مَن حَرَّمها وقال: إن الصَّلاةَ لا تصحُّ مع مدافعة الأخبثين (¬1)، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يُدافعه الأخبثان» (¬2). مسألة: لو قال قائل: إنه حاقن، ويخشى إنْ قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يُصلِّي حاقناً ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟ فالجواب: يقضي حاجته ويتوضَّأ ولو فاتته الجماعة، لأن هذا عُذر، وإذا طرأ عليه في أثناء الصَّلاة فله أن يُفارق الإمام. مسألة: إذا قال قائل: إنَّ الوقت قد ضاقَ، وهو الآن يُدافع أحد الأخبثين فإن قضى حاجته وتوضَّأ خرج الوقتُ، وإن صَلَّى قبل خروج الوقت صَلَّى وهو يدافع الأخبثين، فهل يُصلِّي وهو يدافع الأخبثين، أو يقضي حاجته ويُصلِّي؛ ولو بعد الوقت؟ فالجواب: إنْ كانت الصَّلاةُ تُجمع مع ما بعدَها فليقضِ ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 594)، و «المحلى» (4/ 46). (¬2) تقدم تخريجه ص (235).

حاجته وينوي الجمع؛ لأن الجمع في هذه الحال جائز، وإن لم تكن تُجمع مع ما بعدَها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر، أو في صلاة العصر، أو في صلاة العشاء، فللعلماء في هذه المسألة قولان (¬1): القول الأول: أنه يُصلِّي ولو مع مُدافعة الأخبثين حفاظاً على الوقت، وهذا رأي الجُمهور. القول الثاني: يقضي حاجته ويُصلِّي ولو خرج الوقت. وهذا القول أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأن هذا بلا شَكٍّ من اليُسر، والإنسان إذا كان يُدافع الأخبثين يَخشى على نفسِه الضَّرر مع انشغاله عن الصَّلاة. وهذا في المدافعة القريبة. أما المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطَّع من شدة الحصر، أو يخشى أن يغلبه الحَدَث فيخرج منه بلا اختيار، فهذا لا شَكَّ أنه يقضي حاجته ثم يُصلِّي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف. قوله: «أو بحضرة طعام يشتهيه» أي: يكره أن يُصلِّي بحضرة طعام تتوقُ نفسُه إليه فاشترط المؤلِّف شرطين وهما: 1 ـ أن يكون الطَّعام حاضراً. 2 ـ أن تكون نفسه تَتُوقُ إليه. وينبغي أن يُزاد شرطٌ ثالث وهو: أن يكون قادراً على تناوله حِسًّا وشرعاً. ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 38).

فإنْ لم يحضر الطَّعام ولكنه جائع، فلا يؤخِّر الصَّلاة؛ لأننا لو قلنا بهذا؛ لزم أن لا يُصلِّي الفقير أبداً؛ لأن الفقير قد يكون دائماً في جوع، ونفسه تتوقُ إلى الطعام. ولو كان الطَّعام حاضراً ولكنه شبعان لا يهتمُّ به فليصلِّ، ولا كراهة في حَقِّهِ. وكذلك لو حضر الطَّعامُ، لكنه ممنوع منه شرعاً أو حِسًّا. فالشرعي: كالصَّائم إذا حَضَرَ طعامُ الفطور عند صلاة العصر، والرَّجُل جائعٌ جدًّا، فلا نقول: لا تُصَلِّ العصر حتى تأكله بعد غروب الشمس. لأنه ممنوع من تناوله شرعاً، فلا فائدة في الانتظار. وكذلك لو أُحضر إليه طعامٌ للغير تتوق نفسُه إليه، فإنه لا يُكره أن يُصلِّي حينئذٍ؛ لأنه ممنوع منه شرعاً. والمانعُ الحسِّي: كما لو قُدِّمَ له طعام حارٌّ لا يستطيع أن يتناوله فهل يُصلِّي، أو يصبر حتى يبرد؛ ثم يأكل؛ ثم يُصلِّي؟ الجواب: يُصلِّي، ولا تُكره صلاتُه؛ لأن انتظاره لا فائدة منه. كذلك لو أُحضر إليه طعام هو مِلْكه، لكن عنده ظالم يمنعه من أكله، فهنا لا يُكره له أن يُصلِّي؛ لأنه لا يستفيد مِن عدم الصَّلاةِ؛ لمنعه مِن طعامه حسًّا. وخلاصة المسألة: أنها تحتاج إلى ثلاثة قيود: 1 ـ حضور الطَّعام.

وتكرار الفاتحة

2 ـ توقان النفس إليه. 3 ـ القُدْرة على تناوله شرعاً وحِسًّا. ودليل ذلك قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ بحضرة طعامٍ، ولا وهو يُدافعه الأخبثان» (¬1). وكلام المؤلِّف يدلُّ على أن الصَّلاة في هذه الحال مكروهة؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا صلاة ... »، وهل هذا النفي نفي كمال، أو نفي صحة؟ الجواب: جمهور أهل العِلم على أنه نفيُ كمال، وأنه يُكره أن يُصلِّي في هذه الحال، ولو صَلَّى فصلاتُه صحيحة (¬2). وقال بعض العلماء: بل النفيُ نفيٌ للصِّحَّة (¬3)، فلو صَلَّى وهو يُدافع الأخبثين بحيث لا يدري ما يقول فصلاتُه غيرُ صحيحة، لأن الأصل في نفي الشَّرع أن يكون لنفي الصِّحَّة، وعلى هذا تكون صلاتُه في هذه الحال محرَّمة؛ لأن كلَّ عبادة باطلة فتلبُّسه بها حرام؛ لأنه يشبه أن يكون مستهزئاً؛ حيث تَلَبَّسَ بعبادة يعلم أنها محرَّمة. وكلٌّ مِن القولين قويٌّ جدًّا. وَتِكْرَارُ الْفَاتِحَةِ، ......... قوله: «وتكرار الفاتحة» أي: ويُكره تكرار الفاتحة مرَّتين، أو أكثر. وتعليل ذلك: أنه لم يُنقل عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. والمُكرِّرُ للفاتحة ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (235). (¬2) «المجموع» (4/ 38). (¬3) «المحلى» (4/ 46).

لا جمع سور في فرض كنفل

على وجه التعبُّد بالتكرار لا شَكَّ أنه قد أتى مكروهاً؛ لأنه لو كان هذا مِن الخير لفَعَلَهُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، لكن إذا كرَّر الفاتحةَ لا على سبيل التعبُّد، بل لفوات وصف مستحبّ؟ فالظَّاهرُ الجواز، مثل: أن يكرِّرها لأنه نسيَ فقرأها سِرًّا في حال يُشرع فيها الجهرُ، كما يقعُ لبعض الأئمة ينسى فيقرأ الفاتحةَ سِرًّا، فهنا نقول: لا بأس أن يُعيدها من الأول استدراكاً لما فات من مشروعية الجهر، وكذلك لو قرأها في غير استحضار، وأراد أن يكرِّرها ليحضر قلبه في القراءة التالية؛ فإن هذا تكرار لشيء مقصود شرعاً، وهو حضور القلب، لكن إن خشيَ أن ينفتح عليه باب الوسواس فلا يفعل، لأن البعض إذا انفتحَ له هذا البابُ انفتح له باب الوسواس الكثير، وصار إذا قرأها وقد غَفَلَ في آية واحدة منها رَدَّها، وإذا رَدَّها وغَفَلَ رَدَّها ثانية، وثالثة، ورابعة، حتى ربما إذا شدَّد على نفسه شَدَّد الله عليه، وربَّما غَفَلَ في أول مرَّة عن آية، ثم في الثانية يغفُلُ عن آيتين، أو ثلاث. لاَ جَمْعُ سُوَرٍ فِي فَرْضٍ كَنَفْلٍ. قوله: «لا جمعُ سور في فرض كنفل» أي: لا يُكره جَمْعُ السُّور في الفرض. كما لا يُكره في النَّفل، يعني: أن يقرأ سورتين فأكثر بعد الفاتحة. والدليل: حديث حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه صَلَّى مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلةٍ فقرأ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سورة «البقرة» و «النساء»، و «آل عمران» (¬1) وهذا جمعٌ بين السُّور في النَّفل، وما جاز في النَّفل جاز في الفرض إلا بدليل، وما جاز في الفرض وَجَبَ في النَّفْل إلا بدليل، لأن الأصل تساويهما في الحُكم. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (67).

والدليل على هذا الأصل: أن الصَّحابة لما حَكَوا صلاةَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم على راحلته في السَّفر وأنه يُوتر عليها قالوا: «غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبة» (¬1)، فلولا أن الفرض يُحذى به حذو النَّفل ما كان للاستثناء فائدة، فلما قالوا: «غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبة» علمنا أنهم فهموا أن ما ثَبَتَ في النَّفل؛ ثَبَتَ في الفرض، وإلا لما احتيجَ إلى الاستثناء، وعلى هذا فنقول: إنه لا بأس أن يجمع الإنسانُ في الفَرْضِ بين سورتين فأكثر. مسألة: هل تفريق السُّورة في الركعتين جائز أم لا؟ الجواب: جائز؛ إلا إذا كان لما بقي تعلُّق بما مضى، فهنا ينبغي ألا يفعل، مثل لو قال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *} {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 1 ـ 3] فهنا لا ينبغي أن يقفَ على هذا الموقف؛ لانقطاع الكلام بعضه عن بعض. أما إذا لم يكن محذور في الوقف فلا بأس. ودليل ذلك: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قرأ في صلاة المغرب بالأعراف فَرَّقها في الرَّكعتين (¬2) وهذا يدلُّ على جواز تفريق السُّورة في الرَّكعتين، لكن ينبغي ملاحظة ما يُشرع مِن التطويل والتوسُّط والتقصير، كما هو معروف في أول صفة الصَّلاة (¬3). مسألة: هل يقرأ من أثناء السُّورة أم لا؟ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ينزل للمكتوبة (1098)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت (700) (39). (¬2) تقدم تخريجه ص (76). (¬3) انظر: ص (74).

وله رد المار بين يديه، وعد الآي، والفتح على إمامه ولبس الثوب، ولف العمامة، وقتل حية وعقرب وقمل

الجواب: يجوز أن يقرأ آية أو آيتين أو أكثر مِن أثناء السُّورة. هذا؛ وإن كان الأفضل عدمه حتى إن ابنَ القيم ذَكَرَ في «زاد المعاد» (¬1): أنه لم يُحفظ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ مِن أثناء السُّورة. ولكن يُقال: إنه قد ثَبَتَ عنه أنه كان يقرأ في سُنَّةِ الفجر في الرَّكعةِ الأولى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} ... } [البقرة: 136]، وفي الثانية {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} ... } (¬2) [آل عمران: 64]. والأصلُ أن ما ثَبَتَ في النَّفل ثَبَتَ في الفرض إلا بدليل، فالصَّحيح أنه يجوز أن يقرأ الإنسانُ الآية أو الآيتين أو أكثر من أثناء السُّورة، ولا بأس في ذلك في الفرض والنَّفل. وَلَهُ رَدُّ المَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَدُّ الآي، وَالْفَتْحُ عَلَى إمَامِهِ وَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَلَفُّ العِمَامَةِ، وَقَتْلِ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وقَمْلٍ ............ قوله: «وله ردٌّ المارِّ بين يديه». «له»: الضمير يعود على المُصلِّي، واللام هنا للإباحة كما هي القاعدة في أصول الفقه: أن العلماء إذا عَبَّروا باللام فهي للإباحة، كما أنَّهم إذا عَبَّروا بـ «على» فهي للوجوب، فإذا قالوا: عليه أن يفعل ... أي: واجب. له أن يفعل .. أي: جائز. فقول المؤلِّف: «له رَدُّ المارِّ بين يديه» يقتضي أن هذا مُباح. وقوله: «ردُّ المَارِّ» يشمَلُ الآدمي وغير الآدمي، ومَنْ تبطل الصَّلاةُ بمروره، ومَنْ لا تبطل الصَّلاةُ بمروره. وعلى هذا فإذا أراد أحدٌ أن يَمُرَّ بين يدي المُصلِّي؛ قلنا ¬

_ (¬1) زاد المعاد (1/ 215). (¬2) تقدم تخريجه ص (73).

للمُصلِّي: أنت بالخيار؛ إنْ شئت فردَّه، وإنْ شئت فلا تردَّه، وإن رددته فليس لك أجر، وإنْ لم تردَّه فليس عليك وِزْر؛ لأن هذا شأن المباح، حتى لو أرادت امرأة أن تمُرَّ بين يديك ـ على كلام المؤلِّف ـ فأنت بالخيار؛ إنْ شئت فردَّها، وإن شئت فلا تردَّها. ولكن ما يقتضيه كلام المؤلِّف ـ رحمه الله ـ خِلاف المذهب. فالمذهب: أن الرَّدَّ سُنَّة (¬1)، أي: يُسَنُّ للمُصلِّي، ويُطلب منه شرعاً أن يردَّ المارَّ بين يديه. ودليل ذلك: أمرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بهذا؛ حيث قال: «إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيء يستره مِن الناس، فأرادَ أحدٌ أن يجتاز بين يديه؛ فَلْيَدْفَعْهُ، فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّما هُو شيطان» (¬2) فأمر بِدَفْعِهِ، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحباب. وقال أيضاً: «إذا كان أحدُكم يصلِّي، فلا يدعْ أحداً يمرُّ بين يديه، فإن أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرِينَ» (¬3). وعن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ رواية ثالثة: أنَّ رَدَّ المارِّ واجب (¬4)، فإن لم يفعل فهو آثم، ولا فَرْقَ بين ما يقطع الصَّلاة مروره، أو لا يقطع. واستدلُّوا لهذا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فليدفعه» والأصلُ في الأمر ¬

_ (¬1) «منتهى الإرادات» (1/ 228). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب يَرُدُّ المصلي من مَرَّ بين يديه (509)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلِّي (505) (258). (¬3) أخرجه مسلم، الموضع السابق (506) (260). (¬4) «الإنصاف» (3/ 602).

الوجوب. ويقوِّي الوجوب: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ» وأصل مقاتلة المسلم حرام، لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «سبابُ المسلم فُسُوق، وقتاله كُفْرٌ» (¬1). لكن من المعلوم أن المراد بالمقاتلة في رَدِّ المَارِّ الدَّفْع بشدة، لا أن تقتله بسلاح معك، أي: ليس قَتْلاً، ولكن مقاتلة، ومقاتلة كل شيء بحسبه، وحتى المقاتلة التي لا تؤدِّي إلى قتل هي حرام بالنسبة للمسلم مع أخيه إلا إذا وُجِدَ ما يسوِّغها. قالوا: ولا يؤمر بما أصله الحرام إلا لتحصيل واجب، فلا يُؤمر بالقتال إلا إذا كان الدَّفْعُ واجباً؛ لأنه لا يبيح المُحَرَّم إلا الشيء الواجب. وقالوا أيضاً: في هذا فائدة وهي تعزير المعتدي؛ لأن المَارَّ بين يديك معتدٍ عليك، ولهذا قال الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فإنَّما هو شيطان» وفي لفظ: «فإن معه القَرِينَ» (¬2) أي: أنَّ الشيطان يأمره، ورَدْعُ المعتدي أمْرٌ واجب. وقالوا أيضاً: إنَّ فيه إحياء قلوب الغافلين؛ لأن كثيراً مِن النَّاسِ يمشي في المسجد وعيناه في السَّماءِ، ولا يبالي أكان الذي بين يديه مصلِّين أو غير مصلِّين، فإذا رَدَدتَهُ نبَّهتَه فيكون بذلك تنبيهاً للغافلين. وهذه الرواية عن أحمد كما ترى دليلُها الأثريُّ والنظريُّ قويان. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (48)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (64) (116). (¬2) تقدم تخريجه ص (243).

ويحتمل أن يُقال: يُفرَّق بين المارِّ الذي يقطعُ الصَّلاةَ مروره، والمَارِّ الذي لا يقطع الصَّلاةَ مروره، فالذي يقطع الصَّلاةَ مروره يجب رَدُّه، والذي لا يقطع الصَّلاةَ مروره لا يجب رَدُّه؛ لأن غاية ما يحصُل منه أن تنقص الصَّلاةُ ولا تبطل، بخلاف الذي يقطع الصَّلاةَ مروره؛ فإنه سوف يبطل صلاتك ويفسدها عليك، ولا سيما إذا كانت فرضاً، فإن تمكينك مِن شخص يقطع صلاة الفَرْض عليك يعني أنك قطعت فرضك، والأصل في قَطْعِ الفرض التحريم. وهذا قول وسطٌ بين قول مَن يقول بالوجوب مطلقاً، ومن يقول بالاستحباب مطلقاً، وهو قول قويٌّ. مثال ذلك: إذا مَرَّت امرأة؛ فإنه يجب عليك أن تردَّها، وإذا مَرَّ كلبٌ أسود يجب أن تردَّه، وإذا مَرَّ حِمار يجب أن تردَّه، بخلاف ما إذا مَرَّ رَجُلٌ، أو بَهيمة غير حِمار، أو كلب غير أسود، أو أُنثى دون البلوغ، فإنه لا يجب عليك رَدُّه، ولكن يُسَنُّ ذلك. ويحتمل أن يُفرَّق بين الفرض والنَّفل، فإذا كانت الصَّلاة فريضة ومَرَّ مَنْ يقطعها وجب رَدُّه، لأن الفريضة إذا شَرَعَ فيها حَرُمَ أن يقطعَها إلا لضرورة، وإلا لم يجب رَدُّه، بل يُسَنُّ. ولهذا كثيراً ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ مثل هذا التَّفصيل بين القولين، ويقول: وهو بعضُ قول من يقول بالوجوب، أو ما أشبه ذلك، مثل قوله في الوِتر: إنَّ الوتر واجب على مَن كان له وِرْدٌ في الليل. قال: وهو بعض قول من يوجبه مطلقاً، لأن الوتر فيه ثلاثة أقوال للعلماء: سنة مطلقاً ـ وهو الصحيح، وواجب مطلقاً،

وتفصيل؛ وهو اختيار شيخ الإسلام (¬1). والشاهد أنه يقول: وهو بعضُ قول من يوجبه مطلقاً. فإذا قلنا: يجب مَنْعُ المار إذا كان ممن يقطع الصَّلاةَ، صار بعض قول مَن يوجبه مطلقاً، فإن قال قائل: كيف نعتذر عن كلام المؤلِّف حيث إن ظاهره الإباحة مع ورود السُّنَّة بالأمر به؟ فالجواب: أنه يمكن أن يُحمل على أن الإباحة هنا في مقابلة توهُّمِ المَنْعِ، أو في مقابلة الكراهة، لأن رَدَّ المار عَمَلٌ وحركة مِن غير جنس الصَّلاة، والأصل فيها إما الكراهة؛ وإما المنع، فتكون الإباحة هنا يُراد بها نفي الكراهة، أو نفي المنع، فلا ينافي أن يكون الحكم مستحبًّا، يعني: يمكن أن يُقال هذا، لكن يمنعه أن هذه المسألة فيها قول بالإباحة مستقلٌّ معروف. وقوله: «بين يديه». أي: بين يدي المصلِّي. وقد اختُلف في المراد بما بين يديه (¬2)، فقيل: إنه بمقدار ثلاثة أذرع مِن قدمي المصلِّي. وقيل: بمقدار رَمية حَجَر، يعني بالرَّمي المتوسط لا بالقويِّ جدًّا ولا بالضعيف. وقيل: ما للمصلِّي أن يتقدَّم إليه بدون بطلان صلاتِه. وقيل: إن مَرْجِعَ ذلك إلى العُرف، فما كان يعدُّ بين يديه، فهو بين يديه، وما كان لا يُعدُّ عُرفاً بين يديه، فليس بين يديه. وقيل: ما بين رجليه وموضع سجوده. وهذا أقرب الأقوال، وذلك لأن المصلِّي لا يستحقُّ أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحقُّ أن يمنعَ النَّاس مما لا يحتاجه. ¬

_ (¬1) «الاختيارات» ص (64). (¬2) «الإنصاف» (2/ 94).

أما إذا كان له سُترة فلا يجوز المرور بينه وبينها، لكن ينبغي أن يقرُبَ منها، بحيث يكون سجودُه إلى جنبها؛ لئلا يتحجَّر أكثر مما يحتاج، وقد كان بين مصلَّى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وبين الجدار الذي صَلَّى إليه قَدْرَ ممرِّ شاة. وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون المَارُّ محتاجاً للمرور أو غير محتاج، فالمحتاج للمرور مثل: أن يكون باب المسجد على يمين المُصلِّي أو على يساره، وهو يريد أن يَعْبُرَ إلى باب المسجد، فهذا محتاجٌ للمرور، وذلك لعموم الأمر: « ... فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه ... » (¬1)، ولم يفصِّل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بين أن يكون المارُّ محتاجاً أو غير محتاج. والغالب أن الإنسان لا يمرُّ بين يدي المصلِّي إلا وهو محتاج إلى المرور، فكيف نُخرِج ما كان هو الغالب مِن دلالة الحديث إلى ما ليس بغالب. فالصحيح: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون محتاجاً أو غير محتاج، فليس له الحقُّ أن يمرَّ بين يدي المصلِّي، وقد قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «لو يعلمُ المارُّ بين يديِ المصلِّي ماذا عليه؛ لكان أن يقفَ أربعينَ خيراً له من أن يَمُرَّ بين يديه» (¬2) أي: أربعين خريفاً؛ كما في رواية البزَّار: «لكان أنْ يقومَ أربعين خريفاً ... » (¬3). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (243). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إثم المار بين يدي المصلي (510)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي (507) (261). (¬3) أورده الهيثمي في «المجمع» (2/ 61) وقال: «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح».

وظاهرُ كلام المؤلِّف أيضاً: أنه لا فَرْقَ بين مَكَّة وغيرها، وهذا هو الصَّحيح، ولا حُجَّة لمن استثنى مَكَّة (¬1) بما يُروى عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنه كان يُصلِّي والنَّاسُ يمرُّون بين يديه، وليس بينهما سُترة» (¬2) وهذا الحديث فيه راوٍ مجهول، وجهالة الرَّاوي طعنٌ في الحديث. وعلى تقدير صحَّتِه فهو محمولٌ على أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي في حاشية المطاف، والطائفون هم أحقُّ النَّاسِ بالمطاف؛ لأنه لا مكان لهم إلا هذا، أما المصلِّي فيستطيع أن يُصلِّي في أيِّ مكان آخر، لكن الطائف ليس له مكان إلا ما حول الكعبة، فهو أحقُّ به. هذا إن صحَّ الحديث، ولهذا بوَّبَ البخاريُّ ـ رحمه الله ـ في «صحيحه» باب: السُّتْرة بمَكَّة وغيرها (¬3). يعني: أن مكَّة وغيرها سواء. فإن قال قائل: إذا غلبه المَارُّ ومَرَّ فما الحكم؟ فالجواب: الإثم على المَارِّ، أما أنت إذا كنت قد قمت بما أمرك به النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام، ولم تتمكَّن مِن دَفْعِ هذا المَارِّ فإنَّ صلاتك لا تنقص، ولكن هل تبطل بمرور المرأة؟ ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 606 ـ 607). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (6/ 399)؛ وأبو داود، كتاب المناسك، باب في مكة (2016)؛ والنسائي، كتاب القبلة، باب الرخصة في ذلك (2/ 67)؛ وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الركعتين بعد الطواف (2958). (¬3) حديث رقم (501)، كتاب الصلاة. قال ابن حجر رحمه الله ـ فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث ـ: «كان يصلي والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة» وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة. «فتح الباري» (1/ 576).

الظَّاهر: أنها تبطل، وأنه يلزم استئنافها، وفي نفسي مِن هذا شيء، لأن المُصلِّي إذا فَعَلَ ما أُمِرَ به، وجاء الأمرُ بغير اختياره ولم يحصُل ذلك عن تفريط منه أو تهاون، فكيف نبطِلُ عبادته بفعل غيره؟ لأن الآثم هنا هو المَارُّ. أما إذا كان هذا بتهاون منه، وعدم مبالاة كما يفعل بعضُ الناس، فهذا لا شَكَّ أن صلاته تبطل. قوله: «وعَدُّ الآي» أي: وله عَدُّ الآي، أي: المُصلِّي. والآي: جَمْعُ آية، وعَدُّ الآيات قد يكون له حاجة، وقد لا يكون له حاجة، فمن الحاجة لعدِّ الآي إذا كان الإنسان لا يعرف الفاتحة؛ وأراد أن يقرأ بعدد آياتها مِن القرآن، فهو حينئذٍ يحتاج إلى العَدِّ، وإلاَّ فالغالب أنه لا يحتاج إلى عَدِّ الآي، لكن إذا احتاج فله ذلك، ولكن لا يعدُّها باللفظ؛ لأنه لو عَدَّها باللفظ لكان كلاماً، والكلام مبطلٌ للصَّلاة، لكن يعدُّها بأصابعه، أو يعدُّها بقلبه، ولا تبطل الصَّلاةُ بعمل القلب، ولا تبطل بعمل الجوارح؛ إلا إذا كَثُر وتوالى لغير ضرورة. وله عَدُّ التسبيح، وهذا قد يحتاج إليه الإنسان، خصوصاً الإمام؛ لأن الإمام حَدَّدَ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ التسبيحَ له بعشر تسبيحات، قالوا: أكثر التسبيح للإمام عشر، وأدنى الكمال ثلاث (¬1). وله عَدُّ الركعات، وهذه قد تكون أحوج مما سَبَقَ، لأن ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 482).

كثيراً من الناس ينسى ويعدُّها بالأصابع، فهنا مشكل؛ لأنه إذا رَكَعَ لا بُدَّ أن يفرِّجَ أصابعه، وإذا سَجَدَ لا بُدَّ أن تكون أصابعه مبسوطة، وعلى هذا فيعدُّها بأحجار أو نَوى، فيجعل في جيبه أربع نَوى فإذا صَلَّى الرَّكعة الأُولى رَمى بواحدة، وهكذا حتى تنتهي، فهذا لا بأس به؛ لأن في هذا حاجة، وخاصة لكثير النسيان. قوله: «والفتح على إمامه»، أي: وللمصلِّي الفتحُ على إمامه، أي: تنبيهه إذا أخطأ. وقوله: «على إمامه» يعني: لا على غيره فلا تفتح على إنسان يقرأ حولك إذا أخطأ، ووجه ذلك: 1 ـ أنه لا ارتباط بينك وبينه؛ بخلاف الإمام. 2 ـ أنه يوجب انشغال الإنسان بالاستماع إلى غير مَنْ يُسَنُّ الاستماع إليه، فيوجب أن تتابعه، وأنت غير مأمور بهذا. والاقتصار على الإباحة؛ التي هي ظاهر كلام المؤلِّف؛ فيه نظر، وذلك أن الفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين: 1 ـ فتح واجب. 2 ـ فتح مستحب. فأما الفتحُ الواجب، فهو الفتح عليه فيما يُبطل الصَّلاة تعمُّده، فلو زاد ركعةً كان الفتح عليه واجباً، لأن تعمُّد زيادة الرَّكعة مبطلٌ للصَّلاة، ولو لَحَنَ لَحْناً يُحيل المعنى في الفاتحة لوجب الفتحُ عليه؛ لأن اللَّحْنَ المحيل للمعنى في الفاتحة مبطلٌ للصَّلاةِ، مثل لو قال الإمام: (أهدنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم * صِرَاطَ

اللَّذِيْنَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ) فيجب الفتح فيقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *} {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولو قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لوجب الفتح عليه؛ لأنه أسقط آية، وإذا أسقط آية من الفاتحة بطلت صلاتُه، فصار الفتح على الإمام فيما يبطل الصلاة تعمُّده واجباً. وأما الفتح المستحبُّ فهو فيما يفوت كمالاً، فلو نسيَ الإمامُ أن يقرأ سورة مع الفاتحة، فالتنبيه هنا سُنَّة. وكذلك لو أسرَّ فيما يجهر فيه أو جهر فيما يُسر فيه. ودليل هذا الحكم: قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني» (¬1) فأمر بتذكيره. وصَلَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم صلاةً؛ فقرأ فيها؛ فَلُبِسَ عليه، فلما انصرفَ، قال لأُبيٍّ: «أَصلَّيتَ معنا؟» قال: نعم، قال: «فما منعكَ؟» (¬2). أي: ما منعك أن تفتحَ عَليَّ، وهذا يدلُّ على أن الفتح على الإِمام أمرٌ مطلوب. قوله: «ولبس الثَّوبِ» أي: أن المصلِّي له لُبْسُ الثوب، وكلام المؤلِّف هنا يحتاج إلى تفصيل: فإن كان يترتَّب على لُبْسِهِ صحَّة الصَّلاة فلُبْسُهُ حينئذٍ واجب، مثل أن يكون عُرياناً ليس معه ثياب؛ لأن العُريان يصلِّي على ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة (401)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (572) (89). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الفتح على الإمام (907) (ب). قال النووي: «رواه أبو داود بإسناد صحيح». «المجموع» (4/ 241).

حسب حاله، وفي أثناء الصلاة جِيء إليه بثوب، فَلُبْسُ الثوب هنا واجب. ولا نقول: أبطلْ صلاتك، والبسْ الثوبَ؛ لأن ما سَبَقَ من الصَّلاةِ مأذون فيه شرعاً لا يمكن إبطاله، بل يبني عليه، ولهذا لما أخبرَ جبريلُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بأن في نعليه قَذَراً خلعهما واستمرَّ (¬1)، وكذلك هنا نقول: لُبْسُ هذا الثوب واجب؛ لأنه لا يتمُّ الواجب إلاَّ به وهو ستر العورة. أما إذا كان لا يتوقَّفُ على لُبْسِهِ صحَّة الصلاة، فالمؤلِّف يقول: «له ذلك»، ولكن هل يفعل هذا؟ أو نقول: لا تفعله إلاَّ لحاجة؟ الجواب: نقول: لا تفعله إلاَّ لحاجة، ومِن الحاجة أن يَبْرُدَ الإنسانُ في صلاتِه بعد أن شرع فيها، والثوب حوله؛ فله أن يأخذه ويلبسه؛ لأن هذه حاجة، بل قد يكون مشروعاً له أن يَلْبَسَهُ إذا كان لُبْسُ الثوب يؤدِّي إلى الاطمئنان في صلاته والراحة فيها. قوله: «ولَفُّ العِمَامة» أي: له لَفُّ العِمَامة لو انحلَّت ولا حَرَجَ عليه، ولكن هل هذا على سبيل الإباحة؟ الجواب: إنْ كان انحلالها يشغله فلفُّها حينئذٍ مشروع، لأن في ذلك إزالة لما يشغله، وإنْ كان لا يشغله فالأمر مباح وليس بمشروع. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 20)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعال (650)؛ والحاكم (1/ 260) وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي.

ودليل ذلك: حديث وائل بن حُجْر «أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى فَرَفَعَ يديه عند تكبيرة الإِحرام، ثم التحفَ بثوبه، ثم وَضَعَ يده اليُمنى على اليُسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رَفَعَهما، ثم كبَّر فركع» (¬1) وهذا الحديث في «صحيح مسلم»، وفيه دليل على أنه لا بأس للمصلِّي إذا كان عليه مشلح مثلاً وأراد أن يكفَّ بعضه على بعض، ولا يدخل هذا في قوله: «لا أكفُّ شعراً ولا ثوباً» (¬2) لأن كلَّ شيء بحسبه، ومن هنا يتبيَّن أن كَفَّ الغُترة في حال الصَّلاةِ إلى الخلف لا بأس به، لأنه من اللبس المعتاد، فما كففتها كفًّا أخرجها عن ما يعتاده الناس فيها، وكذلك لو لفَّها على رقبته فإنه لا بأس به أيضاً؛ ولو كَفّ أحد طرفي غترته حول رقبته، وسدلَ الأخرى، فإنه لا بأس به أيضاً؛ لأن كلَّ هذه من الألبسة المعتادة، فلا تُعَدُّ كفاً خارجاً عن العادة، ولهذا التحفَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بردائه كما سبق، والالتحاف كفُّ بعضه على بعض. قوله: «وقتل حية وعقرب» أي: له قَتْلُ حَيَّة، واللام هنا للإباحة، ولكن الإباحة هنا لبيان رَفْعِ الحرج، فلا ينافي أن يكون ذلك مستحبًّا ومشروعاً، فللمصلِّي أن يقتل الحيَّةَ، بل يُسَنُّ له ذلك؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ به فقال: «اقتلوا الأسْودَين في الصَّلاةِ: الحيَّةَ والعقربَ» (¬3). ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى (401) (54). (¬2) تقدم تخريجه ص (109). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (2/ 233)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة (921)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة (390)؛ والنسائي، كتاب السهو، باب قتل الحيَّة والعقرب في الصلاة (3/ 10)؛ وابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الحية والعقرب (1245)؛ وصححه ابن خزيمة (869)؛ والحاكم (1/ 256) ووافقه الذهبي.

وفي «صحيح مسلم» أن رجلاً سأل ابنَ عمر: ما يقتل الرجُلُ من الدَّوابِّ وهو مُحرم؟ قال: حدثتني إحدى نسوة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يأمر بقتل الكلبِ العقورِ، والفأرةِ، والعقربِ، والحُديَّا، والغُرابِ، والحيَّةِ، قال: وفي الصلاة أيضاً (¬1). وعلى هذا؛ فيُسنُّ أن يقتل الحيَّةَ، فإن هاجمته وَجَبَ أن يقتلها دفاعاً عن نفسه، وله أيضاً قَتْل العقرب وهي أكثر لسعاً مِن لَدْغِ الحيَّة. فالحيَّة أحياناً لا تلدغ، فأحياناً تمرُّ على قدم الإنسان ولا تلدغه. لكن العقرب إذا أحسَّت بالجلد البشري لسعته. قوله: «وقمل» أي: وله قتل قَمْلٍ في الصلاة. القملة: حشرة صغيرة تتولَّد داخل الثياب والشعر وتقرص الجلد وتمتصُّ الدَّم، وتشغل الإنسان، فله أن يقتلها، فإن أشغلته كان قتلها مستحبًّا، لكن إذا قتلها وتلوَّثت يدُه بالدَّم فهل يكون نجساً؟ الجواب: ليس بنجس؛ لأنه مما لا نَفْسَ له سائلة، كالدَّم الذي يكون في الذُّباب فلا يضرُّ، ولا ينجس. مسألة: إذا قال قائل: هل له أن يتحكَّك إذا أصابته حِكَّة؟ فالجواب: له ذلك؛ لأنه إذا لم يفعل انشغل انشغالاً عظيماً، فله أن يَحُكَّ، وإذا انتقلت الحِكَّة مِن الأذن إلى الأخرى إلى الرقبة، فهل له أن يتنقَّل معها؟ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (1200) (75).

فإن أطال الفعل عرفا من غير ضرورة، ولا تفريق بطلت ولو سهوا

الجواب: له ذلك، وإن أمكن الصبر على هذه الحِكَّة فليصبرْ، لكن لو انشغل قلبُه بذلك فليحكَّها، لإزالة ما يمنعه مِن الخشوع ومن المعلوم أن الحكّة إذا حكّها الإنسان بردت وسكنت عليه. فَإِنْ أَطَالَ الفِعْلَ عُرْفاً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلاَ تَفْرِيقٍ بَطُلَتْ وَلَوْ سَهْوا ........ قوله: «فإن أطال الفعل عرفاً» «عُرفاً»: منصوبة بنزع الخافض، أي: إطالة في العرف. والعرف: بمعنى العادة، وهو ما اعتاده النَّاسُ وألفوه. قوله: «من غير ضرورة»: أي: من غير أن يكون مضطراً إلى الإطالة، مثل أن يهاجمه سَبُعٌ فإن لم يعالجه ويدافعه أكله، أو حيَّة إن لم يدافعها لدغته، أو عقرب كذلك، فهذا الفعل ضرورة فلا تبطل به الصلاة. قوله: «ولا تفريق»: يعني: ليس مفرَّقاً؛ بأن يكون متوالياً في ركعة واحدة مثلاً، بخلاف ما لو تحرَّك حركة في الأُولى، وحركة في الثانية، وحركة في الثالثة، وحركة في الرابعة، فمجموعها كثير، وكلُّ واحدة على انفرادها قليل، فهنا لا تبطل الصَّلاة، لكن إذا كان متوالياً وكَثُرَ فإنه يبطل الصلاة. فشروط بُطلان الصلاة بالحركة ثلاثة: 1 ـ أن تكون طويلة عُرفاً. 2 ـ ألا تكون لضرورة. 3 ـ أن تكون متوالية، أي: بغير تفريق. فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في الفعل صار مبطلاً للصَّلاة، لأنه حركة في غير جِنْسِ الصَّلاة، وهي منافية لها كالكلام، لأن الذي ينافي الصَّلاة يبطلها.

وعُلم من كلام المؤلِّف: أنه لو كانت الحركة قصيرة، فإن الصَّلاةَ لا تبطل، ولكن ما الميزان لقصر الحركة، أو طولها؟ الجواب: أفاد المؤلِّف: أن الميزان العُرف. والحقيقة: أن العُرف فيه شيء من الغموض، ولا يكاد ينضبط؛ لأن الأعراف تختلف باختلاف البُلدان، وباختلاف الأفهام، وقد يرى بعضُ الناس هذا كثيراً، وقد يراه آخرون قليلاً، ولكن أقربُ شيء أن يقال: إننا إذا رأينا هذا الشخص يتحرَّك ويغلب على ظَنِّنا أنه ليس في صلاة لكثرة حركته، فينبغي أن يكون هذا هو الميزان، أن تكون الحركة بحيث مَن رأى فاعلها ظَنَّ أنه ليس في صلاة؛ لأن هذا هو الذي يُنافي الصلاة. أما الشيء الذي لا ينافيها، وإنما هو حركة يسيرة، فلا تبطل الصلاة به. وقَدَّرَ بعض العلماء الحركة الكثيرة بثلاث حركات (¬1)، ولكن هذا التقدير ليس بصحيح؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم فَتَحَ البابَ لعائشة، وكان البابُ في القِبْلة، فتقدَّم ورَجَعَ (¬2). وفي صلاة الكسوف تقدَّم ورَجَعَ وتأخَّر (¬3)، وحين صُنع له المِنبرُ؛ صار يصلِّي عليه، فيصعد عند القيام والرُّكوع، وينزل للأرض عند السجود (¬4). ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 615). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (6/ 234)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة (922)؛ والنسائي، كتاب السهو، باب المشي أمام القبلة خطى يسيرة (3/ 11)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع (601) وقال: «هذا حديث حسن غريب». (¬3) تقدم تخريجه ص (39). (¬4) تقدم تخريجه ص (25).

وعن أبي قتادة، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي وهو حامل أُمَامَة بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فإذا قام حملها، وإذا سَجَدَ وضعها (¬1). وكلُّ هذه أفعال أكثر من ثلاث حركات. وقوله: «من غير ضرورة» عُلم أنه إذا كَثُرت الأفعال للضَّرورة لم تبطل الصلاة، ولا بأس به. ودليل ذلك: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *} {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 238 ـ 239] رجالاً: أي: راجلين، يعني: صَلُّوا وأنتم تمشون. أو رُكباناً: أي: على الرَّواحل. ومعلوم أن الماشي يتحرَّك كثيراً، فلو فُرض أنه لما شَرَع في صلاته أحسَّ بأن سَبْعاً وراءه يريده، وليس معه ما يُدافع به فهرب وهو يُصلِّي فصلاتُه صحيحة؛ لأنه في ضرورة، ولا حرج عليه إذا انصرف إلى غير القبلة. وقوله: «ولا تفريق» أي: أنه يُشترط في الفعل الكثير أن يكون متوالياً عُرفاً، فإن فرَّق لم تبطل الصَّلاة، فلو تحرَّك ثلاث مرَّات في الركعة الأولى، وثلاثاً في الثانية، وثلاثاً في الثالثة، وثلاثاً في الرابعة، لو جمعت لكانت كثيرة، ولما تفرَّقت كانت يسيرة باعتبار كلِّ رَكعة وحدها، فهذا لا يبطل الصلاة أيضاً. قوله: «ولو سهواً» أي: أن الصلاة تبطل بهذا الفعل، ولو ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة (543) (41).

كان الفعل سهواً، فلو فرضنا أن شخصاً نسيَ أنه في صلاة؛ فصار يتحرَّك: يكتب، ويعدُّ الدراهم، ويتسوَّك، ويفعل أفعالاً كثيرة. فإن الصَّلاةَ تبطل؛ لأن هذه الأفعال مغيِّرة لهيئة الصلاة، فاستوى فيها حال الذِّكْر وحال السهو. و «لو» هنا إشارة خلاف؛ لأن بعضَ أهل العلم (¬1) يقول: إذا وَقَعَ هذا الفعل مِن الإنسان سهواً فإن صلاته لا تبطل، بناءً على القاعدة العامة المعروفة وهي: «أنَّ فِعْلَ المحظور على وجه السَّهو لا يلحق فيه إثم ولا إفساد»، لكن الذين قالوا: إنه يؤثِّر؛ قالوا: إن هذا يُغيِّر هيئة الصلاة، ويخرجها عن كونها صلاة، وليس مجرد فِعْلٍ لا يؤثِّرُ، وهذا مما أستخيرُ الله فيه؛ أيهما أرجح. والحركة التي ليست مِن جِنْسِ الصَّلاة تنقسم إلى خمسة أقسام: 1 ـ واجبة. 2 ـ مندوبة. 3 ـ مباحة. 4 ـ مكروهة. 5 ـ محرَّمة. والذي يبطل الصلاة منها هو المُحرَّم. فالحركة الواجبة: هي التي يتوقَّف عليها صحَّةُ الصَّلاة، هذا هو الضَّابطُ لها، وصورها كثيرة منها: لو أن رَجُلاً ابتدأ الصَّلاةَ ¬

_ (¬1) «المجموع» (4/ 26)، و «الإنصاف» (3/ 613).

إلى غير القِبْلة بعد أن اجتهد، ثم جاءه شخصٌ وقال له: القِبْلة على يمينك، فهنا الحركة واجبة، فيجب أن يتحرَّك إلى جهة اليمين، ولهذا لمَّا جاء رَجُلٌ إلى أهل قُباء وهم يصلُّون إلى بيت المقدس، وأخبرهم بأن القِبْلة حُوِّلت إلى الكعبة، تَحوَّلوا في نفس الصلاة وبَنَوا على صلاتهم (¬1). ولو ذَكَرَ أن في غُترته نجاسة وهو يُصلِّي وَجَبَ عليه خَلْعُها؛ لإزالة النجاسة، ويمضي في صلاته. وإنْ كانت في ثوبه، وأمكن نزعه بدون كشف العورة؛ نَزَعَهُ ومضى في صلاته، وإن كان لا يمكنه نَزْعه إلا بكشف العورة؛ قَطَعَ صلاته، وغسل ثوبه، أو أبدله بغيره، ثم استأنف الصلاة. ولو ذَكَرَ أنَّه على غير وُضوء؛ فالصَّلاة لم تنعقد؛ فيجب أن يذهب ويتوضأ، ويستأنفها مِن جديد. ولو صَلَّى إلى يسار الإمام ـ وهو واحد ـ فانتقاله إلى اليمين واجب على قول مَن يرى أن الصلاة لا تصحُّ عن يسار الإمام (¬2) مع خلوِ يمينه، والمسألة خلافية، وستأتي إن شاء الله (¬3). والحركة المندوبة «المستحبَّة»: هي التي يتوقَّف عليها كمال الصلاة. ولها صور عديدة منها: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة (403)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة (526) (13). (¬2) «الإنصاف» (4/ 421). (¬3) في باب صلاة الجماعة في المجلد الرابع.

ويباح قراءة أواخر السور، وأوساطها

لو أنه لم يستر أحد عاتقيه؛ فهنا الحركة لستر أحد العاتقين مستحبَّة، لأن الصحيح أنه ليس بواجب. ولو تبيَّن له أنه متقدم على جيرانه في الصفِّ فتأخُّره سُنَّة. ولو تقلَّص الصفُّ حتى صار بينه وبين جاره فرجة، فالحركة هنا سُنَّة. ولو صَفَّ إلى جنبيه رجلان، فتقدُّم الإمام هنا سُنَّة. والحركة المباحة: هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة. مثال الحركة اليسيرة: رَجُلٌ يُصلِّي في الظِّلِّ فأحسَّ ببرودة فتقدَّم، أو تأخَّر، أو تيامن، أو تياسر مِن أجل الشمس، فهذه مباحة، وقد نقول: إنها سُنَّة، فإن قال: إنِّي إذا كنت في الشمس تَمَّ خشوعي، وإذا كنت في الظلال تعبت مِن البرد؛ فهنا الحركة سُنَّة، لكن إذا كان لمجرد الدفء فقط فهي من المباحة. والحركة المكروهة: هي اليسيرة لغير حاجة، ولا يتوقَّف عليها كمال الصَّلاة، كما يوجد في كثير من الناس الآن؛ كالنظر إلى الساعة، وأخذِ القلم، وزَرِّ الأزرار، ومسحِ المرآة (¬1)، وغير ذلك. والحركة المحرَّمة: هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة. وَيُبَاحُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ، وَأَوْسَاطِهَا. قوله: «ويباح قراءة أواخر السُّور، وأوساطها» أي: أنه ليس بممنوع، وقد يكون سُنَّة، أما في النَّفْلِ فقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه ¬

_ (¬1) أي: للعينين.

كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} ... } [البقرة: 136]، وفي الثانية: { ... {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] (¬1). يقرأ بهما أحياناً، ويقرأ أحياناً بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *} ... } في الأُولى و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ... } في الثانية (¬2). أمَّا في الفريضة، فلم يُنقل عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ مِن أوساط السُّور، لكن قرأ من أوائلها، وأواخرها، كما فَرَّقَ سورة «الأعراف» في ركعتين (¬3). وكما فَرَّقَ سورة «المؤمنون» في ركعتين لمَّا أصابته سَعْلة (¬4). وأمَّا أن يقرأ مِن وَسَطِ السُّورة فهذا لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الفَرْضِ، ولهذا كرهه بعضُ أهل العلم بالنسبة للفرائض (¬5)، ولكن الصحيح: أنه مباح. وعلى هذا فنقول: يجوز أن يقرأ أواخر السُّور، وأواسطها، وأوائلها في الفرض والنَّفْلِ. والدليل على ذلك: أولاً: عموم قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (73). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنّة الفجر ... وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما (726) (98). (¬3) تقدم تخريجه ص (76). (¬4) تقدم تخريجه ص (74). (¬5) «الشرح الكبير» (3/ 620).

وإذا نابه شيء سبح رجل، وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى

وقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» (¬1). ثانياً: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ في النَّفْلِ من أواسط السُّور (¬2)، وما ثَبَتَ في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفرض؛ إلا بدليل. ولكن القول بالإباحة لا يساوي أن يقرأ الإنسان سورة كاملة في كلِّ ركعة؛ لأن هذا هو الأصل. ولهذا قال الرَّسولُ عليه الصَّلاة والسَّلام لمعاذ: «فلولا صليت بهم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *}، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *}، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *}» (¬3) مما يدل على أن الأكمل والأفضل أن يقرأ بسورة كاملة، والأفضل شيء والمباح شيء آخر. وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ سَبَّحَ رَجُلٌ، وَصَفَّقَتْ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى. قوله: «وإذا نابه»: الضمير يعود على المُصلِّي لقرينة السياق. ومعنى «نابه»: أي: عرض له. قوله: «شيء»: نكرة في سياق الشرط فتعمُّ أيَّ شيء يكون، سواء كان هذا الشيء مما يتعلَّق بالصلاة، أم مما يتعلَّق بأمرٍ خارج، كما لو استأذن عليه أحدٌ، أو ما أشبه ذلك. فالذي يتعلَّق بالصلاة مثل: لو أخطأ إمامه فقام إلى خامسة في الرباعية، أو رابعة في الثلاثية، أو ثالثة في الثنائية فهنا نابه شيء متعلِّق بالصلاة. ومثال المتعلِّق بغير الصلاة: لو استأذن عليه شخص، بأن ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها (755)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (397) (45). (¬2) تقدم تخريجه ص (73). (¬3) تقدم تخريجه ص (76).

قرع عليه الباب وهو يصلي، فإنه يسبح الرجل وتصفق المرأة

قَرَعَ عليه الباب وهو يُصلِّي، فإنه يُسبِّحُ الرَّجُلُ وتُصفِّقُ المرأةُ. قوله: «سبّح رجل» أي: قال: «سبحان الله»، فإنْ انتبه المُنبَّه بمرَّة واحدة، لم يعده مرَّة أخرى، لأنه ذِكْر مشروع لسبب فيزول بزوال السبب، وإنْ لم ينتبه بأول مرَّة كرَّره؛ فيسبِّحُ ثانية وثالثة حتى ينتبه المُنبَّه. قوله: «رجل» المراد به هنا الذَّكر، ولا يُشترط البلوغ حتى وإن كان مراهقاً فإنه يُسبِّح. قوله: «وصَفَّقت امرأة» أي: بيديها، والتفريق في الحكم بين الرجال والنساء ظاهر، لأن المرأة لا ينبغي لها أن تظهر صوتها عند الرجال؛ لا سيَّما وهم في صلاة، فلو سَبَّحت المرأة فربما يقع في قلب الإنسان فتنة؛ لا سيَّما إذا كان صوت المرأة جميلاً، وقد أخبر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنَّ الشيطان يجري مِن ابن آدم مجرى الدَّم» (¬1)، وأنه: «ما تَرَكَ بعدَه فتنة أضرَّ على الرِّجَال من النساء» (¬2). وقوله: «وصَفَّقت امرأة». ظاهر كلامه العموم، سواء كانت امرأة مع نساء لا رِجَال معهن، أم مع رِجَال فإنها لا تُسبِّح وإنما تُصفّق. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (3281)؛ ومسلم، كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رُئي خالياً بامرأة وكانت زوجته أو محرماً له أن يقول: هذه فلانة (2175) (23). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة (5096)؛ ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ... وبيان الفتنة بالنساء (2740) (94).

وقال بعض العلماء: إذا لم يكن معها رِجَال فإنَّها تُسبِّح كالرِّجَال؛ وذلك لأن التسبيح ذِكْرٌ مشروع جنسه في الصَّلاة، بخلاف التصفيق؛ فإنه فِعْلٌ غير مشروع جنسه في الصلاة، ولجأت إليه المرأة فيما إذا كانت مع رِجَال؛ لأن ذلك أصون لها وأبعد عن الفتنة. ودليل هذه المسألة قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من رَابَهُ شيءٌ في صلاته فَلْيُسبِّحْ، فإنه إذا سَبَّحَ التُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء» (¬1) وفي لفظ مسلم: «إنما التصفيح للنساء» (¬2). وإذا نظرنا إلى عموم الحديث قلنا: إن ظاهره لا فَرْقَ بين أن يكون مع المرأة رجال أو لا. وإذا تأملنا قلنا: بل ظاهر الحديث أنّ هذا فيما إذا كانت المرأة مع الرِّجَال؛ لأنه قال: «فَلْيُسَبِّحِ الرِّجال وليُصَفِّحِ النساء» (¬3)، فالمسألة مسألة اجتماع رِجَال ونساء، فوظيفة الرِّجَال التسبيح، ووظيفة النساء التصفيق، والمسألة محتملة، فمَن نَظَرَ إلى ظاهر العموم قال: تُصفِّق، ومن نَظَرَ إلى ظاهر السياق قال: هذا فيما إذا كان معها رِجَال؛ ولا سيَّما إذا أُخذ بالتعليل الذي ذكرنا أن التسبيح ذِكْر مشروع جِنْسه في الصَّلاةِ بخلاف التَّصفيق. فإن قيل: لماذا خُصَّ التنبيه بالتسبيح دون غيره من الذِّكْرِ؟ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول (684). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ... (421) (102). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب الإمام يأتي قوماً فيصلي بينهم (7190)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذ نابهما شيء في الصلاة (422) (106).

فالجواب: أن التسبيح يكون فيما إذا حَدَثَ للإمام نقصٌ صادرٌ عن نسيان أو خطأ، فناسب أن يكون التنبيه بالتسبيح؛ الذي هو تنزيه الله عن كلِّ نقص. قوله: «ببطن كفِّها على ظهر الأخرى» أي: تضرب بطن كفِّها على ظهر الأخرى. وقال بعض العلماء: بظهر كفِّها على بطن الأُخرى. وقال بعض العلماء (¬1): ببطن كفِّها على بطن الأُخرى، كما هو المعروف عند النساء الآن. وعلى كُلٍّ؛ فالأمر واسع، سواء كان التَّصفيقُ بالظَّهر على البطن، أم بالبطن على الظَّهر، أم بالبطن على البطن. المهمُّ ألا تسبِّحَ بحضرة الرِّجَال ... مسألة: لو فُرض أن المأموم سَبَّح، ولكن الإمام لم ينتبه، وسَبَّح ثانية، ولم ينتبه، وربما سَبَّح به فقام؛ وسَبَّح به فجلس؛ فماذا يصنع؟ الجواب: قال بعض العلماء: يخبره بالخَلَلِ الذي في صلاته بالنُّطْقِ، فيقول: اركعْ ... اجلسْ ... قُمْ ... ، ثم اختلف القائلون بأنه يقول هذا، هل تبطل الصَّلاةُ بذلك أم لا (¬2)؟ فقال بعضهم: لا تبطل؛ لأن هذا كلام لمصلحة الصَّلاة، وليس كلام آدميين، يعني لم يقصد به التَّخاطب مع الآدميين، بل قَصَدَ به إصلاح الصَّلاة. ¬

_ (¬1) «المجموع» (4/ 13). (¬2) «المجموع» (4/ 17).

واستدلُّوا لذلك: بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا قال له ذو اليدين: «بلى قد نسيتَ ... قال: أكما يقول ذو اليدين؟» (¬1) وهذا كلامٌ يُخاطب به الآدميين؛ لكنه كلام لمصلحة الصَّلاة. القول الثاني: أن الصَّلاةَ تبطل إذا تكلَّم؛ لعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ مِن كلامِ النَّاسِ» (¬2)، ولأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمرنا بالتَّسبيحِ (¬3) ولو كان الخطابُ لمصلحة الصَّلاةِ لا يضرُّ لكان يأمر به؛ لأنه أقربُ إلى الفهم وحصول المقصود من التسبيح، فلما عَدَلَ عنه عُلِمَ أن ذلك ليس بجائز؛ لأن المصلحةَ تقتضيه لولا أنه ممتنع، ولا شَكَّ أن هذا الدليل قويٌّ، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ إذا نبَّه بالكلام، ولكن نحتاج إلى الجواب عما استدلَّ به القائلون بأن الصَّلاةَ لا تبطل؛ لأن الكلام لمصلحة الصَّلاةِ. والجواب عن ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حين تكلَّم لم يكن يعلم أنه في صلاة، بل كان يظنُّ أنَّ الصَّلاةَ تمَّت، ولهذا قال: «لم أنسَ ولم تُقصرْ» ولما قالوا: صدق ذو اليدين، أو قالوا: نعم، لم يتكلَّم بعدُ، بل تقدَّم وصَلَّى ما تَرَكَ. وفَرْقٌ بين شخص يعلَمُ أنه في صلاة، ولكن يتكلَّم لمصلحة الصَّلاةِ، وشخص لم يتيقَّن أنه في صلاة، بل كان ظنُّه أنه ليس في صلاة، وأنَّ صلاتَه تمَّت، وحينئذٍ فلا يتمُّ الاستدلال بهذا الحديث. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (482)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (573) (97). (¬2) تقدم تخريجه ص (85). (¬3) تقدم تخريجه ص (264).

ولكن يبقى النَّظرُ؛ لو قال قائل: إذا لم نقل بأنّه يُنبَّه بالكلام فسيكون ألعوبة، يُقال: سُبحان الله فيجلس، سبحان الله فيقوم، سبحان الله فيجلس، سبحان الله فيقوم، فلا بُدَّ مِن كلام؟ فربَّما يُقال في هذه الحال: إذا دعت الضَّرورة يتكلَّم المُنبِّه، ثم يستأنف الصَّلاة، فنقول: تكلَّم لمصلحة الصلاة، فإنك إذا تكلَّمتَ الآن أصلحت صلاة الجماعة كلَّها وفسدت صلاتُك، واستأنف، فيكون لمصلحة الجميع، ومصلحة الجميع مقدَّمة على مصلحة الفرد، حتى لو بقيتَ مع الإمام سوف تبطل صلاتك، أو يؤدي الأمر إلى أن تفارق إمامك. مسألة: هل يمكن أن يُنبَّه بغير ذلك، أي: بغير التسبيح؟ الجواب: نعم؛ يجوز أن يُنبَّه بالنَّحْنَحَةِ؛ لأنَّ عليَّ بن أبي طالب كان له مدخلان مِن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واحدٌ بالليل والثاني بالنهار، فإذا دخل عليه وهو يُصلِّي تَنَحْنَحَ له (¬1). فإذاً؛ هذا طريق آخر للتنبيه. وأيضاً: يجوز أن يُنبَّه بالجهر بالقراءة، والجهر بالقراءة جائز، فإذا استأذن عليك أحدٌ أو ناداك وأنت تُصلِّي؛ فرفعت صوتك بما تقول فهذا فيه تنبيه، لكن أفضل شيء هو التسبيح؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ به. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 77)؛ والنسائي، كتاب السهو، باب التنحنح في الصلاة (3/ 12)؛ وابن ماجه، كتاب الأدب، باب الاستئذان (3708). قال ابن حجر رحمه الله: «قال البيهقي: هذا مختلف في إسناده ومتنه». «التلخيص» (452).

ويبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه

مسألة: هل للمُصلِّي أن يُنبِّه غير إمامه إذا أخطأ في شيء، كما لو كان الذي بجانبك يكثِرُ الحركة ويشغلك. الجواب: نعم؛ لك أن تُنبِّهَه، لأن هذا مِن إصلاح صلاته وصلاتك، بل حتى لو فُرض أنه لإصلاح صلاة أخيه فلا بأس. والدليل على هذا: سبب الحديث، وهو قوله عليه الصَّلاةُ والسلام: «إذا نابَكم شيء» فإنَّ سببه أنَّ معاويةَ بن الحكم رضي الله عنه جاء والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُصلِّي فصَلَّى، فعطس رَجلٌ مِن القوم فقال: الحمد لله. فقال له معاوية: يرحمك الله، فرمَاهُ النَّاسُ بأبصارهم ـ أي: جعلوا ينظرون إليه منكرين قوله ـ فقال: واثُكلَ أُمَّيَاه .. فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، فسكتَ فلما سَلَّم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم دعاه، وقال له: «إن هذه الصَّلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ مِن كلام النَّاسِ، إنَّما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (¬1). وقال للصَّحابة: «إذا نَابَكم شيءٌ في صلاتكم فليسبِّح الرِّجال ولتُصفق النساء» (¬2). وهذه المسألة تتعلَّق بصلاة غيرهم، ولكنها في الواقع تتعلَّق بصلاتهم من وجه آخر، وهو أنه قد يكون في ذلك تشويش عليهم، فلهذا لم ينههم النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن إنكارهم لِمَا صَنَعَ معاوية. وَيَبْصُقُ فِي الصَّلاَةِ عَنْ يَسَارِهِ، وَفِي المَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ. قوله: «ويبصق في الصلاة عن يساره» يبصق: تجوز بالزاي ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (85). (¬2) تقدم تخريجه ص (264).

«يبزق» وتجوز بالسين «يبسق»؛ لأنه هذه الأحرف الثلاثة تتناوب في كثير من الكلمات، وذلك لتقارب مخارجها. وقوله: «يبصق في الصلاة عن يساره» أي: إذا احتاج المُصلِّي للبصاق، فإنه يبصق عن يساره، ولا يبصق عن يمينه ولا أمام وجهه. أما كونه لا يبصق قِبَلَ وجهِهِ، فلأن الله سبحانه وتعالى قِبَلَ وجهِهِ، ما من إنسان يستقبل بيتَ الله ليُصلِّي إلا استقبله الله بوجهه، في أيِّ مكان؛ لأن الله تعالى بكلِّ شيء محيط، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *} [البقرة]، وليس من الأدب أن تبصُق بين يديك، والله تعالى قِبَلَ وجهك. ولو أنك فعلت هذا أمام عامَّة النَّاس لعُدَّ هذا سوء أدب، فكيف بين ملك الملوك عَزَّ وجلَّ جَبَّار السماوات والأرض؟! ولهذا لما رأى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم رَجُلاً يؤمُّ قوماً، فبصقَ في القِبْلة؛ ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينظر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين فَرَغَ: «لا يُصلِّي لكم»، فأراد بعدَ ذلك أن يصلِّي لهم، فمنعوه؛ وأخبروه بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكرَ ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «نعم، إنك آذيت اللَّهَ ورسولَه» (¬1). أما عن اليمين فقد علَّلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك «بأن عن يمينه ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 56)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد (481)، وانظر: «صحيح أبي داود» للألباني رحمه الله (1/ 195).

مَلَكاً» (¬1) فلا تبصق عن اليمين؛ لأن عن يمينك مَلَكاً، ولا أمام وجهك؛ لأن الله قِبَلَ وجهِكَ (¬2). إذاً؛ بقي اليسار، فتبصق عن اليسار؛ لأمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك (¬3). فإن قال قائل في هذا الحديث إشكالان: الإشكال الأول: كون الله قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي، كيف يكون ذلك، ونحن نؤمن، ونعلم بأن الله تعالى فوق عرشه؟ الجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أنه يجب على الإنسان التَّسليم، وعدم الإتيان بـ «لِمَ» أو «كيف» في صفات الله أبداً، قل: آمنت وصَدَّقت، آمنت بأن الله على عرشه فوق سماواته، وبأنه قِبَلَ وجه المصلِّي، وليس عندي سوى ذلك، هكذا جاءنا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذه الطريق تزيل إشكالات كثيرة، وتَسْلَم بها من تقديرات يقدِّرها الشيطان، أو جنوده في ذهنك. الوجه الثاني: أنَّ النصوص جمعت بينهما، وهذه ربَّما تكون متفرِّعة مِن التي قبلها، والنصوص لا تجمع بين متناقضين؛ لأن الجَمْعَ بين المتناقضين محال، ومدلول النصوص ليس بمحال. الوجه الثالث: أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لا يُقاس بخلقه، فهبْ أنَّ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب دفن النخامة في المسجد (416). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد (406)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد ... (547) (50). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب حكِّ المخاط بالحصى من المسجد (408، 409)؛ ومسلم، الموضع السابق (548) (52).

هذا الأمر ممتنعٌ بالنسبة للمخلوق ـ أي: ممتنع أن يكون المخلوق على المنارة، وأنت في الأرض، وهو قِبَلَ وجهِكَ ـ لكن ليس ممتنعاً بالنسبة للخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء حتى يُقاس بخلقه. الوجه الرابع: أنه لا مُنافاة بين العلوِّ وقِبَلَ الوجه، حتى في المخلوق، ألم ترَ إلى الشمس عند غروبها أو شروقها؟ تكون قِبَلَ وَجْهِ مستقبلها وهي في السماء، فإذا كان هذا غير ممتنع في حَقِّ المخلوق فما بالك في حَقِّ الخالق؟ وأهمُّ هذه الأجوبة عندي، وأعظمها، وأشدُّها قدراً: الجواب الأول؛ أن نقِفَ في باب الصفات موقف المُسَلِّم لا المعترض، فنؤمن بأن الله فوق كُلِّ شيء، وبأنه قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي، ولا نقول: «كيف»، ولا «لِمَ»، وهذا يريح المُسلم من كُلِّ ما يورده الشيطان وجنوده على القلب مِن الإشكالات. يقول لك: هذا كيف يمكن؟ إذاً؛ يلزم أن تقول بالحلول، أن الله في الأرض، ثم يورد عليك هذا الإشكال، فتقول: أنا أؤمن بأنَّ الله فوقَ كلِّ شيء، وأنه قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي كما جاءت به النُّصوص، ولا أتعدى هذا. وأما الإشكال الثاني في الحديث: وهو أن البُصاق عن اليمين: عَلَّله النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بأنَّ على يمينه مَلَكاً» وهذا التَّعليل يُشكل عليه؛ أن على يساره مَلَكاً أيضاً، كما قال تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17] فهذا مَلَكٌ وهذا مَلَكٌ، فما الجواب عن هذا؟ الجواب عن هذا: أن نقول: هناك طريقة ثانية أرشد إليها

الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام. قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «أو يفعل هكذا»: وأخذ طرفَ رِدائه، فبزقَ فيه، وردَّ بعضَه على بعض (¬1) وفي هذه الحال لا يكون بصق عن يمينه، ولا عن شماله، ولا قِبَلَ وجهه. وطريقة ثالثة: وهي أن يبصق تحت قدمِه؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليُسرى» (¬2) لكن هذه الطريقة لا تَتَأتَّى في المسجد؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «البُصاق في المسجد خطيئة» (¬3)، وكذلك البَصْق على اليسار لا يَتَأتَّى في المسجد؛ إلا أن يكون على طَرَفِ المسجد، بحيث إذا بصقَ عن يساره وقع البُصاق خارج المسجد. ولكن إذا أتينا بالصِّفةِ الأُولى، وهي أن يتفل عن يساره، فهذا أمر لا بُدَّ منه؛ لأنه إما أن يتفل عن يساره، أو يمينه، أو قِبَلَ وَجْهِهِ، ولا يمكن مِن ورائه إلا إذا انحرف عن القِبْلة، وهذا شيء لا يمكن. فنقول: إن الْمَلَكَ الذي عن اليمين مرتبته أعلى من المَلَكِ الذي عن اليسار، حتى إنّه جاء في بعض الآثار أنَّ الله أعطاه سُلطة على المَلَكِ الذي عن اليسار، بحيث لا يكتب مَلَكُ اليسار ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه (417). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة (410)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد (548) (52). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في المسجد (415)؛ ومسلم، الموضع السابق (552) (55).

ما عَمِلَهُ العبدُ من السيئات إلا بعد إذن الْمَلَكِ الذي عن يمينه، فيقول الْمَلَكُ: انتظرْ لعله يتوب، فلا تكتب عليه (¬1). فإنْ صَحَّ هذا الأثر فهو واضح، وإنْ لم يصحَّ فلا شكَّ أنَّ مَن كان عن اليمين أعلى مرتبةً ممن كان عن اليسار. وكلُّهم ملائكة كِرام كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ *} [الانفطار]. قوله: «وفي المسجد في ثوبه» أي: تتعيَّن الطريقة الثانية إذا كان الإنسانُ في المسجد، وهي أن يبصقَ في ثوبه، فلا يبصق في المسجد، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «البُصَاق في المسجد خطيئة» لكن هذه الخطيئة إذا فَعَلَها كفارتُها دفنُها، وعلى هذا فنقول: لا تبصق في المسجد عن يسارك، ولكن ابصقْ في ثوبك. ولا يبصق تحت قدمِه في المسجد، وهي الطريقة الثَّالثة؛ لأن البُصاق في المسجد خطيئة؛ لكونه يلوِّث المسجد. وفي الحديث دليل على استعمال المروءة والأدب، حيث وصف النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم البُصاق في الثوب بأن «يحكَّ بعضه ببعض» من أجل إذهاب صورة البُصاق، لأن وجود صورة البُصاق في الثوب تتقزَّز النفس منه، ويؤدي ذلك إلى كراهة الرَّجُل. فأنت لو رأيت شخصاً ـ مثلاً ـ المخاطُ والأذى والقذُر في ثوبه فستكره ذلك الرَّجل لا الثوب، فلهذا ينبغي للإنسان أن يزيل عن ثيابه الأذى والوسخ، ومن ثم كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يأمر عائشة ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في «الشُّعَب» وهو ضعيف.

وتسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرحل

فتتَّزر فيباشرها وهي حائض (¬1). لئلا يرى المحلَّ المتلوِّث بالدَّم، فإذا رآه تقزَّزت نفسه، واشمأزت، وربَّما يؤدِّي ذلك إلى كراهتها، وهذه نقطة ينبغي للإِنسان أن ينتبه لها، ومن ثم قال العلماء: ينبغي للإنسان أن ينظر في المرآة (¬2). ولا أدري هل نحن ننظر في المرآة أم لا؟ ... مِن الناس مَن يُفْرِط في النَّظر إلى المرآة ويبالغ ويغلو، كلَّما أراد أن يخرج نَظَرَ في المرآة، وأسرف في هذا، وهذا ليس بطيب؛ لأنه إسراف. ومِن الناس مَن يُفرِّط فتمضي المدَّة ما نَظَرَ في المرآة أبداً، والاعتدال خير، لا تفرط، ولا سيما إذا وُجِدَ سببٌ تخشى أن يكون شيء قد تلوَّث منك، إما الثوب، أو طرف الوجه، أو ما أشبه ذلك، كما لو أصيب الإنسان برُعاف قد تكون قطرات مِن الدَّم في أعلى ثوبه لا يراها فيحتاج إلى النَّظرِ في المرآة. وَتُسَنُّ صَلاَتُهُ إلَى سُتْرَةٍ قَائِمَةٍ كَمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، ...................... قوله: «وتسن صلاته إلى سُترة» أي: يُسَنُّ أن يُصلِّي إلى سُترة وسيأتي وصفها. وإذا عَبَّرَ الفقهاءُ ـ رحمهم الله ـ بكلمة «تُسَنُّ» فالمعنى: أنَّ مَن فَعَلَها فله أجر، ومَن تَرَكَها فليس عليه إثم. هذا حكم السُّنَّة عند الفقهاء. ودليل هذه السُّنيَّة: أمْرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وفِعْلُه. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (299)؛ ومسلم، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (293) (1). (¬2) «المغني» (1/ 128).

أما أمْرُه فإن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صَلَّى أحدُكم فَلْيَسْتَتِرْ، ولو بسهم» (¬1). وأما فِعْلُه فقد كان النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تُرْكَزُ له العَنَزة في أسفاره فيُصلِّي إليها (¬2). والحكمة مِن السُّترة: أولاً: تَمْنَعُ نقصان صلاة المرء، أو بطلانها إذا مَرَّ أحدٌ مِن ورائها. ثانياً: أنَّها تحجُب نَظَرَ المصلِّي، ولا سيما إذا كانت شاخصة، أي: لها جِرْمٌ فإنها تُعين المصلِّي على حضور قلبه، وحَجْبِ بَصَرِه. ثالثاً: أن فيها امتثالاً لأمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم واتباعاً لهديه، وكلُّ ما كان امتثالاً لأمر الله ورسوله، أو اتباعاً لهدي الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام فإنَّه خير. وقوله: «تُسَنُّ صلاتُه إلى سُتْرَة» ظاهره: أنَّه سواء كان في سَفَرٍ أم في حَضَرٍ، وسواء خشي مارًّا أم لم يخشَ مارًّا، لعموم الأدلة في ذلك. وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يخشَ مارًّا فلا تُسَنُّ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (3/ 404)؛ وابن خزيمة (810) وصححه؛ والحاكم (1/ 252) وقال: «صحيح على شرط مسلم». (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة إلى العنزة (499)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي (503) (249).

السُّتْرة (¬1). ولكن الصحيح أن سُنيَّتها عامة، سواء خشي المارَّ أم لا. وعُلم من كلامه: أنَّها ليست بواجبة، وأنَّ الإنسان لو صَلَّى إلى غير سُترة فإنه لا يأثم، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم (¬2)؛ لأنها من مكمِّلات الصَّلاة، ولا تتوقَّفُ عليها صحَّة الصَّلاة، وليست داخل الصَّلاة ولا مِن ماهيَّتها حتى نقول: إنَّ فقدَها مفسدٌ، ولكنها شيء يُراد به كمال الصَّلاة، فلم تكن واجبة، وهذه هي القرينة التي أخرجت الأمر بها من الوجوب إلى الندب. واستدلَّ الجمهور بما يلي: 1 ـ حديث أبي سعيد الخدري: «إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيءٍ يستُره من النَّاسِ؛ فأراد أحدٌ أن يجتازَ بين يديه؛ فَلْيَدْفَعْهُ» (¬3) فإن قوله: «إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيء يستره» يدلُّ على أن المُصلِّي قد يُصلِّي إلى شيء يستره وقد لا يُصلِّي، لأن مثل هذه الصيغة لا تدلُّ على أن كلَّ الناس يصلون إلى سُتْرة، بل تدلُّ على أن بعضاً يُصلِّي إلى سُتْرة والبعض الآخر لا يُصلِّي إليها. 2 ـ حديث ابن عباس: «أنَّه أتى في مِنَى والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يصلِّي فيها بأصحابه إلى غير جدار» (¬4). ¬

_ (¬1) «المدونة» (1/ 113). (¬2) «المجموع» (3/ 226)، «الشرح الكبير» (3/ 636). (¬3) تقدم تخريجه ص (243). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب ستر الإمام سترة من خلفه (493).

3 ـ حديث ابن عباس «صَلَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في فضاء ليس بين يديه شيء» (¬1) وكلمة «شيء» عامة تشمل كلَّ شيء، وهذا الحديث فيه مقال قريب، لكن يؤيِّده حديث أبي سعيد، وحديث ابن عباس السابقان. 4 ـ أن الأصل براءة الذِّمَّة. القول الثاني: أن السُّتْرة واجبة (¬2)؛ للأمر بها. وأجابوا عن حديث ابن عباس: «يُصلِّي في فضاء إلى غير شيء» بأنه ضعيف (¬3)، وعن حديثه: «يُصلِّي إلى غير جدار» بأن نفي الجدار لا يستلزم نفي غيره، وحديث أبي سعيد يدلُّ على أن الإنسان قد يُصلِّي إلى سُترة وإلى غير سترة، لكن دلَّت الأدلَّة على الأمر بأنه يُصلِّي إلى سُترة. وأدلَّة القائلين بأن السُّتْرة سُنَّة وهم الجمهور (¬4) أقوى، وهو الأرجح، ولو لم يكن فيها إلاَّ أن الأصل براءة الذِّمَّة فلا تُشغل الذِّمَّة بواجب، ولا يحكم بالعقاب إلا بدليل واضح لكفى. وأجاب الجمهور عن قول ابن عباس: «إلى غير جدار» أن ابن عباس أرادَ أن يستدلَّ به على أن الحِمار لا يقطع الصَّلاةُ، فقال: «إلى غير جدار» أي: إلى غير شيء يستره. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 224)؛ والبيهقي (2/ 273)، وانظر: كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ أعلاه عن درجته. (¬2) «الإنصاف» (3/ 636). (¬3) قال الهيثمي: «رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه الحجاج بن أرطاة، وفيه ضعف». «المجمع» (2/ 63). (¬4) «المغني» (3/ 80).

أما المَأموم فلا يُسَنُّ له اتِّخاذ السُّترة؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يصلّون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يتخذ أحدٌ منهم سترة. ولكن هل يجوز المرور بين أيديهم؟ فيه قولان لأهل العلم (¬1): القول الأول: أنه لا يجوز أن يمرَّ بين أيديهم. واستدلُّوا: بعموم الأدلة: «لو يعلم المار بين يدي المصلِّي ماذا عليه؛ لكان أن يقفَ أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه» (¬2) قالوا: وهذا عام. وعللوا: أن الإشغال الذي يكون للإمام والمنفرد بالمرور بين أيديهما حاصل بالمرور بين يدي المأموم، وربَّما يكثر المارة فيشعر المأموم بأنه منفصل عن إمامه، لأن الناس يمرُّون حتى يكونوا كالجدار بين يديه، ولا سيما في المساجد الكبيرة كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، وعلى هذا فلا يجوز لأحد المرور بين يدي المأمومين. القول الثاني: أنه لا بأس بالمرور بين أيدي المأمومين (¬3). واستدلُّوا: بفعل ابن عباس رضي الله عنهما، حينما جاء والنبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام يُصلِّي بالناس بمِنَى، وهو راكبٌ على حِمار أتان ـ أي: أنثى ـ فدخل في الصفِّ وأرسل الأتان ترتع، ¬

_ (¬1) «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 120). (¬2) تقدم تخريجه ص (247). (¬3) «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 120).

فإن لم يجد شاخصا فإلى خط

وقد مرَّت بين يدي بعض الصف، قال: ولم يُنكر ذلك عليَّ أحد (¬1)، لا النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا أحد من الصَّحابة، وهذا الإقرار يخصص عموم حديث: «لو يعلم المار بين يدي المصلِّي ماذا عليه». فالصَّحيح: أن الإنسان لا يأثم، ولكن إذا وَجَدَ مندوحة عن المرور بين يدي المأمومين فهو أفضل، لأن الإِشغال بلا شَكٍّ حاصل، وتوقِّي إشغال المصلِّين أمرٌ مطلوب؛ لأن ذلك مِن كمال صلاتهم، وكما تحب أنت ألاّ يشغلك أحدٌ عن صلاتك فينبغي أن تحبَ ألا تشغلَ أحداً عن صلاته؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» (¬2). قوله: «قائمة» يعني: منصوبة. قوله: «كمُؤْخِرَة الرَّحْلِ» تشبيه لها كما جاء في الحديث عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ (¬3). و «مُؤْخِرَة الرَّحْل»: هي: خشبة توضع فوق الرَّحل إذا رَكِبَ الراكبُ استند عليها، وهي حوالي ثلثي ذراع، أو ثلاثة أرباع ذراع، ورَحْلُ البعير هو: ما يشدُّ على ظهره للركوب عليه. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصاً فَإِلَى خَطٍّ ............... قوله: «فإن لم يجد شاخصاً» أي: شيئاً قائماً يكون له شخص. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (276). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه (13)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه (45) (71). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي (500) (243).

قوله: «فإلى خطٍّ» أي: فيُصلِّي إلى خطٍّ، والخطُّ له أثرٌ بالأرض، لأنَّ الأرض فيما سَبَقَ مفروشة بالرَّمْلِ أو بالحصباء، وإذا خطَّ الإنسانُ صار له أثرٌ بيِّنٌ، لكن أرض المساجد الآن مفروشة بالقماش، فهل نقول: إن الخط الذي هو خطُّ التلوين يجزئ عن الخطِّ الذي له أثرٌ؟ قال بعض أهل العلم: يجزئ كلُّ ما اعتقده سُتْرة (¬1)، وظاهره: حتى الخط الملوَّن، لكن في النفس مِن هذا شيء. فالظاهر: أن هذه الخطوط الملونة لا تكفي، لكن لو فُرض أن فيه خيطاً بارزاً في طرف الحصير، أو في طرف الفراش لصحَّ أن يكون سُتْرة، لأنه بارز. والدليل على ذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: « ... فمَنْ لم يجدْ فَلْيَخطَّ خطًّا» (¬2). وهذا الحديث قال عنه الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام»: «ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن» (¬3) لأن ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ قال: إنه مضطرب، والمضطربُ من أقسام الحديث الضعيف. والحسن حُجَّة؛ لأنه يوجب غلبةَ الظَّنِّ حسب التعريف المعروف، وهو: ما رواه عدل خفيف الضبط بسند متَّصلٍ، وسَلِمَ من الشذوذ والعِلَّة القادحة. وعلى هذا؛ فيكون الحديث حُجَّة، فإذا لم تجد شاخصاً ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 640). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 249)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصاً (689)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يستر المصلي (943). (¬3) «بلوغ المرام» (249).

وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط

فخُطَّ خطًّا. ولكن كيف أخطُّ؟ هل أخطُّ خطًّا مقوَّساً كالهلال أو ممتدًّا كالعصا (¬1)؟ الجواب: يكفي أيُّ خط، ولهذا قال المؤلِّفُ: «فإلى خطٍّ» ولم يقيِّد، وكذلك في الحديث: «فليخطَّ خطًّا» وهذا الخطُّ يكون علامةً على المصلِّي ومفيداً له. وَتَبْطُلُ بِمُرُورِ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ فَقَطْ .............. قوله: «وتبطل» الضَّمير يعود على الصَّلاة، وهو شاملٌ للفريضة والنافلة، والبطلان أحياناً يُطلق على ما لم ينعقد، وأحياناً يطلق على ما انعقدَ ثم فَسَدَ، والثاني هو الأكثر، أي: أنَّ العلماء يطلقون البطلان على ما انعقدَ ثم فَسَدَ، وربَّما يطلقونه على ما لم ينعقد، كما لو قيل: لو تَرَكَ تكبيرةَ الإحرام بطلت صلاتُه، فهذا بطلان ما لم ينعقد، وكما لو قيل: يبطل البيع إذا كان الثمن مجهولاً، هذا بطلان ما لم ينعقد، وقول المؤلِّف هنا: «تبطل بمرور ... » مِن بطلان ما انعقد. وقوله: «بمرور كلب»: أي: عبور الكلب من يمين المصلِّي إلى يساره، أو من يساره إلى يمينه، وأما صعود الكلب بين يدي المصلِّي فلا يبطلها، ولو فرضنا أنَّ كلباً أمامَك فإن صلاتك لا تبطل. وقوله: «بمرور كلب» الكلب: حيوان معروف. قوله: «أسود» أي: دون الأحمر، والأبيض، والأزرق. أو أيّ لون غير الأسود. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 641).

قوله: «بهيم» أي: خالص لا يخالط سواده لون آخر، ومنه ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: «تحشرون يوم القيامة حُفاةً عُراةً غرلاً» (¬1) وزاد في حديث عبد الله بن أُنيس: «بُهماً» (¬2) يعني: ليس معكم شيء، فبَهيم يعني: لم يخالط سواده لون آخر؛ إلا أن بعض أهل العلم قال: إذا كان فوق عينيه نقطتان بيضاوان لم يخرج عن كونه بهيماً (¬3). قوله: «فقط»: أي: لا غير، وهذه الكلمة ـ أعني «فقط» ـ قال النحويون في إعرابها: «الفاء» زائدة لتحسين اللفظ، و «قط» اسم بمعنى حسب، وهي مبنية على السكون، وبُنيت لأنها أشبهت الحرف بالوضع، لأنها على حرفين. قال ابن مالك في أسباب بناء الاسم: كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا. ولماذا فقَّط المسألة؟ فقَّطَها لأمرين: أولاً: ليخرج الكلب الأحمر والأبيض وما أشبه ذلك، وقد سُئل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم كما في حديث أبي ذر ـ: ما بالُ الكلبِ الأسود، من الكلبِ الأحمر، من الكلبِ الأصفر؟ قال: «الكلبُ الأسودُ شيطان» (¬4). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الحشر (6527)؛ ومسلم، كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر (2859) (56). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (3/ 495)، والحاكم (2/ 437) وقال: «صحيح الإسناد». (¬3) «المغني» (3/ 100). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي (510) (265).

والصحيح: أنه شيطان كلاب، لا شيطان جِنٍّ، والشيطان ليس خاصًّا بالجن قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112] فالشيطان كما يكون في الجِنِّ يكون في الإِنس، ويكون في الحيوان، فمعنى شيطان في الحديث، أي: شيطان الكلاب، لأنه أخبثها ولذلك يُقتل على كُلِّ حال، ولا يحلُّ صيده بخلاف غيره. ثانياً: ليخرج المرأة والحمار. وهذا هو المشهور من المذهب؛ أن الصَّلاة لا تبطل إلا بمرور الكلب الأسود البهيم فقط، فلا تبطل بمرور غيره (¬1). والخلاصة: أن بطلان الصَّلاةِ بذلك له أربع شروط: 1 ـ المرور. 2 ـ أن يكون المارُّ كلباً. 3 ـ أن يكون أسود. 4 ـ أن يكون بهيماً. فإن اختلَّ شرطٌ واحدٌ فلا بُطلان. وأما المرأة والحمار؛ فلا تبطل الصَّلاةُ بمرورهما على ما أفاده كلام المؤلِّف، وهو المذهب (¬2). والدَّليل على أنَّ الكلب الأسود يُبطل الصَّلاةَ، حديث أبي ذرٍّ، أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قامَ أحدُكم يُصلِّي، فإنه يَسْتُرُهُ إذا كان بين يديه مثلُ آخِرَةِ ¬

_ (¬1) «منتهى الإرادات» (1/ 232). (¬2) «الإقناع» (1/ 202).

الرَّحْلِ، فإذا لم يكن بين يديه مثلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإنه يقطعُ صلاتَهُ: الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ» (¬1) وفي بعض هذه الأحاديث الإطلاق كحديث عبد الله بن مُغَفَّل (¬2)، وحديث أبي هريرة (¬3). وقوله: «يقطع» أي: يبطل؛ لأن قَطْعَ الشيء فَصْلُ بعضِه عن بعض، تقول: قطعتُ السلك، أي: فصلت بعضَه عن بعض، فإذا مرَّ مَن يقطع الصَّلاة لم يمكن أن يبني آخرها على أوَّلها، فهذا هو الدليل. وهذا الدليل يقتضي أن الذي يقطعُ الصَّلاة ثلاثة، وليس الكلب الأسود البهيم فقط. لكنهم قالوا: إن هذا مخصَّصٌ بأدلة تخرجُ الحِمَار، وتخرجُ المرأةَ. أما الحِمار فخصَّصوه، بحديث ابن عباس حين جاء والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يصلِّي بالناس بمِنى، فمرَّ بين يدي بعض الصَّفِّ وهو راكبٌ على حِمار أتان، وأرسل الحِمارَ ترتع، ولم يُنكر عليه أحدٌ (¬4). قالوا: فهذا ناسخ لحديث عبد الله بن مغفَّل وأبي هريرة، لأنه في آخر حياة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي هذا نَظَرٌ من وجهين: أولاً: أن النسخ هنا غير تامِّ الشُّروط؛ لأنه لم يكن هذا الفِعل في آخر لحظة مِن حياته صلّى الله عليه وسلّم، إذ مِن الجائز أن يكون حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مغفَّل، وأبي ذرٍّ بعد حجَّة الوداع، ومِن شروط النسخ أن نعلم تأخُّر الناسخ. ¬

_ (¬1) انظر: تخريج الحديث ص (282). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (4/ 76) (5/ 57)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسُّنة فيها (951)؛ وابن حبان (2386). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلى (511) (266). (¬4) تقدم تخريجه ص (276).

ثانياً: أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقل: إنه مَرَّ بين يدي الرسول صلّى الله عليه وسلّم، بل بين يدي بعض الصَّفِّ، ونحن نقول بموجب ذلك، أي: أن المأموم لا يقطع صلاتَه شيء؛ لا الكلب ولا غيره؛ لأن سُترة الإِمام سُترة له. وأما المرأة؛ فقالوا: عندنا دليلان على أن المرأة لا تقطع الصَّلاةَ. الدليل الأول: حديث عائشة رضي الله عنها لما قيل لها: إن المرأة تقطعُ الصَّلاةَ ـ فغضبت وقالت: «قد شَبَّهْتُمُونا بالحمير والكلاب! لقد كنت أنام بين يدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم معترضة وهو يُصلِّي بالليل» (¬1). فلو كانت تقطع صلاته ما استمرَّ في صلاته. والجواب: أنَّ هذا الحديث ليس فيه دليل؛ لأن هذا ليس بمرور، والنبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: «فلا يدع أحداً يمر» (¬2)، وفَرْقٌ بين المرور والاضطجاع، ونحن نوافقكم على أن المرأة لو اضطجعت بين يدي المصلِّي لم تقطع صلاته. الدليل الثاني: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي في بيت أُمِّ سَلَمة، فجاء عبدُ الله بن أبي سلمة أو عُمرُ بن أبي سلمة؛ يريد أن يتجاوز بين يدي الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام فَمَنَعَهُ، فجاءت زينبُ بنت أبي سَلَمة وهي طفلة صغيرة، فَمَنَعَها فلم تمتنع وعَبَرَت، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود (519)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي (512) (270). (¬2) تقدم تخريجه ص (243).

فلما سَلَّمَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «هُنَّ أغلب» (¬1) ولم يستأنف الصلاة. ويُجاب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن هذا الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حُجَّة. والثاني: أن البنت صغيرة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «المرأة» (¬2). والمرأة هي الكبيرة البالغة، ونحن نوافقكم على أن الصغيرة لا تقطع الصَّلاةَ. وعلى هذا فيكون القول الرَّاجحُ في هذه المسألة: أن الصَّلاة تبطل بمرور المرأة والحِمار والكلب الأسود، لثبوت ذلك عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولا مقاوم لهذا الحديث يعارضه حتى نقول: إنه منسوخٌ أو مخصَّصٌ، بل تبطل الصَّلاة، ويجب أن يستأنفها، ولا يجوز أن يستمرَّ؛ حتى لو كانت الصلاة نَفْلاً؛ لأنه لو استمرَّ لاستمرَّ في عبادة فاسدة، والاستمرار في العبادات الفاسدة محرَّم، ونوع مِن الاستهزاء بالله عزّ وجل. إذ كيف يتقرَّب إلى الله بما لا يرضاه. ومِن قواعد أهل العلم: «كلُّ عقد فاسد، وكلُّ شرط فاسد، وكلُّ عبادة فاسدة، فإنه يحرم المضيُّ فيها». ولهذا لما شَرَطَ أهلُ بريرة الولاء لهم قام النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فخطب الناس وقال منكراً عليهم: ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (6/ 294)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، وانظر: كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ أعلاه عن درجة الحديث. (¬2) تقدم تخريجه ص (282) حاشية (4).

وله التعوذ عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة، ولو في فرض

«ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله» (¬1). وَلَهُ التَّعَوُّذُ عِنْدَ آيَةِ وَعِيدٍ، وَالسُّؤَالُ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ. قوله: «وله التعوُّذ» أي: للمصلِّي أن يتعوَّذ بالله. والتعوُّذ هو الاعتصام بالله تعالى من كلِّ مكروه. قوله: «عند آية وعيد» أي: إذا مَرَّ بآية وَعيد، فله أن يقول: أعوذ بالله من ذلك، وظاهر كلام المؤلِّف أنه لا فَرْقَ بين الإِمام والمأموم والمنفرد. أما المنفرد والإِمام فمُسَلَّم أن لهما أن يتعوَّذا عند آية الوعيد، ويسألا عند آية الرحمة. وأما المأموم فغير مُسلَّم على الإِطلاق، بل في ذلك تفصيل وهو: إن أدَّى ذلك إلى عدم الإنصات للإِمام فإنه يُنهى عنه، وإن لم يؤدِّ إلى عدم الإِنصات فإن له ذلك. مثال الأول: لو كانت آيةُ الوعيد في أثناء قراءة الإِمام، فإن المأموم إذا تعوَّذ في هذه الحال والإِمام لم يسكت انشغل بتعوُّذه عن الإِنصات للإِمام، وقد نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المأمومَ أن يقرأ والإِمامُ يقرأ؛ إلاَّ بأمِّ القرآن (¬2). ولهذا لو دخلتَ في صلاة جهرية والإِمامُ يقرأ فلا تستفتح، بل كبِّرْ، واستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة، فصار ظاهر كلام المؤلِّف فيه تفصيل بالنسبة للمأموم. وقوله: «عند آية وعيد» أي: كلُّ ما يدلُّ على الوعيد، سواء ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب المكاتب، باب استعانة المكاتب وسؤاله الناس (2563)؛ ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (1504) (6). (¬2) تقدم تخريجه ص (62).

كان بذِكْرِ النَّارِ، أم بذِكْرِ شيء مِن أنواع العذاب فيها، أم بذِكْرِ أحوال المجرمين، وما أشبه ذلك. قوله: «والسؤال عند آية رحمة» أي: وللمصلِّي أن يسأل الرحمة إذا مَرَّ بآية رحمة. مثاله: مرَّ ذكر الجنة يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسألك الجنة، وله أن يسأله من فَضْله، ولو مرَّ ثناء على الأنبياء أو الأولياء أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: أسأل الله من فضله، أو أسأل الله أن يلحقني بهم، أو ما أشبه ذلك. قوله: «ولو في فرض» هذا إشارة خلاف: هل له ذلك في الفرض، أو ليس له ذلك (¬1)؟ والصحيح: ما قاله المؤلِّف أنَّ له ذلك: لأن هذا لا يعدو أن يكون دعاء، والصَّلاةُ لا بأس بالدُّعاء فيها فله أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، ولو كان في الفرض. والدليل: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه صَلَّى مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة فقرأ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالبقرة، والنساء، وآل عمران، لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تعوَّذ (¬2). وهذا فِعْلُ الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأصل أنه أسوة لنا، وأن ما فَعَلَه فلنا أن نتأسَّى به، إلا ما دَلَّ عليه الدليل، فإذا قال قائل: هذا في النَّفْلِ فما دليلكم على جوازه في الفرض؟. فالجواب: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض إلا بدليل، وهنا لا دليل على الفَرْقِ بين الفرض وبين النفل. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 661). (¬2) تقدم تخريجه ص (67).

والراجح في حكم هذه المسألة أن نقول: أما في النفل ـ ولا سيما في صلاة الليل ـ فإنه يُسَنُّ له أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة؛ اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولأن ذلك أحضرُ للقلب وأبلغُ في التدبر، وصلاة الليل يُسَنُّ فيها التطويل، وكثرة القراءة والركوع والسُّجود، وما أشبه ذلك. وأما في صلاة الفرض فليس بسُنَّة وإنْ كان جائزاً. فإن قال قائل: ما دليلك على هذا التفريق، وأنت تقول: إنَّ ما ثبت في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفرض، فليكن سُنَّة في الفرض كما هو في النفل. فالجواب: الدليل على هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي في كلِّ يوم وليلة ثلاث صلوات، كلَّها جهر فيها بالقراءة، ويقرأ آيات فيها وعيد وآيات فيها رحمة، ولم ينقل الصَّحابةُ الذين نقلوا صفة صلاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يفعل ذلك في الفَرْض، ولو كان سُنَّة لفَعَلَهُ ولو فَعَلَهُ لنُقل، فلمَّا لم ينقل علمنا أنه لم يفعله، ولما لم يفعله علمنا أنه ليس بسُنَّة، والصَّحابةُ رضي الله عنهم حريصون على تتبُّع حركات النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وسكناته حتى إنهم كانوا يستدلُّون على قراءته في السرِّية باضطراب لحيته (¬1)، ولمَّا سكت بين التكبير والقراءة سأله أبو هريرة ماذا يقول (¬2)؟ ولو كان يسكت عند آية الوعيد مِن أجل أن يتعوَّذ، أو آية الرحمة من أجل أن يسأل لنقلوا ذلك بلا شَكٍّ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في الظهر (760). (¬2) تقدم تخريجه ص (48).

فإذا قال قائل: إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا تمنعونه في صلاة الفرض كما مَنَعَهُ بعضُ أهل العلم؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (¬1)؟ فالجواب على هذه أن نقول: تَرْكُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم له لا يدلُّ على تحريمه؛ لأنه أعطانا عليه الصَّلاة والسَّلام قاعدة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام الناس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (¬2). والدعاء ليس من كلام الناس، فلا يبطل الصَّلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، لكننا لا نندب الإِنسان أن يفعل ذلك في صلاة الفريضة لما تقدم تقريره. مسألة: لو قرأ القارئ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى *} [القيامة]؟ فهذه ليست آية وعيد ولا آية رحمة فله أن يقول: بلى، أو «سبحانك فبلى»، لأنه وَرَدَ في حديث عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام (¬3)، ونصَّ الإِمام أحمد عليه، قال الإِمام أحمد: إذا قرأ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى *} [القيامة] في الصلاة وغير الصلاة، قال: سبحانك فبلى، في فَرْضٍ ونَفْلٍ. وإذا قرأ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ *} [التين] فيقول: «سبحانك فبلى» (¬4). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (27). (¬2) تقدم تخريجه ص (85). (¬3) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء في الصلاة (884)؛ والبيهقي (2/ 310). (¬4) أخرجه الإمام أحمد (2/ 249)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود (887)؛ والترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب «ومن سورة التين» (3347) وأعله بأن فيه مجهولاً.

فصل في أركان الصلاة

ولو قرأ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ *} [الملك]. فهنا لا يقول: يأتي به الله؛ لأنَّ هذا إنَّما جاء في سياق التهديد والوعيد، فاللهُ أَمَرَ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهؤلاء المكذِّبين: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] والعامَّة نسمعُهم يقولون: يأتي به اللهُ، وهذا لا يصلح. وفيه آيات كثيرة؛ كقوله في سورة النمل: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النحل: 60]؟ فهل يصحُّ أن يقول: لا؟ الجواب: نعم، يصحُّ أن يقول: لا إله مع الله. فصل في أركان الصَّلاة أركانها: ................. قوله: «أركانها» لمَّا انتهى المؤلِّف ـ رحمه الله ـ من صفة الصَّلاةِ على وَجْهٍ كامل، حتى بيَّن ما يُكرهُ فيها، ويُباح، ويَحرم، وما يُسَنُّ لها خارجاً عنها: كالسُّترة، وما أشبهها، ذَكَرَ أركانَها. والأَولى لطالب العِلْم أن يتصوَّر هيئةَ الصَّلاةِ كاملة، حتى يتبيَّن له ما هو الرُّكن، وما هو الواجب، وما هي السُّنَّة. والأركانُ جَمْعُ رُكن، والرُّكنُ في اللُّغة: جانبُ الشيء الأقوى، ولهذا نُسمِّي الزَّاوية رُكناً؛ لأنَّها أقوى جانب في الجدار؛ لكونها معضودة بالجدار الذي إلى جانبها. وأمَّا في الاصطلاح؛ فأركان العبادة: ما تترَّكب منه العبادة،

القيام

أي: ماهيَّة العبادة التي تتركَّب منها، ولا تصحُّ بدونها، لأن العبادات كلَّها تتركَّب مِن أشياء قولية وفِعْلية، ومِن هذه الأشياء المركَّبة ما لا تصحُّ بدونه في كلِّ حال، وهي الأركان، ومنها ما لا تصحُّ بدونه في بعض الأحوال، وهي الواجبات، ومنها ما تصحُّ بدونه في كلِّ حال، وهي المسنونات. فإن قال قائل: ما الدليلُ على هذا التفصيل في الصَّلاةِ مِن كونها مركَّبة مِن أركان وواجبات، وسُنَنٍ. فنحن نقرأ القرآنَ والسُّنَّةَ فلا نَجِدُ هذا؟ فالجواب: أنَّ العلماء ـ رحمهم الله ـ تتبَّعوا النصوصَ واستخلصوا منها هذه الأحكام، ورأوا أنَّ النصوصَ تدلُّ عليها، فصنَّفوها مِن أجلِ تقريب العِلْمِ لطالب العِلْمِ، ولا شَكَّ أن في هذا تقريباً للعِلْمِ، ولو كانت هذه الأحكام منثورة ما فرَّق الطالبُ المبتدئ بين الذي تَصِحُّ به العبادة والذي لا تصحُّ. الْقِيَامُ ............ قوله: «القيام» هذا الرُّكن الأول، والدليل قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ومِن السُّنَّة قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لعمران بن حصين: «صَلِّ قائماً، فإنْ لم تستطعْ فقاعداً، فإنْ لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ» (¬1). وبدأ المؤلِّفُ بالقيام؛ لأنه سابق على جميع الأركان، قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فأسبغِ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم يُطق قاعداً صلَّى على جنب (1117).

الوضوءَ، ثم استقبلِ القِبْلَةَ فكبّر» (¬1). والقائمُ إلى الصَّلاةِ سيقوم في الصَّلاةِ، ولأنَّ الترتيبَ الطبيعيَّ في الصَّلاةِ هو هذا؛ أن تبدأ فتقوم، ثم تكبِّر، ولو كبَّرت للإِحرام وأنت غير قائم ما صحَّت صلاتك إنْ كانت فريضةً. فإن قال قائل: كيف تجعلون القيامَ رُكناً، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «صلاةُ القاعدِ على النصفِ مِن صلاةِ القائم» (¬2) وهذا يدلُّ على أنَّ في صلاة القاعد أجراً، ولو كان القيامُ رُكناً لما كان في تَرْكِهِ أجْرٌ؟ فالجواب: أنَّ الصَّلاةَ منها ما هو فَرْض ومنها ما هو نَفْل، فيُحمل حديث تفضيل صلاة القائم على صلاة القاعد على النَّفل، كما دلَّ عليه حديث عِمران، ويُقال: إنَّ القيام ليس رُكناً في النَّافلة، وإنما هو سُنّة، ويؤيِّدُ هذا: فِعْلُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان يُصلِّي النَّافلةَ على راحلتِه في السَّفَر (¬3)، ولو كان القيامُ رُكناً فيها لم يُصلِّ على الراحلة، بل نَزَلَ وصَلَّى على الأرض، ولهذا لا يُصلِّي عليها الفريضة؛ لأنه لو صَلَّى الفريضةَ لفاتَ رُكن القيام. مسألة: ويجب القيامُ ولو معتمداً، فلو قال قائل: أنا لو ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم ... (755)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (397) (46). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب صلاة القاعد (1115) ولفظه: «ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم»؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائماً وقاعداً ... (735) (120) ولفظه: «صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة». (¬3) تقدم تخريجه ص (73).

قمتُ معتمداً على عصا أو على عمود، أو على جدار أمكن ذلك، وإنْ لم أعتمد لم أستطع، فلا تَقُلُّني رِجْلاي؟ فنقول: يجب عليك القيامُ ولو معتمداً؛ لعموم الأدلة. فإذا قال: ما حَدُّه؟ أي: هل يلزم أنْ أنتصبَ، أو يجوز وأنا حاني الظَّهر بعض الشيء؟ فالجواب: إنْ حَنَيْتَ ظهركَ إلى حَدِّ الرُّكوع؛ فلستَ بقائمٍ؛ فلا يصحُّ، إلا مع العجز، وإن حَنَيْتَهُ قليلاً أجزأ. فإن قال قائل: إذا كان قادراً على القيام، ولكنه يخافُ على نفسِه إذا قام، فهل يسقطُ عنه القيامُ: فالجواب: نعم؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 238 ـ 239] ففي هذه الحال يسقط عنه الرُّكوعُ والسجودُ، وهما رُكنان أوكد مِن القيام، فسقوط القيام مِن باب أَولى. مسألة: إذا قُدِّرَ أنه مُنحني الظَّهْرِ فإنه يقف ولو كراكع، ولا يسقط عنه القيامُ؛ لأن هذا هو قيامه، لأن القيام في الحقيقة يعتمد على انتصاب الظَّهرِ وانتصابِ الرجلين، فإذا فاتَ أحدُ الانتصابين وَجَبَ الآخر. مسألة: إذا قال قائل: أنتم قلتم يجب القيامُ ولو معتمداً، فهل يجوزُ أن يَعتمدَ؟ الجواب: إذا كان لا يتمكَّن من القيام إلا بالاعتماد جاز له أن يَعتمدَ، وإن كان يتمكَّن بدون اعتماد لم يَجُزْ أن يعتمدَ؛ إلا إذا كان اعتماداً خفيفاً فلا بأس به. والضابط: أنه إنْ كان بحيث لو أُزيل ما استند إليه سَقَطَ؛

والتحريمة

فهذا غير خفيف، وإن كان لو أُزيلَ لم يَسقط؛ فهو خفيف. فإنْ قال إنسان: هذا غير منضبط؛ لأن الواحد إذا انتبه لم يسقط بإزالة ما استندَ إليه، وإنْ لم ينتبه سَقَطَ ولو كان اعتمادُه خفيفاً، فما الجواب؟ فالجواب: أن الضابط كون ما اعتمدَ عليه حاملاً له، فإن كان حاملاً له لم يصحَّ قيامه، وإلا صحَّ. على أن بعض العلماء (¬1)، قال: إنَّ عمومَ قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلِّ قائماً» (¬2) يشمَلُ حتى المعتمدَ على شيء يسقط لو أُزيلَ، بمعنى أنه يجوز أن تعتمدَ، لكن فقهاءنا ـ رحمهم الله ـ قالوا: لا يجوز الاعتماد على شيء اعتماداً قويًّا بحيث يَسقط لو أُزيل. وعلَّلوا ذلك: بأنه يُزيل مشقَّة القيام؛ لأن هذا كمستلقٍ على الجدار الذي اعتمدَ عليه. وَالتَّحْرِيمَةُ .......... قوله: «والتحريمة» أي: تكبيرة الإِحرام، وهذا هو الرُّكن الثاني وسبق في أول صفة الصلاة بيان شروطها (¬3). والتحريمة رُكنٌ مِن أركان الصَّلاةِ، وليس شيء من التكبيرات رُكناً سوى تكبيرة الإِحرام؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «استقبلْ القِبلةَ وكبِّر» (¬4) ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «تحريمُها التكبير ... » (¬5) فلا تنعقد الصَّلاةُ بدون التكبير. ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 236). (¬2) تقدم تخريجه ص (292). (¬3) انظر: ص (19). (¬4) تقدم تخريجه ص (19). (¬5) أخرجه الإمام أحمد (1/ 123، 129)؛ وأبو داود، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء (61)؛ والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (3) وقال: «هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن»؛ وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب مفتاح الصلاة الطهور (275)؛ والحاكم (1/ 132) وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي.

والفاتحة

وَالْفَاتِحَةُ .......... قوله: «والفاتحة» أي: قراءة الفاتحة، وهذا هو الرُّكن الثالثُ، وهو رُكنٌ في الفَرْضِ والنَّفْل. والفاتحة: هي السُّورة التي افتُتِحَ بها القرآنُ الكريم، وقد تكلَّمنا عليها في أول صِفة الصَّلاة. وقراءتُها رُكنٌ في حَقِّ كُلِّ مصلٍّ؛ لا يُستثنى أحدٌ إلا المسبوق إذا وَجَدَ الإِمامَ راكعاً، أو أدرك مِن قيام الإِمام ما لم يتمكَّن معه من قراءة الفاتحة. والدليل على ذلك: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (¬1). فقوله: «لا صلاة» نفيٌ، والأصل في النَّفي أن يكون نفياً للوجود، فإنْ لم يمكن فهو نفيٌ للصحَّة، ونفيُ الصحَّة نفيٌ للوجود الشرعي، فإنْ لم يمكن فلنفي الكمال، فهذه مراتب النفي، فمثلاً: إذا قلت: لا واجبَ الوجود إلا الله، فهذا نفيٌ للوجود، إذ لا يوجد شيء واجب الوجود إلا ربّ العالمين، وكذلك لا خالق إلا الله. وإذا قلت: لا صلاةَ بغير وُضُوء، فهذا نفيٌ للصحَّة؛ لأن الصَّلاةَ قد تُفعل بلا وُضُوء. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (62).

وإذا قلت: لا صلاةَ بحضرَة طعام، فهو نفيٌ للكمال؛ لأن الصلاة تصحُّ مع حَضْرة الطعام. فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إذا نزَّلناه على هذه المراتب الثلاث وجدنا أنه قد يوجد مَن يُصلِّي ولا يقرأ الفاتحة، وعلى هذا فلا يكون نفياً للوجود. فإذا وُجِدَ مَن يُصلِّي ولم يقرأ الفاتحةَ فإن الصَّلاةَ لا تَصِحُّ؛ لأن المرتبة الثانية هي نفيُ الصحَّة، وعلى هذا فلا تصحُّ الصَّلاة، والحديث عامٌّ لم يُستثنَ منه شيء، والأصل في النصوص العامة أن تبقى على عمومها، فلا تخصَّصُ إلا بدليل شرعيٍّ، إما نصٌّ، أو إجماعٌ، أو قياس صحيح، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة بالنسبة لعموم قوله: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فإن قال قائل: يوجد دليل يخصِّصُ هذا العموم وهو قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} [الأعراف] قال الإِمام أحمد: «أجمعوا على أنَّ هذا في الصَّلاة». فالجواب: أن هذه الآية عامَّة تشمَلُ الإنصاتَ في كلِّ مَنْ يُقرأُ عنده القرآنُ، وتخصَّص بالفاتحة، فإنه لا يسكت إذا قرأ إمامه، ويدلُّ لهذا ما رواه أهل السُّنن من حديث عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: صَلَّى بنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بعضَ الصَّلوات التي يُجهر فيها بالقراءة، فالتبستْ عليه القراءةُ، فلما انصرفَ؛ أقبل علينا بوجهه وقال: «هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة؟» فقال بعضُنا: إنا نصنعُ ذلك، قال: «فلا، وأنا أقول: ما لي يُنازِعُنِي القرآنُ، فلا تقرؤوا بشيءٍ مِن القرآن إذا جهرتُ؛

إلا بأمِّ القرآن» (¬1). وهذا نصٌّ في محلِّ النزاع؛ فيكون فاصلاً بين المتنازعين؛ لأنه جاء في صلاة جهرية فيؤخذ به. وأما قول الإمام أحمد رحمه الله: «أجمعوا على أنَّها في الصَّلاةِ» فالظاهر لي ـ والله أعلم ـ، أن مراده رحمه الله لو قرأ قارئ ليس إماماً لي فإنه لا يجب عليَّ الاستماع له، بل لي أن أقومَ وأنصرف، أو أشتغل بما أنا مشتغل به. مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي إلى جَنْبِكَ في الصَّفِّ، وهو يقرأ القرآن، لا يلزمك أن تُنصتَ له، فلك أن تتشاغل بغير الاستماع لقراءته، أو أن تقوم وتنصرف، بخلاف الذي في الصَّلاة؛ فإنه مأمور بالإِنصات تبعاً لإِمامه. هذا الذي ذَكَرْناه ـ وهو أن قراءة الفاتحة رُكنٌ في حَقِّ كلِّ مصلٍّ: الإِمام، والمأموم، والمنفرد. ولا يستثنى منها إلاَّ مسألة واحدة، وهي المسبوق إذا أدرك إمامه راكعاً، أو قائماً ولم يتمكَّن من قراءة الفاتحة ـ هذا هو الذي دَلَّت عليه الأدلةُ الشرعية. فإذا قال قائل: ما الدليل على استثناء هذه الصُّورة؟ فالجواب: الدليل على ذلك حديث أبي بَكْرة الثَّابت في «صحيح البخاري» حيث أدركَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وهو راكعٌ، فأسرعَ وركعَ قبل أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، ثم دخلَ في الصَّفِّ، فلما انصرفَ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 316)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته (824)؛ والنسائي، كتاب الافتتاح، باب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام (919)؛ والبيهقي في القراءة خلف الإمام وقال: «إسناده صحيح، ورواته ثقات» ص (36).

النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الصَّلاةِ سأل مَنِ الفاعل؟ فقال أبو بَكْرة: أنا، فقال: «زادكَ اللهُ حرصاً ولا تَعُدْ» (¬1)، ولم يأمره بقضاء الرَّكعة التي أدركَ ركوعها، دون قراءتها، ولو كان لم يدركها لكانت قد فاتته، ولأمره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقضائها، كما أمَرَ المسيءَ في صلاتِهِ أن يعيدَها، فلما لم يأمره بقضائها عُلِمَ أنه قد أدرك الركعة، وسقطت عنه قراءة الفاتحة، فهذا دليل من النصِّ. والمعنى يقتضي ذلك: لأن هذا المأموم لم يدرك القيام الذي هو محلُّ القراءة، فإذا سقط القيامُ سَقَطَ الذِّكْرُ الواجبُ فيه وهو القراءة. كما يسقطُ غَسْلُ اليد إذا قُطعت مِن فوق المرفق. إنَّ فَقْدَ المحلِّ يستلزمُ سقوط الحال. وقال بعض العلماء (¬2): إنَّ قراءة الفاتحة ليست رُكناً مطلقاً. واستدلَّ بعموم قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]. وعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبي هريرة في قصةِ المسيءِ في صلاتِه: «ثم اقرأ ما تيسَّرَ معك مِن القرآن» (¬3): ووجه الاستدلال مِن هذا الحديث: أنه في بيان الواجب، والحاجة داعية إلى بيان السُّورة المعيَّنة، ولو كانت الفاتحة واجبة لعيَّنها؛ لأن هذا الرَّجُل لم يعرف شيئاً، فهو بحاجة إلى بيانها، فلما لم يعينها في مقام الحاجة عُلِمَ أنَّها ليست بواجبة، وهذه حجَّة قويَّة. ولكن يُجاب عنه: بأن هذا مجملٌ، أي: قوله: «ما تيسَّر»، وقد بيّنت النصوص أنه لا بُدَّ مِن قراءة الفاتحة، فيحمل هذا المجمل ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا ركع دون الصف (783). (¬2) «المغني» (2/ 146). (¬3) تقدم تخريجه ص (19).

المطلق على المبين المقيَّد، وهو قراءة الفاتحة، ثم إنَّ الغالبَ أن أيسر ما يكون من القرآن قراءة الفاتحة، لأنها تُقرأ كثيراً في الصلوات الجهرية فيسمعها كلُّ أحد، وهي تُكرَّرُ في كلِّ صلاة جهرية مرَّتين، بخلاف غيرها من القرآن، على أنَّه جاء في رواية أبي داود: «ثم اقرأ بأمِّ القرآن، وبما شاء الله» (¬1). وقال بعض أهل العلم (¬2): قراءة الفاتحة رُكنٌ في حقِّ غير المأموم، أما في حَقِّ المأموم فإنها ليست برُكن، لا في الصلاة السرِّيَّة، ولا في الصَّلاة الجهريَّة، وعلى هذا؛ فلو كَبَّرَ المأموم ووقف صامتاً حتى رَكَعَ الإِمام ورَكَعَ معه فصلاتُه صحيحة. واحتجَّ هؤلاء: بقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كان له إمامٌ فقراءةُ الإِمامِ له قراءة» (¬3)، ولكن هذا الحديث لا يصحُّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنه مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، فلا تقوم به الحُجَّةُ. وقال بعض أهل العلم (¬4): إنَّ قراءة الفاتحة رُكن في حَقِّ كُلِّ مصلٍّ؛ إلاّ في حَقِّ المأموم في الصلاة الجهرية. واحتجَّ هؤلاء بما يلي: 1 ـ حديث أبي هريرة أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «لما نهاهم عن القراءة ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 340)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع (859)؛ والبيهقي (2/ 374). (¬2) «الإنصاف» (3/ 666). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (3/ 339)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسّنة فيها، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا (850). قال البخاري في جزء القراءة خلف الإمام (21): «هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم لإرساله وانقطاعه». (¬4) «الإنصاف» (3/ 666 ـ 667).

مع الإِمام قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهرُ فيه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم» (¬1)، فهذا دليل على أن الأمر بقراءة الفاتحة منسوخٌ، فعلى هذا؛ تكون قراءة الفاتحة ليست واجبة على المأموم إذا كان الإِمامُ يَجهر في صلاتِه. 2 ـ أن القراءة إذا كان الإِنسان يستمع لها قراءة له حُكماً، بدليل: أنه يُسَنُّ للمستمع المنصت إذا سَجَدَ القارئ أن يسجدَ معه، وهذا دليل على أنه كالتالي حكماً. فالمنصت المتابع للقارئ له حُكمه؛ لقوله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 89] والدَّاعي موسى وحده لقوله: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *} [يونس]. فالدَّاعي موسى، وهارون كان يؤمِّنُ، وجعلهما الله عزّ وجل داعيين. إذاً؛ فالمنصت للقراءة قارئ حكماً. 3 ـ أنَّه لا فائدة مِن جهر الإمام بالقراءة إذا لم تَسقطْ عن المأموم، وكيف يقرأ وإمامُه قد قرأ؟ ثم كيف يقرأ وإمامُه يَجهرُ بالقراءة؟ فهذا عَبَثٌ من الحكم؛ لأنه إذا قلنا لإِمام: اقرأ بعد ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 284)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام (826)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام بالقراءة (312) وقال: «حديث حسن»؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا (848).

الفاتحة، ثم قرأ المأمومُ الفاتحةَ صار جَهْرُ الإِمام فيما يقرأ فيه لغواً لا فائدة منه، وهذه أدلَّة لا شَكَّ أنها قوية؛ لولا النصُّ الذي أشرنا إليه أولاً، وهو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم انفتل مِن صلاة الفجر فقال: «لا تقرؤوا خلف إمامكم إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمَن لم يقرأ بها» (¬1)، ولكن كيف نجيب عن هذه الأدلَّة؟ نجيب عنها: بأنها عامَّة، والأمر بقراءة الفاتحة أخصُّ منها، وإذا كان أخصَّ وجب تقديم الأخصِّ. وأما القول بأن قراءة الإِمام إذا كان المأموم يستمع لها قراءة للمأموم؛ فنعم نحن نقول بذلك، لكن فيما عدا الفاتحة؛ ولهذا يعتبر المأموم الذي يستمع إلى قراءة ما بعد الفاتحة قارئاً لها، لكن وَرَدَ في قراءة الفاتحة نصٌّ. وأما قولهم: إنَّه لا فائدة مِن جَهْرِ الإِمام إذا ألزمنا المأموم بالقراءة، فنقول: هذا قياس في مقابلة النصِّ، والقياس في مقابلة النصِّ مُطَّرَح. مسألة: ثم إذا قلنا بوجوب قراءة الفاتحة، فهل تجب في كُلِّ رَكعة، أو يكفي أن يقرأها في ركعة واحدة؟ في هذا خِلاف بين العلماء (¬2)، فمنهم مَن قال: إذا قرأها في رَكعة واحدة أجزأ؛ لعموم قوله: «لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (¬3)، ولم يقل في كُلِّ رَكعة، والإِنسان إذا قرأها في ركعة فقد قرأها، فتجزئ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (298). (¬2) «المغني» (2/ 156). (¬3) تقدم تخريجه ص (62).

والركوع، والاعتدال عنه،

ولكن الصحيح أنها في كُلِّ رَكعة. ودليل ذلك ما يلي: 1 ـ أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال للمسيء في صلاته: «ثم افعلْ ذلك في صلاتِك كلِّها» (¬1). 2 ـ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم واظبَ على قراءتها في كُلِّ ركعة، وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (¬2). وعلى هذا؛ فيكون القول الرَّاجح في هذه المسألة: أنَّ قراءة الفاتحة رُكنٌ في كُلِّ ركعة، وعلى كُلِّ مُصَلٍّ، ولا يُستثنى منها إلا ما ذكرنا فيما دَلَّ عليه حديث أبي بَكْرة رضي الله عنه (¬3). وَالرُّكُوعُ، والاعْتِدَالُ عَنْهُ، .............. قوله: «والركوع» هذا هو الرُّكن الرابع، والرُّكوع أن يَحْنِي ظهرَه وسبق تفصيله في صفة الصَّلاة، ودليل كونه رُكناً: 1 ـ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فأمر الله بالرُّكوع. ومِن المعلوم أنه لا يُشرع لنا أن نركع ركوعاً مجرَّداً، وإذا لم يُشرع لنا الرُّكوع المجرَّد وجب حَمْلُ الآية على الرُّكوع الذي في الصلاة. 2 ـ قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «ثم اركعْ حتى تطمئنَّ راكعاً» (¬4). 3 ـ مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم عليه في كُلِّ صلاة، وقوله: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (¬5). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (19). (¬2) تقدم تخريجه ص (27). (¬3) انظر: ص (299). (¬4) تقدم تخريجه ص (19). (¬5) تقدم تخريجه ص (27).

4 ـ إجماع العلماء على أنَّ الرُّكوع رُكنٌ لا بُدَّ منه (¬1). قوله: «والاعتدال عنه» هذا هو الرُّكن الخامس. لو قال المؤلِّفُ: «الرفع منه» لكان أنسب؛ لأنه أسبق مِن الاعتدال، ولموافقة الحديث: «ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً» (¬2)، لكنه ـ رحمه الله ـ عَدَلَ عن ذلك خوفاً مِن أن يُظَنَّ بأن المراد بذلك مجرَّد الرَّفْعِ، ولأن الاعتدال يلزم من الرفع، ولأن لفظ «الصحيحين»: «ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً» (597). ودليل ذلك: حديث أبي هريرة في قِصَّة المسيء في صلاته أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً» (¬3) فأمر بالرَّفْعِ إلى الاعتدال، وهو القيام التام. ويُستثنى من هذا: الرُّكوع الثاني وما بعده في صلاة الكسوف، فإنه سُنَّة، ولهذا لو صَلَّى صلاةَ الكسوف كالصَّلاة المعتادة فصلاتُه صحيحة. وصلاةُ الكسوف في كلِّ رَكعة ركوعان، الرُّكوع الأول رُكن، والرُّكوع الثاني سُنَّة، لو تَرَكَه الإِنسانُ فصلاتُه صحيحة. ويُستثنى أيضاً: العاجز، فلو كان في الإِنسان مَرَضٌ في صُلبه لا يستطيع النُّهوض لم يلزمه النهوض، ولو كان الإِنسان أحدب مقوَّس الظَّهر لا يستطيع الاعتدال لم يلزمه ذلك، ولكن ينوي أنه رَفْعٌ ويقول: سَمِعَ الله لمن حمده. ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 169). (¬2) تقدم تخريجه ص (19). (¬3) تقدم تخريجه ص (19).

والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال عنه،

وَالسُّجُودُ عَلَى الأَْعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ، .......... قوله: «والسجود على الأعضاء السبعة» هذا هو الركن السادس من أركان الصَّلاة ودليله. 1 ـ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]. 2 ـ قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً» (¬1). 3 ـ مواظبة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عليه. ولكن لا يكفي مجرَّد السُّجود، بل لا بُدَّ أن يكون على الأعضاء السَّبعة، وهي: الجبهة مع الأنف، والكَفَّان، والرُّكبتان، وأطراف القدمين. ودليل هذا حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أُمرنا أنْ نسجدَ على سبعة أعضاء، الجَبْهة وأشار بيده إلى أنفه، والكفَّين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين» (¬2). قوله: «والاعتدال عنه». هذا هو الرُّكنُ السَّابعُ مِن أركان الصَّلاةِ. قال في «الرَّوض» (¬3): إنَّ قول الماتن «الاعتدال عنه» يُغني عنه قوله: «والجلوس بين السَّجدتين»، يعني: لأنه لا يتصور جلوس بين السَّجدتين إلا باعتدال مِن السُّجود، لكن قد يقول قائل: إنَّ الاعتدالَ رُكنٌ بنفسِه، والجلوس رُكنٌ بنفسه، لأنه قد يعتدلُ لسماعِ صوت مزعج، أي: يقوم بغير نِيَّةٍ ثم يجلس، فهنا حصل اعتدالٌ بدون نِيَّةٍ ثم بعدَه جلوس، وعلى هذا؛ يلزمه أن يرجعَ للسُّجود ثم يقوم بنيَّةٍ، ومثله: ما لو سَقَطَ الإِنسانُ على ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (19). (¬2) تقدم تخريجه ص (109). (¬3) «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 125).

والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الكل،

الأرض مِن القيام بدون نِيَّةٍ فلا نجعله سُجوداً؛ لأن هذه الحركة بين القيام والسُّجود لم تكن بنيَّةٍ، وعليه: يلزمه أن يقومَ ثم يسجدَ. فالظاهر: أنَّ الأَولى إبقاء كلام الماتن على ما هو عليه، فيكون الاعتدال والجلوس كلاهما رُكنٌ، حتى ينوي الإِنسان بالاعتدال بأنه قام مِن السُّجود مِن أجل الجلوس. وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الكُلِّ، ............ قوله: «والجلوس بين السجدتين» هذا هو الرُّكنُ الثامنُ مِن أركان الصَّلاة، ودليله قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاتِه: «ثم ارفعْ ـ يعني: من السجود ـ حتى تطمئنَّ جالساً» (¬1) فهذا دليلٌ على أنه لا بُدَّ منه. وقوله: «الجلوس» لم يُبيِّن كيفيَّته، فيجزئ على أيِّ كيفيّة كان، ما لم يخرج عن مُسمَّى الجلوس، وقد سَبَقَ لنا كيفيَّته المشروعة والمكروهة في باب صفة الصلاة؛ فأغنى عن إعادته. قوله: «والطمأنينة في الكُلِّ» هذا هو الرُّكن التَّاسع مِن أركان الصَّلاة وهو الطمأنينة في كلِّ ما سَبَقَ مِن الأركان الفعلية. ودليله: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمَّا عَلَّمَ المسيءَ صلاته كان يقول له في كُلِّ رُكن: «حتى تطمئنَّ» (¬2) فلا بُدَّ من استقرارٍ وطمأنينة، ولكن ما حَدُّ الاطمئنان الذي هو رُكن؟ قال بعض أهل العلم (¬3): السكون وإن قَلَّ، حتى وإن لم يتمكَّن من الذِّكْرِ الواجب. وقال بعض أهل العلم (604): السُّكون بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (19). (¬2) تقدم تخريجه ص (19). (¬3) «الإنصاف» (3/ 667).

فعلى هذا القول يطمئنُّ في الرُّكوع بِقَدْرِ ما يقول: «سبحان ربِّي العظيم» مرَّة واحدة، وفي الاعتدال منه بقَدْرِ ما يقول: «ربَّنا ولك الحمدُ»، وفي السُّجود بقَدْرِ ما يقول: «سبحان رَبِّي الأعلى»، وفي الجلوس بقَدْرِ ما يقول: «رَبِّي اغفِر لي» وهكذا. فإذا قال إنسان: هل يظهر فَرْقٌ بين القولين، بين قولنا: السُّكون وإنْ قَلَّ، وبين قولنا: السُّكون بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب؟ فالجواب: نعم؛ لأنه لو سَكَنَ سكوناً قليلاً دون قَدْرِ الذِّكْرِ الواجب، ونسيَ أن يقول الذِّكْر الواجب ثم استمرَّ في صلاته، فعلى القول بأن الطمأنينة هي السُّكون وإنْ قَلَّ، تكون صلاتُه صحيحة، لكن يجب عليه سجود السَّهو لترك الواجب، وعلى القول بأنه لا بُدَّ أن يكون بقدر الذِّكْرِ الواجب تكون غير صحيحة؛ لأنه لم يأتِ بالرُّكنِ حيث لم يستقرَّ بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب. ولهذا فَصَّلَ بعضُ الفقهاء فقال: بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب لذاكره، والسكون وإنْ قَلَّ لمن نسيه. وعَلَّلوا: أنه إذا كان ناسياً القول الواجب سَقَطَ عنه، ووجب عليه سجود السَّهو، وإنْ كان ذاكراً لهذا القول بطلت صلاتُه بتعمُّد تَرْكِهِ، فيكون بطلان الصَّلاة مِن أجل تَرْكِ الواجب، ولكونه لم يطمئنَّ الطمأنينة الواجبة. فإذا جاءنا رَجُلان يسألان، أحدهما يقول: أنا اطمأننت بقَدْرِ قولي: «سبحان رَبِّي العظيم» في الركوع، فصلاتُه صحيحة على القولين.

والثاني يقول: اطمأننت في الرُّكوع بقَدْرِ أن أقول: «سبحان رَبِّي» فقط ثم رفعتُ، على القول بأنها السُّكون وإنْ قَلَّ يكون قد أدَّى الركن، فصلاتُه صحيحة، وعلى القول الثاني لم يُؤدِّ الرُّكن، فصلاتُه غير صحيحة. والأصحُّ: أنَّ الطُّمأنينة بقَدْرِ القول الواجب في الرُّكن، وهي مأخوذة من اطمأنَّ إذا تمهَّل واستقرَّ، فكيف يُقال لشخص لمَّا رَفَعَ من الرُّكوعِ قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه، ثم كَبَّرَ للسُّجود، كيف يقال: هذا مطمئنٌ؟ كيف يُقال لشخص لمَّا رَفَعَ مِن السُّجود قال: الله أكبر، ثم سَجَدَ السَّجدة الثانية، يعني: سَكَنَ لحظة، هذا مطمئنٌ؟ والحكمة مِن الطمأنينة: أنَّ الصلاةَ عبادة، يناجي الإِنسانُ فيها رَبَّه، فإذا لم يطمئنَّ فيها صارت كأنها لَعِبٌ. فهل نحن متعبَّدون بأن نأتي بحركات مجرَّدة؟ لا والله، ولو كانت الصلاة مجرَّد حركات وأقوال لخرجنا منها بمجرد إبراء الذِّمَّة فقط، أما أن تعطي القلبَ حياةً ونوراً؛ فهذا لا يمكن أن يحصُلَ بصلاة ليس فيها طُمأنينة، والنبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «الصَّلاةُ نورٌ» (¬1) نورٌ في القلب، والوجه، والقبر، فهي على اسمها، هي كلُّها نور، فهل نحن إذا انصرفنا مِن صلاتنا على هذا الوجه نَجِدُ نوراً في قلوبنا؟ إذا لم نَجِدْ؛ فالصَّلاةُ فيها نقصٌ بلا شَكٍّ. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء (223) (1).

والتشهد الأخير

ولهذا يُذكَرُ عن بعض السَّلفِ قال: «مَنْ لم تَنْهَه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر لم تزده مِن الله إلا بُعداً»، لأنه لو صَلَّى الصَّلاةَ الكاملة للزم أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر، لأن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] فهذا خَبَرٌ مِن الله مؤكَّد بـ «إِنَّ». فإذا صَلَّيت صلاةً لا تَجِدُ قلبَك منتهياً عن الفحشاء والمنكر، فاعْلَمْ أنك لم تُصلِّ إلا صلاة تبرأ بها الذِّمَّة فقط، وكم تشاهدون الإِنسان يدخل في صلاته ويخرج منها كما هو لا يَجِدُ أثراً؟ وإذا مَنَّ اللهُ عليه يوماً من الأيام، وصار قلبُه حاضراً واطمأنَّ وتمهَّل وتدبَّر ما يقول ويفعل؛ خَرَجَ على خلاف ما دَخَلَ، ووَجَدَ أثراً وطعماً يتطعَّمه، ولو بعد حين، يتذكَّر تلك الصَّلاة التي كان فيها حاضر القلب مطمئناً. الحاصل: أنَّ الطُّمأنينة لا بُدَّ منها، فهي والخشوع روح الصَّلاةِ في الحقيقة. وَالتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، ............ قوله: «والتشهد الأخير» هذا هو الرُّكنُ العاشر من أركان الصلاة. ودليل ذلك: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كُنَّا نقول قبل أن يُفْرَضَ علينا التشهُّدُ: السَّلامُ على الله مِن عباده، السَّلامُ على جبرائيل وميكائيل، السَّلامُ على فلان وفلان» (¬1). والشاهدُ مِن هذا الحديث قوله: «قبل أن يُفْرَضَ علينا التشهُّدُ». ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (161).

فإن قال قائل: يَرِدُ علينا التشهُّد الأول: فإنه مِن التشهُّد، ومع ذلك تَرَكَه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وجَبَرَه بسجود السهو، وهذا حكم الواجبات، أفلا يكون التشهُّدُ الأخير مثله؟ فالجواب: لا، لأنَّ الأصلَ أن التشهُّدين كلاهما فَرْضٌ، وخَرَجَ التشهُّدُ الأول بالسُّنَّة، حيث إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جَبَرَه لمَّا تَرَكَه بسجود السَّهو، فيبقى التشهُّد الأَخير على فرضيته رُكناً. وَجِلْسَتُهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم فِيْهِ، وَالتَّرْتِيبُ، وَالتَّسْلِيمُ. قوله: «وجِلسته» هذا هو الرُّكن الحادي عشر مِن أركان الصَّلاةِ أي: أن جلسة التشهُّدِ الأخير رُكن، فلو فُرِضَ أنه قام من السُّجود قائماً وقرأ التشهُّد فإنَّه لا يجزئه، لأنه تَرَكَ رُكناً وهو الجِلسة، فلا بُدَّ أن يجلس، وأن يكون التشهُّد أيضاً في الجِلسة لقوله: «وجِلسته» فأضاف الجِلسة إلى التشهُّدِ؛ ليفهم منه أنَّ التشهُّدَ: لا بُدَّ أن يكون في نفس الجِلسة. قوله: «والصلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيه» أي: في التشهُّدِ الأخير، وهذا هو الرُّكن الثاني عشر مِن أركان الصلاة. ودليل ذلك: أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم سألوا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «يا رسولَ الله؛ عُلِّمْنَا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ قال: قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ» (¬1)، والأمر يقتضي الوجوب، والأصلُ في الوجوب أنَّه فَرْضٌ إذا تُرِكَ بطلت العبادة، هكذا قرَّرَ الفقهاءُ رحمهم الله دليل هذه المسألة (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم (6357)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد التشهد (406) (66). (¬2) «المجموع» (3/ 447).

ولكن إذا تأملت هذا الحديث لم يتبيَّن لك منه أنَّ الصَّلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم رُكنٌ، لأنَّ الصحابة إنَّما طلبوا معرفة الكيفية؛ كيف نُصلِّي؟ فأرشدهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إليها، ولهذا نقول: إن الأمر في قوله: «قولوا» ليس للوجوب، ولكن للإِرشاد والتعليم، فإنْ وُجِدَ دليل غير هذا يأمر بالصلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الصَّلاة فعليه الاعتماد، وإنْ لم يوجد إلا هذا فإنه لا يدلُّ على الوجوب، فضلاً عن أن يَدلَّ على أنها رُكن؛ ولهذا اختلفَ العلماء في هذه المسألة على أقوال (¬1): القول الأول: أنها رُكنٌ، وهو المشهور مِن المذهب، فلا تصحُّ الصلاة بدونها. القول الثاني: أنها واجب، وليست برُكن، فتُجبر بسجود السَّهو عند النسيان. قالوا: لأن قوله: «قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدِ» محتمل للإِيجاب وللإِرشاد، ولا يمكن أن نجعله رُكناً لا تصحُّ الصلاة إلا به مع هذا الاحتمال. القول الثالث: أنَّ الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم سُنَّة، وليست بواجب ولا رُكن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وأن الإِنسان لو تعمَّد تَرْكها فصلاتُه صحيحة، لأن الأدلَّة التي استدلَّ بها الموجبون، أو الذين جعلوها رُكناً ليست ظاهرة على ما ذهبوا إليه، والأصل براءة الذِّمة. ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 450)، «المغني» (2/ 228 ـ 229).

وهذا القول أرجح الأقوال إذا لم يكن سوى هذا الدليل الذي استدلَّ به الفقهاء رحمهم الله، فإنه لا يمكن أن نبطلَ العبادة ونفسدها بدليل يحتمل أن يكون المراد به الإِيجاب، أو الإِرشاد. قوله: «والصلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيه»، أي: أنَّ الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هي الرُّكن دون الصَّلاةِ على آله. وهذا مِن الغرائب! لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آل محمد ... » (¬1) فكيف نُشَطِّرُ الحديث، ونجعل كلمة منه رُكناً، والبقية غير رُكن! فمقتضى الاستدلال أن نجعل الجميع إما رُكناً، أو واجباً، أو سُنَّة. فإنْ قالوا: جعلنا الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم رُكناً دون الآل، لأن العطف فيها يدلُّ على التبعيَّة. قلنا: وإذا دَلَّ على التبعيَّة فالتابع حكمه حكم المتبوع. فإنْ قالوا: إنَّ الصَّحابة سألوا عن الصَّلاة عليه دون آله؛ فكان الحُكمُ للصَّلاةِ عليه دون آله. قلنا: لكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أجابهم بكيفيَّة ما سألوا عنه على هذا الوجه، فاقتضى أن يكون حُكم الجميع سواء. قوله: «والترتيب» هذا هو الرُّكن الثالث عشر مِن أركان الصَّلاة، يعني: الترتيب بين أركان الصَّلاة: قيام، ثم رُكوع، ثم رَفْع منه، ثم سُجود، ثم قعود، ثم سُجود. ودليل ذلك: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (161).

1 ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَّمَ المسيءَ في صلاته الصَّلاةَ بقوله: «ثم ... ثم ... ثم ... » (¬1). «ثم» تدلُّ على الترتيب. 2 ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم واظبَ على هذا الترتيب إلى أن تُوفِّيَ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُخِلَّ به يوماً مِن الأيام وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (¬2). 3 ـ أنَّ هذا هو ظاهر قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فبدأ بالرُّكوع، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصَّفا: «أبدأُ بما بدأ الله به» (¬3)، فتكون الآية دالَّة على أنَّ الرُّكوعَ مقدَّمٌ على السُّجودِ، وإنما عَبَّرَنا بـ «ظاهر»؛ لأن «الواو» لا تستلزم الترتيب، أي: ليس كل ما جاء معطوفاً بالواو فهو للترتيب، إذ قد يكون لغير الترتيب. قوله: «والتسليم» هذا هو الرُّكنُ الرابع عشر مِن أركان الصَّلاة، أي: أن يقول: «السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله»، والمؤلِّف أطلقَ التَّسليمَ، فهل نقول إنَّ «ال» للجنس فيصدق بالتسليمة الواحدة، وبالاقتصار على «السلام» أو نقولُ: إن «ال» للعهد، والمراد بالتسليم ما سَبَقَ في صفة الصَّلاة، أي: أن يقول عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله»؟ كلامُه محتمل. ولهذا اختلفَ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في التسليم. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (19). (¬2) تقدم تخريجه ص (27). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم (1218) (147).

والمشهور من المذهب: أنَّ كلتا التسليمتين رُكنٌ في الفَرْضِ وفي النَّفْلِ (¬1). وقيل: إنَّ الثانية سُنَّة في النَّفْل دون الفَرْض. وقيل: سُنَّة في الفَرْضِ وفي النَّفْلِ. وقيل: إنَّ التَّسليمَ ليس مقصوداً بذاته، وأنه إذا فَعَلَ ما ينافي الصَّلاة فقد انتهت الصَّلاة (¬2). وهذه العبارة التي عَبَّرَ بها المؤلِّف هي التي عَبَّرتْ بها عائشةُ رضي الله عنها بقولها: «وكان يختِمُ الصَّلاةَ بالتَّسليم» (¬3) فنقول في الحديث كما قلنا في كلام المؤلِّف: هل المراد بالتَّسليمِ التَّسليمُ المعهودُ، فيتضمن التسليمتين، أو مطلق التَّسليم، يعني: الجنس، فيجزي بواحدة؟ والأقرب: أنَّ التَّسليمتين كلتاهما رُكنٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم واظبَ عليهما وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (¬4) ولأنَّ مِن عادة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم العدل، فإذا سَلَّمَ على اليمين سَلَّمَ على اليسار، وإذا سَلَّمَ على اليمين فقط مع إمكان التَّسليم على اليسار: لم يتحقَّق ذلك. ولذلك كان يُسلِّمُ عن يمينه ويساره، حتى يكون لليمين حظٌّ من التَّسليم، ولليسار حَظٌّ من التَّسليم. ¬

_ (¬1) «شرح منتهى الإرادات» (1/ 206). (¬2) «المجموع» (3/ 462 ـ 463)، «المغني» (2/ 240). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به ... (498) (240). (¬4) تقدم تخريجه ص (27).

وواجباتها

لكن الفقهاء استثنوا صلاةَ الجِنازة، فقالوا: ليس فيها إلا تسليمة واحدة فقط، ولم يقولوا: إن الثانية سُنَّة. واستدلُّوا على ذلك: بأن الذين وصفوا صلاةَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم على الجنائز لم يذكروا التَّسليمتين (¬1)، وبأنَّ صلاةَ الجنازة ليس فيها رُكوع، ولا سُجود، ولا قُعود، ولا انتقال، بل هي مبنيَّة على التَّخفيف، ولهذا ليس فيها دُعاء استفتاح فَخُفِّفَت بتسليمة واحدة. وقوله: «التسليم» هل يكتفي بقوله: «السَّلامُ عليكم» أو لا بُدَّ من التَّسليم الكامل. الجواب: المشهور مِن (¬2) المذهب، أنه لا يكتفي بقوله: «السَّلامُ عليكم» يعني: لو اقتصرَ عليها لم يجزئ، وقيل: يجزئ؛ لأن ما زَادَ على ذلك ليس إلا فَضْلَة؛ إذ إن التَّسليم يصدق بقول المسلِّم: «السَّلامُ عليكم» (¬3). وَوَاجِبَاتُهَا: .......... قوله: «واجباتها»، أي: واجبات الصلاة، وهل يعني أن الأركان غير واجبة؟ الجواب: لا يعني أن الأركان غير واجبة، بل الأركان واجبة وأوكد من الواجبات، لكن تختلف عنها في أن الأركان لا تسقط بالسَّهْوِ، والواجبات تسقط بالسَّهْوِ، ويجبرها سُجودُ السَّهْوِ، بخلاف الأركان؛ ولهذا من نسيَ رُكناً لم تصحَّ صلاته إلا به، ومن نسيَ واجباً أجزأَ عنه سُجودُ السَّهْوِ، فإنْ تَرَكَه جهلاً فلا شيء ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 71)؛ والحاكم (1/ 360)؛ والبيهقي (4/ 43) وانظر: كلام الشيخ رحمه الله في كتاب الجنائز، المجلد الخامس. (¬2) «المنتهى مع الشرح» (1/ 206). (¬3) انظر: ص (210).

التكبير غير التحريمة، والتسميع، والتحميد،

عليه فلو قام عن التشهُّدِ الأول لا يدري أنه واجب فصلاتُه صحيحة، وليس عليه سُجود السَّهْوِ؛ وذلك لأنه لم يكن تَرْكه إيَّاه عن نسيان. وقيل: عليه سُجود السَّهْوِ بترك الواجب جهلاً؛ قياساً على النسيان؛ لعدم المؤاخذة في كُلٍّ منهما. التَّكْبِيرُ غَيْرِ التَّحْرِيمَةِ، وَالتَّسْمِيعُ، وَالتَّحْمِيدُ، .......... قوله: «التكبير غير التحريمة» أي: قول «اللهُ أكبر» إلا التحريمة، هذا هو الواجب الأول؛ لأن التحريمة سَبَقَ أنَّها رُكنٌ فيدخل بذلك التكبير للركوع وللسجود وللرَّفْعِ منهما، وللقيام مِن التشهُّدِ الأول، فكلُّ التكبيرات واجبة وتسقط بالسَّهْوِ، ويُستثنى ما يلي: 1 ـ التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، والاستسقاء فإنها سُنَّة. 2 ـ تكبيرات الجِنازة فإنَّها أركان. 3 ـ تكبيرة الركوع لمن أدرك الإِمام راكعاً فإنَّها سُنَّة. والدليل على أن التكبيرات مِن الواجبات: أولاً: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كَبَّرَ الإِمامُ فكبِّروا، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ» (¬1)، وهذا يدلُّ على أنه لا بُدَّ مِن وجود هذا الذِّكْرِ، إذ الأمر للوجوب. ثانياً: مواظبة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عليه إلى أن مات، ما تَرَكَ التكبيرَ يوماً من الدَّهر وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (98). (¬2) تقدم تخريجه ص (27).

ثالثاً: أنه شِعار الانتقال من رُكن إلى آخر، لأن الانتقال لا شَكَّ أنه انتقال مِن هيئة إلى هيئة، فلا بُدَّ مِن شعار يدلُّ عليه. قوله: «والتسميع، والتحميد»، أي: قول الإِمام والمنفرد: «سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه»، والتحميد: للإِمام، والمأموم، والمنفرد، وهذان هما الواجب: الثاني والثالث. والدليل على ذلك: أولاً: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم واظبَ على ذلك، فلم يدعْ قول: «سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه» بأيِّ حالٍ من الأحوال. ثانياً: أنه شعار الانتقال من الرُّكوع إلى القيام. ثالثاً: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قال سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه فقولوا: ربَّنَا ولك الحمد» فعلى هذا يكون للتحميد ثلاثة أدلَّة، وللتسميع دليلان فقط. ولم يُبيِّن المؤلِّف محلَّ التكبير والتسميع والتحميد، لكن الفقهاء نصُّوا على أن محلَّ ذلك: ما بين الرُّكنين في الانتقال (¬1)، فما كان للرُّكوع فما بين القيام والركوع، وما كان للسُّجود فما بين القيام والسجود وهكذا بقية الانتقالات. وقالوا رحمهم الله: لو بدأ به قَبْلَه أو كمَّله بعدَه لم يجزئ (¬2)؛ لأنه أتى بذكر في غير موضعه، لأن الموضع ما بين الرُّكنين، فإن بدأ به قبلُ؛ فقد أتى بأوله في غير موضعه، وإن كمَّله بعدُ؛ فقد أتى بآخره في غير موضعه، ولكن هل يُشترط استيعابُ ما بين الرُّكنين؟ الجواب: لا يشترط، والمشترط أن يكون هذا الذِّكْر بين ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (3/ 473). (¬2) سبقت هذه المسألة ص (87).

الرُّكنين، وبينهما فَرْقٌ؛ لأننا لو قلنا: يُشترطُ الاستيعاب؛ لقلنا مِن حين ما تَشرع في الهوي إلى السُّجود ابدأْ بالتكبير، ولا ينتهي إلا إذا وضعت جبهتك على الأرض، فلو أنهيته قبل ذلك لم يصحَّ، لكننا لا نقول: بأنه يشترط، بل نقول: إنه لا بُدَّ أن يكون بين الرُّكنين، فلو بدأَ به قبلُ أو كَمَّله بعدُ لم يجزئ. القول الثاني (¬1) في هذه المسألة: أنه يُعفى عن السَّبْق أو التأخّر بشرط أن يكون لموضع الانتقال حظٌّ من هذا الذِّكْر، أي: لو بدأ بالتكبير قبل الهوي وكمَّله في حال الهوي أجزأ، ولو بدأ به في أثناء الهوي وأكمله بعد الوصول إلى السُّجود أجزأ، وهذا القول أصحُّ، وهو الذي لا يَسَعُ الناس العمل إلا به، لأن القول الأول فيه مشقَّة، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 77] وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ولو أننا أخذنا بالقول الأول لوجدنا أن كثيراً من الناس اليوم لا تصحُّ صلاتُهم. وبعضُ الأئمة يَجتهدُ اجتهاداً خاطئاً، ولا يبدأ بالتكبير إلا إذا وَصَلَ للرُّكن الذي يليه، ويقول: لو شرعت بالتكبير قبل أن أَصِلَ للرُّكوع مثلاً لسابقني الناسُ؛ فأسدُّ الباب عليهم حتى لا يسبقوني، لكن هذا اجتهادٌ خاطئ، لأنه مخالفٌ للسُّنَّة، فلم يكن الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم يفعل هذا، وهو أدرى منك بمصالح الخَلْقِ صلّى الله عليه وسلّم، وأحرصُ منك عليها، فعليك أيُّها الإِمام أن تفعل ما تُؤمرُ به، وعلى المأمومين أن يفعلوا ما يؤمرون به. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (2/ 474).

وتسبيحتا الركوع والسجود

وَتَسْبِيحَتَا الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ......... قوله: «وتسبيحتا الركوع والسجود» هذان هما الواجبان الرابع والخامس. «تسبيحتا الركوع»: كيف ننطِقُ بها؟ الجواب: ننطِقُ بها بحذف الألف فتبقى التاء مفتوحة، فلو قال لك السامعُ: عطفتَ منصوباً على مرفوع. فقل: أنا لم أعطف منصوباً على مرفوع، وإنَّما عَطفتُ مرفوعاً على مرفوع، لأنَّ المُثنَّى يُرفع بالألف «تسبيحتا» اثنتان. فإذا قال: أين الألف؟ فقل: الألف سقطت، لأنَّها حرفُ لين ساكن، جاء بعدَه حرفٌ ساكن، وهو همزة الوصل مِن كلمة «الركوع»، فالتقى ساكنان، فحُذِفَ حرفُ اللين، قال ابنُ مالك في الكافية: إنْ ساكنان التقيا اكسرْ ما سَبَق وإنْ يكن ليناً فحذفُه استحق والألف لين فيُحذف نُطْقاً، فيقال: تسبيحة الركوع، ولا يحذف خطًّا، بل تكتب «تسبيحتا» وإنما أتيت بهذا لأنتقل إلى مسألة يخطئ فيها بعض القراء، وهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النحل: 15] فينطق بالألف مع الوصل، وهذا خطأ فنقول: «وقالَ الحمد لله». فإذا قال قائل: إذا قلتم: «وقالَ الحمد لله»، أوهم السَّامع أن يكون القائل واحداً وهو سليمان؛ لأنه أقرب مذكور؟ فنقول: إذا توهَّم هذا إنسان فالخطأ ليس مِن القارئ، بل الخطأ مِن وهم السامع، والقارئ ليس مسؤولاً عنه، بل عليه أن يقرأ حسب ما تقتضيه اللغة العربية؛ لأن القرآن نَزَلَ بها.

وقوله: «وتسبيحتا الركوع والسجود». لم يبيِّن المؤلِّف ـ رحمه الله ـ هاتين التَّسبيحتين، لكنه بيّنهما فيما سَبَقَ (¬1)، حيث ذَكَرَ أنه يقول في الرُّكوع: «سبحان رَبِّي العظيم»، وفي السُّجود: «سبحان رَبِّي الأعلى». إذاً؛ فقول المصلِّي في ركوعه: «سبحان رَبِّي العظيم» واجب، وفي سجوده: «سبحان رَبِّي الأعلى» واجب. والدليل على هذا: أنه: لما نَزَلَ قول الله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *} [الواقعة] قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «اجعلوها في ركوعكم» (¬2) وهذا بيانٌ مِن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لموضع هذا التسبيح، ومِن المعلوم أن بيان الرسول صلّى الله عليه وسلّم للقرآن يجب علينا أن نَرْجِعَ إليه؛ لأن أعلم الخَلْقِ بكلام الله هو رسول الله، ولهذا كان تفسير القرآن بالسُّنَّة هو المرتبة الثانية، فالقرآن نُفسِّرُه أولاً بالقرآن مثل: {الْقَارِعَةُ *مَا الْقَارِعَةُ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ *يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ *} ويُفسَّر بعد ذلك بسُنَّة رسول الله؛ لأنها تبيِّنه مثل هذه الآية: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *} [الواقعة] حيث قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «اجعلوها في ركوعكم». وهذا بيان لموضع هذا التَّسبيح وقد يُبيِّنُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المعنى، مثل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] ¬

_ (¬1) انظر: ص (91، 123). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (4/ 155)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (869)؛ وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب التسبيح في الركوع والسجود (887)؛ والحاكم (2/ 477) وصححه ووافقه الذهبي.

وسؤال المغفرة مرة مرة

فالحُسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وَجْهِ الله عزّ وجل، هكذا فسَّرها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1). وأما تسبيحة السُّجود فهي أيضاً مفسَّرة بقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «اجعلوها في سجودكم» (¬2) حين نَزَلَ قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى]. وَسُؤَالُ المَغْفِرَةِ مَرَّةً مَرَّةً، ......... قوله: «وسؤال المغفرة مرَّة مرَّة» هذا هو الواجب السادس من واجبات الصلاة، أي: سؤال المُصلِّي المغفرة مرَّة مرَّة، ولم يُبيِّنُ المؤلِّف ـ رحمه الله ـ متى يكون هذا السُّؤال، ولكن سَبَقَ في صفة الصلاة بأن قول: «ربِّ اغفِرْ لي» يكون بين السَّجدتين (¬3). والمغفرة: هي سَتْرُ الذَّنْبِ والتجاوز عنه، مأخوذة من المِغْفَر الذي يُوضع على الرأس عند القتال لتوقِّي السِّهام، وفي هذا المِغفر سَتْر ووقاية، فالمغفرة ليست مجرَّد سَتْر الذُّنوب، ولا هي العفو عنها فقط، بل هي: السَّتر مع العفو، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى إذا خلا بعبده يوم القيامة وقرَّره بذنوبه: «قد سترتُها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم» (¬4). ولم يبيِّن بأيِّ صيغة يكون سؤال المغفرة، هل يقول: اللَّهُمَّ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم (181) (298). (¬2) تقدم تخريجه ص (320). (¬3) تقدم تخريجه ص (130). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (2441)؛ ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمه الله تعالى على المؤمنين (2768) (52).

ويسن ثلاثا، والتشهد الأول، وجلسته

اغفِرْ لي، أو يقول: أستغفر الله، أو يقول: ربِّ اغفِرْ لي. لكن بيَّن المؤلِّف ـ رحمه الله ـ في صفة الصلاة أنه يقول: «ربِّ اغفِرْ لي» (¬1). وعليه؛ فيُحمل كلامُه هنا على كلامه هناك، ويكون سؤال المغفرة بلفظ: «ربِّ اغفِرْ لي» فلو قال: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي، فإنه لا يجزئه، وهذا بناءً على أننا أحلنا هذا الكلام على ما سَبَقَ، لكن يمكن أن يُقال: إنه لا يلزم أن نُحيل هذا الكلام على ما سَبَقَ، فيكون المراد بذلك سؤال المغفرة بأي صفة، فلو قال: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» لأجزأ، وهذا هو الصحيح. والمذهب (¬2): أنه لا بُدَّ أن يقول: «ربِّ اغفِرْ لي» فلو قال: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» ما أجزأ. وقوله: «مرَّة مرَّة» أي: مرَّة في كُلِّ جِلسة، مرَّة في الجِلسة الأولى، ومرَّة في الجِلسة الثانية، وهكذا. وَيُسَنُّ ثَلاَثاً، وَالتَّشَهُدُ الأَوَّلُ، وَجَلْسَتُهُ .......... قوله: «ويُسَنُّ ثلاثاً» أي: يُسَنُّ أن يُكَرِّرَ سؤال المغفرة ثلاث مرات. والدليل على أنه يُسَنُّ ثلاثاً: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: حين ذَكَرَ أنه صَلَّى مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فلما جَلَسَ بين السَّجدتين جَعَلَ يقول: «ربِّ اغفِرْ لي، ربِّ اغفِرْ لي» (¬3) وكان دُعاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم غالباً التكرار ثلاثاً. قوله: «والتشهد الأول، وجلسته» هذان هما الواجب السابع والثامن من واجبات الصلاة. فالتشهُّد الأول هو: «التحياتُ لله، والصَّلواتُ، والطيباتُ، ¬

_ (¬1) انظر: ص (130). (¬2) «المنتهى مع الشرح» (1/ 207). (¬3) تقدم تخريجه ص (130).

السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالحين، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله؛ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه». والدليل على وجوبه: حديث عبد الله بن مسعود: «كنا نقول قبل أن يُفرَضَ علينا التشهُّدُ» (¬1). فإن قال قائل: لقد استدللتم بهذا الحديث على رُكنيَّة التشهُّدِ الأخير، فما بالكم هنا تستدلُّون به على أنَّ التشهُّد الأول واجب لا رُكن؟ فالجواب عنه: أن نقول: إنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما نسيَ التشهُّدَ الأول لم يَعُدْ إليه وجَبَرَه بسجود السَّهو (¬2)، ولو كان رُكناً لم ينجبر بسجودِ السَّهوِ. والدليل على أن الأركان لا تنجبر بسجود السَّهو: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما سَلَّم مِن ركعتين مِن صلاة الظُّهر أو العصر أتمَّها وأتى بما تَرَكَ وسَجَدَ للسَّهو (¬3)، فدلَّ هذا على أنَّ الأركان لا تسقط بالسَّهو، ولا بُدَّ مِن الإِتيان بها، وعلى هذا فنقول: لمَّا سَقَطَ التشهُّدُ الأول بالسَّهو دَلَّ ذلك على أنَّه واجبٌ تصحُّ الصَّلاةُ بدونه مع السَّهو، ولا تصحُّ بدونه مع العمد. وقوله: «وجلسته» بفتح الجيم، ولا يصحُّ أن نقول ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (161). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الأولى (830)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له (570) (85). (¬3) تقدم تخريجه ص (266).

وما عدا الشرائط، والأركان، والواجبات المذكورة سنة

«وجِلسته» بكسر الجيم ـ لأنَّك لو قلت: «وجِلسته» بكسر الجيم، لزم أن تكون هيئة الجلوس واجبة وهي الافتراش، والافتراش ليس واجباً، بل هو سُنَّة، والواجب هو الجلوس على أيِّ صفة. قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: وفَعْلَة لمرَّة كجَلسة وفِعْلة لهيئة كجِلسة إذا أُريد الصفة والكيفية قيل: فِعْلَة بكسر الفاء، وإذا أُريد المرَّة قيل: فَعْلَة، بفتحها. والمراد هنا: الجلوس وليس الهيئة، فلو جَلَسَ للتشهُّدِ الأول متربِّعاً أجزأ. وقوله: «جَلسته» هل يمكن التشهُّد بدون جلوس؟ الجواب: يمكن أن يتشهَّد وهو قائم، أو يتشهَّد وهو ساجد، فلا بُدَّ أن يكون التشهُّدُ كُلُّه في حال الجلوس. وَمَا عَدَا الشَّرَائِط، وَالأَْرْكَانِ، وَالْوَاجِبَاتِ المَذْكُورَة سُنَّةٌ ....... قوله: «وما عدا الشرائط، والأركان، والواجبات المذكورة سُنَّة» فالواجبات ثمانية سبقت أدلتُها، ولكن في بعضها خلاف، فالتشهُّدُ الأول قيل: إنه سُنَّة (¬1). واستُدِلَّ لذلك بسقوطه بالسَّهو. والتكبيرات غير تكبيرة الإِحرام، والتسميع، والتحميد: قيل أيضاً: إنها سُنَّة (¬2). واستُدِلَّ لذلك: بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يذكرها للمسيء في صلاته (¬3). ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 430). (¬2) «المجموع» (3/ 364). (¬3) تقدم تخريجه (19).

أما تكبيرة الإِحرام فبالاتفاق أنها رُكنٌ (¬1)، ولكن الأقرب: أن التسميع، والتحميد، والتكبيرات غير ما استُثني واجبة، وسبقت الأدلَّة في ذلك (¬2). أما التشهُّد الأول فنقول: إن عَدَمَ رجوع الرسول صلّى الله عليه وسلّم إليه لا يمنع الوجوب، لكنه يمنع القول بالرُّكنية، بل قد يقال: إنَّ سجودَه للسَّهو لتركه يدلُّ على الوجوب، لأن الأصل مَنْعُ الزيادة في الصَّلاةِ، وسُجود السَّهو قبل السَّلام زيادة في الصَّلاة، ولا ينتهك هذا المَنْع إلا لفعل واجب، فإذا وَجَبَ سجود السَّهو لتركه دَلَّ ذلك على وجوبه، وإلا لكان وجودُه وعدمه سواء. وفي قوله: «الشرائط» فَعائل جَمْعُ فَعيلَة، كصحائف جَمْعُ صحيفة، فكأن المؤلِّف ـ رحمه الله ـ عَبَّرَ بالشرائط التي واحدها شريطة. ما يجب للصَّلاة قبلها، وتتوقَّفُ عليها صحَّتها، كاستقبال القبلة، والطهارة، وسَتْر العورة، وما أشبه ذلك (¬3). وقوله: «والأركان» سبقت أيضاً، والفَرْقُ بينها وبين الشرائط: أن الشرائط خارج الصلاة، والأركان في نفس الصلاة، فهي ماهيَّة الصلاة (¬4). وقوله: «والواجبات» بالكسر؛ لأنها جَمْعُ مؤنَّث سالم، وجَمْعُ المؤنث السالم نصبه يكون بالكسر. ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 126)، «المجموع» (3/ 250). (¬2) انظر: ص (316). (¬3) انظر: (2/ 84). (¬4) انظر: ص (291).

قوله: «المذكورة» بالنصب؛ لأنها صفة لمنصوب. واعلم أنَّ «عدا» إذا اقترنت بها «ما» وَجَبَ نصب ما بعدها؛ لأنَّها تتعيَّن أن تكون فِعْلاً، وإنْ لم تقترن بها «ما» جاز فيما بعدها وجهان: 1 ـ الجر على أنها حرف جر. 2 ـ النصب على أنَّها فِعْل. قوله: «سُنَّة» السُّنَّة في اصطلاح الفقهاء: هي ما أُمِرَ به لا على سبيل الإِلزام بالفعل. فتجتمع هي والواجب في أن كلًّا منهما مأمور به، وتنفصل عن الواجب أن: الواجب على سبيل الإِلزام، والسنَّة على غير سبيل الإِلزام. فإن قال قائل: أيُّها أفضل الواجب أم السُّنَّة؟ قلنا: الأفضل الواجب بدليل السمع والعقل: فالدليل السمعي: قوله سبحانه وتعالى في الحديث القُدسي: «ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه» (¬1) وهذا صريح. والدليل العقلي: أن إيجاب الله له على العباد يدلُّ على تأكُّده، وأنه لا يستقيم الدِّين إلا به، وعَدَم إلزام الله العباد بالسُّنَّة يَدلُّ على أنها ليست كتأكُّد الواجب، وما كان أوكد ففعله أحبّ إلى الله بلا شَكٍّ، ولولا محبَّة الله له ما ألزم به العباد، ومِن العجيب أن الشيطان يُخفِّفُ على الإِنسان أن يتصدَّق بالعشرة مِن ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (6502).

فمن ترك شرطا لغير عذر غير النية فإنها لا تسقط بحال

ماله، ويُثقل عليه أن يؤدِّي درهماً واحداً زكاة عن ماله، فتجدُ الناسَ في باب الزَّكاة أشِحَّاء بُخلاء يلتمسون الرُّخص لعلهم يجدون عالماً يقول: ليس عليكم زَكاة في هذا. لكن في باب الصَّدقَة لا يهمُّه أن يتصدَّق بأكثر من الزَّكاة، فيجيء الشخص ويقول: ما تقول في الدَّيْنِ إذا كان على مُعْسِرٍ، هل فيه زكاة؟ فإذا قلت: نعم فيه زكاة؛ لأنه مالك تملِكُ أن تسقطه، وتملِكُ أن تطالب به، ولو متَّ لوُرِثَ عنك، فعليك الزكاة فيه، ولو كان على شخص مُعْسِرٍ، وهذا هو المشهور من مذهب الإِمام أحمد (¬1)، فيقول: عندي في هذه الفتوى نَظَرٌ، وهو عامي. ثم يذهب إلى عالم آخر ويقول: ما تقول في دَيْنٍ على مُعْسِرٍ هل فيه زكاة؟ قال: لا، الدَّيْنُ الذي على مُعْسِرٍ كالمعدوم؛ لأنه لا يمكنك شرعاً أن تُطالب به، ولا أن تُطالب الشخص، قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} قال: هذا هو الراجح، لأنه وافق هواه. حتى في الصَّلاة الفريضة؛ يأتي الشيطان فيلعب على الإِنسان بالوساوس، ويفتح عليه كلَّ باب، فإذا جاءت النافلةُ خَشَعَ خشوعاً عجيباً، وهذا مِن الشيطان؛ لأنك إذا كنت تعطي النافلةَ شيئاً فأعطِ الفريضةَ أشياء؛ لأنها أحبُّ إلى الله، وهي رأس مالك في الحقيقة. فَمَنْ تَرَكَ شَرْطاً لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرَ النِّيَّةِ فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُط بِحَالٍ، ........... قوله: «فمن ترك شَرْطاً لغير عُذر غير النية فإنها لا تسقط بحال» أي: مَن تَرَكَ شرطاً لغير عُذر بطلت صلاتُه، ولعُذر لم تبطل. ¬

_ (¬1) يأتي إن شاء الله في المجلد السادس.

أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته

مثال ذلك: صَلَّى عُرياناً وهو قادر على السَّتر، نقول: تَرَكَ شرطاً لغير عُذر فتبطل صلاتُه. صَلَّى إلى غير القِبْلة، وهو يعلم القِبْلة تبطل صلاتُه، لأنه تَرَكَ شرطاً لغير عُذر. تَرَكَ الوُضُوء وصَلَّى، فصلاتُه باطلة، لأنه تَرَكَ الشرطَ مِن غير عُذر، أما إذا تَرَكَه لعُذر صحَّت الصلاة. فلو صَلَّى بغير وُضُوء ولا تيمُّم ـ لعدم القدرة عليهما ـ صحَّت صلاته. والمؤلِّف ـ رحمه الله ـ استثنى «النية» لأن النية محلُّها القلب، ولا يمكن العجز عنها، لكن في الحقيقة يمكن النسيان فيها، مثل أن يأتي الإِنسان ليصلِّي الظُّهر، ثم يغيب عن خاطره نيةُ الظهر، وينوي العصر، وهذا يقع كثيراً، فهل تصحُّ صلاته أم لا؟ الجواب: لا تصحُّ؛ لأنه عَيَّنَ خِلاف فَرْضِ الوقت، فلا تصحُّ، لأن النيَّة لا تسقط بحال. بقي أن يُقال: لو صَلَّى الإِنسان قبل الوقت، وهو يظنُّ أن الوقت قد دخل، فما حكم صلاته؟ الجواب: صلاته لا تجزئه عن الفرض، ويجب عليه إعادة الصلاة بعد دخول الوقت، وهذا مما يُستدرك على المؤلِّف؛ لأن ظاهر قوله: «لغير عذر» أن هذه الصورة التي ذكرت تصحُّ فيها الصلاة، مع أن الصلاة لا تصحُّ، فكلام المؤلِّف فيه شيء مِن الاستدراك على حسب التفصيل الذي ذكرنا. أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ رُكْنٍ أَوْ وَاجِبٍ بَطُلَتْ صَلاَتُه .......... قوله: «أو تعمد ترك ركن، أو واجب بطلت صلاته»، مثال تَرْكِ الرُّكن: أن يتعمَّد تَرْكَ الركوع، ويسجد مِن القراءة إلى السُّجود فصلاته باطلة.

بخلاف الباقي

ولو أنه ندم وهو ساجد، ثم قام وأتى بالرُّكوع فلا ينفعه؛ لأنه بمجرد تَرْكه تبطل الصلاة، وعليه أن يعيد الصلاة من جديد. ومثال تَرْكِ الواجب: لو تَرَكَ التشهُّد الأول متعمِّداً حتى قام، ثم ندم ورجع، فتبطل صلاته وإنْ رَجَعَ، لأنّه تعمَّد تَرْكه، وإذا تعمَّد تَرْكَ واجب بطلت صلاته. بِخِلاَفِ البَاقِي، ........... قوله: «بخلاف الباقي» أي: بعد الشروط، والأركان، والواجبات، فإن الصلاة لا تبطل بتَرْكه، ولو كان عمداً؛ لأنها سُنَنٌ مكمِّلة للصلاة، إن وُجِدَت صارت الصلاة أكمل، وإن عُدِمَت نقصت الصلاة، ولكنه نقص كمال، لا نقص وجوب. وَمَا عَدَا ذلِكَ سُنَنٌ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ لاَ يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ، وإنْ سَجَدَ فَلاَ بَأْسَ ............... قوله: «وما عدا ذلك سُنن أقوال وأفعال» أي: ما عدا أركان الصلاة وواجباتها، وكلمة «ما» هنا بمعنى الذي، أي: والذي عدا ذلك. ومعنى «عدا»: أي: جاوز ذلك. سُنن أقوال: أي: يُسَنُّ قولها. وأفعال: أي: يُسَنُّ فِعْلها. والسُّنَّة عند الفقهاء ـ رحمهم الله ـ غير السُّنَّة في اصطلاح الصحابة والتابعين، لأن السُّنَّة في اصطلاح الصحابة والتابعين تعني الطريقة، وقد تكون واجبة، وقد تكون مستحبَّة، فقول أنس بن مالك مثلاً: «مِن السُّنَّة إذا تزوَّج البكرَ على الثيب أقام عندها سبعاً، ثم قَسَمَ» (¬1)، السُّنَّة هنا الواجبة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب إذا تزوج الثيب على البكر (5213)؛ ومسلم، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج ... (1461) (44).

وما وَرَدَ عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه قال: «من السُّنَّة وَضْعُ اليد على اليد في الصلاة» (¬1)، وَوَرَدَ عن عليٍّ نحوه (¬2)، فهذا يعني به السُّنَّة المستحبَّة، لكن عند الفقهاء إذا قالوا: سُنَّة؛ فإنما يعنون السُّنَّة المستحبَّة فقط؛ من أجل التبيين والتوضيح والتفريق للناس بين الواجب الذي لا بُدَّ منه، وبين المستحب الذي يمكن تركه. فمثلاً: الاستفتاح: سُنَّة، البسملة: سُنَّة، التعوذ: سُنَّة، قول آمين: سُنَّة، الزيادة على قراءة الفاتحة: سُنَّة، الزيادة على تسبيح الركوع والسجود: سُنَّة، وهذه سنن قولية، والجهر بالقراءة في موضعه: سُنَّة فعلية؛ لأن الجهر صفة للقراءة، وكذلك تطويل القراءة يُعتبر سُنَّة فِعْلية، أما المطول أو المجهور به فإنه قولي، الإِسرار بالقراءة في موضعه: سنة فعلية. قوله: «لا يُشرع السجود لتركه، وإن سجد فلا بأس» كلمة «لا يُشرع» تشمَل الواجب والمستحب، فالواجب يُقال له: مشروع، والمستحبُّ يُقال له: مشروع، لأن كلًّا منهما مطلوب من الإنسان ومشروع أن يفعله. فقوله: «لا يُشرع السجود لتركه»، أي: لا يجب ولا يُسَنّ. مثال ذلك: رَجُلٌ نسيَ أن يقرأ البسملةَ في الفاتحة، فإذا قلنا بالقول ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (754). قال النووي: «رواه أبو داود بإسناد حسن». «المجموع» (3/ 312). (¬2) تقدم تخريجه ص (36).

الصحيح (¬1) أنها ليست من الفاتحة، وإنها سُنَّة فهل يسجد للسهو؟ نقول: لا يُشرع له أن يسجد للسهو، لأن هذا سُنَّة إنْ جاء به فهو أكمل، وإن لم يأتِ به فلا حَرَجَ، وعلى هذا فلا يُشرع السُّجود لتركه. مثال آخر: رَجُلٌ تَرَكَ رَفْعَ اليدين عند الركوع، هل يُشرع أن يسجد للسهو؟ الجواب: لا يُشرع أن يسجد؛ لأنه سُنَّة، وعلى هذا؛ فكل سُنَّة يتركها المُصلِّي، فإنَّ السُّجودَ لها غير مشروع، لا على سبيل الوجوب، ولا على سبيل الاستحباب. هذا تقرير كلام المؤلِّف ـ رحمه الله ـ. وعُلِّلَ ذلك: بأنه تَرْكٌ لا تبطل به الصلاةُ، فلا يجب به السجود، وإذا لم يجب فلا دليل على مشروعيته، فلا يكون السُّجود له مشروعاً، لا على سبيل الوجوب، ولا على سبيل الاستحباب. وقوله: «وإن سجد فلا بأس» أي: أنه لو سَجَدَ لِتَرْكِ سُنَّة فلا نقول: إن صلاتك تبطل؛ لأنك زدت زيادة غير مشروعة، ونفيُ المشروعية في كلام المؤلِّف ليس نفيًّا مطلقاً، وإلا لكان السجودُ بدعة، وكان مبطلاً للصلاة، كما قال بعض الفقهاء (¬2) قال: إنه إذا سَجَدَ لِتَرْكِ السُّنَّة فصلاتُه باطلة؛ لأننا إذا قلنا: لا يشرع؛ صار بدعة، وكل بدعة ضلالة، فإذا سَجَدَ فقد أتى بزيادة غير مشروعة فتبطل الصلاةُ، لكن المذهب: أن السجود لا بأس به، إلا أنه غير مشروع. والقول الثاني (651): أنَّ سجودَ السَّهو مشروع لترك المسنون، ¬

_ (¬1) انظر: ص (57). (¬2) «الإنصاف» (3/ 680 ـ 682).

سواء كان مِن سُنَنِ الأقوال أم الأفعال؛ لعموم حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا نسيَ أحدُكم فَلْيَسْجدْ سجدتين» (¬1)، ولأنه إذا طُلب منه السجود انتبه لفعله حتى لا يتكرَّر منه السُّجود في كلِّ صلاة؛ لأن الغالب نسيان تلك السُّنَن؛ خصوصاً مَنْ لم يُواظب عليها. وهذا الذي ذكره المؤلف ـ مِن كونه لا يُشرع السجود لتركه، وأنه إنْ سجد فلا بأس به ـ يدلُّ على قاعدة مفيدة وهي: أنَّ الشيء قد يكون جائزاً، وليس بمشروع، أي: يكون جائزاً أن تتعبَّد به، وليس بمشروع أن تتعبَّد به، وقد ذكرنا لهذا أمثلة فيما سبق يحضرنا منها: أولاً: فِعْلُ العبادة عن الغير، كما لو تصدَّقَ إنسان لشخص ميت، فإن هذا جائز؛ لكن ليس بمشروع، أي: أننا لا نأمر الناس بأن يتصدَّقوا عن أمواتهم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يأمرْ به، ولم يفعله هو بنفسه حتى يكون مشروعاً، فهو لم يقل للأمة: تصدَّقوا عن أمواتكم، أو صوموا عنهم، أو صلُّوا عنهم، أو ما أشبه ذلك، ولم يفعله هو بنفسه، غاية ما هنالك أنه أَمَرَ من مات له ميت وعليه صيام أن يصوم عنه (¬2) لكن هذا في الواجب، وفَرْقٌ بين الواجب وغير الواجب. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة (572) (94). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصيام، باب من مات وعليه صوم (1952)؛ ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت (1147) (153).

ومنها: الرَّجُل الذي أمَّرَهُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على سريَّة بعثها؛ فكان يقرأ ويختم لهم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} فأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك (¬1) ولكنه لم يقل للأمة: إذا قرأتم في صلاتكم فاختموا بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ولم يكن هو أيضاً يفعله عليه الصلاة والسلام، فدلَّ هذا على أنه ليس بمشروع، لكنه جائز لا بأس به. ومنها أيضاً: الوِصال إلى السَّحر للصائم، فإنه جائز، أي: يجوز ألا يفطر إلا في آخر الليل، أقرَّه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السَّحر» (¬2) لكنه ليس بمشروع، أي: لا نقول للناس: الأفضل أن يمسكوا حتى يكون السَّحَر، بل نقول: الأفضل أن يبادروا بالفِطر. وهذه المسألة التي ذكرها المؤلِّف رحمه الله أنه إذا تَرَكَ سُنَّة قولية أو فِعْلِيَّة في الصلاة؛ لم يُشرع له السُّجود، وإن سجد فلا بأس. وعندي في ذلك تفصيل، وهو: أن الإِنسان إذا تَرَكَ شيئاً من الأقوال أو الأفعال المستحبَّة نسياناً، وكان من عادته أن يفعله فإنه يُشرع أن يسجد جَبْراً لهذا النقص الذي هو نَقْصُ كمال، لا نقص واجب؛ لعموم قوله في الحديث: «لكلِّ سهو سجدتان» (¬3)، وفي ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم أمته إلى توحيد الله (7375)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} (813) (263). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب الوصال إلى السَّحَر (1967). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (5/ 280)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من نسي أن يتشهد (1038)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام (1219). قال ابن حجر رحمه الله: «بسند ضعيف». «بلوغ المرام» (361).

«صحيح مسلم»: «إذا نسيَ أحدُكم، فَلْيَسْجُدْ سَجدتين» (¬1) فإن هذا عام، أما إذا تَرَكَ سُنَّة ليس من عادته أن يفعلها، فهذا لا يُسَنُّ له السُّجود، لأنه لم يطرأ على باله أن يفعلها. مسألة: مِن جملة المسنونات في الصلاة الخشوع، وليس الخشوع الذي هو البكاء، ولكن الخشوع حضور القلب وسكون الأطراف، أي: أن يكون قلبك حاضراً مستحضراً ما يقول وما يفعل في صلاته، ومستحضراً أنه بين يدي الله عزّ وجل، وأنه يناجي رَبَّه، ولا شَكَّ أنه مِن كمال الصلاة، وأن الصلاة بدونه كالجسد بلا روح. وذهب بعضُ أهل العلم، إلى أن الخشوع في الصلاة واجب، وأنه إذا غَلَبَ الوسواسُ على أكثر الصَّلاةِ فإنَّها لا تصحُّ، وهذه قد تُشْكِلُ في بادئ الأمر ويقال: لو قلنا بهذا القول لأوجبنا على الناس غالباً كلَّما صلُّوا أن يعيدوا صلاتهم، وإذا صَلُّوا المعادة وحصل وسواس أعادوا وهلم جَرَّا! لكن عندي أن هذا ليس بوارد؛ لأن الإِنسان إذا أُمِرَ أن يعيد صلاةً مرَّة واحدة فإنه في المستقبل سوف يخشع ولا يفكِّرُ في شيء، فالقول بأنه من الواجبات، وأنه إذا غَلَبَ الوسواسُ على أكثر الصلاة بطلت الصلاة؛ لا شَكَّ أنه قولٌ وجيه، لأن الخشوع لُبُّ الصلاة وروحها، إلا أنه يعكِّرُ على وجاهته ما أخبر به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بأن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (332).

الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله ضُرَاطٌ ـ من شِدَّة وَقْعِ الأذان عليه ـ ثم إذا فَرَغَ الأذان حضر، وإذا حضر دَخَلَ على الإِنسان في صلاته، يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لِمَا لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صَلَّى (¬1). فهذا الحديث نصٌّ بأن الوسواس وإنْ كَثُرَ لا يبطل الصلاة، وكذلك عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها؛ ما لم تعمل أو تتكلَّم» (¬2) فإنه يشمَل مَنْ كَثُرَ وسواسه في صلاته. وعلى كُلِّ حال؛ ينبغي للإِنسان أن يحاول بقَدْرِ ما يستطيع حضور قلبه في الصلاة، ولا شَكَّ أن الشيطان سوف يهاجمه مهاجمة كبيرة، لأنه أقسم بعزَّةِ الله أن يغوي جميع الناس إلا عباد الله المخلصين، لكن كلما هاجمك استعذْ بالله من الشيطان الرجيم، كما أَمَرَ بذلك النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (¬3) ولا تزال تعوِّد نفسك على حضور القلب في الصلاة حتى يكون عادة لك. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (221). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق (2528)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس (127) (201). (¬3) تقدم تخريجه ص (225).

باب سجود السهو

باب سجود السَّهو سجود السَّهو من باب إضافة الشيء إلى سببه، والإِضافات كثيرة الأنواع، فقد يُضاف الشيء إلى زَمَنِهِ، وقد يُضاف إلى مكانه، وقد يُضاف إلى سببه، وقد يُضاف إلى نوعه، ويقدِّرون الإِضافة أحياناً بـ «اللام»، وأحياناً بـ «من»، وأحياناً بـ «في»، وأكثرها ما يقدر بـ «اللام». فيقدَّر بـ «في» إذا كان المضاف إليه ظرفاً للمضاف، وبـ «من» إذا كان جنساً له أو نوعاً، وبـ «اللام» فيما عدا ذلك. فقوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ} [سبأ: 33] هذا على تقدير «في» لأن الليل والنهار ظرف للمكر، وقولك: «خاتم حديد» على تقدير «من»؛ لإضافته إلى النوع، وقولك: «كتاب زيد» على تقدير «اللام». وسجود السَّهو على تقدير اللام، أي: السُّجود للسهو، أي: الذي سببه السَّهو. والسَّهو تارة يتعدَّى بـ «عن» وتارة يتعدَّى بـ «في». فإن عُدِّيَ بـ «عن» صار مذموماً؛ لأنه بمعنى الغفلة والتَّرْكِ اختياراً، وإنْ عُدِّي بـ «في» صار معفواً عنه؛ لأنه بمعنى ذهول القلب عن المعلوم بغير قصد، فإذا قلت: سها فلان في صلاته، فهذا من باب المعفو عنه، وإذا قلت: سها فلان عن صلاته، صار من باب المذموم، ولهذا قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *}

يشرع لزيادة، ونقص، وشك

{الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *} [الماعون] أي: غافلون لا يهتمُّون بها ولا يقيمونها، فهم على ذِكْرٍ من فِعْلِهم، بخلاف السَّاهي في صلاته، فليس على ذِكْرٍ من فِعْلِه. قال بعض العلماء: الحمد لله الذي قال: (عن صلاتهم ساهون) ولم يقل: (في صلاتهم ساهون). والمراد هنا السهو في الصلاة. والسَّهو في الصلاة وَقَعَ مِن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه مقتضى الطبيعة البشرية، ولهذا لمَّا سها في صلاته قال: «إنما أنا بَشَرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني» (¬1) فهو من طبيعة البشر، ولا يقتضي ذلك أن الإِنسان مُعْرِضٌ في الصلاة؛ لأننا نجزم أن أعظم الناس إقامة للصلاة هو الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومع ذلك وَقَعَ منه السَّهو. والسهو الوارد في السُّنَّة أنواع: زيادة، ونقص، وشَكٌّ. وكلُّها وردت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. يُشْرَعُ لِزِيَادَةٍ، وَنَقْصٍ، وَشَكٍّ، ............. قوله: «يُشرع لزيادة ونقص، وشَكٍّ». «يشرع»: أي: يجب تارة، ويُسَنُّ أخرى. «لزيادة»: اللام للتعليل، أي: بسبب زيادة أو نقص أو شَكٍّ، ولكن في الجملة، لا في كُلِّ صورة؛ لأنه سيأتينا أن بعض الزيادات والنقص والشكوك لا يُشرع له السُّجود، فلهذا نقول: يشرع للزيادة، أي: أنَّ سبب مشروعيته الزيادة والنقص والشَّكُّ، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ص (322).

لا في عمد في الفرض، والنافلة

ولا يعني ذلك أن كلَّ زيادة أو نقص أو شَكٍّ فيه سجود، بل على حسب التفصيل الآتي. فأسباب السجود ثلاثة: 1 ـ الزيادة. 2 ـ النقص. 3 ـ الشَّكُّ. لاَ فِي عَمْدٍ فِي الْفَرْضِ، والنَّافِلَةِ ......... قوله: «لا في عَمْدٍ» أي: لا يُشرع في العمد؛ وذلك لأن العمد إن كان بترك واجب أو رُكن فالصَّلاة باطلةٌ؛ لا ينفع فيها سُجود السَّهو، وإن كان بترك سنَّة فالصَّلاة صحيحة، وليس هناك ضرورة إلى جَبْرِها بسجود السهو، لكن ذَكَرَ بعض العلماء: أنَّ مَنْ زاد جاهلاً فإنه يُشرع له سجود السهو. قوله: «في الفرض والنافلة» أي: يُشرع إما وجوباً أو استحباباً في صلاة الفَرْض وفي صلاة النَّفْل، لكن بشرط أن تكون الصلاة ذات ركوع وسجود، احترازاً مِن صلاة الجنازة، فإنَّ صلاة الجنازة لا يُشرع فيها سجود السَّهو؛ لأنها ليست ذات رُكوع وسُجود، فكيف تُجبر بالسجود؟ لكن كلُّ صلاة فيها ركوع وسجود فإنها تُجْبَرُ بسجود السهو، الفريضة والنافلة. فإن قال قائل: هل توجبون سجود السَّهو في صلاة النافلة فيما لو ترك واجباً من واجبات الصلاة؟ فالجواب: نعم؛ نوجبه. فإن قال: كيف توجبون شيئاً في صلاة نَفْلٍ، وصلاة النَّفْلِ أصلاً غير واجبة؟

فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة قياما، أو قعودا، أو ركوعا أو سجودا عمدا بطلت

نقول: إنه لما تلبَّس بها وَجَبَ عليه أن يأتي بها على وَفْقِ الشريعة، وإلا كان مستهزئاً، وإذا كان لا يريد الصلاة فمن الأصل لا يُصلِّي، أما أن يتلاعب فيأتي بالنافلة ناقصة ثم يقول: لا أجبرها، فهذا لا يوافق عليه. فَمَتَى زَادَ فِعْلاً مِنْ جِنْسِ الصَّلاَةِ قِيَاماً، أَوْ قُعُوداً، أَوْ رُكُوعاً أَوْ سُجُوداً عَمْداً بَطُلَتْ. ........... قوله: «فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة» احترازاً مما لو زاد قولاً، واحترازاً مما لو زاد فِعْلاً مِن غير جنس الصلاة، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك (¬1). هذان شرطان: أن يكون فِعْلاً، وأن يكون مِن جنس الصلاة. قوله: «قياماً» أي: في محلِّ القعود. قوله: «أو قعوداً» أي: في محلِّ القيام. قوله: «أو ركوعاً» أي: في غير محلِّه. قوله: «أو سجوداً» أي: في غير محلِّه. فهل المراد هذه الأنواع الأربعة من الأفعال فقط دون غيرها، أم أن هذا على سبيل التمثيل؟ الظاهر: أن المراد بالفعل ما ذَكَرَهُ المؤلِّف وبيَّنه بقوله: «قياماً» أو «قعوداً» أو «ركوعاً» أو «سجوداً»؛ لأن كلمة «فعْل» هذه مجملة، وقوله: «قياماً» «قعوداً» «ركوعاً» «سجوداً» هذه مبيِّنة، فالظاهر: أن هذا هو المراد، وأنه لو زَادَ فِعْلاً غير هذه الأفعال الأربعة كرَفْعِ اليدين مثلاً في غير مواضع الرَّفْع، فإنه لا يدخل في ¬

_ (¬1) انظر: ص (353).

وسهوا يسجد له، وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد

عموم كلام المؤلِّف، فلا تبطل الصلاة بعمده، ولا يجب السجود لسهوه. ولو رَكَعَ مرَّتين عمداً في غير صلاة الكسوف بطلت صلاتُه، ولو سَجَدَ ثلاث مرَّات عمداً بطلت صلاتُه، ولو قَعَدَ في محلِّ القيام عمداً بطلت صلاتُه، ولو قام في محلِّ القعود عمداً بطلت صلاتُه، قال في «الروض»: «إجماعاً» (¬1) يعني»: أن العلماء رحمهم الله أجمعوا على ذلك، ودليل هذا قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬2). وَسَهْوَاً يَسْجُدُ لَهُ، وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا سَجَدَ، .......... قوله: «وسهواً يسجد له» هذه معطوفة على «عمداً» أي: ومتى زاد قياماً، أو قعوداً، أو ركوعاً، أو سجوداً سهواً يسجد له؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر مَنْ زاد في صلاته أن يسجدَ سجدتين (¬3)، هذا دليل من القول. ودليل من الفعل: أنه صلّى الله عليه وسلّم لما صَلَّى خمساً في حديث عبد الله بن مسعود، وقيل له: صَلَّيت خمساً، ثنى رجليه فَسَجَدَ سجدتين (¬4). قوله: «وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد» مثاله: رَجُلٌ صَلَّى الظُّهر خمساً، ولم يعلم إلا في التشهُّدِ، فهنا زاد ركعة ولم يعلم حتى فَرَغَ مِن الركعة. ¬

_ (¬1) «الروض المربع مع حاشية ابن قاسم» (2/ 140). (¬2) تقدم تخريجه ص (5). (¬3) تقدم تخريجه ص (332). (¬4) تقدم تخريجه ص (332).

ويحتمل في قوله: «حتى فرغ منها» أي فرغ من الصلاة فيكون المثال المطابق لهذا الاحتمال: رَجُلٌ لما سَلَّم مِن الصلاة ذَكَرَ أنه صَلَّى خمساً، وعلى هذا فيكون قوله: «سَجَد» أي: بعد السلام. فإذا زاد ركعة ولم يعلم حتى فَرَغَ منها فإنه يسجد للسهو وجوباً، فإن عَلِمَ قبل أن يُسلِّم فهل يسجد قبل السلام، أو يسجد بعده؟ الجواب: يسجد بعد السلام، فيكمِّل التشهُّد ويُسلِّم، ويسجد سجدتين ويُسلِّم. ودليل ذلك: 1 ـ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما صَلَّى خمساً وأخبروه بعد السلام ثنى رجليه وسجد وسَلَّم، وقال: «إذا شَكَّ أحدكم فليتحرَّ الصوابَ، ثم لِيَبْنِ عليه» (¬1) ولم يقلْ: متى علم قبل السلام فليسجد قبل السلام، فلما سجد بعد السلام ولم ينبِّه أن محل السجود لهذه الزيادة قبل السلام؛ علم أن السجود للزيادة يكون بعد السلام. 2 ـ حديث ذي اليدين؛ فإن «النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سلَّم من ركعتين، ثم ذكَّروه، فأتمَّ الصلاةَ وسلَّم، ثم سَجَدَ سجدتين وسلَّم» (¬2) وهذا السجود لزيادة السلام في أثناء الصلاة وليس كما يتوهمه بعض الناس سجوده عن نقص حيث سلم قبل إتمام الصلاة لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتى بما بقي. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (332). (¬2) تقدم تخريجه ص (266).

وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد، وسلم

3 ـ أن الزيادة زيادة في الصلاة، وسجود السَّهو زيادة أيضاً، فكان من الحكمة أن يؤخِّرَ سجود السهو إلى ما بعد السلام؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان. إذاً؛ دلَّ على أن السجود للزيادة بعد السلام النصُّ مِن السُّنَّة، والمعنى مِن الحكمة. وَإِنْ عَلِمَ فِيهَا جَلَسَ فِي الْحَالِ فَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ وَسَجَدَ، وَسَلَّمَ. قوله: «وإن علم فيها» أي: إنْ عَلِمَ بالزيادة في الرَّكعة التي زادها. قوله: «جلس في الحال» أي: في حال علمه، ولا يتأخَّر حتى لو ذَكَرَ في أثناء الرُّكوع أن هذه الرَّكعة خامسة يجلس، وقد يتوهَّمُ بعضُ طَلَبَةِ العِلم في هذه المسألة أن حكمها حكم من قام عن التشهُّد الأول، فيظن أنه إذا قام إلى الزائدة وشَرَعَ في القراءة حَرُمَ عليه الرجوع، وهذا وهمٌ وخطأ، فالزائد لا يمكن الاستمرار فيه أبداً، متى ذكر وجب أن يرجع ليمنع هذه الزيادة؛ لأنه لو استمر في الزيادة مع عِلْمِهِ بها لزاد في الصلاة شيئاً عمداً، وهذا لا يجوز؛ وتبطل به الصَّلاة. قوله: «فَتَشَهَّد إن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ» أي: أنه إذا علم بالزيادة فجلس فإنه يقرأ التشهُّدَ، إلا أن يكون قد تشهَّد قبل أن يقوم للزيادة، وهل يمكن أن يزيد بعد أن يتشهَّد؟ الجواب: نعم يمكن، وذلك بأن يتشهَّد في الرابعة، ثم ينسى ويظنُّ أنها الثانية، ثم يقوم للثالثة في ظَنِّه، ثم يذكر بعد القيام بأن هذه هي الخامسة وأن التشهد الذي قرأه هو التشهُّد الأخير. فقول المؤلِّف: «يتشهَّد إن لم يكن تشهَّد» له معنًى صحيح.

قوله: «وسَجَدَ وسَلَّم» ظاهر كلامه ـ رحمه الله ـ أنه يسجد قبل السلام، فإن كان هذا مراده وهو مراده وهو المذهب (¬1). لأنهم لا يرون السجود بعد السلام؛ إلا فيما إذا سَلَّمَ قبل إتمامها فقط، وأمَّا ما عدا ذلك فهو قبل السَّلام، لكنَّ القول الرَّاجح الذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (¬2) أن السجود للزيادة يكون بعد السلام مطلقاً. مسألة: إذا قام إلى ثالثة في الفجر ماذا يصنع؟ الجواب: يرجع ولو بعد القراءة، وكذلك بعد الرُّكوع يرجع ويتشهَّد ويُسلِّم ثم يسجد للسهو ويُسَلِّم، على القول الرَّاجح أن السجود هنا بعد السلام. مسألة: إذا قام إلى ثالثة في صلاة مقصورة، أي: رَجُلٌ مسافر قام إلى ثالثة، والثالثة في حَقِّ المسافر زيادة، فهل يلزمه الرُّجوع في هذه الحال، أو له أن يكمل؟ الجواب: هذا ينبني على القول بالقصر، إن قلنا: إن القصر واجب لزمه الرُّجوع، وهذا مذهب أبي حنيفة (¬3) وأهل الظَّاهر (¬4)، يرون أن قَصْرَ المسافر للصلاة واجب، وأنَّ مَن أتمَّ في موضع القصر فهو كمن صَلَّى الظُّهر ثمانياً؛ لأنه زاد نصف الصلاة. وعلى القول بأن القصر ليس بواجب نقول: إنه مخيَّر بين الإِتمام وبين الرجوع، لأنك إن أتممت لم تبطل صلاتك، وإنْ رجعت لم تبطل؛ لأنك رجعت خوفاً من الزيادة. ¬

_ (¬1) «المنتهى مع الشرح» (1/ 210). (¬2) «الإنصاف» (4/ 83). (¬3) «المغني» (3/ 122). (¬4) «المحلى» (3 ـ 4/ 264).

وإن سبح به ثقتان فأصر، ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته

والصحيح: أنه يرجع؛ لأن هذا الرَّجل دَخَلَ على أنه يريد أن يُصلِّي رَكعتين فليصلِّ ركعتين ولا يزيد، وفي هذه الحال يسجد للسَّهو بعد السلام. مسألة: رَجُلٌ يُصلِّي ليلاً وصلاة الليل مثنى مثنى، فقام إلى الثالثة ناسياً فهل يلزمه الرُّجوع؟ الجواب: يرجع، فإن لم يرجع بطلت صلاته؛ لأنه تعمَّد الزيادة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة الليل مثنى مثنى» (¬1)، ولهذا نصَّ الإِمام أحمد (¬2) على أنه إذا قام في صلاة الليل إلى ثالثة فكرجُلٍ قام إلى ثالثة في صلاة الفجر، أي: إن لم يرجع بطلت صلاته، لكن يُستثنى مِن هذا الوِتر، فإن الوِتر يجوز أن يزيد الإِنسان فيه على ركعتين، فلو أوتر بثلاث جاز، وعلى هذا فإذا دَخَلَ الإِنسان بالوتر بنيَّة أنه سيصلِّي ركعتين ثم يُسَلِّم ثم يأتي بالثالثة، لكنه نسي فقام إلى الثالثة بدون سلام، فنقول له: أتمَّ الثالثة؛ لأن الوتر يجوز فيه الزيادة على ركعتين. وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ ثِقَتَانِ فَأَصَرَّ، وَلَمْ يَجْزِمْ بِصَوَابِ نَفْسِهِ بَطُلَتْ صلاَتُهُ، ......... قوله: «وإن سَبَّحَ به ثقتان فأصَرَّ، ولم يَجْزِمْ بصواب نفسه بطلتْ صلاتُهُ» «سَبَّحَ به» أي قال: «سبحان الله» تنبيهاً له؛ لأن المشروع في تنبيه الإِمام إذا زاد أو نقص أن يُسبِّحَ مَنْ وراءه؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا نابكم شيءٌ في صلاتكم فليسبِّحِ الرِّجَال ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر (990)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى (749) (145). (¬2) «المنتهى مع شرحه» (1/ 210).

ولتُصفق النساء» (¬1). فإذا قام إلى الخامسة مثلاً فسبَّح به ثقتان وجب عليه الرُّجوع؛ إلا أن يجزم بصواب نفسه، فإن لم يرجع، وهو لم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته؛ لأنه تَرَكَ الواجب عمداً، وإنْ جزم بصواب نفسه لم يرجع. وفُهِمَ مِن كلام المؤلِّف: أنه إذا سَبَّحَ ثقتان فلا يخلو من خمس حالات: الأولى: أن يجزم بصواب نفسه، فيأخذ به ولا يرجع إلى قولهما. الثانية: أن يجزم بصوابهما. الثالثة: أن يغلب على ظَنِّه صوابهما. الرابعة: أن يغلب على ظَنِّه خطؤهما. الخامسة: أن يتساوى عنده الأمران. ففي هذه الأحوال الأربع يأخذ بقولهما على كلام المؤلِّف، والصحيح أنه لا يأخذ بقولهما إذا ظَنَّ خطأهما. مسألة: إن نَبَّهَه ثقتان بدون تسبيح، فهل يُعطى ذلك حكم التسبيح، يعني: إذا تنحنحوا له مثلاً؟ فالجواب: نعم إذا نَبَّهاه بغير التسبيح فكما لو نَبَّهاه بالتسبيح، وعلى هذا فيكون تقييد المؤلِّف ذلك بالتسبيح مِن باب ضَرْبِ المَثَل (¬2)، أو مِن باب الغالب، أو مراعاة للفظ الحديث، وقد عَبَّرَ بعض الفقهاء بقوله: «وإن نَبَّهه ثقتان» وهذه العبارة أشمل من عبارة المؤلِّف. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (264). (¬2) كما في «المنتهى» (1/ 210).

على كُلٍّ؛ إن نَبَّهَه ثقتان فإنه يلزمه الرجوع إلى قولهما؛ إلا أن يجزم بصواب نفسه، فإن لم يرجع، وهو لم يجزمْ بصواب نفسه بطلت صلاتُهُ؛ لأنه ترك الواجب عمداً، حيث إنه يلزمه إذا سَبَّحَ به ثقتان الرُّجوع. ودليل ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما ذكَّرَه ذو اليدين أنه صَلَّى ركعتين لم يرجع إلى قوله حتى سأل الصحابة فقال: «أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟» قالوا: نعم (¬1). ولو سَبَّحَ به رَجُلٌ واحد فقط فلا يلزمه الرُّجوع، ودليل ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يرجع إلى قول ذي اليدين. لكن إن غلبَ على ظَنِّه صِدْقُهُ أخذ بقوله على القول بجواز البناء على غلبة الظَّنِّ، وهو الصَّحيح. مسألة: لو سَبَّحَ رَجُلٌ بما يدلُّ على أن الإِمام زاد، وسَبَّحَ رَجُلٌ آخر بما يدلُّ على أنه لم يزدْ، فبقول أيِّ واحد منهما يأخذ؟ الجواب: يتساقطان، فلو قال له أحدهما لمَّا قام: «سبحان الله» فلما تهيَّأ للجلوس قال الثاني: «سبحان الله»، إذاً؛ تعارض عنده قولان، فيتساقطان، كلُّ قول يُسقط الآخر، ويرجع إلى ما في نفسه ويبني عليه. تنبيه: اشترط المؤلِّف لوجوب الرجوع إلى قول الثقتين ألا يجزم بصواب نفسه، فإن جزم بصواب نفسه حَرُمَ الرُّجوعُ إلى قولهما، يعني: لو قالا: «سبحان الله»، ولكنه يجزم أنه على ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (266).

وصلاة من تبعه عالما لا جاهلا أو ناسيا، ولا من فارقه

صواب، وأنهما مخطئان فلا يرجع إلى قولهما، لأنه لو رَجَعَ إلى قولهما لَرَجَعَ وهو يعلم أن قولَهُما خطأ، فتبطل صلاتُهُ. مسألة: إذا سبَّحَ به مجهولان؟ فلا يرجع إلى قولهما؛ لأنه لم يثبت كونهما ثقتين، ولكن الحقيقة أن الإِمام يقع في مثل هذا الحرج؛ لأنه يسمع التسبيح مِنْ ورائه ولا يدري مَن المسبِّح، قد يكون ثقة وقد لا يكون ثقة، لكن الغالب أن الإِمام في هذه الحال يكون عنده شَكٌّ، ويترجَّح عنده أن اللذين سَبَّحَا به على صواب. وحينئذ له أن يرجع إلى قولهما؛ لأن القول الراجح أنه يبني على غَلَبة الظَّنِّ. مسألة: فلو نَبَّهه امرأتان بالتصفيق، كأن صَلَّى رَجُلٌ بأُمِّه وأخته، وأخطأ، فنبهتاه بالتصفيق، فهل يرجع أم لا؟ فالجواب: يرجع؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا نَابَكم أَمْرٌ ـ يعني: في الصَّلاة ـ فليسبّح الرِّجَال، ولتصفق النساء» (¬1)، ولأن هذا خَبَرٌ ديني، فاستوى فيه الذكور والإِناث، ولأنه خَبَرٌ عن عَمَلٍ تُشارِكان فيه العاملَ، فلا يمكن أن تكذبا عليه، لأنه لو أخطأ أخطأتا معه، فلهذا نقول: إن المرأتين كالرَّجُلين. وَصَلاَةُ مَنْ تَبِعَهُ عَالِماً لاَ جَاهِلاً أَوْ نَاسِياً، وَلاَ مَنْ فَارَقَهُ. ........ قوله: «وصلاة من تبعه عالماً لا جاهلاً أو ناسياً، ولا من فارقه». يعني: إذا سَبَّحَ بالإمام ثقتان، ولم يرجعْ، وهو لم يجزم بصواب نفسِه؛ بطلت صلاتُهُ؛ لتركه الواجب عليه من الرُّجوع. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (264).

أمّا بالنسبة للمأمومين الآخرين، فإن كان عندهم عِلْمٌ كما عند المُنبِّهَين وَجَبَ عليهم أن يفارقوا الإمام، فإنْ لم يفارقوه وتابعوه؛ نظرنا: فإنْ كان ذلك عمداً بطلت صلاتُهم، وإنْ كان ذلك نسياناً لم تبطل؛ وعليهم سجود السَّهو إذا كان فاتهم شيء مِن الصَّلاة، وإنْ كان ذلك جهلاً بأنها زائدة أو جهلاً بالحكم لم تبطل صلاتُهم. وعُلِمَ من قوله: «ولا مَنْ فَارقه» أنه لا يجلس فينتظر الإمام؛ لأنه يرى أن صلاة الإمام باطلة، ولا يمكن متابعته في صلاة باطلة. لكن أحياناً يقوم الإمام لزائدة حسب عِلْم المأموم، وهي غير زائدة؛ لكون الإمام نسيَ قراءة الفاتحة في إحدى الرَّكعات، فأتى ببدل الرَّكعة التي نسيَ قراءة الفاتحة فيها، ففي هذه الحال ينتظره المأموم ليُسلِّمَ معه. فإنْ قيل: ما الذي يُدرِي المأموم أن الحال كذلك؟ فالجواب: أن إصرار الإمام على المضي في صلاته مع تنبيهه، يغلب على الظَّنِّ أن الحال كذلك، وإنْ بَنَى المأموم على أنَّ الأصل أنَّ هذه الرَّكعة زائدة فَسَلَّم؛ فلا حَرَجَ عليه. أقسام الذين يتابعون الإِمام على الزائد: 1 ـ أن يروا أن الصواب معه. 2 ـ أن يروا أنه مخطئ، فيتابعوه مع العِلْم بالخطأ. 3 ـ أن يتابعوه جهلاً بالخطأ، أو بالحكم الشرعي، أو نسياناً. 4 ـ أن يفارقوه.

فإذا تابعوه وهم يرون أنَّ الصَّواب معه، فالصلاة صحيحة. وإذا وافقوه جَهْلاً منهم، أو نسياناً فصلاتُهم صحيحة للعُذر، لأنَّهم فَعَلوا محظوراً على وَجْهِ الجهل والنسيان، ودليله: قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. وإذا تابعوه وهم يعلمون أنه زائد وأنه تَحْرُم متابعته في الزيادة، فصلاتُهم باطلة؛ لأنَّهم تعمَّدوا الزيادة. وإذا فارقوه فصلاتُهم صحيحة، لأنَّهم قاموا بالواجب عليهم. مسألة: هل يجب على المأموم أن يُنبِّه إمامه إذا قام إلى زائدة أو لا يجب؟ الجواب: يجب أن ينبِّهَه، لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا نسيتُ فذكِّرُوني» (¬1) والأمر للوجوب. وإذا عَلِمَ غير المأموم أن المُصلِّي زاد، كَرَجُلٍ يصلِّي إلى جانبه، فقام إلى خامسة، وهو ليس بإمام له، فهل يلزمه تنبيهه؟ الجواب: ظاهر كلام الفقهاء: أنه لا يلزمه إذا لم يكن إماماً له؛ لأنه لا ارتباط بينه وبين صلاته، لكن إذا رجعنا إلى عموم قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]؛ نجد أنه من باب التعاون على البِرِّ، فالصحيح عندي: أنه يجب أن ينبِّهه، كما لو رأيت شخصاً يريد أن يتوضَّأ بماء نَجِسٍ وَجَبَ عليك أن تنبِّهه، وإنْ كان لا ارتباط بينك وبينه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (332).

وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه

وإذا قال قائل: ما تقولون في صائم أراد أن يأكل، أو يشرب ناسياً هل يلزم غيره أن ينبِّهَه؟ الجواب: يلزم، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]. مسألة: رجل ليس معه إلا مأموم واحد فسَبَّحَ به، فهل يرجع إلى قوله، أو يأخذ بما في نفسه؟ الجواب: لا يرجع إلى قوله، لكن أحياناً إذا نَبَّهه صار عنده غلبة ظَنٍّ بصوابه، وإذا كان عنده غلبة ظَنٍّ فإن الواجب على الإِنسان أن يعمل بغلبة الظَّنِّ في الزيادة والنقص على القول الرَّاجح، وعلى هذا؛ فيلزمه الرجوع من أجل ذلك، وهذه تقع كثيراً في رَجُلين جاءا مسبوقين ودخلا في الصَّلاة، فأحياناً أحدهما ينسى ويعتمد على صاحبه الذي جاء معه فيُطَوِّل السجودَ حتى يرى هل يقعد أو يقوم، فإذا رآه جالساً جلس، وإن رآه قائماً قام. وَعَمَلٌ مُسْتَكْثَرٌ عَادَةً مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاَةِ يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، .......... قوله: «وعَمَلٌ مستكثرٌ عادةً». «عمل» مبتدأ، «ومُستكثر» صفة له، وقوله: «يبطلها» الجملة خبر المبتدأ. وقوله: «عملٌ مستكثرٌ» أي: محكوم بكثرته، ولو عَبَّرَ المؤلِّفُ بقوله: «كثير» لأغنى عن قوله مستكثر؛ لأن المعنى واحد. «عادة» أي: في عادة النَّاس، فإذا قال النَّاس: هذا العملُ كثيرٌ في الصَّلاة. فهذا مستكثر عادةً، وإن قالوا: هذا عملٌ يسيرٌ. فهو يسير.

إذاً؛ ليس لهذا ضابطٌ شرعيٌّ، بل هو راجع إلى العادة. فإذا قال قائل: كيف نرجع إلى العادة في أمرٍ تعبُّدي؟ فالجواب: نعم؛ نرجع إلى العادة؛ لأن الشرع لم يحدِّدْ ذلك. فلم يقل الشَّارعُ مثلاً: مَنْ تحرَّك في صلاته ثلاث مرَّاتٍ؛ فصلاتُه باطلة. ولم يقل: مَن تحرَّك أربعاً فصلاتُه باطلة. ولم يقل: من تحرَّك اثنتين فصلاتُه باطلة. إذاً؛ يُرجع إلى العُرف، فإذا قال النَّاس: هذا عَمَلٌ ينافي الصَّلاة؛ بحيث مَن شاهد هذا الرَّجُل وحركاته؛ يقول: إنه لا يُصلِّي. حينئذٍ يكون مستَكْثَراً، أما إذا قالوا: هذا يسيرٌ، فإنه لا يضرُّ، ولنضربْ لذلك أمثلة: لو كان مع الإِنسان وهو يُصلِّي صبيٌّ؛ فَحَمَله من أجل أن يُمسك عن الصِّياح فَيَسْلَم الصبيُّ من الأذى، ويُقْبِلَ هذا الرَّجلُ على صلاته؛ فَحَمَلَ الصبيَّ، وجعل إذا رَكَعَ وَضَعَه، وإذا سَجَدَ وضعه، وإذا قام حمله. فعندنا عدَّة حركات، حركة الحَمْل، وحركة الرَّفع، وحركة الوضع، وربما نقول: وتَحمُّلُ الحِمْل؛ لأن الصبيَّ إذا كان كبيراً فَسيَثْقُلُ على المصلِّي، فكلُّ هذا نعتبره يسيراً لا يبطل الصلاة، لأنَّ مثله حَصَلَ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1). مثال آخر: قَرَعَ عليه الباب رَجُلٌ، والباب قريب، فتقدَّم وهو مستقبل القِبْلة، أو تأخَّر وهو مستقبل القِبْلة، أو ذهب على اليمين وهو مستقبل القِبْلة، أو على اليسار وهو مستقبل القِبْلة فَفَتَحَ ¬

_ (¬1) وهو حَمْلُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أُمامةَ بنت زينب، وقد تقدم تخريجه ص (257).

الباب، فهذا العمل؛ إذا كان البابُ قريباً يسير؛ لأنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم فتح البابَ لعائشة (¬1). مثال آخر: رَجُلٌ معه دابة وهو يُصلِّي، وقد أمسك زمامَها بيده، وجعلت الدَّابة تنازعه، وإذا نازعته فلا بُدَّ أن يكون منه حركة، إمَّا أن يجذبها، أو ينَقاد معها. فهذا يسيرٌ؛ لفعل الصحابة رضي الله عنهم مثلَ ذلك، كما في حديث أبي بَرْزَةَ الأسلمي رضي الله عنه، أنه كان يصلّي ولجامُ دابته بيده، فجعلت الدَّابة تنازعه، وجعل يتبعها، فجعل رَجُلٌ من الخوارج يقول: اللَّهُمَّ افعلْ بهذا الشَّيخِ. فلما انصرف أبو بَرزة قال: «إني سمعت قولَكم، وإني غزوت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستَّ غزوات، أو سبعَ غزوات، أو ثمان، وشهدتُ تيسيره، وإني إنْ كنت أن أرجع مع دابتي؛ أحبَّ إليَّ من أن أدعها ترجع إلى مألفها، فيشُقُّ عليَّ» (¬2) يعني: الرجوع إلى أهله لبعد المسافة. مثال آخر: رَجُلٌ أصابته حِكَّة أشغلته، إنْ سكتَ سكتَ وقلبُه منشغل، وإنْ تحرَّك وحكَّها بَردت عليه، وأقبل على صلاته، فالأَوْلَى أن يَحكَّها ويُقبل على صلاته؛ لأن هذا عمل يسير، وفيه مصلحة للصَّلاة. مثال آخر: رَجُلٌ معه قلمٌ، وكان ناسياً محفوظاته، فلما دَخَلَ في الصلاة ذكرها، والاختبار قريب، والقطعة خمسة أسطر، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (256). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة (1211).

فأخرج الورقة وجعل يكتبها وهو يُصلِّي؛ لأنه خاف إن انفتل مِن صلاته أنْ ينسى. فهذا كثير تبطل به الصَّلاة، لكن لو كانت كلمة أو كلمتين فهي يسيرة، فإذا احتاج إلى ذلك فلا بأس؛ لأنه أحياناً يكون للإِنسان أَمْرٌ ضروري لا بُدَّ أن يذكره، والشيطان إذا دَخَلَ الإِنسان في الصلاة أقبل إليه وجعل يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِمَا لم يكن يذكره حتى يذكره، لا رأفة به؛ لكن إفساداً لعبادته؛ حتى تبقى الصَّلاةُ جسداً بلا روح. قوله: «من غير جنس الصلاة» احترازاً مما لو كان كثيراً من جنس الصَّلاة، فإن العمل مِن جنس الصَّلاة سَبَقَ الكلامُ عليه (¬1). وقوله: «من غير جنس الصلاة» يحتاج إلى زيادة قَيد، وهو: أن يكون متوالياً لغير ضرورة، لأنه إذا كان لضرورة فإنه لا يبطل الصَّلاة ـ ولو كَثُرَ ـ لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239] ومعلوم أن الرِّجَال سيكون منهم عملٌ كثير، والرِّجَال: الذين يمشون على أرجلهم. وكذلك لو كان غيرَ متوالٍ؛ بحيث يقوم بعملٍ في كلِّ رَكعة يسيراً، وبمجموعه في الركعات يكون كثيراً فإن الصَّلاة لا تبطل به؛ لأنه لا ينافي الصَّلاة. قوله: «يبطلها عمده وسهوه» أما عمدُه فواضح، وأما سهوه فقال المؤلِّف: إنه يبطل الصَّلاة، يعني: لو غَفَلَ الإِنسان غَفْلة ¬

_ (¬1) انظر: ص (339).

، ولا يشرع ليسيره سجود

كاملةً في الصَّلاة، وتحرَّك حركات كثيرةً فتبطل الصَّلاة؛ وذلك لأنه منافٍ للصَّلاة مغيِّر لهيئتها فاستوى فيه العمد والسَّهو. والقول الثَّاني (¬1): أنه إذا كان سهواً فإنه لا يبطل الصَّلاة ما لم يغيِّر الصَّلاة عن هيئتها، مثل: لو سَهَا وكان جائعاً فتقدَّم إلى الطَّعام فأكل؛ ناسياً أنه في صلاة، فلما شبع ذَكَرَ أنه يُصلِّي فهذا منافٍ غاية المنافاة للصَّلاة فيبطلها. فإن كان لا يُنافي الصَّلاة منافاة بَيِّنة، فالصَّحيح أنه لا يبطل الصَّلاة؛ لأن القاعدة الشرعية: «أنَّ فِعْلَ المحظور يُعذر فيه بالجهل والنسيان». فصارت الشُّروط لإِبطال الصَّلاة بالعمل الذي مِن غير جنسها أربعة: 1 ـ أنه كثير. 2 ـ من غير جنس الصَّلاة. 3 ـ لغير ضرورة. 4 ـ متوالٍ، أي: غير متفرِّق. ، وَلاَ يُشْرَعُ لِيَسِيرِهِ سُجُودٌ ........ قوله: «ولا يشرع ليسيره سجود»، أي: لا يجب ولا يستحبُّ؛ لأن المشروع يشمَل الواجب والمستحب، لأن هذا العمل من غير جنس الصَّلاة، وإنما نصَّ المؤلِّف على أنه لا يُشرع ليسيره سجود؛ لأنَّ في ذلك خلافاً (¬2)، وقد جرت عادةُ المؤلِّفين أنهم إذا نفوا شيئاً لا حاجة لِذِكْرِهِ فهو إشارة إلى وجود ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 18). (¬2) «الإنصاف» (4/ 18).

ولا تبطل بيسير أكل أو شرب سهوا، ولا نفل بيسير شرب عمدا

خلاف فيه، وهنا لا حاجة أن يقول لا يُشرع ليسيره سجود؛ لأن عدم ذِكْرِ مشروعية السُّجود يغني عن نفي مشروعية السُّجود، لكن لما كان في ذلك خِلاف ذَكَرَ ذلك. وَلاَ تَبْطُلُ بِيَسِيرِ أَكْلٍ أوْ شُرْبٍ سَهْواً، وَلاَ نَفْلَ بِيَسِيرِ شُرْبٍ عَمْداً. قوله: «لا تبطل» الضَّمير يعود على الصَّلاة فَرْضها ونَفْلها. قوله: «بيسير أكل أو شُرب سهواً» مثاله: إنسان سَهَا، وكان معه شيء من طعام، فأخذ يأكل منه لكنه ساهٍ، فلا تبطل الصَّلاة؛ لأنه يسير، لكن لو كان كثيراً، مثل: أن يكون قد اشترى كيلو مِن العنب عَلَّقه في رقبته، ونسي وجعَل يأكل من هذا العنب حتى فَرَغَ منه، فهذا كثير؛ فتبطل به الصَّلاة، ولو كان ساهياً. وقيل: لا تبطل إذا كان ساهياً، وهو رواية عن الإِمام أحمد (¬1). أما إذا كان الأكل أو الشُّرب عمداً، فإن الصَّلاة تبطل به، قليلاً كان أم كثيراً، لكن استثنى المؤلِّفُ يسير الشُّرب في النَّفْلِ كما يفيده. قوله: «ولا نفلٌ بيسير شرب عمداً» أي: ولا يبطل النَّفْل كالرَّاتبة، والوتر، وصلاة الليل، وصلاة الضُّحى، وتحيَّة المسجد، بيسير شُرب عمداً. فبهذا عرفنا أنه تبطل الصلاة فَرْضها ونَفْلها بالأكل الكثير سهواً أو عَمْداً، ولا تبطل بالأكل اليسير سهواً. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 20).

وأما الشُّرب: فتبطل بالشُّرب الكثير عمداً، أو سهواً، ولا تبطل باليسير سهواً، ولا تبطل أيضاً باليسير عمداً إذا كانت نَفْلاً، وعَلَّلوا ذلك بأثر ونظر: أما الأثر: فقالوا: إنَّ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه: كان يطيل النَّفْل وربما عَطِشَ فشرب يسيراً (¬1). وهذا فِعْلُ صحابي، وفِعْلُ الصَّحابي إذا لم يعارضه نصٌّ أو فعْلُ صحابي آخر فهو حُجَّة. وأما النَّظر: فلأن النَّفْل أخفُّ من الفَرْض، بدليل أن هناك واجبات تسقط في النَّفْل، ولا تسقط في الفَرْض، كالقيام، واستقبال القِبْلة في السفر، فإذا كان النَّفْلُ أخفَّ وكان الإِنسان ربَّما يطيله كثيراً فيحتاج للشُّرب سُمِحَ له بالشُّرب اليسير تشجيعاً له على النَّافلة. فإذا قال قائل: إذاً فسامحوا بالأكل اليسير عمداً. قلنا: لا، فهناك فَرْق بين الأكل والشُّرب، فالأكل يحتاج إلى مضغ وحركات أكثر، والحاجة إليه في الصَّلاة أقلُّ. وأما الشُّرب فإنه لا يحتاج إلى ذلك، والحاجةُ إليه في الصَّلاة كثيرة. وظاهر قول المؤلِّف: «يسير شُرب» أنه لا فَرْقَ بين أن يكون الشُّرب ماءً أو لبناً، أو عصيراً، أو نحو ذلك، لكن الأصحاب قالوا: إنَّ بَلْعَ ذوب السُّكَّر في الفم كالأكل (¬2). وبعضهم قال: كالشُّرب. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 225). (¬2) «المنتهى مع شرحه» (1/ 212).

وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود وقعود

فعلى قول من يقول: إنَّ بَلْعَ ذوب السُّكَّر إذا كان في الفم كالأكل؛ لا يُعفى عن يسير العصير وأشباهه، لأنه يشبه ذوب السُّكر. وعلى القول الثاني يُعفى عنه في النَّفْل. والقول الثاني (¬1): في أصل المسألة: أنه لا يُعفى عن يسير الشُّرب في النَّفْل عمداً؛ كما لا يُعفى عنه في الفرض، وبه قال أكثر أهل العِلْم. وعلَّلوا ذلك: أن الأصل تساوي الفَرْض والنَّفْل. وعلى القول بأنه يُعفى عن اليسير، فالمرجع في اليسير والكثير إلى العُرف. وَإنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَقِرَاءَةٍ فِي سُجُودٍ وَقُعُودٍ ......... قوله: «إن أتى» أي: المصلِّي. قوله: «بقول مشروع» أي: قد شَرَعَه الشَّارع، سواء كان مشروعاً على سبيل الوجوب كالتسبيح وقراءة الفاتحة، أو على سبيل الاستحباب كقراءة السُّورة بعدها. قوله: «في غير موضعه» متعلِّق بـ «أتى»، أي: إنْ أتى في غير موضع القول المشروع بالقول المشروع، وليست متعلِّقة بمشروع؛ لأنه ليس هناك قول مشروع في غير موضعه. قوله: «كقراءة في سجود» القراءة في السُّجود غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها، وكذلك القراءة في الرُّكوع غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «ألا وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ راكعاً أو ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 19 ـ 20).

وتشهد في قيام، وقراءة سورة في الأخيرتين لم تبطل، ولم يجب له سجود بل يشرع

ساجداً، أمَّا الرُّكوع فعظِّموا فيه الربَّ، وأما السُّجود فأكثروا فيه من الدُّعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (¬1). وَتَشَهُّدٍ فِي قِيَامٍ، وَقِرَاءَةِ سُورَةٍ فِي الأخِيرَتَيْنِ لَمْ تَبْطلْ، وَلَمْ يَجِبْ لَهُ سُجُودٌ بَلْ يُشْرَعُ، .......... قوله: «وتشهد في قيام» التشهُّدُ يُشرع في الجلوس، لكن لو نسيَ فتشهَّدَ وهو قائمٌ فقد أتى بقول مشروع في غير موضعه. قوله: «وقراءة سورة في الأخيرتين» هذا أيضاً قول مشروع في غير موضعه، لأن الرَّكعتين الأخيرتين لا تُشرع فيهما القراءة بغير الفاتحة على المشهور من المذهب (¬2)، وقد ذكرنا في باب صفة الصَّلاة أنه ينبغي أحياناً أن يقرأ بزائد على السُّورتين (¬3). تنبيه: قوله: «كقراءة في سجود»، أي: مع الإِتيان بسبحان رَبِّيَ الأعلى؛ لأنه إنْ قرأ في السُّجود ولم يقل: سبحان ربي الأعلى؛ فقد نقَّص واجباً فيلزمه سجود السَّهو، لكن إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه مع الإِتيان بالقول المشروع في ذلك الموضع فقرأ في الرُّكوع مع قول: «سبحان ربي العظيم»، أو قرأ في السُّجود مع قول: «سبحان ربي الأعلى»، أو قرأ في القعود مع قول: «ربِّ اغفِرْ لي»، أو قرأ في التشهُّد مع إتيانه بالتشهُّد. قوله: «لم تبطل» ظاهره: حتى وإنْ قرأ في الرُّكوع، وإنْ قرأ في السُّجود، لأنه قول مشروع في الجُمْلة في الصَّلاة، لكنه في غير هذا الموضع. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (87). (¬2) «المنتهى مع شرحه» (1/ 212). (¬3) انظر: ص (215).

وقال بعض العلماء (¬1): بل إذا قرأ في الرُّكوع أو في السُّجود بطلت، وبه قال بعض الظاهرية. واستدلُّوا: بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نُهيَ أن يقرأ القرآنَ وهو راكعٌ أو ساجدٌ (¬2)، والأصل في النَّهي التحريم، وعلى هذا؛ فتكون قراءة القرآن في الرُّكوع أو السُّجود حراماً، ومعلوم أن الإِنسان إذا فَعَلَ ما يحرم في العبادة فسدت. لكن الجمهور قالوا: هذا ليس محرَّماً بعينه، لكنه محرَّم باعتبار موضعه، بخلاف الكلام، فالكلام في الصَّلاة لا شكَّ أنه يبطل الصَّلاة؛ لأنه محرَّم بعينه، أما هذا؛ فالأصل أن القراءة غير محرَّمة في الصَّلاة بل مشروعة في موضعها، لكن النَّهي عن كونها في هذا الموضع فقط، فلم يكن ذلك مبطلاً للصَّلاة، وهذا هو الرَّاجح، أعني: أنها لا تبطل. تتمة: ولو فَعَلَ المستحب في غير موضعه؛ بأن رَفَعَ يديه في الانحدار إلى السجود ناسياً؛ فهل يُشرع السُّجود؟ الجواب: لا يُشرع السُّجود؛ لأنه إذا لم يُشرع السُّجود لتركه وهو نقص في ماهيَّة الصَّلاة؛ فلا يُشرع لفعله مِن باب أَوْلَى، لكنه لا يبطل الصلاة؛ لأنه من جنسها، إلا أنه سيأتي ـ إن شاء الله ـ في باب سجود السَّهو أنه إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه، فإنه يُسنُّ له أن يسجد للسَّهو، كما لو قال: «سبحان رَبِّيَ الأَعلى» في الرُّكوع، ثم ذَكَرَ فقال: «سبحان رَبِّي العظيم» فهنا أتى ¬

_ (¬1) «المجموع» (3/ 386)، «الإنصاف» (4/ 22 ـ 23). (¬2) تقدم تخريجه ص (87).

وإن سلم قبل إتمامها عمدا بطلت، وإن كان سهوا ثم ذكر قريبا أتمها وسجد

بقول مشروع وهو «سبحان رَبِّيَ الأَعلى»، لكن «سبحان رَبِّي الأعلى» مشروع في السُّجود، فإذا أتى به في الرُّكوع قلنا: إنك أتيت بقول مشروع في غير موضعه، فالسُّجود في حقِّكَ سُنَّة. وهذا هو المذهب (¬1)، أعني التفريق بين القول المسنون والفعل المسنون، حيث قالوا: إنْ أتى بقول مشروع في غير موضعه سُنَّ له سجود السَّهو، وإن أتى بفعل مسنون في غير موضعه لم يُسنَّ له السُّجود، وفي هذا التفريق نظر؛ فإن عموم الأدلة في السُّجود للسَّهو يقتضي أنْ لا فَرْقَ. وَإنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا عَمْداً بَطَلَتْ، وَإنْ كَانَ سَهْوَاً ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيباً أَتَّمَّهَا وَسَجَدَ. قوله: «وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت»، أي: إذا سَلَّم قبل إتمام الصلاة بقصد الخروج منها عمداً بطلت؛ لأنه على غير ما أمر الله به ورسوله، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (¬2). فالله تعالى قد فَرض صلاة الظُّهر مثلاً أربعاً، فإذا سَلَّمَ من ثلاث أو من ركعتين، فقد أتى بما ليس عليه أَمْرُ الله ورسوله فتبطل. وإنْ كان سهواً، أي: أنه ظَنَّ أن الصَّلاة قد تمَّت ثم ذَكَرَ قريباً، أي: في زمن قريب، أتمَّها وسَجَدَ، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ أين يكون موضع السُّجود (¬3). قوله: «وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد»، أي: وإنْ كان السَّلام سهواً ... إلخ وظاهر كلامه العموم، وأنه لا فَرْقَ بين ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 22). (¬2) تقدم تخريجه ص (5). (¬3) انظر: ص (394).

أن يُسلِّم ظانًّا أنّها تمَّت، وبين أن يُسلِّم جازماً أنها تمَّت؛ لكونه يظنُّ أنه في صلاة أخرى، وبين المسألتين فَرْقٌ، فإذا سَلَّم ظانًّا أنها تمَّت؛ فهذا ما أراده المؤلِّف، مثل: مَنْ سَلَّم مِن ركعتين في صلاة رباعية فيتمُّ ويسجد للسَّهو. وأما إذا سَلَّمَ على أنها تمَّت الصَّلاة؛ بناءً على أنه في صلاة أخرى لا تزيد على هذا العدد، مثل: أن يُسلِّم مِن ركعتين في صلاة الظُّهر؛ بناءً على أنَّها صلاة فجر، فهنا لا يبني على ما سَبَقَ، لأنه سَلَّم يعتقد أن الصَّلاة تامَّة بعددها، وأنه ليس فيها نقص، فيكون قد سَلَّمَ من صلاة غير الصَّلاة التي هو فيها، ولهذا لا يبني بعضها على بعضٍ. ودليل ما ذكره المؤلِّف؛ من أنه إذا سَلَّمَ ظانًّا أن صلاته تمَّت؛ فَذَكَرَ قريباً؛ أنه يسجد: حديث أبي هريرة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى ذات يوم صلاة الظُّهر أو العصر، فَسَلَّم من ركعتين، ثم قام فتقدَّم إلى خشبة في مقدَّم المسجد، واتكأ عليها كأنه غضبان، وكان في الناس خيار الصَّحابة كأبي بكر وعُمر، لكن لهيبة الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم هابا أن يكلِّمَاهُ مع أنهما أخصُّ الناس به، وكان الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد ألقى الله عليه المهابةَ، وكان في القوم رَجُلٌ يداعبه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يسميه «ذا اليدين» لطول يديه، فقال: يا رسول الله أَنسيتَ أم قُصِرَت الصَّلاة؟ فقال: «لم أنسَ ولم تُقصَر!» ـ فقوله: «لم أنسَ» بناءً على اعتقاده، و «لم تُقصرْ» بناءً على الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي باقٍ على أنَّها أربع، وفيه احتمال ثالث، وهو أن يكون سَلَّمَ من ركعتين عمداً، وهذا لا يرد بالنسبة

للرسول صلّى الله عليه وسلّم ـ ثم التفت إلى النَّاس وقال: «أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟» قالوا: نعم. فتقدَّم فَصَلَّى ما تَرَكَ، ثم سَلَّم، ثم سجد سجدتين ثم سَلَّم (¬1)، هذا هو دليل هذه المسألة، وهي قوله: «ثم ذَكَرَ قريباً أتمَّها وسجد». لكن لو ذَكَرَ وهو قائم، فهل يبني على قيامه ويستمر، أم لا بُدَّ أن يقعد ثم يقوم؟ قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: لا بُدَّ أن يقعد، ثم يقوم؛ لقول ذي اليدين: «فَصَلَّى ما تَرَكَ» وهو قد تَرَكَ القيام من القعود، فلا بُدَّ أن يأتي بالقيام من القعود، وهذا مبنيٌّ على أن النهوضَ نفسَه ركنٌ مقصودٌ. فإن قيل: إنَّ النهوض ليس رُكناً مقصوداً، ولكنه مِن أجل أن يكون قائماً، وبناءً على ذلك لا يلزمه أن يجلس ثم يقوم، كما قال به بعضُ العلماء. فالجواب: أنَّ ما ذَكَرَه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أحوط، فنقول: إذا كان الإِنسان قد نَهَضَ ثم ذَكَرَ، أو ذُكِّرَ، جَلَسَ، ثم قَامَ، وأتمَّ الصَّلاة. وقوله: «ثم ذكر قريباً» يُشترط أيضاً شرط آخر: وهو ألا يفعل ما ينافي الصلاة، فإن فَعَلَ ما يُنافي الصَّلاة، مثل: أن يُحْدِث، أو يأكل، وما أشبه ذلك، فإنه لا يبني على صلاته لفوات الشَّرط، وهذا ظاهر في الحَدَث؛ لأنه إذا أحدث تعذَّر بناءُ بعض الصَّلاة على بعض؛ لانقطاعها بالحَدَث. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (266).

فإن طال الفصل، أو تكلم لغير مصلحتها بطلت ككلامه في صلبها،

أما إذا فَعَلَ ما يُنافي الصَّلاة؛ فإن الصَّحيح: أنه لا بأس أن يبني على ما سَبَقَ؛ لأن فعله ما ينافي الصَّلاة بناءً على أنه أتمَّ صلاته، فيكون صادراً عن نسيان أو عن جهل بحقيقة الحال، والنسيان والجهل عُذر يسقط بهما حكم فِعْلِ المنهي عنه، وهو الأكل مثلاً أو الشُّرب، أو ما أشبه ذلك، ولهذا بَنَى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم والصحابةُ على صلاتهم مع فِعْلِهم ما ينافي الصَّلاة، وهو الكلام. فَإِنْ طَالَ الفَصْلُ، أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا بَطُلَتْ كَكَلاَمِهِ فِي صُلْبِهَا، .......... قوله: «فإن طال الفصل» لم يُبيِّن المؤلِّف مقدار الفصل، فيُرجع في ذلك إلى العُرف. ومثال الفصل القصير: أن يكون الفَصْلُ كالفصلِ في صلاة الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم في قصةِ ذي اليدين، فإنه قام إلى مقدَّم المسجد، واتكأ على خشبة معروضة هناك، وتراجع مع الناس، وخرج سُرعان الناس من المسجد وهم يقولون: قُصرت الصَّلاة (¬1). فما كان مثل هذا، كثلاث دقائق، وأربع دقائق، وخمس دقائق وما أشبهها، فهذا لا يمنع مِن بناء بعضها على بعض، وأما إن لم يَذْكُر إلا بعد زمن طويل كساعة أو ساعتين، فإنه لا بُدَّ مِن استئناف الصَّلاة. قوله: «أو تكلم لغير مصلحتها»، أي: بعد أن سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة تكلَّم بكلام لغير مصلحة الصَّلاة فإنها تبطل. مثل أن يقول بعد أنْ سَلَّمَ ناسياً: يا فلان، أين وضعتَ الكتاب؟ يا فلان، أغلقْ المكيف. يا فلان، اذهب إلى كذا. ولو ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (266).

ولمصلحتها إن كان يسيرا لم تبطل

كان الكلام يسيراً، ولو كان الزَّمن قصيراً، لأنه فَعَلَ ما ينافي الصَّلاة، فهو كما لو أحدث. والصحيح: أن الصَّلاة لا تبطل بذلك، لأنه إنما تَكلَّم بناءً على أن الصَّلاة قد تمَّت فيكون معذوراً، وسيأتي قريباً. قوله: «ككلامه في صلبها»، أي: كما أنَّها تبطل الصَّلاة إذا تكلَّم في صُلب الصَّلاة، وقاس المؤلِّف ـ رحمه الله ـ ما كان خارج الصَّلاة بحسب اعتقاد المصلِّي على ما كان في صُلب الصَّلاة، لأن الكلام في صُلب الصَّلاة قد ثَبَتَ فيه الحديث عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حين قال: «إنَّ هذه الصَّلاة لا يصلحُ فيها شيء من كلام الناس» (¬1). فإذا تكلَّم بعد السَّلام عن نقص نسياناً بطلت، كما لو تكلَّم وهو يُصلِّي، والمذهب (¬2) أنَّ الصَّلاة تبطل في كلتا الصُّورتين. والقول الرَّاجح: لا تبطل بالكلام ناسياً أو جاهلاً كما سبق ويأتي. وَلِمَصْلَحَتِهَا إنْ كَانَ يَسِيراً لَمْ تَبْطُلْ. ............. قوله: «ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل» فَصَّلَ المؤلِّف ـ رحمه الله ـ في الكلام، وجعله على أقسام؛ فيما إذا تكلَّم بعد سلامه ناسياً: القسم الأول: أن يتكلَّم لغير مصلحة الصَّلاة، فهنا تبطل بكلِّ حال. القسم الثاني: أن يتكلَّم لمصلحة الصَّلاة بكلام يسير، كفعل ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (85). (¬2) «المنتهى مع شرحه» (1/ 213).

الرسول صلّى الله عليه وسلّم والصَّحابة رضي الله عنهم حين قال: «أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. ومراجعة ذي اليدين له. فهنا لا تبطل، لأنه يسير لمصلحة الصَّلاة. القسم الثالث: أن يكون كثيراً لمصلحة الصَّلاة، فتبطل. هذا ما قرَّره المؤلف، وهو أحد الأقوال في هذه المسألة (¬1). والقول الثاني: أن الصَّلاة لا تبطل بهذه المسائل الثلاث كلها؛ لأن هذا المتكلِّم لا يعتقد أنه في صلاة، فهو لم يتعمَّد الخطأ، وقد قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]، وهذا هو الصحيح. وكذلك على القول الصَّحيح لا تبطل بالأكل والشُّرب ونحوهما؛ ـ إذا سَلَّمَ ناسياً ـ لأنه لم يتعمَّد فِعْلَ المبطل، فهو جاهل بحقيقة الحال، ولا بغير ذلك مما ينافي الصَّلاة ويبطلها إلا في الحَدَث؛ وذلك لأن الحَدَث لا يمكن معه بناء بعض الصَّلاة على بعض: لأنه يقطعها نهائيًّا، وكذلك لو تَكلَّم في صُلب الصَّلاة ناسياً أو جاهلاً، فإنها لا تبطل على القول الرَّاجح، ودليله ما ذكرنا من الآية الكريمة: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]. وحديث معاوية بن الحكم الذي تَكلَّم في الصَّلاة فإنه رضي الله عنه لما دَخَلَ في الصَّلاة عطس رَجُل، فقال: الحمدُ لله، ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 30 ـ 32).

وقهقهة ككلام، وإن نفخ أو انتحب من غير خشية الله تعالى،

فقال له معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم فقال: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ! فجعلوا يضربون أفخاذهم ليُسْكِتُوه فسكت. فلما سَلَّمَ النبيُّ عليه الصلاة والسَّلام أخبره بأن الصَّلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام النَّاس (¬1)، ولم يأمره بالإِعادة؛ لأنه كان جاهلاً مع أنه تعمَّد الكلام. وَقَهْقَهَةٌ كَكَلاَمٍ، وَإِنْ نَفَخَ أَوْ انْتَحَبَ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ........ قوله: «وقهقهة ككلام». القهقهة: الضَّحك المصحوب بالصَّوت، ويُسمَّى عند الناس «كهكهة»، فإذا ضحك بصوت فإنه كالكلام، بل أشدُّ منه لمنافاتها للصَّلاة تماماً؛ لأنها أقرب إلى الهزل مِن الكلام، فإذا قهقه إنسانٌ وهو يُصلِّي بطلت صلاتُه؛ لأن ذلك يشبه اللعب، فإن تبسَّم بدون قهقهة فإنها لا تبطل الصَّلاة؛ لأنه لم يظهر له صوت. وإنْ قهقه مغلوباً على أمره؛ فإن بعض الناس إذا سَمِعَ ما يعجبه لم يملك نفسه من القهقهة، فَقَهْقَهَ بغير اختياره فإن صلاته على القول الرَّاجح لا تبطل، كما لو سَقَطَ عليه شيء فقال بغير إرادة منه: «أح» فإن صلاته لا تبطل أيضاً؛ لأنَّه لم يتعمَّد المفسد. قوله: «إن نفخ» أي: فبان حرفان بطلت صلاتُه، لأنه تكلَّم ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (85).

مثل: أن يقول: «أف» يرفع صوته بها، فهذا تبطل صلاته به؛ لأنه بان منه حرفان. وفي هذا التَّعليل شيء، لأنه قد يكون الكلام كلاماً تامًّا مع حرف واحد؛ كأفعال الأمر مِن الثلاثي إذا كانت مثالاً ناقصاً. المثال: هو معتلُّ الأول، والناقص: هو معتل الأخير، فالأمر من هذا الفعل يكون على حرف واحد، وهو كلام تام مثل أن تقول لصاحبك: «عِ» من وعى، فـ «عِ» هذا كلام تام، أو «فِ» من وَفَّى، هذا أيضاً كلام تام، وهي مكوَّنة مِن حرف واحد، كما أنه يكون هناك ثلاثة حروف، ولا يكون كلاماً، فكون المسألة تعلَّل بأن ما كان حرفان فهو كلام، وما دون ذلك ليس بكلام، فيه نَظَرٌ. ولهذا نقول في «النَّفخ»: إن كان عَبَثاً أبطل الصَّلاة؛ لأنه عَبَثٌ، وإنْ كان لحاجة فإنه لا يُبطل الصَّلاة، ولو بان منه حرفان، لأنه ليس بكلام، مثل: أن ينفخ الإِنسان حشرة دَبَّتْ على يده لإزالتها؛ لأنه أهون لها من أن يمسَّها بيده؛ لأنه ربَّما لو مَسَّها بيده لتأثرت، ولأنه أسهل لها، فالمدار في هذا على العبث، إنْ فَعَلَه عبثاً فإن الصَّلاة تبطل لمنافاة العبث لها، وإنْ كان لحاجة لم تبطل. قوله: «انتحب» أي: فَبَانَ حرفان، والنَّحيب: رَفْعُ الصوت بالبكاء. قوله: «من غير خشية الله تعالى» مثل: أن يأتيه الخَبَرُ وهو يُصلِّي بأن فلاناً مات فينتحبُ، فانتحابه هنا ليس مِن خشية الله،

أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت

ولكن من حُزْنِهِ على فراق هذا الميِّت، فإذا بان حرفان مِن انتحابه بطلت صلاتُه. هذا ما قرَّره المؤلِّف. والصحيح: أنه إذا غلبه البكاء حتى انتحب لا تبطل صلاتُه؛ لأن هذا بغير اختياره، سواء كان مِن غير خشية الله كما سَبَقَ، أم من خشية الله، أي: شدَّة خوفه مِن الله عزّ وجل، أو من محبَّة الله وشدَّة شوقه إلى الله؛ لأن البكاء قد يكون خشية لله، وقد يكون شوقاً إلى الله عزّ وجل، فكما يكون للقلب تأثر عند ذِكْرِ ثواب المتقين فيبكي شوقاً إلى هذا النَّعيم، كذلك يكون عند ذِكْرِ الكافرين وعقابهم، فيبكي خوفاً مِن هذا العذاب. أَوْ تَنَحْنَحَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَبَانَ حَرْفَانِ بَطُلَتْ. قوله: «أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان» فإن صلاته تبطل. والحاجة للتنحنح، إما أن تكون قاصرة، أو متعدِّية: فإذا أحسَّ الإِنسانُ بحَلْقِهِ انسداداً، فإنه يتنحنح مِن أجل إزالة هذا الانسداد، فهذا لحاجة قاصرة. والتَّنحنحُ لحاجةٍ متعدِّيةٍ مثل: إذا استأذن عليه شخص وأراد أن يُنبِّهه على أنه يُصلِّي، أو ما أشبه ذلك، فهذه حاجة متعدِّية فلا تبطل الصَّلاة بذلك، لأنَّها لحاجة، فإنْ كان لغير حاجة فإنها تبطل الصلاة بشرط أن يبين حرفان. والقول الراجح: أن الصَّلاة لا تبطل بذلك، ولو بَانَ حرفان؛ لأن ذلك ليس بكلام، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إنما حَرَّم الكلام. اللَّهُمَّ إلا أن يقع ذلك على سبيل اللعب، فإن الصلاة تبطل به؛ لمنافاته الصلاة فيكون كالقهقهة.

مسألة: هل مِن الحاجة أن يتنحنح إذا أطال الإِمام الركوع أو السُّجود من أجل أن يُنبِّهه أو ليس من الحاجة؟ الجواب: هذا ليس من الحاجة، إلا إذا أطال الإِمام إطالة خرجت عن حَدِّ المشروع، فقد يكون هذا من الحاجة. فإن قال قائل: ما الدَّليل على جواز التَّنحنح للحاجة، ولو بَانَ حرفان؟ فالجواب: الدَّليل: حديث عليٍّ رضي الله عنه أنه كان له مدخلان يدخل فيهما على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا دَخَلَ عليه وهو يُصلِّي تنحنح له إشارة إلى أنه مشغول بصلاته (¬1). مسألة: إذا عطس فبَانَ حرفان فهل تبطل صلاتُه؟ الجواب: لا تبطل صلاته؛ لأنه مغلوبٌ عليه وليس باختياره، وكذلك لو تثاءب فبان حرفان، فإنه مغلوبٌ عليه فلا يضرُّه، لكن بعض الناس ينساب وراء التثاؤب حتى تسمعَ له صوتاً «ها، ها» فهذا الظاهر أنه غير مغلوب على أمره، بل إن هذا حَذَّر منه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، وأَمَرَ مَنْ تثاءب أن يكظم ما استطاع (¬2) أي: يمنع ما استطاع، فإن لم يستطع وَضَعَ يده على فَمِهِ؛ لأن وَضْعَ اليد على الفَم يَكْتُم الصَّوت ويخفِّضُه، ويمنع من ضحك الشيطان على المتثائب، أو دخوله في جوفه. وكذلك بعض النَّاس يتقصَّد أن يكون عطاسه شديداً، فلو ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (267). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب ما يستحب من العطاس، وما يكره من التثاؤب (6223).

فصل

تقصَّد هذا وبان حرفان؛ بطلت صلاتُه على قاعدة المذهب؛ لأن هذا ليس مغلوباً على أمره. فَصْلٌ الكلام في هذا الفصل على النَّقْصِ، وكلامه السابق في الباب على الزيادة، وقد سَبَقَ أن الزيادة (¬1): زيادة قول، وزيادة فِعْلٍ. وزيادة القول إما أن تكون مِن جنس الصَّلاة، أو من غير جنسها، وكذلك الفعل. فزيادة القول مِن غير جنس الصلاة تبطل الصَّلاة إنْ كانت عمداً، وكذلك إن كانت سهواً أو جَهْلاً على المذهب؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن هذه الصَّلاة لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس» (¬2). والصَّحيح: أنها لا تبطل الصَّلاة إنْ كانت سهواً أو جهلاً (¬3). وإن كان القول مِن جنس الصَّلاة، فإن كان مما يخرج به من الصَّلاة وهو السَّلام، فإن كان عمداً بطلت، وإن كان سهواً أتمَّها وسَجَدَ للسَّهو بعد السَّلام، وإن كان مما لا يخرج به من الصَّلاة، كما لو زاد تسبيحاً في غير محلِّه، فهذا يُشرع له السُّجود ولا يجب. ¬

_ (¬1) انظر: ص (339). (¬2) تقدم تخريجه ص (85). (¬3) انظر: ص (365).

ومن ترك ركنا فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، بطلت التي تركه منها

أما زيادة الأفعال فإن كانت من غير جنس الصَّلاة فقد سَبَقَ أن أقسامها خمسة، وهي الحركة في الصَّلاة (¬1). وإن كانت من جنس الصَّلاة: فإن كانت تغير هيئة الصَّلاة، وهي: الرُّكوع والسُّجود والقيام والقعود، فإنْ كان متعمِّداً بطلت، وإلاَّ؛ لم تبطل، وسَجَدَ للسَّهو. وإن كانت لا تغير هيئة الصَّلاة، كما لو رَفَعَ يديه إلى حذو منكبيه في غير موضع الرَّفع، فإن الصَّلاة لا تبطل به، لأن ذلك لا يُغَيِّرُ هيئة الصَّلاة ولكن يُشرع له السُّجود على القول الرَّاجح. وَمَنْ تَرَكَ رُكْناً فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطُلَتْ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا، ....... قوله: «ومن ترك ركناً» أي: إذا تَرَكَ رُكناً، والأركان سَبَقَ بيانها (¬2)، فإن كان تكبيرة الإِحرام لم تنعقد صلاتُه، سواء تَرَكَها عمداً أم سهواً، لأن الصلاة لا تنعقد إلا بتكبيرة الإِحرام، فلو فُرِضَ أن شخصاً وقف ليصلِّي فنسيَ التكبير وشرعَ في الاستفتاح وقرأ الفاتحة واستمرَّ، فإننا نقول: إن صلاته لم تنعقد أصلاً، ولو صَلَّى كُلَّ الرَّكعات، وإن كان غير التحريمة فهو الذي ذَكَرَه المؤلِّفُ ـ رحمه الله. قوله: «فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها» بطلت: يعني صارت لغواً، وليس البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة، لأنه لو كان البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة؛ لوجب ¬

_ (¬1) انظر: ص (258). (¬2) انظر: ص (291).

أن يخرج من الصَّلاة، ولكن المراد بالبطلان هنا: اللغو، فمعنى «بطلت» أي صارت لغواً، وتقوم التي بعدها مقامها، هذا إذا ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى. مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي فلما سَجَدَ السُّجود الأول في الرَّكعة الأُولى، قام إلى الرَّكعة الثانية، وشرع في قراءة الفاتحة، ثم ذَكَرَ أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة؛ فَتَرَكَ جلوساً وسجدة، أي: ترك رُكنين، فنقول له: يحرم عليك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن مقصود من الرَّكعة التي تليها، فلا يمكن أن تتراجع عنها، لكن تلغي الرَّكعة السَّابقة، وتكون الرَّكعة التي بعدها بدلاً عنها. مثال آخر: قام إلى الرَّابعة في الظُّهر، ثم ذَكَرَ أنه نسيَ السَّجدة الثانية من الركعة الثالثة، بعد أن شَرَعَ في القراءة فتُلغَى الثالثة، وتكون الرابعة هي الثالثة، لأنه شَرَعَ في قراءتها. وهذا ما قرَّره المؤلِّف. والقول الثاني: أنها لا تبطل الركعة التي تركه منها، إلا إذا وَصَلَ إلى محلِّه في الرَّكعة الثانية، وبناء على ذلك يجب عليه الرُّجوعُ ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية. ففي المثال الذي ذكرنا، لمَّا قام إلى الثانية؛ وشَرَعَ في قراءة الفاتحة؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الركعة الأُولى، فنقول له: ارجعْ واجلسْ بين السَّجدتين، واسجدْ، ثم أكمل. وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن

وقبله يعود وجوبا، فيأتي به وبما بعده

المتروك فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء، ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه، فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده، فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية، فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائدة، لأنه إذا رَجَعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى، ويكون له ركعة مُلفَّقَة مِن الأُولى ومِن الثانية. مثاله: لما قام من السَّجدة الأولى في الرَّكعة الثانية وجَلَسَ؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سجدة واحدة، فلا يرجع إلى الرَّكعة الأولى، ولو رَجَعَ فسيرجع إلى المكان نفسه الذي هو فيه، وهذا القول هو القول الرَّاجح: أنه يجب الرُّجوع إلى الرُّكن المتروك ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية، فإنْ وَصَلَ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية صارت الثانية هي الأولى. وَقَبْلَهُ يَعُودُ وُجُوباً، فَيَأْتي بِهِ وَبِمَا بَعْدَه، ........... قوله: «وقبله يعود وجوباً، فيأتي به وبما بعده» أي: إذا ذَكَرَ الرُّكن المتروك قبل شروعه في قراءة الرَّكعة التي تلي المتروك منها، فإنه يعود إلى الرُّكن المتروك فيأتي به وبما بعده. مثال ذلك: رَجُل يُصَلِّي فقام إلى الرَّكعة الثانية، وحين قيامه ذَكَرَ قبل أن يقرأ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سَجْدَة واحدة. فيلزمه الرُّجوع، فيجلس جلسة ما بين السَّجدتين، ثم يسجد ثم يقوم للثانية.

وإن علم بعد السلام فكترك ركعة كاملة

وَإنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلاَمِ فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ. قوله: «وإن علم بعد السَّلام فكترك ركعة كاملة» أي: إن عَلِمَ بالرُّكن المتروك بعد أن سَلَّمَ فكتركه رَكعة كاملة، أي: فكأنه سَلَّمَ عن نقص رَكعة، وعلى هذا؛ فيأتي برَكعة كاملة، ثم يتشهَّدُ ويسجد للسَّهو ويُسلِّمُ، إما بعده أو قبله، حسب ما سنذكره، إن شاء الله. مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى، ولما فَرَغَ من الصَّلاة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأخيرة إلا سجدة واحدة، فيأتي بركعةٍ كاملةٍ، هذا ما قرّره المؤلِّف. ووجه ذلك: أنه لما سَلَّمَ امتنع بناءُ الصَّلاة بعضُها على بعضٍ فتبطل الرَّكعة كلُّها، ويأتي بركعة كاملة، ولأن تسليمه بعد التشهُّد يشبه ما إذا شَرَعَ في قراءة الرَّكعة التي تليها، وهو إذا شَرَعَ بقراءة الرَّكعة التي تليها وَجَبَ عليه إلغاء الرَّكعة الأُولى، وأن يأتي برَكعة كاملة. والقول الثاني (¬1): أنه لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تَرَكَ وبما بعده، لأن ما قبل المتروك وَقَعَ في محلِّه صحيحاً، فلا يُلزم الإِنسان مرَّة أخرى، أما ما بعد المتروك، فإنما قلنا بوجوب الإِتيان به من أجل الترتيب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا نقول لهذا الرَّجُل: ارجعْ واجلسْ بين السجدتين، واسجدْ السَّجدة الثانية، ثم اقرأ التشهُّدَ، ثم سَلِّمْ، ثم اسجدْ للسَّهو وسلِّمْ، وهذا القول هو الصَّحيح. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 53).

ووجه صِحَّته: أن ما قبل المتروك وقع مُجَزّأً في محلِّه فلا وَجْهَ لبطلانه، وأما ما بعد المتروك فإنما قلنا بوجوب إعادته مِن أجل مراعاة الترتيب. فصار كلام المؤلِّف في تَرْكِ الرُّكن غير التحريمة له ثلاث حالات: ـ أما التَّحريمة فلا تنعقد الصَّلاة بتركها. الحال الأولى: أن يذكره قبل الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها، ففي هذه الحال يجب عليه الرُّجوع، فيأتي به وبما بعده، ويستمرُّ في صلاته. الحال الثانية: أن لا يعلم به إلا بعد السَّلام فيكون كَتَرْكِ ركعة كاملة. الحال الثالثة: أن يعلم به بعد الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها، فتبطُل الرَّكعة التي تَرَكَه منها، وتقوم الثانية مقامها. أما على القول الرَّاجح، فإنه إذا تَرَكَ رُكناً فلا يخلو مِن ثلاث حالات: الحال الأُولى: إنْ ذَكَرَه قبل أن يصل إلى محلِّه وجب عليه الرُّجوع. الحال الثانية: إنْ ذَكَرَه بعد أن وَصَلَ إلى محلِّه فإنه لا يرجع؛ لأنه لو رَجَعَ لم يستفد شيئاً، وتقوم الثَّانية مقام التي قبلها. الحال الثالثة: إنْ ذَكَرَه بعد السَّلام فإن كان من رَكعة قبل الأخيرة أتى بركعة كاملة، وإنْ كان من الأخيرة أتى به وبما بعده

وإن نسي التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائما فإن استتم قائما كره رجوعه، وإن لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع وعليه السجود للكل

فقط، ولا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة. هذه أحوال نقص الأركان. وَإِنْ نَسِي التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَنَهَضَ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِماً فَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِماً كُرِهَ رُجُوعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، وَإنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ حَرُمَ الرُّجُوعُ وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِلْكُلِّ. هذا الكلام عن نقص الأركان، أما الواجبات فقد ذَكَرَها المؤلف بقوله: «وإن نسي التشهد الأول ... » خصَّ المؤلِّفُ التشهُّدَ الأول على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، بل نقول: إذا نقَّص واجباً ناسياً كالتشهُّدِ الأول ونَهَضَ، فلا يخلو من ثلاث أحوال: الحال الأُولى: أن يذكره بعد أن ينهض، أي: بعد أن تفارق فخذاه ساقيه، وقبل أن يستتمَّ قائماً، ففي هذه الحال يجلس ويتشهَّد، ويتم صلاته، ويسجد للسَّهو. الحال الثانية: أن يذكره بعد أن يستتمَّ قائماً، لكن قبل أن يشرع في القراءة، فهنا لا يرجع؛ لأنه انفصل عن التشهُّدِ تماماً، حيث وَصَلَ إلى الرُّكن الذي يليه. الحال الثالثة: أن يذكره بعد الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها: فيحرم الرُّجوع، وقد بَيَّنَ المؤلِّفُ هذا التفصيل في قوله: «وإن نسي التشهُّدَ الأول ونَهَضَ لزمه الرُّجوع ما لم ينتصب قائماً، فإن استتمَّ قائماً كره رجوعه، وإنْ لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع». قوله: «وعليه السجود للكلِّ» أي: في كلِّ الأحوال الثلاث:

إذا نهض ولم يستتمَّ قائماً، إذا استتم قائماً ولم يقرأ، إذا شَرَعَ في القراءة فعليه السجود في الكُلِّ. وبقي حال رابعة لم يذكرها؛ لأنها لا توجب سجود السَّهو، وهي: ما إذا ذَكَرَ قبل أن ينهض، أي: تأهَّب للقيام، ولكن قبل أن ينهض وتفارق فخذاه ساقيه، ذَكَرَ أنه لم يتشهَّد فإنه يستقرُّ ولا يجب عليه السُّجود في هذه الحال؛ لعدم الزيادة وعدم النقص، أما عدم النقص فلأنه أتى بالتَّشهُّدِ وأما عدم الزيادة فلأنه لم يأتِ بفعل زائد. وعلى هذا؛ فتكون الأحوالُ أربعاً، وصار الرُّجوع: محرماً، ومكروهاً، وواجباً، ومسكوتاً عنه. فالمحرم: إذا شَرَعَ في القراءة، ولو رَجَعَ عالماً بطلت صلاتُه؛ لأنه تعمَّد المفسد. والمكروه: إذا استتمَّ قائماً ولم يشرع في القراءة، ولو رَجَعَ لم تبطل؛ لأنه لم يفعل حراماً. وقال بعض العلماء (¬1): يحرم الرُّجوع إذا استتمَّ قائماً، سواءٌ شرعَ في القِراءة أم لم يشرعْ؛ لأنه انفصلَ عن محلِّ التشهُّد تماماً. وهذا أقرب إلى الصَّواب. والواجب: إذا لم يستتمَّ قائماً ونهضَ، ولكن في أثناء النهوض ذَكَرَ ثم رَجَع، ففي هذه الأحوال الثلاث يجب عليه سجود السَّهو. ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 419 ـ 420)، «المجموع» (4/ 57).

ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل

والمسكوت عنه: أن يذكر قبل أن ينهض. قال بعض العلماء: أي قبل أن تفارق فخذاه ساقيه، وبعضهم قال: قبل أن تفارق ركبتاه الأرضَ، والمعنى متقارب؛ لأنه إذا فارقت ركبتاه الأرضَ فقد نهضَ، وإذا فارقت أليتاه ساقيه فقد نهضَ أيضاً، لكن إذا ذَكَرَ قبل أن ينهض فإنه يستقر، وليس عليه سجود سهو. هذا حكم المسألة على كلام المؤلِّف. ويجب أن يُعلم؛ أن ما ذكرناه في التشهُّدِ الأول يجري على مَنْ تَرَكَ واجباً آخر، مثل: التسبيح في الرُّكوع، فلو نسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّي العظيم» ونَهَضَ من الرُّكوع فذكر قبل أن يستتمَّ قائماً، فإنه يلزمه الرُّجوع، وإن استتمَّ قائماً حرم الرُّجوع، وعليه أن يسجد للسَّهو؛ لأنه تَرَكَ واجباً، ويكون قبل السَّلام؛ لأنه عن نقص. ولو تَرَكَ قول: «سبحان رَبِّي الأعلى» في السُّجود حتى قام؛ فإنه لا يرجع، وعليه أن يسجد. ولو تَرَكَ «ربِّ اغفرْ لي» حتى سَجَدَ؛ فإنه لا يرجع، وعليه السُّجود، وعلى هذا فَقِسْ، فكلُّ مَنْ تَرَكَ واجباً حتى فارق محلَّه إلى الرُّكن الذي يليه فإنه لا يرجع، ولكن عليه السُّجود لهذا النقص، ويكون السُّجود قبل السَّلام. وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَخَذَ بِالأَقَلِّ، ........... قوله: «ومن شكّ» هذا هو السبب الثالث من أسباب سجود السَّهو. واعلم أن الشكَّ لا بُدَّ فيه من معرفة ثلاث قواعد: القاعدة الأولى: إذا كان الشكُّ بعد انتهاء الصَّلاة، فلا عِبْرَة به إلا أن يتيقن النقص، أو الزيادة.

مثال ذلك: بعد أن سَلَّمَ شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ نقول: لا تلتفت لهذا الشكِّ، فلا تسجد للسَّهو، ولا ترجع لصلاتك، لأن الصلاة تمَّت على وَجْهٍ شرعي، ولم يوجد ما ينقض هذا الوجه الشَّرعي، فالمصلِّي لما سَلَّمَ لا إشكال عنده أن الصَّلاة تامَّة وبرئت بها الذِّمَّةُ، فورود الشكِّ بعد أن برئت الذِّمَّة لا عِبْرَة به. ومثال ذلك: لو شَكَّ في عدد أشواط الطَّواف بعد أن فرغ من الطَّواف، هل طاف سبعاً أم ستًّا؟ فلا عِبْرَة به، فلا يَلتفت إليه؛ لأنه فَرَغَ من الطواف على وَجْهٍ شرعي فبرئت به الذِّمَّة، فورود الشَّكِّ بعد براءة الذِّمَّة لا يُلتفت إليه. ومثله أيضاً: لو شَكَّ في عدد حصى الجِمَار بعد أن فَرَغَ وانصرف، فلا يَلتفت إليه؛ لأنه بفراغ العبادة برئت الذِّمَّة، فورود الشَّكِّ والذِّمَّة قد برئت لا يُلتفت إليه. القاعدة الثانية: إذا كان الشَّكُّ وهماً، أي: طرأ على الذِّهن ولم يستقر، كما يوجد هذا في الموسوسين، فلا عِبْرَة به أيضاً، فلا يلتفت إليه، والإِنسان لو طاوع التوهم لتعب تعباً عظيماً. القاعدة الثالثة: إذا كَثُرت الشُّكوك مع الإِنسان حتى صار لا يفعل فِعْلاً إلا شَكَّ فيه، إنْ توضأ شَكَّ، وإنْ صَلَّى شَكَّ، وإن صام شَكَّ، فهذا أيضاً لا عِبْرَة به؛ لأن هذا مرض وعِلَّة، والكلام مع الإِنسان الصَّحيح السَّليم مِن المرض، والإِنسان الشكّاك هذا يعتبر ذهنه غير مستقر فلا عِبْرَة به. بقينا في الشَّكِّ إذا كان خالياً من هذه الأمور الثلاثة؛ فما

الحكم؟ بَيَّنَ المؤلِّفُ الحكم فيه: وهو أربعة أقسام: الأول: الشَّكُّ في عدد الرَّكعات. وأشار إليه بقوله: «ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل» أي: شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ فيجعلها ثلاثاً، أو هل صَلَّى ثلاثاً أم اثنتين؟ يجعلها اثنتين. أو هل صَلَّى اثنتين أم واحدة؟ يجعلها واحدة. والدليل: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاته؛ فلم يَدْرِ كم صَلَّى؛ ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقنَ، ثم يسجدُ سجدتين قبل أنْ يُسلِّمَ» (¬1). والتعليل: لأن الناقص هو المتيقَّن، والزائد مشكوك فيه، والأصل عدمه، والقاعدة: «أن ما شُكَّ في وجوده فالأصل عدمه» فعندنا ثلاث أو أربع، الثلاث متيقَّنة والرابعة مشكوك فيها، هل وُجِدَت أم لم تُوجَد؟ والأصل عدم الوجود. وظاهر كلام المؤلِّفِ: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون لديه ترجيح أو لا، فإذا شَكَّ؛ هل هي ثلاث أم أربع ورجَّح الأربع؟ يأخذ بالثلاث. أو شَكَّ هل هي ثلاث أم أربع، ورجَّحَ الثلاث؟ يأخذ بالثلاث. أو شَكَّ هل هي ثلاث أم أربع ولم يترجَّحْ عنده شيء؟ يأخذ بالثلاث. ففي الصُّور الثلاث سواء ترجَّح الناقص، أم الزائد، أم تساوى الأمران، على كلام المؤلِّف يأخذ بالأقل، وهذا هو المذهب. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة (571) (88).

القول الثَّاني (¬1) في المسألة: أنه إذا شَكَّ وترجَّحَ عنده أحد الأمرين أخذ بالمترجِّح، سواء كان هو الزائد أم النَّاقص. ودليل هذا القول: حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال فيمن شَكَّ فتردَّدَ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً قال: « ... فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمَّ عليه ـ يبني على التحري ـ ثم ليُسَلِّم، ثم يسجد سجدتين» (¬2). وهذا يدلُّ مع الحديث الأول على أن الشَّاكَّ له حالان: الأولى: حال يمكن فيها التَّحري، وهي التي يغلب فيها الظَّنُّ بأحد الأمرين. الثانية: حال لا يمكن فيها التَّحري، وهي التي يكون فيها الشَّكُّ بدون ترجيح. وبناءً على ذلك نقول: إذا شَكَّ في عدد الرَّكعات، فإن غلب على ظَنِّه أحد الاحتمالين عَمِلَ به، وبَنَى عليه، وسَجَدَ سجدتين بعد السَّلام، وإنْ لم يترجَّح عنده أحد الاحتمالين أخذ بالأقل، وبَنَى عليه، وسَجَدَ قبل السَّلام. مثال ذلك: رجلٌ صَلَّى وشَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ ولكن ترجَّحَ عنده أنها أربع. نقول: اجعلها أربعاً؛ لأنَّه ترجَّح عندك، ثم سَلِّمْ، ثم اسجدْ سجدتين بعد السَّلام. وإذا ترجَّحَ عنده أنها ثلاث، يجعلها ثلاثاً، ويأتي بالباقي، ويسجد سجدتين بعد السَّلام. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 65 ـ 66). (¬2) تقدم تخريجه ص (332).

وإذا شَكَّ ولم يترجَّح عنده شيء، يأخذ بالأقل ويسجد سجدتين قبل السَّلام. بقي عندنا مسألة، وهي هل يفرَّق بين الإِمام والمنفرد والمأموم، أو هم على حَدٍّ سواء؟ الجواب: فَرَّقَ بعض العلماء (¬1) بين الإِمام وغيره، وقال: الإِمامُ يأخذ بغالب ظَنِّهِ، وأما المأموم والمنفرد فيبني على اليقين، وهو الأقل. ووجه الفرق على رأي هؤلاء العلماء: أن الإِمام عنده من يُنبِّهه لو أخطأ، بخلاف غيره (¬2)، ولكن حديث ابن مسعود الذي ذكرناه آنفاً يدلُّ على أنه يبني على غالب ظَنِّهِ، سواء كان إماماً، أم مأموماً، أم منفرداً. مسألة: إذا جاء والإِمام راكع فكبّر للإحرام، ثم رَكَعَ، ثم أشكل عليه: هل أدرك الإِمام في الرُّكوع، أم رَفَعَ الإِمام قبل أن يدركه؟ فعلى ما مشى عليه المؤلِّف لا يُعتدُّ بها؛ لأنه شَكَّ هل أدركها أم لا؟ فيبني على اليقين، وهو أنه لم يدركها، فيُلغي هذه الرَّكعة. وعلى القول الثَّاني: وهو العمل بغلبة الظَّنِّ، نقول: هل يغلب على ظَنِّك أنك أدركت الإِمام في الركوع أم لا؟ فإن قال: نعم، يغلب على ظَنِّي أني أدركته في الرُّكوع، نقول: الرَّكعة ¬

_ (¬1) «المغني» (2/ 406). (¬2) «المغني» (2/ 409).

محسوبة لك، وهل يسجد أو لا يسجد؟ سيأتينا (¬1) إن شاء الله أن المأموم لا يجب عليه السُّجود، إذا كان لم يفته شيء من الصَّلاة، وإنْ فاته شيء من الصَّلاة وَجَبَ عليه أن يسجد. وإن قال: يغلب على ظَنِّي أني لم أدركها قلنا: لا تحتسب بهذه الرَّكعة وأتمَّ صلاتك ثم اسجد للسَّهو بعد السَّلام وإن قال: إني متردِّدٌ ولم يغلب على ظنِّي أني أدركتها قلنا: ابْنِ على اليقين، ولا تحتسبها، وأتمَّ صلاتك، واسجد للسَّهو قبل السَّلام. مسألة: لو بَنَى على اليقين، أو على غالب ظَنِّه، ثم تبيَّنَ أنه مصيب فيما فَعَلَ، فهل يلزمه السُّجود؟ مثاله: رجل شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً بدون ترجيح؟ فجعلها ثلاثاً، وأتى بركعة رابعة، لكنَّه في أثناء هذه الرَّكعة تيقَّن أنها الرابعة. فللعلماء في هذا قولان: القول الأول: (¬2) أنه لا يلزمه أن يسجد؛ لأنه تبيَّنَ عدم الزيادة والنقص، والسُّجود إنما يجب جَبْراً لما نَقَصَ، وهنا لم ينقص شيئاً ولم يزد شيئاً، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «فلم يَدْرِ كم صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً» (¬3) وهذا الرَّجُل يدري كم صَلَّى فلا سُجود عليه. القول الثاني: أن عليه السُّجود؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «فلم يدرِ كم صَلَّى» وهذا لأجل أن يبني على ما عنده، وظاهره أنه لو درى فيما بعد فإنه يسجد لقوله: «فإنْ كان صَلَّى خمساً شفعن له ¬

_ (¬1) انظر: ص (389). (¬2) «الإنصاف» (4/ 69). (¬3) تقدم تخريجه ص (380).

وإن شك في ترك ركن فكتركه ولا يسجد لشكه في ترك واجب

صلاته، وإنْ كان صَلَّى إتماماً لأربعٍ، كانتا ترغيماً للشَّيطان» (¬1). ولأنه أدَّى هذه الرَّكعة وهو شاكٌّ، هل هي زائدة أم غير زائدة؟ فيكون أدَّى جزءاً من صلاته متردِّداً في كونه منها فيلزمه السُّجود. وهذا القول دليله وتعليله قويٌّ، وفيه أيضاً ترجيح من وجه ثالث، وهو الاحتياط. وإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَكَتَرْكِهِ وَلاَ يَسْجُدُ لِشَكِّهِ في تَرْكِ وَاجِبٍ، ......... القسم الثاني: الشكُّ في تَرْكِ الأركان، وأشار إليه بقوله: «وإن شكَّ في تَرْكِ رُكن فكتركه» أي: لو شَكَّ هل فَعَلَ الرُّكن أو تَرَكَه، كان حكمه حكم مَنْ تركه. مثاله: قام إلى الرَّكعة الثانية؛ فَشَكَّ هل سَجَدَ مرَّتين أم مرَّة واحدة؟ فإن شرع في القراءة فلا يرجع، وقبل الشُّروع يرجع. وعلى القول الرَّاجح: يرجع مطلقاً، ما لم يصل إلى موضعه مِن الرَّكعة التالية، فيرجعْ ويجلسْ، ثم يسجد، ثم يقوم، لأن الشَّكَّ في تَرْكِ الرُّكن كالتَّرك. وكان الشَّكُّ في تَرْكِ الرُّكن كالتَّرك؛ لأن الأصل عدمُ فِعْله، فإذا شَكَّ هل فَعَلَه، لكن إذا غلب على ظَنِّه أنه فَعَلَه؛ فعلى القول الرَّاجح وهو العمل بغلبة الظَّنِّ يكون فاعلاً له حكماً ولا يرجع؛ لأننا ذكرنا إذا شَكَّ في عدد الركعات يبني على غالب ظَنِّهِ، ولكن عليه سجود السَّهو بعد السلام. القسم الثَّالث: الشَّكُّ في تَرْكِ الواجب، وأشار إليه بقوله: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (380).

«ولا يسجد لشكّه في ترك واجب» أي: لو شَكَّ في تَرْكِ الواجب بعد أن فارق محلَّه، فهل هو كتَرْكه فعليه سجود السَّهو، أو هو كفعله فلا سجود عليه؟ مثاله: شَكَّ بعد أن رَفَعَ من السُّجود هل قال: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» أم لم يقل؟ فالجواب: في المسألة قولان: القول الأول: أن الشَّكَّ في تَرْكِ الواجب كتركه، وعليه سجود السَّهو؛ لأنه شَكَّ في فعله وعدمه، والأصل عدم الفعل، وإذا كان الأصل عدم الفعل فهذا الرَّجُل لم يتشهَّد التشهُّد الأول، فيجب عليه سجود السَّهو. القول الثاني: (¬1) لا سجود عليه؛ لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود وهو تَرْك التشهُّد، والأصل عدم وجود السبب فينتفي عنه وجوب السُّجود وهذا هو المذهب. ولكن التعليل الأول أصحُّ، وهو أن الأصل عدم الفعل، وهذا الأصل سابق على وجوب سجود السَّهو فنأخذ به. وإذا أخذنا بالقول الرَّاجح (¬2)، وهو اتباع غالب الظَّنِّ فإذا غلب على ظَنِّكَ أنك تشهَّدت فلا سجود عليك، وإن غلب على ظَنِّكَ أنك لم تتشهَّد فعليك السُّجود، والسُّجود هنا يكون قبل السَّلام؛ لأنه عن نقص، وكلُّ سجود عن نقص فإنه يكون قبل السَّلام. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 71). (¬2) انظر: ص (381).

أو زيادة

أَوْ زِيَادَةٍ ............. القسم الرابع: الشكُّ في الزيادة وأشار إليه بقوله: «أو زيادة» أي: لو شَكَّ هل زاد في صلاته فيلزمه سجود السَّهو، أو لم يزدْ فلا سجود عليه فإنه لا يسجد، لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود، والأصل عدمه. مثاله: شَكَّ في التشهُّدِ الأخير من صلاة الظُّهر هل صَلَّى خمساً أم أربعاً؟ فلا سجود عليه؛ لأنَّ الرَّكعة انتهت على أنها الرابعة بلا تردُّد، وإنما طرأَ عليه الشَّكُّ بعد مفارقة محلِّها، والأصل عدمها. فإن تيقَّن أنه صَلَّى خمساً، فهنا يجب عليه السُّجود للسَّهو؛ لأنه تيقَّنَ أنه زاد، فيجب عليه سجود السَّهو. الحال الأولى: إذا شَكَّ في الزيادة، ثم تيقَّنها فيجب عليه السُّجود؛ لأجل الزيادة. الحال الثانية: إذا شَكَّ في الزيادة حال فِعْلِ الزِّيادة ثم تبيَّن عدمها فيجب عليه السُّجود على المذهب (¬1)؛ لأنه أدَّى هذه الرَّكعة متردِّداً في كونها زائدة أو غير زائدة. الحال الثالثة: إذا شَكَّ في الزِّيادة بعد انتهائه فلا سُجود عليه؛ لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود والأصل عدمه. فقوله: «أو زيادة» يدخله استثناءان: الاستثناء الأول: ما لم يتيقَّن الزيادة، وهذا ربَّما نقول: إنه لا يحتاج إلى استثناء، لأنه ليس بشكٍّ، والمؤلِّف يقول: «لشكِّه في الزيادة». ¬

_ (¬1) «المنتهى مع شرحه» (1/ 219).

ولا سجود على مأموم إلا تبعا لإمامه

الاستثناء الثاني: إذا شَكَّ في الزيادة حين فَعَلَها، وتبيَّن عدمها فإنه يجب عليه السُّجود؛ لأنه أدَّى جزءاً مِن صلاته متردِّداً في كونه منها، فوجب عليه السُّجود لهذا الشَّكِّ. وَلاَ سُجُودَ عَلَى مَأْمُومٍ إلاَّ تَبَعاً لإِمَامِهِ .......... قوله: «ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإِمامه» أي: أن المأموم لا يلزمه سجود السَّهو إلا تبعاً لإِمامه. فقوله: «لا سجود» عام يشمل السُّجود للشَّكِّ، أو السُّجود للزيادة، أو السُّجود للنقص. وذلك لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه» (¬1) ولأن سجود السَّهو واجب، وليس برُكن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإِمام، وذلك في عدَّة صُور: منها: لو قام الإِمامُ عن التشهُّدِ الأول ناسياً سَقَطَ عن المأموم. ومنها: لو دخل المأمومُ مع الإِمام في ثاني ركعة في رباعية سَقَطَ عن المأموم التشهُّد الأول؛ لأنَّ التشهُّد الأول يقع لهذا المأموم في الرَّكعة الثالثة للإِمام، ومعلوم أن الإِمام لا يجلس في الرَّكعة الثالثة؛ فيلزم المأموم أن يقوم معه، فيسقط عنه واجب من واجبات الصَّلاة، فإذا كان الواجب يسقط عن المأموم مِن أجل المتابعة، فسجود السَّهو واجب؛ فيسقط عن المأموم من أجل المتابعة، وبناءً على هذا التَّعليل: يشترط أن لا يفوته شيء من الصلاة. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (67).

مثاله: رَجُلٌ نسيَ أن يقول: «سبحان ربِّي العظيم»، ولم يفته شيء من الصَّلاة؛ فيسقط عنه سجود السَّهو. فإن فاته شيء مِن الصَّلاة، ولزمه الإِتمام بعد سلام إمامه؛ لزمه سجود السَّهو إنْ سها سهواً يوجب السُّجود، لأنه إذا سَجَدَ لا يحصُل منه مخالفة لإمامه. مثال ذلك: رجُلٌ نسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّي العظيم» في الرُّكوع وقد أدرك الإِمام في الرَّكعة الثانية، فهذا النسيان يوجب عليه سُجود السَّهو؛ لأنه تَرَكَ واجباً وقد فاته شيء من الصَّلاة، فإذا قام وأتى بالرَّكعة التي فاتته وجب عليه أن يسجد للسَّهو عن تَرْكِ الواجب؛ لأنه إذا سَجَدَ لا يحصُل منه مخالفة للإِمام؛ لكونه انفرد في قضاء ما فاته من الصَّلاة. وقوله: «إلا تبعاً لإِمامه» أي: إلاّ إذا كان سجوده تبعاً لإِمامه فيجب عليه، سواء سها أم لم يسهُ، فإذا سَجَدَ الإِمام وجب على المأموم أن يتابعه؛ لعموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». مثاله: ترك الإِمام قول: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» في السُّجود، والمأموم لا يعلم؛ لأن الإِمام لا يسبِّحُ جهراً، فلما أراد أن يُسلِّم سَجَدَ سجدتين لما تَرَكَ من واجب التسبيح، فالمأموم لم يترك شيئاً من الواجبات والأركان، لكن يجب أن يسجد تبعاً للإِمام، كما يجب أن يجلس في الرَّكعة الأُولى إذا دَخَلَ مع الإِمام في الرَّكعة الثانية مع أن هذا ليس محلَّ جلوس له، لكن يجلس تبعاً للإمام، وهذا فيما إذا كان سجود الإمام قبل السَّلام، لأن الإِمام

لم تنقطع صلاته بعد، فإن كان بعد السَّلام فهل يجب متابعته أو لا يجب؟ ظاهر كلام المؤلِّف: أنها تجب متابعته ولو بعد السَّلام؛ لعموم قوله: «إلا تبعاً لإمامه» فلا فَرْقَ بين أن يسجد الإِمام قبل السَّلام أو بعده، وهذا ظاهر إذا كان المأموم لم يفته شيء من الصَّلاة، فهنا يجب أن يسجد مع الإِمام ولو بعد السَّلام. فإن كان المأموم مسبوقاً وَسَجَدَ الإِمام بعد السَّلام فهل يلزم المأموم متابعته في هذا السُّجود؟ ظاهر كلام المؤلِّف: أنه يلزمه لقوله: «إلا تبعاً لإمامه» وهذا هو المعروف عند الفقهاء حتى قالوا: إذا قام ولم يستتمَّ قائماً لزمه الرُّجوع، كما لو قام عن التشهُّدِ الأول (¬1). والصَّحيح في هذه المسألة: أن الإِمام إذا سَجَدَ بعد السَّلام لا يلزم المأموم متابعته؛ لأن المتابعة حينئذ متعذِّرة، فإن الإِمام سيُسَلِّم ولو تابعه في السَّلام لبطلت الصَّلاة، لوجود الحائل دونها وهو السَّلام (¬2). ولكن هل يلزمه إذا أتمَّ صلاته أن يسجدَ بعد السَّلام، كما سجد الإِمام؟. الجواب: فيه تفصيل: إن كان سهو الإِمام فيما أدركه من الصَّلاة وجب عليه أن يسجد بعد السَّلام. ¬

_ (¬1) «المنتهى مع شرحه» (1/ 219). (¬2) «المغني» (4/ 440).

وإن كان سهو الإِمام فيما مضى من صلاته قبل أن يدخل معه لم يجب عليه أن يسجد. مثال الأول: أن يكون سهو الإِمام زيادة، بأن رَكَعَ مرَّتين في الركعة الثانية، وأنت أدركته في ذلك، فهنا يلزمك أن تسجد إذا أتممت صلاتك، لأنك أدركت الإِمام في سهوه فارتبطتْ صلاتك بصلاته، وصار ما حصل من نقص في صلاته حاصلاً لك. مثال الثاني: أن تكون زيادة الركوع في الركعة الأُولى، ولم تدخل معه إلا في الرَّكعة الثانية، فإنه لا يلزمك السُّجود، لأن أصل وجوب السُّجود هنا كان تبعاً للإِمام، والمتابعة هنا متعذِّرة؛ لأنه بعد السَّلام، وأنت لم تدرك الإمام في الرَّكعة التي سها فيها؛ فارتبطت به في صلاة ليس فيها سهو بعد دخولك معه، فلم يلزمك أن تسجد. هذا هو الصَّحيح في هذه المسألة، وكلام المؤلِّف يدلُّ على أنك تتابعه في السُّجود بعد السَّلام؛ سواء أدركت معه السَّهو أم لم تدركه. مسألة: إذا كان المأموم مسبوقاً وسَهَا في صلاته، والإِمام لم يسهُ فهل عليه سجود؟ يعني: لو أن مأموماً دَخَلَ مع الإِمام في الرَّكعة الثانية، ونسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّيَ العظيم» في الرّكوع وسَلَّم الإِمام، وقام المأموم يقضي، فهل عليه سجود السَّهو؟ الجواب: عليه السجود للسَّهو إذا كان سهوه مما يوجب السُّجود؛ لأنه انفصل عن إمامه، ولا تتحقَّق المخالفة في سجوده حينئذ.

وسجود السهو لما يبطل عمده واجب

مسألة: لو كان الإِمامُ لا يرى وجوب سجود السَّهو، والمأموم يرى وجوب سجود السَّهو مثل: التشهُّد الأول فإن بعض العلماء يرى أنه سُنَّة كما هو مذهب الشافعي، وليس بواجب، فإذا تَرَكَه الإِمام ولم يسجد للسَّهو بناءً على أنه سُنَّة، وأن السُّنَّة لا يجب لها سجود السَّهو، فهل على المأموم ـ الذي يرى أنَّ سجودَ السَّهو واجبٌ ـ سجودٌ؟ الجواب: لا؛ لأن إمامه يرى أنه لا سجود عليه، وصلاته مرتبطة بصلاة الإِمام، وهو لم يحصُل منه خلل، فالمأموم يجب أن يتابع الإِمام، وقد قام بما يجب عليه. أما لو كان الإِمام يرى وجوب سجود السَّهو وسَبَّح به للسُّجود، ولكنه لم يسجد، فقال الفقهاء رحمهم الله (¬1): يسجد المأموم إذا أيسَ من سجود إمامه، لأن صلاته مرتبطة بصلاة الإِمام، والإِمام فَعَلَ ما يوجب السُّجود، وتَرَكَ السُّجود من غير تأويل، فوجب على المأموم أن يجبر هذا النقص ويسجد. وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَاجِبٌ ........... قوله: «وسجود السَّهو لما يبطل عمده واجب» هذا الضَّابط فيما يجب سجود السَّهو له، فسجود السَّهو واجب لكل شيء يبطل الصَّلاة عمده. مثال ذلك: لو تركت قول: «رَبِّ اغفرْ لي» بين السَّجدتين وَجَبَ عليك سجود السَّهو، لأنك لو تعمَّدت تَرْكَهُ لبطلت صلاتُكَ. ¬

_ (¬1) «المنتهى مع شرحه» (1/ 221).

مثال آخر: لو أن الإِنسان تَرَكَ الفاتحة يجب عليه سجود السَّهو، ولكن يجب عليه شيء آخر غير سجود السَّهو وهو الإِتيان بالرُّكن، وتقدَّم ماذا يصنع في تَرْكِ الرُّكن (¬1). مثال ثالث: لو تَرَكَ التشهُّدَ الأول نسياناً يجب عليه السُّجود فقط، ولا يجب عليه الإِتيان به؛ لأنه واجب يسقط بالسَّهو. مثال رابع: لو تَرَكَ الاستفتاح لا يجب عليه سجود السَّهو، لأنه لو تعمَّد تَرْكه لم تبطل صلاتُه. ولكن هل يُسَنُّ؟ الصَّحيح: أنه إذا تركه نسياناً يُسَنُّ السُّجود، لأنه قول مشروع فيجبره بسجود السَّهو، ولا يكون سجود السَّهو واجباً، لأن الأصل الذي وَجَبَ له السُّجود ليس بواجب، فلا يكون الفرع واجباً، فإذا ترك الإنسان سهواً سُنَّة من عادته أن يأتي بها، فسجود السَّهو لها سُنَّة، أما لو تَرَكَ السُّنَّة عمداً فهنا لا يُشرع له السُّجود؛ لعدم وجود السَّبب، وهو السَّهو. وقوله: «لما يبطل عمده». «ما»: هنا اسم موصول، فيشمل الفعلَ والتَّركَ، فلو زاد ركوعاً سهواً وَجَبَ عليه السُّجود؛ لأنه لو تعمَّد زيادة الرُّكوع بطلت صلاتُه. ولو أتى بقول مشروع في غير موضعه؛ كأن يقرأ وهو جالس ناسياً. لا يجب عليه السُّجود؛ لأنه لو تعمَّد أن يقرأ وهو جالس لم تبطل صلاتُه. ¬

_ (¬1) انظر: ما سبق ص (375).

فالقاعدة الآن منضبطة طرداً وعكساً، فسجود السَّهو واجب لكل فِعْلٍ أو تَرْكٍ إذا تعمَّده الإِنسان بطلت صلاتُه، لكن يجب أن تُقيَّد هذه القاعدة بما إذا كان مِن جنس الصَّلاة كالرُّكوع، والسُّجود، والقيام، والقعود، فيخرج كلام الآدميين مثلاً، فإن عمده يبطل الصَّلاة، وسهوه لا يبطلها على الصَّحيح، ولا يوجب سجود السَّهو. مسألة: لو قرأ وهو راكعٌ أو ساجدٌ نسياناً فهل يجب أن يسجدَ للسَّهو، أو يُسَنُّ؟ الجواب: جمهور أهل العلم لا يرون الوجوب؛ لأنَّهم لا يرون بُطلان الصَّلاة بتعمُّد القراءة في الرُّكوع، والسُّجود (¬1). وقال بعض العلماء وبعض الظَّاهرية: إذا تعمَّد القراءة في الرُّكوع والسُّجود بطلت صلاتُه؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا؛ وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً» (¬2). فإذا قرأ القرآن وهو راكع أو ساجدٌ فقد أتى بما نهى الشَّارعُ عنه فتبطل الصَّلاة، كما لو تكلَّم، قال زيد بن أرقم: «أُمرنا بالسُّكوت ونُهينا عن الكلام» (¬3)، وهو دليل قويٌّ لكنه عند التأمل نجد الفَرْق بين «نُهينا عن الكلام» وبين «نُهيتُ أن أقرأ القرآن» أنَّ النهيَ عن قراءة القرآن نهيٌ عن قراءته في هذا المحلِّ؛ لا عن قراءته مطلقاً، فإن القرآن قول مشروع في الصَّلاة، بل رُكن فيها في الجملة، فالفاتحة ¬

_ (¬1) «المجموع» (4/ 14). (¬2) تقدم تخريجه ص (87). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب ما ينهى من الكلام في الصلاة (1200)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (539) (35).

وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط

قراءتها رُكْنٌ؛ بخلاف كلام الآدميين؛ فإنه منهيٌّ عنه لذاته نهياً مطلقاً، فصار القياس غير صحيح، ولكن لا يقرأ في الرُّكوع والسُّجود، لأن القرآن أشرف الكلام؛ فلا يناسب أن يُقال في هيئة فيها الذُّلُّ والخضوع، وإنْ كان في الذُّلِّ لله رِفْعة وعِزَّة، لكن الهيئة لا تتناسب مع القرآن، بل المناسب هو القيام؛ ولهذا كان المناسب في الرُّكوع والسُّجود تنزيه الله ـ عن النقص والذُّلِّ ـ سبحانه وتعالى. وَتَبْطُلُ بِتَرْكِ سُجُودٍ أَفْضَلِيَّتُهُ قَبْلَ السَّلاَمِ فَقَطْ .......... قوله: «وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط». «تبطل» أي: الصَّلاة بترك سجود أفضليته قبل السَّلام. «فقط» أي: دون الذي أفضليته بعد السَّلام. أفاد المؤلِّف رحمه الله هنا مسألتين: المسألة الأولى: أن كون السُّجود قبل السَّلام أو بعدَه على سبيل الأفضلية، وليس على سبيل الوجوب، وأنَّ الرَّجُل لو سَجَدَ قبل السَّلام فيما موضعه بعد السَّلام فلا إثم عليه، ولو سَجَدَ بعد السَّلام فيما موضعه قبل السَّلام فلا إثم عليه، والأفضل: أن يسجد قبل السَّلام، إلا إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة، فالأفضل: أن يسجد بعد السَّلام، هذه قاعدة المذهب (¬1). والدَّليل على أن الأفضل السُّجود بعد السَّلام؛ إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين صَلَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إحدى صلاتي العشي، فَسَلَّمَ مِن ركعتين فذكَّروه، فأتمَّ صلاته، ثم ¬

_ (¬1) «المنتهى مع شرحه» (1/ 221).

سَجَدَ سجدتين، ثم سَلَّمَ (¬1)، وهذا هو المذهب. القول الثاني: أنَّ كون السُّجود قبل السَّلام أو بعدَه على سبيل الوجوب، وأنَّ ما جاءت السُّنة في كونه قبل السَّلام يجب أن يكون قبل السَّلام، وما جاءت السُّنَّة في كونه بعد السَّلام يجب أن يكون بعد السَّلام، وهذا اختيار شيخ الإِسلام، وهو الرَّاجح (¬2). واستدلَّ لذلك بقول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم وفِعْلِه: أما قوله: فإنه يقول: «ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم» (¬3) فيما قبل السَّلام، ويقول: «ثم ليسلِّم ثم ليَسْجُدْ سجدتين» (¬4) فيما بعد السلام، والأصل في الأمر الوجوب. وأما فِعْل الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم فإنه سَجَدَ للزِّيادة بعد السَّلام (¬5)، وسَجَدَ للنَّقص قبل السَّلام (¬6)، وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي» (¬7) وهذا يشمَلُ صُلب الصَّلاة وجَبْر الصَّلاة، وسجود السَّهو جَبْر للصَّلاة، وعلى هذا؛ فما كان قبل السَّلام فهو قبل السَّلام وجوباً، وما كان بعده فهو بعد السلام وجوباً. وعليه؛ فيجب على كُلِّ أحد أن يعرف السُّجود الذي قبل السَّلام، والسُّجود الذي بعد السَّلام، لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (266). (¬2) «الإنصاف» (4/ 85). (¬3) تقدم تخريجه ص (380). (¬4) تقدم تخريجه ص (381). (¬5) تقدم تخريجه ص (266). (¬6) تقدم تخريجه ص (266). (¬7) تقدم تخريجه ص (27).

وأما الشَّكُّ فالمذهب (¬1): أن الشَّكَّ قسم واحد يبني فيه الإِنسان على اليقين، وهو الأقل، ويسجد للسَّهو قبل السَّلام. فليس هناك شيء يُبنى فيه على غلبة الظَّنِّ، حتى لو ترجَّح أحدُ الأمرين فيُبنى على اليقين، والبناءُ على اليقين محلُّ السُّجود فيه قبل السَّلام. ولكن الصَّحيح الذي دلَّت عليه السُّنَّة أنَّ الشَّكَ قسمان وهما: 1 ـ شَكٌّ يترجَّح فيه أحد الطَّرفين، فتعمل بالرَّاجح، وتبني عليه، وتسجد بعد السَّلام. 2 ـ شَكٌّ لا يترجَّح فيه أحد الطَّرفين، فتبني فيه على اليقين، وتسجد قبل السَّلام، وهذا اختيار شيخ الإسلام. المسألة الثانية مما أفادنا المؤلِّف: أن الصَّلاة تبطلُ إذا تَرَكَ السُّجود الذي محلُّه قبل السَّلام، ولا تبطل إذا تَرَكَ السُّجود الذي محلُّه بعد السَّلام، والفَرْق بينهما أن السُّجود الذي محلُّه قبل السَّلام واجب في الصّلاة؛ لأنه قبل الخروج منها، والسُّجود الذي محلُّه بعد السَّلام واجب لها؛ لأنه بعد الخروج منها، والذي تبطل به الصَّلاة إذا تعمَّد تَرْكه هو ما كان واجباً في الصَّلاة؛ لا ما كان واجباً لها، ولهذا لو تَرَكَ التشهُّدَ الأول عمداً بطلت صلاتُه؛ لأنه واجب في الصَّلاة، ولو تَرَكَ إقامة الصَّلاة عمداً لم تبطل صلاتُه؛ لأن الإقامة واجب للصَّلاة، وكذلك على ¬

_ (¬1) «المنتهى مع شرحه» (1/ 217).

وإن نسيه وسلم سجد إن قرب زمنه

القول الرَّاجح لو تَرَكَ صلاة الجماعة عمداً فإنَّ صلاته لا تبطل، لأن الجماعة واجبة للصَّلاة، لا واجبة فيها. وقوله: «فقط» «قط» بمعنى حسب، ومنه ما جاء في الحديث: «لا تزال جهنَّم يُلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رَبُّ العِزَّة فيها قدمَه، (أو عليها رِجْلَه) فَيَنْزوي بعضُها إلى بعضٍ وتقول: قَطْ، قَطْ ... » (¬1) أي: حسبي. وخرج بقوله: «فقط» ما أفضليته بعد السَّلام، فلا تبطل الصَّلاة بتركه لكن يأثم بتركه، حيث كان واجباً. وَإِنْ نَسِيَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ إنْ قَرُبَ زَمَنُهُ. .......... قوله: «وإن نسيه وسَلَّمَ سجَدَ إن قَرُبَ زمنه» أي: السُّجود الذي قبل السَّلام، وسَلَّم سَجَد إن قَرُبَ زمنُه، فإنْ بَعُدَ زمنُه سقط، وصلاته صحيحة. مثاله: رَجُلٌ نسيَ التشهُّد الأول؛ فيجب عليه سجود السَّهو، ومحلُّه قبل السَّلام، لكن نسيَ وسَلَّمَ، فإن ذَكَرَ في زمن قريب سَجَدَ، وإنْ طال الفصلُ سَقَطَ. مثل: لو لم يتذكَّر إلا بعد مدَّة طويلة؛ ولهذا قال: «سَجَدَ إن قَرُب زمنُه» فإن خرج من المسجد فإنه لا يرجع إلى المسجد فيسقط عنه، بخلاف ما إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة؛ فإنه يرجع ويكمل، وذلك لأنه في المسألة الثانية تَرَكَ رُكناً فلا بُدَّ أن يأتيَ به، وهذا تَرَكَ واجباً يسقط بالسَّهو. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} (4848، 4849، 4850)؛ ومسلم، كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون (2848) (38)؛ ورواية: «أو عليها رجله» أخرجها البخاري، في الموضع السابق (4850)؛ ومسلم في الموضع السابق (2846) (36).

وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية (¬1): بل يسجدُ، ولو طال الزَّمن؛ لأن هذا جابر للنقص الذي حصل، فمتى ذَكَرَه جَبَرَه. ولكن الأقرب: ما قاله المؤلِّف ـ رحمه الله ـ وهو المذهب (¬2): أنه إذا طال الفصل فإنه يسقط، وذلك لأنه إما واجب للصَّلاة، وإما واجب فيها، فهو ملتصق بها، وليس صلاة مستقلَّة حتى نقول إن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ نَام عن صلاة أو نسيها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها» (¬3)، بل تابع لغيره فإن ذَكَرَهُ في وقت قريب سَجَدَ وإلا سقط. وَمَنْ سَهَا مِرَاراً كَفَاهُ سَجْدَتَانِ. قوله: «ومن سها مراراً كفاه سجدتان» لأن السَّجدتين تجبران كُلَّ ما فات. مثال السَّهو مراراً: تَرَكَ قول: «سُبحان رَبِّيَ العظيم» في الرُّكوع، وَتَرَكَ التشهُّدَ الأول، وقول: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» في السُّجود، فهذه ثلاثة أسباب يُوجب كلُّ واحد منها سجود السَّهو فيكفي سجدتان، لأن الواجب هنا من جنس واحد، فدخل بعضُه في بعضٍ، كما لو أحدث ببول، وغائط، وريح، وأكل لحم إبل، فإنه يكفيه وُضوء واحد، ولا يلزمه أن يتوضَّأ لكلِّ سبب وُضُوءاً، فهنا أسباب السُّجود تعدَّدت، لكن الواجب في هذه الأسباب واحد، وهو وجود السَّهو فتداخلت. ولكن إذا اجتمع سببان، أحدهما: يقتضي أن يكون السُّجود قبل السَّلام، والثاني: يقتضي أن يكون السُّجود بعد السلام. ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 87). (¬2) «الإقناع» (1/ 217). (¬3) تقدم تخريجه ص (2/ 15).

فقيل: يعتبر ما هو أكثر، مثل: لو سَلَّمَ قبل تمام صلاته وَرَكَعَ في إحدى الرَّكعات رُكوعين، وتَرَكَ التشهُّدَ الأوَّل، فهنا عندنا سببان يقتضيان أن يكون السُّجود بعد السَّلام، وهما زيادة الرُّكوع والسَّلام قبل التمام، وعندنا سببٌ واحدٌ يقتضي السُّجود قبل السَّلام، وهو تَرْك التشهُّد الأول، فيكون السُّجودُ بعد السَّلام. مثال آخر: رَجُلٌ رَكَعَ في رَكعَة رُكُوعين، وتَرَكَ قول: «سُبحان رَبِّي العظيم» في الرُّكوع، وقول: «سُبحان رَبِّيَ الأعلى» في السُّجودِ، فهنا اجتمعَ سببان للسُّجودِ قبل السَّلام، وهما: تَرْكُ التَّسبيح في الرُّكوع وفي السُّجود، وسببٌ واحد يقتضي أن يكون السُّجود بعد السَّلام، وهو زيادة الرُّكوع، فالسُّجود قبل السَّلام. والمذهب (¬1) يُغَلِّبُ ما قبلَ السَّلام مطلقاً؛ لأن ما قبل السَّلام جابره واجب، ومحلُّه قبل أن يُسلِّمَ، فكانت المبادرة بجَبْرِ الصَّلاة قبل إتمامها أَولى مِن تأخير الجابر. تم بحمد الله تعالى المجلد الثالث ويليه بمشيئة الله عز وجل المجلد الرابع وأوله باب صلاة التطوع ¬

_ (¬1) «الإنصاف» (4/ 91).

باب صلاة التطوع

باب صَلاة التَّطوُّع قوله: «صَلاة التَّطُّوع» مِنْ باب إِضافةِ الشَّيء إلى نوعه؛ لأَنَّ الصَّلاةَ جِنسٌ ذو أنواع، فصلاةُ التَّطوُّع، أي: الصلاة التي تكون تطوُّعاً؛ أي: نافلة. والتَّطوُّعُ: يُطلق على فِعْلِ الطَّاعة مطلقاً، فيشمل حتى الواجب، قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ *} [البقرة] مع أَنَّ الطَّوافَ بهما رُكنٌ من أركان الحَجِّ والعُمْرة. ويُطلق على المعنى الخاص في اصطلاح الفقهاء، فيُراد به كُلُّ طاعةٍ ليست بواجبة. ومِنْ حِكمةِ الله عزّ وجل ورحمتِهِ بعبادِه أَنْ شَرَعَ لكلِّ فَرْضٍ تطوُّعاً من جنسه؛ ليزداد المؤمن إيماناً بفعل هذا التَّطوُّع، ولتكمُلَ به الفرائض يوم القيامة، فإنَّ الفرائضَ يعتريها النَّقصُ، فتكمُلُ بهذه التَّطوُّعاتِ التي مِنْ جنسها، فالوُضُوء: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصَّلاةُ: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصَّدقة: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصيام: واجبٌ وتطوُّعٌ، والحَجُّ: واجبٌ وتطوُّعٌ، والجهاد: واجبٌ وتطوُّعٌ، والعِلْمُ: واجبٌ وتطوُّعٌ، وهكذا. وصلاة التَّطوُّع أنواع: منها ما يُشرع له الجماعةُ، ومنها ما لا يشرعُ له الجَماعةُ. ومنها ما هو تابعٌ للفرائض، ومنها ما ليس بتابعٍ.

ومنها ما هو مُؤقَّتٌ، ومنها ما ليس بمُؤقَّتٍ. ومنها ما هو مُقيَّدٌ بسبب، ومنها ما ليس مقيَّداً بسبب. وكلُّها يُطلق عليها: صلاةُ تَطوُّعٍ. وآكدُ ما يُتطوَّعُ به من العبادات البَدنية: الجِهَاد. وقيل: العِلْم. والصَّحيح: أنه يختلف باختلاف الفاعل؛ وباختلاف الزَّمن، فقد نقول لشَخصٍ: الأفضلُ في حَقِّك الجِهادُ، والآخرُ: الأفضلُ في حَقِّكِ العِلْم، فإذا كان شُجاعاً قويًّا نشيطاً؛ وليس بذاك الذَّكيِّ؛ فالأفضلُ له الجِهاد؛ لأنه أَليقُ به. وإذا كان ذكيًّا حافظاً قويَّ الحُجَّة؛ فالأفضلُ له العِلْم، وهذا باعتبار الفاعل. وأما باعتبار الزَّمن؛ فإننا إذا كُنَّا في زمن تَفَشَّى فيه الجهلُ والبِدعُ، وكَثُرَ مَنْ يُفتي بلا عِلم؛ فالعِلمُ أفضلُ من الجهاد، وإنْ كُنَّا في زمن كَثُرَ فيه العُلماءُ؛ واحتاجتِ الثُّغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية؛ فهنا الأفضل الجهاد. فإنْ لم يكن مرجِّحٌ، لا لهذا ولا لهذا؛ فالأفضلُ العِلم. قال الإمام أحمد: العِلمُ لا يَعْدِلُهُ شيء لِمَنْ صَحَّت نيَّتُهُ. قالوا: كيف تصحُّ النيَّةُ؟ قال: ينوي بتواضع، وينفي عنه الجهل. وهذا صحيح؛ لأنَّ مَبْنَى الشَّرعِ كُلِّه على العِلم، حتى الجهاد مَبْنَاهُ على العِلم، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] فَنَفَى الله أَنْ يَنْفِر المسلمون كلُّهم إلى الجهاد، ولكن يَنْفِرَ طائفةٌ ويبقى طائفةٌ

آكدها كسوف

لتتعلَّم؛ حتى إذا رجع قومُهم إليهم أخبروهم بما عندهم من الشَّرع، ولكن يجب في الجهاد وفي العِلم تصحيحُ النِّيَّةِ؛ وإخلاصُها لله عزّ وجل، وهو شرطٌ شديدٌ؛ أعني: إخلاصَ النِّيَّة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: شَرْطُ النِّيَّةِ شَديد؛ لكنه حُبِّبَ إليَّ فجمعتُه. آكَدُهَا كُسُوفٌ .......... قوله: «آكدها كسوف» أي: أن آكدَ صلاة التَّطوُّع صلاةُ الكسوف؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بها (¬1)، وخَرَجَ إليها فَزِعاً (¬2)، وصَلَّى صلاةً غريبةً، وعُرِضت عليه في صلاتِهِ هذه الجنَّةُ والنَّارُ (¬3)، وخَطَب بعدها خُطبةً بليغةً عظيمةً (¬4)، وشَرعَ لها الجماعةَ، فأَمَرَ مناديًا أن يُنادي «الصلاةُ جامعةً» (¬5)، فهي آكدُ صَلاةِ التطوُّع. وفُهِمَ من كلام المؤلِّف: أَنَّ صلاة الكُسُوفِ نافلةٌ من باب التطوُّعِ، وفيها خِلاف بين أهل العلم. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس (1040)؛ ومسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف (901) (1). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف القمر (1063)؛ ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عُرض على النبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (906) (14). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة (1052)؛ ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عُرض على النبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (907) (17). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب قول الإمام في خطبة الكسوف أما بعد (1061)؛ ومسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف (901). (¬5) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف، باب النداء بـ «الصلاة جامعة» في الكسوف (1045)؛ ومسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف «الصلاة جامعة» (910) (20).

ثم استسقاء،

والصحيح: أَنَّ صلاة الكُسُوف فرضٌ واجب، إِمَّا على الأعيان؛ وإِمَّا على الكفاية، وأَنَّه لا يمكن للمسلمين أن يَرَوا إنذارَ الله بكسُوف الشمسِ والقمرِ، ثم يَدَعوا الصَّلاةَ؛ مع أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بها، وأَمَرَ بالصدقة والتكبير والاستغفار والعتق والفزع إلى الصلاة، وحصل منه شيءٌ لم يكن مألوفاً مِنْ قبلُ، فكيف تقترنُ بها هذه الأحوالُ مع الأمر بها، ثم نقول: هي سُنةٌ؛ لو تركها المسلمون لم يأثموا. فأقلُّ ما نقول فيها: إنها فرضُ كفاية. ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ، ........ قوله: «ثم استسقاء». يعني: أنَّ صلاة الاستسقاء تلي صلاةَ الكسوفِ في الآكدية، وعَلَّل الأصحاب ذلك بأنها تُشرع لها صلاةُ الجماعة، فجعلوا مناطَ الأفضلية الاجتماعَ على الصَّلاة، فما شُرع له الاجتماعُ فهو أفضلُ مما لم يُشرع له الاجتماعُ، فالاستسقاء عندهم أفضل من الوِتر مثلاً؛ لأن صلاة الاستسقاء تُشرع لها الجماعةُ بخلاف الوِتر، وما شُرعت له الجماعةُ فهو آكد من غيره. ولكن؛ في هذا نَظَرٌ. والصواب: أَنَّ الوِترَ أوكدُ مِن الاستسقاء؛ لأن الوِترَ داومَ عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأَمَرَ به فقال: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ باللَّيلِ وِتْراً» (¬1) وقال: «إِذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى ركعةً واحدةً، تُوتِرُ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الوتر، باب ليجعل آخر صلاته وِتراً (998)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى (749) (148).

ثم تراويح، ثم وتر

له ما قد صَلَّى» (¬1) وقال: «يا أهلَ القُرآن، أوتِرُوا ... » (¬2). وأما صلاةُ الاستسقاء؛ فإنه لم يَرِدِ الأمرُ بها، ولكنها ثَبتتْ مِنْ فِعْل الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكن يقتصرُ في الاستسقاء على الصَّلاة، فقد كان يستسقي بالدُّعاء في خُطبةِ الجُمُعةِ وفي غيرها. والاستسقاء هو: أَنَّ النَّاسَ إذا أجدبتِ الأرضُ، وقَحِطَ المطرُ، وتضرَّروا بذلك؛ خرجوا إلى مُصَلَّى العيدِ؛ فصَلُّوا كصلاة العيدِ، ثم دعوا الله عزّ وجل. وستأتي مفصَّلة في بابٍ مستقلٍّ إن شاء الله. ثُمَّ تَراوِيْح، ثُمَّ وِترٌ ......... قوله: «ثم تراويح، ثم وتر» أي: أَنَّ التراويحَ تلي الاستسقاءَ في الآكدية، فهي في المرتبة الثالثة، فقدَّمَ التراويحَ على الوِتر بناءً على أنَّ مَنَاطَ الأفضليَّة هو الجماعة، والتراويحُ تُشرعُ لها الجماعةُ بفعل الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، فإنه عليه الصَّلاة والسَّلام صَلَّى بالناس في رمضان ثلاث ليال، ثم تخلَّفَ في الثالثة أو في الرابعة، وقال: «إِنِّي خَشيتُ أَن تُفْرَضَ عليكم» (¬3) فبقيت الأُمَّةُ الإسلاميةُ لا تُقَام ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر (990)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى» (749) (145). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 110)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الوتر (1416)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم (453)؛ والنسائي، كتاب قيام الليل، باب الأمر بالوتر (1676)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسُّنة فيها، باب ما جاء في الوتر (1169) وقال الترمذي: «حديث حسن». (¬3) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلّى الله عليه وسلّم على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب (1129)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان (761) (177).

فيها صلاةُ التراويح جماعةً، حتى جمعهم أميرُ المؤمنين عُمرُ بنُ الخطاب على تَمِيمٍ الدَّاريِّ وأُبيِّ بنِ كعب (¬1)، فالمؤلِّفُ يرى أن التراويحَ مقدَّمةٌ على الوِتر. والصَّحيحُ: أَنَّ الوِترَ مقدَّمٌ عليها، وعلى الاستسقاء؛ لأنَّ الوِتر أَمَرَ به وداوم عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، حتى قال بعضُ أهلِ العِلمِ: إنَّ الوِترَ واجبٌ. وقال بعضُ العُلماء: إنَّهُ واجبٌ على مَنْ له وِرْدٌ مِن اللَّيل. يعني: على مَنْ يقومُ اللَّيل. وقال آخرون: إنه سُنَّةٌ مطلقة. وصلاةٌ هذا شأنها في السُّنَّةِ، وعند أهل العِلم، كيف تُجعل التراويحُ التي اختُلِفَ في استحباب الجماعة لها أفضلُ منها؟ إذاً؛ فترتيب صَلاة التطوُّع: الكسوف، ثم الوِتر، ثم الاستسقاء، ثم التراويح، هذا هو القول الراجح؛ لأن الاستسقاء صلاة يقصد بها رَفْع الضرر، فالناس في حاجة إليها أكثر من التراويح. والتراويح: هو قيامُ اللَّيلِ في رمضان، وسُمِّيَ تروايحُ؛ لأن النَّاسَ كانوا يُطيلون القيامَ فيه والرُّكوعَ والسُّجودَ، فإذا صَلُّوا أربعاً استراحوا، ثم استأنفوا الصَّلاةَ أربعاً، ثم استراحوا، ثم صَلُّوا ثلاثاً، على حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام مالك في «الموطأ»، كتاب الصلاة، باب ما جاء في قيام رمضان (302).

لا يزيدُ في رمضانَ ولا غيره على إحدى عَشْرَة رَكْعةً، يُصلِّي أربعاً؛ فلا تسألْ عن حُسْنهنَّ وطُولِهنَّ، ثم يُصلِّي أربعاً؛ فلا تسألْ عن حُسْنهنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصلِّي ثلاثاً» (¬1)، وهذه الأربع التي كان يُصلِّيها أولاً؛ ثم ثانياً؛ يُسلِّمُ فيها من ركعتين؛ كما جاء ذلك مفسَّراً عنها رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي في الليل إِحدى عَشْرَة رَكْعة، يُسلِّمُ من كُلِّ رَكعتين» (¬2)، وبه نعرف أنَّ القائِلَ بأنّ هذه الإحدى عَشْرة، تُجمعُ الأربعُ فيها في سَلامٍ واحدٍ، والأربعُ في سَلامٍ واحدٍ لم يُصِبْ، ولعلَّه لم يَطَّلعْ على الحديث الذي صَرَّحتْ فيه بأنَّه يُسلِّمُ من كُلِّ رَكعتينِ. وعلى فَرَضِ أَنَّ عائشةَ لم تُفصِّلْ؛ فإنَّ قولَ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى» (¬3) يَحْكم على هذه الأربع بأنَّهُ يُسلَّم فيها مِن كُلِّ رَكعتين؛ لأنَّ فِعْلَ الرَّسولِ المُجْمَلَ يفسِّرُه قولُهُ المفصَّلُ. أما الوِتر؛ فإنَّه سيأتينا ـ إنْ شاء الله ـ أَنَّ أقلَّهُ رَكْعة، وأكثره إحدى عَشْرة رَكعة، ويأتي بيان صِفته أيضاً. والوِترُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، وهو ـ عند القائلين بأنه سُنَّةٌ ـ مِن السُّنَنِ المؤكَّدةِ جداً، حتى إنَّ الإمامَ أحمدَ رحمه الله قال: «مَنْ تَرَكَ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب قيام النبي صلّى الله عليه وسلّم بالليل في رمضان وغيره (1147)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلّى الله عليه وسلّم في الليل (738) (125). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلّى الله عليه وسلّم في الليل (736) (122). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر (99)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى (749) (145).

يفعل بين العشاء والفجر

الوِترَ فهو رَجُلُ سُوءٍ لا ينبغي أن تُقبل له شَهادة» ـ فَوَصَفَه بأنه رَجُلُ سُوءٍ، وحَكَم عليه بأنه غيرُ مَقبول الشَّهادة، وهذا يدلُّ على تأكُّدِ صَلاة الوِتْرِ. يُفْعَلُ بَيْنَ العِشَاءِ وَالفَجْرِ، ......... قوله: «يفعل بين صلاة العشاء والفجر»، هذا وقته بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صَلَّى العشاء في وقتها، أو صلاها مجموعة إلى المغرب تقديماً، فإن وقت الوِتر يدخل من حين أن يصلي العشاء لما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنَّ اللهَ أَمَدَّكُم بصلاةٍ هيَ خيرٌ لكم مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، صلاة الوِتْرِ، ما بين صلاةِ العِشَاء إلى أَنْ يَطْلُع الفَجْرُ» (¬1). والسُّنة الصحيحة تشهد له، ولأن صلاة الوِتر تُختم بها صلاة الليل، وإذا انتهت صلاة العشاء فقد انتهت صلاة الليل المفروضة، ولم يبق إلا صلاة التطوع، فللإنسان أن يوتر من بعد صلاة العشاء مباشرة، ولو كانت مجموعة إلى المغرب تقديماً. قوله: «والفجر» يعني: طلوع الفجر؛ لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى واحدةً، تُوتِرُ له ما قد صَلَّى» (¬2) فإذا طَلَعَ الفجرُ فلا وِتْرَ، وأما ما يُروى عن بعضِ السَّلفِ؛ أَنَّه ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الوتر (1418)؛ والترمذي، أبواب الوتر، باب ما جاء في فضل الوتر (452) وقال: «حديث غريب»؛ وابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة (1168)؛ والحاكم (1/ 306) وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: «إرواء الغليل» (423). (¬2) تقدم تخريجه ص (9).

وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة

كان يُوتِرُ بين أذانِ الفَجرِ، وإقامةِ الفَجرِ (¬1) فإنَّه عَمَلٌ مُخالفٌ لما تقتضيه السُّنَّة، ولا حُجَّةَ في قولِ أحدٍ بعد رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم. فالوِتْرُ ينتهي بطُلوعِ الفَجرِ، فإذا طَلَعَ الفجرُ وأنت لم تُوتِرْ؛ فلا تُوتِر، لكن ماذا تصنعُ؟ الجواب: تُصلِّي في الضُّحى وِتراً مشفوعاً بركعة، فإذا كان مِن عادتك أن توتر بثلاث صلَّيتَ أربعاً، وإذا كان مِن عادتك أن توتر بخمس فصل ستاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «كان إذا غَلَبَهُ نومٌ أَو وَجَعٌ عن قيامِ اللَّيلِ؛ صَلَّى من النَّهارِ ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعةً» (¬2). ولم يتكلم المؤلِّفُ ـ رحمه الله ـ هل الأفضل تقديمه في أول الوقت أو تأخيره؟ ولكن دلَّت السُّنَّةُ على أن مَنْ طَمِعَ أن يقوم من آخر الليل فالأفضل تأخيره؛ لأن صلاة آخر الليل أفضل وهي مشهودةً، ومن خاف أن لا يقوم أوتر قبل أن ينام. وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشرَة رَكْعَةً، .......... قوله: «وأقله ركعة» يعني: أقل الوتر ركعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الوِتْرُ رَكْعَةٌ من آخرِ اللَّيلِ» أخرجه مسلم (¬3)، وقوله: «صَلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإِذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى ركعةً واحدةً تُوتِرُ له ¬

_ (¬1) انظر: «الموطأ»، كتاب الصلاة، باب الوتر بعد الفجر (330 ـ 335)؛ «المصنف» لابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب في مَنْ كان يؤخر وتره (2/ 286)؛ «مختصر قيام الليل» للمروزي ص (119). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض (746) (139). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى (752) (153).

مثنى، ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ويتشهد ويسلم

ما قد صَلَّى» وهو في «الصحيحين» (¬1) فقوله: «صَلَّى ركعةً واحدةً» يدلُّ على أن أقل الوتر ركعة واحدة، فإذا اقتصر الإنسان عليها فقد أتى بالسُّنَّةِ. مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي آخِرِهَا، وَبِتِسْعٍ يَجْلِسُ عَقِبَ الثَّامِنَةِ فَيَتَشَهَّدُ وَلاَ يُسَلِّم، ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ........ قوله: «مثنى مثنى» أي: يصليها اثنتين اثنتين. قوله: «ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم» لقول عائشة: «كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي باللَّيلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكعةً، يُوتِرُ منها بواحدةٍ» وفي لفظ: «يُسلِّمُ بين كُلِّ رَكعتين، ويوتِرُ بواحدةٍ» (¬2). فيجوزُ الوِترُ بثلاثٍ، ويجوزُ بخمسٍ، ويجوزُ بسبعٍ، ويجوزُ بتسعٍ، فإنْ أوترَ بثلاثٍ فله صِفتان كِلتاهُما مشروعة: الصفة الأولى: أنْ يَسْرُدَ الثَّلاثَ بِتَشهدٍ واحدٍ (¬3). الصفة الثانية: أنْ يُسلِّمَ مِن رَكعتين، ثم يُوتِرَ بواحدة (¬4). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (9). (¬2) تقدم تخريجه ص (11). (¬3) لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يسلم في ركعتي الوتر». وفي لفظ: «كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن». أخرجه مالك في «الموطأ» (466)؛ والنسائي (3/ 234)؛ والحاكم (1/ 304) وصححه ووافقه الذهبي. وقال الشيخ رحمه الله في مجالس شهر رمضان: «فإن أحب سردها بسلام واحد لما روى الطحاوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوتر بثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن». (¬4) تقدم تخريجه ص (11).

كلُّ هذا جَاءت به السُّنةُ، فإذا فَعَلَ هذا مرَّةً، وهذا مرَّةً فَحَسَنٌ. أمَّا إذا أوتَرَ بخمسٍ؛ فإنَّه لا يَتَشَهَّدُ إلا مرَّةً واحدةً في آخرها ويُسلِّمُ (¬1). وإذا أوتَرَ بسبعٍ (¬2)؛ فكذلك لا يَتَشَهَّدُ إلا مرَّةً واحدةً في آخرها (¬3). وإن تَشَهَّدَ في السَّادسة بدون سلام ثم صَلَّى السَّابعةَ وسَلَّمَ فلا بأس (¬4). وإذا أوترَ بتسعٍ؛ تَشهَّدَ مرَّتينِ، مرَّةً في الثَّامنةِ، ثم يقومُ ولا يُسلِّمُ، ومرَّةً في التاسعة يتشهَّدُ ويُسلِّمُ (¬5). ¬

_ (¬1) لما أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلّى الله عليه وسلّم في الليل (737) (123). عن عائشة قالت: «كان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم يُصلِّي من الليلِ ثَلاثَ عَشْرة ركعةً، يُوترُ من ذلك بخمسٍ، لا يجلسُ في شيءٍ إلا في آخِرِها». (¬2) لما أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (746) (139). عن عائشة قالت: « ... فلما سَنَّ نبيُّ الله وأخذَهُ اللحمُ، أوْتَرَ بسبعٍ، وصَنَعَ في الركعتين مثل صَنيعه الأول ... ». (¬3) لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوتر بسبع أو بخمس، لا يفصل بينهنَّ بتسليم ولا كلام». أخرجه الإمام أحمد (6/ 290)؛ والنسائي، كتاب قيام الليل، باب كيف الوتر بخمس (1713)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنّة فيها، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع (1192) قال في الفتح الرباني: «سنده جيد» (4/ 297). (¬4) لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ثم يصلي سبع ركعات ولا يجلس فيهن إلا عند السادسة فيجلس». «المسند» للإمام أحمد (6/ 53). (¬5) تقدم تخريجه حاشية رقم (3) أعلاه.

وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين يقرأ في الأولى «سبح»، وفي الثانية «الكافرون»، وفي الثالثة «الإخلاص»

وإنْ أوترَ بإحدى عَشْرَة، فإنه ليس له إلا صِفةٌ واحدةٌ؛ يُسلِّمُ من كُلِّ ركعتين، ويُوترُ منها بواحدة (¬1). وَأَدْنَى الكَمَالِ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ بِسَلاَميْنِ يَقْرَأُ فِي الأُولى «سَبِّح»، وَفِي الثَّانِيَةِ «الكَافِرُونَ»، وَفِي الثَّالِثَةِ «الإِخْلاَصِ» ........... قوله: «وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين» أي: أدنى الكمال في الوِتْرِ أنْ يُصلِّيَ ركعتين ويُسَلِّمَ، ثم يأتي بواحدة ويُسلِّمَ (¬2) ويجوز أن يجعلها بسلام واحدٍ، لكن بتشهُّدٍ واحدٍ لا بتشهُّدين؛ لأنه لو جعلها بتشهُّدين لأشبهت صلاةَ المغربِ، وقد نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن تُشَبَّهَ بصلاةِ المغربِ (¬3). قوله: «يقرَأُ في الأُولى «سَبِّح»، وفي الثَّانيةِ «الكافرون» وفي الثالثة «الإخلاص» أي: يقرأ في الرَّكعة الأُولى مِنَ الثَّلاث سورةَ «سَبِّحِ اسمَ ربك الأعلى» كاملة، وفي الثانية «الكافرون»؛ وفي الثالثة «الإخلاص» (¬4). وذلك بعد الفاتحة، ولم يذكره المؤلّفُ لأنَّه معلومٌ، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (11). (¬2) انظر: ص (14). (¬3) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (2429)؛ والدارقطني (2/ 24)؛ والحاكم (1/ 304) وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه». قال ابن حجر: «إسناده على شرط الشيخين». «الفتح» (2/ 481). (¬4) من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه عند أبي داود، كتاب الصلاة، باب ما يقرأ في الوتر (1423)؛ والنسائي في قيام الليل (1700)؛ وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر (1171)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ما يقرأ به في الوتر (462)؛ ومن حديث عائشة رضي الله عنها عند الترمذي، أبواب الصلاة، الباب السابق (463)؛ والحاكم (1/ 305) وصححه، ووافقه الذهبي.

ويقنت فيها بعد الركوع

وقوله: «الكافرون» بالواو على وَجْهِ الحِكاية؛ لأن لفظ «الكافرين» نفسِهِ لا يُقرأ، ولا يُمكن أنْ يُسَلَّطَ الفعلُ عليه. إذن؛ يُسلَّطُ الفعلُ على اسمِ هذه السُّورةِ، وهذه السُّورةُ تُسمَّى: سورةُ «الكافرون» على الحِكاية. وقوله: «وفي الثالثة الإخلاص» وهي: «قل هو الله أحد» وسُمِّيتْ بالإخلاصِ؛ لأنَّ اللهَ أخلَصَها لنفسِه، ليس فيها شيءٌ إلا التحدُّث عن صفات الله، ولأنها تُخلِّصُ قارِئَها من الشِّرك والتَّعطيل؛ لأن الإقرارَ بها يُنافي الشِّركَ والتعطيل. وَيَقْنُتُ فِيْهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ ......... قوله: «ويقنت فيها» أي: في الثالثة. والقُنُوتُ يُطلق على معانٍ منها: 1 ـ الخُشوعُ، كما في قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وكما في قوله: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12]. 2 ـ الدُّعاءُ، كما هنا «يَقْنُتُ فيها بعد الرُّكوع». قوله: «بَعْدَ الرُّكُوعِ» أي: بعدَ الرُّكوعِ في الثَّالثةِ. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه يدعو بعد أن يقول: «رَبَّنَا ولك الحَمْدُ» بدون أنْ يُكمل التَّحميدَ، ولكن لو كَمَّلهُ فلا حَرَجَ؛ لأن التَّحميدَ مفتاحُ الدُّعاءِ، فإنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ على الله؛ والصَّلاةَ على نبيِّهِ صلّى الله عليه وسلّم من أسباب إجابةِ الدُّعاءِ. وظاهر كلامه: أنَّه لا يَرفعُ يديه، وهو أحدُ قولي العُلماء، ولكن قد يُقال: إنَّ الكتابَ مُختصرٌ، وتَرَكَ ذِكْرَ رَفْعِ اليدين

اختصاراً لا اعتباراً. يعني: لم يَتْرُكْ ذِكْرَه اعتباراً بأنها لا تُرفع، ولكن اقتصاراً على ذِكْرِ الدُّعاءِ فقط. والصحيح: أنَّه يرفعُ يديه؛ لأن ذلك صَحَّ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه (¬1). وعُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه أحدُ الخُلفاءِ الرَّاشدين الذين لهم سُنَّةٌ متَّبعةٌ بأمرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬2)، فيَرفَعُ يديهِ. ولكن كيف يَرفعُ يديه؟ الجواب: قال العُلماءُ: يَرفعُ يديه إلى صَدرِهِ، ولا يرفَعُها كثيراً؛ لأنَّ هذا الدُّعاءَ ليس دُعاءَ ابتهالٍ يُبالِغُ فيه الإنسانُ بالرَّفْعِ، بل دُعاءُ رَغْبَةٍ، ويبسُطُ يديْهِ وبطونَهما إلى السَّماءِ. هكذا قال أصحابُنَا رحمهم الله. وظاهر كلام أهل العلم: أنه يضمُّ اليدين بعضهما إلى بعض، كحالِ المُستجدي الذي يطلب مِن غيره أن يُعطيه شيئاً، وأمَّا التَّفْريجُ والمباعدةُ بينهما فلا أعلمُ له أصلاً؛ لا في السُّنَّةِ، ولا في كلامِ العُلماءِ. وقوله: «فيها» أي: في الرَّكعةِ الثَّالثةِ بعد الرُّكوعِ، هذا هو الأفضلُ (¬3)، وإنْ قَنَتَ قبلَه فلا بأس، فإذا أتمَّ القِراءة قَنَتَ ثم كبَّرَ ورَكَع، فهذا جائزٌ أيضاً. وقوله: «يقنتُ فيها» أفادنا رحمه الله: أَنَّ القنوتَ سُنَّةٌ في ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي (2/ 212) وصححه. (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (4604)؛ والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنّة واجتناب البدعة (2676) وقال: «حديث حسن صحيح» .. (¬3) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ليس لك من الأمر شيء (4560).

الوِترِ. وإلى هذا ذهب أصحابُ الإمامِ أحمدَ، وقالوا: إنه يُسَنُّ أن يَقْنُتَ في الوِترِ في كلِّ ليلةٍ. وقال بعضُ أهل العلم: لا يقنتُ إلا في رمضان. وقال آخرون: يَقْنُتُ في رمضان في آخرِه. ولم يثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حديثٌ صحيحٌ في القُنوتِ في الوِتر. لكن؛ فيه حديث أخرجه ابنُ ماجه بسندٍ ضعيف، حسّنه بعضُهم لشواهده (¬1): «أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَنَتَ في الوِتْرِ» (¬2). أما الإمام أحمد فقال: إنه لم يصحَّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في القُنُوتِ في الوِترِ قبل الرُّكوع ولا بعده شيءٌ، لكن صَحَّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنه كان يَقْنُتُ (¬3). والمتأمِّلُ لصلاة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الليل يرى أنه لا يقنت في الوِترِ، وإنَّما يُصلِّي ركعةً يُوتِرُ بها ما صَلَّى. وهذا هو الأحسن؛ أنْ لا تداوم على قُنُوتِ الوِترِ؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكنه عَلَّمَ الحسنَ بنَ عليّ رضي الله عنه دعاءً يدعو به في قُنُوتِ الوِتْرِ (¬4)، فيدلُّ على أنَّه سُنَّةٌ، لكن ليس من فِعْلِهِ؛ بل من قَوْلِهِ، على أنَّ بعض أهل العِلْمِ أعلَّ حديث الحسن بعِلَّة، وهي أنَّ الحسن حين ماتَ الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم كان له ثمانِ سنوات، ولكن هذه ¬

_ (¬1) انظر: «إرواء الغليل» للألباني رحمه الله (2/ 167). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر (1427)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده (1182 ـ 1184)، وانظر: كلام الشيخ رحمه الله عن درجة الحديث أعلاه. (¬3) تقدم تخريجه ص (18). (¬4) أخرجه الإمام أحمد (1/ 199)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر (1425)؛ والترمذي، الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر (464) وقال: «حديث حسن»، والحاكم (3/ 172) وصححه على شرط الشيخين.

ويقول: «اللهم اهدني فيمن هديت

العِلَّة ليست بقادحة؛ لأن مَنْ له ثمانِ سنوات يمكن أنْ يُعَلَّمَ ويُلَقَّنَ ويَحفظَ، فها هو عَمرُو بنُ سَلَمَة الجَرْمِي رضي الله عنه كان يؤمُّ قومَهُ وله سبعُ أو سِتُّ سنين؛ لأنه كان أقرأهم (¬1). وقوله: «بعد الرُّكُوعِ» ظاهرُ كلامِ المؤلِّف: أنَّه لا يُشرعُ القُنُوت قبل الرُّكوعِ، ولكن المشهور مِن المذهب: أنَّه يجوزُ القُنُوتُ قبل الرُّكوعِ وبعد القِراءة؛ فإذا انتهى مِن قراءته قَنَتَ ثم رَكَعَ، وبعد الرُّكوعِ؛ لأنه وَرَدَ ذلك عن النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في قُنُوتِهِ في الفَرائضِ (¬2). وعليه؛ فيكون موضعُ القُنُوتِ مِن السُّننِ المتنوِّعةِ؛ التي يَفعلُها أحياناً هكذا، وأحياناً هكذا. ويقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيتَ، .......... قوله: «اللهم اهدني فيمن هديت» ظاهر كلامه: أنه لا يبدأُ بشيءٍ قبل هذا الدُّعاءِ، لكن الصَّحيحُ أنَّه يبدأ بقوله: «اللَّهمَّ إِنَّا نَستعينُكَ، ونَستهديكَ، ونستغِفرُكَ، ونتوبُ إليكَ، ونؤمنُ بك، ونَتوكَّلُ عليك، ونُثْنِي عليكَ الخيرَ كُلَّه، ونَشْكُرُكَ ولا نَكْفُرُكَ. اللَّهمَّ إياك نعبدُ، ولك نُصلِّي ونسجدُ، وإِليكَ نَسعَى ونَحْفِدُ، نَرجو رحمَتَكَ، ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّار مُلحِق» (¬3) ثم يقول: «اللَّهمَّ اهدني فيمن هَدَيتَ» إلخ، هكذا قال الإمامُ أحمدُ رحمه الله؛ لأنه ثناءٌ على الله، والثناءُ مقدَّمٌ على الدُّعاءِ؛ لأنه فَتْحُ بابِ الدُّعاءِ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب (رقم 54) (4302). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده (1002)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة (675) (294). (¬3) أخرجه البيهقي وصححه (2/ 211) عن عبد الرحمن بن أبزى قال: «صليت خلف عمر بن الخطاب صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع اللهم ... » وذكره.

وقوله: «اللَّهُمَّ» أصلُه: يا اللهُ، لكن حُذِفت ياءُ النِّداءِ، وعُوِّضَ عنها الميمُ وبقيت «الله»، وإنما حُذفت الياءُ لكثرةِ الاستعمالِ وعُوِّضَ عنها الميمُ للدّلالةِ عليها، وأُخِّرت للبَدَاءة باسم الله، وجُعلت ميماً للإشارة إلى جَمْعِ القلب على هذا الدُّعاءِ؛ لأن الميم تدلُّ على الجَمْعِ. وقوله: «اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» الذي يقول: «اللَّهُمَّ اهْدِني» هو المنفردُ، أما الإمام فيقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا» وقد رُوي عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أمَّ قوماً فَخَصَّ نفسَه بالدُّعاءِ فقد خَانَهم» (¬1) لأنَّه إذا دعا الإمامُ فقال: «اللَّهُمَّ اهْدِني» والمأمومون يقولون: آمين؛ صار الدُّعاءُ له، والمأموم ليس له شيء، إلا أنه يؤمِّنُ على دُعاءِ الإمامِ لنفسِهِ، وهذا نوعُ خِيانةٍ. وقوله: «اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» أي: في جُمْلة مَنْ هديتَ، وهذا فيه نوعٌ مِن التوسُّلِ بفِعْلِ الله سبحانه وتعالى، وهو هدايتُه مَنْ هَدى، فكأنَّك تتوسَّلُ إلى الله الذي هَدى غيرَك أنْ يهديَكَ في جُملتِهم، كأنَّكَ تقول: كما هَديتَ غيري فَاهْدِني. والهداية هنا يُرادُ بها: هدايةُ الإرشاد، وهدايةُ التوفيق. فهدايةُ الإرشادِ: ضِدّها الضَّلالُ. وهدايةُ التوفيقِ: ضِدُّها الغَيُّ. فأنت إذا قلتَ: «اللَّهُمَّ اهْدِني» تسألُ الله سبحانه وتعالى ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 280)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يخصَّ الإمام نفسه بالدُّعاء (357) وحسّنه؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ولا يخصُّ الإمام نفسه بالدُّعاء (923).

وعافني فيمن عافيت

الهِدايتين: هدايةَ الإرشادِ وذلك بالعِلْمِ، وهدايةَ التوفيقِ وذلك بالعمل؛ لأنه ليس كلُّ مَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وليس كلُّ مَنْ عَمِلَ يكون عملُه عن عِلْمٍ وتمامٍ، فالتَّوفيقُ أن تعلَمَ وتعمَلَ. وَعَافِنِي فِيْمَنْ عَافَيْتَ، .......... قوله: «وعافني فيمن عافيت» أي: في جُملةِ مَنْ عافيتَ، وهذا ـ كما قلتُ آنفاً ـ مِنَ التَّوسُّلِ إلى الله تعالى بفِعْلِه في غيرِك، فكأنَّكَ تقول: كما عافيتَ غيري فعافِني. والمعافاة: المُراد بها المعافاةُ في الدِّين والدُّنيا، فتشملَ الأمرين: أنْ يعافيكَ مِنْ أسقام الدِّين، وهي أمراضُ القلوب التي مدارُها على الشَّهوات والشُّبُهاتِ، ويعافيك من أمراضِ الأبدان، وهي اعتلال صِحَّةِ البَدَنِ. والإنسانُ مُحتاجٌ إلى هذا وإلى هذا، وحاجتُه إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ القلبِ أعظمُ مِن حاجتِهِ إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ البَدَنِ. ولهذا؛ يجبُ علينا أنْ نُلاحِظَ دائماً قلوبَنَا، وننظُرَ: هل هي مريضةٌ أو صحيحةٌ؟ وهل صَدِئتْ أو هي نظيفةٌ؟ فإذا كنت تنظِّفُ قلبَكَ دائماً في معاملتِكِ مع الله، وفي معاملتِكِ مع الخَلْقِ؛ حَصَّلتَ خيراً كثيراً، وإلا؛ فإنَّكَ سوف تَغْفُلُ، وتَفْقِدُ الصِّلةَ بالله، وحينئذٍ يَصْعُبُ عليكَ التراجعُ. فحافظْ على أنْ تُفتِّشَ قلبَكَ دائماً، فقد يكون فيه مَرَضُ شُبْهةٍ أو مَرَضُ شهوةٍ، وكلُّ شيءٍ ولله الحمدُ له دَواءٌ، فالقرآن دواءٌ للشُّبُهاتِ والشَّهواتِ، فالترغيبُ في الجَنَّةِ والتحذيرُ مِن النَّارِ دواءُ الشَّهواتِ. وأيضاً: إذا خِفْتَ أنْ تميلَ إلى الشَّهواتِ في الدُّنيا التي فيها المُتْعَةُ؛ فتذكَّرْ مُتْعَةَ الآخرة.

ولهذا كان نبيُّنَا صلّى الله عليه وسلّم إذا رأى ما يعجِبُه مِن الدُّنيا قال: «لبيَّكَ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرةِ» (¬1) فيقول: «لبيَّكَ» يعني: إجابةً لك، مِن أجلِ أنْ يكبَحَ جِمَاحَ النَّفْسِ؛ حتى لا تغترَّ بما شاهدت مِن مُتَعِ الدُّنيا، فَيُقبل على الله، ثم يوطِّن النَّفسَ ويقول: «إن العَيْشَ عَيْشُ الآخرة» لا عيشُ الدُّنيا. وصَدَقَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، والله؛ إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرةِ، فإنه عيشٌ دائمٌ ونعيمٌ لا تنغيصَ فيه، بخِلافِ عيشِ الدُّنيا فإنه ناقصٌ منغَّصٌ زائِلٌ. وأما دواءُ القُلوبِ مِن أمراضِ الشُّبُهَاتِ؛ فالقُرآنُ كلُّه بيانٌ وفُرقانٌ تزولُ به جميعُ الشُّبهاتِ، فكتابُ الله كلُّه مملوءٌ بالعِلْمِ والبيانِ الذي يزولُ به داءُ الشُّبهاتِ، ومملوءٌ بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ الذي يَزولُ به داءُ الشَّهواتِ، ولكنَّنا في غَفْلةٍ عن هذا الكتاب العزيز؛ الذي كلُّه خيرٌ، وكذلك ما في السُّنَّةِ المطهَّرَةِ الثابتةِ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم. أما عافيةُ الأبدانِ، فَطِبُّهَا نوعان: النوع الأول: طِبٌّ جاءت به الشَّريعةُ، فهو أكملُ الطِّبِّ وأوثقُهُ؛ لأنه مِن عند الله الذي خَلَقَ الأبدانَ؛ وعَلِمَ أدواءَها وأدويتَها، والطِّبُّ الذي جاءت به الشريعة ضربان: الأول: طب مادي، كقول الله تعالى في «النحل»: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] وكقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الحَبَّةِ السَّوداءِ «إنها شفاء من كل داء إلا السام» (¬2) ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 124). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الحبَّة السوداء (5687)؛ ومسلم، كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء (2215) (88).

يعني: الموتَ، وكقوله صلّى الله عليه وسلّم في الكَمْأَةِ: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُهَا شِفاءٌ للعَيْنِ» (¬1) وأمثالُ ذلك، وكلُّ هذا طِبٌّ ماديٌّ قرآنيٌّ ونبويٌّ. الضرب الثاني: طِبٌّ معنويٌّ رُوحيٌّ: وذلك بالقِراءة على المَرضى، وهذا قد يكون أقوى وأسرعَ تأثيراً، انظر إلى رُقيَةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمَرضَى، تَجِدُ أنَّ المريضَ يُشفى في الحَالِ، فإنَّه لما قال في يوم خيبر: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ غداً رَجلاً يَفْتحُ اللهُ على يَدَيْه، يُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ» باتَ النَّاسُ تلك الليلة يخوضون في هذا الرَّجُلِ؟ فلما أصبحوا غَدَوا إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كلُّ واحدٍ متشوِّفٍ لها؛ لأنه سوف ينالُ هذا الوصف، وهو أنَّه «يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه» فقال: أين عليُّ بنُ أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه، فدعا به فجيء به فبصَقَ في عينيه، ودعا له فبَرِىءَ في الحال؛ كأنْ لم يكن به أثرٌ؛ فأعطاه الرَّايةَ (¬2). وكذلك أيضاً في قِصَّةِ السَّرِيَّةِ الذين استضافوا قوماً فلم يُضيِّفُوهم فتنحُّوا ناحيةً، فقدَّرَ اللهُ عزّ وجل أنْ تلدغَ عقربٌ زعيمَ هؤلاء القومِ الذين أَبَوا أن يضيِّفُوا الصَّحَابة، فلما لُدِغَ قالوا: مَنْ يرقي؟ قال بعضُهم لبعضٍ: انظروا الجماعةَ ـ الذين نزلوا عليكم ضيوفاً، ولم تضيِّفوهم ـ لعلَّ فيهم قارئاً، فذهبوا إليهم، فقالوا: نعم؛ فينا مَنْ يقرأُ، لكن لقد استضفناكم فلم تضيِّفُونا؛ فما نقرأُ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} ... } (4478)؛ ومسلم، كتاب الأشربة، باب فضل الكمأة (2049) (157). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب (3009)؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب (2406) (34).

وتولني فيمن توليت

عليكم إلا بجُعْلٍ، فجعلوا لهم قطيعاً مِنَ الغَنَمِ، فذهب أحدُهم يَتْفُلُ؛ ويقرأ على هذا اللَّديغِ سورةَ الفاتحة فقط يكرِّرُها، فقامَ اللَّديغُ الذي لدغته عقربٌ كأنما نَشِطَ من عِقَالٍ، فلما غدوا إلى رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبروه فقال للقارئ: «وما يُدْرِيكَ أَنَّها رُقيةٌ» (¬1). وهذا طِبٌّ نبويٌّ، لكنَّه معنويٌّ بالقِراءة، وما أكثرُ الذين نشاهدهم ونسمعُ بهم يُؤثِّرونَ تأثيراً بالغاً في المرضى، أشدَّ من تأثير الطِّبِّ الماديِّ الذي يُدركُ بالتَّجاربِ. النوع الثاني: طِبٌّ ماديٌّ يُعرفُ بالتَّجاربِ، وهو ما يكون على أيدي الأطبَّاءِ، سواء درسوا في المدارس الرَّاقيةِ وعرفوا، أو أخذوه بالتَّجارب، لأنه يوجد أُناسٌ من عامَّة النَّاس يُجْرُون تَجَارِبَ على بعض الأعشاب، ويحصُل منها فائدةٌ، ويكونون بذلك أطبَّاءَ بدون دراسة؛ لأن هذا يُدرك بالتَّجَاربِ. وَتَوَلَّنِي فِيمَن تَوَلَّيتَ ........... قوله: «وتولني فيمن توليت» هل هي من «الوَلي» بفتح الواو، وسكون اللام مخفَّفة، بمعنى القُرب. أو هي من التَّولِّي بمعنى الولاية والنُّصرة. أو هي منهما جميعاً؟ الجواب: هي منهما جميعاً، فعلى المعنى الأوَّل: اجعلني قريباً منك، كما يُقال: وليَ فلانٌ فلاناً، وقال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «ليلنِي منكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهَى» (¬2) أي: مِنَ الوَلْي، وهو القُرْبُ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، باب ما يُعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب (2276)؛ ومسلم، كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية (2201) (65). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها (432) (122).

وبارك لي فيما أعطيت، وتولني فيمن توليت

وعلَى المعنى الثاني: اعْتَنِ بي فكن لي وَلِيًّا وناصراً ومعيناً لي في أموري، فيشمَل الأمرين، وإنْ كان المُتبادر إلى الذِّهن أنه مِنَ الموالاة وهي النُّصرةِ. والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصَّة؛ لأنَّ الولايةَ العامَّةَ شاملةٌ لكلِّ أحدٍ مؤمنٍ وكافرٍ؛ بَرٍّ وفاجرٍ، فكلُّ أحدٍ فاللهُ تعالى مولاه، قال الله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ *} [الأنعام] فقوله: {رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} يشمَلُ كلَّ مَنْ ماتَ مِن مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، وهذه هي الوِلاية العامَّة؛ لأن الله يتولَّى شؤون جميع الخَلْقِ. أما الوِلاية الخاصَّة فهي المذكورة في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257] وفي قوله: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *} [يونس] والسَّائل الذي قال: «تولَّني فِيمَنْ تولَّيتَ» يريد الولاية الخاصَّة. وَبَارِكْ لِي فِيْمَا أَعْطَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيْمَنْ تَوَلَّيْتَ، ............. قوله: «وبارك لي فيما أعطيت» أي: أنزل البركةَ لي فيما أعطيتني مِنَ المال، والعِلْمِ، والجاه، والولد، ومِنْ كُلِّ ما أعطيتني {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] إذاً؛ باركْ لي في جميع ما أنعمتَ به عليَّ، وإذا أنزل اللهُ البركةَ لشخص فيما أعطاه صار القليلُ منه كثيراً، وإذا نُزعت البركةُ صار الكثيرُ قليلاً، وكم مِن إنسانٍ يجعلُ اللهُ على يديه مِنَ الخير في أيامٍ قليلة ما لا يجعلُ على يدِ غيرِه في أيَّام كثيرةٍ؟، وكم مِن إنسانٍ يكون المالُ

وقني شر ما قضيت

عنده قليلاً لكنه متنعِّمٌ في بيته، قد بارك اللهُ له في مالِهِ، ولا تكون البركةُ عند شخصٍ آخرَ أكثرَ منه مالاً؟ وأحياناً تُحِسُّ بأن الله باركَ لك في هذا الشيء بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلةً. وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ........ قوله: «وقِنِي شَرَّ ما قضيتَ» ما قَضَاهُ الله عزّ وجل قد يكون خيراً، وقد يكون شرًّا، فما كان يُلائمُ الإنسانَ وفِطرتَه فإن ذلك خير، وما كان لا يُلائِمه فذلك شرٌّ، فالصِّحَّةُ والقوةُ والعِلْمُ والمالُ والولدُ الصَّالحُ وما أشبه ذلك خير، والمَرَضُ والجهل والضَّعف والولد الطالحُ وما أشبه ذلك شرٌّ؛ لأنه لا يُلائم الإنسانَ. وقوله: «ما قضيت» «ما» هنا بمعنى الذي، أي: الذي قضيتُه، ويجوز أن تكون مصدريَّة، أي: شَرَّ قضائِكَ. والمراد: قضاؤه الذي هو مقضيَّه؛ لأن قضاءَ الله الذي هو فِعْلُه كلُّه خير. وإنْ كان المقضيُّ شرًّا؛ لأنه لا يُراد إلا لحكمةٍ عظيمةٍ، فالمرضُ مثلاً قد لا يَعرفُ الإنسانُ قَدْرَ نِعمة الله عليه بالصِّحَّة إلا إذا مَرِضَ، وقد يُحْدِثُ له المرضُ توبةً ورجوعاً إلى الله، ومعرفةً لِقَدْرِ نفسِهِ، وأنه ضعيفٌ، ومُحتاجٌ إلى الله عزّ وجل، بخلاف ما لو بقيَ الإنسانُ صحيحاً معافى، فإنه قد ينسى قَدْرَ هذه النِّعمة، ويفتخرُ كما قال الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ *وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ *} [هود]. فإن قال قائلٌ: كيف نجمعُ بين قوله: «قِني شرَ ما قضيتَ»

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «والشرُّ ليس إليكَ» (¬1)؟. فالجواب عن ذلك: أنَّ الشَّرَّ لا يُنسب إليه تعالى؛ لأن ما قضاه وإنْ كان شرًّا فهو خير، بخلاف غيره، فإن غيرَ الله رُبَّما يقضي بالشَّرِّ لشرٍّ محضٍ، فربما يعتدي إنسانٌ على مالكَ أو بدنكَ أو أهلكَ لقصد الشَّرِّ والإضرار بك، لا لقصدِ مصلحتِكَ، وحينئذٍ يكون فِعْلُهُ شرًّا محضاً. وفي قوله: «ما قضيتَ» إثباتُ القضاءِ لله. وقضاءُ الله: شرعيٌّ، وقَدَريٌّ. فالشَّرعيُّ مثل قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]. والقدريُّ مثل قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا *} [الإسراء] والفَرْقُ بينهما مِن وجهين: الوجه الأول: أنَّ القضاءَ الكونيَّ لا بُدَّ مِن وقوعِهِ، وأما القضاءُ الشَّرعيُّ فقد يقع مِن المقضيِّ عليه وقد لا يقعُ. الوجه الثاني: أنَّ القضاءَ الشَّرعيَّ لا يكون إلا فيما أحبَّه الله، سواءٌ أحبَّ فِعْلَه أو أحبَّ تَرْكَهُ، وأما القضاءُ الكونيُّ فيكون فيما أحبَّ وفيما لم يحبَّ: وقوله: «ما قضيت» يشمَلُ ما قضاه مِن خيرٍ وشرٍّ. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعائه بالليل (771) (201).

إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت

فإن قيل: وهل في الخير من شرٍّ؟ فالجواب: نعم؛ قد يكون فيه شرٌّ، فتكون النِّعَمُ سبباً للأَشَرِ والبَطَرِ؛ فتنقلبُ شرًّا، فكم من إنسانٍ كان مستقيماً؛ أنعمَ اللهُ عليه، فحملته النِّعَمُ على الاستكبار عن الحقِّ وعلى الخَلْقِ فهَلك. واقرأْ قول الله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]. إِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ...... قوله: «إنكَ تَقضي ولا يُقضى عليك» فالله سبحانه وتعالى يَقضي بما أرادَ، ولا أحدٌ يَقضي على الله ويَحكمُ عليه، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [غافر]. قوله: «إِنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ» أي: لا يلْحَقُ مَنْ واليتَهُ ذُلٌّ وخُذلان، والمراد: الولاية الخاصَّة المذكورة في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. [يونس] قوله: «ولا يَعِزُّ مَنْ عاديت» أي: لا يَغلِبُ مَنْ عاديته، بل هو ذليلٌ؛ لأَنَّ مَنْ والاه الله فهو منصورٌ، كما قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ *} [غافر] وقال الله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ *} [الحج] وأمَّا مَنْ عاداه اللهُ فهو ذليلٌ؛ لأنَّ الله إذا نَصَرَ أولياءَه فعلى أعدائه. إذاً؛ فالعِزُّ للأولياءِ، والذُّلُّ للأعداء.

تباركت ربنا وتعاليت

فإنْ قال قائلٌ: هل هذا على عُمُومِهِ، لا يَذِلُّ مَنْ وَالاه الله، ولا يَعِزُّ مَنْ عاداه؟ فالجواب: ليس هذا على عُمُومه، فإنَّ الذُّلَّ قد يعرِضُ لبعض المؤمنين، والعِزُّ قد يعرِضُ لبعض المشركين، ولكنَّه ليس على سبيل الإدالة المطلقة الدَّائمة المستمرَّة، فالذي وقع في أُحُدٍ للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابِهِ لا شَكَّ أنَّ فيه عِزًّا للمشركين، ولهذا افتخروا به فقالوا: يومٌ بيومِ بَدْرٍ، والحربُ سِجَالٌ (¬1)، ولا شَكَّ أنه أصابَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابَه من الجراح والضَّعف ما لم يسبق مِن قبلُ، ولكن هذا شيءٌ عارضٌ ليس عِزًّا دائماً مطَّرِداً للمشركين، وليس ذُلًّا للمؤمنين على وجه الدَّوام والاستمرار، وهذا فيه مصالح عظيمة كثيرة ذَكَرَها اللهُ تعالى في سورة «آل عمران»، واستوعبَ الكلامَ عليها ابنُ القيم رحمه الله في «زاد المعاد» (¬2) في فِقْهِ هذه الغزوة، وذَكَرَ فوائدَ عظيمةً مِن هذا الذي حصَل للنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. إذاً؛ فقوله: «لا يذلُّ مَنْ واليتَ ولا يَعِزُّ مَنْ عَاديتَ»، لنا أنْ نقول: هذا ليس على عُمُومه، ويُخصَّص بالأحوال العارضة، ولنا أن نقول: إنه عامٌّ؛ باقٍ على عُمُومه لا يُخصَّص منه شيء، لكنه عامٌّ أُريد به الخُصوص، يعني: أنَّ المراد: لا يَذِلُّ ذُلًّا دائماً، ولا يَعِزُّ عِزًّا دائماً. تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، ........... قوله: «تباركت رَبَّنَا» التقدير: تباركتَ يا رَبَّنَا، والبركة: كثرةُ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أُحد (4042). (¬2) (3/ 189).

الخير وسعته. مشتقٌّ من «بِرْكَةَ الماء» وهي حوض الماء الكبير ومعنى التَّبارك في الله عزّ وجل: أنه سبحانه وتعالى عظيمُ البَركة واسعها، ومنزِّلُ البَرَكة، وأن بذِكْرِه تحصُلُ البَرَكةُ، وباسمِهِ تحصُلُ البركةُ، ولذلك نجد أن الرَّجُل لو قال على الذَّبيحة: «بسم الله» صارت حلالاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صارت حراماً، ولو قال: «بسم الله» على وُضُوئه صار صحيحاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صار غيرَ صَحيح عند كثير من أهل العِلْمِ. وإنْ كان الصَّحيح أنَّ التَّسمية في الوُضُوء لا تجب، لكن على القول بأنها واجبة إذا تَركَها عمداً لم يصحَّ وُضُوؤه (¬1). وقوله: «رَبَّنَا» أي: يا ربَّنا، وحُذِفَت «ياء النداء» لسببين: 1 ـ لكثرة الاستعمال. 2 ـ وللتَّبرُّك بالبَدَاءَة باسم الله عزّ وجل. وقوله: «رَبَّنا» اسم من أسماء الله: يأتي مضافاً أحياناً كما هنا وكما في قوله تعالى: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 82] ويأتي غير مضاف مُحَلاًّ بأل؛ مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فأمَّا الرُّكوع فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ» (¬2) وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «السِّواك مطهرةٌ للفَمِ مرضاةٌ للرَّبِّ» (¬3). ¬

_ (¬1) انظر: (1/ 158). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (479) (207). (¬3) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (1/ 3)؛ والبخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم.

وتعاليت

وتعاليت .......... قوله: «تعاليت» من التَّعالي وهو العُلو، وزِيدت التَّاء للمبالغة في عُلوه. وعُلوُّ الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: عُلوِّ الذِّات، وعُلوِّ الصِّفَة. فأما عُلوُّ الذَّات فمعناه: أنَّ الله نَفْسَهُ فوقَ كُلِّ شيء. وأمَّا عُلوُّ الصِّفة فمعناه: أنَّ الله تعالى موصوفٌ بكلِّ صفاتٍ عُليا. أما الأول: فقد أنكره حُلولية الجهمية وأتباعهم الذين قالوا: إنَّ الله في كُلِّ مكان بذاته، وأنكره أيضاً الغالون في التَّعطيل حيث قالوا: إنَّ الله ليس فوقَ العالم ولا تحتَ العالم، ولا يمينَ ولا شِمالَ، ولا أمامَ ولا خلفَ، ولا متَّصل ولا منفصل إذاً هي عَدَمٌ! ولهذا أنكر محمودُ بن سُبُكْتِكين (¬1) رحمه الله على مَنْ وَصَفَ اللهَ بهذه الصِّفَة، وقال: هذا هو العَدَمُ (¬2). وصَدَق؛ فهذا هو العَدم. ¬

_ (¬1) هو المَلِكُ، يمين الدولة، فاتح الهند، أبو القاسم، محمود بن سُبُكْتِكين، التركي، صاحب خراسان والهند وغير ذلك. قال الذهبي: كان مائلاً إلى الأثر؛ إلا أنه من الكُرّامية. قال ابن تيمية: كان من أحسن ملوك أهل المشرق؛ إسلاماً وعقلاً وديناً وجهاداً وملكاً. وُلِدَ سنة (361هـ)، وتُوفي سنة (421هـ) في غَزْنَة. انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 331)، «السير» (17/ 483). (¬2) وذلك عندما تناظر بين يديه ابنُ فُوْرَك وابن الهَيضم في مسألة العلو، فرأى قوّة كلام ابن الهيضم في إثبات العلو فرجح ذلك. وقال لابن فُوْرَك: لو أردت أن تصف المعدوم؛ كيف كنت تَصِفَهُ بأكثر من هذا؟! أو قال: فَرِّقْ لي بين هذا الرَّب الذي تصفه وبين المعدوم!؟ انظر: «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (6/ 253).

أمَّا أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة، فقالوا: إنَّ الله سبحانه وتعالى فوقَ كُلِّ شيءٍ بذاتِهِ. واستدلُّوا لذلك بأدلةٍ خمسة: الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، والعقلِ، والفِطْرَةِ. فالكتاب: كلُّ ما يمكن مِن أجناس الأدلَّةِ فهي موجودة في إثبات عُلوِّ الله. فتارة بلفظ العُلوِّ مثل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى]. وتارة بلَفْظِ الفَوقيَّةِ مثل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]. وتارة بذِكْرِ عُروجِ الأشياء وصُعُودِها إليه مثل: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] وقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]. وتارة بنزول الأشياء منه كقوله تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} [السجدة: 5]. وأمَّا السُّنَّة: فقد اجتمع فيها أنواع السُّنَّة الثَّلاثة: القولُ، والفِعْلُ، والإقرارُ. أما القول: فكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في سجوده: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» (¬1). وأما الفعل: فإنه لما خَطَبَ النَّاسَ يومَ عَرَفَة، فقال: «ألا هل بَلَّغْتُ، قالوا: نعم، قال: اللَّهُمَّ فاشهدْ، يرفعُ إصبَعَهُ السَّبَّابَةَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 123).

إلى السَّماء ويَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ» (¬1) وهذا إثبات للعلوِّ بالفعل. وأما إقراره: فبإقراره للجَارية حين سألها: «أينَ اللهُ؟» قالت: في السَّماءِ (¬2). وأما الإِجماع: فإن السَّلف من الصَّحابة والتَّابعين، والأئمة كلّهم مجمعون على هذا، وطريق إجماعهم أنهم لم يَرِدْ عنهم صَرْفٌ للكلام عن ظاهره فيما ذُكْرِ مِن أدلَّة العُلوِّ، وقد مَرَّ علينا أن هذا طريق جيد، وهو أنه إذا قال لك قائل: مَنِ الذي يقول إنهم أجمعوا؟ فمن قال: إنَّ أبا بكر ذَكَر أن الله في العُلوِّ بذاته؟ ومَنْ قال: إنَّ عُمَرَ قال هذا؟ ومَنْ قال: إنَّ عثمانَ قال هذا؟ ومَنْ قال: إنَّ علياً قال هذا؟ فالجواب: أنه لمّا لم يَرِدْ عنهم ما يُخالف النُّصوصَ، عُلِمَ أنهم أثبتوها على ظاهرها. وأما العقل: فلأننا نقول: إنَّ العلوَّ صفةُ كمالٍ، وضِدَّه صفة نقص، واللهُ منزَّهٌ عن النَّقص، وهو من تمام السُّلطان، ولهذا نَجِدُ في الدُّنيا أنَّ الملوك يُوضع لهم منصَّة يجلسون عليها. وأما الفِطرة: فَحَدِّثْ ولا حَرَجٌ، فالعجوز التي لا تعرف القرآن قراءة تامةً، ولا تعرف السُّنَّة، ولا راجعت «فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ولا غيره من كتب السَّلف تعرف أنَّ اللهَ في السَّماء، وكلُّ المسلمين إذا دعوا اللهَ يرفعون أيديَهُمْ إلى السَّماء، لا أحدَ من النَّاس يقول: اللهم اغفِرْ لي، ويحطُّ يديه إلى الأرض أبداً. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم (1218) (147). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (537) (33).

ولهذا احتجَّ بهذه الفِطرةِ الضَّروريةِ الهَمَذانيُّ على أبي المعالي الجُوَيني، فقد كان أبو المعالي الجُوينيُّ يقول: كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرُه، وهو الآن على ما كان عليه. يريد بذلك أن يُنكرَ استواءَ اللهِ على العرش. فقال له أبو جعفر الهَمَذانيُّ رحمه الله: يا شيخُ، دعنا من ذِكْرِ العرش ـ لأن استواء الله على العرش دليله سَمْعِيٌّ، لولا أن الله أخبرنا بذلك ما أثبتناه ـ فما تقول في هذه الضَّرورة؛ ما قال عارف قطُّ: «يا اللهُ» إلا وَجَدَ مِنْ قلبه ضرورةً بطلب العُلوِّ؟ فجعل أبو المعالي يضرِبُ على رأسه، ويقول: «حَيَّرني حَيَّرني» (¬1). ما لقي جواباً على هذا لأن هذا دليلٌ فِطريٌّ. حتى إنَّ الحيوان مفطورٌ على ذلك؛ كما يُروى في قِصَّة سليمان عليه الصَّلاة والسَّلام حين خَرَجَ يستسقي، وإذا بنَمْلَةٍ مستلقيةٍ على ظهرها؛ رافعةٍ قوائمَها نحوَ السماءِ تقول: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكِ، ليس بنا غِنًى عن رِزْقِكِ، فقال: ارْجِعُوا فقد سُقيتُم بدعوةِ غيرِكم (¬2)، وسُقوا بدعوة هذه النَّملة. فهذه النَّملةُ مَنِ الذي أعلمها أنَّ الله في السَّماء؟ فطرتُها التي فَطَرَ اللهُ عليها الخَلْقَ دلَّتها على أنَّ اللهَ في السَّماء. والعجب: أنَّه مع ظهور هذه الأدلَّةِ؛ فقد أعمى اللهُ عنها ¬

_ (¬1) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (18/ 477). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 66)؛ والحاكم (1/ 325 ـ 326) وقال: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي. وانظر: «إرواء الغليل» (1/ 670).

اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك

بصائرَ قومٍ؛ فأنكروا عُلوَّ الله، وقالوا: لا يمكن عُلوُّ الله بذاته ... فأيُّ إنسانٍ يقول: إنَّ اللهَ بذاتِهِ فوق كلِّ شيءٍ فهو كافرٌ عندهم! لأنه حَدَّدَ الله. والذي يقول: إن اللهَ فوقُ، هل هو محدِّدٌ لله؟ أبداً؛ فهو فوقُ ولم يُحطْ به شيءٌ، والذي يُحدِّد الله هو الذي يقول: إنَّ الله في كلِّ مكان، إنْ كنت في المسجد فاللهُ في المسجد، وإن كنت في السُّوق فاللهُ في السُّوق، وهكذا. أما قولُ أهلِ السُّنَّة: إنَّ الله في السَّماء؛ لا يُحيطُ به شيء مِن مخلوقاته. فهذا غايةُ التَّنزيه. أمَّا عُلوُّ الصِّفة فدليلُه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النحل: 60] أي: الوصف الأكمل، وهذا دليل سمعيٌّ. وأما العقل: فلأن العقل يقطع بأن الرَّبَّ لا بُدَّ أن يكون كاملَ الصِّفات. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ .......... قوله: «أعوذ برضاك مِن سَخَطك» هذا من باب التَّوسُّل برضاء الله أنْ يُعيذك مِن سَخَطِهِ، فأنت الآن استجرت مِن الشَّيء بضدِّه، فجعلت الرِّضاءَ وسيلةً تتخلَّصُ به من السُّخط. قوله: «وبعفوك مِن عقوبتك» الحديث: «وبمعافاتك من عقوبتك» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الرُّكوع والسجود (486) (222) من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه: «فقدت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدمه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».

لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك،

والمعافاة هي: أنْ يعافيكَ اللهُ مِن كُلِّ بَلِيَّة في الدِّين، أو في الدُّنيا، وضِدُّ المعافاة: العقوبةُ، والعقوبةُ لا تكون إلا بذَنْبٍ، وإذا استعذت بمعافاة الله مِن عقوبته، فإنك تستعيذُ مِن ذنوبك حتى يعفوَ اللهُ عنك، إما بمجرَّدِ فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التَّوبة. والتعوُّذ بالرضا من السُّخط، وبالمعافاة مِن العقوبة، تعوُّذ بالشيء مِن ضِدِّه، كما أن معالجة الأمراض تكون بأدوية تضادُّها. وَبِكَ مِنْكَ ............ قوله: «وبك منك» لا يمكن أن تستعيذ مِنَ الله إلا بالله، إذ لا أحدَ يُعيذك مِن اللهِ إلا اللهُ، فهو الذي يُعيذني مما أرادَ بي مِن سوءٍ، ومعلومٌ أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يريد بك سوءاً، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله، وأنَّ الإنسان يُقِرُّ بقلبه ولسانِهِ أنه لا مرجعَ له إلا رَبُّهُ سبحانه وتعالى. لاَ نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، .......... قوله: «لا نحصي ثناء عليك» أي: لا نُدْرِكُهُ، ولا نبلغُه، ولا نصلُ إليه. والثناء هو: تَكْرَارُ الوصف بالكمال، ودليلُ ذلك: قوله تعالى في الحديث القُدسيِّ: «إذا قال العبدُ: الحمدُ لله رَبِّ العالمين. قال اللهُ تعالى: حَمَدَني عبدي. وإذا قال العبدُ: الرَّحمن الرحيم. قال اللهُ تعالى: أثنى عَلَيَّ عبدي» (¬1) فلا يمكن أن تُحصي الثناءَ على الله أبداً، ولو بقيت أبد الآبدين، وذلك لأن أفعال الله غير محصورة، وكلُّ فعلٍ مِن أفعال الله فهو كمالٌ، وأقوالُه غيرُ محصورة، وكلُّ قولٍ من أقواله فهو كمالٌ، ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كلِّ ركعة (395) (38).

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ويمسح وجهه بيديه

وما يدافع عن عباده أيضاً غير محصور. فالثناءُ على الله لا يمكن أنْ يَصِلَ الإنسانُ منه إلى غاية ما يجب لله مِنَ الثَّناء؛ مهما بلغ مِنَ الثَّناء على الله. وغايةُ الإنسان أنْ يعترفَ بالنَّقص والتقصيرِ، فيقول: «لا أُحصِي ثناءً عليكَ؛ أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك» أي: أنت يا رَبَّنَا كما أثنيت على نفسِكَ، أمَّا نحنُ فلا نستطيع أنْ نحصيَ الثَّناءَ عليك. وفي هذا مِنَ الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهرٌ معلومٌ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ ........... قوله: «اللهم صل على محمد» أي: يختم الدُّعاء بالصَّلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن ذلك مِنْ أسباب الإجابةِ؛ كما يُروى ذلك في حديثٍ فيه مقال: أنَّ الدُّعاءَ موقوفٌ بين السَّماء والأرض حتى تُصلِّي على نَبيِّكِ (¬1). وظاهرُ كلامِ المؤلِّف: الاقتصارُ على هذا الدُّعاء. ولكن لو زاد إنسانٌ على ذلك فلا بأس، لأنَّ المقامَ مقامُ دُعاءٍ، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنتُ بلعن الكافرين، فيقول: اللَّهُمَّ الْعَن الكفرة» (¬2) وفي هذا ما يدلُّ على أن الأمر في ذلك واسع. وأيضاً: لو فُرِضَ أنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يدعوَ بهذا ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم (486) من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه. انظر: «إرواء الغليل» للألباني رحمه الله (2/ 177)، و «الإنصاف» (4/ 129). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا لك الحمد ... (797)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة (676) (696).

الدُّعاءِ؛ فله أنْ يدعوَ بما يشاء مما يحضره. ولكن إذا كان إماماً فلا ينبغي أن يطيلَ الدُّعاء بحيث يشقُّ على مَن وراءَه أو يملُّهم، إلا أن يكونوا جماعة محصورةً يرغبون ذلك. وصلاةُ اللهِ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: الثناءُ عليه في الملأ الأعلى. أي: أن الله تعالى يُبيِّنُ صفاته الكاملة عند الملائكة. هكذا نُقل عن أبي العالية (¬1) رحمه الله. قوله: «وعلى آل محمد» آله: أتباعُه على دِيْنِهِ؛ لقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] أي: أتباعه على دِيْنِهِ. فإن قيل: وعلى آلِهِ وأتباعِهِ، صار المرادُ بالآل المؤمنين مِن أهل بيته، وأمَّا غيرُ المؤمنين فليسوا مِن آلِهِ، وقد قال الشَّاعرُ مبيِّناً أنَّ المرادَ بالآل الأتباع: آلُ النَّبيِّ همو أتباعُ مِلَّتِهِ مِن الأعاجم والسُّودان والعَرب لو لم يكن آلهُ إلا قرابتُه صَلَّى المصلِّي على الطَّاغي أبي لهب قوله: «ويمسح وجهه بيديه». ظاهرُ كلام المؤلِّف: أنَّه سُنَّة، أي: أنَّ مَسْحَ الوجه باليدين بعد دُعاء القُنُوت سُنَّة. ودليل ذلك: حديث عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رَفَعَ يديه لا يردُّهما حتى يمسح بهما وجهَهُ (¬2). لكن هذا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب التفسير، باب {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}. (¬2) أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات، باب ما جاء في رفع الأيدي عند الدعاء (3386)، وانظر: «إرواء الغليل» (2/ 179) وكلام الشيخ رحمه الله في الصفحة التالية و «مجموع الفتاوى والرسائل» (14/ 157) فتوى رقم (781).

الحديث ضعيف، والشَّواهد التي له ضعيفة، ولهذا رَدَّ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية هذا القول، وقال: إنه لا يمسحُ الدَّاعي وجهه بيديه (¬1)؛ لأن المسحَ باليدين عبادة تحتاج إلى دليل صحيح، يكون حُجَّةً للإنسان عند الله إذا عمل به، أما حديث ضعيف فإنه لا تثبت به حُجَّة، لكن ابن حَجَر في «بلوغ المرام» قال: «إن مجموع الأحاديث الشاهدة لهذا تقضي بأنه حديث حسن» (¬2). فَمَن حَسَّنَه كان العملُ بذلك سُنَّة عنده، ومَن لم يُحَسِّنُه بل بقي ضعيفاً عنده كان العملُ بذلك بدعة، ولهذا كانت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة: القول الأول: أنه سُنَّة. القول الثاني: أنه بدعة. القول الثالث: أنه لا سُنَّة ولا بدعة، أي: أنَّه مباح؛ إنْ فَعَلَ لم نُبدِّعه، وإنْ تَرَك لم نُنقِصْ عَمَله. والأقرب: أنه ليس بسُنَّة؛ لأنَّ الأحاديثَ الواردة في هذا ضعيفة، ولا يمكن أنْ نُثبتَ سُنَّة بحديث ضعيف، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن فيه أحاديث كثيرة في «الصحيحين» وغيرهما تثبت أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يدعو ويرفع يديه (¬3) ¬

_ (¬1) «مجموع الفتاوى» (22/ 519). (¬2) «بلوغ المرام» (1554). (¬3) منها استسقاء النبي صلّى الله عليه وسلّم. رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب رفع اليدين في الخطبة (932، 933)؛ ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (897) (8). وانظر: «مجموع فتاوى ورسائل» فضيلة الشيخ رحمه الله (14/ 136) فتوى رقم (777).

ويكره قنوته في غير الوتر

ولا يمسحُ بهما وجهه، ومثل هذه السُّنَّة التي تَرِدُ كثيراً؛ وتتوافر الدَّواعي على نَقْلِها إذا لم تكن معلومةً في مثل هذه المؤلَّفات المعتبرة كالصحيحين وغيرهما، فإن ذلك يَدلُّ على أنها لا أصل لها. وعلى هذا؛ فالأفضل أنْ لا يمسح، ولكن لا نُنكرُ على مَن مَسَحَ اعتماداً على تحسين الأحاديثِ الواردة في ذلك؛ لأنَّ هذا مما يختلف فيه النَّاسُ. وَيُكْرَهُ قُنُوْتُهُ فِي غَيْرِ الوِتْرِ .......... قوله: «ويُكره قنوته» أي: المصلِّي، والمراد: القُنُوت الخاصّ لا مطلق الدُّعاء، فإنَّ الدُّعاء في الصَّلاة مشروع في مواضعه. قوله: «في غير الوتر» يشمَلُ القُنُوت في الفرائضِ، والرَّواتبِ، وفي النَّوافل الأُخرى، فكلُّها لا يَقْنُتُ فيها مهما كان الأمرُ؛ وذلك لأنَّ القُنُوتَ دُعاءٌ خاصٌّ في مكانٍ خاصٍّ في عبادةٍ خاصَّةٍ، وهذه الخصوصيات الثلاث تحتاج إلى دليل، أي: أنها لا تدخل في عموم استحباب الدُّعاء، فلو قال قائل: أليس القُنُوت دُعاء فليكن مستحبًّا؟ .. فالجواب: نقول: هو دعاءٌ خاصٌّ في مكان خاصٍّ في عبادة خاصَّة، ومثل هذا يحتاج إلى دليل، فإنَّ الشيءَ الذي يُستحبُّ على سبيل الإطلاق لا يمكن أنْ تجعله مُستحبًّا على سبيل التَّخصيص والتقييد إلا بدليل. ولهذا لو قال قائل: سأدعو في ليلةِ مولدِ الرَّسولِ صلواتٍ على الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بأدعية واردة جاءت بها السُّنَّةُ؟

إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون، فيقنت الإمام في الفرائض

قلنا: لا تفعلْ؛ لأنك قيَّدت العامَّ بزمنٍ خاصٍّ، وهذا يحتاج إلى دليل، فليس كُلُّ ما شُرع على سبيل العُموم يمكن أنْ نجعله مشروعاً على سبيل الخُصوص. ومِن ثَمَّ قلنا: إنَّ دُعاء خَتْمِ القرآن في الصَّلاة لا شَكَّ أنه غير مشروع؛ لأنه وإنْ وَرَدَ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يجمعُ أهلَه عند خَتْمِ القُرآن ويدعو (¬1)، فهذا خارجُ الصَّلاة، وفَرْقٌ بين ما يكون خارجَ الصلاة وداخلها، فلهذا يمكن أنْ نقول: إنَّ الدُّعاء عند خَتْمِ القرآن في الصَّلاة لا أصلَ له، ولا ينبغي فِعْلُه حتى يقومَ دليلٌ مِن الشَّرعِ على أنَّ هذا مشروعٌ في الصَّلاة. إِلاَّ أَنْ تَنْزِلَ بِالمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ غَيْرَ الطَّاعُونَ، فَيَقْنُتُ الإِمَامُ فِي الفَرَائِضِ .......... قوله: «إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة ... » هذه الجملة استثناء من قوله: «ويُكره قُنُوتُهُ في غير الوِتْرِ». والنَّازلة: هي ما يحدث من شدائد الدَّهر. قوله: «غير الطَّاعون» الطَّاعون: وباءٌ معروف فَتَّاكٌّ مُعْدٍ، إذا نَزَلَ بأرضٍ فإنه لا يجوز الذَّهابُ إليها، ولا يجوز الخُروجُ منها فِراراً منه؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سَمعتُم به في أرضٍ فلا تَقْدَمُوا عليها، وإنْ وَقَعَ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فِراراً منه» (¬2) وهذا الطَّاعون ـ نسأل الله العافية ـ إذا نَزَلَ أهلك أُمماً كثيرة، كما ¬

_ (¬1) أخرجه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (809)؛ وابن أبي شيبة في «المصنف»، كتاب فضائل القرآن، باب في الرجل إذا ختم ماذا يصنع (1087). قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: «ثبت عن أنس رضي الله عنه». «مجموع الفتاوى والمقالات» (12/ 359). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب ما يُذكر في الطاعون (5729)؛ ومسلم، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (2219) (98).

في «طاعون عَموَاس» الذي وقع في الشَّام، في عهد عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه. وهذا النَّوع من الوباء إذا نَزَلَ بالمسلمين فقد اختلف العُلماءُ رحمهم الله هل يُدعى بِرَفْعِهِ أم لا؟ فقال بعضُ العلماءِ: إنه يُدْعَى برَفْعِهِ؛ لأنَّه نازلةٌ مِن نوازل الدَّهر، وأيُّ شيءٍ أعظمُ مِن أنْ يُفني هذا الوباءُ أمَّةَ محمَّدٍ، ولا مَلجأ للنَّاس إلا إلى الله عزّ وجل، فيدعون الله ويسألونه رَفْعَهُ. وقال بعضُ العلماءِ: لا يُدعَى برَفْعِهِ. وعلَّل ذلك: بأنه شهادة، فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر: «بأنَّ المَطْعُونَ شَهيدٌ» (¬1) قالوا: ولا ينبغي أنْ نَقْنُتَ مِن أجْلِ رَفْعِ شيءٍ يكون سبباً لنا في الشَّهادة، بل نُسَلِّمُ الأمرَ إلى الله، وإذا شاء اللهُ واقتضت حكمتُه أنْ يرفعَه رَفَعَهُ، وإلا أبقاه، ومَن فنيَ بهذا المرض فإنَّه يموت على الشَّهادة التي أخبر عنها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «فيقنُتُ الإمامُ في الفرائض». «فيقنتُ» برفع الفعل استئنافاً، أي: إلا أنْ تَنْزِلَ فحينئذٍ يقنتُ الإمامُ في الفرائض، ولم يبيّن المؤلِّفُ حُكْمَ هذا القُنُوتِ، لكنه استثناه مِن الكراهة، وإذا استُثْنِيَ مِن الكراهة، وثبت فعلُه في الصَّلاة فإنه يكون مستحبًّا، لأنه إذا ثبت فعلُه في الصَّلاة لَزِمَ أنْ يكون مِن أذكار الصَّلاة وحينئذٍ يكون مستحبًّا. وعلى هذا؛ فقول المؤلِّفِ: «فيقنتُ الإمامُ» أي: استحباباً، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب ما يُذكر في الطاعون (5733)؛ ومسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء (1914) (164).

وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ هذا القُنُوت ليس بواجب، لكن الأفضل أنْ يقنتَ الإمامُ. وقوله: «الإمام» مَنْ يعني بالإمام؟ إذا أطلقَ الفقهاءُ «الإمامَ» فالمرادُ به: القائدُ الأعلى في الدَّولة، فيكون القانتَ الإمامُ وحدَه، أما بقيَّة النَّاس فلا يقنتون، قالوا: لأنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قَنَتَ عند النَّوازل (¬1) ولم يأمر أحداً بالقنوت، ولم يقنتْ أحدٌ من المساجد في عهده صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأن هذا القنوت لأمر نزل بالمسلمين عامَّة، والذي له الولاية العامَّة على المسلمين هو الإمام فيختصُّ الحكم به، ولا يُشرع لغيره. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. القول الثاني في المسألة: أنه يقنت كلُّ إمام. القول الثالث: أنه يقنت كلُّ مصلٍّ، الإمام والمأموم والمنفرد. والأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدلَّ بعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصَلِّي» (¬2) وهذا العمومُ يشمَلُ ما كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الاستمرار، وما يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الحوادث النَّازلةِ، فيكون القنوتُ عند النَّوازِلِ مشروعاً لكلِّ أحد. ولكن الذي أرى في هذه المسألة: أنْ يُقتصرَ على أَمْرِ وليِّ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (20). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع (631).

الأمْرِ، فإن أَمَرَ بالقُنُوتِ قنتنا، وإن سكتَ سكتنا، ولنا ـ ولله الحمد ـ مكانٌ آخر في الصَّلاة ندعو فيه؛ وهو السُّجودُ والتَّشَهُّدُ، وهذا فيه خيرٌ وبَرَكَةٌ، فأقرب ما يكون العبدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجد، لكن؛ لو قَنَتَ المنفردُ لذلك بنفسه لم نُنْكر عليه؛ لأنه لم يخالف الجماعة. وقوله: «يقنتُ الإمامُ في الفرائض» ليس المراد أنْ يدعو بدعاء القُنُوتِ الذي عَلَّمه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم الحَسَن (¬1)، بل يقنتُ بدُعاءٍ مناسبٍ للنَّازلة التي نزلت، ولهذا كان الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم يدعو في هذا القُنُوتِ بما يناسب النَّازلة، ولا يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ اهْدِني فيمن هَديت» كما يفعله بعضُ العامَّة، ولم يَرِدْ عن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أبداً لا في حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقول: «اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيت» في الفرائض، إنما يدعو بالدُّعاء المناسب لتلك النَّازلة، فمرَّةً دعا صلّى الله عليه وسلّم لقوم مِن المستضعفين أنْ ينجِّيهم اللهُ عزّ وجل حتى قدموا (¬2). ورُويَ أنه قَنَتَ مِن النصف مِن رمضان؛ حتى صَبيحة يوم العيد، حيث قدموا في صَبيحة يوم العيد، فيكون مدَّةُ قنوتِه لهم خمسةَ عَشَرَ يوماً. وقَنَتَ على قوم دعا عليهم، على رِعْل وذَكْوان وعُصَيَّة شهراً ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (19). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب ليس لك من الأمر شيء (4560)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة ... (675) (294).

كاملاً (¬1) فقيل: إنهم قدموا مسلمين تائبين فأمسك (¬2). ودعا على قوم معيَّنين باللعن فقال: اللهم الْعَنْ فلاناً وفلاناً حتى نَزَلَ قولُه تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} [آل عمران: 128] (¬3) فأمسك فصار دعاء النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالقُنُوتِ دُعاءً مناسباً، وعلى قَدْرِ الحاجة، ولم يستمرَّ. وقوله: «في الفرائض» «أل» دخلت على جَمْعٍ فتفيد العمومَ، أي: في الفجر والظُّهر والعَصر والمَغرب والعِشاء، وليس خاصًّا بصلاة الفجر، بل في كُلِّ الصَّلوت، هكذا صَحَّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قَنَتَ في جميع الصَّلوات (¬4). واستثنى بعضُ العلماءِ الجُمعةَ وقال: إنَّه لا يقنتُ فيها؛ لأن الأحاديثَ الواردةَ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قَنَتَ في الصَّلوات الخمسِ الفجرِ والظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ. ولم تذكر الجُمُعَةَ. والجُمُعَةُ صلاةٌ مستقلَّة لا تدخل في مُسَمَّى الظُّهر عند الإطلاق، ولهذا لا تُجمع العصرُ إليها فيما لو كان الإنسان مسافراً ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة ... (677) (297). (¬2) انظر: «صحيح مسلم»، الباب السابق (675) (295). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات ... (675) (294). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا لك الحمد (797)؛ ومسلم في الموضع السابق (676) وصلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح برقم (676) والمغرب والصبح برقم (678)، وأما صلاة العصر ففي «مسند الإمام أحمد» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (1/ 301)؛ والحاكم (1/ 225) وقال: «صحيح على شرط البخاري» ووافقه الذهبي.

وصَلَّى الجُمُعَة، وهو يريد أن يمشي وأراد أنْ يجمعَ العصرَ إلى الجُمُعَةِ فلا يجوز، لأنها صلاةٌ من جنس آخر مستقلَّة. وعلَّلَ بعضُهم أيضاً ذلك: بأن الإمام يدعو في خُطبة الجُمُعَةِ دُعاءً عامًّا يؤمِّنُ النَّاسُ عليه، فيدعو لرفع النَّازلة في خُطبة الجُمُعة، ويُكتفى بهذا الدُّعاء عن القنوت في صلاة الجُمُعة. ويرى بعضُ أهلِ العِلم: أنَّه لا وجه للاستثناء، وإنَّما لم ينصَّ عليها في الأحاديث الواردة عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنها يومٌ واحد في الأسبوع فلهذا تُركت، ويدلُّ لهذا: أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم إذا ذكر الصَّلاة المفروضة لا يذكر إلا الصَّلوات الخمس؛ لأنها هي الرَّاتبة التي تَرِدُ على الإنسان في كُلِّ يوم، بخلاف الجُمُعة. فالظَّاهر: أنه يَقْنُتُ حتى في صلاة الجُمُعة. وإذا قلنا بالقُنُوت في الصَّلوات الخمس، فإنْ كان في الجهرية فَمِنَ المعلوم أنَّه يجهرُ به، وإنْ كان في السِّريَّة فإنه يجهر به أيضاً؛ كما ثبتت به السُّنَّةُ: أنه كان يقنتُ ويؤمِّنُ النَّاسُ وراءَه (¬1). ولا يمكن أن يؤمِّنُوا إلا إذا كان يجهرُ. وعلى هذا؛ فيُسَنُّ أنْ يجهرَ ولو في الصَّلاة السِّريَّة. مسألة: القُنُوت هل يكون قبل الرُّكوع، أو بعد الرُّكوع؟ أكثرُ الأحاديث؛ والذي عليه أكثرُ أهل العِلم: أنَّ القُنُوتَ بعدَ الرُّكوع، وإن قَنَتَ قبل الرُّكوع فلا حَرَج، فهو مُخَيَّرٌ بين أنْ ¬

_ (¬1) جزء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم ص (46) حاشية (4).

والتراويح عشرون ركعة

يركعَ إذا أكملَ القِراءة، فإذا رَفَعَ وقال: «ربَّنا ولك الحمدُ» قَنَتَ، كما هو أكثر الرِّوايات عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (¬1) وعليه أكثرُ أهل العِلم، وبين أنْ يقنتَ إذا أتمَّ القِراءة ثم يكبِّرُ ويركع، كلُّ هذا جاءت به السُّنَّةُ (¬2). (تنبيه) قول المؤلِّف رحمه الله: «إلا أن تنزل ما بالمسلمين نازلة» عُلم منه أنه إن نزلت بغير المسلمين نازلة لم يُقنت لها. وَالتَّرَاوِيْحُ عِشْرُونَ رَكْعَةً ............ قوله: «والتراويح عشرون». «التراويح» مبتدأ، و «عشرون» خبر المبتدأ، والتراويح سُنَّة مؤكَّدة؛ لأنها من قيام رمضان، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِهِ»، وسُمِّيت تراويح؛ لأنَّ مِن عادتهم أنَّهم إذا صَلُّوا أربعَ ركعات جلسوا قليلاً ليستريحوا؛ بناءً على حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي أربعاً فلا تسألْ عن حُسنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثم يُصلِّي أربعاً فلا تسألْ عن حُسنِهِنَّ وطُولِهنَّ ثم يُصلِّي ثلاثاً (¬3)، ووَجْهُ ذلك أنَّها قالت: «يُصلِّي أربعاً ثم» و «ثم» تدلُّ على التَّرتيب بمُهْلَة، وأنَّه هناك فاصلاً بين الأربع الأُولى والأربع الثانية والثَّلاث الأخيرة، وهذه الأربع يُسَلِّمُ مِن كلِّ رَكعتين كما جاءَ ذلك مصرَّحاً به في حديث عائشة: أنه كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعة يُسَلِّمُ مِن كُلِّ ركعتين (¬4). خلافاً لمن تَوهَّم مِن بعض طلبة العِلم أنَّ الأربعَ الأُولى تُجمع بتسليمٍ واحدٍ، والأربعَ الثانية تُجمع كذلك، فإنَّ ذلك وَهْمٌ، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (45). (¬2) تقدم تخريجه ص (19). (¬3) تقدم تخريجه ص (11). (¬4) تقدم تخريجه ص (11).

سببُه عدم تتبُّعِ طُرقِ الحديث مِن وجه، وعدم النَّظر إلى الحديث العام حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما مِن وجهٍ آخر، وهو أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن صلاة الليل فقال: «مَثْنَى مَثْنَى» (¬1). وعلى هذا؛ فكلُّ حديث مطلق في عدد الرَّكعات في الليل يجب أنْ يُحملَ على هذا الحديث المقيَّد، وهو أنها مَثْنَى مَثْنَى. أما ما صُرِّحَ فيه بعدم ذلك كالوِتر بخمس أو سبع أو تسع (¬2)، فهذا يكون مُخصِّصاً لعموم هذا الحديث. فإن قيل: لماذا قالت عائشة: «يُصلِّي أربعاً، ثم يُصلِّي أربعاً»؟. فالجواب: أن نقول: لأنَّه جَمَعَ الأربع الأُولى في آنٍ واحد، فصَلَّى ركعتين، ثم وَصَلَهُمَا فوراً بالرَّكعتين الأُخريين، ثم جَلَسَ وأمهل، ثم استأنف وصَلَّى ركعتين، ثم أَتبعَهُمَا بركعتين، ثم جَلَسَ فأمهل، ثم صَلَّى ثلاثاً، فأخذ السَّلف مِن هذا أن يُصلُّوا أربع ركعات بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلُّوا أربعاً بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلُّوا ثلاثاً إذا قاموا بإحدى عشرة ركعة. وقوله: «عشرون ركعة» فإذا أضفنا إليها أدنى الكمال في الوِتر تكون ثلاثاً وعشرين، فيُصلِّي التَّراويح عشرين رَكعة، ثم يُصلِّي الوِتر ثلاث ركعات، ويكون الجميعُ ثلاثاً وعشرين رَكعة، فهذا قيامُ رمضان. والدَّليلُ: ما روى أبو بكر عبد العزيز في «الشَّافي» عن ابن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (11). (¬2) تقدم تخريجه ص (15).

عباس أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي في شهر رمضان عِشرين رَكعة (¬1)، لكن هذا الحديث ضعيف لا يصحُّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، والذي صَحَّ عنه ما روته عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها أنه كان لا يزيدُ على إحدى عشرة رَكعةً. فقد سُئلت: كيف كانت صلاةُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيدُ في رمضانَ ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (¬2). وهذا نصٌّ صريحٌ مِن عائشةَ، وهي مِن أعلم النَّاس به فيما يفعله ليلاً. فإنْ قال قائل: قد ذُكر عن عُمرَ أنه أمر أُبيَّ بنَ كعب أنْ يُصلِّي بالنَّاس بثلاث وعشرين ركعة؟. قلنا: هذا أيضا ليس بصحيح، وإنما روى يزيدُ بنُ رومان قال: «كان النَّاسُ يصلُّون في عهد عُمرَ في رمضان ثلاثاً وعِشرين ركعةً» (¬3) ويزيد بنُ رُومان لم يدركْ عهدَ عُمرَ، فيكون في الحديث انقطاعٌ. ثم الحديث ليس فيه نصٌّ على أنَّ عُمرَ اطَّلعَ على ذلك فأَقرَّه، ولا يَرِدُ على هذا أنَّ ما فُعل في عهد النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُنكرْه فإنه يكون مرفوعاً حكماً؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنْ كان عَلِمَه فقد أقرَّه، وإنْ لم يكن عَلِمَه فقد أقرَّه الله تعالى، ولكن روى مالكٌ في «الموطأ» بإسنادٍ مِن أصحِّ الأسانيد أن عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أَمَرَ تَميماً الدَّاريَّ وأُبيَّ بنَ كعب أنْ يقوما بالنَّاس بإحدى عشرةَ ركعةً (¬4). وهذا نصٌّ صريحٌ، وأَمْرٌ مِن عُمرَ رضي الله عنه، وهو اللائقُ به رضي الله عنه، لأنَّه مِن أشدِّ النَّاسِ تمسُّكاً بالسُّنَّةِ، وإذا كان الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم لم يَزِدْ على إحدى عشرةَ ركعةً، فإنَّنا نعتقد بأن عُمرَ بنَ الخطَّاب ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (2/ 394)؛ والبيهقي (2/ 496) وقال: «ضعيف». وانظر كلام الشيخ رحمه الله أعلاه. (¬2) تقدم تخريجه ص (11). (¬3) أخرجه مالك في «الموطأ»، كتاب الصلاة، باب ما جاء في قيام رمضان (303)؛ والبيهقي، كتاب الصلاة، باب ما روي في عدد ركعات القيام في شهر رمضان (2/ 496). وانظر كلام الشيخ رحمه الله أعلاه (¬4) تقدم تخريجه ص (10).

رضي الله عنه سوف يتمسَّك بهذا العدد. وعلى هذا؛ فيكون الصحيح في هذه المسألة: أنَّ السُّنَّة في التَّراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يُصلِّي عشراً شَفْعاً، يُسَلِّم مِن كُلِّ ركعتين، ويُوتِر بواحدة. والوِترِ كما قال ابنُ القيم: هو الواحدة ليس الرَّكعات التي قَبْله (¬1)، فالتي قَبْله مِن صلاة الليل، والوِتر هو الواحدة، وإنْ أوترَ بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاثَ عشرةَ ركعةً فلا بأس، لأن هذا أيضاً صَحَّ مِن حديث عبدِ الله بنِ عباس رضي الله عنهما: «أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى ثلاثَ عَشْرةَ ركعةً» (¬2). فهذه هي السُّنَّةُ، ومع ذلك لو أنَّ أحداً من النَّاس صَلَّى بثلاثَ وعشرين، أو بأكثرَ مِن ذلك فإنه لا يُنكر عليه؛ ولكن لو طالب أهلُ المسجد بأن لا يتجاوز عددَ السُّنَّةِ كانوا أحقَّ منه بالموافقة؛ لأن الدَّليل معهم. ولو سكتوا ورضوا؛ فَصَلَّى بهم أكثر من ذلك فلا مانع. ¬

_ (¬1) انظر: «زاد المعاد» (1/ 329). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب كيف صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم ... (1138)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (764) (194).

ولا فَرْقَ في هذا العدد بين أوَّلِ الشَّهرِ وآخره. وعلى هذا؛ فيكون قيامُ العشرِ الأخيرة كالقيام في أوَّل الشَّهر. فإذا قلنا: إنَّ الأفضل إحدى عشرةَ في العشرين الأُولى، قلنا: إنَّ الأفضل إحدى عشرة في العشر الأخيرة ولا فَرْقَ؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها تقول: «ما كان يزيد في رمضان ولا غيره» (¬1) ولم تَسْتَثْنِ العشرَ الأواخرَ، لكن تختصُّ العشر الأواخر بالإطالة فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يقومُ فيها الليلَ كلَّه (¬2). وعلى هذا؛ فيطيل. لكن لو اختارَ أهلُ المسجد أنْ يقصرَ بهم القراءةَ والرُّكوعَ والسُّجودَ، ويكثِرَ مِن عددِ الرَّكعات، وقالوا له: إنَّ هذا أرفقُ بنا، فلا حرج عليه إذا وافقهم؛ لعموم قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا» (¬3) وعموم قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «إذا أمَّ أحدُكم الناسَ فَلْيُخَفِّفْ» (¬4) وما دام الأمرُ غيرَ محظور علينا، فإن تيسيرنا على مَنْ ولاَّنا اللهُ عليه أَولى وأحسنُ، والإِمامُ وَلِيُّ المسجد؛ مُولَّى على المأمومين، ولهذا يُقال: إمام، والإمامُ مَنْ له الإمرة عليهم فيما يتعلَّق بالصَّلاة؛ فيأمرهم باعتدال الصُّفوف، وتسويتها، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (11). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر (2024)؛ ومسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر (1174) (7). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتخولهم بالموعظة (69)؛ ومسلم، كتاب الجهاد، باب في الأمر بالتيسير (1734) (8). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا صَلَّى لنفسه فليُطوّل ما شاء (703)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة (467) (13).

فإذا طَلَبَ المُولَّى عليهم أنْ يرفقَ بهم بكثرة العدد مع تخفيف الرُّكوع والسُّجود والقِراءة فليس في هذا بأس. وهنا نقول: لا ينبغي لنا أنْ نغلوَ أو نُفَرِّطَ، فبعضُ النَّاس يغلو من حيث التزامُ السُّنَّة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السُّنَّةُ، وينكرُ أشدَّ النَّكير على مَن زادَ على ذلك، ويقول: إنه آثمٌ عاصي. وهذا لا شَكَّ أنَّه خطأ، وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سُئِلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن صلاة الليل؟ فقال: «مثنى مثنى» (¬1) ولم يُحدِّد بعدد، ومِن المعلوم أنَّ الذي سأله عن صَلاة الليل لا يعلم العَدَد، لأنَّ مَنْ لا يعلم الكيفيَّة فجهلُه بالعدد مِن باب أَولى، وهو ليس ممن خَدَمَ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم حتى نقول: إنَّه يعلمُ ما يحدثُ داخلَ بيته، فإذا كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَ له كيفيَّة الصَّلاة دون أن يحدِّد له بعدد؛ عُلِمَ أنَّ الأمرَ في هذا واسع، وأنَّ للإنسان أنْ يُصلِّيَ مِئةَ ركعة ويُوتر بواحدة، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي» (¬2)، فهذا ليس على عُمومِه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أنْ يُوتِرَ مرَّةً بخمس، ومرَّةً بسبعٍ، ومرةً بتسع، ولو أخذنا بالعموم لقلنا: يجب أن تُوتِرَ مرَّةً بخمسٍ، ومرَّةً بسبعِ، ومرَّةً بتسعٍ سرداً، وإنما المُرادُ: «صَلُّوا كلَّما رأيتموني أُصلِّي» في الكيفيَّة، أما في العدد فلا، إلا ما ثبت النَّصُّ بتحديده. وعلى كُلٍّ؛ ينبغي للإنسان أن لا يُشدِّدَ على النَّاس في أمرٍ واسع، حتى إنَّا رأينا مِن الإخوة الذين يشدِّدون في هذا مَنْ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (11). (¬2) تقدم تخريجه ص (44).

يُبدِّعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرةَ، ويخرجون مِن المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرَّسُولُ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قامَ مع الإِمامِ حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ» (¬1) وقد يجلسون إذا صَلُّوا عشرَ ركعاتٍ فتتقطَّع الصُّفوف بجلوسهم، وربما يتحدَّثون أحياناً فَيُشوِّشون على المصلِّين، وكُلُّ هذا مِن الخطأ، ونحن لا نشكُّ بأنهم يريدون الخير، وأنهم مجتهدون، لكن ليس كُلُّ مجتهدٍ يكون مصيباً. والطَّرف الثاني: عكس هؤلاء، أنكروا على مَن اقتصر على إحدى عشرة ركعةً إنكاراً عظيماً، وقالوا: خرجت عن الإجماع وقد قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *} [النساء] فكلُّ مَن قبلك لا يعرفون إلا ثلاثاً وعشرين رَكعةً، ثم يشدِّدون في النَّكير. وهذا أيضاً خطأ. ولكن لو فرضنا أننا في بَلدٍ لا يعرفون إلا ثلاثاً وعِشرين رَكعةً، فليس مِن الحكمة أنْ نجابههم، فنصلِّي إحدى عشرة ركعة مِن أوَّلِ ليلة، وإنما نُصلِّي ثلاثاً وعشرين رَكعةً، ثم نتحدَّث إليهم بما جاءت به السُّنَّة، وأنَّ الأفضلَ إحدى عشرة، ثم يُقال: ما ترون؟ هل يقتصر على هذا العدد مع الطُّمأنينة وإطالةِ الرُّكوع ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 159، 163)؛ وأبو داود، كتاب تفريع أبواب شهر رمضان، باب في قيام شهر رمضان (1375)؛ والترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان (806) وقال: «حديث حسن صحيح»؛ والنسائي، كتاب السهو، باب ثواب مَن صلَّى مع الإمام حتى ينصرف (3/ 83).

والسُّجود نوعاً ما؛ لنتمكَّن مِن الدُّعاء، ونُكثِرَ مِن الذِّكْرِ، أو أنْ نبقى على حالنا؟ فحينئذٍ سوف يوافقون، أو يخالفون، أو يختلفون. فلا تخلو الحال مِن واحد مِن ثلاثة أمور. فإذا رأى أنَّ الأكثرَ على عدم الموافقة، بقي على ما هو عليه؛ لأنَّ الأمرَ واسع، وما دام الأمرُ فيه التأليف فهو خير، لكن لا ييأس؛ يعيد الكَرَّة مَرَّة ثانية، فإن أبوا وأصرُّوا على الثلاث والعشرين يستعمل معهم ما يراه مِن الحِكمة في إقناعهم. ومع هذا؛ لو أنهم أبوا إلا ثلاثاً وعشرين فليتوكَّل على الله، وليُصلِّ بهم ثلاثاً وعشرين، لكن ليحذر مما يصنعُه بعضُ الأئمة مِن السُّرعة العظيمة في الرُّكوع والسُّجود، حتى إنَّ الواحد لا يتمكَّن وهو شابٌّ مِن متابعة الإمام، فكيف بكبير السِّنِّ أو المريض أو ما أشبه ذلك؟! وقد حدثني مَن أثقُ به أنه دخل مسجداً في ليلة من ليالي رمضان، ودخل مع الإمام في صلاة التَّراويح، وعَجَِزَ عن إدراك المتابعة وهو نشيطٌ شابٌّ، يقول: فلما نمتُ في الليل؛ رأيت كأنِّي دخلت على هذا المسجد، وإذا أهلُه يرقصون. والقصد مِن هذا: أنَّ بعضَ الأئمة ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ يتلاعبون في التَّراويح، فيصرُّون على العدد ثلاث وعشرين، والسُّنَّة إحدى عشرة ركعةً، ويقصِّرُون في الواجب بالسُّرعة العظيمة، والعلماءُ ـ رحمهم الله ـ يقولون: يُكره للإمام أنْ يُسرعَ سرعةً تمنع المأموم فِعْلَ ما يُسَنُّ. وعليه؛ يَحرمُ أنْ يُسرعَ سرعة تمنعُ المأمومَ فِعْلَ ما يجب؛ لأنَّه مؤتمن، والأمين يجب أنْ يُراعي حال المؤتمن عليه.

مسألة: لو أنَّ أحداً صَلَّى مع هذا الإمام الذي يُسرعُ سرعةً تمنع المأمومَ فِعْلَ ما يجب، فهل له أنْ يَخرجَ وينفردَ، أي: ينفصلُ عن الإمام؟ الجواب: نعم، بل يجب عليه أنْ يَنفصلَ عن الإمام، سواء في التَّراويح أو في الفريضة، فإذا أسرع سُرعةً تَعْجِزُ أنْ تُدركَ معه الواجب، ففي هذه الحال نقول: انْفَصِلْ، وانْوِ الانفراد، وأتمَّ وحدَك، لأنه لا يمكن أنْ تجمعَ بين المتابعة وبين القيام بالرُّكن وهو الطُّمأنينة، فلا بُدَّ مِن أحد الأمرين، وإذا كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ الرَّجُلَ على الانفراد مِن أجل تطويل الإمام (¬1)، فالانفرادُ مِن أجل القيام بالرُّكن مِن باب أَوْلَى. وقوله: «عشرون ركعة» هل بَيَّنَ المؤلِّفُ حكم التَّراويح، أم لا؟ الجواب: نعم، بَيَّنَ حكمها أولَ البابِ حيث قال: «آكدُها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح» إذاً؛ فالتَّراويحُ سُنَّةٌ. (تنبيه) هل الجماعة في التراويح مما سَنَّهُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، أم ممَّا فَعَلَه عُمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه؟ الجواب: ادَّعى بعضُ النَّاس أنها مِن سُنَنِ عُمرَ بن الخطاب، واستدلَّ لذلك بأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّاب أَمَرَ أُبيَّ بنَ كعب وتميماً الدَّارِيَّ أنْ يقوما للنَّاس بإحدى عشرةَ رَكعةً (¬2). وَخَرَجَ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج وصلى (700)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء (465) (178). (¬2) تقدم تخريجه ص (10).

ذات ليلة والنَّاسُ يصلُّون، فقال: نِعْمَتِ البِدْعةُ هذه (¬1)، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يسبقْ لها مشروعية. وعلى هذا؛ فتكون مِن سُنَنِ عُمرَ لا مِن سُننِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وحينئذٍ لنا أنْ نعارضَ فنقول: إنها ليست بسُنَّة؛ لأن سببها وُجِدَ في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعله، والقاعدة: أنَّ ما وُجِدَ سبُبُه في عهد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعلْه فإنَّه ليس بسُنَّة، لأنه كيف يتركه الرَّسولُ والسببُ موجود؟ والسبب هنا رمضان؛ وهو موجود في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، فلمَّا لم يفعلها لم تكن سُنَّة، وعلى هذا؛ فإذا صَلَّيت الفريضة في رمضان، فاذهبْ إلى بيتك وصَلِّ، ولا تصلِّ مع النَّاس. ولكن؛ هذا قولٌ ضعيف، غَفَلَ قائلُه عمَّا ثَبَتَ في «الصَّحيحين» وغيرهما أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قام بأصحابه ثلاثَ ليالٍ، وفي الثالثة أو في الرَّابعة تخلَّف لم يُصَلِّ، وقال: «إنِّي خشيتُ أنْ تُفرضَ عليكم» (¬2) فثبتتِ التَّراويحُ بسُنَّة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المانعَ مِن الاستمرار فيها، لا مِن مشروعيَّتها، وهو خَوْفُ أنْ تُفرضَ، وهذا الخوف قد زال بوفاة الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه لمَّا مات صلّى الله عليه وسلّم انقطع الوحي فأُمِنَ مِن فرضيتها، فلمَّا زالت العِلَّةُ وهو خَوْفُ الفرضية بانقطاع الوحي ثَبَتَ زوال المعلول، وحينئذٍ تعود السُّنيَّة النبويَّة لها، ويبقى النَّظرُ؛ لماذا لم يفعل هذا أبو بكر؟ والجواب عن ذلك: أنْ يُقال: إن مُدَّة أبي بكر رضي الله عنه كانت سنتين وأشهراً، وكان مشغولاً بتجهيز الجيوش لقتال ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فَضْل من قام رمضان (2010). (¬2) تقدم تخريجه ص (9).

المرتدِّين وغيرهم، فكان مِن النَّاس مَن يُصلِّي وحدَه، ومنهم مَن يُصلِّي مع الرَّجُلين، ومنهم مَن يُصلِّي مع الثَّلاثة، فلما كان عُمرُ خرج ذات ليلة فوجدهم يُصلُّون أوزاعاً، فلم يعجبه هذا التَّفرُّق، وأمر تميماً الدَّاريَّ وأُبيَّ بنَ كعب أنْ يقوما للنَّاس جميعاً، ويُصلِّيا بالنَّاس إحدى عشرة ركعة (¬1)، وبهذا عرفنا أنَّ فِعْلَ عُمرَ ما هو إلا إعادة لأمرٍ كان مشروعاً. فإن قال قائل: ما تقولون في قول عُمرَ: «نِعْمَتِ البِدعةُ» وهذا يدلُّ على أنها مبتدعة؟ فالجواب: أنَّ هذه البِدعةَ نسبيَّةٌ، فهي بِدعةٌ باعتبار ما سبقها، لا باعتبار أصل المشروعيَّة؛ لأنها بقيت في آخر حياة الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم وفي خلافة أبي بكر لم تُقَمْ، فلما استُؤنِفتْ إقامتُها، صارت كأنَّها ابتداء مِن جديد، ولا يمكن لعُمرَ بنِ الخطَّاب أنْ يُثني على بِدعةٍ شرعيَّةٍ أبداً، وقد قال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «كُلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ» (¬2). والعجبُ أنَّ بعضَ أهل البِدع أخذ مِن قول عُمرَ: «نِعْمتِ البِدعةُ» باباً للبدعة، وصار يبتدع ما شاء ويقول: «نِعْمَت البِدعةُ هذه»، ولا شَكَّ أن هذا مِن الأخذ بالمتشابه، حتى لو فُرضَ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه ابتدعَ ـ وحاشاه مِن ذلك ـ فإنَّ له سُنَّة مُتَّبعة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الراشدين مِن بعدي» (¬3) ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (9). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (867) (43). (¬3) تقدم تخريجه ص (18).

تفعل في جماعة

فلستَ مثله، فكيف تقول: أبتدعُ، ونِعْمتِ البِدعةُ! فَعُمَر له سُنَّة متَّبعة. مع أنَّنَا لا نعلم أنَّ عُمَرَ ابتدع شريعةً، إنَّما ابتدع سياساتٍ؛ لم تكن في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم؛ يرى أنَّ فيها مصلحة. مثل: إلزامُه بالطلاق الثَّلاث أنْ يكون ثلاثاً (¬1). ومثل: مَنْعُه مِن بَيْعِ أمهات الأولاد، مع أنَّهُنَّ يُبعنَ في عهد الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام (¬2). ومثل: زيادة العقوبة في شُرب الخمر من نحو أربعين إلى ثمانين (¬3). فهذه سياسات يرى أنها تُحقِّقُ المصلحةَ، لكن هل زاد عُمرُ في الصَّلوات وجعلها سِتًّا؟ لا، أو جعل ركعات الظُّهر خمساً؟ لا. تُفْعَلُ فِي جَمَاعَةٍ ......... قوله: «تفعل في جماعةٍ» أي: تُصَلَّى التَّراويح جماعة، فإنْ صلاَّها الإنسانُ منفرداً في بيته لم يدرك السُّنَّة. والدَّليل: فِعلُ الرَّسول (¬4) صلّى الله عليه وسلّم، وأَمْرُ عُمرَ رضي الله عنه، وموافقةُ أكثرِ الصَّحابة على ذلك (¬5). ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث (1472) (15). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (3/ 321)؛ وأبو داود، كتاب العتق، باب في عتق أمهات الأولاد (3954)؛ والبيهقي (10/ 347)؛ والحاكم (2/ 18) وصححه ووافقه الذهبي. (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر (6779 ـ مختصراً)؛ ومسلم، كتاب الحدود، باب حد شارب الخمر (1706) (35). (¬4) تقدم تخريجه ص (9). (¬5) تقدم تخريجه ص (10).

مع الوتر بعد العشاء في رمضان

مَعَ الوِتْرِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي رَمَضَانَ ........... قوله: «مع الوتر» أي: أنهم يُوتِرون معها. ودليل ذلك: أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بالصَّحابة في ليلة ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبعٍ وعشرين، في الليلة الأُولى ثُلث الليل، وفي الثانية نصف الليل، وفي الثالثة إلى قريب الفجر، ولمَّا قالوا له: لو نَفَّلْتَنَا بقيةَ ليلتنا قال: «مَنْ قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ» (¬1). وهذا يدلُّ على أنَّه يُوتِر، فينبغي أنْ يكون الوِترُ مع التَّراويح جماعة. قوله: «بعد العشاء» أي: بعد صلاة العشاء، فلو صَلُّوا التَّراويحَ بين المغرب والعِشاء لم يدركوا السُّنَّة، وكذلك أيضاً ينبغي أن تكون بعد العِشاء وسنّتها، فإذا صَلُّوا العِشاء صَلُّوا السُّنَّة، ثم صَلُّوا التَّراويح، ثم الوِتر. قوله: «في رمضان» لأنَّ التَّراويحَ في غير رمضان بِدْعةٌ، فلو أراد النَّاس أنْ يجتمعوا على قيام الليل في المساجد جماعة في غير رمضان لكان هذا من البِدع. ولا بأس أن يُصلِّي الإنسانُ جماعة في غير رمضان في بيته أحياناً؛ لفعل الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «فقد صَلَّى مرَّةً بابن عبَّاس (¬2)، ومرَّةً بابن مسعود (¬3) ومرَّةً بحذيفة بن اليمان (¬4)، جماعة في بيته» لكن لم ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (54). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام (698)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (763) (181). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل (1135)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (773) (204). (¬4) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (5/ 398)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (871).

يتَّخذْ ذلك سُنَّة راتبةً، ولم يكن أيضاً يفعله في المسجد. مسألة: إذا قال قائل: صَحَّحتُم أنها إحدى عشرة ركعة، فما رأيكم لو صَلَّينا خلف إمام يُصلِّيها ثلاثاً وعشرين، أو أكثر، هل إذا قام إلى التَّسليمة السَّادسة نجلسُ وَنَدَعُهُ، أو الأفضل أنْ نكمِلَ معه؟ فالجواب: أنَّ الأفضلَ أنْ نكملَ معه، ودليلُ ذلك من وجهين: الوجه الأول: قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في قيام رمضان: «إنَّه مَنْ قَامَ مع الإمام حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ» (¬1) ومَن جَلَسَ ينتظر حتى يَصِلَ الإمامُ إلى الوِتر ثم أوتر معه، فإنه لم يُصلِّ مع الإمام حتى ينصرفَ؛ لأنه تَرَكَ جُزءاً مِن صَلاته. الوجه الثاني: عُموم قَوْلِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به» (¬2) وهذا يشمَلُ كلَّ فِعْلٍ فَعَلَه الإمامُ ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادةُ على إحدى عشرة ليس منهيًّا عنها، وحينئذٍ نتابع الإمامَ. أما لو كانت الزِّيادةُ منهيًّا عنها مثل: أنْ يُصلِّيَ الإمامُ صلاةَ الظُّهر خمساً فإننا لا نتابعُه. ثم ينبغي أنْ نعلمَ أنَّ اتفاقَ الأُمَّة مقصودٌ قصداً أوَّليًّا بالنسبة للشَّريعة الإسلامية؛ لأنَّ الله يقول: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (54). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جُعل الإمام ليؤتم به (689)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (411) (77).

[المؤمنون: 52]، والتَّنازع بين الأمة أَمْرٌ مرفوضٌ، قال الله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، وقال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *} [الأنعام]، وقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم» (¬1)، يقوله في تساوي النَّاس في الصَّفِّ. ولما صَلَّى عثمانُ رضي الله عنه في مِنَى في الحَجِّ الرُّباعية أربعاً ولم يقصر بعد أنْ مَضى مِنْ خِلافته ثماني سنوات، وأنكرَ النَّاسُ عليه، وقالوا: قَصَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعُمرُ (¬2)، يعني: وأنت في أول خِلافتك، لكنه رضي الله عنه تأوَّل، فكان الصَّحابة الذين ينكرون عليه يصلُّون خلفَه أربعاً (¬3)، وهم ينكرون عليه، مع أنَّ هذه زيادة متَّصلة بالصَّلاة مُنكرَة عندهم، ولكن تابعوا الإمام فيها إيثاراً للاتِّفاق. فما بالك بزيادة منفصلة، لو تعمَّدها الإنسان لا تؤثِّر على بطلان الصَّلاة؟ ثم يقول: إننا متمسِّكون بالسُّنَّة ومتَّبعون لآثار الصَّحابة. مع مخالفته في هذه المسألة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها ... (432) (122). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى (1084)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى (695) (19). (¬3) أخرجه مسلم في الموضع السابق (694) (17).

فإني أقول: إنَّ كلَّ إنسان يقول: إنه متَّبعٌ للسُّنَّة متَّبعٌ لهدي السَّلف؛ فإنه لا يسعه أن يدعَ الإمامَ إذا صَلَّى ثلاثاً وعشرين ويقول: أنا سأَتَّبعُ السُّنَّةَ وأصلِّي إحدى عشرة؛ لأنك مأمورٌ بمتابعة إمامك منهيٌّ عن المخالفة، ولست منهيًّا عن الزيادة عن إحدى عشرة. فيجب على طَلَبَةِ العِلم خاصَّة، وعلى النَّاس عامَّة أن يَحْرِصُوا على الاتفاق مهما أمكن؛ لأن مُنْيَةَ أهل الفِسقِ وأهلِ الإلحاد أنْ يختلفَ أصحابُ الخير، لأنه لا يوجد سلاحٌ أشدُّ فتكاً مِن الاختلاف، وقد قال موسى للسَّحرة: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [طه:61 ـ 62]، فلما تنازعوا فَشِلوا وذهبت ريحُهم. فهذا الاختلاف الذي نجده من بعض الإخوة الحريصين على اتِّباع السُّنَّة في هذه المسألة وفي غيرها، أرى أنه خِلاف السُّنَّةِ، وخِلافُ ما تقصده الشَّريعة مِن توحّدِ الكلمة واجتماعِ الأمَّة، لأنَّ هذا ـ ولله الحمد ـ ليس أمراً محرَّماً ولا منكراً، بل هو أمْرٌ يسوغ فيه الاجتهادُ، فكوننا نولِّد الخِلافَ ونشحنُ القلوبَ بالعداوة والبغضاء والاستهزاء بمن يخالفنا في الرَّأي، مع أنه سائغٌ ولا يخالف السُّنَّة، فالواجب على الإنسان أنْ يَحْرِصَ على اجتماع الكلمة ما أمكن. وحتى المتابعة بالخَتْمَةِ لا بأس بها أيضاً، لأن الخَتْمة نصَّ الإمام أحمد رضي الله عنه وبعضُ أهل العلم: على أنه يستحبُّ أنْ يختِمَ بعد انتهاء القرآن قبلَ الرُّكوع. وهي ـ وإنْ كانت مِن

ويوتر المتهجد بعده فإن تبع إمامه شفعه بركعة

ناحية السُّنَة ليس لها دليل بخصوصها ـ لكن ما دام أنَّ بعضَ الأئمة قالوا بها ولها مَسَاغ أو اجتهاد، وليكن مخطئاً: ما دام أنه ليس محرَّماً؛ فلماذا نُخْرِجُ أو نُسفِّهُ أو نُخَطِّىءُ أو نبدِّعُ مَنْ فَعَلَ شيئاً نحن لا نراه؟ وما دام أنَّ الأمر ليس إليك، ولكن إمامك يفعلها؛ فلا مانع مِن فِعْلِها. وانظروا إلى الأئمة الذين يعرفون مقدار الاتفاق، فقد كان الإمام أحمدُ رحمه الله يرى أنَّ القُنُوتَ في صلاة الفجر بِدْعة، ويقول: إذا كنت خَلْفَ إمام يقنت فتابعه على قُنُوتِهِ، وأمِّنْ على دُعائه، كُلُّ ذلك مِن أجل اتِّحاد الكلمة، واتِّفاق القلوب، وعدم كراهة بعضنا لبعض. وَيُوتِرُ المُتَهَجِّدُ بَعْدَهُ فَإِنْ تَبعَ إِمَامَهُ شَفَعَهُ بِرَكْعَةٍ ......... قوله: «ويوتر المتهجد بعده». «بعده» أي: بعد تهجُّده، أي: إذا كان الإنسان يحبُّ أنْ يتهجَّدَ بعد التراويح في آخر

الليل، فلا يُوتر مع الإمام؛ لأنه لو أوتر مع الإِمام خالف أمرَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وِتراً» (¬1)، وعلى هذا يوتر بعد تهجُّده، فإذا قام الإمام ليوتر ينصرف هو، ولا يوتر معه، هذا ما ذهب إليه المؤلِّفُ رحمه الله. وقال بعض العلماء: بل يوتر مع الإمام ولا يتهجَّد بعده؛ لأن الصَّحابة لما طلبوا من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن ينفِّلَهم بقيَّة ليلتهم قال: «مَنْ قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ» (¬2) وفي هذا إشارة إلى أن الأَولى الاقتصار على الصلاة مع الإمام؛ لأنه لم يرشدهم إلى أن يدعوا الوتر مع الإمام، ويصلُّوا بعده في آخر الليل؛ وذلك لأنه يحصُل له قيام الليل كأنه قامه فعلاً، فيكتب له أجر العمل مع راحته، وهذه نِعمة. قوله: «فإن تبع إمامه شفعه بركعة» يعني: إذا تابع المتهجِّدُ إمامه فصلَّى معه الوتر أتمّه شفعاً، فأضاف إليه ركعة، وهذا هو الطريق الآخر للمتهجِّد؛ فيتابعُ إمامَهُ في الوِتر، ويشفعه بركعة؛ لتكون آخر صلاته بالليل وِتراً. فإذاً يتابع الإمام، فإذا سَلَّم الإمام من الوتر قام فأتى بركعة وسَلَّم، فيكون صَلَّى ركعتين، أي: لم يُوتر، فإذا تهجَّد في آخر الليل أوتر بعد التهجُّد، فيحصُل له في هذا العمل متابعة الإمام حتى ينصرف، ويحصُل له أيضاً أن يجعل آخر صلاته بالليل وِتراً، وهذا عمل طيب. فإن قال قائل: مِن أين لكم أنَّه يجوزُ أنْ يخالفَ المأمومُ إمامَه بالزِّيادة على ما صَلَّى إمامُه، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به» (¬3)؟ قلنا: دليلنا على هذا: أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لمَّا كان يُصلِّي بأهل مَكَّة في غزوة الفتح كان يُصلِّي بهم ركعتين، ويقول: «يا أهلَ مكَّةَ، أتِمُّوا، فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» (¬4) فكانوا ينوون الأربع وهو ينوي ركعتين، فإذا سَلَّم مِنَ الرَّكعتين قاموا فأكملوا، وهذا الذي دَخَلَ مع إمامِهِ في الوِتر لم ينوِ الوِتر، وإنما نوى الشَّفعَ، فإذا سَلَّمَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (8). (¬2) تقدم تخريجه ص (54). (¬3) تقدم تخريجه ص (61). (¬4) أخرجه أبو داود الطيالسي (586)؛ وابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب من كان يقصر الصلاة (2/ 450)؛ والإمام أحمد (4/ 430، 431، 432، 440)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يتم المسافر (1229).

ويكره التنفل بينها، لا التعقيب في جماعة

إمامُهُ قامَ فأتى بالرَّكعة، وهذا قياسٌ واضحٌ لا إشكال فيه. فإنْ قال قائل: ألا يخالفُ هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قامَ مع الإمامِ حتى ينصرفَ كُتبَ له قيامُ ليلةٍ» (¬1). قلنا: لا يخالفه؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: مَنْ قامَ مع الإمام فانصرفَ معه كُتب له قيامُ ليلةٍ، بل جَعل غاية القيام حتى ينصرفَ الإمامُ، ومَنْ زاد على إمامه بعد سلامِهِ فقد قامَ معه حتى انصرفَ. وَيُكْرَهُ التّنَفُّلُ بَيْنَهَا، لاَ التَّعْقِيبُ فِي جَمَاعَةٍ .......... قوله: «ويكره التنفل بينها» يعني: أنَّ التنفُّلَ بين التَّراويح مكروه، وهذا يقعُ على وجهين: الوجه الأول: أن يَتَنفَّلَ والنَّاس يصلُّون، وهذا لا شَكَّ في كراهته؛ لخروجه عن جماعة النّاس، إذ كيف تُصلِّي وحدك والمسلمون يصلُّون جماعة؟ فإن قال: أنا لم أُصَلِّ صلاةَ الفريضة، وأريد أنْ أصلِّي العِشاء؟ نقول: لا مانع، ادخلْ مع الإمام في التَّراويح بنيَّة الفريضة، أي: بنية العشاء، فإذا سَلَّم فَقُمْ وائتِ بركعتين إكمالاً للفريضة، إلا أن تكون مسافراً فَسلِّم معه، ثم ادخلْ معه في التَّراويح بنيَّة راتبة العشاء، إن لم تكن مسافراً، فإذا صَلَّيت راتبة العِشاء ادخلْ معه في التَّراويح، ولا يضرُّ اختلاف نيَّة الإمام والمأموم، أي: يجوز أن ينوي الإمام النَّافلة والمأموم الفريضة، وهذا ما نصَّ عليه الإمامُ أحمد: من أنَّه يجوز أن يُصلِّيَ الإنسان صلاة العشاء خلف من يُصلِّي التَّراويح. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (54).

الوجه الثَّاني: أن يُصلِّي بين التَّراويح إذا جلسوا للاستراحة، فنقول: لا تتنفَّل ولهذا قال: «يُكره التنفُّل بينها». قوله: «لا التعقيب في جماعة» أي: لا يُكره التَّعقيب بعد التَّراويح مع الوِتر، ومعنى التَّعقيب: أن يُصلِّيَ بعدها وبعد الوِتر في جماعة. وظاهرُ كلامه: ولو في المسجد. مثال ذلك: صَلّوا التَّراويح والوتر في المسجد، وقالوا: احضروا في آخر الليل لنقيم جماعة، فهذا لا يُكره على ما قاله المؤلِّف، ولكن هذا القول ضعيف، لأنه مستندٌ إلى أثر عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّه قال: «لا بأس به إنما يرجعون إلى خير يرجونه ... » (¬1) أي: لا ترجعوا إلى الصَّلاة إلا لخير ترجونه، لكن هذا الأثر ـ إنْ صَحَّ عن أنس ـ فهو مُعَارِض لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اجْعَلوا آخِرَ صَلاتِكم بالليل وِتْراً» (¬2) فإنَّ هؤلاء الجماعة صَلُّوا الوِتر، فلو عادوا للصَّلاة بعدها لم يكن آخرُ صلاتهم بالليل وِتراً، ولهذا كان القولُ الرَّاجحُ: أنَّ التَّعقيب المذكور مكروه، وهذا القول إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، وأطلق الروايتين في «المقنع» و «الفروع» و «الفائق» وغيرها، أي: أنَّ الروايتين متساويتان عن الإمام أحمد، لا يُرَجَّح إحداهما على الأخرى. لكن لو أنَّ هذا التَّعقيبَ جاء بعد التَّراويح وقبل الوِتر، لكان القول بعدم الكراهة صحيحاً، وهو عمل النَّاس اليوم في العشر ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب التعقيب في رمضان (2/ 399). (¬2) تقدم تخريجه ص (8).

ثم السنن الراتبة: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء،

الأواخر من رمضان، يُصلِّي النَّاس التَّراويح في أول الليل، ثم يرجعون في آخر الليل، ويقومون يتهجَّدون. ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ: رَكعَتَانِ قَبْلَ الظّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العِشَاءِ، .......... قوله: «ثم السنن» أي: بعد التَّراويح السُّنَن الراتبة، وفي هذا شيء مِن النَّظر، لأنه مرَّ بنا في أوَّلِ كتابِ التَّطوعِ قولُ المؤلِّفِ (¬1): «آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وِتر»، فجعل الوِترَ يلي التراويح، ويُجاب عن ذلك بأحد وجهين: إمَّا أنْ تكون «ثم السُّنَن الراتبة» للتَّرتيب الذِّكري. وإما أن يكون العطفُ يلي قوله: «ثم وِتر»، أي: ثم يلي الوِتر السُّنَن الرَّواتب، فتكون السُّنن الرواتب في المرتبة الخامسة. قوله: «الراتبة ... » أي: الدَّائمة المستمِرَّة، وهي تابعة للفرائض: ركعتان قبل الظُّهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، هذه عشر ركعات. إذاً؛ صلاةُ العصر ليس سُنَّة راتبة، وهو كذلك؛ لكن لها سُنَّة مطلقة، وهي: السُّنَّة الداخلة في عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «بينَ كُلِّ أذانينِ صلاةٌ» (¬2). وجَعَلَ المؤلِّفُ الرَّواتبَ عَشْراً؛ استناداً في ذلك إلى حديثِ ¬

_ (¬1) انظر: ص (7). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء (627)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بين كل أذانين صلاة (838).

وركعتان بعد الفجر وهما آكدها

عبدِ الله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: حَفِظْتُ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَشْرَ رَكعات» (¬1) وذكرها. وهذا أحدُ القولين في المسألة. والقول الثاني في المسألة: أنَّ السُّننَ الرَّواتبَ اثنتا عَشْرَةَ رَكعةً؛ استناداً إلى ما ثبت في «صحيح البخاري» مِن حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لا يَدَعُ أربعاً قبل الظُّهرِ» (¬2) وكذلك صَحَّ عنه: «أنَّ مَنْ صَلَّى اثنتي عشرة رَكعةً مِن غير الفريضة بنى اللهُ له بِهنَّ بيتاً في الجنَّة» (¬3) وذكر منها «أربعاً قبل الظُّهر» (¬4) والباقي كما سبق. وعلى هذا؛ فالقول الصحيح: أنَّ الرَّواتب اثنتا عشرة ركعة: ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظُّهر بسلامين وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العِشاء. وفائدة هذه الرَّواتب: أنها تُرقِّعُ الخَللَ الذي يحصُلُ في هذه الصَّلوات المفروضة. وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الفَجْرِ وَهُمَا آكَدُهَا، .......... قوله: «وركعتان قبل الفجر وهما آكدها» أي: آكد هذه الرَّواتب. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر (1180)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الراتبة (729). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر (1182). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السُّنن الراتبة (728) (101). (¬4) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء فيمن صَلَّى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السُّنة مما له فيه من الفضل (415) وقال: «حديث حسنٌ صحيحٌ».

ودليل آكديتها: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «ركعتا الفَجْرِ خيرٌ مِن الدُّنيا وما فيها» (¬1) الدُّنيا منذ خُلقت إلى قيام الساعة بما فيها مِن كُلِّ الزَّخارف مِن ذَهَبٍ وفضَّةٍ ومَتَاعٍ وقُصور ومراكب وغير ذلك، هاتان الرَّكعتان خيرٌ مِن الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّ هاتين الرَّكعتين باقيتان والدُّنيا زائلة. ودليل آخر على آكديتهما: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان لا يدعهما حضراً ولا سفراً» (¬2). وتختصُّ هاتان الرَّكعتان ـ أعني ركعتي الفجر بأمور ـ: أولاً: مشروعيتهما في السَّفر والحضر. ثانياً: ثوابهما؛ بأنهما خير من الدُّنيا وما فيها. ثالثاً: أنه يُسَنُّ تخفيفهما، فَخَفِّفْهُمَا بقَدْرِ ما تستطيع، لكن بشرط أن لا تُخِلَّ بواجب؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يُخَفِّفُ الركعتين اللتين قبل صَلاةِ الصُّبحِ، حتى إنِّي لأقولُ: هل قَرَأَ بأُمِّ الكتابِ»؟ (¬3) تعني: مِن شدَّة تخفيفه إيَّاهما. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنّة الفجر والحث عليهما ... (725) (96). (¬2) انظر: «صحيح البخاري»، كتاب التهجد، باب المداومة على ركعتي الفجر (1159)؛ و «صحيح مسلم»، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما (723) (94). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب ما يقرأ في ركعتي الفجر (1171)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنّة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما (724) (92).

رابعاً: أنْ يقرأ في الرَّكعة الأُولى بـ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *} [الكافرون]، وفي الثانية: بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} [الإخلاص] (¬1)، أو في الأُوْلَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] الآية في سورة البقرة و {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا} [آل عمران: 52] الآية في سورة آل عمران (¬2). فتقرأ أحياناً بسورتي الإخلاص، وأحياناً بآيتي البقرة وآل عمران، وإن كنت لا تحفظ آيتي البقرة وآل عمران، فاقرأ بسورتي الإخلاص والكافرون. خامساً: أنه يُسَنُّ بعدهما الاضطجاع على الجَنْبِ الأيمن، وهذا الاضطجاع اخْتَلَفَ العلماءُ فيه: فمِنْهم مَن قال: إنَّه ليس بسُنَّةٍ مطلقاً. ومِنْهم مَن قال: إنَّه سُنَّةٌ مطلقاً. ومِنْهم مَن قال: إنه سُنَّةٌ لِمَن يقوم الليل؛ لأنَّه يحتاج إلى راحة حتى ينشطَ لصلاة الفجر. ومِنْهم مَن قال: إنَّه شرط لصحَّة صلاة الفجر، وأنَّ مَنْ لم يضطجع بعد الرَّكعتين فصلاةُ الفجر باطلة. وهذا ما ذهب إليه ابنُ حَزْمٍ رحمه الله، وقال: إِنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِذا صَلَّى أحدُكم ركعتي الفجر فليضطجع بعدهما» (¬3)، فأمر بالاضطجاع. لكن يُجاب بما يلي: ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، الموضع السابق (726) (98). (¬2) أخرجه مسلم، الموضع السابق (727) (99). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (2/ 415)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر (1261)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر (420) وقال: «حديث حسن صحيح غريب».

ومن فاته شيء منها سن له قضاؤه

أولاً: هذا الحديث ضعيف، فلم يصحَّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن أمْرِه، بل صَحَّ مِن فِعْلِهِ (¬1). ثانياً: ما علاقةُ هذا بصلاةِ الفَجْرِ! ولكن يدلُّكَ هذا على أنَّ الإنسانَ مهما بلغ في العلم فلا يسلم من الخطأ. وأصحُّ ما قيل في هذا: ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو التفصيل، فيكون سُنَّةً لمن يقوم الليل؛ لأنَّه يحتاج إلى أن يستريحَ، ولكن إذا كان مِن الذين إذا وضع جَنْبَهُ على الأرض نام؛ ولم يستيقظ إلا بعد مُدَّة طويلة؛ فإنه لا يُسَنُّ له هذا؛ لأن هذا يُفضي إلى تَرْكِ واجب. وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْهَا سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ ............ قوله: «ومن فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه» «مَنْ» اسمُ شَرْطٍ، وفِعْلُ الشرط «فاته»، وجوابُه «سُنَّ له قضاؤه»، أي: مَنْ فاته شيءٌ مِن هذه الرَّواتب، فإنَّه يُسَنُّ له قضاؤه، بشرط أنْ يكون الفوات لعُذر. ودليل ذلك: ما ثَبَتَ مِن حديث أبي هريرة وأبي قتادة في قِصَّة نَوْمِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وهم في السَّفَر عن صلاة الفجر، حيث صَلَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم راتبة الفجر أولاً، ثم الفريضة ثانياً (¬2). وكذلك أيضاً حديث أمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم شُغِلَ عن ¬

_ (¬1) فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع». خرّجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل ... (743) (133). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها (681) (311).

الرَّكعتين بعد صلاة الظُّهر؛ فقضاهما بعد صَلاة العصر» (¬1) وهذا نَصٌّ في قضاء الرَّواتب. وأيضاً: عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نَامَ عن صلاة؛ أو نسيها؛ فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها» (¬2) وهذا يَعمُّ الفريضةَ والنَّافلةَ، وهذا إذا تركها لعُذر؛ كالنسيان والنوم؛ والانشغال بما هو أَهَمُّ. أما إذا تركها عمداً حتى فاتَ وقتُهَا فإنه لا يقضيها، ولو قضاها لم تصحَّ منه راتبة؛ وذلك لأَنَّ الرَّواتب عبادات مؤقَّتة، والعبادات المؤقَّتة إذا تعمَّد الإنسانُ إخراجَها عن وقتها لم تُقبل منه. ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليس عليه أمْرُنَا فهو رَدٌّ» (¬3)، والعبادةُ المؤقَّتَةُ إِذا أخَّرتَها عن وقتها عمداً فقد عَمِلتَ عمَلاً ليس عليه أمرُ الله ورسوله، لأنَّ أَمْرَ الله ورسوله أنْ تصلِّيها في هذا الوقت، فلا تكون مقبولةً (¬4). وأيضاً: فكما أنَّها لا تصحُّ قبل الوقت فلا تصحُّ كذلك بعدَه؛ لعدم وجود الفَرْقِ الصَّحيح بين أنْ تفعلها قبل دخول وقتها أو بعد خروج وقتها إذا كان لغير عُذر. إذاً؛ قوله: «مَنْ فاتَه شيءٌ منها سُنَّ له قضاؤه» يُقيَّد بما إذا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب السهو، باب إذا كلّم وهو يصلّي فأشار بيده واستمع (1233)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصلّيهما النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد العصر (834) (297). (¬2) تقدم تخريجه 3/ 398. (¬3) تقدم تخريجه 3/ 5. (¬4) انظر: 2/ 96.

وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار

فاته لعُذر، ورُبَّما يُشعر به قوله: «مَنْ فاته شيء» لأن الفوات: سَبْق لا يدرك، والمؤلِّفُ لم يقل: «ومَنْ لم يصلِّها فليقضها» بل قال: «مَنْ فاته»، ومنه قولهم: «مَنْ فاته الوقوف بعرفة فاته الحجُّ». وَصَلاَةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ النَّهَارِ، ........... قوله: «وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار». اعلمْ أنَّ صلاة التطوُّع نوعان: نوعٌ مطلق، ونوعٌ مقيَّد. أما المقيَّد: فهو أفضل في الوقت الذي قُيِّدَ به، أو في الحال التي قُيِّدَ بها. فمثلاً: تحيُّة المسجد، إذا دخلته ولو في النَّهار أفضل من صلاة الليل؛ لأنها مقيَّدة بحال مِن الأحوال؛ وهي دخول المسجد، وسُنَّة الوُضُوء ـ إذا توضَّأت فإنه يُسَنُّ لك أن تُصَلِّيَ رَكعتين ـ أفضل من صلاة الليل ولو كانت في النَّهار؛ لأنها مقيَّدة بسبب مِن الأسباب. أما المطلق: فهو في الليل أفضل منه في النَّهار، لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الفريضةِ صلاةُ اللَّيل» (¬1)، واللَّيلُ يدخل مِن غروب الشَّمس، فالصَّلاة مثلاً بين المغرب والعِشاء أفضل مِن الصَّلاة بين الظُّهر والعصر؛ لأنها صلاة ليل فهي أفضل. والمطلق يُسَنُّ الإكثار منه كلَّ وقت؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم للرَّجُل الذي قال: أسألك مرافقتك في الجَنَّةِ؛ قال: أَوَ غَيْرَ ذلك، قال: هو ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم (1163) (202).

وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه

ذاك قال: «فأعنِّي على نفسك بكثرة السُّجود» (¬1). وَأَفْضَلُهَا ثُلُثُ اللَّيْلِ بَعْدَ نِصْفِهِ .......... قوله: «وأفضلها» أي: أفضلُ وَقْتِ صلاة اللَّيلِ. قوله: «ثُلُثُ الليل بعد نصفه» أي: أنك تقسم الليل أنصافاً، ثم تقوم في الثُّلثِ من النِّصفِ الثَّاني، وفي آخر الليل تنام. ودليل ذلك: قَولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أفضلُ الصَّلاةِ صلاةُ داود، كان ينامُ نصفَ الليلِ، ويقومُ ثُلُثَه، وينام سُدُسَه» (¬2) وفي «صحيح البخاري» عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ألفاه ـ يعني النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ـ السَّحَر عندي إلا نائماً» (¬3) أي: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان ينام في السَّحَر في آخر الليل. وهناك تعليل: وهو أنَّ نوم الإنسان بعد القيام يُكسب البدنَ قُوَّةً ونشاطاً، فيقوم لصلاة الفجر وهو نشيط. وأيضاً: إذا نامَ سُدُسَ الليلِ الآخرِ؛ نقضت هذه النَّومةُ سهره، وأصبح أمام النَّاس وكأنه لم يقمِ اللَّيلَ، فيكون في هذا إبعاداً له عن الرِّياء. إذاً؛ الأفضل ثُلُث الليل بعد النِّصف؛ لينام في آخرِ الليل. فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون الأفضلَ ثُلُث الليلِ الآخرِ؛ لأنَّ ذلك وقت النُّزول الإلهي؟. فالجواب: أنَّ الذي يقوم ثُلُث الليل بعد نصفه سوف يدرك ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل السجود (489). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب من نام عند السحر (1131)؛ ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر (1159) (189). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب من نام عند السحر (1133).

وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى

النُّزول الإلهي؛ لأنه سيدرك النصف الأول مِن الثلث الأخير، فيحصُل المقصودُ، والنبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام هو الذي قال: «أفضلُ الصَّلاة صلاة داود» (¬1). مسألة: ما هو الليلُ المعتبرُ نصفُه؟ الظَّاهر: أنَّه مِن غروب الشَّمس إلى طُلُوع الفجر، فيكون نصف الليلِ في الشِّتاء بعد مضي سِتِّ ساعات مِن الغُروب؛ لأنَّ ليل الشِّتاء اثنتا عشرة ساعة، ويكون في بعض الأوقات بعد خمس ساعات مِن الغُروب؛ لأنَّ الليلَ يكون فيها حوالي عَشْرَ ساعات، فعُدَّ مِن غروب الشَّمس إلى طُلوع الفجر، ونصفُ ما بينهما هذا هو نصف الليل. وَصَلاَةُ لَيْلٍ وَنَهَارٍ مَثْنَى مَثْنَى ........... قوله: «وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى» يعني: اثنتين اثنتين فلا يُصلِّي أربعاً جميعاً، وإنما يُصلِّي اثنتين اثنتين، لما ثبت في «صحيح» البخاري ومسلم مِن حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَجُلاً سأل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما ترى في صلاةِ اللَّيلِ؟ قال: «مَثْنى مَثْنى، فإذا خَشِيَ أحدُكم الصّبحَ؛ صَلَّى واحدةً فأوترت له ما قد صَلَّى» (¬2). وأما «النَّهار» فقد رواه أهل السُّنَن (¬3)، واختلف العلماءُ في تصحيحه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (75). (¬2) تقدم تخريجه ص (9). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (2/ 26، 51)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في صلاة النهار (1295)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى (597) وقال: «اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم». وانظر: كلام الشيخ رحمه الله أعلاه.

والصَّحيح: أنَّه ثابتٌ كما صَحَّح ذلك البخاريُّ رحمه الله (¬1). وعلى هذا؛ فتكون صلاةُ الليلِ وصلاةُ النَّهارِ كلتاهما مَثْنى مَثْنى يُسَلِّمُ مِن كُلِّ اثنتين، ويُبْنَى على هذه القاعدة كُلُّ حديثٍ وَرَدَ بلفظ الأربع مِن غير أن يُصرِّحَ فيه بنفي التَّسليم، أي: أنَّه إذا جاءك حديثٌ فيه أربع؛ ولم يُصرِّحْ بنفي التَّسليم؛ فإنه يجب أنْ يُحملَ على أنَّه يُسَلِّمُ مِن كُلِّ رَكعتين، لأنَّ هذه هي القاعدة، والقاعدةُ تُحمل الجزئيات عليها. فقول عائشة رضي الله عنها لما سُئلت عن صلاة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في رمضان: «ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يُصَلِّي أربعاً، فلا تسأل عن حُسنِهِنَّ وطُولِهِنَّ» (¬2)، ظاهره: أنَّ الأربع بسلام واحد، ولكن يُحمل هذا الظَّاهر على القاعدة العامَّة، وهي أنَّ صلاة الليل مَثْنى مَثْنى، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ويُقال: إنها ذكرتْ أربعاً وحدها، ثم أربعاً وحدها؛ لأنَّه صَلَّى أربعاً ثم استراح، بدليل «ثم» التي للترتيب والمهلة. وقد سبقت هذه المسألة (¬3). مسألة: إذا كانت صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فما الحكم لو قام الإنسان إلى ثالثة. الجواب: صلاته تبطل إذا تعمَّد؛ لأنه إذا تعمَّد الزِّيادة على اثنتين فقد خالف أمْر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الدَّال على أن صلاة الليل مثنى مثنى، وإذا خالف أَمْرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أَمْرُنَا فهو رَدٌّ» (¬4)، ولهذا قال الإمام ¬

_ (¬1) نقله البيهقي في «سننه» (2/ 487). (¬2) تقدم تخريجه ص (11). (¬3) انظر: ص (11). (¬4) تقدم تخريجه 3/ 5.

أحمد: إذا قام إلى ثالثة في صلاة الليل فكأنما قام إلى ثالثة في صلاة الفجر، ومن المعلوم أنه إذا قام إلى ثالثة في صلاة الفجر متعمِّداً بطلت صلاته بالإجماع، فكذلك إذا قام إلى ثالثة في التطوُّع في صلاة الليل فإنَّ صلاته تبطل إنْ كان متعمِّداً، وإنْ كان ناسياً وَجَبَ عليه الرُّجوع متى ذَكَرَ، ويسجد للسَّهوِ بعد السَّلام من أجل الزِّيادة، وبه نفهم جهل من يتعمَّد في التَّراويح في رمضان إذا قام إلى ثالثة ثم ذَكَرَ أن يستمرَّ، ثم يفتي نفسه ويقول: «إن استتمَّ قائماً كُرهَ الرُّجوع» «وإن شرعَ بالقراءة حُرِّمَ الرُّجوع» فيكون جاهلاً جهلاً مركَّباً، لأن هذا الحكم فيمن قام عن التشهُّد الأول، أما من قام إلى زائدة فحكمه وجوب الرُّجوع مطلقاً. والجهل المركَّب ضرره عظيم، فإن الجاهل المركَّب يرى أنه على حقٍّ فهو يمدُّ يداً طويلة، وربما يعتقد أنه أعلمُ من الإمام أحمد وابن تيمية، وهو كما قال حمار تُوما: قال حِمَارُ الحكيم تُوما لو أنصفَ الدَّهرُ كنتُ أَرْكَبْ وتوما رَجُلٌ يدَّعي الحكمةَ، ويركب على الحِمَار، فقال الحِمَارُ: لو أنصفَ الدَّهرُ كنت أركبُ، وعَلَّلَ ذلك بقوله: لأَنَّني جَاهلٌ بَسيط وصَاحبي جَاهلٌ مُركَّبْ والجاهلُ البسيط؛ حاله أكمل مِن الجاهل المُركَّب. وذُكِرَ لي أنَّ بعضَ الناس يطرد هذه القاعدة فيما إذا قام إلى خامسة في الظُّهر فيقول: إذا شرع بالقراءة حُرِّمَ الرُّجوعُ، وهذا كُلُّه خطأ، بل مَنْ قام إلى زائدة وجب عليه الرُّجوع متى ذَكَرَ، وإنْ كان قد شَرَع في القِراءة، وإذا قام إلى ثالثة في النَّهار، فمقتضى

وإن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس

الحديث أنْ يكون كما لو قام إلى ثالثة في الليل، وأنه لو استمرَّ لبطلت صلاتُه. وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ كَالظُّهْرِ فَلاَ بَأْسَ ........ قوله: «وإن تطوَّع» أي: صَلَّى صلاة تطوُّع في النَّهار، أي: لا في الليل. قوله: «كالظُّهر» أي: بتشهُّدين، تشهُّد أول وتشهُّد ثاني. قوله: «فلا بأس» أي: لا حرج؛ فتصحُّ صلاتُه، واستدلَّ في «الرَّوض» بحديث أبي أيوب: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهر أربعاً لا يفصِلُ بينهن بتسليمٍ (¬1). ولكن الحديث ليس فيه أنَّ الأربع تكون بتشهُّدين، ولهذا نرى أنه إذا صَلَّى أربعاً بتشهُّدين فهو إلى الكراهة أقرب، بدليل أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا توتروا بثلاث لا تشبهوا بصلاة المغرب» (¬2)، وهو الصَّحيح، وهذا يدلُّ على أن الشَّارع يريد أن لا تلحق النَّوافل بالفرائض، والرَّجُل إذا تطوَّع بأربع وجعلها كالظُّهر بتشهُّدين فقد ألحق النَّافلة بالفريضة. وهذا الحديث ـ إن صَحَّ عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنه فَعَلَ هذا ـ فمن المعلوم أنَّ الواجبَ قَبولُه، ويكون مُستثنى مِن الحديث الذي هو قاعدة عامَّة في أنَّ صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 416)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الأربع قبل الظهر وبعدها (1270) وضعفه؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب في الأربع ركعات قبل الظهر (1157). (¬2) تقدم تخريجه ص (16).

وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم

وَأَجْرُ صَلاَةِ قَاعِدٍ عَلَى نِصْفِ أَجْرِ صَلاَةِ قَائِمٍ ........ قوله: «وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم» أي: تصحُّ صلاة القاعد لكنها على النِّصف مِن أجر صلاة القائم، والمراد هنا في النَّفل، ولهذا ساقها المؤلِّفُ رحمه الله في صلاة التطوُّع. أما الفريضة؛ فصلاةُ القاعدِ القادرِ على القيام ليس فيها أجر؛ لأنها صلاة باطلة، لأنَّ مِن أركان الصَّلاة في الفريضة القيام مع القدرة. وقوله: «أجر صلاة قاعد» مراده إذا كان قاعداً بلا عُذر، أما إذا كان قاعداً لعُذر، وكان من عادته أن يُصلِّي قائماً، فإنَّ له الأجر كاملاً لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ؛ كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» (¬1). وهذه مِن نِعَمِ الله التي تستوجب على العاقل أن يُكثر من النَّوافل ما دام في حال الصِّحَّة؛ لأن جميع النَّوافل التي يعملها في صحَّته إذا مَرِضَ وعَجِزَ عنها كُتبتْ له كاملة كأنه يفعلها. أما إذا كان لغير عُذر فهو على النِّصفِ مِن أَجْرِ صلاة القائم، فإذا كان أَجْرُ صلاة القائم عشرَ حسناتٍ، كان لهذا القاعد خمسُ حسناتٍ، ووَرَدَ في الحديث أنَّ أجْرَ صلاةِ المُضْطجعِ على النِّصفِ من أجْرِ صلاةِ القاعد (¬2). لكن هذا الشَّطر مِن الحديث لم يأخذ به جمهورُ العلماء، ولم يروا صِحَّة صلاة المضطجع إلا إذا كان معذوراً. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة (2996). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد (1115).

وتسن صلاة الضحى

وذهب بعضُ العلماء: إلى الأخذ بالحديث. وقالوا: يجوز أنْ يتنفلَ وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون على الرُّبع مِن أجر صلاة القائم. ـ وهذا قولٌ قويٌّ؛ لأن الحديث في «صحيح البخاري»، ولأنَّ فيه تنشيطاً على صلاة النَّفل؛ لأن الإنسان أحياناً يكون كسلاناً وهو قادر على أنْ يُصلِّي قاعداً؛ لكن معه شيء مِن الكسل؛ فيُحِبُّ أنْ يُصلِّي وهو مضطجعٍ، فمن أجل أنْ ننشِّطَهُ على العمل الصَّالح نَفْلاً نقول: صَلِّ مضطجعاً، وليس لك إلا رُبع صلاة القائم، ونصف صلاة القاعد، ولهذا رَخَّصَ العلماءُ في صلاة النَّفل أن يشرب الماء اليسير من أجل تسهيل التطوُّع عليه، والتطوُّع أوسع من الفرض. وَتُسَنُّ صَلاَةُ الضّحَى ......... قوله: «وتُسَنُّ صلاة الضُّحى» صلاة الضُّحى من باب إضافة الشيء إلى وقته، ولك أن تقول: إنها من باب إضافة الشيء إلى سببه، كما تقول: صلاة الظُّهر؛ نسبة إلى الوقت، والوقت سبب. وقوله: «تُسَنُّ» من المعلوم: أن السُّنة ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام. وحكم السُّنَّة: أنه يُثابُ فاعلُها، ولا يُعاقبُ تاركُها. ودليل ذلك: أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال للرَّجُلِ الذي عَلَّمَهُ الصَّلوات الخمس حين سأله: هل عَليَّ غيرُهنَّ؟ قال: «لا، إلا أنْ تطوَّع» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام (46)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (11) (8).

ودليل آخر: حديث مُعاذ بنِ جَبَل لما بَعَثَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في آخر حياته إلى اليمن قال: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افترضَ عليهم خمسَ صلوات في اليوم واللَّيلةِ» (¬1) ولم يذكر صَلاة الضُّحى، ولو كانت واجبة لذَكَرها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم. وظاهر قوله: «تُسَنُّ صلاة الضُّحى» أنها سُنَّة مطلقاً. ودليل ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه (¬2)، وأبي الدرداء (¬3)، وأبي ذَرٍّ (¬4) أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أوصاهم بصلاة ركعتين في الضُّحى، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «أوصاني خليلي صلّى الله عليه وسلّم بثلاثٍ: ركعتي الضُّحى، وأن أوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر». فظاهر هذا أنَّها سُنَّة مطلقاً في كُلِّ يوم. وذهبَ بعض أهل العلم: إلى أنها ليست بسُنَّة؛ لأن أحاديث كثيرة وردت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه كان لا يصلِّيها (¬5). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (2/ 8). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب التطوع، باب صلاة الضُّحى في الحضر (1178)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضُّحى (721) (85). (¬3) أخرجه مسلم، الموضع السابق (722) (86). (¬4) أخرجه الإمام أحمد (5/ 173)؛ والنسائي، كتاب الصيام، باب صوم ثلاثة أيام من كل شهر (4/ 217)؛ وابن خزيمة (1083) (1221) (2122). (¬5) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب صلاة الضحى في السفر (1175) عن عبد الله بن عمر وقد سُئل: أصلَّى النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الضُّحى؟ فقال: لا إخالُهُ. وأخرج مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلي سبحة الضحى قط»، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى (718) (77).

وفصَّلَ بعضُهم فقال: أمَّا مَن كان مِن عادته قيامُ الليل؛ فإنه لا يُسَنُّ له أن يُصلِّيَ الضُّحى، وأمَّا مَن لم تكن له عادة في صلاة الليل فإنها سُنَّة في حَقِّهِ مطلقاً كلَّ يوم. والقول الرابع: أنها سُنَّةٌ غيرُ راتبة، يعني: يفعلها أحياناً وأحياناً لا يفعلها. والأظهر: أنها سُنَّة مطلقة دائماً، فقد ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «يُصبِحُ على كُلِّ سُلامى مِن أحدِكُم صَدَقةٌ ... » الحديث (¬1). وقد صَحَّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنَّ الله خلق ابنَ آدم على ستين وثلثمائة مفصل» (¬2). والسُّلامى: هي العظام المنفصل بعضها عن بعض. فيكون على كُلِّ واحد من النَّاس كُلَّ يومٍ ثلاثمائة وستون صدقة، ولكن هذه الصدقة ليست صدقة مال، بل كُل ما يُقَرِّبُ إلى الله؛ لقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «فكُلُّ تسبيحةٍ صَدقةٌ، وكُلُّ تحميدةٍ صَدقةٌ، وكُلُّ تهليلةٍ صَدقةٌ، وكُلُّ تكبيرةٍ صَدقةٌ، وأمرٌ بمعروف صَدقةٌ، ونَهيٌ عن مُنكرٍ صَدقةٌ، ويجزىء مِن ذلك ركعتان يركَعُهُما مِن الضُّحى» (¬3) وبناءً على هذا الحديث نقول: إنه يُسَنُّ أن يُصلِّيهما دائماً؛ لأن أكثر النَّاس لا يستطيعون أن يأتوا بهذه الصَّدقات التي تبلغ ثلاثمائة وستين صدقة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضُّحى (720) (84). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (1007) (54). (¬3) أخرجه مسلم وهو طرف من حديث: «يصبح على كل سلامى».

وأقلها ركعتان، وأكثرها ثمان

وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَان، وَأَكْثَرُهَا ثَمَان ......... قوله: «وأقلها» أي: أقلُّ صلاة الضُّحى ركعتان، لأن الرَّكعتين أقلُّ ما يُشرع في الصَّلوات غير الوِتر، فلا يُسَنُّ للإنسان أن يتطوَّع برَكعة، ولا يُشرع له ذلك إلا في الوِتر، ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للرَّجُل الذي دخل وهو يخطب يوم الجُمُعة: «قُمْ فصَلِّ رَكعتين، وتَجَوَّزْ فيهما» (¬1)، ولو كان يُشرع شيءٌ أقلُّ من ركعتين؛ لأمره به مِن أجل أنْ يستمع للخُطبة، ولهذا أمره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يتجوَّز في الرَّكعتين. ودليلُ ذلك أيضاً: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: أوصاني خليلي صلّى الله عليه وسلّم بثلاثٍ: «صيامُ ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهر، وركعتي الضُّحى، وأنْ أوتِرَ قبل أن أنام» (¬2). والصَّحيحُ: أنَّ التطوُّع بركعة لا يصحُّ، وإنْ كان بعضُ أهل العلم قال: إنه يصحُّ أنْ يتطوَّعَ بركعة، لكنه قولٌ ضعيف كما سبق. قوله: «وأكثرها ثمان» أي: أكثر صلاة الضُّحى ثمانِ ركعات بأربع تسليمات. ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم دخلَ بيتَ أُمِّ هانىء في غزوة الفتح حين دخل مَكة فصَلَّى فيه ثماني ركعات (¬3)، قالوا: وهذا ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب (875) (55). (¬2) تقدم تخريجه ص (82). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به (357)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى (336) (80) (1667).

أعلى ما وَرَدَ. وعلى هذا؛ فلو صَلَّى الإنسانُ عشرَ ركعات بخمس تسليمات؛ صارت التاسعة والعاشرة تطوُّعاً مطلقاً لا مِن صلاة ضُحى. والصَّحيح: أنه لا حَدَّ لأكثرها؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي الضُّحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله» أخرجه مسلم (¬1)، ولم تُقَيِّد، ولو صَلَّى مِن ارتفاع الشَّمس قيدَ رُمْحٍ إلى قبيل الزوَّال أربعين ركعة مثلاً؛ لكان هذا كلّه داخلاً في صلاة الضُّحى، ويُجاب عن حديث أُمِّ هانىء بجوابين: الجواب الأول: أن كثيراً من أهل العلم قال: إن هذه الصَّلاة ليست صلاة ضُحى، وإنما هي صلاة فتح، واستحبَّ للقائد إذا فتح بلداً أن يُصَلِّي فيه ثمان ركعات شكراً لله عزّ وجل على فتح البلد؛ لأن من نعمة الله عليه أن فتح عليه البلد، وهذه النِّعمة تقتضي الخشوع والذُّل لله والقيام بطاعته، ولهذا لا نعلم أن أحداً فتح بلداً أعظم من مَكَّة، ولا نعلم فاتحاً أعظم من محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، ومع ذلك دخل مكَّة ـ حين فتحها ـ وقد طأطأ رأسه عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو يقرأ قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً *} [الفتح] يُرجِّعُ فيها (¬2)، أي: كأنه يردِّدُ الحرف مرَّتين، وهذا من كمال تواضعه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأن من أكبر النِّعم أن يفتحَ اللهُ بلدَ أعدائِك على يَدِك قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، الموضع السابق (719) (78). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب أين ركّز النبي صلّى الله عليه وسلّم الراية يوم الفتح (4281).

اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ *} {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14 ـ 15] وقال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52] وما أحلى العذاب إذا كان بأيدينا لأعدائنا!. الوجه الثاني: أنَّ الاقتصار على الثَّمان لا يستلزم أنْ لا يزيد عليها؛ لأنَّ هذه قضيةُ عَين، أرأيت لو لم يُصَلِّ إلا ركعتين، هل نقول: لا تزيد على ركعتين؟. الجواب: لا؛ لأنَّ قضيةَ العين وما وقع مصادفة فإنه لا يُعَدُّ تشريعاً. وهذه قاعدةٌ مفيدةٌ جداً، ولهذا لا يستحبُّ للإنسان إذا دفع مِن «عَرفة» وأتى الشِّعبَ الذي حول مزدلفة؛ أنْ ينزلَ فيبول ويتوضأ وضوءاً خفيفاً، كما فَعَلَ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما دَفَعَ مِن «عَرفة» في الحَجِّ؛ ووصل إلى الشِّعبِ نَزَلَ فَبَالَ وتوضَّأ وضوءاً خفيفاً (¬1) لأن هذا وقع مصادفة، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم احتاج أن يبولَ فنزل فبال وتوضَّأ؛ لأجل أن يكون فعلُه للمناسك على طهارة. وقوله: «أكثرها» مبتدأ. و «ثمان» خبر تعرب إعراب المنقوص بياء مفتوحة في النَّصب منونة، فتقول: اشتريت من الغنم ثمانياً كما تقول: رأيت قاضياً. وفي حال الرَّفع والجَرِّ تُحذف الياء وتبقى الكسرة دليلاً عليها، لكنها منوَّنة، وهذا التنوين تنوين عِوض فتقول: عندي من ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب إسباغ الوضوء (139)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية (1280) (266).

ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال

الضَّأن ثمانٍ، وعليه فنقول: «ثمان» مرفوعة بضمَّة مقدَّرة على الياء المحذوفة لالتقاء السَّاكنين، والتنوين تنوين عِوض، هذا إذا لم تُركَّب مع عشرة، وفيها لغة رديئة قليلة أن تُعرب بالحركات على النون، فتقول: اشتريت من الضأن ثماناً وعندي من الضَّأن ثمانٌ، ونظرت في الضأن إلى ثمانٍ. فلنا في إعرابها وجهان إذا لم تُركَّب. أما إذا رُكِّبت مع عشرة؛ ففيها وجهان: تُبنى على الفتح، فيُقال: ثمانيَ عشرة امرأة، ويجوز إسكان الياء، فتقول: ثمانيْ عشرة. وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهِي إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ .......... قوله: «ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال». أي: وقت صلاة الضُّحى، من خروج وقت النَّهي، والمؤلِّف رحمه الله لم يُبيِّنْ وقتَ النَّهي هنا، لكن سيبيِّنَهُ ـ إن شاء الله ـ في آخر الباب (¬1). ووقتُ النَّهي: من طُلوع الشَّمس إلى أن ترتفع قِيد رُمحٍ، أي: بعين الرَّائي، وإلا فإن هذا الارتفاع قِيد رُمحٍ بحسب الواقع أكثر من مساحة الأرض بمئات المرَّات، لكن نحن نراه بالأُفق قِيد رُمحٍ، أي: نحو متر. وبالدَّقائق المعروفة: حوالي اثنتي عشرة دقيقة، ولنجعله ربع ساعة خمس عشرة دقيقة؛ لأنه أحوط فإذا مضى خمس عشرة دقيقة من طلوع الشَّمس، فإنه يزول وقت النَّهي، ويدخل وقت صلاة الضُّحى. ¬

_ (¬1) انظر: ص (112).

وسجود التلاوة: صلاة

وقوله: «إلى قبيل وقت الزوال». «قبيل» تصغير قبل، أي: قبل زوال الشَّمس بزمنٍ قليل حوالي عشر دقائق، لأن ما قبيل الزَّوال وقت نهي ينهى عن الصَّلاة فيه، لأنه الوقت الذي تُسْجَرُ فيه جهنَّم، فقد نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن يُصَلَّى فيه، قال عُقبةُ بنُ عَامر رضي الله عنه: «ثلاثُ ساعاتٍ كان رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم يَنْهانَا أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو أنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ موتانا: حين تَطْلعُ الشَّمسُ بازغةً حتى ترتفعَ، وحين يقومُ قائمُ الظَّهيرة حتى تميلَ الشَّمسُ، وحين تَضَيَّفُ الشَّمسُ للغُروبِ حتى تَغْرُبَ» (¬1). وقائمُ الظَّهيرة يكون قُبيل الزَّوال بنحو عشر دقائق، فإذا كان قُبيل الزوَّال بعشر دقائق دخل وقتُ النَّهي. إذاً؛ وقتُ صلاة الضُّحى مِن زوال النَّهي في أول النهار إلى وجود النَّهي في وسط النهار. وفِعْلُها في آخر الوقت أفضل؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاة الأوَّابينَ حين تَرْمَضُ الفِصَالُ» وهذا في «صحيح مسلم» (¬2). ومعنى «تَرْمَضُ» أي: تقوم مِن شِدَّة حَرِّ الرَّمضاء، وهذا يكون قُبيل الزَّوال بنحو عشر دقائق. وَسُجُودُ التِّلاَوَةِ: صَلاَةٌ ......... قوله: «وسجود التلاوة صلاة». «سجود» مبتدأ، و «صلاة» خبره، أي: أنَّ حُكمَه حُكمُ الصَّلاة، بل هو صلاة، والإضافةُ هنا ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها (831) (293). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفِصال (748) (143).

مِن بابِ إضافةِ الشيء إلى سببِه، لكنه سببٌ غيرُ تامٍّ؛ لأن التِّلاوة نفسَها ليست سبباً للسُّجود، بل السبب للسُّجود المرور بآية سجدة، أي: قراءة آية سجدة، فإذا قرأ الإنسانُ آيةَ سَجدة سُنَّ له أنْ يسجدَ. وقوله: «صلاة» ووجه ذلك: أنَّ تعريف الصَّلاة ينطبق عليه، فهو: عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتَّسليم، إذاً؛ فهو صلاة يُعتبر له ما يُعتبر لصلاة النَّافلة؛ لأنه سُنَّة. هذا مقتضى كلام المؤلِّفِ، وعلى هذا؛ فتعتبر له الطَّهارةُ من الحَدَث، والنَّجاسةُ في البدن والثوب والمكان، واستقبالُ القِبْلة، وسَتْرُ العورة، وكلُّ ما يُشترط لصلاة النَّافلة. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه ليس بصلاة، لأنه لا ينطبق عليه تعريف الصَّلاة، إذ لم يثبت في السُّنَّة أن له تكبيراً أو تسليماً، فالأحاديث الواردة في سجود التِّلاوة ليس فيها إلا مجرد السُّجود فقط «يَسجُدُ ونَسجُدُ معه» (¬1) إلا حديثاً أخرجه أبو داود في إسناده نظر: أنه كَبَّرَ عند السُّجود (¬2)، ولكن ليس فيه تسليم، فلم يردْ في حديث ضعيف ولا صحيح أنه سَلَّمَ من سجدة التلاوة، وإذا لم يصحَّ فيها تسليم لم يكن صلاة؛ لأن الصَّلاة لا بُدَّ أن تكون مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتَّسليم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب سجود القرآن، باب مَنْ سجد لسجود القارئ (1075)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة (575) (103). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب (1413). قال النووي: «رواه أبو داود بإسناد ضعيف». «المجموع» (4/ 64).

يسن للقارىء

وبناءً على ذلك؛ لا يُشترط له طهارة، ولا سترُ عورة، ولا استقبالُ قِبلة، فيجوز أن يسجد ولو كان محدثاً حَدَثاً أصغر، بل ولو كان محدثاً حَدَثاً أكبر إنْ قلنا بجواز القراءة للجُنب، والصَّحيح: أنه لا يجوز للجُنب قراءة القرآن (¬1)، ومن طالع كلام شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة تبيَّنَ له أن القول الصَّواب ما ذهب إليه من أن سجود التِّلاوة ليس بصلاة، ولا يُشترط له ما يُشترط للصَّلاة، فلو كنتَ تقرأ القرآن عن ظهر قلب وأنت غير متوضىء، ومررت بآية سجدة، فعلى هذا القول تسجد ولا حرج، وكان ابن عُمر رضي الله عنهما مع شِدَّة وَرَعِهِ ـ يَسجدُ على غيرِ وُضُوءٍ (¬2) لكن الاحتياط أن لا يسجد إلا متطهِّراً. يُسَنُّ للقَارِىءِ .......... قوله: «يسن للقارىء» يفيد أن سُجود التِّلاوة ليس بواجب، وإنما هو سُنَّة؛ وهذه المسألة محلُّ خِلاف بين أهل العِلْمِ. فَمِنهم مَن قال: إنَّ سجود التِّلاوة واجب؛ لأنَّ الله أَمَرَ به، وذمَّ مَن تَرَكه، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] فأمَرَ بالسُّجودِ. وقال تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ *} [الانشقاق] فذمَّهم لعدم السُّجود. وامتدح السَّاجدين فقال: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *} [الأعراف] قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ السُّجودَ واجبٌ لِمَدْحِ فاعلِهِ وذَمِّ تارِكِه والأَمْرِ به. ¬

_ (¬1) انظر: (1/ 347). (¬2) أخرجه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم، كتاب سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين.

وقال آخرون: بل هو سُنَّة وليس بواجب. وهو الرَّاجح. واستدلُّوا: أولاً: أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ رضي الله عنه قَرَأَ على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم سورةَ النَّجم، ولم يسجدْ فيها (¬1). ولو كان السُّجود واجباً لم يُقرَّه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على تَرْكِ السُّجود. فإنْ قال قائلٌ: أفلا يُحتمل أنَّ زيداً ليس على وُضُوء؟ فالجواب: هذا احتمال، لكنه ليس بمتعيِّن، بل الظَّاهرُ أنَّه على وُضُوء، لأنه يبعد أن يقرأَ القُرآنَ على غير وُضُوء. وأيضاً: لو كان السُّجود واجباً لاستفصلَ منه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم؛ هل كان على وُضُوء فيسجد، أو على غير وُضوء فلا يسجد، كما استفصلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الرَّجل الذي دخل المسجدَ، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يخطب يومَ الجمعة؛ فجلسَ، فقال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: أصليت؟ قال: لا. قال: قمْ فصلِّ ركعتين (¬2). ثانياً: أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه ثَبَتَ عنه في «صحيح البخاري» وغيره أنه قرأ على المِنْبَرِ سورةَ النَّحل، فلما أتى على السَّجدة نَزَلَ مِن المِنْبَرِ وسَجَدَ، فسجدَ النَّاس، ثم قرأها في الجمعة الثَّانية ولم يسجدْ، ثم قال ـ إزالةً للشُّبهة ـ: «إنَّ اللهَ لم يَفِرضْ علينا السُّجودَ إلا أنْ نشاءَ» (¬3)، وهذا قولُ عُمرَ ـ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من قرأ السجدة ولم يسجد (1073)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة (577) (106). (¬2) تقدم تخريجه ص (84). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من رأى أنّ الله عزَّ وجلَّ لم يوجب السجود (1077).

وناهيك به ـ الذي قال فيه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنْ يكن فيكم مُحَدَّثُونَ فعُمَرُ» (¬1) محدَّثون، أي: مُلهمون للصَّواب، ومع هذا فَعَلَهُ بمحضر الصَّحابة عَلناً على المِنْبَرِ، ولم يُنكرْ عليه أحدٌ، وهذا يدلُّ على أن السُّجود ليس بواجب. فإن قيل: ما هو الجواب عن الآيات التي استدلَّ بها مَن قال: إنَّه واجب؟ فالجواب: أما قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فقل: يجب الرُّكوع أيضاً عند التلاوة. أما أن تقول: يجب السُّجود، ولا يجب الرُّكوع؛ فهذا تناقض؛ لأن الدَّليل واحد. وبه نعرف أنَّ قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] أَمْرٌ بالصَّلاة التي هي ذات رُكوع وسُجود، وأما قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ *} [الإنشقاق] فنقول له: أنت لا تقول بهذه الآية، وأنَّ كُلَّ مَن قُرِىءَ عليه القُرآنُ وجب عليه أنْ يسجدَ، مع أنَّ ظاهر الآية أنَّ كُلَّ مَن قُرِىء عليه القرآن يجب عليه أنْ يسجد، فالسُّجود هنا بمعنى التَّذلُّل، وليس السُّجود الحَركة المعروفة، أي: إذا قُرِىءَ عليهم القرآن لا يذلُّون له، وهذا ثابتٌ لكُلِّ القرآن، فكلُّ القرآن يجب أن تَذِلَّ له. وأما مَدْحُ الملائكةِ بالسُّجودِ؛ فالمراد بالسُّجود: الصَّلاة؛ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3689)؛ ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر (2398) (23).

والمستمع دون السامع

لأنَّه ما مِن أربع أصابع في السَّماء إلا وفيه مَلَكٌ قائمٌ لله، أو راكع، أو ساجد. وقوله: «يُسَنُّ للقارىء» دليله أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يسجد إذا مَرَّ بآية السَّجدة. وفِعْلُ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم الشيءَ على سبيل التَّعبُّد يقتضي سُنِّيَّته. ولهذا مِن قواعد أصول الفقه: أنَّ فِعْلَ الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي فَعَلَهُ على سبيل التَّعبُّد يكون للاستحباب لا للوجوب، إلا أنْ يُقْرَنَ بأمرٍ، أو يكون بياناً لأمر، أو ما أشبه ذلك مِن القرائن التي تدلُّ على الوجوب. أما مجرَّد الفِعْل فإنه للاستحباب. فقد روى ابنُ عمر قال: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأُ علينا السُّورةَ فيها السَّجدةُ، فيسجُدُ ونَسجُدُ معه؛ حتى ما يَجِدُ أحدُنا موضعاً لجبهتِهِ» (¬1) أي: أنهم يسجدون، ولقُربهم مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يزدحِمون؛ لأن السَّاجد يشغل مكاناً أكثر مِن الجالس، حتى لا يجد أحدُهم مكاناً لجبهته يسجُدُ عليه. وهذا دليل استحبابه، وكذلك ما مَرَّ مِن أَثَرِ عُمرَ رضي الله عنه (¬2). والمُسْتَمِع دُونَ السَّامع ........ قوله: «والمستمع» دليله: حديثُ ابن عُمر رضي الله عنه وعن أبيه: حيث كانوا يسجدون مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «دون السامع» أي: أنَّ السَّامع لا يُسَنُّ له أنْ يسجدَ، والفَرْقُ بين المستمع والسَّامع: أنَّ المستمع: هو الذي يُنصِتُ للقارىء ويتابعه في الاستماع. والسَّامع: هو الذي يسمعُ الشَّيءَ دون أن يُنصِتَ إليه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (89). (¬2) تقدم تخريجه ص (91).

ولهذا لو سَمِعَ الإنسانُ صوتَ مَلهاة «آلة لهو» سماعاً فقط فإنَّه لا يأثم إذا لم تكن بحضُوره، ولو استمع إليها لأَثِمَ. مثال السَّامع: إنسانٌ مَرَّ بالسُّوق، وفيه آلة لهو تشتغل بأغانٍ وغيرها. ومثال المستمع: إنسان آخر لما سَمِعَ هذه الملاهي جلس يستمع إليها. فالثَّاني ـ وهو المستمتع ـ آثم، والأول غير آثم. وكذلك السَّامعُ بالنسبة لقِراءة القرآن؛ هو الذي مَرَّ وقارىءٌ يقرأُ فمرّ بآية سجدة فلا يُسَنُّ له أنْ يسجُدَ؛ لأنَّه ليس له حُكم القارىء، أما المُستمع فيسجد؛ لأنَّ له حُكم القارىء. والدليل على أن المستمع له حكم القارىء أنَّ موسى صلّى الله عليه وسلّم قال: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} ژ}!! {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *} {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 88، 89]. وقوله تعالى: «دعوتكما» مُثَنَّى، والدَّاعي واحد، وهو موسى، فمن أين جاءت التثنية؟ قال العلماء: لأنَّ موسى كان يدعو؛ وهارون يستمِعُ ويؤمِّنُ، فجَعلَ اللهُ تعالى للمستمِعِ حُكم المتكلِّم الدَّاعي. فإذا قال قائل: كيف لا يُسَنُّ للسَّامع وقد سَمِعَ آيةَ السُّجود وسَجَدَ القارىء؟ نقول: لأنَّه لا يلحقه حُكم القارىء، فليس له ثوابه، ولا يطالب بما يطالب به القارىء، ولهذا قال المؤلِّف: «دون السامع».

وإن لم يسجد القارىء لم يسجد

وَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ القَارِىءُ لَمْ يَسْجُدْ ......... قوله: «وإن لم يسجد القارىء لم يسجد» أي: إنْ لم يسجدِ القارئ لم يسجدِ المستمعُ؛ لأنَّ سجودَ المستمِعِ تَبَعٌ لسُجودِ القارئِ، فالقارئُ أصلٌ والمستمعُ فَرْعٌ. ودليل ذلك: حديث زيد بن ثابت: «أنه قرأ على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم سورةَ النَّجم فلم يَسجُدْ فيها» (¬1) فقوله: «قرأ سورةَ النَّجم فلم يسجدْ فيها» يدلُّ على أنَّ زيدَ بنَ ثابت لم يسجدْ؛ لأنه لو سَجَد لسجدَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، كما كان الصَّحابة يسجدون مع الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يُنكر عليهم، فلم يقل: لا تسجدوا؛ لأنكم لم تقرأوا. بل كان يُقِرُّهم. فحديثُ زيدِ بن ثابت يُستدلُّ به على أنه إذا لم يسجدِ القارئُ لم يسجدِ المستمِعُ، ولا يصحُّ أن يُستدلَّ به على نَسْخِ سُجود التِّلاوة في «المُفَصَّل» كما قال به بعضُ العلماء؛ لأنه ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم سَجَدَ في «إذا السماء انشقت» وفي سورة «اقرأ» (¬2). وهما من «المُفَصَّل». مسألة: هل للمستمع أن يُذَكِّرَ القارئَ فيقول: اسجدْ؟ نقول: إن احتمل الأمرُ أنَّه ناسٍ فَلْيُذكِّرْهُ، أما إذا لم يحتمل النِّسيان كأن يكون ذاكراً فلا يُذكِّرْه؛ لأنه تركها عن عَمْدٍ؛ ليُبيِّن مثلاً ـ إذا كان طالب علم ـ أنَّ سجودَ التِّلاوة ليس بواجب. قوله: «وهو» أي: سُجودَ التِّلاوة. وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ ......... قوله: «أربع عشرة سجدة» يعني: أنَّ آيات السُّجود التي في القرآن أربع عشرة سَجدة فقط لا تزيد ولا تنقص. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (91). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة (578) (108).

والدليل: السُّنَّة؛ فإن أهل العلم تتَّبعُوا آياتِ السُّجودِ، فمنها ما صَحَّ مرفوعاً، ومنها ما صَحَّ موقوفاً؛ والذي صَحَّ موقوفاً له حكمُ الرَّفعِ؛ لأن هذا مِن الأمور التي لا يسوغُ فيها الاجتهاد، فهي توقيفيَّة. قوله: «في الحج منها اثنتان» وقد عَدَّ في «الرَّوض» آياتِ السُّجود كُلَّها. وتفصيلها كما يأتي: في «الأعراف»: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *} ووجه كون ذلك مَحَلَّ سجدة: أنَّ اللهَ امتدحَ هؤلاء الذين عنده بكونهم لا يستكبرون عن عبادة الله، ويسبِّحونه ويسجدون له، وما امتدحَ اللهُ فاعلَه فهو محبوبٌ إليه. وفي «الرَّعد»: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ *}. وفي «النَّحل»: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَآبَّةٍ وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ *يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ *}. وفي «الإسراء» {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا *وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً *وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا *}. وفي «مريم»: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}. وفي «الحَجِّ» منها اثنتان: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ

وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ *}. والثانية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *} وإنَّما نَصَّ المؤلِّفُ على أنَّ في «الحج» اثنتين؛ للخِلاف في ذلك. وفي «الفرقان»: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَانِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَانُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا *}. وفي «النَّمل»: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *}. وفي «الم تنزيل السَّجدة»: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ *} [السجدة]. وفي «فُصِّلَت»: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ *فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ *}. وفي «النَّجم»: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا *} [النجم]. وفي «الانشقاق»: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *} {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ *}. وفي «اقرأ باسم ربك» {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ *}. فهذه أربع عشرة سجدة: في «الأعراف» و «الرعد» و «النحل» و «الإسراء» و «مريم» و «الحج» اثنتان، و «الفرقان» و «النمل» و «الم

تنزيل السجدة» و «حم السجدة» و «النجم» و «الانشقاق» و «اقرأ باسم ربك». وأما سجدة «ص» فإنها سجدة شُكْرٍ، ولكن صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يسجدُ فيها (¬1). والصَّحيح: أنها سجدة تِلاوة. وعلى هذا؛ فتكون السَّجدات خمسَ عشرة سجدة، وأنه يسجدُ في «ص» في الصَّلاة وخارج الصَّلاة. فإن قال قائل: في القرآن آياتٌ فيها سُجود، ولم يُشرع فيها السُّجود، مثل قوله تعالى: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ *} [الحجر] قال: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} وليس فيها سجدة؟ قلنا: لأن هذا أُمِرَ به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حال معينة كما قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ *} 1 2 3 4 5 6} [الحجر] وذلك إذا ضاق صدره وآذاه المشركون، ولأنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بذلك الصَّلاة، لا مجرد السُّجود، لأنَّ الصَّلاة قُرَّةُ عين النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وبها يزولُ همُّه وكربُه. وهذا لا يقتضي السُّجود على الإطلاق، ولكن قد ينقض هذا التَّعليل بسجدة اقرأ: {:؛ ژ (ص) ـ!! چ = ژ} ـ!! عع؟ ژ ء آ} وهذا أمرٌ بالسُّجود في حال معينة، وهو إذا قام ذلك الرجل يتكلَّم على الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم وينهاه عن الصلاة: قال تعالى: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب سجود القرآن، باب سجدة {ص} (1069).

ويكبر إذا سجد، وإذا رفع

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْدًا إِذَا صَلَّى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى *أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى *أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى *كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ *نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ *فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ *سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ *كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ *} [اقرأ] ومع هذا؛ فالسُّجود فيها مشروع، وحينئذٍ يكون المرجع هو التوقيف، فنقول: وردت السُّنَّة بالسُّجود في آيات معيَّنة، فنتوقَّفُ على ما جاءت به السُّنَّة. وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، ......... قوله: «ويكبر إذا سجد وإذا رفع»، بيانٌ لصِفَةِ سُجود التلاوة يكبر إذا سَجَد؛ لأنها صلاة، والصَّلاة لا بُدَّ لها مِن تحريمة، وتحريمها التكبير، وأما عند مَنْ يقول إنها ليست بصلاة فلا يُكبِّر؛ لأنه سجود مجرَّد، لكن وَرَدَ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يُكبِّرُ عند السُّجُود (¬1)، فإنْ صَحَّ الحديث عُمِلَ به سواء قلنا إنها صلاة أم لا، وليس في الحديث أنه كان يقوم ثم يَخِرُّ. وعليه؛ فيسجدُ مِن حيث كانت حاله فإن كان قائماً سجد عن قيام، وإن كان قاعداً سجد عن قُعود لأنَّ القيام تعبُّد لله يحتاج إلى دليل. فالتكبير في سجود التِّلاوة إذا كان خارج الصَّلاة فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: يُكبِّر إذا سَجَدَ، وإذا رَفَعَ. القول الثاني: يُكبِّر إذا سَجَدَ فقط. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (89).

ويجلس ويسلم، ولا يتشهد

القول الثالث: لا يُكبِّر مطلقاً. وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلاَ يَتَشَهَّدُ، ........... قوله: «ويجلس ويُسلم ولا يتشهد» «يجلس» أي: وجوباً؛ لكنه جلوس لا ذِكْرَ فيه إلا شيئاً واحداً، وهو السَّلام مَرَّة عن يمينه، ولهذا قال: «ويُسلِّمُ ولا يتشهَّد» فصار السُّجود فيه تكبيرٌ قبلَه وتكبيرٌ بعدَه، وجلوسٌ وتسليمٌ، وليس فيه تشهُّدٌ؛ لأنَّ التشهُّدَ إنَّما وَرَدَ في الصَّلاة، ولكن السُّنَّة تدلُّ على أنه ليس فيه تكبير عند الرَّفع ولا سلام إلا إذا كان في صلاة، فإنه يجب أن يُكبِّرَ إذا سَجَدَ ويُكبِّرَ إذا رَفَعَ؛ لأنه إذا كان في الصَّلاة ثَبَتَ له حُكم الصَّلاة، حتى الذين قالوا بجواز السُّجود إلى غير القِبْلَة إذا كان في الصَّلاة لا يقولون بذلك. ودليل ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم «سَجَدَ في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ *} في صلاة العشاء» (¬1). وثَبَتَ عنه أنَّه كان يُكبِّر في كُلِّ رَفْعٍ وخَفْضٍ (¬2) فيدخل في هذا العموم سُجودُ التِّلاوة، وأما ما يفعله بعضُ الأئمةِ إذا سَجَدَ في الصَّلاة مِن التكبير إذا سَجَدَ دون ما إذا رَفَعَ فهو مَبنيٌّ على فَهْمٍ خاطىءٍ ليس على عِلْمٍ؛ لأنه لمَّا رأى بعضَ أهل العِلْمِ اختارَ في سُجودِ التِّلاوة أن يُكبِّر إذا سَجَدَ دون ما إذا رَفَعَ ظَنَّ أنَّ هذا في الصَّلاة وغيرها، وليس كذلك. بل إذا كان السُّجودُ في الصَّلاة فإنه يُكبِّر إذا سَجَدَ وإذا رَفَعَ كما سَبَقَ. «تنبيه»: لم يذكر المؤلِّفُ رحمه الله ماذا يقول في هذا السُّجود. فماذا يقول؟ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (95). (¬2) تقدم تخريجه (106).

الجواب: يقول في هذا السُّجود: «سبحان رَبِّي الأعلى» لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى] قال: «اجعلوها في سجودكم» (¬1) وهذا يشمَلُ السُّجودَ في الصلاة وسجودَ التِّلاوة، ويقول أيضاً: «سبحانك اللَّهُمَّ ربَّنا وبحمدك اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» لدليلين: الدليل الأول: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [السجدة: 15] وهذه آية سجدة. والدَّليل الثَّاني: حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُكثر أن يقول في رُكوعه وسُجوده: سُبحانك اللَّهُمَّ رَبَّنا وبحمدك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي» (¬2). ووَرَدَ أيضاً حديثٌ أخرجَه بعضُ أهلِ السُّنَنِ يقول: «اللَّهُمَّ لك سَجَدتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، سَجَدَ وجهي لله الذي خَلَقَهُ وصَوَّره وشَقَّ سَمْعَه وبصرَه بحوله وقوَّته، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين» (¬3) «اللهم اكْتُبْ لي بها أجراً، وضَعْ عَنِّي بها وِزراً، واجْعَلْها لي عندكَ ذُخراً، وتقبَّلْها مَنِّي كما تقبَّلتها مِن عبدِكَ داودَ» (¬4) فإن قال هذا فَحَسَنٌ. وإنْ زادَ على ذلك دعاءً فلا بأس. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 94). (¬2) تقدم تخريجه (3/ 125). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (6/ 30)؛ والترمذي، أبواب السفر، باب ما يقول في سجود القرآن (580) وقال: «حديث حسن صحيح»؛ والنسائي، كتاب التطبيق، باب الدعاء في السجود (نوع آخر) (2/ 222)؛ والحاكم (1/ 220) وقال: «حديث صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. (¬4) أخرجه الترمذي، أبواب السفر، باب ما يقول في سجود القرآن (579) وقال: «حديث حسن غريب»؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة ... ، باب سجود القرآن (1053).

ويكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر وسجوده فيها

وَيُكْرَهُ للإِمَامِ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ فِي صَلاَةِ سِرٍّ وَسُجُودُهُ فِيْهَا .......... قوله: «ويُكره للإِمامِ قراءةُ سجدة في صلاة سر وسجوده فيها». الكراهة عند المتأخرين: تُطلق على ما يُثاب تاركُهُ امتثالاً، ولا يُعاقب فاعلُهُ. وتُطلق في عُرْفِ المتقدِّمين على التَّحريم. فإذا رأيتَ في كلام النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم والصَّحابةِ والتابعين «أَكْرَهُ» فهو للتَّحريم. وحتى في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء: 23] ثم ذَكَرَ أشياءَ كثيرةً مأمورات ومنهيَّات، ثم قال: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *} وهي حرامٌ بلا شَكٍّ. ووجه الكراهة: أن الإمام إذا قرأ سجدةً في صلاة السِّرِّ فهو بين أمرين، إمَّا أن يقرأ الآية، ولا يسجد فَيُفَوِّت على نفسِهِ الخيرَ، وإمَّا أنْ يقرأها ويسجدُ فيُشوِّشُ على مَنْ خلفَه، ولكن هذا تعليل عليل؛ لأن الكراهة حكمٌ شرعيٌّ يحتاج إلى دليلٍ من السَّمع، أو تعليلٍ مبنيٍّ على نظر صحيح تقتضيه قواعد الشرع. أما قولهم: إما أنْ يقرأها ويتركَ السُّجودَ، فنقول: حتى لو تَرَكَ السُّجودَ فإن ذلك لا يقتضي الكراهةَ؛ لأنَّ تَرْكَ المَسنون ليس مكروهاً، وإلا لقلنا: إنَّ صلاتنا في غير النِّعال مكروهة. ولقلنا: إنَّ الإنسان إذا لم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام فقد فعل مكروهاً. ولقلنا: إن الإنسان إذا لم يجهر في الجهرية فقد فعل مكروهاً.

ويلزم المأموم متابعته في غيرها

وما أشبه ذلك. وهذا ليس بصحيح. وأيضاً: أليس إذا قرأها خارجَ الصَّلاة ولم يسجد لم يفعل مكروهاً؟ وأما قولهم: أو يسجدُ ويشوِّشُ على المأمومين، فنقول: هذا قد يكون؛ ولهذا لو سَجَدَ سَبَّحوا به، ظَنًّا منهم أنَّه نسي الرُّكوع، ورُبَّما إذا أبى واستمرَّ ساجداً تركوه، وقالوا: تَرَكَ رُكناً متعمِّداً فلا نتابعه، لكن هذا يمكن أن يزول بأن يرفع صوته قليلاً عند آية السَّجدة، فإذا رَفع صوتَه بآية السَّجدة سَجَدَ النَّاسُ، لكن رُبَّما يُقالُ: يسجدُ مَن يعرفُ أنَّ هذه الآية آية سجدة، لكن مَنْ لا يعرف لا يسجد. وعليه فنقول: إذا حَصَلَ تشويش لا تقرأْ، أو اقرأْ ولا تسجد، لأنه إذا قرأَ ولم يسجدْ لم يأتِ مكروهاً، لكن قد وَرَدَ في السُّنَن بسندٍ فيه نظر أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «قرأ في صلاة الظُّهر {الم تنزيل السَّجدة} وسَجَدَ فيها» (¬1) فلو صَحَّ هذا الحديث لكان فاصلاً للنِّزاع، وقلنا: إنَّه يجوزُ أن يقرأَ آيةَ سجدة في صلاة السِّرِّ، ويسجدَ فيها كما فَعَلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم. وَيَلْزَمُ المَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ فِي غَيْرِهَا .......... قوله: «ويلزم المأموم متابعته في غيرها» أي: يلزم المأموم إذا سجد إمامه أن يتابعه. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 83)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب قَدْر القراءة في صلاة الظهر والعصر (807). قال ابن حجر رحمه الله: «صح من حديث ابن عمر أنه صلّى الله عليه وسلّم قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر فسجد بهم». وعلّق عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بقوله: «في تصحيحه نظر، والصواب: أنه ضعيف». «فتح الباري» (2/ 378).

ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم

وقوله: «في غيرها» أي: في غير صلاة السِّرِّ وهي صلاة الجهر، وعُلم مِن كلامه رحمه الله أنه لا يلزمه متابعة الإمام في صلاة السِّرِّ، فلو قرأ الإمامُ آيةَ سجدة في صلاة السِّرِّ كالظُّهر أو العصر ثم سَجَدَ، فإن المأموم لا يلزمه أنْ يتابعه. وعَلَّلوا ذلك: بأن الإمام فَعَلَ مكروهاً فلا يُتابع. ولكن الصَّحيح: أنه يلزم المأموم متابعته حتى في صلاة السِّرِّ، وذلك لأن الإمام إذا سَجَدَ فإن عمومَ قَوْلِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا» (¬1) يتناول هذه السَّجدة، وهذه السَّجدة لا تبطل صلاة الإمام، لأنَّ أكثر ما يُقال فيها: إنها مكروهة. على كلام الفقهاء. والصَّحيح: أنها ليست مكروهة، وأنه يسجد وفي هذه الحال يلزم المأموم متابعته لعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سَجَدَ فاسْجُدُوا». وَيُسْتَحَبُّ سجود الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ، .......... قوله: «ويستحبُّ» إذا قال العلماء: «يستحبُّ» أو «يسنُّ» فإن حكم ذلك: أن يُثاب فاعلُه امتثالاً، ولا يعاقب تاركُه، إذاً؛ فسجود الشُّكر إنْ فعلته أُثِبْتَ، وإنْ تركته لم تأثم. وقوله: «سجود الشكر» الإضافة فيه مِن باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ كما تقول: «خاتم حديد» لأن هذا السُّجودَ نوعٌ مِن الشُّكر. والشُّكر في الأصل هو: الاعترافُ بالنِّعَمِ باللسان، والإقرارُ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إيجاب التكبير (732)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (411) (77).

بها بالقلب، والقيامُ بطاعة المُنْعِمِ بالجوارح. وعلى هذا قال الشَّاعرُ: أفادتكم النَّعماءُ مِنِّي ثلاثة يدي ولساني والضَّمير المحجَّبا فـ «يدي»: الجوارح. «ولساني»: اللسان. «والضمير المحجب» هو القلب. فتعتقد بقلبك أن النِّعمة مِن الله، وتنطق بذلك بلسانك كما قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ *} [الضحى]، وتشكر الله بجوارحك فتقوم بطاعته، ولهذا فَسَّرَ بعضُ العلماء الشُّكرَ: بأنه طاعة المنعم. ويؤيِّدُه قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله أمَرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلينَ»، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، وهناك نوعٌ خاصٌّ من أنواع الشُّكر، وهو سُجود الشُّكر. قوله: «عند تجدد النعم». أي: عند النِّعمة الجديدة، احترازاً مِن النِّعمة المستمرَّة، فالنِّعمة المستمرَّة لو قلنا للإنسان: إنه يستحبُّ أنْ يسجدَ لها لكان الإنسانُ دائماً في سُجود، لأن الله يقول: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]، والنعمة المستمرَّة دائماً مع الإنسان فسلامةُ السمعِ، وسلامةُ البصرِ، وسلامةُ النُّطقِ، وسلامةُ الجسم، كلُّ هذا مِن النِّعَمِ. والتنفُّس مِن النِّعَم وغير ذلك، ولم تَرِدِ السُّنَّة بالسُّجود لمثل ذلك، لكن لو فُرِضَ أنَّ أحداً أُصيب بضيق التنفُّس؛ ثم فَرَّجَ الله عنه؛ فَسَجَد شكراً لله؛ كان مصيباً؛ لأنَّ انطلاق نَفَسِهِ بعد ضيقه تجدّد نعمة.

واندفاع النقم

مثال ذلك: إنسان نجح في الاختبار وهو مُشفِقٌ أنْ لا ينجح، فهذا تجدُّد نِعمةٍ يسجدُ لها. مثال آخر: إنسانٌ سَمِعَ انتصاراً للمسلمين في أيِّ مكانٍ، فهذا تجدُّد نِعمةٍ يسجدُ لله شكراً. مثال آخر: إنسانٌ بُشِّر بولد، هذا تجدُّد نِعمة يُسجدُ لها، وعلى هذا فَقِسْ. وانْدِفَاعِ النِّقَمِ. .......... قوله: «واندفاع النقم» أي: التي وُجِدَ سببُها فَسَلِمَ منها. مثال ذلك: رجل حَصَلَ له حادث في السيارة وهو يسير، وانقبلت وخرجَ سالماً، فهنا يسجدُ؛ لأنَّ هذه النقمة وُجِدَ سببُها وهو الانقلاب لكنه سَلِمَ. مثال آخر: إنسان اشتعل في بيته حريق، فَيَسَّرَ اللهُ القضاء عليه فانطفأ؛ فهذا اندفاعُ نِقْمَةٍ يَسجدُ لله تعالى شكراً. مثال آخر: إنسانٌ سَقَطَ في بئر فَخَرَجَ سالماً، فهذا اندفاعُ نِقْمَةٍ؛ يسجدُ لله شُكراً عليها. فالمُراد بذلك اندفاع النِّقم التي وُجِدَ سَبَبُهَا فَسَلِمَ منها، أمَّا المستمر فلا يمكن إحصاؤه، ولو أننا قلنا للإنسان يُستحبُّ أن تسجدَ لذلك لكان دائماً في سُجود. ودليل سجود الشُّكر: أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا جاءَه أمرٌ يُسِرُّ به، أو بُشِّر به، خَرَّ ساجداً؛ شُكراً لله تعالى (¬1). وكذلك ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 45)؛ وأبو داود، كتاب الجهاد، باب في سجود الشكر (2774)؛ والترمذي، أبواب النذور والأيمان، باب ما جاء في سجدة الشكر (1578) وقال: «هذا حديث حسن غريب»؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر (1394).

وتبطل به صلاة غير جاهل وناس

عَمَلُ الصَّحابة، فإنَّ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه لما قاتل الخوارج؛ وقيل له: إنَّ في قتلاهم ذا الثُّدَيَّة الذي أخبرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنه يكون فيهم (¬1)، سَجَدَ لله شُكراً (¬2) لأنه إذا كان ذو الثُّدَيَّة مع مَن يقاتله صار هو على الحَقِّ. وهم على الباطل؛ فسجد لله شكراً. وكذلك كعبُ بن مالك رضي الله عنه لما سَمِعَ صوتَ البَشيرِ بتوبة الله عليه سَجَد لله شكراً. «تنبيه»: لم يُبيِّن المؤلِّف رحمه الله كيفية سُجود الشُّكر، لكن الكتب المُطوَّلَة بيَّنت أن سُجود الشُّكر كسُجُود التلاوة، وبناءً عليه: تكون صفته على ما مشى عليه المؤلِّف: أنْ يُكبِّرَ إذا سَجَدَ، وإذا رَفَعَ، ويجلس ويُسلِّم. والصَّحيح: أنه يُكبِّرُ إذا سجدَ فقط، ولا يُكبِّرُ إذا رفع ولا يُسلِّمُ، على أن التكبير عند السُّجود فيه شيء مِن النَّظر كما سبق (¬3). وتبطل به صلاة غير جاهل وناسٍ ............ قوله: «وتبطل به» أي: بسجود الشُّكر. قوله: «صلاة غير جاهل وناس»: أي: مَن سَجَدَ سَجْدةَ الشُّكر عالماً بالحُكم ذاكِراً له فإنَّ صلاتَه تبطُلُ. مثال ذلك: رَجُلٌ وهو يُصلِّي سَمِعَ انتصار المسلمين في معركة مِن المعارك؛ فَسَجَدَ، نقول لهذا السَّاجد: إنْ كنت تعلم أنَّ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3610)؛ ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (143) (1064). (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات في سجدة الشكر (2/ 483). (¬3) انظر: ص (99).

سُجود الشُّكر في الصَّلاة يُبطِلُ الصَّلاة فصلاتُك باطلة؛ لأنك زِدت فيها شيئاً متعمِّداً مِن جنس الصَّلاة، وإنْ كنت لا تدري أنَّ سُجود الشُّكر في الصَّلاة مُبطلٌ لها فصلاتُك صحيحة؛ لقول الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وكذلك لو بُشِّرَ بخبر سارٍ وهو يُصلِّي فسجَدَ ناسياً أَنَّه لا يجوزُ سُجودُ الشُّكرِ في الصَّلاة، أو ناسياً أنَّه في الصَّلاةِ، فإنَّ صلاتَه لا تبطلُ؛ للآية التي ذكرنا، فإنْ كان عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُهُ؛ لكن يُلاحظ أنَّ هذا لا يمكن أنْ يقعَ، يعني: لا يمكن لشخصٍ يعلَمُ بأنَّ سُجودَ الشُّكرِ أثناء الصَّلاةِ مُبطلٌ لها، ويذكرُ ذلك ثم يسجدُ؛ لأنَّ معنى هذا أنَّه تعمَّد إبطال صلاتِهِ. وما ذكرَه المؤلِّفُ صحيحٌ؛ أي: أنَّ الصَّلاة تبطلُ بسُجودِ الشُّكرِ، لأنَّه لا علاقة له بالصَّلاة، بخلافِ سُجودِ التِّلاوة؛ لأن سُجودَ التِّلاوةِ لأمرٍ يتعلَّق بالصَّلاة وهو القِراءة. لكن يبقى النَّظرُ: ماذا يُقال في سجدة (ص)؟ والجواب: أنَّ الفقهاء رحمهم الله يقولون: إنَّ سجدة (ص) سجدةُ شُكرٍ، وعلى هذا فلو سَجَدَ الإنسانُ، إذا مَرَّ بآية سجدة (ص) وهو يُصلِّي لبطلت صلاتُهُ؛ لأنها سجدةُ شُكرٍ (¬1). ولكن القول الصحيح في هذه المسألة: أنَّ السجدةَ في آية (ص) سجدةُ تِلاوة؛ لأنَّ سببَ السُّجودِ لها أنني تلوتُ القرآن، ولم يحصلْ لي نِعمةٌ ولم تندفعْ عَنِّي نِقمةٌ، فإذا كان السببُ هو ¬

_ (¬1) انظر: ص (98).

وأوقات النهي خمسة من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس

تِلاوتي لهذه الآية صارت مِن سُجود التِّلاوة، وهذا القولُ هو القولُ الرَّاجح في هذه المسألة. وَأَوْقَاتُ النَّهْي خَمْسَةٌ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ........ قوله: «وأوقات النهي خمسة». «أوقات النَّهي»: هي الأوقات التي نهى الشَّارعُ عن الصَّلاة فيها، والمراد: صلاة التطوُّع، وهي خمسة؛ وذلك أنَّ الأصل: أنَّ صلاة التطوُّعِ مشروعةٌ دائماً؛ لعموم قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *} [الحج] وعمومِ قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للرَّجُل الذي قضى له حاجةً، فقال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «سَلْ» قال: أسألُك مرافقتك في الجنَّة، فقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَو غَيْرَ ذَلك؟» قال: هو ذاك ـ يعني: لا أَسألُكَ غيرَه ـ قال: «فأعنِّي على نَفسِكَ بكَثْرَةِ السُّجود» (¬1) وعلى هذا؛ فالأصلُ في صلاةِ التطوُّعِ أنَّها مشروعةٌ كُلَّ وقتٍ للحاضر والمسافر، لكن هناك أوقاتاً نهى الشَّارعُ عن الصلاة فيها، وهذه الأوقات خمسةٌ بالبسطِ، وثلاثةٌ بالاختصارِ. قوله: «مِن طلوع الفجر الثاني» هذا هو الوقت الأوَّل. والفجرُ الثاني: هو الفجرُ المعترضُ في الأُفقِ، والفجرُ الأولُ مقدِّمةُ للفجرِ الثاني، لكنه لا يكون معترضاً في الأُفقِ بل يكون مستطيلاً في الأُفق، والفجرُ الثاني مستطيرٌ أي: كالطير يمدُّ جناحَيه فيكون النُّورُ عرضاً في الأُفق مِن الشمال إلى الجنوب، والفجرُ الأوَّل يمتدُّ طولاً مِن الشَّرقِ إلى الغربِ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (75).

والفجرُ الأوَّلُ يبدو قبلَ الفجرِ الثَّاني بنحو نصفِ ساعة، ثم يضمحلُّ، ويرجع الجوُّ مظلماً، ثم يخرجُ الفجرُ الثاني، قال أهلُ العِلْمِ: الفروق بينهما ثلاثة: الأول: أنَّ الفجرَ الثاني مستطيرٌ؛ أي: معترض، والأولُ مستطيلٌ؛ أي: ممتدٌّ نحو وسَطَ السَّماء. الثاني: أنَّ الفجرَ الثاني لا ظُلمةَ بعدَه، والأولُ يزولُ ويظلِمُ الجوُّ بعدَه. الثالث: أنَّ الفجرَ الثاني متَّصِلٌ بالأُفقِ، والفجرُ الأولُ غيرُ متَّصلٍ، بمعنى: أنَّ الفجرَ الثاني تجدُه على وجه الأرض، والفجرُ الأولُ بينه وبين أسفل السَّماء سواد (¬1). وقوله: «مِن الفجرِ الثاني» يعني: لا مِن صلاةِ الفجرِ. واستُدِلَّ لذلك بحديث ضعيف: «إذا طلعَ الفجرُ؛ فلا صلاةَ إلا ركعتا الفجرِ» (¬2) لا نافية، والأصلُ في النَّفي نَفْيُ الوجودِ، ثم نَفْيُ الصِّحَّةِ، ثم نَفْيُ الكمالِ، يعني: إذا جاءتِ النصوصُ: لا صلاةَ ... لا وُضُوءَ ... لا صومَ، فالأصلُ نَفْيُ الوجودِ، فإنْ كان الشيءُ موجوداً بحيث لا يمكن نفيُه، صُرفَ إلى نَفْيِ الصِّحةِ؛ فصار هذا النَّفيُ نفياً للصِّحَّةِ، لأنَّ ما لا يصحُّ شرعاً ¬

_ (¬1) انظر: (2/ 117). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 23)؛ وأبو داود، كتاب التطوع، باب مَن رخَّص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة (1278)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين (419) وقال: «حديث غريب»؛ وابن ماجه، كتاب السُّنة، باب مَن بلَّغ علماً (235).

يكون معدوماً شرعاً، فلو صَلَّى الإنسانُ صلاةً بغيرِ وُضُوء، وأتى فيها بكلِّ شيء فهي غير موجودة شرعاً، وإنْ وُجِدتْ في الواقع. فإنْ لم يمكن ذلك بأن تكون العبادة صحيحة مع وجود هذا الشيء صار النَّفْيُ للكمال. فمثلاً: إذا قلنا: لا خالقَ إلا اللهُ، فهذا نَفْيٌ للوجود، فلا يوجد خالقٌ إلا اللهُ عزّ وجل. وإذا قلت: لا صلاةَ بغير طُهور، فهذا نَفْيٌ للصِّحَّة؛ لأن الإنسانَ رُبَّما يُصلِّي بغير طُهُور. وإنْ دَلَّ الدَّليلُ على أنَّها تصحُّ صار النفيُ للكمال، مثل: لا إيمانَ لمن لا أمانة له، أي: لا إيمانَ كاملٌ، ومثل: لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، أي: لا إيمانَ كاملٌ، وعلى هذا فَقِسْ. فقوله: «لا صلاةَ بعدَ طُلوعِ الفجرِ إلا ركعتا الفجرِ» يعني: لا تصحُّ. ولكن القول الصحيح: أنَّ النَّهيَ يتعلَّقُ بصلاةِ الفجرِ نفسِهَا، وأما ما بين الأذان والإقامة، فليس وقت، لكن لا يُشرع فيه سوى ركعتي الفجر. لأنه ثبت في «صحيح مسلم» وغيره تعليق الحُكم بنفس الصلاة: «لا صلاةَ بعدَ صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها (827) (288).

ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح

ولأن النَّهيَ في العصرِ يتعلَّق بالصَّلاة لا بالوقت، فكان الفجر مثله يتعلَّق فيه النَّهي بنفس الصَّلاة، فإذا كان هذا هو القول الصَّحيح؛ فما الجواب عن الحديث الذي استدلَّ به المؤلِّف؟ الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ الحديث ضعيف (¬1). الثاني: على تقدير أنَّ الحديث صحيحٌ؛ يُحمل قولُه: «لا صلاةَ بعدَ طُلوع الفجرِ» على نفي المشروعية، أي: لا يُشرع للإنسانِ أنْ يتطوَّعَ بنافلةٍ بعد طُلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وهذا حقٌّ؛ فإنه لا ينبغي للإنسان بعد طُلوعِ الفجر أنْ يتطوَّع بغير ركعتي الفجر، فلو دخلت المسجدَ وصلَّيتَ ركعتي الفجر، ولم يَحِنْ وقتُ الصَّلاة وقلتَ: سأتطوَّعُ؟ قلنا لك: لا تفعل؛ لأنَّ هذا غيرُ مشروع، لكن لو فعلتَ لم تأثم، وإنما قلنا: غيرُ مشروع؛ لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنما كان يُصلِّي ركعتين خفيفتين بعد طُلوعِ الفجرِ (¬2). وهي سُنَّةُ الفجرِ فقط، يعني: بل حتى تطويل الرَّكعتين ليس بمشروع. وِمِنْ طُلُوعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ ............ قوله: «ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح». أي: من طلوع قرص الشمس. «قيد رمح»: يعني: قَدْرَ رُمح برأي العين. هذا هو الوقت الثَّاني. ¬

_ (¬1) انظر: ص (110). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب ما يقرأ في ركعتي الفجر (1170)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنّة الفجر ... وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما (723) (87).

وعند قيامها حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى غروبها

فإذا طلعت الشَّمس؛ فانظر إليها، فإذا ارتفعت قَدْرَ رُمح، يعني: قَدْرَ متر تقريباً في رأي العين فحينئذٍ خرج وقت النَّهي. ويُقدَّرُ بالنسبة للساعات باثنتي عشرة دقيقةً إلى عشرِ دقائقَ، أي: ليس بطويل، ولكن الاحتياطُ أن يزيدَ إلى رُبعِ ساعة، فنقول بعد طُلوع الشَّمس برُبعِ ساعة ينتهي وقتُ النَّهي. وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَمِنْ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِهَا، ......... قوله: «وعند قيامها حتى تزول». «عند قيامها»: أي: الشَّمس حتى تزول. أي: تميل عن وَسَطِ السَّماء نحو المغرب وهذا هو الوقت الثالث. «وقيامها»: أي: منتهى ارتفاعها في السَّماء؛ لأن الشَّمسَ ترتفع في الأُفق فإذا انتهت بدأت بالانخفاض. ودليل ذلك: حديث عُقبة بنِ عامرٍ رضي الله عنه قال: «ثلاثُ ساعاتٍ نهانا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ نُصلِّيَ فيهنَّ، وأنْ نقبُرَ فيهنَّ موتانا، حين تطلعَ الشمسُ بازغةً حتى ترتفعَ، وحين يقوم قائمُ الظَّهيرة، وحين تضَيفُ الشَّمسُ للغروب حتى تغربَ» (¬1). الشاهد: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أن نصلِّيَ فيهنَّ». وأما ما بين الفجر إلى طُلوع الشَّمس، ومِن صلاةِ العصرِ إلى الغُروب؛ فقد ثبتَ عن عدد مِن الصَّحابة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الصَّلاة بعد الفجر ـ أي: بعد الصَّلاة على القولِ الرَّاجحِ ـ حتى تطلعَ الشَّمسُ، وبعد العصرِ حتى تغربَ (¬2). قوله: «ومن صلاة العصر إلى غروبها» هذا هو الوقت الرابع ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها (831) (293). (¬2) تقدم تخريجه ص (111).

وإذا شرعت فيه حتى يتم

لما ثبت في الصَّحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن الصَّلاةِ بعد الفجرِ حتى تطلعَ الشَّمسُ، وبعدَ العصرِ حتى تغربَ الشَّمسُ» (¬1)، والمراد بقوله: «إلى غروبها» أي: شروعها في الغروب. وَإِذَا شَرَعَتْ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ .......... قوله: «وإذا شرعت فيه حتى يتم» أي: في الغُروب حتى يتمَّ. هذا هو الوقت الخامس، أي: أنَّ قُرْصَ الشَّمس إذا دَنَا من الغُروب، يبدو ظاهراً بَيِّناً كبيراً واسعاً، فإذا بدأ أوَّلُه يغيب فهذا هو وقتُ النَّهي إلى تمام الغُروب؛ لقوله في حديث عُقبة: «وحين تَضَيَّفُ الشَّمسُ للغُروبِ حتى تغربَ». ولكن الظَّاهر: أن معنى «تَضَيَّف» أي: تميل للغروب، وينبغي أن يُجعل هذا الميل بمقدارها عند طُلوعها، يعني: قَدْرَ رُمْحٍ، فإذا بقي على غروبها قَدْرَ رُمْحٍ دخل وقتُ النَّهي الذي في حديث عُقبة، لكن ثبت في الصَّحيح عن ابنِ عُمر أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا غابَ حاجبُ الشَّمسِ فأخِّرُوا الصَّلاةَ حتى تغيبَ» (¬2). فهذه خمسة أوقات بالبسط. وأمَّا بالاختصار فثلاثة: مِن الفجرِ إلى أنْ ترتفعَ الشمسُ قيد رُمْحٍ، وحين يقومُ قائمُ الظَّهيرة، ومِن صلاة العصر حتى يتمَّ غروبُ الشَّمس. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (111). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (3272)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها (829) (291).

مسألة: ما الحكمةُ مِن النَّهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟ الجواب مِن وجهين: أولاً: يجب أن نعلمَ أنَّ ما أمرَ اللهُ به ورسولُه، أو نهى اللهُ عنه ورسولُه فهو الحكمة، فعلينا أن نسَلِّمَ ونقول إذا سَأَلَنَا أَحدٌ عن الحكمة في أمْرٍ مِن الأمور: إن الحكمة أمرُ اللهِ ورسولِهِ في المأمورات، ونهيُ اللهِ ورسولِهِ في المنهيَّات. ودليل ذلك: مِن القرآن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وسُئلت عائشةُ رضي الله عنها: ما بَالُ الحائضِ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ؟ فقالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمرُ بقضاء الصَّوم ولا نؤمر بقضاء الصَّلاةَ» (¬1)، فاستدلَّت بالسُّنَّةِ ولم تذكرْ العِلَّةَ، وهذا هو حقيقة التسليم والعبادة؛ أن تكونَ مسلِّماً لأمرِ اللهِ ورسولِهِ عرفتَ حكمته أم لم تعرف، ولو كان الإنسان لا يؤمن بالشيء حتى يعرف حكمته؛ لقلنا: إنك ممن اتَّبعَ هواه، فلا تمتثل إلا حيث ظهرَ لك أنَّ الامتثال خير. ثانياً: أنَّ هذه الأوقات يعبدُ المشركون فيها الشَّمسَ، فلو قمت تُصلِّي لكان في ذلك مشابهةً للمشركين، لأنهم يسجدون للشَّمسِ عند طلوعها، وعند غروبها. كما جاء في الحديث (¬2). لكنه يَرِدُ علينا أنَّ هذا ينطبقُ على ما كان مِن طُلوع الشَّمس إلى أن ترتفعَ قَيْدَ رُمْحٍ، وعلى ما كان حين تضيَّفُ الشَّمسُ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (335) (69). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عَمرو بن عَبسة (832) (294).

للغُروب حتى تغربَ، لكن كيف ينطبق على ما كان مِن بعدِ صلاة الفجر إلى طلوع الشَّمسِ، ومِن بعد صلاة العصر إلى أنْ تتضيَّفَ الشَّمسُ للغروب، وكيف ينطبق على النَّهي في نصف النهار حين يقوم قائمُ الظَّهيرة؟ فنقول: لما كان الشِّركُ أمرُه خطيرٌ، وشرُّه مستطيرٌ، سَدَّ الشَّارعُ كلَّ طريق يُوصِلُ إليه، ولو مِن بعيد، فلو أُذِنَ للإنسان أنْ يصلِّيَ بعد صلاة الصُّبح لاستمرَّت به الحالُ إلى أن تطلعَ الشمسُ، ولا سيما مَنْ عندهم رغبةٌ في الخير، وكذلك لو أُذِنَ له في أن يصلِّيَ بعد صلاة العصر لاستمرَّت به الحالُ إلى أن تغيبَ الشمسُ. أما عند قيامها فقد عَلَّلَهُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بأن جهنَّمَ تُسْجَر (¬1)، أي: هذا الوقت يُزاد في وقودها؛ فناسب أن يبتعد النَّاسُ عن الصَّلاة في هذا الوقت؛ لأنه وقت تُسجر فيه النَّار، فهذه حكمتُه. فالواجبُ على المسلمِ أن يكون مبايناً للمشركين في كُلِّ شيء؛ لأنه مسلمٌ. حتى إنَّ عُمرَ رضي الله عنه لما كان الناسُ في عِزَّة الإسلامِ كان لا يُمَكِّن أهلَ الذِّمَّة أنْ يركبوا الخيلَ (¬2)؛ لأنَّ به عِزَّ الإسلامِ، وهي آلةُ الحرب، فلو رَكِبَ الذِّميُّ الخيلَ لحصَلَ في نفسِه عِزَّةٌ وَأَنفَةٌ. والمطلوب مِن المسلم أن يُذِلَّ الكافرَ، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *} [التحريم]، وكان يمنعهم مِن أن يركبوا ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم من الحديث السابق. (¬2) انظر: «أحكام أهل الذمة»، لابن القيم رحمه الله (2/ 663).

ويجوز قضاء الفرائض فيها، وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف

كما يركب المسلمون، بل يركبون عرضاً، أي: على جانب واحد، فتكون أرجلُهم مِن الجانب الأيمن كلُّها، أو مِن الجانب الأيسر؛ لئلا يتشبَّهوا بالمسلمين، فكذلك إذا صَلَّى الإنسانُ عند طُلوع الشَّمس أو غروبها تَشبَّه بالمشركين بالعبادة، وهذا أعظمُ مِن التشبُّه باللباس، أو الرُّكوب، أو ما أشبه ذلك. وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الفَرَائِضِ فِيْهَا، وَفِي الأَوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ فِعْلُ رَكْعَتَي طَوَافٍ ........ قوله: «ويجوز قضاء الفرائض فيها». «فيها» أي: في أوقات النَّهي مثاله: أن ينسى الإنسانُ صلاةَ الظُّهر، ويصلِّي العصرَ على أنه قد صَلَّى الظُّهر، وبعد أن صَلّى العصرَ ذكر أنه لم يُصلِّ الظّهرَ، ففي هذه الحال يقضيها ولو بعد صلاة العصر، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَن نَامَ عن صلاة أو نسيَهَا فليصلِّها إذا ذكَرَهَا» (¬1) وهذا عامٌّ يشمل جميع الأوقات، ولأن الفرائض دَيْنٌ واجب فوجب أداؤه على الفَورِ مِن حين أن يعلمَ به. مثال آخر: رَجُلٌ لما صَلَّى العصرَ ذكر أنه صَلَّى الظُّهرَ بغير وُضُوءٍ، ففي هذه الحال يلزمه قضاءُ صلاةِ الظُّهرِ، ولو بعدَ صلاة العصر. قوله: «وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف». أي: ويجوز في الأوقات الثلاثة فِعْلُ ركعتي طواف، ويعني: بالأوقات الثلاثة الأوقات: القصيرة التي ذُكرت في حديث عُقبة بن عامر: وهي «مِن طُلوعِ الشَّمسِ حتى ترتفعَ قَيْدَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (2/ 15).

رُ محٍ، وعند قيامها حتى تزولَ، وحين تضيَّفَ للغروب حتى تغربَ» (¬1) فيجوز فيها فِعْلُ ركعتي الطَّواف، فإذا طافَ الإنسانُ بعد طُلوع الشَّمس وقبل ارتفاعها قيد رُمْحٍ فإنه يُصلِّي ركعتي الطَّواف، وإذا طاف حين تتضيَّفُ الشَّمسُ للغروب، فإنه يُصلِّي ركعتي الطَّواف. والدَّليلُ: قولُ النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «يا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ، لا تمنعوا أحداً طَافَ بهذا البيتِ وصَلَّى فيه أيَّةَ ساعةٍ شاءَ مِن ليلٍ أو نهارٍ» (¬2) فقال: «أيَّةَ ساعةٍ شاءَ مِن ليلٍ أو نهارٍ» وهذا صريحٌ بأنه لا يجوز لهم أن يمنعوا أحداً طافَ بهذا البيت في أيِّ ساعة كانت لا بعدَ العصر ولا بعد الصُّبح ولا في أيِّ وقتٍ، ولكن قد يُنازع في الاستدلال بهذا الحديث، فيقال: إنَّ هذا الحديث موجَّه إلى مَن تولَّى البيت فإنه لا يجوز له أن يمنعَ أحداً مِن الطَّواف ومِن الصَّلاة فيه، ويبقى الحكمُ الشَّرعيُّ مانعاً مِن الصَّلاة في أوقات النَّهي. وأيضاً: لو أخذنا بعموم الحديث لكان دالاًّ على أنَّه لا نَهيَ عن الصَّلاة في المسجد الحرام، سواءٌ كانت ركعتي الطَّواف أم لم تكن، لأنه قال: «طافَ بهذا البيتِ وصَلَّى فيه». ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (113). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (4/ 80، 81)؛ وأبو داود، كتاب المناسك، باب الطواف بعد العصر (1894)؛ والترمذي، أبواب الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف (868) وقال: «حديث حسن صحيح»؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت (1254)؛ والحاكم (1/ 448) وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي.

فظاهره: أنه لا نهي عن الصَّلاة في المسجد الحرام، ولو في أوقات النَّهي. وعلى هذا؛ فيُنازع في الاستدلال بهذا الحديثِ مِن وجهين: الوجه الأول: أنَّ ظاهرَه أنه لا بأسَ بالصَّلاة ولا بأسَ بالطَّوافِ في كُلِّ وقت، وأنتم تخصُّون الصَّلاة بركعتي الطَّواف. الوجه الثاني: أنَّ الحديثَ موجَّه إلى ولاةِ الأمْرِ في المسجد الحرام؛ أنه لا يَحِلُّ لهم أن يمنعوا أحداً من الصلاة فيه. وعلى كُلٍّ؛ سيأتينا إنْ شاءَ اللهُ أنَّ ركعتي الطوافِ جائزةٌ لا لهذا الحديث، ولكن لأن لها سبباً، وذوات الأسباب يجوز فِعْلُها في وقت النَّهي (¬1). وقوله: «في الأوقات الثلاثة» مفهومُه: أنَّ الوقتين الآخرين لا يجوز فيهما فِعْلُ ركعتي الطَّواف، ولكن هذا ليس مراداً، فالمفهوم هنا مفهوم أولوية لا مفهوم مخالفة، لأنه إذا جازت صلاةُ ركعتي الطَّواف في الأوقات الثلاثة القصيرة؛ وهي أغلظ تحريماً مِن الأوقات الطويلة؛ ففي الأوقات الطويلة مِن بابِ أولى، ونَصَّ المؤلِّفُ على الأوقات الثلاثة، لأن بعضَ العُلماءِ قال: إنَّ الأوقاتَ الثلاثةَ القصيرةَ لا يجوز فيها فِعْلُ ركعتي الطَّواف، وإنما تجوز في الوقتين الطويلين فقط، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. ¬

_ (¬1) انظر: ص (124).

وإعادة جماعة

والوقتان الطويلان هما مِن صلاةِ العصرِ إلى أن تتضيَّفَ الشَّمسُ للغروب، ومِن صلاة الفجر أو مِن طُلوعِ الفجر إلى أن تطلعَ الشَّمسُ. وَإِعَادَة جَمَاعَةٍ ......... قوله: «وإعادة جماعة». أي: أنه يجوز في هذه الأوقات الثلاثة، وغيرها مِن باب أَولى أنْ يعيدَ الإنسانُ الجماعةَ. فإذا أتى مسجدَ جماعةٍ، ووجدهم يُصلُّون وقد صَلَّى، فإنَّه يُصلِّي معهم، ولو كان وقتَ نهي. مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى العصرَ في مسجدِه، ثم أتى إلى مسجدٍ آخر ليحضُرَ الدَّرسَ مثلاً؛ فوجدَهم يُصلُّون؛ فإنَّه يُصلِّي معهم. والدَّليلُ أنَّه صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى ذاتَ يوم صلاةَ الفجر في مِنَى، فلما انصرف إذا برجلين قد اعتزلا؛ لم يصلِّيا مع الناس، فدعا بهما فجِيء بهما تُرعَدُ فرائصهُما، فقال: ما منعكما أن تُصلِّيَا معنا؟ قالا: يا رسول الله صَلَّينا في رِحالنا، فقال لهما: إذا صَلَّيتُما في رحالِكما، ثم أتيتما مسجدَ جماعةٍ فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلة» (¬1) أي: الصلاةُ الثانية لكما نافلةٌ، وهذا صريحٌ في جواز إعادة الجماعة في وقت النَّهي، وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنه يُنكر على مَن جَلَسَ والناسُ يصلُّون؛ لأنه شذوذ وخروج عن الجماعة. حتى إن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فلا صلاةَ إلا ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 160)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من صلى في منزله ثم أدرك الجماعة (575)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة (219) وقال: «حديث حسن صحيح».

المَكتوبةُ» (¬1)، وفي لفظ: «إلا التي أُقيمَتْ» (¬2)، يعني: حتى لو كان عليك فريضةٌ تريد أنْ تقضيها والإمام يُصلِّي، وصلَّيتَ وحدَك لتؤدِّي الفريضةَ السابقةَ؛ فأنت منهيٌّ عن ذلك لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ إلا التي أُقيمَتْ». واحتَجَّ بعضُ الناسِ بحديث الرَّجُلين على جواز إقامةِ الجماعةِ في الرَّحْلِ دون المسجد، أي: أنه لا يجبُ على الإنسانِ أنْ يُصلِّيَ مع الجماعةِ في المسجدِ، بل يجوزُ أن يُصلِّيَ جماعة في رَحْلِهِ، وعلى هذا؛ فإذا كُنَّا جماعةً في بيت، وأذَّنَ المؤذِّنُ، فإنه يجوز لنا أن نصلِّيَ في بيتنا، ولا نذهب إلى المسجد؛ لقول الرَّجُلين للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: صَلَّينا في رِحَالِنا فقال: «إذا صَلَّيتُما في رحالِكما، ثم أتيتما مسجدَ جماعة» ولم يقل: لا تصلِّيا في رحالِكُما، بل صَلِّيا في المسجد، وهذا لا شَكَّ أنَّ فيه شيئاً مِن الشُّبهةِ، ففيه فِعْلُ الصحابيين، وفيه إقرارُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لفعِلِهِمَا، أما مجرَّدُ فِعْلِهِمَا فليس فيه دليلٌ بلا شَكٍّ، لأنه يَحتملُ أنهما لم يعلما بوجوب الصلاة في المسجد، ويحتمل أنهما ظَنَّا أنَّ الجماعةَ قد أُقيمت، وأنهما لا يدركان جماعةَ المسجدِ فصلَّيا في رحالِهِمَا. لكن الذي فيه الإشكالُ إقرارُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لهما، حيث لم يقلْ: لا تصلِّيا في رحالِكُمَا، ولا شك أنَّ هذا فيه شُبهة، وفيه شيءٌ مِن المستند لِمَنْ قال بأنه لا تجب الصلاةُ في المسجدِ، ولكن هناك ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن (710) (63). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 352) وفيه مجهول.

أدلَّةٌ أخرى أصرحُ مِن هذا، تدلُّ على وجوب صلاة الجماعةِ في المسجدِ. والقاعدة الشرعية عندنا: أنه إذا وُجِدَ دليلٌ مشتبهٌ ودليلٌ مُحكمٌ لا اشتباه فيه، فالواجبُ حَمْلُ المشتبه على المحكم. فالنصوص: تدل على أنه لا بُدَّ مِن الحضور في المسجد، مثل حديث أبي هريرة أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: « ... ثم أنْطَلِقَ إلى قومٍ لا يشهدون الصَّلاةَ؛ فأحرِّقَ عليهم بيوتَهُم بالنَّار» (¬1) مع أنَّ القومَ يمكن أن يصلوا جماعة في مكانهم، فجعل تخلُّفهم سبباً لإحراقهم بالنار، الذي هَمَّ به عليه الصلاة والسلام. ومنها أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: لما استأذنه الرَّجُلُ الأعمى أنْ يُصلِّيَ في بيتِهِ؛ أَذِنَ له؛ ثم دعاه، فقال: «هل تسمعُ النداءَ؟» قال: نعم، قال: «فأجِبْ» (¬2) ولم يقل: انظر مَن يصلّي معك وصَلِّ في بيتك. فالصحيح في هذه المسألة: أنه لا بُدَّ مِن حضور المسجد لصلاة الجماعة. لكن لو صَلّى في بيته ظاناً أنَّ الناسَ قد صلّوا بناءً على العادة، ثم تبيَّن أنهم لم يصلوا لم يلزمه الحضور إلى المسجد؛ لأنَّه أدَّى الفريضة. فاسْتَثنى المؤلِّفُ ـ مما لا يَجوزُ في وَقْتِ النَّهي ـ ثلاثَ مسائلٍ: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة (644)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة (651) (251). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب يجب إتيان المسجد على مَن سمع النداء (653) (255).

1 ـ قضاءَ الفرائضِ فيها. 2 ـ فِعْلَ ركعتي الطَّواف. 3 ـ إعادةَ الجَماعةِ. ويُستثنى أيضاً على المذهبِ مسألةٌ رابعةٌ وهي: سُنَّةُ الظُّهرِ التي بعدَها إذا جُمِعت مع العصر. مثاله: رَجُلٌ جَمَعَ العصرَ مع الظُّهرِ جَمْعَ تقديم، فقد دَخَلَ وقتُ النَّهي في حَقِّهِ، لأنَّ النَّهيَ مُعلَّقٌ بالصَّلاةِ في هذه الحال، ولم يُصَلِّ راتبةَ الظُّهرِ البعديَّةَ؛ فلا بأسَ أن يصلِّيها بعدَ العصرِ. وخامسةٌ: وهي مَن دَخَلَ يومَ الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ؛ فإنَّه يُصلِّي ركعتين خفيفتين، ولو كان عند قيام الشمس. ودليل ذلك: «أنَّ رَجُلاً دَخَلَ والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يخطُبُ يومَ الجُمُعَةِ، فجَلَسَ، فقال له: «أصَلَّيتَ؟» قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ ركعتين وتجوَّزْ فيهما» (¬1) فلو أَنَّ الإمامَ جاءَ قبل أنْ تزولَ الشَّمسُ ـ والجُمُعةُ يجوز أنْ يحضُرَ الإمامُ فيها قبلَ الزَّوالِ ويَشْرَعَ في الخطبةِ عند قيامِ الشَّمسِ وقبلَ أنْ تزولَ، أي: في وقْتِ النَّهي ـ فإذا دَخَلَ رَجُلٌ، ففي هذه الحال نقول: صَلِّ تحيةَ المسجدِ ولو في وَقْتِ النَّهي. وسادسة وهي ـ: سُنَّة الفجر قبل صلاة الفجر. وسابعة وهي: صلاة الجَنازة تُفعل في أوقات النَّهي الطويلة، أي: لو صَلَّينا العصرَ، وحضرت جنازةٌ، فإنَّنا نُصلِّي ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (84).

ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب

عليها؛ لعمُومِ الأدلَّة في وجوبِ الصَّلاةِ على الميِّتِ، ولأنه ينبغي الإسراعُ في دَفْنِهِ. وَيَحْرُمُ تَطَوُّعٌ بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الأَوْقَاتِ الخَمْسَةِ حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ. قوله: «ويحرم تطوع بغيرها» أي: بغير المتقدِّمات مِن إعادة الجَماعةِ، وركعتي الطَّواف، وكذلك تحيَّة المسجدِ لمَن دَخَلَ والإمامُ يخطبُ، وسُنَّة الظُّهر البعديَّة لمَن جمعَها مع العصرِ وسُنَّة الفجر قبلها. قوله: «حتى ما له سبب» أي: لا يجوزُ التطوُّع في هذه الأوقات حتى الذي له سببٌ. وذلك لعموم الأدلَّةِ؛ في أنَّه لا صلاةَ في هذه الأوقات، فعمُوم النَّهي مقدَّمٌ على عموم الأمر؛ لأنَّ الذي له سببٌ تعارَضَ مع أحاديثِ النَّهي حيث كان كلٌّ منهما عاماً مِن وجهٍ، خاصاً مِن وجهٍ. مثال ذلك: تحية المسجد، فيها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يركعَ ركعتين» (¬1) ففيه عمومٌ في الوقت مستفادٌ مِن قوله: «إذا دَخَلَ»؛ لأنَّ «إذا» شرطيَّةٌ ظرفيةٌ، أي: في أيِّ وَقْتٍ دَخَلَ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يصلِّيَ ركعتين، وفيه خُصوصٌ في الصَّلاةِ، وهو أنَّ هذه الصلاةَ المأمورَ بها على سبيل العُمومِ صلاةٌ مخصوصةٌ، وهي تحيَّةُ المسجدِ، ففيه عمومٌ وفيه خصوصٌ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين (444)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحية المسجد بركعتين (714) (70).

وقوله: «لا صَلاةَ بعد العصر حتى تغيبَ الشَّمسُ» (¬1) فيه عمومٌ، وفيه خصوصٌ. فيه عمومٌ في الصَّلاةِ في قوله: «لا صَلاَةَ» لا تحيَّةَ مسجدٍ ولا غيرَها، وفيه خُصوصٌ في الوقت «بعدَ العصرِ» فصار عمومُ الوقت في قوله: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ». وخصوصُ الوقت في قوله: «بعدَ العصرِ» وصار عمومُ الصَّلاةِ في قوله: «لا صلاة بعدَ العصرِ» وخصوصُ تحيَّةِ المسجدِ، فلهذا صار بينهما عمومٌ وخصوصٌ، فإذا دَخَلَ إنسانٌ المسجدَ بعدَ العصرِ فإنْ قلتَ له: «صَلِّ» خالفتَ النَّهيَ ووافقتَ الأمرَ، وإن قلت: «لا تصلِّ» وافقتَ النَّهيَ وخالفتَ الأمْر، فالمؤلِّفُ يقول: وافق النَّهي فلا تُصَلِّ. والحجةُ في ذلك: أنه اجتمعَ مُبيحٌ وحاظرٌ، أو اجتمعَ أمْرٌ ونهيٌ، فالاحتياطُ التجنُّبُ خوفاً مِن الوقوع في النَّهي، كما قالوا: إذا اجتمعَ مبيحٌ وحاظرٌ قُدِّمَ الحاظرُ، فلذلك نمتنعُ ونقتصرُ على ما وَرَدَ به النَّصُّ مِن إعادةِ الجَمَاعةِ وركعتي الطَّواف وما أشبههما. وذهبَ بعضُ أهلِ العِلْم: إلى ترجيحِ الأمرِ الخاصِّ. وعلّلوا ذلك: بأنَّه تعارضَ عامَّان وخاصَّان، والعامُّ في النَّهي مخصوصٌ بمسائلٍ متفقٍ عليها. فالعامُّ في النَّهي: «لا صلاةَ بعدَ العصرِ حتى تغربَ الشَّمسُ» مخصوصٌ بمسائلٍ متَّفقٍ عليها، وهي قضاءُ الفرائضِ، وإعادةُ الجماعةِ، وفِعْلُ ركعتي الطَّوافِ، وركعتي تحيَّةِ المسجدِ لمَن دَخَلَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (111).

والإمامُ يخطبُ يومَ الجُمُعةِ، فلمَّا كان هذا العمومُ مخصوصاً بمسائلَ؛ صارت دلالتُه على العمومِ ضعيفةً؛ لأنَّه لما اسْتُثنيَ منه أشياءٌ، ضعف عمومُه. حتى إنَّ بعضَ العلماءِ مِن الأصوليين قال: إنَّ العامَّ إذا خُصَّ بطلت دلالتُه على العموم نهائيًّا؛ لأنَّ تخصيصَه يدلُّ على عدمِ إرادةِ العموم. وإذا بطلَ عمومُه لم يكن معارضاً للأحاديثِ الدَّالةِ على فِعْلِ الصَّلواتِ التي لها سببٌ. والقولُ الصحيحُ في هذه المسألةِ: أنَّ ما له سببٌ يجوز فِعْلُه في أوقاتِ النَّهي كلِّها، الطويلةِ والقصيرةِ لِما يأتي: أولاً: أنَّ عمومَه محفوظٌ، أي: لم يُخصَّصْ، والعمومُ المحفوظُ أقوى مِن العمومِ المخصوصِ. ثانياً: أنْ يُقال: ما الفرقُ بين العمومِ في قوله: «مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصلِّها إذا ذَكَرَها» (¬1). وقوله: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين»؟. فإذا قلتم: إنَّ قولَه: «مَن نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها» عامُّ في الوقت فليَكُن قولُه: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ» عامًّا في الوقتِ أيضاً ولا فَرْقَ. فإنَّ قولَه: «مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرَها» خاصٌّ في الصلاةِ عامٌّ في الوقتِ. وكذلك «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين» خاصٌّ في الصَّلاة عامٌّ في الوقتِ، فكيف تأخذون بعموم: «مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها» وتقولون: إنَّه مخصِّصٌ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (2/ 15).

لعموم: «لا صَلاةَ بعدَ الصُّبح» أو «بعدَ العصرِ» ولا تأخذون بعمومِ: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلَسْ حتى يصلِّي ركعتين». ثالثاً: أنَّها مقرونة بسبب، فيبعد أنْ يقعَ فيها الاشتباهُ في مشابهة المشركين؛ لأنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غروبِها، لئلا يَتَشَبَّهَ المُصلِّي المسلمُ بالمشركين الذين يسجدونَ للشَّمسِ إذا طلعتْ وإذا غربتْ، فإذا أُحيلت الصَّلاةُ على سببٍ معلومٍ كانت المشابهةُ بعيدةً أو معدومةً. رابعاً: أنَّه في بعضِ ألفاظِ أحاديثِ النَّهي: «لا تَحرَّوا بصلاتِكُم طُلوعَ الشَّمسِ ولا غُروبَها» (¬1) والذي يُصلِّي لسببٍ لا يُقال: إنَّه متحرٍّ. بل يُقال: صَلَّى للسَّببِ. والمتحرِّي: هو الذي يَرْقبُ الشمسَ، فإذا قاربتِ الطُّلوعَ مثلاً قامَ وصَلَّى، أو الذي يرقبُ وَقْتَ النَّهي، فإذا جاءَ وَقْتُ النَّهي قامَ وصَلَّى. وهذا مذهبُ الشافعي وإحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمدَ رحمه الله، واختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وشيخِنا عبدِ الرَّحمن بنِ سعدي، وشيخِنا عبدِ العزيزِ بنِ باز. وعلى هذا؛ إذا دخلتَ المسجدَ لصلاةِ المغربِ قبلَ الغُروبِ بربع ساعة مثلاً؛ تُصلِّي ولا حَرَج، بل لو جلستَ لكنت واقعاً في نَهْيِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم عن الجلوسِ لمَن دَخَلَ المسجدَ حتى يُصلِّيَ ركعتين. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس (582)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها (828) (290).

وقوله: «حتى ما له سبب» إشارة إلى الخِلافِ في هذه المسألةِ، مع أنَّ الخِلافَ قويٌّ، وقد ذَكَرَ بعضُ المتأخِّرين أنهم إذا قالوا: «ولو كذا» فالخِلافُ قويٌّ، وإذا قالوا: «وإنْ كان كذا» فالخِلافُ أقلُّ، وإذا قالوا: «حتى» فالخِلافُ ضَعيفٌ. ولكن؛ الخِلافُ في هذه المسألةِ قويٌّ جدًّا، لا مِن حيث الدليلُ ولا مِن حيث كثرةُ المخالفين. مسألة: لو أنَّ رجُلاً توضَّأ بعدَ صلاةِ العصرِ هل يُصلِّي سُنَّة الوضُوءِ، أم لا يُصلِّي؟ الجواب: إنْ توضَّأ ليصلِّي؛ فلا يجوز؛ لأنَّه تعمَّدَ الصلاةَ في أوقات النَّهي. وإن توضَّأ للطَّهارة؛ صَلَّى على القول الصَّحيحِ، أما على قَوْلِ مَن يقول: إنَّه لا يُصلِّي مِن النوافل إلا ما خصَّصوها، فلا يجوز. مسألة: لو أنَّ رجُلاً تقدَّم إلى صلاةِ المَغربِ يومَ الجُمُعةِ في آخر النَّهارِ مِن أجلِ أن يُصلِّي تحيَّةَ المسجدِ حتى يشمله الحديث: «إنَّ في الجُمُعَةِ لساعةً، لا يوافِقُها عبدٌ مسلمٌ ـ وهو قائمٌ يُصلِّي ـ يسألُ اللهَ شيئاً إلا أعطَاهُ إيَّاهُ» (¬1)، فهل نقول: إنَّ هذا حرامٌ، أو نقول: إنَّ هذا جائزٌ؟ الجواب: إنْ قَصَدَ المسجدَ ليصلِّيَ؛ فهذا حرامٌ، كما قلنا: إنْ توضَّأ ليصلِّيَ، وإنْ قَصَدَ المسجدَ مِن أجل التقدُّم لصلاةِ المَغربِ، ثم لمَّا دَخَلَ صَلَّى ركعتين مِن أجْلِ أنَّه دَخَلَ المسجدَ، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة (935)؛ ومسلم، كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة (852) (13).

حتى وإنْ كان لا يتقدَّم إلا يومَ الجمعة فإنَّه لا بأس به. فهناك فَرْقٌ بين مَن يتوضَّأ ليصلِّي في وَقْت النَّهي فلا يجوز أنْ يصلِّي، وبين مَن يتوضَّأ لا للصَّلاة فنقول له: إذا توضَّأتَ فصلِّ، وكذلك تحيةُ المسجدِ، هناك فَرْقٌ بين مَن دَخَلَ المسجدَ لصلاة التحيَّة في وَقْتِ النَّهي وبين مَن دَخَلَه لغرضٍ آخر، ثم أمرناه بالتحيَّة لقولِ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرىءٍ ما نوى» (¬1). (فائدة): الأمورُ التي تفارقُ فيها النوافلُ الفرائضَ: 1 ـ أنَّ الفرائضَ فُرضتْ على النَّبي صلّى الله عليه وسلّم وهو في السَّماءِ ليلة المعراجِ، بخلافِ النوافلِ، فإنَّها كسائرِ شرائعِ الإسلامِ. 2 ـ تحريمُ الخروجِ مِن الفرائضِ بلا عُذْرٍ، بخلافِ النوافلِ. 3 ـ الفريضةُ يأثمُ تارِكُها، بخلافِ النافلةِ. 4 ـ الفرائضُ محصورةُ العددِ، بخلافِ النوافلِ فلا حصرَ لها. 5 ـ صلاةُ الفريضةِ تكون في المسجدِ، بخلافِ النافلةِ فهي في البيتِ أفضلُ إلا ما استُثني (¬2). 6 ـ جوازُ صلاةِ النافلةِ على الراحلة بلا ضرورة، بخلاف الفريضةِ (¬3). 7 ـ الفريضةُ مؤقَّتةٌ بوقتٍ معيَّن، بخلافِ النافلةِ، فمنها المؤقَّتُ وغيرُ المؤقَّتُ. 8 ـ النافلةُ في السفر لا يُشترط لها استقبالُ القِبلة، بخلافِ الفريضةِ (¬4). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 194). (¬2) انظر: ص (146). (¬3) انظر: (2/ 263). (¬4) انظر: (2/ 263).

9 ـ جوازُ الانتقالِ مِن الفريضةِ إلى النَّافلةِ غيرِ المعيَّنةِ، والعكس لا يصحُّ (¬1). 10 ـ النَّافلةُ لا يكفُرُ بتركِها بالإجماعِ، وأما الفريضةُ فيَكْفرُ على القولِ الصَّحيحِ (¬2). 11 ـ النَّوافلُ تكمِّلُ الفرائضَ، والعكسُ لا يصحُّ. 12 ـ القيامُ ركنٌ في الفريضةِ، بخِلافِ النَّافلةِ. 13 ـ لا يصحُّ نَفْلُ الآبق، ويصحُّ فَرْضُه. 14 ـ جوازُ الاجتزاء (الاكتفاء) بتسليمة في النَّفْلِ على أحدِ القولين، دون الفرض (¬3). 15 ـ لا يُشرع الأذانُ والإقامةُ في النَّفلِ مطلقاً، بخلافِ الفَرْضِ. 16 ـ الفريضةُ تُقصرُ في السَّفرِ، أما النَّافلةُ التي في السَّفر فلا تُقصر. 17 ـ النَّافلةُ تسقطُ عند العجز عنها، ويُكتب أجرُها لِمَن اعتادَها، والفريضةُ لا تسقطُ بحالٍ، ويُكتبُ أجرُ إكمالِها لمن عجز عنه؛ إذا كان من عادته فِعْلُه. 18ـ جميعُ الفرائضِ يُشرعُ لها ذِكْرٌ بعدَها، أما النَّوافلُ فقد وَرَدَ في بعضِها، وفي بعضهِا لم يردْ. 19 ـ النَّافلةُ تجوزُ في جَوْفِ الكعبةِ، وأما الفريضةُ فلا. والصَّحيحُ جوازُها فلا فَرْقَ (¬4). 20 ـ وجوبُ صلاةِ الجماعة في الفرائض، دون النوافلِ. ¬

_ (¬1) انظر: (2/ 300). (¬2) انظر: (2/ 26). (¬3) انظر: (3/ 314). (¬4) انظر: (2/ 255).

21 ـ الفرائضُ يجوزُ فيها الجمعُ، بخلافِ النوافلِ. 22 ـ الفرائضُ أعظمُ أجراً مِن النوافلِ. 23 ـ جوازُ الشُّربِ اليسيرِ في النفلِ، دون الفرض (¬1). 24 ـ أنَّ النوافلَ منها ما يُصلَّى ركعةً واحدةً، بخلافِ الفرائضِ (¬2). 25 ـ يُشرعُ في صلاةِ النافلةِ السؤالُ والتعوُّذ عند تِلاوة آيةِ رحمةٍ، أو آيةِ عذابٍ، وأما الفريضةُ فإنه جائزٌ غيرُ مشروعٍ (¬3). 26 ـ جوازُ ائتمام البالغِ بالصَّبي في النافلةِ، دون الفريضةِ، والصَّوابُ جوازه فلا فَرْقٍ (¬4). 27 ـ جوازُ ائتمامِ المتنفِّلِ بالمفترضِ، دون العكس، والصَّحيحُ جوازُه فلا فَرْقَ (¬5). 28 ـ النَّوافلُ منها ما يُقضى على صِفته، ومنها ما يُقضى على غير صِفته كالوِتر (¬6)، أما الفرائضُ فتُقضَى على صِفتها، لكن يُستثنى مِن ذلك الجُمعةُ، فإنها إذا فاتتْ تُقضى ظُهراً. 29 ـ صلاةُ الفَريضةِ الليلية يُجهر فيها بالقِراءة، أما النَّفلُ الذي في الليلِ فهو مخيَّرٌ بين الجهرِ وعدمِه. 30 ـ وجوبُ ستر العاتق في الفريضة على أحد القولين، دون النافلة (¬7). 31 ـ مِن النوافلِ ما تسقطُ بالسَّفَرِ، وأما الفرائضُ فلا يسقطُ منها شيءٌ. ¬

_ (¬1) انظر: (3/ 355). (¬2) انظر: ص (411). (¬3) انظر: (3/ 288). (¬4) انظر: ص (224). (¬5) انظر: ص (255). (¬6) انظر: ص (13). (¬7) انظر: (2/ 167).

باب صلاة الجماعة

باب صلاة الجماعة تَلْزَمُ الرِّجَالَ ........ قوله: «باب صلاة الجماعة». الظَّاهرُ: أنَّ هذا مِن باب إضافة الموصوف إلى صِفته، يعني: بابُ الصَّلاةِ التي تُجمعُ وتُفعلُ جماعةً. وصلاةُ الجماعةِ مشروعةٌ بإجماعِ المسلمين، وهي مِن أفضلِ العبادات وأجَلِّ الطَّاعات، ولم يُخالفْ فيها إلا الرَّافضةُ الذين قالوا: إنَّه لا جماعةَ إلا خَلْفَ إمامٍ مَعصومٍ. ولهذا لا يُصلُّون جُمُعةً ولا جماعةً، قال فيهم شيخُ الإسلام رحمه الله: إنهم هجروا المساجدَ وعَمَرُوا المشاهدَ. أي: القبورَ فهم يتردَّدُون إليها للتوسُّل بها ودعائها. وأما المساجد فلا يعمرونها بالجماعة فيها، وإلا فإنَّ المسلمينَ جميعاً اتَّفقوا على مشروعيَّتها. ولم يقلْ أحدٌ بأنها غيرُ مشروعةٍ، ولا بأنها جائزةٌ، ولا بأنها مكروهةٌ، لكن اختلفوا في فرضيَّتها هل هي فَرْضُ عَيْنٍ، أم فَرْضُ كِفايةٍ، أم سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؟. وعلى القولِ بأنَّها فَرْضُ عَيْنٍ، هل هي شَرْطٌ لصحَّةِ الصلاةِ أم لا؟ قوله: «تلزم الرجال». اللزومُ: الثبوتُ، فلزومُ الشَّيءِ، يعني: ثبوتَه، وشيءٌ لازمٌ، أي: ثابتٌ لا بُدَّ منه، والفقهاءُ رحمهم الله تارةً يعبِّرون بـ (تلزم)

وتارة يعبِّرون بـ (تجب) وتارة يعبِّرون بـ (فرض) وما أشبه ذلك، وكلُّها عبارات مختلفة اللَّفظِ متَّفقةُ المَعنى، واللَّفظُ المختلفُ مع اتِّفاقِ المعنى يُسمَّى عند علماءِ اللغة: مترادفاً. فنبدأُ أولاً بذِكْرِ دليلِ الحُكمِ الذي هو اللُّزوم. فدليلُ وجوبها مِن كتابِ الله وسُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وعَمَلِ الصحابةِ رضي الله عنهم. أما الكتابُ فقول الله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} فاللامُ للأمْرِ، والأصلُ في الأمْرِ: الوجوبُ. ويؤكِّد أنْ الأمْرَ للوجوب هنا: أنَّه أمَرَ بها مع الخوفِ مع أنَّ الغالبَ أنَّ الناسَ إذا كانوا في خَوْفٍ يشُقَّ عليهم الاجتماع ويكونون متشوِّشين يحبُّون أنْ يبقى أكثرُ النَّاسِ يرقبُ العدوَّ {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} سَجَدوا بمعنَى: أتمُّوا صلاتَهم. {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} أي: لم يصلُّوا مع الأُولى. {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}. فهنا أَمَرَ اللهُ عزّ وجل بصلاةِ الجماعةِ وتفريقِ الجُندِ إلى طائفتين، فيُستفادُ منه أنَّ صلاةَ الجماعةِ فَرْضُ عينٍ. ووجه ذلك: أنَّها لو كانت فَرْضُ كِفايةٍ لسَقَطَ الفرضُ بصلاةِ الطائفة الأُولى. أما السُّنَّةُ: فالأدَّلةُ فيها كثيرةٌ منها: 1 - حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لقد

هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بالصَّلاةِ فتُقامَ. ثم آمُرَ رَجُلاً فيصلِّيَ بالنَّاسِ. ثم انطلقَ معي برِجَالٍ معهم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يشهدُون الصَّلاةَ؛ فأُحَرِّقَ عليهم بيوتَهم بالنَّارِ» (¬1) فقد هَمَّ بذلك؛ لكنَّه لم يفعلْ، ولم يمنعْهُ مِن الفِعْلِ أنَّ الصَّلاةَ ليست بواجبةٍ؛ إذ لو كانت غيرَ واجبةٍ ما صَحَّ أنْ ينطِقَ بهذا اللفظِ، ولكان هذا الكلامُ لغواً لا فائدةَ منه، لكن الذي مَنَعَهُ ـ والعِلْمُ عند اللهِ ـ أنَّه لا يُعاقِبُ بالنَّارِ إلا رَبُّ النَّارِ عزّ وجل، وإنْ كان قد رَوى الإمامُ أحمدُ أنَّه قال: « ... لولا ما فيها مِن النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ» (¬2) وهذه الزيادةُ ضعيفةٌ، ولسنا بحاجةٍ لها، بل الذي مَنَعَهُ أنَّه لا يعاقُب بالنَّارِ إلا اللهُ. 2 - «استأذَنه رجُلٌ أعمى أن لا يُصلِّيَ في المسجدِ، قال: هل تسمعُ النداءَ؟ قال: نعم، قال: فأجِبْ» (¬3). 3 - أخرجَ أصحابُ السُّنَنِ أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّداءَ فلم يُجبْ؛ فلا صلاةَ له إلا مِن عُذْرٍ» (¬4). 4 - وأمَّا عَمل الصحابة فقد جاء في «صحيح مسلم» عن ابنِ مسعود رضي الله عنه أنَّه قال: «لقد رَأيتُنَا ـ يعني: الصحابة ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (122). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 367)، وانظر: كلام الشيخ رحمه الله أعلاه عن درجة هذه الزيادة. (¬3) تقدم تخريجه ص (122). (¬4) أخرجه ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة (793)؛ والحاكم (1/ 245) وصححه على شرط مسلم، وصححه الحافظ ابن حجر. «التلخيص الحبير» (2/ 30).

مع رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم ـ وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومُ النِّفاقِ، ولقد كان الرَّجلُ يُؤتَى به يُهادَى بين الرَّجُلينِ حتى يُقامَ في الصَّفِ» (¬1). كان الرَّجُلُ يُؤتَى به يمشي بين الرَّجلُين حتى يقامَ في الصَّفِّ دَلَّ ذلك على اهتمامهم بها، وأنَّهم يَرون وجوبَها وامتناعَ التخلُّفِ عنها. ويُضافُ إلى ذلك: ما فيها مِن المصالحِ والمنافعِ التي تدلُّ على أنَّ الحِكمةَ تقتضي وجوبَها ومنها: 1 ـ التوادُّ بين النَّاسِ؛ لأنَّ ملاقاةَ النَّاسِ بعضهم بعضاً واجتماعهم على إمامٍ واحدٍ في عبادةٍ واحدةٍ ومكان واحدٍ يؤدِّي إلى الألفة والمحبة. 2 ـ التَّعارفُ، ولهذا نَجِدُ أنَّ النَّاسَ إذا صَلَّى عندَهم رَجُلٌ غريبٌ في المسجدِ، فإنَّهم يسألون عنه مَن هذا؟ مَن الذي صَلَّى معنا؟ فيحصُلُ التَّعارفُ، والتَّعارفُ فيه فائدةٌ وهي: أنَّه قد يكون قريباً لك فيلزمُك مِن صِلَتِهِ بِقَدْرِ قرابته، أو غريباً عن البلد، أو غير ذلك، فتقومُ بحقِّهِ. 3 ـ إظهارُ شعيرةٍ مِن شعائر الإسلام، بل مِن أعظمِ شعائرِ الإسلامِ وهي الصَّلاةُ، لأنَّ النَّاسَ لو بقوا يصلُّون في بيوتهم ما عَرَفَ أنَّ هنالك صَلاةً. 4 ـ إظهارُ عِزِّ المسلمين إذا دخلوا المساجدَ ثم خرجوا جميعاً بهذا الجَمْعِ. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى (654) (257).

5 ـ تعليمُ الجَاهلِ، فإنَّ كثيراً مِن النَّاسِ يستفيد ما يُشرع في الصَّلاةِ بواسطة صلاةِ الجماعة، حيث يقتدي بمَن على جانبه، ويقتدي بالإمام وما أشبه ذلك. 6 ـ تعويدُ الأمَّةِ الإسلاميةِ على الاجتماعِ وعدم التفرُّق؛ لأنَّ هذا الاجتماعَ يُشكِّلُ اجتماع الأمَّة عموماً؛ إذ إن الأمَّةَ عموماً مجتمعة على طاعةِ ولي أمرِها وقائدِ مسيرتها حتى لا يختلفوا ويتشتَّتوا، فهذه الصَّلاةُ في الجماعة وِلاية صُغرى؛ لأنهم يقتدون بإمامٍ واحدٍ يتابعونه تماماً، فهي تشكِّلُ النَّظرةَ العامةَ للإسلامِ. 7 ـ ضبطُ النَّفسِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا اعتادَ على أن يتابعَ إماماً متابعةً دقيقةً، إذا كبَّرَ يكبِّرُ، لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ كثيراً، ولا يوافق، بل يتابعُ، تعوَّدَ على ضَبْطِ النَّفسِ. 8 ـ استشعارُ النَّاسِ بهذا وقوفهم صفًّا في الجهاد، كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [الصف: 4]، وهؤلاء الذين صاروا صَفًّا في الجهاد؛ لا شَكَّ أنهم إذا تعوَّدوا ذلك في الصلواتِ الخمسِ سوف يكون وسيلةً إلى ائتمامِهم بقائِدهم في صَفِّ الجِهادِ حيث لا يتقدَّمون ولا يتأخَّرون عن أوامره. 9 ـ تذكرُ المصلين صفوف الملائكة عند الله تبارك وتعالى فيزدادون بذلك تعظيماً لله ومحبة لملائكة الله. 10 ـ شعورُ المسلمين بالمساواة في عبادة الله تعالى؛ لأنه في هذا المسجدِ يجتمعُ أغنى النَّاسِ إلى جَنْبِ أفقرِ النَّاسِ، والأميرُ إلى جَنْبِ المأمورِ، والحاكمُ إلى جَنْبِ المحكومِ،

والصغيرُ إلى جَنْبِ الكبير، وهكذا فيشعرُ الناسُ بأنهم سواء في عبادة اللهِ، ولهذا أمَرَ بمساواةِ الصُّفوفِ حتى قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا تختلفوا فتختَلِفَ قلوبُكم» (¬1). 11 ـ ما يحصُلُ مِن تفقُّدِ الأحوالِ أحوال الفقراء، والمرضَى والمتهاونين بالصَّلاةِ، فإنَّ الإنسانَ إذا رُئيَ مع النَّاسِ وعليه ثيابٌ بالية ويبدو عليه علامة الجوعِ رحِمَهُ النَّاسُ، ورَقُّوا له، وتصدَّقوا عليه، وكذلك إذا تخلَّفَ عن الجماعة عَرَفَ النَّاسُ أنه كان مريضاً مثلاً أو غير ذلك فيسألون عنه، وكذلك إذا علموه متخلِّفاً عن الصَّلاة بلا عُذْرٍ اتَّصلُوا به ونصحوه. 12 ـ الأصلُ الأصيل وهو التعبُّد لله تعالى بهذا الاجتماع. 13 ـ استشعارُ آخِرِ هذه الأمة بما كان عليه أولُها، أي: بأحوال الصَّحابةِ، كأنما يستشعرُ الإمامُ أنَّه في مقامِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم في إمامةِ الجماعة فيتأسَّى به فيما ينبغي أن يكون عليه في الإمامة، ويستشعرُ المأمومون أنهم في مقام أصحابِ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام، فلا يتخلَّفُون عن الجماعة إلا لعذر ولا يفرِّطون في متابعة الإمام، ولا شَكَّ أنّ ارتباطَ آخِرِ الأمةِ بأوّلِها يعطي الأمةَ الإسلاميَّةَ دُفعةً قويةً إلى اتِّباعِ السَّلفِ واتِّباعِ هديهم، وليتنا كُلَّما فعلنا فِعْلاً مشروعاً نستشعرُ أننا نقتدي برسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وبأصحابِهِ الكرام، فإنَّ الإنسانَ لا شَكَّ سيجِدُ دُفعةً قويةً في قلبِهِ تجعلُه ينضمُّ إلى سِلْكِ السَّلفِ الصَّالحِ، فيكون سلفيًّا عقيدةً وعملاً، وسُلوكاً ومنهجاً. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 9).

هذه أدلة من قال إنَّ صلاة الجماعة فَرْضُ عَيْنٍ، وهي أدلَّةٌ مَن اطَّلعَ عليها لم يسعه القول بغير هذا. وقال بعض العلماء: إنها فرض كفاية. وقال آخرون: إنها سُنَّةٌ. واستدلَّ مَن قالَ بأنَّها سُنَّةٌ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلاةُ الجَماعةِ أفضلُ مِن صَلاةِ الفَذِّ بسَبْعٍ وعِشرينَ دَرجةً» (¬1) فقالوا إنه قال: «أفضل» والأفضل ليس بواجب. ولكن هذا الاستدلالُ ضعيفٌ جداً؛ لأنَّ المرادَ هنا: بيانُ ثوابِ صلاةِ الجماعةِ، وأنَّ أجرَها أفضلُ وأكثرُ، لا حُكمَ صلاةِ الجماعةِ، وذِكْرُ الأفضليَّة لا ينفي الوجوب. ألا ترى إلى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنَجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *} {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} [الصف: 10 ـ 11] يعني: أخْيَر وأفضل، فهل تقولون: إن الإيمانَ بالله والجهاد في سبيله سُنَّةٌ؟ لا أَحَدَ يقول بذلك. وهل تقولون: إنَّ صلاة الجُمُعة سُنَّة، لأنَّ الله قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *} [الجمعة]. الجواب: لا أَحَدَ يقول بأنَّ صَلاةَ الجُمُعة سُنَّةٌ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (645)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة (650) (249).

للصلوات الخمس

لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ .......... وقوله: «تلزم الرجال للصلوات الخمس». «الرجال» جَمْع رَجُل، والرَّجُلُ هو الذَّكرُ البالغُ، فيخرجُ بذلك النساءُ، فالنساءُ لا تلزمهنَّ صلاةُ الجماعةِ؛ لأنهنَّ لسنَ مِن أهلِ الاجتماعِ، ولا يُطلبُ منهنَّ إظهارُ الشعائرِ، لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «بُيوتُهنَّ خيرٌ لَهُنَّ» (¬1). ولكن اختلفَ العلماءُ: هل الجماعةُ سُنَّةٌ للنِّساءِ ـ والمرادُ المنفردات عن الرِّجَال ـ أو مكروهةٌ، أو مباحةٌ على ثلاثة أقوال: فالقول الأول: أنها سُنَّةٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةَ أَنَّ تَؤُمَّ أهلَ دَارِها (¬2). القول الثاني: أنَّها مكروهةٌ، وضَعَّفَ الحديثَ، وقال: إنَّ المرأةَ ليست مِن أهلِ الاجتماع وإظهارِ الشَّعائرِ، فيُكره لها أنْ تُقيمَ الجَماعةَ في بيتِها، ولأنَّ هذا غيرُ معهودٍ في أمهاتِ المؤمنين وغيرِهنَّ. القولُ الثَّالثُ: أنَّها مباحةٌ، وقال: إنَّ النِّساءَ مِن أهلِ الجماعةِ في الجُملةِ، ولهذا أُبيحَ لها أنْ تحضرَ إلى المسجدِ لإقامةِ الجماعةِ، فتكونُ إقامةُ الجماعةِ في بيتها مباحةً مع ما في ذلك مِن التستُّرِ والاختفاءِ. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 76)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (567)؛ وابن خزيمة (3/ 1684)؛ والحاكم (1/ 209) وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. (¬2) أخرجه الإمام أحمد (6/ 405)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب إمامة النساء (591) وسكت عنه.

وهذا القولُ لا بأس به، فإذا فعلتْ ذلك أحياناً فلا حرجَ. وقوله: «الرجال» أخرجَ به أيضاً الصبيانَ غيرَ البالغين، وخَرجَ بذلك أيضاً صِنفٌ ثالثٌ وهم الخُناثى، والخُنثى هو: الذي لا يُعلم أذكرٌ هو أم أُنثى، فلا تجب عليهم الجماعةُ، وذلك لأن الشَّرطَ فيه غير متيقَّن، والأصلُ براءةُ الذِّمَّةِ وعدمُ شغلِها. وقوله: «الرِّجال» يدخُلُ فيه العبيدُ، فتلزم صلاةُ الجماعةِ العبيدَ؛ لأنَّ النصوصَ عامةٌ، ولم يُسْتَثْنَ منها العبدُ، ولأنَّ حَقَّ اللهِ مقدَّمٌ على حقِّ البشرِ، ولهذا لو أمرَه سيِّدُه بمعصيةٍ أو بترِك واجبٍ حرم عليه أن يطيعَه، فإذا كان لا يجوزُ للعبد أن يفعلَ المعصيةَ أو يتركَ الواجبَ بأمْر سيِّده، فكيف إذا لم يأمره؟ وهو إذا تَرَكَ الجماعةَ فقد ترك واجباً، وهذا أحد القولين: أنها تلزم العبيد، كما تلزم الأحرار. وكذلك الجمعة تلزم العبيدَ كما تلزم الأحرارَ من باب أَولى، لأنه إذا وجبَ عليه حضورُ الجماعةِ التي تتكرَّرُ في اليوم والليلة خمس مرات، فوجوبُ الجُمعةِ التي لا تكرَّرُ إلا في الأسبوع مرَّة مِن باب أَولى، ولأنَّ الجماعةَ شرطٌ في الجُمعة بالاتِّفاق وليست شرطاً في صلاة الجماعة إلا على قولٍ ضعيفٍ، فإذا سقطَ حقُّ السيدِ في الصلوات الخمس، وأوجبنا على العبدِ أنْ يصلِّي جماعةً فإننا نوجب عليه أيضاً أن يصلِّي الجُمعةَ. وقال بعضُ العلماءِ: تلزمُ العبدَ بإذن سيِّدهِ، وهذا هو الأقرب (¬1). ¬

_ (¬1) انظر: توجيه هذا القول في باب صلاة الجمعة، المجلد الخامس.

وعمومُ كلامِ المؤلِّفِ في قوله: «تلزم» أنها لازمة حتى في السَّفَرِ؛ لأنَّه لم يقيِّدها في الحَضَرِ، فإذا لم يقيدها أخذنا بالعموم والإطلاق، فتجِبُ صلاةُ الجماعةِ حتى في السَّفرِ. ودليلُ ذلك: عمومُ أدلَّةِ الوجوبِ. وأيضاً: أنَّ اللهَ أمَرَ نبيَّه صلّى الله عليه وسلّم إذا كان فيهم في الجهادِ أنْ يُقيمَ لهم الصَّلاةَ جماعةً، ومِن المعلومِ أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لم يقاتلْ إلا في سَفَرٍ. فعليه؛ تجبُ الجماعةُ في السَّفرِ كما تجبُ في الحَضَرِ. وأيضاً: مداومةُ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم في السَّفَرِ على الصَّلاةِ جماعةً حتى في قضائها حين غلبهم النَّومُ فلم يستيقظوا إلا بعد الوقت (¬1). وقد قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي» (¬2). وقوله: «للصلوات الخمس» أي: أنَّها واجبةٌ للصَّلاةِ، وليست واجبةً في الصَّلاةِ، لأنَّ الواجبَ تارةً يكون واجباً للصَّلاةِ، وتارةً يكون واجباً فيها، فالواجبُ فيها: يكون مِن ماهيَّتِها مثل: التشهُّدِ الأولِ، والتكبيرِ، والتَّسميعِ، والتَّحميدِ، والواجبِ لها: ما كان خارجاً عنها مثل: الأذانِ، والإقامةِ، والجماعةِ، لأنَّ هذا خارجٌ عن ماهيَّةِ الصَّلاةِ، فيكون واجباً لها، وليس واجباً فيها. وقوله: «للصَّلوات الخمس» هي الفجرُ، والظُّهرُ، والعصرُ، والمغربُ، والعشاءُ. إذاً؛ لا تجبُ الجماعةُ للمنذوْرةِ، أي: لو نَذَرَ الإنسانُ أنْ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (72). (¬2) تقدم تخريجه (3/ 27).

يصلِّيَ لله ركعتين، ونذَرَ آخرٌ مثله فإنَّه لا تلزمهما الجماعة؛ لأنها ليست مِن الصلوات الخمس. ولا تجبُ للنَّوافلِ، فلو أراد الإنسانُ أنْ يصلي تطوُّعاً فإنَّه لا يجبُ عليه أنْ تكون جماعةً؛ لأنَّها ليست مِن الصَّلواتِ الخمسِ. ولكن؛ هل تجوزُ صلاةُ النافلةِ جماعةً، أو نقول: إنَّ ذلك بدعة؟ الجواب: في هذا تفصيل: فمِنَ النَّوافلِ ما تُشرعُ له الجماعةُ، كصلاةِ الاستسقاءِ، والكسوفِ، إذا قلنا: بأنَّ صلاةَ الكسوفِ سُنَّةٌ، وقيامَ الليلِ في رمضان. ومِن النَّوافِل ما لا تُسَنُّ له الجماعةُ، كالرَّواتبِ التَّابعةِ للمكتوبات، وكصلاةِ الليلِ في غيرِ رمضان، لكن لا بأسَ أنْ يصلِّيَها جماعة أحياناً. ودليلُ ذلك: أنَّ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان يصلِّي أحياناً جماعةً في صلاةِ الليلِ كما صَلَّى معه ابنُ عباس (¬1)، وصَلَّى معه حذيفةُ بنُ اليمَان (¬2)، وصَلَّى معه عبدُ الله بن مسعود (¬3). وأحياناً يُصلِّي حتى غير صلاةِ الليلِ جماعةً، كما صَلَّى بـ «أنس ... وأمِّ سُليم ويتيم مع ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (60). (¬2) تقدم تخريجه ص (60). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل (1135)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (773) (204).

أنس» (¬1). وكما صَلَّى جماعة في عِتْبَانَ بن مالك رضي الله عنه في بيته؛ حين طلبَ مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يأتيَ إليه ليصلِّيَ بمكانٍ يتَّخِذُه عِتْبَانُ مُصلًّى، فَفَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (¬2). وقوله: «للصلوات الخمس»، ظاهره: أنَّه لا فَرْقَ بين أنْ تكون مؤدَّاةً أو مقضيَّة. فالمؤدَّاة: ما فُعِلتْ في وقتِها، والمقضيَّة: ما فُعِلتْ بعدَ وقتِها، فلو أنَّ جماعةً في سَفَرٍ ناموا في آخر اللَّيلِ، ولم يستيقظوا لصلاةِ الفجرِ إلا بعدَ طلوعِ الشَّمسِ، فالصَّلاةُ في حقِّهم قضاءٌ؛ لأنَّها بعدَ الوقتِ، فظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّ الصَّلاة جماعةٌ تجبُ عليهم. وهذا الظاهرُ هو الصَّحيحُ أنَّها تجبُ للصَّلوات الخمس، ولو مقضيَّةً، على أنَّ الإنسانَ الذي يؤخِّرُ الصَّلاةَ عن وقتِها لعُذْرٍ شرعيٍّ لا تكون الصَّلاةُ في حَقِّهِ قضاءً، بل هي أداءً على القولِ الصَّحيحِ، لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نَامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فليصلِّها إذا ذكرَها لا كفَّارةَ لها إلا ذلك»، وتلا قولَه تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} (¬3). والدَّليلُ على الوجوب: عمومُ الأدلَّةِ. ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير (380)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة (658) (266). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل بيتاً يصلّي حيث شاء أو حيث أُمر (424)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعُذر (33) (263). (¬3) تقدم تخريجه (3/ 398).

لا شرط

نامَ عن صلاةِ الفَجْرِ هو وأصحابُه في سَفَرٍ ـ كما في حديثِ أبي قتادة ـ أَمَرَ بلالاً فأذَّنَ، ثم صَلَّى سُنَّةَ الفجرِ، ثم صَلَّى الفَجْرَ كما يصلِّيها عادةً جماعةً، وجَهَرَ بالقِراءةِ (¬1). فإذا نامَ قومٌ في السَّفرِ، ولم يستيقظوا إلا بعدَ طلوعِ الشمسِ، قلنا لهم: افعلوا كما تفعلون في العَادةِ تماماً، أذِّنوا، وقولوا: «الصَّلاةُ خيرٌ مِن النومِ» وصَلُّوا سُنَّةَ الفَجرِ، وأقيموا الصَّلاةَ واجهروا فيها بالقِراءةِ. قوله: «لا شرط» عندي في نسختي «لا شرطاً» بالنصب؛ وفي نسخٍ أخرى، «لا شرط» بالرفع والصحيحُ من حيث العربية «لا شرطٌ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره لا هي شرطٌ»، أما لا شرطاً فلا تصح؛ لأن «لا» لا تتحمَّلُ الضَّميرَ حتى نقولَ: إنَّ اسمَها مستترٌ، وإن «شرطاً» خبرُها، والمعنى: أنَّ الجماعةَ ليست شرطاً في صِحَّةِ الصلاةِ، فلو صلّى الإنسانُ وحده بلا عُذرٍ فصلاتُه صحيحةٌ، لكنَّه آثمٌ. لاَ شَرْطٌ ............ وقوله: «لا شرط»، قد يقول قائلٌ: لماذا قال «لا شرطٌ»؟ فنقول: إن قوله: «لا شرطٌ» كان دَفْعاً لقولِ مَن يقول: إنَّها شرطٌ لصحَّة الصلاةِ، وممَن قال: «إنَّها شرطٌ لِصحَّةِ الصلاةِ» شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله، وابنُ عقيل. وكلاهما مِن الحنابلةِ، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمد وعلى هذا القول: لو صَلَّى الإنسانُ وحدَه بلا عُذْرٍ شرعيٍّ فصلاتُه باطلةٌ كما لو تَرَكَ الوضوءَ مثلاً. وهذا القولُ ضَعيفٌ، ويضعِّفُه أنَّ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلاةُ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (72).

الجماعةِ أفضلُ مِن صلاةِ الفَذِّ بسبعٍ وعِشرين درجةً» (¬1) والمفاضلةُ: تدلُّ: على أنَّ المُفَضَّلَ عليه فيه فَضَلٌ، ويلزمُ مِن وجودِ الفَضْلِ فيه أنْ يكون صحيحاً؛ لأن غيرَ الصحيحِ ليس فيه فَضْلٌ، بل فيه إثمٌ، وهذا دليل واضحٌ على أنَّ صلاةَ الفَذِّ صحيحةٌ، ضرورةَ أنَّ فيها فضلاً؛ إذ لو لم تكن صحيحةً لم يكن فيها فَضْلٌ، لكن شيخُ الإسلام رحمه الله أجاب: بأنَّ هذا الحديثِ في حَقِّ المعذور، أي: مَن صَلَّى وحده لعُذرٍ، فصلاةُ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاتِهِ بسبعٍ وعِشرين درجةً، قال: ولا مانعَ مِن وجودِ النقصِ مع العُذرِ، فهذه المرأةُ وَصَفَها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بأنَّها ناقصةُ دِيْنٍ؛ لتركها الصَّلاةَ أيامَ الحيضِ (¬2)، مع أن تركَهَا للصَّلاةِ أيام الحيضِ لعُذرٍ شرعيٍّ، ومع ذلك صارت ناقصةً عن الرَّجُل، وهي لم تأثم بهذا التَّرْكِ، قال: فالمعذورُ إذا صَلَّى في بيته فإنَّ صلاةَ الجماعةِ أفضلُ مِن صلاتِهِ بسبعٍ وعِشرين درجةً. ولكن يَرِدُ عليه: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» (¬3)، فهذا دليلٌ على أنَّ مَن تَرَكَ الطاعةَ لعُذرِ المرضِ كُتبت له. ويمكن أن يجيب عنه: بأن المُرادَ مَن كان مِن عادتِهِ أن يفعلَ؛ لأنه قال: «كُتِبَ له ما كان يعملُ صحيحاً مقيماً»، ولكن مع كلِّ هذا؛ فإن مأخذَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه الله في هذه المسألةِ ضعيف. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (138). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (304). (¬3) تقدم تخريجه ص (80).

وله فعلها في بيته

والصَّوابُ ما عليه الجمهور: وهو أنَّ الصلاةَ صحيحةٌ، ولكنه آثمٌ لتَرْكِ الواجبِ، وأما قياسُ ذلك على التشهُّدِ الأولِ وعلى التكبيراتِ الواجبةِ والتسبيحِ، في أنَّ مَن تَرَكها عمداً بلا عُذرٍ بطلت صلاتُهُ، فهو قياسٌ مع الفارقِ، لأنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ للصَّلاةِ، وأما التشهُّدُ الأولُ والتسميعُ والتكبيرُ فهذا واجبٌ في الصَّلاةِ ألصقُ بها مِن الواجبِ لها. وَلَهُ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ ......... قوله: «وله فعلها في بيته». «له» أي: للإنسان. «فعلها» أي: فِعْلَ الجماعةِ في بيتِهِ، أي: يجوزُ أن يُصلِّيَ الجماعةَ في بيتِهِ ويَدَعَ المسجدَ، ولو كان قريباً منه، ولكن المسجدَ أفضلُ بلا شكِّ، وإنما لو فعلَها في بيتِهِ فهو جائز، وإذا قلنا بأنها تنعقد باثنين ولو بأُنثى فيلزمُ منه أن يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وزوجتُه في البيت، ولا يحضُرُ المسجد. وهذا مقتضى كلام المؤلِّفِ. واستدلَّ أصحابُ هذا القول: بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «جُعِلت لي الأرضُ كلُّها مسجداً وطَهوراً» (¬1). فالأرضُ كلُّها مسجِدٌ، والمقصودُ الجماعةُ، والجماعةُ تحصُلُ ولو كان الإنسانُ في بيتِهِ، لكنَّها في المسجدِ أفضلُ. وذهبَ بعضُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ كونها في المسجدِ مِن فُروضِ الكفايات، وأنَّه إذا قامَ بها مَن يكفي سقطت عن الباقين، وجازَ لمن سواهم أنْ يصلِّيَ في بيتِهِ جماعة. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (1/ 29).

وذهبَ آخرون إلى أنَّه يجبُ فِعْلُها في المسجدِ على كلِّ مَن تلزمُه. وأما الذين قالوا: إنَّها فَرْضُ كفاية، فقالوا: إنَّها مِن شعائر الإسلامِ الظَّاهرةِ، وما زال المسلمون يقيمونها في المساجدِ، ولو تعطَّلت المساجدُ، لم يتبيَّن أنَّ هذه البلدَ بلدُ إسلامٍ، فكما أنَّ الأذانَ مِن شعائرِ الإسلامِ الظاهرةِ، وتُقاتل الطَّائفةُ إذا لم تؤذِّنْ، وهو فَرضُ كفاية، فكذلك الصَّلاةُ في المساجد، فإذا صَلَّى في المسجدِ مَن تقومُ بهم الكفايةُ، فالباقون لهم أنْ يصلُّوا في بيوتِهم. وأما الذين قالوا: إنَّها تجبُ في المسجدِ. فاستدلُّوا: بقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لقد هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بالصَّلاةِ فتقامَ، ثم آمُرَ رجُلاً فيصلِّيَ بالناسِ، ثم أنطلقَ إلى قومٍ لا يشهدون الصَّلاةَ فأحرِّقَ عليهم بيوتَهم بالنَّارِ» (¬1) وكلمة «قوم» جمعٌ تحصُلُ بهم الجماعة، فلو أمكن أن يصلُّوا في بيوتهم جماعة لقال: إلا أن يصلُّوا في بيوتِهم، واستثنى مَن يصلِّي في بيتِهِ، فعُلِمَ بهذا أنَّه لا بُدَّ مِن شهودِ جماعةِ المسلمين، وهذا القولُ هو الصَّحيحُ: أنَّه يجبُ أن تكون في المسجدِ، وأنَّه لو أُقيمت في غير المسجدِ، فإنَّه لا يحصُلُ بإقامتها سقوطُ الإثمِ، بل هم آثمون، وإنْ كان القول الرَّاجح أنَّها تصحُّ. أما القائلون: بأنَّها مِن شعائرِ الإسلام الظَّاهرةِ، فنقول: هي من شعائرِ الإسلامِ الظَّاهرةِ، ومِن تمام ذلك أن تُوجبَ على كلِّ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (122).

واحدٍ في المسجدِ، لأنَّنا لو قلنا: إنها فَرْضُ كفاية لكان لكلِّ واحدٍ أنْ يبقى في بيتِهِ، ويقول: لعلَّ في المسجدِ مَن يقومُ بصلاةِ الجماعةِ. وأما الذين استدلُّوا بقوله: صلّى الله عليه وسلّم: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً» (¬1) فلا دليل فيه أصلاً، لأنَّ فيه بيان أنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ، وهو مِن خصائصِ هذه الأمة، بخلافِ غيرِها، فإنَّها لا تصلِّي إلا في الكنائسِ والصَّوامع والبيَع، لكن هذه الأُمَّة جُعلت لها الأرضُ كلُّها مسجداً؛ فليس المقصودُ أنَّ الجماعةَ تصحُّ في كُلِّ مكان، بل بيان أنَّ الصلاة تصحُّ في كلِّ مكان، وهذا لا نِزاعَ فيه. ثم على فَرْضِ أَنَّه عامٌّ، فإنه مُخصَّصٌ بالأدلَّةِ على وجوبِ صلاةِ الجَماعةِ في المساجد. مسألة: الدَّوائرُ الحكوميَّةُ التي فيها جماعةٌ كثيرةٌ، ولهم مصلًّى خاصٌّ يصلُّون فيه، والمساجدُ حولَهم، فهل نقول لهم: اخرجُوا مِن هذه الدَّائرةِ جميعاً، وصَلُّوا في المسجدِ، أو نقول: صَلُّوا في مكانِكم ولا حَرَجَ عليكم؟ الجواب: الذي نرى أنَّه إذا كان المسجدُ قريباً، ولم يتعطَّلْ العمل بخروجهم للمسجد، فإنَّه يجبُ عليهم أنْ يصلُّوا في المسجدِ، أما إذا كان بعيداً أو خِيفَ تعطُّلُ العملِ؛ بأن تكون الدائرةُ عليها عَمَلٌ ومراجعون كثيرون، أو كان يخشى مِن تسلُّلِ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (1/ 29).

وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره

بعضِ الموظَّفين؛ لأنَّ بعضَ الموظَّفين لا يخافون الله، فإذا خرجوا إلى الصَّلاة خَرجوا إلى بيوتِهم، وربَّما لا يرجِعون، ففي هذه الحال نقول: صَلُّوا في مكانِكم، لأنَّ هذا أحفظُ للعمل وأقومُ، والعملُ تجبُ إقامتُه بمقتضى الالتزامِ والعهدِ الذي بين الموظَّفِ والحكومةِ. فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، ولهذا ينبغي ـ إنْ لم نقلْ يجبُ ـ أنْ يُجعلَ هناك مسجدٌ في الدَّوائرِ الكبيرةِ يكون له بابٌ على الشَّارعِ تُقامُ فيه الصَّلواتُ الخمسُ، حتى يكون مسجداً لعمومِ النَّاسِ ويُصلِّي فيه أهلُ هذه الدَّائرةِ. وَتُسْتَحَبُّ صَلاَةُ أَهْلِ الثَّغْرِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ. وَالأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمْ فِي المَسْجِدِ الَّذِي لاَ تُقَامُ فِيْهِ الجَمَاعةُ إِلاَّ بِحُضُورِهِ ........... قوله: «تستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد». يبيِّنُ المؤلِّفُ رحمه الله الأفضلَ مِن المساجدِ والأماكنِ التي تُصلَّى فيها الجماعةُ. فأهلُ الثَّغرِ: هم الذين يقيمون على حُدودِ البلادِ الإسلامية، يحمونها مِن الكُفَّارِ. فالأفضلُ لهم: أن يصلُّوا في مسجدٍ واحدٍ؛ لأنَّهم إذا صَلُّوا في المسجدِ الواحدِ؛ صاروا أكثر جمعاً؛ وحصلت بهم الهيبةُ فهابَهم الأعداءُ وتفقَّدَ بعضُهم بعضاً، وسأل عن الكُفَّارِ الذين حولَه، وهل مكانُه يحتاجُ إلى زيادةِ رجالٍ وسلاحٍ، بشرطِ أن يأمنوا العدوَّ، فإن كانوا يخشون مِن العدوِّ إذا اجتمعوا في المسجد الواحد؛ فصلاةُ كُلِّ إنسانٍ في مكانِهِ أَولى أو أوجب. قوله: «والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقامُ فيه الجماعةُ إلا بحضوره».

ثم ما كان أكثر جماعة، ثم المسجد العتيق وأبعد أولى من أقرب

يعني: أنَّ الأفضل لغير أهل الثَّغر أنْ يصلِّي في المسجدِ الذي تُقام فيه الجماعةُ إذا حضر ولا تُقام إذا لم يحضر مثال ذلك: إذا كان هناك مسجدٌ قائمٌ يصلِّي فيه الناسُ، لكن فيه رَجُلٌ إن حَضَرَ وصار إماماً أُقيمت الجماعةُ، وإنْ لم يحضُرْ تفرَّقَ الناسُ، فالأفضلُ لهذا الرَّجُلِ أنْ يصلِّيَ في هذا المسجدِ مِن أجلِ عِمارته، لأنَّه لو لم يحضُرْ لتعطَّلَ المسجدُ، وتعطيلُ المساجدِ لا ينبغي، فصلاةُ هذا الرَّجُلِ في هذا المسجدِ، أفضلُ مِن صلاتِهِ في مسجدٍ أكثرَ جماعةٍ. لكن ينبغي أن يقيَّد هذا بشرطٍ، وهو أن لا يكون المسجدُ قريباً مِن المسجدِ الأكثرِ جماعةً، فقد يُقال: إنَّ الأفضلَ أن يجتمعَ المسلمون في مسجدٍ واحدٍ، وأنَّ هذا أَولى مِن التفرُّق، فإذا قُدِّرَ أن هذا مسجدٌ قديمٌ ينتابه خمسةٌ أو عشرةٌ من الناسِ، وحولَه مسجدٌ يجتمعُ فيه جمعٌ كثيرٌ، ولا يشقُّ على أهلِ المسجدِ القديمِ أنْ يتقدَّموا إلى المسجدِ الآخرِ، فرُبَّما يُقال: إنَّ الأفضلَ أن ينضمُّوا إلى المسجدِ الآخر، وأن يجتمعوا فيه، لأنَّه كلَّما كَثُرَ الجمعُ كان أفضل. ثُمَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ المَسْجِدِ العَتِيْقِ. وَأَبْعَدُ أَوْلَى مِنْ أَقْرَب ......... قوله: «ثم ما كان أكثر جماعة». مثال ذلك أي: ثم يلي ما سبق الصلاة في مسجد أكثر جماعة مثال ذلك لو قدر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثرُ جماعة مِن الآخر فالأفضلُ أن يذهبَ إلى الأكثرِ جماعة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُهُ مع الرَّجُلَين أزكى مِن صلاتِهِ مع الرَّجُلِ، وما كانوا أكثرَ فهو أحبُّ

إلى اللهِ» (¬1)، وهذا عامٌّ، فإذا وُجِدَ مسجدان: أحدُهما أكثرُ جماعة مِن الآخرِ، فالأفضلُ أن تُصلِّيَ في الذي هو أكثر جماعة. قوله: «ثم المسجد العتيق». المسجد العتيق: أي القديم أولى مِن الجديد، لأن الطَّاعةَ فيه أقدم فكان أَولى بالمراعاة مِن الجديد، مثال ذلك: إذا صار عندك مسجدان يتساويان في الجماعة، لكن أحدُهما جديد، والثاني عتيق، فالأفضل العتيق، وهذا الفضل باعتبار المكان. وعللوا: بأن الطاعة فيه أقدم. قوله: «وأبعد أولى من أقرب» يعني: إذا استوى المسجدان فيما سبق، وكان أحدُهما أبعد عن مكان الرجل فالأبعد أَولى مِن الأقربِ، مثاله إذا كان حولك مسجدان، أحدُهما أبعدُ مِن الثاني، فالأفضلُ الأبعدُ؛ لأنَّ كلَّ خطوةٍ تخطوها إلى الصَّلاة يُرفعُ لك بها درجةٌ، ويُحطُّ بها عنك خطيئةٌ، إذا أسبغت الوضوء وخرجت من البيت لا يخرجك إلا الصلاة، وكلما بَعُدَ المكانُ ازدادت الخُطا فيزداد الأجر، هذا ما قرره المؤلِّفُ. ولكن في النَّفس مِن هذا شيء، والصَّواب أن يقال: إن الأفضلَ أنْ تُصلِّيَ فيما حولك مِن المساجد؛ لأنَّ هذا سببٌ لعِمارتهِ إلا أن يمتاز أحدُ المساجدِ بخاصِّيَّةٍ فيه فيُقدَّم، مثل: لو كنتَ في المدينة، أو كنت في مكَّة، فإنَّ الأفضلَ أن تصلِّيَ في ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 140)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في فضل صلاة الجماعة (554)؛ والنسائي، كتاب الإمامة، باب الجماعة إذا كانوا اثنين (2/ 104)؛ والحاكم (1/ 247) وصححه؛ وقال ابن حجر: «صححه ابن السكن، والعقيلي، والحاكم». «التلخيص الحبير» (554).

المسجدِ الحرامِ في مكَّة وفي المسجد النَّبويِّ في المدينة. أما إذا لم يكن هناك مزيَّة فإنَّ صلاةَ الإنسانِ في مسجدِه أفضلُ؛ لأنَّه يحصُلُ به عِمارته؛ والتأليف للإمام وأهل الحيِّ، ويندفع به ما قد يكون في قلب الإمامِ إذا لم تُصلِّ معه؛ لا سيما إذا كنت رَجُلاً لك اعتبارك. وأما الأبعد فيجاب عن الحديث بأن المراد في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يخطو خطوةً إلا رَفَعَ اللهُ له بها درجةً، وحَطَّ عنه بها خطيئةً» (¬1) أنَّه في مسجدٍ ليس هناك أقرب منه، فإنَّه كلَّما بَعُدَ المسجدُ وكلَّفتَ نفسك أن تذهبَ إليه مع بُعدِهِ كان هذا بلا شَكٍّ أفضل مما لو كان قريباً، لأنه كلَّما شقَّت العبادةُ إذا لم يمكن فِعْلُها بالأسهل فهي أفضل، كما قال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام لعائشة: «إنَّ أجْرَكِ على قَدْرِ نَصَبِكِ» (¬2). فالحاصل: أن الأفضل أن تصلِّيَ في مسجدِ الحَيِّ الذي أنت فيه، سواءٌ كان أكثر جماعة أو أقل، لما يترتَّب على ذلك مِن المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما كان أكثرُ فهو أحبُّ إلى الله» (¬3)، ثم يليه الأبعدُ، ثم يليه العتيقُ؛ لأن تفضيلَ المكان بتقدُّم الطَّاعة فيه يحتاج إلى دليلٍ بَيِّنٍ، وليس هناك دليلٌ بَيِّنٌ على هذه المسألةِ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 6). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب أجر العمرة على قَدْر النصب (1787)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211) (126). (¬3) تقدم تخريجه ص (151).

ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره

مسألة: إذا قال قائل: إذا كان المسجدُ البعيدُ أحسنُ قِراءة، ويحصُل لي مِن الخشوعِ ما لا يحصُلُ لي لو صَلَّيتُ في مسجدي القريبِ منِّي، فهل الأفضلُ أن أذهبَ إليه وأدعُ مسجدي، أو بالعكس؟ الجواب: الظاهر لي حسب القاعدة: أنَّ الفضلَ المتعلِّقَ بذات العبادةِ أَولى بالمراعاة مِن الفضلِ المتعلِّقِ بمكانِها، ومعلومٌ أنَّه إذا كان أخشعَ فإنَّ الأفضلَ أن تذهبَ إليه، خصوصاً إذا كان إمامُ مسجدِكَ لا يتأنَّى في الصلاةِ أو يلحَنُ كثيراً، أو ما أشبه ذلك مِن الأشياءِ التي توجب أنْ يتحوَّلَ الإنسانُ عن مسجدِه مِن أجلِهِ. ويَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ أَوْ عُذْرِهِ ....... قوله: «ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب». أي يحرم أن يكون إماماً في مسجد له إمامٌ راتب. أي: مولًّى مِن قِبَلِ المسؤولين، أو مولًّى مِن قِبَلِ أهلِ الحَيِّ جيران المسجد، فإنَّه أحقُّ الناس بإمامتِهِ، لقولِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه» (¬1) ومعلومٌ أنَّ إمامَ المسجدِ سلطانُه، والنهيُ هنا للتحريمِ، فلا يجوزُ للإنسان أن يؤمَّ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذن الإمام أو عُذره. وكما أن هذا مقتضى الحديث، فهو مقتضى القواعد الشرعية؛ لأنه لو ساغ له أن يؤمَّ في مسجد له إمام راتب بدون إذنه أو عذره؛ لأدَّى ذلك إلى الفوضى والنزاع. قوله: «إلا بإذنه» أي: إلاَّ إذا وَكَّلَهُ توكيلاً خاصًّا أو توكيلاً ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة (673) (290) (291).

ومن صلى ثم أقيم فرض سن أن يعيدها إلا المغرب

عاماً. فالتوكيل الخاص: أن يقول: يا فلان صَلِّ بالناس، والتوكيل العام أن يقول للجماعة: إذا تأخَّرتُ عن موعدِ الإقامةِ المعتادِ كذا وكذا فصلُّوا. قوله: «أو عذره» العذر مثل: لو عَلِمنا أنَّ إمامَ المسجدِ أصابَه مرضٌ لا يحتمل أن يحضر معه إلى المسجد فلنا أن نُصلِّيَ، وإنْ لم يأذن. مسألة: لو أنَّ أهلَ المسجدِ قدَّموا شخصاً يصلِّي بهم بدون إذن الإمامِ ولا عذره وصَلَّى بهم فهل تصحُّ الصلاةُ أو لا تصحُّ؟ فالجواب: في هذا لأهلِ العِلمِ قولان: القول الأول: أنَّ الصَّلاة تصحُّ مع الإثم. القول الثاني: أنهم آثمون، ولا تصحُّ صلاتُهم، ويجبُ عليهم أن يُعيدُوها. والرَّاجح القول الأول: لأنَّ تحريمَ الصَّلاةِ بدون إذن الإمام أو عُذره ظاهرٌ من الحديثِ والتعليل، وأما صِحةُ الصلاةِ؛ فالأصلُ الصحةُ حتى يقومَ دليلٌ على الفسادِ، وتحريمُ الإمامةِ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ بلا إذنِهِ أو عذرِهِ لا يستلزمُ عدمَ صحةِ الصلاةِ؛ لأنَّ هذا التحريمَ يعودُ إلى معنًى خارجٍ عن الصلاة وهو الافتيات على الإمام، والتقدُّم على حَقِّهِ، فلا ينبغي أن تُبطل به الصلاةُ. وَمَنْ صَلَّى ثُمَّ أُقِيْمَ فَرْضٌ سُنَّ أَنْ يُعِيدَهَا إِلاَّ المَغْرِبَ ......... قوله: «ومن صلى ثم أقيم فرض» يعني: إذا صَلَّى الصَّلاةَ المفروضة ثم حضر مسجداً أقيمت فيه تلك الصلاة وظاهر كلامه سواءٌ صَلَّى في جماعةٍ أو منفرداً.

وقوله: «سن أن يعيدها إلا المغرب» أي: سُنَّ أنْ يعيدَ الصَّلاة التي صَلاَّها أولاً إلا المغرب. ودليل ذلك: قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإن أُقيمت الصَّلاةُ، وأنتَ في المسجدِ فَصَلِّ، ولا تقل: إنِّي صَلَّيتُ فلا أُصَلِّي» (¬1) يعني: إذا أُخرتِ الصَّلاةَ فَصَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، ثم أُقيمتْ وأنت في المسجد فَصَلِّ، ولا تَقُلْ: إنِّي صَلَّيتُ فلا أُصَلِّي. ودليل آخر: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى صلاةَ الفجرِ ذاتَ يومٍ في مسجدِ الخَيْفِ في مِنَى، فلما انصرفَ مِن صلاتِهِ إذا برَجُلين قد اعتزلا، فلم يصلِّيا، فدعا بهما، فجِيءَ بهما ترعدُ فرائصُهُما هيبةً مِن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ما منعكما أنْ تُصلِّيا معنا؟ قالا: يا رسولَ الله، صلَّينا في رِحالِنَا، قال: إذا صَلَّيتُما في رِحالِكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنَّها لكما نافلة» (¬2) واستفدنا مِن هذا الحديثِ: أنَّ الصَّلاةَ الثانيةَ تقعُ نافلةً، والصَّلاةُ الأُولى هي الفريضة، وعلى هذا؛ فإذا قُدِّرَ أنَّ شخصاً صَلَّى في مسجدِه، ثم جاء إلى مسجدٍ آخرَ لحضور درسٍ، أو لحاجةٍ مِن الحوائجِ، أو لشهودِ جنازةٍ ووجدهم يصلُّون، فالأفضلُ أنْ يُصلِّيَ معهم، وتكون صلاتُهُ معهم نافلةً، والصَّلاةُ الأُولى هي الفريضةُ، ولا تكون الثانيةُ هي الفريضةُ؛ لأنَّ الأُولى سَقَطَ بها الفرضُ، فصارت هي الفريضة، والثانيةُ تكون نافلةً. مسألة: إذا أدركَ بعضَ المُعادةِ، فهل لا بُدَّ مِن إتمامِها، أو له أنْ يُسلِّمَ مع الإمام؟ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب كراهية تأخير الصلاة (648) (242). (¬2) تقدم تخريجه (120).

الجواب: نقول: إذا سَلَّمَ مع الإمامِ؛ وقد صَلَّى ركعتين؛ فلا بأس؛ لأنَّها نافلةٌ لا يلزمه إتمامُها، وإن أتمَّ فهو أفضلُ؛ لعمومِ قولِهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ما أدركتُم فصَلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا» (¬1). وقوله: «إلا المغرب» أي: فإنَّه لا تُسَنُّ إعادتُها. وعلَّلوا ذلك: بأن المغربَ وِترُ النَّهار كما جاءَ في الحديثِ (¬2)، والوِترُ لا يُسَنُّ تكرارُه، فإنَّه لا وِتران في ليلةٍ، فكذلك لا وِترانِ في يومٍ، وصلاةُ المغربِ وِترُ النَّهارِ. ولكن هذا التعليل فيه شيءٌ؛ لأنَّه يمكن أن نقول: الفارقُ بين المغربِ وبين وِترِ الليلِ: أنَّ إعادةَ المغربِ مِن أجلِ السَّببِ الذي حَدَثَ وهو حضور الجماعة، وهذا فَرْقٌ ظاهرٌ. وأيضاً: عمومُ قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صَلَّيتُما في رِحالِكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ فصلِّيا معهم» (¬3) يشمَلُ المغربَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يستثنِ شيئاً. وبهذا صار القولُ الصحيحُ في هذا المسألة: أنَّه يُعيدُ المغربَ، لأنَّ لها سبباً، وهو موافقةُ الجماعةِ. ولكن؛ هل نقول: إذا سَلَّمَ الإمامُ ائتِ بركعة لتكون الصَّلاةُ شفعاً، أو له أن يُسلِّمَ مع الإمامِ؟ في هذا قولان. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 7). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 30، 41، 83)؛ والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في التطوع في السفر (552) من قول ابن عمر رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن». (¬3) تقدم تخريجه (120).

والصَّحيحُ: أنَّه يُسلِّمُ مع الإمامِ، وإذا ضَممتَ هذين القولين إلى قولِ المؤلِّفِ صارت الأقوال ثلاثة: أحدها: لا تُسنُّ إعادةُ المغربِ. الثاني: تُسَنُّ؛ ويشفعُها بركعةٍ. الثالث: تُسنُّ؛ ولا يشفعُها، وهو الصَّحيحُ. فإنْ قال قائلٌ: هل يُسَنُّ أن يقصدَ مسجداً للإعادة، بمعنى: أنَّه إذا صَلَّى في جماعةٍ مبكِّرةٍ، وهو يعلم أنَّ هناك جماعة متأخِّرة؛ ذهبَ إلى المسجدِ الآخر للإعادة؟ الجواب: لا يُسنُّ؛ لأنَّ ذلك ليس مِن عادةِ السَّلفِ، ولو كان هذا مِن أمور الخير لكان أولَ الناسِ فِعْلاً له الصحابةُ، لكن إذا كان هناك سببٌ استوجب أن تحضرَ إلى المسجدِ، فإذا أُقيمت الصَّلاةُ فَصَلِّ معهم فإنَّها نافلةٌ. ونأخذ مِن هذا الحُكمِ الشَّرعيِّ: أنَّ للشَّرع نظراً في توافقِ النَّاسِ وائتلافِهم وعدمِ تفرُّقِهم؛ لأنَّه إنَّما أمر أنْ يعيد الصَّلاة مِن أجلِ أن يكون مع المسلمين فلا يبقى وحدَه، ويقول: أنا صَلَّيتُ، نقول: صَلِّ مع المسلمين، فإن هذا أفضلُ، حتى يكون مظهرُ الأمةِ الإسلاميةِ مظهراً واحداً لا اختلافَ فيه. ونَخلُصُ مِن هذا إلى أنَّ ما يفعلُه بعضُ الناسِ في قيامِ رمضان مِن أنَّهم إذا صَلُّوا عشر ركعات خلف إمام يصلِّي عشرين ركعة جلسوا وتركوا الإمامَ حتى إذا شرعَ في الوِترِ قاموا فأوتروا معه، خلافُ ما دلَّتْ عليه السُّنةُ، وما كان السَّلفُ يتحرَّونَه مِن موافقةِ الإمامِ في اجتهاداتِه.

وإذا كان الصحابةُ رضي الله عنهم وافقوا عُثمانَ في زيادةِ الصَّلاةِ، في نَفْسِ ركعاتها، حيث أتمَّ الصلاةَ الرباعية في مِنَى يقصر فكيف بزيادة صلاة مستقلَّة؟ فالصَّحابةُ رضي الله عنهم تابعوا عُثمانَ حينما أتَمَّ الصَّلاةَ في مِنَى، والمعروفُ مِن سُنَّةِ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم وسُنَّةِ أبي بكرٍ، وسُنَّةِ عُمرَ، وسُنَّةِ عُثمانَ، ثمان سنوات أو ست سنوات مِن خِلافتِهِ أنَّهم كانوا يصلُّون في مِنَى ركعتين، وفي آخرِ خِلافةِ عُثمانَ صار يصلِّي أربعاً، حتى إنَّ ابنَ مسعود رضي الله عنه لما بلغه ذلك استرجع، وقال: «إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون» فجعلَ هذا أمراً عظيماً، ومع ذلك كانوا يصلُّون خَلْفَه أربعَ ركعات مع إنكارهم عليه، كلُّ هذا مِن أجلِ دَرْءِ الخِلافِ حتى قيل لابن مسعود: يا أبا عبدِ الرحمن، كيف تُصلِّي أربعَ ركعات، وأنتَ تُنكرُ هذا؟ فقال: «إن الخلاف شر» (¬1)، وهذا هو الحقُّ الذي أمَرَ اللهُ به، قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52] وقال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]. فالأمةُ الإسلاميةُ أمةٌ واحدةٌ، وإنِ اختلفتْ آراؤها، فيجبُ أن يكون مظهرُها واحداً لا يختلفُ؛ لأنَّ الأمةَ الإسلاميةَ لها أعداء يعلنون العداوةَ صَراحةً، وهم الكفَّارُ الصُّرحاءُ مثل اليهود والنَّصارى والمجوس والوثنيين والشيوعيين وغيرهم. ولها أعداءٌ يُخفُونَ عداوتَهم مثل المنافقين، وما أكثرُ المنافقين في زماننا، وإنْ كانوا يتسمَّونَ باسم غير النِّفاق، كحزبٍ ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بمنى (1960).

ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة

معيَّنٍ مثلاً، فهناك طوائفُ كثيرةٌ لها أسماءٌ وأشكالٌ لكن المُسمَّى واحد، وكلُّها حَرْبٌ على الإسلام وعلى أهلِهِ، لذلك يجب على أهلِ الإسلام أن يكونوا أمةً واحدة. ويؤسفنا كثيراً؛ أنْ نجدَ في الأمةِ الإسلاميةِ فِئةً تختلفُ في أمورٍ يسوغُ فيها الخلافُ، فتجعل الخلافَ فيها سبباً لاختلاف القلوبِ، فالخِلافُ في الأمةِ موجودٌ في عهد الصَّحابةِ، ومع ذلك بقيت قلوبُهم متَّفقةٌ، فالواجب على الشبابِ خاصَّة، وعلى كلِّ المستقيمين أن يكونوا يداً واحدة، ومظهراً واحداً؛ لأنَّ لهم أعداء يتربَّصونَ بهم الدَّوائر. ونعلم جميعاً أنَّ التفرُّقَ أعظمُ سلاحٍ يفتِّتُ الأمةَ ويفرِّقُ كلمتَها، ومِن القواعدِ المشهورةِ عند النَّاسِ: أنك إذا أردتَ أنْ تنتصرَ على جماعةٍ فاحرصْ على التفرقة بينهم؛ لأنَّهم إذا اختلفوا صاروا سلاحاً لك على أنفسِهم، وليس أحدٌ بمعصوم، لكن إذا خالفك شخصٌ في الرَّأي في آية أو حديث مما يسوغُ فيه الاجتهاد؛ فالواجبُ عليك أنْ تتحمَّلَ هذا الخِلافَ، بل أنا أرى أنَّ الرَّجُلَ إذاخالفَكَ بمقتضى الدليلِ عنده لا بمقتضى العنادِ أنَّه ينبغي أن تزداد محبَّةً له؛ لأنَّ الذي يخالفُكَ بمقتضى الدَّليلِ لم يصانعْك ولم يحابِك، بل صار صريحاً مثلما أنك صريحٌ، أما الرَّجُلُ المعاندُ فإنَّه لم يرد الحقَّ. وَلاَ تُكْرَهُ إِعَادَةُ الجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالمَدِينَة ......... قوله: «ولا تكره إعادة الجماعة». يعني: لو صَلَّى الإمامُ الراتبُ في الجماعة، ثم أتتْ جماعةٌ أُخرى لتُصلِّي في نفسِ المسجدِ، فهل تُكرهُ إعادةُ الجماعةِ هذه أو لا تُكره؟

الجواب: صَرَّحَ المؤلِّفُ بأنها لا تُكره، ونَفْيُ الكراهةِ يدلُّ ظاهُره على أنَّ المسألةَ مباحةٌ فقط، وأنَّها ليست بمشروعةٍ، ولكن الظَّاهرُ أنَّه غيرُ مرادٍ؛ وأن مرادَه بنفي الكراهة دَفْعُ قولِ مَن يقول بالكراهة، وعلى هذا؛ فلا ينافي القول بالاستحباب، بل بالوجوب؛ لأنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ، وقد نبَّه كثيرٌ مِن المتأخِّرين على أنَّ هذا مرادُ المؤلِّفِ وغيرِه ممن قال: لا تُكره. فيكون المعنى: أننا لا نقولُ بهذا القول، وإذا لم نقل به رجعنا إلى الأصل. والأصل: أنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ. وعلى هذا؛ فتكون إعادةُ الجماعةِ إذا فاتت مع الإمامِ الرَّاتبِ واجبةٌ؛ لأنَّ الجماعةَ واجبةٌ وفواتُها مع الإمام الرَّاتب لا يُسقط الوجوبَ. وقال بعضُ أهل العِلمِ: إنها مستحبَّةٌ وليست بواجبةٍ؛ لأنَّ الصلاةَ الأُولى هي التي يجب على المكلَّفِ حضورها، وهي التي يحصُلُ بها الفضلُ العظيمُ الذي رتَّبه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم. وهذه المسألة لها ثلاثُ صور: الصورةُ الأُولى: أن يكون إعادةُ الجماعةِ أمراً راتباً. الصورة الثانية: أن يكون أمراً عارضاً. الصورة الثالثة: أن يكون المسجدُ مسجدَ سوقٍ، أو مسجدَ طريقِ سياراتٍ، أو ما أشبه ذلك، فإذا كان مسجدَ سُوقٍ يتردَّدُ أهلُ السُّوقِ إليه فيأتي الرَّجُلان والثلاثةُ والعشرةُ يصلُّون ثم يخرجون، كما يوجد في المساجد التي في بعض الأسواق، فلا تُكره إعادةُ الجماعة فيه، قال بعضُ العلماء: قولاً واحداً، ولا

خِلافَ في ذلك؛ لأنَّ هذا المسجدَ مِن أصلِهِ معدٌّ لجماعاتٍ متفرِّقةٍ؛ ليس له إمامٌ راتبٌ يجتمعُ الناسُ عليه. فأما الصُّورة الأوُلى، بأن يكون في المسجدِ جماعتان دائماً، الجماعة الأُولى والجماعةُ الثانيةُ، فهذا لا شَكَّ أنَّه مكروهٌ إنْ لم نقل: إنه محرَّمٌ؛ لأنَّه بدعةٌ؛ لم يكن معروفاً في عهدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. ومِن ذلك ما كان معروفاً في المسجدِ الحرامِ سابقاً قبل أن تتولَّى الحكومةُ السعوديةُ عليه، كان فيه أربعُ جماعاتٍ، كلُّ جماعة لها إمامٌ: إمامُ الحنابلةِ يصلِّي بالحنابلة، وإمامُ الشافعيةِ يصلِّي بالشافعيةِ، وإمامُ المالكيةِ يصلِّي بالمالكيةِ، وإمامُ الأحنافِ يصلِّي بالأحنافِ. ويسمُّونه: هذا مقامُ الشَّافعي، وهذا مقامُ المالكي، وهذا مقامُ الحنفي، وهذا مقامُ الحنبلي، لكن الملك عبد العزيز جزاه اللهُ خيراً لمَّا دخل مكَّة، قال: هذا تفريقٌ للأمَّةِ، أي: أنَّ الأمةَ الإسلاميةَ متفرِّقة في مسجدٍ واحدٍ، وهذا لا يجوز، فجمعهم على إمامٍ واحدٍ، وهذه مِن مناقبه وفضائله رحمه الله تعالى. فهذا الذي أشار إليه أحدُ المحاذير، وهو تفريقُ الأمة. وأيضاً: أنه دعوةٌ للكسلِ؛ لأنَّ الناسَ يقولون: ما دامَ فيه جماعةٌ ثانية ننتظر حتى تأتي الجماعةُ الثانيةُ، فيتوانى النَّاسُ عن حضور الجماعةِ مع الإمامِ الرَّاتبِ الأولِ. وأما الصُّورة الثانيةُ، أن يكونَ عارضاً، أي: أنَّ الإمامَ الرَّاتبَ هو الذي يصلِّي بجماعةِ المسجدِ، لكن أحياناً يتخلَّفُ رَجُلان أو ثلاثةٌ أو أكثرُ لعذرٍ، فهذا هو محلُّ الخِلافِ.

فمِن العلماءِ مَن قال: لا تعادُ الجماعةُ، بل يصلُّون فُرادى. ومِنهم مَن قال: بل تُعادُ، وهذا القول هو الصَّحيحُ، وهو مذهبُ الحنابلةِ، ودليل ذلك: أولاً: حديث أُبيّ بن كعب أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُه مع الرَّجُلين أزكى مِن صلاتِهِ مع الرَّجُلِ، وما كان أكثرُ فهو أحبُّ إلى اللهِ» (¬1)، وهذا نصٌّ صريحٌ بأنَّ صلاةَ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أفضلُ مِن صلاتِهِ وحدَه، ولو قلنا: لا تُقامُ الجماعةُ لزم أَنْ نجعلَ المفضولَ فاضلاً، وهذا خِلافُ النَّصِّ. ثانياً: أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان جالساً ذاتَ يومٍ مع أصحابه، فَدَخَلَ رَجُلٌ بعدَ أن انتهتِ الصَّلاةُ، فقال: «مَنْ يَتصدَّقُ على هذا فَيصلِّيَ معه؟»، فقامَ أَحَدُ القومِ فَصلَّى مع الرَّجُلِ (¬2). وهذا نَصٌّ صريحٌ في إعادةِ الجماعةِ بعدَ الجماعةِ الراتبةِ حيث نَدَبَ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام مَن يصلّي مع هذا الرَّجُلِ، وقولُ مَن قال: إنَّ هذه صدقةٌ، وإذا صَلَّى اثنان في المسجدِ وقد فاتتهما الصَّلاةُ فصلاةُ كلِّ واحدٍ منهما واجبٌة؟ فيقال: إذا كان يُؤمرُ بالصَّدقةِ، ويُؤمرُ مَن كان صَلَّى أنْ يصلِّيَ مع هذا الرَّجُلِ، فكيف لا يُؤمرُ مَن لم يُصلِّ أنْ يُصلِّيَ مع هذا الرَّجُلِ؟ قوله: «في غير مسجدي مكة والمدينة» أي: في غيرِ المسجدِ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (151). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (3/ 5، 45، 64، 85)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع في المسجد مرتين (574)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صُلي فيه مرّة (220) وقال: «حديث حسن».

وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة

الحرامِ ومسجدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فَتُكرَهُ إعادةُ الجماعةِ فيهما، قالوا: لئلا يتوانى الناسُ عن حضورِ الصَّلاةِ مع الإمامِ الراتبِ. ولكن هذا التعليل لو أخذنا به لا انطبقَ على المسجدين وغيرِهما، وهذا هو القولُ الأولُ في هذه المسألةِ. القول الثاني: أن إعادةَ الجماعةِ لا تُكره في المسجدين، وأنَّ المسجدَ الحرامَ والمسجدَ النبويَّ كغيرِهما في حُكمِ إعادةِ الجماعةِ، وعلى هذا؛ فإذا دخلتَ المسجدَ الحرامَ، وقد فاتتكَ الصَّلاةُ مع الإمامِ الرَّاتبِ أنت وصاحبُك، فصلِّيا جماعةً ولا حرجَ، هذا هو الصَّحيح إذا لم يكن عادة. قوله: «وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». هذا الكلامُ هو لفظُ حديثٍ أخرجَه مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ» (¬1) فتكون هذه مسألةً ودليلاً، أي: أنَّ المؤلِّفَ جَمَعَ بين كونِهِ ذكرَها مسألةً مِن مسائلِ العِلمِ، وهي نفسُها دليلٌ، وهذا نادرٌ. وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ .......... وقوله: «إذا أُقيمت» هل المراد بإقامة الصَّلاةِ الذِّكرِ المخصوصِ الذي هو الإعلامُ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ، أو المرادُ نفسُ الصَّلاةِ؛ لأنَّ اللهَ قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [البقرة: 43] أي: إذا شَرَعَ الإمامُ بالصَّلاةِ، فلا صَلاةَ إلا المكتوبةُ؟ في هذا خِلافٌ بين أهل العِلمِ الذين شرحوا الحديثَ: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (121).

القول الأول: أنَّ المرادَ بإقامةِ الصَّلاةِ الشروعُ فيها، أي: تكبيرةَ الإحرامِ. القول الثاني: أنَّ المرادَ بالإقامةِ ابتداءُ الإقامةِ؛ التي هي الإعلامُ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ. القول الثالث: أنَّ المرادَ انتهاءُ الإقامةِ، وهذا القولُ قريبٌ مِن القولِ الأولِ، وإنْ كان الإمامُ قد يتأخَّر عن إتمامِ الإقامةِ إمَّا بتسويةِ الصفوفِ، أو بحدوثِ عُذرٍ له أو ما أشبه ذلك. ولكن إذا عرفنا الحكمةَ مِن النَّهي؛ أمكننا أنْ نحدِّدَ المرادَ بالإقامةِ، والحكمةُ مِن النَّهي هو: أن لا يتشاغلَ الإنسانُ بنافلةٍ يقيمُها وحدَه إلى جَنْبِ فريضةٍ تقيمُها الجماعةُ؛ لأنه يكون حينئذٍ مخالفاً للنَّاسِ مِن وجهين: الوجه الأول: أنَّه في نافلةٍ، والنَّاسُ في فريضةٍ. الوجه الثاني: أَنَّه يُصلِّي وحدَه، والنَّاسُ يصلُّون جماعةً. ومِن المعلومِ أنَّ الإنسانَ لو شَرَعَ بالنَّافلةِ بعدَ أنْ يبدأَ المقيمُ بالإقامةِ، فإنَّه لن ينتهيَ منها غالباً إلا وقد شَرَعَ النَّاسُ في صلاةِ الجماعةِ. وعلى هذا؛ لا يجوزُ أنْ يبتدىءَ صلاةَ نافلةٍ بعدَ شُروعِ المقيمِ في الإقامةِ، لأنَّ عِلَّة النَّهي موجودةٌ في هذه الصُّورةِ، ومِن بابِ أَولى أن لا يَشرعَ في النَّافلةِ إذا انتهتِ الإقامةُ، أو إذا شَرَعَ الإمامُ في الصَّلاةِ. وعلى هذا؛ فقولُه صلّى الله عليه وسلّم: «فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ» (¬1) أي: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (121).

فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها

فلا صلاةَ تُبتدأُ إلا المكتوبةُ، فيتعيَّن أنْ يكون المرادُ بالإقامةِ الشروعُ فيها؛ لأنَّ الإنسانَ إذا ابتدأَ النافلةَ في هذا الوقتِ سوف يتأخَّرُ عن صلاةِ الجماعةِ. مسألة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فلا صلاة» هل يشمَلُ الابتداءَ والإتمامَ؟. الجواب: في ذلك قولان لأهلِ العِلمِ. القول الأول: أنَّه يشمَلُ الابتداءَ، والإتمامَ، أي: فلا صلاةَ ابتداءً ولا إتماماً، فلا يُتِمُّ صلاةً هو فيها، حتى إنَّ بعضَهم بالغ فقال: لو لم يبقَ عليه إلا التسليمةُ الثانيةُ وأقامَ المقيمُ فإنَّها تبطلُ صلاتُه؛ لأنَّ التسليمتينِ رُكنٌ مِن أركانِ الصَّلاةِ، أو واجبٌ، أو سُنَّةٌ. القول الثاني: أنه لا صلاةَ ابتداءً وعلى هذا القول يُتِمُّ النَّافلةَ ولو فاتته الجَماعةُ. والذي يظهر أن قولَه صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ» المرادُ به ابتداؤها، وأنه يَحرُمُ على الإنسانِ أن يبتدىءَ نافلةً بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ، أي: بعدَ الشروعِ فيها؛ لأنَّ الوقت تعيَّنَ لمتابعةِ الإمام. فَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ أَتمها إِلاَّ أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ الجَمَاعَةِ فَيَقْطَعُهَا قوله: «فإن كان في نافلة أتمها» أي: فإن كان شَرَعَ في النَّافلةِ ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ أتمَّها، ولكن يتمُّها خفيفةً مِن أجلِ المبادرةِ إلى الدُّخولِ في الفريضة. قوله: «إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها» بضم العين استئنافاً أي: فإنَّه يقطَعُها وبماذا تفوتُ الجماعةُ؟

الجواب: تفوتُ الجماعةُ على المذهب بتسليم الإمام قبلَ أن يكبِّرَ المسبوقُ تكبيرةَ الإحرامِ، فإذا سَلَّمَ الإمامُ قبلَ أنْ تكبِّرَ تكبيرةَ الإحرامِ فاتتك الجماعةُ، فإن كبَّرتَ للإحرامِ قبلَ أن يُسلِّمَ التسليمةَ الأُولى فقد أدركتَ الجماعةَ. وبناءً على ذلك نقولُ لهذا الذي شَرَعَ في النَّافلةِ قبلَ إقامة الصَّلاةِ: استمرَّ إلا إنْ خشيتَ أنْ يُسلِّمَ الإمامُ قبلَ أن تُتِمَّ؛ فحينئذٍ اقْطَعْهَا؛ لأنك إذا خشيتَ أنْ يُسلِّمَ الإِمامُ قبلَ أن تُتِمَّ لزِمَ مِن ذلك تعارضُ نَفْلٍ مع فَرْضٍ؛ لأنَّ صلاةَ الجماعةِ فَرْضٌ والنَّافلةُ نَفْلٌ، والفَرْضُ مقدَّمٌ على النَّفلِ، وهذه المسألة يَنْدُرُ حصولُها إلا في صلاةِ الصُّبحِ مثلاً إذا كان الإمامُ يُسرِعُ وقد شرعتَ في النَّافلةِ قبلَ أن تُقامَ الصَّلاةُ بجزءٍ يسيرٍ فيمكن أنْ تخشى فواتَ الجماعةِ، لكن في الرُّباعيةِ والثُّلاثيةِ الغالب أنك لا تخشى فواتَ الجماعةِ، وعلى كلامِ المؤلِّفِ نقول: أتمَّ النافلةَ حتى لو لم تدركْ إلا تكبيرةَ الإحرامِ قبل تسليم الإمامِ التسليمةَ الأُولى. والذي نرى في هذه المسألةِ: أنك إنْ كنتَ في الرَّكعةِ الثانيةِ فأتمَّها خفيفةً، وإنْ كنت في الرَّكعةِ الأولى فاقطعْهَا. ومستندُنا في ذلك قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ» (¬1) وهذا الذي صَلَّى ركعةً قبلَ أَنْ تُقامَ الصَّلاةُ يكون أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ سالمة مِن المعارضِ الذي هو إقامةُ الصَّلاةِ، فيكون قد أدرك الصلاةَ بإدراكِه الركعةَ قبلَ النهي فليُتمَّها خفيفةً، أما إذا كان في الركعة الأولى ولو في ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (2/ 121).

السَّجدةِ الثانيةِ منها فإنَّه يقطعُها؛ لأنه لم تتمَّ له هذه الصَّلاةُ، ولم تخلصْ له؛ حيث لم يدركْ منها ركعة قبلَ النَّهي عن الصَّلاةِ النافلةِ. وهذا هو الذي تجتمع فيه الأدلَّةُ. وقوله: «فلا صلاة إلا المكتوبة»، ظاهرُ كلامِهِ: أنَّه لا فَرْقَ بين أن تقامَ الصَّلاةُ وأنت في المسجدِ أو في بيتِكَ، مع وجوب الجماعةِ عليك. وعلى هذا؛ فلو سمعتَ الإقامةَ وأنت في بيتِك، وقلتَ: سأصلِّي سُنَّةَ الفجرِ؛ لأنَّ الفجرَ تطول فيها القِراءةُ؛ وبيتي قريبٌ مِن المسجدِ؛ ويمكنني أن أدركَ الركعةَ الأولى، فإنَّ ذلك لا يجوزُ لعمومِ الحديثِ: «إذا أُقيمت الصَّلاةُ» (¬1)، ولأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم الإقامةَ فامشوا إلى الصَّلاةِ» (¬2)، فقوله: «فامشوا» أمْرٌ، وبناءً على ذلك: لا فَرْقَ بين أن تُقامَ الصَّلاةُ وأنت في المسجدِ، وبين أن تُقامَ وأنت في بيتِك، فمتى سمعتَ الإقامةَ وأنت في الركعة الأُولى ـ على ما اخترناه من الأقوال ـ فاقْطَعْهَا واذهبْ، وإن كنت في الثانية فأتمَّها خفيفةً، هذا ما لم تخشَ فواتَ الجماعةِ؛ لأنك إذا كنتَ خارجَ المسجدِ رُبَّما تخشى فواتَ الجماعةِ؛ ولو كنت في الركعة الثانية، فحينئذٍ اقْطَعْها؛ لأنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ والنافلةُ نَفْلٌ. وقولُ المؤلِّفِ: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، مرادُه إذا كنتَ تريدُ أنْ تصلِّيَ مع هذا الإمامِ، أما إذا كنتَ لا تريدُ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (121). (¬2) تقدم تخريجه (3/ 7).

ومن كبر قبل سلام إمامه لحق الجماعة

أنْ تصلِّيَ معه، فلا حَرَجَ عليك أن تتنفَّلَ، فلو كان بجوارِكَ مسجدان وسمعتَ إقامةَ أحدِهما، وأردت أن تصلِّيَ الرَّاتبةَ؛ لتصلِّيَ في المسجدِ الثاني؛ فلا حَرَجَ عليك. مسألة: إذا مَرَّ الإنسانُ بمسجدٍ جامعٍ يخطُبُ يومَ الجُمعة وهو لا يريدُ الصلاةَ معه، فهل له أن يتكلَّمَ والإمامُ يخطبُ، أو ليس له أن يتكلَّمَ؟ الجواب: له أن يتكلَّمَ؛ لأنَّه لا يريدُ الائتمامَ بهذا الإمامِ، وكذلك لو أُذِّنَ الأذانُ الثاني في هذا المسجدِ يومَ الجُمُعةِ، والمسجدُ الذي تريدُ أنْ تصلِّيَ فيه لم يؤذِّنْ، وحصلَ منك بيعٌ أو شراءٌ بعدَ نداءِ الجُمُعةِ في المسجدِ الذي لا تريدُ أن تُصلِّيَ فيه، فالبيعُ والشراءُ صحيحٌ وحلالٌ. وَمَن كَبَّرَ قَبْلَ سَلاَمِ إِمَامِهِ لَحِقَ الجَمَاعَةَ ........... قوله: «ومن كبّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة». أي: إذا كَبَّرَ المأمومُ قبلَ سلامِ إمامه التَّسليمةَ الأُولى، فإنه يدركُ الجماعةَ إدراكاً تاماً. ووجه ذلك: أنه أدركَ جزءاً مِن الصلاةِ، فكان له حكمُ مُدركِ الصَّلاةِ، كمَن أدركَ ركعةً، فإنَّ مَن أدركَ ركعةً، أدركَ الصَّلاةَ بمقتضى الحديثِ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: «مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ» (¬1). وقوله: «قبل سلام إمامه» المرادُ التَّسليمةُ الأُولى دون التَّسليمةِ الثانيةِ، ولهذا لو جئتَ والإمامُ قد سلَّمَ التسليمةَ الأُولى ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (2/ 121).

فلا تدخلْ معه، حتى إنَّ الفقهاءَ رحمهم الله صَرَّحوا: بأنه لو دَخَلَ معه بعدَ التسليمةِ الأُولى فإنَّ صلاتَهُ لا تنعقدُ ووَجَبَ عليه الإعادةُ، لأنَّه ـ أي: الإمامَ ـ لمَّا سَلَّمَ التسليمةَ الأُولى شَرَعَ في التَّحلُّلِ مِن الصَّلاةِ فلا يصحُّ أنْ تنويَ الائتمامَ به وهو قد شَرَعَ في التَّحلُّلِ مِن الصَّلاةِ. والقول الثاني: أنَّه لا يدركُ الجماعةَ إلا بإدراكِ ركعة كاملة. وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله. ودليلُه قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ»، فإنَّ منطوقَ الحديثِ أنَّ مَن أدركَ ركعةً مِن الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ، ومفهومُه: أنَّ مَن أدركَ دون ذلك فإنه لم يدركْ الصَّلاةَ، ولا يصحُّ قياسُ إدراكِ ما دون الركعةِ على إدراكِ الرَّكعةِ؛ لأنَّ إدراكَ الرَّكعةِ أكبر وأكثر مِن إدراكِ ما دون الرَّكعةِ، والأقلُ لا يُقاسُ على الأكبرِ والأكثرِ. ودليلُه من حيث القياس: أنَّه لو أدركَ في الجُمُعةِ أقلَّ مِن الرَّكعةِ لزِمَه أن يتمَّها ظهراً، ولم يكن مُدركاً لها، فأيُّ فَرْقٍ بين الإدراكين (¬1)؟ وينبني على هذا: أنك لو أتيتَ إلى مسجدٍ والإمامُ قد رَفَعَ رأسَه مِن الرُّكوعِ في الركعةِ الأخيرةِ، وأنت تعلمُ أنك ستدركُ مسجداً آخر مِن أول الصَّلاةِ، أو ستدرِكُ ركعةً في المسجدِ الثَّاني فإننا نقول لك: لا تدخل مع هذه الجماعةِ؛ لأنَّك سوف تدرك ¬

_ (¬1) كما سيأتي في المجلد الخامس إن شاء الله تعالى.

وإن لحقه راكعا دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة

جماعةً إدراكاً تاماً في مسجدٍ آخر، أما على كلامِ المؤلِّفِ فادْخُلْ مع الإمامِ؛ لأنك سوف تدركُ الجماعةَ ما دمتَ قد أدركتَ تكبيرةَ الإحرامِ قبلَ تسليمةِ الإمامِ الأُولى. وَإِنْ لَحِقَهُ رَاكِعاً دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ وَأَجْزَأَتْهُ التَّحْرِيْمَةُ ...... قوله: «وإن لحقه» أي: لَحِقَ المأمومُ الإمامَ. قوله: «راكعاً» حال من الضمير «الهاء» في قوله: «لَحِقَهُ» يعني: إن لَحِقَ الإمامَ راكعاً دخَلَ معه في الرَّكعةِ، ويكون قد أدركَ الرَّكعةَ. قوله: «وأجزأته التحريمة» أي: تكبيرةُ الإحرامِ وأجزأته عن تكبيرةِ الرُّكوعِ، فيكبِّرُ مرَّةً واحدة وهو قائمٌ، ثم يركعُ بدون تكبير. وذلك لأنَّهما عبادتان مِن جنسٍ واحدٍ اجتمعتا في آنٍ واحدٍ، فاكتُفِيَ بإحداهما عن الأخرى. وتعليل آخر: أنه لو اشتغل بالتكبير للرُّكوعِ فرُبَّما فاته الرُّكوعُ، والمحافظةُ على الرُّكوعِ أَولى؛ لأنَّ التكبيرَ واجبٌ للرُّكوعِ، والرُّكوعُ هو الأصلُ؛ لأنه رُكْنٌ. ولهذا قالوا: لا يجب عليه أن يكبِّرَ للرُّكوعِ في هذه الحالِ، ولكن؛ التكبيرُ أفضلُ وأكملُ؛ لأنَّ المقامَ مقامُ احتياط، إذ إنه يمكن أن يقول قائل: ما دليلُكم على سقوطِ تكبيرةِ الرُّكوعِ؟ وقولُكم: «إنَّهما عبادتان مِن جنسٍ اجتمعتا في آنٍ واحدٍ» فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تكبيرةَ الإحرامِ تكون حالَ القيامِ، وتكبيرةَ الرُّكوعِ حالَ الهويِّ للرُّكوعِ، فالمكان ليس واحداً. والقول الثاني في المسألة: أنه يجبُ أن يكبِّر للرُّكوعِ. ولكن هنا أمْرٌ يجبُ أن يُتفَطَّنُ له، وهو أنَّه لا بُدَّ أنْ يكبِّرَ

للإحرامِ قائماً منتصباً قبل أنْ يهويَ؛ لأنَّه لو هَوى في حالِ التكبيرِ لكان قد أتى بتكبيرةِ الإحرامِ غير قائمٍ وتكبيرةُ الإحرامِ لا بُدَّ أن يكونَ فيها قائماً. وقوله: «وأجزأته التحريمة» لم يتكلَّمْ المؤلِّفُ عن قِراءةِ الفاتحةِ، لأنَّ المشهورَ مِن المذهب أنَّه لا قِراءةَ على المأمومِ، ولهذا لو تعمَّدَ تَرْكَ قِراءةِ الفاتحةِ فصلاتُه صحيحةٌ كما سيأتي، إنْ شاءَ اللهُ. أما على القولِ الرَّاجح؛ مِن أنَّه يجبُ على المأمومِ أنْ يقرأَ الفاتحةَ في كلِّ ركعةٍ، فإنَّ الفاتحةَ هنا تسقطُ عنه بمقتضى الدَّليلِ والتعليلِ. أما الدليل فهو: ما رواه البخاريُّ مِن حديثِ أبي بكرةَ رضي الله عنه أَنَّه دخلَ مع النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم راكعاً، ولم يأمرْه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقضاءِ تلك الرَّكعةِ، فإنَّه جاءَ مسرعاً، وكَبَّرَ قبلَ أنْ يدخلَ في الصَّفِّ ورَكَعَ، ولمَّا سَلَّم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سأَلَ: مَن الفاعلُ؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال له: «زَادكَ الله حِرصاً ولا تَعُدْ» (¬1). وقد جاءَ هذا الحديثُ مِن طريقِ غيرِ «الصحيح» وفيه: «يريدُ أن يُدرِكَ الركعةَ» (¬2) ولا شكَّ أنه لم يستعجلْ إلا خوفاً مِن أنْ تفوته الرَّكعة، ولو كان لم يدركْ الرَّكعةَ في هذا الحالِ؛ لأمرَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يقضيَ الرَّكعةَ، فلمَّا لم يأمرْه، عُلِمَ أنها صحيحةٌ، وأنَّه معتدٌّ بها. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا ركع دون الصف (783). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (5/ 42).

ولا قراءة على مأموم

وأما التعليل: فهو أنَّ قراءةَ الفاتحةِ إنَّما تجبُ في حالِ القيامِ، والقيامُ هنا سَقَطَ ضرورةَ مُتابعةِ الإمامِ؛ فلمَّا سَقَطَ عنه القيامُ سَقَطَ عنه الذِّكرُ الواجبُ فيه، وهو قِراءةُ الفاتحةِ. وَلاَ قِرَاءَةَ عَلَى مَأْمُومٍ ........ قوله: «ولا قراءة على مأموم» أي: لا يجب على المأموم أن يقرأَ مع الإِمامِ لا في صلاة السِّرِّ ولا في صلاة الجهرِ. وعلى هذا؛ فلو كَبَّر المأمومُ مع الإمامِ في أوَّلِ ركعة، وسكتَ حتى رَكَعَ الإمامُ، ثم تَابَعَ الإمامَ، وقامَ للرَّكعةِ الثانيةِ، وسكت حتى رَكَعَ الإمامُ، ثم في الثالثة والرابعة، قلنا له: إن صلاتَك صحيحةٌ؛ لأنَّه ليس على المأمومِ قراءةٌ لا فاتحةٌ ولا غير فاتحة. والدليلُ: حديثُ: «مَنْ كان له إمامٌ فقراءةُ الإمامِ له قراءةٌ» (¬1)، وهذا عامٌّ يشمَلُ الصَّلاةَ السريةَ والصَّلاةَ الجهريةَ، وهو نصٌّ في أنَّ قِراءةَ الإمامِ قراءةٌ له. ولكن؛ هذا الحديثُ لا يصحُّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كما قال ابنُ كثير رحمه الله في «تفسيره» (¬2): «إنه رُويَ عن جابرٍ موقوفاً وهو أصَحُّ»، وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في «الفتح» (¬3): «إنه ضعيفٌ عند الحُفَّاظ»، وإذا كان ضعيفاً سَقَطَ الاستدلالُ به؛ لأنَّ صحَّةَ الاستدلالِ بالحديثِ لها شرطان: الشرط الأول: صحَّةُ الحديثِ إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم. الشرط الثاني: صحَّةُ الدلالةِ على الحُكمِ، فإنْ لم يصحَّ عن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 300). (¬2) «تفسير القرآن العظيم» (الأعراف:204). (¬3) «فتح الباري» (2/ 242).

الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو مرفوضٌ، وإن صحَّ ولم تصحَّ الدَّلالة فالاستدلالُ به مرفوضٌ. ثم على تقديرِ صحَّته لا يدلُّ على أن المأمومَ لا قراءةَ عليه في السِّريَّةِ والجهريةِ وإنما يدلُّ على أنَّه لا قِراءةَ عليه في الصَّلاةِ الجهرية إذا سمعها من إمامه لأنَّ قولَه: «قِراءةُ الإمامِ له قِراءة» يدلُّ على أنَّ المأمومَ استمعَ إليها فاكتفى بها عن قِراءتِهِ، ولكن الحديثُ ضعيفٌ كما سَبَقَ، ولا يحلُّ لنا أن نُسنِدَ حكماً في شريعةِ الله إلى دليلٍ ضعيفٍ؛ لأنَّ هذا مِن القولِ على اللهِ بما نعلم أنه لا يصحُّ عن اللهِ، وليس بلا عِلْمٍ، بل أشدُّ؛ لأننا إذا أثبتنا حكماً في حديثٍ ضعيفٍ، فهذا أشدُّ مِن القولِ على اللهِ بلا عِلْمٍ لأنَّنا أثبتنا ما نعلمُ أنَّه لا يصحُّ. والقولُ الرَّاجحُ في هذه المسألةِ: أنَّ المأمومَ يجبُ عليه قراءةُ الفاتحةِ، وذلك لعمومِ قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لمَنْ لم يقرأْ بفاتِحةِ الكتابِ» (¬1). ومَنْ: اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم أي: أيَّ إنسانٍ لم يقرأ الفاتحة، فلا صلاة له سواء أكان مأموماً، أم إماماً، أم منفرداً، ولا يصحُّ أنْ يُحملَ هذا النَّفيُ على نفيِ الكمالِ لأنَّ الأصل نفيُ الصِّحةِ والإجزاءِ، لا نفيَ الكمالِ إلا بدليلٍ ولا دليل هنا على خروجهِ عن الأصلِ. فإن قال قائلٌ: هذا الحديثُ عامٌّ، ولدينا حديثٌ عامٌّ وآيةٌ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 62).

في القرآن وهي قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] والحديثُ قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الإِمامِ: «إذا قرأ فأنصِتُوا» (¬1) يدلُّ على عمومِ الإنصاتِ سواءٌ عن الفاتحةِ أو غيرِها؟ فالجواب: نقول: هذا صحيحٌ، وأنَّه عامٌّ في الفاتحةِ وغيرِها، وأنَّ المأمومَ إذا قرأَ الإمامُ فإنَّه ينصتُ، ولكن هذا العمومُ مقيَّدٌ بعموم: «لا صلاةَ لمَنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ» حيث قالَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بعدَ أنْ انفتلَ مِن صلاةِ الفجرِ؛ حينما قرأ في صلاةِ الفجرِ، وثَقُلت عليه القراءةُ، فلما انصرفَ قال: «لعلَّكم تقرأون خلفَ إمامكم؟ قالوا: إي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأُمِّ القرآن، فإنه لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بها» (¬2) وهذا نصٌّ صريحٌ في الصلاةِ الجهريةِ، لأنَّ صلاةَ الفجرِ صلاةٌ جهريةٌ. وعلى هذا؛ فتكون قراءةُ الفاتحةِ في الصلاةِ مستثناةٌ مِن قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] لأنَّ هذا عامٌّ والعامُ يدخله التَّخصيصُ، وكذلك قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا قَرأَ فأنصِتُوا» (¬3) وهذا هو المشهور مِن مذهبِ الإمامِ الشافعي رحمه الله، قال ابنُ مفلح تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهو أظهر» أي: أن وجوبَ قِراءةِ الفاتحةِ على المأمومِ حتى في الصَّلاةِ الجهريَّةِ أظهرُ، وصَدَقَ، فإنَّه أظهرُ مِن القولِ بعدمِ وجوبِ القِراءةِ على المأمومِ مطلقاً، أو في الصَّلاةِ الجهرية، فهذان قولان متقابلان، فالأقوال كما يلي: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 98). (¬2) تقدم تخريجه (3/ 296). (¬3) تقدم تخريجه (3/ 98).

القول الأول: أنه لا قِراءةَ على المأموم مطلقاً، وأنَّ المأمومَ لو وَقَفَ ساكتاً في كلِّ الركعات فصلاتُه صحيحةٌ، وهذا قول ضعيفٌ جداً. القول الثاني: وجوبها على المأمومِ في كلِّ الصلواتِ السريةِ والجهريَّةِ، وهذا مقابلٌ للقولِ الأولِ. والقول الثالث: أنها تجبُ على المأمومِ في الصَّلاةِ السريَّةِ دون الجهرية (¬1)، لأنَّ الجهريَّةَ إذا قرأ فيها الإمامُ فقراءتُه قراءةٌ للمأمومِ، والدليلُ على أن قراءتَه قراءة للمأموم: أنَّ المأموم يؤمِّنُ على قراءتِه، فإذا قال: «ولا الضالين» قال: «آمين»، ولولا أنَّها قِراءةٌ له لم يصحَّ أن يؤمِّنَ عليها؛ لأنَّ المؤمِّنَ على الدُّعاءِ كفاعلِ الدُّعاءِ: بدليلِ أنَّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام لما قال: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *} {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 88 ـ 89] والدَّاعي موسى بنصِّ الآيةِ، فكيف جاءتْ التثنيةُ؟ قالَ العلماءُ: لأنَّ موسى يدعو وهارون يؤمِّنُ؛ فَنَسَب اللهُ الدَّعوةَ إليهما مع أنَّ الدَّاعي واحد، لكن لما كان الثاني مُنْصِتاً له مؤمِّناً على دُعائِهِ صارت الدَّعوةُ دعوةً له. وحينئذٍ نقول: إذا قرأ الإمامُ الفاتحةَ وأنتَ مُنْصِتٌ له وأمَّنتَ عليه فكأنَّك قارىءٌ لها، وحينئذٍ لا تجبُ القراءةُ على المأمومِ في الصَّلاةِ الجهريَّةِ إذا سَمِعَ قراءةَ الإمامِ للفاتحةِ، وهذا القولُ اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابن تيمية رحمه الله. ¬

_ (¬1) سبقت هذه المسألة في المجلد الثالث ص (300).

واستدلَّ بعمومِ حديثِ أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم انصرفَ ذات يومٍ مِن صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءةِ، فقال: ما لي أُنازعُ القرآن؟ قال: فانتهى النَّاسُ عن القِراءةِ فيما يجهرُ فيه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم (¬1) قال: وهذا عامٌّ. واستدلَّ أيضاً: بأن المعنى يقتضي ذلك، إذ كيف نقولُ للمأمومِ اقرأْ؛ وإمامُه يقرأُ؟ فيكون جَهْرُ الإمامِ في هذه الحالِ عَبَثاً لا فائدةَ منه؛ لأنَّ الفائدةَ مِن جَهْر الإمامِ هو أنْ يستمعَ المأمومُ إليه ويتابعَه، وبهذا تتحقَّقُ المتابعةُ التامةُ، ولكن «إذا جاءَ نَهْرُ اللهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعقِلٍ» كما يقول المَثَلُ، فإذا كان النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسلامُ انصرفَ مِن صلاةِ الفجرِ وهي صلاةٌ جهريةٌ ونهاهم أنْ يقرؤوا خَلفَ الإمامِ إلا بأُمِّ القرآنِ، فلا قولَ لأحدٍ بعدَ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم. وإلا؛ فلا شكَّ أنَّ القولَ الذي فيه التفصيلُ له وجهةُ نَظَرٍ قويةٌ مِن حيث الدليلُ النظريُّ. لكن لا يستطيعُ الإنسانُ أن يقولَ بخلافِ ما دلَّ عليه حديثُ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، وعليه أن يتهمَ رأيَه في التَّصرفِ بالأدلَّة. وعلى هذا؛ فالقولُ الرَّاجحُ في هذه المسألة: وجوبُ قراءةِ الفاتحةِ على المأمومِ في الصَّلاةِ السِّريَّةِ والجهريَّةِ، ولا تسقطُ إلا إذا أدركَ الإمامَ راكعاً، أو أدركَه قائماً، ولم يدرك أنْ يكملَ الفاتحةَ حتى رَكَعَ الإمامُ، ففي هذه الحالِ تسَقطُ عنه (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 301). (¬2) انظر: (3/ 298).

مسألة: سَبَق إذا أدركَ الإمامَ راكعاً فإنَّ الماتنَ صَرَّحَ بأنه يكبِّرُ للإحرام؛ وتجزئُه عن تكبيرةِ الرُّكوع (¬1)، وأنه لو كَبَّرَ للرُّكوعِ لكان أفضلَ، لكن إذا أدركَهُ في غيرِ الرُّكوعِ، مثل أنْ يدركَ الإمامَ وهو جالسٌ، أو يدركِهُ بعدَ الرَّفْعِ مِن الرُّكوعِ، أو يدرِكَهُ وهو ساجدٌ فهنا يُكبِّرُ للإحرامِ، لكن هل يُكبِّرُ مرَّةً ثانية أو لا يُكبِّرُ؟ الجواب: هذا موضعُ خِلافٍ بين العلماءِ: القول الأول: أنه يَنحطُّ بلا تكبير. القول الثاني: أنه يَنحطُّ بتكبيرٍ. فالذين قالوا يَنحطُّ بتكبيرٍ علَّلوا: بأنَّ هذا كما لو أدركتَ الرُّكوعَ. وإذا أدركتَ الرُّكوعَ تُكبِّرُ مرَّةً للإحرامِ ومرَّةً للرُّكوعِ، إذن؛ إذا أدركتَه جالساً فكبِّرْ للإحرامِ ثم كَبِّرْ للجلوسِ. والذين قالوا: ينحطُّ بلا تكبير قالوا: لأنَّ انتقالَكَ مِن القيامِ إلى الرُّكوعِ انتقالٌ مِن رُكْنٍ إلى الذي يليَه فهو انتقالٌ في موضِعِهِ، لكن إذا دخلتَ مع الإمامِ وهو جالسٌ فإنَّ انتقالَك مِن القيامِ إلى الجلوسِ انتقالٌ إلى رُكْنٍ لا يليه، فلمَّا كان انتقالاً إلى رُكْنٍ لا يليَه، فلا تكبيرَ هنا؛ لأنَّ التكبيرَ إنَّما يكون في الانتقالِ مِن الرُّكْنِ إلى الرُّكْنِ الذي يليَه، وهنا الرُّكْنُ لا يليه، فلا يكبِّر، وهذا هو المشهورُ عند الفقهاءِ رحمهم الله: أنَّه ينحطُّ بلا تكبيرٍ. ولكن مع هذا نقولُ: لو كَبَّرَ الإنسانُ فلا حَرَجَ، وإن تَرَكَ فلا حَرَجَ ونجعلُ الخِيَارَ للإنسانِ؛ لأنه ليس هناك دليلٌ واضحٌ ¬

_ (¬1) انظر: ص (170).

ويستحب في إسرار إمامه وسكوته

للتَّفريقِ بين الرُّكوعِ وغيرِه، إذ مِن الجائزِ أن يقولَ قائلٌ: إنَّ القعودَ لا يلي القيامَ، لكن الذي جعلني أَقْعُدُ هو اتِّباعُ الإمامِ، فأنا الآن انتقلتُ إلى رُكْنٍ مأمورٌ بالانتقالِ إليه ولكن تبعاً للإمام لا باعتبارِ الأصلِ، وهذا لا شكَّ بأنه يؤيِّدُ القولَ بأنَّه يكبِّرُ فالذي نَرى في هذه المسألةِ أنَّ الاحتياطَ أن يكبِّرَ. وَيُسْتَحَبُّ فِي إِسْرَارِ إِمَامِهِ وَسُكُوتِهِ، ........... قوله: «ويستحب في إسرار إمامه وسكوته» أي: يُستحبُّ للمأمومِ قراءةُ الفاتحةِ وغيرِها. «في إسرارِ إمامِهِ» وهذا في الصَّلاةِ السِّريَّةِ. «وسكوته» وهذا في الصَّلاة الجَهريَّةِ. فما هي السكتاتُ في الصَّلاةِ الجهرية. الجواب: السَّكتاتُ: قبلَ الفاتحةِ في الرَّكعةِ الأُولى، وبينها وبين قراءة السُّورةِ في الرَّكعةِ الأُولى والثانية، وقبلَ الرُّكوعِ قليلاً في الرَّكعة الأُولى والثانية (¬1). فإذا سَكَتَ الإمامَ في هذه المواضع؛ فإنَّه يقرأُ استحباباً لا وجوباً، وإذا سَكَتَ لعارضٍ، مثل: أن يُصابَ بسُعَالٍ أو عُطَاسٍ، يقرأ: لأنَّ الإمامَ لا يقرأُ. وقال: «في إسرار إمامه وسكوته» بناءً على الغالبِ، وقد يُقالُ: إنَّ قوله: «وسكوته» يشمَلُ ما إذا سَكَتَ اختياراً أو اضطراراً. «تنبيه» قولنا: يستحبُّ للمأمومِ قراءةُ الفاتحةِ وغيرِها، مبنيٌّ على كلامِ المؤلِّفِ، وقد سَبَقَ أنَّ قِراءةَ الفاتحةِ على المأمومِ رُكْنٌ ¬

_ (¬1) انظر: (3/ 72).

وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش، ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه

لا بُدَّ منه فيقرؤها ولو كان الإمامُ يقرأ (¬1). وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْد لاَ لِطَرَشٍ، وَيَسْتَفتحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ إِمَامُهُ ........ قوله: «وإذا لم يسمعه لبعد» أي: ويستحبُّ أنْ يقرأَ إِذا لم يسمعْ الإمامَ لبُعْدٍ مثل: أن يكون المسجدُ كبيراً، وليس هناك مُكَبِّرُ صوتٍ فيقرأ المأمومُ إذا لم يسمعْ قراءةَ الإمامِ حتى غيرَ الفاتحةِ، ولا يسكتُ؛ لأنَّه ليس في الصَّلاةِ سكوتٌ. قوله: «لا لطرش» الطَّرشُ: الصَّممُ، أي: لا إنْ كان لا يسمعُ لصَمَمٍ، لأنَّه إذا قرأ لصَمَمٍ غالباً أشغل الذي حولَه عن استماعِه لقراءةِ إمامِهِ، أما إذا كان لبُعدٍ فإنَّ جميعَ المصلِّين سوف يقرؤون، ولا يحصُلُ به تشويشٌ. وأيضاً: إذا لم يسمْعُه لضجَّةَ كما لو كان حولَ المسجدِ «ورش» تشتغلُ فإنَّهُ يقرأُ، لأنَّ هذا المانعُ مِن السَّماعِ عامٌّ، ليس خاصًّا به، فهو كما لو كان المانعُ البُعْدُ. والحاصل: أنه إذا لم يسمعْ لمانعٍ خاصٍّ به وهو الصَّمَمُ؛ فإنَّه لا يقرأُ، اللَّهُمَّ إلا لو قُدِّرَ ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ أنَّ كُلَّ المأمومين طُرْشٌ، فحينئذٍ يقرأُ؛ لأنَّه في هذه الحالِ لن يُشوِّشَ على أحدٍ. وإن كان لا يسمع الإمام لمانع عامٍّ كالبعد والضجَّة فإنه يقرأ. قوله: «ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه» أي: أنَّ ¬

_ (¬1) انظر: ص (172).

ومن ركع، أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده

المأمومَ يقرأْ الاستفتاحَ، ويقرأُ التعوُّذَ فيما يجهرُ فيه الإمامُ، وظاهرُ كلامِهِ رحمه الله: أنه يفعلُ ذلك، وإنْ كان يسمعُ قِراءةَ الإمامِ، وهذا اختيارُ بعضِ أهلِ العِلْم. قالوا: لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم إنما نَهَى عن القِراءةِ فيما يجهرُ فيه الإمامُ بالقرآنِ. والاستفتاحُ والتعوذُ ليس بقراءةٍ. ولكن هذا القولُ فيه نَظَرٌ ظاهرٌ، لأنَّ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قرأَ فأنِصتُوا» (¬1) وهذا عامٌّ، ولأنَّه إذا أُمِرَ بالإِنصاتِ لقراءةِ الإِمامِ حتى عن قراءة القرآن، فالذِّكْرُ الذي ليس بقرآن مِن بابِ أَولى، لأننا نعلمُ أنَّ الشارعَ إنما نَهَى عن القراءةِ في حالِ قراءةِ الإمامِ مِن أجلِ الإِنصاتِ، كما قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204]. فالصَّوابُ في هذه المسألةِ: أنَّه لا يستفتحُ ولا يستعيذُ فيما يجهرُ فيه الإمامُ، ولهذا قال في «الرَّوضِ» وغيرِه: «ما لم يسمعْ قِراءةَ إمامِهِ» فإذا سَمِعَ قراءةَ إمامِهِ؛ فإنَّه يسكتُ لا يستفتحُ ولا يَستعيذُ. وعلى هذا؛ فإذا دخلتَ مع إمامٍ وقد انتهى مِن قراءةِ الفاتحةِ، وهو يقرأُ السُّورةَ التي بعدَ الفاتحةِ، فإنَّه يسقطُ عنك الاستفتاحُ، وتقرأُ الفاتحةَ على القولِ الرَّاجحِ وتتعوَّذُ؛ لأنَّ التعوّذَ تابعٌ للقِراءةِ. وَمَنْ رَكَعَ، أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ فَعَلَيهِ أَنْ يَرْفَعَ لَيَأْتِي بِهِ بَعْدَهُ .......... قوله: «ومَن رَكَعَ، أو سَجَدَ قبل إمامِهِ فعليه أن يرفع ليأتي به بعده». «من» أي: أيَّ مأمومٍ رَكَعَ أو سَجَدَ قبلَ إمامِهِ فعليه أن يَرْفَعَ. أي: يرجعُ مِن رُكوعِه إنْ كان راكعاً أو سجودِه إنْ كان ساجداً ليأتيَ به بعدَه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 98) عند قوله: (ربنا ولك الحمد).

وقوله: «فعليه» «على» تفيدُ الوجوبَ. أي: يجبُ عليه أنْ يرجعَ ليأتيَ به بعدَه، وإنَّما وجبَ عليه الرُّجوعُ مِن أجلِ المتابعةِ، لأنَّه إذا رَجَعَ أتى به بعدَ إِمامِهِ، وهذا الرُّكوعُ أو السُّجودُ الحاصلُ قبلَ رُكوعِ الإِمامِ أَو سجودِه غيرُ مُعْتَدٍّ به شرعاً؛ لأنَّه في غيرِ محلِّه، فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا رَكَعَ فاركعوا، وإذا سَجَدَ فاسجُدوا» (¬1) فإذا رَكَعَ قبلَه أو سَجَدَ بعدَه فقد أتى به في غيرِ موضِعه، فيكون ملغًى، ولهذا أوجبنا عليه الرُّجوعَ ليأتي به بعدَ الإِمامِ. وعُلِمَ مِن فحوى كلامِ المؤلِّفِ: أنَّ هذا العملَ محرَّمٌ أي: أن يركعَ المأمومُ قبلَ الإِمامِ، أو أنْ يسجدَ قبلَ الإِمامِ، وهو كذلك. ودليلُ هذا: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تركَعُوا حتى يركعَ، ولا تسجدُوا حتى يسجدَ» (¬2) والأصلُ في النَّهي التحريمُ، بل لو قال قائلٌ: إنَّه مِن كبائرِ الذُّنوبِ لم يُبْعِدْ؛ لقولِ النَّبيِّ: «أما يخشى الذي يرفعُ رأسَه قبلَ الإِمامِ أن يُحَوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حِمارٍ، أو يجعلَ صورتَه صورةَ حِمارٍ» (¬3) وهذا وعيدٌ، والوعيدُ مِن علاماتِ كون الذَّنْبِ مِن كبائرِ الذُّنوبِ، وعلى هذا؛ فنقولُ: إنَّ هذا الرَّجلَ فَعَل كبيرةً مِن كبائرِ الذُّنوبِ المتوعَّدِ عليها بأن يُحَوِّلَ اللهُ رأسَه ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 68). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 341)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي مِن قعود (603). (¬3) تقدم تخريجه (3/ 139).

فإن لم يفعل عمدا بطلت

رأسَ حِمارٍ، أو يجعلَ صورتَه صورةَ حِمارٍ، وسواءً كان هذا شَكًّا مِن الرَّاوي أو تنويعاً مِن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنَّ العقوبةَ: إما أنْ يُحوَّلَ الرأسُ رأسَ حِمارٍ، أو تُجعلَ الصُّورةُ صورةَ حِمارٍ. القول الثاني في المسألة: أنَّه إذا رَكَعَ أو سَجَدَ قبلَ إِمامِهِ عامداً فصلاتُهُ باطلةٌ، سواءٌ رَجَعَ فأتى به بعدَ الإِمامِ أم لا؛ لأنَّه فَعَلَ محظوراً في الصَّلاةِ، والقاعدةُ: أنَّ فِعْلَ المحظورِ عمداً في العبادةِ يوجبُ بطلانَها. وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، وهذا هو الذي يقتضيه كلامُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل رحمه الله في «رسالة الصلاة» وقال: كيف نقولُ: صلاتُهُ صحيحةٌ وهو آثمٌ؟!. فعليه أنْ يستأنفَ الصَّلاةَ، ومَن رَفَعَ مِن السجودِ أو مِن الرُّكوعِ قبلَ إمامِهِ فالحكمُ واحدٌ، فإذا رَفَعَ قبلَ رَفْعِ إمامِهِ مِن الرُّكوعِ عالماً عمداً فصلاتُهُ باطلةٌ، وإذا رَفَعَ مِن السُّجودِ كذلك فصلاته باطلَةٌ على القولِ الصحيح، أما على كلامِ المؤلِّفِ فإنَّها لا تبطلُ الصَّلاةُ، لكن يجبُ عليه أن يرجعَ ليأتيَ بذلك بعدَ الإِمامِ. فإِنْ لَم يَفْعَلْ عَمْداً بَطَلَتْ، ........... قوله: «فإن لم يفعل عمداً بطلت» أي: لو رَكَعَ أو سَجَدَ عمداً قبلَ الإمامِ، ولم يرجعْ حتى لَحِقَهُ الإمامُ فإنَّ صلاتَه تبطلُ. فصار إذا سَبَقَ إلى الرُّكنِ ـ على القولِ الرَّاجحِ ـ بطلتْ صلاتُه إذا كان عالماً متعمِّداً، وعلى كلامِ المؤلِّف لا تبطل، ولكن يرجعُ ليأتيَ به بعدَ إمامِهِ، فإنْ لم يفعلْ متعمِّداً بطلتْ صلاتُهُ. وإنْ لم يفعلْ سهواً أو جهلاً فصلاتُهُ صحيحةٌ أي: رَكَعَ قبلَ

وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالما عمدا بطلت، وإن كان جاهلا أو ناسيا بطلت الركعة فقط وإن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه بطلت إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعة قضاء

الإمامِ وهو لا يعرفُ أنَّ هذا حرامٌ، ولا يعرفُ أنَّه يجبُ عليه الرجوعُ حتى لَحِقَهُ الإِمامُ فصلاتُه صحيحةٌ. وَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوع إِمَامِهِ عَالِماً عَمْداً بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً أَوْ نَاسِياً بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ فَقَطْ. وَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوْعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ بَطَلَتْ إِلاَّ الجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ، وَيُصَلِّي تِلْكَ الرَّكْعَةَ قَضَاءً. قوله: «وإن ركع ورفع قبل إمامه عالماً عمداً بطلت»، أي: إنْ رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ ركوعِ إمامِهِ؛ بطلتْ صلاتُهُ؛ لأنَّه سَبَقَ الإِمامَ برُكنِ الرُّكوعِ، ولا يُعَدُّ سابقاً بالرّكنِ حتى ينتقلَ منه إلى الرُّكنِ الذي يليه، فلو رَكَعَ ولَحِقَهُ الإِمامُ في الرُّكوعِ فلا يُعَدُّ سابقاً للإمامِ برُكنٍ، بل نقول: إنَّه سَبَقَ الإِمامَ إلى الرُّكنِ، فإنَّ الرُّكنَ الذي يدركه فيه الإمامُ لا يُعَدُّ سابقاً به، بل سابقاً إليه. قوله: «وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط»، أي: إذا رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ إمامِهِ جاهلاً أو ناسياً بطلت الرَّكعةُ التي حصلَ فيها هذا السَّبْقُ فقط، فيلزمُه قضاؤها بعد سلامِ الإمامِ. والحاصل: أنه إذا سَبَق برُكنِ الرُّكوعِ بأن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ أن يركعَ الإمامُ، فإن كان عمداً بطلتْ صلاتُه، وإنْ كان جهلاً أو نسياناً بطلتْ الرَّكعةُ فقط؛ لأنَّه لم يقتدِ بإمامِهِ في هذا الرُّكوعِ، فصار كمَن لم يدركْهُ ففاتته الرَّكعةُ، لكن إنْ أتى بذلك بعدَ إمامِهِ صحَّت ركعتُه. قوله: «وإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت إلا الجاهل والناسي، ويصلّي تلك الركعة قضاء».

أي: إنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قبل رُكوعِ إمامِهِ، ثم سَجَدَ قبلَ رَفْعِهِ بطلتْ صلاتُه؛ لأنه سَبَقَ الإمامَ برُكنينِ، لكن التمثيلُ بالركوعِ فيه شيءٌ مِن النَّظرِ، وذلك لأنَّ هذه المسألة هي القسم الثالث، وهي السَّبْقُ بالرُّكنينِ وهو إنما يكون في غيرِ الرُّكوعِ، وهذا القسم له حالان: الأول: أن يكون عالماً ذاكراً فتبطلُ صلاتُه. الثاني: أن يكون جاهلاً أو ناسياً فتبطلُ ركعته، إلا أنْ يأتيَ بذلك بعد إمامِهِ. وخلاصةُ أحوالِ السَّبقِ كما يلي: 1 ـ السَّبْقُ إلى الرُّكنِ. 2 ـ السَّبْقُ برُكنِ الرُّكوعِ. 3 ـ السَّبْقُ برُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ. 4 ـ السَّبْقُ برُكنينِ غيرِ الرُّكوعِ. وخلاصةُ الكلام في سَبْقِ المأمومِ إمامَه أنَّه في جميعِ أقسامِهِ حرامٌ، أما مِن حيث بُطلان الصَّلاةِ به فهو أقسام: الأول: أن يكون السَّبْقُ إلى تكبيرة الإحرامِ، بأن يكبِّرَ للإحرامِ قبلَ إمامِهِ أو معه، فلا تنعقدُ صلاةُ المأمومِ حينئذٍ، فيلزمُه أن يكبِّرَ بعدَ تكبيرةِ إمامِهِ، فإن لم يفعلْ فعليه إعادةُ الصَّلاةِ. الثاني: أن يكون السَّبْقُ إلى رُكْنٍ، مثل: أن يركَعَ قبلَ إمامِه أو يسجدَ قبلَه، فيلزمُه أن يرجعَ ليأتيَ بذلك بعدَ إمامِهِ، فإنْ لم يفعلْ عالماً ذاكراً بطلت صلاتُهُ، وإنْ كان جاهلاً أو ناسياً فصلاتُه صحيحةٌ.

الثالث: أنْ يكونَ السَّبْقُ برُكنِ الرُّكوعِ، مثل: أن يركعَ ويرفعَ قبلَ أنْ يركعَ إمامُه، فإن كان عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُه، وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلتْ الرَّكعةُ فقط؛ إلا أن يأتيَ بذلك بعدَ إمامِهِ. الرابع: أن يكون السَّبْقُ برُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ، مثل: أن يسجدَ ويرفعَ قبلَ أنْ يسجدَ إمامُه، فيلزمُه أنْ يرجعَ ليأتيَ بذلك بعدَ إمامِهِ، فإنْ لم يفعلْ عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُه، وإنْ كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة. الخامس: أن يكون السَّبْقُ برُكنين، مثل: أن يسجدَ ويرفعَ قبلَ سجودِ إمامِهِ، ثم يسجدَ الثانيةَ قبلَ رَفْعِ إمامِهِ مِن السَّجدةِ الأولى، أو يسجدَ ويرفعَ ويسجدَ الثانيةَ قبلَ سجودِ إمامِهِ، فإنْ كان عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُه، وإنْ كان جاهلاً أو ناسياً بطلتْ ركعتُه فقط؛ إلا أنْ يأتيَ بذلك بعدَ إمامِهِ. هذه خلاصةُ أحكامِ السَّبقِ على المشهورِ مِن المذهبِ. والصَّحيحُ: أنَّه متى سَبَقَ إمامَه عالماً ذاكراً فصلاتُه باطلةٌ بكلِّ أقسامِ السَّبقِ، وإنْ كان جاهلاً أو ناسياً فصلاتُه صحيحةٌ؛ إلا أنْ يزولَ عذره قبل أنْ يدرِكَهُ الإمامُ، فإنه يلزمُه الرجوعُ ليأتيَ بما سَبَقَ فيه بعدَ إمامِه، فإن لم يفعلْ عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُه، وإلا فلا. وبمناسبة الكلام على السَّبْقِ إلى الرُّكنِ أو بالرُّكنِ نذكر أحوالَ المأمومِ مع إمامِهِ، فالمأمومُ مع إمامِهِ له أحوالٌ أربعٌ: 1 ـ سَبْقٌ. 2 ـ تَخَلُّفٌ.

3 ـ موافقةٌ. 4 ـ متابعةٌ. الاول: السَّبْقُ: وعرفنا أنه محرَّمٌ ومِن الكبائرِ بدلالةِ السُّنَّةِ. وأيضاً فيه دليلٌ نظريٌّ: وهو أنَّ الإمامَ إمامٌ، والإمامُ يكون متبوعاً، وإذا سبقتَه أصبحَ الإمامُ تابعاً. الثاني: التَّخلُّفُ: والتَّخلُّفُ عن الإِمامِ نوعان: 1 ـ تخلُّفٌ لعذرٍ. 2 ـ وتخلُّفٌ لغير عذرٍ. فالنوع الأول: أن يكون لعذرٍ، فإنَّه يأتي بما تخلَّفَ به، ويتابعُ الإمامَ ولا حَرَجَ عليه، حتى وإنْ كان رُكناً كاملاً أو رُكنين، فلو أن شخصاً سَها وغَفَلَ، أو لم يسمعْ إمامَه حتى سبقَه الإمامُ برُكنٍ أو رُكنين، فإنه يأتي بما تخلَّفَ به، ويتابعُ إمامَه، إلا أن يصلَ الإمامُ إلى المكان الذي هو فيه؛ فإنَّه لا يأتي به ويبقى مع الإِمامِ، وتصحُّ له ركعةٌ واحدةٌ ملفَّقةٌ مِن ركعتي إمامهِ الرَّكعةِ التي تخلَّفَ فيها والرَّكعةِ التي وصلَ إليها الإِمامُ. وهو في مكانِهِ. مثال ذلك: رَجُلٌ يصلِّي مع الإِمامِ، والإِمامُ رَكَعَ، ورَفَعَ، وسَجَدَ، وجَلَسَ، وسَجَدَ الثانيةَ، ورَفَعَ حتى وَقَفَ، والمأمومُ لم يسمعْ «المُكبِّرَ» إلا في الرَّكعةِ الثانيةِ؛ لانقطاعِ الكهرباء مثلاً، ولنفرضْ أنه في الجمعة، فكان يسمعُ الإِمامَ يقرأُ الفاتحةَ، ثم انقطعَ الكهرباءُ فأتمَّ الإِمامُ الركعةَ الأُولى، وقامَ وهو يظنُّ أنَّ الإِمامَ لم

يركعْ في الأُولى فسمعَه يقرأ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ *}. فنقول: تبقى مع الإِمامِ وتكونُ ركعةُ الإِمامِ الثانيةِ لك بقية الركعة الأولى فإذا سلَّمَ الإِمامُ فاقضِ الركعةَ الثانيةَ، قال أهلُ العِلمِ: وبذلك يكون للمأمومِ ركعةٌ ملفَّقةٌ مِن ركعتي إمامِهِ؛ لأَنه ائتَمَّ بإمامه في الأُولى وفي الثانية. فإن عَلِمَ بتخلُّفِهِ قبلَ أن يصلَ الإِمامُ إلى مكانِهِ فإنَّه يقضيه ويتابعُ إمامَه، مثاله: رَجُلٌ قائمٌ مع الإِمامِ فرَكَعَ الإِمامُ وهو لم يسمعْ الرُّكوعَ، فلما قال الإِمامُ: «سَمِعَ اللهُ لمَن حمِدَه» سَمِعَ التسميعَ، فنقول له: اركعْ وارفعْ، وتابعْ إمامَك، وتكون مدركاً للركعةِ؛ لأن التخلُّفَ هنا لعُذرٍ. النوع الثاني: التخلُّف لغيرِ عُذرٍ. إما أن يكون تخلُّفاً في الرُّكنِ، أو تخلُّفاً برُكنٍ. فالتخلُّفُ في الرُّكنِ معناه: أن تتأخَّر عن المتابعةِ، لكن تدركُ الإِمامُ في الرُّكنِ الذي انتقل إليه، مثل: أن يركعَ الإِمامُ وقد بقيَ عليك آيةٌ أو آيتان مِن السُّورةِ، وبقيتَ قائماً تكملُ ما بقي عليك، لكنك ركعتَ وأدركتَ الإِمامَ في الرُّكوعِ، فالرَّكعةُ هنا صحيحةٌ، لكن الفعلُ مخالفٌ للسُّنَّةِ؛ لأنَّ المشروعَ أن تَشْرَعَ في الرُّكوعِ من حين أن يصلَ إمامك إلى الرُّكوعِ، ولا تتخلَّف؛ لقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رَكَعَ فاركعوا» (¬1). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 98).

والتخلُّفُ بالرُّكنِ معناه: أنَّ الإِمامَ يسبقك برُكنٍ، أي: أن يركَعَ ويرفعَ قبل أن تركعَ. فالفقهاءُ رحمهم الله يقولون: إنَّ التخلُّفَ كالسَّبْقِ، فإذا تخلَّفتَ بالرُّكوعِ فصلاتُك باطلةٌ كما لو سبقته به، وإنْ تخلَّفتَ بالسُّجودِ فصلاتُك على ما قال الفقهاءُ صحيحةٌ؛ لأنه تَخلُّفٌ برُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ. ولكن القولُ الراجحُ حسب ما رجَّحنَا في السَّبْقِ: أنَّه إذا تخلَّفَ عنه برُكنٍ لغيرِ عُذرٍ فصلاتُه باطلةٌ، سواءٌ كان الرُّكنُ ركوعاً أم غير ركوع. وعلى هذا؛ لو أنَّ الإِمامَ رَفَعَ مِن السجدةِ الأولى، وكان هذا المأمومُ يدعو اللهَ في السُّجودِ فبقيَ يدعو اللهَ حتى سجدَ الإِمامُ السجدةَ الثانيةَ فصلاتُه باطلةٌ؛ لأنه تخلُّفٌ بركنٍ، وإذا سبقه الإِمامُ بركنٍ فأين المتابعة؟ الثالث: الموافقة: والموافقةُ: إما في الأقوالِ، وإما في الأفعال، فهي قسمان: القسم الأول: الموافقةُ في الأقوالِ فلا تضرُّ إلا في تكبيرةِ الإِحرامِ والسلامِ. أما في تكبيرةِ الإِحرامِ؛ فإنك لو كَبَّرتَ قبلَ أن يُتمَّ الإِمامُ تكبيرةَ الإِحرام لم تنعقدْ صلاتُك أصلاً؛ لأنه لا بُدَّ أن تأتيَ بتكبيرةِ الإِحرامِ بعد انتهاءِ الإِمامِ منها نهائياً. وأما الموافقةُ بالسَّلام، فقال العلماءُ: إنه يُكره أن تسلِّمَ مع إمامِك التسليمةَ الأُولى والثانية، وأما إذا سلَّمت التسليمةَ الأولى بعدَ التسليمة الأولى، والتسليمةَ الثانية بعد التسليمةِ الثانية، فإنَّ هذا لا بأس به، لكن الأفضل أن لا تسلِّمَ إلا بعد التسليمتين.

وأما بقيةُ الأقوالِ: فلا يؤثِّرُ أن توافق الإِمامَ، أو تتقدَّم عليه، أو تتأخَّرَ عنه، فلو فُرِضَ أنك تسمعُ الإِمامَ يتشهَّدُ، وسبقتَه أنت بالتشهُّدِ، فهذا لا يضرُّ لأن السَّبْقَ بالأقوالِ ما عدا التَّحريمةِ والتسَّليمِ ليس بمؤثرٍ ولا يضرُّ، وكذلك أيضاً لو سبقتَه بالفاتحة فقرأت: {وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة] وهو يقرأ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} [الفاتحة] في صلاةِ الظُّهرِ مثلاً، لأنه يُشرعُ للإِمامِ في صلاةِ الظُّهر والعصرِ أن يُسمِعَ النَّاسَ الآيةَ أحياناً كما كان الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم يفعلُ (¬1). القسم الثاني الموافقةُ في الأفعالِ وهي مكروهةٌ، وقيل: إنها خِلافُ السُّنَّةِ، ولكن الأقربُ الكراهةُ. مثال الموافقة: لما قالَ الإِمامُ: «الله أكبر» للرُّكوعِ، وشَرَعَ في الهوي هويتَ أنت والإِمامُ سواء، فهذا مكروهٌ؛ لأنَّ الرسولَ عليه الصلاة والسلام قال: «إذا رَكع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركعَ» وفي السُّجودِ لما كبَّرَ للسجودِ سجدتَ، ووصلتَ إلى الأرضِ أنت وهو سواء، فهذا مكروهٌ؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عنه، فقال: «لا تسجدوا حتى يسجدَ» (¬2). قال البراءُ بن عَازب: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه» لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَهُ حتى يقعَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سَاجداً، ثم نَقَعُ سجوداً بعدَه (¬3). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 215). (¬2) تقدم تخريجه ص (181). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب متى يسجد من خلف الإمام (690)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب متابعة الإمام والعمل بعدَه (474) (198).

الرابع: المتابعة: المتابعة هي السُّنَّةُ، ومعناها: أن يَشْرَعَ الإنسانُ في أفعالِ الصَّلاةِ فَوْرَ شروعِ إمامِهِ، لكن بدون موافقةٍ. فمثلاً: إذا رَكَعَ تركع؛ وإنْ لم تكملْ القراءةَ المستحبَّةَ، ولو بقيَ عليك آيةٌ، لكونها توجب التخلُّفَ فلا تكملها، وفي السُّجودِ إذا رفعَ مِن السجودِ تابعْ الإِمامَ، فكونك تتابعُه أفضلُ من كونك تبقى ساجداً تدعو الله؛ لأنَّ صلاتَك ارتبطت بالإِمامِ، وأنت الآن مأمورٌ بمتابعةِ إمامِكِ. مسألة: إذا أُقيمت الصَّلاةُ، وكبَّرَ الإِمامُ، وقرأَ الفاتحةَ، ولم يدخلْ رَجُلٌ مع الإِمامِ، وقال: إذا ركعَ الإِمامُ قُمْتُ وركعتُ، فبقيَ في مكانِهِ، أو بقيَ رجُلانِ يتحدَّثان، ولما ركَع الإِمامُ قاما فركعا معه. فهل نقول: إن هذا يوجب أن تكون صلاتُه باطلةٌ؛ لأنَّه لم يقرأ الفاتحةَ، أو نقول: إنَّ هذا مسبوقٌ أدركَ الرُّكوعَ، فتصحُّ صلاتُه؛ لأنَّه قبل أن يدخلَ في الصَّلاةِ غيرُ مطالبٍ بقراءةِ الفاتحةِ؟ الجواب: أنا أَميلُ إلى أنَّه ما دامَ لم يدخلْ في الصَّلاةِ؛ فإنَّه لا يلزمُه حكمُ الصَّلاةِ، لكن نقول: أنتَ أخطأتَ وفَوَّتَ على نفسِك خيراً كثيراً لما يلي: أولاً: فاتك فضيلةُ تكبيرةِ الإِحرامِ بعد الإمام، وقِراءةُ الفاتحةِ والسُّورةِ إنْ كان هناك سورة. ثانياً: عرَّضتَ نفسَك لفوات ركعة؛ لأنَّ بعضَ العلماءِ قالوا: إنَّ ركعتَه لا تصِحُّ.

ويسن للإمام التخفيف مع الإتمام

وَيُسَنُّ للإِمَامِ التَّخْفِيفُ مَعَ الإِتْمَامِ، ........... قوله: «ويسنّ للإِمام التخفيف» إذا قال أهلُ العِلمِ «يُسَنُّ» فالمراد: أنَّه مِن الأشياء التي إنْ فَعَلَها الإنسانُ أُثِيبَ، وإنْ تَرَكها لم يُعاقبْ؛ لأنَّ الأحكامَ عند أهلِ العِلمِ خمسةٌ: 1 ـ واجبٌ. 2 ـ وضدُّه المحرَّم. 3 ـ سُنَّةٌ. 4 ـ وضدُّها المكروه. 5 ـ مباحٌ. فالإِمامُ يُسَنُّ له التخفيفُ، أي: أنْ يُخفِّفَ للناسِ، والتَّخفيفُ المطلوبُ مِن الإِمامِ ينقسم إلى قسمين: 1 ـ تخفيفٍ لازم. 2 ـ تخفيفٍ عارضٍ، وكلاهما مِن السُّنَّةِ. أما التَّخفيفُ اللازمُ، فألا يتجاوز الإنسانُ ما جاءتْ به السُّنَّةُ، فإن جاوزَ ما جاءت به السُّنَّةُ، فهو مُطوِّلٌ. وأما العارض، فهو أن يكون هناك سببٌ يقتضي الإِيجازَ عمَّا جاءت به السُّنَّةُ، أي: أن يُخفِّفَ أكثر مما جاءت به السُّنَّةُ. ودليلُ التَّخفيف اللازم: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي» (¬1)، وقال أنسٌ رضي الله عنه: «ما صَلَّيتُ وراءَ إِمامٍ قَطُّ أخفَّ صلاةً ولا أَتَمَّ مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم» (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 27). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب مَن أخفَّ الصلاة عند بكاء الصبي (708)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (469) (190).

وقولُه صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمَّ أحدُكم النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ» (¬1)، والمرادُ بالتَّخفيف: ما طابق السُّنَّةُ. ودليل التخفيف العارض قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنِّي لأدخُلُ في الصَّلاةِ، وأنا أُريد أنْ أُطَوِّلَ فيها؛ فأسمعُ بكاءَ الصَّبيِّ؛ فأتجوَّزُ في صلاتي؛ كراهيةَ أنْ أَشُقَّ على أُمِّهِ» (¬2)، وفي رواية: « ... مَخَافةَ أنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ» (¬3). قوله: «مع الإِتمام». ظاهره: أن الإِتمام سنّة في حق الإِمام، والإِتمام هو: موافقة السنّة، وليس المراد بالإِتمام أن يقتصر على أدنى الواجب، بل موافقة السنّة هو الإِتمام، ولكن إذا نظرنا في الأدلة تبين لنا أن التخفيف الموافق للسنة في حق الإمام واجب. ودليل ذلك: أن معاذ بن جبل رضي الله عنه: لما أطال بأصحابه قال له النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أتريدُ يا معاذُ أنْ تكون فَتَّاناً» (¬4) يعني: صادًّا للنَّاسِ عن سبيل الله؛ لأنَّ الفِتنةَ هنا بمعنى الصَّدِّ عن سبيل الله، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ *} [البروج]. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (52). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من خفّف الصلاة عند بكاء الصبي (707). (¬3) أخرجه البخاري الموضع السابق (708). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الأذان باب من شكا إمامه إذا طوّل (705). ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء (465) (178).

ويؤيدُ ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم شكا إليه رَجُلٌ فقال: إنِّي لَأَتأخَّرُ عن صلاةِ الصُّبحِ مِن أجْلِ فُلانٍ، مما يُطيلُ بنا. قال الرَّاوي: فما رأيتُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم غَضِب في موعظةٍ قَطُّ أشدَّ ما غَضِبَ يومئذٍ. فقال: «يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ منكم منفِّرِين، فأيُّكم أمَّ النَّاسَ فليُوجِزْ، فإنَّ مِنْ ورائِه الكبيرَ والضعيفَ وذا الحاجة» (¬1) والمراد بالإيجاز ما وافق السُّنَّةَ. وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام غضب في هذه الموعظة من أجل الإطالة فكيف نقتصر على السنية في التخفيف. ولهذا؛ فإنَّ القولَ الذي تؤيُّده الأدلَّة: أنَّ التطويلَ الزائدَ على السُّنَّةِ حرامٌ؛ لأنَّ الرسولَ عليه الصلاة والسلام غَضِبَ لذلك. وأيضاً: كلامُ المؤلِّفِ يدلُّ على أن الإِتمامَ سُنَّةٌ، وفي هذا شيء مِن النَّظرِ؛ وذلك لأَنَّ الإِمامَ يتصرَّفُ لغيره، والواجبُ على مَن تصرَّفَ لغيره أن يفعلَ ما هو أحسنُ، أمّا مَن تصرَّفَ لنفسهِ فيفعل ما يشاء مما يُباح له. فمثلاً: لو كان لي كتابٌ قيمتُه عشرة ريالات؛ فبعتُه بثمانية، فإنَّه جائزٌ؛ لأنِّي لو وهبتُه مجَّاناً فهو جائزٌ، لكن لو وكلني شخصٌ في بيعِهِ وكان يساوي عشرة؛ فبعتُه بثمانية فلا يجوزُ، لأنَّ هناكَ فَرْقاً بين مَن يتصرَّفُ لنفسِه وبين مَن يتصرَّفُ لغيرِه، والإِمامُ مؤتَمَنٌ على الصَّلاةِ فكيف نقول: إنَّ للإِمامِ أن ينقص الصَّلاةَ، وأنَّ الإِتمامَ في حَقِّه سُنَّةٌ؟! ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام ... (702)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (466) (182).

فإذا كنتُ أصلِّي لنفسي، واقتصرتُ على الواجبِ في الأركان والواجبات، فإنَّ لي ذلك، لكن إذا كنتُ إماماً فليس لي ذلك؛ لأنَّه يجب أن أصلِّي الصَّلاةَ المطابقةَ للسُّنَّةِ بقَدْرِ المستطاعِ؛ لأنني لا أتصرَّفُ لنفسي، لكن لو فُرِضَ أنَّ المأمومين محصورون، وقالوا: يا فلان، عَجِّلْ بنا؛ لنا شُغلٌ، فحينئذٍ له أن يقتصرَ على أدنى الواجبِ؛ لأنَّ المأمومين أذِنوا له في ذلك، فكما أنَّه لو صَلَّى كلُّ واحدٍ منهم على انفرادٍ لكان له أن يقتصرَ على الواجبِ، فكذلك إذا أذِنوا لإِمامِهم، فالتخفيف الذي يُؤذن به ما وافقَ السُّنَّة، لا ما وافقَ أهواءَ النّاسِ. فلو قرأ الإِمامُ في صلاةِ الجُمعةِ بسورة (الجُمعة) و (المنافقين) فليس مطوِّلاً؛ لأنَّه موافقٌ للسُّنَّة (¬1)، وكذلك أيضاً لو قرأ في صلاةِ الصُّبح مِن يومِ الجُمعةِ بـ {ك ژ ـ!! ل} السجدة، في الرَّكعةِ الأُولى وبـ {هـ وى ي} في الرَّكعةِ الثانية فهذه هي السُّنَّةُ (¬2). وقد قال أنس بن مالك: «ما صَلَّيتُ وراءَ إمامٍ قَطُّ أخفَّ صلاةٍ ولا أتمَّ مِن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم» (¬3). إذاً؛ الصَّلاةُ الموافقةُ للسُّنَّةِ هي أخفُّ الصَّلاةِ وأتمُّ الصَّلاةِ، فلا ينبغي للإِمام أنْ يطيعَ بعضَ المأمومين في مخالفة السُّنَّةِ، لأنَّ اتِّباعَ السُّنَّةِ رحمة، إنما لو ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (877) (61). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (891)؛ ومسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في يوم الجمعة (880) (65). (¬3) تقدم تخريجه ص (191).

وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية

حصل عارضٌ يقتضي التَّخفيفَ فحينئذٍ يُخفِّفُ؛ لأنَّ هذا مِن السُّنَّةِ، أما الشيءُ اللازمُ الدائمُ فإننا نفعلُ فيه السُّنَّةَ. وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الأُوْلَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ .......... قوله: «وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية»، أي: ويُسَنُّ أيضاً أنْ يطوِّلَ الركعةَ الأُولى أكثر مِن الثانيةِ؛ لأنَّ هذا هو السُّنَّةُ كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يُطوِّلُ الرَّكعةَ الأُولى أكثر مِن الثانية» (¬1)، وكما أنَّ هذا هو السُّنَّةُ فهو الموافقُ للطبيعة؛ لأنَّ الإنسانَ أول ما يدخل في الصَّلاةِ يكون أنشط، فكان مِن المناسبِ أن تكون الركعة الأُولى أطول مِن الثانية؛ ولأنَّ في ذلك مراعاةٌ للمأموم الدَّاخل بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ. إلا أنَّ العُلماءَ استثنوا مسألتين: المسألة الأولى: إذا كان الفرقُ يسيراً، فلا حَرج مثل «سبح» و «الغاشية» في يوم الجمعة وفي يوم العيد، فإن «الغاشية» أطول، لكن الطُّولَ يسير. المسألة الثانية: الوجه الثاني في صلاة الخوف. فصلاةُ الخوف وردت عن النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام على أوجهٍ متعدِّدةٍ حسب ما تقتضيه الحال (¬2)، ومِن الأوجه التي وَرَدتْ عليها: أنَّ الإِمام يقسم الجيشَ إلى قسمين؛ قِسمٍ يبقون أمام العدو، وقِسمٍ يدخل مع الإِمام يصلّي، فإذا قامَ إلى الركعةِ الثانيةِ انفردَ الذين يصلّون معه وأتمّوا صلاتَهم؛ والإِمامُ واقفٌ، ثم انصرفوا إلى مكان الطائفةِ الباقيةِ تجاه العدو، وجاءت الطائفةُ الباقيةُ ودخلوا مع الإِمامِ؛ والإِمامُ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 142). (¬2) انظر: ص (408).

ويستحب انتظار داخل ما لم يشق على مأموم

واقفٌ، وصلّوا معه الركعةَ التي بقيت، فإذا جلسَ للتشهدِ قاموا وأتموا صلاتَهم قبل أن يُسلِّمَ الإِمامُ، ثم جلسوا للتشهد وسلّموا معه. فالإِمامُ في الركعةِ الثانيةِ كان وقوفُه أطول مِن وقوفِه في الركعةِ الأُولى، لكن هكذا جاءت به السُّنَّةُ مِن أجل مراعاةِ الطائفةِ الثانيةِ. وَيُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ دَاخِلٍ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَأْمُومٍ ........... قوله: «ويستحبُّ انتظار داخل ما لم يشق على مأموم» أي: يستحبُّ للإِمامِ أن ينتظرَ الداخلَ معه في الصَّلاةِ، بشرط أنْ لا يَشُقَّ على مأمومٍ، فإن شَقَّ على المأموم الذي معه كُرِهَ له ذلك؛ إنْ لم يحرمْ. والانتظارُ يشمَلُ ثلاثةَ أشياء: 1 ـ انتظار قبل الدُّخولِ في الصَّلاةِ. 2 ـ انتظار في الرُّكوعِ، ولا سيَّما في آخر ركعة. 3 ـ انتظار فيما لا تُدرك فيه الركعة، مثل: السُّجود. أما الأول: وهو انتظارُ الدَّاخلِ قبل الشروعِ في الصَّلاةِ، فهذا ليس بسُنَّة، بل السُّنّةُ تقديمُ الصَّلاةِ التي يُسَنُّ تقديمُها، وأما ما يُسَنُّ تأخيرُه مِن الصَّلوات وهي العشاء؛ فهنا يُراعي الدَّاخلين؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في صلاةِ العشاءِ؛ إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّرَ (¬1). لأنَّ الصَّلاةَ هنا لا يُسنُّ تقديمُها، ولذلك كان الرَّسولُ عليه الصلاة والسَّلام يستحبُّ يُؤخِّرَ من العشاءِ، ولكنهم إذا اجتمعوا لا يُحِبُّ أن يُؤخِّرَ مِن أجلِ أنْ لا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العشاء (565)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح ... (646) (233).

يَشُقَّ عليهم، أما غيرُها مِن الصَّلوات فلا يؤخِّرُها ولا ينتظر، بل يُصلِّي الصَّلاة في أولِ وقتِها. وذهبَ بعضُ أهلِ العِلمِ ـ استحساناً منهم ـ إلى أنَّه إذا كان الرَّجلُ ذا شَرَفٍ وإمامةٍ في الدِّين، أو إمارةٍ في الدُّنيا، فإنه يُستحبُّ انتظارُه، كمَنْ يُصلِّي في هذا المسجدِ دائماً؛ بشرط ألا يَشُقَّ على المأمومين؛ مِن أجلِ ما يُرجى مِن مصلحةٍ في انتظاره. كذلك لو كان هذا المسجدُ يُصلِّي به أميرٌ أو وَليُ أمْرٍ، وانتظرَه الإنسانُ مِن أجلِ تأليفِهِ على صلاةِ الجماعةِ، فإنَّ هذا أيضاً مِن الأمورِ المستحبَّةِ. وقالوا: لأنَّ ذلك مِن المصلحةِ؛ لأنَّ ذوي الهيئات والشَّرَفِ والجاهِ إذا راعيتَهم نِلْتَ منهم مقصوداً كبيراً، وإذا لم تُراعِهم رُبَّما يفلتُ الزِّمامُ مِن يدِكِ بالنسبة إليهم. وهذه المسألةُ؛ في الحقيقة على إطلاقِها لا تنبغي؛ لأنَّ دينَ الله لا يُراعى فيه أحدٌ، ولكن إذا رأى الإنسانُ مصلحةً محقّقةً، وأنَّ في عدمِ المراعاةِ مفسدةً، بحيث إذا لم نُراعِه لم يتقدَّمْ إلى المسجد أو رُبَّما لم يُصلِّ مع الجماعةِ، وهو شخصٌ يُقتدى به إما في دِيْنِهِ وإما في ولايتِهِ، فهنا يترجَّحُ انتظارُه بشرط أن لا يَشُقَّ على الموجودين في المسجدِ، فإنْ شَقَّ فهم أَولى بالمراعاة. الثاني: انتظاره في الرُّكوع، مثل: أن يكون الإِمامُ راكعاً، فأحسَّ بداخلٍ في المسجدِ، فلينتظرْ قليلاً حتى يُدركَ هذا الدَّاخلُ الرَّكعةَ، فهنا يكون للقولِ باستحبابِ الانتظارِ وَجْهٌ، ولا سيما إذا

كانت الرَّكعةُ هي الأخيرةُ، مِن أجل أنْ يدركَ الجماعةَ. لكن؛ بشرطِ أن لا يَشُقَّ على المأمومين، مثل: لو سَمِعَ إنساناً ثقيلَ المشيِ لكِبَرٍ؛ وبابُ المسجدِ بعيدٌ عن الصَّفِّ، فهذا يستغرقُ بِضْعَ دقائق في الوصول إلى الصَّفِّ، فهنا لا ينتظرُه؛ لأن يَشُقُّ على المأمومين، ولكن الانتظار اليسير لا بأس به. فإذا قال قائلٌ: ما الدليلُ على هذه المسألةِ؛ لأنَّ تطويلَ الصَّلاةِ وتقصيرَها عبادةٌ، لا بُدَّ مِن دليلٍ على هذا؟ قلنا: يمكن أن يؤخذَ الدَّليلُ مما يلي: أولاً: «أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا سَمِعَ بكاءَ الصَّبيِ أوجزَ في صلاتِهِ، مخافةَ أن تُفْتَنَ أُمُّهُ» (¬1) فهنا غَيَّرَ هيئةَ الصَّلاةِ مِن أجلِ مصلحةِ شخصٍ «حتى لا تُفْتَنَ أُمُّهُ» وينشغلَ قلبُها بابنِها. ثانياً: مِن إطالةِ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم الرَّكعةَ الأُولى في الصَّلاةِ، حتى إن الرَّجُلَ يسمعُ الإِقامةَ؛ ويذهبُ إلى البَقيع، فيقضي حاجَتَهُ، ثم يتوضَّأُ، ثم يأتي ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الرَّكعةِ الأُولى (¬2). فإنَّ المقصودَ بهذا أن يدركَ النَّاسُ الركعةَ الأُولى. ثالثاً: من إطالةِ الرَّكعةِ الثانيةِ في صلاةِ الخَوْفِ؛ من أجلِ إدراكِ الطَّائفةِ الثانيةِ للصَّلاةِ. فهذه الأصولُ الثلاثةُ رُبَّما يُبنى عليها القولُ باستحبابِ انتظارِ الدَّاخلِ في الرُّكوعِ، بشرطِ أنْ لا يَشُقَّ على مأمومٍ، ولأنه يُحْسِنُ إلى الدَّاخلِ مع عدم المشقَّةِ على الذي معه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (192). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر (454) (161).

الثالث: انتظار الدَّاخلِ في رُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ، أي: في رُكنٍ لا يُدركُ فيه الرَّكعةَ ولا يُحسبُ له، فهذا نوعان: النوع الأول: ما تحصُلُ به فائدةٌ. النوع الثاني: ما ليس فيه فائدةٌ، إلا أن يشاركَ الإِمامُ فيما اجتمع معه فيه. مثال النوع الأول: إذا دخلَ في التشهُّدِ الأخيرِ، فهنا الانتظارُ حَسَنٌ؛ لأنَّ فيه فائدةً، وهي: أنه يدركُ صلاةَ الجماعةِ عند بعضِ أهلِ العِلمِ، فقد مرَّ بنا قولُ المؤلِّفِ: «مَن كبَّرَ قبل سلامِ إمامِهِ لَحِقَ الجماعةَ» (¬1). وأيضاً: فيه فائدة؛ حتى على القولِ بعدمِ إدراكِ الجماعةِ؛ لأنَّ إدراكَ هذا الجُزءِ خيرٌ مِن عدمِهِ فهو مستفيدٌ. ومثال النوع الثاني: ما ليس فيه فائدة في إدراكِ الجماعةِ؛ إلا مجرد المتابعة للإِمام، مثل: أن يكون ساجداً في الرَّكعةِ الثالثة في الرُّباعيةِ فأحسَّ بداخلٍ، فهنا لا يُستحبُّ الانتظار؛ لأنَّ المأمومَ الداخلَ لا يستفيدُ بهذا الانتظارِ شيئاً في إدراكِ الجماعةِ، إذ سيدركُ الرَّكعةَ الأخيرةَ، ولو قلنا بالانتظارِ لاستلزم شيئين: الأول: أنَّه قد يَشُقُّ على بعضِ المأمومين، ولو نفسيًّا؛ لأنَّ بعضَ الناسِ ليس عنده مروءةً، ولا يحبُّ الخيرَ للغير. الثاني: أنه يغيِّرُ هيئةَ الصلاَّةِ؛ لأنَّه سوف يُطيلُ هذا الرُّكنَ أكثر مما سبقه، وهذا خِلافُ هيئةِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ هيئةَ الصلاةِ: أنْ يكون آخرُها أقصرُ مِن أوَّلِها. ¬

_ (¬1) انظر: ص (168).

وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها وبيتها خير لها

وذهبَ بعضُ أهلِ العِلمِ: إلى أنَّه لا ينتظرُ الدَّاخلَ مطلقاً، حتى وإنْ كان دخولُه في الرُّكوعِ في الركعةِ الأخيرةِ الذي تُدركُ به الجماعةُ، قال: لأنَّ الصلاةَ لها هيئةٌ معلومةٌ في الشَّرعِ، فلا ينبغي أن تُغَيَّرَ مِن أجلِ مراعاةِ أحدٍ. ولكن؛ الصحيحُ: ما سَبَقَ تفصيلُه. وقوله: «ما لم يشق على مأموم» وهذا قيدُ المسألةِ السَّابقةِ، وهو: أنَّه إذا شَقَّ على مأموم فإنَّه لا ينتظرُ، ولكن؛ هل نقولُ: إنَّه يكون مكروهاً، أو يكون ممنوعاً؟ الجواب: ظاهرُ السُّنةِ أنَّه يكون ممنوعاً؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أنكرَ على مُعاذ (¬1) حينما أطالَ إطالةً غيرَ مشروعةٍ، وهذا الذي انتظرَ وأطالَ الانتظارَ قد أطالَه في حالٍ لا يُشرعُ له فيه ذلك، مثل مَن أطالَ القراءةَ في حالٍ لا تُشرعُ فيها، فإنَّه حرامٌ عليه. ويؤخذُ مِن كلامِ المؤلِّفِ رحمه الله: أنَّ السابقَ أَولى بالمُراعاةِ مِن اللاحقِ، ولهذا فَوَّتنا مصلحةَ الدَّاخلِ مراعاةً للسابقِ، وهو كذلك. وَإِذَا اسْتَأْذَنَتْ المَرْأَةُ إِلَى المَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُهَا وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا. قوله: «وإذا استأذنت المرأةُ إلى المسجد كره منعها». «إذا استأذنت» أي: طلبت الإذنَ و «المرأة» يُرادُ بها البالغةُ، وقد يُرادُ بها الأنثى، وإنْ لم تكن بالغةً، ولكن؛ الأكثرُ أنَّ المرأةَ كالرَّجُلِ؛ إنما تُطلق على البالغةِ، كما أنَّ الرَّجُلَ يُطلقُ على البالغِ، فإذا طَلبت الإذنَ مِن وليِّ أمرِها، فإن كانت ذاتَ زوجٍ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (192).

فوَليُّ أمرِها زوجُها، ولا ولايةَ لأبيها ولا لأخيها ولا لعمِّها مع وجودِ الزَّوجِ، لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في النساء: «إنهنَّ عَوانٍ عندَكم» (¬1) والعواني: جَمْعُ عانيةٍ، وهي الأسيرة، ولأنَّ الزوجَ سيدٌ للزَّوجةِ، كما قال الله تعالى في سورة يوسف: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25] أي: زوجَها، فإنْ لم يكن لها زوجٌ فأبوها، ثم الأقربُ فالأقربُ مِن عصباتِها. وقوله: «إلى المسجد» أي: لحضورِ صلاةِ الجماعةِ، فإنَّه يُكره له أن يمنَعَها، والكراهةُ في كلام الفقهاءِ: كراهةُ التنزيهِ التي يستحقُّ عليها الثوابَ عند التَّرْكِ، ولا يُعاقب عليها عند الفِعْلِ. والدليلُ: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ» (¬2) وفيه إشارةٌ إلى توبيخِ المانعِ، لأنَّ الأَمَةَ ليست أَمَتَكَ، والمسجدُ ليس بيتَكَ، بل هو مسجدُ الله، فإذا طلبتْ أَمَةُ اللهِ بيتَ اللهِ فكيف تمنعُها؟ ولأنَّه مَنع مَن لا حَقَّ له عليها في المَنْعِ منه، وهو المسجد. وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ هذا الحديث نهيٌ، والأصلُ في النَّهيِ التحريمُ، وعلى هذا؛ فيحرمُ على الوَليِ أنْ يمنعَ المرأةَ إذا ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي، أبواب الرضاع، باب ما جاء في حقِّ المرأة على زوجها (1163)؛ والنسائي في «السُّنن الكبرى» (9169)؛ وابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج (1851). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، باب (3) (900)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة (442) (136).

أرادت الذِّهابَ إلى المسجدِ لتصلِّي مع المسلمين، وهذا القول هو الصَّحيحُ. ويدلُّ لهذا: أنَّ ابنَ عُمرَ رضي الله عنه لما قال له ابنُه بلالٌ حينما حَدَّثَ بهذا الحديث: «واللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ» لأنَّه رأى الفتنةَ، وتغيُّرَ الأحوالِ، وقد قالت عائشةُ: «لو رأى النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن النساءِ ما رأينا لَمَنَعَهُنَّ كما مُنِعَتْ نساءُ بني إسرائيلَ» (¬1) فلما قال: والله لَنَمْنَعُهُنَّ، أقبلَ إليه عبدُ الله فسبَّهُ سبًّا شديداً ما سبَّهُ مثلَه قطُّ، وقال له: أقولُ لك: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ» وتقول: «والله لَنَمْنَعُهُنَّ» (¬2) فَهَجَرَهُ. لأنَّ هذا مضادَّةٌ لكلامِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أمرٌ عظيمٌ، وتعظيمُ كلامِ اللهِ ورسولِهِ عند السَّلفِ لا يماثُله تعظيمُ أحدٍ مِن الخَلَفِ. وهذا الفِعْلُ مِن ابنِ عُمرَ يدلُّ على تحريمِ المَنْعِ. لكن؛ إذا تغيَّرَ الزَّمانُ فينبغي للإِنسانِ أن يُقْنِعَ أهلَه بعَدَمِ الخروجِ، حتى لا يخرجوا، ويَسْلَمَ هو مِن ارتكابِ النَّهْيِ الذي نَهَى عنه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم. وقوله: «إذا استأذنت المرأة» يشمَلُ الشَّابةَ والعجوزَ، والحسناءَ والقبيحةَ. وقوله: «إلى المسجد» يدلُّ على أنَّها لو استأذنت لغير ذلك ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب انتظار الناس قيام الإمام العالم (869)؛ ومسلم، كتاب الصَّلاة، باب أمر النساء المصليات وراء الرجال ... (445) (144). (¬2) أخرجه مسلم، الموضع السابق (442) (135).

فله منعُها، فلو استأذنت أن تخرجَ إلى المدرسةِ فلزوجها أنْ يمنعَها، إلا أن يكون مشروطاً عليه عند العقدِ، وكذلك لو أرادت أن تخرجَ إلى السُّوقِ فله أنْ يمنعَها. وقولنا: له أنْ يمنعَها، أي: ليس حراماً عليه، ولكن؛ ينظرُ إلى المصلحةِ، فقد لا يكونُ مِن المصلحةِ أنْ يمنعَها، وقد تكون المصلحةُ في منعِها. وقوله: «إلى المسجد» أي: للصَّلاةِ، أما لو ذهبت إلى المسجدِ للفُرْجَةِ على بنائِهِ، أو لِتحضُرَ محاضرةً في المسجدِ ـ مثلاً ـ فله أن يمنعَها، فبيتُها خيرٌ لها مِن الخروجِ إلى المسجدِ؛ لأنَّه هكذا قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بيوتُهنَّ خيرٌ لَهُنَّ»، فهذا الحديثُ الذي أشرنا إليه: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ، وبيوتُهُنَّ خيرٌ لَهُنَّ» (¬1)، تضمن خطابين: 1 ـ خطاباً موجهاً للأولياءِ. 2 ـ خطاباً موجهاً للنساءِ. أما الأولياءُ؛ فلا يَمنعونَ النِّساءَ، وأما النساءُ: فبيوتُهنَّ خيرٌ لَهُنَّ. لكن؛ قال عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ» (¬2) أي: غير متطيِّباتٍ، ومَنَعَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المرأةَ ـ إذا كانت متطيِّبةً ـ أنْ تشهدَ المسجدَ فقال: «أيُّما امرأةٍ أصابت بخوراً؛ فلا تشهدْ معنا ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (202). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 438، 475)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (565).

صلاةَ العشاءِ» (¬1) وكُنَّ يخرجنَ لصلاةِ العشاءِ يُصلِّينَ مع النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكذلك لصلاةِ الفجرِ. وعلى هذا؛ فيجوزُ للوَليِّ إذا أرادت المرأةُ أنْ تخرجَ متطيِّبةً أن يمنعَها، بل يجب أنْ يمنعَها في هذه الحالِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهاها أن تشهد صلاةَ العشاءِ إذا كانت متطيِّبةً، وكذلك لو خرجت متبرجةً بثيابِ زينةٍ أو بنعالٍ صرَّارةٍ أو ذاتِ عَقِبٍ طويلٍ، أو ما أشبه ذلك؛ فله أنْ يمنعَها قياساً على منعِها مِن الخروج متطيِّبةً. قوله: «وبيتها خير لها» يُستثنى مِن ذلك: الخروجُ لصلاةِ العيدِ، فإنَّ الخروجَ لصلاةِ العيدِ للنِّساءِ سُنَّةٌ، لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ أَنْ يخرج العواتقُ وذواتُ الخُدورِ (¬2)، و «العواتق» أي: الحرائرُ الشريفاتُ، و «ذوات الخدور» يعني: الأبكارَ التي اعتادت الواحدةُ منهنَّ أن تبقى في خِدْرِها. حتى الحِيَّضُ أمرَهُنَّ أنْ يخرجنَ لصلاةِ العيدِ، إلا أنَّ الحِيَّضَ أَمَرَهُنَّ أن يعتزلنَ المُصلَّى؛ لأنَّ مُصلَّى العيدِ مسجدٌ، ولكن يجب أن تخرجَ غيرَ متبرِّجةٍ بزينةٍ ولا متطيِّبة، بل تخرجُ بسكينةٍ ووقارٍ، وبدون رَفْعِ صوتٍ أو ضَحِكٍ إلى زميلتِها، وبدون مِشيةٍ كمِشيةِ الرَّجُلِ، بل تكون مشيتُها مشيةَ أُنثى، مِشيةَ حياءٍ وخَجَلٍ ووقارٍ. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (444) (143). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين (324)؛ ومسلم كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى (890) (10).

فصل

فَصْلٌ الأَوْلَى بِالإِمَامَةِ الأَقْرَأُ الَعالِمُ فِقْهَ صَلاَتِهِ، ......... فصل في الأولى بالإمامة: لما بيّن رحمه الله حُكمَ صلاةِ الجماعةِ وما يتفرَّعُ عليها مما سبق ذكرُه، ذَكَرَ أحكامَ الإِمامةِ، مَنْ الذي يصلحُ إماماً؟ ومَنْ أحقُّ بالإِمامةِ؟ فهذا المرادُ بهذا الفصلِ فبدأ بالأحقِّ. قوله: «الأولى بالإِمامة الأقرأ العالم فقه صلاته» هل المرادُ بالأقرأ الأجودُ قِراءةً، وهو الذي تكون قراءتُه تامَّةً، يُخرِجُ الحروفَ مِن مخارِجِها، ويأتي بها على أكملِ وجهٍ، أو المرادُ بالأقرأ الأكثرُ قراءةً؟ الجواب المراد: الأجودُ قِراءةً، أي: الذي يقرؤه قراءةً مجوَّدةً، وليس المراد التجويد الذي يُعرف الآن بما فيه مِن الغنَّةِ والمدَّاتِ ونحوها، فليس بشرطٍ أن يتغنَّى بالقرآن، وأن يحسِّنَ به صوتَه، وإن كان الأحسنُ صوتاً أَولى، لكنه ليس بشرط. وقوله: «العالم فقه صلاته» أي: الذي يعلم فِقْهَ الصَّلاةِ، بحيث لو طرأَ عليه عارضٌ في صلاتِهِ مِن سهوٍ أو غيرِه تمكَّنَ مِن تطبيقِهِ على الأحكامِ الشرعيَّةِ. فلو وُجِدَ أقرأ؛ ولكن لا يَعلمُ فِقْهَ الصَّلاةِ، فلا يَعرفُ مِن أحكامِ الصَّلاةِ إلا ما يعرِفُهُ عامَّةُ الناسِ مِن القراءةِ والرُّكوعِ والسُّجودِ، فهو أَولَى مِن العالمِ فِقْه صلاتِهِ. ودليلُ ذلك: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهُم لكتابِ اللهِ» (¬1). وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى خِلافِ ما يفيده كلامُ المؤلِّفِ، ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب مَن أحقُّ بالإمامة (673) (290).

ثم الأفقه، ثم الأسن، ثم الأشرف

وهو أَنَّه إذا اجتمعَ أقرأُ وقارىءٌ فَقِيهٌ، قُدِّمَ القارىءُ الفقيهُ، على الأقرأ غير الأفقه. وأجابوا عن الحديث: بأنَّ الأقرأَ في عهد الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم والصحابةِ هو الأفقهُ؛ لأنَّ الصحابةَ كانوا لا يقرؤون عشرَ آياتٍ حتى يتعلَّمُوها؛ وما فيها مِن العِلْمِ والعمل (¬1). ومِن المعلومِ أَنَّه إذا اجتمعَ شخصان، أحدِهما أجودُ قِراءةً والثاني قارىءٌ دونه في الإجادة، وأعلمُ منه بفقهِ أحكامِ الصَّلاةِ، فلا شَكَّ أنَّ الثاني أقوى في الصَّلاةِ مِن الأولِ، أقوى في أداء العملِ؛ لأنَّ ذلك الأقرأَ رُبَّما يُسرعُ في الرُّكوعِ أو في القيام بعدَ الرُّكوعِ، ورُبَّما يطرأُ عليه سهوٌ ولا يدري كيف يتصرَّف، والعالمُ فِقْهَ صلاتِهِ يُدركُ هذا كلَّه، غاية ما فيه أنه أدنى منه جَودة، في القِراءةِ، وهذا القول هو الرَّاجحُ. وهذا في ابتداء الإمامة، أي: لو حَضَرَ جماعةٌ، وأرادوا أن يقدِّموا أحدَهم، أما إذا كان للمسجدِ إمامٌ راتبٌ فهو أَولى بكلِّ حالٍ ما دام لا يوجدُ فيه مانعٌ يمنعُ إمامتَه. ثُمَّ الأَفْقَهُ، ثُمَّ الأَسَنُّ، ثُمَّ الأَشْرَفُ، ............. قوله: «ثم الأفقه» أي: إذا اجتمعَ قارئان متساويان في القِراءةِ، لكن أحدُهما أَفْقَهُ، فإنَّه يقدِّمُ الأفقهَ، وهذا لا إشكالَ فيه. والدَّليلُ على أنَّ الأفقه يلي الأقرأ: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يؤم القوم أقرأهم لكتابِ الله، فإنْ كانوا في القِراءةِ سواءً فأعلَمُهُم بالسُّنَّةِ ... » (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (1/ 35). (¬2) تقدم تخريجه ص (205).

قوله: «ثم الأسنّ» أي: الأكبرُ سناً، فابنُ عشرين سَنَةً يُقدَّمُ على ابن خمس عشرة إذا تساوَيا فيما سَبَقَ؛ لقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث مالك بن الحُويرث: « ... ثم لِيَؤُمَّكُمْ أكبرُكُم» (¬1) وهذا إذا استويا في القِراءةِ والسُّنَّةِ. ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنْ كانوا في السُّنَّةِ سَواءً فأقدَمُهُم هِجْرَةً، فإنْ كانوا في الهجرةِ سواءً فأقدَمُهُم سِلْماً أو قال سِنًّا» (¬2) ولم يذكرِ المؤلِّفُ تَقدُّمَ الهجرةِ، ولا تقدُّمَ الإسلامِ، ولكن ينبغي أن نذكرَه فنقول: إذا كانوا في السُّنَّةِ ـ سواءً فأقدَمُهم هِجرةً. أي: لو كانا مسلمين، ولكنَّهما في بلادِ كُفرٍ، فَسَبَقَ أحدُهما في الهِجرةِ إلى بلادِ الإسلام، فالمُقدَّمُ الأسبقُ هِجرةً؛ لأنَّه أسبقُ في الخَيرِ، وأقربُ إلى معرفةِ الشَّرعِ ممَّنْ تأخَّرَ وبقيَ في بلادِ الكفرِ، فإن كانوا في الهجرةِ سواءً فأقدَمُهم إسلاماً؛ لأن الأقدمَ إسلاماً أقربُ إلى معرفة شريعةِ الله، ولأنَّه أفضلُ. قوله: «ثم الأشرف» ترتيبُ المؤلِّفُ: الأقرأُ، ثم الأفقهُ، ثم الأسَنُّ، ثم الأشرفُ في المرتبة الرابعة، أي: الأشرفُ نَسَباً، فالقرشيُّ مقدَّمٌ على غيرِه مِن قبائلِ العربِ، والهاشميُّ مقدَّمٌ على القُرشيِّ الذي ليس مِن بني هاشمٍ، فالأشرفُ مقدَّمٌ على غيرِه، لكن بعد المراتبِ الثلاثِ السابقةِ، أي: لو استووا في القِراءةِ وفي الفِقهِ على كلامِ المؤلِّفِ، وفي السِّنِّ قُدِّمَ الأشرفُ. والدليلُ: ما يُذكرُ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «قَدِّمُوا قريشاً، ولا تَقَدَّموها» (¬3) ولكن يُجاب عن هذا الحديث بجوابين: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 27). (¬2) سبق تخريجه ص (205). (¬3) أخرجه عبد الرزاق (11) (19893)؛ وأبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الفضائل، ما ذكر في فضل قريش (12/ 168)، وانظر: كلام الشيخ رحمه الله عن درجة الحديث أعلاه.

ثم الأقدم هجرة، ثم الأتقى

الأول: الضعف، فإنَّ الحديثَ ضعيفٌ، والضعيفُ لا تقومُ به حُجَّةٌ، ويقوِّي ضعفَه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] والصَّلاةُ عِبادة وطاعة؛ لا يُقدَّمُ فيها إلا مَن كان أَولى بها عند اللهِ سبحانه وتعالى. الثاني: إنْ صَحَّ الحديثُ فالمرادُ تقديمُ قُريشٍ بالإِمامةِ العُظمى. أي: بالخِلافةِ، ولهذا ذهبَ كثيرٌ مِن العلماءِ إلى أنَّ مِن شرطِ الإِمامِ الأعظمِ أن يكونَ قُرشيًّا، أما إمامةُ الصلاةِ فهي إمامةٌ صُغرى في شيءٍ معيَّنٍ مِن شرائعِ الدِّين، فلا تدخلُ في هذا الحديثِ. والصَّحيحُ إسقاطُ هذه المرتبةِ، أعني: الأشرفيَّةَ، وأنَّه لا تأثير لها في باب إمامةِ الصَّلاةِ. ثُمَّ الأَقْدَمُ هِجْرَةً، ثُمَّ الأَتْقَى، ........... قوله: «ثم الأقدم هجرة». الأقدمُ هجرةً بعدَ الأشرفِ، فيكون في المرتبةِ الخامسةِ، وهذا الترتيبُ ضعيفٌ لمخالفتِه قولَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَؤمُّ القومَ أقرَؤُهم لكتابِ اللهِ، فإن كانوا في القِراءةِ سواءً فأعلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ، فإنْ كانوا في السُّنَّةِ سواءً فأقدَمُهم هِجرةً، فإن كانوا في الهِجرةِ سواءً فأقدَمُهم سِلماً» (¬1) أي: إسلاماً، فجعلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الأقدمَ هجرةً في المرتبةِ الثالثةِ. قوله: «ثم الأتقى» أي: الأشدُّ تقوى لله عزّ وجل. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (205).

والدَّليلُ: قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وظاهرُ هذا الدَّليلِ أنَّ الأتقى مُقدَّمٌ على كُلِّ واحدٍ ممَّنْ سَبَقَ، لأنَّه عامٌّ. ولكن؛ الاستدلالُ بهذا الدَّليلِ على أنَّ الأتقى في هذه المرتبة فيه نَظَرٌ، بل نقولُ: إنَّ الأتقى مُقدَّمٌ على مَن دونَه في التقوى، لأنه أقربُ إلى إتقانِ الصَّلاةِ مِن غير الأتقى، ومعلومٌ أنَّ إتقانَ الصَّلاةِ أَولى بالمُراعاةِ، وغير الأتقى رُبَّما يتهاون في الوُضُوءِ أو في اجتنابِ النَّجاسةِ، أو غير ذلك، فلذلك كان الأتقى أَولى مِن غيرِه لهذا المعنى. والأتقى اسمُ تفضيلٍ، مأخوذٌ مِن التقوى، والتقوى: اتقاءُ ما يَضرُّ، فهي في الشَّرعِ اتقاءُ عذابِ اللهِ بفِعْلِ أوامرِه واجتنابِ نواهيه. على علمٍ وبصيرةٍ وقيل: إن التقوى أنْ تَدَعَ الذُّنوبَ كُلَّها، كما قال الناظم: خَلِّ الذُّنَوبَ صغيرَهَا وكبيرَهَا ذاك التُّقى واعْمَلْ كماشٍ فوقَ أر ضِ الشَّوكِ يَحْذَرُ ما يَرَى لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً إنَّ الجبالَ مِنَ الحَصَى لكن؛ المعنى الذي ذكرنا أعمُّ: وهو أنَّه اتقاءُ عذابِ اللهِ بفِعْلِ الأوامرِ واجتنابِ النَّواهي على علمٍ وبصيرةٍ. فالمراتبُ الآن ـ على ما ذهبَ إليه المؤلِّفُ رحمه الله ـ سِتٌّ: الأقرأُ، ثم الأَفْقَهُ، ثم الأَسَنُّ، ثم الأشرفُ، ثم الأقدمُ هِجرةً، ثم الأتقى. والصَّحيحُ: ما دَلَّ عليه الحديثُ الصحيحُ وهي خمسٌ:

ثم من قرع وساكن البيت

الأقرأُ، فالأعلمُ بالسُّنَّةِ، فالأقدم هِجرةً، فالأقدمُ إسلاماً، فالأكبرُ سِنًّا. أما التقوى: فهي صِفةٌ يجبُ أن تُراعى ـ بلا شَكٍّ ـ في كُلِّ هؤلاء، ولا اعتبارَ لأشرفيَّة. ثُمَّ مَنْ قَرَعَ. وَسَاكِنُ البَيْتِ، ............ قوله: «ثم من قرع» أي: إذا استوى في هذه المراتبِ كلِّها رَجُلان؛ فإنَّنا في هذه الحال نستعملُ القُرْعَةَ، فمَن غَلَبَ في القُرعةِ فهو أحقُّ، فإذا اجتمعَ جماعةٌ يريدون الصَّلاةَ، فقال أحدُهم: أنا أتقدَّمُ، وقال الثاني: أنا أتقدَّمُ، ونظرنا فإذا هما متساويان في كلِّ الأوصافِ فهنا نُقرِعُ بينهما ما لم يتنازل أحدِهما عن طَلَبِهِ، فَمَنْ قَرَعَ فهو الإِمامُ. والقُرْعَةُ ليس لها صورةٌ معينةٌ، بل هي بحسب ما يتَّفِقُ الناسُ عليه، فممكن أن نكتب بورقة (إمام) والأخرى (بيضاء)، ونخلُطَ بعضَهما ببعضٍ، ونعطيهما واحداً، ونقولُ: أعطِ كُلَّ واحدٍ مِن هذين الرَّجُلين ورقةً، فإذا وقعت بيد أحدِهما، (إمام) فهو الإِمام، أو ما أشبه ذلك، فكيفما اقترعوا جَازَ. فإن قال قائلٌ: ما الدَّليلُ على استعمال القُرعةِ في العباداتِ؟ قلنا: قَولُ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ، ثم لم يجدوا إلا أنْ يَسْتَهِموا عليه لاسْتَهَمُوا» (¬1) فهذا نصٌّ واضحٌ في أنَّ القُرعةَ تدخُلُ في الأذانِ والصَّفِ الأولِ إذا تَشَاحُّوا فيهما. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 12).

وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان

وهل وردت القُرعَةُ في القرآن؟ الجواب: نعم، في موضعين مِن القرآن: الأول: في سورة آل عمران: في قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ *} [آل عمران]. الثاني: في سورة الصافات: في قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *} [الصافات]. وَإِمَامُ المَسْجِدِ أَحَقُّ إِلاَّ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ. قوله: «وساكن البيت وإمام المسجد أحق». أي: ساكنُ البيتِ أحقُّ مِن الضَّيفِ؛ لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في أهلِهِ ولا في سُلطانِهِ» (¬1) أخرجه مسلم. «أو في بيتِهِ» (¬2) كما هي رواية أبي داود، والنَّهيُ عنه على سبيلِ التَّنزيه، وقيل: على سبيلِ التَّحريمِ. مسألة: إذا اجتمعَ مالكُ البيتِ ومستأجرُ البيتِ، فالمستأجرُ أَولى: لأنَّ المستأجرَ مالكُ المنفعةِ، فهو أحقُّ بانتفاعِهِ في هذا البيتِ. وقوله: «وإمام المسجد أحق» أي: أنَّ إمامَ المسجدِ أحقُّ مِن غيرِه، حتى وإنْ وُجِدَ مَن هو أقرأُ، فلو أنَّ إمامَ المسجدِ كان قارئاً يقرأ القرآن على وَجْهٍ تحصُلُ به براءةُ الذِّمَّةِ، وحضرَ رَجُلٌ عالمٌ قارىءٌ فقيه، فالأَولى إمامُ المسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (153). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من أحقُّ بالإمامة (582).

يُؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه» (¬1)، وإمامُ المسجدِ في مسجدِه سُلطانٌ فيه، ولهذا لا تُقامُ الصَّلاةُ إلا بحضورِه وإذنِهِ، حتى إنَّ بعضَ العلماءِ قال: لو أنَّ شخصاً أمَّ في مسجدٍ بدون إذنِ إمامِهِ فالصلاةُ باطلةٌ. ولأننا لو قلنا: إنَّ الأقرأَ أَولى؛ حتى ولو كان للمسجدِ إمامٌ راتبٌ؛ لحصَلَ بذلك فوضى، وكان لهذا المسجدِ في كلِّ صلاةٍ إمامٌ. قوله: «إلا من ذي سلطان» أي: أنَّ ذا السُّلطانِ، مقدَّمٌ على إمامِ المسجدِ، والسُّلطانُ هو الإِمامُ الأعظمُ، فلو أنَّ الإِمامَ الأعظمَ حَضَرَ إلى المسجدِ، فهو أَولى مِن إمامِ المسجدِ بالإِمامةِ. واستدلُّوا بعمومِ قولِهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يَؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانِهِ» (¬2). ولكن قد يقول قائلٌ: الإِمامُ في مسجدِه سُلطانٌ، وهذه سُلْطَةٌ أخصُّ مِن سُلْطَةِ الإِمامِ الأعظمِ؟ والجواب: بأنَّ سُلطتَه دون سُلطةِ السُّلطان الأعظمِ، فَسُلطةُ السلطانِ الأعظمِ أقوى، بدليل أنَّه يمكن للسُّلطانِ الأعظمِ أن يُزيلَ هذا عن منصِبِه. مسألة: لو حَضَرَ الإِمامُ الأعظمُ إلى صلاةِ الجُمعةِ في بلدٍ غير وَطَنِهِ، فمَن الذي يُقدَّمُ، الإِمامُ الأعظم، أو إمامُ المسجدِ الجامعِ؟ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (153). (¬2) تقدم تخريجه ص (153).

وحر، وحاضر، ومقيم

فالجواب: نُقدِّمُ إمامَ الجامعِ؛ لأنَّ مِن شرطِ الإِمامةِ في الجُمعةِ أن يكون الإِمامُ مستوطناً، والإِمامُ الأعظمُ في غير وطنِهِ غير مستوطن. وأجاز ذلك بعضُ العلماء لوجهين: الأول: أنه ليس هناك دليلٌ على أنَّ الجُمعةَ لا يصحُّ أنْ يكون الإِنسانُ إماماً فيها إلا إذا كان مستوطناً (¬1)؟ الثاني: رُبَّما يُقال: إنَّ الإِمامَ الأعظمَ مستوطنٌ في جميعِ بلادِ مملكتِه، ولهذا كان مِن اعتذارِ بعضِ العلماءِ (¬2) لعثمانَ بنِ عفَّان رضي الله عنه حين أَتمَّ الصلاةَ في مِنَى في الحَجِّ (¬3) أن قالوا: الإِمامُ الأعظمُ أو الخليفةُ، كلُّ ما تحت يدِهِ فهو بلدٌ له، فيكون مهما ذَهَبَ فهو مستوطنٌ. ولا شَكَّ أنَّ هذا التعليلَ عليلٌ، بل ميتٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أشدُّ ملكاً وتثبيتاً مِن غيرِه، ومع ذلك كان إذا سافرَ مِن المدينةِ يقصُرُ الصَّلاةَ، وقَصَرَ في حجة الوداع حتى رَجَعَ إلى المدينة، وقَصَرَ عثمان في أول خِلافتِهِ. والقولُ بأن الإِمامَ الأعظمَ لا يصحُّ أن يكون إماماً في الجمعة في غير بلدِه قولٌ ضعيفٌ، وتعليلٌ عليلٌ، بل الصَّحيحُ أنَّ غيرَ الإِمامِ الأعظمِ أيضاً يصحُّ أن يكون إماماً للجُمعةِ في غيرِ بلدِهِ، فلو أنَّ عالماً مِن الناسِ قَدِمَ إلى بلدٍ فقال له أهلُ البلد: صَلِّ بنا، فَخَطَبَ وصَلَّى بهم، فلا بأسَ بذلك. وَحُرٌّ، وَحَاضِرٌ، وَمُقِيمٌ، ............ قوله: «وحُرٌّ، وحاضر، ومقيم» إلخ. ¬

_ (¬1) ستأتي هذه المسألة إن شاء الله في المجلد الخامس. (¬2) انظر: «زاد المعاد» (1/ 457)، وانظر أيضاً: ص (408). (¬3) تقدم تخريجه ص (62).

وبصير، ومختون، ومن له ثياب أولى من ضدهم

الحُرُّ أَولى مِن ضِدِّه، وضِدُّ العبدُ الرَّقيقُ الذي يُباع ويُشترى، وإنَّما كان الحُرُّ أَولى مِن العبدِ؛ لأنَّ الحُرَّ غالباً أعْلمُ بالأحكامِ مِن العبدِ، ولأنَّ العبدَ مملوكٌ، فلا يُؤمنُ أن يطلبَه سيدُه في أيِّ ساعةٍ مِن ليلٍ أو نهارٍ بخلاف الحُرِّ، ولأنه إنْ كان العبدُ عبده فمرتبتُه أعلى مِن مرتبةِ العبدِ وهو سيدُه، فلا ينبغي أن يكون مأموماً له وهو أرفعُ منه. وقوله: «وحاضر» المراد به الذي يسكن الحاضرةَ. وضِدُّه البدوي؛ لأنَّ البدوَ غالباً يكونون جُفاةً جُهَّالاً، كما قال الله تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97]. وقوله: «ومقيم» يعني أن المقيم أَولى مِن المسافر، مثلاً: إنسانٌ في هذا البلدِ مقيمٌ لحاجةٍ فمرَّ مسافرٌ عابراً فتقول: المقيمُ أَولى مِن هذا العابرِ لأنَّ المقيمَ على المشهورِ مِن المذهبِ إذا نوى الإقامة أكثر مِن أربعة أيام لزمه أن يُتمَّ فكان بذلك أولى مِن المسافر الذي لا يتم وبناء على قوله: فالمقيم هنا ضد المسافر والمستوطن، فالناس ثلاثة أقسام: مستوطن ومسافر ومقيم، فالمستوطن أولى ثم المقيم. وَبَصِيرٌ، وَمَخْتُونٌ، وَمَنْ لَهُ ثِيَابٌ أَوْلَى مِنْ ضِدّهِمْ. قوله: «وبصير» يعني: أنَّ البصير أَولى مِن الأعمى؛ لأنَّ البصيرَ يتحرَّزُ مِن النجاساتِ وغيرِها، ويُدرك استقبالَ القِبلة أكثر مِن الأعمى. وأيضاً: البصيرُ لو أَنَّ بعضَ أعضائِهِ في الوُضُوء لم يصبه الماءُ لعَلِمَ به بخلافِ الأعمى، فالبصير أَولى مِن الأعمى، وذلك بعد اتِّفاقِهما فيما سَبَقَ.

قوله: «ومختون» أي: أن المختون أَولى مِن الأقلفِ؛ لأنه أبعد مِن التنزُّه مِن النجاسةِ. والمختون: هو مقطوعُ القُلْفَة، والأقْلَفُ ضِدُّه؛ لأنَّ الإِنسانَ يُولدُ وعلى رأس ذَكَرِهِ قُلْفَةٌ، أي: جِلدةٌ تُغطِّي الحَشَفَةَ، وهذه الجِلدةُ يجب إزالتُها؛ لأنها لو بقيت لاحتقنَ فيها البولُ، وصارت سبباً للنجاسةِ، وربما يتولَّدُ فيها جراثيمٌ بين جِلدةِ القُلْفَةِ والحَشَفَةِ فيتأثَّرُ بأمراضٍ صعبةٍ. قوله: «ومَن له ثياب» أي: مَن عليه ثيابٌ سترُها أكملُ، أَولى ممَّن عليه ثيابٌ يسترُ بها قَدْرَ الواجبِ. مثاله: شخصٌ عليه إزارٌ فقط، وآخرُ عليه إزارٌ ورداءٌ فكلٌّ منهما صلاتُه صحيحةٌ، لكن الثاني أكمل ستراً مِن الأول، فيكون هو الأَولى بالإِمامةِ. وفُهِمَ مِن قولِ المؤلِّفِ: «أَولى مِن ضِدِّهم» أنَّ هؤلاء المذكورين السِّتَّة تصحُّ إمامتُهم؛ لأنَّ «الأَولى» تدلُّ على الاختيارِ، وعلى هذا؛ فيصحُّ أن يؤمَّ العبدُ حُرًّا، ولو كان سيده لكن الأَولى الحُرُّ، وكذلك أيضاً المقيمُ وضِدُّه المسافرُ، فلو صَلَّى المسافرُ بالمقيمِ فإنَّ صلاتَه تصحُّ، وأيضاً: لو صَلَّى بدويٌّ بحاضرٍ لصحّت صلاتُهُ، لكن على خِلافِ الأَولى، ولو صَلَّى الأعمى بالبصيرِ صحَّتْ صلاتُهُ، لكن الأَولى العكسُ، وكذلك لو صَلَّى أقلفٌ بمختونٍ فصلاتُه صحيحةٌ، لكن الأَولى العكسُ، ولو صَلَّى مَن له ثيابٌ قليلةٌ بمَن له ثيابٌ كثيرة لصحّت الصلاةُ، ولكن الأَولى العكسُ.

ولا تصح خلف فاسق ككافر

وَلاَ تَصِحُّ خَلْفَ فَاسِقٍ كَكَافِرٍ، ............. قوله: «ولا تصحُّ خلف فاسق». شرح المؤلف رحمه الله في بيان مَن لا تصحُّ إمامتُهُ إما مطلقاً أو بمَن هو أكملُ منه. و «الفاسق» في اللغة: الخارج، مأخوذ مِن قولهم: فَسَقَتِ الثَّمرةُ عن قشرِها، أي: خرجت. واصطلاحاً: مَن خرجَ عن طاعةِ الله بفعلِ كبيرةٍ دون الكفر، أو بالإِصرارِ على صغيرة. ويُطلق الفاسقُ على الكافرِ كما في قوله تعالى: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25]، وكما في قوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وكما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ} [السجدة: 20]. وقوله: «خلف فاسق» ظاهر كلامه رحمه الله: أنها لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ، سواءٌ كان بمثلِهِ أو بغيرِه، لأنَّه أطلقَ، وعلى هذا؛ فلو اجتمعَ شخصان يغتابان الناسَ وحضرتِ الصَّلاةُ، فإنه لا يُصلِّي أحدُهما بالآخر؛ لأنه إن صَلَّى زيدٌ بعَمرٍو بطلت، وإن صَلَّى عَمرٌو بزيدٍ بطلت، فيصلِّيان فُرادى، ولو اجتمعَ شخصان كلاهما يشربُ الدُّخان لم يُصلِّ أحدُهما بالآخر، لأن كلَّ واحدٍ منهما فاسقٌ، ولو اجتمعَ شخصان قد حَلَقَا لحيتيهما لم يصلِّ أحدُهما بالآخر؛ لأنَّهما فاسقان، ولا يصحُّ أن يكون الفاسقُ إماماً، ولو عُمِل بهذا القولِ لفاتَ كثيرٌ مِن الناسِ أن يُصلّوا جماعة. القول الثاني: أنَّ الصلاةَ تصحُّ خلفَ الفاسقِ، ولو كان ظاهرُ الفسق، وذلك بدليلين أثريٍ ونظريٍ:

أما الأثري: 1 ـ عمومُ قولِ الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللهِ» (¬1). 2 ـ خصوصُ قولِه صلّى الله عليه وسلّم في أئمةِ الجَورِ الذين يُصلُّون الصَّلاةَ لغيرِ وقتها: «صَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أدركتَها معهم فَصَلِّ، فإنَّها لك نافلةٌ» (¬2). 3 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يُصلُّونَ لكم، فإنْ أصابُوا فَلَكُم، وإنْ أخطأوا فَلَكُمْ وعليهم» (¬3). 4 ـ أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم، ومنهم ابنُ عمر كانوا يُصلُّونَ خلفَ الحجَّاجِ (¬4). وابنُ عُمرَ رضي الله عنه مِن أشدِّ الناسِ تحرِّياً لاتِّباعِ السُّنَّةِ واحتياطاً لها، والحجَّاجُ معروفٌ. وأما الدليلُ النَّظريُّ: فنقول: كلُّ مَن صحَّت صلاتُهُ صحَّت إمامتُه، ولا دليلَ على التفريقِ بين صحَّةِ الصَّلاةِ وصحَّةِ الإمامةِ، فما دام هذا يصلِّي صلاةً صحيحةً؛ فكيف لا أُصلِّي وراءَه؛ لأنَّه ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار (648) (238). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الإمام وأتم مَن خلفه (694). (¬4) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التهجير بالرواح يوم عرفة (1660).

إذا كان يفعلُ معصيةً فمعصيتُه على نفسِه، لكن لو فَعَلَ معصيةً تتعلَّقُ بالصَّلاةِ بأن كان هذا الإِمامُ إذا دخلَ في الصَّلاةِ أتى بما يبطِلَها، فلا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَه؛ لأن صلاتَه لا تصحُّ؛ لفعلِهِ محرَّماً في الصَّلاةِ؛ لأنَّ معصيتَه تتعلَّقُ بالصَّلاةِ، أما إذا كانت معصيتُه خارجةً عنها فهي عليه. وهذا القولُ لا يَسَعُ الناسَ اليومَ إلا هو؛ لأننا لو طبَّقنا القولَ الأولَ على الناسِ؛ ما وجدنا إماماً يصلحُ للإِمامة إلا نادراً. واحتجَّ الذين قالوا: لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ بما يُروى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يَؤمَّنَّ فاجرٌ مؤمناً» (¬1) وهذا الحديثُ ضعيفٌ، وعلى تقدير صِحَّتهِ فإن المرادَ بالفاجرِ الكافرَ؛ لقول الله تعالى: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ *إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ *وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ *يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ *وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ *} [الانفطار] والفاجرُ الذي لا يغيبُ عن جهنَّم كافر؛ لأن الفاجرَ الذي فيه إيمانٌ يمكن أنْ يغيبَ عن جهنَّم؛ ولقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ *كِتَابٌ مَرْقُومٌ *وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ *} [المطففين]، فتبيَّنَ الآن أن الفاجرَ يُطلقُ على الكافر، وحينئذٍ لا يكون في الحديث دليلٌ على عدم صِحَّةِ إمامةِ الفاسق لأنَّه إنْ كان ضعيفاً لم يصحَّ الاستدلالُ به، وإنْ لم يكن ضعيفاً كان محتملاً لوجهين، وإذا دخله احتمالُ الوجهين ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب في فرض الجمعة (1878). والبيهقي (3/ 171). وانظر كلام الشيخ رحمه الله أعلاه عن درجة الحديث.

بطلَ الاستدلالُ به على تعيين أحدهما إلا بدليلٍ. إذاً؛ القولُ الرَّاجحُ؛ صحَّةُ الصَّلاةُ خلفَ الفاسقِ، فالرَّجلُ إذا صَلَّى خلفَ شخصٍ حالق لحيتَه أو شارب الدُّخان أو آكل الربا أو زانٍ، أو سارق فصلاته صحيحة، لكن يُقدَّمُ أخَفُّ الفاسقين على أشدِّهما، فيُقدَّم مَن يُقصِّرُ من لحيته على حالِقها. قوله: «ككافر» أي: كما لا تصحُّ خلفَ الكافرِ، وهنا أراد المؤلِّفُ رحمه الله أنْ يقيسَ شيئاً على شيء لا يساويه في العِلَّة، فأرادَ أنْ يقيسَ الفاسقَ على الكافرِ، ومِن شَرْطِ صِحَّةِ القياسِ تساوي الأصلِ والفرعِ في العِلَّة لأجل أنْ يتساويا في الحُكم، فإذا اختلفا في العِلَّة فالقياسُ غيرُ صَحيحٍ، وهنا بينهما فَرْقٌ عظيمٌ، لأنَّ الكافرَ لا تصحُّ صلاتُه، والفاسقُ تصحُّ صلاتُه. فالرَّجُلُ الذي يأتمُّ بكافرٍ متلاعبٌ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ هذا الكافرَ صلاتُه باطلةٌ، إذ كيف يأتَمَّ بشخصٍ يعلَمُ أنَّ صلاتَه باطلةٌ؟! أما إذا كان فاسقاً؛ فصلاتُه صحيحةٌ؛ لأنَّه ائتَمَّ بشخصٍ صلاتُه صحيحةٌ، والأصلُ أنَّ مَن صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه، لأنَّ الإِمامةَ فَرْعٌ عن الصَّلاةِ. ويحتمل أن يريدَ المؤلِّفُ رحمه الله: قياسَ المُختَلَفِ فيه على المُتَّفقِ عليه، لا إثبات الحُكم بذلك، أي: كأنما يقول: لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ كما أنها لا تصحُّ خلفَ الكافرِ بالاتِّفاقِ، وهذا أيضاً فيه نَظَرٌ؛ لأنَّه قد يقول الخصمُ: أنا لا أُسلِّمُ بهذا، بل أقول: إنَّ الصَّلاةَ تصحُّ خلفَ الفاسقِ، ولا تصحُّ خلفَ الكافرِ، وأُفَرِّقُ بينهما.

مسألة: الكافرُ لا تصحُّ الصلاةُ خلفَه مطلقاً، سواءٌ كان كفرُه بالاعتقادِ، أو بالقولِ، أو بالفعلِ، أو بالتَّركِ. فالاعتقادُ، مثل: أن يعتقدَ أنَّ مع الله إلهاً آخر. والقولُ، مثل: أن يستهزئ باللهِ أو رسولِه، أو دينِه. فمَن كان يستهزئُ باللهِ أو رسولِه، أو دينِه فهو كافرٌ، ولو كان يصلِّي. والفِعلُ، مثل: أن يسجدَ لمن سوى الله تعالى. والتَّركُ، مثل: تَرْكُ الصَّلاةِ. لكن إذا كان كفرُه بتركِ الصَّلاةِ، ثم صلَّى أسْلَمَ. لكنهم قالوا: إنَّه حين تكبيرةِ الإحرامِ كافرٌ، لأنَّه لا يُسْلِمُ إلا إذا صَلَّى، وعلى هذا؛ فلا تصحُّ الصلاةُ خلفَ الكافرِ بتَرْكِ الصَّلاةِ. ونحن نعلمُ أنَّه لا يمكن أنْ يُصلِّي مسلمٌ خلفَ كافرٍ، لكن لو فُرضَ أنَّ شخصاً صلَّى خلفَ رَجُلٍ، ولم يعلَمْ أنه كافرٌ إلا بعدَ الصَّلاةِ فهل تلزمُه إعادةُ الصَّلاةِ أو لا؟ الجواب: مِن العلماءِ مَن قال: إنه لا يعيدُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه معذورٌ. ومِنهم مَن قال: بل يعيدُ الصَّلاةَ، لأنَّ مِن شرطِ صحَّةِ الإِمامة أن يكونَ الإِمامُ مسلماً. ولو قال قائلٌ: هل يمكن أن نُفَصِّلَ ونقول: إن كانت علامةُ الكفرِ عليه ظاهرةٌ لم تصحَّ، ولم يُعذرْ بالجهلِ لوجود القرينةِ، وإلا فلا؟ فالجواب: يمكن ذلك، فالقولُ الراجحُ في هذه المسألة: أنه إن كان جاهلاً فإن صلاتَه صحيحةٌ.

مسألة: إذا كان الفاسقُ إماماً لا تمكن مقاومتُه، كمَن له سُلطان، فهل تصحُّ الصَّلاةَ خلفَه؟ فالجواب: لا تصحُّ على المذهبِ، لكنَّهم يستثنون مِن هذا مسألتين: الجُمعة والعيد، إذا تعذَّرتا خلفَ غيره، كأن يكون هذا البلدُ ليس فيه إلا جامعٌ واحدٌ، وإمامُهُ فاسقٌ فحينئذٍ تصلّي خلفَه. وكذا العيد إذا لم يكن فيه إلا مصلًّى واحد، وإمامُه فاسقٌ نصلِّي خلفَه؛ لأننا لو تركنا الصَّلاةَ خلفَه فاتتنا الجُمعةُ وفاتنا العيدُ. وإذا لم يكن في البلدِ إلا هذا المسجدُ، وإمامُه فاسقٌ في غير الجُمعةِ والعيدِ؟ فالجواب: على المذهب يصلِّي منفرداً، ولا يصلِّي خلفَه. ولكن؛ الصحيحُ أنَّ الصلاةَ خلفَه صحيحةٌ كما سبقَ. مسألة: إذا كان الإمامُ فاسقاً في معتقدِك، غيرُ فاسقٍ في معتقدِه، مثل: أن يرى أن شُربَ الدُّخانِ حلالٌ، وأنت ترى أنَّه حرامٌ، فهل تصلِّي خلفَه؟ الجواب: تصلِّي خلفَه، لأنك لو سألتَ عنه، فقيل لك: هو فاسقٌ بحسب اعتقادِه؟ لقلت: لا؛ لأنه يعتقدُ أنَّ هذا حلال، ولذلك لو أنَّ رَجُلاً لا يرى أن لَحْمَ الإِبل ناقضٌ للوُضُوءِ، وأنت ترى أنه ناقضٌ، فأكلَ مِن لَحمِ الإِبلِ، ثم صلَّى إماماً لك، فصلاتُكَ خلفَه صحيحةٌ مع أنك تعتقدُ أنَّ صلاتَه باطلةٌ، لكن هذا في اعتقادِك فيما لو فعلتَه أنت، لكن فيما لو فعلَه تعتقد أنَّ صلاتَه صحيحةٌ. ولهذا قال العلماءُ رحمهم الله: تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ

ولا امرأة وخنثى للرجال

المخالفِ في الفُروعِ، ولو فَعَلَ ما تعتقدُه حراماً. وهذا مِن نِعمة الله؛ لأننا لو قلنا: إنَّها لا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ المخالفِ في الفروعِ لَلَحِقَ بذلك حَرَجٌ ومشَقَّةٌ. وَلاَ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى لِلرِّجَالِ، ........ قوله: «ولا امرأة»، أي: لا تصحُّ صلاةُ الرَّجُلِ خلفَ امرأةٍ. والدليلُ: ما رُوي عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «لا تَؤمَّنَّ امرأةٌ رَجُلاً» (¬1)، وهذا الحديث ضعيفٌ، لكن يؤيده في الحُكم قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهم امرأةً» (¬2)، والجماعةُ قد وَلَّوْا أمرَهم الإِمامَ فلا يصحُّ أنْ تكونَ المرأةُ إماماً لهم. ودليلٌ آخرٌ: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: « ... خيرُ صُفوفِ النساءِ آخِرُها» (¬3). وهذا دليلٌ على أنَّه لا موقعَ لَهُنَّ في الأمامِ، والإِمامُ لا يكونُ إلا في الأمامِ، فلو قلنا بصحَّةِ إمامتِهِنَّ بالرِّجالِ لانقلبَ الوضعُ، فصارت هي المتقدِّمة على الرَّجُلِ، وهذا لا تؤيده الشريعةُ. ولأنه قد تحصُلُ فتنةً تُخِلُّ بصلاةِ الرَّجُلِ إذا كانت إلى جَنْبِهِ أو بين يديه. قوله: «ولا خنثى للرجال» أي: ولا تصح صلاةُ الرَّجُلِ خلفَ الخُنثى. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات، باب فرض الجمعة (1081)، وانظر: كلام الشيخ رحمه الله عن درجته أعلاه. (¬2) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى كسرى وقيصر (4425). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (440) (132).

والخُنثى هو: الذي لا يُعْلَمُ أَذكرٌ هو أم أنثى؟ فيشمَلُ مَن له ذَكَرٌ وفَرْجٌ يبول منهما جميعاً. ويشمَلُ مَن ليس له ذَكَرٌ ولا فَرْجٌ، لكن له دُبُرٌ فقط. والخُنثى سواءٌ كان على هذه الصُّورةِ أو صُورةٍ أخرى لا يَصحُّ أن يكون إماماً للرِّجال، لاحتمالِ أنْ يكون أُنثى، وإذا احتملَ أن يكونَ أُنثى، فإنَّ الصَّلاةَ خلفَه تكون مشكوكاً فيها، فلا تصحُّ. وذكر الموفَّقُ رحمه الله أنه حُدِّث عن أشخاصٍ ثلاثةٍ: أحدهم: له مخرجٌ واحدٌ بين القُبُلِ والدُّبُرِ يخرجُ منه البولُ والغائطُ. الثاني: ليس له فَرْجٌ ولا ذَكَرٌ، وإنَّما له شيءٌ نابئ يخرجُ منه البولُ رشحاً مثل العرقِ، وهذا أيضاً خُنثى. والثالث: ليس له دُبُرٌ ولا فَرْجٌ ولا ذَكَرٌ، وإنما يتقيأ الطَّعامَ إذا بقي في معدتِه شيئاً مِن الوقت، فإذا امتصت المعدة المنافع التي فيه تقيَّأهُ فيكون خروج هذا الشيء مِن فمِهِ، والله على كلِّ شيء قدير. أمَّا نحن؛ فقد حدَّثنا بعضُ الأطباءِ هنا في «عُنَيْزَة» أنه وُلِدَ شخصٌ ليس له فَرْجٌ ولا ذَكَرٌ، والله على كلِّ شيءٍ قدير. وفُهِمَ مِن قولِ المؤلِّفِ: «ولا امرأة وخنثى للرجال» أنه يصحُّ أن تكون المرأةُ إماماً للمرأةِ، والخُنثى يصحُّ أن يكون إماماً للمرأة؛ لأنه إما مثلُها أو أعلى منها. لكن؛ هل يصحُّ أن تكون المرأةُ إماماً للخُنثى؟

ولا صبي لبالغ

الجواب: لا؛ لاحتمالِ أن يكون ذَكَراً. وَلاَ صَبِيٍّ لِبَالِغٍ، .......... قوله: «ولا صبي لبالغ» أي: لا تصحُّ إمامةٌ مِن صبيٍّ لبالغٍ. والصَّبيُّ: مَن دونَ البلوغِ، والبالغُ مَن بَلَغَ، ويحصُلُ البلوغُ بواحدٍ مِن أمورٍ ثلاثةٍ بالنسبة للذُّكورِ وهي: 1 ـ تمامُ خمس عشرة سَنَةً. 2 ـ إنباتُ العَانةِ. 3 ـ إنزالُ المَنيِّ بشهوةٍ يقظةً أو مناماً. فإذا وُجِدَ واحدٌ مِن هذه الأمورِ الثلاثةِ صارَ الإِنسانُ بالغاً. والمرأةُ تزيدُ على ذلك بأمرٍ رابعٍ وهو الحيضُ، فإذا حاضت ولو لعشرِ سنواتٍ فهي بالغةٌ. وقوله: «لا صبي لبالغ» أي: أنَّ الصَّبيَّ إذا صارَ إماماً، والبالغُ مأموماً، فصلاةُ البالغِ لا تصحُّ لدليلين؛ أثريٍّ ونظريٍّ. أما الأثريُّ؛ فهو ما يُذكر عن رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «لا تُقدِّموا سفهاءَكمْ وصبيانَكمْ في صلاتِكم ... » (¬1). وأما النظريُّ؛ فهو أنَّ صلاةَ الصَّبيِّ نَفْلٌ، وصلاةُ البالغِ فَرْضٌ. والفرضُ أعلى رُتْبةً مِن النَّفْلِ، فإذا كان أعلى رُتْبَةً فكيف يكون صاحبُه تابعاً مَن هو أدنى منه رُتْبةً؛ لأننا لو صحَّحنا صلاةَ البالغِ خلفَ الصَّبيِّ لجعلنا الأعلى تابعاً لما دونه؛ وهذا خِلافُ القياسِ، والقياسُ أن يكونَ الأعلى متبوعاً لا تابعاً. ¬

_ (¬1) انظر: ص (225).

وقوله: «لبالغ» يُفهمُ منه أنَّ إمامةَ الصَّبيِّ للصَّبيِّ جائزةٌ، وهو كذلك، وهذا ما ذهبَ إليه المؤلِّفُ رحمه الله. القول الثاني: أنَّ صلاةَ البالغِ خلفَ الصَّبيِّ صحيحةٌ. ودليلُ ذلك: ما ثَبَتَ في «صحيح البخاري» أن عَمرَو بنَ سَلَمة الجَرْمي أمَّ قومَه وله ستٌّ أو سبعُ سنين؛ لأنه كان رضي الله عنه يتلقَّفُ الرُّكبان، وهو صبيٌّ ذكيٌّ فيحفظُ منهم القرآنَ، ولما قَدِمَ أبوه مِن عند الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم حدَّثَهم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: « ... فإذا حضرتِ الصلاةُ؛ فَلْيُؤَذِّنْ أحدُكُم وَلْيَؤُمَّكُمْ أكثرُكُم قرآناً»، قال: فنظروا، فلم يكنْ أحدٌ أكثرَ قرآناً منِّي؛ لِمَا كنتُ أتلقَّى مِن الرُّكبانِ، فقدَّمُوني بين أيديهم وأنا ابنُ سِتٍّ أو سبعِ سنينَ، وكانت عليَّ بُرْدَةٌ، وكنتُ إذا سجدتُ تَقَلَّصَتْ عنِّي، فقالت امرأةٌ مِن الحَيِّ: ألا تُغَطُّون عنَّا إسْتَ قارِئِكم؟!. فاشتروا فقطعوا لي قميصاً. فما فرحتُ بشيءٍ فرحي بذلك القميصِ (¬1). أما حديث: «لا تُقدِّموا صبيانكم في صلاتِكم» (¬2)، فهو حديثٌ لا أصلَ له إطلاقاً، فلا يصحُّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. وأما التَّعليلُ: فقد علِمْنَا القاعدةَ وهي: أنه لا قياسَ في مقابلة النَّصِّ؛ لأنَّ القياسَ رأيٌ يُخطئُ ويُصيبُ، ولا يجوز القول في الدين بالرَّأي، فإذا كان لدينا حديثٌ صحيحٌ فإنَّ الرأيَ أمامَه ليس بشيءٍ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب مَن شهد الفتح (4302). (¬2) أخرجه الديلمي في «الفردوس» (7310)، وانظر: كلام الشيخ رحمه الله أعلاه.

لا أخرس

لكن؛ قد يعترضُ مُعترضٌ فيقول: هل عَلِمَ بذلك رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أوَ لم يعلمْ؟ الجواب: إما أنْ نقولَ: إنَّه عَلِمَ. وإما أنْ نقولَ: إنَّه لم يعلمْ. وإما أنْ نقولَ: لا ندري. فإن كان قد عَلِمَ فالاستدلالُ بهذه السُّنَّةِ واضحٌ، وإن عَلِمنا أنَّه لم يعلم فإننا نقول: إنَّ الله قد عَلِمَ، وإقرارُ اللهِ للشيء في زَمَنِ نزولِ الوحي دليلٌ على جَوازِه، وأنه ليس بمنكرٍ؛ لأنه لو كان منكراً لأنكرَه اللهُ، وإن كان الرسولُ لم يعلمْ به، ودليل ذلك: أولاً: قول الله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا *} [النساء] فأنكرَ اللهُ عليهم تبييتَهم للقولِ مع أنَّ الناسَ لا يعلمون به؛ لأنهم إنما بَيَّتوا أمراً منكراً، فدلَّ هذا على أن الأمرَ المنكرَ لا يمكن أن يَدَعَهُ الله، وإنْ كان الناسُ لا يعلمون به. ثانياً: أن الصحابةَ استدلُّوا على جوازِ العَزْلِ بأنهم كانوا يَعزلون والقرآنُ ينزل (¬1). وهذا استدلالٌ منهم بإقرارِ الله تعالى. َلاَ أَخْرَسَ، ........... قوله: «ولا أخرس» أي: ولا تصحُّ إمامةُ الأخرسِ. وظاهرُ كلامِهِ حتى بمثلِه، والأخرسُ هو الذي لا يستطيعُ النُّطقَ، وهو نوعان: 1 ـ خَرَسٌ لازمٌ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب العزل (5209)؛ ومسلم، كتاب النكاح، باب حكم العزل (1440) (136).

2 ـ خَرَسٌ عارضٌ. فاللازم: أن يكون ملازماً للمرءِ مِن صغرِه، والعارضُ هو الذي يحدثُ للمرءِ إما بحادثٍ، أو بمرضٍ، أو بغير ذلك. وإذا كان لازماً؛ فالغالبُ أنَّه لا يَسمَعُ، وانتفاءُ السَّمْعِ سابقٌ على الخَرَسِ؛ لأنه إذا كان لا يَسمَعُ لا يمكن أن يتكلَّمَ؛ إذ لا يَسمَعُ شيئاً يقلِّدُه حتى يتكلَّم مثلَه، ولهذا إذا وُلِدَ الصَّبيُّ أصمَّ، ولم يفتحِ الله أذنيهِ فإنه يبقى أخرس. أما الطارئ؛ فقد يكون الأخرسُ سميعاً، لكن طرأ عليه عِلَّةٌ منعته مِن الكلام. وكلا النوعين لا يصحُّ أن يكون إماماً، لا بمثلِه ولا بغيرِه؛ لأنه لا يستطيع النُّطقَ بالرُّكنِ كقراءة الفاتحةِ، ولا بالواجبات كالتشهد الأول، ولا بما تنعقدُ به الصَّلاةُ، وهو تكبيرةُ الإِحرامِ؛ فيكون عاجزاً عن الأركانِ والواجباتِ، فلا يصحُّ أن يكون إماماً لمن هو قادرٌ على ذلك، وهذا التعليلُ قد يكون متوجِّهاً بالنسبةِ لكونه إماماً لِمَن هو قادرٌ على النُّطقِ، لكن بالنسبة لمَن هو عاجزٌ عن النُّطقِ، فهذا التَّعليلُ يكون عليلاً؛ وذلك لأنَّ العاجزَ عن النُّطقِ لا يفوقُه ولا يفضُله بشيء، فلماذا لا يصحُّ أن يكون إماماً له؟ ولهذا كان القولُ الراجحُ: أنَّ إمامةَ الأخرسِ تصحُّ بمثلِه وبمَن ليس بأخرس؛ لأنَّ القاعدةَ عندنا: أنَّ كلَّ مَن صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه. لكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إماماً؛ لأنَّ

ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام

النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (¬1) وهذا لا يقرأ، لكن بالنسبة للصِّحَّةِ فالصحيحُ، أنَّها تصحُّ. وَلاَ عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قِيَامٍ ........... قوله: «ولا عاجز عن ركوع أو سجود» أي: ولا تصحُّ إمامةُ عاجزٍ عن ركوعٍ، مثل: أن يكون الشخصُ فيه آلامٌ في ظهرِه لا يستطيعُ أن يركعَ، فإنَّه لا يصحُّ أن يكونَ إماماً للقادرِ على الرُّكوعِ. وأما العاجزُ عن الرُّكوعِ؛ فإنه يصحُّ أن يكون إماماً له؛ لتساويهما في العِلَّة. والتعليل: أنَّ القادرَ على الرُّكوعِ أكملُ حالاً مِن العاجزِ عنه، ولا يصحُّ أن يكون العاجزُ إماماً للقادرِ، هذا ما ذهبَ إليه المؤلِّفُ، وهو المذهبُ. وكذلك العاجزُ عن السُّجودِ، مثل: أن يكون الإِنسانُ قد عَمِلَ عمليةً لعينيه، يستطيع أن يركعَ ويقومَ ويقعدَ، ولكن لا يستطيع السُّجودَ إلا بإيماء، فلا يصحُّ أن يكونَ إماماً للقادر على السُّجودِ، ويصحُّ أن يكون إماماً للعاجز عنه. والعِلَّةُ فيه؛ كالعِلَّةِ في العاجزِ عن الرُّكوعِ. قوله: «أو قعود» أي: لا تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن القعودِ إلا بمثلِه. والعِلَّةُ فيه: ما سَبَقَ في العاجزِ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ. قوله: «أو قيام» أي: أنَّ العاجزَ عن القيامِ لا يصحُّ أن يكونَ إماماً للقادرِ عليه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205).

إلا إمام الحي المرجو زوال علته، ويصلون وراءه جلوسا ندبا

والعِلَّةُ فيه: ما سَبَقَ مِن أنَّه عاجز عن الإِتيان بالرُّكنِ، فحالُه دون القادرِ عليه، مع أنَّ صلاتَه صحيحةٌ، واستثنى المؤلِّفُ فقال: إِلاَّ إِمَامَ الحَيِّ المَرْجُو زَوَالَ عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوساً نَدْباً. قوله: «إلا إمام الحي» هذا مستثنًى مِن الصُّورةِ الأخيرةِ، وهو قوله: «أو قيام». وقوله: «إلا إمام الحي» أي: الإِمامَ الراتبَ في المسجدِ. والحيُّ: جمعُه أحياء، وهي الدُّور والحارات، فإذا كان لهذا المسجدِ إمامٌ راتبٌ عاجزٌ عن القيامِ فإنَّه يكون إماماً لأهلِ الحيِّ القادرين على القيام؛ لكن بشرطٍ بيَّنه المؤلِّفُ بـ: قوله: «المرجو زوال علته» أي: بأن يكون عجزُه عن القيامِ طارئاً يُرجى زوالُه، بخلافِ العاجزِ عن القيامِ عجزاً مستمرًّا كالشيخِ الكبير، فإن الصَّلاةَ خلفَه لا تصحُّ. والحاصلُ: أنَّ المؤلِّفَ رحمه الله أفادنا بهذه العبارات أنَّ مَن عَجِزَ عن رُكنِ القيامِ والقعودِ والركوعِ والسجودِ لا تصحُّ إمامتُه إلا بمثلِه، إلا القيامَ فتصحُّ إمامةُ العاجزِ عن القيامِ بقادرٍ عليه بشرطين: 1 ـ أنْ يكون العاجزُ عن القيام إمامَ الحَيِّ. 2 ـ أنْ تكون عِلَّتُه مرجوةَ الزَّوالِ، مثل: أن يطرأ عليه وَجَعٌ يُرجى زوالُه في ظهرِه أو بركبتِه، فهنا يصحُّ أن يؤمَّ لأهلِ الحَيِّ وإنْ كان عاجزاً عن القيامِ. قوله: «ويصلون» الضَّميرِ يعودُ على أهلِ الحَيِّ. قوله: «وراءه» أي: وراءَ إمامِ الحَيِّ الجالسِ.

قوله: «جلوساً» حال مِن فاعل يصلُّون. قوله: «ندباً» أي: أنَّ هذا الحكمَ نَدْبٌ، وليس بواجبٍ، والنَّدْبُ السُّنَّةُ، أي: فالسُّنَّةُ أن يصلُّوا خلفَه جلوساً. ودليلُ ذلك: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به» إلى أن قال: «وإذا صلَّى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صَلَّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» (¬1). وهذا نصٌّ صريحٌ بأنَّ الصَّلاةَ خلفَ العاجزِ عن القيامِ بالقادرِ عليه صحيحةٌ، وأنَّه يصلِّي خلفَ إمامِهِ قاعداً اقتداءً بإمامِهِ. وقوله: «ويصلون وراءه جلوساً ندباً» أفادنا رحمه الله: أنَّهم لو صَلُّوا وراءَه قياماً فصلاتُهم صحيحةٌ؛ لأنَّ السُّنَّةَ لا تَبطلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِها. وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى أن الصَّلاةَ خلفَه يجبُ أن تكون قعوداً. واستدلُّوا لذلك بما يلي: 1 ـ قول الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا قعوداً» والأصلُ في الأمرِ الوجوبُ، لا سيَّما وأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم علَّلَ ذلك في أول الحديثِ بقولِهِ: «إنما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به». 2 ـ أنه لما صَلَّى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بأصحابِهِ ذاتَ يومٍ، وكان عاجزاً عن القيامِ فقاموا، أشار إليهم أن اجلسوا، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (689)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (411) (77) (473) (84).

فجلسوا (¬1). فكونُه يُشيرُ إليهم حتى في أثناء الصَّلاةِ يدلُّ على أنَّ ذلك على سبيلِ الوجوبِ. ونظيرُ هذا: أنَّه لمَّا قامَ عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ يصلِّي معه عن يسارِه أخذَ برأسِهِ مِن ورائِهِ وجعلَه عن يمينِهِ (¬2). وقد قالوا: إنَّه لا يجوزُ أنْ يقفَ المأمومُ الواحدُ عن يسارِ الإِمامِ. فنقول: هذا مثلُه، بل هنا قَوْلٌ وهو أبلغُ مِن الفِعلِ وهو قوله: «إذا صلّى قاعداً فصَلُّوا قعوداً أجمعون» (¬3). وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، أنَّ الإِمامَ إذا صلَّى قاعداً وَجَبَ على المأمومين أن يصلُّوا قعوداً، فإن صلُّوا قياماً فصلاتُهم باطلةٌ، ولهذا يُلغزُ بها فيقال: رَجُلٌ صَلَّى الفرضَ قائماً فبطلتْ صلاتُه، فمَنْ هو؟! والجواب: هو الذي صَلَّى قائماً خلفَ إمامٍ يصلِّي قاعداً. والمؤلِّفُ رحمه الله جَزَمَ بأن الإِمامَ إذا صَلَّى قاعداً فإنَّ المأمومين يصلُّون قعوداً، إلا أنَّه اشترطَ في ذلك شرطين. وذهبَ كثيرٌ مِن أهلِ العلمِ إلى أنَّ الإِمامَ إذا صَلَّى قاعداً وَجَبَ على المأمومين القادرين على القيامِ أن يصلُّوا قياماً. فإنْ صلُّوا قعوداً بطلتْ صلاتُهم. واستدلُّوا لذلك: 1 ـ أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في مَرَضِ موتِه والناسُ يصلُّون خلفَ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به (688)؛ ومسلم، الموضع السابق (412) (82). (¬2) تقدم تخريجه ص (60). (¬3) تقدم تخريجه ص (230).

أبي بكرٍ، فتقدَّمَ حتى جَلَسَ عن يسارِ أبي بكرٍ، فجعل يُصلِّي بهم عليه الصَّلاةُ والسَّلام قاعداً وهم قيام، هم يَقتدون بأبي بكرٍ، وأبو بكر يقتدي بصلاةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنَّ صوتَه صلّى الله عليه وسلّم كان ضعيفاً لا يُسْمِعُ النَّاسَ، فكان أبو بكر يَسمَعُهُ؛ لأنه إلى جَنْبِهِ، فيرفعُ أبو بكرٍ صوتَه فيقتدي النَّاسُ بصلاةِ أبي بكرٍ (¬1). قالوا: وهذا في آخرِ حياتِهِ، فيكون ناسخاً لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صَلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً أجمعون» (¬2). وناسخاً لإِشارته إلى أصحابه: «حين صلّى قاعداً فصلُّوا خلفَه قياماً فأشارَ إليهم أنِ اجلسوا» (¬3) لأنَّه مِن المعروفِ أن المتأخِّرَ مِن سُنَّةِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم ينسخُ المتقدِّمَ. 2 ـ أنَّ القيامَ رُكنٌ على القادرِ عليه، وهؤلاء قادرون على القيامِ فيكون القيامُ في حقِّهم رُكناً. ولكننا نقولُ: إنَّ هذا القولَ ضعيفٌ؛ وذلك لأنه لا يجوز الرجوعُ إلى النَّسخِ إلا عند تعذُّرِ الجمعِ، فإنَّ مِن المعلومِ عند أهلِ العِلمِ أنَّه يُشترط للنسخِ شرطان: الشرط الأول: العلم بتأخُّرِ النَّاسخِ. الشرط الثاني: أنْ لا يمكن الجمعُ بينَه وبين ما ادُّعِيَ أنه منسوخٌ. وذلك أنك إذا قلتَ بالنَّسخِ ألغيتَ أحدَ الدَّليلينِ، وأبطلتَ حُكمَه. وإلغاءُ الدَّليلِ ليس بالأمرِ الهيِّنِ حتى نقولَ كلما أعيانا الجمعُ: هذا منسوخٌ. فهذا لا يجوز. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، الموضع السابق (687)؛ ومسلم، الموضع السابق (418) (90). (¬2) تقدم تخريجه ص (230). (¬3) تقدم تخريجه ص (231).

والجمعُ هنا ممكنٌ جداً، أشار إليه الإِمام أحمد رحمه الله فقال: «إنما بقيَ الصَّحابةُ قياماً، لأنَّ أبا بكرٍ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائماً». وعلى هذا نقول: لو حَدَثَ لإِمام الحَيِّ عِلَّةٌ في أثناء الصَّلاةِ أعجزته عن القيام؛ فأكملَ صلاتَه جالساً، فإنَّ المأمومين يتمُّونَها قياماً. وهذا لا شَكَّ أنه جَمْعٌ حَسَنٌ واضح. وعلى هذا؛ إذا صلّى الإِمامُ بالمأمومين قاعداً مِن أولِ الصَّلاةِ فليصلُّوا قعوداً، وإن صَلَّى بهم قائماً ثم أصابته عِلَّةٌ فجَلَسَ فإنَّهم يصلُّون قياماً، وبهذا يحصُلُ الجَمْعُ بين الدليلين، والجَمْعُ بين الدَّليلين إعمالٌ لهما جميعاً. وقلنا: إنَّ المؤلِّفَ اشترط شرطين لصلاةِ المأمومينَ القادرينَ على القيامِ خلفَ الإِمامِ العاجزِ عنه. الشرط الأول: أن يكون إمامَ الحي. الشرط الثاني: أن تكون عِلَّتُه مرجوةَ الزوال. ومِن المعلومِ أن القاعدة الأصولية: أن ما وَرَدَ عن الشارع مطلقاً فإنَّه لا يجوز إدخال أيِّ قيدٍ مِن القيود عليه إلا بدليل؛ لأنه ليس لنا أن نقيِّد ما أطلقه الشرعُ. وهذه القاعدةُ تفيدك كثيراً في مسائلَ؛ منها المسحُ على الخُفَّينِ، فقد أطلقَ الشارعُ المسحَ على الخُفَّينِ، ولم يشترط في الخُفِّ أن يكون مِن نوعٍ معيَّنٍ، ولا أن يكون سليماً مِن عيوبٍ ذكروا أنها مانعة مِن المسحِ كالخرق وما أشبهه (¬1)، فالواجبُ علينا إطلاقُ ما أطلقَه الشرعُ؛ لأننا لسنا ¬

_ (¬1) انظر: المجلد الأول ص (231).

الذين نتحكَّمُ بالشرعِ، ولكن الشرعُ هو الذي يَحكمُ فينا، أمَّا أن نُدخِلَ قيوداً على أمْرٍ أطلقه الشرعُ فهذا لا شَكَّ أنه ليس مِن حَقِّنا، فلننظرْ إلى المسألة هنا، فقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا سَجَدَ فاسجدوا، وإذا صَلَّى قائماً فصلّوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» (¬1) هل هذه الأحكام التي جعلها الشارعُ في مسارٍ واحدٍ تختلفُ بين إمامِ الحيِّ وغيرِه أو لا؟ فهل نقولُ إذا كبّر إمام الحَيِّ فكبِّرْ، وإذا رَكَعَ فاركعْ، وإذا كَبَّرَ غيرُ إمامِ الحَيِّ فأنت بالخيارِ، وإذا رَكَعَ فأنت بالخيارِ؟ الجواب: لا، فالأحكامُ هذه كلُّها عامةٌ لإِمامِ الحَيِّ ولغيرِه، وعلى هذا يتبيَّنُ ضعفُ الشرطِ الأولِ الذي اشترطه المؤلِّفُ، وهو قوله: «إمام الحي» ونقول: إذا صَلَّى الإِمامُ قاعداً فنصلِّي قعوداً، سواء كان إمامَ الحَيِّ أم غيره، وقد قال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله» (¬2) فإذا كان هذا الأقرأُ عاجزاً عن القيام، قلنا: أنت إمامُنا فَصَلِّ بنا. وإذا صَلَّى بنا قاعداً فإننا نصلِّي خلفَه قُعوداً بأمرِه صلّى الله عليه وسلّم في كونه إمامَنا، وبأمره في كوننا نصلِّي قعوداً. والشرط الثاني: المرجو زوال عِلَّتِهِ. هذا أيضاً قيدٌ في أمرٍ أطلقَه الشارعُ، فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: إذا صَلَّى قاعداً وأنتم ترجون زوالَ عِلَّته فصلُّوا قعوداً، بل قال: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (230). (¬2) تقدم تخريجه ص (205).

«إذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» (¬1) وعلى هذا؛ فإننا نصلِّي قعوداً خلفَ الإِمامِ العاجزِ عن القيامِ، سواءٌ كان ممن يُرجى زوالُ عِلَّتِهِ، أو ممن لا يُرجى زوالُ عِلَّتِه. والدليل: عمومُ النَّصِّ، فالدليلُ عامٌّ مطلقٌ، فإذا كان عاماً مطلقاً فليس لنا أن نخصِّصَهُ ولا أن نقيّدَه؛ لأننا عبيدٌ محكومٌ علينا، ولسنا بحاكمين، وليس هناك دليلٌ يدلُّ على هذا القيد مِن الكتابِ والسُّنَّةِ ولا الإِجماعِ، فإذا انتفى ذلك وَجَبَ أن يبقى النَّصُّ على إطلاقِهِ فلا يُشترطُ أن يكونَ عجزُ الإِمامِ عن القيامِ مرجوَّ الزَّوالِ. مسألة: إذا قال قائلٌ: إذا كان الإِمامُ شيخاً كبيراً لا يُرجى زوالُ عِلَّتِهِ لزم مِن ذلك أن يبقى الجماعةُ يصلُّون دائماً قعوداً؟ الجواب: أننا نلتزمُ بهذا اللازمِ، ما دام هذا لازمُ قولِ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّ قولَ الرسولِ حَقٌّ، ولازمُ الحَقِّ حَقٌّ، ونحن إذا صلَّينا قعوداً مع قُدرتنا على القيامِ في جميع صلواتنا خلفَ الإِمامِ القاعدِ فقد صلَّينا بأمرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس علينا ضَيرٌ، على أنَّ هذا لا يمكن أن يطَّرِدَ، أي: ليس كلُّ الناسِ يصلّون خلفَ هذا الإِمامِ جميع الصَّلواتِ، فقد تفوتهم الصَّلاةُ، ويصلّون فُرادى، أو مع جماعةٍ أُخرى، وقد يصلُّون في مسجدٍ آخر، وقد يُعذرون عن الحضور للجماعة فيصلُّون في بيوتهم، ولكن الأَولى أن يقوم بالإِمامةِ في هذه الحالِ مَن كان قادراً على القيامِ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (230).

مسألة: العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ؛ هل تصحُّ الصلاةُ خلفَه؟ سبق أنَّ المذهبَ لا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَه إلا بمثلِه. ولكن الصحيحَ: أنَّ الصَّلاةَ خلفَه صحيحةٌ؛ بناءً على القاعدةِ؛ أنَّ مَن صحّتْ صلاتُه صحّتْ إمامتُه إلا بدليلٍ. لأن هذه القاعدةِ دلَّت عليها النصوصُ العامةُ؛ إلا في مسألة المرأةِ، فإنَّها لا تصحُّ أن تكون إماماً للرَّجُلِ، لأنَّها مِن جنسٍ آخرٍ. وأيضاً: قياساً على العاجزِ عن القيام، فإنَّ صلاةَ القادرِ على القيامِ خلفَ العاجزِ عنه صحيحةٌ بالنصِّ، فكذلك العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ. فإن قال قائل: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» (¬1) ولم يقلْ: إذا صَلَّى راكعاً فاركعوا، وإذا أومأ فأومِئوا؟ قلنا: إنَّ الحديثَ إنما ذَكَرَ القيامَ؛ لأنه وَرَدَ في حالِ العجزِ عن القيامِ، فالرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم خاطَبهم حين صَلَّى بهم قاعداً، فقاموا، ثمَّ أشارَ إليهم فجلسوا، فلهذا ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم القيامَ كمثالٍ؛ لأن هذا هو الواقع. فعليه نقول: إنَّ القولَ الراجحَ: أنَّ الصلاةَ خلفَ العاجزِ عن الركوعِ صحيحةٌ، فلو كان إمامُنا لا يستطيع الرُّكوعَ لأَِلَمٍ في ظهرهِ صلّينا خلفَه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (230).

ولكن؛ هل إذا رَكَعَ بالإِيماءِ نركعُ بالإِيماءِ؟ أو نركعُ ركوعاً تاماً؟ الظاهر: أننا نركعُ ركوعاً تامًّا؛ وذلك لأنَّ إيماءَ العاجزِ عن الرُّكوعِ لا يغيرُ هيئةَ القيامِ إلا بالانحناءِ، بخلافِ القيامِ مع القعودِ. وأيضاً: القيام مع القعودِ أشارَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى عِلَّتِه بأنَّنا لو قمنا وإمامُنا قاعدٌ كنَّا مشبهين للأعاجمِ الذين يقفون على ملوكهم. ولهذا جاءَ في بعضِ ألفاظِ الحديث: «إنْ كِدْتُم آنفاً لتفعَلُونَ فِعْلَ فارسَ والرُّومِ، يقومونَ على مُلُوكهم وهم قُعودٌ، فلا تفعلُوا، ائْتَموا بأئمتِكُم، إنْ صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً» (¬1). فإذا كان إمامُنا قاعداً، ونحن قيامٌ، صِرنا قائمين عليه، أما الرُّكوع، إذا عَجَزَ عنه وأومأ وركعنَا فإننا لا نُشبه العَجَمَ بذلك. وكذلك في العَجْزِ عن السُّجودِ، الصحيحُ: أنه تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن السُّجودِ بالقادرِ عليه، وهل المأمومُ في هذه الحالِ يومئُ بالسُّجودِ؟ الجواب: لا، بل يسجدُ سجوداً تاماً. وكذا العاجزُ عن القعودِ، نصلِّي خلفَه مع قُدرتِنا على القعودِ، كما لو كان مريضاً لا يستطيع القعودَ ويصلِّي على جنبِه. ولكن هل نضطجعُ؟ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام (413) (84).

فإن ابتدأ بهم قائما ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياما وجوبا

الجواب: لا، لأنَّ الأمرَ بموافقةِ الإِمامِ إنَّما جاءَ في القعودِ والقيامِ، وعلى هذا؛ فنصلِّي جلوساً وهو مضطجعٌ، وكذلك لو عَجَزَ عن القعودِ بين السجدتين مثلاً، أو عن القعودِ في التشهُّدِ فإننا نصلِّي خلفَه. إذاً؛ فالصحيحُ: أننا نصلِّي خلفَ العاجزِ عن القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ. وهذا القولُ هو اختيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله. وهو الصحيحُ؛ بناءً على عموماتِ الأدلةِ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله» (¬1) وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي: أنَّ مَن صحّتْ صلاتُه صحّت إمامتُه. فَإِنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِماً ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامَاً وُجُوباً ........... قوله: «فإن ابتدأ» الضمير يعود على الإِمامِ. قوله: «بهم» الضميرُ يعودُ على الجماعةِ. قوله: «ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً وجوباً» أي أصابتْهُ عِلَّةٌ فَجَلَسَ، فإنهم يصلّون خلفَه قياماً وجوباً. مثال ذلك: إمامٌ يصلّي بالجماعةِ، وفي أثناء القيامِ أصابه وَجَعٌ في ظهرِه، أو في بطنِه فَجَلَسَ، وأتمَّ بهم الصَّلاةَ جالساً، فالجماعةُ يلزمهم أن يُتمّوا الصَّلاةَ قياماً ولا يجوز لهم الجلوسُ. والدَّليلُ: فِعْلُ الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم في مرضِ موتِهِ «حين دَخَلَ المسجدَ وأبو بكرٍ يصلِّي بالناسِ، قد ابتدأ بهم الصلاةَ قائماً، فَجَلَسَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى يسارِ أبي بكرٍ، وبقي أبو بكرٍ قائماً. يُصلّي ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205).

وتصح خلف من به سلس البول بمثله

أبو بكرٍ بصلاةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ويصلّي الناسُ بصلاةِ أبي بكرٍ. ولم يأمرهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالجلوس» (¬1). وهذا الدليلُ هو الذي أجابَ به الإِمامُ أحمدُ جامعاً بينه وبين حديث: «إذا صلّى قاعداً فصلُّوا قعوداً» (¬2). وعلى هذا؛ فيكون عمومُ قوله: «إذا صلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً» مخصوصاً بهذه الحالِ: إذا ابتدأ بهم قائماً أتمُّوا قياماً. وَتَصِحُّ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ بِمِثْلِهِ. وقوله: «وتصح خلف من به سلس البول بمثله» سَلَسُ البولِ، أي: استمرارُه وعدمُ انقطاعِه، ولا يستطيعُ منعَه، وذلك أن الإِنسانَ قد يُبتلى بدوامِ الحَدَثِ مِن بولٍ أو غائطٍ أو ريحٍ، وهذا لا شَكَّ أنه مَرَضٌ؛ لا يَعرفُ قَدْرَ نِعمةِ اللهِ على الإِنسانِ بالسلامةِ منه إلا مَن أُصيبَ به. وكيف يتوضَّأ ويصلّي مَن ابتُليَ بهذا المرضِ؟ الجواب: أنَّ الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] فَكُلُّ الدِّينِ ـ ولله الحمد ـ يُسْرٌ، وكيفيَّةُ وُضوءِ وصلاةِ هذا: أن نقول له: إذا دَخَلَ الوقتُ فاغسِلْ فَرْجَكَ، وتحفَّظْ، أي: اجعلْ على فرجِكَ حفَّاظةً تمنع مِن تسرُّبِ البولِ وانتشارِه في جسدِكَ وفي ثيابِك، ثم توضَّأ وُضُوءَكَ للصَّلاةِ، ثم صَلِّ ما شئتَ فروضاً ونوافل وإنْ خرجَ الوقت، لأنَّه ليس هناك دليلٌ على أنَّ خروجَ الوقتِ يُبطِلُ الوضوءَ فيمَن حَدَثُه دائمٌ، لكن إذا دخَلَ وقتُ صلاةٍ مؤقَّتةٍ فإننا نقول: توضَّأ؛ لقولِ النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام للمستحاضة: «توضَّئي لكلِّ صلاة» (¬3). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (231). (¬2) تقدم تخريجه ص (230). (¬3) انظر: (1/ 503).

ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك

والأصلُ بقاءُ الطَّهارةِ حتى يقومُ دليلٌ على بُطلانِها. وصلاتُه مأموماً بإمامٍ سليمٍ مِن هذا المرضِ صحيحةٌ، وصلاتُه إماماً بمصابٍ بهذا المرضِ صحيحةٌ، هاتان صورتان. الصورةُ الثالثةُ: صلاتُه إماماً بمَن هو سليمٌ مِن هذا المرضِ فمفهومُ كلامِ المؤلِّفِ؛ أنَّها لا تصحُّ، فإذا صَلَّى مَنْ به سلسُ البولِ إماماً بمَن هو سالمٌ مِن هذا المرضِ، فصلاةُ المأمومِ باطلةٌ وصلاةُ هذا أيضاً باطلةٌ؛ لأنَّه نَوى الإِمامةَ بمَن لا يصحُّ ائتمامُه به إلا أنْ يكون جاهلاً بحاله. والعلَّةُ في عدمِ صحَّةِ إمامتِه: أنَّ حالَ مَن به سَلسُ البولِ دون حالِ مَن سَلِمَ منه، ولا يمكن أن يكون المأمومُ أعلى حالاً مِن الإِمامِ. والقول الصحيحُ في هذا: أن إمامةَ مَن به سَلَسُ البولِ صحيحةٌ بمثْلِهِ وبصحيحٍ سليمٍ. ودليلُ ذلك: عمومُ قولِه صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (¬1) وهذا الرَّجلُ صلاتُه صحيحةٌ؛ لأنَّه فَعَلَ ما يجب عليه، وإذا كانت صلاتُه صحيحةٌ لزمَ مِن ذلك صحَّةُ إمامتِه. وقولهم: إنَّ المأمومَ لا يكون أعلى حالاً مِن الإِمام مُنتقضٌ بصحَّةِ صلاةِ المتوضئِ خلفَ المُتَيمِّمِ، وهم يقولون بذلك مع أنَّ المتوضئَ أعلى حالاً، لكن قالوا: إنَّ المتيمِّمَ طهارتُه صحيحةٌ. ونقول: ومَن به سَلَسُ البولِ طهارتُه أيضاً صحيحةٌ. وَلاَ تَصِحُّ خَلْفَ مُحْدِثٍ وَلاَ مُتَنَجِّسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ........... قوله: «ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك ... ». ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205).

فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده

هاتان مسألتان: المسألة الأولى: الصلاةُ خلفَ المُحدثِ فتصحُّ بشرطِ أن يكونَ الإِمامُ والمأمومُ جاهلين بذلك حتى تتمَّ الصلاةُ. مثال ذلك في الحَدَثِ الأصغرِ: إمامٌ أَكَلَ لحمَ إبلٍ، ولم يعلمْ أنَّه لَحْمُ إبلٍ فصلَّى بالجماعةِ وهم لا يعلمون أنَّه أَكَل ذلك، فلما انتهتِ الصلاةُ عَلِمَ أنَّ اللَّحمَ الذي أَكَلَه لَحْمُ إبلٍ. فهنا لا يعيدُ المأمومون صلاتَهم، والإِمامُ يعيدُ الصَّلاةَ. أما الإِمامُ فلأنه صَلَّى بغيرِ وضوءٍ، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتى يتوضَّأ» (¬1). وأما المأمومُ فعُذْرُه ظاهرٌ؛ لأنَّه لا يعلمُ الغيبَ، ولا يكلِّفُ اللهُ نفساً إلا وسعَها. فإن عَلِمَ أنه مُحدثٌ في أثناء الصَّلاةِ فإنَّ صلاتَه تبطلُ، والمرادُ أنه تبيَّن عدمَ انعقادِها، وصلاةُ المأمومين تبطلُ أيضاً. أما بُطلانُ صلاتِه فظاهرٌ؛ لأنه تبيَّن أنه على غيرِ وُضُوءِ، فتبيَّن أنَّ صلاتَه لم تنعقدْ. وأما صلاةُ المأمومين؛ فلأنَّه تبيَّن أنَّهم اقتدوا بمَن لا تصحُّ صلاتُه فبطلت صلاتُهم؛ لأنَّ صلاتَهم مبنيَّةٌ على صلاةِ إمامِهم، فإذا بَطلتْ صلاةُ الإِمامِ بَطلتْ صلاةُ المأمومِ. فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالمَأْمُومُ حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لِمَأْمُوم وَحْدَه. فإن عَلِمَ واحدٌ مِن المأمومينَ؛ والباقون لم يعلموا؛ لا الإِمام ولا بقية المأمومين بَطلتْ صلاتُهم جميعاً؛ لقول المؤلِّفِ: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (2/ 98).

«فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحّت لمأموم وحده» أي: بحيثُ لا يعلمُ أحدٌ مِن المأمومينَ أنه على غيرِ وُضُوءٍ، فإن عَلِمَ واحدٌ ولو في أثناءِ الصَّلاةِ بطلتْ صَلاةُ الجميعِ، وهذا الحكمُ الثاني ليس له عِلَّةٌ واضحةٌ أنه إذا عَلِمَ واحدٌ مِن المأمومينَ أعادَ الكُلُّ، أما الحكمُ الأولُ فله عِلَّةٌ سبق ذكرُها. ومثالُ ذلك في الحَدَثِ الأكبر: رَجُلٌ استيقظَ مِن نومِه، فتوضَّأ وذهب يصلِّي إماماً، وبعد انتهائِه مِن الصَّلاةِ رأى عليه أَثَرَ جنابةٍ، ولكن كان جاهلاً بها، فهنا نقول: المأمومون صلاتُهم صحيحةٌ. أما هو؛ فإنه يعيدُ الصلاةَ، فإنْ عَلِمَ هو أو أحدٌ مِن المأمومينَ في أثناءِ الصَّلاةِ، فالصَّلاةُ باطلةٌ. والصحيح في هذه المسألة: أنَّ صلاةَ المأمومينَ صحيحةٌ بكُلِّ حالٍ، إلا مَن عَلِمَ أنَّ الإِمامَ مُحدِثٌ. وذلك لأنهم كانوا جاهلين، فهم معذورون بالجهلِ، وليس بوسعِهم ولا بواجبٍ عليهم أن يسألوا إمامَهم: هل أنت على وُضُوءٍ أم لا؟ وهل عليك جنابةٌ أم لا؟ فإذا كان هذا لا يلزمُهم وصَلَّى بهم وهو يعلم أنه مُحدثٌ، فكيف تَبطلُ صلاتُهم؟!! وههنا قاعدةٌ مهمَّةٌ جداً وهي: «أنَّ مَن فَعَلَ شيئاً على وَجْهٍ صحيحٍ بمقتضى الدَّليلِ الشَّرعي، فإنَّه لا يمكن إبطالُه إلا بدليلٍ شرعيٍّ»، لأننا لو أبطلنا ما قامَ الدليلُ على صحَّتِهِ لكان في هذا قولٌ بلا عِلْمٍ على الشرعِ، وإعناةٌ للمكلف ومشقَّةٌ عليه، فهم فعلوا ما أُمِرُوا به مِن الاقتداء بهذا الإِمامِ، وما لم يكلَّفوا به فإنَّه لا يلزمهم حُكمه.

وعلى هذا؛ فالصحيحُ أن صلاة المأمومين مع جهلهم بحاله صحيحةٌ بكلِّ حال حتى وإنْ كان الإِمامُ عالماً؛ لأنَّه أحياناً يكون الإِمام محدثاً، لكن لا يذكرُ إلا وهو يصلِّي، ثم يستحي أنْ ينصرفَ، وهذا حرامٌ عليه لا شَكَّ، لكن قد تقعُ مِن بعضِ الجُهالِ، فإذا ذَكَرَ الإِمامُ في أثناءِ الصَّلاةِ أنَّه محدثٌ، أو عَلِمَ أنه مُحدِثٌ وَجَبَ عليه الانصرافُ، ويستخلفُ مَن يُكملُ بهم الصَّلاةَ؛ لأن عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه لمَّا طَعَنَهُ أبو لؤلؤة المجوسيُّ، غلامُ المغيرةِ، بعدَ أنْ شَرَعَ في صلاةِ الصُّبحِ، تناولَ عُمرُ يَدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقدَّمَهُ، فصلَّى بهم صلاةً خفيفةً (¬1) وهذا بحَضْرةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، فإنْ لم يفعلْ وانصرفَ، فللمأمومينَ الخِيارُ بين أن يُقدِّموا واحداً منهم يُكملُ بهم الصَّلاةَ، أو يتمُّوها فُرادى؛ لأنَّ إمامَهم ذَهَبَ ولم يستخلفْ. المسألة الثانية: الصلاةُ خلفَ المتنجِّس، وقد جَعَلَ المؤلِّفُ رحمه الله حكمها كحكم الصَّلاةِ خلفَ المحدث. فإذا صَلَّى الإِمامُ بنجاسةٍ يجهلُها هو والمأمومُ، ولم يعلمْ بها حتى انتهتِ الصَّلاةُ، فإنَّ صلاةَ المأمومينَ صحيحةٌ؛ لأنَّهم معذورون بالجهلِ، وأما الإِمامُ فلا تصحُّ صلاتُه فيجبُ أن يغسلَ النجاسةَ التي في ثوبِهِ أو على بدنِهِ، ثم يعيدُ الصَّلاةَ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صحَّةِ الصَّلاةِ اجتنابَ النجاسةِ. والقاعدةُ: أنه إذا تخلَّفَ الشرطُ تخلَّفَ المشروطُ. فإنْ عَلِمَ في أثناءِ الصَّلاةِ وَجَبَ عليه أن يستأنفَ الصَّلاةَ هو ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة (3700).

والمأمومون بعد إزالةِ النجاسةِ. هذا هو الذي يقتضيه كلام المؤلِّفِ. والقولُ الصَّحيحُ في هذه المسألةِ: أنه إذا جَهِلَ الإِمامُ النجاسةَ هو والمأمومُ حتى انقضتِ الصَّلاةُ فصلاتُهم جميعاً صحيحةٌ، والعذرُ للجميع الجهلُ، والمصلِّي بالنَّجاسةِ جاهلاً بها على القولِ الرَّاجحِ ليس عليه إعادةٌ، وكذلك لو عَلِمَ بها لكن نسيَ أن يغسِلَها فإن صلاتَه على القول الرَّاجحِ صحيحةٌ (¬1). ومِن هنا يتَّضحُ الفرقُ بين هذه والتي قبلَها على القول الرَّاجحِ: أنه إذا جَهِلَ المصلِّي بالحدثَ أعادَ الصلاةَ، ولا يعيدُ الصَّلاةَ إذا كان جاهلاً بالنجاسةِ. والفَرْقُ بينهما: أنَّ الوُضُوءَ مِن الحَدَثِ مِن بابِ فِعْلِ المأمورِ، واجتنابَ النَّجاسةِ مِن بابِ تَرْكِ المحظورِ، فإذا فَعَلَهُ جاهلاً فلا يلحقُه حكمُه. ويدلُّ لهذا القولِ الرَّاجِحِ: «أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بأصحابِه ذاتَ يومٍ وعليه نعلاه فَخَلَعَهُما، فَخَلَعَ الصحابةُ نعالَهم، فلمَّا انصرفَ سألهم: لماذا خلعوا نِعالهم؟ قالوا: رأيناكَ خلعتَ نعليكَ فخلعنا نِعالنا، فقال: إنَّ جبريلَ أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قَذَراً فَخَلَعتُهما» (¬2)، وهذا صريحٌ في أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان قد لَبِسَ نعليه قذرتين، لكنه لم يكن عالماً بذلك، ولو كانتِ الصَّلاةُ تبطلُ مع الجهلِ لاستأنفَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم صلاتَه. وعلى هذا؛ إنْ عَلِمَ الإِمامُ في أثناءِ الصَّلاةِ بالنجاسةِ، فإنْ ¬

_ (¬1) انظر: أقسام هذه المسألة في المجلد الثاني ص (231). (¬2) تقدم تخريجه (2/ 99).

ولا إمامة الأمي وهو: من لا يحسن الفاتحة

كان يمكنه إزالتها أزالها، وإنْ كان لا يمكنه انصرفَ، وأتمَّ المأمومون صلاتَهم. مثال ذلك: لو كانت النجاسةُ في نعليه، أو كانت في «غُترتِه» أو كانت في قميصِه وعليه سراويل فهذه يمكن إزالتها، فيخلعُ القميصَ ولا يبقى عليه إلا السراويلُ، وسيستغرب المصلُّون، ولكن لا يضرُّ ولا حَرَجَ، والذي ينبغي أنْ يَفعلَ الإنسانُ الشيءَ المشروعَ، والناسُ إذا استنكروه أوَّلَ مرَّةٍ، فلن يستنكروه في المرَّةِ الثانيةِ. لكن إنْ خشيَ مذمَّةً مِن العامَّةِ فلا حَرَجَ عليه أنْ ينصرفَ مِن صلاتِهِ. وَلاَ إِمَامَةُ الأُمِّيِّ وَهُوَ: مَنْ لاَ يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ، .......... قوله: «ولا إمامة الأمي وهو: من لا يحسن الفاتحة»، أي: لا تصحُّ إمامةُ الأُمِّي. والأُمِّيُّ: نسبةً إلى الأم، والإِنسانُ إذا خَرَجَ مِن أُمِّهِ فهو لا يَعلمُ شيئاً، كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]. والأُمِّيُّ لُغةً: مَنْ لا يقرأ ولا يكتبُ؛ لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2]، {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} فيقرؤون {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} فيكتبون. وقال الله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} [الأعراف: 158]، وقال في تفسير ذلك: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48].

أو يدغم فيها ما لا يدغم، أو يبدل حرفا

والأُمِّيُّ في الاصطلاح هنا: مَن لا يُحسنُ الفاتحةَ، يعني: لا يُحسنُ قراءتَها لا حِفظاً ولا في المصحفِ، ولو كان يقرأ كُلَّ القرآنِ ولا يُحسنُ الفاتحةَ فهو أُمّيّ. والفاتحةُ: سورةُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الفاتحة] وسُمِّيت فاتحةٌ؛ لأنه افْتُتِحَ بها القرآنُ الكريمُ، ولها أسماءٌ متعدِّدةٌ. أَوْ يُدْغِمُ فِيْهَا مَا لاَ يُدْغَمُ، أَوْ يُبدلُ حَرْفاً، ........... قوله: «أو يدغم فيها ما لا يدغم» أي: يُدغِمُ في الفاتحةِ ما لا يُدْغَمُ. والإِدغامُ عند العلماءِ: كبير، وصغير. فإذا أدغمتَ حرفاً بمثلِهِ فهذا إدغامٌ صغيرٌ. وإذا أدغمتَ حَرْفاً بما يقاربه، فهو إدغامٌ كبيرٌ. وإذا أدغمتَ حَرْفاً بما لا يقارِبُه ولا يماثِلُه، فهو غَلَطٌ. مثال ذلك: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} فَيُدغمُ الهاءَ بالرَّاءِ. فهذا إدغامٌ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الهاءَ بعيدةٌ مِن الرَّاءِ، فهذا أُمِّيٌّ حتى ولو كان لا يستطيع إلا هذا. وجه ذلك: أنَّه إذا أدْغَمَ فيها ما لا يُدْغَمُ فقد أسقطَ ذلك الحرفِ المُدْغَمِ. أما إدغامُ المتقاربينِ فمثل: إدغامُ الدَّال بالجيم «قد جّاءكم» وهذه فيها قِراءة، والقِراءةُ المشهورةُ هي التحقيقُ «قد جَاءكم»، لكن لو كان يقولُ «قد جّاءكم» بإدغامِ الدَّالِ في الجيمِ، فإنه لا يُعَدُّ أُمِّيًّا، لكن ليس في الفاتحةِ مثل «قد جاءكم». قوله: «أو يبدل حرفاً» أي: يُبدل حرفاً بحرفٍ، وهو الألتغُ،

أو يلحن فيها لحنا يحيل المعنى

مثل: أنْ يُبدِلَ الرَّاءَ باللام، أي: يجعلَ الرَّاءَ لاماً فيقول: «الحمدُ لله لَبِّ العالمين» فهذا أُمِّيٌّ؛ لأنه أبدلَ حرفاً مِن الفاتحة بغيرِه. ويُستثنى مِن هذه المسألةِ: إبدالُ الضَّادِ ظاءً فإنَّه معفوٌّ عنه على القولِ الرَّاجحِ وهو المذهبُ، وذلك لخَفَاءِ الفَرْقِ بينهما، ولا سيَّما إذا كان عاميَّاً، فإنَّ العاميَّ لا يكادُ يُفرِّقُ بين الضَّادِ والظَّاءِ، فإذا قال: «غير المغظوب عليهم ولا الظالين» فقد أبدلَ الضَّادَ وجعلها ظاءً، فهذا يُعفى عنه لمشقَّةِ التَّحرُّز منه وعُسْرِ الفَرْقِ بينهما لا سيَّما مِن العوامِ. فالإِبدال كما يلي: 1 ـ إبدالُ حَرْفٍ بحَرْفٍ لا يماثلُه. فهذا أُمِّيٌّ. 2 ـ إبدالُ حَرْفٍ بما يقارِبُه، مثل: الضَّاد بالظَّاءِ. فهذا معفوٌّ عنه. 3 ـ إبدالُ الصَّادِ سيناً، مثل: السراط والصراط، فهذا جائزٌ بل ينبغي أنْ يقرأَ بها أحياناً، لأنها قِراءةٌ سبعيَّةٌ، والقِراءة السبعيَّةُ ينبغي للإِنسانِ أنْ يقرأَ بها أحياناً، لكن بشرط أن لا يكون أمامَ العامَّةِ، لأنك لو قرأتَ أمامَ العامَّةِ بما لا يعرفون لأنكروا ذلك، وَشَوَّشْتَ عليهم. أَوْ يَلْحَنُ فِيْهَا لَحْناً يُحِيلُ المَعْنَى .......... قوله: «أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى» أي: يَلْحَنَ في الفاتحةِ لحناً يُحيلُ المعنى. واللَّحنُ: تغييرُ الحركات، سواءٌ كان تغييراً صرفياً أو نحوياً، فإن كان يغيِّرُ المعنى، فإن المُغيِّرَ أُمِّيٌّ، وإنْ كان لا يغيِّرُه

إلا بمثله، وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته

فليس بأُمِّيٍّ، فإذ قال: (الحمد لله ربَ العالمين) بفتح الباء، فاللَّحنُ هذا لا يُحيلُ المعنى، وعلى هذا؛ فليس بأُمِّيٍّ فيجوز أن يكون إماماً بمَن هو قارئٌ، وإذا قال: (أَهدنا الصراط المستقيم) بفتح الهمزة فهذا يُحيل المعنى؛ لأن «أهدنا» مِن الإِهداء، أي: إعطاء الهديَّة: {اهْدِنَا} [الفاتحة] بهمزة الوصل مِن الهدايةِ، وهي الدّلالة والتوفيق، ولو قال: «إياكِ نعبد» بكسر الكاف فهذه إحالةٌ شديدةٌ فهو أُمِّيٌّ، ولو قال: «صراط الذين أنعمتُ عليهم» بضم التاء فهذا يُحيلُ المعنى أيضاً. ولو قال: «إياكَ نعبَد» بفتح الباء فهذا لا يُحيلُ المعنى. وكذا: «إياك نستعينَ» بفتح النون الثانية فهذا لا يُحيلُ المعنى، وليس معنى ذلك جوازُ قِراءةِ الفاتحةِ ملحونةً؛ فإنَّه لا يجوز أنْ يَلْحَنَ ولو كان لا يُحيلُ المعنى، لكن المرادُ صِحَّةُ الإِمامةِ. إِلاَّ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلاَحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ. قوله: «إلا بمثله» أي: إذا صَلَّى أُمِّيٌّ لا يَعرفُ الفاتحةَ بأُمِّيٍّ مثله فصلاتُه صحيحةٌ لمساواتِه له في النَّقْصِ، ولو صَلَّى أُمِّيٌّ بقارئ فإنَّه لا يَصحُّ، وهذا هو المذهبُ. وتعليل ذلك: أنَّ المأمومَ أعلى حالاً مِن الإِمامِ، فكيف يأتمُّ الأعلى بالأدنى. والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أنه يَصحُّ أن يكون الأُمِّيُّ إماماً للقارئ، لكن ينبغي أنْ نتجنَّبَها؛ لأنَّ فيها شيئاً مِن المخالفةِ لقول الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (¬1) ومراعاةً للخِلافِ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205).

وتكره إمامة اللحان

قوله: «وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته» أي: إنْ قَدِرَ الأُمِّيُّ على إصلاح اللَّحنِ الذي يُحيلُ المعنى ولم يُصلِحْهُ فإنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ، وإن لم يَقْدِرْ فصلاتُه صحيحةٌ دون إمامتِه إلا بمثلِه. ولكن الصحيحُ: أنَّها تصحُّ إمامتُه في هذه الحالِ؛ لأنَّه معذورٌ لعجزِه عن إقامةِ الفاتحةِ وقد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقال: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ويوجد في بعضِ الباديةِ مَن لا يستطيعُ أنْ ينطِقَ بالفاتحة على وَجْهٍ صحيحٍ، فرُبَّما تسمعُه يقرأ «أَهدنا» ولا يمكن أنْ يقرأَ إلا ما كان قد اعتادَه، والعاجزُ عن إصلاح اللَّحنِ صلاتُه صحيحةٌ، وأما مَن كان قادراً فصلاتُه غيرُ صحيحةٍ، كما قال المؤلِّف، إذا كان يُحيلُ المعنى. وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ ............ قوله: «وتكره إمامةُ اللَّحَّان» واللَّحَّانُ: كثيرُ اللَّحْنِ، والمرادُ في غيرِ الفاتحةِ، فإنْ كان في الفاتحةِ وأحَالَ المعنى صارَ أُمِّيًّا لا تَصِحُّ إمامتُه على المذهبِ، لكن إذا كان كثيرَ اللَّحْنِ في غيرِ الفاتحةِ فإمامتُه صحيحةٌ، إلا أنَّها تُكره. والدليلُ: قولُ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (¬1)، وهذا خَبَرٌ بمعنى الأمرِ، فإذا كان خبراً بمعنى الأمر فإنَّه إذا أمَّهم مَن ليس أقرأهم فقد خالفوا أَمْرَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205).

والفأفاء والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف

النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد ذَكَرَ الإِمامُ أحمدُ رحمه الله حديثاً لكنه لم يذكرْ سَنَدَه (¬1) وهو: «إذا أَمَّ الرَّجُلُ القومَ وفيهم مَن هو خيرٌ مِنه لم يزالوا في سَفَالٍ» (¬2) لأنهم انحطُّوا فَحَطَّ الله قَدْرَهم. والفَأْفَاءِ وَالتَّمْتَامِ، وَمَنْ لاَ يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُرُوفِ، ............. قوله: «والفأفاء» يعني تُكره إمامةُ الفَأْفَاء: وهو الذي يُكرِّرُ الفاءَ، أي: إذا نَطَقَ بالفاءِ كرَّرها. قوله: «والتمتام» وهو مَن يُكرِّرُ التاءَ، ومِن النَّاسِ مَن يُكرِّرُ الواو أو غيرها. وعلى كُلٍّ؛ فالذي يُكرِّرُ الحروفَ تُكرَه إمامتُه مِن أجلِ زيادةِ الحَرْفِ، ولكن لو أمَّ النَّاسَ فإمامتُه صحيحةٌ. قوله: «ومن لا يفصح ببعض الحروف» أي: يخفيها بعضَ الشيءِ، وليس المرادُ أنَّه يُسقِطُها؛ لأنه إذا أسقطَها فإنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ إذا كان في الفاتحة لنُقصانِها، أما إذا كان يَذكرُها، ولكن بدون إفصاحٍ؛ فإنَّ إمامتَه مكروهةٌ. ولم يذكرِ المؤلِّفُ كراهةَ إمامةِ مَن لا يقرأُ بالتَّجويدِ؛ لأنَّه لا تُكره القِراءةُ بغيرِ التَّجويدِ. والتَّجويدُ مِن بابِ تحسين الصَّوتِ بالقرآنِ، وليس بواجبٍ، إنْ قرأَ به الإِنسانُ لتحسينِ صوتِه فهذا حَسَنٌ، وإنْ لم يقرأْ به فلا حَرَجَ عليه ولم يفته شيءٌ يأثم بتركِهِ، بل إنَّ شيخَ الإِسلامِ رحمه الله ذمَّ أولئك القومَ الذين يعتنون باللَّفظِ، ورُبَّما يكرِّرونَ الكلمةَ مرَّتين ¬

_ (¬1) رسالة الإمام أحمد في الصلاة ص (14). (¬2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (4582)؛ والسيوطي في «الجامع الصغير» بنحوه ورمز له بالضعف.

وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن

أو ثلاثاً مِن أجل أن ينطِقُوا بها على قواعد التَّجويدِ، ويَغْفُلُونَ عن المعنى وتدبُّرِ القرآنِ. وَأَنْ يَؤُمَّ أَجْنَبِيَّةً فَأَكْثَرَ لاَ رَجُلَ مَعَهُنَّ، ........... قوله: «وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن» أي: يُكرَه أنْ يؤمَّ أجنبيةً فأكثر. والأجنبيةُ مَن ليست مِن مَحارِمِهِ. وكلامُ المؤلِّف يحتاجُ إلى تفصيل: فإذا كانت أجنبيةٌ وحدَها، فإن الاقتصار على الكراهة فيه نَظَرٌ ظاهرٌ إذا استلزم الخَلوةَ، ولهذا استدلَّ في «الرَّوض» بأن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَهى أنْ يخلوَ الرَّجُلُ بالأجنبيةِ (¬1) ولكننا نقول: إذا خَلا بها فإنَّه يحرُمُ عليه أن يَؤمَّها، لأنَّ ما أفضى إلى المُحَرَّمِ فهو محرَّمٌ. أما قوله: «فأكثر» أي: أن يَؤمَّ امرأتين، فهذا أيضاً فيه نَظَرٌ مِن جهة الكراهة. وذلك لأنَّه إذا كان مع المرأة مثلُها انتفت الخَلوة، فإذا كان الإِنسانُ أميناً فلا حَرَجَ أن يؤمَّهُمَا، وهذا يقع أحياناً في بعضِ المساجدِ التي تكون فيها الجماعةُ قليلةٌ، ولا سيَّما في قيامِ الليلِ في رمضان، فيأتي الإِنسانُ إلى المسجدِ ولا يجدُ فيه رِجالاً؛ لكن يجدُ فيه امرأتين أو ثلاثاً أو أربعاً في خَلْفِ المسجدِ، فعلى كلام المؤلِّفِ يُكره أنْ يبتدئَ الصَّلاةَ بهاتين المرأتين أو الثلاث أو الأربع. والصحيح: أن ذلك لا يُكره، وأنَّه إذا أمَّ امرأتين فأكثر، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ذو محرم (5233)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره (1341) (424).

أو قوما أكثرهم يكرهه بحق

فالخَلوةُ قد زالت ولا يُكره ذلك، إلا إذا خَافَ الفِتنةَ، فإنْ خَافَ الفِتنةَ فإنَّه حرامٌ؛ لأنَّ ما كان ذريعةً للحرامِ فهو حرامٌ. وعُلِمَ مِن قوله: «لا رجل معهنَّ» أنَّه لو كان معهنَّ رَجُلٌ فلا كراهةَ وهو ظاهرٌ. أَوْ قَوْماً أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ .............. قوله: «أو قوماً أكثرهم يكرهه بحق» أي: يُكره أنْ يَؤمَّ قوماً أكثرهم يكرهه بحَقٍّ. ودليلُ ذلك: حديثُ «ثلاثةٌ لا تُجَاوِزُ صلاتُهم آذانَهم: العبدُ الآبقُ حتى يرجعَ، وامرأةٌ بَاتَتْ وزوجُها عليها سَاخِطٌ، وإمامُ قومٍ وهم له كارهون» (¬1)، فقوله: «لا تُجاوِزُ صلاتُه آذانَهم: أي: لا تُرفعُ ولا تُقبلُ، وهذا الحديثُ ضعيفٌ، ولو صَحَّ لكان فيه دليلٌ على بُطلان الصَّلاةِ، ومِن ثَمَّ قال الفقهاءُ بالكراهةِ. وقد ذَكَرَ ابنُ مفلح رحمه الله في «النكت على المحرر» أنَّ الحديثَ إذا كان ضعيفاً؛ وكان نهياً فإنَّه يُحملُ على الكراهةِ، لكن بشرط أنْ لا يكون الضَّعفُ شديداً، وإذا كان أمراً فإنَّه يُحملُ على الاستحبابِ. فالحديثُ لضعفِهِ لم يكن موجباً للحُكم الذي يقتضيه لفظه، لو ردَّوه كان مثيراً للشك، فكان الاحتياطُ أنْ نجعلَ حكمَه بين بين. وقوله: «أكثرهم يكرهه بحق». أفادنا المؤلِّفُ: أنَّه لو كان الأقلُّ يكرهه، فلا عبرةَ به. ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء من أمَّ قوماً وهم له كارهون (360) وقال: «حديث حَسَنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وانظر: كلام الشيخ رحمه الله عن درجة الحديث.

وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما

وأفادنا قوله: «بِحَقٍّ» أنَّهم لو كرهوه بغير حَقٍّ، مثل: لو كرهوه لأنَّه يَحْرِصُ على اتِّباعِ السُّنَّةِ في الصَّلاةِ فيقرأ بهم السُّورَ المسنونةَ، ويُصلِّي بهم صلاةً متأنيةً، فإن إمامتَه فيهم لا تُكره؛ لأنَّهم كرهوه بغيرِ حَقٍّ فلا عِبرةَ بكراهتهم. لكن؛ ظاهرُ الحديثِ الكراهةُ مطلقاً، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِن صلاةِ الجماعةِ هو الائتلافُ والاجتماعُ وإذا كان هذا هو الغَرضُ؛ فمِنَ المعلومِ أنَّه لا ائتلافَ ولا اجتماعَ إلى شخصٍ مكروهٍ عندَهم، وينبغي له إذا كانوا يكرهونَه بغير حَقٍّ أنْ يَعِظَهُم ويُذكِّرَهم ويتألَّفَهم؛ ويُصلِّيَ بهم حسب ما جاءَ في السُّنَّةِ، وإذا عَلِمَ اللهُ مِن نِيَّتِهِ صِدْقَ نِيَّةِ التأليفِ بينهم يَسَّرَ اللهُ له ذلك. وَتَصِحُّ إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا والجُنْدِيِّ إِذَا سَلِمَ دِينُهُمَا، ............ قوله: «وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما» ولد الزِّنا خُلِقَ مِن ماءٍ سِفاحٍ لا نِكاحٍ، فلا يُنسبُ لأحدٍ، لا للزَّاني ولا لزوجِ المرأةِ إنْ كانت ذاتَ زوجٍ؛ لأنه ليس له أَبٌ شرعيٌّ. ولكن؛ هل له أبٌ قَدَريٌّ؟ الجواب: نعم، له أَبٌ قَدَريٌّ لا شَكَّ؛ لأنه خُلِقَ مِن ماءِ الرَّجُلِ الزَّاني. فَوَلَدُ الزِّنا قد يكون سليمَ العقيدةِ مستقيمَ الدِّينِ. فيكون كغيره يَثبتُ له ما يثبتُ لِغيرِه، ولهذا قال المؤلِّفُ: «تصحُّ إمامتُه» ولا تُكره لعمومِ قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (¬1). والجُنديُّ أيضاً تَصِحُّ إمامتُه ولا تُكره، وهو الشرطيُّ، حتى ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205).

ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها، وعكسه

ولو كان في لِبَاسِهِ العسكريِّ؛ لأنه رَجُلٌ مِن المسلمين، بل قد نقول: إنَّه قامَ بعملِ مصلحةٍ عامةٍ، فيكون مِن هذا الوجه أحسنَ عملاً مِن الذي يَعملُ عملاً لمصلحةٍ خاصَّةٍ لعمومِ الحديثِ: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (¬1). وإنَّما نَصَّ المؤلِّفُ على وَلَدِ الزِّنا والجُنديِّ؛ لأنَّ بعضَ العلماءِ كَرِهَ إمامَتهما. ولكن؛ لا وَجْهَ للكراهةِ، والجُنديُّ؛ إذا كان قد يحصُلُ منه عَنَتٌ على الناسِ وغَشْمٌ وظُلْمٌ فإنَّ هذا يحصُلُ لكُلِّ ذي سُلطان، حتى المُدرِّسَ في فَصْلِهِ، ربما يَتَسلَّطُ على بعضِ الطلبةِ ويظلِمُهم، ويَرِقُّ لبعضِ الطَّلبةِ ويحابيهم، فكلُّ ذي وِلايةٍ فإنَّه عُرضةٌ لأن يقومَ بالعدلِ، أو بالجَورِ. وَمَنْ يُؤَدِّي الصَّلاَةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا، وَعَكْسُهُ، ............. قوله: «ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه» ههنا ثلاثةُ أمورٍ تُوصف بها الصَّلاةُ: أداء: ما فُعِلَ في وَقتِهِ أولاً. إعادة: ما فُعِلَ في وَقتِهِ ثانياً. قَضَاء: ما فُعِلَ بعد وَقتِهِ. فقول المؤلف: تَصحُّ إمامةُ مَن يؤدِّي الصَّلاةَ بمَن يقضيها، أي: أنَّ المؤدِّي هو الإِمامُ، والمأمومُ هو الذي يقضي فتصِحُّ. مثال ذلك: دَخَلَ رَجُلٌ والنَّاسُ يصلّون صلاةَ الظُّهرَ، وذَكَرَ أنَّ عليه صلاةَ الظُّهرِ بالأمسِ؟ فيبدأُ بالصَّلاةِ الفائتةِ، فيدخُلُ معهم وهو ينوي ظُهرَ أمسِ، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205).

لا مفترض بمتنفل

وهم يصلُّون ظُهرَ اليومِ، فهذا صحيحٌ؛ لأنه قاضٍ صَلَّى خلفَ مُؤدٍّ، فالصلاةُ واحدةٌ، لكن اختلفَ الوقت. وعكسُ ذلك؛ أنْ يؤمَّ مَن يقضي الصَّلاةَ بمَن يؤدِّيها فيكون الإِمامُ هو الذي يقضي، والمأمومُ هو الذي يؤدِّي. مثاله: رَجُلٌ ذَكَرَ أنَّ عليه فائتةً ظُهرَ أمسِ، فقال لآخر: سأُصَلِّي ظُهرَ أمسِ وَصَلِّ معي ظهرك اليومَ، فالإمامُ يصلِّي ظُهرَ أمسِ والمأمومُ ظُهرَ اليومِ. إذاً؛ فالإِمامُ يقضي والمأمومُ يؤدِّي، فصحَّت المؤدَّاةُ خلفَ المقضيَّةِ وبالعكسِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ واحدةٌ، وإنَّما اختلفَ الزَّمنُ. لاَ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ، ......... قوله: «لا مفترض بمتنفل» أي: لا يصحُّ ائتمامُ مفترضٍ بمُتنفِّلِ، فلا يجوزُ أنْ يكون الإِمامُ متنفِّلا والمأمومُ مفترضاً. ودليلُ ذلك: 1 ـ قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه» (¬1) وهذا اختلافٌ عليه؛ لأنَّ المأمومَ مفترضٌ والإِمامُ مُتنفِّلٌ. مثال ذلك: رَجُلٌ يريدُ أن يصلِّيَ السُّنَّةَ ركعتين، فجاء آخرُ وقال: أُصَلِّي معك الفجرَ فصلَّى الإِمامُ السُّنَّةَ، وصَلَّى المأمومُ الفجرَ، نقول: صلاةُ المأمومِ غيرُ صحيحة. 2 ـ أَنَّ صلاةَ المأمومِ أعلى مِن صلاةِ الإِمامِ في هذه الصُّورةِ، ولا ينبغي أن يُصلِّي الأعلى خلفَ الأدنى، هذا دليلُ ما قاله المؤلِّفُ رحمه الله وهو أحدُ القولين. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (230).

القول الثاني في المسألة: أن صلاةَ المفترضِ خلفَ المتنفِّلِ صحيحةٌ. ودليل ذلك ما يلي: أولاً: عمومُ قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (¬1) ولم يشترطِ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سوى ذلك، فالعمومُ يقتضي أنَّه لو كان الإِمامُ متنفِّلاً والمأمومُ مفترضاً فالصَّلاةُ صحيحةٌ. ثانياً: أنَّ معاذَ بنَ جَبَلَ كان يُصلِّي مع النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم صلاةَ العشاءِ، ثم يرجعُ إلى قومِهِ فيصلِّي بهم الصلاة نفسها (¬2). ومعلومٌ أنَّ الصلاةَ الأُولى هي الفريضة، والثانية هي النافلة، ولم يُنْكَرْ عليه. فإن قال قائلٌ: لعلَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يعلمْ بذلك؟ فالجواب من وجهين: الأول: إنْ كان قد عَلِمَ فهذا هو المطلوبُ، والظَّاهرُ أنه عَلِمَ؛ لأنَّ معاذَ بنَ جَبَلَ شُكِيَ إلى الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام في أنه يُطيلُ، ولا يبعدُ أنْ يُقالَ للرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم: إنَّ هذا الرَّجُل يأتي متأخِّراً يصلِّي عندك ثم يأتينا ويطيلُ بنا. بل قد جاء ذلك مصرَّحاً به في «صحيح مسلم». (إن معاذاً صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة ... ) (¬3). الثاني: إذا فَرَضْنا أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يعلمْ، فإنَّ الله تعالى قد ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (205). (¬2) و (¬3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة (465) (178).

عَلِمَ فأقرَّه، ولو كان هذا أمراً لا يرضاه الله لم يُقره على فِعْلِهِ، كما قال تعالى منكراً على من يستخفون بالمعصية: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108]. ولهذا استدلَّ الصحابةُ على جوازِ العَزْلِ بأنَّهم كانوا يفعلونَه في عَهْدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنَّهم كانوا يفعلون ذلك في زَمَنِ نزولِ القرآنِ، ولو كان لاَ يَحِلُّ لنهاهم الله عنه (¬1). ثالثاً: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في بعضِ أنواعِ صلاةِ الخوفِ يُصلِّي بالطَّائفة الأُولى صلاةً تامَّةً ويسلِّمُ بها، ثم تأتي الطائفةُ الثانيةُ فيصلِّي بها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (¬2). وهنا تكون الصَّلاةُ الأُولى للرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم فرضاً والثانيةُ نَفْلاً. فإنْ قال قائل: هذه صلاةُ خَوفٍ فجاز للضَّرورةِ. فالجواب: أنَّ هناك أنواعاً أخرى يحصُلُ بها المقصودُ فلا ضرورة لهذا النوع. رابعاً: أنَّ عَمرَو بنَ سَلَمةً الجرمي كان يصلِّي بقومِهِ وله سِتٌّ أو سبعُ سنين (¬3)، استناداً إلى عمومِ قولِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «وليؤمَّكم أكثرُكم قرآناً» (¬4) حيث نظروا في القومِ فلم يكن أحدٌ أقرأ منه فقدَّموه. ومِن المعلومِ أنَّ الصَّبيَّ لا فَرْضَ عليه، فالصَّلاةُ في حَقِّهِ نافلةٌ، ومع هذا أُقِرَّ والقرآنُ ينزِلُ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (226). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (5/ 39، 49)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب مَن قال يصلي بكل طائفة ركعتين (1248)؛ والنسائي، كتاب صلاة الخوف (3/ 178). (¬3) تقدم تخريجه ص (225). (¬4) تقدم تخريجه (3/ 27).

وأما الجواب عما استدلَّ به أهلُ القولِ الأولِ مِن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليُؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه» (¬1) أنَّهم هم أولُ مَن ينقضُ الاستدلالَ بهذا الحديثِ؛ لأنهم يُجوِّزون أن يصلِّيَ الإِنسانُ المؤادَّةَ خلفَ المقضيَّةِ، وهذا اختلافٌ. ويُجوِّزون أنْ يصلِّيَ المُتنفِّلُ خلفَ المفترض، وهذا أيضاً اختلافٌ، فتبيّن بهذا أنَّ الحديثَ لا يُراد به اختلافُ النِّيةِ، ولهذا جاء التَّعبيرُ النَّبويُّ بقوله: «لا تختلفوا عليه» ولم يقل: لا تختلفوا عنه فتنووا غير ما نَوى. وبين العبارتين فَرْقٌ، فإذا قيل: لا تختلفْ على فلان. صار المرادُ بالاختلافِ المخالفة، كما يُقال: لا تختلفوا على السُّلطان. أي: لا تنابذوه وتخالفوه فيما يأمرُكم به مِن المعروفِ، وقد فَسَّرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَدَمَ المخالفةِ بقوله: «فإذا كَبَّرَ فكبِّروا، وإذا رَكَعَ فاركعوا ... » (¬2) إلخ الحديث. فصار المرادُ بقوله: «لا تختلفوا عليه» أي: في الأفعالِ. وأما قولهم: إن صلاةَ المأمومِ إذا كان يصلِّي فريضةً، والإِمامُ متنفِّلاً أعلى مِن صلاةِ الإِمامِ فلا تَصحُّ. فالجواب: أن نقول: مَن الذي أصَّلَ هذه القاعدةَ؟! وقد دَلَّ حديثُ عَمرو بن سَلَمة الجرمي على أنه يصح أن يأتم الأعلى بالأدنى، فإن قومَهُ يصلُّون الصَّلاةَ فريضةً وهو يصلِّيها نَفْلاً (¬3). فهذه القاعدةُ غيرُ مسلَّمة، ولهذا صحَّحنا فيما سبق أنْ يصلِّيَ القادرُ على الأركان بالعاجزِ عنها؛ كما جاءتْ به السُّنَّةُ في ¬

_ (¬1) و (¬2) تقدم تخريجه (230). (¬3) تقدم تخريجه ص (317).

ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها

مسألةِ القيامِ أنَّه يَصِحُّ أن يصلِّيَ المأمومُ القادرُ على القيامِ خلفَ الإِمامِ العاجزِ عن القيامِ. وقد نَصَّ على ذلك الإِمامُ أحمدُ رحمه الله نفسُه فقال: إذا دَخَلَ والإِمامُ في صلاةِ التَّراويحِ وصَلَّى معه العشاءَ فلا بأس بذلك. فالذي يصلِّي التَّراويحَ متنفِّلٌ والذي يصلِّي العشاءَ مفتَرِضٌ، وهذا نَصُّ الإِمامِ، فالقولُ الرَّاجحُ بلا شَكٍّ هو هذا، وهو اختيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية، وهو الذي تؤيّده الأدلَّة. وَلاَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي العَصْرَ أَوْ غَيْرَهَا. قوله: «ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها» أي: ولا يصحُّ ائتمامُ مَن يصلّي الظُّهرَ بمَن يصلِّي العصرَ، أو غيرها. يعني: مِن الصلوات الرباعية وذلك لاخْتلافِ نِيَّةِ الصَّلاتين وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه» (¬1). مثال ذلك: رَجُلٌ انتبه مِن النَّومِ، فجاءَ إلى المسجدِ فوجَدَ الإِمامَ يصلِّي العصرَ، وهو لم يصلِّ الظُّهرَ، فأَرادَ أن يصلِّيَ الظُّهرَ خلفَ هذا الإِمامِ الذي يصلِّي العصرَ، يقول المؤلِّفُ: إنَّ هذا لا يَصِحُّ، لاختلاف نِيَّةِ الصَّلاتين؛ لأن هذه ظُهرٌ وهذه عَصرٌ، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه». وكذلك العكسُ، فلا يصحُّ ائتمام مَن يصلِّي العصرَ بمَن يصلِّي الظُّهرَ. مثاله: رَجُلٌ دَخَلَ المسجدَ، وفيه قومٌ قد جمعوا جَمْعَ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (230).

تأخيرٍ، فوجدهم يصلُّون الظُّهرَ، وهو قد صلَّى الظُّهرَ، فدخلَ معهم بنيَّةِ العصرِ، فلا تَصِحُّ أيضاً؛ وذلك لاخْتلافِ نِيَّةِ الصلاتين. هذا هو المذهب. ولا يُستثنى مِن ذلك إلا المسبوقُ في صلاةِ الجمعةِ إذا أدركَ أقلَّ مِن رَكعة؛ فإنَّه في هذه الحالِ يدخلُ مع الإِمامِ بنيَّةِ الظُّهرِ، والإِمامُ يصلِّي الجُمعةَ، فاختلفتِ النِّيةُ هنا، فالإِمامُ يصلِّي صلاةَ الجُمعةَ، وهذا المسبوقُ يصلِّيها صلاةَ الظُّهرِ. قالوا: هذا لا بأس به؛ لأن الظُّهرَ بَدَلٌ عن الجُمعة؛ إذا فاتت فبينهما اتِّصال. القول الثاني: أنَّه يَصِحُّ أن يأتمَّ مَن يصلِّي الظُّهرَ بمَن يصلِّي العَصرَ، ومَن يصلِّي العَصرَ بمَن يصلِّي الظُّهرَ، ولا بأسَ بهذا. وذلك لعمومِ ما سبق مِن الأدلَّةِ. وأما استدلالُهم بقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه» (¬1)، فقد بَيَّنا أنَّ المرادَ: بالاختلافِ عليه مخالفتُه في الأفعالِ لقولِهِ: «فإذا كَبَّرَ فكبِّروا». وعلى هذا القول؛ إذا صَلَّى صلاةً أكثر مِن صلاةِ الإِمام فلا إشكال في المسألةِ. مثاله: لو صَلَّى العشاءَ خلفَ مَن يصلِّي المغربَ، فهنا نقول: صَلِّ مع الإِمام، وإذا سَلَّمَ الإِمامُ فَقُمْ وائتِ بركعةٍ. وإذا صلَّى وراءَ إمامٍ وصلاتُهُ أقلُّ مِن صلاةِ الإِمامِ، فهنا قد يحدثُ فيه إشكالٌ؛ لأنَّ المأمومَ هنا إن تابع الإِمامَ زاد في صلاتِهِ؛ وإنْ جَلَسَ خالفَ إمامَه. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (230).

مثاله: صَلَّى المغربَ خلف مَن يصلِّي العشاءَ، فهنا إذا قامَ الإِمامُ إلى رابعةِ العشاءِ فالمأمومُ بين أمرين: إما أن ينفردَ عن الإِمامِ، وهذه مفسدةٌ. وإما أن يتابعَ الإِمامَ وهذه أيضاً مفسدةٌ، لأنَّه إنْ تابعَ الإِمامَ زَادَ ركعةً، وإنْ تخلَّفَ خالفَ الإِمامَ، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليُؤتمَّ به» (¬1) فهل هذه الصُّورةُ تدخلُ في القولِ الصَّحيحِ الرَّاجحِ أنَّ اختلافَ النِّيةِ بين الصَّلاتين لا يَضرُّ؟ الجواب: نعم، تدخلُ في القولِ الرَّاجحِ، وأنه يجوزُ أن يصلِّيَ المغربَ خلفَ مَن يصلِّي العشاءَ، وهذه تقعُ كثيراً، فإنْ أدركَ الإِمامَ في الثانية فما بعدَها فلا إشكال، لأنه يتابعُ إمامَه ويُسلِّمُ معه، وإنْ دَخَلَ في الثالثةِ أتى بعدَه بركعةٍ، وإن دَخَلَ في الرابعةِ أتى بركعتين، لكن إنْ دَخَلَ في الأولى فإنَّه يَلزمُه إذا قامَ الإِمامُ إلى الرابعةِ أنْ يجلسَ ولا يقوم. ولكن إذا جَلَسَ هل ينوي الانفرادَ ويُسلِّمُ، أو ينتظرُ الإِمامَ؟ الجواب: هو مخيّرٌ، لكننا نستحبُّ له أن ينويَ الانفرادَ ويسلِّمُ، إذا كان يمكنه أن يدركَ ما بقيَ مِن صلاةِ العشاءِ مع الإِمامِ؛ مِن أجلِ أنْ يُدركَ صلاةَ الجماعةِ في العشاءِ. فإن قال قائلٌ: لماذا تُجيزونَ له الانفرادَ، والإِمامُ يجبُ أن يُؤتَمَّ به؟. فالجواب: لأجلِ العُذرِ الشَّرعيِّ، والانفرادُ للعُذرِ الشَّرعي أو الحِسِّيِّ جائزٌ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (230).

ودليل الانفراد للعُذرِ الشَّرعيِّ: صلاةُ الخوفِ، فالطَّائفةُ الأُولى تصلِّي مع الإِمامِ ركعةً، فإذا قامَ إلى الثانيةِ نوتِ الانفرادَ، وأتمَّت الركعةَ الثانيةَ، وسلَّمت وانصرفت (¬1). ودليلُ الانفرادِ للعُذرِ الحِسِّيِّ انفرادُ الصَّحَابِي عن معاذ بن جَبَل لتطويله (¬2). ومثاله: أن يصيبَ الإِنسانُ في صلاتِه ما يبيحُ له قطعَها أو تخفيفَها بأن يُصابَ وهو يصلِّي مع الإِمامِ بعُذرٍ يَشقُّ عليه أن يستمرَّ معه مع الإِمامِ، فنقول له: لك أن تنفردَ وتخفِّفَ الصَّلاةَ وتنصرفَ، إلا إذا كنت لا تستفيدُ بانفرادِك شيئاً، مثل: أن يكون الإِمامُ يخفِّفُ الصَّلاةَ تخفيفاً بقَدْرِ الواجب، فحينئذٍ لا يستفيدُ مِن الانفرادِ، فلا يتفرَّدُ، لكن لو أنَّ الإِمامَ يطبِّقُ السُّنَّةَ بالتأنِّي ويتعبُ المأمومُ لو بقيَ مع الإِمامِ لمدافعته الأخبثين، فنقول له: أنْ ينفردَ ويخفِّفَ الصَّلاةَ ويُسلِّمَ وينصرفَ. فإن قال قائلٌ: ما تقولون في رَجُلٍ مسافرٍ صَلَّى خلفَ إمامٍ يصلِّي أربعاً، هل تُبيحونَ له إذا صَلَّى الركعتين أن ينفردَ ويُسلِّمَ؛ لأنَّ المسافرَ يقصر الصَّلاةَ؟ فنقول: لا نُبيحُ لك ذلك. إذاً؛ ما الفَرْقُ بين هذه المسألةِ، ومسألة مَن يصلِّي المغربَ خلفَ مَن يصلِّي العشاءَ؟ الجواب: الفَرْقُ بينهما ظاهرٌ، لأن إتمامَ الرُّباعيةِ إتمامَ صِفةٍ ¬

_ (¬1) انظر: ص (408). (¬2) تقدم تخريجه ص (256).

فصل

مشروعةٍ في الحضر، أما إتمام المغربِ أربعاً فليست صفةً مشروعةً إطلاقاً. وعلى هذا فنقول: القصرُ في مسألةِ المسافرِ عُورِضَ بوجوبِ المتابعةِ، وإتمام الصَّلاةِ للمسافرِ ليس بحرامٍ، أي: مَن أتمَّ الصَّلاةَ في السَّفَرِ فليس كمَن صَلَّى المغربَ أربعاً، أو صَلَّى الفجرَ أربعاً، فَظَهَرَ الفَرْقُ بينهما، فمَن صَلَّى مع الإِمامِ المقيمِ وهو مسافرٌ فعليه أنْ يُتِمَّ سواءٌ أدركَ الصَّلاةَ مِن أولها أم في أثنائِها لعموم قولهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتموا» (¬1). بقي مسألةٌ ذَكَرها شيخُ الإِسلامِ وفي النَّفْسِ منها شيء، وهي: لو صَلَّى خلفَ مَن يصلِّي على جنازة، فشيخُ الإِسلامِ يجيزُ أنْ يدخلَ معه، وينوي الائتمامَ به، ويتابعَ الإِمامَ بالتكبيرِ. ولكن لا ركوعَ ولا سجودَ في صلاةِ الجنازة، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ مِن صلاةِ الجَنازةِ فإنَّه يُتِمُّ صلاتَه، وذلك لأنَّ المصلِّي على الجنازة يصلِّي صلاةً تخالفُ صلاةَ المأمومِ في الأفعالِ والصِّفَةِ، ولذلك كان القلبُ فيه شيءٌ مِن هذا القولِ. فَصْلٌ يَقِفُ المَأْمُومُونَ خَلْفَ الإِمَامِ، ............. قوله: «فصل» أي: في موقف الإِمامِ والمأمومين. أي: أين يقفُ الإِمامُ؟ وأين يقفُ المأمومُ؟ فهذا هو المراد بهذا الفصل. والإِمامُ على اسمه إمامٌ، فالأنسبُ أن يكون أَمامَ المُصلِّين حتى يتميَّز، ويكون قُدوةً ومتبوعاً، وهكذا جاءت السُّنَّةُ. قوله: «يقف المأمومون خلف الإِمام» المأمومون: جمع، وأقلُّ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (167).

ويصح معه عن يمينه، أو جانبيه لا قدامه، ولا عن يساره فقط

الجَمْعِ في باب الجماعة اثنان، وكان المأمومون في أولِ الإِسلامِ لا يقفون وراءَ الإِمام إلا إذا كانوا ثلاثةً فأكثر، وأما إذا كانا اثنين فإِنَّهما يقفان عن يمينِه وشمالِه (¬1)، ولكن هذا نُسِخَ. فصار أقلَّ الجَمْعِ في باب الجَماعةِ اثنين، فالمرادُ بالجَمْعِ هنا اثنان فأكثر، فيقفُ الاثنان فأكثر خلفَ الإِمامِ. وسبقَ أنَّ إمامَ العُراة يصلِّي وسطَهم (¬2)، وأن إمامةَ النِّساءِ تصلِّي وَسَطَهُنَّ (¬3). وَيَصِحُّ مَعه عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ جَانِبَيْهِ لاَ قُدَّامَهُ، وَلاَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَطْ. قوله: «ويصحُّ معه عن يمينه أو جانبيه»، الضَّميرُ في قوله: «يصح» يعودُ على الوقوفِ، أي: ويَصِحُّ أن يقفوا معه، أي: مع الإِمامِ عن يمينه أو عن جانبيه، أي: أن يكون المأمومان فأكثر عن يمينه أو عن جانبيه، أي: أحدهما عن يمينِه والثاني عن شمالِه، وهذا أفضلُ مِن أن يكونوا عن يمينِه فقط، لأنَّ عبدَ الله بنَ مسعودٍ رضي الله عنه وَقَفَ بين علقمةَ والأسود، وقال: «هكذا رأيتُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فَعَلَ» (¬4)، فَصَارَ للمأمومين فأكثر مع الإِمام ثلاثةُ مواقفٍ. الأول: خلفَه وهو الأفضلُ. الثاني: عن جانبيه. الثالث: عن يمينِه فقط. قوله: «لا قدّامه»، أي: لا يَصِحُّ أن يَقِفَ المأمومون قُدَّام الإِمام، فإن وَقَفَوا قُدَّامه فصلاتُهم باطلةٌ. ¬

_ (¬1) انظر: صحيح مسلم رقم (534) (26). (¬2) انظر: (2/ 187). (¬3) انظر: ص (276). (¬4) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب ونسخ التطبيق (534) (26).

ودليل ذلك: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يَقِفُ أمامَ النَّاسِ وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (¬1) وهذا يَعمُّ الصَّلاةَ بأفعالِها وعددِها وهيئتِها وجميعِ أحوالِها، ومنها الوقوفُ، فيكون الوقوفُ قُدَّامه خلافَ السُّنَّةِ، وحينئذٍ تبطلُ الصَّلاةَ. وقال بعضُ أهل العِلْمِ: إنَّ الصَّلاةَ لا تبطلُ؛ لأنَّه لم يَرِدْ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه نَهَى عن الصَّلاةِ قُدَّامَ الإِمامِ، وغايةَ ما فيه أنَّ هذا فِعْلُه، وقد وَقَفَ معه جابرُ بن عبد الله وجَبَّارُ بن صَخْر، أحدُهما عن يمينِه والثاني عن يسارِه، فأخذَهما وردَّهما إلى خَلْفِه (¬2). فلمَّا لم يكن فيه إلا الفِعلُ كان مستحبَّاً وليس بواجبٍ، وإلى هذا ذهبَ الإِمامُ مالكٌ رحمه الله. وتوسَّطَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّة رحمه الله، وقال: إنَّه إذا دَعَتِ الضَّرورةُ إلى ذلك صحَّت صلاةُ المأمومِ قُدَّامَ الإِمامِ، وإلا فلا. والضَّرورةُ تدعو إلى ذلك في أيَّامِ الجُمعة، أو في أيَّامِ الحَجِّ في المساجدِ العاديةِ، فإنَّ الأسواقَ تمتلئُ ويصلِّي الناسُ أمامَ الإِمامِ. وهذا القولُ وَسَطٌ بين القولين، وغالباً ما يكون القولُ الوسطُ هو الرَّاجح؛ لأنَّه يأخذُ بدليلِ هؤلاءِ ودليلِ هؤلاء. فإذا قال قائلٌ: إنَّ الدَّليلَ هنا فِعليٌّ، والقاعدةُ: أنَّ الدَّليلَ الفِعليَّ لا يقتضي الوجوب؟ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 27). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (3010) (7516).

قلنا: هذا صحيحٌ، لكن ظاهرُ فِعْلِ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام حيث لم يُمَكِّنْ جابراً وجَبَّاراً مِن الوقوفِ عن يمينِه وشِمالِه، بل أخَّرهُما قد يقال: إنه يدلُّ على وجوبِ تقدُّمِ الإِمام إذا كان المأمومون اثنين فأكثر، لكن مع ذلك في النَّفْسِ منه شيءٌ، وإنَّما القولُ الوسَط أنَّه عندَ الضَّرورةِ لا بأسَ به، وإذا لم يكن هناك ضرورةٌ فلا. قوله: «ولا عن يساره» أي: لا تَصِحُّ صلاةُ المأمومِ إنْ وَقَفَ عن يسارِ الإِمامِ، لكن بشرط خُلوِّ يمينِه، والدَّليلُ على أن هذا شرطٌ مِن كلامِ المؤلِّفِ أنَّه قال: «عن يسارِه فقط» أي: دون أن يكون عن يمينِه أحدٌ، أما صلاةُ الإِمامِ فهل تَصِحُّ أم لا؟ الجواب: إنْ بقيَ الإِمامُ على نِيَّةِ الإِمامةِ، فإنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ؛ لأنه نَوى الإِمامةَ وهو منفردٌ، وأمَّا إن نَوى الانفرادَ، فإنَّ صلاتَه صحيحةٌ. إذا قيل: ما الدَّليلُ على أنَّها لا تَصِحُّ عن يسارِه مع خلوِّ يمينِه؟ قلنا: دليلُ ذلك: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم «قام يُصلِّي ذاتَ ليلةٍ مِن الليلِ، وكان ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما قد نامَ عندَه، فَدَخَلَ معه ابنُ عباس، ووَقفَ عن يسارِه، فأخذ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم برأسِه مِن ورائِه فجعله عن يمينِهِ» (¬1) لأنَّها لو صحَّت لأقرَّه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على ذلك. فإن قال قائلٌ: هذا في النَّفْلِ؟ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (62).

فالجوابُ عن ذلك مِن وجهين: الوجه الأول: أنَّ القاعدةَ: أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفرضِ إلا بدليل، ويدلُّ لهذه القاعدةِ تَصرُّفُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم حين ذكروا أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يصلِّي على راحلتِه في السَّفَرِ، قالوا: غيرَ أنَّه لا يصلِّي عليها المكتوبةَ (¬1)، فدلَّ هذا على أنَّ الأصلَ أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفَرضِ؛ ولهذا احتاجوا إلى استثناءِ الفَريضة. وهذا الحديثُ يُستفادُ منه أنَّ الصَّلاةَ عند الإطلاقِ تشمَلُ الفريضةَ والنافلةَ. الوجه الثاني: أنَّ النَّفْلَ يُتسامحُ فيه أكثرُ مِن التَّسامحِ في الفَرضِ، فإذا لم يُتسامحْ في النَّفْلِ عن يسار الإِمامِ، فَعَدَمُ التَّسامحِ في الفَرضِ مِن باب أَولى، هذا تقريرُ كلامِ المؤلِّفِ. وأكثرُ أهلِ العِلْمِ يقولون بصحَّةِ الصَّلاةِ عن يسار الإِمامِ مع خُلُوِّ يمينِهِ، وأنَّ كون المأمومِ الواحدِ عن يمين الإِمامِ إنَّما هو على سبيلِ الأفضليَّةِ، لا على سبيلِ الوجوبِ. واختار هذا القولَ شيخُنا عبدُ الرَّحمن بن سَعدي رحمه الله. ودفعوا الاستدلالَ بحديثِ ابنِ عبَّاس: بأنَّ هذا فِعْلٌ مجرَّدٌ، والفِعلُ المجرَّدُ لا يدلُّ على الوجوبِ. هذه قاعدةٌ أصوليَّةٌ؛ أنَّ فِعْلَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم المُجرَّدَ لا يدلُّ على الوجوبِ، لأنَّه لو كان للوجوبِ لقالَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ لا تَعُدْ لمثلِ هذا. كما قال ذلك لأبي بَكْرة حين رَكَعَ قبل أنْ يدخلَ في الصَّفِّ (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 241). (¬2) تقدم تخريجه ص (171).

ولا الفذ خلفه، أو خلف الصف

وهذا القولُ قولٌ جيدٌ جداً، وهو أرجحُ مِن القولِ ببطلانِ صلاتِه عن يسارِه مع خلوِّ يمينِه؛ لأنَّ القولَ بتأثيم الإِنسانِ أو ببطلانِ صلاتِهِ بدون دليلٍ تطمئنُّ إليه النَّفْسُ فيه نَظَرٌ، فإنَّ إبطالَ العبادةِ بدون نَصٍّ كتصحيحها بدون نَصٍّ. وَلاَ الفَذّ خَلْفَهُ، أَوْ خَلْفَ الصَّفِّ، ........... قوله: «ولا الفذ خلفه» أي: لا تَصِحُّ صلاةُ المأمومِ الواحدِ خلفَ الإمام. وأمَّا الإمامُ ففيه تفصيلٌ: إنْ بقيَ على نيِّةِ الإمامةِ لم تَصِحَّ صلاتُه؛ لأنَّه نوى الإمامةَ وليس معه أحدٌ، وإنْ نوى الانفرادَ فصلاته صحيحةٌ. قوله: «أو خلفَ الصف» أي: لا تَصِحُّ صلاةُ المأمومِ خلفَ الصَّفِّ؛ لأنَّه منفردٌ وقد جاءَ الحديثُ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا صَلاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (¬1). ورأى النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم رَجُلاً يُصلِّي وحدَه خَلْفَ الصَّفِّ فأمَرَه أنْ يعيدَ الصَّلاةَ (¬2). ولولا أنَّها فاسدةٌ ما أَمَرَه بالإِعادةِ، لأنَّ الإِعادةَ إلزامٌ وتكليفٌ في أَمْرٍ قد فُعِلَ وانتُهِيَ منه، فلولا أنَّ الأمرَ الذي فُعِلَ وانتُهِيَ منه فاسدٌ ما كُلِّفَ الإِنسانُ إعادتَه، لأنَّ هذا يستلزم أن تجبَ عليه العبادةُ مرتين. وما قاله المؤلِّف رحمه الله هو المذهب، وهو مِن المفردات. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 23)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده (1003) قال الإمام أحمد: «هذا حديثٌ حَسَنٌ» نقله الحافظ ابن حجر. «التلخيص الحبير» (583). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (4/ 227، 228)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي وحدَه خلف الصف (682)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحدَه (230) وقال: «حديث حسن».

وذهبَ أكثرُ أهلِ العِلمِ ـ وهو رواية عن أحمد ـ: إلى صِحَّة الصَّلاةِ منفرداً خلفَ الصَّفِّ، لعُذرٍ أو لغيرِ عُذر، ولو كان في الصَّفِّ سَعَةٌ. وقال بعضُ العلماءِ: في ذلك تفصيلٌ، فإنْ كان لعذرٍ صَحَّت الصَّلاةُ، وإنْ لم يكن لعُذر لم تَصِحَّ الصَّلاةُ. واستدلَّ الجمهورُ: بأن هذا المصلِّي صلَّى مع الجماعةِ، وفَعَلَ ما أُمِرَ به، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به» (¬1) وقد ائتم بإمامِه فكبَّر حين كبّر .. إلخ. ولأنَّ ابنَ عبَّاسٍ لما أداره الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسلامُ عن يمينِهِ انفردَ بجُزءٍ يسيرٍ، والمُفسدُ للصَّلاةِ يستوي فيه الكثيرُ والقليلُ كالحَدَثِ فلو كان الانفرادُ مبطلاً لبطلت صلاةُ ابنِ عبَّاسٍ. وأجابوا عن حديث: «لا صلاةَ لمُنْفَرِدٍ خلفَ الصَّفِّ» (¬2) أنَّ هذا النَّفْيَ نَفْيٌ للكمالِ كقوله: «لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ ولا وهو يدافِعُه الأخبثان» (¬3)، ومعلومٌ أنَّ الإِنسانَ لو صَلَّى بحضرةِ طعامٍ فصلاتُه صحيحةٌ، ولو صَلَّى وهو يدافعُ الأخبثين ـ البولَ والغائطَ ـ فصلاتُه صحيحةٌ. وأما ما وَرَدَ أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم «رأى رَجُلاً يصلِّي خلفَ الصَّفِّ فأمرَه أنْ يعيدَ الصَّلاةَ» (¬4)، فأجابوا عنه بأن هذا الحديثَ في صحَّته نَظَرٌ، وإذا صَحَّ فلعلَّ هناك شيئاً أوجب أنْ يأمرَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بإعادةِ الصَّلاةِ، وهذه قضيَّةُ عَينٍ لا نجزِمُ بأن السَّبَبَ هو كونه صَلَّى خلفَ الصَّفِّ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (205). (¬2) تقدم تخريجه ص (268). (¬3) تقدم تخريجه (3/ 235). (¬4) تقدم تخريجه ص (268).

وأما استدلال الجمهور على قولهم بصحة صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ بأنه فَعَلَ ما أُمِرَ به مِن المتابعةِ فهذا صَحيحٌ، لكن هناك واجباتٌ أخرى غير المتابعةِ وهي المُصافَّة، فإن المُصافَّةَ واجبةٌ فإذا تَرَكَ واجبَ المُصافَّة بطلتْ صلاتُه. وأما استدلالهم بأنَّ ابنَ عبَّاس انْفَرَدَ حين أخذَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم برأسِه وأقامَه عن يمينِه (¬1) فهذا انفرادٌ جزئيٌّ، ونحنُ لا نقولُ ببطلانِ الصَّلاةِ إذا انفردَ الإِنسانُ بمثلِ هذه الصُّورةِ، أي: لو أنَّ شخصاً جاءَ وكبَّرَ خلفَ الصَّفِّ وهو يعرِفُ أن خلفَه رَجُلٌ أو رَجُلان سيأتيان معه، فلا بأس ما دامت الرَّكعة لم تفتْهُ وصلاتُه صحيحةٌ، وهذه اللَّحظةُ التي حصَلَ بها الانفرادُ لا يُقال فيها: إنَّ هذا الرَّجُلَ صلّى منفرداً خلفَ الصَّفِ أو خلفَ الإِمامِ، فالاستدلالُ بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ضعيفٌ. وأما قولهم بأنَّ حديثَ: «لا صلاةَ لمُنْفَرِدٍ خلفَ الصَّفِّ» (¬2) نَفْيٌ للكمالِ فهذا مردودٌ، لأنَّ النَّفْيَ إذا وَقَعَ فله ثلاثُ مراتبٍ: المرتبةُ الأولى والثانية: أن يكون نفياً للوجود الحِسِّي، فإنْ لم يمكن فهو نَفْيٌ للوجودِ الشَّرعي، أي: نفيٌ للصِّحَّةِ، فالحديثُ الذي معنا لا يمكن أن يكون نفياً للوجود؛ لأنَّه مِن الممكن أنْ يصلِّيَ الإِنسانُ خلفَ الصَّفِّ منفرداً، فيكون نفياً للصِّحَّةُ، والصِّحَّةُ هي الوجودُ الشَّرعيُّ؛ لأنه ليس هناك مانعٌ يمنعُ نَفْيَ الصِّحَّةِ، فهاتان مرتبتان. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (62). (¬2) تقدم تخريجه ص (268).

المرتبة الثالثة: إذا لم يمكن نَفْيُ الصِّحَّةِ؛ بأن يوجد دليلٌ على صِحَّةِ المنفيِّ فهو نَفْيٌ للكمالِ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِه» (¬1) لأنَّ مَن لا يُحِبُّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسِه لا يكون كافراً، لكن ينتفي عنه كمالُ الإِيمان فقط. وتنظيرهم بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ بحَضْرةِ طعام» (¬2) فيه نَظَرٌ، لأنَّ العِلَّةَ بنفي الصَّلاةِ بحَضْرةِ طعامٍ هي تشويشُ الذِّهنِ، فإنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا سَمِعَ بكاءَ الصَّبيِّ أوجز في الصَّلاةِ لئلا تُفْتَتَنَ أمُّه (¬3). وأمُّه سوف تبقى في صلاتِها، لكن يُشوِّشُ عليها بكاءُ ولدِها. وأيضاً: أخبرَ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: «أنَّ الشَّيطانَ يأتي إلى المصلي فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكره» (¬4)، وهذا لا شك أنه يوجب غفلة القلب، فيدل هذا الحديث والذي قبله على أن مجرد التشويش وانشغال القلب لا يبطل الصلاة فيكون قوله: «لا صلاة بحضرة طعام» (¬5) غير موجب لبطلان الصلاة فبطل التنظير. وأما قولُهم بأنَّ أَمْرَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الرجل الذي صَلَّى منفرداً خلفَ الصَّفِّ أن يعيدَ الصَّلاةَ (¬6)، قضيةُ عَين .. إلخ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (13)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه (45) (71). (¬2) تقدم تخريجه (3/ 235). (¬3) تقدم تخريجه ص (192). (¬4) تقدم تخريجه (3/ 335). (¬5) تقدم تخريجه (3/ 235). (¬6) تقدم تخريجه ص (268).

فجوابه: أنَّ الواجبَ حَمْلُ النَّصِّ على ظاهرِه المُتَبَادَر منه، إلا أنْ يَدلَّ دليلٌ على خِلافِهِ. والمُتَبَادَر هنا: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَهُ بالإِعادةِ؛ لكونه صَلَّى منفرداً خلفَ الصَّفِّ؛ كما يفيده سياقُ الكلامِ، والأصلُ عدمُ ما سواه. إذاً؛ فالقولُ الرَّاجحُ أنَّ الصَّلاةَ خلفَ الصَّفِّ منفرداً غيرُ صحيحةٍ، بل هي باطلةٌ يجب عليه إعادتُها. ولكن؛ إذا قال قائلٌ: أفلا يكون القولُ الوسط هو الرَّاجح، وأنه إذا كان لعُذْرٍ صحَّت الصَّلاةُ؟ فالجواب: بلى، القولُ الوسطُ هو الرَّاجحُ، وأنَّه إذا كان لعُذرٍ صحَّت الصَّلاةُ؛ لأنَّ نَفْيَ صحَّةِ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصَّفِّ يدلُّ على وجوبِ الدُّخولِ في الصَّفِّ؛ لأنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ لا يكون إلا بفعلِ مُحرَّمٍ أو تَرْكِ واجبٍ، فهو دالٌّ على وجوبِ المُصافَّةِ، والقاعدةُ الشرعيةُ أنَّه لا واجبَ مع العجزِ، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فإذا جاء المصلِّي ووَجَدَ الصَّفَّ قد تَمَّ فإنَّه لا مكان له في الصَّفِّ، وحينئذٍ يكون انفرادُه لعُذرٍ فتصِحُّ صلاتُه، وهذا القولُ وسطٌ، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله، وشيخِنا عبد الرحمن بن سَعدي. وهو الصَّوابُ. فإن قال قائل: لماذا لا تقولون بأنْ يجذِبَ أحدَ النَّاسِ مِن الصَّفِّ؟ فالجواب: إنَّنا لا نقولُ بذلك؛ لأنَّ هذا يستلزمُ مَحاذير: المحذور الأول: التَّشويش على الرَّجُلِ المَجذوبِ.

المحذور الثاني: فَتْحُ فُرْجَةٍ في الصَّفِّ، وهذا قَطْعٌ للصَّفِّ، ويُخشى أن يكون هذا مِن بابِ قَطْعِ الصَّفِّ الذي قال فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «مَن قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ» (¬1). المحذور الثالث: أنَّ فيه جِنايةً على المَجذوبِ بنَقْلِهِ مِن المكان الفاضلِ إلى المكانِ المفضولِ. المحذور الرابع: أنَّ فيه جِنايةً على كلِّ الصَّفِّ؛ لأنَّ جميعَ الصَّفِّ سوف يتحرَّكُ لانفتاح الفُرْجَةِ مِن أجلِ سَدِّهَا. فإن قال قائلٌ: أفلا نأمرُه أن يصلِّيَ إلى جَنْبِ الإِمامِ؟ قلنا: لا نأمرُه أن يصلِّيَ إلى جَنْبِ الإِمامِ؛ لأنَّ في ذلك ثلاثة محاذير: المحذور الأول: تخطِّي الرِّقابِ، فإذا قَدَّرنا أنَّ المسجدَ فيه عشرةُ صفوفٍ، فجاءَ الإِنسانُ ولم يجدْ مكاناً، وقلنا: اذهبْ إلى جَنْبِ الإِمامِ فسوف يتخطَّى عشرةَ صفوفٍ بل لو لم يكن إلا صَفٌّ واحدٌ فقد تَخطَّى رقابَهم. المحذور الثاني: أنَّه إذا وَقَفَ إلى جَنْبِ الإِمامِ خالفَ السُّنَّة في انفرادِ الإِمامِ في مكانِه؛ لأنَّ الإِمامَ موضعُه التقدُّم على المأمومِ، فإذا شارَكه أحدٌ في هذا الموضعِ زالت الخُصوصيَّة. المحذور الثالث: أننا إذا قلنا: تقدَّمْ إلى جَنْبِ الإِمامِ، ثم جاء آخرٌ قلنا له: تقدَّمْ إلى جَنْبِ الإِمام. ثم ثانٍ، وثالث حتى يكون عند الإِمامِ صفٌّ كاملٌ، لكن لو وَقَفَ هذا خلفَ الصَّفِّ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 15) حاشية (3).

إلا أن يكون امرأة، وإمامة النساء تقف في صفهن

لكان الدَّاخلُ الثاني يصفُّ إلى جَنْبِهِ، فيكونان صفًّا بلا محذور. فإن قال قائلٌ: لماذا لا تأمرونه أن يبقى، فإن جاءَ معه أحدٌ، وإلا صَلَّى وحدَه منفرداً، قلنا: في هذا محذوران: المحذور الأول: أنَّه ربَّما ينتظِرُ فتفوتُه الرَّكعة، وربَّما تكون هذه الرَّكعةُ هي الأخيرةُ فتفوتُه الجماعةُ. المحذور الثاني: أنه إذا بقيَ وفاتتْهُ الجماعةُ فإنَّه حُرِمَ الجماعةَ في المكانِ وفي العملِ، وإذا دَخَلَ مع الإِمامِ وصَلَّى وحدَه منفرداً، فإننا نقول على أقلِّ تقدير: حُرِم المكان فقط، أما العملُ فقد أدركَ الجماعةَ، فأيُّهما خيرٌ أنْ نحرِمه الجماعةَ في العمل والمكان، أو في المكان فقط؟ الجواب: في المكان فقط، هذا لو قلنا: إنَّه في هذه الحال يكون مرتكباً لمحذور، مع أنَّ الرَّاجحَ عندي أنَّه إذا تعذَّرَ الوقوفَ في الصَّفِّ، فإنَّه إذا صَفَّ وحدَه لم يرتكب محظوراً. مسألة: ما هو الانفراد المبطل للصَّلاة؟ الجواب: الانفرادُ المبطلُ للصَّلاةِ أنْ يرفعَ الإِمامُ مِن الركوعِ ولم يدخل مع المسبوقِ أحدٌ، فإنْ دَخَلَ معه أحدٌ قبل أن يرفعَ الإِمامُ رأسَه مِن الرُّكوعِ، أو انفتح مكانٌ في الصَّفِّ فدخلَ فيه قبل أن يرفعَ الإِمامُ مِن الركوعِ، فإنَّه في هذه الحالِ يزول عن الفرديَّة. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِمَامَةُ النِّسَاءِ تَقِفُ فِي صَفِّهِنَّ، ......... قوله: «إلا أن يكون امرأة» الضَّميرُ يعودُ على الفَذِّ، أي: إلا أن يكون الفَذُّ امرأة خلفَ رَجُلٍ، أو خلفَ الصَّفِّ أيضاً، فإنَّ صلاتَها تَصِحُّ.

ودليل ذلك: حديثُ أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّه صَلَّى مع النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هو ويتيمٌ خلفَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وصَلَّتِ المرأةُ خلفَهم (¬1). فَدَلَّ هذا على أنَّ المرأةَ يَصِحُّ أن تصلِّيَ منفردةً خلفَ الصَّفِّ، وهذا يُضافُ إلى أدلَّةِ الجمهورِ الذين قالوا: إنَّ صلاةَ الفَذِّ خلفَ الصَّفِّ صحيحةٌ. فإنهم أيضاً استدلُّوا بهذا فقالوا: صلاةُ المرأةِ خلفَ الصَّفِّ صحيحةٌ، والأصلُ تساوي الرِّجَالِ والنِّساءِ في الأحكام، لكن هذا يَسهلُ الرَّدُ عليه بأن نقول: المرأةُ ليس لها مَحَلٌّ في مَصافِّ الرِّجَالِ أبداً، فالشريعة تهدفُ إلى فَصْلِ الرجال عن النساء حتى في أماكنِ العبادةِ. ولهذا قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «خيرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُها» (¬2) لأنَّها أبعدُ عن الرِّجَالِ، لكن فيه دليلٌ للقول الرَّاجحِ وهو صِحَّةُ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصَّفِّ إذا كان تاماً؛ فإنَّ المرأةَ إنَّما صحَّت صلاتُها خلفَ الرِّجال منفردةً لتعذُّرِ وقوفها معهم شرعاً، وإذا كان الصَّفُّ تامَّاً فقد تعذَّرَ الوقوفُ فيه حِسًّا. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لا فَرْقَ بين أن تكون المرأةُ تصلِّي مع جماعةِ رِجالٍ أو مع جماعةِ نساءٍ، ولكن هذا الظَّاهرُ ليس بمرادِه، بل إنَّ المرأةَ مع جماعةِ النساءِ كالرَّجُلِ مع جماعةِ الرِّجَالِ، أي: لا يَصِحُّ أن تَقِفَ خلفَ إمامتها، ولا خلفَ صَفِّ نساءٍ، بل إذا كُنَّ نساءً فإنَّ المرأةَ يجبُ أن تكون في الصَّفِّ، ولا تَصِحُّ صلاتُها منفردةً خلفَ الصَّفِّ ولا خلفَ إمامةِ النِّساءِ. قوله: «وإمامة النساء تقف في صفهنّ» أي: إذا صَلَّى النِّساءُ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (143). (¬2) تقدم تخريجه ص (222).

جماعةً فإنَّ إمامتَهن تَقِفُ في صفِّهنَّ؛ لأن ذلك أسترُ، والمرأةُ مطلوبٌ منها الستر بقَدْرِ المستطاعِ، ومِن المعلومِ أن وقوفَها بين النِّساءِ أسترُ مِن كونِها تتقَّدمُ بين أيديهنَّ. وحُجَّتُه ما روي عن عائشة (¬1) وأمِّ سَلَمة (¬2) رضي الله عنهما أنَّهما إذا أمَّتا النساء وقفتا في صَفِّهنَّ. وهذا فِعْلُ صحابيَّة، والعلماءُ رحمهم الله مختلفون في فِعْلِ الصَّحابيِّ وقولِهِ، إذا لم يثبت له حُكم الرَّفْعِ، هل يكون حُجَّة أم لا؟ والأصحُّ: أنه حُجَّةٌ ما لم يخالفه نَصٌّ، فإنْ خالَفَه نَصٌّ فالحُجَّةُ في النَّصِّ، أو يخالفه صَحابيٌّ آخر، فإنْ خالَفَه صحابيٌّ آخرُ طُلِبَ المُرجِّحُ. ويُفرَّق بين الصَّحابيِّ الفقيه مِن غير الفقيه، فالفقيه قوله أقربُ إلى كونه حُجَّة مِن غير الفقيه. وأفادنا المؤلِّف رحمه الله في قولِه: «وإمامةُ النِّساءِ» أنَّ الجماعةَ تنعقد بالنِّساءِ وحدَهن؛ لأن ثبوتَ الحُكمِ لها وهو وقوفُ الإِمامةِ بينهنَّ يدلُّ على أنَّها مشروعةٌ؛ لأنَّ غيرَ المشروعِ باطلٌ وما تعلَّقَ به مِن أحكامٍ فهو باطلٌ، وسَبَقَ في أول بابِ صلاةِ الجماعةِ الخلافُ في هذه المسألة: وأن بعضَ أهلِ العلمِ قال: يُسَنُّ، وبعضهم قال: يُباح، وبعضهم قال: يُكره (¬3). قوله: «وإمامة النساء تقف في صفهنّ» لم يتكلَّم عن وقوف المرأةِ مع المرأةِ الواحدةِ، فوقوفُ المرأةِ مع المرأةِ ¬

_ (¬1) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (5086)؛ وابن أبي شيبة (2/ 89)؛ والحاكم (1/ 203). (¬2) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (5082)؛ وابن أبي شيبة (2/ 88). (¬3)

ويليه الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء، كجنائزهم

الواحدةِ كوقوف الرَّجُل مع الرَّجُلِ الواحدِ إن وقفت عن يسارِها أو أمامِها أو خلفِها فإنَّها لا تَصِحُّ صلاتها على المذهب، كما أن الرَّجُلَ لو وقف عن يسارِ الرَّجُلِ أو أمامِه أو خلفِه لم تَصِحَّ صلاتُه، وإن وقفت عن يمينِها صحّت صلاتُها كالرَّجُلِ تماماً. وسبق في باب ستر العورة (¬1) أن إمامَ العراة يقف بينهم وجوباً، ما لم يكونوا عُمياً أو في ظُلمة، فإن كانوا عُمياً أو في ظُلمةٍ وَقَفَ أمامَهم، وإنما أوجبنا أن يقفَ إمامُ العُراةِ بينهم؛ لأن ذلك أسترُ. إذاً؛ يُستثنى مِن تقدُّمِ الإِمام مسألتان: إمامةُ النساءِ، وإمامُ العُراةِ، أما إمامةُ النساء فتكون بينهنَّ على سبيل الاستحباب، وأما إمامُ العُراة فيكون بينهم على سبيل الوجوبِ إلا إذا كانوا عُمياً أو في ظُلمة فإنه يتقدَّمُ. وَيَلِيهِ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ النِّسَاءُ، كَجَنَائِزِهِمْ. قوله: «ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء». «يليه» أي: يلي الإِمامَ في الصَّفِّ إذا اجتمعَ رجالٌ ونساءٌ صغارٌ أو كبارٌ. «الرجال» وهم: البالغون؛ لأن وَصْفَ الرَّجُلِ إنما يكون للبالغ، فإذا أرادوا أن يصفُّوا تقدَّمَ الرِّجالُ البالغون ثم الصبيانُ، ثم النساءُ في الخلفِ. والدَّليلُ قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «ليلني منكم أولو الأحلامِ والنُّهى» (¬2) وهذا أمْرٌ وأقلُّ أحوالِ الأَمْرِ الاستحبابُ. ولأنَّ المعنى ¬

_ (¬1) انظر: الجزء الثاني ص (187). (¬2) تقدم تخريجه (3/ 15).

يقتضي أن يتقدَّمَ الرِّجالُ؛ لأنَّ الرِّجَالَ أضبطُ فيما لو حصلَ للإِمامِ سهوٌ أو خطأٌ في آيةٍ، أو احتاجَ إلى أنْ يستخلفَ إذا طرأ عليه عُذرٌ وخرجَ مِن الصَّلاةِ، ثم بعد ذلك الصبيانُ؛ لأنَّ الصبيان ذكورٌ، وقد فضّل الله الذكورَ على الإِناثِ فهم أقدم مِن النساءِ، ثم بعد ذلك النساءُ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «خيرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُها» (¬1)، وهذا يدلُّ على أنه ينبغي تأخُّر النساء عن الرِّجالِ، وأما حديث: «أخِّرُوهنَّ مِن حيثُ أخَّرَهُنَّ اللهُ» (¬2)، فهو ضعيف لا يُحتجُّ به، لكن يُحتجُّ بهذا الحديث: «خيرُ صفوفِ النِّساءِ آخرُها» ويلزم مِن ذلك أن تتأخَّر صفوفُ النِّساءِ عن صفوفِ الرِّجَالِ، وهذا الترتيب الذي ذكرناه، واستدللنا عليه بالأثر والنظر ما لم يمنع مانعٌ، فإنْ مَنَعَ منه مانعٌ بحيث لو جُمعَ الصبيانُ بعضُهم إلى بعضٍ لحصلَ بذلك لعبٌ وتشويشٌ، فحينئذٍ لا نجمعُ الصبيانَ بعضَهم إلى بعضٍ؛ وذلك لأن الفَضْلَ المتعلِّقَ بذات العبادةِ أَولى بالمراعاةِ مِن الفَضْلِ المتعلِّقِ بمكانِها. وهذه قاعدةٌ فقهيةٌ، ولهذا قال العلماءُ: الرَّمَلُ في طوافِ القُدُومِ أَولى مِن الدُّنُوِ مِن البيت؛ لأنَّ الرَّمَلَ يتعلَّقُ بذاتِ العبادةِ، والدُّنُو مِن البيت يتعلَّقُ بمكانِها. فهنا نقول: لا شَكَّ أنَّ مكان الصبيان خلفَ الرِّجالِ أَولى، لكن إذا كان يحصُلُ به تشويشٌ وإفسادٌ للصَّلاةِ على البالغين؛ وعليهم أنفسِهم، فإنَّ مراعاةَ ذلك أَولى مِن مراعاة فَضْلِ المكان. إذاً؛ كيف نعملُ؟. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (222). (¬2) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» موقوفاً على ابن مسعود (3/ 79).

الجواب: نعملُ كما قال بعضُ العلماءِ: بأنْ نجعلَ بين كُلِّ صبيين بالغاً مِن الرِّجالِ فَيَصفُّ رَجُلٌ بالغٌ يليه صبيٌّ، ثم رَجُلٌ ثم صبيٌّ، ثم رَجُلٌ، ثم صبيٌّ؛ لأنَّ ذلك أضبطُ وأبعدُ عن التشويشِ، وهذا وإنْ كان يستلزمُ أنْ يتأخَّرَ بعضُ الرِّجالِ إلى الصَّفِّ الثاني أو الثالثِ حسب كثرة الصبيان؛ فإنَّه يحصُلُ به فائدةٌ، وهي الخشوعُ في الصَّلاةِ وعدمُ التشويشِ. وهذا الذي ذكرنا في تقديم الرِّجالِ، ثم الصبيان، ثم النساء، إنَّما هو في ابتداءِ الأمرِ، أما إذا سَبَقَ المفضولُ إلى المكان الفاضلِ؛ بأنْ جاءَ الصَّبيُّ مبكِّراً وتقدَّمَ وصار في الصَّفِّ الأولِ، فإن القولَ الرَّاجحَ الذي اختاره بعضُ أهلِ العِلم ـ ومنهم جَدُّ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية، وهو مَجْدُ الدِّين عبد السلام ـ أنه لا يُقامُ المفضولُ مِن مكانِه، وذلك لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن سَبَقَ إلى ما لم يَسبقْهُ إليه مسلمٌ فهو له» (¬1) وهذا العمومُ يشمَلُ كلَّ شيءٍ اجتمع استحقاقُ النَّاسِ فيه، فإنَّ مَن سَبَقَ إليه يكون أحقَّ به. ولأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مجلِسِه ثم يَجلسُ فيه» (¬2). ولأنَّ هذا عدوان عليه. فإنْ قال قائلٌ: «مَنْ سَبَقَ إلى ما لم يَسبقْ إليه أحدٌ فهو أحقُّ به» عامٌّ. وقولُه: «لِيَلِني منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهَى» (¬3) خاصٌّ، ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الخراج، باب في إقطاع الأرضين (3071) وسكت عنه. (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه (6269)؛ ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه (2177) (27). (¬3) تقدم تخريجه ص (3/ 15).

والقاعدةُ: أنَّه إذا اجتمعَ خاصٌّ وعامٌّ فإنَّ الخاصَّ يُخَصِّصُ العامَّ؟. فالجواب عنه: أن نقولَ: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقلْ: لا يَلِني منكم إلا أُولو الأحلامِ والنُّهَى. ولم يقل: لِيُقِمْ منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهَى مَن كانوا دونهم. وإنما قال: «لِيَلِني منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهى» فأمر أولي الأحلام والنُّهى أن يلوه. وهذا حَثٌّ لهؤلاء الكِبارِ على أن يتقدَّموا لِيَلُوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم. فهذا هو وَجْهُ الحديثِ، ولأنَّ فيه مفسدةَ تنفيرِ هؤلاء الصبيان بالنسبة للمسجد، لا سيَّما إذا كانوا مراهقين، أي: إذا كان للواحد منهم ثلاث عشرة سَنَةً، أو أربع عشرة سنة، ثم نقيمه مِن مكانه، فسيكون هذا صعباً عليه؛ لأنه قد فرح أن كان في الصَّفِّ الأولِ، وكذلك مِن مفاسده أنَّ هذا الصَّبيَّ إذا أخرجه شخصٌ بعينه فإنه لا يزال يَذكرُه بسوءٍ، وكلَّما تذكَّره بسوءٍ حَقَدَ عليه، لأنَّ الصَّغيرَ عادةً لا يَنسى ما فُعِلَ به. قوله: «كجنائزهم» أي: كما يرتَّبون في جنائزِهم، فإذا اجتمعَ جنائزٌ مِن هؤلاءِ الأجناسِ: الرِّجال والصبيان والنساء، فإنَّهم يُقدَّمونَ على هذا الترتيبِ مما يلي الإِمام: الرِّجال، ثم الصبيان، ثم النساء. ولكن؛ هل يكون تَقدُّمُهم بالتقدُّمِ إلى القِبلة، أو بالقُرْبِ مِن الإِمامِ؟ الجواب: بالقُرْبِ مِن الإِمام، فإذا وُجِدَ رَجُلٌ، وطفلٌ وأنثى فَنَضَعُ الرَّجُلَ مما يلي الإِمامَ، ثم الطفلَ، ثم الأُنثى، ونضعُ رأسَ

ومن لم يقف معه إلا كافر

الرَّجُلِ بحذاء وَسَطِ الأُنثى؛ لأنَّ السُّنَّةَ في صلاة الجنازة أنْ يقِفَ الإِمامُ عند رأسِ الرَّجُلِ (¬1) وعند وَسَطِ الأُنثى (¬2)؛ فإنْ عَكَسَ وَجَعَلَ النساءَ مما يلي الإِمامَ والرِّجال مِن خَلفِهنَّ فإنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا الترتيبَ على سبيلِ الأفضليَّةِ لا على سبيلِ الوجوبِ. وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إِلاَّ كَافِرٌ، ........... قوله: «ومن لم يقف معه إلا كافر». «إلا كافر» بالرَّفع؛ فاعل يقف، فيتعيَّن الرفعُ هنا؛ لأن الاستثناءَ مُفرَّغٌ، والاستثناءُ المُفرَّغُ: هو الذي لم يُذكر فيه المستثنى منه، فإذا لم يُذكر المستثنى منه صار ما بعد «إلا» على حسب العوامل التي قبلَها. و «مَنْ» اسمُ شَرْطٍ. وقوله: «فَفَذٌّ» خبرُ مبتدأً محذوفٍ، والجملةُ جوابُ الشرط. شرعَ المؤلِّفُ في ذِكْرِ المنفردِ حُكماً، بعد أنْ ذَكَرَ المنفردَ حِسًّا فقال: «ومَن لم يقف ... » إلخ، أي: لو أنَّ رَجُلاً وَقَفَ خلفَ الصَّفِّ ومعه كافر فهو فَذٌّ، أي: منفردٌ حُكماً؛ لأنَّ اصطفافَ الكافرِ معه كعدمِهِ؛ لأنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ، فلا تَصِحُّ مصافتُه. وهذا مع العِلم، ولكن إذا كان يَجهلُ أنَّ الواقف معه ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (3/ 118)؛ وأبو داود، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه (3194)؛ والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة (1034) وقال: «حديث حسن». (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب أين يقوم من المرأة والرجل (1332) ولفظه: عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «صليت وراء النبي صلّى الله عليه وسلّم على امرأة ماتت في نفسها فقام عليها وسطها». وأخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه (964) (87).

أو امرأة، أو من علم حدثه أحدهما

كافرٌ فظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ أنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ، وفي هذا نَظَرٌ، بل المُتعيِّنُ أنَّه إذا وَقَفَ معه كافرٌ لا يعلمُ بكفرِه، فإنَّ صلاتَه صحيحةٌ، وأما إذا عَلِمَ بكفرِه فالمذهبُ (¬1) أنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ؛ لأنه فَذٌّ، وعلى القولِ الذي رجَّحنا، نقول: إنَّه إذا كان الصَّفُّ تامًّا فصلاتُه صحيحةٌ، لأنَّ صلاةَ الفَذِّ خلفَ الصَّفِّ مع تمامِهِ صحيحةٌ (¬2)، أما إذا لم يكن تامًّا وقد عَلِمَ بكفرِه فصلاتُه باطلةٌ. أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ مَنْ عَلِمَ حَدَثَهُ أَحَدُهُمَا، .......... قوله: «أو امرأة» أي: لم يقفْ معه إلا امرأةٌ فهو فَذٌّ، لأنَّ المرأةَ ليست مِن أهلِ المُصافَّةِ للرِّجالِ، فإنْ وقفتْ امرأةٌ مع رَجُلين، فهل تَصِحُّ صلاتُهما وصلاتُها؟ الجواب: نعم، الصَّلاةُ صحيحةٌ، ولا سيما مع الضَّرورةِ كما يحدثُ ذلك في أيام مواسم الحَجِّ في المسجدِ الحرامِ والمسجدِ النبويِّ، ولكن في هذه الحالِ إذا أحسست بشيءٍ مِن قُربِ المرأةِ منك وَجَبَ عليك الانفصال؛ لأنَّ بعض الناسِ لا يطيق أنْ تَقِفَ إلى جنبه امرأةٌ ليست مِن محارمِهِ، لا سيما إذا كانت شابَّةً أو فيها رائحةٌ مثيرةٌ، فقد لا يتمكَّنُ مِن الصَّلاةِ، ففي هذه الحال يجب أن يَنصرفَ ويطلبَ مكاناً آخر حذراً مِن الفتنةِ. مسألة: إذا كانت المرأةُ أمامَ الرَّجُلِ. مثاله: أن يكون صَفُّ رِجالٍ خلفَ صَفِّ نساءٍ فتصِحُّ الصَّلاةُ، ولهذا قال الفقهاء: «صَفٌّ تامٌّ مِن نساءٍ لا يمنعُ اقتداءَ مَن خلفِهنّ مِن الرِّجالِ». قوله: «أو من علم حدثه أحدهما» أي: الواقف والموقوف ¬

_ (¬1) انظر: ص (368). (¬2) تقدم تخريجه ص (268).

معه، مثاله: دَخَلَ رَجُلان المسجدَ فوجدا الصَّفَّ الأولَ تامَّاً فقاما خلفَ الصَّفِّ، وأحدُهما مُحدثٌ يعلمُ حَدَثَ نفسِه، والآخرُ على طهارةٍ ولا يعلمُ أنَّ صاحبَه مُحدثٌ، فالصَّلاةُ على كلامِ المؤلِّفِ غيرُ صحيحةٍ. والعِلَّة: أنَّ هذا الواقف يعلم أنَّه محدثٌ، وأنَّ صلاتَه باطلةٌ، وأنَّ صاحبَه وَقَفَ إلى جنب مَن لا تصِحُّ صلاتُه فيكون منفرداً. ولكن؛ الصحيحُ في هذه المسألة: أن الثاني الذي ليس بمحدثٍ صلاته صحيحة؛ إذا كان لا يعلم بحدثِ صاحبِه لأنه معذورٌ بالجهل، فإنَّه لا يدري أنَّ صاحبَه مُحدثٌ، لكن لو عَلِمَ أن صاحبَه مُحدثٌ فهو فَذٌّ؛ لأنه يعتقدُ أنَّه صَلَّى مع شخصٍ لا تصِحُّ صلاتُه. فإنْ جَهِلَ هو وصاحبُه حتى انقضتِ الصَّلاةُ، فصلاةُ الواقفِ مع المحدثِ صحيحةٌ؛ لأنَّه لم يعلمْ واحدٌ منهما بالحَدَثِ. فإن قال قائلٌ: كيف لا يعلم؟ فالجواب: أن نقولَ: يمكن أن يكون أحدُهما أكلَ لحمَ إبلٍ ولا يعلمُ أنَّه لَحمُ إبلٍ فصَلَّى، فإذا انتهتِ الصَّلاةُ أُخبِرَ بأنه لحمُ إبلٍ، فقد صَلَّى مُحدِثاً ولم يعلم بحَدَثِ نفسِه، فصلاتُه غيرُ صحيحة، وصلاةُ الواقف معه صحيحةٌ. فصور المسألة كما يلي: 1 ـ إذا علما الحدثَ جميعاً فصلاتُهما باطلةٌ، أما مَن كان مُحدثاً فالأمرُ ظاهرٌ، وأما مَن لم يكن محدثاً فلأنه وَقَفَ مع شخصٍ يعلمُ أنَّ صلاتَه باطلةٌ، فهو فَذٌّ.

2 ـ إذا جَهِلا حدثَ أحدِهما جميعاً، فصلاةُ غيرِ المحدثِ صحيحةٌ، وصلاةُ المحدثِ باطلةٌ. 3 ـ إذا عَلِمَ الطَّاهرُ بحدثِ صاحبِه، وصاحبُه لم يعلم فكلاهما صلاتُه باطلةٌ أما المحدثُ فظاهرٌ، وأما الطَّاهرُ فلأنَّه صَفَّ مع شخصٍ يعتقدُ أنَّ صلاتَه باطلةٌ فهو فَذٌّ. مثال ذلك: أنْ يكون الطاهرُ قد سَمِعَ الرَّجُلَ أحْدَثَ، والآخرُ ما أحسَّ بنفسِه فقامَ فصَلَّى، فإنَّ هذا الذي صَلَّى طاهراً صَلَّى مع شخصٍ يعلمُ أنَّه مُحدِثٌ، وأنَّ صلاتَه باطلةٌ. 4 ـ إذا عَلِمَ المحدثُ بحَدَثِهِ. ولكن الذي صَفَّ معه لم يعلمْ فعلى كلام المؤلِّفِ صلاتُهما جميعاً باطلةٌ. والقولُ الصحيحُ: أنَّ صلاةَ المتطهر غيرُ باطلةٍ؛ لأنَّه معذورٌ بجهل حَدَثِ صاحبِهِ. أَوْ صَبِيٌّ فِي فَرْضٍ فَفَذٌّ. قوله: «أو صبي في فرض ففذ» أي: ومَن لم يقفْ معه إلا صبيٌّ في فَرْضٍ فهو فَذٌّ. والمرادُ بالصبيِّ هنا: مَن لم يَبلغْ. وقوله: «في فرض» خَرَجَ به ما لو وَقَفَ معه الصَّبيُّ في نَفْلٍ، مثل: قيامُ رمضان، والحاصل أنَّه إذا وَقَفَ معه صَبيٌّ خلفَ الصَّفِّ فإنْ كانت الصَّلاةُ فريضةً فهو فَذٌّ، وإنْ كانت الصلاةُ نافلةً فالمصافَّةُ صحيحةٌ. والتعليل: أنَّ الفريضةَ في حَقِّ الصَّبيِّ نَفْلٌ فيكون المفترضُ قد صَفَّ إلى جَنْبِ متنفِّلٍ، فلا تَصِحُّ مصافَّتُه، كما لا تصِحُّ إمامتُه في الفرضِ. ولهذا إذا وَقَفَ معه في النَّفْلِ فصلاتُه صحيحةٌ. ولكن؛ هذا التَّعليلُ عَليلٌ لما يلي:

ومن وجد فرجة دخلها، وإلا عن يمين الإمام

أولاً: أنَّ المصافَّةَ ليست كالإِمامةِ، فالإِمامُ قد اعتمدَ عليه المأمومُ ووَثَقَ به وقلَّده في صلاتِهِ، بخلافِ الذي صَفَّ إلى جَنْبِهِ فيكون القياسُ غيرَ صحيحٍ؛ لأنَّ مِن شرطِ صحَّةِ القياسِ تساوي الأصلِ والفرعِ في العِلَّةِ، والعِلَّةُ هنا مختلفةٌ. ثانياً: أنَّ هذا تعليلٌ في مقابلةِ النَّصِّ، فإنَّه قد ثَبَتَ أنَّ أنسَ بنَ مالك رضي الله عنه صَفَّ خلفَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ومعه يَتيمٌ (¬1). واليتيمُ لم يبلغْ، وكان ذلك في نَفْلٍ، والقاعدةُ: أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفرضِ إلا بدليل، وليس هناك دليلٌ يُفرِّقُ بين الفَرْضِ والنَّفْلِ. ثالثاً: أنَّ الأصلَ المقيسَ عليه وهو: أنَّه لا تَصِحُّ إمامةُ الصَّبيِّ بالبالغِ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ السُّنَّةَ وَرَدت بخلافِهِ، وذلك في قصَّةِ عَمرِو بنِ سَلَمة الجَرْمي، فإنَّه أمَّ قومَه وله سِتٌّ أو سبعُ سنين» (¬2) كما ثبت ذلك في «صحيح البخاري». وعلى هذا؛ فيكون القولُ الرَّاجحُ في هذه المسألةِ: أنَّ مَن وَقَفَ معه صبيٌّ فليس فَذَّاً لا في الفريضة ولا في النَّفْلِ، وصلاتُه صحيحةٌ. وَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً دَخَلَهَا، وَإِلاَّ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، ........... قوله: «ومَن وَجَدَ فرجة دخلها» «الفرجة» هي الخَلَلُ في الصَّفِّ، أي: مكاناً ليس فيه أحدٌ. وقوله: دخلها أي: وَجَب عليه دخولها؛ إذا لم يكن معه أحدٌ يَصفُّ معه، فإنْ كان معه أحد يصف معه، فإن كان واحداً، قاما جميعاً خلف الصف، وإن كانا اثنين فأكثر دخل في الفرجة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (134). (¬2) انظر: (225).

وإذا وَجَدَ فُرجةً قد تهيَّأ لها شخصٌ ليدخلَها، فظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ أنه يدخلُها، ويكون التفريط مِن المتخلِّفِ عنها، وهذا يقعُ كثيراً فتأتي مثلاً فتجدُ في الصَّفِّ الأول فُرجةً؛ لكن خلفَها شخصٌ يتنفَّلُ وتنفُّلُه خلفَها يقتضي أنه متهيِّئٌ لدخولِها فلك أن تتقدَّمَ فيها. لأننا نقول: لماذا لم يتقدَّم ويُصَلِّ فيها، فهو الذي فرَّطَ في هذا المكان؟ وهذا الذي هو ظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ حَقٌّ لا شَكَّ فيه، وأنك تدخلُ في الفُرجةِ، ولو رأيت مَن يصلِّي خلفَها يريد الدخولَ فيها؛ لأنَّه هو الذي فوَّت المكانَ الفاضلَ على نفسِه والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (¬1)، ولكن إذا خشيتَ فِتنةً أو عداوةً أو بغضاءً فاتركها، فإن الجماعةَ إنما شُرعت لمصالحَ عظيمةٍ؛ منها الائتلافُ والتَّوادُّ والتَّحابُ بين المسلمين، وإذا عَلِمَ الله مِن نيَّتِك أنَّه لولا خَوفِ هذه المفسدة لتقدَّمتَ إلى هذا المكان الفاضلِ فإنه قد يُثيبك سبحانه وتعالى لحُسْنِ نيَّتِكَ. والدليل على أنَّه يدخُلُها هو أَمْرُ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم بالتَّراصِّ (¬2)، فإنَّ أمرَه بالتَّراصِّ يستلزمُ سَدَّ الفُرَجِ، ورُويَ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ مَن وَصَلَ صفًّا وَصَلَه اللهُ (¬3)، «وأنَّ اللهَ وملائكتَه يُصلُّون على الذين يَصِلون الصفوفَ» (¬4). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 12). (¬2) تقدم تخريجه ص (9). (¬3) تقدم تخريجه (3/ 15) حاشية (3). (¬4) أخرجه الإمام أحمد (16016)؛ والحاكم (1/ 217) وحسنه الحافظ في الفتح (2/ 213).

قوله: «وإلا عن يمين الإِمام» الصواب: «وإلا فعن»؛ لأنَّ قولَه: «وإلا» هذه «إنْ» الشرطية مدغمة في «لا» أي: وإنْ لا يجدُ فُرجةً فعن يمين الإِمامِ، فتأتي الفاءُ الرابطةُ في جوابِ الشَّرطِ، لأنَّ المعنى وإلا فليقفْ عن يمين الإِمامِ، ويجوزُ أنْ نقدِّرَ جوابَ الشَّرطِ فِعلاً ماضياً، فنقول: التقدير: وإلا وَقَفَ عن يمين الإِمام. وحينئذٍ لا نحتاجُ إلى الفاء الرَّابطة، أي: إذا لم يَجدْ فُرجةً فإنَّه يقفُ عن يمينِ الإِمامِ، لأن موقفَ المأمومِ الواحدِ عن يمينِ الإِمامِ لحديث ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما حيث صَلَّى مع النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في صلاةِ الليلِ، فوقفَ عن يسارِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فأخذَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم برأسِه مِن ورائِه فجعلَه عن يمينهِ (¬1) فلما كان يمينُ الإِمامِ موقفَ المأمومِ الواحدِ؛ قلنا لهذا الرَّجُلِ الذي لم يجدْ مكاناً في الصَّفِّ: تقدَّم وكُنْ عن يمينِ الإِمامِ هكذا مُقتضى كلامِ المؤلِّفِ. ولكن؛ هذا فيه نظر؛ لأن يمينَ الإِمامِ موقفٌ للمأمومِ الواحدِ، أما في هذه المسألةِ فالمأمومون جماعةٌ كثيرةٌ، ولا يَصِحُّ قياسُ هذا على هذا، ولم يَرِدْ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ أحداً صَلَّى إلى جَنْبِهِ مع وجودِ صَفٍّ إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي: «حينما أنابَ أبا بكرٍ رضي الله عنه في مَرَضِ موتِه فوجدَ خِفَّةً فخرجَ وصَلّى بالنَّاسِ، وجَلَسَ عن يسارِ أبي بكرٍ (¬2). لكن؛ هذه المسألة ضرورةٌ؛ لأنَّ أبا بكر ليس له مكانٌ في الصَّفِّ، ولا يمكنه أن يتأخَّر إلى آخرِ الصُّفوفِ وهو في صلاةٍ. وأيضاً: هو نائبُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام فلا بُدَّ أن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (62). (¬2) تقدم تخريجه (232).

يكون إلى جَنْبِهِ مِن أجلِ أن يبلِّغَ مَن خلفَه مِن المأمومين تكبيرات النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام. فهذه ثلاثةُ أمورٍ لا توجدُ في هذه الصُّورة التي ذكرها المؤلِّفُ، ولهذا نرى أنَّ وقوفَ أحدٍ إلى جانبِ الإِمامِ في مثل هذه الصُّورة مِن البِدَعِ التي لم تَرِدْ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن كلمةَ الإِمام ينبغي أن تكون متضمنةً لمعناها بأنْ يكون إماماً حقيقة أمامَ مَن خلفَه، فهو قدوةٌ متبوعٌ فلا يشاركه في مكانِه أحدٌ، كما لا يشاركُه في أفعالِه أحدٌ، فهو متقدِّمٌ على المأمومِ مكاناً وعَمَلاً، فكيف نقول لشخصٍ: تقدَّمْ وكُنْ مع الإِمامِ؟ ثم إنَّ في هذا محاذيرَ منها: أولاً: سيتخطَّى رقابَ المصلِّين، فإذا كانت عشرةَ صفوفٍ سيتخطَّى عشرةَ صفوف، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لما رأى رَجُلاً يتخطَّى الرِّقابِ قال: «اجْلِسْ فقد آذَيْتَ وآنيتَ» (¬1). ثانياً: إذا تقدَّم وصلَّى إلى جَنْبِ الإِمامِ؛ وجاء آخرٌ ولم يجدْ مكاناً تقدَّم وصلَّى إلى جانبِ الإِمامِ فاجتمع شخصان، وإذا جاء ثالث كذلك، ورابع حتى يكون مع الإِمام صَفٌّ كاملٌ. نعم؛ إذا كان لا يوجدُ مكان في المسجد إلا مقدار صَفَّين، الصَّفُّ الأول فيه الإِمامُ، والصَّفُّ الثاني فيه المأمومون، ودَخَلَ رَجُلٌ ولم يجد مكاناً إلا يمين الإِمام، فهنا نقول: هذا محلُّ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 190)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة (1118)؛ والنسائي، كتاب الجمعة، باب النهي عن تخطي رقاب الناس ... (1398)؛ والحاكم (1/ 288) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.

فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه

ضرورة، ولا بأس أنْ يقفَ إلى جَنْبِ الإِمامِ. فإذا قلنا بأنَّه لا يقفُ عن يمينِ الإِمامِ؛ فماذا يعملُ؟ فالجواب: أنه يصلِّي خلفَ الصَّفِّ وحدَه، وأنَّ صلاتَه صحيحةٌ على القول الرَّاجحِ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّه مَنْ يَقُومُ مَعَهُ، .......... قوله: «فإن لم يمكنه فله أن ينبه مَن يقوم معه» أي: إذا لم يمكنه أن يتقدَّم إلى الإِمام ويصلِّي إلى جانبه، مثل: أن يكون الإِمامُ في مكانٍ ضيِّقٍ كطاقِ القِبْلةِ ـ أي: المِحْراب ـ فلا يمكن أنْ يصفَّ فيه أكثرُ مِن واحدٍ، فهنا: لا يتمكَّن أن يقفَ عن يمينِ الإِمامِ. «فله» أي: لهذا الرَّجُلِ أن يُنبِّه مَن يقومُ معه، فيقول: يا فلان تأخَّرْ ـ جزاك الله خيراً ـ لِتُصلِّيَ معي، ولكن يُكره أن يجذِبَه بدون أن ينبِّهه. وهل يلزم المُنَبَّه أن يتأخَّر مع هذا الرَّجُلِ؟ قالوا: يلزمه أنْ يتأخَّر معه مِن أجل أن يصحِّحَ صلاةَ صاحبِه فها هنا مسألتان: الأولى: تتعلَّقُ بالدَّاخلِ. والثانية: تتعلَّقُ بالمصلِّين في الصَّفِّ. أما الدَّاخلُ فنقول: نَبِّه مَن يصلِّي معك ويتأخَّر مَن نُبِّه. وأما المصلُّون فنقول لِمَن نُبِّه: يجب عليك أن تتأخَّرَ تكميلاً لصلاة صاحِبِك.

وفي المسألتين نظر: أما المسألة الأولى: وهي: أن يُنبِّه مَن يقوم معه. فإنَّ الصَّحيحَ أنَّه ليس له ذلك، لأنه إذا نَبَّهه أحرجَه، ولأنه قد يكون مِن السُّؤال المذمومِ، فإنَّ هذا الذي نَبَّهتَه سوف يكون له عليك مِنَّةٌ؛ ولأنه إذا فُتِحَ هذا البابُ فقد يتأذَّى الناسُ، فكلُّ مَن جاء ولم يجدْ أحداً يقفُ معه، قلنا: نَبِّه مَن يقوم معك؛ ولأن هذا لم يصحَّ مِن فِعْلِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم أو التابعين. وأما المسألة الثانية: فإنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا يلزمه أنْ يرجعَ معه، لأننا لو قلنا بلزومِ الرُّجوعِ لقلنا: إنَّه إذا لم يرجعْ فعليه إثمٌ، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15]، وكما أنَّه لا يلزمُني أن أشتري لِمَن لم يجدِ الماءَ في الوُضُوء ماءً يتوضَّأ به، ولا أنْ أُحَصِّلَ له الماءَ، فكذلك هنا، وتكميل العبادات ليس على غيرِ العابدِ، فالعبادات على العابدِ نفسِه، أما غيره فهو في حِلٍّ منها. فماذا يصنع إذا لم يكن له أن يُنبِّه مَن يقوم معه؟ الجواب: المذهب: يقف حتى يُيسِّرَ اللهُ له مَن يقومُ معه أو يصلِّي وحدَه. والقولُ الصَّحيحُ: أنَّه يصلِّي خلفَ الصَّفِّ منفرداً متابعاً للإِمامِ (¬1). ودليل ذلك ما يلي: ¬

_ (¬1) انظر: ص (272).

أولاً: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وهذا الرَّجُلُ الذي لم يجدْ مكاناً في الصَّفِّ لم يستطعْ أكثرَ مِن ذلك. ثانياً: إذا قلنا: لا تصفَّ وحدَك لزِمَ مِن هذا أحدُ أمور: إما أن يَدَعَ الصَّلاةَ مع الجماعة؛ ويصلِّي وحدَه؛ فتفوتُه صلاةُ الجماعةِ. وإما أن يتقدَّمَ إلى الإِمامِ، وقد ذكرنا أنَّ هذا ليس مِن السُّنَّة (¬1)، وإما أن يجذِبَ أحداً معه وقد قلنا: إن هذا أيضاً لا يجوز (¬2). فما بقيَ عليه إلا أنْ يصفَّ وحدَه؛ لأنَّ انفرادَه في المكان فقط أَولى مِن انفرادِه في المكان والمتابعة، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ أكثرَ أهلِ العِلْمِ صحّحوا صلاة المنفردِ خلفَ الصَّفِّ لعُذرٍ ولغير عُذر، فيكون القولُ بتصحيحِ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصَّفِّ للعُذرِ قولاً وسطاً بين قولين أحدهما يقول: لا بأسَ مطلقاً، والثاني يقول: لا تصِحُّ الصَّلاةُ ولو لعُذر (¬3). والغالبُ في أقوال العلماء إذا تدبَّرتها أنَّ القولَ الوسطَ يكون هو الصَّواب؛ لأنَّ القول الوسط تجده أخذَ بأدلَّةِ هؤلاء وأدلَّةِ هؤلاء فَجَمَعَ بين الأدلَّةِ. وانظر مثلاً إلى العقائد، فقد انقسم النَّاسُ في صفات الله إلى طَرَفين ووسط: ¬

_ (¬1) انظر: ص (273). (¬2) انظر: ص (272). (¬3) انظر: ص (272).

طَرفٍ غلوا في الإثبات فأثبتوها مع التمثيل. وطَرفٍ غلوا في التنزيهِ فَنفَوها. فهذان طرفان. ووَسَطٍ أثبتها مع نفي المماثلةِ. وفي القَدَرِ انقسمَ النَّاسُ إلى طرفين ووَسَط: طرفٍ غلوا في إثبات القَدَرِ وقالوا: إنَّ الإِنسانَ مُجبرٌ على فِعْلِه وليس له اختيار. وطرفٍ آخر غلوا في النَّفْي وقالوا: إنَّ العبدَ مستقلٌّ بعَمَلِهِ ولا تعلُّقَ لقَدَرِ اللهِ فيه. وقسم ثالث وَسَط قالوا: إنَّ الإِنسانَ له إرادةٌ واختيارٌ في فِعْلِه، ولكنَّه مكتوبٌ عند الله وبتقدير الله، فتوسَّطوا، فصاروا على الصَّواب. وفي باب الوعيد انقسم النَّاسُ أيضاً إلى طَرفين ووَسَطٍ: قسمٍ أخذوا بنصوصِ الوعيدِ وتركوا نصوصَ الرَّجاءِ. وقسمٍ آخر أخذوا بنصوصِ الرَّجاءِ وتركوا نصوصَ الوعيدِ. وقسم توسَّطَ. فالقسم الأول: الذين أخذوا بنصوصِ الوعيد وأهدروا نصوصَ الرَّجاءِ، قالوا: مَن فَعَلَ كبيرة مِن كبائرِ الذنوب فإنه مُخلَّدٌ في النَّارِ ولا تنفعُ فيه الشفاعةُ. والقسم الثاني: الذين تطرَّفوا مِن جهةٍ أخرى أخذوا بنصوص الرَّجاءِ وتركوا نصوصَ الوعيدِ، وقالوا: فاعلُ الكبيرةِ لا يدخلُ النارَ، والنصوصُ الواردةُ في الوعيدِ إنَّما تنصبُّ على الكُفَّارِ لا على المؤمنين.

والقسم الثالث: قالوا: إنَّ نصوصَ الوعيد نصوصٌ ثابتةٌ واردةٌ على مَن استحقَّها، ولكن هذا الذي استحقَّ هذا الوعيد تحتَ المشيئة؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]. وفي آلِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم انقسمَ النَّاسُ إلى طَرفين ووَسَطٍ: قسمٍ غلوا في آلِ الرَّسولِ غلواً كبيراً، حتى بالغ بعضُهم فادَّعى ألوهية بعضِ آل البيت وربوبيتهم وأنَّ لهم تصرُّفاً في الكون. وهذا القسمُ يتزعَّمُه الروافضُ. وقسم بالعكس؛ أبغضُوهم وسبُّوهم وقَدَحوا فيهم، وهذا القسمُ يتزعَّمُه النَّواصبُ ومنهم الخوارج؛ لأنَّ الخوارجَ قاتلوا عليَّ بن أبي طالب، وخرجوا عليه واستباحوا قِتالَه. والقسم الثالث: وَسَطٌ، قالوا: إنَّ آلَ البيتِ لهم حَقٌّ علينا، المِؤمنُ منهم له حَقَّان: حَقُّ الإِيمان، وحَقُّ القَرابة مِن الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، ولكننا لا نغلوا فيهم كما غلتِ الرافضةُ، ولا نسبُّهم ونبغضُهم كما فَعَلَ النَّواصبُ، بل نحن وَسَطٌ. وفي أسماءِ الإِيمان والدِّين اختلفَ النَّاسُ أيضاً على طرفين ووَسَطٍ. طرفٍ قالوا: إذا فَعَلَ المؤمنُ كبيرةً سمَّيناه كافراً، وهؤلاء هم الخوارجُ، وعلى العكس المرجئة، قالوا: إذا فَعَلَ المؤمنُ كبيرةً فهو مؤمنٌ كاملُ الإِيمان وإيمانُه كإيمان جبريل وأبي بكر. والقسم الثالث قالوا: هو مؤمنٌ فاسقٌ، مؤمنٌ بإيمانِه فاسقٌ

فإن صلى فذا ركعة لم تصح، وإن ركع فذا ثم دخل في الصف، أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت

بكبيرتِه، أو مؤمنٌ ناقصُ الإِيمان، فلا يُعطى الإِيمانَ المطلق، ولا يُسلب مطلقُ الإِيمانِ. فأنت ترى دائماً القولَ الوسطَ هو الذي يكون صحيحاً، ووجه ذلك واضحٌ؛ لأنَّ القولَ الوسطَ يأخذ مِن أدلَّة هؤلاء وأدلَّة هؤلاء، والقولُ الطَّرفُ يأخذ بأحدِ الأدلَّةِ ويدعُ الأدلَّةَ الأخرى. فالقولُ الرَّاجحُ في مسألتِنا الفقهيةِ: أنَّ مَن صَلَّى خلفَ الصَّفِّ لِتمامِ الصَّفِّ فصلاتُه صحيحةٌ. فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ سُجُودِ الإِمَامِ صَحَّتْ. قوله: «فإن صلّى فذاً ركعة لم تصح» لا شكَّ أنَّ قوله: «فإن صلّى فذًّا ركعة لم تصح» مكرَّرٌ مع ما سبق في قوله: «ولا الفَذّ خلفَه أو خلفَ الصَّفِّ، إلا أن يكون امرأة» (¬1)، لكن المؤلِّفُ ذَكَرَ هذا تمهيداً لقوله: «وإنْ رَكَعَ فذًّا ثم دَخَلَ في الصَّفِّ أو وقف معه آخرٌ قبل سجودِ الإِمامِ صحَّت»، فهاتان مسألتان: الأولى: إنْ رَكَعَ فَذًّا ثم دَخَلَ في الصَّفِّ قبل سجودِ الإِمامِ صحَّت صلاتُه لزوالِ الفرديَّةِ قبل تمامِ الرَّكعةِ، وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لا فَرْقَ بين أن يكون ذلك لعُذرٍ أو لغير عُذرٍ، فجعل المؤلِّفُ رحمه الله الغايةَ سجودَ الإِمامِ، فإذا زالت الفرديةُ قبل سجودِ الإِمامِ فصلاتُه صحيحةٌ، وإنْ زالت بعدَ سجودِ الإِمامِ أو لم تزل أبداً فصلاتُه غيرُ صحيحةٌ. ووجه ذلك: أنه لم يصلِّ ركعةً كاملةً فذًّا وقد علَّق النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إدراكَ الصَّلاةِ بإدراكِ الركعةِ. ¬

_ (¬1) انظر: ص (268).

مثال ذلك: رَجُلٌ وقفَ خلفَ الصَّفِّ وكبَّر ورَكَعَ بدون عُذر، والصَّفُّ لم يتمَّ ثم تقدَّمَ فدَخَلَ في الصَّفِّ قبلَ سجودِ الإِمام، أي: ولو بعدَ الركوعِ فصلاتُه صحيحةٌ على كلامِ المؤلِّفِ، لأنَّ فَذِّيَّتَه زالت قبل أن يسجدَ إمامُه. ولكن؛ المذهبُ في هذه المسألة خِلافُ ما مشى عليه المؤلِّفُ، وهو: أنه إنْ كان لغيرِ عُذرٍ فَرَفَع الإِمامُ مِن الركوع قبل أنْ تزولَ فَذِّيَّتُه فصلاتُه غيرُ صحيحةٌ، وإنْ زالت فَذِّيَّتُه قبل الرَّفْعِ مِن الركوعِ فصلاتُه صحيحة، هذا إذا كان لغير عُذرٍ، أما إذا كان لعُذر فهو كما قال المؤلِّفُ: العبرةُ بسجودِ الإِمامِ. والعذرُ هو خوفُ فَوتِ الرَّكعة، فإذا خشيَ إن تقدَّم حتى ينتهيَ إلى الصَّفِّ أنْ تفوتَه الركعةُ فله أن يُكبِّرَ ويركعَ فذَّاً، ثم يدخلَ في الصَّفِّ قبل أن يسجدَ الإِمامُ، فإنْ سَجَدَ الإِمامُ ولو قبلَ أنْ تزولَ فَذِّيَّتُهُ ولو لعُذر فصلاتُه غيرُ صحيحةٍ. هذا هو المشهور مِن المذهب، أي: أنَّهم يُفرِّقون بين الذي انفردَ لعُذر والذي انفردَ لغير عُذر. والصَّحيحُ في هذه المسألة والتي بعدها: أنه إذا كان لعُذرٍ فصلاتُه صحيحةٌ مطلقاً، والعُذرُ تمامُ الصَّفِّ، فإذا كان الصَّفُّ تامَّاً فصلاتُه صحيحةٌ بكلِّ حال، حتى وإنْ بقيَ منفرِداً إلى آخرِ الصَّلاةِ، وأما إذا كان لغير عُذرٍ فإنْ رَفَعَ الإِمامُ مِن الرُّكوعِ قبل أن تزولَ فَذِّيَّتُهُ فصلاتُه غيرُ صحيحةٍ، وإذا زالت فَذِّيَّتُه قبل رَفْعِ الإِمامِ مِن الرُّكوعِ فصلاتُه صحيحةٌ. ودليل ذلك: حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه أدركَ

فصل

النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم راكعاً فركع قبل أن يصل إلى الصف ثم دخل في الصف فلما سلَّم قال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «زادك الله حرصاً ولا تعد» (¬1) فدعا له ونهاه أن يعود لأن المشروع أن لا يدخل المسبوق في الصلاة حتى يصل إلى الصف ولم يأمره بإعادة الركعة فدل هذا على أن ركعته صحيحة. هذه هي المسألة الأولى. وأما الثانية: وهي ما إذا رَكَعَ فَذَّاً ودَخَلَ معه آخر قبل سجودِ الإِمامِ فصلاته صحيحة ووجهها ما سبق في الأولى. فَصْلٌ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ المَأْمُومِ بِالإِمَامِ فِي المَسْجِدِ، .......... قوله: «فصل» أي: في أحكامِ اقتداءِ المأمومِ بالإِمامِ، وقد سَبَقَ أنَّه يجبُ على المأمومِ متابعةُ الإِمامِ، وأنَّ المأمومَ بهذا الاعتبارِ ينقسمُ إلى أربعة أقسام (¬2) وهي: 1 ـ متابعة. 2 ـ ومسابقة. 3 ـ وموافقة. 4 ـ وتخلّف. وليس المراد بهذا الفصل هذه الأقسام، بل المراد في أيِّ مكانٍ يَصِحُّ اقتداء المأموم بإمامِه؟ وهل يُشترطُ لصحَّةِ الاقتداءِ أن يكونا في مكانٍ واحد؟ أو يجوز أنْ يقتديَ به ولو كانا في مكانين متباينين؟ قوله: «يصح اقتداء المأموم بالإِمام في المسجد ... ». «في ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (171). (¬2) انظر: ص (185).

وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير، وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين

المسجد» أي: في مسجدٍ واحدٍ، فيصِحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ، ولو كانت بينهما مسافاتٍ، وظاهرُ كلامهِ أنه لا يُشترط أن يليَ الإِمامَ، فلو أنَّ أحداً ائتمَّ بالإِمامِ وهو بمؤخِّرِ المسجدِ، والإِمامُ في مقدمه وبينهما مثلاً خمسون متراً فالصَّلاةُ صحيحةٌ، لأنَّ المكانَ واحدٌ، والاقتداءُ ممكن، وسواء رأى الإِمامَ أم لم يرَه. وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلاَ مَنْ وَرَاءَهُ إِذَا سَمِعَ التَّكْبِيرَ، وَكَذَا خَارِجَهُ إِنْ رَأَى الإِمَامَ أَوْ المَأْمُومِين. وقوله: «وإن لم يره ولا من وراءه» أي: لم يرَ الإِمامَ، ولا مَن وراءَه مِن المأمومين. قوله: «إذا سمع التكبير» أي: لا بُدَّ مِن سماعِ التكبير؛ لأنه لا يمكن الاقتداءُ به إلا بسماعِ التكبير إما منه أو ممن يبلِّغُ عنه، فصار شرطُ صِحَّةِ اقتداءِ المأمومِ بإمامِه إذا كان في المسجدِ شرطاً واحداً فقط، وهو: سماعُ التكبير. فإن كان خارجه فيقول المؤلِّفُ: قوله: «وكذا خارجه إن رأى الإِمام أو المأمومين» أي: وكذا يصحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ إذا كان خارجَ المسجدِ بشرطِ أنْ يَرى الإِمامَ أو المأمومين، وظاهرُ كلام المؤلِّفِ رحمه الله: أنَّه لا يُشترط اتِّصالُ الصُّفوفِ، فلو فُرِضَ أنَّ شخصاً جاراً للمسجد، ويرى الإِمامَ أو المأمومين مِن شُبَّاكه، وصَلَّى في بيتِه، ومعه أحدٌ يزيل فَذِّيَّتَه فإنه يَصِحُّ اقتداؤه بهذا الإِمامِ؛ لأنه يسمعُ التكبيرَ ويرى الإِمامَ أو المأمومين. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لا بُدَّ أن يرى الإِمامَ أو المأمومين في جميع الصَّلاةِ؛ لئلا يفوته الاقتداءُ. والمذهبُ يكفي أنْ يراهم ولو في بعضِ الصَّلاةِ.

إذاً؛ إذا كان خارجَ المسجدِ فيُشترطُ لذلك شرطان: الشرطُ الأول: سماعُ التكبيرِ. الشرطُ الثاني: رؤيةُ الإِمامِ أو المأمومين، إما في كُلِّ الصَّلاةِ على ظاهرِ كلامِ المؤلِّفِ، أو في بعضِ الصَّلاةِ على المذهبِ. وظاهرُ كلامِهِ: أنَّه لا يُشترط اتِّصال الصُّفوفِ فيما إذا كان المأمومُ خارجَ المسجدِ وهو المذهب. والقول الثاني: وهو الذي مشى عليه صاحبُ «المقنع»: أنَّه لا بُدَّ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، وأنَّه لا يَصِحُّ اقتداءُ مَن كان خارجَ المسجدِ إلا إذا كانت الصُّفوفُ متَّصلةً؛ لأنَّ الواجبَ في الجماعةِ أن تكون مجتمعةً في الأفعالِ ـ وهي متابعة المأمومِ للإِمام ـ والمكان. وإلا لقلنا: يَصِحُّ أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحد في المسجد، ومأمومان في حجرة بينها وبين المسجد مسافة، ومأمومان آخران في حجرة بينه وبين المسجدِ مسافة، ومأمومان آخران بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة، ولا شَكَّ أنَّ هذا توزيعٌ للجماعةِ، ولا سيَّما على قولِ مَن يقول: إنَّه يجب أن تُصلَّى الجماعةُ في المساجد. فالصَّوابُ في هذه المسألة: أنَّه لا بُدَّ في اقتداءِ مَن كان خارجَ المسجدِ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، فإنْ لم تكن متَّصِلة فإنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ. مثال ذلك: يوجد حولَ الحَرَمِ عَماراتٌ، فيها شُقق يُصلِّي فيها الناسُ، وهم يَرَون الإِمامَ أو المأمومين، إما في الصَّلاةِ كلِّها؛ أو في بعضِها، فعلى كلامِ المؤلِّفِ تكون الصَّلاةُ صحيحةً،

ونقول لهم: إذا سمعتم الإِقامة فلكم أنْ تبقوا في مكانِكم وتصلُّوا مع الإِمام ولا تأتوا إلى المسجدِ الحرام. وعلى القول الثاني: لا تَصِحُّ الصَّلاةُ؛ لأنَّ الصفوفَ غيرُ متَّصلةٍ. وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، وبه يندفع ما أفتى به بعضُ المعاصرين مِن أنَّه يجوز الاقتداءُ بالإِمامِ خلفَ «المِذياعِ»، وكَتَبَ في ذلك رسالةً سمَّاها: «الإقناع بصحَّةِ صلاةِ المأمومِ خلفَ المِذياع»، ويلزمُ على هذا القول أن لا نصلِّيَ الجمعةَ في الجوامع بل نقتدي بإمام المسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ الجماعةَ فيه أكثرُ فيكون أفضلَ، مع أنَّ الذي يصلِّي خلفَ «المِذياع» لا يرى فيه المأموم ولا الإِمامَ، فإذا جاء «التلفاز» الذي ينقل الصَّلاة مباشرة يكون مِن بابِ أَولى، وعلى هذا القول اجعلْ «التلفزيون» أمامَك وصَلِّ خلفَ إمامِ الحَرَمِ، واحْمَدِ اللهَ على هذه النِّعمةِ؛ لأنَّه يشاركك في هذه الصَّلاةِ آلاف النَّاس، وصلاتك في مسجدك قد لا يبلغون الألف. ولكن؛ هذا القولُ لا شَكَّ أنَّه قولٌ باطلٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى إبطالِ صلاةِ الجماعةِ أو الجُمعة، وليس فيه اتِّصالَ الصُّفوفِ، وهو بعيدٌ مِن مقصودِ الشَّارعِ بصلاةِ الجمعةِ والجماعةِ. وأنا رأيتُ شخصاً يُصلِّي بجماعةٍ، لكنَّهم جماعةٌ لا يَرَون الصَّلاةَ إلا خلفَ الإِمام المعصومِ جالساً على جدارٍ قصيرٍ، ومعه مكبِّرُ صوتٍ، والقِبْلةُ خلفَه، والجماعةُ أمامَه، فيقول: «الله أكبر» فيكبِّرون للإِحرام، وهو لا يصلِّي بهم بل جالسٌ على الجِدار، ثم يقول: «الله أكبر» فيركعون، ثم يقول: «سمع الله لمن حمده»

وتصح خلف إمام عال عنهم

فينهضون، والذي يصلِّي خلفَ «المِذياع» يصلِّي خلفَ إمامٍ ليس بين يديه بل بينهما مسافات كبيرة، وهو فتح باب للشر؛ لأنَّ المتهاون في صلاةِ الجُمُعة يستطيع أن يقولَ: ما دامتِ الصَّلاةُ تَصِحُّ خلفَ «المِذياع» و «التلفاز»، فأنا أريدُ أن أصلِّيَ في بيتي، ومعيَ ابني أو أخي، أو ما أشبه ذلك نكون صفَّاً. فالرَّاجح: أنه لا يَصِحُّ اقتداءُ المأمومِ خارجَ المسجد إلا إذا اتَّصلتِ الصُّفوف، فلا بُدَّ له مِن شرطين: 1 ـ أن يَسمعَ التكبيرَ. 2 ـ اتِّصال الصُّفوف. أما اشتراطُ الرُّؤيةِ ففيه نظر، فما دام يَسمعُ التَّكبير والصُّفوف متَّصلة فالاقتداء صحيح، وعلى هذا؛ إذا امتلأ المسجدُ واتَّصلتِ الصُّفوف وصَلَّى النَّاسُ بالأسواقِ وعلى عتبة الدَّكاكين فلا بأس به. وَتَصِحُّ خَلْفَ إِمَامٍ عَالٍ عَنْهُمْ. وَيُكْرَهُ إِذَا كَانَ العُلُوُّ ذِرَاعاً فَأَكْثَرَ، .......... قوله: «وتصح خلف إمام عالٍ عنهم» أي: عن المأمومين. مثل: أن يكون هو في الطَّابقِ الأعلى وهم في الطَّابق الأَسفلِ، وهذا يقع كثيراً في الأَسفلِ (الخلوة)، فالإِمامُ فوقَ هؤلاء، فتصِحُّ الصَّلاةُ ولا حَرَجَ فيها. ودليلُ صِحَّة الصَّلاةِ خلفَ الإِمامِ إذا كان عالياً: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما صُنِعَ له المِنبرُ صَلَّى عليه، يصعدُ ويقرأُ ويركعُ، وإذا أرادَ أنْ يسجدَ نَزَلَ مِنَ المِنبرِ فَسَجَدَ على الأرضِ، وقال: «يا أيُّها النَّاسُ، إني صَنَعتُ هذا لِتَأتمُّوا بي، ولِتَعْلموا صَلاتي» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر (917)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة (544).

قوله: «ويُكره إذا كان العلوُّ ذِراعاً فأكثر» أي: يُكره إذا كان الإِمامُ عالياً على المأموم ذِراعاً فأكثر. ودليله: الحديث: «إذا أمَّ الرَّجُلُ القومَ؛ فلا يَقُمْ في مكانٍ أرفع مِن مقامهم» (¬1)، ولكن هذا الحديث لا تقوم به الحُجَّةُ. والجَمْعُ ـ عند من احتجَّ به ـ بينه وبين الحديث الثَّابتِ في الصَّحيحين بأنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بهم على المِنبر: أنَّ المِنبرَ لا يتجاوز الذِّراع غالباً، فيُحمل هذا الحديثُ على ما إذا كان العلوُّ كثيراً، ولكن يبقى النَّظرُ في تقديره بالذِّراعِ. والجواب: أن درجات المِنبرِ غالباً لا تزيد على الذِّراعِ. والخلاصةُ: أنَّ المؤلِّفَ رحمه الله يرى أنَّه لا بأسَ أن يكون الإِمامُ أعلى مِن المأمومِ، إلا أنَّه يُكره إذا كان العلوُّ ذِراعاً فأكثر. القول الثاني: أنَّه لا يُكره علوُّ الإِمامِ مطلقاً؛ لأنَّ الحديثَ الذي استدلَّ به الأصحابُ ـ رحمهم الله ـ ضعيف، والضَّعيفُ لا تقومُ به الحُجَّةُ. وقيَّدَ بعضُ العلماءِ هذه المسألةَ بما إذا كان الإِمامُ غيرَ مُنفردٍ بمكانِه، فإذا كان معه أحدٌ فإنه لا يُكره؛ ولو زادَ على الذِّراع؛ لأنَّ الإِمامَ لم ينفردْ بمكانِه، وهذا لا شَكَّ أنَّه قولٌ وجيهٌ؛ لأنه إنِ انفردَ الإِمامُ بمكانٍ؛ والمأمومُ بمكانٍ آخر؛ فأين صلاةُ الجماعةِ والاجتماع؟ ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يقوم مكاناً أرفع من مكان القوم (598).

كإمامته في الطاق

مسألة: لو كان المأمومُ في مكان أعلى فلا يُكره، فإذا كان الإِمامُ هو الذي في الأسفل، كأن يكون في الخَلوة مثلاً، وفيه أناسٌ يصلُّون فوقَه فلا حَرَجَ ولا كراهة. هل المعتبر في قوله: «ذراع فأكثر» ذراع الحديد، أو ذراع اليد؟ الجواب: المعتبر ذراع اليد، وهو ما بين المرفق ورؤوس الأصابع؛ لأنَّ هذا هو المعروف في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والمراد باليد: اليد المتوسِّطة، لأنَّ بعض النَّاس تكون ذراعُه طويلةً، وبعضُهم تكون قصيرةً. كَإِمَامَتِهِ فِي الطَّاقِ، ............ قوله: «كإمامته في الطاق» أي: كما يُكره دخول الإِمامِ في الطَّاق، والمراد بالطَّاقِ طاقُ القِبْلة الذي يُسمَّى «المِحراب» وطاقُ القِبْلة يكون مقوَّساً مفتوحاً في عرض الجِدار، وأحياناً يكون واسعاً بحيث يقفُ الإِمامُ فيه ويصلِّي ويسجدُ في نَفْسِ المِحراب، فيُكره؛ لآثارٍ وَرَدت عن الصحابة رضي الله عنهم (¬1)؛ ولأنه إذا دَخَلَ في الطَّاق استتر عن بعض المأمومين فلا يَرَونه لو أخطأ في القيام أو الرُّكوع أو السُّجود فلهذا يُكره، ولكن إذا كان لحاجة مثل: أن تكون الجماعةُ كثيرةً؛ واحتاج الإِمامُ إلى أن يتقدَّمَ حتى يكون في الطَّاقِ فإنه لا بأس به. أما إذا كان الإِمامُ في باب الطَّاقِ، ولم يدخل فيه، ولم يتغيَّب عن النَّاس، وكان محلُّ سجودِه في الطَّاق، فلا بأس به. ¬

_ (¬1) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة»، كتاب الصلوات، باب الصلاة في الطاق (2/ 59).

ويمكن أن يُؤخذ مِن كلام المؤلِّف: أنَّ هذا الطَّاق الذي هو المِحراب ليس بمكروه وهو كذلك، فاتخاذ المحراب ليس بمكروه، وإن كان بعضُ العلماء استحبَّه؛ لما فيه مِن الدلالة على القِبْلة، وعلى مكانِ الإِمامِ. وبعضُهم كَرِهَه، وقال: إنَّه غيرُ معروف في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وإنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم نَهى عن اتِّخاذِ المساجدِ مذابحَ مثلَ مذابحِ النَّصارى يجعلون لها الطَّاق (¬1). فهذا يقتضي كراهته. والصَّحيحُ: أنَّه مباحٌ، فلا نأمرُ به ولا ننهى عنه، والقول بأنه مستحبٌّ أقربُ إلى الصَّوابِ مِن القول بأنه مكروه، لأنَّ الذي وَرَدَ النَّهيُ عنه مذابح كمذابح النصارى، أي: أن نتخذَ المحاريبَ كمحاريب النَّصارى، أما إذا كانت تختلِفُ عنهم فلا كراهة؛ لأن العِلَّةَ في المحاريب المشابهة لمحاريب النَّصارى هي التشبُّه بهم، فإذا لم يكن تشبُّه فلا كراهة. فلو قال قائل: إذا كان الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم لم يفعلْها فما بالُنا نفعلها؟ فالجواب: أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يفعلْها إما لعدمِ الحاجةِ إليها، أو لأن ذلك قد يكلِّفُ في البناء في ذلك الوقت، أو لغير ذلك مِن الأسبابِ، فما دامت ليست متَّخذة على وَجْهِ التعبُّدِ، وفيها مصلحةٌ؛ لأنَّها تبين للنَّاسِ محلَّ القِبْلة فكيف نكرهها؟! ولو أنَّ المسجدَ لا مِحراب فيه ثم دَخَلَ رَجُلٌ غريبٌ فسوف ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 59)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله (448) ..

وتطوعه موضع المكتوبة إلا من حاجة، وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة، فإن كان ثم نساء لبث قليلا لينصرفن

تشتبه عليه القِبْلة، ولهذا قالوا في باب استقبالِ القبلة: إنَّه يُستدلُّ عليها بالمحاريبِ الإِسلاميةِ (¬1). وَتَطَوُّعُهُ مَوْضِعَ المَكْتُوبَةِ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ، وَإِطَالَةِ قُعُودِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نِسَاءٌ لَبِثَ قَلِيلاً لِيَنْصَرِفْنَ. قوله: «وتطوعه موضع المكتوبة» أي: يكره تطوُّع الإِمام في موضع المكتوبة، أي: في المكان الذي صلَّى فيه المكتوبةَ. ودليل ذلك ما يلي: أولاً: ما رُوِيَ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يُصَلِّ الإِمامُ في مُقَامِهِ الذي صَلَّى فيه المكتوبةَ، حتى يَتَنَحَّى عنه» (¬2) ولكنه ضعيف لانقطاعه. ثانياً: ربما إذا تطوَّعَ في موضع المكتوبة يَظنُّ مَن شاهدَه أنَّه تذكَّرَ نقصاً في صلاته؛ فيلبس على المأمومين. فلهذا يُقال له: لا تتطوّع في موضع المكتوبة، ولا سيَّما إذا باشر الفريضة، بمعنى أنَّه تطوَّع عقب الفريضة فوراً. وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنَّه لا فَرْقَ بين أن يتطوَّع في هذا المكان قبل الصَّلاة أو بعدَها، وهذا غير مراد بل المراد بعد الصلاة. أمَّا المأموم؛ فإنه لا يُكره له أن يتطوَّع في موضع المكتوبة (¬3). لكن؛ ذكروا أنَّ الأفضلَ أن يَفْصِلَ بين الفرضِ وسُنَّتِهِ ¬

_ (¬1) انظر: (2/ 275). (¬2) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يتطوع في مكانه (616)؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة النافلة حيث تُصلَّى المكتوبة (1428). قال الحافظ ابن حجر: «رواه أبو داود وإسناده منقطع». «الفتح» شرح حديث (848). (¬3) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب مُكث الإمام في مصلاه بعد السلام (848) عن نافع قال: «كان ابن عُمر يُصلِّي في مكانِهِ الذي صَلَّى فيه الفريضةَ، وفَعَلَه القاسمُ».

بكلامٍ أو انتقال مِن موضعه (¬1). قوله: «إلا من حاجة» الحاجةُ دون الضَّرورة؛ لأنَّ الضَّرورةَ هي التي إذا لم يقم بها الإِنسانُ أصابه الضَّرر. والحاجة هي التي تكون مِن مكمِّلات مراده، وليس في ضرورة إليها. مثال الحاجة هنا: أن يريدَ الإِمامُ أن يتطوَّعَ لكن وَجَدَ الصُّفوفَ كلَّها تامَّةً ليس فيها مكان ولا يتيسَّر أن يصلِّي في بيتِه أو في مكانٍ آخر، فحينئذٍ يكون محتاجاً إلى أن يتطوَّع في موضع المكتوبة. قوله: «وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة» أي: يُكره للإِمام أنْ يُطيلَ قعودَه بعد السَّلام مستقبلَ القِبْلة، بل يخفِّف، ويجلسَ بقَدْرِ ما يقول: «أستغفرُ الله ـ ثلاث مرات ـ اللَّهُمَّ أنت السَّلامُ ومنك السَّلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإِكرامِ» (¬2) ثم ينصرفُ: هذه هي السُّنَّةُ، فإطالةُ قعودِه بعدَ السَّلامِ مستقبلَ القِبْلة فيه محاذير هي: أولاً: أنَّه خِلافُ السُّنَّةِ. ثانياً: حَبْسُ النَّاسِ؛ لأنَّ المأمومينَ منهيون أنْ ينصرفوا قبل انصرافِ الإِمامِ، فإذا بقي مستقبلَ القِبْلة كثيراً حَبَسَ النَّاسَ. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة (883) عن معاوية بن أبي سفيان قال: « ... فإنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أمَرَنَا بذلك، أنْ لا تُوصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ حتى نتكلَّمَ أو نخرجَ». (¬2) تقدم تخريجه (3/ 220).

ثالثاً: أنه قد يَظنُّ مَن خلفَه أنه يتذكَّرُ شيئاً نسيه في الصَّلاةِ، فيرتبكُ المأمومُ في هذا. وابتداءُ الانصرافِ مِن اليسار أو مِن اليمين كُلُّ ذلك وَرَدَ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. فَوَرَدَ أنه ينصرفُ عن يمينه ثم يستقبلُ النَّاسَ (¬1)، وأنَّه ينصرفُ عن يسارِه، ثم يستقبلُ النَّاسَ (¬2)، فأنت إنْ شئتَ انصرفْ عن اليمين، وإن شئتَ انصرفْ عن اليسارِ، كُلُّ هذا سُنَّةٌ. قوله: «فإن كان ثَمَّ نساء» أي: في المسجدِ نساءٌ. قوله: «لبث قليلاً» أي: لَبِثَ مستقبلَ القِبْلة قليلاً. قوله: «لينصرفن» أي: النساء قبل الرِّجال، كما ثَبَتَ عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سَلَّمَ، قامَ النِّساءُ حين يقضي تَسْلِيمَهُ، ويمكُثُ هو في مَقَامِهِ يسيراً قبل أنْ يقومَ. قال: نرى ـ والله أعلم ـ أنَّ ذلك كان لكي ينصرفَ النِّساءُ، قبل أن يُدْرِكَهُنَّ أحدٌ مِن الرِّجالِ» (¬3). وذلك لأن الرِّجالَ إذا انصرفوا قبلَ انصرافِ النِّساءِ لَزِمَ مِن هذا اختلاطُ الرِّجالِ بالنِّساءِ، وهذا مِن أسبابِ الفتنة، حتى إنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم قال: «خيرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرها، وَشَرُّها أوَّلُها» (¬4)، لأن أوَّلَها أقربُ إلى الرِّجالِ مِن آخرها، فهو أقربُ إلى الاختلاطِ. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال (708) (60). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال (852)؛ ومسلم، الموضع السابق (707) (59). (¬3) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة النساء خلف الرجال (870). (¬4) تقدم تخريجه ص (222).

وفي هذا دليلٌ واضحٌ جداً على أنَّ مِن أهدافِ الإِسلامِ بُعْدُ النساءِ عن الرِّجال، وأنَّ المبدأ الإِسلاميَّ هو عَزْلُ الرِّجالِ عن النساءِ، خلاف المبدأ الغربيِّ الكافرِ الذي يريد أن يختلِطَ النساءُ بالرِّجالِ، والذي انخدعَ به كثيرٌ مِن المسلمين اليوم، وصاروا لا يبالون باختلاطِ المرأةِ مع الرِّجالِ، بل يَرَون أنَّ هذه هي الديمقراطية والتقدُّم، وفي الحقيقة أنَّها التأخُّر؛ لأنَّ اختلاطَ المرأةِ بالرِّجال هو إشباعٌ لرغبةِ الرَّجُلِ على حسابِ المرأةِ، فأين الديمقراطية كما يزعمون؟! إن هذا هو الجَور، أما العدلُ فأن تبقى المرأةُ مصونة محروسة لا يَعبثُ بها الرِّجالُ، لا بالنَّظَرِ ولا بالكلامِ ولا باللَّمس ولا بأي شيء يوجب الفتنة. لكن؛ لضعفِ الإِيمانِ والبُعدِ عن تعاليم الإِسلام صار هؤلاء المخدوعون منخدعين بما عليه الأممُ الكافرةُ، ونحن نعلمُ بما تواترَ عندنا أنَّ الأممَ الكافرةَ الآن تَئِنُّ أنينَ المريضِ المُدنفِ تحت وطأة هذه الأوضاع، وتودُّ أن تتخلَّصَ مِن هذا الاختلاطِ، ولكنه لا يمكنها الآن؛ فقد اتَّسعَ الخرقُ على الرَّاقعِ. لكن الذي يُؤسفُ له أيضاً: مَن يريدُ مِن المسلمين أنْ يلحقوا برَكْبِ هؤلاء الذين ينادون بما يسمُّونه «الحرية»، وهي في الحقيقة حرية هوًى، لا حرية هُدًى، كما قال ابن القيم رحمه الله: هربوا مِن الرِّقِّ الذي خُلقوا له فَبُلوا بِرِقِّ النَّفْسِ والشيطان فالرِّقُ الذي خُلقوا له هو: الرِّقُ لله عزّ وجل، بأن تكون عبداً لله حقاً، لكن؛ هؤلاء هربوا منه، وبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ

ويكره وقوفهم بين السواري إذا قطعن الصفوف

والشيطان، فصاروا الآن ينعقون ويخطِّطون مِن أجلِ أن تكون المرأةُ والرَّجُلُ على حَدٍّ سواءٍ في المكتب، وفي المتجر، وفي كُلِّ شيء، وإني لأشهد بالله أنَّ هؤلاء غاشُّون لدينهم وللمسلمين؛ لأنَّ الواجب أن يتلقَّى المسلمُ تعاليمه مِن كتابِ الله وسُنَّةِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وهَدي السَّلفِ الصَّالح، ونحن إذا رأينا تعاليمَ الشَّارعِ الحكيم وجدنا أنَّه يسعى بكُلِّ ما يستطيع إلى إبعاد المرأةِ عن الرَّجُلِ، فيبقى الرسول صلّى الله عليه وسلّم في مصلاَّه إذا سَلَّمَ حتى ينصرفَ النساءُ (¬1) من أجلِ عدم الاختلاط، هذا مع أنَّ النَّاسَ في ذلك الوقت أطهرُ مِن النَّاسِ في أوقاتنا هذه، وأقوى إيماناً كما قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «خَيرُ النَّاسِ قَرْني، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم» (¬2). وقوله: «فإنْ كان ثَمَّ» «ثَمَّ» بمعنى: هناك، وهي مفتوحةُ الثاء، وليست مضمومة قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} [الإنسان: 20] وما أكثر الذين يغلطون فيها فيقولون: (ثُمَّ) بالضَّمِ، و «ثُمَّ» بالضَّمِ حرفُ عطفٍ لا ظرف. وَيُكْرَهُ وُقُوفُهُمْ بَيْنَ السَّوَارِي إِذَا قَطَعْنَ الصُّفُوفَ. قوله: «يكره وقوفهم» أي وقوفُ المأمومين. قوله: «بين السواري» أي: الأعمدة. قوله: «إذا قطعن الصفوف» اشترط المؤلِّفُ للكراهةِ أن تقطع الصفوف. وما مقدار القطع؟ قيَّده بعضُهم بثلاثة أذرع، فقال: إذا كانت السَّاريةُ ثلاثةَ أذرعٍ فإنها تقطع الصَّفَّ، وما دونها لا يقطعُ الصَّفُّ. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (306). (¬2) تقدم تخريجه في المجلد الأول ص (156).

فصل

وقال بعضُ العلماء: بمقدار قيام ثلاثة رِجالٍ، ومقدار قيامٍ ثلاثة رجال أقل مِن ثلاثةِ أذرع، وقيل: المعتبر العُرف وهو ظاهر كلام المؤلِّفِ، وأما السَّواري التي دون ذلك فهي صغيرة لا تقطعُ الصُّفوفَ، ولا سيَّما إذا تباعدَ ما بينها. وعلى هذا؛ فلا يُكره الوقوفُ بينها، ومتى صارت السَّواري على حَدٍّ يُكره الوقوفُ بينها فإنَّ ذلك مشروطٌ بعدمِ الحاجةِ، فإنْ احتيجَ إلى ذلك بأن كانت الجماعةُ كثيرة والمسجدُ ضيقاً فإن ذلك لا بأس به من أجلِ الحاجةِ، لأنَّ وقوفَهم بين السَّواري في المسجدِ خيرٌ مِن وقوفهم خارجَ المسجدِ، وما زال النَّاسُ يعملون به في المسجدين المسجدِ الحرامِ والمسجدِ النَّبويِّ عند الحاجةِ؛ وإنما كُرِهَ ذلك لأنَّ الصَّحابةَ كانوا يَتوقَّون هذا (¬1)، حتى إنَّهم أحياناً كانوا يُطْرَدون عنها طَرْداً (¬2). ولأنَّ المطلوبَ في المصافةِ التَّراصُ مِن أجل أن يكون النَّاسُ صفَّاً واحداً، فإذا كان هناك سواري تقطع الصُّفوفَ فاتَ هذا المقصود للشَّارعِ. فَصْلٌ وَيُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةِ وَجَمَاعَةٍ مَرِيضٌ، وَمُدَافِع أَحَدَ الأَخْبَثَيْنِ، .......... قوله: «فصل» هذا الفصلُ عَقَدَه المؤلِّفُ لبيان الأعذارِ التي تُسقِطُ الجمعةَ والجماعة، وهو مبنيٌّ على قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصفوف بين السواري (673) ولفظه: «صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم». وأخرجه الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الصف بين السواري (229) وقال: «حسن صحيح». (¬2) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب الصلاة بين السواري في الصف (1002)؛ وابن خزيمة (1567)؛ والحاكم (1/ 218).

عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. ومِن القواعدِ المشهورة: المشقةُ تجلبُ التيسير، ولا شَكَّ أنَّ الجمعةَ أوكد بكثير مِن الجماعة لإجماعِ المسلمين على أنَّها فَرْضُ عَين؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]. أما الجماعةُ فإنَّه سَبَقَ الخِلافُ فيها، وأنَّ القولَ الرَّاجحَ أنَّها فَرْضُ عَين (¬1)، لكن آكديتها ليست كآكدية صلاة الجُمُعة، ومع ذلك تسقط هاتان الصَّلاتان للعُذر. والأعذار أنواع: قوله: «يعذر بترك جمعة وجماعة مريض» هذا نوعٌ مِن الأعذارِ. والمراد به: المَرض الذي يَلحق المريضَ منه مشقَّة لو ذَهَبَ يصلِّي وهذا هو النَّوعُ الأول. ودليله: 1 ـ قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. 2 ـ وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. 3 ـ وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17]. 4 ـ وقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (¬2). ¬

_ (¬1) انظر: ص (132). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 381).

5 ـ وأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «لما مَرِضَ تخلَّف عن الجماعةِ» (¬1) مع أن بيته كان إلى جَنْبِ المسجد. 6 ـ وقولُ ابن مسعود رضي الله عنه: «لقد رَأيتُنا وما يتخلَّفُ عن الصَّلاةِ إلا منافقٌ قد عُلِمَ نفاقُهُ أو مريضٌ ... » (¬2) فكلُّ هذه الأدلَّةِ تدلُّ على أنَّ المريضَ يسقطُ عنه وجوبُ الجُمعةِ والجَماعةِ. قوله: «ومدافع أحد الأخبثين» هذا نوعٌ ثان يُعذر فيه بتركِ الجُمعة والجَماعة. و «مدافع» تَدلُّ على أنَّ الإِنسانَ يتكلَّفُ دَفْعَ أحد الأخبثين. والأخبثان: هما البولُ والغائطُ، ويَلحقُ بهما الرِّيحُ؛ لأنَّ بعضَ النَّاسِ يكون عنده غَازات تنفخُ بَطنَه وتَشُقُّ عليه جداً، وقد يكون أشقَّ عليه مِن احتباسِ البولِ والغائطِ، والدَّليل على ذلك ما يلي: 1 ـ قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (¬3) والنَّفيُ هنا بمعنى النَّهي، أي: لا تصلُّوا بحضرةِ طعامٍ ولا حالَ مدافعةِ الأخبثين. 2 ـ أنَّ المدافعةَ تقتضي انشغالَ القلبِ عن الصَّلاةِ، وهذا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة (680)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما (419) (98). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد: باب صلاة الجماعة من سُنن الهُدى، رقم (654). (¬3) سبق تخريجه (3/ 235).

ومن بحضرة طعام محتاج إليه، وخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه

خَلَلٌ في نَفْسِ العبادةِ، وتَرْكُ الجماعةِ خَلَلٌ في أمْرٍ خارجٍ عن العبادة، لأنَّ الجماعةَ واجبةٌ للصَّلاةِ، والمحافظةُ على ما يتعلَّقُ بذات العبادةِ أَولى مِن المحافظةِ على ما يتعلَّقُ بأمْرٍ خارجٍ عنها، فلهذا نقول: المحافظةُ على أَداءِ الصَّلاةِ بطمأنينة وحضورِ قلبٍ أولى مِن حضورِ الجماعةِ أو الجُمعة. 3 ـ أنَّ احتباسَ هذين الأخبثين مع المدافعة يَضرُّ البدنَ ضرراً بيِّناً؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَلَ خروجَ هذين الأخبثين راحةً للإِنسان، فإذا حبسهما صار في هذا مخالفةً للطبيعة التي خُلِقَ الإِنسانُ عليها، وهذه قاعدة طبية: أنَّ كُلَّ ما خالفَ الطَّبيعة فإنَّه ينعكس بالضَّررِ على البَدنِ، ومِن ثَمَّ يتبيَّنُ أضرارُ الحُبوب التي تستعمِلُها النِّساءُ مِن أجل حَبْسِ الحيضِ، فإنَّ ضررَها ظاهرٌ جدَّاً، وقد شَهِدَ به الأطباءُ. وَمَنْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَخَائِف مِنْ ضَيَاع مَالِهِ، أَوْ فَوَاتِهِ، أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ، .... قوله: «ومن بحضرة طعام محتاج إليه» هذا نوعٌ ثالثٌ فيُعذر بتَرْكِ جُمُعَةٍ وجماعةٍ مَن كان بحضْرَةِ طعامٍ، أي: حَضَرَ عنده طعامٌ وهو محتاجٌ إليه، لكن بشرط أن يكون متمكِّناً مِن تناولِه. مثاله: رَجُلٌ جائعٌ حَضَرَ عنده الطَّعامُ وهو يسمعُ الإِقامةَ، فهو بين أمرين: إنْ ذهبَ إلى المسجدِ انشغل قلبُه بالطَّعامِ لجوعِه، وإنْ أكَلَ اطمأنَّ وانسدَّ جوعُه، فنقول: كُلْ ولا حَرَجَ، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قُدِّمَ العشاءُ فابْدَؤُا به قبل أن تصلُّوا صلاة المغرب» (¬1) فأمرنا بأنْ نبدأ به. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة (672)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال (557) (1242).

وكان ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يَسمعُ قراءةَ الإِمام وهو يتعشَّى (¬1). مع أنَّ ابنَ عُمرَ رضي الله عنهما مِن أشدِّ النَّاسِ تمسُّكاً بالسُّنَّةِ. إذاً؛ إذا حَضَرَ العشاءُ فتعشَّ ولو أُقيمت الصَّلاةُ. وهل الأكلُ بمقدارِ ما تنكسِرُ نهمتُك، أو لك أنْ تشبعَ؟ نقول: لك أنْ تشبعَ؛ لأنَّ الرُّخصةَ عامَّةٌ «إذا قُدِّمَ العَشاءُ فابدؤوا به قبل أن تصلُّوا صلاةَ المغرب». ويُشترط أنْ يتمكَّنَ مِن تناولِه، فإنْ لم يتمكَّن بأنْ كان صائماً وحَضَرَ طعامُ الإِفطارِ، وأُذِّنَ لصلاةِ العصرِ وهو بحاجةٍ إلى الأكلِ فليس له أنْ يؤخِّرَ صلاةَ العصر حتى يُفطرَ ويأكلَ؛ لأنَّ هذا الطَّعامَ ممنوعٌ منه شرعاً، حتى لو اشتهى الطَّعامَ شهوةً قويَّةً. ولا بُدَّ أيضاً مِن قيد آخر، وهو أنْ لا يجعلَ ذلك عادةً بحيث لا يُقَدَّم العشاءُ إلا إذا قاربت إقامةُ الصَّلاةِ، لأنه إذا اتَّخذَ هذا عادةً فقد تَعمَّدَ أن يَدَعَ الصَّلاةَ، لكن إذا حصلَ هذا بغير اتِّخاذِه عادةً فإنه يبدأ بالطَّعامِ الذي حَضَرَ، سواءٌ كان عشاء أم غداء. قوله: «وخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه» هذا نوعٌ رابعٌ مما يُعذر فيه بتَرْكِ الجُمعةِ والجماعةِ، أي: إذا كان عنده مال يَخشى إذا ذَهَبَ عنه أن يُسرقَ، أو معه دابةٌ يَخشى لو ذهبَ للصَّلاةِ أن تنفلتَ الدَّابةُ وتضيع، فهو في هذه الحال معذورٌ في ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الموضع السابق (673).

أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر، أو سلطان، أو ملازمة غريم ولا شيء معه

تَرْكِ الجُمُعةِ والجَماعةِ؛ لأنَّه لو ذَهَبَ وصَلَّى فإن قلبَه سيكون منشغلاً بهذا المال الذي يَخافُ ضياعه. وكذلك إذا كان يَخشى مِن فواتِه بأن يكون قد أضاعَ دابَّته، وقيل له: إنَّ دابَّتك في المكان الفلاني؛ وحضرتِ الصَّلاةُ، وخَشيَ إنْ ذهب يُصلِّي الجُمعةَ أو الجماعةَ أنْ تذهبَ الدَّابةُ عن المكان الذي قيل إنَّها فيه، فهذا خائفٌ مِن فواتِه، فله أنْ يتركَ الصَّلاةَ، ويذهب إلى مالِه ليدرِكَه. ومِن ذلك أيضاً: لو كان يخشى مِن ضَررٍ فيه، كإنسان وَضَعَ الخُبزَ بالتنورِ، فأُقيمت الصَّلاةُ، فإنْ ذهبَ يُصلِّي احترقَ الخبزُ؛ فله أن يَدَعَ صلاةَ الجماعة مِن أجلِ أن لا يفوتَ مالُه بالاحتراق. والعِلَّةُ: انشغالُ القلبِ، لكن يُؤمرُ الخَبَّازُ أن يلاحظ وقت الإِقامةِ، فلا يدخل الخبزَ في التنور حينئذٍ. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لا فَرْقَ بين المالِ الخطير والمال الصَّغيرِ الذي لا يُعتبر شيئاً؛ لأنه أطلق فقال: «مِن ضياع ماله» وقد يُقال: إنَّه يُفرَّقُ بين المالِ الخطير الذي له شأن، وبين المال القليل في صلاة الجُمعةِ خاصَّة؛ لأنَّ صلاةَ الجُمعة إذا فاتت فيها الجماعةُ لا تُعادُ وإنَّما يُصلَّى بدلها ظُهراً، وغير الجُمعةِ إذا فاتت فيها الجماعةُ يصلِّيها كما هي. أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ، أَوْ سُلْطَانٍ، أَوْ مُلاَزَمَةِ غَرِيمٍ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ، ............... قوله: «أو موت قريبه» هذا نوعٌ خامسٌ مما يُعذرُ فيه بتَرْكِ الجُمُعةِ والجَماعةِ، أنْ يخشى مِن موتِ قريبِه وهو غيرُ حاضرٍ، أي: أنَّه في سياق الموتِ فيخشى أن يموت وهو غيرُ حاضرٍ وأحبَّ أنْ يبقى عندَه ليلقِّنه الشَّهادةَ، وما أشبه ذلك، فهذا عُذر.

قوله: «أو على نفسه من ضرر» هذا نوعٌ سادسٌ مما يُعذرُ فيه بتَرِكِ الجُمُعةِ والجَماعةِ، وهو: أن يَخشى على نفسِه مِن الأمور التي ذكرها المؤلِّفِ، مِن ضَررٍ بأن كان عند بيتِه كلبٌ عقورٌ، وخَافَ إنْ خَرَجَ أنْ يعقِره الكلبُ، فله أنْ يصلِّيَ في بيتِه ولا حَرَجَ عليه. وكذلك لو فُرِضَ أن في طريقِه إلى المسجدِ ما يضرُّه، مثل: ألا يكون عنده حِذاء، والطريقُ كلُّه شوكٌ أو كله قِطعُ زُجاجٍ، فهذا يضرُّه، فهو معذورٌ بتَرْكِ الجَماعة والجُمُعة. وكذلك لو كان فيه جُروح وخاف على نفسِه مِن رائحةٍ يزيدُ بها جرحُه فإنَّه يُعذرُ بتَرْكِ الجمعة والجماعة. وقوله: «أو سلطان» يعني: إِذا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سُلْطَانٍ مثل: أنْ يطلبَه ويبحث عنه أميرٌ ظالمٌ له، وخافَ إن خَرَجَ أن يمسكَه ويحبسَه أو يغرِّمه مالاً أو يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، ففي هذه الحال يُعذرُ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ؛ لأنَّ في ذلك ضرراً عليه، أما إذا كان السلطانُ يأخذُه بحقٍّ فليس له أن يتخلَّفَ عن الجماعةِ ولا الجُمُعةِ، لأنَّه إذا تخلَّفَ أسقط حقّين: حَقَّ الله في الجماعةِ والجُمُعةِ، والحَقَّ الذي يطلبه به السلطانُ. قوله: «أو ملازمة غريم ولا شيء معه» هذا نوعٌ سابعٌ مما يُعذرُ فيه بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ: بأن كان له غريمٌ يطالبُه ويلازِمُه، وليس عنده فلوسٌ، فهذا عُذْرٌ؛ وذلك لما يلحَقَه مِن الأذيَّةِ لملازمةِ الغريمِ له، فإنْ كان معه شيءٌ يستطيع أن يوفي به

أو من فوات رفقة، أو غلبة نعاس، أو أذى بمطر، أو وحل وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة

فليس له الحَقُّ في تَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ؛ لأنَّه إذا تركهما في هذه الحال أسقطَ حَقَّين: حَقَّ اللهِ في الجماعة والجُمُعةِ، وحَقَّ الآدميِّ في الوفاءِ. مسألة: إذا كان عليه دينٌ مؤجَّلٌ، لكن غريمه لازَمه فهل له أن يتخلَّفَ؟ الجواب: ينظر؛ فإن كانت السُّلطةُ قويةٌ بحيث لو اشتكاه على السُّلطة لمنعته منه، فهو غيرُ معذورٍ؛ لأنَّ له الحَقُّ أن يُقدِّمَ الشَّكوى إلى السُّلطةِ، أما إذا كانت السُّلطةُ ليست قويةً، أو أنها تحابي الرَّجُلَ فلا تمنعه مِن ملازمةِ غريمه، فهذا عُذرٌ بلا شَكٍّ. أَوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ، أَوْ غَلَبَةِ نُعَاسٍ، أَوْ أَذًى بِمَطَرٍ، أَوْ وَحَلٍ وَبِرِيْحٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ. قوله: «أو من فوات رفقة» هذا نوعٌ ثامنٌ من أعذار تَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ، إذا كان يخشى من فوات الرُّفْقةِ وهذا عُذْرٌ لوجهين: الوجه الأول: أنه يفوت مقصده من الرفقة إذا انتظر الصَّلاةَ مع الجماعةِ أو الجُمعةِ. الوجه الثاني: أنه ينشغلُ قلبُه كثيراً، إذا سَمِعَ رفقته يتهيَّأون للسير وهو يُصلِّي فإنه يقلَقُ كثيراً، فإذا خِفْتَ فواتَ الرُّفقةِ فإنك معذورٌ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة، ولا فَرْقَ بين أن يكون السَّفرُ سفرَ طاعةٍ أو سفراً مباحاً، وسفر الطاعة كالسفر لعُمرةٍ أو حَجٍّ أو طلب عِلمٍ، والمباح كالسَّفر للتجارة ونحوها. قوله: «أو غلبة نعاس» هذا نوعٌ تاسعٌ من أعذارِ تَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة؛ إذا غلبه النُّعاسُ فإنه يُعذرُ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ. مثال ذلك: رجل متعبٌ بسبب عَمَلٍ أو سَفَرٍ فأخذه النُّعاسُ فهو بين أمرين:

إما أن يذهبَ ويصلِّي مع الجماعةِ، وهو في غَلَبَةِ النُّعاسِ لا يدري ما يقول. وإما أن ينامَ حتى يأخذَ ما يزولُ به النُّعاسُ ثم يُصلِّي براحةٍ. فنقول: افعلْ الثاني؛ لأنك معذورٌ. قوله: «أو أذى بمطر أو وحل» هذا نوعٌ عاشرٌ مِن أعذارِ تَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ. فإذا خافَ الأذى بمطرٍ أو وَحْلٍ، أي: إذا كانت السَّماءُ تمطرُ، وإذا خَرَجَ للجُمُعةِ أو الجماعةِ تأذَّى بالمطرِ فهو معذورٌ. والأذيَّة بالمطرِ أن يتأذَّى في بَلِّ ثيابه أو ببرودة الجَوِّ، أو ما أشبه ذلك، وكذلك لو خاف التأذِّي بوَحْلٍ، وكان النَّاسُ في الأول يعانون مِن الوحلِ؛ لأن الأسواقَ طين تربصُ مع المطر فيحصُلُ فيها الوَحْلُ والزَّلَقُ، فيتعبُ الإِنسانُ في الحضور إلى المسجدِ، فإذا حصلَ هذا فهو معذورٌ، وأما في وقتنا الحاضرِ فإن الوَحْلَ لا يحصُل به تأذٍّ لأنَّ الأسواقَ مزفَّتة، وليس فيها طين، وغاية ما هنالك أن تجدَ في بعض المواضع المنخفضة مطراً متجمِّعاً، وهذا لا يتأذَّى به الإِنسانُ لا بثيابه ولا بقدميه، فالعُذرُ في مثل هذه الحال إنما يكون بنزولِ المطرِ فإذا توقَّفَ المطرُ فلا عُذر، لكن في بعض القُرى التي لم تُزفَّت يكون العُذرُ موجوداً، ولهذا كان منادي الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم ينادي في الليلةِ الباردةِ أو المطيرة: ألا صَلُّوا في الرِّحالِ» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر، والعلة أن يصلّي في رحله (666)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال في المطر (697) (22).

وفُهِمَ مِن قوله: «أو أذًى بمطرٍ» أنه إذا لم يتأذَّ به بأن كان مطراً خفيفاً فإنَّه لا عُذر له، بل يجب عليه الحضورُ، وما أصابه مِن المشقَّةِ اليسيرةِ فإنه يُثابُ عليها. قوله: «وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة» هذا نوعٌ حادي عشر مِن أعذارِ تَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة، وهو الرِّيحُ، بشروط: الأول: أن تكون الرِّيحُ باردةً؛ لأنَّ الرِّيحَ السَّاخنةَ ليس فيها أذًى ولا مشقَّة، والرِّياحُ الباردةُ بالنسبة لنا في هذه المنطقة هي التي تأتي مِن الشمالِ، لأننا نحن الآن إلى القُطبِ الشّمالي أقربُ منَّا إلى القُطبِ الجنوبي، وفي الجهة الجنوبية مِن الأرض تكون الرياحُ الباردةُ هي التي تأتي مِن الجنوبِ. الثاني: كونها شديدةً؛ لأنَّ الرِّيحَ الخفيفةَ لا مشقَّةَ فيها ولا أذًى، ولو كانت باردةً، فإذا كانت الرِّياحُ باردةً وشديدةً فهي عُذرٌ بلا شَكٍّ؛ لأنَّها تؤلم أشدَّ مِن ألم المطرِ. الثالث: أن تكونَ في ليلةٍ مظلمةٍ: وهذا الشرطُ ليس عليه دليلٌ؛ لأنَّ الحديثَ الذي استدلُّوا به وهو حديثُ ابنِ عُمر «في الليلةِ الباردةِ أو المطيرةِ» (¬1) ليس فيه اشتراطُ أن تكونَ الليلةُ مظلمةً، ولأنَّه لا أثرَ للظُّلمةِ أو النور في هذا الأمر، فالظُّلمةُ لا تزيد مِن برودة الجَوِّ، والصَّحو لا يزيد مِن سخونةِ الجو في الليل. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (317).

فالصحيح: أنه إذا وُجِدت ريحٌ باردةٌ شديدةٌ تشُقُّ على النَّاسِ فإنَّه عُذر في تَرْكِ الجُمُعةِ والجَماعة، وهو أَولى مِن العُذرِ للتأذِّي مِن المطر، ويَعرفُ ذلك مَن قاساه، ومع هذا فإن المشقَّة في البردِ يلحقُها مشقَّةٌ أخرى، وهي: أنَّ الغالبَ في البردِ كثرة نزولِ البولِ فيتعب الإِنسانُ منه، فإذا توضَّأ شَقَّ عليه الوُضُوءُ مع البرودةِ، ولا سيَّما في الزَّمنِ السَّابقِ فليس هناك سخَّانات تُسخِّنُ الماء، وأحياناً يكون الماءُ شديدَ البرودةِ جداً، فلهذا نقول: ما دامت العِلَّةُ هي المشقَّة، فإن المشقَّة تحصُل في الرِّيح الباردةِ الشديدةِ، أما الرِّيحُ الخفيفةُ العاديةُ أو الساخنةُ فليس فيها مشقة. تنبيه: قوله: «في ليلة مظلمة» لا يتأتَّى هذا الشَّرط في الجُمُعةِ، وهو يؤيّد ما ذكرناه مِن عدم اشتراط الليلةِ المظلمةِ. والله أعلم. مسألة: هل يُعذرُ الإِنسانُ بتطويل الإِمامِ؟ الجواب: يُعذرُ بتطويلِ الإِمامِ إذا كان طولاً زائداً عن السُّنَّةِ. ودليل ذلك: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يوبِّخ الرَّجُلَ الذي انصرفَ مِن صلاتِه حين شَرَعَ معاذٌ في سورة البقرةِ، بل وَبَّخَ معاذاً» (¬1)، وإذا لم يوجد مسجدٌ آخر سَقَطَ عنه وجوبُ الجَماعة. مسألة: هل يُعذرُ بسرعة الإِمام؟ الجواب: أنَّ هذا مِن بابِ أَولى أن يكون عُذراً مِن تطويلِ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (192).

الإِمامِ، فإذا كان إمامُ المسجدِ يُسْرِعُ إسراعاً لا يتمكَّنُ به الإِنسانُ مِن فِعْلِ الواجبِ، فإنَّه معذورٌ بتَرْكِ الجماعةِ في هذا المسجدِ، لكن؛ إن وُجِدَ مسجدٌ آخرٌ تُقامُ فيه الجماعةُ وجبت عليه الجماعةُ في المسجدِ الثاني. مسألة: إذا كان الإِمامُ فاسقاً بحَلْقِ لحيتِه، أو شُرْبِ الدُّخَّان، أو إسبالِ ثوب، فهل هذا عُذر في تَرْكِ الجماعةِ؟ الجواب: إنْ قلنا بأنَّ الصَّلاةَ خلفَه لا تَصِحُّ كما هو المذهب (¬1) فهو عُذرٌ، وأما إذا قلنا بصحَّةِ الصَّلاةِ خلفَه ـ وهو الصَّحيح ـ فإنَّ ذلك ليس بعُذرٍ؛ لأنَّ الصَّلاةَ خلفَه تَصِحُّ وأنت مأمورٌ بحضورِ الجماعةِ. مسألة: إذا كان الإِنسانُ مجرماً، وخافَ إن خَرَجَ أن تمسِكَه الشرطةُ، فهل هو عُذرٌ؟ الجواب: ليس بعُذرٍ؛ لأنَّه حَقٌّ عليه، أما إذا كان مظلوماً فإنَّه عُذرٌ. مسألة: إذا كان في طريقِه إلى المسجدِ منكراتٌ كتبرُّجِ النِّساءِ، وشُرْبِ الخَمْر، وشُرْبِ الدُّخَّان، وما أشبه ذلك، فهل هذا عُذر؟ الجواب: ليس بعذر فيخرجُ، وينهى عن المنكرِ ما استطاع، فإن انتهى النَّاسُ فله ولهم، وإن لم ينتهوا فله وعليهم. مسألة: إذا طرأت هذه الأعذارُ في أثناءِ الصَّلاةِ، فمثلاً: في ¬

_ (¬1) انظر: ص (216).

أثناءِ الصَّلاةِ أصابه مدافعةُ الأخبثين؛ فله أنْ ينفردَ ويتمَّ صلاتَه إلا إذا كان لا يستفيدُ بانفرادِه شيئاً، بمعنى أن الإِمام يخفِّفُ تخفيفاً بقَدْرِ الواجبِ، ففي هذه الحال لو انفردَ لم يستفدْ شيئاً؛ إذ لا يمكن أن يخفِّفَ أكثر مِن تخفيفِ الإِمامِ. وهل له أن يقطعَ الصَّلاة؟ الجواب: نعم، له أنْ يقطعَ الصَّلاةَ؛ إذا كان لا يمكنه أن يكمِلها على الوجه المطلوبِ منه، إلا إذا كان لا يستفيدُ مِن قطعِها شيئاً؛ فإنه لا يقطعها، مثاله: لو سمعَ الغريمَ يدعوه في أثناءِ الصَّلاةِ، ففي هذه الحال لو انصرفَ لأمسكَه، فلا يستفيد بقطعِ الصَّلاةِ شيئاً؛ فلا يقطعها. مسألة: هل هذه الأعذارُ عُذرٌ في إخراج الصَّلاةِ عن وقتِها؟ الجواب: ليست عُذراً، فعلى الإِنسان أن يصلِّيها في الوقت على أيِّ حالٍ كانت، إلا أنَّ بعضَ أهلِ العِلم قال: إنَّ مدافعةَ الأخبثين عُذرٌ في إخراجِ الصَّلاةِ عن وقتِها؛ وذلك لأنَّ حَبْسَ الأخبثينِ، يكون به ضررٌ على الإِنسانِ، وبعضُ النَّاسِ أيضاً يَحسُّ إذا حبس الأخبثين، ولا سيما البول بخفقان شديدٍ في القلب فيخشى على نفسه منه، ولكننا نقول: إذا كانت هذه الأعذارُ في الصَّلاة الأُولى التي تُجمع لما بعدَها، فإن هذه الأعذار تُبيحُ الجَمْعَ، وهذه فائدةٌ مهمَّةٌ، فالأعذارُ التي تُبيحُ تَرْكَ الجُمُعةِ والجَماعةِ تُبيحُ الجَمْعَ. وحينئذٍ إذا حصلت لك في وقتِ الصَّلاةِ الأُولى فتنوي الجَمْعَ، وتؤخِّرُ الصَّلاةَ إلى وقتِ الثانيةِ؛ لعمومِ حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما «جَمَعَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم

في المدينةِ بين الظُّهرِ والعصرِ، وبين المغربِ والعشاءِ مِن غير خوفٍ ولا مطرٍ، قالوا: ماذا أرادَ بذلك؟ قال: أرادَ أن لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» (¬1) أي: أنْ لا يَلحقها الحَرَجُ في تَرْكِ الجَمْعِ. مسألة: الآكلُ للبصلِ؛ هل يُعذرُ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعةِ؟ وهل يجوزُ له أنْ يأكلَ البصلَ أم لا؟ الجواب: إنْ قَصَدَ بأكلِ البصلِ أنْ لا يُصلِّيَ مع الجماعةِ فهذا حرامٌ ويأثمُ بتَرْكِ الجمعة والجماعة، أما إذا قَصَدَ بأكلِهِ البصلَ التمتُّعَ به وأنَّه يشتهيه، فليس بحرامٍ، كالمسافر في رمضان إذا قصد بالسَّفَرِ الفِطْر حَرُمَ عليه السَّفَرُ والفِطر، وإنْ قَصَدَ السَّفَرَ لغرضٍ غيرِ ذلك فله الفِطْر. وأما بالنسبة لحضُورِه المسجدَ؛ فلا يحضُرُ، لا لأنه معذورٌ، بل دفعاً لأذيَّتِهِ؛ لأنَّه يؤذي الملائكةَ وبني آدم. أما الأعذارُ التي ذكرها المؤلِّفُ فهي أعذارٌ تُسوِّغُ للإِنسانِ أن يَدَعَ الجُمُعةَ والجماعةَ؛ لأنَّه متَّصفٌ بما يُعذرُ به أمامَ الله، أما مَن أكلَ بصلاً أو ثوماً فلا نقولُ إنَّه معذورٌ بتَرْكِ الجُمُعةِ والجماعة، ولكن لا يحضُر دفعاً لأذيته، فهنا فَرْقٌ بين هذا وهذا، لأن هذا المعذورَ يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ كاملاً إذا كان مِن عادتِه أن يصلِّي مع الجماعةِ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له مثلُ ما كان يعملُ صحيحاً مقيماً» (¬2) أما آكلُ البصلِ والثُّومِ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (705) (50). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة (2996).

فلا يُكتب له أجرُ الجماعةِ؛ لأننا إنما قلنا له لا تحضر دفعاً للأذية؛ كما قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم» (¬1). مسألة: إذا كان فيه بَخْرٌ، أي: رائحةٌ منتنةٌ في الفَمِ، أو في الأنفِ أو غيرهما تؤذي المصلِّين، فإنَّه لا يحضرُ دفعاً لأذيَّتِه، لكن هذا ليس كآكلِ البصلِ؛ لأنَّ آكلَ البصلِ فَعَلَ ما يتأذَّى به النَّاسُ باختيارِه، وهذا ليس باختيارِه، وقد نقول: إنَّ هذا الرَّجُلَ يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ؛ لأنَّه تخلَّفَ بغير اختيارِه فهو معذورٌ. وقد نقول: إنه لا يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ؛ لكنه لا يأثمُ، كما أنَّ الحائضَ تتركُ الصَّلاةَ بأمره اللهِ ومع ذلك لا يُكتب لها أجرُ الصَّلاةِ فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم جَعَلَ تَرْكَها للصَّلاةِ نقصاً في دينِها (¬2). مسألة: مَن شَرِبَ دُخَّاناً وفيه رائحةٌ مزعجةٌ تؤذي النَّاسَ، فإنَّه لا يَحِلُّ له أنْ يؤذيهم، وهذا لعلَّه يكون فيه فائدةٌ، وهي أنَّ هذا الرَّجُلَ الذي يشربُ الدُّخَّانَ لما رأى نفسَه محروماً مِن صلاةِ الجماعةِ يكون سبباً في توبته منه وهذه مصلحة. مسألة: مَن فيه جروحٌ منتنةٌ، وهذا في الزَّمنِ الماضي؛ لعدم وجودِ المستشفيات، فله أن يتخلَّفَ عن الجُمُعةِ والجَماعةِ، ولكن لا نقول: إنه عُذرٌ كعُذرٍ المريض وشبهه، إلا إذا كان يتأخَّرُ عن صلاةِ الجماعةِ خوفاً مِن ازديادِ ألمِ الجُرحِ، لأنَّ الرَّوائحَ أحياناً تؤثِّرُ على الجُروحِ وتزيدها وَجَعاً، فهذا يكون معذوراً، ويدخل في قسم المريض. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها (564) (74). (¬2) تقدم تخريجه (1/ 476).

باب صلاة أهل الأعذار

… باب صلاة أهل الأعذار تَلْزَمُ المَرِيضَ الصَّلاَةُ قَائِماً .......... الأعذار: جمْعُ عُذْرٍ، والمراد بها، هنا: المرض، والسَّفَر، والخوف، فهذه هي الأعذار التي تختلف بها الصَّلاةُ عند وجودِها. واختلافُ الصَّلاةِ هيئةً أو عدداً بهذه الأعذار مأخوذٌ مِن قاعدة عامَّةٍ في الشريعة الإِسلامية، وهي قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. فكلَّما وُجِدت المشقَّة وُجِدَ التيسير، ومِن القواعدِ المعروفةِ عند الفقهاءِ: أنَّ المشقَّةَ تجلبُ التيسيرَ. قوله: «تلزم المريض» المريض: بالنَّصبِ؛ لأنه مفعولٌ به مقدَّمٌ على الفاعلِ، والفاعلُ قوله: «الصلاة» كقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [البقرة: 124] والمريضُ: هو الذي اعتلَّتْ صحتُه، سواءٌ كانت في جزء مِن بدنِه، أو في جميع بدنِه. فمنِ اشتكى عينُه فهو مريضٌ، ومَن اشتكى إصبعُه فهو مريضٌ، ومَن أخذته الحُمَّى فهو مريضٌ. فإذاً؛ المرضُ اعتلالُ صحَّة البَدَن، سواءٌ كان ذلك كلياً، أم جزئياً. والاعتلالُ الجزئيُّ يكونُ منه الاعتلالُ الكُلّيُّ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل

الجسدِ الواحدِ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» (¬1). قوله: «الصَّلاة قائماً»: المرادُ بـ «أل» هنا العهد الذهني، وهي الصَّلاة المفروضةُ؛ وذلك لأنَّ صلاةَ النافلةِ لا تلزم الإِنسانَ المريضَ ولا غير المريضِ قائماً، إذ إنَّه يجوزُ للإِنسانِ أن يتنفَّلَ وهو جالسٌ. لكن؛ إنْ كان لعُذرٍ أخذ الأجرَ كلَّه، وإنْ كان لغير عُذرٍ أخذَ نصفَ الأجرِ. وقوله: «قائماً» أي: واقفاً، وظاهره: أنه ولو كان مثل الرَّاكعِ، أو كان معتمداً على عصا أو جدارٍ أو عمودٍ أو إنسانٍ، فمتى أمكنه أن يكون قائماً وَجَبَ عليه على أيِّ صِفةٍ كان. والذي كالرَّاكعِ مثل: أن يكون في ظهرِه مَرَضٌ لا يستطيعُ أن يَمُدَّ ظهرَه قائماً فهنا يصلِّي ولو كراكعٍ. والذي يَعتمدُ كالشخصِ الضعيفِ الذي ليس عندَه قوةٌ، فلا يستطيعُ أن يقفَ إلا معتمداً على عصاً أو معتمداً على جدارٍ أو عمودٍ، أو إنسانٍ؛ يصلِّي قائماً ولو معتمداً. ولكن؛ لا يجزئ القيامُ باعتمادٍ تامٍ مع القدرةِ على عدمِه، والاعتمادُ التامُّ هو الذي لو أُزيل العُمدةُ لسقط المعتمدُ؛ لأنَّ الذي يقومُ معتمداً على شيءٍ اعتماداً كاملاً، كأنه غيرُ قائمٍ لا يجدُ مشقَّةَ القيامِ، لكن لو فُرِضَ أن شخصاً إما أن يقومَ معتمداً، وإما ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (6011)؛ ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (2586) (66).

فإن لم يستطع فقاعدا

أن يجلسَ فنقول: قُمْ معتمداً على عصاً، أو جدار، أو عمودٍ، أو إنسانٍ، ولهذا قال المؤلف: «قائماً» وأطلق. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، ........... قوله: «فإن لم يستطع»، أي: إن لم يكن في طوعِهِ القيامُ، وذلك بأن يعجزَ عنه فإنَّه يصلِّي قاعداً، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وقولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لعمران بن حصين: «صَلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً» (¬1)، فالدَّليلان الأولان عامَّان، والثالث خاصٌّ في نفس الصَّلاةِ. وقوله: «فإن لم يستطع» ظاهره: أنه لا يُبيحُ القعودَ إلا العجزُ، وأما المشقَّةُ فلا تُبيح القعودَ. ولكن؛ الصَّحيحُ: أنَّ المشقَّةَ تُبيحُ القعودَ، فإذا شَقَّ عليه القيامُ صلَّى قاعداً؛ لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وكما لو شَقَّ الصَّومُ على المريضِ مع قدرتِه عليه فإنه يُفطِرُ، فكذلك هنا إذا شَقَّ القيامُ فإنه يصلِّي قاعداً، ولكن ما ضابطُ المشقَّة؟؛ لأن بعضَ النَّاسِ أحياناً يكون في تَعَبٍ وسَهَرٍ، فيشقُّ عليه القيامُ. الجواب: الضَّابطُ للمشقَّةِ: ما زالَ به الخشوع؛ والخشوعُ هو: حضورُ القلبِ والطُّمأنينةُ، فإذا كان إذا قامَ قَلِقَ قلقاً عظيماً ولم يطمئنَّ، وتجده يتمنَّى أن يصلِ إلى آخر الفاتحةِ ليركعَ مِن شدَّةِ تحمُّلهِ، فهذا قد شَقَّ عليه القيامُ فيصلي قاعداً. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (3/ 292).

ومثل ذلك الخائفُ فإنَّه لا يستطيعُ أن يصلِّي قائماً، كما لو كان يصلِّي خلفَ جدارٍ وحولَه عدوٌّ يرقبه، فإنْ قامَ تبيَّن مِن وراءِ الجدارِ، وإن جلسَ اختفى بالجدارِ عن عدوِّه، فهنا نقول له: صَلِّ جالساً. ويدلُّ لهذا قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239] فأسقطَ اللهُ عن الخائفِ الرُّكوعَ والسُّجودَ والقعودَ، فكذلك القيامُ إذا كان خائفاً. وقوله: «فقاعداً» أي: جالساً، ولكن؛ كيف يجلسُ؟ يجلس متربِّعاً على أليتيه، يكفُّ ساقيه إلى فخذيه ويُسمَّى هذا الجلوسُ تربُّعاً؛ لأنَّ السَّاقَ والفخذَ في اليمنى، والسَّاقَ والفخذ في اليُسرى كلَّها ظاهرة، لأن الافتراش تختفي فيه الساق في الفخذ، وأما التربُّع فتظهرُ كلُّ الأعضاءِ الأربعةِ. وهل التربع واجب؟ لا، التربُّع سُنَّةٌ، فلو صَلَّى مفترشاً، فلا بأسَ، ولو صَلَّى محتبياً فلا بأس؛ لعموم قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإنْ لم تستطعْ فقاعداً» ولم يبينْ كيفيَّة قعودِه. فإذا قال إنسانٌ: هل هناك دليلٌ على أنه يصلِّي متربِّعاً؟ فالجواب: نعم؛ قالت عائشة: «رأيت النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يُصلِّي متربِّعاً» (¬1)، ولأن التربُّعَ في الغالبِ أكثرُ طمأنينةً وارتياحاً مِن ¬

_ (¬1) أخرجه النسائي، كتاب قيام الليل، باب كيف صلاة القاعد (1662)؛ والحاكم (1/ 258) وقال: «حديث صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي.

عجز فعلى جنبه

الافتراشِ، ومن المعلومِ أنَّ القيامَ يحتاجُ إلى قِراءةٍ طويلةٍ أطول مِن قول: «ربِّ اغفِرْ لي وارحمني» فلذلك كان التربُّع فيه أَولى؛ ولأجل فائدة أخرى وهي التَّفريقُ بين قعودِ القيامِ والقعودِ الذي في محلِّه، لأننا لو قلنا يفترشُ في حالِ القيام لم يكن هناك فَرْقٌ بين الجلوسِ في محلِّه وبين الجلوسِ البَدَلي الذي يكون بَدَلَ القيامِ. وإذا كان في حالِ الرُّكوعِ قال بعضُهم: إنه يكون مفترِشاً، والصَّحيح: أنه يكون متربِّعاً؛ لأنَّ الرَّاكعَ قائمٌ قد نَصَبَ ساقيه وفخذيه، وليس فيه إلا انحناء الظَّهر فنقول: هذا المتربِّعُ يبقى متربِّعاً ويركع وهو متربِّعٌ، وهذا هو الصَّحيحُ في هذه المسألةِ. عَجَزَ فَعَلَى جَنْبِهِ ........... قوله: «فإن عجز» هنا قال: «فإن عجز»، وفي الأول قال: «فإن لم يستطع»، ولا فَرْقَ بينهما إلا في اللفظ، فهو اختلافُ تعبيرٍ. قوله: «فعلى جنبه» أي الجنبين؟ قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لعمران بن حصين: «فإن لم تستطع فعلى جنب» (¬1) ولم يبيّن أيَّ الجنبين يكون عليه، فنقول: هو مخيَّرٌ على الجَنْبِ الأيمن أو على الأيسر. والأفضلُ أن يفعلَ ما هو أيسرُ له، فإن كان الأيسرُ أن يكون على جَنْبِهِ الأيسر فهو أفضل، وإن كان بالعكس فهو أفضلُ؛ لأن كثيراً من المرضى، ولا سيَّما المرضى بذات الجَنْبِ، يكون اضطجاعُهم على أحدِ الجنبين أخفَّ عليهم مِن الاضطجاعِ على ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (326).

فإن صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة صح، ويومئ راكعا وساجدا، ويخفضه عن الركوع

الجَنْبِ الآخر. فإذاً؛ يفعل ما هو أيسر وأسهل له، لأن المقامَ مقامُ رُخصةٍ وتسهيل، فإن تساوى الجنبان فالجنب الأيمن أفضل؛ لحديث وَرَدَ في ذلك (¬1)، وهو ضعيف. لكن؛ كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يعجبُه التيامن في تنعُّلِه وترجُّلِهِ وطُهوره وفي شأنِه كله (¬2). فَإِنْ صَلَّى مُسْتَلْقِياً وَرِجْلاَهُ إِلَى القِبْلَةِ صَحَّ، وَيُومِئُ رَاكِعَاً وَسَاجِداً، وَيَخْفِضُهُ عَنْ الرُّكُوعِ، ........... قوله: «فإن صلى» أي: المريض. قوله: «مستلقياً» أي: على ظهره. قوله: «ورجلاه إلى القبلة صح» أي: صَحَّ هذا الفعلُ، أي: مع قدرته على الجنب، لكنه خِلافُ السُّنَّةِ؛ لأن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «فإنْ لم تستطع فعلى جَنْبٍ» وإذا كان مستلقياً ورِجلاه إلى القِبلةِ فأين يكون رأسُه؟ يكون إلى عكس القِبلة إلى الشَّرقِ إنْ كانت القبلةُ غرباً، وإلى الغربِ إن كانت القِبلةُ شرقاً، قالوا: لأنَّ هذا أقربُ ما يكون إلى صفة القائمِ، فهذا الرَّجُل لو قام تكون القِبلةُ أمامَه، فلهذا يكون مستلقياً ورِجلاه إلى القِبلة. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنه يَصِحُّ مع القُدرة على الجَنْبِ. والقول الثاني: أنه لا يَصِحُّ مع القُدرةِ على الجَنْبِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعُمرانَ بن حُصين: «فإنْ لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ» وهذه هيئةٌ منصوصٌ عليها مِن قِبَلِ الشَّرعِ، وتمتاز عن الاستلقاء بأن وَجْهَ المريض إلى القِبلة، أما الاستلقاءُ فوجه المريض إلى ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 42)؛ والبيهقي (2/ 307)، وانظر: كلام الشيخ رحمه الله عن درجة الحديث أعلاه. (¬2) تقدم تخريجه في (1/ 155).

السَّماءِ، فهو على الجَنْبِ أقربُ إلى الاستقبال. وهذا القول هو الرَّاجحُ. وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه إنْ صَلَّى مستلقياً ورأسُه إلى القِبلة، لا تَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّه لو قامَ لكان مستدبِراً للقِبلةِ. وكذلك لو صَلَّى مستلقياً ورِجْلاه إلى يسارِ القِبلةِ أو يمين القِبلةِ لا تصِحُّ، لأنه لو قامَ لكانت القِبلةُ عن يمينه أو عن يسارِه، فلا بُدَّ إذن أن تكونَ رِجلاه إلى القِبلةِ. وخِلافُ ذلك أن تكون رِجلاه إلى عكس القِبلةِ، أو إلى يمين القِبلةِ، أو إلى يسارِ القِبلةِ، ففي هذه الصُّور الثَّلاث لا تصِحُّ صلاتُه، فصار ترتيبُ صلاةِ المريضِ كما يلي: يصلِّي قائماً، فإنْ لم يستطعْ فقاعداً، فإن لم يستطعْ فعلى جَنْبٍ، فإنْ لم يستطع فمستلقياً ورِجلاه إلى القِبلةِ، فهذه هي المرتبةُ الرابعةُ على القولِ الرَّاجحِ، أما على كلامِ المؤلِّفِ فإنَّها في مرتبة الصَّلاةِ على الجَنْبِ فتدخلُ في المرتبة الثالثة لكنها مفضولةٌ. والصَّحيحُ: أنَّها مرتبة رابعةٌ مستقلَّةٌ، لا تَصِحُّ إلا عند العجزِ عن المرتبةِ الثالثةِ. قوله: «ويومئ» أي: المريض المصلِّي جالساً راكعاً وساجداً، أي: في حالِ الرُّكوعِ والسُّجودِ ويخفضه، أي: السجود عن الركوع، أي: يجعل السُّجودَ أخفضَ، وهذا فيما إذا عَجَزَ عن السُّجُودِ، أما إذا قَدِرَ عليه فيومئ بالرُّكوعِ ويسجد؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] فإن لم يستطعْ أومأ بالسُّجودِ، مثل: أن يكون المرضُ في عينه، وقال الطبيب له: لا تسجدْ، أو

فإن عجز أومأ بعينه

يكون في رأسه، وإذا نَزَلَ رأسُه اشتدَّ الوجعُ وقَلِقَ به، فنقول: هنا تومئ بالسُّجودِ، وتجعل السُّجودَ أخفضَ مِن الركوع؛ ليتميّز السجودُ عن الركوعِ، ولأن هذا هو الحال فيمن كان قادراً، فإنَّ الساجدَ يكون على الأرضِ والراكعَ فوق، هذا إذا كان جالساً. فإن كان مضطجعاً على الجنبِ فإنَّه يومئ بالرُّكوعِ والسُّجودِ، ولكن كيف الإِيماءُ؟ هل إيماءٌ بالرأسِ إلى الأرضِ بحيث يكون كالملتفت، أو إيماء بالرأس إلى الصدر؟ الجواب: أنه إيماءٌ بالرأسِ إلى الصدرِ؛ لأنَّ الإِيماءَ إلى الأرضِ فيه نوعُ التفاتٍ عن القِبلةِ، بخلاف الإِيماءِ إلى الصدرِ، فإن الاتجاه باقٍ إلى القِبْلة، فيومئُ في حال الاضطجاعِ إلى صَدْرِه قليلاً في الركوع، ويومئُ أكثرَ في السُّجودِ. فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ بِعَيْنِهِ، ........... قوله: «فإن عجز أومأ بعينه» يعني: إذا صار لا يستطيعُ أنْ يومئَ بالرأسِ فيومئُ بالعينِ، فإذا أرادَ أنْ يركعَ أغمضَ عينيه يسيراً، ثم إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لمَن حمِده» فتح عينيه، فإذا سَجَدَ أغمضهما أكثر، وفيه حديثٌ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإنْ لم يستطعْ أومأ بطَرْفِهِ» (¬1) لكن هذا الحديثُ ضعيفٌ، ولهذا لم يذهب إليه كثيرٌ مِن العلماءِ، وقالوا: إذا عَجَزَ عن الإِيماءِ بالرَّأسِ سقطت عنه الأفعالُ. وقال بعض العلماء: إذا عَجَزَ عن الإِيماءِ بالرَّأسِ سقطت عنه الصَّلاةُ، فهنا ثلاثةُ أقوال: ¬

_ (¬1) لم أعثر عليه.

القول الأول: إذا عَجَزَ عن الإِيماءِ بالرَّأسِ يومئُ بعينِه. القول الثاني: تسقطُ عنه الأفعالُ، من دونِ الأقوالِ. القول الثالث: تسقط عنه الأقوالُ والأفعالُ، يعني: لا تجبُ عليه الصَّلاةُ أصلاً، وهذا القولُ اختيارُ شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله. والرَّاجحُ مِن هذه الأقوال الثلاثة: أنه تسقطُ عنه الأفعالُ فقط؛ لأنها هي التي كان عاجزاً عنها، وأما الأقوالُ فإنَّها لا تسقطُ عنه، لأنه قادرٌ عليها، وقد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] فنقول: كَبِّرْ، واقرأْ، وانْوِ الرُّكوعَ، فكبِّرْ وسبِّحْ تسبيحَ الرُّكوعِ، ثم انْوِ القيامَ وقُلْ: «سَمِعَ الله لمن حمِدَه، ربَّنا ولك الحمدُ» إلى آخرِه، ثم انْوِ السُّجودَ فكبِّرْ وسبِّحْ تسبيحَ السُّجودِ؛ لأن هذا مقتضى القواعد الشرعيَّةِ {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] فإن عَجَزَ عن القولِ والفعلِ بحيث يكون الرَّجُلُ مشلولاً ولا يتكلَّم، فماذا يصنع؟ الجواب: تسقط عنه الأقوالُ والأفعالُ، وتبقى النِّيةُ، فينوي أنَّه في صلاةٍ، وينوي القراءةَ، وينوي الركوعَ والسجودَ والقيامَ والقعودَ. هذا هو الرَّاجحُ؛ لأن الصَّلاةَ أقوالٌ وأفعالٌ بنيَّةٍ، فإذا سقطت أقوالُها وأفعالُها بالعجزِ عنها بقيت النِّيةُ، ولأن قولنا لهذا المريض: لا صلاةَ عليك قد يكون سبباً لنسيانه الله، لأنه إذا مرَّ عليه يومٌ وليلةٌ وهو لم يُصلِّ فربَّما ينسى اللهَ عزّ وجل، فكوننا نشعرُه بأن عليه صلاةً لا بُدَّ أن يقومَ بها ولو بنيَّةٍ خيرٌ مِن أن نقول: إنَّه لا صلاةَ عليه. والمذهب في هذه المسألة أصحُّ مِن

كلامِ شيخِ الإِسلامِ ابن تيمية رحمه الله، حيث قالوا: لا تسقطُ الصَّلاةُ ما دام العقلُ ثابتاً، فما دام العقلُ ثابتاً فيجبُ عليه مِن الصَّلاةِ ما يقدِرُ عليه منها. تنبيه: بعض العامة يقولون: إذا عَجَزَ عن الإِيماءِ بالرَّأسِ أومأَ بالإِصبعِ، فينصب الأصبعَ حالَ القيام ويحنيه قليلاً حالَ الركوعِ ويضمُّه حالَ السُّجودِ لأنه لما عَجَزَ بالكلِّ لزمه بالبعض، والإصبع بعضٌ مِن الإِنسانِ، فإذا عَجَزَ جسمُه كلُّه فليكن المصلِّي الإِصبع، والسَّبَّابةُ أَولى؛ لأنها التي يُشار بها إلى ذِكْرِ الله ودُعائِه، فلو أومأ بالوسطى فقياس قاعدتهم أنَّ الصلاةَ لا تصِحُّ؛ لأن السَّبَّابةَ هي المكلَّفة بأن تصلِّي، وهذا لا أصلَ له، ولم تأتِ به السُّنَّةُ، ولم يقلْه أهلُ العِلمِ، ولكن ـ سبحان الله ـ مع كونِه لم يقلْه أحدٌ مِن أهلِ العِلم فيما نعلمُ فمشهورٌ عندَ العامةِ، فيجب على طلبةِ العلمِ أن يبيِّنوا للعامة بأن هذا لا أصلَ له، فالعين وهي محلُّ خِلافٍ بين العلماء سبق لنا أن الصَّحيح أنه لا يصلِّي بها فكيف بالإصبع الذي لم تردْ به السُّنَّةُ لا في حديثٍ ضعيفٍ ولا صحيحٍ؟ ولم يقلْ به أحدٌ مِن أهلِ العِلم فيما نعلم. مسألة: لو كان يعجَزُ عن القيامِ في جميعِ الركعةِ، لكن في بعضِ القيامِ يستطيع أن يقفَ نصفَ القراءة، فهل نقول: ابدأ الصَّلاةَ قاعداً، ثم إذا قاربت الركوعَ فَقُمْ، أو نقول: ابتدئِها قائماً فإذا شَقَّ عليك فاجلسْ؟ إذا نظرنا إلى فِعْلِ الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم في قيام الليل أنَّه لما كَبِرَ عليه الصَّلاة والسلام صار يقومُ الليلَ جالساً، فإذا بقيَ عليه مِن

فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر

السُّورةِ ثلاثون أو أربعون آيةً قامَ فقرأهنَّ ثم رَكَعَ (¬1). قلنا: السُّنَّةُ أن يبتدئَها قاعداً ثم يقومُ. وإذا نظرنا إلى أن القيامَ في الفريضةِ رُكْنٌ قلنا: ابدأ بالرُّكنِ أولاً، ثم إذا شَقَّ عليك فاجلسْ بناءً على القاعدةِ {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. ونقول أيضاً: ربَّما يَظنُّ أنّه يَشقُّ عليه ثم لا يَشقُّ ويُعان عليه، وربَّما يتمكَّن مِن قراءةِ الفاتحةِ ويركع وإن لم يقرأ ما بعدَها مِن السُّور، وهذه المسألةُ تحتاج إلى تحريرٍ، فمَن نظر إلى فِعْلِ الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم في قيامِ الليلِ رجَّح أن يصلِّي جالساً، فإذا قاربَ الرُّكوع قامَ، ومَن نَظَرَ إلى أن القيام رُكْنٌ، قال: الأَولى أن يبدأَ بالرُّكنِ فيقومُ فإذا تعب جَلَسَ وتتميز الصفة الأُولى بأنه يتمكَّنُ مِن الركوع؛ بخلاف الثانية فإنَّه يركع بالإِيماء. فَإِنْ قَدِرَ أَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَائِها انْتَقَلَ إِلَى الآخَرِ، ........... قوله: «فإن قَدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر» إن قَدِرَ المريضُ في أثناءِ الصَّلاةِ على فِعْلٍ كان عاجزاً عنه انتقل إليه. مثاله: رَجُلٌ مريضٌ عَجَزَ عن القيامِ فشرعَ في الصَّلاةِ قاعداً، وفي أثناءِ الصَّلاةِ وَجَدَ مِن نفسِه نشاطاً فنقول له: قُمْ بناءً على القاعدةِ {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] «صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً» (¬2) وبالعكس فإذا كان في أول الصَّلاةِ نشيطاً فَشَرَعَ في الصَّلاةِ قائماً، ثم تعبَ فجلسَ، نقول: لا بأسَ للآية ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب إذا صَلَّى قاعداً ثم صَحّ أو وجد خفة تمم ما بقي (1118)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائماً وقاعداً (731) (111). (¬2) تقدم تخريجه ص (326).

الكريمة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وللحديث: «صَلِّ قائماً فإنْ لم تستطعْ فقاعداً»، وهذا يشمَلُ ما إذا كان العجزُ ابتداءً أو طارئاً. مسألتان: المسألة الأولى: لو أتمَّ قراءةَ الفاتحةِ وهو قائمٌ مِن القعودِ في حالِ نهوضِه فهل يجزئه؟ مثاله: مريضٌ يصلِّي قاعداً، فلما وَصَلَ إلى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} وَجَدَ مِن نفسِه نشاطاً فقام، وفي أثناء قيامه قرأ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}. المسألة الثانية: لو أتمَّها وهو عاجزٌ عن القيامِ حالَ هبوطِه فهل يجزئه؟ مثاله: إنسانٌ يصلِّي قائماً، وفي أثناء القيامِ لما وَصَلَ إلى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} تعب فنزلَ، وفي أثناء نزوله قرأ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}. قال الفقهاء: أما في المسألة الأُولى فلا تجزئِه؛ لأنه لما قَدِرَ على القيام صار القيام فرضاً، والفاتحةُ يجب أن تُقرأ وهو قائمٌ إذا كان قادراً على القيام، وقد قرأها في حالِ نهوضِه، والنهوضُ دون القيامِ. أما في المسألة الثانية فتجزئه؛ لأنَّ حالَ الهبوطِ أعلى مِن حالِ القعودِ. ولكن؛ لو قيل: إنَّ قولَه تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] يشمَلُ الصُّورةَ الأُولى؛ لأنَّ الرَّجُلَ الذي قَدِرَ في أثناء

وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائما وبسجود قاعدا

الجلوسِ على القيامِ، نهوضُه هذا هو غايةُ قدرتِه، فإذا كان نهوضُه غايةَ قدرتِه، فقد قرأ الفاتحةَ في الحال التي هي قدرتُه فتجزئه، وهذا أقربُ؛ ولأنَّ الرَّجُلَ الآن شارعٌ فيما يجب عليه، فهذا الشروعُ ثابتٌ بأمرِ الله، فإذا قرأ أجزأه، ولكن احتياطاً لهذا الأمر نقول: إذا قدرتَ على القيامِ فاسكت لا تقرأ حتى تستتمَّ قائماً ثم أكمل. وَإِنْ قَدِرَ عَلَى قِيَامٍ وَقُعُودٍ دُونَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ أَوْمَأَ بِرُكُوعٍ قَائِماً وَبِسُجُودٍ قَاعِداً، ........... قوله: «وإن قدر على قيام وقعود، دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائماً، وبسجود قاعداً» أي: إنْ قَدِرَ المريضُ على القيامِ، لكن لا يستطيع الركوعَ، إما لمرضٍ في ظهرِه، وإما لوجعٍ في رأسِه، وإما لعمليةٍ في عينه، أو لغير ذلك، ففي هذه الحال نقول له: صَلِّ قائماً وأومئ بالرُّكوعِ قائماً. والدليلُ قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وكذلك إذا كان يستطيعُ أنْ يجلسَ؛ لكن لا يستطيع أن يسجدَ نقول: اجلسْ وأومئْ بالسُّجودِ؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وهذا يحتاجُ الإِنسانُ إليه في الطائرةِ إذا كان السفرُ طويلاً وحان وقتُ الصَّلاةِ، وليس في الطائرةِ مكان مخصَّصٌ للصَّلاةِ، فإنه يصلِّي في مكانِه قائماً؛ بدون اعتماد إذا صارت الطائرةُ مستويةً، وليس فيها اهتزازٌ وإلا فيتمسَّكُ بالكرسي الذي أمامَه، لكن يومئ بالرُّكوعِ قَدْرَ ما يمكن. والظاهر: أنه لا يستطيع السُّجودَ حسب الطائرات التي نعرفُ، فنقول: اجلسْ على الكرسيِّ، ثم أومئْ إيماءً بالسُّجودِ.

كلُّ هذا مأخوذٌ مِن هذه الآية الكريمة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فمَن لم يقدِرْ على الرُّكوعِ أومأ به قائماً، ومَن لم يقدِرْ على السُّجودِ أومأ به جالساً. مسألة: إذا كان لا يستطيعُ السُّجودَ على الجبهة فقط؛ لأنَّ فيها جروحاً لا يتمكَّنُ أن يمسَّ بها الأرض، لكن يقدِرُ باليدين وبالركبتين فماذا يصنع؟ الجواب: نأخذ بالقاعدة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] فيضعُ يديه على الأرضِ ويدنو مِن الأرضِ بقَدْرِ استطاعتِه؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وأما قولُ مَن قال مِن العلماءِ: إنَّه إذا عَجَزَ عن السُّجودِ بالجبهة لم يلزمه بغيرِها، فهذا قول ضعيفٌ؛ لأننا إذا طبَّقنا الآية الكريمة {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} كانت دالةً على أنه يجب أن يسجدَ على الأرضِ بما استطاعَ مِن أعضائِه، فإذا كان يستطيعُ أن يسجدَ على الكفين وَجَبَ. ولو فَرَضْنا أنه لا يستطيعُ أن يسجدَ أبداً، بمعنى: لا يستطيعُ أن يحني ظهرَه إطلاقاً فحينئذ لا يلزمه أن يضعَ يديه على الأرضِ؛ لأنه لا يقرب مِن هيئةِ السُّجودِ، أما لو كان يستطيعُ أنْ يدنوَ مِن الأرضِ حتى يكون كهيئة السَّاجدِ، فهنا يجب عليه أنْ يسجدَ، ويُقرِّبَ جبهتَه مِن الأرضِ ما استطاعَ. مسألة: رَجُلٌ مريضٌ يقول: إنْ ذهبتُ إلى المسجدِ لم أستطعْ القيامَ؛ لأني أَصِلُ إلى المسجدِ وأنا متعبٌ فلا أستطيعُ القيامَ، وإن صلَّيتُ في بيتي صلَّيت قائماً؛ لأني لم أتعبْ ولم تحصُلْ عليَّ مشقَّةٌ. وأيضاً: ربَّما يطوِّلُ الإِمامُ تطويلاً يشقُّ عليَّ،

وفي بيتي أصلِّي كما شئتُ، فهل نقول: يجبُ عليك أن تذهبَ إلى المسجدِ ثم تصلِّي ما استطعتَ. أو نقول: يجبُ عليك أن تصلِّي في بيتِك؛ لأنَّ القيامَ رُكنٌ وصلاةُ الجماعةِ واجبة، أو نقول: تخيَّر؛ لأنَّه تعارضَ واجبان؟ للعلماء فيها ثلاثة أقوال: فمِن العلماءِ مَن قال: إنه يُخيَّر لتعارض الواجبين، واجب الجماعة، وواجب القيام وليس أحدهما أولى بالترجيح مِن الآخر. ومنهم مَن قال: يقدِّم القيامَ، فيصلِّي في بيتِه قائماً؛ لأنَّ القيامَ رُكْنٌ بالاتفاقِ؛ لقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلِّ قائماً» (¬1)، وصلاةُ الجماعةِ أقلُّ وجوباً لما يلي: أولاً: وجود الخِلاف في وجوبها. ثانياً: فإذا وجبت هل هي فرضُ كِفاية، أو فرضُ عين. ثالثاً: إذا كانت فرضَ عينٍ، فهل هي واجبةٌ في الصلاةِ بحيث تبطل الصَّلاةُ بتركها بلا عُذر، أو واجبة للصَّلاةِ تصحُّ الصلاةُ بدونها مع الإِثم. ومنهم مَن قال: يجب أن يحضر إلى المسجدِ، ثم يصلِّي قائماً إن استطاعَ، وإلا صَلَّى جالساً؛ لأنَّه مأمورٌ بإجابة النِّداء، والنِّداءُ سابقٌ على الصَّلاةِ فيأتي بالسَّابق فإذا وَصَلَ إلى المسجدِ، فإن قَدِرَ صَلَّى قائماً وإلا فلا، وأيضاً: ربَّما يَظنُّ أنه إذا ذهبَ إلى ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (326).

ولمريض الصلاة مستلقيا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم

المسجدِ لا يستطيعُ القيامَ، ثم يمدُّه الله عزّ وجل بنشاطٍ ويستطيعُ القيامَ. والذي أميلُ إليه ـ ولكن ليس ميلاً كبيراً ـ هو أنَّه يجب عليه حضورُ المسجد، ويدلُّ لذلك حديث ابن مسعود الثابت في «صحيح مسلم»: «وكان الرَّجُلُ يُؤتى به يُهادى بين الرَّجلينِ حتى يُقامَ في الصَّفِّ» (¬1) ومثل هذا في الغالب لا يقدِرُ على القيام وحدَه، فيجب أن يحضرَ إلى المسجدِ، ثم إن قَدِرَ على القيام فذاك، وإنْ لم يقدِرْ فقد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وَلِمَرِيضٍ الصَّلاَةُ مُسْتَلْقِياً مَعَ القُدْرَةِ عَلَى القِيَامِ لِمُدَاوَاةٍ بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ. قوله: «ولمريض الصلاة» اللام هنا للإِباحة، واعلمْ أنَّ العلماءَ قد يعبِّرونَ عن الشيءِ بصورةِ المباحِ دفعاً للمنع لا قصداً للإِباحةِ، فالمعنى: أنَّه لا يمتنع عليه، وحينئذٍ لا يمنع أن يكون ذلك أمراً مطلوباً أو أمراً واجباً، ولهذا أمثلة كثيرة. منها قولهم في كتاب الحج: «ولمن أحرم مفرداً أن يجعل إحرامه عمرة ليكون متمتعاً» يعني: له أنْ يفسخُ نِيَّةَ الحجِّ إلى العمرةِ؛ ليكون متمتعاً فيأتي بالعمرة، ثم يَحِلُّ منها، وإذا كان في اليوم الثامن مِن ذي الحجَّة أحرمَ بالحجِّ، ومرادهم بقولهم: «له» دفع المنع وإلا فهو سُنَّةٌ. فالمهمُّ أنَّهم عبَّروا باللام «له» ومرادهم بذلك دَفْعُ قولِ مَن يقول: إنَّ هذا لا يجوزُ، لأنَّ بعضَ العلماءِ رحمهم الله يقول: لا يجوزُ لمَن أحرمَ بالحَجِّ أن يحوِّلَه إلى عُمرة ليكون متمتعاً، ومع ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (135).

هذا فالذين عبَّروا بقوله: «له» يريدون أنه مستحبٌّ، بل بعضُهم يرى أنَّ مَن أحرمَ بالحَجِّ وليس معه هدي أنه يجب أن يحوِّلَه إلى عُمرة ليصير متمتِّعاً. قوله: «مستلقياً» يعني: مستلقياً على ظهرِه. قوله: «مع القدرة على القيام» أي: هو قادر أن يقومَ، لكن قال له الطبيب: لا بُدَّ أن تصلِّيَ مستلقياً ولا تقوم، وهذا يأتي فيما لو كان المرضُ في عينِه فأُجريت له عمليةٌ، وقال له الطبيب: لا بُدَّ أن تكون مستلقياً لمدَّة كذا وكذا، وحينئذٍ نقول: صَلِّ مستلقياً ولو كنت قادراً على القيامِ، وذلك لأمرِ الطبيبِ. قوله: «بقول طبيب مسلم» اشترط المؤلِّف لجواز الصلاة مستلقياً مع القدرة على القيام أنْ يكون عن قولِ طبيبٍ مسلمٍ فهذان شرطان: أن يكون طبيباً، وأن يكون مسلماً. والطبيب هو: من يعالج المرضى عن معرفةٍ، والمسلمُ ضِدُّ الكافرِ، فلا بُدَّ أن يكون طبيباً، أي: حاذقاً عنده معرفة، ولا بُدَّ أن يكون مسلماً. فَوَصْفُ الإِسلامِ يعودُ إلى الأمانةِ، ووَصْفُ الطِّبِّ يعودُ إلى القوة، وهما الرُّكنان في كُلِّ عَمَلٍ، قال الله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26] قالته إحدى بنتي صاحبِ مَدْيَن، وقال عِفريتٌ مِن الجنِّ لسليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] لأنَّ الضعيفَ لا يقوم بعملٍ لضعفِهِ، والخائنُ لا يقومُ بالعملِ لخيانتِهِ، فلا بُدَّ في كُلِّ عَمَلٍ مِن هذين الركنين.

وعُلِمَ مِن كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لو أمرَه بذلك غيرُ طبيب، يعني: أمرَه إنسانٌ عادي مِن الناس، قال له: أظنُّ أنك إذا قمت تصلِّي قائماً فإن ذلك يضرُّك. فلا يرجع إلى قوله، ولكن هذا ليس على إطلاقه، لأنه إذا عَلِمَ بالتجربة أن مثل هذا المرض يضرُّ المريضَ إذا صلَّى قائماً فإنه يعمل بقول شخص مجرِّبٍ، لأنَّ أصلَ الطِّبِّ مأخوذٌ إما عن طريق الوحي، وإما عن طريق التجربة، فطريقُ الوحي مثل قوله تعالى في النحل: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] ومثل قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» (¬1) الحبةُ السوداء: التي تُسمَّى عندنا السميراء «إلا السام» يعني: إلا الموت. وكثيرٌ مِن الأدويةِ معلومةٌ بالتجاربِ، فإذا قال إنسانٌ مجرِّبٌ وإن لم يكن طبيباً: إن في صلاتِك قائماً ضرراً عليك، فله أن يصلِّيَ مستلقياً أو قاعداً. وعُلم من كلامه أيضاً أنه لو أمره بذلك غير مسلم لم يأخذ بقوله لأنَّ هذه أمانة، وغير المسلم ليس بأمين، فقد يقول الطبيب النصراني للمسلم: إنك إذا صلَّيتَ قائماً فعليك ضررٌ مِن أجل أن لا يصلِّي قائماً، مع القدرة على القيام فتبطل صلاته، ولا شكَّ أنَّ هذا مِن جَهْلِ النصراني فإن الإِسلامَ دين اليُسر، فالمريضُ إذا ضرَّه القيامُ أو شَقَّ عليه أو خافَ ضررَه، صلَّى قاعداً وله أجر القائم. وذهب بعضُ أهلِ العِلم إلى اشتراطِ الثقةِ فقط دون ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (23).

الإِسلام، وقال: متى كان الطبيبُ ثقةً عُمِلَ بقولِه وإنْ لم يكن مسلماً. واستدلُّوا لذلك: بأنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم عَمِلَ بقول الكافر حال ائتمانه؛ لأنه وَثِقَ به فقد استأجرَ في الهجرةِ رَجُلاً مشركاً مِن بني الدِّيلِ، يُقال له: عبدُ الله بن أُريقط ليدلَّه على الطريق مِن مكَّة إلى المدينة (¬1)، مع أنَّ الحالَ خطرةٌ جداً أن يعتمد فيها على الكافر، لأن قريشاً كانوا يطلبون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر حتى جعلوا لمن جاء بهما مائتي بعير، ولكن لما رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه رجل أمين، وإن كان كافراً ائتمنه ليدله على الطريق، فأخذ العلماء القائلون بأن المدار على الثقة أنه يقبل قول الطبيب الكافر إذا كان ثقة، ونحن نعلم أن من الأطباء الكفار من يحافظون على صناعتهم ومهنتهم أكثر مما يحافظ عليها بعض المسلمين لا تقرباً إلى الله عزّ وجل أو رجاء لثوابه، ولكن حفاظاً على سمعتهم وشرفهم، فإذا قال طبيب غير مسلم ممن يوثق بقوله لأمانته وحذقه: إنه يضرك أن تصلّي قائماً ولا بد أن تصلّي مستلقياً فله أن يعمل بقوله، ومن ذلك أيضاً لو قال له الطبيب الثقة: إن الصوم يضرك أو يؤخر البرء عنك فله أن يفطر بقوله. وهذا هو القول الراجح لقوة دليله وتعليله. إذاً يمكن أن يلغز بهذه المسألة فيقال: رجل قادر على القيام صح أن يصلي مستلقياً، فنقول: هذا رجل مريض قادر على ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة (2263) وليس فيه تسمية الدليل.

ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة وهو قادر على القيام، ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي لا للمرض

القيام قال له الطبيب: إن القيام يضرك، ولا بد أن تبقى مستلقياً فله أن يصلّي مستلقياً. وَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ قَاعِداً فِي السَّفِينَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى القِيَامِ، وَيَصِحُّ الفَرْضُ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّي لاَ لِلْمَرَضِ. قوله: «ولا تصح صلاته قاعداً في السفينة وهو قادر على القيام» أي: الفريضة، لأن النافلة تصح قاعداً مع القدرة على القيام في السفينة وغيرها، وذلك لأن السفينة ليست كالراحلة، لأن السفينة يمكن للإِنسان أن يصلّي فيها قائماً ويركع ويسجد لاتساع المكان، فإذا كان يمكنه وجب عليه أن يصلّي قائماً، وإذا كان لا يمكنه إما لكون الرياح عاصفة والسفينة غير مستقرة فإنه يصلّي جالساً، وإما لكون سقف السفينة قصيراً فإنه يصلّي جالساً، ولكن سبق أنه إذا أمكن أن يقف ولو كراكع وجب عليه (¬1). قوله: «ويصح الفرض على الراحلة» يعني: البعير أو الحمار أو الفرس أو نحو ذلك. قوله: «خشية التأذي» أطلق المؤلف فيعم التأذي بأي شيء سواء بوحل أو مطر أو غير ذلك، فالمهم أنه يتأذى لو صلّى على الأرض ولا يستقر في صلاته فله أن يصلّي على الراحلة، وقيد المؤلف الصلاة بكونها فرضاً، لأن النفل على الراحلة جائز، سواء خشي التأذي أم لم يخش؛ لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه كان يصلي النافلة على راحلته حيثما توجهت به» (¬2). وقوله: «يصح الفرض على الراحلة خشية التأذي» لم يذكر ¬

_ (¬1) انظر: ص (325). (¬2) تقدم تخريجه (3/ 241).

المؤلف شيئاً عن استقبال القبلة، وعن الركوع وعن السجود، فنقول: يجب أن يستقبل القبلة في جميع الصلاة؛ لأنه قادر عليه إذ يمكنه أن يتوقف في السير ويوجه الراحلة إلى القبلة ويصلِّي. أما الركوع والسجود فيومئ بالركوع والسجود، لأنه لا يستطيع، والقيام أولى، هذا على الرواحل التي يعرفها العلماء رحمهم الله، وهي الإِبل والحمير والخيل والبغال وشبهها، لكن الراحلة اليوم تختلف فالراحلة اليوم سيارات، وبعض السيارات كالسفن يستطيع الإِنسان أن يصلي فيها قائماً راكعاً ساجداً متجهاً إلى القبلة، فهل يقال: إنه لا يصلّي على هذه الرواحل إلا بشرط التأذي بالنزول؟ أو نقول إذا أمكنه أن يأتي بالواجب فيها فله أن يصلي؟ الجواب: الثاني، لو كانت السيارة أتوبيساً كبيراً، وفيها مكان واسع للصلاة والإِنسان يستطيع أن يصلِّي قائماً راكعاً ساجداً مستقبل القبلة، فلا حرج عليه أن يصلّي؛ لأن هذه السيارات كالسفينة تماماً، لكن الغالب أنها صغار، أو نقل جماعي كله كراسي، لكن إن أمكن فهو كغيره، وفي الطائرات إذا كان يمكنه أن يصلّي قائماً وجب أن يصلّي إلى القبلة قائماً ويركع ويسجد إلى القبلة، وإذا لم يمكنه فإن كانت الطائرة تصل إلى المطار قبل خروج الوقت فإنه ينتظر حتى ينزل إلى الأرض، فإن كان لا يمكن أن تصل إلى المطار قبل خروج الوقت، فإن كانت هذه الصلاة مما تجمع إلى ما بعدها كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، فإنه ينتظر حتى يهبط على الأرض فيصلّيهما جمع تأخير،

وإذا كانت الصلاة لا تجمع لما بعدها صلّى على الطائرة على حسب حاله، ولكن إذا قدرنا أن الطائرة فيها مكان متسع يتسع للإِنسان ليصلِّي قائماً راكعاً ساجداً مستقبل القبلة، فهل يجوز أن يصلِّي الصلاة قبل أن يهبط إلى المطار؟ فالجواب: يجوز، وظن بعض الناس أن ذلك لا يجوز، وقالوا: لأن الفقهاء قالوا: لا تصح الصلاة على الأرجوحة؛ لأنها غير مستقرة، والدليل على أنها غير مستقرة، أنك لو سجدت رجّحت من جانبك، وإذا قمت اعتدلت من الجانب الآخر، قالوا: فالطائرة مثلها فلا تصح الصلاة عليها، ولو تمكن الإِنسان من الركوع والسجود والقيام والقعود واستقبال القبلة، ولكن هذا ليس بصحيح، لأن الفرق بين الأرجوحة والطائرة ظاهر جداً؛ فالطائرة مستقرة تماماً، فالإِنسان يأكل فيها ويشرب وينام ولا يتحرك إذا لم يكن هناك عواصف، ولهذا نرى أن الصلاة على الطائرة صحيحة مطلقاً، ولو كان ذلك مع سعة الوقت، ولكن يجب أن يفعل الواجبات من الاستقبال، والسجود، والقيام، والقعود. فالرواحل أقسامها أربعة: 1 ـ سيارات. 2 ـ حيوان. 3 ـ طائرات. 4 ـ سفن. واستدلَّ في «الرَّوض» بقول يعلى بن مُرَّةَ: أنَّهم كانوا مع

النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في سَفَر، فانتهوا إلى مَضِيقٍ، فحضرتِ الصَّلاةُ، فَمُطِرُوا، السَّماءُ من فَوقِهِم، والبِلَّةُ من أسفلَ منهم، فأذَّنَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وهو على راحلتِه، وأقامَ، فتقدَّمَ على راحلتِه فصلَّى بهم، يُومِئُ إيماءً، يجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوعِ. رواه أحمد والترمذي (¬1) وقال: العمل عليه عند أهل العلم. وفي هذا الحديث أنهم يصلّون جماعة، وعلى هذا فيتقدم الإِمام عليهم حتى في الرواحل؛ لأن هذا هو السنّة في موقف الإِمام. قال في «الروض»: «وكذا إن خاف انقطاعاً عن رفقة في نزوله، أو على نفسه، أو عجزاً عن ركوب إن نزل وعليه الاستقبال وما يقدر عليه». أي: إذا خاف انقطاعاً عن رفقته يصلِّي على الراحلة ولو مع الأمن، لأن الإِنسان إذا انقطع عن رفقته فلربما يضيع، وربما يحصُل له مرض أو نوم أو ما أشبه ذلك فيتضرر، فإذا قال: إن نزلت على الأرض وبركت البعير وصليت فاتت الرفقة، وعجزت عن اللحاق بهم، وإن صلّيت على بعيري فإني أدركهم نقول له: صلِّ على البعير {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (4/ 173، 174)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر (411). قال الترمذي: «حديثٌ غريبٌ» تفرّد به عُمر بن الرماح البلخي، لا يُعرف إلا مِن حديثه، وقد روى عنه غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العلم ... والعمل على هذا عند أهل العلم.

فصل

قوله: «لا للمرض» يعني: لا تصح الفريضة على الراحلة للمرض، لأن المريض يمكنه أن ينيخ الراحلة وينزل على الأرض ويصلِّي، ولكن إذا علمنا أن هذا المريض لو نزل لم يستطع الركوب؛ لأنه ليس عنده من يركبه، وهذا قد يقع فيصلِّي على الراحلة، لأن هذا أعظم من التأذي بالمطر وأخطر. فقول المؤلف: «لا للمرض» ليس على إطلاقه بل نقول: لا للمرض إذا كان يمكنه أن ينزل ثم يركب على الراحلة، أما إذا كان لا يمكنه فله أن يصلِّي على الراحلة للمرض، لأن ذلك أشد من الوحل وشبهه. فَصْلٌ مَنْ سَافَرَ سَفَرَاً مُبَاحاً .......... قوله: «فصل»، ذكر المؤلف رحمه الله أن الأعذار التي تتغير بها الصلاة ثلاثة: 1 ـ السفر. 2 ـ المرض. 3 ـ الخوف. ولما ذكر المؤلف العذر بالمرض أعقبه بذكر العذر بالسفر فقال: «من سافر سفراً مباحاً» «من»: اسم شرط، والمعروف أن أسماء الشرط تفيد العموم، فيشمل كل من سافر من ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير. وقوله: «سفراً مباحاً» «السفر» في اللغة: مفارقة محل

الإِقامة، وسمي بذلك؛ لأن الإِنسان يسفر بذلك عن نفسه، فبدلاً من أن يكون مكنوناً في بيته أصبح ظاهراً بيِّناً بارزاً، ومنه قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ *} [المدثر] أي: تبين وظهر. وقال بعض العلماء: إنما سمّي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي: يوضحها ويبيّنها، فإن كثيراً من الناس لا تعرف أخلاقه ولا حسن سيرته إلا إذا سافرت معه، وكان بعض القضاة من السلف إذا شهد شخص لآخر بتزكية قال له: هل سافرت معه؟ فإن قال: لا، قال: هل عاملته؟ قال: لا، قال: إذن لا تعرفه. فالسفر يبيّن أخلاق الرجال، وكم من إنسان في البلد تراه كل يوم وتشاهده ولا تعرف عن أخلاقه ومعاملاته شيئاً، فإذا سافرت معه تبين لك من أخلاقه ومعاملاته، لا سيما فيما سبق من الزمان حيث كانت الأسفار تستمر أياماً كثيرة، أما سفرنا اليوم فإنه لا يبيّن عن أخلاق الرجال؛ لأن السفر من الرياض إلى القصيم في الطائرة في خمس وثلاثين دقيقة. ولكن الأسفار الطويلة هي التي تبيّن الرجال. وقوله: «سفراً مباحاً» هذا هو الشرط الأول للقصر. والمراد بالمباح هنا: ما ليس بحرام ولا مكروه، فيشمل الواجب والمستحب والمباح إباحة مطلقة، لأن الأسفار تنقسم إلى خمسة أقسام: 1 ـ حرام. 2 ـ مكروه.

3 ـ مباح. 4 ـ مستحب. 5 ـ واجب. فالسفر لفعل المحرم: محرم، ومن السفر المحرم سفر المرأة بلا محرم. وسفر المرء وحده: مكروه. والسفر للنزهة: مباح. والسفر لفريضة الحج: واجب، وللمرة الثانية في الحج مستحب. وقوله: «سفراً مباحاً» خرج به المحرم والمكروه، وعلى هذا فلو سافر الإِنسان سفراً محرماً لم يبح له القصر؛ لأن المسافر سفر معصية لا ينبغي أن يرخص له إذ إن الرخصة تسهيل وتيسير على المكلف، والمسافر سفراً محرماً لا يستحق أن يسهل عليه ويرخّص له، فلهذا منع من رخص السفر، فمنع القصر، ومنع من المسح على الخفين ثلاثة أيام، ومنع من الفطر في رمضان، ولكن العلاج سهل فنقول: تب إلى الله، فإذا كان في منتصف الطريق في السفر المحرم، وقال: أستغفر الله وأتوب إليه رجعت الآن إلى بلدي ففي رجوعه هنا يقصر، لأنه انقلب السفر المحرم مباحاً. وذهب الإِمام أبو حنيفة وشيخ الإِسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من العلماء؛ إلى أنه لا يشترط الإِباحة لجواز القصر وأن الإِنسان يجوز أن يقصر حتى في السفر المحرم، وقالوا: إن هذا ليس برخصة، فإن صلاته الركعتين في السفر، ليست تحويلاً من

أربعة برد

الأربع إلى الركعتين، بل هي من الأصل ركعتان، والرخصة هو التحويل من الأثقل إلى الأخف، أما صلاة المسافر فهي مفروضة من أول الأمر ركعتين، وعلى هذا فيجوز للمسافر سفراً محرماً أن يصلِّي ركعتين، ولا يشترط على هذا الرأي إباحة السفر، وهذا القول قول قوي، لأن تعليله ظاهر، فالقصر منوط بالسفر على أن الركعتين هما الفرض فيه، لا على أن الصلاة حوّلت من أربع إلى ركعتين، كما ثبت ذلك في «صحيح البخاري» وغيره عن عائشة رضي الله عنها: «أن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ركعتين» (¬1) وحينئذ تبين أن الركعتين في السفر عزيمة لا رخصة وعليه فلا فرق بين السفر المحرم والسفر المباح. وقال بعض العلماء: لا قصر إلا في سفر الطاعة كالحج والعمرة، وزيارة الوالدين ونحوها، وأما المباح فلا قصر فيه، وهذا القول مقابل لقول من قال: إنه يقصر حتى في السفر المحرم. أَرْبَعَة بُرُدٍ ........... قوله: «أربعة برد» هذا هو الشرط الثاني من شروط القصر. والبرد: جمع بريد، والبريد نصف يوم وسمّي بريداً، لأنه فيما سبق كانوا إذا أرادوا المراسلات السريعة يجعلونها في البريد، فيرتبون بين كل نصف يوم مستقراً ومستراحاً يكون فيه خيل إذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء (350)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (685) (1).

الفرس لتستريح، وركب فرساً آخر إلى مسيرة نصف يوم، فيجد بعد مسيرة نصف يوم مستراحاً آخر فيه خيل ينزل عن الفرس التي كان راكبها ثم يركب آخر، وهكذا لأن هذا أسرع وفي الرجوع بالعكس، فالبريد عندهم مسيرة نصف يوم فتكون أربعة البرد يومين، وقدروه بالمساحة الأرضية بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخاً، والفرسخ قدّروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلاً، هذا هو مسافة القصر فهو مقدر بالمسافة، والميل المعروف = كيلو وستمائة متر. وأما في الزمن فقالوا: إن مسيرته يومان قاصدان بسير الإِبل المحملة. فـ «قاصدان» يعني: معتدلان بمعنى أن الإِنسان لا يسير فيها ليلاً ونهاراً سيراً بحتاً، ولا يكون كثير النزول والإِقامة، فهما يومان قاصدان. وقوله: «أربعة برد» يقتضي أن ما دونها ولو بشبر واحد لا يبيح القصر، وما بلغها فهو سفر قصر يترخص فيه ولو قطعه بنصف ساعة أو أقل ولو رجع في ساعته، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء. والصحيح: أنه لا حد للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد كما قال صاحب المغني: «يحتاج إلى توقيف، وليس لما صار إليه المحددون حجة، وأقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، ولأن التقدير مخالف لسنة النبي صلّى الله عليه وسلّم ولظاهر القرآن، ولأن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي

مجرد، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإِجماع على خلافه».اهـ. والتوقيف معناه الاقتصار على النص من الشارع، والله عزّ وجل يعلم أن المسلمين يسافرون في الليل والنهار ولم يرد حرف واحد يقول: إن تحديد السفر مسافته كذا وكذا، ولم يتكلم أحد من الصحابة بطلب التحديد في السفر، مع أنهم في الأشياء المجملة يسألون النبي صلّى الله عليه وسلّم عن تفسيرها وبيانها، فلما لم يسألوا علم أن الأمر عندهم واضح، وأن هذا معنى لغوي يرجع فيه إلى ما تقتضيه اللغة وإذا كان كذلك ننظر هل للسفر حد في اللغة العربية؟ ففي مقاييس اللغة لابن فارس: ما يدل على أنه مفارقة مكان السكنى. وإذا كان لم يرو عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم تقييد السفر بالمسافة، وليس هناك حقيقة لغوية تقيده كان المرجع فيه إلى العرف وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلَّى ركعتين (¬1). ومعلوم أن ثلاثة فراسخ نسبتها إلى ستة عشر فرسخاً يسيرة جداً. فالصحيح أنه لا حد للمسافة، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف، ولكن شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والإِقامة الطويلة في المسافة القصيرة سفر، فالمسألة لا تخلو من أربع حالات: ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (691) (12).

1 ـ مدة طويلة في مسافة طويلة، فهذا سفر لا إشكال فيه، كما لو ذهب في الطائرة من القصيم إلى مكة، وبقي فيها عشرة أيام. 2 ـ مدة قصيرة في مسافة قصيرة فهذا ليس بسفر، كما لو خرج مثلاً من عنيزة إلى بريدة في ضحى يوم ورجع، أو إلى الرس أو إلى أبعد من ذلك، لكنه قريب لا يعد مسافة طويلة. 3 ـ مدة طويلة في مسافة قصيرة بمعنى أنه ذهب إلى مكان قريب لا ينسب لبلده، وليس منها، وبقي يومين أو ثلاثة فهذا سفر، فلو ذهب إنسان من عنيزة إلى بريدة مثلاً ليقيم ثلاثة أيام أو يومين أو ما أشبه ذلك فهو مسافر. 4 ـ مدة قصيرة في مسافة طويلة، كمَن ذهب مثلاً من القصيم إلى جدة في يومه ورجع فهذا يسمى سفراً؛ لأن الناس يتأهبون له، ويرون أنهم مسافرون. مسألة: إن أشكل هل هذا سفر عرفاً أو لا؟ فهنا يتجاذب المسألة أصلان: الأصل الأول: أن السفر مفارقة محل الإِقامة، وحينئذٍ نأخذ بهذا الأصل فيحكم بأنه سفر. الأصل الثاني: أن الأصل الإِقامة حتى يتحقق السفر، وما دام الإِنسان شاكاً في السفر، فهو شاك هل هو مقيم أو مسافر؟ والأصل الإِقامة، وعلى هذا فنقول في مثل هذه الصورة: الاحتياط أن تتم؛ لأن الأصل هو الإِقامة حتى نتحقق أنه يسمى سفراً.

سن له قصر رباعية إذا فارق عامر قريته، أو خيام قومه

سُنَّ لَهُ قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ إِذَا فَارَقَ عَامِرَ قَرْيَتِهِ، أَوْ خِيَامَ قَوْمِهِ. قوله: «سنّ له قصر رباعيةٍ ركعتين» «سنّ له» السنّة لها اصطلاحان: اصطلاح عند الفقهاء، واصطلاح في لغة الصحابة وسلف الأمة. فالسُّنَّة عند سلف الأمة وعند الصحابة هي الطريقة التي كان عليها النبي صلّى الله عليه وسلّم سواء كانت واجبة أم مستحبة، ومن ذلك قول أنس بن مالك رضي الله عنه: «من السنّة إذا تزوج البكر على الثيب أن يقيم عندها سبعاً» (¬1) فهذه سنّة واجبة. وقول ابن عباس رضي الله عنهما حين سئل عن الرجل يصلي مع الإِمام المقيم أربعاً، وإذا صلّى وحده وهو مسافر صلّى ركعتين قال: «تلك هي السنّة» (¬2) أي: السنّة الواجبة. أما في اصطلاح الفقهاء فهي: التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. فقول المؤلف هنا: «سنّ له قصر رباعية» هذه سنّة اصطلاحية يعني: أن الراجح والذي يثاب عليه قصر الرباعية ركعتين. والرباعية هي: الظهر والعصر والعشاء، ودليل ذلك: كتاب الله، وسنّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وإجماع الأمة .. أما في القرآن فقال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 168) وهو في الصحيحين. (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 216).

[النساء: 101] فقال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} ونفي الجناح هنا لا يعني ارتفاع الإِثم فقط كقوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] بل معناه انتفاء المانع، أي: ليس بمانع أن يطوف بهما، وليس بمانع أن تقصروا من الصلاة، فإذا انتفى المانع نرجع إلى ما تقتضيه الأدلة الأخرى، فالأدلة الأخرى في الصلاة تقتضي أن القصر راجح على الإِتمام. والدليل فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا سافر صلّى ركعتين (¬1)، ولم يحفظ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه صلّى أربعاً في سفر قط، بل في كل أسفاره الطويلة والقصيرة كان يصلي ركعتين. وأما إجماع المسلمين: فهذا أمر معلوم بالضرورة، كما قال ابن عمر: «إنِّي صَحِبتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم في السَّفَرِ، فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قَبَضَهُ اللهُ، وصَحِبتُ أبا بكرٍ؛ فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قَبَضَهُ اللهُ، وصَحِبتُ عُمَر فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قَبَضَهُ اللهُ، ثم صَحِبتُ عثمان فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قَبَضَهُ اللهُ» (¬2). ولكن في دليل الكتاب شيء من التوقف والإِشكال، وهو أن الله تعالى قال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] فقيد الله عزّ وجل هذا بخوف الفتنة من الكفار، والمراد بخوف الفتنة هنا: أن يمنعوكم من إتمام ¬

_ (¬1) و (¬2) أخرجه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب من لم يتطوع في السفر (1102)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (689) (8).

صلاتكم، ولكن هذا الشرط مرتفع بسنّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم التي أخبر بها عن ربِّه، فإن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه أشكل عليه هذا القيد، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّها صدقةٌ، تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقَته» (¬1)، فصارت إباحة القصر في الأمن صدقةٌ تصدَّق الله بها علينا. وقال بعض العلماء: إن قصر الصلاة ينقسم إلى قسمين: قصر عدد وقصر هيئة، فإذا اجتمع الخوف والسفر اجتمع القصران، وإن انفرد أحدهما انفرد بالقصر الذي يلائمه، فإذا انفرد السفر صار القصر بالعدد، وإذا انفرد الخوف صار القصر بالهيئة، وإن اجتمعا صار في هذا وفي هذا. وهذه مناسبة جيدة وطلب للعلة والحكمة، ولكن الذي يَفْصِلُ هو قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنها صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». وقوله: «سنّ له قصر رباعية» الرباعية ثلاث صلوات: الظهر والعصر والعشاء، أما الثلاثية فلا تقصر؛ لأنها لو قصرت لفات المقصود منها وهي الوترية؛ ولأنها لا يمكن أن تقصر على سبيل النصف؛ إذ ليس هناك صلاة تكون ركعة ونصفاً، وأما الثنائية فلا تقصر أيضاً لأنها لو قصرت لكانت وتراً ففات المقصود، وهذا التعليل الذي قلته إنما هو بيان لوجه الحكمة، وإلا فالأصل هو اتباع النص، لأن ركعات الصلاة من الأمور التي لا تبلغها العقول، ولكننا نقول هذا من باب ذكر المناسبة وهي: لماذا لم يشرع القصر إلا في الرباعيات؟ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (686) (4).

وأفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: «من سافر» أنه لا يمكن قصر بدون سفر حتى لو كان الإِنسان في أشد المرض، فإنه لا يقصر. فالمرض والشغل والتعب لا يمكن أن يكونا سبباً للقصر، ولهذا لو زار أحدكم مريضاً وسأله كيف تصلي؟ فقال: الحمد لله على كل حال لي مدة أقصر الصلاة من شدة المرض، فنقول للمريض: أعِد صلاتك؛ لأنه ليس للقصر سبب سوى السفر. ولو زار أحدكم مريضاً فسأله عن حاله وعن صلاته؟ قال: الحمد لله على كل حال لي خمسة عشر يوماً أجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فنقول: فعلك صحيح؛ لأن الجمع يجوز في حال المشقة، فأينما وجدت المشقة في سفر أو حضر جاز الجمع بخلاف القصر. ولو زار أحدكم مريضاً آخر فقال له: كيف حالك، وكيف صلاتك؟ فقال: الحمد لله على كل حال لست أصلي الصلوات الخمس إلا جميعاً عند النوم؛ لأن ذلك يتعبني ... فماذا نقول له؟ الجواب: نقول له: تب فقط، لأنه لو أعاد صلاته ما استفاد؛ لأنه يصلي الصلاة كاملة، لكنه يؤخر الظهر والعصر عن وقتها، وإذا كان يصلي العشاء أيضاً بعد نصف الليل فإنه أخرج الصلوات كلها عن وقتها، فنقول لهذا أخطأت، ولا يحل لك أن تؤخر الصلاة عن وقتها، بل صلِّ الصلاة لوقتها على أي حال كانت.

وقوله: «سنّ له قصر رباعية» أفادنا المؤلف أن القصر سنّة، وهذا موضع خلاف، فعلى ما قال المؤلف إن القصر سنّة لو أتم لم يأثم، ولا يوصف بأن عمله مكروه؛ لأنه لا يلزم من ترك السُّنّة الوقوع في المكروه، ولهذا لو أن الإِنسان لم يرفع يديه في الصلاة عند الركوع لم يفعل مكروهاً. وهذه قاعدة: أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. وقال بعض أهل العلم: إن الإِتمام مكروه؛ لأن ذلك خلاف هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم المستمر الدائم فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما أتم أبداً في سفر وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬1)، وهذا القول اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو قول قوي، بل لعله أقوى الأقوال. وقال بعض أهل العلم: إن القصر واجب، وأن من أتم فهو آثم. ودليل هذا ما يلي: 1 ـ حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أول ما فرضت الصلاة ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر وأقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى» (¬2). وهذا قول صحابي يعلم الحكم، ويعلم مدلول الألفاظ وقد صرحت بأن الركعتين فريضة المسافر. 2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬3) وهذا كما ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 27). (¬2) تقدم تخريجه ص (350). (¬3) تقدم تخريجه (3/ 27).

تدخل فيه الهيئة وهي الكيفية يدخل فيه القدر وهو الكمية، فكما أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم في سفر لا يزيد على الركعتين أبداً، وقد أمرنا أن نصلي كما صلّى. 3 ـ أنه فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم المستمر. 4 ـ ورود ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما (¬1). ولكن يعارض القول بالوجوب أصول: الأصل الأول: أن المؤتم بالمقيم إذا كان مسافراً يصلّي أربعاً تبعاً للإِمام، ومتابعة الإِمام واجبة، والزيادة على الفريضة تبطل الصلاة، ولهذا لو قام إمامك إلى خامسة وأنت تتيقن أنها الخامسة وجب عليك أن تفارقه وأن لا تتابعه، فهنا نقول: لو كان القصر واجباً لكانت متابعة الإِمام في الإِتمام حراماً، كما لو صلى إنسان الفجر خلف من يصلّي الظهر فإنه لا يمكن أن يتابعه على أربع، بل إذا قام إلى الثالثة جلس. ولكن هذا الأصل قد يعارض فيقال: إنما لا تجوز الزيادة على الأربع فيما لو قام الإِمام إلى الخامسة لأن هذا غير مشروع أي لم تشرع صلاة عددها خمس ومتابعة المسافر للإِمام المتم مشروعة، بل هي الأصل في صلاة الحاضر المقيم فبينهما فرق، وكذلك نقول في من صلّى الفجر خلف من يصلي الظهر لا يمكن أن يقوم معه فيتم الأربع، لأن صلاة الفجر لا يمكن أن تكون أربعاً لا في الحضر، ولا في السفر، بخلاف من تابع الإِمام في صلاة مقصورة، والإِمام يتم ¬

_ (¬1) انظر: «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني (2/ 515 ـ 523)، و «المصنف» لابن أبي شيبة (2/ 447 ـ 451).

فإن هذه الصلاة نفسها أربع في الحضر، إذن هذا الأصل فيه ضعف. الأصل الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم أتموا خلف عثمان بن عفان رضي الله عنه حينما صلّى في منى، وذلك «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر وعثمان في أول خلافته إلى ست أو ثمان سنين كان يصلي ركعتين ثم صار في آخر خلافته يصلي أربعاً، وكان الصحابة يصلون خلفه مع إنكارهم عليه حتى إن ابن مسعود لما بلغه أنه صلّى أربعاً استرجع قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون» (¬1) فلو كان القصر واجباً لم يتابعه الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه إذا كان واجباً فإن الإِتمام معصية لله، ولا يمكن أن يتابع الصحابة رضي الله عنهم عثمان فيما يرونه معصية لله عزّ وجل، ولكن هذا الأصل أيضاً ربما يعارض بما عورض به الأصل الأول في أنهم إنما يتابعونه فيصلون أربعاً في صلاة تصلى أربعاً فلا غرابة أن يدعوا الركعتين الواجبتين، لا سيما وأنهم لاحظوا معنى آخر وهو الخلاف بين الناس وبين خليفتهم، ولهذا لما سئل ابن مسعود رضي الله عنه: كيف تتم أربعاً وأنت تنكر على عثمان؟ قال: «الخلاف شر» (¬2) رضي الله عن الصحابة ما أفقههم وأعمق علمهم يتابعون عثمان في أمر عظيم، زيادة عما هو مشروع في العدد، وبعض إخواننا الذين يرون أنهم متبعون للسلف والسنّة يخرجون من المسجد الحرام لئلا يتابعوا الإِمام على دعاء الختمة، وبعضهم لئلا يتابع الإِمام على ثلاث وعشرين ركعة، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (62). (¬2) تقدم تخريجه ص (62).

وكأن ثلاثاً وعشرين ركعة من الفسوق والمعصية العظيمة التي يخالف عليها الإِمام، ويخرج من المسجد الحرام من أجلها، وبعضهم يجلس بين المصلين يتحدث إلى أخيه، وربما يجهر بالحديث من أجل أن يشوش ـ والله أعلم ـ على هذه الصلاة البدعية على زعمه!!! على كلٍ أقول: إن هذا من قلة الفقه في الدين، وقلة اتباع السلف والبعد عن منهجهم، فالسلف يكرهون الخلاف، فإنهم وإن اختلفت الأقوال فقلوبهم متفقة، وما أمروا بالاتفاق فيه فعلوه ولو كانوا لا يرونه وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم، وهذه المخالفات التي تقع من قلة الفقه بيننا، وبعدنا عن عصر النبوة عصر النور، ولهذا كلما كانت الأمة أقدم كانت للصواب أقرب بلا شك (¬1). والذي يترجح لي وليس ترجحاً كبيراً هو أن الإِتمام مكروه وليس بحرام، وأن من أتم فإنه لا يكون عاصياً، هذا من الناحية النظرية. وأما من الناحية العملية فهل يليق بالإِنسان أن يفعل شيئاً يخشى أن يكون عاصياً فيه. فلا ينبغي من الناحية المسلكية والتربوية، بل افعل ما يكون هو السنة، فإن ذلك أصلح لقلبك حتى وإن كان يجوز لك خلافه، وليس المعنى إما أن يكون الشيء واجباً أو حراماً، أو لك الحرية في فعله أو تركه، فلا ينبغي للإِنسان أن يتم فأقل ما نقول: إنَّ الإِتمام مكروه، لأن النصوص تكاد تكون متكافئة، ¬

_ (¬1) انظر أيضاً: ص (62).

فاحرص على أن تصلي ركعتين في سفرك، ولا تزد على ذلك، ولكن إذا أتم الإِمام فإنه يلزمك الإِتمام، لئلا تقع في المخالفة، وهذا من نظر الشرع لاتفاق الأمة، وإن كان ذلك خلاف الأولى بك لو صليت منفرداً. وقوله: «سنّ له قصر رباعية» خرج بـ رباعية الثنائية والثلاثية فلا تقصر؛ لعدم ورود ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولدينا قاعدة مهمة وهي: كما أن الفعل سنّة، فالترك مع وجود سبب الفعل سنّة، مع أنه ترك وليس بفعل، ولهذا أمثلة منها: سنية السواك عند دخول المسجد. فبعض العلماء قال: يسنّ له أن يتسوّك عند دخول المسجد، وبنى ذلك على «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك» (¬1)، فقاسوا: دخول المسجد على دخول البيت، وقالوا: إذا كان الإِنسان يتسوّك إذا دخل بيته من أجل أن يقابل أهله بطهارة فم، فكذلك إذا دخل المسجد من أجل أن يناجي ربه بطهارة فم، فنقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يدخل المسجد ولم يرو عنه أنه كان إذا دخل المسجد بدأ بالسواك، ولو كان هذا سنّة لفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم، فالسنّة أن لا يتسوّك إذا دخل المسجد بناء على أن سبب سواكه دخول المسجد، أما لو كان إذا دخل المسجد سيصلي ركعتين فوراً، وأراد أن يتسوّك من أجل الصلاة، لا من أجل دخول المسجد فإن هذا مشروع. قوله: «إذا فارق عامر قريته» هذا شرط ابتداء القصر، يعني: لا يقصر إلا إذا فارق عامر قريته. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب السواك (253) (43).

والمفارقة: ليس المراد بها أن يغيب عن قريته؛ لأنها ربما لا تغيب عن نظره إلا بعد مسافة طويلة، وقد ذكر أن زرقاء اليمامة تبصر من مسيرة ثلاثة أيام، بل المراد بالمفارقة: المفارقة البدنية، لا المفارقة البصرية، أي: أن يتجاوز البيوت، ولو بمقدار ذراع، فإذا خرج من مسامتة البيوت ولو بمقدار ذراع فإنه يعتبر مفارقاً. وقوله: «عامر قريته» لم يقل بيوت قريته؛ لأنه قد يكون هناك بيوت قديمة في أطراف البلد هجرت وتركت ولم تسكن، فهذه لا عبرة بها، بل العبرة بالعامر من القرية، فإذا قدر أن هذه القرية كانت معمورة كلها، ثم نزح أهلها إلى جانب آخر وهجرت البيوت من هذا الجانب فلم يبق فيها سكان فالعبرة بالعامر، فإن كان في القرية بيوت عامرة ثم بيوت خربة ثم بيوت عامرة، فالعبرة بمفارقة البيوت العامرة الثانية وإن كان يتخللها بيوت غير عامرة. وقوله: «إذا فارق عامر قريته» أضافها إلى نفسه ليفيد أن المراد قريته التي يسكنها، فلو فرض أن هناك قريتين متجاورتين، ولو لم يكن بينهما إلا ذراع أو أقل، فإن العبرة بمفارقة قريته هو، وإن لم يفارق القرية الثانية الملاصقة أو المجاورة. قوله: «أو خيام قومه» أي: إذا كانوا يسكنون الخيام فالعبرة بمفارقة الخيام، فإذا فارق الخيام حل له القصر، وعلم من كلامه رحمه الله: أنه لا يجوز أن يقصر ما دام في قريته ولو كان عازماً على السفر ولو كان مرتحلاً، ولو كان راكباً يمشي بين البيوت،

فإنه لا يقصر حتى يبرز، وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان لا يقصر إلا إذا خرج وارتحل» (¬1). ولأن السفر هو أن يسفر الإِنسان ويبرز ويخرج كما سبق أن السفر مفارقة محل الإِقامة (¬2)، ومن كان في محل إقامته فإنه ليس مسافراً. مسألة: إذا كان في القصيم وخرج إلى المطار، هل يقصر في المطار؟ الجواب: نعم يقصر؛ لأنه فارق عامر قريته فجميع القرى التي حول المطار منفصلة عنه، أما من كان من سكان المطار؛ فإنه لا يقصر في المطار، لأنه لم يفارق عامر قريته. مسألة: وهل له أن يفطر في المطار؟ الجواب: نعم له أن يفطر، فلو أراد أن يسافر في رمضان وخرج وبقي في المطار ينتظر الطائرة، وأقصد بذلك مطار القصيم فإنه يفطر، لأنه فارق عامر قريته، ولو قدر أن الطائرة لم تقلع ولم يحصل السفر ذلك اليوم، هل يعيد الصلاة التي كان قصرها؟ الجواب: لا، لأنه أتى بها بأمر الله موافقة لشرعه، فتكون مقبولة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليها أمرنا فهو رد» (¬3) فمفهومه أن من عمل عملاً عليه أمر الله ورسوله فهو مقبول. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (352). (¬2) انظر: ص (347). (¬3) تقدم تخريجه (3/ 5).

وإن أحرم حضرا ثم سافر

مسألة: وهل يلزمه إذا لم تأتِ الطائرة ورجع إلى بلده بعد أن أفطر الإِمساك؟ فيه قولان لأهل العلم. والصحيح: أنه لا يلزمه، لأنه أفطر بعذر شرعي على وجه مباح، فزالت حرمة النهار في حقه فبقي آخر النهار غير ملزم به. وسيأتي لهذا مزيد بحث في كتاب الصيام إن شاء الله. مسألة: رجل سافر من أجل أن يترخص فهل يترخص؟ الجواب: لا، لأن السفر حرام حينئذ، ولأنه يعاقب بنقيض قصده فكل من أراد التحيُّل على إسقاط الواجب أو فعل المحرم عوقب بنقيض قصده فلا يسقط عنه الواجب ولا يحل له المحرم. مسألة: إنسان خرج من بلده يتمشّى فهبت رياح أضلته عن الطريق، فصار تائهاً يطلب الطريق، ولم يهتدِ إليه، فهل يقصر الصلاة؟. الجواب: لا يقصر، لأنه لم ينو مسافة القصر وقد يهتدي إلى الطريق قبل بلوغ المسافة، وكذلك من خرج لطلب بعير شارد لا يقصر؛ لأنه لم ينوِ المسافة. ولكن الصحيح: أنه يقصر لأنه على سفر. وَإِنْ أَحْرَمَ حَضَراً ثُمَّ سَافَرَ، ........... قوله: «وإن أحرم حضراً ثم سافر» إلخ تضمن كلامه عدة مسائل يجب فيها الإِتمام: المسألة الأولى: أحرم ثم سافر، يعني دخل في الصلاة، فالدخول في الصلاة يعتبر إحراماً، ولهذا نسمي التكبيرة الأولى تكبيرة الإِحرام، فهذا رجل كبر للإِحرام وهو مقيم ثم سافر، كما

أو في سفر ثم أقام

لو كان في سفينة تجري في نهر يشق البلد وكانت راسية فكبّر للصلاة، ثم مشت السفينة ففارقت البلد وهو في أثناء الصلاة فيلزمه أن يتم؛ لأنه ابتداء الصلاة في حال يلزمه إتمامها، فلزمه الإِتمام. أَوْ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أَقَامَ، ........... قوله: «أو في سفر ثم أقام». هذه هي المسألة الثانية: أي: أحرم للصلاة في سفر ثم أقام، عكس المسألة الأولى، كما لو كانت السفينة مقبلة على البلد والنهر قد شق البلد فكبّر للإِحرام وهو في السفينة قبل أن يدخل البلد، ثم دخل البلد فيلزمه الإِتمام هذا هو المذهب؛ لأنه اجتمع في هذه العبادة سببان: أحدهما يبيح القصر والثاني يمنع القصر فغلب جانب المنع، فالذي يبيح القصر السفر وهو الذي ابتدأ الصلاة فيه، والذي يمنعه الإِقامة وهو الذي أتم الصلاة فيها فيغلب هذا الجانب؛ لأن الفقهاء عندهم قاعدة وهي: إذا اجتمع مبيح وحاظر فالحكم للحاظر، أو إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر. ودليل هذه القاعدة: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «دَعْ ما يَرِيْبُكَ إلى ما لا يَريْبُكَ» (¬1). وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (¬2). ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (1/ 32). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (52)؛ ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599) (107).

أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو عكسها، أو ائتم بمقيم

والقول الراجح في هذه المسألة أنه لا يلزمه الإِتمام لأنه ابتدأ الصلاة في حال يجوز له فيها القصر فكان له استدامة ذلك ولا دليل بيّناً على وجوب الإِتمام. أَوْ ذَكَرَ صَلاَةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ، أَوْ عَكْسَهَا، أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيْمٍ، .......... هذه هي المسألة الثالثة: مثاله: رجل مسافر، وفي أثناء السفر ذكر أنه لم يصل الظهر في الحضر فإنه يصلي أربعاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (¬1) أي: يصلي هذه الصلاة كما هي إذا ذكرها، ولأن هذه الصلاة لزمته تامة فوجب عليه فعلها تامة، وهذا واضح. قوله: «أو عكسها». هذه هي المسألة الرابعة: مثال ذلك: رجل وصل إلى بلده ثم ذكر أنه لم يصل الظهر في السفر، فيلزمه أن يصلي أربعاً، لأنها صلاة وجبت عليه في الحضر فلزمه الإِتمام، ولأن القصر من رخص السفر وقد زال السفر فيلزمه الإِتمام. هذا هو المذهب، ولكن القول الراجح خلافه، وأنه إذا ذكر صلاة سفر في حضر صلاها قصراً لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» أي: فليصلها كما هي، وهذا الرجل ذكر أنه لم يصل الظهر وهي ركعتان في حقه، فلا يلزمه الإِتمام، ونقول: كما قلنا في التي قبلها فهذه صلاة وجبت عليه في سفر، وصلاة السفر مقصورة فلا يلزمه إتمامها. قوله: «أو ائتم بمقيم». ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (2/ 15).

أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها

هذه هي المسألة الخامسة: إذا ائتم المسافر بمقيم فإنه يتم. لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جعل الإِمام ليؤتم به» (¬1). وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (¬2)، فيشمل كل ما أدرك الإِنسان وكل ما فاته. ولأن «ابن عباس سئل: ما بال الرجل المسافر يصلي ركعتين ومع الإِمام أربعاً؟ فقال: تلك هي السنّة» (¬3). ومراده بالسُّنة الشريعة الشاملة للواجب. ولأن الصحابة رضي الله عنهم: «كانوا يصلون خلف عثمان بن عفان وهم في سفر في منى أربعاً» (¬4)، فهذه أدلة أربعة كلها تدل على أن المأموم يتبع إمامه في الإِتمام. مسألة: إذا أدرك المسافر من صلاة الإِمام ركعة في الصلاة الرباعية فبكم يأتي؟ الجواب: يأتي بثلاث، وإن أدرك ركعتين أتى بركعتين، وإن أدرك ثلاثاً أتى بركعة، وإن أدرك التشهد أتى بأربع؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وما فاتكم فأتموا». أَوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ، أَوْ أَحْرَمَ بِصَلاَةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا فَفَسَدَتْ وَأَعَادَهَا، ....... قوله: «أو بمن يشك فيه». هذه هي المسألة السادسة: إذا ائتم بمن يشك فيه هل هو ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (230). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأت بالسكينة والوقار (636)؛ ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (602) (151). (¬3) تقدم تخريجه (354). (¬4) تقدم تخريجه ص (62).

مسافر أو مقيم، وهذا إنما يكون في محل يكثر فيه المسافرون، كالمطار مثلاً، ففيه مقيمون، وفيه مسافرون أحياناً يكونون بعلامة وأحياناً بلا علامة، فإن كانوا بعلامة فالأمر ظاهر، وإن لم تكن علامة لزمه الإِتمام للشك في جواز القصر. وظاهر كلامه لزوم الإِتمام وإن تبين أن الإِمام مسافر. والقول الراجح: عندي أنه لا يلزمه الإِتمام في هذه الصورة لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، ولا يلزمه الإِتمام خلف الإِمام إلا إذا أتم الإِمام وهنا لم يتم الإِمام. ولو قال حينما رأى إماماً يصلي بالناس في مكان يجمع بين مسافرين ومقيمين: إن أتمّ إمامي أتممت وإن قصر قصرت، صح وإن كان معلقاً؛ لأن هذا التعليق يطابق الواقع، فإن إمامه إن قصر ففرضه هو القصر، وإن أتم ففرضه الإِتمام، وليس هذا من باب الشك، وإنما هو من باب تعليق الفعل بأسبابه، وسبب الإِتمام هنا إتمام الإِمام والقصر هو الأصل. قوله: «أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها». هذه هي المسألة السابعة: يعني: أن المسافر أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، كما إذا ائتمّ بمقيم فقد أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، فإذا فسدت بحدث أو غيره ثم أعادها فإنه يلزمه الإِتمام، لأن هذه الصلاة إعادة لصلاة يجب إتمامها، فيلزمه أن يصلي أربعاً. تنبيه: إذا دخل مع الإِمام المقيم وهو مسافر ولما شرع في الصلاة ذكر أنه على غير وضوء، فذهب وتوضأ فلما رجع وجد الناس قد صلوا فلا يلزمه الإِتمام؛ لأن المؤلف يقول: «أو أحرم

أو لم ينو القصر عند إحرامها، أو شك في نيته

بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت» فدلّ قوله: «ففسدت» أن الفساد طارئ، أما إذا ذكر أنه على غير وضوء فإن الصلاة لم تنعقد أصلاً، وعلى هذا فلا يلزمه الإِتمام، بخلاف المسألة الأولى إذا فسدت بعد أن انعقدت فإنه يلزمه الإِتمام كما قال المؤلف. ولكن هذا غير مسلم به؛ وذلك لأن الصلاة الأولى التي شرع فيها إنما يلزمه إتمامها تبعاً لإِمامه لا من حيث الأصل، وبعد أن فسدت زالت التبعية فلا يلزمه إلا صلاة مقصورة، وهذا التعليل أقوى من التعليل الذي ذكروه رحمهم الله، فيكون هذا أرجح إن لم يمنع منه إجماع، أي: أنه إذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها في حال يجوز له القصر، فإنه لا يلزمه الإِتمام. مسألة: لو دخل وقت الصلاة وهو في بلده ثم سافر فإنه يقصر، ولو دخل وقت الصلاة وهو في السفر ثم دخل بلده فإنه يتم اعتباراً بحال فعل الصلاة. أَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ عِنْدَ إِحْرَامِهَا، أَوْ شَكَّ فِي نِيَّتِهِ، ............ قوله: «أو لم ينوِ القصر عند إحرامها». هذه هي المسألة الثامنة: إذا لم ينو القصر عند إحرامها، يعني: دخل في صلاة الظهر وهو مسافر، لكن نوى صلاة الظهر، ولم يستحضر تلك الساعة أن ينويها ركعتين، فهنا يقول المؤلف: يلزمه أن يتم، وهذه المسألة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن ينوي الإِتمام. الصورة الثانية: أن ينوي القصر. الصورة الثالثة: أن ينسى فلا ينوي قصراً ولا إتماماً.

فإذا نوى الإِتمام لزمه الإِتمام على رأي من يرى جواز إتمام المسافر. وإذا نوى القصر قصر، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1). وإذا لم ينوِ القصر ولا الإِتمام؛ فالمذهب أنه يتم، وعللوا ذلك: أن الأصل وجوب الإِتمام، فإذا لم ينوِ القصر لزمه الأصل؛ وهو الإِتمام. والقول الثاني في المسألة: أنه يقصر وإن لم ينوِ القصر، لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، وهذا يقع كثيراً يكبّر الإِنسان في الصلاة الرباعية، وهو مسافر ولا يخطر على باله القصر، لكن بعدما يكبّر ويقرأ الفاتحة أو يركع أو ما أشبه ذلك يذكر أنه مسافر فينوي القصر، فعلى المذهب يجب عليه الإِتمام. والصحيح: أنه لا يلزمه الإِتمام، بل يقصر؛ لأنه الأصل، وكما أن المقيم لا يلزمه نية الإِتمام، كذا المسافر لا يلزمه نية القصر. قوله: «أو شك في نيته». هذه هي المسألة التاسعة: إذا شك في نية القصر، يعني: شك هل نوى القصر أم لم ينوِ؟ فيلزمه الإِتمام، وهذه المسألة غير المسألة الأولى، فالأولى جزم بأنه لم ينوِ، والثانية شك ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (129).

أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام

هل نوى أم لا؟ فالمذهب أنه يلزمه الإِتمام، لأن الأصل عدم النية. ومن القواعد المقررة: أن من شك في وجود شيء أو عدمه فالأصل العدم، وإذا لم يتيقن أنه نوى القصر لزمه الإِتمام، ووجوب الإِتمام في هذه المسألة أضعف من وجوب الإِتمام في المسألة التي قبلها وهي: إذا جزم بأنه لم ينوِ، فإذا كان القول الصحيح في المسألة الأولى: أنه يقصر كان القول بجواز القصر في هذه المسألة من باب أولى، وعلى هذا فنقول: إذا شك هل نوى القصر أو لم ينوه؟ فإنه يقصر ولا يلزمه الإِتمام، لأن الأصل في صلاة المسافر القصر. أَوْ نَوَى إِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، ........... قوله: «أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام». هذه هي المسألة العاشرة: فإذا نوى المسافر إقامة أكثر من أربعة أيام في أي مكان كان، سواء نوى الإِقامة في البر أو نوى الإِقامة في البلد، فيلزمه أن يتم. مثاله: رجل سافر إلى العمرة ونوى أن يقيم في مكة أسبوعاً فيلزمه الإِتمام؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام. ومثال الإقامة في غير البلد: رجل مسافر انتهى إلى غدير فأعجبه المكان فنزل، ونوى أن يبقى في هذا المكان خمسة أيام فيلزمه أن يتم؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام. والدليل على هذا: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وخرج يوم الخميس إلى مِنَى، فأقام في مكة

أربعة أيام يقصر الصلاة (¬1) فنأخذ من هذا أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام فإنه يقصر لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، ونحن نعلم علم اليقين أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد عزم على أن يبقى هذه الأيام الأربعة؛ لأنه قدم إلى الحج، ولا يمكن أن ينصرف قبل الحج. فإذا قال قائل: إقامة النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الأيام الأربعة هل وقعت اتفاقاً أم قصداً؟ الجواب: أنها وقعت اتفاقاً بلا شك أي أن رحلته صلّى الله عليه وسلّم صادفت القدوم في اليوم الرابع من ذي الحجة؛ لأنه لم يرد عنه أنه حدد يوماً معيناً للقدوم حتى نقول: إن هذا القدوم وقع عن قصد، لكنه وقع كما يقع للمسافر، فيقدم قبل الحج بيوم أو أقل أو أكثر كما هي العادة. فإذا قال قائل: ألا يمكن أن نقول: إنه لو أقام خمسة أيام أو أكثر يقصر ما دمتم قلتم: إنه وقع اتفاقاً لا قصداً؟ قلنا: الأصل أن إقامة المسافر في أي مكان تقطع السفر، لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضحوة أو عشية، أما أن ينزل أكثر من ذلك فإن هذا خلاف الأصل، فالأصل أن المسافر إذا أقام في البلد أو في المكان غير البلد أن إقامته تقطع السفر، ولكن سمح في الأيام الأربعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقامها وقصر فيبقى ما زاد عليها على الأصل، وهو المنع من الترخص ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب كم أقام النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجته (1085)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج (1240).

ووجوب الإِتمام وامتناع المسح على الخفين أكثر من يوم وليلة، ومنع الإِفطار في رمضان، فجميع أحكام السفر تنقطع إلا حكماً واحداً فإنه يبقى وهو صلاة الجمعة، فإن صلاة الجمعة تلزم هذا الرجل كغيره، ولا يصح أن يكون إماماً فيها، ولا خطيباً، ولا أن يتم به العدد، فصار مسافراً من وجه، مقيماً من وجه، ففي الجمعة ليس من المقيمين؛ لأنه لا تنعقد به الجمعة، ولا يصح أن يكون إماماً فيها ولا خطيباً، ولا تسقط عنه، بل تجب عليه، وفيما عدا ذلك حكمه حكم المقيم، هذا تعليل كلام المؤلف. وهذه المسألة من مسائل الخلاف التي كثرت فيها الأقوال فزادت على عشرين قولاً لأهل العلم، وسبب ذلك أنه ليس فيها دليل فاصل يقطع النزاع، فلهذا اضطربت فيها أقوال أهل العلم، فأقوال المذاهب المتبوعة هي: أولاً: مذهب الحنابلة رحمهم الله: كما سبق (¬1) أنه إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام انقطع حكم السفر في حقه ولزمه الإِتمام، لكن لا ينقطع بالنسبة للجمعة؛ لأن الجمعة يشترط فيها الاستيطان، وهذا غير مستوطن، وبناء على هذا القول ينقسم الناس إلى: مسافر، ومستوطن، ومقيم غير مستوطن. فالمسافر أحكام السفر في حقه ثابتة. والمستوطن أحكام الاستيطان في حقه ثابتة، ولا يستثنى من هذا شيء. ¬

_ (¬1) انظر: ص (372).

والمقيم غير المستوطن تثبت في حقه أحكام السفر من وجه وتنتفي من وجه آخر، لكن هذا التقسيم يقول شيخ الإِسلام: إنه ليس عليه دليل لا من الكتاب ولا السنّة. ثانياً: مذهب الشافعي: إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر فإنه يلزمه الإِتمام، لكن لا يحسب منها يوم الدخول، ويوم الخروج وعلى هذا تكون الأيام ستة، يوم الدخول، ويوم الخروج، وأربعة أيام بينها. ثالثاً: مذهب أبي حنيفة: إذا نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يوماً أتم، وإن نوى دونها قصر. وفيها أيضاً مذاهب أخرى فردية، مثل ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما بأنه إذا نوى إقامة تسعة عشر يوماً قصر، وما زاد فإنه لا يقصر. ولكن إذا رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهر الكتاب والسنّة وجدنا أن القول الذي اختاره شيخ الإِسلام رحمه الله هو القول الصحيح، وهو أن المسافر مسافر، سواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو دونها. وذلك لعموم الأدلة الدالة على ثبوت رخص السفر للمسافر بدون تحديد، ولم يحدد الله في كتابه ولا رسوله صلّى الله عليه وسلّم المدة التي ينقطع بها حكم السفر. 1 ـ فمن القرآن قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء: 101] فقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} عام يشمل كل ضارب، ومن المعلوم أن الضرب في

الأرض أحياناً يحتاج إلى مدة طويلة بحسب حاجته. قال الله تعالى: {مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ} [المزمل: 20] فالذين يضربون في الأرض للتجارة مثلاً، هل يكفيهم أن يقيموا أربعة أيام فأقل في البلد؟ ربما يكفيهم وربما لا يكفيهم، فالتاجر قد يكفيه يوم واحد، وقد يتأخر أربعة أيام أو خمسة أيام أو عشرة أيام، وقد يطلب سلعة لا تحصل له في أربعة أيام؛ لأنه يجمعها من هنا وهناك. 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقام مدداً مختلفة يقصر فيها فأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (¬1)، «وأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة» (¬2) وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة، لأن أنساً رضي الله عنه سئل كم أقمتم في مكة ـ أي: في حجة الوداع ـ قال: أقمنا بها عشراً» (¬3) لأنه أضاف أيام الحج إلى الأيام الأربعة، ومن المعلوم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدم مكة في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وخرج في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، فتكون إقامته عشرة أيام. فإن قال قائل: ما تقولون في حجة من رأى أنه إذا أقام أكثر من أربعة أيام لزمه الإِتمام، وهو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أقام أربعة أيام قبل أن يخرج إلى منى؟. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (3/ 294)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا أقام بأرض العدو يقصر (1235) «وهو حديث صحيح الإسناد». «نصب الراية» (2/ 186). (¬2) أخرجه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير (1080). (¬3) أخرجه البخاري، الموضع السابق (1081)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (693) (15).

فالجواب: أن هذا دليل عليهم وليس دليلاً لهم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدم مكة في اليوم الرابع اتفاقاً، ولا أحد يشك في هذا، وهل هناك دليل على أنه لو قدم في اليوم الثالث أتم؟ بل نعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم بأن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع، وليس كل الحجاج لا يقدمون إلا من الرابع فأكثر، بل منهم من يقدم في ذي الحجة، وفي ذي القعدة وفي شوال، لأن أشهر الحج تبتدئ من شوال، ولم يقل للأمة من قدم مكة قبل اليوم الرابع فليتم، ولو كانت شريعة الله أن من قدم قبل اليوم الرابع من ذي الحجة إلى مكة لزمه أن يتم لوجب على النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبيّنه لدعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، فلما لم يبين ولم يقل للناس من قدم قبل اليوم الرابع فليتم علم أنه لا يلزمه الإِتمام، فيكون هذا الحديث دليلاً على أنه لا يلزم الإِتمام من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام. إذاً لا دليل على التحديد بأربعة أيام، لأن بقاء النبي صلّى الله عليه وسلّم في مكة أربعة أيام وقع مصادفة لا تشريعاً، وهذه قاعدة، ولهذا لا يسن للحاج إذا دفع من عرفات إلى مزدلفة أن ينزل في الطريق، ثم يبول، ثم يتوضأ وضوءاً خفيفاً، لأن هذا وقع منه صلّى الله عليه وسلّم على سبيل الاتفاق (¬1). وأيضاً كيف نقول: من نوى الإِقامة ستاً وتسعين ساعة فله أن يقصر، ومن نوى الإِقامة ستاً وتسعين ساعة وعشر دقائق فليس له أن يقصر؛ لأن الأول مسافر والثاني مقيم، أين هذا التحديد ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية .. (1280) (266).

في الكتاب والسنّة؟ والصلاة كما نعلم أعظم أركان الإِسلام بعد الشهادتين فكيف نقول للأمة: إنَّ هذا الرجل الذي نوى إقامة ست وتسعين ساعة وعشر دقائق لو قصر لكانت صلاته باطلة؟ فمثل هذا لا يمكن أن يترك بلا بيان، وترك البيان في موضع يحتاج إلى بيان يعتبر بياناً، إذ لو كان خلاف الواقع والواجب لبين، وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله من أن المسافر مسافر ما لم ينوِ واحداً من أمرين: 1 ـ الإِقامة المطلقة. 2 ـ أو الاستيطان. والفرق: أن المستوطن نوى أن يتخذ هذا البلد وطناً، والإِقامة المطلقة أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركة فيه كبيرة، أو طلب العلم فيه قوي فينوي الإِقامة مطلقاً بدون أن يقيدها بزمن أو بعمل، لكن نيته أنه مقيم لأن البلد أعجبه إما بكثرة العلم وإما بقوة التجارة أو لأنه إنسان موظف تابع للحكومة وضعته كالسفراء مثلاً، فالأصل في هذا عدم السفر؛ لأنه نوى الإِقامة فنقول: ينقطع حكم السفر في حقه. أما من قيد الإِقامة بعمل ينتهي أو بزمن ينتهي فهذا مسافر، ولا تتخلف أحكام السفر عنه. ثم إننا إذا تأملنا القول بأنه تنقطع أحكام السفر إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام وجدنا هذا القول متناقضاً. ووجه التناقض: أنه في الجمعة في حكم المسافرين، وفي غير الجمعة في حكم المقيمين، فمثل هذه الأمور تحتاج إلى دليل

أو ملاحا معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم

وتوضيح، ولهذا ما أحسن قول صاحب المغني رحمه الله لما ذكر أن تحديد السفر بالمسافة مرجوح قال: إن التحديد توقيف، أي: أنه حد من حدود الله يحتاج إلى دليل، فأي إنسان يحدد شيئاً أطلقه الشارع فعليه الدليل، وأي إنسان يخصص شيئاً عمّمه الشارع فعليه الدليل، لأن التقييد زيادة شرط، والتخصيص إخراج شيء من نصوص الشارع، فلا يحل لأحد أن يضيف إلى ما أطلقه الشارع شرطاً يقيده، ولهذا قلنا في المسح على الخف: إن الصحيح أنه لا يشترط فيه ما يشترطه الفقهاء من كونه ساتراً لمحل الفرض بحيث لا يتبين فيه ولا موضع الخرز، وقلنا: إن ما سمي خفاً فهو خف، سواء كان مخرقاً أو رقيقاً أو ثخيناً أو سليماً. ولنا في هذا رسالة بيّنّا فيها من اختار هذا القول من العلماء أمثال: شيخ الإِسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد رشيد رضا، وعلى كل حال نحن لا نعرف الحق بكثرة الرجال، وإنما نعرف الحق بموافقة الكتاب والسنّة. أَوْ مَلاَّحاً مَعَهُ أَهْلُهُ لاَ يَنْوِي الإِقَامَةَ بِبَلَدٍ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ .......... قوله: «أو ملاحاً» الملاح قائد السفينة. قوله: «معه أهله» أي: مصاحبون له، والجملة في محل نصب على أنها صفة لملاح. قوله: «لا ينوي الإِقامة ببلد» يعني: لا ببلد المغادرة، ولا ببلد الوصول، فهذا يجب عليه أن يتم؛ لأن بلده سفينته.

وعلم من قول المؤلف: «معه أهله» أنه لو كان أهله في بلد فإنه مسافر ولو طالت مدته في السفر. وعلم منه أيضاً: أنه لو كان له نية الإِقامة في بلد فإنه يقصر إذا غادره؛ لأنه مسافر، فمثلاً: إذا كان ملاحاً في سفينة وأهله في جدة، لكنه يروح يجوب البحار كالمحيط الهندي والهادي، ويأتي بعد شهر أو شهرين إلى جدة فهذا مسافر؛ لأنه ليس معه أهل، بل له بلد يأوي إليه. وكذلك أيضاً: لو فرض أن الملاح ينوي الإِقامة في بلد فهذا نقول له: إنك مسافر إذا فارقته، لأن لك بلداً معيناً عيّنته للإِقامة. ومثل ذلك أصحاب سيارات الأجرة الذين دائماً في البر نقول: إن كان أهلهم معهم ولا ينوون الإِقامة ببلد فهم غير مسافرين لا يقصرون ولا يفطرون في رمضان، وإن كان لهم أهل في بلد فإنهم إذا غادروا بلد أهلهم فهم مسافرون يفطرون ويقصرون، وكذلك لو لم يكن لهم أهل لكنهم ينوون الإِقامة في بلد يعتبرونه مثواهم ومأواهم، فهم مسافرون حتى يرجعوا إلى البلد الذي نووا أنه مأواهم. فإذا قال قائل: هؤلاء الملاحون أو السائقون لسيارات الأجرة دائماً في سفر، فإذا قلنا: أنتم مسافرون لكم الفطر فمتى يصومون؟ نقول: يمكن أن يصوموا في سفرهم في أيام الشتاء؛ لأنها أيام قصيرة وباردة، فالصوم فيها لا يشق، كذلك لو قدموا إلى

بلدهم في رمضان فإنه يلزمهم الصوم ما داموا في بلدهم. فإن قدموا في أثناء اليوم إلى بلدهم ففي لزوم الإِمساك عليهم قولان لأهل العلم، هما روايتان عن الإِمام أحمد رحمه الله (¬1). والصحيح: أنه لا يلزمهم الإِمساك؛ لأنهم لا يستفيدون بهذا الإِمساك شيئاً، وليس هذا اليوم في حقهم يوماً محترماً؛ لأنهم يأكلون ويشربون في أوله وهم مباح لهم ذلك، فهم لم ينتهكوا حرمة اليوم، بخلاف من أفطر أول النهار لغير عذر فإنه يلزمه الإِمساك ولا يقول أفسدت صومي فآكل وأشرب، بل نقول: أنت انتهكت حرمة اليوم فيلزمك الإِمساك. ومثل ذلك أيضاً: لو أن الحائض طهرت في أثناء اليوم من رمضان فإنه لا يلزمها على القول الراجح أن تمسك؛ لأن هذه المرأة يباح لها الفطر أول النهار إباحة مطلقة، فاليوم في حقها ليس يوماً محترماً، ولا تستفيد من إلزامها بالإِمساك إلا التعب. مسألة: من أفطر لإنقاذ معصوم هل يلزمه الإِمساك بقية اليوم كمَن رأى شخصاً غرق في الماء ولا يستطيع أن ينجيه من الغرق إلا إذا أفطر بأكل أو شرب فأفطر ثم أنقذه وأنجاه؟ الجواب: لا يلزمه على القول الراجح؛ لأنه أفطر بسبب مباح. بخلاف الرجل الذي بلغ في أثناء اليوم فإنه يلزمه الإِمساك. ¬

_ (¬1) تأتي هذه المسألة إن شاء الله في المجلد السادس في كتاب الصيام.

وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما، أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر

والفرق بين هذه المسألة والمسائل التي قبلها: أن المسائل التي قبلها زال فيها المانع، وهذه وجد سبب الوجوب، فإذا وجد سبب الوجوب في أثناء النهار لزمه الإِمساك، كالصغير يبلغ، والمجنون يعقل والكافر يسلم، وفي المسألة خلاف لكن الصحيح وجوب الإِمساك ولا يقضي اليوم. وَإِنْ كَانَ لَهُ طَرِيقَانِ فَسَلَكَ أَبْعَدَهُمَا، أَوْ ذَكَرَ صَلاَةَ سَفَرٍ فِي آخِرَ قَصَرَ، ....... قوله: «وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما» يعني: رجل في بلد يريد أن يسافر إلى بلد آخر، وللبلد هذا طريقان: أحدهما بعيد، والثاني قريب، أي: أن أحدهما يبلغ المسافة، والآخر لا يبلغها، فسلك أبعدهما فإنه يقصر، لأنه يصدق عليه أنه مسافر سفر قصر، ولكن لو فرض أنه تعمد أن يسلك الطريق الأبعد في رمضان من أجل أن يفطر فهنا نقول له: لا يجوز لك الفطر؛ لأنه يمكنك أن تسلك طريقاً قصيراً بدون فطر، هذا هو الظاهر ومع ذلك ففي النفس من هذا شيء. قوله: «أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر» «آخر» صفة لموصوف محذوف، التقدير: في سفر آخر. مثاله: سافر إلى العمرة وصلّى بغير وضوء ناسياً، ولما رجع من العمرة سافر إلى المدينة وفي أثناء سفره إلى المدينة ذكر أنه صلّى في سفره للعمرة صلاة بغير وضوء، فنقول: يصلّيها قصراً؛ لأن الصلاة وجبت في السفر أداءً وقضاءً، وكذلك لو نسيها في سفر العمرة، ثم ذكرها في سفر زيارة المدينة فإنه يقصر، لأن هذه الصلاة سفرية أداءً وقضاءً.

وإن حبس ولم ينو إقامة، أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة قصر أبدا

وإن ذكر صلاة سفر في حضر أو صلاة حضر في سفر فقد سبق الكلام فيها. وإن ذكر صلاة حضر في حضر فإنه يصلّي أربعاً، وعلى هذا فللمسألة أربع صور: 1 ـ ذكر صلاة سفر في سفر، يقصر. 2 ـ ذكر صلاة حضر في حضر، يتم. 3 ـ ذكر صلاة سفر في حضر، يقصر على الصحيح. 4 ـ ذكر صلاة حضر في سفر، يتم. وَإِنْ حُبِسَ وَلَمْ يَنْوِ إِقَامَةً، أَوْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ بِلاَ نِيَّةِ إِقَامَةٍ قَصَرَ أَبَداً. قوله: «وإن حبس» أي: منع من السفر. قوله: «ولم ينوِ إقامة» أي: لم ينوِ أن يبقى مدة محددة فإنه يقصر ولو طالت المدة. وقول المؤلف: «حبس» لم يبيّن نوع الحبس فيشمل: من حبس ظلماً، ومن حبس بحق، ومن حبس بعدو، ومن حبس بمرض، ومن حبس في تغيرات جوية، ومن حبس بخوف على نفسه، فمن منع السفر بأي سبب كان فإنه يقصر. ودليل ذلك: أن ابن عمر رضي الله عنهما: «حبسه الثلج بأذربيجان لمدة ستة أشهر يقصر الصلاة» (¬1)، وابن عمر صحابي، والقول الراجح أن فعل الصحابي وقوله حجة بشرطين وهما: 1 ـ أن لا يخالف نصاً. ¬

_ (¬1) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (2/ 4339)؛ والبيهقي (3/ 152). قال ابن حجر: «إسناده صحيح» التلخيص الحبير (610).

2 ـ وأن لا يعارضه قول صحابي آخر. فإن خالف نصاً أخذ بالنص مهما كان الصحابي، وإن عارضه قول صحابي آخر طلب المرجح واتبع ما ترجح من القولين، ثم إن فعل ابن عمر هذا رضي الله عنه مؤيد بعمومات الكتاب والسنّة الدالة على أن المسافر يقصر حتى لو بقي باختياره على القول الراجح. وقوله: «ولم ينوِ إقامة» هذا شرط لا بد منه، فإن نوى إقامة مطلقة لا إقامة ينتظر بها زوال المانع فإنه يتم. قوله: «أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة» أي: لم ينوِ إقامة مطلقة. قوله: «قصر أبداً» ولو بقي طول عمره فإنه يقصر، لأنه إنما نوى الإِقامة من أجل هذه الحاجة، ولم ينوِ إقامة مطلقة، وهناك فرق بين شخص ينوي الإِقامة المطلقة وشخص آخر ينوي الإِقامة المقيدة، فالذي ينوي الإِقامة المقيدة لا يعد مستوطناً، والذي ينوي الإِقامة المطلقة يعد مستوطناً. فالإِقامة المطلقة: أن ينوي أنه مقيم ما لم يوجد سبب يقتضي مغادرته، ومن ذلك سفراء الدول، فلا شك أن الأصل أن إقامتهم مطلقة لا يرتحلون إلا إذا أمروا بذلك، وعلى هذا فيلزمهم الإِتمام، ويلزمهم الصوم في رمضان، ولا يزيدون عن يوم وليلة في مسح الخفين؛ لأن إقامتهم مطلقة، فهم في حكم المستوطنين، وكذلك أيضاً الذين يسافرون إلى بلد يرتزقون فيها هؤلاء إقامتهم مطلقة، لأنهم يقولون: سنبقى ما دام رزقنا مستمراً.

فصل

والإِقامة المقيدة: تارة تقيد بزمن، وتارة تقيد بعمل. فالمقيد بزمن سبق لنا أن المشهور من المذهب (¬1) أنه إذا نوى أكثر من أربعة أيام يتم ودونها يقصر، وكما سبق بيان الخلاف فيها أيضاً (¬2). والمقيدة بعمل يقصر فيها أبداً ولو طالت المدة، ومن ذلك لو سافر للعلاج ولا يدري متى ينتهي، فإنه يقصر أبداً حتى لو غلب على ظنه أنه سيطول، لأنه ينتظر هذه الحاجة، وهذا هو عمدة من قال: إنه لا حد للإِقامة؛ لأنهم يقولون: ما دام الحامل له على الإِقامة هي الحاجة، فلا فرق في الحقيقة بين أن يحدد أو لا يحدد، فهو مقيم لشيء ينتظره متى انتهى منه رجع إلى بلده. وقوله: «قصر أبداً» هذا هو المشهور من المذهب. وذهب بعض العلماء: إلى أنه إذا أقام وانتهت المدة المحددة لانقطاع حكم السفر فإنه يجب عليه الإِتمام، وعليه فإذا أقام لحاجة لا يدري متى تنقضي وانتهت أربعة الأيام لزمه الإِتمام. والأول قول الجمهور ـ حتى إن ابن المنذر حكى الإِجماع عليه ـ وأنه لا يلزمه الإِتمام ما دام ينتظر انتهاء الحاجة. فَصْلٌ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ، وَبَيْنَ العِشَاءَيْنِ فِي وَقْتِ إِحدَاهُمَا فِي سَفَرِ قَصْر ...... قوله: «فصل» يعني: في الجمع بين الصلاتين. والجمع هو: ضم إحدى ¬

_ (¬1) انظر: ص (372). (¬2) تقدم تخريجه ص (374).

الصلاتين إلى الأخرى، وهذا التعريف يشمل جمع التقديم وجمع التأخير وقولنا: ضم إحدى الصلاتين للأخرى، يراد به ما يصح الجمع بينهما، فلا يدخل في ذلك ضم صلاة العصر إلى صلاة المغرب مثلاً؛ لأن صلاة المغرب نوع يخالف نوع صلاة العصر، فإن صلاة العصر نهارية، وصلاة المغرب ليلية، ولا يدخل فيه أيضاً ضم صلاة العشاء إلى الفجر، لأن وقتيهما منفصل بعضه عن بعض. قوله: «يجُوزُ الجمع» التعبير بكلمة «يجوز» يحتمل أن يريد المؤلف رحمه الله: أنه لا يمنع، فيكون المراد بذكر الجواز دفع قول من يقول إنه لا يجوز، فلا ينافي أن يكون مستحباً. ويحتمل أنه يريد بقوله: «يجوز» الإِباحة أي: أن الجمع مباح وليس بممنوع، ثم هل يستحب أو لا يستحب فيه كلام آخر. وعلى كل فالمعروف من المذهب أن الجمع جائز، وليس بمستحب، بل إن تركه أفضل، فهو رخصة، وتركه أفضل للخلاف في جوازه، فإن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز الجمع إلا بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة، والعلة في ذلك عنده: أن هذا من باب النسك، وليس من باب العذر أي: السفر ولكن قوله ضعيف. والصحيح أن الجمع سنّة إذا وجد سببه لوجهين: الوجه الأول: أنه من رخص الله عزّ وجل والله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه. الوجه الثاني: أن فيه اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنه كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع.

فيدخل هذا في عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬1). قوله: «بين الظهرين» هما الظهر والعصر، لكنه أطلق عليهما لفظ الظهرين من باب التغليب، كما يقال القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر. قوله: «بين العشاءين» هما المغرب والعشاء، وهو من باب التغليب كالظهرين. قوله: «في وقت إحداهما» أي الأولى أو الثانية. واعلم أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً، فإن شئت فاجمع في وقت الأولى أو في الثانية أو في الوقت الذي بينهما، وأما ظن بعض العامة أنه لا يجمع إلا في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، أو آخر وقت المغرب وأول وقت العشاء فلا أصل له. قوله: «في سفر قصر» هذا أحد الأسباب المبيحة للجمع، وهو سفر القصر، وإذا قال العلماء: في سفر قصر، فمرادهم به السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فيخرج به السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، وسفر القصر سبق الكلام عليه، هل هو مقيد بمسافة معينة أو بالعرف (¬2). وقوله: «في سفر قصر» ظاهر كلامه أنه يجوز الجمع ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (3/ 27). (¬2) انظر: ص (352).

للمسافر سواء كان نازلاً أم سائراً، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. فمنهم من يقول: إنه لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائراً لا إذا كان نازلاً. واستدل بحديث ابن عمر: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جَدَّ به السير» (¬1) يعني إذا كان سائراً. وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجمع بين الصلاتين في منى في حجة الوداع؛ لأنه كان نازلاً (¬2)، وإلا فلا شك أنه في سفر؛ لأنه يقصر الصلاة. وأورد عليهم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جمع بين الظهرين في عرفة (563) وهو نازل. وأجابوا بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جمع بين الظهرين في عرفة وهو نازل ليدرك الناس صلاة الجماعة على إمام واحد؛ لأن الناس بعد الصلاة سوف يتفرقون في مواقفهم في عرفة، ويكون جمعهم بعد ذلك صعباً وشاقاً، فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يجمع بين الظهر والعصر مع أنه نازل من أجل حصول الجماعة على إمام واحد. ونظير ذلك أن الناس يجمعون بين المغرب والعشاء في المطر من أجل تحصيل الجماعة، وإلا فبإمكانهم أن يصلّوا الصلاة في وقتها في بيوتهم؛ لأنهم معذورون بالوحل. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء (1106)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر (703) (43). (¬2) أخرجه مسلم، كتاب المناسك، باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم (1218) (147).

والقول الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر، سواء كان نازلاً أم سائراً. واستدلوا لذلك بما يلي: 1 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جمع في غزوة تبوك وهو نازل (¬1). 2 ـ ظاهر حديث أبي جحيفة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان نازلاً في الأبطح في حجة الوداع، وأنه خرج ذات يوم وعليه حلة حمراء فأمَّ الناس فصلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين» (¬2) قالوا: فظاهر هذا أنهما كانتا مجموعتين. 3 ـ عموم حديث ابن عباس أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر» (¬3). 4 ـ أنه إذا جاز الجمع للمطر ونحوه، فجوازه للسفر من باب أولى. 5 ـ أن المسافر يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها، إما للعناء، أو قلة الماء، أو غير ذلك. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 237، 238)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين (1206)؛ والنسائي، كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر (1/ 285). قال ابن عبد البر: «هذا حديث صحيح ثابت». «التمهيد» (12/ 194). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب السترة بمكة وغيرها (501)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي (503) (249). (¬3) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (705) (54).

ولمريض يلحقه بتركه مشقة وبين العشاءين لمطر يبل الثياب، ووحل، وريح شديدة باردة

والصحيح أن الجمع للمسافر جائز لكنه في حق السائر مستحب وفي حق النازل جائز غير مستحب إن جمع فلا بأس، وإن ترك فهو أفضل. وَلِمَرِيْضٍ يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ مَشَقَّةٌ وَبَيْنَ العِشَاءَيْنِ لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابِ، وَوَحَلٍ، وَرِيْحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَة، ............. قوله: «ولمريض يلحقه بتركه مشقة» أي: يجوز الجمع لمريض يلحقه بترك الجمع مشقة أي تعب وإعياء، أيَّ مرض كان، سواء كان صداعاً في الرأس، أو وجعاً في الظهر، أو في البطن، أو في الجلد، أو في غير ذلك، ودليل ذلك ما يلي: 1 ـ عموم قول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. 2 ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «جمع النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر» (¬1) قالوا: فإذا انتفى الخوف والمطر، وهو في المدينة انتفى السفر أيضاً، ولم يبق إلا المرض، وقد يكون هناك عذر غير المرض، ولكن ابن عباس: «سئل لماذا صنع ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته» أي: أن لا يلحقها حرج في عدم الجمع، ومن هنا نأخذ أنه متى لحق المكلف حرج في ترك الجمع جاز له أن يجمع، ولهذا قال المؤلف: «ولمريض يلحقه بتركه مشقة». وفهم من قول المؤلف: أنه لو لم يلحقه مشقة، فإنه لا يجوز له الجمع وهو كذلك. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (389).

فإذا قال قائل: ما مثال المشقة؟ قلنا: المشقة أن يتأثر بالقيام والقعود إذا فرق الصلاتين، أو كان يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة .. والمشقات متعددة. فحاصل القاعدة فيه: أنه كلما لحق الإِنسان مشقة بترك الجمع جاز له الجمع حضراً وسفراً. قوله: «وبين العشائين» أي: بين المغرب والعشاء، للأعذار التالية: الأول: قوله: «لمطر يبل الثياب» يعني: إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته، فإنه يجوز الجمع بين العشائين، فإن كان مطراً قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز، لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة، بخلاف الذي يبل الثياب، ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء، فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل، ومشقة أخرى من جهة البرد، ولا سيما إن انضم إلى ذلك ريح فإنها تزداد المشقة. فإن قيل: ما ضابط البلل؟ فالجواب: هو الذي إذا عصر الثوب تقاطر منه الماء. الثاني: قوله: «ووحل» الوحل: الزلق والطين؛ فإذا كانت الأسواق قد ربصت من المطر فإنه يجوز الجمع، وإن لم يكن المطر ينزل،

وذلك لأن الوحل والطين، يشق على الناس أن يمشوا عليه. وعلم من قوله: بين العشائين أنه لا يجوز الجمع بين الظهرين لهذه الأسباب وهو المذهب. والراجح أنه جائز لهذه الأسباب وغيرها بين الظهرين والعشائين عند وجود المشقة بترك الجمع، كما يفيده حديث ابن عباس رضي الله عنه. الثالث: قوله: «وريح شديدة باردة» اشترط المؤلف شرطين للريح: 1 ـ أن تكون شديدة. 2 ـ وأن تكون باردة. وظاهر كلامه: أنه لا يشترط أن تكون في ليلة مظلمة، بل يجوز الجمع للريح الشديدة الباردة في الليلة المقمرة أيضاً. فإذا قال قائل: ما هو حد الشدة والبرودة؟ فالجواب على ذلك: أن يقال: المراد بالريح الشديدة ما خرج عن العادة، وأما الريح المعتادة فإنها لا تبيح الجمع، ولو كانت باردة، والمراد بالبرودة ما تشق على الناس. فإن قال قائل: إذا اشتد البرد دون الريح هل يباح الجمع؟ قلنا: لا لأن شدة البرد بدون الريح يمكن أن يتوقاه الإِنسان بكثرة الثياب، لكن إذا كان هناك ريح مع شدة البرد فإنها تدخل في الثياب، ولو كان هناك ريح شديدة بدون برد فلا جمع؛ لأن الرياح الشديدة بدون برد ليس فيها مشقة، لكن لو فرض أن هذه الرياح الشديدة تحمل تراباً يتأثر به الإِنسان ويشق عليه، فإنها

تدخل في القاعدة العامة، وهي المشقة، وحينئذٍ يجوز الجمع. فإذا قال قائل: ما الدليل على اختصاص الجمع للريح الشديدة والمطر والوحل بالعشائين. قلنا: الدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «جمع بين العشائين في ليلة مطيرة» (¬1) ولكن هذا الحديث فيه نظر، والذي رواه النجاد، وليس البخاري كما في بعض نسخ الروض. وأيضاً كونه جمع في ليلة مطيرة لا يمنع أن يجمع في يوم مطير، لأن العلة هي المشقة، ولهذا كان القول الصحيح في هذه المسألة: أنه يجوز الجمع بين الظهرين لهذه الأعذار، كما يجوز الجمع بين العشائين، والعلة هي المشقة، فإذا وجدت المشقة في ليل أو نهار جاز الجمع. فأسباب الجمع هي: السفر، والمرض، والمطر، والوحل، والريح الشديدة الباردة، ولكن لا تنحصر في هذه الأسباب الخمسة، بل هذه الخمسة التي ذكرها المؤلف كالتمثيل لقاعدة عامة وهي: المشقة، ولهذا يجوز الجمع للمستحاضة بين الظهرين، وبين العشائين لمشقة الوضوء عليها لكل صلاة، ويجوز الجمع أيضاً للإِنسان إذا كان في سفر وكان الماء بعيداً عنه، ويشق عليه أن يذهب إلى الماء ليتوضأ لكل صلاة، حتى وإن قلنا بعدم جواز الجمع في السفر للنازل، وذلك لمشقة الوضوء عليه لكل صلاة. ¬

_ (¬1) انظر: «التلخيص» للحافظ ابن حجر رحمه الله، و «إرواء الغليل» للعلامة الألباني رحمه الله تعالى (3/ 39).

ولو صلى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط

مسألة: هل من لازم جواز الجمع جواز القصر؟ الجواب: لا، فقد يجوز الجمع ولا يجوز القصر، وقد يجوز القصر ولا يجوز الجمع على رأي من يرى أن الجمع لا يجوز للمسافر النازل فلا تلازم بينهما. وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تَحْتَ سَابَاطٍ. قوله: «ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط» يعني: يجوز الجمع بين العشائين للمطر، ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت سقف. و «لو» هذه إشارة خلاف تشير إلى أن بعض العلماء قال: إذا كان يصلّي في بيته فإنه لا يجوز أن يجمع لأجل المطر، وكذا إذا كان المسجد طريقه تحت ساباط. والساباط: السقف أي: لو أن الشارع أو السوق الذي يؤدي إلى المسجد طريقه مسقوف بساباط، فإنه لا يجوز له أن يجمع لأنه لا مشقة عليه في الذهاب إلى المسجد. والراجح أنه يجوز أن يجمع ولو كان طريقه إلى المسجد تحت ساباط لأنه يستفيد الصلاة مع الجماعة. وأما الصلاة في البيت فلها صور: الأولى: أن يكون معذوراً بترك الجماعة لمرض أو مطر ونحوهما. فظاهر كلام المؤلف: أنه يجوز له الجمع. الثانية: أن يصلي في بيته بلا عذر وظاهر كلام المؤلف أنها كالأولى. الثالثة: أن لا يكون يدعو مدعواً لحضور الجماعة كالأنثى فيحتمل أن يكون كلام المؤلف شاملاً لها ويحتمل أن لا يكون

والأفضل فعل الأرفق به من تأخير وتقديم

شاملاً لها فلا تجمع لأنها ليست من أهل الجماعة. والراجح أنه لا يجوز الجمع في هذه الصور الثلاث، أما في الصورة الثانية فإنه لا يستفيد بهذا الجمع شيئاً، وأما في الصورة الثالثة فلأن المرأة ليست من أهل الجماعة. فمراد المؤلف في قوله: «ولو صلّى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط»، إذا كان من أهل الجماعة ويصلّي معهم فلا حرج أن يجمع مع الناس؛ لئلا تفوته صلاة الجماعة. وَالأَفْضَلُ فِعْلُ الأَرْفَق بِهِ مِنْ تَأْخِيرٍ وَتَقْدِيمٍ ...................... قوله: «والأفضل فعل الأرفق به من تأخير وتقديم» أي: الأفضل لمن يباح له الجمع فعل الأرفق به من تأخير وتقديم، فإن كان التأخير أرفق فليؤخر، وإن كان التقديم أرفق فليقدم. ودليل هذا ما يلي: 1 ـ قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. 2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الدِّينَ يُسرٌ» (¬1). 3 ـ حديث معاذ: «أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في غزوة تبوك إذا ارتحلَ قبل أن تزيغَ الشَّمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى أنْ يجمَعها إلى العصرِ، فيصلِّيهما جميعاً، وإذا ارتحلَ بعد أن تزيغَ الشَّمسُ؛ عَجَّلَ العصرَ إلى الظُّهرِ، وصَلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعاً، ثم سار ... » (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر (39). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (5/ 241 ـ 242)؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين (1220)؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين (553) (554). وقال: «حديث حسن غريب».

4 ـ أن الجمع إنما شرع رفقاً بالمكلف، فما كان أرفق فهو أفضل. وكذلك المريض، لو كان الأرفق به أن يقدم صلاة العشاء مع المغرب فإن هذا أفضل، ولو كان بالعكس أن يؤخر المغرب إلى العشاء كان هذا أفضل. مسألة: الجمع في المطر هل الأفضل التقديم أو التأخير؟ الأفضل التقديم؛ لأنه أرفق بالناس، ولهذا تجد الناس كلهم في المطر لا يجمعون إلا جمع تقديم. هذا إذا قلنا: إن الجمع للمطر خاص في العشائين. أما إذا قلنا بأنه عام في العشائين والظهرين، فإن الأرفق قد يكون بالتأخير. واعلم أن كلام المؤلف: لا يعني أنه إذا جاز الجمع فلا بد أن يكون تقديماً أو تأخيراً، بل إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً، فيجوز أن تصلّي المجموعتين في وقت الأولى، أو في وقت الثانية، أو فيما بين ذلك، وأما ظن العامة أن الجمع لا يجوز إلا في وقت الأولى، أو وقت الثانية، فهذا لا أصل له كما سبق، لأنه متى أبيح الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً. وقد استثنى بعض العلماء جمع عرفة؛ فقال: الأفضل فيه التقديم، ومزدلفة فالأفضل فيه التأخير، ولكن هذا لا وجه له؛ لأن جمع عرفة تقديماً أرفق بالناس من الجمع تأخيراً، لأن الناس لا يمكن أن يحبسوا إلى وقت العصر مجتمعين، وهم يريدون أن يتفرقوا في مواقفهم، ويدعوا الله؛ فالأرفق بهم بلا شك التقديم،

فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها

وأما في مزدلفة فالأفضل التأخير؛ لأنه أرفق فإن إيقاف الناس في أثناء الطريق وهم في سيرهم إلى مزدلفة فيه مشقة. فإن قال قائل: إذا تساوى الأمران عند الإِنسان التقديم أو التأخير فأيهما أفضل؟ فالجواب: قالوا: الأفضل التأخير، لأن التأخير غاية ما فيه تأخير الأولى عن وقتها، والصلاة بعد وقتها تعذر جائزة مجزئة، وأما التقديم ففيه صلاة الثانية قبل دخول وقتها، والصلاة قبل دخول الوقت لا تصح ولو لعذر، ولأنه أحوط حيث منع بعض المجوزين للجمع من جمع التقديم إلا في عرفة. فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الأُولَى اشْتُرِطَ نِيَّةُ الجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا، ........ قوله: «فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها» إذا جمع في وقت الأولى اشترط ثلاثة شروط: الشرط الأول: نية الجمع عند إحرامها وهذا مبني على اشتراط نية القصر للمسافر؛ لأن الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى، ولذلك فلا بد أن تكون نية الضم مشتملة على جميع أجزاء الصلاة، فلا بد أن ينوي عند إحرام الأولى، فلو فرض أنه دخل في الأولى وهو لا ينوي الجمع، ثم في أثناء الصلاة بدا له أن يجمع، فإن الجمع لا يصح؛ لأنه لم ينوه عند إحرام الأولى، فخلا جزء منها عن نية الجمع والجمع هو الضم، ولا بد أن يكون الضم مشتملاً لجميع الصلاة، ولو نوى الجمع بعد السلام من الأولى لم يصح من باب أولى. والصحيح: أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرام الأولى، وأن له أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الأولى، ولو عند إحرامه في الثانية ما دام السبب موجوداً.

ولا يفرق بينهما إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف، ويبطل براتبة بينهما

مثال ذلك: لو أن الإِنسان كان مسافراً وغابت الشمس، ثم شرع في صلاة المغرب بدون نية الجمع، لكن في أثناء الصلاة طرأ عليه أن يجمع فعلى المذهب لا يجوز، وعلى القول الصحيح يجوز، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله. ومثال آخر: لو سلم من صلاة المغرب ثم نزل مطر، يبيح الجمع جاز له الجمع. وَلاَ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِقَدْرِ إِقَامَةٍ وَوُضُوءٍ خَفِيفٍ، وَيَبْطُلُ بِرَاتِبَةٍ بَيْنَهُمَا، ......... قوله: «ولا يفرق بينهما إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف» هذا هو الشرط الثاني: وهو الموالاة بين الصلاتين. «ويفرق» بالنصب؛ لأنها على تقدير أن، أي: وأن لا يفرق معطوفاً على مصدر صريح وهو قوله: «نية الجمع» والفعل المضارع إذا عطف على مصدر صريح فإنه ينصب بأن مضمرة ومنه قوله (¬1): ولُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوفِ فقوله: «ولبس عباءة وتقر»، أي: وأن تقر عيني، وتقول: زيارتي زيداً ويكرمني أحبّ إلي من التأخر عنه، زيارتي زيداً ويكرمني أي وأن يكرمني. إذاً فقوله: «ولا يفرق» أي: يشترط أن لا يفرق بينهما، أي: بين المجموعتين في جمع التقديم إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف. ¬

_ (¬1) البيت لميسون بنت بَحْدل الكلبية، وهي زوج معاوية بن أبي سفيان، وأم ابنه يزيد. انظر: «سر صناعة الإعراب» لابن جني (1/ 273)، «شذور الذهب» (156).

وخلاصة هذا الشرط الموالاة بين الصلاتين، أي: أن تكون الصلاتان متواليتين لا يفصل بينهما إلا بشيء يسير بمقدار إقامة؛ لأن الإِقامة الثانية لا بد منها، ووضوء خفيف؛ لأن الإِنسان ربما يحتاج إلى الوضوء بين الصلاتين فسومح في ذلك. قوله: «يبطل» أي: الجمع. قوله: «براتبة» أي: بصلاة راتبة. قوله: «بينهما» أي: بين الصلاة الأولى والثانية، أي: لو جمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم، فلما صلّى المغرب صلّى راتبة المغرب، فإنه لا جمع حينئذٍ لوجود الفصل بينهما بصلاة. مسألة: لو فصل بينهما بفريضة، فبعد أن صلّى المغرب ذكر أنه صلّى العصر بلا وضوء فصلّى العصر، فلا جمع؛ لأنه إذا بطل الجمع بالراتبة التابعة للصلاة المجموعة فبطلانه بصلاة أجنبية من باب أولى. ولو صلى تطوعاً غير الراتبة فمن باب أولى؛ لأنه إذا بطل بالراتبة التابعة للمجموعة فما كان أجنبياً عنها، وليس لها فهو من باب أولى. واختار شيخ الإِسلام ابن تيمية: أنه لا تشترط الموالاة بين المجموعتين وقال: إن معنى الجمع هو الضم بالوقت أي: ضم وقت الثانية للأولى بحيث يكون الوقتان وقتاً واحداً عند العذر، وليس ضم الفعل، وعلى رأي شيخ الإِسلام: لو أن الرجل صلّى الظهر وهو مسافر بدون أن ينوي الجمع، ولو كان مقيماً ثم بدا له أن يسافر قبل العصر فإنه يجمع إذا سافر ولو طال الفصل، وعلى ما ذكره المؤلف لا يجمع لسببين:

وأن يكون العذر موجودا عند افتتاحهما وسلام الأولى

أولاً: أنه لم ينوِ الجمع عند إحرام الأولى. الثاني: أنه فصل بينهما. وقد ذكر شيخ الإِسلام رحمه الله نصوصاً عن الإِمام أحمد تدل على ما ذهب إليه من أنه لا تشترط الموالاة في الجمع بين الصلاتين تقديماً كما أن الموالاة لا تشترط بالجمع بينهما تأخيراً كما سيأتي، والأحوط أن لا يجمع إذا لم يوالِ بينهما، ولكن رأي شيخ الإِسلام له قوة. مسألة: رجل سافر بالطائرة، والمطار خارج البلد، وركب الطائرة، فأخذت دورة فمرت من فوق وهو يصلّي فهل يلزمه الإِتمام؛ لأن الهواء تابع للقرار؟ الجواب: الظاهر لي: أنه لا يلزمه الإِتمام؛ لأن هذا المرور مرور سفر عابر، وليس مرور استقرار وانتهاء سفر، ثم إن المدة في الغالب تكون وجيزة. وَأَنْ يَكُونَ العُذْرُ مَوْجُوداً عِنْدَ افْتِتَاحِهِمَا وَسَلاَمِ الأَوْلَى .......... قوله: «وأن يكون العذر ... » إلى آخره أي: العذر المبيح للجمع. وهذا هو الشرط الثالث. قوله: «موجوداً عند افتتاحهما وسلام الأولى» أي: افتتاح الصلاتين الأولى والثانية، وعند سلام الأولى، وذلك لأن افتتاح الأولى محل النية وقد سبق أنه يشترط في الجمع نيته عند تكبيرة الإِحرام (¬1)، فإذا كان يشترط نية الجمع عند تكبيرة الإِحرام لزم من هذا الشرط أن يشترط وجود العذر عند تكبيرة الإِحرام؛ لأن نية ¬

_ (¬1) انظر: ص (397).

الجمع بلا عذر غير صحيحة، فإذا قلنا: لا بد من نية الجمع عند تكبيرة الإِحرام صار لا بد أيضاً من وجود العذر عند تكبيرة الإِحرام، إذاً هذا الشرط مبني على الشرط الأول الذي هو نية الجمع عند افتتاح الصلاة الأولى، وقد سبق أن القول الصحيح: عدم اشتراطه، وعلى ذلك لا يشترط وجود العذر عند افتتاح الأولى، فلو لم ينزل المطر مثلاً إلا في أثناء الصلاة فإنه يصح الجمع على الصحيح، بل لو لم ينزل إلا بعد تمام الصلاة الأولى أي: كانت السماء مغيمة ولم ينزل المطر، وبعد أن انتهت الصلاة الأولى نزل المطر، فالصحيح أن الجمع جائز بناء على هذا القول. وعند شيخ الإِسلام: لا تشترط الموالاة أيضاً كما سبق (¬1)؛ وذلك لأن العذر المبيح للجمع إذا وجد جعل الوقتين وقتاً واحداً، فاندمج وقت الثانية في وقت الأولى وصار الإِنسان إذا فعل الأولى في أول الوقت، والثانية في آخر الوقت فلا بأس، وبناء على هذا القول يكون الشرط وجود العذر فقط، فإذا وجد العذر جاز الجمع سواء كان العذر مرضاً أو سفراً أو مطراً أو ريحاً شديدة باردة أو غير ذلك مما يكون في ترك الجمع معه مشقة. بقي الشرط الرابع وهو الترتيب، فيشترط الترتيب بأن يبدأ بالأولى ثم بالثانية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬2)، ولأن الشرع جاء بترتيب الأوقات في الصلوات فوجب ¬

_ (¬1) انظر: ص (400). (¬2) تقدم تخريجه ص (3/ 27).

أن تكون كل صلاة في المحل الذي رتبها الشارع فيه، ولكن لو نسي الإِنسان أو جهل أو حضر قوماً يصلّون العشاء وهو قد نوى جمع التأخير، ثم صلّى معهم العشاء ثم المغرب، فهل يسقط الترتيب في هذه الأحوال أو لا يسقط؟ المشهور عند فقهائنا رحمهم الله: أنه لا يسقط، وإن كانوا يسقطونه بالنسيان في قضاء الفوائت (¬1)، لكنهم هنا لا يسقطونه، ويجعلون الفرق أن الجمع أداء، والقضاء قضاء، فالأول في وقته والثاني خارج وقته، وبناء على هذا لو أن الإِنسان قدم الثانية على الأولى سهواً أو جهلاً أو لإِدراك الجماعة أو لغير ذلك من الأسباب، فإن الجمع لا يصح فماذا يصنع في هذه الحال؟ الجواب: الصلاة التي صلاها أولاً، لم تصح فرضاً، ويلزمه إعادتها. مثال ذلك: رجل كان ناوياً جمع تأخير، ثم دخل المسجد ووجد ناساً يصلّون العشاء فدخل معهم بنية العشاء، ولما انتهى من العشاء صلّى المغرب، نقول: صلاة العشاء لا تصح؛ لأنه قدمها على المغرب، والترتيب شرط فيصلّي العشاء مرة ثانية والمغرب صحيحة، ومعنى قولنا: لا تصح، أي: لا تصح فرضاً تبرأ به الذمة، ولكنها تكون نفلاً يثاب عليه. وفيه شرط خامس: أن لا تكون صلاة الجمعة، فإنّه لا يصح أن يجمع إليها العصر، وذلك لأن الجمعة صلاة منفردة ¬

_ (¬1) انظر: المجلد الثاني ص (143).

مستقلة في شروطها وهيئتها وأركانها وثوابها أيضاً، ولأن السنّة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، ولم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه جمع العصر إلى الجمعة أبداً، فلا يصح أن تقاس الجمعة على الظهر لما سبق من المخالفة بين الصلاتين، بل حتى في الوقت على المشهور من مذهب الحنابلة فوقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى العصر، والظهر من الزوال إلى العصر وأيضاً الجمعة لا تصح إلا في وقتها، فلو خرج الوقت تصلّى ظهراً، والظهر تصح في الوقت وتصح بعده للعذر. وهذا الشرط يؤخذ من قول المؤلف رحمه الله: يجوز الجمع بين الظهرين، فإن المراد بهما الظهر والعصر فلا يدخل في ذلك الجمعة والعصر. ولكن لو قال قائل: أنا أريد أن أنوي الجمعة ظهراً؛ لأني مسافر وصلاة الظهر في حقي ركعتان يعني على قدر الجمعة؟ فنقول: هذه النية لا تصح على قول من يقول: إنه يشترط اتفاق نية الإِمام والمأموم، لأنهم لم يستثنوا من هذه المسألة إلا من أدرك من الجمعة أقل من ركعة فإنه يدخل مع الإِمام بنية الظهر لتعذر الجمعة في حقه، أما هذه فهي ممكنة فلا يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلّي الجمعة، وهذا القول واضح أنه لا يصح أن ينويها ظهراً. أما على القول الراجح: أن نية الإِمام والمأموم (¬1) لا يضر ¬

_ (¬1) انظر: ص (254) وما بعدها.

وإن جمع في وقت الثانية: اشترط نية الجمع في وقت الأولى إن لم يضق عن فعلها، واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية

الاختلاف بينهما فإنه يصح، ولكننا نقول: لا تنوها ظهراً؛ لأنك إذا نويتها ظهراً حرمت نفسك أجر الجمعة وأجر الجمعة أكبر بكثير من أجر الظهر، فكيف تحرم نفسك أجر الجمعة، من أجل الجمع؟ والأمر يسير: اُتْرُك العصر حتى يدخل وقتها ثم صلّها. ولأن في نية صلاة الظهر قبل فوات الجمعة ممن تلزمه الجمعة إذا حضرها نظراً، لأن صلاة الظهر قبل فوات الجمعة ممن تلزمه غير صحيحة. ووجه اشتراط كون العذر موجوداً عند افتتاح الثانية: أن افتتاح الثانية هو محل الجمع، أي: الذي حصل به الجمع. وهذا صحيح، أي: يشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الثانية. وهل يشترط أن يكون موجوداً إلى انتهاء الثانية؟ الجواب: لا. فلو فرض أن الجمع كان لمطر، وأن المطر استمر إلى أن صلّوا ركعتين من العشاء ثم توقف، ولم يكن هناك وحل؛ لأن الأسواق مفروشة بالزفت، فلا يبطل الجمع؛ لأنه لا يشترط استمرار العذر إلى الفراغ من الثانية، ومثل ذلك: لو أن الإِنسان جمع لمرض وفي أثناء الصلاة الثانية ارتفع عنه المرض، فإن الجمع لا يبطل؛ لأنه لا يشترط استمرار العذر إلى الفراغ من الثانية. وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ: اشْتُرِطَ نِيَّةُ الجَمْعِ فِي وَقْتِ الأُوْلَى إِنْ لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا، وَاسْتِمْرَارُ العُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ. قوله: «وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى» أي: إذا نوى الجمع في وقت الثانية، فيشترط أن ينوي

الجمع في وقت الأولى، لأنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذر إلا بنية الجمع حيث جاز. ودليل عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حدد الصلوات في أوقات معينة (¬1)، فلا يجوز أن تؤخر الصلاة الأولى عن وقتها إلا بنية الجمع حيث وجد سببه، فلا بد من نية الجمع قبل خروج وقت الأولى. قوله: «إن لم يضق عن فعلها» أي: إن لم يضق وقت الأولى عن فعلها، فإن ضاق عن فعلها لم يصح الجمع؛ لأن تأخير الصلاة حتى يضيق وقتها عن الفعل محرم والجمع رخصة، والرخص لا تستباح بالمحرم، فلو أن رجلاً مسافراً مضى عليه الوقت، فلما بقي عليه من الوقت ما يضيق عن فعل صلاة الظهر نوى جمع الظهر إلى العصر، فلا تصح هذه النية لأنه يحرم تأخير الصلاة حتى يضيق الوقت، إذ إن الواجب أن يصلي الصلاة كلها في الوقت. فنقول: صلِّ الصلاة الآن حسب ما أدركت من وقتها واستغفر الله عن التأخير، وسيدخل وقت الثانية قبل تمام صلاتك فصلها ولكن لا على أنه جمع، بل على أنه أداء في أول الوقت. قوله: «واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية» أي: يشترط لصحة الجمع أن يستمر العذر إلى دخول الثانية فإن لم يستمر فالجمع حرام. ¬

_ (¬1) انظر: المجلد الثاني ص (100).

وهذا هو الشرط الثاني لجمع التأخير. مثاله: رجل مسافر نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى فلا يجوز له أن يجمع الأولى إلى الثانية، لأن العذر انقطع وزال فيجب أن يصلّيها في وقتها، وهذه مسألة تشكل على كثير من الناس، فكثير منهم ينوي جمع التأخير، ويقدم بلده قبل أن يخرج وقت الأولى فلا يصلّيها؛ لأنه نوى الجمع وهذا خطأ، بل الواجب أن يصليها في وقتها فإذا دخل وقت الثانية صلاّها، إلا أن يكون مجهداً يشق عليه انتظار دخول الثانية لاحتياجه إلى النوم مثلاً، فيجوز له الجمع حينئذ للمشقة لا للسفر. ولكن هل يصلّيها أربعاً أو يصلّيها ركعتين؟ الجواب: يصلّيها أربعاً؛ لأن علة القصر السفر وقد زال. فإذا قال: قد دخل عليّ الوقت وأنا مسافر فوجبت علي مقصورة؟ فنقول: نعم وجبت عليك مقصورة؛ لأنك في سفر والآن ذمتك مشغولة بها، وما دامت مشغولة فإنك إذا وصلت البلد وجبت عليك تامة، وبهذا نعرف: أن القول الصحيح أن الإِنسان إذا دخل عليه الوقت وهو في البلد ثم سافر قبل أن يصلّي فله القصر؛ لأنه سافر وذمته مشغولة بها والمسافر يقصر الصلاة، فالعبرة في قصر الصلاة وعدمه ... بفعل الصلاة لا بوقتها على القول الصحيح، فإذا دخل عليك الوقت وأنت مسافر وقدمت البلد قبل الصلاة فصلّها أربعاً، وإذا دخل عليك الوقت وأنت مقيم وسافرت فصلّها ركعتين.

وفي قوله: «واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية» ولم يذكر الموالاة إشارة إلى عدم اشتراط الموالاة؛ لأن الموالاة في جمع التأخير ليست بشرط فلو أنه جمع جمع تأخير، ودخل وقت الثانية وصلّى الأولى، وبقي ساعة أو ساعتين ثم صلّى الثانية، فالجمع صحيح؛ لأن الموالاة شرط في جمع التقديم، وليست شرطاً في جمع التأخير. وذهب بعض العلماء: إلى أن الموالاة شرط في جمع التأخير كالتقديم. وذهب بعض العلماء: إلى أن الموالاة ليست شرطاً لا في التقديم ولا في التأخير. فالأقوال إذاً ثلاثة: الأول: أن الموالاة ليست شرطاً لا في جمع التقديم ولا التأخير، وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية. والثاني: أنها شرط في الجمعين؛ لأن الجمع هو الضم، وهذا قول بعض العلماء. والثالث: التفريق، فتشترط الموالاة في جمع التقديم، ولا تشترط في جمع التأخير، وهذا هو المشهور من المذهب. مسألة: رجل مسافر ونوى جمع التأخير وخرج وقت الأولى، وهو في السفر وقدم البلد في وقت الثانية فله الجمع؛ لأنه سوف يصلّي الأولى ثم يصلّي الثانية، لكن لا يقصر؛ لأنه انتهى مبيح القصر وهو السفر.

فصل

فَصْلٌ وَصَلاَةُ الخَوْفِ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم بِصِفَاتٍ كُلّهَا جَائِزَةٌ ...... قوله: «فصل: وصلاة الخوف» إلخ، هذا العذر الثالث من الأعذار، فالعذر الأول: السفر، والثاني: المرض ونحوه، والثالث: الخوف، أي: الخوف من العدو أي عدو كان، آدمياً أو سبعاً، مثل: أن يكون في أرض مسبعة فيحتاج إلى صلاة الخوف، لأنه ليس بشرط أن يكون العدو من بني آدم، بل أي عدو كان يخاف الإِنسان على نفسه منه، فإنها تشرع له صلاة الخوف. قوله: «صحّت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بصفات كلها جائزة» أي: وردت في السنّة بصفاتٍ وهي ستة أوجه، أو سبعة أوجه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقول المؤلف: «كلها جائزة» ظاهره: أن كل صفة منها تجوز في أي موضع، ولكن قد نقول: إن هذه الصفات من الصلاة لا يجوز نوع منها إلا في موضعه الذي صلاّها النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه، ونذكر صفتين منها: الصفة الأولى: ما يوافق ظاهر القرآن، وهي: أن يقسم قائد الجيش جيشه إلى طائفتين، طائفة تصلّي معه، وطائفة أمام العدو، لئلا يهجم، فيصلّي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم أي: نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم، والإِمام لا يزال قائماً، ثم إذا أتموا لأنفسهم ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الثانية أمام العدو، وجاءت الطائفة الثانية ودخلت مع الإِمام في الركعة الثانية، وفي هذه الحال يطيل الإِمام الركعة الثانية أكثر من الأولى لتدركه الطائفة الثانية، وهذه مستثناة مما سبق في باب

صلاة الجماعة (¬1): أنه يسنّ تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية، فتدخل الطائفة الثانية مع الإِمام فيصلّي بهم الركعة التي بقيت، ثم يجلس للتشهد، فإذا جلس للتشهد قامت هذه الطائفة من السجود رأساً وأكملت الركعة التي بقيت وأدركت الإِمام في التشهد فيسلم بهم. وهذه الصفة موافقة لظاهر القرآن، قال الله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} إذا سجدوا، أي: أتموا الصلاة {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى} وهي التي أمام العدو {لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}، ولكن الله عزّ وجل قال للطائفة الثانية: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] وللطائفة الأولى قال: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} فلماذا؟ الجواب: لأن الطائفة الثانية الخوف عليها أشد، فإن العدو قد يكون قد تأهب لما رأى الجيش انقسم إلى قسمين وأعدّ العدة للهجوم، فلهذا أمر الله بأخذ الحذر والأسلحة. وهذه الصفة في صلاة الخوف خالفت الصلاة المعتادة في أمور منها: أولاً: انفراد الطائفة الأولى عن الإِمام قبل سلامه. ثانياً: أن الطائفة الثانية قضت ما فاتها من الصلاة قبل سلام الإِمام. ¬

_ (¬1) انظر: ص (195).

أما الأمر الأول: وهو انفراد المأموم عن الإِمام فهذا جائز في كل عذر طرأ للمأموم فمن ذلك: إذا أطال الإِمام الصلاة إطالة خارجة عن السنّة فللمأموم أن ينفرد، ودليله: حديث معاذ بن جبل «حينما أمّ قومه فأطال بهم القراءة فانفرد رجل منهم وصلّى وحده» (¬1) ولم ينكر عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بلغه ذلك. ومن ذلك: إذا كان الإِمام يسرع في الصلاة إسراعاً لا يتمكن المأموم معه من الطمأنينة، فإن الواجب أن ينفرد. ومن ذلك: إذا طرأ على المأموم عذر مثل: احتباس بوله، أو ريح أشغلته أو تقيؤ، أو ما أشبه ذلك، فله أن ينفرد لتعذر المتابعة حينئذٍ بشرط أن يكون في انفراده فائدة، بحيث يكون أسرع من إمامه بدون إخلال بالواجب. ومن ذلك أيضاً: على القول الراجح إذا تعذرت المتابعة شرعاً مثل: أن تكون صلاة المأموم أنقص من صلاة الإِمام كرجل يصلّي المغرب خلف من يصلّي العشاء، فإن القول الصحيح جواز ذلك فإذا قام الإِمام إلى الرابعة انفرد المأموم وسلم، وإن شاء انتظر في التشهد حتى يصله الإِمام، وأما انفراد المأموم بلا عذر فالقول الصحيح أنه يبطل الصلاة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جعل الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» (¬2). وأما الأمر الثاني: وهو أن الطائفة الثانية في الصفة التي ذكرنا تقضي ما فاتها من الصلاة قبل سلام الإِمام، فهذا لا نظير ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه ص (256). (¬2) تقدم تخريجه ص (230).

له في صلاة الأمن، بل إن المأموم في صلاة الأمن يقضي ما فاته بعد سلام إمامه. الصفة الثانية: إذا كان العدو في جهة القبلة، فإن الإِمام يصفهم صفين ويبتدئ بهم الصلاة جميعاً، ويركع بهم جميعاً ويرفع بهم جميعاً، فإذا سجد سجد معه الصف الأول فقط ويبقى الصف الثاني قائماً يحرس، فإذا قام قام معه الصف الأول ثم سجد الصف المؤخر، فإذا قاموا تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم صلّى بهم الركعة الثانية قام بهم جميعاً وركع بهم جميعاً، فإذا سجد سجد معه الصف المقدم الذي كان في الركعة الأولى هو المؤخر، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر، فإذا جلسوا للتشهد سلم الإِمام بهم جميعاً، وهذه لا يمكن أن تكون إلا إذا كان العدو في جهة القبلة. تنبيه: ظاهر كلام المؤلف أن الصفة الأولى جائزة وإن كان العدو في جهة القبلة، ولكن الصحيح أنها لا تجوز في هذه الحال، وذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة، لأنهم إذا كان العدو في جهة القبلة فلا ضرورة إلى أن ينقسموا إلى قسمين قسم يصلّي معه وقسم وجاه العدو. أما بقية الصفات فمذكورة في الكتب المطولة ونحن نقتصر على هاتين الصفتين. ولكن إذا قال قائل: لو فرض أن الصفات الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يمكن تطبيقها في الوقت الحاضر؛ لأن الوسائل الحربية والأسلحة اختلفت؟

فنقول: إذا دعت الضرورة إلى الصلاة في وقت يخاف فيه من العدو، فإنهم يصلّون صلاة أقرب ما تكون إلى الصفات الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا كانت الصفات الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا تتأتى، لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. مسألة: إذا اشتد الخوف فهل يجوز أن تؤخر الصلاة عن الوقت؟ في هذا خلاف بين العلماء: فمنهم من يقول: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، ولو اشتد الخوف، بل يصلّون هاربين وطالبين إلى القبلة، وإلى غيرها يومئون بالركوع والسجود، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 236]. ومنهم من قال: يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إذا اشتد الخوف، بحيث لا يمكن أن يتدبر الإِنسان ما يقول أو يفعل، أي: إذا كان يمكن أن يتدبر ما يقول أو يفعل في الصلاة فليصل على أي حال، لكن إذا كانت السهام والرصاص تأتيه من كل جانب ولا يمكن أن يستقر قلبه ولا يدري ما يقول، ففي هذه الحال يجوز تأخير الصلاة، وهذا مبني على «تأخير النبي صلّى الله عليه وسلّم الصلاة في غزوة الأحزاب» (¬1)، هل هو منسوخ أو مُحْكَمْ؟ والصحيح: أنه محكم إذا دعت الضرورة القصوى إلى ذلك، بمعنى أن الناس لا يقر لهم قرار، وهذا في الحقيقة لا ندركه ونحن في هذا المكان، وإنما يدركه من كان في ميدان ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (627) (205).

ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدفع به عن نفسه، ولا يشغله كسيف ونحوه

المعركة، فلا بأس أن تؤخر الصلاة إلى وقت الصلاة الأخرى، أما إذا كانت صلاة جمع فالمسألة لا إشكال فيها، كتأخير الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء، وأما إذا كانت لا تجمع إلى الأخرى كالعشاء إلى الفجر والفجر إلى الظهر والعصر إلى المغرب، فهذا محل الخلاف. وذكر في الروض: أنه يشترط لجواز صلاة الخوف أن يكون القتال مباحاً، والقتال المباح: هو قتال الكفار أو قتال المدافعة (¬1). أما قتال الهجوم على من لا يحل قتاله فإن ذلك لا يجيز صلاة الخوف، بل نقول لمن قاتل على هذا الوجه: يجب عليك أن تكف عن القتال. والقتال المباح أنواع: قتال الكفار، وقتال المدافعة، وقتال من تركوا صلاة العيد، أو الأذان أو الإِقامة، وغير ذلك من شعائر الإِسلام الظاهرة، وقتال الطائفة المعتدية فيما إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فإن الله يقول: {بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى}. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي صَلاَتِهَا مِنَ السِّلاَحِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلاَ يَشْغُلُهُ كَسَيْفٍ وَنَحْوِهِ. قوله: «ويستحب أن يحمل» أفاد أن حمل السلاح في صلاة الخوف مستحب وهذا ما ذهب إليه كثير من أهل العلم. والصحيح أن حمل السلاح واجب، لأن الله أمر به فقال: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] ولأن ¬

_ (¬1) «الروض المربع» (2/ 412).

ترك حمل السلاح خطر على المسلمين، وما كان خطراً على المسلمين فالواجب تلافيه والحذر منه. قال العلماء: وفي هذه الحال لو فرض أن السلاح متلوث بدم نجس فإنه يجوز حمله للضرورة، ولا إعادة عليه، وهو كذلك. قوله: «في صلاتها»، أي: صلاة الخوف. قوله: «ما يدفع به عن نفسه» يفيد أنه لا يحمل سلاحاً هجومياً، بل يحمل سلاحاً دفاعياً، لأنه مشغول في صلاته عن مهاجمة عدوه، لكنه مأمور أن يتخذ من السلاح الدفاعي ما يدفع به عن نفسه. قوله: «ولا يشغله» يفهم منه أنه لا يحمل سلاحاً يشغله عن الصلاة، لأنه إذا حمل ما يشغله عن الصلاة زال خشوعه، وأهم شيء في الصلاة الخشوع، فهو لبُّ الصلاة وروحها، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان» (¬1)، لأن ذلك يذهب الخشوع، ويذكر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشرها أو ربعها» (¬2)، فالخشوع له أثر عظيم في صحة الصلاة، فاشترط المؤلف في حمل السلاح شرطين: ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه (3/ 235). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (4/ 164)؛ وابن حبان (1889) وصححه.

1 ـ أن يكون دفاعياً فقط. 2 ـ ألاّ يشغله. قوله: «كسيف ونحوه» أي: كالسكين، والرمح القصير، وفي وقتنا كالمسدس. تم بحمد الله تعالى المجلد الرابع ويليه بمشيئة الله عز وجل المجلد الخامس وأوله باب صلاة الجمعة.

باب صلاة الجمعة

باب صلاة الجمعة تَلْزَمُ كُلَّ ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ ............. قوله: «صلاة الجمعة» أي: الصلاة التي تجمع الخلق، وذلك أن المسلمين لهم اجتماعات متعددة، اجتماعات حي في الصلوات الخمس في مسجد الحي، واجتماعات بلد في الجمعة والعيدين، واجتماعات أقطار في الحج بمكة، هذه اجتماعات المسلمين صغرى وكبرى ومتوسطة، كل هذا شرعه الله من أجل توطيد أواصر الألفة والمحبة بين المسلمين. وليعلم أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وما طلعت الشمس على يوم خير منه، وأن الله خصّ به هذه الأمة بعد أن أضل عنه الأمم السابقة، فإن اليهود اختلفوا فيه فصارت جمعتهم السبت، والنصارى أشد اختلافاً فصارت جمعتهم الأحد، فصاروا ـ والحمد لله ـ تبعاً لنا ونحن متأخرون عنهم زمناً لكنهم متأخرون عنا رتبة؛ لأن هذه الأمة أفضل أمة عند الله وأكرمها (¬1). وليوم الجمعة خصائص ذكرها ابن القيم في زاد المعاد. قوله: «تلزم كل ذكر» الضمير يعود على صلاة الجمعة، أي: ¬

_ (¬1) روى أبو هريرة، وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ... ». أخرجه مسلم (856).

تلزم صلاة الجمعة كل من اتصف بالشروط الآتية: الأول: كونه ذكراً فخرج به الأنثى والخنثى، فلا تلزمهم صلاة الجمعة، [والدليل على اشتراط الذكورية أن صلاة الجمعة صلاة جمع؛ لهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن» (¬1)، هذا إن لم يصح الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا على أربعة ... »، فإن صح فالأمر فيه واضح]. أما عدم وجوبها على الخنثى فلعدم تحقق الشرط فيه؛ لأنه لا يدرى أذكر هو أم أنثى، والأصل براءة الذمة حتى يتيقن شرط وجوبها، وهذا لم يتيقن. وأما الأنثى فلأنها ليست من أهل الجماعة. قوله: «حر»، هذا هو الشرط الثاني. وضد الحر العبد، والمراد بالعبد المملوك، ولو كان أحمر، أو قبلياً، فالعبد لا تلزمه الجمعة وذلك لما يلي: 1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض» (¬2). 2 ـ ولأنه مشغول في خدمة سيده. وقال بعض العلماء: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (900)؛ ومسلم (442) (136) عن ابن عمر رضي الله عنهما دون قوله: «وبيوتهن خير لهن»؛ وأخرجه أحمد (2/ 76، 77)؛ وأبو داود (567)؛ والحاكم (1/ 209)؛ والبيهقي (3/ 131)؛ وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين». (¬2) أخرجه أبو داود (1067)؛ والدارقطني (2/ 3)؛ والطبراني في الكبير (8206)؛ والبيهقي (3/ 172) عن طارق بن شهاب.

تلزمه الجمعة؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، والحديث الوارد في نفي وجوب صلاة الجمعة عن العبد ضعيف. والتعليل بأنه مشغول في خدمة سيده أضعف؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقال بعض العلماء: إذا أذن له سيده لزمته؛ لأنه لا عذر له؛ [لزوال العلة التي هي سبب منع الوجوب]، وإن لم يأذن له لم تلزمه. وهذا قول وسط؛ لأن حال العبد في الحقيقة إذا تصوره الإنسان حال شخص ضعيف مملوك، لا يستطيع أن يقول: سأذهب إلى الجمعة يا سيدي رضيت أم كرهت، فيكون في إلزامه بشيء لا يستطيعه حرج، وقد نفى الله سبحانه وتعالى في هذا الدين الحرج عن الأمة فقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وهذا القول قول وسط بين قول من يلزمه الجمعة مطلقاً، وقول من لا يلزمه مطلقاً، ووجهه قوي جداً، ويمكن أن يحمل الحديث عليه فيقال: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «عبد مملوك»، ليس على إطلاقه، بل العبد المملوك هو الذي يشغل بمالكه، وربما يقال: إن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مملوك» إشارة إلى علة الحكم، وهي أنه ملك، فسيده يتصرف فيه فيشغله. والعجيب أن الذين قالوا: إن الجمعة لا تجب على العبد قالوا: إن الجماعة تجب عليه، وعندي أنه لو صح حديث طارق أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم استثنى العبد لكان عدم وجوب الجماعة من باب

أولى؛ لأن الجماعة تكرر خمس مرات، فإذا أسقط عنه ما يجب في الأسبوع مرة فما يجب في اليوم خمس مرات من باب أولى، وإذا أوجبنا عليه الجماعة فالجمعة من باب أولى. قوله: «مكلف» هذا هو الشرط الثالث، والمكلف عند العلماء من جمع وصفين: أحدهما: البلوغ. والثاني: العقل. والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (¬1)، ولكن [الصغير تصح منه الجمعة والمجنون لا تصح منه؛ لأن المجنون لا عقل له، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» (¬2)، ومن لا عقل له لا نية له، بخلاف الصبي المميز فإن له نية]. ولكن هل يؤمر بها الصغير؟ الجواب: يؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر؛ لدخوله في عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مروا أبناءكم عليها لسبع واضربوهم عليها لعشر» (¬3). قوله: «مسلم»، هذا هو الشرط الرابع. وضده الكافر، فالكافر لا تجب عليه الجمعة، بل ولا تصح منه، ودليل هذا: ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (2/ 13). (¬2) سبق تخريجه (1/ 194). (¬3) سبق تخريجه (2/ 14).

1 ـ قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ} [التوبة: 54]، فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعدياً لا تقبل منهم، فالعبادات التي نفعها غير متعدٍ من باب أولى لا تقبل منهم. 2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لما بعث معاذاً إلى اليمن: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» (¬1)، فجعل فرض الصلوات بعد الشهادتين. فإن قال قائل: إذا كان من شرط وجوب الجمعة الإسلام، فهل يسلَم الكافر من الإثم؛ لأن الجمعة غير واجبة عليه؟ فالجواب: أنه لا يسلَم من الإثم؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الإسلام، كما هو مخاطب بأصوله، والدليل على ذلك قوله تعالى: {إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ *} [المدثر]، ووجه الدلالة من الآية: أنهم ذكروا من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين، ولا من المطعمين للمسكين، بل أقول: إن الكافر معاقب على أكله وشربه ولباسه، لكنه ليس حراماً عليه بحيث يمنع منه إنما هو معاقب عليه. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (2/ 8).

مستوطن

ودليل ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93]، فقوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} يدل بمفهومه على أن غيرهم عليهم جناح فيما طعموا، والطعام يشمل الأكل والشرب؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة: 249]، ودليل اللباس قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32]، فقوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يفهم منه أنها ليست للذين كفروا، وقوله: {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يفهم منه أنها لغير المؤمنين ليست خالصة لهم، بل يعاقبون عليها. والمعنى يقتضي ما دلت عليه النصوص من معاقبة الكافر على الأكل والشرب واللباس والنعمة والصحة، وكل شيء؛ وذلك لأن العقل يقتضي طاعة من أحسن إليك، وأنك إذا بارزته بالمعصية وهو يحسن إليك، فإن هذا خلاف الأدب والمروءة، وبه تستحق العقوبة، فصارت النصوص مؤيدة لما يقتضيه العقل. مُسْتَوْطِنٍ .......... قوله: «مستوطن»، هذا هو الشرط الخامس. وضد المستوطن المسافر والمقيم. فالمسافر لا جمعة عليه، ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أسفاره لم يكن يصلي الجمعة، مع أن معه الجمع الغفير، وإنما يصلي ظهراً مقصورة. فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون جمعه وقصره في غير يوم الجمعة، وأنه يقيم صلاة الجمعة في السفر؟

فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن لدينا نصاً ظاهراً جداً في أنه لا يصلي الجمعة في سفره، وذلك في يوم عرفة، فإن يوم عرفة كان يوم الجمعة في حجة الوداع، وفي صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لما وصل بطن الوادي يوم عرفة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذَّن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر» (¬1). وهذه الصفة تخالف صلاة الجمعة من وجوه: 1 ـ لأن صلاة الجمعة الخطبة فيها بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان. 2 ـ صلاة الجمعة يتقدمها خطبتان، وحديث جابر ليس فيه إلا خطبة واحدة. 3 ـ صلاة الجمعة يجهر فيها بالقراءة، وحديث جابر يدل على أنه لم يجهر، لأنه قال: «صلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر». 4 ـ صلاة الجمعة تسمى صلاة الجمعة، وفي حديث جابر قال: «صلى الظهر». 5 ـ صلاة الجمعة لا تجمع إليها العصر، وحديث جابر يقول: «صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر»، وهذا نص صريح واضح في هذا الجمع الكثير الذي سيتفرق فيه المسلمون إلى بلادهم فيقولون: صلينا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الجمعة ظهراً يدل دلالة قطعية على أن المسافر لا يصلي الجمعة. الوجه الثاني: لو كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلي الجمعة في أسفاره ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1218).

لكان ذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، ولنقل إلينا. ولو كانت واجبة لصلاها، بل لو كانت جائزة لصلاها، فإذا صلى الإنسان الجمعة وهو في السفر، فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها ظهراً مقصورة؛ لأن المسافر ليس من أهل الجمعة. فإذا قال قائل: تَرْك النبي صلّى الله عليه وسلّم للجمعة لا يدل على أنها غير مشروعة؟ فالجواب: بلى؛ لأنها لو كانت مشروعة لكانت عبادة، وهي فريضة واجبة، ولا يمكن أن يدع النبي صلّى الله عليه وسلّم الواجب، فإذا كان سبب الفعل موجوداً، ولم يفعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم ذلك علم أن فعله يكون بدعة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (¬1). وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم (كل شيء سببه موجود في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يفعله، فالتَّعبُّد بِهِ بدعة)، فالجمعة في السفر سببها موجود في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكنه لم يفعلها، فإذا فعلها إنسان قلنا له: عملت عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عملاً مردوداً. أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة، كما لو مرَّ إنسان في السفر ببلد، ودخل فيه ليقيل، ويستمر في سيره بعد الظهر فإنها تلزمه الجمعة؛ لعموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، وهذا عام، ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقالت الظاهرية: إن المسافر تلزمه الجمعة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 186).

واستدلوا على ذلك: بعمومات الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجمعة، وهذا الاستدلال مردود بالأدلة المخصصة للعمومات. فالمسافر لا جمعة عليه، والمقيم أيضاً لا جمعة عليه، لكن إن أقامها مستوطنون في البلد لزمته بغيره لا بنفسه، ومعنى قولنا بغيره أنه إذا أقامها من تصح منهم إقامتها لزمته تبعاً لغيره، لكن لا يحسب من العدد المشروط. وبناء على هذا ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ مستوطن. 2 ـ مسافر. 3 ـ مقيم لا مسافر ولا مستوطن. مثال ذلك: رجل وصل إلى بلد، ونوى أن يقيم فيها أكثر من أربعة أيامٍ، هذا ليس مستوطناً؛ لأنه لم يتخذ هذا البلد وطناً، وليس مسافراً؛ لأنه نوى إقامة تقطع السفر فهو مقيم، فإن أقيمت الجمعة في البلد بأناس مستوطنين لزمته، وإن لم تقم لم تلزمه، وبناء على هذا لو وُجِدَ جماعة مسلمون سافروا إلى بلاد كفر، وهم مائة رجل يريدون أن يدرسوا فيها لمدة خمس سنوات أو ست أو عشر، فإن الجمعة لا تلزمهم، بل ولا تصح منهم لو صلوا جمعة؛ لأنه لا بد من استيطان، وهؤلاء ليسوا بمستوطنين، فلا تصح منهم الجمعة، ولا تلزمهم، لكن لو وجد في هذه القرية أربعون مستوطناً لزمت الجمعة الأربعين، ثم تلزم هؤلاء تبعاً لغيرهم، هذا هو تقرير المذهب؛ وعليه يكون من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام مسافراً من بعض

ببناء اسمه واحد، ولو تفرق

الوجوه غير مسافر من بعض الوجوه فيلزمه إتمام الصلاة، ولا يترخص برخص السفر؛ لانقطاع حكم السفر في حقه، ولا يصح أن يكون إماماً في الجمعة ولا خطيباً فيها ولا يكمل به العدد المشروط، ولكن تلزمه الجمعة إذا أقيمت، وهذا تناقض. ولهذا كان الصحيح أن حكم السفر لا ينقطع في حقه، وأنه يصح أن يكون إماماً وخطيباً في الجمعة، ويكمل به العدد المشروط. بِبِنَاءٍ اسمُهُ وَاحِدٌ، وَلَوْ تَفَرَّقَ. ............. قوله: «ببناء» أي بوطن مبني، ولم يبين المؤلف بأي شيء بني، فيشمل ما بني بالحجر، والمدر، والإِسمنت، والخشب، وغيرها، وهو يحترز بذلك مما لو كانوا أهل خيام كأهل البادية، فإنه لا جمعة عليهم؛ لأن البدو الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بإقامة الجمعة مع أنهم مستوطنون في أماكنهم؛ لكونها ليست ببناء، ولهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم، ولم يبق لها أثر؛ لأنها خيام. قوله: «اسمه واحد، ولو تفرق»، أي: أن يكون مستوطناً ببناء، اسم هذا البناء واحد، مثل: مكة، المدينة، عنيزة، بريدة، الرياض، المهم أن يكون اسمه واحداً، حتى لو تباعد، وتفرق بأن صارت الأحياء بينها مزارع، لكن يشملها اسم واحد، فإنه يعتبر وطناً واحداً، وبلداً واحداً؛ ولهذا قال المؤلف: «ولو تفرق» مشيراً بذلك للخلاف في هذه المسألة. وقال بعض العلماء: لو تفرق، وفرقت بينه المزارع، فليس بوطن واحد، وعلى هذا القول يكون كل حي وحده مستقلاً.

ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ

ولكن الصحيح أنه ما دام يشمله اسم واحد فهو بلد واحد، ولو فرض أن هذا البلد اتسع وصار بين أطرافه أميال أو فراسخ فهو وطن واحد تلزم الجمعة من بأقصاه الشرقي كما تلزم من بأقصاه الغربي، وهكذا الشمال والجنوب؛ لأنه بلد واحد. لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ ........ قوله: «ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ». هذا الشرط السادس أي: ليس بين الإنسان وبين المسجد أكثر من فرسخ، والفرسخ سبق لنا: أنه ثلاثة أميال، والميل: اثنا عشر ألف ذراع، فعلى هذا لا يلزم الشخص الذي يكون بينه وبين البلد أكثر من فرسخ جمعة، هذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان البلد واحداً فإنه يلزمه، ولو كان بينه وبين المسجد فراسخ. وذكر علماؤنا أن مسيرة الفرسخ ساعة ونصف الساعة في سير الإبل والقدم، لا بسير السيارة؛ فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ قالوا: فإنها تلزمه بغيره أي: إن أقيمت الجمعة وهو في البلد لزمته وإلا فلا، فصارت الشروط ستة في وجوب الجمعة عيناً. [فإن قال قائل: ما الدليل على التقييد بالفرسخ؟ فالجواب: يقولون الغالب أن من كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فالغالب أنه لا يسمع النداء، مع أن بعض العلماء قدَّره بالأذان، والذين قدَّروه بالفرسخ قالوا: الأذان يختلف بحسب صوت المؤذن والرياح وارتفاع المؤذن وهدوء الأصوات، فلا يمكن انضباطه، والفرسخ منضبط، إذاً ليس هناك دليل بل هو تعليل، والدليل الذي دلت عليه السنة هو سماع الأذان؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «هل تسمع النداء»؟ قال: نعم، قال: «فأجب» (¬1)]. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 122).

ولا تجب على مسافر سفر قصر ولا على عبد وامرأة، ومن حضرها منهم أجزأته، ولم تنعقد به

وَلاَ تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ وَلاَ عَلَى عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ .......... وقوله: «ولا تجب على مسافر سفر قصر»، الضمير يعود على الجمعة، فلا تجب على مسافر سفر قصر، وقد سبق بيان هذا وذكر الأدلة عليه. وقوله: «على مسافر سفر قصر» أي: سفراً يحل فيه القصر، فلا تجب عليه، لكن تجب عليه بغيره كما سبق، [ومعنى ذلك أنها إن أقيمت الجمعة وجبت عليه وإلا فلا]. فلو أن رجلاً من أهل عنيزة سافر إلى بريدة، فالسفر على المشهور من المذهب ليس سفر قصر؛ لأنه دون المسافة، فإذا أقيمت الجمعة هناك يجب عليه أن يصلي؛ لأن السفر ليس سفر قصر. ولو أن رجلاً سافر إلى بلد يبلغ المسافة، ولكن سفره محرّم أي سافر ـ والعياذ بالله ـ ليفعل الفواحش، ويشرب الخمر، وما أشبه ذلك، فلا تسقط عنه الجمعة؛ لأن السفر ليس سفر قصر، لأن من شروط سفر القصر أن يكون السفر مباحاً. ولو أن رجلاً دخل بلداً ليقيم فيه خمسة أيام مثلاً، ثم يسافر فتلزمه الجمعة بغيره؛ لأنه ليس مسافراً سفر قصر، بل هو مقيم إقامة تمنع القصر، فتلزمه الجمعة. قوله: «ولا على عبد ولا امرأة»، لأن من شرط الوجوب أن يكون حراً ذكراً. وقد سبق الكلام عليه. قوله: «ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به»، أي:

ولم يصح أن يؤم فيها

المسافر سفر قصر، والعبيد، والنساء، من حضر الجمعة منهم، وصلى مع الإمام أجزأته جمعة. فإن قيل: كيف تجزئهم وليسوا من أهل الوجوب؟ فالجواب: أن إسقاطها عنهم تخفيف، فإذا حضروا وصلوا فهم الذين اختاروا ذلك لأنفسهم فتصح، ولكن لو قيل بتعليل سوى هذا، وهو: أنهم ائتموا بمن يصلي الجمعة، فأجزأتهم تبعاً لإمامهم، وقد يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، لكان أولى. وقوله: «ولم تنعقد به» أي: لم تنعقد بواحد من هؤلاء، ومعنى لم تنعقد به أي: لا يحسب من العدد المعتبر؛ لأنهم ليسوا من أهل الوجوب، والعدد كما سيأتينا إن شاء الله على المذهب أربعون رجلاً. مثال ذلك: لو حضر تسعة وثلاثون رجلاً حرّاً، وجاء عبد فإنه لا يتمم به العدد فيصلون ظهراً؛ لأنها لا تنعقد به. مثال آخر: قدم شخص قرية صغيرة فيها تسعة وثلاثون رجلاً، وهو مسافر فلا يكمل به العدد؛ لأنه مسافر. وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا ....... قوله: «ولم يصح أن يؤم فيها»، أي لا يصح أن يكون أحد من هؤلاء إماماً في الجمعة. أما المرأة فلا شك أنه لا يصح أن تؤم فيها، ولا تنعقد بها؛ لأن المرأة لا تكون إماماً للرجال، وليست من أهل الوجوب. وأما العبد فلا يصح أن يكون إماماً فيها؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، فلو كان هذا العبد قارِئاً عالماً فقيهاً عابداً، والذين في

القرية أربعون رجلاً كل واحد منهم يحسن القراءة الواجبة، ولكنهم دون العبد في القراءة والعلم والفقه والعبادة فإنه لا يؤمهم في الجمعة. هذا ما يقتضيه كلام المؤلف؛ لأنه ليس من أهل الوجوب. ومذهب أبي حنيفة والشافعية أن العبد يصح أن يكون إماماً في الجمعة. هذا إذا قلنا: إن العبد لا تلزمه الجمعة، أما إذا قلنا: بأن العبد تلزمه الجمعة فإنها تنعقد به أي: يكمل به العدد، ويصح أن يكون إماماً فيها. وأما المسافر فلا يصح أن يكون إماماً في الجمعة ولا خطيباً فيها، مثاله: مسافر قدم إلى بلد أهله كلهم عوام، والخطيب فيهم واحد منهم، فقدم البلد هذا الرجل العالم المتضلع في العلم العابد، وصلى بهم فلا تصح صلاتهم على قول المؤلف؛ لأنه مسافر، ولو خطب بهم وصلى أحدهم، فلا تصح؛ لأن من شرط الخطبة أن تكون ممن تصح إمامته في الجمعة، والعمل الآن على خلاف ذلك، وهو مذهب الأئمة الثلاثة وهو الراجح. يأتي الرجل الداعية إلى قرية من القرى ويخطب فيهم الجمعة، ويصلي بهم وينصرفون وهم يعتقدون أن صلاتهم صحيحة، لكن المذهب أن صلاتهم غير صحيحة فيلزمهم أن يعيدوها جمعة إن كان وقتها باقياً وإلا صلوها ظهراً. والخلاصة أن المرأة كما قال المؤلف لا يصح أن تكون خطيباً، ولا أن تكون إماماً، ولا تحسب من الأربعين.

ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه، وانعقدت به

وأما العبد والمسافر، فالصحيح أنها تنعقد بهما، ويصح أن يكونا أئمة فيها وخطباء أيضاً؛ لأن القول بعدم صحة ذلك لا دليل عليه، فالعبد من أهل التكليف، والمسافر من أهل التكليف، وكيف يقال: إنه إذا صلى العبد خلف الإمام جمعة صحت، ولو كان هو الإمام لم تصح؟! فلا يظهر الفرق، والقول بأن صلاته صحت تبعاً ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً لا يسلم في كل موضع. وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانعَقَدَتْ بِهِ، ......... قوله: «ومن سقطت عنه»، أي الجمعة. قوله: «لعذر» كمرض. قوله: «وجبت عليه وانعقدت به»، يعني إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به؛ لأنه من أهل الوجوب، لكن سقط عنه الحضور للعذر، فإذا حضر ثبت الوجوب. مثال ذلك: مريض سقطت عنه الجمعة من أجل المرض، ولكنه تحمل المشقة وحضر إلى الجمعة، فإنها تنعقد به، فيحسب من الأربعين ويصح أن يكون إماماً، وأن يخطب فيها؛ لأنه أهل للوجوب، ولكن وجد فيه مانع الوجوب؛ وفرق بين من فقد منه شرط الوجوب، ومن وجد فيه مانع الوجوب؛ لأن من فقد منه شرط الوجوب ليس أهلاً للعبادة أصلاً، ومن وجد فيه مانع الوجوب فهو في الأصل أهل للوجوب، فإذا وصل إلى محل الجمعة زال مانع الوجوب؛ لأن مانع الوجوب مشقة الوصول إلى المسجد فصار الآن من أهل الوجوب فتلزمه، وتنعقد به، ويصح أن يؤم فيها.

ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح

وكذا الخائف: تسقط عنه الجمعة، لكنه إذا حضرها تلزمه وتنعقد به، ويصح أن يكون إماماً فيها. فإذا قال قائل: ما الفرق بينه وبين المسافر والعبد؟ فالجواب: أن المسافر والعبد لم يوجد فيهما شرط الوجوب، فليسا من أهله، وأما من سقطت عنه لعذر ففيه مانع الوجوب وهو من أهله، فإذا حضر إلى مكانها زال المانع، فصار كالذي ليس فيه مانع. وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاَةِ الإِْمَامِ لَمْ تَصِحَّ. ....... قوله: «ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح»، أي: من صلى الظهر وهو ممن يلزمه الحضور، فإن صلاته لا تصح، وتأمل قول المؤلف: «ممن عليه حضور الجمعة» ولم يقل: ممن تجب عليه الجمعة، وذلك من أجل أن يكون كلامه ـ رحمه الله ـ شاملاً للذي تجب عليه بنفسه، والذي تجب عليه بغيره؛ لأن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يقسمون الناس إلى قسمين: الأول: من تلزمه الجمعة بغيره، وهذا لا تنعقد به ولا يصح أن يكون إماماً فيها. والثاني: من تلزمه بنفسه، وهذا يصح أن يكون إماماً فيها وتنعقد به. مثال ذلك: مسافر حلَّ بلداً تقام فيه الجمعة، وأذِّن لصلاة الجمعة، فهذا عليه الحضور، وليست واجبة عليه بنفسه، بل بغيره، فإذا صلى هذا المسافر قبل صلاة الإمام فإن صلاته لا تصح؛ لأنه فعل ما لم يؤمر به، وترك ما أمر به، فيكون هذا الرجل عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأنه مأمور أن يحضر الجمعة ويصليها، وقد صلى ظهراً فلا تقبل منه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي مردود عليه؛ ولأن صلاته الظهر مع وجوب الحضور عليه يكون كالذي غصب الزمن؛ لأن هذا الزمن الأصل فيه أن يكون للجمعة. مثال آخر: رجل مقيم في البلد، وكان معه أصحابه في البيت فجاء وقت الظهر فصلوا الظهر قبل صلاة الجمعة، فلا تصح. مثال ثالث:

وتصح ممن لا تجب عليه

رجل في أقصى البلد، ـ ويعلم أنه لو ذهب لم يدرك الجمعة ـ فصلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة فلا تصح على مقتضى كلام المؤلف؛ لعموم قوله: «من صلى الظهر قبل صلاة الإمام» أي: حتى في الحال التي يعلم أنه لو سعى لم يدرك الجمعة، فإنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من الجمعة، فيقدر ذلك. وقيل: له أن يصلي الظهر إذا علم أنه لن يدرك الجمعة؛ لأنه في هذه الحال لا يلزمه السعي إليها، فلا فائدة في الانتظار. وَتَصِحُّ مِمَّنْ لاَ تَجِبُ عَلَيه ......... قوله: «وتصح ممن لا تجب عليه»، أي: تصح الظهر ممن لا تجب عليه الجمعة، وإن لم يُصلِّ الإمام. مثال ذلك: مريض مرضاً تسقط به عنه الجمعة صلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة فتصح؛ لأنه لا تلزمه الجمعة. مثال آخر:

والأفضل حتى يصلي الإمام، ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال

لو صلّت امرأة الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة صحت؛ لأن الجمعة لا تلزمها. وَالأَْفْضَلُ حَتَّى يُصَلِّي الإِمَامُ، وَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ السَّفَرُ فِي يومِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. قوله: «والأفضل حتى يصلي الإمام»، أي: أن الأفضل لمن لا تلزمه الجمعة أن يؤخر صلاة الظهر حتى يصلي الإمام، وعلى هذا نقول للنساء: الأفضل في يوم الجمعة ألا تصلين الظهر حتى يصلي الإمام. قالوا: ربما يزول عذره فيدرك صلاة الجمعة، وإذا كان هذا هو التعليل، فإنه لا ينطبق على النساء؛ إذ إن النساء لا يمكن أن يزول عذرهن، فالمرأة امرأة، وعليه فنقول للمرأة: الأفضل أن تصلي الظهر في أول الوقت، ولو قبل صلاة الإمام؛ لأن الصلاة في أول الوقت أفضل من الصلاة في آخر الوقت، وحينئذٍ نقول: إذا كان من لا تلزمه الجمعة ممن يرجى أن يزول عذره ويدركها، فالأفضل أن ينتظر، وإذا كان ممن لا يرجى أن يزول عذره فالأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها؛ لأن الأفضل في الصلوات تقديمها في أول الوقت إلا ما استثني بالدليل. قوله: «ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال»، السفر: فاعل يجوز، أي: لا يجوز السفر في يوم الجمعة بعد الزوال لمن تلزمه، سواء كانت تلزمه بنفسه، أو بغيره؛ وذلك أنه بعد الزوال دخل الوقت بالاتفاق، والغالب أنه إذا دخل الوقت يحضر الإمام فيؤذن للجمعة وتصلى، فيحرم أن يسافر. فإذا قال قائل: ما الدليل على التحريم؟ فالجواب: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ

مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، فأمر بالسعي إليها، وترك البيع، وكذا يترك السفر؛ لأن العلة واحدة، فالبيع مانع من حضور الصلاة، والسفر كذلك مانع من حضور الصلاة، لكن المؤلف علق الحكم بالزوال؛ لأن الزوال هو سبب وجوب الجمعة؛ إذ إنه يدخل به الوقت، ودخول الوقت سبب، فعلق الحكم بالسبب. والأَوْلَى: أن يعلق الحكم بما علقه الله به وهو النداء إلى الجمعة؛ لأنه من الجائز أن يتأخر الإمام عن الزوال، ولا يأتي إلا بعد الزوال بساعة، فلا ينادى للجمعة إلا عند حضور الإمام، لذلك نقول: المعتبر النداء، وما مشى عليه المؤلف يشبه من بعض الوجوه قولهم: من باع نخلاً بعد أن تشقق فثمرته للبائع، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر ـ أي: تلقح وذلك بوضع اللقاح فيها ـ فثمرتها للبائع» (¬1). فعلقوا الحكم على التشقق، قالوا: لأن التشقق هو سبب التأبير فعلق الحكم به. والجواب: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم علق الحكم بالتأبير، فلا يمكن أن نلغي ما علق الشارع الحكم عليه، ونعتبر شيئاً آخر، كذلك هنا علق الحكم بالأذان، فإذا علق الحكم بالأذان، فلا يمكن أن نتجاوز ونعلقه بالزوال، ولكن الغالب أن الإمام يحضر إذا زالت الشمس. ويفهم من قول المؤلف: «بعد الزوال» أن السفر قبل الزوال يوم الجمعة جائز وهو كذلك؛ وذلك لأنه لم يؤمر بالحضور فلم يتعلق الطلب به، فجاز له أن يسافر قبل الزوال. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 226).

لكن بعض العلماء كرهه، وقال: لئلا يفوت على نفسه فضل الجمعة؛ لأن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، فمن أجل أن لا يفوت فضل الجمعة كرهوا له أن يسافر قبل الزوال، ويستثنى من تحريم السفر مسألتان: الأولى: إذا خاف فوات الرفقة، أي: أن له رفاقاً يريدون أن يسافروا قبل صلاة الجمعة فزالت الشمس، وخاف أن تفوته الرفقة فإن له أن يسافر؛ لأن هذا عذر في ترك الجمعة نفسها، فكذلك يكون عذراً في السفر بعد الزوال. الثانية: إذا كان يمكنه أن يأتي بها في طريقه. فمثلاً: لو قدرنا أن شخصاً يريد أن يسافر من عنيزة إلى حائل، وسيمر ببريدة، فهنا يمكن أن يأتي بها في طريقه، فلا يحرم عليه السفر؛ لأن علة التحريم هي خوف فوات الجمعة، وهنا الجمعة لن تفوت. مسألة: هل مثل ذلك خوف إقلاع الطائرة؟ الجواب: نعم، فلو فرض أن الطائرة ستقلع في وقت صلاة الجمعة، ولو جلس ينتظر فاتته، فهو معذور وله أن يسافر ولو بعد الزوال.

فصل

فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا شُرُوطٌ لَيْسَ مِنْهَا إِذْنُ الإِْمَامِ ........ قوله: «يشترط لصحتها شروط» الشروط: جمع شرط، وهو في اللغة: العلامة. وفي الشرع: ما يتوقف عليه الشيء، إن كان شرطاً للوجوب فهو ما يتوقف عليه الوجوب، وإن كان شرطاً للصحة فهو ما تتوقف عليه الصحة، وإن كان شرطاً للإجزاء فهو ما يتوقف عليه الإجزاء، هذه ثلاثة أنواع كلها موجودة في شروط الحج. وهنا يجب أن تعرف الفرق بين شروط الشيء والشروط في الشيء، فمنها: 1 ـ شروط الشيء موضوعة من قبل الشرع، فلا يمكن لأحد إسقاطها، والشروط في الشيء موضوعة من قبل العبد فيجوز لمن هي له أن يسقطها. 2 ـ شروط الشيء ما يتوقف عليه الشيء صحة أو وجوباً أو إجزاء، أو وجوداً في أمور العقليات، والشروط في الشيء ما يتوقف عليه لزوم الشيء. مثال ذلك: العلم بالمبيع شرط للصحة، فلو باع مجهولاً لم يصح البيع ولو رضي الطرفان؛ لأنه من وضع الشرع. مثال آخر: باع شخص بيتاً، واشترط سكناه لمدة سنة، فهذا شرط في البيع لو أسقطه من له الشرط جاز، ولو لم يشترط البائع سكنى الدار لم يثبت له سكنى الدار، فهو لم يثبت إلا من وضع البشر، لمن له الحق أن يسقطه.

فشروط صحة الجمعة ما يتوقف عليها صحة الجمعة، أي: إذا فقد واحد من الشروط لم تصح الجمعة. قوله: «ليس منها إذن الإمام»، إذا قال العلماء: (إمام) فهو صاحب أعلى سلطة في البلد، سواء سمي إماماً أو خليفة أو أميراً أو رئيساً أو شيخاً أو غير ذلك. أي: لو صلى الناس بدون إذن الإِمام فصلاتهم صحيحة. فإذا قال قائل: لماذا نص المؤلف على نفي هذا الشرط، مع أن السكوت عنه يقتضي انتفاءه؟ فالجواب: لأن في ذلك خِلافاً، فالمذهب: لا يشترط إذن الإمام. وقال بعض العلماء: لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام؛ وذلك لأنها صلاة جامعة لكل أهل البلد، فلا يجوز أن تقام إلا بإذن الإمام، والإمام إذا استؤذن يجب عليه أن يأذن، ولا يحل له أن يمنع، فلو فرض أنه امتنع ومنعهم من إقامة الجمعة مع وجوبها فحينئذٍ يسقط استئذانه. ولكن لو قيل بالتفصيل، وهو: أن إقامة الجمعة في البلد لا يشترط لها إذن الإمام، وأنه إذا تمت الشروط وجب إقامتها، سواء أذن أم لم يأذن، وأما تعدد الجمعة فيشترط له إذن الإمام؛ لئلا يتلاعب الناس في تعدد الجمع، فلو قيل بهذا القول لكان له وجه، والعمل عليه عندنا لا تقام الجمعة إلا بعد مراجعة دار الإفتاء، وهذا القول لا شك أنه قول وسط يضبط الناس؛ لأننا لو قلنا: إن كل من شاء من أي حي أقام الجمعة بدون مراجعة الإمام، أو نائبه؛ لأصبح الناس فوضى، وصار كل عشرة في حي، ولو صغيراً يقيمون الجمعة.

أحدها: الوقت وأوله أول وقت صلاة العيد وآخره آخر وقت صلاة الظهر

أَحَدُهَا: الوَقْتُ وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلاَةِ العِيدِ وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ ..... قوله: «أحدها الوقت»، هذا هو الشرط الأول وبدأ به المؤلف؛ لأن الوقت آكد شروط الصلاة، سواء هنا أو في أوقات الصلوات الخمس، ولهذا إذا دخل الوقت يصلي الإنسان على حسب حاله، ولو ترك ما لا يقدر عليه من الشروط والأركان، فلو دخل الوقت والإنسان عارٍ ليس عنده ما يستر عورته، أو ليس عنده ماء ولا تراب، أو لا يستطيع أن يتطهر، أو لا يستطيع القيام، أو لا يستطيع التوجه إلى القبلة، أو ببدنه نجاسة لا يستطيع غسلها، فلا نقول: انتظر حتى تتحقق الشروط، بل يصلي إذا خاف فوت الوقت على حسب الحال. والمؤلف قال هنا: «أحدها الوقت»، وفي شروط الصلاة، قال: «دخول الوقت»، فهل هذا اختلاف تعبير لا يختلف به الحكم، أو اختلاف تعبير يختلف به الحكم؟ الجواب: الثاني، أي: أنه اختلاف حكم؛ لأن الشرط السابق في شروط الصلاة هو: دخول الوقت، فتصح الصلاة ولو بعد وقتها، أما هنا فلا تصح الصلاة إلا في وقتها، فلو خرج الوقت ولم يصل ولو لعذر كالنسيان والنوم، فإنه لا يصلي الجمعة، بل يصلي ظهراً، والصلاة قبل الوقت في الجمعة وغيرها لا تصح؛ لأنه في غير الجمعة نقول: لم يدخل الوقت، وفي الجمعة نقول: ليست في الوقت، والصلاة بعد خروج الوقت في غير الجمعة صحيحة إما مطلقاً، وإما لعذر على القول الراجح، وصلاة الجمعة بعد الوقت لا تصح مطلقاً. والدليل على اشتراط الوقت: الإِجماع على أنها لا تصح إلا فيه، فلا تصح قبله ولا بعده.

قوله: «وأوله أول وقت صلاة العيد» هذه إحالة على معدم؛ لأن طالب العلم الذي ابتدأ الكتاب، ومشى عليه لم يعرف وقت صلاة العيد، فباب صلاة العيدين بعد صلاة الجمعة، فإذاً تكون الإِحالة على معدم. وإن قلنا: إن باب العبادات يعتبر شيئاً واحداً فالإحالة على مليء؛ لأن أول العبادات وآخرها واحد. وعلى كلِّ حال فالذي ينبغي لمن يؤلف أن لا يحيل إلا على شيء معلوم سابق، فلا يحيل على شيء لم يأت بعد. وعلى كل حال، أول وقت صلاة الجمعة بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح أي: قدر رمح، والرمح حوالي متر، فلنا أن نصليها من حين أن ترتفع الشمس قدر رمح. ولو قال قائل: لماذا خص الوقت بما بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ولم يكن من حين طلوع الشمس؟ فالجواب: لأن الشمس كما أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو الصادق المصدوق: «تطلع بين قرني شيطان ـ أي: الشيطان يقارنها حقيقة ـ فإذا رآها المشركون سجدوا» (¬1). فاهتز الشيطان طرباً، وقال: سجدوا لي، مع أنهم إنما يسجدون للشمس، لكنهم في الحقيقة إذا سجدوا للشمس فقد أطاعوا الشيطان، فنهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الصلاة حين طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وقدره عشر دقائق إلى ربع ساعة، وفي هذه المدة يكون سجود المشركين ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 115).

للشمس قد انتهى، وكل هذا من أجل البعد عن مشابهة المشركين، حتى في العبادات يجب أن نبتعد عن مشابهتهم، وإن كان الوارد الذي يرد على القلب في المشابهة في العبادات أمراً بعيداً، فإذا كنا نهينا أن نتشبه بالمشركين في العبادات التي يكون التشبه فيها بعيداً، فالعادات من باب أولى؛ ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (¬1)، وإسناد الحديث جيد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ـ الذي هو من أفيد ما يكون، ولا سيما في الوقت الحاضر ـ «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»: (أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم)؛ لأنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» فظاهره أنه كافر، لكن هو منهم فيما تشبه به فيهم، فيكون هذا الحديث دالًّا على التحريم، وهو القول الراجح الذي لا شك فيه أن التشبه بالكفار حرام، ولكن لا بد أن نعرف ما هو التشبه، وهل يشترط قصد التشبه؟ فالجواب: أن التشبه أن يأتي الإنسان بما هو من خصائصهم بحيث لا يشاركهم فيه أحد كلباس لا يلبسه إلا الكفار، فإن كان اللباس شائعاً بين الكفار والمسلمين فليس تشبهاً، لكن إذا كان لباساً خاصاً بالكفار، سواء كان يرمز إلى شيء ديني كلباس الرهبان، أو إلى شيء عادي لكن من رآه قال: هذا كافر بناء على لباسه فهذا حرام. وهل يشترط قصد التشبه أو لا؟ ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 168).

الجواب: قد يقول قائل: إنه يشترط قصد التشبه؛ لأنه قال: «من تشبه» وتفعّل تقتضي فعلاً وقصداً، ولكن من نظر إلى العلة عرف أنه متى حصل التشابه ثبت الحكم، ولهذا نص شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ على أنه متى حصلت المشابهة، ولو بغير قصد، ثبت الحكم؛ وذلك لأن العلة لا تختلف بالقصد وعدمه، فالعلة أن من رأى هذا الرجل قال: هذا كافر، وهذا لا يشترط فيه القصد. لكن لو فرض أن الإنسان في بلد ليس فيه من الكفار من يلبس هذا اللباس، وهو لا يعرف عن لباس الكفار في بلادهم، ولبس لباساً يشبه لباس الكفار في بلادهم، وهو لم يقصد، فهنا قد نقول: إنه لا تشبه؛ لأن العلة قد زالت تماماً. فإن قال قائل: على قولكم حرموا قيادة الطائرات التي تحمل الصواريخ، وما أشبه ذلك؛ لأن الذين يقودونها كفار؟ فالجواب: أن هذه ليست من أزيائهم التي يتحلون بها، ويتخذونها شعاراً لهم، فهذه آلة يقودها الكفار، ويقودها المسلمون، والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما فتحوا البلاد ركبوا السفن التي يصنعها الكفار، والتي هم بها أدرى، ولم يقولوا: إذا ركبنا السفينة صرنا متشبهين. قوله: «وآخره آخر وقت صلاة الظهر»، أي آخر وقت صلاة الجمعة، آخر وقت صلاة الظهر، وذلك إذا كان ظل الشيء كطوله بعد فيء الزوال. وعلامة ذلك: أن الشمس إذا طلعت يكون لكل شاخص

ـ أي: لكل شيء قائم ـ ظل من جهة المغرب، ثم لا يزال هذا الظل ينقص شيئاً فشيئاً، كلما ارتفعت الشمس نقص إلى أن يقف، فإذا وقف وزاد أدنى زيادة زالت الشمس، فاجعل علامة على المحل الذي بدأ يزيد منه وسيزداد الظل، فإذا كان من العلامة التي زالت عليه الشمس إلى منتهى الظل طول الشاخص، فهنا يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر. فإن قيل: ما هو الدليل على هذا التحديد ابتداء وانتهاء؟ فالجواب: أن عندنا قاعدة مفيدة (أن كل تحديد بمكان أو زمان أو عدد، فإنه لا بد له من دليل)؛ لأن التحديد يحتاج إلى توقيف، فمثلاً: الذين حددوا الحيض بأن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً فلا بد لهم من الدليل، وإلا فلا قبول، والذين حددوا مسافة القصر بيومين لا بد لهم من الدليل، والذين حددوا الإقامة التي تقطع حكم السفر بأربعة أيام لا بد لهم من الدليل، والذين حددوا الفطرة بصاع لا بد لهم من الدليل، والذين حددوا دخول وقت الجمعة بارتفاع الشمس بقيد رمح نقول: أين الدليل؟ لأن المعروف أن الجمعة تكون عند الزوال، أو بعد الزوال، فحديث أبي هريرة: «من اغتسل، ثم راح في الساعة الأولى، ثم قال: في الثانية، ثم قال: في الثالثة، ثم قال: في الرابعة، ثم الخامسة» (¬1)، يدل على أن هناك فسحة طويلة بين طلوع الشمس ووقت الصلاة، وعليه فالدليل على ابتداء وقت صلاة الجمعة أثر عبد الله بن سيدان ـ رحمه الله ـ قال: «شهدت ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (881)؛ ومسلم (850).

الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره». رواه الدارقطني، وأحمد، واحتج به (¬1). ولكن هذا الحديث لا يستقيم الاستدلال به على أن وقت صلاة الجمعة يكون من ارتفاع الشمس قيد رمح لما يلي: أولاً: الأثر ضعيف كما قاله النووي وغيره، وراويه يقول عنه البخاري: إنه لا يتابع على حديثه. ثانياً: لو صح هذا الأثر فليس فيه دليل على دخول وقت الجمعة بارتفاع الشمس قيد رمح؛ لأن قوله: «كانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار»، يدل على أنها قريبة من النصف وهو الزوال، ولو كانت في أول النهار لقال: كانت صلاته وخطبته في أول النهار، فهناك فرق بين أن يقال: قبل النصف وأن يقال: من أول النهار؛ لأن قبل النصف يعني أنها قريبة؛ ولهذا قال: «ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 17)؛ وابن أبي شيبة (2/ 107)؛ وعبد الرزاق (5210)، ولم نقف عليه في مسند الإمام أحمد ولكن في رواية عبد الرزاق دون قوله: «ثم شهدنا مع عثمان ... ». و «إسناده صحيح إلى ابن سيدان». وقال البخاري في «التاريخ الكبير» عن عبد الله بن سيدان: «لا يتابع على حديثه». انظر: «الجرح والتعديل» (5/ 68)؛ و «فتح الباري» (2/ 387)؛ و «التعليق المغني» (2/ 17).

فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرا، وإلا فجمعة

زال النهار»، وهذا يدل على أن صلاة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ كانت قريبة من الزوال، والقول بأن صلاة الجمعة تصح قبل الزوال هو المذهب، وهو من المفردات. القول الثاني: أنها لا تصح إلا بعد الزوال، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة. القول الثالث: أنها تصح في الساعة السادسة قبل الزوال بساعة استناداً إلى حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «من راح في الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (¬1)، فيكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ في الساعة السادسة، ولهذا رجح الموفق ـ رحمه الله ـ في المغني ـ وهو من أكابر أصحاب الإمام أحمد ـ أنها لا تصح قبل السادسة، ولا في أول النهار كما ذهب إليه كثير من الأصحاب، ومنهم الخرقي، وهذا القول هو الراجح أنها لا تصح في أول النهار، إنما تصح في السادسة، والأفضل على القول بأنها تصح في السادسة، أن تكون بعد الزوال وفاقاً لأكثر العلماء. فَإِن خَرَجَ وَقْتُها قَبلَ التَّحْرِيمَةِ صَلَّوا ظُهْراً، وَإِلاَّ فَجُمُعَةً. قوله: «فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهراً، وإلا فجمعة»، أي: إن خرج وقت الجمعة قبل أن يدركوا تكبيرة الإحرام في الوقت فإنهم يصلون ظهراً، وهذه المسألة تكاد تكون فرضية لا واقعية؛ لأنه يبعد أن يترك أهل بلد كامل صلاة الجمعة إلى ألا يبقى من الوقت إلا مقدار ما يجب من الخطبة وتكبيرة الإحرام. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31).

وأيضاً من الذي يقدر أنه بقي مقدار تحريمة قبل أن يصير ظل الشاخص مثله، فهذا صعب جداً، وفي الزمن السابق ليس عندهم دقة هذا الحساب، فهذه المسألة في الحقيقة من الأمور التي تكون فرضية، ولكن الفقهاء ـ رحمهم الله وجزاهم عن أمة محمد خيراً ـ يفرضون المسائل المتوقعة خوفاً من أن تقع ولو في ألف سنة مرة؛ من أجل تمرين الذهن على تطبيق المسائل على أصولها، وهذا من حسن التربية والتعليم أن يذكر المعلم الأصول، ثم يفرع عليها التفريعات، وإن كانت نادرة الوقوع أو فرضية الوقوع، فقول المؤلف: «إذا خرج وقتها قبل أن يكبروا تكبيرة الإحرام صلوها ظهراً»؛ لأن الظهر تقضى والجمعة لا تقضى، ولكن لا بد أن يتقدم تكبيرةَ الإحرام واجبٌ الخطبة أي: خطبتان بأركانهما، ثم تكبيرة الإحرام، هذا ما ذهب إليه المؤلف بناء على أن إدراك تكبيرة الإحرام معتبر كما هو المذهب. والمذهب جميع الإدراكات تعتبر تكبيرة الإحرام إلا إدراكاً واحداً، وهو إدراك الرجل صلاة الجمعة لا يكون إلا بإدراك ركعة كاملة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والصحيح: أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (¬1)، هذا منطوق الحديث، ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة، وهذا عام في جميع الإدراكات، فمن ذلك: 1 ـ لو حاضت المرأة بعد غروب الشمس بمقدار تكبيرة ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (2/ 121).

الإحرام، فعلى المذهب أدركت المغرب، وعلى القول بأنه لا بد من ركعة لم تدرك، وينبني عليه هل إذا طهرت من الحيض تقضي هذه الصلاة أو لا تقضيها؟ والجواب: على المذهب أنها تقضيها، وعلى القول الثاني لا تقضيها. وهناك قول ثالث في هذه المسألة بالذات: أنه لا قضاء عليها إلا إذا أخرت الصلاة حتى ضاق وقتها، ثم حاضت فحينئذٍ يلزمها القضاء، ويعللون ذلك: بأن هذه المرأة لها الحق في تأخير الصلاة إلى أن يضيق الوقت عن فعلها، فهي إذا أخرت غير آثمة، فإذا جاءها المانع في وقت هي غير آثمة فيه فإنها لا تعد مفرطة، ثم الظاهر من نساء الصحابة أنهن إذا حضن في الوقت لا يقضين صلاة الوقت، وإن كان يحتمل أنهن عند تحري الحيض يقدمن الصلاة في أول الوقت خشية أن يحدث لهن حيض، فالله أعلم. 2 ـ امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام؟ فعلى المذهب يلزمها صلاة العصر، وكذلك الظهر أيضاً؛ لأنها تجمع إليها. وعلى القول الثاني لا تلزمها صلاة العصر ولا الظهر؛ لأن الظهر تلزمها تبعاً ولا تلزمها صلاة العصر؛ لأنها لم تدرك من الوقت مقدار ركعة. مسألة: امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بمقدار ركعة فتلزمها صلاة العصر على القولين.

والصحيح: أن صلاة الظهر لا تلزمها. قوله: «فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهراً، وإلا فجمعة»، «إن خرج وقتها» أي: وقت الجمعة. «قبل التحريمة» أي: قبل تكبيرة الإحرام، فإنهم يصلونها ظهراً؛ لأن الوقت قد فات، فإن الوقت لا يدرك إلا بتكبيرة الإحرام، فمن فاتته تكبيرة الإحرام قبل خروج الوقت فقد فاته الوقت، وهذا الذي مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ مبني على أن الإدراك يكون بتكبيرة الإحرام. والصحيح: أن الإدراك لا يكون إلا بركعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» (¬1). وعلى هذا فنقول: إن خرج وقتها قبل إدراك ركعة قبل خروجه فإنهم يصلون ظهراً. مسألة: إذا بقي من الوقت مقدار الواجب من الخطبة فماذا تصلي؟ الجواب: تصلي ظهراً؛ لأنه لا يمكن إقامة الجمعة؛ لأن الجمعة لا بد أن يتقدمها خطبتان، فإذاً لا بد أن يبقى من وقت الجمعة مقدار الواجب من الخطبتين، ومقدار تكبيرة الإحرام على قول المؤلف، أو ركعة على القول الذي رجحناه. ولو قال قائل: هل يمكن أن يخرج وقت صلاة الجمعة على الناس جميعاً؟ ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (34).

الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها

فالجواب: يمكن، لكنه نادر، وصورة إمكانه: أن يكون الجو ملبداً بالغيوم، وليس عندهم ساعات، فيظنون أن الوقت مبكر، ثم تتجلى الغيوم وإذا هم قرب صلاة العصر. الثاني: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِها. قوله: «الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها»، يعني أن الشرط الثاني لصحة الجمعة حضور أربعين، والمراد حضورهم الخطبتين والصلاة، وسبق بيان من هم أهل الوجوب، فلو حضر ثلاثون من أهل الوجوب الخطبة دون الصلاة لم تصح، ولو حضروا الصلاة دون الخطبة لم تصح الصلاة. وسبق بيان من هم أهل وجوبها، وهو: كل ذكر، حر، مكلف، مسلم، مستوطن ببناء ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ ـ ستة شروط ـ فلا بد أن يكون هؤلاء الأربعون متصفين بهذه الصفات. فإن حضر تسعة وثلاثون حراً وعبد، فإنها لا تصح؛ لأن العبد ليس من أهل الوجوب، وبه تمام الأربعين، فإن حضر تسعة وثلاثون مستوطناً ومسافر مقيم فلا تصح؛ لأن المسافر المقيم غير مستوطن، ونحن اشترطنا أن يكون مستوطناً، فإن حضرت امرأة وتسعة وثلاثون رجلاً فلا تصح؛ لأنها ليست من أهل الوجوب، ولو اجتمع في بلد من بلاد الكفار طلبة يبلغون مائة، وليس فيهم أحد من أهل البلد، فإنهم لا يقيمون الجمعة؛ لأنهم غير مستوطنين. واستدلوا على اشتراط الأربعين بما يلي: 1 ـ قال أحمد: «بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة»، ويجاب: إن صح هذا الأثر فإنه لا يصح

الاستدلال به؛ وذلك لأن بلوغهم هذا العدد وقع اتفاقاً لا قصداً، فلم يقل: إنهم أمروا أن يجمعوا فلما بلغوا أربعين أقاموا جمعة، فلو كان لفظ الحديث هكذا لكان فيه شيء من الاستدلال. 2 ـ قال جابر: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة، وأضحى، وفطراً» (¬1). لكن هذا الحديث لا يصح، وبهذا يتبين أن دليل المؤلف إما صريح غير صحيح مثل حديث جابر، وإما صحيح غير صريح مثل حديث مصعب بن عمير، والحديث الذي تثبت به الأحكام لا بد أن يكون صحيحاً وصريحاً؛ لأن الضعيف ليس بحجة، وكذا الصحيح غير الصريح يكون محتملاً، ومن القواعد المقررة عند العلماء في الاستدلال «أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال»، وعلى هذا فاشتراط الأربعين لإقامة الجمعة غير صحيح؛ لأن ما بني على غير صحيح فليس بصحيح، ثم يقال: إنه ثبت في صحيح مسلم «أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما قدمت العير من الشام إلى المدينة وكانوا في شفقة لقدومها لشدة حاجتهم انفضوا إليها، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً ـ أقل من الأربعين ـ وبقي مقيماً لصلاة الجمعة» (¬2). لكن قالوا: لعل هؤلاء الذين خرجوا رجعوا فوراً قبل أن يمضي النبي صلّى الله عليه وسلّم في خطبته. ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 4)؛ والبيهقي (3/ 177). وقال البيهقي: تفرد به عبد العزيز القرشي، وهو ضعيف. (¬2) أخرجه مسلم (863) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

ويجاب: أن هذا الاحتمال خِلاف الأصل والظاهر. فهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن من خرج لا يعود حتى يثبت دليل أنه عاد. وخلاف الظاهر؛ لأنه ليس من الظاهر أنهم يخرجون ينظرون فقط، ثم يرجعون، بل سيبقون هناك يشترون من المتاع الذي حضر؛ ولهذا عاتبهم الله عزّ وجلّ فقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]، فصعبٌ على النفوس أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يترك {قائماً} فيهم يعظهم، ويرشدهم ثم يتركونه قبل فراغ الخطبة، فوبخهم بما هو أشد في قوله: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. القول الثاني: أنه لا بد من اثني عشر رجلاً من أهل الوجوب. واستدلوا: بحديث جابر السابق (¬1)، وأجيب: بأن هذا وقع اتفاقاً فلم يكن قصداً، فربما يبقى أكثر، وربما يبقى أقل، [ولا يصح الاستدلال به]. القول الثالث: أنه يشترط أربعة رجال، [إمام وثلاثة يوجه إليهم الخطاب]، وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] و «آمنوا» جمع، وأقل الجمع ثلاثة، والإمام هو الذي يُسعى لخطبته. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (38).

وأجيب: بأن الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الجمعة: 9] وإن كان جمعاً، فالمراد به الجنس، ولهذا يؤمر بالحضور إلى الجمعة، ولو كان واحداً. القول الرابع: أنه يشترط أن يكونوا ثلاثة: خطيب ومستمعان، واستدلوا: 1 ـ أن الثلاثة أقل الجمع. 2 ـ أنه روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان» (¬1)، والصلاة عامة تشمل الجمعة وغيرها، فإذا كانوا ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة، فإن الشيطان قد استحوذ عليهم، وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة، ولا يمكن أن نقول: تجب على الثلاثة، ثم نقول: لا تصح من الثلاثة؛ لأن إيجابها عليهم ثم قولنا: إنها غير صحيحة تضاد، معناه: أمرناهم بشيء باطل، والأمر بالشيء الباطل حرام، هذا القول قوي، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ. القول الخامس: أن الجمعة تجب على اثنين فما فوق؛ لأن ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 196) (6/ 446)؛ وأبو داود (547)؛ والنسائي (2/ 106)؛ وابن خزيمة (1476)؛ وابن حبان (2101) إحسان؛ والحاكم (1/ 211)؛ والبيهقي (3/ 54). وقال الحاكم: «هذا حديث صدوق ... متفق على الاحتجاج برواته إلا السائب بن حبيش وقد عرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات».

الاثنين جماعة فيحصل الاجتماع، ومن المعلوم أن صلاة الجماعة في غير الجمعة تنعقد باثنين بالاتفاق، والجمعة كسائر الصلوات، فمن ادعى خروجها عن بقية الصلوات، وأن جماعتها لا بد فيها من ثلاثة فعليه الدليل، وهذا مذهب أهل الظاهر، واختاره الشوكاني في شرح المنتقى، وهو قول قوي، لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح؛ إذ لا بد من جماعة تستمع، وأقلها اثنان، والخطيب هو الثالث، وحديث أبي الدرداء (¬1) يؤيد ما قاله الشيخ. القول السادس: أن الجمعة تصح حتى من واحد؛ لأن الجمعة فرض الوقت، فما الفرق بين الجماعة والواحد، كما أن الظهر فرض الوقت ولا فرق بين الواحد والجماعة، ومن ادعى شرطية العدد في الجمعة فعليه الدليل، ولكن هذا قول شاذ، وهناك أقوال أخرى. وأقرب الأقوال إلى الصواب: أنها تنعقد بثلاثة، وتجب عليهم، وعلى هذا فإذا كانت هذه القرية فيها مائة طالب، وليس فيها من مواطنيها إلا ثلاثة فتجب على الثلاثة بأنفسهم، وعلى الآخرين بغيرهم، وإذا كان فيها مواطنان ومائة مسافر مقيم لا تجب عليهم. مسألة: إذا حضر تسعة وثلاثون، والإمام يرى أن الواجب أربعون، والتسعة والثلاثون يرون أن الواجب ثلاثة فنقول: الإمام لا يصلي بهم، ويصلي واحد من هؤلاء الذين لا يرون الأربعين، ثم يلزم الإمام أن يصلي؛ لأنها أقيمت صلاة الجمعة. وإذا كان بالعكس الإمام لا يرى العدد أربعين، والتسعة ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (40).

والثلاثون يرون العدد أربعين فلا يصلون جمعة؛ لأن التسعة والثلاثين يقولون: نحن لن نصلي فيبقى واحد، فلا تنعقد به الجمعة فيصلون ظهراً. وهذه المسألة التي ذكرها العلماء ـ رحمهم الله ـ تدلنا على أن الإنسان ينبغي أن يكون واسع الأفق، فالعلماء أسقطوا الجمعة من أجل الخلاف، وأوجبوها من أجل الخلاف، فالمسائل الخلافية التي يسوغ فيها الاجتهاد لا ينبغي للإنسان أن يكون فيها عنيفاً بحيث يضلل غيره، فمن رحمة الله عزّ وجلّ أنه لا يؤاخذ بالخلاف إذا كان صادراً عن اجتهاد، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، وأهل السنة والجماعة من هديهم وطريقتهم ألا يضللوا غيرهم ما دامت المسألة يسوغ فيها الاجتهاد، حتى إنهم قالوا: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي من خالف ترتيبهم في الخلافة فهو ضال، أي من قال: إن علياً أولى من أبي بكر بالخلافة فهو ضال، حتى قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: «هو أضل من حمار أهله»، ومن خالف في التفضيل بين عثمان وعلي، فقال: علي أفضل من عثمان فإنه لا يضلل؛ لأن هذه مسألة فيها خلاف بين أهل السنة، لكن استقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان تبعاً للخلافة، فإذا كان يرى أن الأحاديث الواردة في فضل علي ـ رضي الله عنه ـ تفوق الأحاديث الواردة في فضل عثمان ـ رضي الله عنه ـ فلا يضلل، لكن من فضَّل عليًّا على أبي بكر وعمر فقد قدح في علي نفسه؛ لأن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ يقول على منبر الكوفة، وهو يخطب الناس: «خير

الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين

هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» (¬1). الثالث: أَنْ يَكُونُوا بِقَرْيَةٍ مُسْتَوْطِنِينَ. قوله: «الثالث أن يكونوا بقرية مستوطنين»، أي: يشترط لصحة صلاة الجمعة أن يكون العدد المشروط مستوطنين بقرية، وهذا هو الشرط الثالث لصحة صلاة الجمعة، فإن كانوا في خيام كالبادية، فإنه لا جمعة عليهم، ولا تصح منهم الجمعة. ودليل هذا: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر البدو الذين حول المدينة بإقامة جمعة؛ لأنهم ليسوا مستوطنين، فربما يكونون هذا العام في هذا المكان، وفي العام الثاني أو الثالث في مكان آخر؛ لأنهم يتبعون الربيع والعشب. والقرية في اللغة العربية: تشمل المدينة والمصر؛ لأنها مأخوذة من الاجتماع. وانظر إلى مكة أم القرى سماها الله قرية، قال الله تعالى: {وَكَأَيِّن مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} [محمد: 13]، مع أن الله قال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7]. والقرية في اللغة غير المفهوم في عرفنا. فالمراد بالقرية: المدينة سواء كانت صغيرة أو كبيرة. وقوله: «مستوطنين»، أي: لا بد أن يكونوا مستوطنين، أي: متخذيها وطناً، سواء كانت وطنهم الأول أم وطنهم الثاني، فالمهاجرون من النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه اتخذوا المدينة وطناً ثانياً. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 110)؛ وابن ماجه (106).

وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء

وضد المستوطن: المسافر والمقيم، فالمسافر هو الذي على جناح سفر مرَّ في البلد، ليقضي حاجة ويمشي، والمقيم من أقام يوماً أو ثلاثة أيام، أو خمسة أيام، أو أكثر لشغل ثم يرجع، ومن أقام بقرية وهو عازم على السفر، فهل هو مقيم أو مسافر؟ الجواب: شيخ الإسلام يرى أنه مسافر، ويقول: ليس في الكتاب ولا في السنة تقسيم الناس إلى مستوطن ومقيم ومسافر، وليس فيهما إلا مسافر ومستوطن، والمستوطن هو المقيم. وَتَصِحُّ فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِن الصَّحْرَاءِ .................... قوله: «وتصح» أي: الجمعة. قوله: «فيما قارب البنيان من الصحراء». أي: إن أهل القرية لو أقاموا الجمعة خارج البلد في مكان قريب، فإنها تصح، فلا يشترط أن تكون في نفس البلد، بشرط أن يكون الموضع قريباً، مثل: مصلى العيد يكون في الصحراء من البلد؛ لأنّهم في الحقيقة لم يخرجوا من القرية. وقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: «فيما قارب البنيان من الصحراء» يفهم منه أن ما كان بعيداً لا تصحُّ فيه الجمعة، أي: لو أن أهل القرية خرجوا في نزهة بعيداً عن البلد، وأقاموا الجمعة هناك في مكان النزهة البعيد عن البلد، فإنها لا تجزئ؛ لأنهم انفصلوا عن البلد. فإذا قال قائل: هل القرب هنا محدد بالعرف أو محدد بالمسافة؟ فالجواب: أن العلماء إذا أطلقوا الشيء، ولم يحددوه يرجع في ذلك إلى العرف، كما (أن الكتاب والسنة إذا أطلق الشيء فيهما، وليس له حد شرعي فإن مرجعه إلى العرف) هذه قاعدة مفيدة، وعلى ذلك قال الناظم:

وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف احدد (¬1) وقول الناظم: (كالحرز) أي حرز الأموال، فمثلاً: أودعتك وديعة، ووضعتها في مكان غير محرز، وسرقت فعليك الضمان، فإذا قال الناس: هذا الرجل مفرط في وضعه المال في هذا المكان، فهذا غير محرز فعليه الضمان، [والذي يدلنا على أن المكان محرز أو غير محرز العرف]. وفي السرقة أيضاً يشترط للقطع أن تكون من حرز، فلو سرقها من غير حرز فلا قطع عليه؛ لأن المفرط صاحب المال. مثاله: وضع الدراهم عند باب الدكان، ونسي أن يدخلها الدكان، فجاء رجل بالليل وسرقها فلا تقطع يده؛ لأنه ليس من حرز. ولو وضعها داخل البيت على الصندوق، لكن لم يدخلها، والبيت دائماً مفتوح الباب فسرقت، فهو مفرط، لا سيما إذا ضعف الأمن، والحرز يختلف باختلاف الأمن، فقد تكون السلطة ضعيفة فيتجرأ السراق، وقد تكون السلطة قوية فيرتدع الناس. فالمؤلف هنا أطلق القرب من البنيان، وإذا أطلق يرجع فيه إلى العرف، فلو أن أهل القرية ـ مثلاً ـ ذهبوا إلى عشرة كيلومترات وأقاموا الجمعة فإن هذا بعيد، ولا ينسب إلى البلد، لكن لو أقاموها على طرف البنيان، فكل يعرف أن هؤلاء هم أهل البلد. وقال بعض العلماء: لا يجوز أن تقام الجمعة إلا في البنيان ¬

_ (¬1) «منظومة أصول الفقه وقواعده»، لشيخنا رحمه الله ص (3).

فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرا

فلو خرجوا قريباً من البنيان فإنها لا تجزئ، لكن ما ذهب إليه المؤلف هو الصحيح، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى (¬1). فَإِن نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِها اسْتَأْنَفُوا ظُهْراً ....... قوله: «فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً»، «نقصوا» الضمير يعود على العدد المشترط أي: إن نقصوا واحداً فأكثر استأنفوا ظهراً، أي: بطلت صلاتهم، ووجب عليهم أن يستأنفوا ظهراً. مثاله: دخلوا في الجمعة على أنهم أربعون، ثم أحدث أحدهم وخرج فيستأنفون ظهراً؛ لأنه يشترط أن يكون العدد المطلوب من أول الصلاة إلى آخرها. وقوله: «استأنفوا ظهراً» يستثنى من ذلك ما إذا كان الوقت متسعاً لإعادتها جمعة، فإن اتسع الوقت لإعادتها جمعة بحيث حضر الرجل الذي ذهب ليتوضأ، والوقت متسع فإنه يلزمهم إقامتها جمعة؛ لأن الجمعة فرض الوقت، وقد أمكن إقامتها، فكلام المؤلف ليس على إطلاقه، [بل نقيده بما إذا لم تمكن إعادتها جمعة]. وقال بعض العلماء: بل يتمونها جمعة؛ لأن الصلاة انعقدت على وجه صحيح، فإبطالها بعد انعقادها يحتاج إلى دليل، وإذا لم يكن هناك دليل فإنه يبنى آخرها على أولها. القول الثالث: قول وسط ـ والغالب أن الوسط من أقوال ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (956)؛ ومسلم (889) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ.

ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرا

العلماء هو الصحيح الراجح ـ أنهم إن نقصوا بعد أن أتموا الركعة الأولى أتموا جمعة، فإذا كان النقص في الركعة الثانية فما بعد أتموا جمعة، وإن نقصوا في الركعة الأولى استأنفوا ظهراً ما لم يمكن إعادتها جمعة، وهذا اختيار الموفق ـ رحمه الله ـ، وهذا القول هو الراجح. ودليله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (¬1)، وكما أنه لو أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة مع أنه يصلي الثانية وحده. أما القول بأنهم يتمونها جمعة مطلقاً؛ لأنهم ابتدؤوا الصلاة على وجه صحيح فنحتاج إلى دليل على بطلانها. فجوابه: أن هذه الصلاة من شرط صحتها العدد، فإذا فقد الشرط في أثنائها بطلت، كما لو أحدث في أثنائها، أو انكشفت عورته، أو ما أشبه ذلك. وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِْمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرا ........... قوله: «ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة» «مع الإمام» أي: إمام الجمعة. «منها» أي: الجمعة. «ركعة» أي: ركعة تامة بسجدتيها أتمها جمعة. ودليله: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (¬2). قوله: «وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً»، أي: بأن جاء ¬

_ (¬1) و (¬2) سبق تخريجه ص (34).

إذا كان نوى الظهر

بعد رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية فهنا لم يدرك ركعة فيتمها ظهراً لما سبق من الحديث. إِذَا كَانَ نَوَى الظُّهْرَ ......... قوله: «إذا كان نوى الظهر» أي: يشترط لإتمامها ظهراً أن ينوي الظهر، وأن يكون وقتها قد دخل، وإنما أضفنا هذا الشرط؛ لأن فيه احتمالاً أن تُصلَّى الجمعة قبل الزوال، فإذا صليت قبل الزوال وأدرك منها أقل من ركعة فإنه لا يتمها ظهراً، بل يتمها نفلاً، ثم إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر، فيشترط إذاً لمن أدرك مع الإمام أقلّ من ركعة لإتمامها ظهراً شرطان هما: 1 ـ أن ينوي الظهر. 2 ـ أن يكون وقت الظهر قد دخل. فإن لم ينو الظهر بأن دخل مع الإمام بنية الجمعة؛ لأنه يظن أن هذه هي الركعة الأولى، وذلك بأن جاء والإمام قد قال: «سمع الله لمن حمده» في الركعة الثانية، فظن أنها الركعة الأولى، ثم تبين أنها الركعة الأخيرة، فعلى كلام المؤلف يتمها نفلاً؛ لأنه لم ينو الظهر، وعلى هذا يحتاج المسبوق إذا جاء إلى الجمعة وهو لا يدري هل هي الركعة الأولى أو الثانية؟ أن ينتظر فإن جلس الإمام للتشهد دخل معه بنية الظهر، وإن قام دخل معه بنية الجمعة. القول الثاني: أنه إذا دخل معه بنية الجمعة، فتبين أنه لم يدرك ركعة، فلينوها ظهراً بعد سلام الإمام، وهذا هو الذي لا يسع الناس إلا العمل به، خصوصاً العامة؛ لأن العامي ولو علم أنها الركعة الثانية وقد فاته ركوعها، فإنه سينوي الجمعة، ثم إذا سلم الإمام، فمن العامة من يتمها جمعة أيضاً، ومنهم من يتمها

ظهراً، لكن لا ينوي الظهر إلا بعد أن يسلم الإمام، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة، فإذا انتقل من الجمعة إلى الظهر، فقد انتقل من أصل إلى بدل، وكلاهما فرض الوقت، وفي هذه المسألة قد تنخرم القاعدة التي يقال فيها: (إن الانتقال من معين إلى معين يبطل الأول، ولا ينعقد الثاني به). مثاله: إنسان دخل في الصلاة بنية الظهر ناسياً، ثم ذكر أنه في وقت العصر، وأنه قد صلى الظهر من قبل، وفي أثناء الصلاة نواها عصراً. فنقول: الظهر بطلت؛ لأنك أبطلتها، والعصر لم تنعقد؛ لأنك لم تنوها عصراً من أولها، والمعين لا بد أن تنويه من أوله، ولكن نقول: هذه المسألة يمكن أن تستثنى من القاعدة بناء على أن الظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت فهي فرع لها، وهو لم ينتقل من شيء مغاير من كل وجه. مسألة مهمة تعتري الناس في أيام موسم الحج والعمرة في المسجد الحرام وهي: ما إذا زحم الإنسان عن السجود. قال في الروض: «ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله». مثاله: إنسان دخل مع إمام الجمعة، لكن الناس متضايقون، فلما أراد السجود ما وجد مكاناً يسجد فيه، نقول: يجب عليك أن تسجد على ظهر إنسان، أو على رجله. وقال بعض العلماء: إذا زحم فإنه ينتظر حتى يقوم الناس،

ويشترط تقدم خطبتين

ثم يسجد، ويكون التخلف هنا عن الإمام لعذر. وقال بعض العلماء: يومئ إيماء أي: يجلس ويومئ بالسجود إيماء؛ لأن الإيماء في السجود قد جاءت به السنة عند التعذر بخلاف التخلف عن الإمام فإنه لم يأت إلا لعذر، وهذا القول أرجح، ويليه القول بأنه ينتظر، ثم يسجد، بعد الإمام، وأما القول بأنه يسجد على ظهر إنسان أو رجله فإنه ضعيف؛ لما يلزم عليه من التشويش التام على المسجود عليه، وقد يقاتل المسجود عليه الساجد، وقد يكون الذي أمامه امرأة. وأيضاً السجود على ظهر إنسان لا تتأتى معه صورة السجود، لعلو الإنسان في السجود فيكون وجهه محاذياً لرجليه، وهنا الساجد أيضاً يكون رفيعاً. قال في الروض: «وإن أحرم، ثم زحم، وأخرج عن الصف فصلى فذاً لم تصح» أي: لو أنه زحم، وعجز عن أن يطيق الوقوف في الصف حتى خرج، فإنه على المذهب لا تصح صلاته؛ لأنه فذ. والصحيح: أن صلاته تصح؛ لأنه معذور في الفذية. فإذا كان قد صلى الركعة الأولى في الصف فإنه إذا زحم حتى خرج من الصف ينوي الانفراد ويتمها جمعة؛ لأنه أدرك ركعة كاملة فيتمها جمعة هذا على المذهب، والقول الراجح أنه يتمها جمعة مع الإمام؛ لأن انفراده هنا للعذر. وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ ........ قوله: «ويشترط تقدم خطبتين»، بضم الخاء؛ لأن الخِطبة بالكسر: خطبة النكاح أي: أن يخطب الرجل المرأة، والخُطبة بالضم: خطبة الوعظ، وما أشبه ذلك.

أي: يشترط لصحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان، وهذا هو الشرط الرابع، فإن لم يتقدمها خطبتان لم تصح. ولو تأخرت الخطبتان بعد الصلاة لم تصح والدليل على اشتراط تقدم الخطبتين ما يلي: 1 ـ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، فأمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء، وبالتواتر القطعي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة خطب، إذاً فالسعي إلى الخطبة واجب، وما كان السعي إليه واجباً فهو واجب؛ لأن السعي وسيلة إلى إدراكه وتحصيله، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية. 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب فقد لغوت» (¬1)، وهذا يدل على وجوب الاستماع إليهما، ووجوب الاستماع إليهما يدل على وجوبهما. 3 ـ مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم عليهما مواظبة غير منقطعة، فلم يأتِ يوم من أيام الجمعة لم يخطب فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا الدوام المستمر صيفاً وشتاءً، شدةً ورخاءً يدل على وجوبهما. 4 ـ أنه لو لم تجب لها خطبتان لكانت كغيرها من الصلوات، ولا يستفيد الناس من التجمع لها، ومن أهم أغراض التجمع لهذه الصلاة الموعظة وتذكير الناس. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (934)؛ ومسلم (851) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

من شرط صحتهما: حمد الله، والصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم

مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا: حَمْدُ اللهِ، وَالصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِهِ مُحمَّد صلّى الله عليه وسلّم ........... قوله: «من شرط صحتهما: حمد الله، والصلاة على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم»، أي: أن الخطبتين لهما شروط لا تصحان بدونها، ذكر منها المؤلف: «حمد الله»، وهذا هو الشرط الأول بأن يحمد الله بأي صيغة، سواء كانت الصيغة اسمية أم فعلية، أي: سواء قال: الحمد لله، أو قال: أحمد الله، أو قال: نحمد الله، وسواء كان الحمد في أول الخطبة، أم في آخرها، والأفضل أن يكون في أول الخطبة. والدليل على اشتراط حمد الله تعالى: 1 ـ قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع» (¬1)، والأقطع: الناقص البركة والخير. 2 ـ حديث جابر في صحيح مسلم: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا خطب حمد الله وأثنى عليه» (¬2)، وهذا استدلال قد يعارض؛ لأنه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، لكن لا شك أنه أفضل وأحسن. الشرط الثاني: من شروط صحة الخطبة الصلاة على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، أي: أن يصلي على الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأي اسم من أسمائه أو صفة تختص به فيقول: اللهم صلِّ على محمد، أو اللهم صل على أحمد، أو اللهم صل على العاقب، أو اللهم صل على الحاشر، ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 359)؛ وأبو داود (4840)؛ وابن ماجه (1894)؛ وابن حبان (1) الإحسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الدارقطني في «العلل» (8/ 30): «الصحيح عن الزهري المرسل». (¬2) أخرجه مسلم (867) (44).

أو اللهم صل على خاتم النبيين، أو المرسل إلى الناس أجمعين. قال بعض العلماء: ولا بد أن يصلى عليه باسم مُظهر، فإن صلى عليه مضمراً لا مظهراً لم تصح، كما لو قال: أشهد أن محمداً رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مكتفياً بذلك، ولكن هذا غير صحيح فإن المضمر يحل محل المظهر متى علم مرجعه. والدليل على اشتراط الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم: أن كل عبارة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله صلّى الله عليه وسلّم، هكذا علل بعض العلماء. وهذا التعليل عليل، وليس بصحيح، وما أكثر العبادات التي لا تفتقر إلى ذكر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهي تفتقر إلى ذكر الله. مثلاً: لو أراد الإنسان أن يتوضأ يقول: باسم الله، ولا يقول: الصلاة والسلام على رسول الله. ولو أراد الإنسان أن يذبح يقول: بسم الله، دون أن يصلي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بل كره بعض العلماء: أن يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم عند الذبح، وقال: لأن هذا يؤدي إلى الشرك، وحتى لا يكون الإنسان يذبح لله ولرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والأذان يفتقر إلى ذكر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لكن لا يفتقر إلى ذكر الصلاة عليه، فالعلة هنا منتقضة، وانتقاض العلة يدل على بطلانها، ولهذا ليس هناك دليل صحيح يدل على اشتراط الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم في الخطبة. والصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم تكون بلفظ الطلب، أو بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب، مثالها بلفظ الطلب: اللهم صل على محمد.

وقراءة آية والوصية بتقوى الله عز وجل

ومثالها بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب: صلى الله على محمد. وَقِرَاءةُ آيَةٍ والوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ........ قوله: «وقراءة آية». هذا هو الشرط الثالث لصحة الخطبة، وهو قراءة آية فأكثر من كتاب الله، فإن لم يقرأ آية لم تصح الخطبة، ولكن يشترط في الآية أن تستقل بمعنى، فإن لم تستقل بمعنى لم تجزئ، فلو قرأ {ثُمَّ نَظَرَ *} [المدثر] فلا تستقل بمعنى، من الذي نظر؟ لا يعلم. ولو قرأ {مُدْهَآمَّتَانِ *} [الرحمن] فلا تجزئ، ما معنى مدهامتان؟ أي: سوداوان، يفهم منها معنى، لكن ما هما الموصوفتان بهذه الصفة؟ ولو قرأ: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *} [الكوثر] صحت؛ لأنه كلام مستقل مفهوم واضح، والدليل على اشتراط قراءة الآية: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ يوم الجمعة بـ «ق والقرآن المجيد» (¬1) يخطب بها، ولكن هذا ليس بدليل؛ لأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب. ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تشترط لصحة الخطبة قراءة شيء من القرآن متى تضمنت الموعظة المؤثرة في إصلاح القلوب وبيان الأحكام الشرعية، وهذه الرواية الثانية عن أحمد ـ رحمه الله ـ. قوله: «والوصية بتقوى الله عز وجل». ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (872) عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة رضي الله عنهما.

وحضور العدد المشترط

هذا هو الشرط الرابع لصحة الخطبة، وهو الوصية بتقوى الله عز وجل. والوصية: هي أن يوصي الخطيب المستمعين بتقوى الله سواء قال: أوصيكم بتقوى الله، أو قال: يا أيها الناس اتقوا الله، فلا بد أن يوصي بتقوى الله؛ لأن هذا هو لبُّ الخطبة الذي يحصل به وعظ الناس، ويذكرهم ويلين قلوبهم، ويوصيهم بما ينفعهم. فإن أتى بمعنى التقوى دون لفظها بأن قال: يا أيها الناس افعلوا أوامر الله، واتركوا نواهي الله فيصح، أو قال: يا أيها الناس أطيعوا الله، وأقيموا أوامره، واتركوا نواهيه فيجزئ. وحضور العدد المشترط ........... قوله: «وحضور العدد المشترط». هذا هو الشرط الخامس لصحة الخطبة، وهو أن يحضر الخطبتين العدد المشترط، فلا بد أن يحضر أربعون من أهل وجوبها، فإن حضر الخطبة عشرون، ثم لما أقيمت الصلاة قبل أن يشرع في الصلاة تموا أربعين، فإنه لا تجزئ الخطبتان، وعليه إعادتهما. ولو حضر أربعون نصف الخطبة لم يجزئ. والصحيح: أن تقدير العدد بأربعين ليس بصواب كما سبق، لكننا إذا قلنا يشترط حضور ثلاثة صار لا بد من حضور الثلاثة. وقوله: «من شرط صحتهما»، «من» هذه تدل على التبعيض، والتبعيض يدل على أن بعضاً من الشروط لم يذكر، وأن المذكور بعضها، لا كلها، فهناك شروط أخرى تضاف إلى ما ذكر.

ولا يشترط لهما الطهارة

الشرط السادس: أن تكون الخطبتان بعد دخول الوقت، فإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح الخطبتان، ثم لا تصح الجمعة بعد ذلك. وقال بعض أهل العلم: إن الشرط الأساسي في الخطبة أن تشتمل على الموعظة المرققة للقلوب، المفيدة للحاضرين، وأن الحمد لله، أو الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقراءة آية، كله من كمال الخطبة. ولكن هذا القول وإن كان له حظ من النظر لا ينبغي للإنسان أن يعمل به إذا كان أهل البلد يرون القول الأول الذي مشى عليه المؤلف؛ لأنه لو ترك هذه الشروط التي ذكرها المؤلف لوقع الناس في حرج، وصار كلٌّ يخرج من الجمعة، وهو يرى أنه لم يصل الجمعة، وإذا أتيت بهذه الشروط لم تقع في محرم، ومراعاة الناس في أمر ليس بحرام هو مما جاءت به الشريعة، فقد راعى النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابه في الصوم والفطر في رمضان في حال السفر، وراعاهم عليه الصلاة والسلام في بناء الكعبة حيث قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم» (¬1)، وهذه القاعدة معروفة في الشرع. أما إذا راعاهم في المحرم فهذه تسمى مداهنة لا تجوز، وقد قال الله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ *} [القلم]. وَلاَ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ ........... قوله: «ولا يشترط لهما الطهارة» أي: لا يشترط للخطبتين أن يكون على طهارة، فلو خطب وهو محدث فالخطبة صحيحة؛ لأنها ذكر وليست صلاة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1585) (1586)؛ ومسلم (1333).

وإذا خطب وهو جنب ففيه مشكلتان: المشكلة الأولى: اللبث في المسجد، وزوالها أن يقال: إنه يتوضأ فتزول المشكلة بهذا الوضوء. المشكلة الثانية: قراءة القرآن وهو جنب، والمذهب أن قراءة الآية شرط لصحة الخطبة، وقراءة الجنب للقرآن حرام، فكيف تصح هذه القراءة، وليس عليها أمر الله ورسوله؟ بل الذي عليها النهي، لكن قالوا: إن النهي هنا لا يتعلق بقراءة الآية في الخطبة، بل هو عام، فلو ورد نهي: لا تقرأ القرآن وأنت جنب حال الخطبة، ثم قرأ قلنا: إن الخطبة لا تصح؛ لأنه فعل فعلاً محرماً في نفس العبادة. وهذا صحيح، لكنه أحياناً ينتقض على المذهب، فقد قالوا: إن الرجل لو صلى بثوب مغصوب فصلاته باطلة، مع أن تحريم لباس المغصوب ليس خاصاً في الصلاة، بل عام، ومع ذلك يقولون: إنها لا تصح الصلاة؛ لأنه ثوب محرم، ولكن الصحيح أن الصلاة تصح بالثوب المغصوب. ولو توضأ بماء مغصوب فلا يصح الوضوء على المشهور من المذهب؛ لأن الماء المغصوب يحرم استعماله. والقول الثاني: وهو الراجح: أنه يصح أن يتوضأ بماء مغصوب مع الإثم، وعليه ضمانه لصاحبه. وهذه المسألة أي: صحة قراءة الآية من القرآن وهو جنب مع الإثم مما يقوي القول الذي رجحناه، وهو صحة الوضوء بالماء المغصوب، وصحة الصلاة بالثوب المغصوب، وصحة الصلاة بالبقعة المغصوبة أيضاً.

ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة

وقد سبق أن بعض أهل العلم لا يشترط قراءة آية، وعليه لا يرد هذا الإشكال أصلاً. وَلاَ أَنْ يَتَوَلاَّهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلاَةَ. ....... قوله: «ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة» أي: لا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، فلو خطب رجل وصلى آخر فهما صحيحتان، والصلاة صحيحة. لكن هل يشترط أن يتولاهما واحد، أو يجوز أن يخطب الخطبة الأولى واحد والثانية آخر؟ الجواب: يجوز، أي: لا يشترط أن يتولاهما واحد، فلو خطب رجل، وخطب الثانية رجل آخر صح. ولكن هل يشترط أن يتولى الخطبة الواحدة واحد؟ أي: لو أن رجلاً خطب الخطبة الأولى في أولها، وفي أثنائها تذكر أنه على غير وضوء مثلاً فنزل، ثم قام آخر وأتم الخطبة، لم أر حتى الآن من تكلم عليها، ولكنهم ذكروا في الأذان أنه لا يصح من رجلين أي: لا يصح أن يؤذن الإنسان أول الأذان، ثم يكمله الآخر؛ لأنه عبادة واحدة، فكما أنه لا يصح أن يصلي أحد ركعة، ويكمل الثاني الركعة الثانية، فكذلك لا يصح أن يؤذن شخص أول الأذان ويكمله آخر، أما الخطبة فقد يقال: إنها كالأذان أي: لا بد أن يتولى الخطبة الواحدة واحد، فلا تصح من اثنين، سواء لعذر أو لغير عذر، فإن كان لغير عذر فالظاهر أن الأمر واضح؛ لأن هذا شيء من التلاعب. وإذا كان لعذر مثل: أن يذكر الذي بدأ الخطبة أنه على غير وضوء، ثم ينزل ليتوضأ، فهنا نقول: الأحوط أن يبدأ الثاني

الخطبة من جديد، حتى لا تكون عبادة واحدة من شخصين. مسألة: هل يشترط أن يكون العدد الحاضر لهما هو العدد الحاضر للصلاة. مثلاً: بأن خطب بأربعين، ثم خرج الأربعون، وجاء أربعون غيرهم وصلوا الجمعة. فالجواب: أنه يشترط؛ لأنه لا بد أن يحضروا الخطبتين والصلاة. مسألة: لم يذكر صاحب المتن ما يبطل الخطبتين، لكن ذكر الشارح في الروض أنهما تبطلان بالكلام المحرم، أي: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة تكلم كلاماً محرماً، كقذف أو لعن، أو ما أشبه ذلك، فإنها تبطل؛ لأن ذلك ينافي مقتضى الخطبة. فالمقصود بالخطبة وعظ الناس وزجرهم عن الحرام، فإذا كان الخطيب نفسه يفعل الحرام فإنها تبطل. مسألة: لم يذكر الماتن أيضاً هل يشترط أن تكون الخطبتان باللغة العربية أم لا؟ والجواب: إن كان يخطب في عرب، فلا بد أن تكون بالعربية، وإن كان يخطب في غير عرب، فقال بعض العلماء: لا بد أن يخطب أولاً بالعربية، ثم يخطب بلغة القوم الذين عنده. وقال آخرون: لا يشترط أن يخطب بالعربية، بل يجب أن يخطب بلغة القوم الذين يخطب فيهم، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]. ولا يمكن أن ينصرف الناس عن موعظة، وهم لا يعرفون ماذا قال الخطيب؟ والخطبتان ليستا مما يتعبد بألفاظهما

ومن سننهما: أن يخطب على منبر، أو موضع عال، ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان

حتى نقول: لا بد أن تكونا باللغة العربية، لكن إذا مرَّ بالآية فلا بد أن تكون بالعربية؛ لأن القرآن لا يجوز أن يغير عن اللغة العربية. وَمِنْ سُنَنِهِمَا: أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَر، أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ، وَيُسَلِّمَ عَلَى المَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ .......... قوله: «ومن سننهما أن يخطب على منبر» أي: من سنن الخطبتين أن يخطب على منبر، والمنبر: على وزن مفعل من النبر، وهو الارتفاع، أي: على شيء مرتفع، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب في أول الأمر إلى جذع نخلة في مسجده، ثم صنع له منبر من خشب الغابة (الأثل) فصار يخطب عليه، ولما خطب عليه أول جمعة صاح جذع النخلة كما تصيح الإبل العشار، حتى نزل النبي صلّى الله عليه وسلّم وسكته فسكت، والناس يسمعون (¬1)، وإنما كان ذلك سنة اقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأن ذلك أبلغ في إيصال الخطبة إلى الناس؛ لأنه إذا كان مرتفعاً سمعه الناس أكثر، وكذلك إذا كان مرتفعاً رآه الناس بأعينهم، ولا شك أن تأثر السامع إذا رأى المتكلم أكثر من تأثره وهو لا يراه، وهذا أمر مشاهد، ولهذا كان من هدي الصحابة ـ على ما ذكر ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا خطب استقبلوه بوجوههم (¬2)؛ ليكون ذلك أبلغ في حضور القلب والانتفاع بالخطبة، قال العلماء: ينبغي أن يكون المنبر على يمين مستقبل القبلة في المحراب كما هو معمول به الآن؛ من أجل أن الإمام إذا نزل منه ينفتل عن يمينه. قوله: «أو موضع عال» أي: إذا لم يوجد منبر، خطب على ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (918) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ. (¬2) أخرجه الترمذي (509) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي (ص) شيء، وقال الحافظ في «البلوغ» (472): رواه الترمذي بإسناد ضعيف.

موضع مرتفع، ولو كومة من التراب، من أجل أن يبرز أمام الناس، وكما ذكرنا سابقاً؛ لأن ذلك أبلغ في الصوت، وأبلغ في التلقي عن الخطيب؛ لأن من يُشَاهَدُ يتلقى منه أكثر. قوله: «ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم» أي: يسن إذا صعد المنبر أن يتجه إلى المأمومين، ويسلم عليهم؛ لأن ذلك روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، وإن كان الحديث المرفوع فيه ضعف، لكن الأمة أجمعت على العمل به، واشتهر بينها أن الخطيب إذا جاء وصعد المنبر استقبل الناس وسلم عليهم، وهذا التسليم العام. أما الخاص فإنه إذا دخل المسجد سلم على من يمر عليه أولاً، وهذا من السنة بناء على النصوص العامة أن الإنسان إذا أتى قوماً فإنه يسلم عليهم، فيكون إذاً للإمام سلامان: السلام الأول: إذا دخل المسجد سلم على من يمر به. والسلام الثاني: إذا صعد المنبر، فإنه يسلم تسليماً عاماً على جميع المصلين. قوله: «ثم يجلس إلى فراغ الأذان»، أي: يسن إذا سلم على المأمومين أن يجلس حتى يفرغ المؤذن، وفي هذه الحال يتابع المؤذن على أذانه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (¬2)، وهذا عام فينبغي للإمام وهو على المنبر ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه (1109)؛ والبيهقي (3/ 204) من حديث جابر، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (6677)؛ والبيهقي (3/ 205) عن ابن عمر، وفيه عيسى بن عبد الله وهو ضعيف. انظر: «لسان الميزان» (4/ 462). (¬2) سبق تخريجه (2/ 81).

ويجلس بين الخطبتين، ويخطب قائما، ويعتمد على سيف أو قوس، أو عصا

أن يجيب المؤذن، وكذلك المأمومون يجيبون المؤذن، فيقولون مثل ما يقول إلا في الحيعلتين، فإنهم يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله. وَيَجْلِسَ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ، وَيَخْطُبَ قَائِماً، وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصَا ...... قوله: «ويجلس بين الخطبتين» أي: يسن أن يجلس بين الخطبتين؛ لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه كان يجلس بين الخطبتين» (¬1)، ولأنه لو لم يجلس لم يتبين التمييز بينهما؛ إذ قد يظن الظان أنه سكت لعذر منعه من الكلام، لكن إذا جلس تميزت الخطبة الأولى عن الثانية. وعلى هذا يكون للخطيب جلستان: الأولى عند شروع المؤذن في الأذان، والثانية بين الخطبتين. قوله: «ويخطب قائماً» أي: يسن أن يخطب قائماً؛ لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬2)؛ ولأن ذلك أبلغ بالنسبة للمتكلم؛ لأن القائم يكون عنده من الحماس أكثر من الجالس؛ ولأنه أبلغ أيضاً في إيصال الكلام إلى الحاضرين، لا سيما في الزمن السابق، إذ ليس فيه مكبر صوت. قوله: «ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا» أي: يسن أن يعتمد حال الخطبة على سيف، أو قوس، أو عصا. واستدلوا بحديث يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في صحته نظر (¬3)، وعلى تقدير صحته قال ابن القيم: إنه لم يحفظ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد اتخاذه المنبر أنه اعتمد على شيء. ¬

_ (¬1) و (¬2) سبق تخريجه ص (52). (¬3) أخرجه أبو داود (1096) عن الحكم بن حزن، وفيه: «فقام متوكئاً على عصا أو قوس».

ووجه ذلك: أن الاعتماد إنما يكون عند الحاجة، فإن احتاج الخطيب إلى اعتماد، مثل أن يكون ضعيفاً يحتاج إلى أن يعتمد على عصا فهذا سنة؛ لأن ذلك يعينه على القيام الذي هو سنة، وما أعان على سنة فهو سنة، أما إذا لم يكن هناك حاجة، فلا حاجة إلى حمل العصا. ثم إن تعليلهم بأنه إشارة إلى أن هذا الدين قام بالسيف فيه نظر أيضاً. فالدين لم يفتح بالسيف؛ لأن السيف لا يستعمل للدين إلا عند المنابذة، فإذا أبى الكفار أن يسلموا أو يبذلوا الجزية فإنهم يقاتلون، أما إذا بذلوا الجزية فإنهم يتركون، وهذا هو القول الذي تدل عليه الأدلة. ثم إن المسلمين لم يفتحوا البلدان إلا بعد أن فتحوا القلوب أولاً بالدعوة إلى الإسلام، وبيان محاسنه بالقول وبالفعل، وليس كزمننا اليوم نبيّن محاسن الإسلام بالقول إن بيّناه، أما بالفعل فنسأل الله أن يوفق المسلمين للقيام بالإسلام، فإذا رأى الإنسان الأجنبي البلاد الإسلامية، ورأى ما عليه بعض المسلمين من الأخلاق التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، من شيوع الكذب فيهم، وكثرة الغش، وتفشي الظلم والجور استغرب ذلك، ويقول: أين الإسلام؟! فالإسلام في الحقيقة إنما فتحت البلاد به، لا بالسيف، والسيف يستعمل عند الضرورة إليه، إذا لم يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، كما سبق. وأيضاً: لا نستعمل السيف إلا بعد القدرة، أما إذا كان

ويقصد تلقاء وجهه، ويقصر الخطبة، ويدعو للمسلمين

أعداؤنا أكثر منا بكثير وأقوى منا فإن استعمال السيف يعتبر تهوراً، ولهذا أباح الله لنا ألا نقابل أكثر من مثلينا قال تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ *} [الأنفال]. وفيه أيضاً: حجة للكفار حيث يقولون: إنكم أنتم أيها المسلمون فتحتم بلادنا في الأول بالقوة، لا بالدعوة. وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَيَقْصُرَ الخُطْبَةَ، وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. قوله: «ويقصد تلقاء وجهه» أي: يسن للخطيب أن يتجه تلقاء وجهه، فلا يتجه لليمين أو لليسار، بل يكون أمام الناس؛ لأنه إن اتجه إلى اليمين أضر بأهل اليسار، وإن اتجه إلى اليسار أضر بأهل اليمين، وإن اتجه تلقاء وجهه لم يضر بأحد، والناس هم الذين يستقبلونه مع الإمكان. فإن قال قائل: هل من السنة أن يلتفت يميناً وشمالاً؟ فالجواب: أن هذا ليس من السنة فيما يظهر، وأن الخطيب يقصد تلقاء وجهه، ومن أراده التفت إليه. وهل من السنّة أن يحرك يديه عند الانفعال؟ الجواب: ليس من السنّة أن يحرك يديه، وإن كان بعض الخطباء بلغني أنهم يفعلون ذلك، لكن يشير في الخطبة بأصبعه عند الدعاء. أما الخطبة التي هي غير خطبة الجمعة فقد نقول: إنه من المستحسن أن الإنسان يتحرك بحركات تناسب الجمل التي يتكلم بها، أما خطبة الجمعة فإن المغلَّب فيها التعبد، ولهذا أنكر

الصحابة على بشر بن مروان حين رفع يديه في الدعاء (¬1)، مع أن الأصل في الدعاء رفع اليدين، فلا يشرع فيها إلا ما جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «ويقصر الخطبة» أي: يسن أن يجعلها قصيرة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّة من فقهه» (¬2)، فالأولى أن يقصر الخطبة؛ لأن في تقصير الخطبة فائدتين: 1 ـ ألا يحصل الملل للمستمعين؛ لأن الخطبة إذا طالت لا سيما إن كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابراً لا يحرك القلوب، ولا يبعث الهمم فإن الناس يملون ويتعبون. 2 ـ أن ذلك أوعى للسامع أي: أحفظ للسامع؛ لأنها إذا طالت أضاع آخرها أولها، وإذا قصرت أمكن وعيها وحفظها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه» (¬3)، أي: علامة ودليل على فقهه، وأنه يراعي أحوال الناس، وأحياناً تستدعي الحال التطويل، فإذا أطال الإنسان أحياناً لاقتضاء الحال ذلك، فإن هذا لا يخرجه عن كونه فقيهاً؛ وذلك لأن الطول والقصر أمر نسبي، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يخطب أحياناً بسورة {ق} (¬4) وسورة «ق» مع الترتيل والوقوف على كل آية تستغرق وقتاً طويلاً. قوله: «ويدعو للمسلمين» أي: يسن أيضاً في الخطبة أن ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (874). (¬2) و (¬3) أخرجه مسلم (869) عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما. (¬4) سبق تخريجه ص (54).

يدعو للمسلمين الرعية والرعاة؛ لأن ذلك الوقت ساعة ترجى فيه الإجابة، والدعاء للمسلمين لا شك أنه خير، فلهذا استحبوا أن يدعو للمسلمين. ولكن قد يقول قائل: كون هذه الساعة مما ترجى فيها الإجابة، وكون الدعاء للمسلمين فيه مصلحة عظيمة موجود في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وما وجد سببه في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعله فتركه هو السنة؛ إذ لو كان شرعاً لفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلا بد من دليل خاص يدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يدعو للمسلمين، فإن لم يوجد دليل خاص فإننا لا نأخذ به، ولا نقول: إنه من سنن الخطبة، وغاية ما نقول: إنه من الجائز، لكن قد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة» (¬1)، فإن صح هذا الحديث فهو أصل في الموضوع، وحينئذٍ لنا أن نقول: إن الدعاء سنّة، أما إذا لم يصح فنقول: إن الدعاء جائز، وحينئذٍ لا يتخذ سنّة راتبة يواظب عليه؛ لأنه إذا اتخذ سنّة راتبة يواظب عليه فهم الناس أنه سنّة، وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه. ¬

_ (¬1) أخرجه البزار (2/ 307) «كشف الأستار» عن سمرة بن جندب رضي الله عنه. قال البزار: «لا نعلمه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا بهذا الإسناد». وقال الهيثمي في «المجمع» (2/ 190): «وفي إسناد البزار يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف». وقال الحافظ في «البلوغ» (492): «بإسناد فيه لين».

فصل

فَصْلٌ وَالْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ جَهْراً ....... فصل قوله: «والجمعة ركعتان» وهذا بالنص، والإجماع. أما النص: فإن هذا أمر متواتر مشهور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يصلي الجمعة ركعتين فقط. وأما الإجماع: فهو أيضاً إجماع متواتر لم يختلف أحد من المسلمين فيه. وفي هذا دليل على أن الجمعة صلاة مستقلة، وليست ظهراً، ولا بدلاً عن الظهر، ومن زعم أنها ظهر مقصورة، أو بدل عنها فقد أبعد النجعة، بل الجمعة صلاة مستقلة لها شرائطها وصفتها الخاصة بها، ولذلك تصلى ركعتين، ولو في الحضر. وقوله: «يسن أن يقرأ جهراً» هذا مما تختلف فيه عن صلاة الظهر، أنها تسنّ القراءة فيها جهراً من بين سائر الصلوات النهارية، ونحن إذا تأملنا الصلوات الجهرية وجدنا أنها الصلوات الليلة المكتوبة: المغرب، والعشاء، والفجر، وأنها أيضاً الصلاة ذات الاجتماع العام، ولو نهاراً مثل: الجمعة، والعيد، والكسوف، والاستسقاء؛ لأن هذه يجتمع فيها الناس اجتماعاً عاماً، فالسنة في الكسوف مثلاً أن يصليها أهل البلد كلهم في مسجد واحد في الجامع، وكذلك صلاة الاستسقاء، وصلاة العيد، وصلاة الجمعة. والحكمة من ذلك ـ أنه يجهر في هذه الصلوات ذوات الاجتماع العام ـ هي إظهار الموافقة والائتلاف التام؛ لأنه إذا كان الإمام يجهر صارت قراءته قراءة للجميع، فكأنه عنوان على ائتلاف أهل البلد كلهم.

في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين

أما في الليل فالحكمة من ذلك هي أنه قد يكون أنشط للمصلين إذا استمعوا القراءة، لا سيما إذا كان الصوت جيداً، والقراءة لذيذة، ولأجل أن يتواطأ القلب واللسان من جميع الحاضرين. وقوله: «يسن أن يقرأ جهراً»، يؤخذ منه أنه لو قرأ سراً لصحّت الصلاة، لكن الأفضل الجهر. فِي الأُْولَى بِالجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمُنَافِقِينَ. قوله: «في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين» أي: يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، ثبت ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، والمناسبة فيهما ظاهرة. أما «سورة الجمعة» فالمناسبة أظهر من الشمس؛ لأن فيها ذكر الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة، وأيضاً ذكر الله فيها الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ـ أي: لم يعملوا بها ـ أن مثلهم كمثل الحمار، ففيه تحذير للمسلمين أن يتركوا العمل بالقرآن، فيصيروا مثل اليهود أو أخبث؛ لأن من ميّز عن غيره بفضل كان تكليفه بالشكر أكثر. وأما «المنافقون» فالمناسبة ظاهرة أيضاً: من أجل أن يصحح الناس قلوبهم ومسارهم إلى الله تعالى كل أسبوع، فينظر الإنسان في قلبه، هل هو من المنافقين أو من المؤمنين؟ فيحذر ويطهر قلبه من النفاق، وفيه أيضاً فائدة أخرى أن يقرع أسماع الناس التحذير من المنافقين كل جمعة؛ لأن الله قال فيها عن المنافقين: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4]. وله أن يقرأ بـ {سَبِّحِ} و {الْغَاشِيَةِ} ثبت ذلك أيضاً في ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (877) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

صحيح مسلم (¬1)، فالسنة: أن يقرأ مرة بهذا، ومرة بهذا، ولكن لو أن الإنسان راعى أحوال الناس ففي أيام الشتاء البارد يقرأ بسبح والغاشية؛ لأن الناس ربما يحتاجون إلى كثرة الخروج للتبول بسبب البرودة، وكذا في أيام الحر الشديد أيضاً يقرأ بسبح والغاشية، لا سيما إذا كان المسجد ليس فيه تبريد كافٍ؛ لأجل التسهيل على الناس، وذلك أن من هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (¬2). والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية هي (التيسير)، فإذا علمنا أن الأيسر على المصلين أن نقرأ بسبّح والغاشية، وذلك في شدة البرد والصيف، فالأفضل أن نقرأ بهما، وأما في الأيام المعتدلة الجو فينبغي أن يقرأ بهذا أحياناً، وبهذا أحياناً؛ لئلا تهجر السنّة، والمناسبة فيهما ظاهرة؛ لأن في «سبّح» أمر الله تعالى بالتذكير فقال: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى *سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى *} [الأعلى]، والإمام قد ذكر في الخطبة، فينبّه الناس على أنهم إن كانوا من أهل خشية الله فسوف يتذكرون. وفي «الغاشية» ذكر يوم القيامة وأحوال الناس فيها، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ *} [الغاشية]، وقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ *لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ *} [الغاشية]، وفيها أيضاً التذكير: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ *لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ *} [الغاشية]. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (878) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري (3560)؛ ومسلم (2327) عن عائشة رضي الله عنها.

وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة

وَتَحْرمُ إِقَامَتُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِن الْبَلَدِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ ......... قوله: «وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة» أي: تحرم إقامة صلاة الجمعة في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة، ويأتي دليل ذلك. وهذا أيضاً من خصائص الجمعة، أما غير الجمعة فإنها تصلى في الدور (الأحياء)، ففي حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب» (¬1) أي الأحياء، ولهذا يقال: دار بني فلان، ودار بني فلان أي: حيّهم، فالجمعة يجب أن تكون في مسجد واحد؛ لأنها لو فرقت في مساجد الأحياء لانتفى المعنى الذي من أجله شرعت الجمعة، ولتفرق الناس، وصار كل قوم ينفضون عن موعظة تختلف عن موعظة الآخر، فيتفرق البلد، ولا يشربون من نهر واحد. وأيضاً لو تعددت الجمعة لفات المقصود الأعظم، وهو اجتماع المسلمين وائتلافهم؛ لأنه لو ترك كل قوم يقيمون الجمعة في حيّهم ما تعارفوا ولا تآلفوا، وبقي كل جانب من البلد لا يدري عن الجانب الآخر، ولهذا لم تقم الجمعة في أكثر من موضع، لا في زمن أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الصحابة كلهم، ولا في زمن التابعين، وإنما أقيمت في القرن الثالث بعد سنة (276هـ) تقريباً، فكان المسلمون إلى هذا الزمن ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (6/ 279)؛ وأبو داود (455)؛ والترمذي (594)؛ وابن ماجه (759)؛ وابن حبان (1634) الإحسان؛ وابن خزيمة (1294).

يصلون على إمام واحد، حتى إن الإمام أحمد سئل عن تعدد الجمعة؟ فقال: ما علمت أنه صلي في المسلمين أكثر من جمعة واحدة، والإمام أحمد توفي سنة (241هـ)، إلى هذا الحد لم تقم الجمعة في أكثر من موضع في البلد، وأقيمت في بغداد أول ما أقيمت لما صار البلد منشقاً بسبب النهر في الشرقي منه والغربي، فجعلوا فيها جمعتين؛ لأنه يشق أن يعبر الناس النهر كل أسبوع. وعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أقام صلاة العيد في الكوفة في الصحراء، وجعل واحداً من الناس يقيمها في المسجد الجامع داخل البلد للضعفاء (¬1)، فمن هنا ذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ إلى أن صلاة الجمعة يجوز تعددها للحاجة. والدليل على التحريم: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬2)، وحافظ النبي صلّى الله عليه وسلّم على صلاته الجمعة في مسجد واحد طول حياته، والخلفاء من بعده، والصحابة من بعدهم، وهم يعلمون أن البلاد اتسعت، ففي عهد عثمان اتسعت المدينة فزاد أذاناً ثالثاً (¬3) فصار أذان أول، ثم أذان عند حضور الإمام، ثم الإقامة، ولم يعدد الجمعة، وكانت أحياء العوالي في عهده صلّى الله عليه وسلّم بعيدة عن مكان الجمعة، ومع ذلك يحضرون إلى مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكن مع الأسف الآن أصبح كثير من بلاد المسلمين لا يفرقون بين الجمعة وصلاة الظهر، أي: أن الجمعة تقام في كل مسجد، فتفرقت الأمة، وصار الناس يقيمون صلاة الجمعة، ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 184، 185)؛ والبيهقي (3/ 310). (¬2) سبق تخريجه (3/ 27). (¬3) سبق تخريجه (2/ 63).

وكأنها صلاة ظهر، وهذا لا شك أنه خلاف مقصد الشرع وهدي الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ ولهذا جزم المؤلف بتحريم إقامتها في أكثر من موضع في البلد. وقوله: «إلا لحاجة»، والمراد بالحاجة هنا: ما يشبه الضرورة؛ لأن هناك ضرورة وحاجة، والفرق بين الحاجة والضرورة: أن الحاجة: هي التي يكون بها الكمال. والضرورة: هي التي يندفع بها الضرر؛ ولهذا نقول: المحرَّم لا تبيحه إلا الضرورة، قال الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]. مثال الحاجة: إذا ضاق المسجد عن أهله، ولم يمكن توسيعه؛ لأن الناس لا يمكن أن يصلوا في الصيف في الشمس، ولا في المطر في أيام الشتاء. وكذا إذا تباعدت أقطار البلد، وصار الناس يشق عليهم الحضور فهذا أيضاً حاجة، لكن في عصرنا الآن ليس هناك حاجة من جهة البعد، بل هناك حاجة من جهة الضيق؛ لأن الذين يأتون بالسيارات من أماكن بعيدة يحتاجون إلى مواقف، وقد لا يجدون مواقف، لكن إذا كان هناك مواقف، أو كانت السيارات قليلة فإنه يجب على الإنسان أن يحضر ولو بعيداً، ويقال للقريبين: لا تأتوا بالسيارات؛ لأجل أن يفسحوا المجال لمن كانوا بعيدين. ومن الحاجة أيضاً: أن يكون بين أطراف البلد حزازات وعداوات، يخشى إذا اجتمعوا في مكان واحد أن تثور فتنة، فهنا

فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام

لا بأس أن تعدد الجمعة، لكن هذا مشروط بما إذا تعذر الإصلاح، أما إذا أمكن الصلح وجب الإصلاح، وتوحيدهم على إمام واحد. وليس من الحاجة أن يكون الإمام مسبلاً أو فاسقاً؛ لأن الصحابة صلوا خلف الحجاج بن يوسف (¬1)، وهو من أشد الناس ظلماً وعدواناً، يقتل العلماء والأبرياء، وكانوا يصلون خلفه، بل الصحيح أنه يجوز أن يكون الإمام فاسقاً، ولو في غير الجمعة، ما لم يكن فسقه إخلالاً بشرط من شروط الصلاة يعتقده هو شرطاً فحينئذٍ لا نصلي خلفه، وإن كان الإخلال بشرط من شروط الصلاة نعتقده نحن شرطاً وهو لا يعتقده فهذا لا يضر. مثاله: أن نعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، والإمام يعتقد أنه لا ينقض فأكل منه ولم يتوضأ ثم صلى بنا، فإننا نصلي خلفه؛ لأن هذا اختلاف اجتهاد. فَإِنْ فَعَلُوا فَالصَّحيحَةُ مَا بَاشَرَهَا الإِمَامُ، .......... قوله: «فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام»، أي: صلوا الجمعة في موضعين فأكثر بلا حاجة فالصحيحة ما باشرها الإمام وأذن فيها، وإذا قال العلماء: «الإمام» فمرادهم من له أعلى سلطة في الدولة؛ وذلك لأن الإمام العام فقد منذ نشأ النزاع بين الخلفاء في أول خلافة بني أمية، وصارت الأمة الإسلامية مع الأسف دويلات، فإن تعددت الجمعة في موضع واحد لغير حاجة، فالصحيحة ما باشرها الإمام أي: ما صلى فيها، سواء كان هو الإمام، أو كان مأموماً، وكانوا فيما سبق لا يصلي الجمعة إلا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 217).

أو أذن فيها، فإن استوتا في إذن أو عدمه، فالثانية باطلة

الإمام يتولى الإمامة في صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وقيادة الحجيج. أَوْ أَذِنَ فِيهَا، فَإِن اسْتَوَتَا فِي إِذْنٍ أَوْ عَدَمِهِ، فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، ......... قوله: «أو أذن فيها»، أي: إن لم يباشرها، مثل: أن يكون بلد الإمام في محل آخر وهذا البلد الذي فيه تعدد الجمعة لم يكن فيه الإمام حاضراً، لكنه قال: أذنت لكم أن تقيموا جمعتين فأكثر، وهذه المسألة ليست مبنية على ما سبق في قول المؤلف: «لا يشترط لها إذن الإمام»؛ لأن إذن الإمام هناك لا يشترط في إقامة الجمعة الواحدة، أما في التعدد فلا بد من إذن الإمام، والفرق بينهما ظاهر، فالأولى لو قلنا: إنه يشترط لإقامة الجمعة إذن الإمام لكانت الفرائض باختيار الأئمة، أما تعدد الجمعة فلا بد من إذن الإمام؛ لئلا يفتات عليه وتتفرق الأمة، وهذا أمر يرجع إلى الدين من جهة، وإلى نظام الدولة من جهة أخرى. فرجوعه إلى الدين؛ لأن الدين ينهانا عن التفرق في دين الله قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]. وأما رجوعه إلى نظام الدولة فإن ولي الأمر هو الذي له الكلمة فيكون في إقامة الجمعة الثانية افتيات على الإمام، فتكون كل طائفة من الناس تود أن تتزعم البلد فتجعل في محلها جمعة. قوله: «فإن استوتا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة»، فإن استوتا، أي: الجمعتان في إذن أو عدمه بأن يكون الإمام قد أذن فيهما جميعاً، أو لم يأذن فيهما جميعاً، وبهذا نعرف أن القسمة ثلاثية:

1 ـ يأذن في إحداهما. 2 ـ يأذن فيهما. 3 ـ لا يأذن في واحدة منهما. فإن أذن في إحداهما فهي الصحيحة، سواء تأخرت أو تقدمت. وإن أذن فيهما جميعاً، أو لم يأذن فيهما جميعاً فالثانية باطلة على ما يقتضيه كلام المؤلف. والمراد بالثانية ما تأخرت عن الأخرى بتكبيرة الإحرام، وإن كانت الأخرى أسبق منها إنشاء، ولكن كيف نعلم ذلك؟ الجواب: أما في الزمن السابق فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون صعباً، أما في الزمن الحاضر فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون سهلاً بوسيلة مكبر الصوت إذا سمعنا قول الإمام في الأولى: «الله أكبر»، ثم قال الإمام في الثانية بعده مباشرة: «الله أكبر»، قلنا للثاني: صلاتك باطلة، وللأول: صلاتك صحيحة؛ لأن الأول لما سبق بالإحرام تعلق بها الفرض؛ لأنها سبقت، وعلى المذهب تدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام، فإذا سبقت بتكبيرة الإحرام تعلق الفرض بها وصارت هي الصلاة المفروضة، والثانية باطلة. وقال بعض العلماء: المعتبر السبق زمناً، فالتي قد أنشئت أولاً فالحكم لها؛ لأن الثانية هي التي حدثت على الأولى، فهي تشبه مسجد الضرار الذي بناه المنافقون عند مسجد قباء، وقال الله لنبيه: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108].

وإن وقعتا معا، أو جهلت الأولى بطلتا

وهذا القول هو الصحيح، أن المعتبر السابقة زمناً وإنشاء ولو تأخرت عملاً، فلو فرضنا أن الجديدة ـ التي أنشئت حديثاً، وبدون إذن الإمام ـ صلوا ركعة قبل أن تقام الثانية ـ التي هي الأولى إنشاءً ـ فإن صلاتهم لا تصح جمعة؛ لأن الناس مجتمعون على الأولى، فجاء هؤلاء وأنشؤوا مسجداً جامعاً وفرقوا الناس. وَإِنْ وَقَعَتَا مَعاً، أَوْ جُهِلَتِ الأُولَى بَطَلَتَا ....... قوله: «وإن وقعتا معاً» أي: إن وقعتا معاً بطلتا معاً، فمثلاً إذا كنا نحن نستمع إلى المسجد الشمالي والمسجد الجنوبي فقال إمام كل مسجد منهما: «الله أكبر» في نفس الوقت فنقول لهم: صلاتكم جميعاً باطلة؛ لأنه لم تتقدم إحداهما حتى يكون لها مزية، وإذا لم يكن لها مزية صارت كل واحدة منهما تبطل الأخرى، كالبينتين إذا تعارضتا تساقطتا، وعلى هذا يلزم الجميع إعادتها جمعة في مكان واحد مع بقاء الوقت، وإلا صلوا ظهراً. وعلى القول الذي رجحناه نقول: أهل المسجد الشمالي صحت جمعتهم، وأهل المسجد الجنوبي لم تصح جمعتهم؛ لأن الجمعة في الشمالي هي الأولى إنشاءً. قوله: «أو جهلت الأولى بطلتا» أي: لو أقيمت جمعتان بلا حاجة، واستوتا في إذن الإمام وعدمه. وجهلت الأولى منهما، ولم يعلم أيهما أسبق بتكبيرة الإحرام بطلتا أي: الجمعتان، ولزمهم صلاة الظهر، ولا يصح استعمال القرعة هنا؛ لأنها عبادة، وهنا تلزمهم صلاة الظهر، ولا تصح إعادتها جمعة. وقد سبق في المسألة التي قبلها أنه يلزمهم إعادتها جمعة إن أمكن.

وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست

والفرق بين المسألتين ظاهر: لأنه في المسألة الأولى بطلت الجمعتان جميعاً، كل واحدة أبطلت الأخرى فلم تصح واحدة منهما، فيجب إعادة الجمعة إن استطاعوا، وإلا صلوا ظهراً، وفي المسألة الثانية إحداهما صحيحة وهي التي سبقت لكنها مجهولة، والجمعة لا تعاد مرتين، فحينئذٍ لا تعاد الصلاة، ولو اجتمعوا في مسجد واحد، فيجب على الجميع إعادة الصلاة ظهراً. وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا سِتٌّ، .......... قوله: «وأقل السنّة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست»، شرع المؤلف في بيان السنن التوابع للجمعة، فأقلها ركعتان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته» (¬1)، ثبت ذلك عنه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ. وأكثرها ست؛ لأنه ورد عن عبد الله بن عمر بإسناد صححه العراقي (¬2) أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي بعد الجمعة ستاً، فقد كان ابن عمر «إذا صلى في مكة تقدم بعد صلاة الجمعة فصلى ركعتين، ثم صلى أربعاً، وفي المدينة يصلي ركعتين في بيته، ويقول: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يفعله» (¬3). أما الأربع فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك فقال: «إذا صلّى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً» (¬4). فصارت السنة بعد الجمعة، إما ركعتين، أو أربعاً، أو ستاً، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (937)؛ ومسلم (882). (¬2) «نيل الأوطار» (3/ 280). (¬3) أخرجه أبو داود (1130)؛ والبيهقي (3/ 240، 241). (¬4) أخرجه مسلم (881) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

ولكن هل هذا مما وردت به السنة على وجوه متنوعة، أو على أحوال متنوعة، فيه أقوال: القول الأول: أنها على أحوال متنوعة. وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيقال: إن صليت راتبة الجمعة في المسجد فصل أربعاً، وإن صليتها في البيت فصل ركعتين. القول الثاني: أنها متنوعة على وجوه فصلِّ أحياناً أربعاً، وأحياناً ركعتين. القول الثالث: أنها أربع ركعات مطلقاً؛ لأنه إذا تعارض قول النبي صلّى الله عليه وسلّم وفعله يقدم قوله. والأولى للإنسان ـ فيما أظنه راجحاً ـ أن يصلي أحياناً أربعاً، وأحياناً ركعتين. أما الست فإن حديث ابن عمر يدل على أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم «كان يفعلها». لكن الذي في الصحيحين أنه كان يصلي ركعتين، ويمكن أن يستدل لذلك بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي في بيته ركعتين، وأمر من صلى الجمعة أن يصلي بعدها أربعاً، فهذه ست ركعات: أربع بقوله وركعتان بفعله، وفيه تأمل. وعُلم من قول المؤلف: «أقل السنة بعد الجمعة ركعتان» أنه ليس للجمعة سنّة قبلها، وهو كذلك، فيصلي ما شاء بغير قصد عدد، فيصلي ركعتين أو ما شاء، لكن إذا دخل الإمام أمسك. فإن قال قائل: هل تختارون لي إذا جئت يوم الجمعة أن أشغل وقتي بالصلاة، أو أشغل وقتي بقراءة القرآن؟ فالجواب: نرى أن ركعتين لا بد منهما، وهما تحية

المسجد، وما عدا ذلك ينظر الإنسان ما هو أرجح له، فإذا كنت في مسجد يزدحم فيه الناس، ويكثر المترددون بين يديك، فالظاهر أن قراءة القرآن أخشع لقلب الإنسان وأفيد، وإذا كنت في مكان سالم من التشويش، فلا شك أن الصلاة أفضل من القراءة؛ لأن الصلاة تجمع قراءة وذكراً ودعاء وقياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً، فهي روضة من رياض العبادات فهي أفضل. فمثلاً: المسجد الحرام في أيام المواسم إذا صلى الإنسان تعب بمضايقة الناس، فهنا قد تكون قراءة القرآن بتدبر وتمهل يحصل فيها من خشوع القلب، ورقته، وقوة الإيمان ما لا يحصل بالصلاة، لكن لا بد من تحية المسجد. والإمام أحمد ـ رحمه الله ـ سئل عن مسألة من مسائل العلم، فقال للسائل: «انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله»، وهذه كلمة عظيمة، ولا شك أن الإمام أحمد إنما يريد ما لم يرد فيه التفضيل، أما ما ورد فيه التفضيل فالقول ما قال الله ورسوله، لكن مع ذلك نحن نشاهد من فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم وحاله أنه يقدم أحياناً المفضول على الفاضل، فأحياناً يصوم حتى يقال: لا يفطر، وأحياناً يفطر حتى يقال: لا يصوم (¬1)، وكذلك في قيام الليل، وأحياناً يأتيه الوفود يشغلونه عن الراتبة فيجلس معهم، ولا يصلي الراتبة إلا بعد صلاة أخرى، كما أخر راتبة الظهر إلى ما بعد العصر (¬2)، فالإنسان العاقل الموفق يعرف كيف يتصرف في العبادات غير الواجبة، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1969)؛ ومسلم (1156) (175) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ. (¬2) أخرجه البخاري (1233)؛ ومسلم (834) عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ.

ويسن أن يغتسل

فيقارن، ويوازن بين المصالح، ويفعل ما هو أصلح. وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ، ........ قوله: «ويسن أن يغتسل»، يعبر الفقهاء بيُسن، ويجب، ويشرع. فإذا قالوا: يشرع فهو لفظ صالح للوجوب، والاستحباب. وإذا قالوا: يجب فهو للوجوب. وإذا قالوا: يسن فهو للاستحباب. والسنّة في تعبير الفقهاء: هي ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه، فهي بين الواجب والمباح. فقوله: «يسن أن يغتسل» أي: أنه إذا اغتسل ليوم الجمعة فهو أفضل، وإن لم يغتسل فلا إثم عليه. وقوله: «أن يغتسل» لم يبيّن كيفية الاغتسال، ولكنه إذا أطلق في لسان الشارع، أو في لسان أهل الشرع وهم الفقهاء، فإنه يحمل على الاغتسال الشرعي، لا على مجرد أن يغسل الإنسان بدنه، والغسل الشرعي له صفتان: 1 ـ واجبة: وهي أن يعم جميع بدنه بالماء، ولو بانغماس في بركة أو نهر أو بحر. 2 ـ مستحبة: وهي أن يتوضأ أولاً، كما يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل شعره ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على سائر جسده. وقول المؤلف: «يسن أن يغتسل» لم يبيّن متى يكون الاغتسال. فقال بعضهم: إن أول وقته من آخر الليل.

وقال آخرون: بل من طلوع الفجر؛ لأن النهار لا يدخل إلا بطلوع الفجر. وقال آخرون: بل من طلوع الشمس؛ لأن ما بين الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة خاصة، وهي الفجر، ولا ينتهي وقتها إلا بطلوع الشمس، وعلى هذا فيكون ابتداء الاغتسال من طلوع الشمس، وهذا أحوط الأقوال الثلاثة؛ لأن من اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أتى على الأقوال كلها. وينتهي وقت الاغتسال بوجوب السعي إلى الجمعة على الأقوال كلها. وقوله: «يسن أن يغتسل»، لم يبيّن من الذي يغتسل، هل هم الرجال أو النساء؟ والسنّة تدل على أن الاغتسال خاص بمن يأتي إلى الجمعة؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (¬1)، ولقوله: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (¬2)، وكلمة «الجمعة» هنا يحتمل أن يكون المراد بها الصلاة، أو اليوم، لكن قوله: «إذا أتى أحدكم الجمعة» يعين أن المراد بها الصلاة، وعلى هذا فالنساء لا يسنّ لهن الاغتسال، وكذلك من لا يحضر لصلاة الجمعة لعذر، فإنه لا يسنّ له أن يغتسل للجمعة. وقول المؤلف: «يسنّ أن يغتسل» هو المذهب، وعليه جمهور العلماء. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاغتسال واجب. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (877)؛ ومسلم (844) عن ابن عمر رضي الله عنهما. (¬2) يأتي تخريجه ص (82).

وهذا القول هو الصحيح لما يلي: 1 ـ قول أفصح الخلق وأنصحهم محمد صلّى الله عليه وسلّم: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (¬1)، فصرّح النبي صلّى الله عليه وسلّم بالوجوب، ومن المعلوم أننا لو قرأنا هذه العبارة في مؤلف كهذا الذي بين أيدينا لم نفهم منها إلا أنه واجب يأثم بتركه، فكيف والتعبير من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي هو أعلم الخلق بشريعة الله وأفصح الخلق وأنصح الخلق وأعلمهم بما يقول؟ ثم إنه علق الوجوب بوصف يقتضي الإلزام، وهو الاحتلام الذي يحصل به البلوغ، فإذا تأملنا ذلك تبيّن لنا ظاهراً أن غسل الجمعة واجب، وأن من تركه فهو آثم، لكن تصح الصلاة بدونه؛ لأنه ليس عن جنابة. 2 ـ أن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ دخل وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة، فأنكر عليه تأخّره، فقال: والله يا أمير المؤمنين كنت في شغل، وما زدت على أن توضأت، ثم أتيت، فقال له ـ موبخاً ـ: والوضوء أيضاً؟ ـ أي: تفعل الوضوء أيضاً ـ، وقد علمت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأمر بالغسل (¬2)، فأنكر عمر ـ رضي الله عنه ـ عليه اقتصاره على الوضوء. وأما ما روي عن سمرة بن جندب أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (¬3)، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (879)؛ ومسلم (846) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري (878)؛ ومسلم (845). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (5/ 15، 16)؛ وأبو داود (354)؛ والترمذي (495) وحسنه؛ والنسائي (3/ 94)؛ وابن خزيمة (1757).

فهذا الحديث لا يقاوم ما أخرجه الأئمة السبعة وغيرهم، وهو حديث أبي سعيد الذي ذكرناه آنفاً: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، ثم إن الحديث من حيث السند ضعيف؛ لأن كثيراً من علماء الحديث يقولون: إنه لم يصح سماع الحسن عن سمرة إلا في حديث العقيقة، وإن كنا رجّحنا في المصطلح: أنه متى ثبت سماع الراوي من شيخه، وكان ثقة ليس معروفاً بالتدليس، فإنه يحمل على السماع، على أن الحسن ـ رحمه الله ـ رماه بعض العلماء بالتدليس، ثم إن هذا الحديث من حيث المتن إذا تأملته وجدته ركيكاً ليس كالأسلوب الذي يخرج من مشكاة النبوة «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» ... «بها» أين مرجع الضمير؟ ففيه شيء من الركاكة أي: الضعف في البلاغة «ومن اغتسل فالغسل أفضل» فيظهر عليه أنه من كلام غير النبي صلّى الله عليه وسلّم. فالذي نراه وندين الله به، ونحافظ عليه أن غسل الجمعة واجب، وأنه لا يسقط إلا لعدم الماء، أو للضرر باستعمال الماء، ولم يأت حديث صحيح أن الوضوء كاف، وأما ما ورد في صحيح مسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام» (¬1)، فإنه مرجوح، لاختلاف الرواة، فبعضهم قال: «من اغتسل» وهذه أرجح، وبعضهم قال: «من توضأ». مسألة: بقي أن يقال: إذا لم يجد الماء، أو تضرر ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (857) (26) (27)، وقدم لفظ «من اغتسل»، وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وتقدم

باستعماله .. فهل يتيمم لهذا الغسل، أو نقول: إنه واجب سقط بعدم القدرة عليه؟ الجواب أن نقول: الثاني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، ويقول شيخ الإسلام: جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها فإنه لا يتيمم عنها؛ لأن التيمم إنما شرع للحدث؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]. ومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير؛ لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه، وعلى هذا فلو أن الإنسان وصل إلى الميقات وهو يريد العمرة أو الحج، ولم يجد الماء، أو وجده وكان بارداً لا يستطيع استعماله، أو كان مريضاً، فلا يتيمّم بناء على هذا. والفقهاء رحمهم الله يقولون: يتيمّم، والصحيح خلاف ذلك. وَتَقَدَّمَ، ........... قوله: «وتقدم»، أي: سبق ذكر استحباب الغسل ليوم الجمعة. لكن صاحب الروض قال: «فيه نظر»، وإذا قال العلماء: «فيه نظر» فيعنون أنه غير مسلم، والعلماء يعبرون أحياناً بقولهم: «فيه شيء»، إذا نقلوا كلام غيرهم. وقولهم: «فيه شيء»، أخف من قولهم: «فيه نظر»، وقول صاحب الروض: «فيه نظر»، أي: في قول الماتن: «وتقدم» نظر،

ويتنظف، ويتطيب

وكأن صاحب الروض غفل عن قول صاحب المتن؛ لأن صاحب المتن في أقسام المياه قال: «وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة»، فهذا صريح في أن غسل الجمعة مستحب، وكأن صاحب الروض إنما قال: «فيه نظر» لما رأى المؤلف لم يذكره في باب الغسل، كما جرت به عادة الفقهاء في ذكر الأغسال المستحبة في باب الغسل. وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ ......... قوله: «ويتنظف» أي: ويسنّ أن يتنظف كما جاءت به السنّة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ... » (¬1)، والتنظّف أمر زائد على الاغتسال، فالتنظّف بقطع الرائحة الكريهة وأسبابها، فمن أسباب الرائحة الكريهة الشعور والأظفار التي أمر الشارع بإزالتها، وعلى هذا فيسنّ حلق العانة، ونتف الإبط، وحف الشارب، وتقليم الأظفار، لكن من المعلوم أن هذا لا يكون في كل جمعة، فقد لا يجد الإنسان شيئاً يزيله، من هذه الأمور الأربعة، وقد وقّت النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الأشياء الأربعة ألا تزيد على أربعين يوماً (¬2)، وقد قال الفقهاء: إن حف الشارب في كل جمعة. قوله: «ويتطيّب» أي: ويسنّ أيضاً أن يتطيّب، كما جاءت به السنة (¬3)، بأي طيب سواء من الدهن أو من البخور، في ثيابه وفي بدنه؛ وذلك من أجل اجتماع الناس في مكان واحد؛ لأن العادة ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (883) عن سلمان ـ رضي الله عنه ـ. (¬2) أخرجه مسلم (258) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ. (¬3) أخرجه البخاري (883) عن سلمان ـ رضي الله عنه ـ.

أنه إذا كثر الجمع ضاق النفس، وكثر العرق، وثارت الرائحة الكريهة، فإذا وجد الطيب، وقد سبقه التنظّف، فإن ذلك يخفف من الرائحة؛ ولهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام من أكل بصلاً أو ثوماً أن يقرب المسجد (¬1)، وكانوا إذا رأوا إنساناً أكل بصلاً أو ثوماً، أمروا به فأخرج من المسجد إلى البقيع، ومن الأسف أن بعض الناس اليوم يأتي إلى الجمعة، وثيابه وجسمه لهما رائحة كريهة، ثم لا يستطيع أحد أن يصلي إلى جنبه، وليس هذا من عند الله، بل من نفسه، فهو الذي يجلب لنفسه الأوساخ والأدران، ولا يهتم بنفسه، وفي هذا أذية للمصلين، وأذية للملائكة. بل إن العلماء قالوا: إن ما كان من الله، ولا صنع للآدمي فيه إذا كان يؤذي المصلين فإنه يخرج، كالبخر في الفم، أو الأنف، أو من يخرج من إبطيه رائحة كريهة، فإذا كان فيك رائحة تؤذي فلا تقرب المسجد. فإن قال: هذا من الله؟ فيقال: إذا ابتلاك الله به فلا تؤذ العباد، ولا تؤذ الملائكة، وأنت مأجور على الصبر على هذا الشيء واحتساب الأجر من الله، ولست آثماً إذا لم تصل مع الناس؛ لأنك إنما تركت ذلك بأمر الله. فإذا قال: هذا ينقص إيماني؛ لأن صلاة الجماعة أفضل؟ قلنا: إنك لا تلام على هذا النقص؛ كما أن الحائض لا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 323).

ويلبس أحسن ثيابه ويبكر إليها ماشيا

تصلي، وينقص إيمانها بذلك ولا تلام على النقص؛ لأن النقص الذي ليس بسبب الإنسان لا يلام عليه. وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِياً، .......... قوله: «ويلبس أحسن ثيابه» أي: ويسنّ لبس أحسن ثيابه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يُعد أحسن ثيابه للوفد والجمعة (¬1). وانظر كيف كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يعامل الناس، فإذا جاء الوفد لبس أحسن ثيابه؛ ليظهر أمام الوفد بالمظهر اللائق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذراً من الكبر: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة خردل من كبر»، قالوا: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟ فقال: «إن الله جميل يحب الجمال» (¬2)، أي: يحب التجمل، وليس الجمال الطبيعي الخَلْقي؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بنى هذا الكلام على قولهم: «يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً»؛ ولأن هذا هو الذي يستطيعه الإنسان، فيثاب عليه إذا فعله، أما الجمال الخَلْقي فهذا ليس من اختيار الإنسان. فدل ذلك على أنه ينبغي أيضاً أن يحسّن الإنسان ثيابه، ويحسّن نعله، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك به إلى الإسراف والفخر والخيلاء، ولهذا وردت أحاديث تدل على فضل التواضع في ¬

_ (¬1) لما روى عبد الله بن عمر: «أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ... ». أخرجه البخاري (886). (¬2) سبق تخريجه (1/ 157).

اللباس، وهذا في مكانه، أي: لو كان الإنسان يريد أن يأتي إلى قوم فقراء، ويخشى إذا جاء بلباسه الزاهي أن تنكسر قلوبهم، فهنا الأفضل أن يلبس ما يناسب الحال، ويكون مأجوراً على ذلك. قال في الروض: «وأفضلها البياض، ويعتم، ويرتدي» أي: أفضلها البياض، ولا شك أن أفضل الثياب للرجال البياض، لكن أحياناً لا يجد الإنسان البياض مناسباً للوقت، مثل: أيام الشتاء فإنه يندر أن تجد ثياباً بيضاء تناسب الوقت، فهنا نقول: ارفق بنفسك، ويمكن أن تلبس ثياباً متعددة، ويكون الأعلى هو الأبيض. قوله: «ويعتم» أي: يلبس العمامة. والعمامة: هي ما يطوى على الرأس، ويكور عليه. والدليل: فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث كان يلبس العمامة، ويمسح عليها (¬1)، ولكن هل لباسه إياها كان تعبداً، أو لباسه إياها؛ لأنها عُرف؟ الجواب: الثاني هو الصحيح، واتباع العرف في اللباس هو السنة ما لم يكن حراماً؛ لأنّا نعلم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنما لبس ما يلبسه الناس، والإنسان لو خالف ما يلبسه الناس لكانت ثيابه ثياب شهرة. قوله: «ويرتدي» أي: يلبس الرداء، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان عليه قميص وهذا فيه نظر. لكن بدل الرداء عندنا المشلح، وأكثر الناس اليوم لا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 236).

يلبسونه، ولو لبسه الإنسان أمام الناس لاستنكروه، بينما كانوا في الأول يستنكرون من لا يلبسه. قوله: «ويبكّر إليها» أي: يسنّ أن يبكّر إلى الجمعة. ودليله: حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» (¬1). وهذا يدل على أن الأفضل التبكير، ولكن بعد الاغتسال، والتنظّف والتطيّب، ولبس أحسن الثياب. قوله: «ماشياً»، أي: يسن أن يذهب إلى الجمعة ماشياً على قدميه، ودليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من غسل واغتسل، وبكّر وابتكر، ودنا من الإمام، ومشى ولم يركب» (¬2). فقال: «مشى ولم يركب»؛ ولأن المشي أقرب إلى التواضع من الركوب، ولأنه يرفع له بكل خطوة درجة، ويحط عنه بها خطيئة، فكان المشي أفضل من الركوب. ولكن لو كان منزله بعيداً، أو كان ضعيفاً أو مريضاً، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (881)؛ ومسلم (850). (¬2) وتمامه: «واستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها». أخرجه الإمام أحمد (4/ 104)؛ وأبو داود (345)؛ والترمذي (494) وحسنه؛ والنسائي (3/ 95)؛ وابن ماجه (1087)؛ وابن خزيمة (1758)؛ وابن حبان (2781) الإحسان؛ والحاكم (1/ 281) وصححه.

ويدنو من الإمام

واحتاج إلى الركوب، فكونه يرفق بنفسه أولى من أن يشق عليها. ويدنو مِنَ الإِمَامِ، ............... قوله: «ويدنو من الإمام»، وهذا أيضاً من السنّة أن يدنو من الإمام. ودليل ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» (¬1)، ولما رأى قوماً تأخروا في المسجد عن التقدم قال: «لا يزال قوم يتأخرون، حتى يؤخرهم الله» (¬2)، فأقل أحواله أن يكون التأخّر عن الأول فالأول مكروه؛ لأن مثل هذا التعبير يعد وعيداً من النبي عليه الصلاة والسلام وليس في هذا العمل فقط، بل في جميع الأعمال؛ لأن الإنسان إذا لم يكن في قلبه محبة للسبق إلى الخير بقي في كسلٍ دائماً، كما قال الله عز وجل: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ *} [الأنعام]. ولهذا ينبغي للإنسان كلما سنحت له الفرصة في العبادة أن يفعل، ويتقدم إليها، حتى لا يعوّد نفسه الكسل، وحتى لا يؤخّره الله عز وجل. مسألة: دلّت السنّة على أن يمين الصف أفضل من اليسار، والمراد عند التقارب، أو التساوي، وأما مع البعد فقد دلّت السنّة على أن اليسار الأقرب أفضل. ودليل ذلك: أن الناس كانوا إذا وجد جماعة ثلاثة، فإن الإمام يكون بين الرجلين (¬3)، ثم نسخ ذلك فصار الإمام يتقدم ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (2/ 15). (¬2) أخرجه مسلم (438) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (¬3) سبق تخريجه (3/ 16).

ويقرأ سورة الكهف في يومها

الاثنين فأكثر، ولو كان اليمين أفضل على الإطلاق لصار مقام الرجلين مع الرجل عن اليمين. وأيضاً لو كان اليمين أفضل مطلقاً لقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أكملوا الأيمن فالأيمن»، كما كان الصف يكمل فيه الأول فالأول. فلو فرض أن في اليمين عشرة رجال، وفي اليسار رجلين، فاليسار أفضل، لأنه أقرب إلى الإمام. وطرف الصف الأول من اليمين أو اليسار أفضل من الصف الثاني، وإن كان خلف الإمام. ودليل ذلك: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتراصون، ويتمون الأول فالأول» (¬1). وعلى هذا فنكمل الأول فالأول، فالأول قبل الثاني، والثاني قبل الثالث، والثالث قبل الرابع ... وهكذا. وَيَقْرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِي يَوْمِهَا ......... قوله: «ويقرأ سورة الكهف في يومها»، أي: يسنّ أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (¬2) وهذا روي مرفوعاً وموقوفاً. وقد أعل بعض العلماء المرفوع بأن الحديث روي موقوفاً. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (3/ 12). (¬2) أخرجه الحاكم (2/ 368) وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي؛ والبيهقي (3/ 249) عن أبي سعيد رضي الله عنه. وأخرجه الدارمي (2/ 454) موقوفاً على أبي سعيد.

ونحن نقول: إذا كان الرافع ثقة، فهذه العلة غير قادحة، فلا توجب ضعف الحديث، والذي يوجب ضعف الحديث العلة القادحة، وهذا لا يقدح؛ لأن من روى الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ربما يحدّث به غير منسوب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يقع كثيراً، لا سيما في غير مقام الاستدلال، أما في مقام الاستدلال فلا بد أن يرفعه، وعلى فرض أنه من قول أبي سعيد، فمثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع؛ لأن أبا سعيد لا يعرف هذا الثواب، فيكون مرفوعاً حكماً إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. وسورة الكهف لها مزايا منها: أن من قرأ فواتحها على الدجال عصم من فتنته (¬1)، والدجال هو الأعور الذي يبعثه الله في آخر الزمان يبقى في الأرض أربعين يوماً، اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كجمعة، والرابع كسائر الأيام، فتنته عظيمة جداً، ولهذا ما من نبي إلا أنذر قومه منه (¬2)، وأمرنا نبينا صلّى الله عليه وسلّم أن نتعوذ بالله من فتنته في كل صلاة بعد التشهد الأخير قبل السلام (¬3)، وجاء في بعض الأحاديث أن من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنته (¬4)، وفي بعض روايات ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (2937) عن النواس بن سمعان وفيه قال رسول الله (ص): «فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف». (¬2) سبق تخريجه (3/ 191). (¬3) سبق تخريجه (3/ 200). (¬4) أخرجه مسلم (809) من حديث أبي الدرداء ولفظه: «من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من الدجال».

ويكثر الدعاء ويكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

الحديث: «من آخر الكهف» (¬1)، والجمع بينهما: أن يحتاط الإنسان فيقرأ عشراً من أولها، وعشراً من آخرها وفيها عبر: منها: قصة أصحاب الكهف. ومنها: قصة الرجلين ذوي الجنتين. ومنها: قصة موسى مع الخضر. ومنها: قصة ذي القرنين. ومنها: قصة يأجوج ومأجوج. ولهذا ورد الترغيب في قراءتها في يوم الجمعة قبل الصلاة أو بعد الصلاة. وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ وَيُكْثِرَ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم ....... قوله: «ويكثر الدعاء» أي: يسن أن يكثر الدعاء يوم الجمعة؛ وذلك لأن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه؛ [لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه»] (¬2)، فينبغي أن يكثر من الدعاء رجاء ساعة الإجابة. ولم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ نوع الدعاء الذي يكثره فهو راجع إليك، وكل إنسان له حاجات خاصة إلى ربه، فليسأل ربه ما شاء. قوله: «ويكثر الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم» أي: يسن أن يكثر الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم الجمعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بإكثار ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (809) (257). (¬2) أخرجه البخاري (935)؛ ومسلم (852) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ولا يتخطى رقاب الناس

الصلاة عليه يوم الجمعة (¬1)، كما أن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم مشروعة كل وقت بالاتفاق؛ لأن الله قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم معناها: أنك تسأل الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى. وقال بعض العلماء: صلاة الله على نبيه صلّى الله عليه وسلّم رحمته إياه، وهذا فيه نظر؛ لأن الله تعالى فرق بين الصلاة والرحمة فقال: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157]، والأصل في العطف المغايرة؛ ولأن العلماء مجمعون على أنه يجوز للإنسان أن يدعو بالرحمة لمن شاء من المؤمنين فيقول: اللهم ارحم فلاناً، ومختلفون في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كانت الصلاة هي الرحمة لم يختلف العلماء في جوازها. إذاً فالصلاة أخص من الرحمة، فإذا صلى الإنسان على النبي صلّى الله عليه وسلّم مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، فلنكثر من الصلاة على نبينا صلّى الله عليه وسلّم حتى يكثر ثوابنا. وَلاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ ......... قوله: «ولا يتخطى رقاب الناس» الواو للاستئناف، وليست للعطف على ما سبق؛ لأننا لو جعلناها للعطف على ما سبق لكان تقدير الكلام: «ويسن أن لا يتخطى»، وليس الأمر كذلك، بل «لا» نافية وليست ناهية؛ لأن الألف لم تحذف، ولو كانت ناهية ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 8)؛ وأبو داود (1047)؛ والنسائي (3/ 91)؛ وابن ماجه (1085)؛ وابن خزيمة (1733)؛ وابن حبان (910) الإحسان؛ والحاكم (1/ 278) عن أوس بن أوس رضي الله عنه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه النووي في «الأذكار» ص (97).

إلا أن يكون إماما، أو إلى فرجة

لحذفت الألف للجزم، والنفي يحتمل أنه للكراهة، ويحتمل أنه للتحريم، وهذه المسألة خلافية، فالمشهور من المذهب أن تخطي الرقاب مكروه. والصحيح: أن تخطي الرقاب حرام في الخطبة وغيرها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: «اجلس فقد آذيت» (¬1)، ولا سيما إذا كان ذلك أثناء الخطبة؛ لأن فيه أذية للناس، وإشغالاً لهم عن استماع الخطبة، إشغال لمن باشر تخطي رقبته، وإشغال لمن يراه ويشاهده، فتكون المضرة به واسعة. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ إِمَاماً، أَوْ إِلَى فُرْجَةٍ ........ قوله: «إلا أن يكون إماماً» أي: فإن كان إماماً، فلا بأس أن يتخطى؛ لأن مكانه متقدم، ولكن بشرط أن لا يمكن الوصول إلى مكانه إلا بالتخطي، فإن كان يمكن الوصول إلى مكانه بلا تخط بأن كان في مقدم المسجد باب يدخل منه الإمام، فإنه كغيره في التخطي؛ لأن العلة واحدة، وقد اعتاد الناس اليوم ـ والحمد لله ـ أن يجعلوا للإمام باباً في مقدم المسجد حتى يدخل منه، وكانوا في الزمن السابق لما كانت البيوت ملاصقة للمساجد من القبلة كان الإمام يدخل من الباب الخلفي ويتخطى الرقاب، ولكن الناس لا يرون في هذا بأساً؛ لأنه إمامهم فلا يتأذون بذلك. قوله: «أو إلى فرجة» أي: مكان متسع في الصفوف المقدمة، فإن كان هناك فرجة، فلا بأس أن يتخطى إليها. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 118، 190)؛ وأبو داود (1118)؛ والنسائي (3/ 103)؛ وابن خزيمة (1811)؛ وابن حبان (2790) إحسان؛ والحاكم (1/ 288) وصححه ووافقه الذهبي، عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه.

وحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه

فإن قال قائل: الحديث عام «اجلس فقد آذيت» (¬1)؛ لأن ظاهر الحال أن هناك فرجة؛ لأنه ليس من العادة أن يتخطى الإنسان الرقاب إلا إلى فرجة. ولكن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ استثنوا هذه المسألة، فقالوا: لأنه إذا كان ثمة فرجة فإنهم هم الذين جنوا على أنفسهم؛ لأنهم مأمورون أن يكملوا الأول فالأول، فإذا كان ثمة فرجة فقد خالفوا الأمر، وحينئذٍ يكون التفريط منهم، وليس من المتخطي. ولكن الذي أرى: أنه لا يتخطى حتى ولو إلى فرجة؛ لأن العلة وهي الأذية موجودة، وكونهم لا يتقدمون إليها قد يكون هناك سبب من الأسباب، مثل: أن تكون الفرجة في أول الأمر ليست واسعة، ثم مع التزحزح اتسعت، فحينئذٍ لا يكون منهم تفريط، فالأولى الأخذ بالعموم وهو ألا يتخطى إلى الفرجة لكن لو تخطى برفق واستأذن ممن يتخطاه إلى هذه الفرجة فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس. وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ ....... قوله: «وحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه» أي: يحرم أن يقيم غيره من المكان الذي كان جالساً فيه ويجلس مكانه. قوله: «فيجلس مكانه» هذا قيد أغلبي؛ لأن الغالب أن الإنسان يقيم غيره من أجل أن يجلس في مكانه، ومع ذلك لو أقام غيره لا ليجلس في مكانه فقال: قم عن هذا ولم يجلس فيه كان حراماً. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (95).

إلا من قدم صاحبا له فجلس في موضع يحفظه له

ودليل هذا: 1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» (¬1). 2 ـ نهيه صلّى الله عليه وسلّم أن يقيم الرجل أخاه فيجلس مكانه (¬2). ففي الحديث الأول بيان الأحقية، وفي الحديث الثاني تحريم أن يقيم غيره فيجلس مكانه. 3 ـ أن ذلك يحدث العداوة والبغضاء بين المصلين، وهذا ينافي مقصود الجماعة، إذ إن من المقصود من الجماعة هو الائتلاف والمحبة، فإذا أقام غيره، ولا سيما أمام الناس، فلا شك أن هذا يؤذيه، ويجعل في قلبه ضغينة على هذا الرجل الذي أقامه. إِلاَّ مَنْ قَدَّمَ صَاحِباً لَهُ فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظهُ لَهُ. قوله: «إلا من قدم صاحباً له في موضع يحفظه له» أي: إلا شخصاً قدم صاحباً له في موضع يحفظه له، مثل: أن يقول لشخص ما: يا فلان أنا عندي شغل، ولا ينتهي إلا عند مجيء الإمام، فاذهب واجلس في مكان لي في الصف الأول. فإذا فعل وجلس في الصف الأول فله أن يقيمه؛ لأن هذا الذي أقيم وكيل له ونائب عنه. وظاهر كلام المؤلف أن هذا العمل جائز، أي يجوز لشخص أن ينيب غيره ليجلس في مكان فاضل، ويبقى هذا المنيب حتى يفرغ من حاجاته، ثم يتقدم إلى المسجد. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 279). (¬2) سبق تخريجه (4/ 279).

وفي هذا نظر لما يلي: أولاً: أن هذا النائب لم يتقدم لنفسه، وربما يراه أحد فيظنه عمل عملاً صالحاً، وليس كذلك. ثانياً: أن في هذا تحايلاً على حجز الأماكن الفاضلة لمن لم يتقدم، والأماكن الفاضلة أحق الناس بها من سبق إليها. وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم أن يقيم غيره، ولو كان صغيراً. والمذهب أنه يجوز أن يقيم الصغير، ويجلس مكانه، ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يقيم الصغير لما يلي: أولاً: لعموم النهي: «لا يقيم الرجل أخاه» (¬1). ثانياً: لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» (¬2). وهذا الصبي سابق فلا يجوز لنا أن نهدر حقه، وأن نظلمه ونقيمه. ودليل المذهب: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» (¬3)، وهذا استناد إلى غير مستند؛ لأن المراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» حث أولي الأحلام والنهى أن يتقدموا، ولو قال: «لا يلني منكم إلا أولو الأحلام» لكان لنا الحق أن نقيم الصغير. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (97). (¬2) سبق تخريجه ص (97). (¬3) سبق تخريجه ص (90).

ثم نقول: إن في إقامة الصغير عن مكانه مفسدة عظيمة بالنسبة للصغير؛ إذ يبقى في قلبه كراهة للمسجد والتقدم إليه، وكراهة لمن أقامه من مجلسه أمام الناس، ولا سيما إذا كان له تمييز كالسابعة والثامنة. وهناك مفسدة أخرى غير ما سبق، وهي أننا إذا أقمنا الصغار من الصف الأول، وجعلناهم في صف واحد مستقل فسيلعبون لعباً عظيماً، لكن إذا أبقيناهم في الصف الأول، وصار كل طفل إلى جنب رجل قلَّ لعبهم بلا شك، وهذا القول الراجح هو الذي صوَّبه صاحب الإنصاف، ومال إليه صاحب الفروع، وصرح به المجد جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله. وفي الروض يقول ـ رحمه الله ـ: «وكره إيثار غيره بمكانه الفاضل، لا قبوله، وليس لغير المُؤْثَر سبقه». مثاله: أن تكون في الصف الأول، فأردت أن تتأخر إكراماً لشخص حضر ليجلس في مكانك، فيقول صاحب الروض: إن هذا مكروه. والدليل على هذا: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (¬1)، فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن من أهمية الصف الأول أن الناس لو لم يجدوا إلا المساهمة ـ يعني القرعة ـ لاقترعوا عليه، فكيف تؤثر غيرك بهذا المكان، ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (2/ 41).

وتتأخر؛ ولأن هذا يدل على أنه ليس عندك رغبة في الخير ولا اهتمام بالشيء الفاضل. والصحيح في هذه المسألة: أن إيثار غيره إذا كان فيه مصلحة كالتأليف فلا يكره، مثل: لو كان الأمير يعتاد أن يكون في هذا المكان من الصف الأول وقمت فيه، ثم حضر الأمير، وتخلفت عنه، وآثرت به الأمير فلا بأس، بل ربما يكون أفضل من عدم الإيثار. وما دمنا في الإيثار فإنه ينبغي أن نتكلم عليه فنقول: الإيثار أقسام هي: 1 ـ الإيثار بالواجب: حرام. 2 ـ الإيثار بالمستحب: مكروه. 3 ـ الإيثار بالمباح: مطلوب. 4 ـ الإيثار بالمحرم: حرام على المؤثِر والمؤثَر. مثال الإيثار بالواجب: رجل عنده ماء لا يكفي إلا لوضوء رجل واحد، وهو يحتاج إلى وضوء، وصاحبه يحتاج إلى وضوء، فهنا لا يجوز أن يؤثره بالماء ويتيمم هو؛ لأن استعمال الماء واجب عليه وهو قادر، ولا يمكن أن يسقط عن نفسه الواجب من أجل أن يؤثر غيره به. مثال آخر: لو كان شخص في مفازة، ومعه صاحب له، وأتاهما العدو وسلب ثيابهما ولم يبق إلا ثوب واحد، فهنا لا يجوز أن يؤثر صاحبه به، لكن هذه المسألة ليست كالأولى؛ لأنه من الممكن أن يصلي به أولاً، ثم يعطيه صاحبه.

وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة

ومثال الإيثار بالمستحب: الإيثار بالمكان الفاضل كما لو آثر غيره بالصف الأول فهذا غايته أن نقول: إنه مكروه، أو خلاف الأولى. ومثال الإيثار بالمباح: أن يؤثر شخصاً بطعام يشتهيه وليس مضطراً إليه، وهذا محمود؛ لأن الله مدح الأنصار رضي الله عنهم بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. وقوله: «لا قبوله» أي: لا يكره قبول الإيثار، فلو قلت لشخص: تقدم في مكاني في الصف الأول، فإنه لا يكره له أن يقبل ويتقدم. وقوله: «وليس لغير المؤثر سبقه»، أي: لا يحل لغير المؤثر ـ بفتح التاء ـ سبقه، أي سبق المؤثر. مثاله: لو آثر زيد عمراً بمكانه فسبق إليه بكر، فإنه لا يحل ذلك لبكر؛ لأن زيداً إنما آثر عمراً. وأشد منه ما يفعله بعض الناس إذا جاء والصف تام جذب واحداً من الصف، فيتأخر المجذوب من أجل أن يصف معه، فيتقدم ذاك في مكانه؛ لأنه سيؤدي إلى بطلان صلاة المجذوب، ثم هو أحسن إليك وتأخر معك فتسيء إليه هذه الإساءة. وَحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مَفْرُوشٍ مَا لَمْ تَحْضُرِ الصَّلاةُ .......... قوله: «وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة»، يعني أن رفع المصلى الذي وضعه صاحبه ليصلي عليه ثم انصرف حرام، و «المصلى»: ما يصلى عليه، مثل: السجادة. وصورة المسألة: رجل وضع سجادته في الصف، وخرج من المسجد فلا يجوز أن ترفع هذا المصلى.

التعليل: أن هذا المصلى نائب عن صاحبه، قائم مقامه، فكما أنك لا تقيم الرجل من مكانه فتجلس فيه، فكذلك لا ترفع مصلاه. ومقتضى كلام المؤلف أنه يجوز أن يضع المصلى ويحجز المكان؛ لأنه لو كان وضع المصلى وحجز المكان حراماً لوجب رفع المصلى، وإنكار المنكر، فلما جعل المؤلف للمصلى حرمة دل ذلك على أن وضعه جائز، وهذا هو المذهب. ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الحجز والخروج من المسجد لا يجوز، وأن للإنسان أن يرفع المصلى المفروش؛ لأن القاعدة: (ما كان وضعه بغير حق فرفعه حق)، لكن لو خيفت المفسدة برفعه من عداوة أو بغضاء، أو ما أشبه ذلك، فلا يرفع (لأن درأ المفاسد أولى من جلب المصالح)، وإذا علم الله من نيتك أنه لولا هذا المصلى المفروش لكنت في مكانه، فإن الله قد يثيبك ثواب المتقدمين؛ لأنك إنما تركت هذا المكان المتقدم من أجل العذر. وقوله: «ما لم تحضر الصلاة» أي: فإن حضرت الصلاة بإقامتها فلنا رفعه؛ لأنه في هذه الحال لا حرمة له، ولأننا لو أبقيناه لكان في الصف فرجة، وهذا خلاف السنة. لكن هل لنا أن نصلي عليه بدون رفع؟ الجواب: ليس لنا أن نصلي عليه بدون رفع؛ لأن هذا مال غيرنا، وليس لنا أن ننتفع بمال غيرنا بدون إذنه، ولكن نرفعه. مسألة: يستثنى من القول الراجح من تحريم وضع المصلى؛

ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه قريبا فهو أحق به

ما إذا كان الإنسان في المسجد، فله أن يضع مصلى بالصف الأول، أو أي شيء يدل على الحجز، ثم يذهب في أطراف المسجد لينام، أو لأجل أن يقرأ قرآناً، أو يراجع كتاباً، فهنا له الحق؛ لأنه ما زال في المسجد، لكن إذا اتصلت الصفوف لزمه الرجوع إلى مكانه؛ لئلا يتخطى رقاب الناس. وكذلك يستثنى أيضاً ما ذكره المؤلف: وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ قَرِيباً فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ...... بقوله: «ومن قام من موضعه لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريباً فهو أحق به»، فإذا حجز الإنسان المكان، وخرج من المسجد لعارض لحقه، ثم عاد إليه فهو أحق به، والعارض الذي يلحقه مثل أن يحتاج للوضوء، أو أصيب بأي شيء اضطره إلى الخروج، فإنه يخرج، وإذا عاد فهو أحق به. ولكن المؤلف اشترط فقال: «ثم عاد إليه قريباً» ولم يحدد القرب؛ وكل شيء أتى ولم يحدد يرجع فيه إلى العرف كما قال الناظم: وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف احدد (¬1) وظاهر كلام المؤلف أنه لو تأخر طويلاً فليس أحق به، فلغيره أن يجلس فيه. وقال بعض العلماء: بل هو أحق، ولو عاد بعد مدة طويلة إذا كان العذر باقياً، وهذا القول أصح؛ لأن استمرار العذر ¬

_ (¬1) «منظومة أصول الفقه وقواعده». لشيخنا رحمه الله ص (3).

ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما

كابتدائه، فإنه إذا جاز أن يخرج من المسجد، ويُبقي المصلى إذا حصل له عذر، فكذلك إذا استمر به العذر، لكن من المعلوم أنه لو أقيمت الصلاة، ولم يزل غائباً فإنه يرفع. مسألة: لو فرض أنه رجع قريباً ـ أو بعيداً على قولنا: إنه ما دام العذر فهو معذور ـ، ووجد في مكانه أحداً فأبى أن يقوم، فحصل نزاع، فالواجب أن يدرأ النزاع وله أجر، ويطلب مكاناً آخر إلا إذا أمكن أن يفسح الناس بأن كان الصف فيه شيء من السعة، فهنا يقول: افسحوا قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجادلة: 11]. وقوله: «فهو أحق به» دليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به»، رواه مسلم (¬1). قال في الروض: «ولم يقيده الأكثر بالعود قريباً». أي: أكثر أصحاب الإمام أحمد لم يقيدوه بالعود قريباً، كما هو ظاهر الحديث. ولكن الذي ذكرناه قول وسط، وهو: أنه إذا عاد بعد مدة طويلة بناء على استمرار العذر فهو أحق به، أما إن انتهى العذر، ولكنه تهاون وتأخر، فلا يكون أحق به. وَمَنْ دَخَلَ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُوجِزُ فِيهِمَا. ...... قوله: «ومن دخل والإمام يخطب»، «من»: هذه شرطية، وجملة «والإمام يخطب» في موضع نصب على الحال. قوله: «لم يجلس»، أي: بمكانه. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (2179) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

قوله: «حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما»، والدليل على ذلك: 1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (¬1)، وهذا عام. 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رأى رجلاً دخل المسجد فجلس، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين» (¬2)، وفي رواية: «وتجوَّز فيهما». 3 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام فليصل ركعتين وليتجوز فيهما» (¬3). فالسنة في هذا ظاهرة. وقد استنبط بعض العلماء من هذا أن تحية المسجد واجبة، ووجه الاستنباط أن استماع الخطبة واجب، والاشتغال بالصلاة يوجب الانشغال عن استماع الخطبة، ولا يشتغل عن واجب إلا بواجب، وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم، ولكن بعد التأمل في عدة وقائع تبين لنا أنها سنة مؤكدة، وليست بواجبة، ويمكن الانفكاك عن القول بأنه ينشغل بأن يقال: قد ينشغل، وقد يسمع بعض الشيء وهو يصلي، والإنسان يسمع وهو يصلي، ويفهم وهو يصلي؛ ولهذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يصلي بالناس فإذا سمع بكاء الصبي تجوَّز في صلاته (¬4)، وهذا دليل على أن ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 124). (¬2) أخرجه البخاري (930)؛ ومسلم (875) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ. (¬3) أخرجه مسلم (875) (59) عن جابر رضي الله عنه. (¬4) سبق تخريجه (4/ 192).

ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له، أو لمن يكلمه لمصلحة

المصلي لا ينشغل انشغالاً كاملاً، فالذي ترجح عندي أخيراً أن تحية المسجد سنة مؤكدة، وليست بواجبة. وقال بعض العلماء: تسن تحية المسجد لكل داخل مسجد إلا المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل نقول: إلا المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف لمن دخل ليطوف، فإنه يستغنى بالطواف عن الركعتين؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما دخل المسجد الحرام لطواف العمرة والحج لم يصل ركعتين، أما من دخل ليصلي، أو ليستمع إلى علم أو ليقرأ القرآن، أو ما أشبه ذلك فإن المسجد الحرام كغيره من المساجد تحيته ركعتان؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (¬1). وَلاَ يَجُوزُ الكَلاَمُ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ إِلاَّ لَهُ، أَوْ لِمَنْ يُكَلِّمُهُ لِمَصْلَحَةٍ .......... قوله: «ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن يكلمه»، إذا قيل: لا يجوز فهي عند العلماء بمعنى يحرم، وعلى هذا فالكلام والإمام يخطب حرام. وقول المؤلف: «والإمام يخطب» جملة حالية كما سبق في قوله: «ومن دخل والإمام يخطب». وقوله: «والإمام يخطب»، التعبير الدقيق أن يقال: «والخطيب يخطب»؛ لأنه قد يخطب غير الإمام فربما يكون الإمام لا يجيد الخطبة فيقوم بالخطبة واحد ويصلي آخر، وهذا هو مراد المؤلف ـ رحمه الله ـ لكن ذكر الإمام بناء على الغالب. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (105).

والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فيما أخرجه الإمام أحمد: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً ـ وهذا التشبيه للتقبيح والتنفير ـ والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة» (¬1)، مع أن الذي يقول له: أنصت، ينهى عن منكر، ومع ذلك يلغو، ومن لغا فلا جمعة له. ومعنى «ليست له جمعة» أي: لا ينال أجر الجمعة، وليس معناه أن جمعته لا تصح، وأجر الجمعة أكثر من أجر بقية الصلوات. وكذلك أيضاً جاء في الصحيحين: «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (¬2). وقوله: «إلا له» أي: للإمام. وقوله: «أو لمن يكلمه»، أي: لمن يكلم الإمام أو يكلمه الإمام. قوله: «لمصلحة» قيد للمسألتين جميعاً، وهما من يكلم الإمام أو يكلمه الإمام، فلا يجوز للإمام أن يتكلم كلاماً بلا مصلحة، فلا بد أن يكون لمصلحة تتعلق بالصلاة، أو بغيرها مما يحسن الكلام فيه، وأما لو تكلم الإمام لغير مصلحة، فإنه لا يجوز. وإذا كان لحاجة فإنه يجوز من باب أولى، فمن الحاجة أن يخفى على المستمعين معنى جملة في الخطبة فيسأل أحدهم عنه، ومن الحاجة أيضاً أن يخطئ الخطيب في آية خطأ يحيل المعنى، مثل: أن يسقط جملة من الآية، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (3/ 231). (¬2) أخرجه البخاري (934)؛ ومسلم (851) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

والمصلحة دون الحاجة، فمن المصلحة مثلاً إذا اختل صوت مكبر الصوت فللإمام أن يتكلم، ويقول للمهندس: انظر إلى مكبر الصوت ما الذي أخله؟ وكذلك من يكلم الإمام للمصلحة والحاجة يجوز له ذلك. ودليل هذا: «أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلّى الله عليه وسلّم يديه، وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». يقول أنس راوي الحديث: «والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار ـ وسلع: جبل صغير في المدينة تأتي من قبله السحاب أي إن السماء صحو ـ فخرجت من وراء سلع سحابة مثل الترس ـ والترس: هو مثل الصاج الذي يخبز فيه يتخذ من جلد قوي أو من حديد يتقي به المقاتل سهام العدو يتترس به ـ فارتفعت في السماء، وانتشرت ورعدت، وبرقت، ثم نزل المطر فما نزل النبي صلّى الله عليه وسلّم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته». سبحان الله!! آية من آيات الله، ومن آيات الرسول صلّى الله عليه وسلّم. من آيات الله هذه القدرة العظيمة، ومن آيات الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن الله استجاب دعاءه، وبقي المطر ينزل أسبوعاً كاملاً لم يروا الشمس، فلما كانت الجمعة الثانية دخل الرجل أو رجل آخر فقال: يا رسول الله «تهدَّم البناء وغرق المال فادع الله يمسكها»، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يدع الله أن يمسكها، بل قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والظراب، وبطون

الأودية ومنابت الشجر»، أي: دعا الله تعالى أن يكون المطر على الأماكن التي فيها مصلحة، وليس فيها مضرة، يقول أنس: «فجعل يشير إلى السماء كلما أشار إلى ناحية انفرج السحاب»؛ لأن الله عز وجل يأمره بدعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم، فخرج الناس يمشون في الشمس بعد الجمعة (¬1)، فهذا الأعرابي الأول سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو الله بالغيث، والثاني سأل الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو الله بالإمساك، فهذا لحاجة ومصلحة فلا بأس به. وفي هذا الحديث دليل على أن صلاة العصر لا تجمع إلى الجمعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجمعها إلى الجمعة مع وجود المبيح للجمع، وهو المطر في الجمعة الأولى، والوحل في الجمعة الثانية. [مسألتان: الأولى: إذا عطس المأموم يوم الجمعة فإنه يحمد الله خفية، فإن جهر بذلك فسمعه من حوله فلا يجوز لهم أن يشمِّتوه. الثانية: إذا عطس الإمام وحمد الله جهراً فهل يجب على من سمعه أن يشمِّته؟ الجواب: على القول بأنه يجب أن يشمِّته كل من سمعه كما قال ابن القيم، فالظاهر أنه إن سكت الإمام من أجل العطاس فلا بأس أن يشمَّت، وإن لم يسكت فلا؛ لأن الخطبة قائمة. والذي أراه في هذه المسألة أنه ينبغي للإمام أن يحمد سراً حتى لا يوقع الناس في الحرج، فإن حمد جهراً فإن استمر في ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (933)؛ ومسلم (897).

ويجوز قبل الخطبة وبعدها

الخطبة فلا يشمت؛ لأجل ألا يشغل عن استماع الخطبة، وإلا فلا بأس]. وَيَجُوزُ قَبْلَ الخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا. قوله: «ويجوز قبل الخطبة وبعدها» أي: يجوز الكلام قبل الخطبة، وبعد الخطبة، ولو بعد حضور الخطيب، ولو بعد الأذان ما دام لم يشرع في الخطبة، ويجوز كذلك بعد انتهاء الخطبة، وسواء كان ذلك بعد انتهاء الخطبة الأولى، أو بعد انتهاء الخطبة الثانية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قيد الحكم بما إذا كان الإمام يخطب، والمقيد ينتفي الحكم به بانتفاء القيد، ولكن ليس هذا الجواز على حد سواء؛ لأن الإنسان لو شرع يتكلم قبل أن يبدأ الإمام بالخطبة، فربما يستمر به الأمر حتى يتكلم والإمام يخطب، فالأفضل عدم الكلام؛ لئلا يستمر به الكلام والإمام يخطب. مسألة: بعض الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا شرع الإمام في الدعاء في حال الخطبة يجوز الكلام؛ لأن الدعاء ليس من أركان الخطبة، والكلام في غير أركان الخطبة جائز، ولكنه قول ضعيف؛ لأن الدعاء ما دام متصلاً بالخطبة فهو منها، وقد ورد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة في الخطبة» (¬1). فالصحيح: أنه ما دام الإمام يخطب، سواء في أركان الخطبة، أو فيما بعدها فالكلام حرام. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (66).

باب صلاة العيدين

باب صلاة العيدين قوله: «صلاة العيدين» من باب إضافة الشيء إلى وقته وإلى سببه، فهذه الصلاة سببها العيدان، وهي أيضاً لا تصلى إلا في العيدين. وقوله: «العيدين» تثنية عيد، وهما عيد الأضحى وعيد الفطر، وكلاهما يقعان في مناسبة شرعية. أما عيد الفطر ففي مناسبة انقضاء المسلمين من صوم رمضان. وأما الأضحى فمناسبته اختتام عشر ذي الحجة التي قال عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام العمل الصالح فيهنّ أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» (¬1). فالمناسبة لهذين العيدين مناسبة شرعية، وهناك عيد ثالث وهو ختام الأسبوع وهو يوم الجمعة، ويتكرر في كل أسبوع مرة، وليس في الإسلام عيد سوى هذه الأعياد الثلاثة: الفطر، والأضحى، والجمعة، فليس فيه عيد بمناسبة مرور ذكرى غزوة بدر، ولا غزوة الفتح، ولا غزوة حنين ولا غيرها من الغزوات العظيمة التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً، ناهيك عمّا يقام ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (669) عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ وأبو داود (2438)؛ والترمذي (757) وهذا لفظهما. وقال الترمذي: «حديث حسن غريب صحيح».

من الأعياد لانتصارات وهمية، بل إني أعجب لقوم يجعلون أعياداً للهزائم ذكرى يوم الهزيمة، أو ذكرى احتلال العدو البلد الفلاني، مما يدل على سفه عقول كثير من الناس اليوم؛ لأنهم لما حصل لهم شيء من البعد عن دين الإسلام صاروا حتى في تصرفهم يتصرفون تصرف السفهاء، وليس هناك أعياد لمناسبة ولادة أحد من البشر، حتى النبي عليه الصلاة والسلام لا يشرع العيد لمناسبة ولادته، وهو أشرف بني آدم فما بالك بمن دونه؟! فإذا قال قائل: هذه المناسبات نقيمها من أجل الذكرى. قلنا: أما بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، فإن المسلمين فرض على أعيانهم أن يذكروه في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل، وفرض على الكفاية أن يذكروه أيضاً خمس مرات في اليوم والليلة على الأقل، فالأذان يقول المسلمون فيه: أشهد أن محمداً رسول الله، وفي الصلاة في التشهد يقولون: أشهد أن محمداً عبده ورسوله، بل إن كل عبادة يتعبد بها الإنسان فهي ذكرى للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن المتعبد يجب عليه أن يلاحظ في عبادته شيئين: 1 ـ الإخلاص لله عز وجل، وأنه فعل العبادة تقرباً إليه، وامتثالاً لأمره. 2 ـ المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه فعل العبادة اتباعاً للرسول صلّى الله عليه وسلّم، وكأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمامه فيها لتتم هذه العبادة، حتى لو تسوك الإنسان اتباعاً للسنة فهذه ذكرى، ولو قدم رجله اليمنى عند دخول المسجد اتباعاً للسنّة فهذه ذكرى، ولو قدم

إدخال يده اليمنى في الكم قبل اليسرى اتباعاً للسنّة فهذه ذكرى. فالمسلمون في كل أحوالهم يذكرون النبي صلّى الله عليه وسلّم، أما الذكرى بهذه الطقوس المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان فإنها تدمر أكثر مما تعمر؛ لأن القلب يجد فراغاً واسعاً عندما تنتهي هذه المناسبة، أو الاحتفال بهذه المناسبة، ولهذا فإنه من حكمة الله أنه ما من بدعة تقام إلا وينهدم من السنّة مثلها أو أكثر. إذاً كل من أقام عيداً لأي مناسبة، سواء كانت هذه المناسبة انتصاراً للمسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أو انتصاراً لهم فيما بعد، أو انتصار قومية فإنه مبتدع، وقد قَدِمَ النبي عليه الصلاة والسلام المدينة فوجد للأنصار عيدين يلعبون فيهما فقال: «إن الله قد أبدلكم بخير منهما عيد الفطر وعيد الأضحى» (¬1)، مما يدل على أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يحب أن تحدث أمته أعياداً سوى الأعياد الشرعية التي شرعها الله عز وجل. مسألة: أسبوع المساجد والشجرة ونحوهما مما يقام ما القول فيها؟ أما أسبوع المساجد فبدعة؛ لأنه يقام باسم الدين ورفع شأن المساجد، فيكون عبادة تحتاج إقامته إلى دليل، ولا دليل لذلك. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (3/ 103، 178، 235)؛ وأبو داود (1134)؛ والنسائي (3/ 179)؛ والحاكم (1/ 294)؛ والبيهقي (3/ 377)؛ والبغوي في «شرح السنة» (4/ 292) عن أنس بن مالك رضي الله عنه وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وصححه البغوي في «شرح السنة»، والحافظ في «الفتح» (2/ 442).

وأما أسبوع الشجرة فالظاهر أنه لا يقام على أنه عبادة، فهو أهون، ومع ذلك لا نراه. وأما أسبوع أو مؤتمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهذا ليس عيداً؛ لأنه لا يتكرر، وفائدته واضحة وهي جمع المعلومات عن حياة هذا الشيخ ومؤلفاته، فحصل فيها نفع كبير. مسألة: الحفلات التي تقام عند تخرُّج الطلبة، أو عند حفظ القرآن لا تدخل في اتخاذها عيداً لأمرين: الأول: أنها لا تتكرر بالنسبة لهؤلاء الذين احتفل بهم. الثاني: أن لها مناسبة حاضرة، وليست أمراً ماضياً. قوله: «وهي فرض كفاية»، أفاد المؤلف ـ رحمه الله ـ أنها فرض، وهذا القول الأول في المسألة، ومعلوم أن الفرض يحتاج إلى دليل، والدليل على هذا ما يلي: 1 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر النساء أن يخرجنَ لصلاة العيد، حتى إنه أمر الحيَّض، وذوات الخدور أن يخرجن يشهدن الخير، ودعوة المسلمين، وأمر الحيَّض أن يعتزلنَ المصلى» (¬1)، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر النساء، فالرجال من باب أولى، لأن الأصل في النساء أنهنّ لسن من أهل الاجتماع، ولهذا لا تشرع لهن صلاة الجماعة في المساجد، فإذا أمرهن أن يخرجن إلى مصلى العيد ليصلين العيد ويشهدن الخير ودعوة المسلمين دلّ هذا على أنها على الرجال أوجب، وهو كذلك. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (980)؛ ومسلم (890) عن أم عطية رضي الله عنها.

وهي فرض كفاية

2 ـ مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وخلفائه الراشدين على هذا العمل الظاهر، [وهذا يجعله بعض العلماء دليلاً] على الوجوب، فيقولون: إن مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم على هذا العمل الظاهر، وعدم تخلفه عنه يدل على تأكده ووجوبه، وإن كان هذا فيه نظر؛ لأن الأصل في المداومة على الشيء إذا لم يكن فيه أمرٌ الاستحباب. 3 ـ أنها من شعائر الدين الظاهرة، وشعائر الدين الظاهرة فرض كالأذان، فالأذان والإقامة من فروض الكفاية؛ لأنهما من شعائر الدين الظاهرة المعلنة، هكذا قال بعض أهل العلم. ولكن أصح طريق للاستدلال على وجوب صلاة العيدين هو أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك، وأما مواظبته على هذا، وكونها من شعائر الدين الظاهرة فهي تؤيد الوجوب ولا تعينه. وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ......... قوله: «فرض كفاية»، فرض الكفاية هو: ما قصد بالذات بقطع النظر عن الفاعل، أي: قصد به الفعل بقطع النظر عن الفاعل كالأذان، وعلى هذا فيكون فرض الكفاية مطلوباً من المجموع لا من الجميع، أي: مجموع الناس يلزمهم أن يقوموا بفرض الكفاية، لا من الجميع، فيلزم كل واحد بعينه إذاً فإذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فلو أقام صلاة العيد أربعون رجلاً، فإن بقية أهل البلد لا تلزمهم صلاة العيد، هذا معنى كونها فرض كفاية. القول الثاني: أنها سنّة. واستدل هؤلاء بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما علم الأعرابي فرائض الإسلام، ومنها الصلوات الخمس، عندما قال الأعرابي: هل

إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام

عليّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» (¬1)، وهذا عام فإن كل صلاة غير الصلوات الخمس داخلة في هذا، وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا» أي: ليست واجبة «إلا أن تطوع»، أي: إلا أن تفعلها على سبيل التطوع، وهذا مذهب مالك والشافعي. القول الثالث: أنها فرض عين على كل أحد، وأنه يجب على جميع المسلمين أن يصلوا صلاة العيد، ومن تخلف فهو آثم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ. واستدل هؤلاء بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر النساء حتى الحيَّض، وذوات الخدور أن يخرجنَ إلى المصلى ليشهدن الخير ودعوة المسلمين» (¬2)، وهذا يدل على أنها فرض عين؛ لأنها لو كانت فرض كفاية لكان الرجال قد قاموا بها، وهذا عندي أقرب الأقوال [وهو الراجح]. إِذَا تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ قَاتَلَهُمُ الإِمَامُ .......... قوله: «إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام» أي: إذا ترك صلاة العيد أهل بلد فإن الإمام يقاتلهم، أي: إن لم يفعلوها، فإذا علم الإمام أن هؤلاء تركوها، ودعاهم إلى فعلها، ولكنهم أصروا على الترك، فإنه يجب عليه أن يقاتلهم حتى يصلوا. والمقاتلة غير القتل، فهي أوسع، فليس كل من جازت مقاتلته جاز قتله، ولا يلزم من وجوب المقاتلة أن يكون المقاتل كافراً، بل قد يكون مؤمناً ويقاتل كما قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2678)؛ ومسلم (11) عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. (¬2) سبق تخريجه ص (114).

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9، 10]، فأوجب قتال الفئة الباغية مع أنها مؤمنة لا تخرج عن الإيمان بالقتال. فإذا قال قائل: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (¬1)، وهذا يدل على أنهم ما داموا مسلمين فقتالهم حرام، فما الجواب؟ فالجواب: أن قتال المسلم كفر ما لم يوجد في الشرع ما يبيحه أو يوجبه. وأجاب بعض العلماء: بأن هذه من شعائر الإسلام الظاهرة البارزة التي يتميز بها الشعب المسلم عن غيره، فهي كالأذان، وكان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه إذا نزل بقوم فسمع الأذان تركهم وإلا قاتلهم» (¬2)، هكذا قالوا. والمسألة فيها شيء من النظر؛ لأن القتال قد يستلزم القتل فقد يدافع هؤلاء عن أنفسهم، فيحصل اشتباك وقتل، لكن هذا القتل ليس مقصوداً بالذات. والحديث المذكور لا يدل على المطلوب؛ لأن قتال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمن لم يسمع الأذان منهم ليس من أجل ترك الأذان، ولكن من أجل أن عدم أذانهم دليل على أنهم غير مسلمين فيقاتلهم على الكفر لا على ترك الأذان. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (64) عن ابن مسعود رضي الله عنه. (¬2) سبق تخريجه (2/ 47).

ووقتها كصلاة الضحى

مسألة: وإن ترك صلاة عيد من ليسوا أَهْلَ بلدٍ أي: جماعة في البر، وهم قريبون من المدينة، فإنهم لا يقاتلون؛ لأنها إنما تجب على أهل القرى والأمصار كالجمعة، أما البدو الرحّل وما أشبههم فلا تقام فيهم صلاة العيد كما لا تقام فيهم صلاة الجمعة. وقوله: «قاتلهم الإمام»، المراد بالإمام عند الفقهاء هو أعلى سلطة في البلد، وكان المسلمون فيما سبق إمامهم واحد، لكن تغيّرت الأحوال. مسألة: هل يقاتلهم غير الإمام؟ الجواب: لا يجوز أن يقاتلهم؛ لأن هذا افتيات على ولي الأمر، ولو فتح الباب للناس، وصار كل من رأى منكراً أنكره بالفعل والتغيير باليد لحصل في هذا فوضى كثيرة؛ لأن كثيراً من الناس، لا يدركون مدى الخطورة في مثل هذا الأمر فربما يعتقد أن هذا الشيء حرام فيحاول تغييره، وهو حلال، ويسطو على من فعله بحجة أنه حرام، وأن من رأى منكراً فليغيره بيده، فيحصل في هذا شر كثير؛ ولهذا قال العلماء: إن الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه، وكذلك التعزيرات لا يقوم بتقديرها إلا الإمام أو نائبه، والمقاتلة في هذا وشبهه لا يقوم بها إلا الإمام أو نائبه، وليس لكل أحد أن يفعل ما شاء. وَوَقْتُهَا كَصَلاَةِ الضُّحَى، ........... قوله: «ووقتها كصلاة الضحى» أي: صلاة العيد وقتها كوقت صلاة الضحى، ومعلوم أن صلاة الضحى تكون من ارتفاع الشمس قيد رمح بعد طلوعها، وهو بمقدار ربع ساعة تقريباً.

فإذا قال قائل: لماذا لم يقل المؤلف: ووقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح، حتى يريح الإنسان من الرجوع إلى وقت صلاة الضحى؟ فالجواب: أن في هذا فائدة، فالعلماء يحيلون على ما مضى، أو على ما يستقبل من أجل أن يحملوا طالب العلم على البحث، فمثلاً هنا قال: كصلاة الضحى؛ لأرجع إلى صلاة الضحى، وأنظر متى وقتها فأجمع الآن بين معلومين: معلوم عن صلاة الضحى، ومعلوم عن صلاة العيد، لكن لو قال: من ارتفاع الشمس قيد رمح لم يحصل ذلك. فإذا قال قائل: ما الدليل على أن وقتها كصلاة الضحى؟ فالجواب: الدليل على هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وخلفاءه الراشدين لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح (¬1). وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ¬

_ (¬1) لما روى يزيد بن خمير الرحبي قال: «خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح». أخرجه أبو داود (1135)؛ وابن ماجه (1317)؛ والبيهقي (3/ 282)؛ والحاكم (1/ 295) وصححه. وقال النووي في «الخلاصة» (2/ 827) «بإسناد صحيح على شرط مسلم». وقد علقه البخاري (2/ 529 فتح الباري) فقال: «وقال عبد الله بن بسر: إنا كنا فرغنا في هذه الساعة، وذلك حين التسبيح». وقوله: «حين التسبيح» أي وقت حل النافلة، وذلك بعد ارتفاع الشمس. انظر: «نيل الأوطار» (3/ 293)؛ و «بذل المجهود» (6/ 163).

وآخره الزوال، فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد وتسن في صحراء وتقديم صلاة الأضحى، وعكسه الفطر

وَآخِرُهُ الزَّوَالُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلاَّ بَعْدَهُ صَلَّوا مِنَ الغَدِ وَتُسَنُّ فِي صَحْرَاءَ وَتَقْدِيمُ صَلاَةِ الأَضْحَى، وَعَكْسُهُ الفِطْرُ، .......... قوله: «وآخره الزوال» أي: آخر وقت العيد زوال الشمس عن كبد السماء، وذلك أن الشمس إذا طلعت صار لكل شاخص ـ أي: لكل شيء مرتفع ـ ظل من جهة الغرب، وكلما ارتفعت نقص الظل، فإذا انتهى نقصه وبدأ بالزيادة، فهذه علامة زوال الشمس. قوله: «فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد» أي: فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال فإنهم لا يصلون، وإنما يصلون من الغد في وقت صلاة العيد، ودليل ذلك ما رواه أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: «غُمَّ علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غداً لعيدهم»، رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني وحسّنه (¬1)، فإذا لم يعلم الناس بالعيد إلا بعد الزوال، فإنه في عيد الفطر يفطرون؛ لأنه تبين أن هذا يوم عيد، ويوم العيد صومه حرام، وفي عيد الأضحى ينتظرون الصلاة فلا يضحون إلا بعدها من الغد، وهنا يتم التقسيم بالنسبة لقضاء الصلوات، فإن الصلوات تنقسم في قضائها إلى أقسام: الأول: ما يقضى على صفته إذا فات وقته من حين زوال العذر الشرعي، مثل الصلوات الخمس إذا فاتت، فإنك تقضيها ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (5/ 57، 58)؛ وأبو داود (1157)؛ والنسائي (3/ 180)؛ وابن ماجه (1653)؛ والدارقطني (2/ 170) وقال: «هذا إسناد حسن»؛ والبيهقي (3/ 316) وقال: «هذا إسناد صحيح». وقال الخطابي في «معالم السنن» (1/ 252): «وحديث أبي عمير صحيح». وقال النووي في «المجموع» (5/ 27): «إسناده صحيح»، وصححه الحافظ ابن حجر في «البلوغ» (483).

بعد زوال العذر، فإن كان العذر نوماً فتقضيها إذا استيقظت، وإن كان نسياناً قضيتها إذا ذكرت. الثاني: ما لا يقضى إذا فات كالجمعة، فإن خرج وقتها قبل أن يصليها الناس لم يقضوها وصلوا ظهراً، وإن فاتت الإنسان مع الجماعة فهو لا يقضيها أيضاً، وإنما يصلي بدلها ظهراً. الثالث: ما لا يقضى إذا فات وقته إلا في وقته من اليوم الثاني، وهو صلاة العيد، فإنها لا تقضى في يومها، وإنما تقضى في وقتها من الغد. [الرابع: ما لا يقضى أصلاً كصلاة الكسوف، فلو لم يعلموا إلا بعد انجلاء الكسوف لم يقضوا، وهكذا نقول: كل صلاة ذات سبب إذا فات سببها لا تقضى]. قوله: «وتسن في صحراء» أي: يسن إقامتها في الصحراء خارج البلد، وينبغي أن تكون قريبة؛ لئلا يشق على الناس. والدليل: فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم وخلفائه الراشدين، فإنهم كانوا يصلونها في الصحراء (¬1)، ولولا أن هذا أمر مقصود لم يكلفوا أنفسهم ولا الناس أن يخرجوا خارج البلد. [والتعليل: أن ذلك أشد إظهاراً لهذه الشعيرة]. قوله: «وتقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر» أي: ويسنّ تقديم صلاة الأضحى، وعكسه الفطر، أي: تأخير صلاة الفطر. ودليل هذا أثر ونظر. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (114).

وأكله قبلها، وعكسه في الأضحى إن ضحى

أما الأثر: 1 ـ ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام «أنه كان يصلي صلاة عيد الأضحى إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وصلاة الفطر إذا ارتفعت قيد رمحين» (¬1). 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى عمرو بن حزم: «أن عجّل الأضحى، وأخّر الفطر، وذكِّر الناس في الخطبة» (¬2). أما النظر: فلأن الناس في صلاة عيد الفطر محتاجون إلى امتداد الوقت ليتسع وقت إخراج زكاة الفطر؛ لأن أفضل وقت تخرج فيه زكاة الفطر صباح يوم العيد قبل الصلاة؛ لحديث ابن عمر: «أمر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (¬3)، ومعلوم أنه إذا تأخرت الصلاة، صار هذا أوسع للناس. وأما عيد الأضحى فإن المشروع المبادرة بالتضحية؛ لأن التضحية من شعائر الإسلام، وقد قرنها الله عز وجل في كتابه بالصلاة فقال: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *} [الكوثر]، وقال: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الأنعام]، ففعلها مبادراً بها في هذا اليوم أفضل، وهذا إنما يحصل إذا قدمت الصلاة؛ لأنه لا يمكن أن تذبح الأضحية قبل الصلاة. وَأَكْلُهُ قَبْلَهَا، وَعَكْسُهُ فِي الأَْضْحَى إِنْ ضَحَّى ........... قوله: «وأكله قبلها، وعكسه في الأضحى إن ضحى»، أي: يسن أكل الإنسان قبل صلاة عيد الفطر، اقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنه صلّى الله عليه وسلّم ¬

_ (¬1) أخرجه الحسن بن أحمد البناء في كتاب الأضاحي كما في «التلخيص» رقم (144). (¬2) أخرجه الشافعي في «مسنده» ص (74). (¬3) أخرجه البخاري (1509)؛ ومسلم (986).

«كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهنّ وتراً» (¬1) لكن الواحدة لا تحصل بها السنة؛ لأن لفظ الحديث: «حتى يأكل تمرات»، وعلى هذا فلا بد من ثلاث فأكثر: ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشرة، المهم أن يأكل تمرات يقطعها على وتر، وكل إنسان ورغبته فليس مقيداً فله أن يشبع، وإن أكل سبعاً فحسن، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من تصبّح بسبع تمرات من تمرات العالية ـ وفي لفظ: من العجوة ـ فإنه لا يصيبه ذلك اليوم سم ولا سحر» (¬2). سبحان الله حماية ووقاية بسبع تمرات من تمر العالية ـ مكان معروف بالمدينة ـ أو من العجوة، بل إن شيخنا ابن سعدي ـ رحمه الله ـ يرى أن ذلك على سبيل التمثيل، وأن المقصود التمر مطلقاً، فعلى هذا يتصبّح الإنسان كلَّ يوم بسبع تمرات، فإن كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أرادها فقد حصل المطلوب، وإن لم يردها فلا شك أن إفطار الإنسان على هذا التمر الجامع بين ثلاثة أمور من أفضل الأغذية: الحلوى، والفاكهة، والغذاء؛ لأن التمر يشتمل على هذا كله: هو حلوى، وفاكهة يتفكّه به الإنسان، وغذاء، ولهذا لا تجد مثل التمر شيئاً من الثمر لا يفسد إذا أبطأ، بل هو دائماً صالح للأكل، إلا إذا أساء الإنسان كنزه، أو ما أشبه ذلك. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (953) عن أنس رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري (5445)؛ ومسلم (2047) (155) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

وعلى كلٍّ يأكل تمرات أقلها ثلاث قبل أن يخرج لصلاة عيد الفطر. وقوله: «وعكسه في الأضحى إن ضحى» أي: عكس الأكل، وهو ترك الأكل في الأضحى، فلا يأكل قبل صلاة الأضحى حتى يضحي؛ لحديث بريدة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي» رواه أحمد (¬1). ولأن ذلك أسرع إلى المبادرة في الأكل من أضحيته، والأكل من الأضحية واجب عند بعض العلماء؛ لقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} [الحج: 28، 36]، فبدأ بالأمر بالأكل، فالأفضل إذاً أن يمسك عن الأكل في عيد الأضحى حتى يأكل من أضحيته التي أمر بالأكل منها. أما الحكمة من تقديم الأكل في عيد الفطر فمن أجل تحقيق الإفطار من أول النهار؛ لأن اليوم الذي كان قبله يوم يجب صومه، وهذا اليوم يوم يجب فطره، فكانت المبادرة بتحقيق هذا أفضل، وعليه فلو أكل هذه التمرات قبل أن يصلي الفجر حصل المقصود؛ لأنه أكلها في النهار، والأفضل إذا أراد أن يخرج. وقوله: «إن ضحى»، فُهم منه أنه إذا لم يكن لديه أضحية فإنه لا يشرع له الإمساك عن الأكل قبل الصلاة، بل هو بالخيار، ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 352)؛ والترمذي (542)؛ وابن ماجه (1756)؛ وابن خزيمة (1426)؛ وابن حبان (2812) الإحسان؛ والحاكم (1/ 294) وصححه. وقال النووي في «الخلاصة» (2/ 826): «حديث حسن رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم بأسانيد صحيحة» اهـ.

وتكره في الجامع بلا عذر

فلو أكل قبل أن يخرج إلى الصلاة فإننا لا نقول له: إنك خالفت السنّة. وَتُكْرَهُ فِي الْجَامِعِ بِلاَ عُذْرٍ ........... قوله: «وتكره في الجامع بلا عذر» أي: تكره إقامة صلاة العيد في جامع البلد بلا عذر. وظاهر كلام المؤلف أنها تكره في الجامع، سواء في مكة، أو المدينة، أو غيرهما من البلاد. أما في المدينة فظاهر أن المدينة كغيرها، يسنّ لأهل المدينة أن يخرجوا إلى الصحراء، ويصلوا العيد، هذا هو الأفضل كما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يفعله، ويكره أن يصلوا في المسجد النبوي إلا لعذر، لكن ما زال الناس من قديم الزمان يصلون العيد في المسجد النبوي. أما في مكة فلا أعلم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أو أحداً من الذين تولوا مكة كانوا يخرجون عن المسجد الحرام، ولهذا استثنى في «الروض المربع» مكة المشرفة، ولعل الحكمة من ذلك ـ والله أعلم ـ أن الصلاة في الصحراء في مكة صعبة؛ لأنها جبال وأودية، فيشق على الناس أن يخرجوا، فلهذا كانت صلاة العيد في نفس المسجد الحرام. وقوله: «بلا عذر»، أفادنا ـ رحمه الله ـ أنه إذا صلوا في الجامع لعذر فلا كراهة. والعذر مثل: المطر، والرياح الشديدة، والخوف كما لو كان هناك خوف لا يستطيعون أن يخرجوا معه عن البلد. وإذا قال قائل: ما الدليل على الكراهة وأنتم تقولون: إن ترك السنّة لا يلزم منه الكراهة إلا بدليل؟

ويسن تبكير مأموم إليها ماشيا بعد الصبح

فالجواب على ذلك أن نقول: إنما كره هذا؛ لأنه يفوت به مقصودٌ كبيرٌ، وهو إظهار هذه الشعيرة وإبرازها، وهذا شيء مقصود للشارع، وكما أسلفنا فيما سبق أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالخروج إليها مع المشقة، وهذا يدل على العناية بهذا الخروج. وَيُسَنُّ تَبْكِيرُ مَأْمُومٍ إِلَيْهَا مَاشِياً بَعْدَ الصُّبْحِ ............ قوله: «ويسنّ تبكير مأموم إليها ماشياً بعد الصبح»، أي: يسنّ أن يبكّر المأموم إلى صلاة العيد من بعد صلاة الفجر، أو من بعد طلوع الشمس إذا كان المصلى قريباً، كما لو كانت البلدة صغيرة والصحراء قريبة. وكان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «لا يخرج إلا إذا طلعت الشمس» (¬1)، لكن مصلى العيد في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفي عهد الصحابة كابن عمر كان قريباً يمكن للإنسان أن يخرج بعد طلوع الشمس ويدرك الصلاة. والدليل على سنية الخروج بعد صلاة الصبح ما يلي: 1 ـ عمل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يخرج إلى المصلى إذا طلعت الشمس، ويجد الناس قد حضروا وهذا يستلزم أن يكونوا قد تقدموا. 2 ـ ولأن ذلك سبق إلى الخير. 3 ـ ولأنه إذا وصل إلى المسجد وانتظر الصلاة، فإنه لا يزال في صلاة. ¬

_ (¬1) أخرجه الشافعي في «مسنده» ص (73).

وتأخر إمام إلى وقت الصلاة

4 ـ ولأنه إذا تقدم يحصل له الدنو من الإمام. كل هذه العلل مقصودة في الشرع. وقوله: «ماشياً»، أي: يسنّ أن يخرج ماشياً، لا على سيارة، ولا على حمار، ولا على فرس، ولا على بعير كما جاء عن علي ـ رضي الله عنه ـ: «السنّة أن يخرج إلى العيد ماشياً» (¬1)، ولكن إذا كان هناك عذر كبعد المصلى، أو مرض في الإنسان، أو ما أشبه ذلك، فلا حرج أن يخرج إليها راكباً. وقوله: «بعد الصبح» أي: بعد صلاة الصبح، فلا يخرج بعد الفجر؛ لأنه لو خرج بعد طلوع الفجر لم يصلِّ الجماعة مع الناس، وهذا حرام. وَتَأَخّرُ إِمَامٍ إِلَى وَقْتِ الصَّلاَةِ .......... قوله: «وتأخر إمام إلى وقت الصلاة» أي: يسنّ أن يتأخر الإمام إلى وقت الصلاة. ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «كان إذا خرج إلى العيد فأول شيء يبدأ به الصلاة» (¬2)، وهذا يدل على أنه لا يحضر فيجلس، بل يحضر ويشرع في الصلاة. وكذلك نقول في الجمعة: إن السنّة للإمام أن يتأخر، وأما ما يفعله بعض أئمة الجمعة الذين يريدون الخير فيتقدمون ليحصلوا على أجر التقدم الوارد في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» (¬3)، فهؤلاء يثابون على نيتهم، ولا يثابون على عملهم؛ لأنه خلاف هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاة الجمعة ¬

_ (¬1) رواه الترمذي (530) وحسنه؛ وابن ماجه (1296). (¬2) سبق تخريجه ص (46). (¬3) سبق تخريجه ص (89).

على أحسن هيئة إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه

إنما يأتي عند الخطبة ولا يتقدم، ولو كان هذا من الخير لكان أول فاعل له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وكذلك أيضاً هنا دليل نظري وهو: أن الإمام يُنتظر ولا ينتظر، أي: الناس ينتظرونه، أما هو فلا ينتظر الناس فإذا جاء شرع في الصلاة. عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ إِلاَّ المُعْتَكِفَ فَفِي ثِيَابِ اعتِكَافِهِ. قوله: «على أحسن هيئة»، أي: يسنّ أن يخرج على أحسن هيئة، وهذا يشمل الإمام والمأموم، في لباسه وفي هيئته كأن يحف الشارب، ويقلّم الأظفار، ويتنظّف، ويلبس أحسن ثيابه. وهذا يختلف باختلاف الناس، فمن الناس من أحسن ثيابهم القمص، ومن الناس من أحسن ثيابهم الثياب الفضفاضة، ومن الناس من أحسن ثيابهم المشالح مع ما تحتها، وذلك إظهاراً للسرور والفرح بهذا اليوم، وتحدثاً بنعمة الله تحدثاً فعلياً؛ لأن الله إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. قوله: «إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه» أي: ينبغي أن يخرج المعتكف في ثياب اعتكافه، ولو كانت غير نظيفة، [قالوا]: لأن هذه الثياب أثر عبادة فينبغي أن يبقى أثر العبادة عليه، كما يشرع في دم الشهيد أن يبقى عليه؛ لأنه أثر عبادة، ولكن هذا القول في غاية الضعف أثراً ونظراً. أما الأثر: فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعتكف، ومع ذلك يلبس أحسن الثياب (¬1)، فهذا القول مخالف للسنّة. ¬

_ (¬1) لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان يعتم ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة». أخرجه الشافعي في «الأم» (1/ 206)؛ وعبد الرزاق (5331)؛ وابن خزيمة (1766)؛ والبيهقي (3/ 247، 280).

ومن شرطها: استيطان

وأما النظر: فلأن توسخ ثياب المعتكف ليس من أثر اعتكافه، ولكن من طول بقائها عليه؛ ولهذا لو لبس ثوباً نظيفاً ليلة العيد، أو في آخر يوم من رمضان ما أثر، ولا يصح قياسه على دم الشهيد؛ لأن الشهيد يأتي يوم القيامة، وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك. فالصحيح أن المعتكف كغيره يخرج إلى صلاة العيد متنظّفاً لابساً أحسن ثيابه. وَمِنْ شَرْطِهَا: اسْتِيطَانٌ، ............ قوله: «ومن شرطها»، أي: من شرط صلاة العيد. قوله: «استيطان»، أي: أن تقام في جماعة مستوطنين، فخرج بذلك المسافرون والمقيمون؛ لأن الناس على المشهور من المذهب ثلاثة أقسام: 1 ـ مسافر. 2 ـ مقيم. 3 ـ مستوطن. أما المسافر فواضح. وأما المقيم فهو: المسافر إذا نوى إقامة تقطع حكم السفر، وهي على المذهب أكثر من أربعة أيام، فهذا يسمونه مقيماً لا مسافراً ولا مستوطناً.

وأما المستوطن: فهو من كان في وطنه سواء كان وطناً أصلياً أو استوطنه فيما بعد. فيشترط لصحة صلاة العيد أن تكون من قوم مستوطنين، وعلى هذا فإذا جاء العيد ونحن في سفر فإنه لا يشرع لنا أن نصلي صلاة العيد. والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقم صلاة العيد إلا في المدينة، وسافر إلى مكة عام غزوة الفتح، وبقي فيها إلى أول شوال، وأدركه العيد، ولم ينقل أنه صلّى الله عليه وسلّم صلّى صلاة العيد، وفي حجة الوداع صادفه العيد وهو في منى، ولم يقم صلاة العيد؛ لأنه مسافر، كما أنه لم يقم صلاة الجمعة في عرفة؛ لأنه مسافر. إذاً المسافرون لا يشرع في حقهم صلاة العيد، وهذا واضح؛ لأن هذا هو هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم. وأما المقيمون فكذلك على المذهب؛ لأنهم ليسوا من أهل إقامة الجمعة فلا يكونون من أهل إقامة العيد. فلو فرضنا أن جماعة تبلغ مائتين في بلد غير إسلامي، وكانوا قد أقاموا للدراسة لا للاستيطان، وصادفهم العيد فإنهم لا يقيمون صلاة العيد؛ لأنهم ليسوا مستوطنين، ولكن في هذا القول نظراً، ولهذا كان الناس الآن على خلاف هذا القول، فالذين أقاموا للدراسة في بلاد الكفر التي لا تقام فيها صلاة العيد يقيمون الجمعة، ويقيمون صلاة العيد، ويرون أنهم لو تخلفوا عن ذلك لكان في هذا مطعن عليهم في أنهم لا يقيمون شعائر دينهم في مناسباتها.

وعدد الجمعة، لا إذن إمام، ويسن أن يرجع من طريق آخر

وَعَدَدُ الجُمُعَةِ، لاَ إِذْنُ إِمامٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يَرْجِعَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ ......... قوله: «وعدد الجمعة» أي: ومن شرطها أيضاً عدد الجمعة، وعدد الجمعة على المشهور من المذهب أربعون رجلاً من المستوطنين أيضاً، وقد سبق لنا أن القول الراجح في العدد المعتبر للجمعة ثلاثة، فهذا يبنى على ذاك، فلا بد من عدد يبلغون ثلاثة، فإن لم يوجد في القرية إلا رجل واحد مسلم، فإنه لا يقيم صلاة العيد، أو رجلان فلا يقيمان صلاة العيد، أما الثلاثة فيقيمونها. قوله: «لا إذن إمام» أي: لا يشترط إذن الإمام لإقامة صلاة العيد، فلو أن أهل بلد ثبت عندهم الهلال وأفطروا، فلا يلزمهم أن يستأذنوا الإمام في إقامة صلاة العيد، حتى لو قال الإمام: لا تقيموها. فإنه يجب عليهم أن يقيموها وأن يعصوه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد سبق لنا في الجمعة أنه ينبغي أن يشترط إذن الإمام لتعدد الجمعة، فكذا العيد أيضاً نقول فيه ما نقول في الجمعة، أي: أنه لو احتاج الناس إلى إقامة مصلى آخر للعيد فإنه لا بد من إذن الإمام أو نائب الإمام، حتى لا يحصل فوضى بين الناس، ويصير كل واحد منهم يقيم مصلى عيد. قوله: «ويسنّ أن يرجع من طريق آخر»، أي: يسن إذا خرج من طريق لصلاة العيد أن يرجع من طريق آخر اقتداءً بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، «فإنه كان إذا خرج يوم العيد خالف الطريق» (¬1). والحكمة من هذا متابعة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذه الحكمة أعلى حكمة يقتنع بها المؤمن، أن يقال: هذا أمر الله ورسوله، ودليل ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (986) عن جابر رضي الله عنه.

ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، أي: يقتنعون غاية الاقتناع، وقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقد سُئلت: لماذا تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤْمر بقضاء الصلاة» (¬1)، ولم تذكر سوى هذا؛ لأن المؤمن لسانه وحاله: سمعنا وأطعنا، [فالخلاصة أن الحكمة بالنسبة لنا اتباع الرسول صلّى الله عليه وسلّم أما بالنسبة لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم فقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكمته وعلته:] فقال بعض العلماء: إن العلة إظهار هذه الشعيرة في أسواق البلد؛ لأن الناس إذا جاؤوا من هذا الطريق زرافات ووحداناً، وهجروا الطريق الثاني لم تتبيّن هذه الشعيرة في الطريق الثاني، وصارت منحصرة في الطريق الأول، فإذا خرجوا من هنا ورجعوا من هناك صار في هذا إظهار لهذه الشعيرة في الطريقين. وقال بعض العلماء: إنه قد يكون في الطريق الثاني فقراء ليسوا في الطريق الأول فيجودون عليهم ويدخلون عليهم السرور؛ لأنه في يوم العيد ينبغي للإنسان أن يوسع على أهله وإخوانه، ويدخل السرور عليهم، ويبسط لهم في الرزق؛ لأن العيد يوم فرح وسرور. وقال بعض العلماء: من أجل أن يشهد له الطريقان الأول والثاني؛ لأن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها، أي: تخبر بما ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 307).

عُمل عليها من خير وشر ـ سبحان الله ـ الأرض التي تطأ الآن عليها يوم القيامة ستكون شهيداً عليك أو لك، تشهد بما عملت من قول مسموع تسمعه وتعبر عنه، ومن فعل مرئي تراه وتعبر عنه، لا أعين لها، ولا آذان، لكن أنطقها الله الذي أنطق كل شيء. ولهذا عدَّى بعضهم هذا الحكم إلى الجمعة، وقالوا: يسنّ أن يأتي إلى الجمعة من طريق، ويرجع من طريق أخرى؛ لأنها صلاة عيد واجتماع، فيسنّ فيها مخالفة الطريق. وعدَّى بعض العلماء هذا الحكم إلى سائر الصلوات، فقال: يسنّ أن يأتي للصلاة من طريق، ويرجع من طريق آخر. وقال بعض العلماء: يسنّ لكل من قصد أمراً مشروعاً أن يذهب من طريق، ويرجع من طريق آخر. فلو ذهبت لعيادة مريض، فإنه يسنّ لك أن تذهب إليه من طريق وترجع من طريق آخر، ولو ذهبت لصلة قريب فكذلك، ولكن التوسع في القياس إلى هذا الحد أمر ينظر فيه، بمعنى أن هذا لا يُسلم لمن قاس، لا سيما وأن هذه الأشياء التي ذكروها موجودة في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم ينقل عنه أنه خالف الطريق إلا في العيد، ولدينا قاعدة مهمة لطالب العلم وهي: «أن كل شيء وجد سببه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يحدث له أمراً، فإن من أحدث له أمراً فإحداثه مردود عليه». لأننا نقول: هذا السبب الذي جعلته مناط الحكم موجود في

عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فلماذا لم يفعله؟ فترك النبي صلّى الله عليه وسلّم الشيء مع وجود سببه يكون تركه سنّة، والتعبُّد به غير مشروع. فقد كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يأتي إلى الجمعة ولا يخالف الطريق، وكان يزور أصحابه ويعود المرضى ولا يخالف الطريق، وكان يأتي إلى الصلوات الخمس ولا يخالف الطريق. فإن قالوا: ورد عنه أنه خالف الطريق في الحج دخل مكة من أعلاها، وخرج من أسفلها (¬1)، وفي عرفة ذهب من طريق، ورجع من طريق آخر (¬2)؟ فالجواب: أن نقف على ما جاءت به السنّة، فالحج نخالف فيه الطريق؛ لأنه وردت به السنّة، على أن بعض العلماء قال: إن مخالفات الطريق في الحج غير مقصودة، بل لكون ذلك أسهل لخروج النبي صلّى الله عليه وسلّم ودخوله، كما قالوا في نزول المحصَّب، والمحصَّب حسب وصف الناس أنه في المكان الذي فيه الآن قصر الملك فيصل في مكة، فنزل صلّى الله عليه وسلّم في المحصب ليلة أربعة عشر، وفي آخر الليل أمر بالرحيل فارتحل، ونزل إلى المسجد الحرام وطاف طواف الوداع، وصلى الفجر وقرأ بالطور، ثم انصرف صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة. وهذا النزول قال بعض العلماء: إنه سنّة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1533)؛ ومسلم (1257) عن ابن عمر رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 131) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

ويصليها ركعتين قبل الخطبة، يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستا

وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «ليس بسنّة إنما نزله النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنه كان أسمح لخروجه» (¬1)، فيكون هذا النزول على كلام عائشة ـ رضي الله عنها ـ غير مُتعبّد به، ولكنه أيسر للخروج. فالصواب مع من يرى أن مخالفة الطريق خاصةٌ بصلاة العيدين فقط، وهذا هو ظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ؛ لأنه لم يذكر مخالفة الطريق في الجمعة، وذكره في العيدين، فدل ذلك على أن اختياره أنه لا تسن مخالفة الطريق إلا في صلاة العيدين. وُيَصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، يُكَبِّرُ فِي الأُْولَى بَعْدَ الإِْحْرَامِ والاسْتِفْتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالْقِرَاءَةِ سِتّاً، ......... قوله: «ويصليها ركعتين قبل الخطبة»، أي: يصلى صلاة العيد ركعتين قبل الخطبة، فلا يقدم الخطبة على الصلاة. قوله: «يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستاً»، أي: يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح بما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد مرّ بنا أن أصح حديث في الاستفتاح، حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقّني من خطاياي كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرَد» (¬2)، فإذا استفتح بهذا أو بغيره مما ورد، فإنه يكبّر ست تكبيرات: الله أكبر، الله أكبر، إلى أن يكمل ستاً، ثم يستعيذ ويقرأ، فالاستفتاح إذاً مقدم على التكبيرات الزوائد. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1765)؛ ومسلم (1311). (¬2) سبق تخريجه (3/ 48).

وفي الثانية قبل القراءة خمسا

وَفِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْساً ........ قوله: «وفي الثانية قبل القراءة خمساً»، أي: يكبّر في الركعة الثانية قبل القراءة خمس تكبيرات، ليست منها تكبيرة القيام؛ لأن تكبيرة القيام قبل أن يستتم قائماً، فلا تحسب، فيكبّر خمساً بعد القيام، ولهذا قال: «وفي الثانية قبل القراءة خمساً»، أي: وبعد أن يستتم قائماً، أما التكبير الذي عند النهوض من السجود فإنه يكون قبل أن يستتم قائماً، وقد مرّ بنا أن المذهب التشديد في هذه المسألة، وأنهم يقولون: لو أكمل التكبير بعد وقوفه لم يصح التكبير، فلا بد أن يكون التكبير فيما بين الانتقال والانتهاء، وقد سبق لنا بيان الخلاف في هذه المسألة وأنه ينبغي أن يكون الأمر في هذا واسعاً، وأنه لو ابتدأ التكبير قبل أن يستتم قائماً وكمّله بعد أن استتم قائماً فلا بأس. والدليل على هذه التكبيرات الزوائد: أنه ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه فعل ذلك (¬1) وإسناده حسن كما قال في الروض، ولكن لو أنه خالف فجعلها خمساً في الأولى والثانية، أو سبعاً في الأولى والثانية حسب ما ورد عن الصحابة، فقد قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: اختلف أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم في التكبير، وكله جائز، أي: أن الإمام أحمد يرى أن الأمر في هذا واسع، وأن الإنسان لو كبّر على غير هذا الوجه مما جاء عن الصحابة، فإنه ¬

_ (¬1) لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كبّر ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى، وخمساً في الأخرى». أخرجه الإمام أحمد (2/ 180)؛ وأبو داود (1152)؛ وابن ماجه (1278)، وقال الحافظ في «التلخيص» (692): «صححه أحمد، وعلي، والبخاري فيما حكاه الترمذي».

لا بأس به، وهذه جادة مذهب الإمام أحمد نفسه ـ رحمه الله ـ أنه يرى أن السلف إذا اختلفوا في شيء، وليس هناك نص فاصل قاطع، فإنه كله يكون جائزاً؛ لأنه ـ رحمه الله ـ يعظم كلام الصحابة ويحترمه، فيقول: إذا لم يكن هناك نص فاصل يمنع من أحد الأقوال فإن الأمر في هذا واسع. ولا شك أن هذا الذي نحا إليه الإمام أحمد من أفضل ما يكون لجمع الأمة واتفاق كلمتها؛ لأن من الناس من يجعل الاختلاف في الرأي الذي يسوغ فيه الاجتهاد سبباً للفرقة والشتات، حتى إنه ليضلل أخاه بأمر قد يكون فيه هو الضال، وهذا من المحنة التي انتشرت في هذا العصر على ما في هذا العصر من التفاؤل الطيب في هذه اليقظة من الشباب خاصة، فإنه ربما تفسد هذه اليقظة، وتعود إلى سبات عميق بسبب هذا التفرق، وأن كل واحد منهم إذا خالفه أخوه في مسألة اجتهادية ليس فيها نص قاطع ذهب ينفر عنه ويسبّه ويتكلم فيه، وهذه محنة أفرح من يفرح بها أعداء هذه اليقظة؛ لأنهم يقولون: سقينا بدعوة غيرنا، جعل الله بأسهم بينهم، حتى أصبح بعض الناس يبغض أخاه في الدين، أكثر مما يبغض الفاسق والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه ضرر، وينبغي لطلبة العلم أن يدركوا ضرر هذا علينا جميعاً، وهل جاءك وحي من الله أن قولك هو الصواب؟ وإذا لم يأته وحي أن قوله هو الصواب، فما الذي يدريه؟ لعل قول صاحبه هو الصواب، وهو على ضلال، هذا هو الواقع، والآن ليس أحد من الناس يأتيه الوحي، فالكتاب والسنّة بين أيدينا، وإذا كان الأمر

يرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا،

قابلاً للاجتهاد، فليعذر أحدنا أخاه فيما اجتهد فيه. ولا بأس من النقاش المفيد الهادئ بين الإخوة، وأُفضِّل أن يكون النقاش بين المختلفين في غير حضور الآخرين؛ لأن الآخرين قد يحملون في نفوسهم من هذا النقاش ما لا يحمله المتناقشان، فربما يؤول الأمر بينهما إلى الاتفاق، لكن الآخرين الذين حضروا مثلاً قد يكون في قلوبهم شيء يحمل حتى بعد اتفاق هؤلاء، فيجري الشيطان بينهم بالعداوة، وحينئذٍ نبقى في بلائنا، فأقول: جزى الله الإمام أحمد خيراً على هذه الطريقة الحسنة: (أن السلف إذا اختلفوا في شيء، وليس هناك نص فاصل، فإن الأمر يكون واسعاً كله جائز). يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً، ........ قوله: «يرفع يديه مع كل تكبيرة»، أما تكبيرة الإحرام، فلا شك أنه يرفع يديه عندها؛ لأن هذا ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وغيره (¬1)، وأما بقية التكبيرات فهي موضع خلاف بين العلماء: القول الأول: يرفع يديه. القول الثاني: لا يرفع يديه. والصواب أنه يرفع يديه مع كل تكبيرة، وفي تكبيرات الجنازة أيضاً؛ لأن هذا ورد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، ولم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم خلافه، ومثل هذا العمل لا مدخل للاجتهاد فيه؛ لأنه عبادة فهو حركة في عبادة، فلا يذهب إليه ذاهب من الصحابة إلا وفيه أصل عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد صح عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «أنه ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (3/ 26).

كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة مع كل تكبيرة»، بل إنه روي عنه مرفوعاً، ومنهم من صحّحه مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. تنبيه: لم يبين المؤلف كيفية رفع اليدين وقد سبق ذلك في أول صفة الصلاة، وأما في صلاة العيد فورد عن عمر ـ رضي الله عنه ـ: «أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد»، وكذلك عن زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ رواهما الأثرم (¬1). قوله: «ويقول: الله أكبر كبيراً ... »، أي: ويقول بين كل تكبيرة وأخرى: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً ... إلخ. وهذا الذكر يحتاج إلى نقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه ذكر معين محدد في عبادة، ولم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يقول ذلك، وإنما أثر عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم» (¬2). والحمد والثناء على الله يمكن أن يكون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *}، هذا حمد، وثناء بنص الحديث الذي جاء فيه: «إذا قال المصلي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} قال الله: «حمدني عبدي»، وإذا قال: {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *} قال: «أثنى عليّ عبدي» (¬3)، أما بهذا الذكر الطويل فهذا يحتاج إلى نص، ولا نص في ذلك. وقال بعض العلماء: يكبّر بدون أن يذكر بينهما ذكراً. ¬

_ (¬1) أما أثر عمر فأخرجه البيهقي (3/ 293). وأما أثر زيد بن ثابت فلم نقف عليه. (¬2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (95151)؛ والبيهقي (3/ 291). (¬3) سبق تخريجه (3/ 57).

وهذا أقرب للصواب، والأمر في هذا واسع، إن ذكر ذكراً فهو على خير، وإن كبّر بدون ذكر، فهو على خير. وقوله: «الله أكبر كبيراً»، كلمة «أكبر» هنا مطلقة غير مقيدة، ومعلوم أن دلالتها على الكمال عند الإطلاق أقوى من دلالتها على الكمال عند التقييد، أي: لو قلت: «الله أكبر من كذا» صارت مقيدة، وإذا قلت: «الله أكبر» صارت مطلقة، أي: أكبر من كل شيء مهما بلغ عندك من التصور فالله أكبر ـ عز وجل ـ، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، والسماوات السبع والأرضون السبع في كفه ـ عز وجل ـ كخردلة في كف أحدنا، فلا أحد يتصوره فالله أكبر من كل شيء، أما التقييد فلا شك أنه ينقص من تصور الكمال من هذه الكلمة، ولهذا يوجد في بعض المقررات للصبيان الصغار: الله أكبر من أبيك، أكبر من التلفاز، أكبر من الحجرة، فالصبي إذا قلت له: الله أكبر من التلفاز، يتصور كبر الله داخل الحجرة فقط، وهذا خطأ عظيم قد يكون مخلاً بالعقيدة، وهؤلاء صبيان لا يتصورون الشيء إلا على حسب ما يشاهدون، فليس لهم عقول كبيرة ولهذا ينبغي أن ينظر في المقررات من طلبة العلم، ولا يحقرنّ أحد نفسه، ولكن لا يتكلم حتى يعرضه على من هو أكبر منه في العلم ليتبين الأمر، ودعونا نتعاون، ونعاون المسؤولين على مثل هذه الأمور؛ لأنهم قد يكلون الشيء إلى شخص لا يقدر هذه التقديرات، ويظن أن هذا هو الأسلوب الذي يناسب عقل الصبي، صحيح أنه يناسب عقله من جهة أن تقرن شيئاً بشيء يفهمه، لكن بالنسبة للرب ـ عز وجل ـ لا تجعل عقله يقرن الرب ـ عز وجل ـ بشيء من المخلوقات فيقع في الهاوية.

نعم، لو أن أحداً جادلك في كبر شخص، أو كبريائه، وقلت: إن كان صاحبك كبيراً فالله أكبر منه، فهذا لا بأس به كقوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] وكقوله: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59]. أما عند الثناء المطلق، فهذا لا ينبغي أن يقيد بشيء. وقوله: «كبيراً» هذه حال من الضمير المستتر في «أكبر»؛ لأن «أكبر» اسم تفضيل خلافاً لمن قال: «الله أكبر» بمعنى كبير، أي: بمعنى اسم الفاعل، فإن هذا غلط؛ لأن اسم الفاعل أقل في الدلالة على الكمال من اسم التفضيل؛ لأن اسم التفضيل يمنع تساوي المفضل والمفضل عليه في الوصف، واسم الفاعل لا يمنع ذلك، فإذا قلت: «زيد عالم» لم يمنع أن يساويه عمرو في العلم إذا كان عالماً، وإذا قلت: «زيد أعلم من عمرو» دلّ على أنه لا يساويه وأن زيداً أعلم. وبعض العلماء ـ رحمهم الله ـ: يفسرون الله أعلم، والله أكبر، وما أشبه ذلك باسم الفاعل حذراً من أن يكون هناك مفاضلة بين الخالق والمخلوق، ولا شك أن هذا خطأ، فالمفاضلة حاصلة ولا تستلزم تساوي المفضل والمفضل عليه، بل لا تقتضي ذلك بخلاف اسم الفاعل. قوله: «والحمد لله كثيراً»، الحمد تفسيره: وصف المحمود بالكمال، وليس الثناء على المحمود بالكمال؛ لأن الثناء إنما يقال عند التكرار، وقد فرّق الله بينهما في الحديث القدسي في قوله: «إذا قال ـ أي المصلي ـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} قال:

وسبحان الله بكرة وأصيلا

حمدني عبدي، وإذ قال: {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *} قال: أثنى عليَّ عبدي» (¬1)، فجعل الثناء بتكرار الوصف ـ أي: وصف الكمال ـ. وقوله: «كثيراً» حال من الحمد، أي: الحمد لله حال كونه أي: الحمد كثيراً، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، والتقدير حمداً كثيراً. وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ........ قوله: «وسبحان الله»، «سبحان» بمعنى تسبيح، فهي اسم مصدر، وهنا قاعدة في اسم المصدر يقولون: اسم المصدر هو: (ما دل على معنى المصدر دون حروفه). فسبحان مأخوذة من سبّح، والمصدرُ من سبّح (تسبيحٌ). إذاً سبحان بمعنى تسبيح، لكن ليس فيه حروف المصدر فيكون اسم مصدر، ومثله (كلام) اسم مصدر، والمصدر (تكليم)، و (سلام) اسم مصدر، والمصدر (تسليم). قوله: «بكرة»، أي: في الصباح. قوله: «أصيلاً»، أي: في المساء. قال الله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ *} [الروم]. وتنزيه الله يكون بأمور ثلاثة: الأول: تنزيهه عن كل عيب. الثاني: تنزيهه عن كل نقص في صفات كماله. الثالث: تنزيهه عن مماثلة المخلوقين. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (139).

وصلى الله على محمد النبي وآله، وسلم تسليما كثيرا

مثال الأول: العمى، والصمم، والجهل، وما أشبه ذلك. ومثال الثاني: التعب عند الفعل، أي: يقدر على الفعل لكن مع تعب، فهذا ينزّه الله عنه، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ *} [ق]. ومثال الثالث: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، ولأنه لو ماثل المخلوق لكان ناقصاً، فإلحاق الكامل بالناقص يجعله ناقصاً، بل محاولة المقارنة بين الناقص والكامل يجعل الكامل ناقصاً على حد قول الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل: إن السيف أمضى من العصا وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، ....... قوله: «وصلى الله على محمد»، صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، هكذا اشتهر عن أبي العالية ـ رحمه الله ـ. وفي نسخة: «وصلى الله على سيدنا»، ولا شك أنه سيد ولد آدم صلّى الله عليه وسلّم، وأنه سيدنا وإمامنا وقدوتنا وأسوتنا، ولكن لا أعلم حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وصف نفسه بالسيادة في الصلاة عليه، وإذا علمتم بحديث فدلونا عليه جزاكم الله خيراً. فكل الأحاديث: «اللهم صلّ على محمد»، والصحابة يقولون: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم، وما سمعنا أحداً يقول: قال: سيدنا، ولكن المتأخرين صاروا يقولون: «سيدنا» ونحن نقول: هو سيدنا لا شك، ولكن يحتاج في صيغة الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى توقيف في هذا. قوله: «النبي» أي: محمد صلّى الله عليه وسلّم.

وإن أحب قال غير ذلك، ثم يقرأ جهرا في الأولى بعد الفاتحة: بـ (سبح) وبـ (الغاشية) في الثانية

قوله: «وآله»، آله: أتباعه على دينه؛ لأن الآل إن ذكر معهم الأتباع والأصحاب، فهم المؤمنون من قرابته، وإن لم يذكر معهم ذلك فهم أتباعه على دينه، هذا هو الصحيح. قوله: «وسلّم تسليماً كثيراً»، أي: سلامة من كل آفة. والجملة في «صلى وسلم» خبرية بمعنى الدعاء. وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْرَأُ جَهْراً فِي الأُْولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: بـ (سَبِّحْ) وبـ (الْغَاشِيَةِ) فِي الثَّانِيَةِ ........ قوله: «وإن أحب قال غير ذلك»، أي: أن الأمر واسع، إن أحب قال غير ذلك، وإن أحب أن لا يقول شيئاً فلا بأس، المهم أن يكبّر التكبيرات الزوائد. قوله: «ثم يقرأ جهراً»، أي: يقرأ الفاتحة وما بعدها من السور جهراً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يفعل ذلك، وهكذا كان يقرأ جهراً في كل صلاة جامعة، كما جهر في صلاة الجمعة، وجهر في صلاة الكسوف؛ لأنها جامعة، وكذلك في الاستسقاء. قوله: «في الأولى بعد الفاتحة بسبّح، وبالغاشية في الثانية»، لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أنه كان يقرأ بالأولى بسبّح، وبالثانية بالغاشية» (¬1)، كما ثبت عنه أنه كان يقرأ في الأولى بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ *}، وفي الثانية بـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ *} (¬2)، ولهذا ينبغي للإمام إظهاراً للسنّة وإحياء لها، أن يقرأ مرة بهذا، ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (878) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. (¬2) أخرجه مسلم (891) عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه.

فإذا سلم خطب خطبتين

ومرةً بهذا، ولكن يراعي الظروف، مثل لو كان الوقت بارداً، وكان انتظار الناس يشق عليهم فالأفضل أن يقرأ بسبح والغاشية، وكذلك لو كان الوقت حاراً، وكذلك في عيد الأضحى؛ لأن الناس يحبون العجلة من أجل ذبح ضحاياهم. وإذا لم يكن هناك مشقة، فالأفضل أن يقرأ بهذا مرة، وبهذا مرة. فالسنن الميتة أي المهجورة ينبغي لطلبة العلم أن يحيوها، لكن إذا خافوا استنكار الناس لها، فليمهدوا لها أولاً، لا سيما إذا كان طالب العلم صغيراً لا يُهْتَمُّ بكلامه وينتقد، فهنا ينبغي أن يمهد أولاً؛ لأجل أن يروّض أفكار الناس على قبول هذا الشيء. فمثلاً: لو أن واحداً من علمائنا الكبار المشهود لهم بالثقة والعلم والأمانة في الدين فعل سنّة لا يعلم عنها الناس لوجدت الناس يقولون: سبحان الله! ما كنّا علمنا أن هذه سنّة، جزاه الله خيراً فتح لنا باباً من العلم، لكن لو فعلها أو قالها طالب علم صغير لقالوا: ما هذا الدين الجديد؟ وأخذوه والعياذ بالله بالسب والشتم، فينبغي للإنسان أن يكون حكيماً. فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ .......... قوله: «فإذا سلم خطب خطبتين»، أي: إذا سلم الإمام من الصلاة يخطب خطبتين، وإن خطب غيره فلا بأس كالجمعة، فيجوز أن يخطب واحد، ويصلي آخر. وقوله: «خطبتين» هذا ما مشى عليه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن خطبة العيد اثنتان؛ لأنه ورد هذا في حديث أخرجه ابن ماجه

كخطبتي الجمعة

بإسناد فيه نظر، ظاهره أنه كان يخطب خطبتين (¬1)، ومن نظر في السنّة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخطب إلا خطبة واحدة (¬2)، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهنّ، فإن جعلنا هذا أصلاً في مشروعية الخطبتين فمحتمل، مع أنه بعيد؛ لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهنّ لعدم وصول الخطبة إليهن وهذا احتمال. ويحتمل أن يكون الكلام وصلهن ولكن أراد أن يخصهنّ بخصيصة، ولهذا ذكرهنّ ووعظهنّ بأشياء خاصة بهنّ. كَخُطْبَتَي الجُمُعَةِ .......... قوله: «كخطبتي الجمعة»، أي: يخطب خطبتين كخطبتي الجمعة في الأحكام حتى في تحريم الكلام، لا في وجوب الحضور، فخطبة الجمعة يجب الحضور إليها؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، وأما خطبتا العيد فلا يجب الحضور إليهما؛ بل للإنسان أن ينصرف من بعد الصلاة فوراً لكن الأفضل أن يبقى [لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب» (¬3)] وإذا بقي حرم عليه الكلام. ¬

_ (¬1) ولفظه عن جابر: «خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم فطر أو أضحى، فخطب قائماً، ثم قعد قعدة ثم قام». أخرجه ابن ماجه في «سننه» (1289)، وضعفه البوصيري في «زوائده». (¬2) سبق تخريجه ص (114). (¬3) أخرجه أبو داود (1155)؛ والنسائي (3/ 185)؛ وابن ماجه (1290)؛ وابن خزيمة (1462)؛ والحاكم (1/ 295)؛ والبيهقي (3/ 301) عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه. وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وصححه ابن التركماني في «الجوهر النقي» (3/ 301).

يستفتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع

وقال بعض أهل العلم: لا يجب الإنصات لخطبتي العيدين؛ لأنه لو وجب الإنصات لوجب الحضور، ولحرم الانصراف، فكما كان الانصراف جائزاً، وكان الحضور غير واجب، فالاستماع ليس بواجب. ولكن على هذا القول لو كان يلزم من الكلام التشويش على الحاضرين حرم الكلام من أجل التشويش، لا من أجل الاستماع، وبناء على هذا لو كان مع الإنسان كتاب أثناء خطبة الإمام خطبة العيد فإنه يجوز أن يراجعه؛ لأنه لا يشوش على أحد. أما على القول الذي مشى عليه المؤلف: فالاستماع واجب ما دام حاضراً. يَسْتَفْتِحُ الأُْولَى بِتِسْعِ تَكْبِيراتٍ، والثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ .......... قوله: «يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع»، يعني: يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات متتابعات والخطبة الثانية بسبع تكبيرات متتابعات. والدليل على ذلك ما يلي: 1 ـ روي في هذا حديث، لكنه أعلّ بالانقطاع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «كان يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع» (¬1)، وصارت ¬

_ (¬1) لما روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «السنّة التكبير على المنبر يوم العيد يبتدئ خطبته الأولى بتسع تكبيرات قبل أن يخطب، ويبدأ الآخرة بسبع». أخرجه عبد الرزاق (5672 ـ 5674)؛ وابن أبي شيبة (2/ 190)؛ والبيهقي (3/ 299)، وعبيد الله من التابعين. قال النووي في «الخلاصة» (2/ 338): «ضعيف الإسناد غير متصل».

يحثهم في الفطر على الصدقة، ويبين لهم ما يخرجون، ويرغبهم في الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها

الأولى أكثر؛ لأنها أطول، وخُصّت بالتسع والسبع؛ من أجل القطع على وتر. 2 ـ أن الوقت وقت تكبير، ولهذا زيدت الصلاة بتكبيرات ليست معهودة، وكان هذا اليوم يوم تكبير، فمن أجل هذا شُرع أن يبدأ الخطبتين بالتكبير، فصار لهذا الحكم دليل وتعليل. وقال بعض العلماء: إنه يبتدئ بالحمد كسائر الخطب، وكما هي العادة في خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه يبدأ خطبه بحمد الله، ويثني عليه. وعلى هذا فيقول: الحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً، فيجمع بين التكبير والحمد. يَحُثُّهُمْ فِي الفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَيُرَغِّبُهُم فِي الأَْضْحَى فِي الأُْضْحِيَةِ وَيُبَيِّن لَهُمْ حُكْمَهَا. قوله: «يحثهم» الفاعل الخطيب، والمفعول به يعود على الناس، أي: يحث الناس. قوله: «على الصدقة» أي: صدقة الفطر، فـ (ال) هنا للعهد الحضوري؛ لأن هذا الوقت وقت صدقة الفطر. قوله: «ويبين لهم ما يخرجون» أي: يبيّن لهم ما يخرجون، فيبيّن لهم النوعية من أنها تخرج من الطعام من البر، والتمر، والرز، والذرة لمن كانت طعامه، والشعير لمن كان طعامه، وما أشبه ذلك. ويبيّن لهم القدر وهو صاع بالصاع النبوي، وهو أقل من الصاع المعهود عندنا «بخمس وخمس الخمس»، يقول شيخنا ابن سعدي ـ رحمه الله ـ: إن الصاع النبوي زنته ثمانون ريالاً فرنسياً، وزنة الصاع عندنا مئة وأربعة ريالات، فيكون الصاع عندنا زائداً على الصاع النبوي «الربع وخُمس الربع».

ويبيّن لهم الصفة فيقول: أخرجوا من الجيد؛ لأنه أفضل، ويبين أن الرديء كالمسوس والمبلول والمعفن لا يجزئ. هكذا ذكر المؤلف أنه يبيّن زكاة الفطر في خطبة العيد، ولكن الصواب أنه يبين ذلك في خطبة آخر جمعة من رمضان، ويبين في خطبة العيد حكم تأخير صدقة الفطر عن صلاة العيد، وفي الحديث عن ابن عباس في السنن: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعدها فهي صدقة من الصدقات» (¬1). قوله: «ويرغبهم في الأضحى ... » إلخ، أي: يرغِّب الناس في خطبة عيد الأضحى في الأضحية، ويبيّن لهم فضلها، وأجرها وثوابها. قوله: «ويبيّن لهم حكمها»، يعني: هل هي سنّة أو واجبة، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك في بابه. وكذلك يبيّن لهم ما يضحَّى به، وهو ثلاثة أنواع: الإبل والبقر والغنم. ويبيّن لهم أيضاً مقدار السن مما يضحّى به، وهو أن تكون جذعة من الضأن أو ثنية من الإبل، والبقر، والمعز. فإن ضحّى بثني من الضأن، فقال جمهور العلماء: إنها تجزئ. وقال أهل الظاهر: إنها لا تجزئ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (1609)؛ وابن ماجه (1827)؛ والدارقطني (1/ 219)؛ والحاكم (1/ 409) وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه».

والتكبيرات الزوائد، والذكر بينها، والخطبتان سنة، ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها

تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» (¬1)، والثنية أكبر من الجذعة فلا تجزئ، اتباعاً لظاهر اللفظ. ويبيّن لهم في خطبة الأضحى وقت الأضحية، وأنه من بعد صلاة العيد إلى تمام أربعة أيام، أي: يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وهي: أيام التشريق على القول الراجح. وما ذكره المؤلف من أنه يبيّن الأضحية وما يتعلق بها في خطبة عيد الأضحى مناسب؛ كما جاءت به السنّة. وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ، والذِّكْرُ بَيْنَهَا، والخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ، وَيُكْرَهُ التَّنَفُّل قَبْلَ الصَّلاَةِ وَبَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهَا ........... قوله: «والتكبيرات الزوائد» الزوائد أي: على الواجبة في الصلاة، وهي في الركعة الأولى ست على ما مشى عليه المؤلف، وفي الثانية خمس، وسماها زوائد، لأنها زائدة على الركن في الأولى، وفي الثانية زائدة على الواجب. والدليل على سنية هذه التكبيرات الزوائد: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث المسيء في صلاته لم يذكر شيئاً من التكبيرات إلا تكبيرة الإحرام (¬2). قوله: «والذكر بينها» سواء في ذلك ما ذكره المؤلف من قوله: «الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً ... » إلخ، أو أي ذكر آخر يقوله الإنسان من عند نفسه هو سنّة. وقد سبق البحث في كونه سنّة أو ليس بسنة. قوله: «والخطبتان سنّة»، يعني: أن خطبتي العيد سنّة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1963) عن جابر رضي الله عنه. (¬2) سبق تخريجه (3/ 19).

واستدلوا على كونها سنّة بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رخّص لمن حضر العيد أن يقوم ولا يحضر الخطبة (¬1)، ولو كانت واجبة لوجب حضورها، هكذا قالوا. ولكن هذا التعليل عليل في الواقع؛ لأنه لا يلزم من عدم وجوب حضورها عدم وجوبها، فقد يكون النبي عليه الصلاة والسلام أذن للناس بالانصراف، وهي واجبة عليه فيخطب فيمن بقي، ثم إن الغالب ولا سيما في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه لا ينصرف أحد إلا من ضرورة، ولهذا لو قال أحد بوجوب الخطبة، أو الخطبتين في العيدين لكان قولاً متوجهاً؛ ولأن الناس في صلاة العيد في اجتماع كبير لا ينبغي أن ينصرفوا من غير موعظة وتذكير. قوله: «ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها»، أي: يكره لمن حضر صلاة العيد أن يتطوع بنفل قبل الصلاة أو بعدها في موضعها، أي: موضع صلاة العيد، فيكره التنفل قبل الصلاة أو بعدها في الموضع، أما في بيته فلا كراهة. وقول المؤلف: «يكره»، ظاهره أنه مكروه للإمام وغير الإمام. والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى مصلى العيد وصلى العيد ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها (¬2). وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى مصلى العيد ليصلي بالناس فصلى بهم، ثم انصرف، كما أنه يوم الجمعة ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (146). (¬2) أخرجه البخاري (964)؛ ومسلم (884) (13) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

يخرج إلى المسجد ويخطب ويصلي وينصرف ويصلي في بيته، فهل يقول أحد: إنه يكره أن يصلي الإنسان في يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة وبعدها؟ ما سمعنا أحداً قال بهذا، فكذلك نقول في صلاة العيد، ولا فرق، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إمام يُنتظر ولا يَنْتَظِر، فجاء فصلى بالناس، ثم انصرف. وكوننا نأخذ الكراهة من مجرد هذا الترك فيه نظر، ولو قالوا: إن السنّة أن لا يصلي لكان أهون من أن يقال: إنه يكره؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل نهي؛ إذ إن الكراهة لا تثبت إلا بنهي، إما نهي عام مثل: «كل بدعة ضلالة» (¬1)، وإما نهي خاص، ثم إن ترك النبي عليه الصلاة والسلام التنفل قبل الصلاة واضح السبب؛ لأنه إمام منتظر فجاء فصلى وانصرف، لكن نهي المأموم عن التنفل، والقول بكراهته له لا يخلو من نظر. وقال بعض العلماء رحمهم الله: إن الصلاة غير مكروهة في مصلى العيد لا قبل الصلاة ولا بعدها، وقال: بيننا وبينكم كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فأين الدليل على الكراهة؟ وهذا خير وتطوع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليك بكثرة السجود» (¬2)، وقال: «أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» (¬3)، فكيف تقولون بالكراهة؟ وهذا مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة، وهو الصواب. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (867) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه مسلم (488) عن ثوبان وأبي الدرداء رضي الله عنهما. (¬3) أخرجه مسلم (489) عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه.

وقال بعض العلماء: تكره الصلاة بعدها لا قبلها؛ [لأن المشروع أن ينصرف]. وقال بعض العلماء: تكره قبلها لا بعدها. وبعض العلماء قال: يكره للإمام دون المأموم، وهذا قول للشافعي، أعني التفريق بين الإمام وغيره. والصحيح أنه لا فرق بين الإمام وغيره، ولا قبل الصلاة ولا بعدها، فلا كراهة، لكن لا نقول: إن السنّة أن تصلي، فقد يقال: إن بقاء الإنسان يكبّر الله قبل الصلاة أفضل، إظهاراً للتكبير والشعيرة، وهذا في النفل المطلق. وأما تحية المسجد فلا وجه للنهي عنها إطلاقاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بها، حتى إن كثيراً من العلماء قال: إنها واجبة، فإذا كانت سنّة مؤكدة كما تدل على ذلك السنّة، فكيف نقول لمن دخل مصلى العيد، لا تصل يكره لك ذلك؟ فإن قال قائل: مصلى العيد ليس بمسجد، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (¬1). قلنا: بل إن مصلى العيد مسجد، ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، وأمر الحيض أن يعتزلنَ المصلى (¬2). والمرأة لا تعتزل إلا المسجد، أما مصلاها في بيتها، أو مصلى رجل في بيته فإن الحائض لا يحرم عليها أن تمكث ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 124). (¬2) سبق تخريجه ص (114).

فيه، فكون النبي صلّى الله عليه وسلّم يعطي مصلى العيد حكم المسجد بالنسبة لمنع الحائض منه دليل على أنه مسجد، وعلى هذا نص فقهاؤنا، فقال صاحب المنتهى (¬1): «ومصلى العيد مسجد لا مصلى الجنائز»، وهو عمدة فقهاء الحنابلة المتأخرين. قوله: مصلى الجنائز فإنهم كانوا فيما سبق يجعلون للجنائز مصلى خاصاً يصلى فيه على الجنائز، وقد اقترح بعض الناس الآن أن يجعل مصلى خاص عند المقبرة يصلى فيه على الجنائز، وهذا محل دراسة، هل يوافق على هذا، أو يبقى الناس على ما هم عليه يصلون على جنائزهم في مساجدهم؛ لأنه المعتاد؛ ولأنه قد يكثر الجمع، فلا يسعهم المصلى الذي يجعل عند المقبرة. فالمهم أن مصلى العيد مسجد له أحكام المساجد، وأنه إذا دخله الإنسان لا يجلس حتى يصلي ركعتين، وأنه لا نهي عنهما بلا إشكال، وأما أن يتنفل بعدهما فنقول: لا بأس به، لكن الأفضل للإمام أن يبادر بصلاة العيد إن كان قد دخل وقتها لئلا يحبس الناس، وأما المأموم فالأفضل له إذا صلى تحية المسجد أن يتفرغ للتكبير والذكر. والسنّة للإمام أن لا يأتي إلا عند الصلاة، وينصرف إذا انتهت فلا يتطوع قبلها ولا بعدها اقتداء بالرسول صلّى الله عليه وسلّم، أما المأموم فالأفضل له أن يتقدم ليحصل له فضل انتظار الصلاة. ¬

_ (¬1) «المنتهى» (1/ 199).

ويسن لمن فاتته أو بعضها قضاؤها على صفتها

وَيُسَنُّ لِمَنْ فَاتَتْهُ أَوْ بَعْضُهَا قَضَاؤُهَا عَلَى صِفَتِهَا. قوله: «ويسنّ لمن فاتته أو بعضها قضاؤها على صفتها» السنّة عند الفقهاء: ما أثيب فاعلها، ولم يعاقب تاركها، فمن فاتته صلاة العيد سُنّ له أن يقضيها، وهذا لا ينافي قولنا: إن صلاة العيد فرض كفاية، لأن الفرض سقط بالصلاة الأولى. [وقوله: «أو بعضها» بالرفع عطفاً على الضمير المستتر في فاتته. وقوله: «قضاؤها» نائب فاعل يسنّ]. وقوله: «على صفتها»، أي: صفة الصلاة ركعتين بالتكبيرات الزوائد. هذا هو المذهب أن قضاءها سنّة، وأن الأفضل أن يكون على صفتها. وعلى هذا فلو ترك القضاء فلا إثم عليه. ولو قضاها كراتبة من الرواتب فجائز؛ لأن كونها على صفتها على سبيل الأفضلية وليس بواجب. والدليل على سنيّة القضاء قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (¬1)، وقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (¬2). ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأن المراد بالحديثين الفريضة، أما هذه فصلاة مشروعة على وجه الاجتماع، فإذا فاتت فإنها لا تقضى إلا بدليل يدل على قضائها إذا فاتت، ولهذا إذا فاتت الرجل صلاة الجمعة لم يقضها، وإنما يصلي فرض الوقت وهو الظهر. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (2/ 15). (¬2) سبق تخريجه (2/ 313).

ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أنها لا تقضى إذا فاتت، وأن من فاتته، فلا يسنّ له أن يقضيها؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأنها صلاة ذات اجتماع معين، فلا تشرع إلا على هذا الوجه. فإن قال قائل: أليست الجمعة ذات اجتماع على وجه معين، ومع ذلك تقضى؟ فالجواب: الجمعة لا تقضى، وإنما يصلى فرض الوقت، وهو الظهر، وصلاة العيد أيضاً نقول: فات الاجتماع فلا تقضى، وليس لهذا الوقت فرض، ولا سنّة أيضاً. فهي صلاة شُرعت على هذا الوجه، فإن أدركها الإنسان على هذا الوجه صلاها، وإلا فلا. وبناءً على هذا القول يتضح أن الذين في البيوت لا يصلونها، ولهذا أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس أن يخرجوا إليها، وأمر النساء العواتق، وذوات الخدور، وحتى الحيَّض أن يشهدن الخير ودعوة المسلمين (¬1)، ولم يقل: ومن تخلف فليصلِّ في بيته. فإذا قال قائل: لماذا لا نقضيها فإن كنا مصيبين فهذا هو المطلوب، وإن كنا غير مصيبين فإننا مجتهدون؟ فالجواب: نعم، الإنسان إذا اجتهد وفعل العبادة على اجتهاد فله أجر على اجتهاده وعلى فعله أيضاً، لكن إذا تبيّنت السنّة، فلا تمكن مخالفتها. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (114).

ويسن التكبير المطلق في ليلتي العيدين

وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ فِي لَيْلَتَي الْعِيدَيْنِ ........ قوله: «ويسنّ التكبير المطلق في ليلتي العيدين»، أي: يسنّ التكبير المطلق أي المشروع في كل وقت للرجال والنساء والصغار والكبار في البيوت والأسواق والمساجد وغيرها إلا في الأماكن التي ليست محلاً لذكر الله تعالى. وأفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن التكبير ينقسم إلى قسمين: 1 ـ مطلق. 2 ـ مقيد. فالمطلق سبق القول فيه. والمقيد هو الذي يتقيد بأدبار الصلوات، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. وقوله: «في ليلتي العيدين»، أي: عيدي الفطر والأضحى وذلك من غروب الشمس. ودليل ذلك في ليلة عيد الفطر قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185]، فقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} وإكمال العدة يكون عند غروب الشمس آخر يوم من رمضان، إما بإكمال ثلاثين، وإما برؤية الهلال، فإذا غابت الشمس آخر يوم من رمضان سنّ التكبير المطلق من الغروب إلى أن تفرغ الخطبة، لكن إذا جاءت الصلاة فسيصلي الإنسان ويستمع الخطبة بعد ذلك. ولهذا قال بعض العلماء: من الغروب إلى أن يكبّر الإمام للصلاة. ولم يفصح المؤلف ـ رحمه الله ـ بحكم الجهر والإسرار في

هذا التكبير ولكن نقول: إن السنّة أن يجهر به إظهاراً للشعيرة، لكن النساء يكبرن سراً إلا إذا لم يكن حولهن رجال فلا حرج في الجهر. وقوله: «في ليلتي العيدين» أي: عيد الأضحى، وعيد الفطر. والشريعة الإسلامية ليس فيها إلا ثلاثة أعياد فقط: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع يوم الجمعة. وفي كلٍّ منها مناسبة. أما مناسبة عيد الفطر، فلأن الناس أدوا فريضة من فرائض الإسلام، وهي الصيام، فجعل لهم الله ـ عز وجل ـ هذا اليومَ يومَ عيدٍ يفرحون فيه، ويفعلون فيه من السرور واللعب المباح ما يكون فيه إظهار لهذا العيد، وشكر لله ـ عز وجل ـ لهذه النعمة، لكنهم لا يفرحون بأنهم تخلصوا من الصوم، وإنما يفرحون بأنهم تخلصوا بالصوم، والفرق أن من نوى التخلص من الصوم يشعر أن الصوم ثقيل عليه، وأنه فرح أنه تخلص منه، وأما من نوى التخلص به فيفرح بأنه تخلص به من الذنوب؛ لأن من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. فالموفق يفرح بعيد الفطر؛ لأنه تخلص به من الذنوب حيث قد يغفر له ما تقدم من ذنبه، والغافل يفرح بعيد الفطر؛ لأنه تخلص من الصوم الذي يجد فيه العناء والمشقة، وفرق بين الفرحين. أما عيد الأضحى فمناسبته أيضاً ظاهرة؛ لأنه يأتي بعد عشر

ذي الحجة التي يسنّ للإنسان فيها الإكثار من ذكر الله ـ عز وجل ـ، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهنّ أحبّ إلى الله من هذه الأيام العشر»؛ قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» (¬1). كما أنه بالنسبة للحجاج مناسبته ظاهرة؛ لأن الواقفين بعرفة يطلع الله عليهم، ويشهد ملائكته بأنهم يرجعون مغفوراً لهم فيتخلصون من الذنوب، فكان يوم العيد الذي يلي يوم عرفة كيوم العيد في الفطر الذي يلي رمضان، ففيه نوع من الشكر لله عز وجل على هذه النعمة. أما يوم الجمعة فمناسبته ظاهرة أيضاً؛ لأن هذا اليوم فيه المبدأ والمعاد، ففيه خلق آدم، وفيه أخرج من الجنة، ونزل إلى الأرض لتعمر الأرض ببنيه، وفيه أيضاً تقوم الساعة، فهو يوم عظيم؛ ولهذا صار يوم عيد للأسبوع، وما عدا ذلك فليس في الشريعة الإسلامية أعياد، حتى ما يفعله بعض المسلمين اليوم من عيد لغزوة بدر في السابع عشر من رمضان، وما يفعله بعض المسلمين من عيد لميلاد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وما يفعله بعض المسلمين من عيد للمعراج ليلة سبع وعشرين من رجب، كل هذا لا أصل له، بل بعضه ليس له أصل حتى من الناحية التاريخية، فإن المعراج ليس في ليلة سبع وعشرين من رجب، بل إنه في ربيع الأول قبل الهجرة بنحو سنة أو سنتين أو ثلاث حسب الاختلاف بين العلماء، والميلاد أيضاً ليس في يوم الثاني عشر من ربيع الأول، بل حقّق ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (111).

الفلكيون المتأخرون بأنه يوم التاسع من ربيع الأول. أما بدر فالمشهور عند المؤرخين أنها في السابع عشر من رمضان، ولكن مع ذلك لا يهمنا أن يصح التاريخ، أو لا يصح، فالذي يهمنا هل كان النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يتخذون مثل هذه الأيام أعياداً؟ الجواب: لا، إذاً إذا اتخذناها نحن أعياداً، فإن مضمون ذلك أحد أمرين: الأول: أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه جاهلين ما في هذه الأيام من فضل. الثاني: أن يكونوا عالمين، ولكنهم لم يظهروا فضلها، وكتموه عن الناس، وكلا الأمرين شر، أي: لو اتهمنا النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه بأنهم لم يعلموا فضل هذه الأيام لوصفناهم بالجهل، وكان هؤلاء المتأخرون أعلم منهم بما جعل الله تعالى لهذه المناسبات من الفضل، وإن قلنا: إنهم يعلمون، ولكنهم لم يفعلوا ذلك كتماناً للحق وتلبيساً على الناس لكان هذا أيضاً شراً عظيماً، فكيف يعلم الرسول عليه الصلاة والسلام أن لهذه المناسبات أعياداً ثم لا يشرعها للأمة، والله تعالى قد قال له: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، فإذا كانت هذه المناسبات العظيمة من ولادة النبي عليه الصلاة والسلام وغزوة بدر والمعراج وغيرها، ليس لها أعياد، فما دونها من باب أولى ألاّ يكون لها أعياد، ويكفينا في هذا هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم خير الهدي، كما كان عليه الصلاة والسلام يعلنه في كل خطبة جمعة يقول: «خير الهدي

وفي فطر آكد

هدي محمد صلّى الله عليه وسلّم» (¬1). وَفِي فِطْرٍ آكَدُ، ........... قوله: «وفي فطر آكد»، أي: التكبير في عيد الفطر آكد من التكبير في عيد الأضحى؛ لأن الله نص عليه في القرآن فقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، وشيء نص عليه القرآن بعينه يكون آكد مما جاء على سبيل العموم. أما عيد الأضحى فإنه داخل في عموم العمل الصالح الذي قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبّ إلى الله من هذه الأيام العشر» (¬2)، وهو داخل في عموم قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 28]. وقال بعض العلماء: إن التكبير في الأضحى أوكد من وجهين: الوجه الأول: أنه متفق عليه بين العلماء، والفطر مختلف فيه. الوجه الثاني: أن في الأضحى تكبيراً مقيداً عقب الصلوات، والفطر ليس فيه تكبير مقيد على رأي أكثر العلماء. فكل واحد منهما أوكد من الثاني من وجه؛ فمن جهة أن تكبير الفطر مذكور في القرآن يكون أوكد، ومن جهة أن التكبير في عيد الأضحى متفق عليه، وأنَّ فيه تكبيراً مقيداً يقدم على أذكار الصلاة، يكون من هذه الناحية أوكد. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (52). (¬2) سبق تخريجه ص (111).

وفي كل عشر ذي الحجة

وَفِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ ........ قوله: «وفي كل عشر ذي الحجة»، أي: ويسنّ التكبير المطلق في كل عشر ذي الحجة. وتبتدئ من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر اليوم التاسع، وسميت عشراً، وهي تسع من باب التغليب. والدليل على مشروعية التكبير في عيد الأضحى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام العمل الصالح ... »، فتدخل في عموم الحديث. وكذلك عموم قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}. ولو قال قائل: الذكر في الآية أعم من التكبير؟ فيقال: الدليل الخاص: حديث أنس «أنه سئل كيف كنتم تصنعون في الدفع من منى إلى عرفات مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: منّا المكبِّر ومنّا المُهِلّ» (¬1). وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقرهم على ذلك، فيدل هذا على أن التكبير المطلق سنّة. ويدل لذلك أيضاً: فعل الصحابة، فقد كان أبو هريرة وابن عمر يخرجان إلى السوق يكبران فيكبر الناس بتكبيرهما (¬2). قال في الروض: «ولو لم يرَ بهيمة الأنعام»، و «لو» هنا إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يسنّ التكبير في هذه الأيام إلا إذا رأى بهيمة الأنعام؛ لأن الله تعالى قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 28] ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1659)؛ ومسلم (1285). (¬2) أخرجه البخاري معلقاً (2/ 458 فتح الباري) وقال الحافظ: لم أره موصولاً عنهما.

فإذا رأيت بهيمة الأنعام فاذكر الله، وإذا لم ترها فلا. لكن المشهور عندنا؛ مذهب الحنابلة: أنه يكبر وإن لم يرها. واختلف في محل هذا التكبير المقيد، هل هو قبل الاستغفار وقبل «اللهم أنت السلام ومنك السلام»، أو بعدهما؟ قال بعض العلماء: يكون قبل الاستغفار وقبل «اللهم أنت السلام ومنك السلام»، فإذا سلم الإمام وانصرف، كبّر رافعاً صوته حسب ما سيذكر المؤلف، ثم يستغفر ويقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام». والصحيح أن الاستغفار، وقول: «اللهم أنت السلام» مقدم؛ لأن الاستغفار وقول: «اللهم أنت السلام» ألصق بالصلاة من التكبير، فإنَّ الاستغفار يسنّ عقيب الصلاة مباشرة؛ لأن المصلي لا يتحقق أنه أتقن الصلاة، بل لا بد من خلل، ولا سيما في عصرنا هذا، فالإنسان لا يأتيه الشيطان إلا إذا كبّر للصلاة. فالشيطان ـ أعاذنا الله وإياكم منه ـ إذا دخل الإنسان في الصلاة فتح عليه باب الوسواس، والعجيب أنه مع انتهاء الصلاة تذهب عنه هذه الهواجيس، ولكن هل لهذا الداء من دواء؟ الجواب: نعم، فلقد شُكي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا الداء بعينه، فقال للذي اشتكى: «ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسست به فاتفل عن يسارك ثلاث مرات، وقل: أعوذ بالله من الشيطان

والمقيد عقب كل فريضة في جماعة

الرجيم، ثلاث مرات، فيذهب الله ذلك عنك، ففعل فأذهب الله ذلك عنه» (¬1). والمُقَيَّدُ عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ .......... قوله: «والمقيد عقب كل فريضة في جماعة»، أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن المقيد يختص بالفرائض، وهي الصلوات الخمس، والجمعة؛ لقوله: «عقب كل فريضة»، وعلى هذا فالنافلة لا يسنّ بعدها تكبير مقيد. وأفادنا قوله: «في جماعة» أنه لو صلاها منفرداً، فلا يسن له التكبير المقيد. وكذا النساء في بيوتهن لا يسن لهن تكبير مقيد؛ لأنهن غالباً لا يصلين جماعة. والإنسان الذي تفوته الصلاة في الجماعة ويصليها منفرداً لا يسنّ له أن يكبر التكبير المقيد. وكذلك قيدوا ذلك بالمؤداة فخرج به المقضية. فالشروط ثلاثة: 1 ـ أن تكون الصلاة فريضة. 2 ـ أن تكون جماعة. 3 ـ أن تكون مؤداة. فلو صلى وحده، أو صلى نافلة، أو صلى قضاءً لم يشرع له التكبير المقيد، حتى ولو كانوا جماعة. وقال بعض العلماء: إن التكبير المقيّد سنّة لكل مصلٍّ، ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (3/ 225).

من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق

فريضة كانت الصلاة أو نافلة، مؤداة أو مقضية، للرجال وللنساء في البيوت. والقول الأول أخص، وهذا أعم. وقال بعض العلماء: إنَّه سنّة في الفرائض، مؤداة كانت أم مقضية، انفراداً كانت أو جماعة، دون النوافل. والمسألة إذا رأيت اختلاف العلماء رحمهم الله فيها بدون أن يذكروا نصاً فاصلاً فإننا نقول: الأمر في هذا واسع. فإن كبّر بعد صلاته منفرداً فلا حرج عليه، وإن ترك التكبير ولو في الجماعة فلا حرج عليه؛ لأن الأمر في هذا واسع والحمد لله. مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، ولِلْمُحْرِم مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ ............. قوله: «من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق». بيّن المؤلف في هذا وقت ابتداء التكبير المقيد، فابتداؤه من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، فيكبّر ثلاثاً وعشرين صلاة. أما المُحْرِم فمن ظهر يوم النحر؛ لأن المُحْرِم مشغول قبل ذلك بالتلبية؛ فالفقهاء ـ رحمهم الله ـ يرون أن التلبية ذكر يشرع عقب الفرائض، ويستدلون بعموم ما جاء في الحديث: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أهلَّ دبر الصلاة» (¬1). فقالوا: إن المحرم إذا سلم من ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 285)؛ والترمذي (819)؛ والنسائي (5/ 162) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

الصلاة، ولم يحل التحلل الأول فإنه يسن له أن يلبي تلبية مقيدة دبر الصلاة، ويحل من التحلل الأول ضحى يوم النحر، ولهذا قالوا: التكبير للمحرم من ظهر يوم النحر؛ لأنه إلى فجر يوم النحر وهو لم يحل؛ إذ إن المحرم لا يحل إلا إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد، وحلق أو قصر، فإذا رمى جمرة العقبة انقطعت التلبية. وحينئذ إذا صلى الظهر يوم النحر على كلام المؤلف: يبتدئ التكبير المقيد؛ لأن التلبية انتهت. فالتكبير باعتبار التقييد والإطلاق على المذهب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما فيه تكبير مطلق فقط. الثاني: ما فيه تكبير مقيد فقط. الثالث: ما اجتمع فيه الأمران المقيد والمطلق. فالتكبير المطلق: في عيد الفطر، وفي عيد الأضحى في عشر ذي الحجة إلى أن ينتهي الإمام من خطبته. ويجتمع المقيد والمطلق من فجر يوم عرفة إلى أن تنتهي خطبة صلاة العيد يوم النحر. والتكبير المقيد: من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق. والصحيح في هذه المسألة: أن التكبير المطلق في عيد الأضحى ينتهي بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق،

وعلى هذا فيكون فيه مطلق ومقيد من فجر يوم عرفة إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، والدليل على ذلك: 1 ـ قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] والأيام المعدودات هي أيام التشريق. 2 ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله» (¬1)، ولم يقيده بأدبار الصلوات بل قال: «وذكر لله» فأطلق. 3 ـ أن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يكبّر في منى بقبته فيكبّر الناس بتكبيره حتى ترتج منى تكبيراً، وكان ابن عمر يكبّر بمنى تلك الأيام (¬2). فالصواب أن أيام التشريق ويوم النحر فيها ذكر مطلق، كما أن فيها ذكراً مقيداً. وعلى هذا فالتكبير ينقسم إلى قسمين فقط: 1 ـ مطلق. 2 ـ مطلق ومقيد. فالمطلق: ليلة عيد الفطر، وعشر ذي الحجة إلى فجر يوم عرفة. والمطلق والمقيد: من فجر يوم عرفة إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1141) عن نبيشة رضي الله عنه. (¬2) علّقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة. «الفتح» (2/ 534).

وإن نسيه قضاه ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد

وإن نَسِيَهُ قَضَاهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ، أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ .......... قوله: «وإن نسيه قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد» وقوله: «نسيه» أي التكبير المقيد، فالضمير هنا يعود على بعض مرجعه؛ لأن مرجعه يعود على التكبير، لكن المراد بعض التكبير وهو المقيد، أي: إن نسي التكبير المقيد بعد الصلاة قضاه، فلو أنه لما سلم من صلاته استغفر، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام» وسبّح ناسياً التكبير، فنقول: يقضيه إلا في ثلاث أحوال: 1 ـ ما لم يحدث. 2 ـ أن يخرج من المسجد. 3 ـ أن يطول الفصل. فإذا أحدث لا يقضيه، فلو سلم ثم أحدث بعد السلام مباشرة ثم ذكر التكبير فلا يقضيه الآن؛ لأن الحدث يمنع من بناء الصلاة بعضها على بعض، فيمنع من بناء ما كان تابعاً لها عليها. والصحيح أنه لا يسقط بالحدث، والفرق بينه وبين الصلاة أن الصلاة يشترط لها الطهارة، وأما الذكر فلا تشترط له الطهارة، بل نقول: اقضه ولو أحدثت، إلا إذا طال الفصل، فإن لم يطل الفصل فاقضه. وكذا إذا خرج من المسجد، فإنه لا يقضيه، وعللوا ذلك بأنه سنّة فات محلها، وهذا أيضاً فيه نظر. والصحيح أنه إذا خرج من المسجد، فإن كان بعد طول مكث، فإنه يسقط لا بخروجه، ولكن بطول المكث، وإن خرج سريعاً فإنه لا يسقط فيكبر؛ لأنه إذا كانت الصلاة لو سلم منها

ولا يسن عقب صلاة عيد، وصفته شفعا: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد»

ناسياً وخرج من المسجد وذكر قريباً رجع وأتم صلاته فبنى بعضها على بعض مع الخروج من المسجد، فهذا من باب أولى. فالقول الراجح أن هذا التكبير المقيد يسقط بطول الفصل لا بخروجه من المسجد، ولا بحدثه؛ لأنها سنّة مشروعة عقب الصلاة، وقد فاتت بفوات وقتها، ولأنه إذا طال الفصل لم يكن مقيداً بالصلاة. وَلاَ يُسَنُّ عَقِبَ صَلاَةِ عِيدٍ، وَصِفَتُهُ شَفْعاً: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ». قوله: «ولا يسن عقب صلاة عيد» الضمير يعود على التكبير المقيد؛ لأننا نتكلم عن المقيد، فلو صلى العيد، وقال: أريد أن أكبِّر، قلنا: لا تكبر؛ لأنه إذا سلم الإمام من صلاة العيد قام إلى الخطبة وتفرغ الناس للاستماع والإنصات، ولا يكبرون. ودليل هذا: أنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا عن أصحابه أنهم كانوا يكبرون عقب صلاة العيد، وما لم يرد عن الشارع من العبادات، فالأصل فيه المنع؛ لأن العبادة لا بد من العلم بأنها مشروعة. قوله: «وصفته شَفْعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». قوله: «صفته» الضمير يعود على التكبير. وقوله: «شفعاً»، أي: الله أكبر مرتين، والثانية مرتين، وتختم الأولى بالإخلاص، والثانية بالحمد. وهذه المسألة ـ أي: صفة التكبير ـ فيها أقوال ثلاثة لأهل العلم:

الأول: أنه شفع كما قال المؤلف: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». وعللوا ذلك أنه بـ «لا إله إلا الله» يختم بوتر، وكذلك إذا قال: «ولله الحمد». الثاني: أنه وتر، «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». وعللوا ذلك بأن يكون تكبيره وتراً، فيوتر التكبير في المرة الأولى والثانية بناء على أن كل جملة منفردة عن الأخرى، ولا يصح أن يقال: إن الوتر حصل بقوله: «لا إله إلا الله» أو بقوله: «ولله الحمد»؛ لأنه من غير جنس التكبير، أو يقال: إن النوع مختلف. الثالث: أنه وتر في الأولى، شفع في الثانية، «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». وعللوا أن التكبير جنس واحد، والجملتان بمنزلة جملة واحدة، فإذا كبّر ثلاثاً واثنتين صارت خمساً وتراً، فيكون الإيتار بالتكبير بناء على أن الجملتين واحدة. وهذا القول والذي قبله من حيث التعليل أقوى من قول من يقول: إنه يكبر مرتين مرتين؛ لأننا إذا اعتبرنا أن كل جملة منفصلة عن الأخرى صار الإيتار في الثنتين أولى، وإن اعتبرنا أن الجملتين واحدة صار الإيتار في الأولى والشفع في الثانية هو الذي ينقطع به التكبير على وتر.

والمسألة ليس فيها نص يفصل بين المتنازعين من أهل العلم، وإذا كان كذلك فالأمر فيه سعة، إن شئت فكبر شفعاً، وإن شئت فكبر وتراً، وإن شئت وتراً في الأولى وشفعاً في الثانية. مسألة: قال في الروض: «ولا بأس بقوله لغيره: تقبّل الله منا ومنك كالجواب»، أي: في العيد، لا بأس أن يقول لغيره: تقبّل الله منّا ومنك، أو عيد مبارك، أو تقبّل الله صيامك وقيامك، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا ورد من فعل بعض الصحابة (¬1) ـ رضي الله عنهم ـ وليس فيه محذور. قال: «وكذلك لا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار؛ لأنه ذكر ودعاء، وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث» (¬2). والتعريف عشية عرفة بالأمصار أنهم يجتمعون آخر النهار في المساجد على الذكر والدعاء تشبهاً بأهل عرفة. والصحيح أن هذا فيه بأس وأنه من البدع، وهذا إن صح عن ابن عباس فلعله على نطاق ضيق مع أهله وهو صائم في ذلك ¬

_ (¬1) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» كما في «مجمع الزوائد» (2/ 209)؛ والبيهقي في «سننه» (3/ 319) عن واثلة بن الأسقع، وقال ابن التركماني في «الجوهر النقي على سنن البيهقي»: «وفي الباب حديث جيد أغفله البيهقي، وهو حديث محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فكانوا إذا رجعوا يقول بعضهم لبعض: «تقبل الله منا ومنك»، قال أحمد بن حنبل: إسناده جيد» اهـ. (¬2) فعل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أخرجه البيهقي في «سننه» (5/ 118)، أما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (4/ 1/310 الجزء الملحق).

اليوم، ودعاء الصائم حري بالإجابة، فلعله جمع أهله ودعا عند غروب الشمس، وأما أن يفعل بالمساجد ويظهر ويعلن، فلا شك أن هذا من البدع؛ لأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه، أي: الصحابة، ولكان هذا مما تتوافر الدواعي على نقله. والعبادة لا يصح أن يقال فيها: لا بأس بها؛ لأنها إما سنّة فتكون مطلوبة، وإما بدعة فيكون فيها بأس. أمَّا أنْ تكون عبادة لا بأس بها، فهذا محل نظر.

باب صلاة الكسوف

باب صلاة الكسوف قوله: «باب صلاة الكسوف» العلماء يعبرون بكتاب، وباب، وفصل، ولكل واحد منها اصطلاح. فإذا كان الكلام جنساً واحداً عبروا بكتاب. وإذا كان الكلام نوعاً من جنس عبروا بباب. وإذا كانت مسائل من باب واحد عبروا بفصل. فإذا كان الموضوع الطهارة، والصلاة ... ، يعبر بكتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب الحج لأن كل واحد جنس. وإذا كان الموضوع باب الوضوء، أو باب الغسل، أو باب التيمم، أو باب الحيض، أو باب إزالة النجاسة، فهذا يعبر عنه بباب؛ لأن الجنس واحد وهو الطهارة، والنوع مختلف لأن هذا وضوء، وهذا غسل، وهذا حيض، وهذه نجاسة. وإذا كان نوع الموضوع واحداً لكنه مسائل مختلفة، فيعبر بالفصل. فمثلاً: الغسل تحته مسائل مختلفة يقال: فصل: موجبات الغسل، ثم يقال: فصل: وصفة الغسل، فصل: والأغسال المستحبة ... وهكذا، هذا هو المعروف من اصطلاح العلماء. وهنا قال: باب صلاة الكسوف، ولم يقل: كتاب صلاة

الكسوف؛ لأن هذا نوع من الصلاة، فالصلاة جنس، وهذا نوع. وقوله: «صلاة الكسوف» من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي باب الصلاة التي سببها الكسوف. والكسوف والخسوف بمعنى واحد، يقال: كسفت الشمس، وخسفت، وكسف القمر وخسف. وقال بعضهم: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان فقيل: كسوف وخسوف، أما إذا انفردت كل واحدة عن الأخرى فهما بمعنى واحد، ولهذا نظائر في اللغة العربية. والكسوف عرّفه الفقهاء بقولهم: ذهاب ضوء أحد النيرين أو بعضه. والحقيقة أنه لا يذهب، وإنما ينحجب، ولهذا نقول: التعبير الدقيق للكسوف: «انحجاب ضوء أحد النيرين»، أي: الشمس أو القمر «بسبب غير معتاد». فسبب كسوف الشمس أن القمر يحول بينها وبين الأرض فيحجبها عن الأرض، إما كلها أو بعضها، لكن لا يمكن أن يحجب القمرُ الشمسَ عن جميع الأرض؛ لأنه أصغر منها، حتى لو كسفها عن بقعة على قدر مساحة القمر لم يحجبها عن البقعة الأخرى؛ لأنها أرفع منه بكثير، ولذلك لا يمكن أن يكون الكسوف كلياً في الشمس في جميع أقطار الدنيا أبداً، إنما يكون في موضع معين، مساحته بقدر مساحة القمر. وإذا قلنا بهذا القول المحقق المتيقن: إنَّ سبب كسوف

الشمس هو حيلولة القمر بينها وبين الأرض تبيّن أنه لا يمكن الكسوف في اليوم السابع أو الثامن أو التاسع أو العاشر لبعد القمر عن الشمس في هذه الأيام، إنما يقرب منها في آخر الشهر. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: لا يمكن أن تكسف الشمس إلا في التاسع والعشرين أو الثلاثين أو آخر الثامن والعشرين؛ لأنه هو الذي يمكن أن يكون القمر فيه قريباً من الشمس فيحول بينها وبين الأرض. كذلك القمر سبب كسوفه حيلولة الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس كالمرآة أمام القنديل. فالمرآة أمام القنديل يكون فيها إضاءة نور، لكن لو أطفأت القنديل أصبحت ظلمة، ولهذا سمى الله القمر نوراً، فقال عزّ وجل: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا *} [الفرقان]، وقال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا *} [نوح]، وعلى هذا التقدير الواقعي لا يمكن أن يكسف القمر في الليلة العاشرة، أو الثامنة، أو التاسعة، أو الحادية عشرة، أو السابعة عشرة، أو العشرين، أو الخامسة والعشرين، أو السابعة والعشرين، فلا يمكن أن يكسف إلا في ليالي الإبدار أي: الرابعة عشرة، والخامسة عشرة؛ لأنها هي الليالي التي يمكن أن تحول الأرض بينه وبين الشمس؛ لأنه في جهة والشمس في جهة، فهو في جهة الشرق، والشمس في جهة الغرب فيمكن أن تحول الأرض بينهما وحينئذٍ ينكسف القمر، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ

مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً *} [الإسراء]. فالشمس منيرة مبصرة بنفسها، وآية الليل القمر ممحو ليس فيه نور. إذاً هذا هو سبب كسوف الشمس والقمر، وبه نعرف أنه لا يصح التعبير بقولنا: ذهاب ضوء الشمس. لكن يمكن أن يصح التعبير في هذا بالنسبة للقمر؛ لأنه إذا حالت الأرض بينه وبين الشمس ذهب نوره؛ لأن أصله جرم مظلم امّحى النور الذي فيه. ويمكن أن نوجه كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ بأنه ذهاب ضوء أحد النيرين، باعتبار الرؤية، أي: رؤية الناس؛ لأن الناس لا يرون الحاجز بين جرم الشمس أو جرم القمر وهم في الأرض، بخلاف ما لو انحجب ضوؤهما بغمام أو سحاب، فهو معروف. هذا السبب الذي ذكرته هو السبب الحسي. لكن هناك سبب شرعي لا يعلم إلا عن طريق الوحي، ويجهله أكثر الفلكيين ومن سار على منهاجهم. والسبب الشرعي هو تخويف الله لعباده، كما ثبت ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يخوف الله بهما عباده» (¬1)؛ ولهذا أمرنا بالصلاة والدعاء والذكر وغير ذلك كما سيأتي إن شاء الله. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1048)؛ ومسلم (911).

فهذا السبب الشرعي هو الذي يفيد العباد؛ ليرجعوا إلى الله، أما السبب الحسي فليس ذا فائدة كبيرة، ولهذا لم يبينه النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولو كان فيه فائدة كبيرة للناس لبيّنه عن طريق الوحي؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يعلم سبب الكسوف الحسي، ولكن لا حاجة لنا به، ومثل هذه الأمور الحسية يكل الله أمر معرفتها إلى الناس، وإلى تجاربهم حتى يدركوا ما أودع الله في هذا الكون من الآيات الباهرة بأنفسهم. أما الأسباب الشرعية، أو الأمور الشرعية التي لا يمكن أن تدركها العقول ولا الحواس، فهي التي يبيّنها الله للعباد. فإن قال قائل: كيف يجتمع السبب الحسي والشرعي، ويكون الحسي معلوماً معروفاً للناس قبل أن يقع، والشرعي معلوم بطريق الوحي، فكيف يمكن أن نجمع بينهما؟ فالجواب: أن لا تنافي بينهما؛ لأن الأمور العظيمة كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يحس الناس بضررها، وأنها عقوبة، لها أسباب طبيعية، يقدرها الله حتى تكون المسببات، وتكون الحكمة من ذلك هي تخويف العباد، فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، والعواصف لها أسباب، لكن يقدر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله. قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *} [الروم]، ولكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس

أصحاب ظواهر لا يعتبرون إلا بالشيء الظاهر، ولهذا تجد الكسوف والخسوف لما علم الناس أسبابهما الحسية ضعف أمرهما في قلوب الناس حتى كأنه صار أمراً عادياً، ونحن نذكر قبل أن نعلم بهذه الأمور أنه إذا حصل الكسوف رعب الناس رعباً شديداً، وصاروا يبكون بكاءً شديداً، ويذهبون إلى المساجد خائفين مذعورين، كما وقع ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام لما كسفت الشمس أول مرة في عهده وكان ذلك بعد أن ارتفعت بمقدار رمح بعد طلوعها وأظلمت الدنيا، ففزع الناس، وفزع النبي عليه الصلاة والسلام فزعاً عظيماً حتى إنه أدرك بردائه (¬1)، أي: من شدة فزعه قام بالإزار قاصداً المسجد حتى تبعوه بالرداء، فارتدى به، وجعل يجره، أي: لم يستقر ليوازن الرداء من شدة فزعه، وأمر أن ينادى الصلاة جامعة (¬2)؛ من أجل أن يجتمع الناس كلهم. فاجتمعت الأمة من رجال ونساء، وصلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام صلاة لا نظير لها؛ لأنها لآية لا نظير لها. آية شرعية لآية كونية، أطال فيها إطالة عظيمة، حتى إن بعض الصحابة ـ مع نشاطهم وقوتهم ورغبتهم في الخير ـ تعبوا تعباً شديداً من طول قيامه عليه الصلاة والسلام، وركع ركوعاً طويلاً، وكذلك السجود، فصلى صلاة عظيمة، والناس يبكون يفزعون إلى الله، وعرضت على النبي عليه الصلاة والسلام الجنة ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (906) عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه البخاري (1045)، ومسلم (910) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

والنار في هذا المقام، يقول: «فلم أرَ يوماً قط أفظع من هذا اليوم» (¬1)؛ حيث عرضت النار عليه حتى صارت قريبة فتنحى عنها، أي: رجع القهقهرى خوفاً من لفحها (¬2)، سبحان الله! فالأمر عظيم! أمر الكسوف ليس بالأمر الهين، كما يتصوره الناس اليوم، وكما يصوره أعداء المسلمين حتى تبقى قلوب المسلمين كالحجارة، أو أشد قسوة والعياذ بالله. يكسف القمر أو الشمس والناس في دنياهم، فالأغاني تسمع، وكل شيء على ما هو عليه لا تجد إلا الشباب المقبل على دين الله أو بعض الشيوخ والعجائز، وإلا فالناس سادرون لاهون، ولهذا لا يتعظ الناس بهذا الكسوف لا بالشمس ولا بالقمر مع أنه أمر هام، ويجب الاهتمام به. مسألة: هل من الأفضل أن يخبر الناس به قبل أن يقع؟ الجواب: لا شك أن إتيانه بغتة أشد وقعاً في النفوس، وإذا تحدث الناس عنه قبل وقوعه، وتروضت النفوس له، واستعدت له صار كأنه أمر طبيعي، كأنها صلاة عيد يجتمع الناس لها. ولهذا لا تجد في الإخبار به فائدة إطلاقاً بل هو إلى المضرة أقرب منه إلى الفائدة. ولو قال قائل: ألا نخبر الناس ليستعدوا لهذا الشيء؟ فالجواب: نقول: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، بل إذا وقع ورأيناه بأعيننا فحينئذٍ نفعل ما أمرنا به. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1052)؛ ومسلم (907) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه مسلم (904) عن جابر رضي الله عنه.

تسن جماعة، وفرادى

مسألة: إذا قال الفلكيون: إنه سيقع كسوف أو خسوف فلا نصلي حتى نراه رؤية عادية؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا رأيتم ذلك فصلوا» (¬1)، أما إذا منّ الله علينا بأن صار لا يرى في بلدنا إلا بمكبر أو نظارات فلا نصلي. تُسَنُّ جَمَاعَةً، وَفُرَادَى .......... قوله: «تسن جماعة، وفرادى»، صلاة الكسوف مشروعة بالسنة والإجماع، وقال بعض العلماء: إنها مشروعة بالكتاب أيضاً، واستنبطها من قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37]، وقال: إن الناس لا يسجدون للشمس ولا للقمر وهما على مجراهما الطبيعي العادي، وإنما يسجدون لهما إذا حصل منهما هذا الكسوف خوفاً منهما، فأمر الله ـ عز وجل ـ أن يكون السجود له. وهذا الاستنباط وإن كان له شيءٌ من الوجاهة، لكن لولا ثبوت السنة لم نعتمد عليه. وأفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «تسن» أن صلاة الكسوف سنة ليست فرض عين، ولا فرض كفاية، وأن الناس لو تركوها لم يأثموا؛ لأن السنة عند الفقهاء هي: ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه. وقد جزم المؤلف ـ رحمه الله ـ بهذا، وهو المشهور عند العلماء. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1058)؛ ومسلم (901) عن عائشة رضي الله عنها.

وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم ذلك فصلوا». قال ابن القيم في كتاب «الصلاة»: وهو قول قوي (¬1)، أي: القول بالوجوب، وصدق ـ رحمه الله ـ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بها وخرج فزعاً، وقال: إنها تخويف، وخطب خطبة عظيمة، وعُرضت عليه الجنة والنار، وكل هذه القرائن العظيمة تشعر بوجوبها؛ لأنها قرائن عظيمة، ولو قلنا: إنها ليست بواجبة، وإن الناس مع وجود الكسوف إذا تركوها مع هذا الأمر من النبي عليه الصلاة والسلام والتأكيد فلا إثم عليهم لكان في هذا شيء من النظر، كيف يكون تخويفاً ثم لا نبالي وكأنه أمر عادي؟ أين الخوف؟ التخويف يستدعي خوفاً، والخوف يستدعي امتثالاً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. واستدل الذين قالوا بأنها سنة بما يلي: 1 ـ الحديث المشهور في قصة الذي جاء يسأل عن الإسلام؛ وذكر له النبي صلّى الله عليه وسلّم الصلوات الخمس، قال: «هل عليَّ غيرها؟»، قال: «لا إلا أن تطوع» (¬2). 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعث معاذاً إلى اليمن في آخر حياته في السنة العاشرة، وقال: «أخبرهم بأن الله فرض عليهم خمس صلوات» (¬3)، ولم يذكر سواها. ¬

_ (¬1) ص (15). (¬2) أخرجه البخاري (2678)؛ ومسلم (11) عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. (¬3) سبق تخريجه ص (9).

قالوا: هذان الحديثان، وأمثالهما يدلان على أن الأمر بالصلاة في الكسوف للاستحباب، وليس للوجوب. والذين قالوا بالوجوب قالوا: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر الصلوات الخمس؛ لأنها اليومية التي تتكرر في كل زمان وفي كل مكان، أما صلاة الكسوف، وتحية المسجد على القول بالوجوب، وما أشبه ذلك، فإنها تجب بأسبابها، وما وجب بسبب فإنه ليس كالواجب المطلق. قالوا: ولهذا لو نذر الإنسان أن يصلي ركعتين لوجب عليه أن يصلي مع أنها ليست من الصلوات الخمس، لكن وجبت بسبب نذره، فما وجب بسبب ليس كالذي يجب مطلقاً. وهذا القول قوي جداً، ولا أرى أنه يسوغ أن يرى الناس كسوف الشمس أو القمر ثم لا يبالون به، كل في تجارته، كل في لهوه، كل في مزرعته، فهذا شيء يخشى أن تنزل بسببه العقوبة التي أنذرنا الله إياها بهذا الكسوف. فالقول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب. وإذا قلنا بالوجوب؛ الظاهر أنه على الكفاية. وقوله: «جماعة وفرادى»، أي: تسن جماعة، وتسن فرادى. أي: أن الجماعة ليست شرطاً لها، بل يسن للناس في البيوت أن يصلوها. ودليل ذلك: عموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم ذلك

إذا كسف أحد النيرين ركعتين يقرأ في الأولى جهرا

فصلوا» (¬1)، فهذا عام، ولم يقل النبي صلّى الله عليه وسلّم: فصلوا في مساجدكم، مثلاً، فدل ذلك على أنه يؤمر بها حتى الفرد، ولكن لا شك أن اجتماع الناس أولى، بل الأفضل أن يصلوها في الجوامع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلاها في مسجد واحد ودعا الناس إليها، ولأن الكثرة في الغالب تكون أدعى للخشوع وحضور القلب، ولأنها ـ أي: الكثرة ـ أقرب إلى إجابة الدعاء. فهي تسن في المساجد والبيوت، لكن الأفضل في المساجد، وفي الجوامع أفضل. إِذَا كَسَفَ أَحَدُ النَّيِّرين رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الأُْولَى جَهْراً .......... وقوله: «إذا كسف أحد النيرين»، «إذا»: ظرف متعلقة بـ «تسن» أي: تسن إذا كسف أحد النيرين وهما: الشمس والقمر. قوله: «ركعتين يقرأ في الأولى جهراً ... »، بيَّن المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذه الجملة صفة صلاة الكسوف، وأنها تصلى ركعتين بلا زيادة، لكن هاتين الركعتين كل واحدة فيها ركوعان. وقوله: «ركعتين» منصوب على الحالية، وهذا من المواضع التي تأتي فيها الحال جامدة مؤولة بالمشتق، أي: تسنّ حال كونها ركعتين. وقوله: «يقرأ في الأولى جهراً» أطلق قوله: «جهراً» ولم يقل: في الليل، فدل هذا على أن السنّة في صلاة الكسوف الجهر سواء في الليل أو في النهار، وهو كذلك لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جهر في صلاة الخسوف ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (180).

بعد الفاتحة سورة طويلة، ثم يركع طويلا ثم يرفع

بقراءته» (¬1)، وهي مبنية أيضاً على القاعدة التي سبقت لنا: (أن الصلاة الجهرية في النهار إنما تكون فيما يجتمع الناس عليه). بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورةً طَوِيلَةً، ثُمَّ يَرْكَعُ طَوِيلاً ثُمَّ يَرْفَعُ، ............ قوله: «بعد الفاتحة سورة طويلة» لم يعيّن، سورة البقرة، أو آل عمران، أو النساء، فالمهم أن تكون سورة طويلة؛ لأن الذي جاء في الحديث أنها طويلة (¬2) أي: يختار أطول ما يكون، وقد سبق أن بعض الصحابة كان يسقط مغشياً عليه من طول القيام (¬3). قوله: «ثم يركع طويلاً» أي: من غير تقدير، المهم أن يكون طويلاً. وقال بعض العلماء: يكون بقدر نصف قراءته أي: الركوع يكون نصف القيام، ولكن الصحيح: أنه بدون تقدير، فيطيل بقدر الإمكان. فإن قال قائل: طول القيام فهمنا ما يفعل فيه وهو القراءة، لكن إذا أطال الركوع فماذا يصنع؟ فالجواب: يكرر التسبيح «سبحان ربي العظيم»، «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»، لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» (¬4)، فكل ما حصل من تعظيم في الركوع فهذا هو المشروع. قوله: «ثم يرفع»، أي: ثم يرفع رأسه من الركوع. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1065)؛ ومسلم (901) (5). (¬2) سبق تخريجه ص (180). (¬3) كما في حديث جابر، وقد سبق تخريجه. (¬4) سبق تخريجه (3/ 87).

ويسمع، ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل وهو دون الأول، ثم يرفع

وَيُسَمِّعُ، وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً طَوِيلَةً دُونَ الأُْولى، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ وَهُوَ دُونَ الأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ......... قوله: «ويسمع»، أي: يقول: سمع الله لمن حمده. قوله: «ويحمد»، أي: يقول: ربنا ولك الحمد، بعد أن يعتدل كسائر الصلوات. قوله: «ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى»، ومن هنا جاءت الغرابة في هذه الصلاة؛ لأن غيرها من الصلوات لا تقرأ الفاتحة بعد الركوع، بل الذي بعد الركوع هو السجود، أما هذه الصلاة فيقرأ الفاتحة، وسورة طويلة. لكن هل هي دون الأولى بكثير أو بقليل؟ الجواب: جاء في الحديث «دون الأولى» (¬1)، فينظر إلى هذا الدون. والظاهر: أنه ليس دونها بكثير، لكنه دون يتميّز به القيام الأول عن القيام الثاني. قوله: «ثم يركع فيطيل، وهو دون الأول»، ونقول هنا في قوله: «دون الأول» كما قلنا في القراءة. قوله: «ثم يرفع» أي: ويسمع ويحمد. وظاهر كلام المؤلف: أنه في الرفع الذي يليه السجود لا يطيل القيام، بل يكون كالصلاة العادية، ولكن هذا الظاهر فيه نظر، والصحيح: أنه يطيل هذا القيام بحيث يكون قريباً من الركوع؛ لأن هذه عادة النبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاته، قال البراء بن عازب ¬

_ (¬1) سبق تخريجه من حديث عائشة ص (180).

ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعل ثم يتشهد ويسلم

ـ رضي الله عنه ـ: «رمقت صلاة النبي عليه الصلاة والسلام فرأيت قيامه، وقعوده، وركوعه، وسجوده قريباً من السواء» (¬1)، والمراد بقيامه هنا قيامه بعد الركوع؛ لأن قيام القراءة أطول بكثير من الركوع، ولأجل تناسب الصلاة. ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالأُْولَى لَكِنْ دُونَهَا فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، ........... قوله: «ثم يسجد سجدتين طويلتين»، أي: بقدر الركوع. وظاهر كلامه: أنه لا يطيل الجلوس بينهما؛ لأنه لو أراد إطالة الجلوس بينهما لنبّه عليه، فكونه يقول: «يسجد سجدتين» ويسكت عن الجلوس بينهما، كأنه يقول: والجلوس بينهما معروف، وأنه جلوسٌ لا إطالة فيه. والصواب: أنه يطيل الجلوس بقدر السجود. قوله: «ثم يصلي الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفعل» أي: من القراءة والركوع، والقيام بعده، والسجود، فالثانية تكون دون الأولى. ولكن هل معناه أن القيام الأول في الثانية كالقيام الثاني في الأولى، والقيام الثاني في الثانية دون ذلك، أو معناه: أن كل ركعة وركوع دون الذي قبله؟ الجواب: أن السنّة ليس فيها ما يدل لهذا ولا لهذا. فليس لدينا دليل واضح في هذه المسألة، فيحتمل أن القيام الأول في الثانية كالقيام الثاني في الأولى، وهو إذا جعل القيام ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (180).

الثاني في الثانية دون القيام الأول صارت الركعة الثانية دون الأولى. لكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن كل قيام وركوع وسجود دون الذي قبله. ونضرب لهذا مثلاً: قرأ في القيام الأول من الأولى مائة آية، وفي الثاني ثمانين آية، وفي القيام الأول من الركعة الثانية هل يقرأ ثمانين آية، وفي القيام الثاني ستين آية، أو يقرأ في القيام الأول في الركعة الثانية ستين آية، وفي القيام الثاني أربعين آية؟ الجواب: هذا هو محل التردد والاحتمال، والذي يظهر الثاني، أي: أنه يجعل قراءته في القيام الأول من الركعة الثانية دون قراءته في القيام الثاني من الركعة الأولى؛ لتكون الصلاة بالتنزل كل ركعة دون التي قبلها. وفي هذا من الحكمة مراعاة حال المصلي؛ لأن المصلي أول ما يدخل في الصلاة يكون عنده نشاط وقوة، ثم مع الاستمرار يضعف؛ فلهذا روعيت حاله، فكان القيام الأول أطول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع. قوله: «ثم يتشهد ويسلم»، أي: كغيرها من الصلوات، وبهذا انتهت هذه الصلاة. وهذه الصفة اتفق عليها البخاري ومسلم (¬1)، أي: أنه يصلي ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (180).

ركعتين، في كل ركعة ركوعان وسجودان صح ذلك عن عائشة وغيرها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكن تكون الصلاة طويلة. وظاهر كلامه: أنه لا يشرع لها خطبة؛ لأنه لم يذكرها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. وقال بعض العلماء: بل يشرع بعدها خطبتان؛ لأنها صلاة رهبة فشرع لها خطبتان كالاستسقاء، ولكن هذا قياس غير صحيح؛ لأن الاستسقاء ليس فيه إلا خطبة واحدة، إلا على قول بعض العلماء الذي قال: إنها كصلاة العيد، وسيأتي إن شاء الله، ولا يصح قياسها على صلاة العيدين؛ لأن صلاة العيدين صلاة فرح وسرور. وقال بعض العلماء: يسنّ لها خطبة واحدة، وهذا مذهب الشافعي، وهو الصحيح. وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما انتهى من صلاة الكسوف «قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ثم وعظ الناس» (¬1). وهذه الصفات صفات الخطبة. وقولهم: إن هذه موعظة؛ لأنها عارضة. نقول: نعم، لو وقع الكسوف في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم مرة أخرى، ولم يخطب لقلنا: إنها ليست بسنة، لكنه لم يقع إلا مرة واحدة، وجاء بعدها هذه الخطبة العظيمة التي خطبها وهو قائم، وحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، ثم إن هذه المناسبة للخطبة مناسبة قوية من أجل تذكير الناس وترقيق قلوبهم، وتنبيههم على هذا الحدث الجلل العظيم. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1053)؛ ومسلم (905) عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.

فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة

فَإِنْ تَجَلَّى الكُسُوفُ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً ............ قوله: «فإن تجلى الكسوف فيها» أي: كسوف الشمس، أو القمر؛ لأنَّ الكسوف عند الإطلاق يشمل الشمس والقمر، أما إذا اقترنا فالكسوف للشمس والخسوف للقمر. وقوله: «فيها» أي: في الصلاة. ويعلم التجلي بالرؤية، فإن كان في النهار فالأمر واضح، وإن كان في الليل فكذلك، وإن كان تحت السقف فبالخبر. قوله: «أتمها خفيفة»، ظاهر كلامه: حتى لو كانت خفة الركعة الثانية بالنسبة للأولى بعيدة جداً؛ فمثلاً: الركعة الأولى استغرقت نصف ساعة، والثانية إذا أتمها خفيفة تستغرق خمس دقائق. فظاهر كلامه: أن الأمر يكون كذلك، وحينئذٍ تكون الصلاة وكأنها صلاة جذماء مقطوعة بعض الأعضاء. وحجتهم في هذا: 1 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلوا حتى ينكشف ما بكم» (¬1)، و «حتى» للغاية. وهذا الحديث كما يمنع ابتداء الصلاة مرة أخرى يمنع أيضاً الاستمرار فيها واستدامتها. 2 ـ أن السبب الذي من أجله شرعت الصلاة قد زال. مسائل: الأولى: لو حصل كسوف ثم تلبدت السماء بالغيوم فهل نعمل بقول علماء الفلك بالنسبة لوقت التجلي؟ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1060)؛ ومسلم (915) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

وإن غابت الشمس كاسفة

الجواب: نعمل بقولهم؛ لأنه ثبت بالتجارب أن قولهم منضبط. الثانية: إذا لم يعلم بالكسوف إلا بعد زواله فلا يقضى؛ لأننا ذكرنا قاعدة مفيدة، وهي (أن كل عبادة مقرونة بسبب إذا زال السبب زالت مشروعيتها). فالكسوف مثلاً إذا تجلت الشمس، أو تجلى القمر، فإنها لا تعاد؛ لأنها مطلوبة لسبب وقد زال. ويعبر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ عن هذه القاعدة بقولهم: (سنة فات محلها). الثالثة: إذا شرع في صلاة الكسوف قبل دخول وقت الفريضة ثم دخل وقت الفريضة، فماذا يفعل؟ الجواب: إن ضاق وقت الفريضة وجب عليه التخفيف؛ ليصليها في الوقت، وإن اتسع الوقت فيستمر في صلاة الكسوف. وَإِنْ غَابَت الشَّمْسُ كَاسِفَةً، .......... قوله: «وإن غابت الشمس كاسفة»، إذا غابت الشمس كاسفة، فإنه لا يصلى؛ لأنها لما غابت ذهب سلطانها، وكونها كاسفة أو غير كاسفة بالنسبة لنا حين غابت لا يؤثر شيئاً، فلما زال سلطانها سقطت المطالبة بالصلاة لكسوفها. مسائل: الأولى: إذا كسفت في آخر النهار، فلا يصلى الكسوف بناء على أنها سنّة، وأن ذوات الأسباب لا تفعل في وقت النهي وهذا هو المذهب. ولكن الصحيح في هذه المسألة: أنه يصلى للكسوف بعد العصر، أي: لو كسفت الشمس بعد العصر فإننا نصلي؛ لعموم

قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم ذلك فصلوا» (¬1)، فيشمل كل وقت. فإن قال قائل: عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بعد العصر» (¬2) يشمل كل صلاة، فعندنا الآن عمومان، وهما: عموم النهي عن كل صلاة في زمن معين وهو العصر مثلاً، وعموم الأمر بصلاة الكسوف في كل وقت، ومثل هذا يسمى العام والخاص من وجه، فأيهما نقدم عموم النهي أو عموم الأمر؟ إذا قلنا: نقدم عموم الأمر، قيل: بل عموم النهي؛ لأنه أحوط، لأنك تقع في معصية. وذكر شيخ الإسلام قاعدة قال: (إذا كان أحد العمومين مخصصاً، فإن عمومه يضعف). أي: إذا دخله التخصيص صار ضعيفاً، فيقدم عليه العام الذي لم يخصص؛ لأن عمومه محفوظ، وعموم الأول الذي دخله التخصيص غير محفوظ، وهذا الذي قاله صحيح. بل إن بعض العلماء ـ رحمهم الله ـ قال: إن العام إذا خصّص صارت دلالتُهُ على العموم ذاتَ احتمال، فأي فرد من أفراد العموم يستطيع الخصم أن يقول: يحتمل أنه غير مراد، كما خصّص في هذه المسألة التي وقع فيها التخصيص. لكن الراجح: أن العام إذا خصص يبقى عاماً إلا في المسألة التي خصّص فيها فقط. فحديث الأمر بالصلاة عند رؤية الكسوف لم يخصّص، وحديث الصلاة بعد العصر مخصّص بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (180). (¬2) سبق تخريجه (4/ 111).

معهم، فإنها لكما نافلة» (¬1). فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ذكر هذا للرجلين اللذين تخلفا عن صلاة الفجر، ولا صلاة بعد صلاة الفجر. كذلك أيضاً مخصّص بركعتي الطواف، فإن الإنسان إذا طاف ولو بعد العصر يسنّ أن يصلي ركعتين. ومخصّص بقضاء الفريضة إذا نسيها، فمن نام عن صلاة أو نسيها، وذكرها ولو بعد العصر فإنه يصليها. فعموم النهي إذاً مخصّص بعدة مخصّصات، فيكون عمومه ضعيفاً، ويقدم حديث الأمر، ومن ثمَّ صار القول الراجح في هذه المسألة: أن كل صلاة لها سبب تصلى حيث وجد سببها، ولو في أوقات النهي، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد. الثانية: إذا شرع في صلاة الكسوف بعد العصر ثم غابت كاسفة فإنه يتمها خفيفة؛ لأنها إذا غابت فهي كما لو تجلى. الثالثة: إذا طلعت الشمس كاسفة فعلى المذهب لا يصلى إلا إذا ارتفعت قيد رمح، فإن تجلى قبل أن ترتفع قيد رمح سقطت، وعلى القول الصحيح تصلى مباشرة، فإذا تجلى قبل زوال وقت النهي أتمها خفيفة. الرابعة: لو لم نعلم بكسوفها إلا حين غروبها فلا نصلي، ونعلل: بأن سلطانها قد ذهب، فنحن الآن في الليل لا في النهار، وهي آية النهار. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (2/ 80).

أو طلعت والقمر خاسف، أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل

أَوْ طَلَعَتْ والقَمَرُ خَاسِفٌ، أَوْ كَانَتْ آيَةٌ غَيْرَ الزَّلْزَلَةِ لَمْ يُصَلِّ. قوله: «أو طلعت والقمر خاسف»، هل يمكن أن تطلع والقمر خاسف؟ الجواب: يمكن، ففي نصف الشهر: يكون القمر في الغرب، والشمس في الشرق فربما يكسف بعدما تطلع الشمس، وهذا شيء قد وقع. فإذا طلعت والقمر خاسف فإنه لا يصلي؛ لأنه ذهب سلطانه فإن سلطان القمر الليل، كما لو غابت الشمس، وهي كاسفة. مسألة: لو طلع الفجر وخسف القمر قبل طلوع الشمس هل يصلى؟ الجواب: قد نقول: إن مفهوم قوله: «أو طلعت والقمر خاسف» إنها تصلى، ولكن المشهور من المذهب أنها لا تصلى بعد طلوع الفجر إذا خسف القمر؛ لأنه وقت نهي. والصحيح: أنها تصلى إن كان القمر لولا الكسوف لأضاء، أما إن كان النهار قد انتشر، ولم يبق إلا القليل على طلوعٍ الشمس فهنا قد ذهب سلطانه، والناس لا ينتفعون به، سواء كان كاسفاً أو مبدراً. قوله: «أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل»، أي: إذا وُجدت آية تخويف كالصواعق، والرياح الشديدة، وبياض الليل، وسواد النهار، والحمم، وغير ذلك فإنه لا تصلى صلاة الكسوف إلا الزلزلة، فإنه إذا زلزلت الأرض فإنهم يصلون صلاة الكسوف حتى تتوقف. والمراد بالزلزلة: الزلزلة الدائمة. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة:

القول الأول: ما مشى عليه المؤلف أنه لا يصلى لأي آية تخويف إلا الزلزلة. وحجة هؤلاء أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كانت توجد في عهده الرياح العواصف، والأمطار الكثيرة، وغير ذلك مما يكون مخيفاً ولم يصل، وأما الزلزلة فدليلهم في ذلك أنه روي عن عبد الله بن عباس (¬1)، وعلي بن أبي طالب (¬2) ـ رضي الله عنهم ـ: أنهما كانا يصليان للزلزلة، فتكون حجة الصلاة في الزلزلة هي فعل الصحابة. القول الثاني: أنه لا يصلى إلا للشمس والقمر؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا رأيتموهما فصلوا»، ولا يصلى لغيرهما من آيات التخويف. وما يروى عن ابن عباس أو علي فإنه ـ إن صح ـ اجتهاد في مقابلة ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من ترك الصلاة للأشياء المُخيفة. القول الثالث: يصلى لكل آية تخويف. واستدلوا بما يلي: 1 ـ عموم العلة وهي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنهما آيتان من آيات الله يخوِّف الله بهما عباده»، قالوا: فكل آية يكون فيها التخويف، فإنه يصلى لها. ¬

_ (¬1) أثر ابن عباس رضي الله عنهما: «أنه صلّى في الزلزلة بالبصرة، فأطال القنوت، ثم ركع، ثم رفع رأسه، فأطال القنوت، ثم ركع، ثم رفع رأسه فأطال القنوت، ثم ركع، فسجد، ثم صلّى الثانية كذلك فصارت صلاته ست ركعات وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة الآيات». أخرجه عبد الرزاق (4929)؛ وابن أبي شيبة (2/ 472)؛ والبيهقي (3/ 343) وقال: «هو عن ابن عباس ثابت». (¬2) أخرجه البيهقي (3/ 343).

2 ـ أن الكربة التي تحصل في بعض الآيات أشد من الكربة التي تحصل في الكسوف. 3 ـ أن ما يروى عن ابن عباس وعلي (¬1) ـ رضي الله عنهم ـ يدل على أنه لا يقتصر في ذلك على الكسوف وأن كل شيء فيه التخويف فإنه يصلى له. 4 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» (¬2)، أي: إذا كربه وأهمه؛ وإن كان الحديث ضعيفاً لكنه مقتضى قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة: 45]. وأما ما ذكر من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كانت توجد في عهده العواصف، وقواصف الرعد، فإن هذا لا يدل على ما قلنا؛ لأنه قد تكون هذه رياحاً معتادة، والشيء المعتاد لا يخوِّفُ وإن كان شديداً، فمثلاً في أيام الصيف اعتاد الناس أن الرياح تهب بشدة وتكثر، ولا يعدُّون هذا شيئاً مخيفاً. صحيح أنه أحياناً قد توجد صواعق عظيمة متتابعة تخيف الناس، فهل الصواعق التي وقعت في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم كهذه؟ لا يستطيع أحد أن يثبت أن هناك صواعق في عهد النبي عليه الصلاة والسلام خرجت عن المعتاد، لكن لو وجدت صواعق عظيمة متتابعة، فإن الناس لا شك سيخافون، وفي هذه الحال يفزعون إلى ربهم ـ عز وجل ـ بالصلاة. وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، له قوة عظيمة. وهذا هو الراجح. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (194). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (5/ 388)؛ وأبو داود (1319).

وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع، أو خمس جاز

مسألة: فعلى القول بأنه يصلى لكل آية تخويف، فهل ذلك على سبيل الوجوب كالكسوف؟ الجواب: مقتضى القياس أن ذلك واجب، ولكن لا أظن أن ذلك يكون على سبيل الوجوب. وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلاَثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ جَازَ. قوله: «وإن أتى»، أي: المصلي. قوله: «في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز»، لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه صلى ثلاث ركوعات في ركعة واحدة»، أخرجه مسلم (¬1)، لكن هذه الرواية شاذة، ووجه شذوذها: أنها مخالفة لما اتفق عليه البخاري ومسلم من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلى صلاة الكسوف في كل ركعة ركوعان فقط» (¬2)، ومن المعلوم بالاتفاق أن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يصلِّ له إلا مرة واحدة فقط. وعلى هذا فالمحفوظ أنه صلّى في كل ركعة ركوعين، وما زاد على ذلك فهو شاذ؛ لأن الثقة مخالف فيها لمن هو أرجح. ولكن ثبت عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: «أنه صلّى في كل ركعة أربع ركوعات» (¬3)، وعلى هذا فيكون من سنّة الخلفاء الراشدين، وهذا ينبني على طول زمن الكسوف، فإذا علمنا أن زمن الكسوف سيطول فلا حرج من أن نصلي ثلاث ¬

_ (¬1) (904) (10) عن جابر رضي الله عنه. (¬2) سبق تخريجه ص (180). (¬3) أخرجه الإمام أحمد (1/ 143)؛ والبيهقي (3/ 330).

ركوعات في كل ركعة، أو أربع ركوعات، كما قال المؤلف، أو خمس ركوعات؛ لأن كل ذلك ورد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهو يرجع إلى زمن الكسوف إن طال زيدت الركوعات، وإن قصر فالاقتصار على ركوعين أولى. وإن اقتصر على ركوعين وأطال الصلاة إذا علم أن الكسوف سيطول فهو أولى وأفضل، والكلام في الجواز، أما الأفضل فلا شك أن الأفضل ما جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أنه يصلي ركوعين في كل ركعة. مسائل: الأولى: ما بعد الركوع الأول هل هو ركن أو لا؟ يقول العلماء: إنه سنّة وليس ركناً، وبناء على ذلك لو صلاها كما تصلى صلاة النافلة، في كل ركعة ركوع فلا بأس؛ لأن ما زاد على الركوع الأول سنة. الثانية: هل تدرك الركعة بالركوع الثاني؟ الجواب: لا تدرك به الركعة، وإنما تدرك الركعة بالركوع الأول، فعلى هذا لو دخل مسبوق مع الإِمام بعد أن رفع رأسه من الركوع الأول فإن هذه الركعة تعتبر قد فاتته فيقضيها. وقال بعض العلماء: إنه يعتد بها؛ لأنها ركوع. وفصل آخرون فقالوا: يعتد بها إن أتى الإمام بثلاث ركوعات؛ لأنه إذا أدرك الركوع الثاني وهي ثلاث ركوعات فقد أدرك معظم الركعة فيكون كمن أدركها كلها. والقول الصحيح الأول، لأن الركوع الأول هو الركن. الثالثة: لو انتهت الصلاة والكسوف باق، فهل تعاد الصلاة

أو لا؟ وإذا قلنا بالإعادة فهل تعاد كسائر النوافل، أو كصلاة الكسوف؟ والجواب: في هذا ثلاثة أقوال للعلماء: القول الأول: أنها لا تعاد. القول الثاني: أنها تعاد على صفتها. القول الثالث: أنها تعاد على صفة النوافل الأخرى، أي: ركعتين. فمن نظر لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «فصلوا حتى ينكشف ما بكم» قال: إن المشروع أن تصلى كسائر النوافل؛ لأن الصلاة الأولى انقضت وامتثل بها الأمر. ومن نظر إلى قوله: «فصلوا وادعوا .. » (¬1)، قال: إن الصلاة حصلت فيبقى الدعاء. وعمل الناس على أنها لا تعاد، وأنا لم يترجح عندي شيء لكني أفعل الثاني، وهو: عدم الإعادة. الرابعة: يسن النداء لصلاة الكسوف، ويقال: «الصلاة جامعة» مرتين أو ثلاثاً. بحيث يعلم أو يغلب على ظنه أن الناس قد سمعوا. وإذا قلنا بهذا فإنه يختلف بين الليل والنهار، ففي الليل قد يكون الناس نائمين يحتاجون لتكرار النداء، وفي النهار لا سيما مع هدوء الأصوات يمكن أن يكفيهم النداء مرتين أو ثلاثاً. ولا ينادى لغيرها من الصلوات بهذه الصيغة؛ لأن الصلوات الخمس ينادى لها بالأذان. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (189).

وقال بعض العلماء؛ وهو المذهب: إنه ينادى للاستسقاء، والعيدين «الصلاة جامعة». لكن هذا القول ليس بصحيح، ولا يصح قياسهما على الكسوف؛ لوجهين: الوجه الأول: أن الكسوف يقع بغتة، خصوصاً في الزمن الأول لما كان الناس لا يدرون عنه إلا إذا وقع. الوجه الثاني: أن الاستسقاء والعيدين لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلّم ينادي لهما؛ وكل شيء وجد سببه في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعله ففعله بدعة؛ لأنه ليس هناك مانع يمنع الرسول صلّى الله عليه وسلّم من النداء، ولو كان هذا السبب يشرع له النداء لأمر المنادي أن ينادي لها. فالصواب: أن العيدين والاستسقاء لا ينادى لهما. مسألة: تميزت صلاة الكسوف عن بقية الصلوات بأمور هي: 1 ـ زيادة ركوع في كل ركعة على الركوع الأول. 2 ـ أن فيها بعد الركوع قراءة. 3 ـ تطويل القراءة فيها والركوع والسجود. 4 ـ الجهر فيها بالقراءة ليلاً أو نهاراً. 5 ـ يشرع إذا انتهت الصلاة، ولم يتجل الكسوف: الذكر والاستغفار والتكبير والعتق. وهذا فرق خارج عن نفس الصلاة لكنه فرق صحيح.

باب صلاة الاستسقاء

باب صلاة الاستسقاء إِذَا أجْدَبَتِ الأَرْضُ وَقَحَطَ المَطَرُ .......... قوله: «باب صلاة الاستسقاء»، من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أي: باب الصلاة التي تكون للاستسقاء، وقد يجوز أن تكون من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: الصلاة التي سببها استسقاء الناس. والاستسقاء: استفعال من سقى وهو: طلب السُقيا، سواء كان من الله، أو من المخلوق، فمن الممكن أن تقول لفلان: اسقني ماء فَيُسَمَّى هذا استسقاء أي طلب سُقيا، ومن الله ـ عز وجل ـ تسأل الله أن يغيثك، هذا طلب سُقيا أيضاً، لكن في عُرف الفقهاء إذا قالوا صلاة الاستسقاء: فإنما يعنون بها استسقاء الرب ـ عز وجل ـ لا استسقاء المخلوق. وصلاة الاستسقاء لها سبب بيّنه المؤلف بقوله: «إذا أجدبت الأرض وقحط المطر صلوها جماعةً وفرادى». قوله: «إذا أجدبت الأرض» أي: خلت من النبات، وضده الإخصاب إذا أخصبت، أي: ظهر نباتها وكثر. قوله: «وقحط المطر» أي: امتنع، ولم ينزل، ولا شك أنه يكون في ذلك ضرر عظيم على أصحاب المواشي، وعلى الآدميين أيضاً، فلهذا صارت صلاة الاستسقاء في هذه الحال سنة مؤكدة.

قوله: «إذا أجدبت الأرض وقحط المطر»، ظاهره ولو كان ذلك في غير أرضهم. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يستسقي إلا لأرضه وما حولها مما يتضرر به البلد، أما ما كان بعيداً فإنه لا يضرهم، وإن كان يضر غيرهم، ما لم يأمر به الإمام فتصلى. والاستسقاء الذي ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ورد على أوجه متعددة منها: الأول: «أنه دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب الناس، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلّى الله عليه وسلّم يديه، ورفع الناس أيديهم، وقال: اللهم أغثنا ثلاث مرات، وكانت السماء صحواً فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت وأمطرت، ولم ينزل النبي صلّى الله عليه وسلّم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته» (¬1). الثاني: «أنه كان في غزوة ونقص عليهم الماء، فاستغاث الله ـ عز وجل ـ فأنشأ الله مزناً فأمطرت وسقاهم وارتووا». الثالث: «دعا الله سبحانه وتعالى بأن يسقيهم فقام أبو لبابة رضي الله عنه ـ وكان فلاحاً ـ فقال: يا رسول الله إن التمر في البيادر» ـ والبيدر ما يجمع فيه التمر لييبس، وكانوا إذا جذُّوا النخل يضعونه في مكان معد لهذا حتى ييبس، ثم يدخلونه في البيوت يسمى «البيدر»، ويسمى «الجرين» أيضاً ـ فقال ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (109).

صلوها جماعة وفرادى وصفتها في موضعها، وأحكامها كعيد وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس، وأمرهم بالتوبة من المعاصي

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة فيسد ثعلب مربده بإزاره»، أي: الفجوة التي يدخل منها السيل إلى البستان فأمطرت السماء، وخاف الناس من فساد التمر فجاؤوا إلى أبي لبابة، وقالوا: اذهب إلى مربدك وسده بإزارك ليقف المطر، فذهب فسده بإزاره فوقف المطر (¬1)، فهذا من آيات الله عز وجل، وحينئذٍ سلم الناس من الضرر الكثير الذي يحصل لهم بالمطر في بيادرهم. وهناك أيضاً صفات أخرى، وليس لازماً أن تكون على الصفة التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام أي: طلب السُقيا، فللناس أن يستسقوا في صلواتهم، فإذا سجد الإنسان دعا الله، وإذا قام من الليل دعا الله عز وجل. صَلَّوْهَا جَمَاعَةً وَفُرَادَى. وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَأَحْكَامُهَا كَعِيدٍ. وَإِذَا أَرَادَ الإِْمَامُ الخُرُوجَ لَهَا وَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي قوله: «صلوها جماعة وفرادى»، أي: صلاة الاستسقاء وستأتي صفتها، والأفضل أن تكون جماعة كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد». وعلى هذا فتسنّ في الصحراء؛ لأن صلاة العيد تسنّ في الصحراء. ويكبر في الأولى بعد التحريمة والاستفتاح ستاً، وفي الثانية خمساً، ويقرأ بسبّح والغاشية؛ لأن المؤلف قال: «صفتها في موضعها» أي: مكانها «وأحكامها كعيد». والدليل على هذا حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: ¬

_ (¬1) أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 137 ـ 138).

أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلاها كما يصلي العيد (¬1). ولكنها تخالف العيد في أنها سنّة، والعيد فرض كفاية. قوله: «وإذا أراد الإمام الخروج لها»، يحتمل أن يريد به الإمام الذي يصلي بهم صلاة الاستسقاء، ويحتمل أن يراد به الإمام الأعظم وهو السلطان، والمعنى الأول أقرب. قوله: «وعظ الناس» الموعظة هي: التذكير المقرون بترغيب أو تخويف، فيرغبهم في فعل الواجبات، ويحذّرهم من انتهاك الحرمات. ولهذا قال: «وأمرهم بالتوبة من المعاصي» التوبة: الرجوع إلى الله ـ عز وجل ـ من معصيته إلى طاعته، وقد ذكر العلماء للتوبة شروطاً يحسن أن نذكرها الآن: الأول: الإخلاص لله ـ عز وجل ـ بأن يقصد بتوبته إلى ربه رضا ربه، لا أن يتوب أمام الناس رياء وسمعة. الثاني: أن يندم على ما حصل له من الذنب، وهذا الشرط قال بعض العلماء: إنه لا يمكن تحقيقه؛ لأن الندم انفعال في النفس، والانفعال لا يملكه الإِنسان. ولكن الصحيح: أنه يمكن أن يملكه؛ لأن معنى الندم إظهار الغم والهم لما أصابه ووقع منه من الذنب، وهذا أمر يمكن أن يقع. ¬

_ (¬1) يأتي تخريجه ص (212).

الثالث: أن يقلع عن المحرم، فإذا كانت التوبة من ترك الزكاة مثلاً، فلا بد أن يخرج الزكاة، وإذا كانت من التهاون بصلاة الجماعة فلا بد أن يصلي مع الجماعة، وإذا كانت من الغيبة فلا بد أن يقلع عن الغيبة، وإذا كانت أخذ مال لا يستحقه فلا بد أن يرده إلى صاحبه، وإذا كانت من ضرب إنسان اعتدى عليه بالضرب فلا بد أن يستحله أو يقول: اضربني كما ضربتك. الرابع: أن يعزم على ألا يعود فلا يتوب توبة مؤقتة، وهنا نقول: يعزم على ألا يعود، ولا نقول: ألا يعود؛ لأنه لو فرضنا أن الشروط تمت، ثم بعد ذلك عاد فالتوبة الأولى صحيحة. الخامس: أن تكون التوبة في الزمن الذي تقبل فيه، وذلك بأن تقع قبل الغرغرة، قبل حضور الأجل، فإن لم تقع إلا بعد حضور الأجل فقد قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} [النساء: 18]، وهذا زمن خاص باعتبار كل أحد بنفسه. وكذلك أيضاً تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وهذا زمن عام، فإن الشمس إذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم، وتابوا ورجعوا لكن {لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]. قد يقول قائل: أين الدليل على أنه إذا أراد الخروج يعظ الناس، أليس النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى المصلى واستسقى (¬1)، فهل ورد أنه وعظهم؟ ¬

_ (¬1) يأتي تخريجه ص (216).

والخروج من المظالم وترك التشاحن،

والجواب: أنه يعظهم وعظاً عاماً، كما لو صادف أنه يتكلم في خطبة الجمعة فيعظ الناس فهذا طيب، ولا يقال: إنه وعظهم من أجل الاستسقاء، ولكن من أجل خطبة الجمعة والمناسبة. وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ، ........................ قوله: «والخروج من المظالم»، من باب عطف الخاص على العام؛ وذلك لأن الخروج من المظالم من التوبة. والمظالم: جمع مظلمة، فتشمل المظلمة في حق الله، والمظلمة في حق العباد. مثال المظلمة في حق الله: عدم إخراج زكاته، أو عدم إخراج كفارة كانت عليه، فليبادر بإخراج هذا الحق. مثال المظلمة في حق العباد: لو كان عنده حق لشخص كدراهم، أو منافع أو غيرها، فإنه يخرج منها أيضاً بإيفائه. فإن كان الحق غير مالي كالغيبة مثلاً، فإنه يخرج منها بأن يذهب إلى من تكلم فيه، ويقول: إني تكلمت فيك فحللني، ولا يخرج من عُهدتها إلا بذلك. وقال بعض العلماء: إن كان الذي تكلم فيه قد علم فليذهب إليه ويستحله، وإن لم يعلم فلا يذهب إليه، بل يستغفر له، ويذكره بخير في الأماكن التي اغتابه فيها؛ لأنه ربما لو ذهب إليه وطلب أن يحلله تأخذه العزة بالإثم فيأبى؛ لأن بعض الناس لا يهمه أن يأتي إليه أخوه معتذراً، فيأبى أن يسامحه. وهذا القول هو الصحيح. فإن قال: أنا لا أحلك إلا إذا أعطيتني عشرة دراهم

فيعطيه؛ لأن هذا حق له حتى لو طلب أكثر يعطيه؛ لأن إعطاءه في الدنيا أهون من إعطائه في الآخرة. قوله: «وترك التشاحن» أي: يأمر الإِمام الناس أن يتركوا التشاحن فيما بينهم وهو: الشحناء والعداوة، والبغضاء؛ لأن التشاحن سبب لرفع الخير. ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فرفعت» (¬1)، أي: رفع العلم بها، أي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أُنسيها من أجل التشاحن. قال العلماء: فنأخذ من هذا أنه إذا كنا نطلب الخير من الله فلا بد أن ندع التشاحن فيما بيننا. فإذا قال قائل: كيف يمكن أن يزيل الإنسان ما في قلبه من الحقد أو الغل على أخيه؟ فالجواب: يستطيع الإِنسان أن يتخلص من ذلك بما يلي: أولاً: أن يذكر ما في بقاء هذه العداوة من المآثم، وفوات الخير حتى إن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين والخميس، فإذا كان بين اثنين شحناء قال: «أَنظِروا هذين حتى يصطلحا» (¬2)، أي: الرب عز وجل لا ينظر في عملك يوم الاثنين والخميس إذا كان بينك وبين أخيك شحناء. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2023) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. (¬2) أخرجه مسلم (2565) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ثانياً: أن يعلم أن العفو والإصلاح فيه خير كثير للعافي، وأنه لا يزيده ذلك العفو إلا عزاً؛ كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً» (¬1). ثالثاً: أن يعلم أن الشيطان ـ وهو عدوه ـ هو الذي يوقد نار العداوة والشحناء بين المؤمنين؛ لأنه يحزن أن يرى المسلمين متآلفين متحابين ويفرح إذا رآهم متفرقين والعداوة والشحناء بينهم. فإذا ذكر الإنسان المنافع والمضار فإنه لا بد أن يأخذ ما فيه المصالح والمنافع، ويدع ما فيه المضار والمفاسد. فعليك أن تجاهد نفسك ولو أهنتها في الظاهر، فإنك تعزها في الحقيقة؛ لأن من تواضع لله رفعه، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً. وجرب تجد أنك إذا فعلت هذا الشيء وعفوت، وأصلحت ما بينك وبين إخوانك تجد أنك تعيش في راحة وطمأنينة وانشراح صدر وسرور قلب، لكن إذا كان في قلبك حقد عليهم أو عداوة فإنك تجد نفسك في غاية ما يكون من الغم والهم، ويأتيك الشيطان بكل احتمالات يحتملها كلامه، أي لو احتمل كلامه الخير والشر قال لك الشيطان: احمله على الشر. مع أن المشروع أن يحمل الإِنسان كلام إخوانه على الخير ما وجد له محملاً. فمتى وجدت محملاً للخير فاحمله على الخير، سواء في الأقوال أو في الأفعال، ولا تحمله على الشر. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (2588) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

والصيام والصدقة

وبعض الناس ـ والعياذ بالله ـ يحمل الفعل أو القول على الشر ثم يؤزه الشيطان إلى أن يتجسس على أخيه، ويتابع أخاه، وينظر ماذا فعل؟ وماذا قال؟ فتجده دائماً يحلل أقواله وأفعاله، وليته يحمله على الأحسن، أو على الحسن، ولكن على السيء والأسوء، وذلك بإيحاء الشيطان ـ والعياذ بالله ـ. والذي يجب على المؤمن إذا رأى من أخيه ما يحتمل الخير أو الشر أن يحمله على الخير ما لم توجد قرائن قوية تمنع حمله على الخير، فهذا شيء آخر، فلو صدر مثل هذا من رجل معروف بالسوء ومعروف بالفساد فلا بأس أن تحمله على ما يحتمله كلامه، أما رجل مستور ولم يعلم عنه الشر، فإذا وجد في كلامه، أو في فعاله ما يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير حتى تستريح. وربما يصاب هذا الرجل الذي يتبع عورات الناس وأخطاءهم القولية والفعلية بأن يسلط الله عليه من يتابعه هو بنفسه، ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته. وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، ........................................ قوله: «والصيام»، أي: يأمرهم أن يصوموا. قال بعض العلماء: يأمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، ويخرج في اليوم الثالث. وقال بعضهم: يجعل الاستسقاء يوم اثنين أو خميس؛ لأن يومي الاثنين والخميس مما يسن صيامهما، فيكون خروج الناس وهم صائمون، والصائم أقرب إلى إجابة الدعوة من المفطر، فإن للصائم دعوة لا ترد، هكذا قال المؤلف ـ رحمه الله ـ.

ولكن في هذا نظر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين خرج إلى الاستسقاء لم يأمر أصحابه أن يصوموا. أما ما ذكره المؤلف أولاً من التوبة من المعاصي، والخروج من المظالم فهذه مناسبة، لكن الصيام طاعة تحتاج إلى إثباتها بدليل، وإذا كان الأمر قد وقع في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولم يأمر أصحابه بالصيام، فلا وجه للأمر به. لكن نقول: لو اختار يوم الاثنين ـ ولم يجعله سنة راتبة دائماً من أجل أن يصادف صيام بعض الناس، لو قيل بهذا لم يكن فيه بأس. لكن كوننا نجعله سنة راتبة لا يكون الاستسقاء إلا في يوم الاثنين، أو نأمر الناس بالصوم، فهذا فيه نظر. قوله: «والصدقة» أي: ويأمرهم أيضاً بالصدقة، والصدقة قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة لقول الله تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]، والغيث رحمة لقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} [الشورى: 28]. والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل المستحبة، أما الصدقة الواجبة فإن منعها سبب لمنع القطر من السماء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عنه: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه (4019) عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقال في «الزوائد»: «هذا حديث صالح للعمل به، وقد اختلف في ابن أبي مالك وأبيه».

ويعدهم يوما يخرجون فيه، ويتنظف، ولا يتطيب، ويخرج متواضعا، متخشعا، متذللا، متضرعا

وَيَعِدُهُمْ يَوْماً يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَتَنَظَّفُ، وَلاَ يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعاً، مُتَخَشِّعاً، مُتَذَلِّلاً، مُتَضَرِّعاً ............................. قوله: «ويعدهم يوماً يخرجون فيه» ضمير الفاعل يعود على الإمام وضمير المفعول «هم» يعود على الناس. أي: يقول: سنخرج في يوم كذا، ويحسن أيضاً أن يعيِّن الزمن من هذا اليوم فيقول: في ساعة كذا؛ ليتأهبوا على وجه ليس فيه ضرر عليهم؛ لأن الناس ربما لو خرجوا مبكرين، وتأخر الإِمام حصل عليهم أذية من البرد إن كانوا في زمن شتاء صارم. قوله: «ويتنظف، ولا يتطيب»، إذا قال العلماء: «يتنظف» فالمراد إزالة ما ينبغي إزالته شرعاً أو طبعاً. فإزالة ما ينبغي إزالته شرعاً مثل: الأظفار، والعانة، والإِبط، وما ينبغي إزالته طبعاً مثل: العرق، والروائح الكريهة. وإنما قالوا: إنه يستحب أن يتنظف؛ لأن هذا مكان اجتماع عام، وإذا كان الناس فيهم الرائحة المؤذية، فإن هذا يؤذي بعض الحاضرين، فلهذا استحبوا أن يتنظف، ولكن لا يتطيب. وهذا يمكن أن تجعله لغزاً فتقول: ما الصلاة التي لا ينبغي للإِنسان أن يتطيب لها؟ الجواب: هي صلاة الاستسقاء؛ لأن صلاة الجمعة يستحب لها الطيب، وغيرها لا يؤمر به، ولا ينهى عنه. والاستسقاء لا يتطيب لها، وعللوا ذلك: بأنه يوم استكانة وخضوع، والطيب يشرح النفس، ويجعلها تنبسط أكثر، والمطلوب في هذا اليوم الاستكانة والخضوع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج «متخشعاً متذللاً متضرعاً» (¬1). ¬

_ (¬1) يأتي تخريجه ص (212).

وهذا أيضاً مما في النفس منه شيء؛ وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعجبه الطيب، وكان يحب الطيب، ولا يمنع إذا تطيب الإنسان أن يكون متخشعاً مستكيناً لله ـ عز وجل ـ، ولهذا لو أراد الإِنسان أن يدعو الله بغير هذه الحال، لا نقول: الأفضل ألا تطيب من أجل أن تكون مستكيناً لله. قوله: «ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً»، هذه أوصاف تدل على أن الإنسان لا يخرج في فرح وسرور؛ لأن المقام لا يقتضيه. قوله: «متواضعاً» أي: بقوله، وهيئته، وقلبه. والتواضع معروف، حتى إنك ترى الرجل وتعرف أنه من المتواضعين، وترى الرجل وتعرف أنه من المتكبرين، فيكون متواضعاً للحق وللخلق. قوله: «متخشعاً» الخشوع: سكون الأطراف، وأن يكون على وقار وهيبة. قوله: «متذللاً» من الذل وهو الهوان، بمعنى: أن يضع من نفسه، وهو قريب من التواضع لكنه أشد؛ لأن الإِنسان يُري نفسه أنه ذليل أمام الله عز وجل. وقوله: «متضرعاً» التضرع يعني الاستكانة، أو شدة الإِنابة إلى الله ـ عز وجل ـ، قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]، أي في شدة اللجوء إلى الله ـ عز وجل ـ، ودليل هذه الأوصاف قول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «خرج

ومعه أهل الدين والصلاح، والشيوخ، والصبيان المميزون وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا

النبي صلّى الله عليه وسلّم للاستسقاء متذللاً، متواضعاً، متخشعاً، متضرعاً» (¬1). وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلاَحِ، وَالشُّيُوخُ، وَالصِّبْيَانُ المُمَيِّزُونَ وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مُنْفَرِدِينَ عَن المُسْلِمِين لاَ بِيَوْمٍ لَمْ يُمْنَعُوا ........... قوله: «ومعه أهل الدين والصلاح»، لأن هؤلاء أقرب إلى إجابة الدعوة. وقوله: «الدين والصلاح» من باب عطف المترادفين؛ لأن كل صاحب دين فهو صاحب صلاح. قوله: «والشيوخ»، أي: الكبار الذين أمضوا أعمارهم في الدين والصلاح؛ لأنهم أقرب إلى الإجابة. قوله: «والصبيان المميزون» أي: الذين لم يبلغوا؛ لأنه لا ذنوب لهم، فيكونون أقرب إلى الإِجابة ممن ملأت الذنوب صحائفهم. قوله: «المميزون» خرج به الصغار الذين لم يميزوا، فإنهم لا يخرجون؛ لأنه ربما يحصل منهم من الأذية والصياح والبكاء أكثر مما يحصل من المنفعة. قول المؤلف: «معه»، ظاهر كلامه أنهم يصحبونه في الممشى؛ لأنه قال: «يخرج ومعه»، ويحتمل أنه أراد المعية في الصلاة، لا في كونهم يخرجون مصاحبين له في سيره إلى المسجد. والأقرب: أن المراد بالمعية هنا المعية في الصلاة؛ لأنها هي المقصودة. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 230، 355)؛ وأبو داود (1165)؛ والترمذي (558)؛ والنسائي (3/ 156)؛ وابن ماجه (1266)؛ وابن خزيمة (1405، 1419)؛ وابن حبان (2862) إحسان؛ والحاكم (1/ 326). وقال الترمذي: «حسن صحيح».

قال في الروض (¬1): «وأبيح التوسل بالصالحين»، وهذه عبارة على إطلاقها فيها نظر، ولكنهم يريدون بذلك ـ رحمهم الله ـ: التوسل بدعاء الصالحين؛ لأن دعاء الصالحين أقرب إلى الإجابة من دعاء غير الصالحين. ودليل هذه المسألة: ما حصل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حين خرج يستسقي ذات يوم فقال: «اللهم إنا كُنَّا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإننا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم قال: قم يا عباس فادع الله فقام فدعا فسقاهم الله» (¬2). والتوسل بدعاء الصالحين مقيد بعدم الفتنة؛ بأن يكون دعاؤه سبباً لفتنته هو، أو لفتنة غيره، فإن خيف من ذلك ترك. وأما التوسل بالصالحين بذواتهم فهذا لا يجوز؛ وذلك لأن التوسل فعل ما يكون وسيلة للشيء، وذات الصالح ليست وسيلة للشيء، فلا علاقة بين الدعاء، وذات الرجل الصالح. وكذلك لا يجوز التوسل بجاه الصالحين؛ لأن جاه الصالحين إنما ينفع صاحبه، ولا ينفع غيره. وأقبح من ذلك أن يتوسل بالقبور، فإن هذا قد يؤدي إلى دعاء أهل القبور والشرك الأكبر. قوله: «وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا»، أهل الذمة هم: الذين بَقُوا في بلادنا، وأعطيناهم العهد ¬

_ (¬1) «الروض مع حاشية ابن قاسم» (2/ 547). (¬2) أخرجه البخاري (1010) عن أنس رضي الله عنه.

والميثاق على حمايتهم ونصرتهم بشرط أن يبذلوا الجزية. وقد كان هذا موجوداً حين كان الإسلام عزيزاً، أما اليوم فإنه غير موجود، إلا أن يشاء الله وجوده في المستقبل، فإذا طلب أهل الذمة أن يستسقوا بأنفسهم منفردين عن المسلمين بالمكان لا باليوم، فإنه لا بأس به، مثل: أن يقولوا: نحن نخرج شمال البلد، وأنتم إلى جنوب البلد فإننا نمنحهم ذلك، وإن كانت صلاتهم باطلة ودعاؤهم باطلاً، ولكن إذا دعا المضطر ربه ـ عز وجل ـ فإنه يجيب دعاءه، ولو كان مشركاً، ولو علم الله أنه سيشرك بعد النجاة كما قال الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ *} [العنكبوت]، فينجيهم الله ـ عز وجل ـ؛ لأنه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً. فلا نمنعهم أن ينفردوا عنَّا بمكان، لا أن ينفردوا بيوم، فلو قالوا: نريد أن ننفرد بيوم الأحد، ونحن بيوم الاثنين، أو بالعكس، فإننا لا نوافقهم؛ لأنه ربما ينزل المطر في اليوم الذي استسقوا فيه فيكون في ذلك فتنة، ويقال: هم على حق. ومثل ذلك أهل البدع، لو أن أهل البدع طلبوا منَّا أن ينفردوا بمكان أُذِن لهم، فإن طلبوا أن ينفردوا بزمان منعناهم؛ لأنه إذا منعنا أهل الذمة مع ظهور كفرهم فمنعنا لأهل البدع من باب أولى. فلو جاءنا قوم من الصوفية أو الرافضة، وقالوا: نحن نريد أن نستسقي في يوم الاثنين، وأنتم يوم الأحد نقول: لا؛

لأنه لو صادف نزول المطر يوم استسقائهم حصل بذلك مفسدة كبيرة. فإن قال قائل: هل هذا أمر ممكن، أو أمر فرضي أن ينزل المطر في يوم يستسقي فيه أهل الذمة أو أهل البدع؟ فالجواب: أنه أمر قد يقع. فإن قال قائل: كيف يقع وفيه فتنة وإغراء بهذا المذهب الباطل، أو هذا الدين الباطل؟ فالجواب: أن ذلك من الفتن التي يفتن الله بها عباده ـ نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن ـ فقد يفتن الله العباد بشيء يكون سبباً في ضلالهم من حيث لا يشعرون، فإن طلب أهل الذمة أن يخرجوا معنا بلا انفراد بالمكان ولا بالزمان فإننا لا نمكنهم؛ لقول الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *} [الأنفال]. فإن قيل: كيف نأذن لأهل الذمة بالخروج للاستسقاء، وقد كان اليهود على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكونوا يخرجون للاستسقاء؟ فالجواب: الظاهر أنهم لم يطلبوا الخروج للاستسقاء. مسألة: هل أهل الذمة كل كافر عقدنا معه الذمة، أو يختص بجنس معين من الكفار؟ الجواب: المذهب: أنه يختص بجنس معين من الكفار، وهم ثلاثة: اليهود، والنصارى، والمجوس. والصحيح: أنه عام لكل كافر أبى الإِسلام، ورضخ

فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد، ويكثر فيها الاستغفار

للجزية، فإننا نعقد معه الذمة؛ لأن حديث بريدة بن الحصيب الذي ثبت في صحيح مسلم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام له من جملة ما ذكر: «أنه إذا نزل على أهل حصن وأبوا الإِسلام فإنه يطلب منهم الجزية» (¬1). فَيُصَلِّي بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ وَاحِدَةً يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، وَيُكْثِرُ فِيهَا الاسْتِغْفَارَ، ......... قوله: «فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة» الفاعل الإِمام، وأفادنا أن الخطبة تكون بعد الصلاة كالعيد، ولكن قد ثبتت السنة أن الخطبة تكون قبل الصلاة (¬2)، كما جاءت السنة بأنها تكون بعد الصلاة (¬3). وعلى هذا فتكون خطبة الاستسقاء قبل الصلاة، وبعدها ولكن إذا خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، فلا يجمع بين الأمرين، فإما أن يخطب قبل، وإما أن يخطب بعد. ومن هنا خالفت صلاة الاستسقاء صلاة العيد في أمور منها: ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1731). (¬2) كما في حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه قالت: «فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبّر وحمد الله عزّ وجل ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم ... ونزل فصلّى ركعتين ... ». أخرجه أبو داود (1173)؛ وابن حبان (2860) إحسان؛ والحاكم (1/ 328)؛ والبيهقي (3/ 349). وقال أبو داود: «هذا حديث غريب إسناده جيد»، وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي. (¬3) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج نبي الله يستسقي فصلّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا، ودعا الله عز وجل». أخرجه الإمام أحمد (2/ 326)؛ وابن ماجه (1268)؛ والبيهقي (3/ 347)، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه»: «إسناده صحيح».

أولاً: أنه يخطب في العيد خطبتين على المذهب، وأما الاستسقاء فيخطب لها خطبة واحدة. ثانياً: أنه في صلاة الاستسقاء تجوز الخطبة قبل الصلاة وبعدها، وأما في صلاة العيد فتكون بعد الصلاة. ثالثاً: أنه في صلاة العيد تُبَيَّنُ أحكام العيدين، وفي الاستسقاء يكثر من الاستغفار، والدعاء بطلب الغيث. قوله: «يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد» سبق أن خطبة العيد يفتتحها بالتكبير على المشهور من المذهب، وأن في المسألة خلافاً، فمن العلماء من قال: يفتتحها بالحمد، كما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يفعل في جميع خطبه وهكذا في خطبة الاستسقاء. بل لو قال قائل: إن خطبة الاستسقاء تُبدأ بالحمد بخلاف خطبة العيد لكان متوجهاً؛ لأن خطبة العيد تأتي في الوقت الذي أُمرنا فيه بكثرة التكبير. قوله: «ويكثر فيها الاستغفار» الاستغفار هو: طلب المغفرة، فيقول: اللهم اغفر لنا، اللهم إننا نستغفرك، وما أشبه ذلك. والمغفرة هي: ستر الذنب، والعفو عنه. أي: أن يستر الله الذنب ويعفو عنه، فلا يؤاخذك به، مأخوذة من المِغْفَر، وهو الذي يضعه المقاتل على رأسه اتقاء السهام لئلا تصيبه. ومعلوم أن المغفر يحصل به أمران: الستر، والوقاية.

وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، ويرفع يديه، فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم

وَقِرَاءَةَ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَْمْرُ بِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «وقراءة الآيات التي فيها الأمر به» أي: مثل قوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10]، {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3]، {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 61]، وغير ذلك من الآيات التي يستحضرها في تلك الساعة. قوله: «ويرفع يديه، فيدعو بدعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم»، أي: يرفع الإمام يديه، لحديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: «لم يكن النبي صلّى الله عليه وسلّم يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه» (¬1). والمراد: أنه حال الخطبة لا يرفع يديه إلا إذا دعا للاستسقاء، وكذلك المستمعون يرفعون أيديهم؛ لأنه ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لما رفع يديه حين استسقى في خطبة الجمعة رفع الناس أيديهم» (¬2). وينبغي في هذا الرفع أن يبالغ فيه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يبالغ فيه حتى يُرى بياض إبطيه، ولا يرى البياض إلا مع الرفع الشديد حتى إنه جاء في صحيح مسلم: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «جعل ظهورهما نحو السماء» (¬3). واختلف العلماء في تأويله: فقال بعض العلماء: يجعل ظهورهما نحو السماء. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1031)؛ ومسلم (2096) (7). (¬2) أخرجه البخاري (1029) عن أنس رضي الله تعالى عنه. (¬3) أخرجه مسلم (896) عن أنس رضي الله عنه.

ومنه: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا»

وقال بعض العلماء: بل رفعهما رفعاً شديداً حتى كان الرائي يرى ظهورهما نحو السماء؛ لأنه إذا رفع رفعاً شديداً صارت ظهورهما نحو السماء. وهذا هو الأقرب، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وذلك لأن الرافع يديه عند الدعاء يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره. وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً» ............ قوله: «ومنه: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً». اللهم اسقنا: بهمزة الوصل من سقى يسقي، وبهمزة القطع من أسقى يسقي، وكلاهما صحيح قال الله تعالى: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27]، وقال تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21]، الآية الثانية من سقى الثلاثي، والأولى من أسقى الرباعي. والغيث: هو المطر، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34]. ومغيثاً أي: مزيلاً للشدة، وذلك لأن المطر قد ينزل ولا يزيل الشدة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «ليست السَّنَةُ ألا تمطروا، بل السَّنَة أن تمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً» (¬1). وهذا يقع، فأحياناً تحصل أمطار كثيرة، ولا تنبت الأرض، وأحياناً تأتي أمطار خفيفة، ويكون الربيع كثيراً. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (2904) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

إلى آخره

إِلَى آخِرِهِ ............ قوله: «إلى آخره» يعني آخر الدعاء، وذكره في «الروض المربع» فقال: «هنيئاً مريئاً، غدقاً مجللاً، عاماً سَحًّا، طبقاً دائماً، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين». الهنيء: ما لا مشقة فيه، وما يفرح الناس به ويستريحون له. والمريء: ذو العاقبة الحسنى. والغدق: الكثير، قال تعالى: {وَأَلَّوِِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأََسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا *} [الجن]. والسح: أي: الذي ليس فيه العواصف؛ لأن العواصف مع الأمطار تؤذي وتؤلم، وربما تفسد الجدران، وتهدم البيوت. عاماً: أي: شاملاً. طبقاً: أي: واسعاً. دائماً: أي: مستمراً، ولكن هذا الدوام مشروط بألاَّ يكون فيه ضرر. مجللاً: أي: مغطياً للأرض، ومنه جلال الناقة الذي يغطى به ظهرها. اللهم أسقنا الغيث: أي: المطر الذي يكون مغيثاً. ولا تجعلنا من القانطين: القانط هو: المستبعد لرحمة الله، وهذه حال تعتري الإِنسان، فيستبعد رحمة الله ـ عز وجل ـ؛ لأنه يرى ذنوبه كثيرة، ويرى الفساد منتشراً، فيقول: بعيد أن الله يرحمنا، وهذا خطأ.

وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله، وسألوه المزيد من فضله

قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الحجر: 56] فمن عرف حلم الله ـ عز وجل ـ ورحمته، فإنه لا يمكن أن يقنط حتى لو كانت ذنوبه كثيرة، ومعاصيه كبيرة، فإن عفو الله أوسع. «اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق» إلخ (¬1). مسألة: يسن على المذهب: أن يقلب رداءه في أثناء الخطبة، ويستقبل القبلة ويدعو. وقال بعض العلماء: إنما يكون القلب بعد الدعاء؛ تفاؤلاً بأن الله أجاب الدعاء، وأنه سيقلب الحال من الشدة إلى الرخاء. وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللهَ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ ......... قوله: «وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله»، الضمير يعود على الناس، أي: إن سقاهم الله وأنزل المطر قبل أن يخرجوا، فلا حاجة للخروج، ولو خرجوا في هذه الحال لكانوا مبتدعين؛ لأن صلاة الاستسقاء إنما تشرع لطلب السُقيا، فإذا سقوا فلا حاجة لها، ويكون عليهم وظيفة أخرى وهي وظيفة الشكر، فيشكرون الله ـ سبحانه وتعالى ـ على هذه النعمة بقلوبهم وبألسنتهم وبجوارحهم؛ لأن الشكر يتعلق بهذه الأشياء الثلاثة: القلب، واللسان، والجوارح. ¬

_ (¬1) هذا الدعاء الذي أشار إليه الماتن؛ وذكره في الشرح روي مرفوعاً بنحوه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عزاه السيوطي في «جمع الجوامع» (1/ 385) إلى الطبراني، وذكره الشافعي في «الأم» (1/ 251) عن سالم عن أبيه تعليقاً، فقال: «وروي عن سالم عن أبيه وذكره ... ». قال ابن حجر في «التلخيص» (2/ 99): «ولم نقف له على إسناد، ولا وصله البيهقي في مصنفاته، بل رواه البيهقي في «المعرفة» من طريق الشافعي، قال: ويروى عن سالم به ... ».

وينادى: الصلاة جامعة

ـ أما القلب: فأن يوقن الإِنسان بأن هذه النعمة من الله ـ عز وجل ـ تفضل بها. ـ وأما اللسان: فأن يثني بها على الله، فيقول: الحمد الله الذي سقانا، وما أشبه ذلك من الكلمات. ـ وأما الجوارح: فأن يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره، وترك نواهيه. ولهذا قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا قوله: «وسألوه المزيد من فضله»، أي: سألوا الله أن يزيدهم من فضله، ومن ذلك أن يقولوا: «اللهم اجعله صيباً نافعاً»، كما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقوله (¬1). وَيُنَادَى: الصَّلاَة جَامِعةً ............. قوله: «وينادى الصلاة جامعة»، ينادى لصلاة الاستسقاء إذا حان وقتها: الصلاة جامعة، ويجوز فيها ثلاثة أوجه: الأول: الصلاةُ جامعةٌ، مبتدأ وخبر. الثاني: الصلاةَ جامعةً، فالصلاة مفعول لفعل محذوف، وجامعةً حال من الصلاة، أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة. الثالث: الصلاةُ جامعةً، فالصلاة خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه الصلاة، وجامعة حال من الصلاة، لكن هذا الوجه أضعفها. ¬

_ (¬1) لحديث عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى المطر قال: صيباً نافعاً». أخرجه البخاري (1032).

فإذا جاء وقت صلاة الاستسقاء، وارتفعت الشمس قيد رمح يُنادى: الصلاةُ جامعة؛ ليحضر الناس؛ قياساً على صلاة الكسوف. والمذهب: يرون أنه ينادى للكسوف، والعيد، والاستسقاء. ولكن ما ذكره الأصحاب في المناداة للعيد، والاستسقاء، ضعيف جداً؛ وذلك لما يلي: أولاً: أنه خلاف هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم، فالعيد وقع في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يكن ينادى لها، وصلاة الاستسقاء كذلك لم يكن ينادى لها، وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق: (أن كل شيء وجد سببه في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولم يشرع له شيء من العبادات فشرع شيء من العبادات، من أجله يكون بدعة)، لأننا يلزمنا الوقوف عند الشرع، عند أسبابه، وعند جنسه، وهيئته. ثانياً: أن إلحاق ذلك بصلاة الكسوف غير صحيح أيضاً، أي: أنه يمتنع القياس؛ لأن صلاة الكسوف تأتي على غير تأهب بغتة، وصلاة العيد معلومة من قبل، والناس يتأهبون لها، وكذلك الاستسقاء، وقد سبق في كلام المؤلف أنه قال: «إن الإمام يعدهم يوماً يخرجون فيه»، فالصلاة معلومة الوقت. ولو قال قائل: إننا اليوم نعلم بالكسوف متى يحصل ابتداء وانتهاء، وفي أي وقت من نهار أو ليل؟ فنقول: حتى في هذه الحال ينادى الصلاة جامعة؛ لأن الحسّابين قد يخطئون، ونحن قد علقت الصلاة منّا بوجود الكسوف لا بالعلم به، قال صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتموهما فصلوا وادعوا» (¬1). ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (180).

وليس من شرطها إذن الإمام ويسن أن يقف في أول المطر، وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر

فالنداء لصلاة الاستسقاء والعيد لا يصح أثراً ولا نظراً، وأما أثراً؛ فلعدم وروده مع وجود سببه في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأما نظراً؛ فلوجود الفرق بين الأصل والفرع. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الإِْمَامِ. وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ المَطَرِ، وَإِخْرَاجُ رَحْلِهِ وَثِيَابِهِ لِيُصِيبَهُمَا المَطَرُ ........... قوله: «وليس من شرطها إذن الإِمام»، أي: ليس من شرط إقامتها أن يأذن الإِمام بذلك، بل إذا قحط المطر وأجدبت الأرض خرج الناس وصلوا، ولو صلى كل بلد وحده لم يخرجوا عن السنة. بل لو وجد السبب، وقال الإِمام: لا تصلوا، فإن في منعه إياهم نظراً؛ لأنه وجد السبب فلا ينبغي أن يمنعهم، ولكن حسب العُرف عندنا لا تقام صلاة الاستسقاء إلا بإذن الإِمام. اللهم إلا أن يكون قوم من البادية بعيدون عن المدن ولا يتقيدون، فهنا ربما يقيمونها، وإن كان أهل البلد لم يقيموها. قوله: «ويسن أن يقف في أول المطر»، السنة في اصطلاح الفقهاء: هي ما يثاب فاعله امتثالاً، ولا يعاقب تاركه. قوله: «أن يقف»، أي: أن يقف قائماً أول ما ينزل المطر. قوله: «وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر»، أي: متاعه الذي في بيته، أو في خيمته إن كان في البر، وكذلك ثيابه يخرجها؛ لأن هذا روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ (¬1). والثابت من سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه إذا نزل المطر حسر ثوبه» (¬2)، ¬

_ (¬1) أخرجه الشافعي في «الأم» (1/ 152). (¬2) أخرجه مسلم (898) عن أنس رضي الله عنه.

وإذا زادت المياه، وخيف منها سن أن يقول: «اللهم حوالينا، ولا علينا

أي: رفعه حتى يصيب المطر بدنه، ويقول: «إنه كان حديث عهد بربه» (¬1). وهذه السنّة ثابتة في الصحيح، وعليه فيقوم الإِنسان ويخرج شيئاً من بدنه إما من ساقه، أو من ذراعه، أو من رأسه حتى يصيبه المطر اتباعاً لسنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم وقوله في الحديث: «إنه كان حديث عهد بربه»، لأن الله خلقه الآن، فهو حديث عهد بخلق الله. وهل يقال: إن هذا التعليل يتعدى لغيره مما يُحدثه الله ـ عز وجل ـ، أو نقول: إن هذا تعليل بعلة قاصرة على معلولها؟ الجواب: أن نقول: إن هذه علة قاصرة على معلولها، ولهذا لا يمكن أن نقول للإنسان: إنه ينبغي أن يصيب من بدنه ما ولد من حيوان أو نحوه مما هو حديث عهد بالله. ويستفاد من قوله: «إنه كان حديث عهد بربه»، ثبوت الأفعال الاختيارية لله ـ عز وجل ـ التي تقع بمشيئته، خلافاً لمن أنكر ذلك، فإن إنكاره عن جهل، وليس عن علم؛ فالرب عز وجل تقوم به الأفعال الاختيارية، ويفعل ما يشاء في أي وقت شاء. وَإِذَا زَادَتِ المِيَاهُ، وَخِيفَ مِنْهَا سُنَّ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا، ........... قوله: «وإذا زادت المياه وخيف منها سنّ أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا»، أي: إذا زادت مياه السماء أي: الأمطار، ومثل ذلك لو زادت مياه الأنهار على وجه يُخشى منه، فإنه يسنّ أن يقول هذا الذكر: «اللهم حوالينا ولا علينا». ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (898) عن أنس رضي الله عنه.

اللهم على الظراب والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به»، الآية

ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ «أن رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وتهدم البناء، فادع الله يمسكها عنا ـ فلم يدع الله بإمساكها، ولكنه دعا الله بإبقائها على وجه لا يضر ـ فقال: اللهم حوالينا ولا علينا ... إلخ» (¬1). وقوله: «اللهم»، هذه منادى حذفت منها ياء النداء، وعوض عنها الميم، ولم تجعل الميم في أول الكلمة تيمناً بالبداءة باسم الله، وجُعلت في آخرها ميمٌ؛ لأن الميم تدل على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على الله عز وجل. وقوله: «حوالينا» أي: أنزله حوالينا، أي: حوالي المدينة. وحوالي هنا: ملحق بالمثنى؛ لأنه نُصب بالياء بدلاً عن الفتحة حيث إنه لا يدل على اثنين، بل على واحد أي: حولنا. وقوله: «ولا علينا»، أي: ولا على المدينة التي خيف أن تتهدم من كثرة الأمطار. اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَاب وَالآكَامِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، رَبَّنَا لاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ»، الآيَة. قوله: «اللهمّ على الظراب» هي الروابي الصغار، أي: الأماكن المرتفعة من الأرض، لكن ليس ارتفاعاً شاهقاً؛ وذلك لأن المرتفع من الأرض يكون فيه النبات أسرع نمواً لأنه مرتفع قد تبين للشمس والهواء فيكون أحسن. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (109).

قوله: «والآكام» الجبال الصغيرة، ولهذا يقال: أكمة للجبل الصغير. قوله: «وبطون الأودية» أي: داخل الأودية، أي: الشعاب؛ لأن بطون الأودية إذا أمطرت سالت، ونبتت فيها أشجار كبيرة نافعة. قوله: «ومنابت الشجر»، هذا عام يعم كل أرض تكون منبتاً للشجر. فإذا قال قائل: هذه الدعوات هل شملت الأرض كلها؟ فالجواب: لم تشمل الأرض كلها، فخرج منها رؤوس الجبال العالية؛ لأنها ليست آكاماً، ولا ظراباً، وخرج منها الأرض القاحلة السبخة التي لا تنبت؛ لأنها ليست من منابت الشجر، ولا من بطون الأودية، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم دعا الله ـ عز وجل ـ أن يكون نزول المطر على أراضٍ نافعة وهي هذه الأنواع الأربعة: الظراب، والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر. قوله: «ربنا لا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به»، هذه لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لكنها مناسبة. فإذا قالها الإِنسان لا على سبيل السنية فلا بأس، أما إذا قالها على أنها سنة فلا. وهنا قال المؤلف: «ربنا لا تحمِّلنا». وفي الآية: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا}، و «الواو» إنما حذفها المؤلف؛ لأنها في الآية حرف عطف على ما سبق، وهنا لم يسبقها شيء تعطف عليه،

فلهذا حذف الواو، فقال: «ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به». قوله: «الآية»، أي: إلى آخر الآية، أي: أكمل الآية. وإكمال الآية: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرة:286] أربع دعوات: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، وهذا من باب التخلية. {وَاعْفُ عَنَّا}، كذلك من باب التخلية. {وَاغْفِرْ لَنَا}، كذلك من باب التخلية. {وَارْحَمْنَا}، من باب التحلية أي: من باب إيجاد الشيء. فهذه الدعوات كلها دعوات مفيدة مناسبة، لكن بشرط ألا يتخذها الإِنسان على أنها سنة. ذكر في الروض مسألة مفيدة قال: «يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويباح في نوء كذا، وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعاً، قاله في المبدع». النوء: هو النجم، أي: مطرنا مثلاً بالنجم الفلاني، بنجم الشولة، أو بنجم النعائم، أو بنجم سعد الذابح، أو بنجم سعد بلع، أو سعد السعود، وما أشبه ذلك. ودليله: ما ثبت في الصحيح من حديث زيد بن خالد الجهني «أنهم كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل ـ أي: مطر نزل في الليل ـ فلما انصرف النبي صلّى الله عليه وسلّم من صلاة الصبح قال لهم: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال:

مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب» (¬1). وهذا نص صريح في أن من قال: مطرنا بنوء كذا فهو كافر، ولهذا حكى في المبدع إجماع أهل العلم على ذلك (¬2). إذاً قول الإِنسان: مطرنا بنوء كذا محرم، بل هو من كبائر الذنوب، وهل يكون كفراً أكبر مخرجاً عن الملة؟ الجواب: أنه بحسب عقيدة القائل، إن كان يعتقد أن النوء هو الذي خلق هذا المطر، فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة؛ لأنه ادَّعى أَنَّ مع الله خالقاً، وإن كان يعتقد أن النوء سبب فإنه كافر كفراً دون كفر. وإنما كان كافراً فيما إذا اعتقد أنه سبب؛ لأنه أثبت سبباً لم يثبته الله ـ عز وجل ـ، فإن النجوم ليس لها أثر، وإنما هي أوقات فقط. مسألة: لو قال: مطرنا في نوء كذا؟ الجواب: هذا جائز؛ لأن في للظرفية، ومن ذلك استعمال العامة عندنا الباء هنا، وهم يريدون الظرفية، يقولون مثلاً: مطرنا بالمربعانية، ومطرنا بالشبط، ومطرنا بالعقارب، العقارب هي: السعود الثلاثة، سعد الذابح، وبلع، والسعود. فإذا قال: مطرنا بسعد السعود، وهو يقصد في سعد السعود كما هي اللغة العامية عندنا فهنا لا يكون كافراً، والباء قد تأتي بمعنى (في) مثل قوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ *} {وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: 137، 138]، أي: في الليل. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1038)؛ ومسلم (71). (¬2) «المبدع» (2/ 212).

صفحة فارغة

كتاب الجنائز

كِتَابُ الجَنَائِزِ ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ «الجنائز» في كتاب «الصلاة» ولم يذكرها في الوصايا والمواريث؛ لأن الصلاة أهم ما يفعل بالميت، وأنفع ما يكون له، حيث إنه يدعى له فيها. والجنائز: جمع جنازة، وهي بفتح الجيم وكسرها، بمعنى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميت، وبالكسر اسم لما يحمل عليه الميت، فإذا قيل: جَنازة أي ميت، وإذا قيل: جِنازة أي نعش. وهذا تفريق دقيق؛ لأن الفتح يناسب الأعلى، والميت فوق النعش، والكسر يناسب الأسفل والنعش تحت الميت. وينبغي للإنسان أن يتذكر حاله ونهايته في هذه الدنيا، وليست هذه النهاية نهاية، بل وراءها غاية أعظم منها، وهي الآخرة، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائماً الموت لا على أساس الفراق للأحباب والمألوف؛ لأن هذه نظرة قاصرة، ولكن على أساس فراق العمل والحرث للآخرة، فإنه إذا نظر هذه النظرة استعد وزاد في عمل الآخرة، وإذا نظر النظرة الأولى حزن وساءه الأمر، وصار على حد قول الشاعر: لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته بادّكار الموت والهرم فيكون ذكره على هذا الوجه لا يزداد به إلا تحسراً وتنغيصاً، أما إذا ذكره على الوجه الأول وهو أن يتذكر الموت، ليستعد له ويعمل للآخرة، فهذا لا يزيده حزناً، وإنما يزيده إقبالاً

على الله ـ عز وجل ـ، وإذا أقبل الإِنسان على ربه فإنه يزداد صدره انشراحاً، وقلبه اطمئناناً. مسائل: الأولى: هل يُسْأَلُ المريض كيف يصلي وكيف يتطهر، أو نقول: إن هذا من باب التدخل فيما لا يعني؟ الجواب: الذي نرى أنه إن كان المريض من ذوي العلم الذين يعرفون، فلا حاجة أن تذكره؛ لأنه سيحمل تذكيرك إياه على إساءة الظن به، وأما إذا كان من العامة الجُهال فهنا يحسن أن يبين له؛ لأنه قد يخفى عليهم ما يحتاجون من الأحكام وقد عدت مريضاً فسألته عن حاله، فحمد الله وقال: لي شهر ونصف وأنا أجمع وأقصر الصلاة. فمثل هذا يحتاج إلى تنبيه وتعليم؛ لأنه يظن أن القصر مع الجمع، وأن من جمع قصر. ومما ينبه عليه أيضاً: أنه اشتهر عند العامة أن من لا يستطيع الإيماء بالركوع والسجود فإنه يومئ بأصبعه، وهذا غير صحيح كما سبق بيانه. الثانية: هل يؤمر المرضى بالتداوي؛ أو يؤمرون بعدم التداوي، أم في ذلك تفصيل؟ الجواب: قال بعض العلماء: ترك التداوي أفضل ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان، واستدلوا لذلك بما يلي: 1 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «لما مرض وَلَدُّوه أمر بأن يُلَدَّ جميع من

كان حاضراً إلا العباس بن عبد المطلب» (¬1)، قالوا: وهذا دليل على أنه كره فعلهم. واللدود: ما يُلَدُّ به المريض وهو نوع من الدواء. 2 ـ أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ «لما مرض، وقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إن الطبيب قد رآني، فقال: إني أفعل ما أريد»، وأبو بكر هو خير الأمة بعد نبيها وهو قدوة وإمام. وقال بعض العلماء: بل يسنّ التداوي لما يلي: 1 ـ أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك. 2 ـ أنه من الأسباب النافعة. 3 ـ أنَّ الإِنسان ينتفع بوقته، ولا سيما المؤمن المغتنم للأوقات، كل ساعة تمر عليه تنفعه. 4 ـ أن المريض يكون ضيق النفس، لا يقوم بما ينبغي أن يقوم به من الطاعات، وإذا عافاه الله انشرح صدره وانبسطت نفسه، وقام بما ينبغي أن يقوم به من العبادات، فيكون الدواء إذاً مراداً لغيره فيسنّ. وقال بعض العلماء: إذا كان الدواء مما علم أو غلب على الظن نفعه بحسب التجارب فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل. لأنه إذا كان من باب المخاطرة فقد يحدث فيه ما يضره، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (5712)؛ ومسلم (2213) عن عائشة رضي الله عنها. واللدود من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم، ولديدا الفم: جانباه.

فيكون الإِنسان هو الذي تسبب لنفسه بما يضره، ولا سيما الأدوية الحاضرة (العقاقير) التي قد تفعل فعلاً مباشراً شديداً على الإِنسان بسبب وصفة الطبيب الخاطئة. وقال بعض العلماء: إنه يجب التداوي إذا ظُن نفعه. والصحيح: أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، فالسرطان الموضعي بإذن الله إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان فإنه ينجو منه، لكن إذا ترك انتشر في البدن، وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يقطع ويزول، وقد خَرَّبَ الخَضِرُ السفينةَ بخرقها لإِنجاء جميعها، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك واجباً. وعلى هذا فالأقرب أن يقال ما يلي: 1 ـ أن ما عُلم، أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه، فهو واجب. 2 ـ أن ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل. 3 ـ أن ما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل؛ لئلا يلقي الإِنسان بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر. الثالثة: التداوي بالمحرم لا يجوز لنهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك حيث قال: «تداووا ولا تداووا بحرام» (¬1)، ولعموم ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (3874) عن أبي الدرداء رضي الله عنه.

الأدلة في تحريم المحرم، فهي عامة وليس فيها تفصيل، ولأنه لو كان فيه خير لم يمنع الله العباد منه، بل أحله لهم. الرابعة: قال في الروض: «ويكره أن يستطب مسلم ذمياً لغير ضرورة، وأن يأخذ منه دواء لم يبيّن له مفرداته المباحة». أي: يكره أن تذهب إلى ذمي أي: يهودي أو نصراني عقدنا له الذمة لتتداوى عنده؛ لأنه غير مأمون، وإذا كان كذلك فجعل هؤلاء مسؤولين على أطباء مسلمين من باب أولى؛ لأن المسؤول له كلمته، وربما يوجه إلى شيء محرم، أو إلى شيء يضر المسلمين، ولهذا نقول: إن استطباب غير المسلمين لا يجوز إلا بشرطين: الأول: الحاجة إليهم. الثاني: الأمن من مكرهم؛ لأن غير المسلمين لا نأمن مكرهم إلا نادراً، ولا سيما في قضية الولادة أي التوليد؛ لأن هؤلاء النصارى في التوليد يحرصون على أن يقتلوا أولاد المسلمين، أو أن يمزعوا أيديهم عند إخراج الطفل في التوليد كما نقل لي بعض الناس، لذلك يجب التحرز منهم وسؤال الله ـ عز وجل ـ أن يرزقنا الاستغناء عنهم؛ لأنهم أعداء للمسلمين فإذا احتاج الناس إليهم وأمنوا منهم فلا بأس، فإن النبي عليه الصلاة والسلام استعمل دليلاً مشركاً يدله على الطريق من مكة إلى المدينة وقت الهجرة، مع أن هذا من أخطر ما يكون، فإن قريشاً كانوا يطلبون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر ـ رضي الله عنه ـ، ولكن لما أمنه

تسن عيادة المريض

النبي عليه الصلاة والسلام جعله دليلاً له (¬1). الخامسة: اختلفوا في حكم التداوي ببول الغنم، فالمذهب أنه لا يجوز التداوي إلا ببول الإبل، وقيل: يجوز التداوي ببول كل ما يؤكل لحمه، وقيل: لا يجوز التداوي بالبول مطلقاً حتى ببول الإبل؛ لأنه نجس عندهم، وذلك لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول» (¬2)، لكن هذا قول ضعيف؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: «فكان لا يستبرئ من بوله». والتداوي ببول الإبل ثبتت به السنة في قصة العرنيين (¬3)، وقياس ذلك أنه لو ثبت أن في أبوال الغنم فائدة فإنه لا فرق بينهما وبين أبوال الإبل. تُسَنُّ عِيَادَةُ المَرِيضِ ............ قوله: «تسنّ عيادة المريض»، السنة عند الفقهاء: ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه. فهي من الأمور المرغب فيها، وليست من الأمور الواجبة. وقول المؤلف: «عيادة المريض» ولم يقل: زيارة؛ لأن الزيارة للصحيح، والعيادة للمريض، وكأنه اختير لفظ العيادة للمريض من أجل أن تكرر؛ لأنها مأخوذة من العود، وهو: الرجوع للشيء مرة بعد أخرى، والمرض قد يطول فيحتاج الإِنسان إلى تكرار العيادة. وقول المؤلف: «عيادة المريض» (أل) هنا للجنس أي: من أصابه جنس المرض، وهي أيضاً باعتبار المريض عامة، فهي ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2263). (¬2) سبق تخريجه (1/ 133). (¬3) أخرجه البخاري (4192)؛ ومسلم (1671) عن أنس رضي الله عنه.

باعتبار المرض للجنس، وباعتبار المريض الذي أصابه المرض للعموم؛ لأنها اسم محلى بأل، والاسم المحلى بأل يفيد العموم، على أن بعض النحويين يقولون: إن أل اسم موصول؛ لأنه إذا كان اسم فاعل أو اسم مفعول مقروناً بأل فإن أل عندهم بمعنى اسم الموصول. إذاً عندنا عمومان: الأول: المرض، لأن (أل) للجنس. الثاني: المصاب بالمرض. أما المرض فالمراد من مرض مرضاً يحبسه عن الخروج مع الناس، فأما إذا كان لا يحبسه فإنه لا يحتاج إلى عيادة؛ لأنه يشهد الناس ويشهدونه، إلا إذا علم أن هذا الرجل يخرج إلى السوق أو إلى المسجد بمشقة شديدة، ولم يصادفه حين خروجه، وأنه بعد ذلك يبقى في بيته، فهنا نقول: عيادته مشروعة. فالمرض بالزكام مرض لا شك، فإن حبس الإِنسان دخل في هذا، وإن لم يحبسه كما هو الغالب الكثير فإنه لا يحتاج إلى عيادة، والمريض بوجع الضرس إن حبس في بيته عدناه، وإن خرج وصار مع الناس لا نعوده، لكن لا مانع أن نسأل عن حاله إذا علمنا أنه مصاب بمرض الضرس، والمريض بوجع العين كذلك ينسحب عليه الحكم، إذا كان المرض قد حبسه فإنه يعاد، وإن كان يخرج مع الناس لا يعاد، لكن يسأل عن حاله. وأما المصاب بالمرض فإن كان غير مسلم فلا يعاد، إلا إذا

اقتضت المصلحة ذلك بحيث نعوده لنعرض عليه الإِسلام، فهنا تشرع عيادته إما وجوباً وإما استحباباً، وقد ثبت أنه «كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي صلّى الله عليه وسلّم فمرض فأتاه النبي صلّى الله عليه وسلّم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم صلّى الله عليه وسلّم فأسلم، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (¬1). وأما الفاجر من المسلمين أعني الفاسق بكبيرة من الكبائر أو بصغيرة من الصغائر وأصر عليها، ففيه تفصيل أيضاً، فإذا كنا نعوده من أجل أن نعرض عليه التوبة ونرجو منه التوبة، فعيادته مشروعة إما وجوباً وإما استحباباً، وإلا فإن الأفضل ألا نعوده، وقد يقال: بل عيادته مشروعة ما دام أنه لم يخرج من وصف الإِيمان أو الإِسلام؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «حق المسلم على المسلم خمس» (¬2)، وفي رواية: «ست» (¬3). وذكر منها عيادة المريض. وتشمل عيادة المريض القريب والبعيد، أي: القريبَ لك بصلة قرابة، أو مصاهرة، أو مصادقة، والبعيد للعموم؛ لأن هذا حق مسلم على مسلم لا قريب على قريب، ولكن كلما كانت الصلة أقوى كانت العيادة أشد إلحاحاً وطلباً، ومن المعلوم أنه إذا مرض أخوك الشقيق فليس كمرض ابن عمك البعيد، وكذلك إذا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1356) عن أنس رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري (1240)؛ ومسلم (2162) (4) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬3) أخرجه مسلم (2162) (5) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

مرض من بينك وبينه مصاهرة أي: صلة بالنكاح فليس كمن ليس بينك وبينه مصاهرة، وكذلك الذي بينك وبينه مصادقة ليس كمن ليس بينك وبينه مصادقة، فالحقوق هذه تختلف باختلاف الناس. وقوله: «تسنّ» ظاهره أنَّه سنة في حق جميع الناس، ولكن ليس هذا على إطلاقه؛ فإن عيادة المريض إذا تعينت براً أو صلة رحم صارت واجبة لا من أجل المرض، ولكن من أجل القرابة، فلا يمكن أن نقول لشخص مرض أبوه: إن عيادة أبيك سنة، بل واجبة؛ لأنها يتوقف عليها البر، وكذا عيادة الأخ؛ لأن الوجوب ليس لأجل المرض، ولكن من أجل الصلة في القرابة، أما من لا يعد ترك عيادته عقوقاً أو قطيعة فإن المؤلف يقول: إنه سنة. وقال بعض العلماء: إنه واجب كفائي أي: يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم، وهذا هو الصحيح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعلها من حق المسلم على المسلم (¬1)، وليس من محاسن الإِسلام أن يمرض الواحد منا ولا يعوده أحد، وكأنَّه مَرِضَ في برية، فلو علمنا أن هذا الرجل لا يعوده أحد فإنه يجب على من علم بحاله وَقَدِرَ أن يعوده. وعيادةُ المريض مَعَ كونها من أداء الحقوق على المسلم لأخيه ففيها جلب مودة وألفة لا يتصورها إلا من مرض ثم عاده إخوانه، فإنه يجد من المحبة لهؤلاء الذين عادوه شيئاً كثيراً، فتجده يتذوقها، ويتحدث بها كثيراً، ففيها مع الأجر تثبيتُ الألفةِ بين المسلمين. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (238).

قوله: «تسنّ عيادة المريض» ولم يبيِّن المؤلف في أي وقت يعاد المريض، ولم يبيّن هل يتحدث عنده، ويتأخر في المقام، أو لا يتحدث، ويتعجل في الانصراف؟ فنقول: عدم ذكرها أحسن، أما بالنسبة للزمن المناسب فيختلف بحسب ما تقتضيه حالة المريض ومصلحته، ولا نقيدها بأنها بكرة أو عشياً كما قيدها بعض العلماء، بل نقول: إن هذه ترجع إلى أحوال الناس، وهي تختلف بحسب حال المريض، فإذا قدرنا أن المريض قد جعل له وقتاً يجلس فيه للناس فليس من المناسب أن نعوده في غير هذا الوقت؛ لأن تخصيصه لزمن يعوده فيه الناس، يدل على أنه لا يرغب في غير هذا، وإلا لجعل الباب مفتوحاً. وأما بالنسبة لكونه يتأخر عند المريض ويتحدث إليه، أو يعوده ثم ينصرف بسرعة فهذه أيضاً ينبغي ألا تقيد، وإن كان بعض العلماء يقول: الأفضل ألا تتأخر وأن تبادر بالانصراف؛ لأن المريض قد يثقل عليه ذلك، وكذلك أهل المريض ربما يثقل عليهم البقاء عنده؛ لأنهم يحبون أن يأتوا إلى مريضهم. ولكن الصحيح في ذلك أنه يرجع إلى ما تقتضيه الحال والمصلحة، فقد يكون هذا المريض يحب من يعوده سواء محبة عامة أو محبة خاصة لشخص معين، ويرغب أن يبقى عنده، ويتحدث إليه، ولا سيما إذا أنس بك المريض، ورأيت أنه يحب أن تتحدث إليه، مثل أن يسألك عن أحوال الناس مثلاً، أو عن أشياء يحب أن يطلع عليها، فهنا ينبغي لك أن تمكث عنده، أما

وتذكيره التوبة، والوصية

إذا علمت من حاله أنه يرغب ألا تبقى كثيراً، مثل: أن تراه يتململ، وأن صدره ضائق فهنا تخرج ولا تبقى؛ لأنك تعلم أنه لا يريد أن تبقى عنده، والناس يختلفون، لا المرضى ولا العائدون. ولهذا أنا أرى أن إطلاق المؤلف هذا الإِطلاق بدون تقييد بزمن ولا ببقاء من أحسن ما فعل ـ رحمه الله ـ. مسألة: الاتصال بالهاتف لا يغني عن العيادة؛ لا سيما مع القرابة، أما إن كان بعيداً يحتاج لسفر فتغني. وَتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ، وَالْوَصِيَّةَ ............ قوله: «وتذكيره التوبة والوصية»، أي: ويسنّ أن يذكره التوبة والوصية، فالتوبة من المعاصي والمظالم، سواء كان ذلك فيما يتعلق بحق الله ـ عز وجل ـ، أو بحقوق العباد، ويؤكد على حقوق العباد، ويبيّن له أنه إن لم يقضها في الدنيا ويتب إلى الله منها في الدنيا، فسوف تؤخذ من حسناته يوم القيامة التي هو أحوج الناس إليها، وأيضاً يذكره بأن الورثة كثير منهم لا يخافون الله ولا يرحمون الميت، فتجدهم يلعبون بالمال، والميت محبوس بدينه؛ من أجل أن يحرص على أداء المظالم قبل أن يموت. ويذكره أيضاً الوصية، وليس المراد بالوصية ما يفهمه كثير من العامة من أنها الوصية بالعشاء والضحية، كما هو عندنا في نجد، فأكثر الوصايا عندنا هي: أوصى بثلث ماله أو بجزء منه يقدره بعشاء وأضحية، ويستدلون بالحديث الضعيف: «استفرهوا

ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط» (¬1)، أي: اتخذوا ضحايا فارهة، فإنها مطاياكم، فيقول: أنا أحب أن يكون لي مطية يوم القيامة، فأوصي بالأضحية. وليس هذا هو مراد العلماء. وأهم شيء أن يوصي بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق العباد، فقد يكون عليه زكاة لم يؤدها، وقد يكون عليه حج لم يؤده، وقد يكون عليه كفارة، وقد يكون عليه ديون للناس فيذكر بالوصية بهذا. ويذكر بوصية التطوع، فيقال: لو أوصيت بشيء من مالك في وجوه الخير تنتفع به، وأحسن ما يوصي به للأقارب غير الوارثين؛ لأن الذي يترجّح عندي: أن الوصية للأقارب غير الوارثين واجبة؛ لأن الله قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *} [البقرة]، وخص الوارث بآيات المواريث، ويبقى ما عداه على الأصل وهو الوجوب. والصحيح: أن الآية محكمة لا منسوخة، وعلى هذا فيوصي بما شاء، بالخمس مثلاً، فيقول: أنا أوصيت بالخمس يعطي الوصي منه ما يرى لأقاربي غير الوارثين، والباقي لأعمال الخير، ¬

_ (¬1) أخرجه صاحب «مسند الفردوس» (267) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي إسناده يحيى بن عبيد الله بن موهب قال عنه الحافظ ابن حجر في «التلخيص» بعد ذكر الحديث (4/ 138): «يحيى ضعيف جداً». ونقل عن ابن الصلاح قوله: «هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه». وقال ابن العربي: «ليس في فضل الأضحية حديث صحيح».

وإذا كان له أقارب غير وارثين فقراء فهم أحق بالخمس كله. وظاهر كلام المؤلف: يدل على أنه يذكر بذلك، سواء كان المرض مخوفاً أو غير مخوف، وسواء كان المريض يرتاع بذلك أو لا؛ لأن بعض المرضى إذا قلت له: تب إلى الله، واستغفره وانظر إلى المظالم التي عليك فأوصِ، تُدْني إليه الموت وربما يموت؛ لأنه سيقول: هذا رأى فيّ الموت. وبعض الناس يكون عنده يقين ولا يهتم بهذا الشيء، ويعرف أن الوصية لا تقرب الأجل، وترك الوصية لا يبعد الأجل، وكذلك الأمر بالتوبة. وقال بعض العلماء: لا يذكره بذلك إلا إذا كان مرضه مخوفاً. وفصل بعضهم فقال: أما التوبة فيذكره بها مطلقاً، ولو كان المرض غير مخوف؛ لأن التوبة مطلوبة في كل حال، والوصية لا يذكره بها إلا إذا كان المرض مخوفاً. والذي يظهر لي أنه يذكره مطلقاً ما لم يخف عليه؛ وذلك لأن التوبة مشروعة في كل وقت، والوصية كذلك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (¬1)، ولو كان صحيحاً ينبغي له إذا ذكره الوصية أن يبيّن له الوصية المشروعة، التي ليس لها آثار سيئة، بأن يقول: أوص بما أراد الله في الأقارب لغير ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2738)؛ ومسلم (1627) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

وإذا نزل به سن تعاهد بل حلقه بماء أو شراب

الوارثين، على نظر الوصي، ولبناء مساجد، أو شراء كتب، أو ما شابه ذلك، وتكون وصية منجزة لا تتأخر، وكذا إذا عرف من حال المريض أنه متهاون بمظالم الناس، وبما أوجب الله عليه، فينبغي أن يذكره على وجه لا يزعجه؛ لأن المريض ضعفت نفسه. مثلاً: إذا كان مديناً يحسن أن يقال: كتابة الديون والإِشهاد عليها حسن، والآجال بيد الله، وما أشبه. ويبيّن له مسألة هامة يهملها كثير من كتّاب الوصايا، فيكتب «وهذه الوصية ناسخة لما قبلها، أو سبقها»؛ لأننا وجدنا أن بعض الموصين يوصي بوصيتين: وصية سابقة فيها أشياء يطلب تنفيذها، ووصية لاحقة فيها أشياء يطلب تنفيذها، غير الأشياء الأولى، فيحصل بذلك تضارب وارتباك عند الأوصياء، ولهذا ينبغي كلما كتب وصية أن يقول: «وهذه الوصية ناسخة لما سبقها»؛ حتى لا يرتبك الوصي، وحتى لا يحصل تضارب الوصايا ويرتاح الإنسان، وهذه كلمة لا تضر، وإن كان قد يقول قائل: العبرة بالوصية الأخيرة؛ لأن المتأخر ناسخ، ولكن نقول: إذا أمكن الجمع فلا نسخ، وقد تكون الوصايا في الأولى كثيرة وفي الثانية كثيرة ولا يمكن الجمع بينهما. ويسن إذا عاد مريضاً أن يرقيه، لا سيما إذا كان المريض يتشوف لذلك. وَإِذَا نُزِلَ بِهِ سُنَّ تَعَاهُدُ بَلِّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، ............ قوله: «وإذا نزل به»، أي: نزل به الملك لقبض روحه، والملك الذي يقبض الروح هو ملك واحد يسمى «ملك الموت»

لقوله تعالى: {قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11]، وتسميته (عزرائيل) لم تثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما هي من أخبار بني إسرائيل، ولم يثبت من أسماء الملائكة إلا خمسة أسماء، وهي: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك، ورضوان، فهذه هي الأسماء الثابتة فيمن يتولون أعمال العباد، فأما (منكر ونكير) اللّذان يسألان الميت في قبره، فقد أنكرهما كثير من أهل العلم، ولكن وردت فيهما آثار. والمهم: أن ملك الموت لا يسمى عزرائيل؛ لأنه لم يثبت عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهذا من الأمور الغيبية التي يتوقف إثباتها ونفيها على ما ورد به الشرع. ثم إن ملك الموت له أعوان يعينونه على إخراج الروح من الجسد حتى يوصلوها إلى الحلقوم، فإذا أوصلوها إلى الحلقوم قبضها ملك الموت، وقد أضاف الله تعالى الوفاة إلى نفسه، وإلى رسله أي: الملائكة، وإلى ملك واحد، فقال الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42]، وأضافها إلى ملك واحد في قوله تعالى: {قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11]، وإلى الملائكة في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61]، ولا معارضة بين هذه الآيات، فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه واقع بأمره، وأضافه إلى الملائكة؛ لأنهم أعوان لملك الموت، وأضافه إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي تولى قبضها من البدن. قوله: «سُنَّ تعاهد بلّ حلقه بماء أو شراب»، أي: يسن أن

وتندى شفتاه بقطنة وتلقينه لا إله إلا الله مرة

يتعاهد الإِنسان بلَّ حلق المحتضَر بماء أو شراب، ولكن ليس بالماء الكثير؛ لأن الماء الكثير ربما يشرقه ويتضرر به، ولكن بماء قليل نقط تنقط بحلقه، وذلك من أجل أن يسهل عليه النطق بالشهادة؛ لأن المقام مقام رأفة بهذا المريض الذي بين يديك، فاسلك كل طريق يكون به أرفق. وقول المؤلف: «بماء أو شراب» الماء معروف، والشراب: ما سوى الماء مثل العصير أو شبهه، المهم الشيء الذي يصل إلى حلقه ويبلّه. وَتندَّى شَفَتَاه بِقُطْنَةٍ وَتَلْقِينُهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مَرَّةً ............ قوله: «وتندّى شفتاه بقطنة»، أي: أن الحاضر ينبغي له مع تنقيط الماء في حلق المحتضَر أن يندي شفتيه بقطنة؛ لأن الشفة يابسة، والحلق يابس فيحتاجان إلى تندية. قوله: «وتلقينه لا إله إلا الله مرة»، أي: تعليمه إياها كما يلقن التلميذ. وهل يقولها بلفظ الأمر، فيقول: قل: «لا إله إلا الله» أو يقولها بدون لفظ الأمر بأن يذكر الله عنده حتى يسمعه؟ الجواب: ينبغي في هذا أن ينظر إلى حال المريض، فإن كان المريض قوياً يتحمل، أو كان كافراً فإنه يؤمر فيقال: قل: لا إله إلا الله، اختم حياتك بلا إله إلا الله، وما أشبه ذلك. وإن كان مسلماً ضعيفاً فإنه لا يؤمر، وإنما يذكر الله عنده حتى يسمع فيتذكر، وهذا التفصيل مأخوذ من الأثر، والنظر. أما الأثر فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر عمه أبا طالب عند وفاته أن

يقول: لا إله إلا الله، قال: يا عم قل: لا إله إلا الله» (¬1). وأما النظر: فلأنه إن قالها فهو خير، وإن لم يقلها فهو كافر، فلو فرض أنه ضاق صدره بهذا الأمر ولم يقلها فهو باق على حاله لم يؤثر عليه شيئاً، وكذا إذا كان مسلماً وهو ممن يتحمل فإن أمرناه بها لا يؤثر عليه، وإن كان ضعيفاً فإن أمرناه بها ربما يحصل به رد فعل بحيث يضيق صدره، ويغضب فينكر وهو في حال فِراق الدنيا، فبعض الناس في حال الصحة إذا قلت له قل: لا إله إلا الله، قال: لن أقول: لا إله إلا الله، فعند الغضب يغضب بعض الناس حتى ينسى، فيقول: لا أقول: لا إله إلا الله، فما بالك بهذه الحال؟ قوله: «تلقينه لا إله إلا الله» ولم يقل: محمداً رسول الله؛ لأن هذا هو الذي ورد فيه الحديث: «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله» (¬2)، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة» (¬3). فكلمة التوحيد مفتاح الإِسلام، وما يأتي بعدها فهو من مكملاتها وفروعها. ولو جمع بين الشهادتين؛ فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا يمنع هذا من أن يكون آخر كلامه من الدنيا «لا إله إلا الله»؛ لأن الشهادة للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالرسالة تابع لما قبلها ومتممٌ له، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1360)؛ ومسلم (24) عن المسيب بن حزن رضي الله عنه. (¬2) أخرجه مسلم (1916) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (¬3) أخرجه أبو داود (3116)؛ والحاكم (1/ 351) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده، فيعيد تلقينه برفق، ويقرأ عنده «يس»

ولهذا جعلها النبي صلّى الله عليه وسلّم مع الشهادة لله بالألوهية ركناً واحداً، فلا يعاد تلقينه، وظاهر الأدلة أنه لا يكفي قول المحتضَر: أشهد أن محمداً رسول الله، بل لا بد أن يقول: لا إله إلا الله. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلاَثٍ إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ بِرِفْقٍ، وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ «يَس» ...... قوله: «ولم يزد على ثلاث» أي: لم يلقنه أكثر من ثلاث؛ لأنه لو زاد على ذلك ضجر؛ لأنه سيقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم يسكت، فلو كرر ربما يتضجر المريض؛ لأنه بحال صعبة لا يدركها إلا من كان على هذه الحال، ولأن من عادة النبي صلّى الله عليه وسلّم غالباً أنه إذا تكلم تكلم ثلاثاً، وإذا سلم سلم ثلاثاً، وإذا استأذن استأذن ثلاثاً، فالثلاث عدد معتبر في كثير من الأشياء. قوله: «إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفق». «إلا أن يتكلم» الفاعل المريض المحتضَر، فإذا تكلم بعد أن قال: لا إله إلا الله فإنه يعيد تلقينه، لكن برفق كالأول. قوله: «فيعيدُ» بالرفع على الاستئناف؛ لأنها لا تصلح للعطف، والاستئناف بالفاء كثير، ومنه قوله تبارك وتعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 284]. والمعنى يفسد فيما لو قلنا: «فيعيدَ» بالنصب عطفاً على «يتكلم»؛ لأن المعنى يكون إلا أن يتكلم فإنه يعيد، وهذا ليس هو المقصود؛ لأن المقصود إلا أن يتكلم فإذا تكلم أعاد تلقينه برفق. قوله: «ويقرأ عنده {يس *}»، أي: يقرأ القارئ عند المحتضَر

سورة {يس *} لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اقرؤوا على موتاكم يس» (¬1)، هذا الحديث مختلف فيه، وفيه مقال، ومن كان عنده هذا الحديث حسناً أخذ به. وقوله عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا على موتاكم»، أي: من كان في سياق الموت، وسمي ميتاً باعتبار ما يؤول إليه، وتسمية الشيء بما يؤول إليه وارد في اللغة العربية، ومنه قول الرائي ليوسف: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، وهو لا يعصر خمراً، وإنما يعصر عنباً يكون خمراً. وقد ذكر بعض العلماء أن من فائدة قراءة يس تسهيل خروج الروح؛ لأن فيها تشويقاً، مثل قوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} [يس: 26]، والتشويق للجنة فيه تسهيل لخروج الروح، ولهذا إذا بُشّر ـ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن تبشّر روحه بالجنة ـ إذا بشّر بالجنة سهل عليه، وأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه. وفيها: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ *هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ *} [يس]، وفي آخرها إثبات قدرة الله ـ عز وجل ـ على إحياء الموتى. ولكن هل يقرؤها سراً أو جهراً، أو في ذلك تفصيل؟ الجواب: قوله: «اقرؤوا على موتاكم» (¬2)، يقتضي أن تكون ¬

_ (¬1) و (¬2) أخرجه الإمام أحمد (5/ 26، 27)؛ وابن ماجه (1448)؛ وابن حبان (3002) إحسان؛ والحاكم (1/ 565) عن معقل بن يسار رضي الله عنه. قال الدارقطني: «هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث». وضعفه ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (5/ 49 ـ 50)؛ والنووي في «الأذكار» ص (112). وانظر: «التلخيص» (2/ 104).

ويوجهه إلى القبلة فإذا مات سن تغميضه

قراءتها جهراً، ولا سيما إذا قلنا: إن العلة تشويق الميت لما يسمعه في هذه السورة، ولكن إذا كان يخشى على المريض من الانزعاج، وأنه إذا سمع القارئ يقرأ سورة {يس *}، أو كان في شك في كون الإِنسان في النزع فلا يرفع صوته بها، وإن كان جازماً، فالإِنسان الذي يكثر حضور المحتضَرين يعرف أنه احتُضِر أو لا، فإذا عرف أنه في سياق الموت فإنه يقرؤها بصوت مرتفع، ولا حرج في هذا، لأن الرجل يُحْتَضَر. وهذه القراءة لا يكون معها نفث على المحتضَر؛ لأنه لم يرد. وَيُوَجِّهُهُ إِلَى القِبْلَةِ فَإِذَا مَاتَ سُنَّ تَغْمِيضُهُ، ............ قوله: «ويوجّهه إلى القبلة» أي: من حضر الميت يوجّه الميت إلى القبلة، أي: يجعل وجهه نحو القبلة، وذلك أن المحتضَر إما أن يستدبر القبلة، أو يكون رأسه نحو القبلة أو بالعكس، أو يستقبلها، والأخيرة أفضل الأحوال. وهذا يقتضي أن يكون على جنبه الأيمن، أو الأيسر حسب ما هو متيسر؛ لأن المجلس الذي يستقبل فيه الإنسان القبلة هو أفضل المجالس، كما يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أشرف مجالسكم ما استقبلتم به القبلة» (¬1)؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» (¬2)، وهذا يشمل الميت المحتضر والميت بعد دفنه في ¬

_ (¬1) رواه الطبراني في «الكبير» (10781)؛ والحاكم (4/ 270)؛ والبيهقي (7/ 272) عن ابن عباس. وقال البيهقي: «ولا يثبت في ذلك إسناد». وقال العقيلي في «الضعفاء» (4/ 341): «ليس لهذا الحديث طريق يثبت». وانظر: «مجمع الزوائد» (8/ 59). (¬2) أخرجه أبو داود (2875)؛ والحاكم (1/ 59، 4/ 259)؛ والبيهقي (3/ 408) عن عمير بن قتادة رضي الله عنه. وقال الحاكم: «قد احتج برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان». قال الذهبي: «لجهالته، وقد وثقه ابن حبان».

القبر، وكلا الحديثين ضعيف، لكن يشهد له ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ أن البراء بن معرور أوصى عند موته أن يستقبل به القبلة فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أصاب الفطرة» (¬1). فهذا يشهد للحديثين السابقين، وإلا فإن الذي يظهر من عمل النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة أنهم لا يتقصدون أن يوجّه المحتضَر إلى القبلة، ومن ذلك ما حصل للنبي صلّى الله عليه وسلّم عند موته حيث مات في حجر عائشة، ولم يُذْكر أنها استقبلت به القبلة (¬2)، وإنما هذه الأحاديث، وإن كانت ضعيفة فربما تصل إلى درجة الحسن فتكون مقبولة. قوله: «فإذا مات سنّ تغميضه»، كل ما تقدم من الكلام محله قبل الموت، فإذا مات فإنه تشرع في حق الميت أمور: أولها: تغميض الميت، أي: إذا تحققنا موته، والإِنسان إذا مات شخص بصره، أي: انفتح يتبع روحه أين تذهب، فإذا مات فإنه سوف يشخص بصره، فيسنّ تغميضه، ولذلك دليلان: أثري، ونظري. أما الأثري: ففعل النبي صلّى الله عليه وسلّم بأبي سلمة، «فإنه لما دخل على أبي سلمة ورأى بصره قد شخص قال: إن الروح إذا قبض اتبعه البصر، فسمعه من في البيت فضجوا»، أي: علموا أن الرجل قد مات، «فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن ¬

_ (¬1) أخرجه الحاكم (1/ 353)؛ والبيهقي (3/ 384) عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (¬2) أخرجه البخاري (4440)؛ ومسلم (2444) عن عائشة رضي الله عنها.

الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون» (¬1)؛ لأنه من عادة الجاهلية أنه عند المصائب يدعون على أنفسهم بالشر، فيقولون: واثبوراه، وانقطاع ظهراه، وما أشبه ذلك من الكلمات المعروفة عندهم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأهل أبي سلمة: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون»، وإِنَّ دعاءً تؤمِّن عليه الملائكة لحريٌّ بالإِجابة، ولا سيما في هذه الحال التي يكون فيها الإِنسان مصاباً خاضعاً خاشعاً مفتقراً إلى ربه، عارفاً أنه لا ينجيه من هذه المصيبة إلا الله، فيكون حرياً بالإِجابة، ولهذا سُخِّرت الملائكة لتؤمِّن على دعائه، ثم قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه، واخلفه في عقبه في الغابرين»، دعوات عظيمة خير من الدنيا وما فيها، دعا له بهذه الدعوات الخمس، والأخيرة منها علمت، فإن الله تعالى خلفه في عقبه حيث سخر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوج أم سلمة، ويكون أبناء أبي سلمة ربائب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وما لم نعلمه من المغفرة، ورفع درجته في المهديين، والفسح له في قبره، وتنويره، فإننا نرجو أن يكون كذلك. وأما النظري: فهو: لدفع تشويه الميت؛ لأنه إذا كان البصر شاخصاً ففيه تشويه، فالذي ينظر إليه يجده مشوهاً، ففي تغميضه إزالة لهذا التشويه. قال العلماء: وفيه أيضاً حجب الهوام أن تصل إلى حدقة العين، ولكن هذا تعليل بعيد؛ لأن الميت لن يبقى حتى تتسلط ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (920) عن أم سلمة رضي الله عنها.

وشد لحييه وتليين مفاصله

عليه الهوام؛ ولأنه سيأتي أنه يغطى، فالذباب وشبهه لن يصل إليه، لكن التعليل الأول الذي ذكرناه هو الأولى، وهو: درء التشويه؛ لأن الميت سوف يغسل، وسوف يكشف فإذا كشف وقد حصل له هذا يكون مشوهاً، وربما يتوجّه ما قاله بعض العلماء في منع الهوام من الوصول إلى الحدقة فيما إذا دفن في القبر؛ لأنه إذا بقي البصر منفتحاً ثم برد الميت لا يمكن أن ينضم بعد هذا فيبقى منفتحاً إلى أن يشاء الله. وينبغي عند التغميض أن يدعو بما دعا به النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي سلمة فيقول: «اللهم اغفر لفلان، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه، واخلفه في عقبه» كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، فيكون هنا سنّة فعلية وسنّة قولية، الفعلية هي: تغميض العينين. والقولية هي: هذا الدعاء. وَشَدُّ لِحْيَيْهِ وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ، ............ قوله: «وشد لحييه»، هذا هو الأمر الثاني مما يفعل بالميت، وهو: شد لحييه، أي: ربطهما، واللحيان: هما العظمان اللذان هما منبت الأسنان فليشدهما بحبل، أو بخيط، أو بلفافة؛ لأنه إذا لم يربطهما فربما ينفتح الفم، فإذا شدهما وبرد الميت بقي مشدوداً. وهذا ليس فيه دليل أثري فيما أعلم، لكن فيه دليلاً نظرياً: وهو: درء تشويه الميت من وجه. والوجه الثاني: حفظ باطنه من دخول الهوام عليه، ولو في القبر. قوله: «وتليين مفاصله»، هذا هو الأمر الثالث، وهو: تليين

وخلع ثيابه، وستره بثوب ووضع حديدة على بطنه

مفاصل الميت، أي: أن يحاول تليينها، والمراد مفاصل اليدين والرجلين، وذلك بأن يرد الذراع إلى العضد، ثم العضد إلى الجنب ثم يردهما. وكذلك مفاصل الرجلين: بأن يرد الساق إلى الفخذ، ثم الفخذ إلى البطن، ثم يردهما قبل أن يبرد؛ لأنه إذا برد بقي على ما هو عليه وصعب تغسيله، فيكون مشتداً لكن إذا ليّنت المفاصل صارت لينة عند الغسل وعند التكفين وربط الكفن، فسهل على الغاسل والمكفن التغسيل والتكفين، وهذا أيضاً لا أعلم فيه سنّة، لكن دليله نظري. وهو ما فيه من تليين مفاصل الميت وهذه مصلحة، ولكن يجب أن تليّن برفق، وليس بشدة؛ لأن الميت محل الرفق والرحمة. وَخَلْعُ ثِيَابِهِ، وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ وَوَضْعُ حَدِيدَةٍ عَلَى بَطْنِهِ .......... قوله: «وخلع ثيابه»، هذا هو الأمر الرابع؛ وهو: خلع ثياب الميت، ودليل هذا أثري ونظري أيضاً: أما الأثري: فهو قول الصحابة حين مات النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل نجرد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما نجرد موتانا» (¬1)، فينبغي أن تخلع ثيابه. أما النظري: فلأن الثياب لو بقيت لحمي الجسم، وأسرع إليه الفساد، أما إذا جرّد من ثيابه صار أبرد له، ويسجى كما سيأتي بثوب. ويجب أن يكون الخلع برفق خلافاً لما رأيناه من بعض ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (6/ 267)؛ وأبو داود (3141)؛ وابن حبان (6627) إحسان؛ والحاكم (3/ 59) عن عائشة رضي الله عنها. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.

ووضعه على سرير غسله متوجها منحدرا نحو رجليه، وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة

الناس، تجده ينزع الثياب بشدة، لا سيما في ثياب الشتاء إذا كانت على الميت، فهذا خلاف الرحمة والرفق. قوله: «وستره بثوب» هذا هو الأمر الخامس، وهو: ستر الميت بثوب؛ أي: ستر الميت بثوب يكون شاملاً للبدن كله. ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «حين توفي سجي ببرد حِبَرة» (¬1)، والبُرد: ثوب يلتحف به يشمل كل الجسد، والحبرة: برود يمانية معروفة في ذلك العهد تأتي من اليمن، ولكنه صلّى الله عليه وسلّم لم يجرد من ثيابه، بل بقيت ثيابه عليه وستر بثوب (¬2). وَوَضْعُهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ مُتَوَجِّهاً مُنْحَدِراً نَحْوَ رِجْلَيْهِ، وَإِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ إِنْ مَاتَ غَيْرَ فَجْأَةٍ .......... قوله: «ووضع حديدة على بطنه» هذا هو الأمر السادس، وهو وضع حديدة على بطن الميت أي: يسن أيضاً أن يوضع على بطنه حديدة أو نحوها من الأشياء الثقيلة. واستدلوا على هذا: بأثر فيه نظر، وبنظر فيه عِلة. أما الأثر: فذكروا عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «ضعوا على بطنه شيئاً من حديد» (¬3)، وهذا الأثر فيه نظر، ولا أظنه يثبت عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ، والذي يظهر من حال الصحابة أنهم لا يفعلون ذلك. وأما النظر الذي فيه عِلة فإنهم قالوا: لئلا ينتفخ البطن، إذا وضع عليه حديدة أو نحوها من الأشياء الثقيلة. ولكن هل هذا يمنع الانتفاخ؟ لا أظنه يمنع؛ لأن الانتفاخ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (5814)؛ ومسلم (942) عن عائشة رضي الله عنها. (¬2) كما سبق في حديث عائشة رضي الله عنها. (¬3) أخرجه البيهقي (3/ 385).

إذا حصل لا يغني وضع الحديدة شيئاً إلا إن كان سيوضع عليه حديدة وزن الجبل فهذا شيء ثان، أما إذا كانت حديدة مألوفة فإنه إذا انتفخ فإنها سوف ترتفع، ثم إن الزمن ليس طويلاً؛ لأن السنة هي الإِسراع بتجهيز الميت، وفي عصرنا الآن نستغني عن هذا، وهو أن يوضع في ثلاجة إذا احتيج إلى تأخير دفنه، وإذا وضع في الثلاجة فإنه لا ينتفخ، لأنه يبقى بارداً فلا يحصل الانتفاخ في بطنه. قوله: «ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه» هذا هو الأمر السابع، وهو: وضع الميت على سرير الغسل، أي: ينبغي أن يبادر في رفعه عن الأرض؛ لئلا تأتيه الهوام، ولعل ذكر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ لذلك؛ لكثرة الهوام في البيوت في زمانهم فلهذا قالوا: ينبغي أن يبادر فيرفع على سرير الغسل. والسرير معروف، ويختلف سرير الغسل عند الناس، فمنهم من يكون السرير مختوماً أي: كله ألواح، ومنهم من يكون السرير غير مختوم أي: عبارة عن قطع من الخشب مصفوف بعضها إلى بعض مع الفتحات، كما هو موجود عندنا الآن. وقوله: «متوجهاً»، أي: إلى القبلة لأن هذا أفضل، ولا أعلم في هذا دليلاً من السنة. وقوله: «منحدراً نحو رجليه» أي: يكون رأسه أعلى من رجليه لسببين: الأول: لئلا يبقى الماء في السرير؛ وهذا لأن الأسرَّة كانت

عندهم فيما سبق ألواحاً مختومة، أما السرير الموجود الآن فليس كذلك. الثاني: من أجل أن يسهل خروج ما كان مستعداً للخروج من بطنه؛ لأنه إذا كان مرتفعاً نازلاً نحو رجليه، فالذي يكون متهيئاً للخروج يخرج. وقوله: «متوجهاً، منحدراً نحو رجليه» هذه صفة للوضع على السرير فلا نعدها أموراً مستقلة. قوله: «وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة»، هذا هو الأمر الثامن (¬1)، وهو: الإسراع في تجهيز الميت، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (¬2)، لكن ظاهره فيما لو كانت محمولة؛ لأن قوله: «فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» ظاهر: في أن المراد بذلك الإِسراع بها حين تشييعها. لكن نقول: إذا كان الإِسراع في التشييع مطلوباً مع ما فيه من المشقة على المشيعين، فالإِسراع في التجهيز من باب أولى. أما حديث: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» (¬3)، فهو ضعيف. وقوله: «إن مات غير فجأة»، فإن مات فجأة فإنه لا يسن الإِسراع بتجهيزه؛ لاحتمال أن تكون غشية لا موتاً، والمسألة ¬

_ (¬1) وهو آخر ما ذكره المؤلف مما يفعل بالميت. (¬2) أخرجه البخاري (1315)؛ ومسلم (944) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬3) أخرجه أبو داود (3159)؛ والبيهقي (3/ 386).

خطيرة؛ لأنه لو كانت غشية ثم جهزناه ودفناه، ولم تكن موتاً صار في ذلك قتلٌ لنفس، فالواجب إن مات فجأة أن ننتظر به. وهذا الذي ذكره العلماء ـ رحمهم الله ـ قبل أن يتقدم الطب، أما الآن فإنه يمكن أن يحكم عليه أنه مات بسرعة؛ لأن لديهم وسائل قوية تدل على موت المريض. لكن إذا لم يكن هناك وسائل فإن الواجب الانتظار إلى أن نتيقن موته. قال في الروض: «يعرف موته بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه»، فهذه أربع علامات: الأولى: انخساف الصُدْغ؛ لأن اللحيين ينطلقان فإذا انطلقا صار الصدغ منخسفاً. الثانية: ميل أنفه، فإذا مات يميل الأنف؛ لأن الأنف مستقيم ما دامت الحياة بالإِنسان، ثم إذا مات ارتخى ولان ومال. الثالثة: انفصال كفيه، أي: عن ذراعه فتنطلق الكف عن الذراع، وتجدها مرتخية. الرابعة: استرخاء رجليه، فتنفصل الرجل عن الكعب، فترتخي وتميل. فهذه أربع علامات يعلم بها الموت، وهي علامات حسية بدون آلات، لكن الآن لدى الأطباء آلات تدل على الموت دون هذه العلامات. ويذكر: أن رجلاً أصيب بغشية فجهَّزوه، وحملوه إلى

المقبرة، فمروا برجل ذي خبرة فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: هذه جنازة نريد أن ندفنها، قال: هذا لم يمت أنزلوه، فنزلوه، فأتى بسوط فجعل يضرب هذا الميت حتى تحرك فقالوا: ما الذي حملك على هذا؟ وما الذي أعلمك أنه لم يمت؟ قال: إن الميت تسترخي رجلاه فلا تنتصبان، وهذا الذي حملتم، رجلاه منتصبتان، وأما ضربي إياه بالسوط؛ فلأن الضرب يحمي الجسم، وإذا حمي جسمه زالت عنه البرودة التي هي سبب الغشي، ثم حملوه راجعين به إلى بيته. فهذا شاهد على ما قاله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن من علامات الموت استرخاء الرجلين. فإسراع التجهيز بشرط أن يموت غير فجأة، فإن مات فجأة وجب الانتظار، وبهذا التقرير نعلم خطأ ما يفعله بعض الناس اليوم يؤخرون الميت حتى يأتي أقاربه، وأحياناً يكون أقاربه خارج المملكة في أوربا أو غيرها، فينتظرون به يوماً، أو يوماً وليلة من أجل حضور الأقارب، وهذا في الحقيقة جناية على الميت، فالميت إذا كان من أهل الخير، فإنه يود أن يدفن سريعاً؛ لأنه يبشر بالجنة عند موته ـ نسأل الله أن يجعلنا منهم ـ وإذا خُرِجَ به من بيته تقول نفسه: قدموني تحُثهم أن يوصلوها إلى القبر (¬1)، فإذا ¬

_ (¬1) لما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق». أخرجه البخاري (1316).

وإنفاذ وصيته ويجب الإسراع في قضاء دينه

حبسناه عما أعد الله له من النعيم صار في هذا جناية عليه مع مخالفة السنة، وأصبحت الآن الجنازة كأنها حفل عرس ينتظر به القادم حتى يحضر. أما إذا أخر مثلاً لساعة أو ساعتين أو نحوهما، من أجل كثرة الجمع فلا بأس بذلك، كما لو مات بأول النهار وأخرناه إلى الظهر؛ ليحضر الناس، أو إلى صلاة الجمعة إذا كان في صباح الجمعة؛ ليكثر المصلون عليه، فهذا لا بأس به؛ لأنه تأخير يسير لمصلحة الميت. فإن قال قائل: كيف نجيب عن فعل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، حيث لم يدفنوا النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا ليلة الأربعاء مع أنه توفي يوم الاثنين؟ فالجواب عن هذا: أنه من أجل إقامة الخليفة بعده، حتى لا يبقى الناس بلا خليفة، فالإِمام الأول محمد صلّى الله عليه وسلّم توفي، فلا نواريه بالتراب حتى نقيم خليفة بعده، وهو مما يحثهم على إنجاز إقامة الخليفة، ومن حين ما بويع أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ شرعوا في تجهيز النبي صلّى الله عليه وسلّم ودفنه. وعلى هذا إذا مات الخليفة، وكان لم يعين من يخلفه فلا حرج أن يؤخر دفنه حتى يقام خليفة بعده. وَإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ وَيَجِبُ الإِْسْرَاعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ ......... قوله: «وإنفاذِ وصيته»، «إنفاذِ» بالكسر عطفاً على «تجهيز»، أي: وإسراع إنفاذ وصيته، أما إنفاذ وصيته فهو واجب، لكن إسراع الإِنفاذ إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب فللإِسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع

فلإِسراع الأجر له، والوصية إما واجبة وإما تطوع. قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن، سبحان الله إذا رأيت هذا الكلام، ورأيت ما يفعله بعض الظلمة من الورثة الذين يؤخرون وفاء الدين عن الميت لمصالحهم الخاصة، فتجد الميت عليه ديون ووراءه عقارات، فيقولون: لا نبيعها؛ بل نوفيه من الأجرة ولو بعد عشر سنين، أو يقولون: الأراضي ـ مثلاً كسدت الآن فننتظر حتى ترتفع قيمتها، وربما ترتفع قيمتها، وربما تنزل، وهذا ظلم ـ والعياذ بالله ـ، وربما يكون هؤلاء من ذرية الميت، فيكون فيه من العقوق ما لا يخفى على أحد؛ لأن الميت يتأثر بالدين الذي عليه إن صح الحديث: «نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه» (¬1)، وإن لم يصح فلا بد أن تتأثر النفس بهذا الدين الذي عليه، فالوصية بالواجب يجب المبادرة بإنفاذها، وبالتطوع يسن، لكن الإِسراع بذلك مطلوب، سواء أكانت واجبة أم مستحبة قبل أن يصلى عليه ويدفن، هذه هي السنة. قوله: «ويجب الإِسراع في قضاء دينه»، أي دين الميت، سواء كان هذا الدَّين لله، أو للآدمي. فالدَّين لله مثل: الزكاة، والكفارة، والنذر، وما أشبه ذلك. والدَّين للآدمي: كالقرض، وثمن المبيع، والأجرة، وضمان ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 440، 475)؛ والترمذي (1079) وحسنه؛ وابن ماجه (2413)؛ وابن حبان (3061) إحسان؛ والحاكم (2/ 26) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

تالف، وغير هذا من حقوق الآدميين فيجب الإِسراع بها بحسب الإمكان، فتأخيرها حرام. والدليل: أثري ونظري: أما الأثري: فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه»، فهذا الحديث فيه ضعف، لكن يؤيده حديث أبي قتادة «في الرجل الذي جيء به إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم فسأل هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، فتأخر ولم يصلِّ عليه، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ يا رسول الله، قال: حقُ الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم، فتقدم فصلى» (¬1). وأما الدليل النظري: فلأن الأصل في الواجب المبادرة بفعله ولا يجوز تأخير الواجب إلا إذا اقتضى الدليل تأخيره. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (3/ 330)؛ والحاكم (2/ 58) وصححه؛ والبيهقي (6/ 75) عن جابر رضي الله عنه؛ وحسّنه الهيثمي في «المجمع» (3/ 39).

فصل

فَصْلٌ غَسْلُ المَيِّتِ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ .......... فصل قوله: «غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه فرض كفاية». هذه أربع مسائل: الأولى: قوله: «غسل الميت». ودليل ذلك: 1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته ناقته يوم عرفة: «اغسلوه بماء وسدر» (¬1)، والأمر في الأصل للوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت، إنما يوجه الخطاب لعموم المسلمين، فإذا قام به بعضهم كفى. 2 ـ قول النبي عليه الصلاة والسلام للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (¬2)، والأصل في الأمر الوجوب. وهذان دليلان أثريان. أما الدليل النظري: فلأنَّ هذا من حقوق المسلم على أخيه، بل هو من أعظم الحقوق أن يقدم الإِنسان أخاه إلى ربه على أكمل ما يكون من الطهارة. والثانية: قوله: «وتكفينه»، ودليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كفنوه في ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1265)؛ ومسلم (1206) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه البخاري (1259)؛ ومسلم (939) (39) عن أم عطية رضي الله عنها.

ثوبيه». وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، ومن المعلوم أنه واجب كفاية؛ لأنه لا يمكن أن يؤمر كل واحد من الناس أن يكفن الميت، وإنما المقصود أن يحصل الكفن. وهذا هو الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، ففرض العين مطلوب من كل واحد، وفرض الكفاية المطلوب فيه وجود الفعل. الثالثة: قوله: «والصلاة عليه»، فالصلاة عليه أيضاً فرض كفاية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي على الأموات باستمرار، وكان يقول: «صلوا على صاحبكم» (¬1)، «وأمر أن يصلى على المرأة التي رجمت» (¬2)، وقال الله ـ عز وجل ـ: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دل على أن الصلاة على المؤمنين شريعة قائمة، وهو كذلك. الرابعة: قوله: «ودفنه فرض كفاية»، فدفن الميت أيضاً فرض كفاية؛ لأن الله تعالى امتن به على العباد فقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا *أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا *} [المرسلات]، فكما أنَّ علينا إيواء المضطر في البيوت، وستره فيها عند الضرورة، فكذلك علينا ستر الميت في قبره. وكذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *} [عبس]، فإن هذا سيق على سبيل المنة؛ لأن الله أكرمه بدفنه، ولم يجعله كسائر الجيف تلقى في المزابل والأسواق والأفنية، بل أكرمه بدفنه وستره. إذاً هذه الأربع كلها فرض كفاية، وسيأتي إن شاء الله بالتفصيل كيفية التغسيل، وكيفية التكفين، وكيفية الصلاة، وكيفية الدفن. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2298)؛ ومسلم (1619) (14) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬2) أخرجه مسلم (1695) (1696).

وأولى الناس بغسله وصيه

واعلم أن كل فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن لم يوجد إلا واحد صار في حقه فرض عين. وقول المؤلف: «دفنه فرض كفاية»، وما يتوقف عليه الدفن فرض كفاية أيضاً، وكذلك ما تتوقف الصلاة عليه فرض كفاية، فحمله من بيته إلى المصلى فرض كفاية، وحمله من المصلى إلى المقبرة فرض كفاية؛ لأن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). فإذا قال قائل: إذا كانت هذه الأشياء تحتاج إلى مال، فمن أين يؤخذ هذا المال، فالغسل ـ مثلاً ـ يحتاج إلى مال، والكفن يحتاج إلى مال، والدفن يحتاج إلى مال، والحمل قد يحتاج إلى مال؟ فالجواب: أنه يكون أولاً من تركة الميت، ثم على من تلزمه نفقته، فإن لم يمكن فعلى عموم المسلمين؛ لأنه فرض كفاية. وَأَوْلَى النَّاسِ بِغَسْلِهِ وَصِيُّهُ، ....................................... قوله: «وأولى الناس بغسله وصيه»، أي: لو تنازع الناس فيمن يغسل هذا الميت؟ قلنا: أولى الناس بغسله وصيه، أي: الذي أوصى أن يغسله. واستفدنا من قول المؤلف: «وصيه» أنه يجوز للميت أن يوصي ألاَّ يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصي تقياً يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالماً بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقاً؛ لأن بعض الذين يغسلون الأموات يعاملونهم بشدة عند نزع ثيابهم، وكأنما يسلخون جلد شاة مذبوحة ـ نسأل الله العافية ـ، فيوصي لشخص معين، فإذا كان الميت قد أوصى لشخص معين بأن يغسله، فهو أولى الناس بتغسيله، فإن لم يوص فسيذكره المؤلف.

ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذوو أرحامه

والدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية: «أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ أوصى أن تغسله امرأته» (¬1)، «وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين» (¬2). ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ، .......... قوله: «ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته»، هنا قدموا ولاية الأصول على ولاية الفروع، وفي باب الميراث قدموا الفروع على الأصول، وفي ولاية النكاح قدموا الأصول على الفروع؛ فلو كان للشخص الميت أب وابن ولم يوص أن يغسله أحد، فالأولى الأب لما يلي: أولاً: أن الأب أشد شفقة وحنواً على ابنه من الابن على أبيه. ثانياً: أن الأب في الغالب يكون أعلم بهذه الأمور من الابن لصغره، مع أنه قد يكون بالعكس، فقد يكون ابن الميت طالب علم وأبوه جاهلاً. وقوله: «ثم جده»، أي: من قبل الأب. وقوله: «ثم الأقرب فالأقرب من عصباته»، أي: بعد الأب والجد الأبناء، وإن نزلوا، ثم الإِخوة وإن نزلوا، ثم الأعمام وإن نزلوا، ثم الولاء على هذا الترتيب، ومن المعلوم أن مثل هذا الترتيب إنما نحتاج إليه عند المشاحة، فأما عند عدم المشاحة كما هو الواقع في عصرنا اليوم، فإنه يتولى غسله من يتولى غسل عامة الناس، وهذا هو المعمول به الآن، فتجد الميت يموت وهناك أناس مستعدون لتغسيله، فيذهب إليهم فيغسلونه. ¬

_ (¬1) أخرجه عبد الرزاق (6117، 6124)؛ وابن أبي شيبة (3/ 249)؛ والبيهقي (3/ 397). (¬2) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (7/ 25).

وأنثى وصيتها، ثم القربى فالقربى من نسائها ولكل من الزوجين غسل صاحبه

قوله: «ثم ذوو أرحامه»، أي: أصحاب الرحم. وهم: كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، فأب الأم مثلاً من ذوي الأرحام، وأم الأب ليست من ذوي الأرحام، لكن لا تغسل الرجل، فإذاً لا ترد علينا وإن كانت من ذوي الفروض. وَأُنْثَى وَصِيَّتُهَا، ثُمَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْ نِسَائِها. وَلِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِهِ، ............ قوله: «وأنثى وصيتها»، كما قلنا فيما سبق بالنسبة للرجل. قوله: «ثم القربى فالقربى من نسائها»، ولم يقل: ثم الأقرب فالأقرب من العصبات؛ لأن النساء ليس فيهن عصبة إلا بالغير أو مع الغير، ولهذا قال: «القربى فالقربى من نسائها» وعلى هذا نقول: الأولى بتغسيل المرأة إذا ماتت: وصيتها، ثم أمها وإن علت، ثم ابنتها وإن نزلت، ثم أختها من أب أو أم أو الشقيقة، ثم عماتها، فخالاتها، إلى آخره. قوله: «ولكل من الزوجين غسل صاحبه» أي: تغسيله، فالزوج له أن يغسل زوجته إذا ماتت، والزوجة لها أن تغسل زوجها إذا مات. ودليل هذا ما سبق من حديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ: «أنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس» (¬1). وكذلك بالعكس؛ لأنه يروى عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: «لو مُتِّ قبلي لغسلتك» (¬2). ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (266). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (6/ 228)؛ وابن ماجه (1465)؛ وابن حبان (6552) إحسان؛ والبيهقي (3/ 378). وقال البوصيري في «الزوائد»: «إسناد رجاله ثقات».

وكذا سيد مع سريته، ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط، وإن مات رجل بين نسوة، أو عكسه يممت كخنثى مشكل

مسألة: لو مات زوج عن زوجته الحامل، ثم وضعت الحمل قبل أن يغسل فهل لها تغسيله؟ الجواب: ليس لها ذلك؛ لأنها بانت منه حيث إنها انقضت عدتها قبل أن يغسل فصارت أجنبية منه. وَكَذَا سَيِّدٌ مَعَ سُرِّيَتِهِ، وَلِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ فَقَطْ، وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نسْوَةٍ، أَوْ عَكْسُهُ يُمِّمَتْ كَخُنْثَى مُشْكِلٍ. قوله: «وكذا سيد مع سُرِّيَته» المراد: مع أمته، ولو لم تكن سُرِّيته، فلو قدر أنها مملوكة، لكن لم يتسرها أي: لم يجامعها، ثم مات فلها أن تغسله، وله أن يغسلها. قوله: «ولرجل وامرأة غسل من له سبع سنين فقط»، أي: من ذكر أو أنثى. ودليل هذا: أن إبراهيم ابن النبي صلّى الله عليه وسلّم غسلته النساء (¬1)؛ لأنه مات في الرضاعة أي قبل أن يفطم؛ ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها، فإذا ماتت طفلة لها أقل من سبع سنوات فلأبيها أن يغسلها، وإذا مات طفل له أقل من سبع سنوات فلأمه أن تغسله، فإن ماتت طفلة لها سبع سنوات فأكثر فليس لأبيها أن يغسلها؛ لأنه لا يغسل الرجل المرأة، ولا المرأة الرجل إلا في الزوجين، والمالك وأمته. قوله: «وإن مات رجل بين نسوة»، أي إن مات رجل بين نسوة، وكذا من له سبع سنين فأكثر فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة له أو أمة، فإن كان معهن زوجة أو أمة فإنها تغسله ¬

_ (¬1) لم نقف عليه.

كما سبق، أما إذا لم يكن معهن زوجة ولا أمة فإنه لا يغسل، وإذا كان معهن بنته أو أُمُّه فإنهما لا تغسِّلانه. قوله: «أو عكسه» أي: أو حصل عكسه؛ بأن ماتت امرأة بين رجال، فإنهم لا يغسلونها إلا أن يكون أحد الرجال سيداً أو زوجاً. قوله: «يُمِّمت كخنثى مشكل»، أفادنا المؤلف بقوله: «يممت» أنه متى تعذر غسل الميت فإنه ييمم، وتعذره له صور منها: أولاً: هاتان الصورتان: أن تموت امرأة بين رجال ليس معهم من يصح أن يغسلها، أو رجل بين نساء، ليس فيهن من يصح أن تغسله. ثانياً: إذا كان الميت خنثى مشكلاً كما ذكر المؤلف. ثالثاً: لو عدم الماء بأن مات ميت في البر، وليس عندنا ماء فإنه ييمم. رابعاً: لو تعذر تغسيله لكونه محترقاً؛ فإنه ييمم كما سيأتي في كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ؛ بناء على أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء. وقال بعض العلماء: إن من تعذر غسله لا ييمم؛ وذلك لأن المقصود بالتيمم التعبد لله تعالى بتعفير الوجه واليدين بالتراب، وهذا لا يحتاجه الميت، إذ إن المقصود من تغسيل الميت هو التنظيف؛ بدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في الرجل الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماءٍ وسدر» (¬1)، وقوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 342).

ويحرم أن يغسل مسلم كافرا، أو يدفنه، بل يوارى لعدم

ثلاثاً أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (¬1)، بحسب ما يكون من نظافة جسد الميت أو عدم نظافته، فإذا كان نظيفاً فإنه لا يكرر إلا ثلاثاً، وإذا كان غير نظيف فإنه يكرر بحسب ما يحتاج إليه. أما على القول بأنه ييمم فإنه يضرب رجل أو امرأة التراب بيديه، ويمسح بهما وجه الميت وكفيه. وَيَحْرُمُ أَنْ يَغْسِلَ مُسْلِمٌ كَافِراً، أَوْ يَدْفِنَهُ، بَلْ يُوَارَى لِعَدَمٍ .............. قوله: «ويحرم أن يغسل مسلم كافراً، أو يدفنه، بل يوارى لعدم»، ووجه التحريم: أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، فإذا نهي عن الصلاة على الكافر، وهي أعظم ما يفعل بالميت وأنفع ما يكون للميت، فما دونها من باب أولى، ولأن الكافر نجس، وتطهيره لا يرفع نجاسته لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، ولمفهوم قول النبي (ص): «إن المسلم لا ينجس» (¬2)، فيحرم أن يغسله. فإن قيل: النجاسة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} نجاسة معنوية؟ فنقول: من لم يطهر باطنه من النجاسة المعنوية فلا يصح أن يطهر ظاهره؛ ولهذا قال العلماء: من شرط صحة الغُسْلِ: الإسلامُ. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (263). (¬2) سبق تخريجه (1/ 25).

فالكافر بدنه ليس نجساً، لكنه ليس أهلاً للتطهير. وكذلك يحرم أن يكفنه، والعلة ما سبق أنه إذا نهي عن الصلاة، وهي أعظم وأنفع ما يفعل للميت فما دونها من باب أولى. قال في الروض: «أو يتبع جِنَازته»، يجوز فيها وجهان حسب ما سبق، أي: لا يجوز للمسلم أن يتبع جنازة الكافر؛ لأن تشييع الجنازة من إكرام الميت، والكافر ليس أهلاً للإكرام، بل يهان، قال الله تبارك وتعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]، فدل هذا على أن غيظ الكفار مراد لله ـ عز وجل ـ، وقال تعالى: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120]، وتشييع الكافر إكرام له، وإكرام لذويه؛ ولهذا يحرم أن يتبع جنازته. وقوله: «أو يدفنه» لقوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، والمراد: يحرم أن يدفنه كدفن المسلم، ولهذا قال: «بل يوارى لعدم»، ومعنى يوارى: يغطى بالتراب، سواء حفرنا له حفرة ورمسناه بها رمساً، أو ألقيناه على ظهر الأرض وردمنا

وإذا أخذ في غسله ستر عورته، وجرده، وستره عن العيون

عليه تراباً؛ لكن الأول أحسن أي: أننا نحفر له حفرة ونرمسه فيها؛ لأننا لو وضعناه على ظهر الأرض وردمنا عليه بالتراب فلربما تحمل الرياح هذا التراب، ثم تظهر جثته. وقوله: «بل يوارى لعدم» أي يجب مواراة الكافر، ويشمل ذلك ما إذا وُوري بالتراب، أو وُوري بقعر بئر، أو نحوها؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر بقتلى بدر من المشركين أن يلقوا في بئر من آبار بدر» (¬1). ولئلا يتأذى الناس برائحته، ولئلا يتأذى أهله بمشاهدته. وقوله: «لعدم»، أي: لعدم من يواريه، فإن وجد من يقوم بهذا من أقاربه فإنه لا يحل للمسلم أن يساعدهم في هذا، بل يكل الأمر إليهم. وَإِذَا أَخَذَ فِي غَسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ، وَجَرَّدَهُ، وَسَتَرَهُ عَن العُيُونِ، ............ قوله: «وإذا أخذ في غسله ستر عورته»، ابتدأ المؤلف بكيفية تغسيل الميت. وقوله: «وإذا أخذ في غسله» لا يرضى النحويون بهذا التعبير من الفقهاء؛ لأن أخذ هنا من أفعال الشروع، ولا بد أن يكون خبرها جملة فعلها مضارع، وعلى هذا تكون العبارة على قاعدة النحويين: وإذا أخذ يغسله، ولكن عبارة الفقهاء ليس فيها خلل؛ لأن كل واحد يعرف أن معنى قوله: «وإذا أخذ في غسله» أي: إذا شرع في غسله. وقوله: «في غسله» أي: في تغسيله. وقوله: «ستر عورته» وجوباً وهذا فيمن له سبع سنين فأكثر. والعورة بالنسبة للرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك بالنسبة ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (3976) عن أبي طلحة رضي الله عنه.

للمرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، وعلى هذا فيجرد الميت من كل شيء إلا مما بين السرة والركبة إن كان رجلاً فهو بالنسبة للرجال، وإن كانت امرأة، بالنسبة للنساء. فقول المؤلف: «عورته» يريد بها ما بين السرة والركبة. قوله: «وجرَّده»، أي: جرَّده من ثيابه فيستر عورته أولاً، ويلف عليها لفافة، ثم يجرده من ثيابه. ودليل ذلك أثر، ونظر. أما الأثر: فقول الصحابة حين أرادوا تغسيل النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل نجرد رسول الله (ص) كما نجرد موتانا» (¬1). وأما النظر: فلأن تجريده أبلغ في تطهيره، والمقام يقتضي التطهير، وكلما كان أكمل فيه كان أفضل. قوله: «وستره عن العيون»، أي: ينبغي أن يستره عن العيون، وهذا غير ستر العورة؛ لأن ستر العورة واجب، وهذا مستحب أي: ينبغي أن يغسله في مكان لا يراه الناس، إما في حجرة، أو في خيمة إن كان في بر وما أشبه ذلك؛ لأن ستر الميت عن العيون أولى من كشفه، فإن الميت قد يكون على حال مكروهة، فيكون ظهوره للناس نوعاً من الشماتة به، وأيضاً ربما يكون مفزعاً لمن يشاهده مروعاً له، لا سيما عند بعض الناس؛ لأن بعض الناس يرتاع جداً إذا شاهد الميت، فستره عن العيون أولى وأحفظ. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (254).

ويكره لغير معين في غسله حضوره ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه، ويعصر بطنه برفق، ويكثر صب الماء حينئذ

وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ مُعِينٍ فِي غَسْلِهِ حُضُورُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينئِذٍ، ............ قوله: «ويكره لغير معين في غسله حضوره». «حضوره» نائب الفاعل أي: يكره أن يحضره شخص إلا من احتيج إليه لمعونته؛ وذلك لأنه ربما يكون في الميت شيء لا يحب أن يطلع عليه الناس، كالجروح، أو أن فيه عيباً من برص أو نحوه لا يحب أن يطلع عليه الناس. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يحضر ولو كان من أقاربه، مثل أن يكون أباه أو ابنه، أو ما أشبه ذلك، لأنه لا حاجة إليه. وسبق أنه من حين أن يموت يوضع على سرير تغسيله، فلا يقال: هل نغسله على الأرض أو نقول: نغسله على السرير؟ لأن هذا مفهوم مما سبق. قوله: «ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه، ويعصر بطنه برفق، ويكثر صب الماء حينئذٍ»، أي: بعد أن يجرده ويستر عورته يرفع رأسه إلى قرب الجلوس أي: رفعاً بيّناً، ويعصر بطنه برفق؛ لأجل أن يخرج منه ما كان متهيئاً للخروج؛ لأن الميت تسترخي كل أعصابه، فإذا رفع رأسه على هذا النحو، وعصر بطنه لكن برفق فإنه ربما يكون في بطنه شيء من القذر مُتهيئاً للخروج فيخرج، وربما لو تركنا هذا العمل فمع رجّ الميت عند حمله، وتقليبه في غسله، وتكفينه ربما يخرج هذا الشيء المتهيء للخروج، فلهذا قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: ينبغي أن يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ثم يعصر بطنه برفق، كما قال المؤلف. أما الحامل فإنها لا يعصر بطنها؛ لئلا يسقط الجنين.

ثم يلف على يده خرقة فينجيه ولا يحل مس عورة من له سبع سنين ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، ثم يوضئه ندبا

وقوله: «ويكثر صب الماء حينئذٍ»، أي: حين يعصر البطن؛ لأجل إزالة ما يخرج من بطنه حينئذٍ. ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً فَيُنَجّيهِ وَلاَ يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَة مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ. وَيُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَمَسَّ سَائِرَه إِلاَّ بِخِرْقَةٍ، ثُمَّ يُوَضّئهُ نَدْباً، ............. قوله: «ثم يلف على يده خرقة فينجّيه»، أي: أنه إذا فعل ما ذكر من رفع رأسه وعصر بطنه، وخرج ما كان مستعداً للخروج، يلف على يده خرقة، وإذا كان هناك قفازان كما هو الآن متوفر ـ ولله الحمد ـ فإنه يلبس قفازين، ثم ينجّيه أي: ينجّي الميت فيغسل فرجه مما خرج منه، ومما كان قد خرج قبل وفاته، ولكنه لم يستنج منه، فينجيه بها. قوله: «ولا يحل مس عورة من له سبع سنين»، أي: يجب أن يضع هذه الخرقة إذا كان الميت له سبع سنين فأكثر، فأما إذا كان دون ذلك فله أن ينجيه مباشرة؛ لأن ما دون سبع سنين عند الفقهاء ليس لعورته حكم، بل عورته مثل يده، ولهذا يجوز النظر إليها، ولا يحرم مسها، فإذا تم السبع فإنه لا ينجيه إلا بخرقة. قوله: «ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة»، هذه غير الخرقة الأولى، فالأولى واجبة إذا كان له سبع سنين فأكثر؛ لئلا يمس عورته، وهذه خرقة ثانية جديدة غير الأولى يضعها على يده؛ لأجل أن يكون ذلك أنقى للميت؛ لأنه إذا دلكه بالخرقة كان أنقى له مما لو دلكه بيده، فيستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، مع أن الميت الآن بالنسبة للانكشاف كل بدنه مكشوف إلا العورة. قوله: «ثم يوضئه ندباً».

ولا يدخل الماء في فيه، ولا في أنفه، ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه،، وفي منخريه فينظفهما، ولا يدخلهما الماء، ثم ينوي غسله، ويسمي

ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» (¬1). وليس على سبيل الوجوب بدليل أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يغسل الرجل الذي وقصته ناقته بعرفة فمات، فقال: «اغسلوه بماءٍ وسدر» (¬2)، ولم يقل: وضئوه، فدل على أن الوضوء ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الاستحباب. ولو قال قائل: ألا يدل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» على استحباب الوضوء؛ لأنه قرنه بالبدء بالميامن وهو مستحب؟ فنقول: لا يتم الاستدلال به على ذلك؛ لأن هذا من باب دلالة الاقتران وهي ضعيفة، بل الذي يصح دليلاً على الاستحباب: حديث الذي وقصته ناقته، وقد ذكرنا وجهه. وَلاَ يُدْخِلُ المَاءَ فِي فِيهِ، وَلاَ فِي أَنْفِهِ، وَيُدْخِلُ إصْبَعَيْهِ مَبْلُوْلَتيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ،، وَفِي مِنْخَرَيهِ فَيُنَظِّفُهُمَا، وَلاَ يُدْخِلُهُمَا المَاءَ، ثُمَّ يَنْوِي غَسْلَهُ، وَيُسَمِّي، ............ قوله: «ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه»، أي: لا يدخل الماء في فيه بدل المضمضة، ولا في أنفه بدلاً عن الاستنشاق؛ لأن الحي إذا أدخل الماء تمضمض به ومجّه وخرج، والميت لو صببنا الماء في فمه لانحدر لبطنه وربما يحرك ساكناً، وكذلك نقول في مسألة الاستنشاق: الميت لا يستنشق الماء، ولا يستطيع أن يستنثره، وحينئذٍ نقول: لا تدخل الماء في فمه ولا أنفه. قوله: «ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1256)؛ ومسلم (939) (42) عن أم عطية رضي الله عنها. (¬2) سبق تخريجه ص (269).

أسنانه، وفي منخريه فينظّفهما»، وهذا يقوم مقام المضمضة، والاستنشاق. وقوله: «يدخل إصبعيه»، أي: ملفوفاً عليهما خرقة، وهي الخرقة التي كان يمس بشرته بها فيدخل إصبعيه في فمه ويمسح أسنانه، ويكون ذلك برفق، وكذلك يدخلهما في منخريه فينظّفهما برفق أيضاً. قوله: «ولا يدخلهما الماء»، لأنه لو أدخل فمه الماء نزل إلى بطنه، ولو أدخله إلى منخريه كذلك نزل إلى بطنه فيحرك ما كان ساكناً، ويغني عن ذلك ما ذكره المؤلف أن يجعل خرقة مبلولة فينظّف بها أنفه وأسنانه وبقية فمه. قوله: «ثم ينوي غسله» ثم للترتيب، والنية بمعنى القصد. وظاهر كلام المؤلف أن النية تكون بعد عمل ما سبق من الاستنجاء والتوضئة، ولكن هذا فيه نظر، بل النية تتقدم الفعل؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1)، ولعل هذه نية أخرى ينوي بها عموم الغسل؛ لأن ما سبق لا بد أن يكون بنية. قوله: «ويسمّي» أي: يقول باسم الله، وهذا أيضاً فيه نظر؛ لأن التسمية تكون بعد الاستنجاء قبل أن يوضئه، كما هي الحال في طهارة الحي. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 194).

ويغسل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط ثم يغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم كله ثلاثا، يمر في كل مرة يده على بطنه، فإن لم ينق بثلاث زيد حتى ينقى

وَيَغْسِل بِرَغْوَةِ السِّدْرِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَط. ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الأَْيْمَنَ، ثُمَّ الأَْيْسَرَ، ثُمَّ كُلَّهُ ثَلاَثاً، يُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَ بِثَلاَثٍ زِيدَ حَتَّى يَنْقَى .......... قوله: «ويغسل برغوة السّدر رأسه ولحيته فقط». أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه لا بد أن يعد الغاسل سدراً يدقه ويضعه في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة، وهذه الرغوة يغسل بها رأسه ولحيته، وأما الثفل الباقي فإنه يغسل به سائر الجسد. وإنما خُصّ الرأس واللحية بالرغوة؛ لأننا لو غسلناهما بالثفل لبقي الثفل متفرقاً في الشعور وصعب إخراجه منها، أما الرغوة فليس فيها ثفل. وقوله: «ويغسل برغوة السدر رأسه ولحيته». إذا قال قائل: ما الدليل على استحباب السدر في تغسيل الميت؟ فالجواب: أن الدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اغسلوه بماءٍ وسدر» (¬1)، مع أنه محرِم. قوله: «ثم يغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر»، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأن بميامنها» (¬2)، فيغسل الشق الأيمن، ثم الأيسر. قوله: «ثم كلّه ثلاثاً» لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً» (¬3). قوله: «يُمر في كل مرة يده على بطنه»، من أجل أن يخرج ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (269). (¬2) سبق تخريجه ص (276). (¬3) سبق تخريجه ص (263).

ما كان متهيئاً للخروج، وعلى هذا فإنه يعصر بطنه أربع مرات، المرة الأولى التي قبل الاستنجاء عندما يرفع رأسه إلى قرب الجلوس، وثلاث مرات عند غسله. قوله: «فإن لم ينق بثلاث زيد حتى ينقى»، أي: إن لم ينق الميت بثلاث، فإنه يزيد حتى ينقى؛ لأن المقصود بذلك تطهيره، وعدم النقاء يكون في الغالب إذا كان الرجل صاحب حرفة بالطين والجبس، وما أشبه ذلك، أو كان مريضاً مرضاً طويلاً فإن الأوساخ تتراكم عليه، فإذا غسلوه ثلاث مرات ولم ينق فإنه يزاد حتى ينقى. ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (¬1). وهذا يرجع إلى رأي الغاسل، ولكن ليس مجرد رأي وتشهٍّ، وإنما هو الرأي الذي تقتضيه المصلحة. وضابط تخيير التشهي من تخيير المصلحة هو: أنه إذا كان المقصود التيسير على الفاعل، والأمر يعود له هو لا لغيره فهذا تخيير تشهٍّ. وإذا كان يعود إلى الغير فهو تخيير مصلحة. مثال تخيير التشهي: قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]. ومثال تخيير المصلحة: إذا قيل لولي اليتيم: بع مال اليتيم، أو ضارب به. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (263).

ينقى ولو جاوز السبع، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورا والماء الحار، والإشنان، والخلال يستعمل إذا احتيج إليه

يَنْقَى وَلَوْ جَاوَزَ السَّبْعَ، وَيَجْعَل فِي الغَسْلَةِ الأَْخِيرَةِ كَافُوراً وَالْمَاءُ الحَارُّ، وَالإِشْنَانُ، والخِلاَلُ يُسْتَعْمَلُ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ ............ قوله: «ولو جاوز السبع» أي: زاد عليها، وتعداها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، ولأن المقصود من تغسيل الميت التطهير، وقد لا ينقى بسبع مرات، فيزاد حتى ينقى. لكن ينبغي قطع الغسل على وتر، فلو نقى بأربع زاد خامسة؛ لأن هذا هو الذي ورد به الحديث. قوله: «ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً»، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور» (¬1)، والكافور: طيب معروف أبيض يشبه الشب يدق، ويجعل في الإناء الذي يغسل به آخر غسلة. قال العلماء: وإنما اختير الكافور من بين سائر الأطياب لفائدتين: 1 ـ أنه بارد. 2 ـ أن من خصائصه أنه يطرد الهوام عن الميت؛ لأن الميت في القبر تأتيه الهوام، فرائحته تطرد الهوام عنه. قوله: «والماء الحار والإشنان والخلال يستعمل إذا احتيج إليه»، الأفضل: أن نغسل الميت بماء بارد، ولكن إذا احتجنا إلى الماء الحار، مثل: أن تكون عليه أوساخ كثيرة متراكمة فإننا نستعمله، ولكن ليس الحار الشديد الحرارة الذي يؤثر على الجلد ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1258)؛ ومسلم (939) (36) عن أم عطية رضي الله عنها.

برخاوة بالغة، ولكنه حار ليكون أنقى من البارد، ويسخن بأي وقود سواء بالكهرباء، أو بالغاز، أو بالحطب، أو بغير ذلك، وعند عوامنا يقولون: إنه لا يسخن الماء الذي يغسل به الميت إلا بسعف النخل فقط، وغير ذلك لا يسخن به، وهذا لا أصل له، بل يسخن بما تحصل به السخونة. وقوله: «والإِشنان» والإشنان شجر معروف ينبت في البر يؤخذ وييبس ويدق، ويكون من جنس الرمل حبيبات تغسل به الثياب، ويغسل الإِنسان به جلده من أجل النظافة. والإِشنان يستعمل عند الحاجة للتنظيف؛ لأنه قد يكون على الجلد أوساخ أو دهون لا يزيلها الماء وحده فيزيلها الإِشنان، فإن لم يحتج إليه فلا يستعمله. وهل مثل ذلك الصابون؟ الجواب: نعم الصابون مثل الإِشنان، بل هو أقوى منه تنظيفاً، فإذا استعمل الصابون من أجل إزالة الوسخ، فلا حرج فيه. وهل يستعمل مع الصابون ليفة؟ الجواب: لا؛ لأن الليفة تشطب الجلد، وربما هذا الذي يغسله من شدة الحرص على التنظيف يفركه بشدة فيتأثر الجلد، فيكفي أن يمسح باليد. وقوله: «والخلال يستعمل إذا احتيج إليه»، أي: خلال الأسنان، إذا كان بأسنانه طعام فإنه يستعمل؛ لأن في ذلك تنظيفاً لأسنانه.

ويقص شاربه، ويقلم أظفاره، ولا يسرح شعره، ثم ينشف بثوب، ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها

وَيَقُصُّ شَارِبَه، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَه، وَلاَ يُسَرِّحُ شَعْرَهُ، ثُمَّ يُنَشَّفُ بِثَوْبٍ، وَيُضفَرُ شَعْرُهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ وَرَاءَهَا. .............. قوله: «ويقص شاربه، ويقلّم أظفاره، ولا يسرح شعره، ثم ينشف بثوب». خصال الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. أما الختان: فلا يستعمل مع الميت، بل هو حرام؛ لأن الختان أخذ الجلدة، والجلدة جزء حي من الميت، فأخذها تمثيل بالميت ولا حاجة إليه؛ لأن الختان من حكمه أنه يطهر الإِنسان، ولهذا يسمى عندنا بالعامية «الطهار»، لكن إذا مات الإِنسان فلا حاجة له؛ ولهذا قال العلماء: «يحرم ختان الميت». وأما الشارب والأظفار: فتؤخذ إذا طالت، فإذا كانت عادية، أو كان الميت أخذها عن قرب فإنها لا تؤخذ، بل تبقى على ما هي عليه. وأما الإِبط: فكذلك، إن كثر فإنه يؤخذ، وإلا يبقى على ما هو عليه. وأما العانة: إذا طالت وكثرت فإنها تؤخذ. وقال بعض العلماء: إنها لا تؤخذ؛ لما في ذلك من كشف العورة بخلاف الإبط والأظفار، ولكن الأولى أن تؤخذ إذا كانت كثيرة، وكشف العورة هنا للحاجة. وقوله: «ولا يسرح شعره»، أي: أن الغاسل لا يسرح شعر الميت؛ لأن هذا يؤدي إلى تقطع الشعر بالتسريح والمشط.

وقوله: «ثم ينشف بثوب»، أي: بعد أن يغسل يستحب أن ينشف؛ لأنه إذا بقي رطباً عند التكفين أثر ذلك في الكفن، فالأفضل أن ينشف بثوب. وهذه الطهارة تخالف طهارة الحي من عدة وجوه: منها: أن طهارة الحي لا تزيد عن ثلاث، وهذه تزيد إلى سبع أو أكثر. ومنها: أن الأفضل في طهارة الميت التنشيف، وأما طهارة الحي فقيل: الأفضل عدم التنشيف، وقيل: إن التنشيف وعدمه سواء، وإنه مباح إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل. قوله: «ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها»، أي: يجعل شعر المرأة ضفائر ثلاثاً، ويسدل من ورائها. ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته أن يضفرن شعرها ثلاثة قرون، ويسدلنه من ورائها» (¬1). مسألة: ما حكم أسنان الذهب وغيرها مما ركبه الإنسان في حياته هل تدفن معه أم تخلع؟ الجواب: أما ما لا قيمة له فلا بأس أن يدفن معه كالأسنان من غير الذهب والفضة والأنف من غير الذهب، وأما ما كان له قيمة فإنه يؤخذ إلا إذا كان يخشى منه المُثلة، كما لو كان السن لو أخذناه صارت المُثلة فإنه يبقى معه. ثم إن شاء الورثة بعد أن يفنى الميت أن يحفروا القبر ويأخذوا الذهب فلهم ذلك. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه من حديث أم عطية رضي الله عنها ص (263).

وإن خرج منه شيء بعد سبع حشي بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر، ثم يغسل المحل، ويوضأ، وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل ومحرم ميت كحي

وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ بَعْدَ سَبْعٍ حُشِيَ بِقُطنٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبطِينٍ حُرٍّ، ثُمَّ يُغْسَلُ المَحلُّ، وَيُوَضَّأُ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ تَكْفِينِهِ لَمْ يُعَدِ الغسْلُ. وَمُحْرِمٌ مَيتٌ كَحيٍّ ........... قوله: «وإن خرج منه شيء بعد سبع حُشي بقطن»، أي: خرج من الميت شيء من بول، أو غائط، أو دم، أو ما أشبه ذلك حُشي بقطن، أي سُد بالقطن من أجل أن يتوقف. قوله: «فإن لم يستمسك فبطين حر»، الطين الحر: الذي ليس مخلوطاً بالرمل أي: بطين قوي؛ لأن الطين القوي يسد الخارج، واختاروا الطين، لأنه أقرب إلى طبيعة الإنسان؛ حيث إن الإنسان خلق منه، وسيعاد إليه. قوله: «ثم يغسل المحل ويوضأ»، يغسل المحل أي: الذي أصابه ما خرج، فيغسل للتنظيف وإزالة النجاسة إن كان نجساً، ثم يوضأ. قوله: «وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل»، أي: إن خرج شيء بعد التكفين لم يعد الغسل؛ لأن في ذلك مشقة؛ إذ إننا لو أزلنا الكفن ثم نظفناه، ثم كفّناه مرة أخرى ربما يخرج شيء، وحينئذٍ يكون فيه مشقة، فإذا خرج بعد التكفين تركناه. قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ وهو من اجتهادهم ـ: «إذا خرج قبل السبع وجب غسل المحل وإعادة الغسل، وإن خرج بعد السبع وجب غسل المحل والوضوء، وإن خرج بعد التكفين لم يجب غسل المحل ولا إعادة الوضوء»، فله ثلاثة أحوال. قوله: «ومحرم ميت كحيّ»، أي: في أحكامه، ودليل ذلك

يغسل بماء وسدر، ولا يقرب طيبا، ولا يلبس ذكر مخيطا، ولا يغطى رأسه

قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (¬1)، فدل ذلك على أنه باق على إحرامه، وإذا كان كذلك فهو كالحي. يُغْسَلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلاَ يُقَرَّبُ طِيباً، وَلاَ يُلْبَسُ ذَكَرٌ مَخِيطاً، وَلاَ يُغَطَّى رَأْسُهُ ....... قوله: «يغسل بماءٍ وسدر»، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماءٍ وسدر» (¬2)؛ ولأن استعمال السدر للمحرم ليس بحرام، بل هو جائز. قوله: «ولا يقرّب طيباً» لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تحنطوه» (¬3)؛ ولأن المحرم ممنوع من الطيب. قوله: «ولا يلبس ذكرٌ مخيطاً»، أي: لا يلبس الذكر قميصاً أو سراويل أو عمامة أو غيرها مما يحرم على الحي. ودليل ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (¬4). قوله: «ولا يغطى رأسه»، أي: لا يغطى رأسه، بل يبقى مكشوفاً لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تخمروا رأسه» (¬5)، ولكن لا بأس أن يظلل بشمسية أو شبهها، كما يفعل بالمحرم الحي، أما التغطية باللف عليه، فهذا لا يجوز. وأما وجهه فإنه يغطى، لأنه جائز حال الإحرام في الحياة فجاز بعد الوفاة، وأما رواية «ولا وجهه» (¬6) في حديث الذي وقصته راحلته فشاذة. ¬

_ (¬1) و (¬2) و (¬3) و (¬4) و (¬5) سبق تخريجه ص (269). (¬6) أخرجه مسلم (1206) (98) (101) (102) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ولا وجه أنثى

وَلاَ وَجْهُ أُنْثَى .......... قوله: «ولا وجه أُنثى»، أي: لو ماتت أُنثى محرمة فإن وجهها لا يغطى، وهذا إن لم يُمر بها حول رجال أجانب، فإن مُر بها حول رجال أجانب فإن وجهها يستر، كما لو كانت حية. وأما رأسها فيغطى؛ لأنه يجب تغطيته حال الحياة في الإحرام وغيره. وظاهر كلام المؤلف اجتناب هذه الأشياء حتى بعد التحلل الأول، ولعله غير مراد؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يحرم عليه إلا النساء فقط، وعلى هذا يصنع به كما يصنع بالمتحلل تحللاً أولاً، ويمكن أن يؤخذ ذلك من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»؛ لأنه إذا شرع في التحلل الأول انقطعت التلبية؛ لأنها تنقطع عند رمي جمرة العقبة. وفي قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (¬1)، دليل على أنه لا يُقضى عنه ما بقي من نسكه ولو كان الحج فريضةً خلافاً لما ذهب إليه بعض أهل العلم، وقالوا: إنه يقضى عنه ما بقي من النسك إذا كان الحج فريضة؛ فإننا نقول رداً على هذا القول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقل لهم: اقضوا عنه بقية النسك، ولو كان قضاء بقية النسك واجباً لبيّنه النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأننا لو قضينا عنه بقية نسكه لفوتنا عليه فائدة كبيرة جداً، وهي أنه يبعث يوم القيامة ملبياً؛ لأنه لو قضي عنه بقية النسك لتحلل وانتهى من النسك، فيكون في قضاء بقية النسك عنه إساءة للميت. ونقول: هذا الرجل شرع في أداء النسك ومات قبل إكماله، ومن خرج من بيته ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (269).

ولا يغسل شهيد ومقتول ظلما

مهاجراً إلى الله ورسوله ثم أدركه الموت فقد وقع أجره على الله، أما بالنسبة لنا فلا نتعرض له. وَلاَ يُغَسَّلُ شَهِيدٌ وَمَقْتُولٌ ظُلْماً ......... قوله: «ولا يغسل شهيد ومقتول ظلماً». «لا» نافية، والنفي يحتمل الكراهة ويحتمل التحريم، ولهذا اختلف أصحابنا ـ رحمهم الله ـ، هل تغسيل الشهيد حرام أو مكروه؟ فقال بعضهم: إنه مكروه. وقال بعضهم: إنه حرام. والصحيح: أنه حرام؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أمر بقتلى أحد أن يدفنوا بدمائهم ولم يغسلهم» (¬1)، ولأن التغسيل واجب، ولا يترك من أجل فعل المكروه، فلا يترك إلا لمحرم. وقوله: «شهيد» المراد به هنا: شهيد المعركة الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. أما من قاتل لوطنية أو قومية أو عصبية فليس بشهيد ولو قتل، لكن من قاتل حماية لوطنه الإسلامي من أجل أنه وطنٌ إسلاميٌ فقد قاتل لحماية الدين، فيكون من هذا الوجه في سبيل الله، ولهذا يجب أن نبيّن لإخواننا في الجيش أنهم إنما يتأهبون للقتال لا دفاعاً عن وطنهم من أجل أنه وطنهم، ولكن من أجل أنه وطن إسلامي يقاتلون لحماية الإسلام حتى يكونوا عند الموت شهداء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1347) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

«من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (¬1). فالذي قاتل حمية نقول له: لماذا تقاتل حمية؟ هل هو حدب على قومك، أو رغبة في بقاء الإسلام في بلادك؟ إن قال بالأول فليس بشهيد، وإن قال بالثاني فهو شهيد، كما لو قال: أقاتل حدباً على قومي، ليبقى الإسلام في بلادي. وقوله: «ومقتول ظلماً»، أي: المقتول ظلماً لا يغسل أيضاً؛ لأن المقتول ظلماً شهيد، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» (¬2). والصحيح أن المقتول ظلماً يغسل كغيره من الناس؛ لأنه داخل في عمومات الأدلة الدالة على وجوب الغَسْل، وهذه العمومات لا يمكن أن يخرج منها شيء إلاَّ ما دلّ الدليل عليه، وهو شهيد المعركة. ولا يمكن أن يساوى المقتول ظلماً بشهيد المعركة، وإن كان يطلق عليه اسم شهيد، فالمطعون شهيد، والمبطون شهيد، والغريق شهيد، والحريق شهيد، وليس كل ما أطلق عليه اسم الشهيد يكون حكمه كشهيد المعركة؛ لأن شهيد المعركة مدَّ رقبته إلى عدوه ليقطعها في سبيل الله، والمقتول ظلماً أُكره على المقاتلة حتى قتل، فبينهما فرق عظيم. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (123)؛ ومسلم (1904) عن أبي موسى رضي الله عنه. (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 190)؛ وأبو داود (4772)؛ والترمذي (1421)؛ والنسائي (7/ 116). وقال الترمذي: «حسن صحيح»، عن سعيد بن زيد رضي الله عنه.

إلا أن يكون جنبا

ولهذا يجب ألا نظن أن الشهداء بمرتبة واحدة، وإن كانوا شهداء، فكل بمرتبته قال تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأحقاف: 19]. فالصحيح أن جميع الموتى من المسلمين يغسلون ويكفّنون ويصلّى عليهم إلا شهداء المعركة فقط، فهؤلاء لا يغسلون، ولا يكفّنون، ولا يصلّى عليهم؛ لأن المقصود بالصلاة عليهم الشفاعة لهم، وكفى ببارقة السيوف على رؤوسهم شفاعة، فيشفع لهم هذا البذل الذي بذلوه، فإنهم بذلوا أغلى ما عندهم وهو النفس لإعلاء كلمة الله. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جُنُباً. ....... قوله: «إلا أن يكون جنباً». إذا كان المتن: «ولا يغسل شهيد معركة ومقتول ظلماً» فإن مقتضى القاعدة النحوية أن يقال: «إلا أن يكونا جنباً»؛ لأن العطف بالواو يجعلهما شيئين، فيجب أن يكون الضمير عائداً على شيئين بصيغة المثنى، ولكنه في الروض المربع جعل المقتول ظلماً شرحاً، وهذا هو الذي يناسب العبارة «إلا أن يكون جنباً»، أي: إلا أن يكون الشهيد جنباً؛ فإن كان الشهيد جنباً فإنه يغسل، وكذلك لو استشهدت امرأة أو قتلت ظلماً على المذهب، وكانت حائضاً ولم تغتسل من الحيض، فإنها كذلك تغسل، هذا ما ذهب إليه المؤلف. ولكن ظاهر الأخبار أنه لا فرق بين الجنب وغيره، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يغسل الذين قتلوا في أحد (¬1). ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (287).

ويدفن في ثيابه بعد نزع السلاح والجلود عنه، وإن سلبها كفن بغيرها

أما ما يذكر من أن حنظلة بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ غسلته الملائكة (¬1)، فهذا إن صح فليس فيه دليل على أنه يغسله البشر؛ لأن تغسيل الملائكة له ليس شيئاً محسوساً بماءٍ يطهر، بل إن صح فهو من باب الكرامة، وليس من باب التكليف. فالصحيح أنه لا يغسل، سواء أكان جنباً أم غير جنب؛ لعموم الأدلة، ولأن الشهادة تكفر كل شيء، ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنباً لقلنا بوجوب وضوئه إذا كان محدثاً حدثاً أصغر؛ ليكون على طهارة، ولم يقولوا به. وَيُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ بَعْدَ نَزْعِ السِّلاَحِ وَالجُلُودِ عَنْهُ، وَإِنْ سُلِبَها كُفِّنَ بِغَيْرِهَا. ........ قوله: «ويدفن في ثيابه»، أي: يدفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها؛ لأنه يبعث يوم القيامة على ما مات عليه من القتل، ولذلك يبعث وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك. قوله: «بعد نزع السلاح والجلود عنه»، أي: إذا كان معه جلود مثل: سير ربط به إزاره أو رداءه، أو ما أشبه ذلك، أو معه سلاح قد حمله فإنه ينزع منه؛ لأن هذا لا يدخل في الثياب؛ ولأنه ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم» (¬2). قوله: «وإن سُلبها كفن بغيرها»، الضمير «ها» في قوله: ¬

_ (¬1) أخرجه ابن حبان (7025) إحسان؛ والحاكم (3/ 204)؛ والبيهقي (4/ 15). وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، وأقرّه الذهبي. (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 247)؛ وأبو داود (3134)؛ وابن ماجه (1515)؛ والبيهقي (4/ 14) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ولا يصلى عليه

«سُلبها» مفعول ثانٍ يعود على الثياب، ومعنى سلبه إياها: أن تؤخذ منه. مثل: أن يأخذها العدو ويدعه عارياً، كفن بغيرها وجوباً؛ لأنه لا بد من التكفين للميت؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كفنوه في ثوبيه» (¬1). وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْه ......... قوله: «ولا يصلى عليه»، أي: لا يصلي عليه أحد من الناس لا الإمام ولا غير الإمام؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يصل على شهداء أحد (¬2)؛ ولأن الحكمة من الصلاة الشفاعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفّعهم الله فيه» (¬3)، والشهيد يكفر عنه كل شيء إلا الدَّين؛ لأن الدين لا يسقط بالشهادة، بل يبقى في ذمة الميت في تركته إن خلف تركة، وإلا فإنه إذا أخذه يريد أداءه أدى الله عنه. فإن قال قائل: أليس النبي صلّى الله عليه وسلّم قد خرج في آخر حياته إلى أُحد وصلى عليهم؟ (¬4). فالجواب: أن هذه ليست صلاة الميت؛ لأن صلاة الميت يجب أن تكون قبل الدفن، ولكن هذه إما: صلاة بمعنى الدعاء، وإما صلاة مودع كما مال إليه ابن القيم ـ رحمه الله ـ. وأما القول: بأنها الصلاة التي تصلى على الميت فغير صحيح؛ إذ لا يمكن أن يبقى الرسول عليه الصلاة والسلام من ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (269). (¬2) سبق تخريجه ص (287). (¬3) أخرجه مسلم (948) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (¬4) أخرجه البخاري (1344)؛ ومسلم (2296) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

وإن سقط عن دابته، أو وجد ميتا، ولا أثر به أو حمل فأكل أو طال بقاؤه عرفا غسل وصلي عليه

السنة الثانية إلى السنة العاشرة أو الحادية عشرة لم يصلِّ عليهم. وَإِنْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ وُجِدَ مَيتاً، وَلاَ أَثَرَ بِهِ. أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفاً غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. قوله: «وإن سقط عن دابته»، أي: إن سقط الشهيد عن دابته بغير فعل العدو، غسل وصلي عليه. فإن سقط عن دابته بفعل العدو فمات من ذلك فإنه يكون شهيداً لا يغسل كما سبق. قوله: «أو وجد ميتاً ولا أثر به»، أي: ليس به أثر جراحة، ولا خنق، ولا ضرب، ووجد ميتاً فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا له دليل نظري، وذلك أن هذا الميت وجب بموته أن يغسل ويكفن ويصلى عليه، وكون موته من فعل العدو مشكوك فيه؛ لأنه ليس فيه أثر، ولا يمكن أن ندع اليقين للشك، بل يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه. وقول المؤلف: «ولا أثر به» يخرج به ما لو وجد به أثر مثل: جرح، أو خنق، أو ضرب أي ضربات مميتة، فإنه يحكم بالظاهر هنا، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا يكون شهيداً لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وهنا غلّبنا الظاهر على الأصل؛ لأن الأصل وجوب التغسيل، وهنا أسقطنا هذا الواجب بهذا الظاهر الذي هو الأثر، وكذا إذا علمنا أنه مات بفعل العدو ولا أثر به كما لو استعمل الغازات. واستثنى بعضهم من الأثر: الدم من الأنف، أو الفم، أو القبل، أو الدبر، قال: لأن هذا قد يقع ممن مات موتاً طبيعياً، فلا يدل على أن العدو هو الذي فعل به هذا، ولكن كلام المؤلف يدل على العموم فمتى وجد به أثر يحتمل أنه من فعل العدو فهو شهيد.

قوله: «أو حُمل فأكل»، أي: من أرض المعركة فأكل، ثم مات، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولو علمنا أنه مات متأثراً بجراحه؛ لأن كونه يأكل يدل على أن فيه حياة مستقرة؛ إذ إن الذي في حكم الميت لا يأكل. وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أكل ومات ولم يطل الفصل فإنه يغسل. وقال بعض الفقهاء: لا يغسل إذا لم يطل الفصل؛ لأنه قد يأكل بدون شعور وهو في النزع، ولكن هذا في الحقيقة بعيد أي إن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة. وقول المؤلف: «أو حُمل فأكل» ظاهره: أنه إذا لم يحمل فأكل، ثم مات فإنه شهيد لا يغسل، وعبارة بعض الفقهاء: «أو جرح فأكل»، وهذه العبارة الأخيرة أعم مما إذا حمل أم لم يحمل. والأقرب: أنه إذا أكل سواء حمل، أم لم يحمل، فإن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة فيغسل ويكفن. فإن قال قائل: ما الدليل على أن الشهيد إذا جرحه العدو جرحاً مميتاً وبقي حياً حياة مستقرة أنه يغسل ويكفن؟ فالجواب: قصة سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ فإنه جُرح في أكحله عام الأحزاب، ولكنه سأل الله أن لا يميته حتى يقر عينه ببني قريظة، فاستجاب الله دعاءه، وبقي الجرح ملتئماً حتى حكم في بني قريظة بنفسه لأنه هو حليفهم (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1769) عن عائشة رضي الله عنها.

وانظر الفرق بين سعد بن معاذ وعبد الله بن أُبي، فعبد الله بن أبي قام يجادل عن حلفائه من اليهود؛ لأنه كافر، أما سعد فسأل الله ألا يميته حتى يقر عينه بهم، فأقر الله عينه بهم، وصار هو الحاكم فيهم، وحكم بهم بالحكم الذي شهد النبي عليه الصلاة والسلام بأنه حكم الله من فوق سبع سموات (¬1)، ولما حكم فيهم انبعث الدم ومات ـ رضي الله عنه ـ، وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن عرش الرب ـ عز وجل ـ اهتز لموته (¬2) فرحاً بروحه؛ لأن روحه صعدت إلى الله ـ عز وجل ـ، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ: وما اهتز عرش الله من أجل هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو والحاصل: أن هذا دليل على أن الشهيد إذا طال بقاؤه، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وألحق العلماء بذلك ما إذا وجد منه دليل الحياة المستقرة مثل الأكل. قوله: «أو طال بقاؤه عُرفاً غسل وصلي عليه»، أي: ليس مقدراً بزمان شرعاً بل إذا طال بقاؤه وعرف أنه ليس في سياق الموت فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه. والذي يترجح عندي أنه إذا بقي متأثراً كتأثر المُحتضَر أنه لا يغسل، أما إذا بقي متألماً لكن بقي معه عقله فإنه يغسل ويصلى عليه. وظاهر كلام المؤلف أنه لو شرب فإن ذلك لا يسقط حكم الشهادة، وهذا هو اختيار مجد الدين ابن تيمية ـ وهو عبد السلام ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (293). (¬2) أخرجه مسلم (2466) (123) عن جابر رضي الله عنه.

والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه، ومن تعذر غسله يمم، وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسنا

جد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ؛ لأن الإنسان قد يشرب، وهو في سياق الموت بخلاف الأكل، فكلام الماتن تابع لكلام المجد رحمه الله. والسِّقْطُ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ يُمِّمَ، وَعَلَى الغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَناً. قوله: «والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه» «السِّقط» بكسر السين، ويجوز الفتح، ويجوز الضم، ومعناه: الساقط، والمراد به: الحمل إذا سقط من بطن أمه. فإذا بلغ أربعة أشهر من بدء الحمل، أي: إذا تم له أربعة أشهر، وليس المعنى إذا دخل الشهر الرابع. والمراد بالأشهر هنا: الأشهر الهلالية؛ لأنها هي التي جعلها الله ـ عز وجل ـ مواقيت للناس، فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، وهي التي وضعها الله ـ عز وجل ـ للناس جميعاً منذ خلق السموات والأرض، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36]. وأما الأشهر الاصطلاحية التي هي أشهر النصارى ومن تابعهم، فهذه لا أصل لها شرعاً ولا قدراً. أما الأصل القدري فلأن الله تعالى جعل الأشهر الهلالية هي المواقيت {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]. وأما الأصل الشرعي فإنه لم يرتب عليها لا صيام، ولا حج، ولا أشهر حرم، وكل أحكام الأشهر منفية عن هذه الأشهر الاصطلاحية التي جاءت من النصارى.

قوله: «غسل وصلي عليه» أي: وكفن، ودفن، فالمؤلف طوى ذكر الكفن والدفن؛ لأنه معلوم. وإنما قيده ببلوغ أربعة أشهر؛ لأنه قبل ذلك ليس بإنسان، إذ لا يكون إنساناً حتى يمضي عليه أربعة أشهر، ودليل ذلك: حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ حيث بين النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن الجنين يكون في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك»، فهذه أربعة أشهر، «ثم يرسل له الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات» (¬1) إلخ. وعلى هذا فهو قبل هذه المدة يكون جماداً قطعة لحم يدفن في أي مكان بدون تغسيل، وتكفين، وصلاة، لكن بعد أربعة أشهر يكون إنساناً كما قال تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14]، فيعامل معاملة من مات بعد خروجه. قال العلماء: ويسمى؛ لأن هذا السقط يبعث يوم القيامة، فلا بد أن يسمى؛ لأن الناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيسمى حتى يدعى باسمه يوم القيامة. قال العلماء: فإن شك فيه هل هو ذكر أو أنثى؟ ـ وهو بعيد ـ لكن ربما يقع، فإنه يسمى باسم صالح للذكر والأنثى مثل هبة الله، أو عطية الله، أو نحلة الله، وما أشبه ذلك. أما إذا كان ذكراً فيسمى باسم الذكور كعبد لله، وإن كان أنثى يسمى بأسماء الإناث كزينب، وفاطمة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 509).

قوله: «ومن تعذر غسله يُمم»، أي: من امتنع غسله، أي: تغسيله، فإنه ييمم. وكيفية التيميم: أنه يضرب الحي يديه على الأرض، ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه. ويكون التعذر: إما بعدم الماء، وإما بتعذر استعماله في هذا الميت بأن يكون الميت قد تمزق، أو يكون محترقاً لا يمكن مسه إلا بتمزيق جلده فهنا ييمم؛ لأن تغسيل الميت طهارة مأمور بها، فإذا تعذر تطهيره بالماء عدلنا إلى بدله وهو التراب. وقيل: بأنه لا ييمم إذا تعذر غسله؛ لأن هذه ليست طهارة حدث، وإنما هي طهارة تنظيف، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك» وطهارة الحدث لا تزيد على ثلاث، فإذا كان المقصود تنظيف الميت وتعذر الماء، فإن استعمال التراب لا يزيده إلا تلويثاً، فتجنبه أولى. وهذا هو الراجح. وهذا أقرب إلى الصواب من القول بتيميمه. قوله: «وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً»، أي: على غاسل الميت ستر ما رآه من الميت إن لم يكن حسناً، فربما يرى منه ما ليس بحسن، إما من الناحية الجسدية، وإما من الناحية المعنوية، فقد يرى ـ والعياذ بالله ـ وجهه مظلماً متغيراً كثيراً عن حياته، فلا يجوز أن يتحدث إلى الناس، ويقول: إني

رأيت وجهه مظلماً؛ لأنه إذا قال ذلك ظن الناس به سوءاً. وقد يكون وجهه مسفراً حتى إن بعضهم يُرى بعد موته متبسماً فهذا لا يستره. أما السيء من الناحية الجسدية: فإن الميت قد يكون في جلده أشياء من التي تسوؤه إذا اطلع الناس عليها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22]، أي: قد يكون فيه برص يكره أن يطلع الناس عليه، فلا يجوز للإنسان أن يقول: رأيت فيه برصاً، وقد يتغير لون الجلد ببقع سوداء، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنها دموية، فلا يذكرها للناس بل يجب أن يسترها. قال العلماء: إلا إذا كان صاحب بدعة، وداعية إلى بدعته ورآه على وجهٍ مكروه، فإنه ينبغي أن يبين ذلك حتى يحذر الناس من دعوته إلى البدعة؛ لأن الناس إذا علموا أن خاتمته على هذه الحال، فإنهم ينفرون من منهجه وطريقه، وهذا القول لا شك قول جيد وحسن؛ لما فيه من درء المفسدة التي تحصل باتباع هذا المبتدع الداعية، وكذا لو كان صاحب مبدأ هدّام كالبعثيين والحداثيين. وذكر في الروض كلاماً حسناً فقال: «فيلزمه ستر الشر، لا إظهار الخير»، أي: ستر الشر واجب، وإظهار الخير ليس بواجب، ولكنه حسن ومطلوب لما فيه من إحسان الظن بالميت، والترحم عليه، ولا سيما إذا كان صاحب خير. وقال: «ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء»، أي:

بالنسبة للأموات نرجو للمحسن رحمة الله، ونخاف على المسيء، وخوفنا على المسيء يستلزم أن ندعو الله له، إذا لم تكن إساءته مخرجة إلى الكفر. فإذا مات الإنسان وهو معروف بالمعاصي التي لا توصل إلى الكفر، فإننا نخاف عليه، ولكننا ندعو الله له بالمغفرة والعفو؛ لأنه محتاج إلى ذلك. وقال: «ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي صلّى الله عليه وسلّم»، أي: بالجنة أو بالنار، والشهادة بالجنة أو بالنار على نوعين: النوع الأول: شهادة للجنس، أي: يشهد بالجنة لكل مؤمن ولكل متق؛ لأن الله قال: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وهذا لا يخص شخصاً بعينه، بل يعم الجنس، وكذلك نشهد لكل كافر أنه في النار، قال الله تعالى في النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]. النوع الثاني: شهادة للعين أي: أن تشهد لشخص بعينه، فلا نشهد إلا لمن شهد له النبي صلّى الله عليه وسلّم، مثل: العشرة المبشرين بالجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وستة مجموعون في بيت: سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهرٍ والزبير الممدح ومثل: سعد بن معاذ، وثابت بن قيس بن شماس، وعبد الله بن سلام، وبلال، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. نشهد لهم بالجنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم شهد لهم. وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ من اتفقت الأمة أو جُلُّ الأمة على الثناء عليه.

مثل: الأئمة الأربعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: لمَّا مرَّت جنازة وأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وجبت» ـ أي: وجبت له الجنة ـ ومرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: «وجبت» ثم قال لهم: «أنتم شهداء الله في أرضه» (¬1). وعلى هذا فنشهد لهؤلاء الأئمة الذين أجمعت الأمة، أو جلها على الثناء عليهم بالجنة. لكن ليست شهادتنا لهم بالجنة، كشهادتنا لمن شهد له الرسول صلّى الله عليه وسلّم. قال: «ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة»، أي: يحرم سوء الظن بمسلم، أما الكافر فلا يحرم سوء الظن فيه؛ لأنه أهل لذلك. وأما من عُرف بالفسوق والفجور، فلا حرج أن نسيء الظن به؛ لأنه أهل لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها؛ لأنه قد يكون متجسساً بهذا العمل. قال: «ويستحب ظن الخير بالمسلم»، أي: يستحب للإنسان أن يظن بالمسلمين خيراً، وإذا وردت كلمة من إنسان تحتمل الخير والشر، فاحملها على الخير ما وجدت لها محملاً، وإذا حصل فعل من إنسان يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير ما وجدت له محملاً؛ لأن ذلك يزيل ما في قلبك من الحقد والعداوة والبغضاء ويريحك. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2642)؛ ومسلم (949) عن أنس رضي الله عنه.

فإذا كان الله ـ عز وجل ـ لم يكلفك أن تبحث وتنقب، فاحمد الله على العافية، وأحسن الظن بإخوانك المسلمين، وتعوذ من الشيطان الرجيم. وأما ما يذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام «احترسوا من الناس بسوء الظن» (¬1)، فهذا كذب لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل روى أبو داود من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحدثني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم، وأنا سليم الصدر» (¬2). وهذا هو اللائق بالمسلم، أما من فُتن ـ والعياذ بالله ـ وصار يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها، وإذا رأى شيئاً يحتمل الشر ولو من وجه بعيد طار به فرحاً ونشره، فليبشر بأن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جحر بيته. ¬

_ (¬1) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (598)؛ وابن عدي في «الكامل» (6/ 2398) عن أنس بن مالك رضي الله عنه وفيه معاوية بن يحيى وهو ضعيف جداً. انظر ترجمته في: «الميزان» (8635). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 395، 396)؛ وأبو داود (4860)؛ والترمذي (3896).

فصل

فَصْلٌ يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِي مَالِهِ مُقَدّماً عَلَى دَينٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ......... فصل قوله: «يجب تكفينه» الكفن: ما يكفن به الميت من ثياب أو غيرها. وحكم تكفين الميت الوجوب، والدليل: 1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته راحلته: «كفنوه في ثوبيه» (¬1)، والأصل في الأمر الوجوب. 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعطى النساء اللاتي غسلن ابنته حقوه، ـ أي: إزاره ـ، وقال: أشعرنها إياه» (¬2)، أي: اجعلنه شعاراً، وهو الذي يلي بدنها. قوله: «يجب تكفينه» الوجوب هنا كفائي، والفرق بين الكفائي والعيني: أن الكفائي يقصد به حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل. والعيني يطلب الفعل من الفاعل، أي: يراعى فيه الفعل والفاعل. وفرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ لأنه أوكد بدليل أن الله أمر به جميع الخلق. قوله: «في ماله»، أي: في مال الميت. ودليل كونه واجباً في ماله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كفنوه في ثوبيه» (¬3)، فأضاف الثوبين إلى الميت. ولكن لو فرض أن هناك جهة مسؤولة ملتزمة بذلك، فلا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (269). (¬2) سبق تخريجه ص (280). (¬3) سبق تخريجه ص (269).

حرج أن نكفنه منها إلا إذا أوصى الميت بعدم ذلك، بأن قال: كفنوني من مالي، فإنه لا يجوز أن نكفنه من الأكفان العامة، سواء كانت من جهة حكومية، أو من جهة خاصة. قوله: «مقدماً على دَين»، «مقدماً» حال من قوله: «تكفينه» أي: حال كون التكفين مقدماً على دين وغيره. والدَّين: هو كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع، أو أجرة بيت، أو دكان، أو قرض، أو صداق، أو عوض خلع، وإن كان العامة لا يطلقون الدين إلا على ثمن المبيع لأجل، فهذا عرف ليس موافقاً لإطلاقه الشرعي. قوله: «وغيره» يعني: الوصية، والإرث. فالتكفين مقدم على كل شيء، وعموم قول المؤلف: «مقدماً على دين» يشمل ما إذا كان الدين فيه رهن أو لا، وعلى هذا فلو خلف الرجل شاة ليس له غيرها مرهونة بدين عليه، ولم نجد كفناً إلا إذا بعنا هذه الشاة واشترينا بقيمتها كفناً فتباع، ونشتري له كفناً؛ لأن الكفن مما تتعلق به حاجة الشخص خاصة، فيقدم على كل شيء وكذا لو أوصى بها. قوله: «فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته»، أي: إن لم نجد له مالاً، فعلى من تلزمه نفقته. وإذا وجدنا ثوباً قد لبسه الميت وغترة، فهل نكفنه بهما أو لا بد أن نكفنه باللفائف؟ الجواب: إذا كانت ثيابه تقوم بالواجب، فإننا لا نلزم الناس أن يكفنوه ما دام في ماله ـ ولو ثيابه التي عليه ـ ما يكفي.

إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض

قوله: «من تلزمه نفقته»، أي: الميت حال حياته، وهم الأصول والفروع، فتجب نفقة الوالدين والأولاد بكل حال سواء كانوا وارثين أم لا، وعلى هذا فتجب نفقة الجد على ابن ابنه، وإن لم يكن وارثاً لوجود الابن، أي: وإن كان محجوباً بالابن، وابن البنت تجب نفقته وإن لم يكن وارثاً، وعليه فيجب كفنه على جده من قبل أمه. أما غير الأصول والفروع، فلا تجب النفقة، إلا على من كان وارثاً بفرض أو تعصيب. مسألة: الأخ هل يجب أن ينفق على أخيه؟ الجواب: إن كان لأخيه أولاد فإنه لا يلزمه أن ينفق عليه؛ لأنه محجوب بهم، وإن لم يكن له أولاد وجب أن ينفق عليه؛ لأنه وارث. هذه القاعدة على المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمقام هنا لا يقتضي البسط والترجيح. إِلاَّ الزَّوْجَ لاَ يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلاَثِ لَفَائِفَ بِيضٍ ...... قوله: «إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته»، أي: لو ماتت امرأة، ولم نجد وراءها شيئاً تكفن منه، وزوجها موسر، فإنه لا يلزمه أن يكفنها. وعللوا: بأن الإنفاق على الزوجة إنفاق معاوضة مقابل الاستمتاع، وهي إذا ماتت انقطع الاستمتاع بها، مع أن بعض علائق الزوجية باقية، بدليل أن الزوج يغسل امرأته بعد موتها. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. والقول الثاني: أنه يلزمه أن يكفّن امرأته.

وعللوا: أن هذا من العشرة بالمعروف، ومن المكافأة بالجميل، ولأن علائق الزوجية لم تنقطع. وهذا القول أرجح، ومحل النزاع إذا كان موسراً. فإن لم يوجد من تلزمه النفقة، أو وجد وكان فقيراً ففي بيت المال، فإن لم يوجد بيت مال منتظم فعلى من علم بحاله من المسلمين؛ لأنه فرض كفاية. فالمراتب إذاً أربع: 1 ـ في ماله. 2 ـ من تلزمه نفقته. 3 ـ بيت المال. 4 ـ عموم المسلمين. وإنما قُدم بيت مال المسلمين على عموم المسلمين؛ لأنه لا منّة فيه على الميت؛ بخلاف ما إذا كان من المسلمين، فإن هذا الذي سوف يعطيه سيكون في قلبه منة عليه. مسألة: لو مات الزوج وكان فقيراً، وكانت الزوجة غنية، فلا يلزمها قيمة الكفن؛ وذهب ابن حزم ـ رحمه الله ـ إلى أنه يلزمها ذلك. قوله: «ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض»، الاستحباب هنا ليس منصباً على أصل التكفين؛ لأن أصل التكفين فرض كفاية، لكنه منصب على كون الكفن ثلاث لفائف، وكونها بيضاً.

تجمر

والدليل على ذلك: أن هذا هو كفن النبي صلّى الله عليه وسلّم فإنه: «كفِّن في ثلاث لفائف بيض سحولية (¬1)، ليس فيها قميص ولا عمامة» (¬2)، وكان من جملة الصحابة الذين كفنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ، وقد أمرنا باتباع سنتهما. ثم إن بعض العلماء علل بعلة جيدة، فقال: لم يكن الله ليختار لنبيه صلّى الله عليه وسلّم إلا أفضل الأكفان على أيدي الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ. وكذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن نلبس البياض وأن نكفن فيها موتانا، وقال: «إنها خير ثيابكم» (¬3)، ولا شك أن البياض يبهج النفس أكثر من غيره من الألوان؛ ولهذا كان النهار أبيض، وتجد السرور إذا طلع الفجر بخلاف ما إذا جاء الليل. وإن كفن بغير الأبيض جاز، وإن كفن بلفافة واحدة جاز أيضاً. تُجَمَّرُ، ......... قوله: «تجمّر» أي: تبخر، وسمي التبخير تجميراً؛ لأنه يوضع في الجمر، ولكن ترش أولاً بماء، ثم تبخر؛ من أجل أن يعلق الدخان فيها. ¬

_ (¬1) بضم أوله، ويروى بفتحه نسبة إلى سَحول قرية باليمن، وقال الأزهري: بالفتح: المدينة، وبالضم: الثياب، وقيل: النسبة إلى القرية: بالضم، وأما بالفتح: فنسبة إلى القصار؛ لأنه يسحل الثياب، أي ينقيها. «فتح الباري» (3/ 140). (¬2) أخرجه البخاري (1264)؛ ومسلم (941) عن عائشة رضي الله عنها. (¬3) أخرجه الإمام أحمد (1/ 247، 274، 355)؛ وأبو داود (3878)؛ والترمذي (994)؛ وابن ماجه (1472)؛ وابن حبان (5423) إحسان؛ والحاكم (1/ 354) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حسن صحيح» وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

ثم تبسط بعضها فوق بعض، ويجعل الحنوط فيما بينها ثم يوضع عليها مستلقيا، ويجعل منه في قطن بين أليتيه، ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان

ثُمَّ تُبْسَطُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَيُجْعَلُ الحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِياً، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي قُطْنٍ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيُشَدُّ فَوْقَهَا خِرْقَةٌ مَشْقُوقَة الطّرَفِ كالتُّبَّانِ .......... قوله: «ثم تبسط بعضها فوق بعض»، أي: تمد الأولى على الأرض، ثم الثانية، ثم الثالثة. قوله: «ويجعل الحنوط فيما بينها»، الحنوط: أخلاط من الطيب تصنع للأموات. ويدل لهذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الذي وقصته راحلته: «ولا تحنطوه» (¬1)، فإن هذا يدل على أن من عادتهم تحنيط الأموات. قوله: «ثم يوضع عليها مستلقياً»، أي: على اللفائف مستلقياً؛ لأن وضعه مستلقياً أثبت، وأسهل لإدراجه فيها، إِذْ لو وضع على جنبه انقلب، وصار في إدراج هذه اللفائف شيء من الصعوبة. قوله: «ويجعل منه في قطن بين أَليتيه»، أي: من الحنوط في قطن بين أَليتيه، فيؤتى بهذا الطيب فيجعل منه ما بين الأكفان الثلاثة، ونأخذ منه بقطنة نجعلها بين أليتيه. وعللوا: لئلا يخرج شيء من دبره، والغالب أنه إذا خرج شيء من دبره أن تكون رائحته كريهة، وهذا الحنوط يبعد هذه الرائحة الكريهة. قوله: «ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان»، أي: فوق الحنوط الذي يوضع في القطن، والتبان هو: السروال القصير الذي ليس له أكمام. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (269).

تجمع أليتيه ومثانته، ويجعل الباقي على منافذ وجهه، ومواضع سجوده وإن طيب كله فحسن

تَجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَته، وَيُجْعَلُ البَاقِي عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، وَمَواضِع سُجُودِهِ. وَإِنْ طُيِّبَ كُلُّهُ فَحَسَنٌ، ............. قوله: «تجمع أليتيه ومثانته» أي: الخرقة المشقوقة، فيؤتى بخرقة مشقوقة الطرف من أجل أن يمكن إدارتها على الفخذين جميعاً، ثم تشد، ومعنى تشد، أي: تربط لتجمع بين أليتيه ومثانته. إذاً تكون على السوءتين؛ لأنه لا يمكن أن تجمع المثانة مع الأليتين إلا إذا كانت ساترة لهما، وهذا من تمام الستر. قوله: «ويجعل الباقي على منافذ وجهه، ومواضع سجوده» أي: الباقي من الحنوط الذي وضع في القطن يجعل على منافذ وجهه، وهي: العينان، والمنخران، والشفتان. وفي الروض زيادة: «الأذنين»، مع أن الأذنين من الرأس، لكنهما لقربهما من الوجه تلحقان به. ويجعل الحنوط على المنافذ؛ من أجل أن يَمنع دخول الهوام من هذه المنافذ. ويُجعل على مواضع السجود، وهي: الجبهة، والأنف، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين. وعللوا ذلك بأن هذا من باب التشريف لها. وكل هذا على سبيل الاستحباب من العلماء، أي: وضع الحنوط في هذه الأماكن، أما الحنوط من حيث أصله فقد جاءت به السنّة كما ذكرنا. قوله: «وإن طيب كله فحسن»، أي: إن طيب الميت كله

ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه، ثم الثانية، والثالثة كذلك ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه، ثم يعقدها

فحسن؛ لأنه يكون أطيب، لكن ينبغي أن يطيب بطيب ليس حاراً؛ لأن الحار ربما يمزق البدن، بل يكون بارداً، وهذا لم يعرف في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لكن فعله بعض الصحابة (¬1). ثُمَّ يُردُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيا عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ، وَيردّ طَرَفها الآخر مِن فَوْقِهِ، ثُمَّ الثَّانِيَة، والثَّالِثَة كذَلِكَ. وَيَجْعَلُ أَكْثَر الفَاضِلِ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا، ............ قوله: «ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه، ثم الثانية، والثالثة كذلك»، أي: نرد طرف اللفافة العليا وهي التي تلي الميت على شقه الأيمن، ثم نرد طرفها من الجانب الأيسر على اللفافة التي جاءت من قبل اليمين، نفعل بالأولى هكذا، ثم نفعل بالثانية كذلك، ثم بالثالثة كذلك. وإنما قال المؤلف هذا لئلا يظن الظان أننا نرد طرف اللفائف الثلاث مرة واحدة، بمعنى أن نجمع الثلاث ونردها على الجانب الأيمن، ثم نرد الثلاث على الجانب الأيسر، فأولاً أكمل رد اللفافة الأولى، فترد الطرف الذي يلي يمين الميت، ثم الطرف الذي يلي يساره، ثم الثانية، ثم الثالثة على نفس الطريقة. قوله: «ويجعل أكثر الفاضل على رأسه»، أي: إذا كان الكفن طويلاً، فليجعل الفاضل من جهة رأسه، أي: يرده على رأسه، وإذا كان يتحمل الرأس والرجلين فلا حرج، ويكون هذا أيضاً أثبت للكفن. قوله: «ثم يعقدها»، أي: يعقد اللفائف. ¬

_ (¬1) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (3/ 414)؛ وابن أبي شيبة (3/ 256).

وتحل في القبر وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز، وتكفن المرأة في خمسة أثواب إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين

والحكمة من عقدها لئلا تنتشر وتتفرق. أما بالنسبة لعدد العقد فيفعل ما يحتاج إليه، ومن المعلوم أنّ أقل ما يحتاج إليه هو عقدتان، عند الرأس، وعند الرجلين، وقد يحتاج إلى عقدتين أو ثلاث في الوسط، وأما أنه لا بد أن تكون سبع عقد فهذا لا أعلم له أصلاً. وَتُحَلُّ فِي القَبْرِ وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ، وَتُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ. قوله: «وتحل في القبر» استدل في الروض «بأثر عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد» (¬1). ولأن الميت ينتفخ في القبر فإذا كان مشدوداً بهذه العقد تمزق. ولو فرض أنه نُسي أن تحل، ثم ذكروا عن قرب، فإن القبر ينبش من أجل أن تحل هذه العقد. وقال في الروض: «وكره تخريق اللفائف»؛ لأنه إفساد لها. إذا قال قائل: إذا خرقتها لم تستره؟ فنقول: لا، بل تستره فخرق مثلاً العليا، ثم خرق التي تحتها من جهة أخرى لا تقابل الخرق الذي في العليا، ثم الثالثة كذلك. وإنما ذكر صاحب الروض هذا؛ لأن بعض أهل العلم قال: إذا خيف من النباش فإنها تخرق اللفائف؛ لأنه كان ¬

_ (¬1) لم نقف عليه عن ابن مسعود، ولكن روي مرسلاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه وضع نعيم بن مسعود في القبر ونزع الأخلّة بفيه». والأخلّة: العقد. أخرجه أبو داود في «المراسيل» (419)؛ والبيهقي في «السنن» (3/ 407).

هناك سُرَّاقٌ يأتون إلى المقابر ينبشونها ويأخذون الأكفان، فقال هؤلاء: إذا خفت من هؤلاء فخرق اللفائف؛ لكي تفسدها عليهم، كما خرق الخضر السفينة؛ لئلا يأخذها الملك الظالم. لكن الفقهاء المتأخرين قالوا: لا تخرق. قوله: «وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز». بعد أن ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ المشروع في تكفين الرجل، وأنه يكفن في ثلاث لفائف بيض، كما كفن النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1) بيّن القدر المجزئ من ذلك. فقال: «وإن كفن في قميص، ومئزر، ولفافة جاز». والقميص: هو الذي نلبسه، أي: الدرع ذو الأكمام. والمئزر: ما يؤتزر به، ويكون في أسفل البدن. واللفافة: عامة. أي: إذا كفن في هذه فلا بأس، ولكن غالب ما يكفن به الناس اليوم اللفائف الثلاث؛ لأن القميص يحتاج إلى خياطة ومدة أو إلى تجهيز أقمصة تكون مهيئة عند الذين يغسلون الموتى ويكفّنونهم. قوله: «وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين». قوله: «إزار» من حيث الإعراب بدل بعض من كل. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (306).

والواجب ثوب يستر جميعه

والإِزار: ما يؤتزر به، ويكون في أسفل البدن. والخمار: ما يغطى به الرأس. والقميص: الدرع ذو الأكمام. واللفافتان: يعمان جميع الجسد. وقد جاء في هذا حديث مرفوع (¬1)، إلا أن في إسناده نظراً؛ لأن فيه راوياً مجهولاً، ولهذا قال بعض العلماء: إن المرأة تكفن فيما يكفن به الرجل، أي: في ثلاثة أثواب يلف بعضها على بعض. وهذا القول ـ إذا لم يصح الحديث ـ هو الأصح؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية، إلا ما دلّ الدليل عليه، فما دلّ الدليل على اختصاصه بالحكم دون الآخر، خص به وإلا فالأصل أنهما سواء. وعلى هذا فنقول: إن ثبت الحديث بتكفين المرأة في هذه الأثواب الخمسة فهو كذلك، وإن لم يثبت فالأصل تساوي الرجال والنساء في جميع الأحكام، إلا ما دلّ عليه الدليل. وَالْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ. قوله: «والواجب ثوب يستر جميعه»، أي: الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع الميت. ¬

_ (¬1) وهو ما روته ليلى الثقفية قالت: «كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان أول ما أعطانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند الباب معه كفنها يناولنا ثوباً ثوباً». أخرجه الإمام أحمد (6/ 380)؛ وأبو داود (3157)؛ والبيهقي (4/ 6) وفي سنده نوح بن حكيم، وهو مجهول. وانظر: «نصب الراية» (2/ 258).

وقول المؤلف: «يستر جميعه» يدل على أنه لا بد أن يكون هذا الثوب صفيقاً بحيث لا ترى من ورائه البشرة، فإن رئيت من ورائه البشرة فإنه لا يكفي. والدليل على أن هذا واجب: أن الصحابة الذين قصرت بهم ثيابهم عن الكفن «أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل الكفن من عند الرأس ويجعل على الرجلين شيء من الإذخر» (¬1)، وهو: نبات معروف. فإذا لم يوجد شيء، مثل: أن يحترق بثيابه، ولم يوجد ثياب يكفن بها، فإنه يكفن بحشيش أو نحوه يوضع على بدنه ويلف عليه حزائم، فإن لم يوجد شيء فإنه يدفن على ما هو عليه؛ لعموم قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (3897)؛ ومسلم (940) عن خباب رضي الله عنه.

فصل

فَصْلٌ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الإِْمَامُ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَعِنْدَ وَسَطِهَا قوله: «السنّة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسطها»، لم يفصح المؤلف في هذا الفصل عن حكم الصلاة على الميت؛ لأنه ذكرها في أول الفصل في قوله: «غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، فرض كفاية». وعلى هذا فنقول: الصلاة على الميت فرض كفاية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بالصلاة على الميت فقال في قصة الرجل الذي عليه الدين: «صلوا على صاحبكم» (¬1). وقال في الذي قتل نفسه بمشاقص: «صلوا على صاحبكم» (¬2). وقال: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» (¬3). ويشير إلى هذا قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]. فإن هذا يدل على أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان من هديه أن يصلي على الأموات. فالصلاة على الميت فرض كفاية، وتسقط بمكلف، أي: لو صلّى عليه مكلف واحد ذكر، أو أنثى، فإن الفرض يسقط. وقد يقال: كيف لا يوجد إلا رجل واحد أو امرأة واحدة؟ الجواب: هذا ممكن، مثل: أن يموت شخص في مكان ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2295) عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. (¬2) أخرجه مسلم (978) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه. (¬3) أخرجه الدارقطني (2/ 56)؛ والطبراني في «الكبير» (13622) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

مجهول، ولا يعلم عنه فيصلي عليه واحد من الناس فيكفي. ومثل ذلك ما يسأل عنه بعض أهل البادية، يقولون: إنا كنا ندفن الأموات الصغار بدون صلاة؟. فنقول لهم: يصلي واحد منكم على هؤلاء الذين دفنوا ويكفي، حتى لو صلت امرأة واحدة على أحد من الناس كفى؛ لأن فرض الكفاية يسقط بواحد. واشترطنا أن يكون مكلفاً؛ لأن الصلاة على الجنازة فرض، والفرض لا يقوم به إلا المكلف. وأمَّا كيفية الصلاة على الميت فبينها المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «السنّة أن يقوم الإمام عند صدره، وعند وسطها». فيستحبُّ على هذا أن يقوم الإمام عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة. والصحيح أنه يقف عند رأس الرجل، لا عند صدره؛ لأن السنّة ثبتت بذلك (¬1). وعند وسطها، أي وسط المرأة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قام على امرأة ماتت في نفاسها عند وسطها» (¬2). والحكمة في ذلك: أن وسطها محل العجيزة والفرج، فكان الإمام عنده ليحول بين المأمومين وبين النظر إليها، هذه من الحكمة، والله أعلم. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (3/ 118)؛ وأبو داود (3194)؛ والترمذي (1039)؛ وابن ماجه (1494) عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال الترمذي: «حديث حسن». (¬2) أخرجه البخاري (1332)؛ ومسلم (964) عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.

والوقوف عند رأس الرجل ووسط المرأة مستحب، فلو وقف عند الرجلين أجزأ، ولكن لو لم يكن الميت بين يدي الإمام لم يجزئ. وقوله: «أن يقوم الإمام عند صدره»، يفهم منه أن هذه الصلاة كغيرها من الصلوات يكون الإمام هو المتقدم والمأمومون خلفه، وقد جرت عادة كثير من الناس اليوم أن يقوم مع الإمام الذين قربوا الجنازة إلى الإِمام، فيقومون عن يمينه غالباً دون يساره، وأحياناً عن يمينه وعن يساره، وكل هذا خلاف السنة. بل السنّة أن يتقدم الإمام، وأما الذين قدموا الجنازة إلى الإمام، فإن كان لهم محل في الصف الأول صفوا في الصف الأول، وإن لم يكن لهم محل صفوا بين الإمام وبين الصف الأول من أجل أن يتميز الإمام بمكانه، ويكون أمام المأمومين، ثم إن قدر أن المكان ضيق لم يتسع لوقوف الإمام وصف خلفه فإنهم يصفون عن يمينه وعن شماله وليس عن اليمين فقط؛ لأن صف المأمومين كلهم عن يمين الإمام خلاف السنّة أيضاً. ودليل ذلك: أن السنّة أولاً إذا كانوا ثلاثة وقاموا جماعة فإن الإمام يكون بين الاثنين دلّ ذلك على أنه متى كان الصف مع الإمام فإنهم يكونون عن يمينه وعن يساره. فإذا قال قائل: السنّة إذا كانوا ثلاثة أن يتقدم الإمام؟ قلنا: نعم، هذا هو الذي آل إليه الحكم أخيراً، والحكم الأول وهو الصف مع الإمام عن يمينه وشماله نسخ، لكن الذي نسخ من الحكم الأول هو كون الإمام بينهما، أما إذا كانوا لا بد أن يصفوا معه، فإن السنّة باقية، أي: أن يكونوا عن يمينه وعن شماله.

ويكبر أربعا يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة

تنبيه: لا يشترط أن يكون رأس الميت عن يمين الإمام، فيجوز أن يكون عن يسار الإمام ويمينه. خلافاً لما يعتقد بعض العامة من أنه لا بد أن يكون عن يمينه. وَيُكَبِّرُ أَرْبَعاً يَقْرَأُ فِي الأُْولَى بَعْدَ التَّعَوُّذِ الفَاتِحَةَ، ........... قوله: «ويكبّر أربعاً» التكبيرات عند الفقهاء هنا كلها أركان؛ لأنها بمنزلة الركعات، فكل تكبيرة عن ركعة. والتكبيرات في الصلوات الأخرى، منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو سنّة. فالركن ـ في غير صلاة الجنازة ـ هي: تكبيرة الإحرام. والسنّة هو: تكبيرة المسبوق إذا جاء والإمام راكع، فيكبّر تكبيرة الإحرام واقفاً، ثم يركع، والأفضل أن يكبّر للركوع وإن لم يكبر فلا حرج. والواجب: ما عدا ذلك، هذا هو الراجح. وذهب بعض العلماء: إلى أن التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام سنّة، وأن الرجل لو تعمد تركها لم تبطل صلاته، لكن ما ذكرناه هو ما مشى عليه أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ. قوله: «يقرأ في الأولى بعد التعوّذ الفاتحة»، أي: في التكبيرة الأولى بعد التعوّذ، أي: بعد قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقرأ الفاتحة. ودليل التعوذ عموم قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} [النحل]. وعُلم من كلامه أنه لا استفتاح فيها. وعلل العلماء القائلون بهذا: ـ بأن هذه الصلاة مبنية على

ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية كالتشهد، ويدعو في الثالثة فيقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا

التخفيف، ولهذا ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا قراءة مطولة زائدة على الفاتحة، بل ولا قراءة زائدة مطلقاً على قول بعض العلماء، ولا تشهّد، وليس فيها إلا تسليم واحد. وقال بعض أهل العلم: بل يستفتح؛ لأنها صلاة، فيستفتح لها كما يستفتح لسائر الصلوات. وقوله: «بعد التعوذ الفاتحة»، أفادنا ـ رحمه الله ـ: أن الفاتحة لا بد منها، وهو كذلك. والفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (¬1)، وصلاة الجنازة صلاة؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} فسماها الله صلاة، ولأن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قرأ الفاتحة على جنازة، وقال: «لتعلموا أنها سنة» (¬2). وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم فِي الثَّانِيَةِ كالتَّشَهُّدِ، وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَشَاهِدنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرنا وَكَبِيرنَا، وَذَكَرنَا وأُنْثَانَا ...... قوله: «ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم في الثانية كالتشهّد»، أي: يصلي في التكبيرة الثانية «كالتشهّد» أي: كما يصلي عليه في التشهّد. والصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم في التشهّد هي: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد». وإن اقتصر على قوله: «اللهم صلّ على محمد» كفى كما يكفي ذلك في التشهّد. قوله: «ويدعو في الثالثة» أي: في التكبيرة الثالثة يدعو ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (3/ 62). (¬2) أخرجه البخاري (1335).

بالدعاء المأثور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إن كان يعرفه، فإن لم يكن يعرفه فبأي دعاء دعا جاز، إلا أنه يخلص الدعاء للميت، أي: يخصه بالدعاء. والدعاء للميت: عام، وخاص، وقد ذكرهما المؤلف ـ رحمه الله ـ، فبدأ بالدعاء العام أوّلاً. قوله: «فيقول: اللهم اغفر»، أي: يا الله اغفر، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، وليست ستر الذنب فقط، بل ستر وتجاوز، وهي مأخوذة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند القتال؛ لأنه يتضمن ستراً ووقاية. قوله: «لحينا وميتنا»، أي: لحينا نحن المسلمين، وميتنا كذلك نحن المسلمين، وهذا عام؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم فيشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والشاهد والغائب. وإنما قلت هذا لتعتبر هذا فيما يأتي. قوله: «وشاهدنا وغائبنا»، هذا أيضاً عموم داخل في العموم الأول، والعموم الأول داخل فيه أيضاً أي: يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والحي والميت. قوله: «وصغيرنا وكبيرنا» كسابقه، فهو عام. قوله: «وذكرنا وأُنثانا» كسابقه، فهو عام. إذا قال قائل: لماذا التطويل والتفصيل؟ قلنا: لأن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط. والسنّة في الدعاء أن تبسط وتطول لستة أسباب:

الأول: أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإِنسان إذا أحب شيئاً أحب طول مناجاته، فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء وبسطك له دليل على محبتك لمناجاة الله ـ عز وجل ـ. الثاني: أن التطويل يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال. الثالث: أن ذلك أحضر للقلب. الرابع: زيادة الأجر والتعبد لله تعالى؛ فالدعاء عبادة يؤجر عليها الإنسان. الخامس: أن هذا من باب الإلحاح في الدعاء والله يحب الملحِّين في الدعاء. السادس: أن بالتطويل في الدعاء قد يذكر شيئاً قد نسيه من الدعاء. واعتبر هذا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، سره وعلانيته، وأوله وآخره» (¬1)، «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني» (¬2)، «اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي» (¬3)، فهذا فيه تفصيل وعمومات، لكن فائدته ما أشرت إليه من قبل. ولو قيل: إن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف؛ ولهذا لا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح، فكيف نبسط في الدعاء ونطول؟ فالجواب: أن الدعاء هو مضمون الصلاة، فينبغي البسط ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (483) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬2) أخرجه مسلم (771) عن علي رضي الله عنه. (¬3) أخرجه البخاري (6399) عن أبي موسى رضي الله عنه.

إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير

فيه، أما دعاء الاستفتاح فإنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يستفتح في صلاة الجنازة. إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .......... قوله: «إنك تعلم منقلبنا ومثوانا»، هذه الجملة تعليل لما سبق، أي: دعوناك بهذا الدعاء، لأننا نعلم أنك تعلم منقلبنا، أي: ما ننقلب إليه، ومثوانا، أي: ما نصير إليه؛ لأن المثوى والمصير معناهما واحد. قوله: «وأنت على كل شيء قدير» تتمة للدعاء، ولكنها من زيادات بعض الفقهاء؛ لأنها لم ترد في الحديث الوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. ومعناها: أن الله قادر على كل شيء، قادر على أن يوجد المعدوم، وأن يعدم الموجود، وأن يغير الحال من حسن إلى أحسن أو من حسن إلى أردى، وهذه جملة عامة لا يستثنى منها شيء. وقول صاحب تفسير الجلالين في قوله تعالى في سورة المائدة: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [المائدة]. قال: «خصّ العقل ذاته فليس عليها بقادر»، فهذا القول منكر، وذلك؛ لأن قوله: «خص العقل ذاته» نقول: أين العقل الذي خصّ ذاته بأنَّهُ ليس قادراً عليها، أليس الله يفعل ما يريد؟! والفاعل لما يريد يفعل بنفسه؛ فهو قادر على أن يفعل ما شاء وأن يدع ما شاء. نعم الشيء الذي لا يليق بجلاله لا يمكن أن يكون متعلق القدرة؛ لأن أصل القدرة لا تتعلق به. كما لو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثله؟ نقول: هذا مستحيل؛ لأن المثلية ممتنعة، فلو لم يكن من

انتفاء المماثلة إلا أن الثاني مخلوق والأول خالق. والأول: واجب الوجود. والثاني: ممكن الوجود. ويذكر أن جنود الشيطان جاءوا إليه فقالوا له: يا سيدنا نراك تفرح بموت الواحد من العلماء، ولا تفرح بموت آلاف العباد، فهذا العابد الذي يعبد الله ليلاً ونهاراً يسبّح ويهلل ويصوم ويتصدق لا تفرح بموت الألف منهم فرحك بالواحد من العلماء. قال: نعم أنا أدلكم على هذا، فذهب إلى عابد فقال له: يا أيها الشيخ هل يقدر الله أن يجعل السموات في جوف بيضة؟ قال العابد: لا. وهذه غلطة كبيرة. ثم ذهب إلى العالم وقال له: هل يقدر الله أن يجعل السموات في بيضة؟. قال العالم: نعم، قال: كيف؟ قال: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، فإذا قال للسموات: كوني في جوف بيضة كانت، فقال: انظروا الفرق بين هذا وهذا. فالمهم أنه يجب أن نطلق فنقول: إن الله على كل شيء قدير. فإن قال قائل: عبارة ترد كثيراً عند الناس (إنه على ما يشاء قدير) هل هذا جائز؟. قلنا: لا يجوز إلا مقيداً؛ لأنك إذا قلت: «إنه على ما يشاء قدير» أوهم أن ما لا يشاء لا يقدر عليه، وهو قادر على الذي يشاء والذي لا يشاء. لكن إذا قُيِّدَتِ المشيئة بشيء معين صح، كقوله تعالى:

اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه

{وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 29]، أي: إذا يشاء جمعهم فهو قادر عليه. وكذلك في قصة الرجل الذي أدخله الله الجنة آخر ما كان فقال الله له: «إني على ما أشاء قادر» (¬1)؛ لأنه يتعلق بفعل معين. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ والسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِما، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، .......... قوله: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنّة، ومن توفيته منّا فتوفه عليهما»، هذه الصيغة لم ترد، والوارد: «اللهم من أحييته منّا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (¬2). فالوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أولى أن من أحياه الله يحييه على الإسلام والانقياد التام، ومن أماته فليتوفه على الإيمان. والحكمة من ذلك: أن الاستسلام الظاهر حين الوفاة قد لا يتمكن الإنسان منه؛ لأنه منهك وفي آخر قواه، فكان الدعاء له بالإيمان في هذه الحال أبلغ؛ ولأن الإيمان هو اليقين، ووفاة الإنسان على اليقين أبلغ. وأما الإسلام فإنه استسلام ظاهر بالعمل، ويكون من المؤمن حقاً، ومن ضعيف الإيمان، ومن المنافق أيضاً. مسألة: الدعاء الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمحافظة عليه من الدعاء غير الوارد، وإن كان الأمر واسعاً. قوله: «اللهم اغفر له وارحمه»، هذا الدعاء الخاص، وبدأ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (187) عن ابن مسعود رضي الله عنه. (¬2) أخرجه أحمد (2/ 368)؛ وأبو داود (3201)؛ والترمذي (1024)؛ وابن ماجه (1498)؛ والحاكم (1/ 358). وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد

بالدعاء العام؛ لأنه أشمل، أما الخاص فهو خاص بالميت. وقد وردت السنّة بكل من الدعاء العام والخاص، وقد قال العلماء: يجمع بينهما، لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أخلصوا له الدعاء» (¬1) فلا بد من تخصيصه بدعاء، وإن كان الدعاء العام يشمله. والمغفرة: محو آثار الذنوب وسترها، والإنسان محتاج إلى ستر ذنوبه حياً وميتاً. «وارحمه» أي: بحصول المطلوب. ولهذا يجمع بين المغفرة والرحمة كثيراً؛ لأن بالمغفرة النجاة من المرهوب، وبالرحمة حصول المطلوب. وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِع مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، ...... قوله: «وعافه واعف عنه»، أي: عافه مما قد يصيبه من السوء كعذاب القبر مثلاً. «واعف عنه» أي: تجاوز عنه ما فرط فيه من الواجب في حال حياته. فالعفو: التسامح والتجاوز عن مخالفة الأوامر. والمعافاة: السلامة من آثام المحرم. والمغفرة: محو آثار الذنوب بالمخالفة. قوله: «وأكرم نزله»، «نُزُلَهُ»: بالضم، ويقال: نُزْله بالسكون، وهو القِرى، أي: الإكرام الذي يقدم للضيف، والإنسان الراحل هو في الحقيقة قادم على دار جديدة، فتسأل الله أن يكرم نزله أي ضيافته. قوله: «وأوسع مدخله»، يقال: مَدخل، ومُدخل، بالفتح ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (3199)؛ وابن ماجه (1497)؛ وابن حبان (3076) (3077) إحسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وبالضم، فبالفتح: اسم مكان، أي: مكان الدخول، وبالضم: الإدخال، وعلى هذا فالفتح أحسن، أي: أوسع مكان دخوله، والمراد به القبر، أي: أن الله يوسعه له؛ لأن القبر إما أن يضيق على الميت حتى تختلف أضلاعه ـ والعياذ بالله ـ وإما أن يوسع له مد البصر، فأنت تسأل الله أن يوسع مدخله. قوله: «واغسله بالماء والثلج والبرد»، الغسل بالماء: أي: استعمال الماء فيما تلوث، وما حصل فيه أذى؛ من أجل إزالة التلويث والأذى. والمراد بالغسل هنا: غسل آثار الذنوب، وليس المراد أن يغسل شيئاً حسياً؛ لأن الغسل الحسي قد تم بالنسبة للميت قبل أن يكفن. ولهذا قال: «بالماء، والثلج، والبرد». أورد بعض العلماء على هذا إشكالاً فقال: إن الغسل بالماء الساخن أنقى، فلماذا قال: «بالماء، والثلج، والبرد»؟. والجواب عن ذلك: أن المراد غسله من آثار الذنوب، وآثار الذنوب نار محرقة، فيكون المضاد لها الماء والبرودة. وقوله: «الثلج والبرد» الفرق بينهما: أن الثلج ما يتساقط من غير سحاب، فيتساقط من الجو مثل الرذاذ ويتجمد. والبرد: يتساقط من السحاب ويسمى عند بعض أهل اللغة: حب الغمام؛ لأنه ينزل مثل الحب.

ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وزوجا خيرا من زوجه

وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيراً مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، ........... قوله: «ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، والوارد في الحديث، «ونقه من الخطايا» (¬1). والخطايا: جمع خطيئة، وهي: ما خالف فيها الصواب، سواء كان فعلاً للمحظور أو تركاً للمأمور. وقوله: «من الذنوب»، لو صح الحديث بلفظ: «الذنوب والخطايا» كما أورده المؤلف. لقلنا: الذنوب: الصغائر، والخطايا: الكبائر. ولكن الحديث ورد بلفظ «الخطايا» فقط. وبناء عليه نقول: «الخطايا» هنا تشمل: الصغائر، والكبائر. وقوله: «كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، هذا التشبيه لقوة التنقية، أي: نقه نقاء كاملاً، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وخص الأبيض؛ لأن ظهور الدنس على الأبيض أبين من ظهوره على غيره. قوله: «وأبدله داراً خيراً من داره» الدار الأولى دار الدنيا، والثانية دار البرزخ، وهناك دار ثالثة وهي دار الآخرة. قوله: «وأبدله داراً خيراً من داره» يشمل الدارين؛ دار البرزخ، ودار الآخرة. قوله: «وزوجاً خيراً من زوجه»، أي: سواء كان المصلى عليه رجلاً أم امرأة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (963).

وهناك إشكال؛ لأنه إن كان المصلى عليه رجلاً، وقلنا: «أبدله زوجاً خيراً من زوجه»، فهذا يقتضي أن الحور خير من نساء الدنيا، وإن كان امرأة فإننا نسأل الله أن يفرق بينها وبين زوجها، ويبدلها خيراً منه. فهذان إشكالان؟ أما الجواب عن الأول: «أبدله زوجاً خيراً من زوجه»، فليس فيه دلالة صريحة على أن الحور خير من نساء الدنيا؛ لأنه قد يكون المراد خيراً من زوجه في الأخلاق، لا في الخيرية عند الله ـ عز وجل ـ. وبهذا الجواب يتضح الجواب عن الإشكال الثاني، فنقول: إن خيرية الزوج هنا ليست خيرية في العين، بل خيرية في الوصف، وهذا يتضمن أن يجمع الله بينهما في الجنة؛ لأن أهل الجنة ينزع الله ما في صدورهم من غل، ويبقون على أصفى ما يكون، والتبديل كما يكون بالعين يكون بالصفة، ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48]. فالأرض هي الأرض بعينها، لكنها اختلفت، وكذلك السموات. فإن قيل: إذا كان الميت لم يتزوج فكيف تقول: «وزوجاً خيراً من زوجه»؟. فنقول: المراد زوجاً خيراً من زوجه لو تزوج. وفي الحديث: زيادة «وأهلاً خيراً من أهله» (¬1)، لكن حذفها المؤلف ـ رحمه الله ـ. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (326).

وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار

وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، .......... قوله: «وأدخله الجنة» هي: دار المتقين، كما قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *} [آل عمران]. قوله: «وأعذه من عذاب القبر» لأن القبر فيه عذاب، ولكن الله تعالى قد يقي الإنسان عذابه إذا ألح على الله بالدعاء كما أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر» (¬1). ولهذا أمر أن يتعوذ الإنسان في كل صلاة إذا تشهد التشهد الأخير، من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال (¬2). قوله: «وعذاب النار» معروف. فإن قال قائل: أليس إدخال الجنة يغني عن سؤال أن يعيذه الله من عذاب القبر، وعذاب النار؟ الجواب: لا، فإن الإنسان قد يدخل الجنة بعد أن يعذب في القبر، وبعد أن يعذب بالنار، فأنت تسأل الله أن تدخل الجنة نقياً من عذاب سابق، لا في القبر ولا في النار. وقوله: «اللهم اغفر له» الضمير للمفرد المذكر، فإذا كان الميت أنثى، فهل نقول: اللهم اغفر له، أو نقول: اللهم اغفر لها بالتأنيث؟ الجواب: بالتأنيث؛ لأن ضمير الأنثى يكون مؤنثاً، فنقول: اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها، واعف عنها ..... إلى آخر الدعاء. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (3/ 174). (¬2) سبق تخريجه (3/ 200).

فإن قيل: الحديث ورد بالتذكير فكيف نؤنث الضمير إذا كان الميت أنثى؟ فالجواب: أن هذا الحديث ورد في الدعاء لميت ذكر، ولو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صليتم على الميت فقولوا: اللهم اغفر له ... إلخ» لتوجه عدم التأنيث، فنأخذ بالنص ونؤوله على ما يناسب الحال. وإن كان المقدم اثنين تقول: اللهم اغفر لهما ... وإن كانوا جماعة تقول: اللهم اغفر لهم. وإن كن جماعة إناث تقول: اللهم اغفر لهن. وإن كانوا من الذكور والإناث، فيغلب جانب الذكورية، فتقول: اللهم اغفر لهم، فالضمير يكون على حسب من يدعى له. ونظير هذا من بعض الوجوه حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في دعاء الغمّ: «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك .... » (¬1). والمرأة تقول: «اللهم إني أمتك بنت عبدك بنت أمتك .... ». وإن كان الإنسان لا يدري هل المقدم ذكر أو أنثى، فهل يؤنِّث الضمير أو يذكِّرُه؟. الجواب: يجوز هذا وهذا، باعتبار القصد، فإن قلت: اللهم اغفر له، أي: لهذا الشخص، أو للميت، وإن قلت: اللهم اغفر لها، أي: لهذه الجنازة. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 391، 452)؛ وابن حبان (972) إحسان؛ والحاكم (1/ 509) عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ وحسّنه ابن القيم في «شفاء العليل» ص (274).

وافسح له في قبره، ونور له فيه» وإن كان صغيرا قال: «اللهم اجعله ذخرا لوالديه، وفرطا، وأجرا، وشفيعا مجابا

وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». وَإِنْ كَانَ صَغِيراً قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعلْهُ ذُخْراً لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطاً، وأَجْراً، وَشَفِيعاً مُجَاباً، .......... قوله: «وافسح له في قبره» أي: وسع له؛ لأن الفسحة السعة، وهذا التوسيع ليس توسيعاً محسوساً بحيث يكون قبره متسعاً يملأ المقبرة، لكنه فَسْحٌ غير محسوس إحساساً دنيوياً؛ لأنه من أحوال الآخرة. وكما ترون في المنام أن الإنسان يرى أنه في مكان فسيح، وفي نخيل، وأشياء تبهج نفسه، وهو لا يزال في فراشه، فعذاب القبر يشبه من بعض الوجوه ما يراه النائم، وإن كان أشد منه في كونه حقيقة. وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يورد علينا مورد بأن الناس في قبورهم لا تتسع القبور أكثر مما هي عليه في الواقع؟ فنقول له: هذا أمر غيبي، وليس أمراً حسياً معروفاً. قوله: «ونور له فيه»، أي: اجعل له فيه نوراً. قال في الروض: «ولا بأس بالإشارة بالأصبع حال الدعاء للميت»، وهذا فيه نظر!! قوله: «وإن كان صغيراً قال .... »، هذا فيه بيان صيغة الدعاء للصغير إذا صلي عليه. ولكن هل ثبت هذا الدعاء بهذه الصيغة للصغير؟ الجواب: لا، لم يثبت بهذه الصيغة للصغير، ولكن ورد أنه يصلى عليه، ويدعى له، ويدعى لوالديه (¬1). ¬

_ (¬1) لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وفيه قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والطفل يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة». أخرجه الإمام أحمد (4/ 247،248، 249، 252)؛ وأبو داود (3180)؛ والترمذي (1031)؛ والنسائي (4/ 55)؛ وابن ماجه (1481)؛ والبيهقي (4/ 8، 24، 25). وقال الترمذي: «حسن صحيح». وقوله: «ويدعى لوالديه» تفرد به البيهقي.

ولكن العلماء ـ رحمهم الله ـ استحسنوا هذا الدعاء. قوله: «اللهم اجعله ذخراً لوالديه» الذخر: بمعنى المذخور، أي: أنها مصدر، بمعنى اسم المفعول، أي: مذخوراً لوالديه يرجعان إليه عند الحاجة. قوله: «وفرطاً» الفرط: السابق السالف، وهنا إشكال كيف نقول: إنه فرط لوالديه إذا كانا قد ماتا قبله؟ فيقال: إنه فرط لوالديه في الآخرة يتقدمهما؛ ليكون لهما أجرهُ. قوله: «وأجراً» أي: اجعله لهما أجراً، وهذا ظاهر فيما إذا كانا حيَّين؛ لأنهما سوف يصابان به؛ فإذا أصيبا به فصبرا على هذه المصيبة صار أجراً لهما. أما إذا كانا ميتين، فلا يظهر هذا، لكن لعل الفقهاء ذكروا هذا بناء على الأغلب. قوله: «شفيعاً» الشفيع: بمعنى الشافع، كالسميع بمعنى السامع. والشفيع: هو الذي يتوسط لغيره بجلب منفعة، أو دفع مضرة. وسُمي شفيعاً؛ لأنه يجعل المشفوع له اثنين بعد أن كان وتراً، فصار بضم صوته إلى صوت المشفوع له شفيعاً له.

اللهم ثقل به موازينهما

قوله: «مجاباً» لأن الشفيع قد يجاب، وقد لا يجاب، فسأل الله أن يكون شفيعاً مجاباً. اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، .......... قوله: «اللهم ثقل به موازينهما» أي: موازين الأعمال، وذلك في كونه أجراً لهما؛ لأنه كلما كان أجراً ثقلت به الموازين. والموازين: جمع ميزان، وهو: ما توزن به أعمال العباد يوم القيامة. واختلف العلماء هل هو ميزان حقيقي أو كناية عن إقامة العدل؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه كناية عن إقامة العدل، وأنه ليس هناك ميزان حسي. والصواب أنه ميزان حسي لحديث صاحب البطاقة «أن ذنوبه تُجعل في كفة، ولا إله إلا الله في كفة» (¬1)، وهو ظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» (¬2)، فهو ميزان له كفتان، ولكن هاتين الكفتين لا نعلم كيفيتهما؛ لأن ذلك من أمور الغيب التي لم نعلم عنها. وهل الذي يوزن العمل، أو العامل، أو صحائف العمل؟ ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 213، 221)؛ والترمذي (2639)؛ وابن ماجه (4300)؛ وابن حبان (225) إحسان، والحاكم (1/ 6، 529) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حديث حسن غريب» وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (¬2) أخرجه البخاري (6682)؛ ومسلم (2694) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

على أقوال ثلاثة للعلماء: القول الأول: أن الذي يوزن العمل. القول الثاني: أن الذي يوزن العامل. القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال. وذلك لاختلاف النصوص في ذلك. فحجة من قال: إن الذي يوزن العمل ما يلي: 1 ـ قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *} [الزلزلة]. 2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان». وحجة من قال إن الذي يوزن صاحب العمل ما يلي: 1 ـ قوله تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} [الكهف: 105]. 2 ـ حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: لما قام فهبت الريح فضحك الناس منه؛ لأنه ـ رضي الله عنه ـ دقيق الساقين، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن ساقيه في الميزان أعظم من أُحد» (¬1). وحجة من قال: إن الذي يوزن صحائف الأعمال: حديث صاحب البطاقة «الذي يؤتى له بسجلات عظيمة كلها ذنوب، حتى إذا رأى أنه قد هلك، قيل له: إن لك عندنا حسنة واحدة فيؤتى ببطاقة صغيرة فيها لا إله إلا الله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 420)؛ وابن أبي شيبة (12/ 113) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم»

هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم شيئاً، ثم توضع البطاقة في كفة، وبقية الأعمال في كفة، فترجح بهنَّ وتميل» (¬1). فيجاب: إن حقيقة هذا وزن الأعمال؛ لأن الصحائف إنما تثقل وتخف بما فيها من العمل. وقد يقال: إن الأكثر وزن الأعمال، وقد توزن صحائف الأعمال. ولكن الراجح والذي عليه الجمهور أن الذي يوزن العمل. وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ». قوله: «وأعظم به أجورهما»، أي: اجعل أجورهما عظيمة، وهنا إشكال نحوي حيث قال: «أجورهما» مع أن المضاف إليه مثنى أي لم يقل: عظم به أجريهما؟ والجواب على هذا: أن الأفصح في اللغة العربية إذا أضيف إلى المثنى أن يؤتى بالجمع، ثم الإِفراد، ثم التثنية، إلا أن يكون هناك حاجة؛ لأن يؤتى بالتثنية، أو الإفراد، أو الجمع، قال تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، مع أنه ليس لهما إلا قلبان، كما قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4]، ولم يقل فقد صغى قلباكما، ولم يقل: فقد صغى قلبكما؛ لأن الأفصح الجمع. قوله: «وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم»، أي: بصغار المؤمنين الذين سلفوا، وذلك أن الصغار ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (332).

ويقف بعد الرابعة قليلا، ويسلم واحدة عن يمينه، ويرفع يديه مع كل تكبيرة

من الولدان يكونون في كفالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد رآهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ حينما عُرج به ـ عند إبراهيم وسأل عنهم، فقيل له: هؤلاء ولدان المؤمنين (¬1)؛ ولهذا قال: «واجعله في كفالة إبراهيم». قوله: «وقه برحمتك عذاب الجحيم»، «قه» من الوقاية، أي: اجعله سالماً من عذاب الجحيم. «برحمتك» من باب التوسل بصفة الله ـ عز وجل ـ. لكن كيف يقول: «قه برحمتك عذاب الجحيم»، وهو صغير لم يبلغ، فليس عليه عذاب؟ قال بعض العلماء: ما من إنسان إلا ويلج النار، ومن ذلك الصغار؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *} [مريم]، فيكون هذا دعاء لهذا الصبي أن يقيه الله عذاب الجحيم إذا عرض عليها يوم القيامة. وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلاً، وَيُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ..... قوله: «ويقف بعد الرابعة قليلاً» أي: يقف قليلاً؛ ليتميز التكبير من السلام، أو من أجل أن يتراد إليه نفسه. وقوله: «يقف قليلاً» ظاهره أنه لا يدعو، وهو أحد الأقوال في المسألة. واختار بعض الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أنه يدعو بقوله: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله». ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1386) عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.

وقال بعضهم يدعو بقوله: «ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»؛ لأن هذا الدعاء تختم به الأدعية، ولهذا جعله النبي صلّى الله عليه وسلّم في نهاية كل شوط من الطواف، حيث يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» (¬1). والقول بأنه يدعو بما تيسر أولى من السكوت؛ لأن الصلاة عبادة ليس فيها سكوت أبداً إلا لسبب كالاستماع لقراءة الإمام، ونحو ذلك. قوله: «ويسلم واحدة عن يمينه» وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس، لكن عن اليمين أفضل. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يسن الزيادة على تسليمة واحدة وهو المذهب. والصحيح: أنه لا بأس أن يسلم مرة ثانية؛ لورود ذلك في بعض الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (3/ 411)؛ وأبو داود (1892)؛ وابن حبان (3826) إحسان؛ والحاكم (1/ 455)؛ والبيهقي (5/ 84) عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم» ووافقه الذهبي. (¬2) لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ثلاث خلال كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة». أخرجه البيهقي (4/ 34)؛ وقال النووي في «المجموع» (5/ 239): «إسناده جيد».

والذين قالوا: إنه يسلم واحدة استدلوا: 1 ـ بأثر في صحته نظر (¬1). 2 ـ بالمعنى: أن هذه الصلاة مبنية على التخفيف، والتسليمة الواحدة أخف. لكن لو سلم مرتين، فلا حرج، ولا ينكر عليه. وكذلك إذا سلم الإمام تسليمة واحدة فللمأموم أن يسلم تسليمتين لأنه لا يتحقق به المخالفة. قوله: «ويرفع يديه مع كل تكبيرة»، «ويرفع» الضمير يعود على المصلي، أي: يرفع يديه مع كل تكبيرة على صفة ما يرفعهما في صلاة الفريضة، أي: يرفعهما حتى يكونا حذو منكبيه، أو حذو فروع أذنيه. وقوله: «مع كل تكبيرة»، هذا هو القول الصحيح والدليل على ذلك ما يلي: 1 ـ ورود السنة بذلك (¬2)، بسند جيد، كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ، وأعله الدارقطني بعمر بن شيبة (¬3)، لكن قال الشيخ عبد العزيز: إن عمر ثقة، والزيادة من الثقة عند علماء الحديث مقبولة، إذا لم تكن منافية وهنا لا تنافي؛ ¬

_ (¬1) وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى على جنازة فكبّر عليها أربعاً، وسلّم تسليمة واحدة». أخرجه الدارقطني (2/ 72، 77)؛ والحاكم (1/ 360)؛ والبيهقي (4/ 43). وقال النووي في «الخلاصة» (2/ 982): «غريب الإسناد». (¬2) أخرجه الدارقطني في «علله» كما في «نصب الراية» (2/ 285). (¬3) «نصب الراية» (2/ 285).

لأن المسكوت عنه ليس كالمنطوق، ولا منافاة إلا إذا تعارض منطوقان، أما إذا كان أحدهما ناطقاً والثاني ساكتاً فلا معارضة؛ لأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم. 2 ـ أنه صح عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ موقوفاً (¬1)، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يثبت بالاجتهاد. ولو قيل: لعل ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قاس ذلك على غيرها من الصلوات؟ فالجواب: أن الصلوات الأخرى ليس فيها رفع في كل تكبيرة، كما ثبت ذلك من حديث ابن عمر نفسه. 3 ـ أن المعنى يقتضيه؛ لأنه إذا حرك يديه اجتمع في الانتقال من التكبيرة الأولى قول وفعل، كسائر الصلوات، فإن الصلوات يكون مع القول فعل إما ركوع، أو سجود، أو قيام، أو قعود، فكان من المناسب أن يكون مع القول فعل، ولا فعل هنا يناسب إلا رفع اليدين؛ لأن الركوع والسجود متعذران فيبقى رفع اليدين. وحينئذٍ يكون رفع اليدين في كل تكبيرة مؤيداً بالأثر، والنظر. وقوله: «مع كل تكبيرة»، سبق في كتاب الصلاة أنه: إن شاء ابتدأ رفع اليدين مع ابتداء التكبير، وإن شاء إذا كبر رفع، وإن شاء رفع ثم كبر. ¬

_ (¬1) ذكره البخاري تعليقاً (3/ 226)، ووصله في جزء رفع اليدين في الصلاة (105)؛ والشافعي في «المسند» (585) ترتيب، وعبد الرزاق (6360)؛ وابن أبي شيبة (3/ 296)؛ والبيهقي (4/ 44).

وواجبها: قيام، وتكبيرات أربع

وَوَاجِبُهَا: قِيَامٌ، وَتَكْبِيرَاتٌ أَرْبَعٌ، ........... قوله: «وواجبها: قيام» أي: ما يجب فيها، وليس المراد الواجب الاصطلاحي الذي هو قسيم الركن أو الشرط، بل المراد بالواجب هنا: ما يجب فيها فلا ينافي ذلك أن يكون ركناً، كما نقول: قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة. فقوله: «وواجبها» ليس قسيم أركانها؛ لأن هذا الذي ذكره المؤلف أركانها. وقوله: «قيام»، أي: واجب إذا كانت فريضة، وعلى هذا فإذا أعيدت صلاة الجنازة مرة ثانية كان القيام في المرة الثانية سنة، وليس بواجب؛ لأن الصلاة المعادة ليست فريضة. قوله: «وتكبيرات أربع» أي: أركان؛ لأن كل تكبيرة منها كالركعة. وقوله: «أربعٌ» أي: لا تقل عن أربع، وله الزيادة إلى خمس، وإلى ست، وإلى سبع، وإلى ثمان، وإلى تسع كل هذا ورد. لكن الثابت في صحيح مسلم إلى خمس (¬1)، ففيه أن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ «صلى على جنازة فكبر عليها خمساً، وأخبر أن ذلك من فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم»، ولهذا ينبغي للأئمة أحياناً أن يكبروا على الجنازة خمس مرات إحياءً للسنة، وسيقول بعض الناس: إن إمامنا نسي فزاد خامسة، لكن إذا فعلها مرة بعد مرة، وبين للناس أن هذا من السنة فذلك حسن. مسألة: إذا كبرنا خمساً، فماذا نقول بعد الرابعة والخامسة؟ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (957) عن زيد رضي الله عنه.

والفاتحة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ودعوة للميت، والسلام

الجواب: لا أعلم في هذا سنة، لكنني إذا أردت أن أكبر خمساً جعلت بعد الثالثة الدعاء العام، وبعد الرابعة الدعاء الخاص بالميت، وما بعد الخامسة {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة]، ولهذا قد يعرف النبيه أنني أريد أن أكبر خمساً، إذا صار الدعاء بعد الثالثة قصيراً. وَالْفَاتِحَةُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَدَعْوَةٌ لِلْمَيِّتِ، وَالسَّلاَمُ. ..... قوله: «والفاتحة»، قراءة الفاتحة ركن؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (¬1). وقرأ ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الفاتحة، وجهر بها، وقال: «ليعلموا أنها سنة» (¬2)، أي: أنها مشروعة، وليس المعنى إن شئت فاقرأها وإن شئت فلا تقرأها. ولا وجه لمن قال بعدم وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؛ مع عموم الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وهذه صلاة بدلالة الكتاب والسنة. وإذا انتهى المأموم من قراءة الفاتحة قبل تكبير الإمام للثانية فإنه يقرأ سورة أخرى؛ لأن ذلك قد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬3). قوله: «والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم»، أي: من واجبات الصلاة على الميت، وهو ركن على المشهور من المذهب، وهو مبني على القول بركنية الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصلوات. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (318). (¬2) سبق تخريجه ص (318). (¬3) أخرجه النسائي (4/ 74) عن طلحة بن عبد الله قال: «صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: سنة وحق».

أما إذا قلنا: بأنها ليست ركناً في الصلوات فهي هنا ليست بركن، لكن الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا المقام لها شأن (¬1)؛ لأن الفاتحة ثناء على الله، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم صلاة عليه، والثالثة دعاء فينبغي للداعي أن يقدم بين يديه الثناء على الله، ثم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم. ولم يبين هنا كيفيته، ولكنه بين فيما سبق أنها كالتشهد، ويكفي أن يقول: اللهم صلِّ على محمد. قوله: «ودعوة للميت»، هذا من الأركان أيضاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» (¬2)؛ ولأن هذا هو لبُّ هذه الصلاة، فأصل الصلاة على الميت إنما كانت للدعاء له. قوله: «والسلام» أي: ركن، لكنه يكفي فيه تسليمة واحدة، كما سبق ذكره. ودليله: قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «كان يختم الصلاة بالتسليم» (¬3)، وهذا وإن لم يكن ظاهراً في عموم صلاة الجنازة، ¬

_ (¬1) لما رواه أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجال من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة على الجنازة: «أن يكبّر الإمام، ثم يصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث ... ». أخرجه الحاكم (1/ 360)؛ والبيهقي (4/ 39) وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (¬2) أخرجه أبو داود (3199)؛ وابن ماجه (1497)؛ وابن حبان (3076) إحسان؛ والبيهقي (4/ 40) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬3) سبق تخريجه (3/ 211).

ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته

لكن يصح أن يكون متمسكاً؛ ولأنها عبادة افتتحت بالتكبير، فتختتم بالتسليم كالصلاة المفروضة. والترتيب بين أركان صلاة الجنازة واجب فيبدأ بالفاتحة، ثم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم الدعاء؛ فلا يقدم بعضها على بعض. وكذلك تكميل التكبيرات الأربع؛ فإن سلم من ثنتين ساهياً أكمل مع القرب، وأعاد مع البعد. وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ. قوله: «ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته»، أي على صفة ما فاته؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فاتكم فأتموا» (¬1). ويستفاد من قول المؤلف: «شيء من التكبير»، أن التكبيرة بمنزلة الركعة. مسألة: إذا دخل مع الإمام في التكبيرة الثالثة هل يقرأ الفاتحة، أو يدعو للميت؛ لأن هذا مكان الدعاء؟ الجواب: الظاهر لي: أنه يدعو للميت، حتى على القول بأن أول ما يدركه المسبوق أول صلاته، فينبغي في صلاة الجنازة أن يتابع الإمام فيما هو فيه؛ لأننا لو قلنا لهذا الذي أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة: اقرأ الفاتحة، ثم كبر الإمام للرابعة، وقلنا: صلِّ على النبي ثم حملت الجنازة فاته الدعاء له. وقول المؤلف: «ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته»، ظاهره: الوجوب. وظاهره أيضاً: أنه يقضيه، سواء أخشي حمل الجنازة أم لم يخش. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (4/ 368).

ووجه ذلك: أنه إذا قدر أن الجنازة رفعت قبل أن يتم، فإنه يدعو لها ولو في غيبتها للضرورة. ولكن قيده الأصحاب ـ رحمهم الله ـ فقالوا: «ما لم يخش رفعها»، أي: إذا خشي الرفع تابع وسلَّم. والغالب في جنائزنا أنها ترفع ولا يتأخرون فيها حتى يقضي الناس، وعلى هذا فيتابع التكبير ويسلِّم. ومع هذا قالوا: «وله أن يسلم مع الإمام»؛ لأن الفرض سقط بصلاة الإمام، فما بعد صلاة الإمام يعتبر نافلة، والنافلة يجوز قطعها. وقيل: بل يقضيها على صفتها، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (¬1)، فيلزم من هذا أن يتمه على صفته. إذاً أحوال المسبوق في صلاة الجنازة ثلاث حالات: الأولى: أن يمكنه قضاء ما فات قبل أن تحمل الجنازة فهنا يقضي، ولا إشكال فيه؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «ما فاتكم فأتموا» (¬2). الثانية: أن يخشى من رفعها فيتابع التكبير، وإن لم يدع إلا دعاء قليلاً للميت. الثالثة: أن يسلم مع الإمام، ويسقط عنه ما بقي من التكبير. وعلته: أن الفرض سقط بصلاة الإمام، فكان ما بقي مخيراً فيه. ¬

_ (¬1) و (¬2) سبق تخريجه (4/ 368).

ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر وعلى غائب بالنية إلى شهر

ومع هذا فليس هناك نص صحيح صريح في الموضوع؛ أعني سَلاَمَهُ مَعَ الإمام، أو متابعته التكبير بدون دعاء، لكنَّهُ اجتهاد من أهل العلم رحمهم الله. وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى القَبْرِ وَعَلَى غَائِبٍ بِالنِّيَّةِ إِلَى شَهْرٍ ........... قوله: «ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر»، أي: يصلي على القبر إن كانت دفنت، وإلا صلى عليها ولا ينتظر؛ لأن الصلاة على القبر إنما تكون للضرورة إذا لم يمكن حضور الميت بين يديه. ودليل ذلك: قصة المرأة التي كانت تقمُّ المسجد، أي ترفع قمامته وتنظفه، فماتت ليلاً، ولم يؤذن النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك تحقيراً لشأنها؛ ولئلا يشق على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما سأل عنها أخبروه أنها ماتت فقال: «هلاَّ كنتم آذنتموني، ـ أي: أخبرتموني ـ، فقال: دلوني على قبرها فخرج بنفسه عليه الصلاة والسلام وصلى على قبرها» (¬1). وفي هذا من عناية الرسول عليه الصلاة والسلام بأهل الخير ما هو ظاهر، إذ ليس لها عمل إلا أنها تقم المسجد، مع أنها امرأة سوداء. وفيه عناية الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالمساجد، كما جاء في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب» (¬2). وفيه تواضع النبي صلّى الله عليه وسلّم للخروج إلى قبرها ليصلي عليه، وإلا فبإمكانه أن يدعو لها في مكانه. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (458)؛ ومسلم (956) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه. (¬2) سبق تخريجه ص (70).

وفيه تعظيم شأن هذه المرأة السوداء، والشكر لها على عملها. مسائل: الأولى: يصلى على القبر صلاة الجنازة المعروفة، إن كان رجلاً وقف عند رأسه، وإن كانت أنثى وقف عند وسط القبر، فيجعل القبر بينه وبين القبلة. الثانية: لو سقط شخص في بئر ولم نستطع إخراجه، فيصلى عليه فيها ثم تطم البئر، ويسقط تغسيله، وتكفينه لعدم القدرة على ذلك. الثالثة: إذا اجتمعت عدة قبور لم يصل عليها؛ فإن كانت كلها بين يديه فيصلى عليها جميعاً صلاة واحدة. وإلا فيصلى على كل قبر. قوله: «وعلى غائب بالنية»، لأن الغائب ليس بين يديه حتى ينوي الصلاة على شيء مشاهد، ولكن يصلي بالنية. وقوله: «غائب» أي: غائب عن البلد، ولو دون المسافة، أما من في البلد فلا يشرع أن يصلي عليه صلاة الغائب، بل المشروع أن يخرج إلى قبره ليصلي عليه. ولهذا يخطئ بعض الجهال الذين يصلون على الميت في أطراف البلد وهو ميت في بلده، فإن هذا خلاف السنة، فالسنة أن تخرج إلى القبر وتصلي عليه. قوله: «إلى شهر»، أي: يصلى على الغائب، وعلى القبر إلى نهاية شهر.

والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلى على قبر إلى شهر» (¬1). ولكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام صلى على قبر له شهر لا يدل على التحديد؛ لأن هذا فعل وقع اتفاقاً ليس مقصوداً، وما فعل اتفاقاً فليس بدليل اتفاقاً؛ لأنه لم يقصد. وخلاف الأصحاب في هذه المسألة لا يقدح في هذه القاعدة؛ لأنهم يخالفون في كونه وقع اتفاقاً، ويقولون: بل وقع قصداً. والصحيح: أنه يُصلى على الغائب، ولو بعد شهر، ونصلي على القبر أيضاً ولو بعد الشهر. إلا أن بعض العلماء قيده بقيد حسن قال: بشرط أن يكون هذا المدفون مات في زمن يكون فيه هذا المصلي أهلاً للصلاة. مثال ذلك: رجل مات قبل عشرين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله ثلاثون سنة فيصح؛ لأنه عندما مات كان للمصلي عشر سنوات، فهو من أهل الصلاة على الميت. مثال آخر: رجل مات قبل ثلاثين سنة، فخرج إنسان وله عشرون سنة ليصلي عليه فلا يصح؛ لأن المصلي كان معدوماً عندما مات الرجل، فليس من أهل الصلاة عليه. ومن ثم لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وما ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 78). وانظر: «التلخيص الحبير» (253).

علمنا أن أحداً من الناس قال: إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو على قبور الصحابة، لكن يقف ويدعو. وقوله: «وعلى غائب» أطلق فيشمل كل غائب؛ رجلاً كان أو امرأة، شريفاً أو وضيعاً، قريباً أو بعيداً، فتصلي على كل غائب. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة: القول الأول: أنه يصلى على كل غائب، ولو صلى عليه آلاف الناس. وبناء على هذا القول اتخذ بعض العلماء عملاً لا يشك أحد في أنه بدعة، فقال: إذا أردت أن تنام فصلِّ صلاة الجنازة على كل من مات في اليوم والليلة من المسلمين تؤجر أجراً كثيراً، فقد يكون مات في هذه الليلة آلاف فيكون لك أجر آلاف الصلوات. ولكن هذا القول لا شك أنه بدعة؛ لأن أعلم الناس بالشرع، وأرحم الناس بالخلق، وأحب الناس أن ينفع الناس الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، ولا فعله خلفاؤه الراشدون، ولا علم عن أحد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ. القول الثاني: أنه يصلى على الغائب إذا كان فيه غناء للمسلمين، أي: منفعة، كعالم نفع الناس بعلمه، وتاجر نفع الناس بماله، ومجاهد نفع الناس بجهاده، وما أشبه ذلك، فيصلى عليه شكراً له ورداً لجميله، وتشجيعاً لغيره أن يفعل مثل فعله.

وهذا قول وسط اختاره كثير من علمائنا المعاصرين وغير المعاصرين. القول الثالث: لا يصلى على الغائب إلا على من لم يصلَّ عليه. حتى وإن كان كبيراً في علمه، أو ماله، أو جاهه، أو غير ذلك، فإنه لا يصلى عليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ. واستدل لذلك: بأن الصلاة على الجنازة عبادة، والعبادة لا تشرع إلا من الكتاب والسنة، ولم يحفظ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صلى على غائب إلا على النجاشي؛ لأنه مات بين أمة مشركة، ليسوا من أهل الصلاة، وإن كان أحد منهم آمن، فلا يعرف عن كيفية الصلاة شيئاً. فأخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم في اليوم الذي مات فيه، وهو في الحبشة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم في المدينة وقال: «إنه مات عبد لله صالح»، وفي بعض الروايات: «إن أخاً لكم قد مات ثم أمرهم أن يخرجوا إلى المصلى» (¬1)، فالاستدلال بصلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم على النجاشي لا يصح؛ لأنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، لكن يستدل بالأعم على الأخص؛ لأن العام يشمل جميع أفراده، فقضية النجاشي قضية خاصة، وليست لفظاً عاماً. قوله: (أمرهم أن يخرجوا إلى المصلى): إما مصلى الجنائز؛ لأنه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان للجنائز مصلى خاص، وإما مصلى العيد، والحديث محتمل للقولين، وبكل من القولين قال بعض العلماء. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1245)؛ ومسلم (951) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ولا يصلي الإمام على الغال ولا على قاتل نفسه

فمن قال: إن المراد مصلى العيد قال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك إظهاراً لشرف هذا الرجل، ورداً لجميله؛ لأنه آوى الصحابة الذين هاجروا إليه، وكونه يصلى عليه في مصلى العيد أظهر. وقال بعض العلماء: المراد مصلى الجنائز؛ لأن «أل» للعهد، وهذه صلاة جنازة، فتحمل على المعهود في صلاة الجنازة، وهو مصلى الجنائز. المهم: أنه لم يحفظ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه صلى على جنازة غائبة غير النجاشي، ولا عن الصحابة، مع أنه لا شك أنه يموت العظماء وذوو الغناء في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي عهد الخلفاء الراشدين. وهذا القول أقرب إلى الصواب. وقوله: «إلى شهر»، أي: وبعد الشهر لا يصلى عليه إن صلي عليه، فإن كان لم يصلَّ عليه صلينا عليه، ولو بعد سنين. وهذه مسألة تقع كثيراً في البادية في زمن الجهل، فقد يموت عندهم الرجل ويدفنونه بدون تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة. ثم يأتون الآن يسألون عن هذا، فالواجب أن يصلى عليه كما سبق. وَلاَ يُصَلِّي الإِمَامُ عَلَى الغَالِّ وَلاَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، .............. قوله: «ولا يصلي الإمام على الغال»، إذا أطلق الفقهاء الإمام فالمراد به: الإمام الأعظم، أي: رئيس الدولة فلا يصلي على الغال.

والغال: هو من كتم شيئاً مما غنمه في الجهاد. مثاله: أن يغنم مع المجاهدين شيئاً، ويكتمه يريد أن يختص به لنفسه، فهذا قد فعل إثماً عظيماً ـ والعياذ بالله ـ وأتى كبيرة من كبائر الذنوب. قال تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]. فسوف يأتي بما غله حاملاً إياه على رقبته يوم القيامة، خزياً وعاراً وفضيحة. ولما كانت المسألة كبيرة ومتعلقة بعموم المسلمين، امتنع النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يصلي على الغال، نكالاً لمن يأتي بعده. ولا تسقط الصلاة عن بقية المسلمين، فيجب عليهم أن يصلوا عليه. ودليل ذلك: ما روى زيد بن خالد ـ رضي الله عنه ـ قال: «توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم، قال: إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين» (¬1). قوله: «ولا على قاتل نفسه»، أي: لا يصلي الإمام على قاتل نفسه نكالاً لمن بقي بعده؛ لأن قاتل نفسه ـ والعياذ بالله ـ أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وسوف يعذب في جهنم بما قتل به نفسه. فإن قتلها بخنجر ففي يده خنجر في نار جهنم يطعن به نفسه. وإن قتلها بسُم ففي فمه سم يتحسَّاه في النار، وإن ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (2710)؛ والنسائي (1961)؛ وابن ماجه (2848).

قتلها بالتردي من أعلى جبل، أو جدار، أو ما أشبه ذلك فكذلك يعذب به في نار جهنم، كما جاء ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (¬1). وكثير من الناس غير المسلمين إذا ضاقت به الدنيا قتل نفسه والعياذ بالله ـ فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ عجل العقوبة لنفسه ـ والعياذ بالله ـ؛ لأنه يعذب من حين أن يموت. ودليل ذلك: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه» (¬2). ولكن هل يصلي عليه بقية الناس؟ الجواب: نعم، يصلي عليه بقية الناس؛ لأنه مسلم لا يكفر، وإن كان يخلد في النار إلى أن يشاء الله. ولو قال قائل: أفلا ينبغي أن يعدى هذا الحكم إلى أمير كل قرية أو قاضيها أو مفتيها، أي من يحصل بامتناعه النكال، هل يتعدى الحكم إليهم؟ فالجواب: نعم يتعدى الحكم إليهم، فكل من في امتناعه عن الصلاة نكال فإنه يسن له أن لا يصلي على الغال، ولا على قاتل نفسه. مسألة: هل يلحق بالغال، وقاتل النفس من هو مثلهم، أو أشد منهم أذية للمسلمين، كقطاع الطرق مثلاً؟ ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (109) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬2) سبق تخريجه ص (314).

الجواب: المشهور من المذهب: لا يلحق. والقول الثاني: أن من كان مثلهم، أو أشد منهم، فإنه لا يصلي الإمام عليه؛ لأن الشرع إذا جاء في العقوبة على جرم من المعاصي، فإنه يلحق به ما يماثله، أو ما هو أشد منه. فإذا كان الذي غلَّ هذا الشيء اليسير لم يصل عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم فما بالك بمن يقف للمسلمين في الطرق، ويقتلهم ويأخذ أموالهم، ويروعهم، أليس هذا من باب أولى أن ينكل به؟ الجواب: بلى، ولهذا فالصحيح: أن ما ساوى هاتين المعصيتين، ورأى الإمام المصلحة في عدم الصلاة عليه، فإنه لا يصلي عليه. مسألة: ما الجواب عن قوله صلّى الله عليه وسلّم فيمن قتل نفسه: «خالداً مخلداً فيها أبداً» (¬1). الجواب: هذا الحديث نظير الآية من بعض الوجوه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *} [النساء]، وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة كثيرة منها: أن هذا فيمن كان مستحلاً للقتل، وعرض هذا الجواب على الإمام أحمد فضحك وقال: سبحان الله، إذا استحل القتل فهو كافر سواء قتل أو لم يقتل. ومنهم من قال: إنه على شرط، أي هذا جزاؤه إن جازاه الله. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (351).

ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد

ومنهم من قال: إن هذا سبب، والسبب قد وجد فيه مانع وهو الإيمان. ومنهم من قال: إن هذا على ظاهره أن من فعل هذا فإنه يختم له بسوء الخاتمة فإن تاب تاب الله عليه، ويؤيده قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» (¬1)، وهذا والذي قبله أحسن الأجوبة. مسألة: إذا وجد بعض ميت فهل يغسل ويكفن ويصلى عليه؟ الجواب: إن كان الموجود جملة الميت؛ بأن وجدنا رجُلاً بلا أعضاء فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وإن كان الموجود عضواً من الأعضاء؛ فإن كان قد صلي على جملة الميت فلا يصلى عليه، وإن كان لم يُصلَّ عليه فإنه يصلى على هذا الجزء الموجود. وَلاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ. قوله: «ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد»، أي: لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد، وإنما قال: «لا بأس» رداً لقول من يقول: تكره الصلاة على الأموات في المساجد؛ لأن المساجد إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن والذكر، لا لأن تحمل إليها الجنائز؛ ليصلى عليها فيها والرسول صلّى الله عليه وسلّم قد جعل للجنائز مصلى خاصاً بها، ولأنه ربما يحصل من الميت تلويث المسجد فيخرج منه خارج، أو يكون فيه رائحة كريهة، أو ما أشبه ذلك. والصحيح: أنه لا بأس بذلك. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (6862) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

والدليل عليه: حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلى على سهل بن بيضاء في المسجد» (¬1)، والرسول صلّى الله عليه وسلّم وإن كان له مصلى للجنائز، لكنه أحياناً يصلي على الجنائز في المسجد. فإذا قال قائل: على القول بالكراهة فأين يصلى على الجنائز؟ الجواب: يعدُّ مصلى خاص للجنائز، كما هو متبع في كثير من البلاد الإسلامية، وينبغي أن يكون قريباً من المقبرة؛ لأنه أسهل على المشيعين؛ فالناس إذا اجتمعوا مثلاً في مسجد في داخل البلد صار في ذلك مضايقة؛ فسينفرون مع الجنازة جميعاً، وقد تكون المقبرة بعيدة، لكن إذا كان مصلى الجنائز قريباً من المقبرة صار الناس يأتون أرسالاً من بيوتهم إلى هذا المصلى، ثم يصلون عليها، ثم يخرجون إلى المقبرة بلا مشقة. وعندنا في نجد لا يخصصون مصلى للجنائز، بل الجنائز يؤتى بها إلى المساجد، وإذا كان لا بأس به فإننا لا ننهى عنه، ولا نقول: إنه يخشى من الميت على المسجد، إلا إذا كان هناك قضية خاصة بأن يكون الميت مات بحادث، والدم لا زال ينزف منه، فهذا نمنع أن يصلى عليه في المسجد؛ لأنه يلوثه. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (99) (100).

فصل

فَصْلٌ يُسَنُّ التَّرْبيعُ فِي حَمْلِهِ، وَيُبَاحُ بَيْنَ العَمُودَيْنِ ........... قوله: «فصل». المؤلف ـ رحمه الله ـ مشى على الترتيب الآتي: تغسيل الميت، ثم التكفين، ثم الصلاة، ثم الحمل، والدفن. قوله: «يسن التربيع في حمله»، التربيع في حمل الميت سنة، لحديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وفيه: «من اتبع جنازة فليحمل من جوانب السرير كلها فإنه من السنة» (¬1)؛ ولأن الإنسان إذا ربع حمل الميت من جميع الجهات. وصفة التربيع: أن يأخذ بجميع أعمدة النعش، ولهذا سميناه تربيعاً؛ لأن أعمدة النعش أربعة. فيبدأ بالجهة الأمامية بالعمود الذي على يمين الميت، والميت على النعش، ثم يرجع إلى العمود الذي وراءه، ثم يتقدم مرة ثانية للعمود الذي عن يسار الميت، ثم يرجع إلى الخلف، وبعد ذلك يحمل بما شاء. هذا ما اختاره أصحابنا رحمهم الله. وقال بعض العلماء: بل يحمله بين العمودين. قوله: «ويباح بين العمودين»، هذا بيان حكم الحمل بين العمودين. وقال بعض العلماء: يسن أن يحمل بين العمودين، أي: بأن يكون أحد العمودين على كتفه الأيمن والآخر على كتفه الأيسر، هذا إذا كان النعش صغيراً، أما إذا كان واسعاً فيجعل ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه (1478) موقوفاً، وضعفه البوصيري لانقطاع إسناده.

عموداً على يده اليمنى، وعموداً على يده اليسرى، ولكن لا شك أن فيه مشقة على الحامل، ولا سيما إذا كانت الجنازة ثقيلة. واستدلوا: بأنه صلّى الله عليه وسلّم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (¬1). والذي يظهر لي في هذا: أن الأمر واسع، وأنه ينبغي أن يفعل ما هو أسهل، ولا يكلف نفسه، فقد يكون التربيع صعباً أحياناً، فيما إذا كثر المشيعون فيشق على نفسه وعلى غيره. وأما الحمل بين العمودين فهو شاق أيضاً، اللهم إلا إذا كان هناك عمودان يلتقيان عن قرب، بحيث يكون كل عمود على عاتقٍ، فيمكن أن يكون سهلاً. هذا إذا كان الميت محمولاً على نعش، وإن كان صغيراً فيحمل بين الأيدي إذا كان لا يشق. مسألة: هل ينبغي أن يوضع على النعش «مِكَبَّة» أو لا؟ والمكبة مثل الخيمة أعواد مقوسة توضع على النعش، ويوضع عليها سترٌ. الجواب: إن كانت أنثى فنعم، وقد استحبه كثير من العلماء؛ لأن ذلك أستر لها. وقد ذكر البيهقي ـ رحمه الله ـ: أن فاطمة بنت محمد صلّى الله عليه وسلّم أوصت بذلك (¬2)، وقيل: غير هذا (¬3). وهذا مستعمل في الحجاز، ولكنه في نجد لا يعرف، ولو فعله أحدٌ لكان محسناً، ولا ينكر عليه؛ لأنه تقدم أحياناً بعض ¬

_ (¬1) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (3/ 431). (¬2) أخرجه في «السنن الكبرى» (4/ 34). (¬3) انظر: «مجمع الزوائد» (3/ 29).

ويسن الإسراع بها، وكون المشاة أمامها، والركبان خلفها، ويكره جلوس تابعها حتى توضع

الجنائز من النساء يشاهد الإنسان أشياء لا يحب أن يشاهدها، فإذا جعلت عليها «المكبة» فإنها تسترها. قال في الروض: «فإن كانت امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة؛ لأنه أستر لها ويروى أن فاطمة صنع لها ذلك بأمرها ويجعل فوق المكبة ثوب. وكذا إن كان بالميت حَدَبٌ ونحوه»؛ لأجل ستر هذا التشويه. أما الرجل فلا يسن فيه هذا، بل يبقى كما هو عليه؛ لأنه فيه فائدة، وهي: قوة الاتعاظ إذا شاهده من كان معه بالأمس جثة على هذا السرير، وإن ستر بعباءة كما هو معمول به عندنا فلا بأس. وَيُسَنُّ الإِسْرَاعُ بِهَا، وَكَوْنُ المُشَاةِ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانِ خَلْفَهَا، وَيُكْرَهُ جُلُوسُ تَابِعِهَا حَتَّى تُوضَعَ، ......... قوله: «ويسن الإسراع بها» أي: يستحب؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشرٌ تضعونه عن رقابكم» (¬1)، إلا أن يخشى من تمزق الجنازة كما لو كان محترقاً، فيعمل ما يزول به هذا المحذور. وليس المراد بالإسراع الخبب العظيم، كما يفعل بعض الناس، فإن هذا يتعب المشيعين، وقد ينزل من الميت شيء فيلوث الكفن، لارتخاء أعصابه، وأيضاً التباطؤ الشديد خلاف السنة؛ ولهذا قال في الروض: «الإسراع بها دون الخبب»، والخَبَب: الإسراع الشديد. قال الفقهاء مفسرين للإسراع المشروع: «بحيث لا يمشي مشيته المعتادة». وهذا الإسراع على سبيل الاستحباب؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَ ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (257).

أنّ هذا من باب الشفقة على الميت إذا كان صالحاً، أو الشفقة على الحامل إذا كان غير صالح، ولم نَرَ أحداً قال بالوجوب. قوله: «وكون المشاة أمامها والركبان خلفها»، أي: ينبغي إذا كان المشيعون مختلفين ما بين راكب وماش أن يكون المشاة أمامها، والركبان خلفها. والدليل على ذلك: ورود السنة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك، وجاءت السنة أيضاً بتخيير الماشي بين أن يكون أمامها، أو عن يمينها، أو عن شمالها، أو خلفها، حسب ما يتيسر (¬1). وأما السيارات فإن الأولى أن تكون أمام الجنازة؛ لأنها إذا كانت خلف الناس أزعجتهم، فإذا كانت أمامها لم يحصل إزعاج منها؛ لأن ذلك أكثر طمأنينة للمشيعين، وأسهل لأهل السيارات في الإسراع وعدمه. مسألة: حمل الجنازة بالسيارة لا ينبغي إلا لعذر كبعد المقبرة، أو وجود رياح، أو أمطار، أو خوف، ونحو ذلك؛ لأن الحمل على الأعناق هو الذي جاءت به السنة؛ ولأنه أدعى للاتعاظ والخشوع. قوله: «ويكره جلوس تابعها حتى توضع»، أي: أن المشيع لا يجلس حتى توضع الجنازة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا تبعتم ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 247 ـ 249)؛ وأبو داود (3180)؛ والترمذي (1031)؛ والنسائي (4/ 55)؛ وابن ماجه (1481) (عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه). وقال الترمذي: «حسن صحيح».

ويسجى قبر امرأة فقط واللحد أفضل من الشق

جنازة فلا تجلسوا حتى توضع» (¬1)، ولأنه مشيع تابع، فإذا كانت الجنازة محمولة فلا ينبغي أن يجلس حتى توضع أي على الأرض للدفن ولحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما انتهى إلى قبر ولمَّا يلحد، جلس على الأرض وجلس الصحابة حوله، وكان معه مخصرة ينكت بها الأرض ... إلخ الحديث (¬2). وَيُسَجَّى قَبْرُ امْرَأَةٍ فَقَطْ. وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ ........... قوله: «ويسجى قبر امرأة فقط» أي: يغطى قبر المرأة فقط عند إدخالها القبر من أجل ألا ترى المرأة، وذلك أستر لها. وقوله: «فقط» ليخرج قبر الرجل، فإنه لا يسجى؛ لما روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ: «أنه مر بقوم يدنون ميتاً رجلاً، وقد سجوه فجذبه، وقال: إنما يصنع هذا في النساء» (¬3). مسألة: كيف يُدخل الميت القبر؟ الجواب؛ يدخل من عند رجليه، فيؤتى بالميت من عند رجلي القبر، ثم يدخل رأسه سلاً في القبر، هذا هو الأفضل (¬4). والطريقة الثانية: أن يؤتى بالميت من قبل القبر ويوضع فيه بدون سل، وهذا أيضاً جائز، وعليه عمل الناس اليوم، فإن أمكنت الصفة الأولى فهي الأفضل، وإن لم تمكن فإن ذلك مجزئ. قوله: «واللحد أفضل من الشق»، أي: القبر إذا كان لحداً فهو أفضل. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1310)؛ ومسلم (959) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري (1362)؛ ومسلم (2647) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (¬3) أخرجه البيهقي (4/ 54). (¬4) أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 130).

واللحد: أن يحفر للميت في قاع القبر حفرة من جهة القبلة ليوضع فيها، ويجوز من جهة خلف القبلة، لكنها من جهة القبلة أفضل؛ وسمي لحداً، لأنه مائل من جانب القبر. قوله: «أفضل من الشق»، الشق: أن يحفر للميت في وسط القبر حفرة. ولكن إذا احتيج إلى الشق فإنه لا بأس به، والحاجة إلى الشق إذا كانت الأرض رملية، فإن اللحد فيها لا يمكن؛ لأن الرمل إذا لحدت فيه انهدم، فتحفر حفرة، ثم يحفر في وسطها ثم يوضع لبن على جانبي الحفرة التي بها الميت؛ من أجل ألا ينهد الرمل، ثم يوضع الميت بين هذه اللبنات. وعلم من قوله: «اللحد أفضل من الشق» أن الشق جائز، وهو كذلك، ولكنه خلاف الأفضل. مسألة: هل يحفر بطول قامة الرجل، أو نصف الرجل، أو أقل، أو أكثر؟ الجواب: التعميق سنة، فيعمق في الحفر، والواجب: ما يمنع السباع أن تأكله، والرائحة أن تخرج منه، وأما كونه لا بد أن يمنع السباع والرائحة: فاحتراماً للميت؛ ولئلا يؤذي الأحياء، ويلوث الأجواء بالرائحة. هذا أقل ما يجب، وإن زاد في الحفر، فهو أفضل وأكمل لكن بلا حد. وبعضهم حده بأن يكون بطول القامة وهذا قد يكون شاقاً على الناس. ثم إنه أحياناً يعترضنا عند الحفر ماء. ففي هذه الحال لا بد أن نتخذ الإجراءات اللازمة لمنع الماء، إما ببناء لبنات، أو ما

ويقول مدخله: «بسم الله، وعلى ملة رسول الله»

أشبه ذلك حتى يمتنع الماء عن الميت. وَيَقُولُ مُدْخِلُهُ: «بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّة رَسُولِ الله» ........... قوله: «ويقول مدخله بسم الله وعلى ملة رسول الله»، أي: يقول مدخله عند وضعه بالقبر: بسم الله؛ لأن البسملة كلها خير وبركة، ودفن الميت أمر ذو بال، وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر، وقد جاءت السنة بذلك أيضاً (¬1). ولكن من الذي يتولى إدخاله؟ الجواب: إن كان له وصي، أي: قال قبل موته: فلان يتولى دفني فإننا نأخذ بوصيته، وإن لم يكن له وصي فنبدأ بأقاربه إذا كانوا يحسنون الدفن، وإن لم يكن له أقارب، أو كانوا لا يحسنون الدفن، أو لا يريدون أن ينزلوا في القبر، فأي واحد من الناس. ولا يشترط فيمن يتولى إدخال الميتة في قبرها أن يكون من محارمها، فيجوز أن ينزلها شخص، ولو كان أجنبياً. ودليل ذلك: [أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما ماتت ابنته زوجة عثمان ـ رضي الله عنهما ـ، وخرج إلى المقبرة وحان وقت دفنها، قال: «أيكم لم يقارف الليلة؟» ـ لم يقارف: قال العلماء: أي لم يجامع ـ ¬

_ (¬1) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا وضعتم موتاكم في اللحد، فقولوا: بسم الله، وعلى سنّة رسول الله». أخرجه الإمام أحمد (2/ 27، 40، 59، 69، 127)؛ وأبو داود (3213)؛ والترمذي (1046)؛ وابن ماجه (1550)؛ وابن حبان (3110) إحسان؛ والحاكم (1/ 366)؛ والبيهقي (4/ 55). وقال الترمذي: «حسن غريب» وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

ويضعه في لحده على شقه الأيمن، مستقبل القبلة

فقال أبو طلحة: «أنا، فأمره أن ينزل في قبرها»] (¬1)، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أبوها، وزوجها عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ كانا حاضرين. وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ........... قوله: «ويضعه في لحده على شقه الأيمن»، ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الأفضلية أن يكون على الشق الأيمن. وعللوا ذلك: بأنها سنة النائم، والنوم والموت كلاهما وفاة، فإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للبراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ: «إذا اتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن» (¬2)، فالموت كذلك. قوله: «مستقبل القبلة» أي: وجوباً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الكعبة قبلتكم أحياء وأمواتاً» (¬3)، وهذا الحديث ضعيف، إلا أنَّ له شاهداً من حديث البراء بن معرور ـ رضي الله عنه ـ (¬4)، ولأن هذا عمل المسلمين الذي أجمعوا عليه؛ ولأنه أفضل المجالس. فإن وضعه على جنبه الأيسر مستقبل القبلة، فإنه جائز، لكن الأفضل أن يكون على الجنب الأيمن. ولم يذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه يضع تحته وسادة كلبنة، أو حجر، فظاهر كلامه أنه لا يسن، وهذا هو الظاهر ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1342) عن أنس رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري (247)؛ ومسلم (2710). (¬3) سبق تخريجه ص (250). (¬4) سبق تخريجه ص (251).

عن السلف، فإن من خطب عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أنه قال: «إنكم تَدَعُونَ الميت في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد». فالأصل: عدم السنية، ولا أعلم في ذلك سنة، ومن ادعى السنية فعليه الدليل، ولهذا عد ذلك بعض العلماء من البدع. واستحب بعض العلماء: أن يوضع له وسادة لبنة صغيرة ليست كبيرة. ثم إن المؤلف ـ رحمه الله ـ لم يذكر أنه يكشف شيء من وجهه، وعلى هذا فلا يسن أن يكشف شيء من وجه الميت، بل يدفن ملفوفاً بأكفانه، وهذا رأي كثير من العلماء. وقال بعض العلماء: إنه يكشف عن خده الأيمن ليباشر الأرض. واستدلوا: بأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: «إذا أنا مت ووضعتموني في القبر فأفضوا بخدي إلى الأرض»، أي: اجعلوه مباشراً للأرض، ولأن فيه استكانة وذلاً. فأما كشف الوجه كله فلا أصل له، وليس فيه دليل إلا فيما إذا كان الميت محرماً، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تخمروا وجهه» (¬1). وإن كانت هذه اللفظة «وجهه» اختلف العلماء في ثبوتها، أما الرأس بالنسبة للمحرم فإنه لا يغطى. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (285).

ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنما ويكره تجصيصه، والبناء

مسألة: يسن لمن حضر الدفن أن يحثو ثلاث حثيات لفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1). مسألة: تلقين الميت بعد الدفن لم يصح الحديث فيه فيكون من البدع. وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الأَْرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ مُسَنَّماً. وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ، .......... قوله: «ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً»، أي: السنة أن يرفع القبر عن الأرض، وكما أنه سنة، فإن الواقع يقتضيه؛ لأن تراب القبر سوف يعاد إلى القبر، ومعلوم أن الأرض قبل حرثها أشد التئاماً مما إذا حرثت، فلا بد أن يربو التراب. وأيضاً فإن مكان الميت كان بالأول تراباً، والآن صار فضاءً، فهذا التراب الذي كان في مكان الميت في الأول سوف يكون فوقه. وقول المؤلف: «قدر شبر». الشبر: ما بين رأس الخنصر والإبهام، عند فتح الكف، ومعلوم أن المسألة تقريبية؛ لأن الناس يختلفون في كبر اليد وصغرها. فالإنسان الذي يده كبيرة وأصابعه طويلة سيكون شبره طويلاً، والعكس بالعكس. والغالب: أن التراب الذي يعاد إلى القبر أنه يرتفع بمقدار الشبر، وقد يزيد قليلاً، وقد ينقص قليلاً. واستثنى العلماء من هذه المسألة: إذا مات الإنسان في دار ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه (1565) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وجوّده النووي في «المجموع» (5/ 292). وقال الحافظ في «التلخيص» (165): «إسناده ظاهر الصحة»، وصححه البوصيري في «الزوائد».

حرب، أي: في دار الكفار المحاربين، فإنه لا ينبغي أن يرفع قبره بل يسوى بالأرض خوفاً عليه من الأعداء أن ينبشوه، ويمثلوا به، وما أشبه ذلك. وقوله: «مسنماً» أي: يجعل كالسنام بحيث يكون وسطه بارزاً على أطرافه، وضد المسنَّم: المسطح الذي يجعل أعلاه كالسطح. والدليل على هذا: أن هذا هو صفة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، وقبري صاحبيه. قوله: «ويكره»، المكروه في اصطلاح الفقهاء هو: الذي يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله، وهو كراهة التنزيه، لا كراهة التحريم. قوله: «تجصيصه» أي: أن يوضع فوقه جص؛ لأن هذا داخل في تشريفه، وقد قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» (¬2). قوله: «والبناء» عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك. والاقتصار على الكراهة في هاتين المسألتين فيه نظر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن ذلك، أي: عن تجصيصها، وعن البناء ¬

_ (¬1) فعن سفيان التمار «أنه رأى قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم مسنماً». أخرجه البخاري (1390). (¬2) أخرجه مسلم (969).

والكتابة، والجلوس، والوطء عليه، والاتكاء إليه، ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة

عليها» (¬1)، والأصل في النهي التحريم؛ ولأن هذا وسيلة إلى الشرك، فإنه إذا بني عليها عظمت، وفي النهاية ربما تعبد من دون الله؛ لأن الشيطان يَجُرُّ بني آدم، من الصغيرة إلى الكبيرة، ومن الكبيرة إلى الكفر. فالصحيح: أن تجصيصها والبناء عليها حرام. وقد قال بعض المتأخرين: إن الفقهاء أرادوا بالكراهة هنا كراهة التحريم، ولكن هذا غير مسلم؛ لأن هذا خلاف اصطلاحهم. وَالْكِتَابَةُ، والجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، والاتِّكَاءُ إِلَيْهِ، وَيَحْرُمُ فِيهِ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ إِلاّ لِضَرُورَةٍ ......... قوله: «والكتابة» أي: على القبر، سواء كتب على الحجر المنصوب عليه، أو كتب على نفس القبر؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعظيمه، وتعظيم القبور يخشى أن يوصل صاحبه إلى الشرك. وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ: أن الكتابة مكروهة، ولو كانت بقدر الحاجة، أي حاجة بيان صاحب القبر؛ درءاً للمفسدة. وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ: المراد بالكتابة: ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من كتابات المدح والثناء؛ لأن هذه هي التي يكون بها المحظور، أما التي بقدر الإعلام، فإنها لا تكره. قوله: «والجلوس والوطء عليه»، أي: الجلوس على القبر مكروه ـ وعلى كلام المؤلف ـ كراهة تنزيه. والصواب: أنه محرم. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (970) عن جابر رضي الله عنه.

فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الجلوس على القبر وقال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر» (¬1). وكذلك الوطء عليه، فيرى المؤلف: أنه مكروه. والصحيح: أنه حرام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك (¬2)؛ ولأنه امتهان لأخيه المسلم. قوله: «والاتكاء إليه»، أي: أن يتكئ على القبر فيجعله كالوسادة له؛ لأن في هذا امتهاناً للقبر. وانظر كيف نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، وأن يوطأ عليه» (¬3)، حيث جمع في هذا النهي بين ما يكون سبباً للغلو فيه، وسبباً لامتهانه. فالغلو في البناء، والتجصيص، والكتابة. والامتهان في الوطء؛ من أجل أن يعامل الناس أهل القبور معاملة وسطاً لا غلو فيها ولا تفريط. قوله: «ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة»، أي: يحرم في القبر دفن اثنين فأكثر، سواءٌ كانا رجلين أم امرأتين أم رجلاً وامرأة. والدليل على ذلك: عمل المسلمين من عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا أن الإنسان يدفن في قبره وحده. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (971) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬2) رواه الترمذي (1052) عن جابر رضي الله عنه. وقال: «حديث حسن صحيح». (¬3) سبق تخريجه ص (366).

ولا فرق بين أن يكون الدفن في زمن واحد بأن يؤتى بجنازتين وتدفنا في القبر، أو أن تدفن إحدى الجنازتين اليوم والثانية غداً. قوله: «إلا لضرورة»، وذلك بأن يكثر الموتى، ويقل من يدفنهم، ففي هذه الحال لا بأس أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد. ودليل ذلك: «ما صنعه النبي صلّى الله عليه وسلّم في شهداء أحد حيث أمرهم أن يدفنوا الرجلين في قبر واحد، ويقول: انظروا أيهم أكثر قرآناً فقدموه في اللحد» (¬1). وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة دفن أكثر من اثنين كراهة تنزيه. وعللوا: بأن مجرد الفعل لا يدل على التحريم: أي: مجرد كون المسلمين يدفنون كل جنازة وحدها لا يدل على تحريم دفن أكثر من واحدة، وإنما يدل على كراهة مخالفة عمل المسلمين. وذهب آخرون: إلى أن إفراد كل ميت في قبره أفضل، والجمع ليس بمكروه ولا محرم. ولا يلزم من ترك السنة والأفضل أن يقع الإنسان في المكروه؛ لأن المكروه منهي عنه حقيقة، وترك الأفضل ليس بمنهي عنه. ولهذا لو أن الإنسان ترك راتبة الظهر مثلاً لا نقول: إنه فعل ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1347) عن جابر رضي الله عنه.

ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب ولا تكره القراءة على القبر

مكروهاً، ولو أنه لم يرفع يديه عند الركوع لا نقول: إنه فعل مكروهاً. والراجح عندي ـ والله أعلم ـ القول الوسط، وهو الكراهة كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (¬1)، إلا إذا كان الأول قد دفن واستقر في قبره، فإنه أحق به، وحينئذٍ فلا يُدخل عليه ثان، اللهم إلا للضرورة القصوى. وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ وَلاَ تُكْرَهُ القِرَاءَةُ عَلَى القَبْرِ ........... قوله: «ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب»، أي: إذا جاز دفن اثنين فأكثر في القبر الواحد، فإن الأفضل أن يجعل بينهما حاجز من تراب ليكونا كأنهما منفصلان، ولكن هذا ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الأفضلية. قوله: «ولا تكره القراءة على القبر»، القراءة على القبر لا تكره، ولها صفتان: الصفة الأولى: أن يقرأ على القبر، كأنما يقرأ على مريض. الصفة الثانية: أن يقرأ على القبر أي عند القبر؛ ليسمع صاحب القبر فيستأنس به. فيقول المؤلف: إن هذا غير مكروه. ولكن الصحيح: أنه مكروه، فنفي الكراهة إشارة إلى قول من قال بالكراهة، والصحيح أن القراءة على القبر مكروهة، سواء كان ذلك عند الدفن أو بعد الدفن؛ لأنه لم يعمل في عهد ¬

_ (¬1) «الاختيارات» ص (89).

وأي قربة فعلها، وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك

النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا عُهد عن الخلفاء الراشدين، ولأنه ربما يحصل منه فتنة لصاحب القبر، فاليوم يقرأ عنده رجاء انتفاع صاحب القبر وغداً يقرأ عنده رجاء الانتفاع بصاحب القبر، ويرى أن القراءة عنده أفضل من القراءة في المسجد فيحصل بذلك فتنة. مسألة مهمة: قراءة (يس) على الميت بعد دفنه بدعة، ولا يصح الاستدلال لذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «اقرؤوا على موتاكم يس» (¬1)؛ لأنه لا فائدة من القراءة عليه وهو ميت، وإنما يستفيد الشخص من القراءة عليه ما دامت روحه في جسده، ولأن الميت محتاج للدعاء له؛ ولهذا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم من حضر الميت أن يدعو له، وقال: «فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (¬2). وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِمَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ حَيٍّ نَفَعَهُ ذَلِكَ ........ قوله: «وأي قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك»، هذه قاعدة في إهداء القُرب للغير، هل هو جائز، وهل ينفع الغير أو لا ينفع؟ يقول المؤلف في هذه القاعدة: «أي قربة فعلها ـ أي: جميع أنواع القربات ـ إذا فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك». ولو قال ـ رحمه الله ـ: لمسلم ميت أو حي لكان أحسن؛ لأن قوله: لميت مسلم أو حي. قد يقول قائل: أو حي مسلم أو كافر. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (249). (¬2) أخرجه مسلم (919) عن أم سلمة رضي الله عنها.

لكن لو قال: لمسلم ميت أو حي، لكان أوضح، وهذا مراده بلا شك. وقول المؤلف: «أي قربة» لم يخصصها بالقربة المالية ولا بالبدنية بل أطلق. مثال ذلك: أن يصوم شخص يوماً عن شخص آخر تطوعاً، فهل ينفعه؟ يقول المؤلف: ينفعه ما دام مسلماً. مثال ثان: رجل تصدق بمال عن شخص فهل ينفعه؟ الجواب: نعم ينفعه. مثال ثالث: رجل أعتق عبداً ونوى ثوابه لشخص؟ الجواب: ينفعه. مثال رابع: رجل حج ونوى ثوابه لشخص؟ الجواب: ينفعه. فإن كان ميتاً ففعل الطاعة عنه قد يكون متوجهاً؛ لأن الميت محتاج ولا يمكنه العمل، لكن إن كان حياً قادراً على أن يقوم بهذا العمل ففي ذلك نظر؛ لأنه يؤدي إلى اتكال الحي على هذا الرجل الذي تقرب إلى الله عنه، وهذا لم يعهد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، ولا عن السلف الصالح. وإنما الذي عهد منهم هو جعل القُرَب للأموات، أما الأحياء فلم يعهد، اللهم إلا ما كان فريضة كالحج، فإن ذلك عُهد على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن بشرط أن يكون المحجوج عنه عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله.

فإن قال قائل: ما الدليل على أن ذلك نافع؟ فالجواب: الدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1). فإذا نويت أن أتقرب إلى الله لفلان نفعه، ولا دليل على المنع. وكذلك فبعض هذه المسائل وقع في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأجازها. فمن ذلك: 1 ـ أن سعد بن عبادة ـ رضي الله عنه ـ «تصدق ببستانه لأمه التي ماتت فأجازه النبي صلّى الله عليه وسلّم» (¬2). 2 ـ حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم» (¬3). 3 ـ أن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ: «سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم هل يتصدق عن أبيه بعتق خمسين رقبة لأن أباه أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فتصدق أخو عمرو بخمسين، وعمرو سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم أيعتق الخمسين الباقية؟ فبين النبي صلّى الله عليه وسلّم له أنه لو كان أبوه مسلماً لنفعه، فترك الإعتاق» (¬4) لأنه كافر، والكافر لا ينتفع بعمل غيره، حتى عمله الذي عمله من خير، يقول الله فيه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا *} [الفرقان]. فلما وجدت هذه ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 194). (¬2) أخرجه البخاري (2756). (¬3) أخرجه البخاري (1388)؛ ومسلم (1004). (¬4) أخرجه أبو داود (2883).

المسألة الفردية، قلنا: الأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع، أما لو كان هناك دليل على المنع لقلنا: هذه القضايا التي وردت تكون مخصصة للمنع، لكن لم يرد ما يدل على منع التقرب إلى الله تعالى بقربة تكون للغير. فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}؟ [النجم]. فالجواب: أن من قرأ الآيات عرف المراد بها قال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *} [النجم]، فكما أن وزر غيرك لا يحمل عليك، فكذلك سعي غيرك لا يجعل لك. والمعنى: أن سعيك لا يضيع، وأنك لا تحمل وزر غيرك، لكن لو أن أحداً سعى لك فما المانع؟ أليس الذي يظلم غيره يأخذ الناس من حسناته، وتضاف إلى حسناتهم مع أنهم ما سعوا لها؟ فالمعنى: أن الإنسان كما لا يزر وزر غيره، لا يملك سعي غيره؛ فليس له إلا ما سعى، وأما أن يسعى غيره له فهذا لا مانع منه، فالآية لا تدل على منع سعي الغير له، بل تدل على أنه لا يملك من سعي غيره شيئاً، كما أنه لا يحمل من وزر غيره شيئاً. يبقى النظر: هل عمل العامة اليوم على صواب؟ وعمل العامة أنهم لا يعملون شيئاً إلا جعلوه لوالديهم، وأعمامهم، وأخوالهم، وما أشبه ذلك، حتى في رمضان يقرؤون القرآن وأول

ختمة للأم؛ والثانية للأب، والثالثة للجدة، والرابعة للجد، والخامسة للعم، والسادسة للعمة، والسابعة للخال، والثامنة للخالة، فهذا غلط ليس من هدي السلف. وكذلك في مكة يعتمرون، الأولى له، واليوم الثاني لأمه، والثالث لأبيه، والرابع لجده. حتى إن بعض الناس يفتيهم، ويقول: لا بأس أن تكرر العمرة كل يوم إذا لم تكن لنفسك. والذين لا يعتمرون يطوفون، ويكثرون الطواف لموتاهم، مع أنَّ هاديَ الخلق ودالَّهم إلى الله محمداً صلّى الله عليه وسلّم لم يرشد الأمة إلى هذا؛ فإنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (¬1). وسياق الحديث في الأعمال النافعة التي تنفع الإنسان، فلو كان العمل الصالح للإنسان بعد موته نافعاً لقال: أو ولد صالح يعمل له، فعدول النبي صلّى الله عليه وسلّم عن العمل إلى الدعاء، يدل: على أنه ليس من المشروع أن تجعل الأعمال للأموات، وإن كنت تريد أن تنفعهم فادع الله لهم، وهكذا قول المؤمنين: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]. ونحن لا ننكر أن الميت ينتفع، لكن ننكر أن تكون المسألة بهذا الإفراط، فكل شيء يجعل للأموات!! ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1631) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم

حتى إنني حُدثت حديثاً عجباً، وهو أنه إذا قُدم الغداء أفاضوا عليه أيديهم وقالوا: اللهم اجعل ثوابه لفلان، والعشاء كذلك، فلم يبق شيء من الأعمال الصالحة إلا جعلوه لهم، وكل هذا من البدع. لكن مع الأسف أن الناس إذا عملوا عملاً ولم ينبهوا عليه صار هذا العمل البدعي سنة عندهم، وصاحوا بمن ينكر عليهم: أتحسد أمواتنا؟!! فأمواتنا محتاجون وأعمالهم منقطعة، فنقول: ادع لهم، فبدل أن تجعل العمل الصالح لهم، اجعله لنفسك وادع الله لهم، وهذا خير لك وأفضل، وأخذٌ بتوجيه النبي صلّى الله عليه وسلّم. وكنا ونحن صغار لا نعرف الأضحية عن الحي أبداً، فكل الضحايا للأموات، ولكن الآن ـ الحمد لله ـ تنَّور الناس، وعرفوا أن الأضحية في الأصل للحي. وقد يتعلل بعض الناس: بأن الناس في الأول كانوا في شدة فقر وليس عندهم من الأضاحي إلا الوصايا التي أوصى بها الأموات في أموالهم وأملاكهم وعقاراتهم، لكن هذه العلة ساقطة عند العامي. لأن العامي لا يقول لك: ليس عندي فلوس، بل يقول: الأضحية لا تكون إلا للميت، وأمثال هذا. وَسُنَّ أَنْ يُصْلِحَ لأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ ......... قوله: «وسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم»، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ:

«اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم» (¬1). وظاهر كلام المؤلف: أن صنع الطعام لأهل الميت سنة مطلقاً، ولكن السنة تدل على أنه ليس بسنة مطلقاً، وإنما هو سنة لمن انشغلوا عن إصلاح الطعام بما أصابهم من مصيبة لقوله: «فقد أتاهم ما يشغلهم»، والإنسان إذا أصيب بمصيبة عظيمة انغلق ذهنه وفكره ولم يصنع شيئاً. فظاهر التعليل: أنه إذا لم يأتهم ما يشغلهم فلا يسن أن يصنع لهم. ومع ذلك غلا بعض الناس في هذه المسألة غلواً عظيماً لا سيما في أطراف البلاد، حتى إنهم إذا مات الميت يرسلون الهدايا من الخرفان الكثيرة لأهل الميت، ثم إن أهل الميت يطبخونها للناس، ويدعون الناس إليها فتجد البيت الذي أصيب أهله كأنه بيت عرس، فيضيئون في الليل المصابيح الكثيرة، ويصنعون الكراسي المتعددة، وقد شاهدت ذلك بنفسي. وهذا لا شك أنه من البدع المنكرة، فهل نحن مأمورون عند المصائب أن نأتي بالمسليات الحسية التي تختم على القلب حتى ننسى المصيبة نسيان البهائم؟! نحن مأمورون بأن نتسلى بما أرشدنا الله إليه: «إنا لله وإنا إليه راجعون». ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 205)؛ وأبو داود (3132)؛ والترمذي (998)؛ وابن ماجه (1610)؛ والحاكم (1/ 372) عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».

ويكره لهم فعله للناس

لا بأن يأتي الناس من يمين وشمال؛ ليجتمعوا إلينا ويؤنسونا تأنيساً ظاهرياً. وإذا لم تكن المصيبة منسية بما أمر الله ـ عز وجل ـ به ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فإنها لا خير فيها، فيكون هذا النسيان سلواً كسلو البهائم. وقد قال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ: «كنا نعد صنع الطعام والاجتماع إلى أهل الميت من النياحة» (¬1). والنياحة من كبائر الذنوب فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لعن النائحة والمستمعة» (¬2). وقد صرح بعض العلماء أن هذا الاجتماع بدعة؛ وهذا إذا خلا من المحاذير الشرعية. ويُكْرَهُ لَهُمْ فِعْلُهُ لِلنَّاسِ. قوله: «ويكره لهم فعله للناس»، أي: صنع الطعام مكروه لأهل الميت، أي: أن يصنعوا طعاماً ويدعوا الناس إليه؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ «كانوا يعدون صنع الطعام والاجتماع لأهل الميت من النياحة». ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (2/ 204)؛ وابن ماجه (1612). وقال البوصيري: «إسناده صحيح، رجال الطريق الأول على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم» عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه. (¬2) أخرجه الإمام أحمد (3/ 65)؛ وأبو داود (3128)؛ والبيهقي (4/ 63) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

فصل

فَصْلٌ تُسَنُّ زِيَارَةُ القُبُورِ .......... فصل قوله: «تسن زيارة القبور»، والسنة عند الفقهاء: ما أثيب فاعله امتثالاً ولم يعاقب تاركه. فهي في مرتبة بين المباح والواجب. القبور: جمع قبر، وليس الجمع مراداً، بل تسن الزيارة ولو كان قبراً واحداً. فلو أن شخصاً مات في فلاة من الأرض، ومررنا به، وعرجنا على قبره لنزوره فلا بأس به. ودليل ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «استأذن الرب ـ عز وجل ـ أن يزور قبر أمه فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فلم يأذن له» (¬1). لأنها ماتت على الكفر قبل الإسلام، ولا يحل لإنسان أن يستغفر لأي إنسان كافر. وقوله: «تسن زيارة القبور» وهذه الزيارة زيارة للدعاء لهم، وليست زيارة لدعائهم. وهل هي زيارة للاعتبار، أو للتبرك بأتربتهم؟ الجواب: زيارة للاعتبار. وسنية الزيارة ثابتة: بالسنة، والإجماع، كما نقله النووي ـ رحمه الله ـ. أما السنة فمن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم وفعله. أما قوله فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (976) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

إلا لنساء

فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» (¬1). وأما فعله: فقد ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يخرج إلى البقيع فيسلم عليهم (¬2). وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى أولاً عن زيارة القبور؛ لأن الناس حديثو عهد بالكفر والشرك، فخاف أن يكون ذلك وسيلة للإشراك، ولما استقر الإيمان في القلوب أذن لهم. فقال لهم صلّى الله عليه وسلّم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (¬3)، ثم بين الرسول صلّى الله عليه وسلّم الحكمة من ذلك فقال: «فإنها تذكركم الآخرة» (¬4)، أي: تذكركم بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الإنسان إذا جاء إلى القبور، وتذكر أن فلاناً الذي في القبر الآن كان بالأمس معه، يأكل كما يأكل، ويشرب كما يشرب، ويتمتع بمتع الدنيا كما يتمتع، ويستطيع أن يعمل العمل الصالح كما يستطيع هو الآن، إذا تذكر ذلك فلا بد أن يؤثر على قلبه، وأن يستعد لهذا اليوم الذي آل إليه صاحبه بالأمس، فيتذكر أن مآله إلى هذا القبر، وأنه ربما يكون فيه عن قرب، فيتذكر، ويتعظ ويمتثل، ولهذا ينبغي للزائر أن يستشعر هذا المعنى، لا أن يستشعر مجرد الدعاء لهم؛ لأن هذا المعنى هو الذي علل به النبي صلّى الله عليه وسلّم الأمر بالزيارة فقال: «فإنها تذكركم الآخرة». إِلاَّ لِنِسَاءٍ ......... قوله: «إلا لنساء»، فليست بسنة، وفي المسألة خمسة أقوال: ¬

_ (¬1) و (¬2) و (¬3) أخرجه مسلم (977) عن بريدة رضي الله عنه. (¬4) أخرجه أبو داود (3235)؛ والترمذي (1054) عن بريدة رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حسن صحيح».

فقيل: إنها سنة للنساء، كالرجال. وقيل: تكره. وقيل: تباح. وقيل: تحرم. وقيل: من الكبائر. والمشهور من المذهب عند الحنابلة: أنها تكره، والكراهة عندهم للتنزيه، أي لو زارت المرأة القبور، فإنه لا إثم عليها. والصحيح: أن زيارة المرأة للقبور من كبائر الذنوب. ودليل ذلك ما يلي: 1 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لعن زائرات القبور» (¬1). واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا وعيد شديد. 2 ـ من جهة النظر، فلأنَّ المرأة ضعيفة التحمل، قوية العاطفة، سريعة الانفعال فلا تتحمل أن تزور القبر، وإذا زارته حصل لها من البكاء، والعويل، وربما شق الجيوب، ولطم الخدود، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك. وأيضاً إذا ذهبت وحدها إلى المقابر، فالغالب أن المقابر تكون في مكان خال، يخشى عليها من الفتنة أو العدوان عليها، فكان النظر الصحيح موافقاً للأثر. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 229، 287، 324)؛ وأبو داود (3236)؛ والترمذي (320)؛ والنسائي (4/ 94)؛ وابن حبان (3179) إحسان؛ والحاكم (1/ 374)؛ والبيهقي (4/ 78) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

واستثنى الأصحاب من فقهاء الحنابلة: قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقبري صاحبيه، وقالوا: إن زيارة النساء لهذه القبور الثلاثة لا بأس بها. وعللوا ذلك: بأن زيارتهن لهذه القبور الثلاثة لا يصدق عليها أنها زيارة؛ لأن بينهن وبين هذه القبور ثلاثة جدر، كما قال ابن القيم: فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران والذي يترجح عندي: أنه لا استثناء؛ لأن وصولهن إلى القبور إما أن يكون زيارة، أو لا يكون، فإن كان زيارة وقعن في الكبيرة، وإن لم تكن زيارة فلا فرق بين أن يحضرن إلى مكان القبر، أو أن يسلمن على النبي صلّى الله عليه وسلّم من بعيد، وحينئذٍ يكون مجيئهن للقبور لغواً لا فائدة منه، بل في زماننا هذا قد يكون هناك مزاحمة للرجال، وأعمال لا تليق بالمرأة المسلمة في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم. فإن قال قائل: ما تقولون في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أنها زارت قبر أخيها» (¬1)؟ فالجواب: أن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يعارض بقول أحد كائناً من كان، وها هي عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقول: «شبَّهتمونا ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي (1055)؛ وابن أبي شيبة (3/ 343)؛ وعبد الرزاق (6711)؛ والحاكم (1/ 376)؛ والبيهقي (4/ 78)؛ وعزاه في «مجمع الزوائد» (3/ 60) للطبراني، وقال: «رجاله رجال الصحيح»، وصححه الذهبي في «تلخيص المستدرك».

بالحمير والكلاب» (¬1)، أي في قطع الصلاة إذا مرت المرأة من بين يدي المصلي مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صرح بأن: «الكلب الأسود، والحمار، والمرأة تقطع الصلاة» (¬2)، فهي ـ رضي الله عنها ـ غير معصومة، ولا يمكن أن يستدل بفعلها مع قول النبي صلّى الله عليه وسلّم. فإن قيل: ما تقولون في الحديث الثابت في صحيح مسلم «حيث فقدت عائشة النبي صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة، وطلبته، ثم أدركته في البقيع يسلم عليهم، ثم رجع من البقيع ورجعت هي قبله حتى أدركها في البيت، .... قالت يا رسول الله: أرأيت إن خرجت ماذا أقول قال: قولي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين .... » (¬3) إلخ؟ فالجواب: يفرق بين المرأة إذا خرجت بقصد الزيارة، وإذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة، فإذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة، فلا حرج أن تسلم على أهل القبور، وأن تدعو لهم بما قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة ـ رضي الله عنها ـ. وأما إذا خرجت لقصد الزيارة فهذه زائرة للمقبرة فيصدق عليها اللعن. فإن قيل: ما تقولون في اللفظ الوارد في الحديث: «لعن الله زوَّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (¬4)، «زوارات» بصيغة المبالغة؟ ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (3/ 285). (¬2) سبق تخريجه (3/ 282). (¬3) أخرجه مسلم (974) (103). (¬4) أخرجه الإمام أحمد (3/ 442)؛ وابن ماجه (1574)؛ والحاكم (1/ 374)؛ والبيهقي (4/ 78) عن حسان بن ثابت رضي الله عنه. وقال البوصيري في «الزوائد»: «إسناده صحيح، ورجاله ثقات».

ويقول إذا زارها

فالجواب: الحديث ورد بلفظين: «زائرات»، و «زوارات». فإن كانت «زوارات» للنسبة فلا إشكال، وإن كانت للمبالغة فإن لفظ «زائرات» فيه زيادة علم، فيؤخذ به؛ لأن «زائرات» يصدق بزيارة واحدة. و «زوارات» في الكثير للمبالغة، ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلقاً بزيارة واحدة، ومعلقاً بزيارات متعددة؛ فإن مع المعلق بزيارة واحدة زيادة علم؛ لأنه يحق الوعيد على من زار مرة واحدة على لفظ «زائرات»، دون لفظ: «زوارات». ولو أخذنا «بزوارات» ألغينا دلالة «زائرات». وقد تكلم شيخ الإسلام رحمه الله على هذه المسألة في مجموع الفتاوى (¬1) كلاماً جيداً ينبغي لطالب العلم أن يراجعه وذكر عدة أوجه في الرد على من قال: إن النساء يسن لهن زيارة القبور. قوله: «ويقول إذا زارها»، «يقولُ» بالضم، والفتح، فإن جعلنا الواو للاستئناف فبالضم، وإن جعلناها للعطف على «زيارة» فبالفتح؛ لأن المضارع إذا عطف على اسم خالص نصب بأن مضمرة جوازاً. قال ابن مالك: وإن على اسم خالص فعل عُطف تنصبه «أن» ثابتاً أو منحذف (¬2) واستشهدوا لذلك بقوله: ولُبْس عباءة وتقرَّ عيني أحب إلي من لبس الشفوف تقر: معطوف على «لبس» اسم خالص وهو مصدر. وَيَقُولُ إِذَا زَارَهَا: ......... و «يقول» عطف على «زيارة» فعليه يكون المعنى: ويسن أن يقول، أما إذا جعلناها بالرفع فإنها مستأنفة، «ويقول: إذا زارها، أو مر بها». قوله: «إذا زارها»، أي: قصد زيارتها وخرج إليها، أو مر بها مروراً قاصداً غيرها. قوله: «السلام عليكم» السلام: اسم من أسماء الله كما في قوله تعالى: {السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ} [الحشر: 23]، لكنه في التحية لا يراد به اسم الله، وإنما يراد به التسليم، فهو اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم، والمعنى التسليم عليكم، أي: الدعاء بالسلام عليكم. والسلامة بالنسبة لأهل القبور تكون من العذاب. ¬

_ (¬1) «مجموع الفتاوى» (24/ 344). (¬2) «ألفية ابن مالك» ص (52).

«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون

فقد يكون الإنسان معذباً في قبره، ولو عذاباً خفيفاً، فإذا سألت الله له السلامة سلم، ثم أنت تسلم على عموم القبور. «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ .......... وقوله: «السلام عليكم»، أتى بكاف الخطاب، فهل الكاف هذه تدل على أنهم يسمعون؛ لأنه لا يخاطب إلا من يسمع ما لم يكن دليل ظاهر على أن المخاطب لا يسمع، وإنما قلت: ما لم يكن دليل ظاهر؛ لئلا يورد علينا مورد قول عمر ـ رضي الله عنه ـ للحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنني رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقبِّلك ما قبَّلتك» (¬1)، فهنا خاطبه وهو حجر، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1597)؛ ومسلم (1270).

لكن أهل القبور هل هم يخاطبون مخاطبة الحجر أو مخاطبة السامع؟. الجواب: الظاهر الثاني، أي: «مخاطبة السامع». وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح (¬1) حديثاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام»، وقد صححه ابن عبد البر، وأقره ابن القيم عليه، فلا يبعد أن يكون أهل المقبرة عموماً إذا سُلم عليهم يسمعون، ولا نقيسهم بالحجر الأسود؛ لأن الحجر عندنا دلالة حسية ملموسة أنه لا يسمع وهي أنه حجر، وحتى الحجر فإنه قد يسمع أيضاً. قال الله تعالى عن الأرض عموماً: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *} [الزلزلة]. «تحدث أخبارها» أي: ما عمل عليها من خير أو شر، سواء قول مسموع أو فعل مرئي فتحدث به يوم القيامة، والجلود تنطق أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فلا تستبعد هذه الأمور؛ لأن قدرة الله ـ عز وجل ـ لا يمكن أن يدركها العقل. فلا يبعد أنك إذا قلت لأهل المقبرة: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» أنهم يسمعون. وأما قول الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] أي موتى القلوب؛ فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يخرج لأهل القبور يدعوهم. ¬

_ (¬1) «الروح» ص (7)، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب «القبور»، وليس في المطبوع منه، وأخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» برقم (1858)، وصححه عبد الحق الإشبيلي كما في «إتحاف السادة المتقين» (10/ 365).

قوله: «دار قوم مؤمنين»، أي: يا دار قوم، والمراد بالدار هنا: أهلها، كما في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] المراد: أهلها. قوله: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، لاحقون على ماذا؟ الجواب: إذا قلنا: لاحقون بالموت ورد علينا إشكال، وهو تعليق ذلك بمشيئة الله مع أنه محقق، والمحقق لا يحتاج إلى تعليق بالمشيئة، والتعليق بالمشيئة في أمر لا يدرى عنه فيوكل إلى الله ـ عز وجل ـ قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} [الجمعة: 8]، ولم يقل: فإنه لاحقكم؛ لأن اللاحق قد يدرك، وقد لا يدرك، لكن الملاقي مدرك لا محالة. فقيل في التخلص من هذا الإشكال ما يأتي: 1 ـ أن المراد على الإيمان، فيكون لحوقاً معنوياً لا حسياً، بدليل قوله: «دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وحينئذٍ فتعليق ذلك بالمشيئة مشروع. 2 ـ أن المراد اللحاق على أصل الموت، لكن التعليق للتعليل، أي: أن لحوقنا إياكم سيكون بمشيئة الله. 3 ـ أن التعليق هنا ليس على أصل الموت، ولكن على وقت الموت، كأنه قال: وإنا إذا شاء الله أي: متى ما شاء الله، لحقناكم، أي: سنلحق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، والتعليق بالمشيئة هنا واضح.

يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم»

والمقصود من هذه الجملة: توطين النفس على ما صار إليه هؤلاء من أجل تحقيق التذكر. يَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ. نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ». قوله: «يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين»، جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، أي: نسأل الله أن يرحم المستقدمين منكم، والمستأخرين. قوله: «نسأل الله لنا ولكم العافية»، أما بالنسبة لنا فإنها عافية حسية كعافية البدن، وعافية معنوية من الذنوب والمعاصي. أما العافية لأهل القبور فهي: العافية من عذاب القبر. قوله: «اللهم لا تحرمنا أجرهم». أجرنا على الأموات متعدد: أولاً: الحزن عليهم، فكم من ميت في هذه المقبرة قد حزنت عليه، إما لقرابة، أو لصداقة، أو نفع، أو غير ذلك، ولا شك أن الإنسان إذا أصيب بمصاب وتحمل فله أجر. ثانياً: أجر الزيارة، أي لا تحرمنا أجر الزيارة لهم؛ لأن زيارتنا لهم سنة أمر بها النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفعلها بنفسه، فنحن نفعلها امتثالاً واقتداءً. امتثالاً لأمره، واقتداء بفعله صلّى الله عليه وسلّم. قوله: «ولا تفتنا بعدهم» هذه جملة عظيمة، فتسأل الله ألاَّ يفتنك بعدهم؛ لأن الإنسان قد يفتن بعد موت أقاربه، وأصحابه، ومشايخه، وغير ذلك، فقد يفارقون هذا الرجل مستقيم الحال،

ثم يفتن وبالعكس، فتسأل الله ألاَّ يفتنك بعدهم بشبهات تعرض لك، أو بإرادات سيئة، وهي فتنة الشهوات، والإنسان ما دامت روحه في جسده، فهو معرض للفتنة. يُذكر أن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ، وهو في سياق الموت يغمى عليه ويُسمع يقول: بعد، بعد، فلما أفاق قيل له: يا أبا عبد الله ما بعد، بعد، قال: رأيت الشيطان أمامي يعض على يديه، يقول: فُتَّنِي يا أحمد، أي: عجزت أن أدركك وأغويك، فأقول: بعد بعد. أي: ما دامت الروح في الجسد، فالإنسان على خطر، ويدل لهذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيصدق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» (¬1). ولهذا أوصي نفسي وإياكم أن نسأل الله دائماً الثبات على الإيمان وأن تخافوا؛ لأن تحت أرجلكم مزالق، فإذا لم يثبتكم الله ـ عز وجل ـ وقعتم في الهلاك، واسمعوا قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ لرسوله صلّى الله عليه وسلّم أثبت الخلق وأقواهم إيماناً: {ولَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً *}، أي: تميل ميلاً قليلاً، ولو فعلت ذلك {لأََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 74 ـ 75]. فإذا كان هذا للرسول صلّى الله عليه وسلّم فما بالنا نحن؛ ضعفاء الإيمان، واليقين، وتعترينا الشبهات، والشهوات؛ فنحن على خطر عظيم. فعلينا أن نسأل الله تعالى الثبات على الحق، وألاَّ يزيغ قلوبنا. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه (1/ 344).

وتسن تعزية المصاب بالميت

وهذا هو دعاء أولي الألباب: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *} [آل عمران]. قوله: «واغفر لنا ولهم» الغفر: هو ستر الذنب مع العفو، والتجاوز عنه، يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأنه مشتق من المغفر، وهو ما يوضع على الرأس أثناء القتال؛ لأجل وقاية السهام، فهو ساتر وواقٍ. وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ المُصَابِ بِالْمَيِّتِ، ......... قوله: «وتسن تعزية المصاب بالميت»، السنة: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. والتعزية: هي: التقوية، بمعنى: تقوية المصاب على تحمل المصيبة، وذلك بأن تورد له من الأدعية، والنصوص الواردة في فضيلة الصبر ما يجعله يتسلى وينسى المصيبة، لا أن تأتي إليه لتثير أحزانه مثل: أن تأتي لتعزيه بابنه، فتقول ـ مثلاً ـ: هذا ولد شاب صالح، فكيف يأخذه الموت، وما أشبه ذلك من الكلام. ولما خرجوا بعقيل بن علي بن عقيل أحد الفقهاء الحنابلة، وكان هذا الولد طالب علم، وخرج الناس قام رجل وصاح بأعلى صوته: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78]. فزجره ابن عقيل ـ رحمه الله ـ وقال: يا هذا، القرآن نزل لتسكين الأحزان، لا لتهييج الأحزان، وكلامك هذا يهيج الأحزان.

وأحسن لفظ قيل في التعزية: ما اختاره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما جاءه رسول من إحدى بناته يقول: إن عندها طفلاً يُحْتَضَر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» (¬1). قال: «إن لله ما أخذ وله وما أعطى»، أي: ولدك الذي أصبت به ليس لك بل لله، أبوك الذي أصبت به هو لله ليس لك. وقال: «وكل شيء عنده بأجل مسمى»، أي: معين. قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، والمكتوب لا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتغير عما كان عليه إطلاقاً، أي: لا تندم فتقول: ليتني ما فعلت كذا، وكذا وكذا. قال: «مرها فلتصبر»، أي: على هذه المصيبة. والصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فالصبر شديد لكن عواقبه حميدة. قال: «ولتحتسب»، أي: تحتسب الأجر على الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]. قوله: «تعزية المصاب»: ولم يقل: تعزية القريب؛ من أجل الطرد والعكس، فكل مصاب ولو بعيداً فإنه يعزى وكل من لم يصب ولو قريباً فإنه لا يعزى، من أصيب فعزِّه، ومن لم يصب فلا تعزه. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1284)؛ ومسلم (923) عن أسامة بن زيد رضي الله عنه.

ويجوز البكاء على الميت

مثال ذلك: إذا قدرنا أن هناك ولداً شريراً قد آذى أباه وأهله، ثم مات، وإذا وَجْهُ أبيه تبرق أساريره، ويقول: الحمد لله الذي أراحنا منه، فهذا لا يعزى، مع أن الناس يجعلون العلة في التعزية القرابة، وهذا غلط. فالعلة هي: المصيبة. ولهذا قال العلماء: إذا أصيب الإنسان ونسي مصيبته لطول الزمن، فإننا لا نعزيه؛ لأننا إذا عزيناه بعد طول الزمن، فهذا يعني أننا جددنا عليه المصيبة والحزن. وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَى المَيِّتِ، .......... قوله: «ويجوز البكاء على الميت»، والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بكى على ابنه ابراهيم وقال: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (¬1)، «وبكى عند قبر إحدى بناته وهي تدفن». وهذا في البكاء الذي تمليه الطبيعة، ولا يتكلفه الإنسان، فأما البكاء المتكلف فأخشى أن يكون من النياحة التي يحمل عليها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (¬2). «يعذب»: أي: في القبر، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، إذ كيف يعذب الإنسان على عمل غيره وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7]؛ ولأن تعذيب الإنسان بعمل غيره ظلم له؛ فإنه عقوبة لغير الظالم بفعل الظالم، وهذا ينافي عدل الله وحكمته ـ عز وجل ـ؟! ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1303)؛ ومسلم (2315) عن أنس رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري (1286)؛ ومسلم (928) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

فقال بعض العلماء: إن هذا في حق من أوصى به، أي: قال لأهله: إذا مت فابكوني. وقيل: هذا في حق من كانت عادتهم، أي في قوم عادتهم البكاء، ولم ينه أهله عنه، فيكون كأنه أقرهم على ما اعتاده الناس من هذا الأمر. وقيل: إن هذا في الكافر يعذب ببكاء أهله عليه. وقيل: إن التعذيب هنا ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب ملل وشبهه، ولا يلزم من التعذيب الذي من هذا النوع أن يكون عقوبة، ويشهد لذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «السفر قطعة من العذاب» (¬1)، مع أن المسافر لا يعاقب، لكنه يهتم للشيء ويتألم به، فهكذا الميت يُعلم ببكاء أهله عليه فيتألم ويتعذب رحمة بهم، وكونهم يبكون عليه، وليس هذا من باب العقوبة. وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة. ولكن البكاء الذي تمليه الطبيعة، ويحصل للإنسان بدون اختيار، فإن مثل هذا لا يؤلم أحداً؛ لأنه مما جرت به العادة، حتى الإنسان لا يتألم إذا رأى المصاب يبكي هذا البكاء المعتاد، وإنما يتألم ويرحم إذا بكى بكاء متكلفاً أو زائداً على العادة. مسألة: هل يجوز للمصاب أن يحد على الميت بأن يترك تجارته أو ثياب الزينة، أو الخروج للنزهة، أو ما أشبه ذلك؟ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1804)؛ ومسلم (1927) عن جابر رضي الله عنه.

ويحرم الندب، والنياحة، وشق الثوب، ولطم الخد، ونحوه

الجواب: أن هذا جائز في حدود ثلاثة أيام فأقل إلا الزوجة، فإنه يجب عليها أن تحد مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً، وإلا إلى وضع الحمل إن كانت حاملاً؛ ودليل هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» (¬1). وإنما جاز هذا الإحداد لغير الزوجة لإعطاء النفوس بعض الشيء مما يهوِّن عليها المصيبة؛ لأن الإنسان إذا أصيب ثم كُبت بأن قيل له: اخرج وكن على ما كنت عليه، فإنه ربما تبقى المصيبة في قلبه، ولهذا يقال: إن من جملة الأدب والتربية بالنسبة للصبيان أنه إذا أراد أن يبكي أن يترك يبكي مدة قصيرة من أجل أن يرتاح؛ لأنه يخرج ما في قلبه، لكن لو أسكتّه صار عنده كبت وانقباض نفسي. مسألة: هل يجوز أن يحد في أمر يلحقه أو عائلته به ضرر، مثل: أن يكون رجلاً متجراً، لو عطل التجارة لتضررت كفايته؟ الجواب: لا، هذا ليس مباحاً، بل هو إما مكروه، وإما محرم. وَيَحْرُمُ النَّدْبُ، وَالنِّيَاحَةُ، وَشَقُّ الثَّوْبِ، وَلَطْمُ الخَدِّ، وَنَحْوُهُ. قوله: «ويحرم الندب»، الندب: هو تعداد محاسن الميت بحرف الندبة وهو «وا» فيقول: واسيداه، وامن يأتي لنا بالطعام والشراب، وامن يخرج بنا إلى النزهة، وامن يفعل كذا وكذا. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1281)؛ ومسلم (1486) عن أم حبيبة رضي الله عنها.

وسمي ندباً؛ كأن هذا المصاب ندبه ليحضر بحرف موضوع للندبة. كما قال ابن مالك في الألفية (¬1): وَوَا لِمَنْ نُدِبَ. قوله: «والنياحة» وهي: أن يبكي، ويندب برنة تشبه نوح الحمام؛ لأن هذا يشعر بأن هذا المصاب متسخط من قضاء الله وقدره. فلهذا ورد الوعيد الشديد على من فعل ذلك حيث قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (¬2). وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالباً في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت. قوله: «وشق الثوب»، فيحرم شق الثوب، كما يجري من بعض المصابين، فيشقون ثيابهم إما من أسفل، وإما من فوق؛ إشارة إلى أنه عجز عن تحمل الصبر على هذه المصيبة. قوله: «ولطم الخد»، أي يحرم لطم الخد، وهو أن يلطم المصاب خد نفسه؛ لأن بعض المصابين من شدة إصابته يأخذ بلطم نفسه، فيضرب الخد الأيمن، ثم الأيسر، ثم الأيمن، ثم الأيسر، وهكذا. وكذلك أيضاً لو لطم غير الخد، بأن لطم الرأس، أو ضرب برأسه الجدار، وما أشبه ذلك فكل هذا من المحرم. ¬

_ (¬1) «ألفية ابن مالك» ص (44). (¬2) أخرجه مسلم (934) عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

قوله: «ونحوه» مثل: نتف الشعر، فيأخذ بشعر رأسه وينتفه؛ لأن هذا كله يدل على تسخطه من المصيبة، وقد تبرأ النبي صلّى الله عليه وسلّم من أمثال هؤلاء فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (¬1). ومثل أن يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، وما أشبهه؛ لأنه ينبئ عن التسخط. وليعلم أن الناس إزاء المصيبة على درجات: الأولى: الشاكر. الثانية: الراضي. الثالثة: الصابر. الرابعة: الجازع. أمَّا الجازع: فقد فعل محرماً، وتسخط من قضاء رب العالمين الذي بيده ملكوت السموات والأرض، له الملك يفعل ما يشاء. وأمّا الصابر: فقد قام بالواجب، والصابر: هو الذي يتحمل المصيبة، أي يرى أنها مرة وشاقة، وصعبة، ويكره وقوعها، ولكنه يتحمل، ويحبس نفسه عن الشيء المحرم، وهذا واجب. وأمّا الراضي: فهو الذي لا يهتم بهذه المصيبة، ويرى أنها من عند الله فيرضى رضاً تاماً، ولا يكون في قلبه تحسر، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2294)؛ ومسلم (103) عن أبي موسى رضي الله عنه.

أو ندم عليها؛ لأنه رضي رضاً تاماً، وحاله أعلى من حال الصابر. ولهذا كان الرضا مستحباً، وليس بواجب. والشاكر: هو أن يشكر الله على هذه المصيبة. ولكن كيف يشكر الله على هذه المصيبة وهي مصيبة؟ والجواب: من وجهين: الوجه الأول: أن ينظر إلى من أصيب بما هو أعظم، فيشكر الله على أنه لم يصب مثله، وعلى هذا جاء الحديث: «لا تنظروا إلى من هو فوقكم، وانظروا إلى من هو أسفل منكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (¬1). الوجه الثاني: أن يعلم أنه يحصل له بهذه المصيبة تكفير السيئات، ورفعة الدرجات إذا صبر، فما في الآخرة خير مما في الدنيا، فيشكر الله، وأيضاً أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، فيرجو أن يكون بها صالحاً، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. ويُذكر أن رابعة العدوية أصيبت في أصبعها، ولم تحرك شيئاً فقيل لها في ذلك؟ فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (2963) (9) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

والشكر على المصيبة مستحب؛ لأنه فوق الرضا؛ لأن الشكر رضا وزيادة. انتهى بحمد الله تعالى المجلد الخامس ويليه بمشيئة الله عزّ وجل المجلد السادس وأوله «كتاب الزكاة»

كتاب الزكاة

كِتَابُ الزَّكَاةِ قوله: «كتاب الزكاة». العلماء ـ رحمهم الله ـ يترجمون: بالكتاب: في الأجناس. وبالباب: في الأنواع. وبالفصل: في المسائل. ومعلوم أن الزكاة جنس غير الصلاة، ففي الصلاة يقال: باب الاستسقاء، وباب الكسوف، وباب التطوع، وهكذا، وهذه أنواع. وفي الفصول يذكر الوتر مثلاً في باب صلاة التطوع، وإذا انتهى منه، قال: فصل وتسن الرواتب .. وهكذا. فالفصول للمسائل، والأبواب للأنواع، والكتب للأجناس. هذا هو الأصل، وقد يختلف الحال. وقوله: «كتاب الزكاة» ترجم له بكتاب؛ لأنه جنس مستقل. والزكاة أهم أركان الإسلام بعد الصلاة، والله ـ سبحانه وتعالى ـ يقرنها كثيراً بالصلاة في كتابه، وقد ثبت عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في إحدى الروايات عنه «أن تاركها بخلاً يكفر كتارك الصلاة كسلاً». ولكن الصحيح أن تاركها لا يكفر، والذين كفروا مانعها بخلاً قالوا: إن الله ـ تعالى ـ قال: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ

وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] فرتب ثبوت الأخوة على هذه الأوصاف الثلاثة: إن تابوا من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ولا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا إذا خرج الإنسان من الدين، أما إذا فعل الكبائر فهو أخ لنا، فالقاتل عمداً قال الله فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]. فقال ـ سبحانه وتعالى ـ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} أي: المقتول، والضمير يعود على القاتل، فجعل الله المقتول أخاً للقاتل. وقال الله ـ تعالى ـ في المقتتلين من المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]. مع أن قتل المؤمن وقتاله من كبائر الذنوب، فلا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا بكفر، فدل على كفر تارك الزكاة. ولا شك أن هذا القول له وجه جيد في الاستدلال بهذه الآية، لكن دل حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الثابت في صحيح مسلم على أن الزكاة ليس حكمها حكم الصلاة. حيث ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم مانع زكاة الذهب والفضة، وذكر عقوبته، ثم قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» (¬1)، ولو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة. فإذا قال قائل: إذا خصصتم آية التوبة بالنسبة لتارك الزكاة، ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في الزكاة/ باب إثم مانع الزكاة (987) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فلماذا لا تقولون ذلك في تارك الصلاة؟؛ لأن الحكم واحد {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]. فالجواب: أن تارك الصلاة وردت فيه نصوص تدل على كفره؛ فمن أجل ذلك حكمنا بكفره، والنصوص الواردة في كفر تارك الصلاة نصوص قائمة، وليس لها معارض مقاوم، وكل ما قيل: إنه معارض، فإنه لا يعارض أدلة كفره، لا ثبوتاً، ولا استدلالاً. فوائد الزكاة الفردية والاجتماعية وحِكَمُها ما يلي: الأولى: إتمام إسلام العبد وإكماله؛ لأنها أحد أركان الإسلام، فإذا قام بها الإنسان تم إسلامه وكمل، وهذا لا شك أنه غاية عظيمة لكل مسلم، فكل مسلم مؤمن يسعى لإكمال دينه. الثانية: أنها دليل على صدق إيمان المزكي، وذلك أن المال محبوب للنفوس، والمحبوب لا يبذل إلا ابتغاء محبوب مثله أو أكثر، بل ابتغاء محبوب أكثر منه، ولهذا سميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق طلب صاحبها لرضا الله عزّ وجل. الثالثة: أنها تزكي أخلاق المزكي، فتنتشله من زمرة البخلاء، وتدخله في زمرة الكرماء؛ لأنه إذا عود نفسه على البذل، سواء بذل علم، أو بذل مال، أو بذل جاه، صار ذلك البذل سجية له وطبيعة حتى إنه يتكدر، إذا لم يكن ذلك اليوم قد بذل ما اعتاده، كصاحب الصيد الذي اعتاد الصيد، تجده إذا كان ذلك اليوم متأخراً عن الصيد يضيق صدره، وكذلك الذي عود نفسه على الكرم، يضيق صدره إذا فات يوم من الأيام لم يبذل فيه ماله أو جاهه أو منفعته.

الرابعة: أنها تشرح الصدر، فالإنسان إذا بذل الشيء، ولا سيما المال، يجد في نفسه انشراحاً، وهذا شيء مجرب، ولكن بشرط أن يكون بذله بسخاء وطيب نفس، لا أن يكون بذله وقلبه تابع له. وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد (¬1) أن البذل والكرم من أسباب انشراح الصدر، لكن لا يستفيد منه إلا الذي يعطي بسخاء وطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده، أما من أخرج المال من يده، لكنه في قرارة قلبه، فلن ينتفع بهذا البذل. الخامسة: أنها تلحق الإنسان بالمؤمن الكامل «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (¬2) فكما أنك تحب أن يبذل لك المال الذي تسد به حاجتك، فأنت تحب أن تعطيه أخاك، فتكون بذلك كامل الإيمان. السادسة: أنها من أسباب دخول الجنة، فإن الجنة «لمن أطاب الكلام، وأفشى السلام، وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام» (¬3)، وكلنا يسعى إلى دخول الجنة. ¬

_ (¬1) «زاد المعاد» (2/ 25). (¬2) أخرجه مسلم في الإيمان/ باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه (45) عن أنس رضي الله عنه. (¬3) حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ياأيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» أخرجه الإمام أحمد (5/ 451)؛ والترمذي في صفة القيامة/ باب حديث أفشوا السلام ... (2485)؛ وابن ماجه في الأطعمة/ باب إطعام الطعام (3251)؛ والحاكم (3/ 13). وقال الترمذي: «حديث صحيح»، وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي.

السابعة: أنها تجعل المجتمع الإسلامي كأنه أسرة واحدة، يضفي فيه القادر على العاجز، والغني على المعسر، فيصبح الإنسان يشعر بأن له إخواناً يجب عليه أن يحسن إليهم كما أحسن الله إليه، قال تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، فتصبح الأمة الإسلامية وكأنها عائلة واحدة، وهذا ما يعرف عند المتأخرين بالتكافل الاجتماعي، والزكاة هي خير ما يكون لذلك؛ لأن الإنسان يؤدي بها فريضة، وينفع إخوانه. الثامنة: أنها تطفئ حرارة ثورة الفقراء؛ لأن الفقير قد يغيظه أن يجد هذا الرجل يركب ما شاء من المراكب، ويسكن ما يشاء من القصور، ويأكل ما يشتهي من الطعام، وهو لا يركب إلا رجليه، ولا ينام إلا على الأسبال وما أشبه ذلك، لا شك أنه يجد في نفسه شيئاً. فإذا جاد الأغنياء على الفقراء كسروا ثورتهم وهدؤوا غضبهم، وقالوا: لنا إخوان يعرفوننا في الشدة، فيألفون الأغنياء ويحبونهم. التاسعة: أنها تمنع الجرائم المالية مثل السرقات والنهب والسطو، وما أشبه ذلك؛ لأن الفقراء يأتيهم ما يسد شيئاً من حاجتهم، ويعذرون الأغنياء بكونهم يعطونهم من مالهم، يعطون ربع العشر في الذهب والفضة والعروض، والعشر أو نصفه في الحبوب والثمار، وفي المواشي يعطونهم نسبة كبيرة، فيرون أنهم محسنون إليهم فلا يعتدون عليهم.

العاشرة: النجاة من حر يوم القيامة فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة» (¬1) وقال في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (¬2). الحادية عشرة: أنها تلجئ الإنسان إلى معرفة حدود الله وشرائعه؛ لأنه لن يؤدي زكاته إلا بعد أن يعرف أحكامها وأموالها وأنصباءها ومستحقها، وغير ذلك مما تدعو الحاجة إليه. الثانية عشرة: أنها تزكي المال، يعني تنمي المال حساً ومعنى، فإذا تصدق الإنسان من ماله فإن ذلك يقيه الآفات، وربما يفتح الله له زيادة رزق بسبب هذه الصدقة، ولهذا جاء في الحديث: «ما نقصت صدقة من مال» (¬3)، وهذا شيء مشاهد أن الإنسان البخيل ربما يسلط على ماله ما يقضي عليه أو على أكثره باحتراق، أو خسائر كثيرة، أو أمراض تلجئه إلى العلاجات التي تستنزف منه أموالاً كثيرة. الثالثة عشرة: أنها سبب لنزول الخيرات، وفي الحديث: ¬

_ (¬1) وتمامه: «حتى يقضى بين الناس»، أو قال: «حتى يحكم بين الناس». أخرجه أحمد (4/ 147)؛ وأبو يعلى (1766)؛ وابن خزيمة (2431)؛ وابن حبان (3310) إحسان؛ والحاكم (1/ 416) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (¬2) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة/ باب الصدقة باليمين (1423)؛ ومسلم في الزكاة/ باب فضل إخفاء الصدقة (1031) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬3) أخرجه مسلم في البر والصلة/ باب استحباب العفو والتواضع (2588) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

«ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء» (¬1). الرابعة عشرة: «أن الصدقة تطفئ غضب الرب» كما ثبت ذلك عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم (¬2). الخامسة عشرة: أنها تدفع ميتة السوء (¬3). السادسة عشرة: أنها تتعالج مع البلاء الذي ينزل من السماء فتمنع وصوله إلى الأرض (¬4). السابعة عشرة: أنها تكفر الخطايا، قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه في الفتن/ باب العقوبات (4019) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ وأخرجه الحاكم (2/ 126)؛ والبيهقي (3/ 346) عن بريدة رضي الله عنه؛ قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي؛ وأخرجه الطبراني في الأوسط (4577)، (6788) عن بريدة رضي الله عنه؛ وقال المنذري في «الترغيب» (2/ 63): رجاله ثقات. (¬2) أخرجه الترمذي في الزكاة/ باب ما جاء في فضل الصدقة (664)؛ وابن حبان (3309) إحسان؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حبان، وأخرجه الطبراني في الأوسط (7761) عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه. (¬3) أخرجه الترمذي وابن حبان عن أنس رضي الله عنه وقد سبق في الحديث السابق؛ وأخرجه أحمد (3/ 502)؛ وعبد الرزاق (20118)؛ والطبراني في الكبير (4451) عن رافع بن مكين رضي الله عنه؛ قال المنذري: «فيه رجل لم يسم» «الترغيب» (2/ 144)؛ وأخرجه الطبراني في «الكبير» (17/ 22) عن عمرو بن عوف رضي الله عنه، ولعل هذه الطرق تعطي قوة للحديث، ـ والله أعلم ـ. (¬4) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (5643) عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: «باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها» وضعفه الهيثمي في «المجمع» (3/ 113)؛ وأخرجه البيهقي (4/ 189) عن أنس رضي الله عنه موقوفاً، قال المنذري في الترغيب (2/ 143): «ولعله أشبه».

«الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (¬1). مسألة: اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ متى فرضت الزكاة؟ فقال بعض العلماء: إنها فرضت في مكة، واستدلوا بآيات الزكاة التي نزلت في مكة مثل: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} {الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7] ومثل: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} [المعارج] ومثل: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ *} [الروم]، وكقوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. وقال بعضهم: ـ وهو أصح الأقوال ـ إن فرضها في مكة، وأما تقدير أنصبائها، وتقدير الأموال الزكوية، وتبيان أهلها فهذا في المدينة، وعليه فيكون ابتداء فرضها في مكة من باب تهيئة النفوس، وإعدادها لتتقبل هذا الأمر، حيث إن الإنسان يخرج من ماله الذي يحبه حباً جماً، يخرج منه في أمور لا تعود عليه ظاهراً بالنفع في الدنيا، فلما تهيأت النفوس لقبول ما يفرض عليها من ذلك، فرضه الله ـ تعالى ـ فرضاً مبيناً مفصلاً، وذلك في المدينة. تعريف الزكاة: لغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد في «المسند» (5/ 231، 237)؛ والترمذي في الإيمان/ باب ما جاء في حرمة الصلاة (2616)؛ والنسائي في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» (11311)؛ وابن ماجه في الفتن/ باب كف اللسان في الفتنة (3973)؛ والحاكم (2/ 412)؛ عن معاذ رضي الله عنه؛ وصححه الترمذي، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

وشرعاً: التعبد لله ـ تعالى ـ بإخراج جزء واجب شرعاً في مال معين لطائفة أوجهة مخصوصة. وحكمها: الوجوب. ومنزلتها من الدين أنها أحد أركان الإسلام، وأهم أركان الإسلام بعد الصلاة، ومن جحد وجوبها ممن عاش بين المسملين فإنه كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وإجماع المسلمين، سواء أخرجها أم لم يخرجها، ومن أقر بوجوبها، وتهاون في إخراجها، وبخل بها فأصح قولي العلماء: أنه فاسق، وليس بكافر. ولا تجب في كل مال إنما تجب في المال النامي حقيقية أو تقديراً. فالنمو حقيقة كماشية بهيمة الأنعام، والزروع والثمار، وعروض التجارة. والنامي تقديراً كالذهب والفضة إذا لم يشتغل فيهما بالتجارة، فإنهما وإن كانا راكدين، فهما في تقدير النامي؛ لأنه متى شاء اتجر بهما. والأموال الزكوية خمسة أصناف: 1 ـ الذهب. 2 ـ والفضة. 3 ـ وعروض التجارة. 4 ـ وبهيمة الأنعام. 5 ـ والخارج من الأرض.

تجب بشروط خمسة: حرية، وإسلام، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول

وهناك أشياء مختلف فيها: كالعسل، هل فيه زكاة أو لا؟ وكالركاز هل الواجب فيه زكاة أو لا؟ وسيأتي البحث فيها إن شاء الله. ولا تجب إلا بشروط؛ فمن حكمة الله ـ عزّ وجل ـ وإتقانه في فرضه وشرائعه، أنه جعل لها شروطاً؛ أي: أوصافاً معينة لا تجب إلا بوجودها؛ لتكون الشرائع منضبطة، لا فوضى فيها. إذ لو لم يكن هناك شروط لكان كل شخص يقدر أن هذا واجب، وهذا غير واجب فإذا أتقنت الفرائض بالشروط وحددت لم يكن هناك اختلاف، وصار الناس على علم وبصيرة، فمتى وجدت الشروط في شيء ثبت، ومتى انتفت انتفى. ثم إن هناك موانع أيضاً تمنع وجوب الزكاة مع وجود الشروط، وجميع الأشياء لا تتم إلا بشروطها وانتفاء موانعها، وسيأتي بيانها إن شاء الله. تَجِبُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: حُرِّيَّةٌ، وإِسْلاَمٌ، وَمُلْكُ نِصَابٍ، واسْتِقْرَارُهُ، وَمُضِيُّ الحَوْلِ ... قوله: «تجب بشروط خمسة: حرية، وإسلام، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول». شروط وجوب الزكاة هي: 1 ـ الحرية: وضدها الرق، فلا تجب الزكاة على رقيق، أي: على عبد؛ لأنه لا يملك، فالمال الذي بيده لسيده. ودليل ذلك: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ باع عبداً له مال فماله

للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع» (¬1). فقال: «ماله» أي الذي بيده «للذي باعه» أي: لا له، فيكون بمنزلة الفقير الذي ليس عنده مال، والفقير لا تجب عليه بالاتفاق. وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «له مال» فاللام في (له) للاختصاص، كما تقول للدابة سَرْج فلا يعارض ما قررناه. 2 ـ الإسلام وضده الكفر فلا تجب على كافر، سواء أكان مرتداً أم أصلياً؛ لأن الزكاة طهرة، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103] والكافر نجس، فلو أنفق ملء الأرض ذهباً لم يطهر حتى يتوب من كفره. وأما قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} {الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فالمراد بها هنا: زكاة النفس عند أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *} [الشمس: 9]. فيكون معنى الآية على هذا: أي لا يؤتون أنفسهم زكاتها بل يهينونها ويغفلون عنها. وإذا قلنا: إن الكافر لا تجب عليه الزكاة، فلا يعني ذلك أنه لا يحاسب عليها، بل يحاسب عليها يوم القيامة، لكنها لا تجب عليه، بمعنى أننا لا نلزمه بها حتى يسلم. ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بعث معاذاً إلى اليمن بعد أن ذكر التوحيد، والصلاة: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم» (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في البيوع/ باب من باع نخلاً ... (2203)؛ ومسلم في البيوع/ باب من باع نخلاً عليها تمر (1543) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب وجوب الزكاة (1395)؛ ومسلم في الإيمان/ باب الدعاء إلى الشهادتين (19).

والدليل: من القرآن قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ *} [التوبة: 54]. فإذا كانت لا تقبل فلا فائدة في إلزامهم بها، ولكنهم يحاسبون عليها يوم القيامة، ويعذبون عليها. ودليل ذلك قوله تعالى عن المجرمين: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *} [المدثر] فلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة، وترك إطعام المسكين لما ذكروا ذلك سبباً في دخولهم النار. 3 ـ ملك نصاب: النصاب هو القدر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه، وهو يختلف، فلا بد أن يملك نصاباً، فلو لم يملك شيئاً كالفقير فلا شيء عليه، ولو ملك ما هو دون النصاب فلا شيء عليه. ودليل اشتراط ملك النصاب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة» (¬1)، وقال في الغنم: «إذا بلغت أربعين شاةً شاةٌ» (¬2) وغير ذلك من الأدلة، ولأن ما دون النصاب لا يحتمل المواساة. 4 ـ استقراره: أي: استقرار الملك. ¬

_ (¬1) - (¬2) يأتي تخريجهما ص (67).

ومعنى كونه مستقراً: أي أن ملكه تام، فليس المال عرضة للسقوط، فإن كان عرضة للسقوط، فلا زكاة فيه. ومثلوا لذلك: بالأجرة (أجرة البيت) قبل تمام المدة فإنها ليست مستقرة؛ لأنه من الجائز أن ينهدم البيت، وتنفسخ الإجارة. ومثل ذلك أيضاً حصة المضارَب ـ بالفتح، وهو العامل ـ من الربح فلا زكاة فيها؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، مثاله: أعطيت شخصاً مائة ألف ليتجر بها فربحت عشرة آلاف؛ للمالك النصف وللمضارب النصف خمسة آلاف، فلا زكاة في حصة المضارب لأنها عرضة للتلف، إذ هي وقاية لرأس المال، إذ لو خسر المال لا شيء له، وحصة المالك من الربح، فيها الزكاة لأنها تابعة لأصل مستقر، فمال رب المال فيه الزكاة وكذا نصيبه من الربح؛ لأن نصيبه تابع لأصل مستقر. ومثلوا لذلك أيضاً بدين الكتابة أي: إذا باع السيد عبده نفسه بدراهم، وبقيت عند العبد سنة فإنه لا زكاة فيها؛ لأن العبد يملك تعجيز نفسه، فيقول: لا أستطيع أن أوفي، وإذا كان لا يستطيع أن يوفي، فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذ غير مستقر. مسألة: إذا حَصَلْتَ على المال الذي كان غير مستقر، فهل تجب فيه الزكاة لما مضى؟ الجواب: لا، ولكن تستأنف به حولاً؛ لأنه لم يكن مستقراً قبل ذلك. 5 ـ مضي الحول: أي: تمام الحول؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:

في غير المعشر، إلا نتاج السائمة، وربح التجارة

«لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (¬1) أخرجه ابن ماجه؛ ولأننا إن لم نقدر زمناً فهل يقال: تجب في كل يوم، أو كل شهر، أو كل أسبوع، أو كل عشرة أعوام، فلا بد من تقدير، ولأننا لو أوجبنا الزكاة كل شهر، لكان ضرراً على أهل الأموال، ولو أوجبناها كل سنتين لأضررنا بأهل الزكاة. والحول مقدارٌ يكون به الربح المطرد غالباً، ويكون فيه خروج الثمار، ويكون فيه النماء في المواشي غالباً، فلهذا قدر بالحول، والحول هنا باعتبار السنة القمرية لقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ... } [البقرة: 189]. واستثنى المؤلف أشياء لا يشترط لها تمام الحول وهي: فِي غَيْرِ الْمُعَشَّرِ، إِلاَّ نَتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، ....... قوله: «في غير المعشر» وهذا هو الأول، يريدالخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وسمي معشراًلوجوب العشر أو نصفه فيه، فلا يشترط لها الحول، ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] فأمر الله تعالى عباده أن يعطوا زكاة الحبوب والثمار عند اجتنائها حيث يتوفر الشيء في أيديهم، ويسهل عليهم إخراجه قبل وصوله إلى المخازن، ولهذا يزرع الإنسان الأرض ويكتمل الزرع في أربعة أو ستة شهور وتجب فيه الزكاة. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه في الزكاة/ باب ما تجب فيه الزكاة من الأموال (1793)؛ والدارقطني (2/ 90)؛ والبيهقي (4/ 103)؛ وأبو عبيد في الأموال (1132)؛ عن عائشة رضي الله عنها. قال الحافظ: وفيه حارثة بن أبي الرجال وهو ضعيف «التلخيص» (820)؛ وأخرجه البيهقي من طريق علي رضي الله عنه موقوفاً عليه (4/ 103)، قال الحافظ: حديث لا بأس بإسناده والآثار تعضده فيصلح للحجة «التلخيص» (820).

قوله: «إلاَّ نتاج السائمة» هذا مستثنى من قوله: (ومضي الحول) أي: إلا ما تنتجه السائمة أي: أولادها، هذا هو الثاني، فلا يشترط له تمام الحول، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث السعاة إلى أهل المواشي، فيأخذون الزكاة مما يجدون مع أن المواشي فيها الصغار والكبار، ولا يستفصل متى ولدت؟ بل يحسبونها ويخرجونها حسب رؤوسها، فمثلاً: رجل عنده أربعون شاة تجب فيها الزكاة، فولدت كل واحدة ثلاثة، إلا واحدة ولدت أربعة، فأصبحت مائة وواحداً وعشرين ففيها شاتان مع أن النماء لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل. قوله: «وربح التجارة» وهذا الثالث، ولا يشترط له تمام الحول؛ لأن المسلمين يخرجون زكاتها دون أن يحذفوا ربح التجارة، ولأن الربح فرع، والفرع يتبع الأصل، مثاله: لو قدرنا شخصاً اشترى أرضاً بمائة ألف وقبل تمام السنة صارت تساوي مائتين فيزكي عن مائتين، مع أن الربح لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل. هذا ما ذكره المؤلف، ويضاف إليه ما يأتي: الرابع: الركاز وهو ما يوجد من دفن الجاهلية، فهذا فيه الخمس بمجرد وجوده، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وفي الركاز الخمس» (¬1) ولم يقل: بعد الحول؛ ولأن وجوده يشبه الحصول على الثمار ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب في الركاز الخمس (1499)؛ ومسلم في الحدود/ باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار (1710) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ولو لم يبلغ نصابا، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصابا، وإلا فمن كماله

التي تجب الزكاة فيها من حين الحصول عليها عند الحصاد، وهو زكاة على المشهور من المذهب، وقيل: إنه فيء، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. الخامس: المعدن، لأنه أشبه بالثمار من غيرها، فلو أن إنساناً عثر على معدن ذهب أو فضة واستخرج منه نصاباً فيجب أداء زكاته فوراً قبل تمام الحول (¬1). السادس: العسل على القول بوجوب الزكاة فيه. السابع: الأجرة على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فتخرج الزكاة عنده بمجرد قبضها؛ لأنها كالثمرة. وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَاباً، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أصْلِهِمَا إِنْ كَانَ نِصَاباً، وَإِلاَّ فَمِن كَمَالِهِ .... قوله: «ولو لم يبلغ نصاباً، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً، وإلا فمن كماله» فإذا كان عنده (35) شاة فليس فيها زكاة؛ لأن أقل النصاب (40) وفي أثناء الحول نتجت كل واحدة منها سخلة، فنحسب الحول من تمام النصاب؛ ولهذا قال: «وإلا فمن كماله». مثال آخر: لو كان عنده نصف نصاب ثم بعد مضي ستة أشهر كَمُلَ نصاباً، ثم بعد ثلاثة أشهر ربح نصاباً آخر، فالحول يبتدئ من حين كمل نصاباً، والربح يتبع الأصل. مثال آخر: لو أن رجلاً اتجر بـ (100.000) ريال، وفي أثناء ¬

_ (¬1) قال شيخنا رحمه الله: «ولا تجب الزكاة فيما سوى الذهب والفضة من المعادن وإن كان أغلى منهما إلا أن يكون للتجارة فيزكى زكاة التجارة لها» مجالس شهر رمضان ص (118).

الحول ربحت (50.000) ريال فنزكي الخمسين إذا تم حول المائة. مثال آخر: رجل عنده (100.000) ريال، وفي أثناء الحول ورث من قريب له (50.000) ريال فنزكي الخمسين إذا تم حولها، ولا تضم إلى (100.000) في الحول. فإذا قال قائل: فما الفرق بين المثالين؟ فالجواب: أن الربح فرع عن رأس المال فتبعه في الحول، كما في المثال الأول، وأما الإرث فهو ابتداء ملك، فاعتبر حوله بنفسه، كما في المثال الثاني. فالمستفاد بغير الربح كالرجل يرث مالاً، أو يوهب له، أو المرأة تملك الصداق، وما أشبه ذلك، فهذا لا يضم إلى ما عنده من المال في الحول؛ لأنه مستقل وليس فرعاً له، ولكنه يضم في تكميل النصاب. مثال ذلك: إذا كان شخص عنده من الدراهم أقل من النصاب، وفي أثناء الحول مات له قريب، فورث منه خمسين ألفاً فيبتدئ الحول من وقت ملك الخمسين ألفاً؛ في الخمسين، وفي الدراهم السابقة، ولا يبتدئ الحول في الدراهم السابقة من حين ملكها، وفي الخمسين من حين ملكها؛ لأن الدراهم الأولى أقل من النصاب فليس فيها زكاة، لكن لما تم النصاب بإرث الخمسين ضممنا الأولى إلى الثانية، وصار الحول واحداً من حين تمام النصاب بملك الخمسين. وبعض الناس تشكل عليه فيظن أنه إذا أتممنا النصاب بنينا

على حول ما دون النصاب وليس كذلك، وإنما يبدأ الحول من كمال النصاب في الجميع. مثال آخر: ملك في شهر محرم نصاباً، ثم ملك بالإرث في شهر جمادى الثانية أقل من النصاب مائة درهم ففيها زكاة ـ وإن كان أقل من النصاب ـ لأن عنده مالاً يبلغ النصاب، لكن حول المائة درهم يكون في جمادى الثانية، وليس في محرم؛ لأنها تضم إلى ما عنده في النصاب، لا في الحول. وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط البلوغ ولا العقل. وعلى هذا فتجب الزكاة في مال الصبي وفي مال المجنون، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. وسبب الخلاف أن بعض العلماء جعلها من العبادات المحضة فقال: إن الصغير والمجنون ليسا من أهل العبادة كالصلاة، فإذا كانت الصلاة لا تجب على المجنون والصغير، فالزكاة من باب أولى. وبعض العلماء جعل الزكاة من حق المال، أي: أنها واجبة في المال لأهل الزكاة، فقال: إنه لا يشترط البلوغ والعقل؛ لأن هذا حكم رتب على وجود شرط وهو بلوغ النصاب، فإذا وجد وجبت الزكاة، ولا يشترط في ذلك التكليف فتجب في مال الصبي ومال المجنون. وهذا القول أصح، ودليل ذلك ما يلي: 1 ـ قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]. فالمدار على المال لا على المتموِّل.

فإن قال قائل: قوله تعالى: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} هذا في حق المكلفين؛ لأن التطهير والتزكية يكون من الذنوب؟ فيقال: هذا بناء على الأغلب؛ فالزكاة تجب غالباً في أموال المكلفين فيحتاجون إلى تطهير، على أن الصبي ـ ولا سيما المميز ـ يحتاج لتطهير، لما قد يحصل منه إخلال بالآداب، فإن أخذ الزكاة منه مطهر له ومنمٍّ لإيمانه وأخلاقه الفاضلة. 2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بعث معاذاً ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (¬1) فجعل محل الزكاة المال. 3 ـ ولأن الزكاة حق الآدمي، فاستوى في وجوب أدائه المكلف وغير المكلف، كما لو أتلف الصغير مال إنسان فإننا نلزمه بضمانه مع أنه غير مكلف. وهذا القول هو مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وخالف أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ في هذا. فإذا قال قائل: إذا أوجبنا الزكاة في مال الصبي والمجنون فهذا يؤدي إلى نقصه، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ} [الأنعام: 152، الإسراء: 34]. فالجواب: هذا النقص هو في الحقيقة كمال وزيادة؛ لأن الزكاة تطهر وتنمي المال فهي وإن نقصته حساً، لكنها كمال وزيادة معنى، فالزكاة من قربانه بالتي هي أحسن. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

ومن كان له دين أو حق من صداق وغيره على مليء أو غيره أدى زكاته إذا قبضه لما مضى

ثم إنه منقوض بوجوب النفقة عليهما فلو كان للمجنون ـ مثلاً ـ أولاد وزوجة وأب لوجبت النفقة لهم في ماله مع أنها تنقصه. فإن قال قائل: إذا قلتم: إن الزكاة من الأحسن فالصدقة أيضاً من الأحسن، فهل تجيزون أن يتصدق بمال اليتيم والمجنون؟ فالجواب: لا؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها، والزكاة فريضة تنشغل الذمة بتركها. ولهذا لو غلت مواد الإنفاق، وصار ثوب الكتان قيمته (100) ريال والثوب من الخيش قيمته (10) ريالات. فنشتري له ثياب كتان؛ لأن هذا هو المعتاد، فإذا كان كذلك فنقول: الزكاة من باب أولى أن نخرجها من مال اليتيم؛ لأنها أبلغ من أن يخرج من ماله لثوب يلبسه. وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ مِنْ صَدَاقٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَدَّى زَكَاتَهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى، ......... قوله: «ومن كان له دين» الدين: ما ثبت في الذمة من قرض، وثمن مبيع، وأجرة، وغير ذلك. قوله: «أو حق» أي: الحق المالي فخرج بذلك الحق غير المالي، وقوله: «أو حق» لم أقف عليها عند غيره، والذي يظهر لي أن الحق إن كان ثابتاً فهو دين، وإن كان غير ثابت فلا زكاة فيه أصلاً، ولهذا عبارة الإقناع والمنتهى ليس فيها كلمة حق. قوله: «من صداق» الصداق للزوجة، وهو ما يبذله الزوج للمرأة في عقد النكاح وإنما نص عليه؛ لأن الصداق قد يسقط بعضه، فإنه إذا طلقها الزوج قبل الدخول سقط النصف، وقد يسقط كله إذا كانت الفرقة من قبلها قبل الدخول.

قوله: «وغيره»: أي: غير الصداق كعوض الخُلع الثابت للزوج وأرش جناية، وضمان متلف، وكذا لو كان المال ضائعاً أو مسروقاً ثم عثرت عليه بعد سنين، فالمذهب يجب عليك إخراج زكاته. تنبيه: تجب الزكاة في العارية والوديعة؛ لأنها على ملك صاحبها فهي كسائر ماله. قوله: «على مليء أو غيره» المليء: الغني، أو غيره: الفقير. وسواء كان على باذل أو مماطل، وسواء كان مؤجلاً أو حالاً. قوله: «أدى زكاته إذا قبضه لما مضى» أي: يجب عليه أن يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين، وهذا هو المذهب. مثال ذلك: شخص له (100) درهم على أربعة أشخاص على كل واحد (25) درهماً، وبقيت عندهم سنوات، ولما قبضها إذا زكاتها أكثر منها. نقول: أدِّ زكاتها ولو كانت أكثر منها، إذا كان عندك مال يكمل النصاب، أما إذا لم يكن لديك مال سواها، فهي في أول سنة تنقص عن النصاب، ولا يجب فيها شيء. مثال آخر: رجل باع أرضاً على شخص بـ (100.000) ريال والمشتري فقير، وبقيت عنده عشر سنوات ثم قبضها. فيؤديها لعشر سنوات؛ لقوله: «لما مضى». واستفدنا من قوله: «أَدَّى» أن هذه الزكاة أداء، وليست

قضاء فـ (100.000) زكاتها في كل سنة (2500)، فيصير مجموع زكاتها لعشر سنين (25.000)، فصارت زكاتها الربع كاملاً، وزكاة الدراهم ربع العشر؛ لأنه يؤديها لكل ما مضى. مثال ثالث: رجل أجر شخصاً بيته لمدة سنة بـ (1000) درهم وانتهت المدة، وماطل المستأجر حتى بقيت عنده عشر سنوات. فزكاة الألف كل سنة (25)، في عشر سنوات (250) أي الربع. مثال رابع: امرأة تزوجها رجل على صداق قدره (20.000) ريال ولم يسلم الصداق، وبقيت الزوجة عنده عشر سنوات ثم أعطاها صداقها. فتكون زكاته في عشر سنوات (5000) ريال أي الربع. وكل هذا على ما مشى عليه المؤلف رحمه الله. وقوله: «أدى زكاته إذا قبضه» أي: لا يلزمه أن يؤدي زكاته قبل قبضه، فهو مرخص له في عدم أداء الزكاة حتى يقبضه. فإن قال قائل: أليست الزكاة على الفور فلماذا لا تلزمه الزكاة إذا تم الحول، ولو كان في ذمة غيره؟ الجواب: أن فيه احتمالاً أن يتلف مال من عليه الدين، أو يعسر، أو يجحد نسياناً أو ظلماً، فلما كان هذا الاحتمال قائماً رخص له أن يؤخر إخراج الزكاة حتى يقبضه. فإن أدى الزكاة قبل قبضه ليستريح فله ذلك؛ لأن تأخيرها من باب الرخصة والتسهيل، بل قال أهل العلم: إن ذلك أفضل.

هذا هو القول الأول في المسألة. القول الثاني: إن كان الدين على معسر أو مماطل فلا زكاة فيه، ولو بقي عشرين سنة، وكذلك لو لم يبقَ إلا شهر واحد على تمام الحول ثم أخرج المال ديناً لمعسر فلا زكاة فيه، وإن كان على موسر باذل ففيه الزكاة كل سنة. القول الثالث: لا زكاة في الدين مطلقاً، سواء كان على غني أو غير غني؛ لأن الدين في ذمة الغير ليس في يدك حتى يكون في جملة مالك؛ فلا زكاة في الدين حتى يقبضه. القول الرابع: أنه إذا كان يؤمل وجوده فتجب فيه الزكاة، كالدين على الفقير، فيحتمل أن يجده، وإن كان لا يؤمل وجوده كالضائع، والمنسي، والضال فلا زكاة عليه. والصحيح أنه تجب الزكاة فيه كل سنة، إذا كان على غني باذل؛ لأنه في حكم الموجود عندك؛ ولكن يؤديها إذا قبض الدين، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله، والأول رخصة والثاني فضيلة، وأسرع في إبراء الذمة. أما إذا كان على مماطل أو معسر فلا زكاة عليه ولو بقي عشر سنوات؛ لأنه عاجز عنه، ولكن إذا قبضه يزكيه مرة واحدة في سنة القبض فقط، ولا يلزمه زكاة ما مضى. وهذا القول قد ذكره الشيخ العنقري في حاشيته عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده (¬1) رحمهم الله وهو مذهب ¬

_ (¬1) انظر: «حاشية العنقري على الروض» (1/ 361).

الإمام مالك ـ رحمه الله ـ، وهذا هو الراجح لما يلي: أولاً: أنه يشبه الثمرة التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها، والأجرة التي اختار شيخ الإسلام وجوب الزكاة فيها حين القبض، ولو لم يتم عليها حول (¬1). ثانياً: أن من شرط وجوب الزكاة: القدرة على الأداء، فمتى قدر على الأداء زكى. ثالثاً: أنه قد يكون مضى على المال أشهر من السنة قبل أن يخرجه ديناً. رابعاً: أن إسقاط الزكاة عنه لما مضى، ووجوب إخراجها لسنة القبض فقط، فيه تيسير على المالك؛ إذ كيف توجب عليه الزكاة مع وجوب إنظار المعسر، وفيه أيضاً تيسير على المعسر؛ وذلك بإنظاره. ومثل ذلك، المال المدفون المنسي، فلو أن شخصاً دفن ماله خوفاً من السرقة ثم نسيه، فيزكيه سنة عثوره عليه فقط. وكذلك المال المسروق إذا بقي عند السارق عدة سنوات، ثم قدر عليه صاحبه، فيزكيه لسنة واحدة، كالدين على المعسر. مسألة مهمة كَثُر السؤال عنها وذلك حين كسدت الأراضي: مثاله: اشترى إنسانٌ أرضاً وقت الغلاء ثم كسدت، ولم يجد من يشتريها لا بقليل ولا بكثير، فهل عليه زكاة في مدة الكساد أو لا؟ ¬

_ (¬1) «الاختيارات» ص (98).

الجواب: يرى بعض العلماء: أنه لا شيء عليه في هذه الحال؛ لأن هذا يشبه الدين على المعسر في عدم التصرف فيه، حتى يتمكن من بيعها، فإذا باعها حينئذ قلنا له: زك لسنة البيع فقط. وهذا في الحقيقة فيه تيسير على الأمة، وفيه موافقة للقواعد؛ لأن هذا الرجل يقول: أنا لا أنتظر الزيادة أنا أنتظر من يقول: بع علي. والأرض نفسها ليست مالاً زكوياً في ذاتها حتى نقول: تجب عليك الزكاة في عينه. أما الدراهم المبقاة في البنك، أو في الصندوق من أجل أن يشتري بها داراً للسكنى أو يجعلها صداقاً، فهي لا تزيد لكن لا شك أن فيها زكاة. والفرق بينها وبين الأرض الكاسدة: أن الزكاة واجبة في عين الدراهم، وأما الزكاة في العروض فهي في قيمتها، وقيمتها حين الكساد غير مقدور عليها، فهي بمنزلة الدين على معسر. قوله: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب» أي: إذا كان عند الإنسان نصاب من الذهب، أو من الفضة، أو من الحبوب، أو الثمار، أو من المواشي ولكن عليه دينٌ ينقص النصاب فلا زكاة فيما عنده. مثال ذلك: رجل بيده مائة ألف، وعليه تسعة وتسعون ألفاً وتسعمائة، فالفاضل عنده الآن مائة، والمائة دون النصاب فليس فيها زكاة.

هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول، وقد استدلوا بالأثر، والنظر. أما الأثر: فما روي عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يخطب فيقول: (أيها الناس إن هذا شهر زكاة أموالكم فمن كان عليه دين فليقضه، ثم ليزك) (¬1)، وعثمان ـ رضي الله عنه ـ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم. وأما النظر: فلأن الزكاة إنما تجب مواساة؛ ليواسي الغني الفقير، ومن عليه دين فهو فقير يحتاج من يعطيه ليوفي دينه. ولأننا لو أوجبنا الزكاة عليه، لأخذت الزكاة على هذا المال مرتين، مرةً من المدين، ومرة من الدائن. ولا فرق بين الدين المؤجل والدين الحال، فكله سواء أي: إذا كان عليه دين لا يحل موعده إلا بعد عشر سنوات، وبيده مال ينقصه الدين عن النصاب فلا زكاة عليه. مثاله: رجل عليه عشرة آلاف درهم تحل بعد عشر سنوات، وبيده الآن عشر آلاف درهم فنقول: لا زكاة عليه. القول الثاني: أنه لا أثر للدين في منع الزكاة، وأن من كان عنده نصاب فليزكه، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، أو يستغرق النصاب، أو يزيد على النصاب. واستدل هؤلاء بما يلي: 1 ـ العمومات الدالة على وجوب الزكاة في كل ما بلغ النصاب. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام مالك (1/ 253)؛ والشافعي (620) ترتيب «المسند»؛ والبيهقي (4/ 148)، وصححه في الإرواء (3/ 260).

مثل: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم «فيما سقت السماء العشر» (¬1) وحديث أنس بن مالك في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر «وفي الرقة في كل مائتي درهم ربع العشر ـ الرقة هي الفضة ـ وكذلك ذكر في سائمة بهيمة الأنعام في كل خمس من الإبل شاة، وفي كل أربعين شاة شاة» (¬2). 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث العمال الذين يقبضون الزكاة من أصحاب المواشي، ومن أصحاب الثمار (¬3)، ولا يأمرهم بالاستفصال هل عليهم دين أم لا؟ مع أن الغالب أن أهل الثمار عليهم ديون في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن من عادتهم أنهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فيكون على صاحب البستان دين سلف، ومع ذلك كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرص عليهم ثمارهم، ويزكونها. 3 ـ أن الزكاة تجب في المال {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم معاذاً إلى اليمن، وقال: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد ¬

_ (¬1) سيأتي تخريجه ص (67). (¬2) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب زكاة الغنم (1454). (¬3) ومن ذلك ما رواه ابن الساعدي المالكي: أنه قال: «استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة، فلما فرغت منها، وأديتها إليه، أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَعَمَّلَنِي، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق»؛ أخرجه مسلم في الزكاة/ باب جواز الأخذ بغير سؤال ولا تطلع (1045) (112).

على فقرائهم» (¬1) والدين يجب في الذمة لا في المال؛ ولذلك لو تلف المال الذي بيدك كله لم يسقط عنه شيء من الدين، فلو استقرض مالاً واشترى به سلعاً للبيع والشراء والاتجار، ثم هلك المال لم يسقط الدين؛ لأنه يتعلق بالذمة، والزكاة تجب في عين المال، فالجهة منفكة وحينئذ لا يحصل تصادم أو تعارض. وأما أثر عثمان ـ رضي الله عنه ـ فإننا نسلم أنه إذا كان على الإنسان دين حال، وقام بالواجب وهو أداؤه فليس عليه زكاة؛ لأنه سيؤدي من ماله، وسَبْقُ الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلا إذا تم الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة. ونحن نقول لمن اتقى الله، وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك إلا فيما بقي، أما إذا لم يوف ما عليه، وماطل لينتفع بالمال، فإنه لا يدخل فيما جاء عن عثمان، فعليه زكاته. وأما الدليل النظري: وهو أن الزكاة وجبت مواساة، فنقول: أولاً: نمانع في هذا الشيء، فأهم شيء في الزكاة ما ذكره الله ـ عزّ وجل ـ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] فهي عبادة يطهر بها الإنسان من الذنوب، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتزكو بها النفوس، ويشعر الإنسان إذا بذلها، بانشراح صدر واطمئنان قلب، فليس المقصود من الزكاة هو المواساة فقط. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

ثم على فرض أن من أهدافها المواساة فإن هذا لا يقتضي تخصيص العمومات؛ لأن تخصيص العمومات معناه إبطال جانب منها، وهو الذي أخرجناه بالتخصيص، وإبطال جانب من مدلول النص ليس بالأمر الهين الذي تقوى عليه علة مستنبطة قد تكون عليلة، وقد تكون سليمة، وقد تكون حية، وقد تكون ميتة. لكن لو نص الشارع على هذا، لكان للإنسان مجال أن يقول: إن المدين ليس أهلاً لأن يواسي بل يحتاج إلى من يواسيه. وأما حاجة المدين فعلى الرحب والسعة، فهو أحد الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة؛ لقضاء حاجتهم، فهو من الغارمين فنقول: نحن نقضي دينك من الزكاة، وأنت تتعبد لله بأداء الزكاة. وأما قولهم: إن إيجاب الزكاة يقتضي إيجاب الزكاة في المال مرتين. فالجواب: أن المدين قد لا يكون في يده نفس المال الذي أخذه من الدائن؛ فقد يستدين دراهم، ويكون عنده مواشٍ، أو بالعكس، وهذا كثير، ثم على فرض أن يكون هو نفس المال، فيقال: الجهة منفكة؛ لأن المال الذي بيد المدين ماله يتصرف فيه كيف يشاء، فملكهُ له ملك تامٌ، والدين الذي للدائن في ذمة المدين لا دخل له في هذا المال الذي بيد المدين. فإن قال قائل: كيف يمكن أن يكون الإنسان مزكياً، وله أن يأخذ الزكاة؟

فنقول: ليس فيه غرابة؛ لو كان عند الإنسان نصاب أو نصابان لا يكفيانه للمؤنة، لكنهما يبقيان عنده إلى الحول فهنا نقول: نعطيه للمؤنة ونأمره بالزكاة، ولا تناقض. القول الثالث: أن الأموال الظاهرة تجب فيها الزكاة، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، والأموال الباطنة لا تجب فيها الزكاة إذا كان عليه دين ينقص النصاب. والأموال الظاهرة هي: الحبوب، والثمار، والمواشي. والأموال الباطنة هي: الذهب والفضة، والعروض؛ لأن الزكاة تجب في قيمتها وهي باطنة. واستدلوا بما يلي: أولاً: العمومات «في كل أربعين شاة شاة» (¬1). ثانياً: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث العمال لقبض الزكاة من الأموال الظاهرة دون أن يأمرهم بالاستفصال مع أن الغالب على أهل الثمار أن تكون عليهم ديون. ثالثاً: أن الأموال الظاهرة تتعلق بها أطماع الفقراء؛ لأنهم يشاهدونها، فإذا لم يؤد زكاتها بحجة أن عليه ديناً والدين من الأمور الباطنة؛ فإن الناس إذا رأوا أنه لم يؤد الزكاة عن هذه الأموال الظاهرة سيسيئون به الظن، وكما أن في عدم إخراج الزكاة في هذه الحال إيغاراً لصدور الفقراء. ولكن هذا القول وإن كان يبدو في بادئ الرأي أنه قوي ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31).

لكنه عند التأمل ضعيف؛ لأن استدلالهم بالعمومات يشمل الأموال الباطنة، ولأن كون الرسول صلّى الله عليه وسلّم يبعث العمال ولا يستفصلون يدل على أن الزكاة تتعلق بالمال، ولا علاقة للذمة فيها، وهذا لا فرق فيه بين المال الظاهر والمال الباطن؛ ولأن الدَّيْن أمر باطن تستوي فيه الأموال الظاهرة والأموال الباطنة. وإذا قلنا: إنها مواساة فلا فرق بين هذا وهذا؛ ولأن ما ذكروا أنه أموال باطنة فيه نظر، فالتاجر عند الناس تاجر ومعروف، فقد يكون عنده مثلاً معارض سيارات ومخازن أدوات، وأنواع عظيمة من الأقمشة، ودكاكين كثيرة من المجوهرات، أيهما أظهر هذا، أو غنيمات في نقرة بين رمال عند بدوي لا يُعْرف في السوق؟! الجواب: الأول. فالخفاء والظهور أمر نسبي، فقد يكون الظاهر باطناً، ويكون الباطن ظاهراً. والذي أرجحه: أن الزكاة واجبة مطلقاً، ولو كان عليه دين ينقص النصاب، إلا ديناً وجب قبل حلول الزكاة فيجب أداؤه ثم يزكي ما بقي بعده، وبذلك تبرأ الذمة، ونحن إذا قلنا بهذا القول نحث المدينين على الوفاء. فإذا قلنا لمن عليه مائة ألف ديناً، ولديه مائة وخمسون ألفاً، والدين حال: أدِّ الدين، وإلا أوجبنا عليك الزكاة بمائة الألف، فهنا يقول: أؤدي الدين، لأن الدين لن أؤديه مرتين. وهذا الذي اخترناه هو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز.

ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب

والتفريق بين الأموال الظاهرة والباطنة اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله. وهذا الذي رجحناه أبرأ للذمة، وأحوط، والحمد لله «ما نقصت صدقة من مال» كما يقوله المعصوم عليه الصلاة والسلام (¬1). وَلاَ زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَاب .......... وقوله: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب» ظاهر كلامه ـ رحمه الله ـ أنه لا فرق بين أن يكون الدين من جنس ما عنده، أو من غير جنسه، فإذا كان عليه دين من الذهب، وعنده فضة فلا زكاة فيها، وكذا لو كان عنده دين من الفضة، وعنده مواشٍ فلا زكاة فيها. وَلَوْ كَانَ المَالُ ظَاهِراً، ......... قوله: «ولو كان المال ظاهراً» «لو» هذه إشارة خلاف، وعادة الفقهاء ـ رحمهم الله ـ إذا جاؤوا بـ «لو» فالغالب أن الخلاف قوي، وإذا جاؤوا بـ «حتى» فالغالب أن الخلاف ضعيف، وإذا جاؤوا بالنفي فقالوا مثلاً: ولا يشترط كذا وكذا، فهذا إشارة إلى أن فيه خلافاً قد يكون ضعيفاً، وقد يكون قوياً، لكنهم لا يأتون بمثل هذا العبارة «ولا يشترط» إلا وفيه خلاف بالاشتراط؛ لأنه لو لم يكن خلاف فلا حاجة إلى نفيه؛ لأن عدم ذكره يعني نفيه، فإذا وجدت في كلام بعد ذكر الشروط والواجبات: «ولا يشترط كذا»، أو «لا يجب كذا» فاعلم أن في المسألة خلافاً، وقد تقدم بيان القول الذي أشار إليه المؤلف، والمال الظاهر هو الذي يحفظ في الصناديق والبيوت، مثل: الماشية والثمار والحبوب. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (10).

وكفارة كدين

وَكَفَّارَةٌ كَدَيْنٍ .......... قوله: «وكفارة كدين» يعني لو وجب على الإنسان كفارة تنقص النصاب، فلا زكاة عليه فيما عنده؛ لأن الكفارة كالدين، بل هي دين، لكن الدائن فيها هو الله ـ عزّ وجل ـ. مثال ذلك: رجل عنده ثلاثمائة صاع من الحبوب، لكن عليه إطعام ستين مسكيناً فيلزمه ثلاثون صاعاً، إذا قلنا: كل صاع لاثنين، وعليه فليس عليه زكاة في الثلاثمائة صاع؛ لأن عليه كفارة تنقص النصاب. فإن قال قائل: ما الدليل على أن الكفارة وهي حق لله كدين الآدمي؟ قلنا: الدليل «أن امرأة سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت فقال لها: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (¬1) فجعل حق الله كحق الآدمي ديناً يقضى. ووجه نص المؤلف ـ رحمه الله ـ على هذه المسألة، مع أنها داخلة في التي قبلها، أن فيها خلافاً حتى على القول بأن الدين يمنع وجوب الزكاة إذا أنقص النصاب، فمن أهل العلم من يفرق بين الكفارة والدين في منع وجوب الزكاة إذا أنقصت النصاب؛ لأن الكفارة حق لله ـ تعالى ـ متعلق بالذمة، والزكاة حق لله ـ تعالى ـ متعلق بالمال والذمة، وما كان متعلقاً بالمال والذمة أولى بالمراعاة، ولكن المذهب أنهما سواء. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب الحج والنذور عن الميت ... (1852) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وإن ملك نصابا صغارا انعقد حوله حين ملكه وإن نقص النصاب في بعض الحول أو باعه أو أبدله بغير جنسه لا فرارا من الزكاة انقطع الحول، وإن أبدله بجنسه بنى على الحول

وَإن مَلَكَ نِصَاباً صِغَاراً انْعَقَدَ حَولُهُ حِينَ مَلَكَهُ وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الحَوْلِ أوْ بَاعَهُ أوْ أبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ لاَ فِرَاراً مِن الزَّكَاةِ انْقَطَعَ الحولُ، وإِنْ أَبْدَلَهُ بِجِنْسِهِ بَنَى عَلى الحَوْلِ. قوله: «وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله حين ملكه» أي: في المواشي، إن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله من حين ملكه؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «في كل أربعين شاة شاة» لكن إن كانت هذه الصغار تتغذى باللبن فقط فلا زكاة فيها؛ لأنها غير سائمة الآن، ومن شروط وجوب الزكاة في الماشية أن تكون سائمة، وهذه الصغار لا ترعى، وإنما تسقى اللبن. وإنما نص المؤلف ـ رحمه الله ـ على هذه المسألة؛ لأن من أهل العلم من يشترط لانعقاد الحول فيما إذا ملك نصاباً صغاراً من حين ملكه أن يبلغ سناً يجزئ في الزكاة، لكن الصواب ما قاله المؤلف من أجل العموم. قوله: «وإن نقص النصاب في بعض الحول .... انقطع الحول». أي: فلا زكاة لنقص النصاب. مثال ذلك: رجل عنده (200) درهم، وفي أثناء الحول اشترى منها بخمسة دراهم فلا زكاة في الباقي؛ لأنه نقص النصاب قبل تمام الحول. قوله: «أو باعه» أي: باع النصاب، فإذا باع النصاب في أثناء الحول انقطع فلا زكاة، ويستثنى من ذلك عروض التجارة كما سيأتي. مثاله: رجل عنده (40) شاة سائمة، وقبل تمام الحول باع شاة بدراهم وهو ليس متجراً، لكن رأى أنها أتعبته في الأكل والشرب والمرعى فباعها، فينقطع الحول، فيبدأ بالدراهم حولاً جديداً حتى لو باعها قبل تمام الحول بيوم أو يومين.

قوله: «أو أبدله بغير جنسه لا فراراً من الزكاة انقطع الحول» الحقيقة أن الإبدال بيع، لكن ما دام أن المؤلف ـ رحمه الله ـ قال: «باعه أو أبدله» فيجب أن نجعل البيع بالنقد، والإبدال بغير النقد؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير، وهذا يقتضي أن يكون المراد بالإبدال غير البيع. فنقول: إذا باع (40) شاة بدراهم فهذا بيع. وإذا أبدل (40) شاة بثلاثين بقرة فهذا إبدال، وإلا فالبيع بدل كما قالوا في تعريف البيع: «هو مبادلة مال، ولو في الذمة بمثل أحدهما ... ». وقوله: «أو أبدله بغير جنسه» أي: إذا أبدله بغير جنسه حقيقة أو حكماً، ومثال إبدال جنس النصاب حقيقة: إذا أبدل نصاب سائمة الغنم بسائمة البقر، فإنه ينقضي الحول؛ لأن الجنس هنا يختلف حقيقة ويمكن أن يقال: يختلف حكماً أيضاً؛ لأن الواجب في البقر يختلف عن الغنم. ومثال إبدال جنس النصاب حكماً: إذا أبدل نصاب سائمة الغنم بنصاب عروض التجارة من الغنم، فإن الحول ينقطع لأن الحكم يختلف، فهو كما لو أبدله بغير جنسه. مسألة: إذا أبدل ذهباً بفضة، أي: كان عنده (20) ديناراً وفي أثناء الحول باعها بـ (200) درهم. فظاهر كلام المؤلف: أن الحول ينقطع؛ لأن الذهب غير الفضة بنص الحديث. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... فإذا

اختلفت هذا الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (¬1). وعلى هذا فيكون كلام المؤلف عاماً، حتى في إبدال الذهب بالفضة. والمذهب: أن إبدال الذهب بالفضة لا يقطع الحول؛ لأنها في حكم الجنس الواحد، بدليل أن أحدهما يكمل بالآخر في النصاب. والصحيح: أن أحدهما لا يكمل بالآخر في النصاب، وأن الحول ينقطع؛ لأنها من جنسين، وأيضاً عروض التجارة تجب في قيمتها فلا ينقطع الحول إذا أبدل عروض التجارة بذهب أو فضة، وكذلك إذا أبدل ذهباً أو فضة بعروض تجارة؛ لأن العروض تجب الزكاة في قيمتها لا في عينها، فكأنه أبدل دراهم بدراهم فالذهب والفضة والعروض تعتبر شيئاً واحداً، وكذا إذا أبدل ذهباً بفضة إذا قصد بهما التجارة، فيكونان كالجنس الواحد. وقوله: «لا فراراً من الزكاة» لا نافية للجنس، وقوله «فراراً» مفعول لأجله، والمعنى أنه إن كان بيع النصاب وتبديله بغير جنسه؛ لأجل الفرار من الزكاة فإنه لا ينقطع الحول؛ لأنه فعل ذلك تحيلاً على إسقاط الواجب والتحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على الحرام لا يبيحه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في المساقاة/ باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً (1587) (81) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

الحيل» (¬1)، لأن العبرة في الأفعال بالمقاصد، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬2)، وهذه هي قاعدة الحيل. ومثال هذه المسألة: لو أن إنساناً عنده نصاب من الغنم السائمة فلما قارب الحول على التمام أبدلها بمثلها عروضاً؛ لئلا تلزمه الزكاة في السائمة فهنا لا ينقطع الحول؛ لأنه فعل ذلك فراراً من الزكاة. مسألة: لو أن إنساناً عنده دراهم كثيرة، وأراد أن يشتري بها عقاراً يؤجره لئلا تجب عليه زكاتها، فهل تسقط عنه الزكاة بذلك؟ ظاهر كلام الفقهاء أن الزكاة تسقط عنه، ولكن لا بد أن نقول: إن كلامهم في هذا الباب يدل على أنها لا تسقط بهذا التبديل، فيقوّم هذه العقارات كل سنة، ويؤدي زكاتها، وإن كان الأصل أنه ليس فيها زكاة، لكن الفار يعاقب بنقيض قصده. قوله: «وإن أبدله بجنسه بنى على الحول» أي: لو أبدل النصاب بجنسه، فإنه لا ينقطع الحول، مثال ذلك: أن تبيع المرأة ذهبها الحلي بذهب، فإن الحول لا ينقطع؛ لأنها أبدلته بجنسه. ومثاله أيضاً: إنسانٌ عنده مائة شاة أسترالية أبدلها بمائة شاة نجدية، فإن الحول لا ينقطع؛ لأن الجنس واحد والحكم واحد. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن بطة في «إبطال الحيل» (24) وجوَّد إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في «إبطال التحليل»، انظر «الفتاوى الكبرى» (3/ 123). (¬2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي/ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1)؛ ومسلم كتاب الإمارة/ باب قوله «إنما الأعمال بالنيات» (1907) عن عمر ـ رضي الله عنه ـ.

وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلق بالذمة

أما إذا اتفقا في الجنس واختلفا في الحكم، فإنه ينقطع الحول، مثال ذلك: إذا أبدل ماشية سائمة بماشية عروض تجارة فإنه ينقطع الحول؛ لأن المال في الحقيقة اختلف فالنصاب الأخير، وهو عروض التجارة لا يراد به عين المال، بل يراد به قيمته، ولذلك ينبغي أن يضاف إلى قول المؤلف: «وإن أبدله بجنسه» قيد، وهو «واتفقا في الحكم» «بنى على الحول» بأن كانا عروضاً أو سائمة أو ما أشبه ذلك. وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ المَالِ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالذِّمةِ ........ قوله: «وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلق بالذمة» اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل الزكاة واجبة في الذمة، أو واجبة في عين المال؟ فقال بعض العلماء: إنها واجبة في الذمة، ولا علاقة لها بالمال إطلاقاً. بدليل أن المال لو تلف بعد وجوب الزكاة لوجب على المرء أن يؤدي الزكاة. وقال بعض العلماء: بل تجب الزكاة في عين المال، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ حين بعثه لليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (¬1) فالزكاة واجبة في عين المال. وكلا القولين يرد عليه إشكال؛ لأننا إذا قلنا: إنها تجب في عين المال صار تعلقها بعين المال كتعلق الرهن بالعين المرهونة، ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

فلا يجوز لصاحب المال إذا وجبت عليه الزكاة أن يتصرف فيه، وهذا خلاف الواقع، حيث إن من وجبت عليه الزكاة له أن يتصرف في ماله، ولو بعد وجوب الزكاة فيه لكن يضمن الزكاة. وإذا قلنا: بأنها واجبة في الذمة، فإن الزكاة تكون واجبة حتى لو تلف المال بعد وجوبها من غير تعد ولا تفريط وهذا فيه نظر أيضاً. فالقول الذي مشى عليه المؤلف قول جامع بين المعنيين، وهو أنها تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فالإنسان في ذمته مطالب بها، وهي واجبة في المال ولولا المال لم تجب الزكاة، فهي واجبة في عين المال. إلا أنه يستثنى من ذلك مسألة واحدة، وهي العروض، فإن الزكاة لا تجب في عينها، ولكن تجب في قيمتها، ولهذا لو أخرج زكاة العروض منها لم تجزئه، بل يجب أن يخرجها من القيمة. فصاحب الدكان إذا تم الحول، وقال: عندي سكر، وشاي، وثياب، سأخرج زكاة السكر من السكر، والشاي من الشاي، والثياب من الثياب؛ فإننا نقول له: يجب أن تخرج من القيمة، فَقَدِّر الأموال التي عندك، وأخرج ربع عشر قيمتها؛ لأن ذلك أنفع للفقراء؛ ولأن مالك لم يثبت من أول السنة إلى آخرها على هذا فربما تُغَيِّرُ السكر ـ مثلاً ـ بأرز، أو بر، أو بغير ذلك، بخلاف السائمة فإنها تبقى من أول الحول إلى آخره، وتخرج من عينها. فالصحيح أنه لا يصح إخراج زكاة العروض إلا من القيمة.

ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء، ولا بقاء المال

وعلى القول بأن الزكاة تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فإنه يجوز لمن وجبت عليه الزكاة أن يبيع المال، ولكن يضمن الزكاة، ويجوز أن يهبه ولكن يضمن الزكاة؛ لأن هذا التعلق بالمال ليس تعلقاً كاملاً من كل وجه حتى نقول: إن المال الواجب فيه الزكاة كالموهوب، بل لها تعلق بالذمة. مسألة: ينبني على الخلاف في تعلق الزكاة بالمال أو بالذمة عدة مسائل ذكرها ابن رجب في القواعد، أوضحها لو كان عند إنسان نصاب واحد حال عليه أكثر من حول، فعلى القول بأنها تجب في الذمة يجب عليه لكل سنة زكاة، وعلى القول بأنها تجب في عين المال، لم يجب عليه إلا زكاة سنة واحدة ـ السنة الأولى ـ لأنه بإخراج الزكاة سينقص النصاب، فإذا كان عند الإنسان أربعون شاة سائمة ومضى عليها الحول ففيها شاة، وبها ينقص النصاب؛ لأن الزكاة واجبة في عين المال، أما إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة، فإنها تجب في كل سنة شاة. وقد ذكر ابن رجب فوائد أخرى تنبني على هذا الخلاف من أرادها فليراجعها (¬1). وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ، وَلاَ بَقَاءُ المَالِ، ........... قوله: «ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء» أي: لا يشترط لوجوب الزكاة أن يتمكن من أدائها؛ ولهذا تجب في الدين مع أنه لا يمكن أن تؤدى منه، وهو في ذمة المدين، وفي المال الضائع ¬

_ (¬1) القاعدة 85، 138.

إذا وجده، وفي المال المجحود إذا أقر به المنكر، وهكذا، فلا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء، بل تجب وإن كان لا يتمكن من أدائها، ولكن لا يجب الإخراج حتى يتمكن من الأداء. قوله: «ولا بقاء المال» أي: لا يعتبر في وجوبها بقاء المال، فلو تلف المال بعد تمام الحول، ووجوب الزكاة فيه، فعليه الزكاة سواء فرط أو لم يفرط؛ لأنها وجبت، وصارت ديناً في ذمته. وعليه لو أن صاحب الزكاة عنده عروض تجارة تم الحول عليها، وزكاتها تبلغ (10.000) ريال ثم احترق الدكان، ولم يبق منه درهم واحد، فعلى كلام المؤلف يضمن؛ لأنه لا يعتبر في وجوبها بقاء المال. والصحيح في هذه المسألة أنه إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان؛ لأن الزكاة بعد وجوبها أمانة عنده، والأمين إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه. ولو أن فقيراً وضع عند شخص دراهم له، ثم تلفت عند المودع بلا تعد ولا تفريط فلا يلزمه أن يضمن للفقير ماله، فالزكاة من باب أولى، مع أن الفقير لا يملك الزكاة إلا من جهة المزكي، فكيف يضمن وهو لم يتعد ولم يفرط؟ فإن تعدى بأن وضع المال في مكان يُقَدَّرُ فيه الهلاك، ضمن ما تلف من المال بعد وجوب الزكاة. وكذلك لو فرط فأخر إخراجها بلا مسوغ شرعي، وتلف المال فإنه يضمن الزكاة. أما إذا لم يتعد ولم يفرط وكان مستعداً للإخراج وقت

والزكاة كالدين في التركة

الإخراج، ولكن جاءه أمر أهلك ماله فكيف نضمنه؟! فالصواب أنه لا يشترط لوجوبها بقاء المال، إلا أن يتعدى، أو يفرط (¬1). والزَّكَاةُ كالدَّينِ فِي التَّرِكةِ .......... قوله: «والزكاة كالدين في التركة» أي: إذا مات الرجل وعليه زكاة، فإن الزكاة حكمها حكم الدين، في أنها تقدم على الوصية وعلى الورثة؛ فلا يستحق صاحب الوصية شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، وكذلك لا يستحق الوارث شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، فإذا قدرنا أن رجلاً لزمه (10.000) زكاة، ثم تلف ماله إلا عشرة آلاف، ومات ولم يخلف سواها فتصرف للزكاة، ولا شيء للورثة. ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (¬2). والزكاة مقدمة على الوصية، وعلى الإرث. وهذا فيما إذا كان الرجل لم يتعمد تأخير الزكاة، فإننا نخرجها من تركته، وتجزئ عنه، وتبرأ بها ذمته كرجل يزكي كل سنة، وتم الحول في آخر سنواته في الدنيا ثم مات، فهنا نخرجها وتبرأ بها ذمته. أما إذا تعمد ترك إخراج الزكاة، ومنعها بخلاً ثم مات، فالمذهب (¬3) أنها تخرج وتبرأ منها ذمته. ¬

_ (¬1) انظر كلام فضيلة شيخنا على قول المؤلف: «ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر .. » ص (80). (¬2) سبق تخريجه ص (37). (¬3) الروض مع حاشية ابن قاسم (3/ 294).

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: إنها لا تبرأ منها ذمته ولو أخرجوها من تركته؛ لأنه مصِرٌّ على عدم الإخراج فكيف ينفعه عمل غيره؟ وقال: إن نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل على هذا (¬1). وما قال ـ رحمه الله ـ صحيح في أنه لا يجزئ ذلك عنه، ولا تبرأ بها ذمته. ولكن كوننا نسقطها عن المال هذا محل نظر؛ فإن غلبنا جانب العبادة، قلنا: بعدم إخراجها من المال؛ لأنها لا تنفع صاحبها، وإن غلبنا جانب الحق؛ أي: حق أهل الزكاة، قلنا: بإخراجها؛ لنؤدي حقهم، وإن كانت عند الله لا تنفع صاحبها. والأحوط أننا نخرجها من تركته؛ لتعلق حق أهل الزكاة بها، فلا تسقط بظلم من عليه الحق، وسبق حقهم على حق الورثة، ولكن لا تنفعه عند الله؛ لأنه رجل مصر على عدم إخراجها. مسألة: لو مات شخص وعليه دين وزكاة فأيهما يقدم؟ مثاله: رجل خلف (100) ريال، وعليه زكاة (100) ريال، ودين (100) ريال فهل يقدم حق الآدمي، أو تقدم الزكاة؟ في المسألة ثلاثة أقوال: قال بعض العلماء: يقدم دين الآدمي؛ لأنه مبني على المشاحة؛ ولأن الآدمي محتاج إلى دفع حقه إليه في الدنيا، أما ¬

_ (¬1) انظر: «بدائع الفوائد» (3/ 104).

حق الله فالله غني عنه، وحقه سبحانه وتعالى مبني على المسامحة. وقال بعض العلماء: يقدم حق الله لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء». وقال بعض العلماء: إنهما يتحاصان؛ لأن كلاً منهما واجب في ذمة الميت، فيتساويان فإن كان عليه (100) ديناً و (100) زكاة، وخلف (100) فللزكاة (50) وللدين (50). ويجاب عن الحديث أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يحكم بين دينين أحدهما للآدمي، والثاني لله، وإنما أراد القياس؛ لأنه سأل: «أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيتَهُ؟» قالت: نعم، قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (¬1). فكأنه قال: إذا كان يقضى دين الآدمي، فدين الله من باب أولى وهذا هو المذهب، وهو الراجح. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (37).

باب زكاة بهيمة الأنعام

بابُ زَكَاة بَهِيمَةِ الأنْعَامِ بدأ بها المؤلف اقتداء بحديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ في الكتاب الذي كتبه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ، وبين فيه الصدقات، فقد قدم بهيمة الأنعام. قوله: «بهيمة الأنعام» هي: الإبل، والبقر، والغنم، قال الله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1]. وسميت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم، وهي مأخوذة من الإبهام، وهو الإخفاء وعدم الإيضاح، ولكنها تتكلم فيما بينها كلاماً معروفاً، ولهذا تحن الإبل إلى أولادها فتأتي الأولاد، وتنهرها فتنتهر، وكذلك بقية الحيوان، قال موسى عليه السلام ـ لما سأله فرعون: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى} [طه: 49]ـ قال: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] أي: أعطاه خلقه اللائق به، ثم هداه لمصالحه، ولهذا يهتدي كل ما خلقه الله ـ عزّ وجل ـ لمصالحه فيأكل ما يليق به ويشرب ما يليق به، فكل شيء بحسبه. وبهيمة الأنعام ثلاثة أصناف: الإبل، والبقر، والغنم. والإبل سواء كانت عراباً، أو بخاتي، وهي التي لها سنامان، وهي معروفة في القارة الآسيوية. وأما البقر أيضاً فتشمل البقر المعتادة، والجواميس. والغنم تشمل الماعز والضأن، ولا يدخل فيها الظباء؛ لأن الظباء ليست من أصل الغنم، فلا تدخل في زكاة السائمة.

والدليل على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ في الكتاب الذي كتبه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وفيه: «هذه فريضة الصدقة التي فرضها النبي صلّى الله عليه وسلّم على المسلمين .. » الحديث (¬1) وذكر الغنم، والإبل، وأما البقر فجاء ذكرها في حديث آخر (¬2). واعلم أن بهيمة الأنعام تتخذ على أقسام: القسم الأول: أن تكون عروض تجارة، فهذه تزكى زكاة العروض. فقد تجب الزكاة في شاة واحدة، أو في بعير واحد، أو في بقرة واحدة؛ لأن المعتبر في عروض التجارة القيمة، فإذا كان هذا هو المعتبر فما بلغ نصاباً بالقيمة ففيه الزكاة، سواء كانت سائمة أو معلوفة، مؤجرة كانت، أو مركوبة للانتفاع. القسم الثاني: السائمة، المعدة للدر والنسل، وهي التي ترعى، كما قال الله تعالى: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10]. اتخذها صاحبها لدرها، أي: لحليبها، وسَمْنِها، والنسل، ولا يمنع كونها معدة لذلك أن يبيع ما زاد على حاجته من أولادها، لأن هؤلاء الأولاد كثمر النخل. القسم الثالث: المعلوفة المتخذة للدر والنسل، وهي التي يشتري لها صاحبها العلف، أو يحصده، أو يحشه لها، فهذه ليس فيها زكاة إطلاقاً، ولو بلغت ما بلغت؛ لأنها ليست من عروض التجارة، ولا من السوائم. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31). (¬2) سيأتي تخريجه ص (58).

تجب في إبل، وبقر، وغنم إذا كانت سائمة الحول، أو أكثره

القسم الرابع: العوامل، وهي: الإبل التي عند شخص يؤجرها للحمل فهذه ليس فيها زكاة، وهذا القسم كان موجوداً قبل أن تنتشر السيارات، فتجد الرجل عنده مائة بعير أو مائتان يؤجرها فينقل بها البضائع من بلد إلى بلد، وإنما الزكاة فيما يحصل من أجرتها إذا تم عليها الحول. فصارت الأقسام أربعة، وكل قسم منها بينه الشارع بياناً واضحاً شافياً. وأعم هذه الأقسام: عروض التجارة؛ لأنها تجب فيها الزكاة على كل حال. تَجِبُ فِي إِبلٍ، وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ إِذَا كَانت سَائِمَةً الحَوْلَ، أوْ أَكْثَرَهُ ......... قوله: «تجب في إبل وبقر وغنم» «تجب» الفاعل الزكاة، أي: تجب الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة: الأول الإبل، والثاني البقر، والثالث الغنم. قوله: «إذا كانت سائمة الحول أو أكثره» «سائمة» أي: التي ترعى المباح، والمباح هنا ليس ضد المحرم، وإنما الذي نبت بفعل الله ـ عزّ وجل ـ ليس بفعلنا، أما ما نزرعه نحن ونرعاه، فهذا لا يجعلها سائمة، كما لو كان عند الإنسان أمكنة واسعة يزرعها ثم جعل سائمته ترعى هذه الأمكنة الواسعة، فهذه لا تعد سائمة. قوله: «الحول أو أكثره» الحول ظرف زمان لسائمة، والمعنى أنها ترعى المباح الحول أو أكثره أما كونها سائمة إذا رعت الحول فظاهر، وأما كونها سائمة برعيها أكثر الحول؛ فلأن الأقل يأخذ حكم الأكثر، فالاعتبار بالأكثر.

فإذا كان عند الإنسان إبل ترعى خمسة أشهر، ويعلفها سبعة أشهر فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى ستة أشهر ويعلفها ستة أشهر، فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى كل الحول ففيها الزكاة، وإذا كانت ترعى سبعة أشهر ويعلفها خمسة ففيها الزكاة. والدليل على اشتراط السوم، حديث أنس بن مالك في الكتاب الذي كتبه أبو بكر في الصدقات «وفي الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة» (¬1) قال: «في الغنم» ثم قال: «في سائمتها» وهذا عطف بيان، وعطف البيان كالصفة في تقييد الموصوف، فكأنه قال: وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة. وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «وفي كل إبل سائمة» (¬2)، وهذا الحديث وإن كان مختلفاً فيه، لكن يدل على اشتراط السوم في الإبل، وكذلك فإن الإبل والبقر تقاسان على الغنم. ويشترط كذلك أن تكون معدة للدر والنسل؛ ليخرج بذلك المعدة للتجارة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31). (¬2) أخرجه أحمد (5/ 2، 4)؛ وأبو داود في الزكاة/ باب في زكاة السائمة (1575)؛ والنسائي في الزكاة/ باب عقوبة مانع الزكاة، وباب سقوط الزكاة عن الإبل ... (5/ 15، 25)؛ وابن خزيمة (2266)؛ والحاكم (1/ 397، 398)؛ والبيهقي (4/ 105). وقال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي، «قال أحمد: هو عندي صالح الإسناد»، انظر «التلخيص الحبير» (829).

فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفيما دونها في كل خمس شاة

تنبيه: قول بعض الفقهاء: هل السوم شرط، أو عدمه مانع؟ قيل: إنه لا فرق بين العبارتين، فالخلاف لفظي. وقيل: إنه خلاف حقيقي، ويترتب عليه: أننا إذا شككنا في السوم، أو عدمه، وقلنا: إن السوم شرط؛ لم تجب الزكاة؛ لأن الأصل عدم وجود الشرط، وإذا قلنا: إن عدمه مانع، فإنه تجب الزكاة هنا؛ لأننا لم نتحقق المانع؛ لأن الأصل عدم المانع. فَيَجِبُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِن الإِْبِلِ بِنْتُ مُخَاضٍ، وَفِيمَا دُونَهَا فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، ....... قوله: «فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفيما دونها في كل خمس شاة» هنا بين المؤلف مقدار الزكاة الواجبة، أي يجب في كل خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، أي: بكرة صغيرة لها سنة، وسميت بنت مخاض؛ لأن الغالب أن أمها قد حملت فهي ماخض، والماخض الحامل، وفيما دون خمس وعشرين في كل خمس شاة، ففي الخمس الأولى شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي الخمس والعشرين بنت مخاض. ولو أخرج خمس شياه عن خمس وعشرين لم تجزئ، ولو أخرج بنت مخاض في عشرين ـ فيها خلاف. فقال بعض العلماء: لا يجزئ فيما دون خمس وعشرين بعير، ولو كبيراً؛ لحديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الذي كتبه قال: «وفيما دونها الغنم في كل خمس شاة» (¬1) أي فيما دون خمس وعشرين، في كل خمس شاة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31).

وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقتان

وقال بعض العلماء: إذا كانت تجزئ بنت المخاض في خمس وعشرين، فإجزاؤها فيما دون ذلك من باب أولى، والشريعة لا تفرق بين متماثلين، والشارع أسقط الإبل فيما دون خمس وعشرين رفقاً بالمالك، وليس ذلك للتعييب. وهذا هو الصحيح؛ لأن كل أحد يعلم أن الشريعة الكاملة المبنية على الدلالة النقلية والعقلية لا يمكن أن تقول: من عنده خمس وعشرون من الإبل، وأخرج بنت مخاض أجزأته، ومن عنده عشرون من الإبل وأخرج بنت مخاض لم تجزئه!! وكذلك تجزئ بنت لبون، أو أكبر من ذلك. وَفِي سِت وَثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي ست وأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إِحْدَى وَستِّينَ جَذَعَةٌ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، ..... قوله: «وفي ست وثلاثين بنت لبون» بنت اللبون: هي ما تم لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن الغالب أن أمها قد ولدت فأصبحت ذات لبن. والوقص هو: ما بين الفرضين، ليس فيه شيء، فبين خمس وعشرين وست وثلاثين «عشر» ليس فيها شيء، وذلك رفقاً بالمالك. وأما الذهب والفضة فلو زادت قيراطاً زادت الزكاة. والحبوب والثمار لو زادت، زادت الزكاة بخلاف المواشي؛ لأنها تحتاج إلى مؤونة كثيرة من رعي وحلب وسقي، وغير ذلك، فجعل الشارع هذه الأوقاص لا زكاة فيها. قوله: «وفي ست وأربعين حقة» الحقة هي: الأنثى من الإبل التي تم لها ثلاث سنوات، وسميت حقة؛ لأنها تتحمل الجمل،

ولهذا جاء في حديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ «حقة طروقة الجمل» (¬1) أي: تتحمل أن يطرقها الجمل فتحمل. والوقص بينن ست وثلاثين وست وأربعين: «تسع». قوله: «وفي إحدى وستين جذعة» والجذعة: ما تم لها أربع سنوات. والوقص ما بين ست وأربعين وإحدى وستين: «أربع عشرة» ليس فيه شيء. فالأول أكثر من الثاني والثالث أكثر منهما. قوله: «وفي ست وسبعين بنتا لبون» أعلى سن يجب في الزكاة الجذعة، وكل هذا السن لا يجزئ في الأضحية؛ لأنه لا يجزئ في الأضحية إلا الثني وهو ما تم له خمس سنوات، والجذعة فما دونها لا تجزئ في الأضحية، ولكن في الزكاة تجزئ. والوقص: «أربع عشرة». ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31).

فإذا زادت على مائة وعشرين واحدة فثلاث بنات لبون ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة

فست وسبعون فيها بنتالبون، لكل واحدة سنتان، ولو أخرج بنت لبون وابن لبون لم يجزئ؛ لأن الأنثى أغلى من الذكر وأنفع للناس منه. قوله: «وفي إحدى وتسعين حقتان». والوقص: «أربع عشرة». فإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً فَثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ........ قوله: «فإذا زادت على مائة وعشرين واحدةً فثلاث بنات لبون». إذاً من إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين وقص قدره «تسع وعشرون»، فإذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة. قوله: «ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة». فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، وبعدها تستقر الفريضة، كلما زادت عشراً تتغير الفريضة، فمثلاً: مائة وثلاثون فيها حقة وبنتا لبون. مائة وأربعون فيها حقتان وبنت لبون. مائة وخمسون فيها ثلاث حقاق. مائة وستون فيها أربع بنات لبون. مائة وسبعون فيها حقة وثلاث بنات لبون. مائة وثمانون فيها حقتان وبنتا لبون. مائة وتسعون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون. مائتان تتساوى الفريضتان خمس بنات لبون أو أربع حقاق. مائتان وعشر فيها أربع بنات لبون، وحقة. وعلى هذا فقس، كلما زادت عشراً يتغير الفرض. قال في الروض: «ومن وجبت عليه بنت لبون مثلاً وعدمها، أو كانت معيبة فله أن يعدل إلى بنت مخاض، ويدفع جبراناً، أو إلى حقة ويأخذه».

أي: من وجبت عليه بنت لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض أنزل منها فإنه يدفع بنت المخاض، ويدفع معها جبراناً، وإذا لم يكن عنده بنت لبون وعنده حقة، فإنه يدفع الحقة ويأخذ الجبران فهو بالخيار. ويأخذه من المُصَدِّق الذي يبعثه ولي الأمر بقبض الزكاة. وإذا لم يكن عنده إلا جذعة فلا يستحق جبراناً أكثر مما يستحقه إذا دفع الحقة. والجبران: شاتان، أو عشرون درهماً، كل شاة بعشرة دراهم، هذا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم. فهل العشرون تقويم أو تعيين؟ الظاهر: ـ والله أعلم ـ أنها تقويم. وبناء على ذلك فلو كانت قيمة الشاتين مائتي درهم، وأراد أن يعدل عنهما فلا يكفي أن يعطيه عشرين درهماً. وليس في غير الإبل جبران، فالجبران في الإبل خاصة؛ لأن السنة وردت به فقط (¬1). ¬

_ (¬1) لحديث أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب فريضة الصدقة التي أمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم: «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليس عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهماً أو شاتين». أخرجه البخاري في الزكاة/ باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده (1453).

فصل

فَصْلٌ وَيَجِبُ فِي ثَلاَثِينَ مِن البَقَرِ تَبِيعٌ أوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي أرْبعينَ مُسِنَّةٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ، وَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَيُجْزِئ الذَّكَرُ هُنَا، وابنُ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَإِذَا كَان النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُوراً. قوله: «فصل» أي: في زكاة البقر. نقول في زكاة البقر: كما قلنا في زكاة الإبل، أي: أن الأقسام السابقة الأربعة تشمل الإبل، والبقر، والغنم. والبقر سميت بقراً؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة أي: تشقها. قوله: «ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة» أي: تبيع ذكر، أو تبيعة أنثى لكل واحد منهما سنة، وفيما دون الثلاثين لا شيء. والفرق بين الإبل والبقر في باب الزكاة فرق عظيم، فالإبل يبدأ النصاب من خمس، والبقر من ثلاثين، مع أنهما في باب الأضاحي سواء، لكن الشرع فوق العقل، والواجب اتباع ما جاء به الشرع. قوله: «وفي أربعين مسنة» (¬1) المسنة: أنثى لها سنتان. ¬

_ (¬1) لحديث معاذ رضي الله عنه، وفيه: «بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة». أخرجه أحمد (5/ 230)، وأبو داود في الزكاة/ باب في زكاة السائمة (1576)؛ والترمذي في الزكاة/ باب ما جاء في زكاة البقر (623)؛ والنسائي في الزكاة/ باب سقوط الزكاة عن الإبل ... (5/ 25)؛ وابن ماجه في الزكاة/ باب صدقة البقر (1803)؛ وابن خزيمة (2268)؛ وابن حبان (4886) إحسان؛ والحاكم (1/ 398)؛ والبيهقي (4/ 98). وحسنه الترمذي؛ وصححه الحاكم على شرطهما؛ ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد البر في التمهيد (2/ 275): «وقد روي هذا عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت».

وما بين الثلاثين والأربعين، وقص: «تسع» ليس فيها شيء. قوله: «ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة». ففي خمسين مسنة. وفي ستين تبيعان أو تبيعتان. من أربعين إلى ستين وقص. وفي سبعين تبيع ومسنة. وفي ثمانين مسنتان. وفي تسعين ثلاث تبيعات. وفي مائة تبيعان ومسنة. وفي مائة وعشرين أربع تبيعات، أو ثلاث مسنات، كالمائتين في الإبل. مسألة: إذا تساوى الفرضان فلمن الخيار للمعطي أو للآخذ؟ الجواب: للمعطي قالوا: لأنه هو الغارم. قوله: «ويجزئ الذكر هنا» أي: في زكاة البقر ففي ثلاثين من البقر يجزئ تبيع. قوله: «وابن لبون مكان بنت مخاض، وإذا كان النصاب كله ذكوراً». فالذكر يجزئ في ثلاثة مواضع وهي: 1 ـ التبيع في ثلاثين من البقر. 2 ـ ابن اللبون مكان بنت المخاض، إذا لم يكن عنده بنت مخاض.

3 ـ إذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه يجزئ أن يخرج منها ذكراً، كما لو كان عنده خمس وعشرون من الإبل كلها ذكور، فعليه ابن مخاض؛ لأن الإنسان لا يكلف شيئاً ليس في ماله؛ ولأن الزكاة وجبت مواساة، فالذكر له ذكر، والأنثى لها أنثى. وهذا أقرب إلى المعنى والقياس؛ إذ لا يلزم الإنسان إلا بمثل ماله. وقال بعض العلماء: إذا كان النصاب ذكوراً، فيجب ما عينه الشارع، فلو كان عنده خمس وعشرون من الإبل كلها ذكور وجب عليه بنت مخاض، فإن لم يجد فابن لبون ذكر، وإن كان عنده ستة وثلاثون جملاً ففيها بنت لبون، ولا يجزئ ابن لبون. وهذا القول أقرب إلى ظاهر السنة، لأن السنة عينت فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: « ... بنت مخاض أنثى فإن لم تكن فابن لبون ذكر ... بنت لبون ... حقة ... جذعة ... » (¬1) فَنَصَّ الشارعُ على الذكورة والأنوثة، فيجب اتباع الشرع. وهذا القول أحوط، فلا نعدل عما جاء به الشرع لمجرد القياس، والأقيس ما مشى عليه المؤلف. وقولنا: إن ما مشى عليه المؤلف أقيس، مع أنه لا يتعارض النص والقياس؛ لأن السنة ليست صريحة في الدلالة هنا. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31).

فصل

فَصْلٌ وَيَجِبُ فِي أَرْبَعينَ مِن الغَنَمِ شَاةٌ، وَفِي مِائةٍ وإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَان، وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائةٍ شَاةٌ والخُلْطَةُ تُصَيِّرُ المَالَيْنِ كَالوَاحِدِ. قوله: فصل «ويجب في أربعين من الغنم شاة» «شاة» فاعل «يجب» ففي أربعين من الغنم شاة، فإذا أخرجها ودار عليها الحول ولم تزد، بل بقيت تسعاً وثلاثين شاة، فليس فيها شيء؛ لأنها نقصت عن النصاب، وأقل نصاب الغنم أربعون شاة، والواجب فيها شاة واحدة. قوله: «وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان» الوقص: ثمانون. ففي أربعين شاة، شاة واحدة. وفي مائة وعشرين: شاة واحدة. ثمانون شاة لا شيء فيها ـ سبحان الله ـ وهذا من تيسير الشرع، فالحمد لله. قوله: «وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه» فالوقص: ثمانون. إذاً الوقص في الفرض الثاني كالوقص في الفرض الأول. قوله: «ثم في كل مائة شاة» أي: إذا زادت على مائتين وواحدة ففي كل مائة شاة، فتستقر الفريضة على ذلك. ففي ثلاثمائة: ثلاث شياه. وفي ثلاثمائة وتسع وتسعين: ثلاث شياه. لأنها لم تتم المائة الرابعة، وإذا لم يَلْحق الفرضَ الثاني يُلحَقْ بالفرض الأول، والوقص من مائتين وواحدة، إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين: مائة وثمان وتسعون.

وهذا أكثر وقص يوجد في الغنم. ففي ثلاثمائة: ثلاث شياه. وفي أربعمائة: أربع شياه. وفي خمسمائة: خمس شياه. وفي الألف عشر شياه، وهكذا (¬1). قوله: «والخُلطة تصير المالين كالواحد» الخلطة: بضم الخاء أي: الاختلاط يصير المالين كالواحد. وظاهر كلام المؤلف: العموم وليس كذلك، وإنما مراده الخلطة في بهيمة الأنعام فقط، هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول في المسألة. وذهب بعض أهل العلم: إلى أن الخلطة في الأموال الظاهرة تصير المالين كالمال الواحد عموماً واستدلوا لذلك، بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث السعاة لأخذ الزكاة من أهل الثمار، ولا يسألون؛ مع أن الاشتراك وارد فيها. فعلى هذا القول الخلطة في بهيمة الأنعام تجعل المالين كالواحد. مثاله: عندي غنم، وأنت عندك غنم، والثالث عنده غنم، والرابع عنده غنم، وخلطناها جميعاً، فتصير الأموال كالمال الواحد. ¬

_ (¬1) لحديث أنس في كتاب أبي بكر مرفوعاً: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا ازدادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق». وقد سبق تخريجه ص31.

فإذا كان عندي عشرون شاة، وعندك عشرون شاة، فعلينا شاة زكاة. ولو كان عندي عشرون وحدها، وعندك عشرون وحدها ولم تختلط فلا زكاة؛ لعدم الخلطة، فقد تجب الزكاة فيما لم يجب، وقد تسقط الزكاة فيما وجب، وسيأتي تفصيل هذا. قال العلماء: والخلطة تنقسم إلى قسمين: 1 ـ خلطة أعيان. 2 ـ خلطة أوصاف. أولاً: خلطة الأعيان: وهي أن يكون المال مشتركاً بين اثنين في الملك. مثال ذلك: رجل مات عن ابنين وخلف ثمانين شاة فالثمانون مشتركة بين الاثنين شركة أعيان، فعين الغنم هذه لأحد الابنين نصفها، وللثاني نصفها. وشركة الأعيان تكون بالإرث، وتكون بالشراء، وغير ذلك. ثانياً: خلطة أوصاف: وهي أن يتميز مال كل واحد عن الآخر، ولكنها تشترك في أمور نذكرها إن شاء الله. مثاله: أن يكون لكل منا ماله الخاص، فأنت لك عشرون من الغنم، وأنا لي عشرون من الغنم ثم نخلطها، فلو ماتت العشرون التي لي فلا ضمان عليك؛ لأنها نصيبي. وفي خلطة الأعيان لو مات نصفها فهي علينا جميعاً؛ لأنه ملك مشترك. وخلطة الأوصاف تشترك في أمور:

1 ـ الفحل: أي: يكون لهذه الغنم فحل واحد مشترك. والفحل بالنسبة للمعز يسمى تيساً، وفي الضأن خروفاً، وفي الإبل جملاً، وفي البقر ثوراً. 2 ـ المسرح: أي: يسرحن جميعاً ويرجعن جميعاً. فلا يسرح أحد غنمه يوم الأحد، والثاني يوم الاثنين. 3 ـ المرعى: أي: يكون المرعى لها جميعاً فليس غنم هذا في شعبة الوادي الشرقية، والثاني في الشعبة الغربية. 4 ـ المحلب: أي: مكان الحلب يكون واحداً، فلا تحلب غنمك هناك، وغنمي هنا. 5 ـ المُرَاح ـ وهو: مكان المبيت، أي: يكون المراح جميعاً فلا تكون غنمي لها مراح وحدها، وغنمك لها مراح وحدها. وقد جمعت هذه الأوصاف في قول الناظم: إن اتفاق فحلٍ مسرحٍ ومرعى ومحلبٍ المراح خلط قطعا فإذا اشتركت في هذه الأشياء الخمسة، فهي خلطة أوصاف، تجعل المالين كالمال الواحد. وهذه الأوصاف الخمسة أخذت من عادة العرب؛ وأنها إذا اشتركت في هذه الأوصاف صارت كأنها لرجل واحد. ويشترط في الخلطة أن تكون كل الحول أو أكثره، كالسوم. واعلم أن الخلطة أعم من الشركة فيختلطان ولا يكونان شريكين. إذا قال قائل: أما النوع الأول من الخلطة فلا إشكال فيه؛ لأنه مال مشترك بين شخصين.

لكن الثاني: كيف يجعل المالين كالمال الواحد مع أن مالي يخصني، ومالك يخصك؟ فالجواب: دل على ذلك حديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وفيه: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» (¬1). والخلطة تؤثر في إيجاب الزكاة، وفي سقوطها؛ ولهذا قال: «لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة». مثال قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» أن يكون عندي أربعون شاة، والعامل سيأتي غداً، فأجعل عشرين منها في مكان، وعشرين في مكان آخر، فإذا جاء العامل وجد هذه الغنم عشرين، والغنم الأخرى عشرين فلا يأخذ عليها زكاة؛ لأنها لم تبلغ النصاب. ومثال قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة». أنا أملك أربعين، وأنت تملك أربعين، والثالث يملك أربعين فالجميع مائة وعشرون، فلو اعتبرنا كل واحد وحده لوجب ثلاث شياه، لكن إذا جمعنا الغنم كلها وعددها مائة وعشرون، فلا يكون فيها إلا شاة واحدة كما سلف. إذاً جمعنا بين متفرق، لئلا يجب على هذا المجموع ثلاث شياه، بل شاة واحدة. مسائل: الأولى: الخلطة لا تؤثر في غير بهيمة الأنعام. مثاله: لو كان لدينا مزرعة ونحن عشرة، لكل واحد منا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31).

عُشرها، وهي خمسة أنصبة فقط فلا زكاة فيها؛ لأن كل واحد منا ليس له إلا نصف نصاب. مثال آخر: رجلان اشتركا في تجارة، وكان مالهما نصاباً، فليس عليهما زكاة؛ لأن نصيب كل واحد منهما لا يبلغ النصاب، فلا زكاة عليهما مع أنهما يتاجران في الدكان؛ لأنه لا خلطة إلا في بهيمة الأنعام وفي غير بهيمة الأنعام لا تؤثر الخلطة. الثانية: لو كان لرجل عشرون من الشياه في الرياض وعشرون في القصيم، فالجمهور تجب عليه الزكاة لأن المالك واحد، والمذهب لا زكاة عليه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» (¬1)، فدل على أنه إذا تفرق ماله لا للحيلة فلا زكاة عليه، والأحوط رأي الجمهور، ويحمل الحديث على خلطة الأوصاف. الثالثة: لو اختلط مسلم ومن ليس من أهل الزكاة كالكافر خلطة أوصاف، فالزكاة على المسلم في نصيبه إذا بلغ نصاباً؛ لأن مخالطة من ليس من أهل الزكاة كالمعدوم. الرابعة: لو اختلط اثنان في «ماشية» وأحدهما يريد بنصيبه التجارة، والآخر يريد الدر والنسل، فهذه خلطة غير مؤثرة؛ لاختلاف زكاة كل منهما؛ فأحدهما زكاته بالقيمة، والآخر زكاته من عين المال. الخامسة: إذا اختلط اثنان وكان لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث فالزكاة بينهما على حسب ملكهما؛ على أحدهما الثلثان وعلى الآخر الثلث. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31).

باب زكاة الحبوب والثمار

بَابُ زَكَاةِ الحُبُوبِ وَالثِّمَار الأصل في وجوب زكاة الحبوب والثمار، قول الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267]. و «من» هنا للتبعيض باعتبار الجنس، وباعتبار الفرد، أي: لا كل المخرج، ولا كل ما يخرج. وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» (¬1). وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (¬2). فهذه النصوص تدل على وجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض، لكن لا كل شيءٍ، ولا كل نوع؛ بل هو مخصوص نوعاً، ومقدرٌ كماً. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب العشر فيما يسقى ... (1483) عن ابن عمر رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب ما أدِّي زكاته فليس بكنز (1405)؛ ومسلم في الزكاة/ باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (979) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

تجب في الحبوب كلها، ولو لم تكن قوتا، وفي كل ثمر يكال ويدخر، كتمر وزبيب

تَجِبُ في الحُبوبِ كُلِّهَا، ولَوْ لَمْ تَكنْ قُوتاً، وفِي كلِّ ثمرٍ يكال ويدَّخر، كتمرٍ وزبيبٍ .......... فما هو الضابط في هذا؟ اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في هذا اختلافاً غير قليل. فالمشهور من مذهب الإمام أحمد ما ذكره المؤلف بقوله: «تجب في الحبوب كلها، ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدخر» الحبوب: ما يخرج من الزروع، والبقول، وما أشبه ذلك، مثل: البر، والشعير، والأرز، والذرة، والدخن وغيرها. وقوله: «ولو لم تكن قوتاً» إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: ما ليس بقوت فلا تجب فيه الزكاة، مثل: حب الرشاد والكسبرة، والحبة السوداء، وما أشبهها، فهذه غير قوت، ولكنها حب يخرج من الزروع. وقوله: «وفي كل ثمر يكال ويدخر» الثمر: ما يخرج من الأشجار، فكل ثمر يكال ويدخر تجب فيه الزكاة، والثمر الذي لا يكال ولا يدخر لا تجب فيه الزكاة، ولو كان يؤكل مثل: الفواكه، والخضروات، ليس فيها زكاة؛ لأنها لا تكال ولا تدخر. وقوله: «كتمر وزبيب» التمر يكال ويدخر، والزبيب يكال ويدخر، ولا عبرة باختلاف الكيل والوزن، فإن التمر في عرفنا يوزن، وكذلك الزبيب، لكن لا عبرة بذلك؛ لأن العبرة بما كان في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وذكر في الروض زيادة أمثلة: فقال «لوز، وفستق، وبندق» (¬1) وما أشبه ذلك. ¬

_ (¬1) الروض المربع (3/ 218).

وأفادنا قوله: «وفي كل ثمر يكال ويدخر» أنه إن كان الثمر يدخر ولا يكال فلا زكاة فيه، وإن كان يكال ولا يدخر، فلا زكاة فيه؛ لأن المؤلف ذكر شرطين: أن يكال، وأن يدخر، وفي هذه المسألة عدة أقوال هذا أحدها: والمراد بالادخار: أن عامة الناس يدخرونه؛ لأن من الناس من لا يدخر التمر، بل يأكله رُطَبَاً، وكذلك العنب قد يؤكل رطباً، لكن العبرة بما عليه عامة الناس في هذا النوع. القول الثاني: أنها لا تجب إلا في أربعة أشياء: في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، فقط لحديث ورد في ذلك، ولو صح هذا الحديث لكان فاصلاً في النزاع لكنه ضعيف (¬1). وهذا القول رواية عن أحمد. القول الثالث: أنها تجب في كل ما يخرج من الأرض مما يزرعه الآدمي من فواكه وغير فواكه، واستدلوا بعموم قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267]، وبقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء العشر» (¬2). القول الرابع: أنها لا تجب إلا فيما هو قوت يدخر سواء يكال أو لا يكال، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ. ¬

_ (¬1) حديث أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لهما: «لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر». أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 138)؛ والحاكم (1/ 401)؛ والدارقطني (2/ 96)؛ والبيهقي (4/ 128، 129). (¬2) سبق تخريجه ص (67).

وأقرب الأقوال هو ما ذهب إليه المؤلف، والدليل قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (¬1)، فدل هذا على اعتبار التوسيق، والتوسيق أي: التحميل، والوسق هو الحمل، والمعروف أن الوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهي بأصواعنا حسب ما ذكره لنا مشايخنا مائتان وثلاثون صاعاً وزيادة صاع نبوي، وعلى حسب ما اعتبرناه في الوزن ـ إذا جعلنا الصاع كيلوين وأربعين جراماً ـ، فثلاثمائة صاع تعدل ستمائة واثني عشر كيلو بالبر الرزين الجيد، فيتخذ إناء يسع مثل هذا في الوزن، أو عدة أوانٍ، ثم يقاس عليها. والخلاصة أن الحبوب والثمار تجب فيها الزكاة، بشرط أن تكون مكيلة مدخرة، فإن لم تكن كذلك، فلا زكاة فيها هذا هو أقرب الأقوال، وعليه المعتمد إن شاء الله. مسائل: الأولى: اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في العنب الذي لا يزبب؛ لأن بعض العنب لا يكون زبيباً مهما يبسته. فقال بعضهم: لا زكاة فيه؛ لأنه ملحق بالفواكه، فيؤكل كالفاكهة. وقال بعضهم: تجب فيه الزكاة، وإن لم يزبب، كما لو كان التمر لا يؤكل إلا رطباً، وهذا هو الذي عليه عمل الناس اليوم، أنهم يأخذون الزكاة من العنب، وإن لم يزبب. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (67).

ويعتبر بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي

والمذهب أنه يخرج عن هذا العنب الذي لا يزبب زبيباً. والصحيح أن له أن يخرج من نفس العنب، ومثله النخل الذي يأكله أهله رُطَبَاً، فيجوز أن يخرج زكاته منه رُطَباً. الثانية: التين لا تجب فيه الزكاة على المذهب؛ لأنه لا يدخر غالباً، والصواب أن فيه الزكاة لأنه مدخر. الثالثة: الادخار الصناعي الذي يكون بوسائل الحفظ التي تضاف إلى الثمار بواسطة آلات التبريد لا يتحقق به شرط الادخار. الرابعة: تجب الزكاة في الزيتون عند بعض أهل العلم وهو رواية في المذهب لقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. ولكن يلزم على هذا القول أن تجب الزكاة في الرمان، وهي لا تجب فيه عندهم، ومقتضى الآية التسوية بينهما. وَيُعْتَبَرُ بُلُوغُ نِصَابٍ قَدْرُهُ ألفٌ وستُّمِائَة رَطْلٍ عِرَاقِيٍّ .............. قوله: «ويعتبر بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي» أي: يشترط في وجوب الزكاة بلوغ نصاب، قدره: ألف وستمائة رطل عراقي. لكن بأي شيء يعتبر هذا الوزن؟ إذ هناك شيء خفيف وشيء ثقيل؟ اعتبره العلماء بالبرِّ الرزين الجيد، فتتخذ إناء يسع هذا الوزن من البر ثم تعتبره به.

وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، لا جنس إلى آخر

فإذا قال قائل: لماذا اعتبر العلماء ـ رحمهم الله ـ الكيل بالوزن، والسنة جاءت بالكيل؟ فالجواب: أن الوزن أثبت؛ لأن الأصواع والأمداد تختلف من زمن إلى آخر، ومن مكان لآخر، فنقلت إلى الوزن؛ لأن الوزن يعتبر بالمثاقيل، وهي ثابتة من أول صدر الإسلام إلى اليوم، وهذا أحفظ ويكون اعتبارها سهلاً. وذكر مشايخنا ـ رحمهم الله ـ أن صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم أربعة أمداد، وهذا ما جاءت به السنة، بينما الصاع عندنا ثلاثة أمداد مع أنه أكبر من صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم فدل ذلك على أننا لو اعتبرنا الكيل لحصل في هذا اختلاف كثير. والصاع النبوي بالوزن يساوي كيلوين وأربعين جراماً من البر، فتأتي بإناء وتضع فيه الذي وزنت، فإذا ملأه فهذا هو الصاع النبوي، وعندنا صاع من النحاس وجدناه في خرابات في عنيزة مكتوب عليه من الخارج نقشاً: هذا ملك فلان، عن فلان، عن فلان، إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ وقد اعتبرته بالوزن، فأتيت ببر رزين، وملأت هذا الإناء ووزنته، فإذا هو مقارب لما ذكره الفقهاء ـ رحمهم الله ـ. وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ العَامِ الواحِدِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَاب، لاَ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ .......... قوله: «وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، لا جنس إلى آخر» أي: لو كان عند إنسان بستان بعضه يُجنى مبكراً، والبعض الآخر يتأخر، فإننا نضم بعضه إلى بعض إلى أن يكتمل النصاب، فإذا كان الأول نصف نصاب، والثاني

نصف نصاب، وجبت الزكاة، ولا يقال: إنَّ هذا قد جُذَّ قبل جَذَاذِ الثاني، أو حصد إذا كان زرعاً قبل حصاد الثاني؛ لأنها ثمرة عام واحد. وإذا باع النصف الأول من البستان الذي بدا صلاحه، قبل أن يبدو الصلاح في نصفه الآخر، لم تسقط الزكاة؛ لأنه إذا وجبت الزكاة فأخرج الثمرة عن ملكه بعد وجوب الزكاة لم تسقط. وأما ثمرة عامين فلا تضم، فلو زرع الإنسان أرضاً في عام «اثني عشر»، ثم زرعها مرة ثانية في عام «ثلاثة عشر»، فلا تضم؛ لأن كل واحدة مستقلة عن الأخرى. وقول صاحب الروض: «وتضم ثمرة العام الواحد .... ، ولو مما يحمل في السنة حملين» هذا فيه نظر؛ فما يحمل في السنة مرتين يعتبر كل حمل على انفراد؛ لأن هذا من شجرة واحدة. وأفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه إذا كان عند الإنسان بساتين في مواضع متعددة بعيد بعضها عن بعض؛ فإنه يضم بعضها إلى بعض، فلو كان عنده في مكة مزرعة تبلغ نصف نصاب، وفي المدينة مزرعة تبلغ نصف نصاب وجبت عليه الزكاة. وتضم الأنواع بعضها إلى بعض، فالسكري مثلاً يضم إلى البرحي، وهكذا، وكذلك في البر فالمعية، واللقيمى، والحنطة، والجريبا، يضم بعضها إلى بعض. لكن لا يضم جنس إلى آخر والدليل على أنه يضم الأنواع بعضها إلى بعض دون الجنس، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوجب الزكاة في الثمر مطلقاً ومعلوم أن التمر يشمل أنواعاً ولم يأمر بتمييز كل نوع عن

ويعتبر أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة، فلا تجب فيما يكتسبه اللقاط أو يأخذه بحصاده ولا فيما يجتنيه من المباح، كالبطم، والزعبل، وبزر قطونا، ولو نبت في أرضه

الآخر، فلو كان عنده مزرعة نصفها شعير، ونصفها بر، وكل واحد نصف النصاب، فإنه لا يضم بعضه إلى بعض؛ لاختلاف الجنس، كما لا تضم البقر إلى الإبل أو الغنم؛ لأن الجنس مختلف. وسيأتي في زكاة النقدين هل يضم الذهب إلى الفضة؟ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكاً لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةَ، فَلاَ تَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللَّقَّاطُ أوْ يأخُذُهُ بِحَصَادِهِ وَلاَ فِيمَا يَجْتَنِيه مِن المُبَاحِ، كَالبُطْمِ، والزَّعْبَل، وَبِزْرِ قَطُونا، ولَو نَبَتَ فِي أرْضِهِ .......... قوله: «ويعتبر أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة» أي: ويشترط أيضاً أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة. ووقت وجوب الزكاة في ثمر النخل: ظهور الصلاح في الثمرة بأن تحمر أو تصفر، وفي الحبوب أن تشتد الحبة بحيث إذا غمزتها لا تنغمز تكون مشتدة، فيشترط أن يكون مملوكاً له في هذا الوقت فلو باعه قبل ذلك فإنه لا زكاة عليه، وكذلك إن ملكه بعد ذلك فلا زكاة، ولذلك قال: «فلا تجب فيما يكتسبه اللقاط، أو يأخذه بحصاده» اللقاط هو الذي يتتبع المزارع، ويلقط منها التمر المتساقط من النخل، أو يلتقط منها السنبل المتساقط من الزرع، فإذا كسب هذا اللقاط نصاباً من التمر أو نصاباً من الزرع، فلا زكاة عليه فيه؛ لأنه حين وجوب الزكاة لم يكن في ملكه. وكذلك لو مات المالك بعد بدوِّ الصلاح، فلا زكاة على الوارث؛ لأنه ملكه بعد وجوب الزكاة، لكن الزكاة في هذه الحالة على المالك الأول (الميت) فتخرج من تركته. وكذك أيضاً لا زكاة فيما يأخذه بحصاده، أي: إذا قيل

لرجل: احصد هذا الزرع بثلثه، فحصده بثلثه، فلا زكاة عليه في الثلث؛ لأنه لم يمكله حين وجوب الزكاة، وإنما ملكه بعد ذلك. فصار عندنا شرطان: الأول: بلوغ النصاب. الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت الزكاة. قوله: «ولا فيما يجتنيه من المباح، كالبطم (¬1)، والزعبل، وبزر قطونا» «المباح» أي: الذي يخرج في الفلاة مما يخرجه الله عزّ وجل، فلو جنى الإنسان منه شيئاً كثيراً، فإنه لا زكاة عليه فيه؛ لأنه وقت الوجوب ليس ملكاً له؛ إذ إن المباح، وهو ما يجنى من الحشيش وغيره، لا يملكه الإنسان إلا إذا أخذه. و «الزعبل» على وزن جعفر، شعير الجبل. و «بزر قطونا»: يقول مشايخنا: هو سنبلة الحشيش، والحشيش يسمى عندنا: «الرِّبْلة». قوله: «ولو نبت في أرضه» «لو» إشارة خلاف فإن بعض العلماء قال: إذا نبت في أرضه، فإنه ملكه، وإذا كان ملكاً له فقد ملكه حين وجوب الزكاة. والمذهب: أن ما ينبت في أرضه من فعل الله ليس ملكاً له، وهو أحق به من غيره، فبناء على اختلاف القولين: ¬

_ (¬1) البُطْم، ويقال: البُطُم: الحبة الخضراء أو شجرها. «القاموس المحيط» ص (1080).

إن قلنا: بأن ما نبت في أرضه من المباح ملك له، وجبت عليه الزكاة إذا أخذه بعد استكماله. وإذا قلنا: لا يملكهُ وهو الصحيح، فلا زكاة عليه فيما يجنيه منه؛ لأنَّهُ حين الوجوب ليس ملكاً له، وإنما صححنا أنه ليس ملكاً له؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار» (¬1)، وهذا من الكلأ. والخلاصة: أن الزكاة تجب في كل مكيل مدخر من الحبوب والثمار سواء كان قوتاً أم لم يكن، وأنه يشترط لذلك شرطان: الأول: بلوغ النصاب. الثاني: أن يكون مملوكاً له وقت وجوب الزكاة. مسألة: هل يشترط أن يكون الحب والثمر قوتاً؟ المذهب: لا يشترط، فما دام مكيلاً مدخراً ففيه الزكاة. القول الثاني: يشترط أن يكون قوتاً. لكن ظاهر عموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (¬2) يشمل ما كان قوتاً، وما كان غير قوت. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (5/ 364)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في منع الماء (3477) عن رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ وأخرجه ابن ماجه في الرهون/ باب المسلمون شركاء في ثلاث (2472) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وفيه عبد الله بن خراش ضعيف، كما قال البوصيري؛ وأخرجه ابن ماجه (2473) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ «ثلاث لا يمنعن ... » الحديث، وصحح إسناده البوصيري في «الزوائد»، والحافظ في «التلخيص» (1304). (¬2) سبق تخريجه ص (67).

فصل

فَصْلٌ يَجِبُ عُشْرٌ فِيمَا سُقِيَ بِلاَ مَؤُونَةٍ، ......... قوله: «يجب عشر فيما سقي بلا مؤونة» هذا الفصل بين فيه المؤلف مقدار ما يجب إذا بلغ النصاب. فالواجب: العشر، أو نصف العشر، أو ثلاثة أرباعه، حسب المؤونة. فإن سقي بلا مؤونة فالواجب العشر؛ لأن نفقته أقل. والذي يسقى بلا مؤونة يشمل ثلاثة أشياء: أولاً: ما يشرب بعروقه، أي: لا يحتاج إلى ماء. الثاني: ما يكون من الأنهار والعيون. الثالث: ما يكون من الأمطار. فإذا قال قائل: إذا كان من الأنهار، وشققت الساقية، أو الخليج ليسقي الأرض، هل يكون سقي بمؤونة أو بغير مؤونة؟ فالجواب: أنه سقي بغير مؤونة، ونظير ذلك إذا حفرت بئراً وخرج الماء نبعاً، فإنه بلا مؤونة؛ لأن إيصال الماء إلى المكان ليس مؤونة، فالمؤونة تكون في نفس السقي. أي: يحتاج إلى إخراجه عند السقي بمكائن أو بسوانٍ، أما مجرد إيصاله إلى المكان، وليس فيه إلا مؤونة الحفر أو مؤونة شق الخليج من النهر، أو ما أشبه ذلك فهذا يعتبر بلا مؤونة.

ونصفه معها، وثلاثة أرباعه بهما، فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعا، ومع الجهل العشر، وإذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة

وَنِصْفُهُ مَعَهَا، وَثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهِ بِهِمَا، فَإِنْ تَفَاوَتَا فَبِأَكْثَرِهِمَا نَفْعاً، وَمَعَ الجَهْلِ العُشْرُ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَبُّ، وَبَدَا صَلاَحُ الثَّمَرِ وَجَبَت الزَّكَاةُ ......... قوله: «ونصفه معها» أي: مع المؤونة. ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وفيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري (¬1). والعثري: هو الذي يشرب بعروقه. والحكمة من ذلك: كثرة الإنفاق في الذي يسقى بمؤونة، وقلة الإنفاق في الذي يسقى بلا مؤونة، فراعى الشارع هذه المؤونة، والنفقة، وخفف على ما يسقى بمؤونة. قوله: «وثلاثة أرباعه بهما» أي: ما يشرب بمؤونة، وبغير مؤونة نصفين، يجب فيه ثلاثة أرباع العشر. مثال ذلك: هذا النخل يسقى نصف العام بمؤونة، ونصف العام بغير مؤونة: أي في الصيف يسقى بمؤونة، وفي الشتاء يشرب من الأمطار، ففيه ثلاثة أرباع العشر. قوله: «فإن تفاوتا» بمعنى أننا لم نتمكن من الضبط، هل هو النصف، أو أقل، أو أكثر. قوله: «فبأكثرهما نفعاً» أي: الذي يكثر نفع النخل، أو الشجر، أو الزرع به فهو المعتبر، فإذا كان نموه بمؤونة أكثر منه فيما إذا شرب بلا مؤونة فالمعتبر نصف العشر؛ لأن سقيه بالمؤونة أكثر نفعاً فاعتبر به. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (67).

فصارت الأحوال أربعاً هي: 1 ـ ما سقي بمؤونة خالصة. 2 ـ وبلا مؤونة خالصة. 3 ـ وبمؤونة وغيرها على النصف. 4 ـ وبمؤونة وغيرها مع الاختلاف. فإن كان يسقى بمؤونة خالصة فنصف العشر وبلا مؤونة خالصة العشر، وبهما نصفين ثلاثة أرباع العشر، ومع التفاوت يُعتبر الأكثر نفعاً. قوله: «ومع الجهل العشر» أي: إذا تفاوتا، وجهلنا أيهما أكثر نفعاً، فالمعتبر العشر؛ لأنه أحوط وأبرأ للذمة، وما كان أحوط فهو أولى. فإذا قال قائل: كيف يكون أحوط، وفيه إلزام الناس بما لا نتيقن دليل الإلزام به؟ فالجواب: لأن الأصل وجوب الزكاة، ووجوب العشر حتى نعلم أنه سقي بمؤونة، فنسقط نصفه، وهنا لم نعلم، وجهلنا الحال أيهما أكثر نفعاً، فكان الاحتياط إيجاب العشر. قوله: «وإذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة» سبق أنه يشترط أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة. فوقت الوجوب: «إذ اشتد الحب» أي: قويَ الحب، وصار

ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر، فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت

شديداً لا ينضغط بضغطه «وبدا صلاح الثمر» وذلك في ثمر النخيل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموه حلواً أي: بدلاً من أن يكون قاسياً، يكون ليناً متموهاً، وبدلاً من أن يكون حامضاً يكون حلواً. فإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، وجبت الزكاة، وقبل ذلك لا تجب. ويتفرع على هذا: أنه لو انتقل الملك قبل وجوب الزكاة، فإنه لا تجب عليه بل تجب على من انتقلت إليه، كما لو مات المالك قبل وجوب الزكاة أي قبل اشتداد الحب، أو بدو صلاح الثمر فإن الزكاة لا تجب عليه، بل تجب على الوارث، وكذلك لو باع النخيل، وعليها ثمار لم يبد صلاحها، أو باع الأرض، وفيها زرع لم يشتد حبه فإن الزكاة على المشتري؛ لأنه أخرجها من ملكه قبل وجوب الزكاة. ويتفرع على هذا أيضاً: أنه لو تلفت ولو بفعله بأن حصد الزرع قبل اشتداده، أو قطع الثمر قبل بدو صلاحه؛ فإنه لا زكاة عليه؛ لأن ذلك قبل وجوب الزكاة، إلا أنهم قالوا: إن فعل ذلك فراراً من الزكاة وجبت عليه عقوبة له بنقيض قصده؛ ولأن كل من تحيل لإسقاط واجب فإنه يلزم به. وَلاَ يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ إِلاَّ بِجَعْلِهَا فِي البَيْدَرِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ .... قوله: «ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر، فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت». أي: لا يستقر وجوب الزكاة إلا بجعلها في البيدر.

«البيدر» هو المحل الذي تجمع فيه الثمار والزروع، ويسمى الجرين والبيدر؛ وذلك أنهم كانوا إذا جذوا الثمر جعلوا له مكاناً فسيحاً يضعونه فيه، وكذلك إذا حصدوا الزرع جعلوا له مكاناً فسيحاً يدوسونه فيه، فلا يستقر الوجوب إلا إذا جعلها في البيدر. والدليل على أن استقرار الوجوب يكون بجعلها في البيدر قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}؛ وإذا حصد الزرع فإنه يجعل في البيادر فوراً. فإن تلفت بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب، وقبل جعلها في البيدر، فإنها تسقط ما لم يكن ذلك بتعدٍ منه أو تفريط، فإنها لا تسقط. وإذا جعلها في البيدر فإنها تجب عليه، ولو تلفت بغير تعد ولا تفريط؛ لأنه استقر الوجوب في ذمته فصارت ديناً عليه. وعلى هذا فيكون لتلف الثمار والزرع ثلاث أحوال: الحال الأولى: أن يتلفا قبل وجوب الزكاة، أي: قبل اشتداد الحب وقبل صلاح الثمر، فهذا لا شيء على المالك مطلقاً، سواء تلف بتعد أو تفريط، أو غير ذلك، والعلة عدم الوجوب. الحال الثانية: أن يتلفا بعد وجوب الزكاة، وقبل جعله في البيدر، ففي ذلك تفصيل: إن كان بتعد منه أو تفريط ضمن الزكاة، وإن كان بلا تعد ولا تفريط لم يضمن. الحال الثالثة: أن يتلفا بعد جعله في البيدر، أي: بعد جَذِّهِ ووضعه في البيدر، أو بعد حصاده ووضعه في البيدر، فعليه الزكاة مطلقاً؛ لأنها استقرت في ذمته فصارت ديناً عليه، والإنسان إذا وجب عليه دين، وتلف ماله فلا يسقط عنه.

والتعدي: فعل ما لا يجوز. والتفريط: ترك ما يجب. فمثلاً لو أن الرجل بعد أن بدا الصلاح في ثمر النخل، وقبل أن يجعله في البيدر، أهمله حتى جاءت السيول، فأمطرت وأفسدت التمر فيقال: هذا مفرط، ولو أنه أشعل النار تحت الثمار فهذا متعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز. ولو أن الله أتى بعواصف أو قواصف بعد بدو الصلاح، وبعد اشتداد الحب من غير أن يفرط، ويهمل فأتلفت الثمر أو الزرع، فلا شيء عليه؛ لأنه لم يتعد، ولم يفرط. ولو سرقت الثمار أو الزروع بعد أن بدا الصلاح، واشتد الحب فإن كان بإهمال منه أو تفريط ضمن، وإلا فلا. والصحيح في الحال الثالثة أنها لا تجب الزكاة عليه ما لم يتعد أو يفرط؛ لأن المال عنده بعد وضعه في الجرين أمانة، فإن تعدى أو فرط، بأن أخر صرف الزكاة حتى سرق المال، أو ما أشبه ذلك فهو ضامن، وإن لم يتعد ولم يفرط وكان مجتهداً في أن يبادر بتخليصه، ولكنه تلف، مثل أن يجعل التمر في البيدر لأجل أن ييبس، ولكن لم يمض وقت يمكن يبسه فيه حتى سرق التمر، مع كمال التحفظ والحراسة، فلا يضمن، اللهم إلا إذا أمكنه أن يطالب السارق، ولم يفعل فهذا يكون مفرطاً. إذاً القول الراجح أن الحال الثالثة تلحق بالحال الثانية. وأما القول بأن الرجل إذا كان مديناً، وتلف ماله لم يسقط

ويجب العشر على مستأجر الأرض دون مالكها

الدين بتلف ماله، فهذا قياس مع الفارق؛ لأن دينه متعلق بذمته، والزكاة متعلقة بهذا المال. وَيَجِبُ العُشْرُ عَلَى مُسْتَأْجِرِ الأرْضِ دُونَ مَالِكِهَا ......... قوله: «ويجب العشر على مستأجر الأرض، دون مالكها» أي: أنَّ زكاة الثمر، وزكاة الحبوب تجب على المستأجر دون المالك، ولو قال المؤلف: «وتجب زكاة الثمر، والحبوب على المستأجر دون المالك» لكان أعم من قوله: «ويجب العشر»؛ لأن العشر قد يكون واجباً، وقد يكون الواجب نصف العشر، لكن المؤلف اختار هذا اللفظ؛ لأن غالب الأراضي بعد الفتوحات الإسلامية تسقى بالأنهار بلا مؤونة، فيعبر أهل العلم عن زكاة الحبوب والثمار بالعشر، ومرادهم وجوب الزكاة سواء كان الواجب العشر أو غيره. وعلة الوجوب أن المستأجر هو مالك الحبوب والثمار، وأما مالك الأرض فليس له إلا الأجرة. ولكن قد يقول قائل: وكيف يستأجر النخل؟ وهل يستأجر النخل؟ المذهب: وهو قول أكثر العلماء أن النخل لا يستأجر، أي: لا يمكن أن آتي إلى صاحب البستان، وأقول له: أجِّرني هذا النخل لمدة عشر سنوات مثلاً؛ لأن الثمر معدوم، ولا يعلم هل يخرج من الثمر مقدار الأجرة أو أقل أو أكثر. والنبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها» (¬1) فهذا من باب أولى؛ لأن هذا قبل أن يخرج، فيكون فيه جهالة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب من باع ثماره أو نخله (1487)؛ ومسلم في البيوع/ باب النهي عن بيع الثمار ... (1536) (54) عن جابر رضي الله عنه.

وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إن استئجار أشجار البساتين كاستئجار أراضيها، فكما أنك تستأجر هذه الأرض من صاحبها وتزرعها، فقد يكون زرعك أكثر من الأجرة، وقد يكون أقل فكذلك النخل، ويجعل النخل أصلاً، كما تجعل الأرض أصلاً بالمزارعة، وقال: إنَّ هذا هو الثابت عن عمر ـ رضي الله عنه ـ، حين ضمن حديقة أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ الذي لزمه ديون، فَضَمّنَ بستانه من يستأجره لمدة كذا وكذا سنة، ويقدم الأجرة من أجل قضاء الدين، وعمر فعل ذلك والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ متوافرون؛ ولأنه لا فرق بين استئجار النخيل، واستئجار الأرض؛ ولأن هذا أقطع للنزاع بين المستأجر وصاحب الأرض؛ وذلك لأنه يجوز أن يساقي صاحب النخل العامل بجزء من الثمرة، وهذا ربما يحصل فيه نزاع، أما إذا كانت الأجرة مقطوعة، فإن صاحب النخل قد عرف نصيبه وأخذه، والمستأجر قد عرف أن الثمر كله له، لا ينازعه فيه أحد، يتصرف فيه كاملاً. وهذا هو الذي عليه العمل الآن عند الناس أنه يصح استئجار النخيل بأجرة معلومة لمدة معينة حسب ما يتفقان عليه. وأجاب شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن استدلالهم بالحديث وهو نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، بأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً؛ ولهذا أجازوا بيع أصل النخل وعليه ثمره قبل بدو صلاحه، وبيع الحيوان الحامل، مع النهي عن بيع الحمل. إذاً إذا قلنا: إنه لا يصح استئجار النخيل، فإنه يحمل قول

المؤلف: «يجب العشر على مستأجر الأرض» فيما إذا كان ذلك في الزرع، أما في الثمار فلا يتصور؛ لأنه على المذهب لا يصح أن تستأجر هذا النخيل بثماره، والراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله. والناس هنا في القصيم لما ظهرت هذه الفتوى استراحوا وصاروا يؤجرون البساتين، فمثلاً يقول: استأجرت منك البساتين بـ (100.000) فيعطيه المائة ألف، والآخر يستقل بالثمر. وابن عقيل ـ رحمه الله ـ فصّل، وقال: إذا كان أكثر الأرض بياضاً، لا نخيلاً، يجوز اعتباراً بالأكثر؛ لأن تأجير الأرض جائز فيلحق الأقل بالأكثر. أما الطريق على المذهب فهو أن تساقي على النخل، وتؤجر الأرض، أي: تقول ساقيتك على هذا النخل بثلث ثمره، وأجرتك هذه الأرض بعشرة آلاف، فيأخذ الأرض ويزرعها، والزرع له والنخل يقوم عليه بثلث ثمرته. مسألة: لو كانت الأرض خراجية، فالزكاة فيها على المستأجر، والخراج على المالك؛ ووجه ذلك أن الخراج على عين الأرض فيكون على مالكها، والزكاة على الثمار فتكون على مالك الثمار وهو المستأجر، ولو كان المالك هو الذي يزرع الأرض، فعليه الخراج باعتباره مالكاً للأرض، والزكاة باعتباره مالكاً للزرع، أو الثمر. مسألة: على من تجب الزكاة في المزارعة والمساقاة والمغارسة؟

وإذا أخذ من ملكه أو موات من العسل مائة وستين رطلا عراقيا ففيه عشره

تجب الزكاة في هذه الأحوال على العامل وعلى مالك الأصل بقدر حصتيهما، إن بلغت حصة كل واحد منهما نصاباً، فإن لم تبلغ انبنى على تأثير الخلطة في غير بهيمة الأنعام، وقد تقدم بيان الخلاف في ذلك. وَإِذَا أخَذَ مِن ملكِهِ أوْ مَوَاتٍ مِن العَسَلِ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلاً عِراقِيّاً فَفِيهِ عُشْرُهُ ....... قوله: «وإذا أخذ من ملكه أو موات من العسل، مائة وستين رطلاً عراقياً ففيه عشره» «مائة» مفعول أخذ. أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ وجوب الزكاة في العسل، والعسل ليس ما يخرج من الأرض، وإنما من بطون النحل كما قال الله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] ولكنه يشبه الخارج من بطون الأرض، بكونه يجنى في وقت معين، كما تجتنى الثمار، وقد ضرب عمر ـ رضي الله عنه ـ عليه ما يشبه الزكاة، وهو العشر (¬1). فاختلف أهل العلم ـ رحمهم الله ـ هل في العسل الزكاة، أو أَنَّ ما ضربه عمر ـ رضي الله عنه ـ في العسل ليس زكاة، ولكنه اجتهاد لحال مخصوصة؛ لأنه لا يصدق عليه قول الله ـ عزّ وجل ـ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267]؟ فذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم وجوب الزكاة في العسل، واختار هذا صاحب الفروع ابن مفلح ـ رحمه الله ـ من ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب زكاة العسل (1600) والنسائي في الزكاة/ باب زكاة النحل (5/ 46).

الحنابلة (¬1)، وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من أعلم الناس بفقه شيخ الإسلام ابن تيمية حتى إن ابن القيم كان يرجع إليه يسأله عما يقوله الشيخ في المسائل الفقهية. ووجه هذا القول أنه ليس في القرآن ولا في السنة (¬2) ما يدل على وجوب ذلك، والأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب، وعلى هذا القول لا حاجة إلى معرفة نصاب العسل. والمشهور من المذهب الوجوب، ويرون أن نصابه مائة وستون رطلاً عراقياً، وهو يقارب اثنين وستين كيلو في معايير الوزن المعاصر، فإذا أخذ هذا المقدار وجب عليه عشره لما ورد عن عمر ـ رضي الله عنه ـ، ولأنه يشبه الثمر الذي سقي بلا مؤونة ليس فيه من الكلفة إلا أخذه وجنيه، كما أن الثمر الذي يسقى بلا مؤونة ليس فيه من المؤونة إلا أخذه، فعلى هذا يجب فيه العشر ويصرف مصرف الزكاة. وقيل: إن النصاب ستمائة رطل عراقي. وقال في المغني: ويحتمل أن يكون نصابه ألف رطل عراقي؛ وذلك لأنه ليس فيه سنة واردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فاختلف العلماء في تقدير النصاب الذي تجب فيه الزكاة. ولا يخلو إخراجها من كونه خيراً؛ لأنه إن كان واجباً فقد ¬

_ (¬1) «الفروع» (2/ 450). (¬2) قال البخاري رحمه الله كما في العلل الكبرى للترمذي (1/ 312): «وليس في زكاة العسل شيء يصح» اهـ.

والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، ففيه الخمس في قليله وكثيره

أدى ما وجب، وأبرأ ذمته، وإن لم يكن واجباً فهو صدقة، ومن لم يخرج فإننا لا نستطيع أن نؤثمه، ونقول: إنك تركت ركناً من أركان الإسلام في هذا النوع من المال؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل تطمئن إليه النفس. قوله: «من ملكه» أي: في أرضه، بأَنْ بنى النحل على شجره الذي بأرضه مَعْسَلَةً، فأخذ العسل منه. «أو موات» أي: في أرض ليست مملوكة لأحد، مثل أن يأخذه من رؤوس الجبال وبطون الشعاب، وما أشبه ذلك. مسألة: هل في البترول زكاة؟ الجواب: ليس فيه زكاة؛ لأن المالك له الدولة، وهو للمصالح العامة، وما كان كذلك فلا زكاة فيه. والركاز: مَا وُجِدَ مِن دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، فَفِيهِ الخُمسُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ........ قوله: «والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية» وقوله: «من دِفن الجاهلية» بكسر الدال بمعنى مفعول، أي: مدفون الجاهلية، ولا يصح فتح الدال لأنها تكون مصدراً. الركاز: فعال بمعنى مفعول، أي: مركوز، وهو المدفون وقوله: «الركاز» مبتدأ خبره الاسم الموصول ما، ولكن ليس كل مدفون يكون ركازاً، بل ما كان من دفن الجاهلية، ومعنى الجاهلية ما قبل الإسلام، وذلك بأن نجد في الأرض كنزاً مدفوناً، فإذا استخرجناه ووجدنا علامات الجاهلية فيه، مثل أن يكون نقوداً قد علم أنها قبل الإسلام، أو يكون عليها تاريخ قبل الإسلام، أو ما أشبه ذلك.

قوله: «ففيه الخمس في قليله وكثيره» فلا يشترط فيه النصاب؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وفي الركاز الخمس» (¬1). ثم اختلف العلماء في الخمس، هل هو زكاة أو فيء؟ بناء على اختلافهم في «أل» في قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث: «الخمس» هل هي لبيان الحقيقة أو هي للعهد؟ فقال بعض العلماء: إنه زكاة فتكون «أل» لبيان الحقيقة. ويترتب على هذا القول ما يأتي: 1 ـ أن تكون زكاة الركاز أعلى ما يجب في الأموال الزكوية؛ لأن نصف العشر، والعشر، وربع العشر، وشاة من أربعين، أقل من الخمس. 2 ـ أنه لا يشترط فيه النصاب فتجب في قليله وكثيره. 3 ـ أنه لا يشترط أن يكون من مال معين، فيجب فيه الخمس سواء كان من الذهب أو الفضة أو المعادن الأخرى، بخلاف زكاة غيره. والمذهب عند أصحابنا ـ يرحمهم الله ـ: أنه فيء فتكون «أل» في الخمس، للعهد الذهني، وليست لبيان الحقيقة، أي: الخمس المعهود في الإسلام، وهو خمس خمس الغنيمة الذي يكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، وهذا هو الراجح؛ لأن جعله زكاة يخالف المعهود في باب الزكاة، كما سبق بيانه في الأوجه الثلاثة المتقدمة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (19).

مسائل: الأولى: إذا وجد الإنسان ركازاً ليس عليه علامة الكفر، ولا أنه من الجاهلية، فحكمه إن علم صاحبه وجب رده إليه، أو إعلامه به، أي: إما أن تحمله إلى صاحبه، أو تعلمه، والأسهل هنا الإعلام؛ لأنه قد يكون ثقيلاً يحتاج إلى حمل، فإذا أعلمته أبرأت ذمتك. وإن كان صاحبه غير معلوم بحيث لم نجد عليه اسماً، ولم نتوقع أنه لفلان، فإن حكمه حكم اللقطة يعرّف لمدة سنة كاملة، فإن جاء صاحبه، وإلا فهو لواجده. الثانية: لو استأجرت رجلاً ليحفر بئراً في بيتك أو غيره فحصل على هذا الركاز، ففيه تفصيل: إذا كان صاحب الأرض استأجر هذا العامل، لإخراج هذا الركاز فهو لصاحب البيت، وإن كان استأجره للحفر فقط، فوجده العامل فهو للعامل لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1). الثالثة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» (¬2)، هل المراد منه إسقاط الزكاة في هذا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (41). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (3/ 448) وأبو داود في الزكاة/ باب في الخرص (1605) والترمذي في الزكاة/ باب ما جاء في الخرص (643) والنسائي في الزكاة/ باب كم يترك الخارص (5/ 42) وابن خزيمة (2319) وابن حبان (3280) والحاكم (1/ 402) عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وله شاهد موقوف عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أخرجه الحاكم (1/ 402) وصححه وانظر التلخيص (849).

القدر من الثمر، أو المراد أن يجعل الثلث من الزكاة للمالك يتصرف فيه؟ الصحيح أن هذا ليس من باب الإسقاط، بل جعل التصرف فيه للمالك؛ لأنه قد يكون للمالك أقارب وأصحاب، وما أشبه ذلك يعطيهم من الزكاة، ويدل على أن هذا هو القول الراجح، عموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء العشر» (¬1). ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (67).

باب زكاة النقدين

بَابُ زَكَاةِ النَّقدَينِ قوله: «النقدين»: تثنية نقد، بمعنى منقود؛ لأن النقد هو الإعطاء، والذهب والفضة ليسا إعطاء بل هما معطيان، فهما ينقدان في البيع والشراء. والمراد بالنقدين الذهب والفضة، وعلى هذا فالفلوس ليست نقداً في اصطلاح الفقهاء؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ومن ثم اختلف العلماء هل فيها رباً أو ليس فيها رباً؟ وهل فيها الزكاة مطلقاً؟ أو هي عروض، إن نوى بها التجارة ففيها الزكاة وإلا فلا؟ فهاهنا مسألتان، كلتاهما مسألتان عظيمتان تحتاجان لتحليل عميق. ومن المعلوم أن الأوراق النقدية تعتبر من الفلوس؛ لأنها عوض عن النقدين يصرف بها النقدان: الذهب والفضة. فقال بعض العلماء: إن الفلوس عروض، وعليه فلا تجب فيها الزكاة ما لم تعد للتجارة، وعلى هذا فلو كان الإنسان عنده مليون قرش فليس عليه زكاة، ولو أنه أبدل عشرة بعشرين من هذه الفلوس فهو جائز، سواء قبضها في مجلس العقد أو تأخر قبضها، كما لو أبدل ثوباً بثوبين، فإنه جائز ولو تأخر القبض. لكن هذا القول لو قلنا به لكان أكثر التجار اليوم الذين عندهم سيولة دراهم لا زكاة عليهم، ولكانت البنوك ليست ربوية؛

لأنها غالباً تتعامل بهذه الأوراق، ولقد قرأت رسالة عنوانها «إقناع النفوس، بإلحاق عملة الأنواط بعملة الفلوس». الأنواط: الورق. لكن هذا القول لا أظن أن قدم عالم تستقر عليه، لما يلزم عليه من هذا اللازم الباطل، ألاَّ ربا بين الناس اليوم؛ لأن غالب تعاملهم بالأوراق النقدية، وألا زكاة على من يملك الملايين من هذه الأوراق ما لم يعدها للتجارة. القول الثاني: أنها بمنزلة النقد في وجوب الزكاة، لدخولها في عموم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] والأموال المعتمدة الآن هي هذه الأموال. وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (¬1)، فهي مال، والناس يجعلونها في منزلة النقد، فالزكاة فيها واجبة ولا إشكال في ذلك، والمعتبر فيها نصاب الفضة؛ لأنها بدل عن ريالات الفضة السعودية، وهذا بالنسبة للريالات السعودية، ولكل قطر حكمه. المسألة الثانية: هل يجري فيها الربا؟ من قال: إنها عروض فإنه لا يجري فيها الربا، لا ربا الفضل، ولا ربا النسيئة، كما أن العروض كتبديل الثوب بالثوبين، أو بالثلاثة، وتبديل البعير بالبعيرين لا بأس به، سواء تعجل القبض أو تأجل، كذلك هذه الدراهم، تبديل بعضها ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

ببعضها ليس فيه ربا، فيجوز أن آخذ منك مائة دولار بأربعمائة ريال إلى سنة، أو ألف ريال بألف ومائتين إلى سنة؛ لأنه لا يجري فيها الربا، وهذا القول فيه نظر؛ لأن الناس يرون أن هذه العملات بمنزلة النقد، لا يفرقون بينها إلا تفريقاً يسيراً. وقال بعض العلماء: إنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، فإذا أبدلت بعضها ببعض مع تأخر القبض فهذا حرام، سواء أبدلتها بالتماثل أو بالتفاضل، وإذا أبدلت بعضها ببعض مع القبض في مجلس العقد، فهذا جائز مع التفاضل. وهذا هو أقرب الأقوال في هذه المسألة، لا سيما مع اختلاف الجنس. مسألة: صرف الريالات من المعدن بريالات من الورق هل يجوز فيه التفاضل؟ اختلف العلماء المعاصرون في ذلك، فقال بعضهم: بالتحريم؛ لأن ريال المعدن هو ريال الورق، ولا فرق بين هذا وهذا، فالمقصود واحد، والدولة جعلت قيمتهما اعتبارية متساوية. وقال آخرون: بالجواز؛ لأن بينهما فرقاً؛ فالجنس مختلف حقيقة، وقيمة، وتساويهما في القيمة الشرائية فباعتبار تقدير الدولة، ويدل لهذا أنك لو جئت بمائة كيلو من هذا المعدن، ومائة كيلو من الورق فهل تختلف قيمتهما أو لا؟ الجواب: تختلف، فالحديد يشترى لذاته، والورق لولا تقدير الدولة له لم يكن له قيمة إطلاقاً. وقالوا: لما اختلف الجنس حقيقة وقيمة، جاز التفاضل

بينها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (¬1). وكان الشيخ ابن باز ـ وفقه الله ـ مع اللجنة الدائمة أصدروا فتوى بالتحريم؛ ثم إن الشيخ حدثنا أخيراً، قال: كنت أقول بالتحريم، ولكني توقفت فيه هل يحرم أو لا؟ أما أنا فنفسي طيبة بجوازه، وليس عندي فيه شك، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ يجوِّز ذلك، بل يجوز أكثر من هذا، فيرى أنه يجوز التفاضل مع تأخر القبض بشرط ألا يشترطا أجلاً معيناً، فلو أعطيتك مائة، وأعطيتني بعد مدة مائة عوضاً عنها أو أكثر، فإن ذلك لا بأس به بشرط ألا يُشترط الأجل، فيقول: أعطيتك مائة بمائة وعشرة إلى سنة، فإن هذا ممنوع عند شيخنا عبد الرحمن. لكن الذي يظهر لي: أن تأخير القبض ممنوع، سواء بتأجيل أو بغير تأجيل، وأما التفاضل فلا بأس به. فالقول الراجح في هذه العملات: أن الزكاة فيها واجبة مطلقاً، سواء قصد بها التجارة أو لا، وعلى هذا لو كان الإنسان عنده مال ليتزوج به، فحال عليه الحول فعليه الزكاة فيه، ولو كان عنده مال من النقود ليشتري به بيتاً، أو ليقضي به ديناً فحال عليه الحول فتجب عليه الزكاة، إلا على قول من يقول: إن الدين يمنع وجوب الزكاة بقدره. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (40).

يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر منهما

ولو كان يجمع دراهم من أجل أن يحج بها، فعليه الزكاة إذا حال عليها الحول. مسألة: هل يجب عليه أن يجمع مالاً لكي يزكي، وهل يجب عليه إذا تم الحول على نصاب من المال، أن يقوم بما يلزم لإخراج الزكاة؟ الجواب: لا يجب عليه جمع المال ليزكيه، ويجب عليه إذا حال الحول على نصاب من المال أن يقوم بما يلزم لإخراج زكاته. والفرق بينهما أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وأما ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فتحصيل المال ليزكي تحصيل لوجوب الزكاة وليس بواجب. ومثله الحج هل نقول: يجب على الإنسان أن يجمع المال ليحج؟ أو نقول: إذا كان عنده مال فليحج؟ الجواب: إذا كان عنده مال فليحج، وأما الأول فلا يجب. يَجِبُ فِي الذَّهَبِ إِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ مِثْقالاً، وَفِي الفضَّة إِذَا بَلَغَتْ مِائَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ العُشْرِ مِنْهُمَا ......... قوله: «يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر منهما». فاعل: «يجب» هو قوله: «ربع» أي: يجب ربع العشر، وهو واحد من أربعين، وفائدة معرفتنا بربع العشر، وأنه واحد من أربعين أن يسهل استخراج الزكاة من النقدين، فإذا أردت أن تستخرجها من النقدين فاقسم ما عندك على أربعين، فما خرج فهو الزكاة.

فمثلاً أربعون مليوناً زكاتها مليون، وذلك بقسمتها على أربعين، وهذا أحسن من تعبير العامة الواجب اثنان ونصف في المائة؛ لأنه يوهم أن هناك وقصاً فيظن أن كل مائة فيها اثنان ونصف، وما بين المائتين وقص لا شيء فيه، وهذا أمر خطير. قوله: «إذا بلغ عشرين مثقالاً» هذا بيان مقدار نصاب الذهب لحديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار» (¬1) وقد وردت أحاديث أخرى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذا المعنى، وكذلك آثار موقوفة عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهي بمجموعها تصل إلى درجة الحسن أو الصحيح لغيره، وأما قول ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: إنه لم يثبت فيه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيء، فيجاب عنه بأن ذلك قد ثبت بما يكفي كونه حجة. والدينار الإسلامي زنته: مثقال، والمثقال: أربعة غرامات وربع، وكل عشرة دراهم إسلامية سبعة مثاقيل، وعلى هذا تكون مائتا درهم تساوي مائة وأربعين مثقالاً. وقد حررت نصاب الذهب فبلغ خمسة وثمانين جراما من الذهب الخالص (¬2) فإن كان فيه خلط يسير فهو تبع لا يضر؛ لأن ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب في زكاة السائمة (1573) عن علي رضي الله عنه؛ وأخرجه ابن ماجه في الزكاة/ باب زكاة الورق والذهب (1791)؛ والدارقطني (2/ 92) عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم؛ وأخرجه ابن زنجويه في «الأموال» (1683) عن عمرو بن حزم رضي الله عنه، انظر «التلخيص» (851). (¬2) وفي مجالس شهر رمضان للمؤلف ص (117): «المراد الدينار الإسلامي الذي يبلغ وزنه مثقالاً: أربعة غرامات وربع، فيكون نصاب الذهب: خمسة وثمانين غراماً، يعادل عشرة جنيهات سعودية وخمسة أثمان الجنيه».

الذهب لا بد أن يجعل معه شيء من المعادن لأجل أن يقويه ويصلبه، وإلا لكان ليناً. وهذه الإضافة يقول العلماء: إنها يسيرة تابعة، فهي كالملح في الطعام لا تضر. وقوله: «يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر منهما». المؤلف ـ رحمه الله ـ اعتبر الذهب بالوزن، واعتبر الفضة بالعدد، والمذهب أن المعتبر فيهما الوزن، وأن الإنسان إذا ملك مائة وأربعين مثقالاً من الفضة ـ وتبلغ خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً ـ فإن فيها الزكاة، سواء بلغت مائتي درهم أم لم تبلغ، واستدلوا بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (¬1) فاعتبر الفضة بالوزن. وقال شيخ الإسلام: العبرة بالعدد؛ لحديث أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب فيما كتب في الصدقات: «وفي الرقة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها» (¬2). ووجه الاستدلال بالحديث عنده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدرها بالعدد، وفي عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليست الدراهم متفقة في الوزن، بل بعض ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (67). (¬2) سبق تخريجه ص (31).

الدراهم أزيد من البعض الآخر، فدل ذلك على أن العدد هو المعتبر؛ لأن الدراهم لم تُوحَّد إلا في زمن عبد الملك بن مروان، فوحدها على هذا المقدار، وجعل كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وبناءً على قول الشيخ ـ رحمه الله ـ لو كانت مائتا الدرهم مائة مثقال فقط ففيها الزكاة، وعلى قول من اعتبر الوزن ليس فيها زكاة، وإذا كانت مائةً وثلاثين مثقالاً، ولكنها مئتان من الدراهم عدداً، ففيها زكاة عند الشيخ، وليس فيها زكاة عند الجمهور. وعلى هذا، هل الأحوط أن نعتبر العدد، أو الأحوط أن نعتبر الوزن؟ الجواب: إن كانت الدراهم ثقيلة فاعتبار الوزن أحوط، فخمسون درهماً قد تبلغ خمس أواق إذا كانت ثقيلة، فيكون اعتبار الوزن أحوط، وإن كانت الدراهم خفيفة فاعتبار العدد أحوط، فإذا كان الدرهم لا يبلغ إلا نصف مثقال، فلا شك أن العدد أحوط. والأحاديث متعارضة، فحديث: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ظاهرُهُ سواء بلغت في العدد مائتي درهم أم لم تبلغ، وحديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الذي كتبه في الصدقات: «في الرقة إذا بلغت مائتي درهم» منطوق، والمنطوق مقدم

على المفهوم كما هو معروف في أصول الفقه. ولو ذهب ذاهب إلى أن المعتبر الأحوط، فإن كان اعتبار العدد أحوط وجبت الزكاة، وإن كان الوزن أحوط وجبت الزكاة. لم يكن بعيداً من الصواب. والعدد لا حَظَّ فيه للفقراء منذ زمن بعيد؛ لأن زنة النصاب ستة وخمسون ريالاً سعودياً من الفضة، ولو اعتبرنا العدد في الفضة لم تجب الزكاة في ستة وخمسين؛ لأنها لا تساوي مائتي درهم من حيث العدد، ولو اعتبرنا العدد في الذهب لقلنا: لا زكاة إلا في عشرين جنيهاً، ولو اعتبرنا الوزن لقلنا: تجب الزكاة في عشرة جنيهات، وخمسة أثمان الجنيه؛ لأنها تبلغ خمسةً وثمانين جراماً. مسألة: هل نقول: إذا ملك ستة وخمسين ريالاً من الورق ملك نصاباً من الفضة، أو نقول: إن المعتبر قيمة ستة وخمسين ريالاً من الفضة؟ الجواب: كان الريال السعودي من الورق في أول ظهوره يساوي ريالاً من الفضة، ثم تغيرت الحال فزادت قيمة الريال من الفضة. فالواجب الأخذ بالأحوط، وهو اعتبار قيمة ستة وخمسين ريالاً من الفضة، وأما إيجاب الزكاة في ستة وخمسين ريالاً من الورق، وهي قد لا تساوي إلا شيئاً قليلاً من ريالات الفضة، فهذا فيه إجحاف بصاحب المال كما أنه لا يعتبر غنياً.

ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب

وَيُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ ......... قوله: «ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب». فيه مسألتان: الأولى: هل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب؟ في هذا قولان لأهل العلم: القول الأول: الضم. القول الثاني: عدم الضم. وعلة القول الأول: أن مقصود النقدين واحد، فالدنانير يقصد بها الشراء، والفضة يقصد بها الشراء، فهي قيم الأشياء فمقصودهما واحد، فيضم بعضها إلى بعض، فإذا كان عندك عشرة مثاقيل ومائة درهم، فتضم أحدهما إلى الآخر فيكمل النصاب وتجب عليك الزكاة فيهما، وهذا التعليل منقوض بما سيأتي. واستدل أهل القول الثاني بما يلي: 1 ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (¬1)، وهذا يشمل ما إذا كان عنده من الذهب ما يكمل به خمس أواق، أو لا. 2 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم في الدنانير: «إذا كان لك عشرون ديناراً» (¬2) وهذا يشمل ما إذا كان عنده دون عشرين، وما إذا كان عنده عشرون، فإذا كان عنده دون العشرين فلا زكاة عليه، سواء كان عنده من الفضة ما يكمل به النصاب، أو لا. 3 ـ ومن القياس أن الشعير لا يضم إلى البر في تكميل ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (67). (¬2) سبق تخريجه ص (97).

النصاب، فلو كان عند الإنسان من الشعير نصف نصاب، ومن البر نصف نصاب لم يضم أحدهما إلى الآخر، مع أن المقصود منهما واحد ولا سيما في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهو أنهما قوت، ومع ذلك لا يضم أحدهما إلى الآخر حتى على رأي من قال بضم الذهب إلى الفضة، وكذلك لو كان عند الإنسان نصف نصاب من الضأن ونصف نصاب من البقر، فلا يكمل أحدهما بالآخر مع أن المقصود واحد وهو التنمية، وبهذا ينتقض تعليل القول الأول، فالجنس لا يضم إلى جنس آخر، والنوع يضم إلى نوع آخر كأنواع النخيل. وعليه فإذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم، فلا زكاة عليه؛ لأن الذهب جنس والفضة جنس آخر. وهذا هو القول الراجح، لدلالة السنة، والقياس الصحيح عليه. المسألة الثانية: على القول بالضم فهل يضم بالأجزاء أو بالقيمة؟ المذهب: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة. وقيل: يضم بالقيمة. ويظهر الخلاف في المثال: فإذا كان عند الإنسان ثلث نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، وقيمة ثلث النصاب من الذهب تساوي نصف النصاب من الفضة، فعلى قول من يقول: إنه يضم بالأجزاء، لا يضم؛ لأن عنده ثلث نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، فالمجموع نصاب إلا سدساً

وتضم قيمة العروض إلى كل منهما

فلم يبلغ النصاب، وعلى هذا فلا زكاة عليه على المذهب. وأما من قال: المعتبر القيمة، فإنه يضم الذهب إلى الفضة ويكمل النصاب؛ لأن قيمة ثلث نصاب الذهب تساوي مائة درهم فيكون عنده الآن مائتا درهم فيزكيها. مثال آخر: إذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم فإنه يضم على المذهب، وإذا كان عنده ثمانية دنانير تساوي مائة درهم وعنده مائة درهم فعلى المذهب لا يضم. والصواب من هذين القولين: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة. يستثنى من هذه المسألة أموال الصيارف فإنه يضم فيها الذهب إلى الفضة، لا ضم جنس إلى جنس؛ لأن المراد بهما التجارة، فهما عروض تجارة. وَتُضَمُّ قِيمَةُ العُرُوضِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا .......... قوله: «وتضم قيمة العروض إلى كل منهما». عروض التجارة كل ما أعد للتجارة ولا تُخَصُّ بمال معين كالثياب والعقارات إذا أرادها للتجارة، فهذه تضم في تكميل النصاب إلى الذهب، أو الفضة، فإذا كان عنده مائة درهم من الفضة وعروض تساوي مائة درهم، وجبت عليه الزكاة في الفضة والعروض. فإن قيل: ليس عنده من الفضة نصاب وكذلك العروض؟ قلنا: إنَّ المراد بالعروض القيمة، وإنما الأعمال بالنيات، فصاحب العروض لا يريدها لذاتها؛ لأنه يشتريها اليوم ويبيعها غداً. ولكن بأي قيمة نعتبر العروض؟ هل بالذهب أو الفضة؟

مثاله: إذا كان لشخص ثلث نصاب من الفضة، وثلث نصاب من الذهب، وعروض، إن اعتبره بالفضة بلغ ثلث نصاب، وإن اعتبره بالذهب لم يبلغ ثلث نصاب، فهل يعتبر قيمته بالذهب، أو يعتبر قيمته بالفضة؟ الجواب: قال أهل العلم: إن عروض التجارة تعتبر بالأَحَظِّ للفقراء، فإذا بلغ النصاب من الفضة دون الذهب قومت بالفضة، وإذا كانت تبلغ نصاباً من الذهب دون الفضة قومت بالذهب. وما ذهبوا إليه من ضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة صحيح، ويكون بالأحظ للفقراء. مسألة: إذا قلنا: بضم نصاب الذهب إلى الفضة، بضم قيمة العروض إلى الفضة أو الذهب، فهل نخرج من كل جنس زكاته، أو من أحدها؟ الجواب: المذهب، لا بد أن نخرج زكاة كل جنس منه، فنخرج من الذهب ذهباً، ومن الفضة فضة، لأن الحديث «وفي الرقة ربع العشر» (¬1)، أي: من الفضة. وفي حديث الذهب «نصف دينار» (¬2) أي: من الذهب. فتكون الزكاة في كل جنس منه، كما قالوا في الحبوب والثمار: تخرج من كل نوع. والصحيح: أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين، أي: بالقيمة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (31). (¬2) سبق تخريجه ص (97).

ويباح للذكر من الفضة الخاتم

وَيُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِن الفِضَّةِ الخَاتَمُ، ........... قوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم». ذكر المؤلف ما يباح للرجال والنساء من الذهب والفضة، وهذا له تعلق بالزكاة من جهة الحلي المعد للاستعمال، وإلا فمناسبته لكتاب اللباس أظهر. والمباح: ما كان فعله وتركه سواء، أي: لا يترتب على فعله أو تركه ثواب أو عقاب، فالمباح الأصل بقاؤه على الإباحة إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل، لكن إذا كان وسيلة لشيء أعطي حكمه. فالبيع حلال، قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] هذا هو الأصل، لكن لو بِعْتَ بعد أذان الجمعة الثاني، وأنت ممن تجب عليه الجمعة صار البيع حراماً؛ لأنه وسيلة إلى ترك الصلاة، ولو بعت سلاحاً في زمن فتنة صار حراماً؛ لأن فيه إعانة على الإثم، ولو بعت عنباً لمن يجعله خمراً كان حراماً، ولو احتجت ماء للوضوء صار الشراء واجباً. فإن كان المباح وسيلة لمأمور به أُمِرَ به، وإذا كان وسيلة لمنهي عنه نُهِيَ عنه. وقول بعض الأصوليين: لا وجود للمباح، معللين ذلك بما يلي: أولاً: أنه ليس فيه تكليف. ثانياً: أنه لا بد أن يكون له أثر، وأقلَّ ما فيه أنه تضييع للوقت، وتضييع الوقت مكروه. والصحيح أنه قسم من أقسام الأحكام الشرعية لقوله تعالى:

{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]. وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم». مراد المؤلف بهذا بيان ما الذي يباح من الفضة، وأما حكم لبسه فسنبين. وقوله: «للذكر» يشمل الصغير والكبير، و (ال) في قوله: «الخاتم» هل هي للجنس فيشمل الخاتم والخاتمين، والثلاثة والأربعة والخمسة، أو هي لِلْوَحْدةِ؟ الظاهر: الثاني؛ وأن الإنسان يباح له اتخاذ خاتم واحد، وهذا هو ظاهر كلام المؤلف رحمه الله. وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم». الخاتم: نائب فاعل. أي: إن الله أباح ذلك، وليعلم أنه إذا حذف الفاعل في باب التشريع، أو باب الخلق فإنما يحذف للعلم به؛ لأن الخالق والمشرع هو الله. وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم»؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «اتخذ خاتماً من ورق» (¬1) أي من فضة، ومعلوم أن لنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسوة حسنة، ولا يقول قائل: إن هذا خاص به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، فمن ادعى الخصوصية في شيء فعله الرسول صلّى الله عليه وسلّم فعليه الدليل. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في اللباس/ باب خواتيم الذهب (5865)؛ ومسلم في اللباس والزينة/ باب تحريم خاتم الذهب ... (2091) (54) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

وظاهر كلام المؤلف: أنه جائز، سواء اتخذ الخاتم لحاجة، أو لتقليد وعادة، أو لزينة، لإطلاقه. فمثال الذي يتخذه لحاجة: فكمن له شأن في الأمة، كالحاكم، والأمير، والوزير، والمدير، وما أشبه ذلك أي: يحتاج الناس إلى ختمه فهذا اتخذه لحاجة؛ لأن بقاءه في أصبعه أحفظ من جعله في جيبه؛ لأنه إذا جعله في جيبه ربما يسقط، أو يسرق. ومثال الذي اتخذه تقليداً: فكما يفعل كثير من الناس الآن؛ يتخذ صاحبه خاتماً فيوافقه في ذلك تقليداً، ولا يريد الزينة، ولكن جرت عادة أهل بلده في اتخاذ الخاتم فاتخذه. ومثال الذي يتخذه زينة: فكمن يلبسه يريد أن يتزين به، ولهذا يختار أحسن الفضة لوناً ولمعاناً وشكلاً. وقال بعض العلماء: إنه إذا كان للزينة فلا يحل؛ لأن الله جعل التحلي بالزينة للنساء فقال تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *} [الزخرف]، وما كان من خصائص النساء، فإنه لا يجوز للرجال. والراجح العموم، وأنه جائز للحاجة، والعادة، والزينة. بل إنه لا يوجد نص صحيح في تحريم لباس الفضة على الرجال، لا خاتماً ولا غيره، بل جاء في السنن: «وأما الفضة فالعبوا بها لَعِبَاً» (¬1) يعني اصنعوا ما شئتم بها. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (2/ 334)؛ وأبو داود في الخاتم/ باب ما جاء في الذهب للنساء (4236) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال المنذري في الترغيب (1/ 273): «وإسناده صحيح».

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء: الأصل في لباس الفضة هو الحل حتى يقوم دليل على التحريم. وهذا القول أصح؛ لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، فإذا جاء الإنسان، واتخذ غير الخاتم مما يتزين به من فضة فلا نقول: إن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن الأصل الحل. أما السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك، فهذا حرام من وجه آخر، وهو التشبه بالنساء والتخنث، وربما يساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره لا لذاته. وقوله: «يباح للذكر» أفادنا أن اتخاذ الخاتم من فضة من القسم المباح أي: ليس حراماً، فهل هو مشروع؟ أي: هل يسن أن يتخذ الإنسان خاتماً؟ الجواب: الصحيح أَنَّ لبس الخاتم ليس بسنة إلا لمن يحتاجه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يتخذه، حتى قيل له: «إن الملوك لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً فاتخذ الخاتم» (¬1). مسائل: الأولى: إذا جرت عادة أهل البلد بلبس الخاتم فيجوز لبسه، ولا حرج، وإذا لم تجر العادة فلا يجوز؛ لأنه يكون لباس شهرة يتحدث الناس به. وهنا مسألة لا بد أن نتفطن لها وهي: ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في العلم/ باب ما يذكر في المناولة ... (65)؛ ومسلم في الفضائل/ باب إثبات حوض نبينا صلّى الله عليه وسلّم وصفاته (2092) عن أنس رضي الله عنه.

أن موافقة العادات في غير المحرم هي السنة؛ لأن مخالفة العادات تجعل ذلك شهرة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن لباس الشهرة (¬1)، فيكون ما خالف العادة منهياً عنه. وبناءً على ذلك نقول: هل من السنة أن يتعمم الإنسان؟ ويلبس إزاراً ورداءً؟ الجواب: إن كنا في بلد يفعلون ذلك فهو من السنة، وإذا كنا في بلد لا يعرفون ذلك، ولا يألفونه فليس من السنة. الثانية: أين يوضع الخاتم هل هو في الخنصر، أو البنصر، أو السبابة، أو الإبهام، أو الوسطى؟ الجواب: في الخنصر أفضل ويليه البنصر. الأصابع بالنسبة لوضع الخاتم عند الفقهاء ثلاثة أقسام: قسم مستحب: وهو الخنصر، وقسم مكروه: وهو السبابة والوسطى. وقسم مباح: وهو الإبهام والبنصر، وبعضهم ألحق الإبهام بالسبابة والوسطى. الثالثة: هل يسن الخاتم في اليسار أو اليمين؟ الجواب: قال الإمام أحمد: اليسار أفضل، لثبوته، وضعف الأحاديث الواردة عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يتختم باليمين (¬2)، ¬

_ (¬1) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة تَلَهَّبُ فيه النار». أخرجه أحمد (2/ 92) دون قوله: «تلهب فيه النار»؛ وأبو داود في اللباس/ باب في لبس الشهرة (4029)؛ وابن ماجه في اللباس/ باب من لبس شهرة من الثياب (3606). قال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن. (¬2) الإنصاف 3/ 43، الفروع 2/ 471، أحكام الخواتم 161.

فيكون التختم في اليمين جائزاً، والصحيح أنه سنة في اليمين واليسار (¬1). وقال بعض العلماء: إذا كان قد ختم عليه اسم الله، فلا يكون في اليسرى تكريماً لاسم الله؛ ولأنه يحتاج إلى اليسرى في الاستنجاء، والاستجمار وحينئذٍ إما أن يتكلف بإخراج الخاتم، وإما أن يستنجي والخاتم عليه، وهذا فيه نوع من الإهانة. ويؤخذ من هذه المسألة: أن وضع الساعة في اليد اليمنى ليس أفضل من وضعها في اليد اليسرى؛ لأن الساعة أشبه ما تكون بالخاتم فلا فرق بين أن تضع الساعة في اليمين أو اليسار. لكن لا شك أن وضعها في اليسار أيسر للإنسان، من ناحية التعبئة، ومن ناحية النظر إليها أيضاً، ثم هي أسلم في الغالب، لأن اليمنى أكثر حركة فهي أخطر. والأمر في هذا واسع، فلا يقال: إن السنة أن تلبسها باليمين؛ لأن السنة جاءت في اليمين واليسار في الخاتم، والساعة أشبه شيء به. الرابعة: أين يضع فص خاتمه، على ظاهر كفه أو على باطنه؟ ¬

_ (¬1) أما اليمين، فأخرجه مسلم في اللباس والزينة/ باب في خاتم الورق ... (2094) (62) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (ص) لبس خاتم فضة في يمينه فيه فص حبشي، كان يجعل فصه مما يلي كفه. وأما جعله في اليسار فَلمَا رواه مسلم أيضاً في اللباس والزينة/ باب في لبس الخاتم في الخنصر من اليد (2095) عن أنس رضي الله عنه قال: «كان خاتم النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذه وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى».

الجواب: يجعله مما يلي باطن كفه، لأنه الوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، ولأنه أحفظ له، ولكن عند العمل يقلبه، ويجوز أن يجعله مما يلي ظاهر كفه، فقد روي ذلك عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من فعله (¬2)، والأمر في هذا واسع. الخامسة: هل يكون الفص من جنس الخاتم أو غيره؟ الجواب: يجوز أن يكن الفص من جنس الخاتم، أو من غيره لكن الأولى أن يكون متناسباً مع الخاتم وينهى عن تكبيره؛ لأنه قد يدخل في باب الخيلاء ثم إنه قد يكون فيه تشبه بالنساء؛ لأنهن يكبرن الفص في العادة. السادسة: ما حكم أن ينقش اسم الله على الخاتم؟ الجواب: لا ينبغي ذلك وأقل أحوال الكراهة، لا سيما وأنهم يكتبون اسم الله تعالى مفرداً، ومثله ما يوجد في قلائد النساء، وهذا كله من الأشياء المبتدعة التي توجب أن يكون اسم الله تعالى مبتذلاً، كما أنه إذا جعله في يده اليسرى فإنه يباشر الأذى عند الاستنجاء، وهذا أمر خطير جداً. فإن قال قائل: يرد عليه خاتم الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإن نقشه «محمد رسول الله» فما الجواب على هذا الإيراد؟ فالجواب: أن هذا النقش لحاجة النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث إن هذا هو اسمه وصفته، التي من أجلها اتخذ الخاتم ليكتب للملوك ويخبرهم أنه رسول الله. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ ص (110). (¬2) أخرجه أبو داود في الخاتم/ باب ما جاء في التختم في اليمين أو اليسار (4229).

وإذا اتخذ الإنسان خاتماً لحاجة ونقش عليه اسمه وفي اسمه اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ فإنه إذا دخل الخلاء فلا بأس أن يبقى الخاتم في يده، ولكن قال العلماء: ينبغي أن يضم يده عليه ويجعل فصه داخل كفه، أما حديث: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (¬1) فهو معلول. السابعة: ما حكم استعمال الدبلة بعد الخطوبة أو عقد القران للرجل والمرأة؟ هذه العادة توجد الآن في بعض البلدان الإسلامية فيأتي الزوج والزوجة بخاتمين يكتب اسم الزوج في خاتم الزوجة، واسم الزوجة في خاتم الزوج، فهذا العمل يحتوي على جملة من المحاذير الشرعية: أولاً: أنه يقترن بها عقيدة أن هذا من أسباب التأليف بينهما وقد ذكر أهل العلم أن هذا من الشرك؛ لأنه إثبات سبب لم يثبت شرعاً ولا واقعاً، ثم إن هذا أيضاً من التولة. ثانياً: ذكر الشيخ الألباني أن أصل هذا العمل من النصارى فإنهم يأتون إلى كبيرهم ويضع يده على يد الزوج أو الزوجة ويقول: «باسم الأب باسم الابن باسم الروح» ثم يمر بيده على ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود في الطهارة/ باب الخاتم يكون فيه ذكر الله ... (19)؛ والترمذي في اللباس/ باب ما جاء في نقش الخاتم (1746)؛ والنسائي في الزينة/ باب نزع الخاتم عند دخول الخلاء (8/ 178)؛ وابن ماجه في الطهارة وسننها/ باب ذكر الله عزّ وجل (303) عن أنس بن مالك رضي الله عنه. انظر «التلخيص» (140).

وقبيعة السيف

يديهما ويضع الدبلة في الأصبع المخصص لذلك، ففيها إذاً محذور عظيم وهو التشبه بالنصارى وهو محرم حتى وإن خلت من الاعتقاد الذي ذكرناه أولاً، فتحرم من هذا الباب. ثالثاً: أنه غالباً ما تكون من الذهب، والذهب محرم على الرجال، وقد رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم رجلاً عليه خاتم من ذهب فنزعه من يده وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» فلما انصرف النبي صلّى الله عليه وسلّم قيل له: «خذ خاتمك وانتفع به» فقال: والله لا أخذه آبداً وقد طرحه النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1)، وفي الحديث المشهور: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها» (¬2). فهذه العادة محرمة ينبغي محاربتها والإنكار على من يفعلها حيث اشتملت على هذه المحرمات العظيمة، كما يجب الإنكار على أولئك الرجال الذين يلبسون خواتم أو سلاسل من ذهب كما يقع هذا من بعض المائعين، وأقبح من أولئك الذين يلبسون خروصاً من الذهب في آذانهم. وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ ......... وقوله: «وقبيعة السيف». القبيعة ما يكون على رأس مقبض السيف، وهي مثل القبع. فيجوز أن تحلى هذه القبيعة بالفضة؛ لآثار وردت في ذلك بعضها مرفوع وبعضها موقوف (¬3)؛ ولأن السيف من آلة الحرب، وفي ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في اللباس والزينة/ باب تحريم خاتم الذهب ... (2090) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه أحمد (4/ 394، 407) والنسائي في الزينة/ باب تحريم الذهب على الرجال 8/ 161، والترمذي في أبواب اللباس/ باب ما جاء في الحرير والذهب للرجال (1720) عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (¬3) أخرجه أبو داود في الجهاد/ باب في السيف يُحلّى (2583)؛ والترمذي في الجهاد/ باب ما جاء في السيوف وحليتها (1691)؛ والنسائي في الزينة/ باب حلية السيف (8/ 219) عن أنس رضي الله عنه ورجح الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وأبو حاتم أنه مرسل «التلخيص» (50) وله شاهد من حديث أمامة بن سهل رضي الله عنه، أخرجه النسائي (8/ 219)، قال الحافظ: إسناده صحيح «التلخيص» (50).

تحليته إغاظة للعدو، ولهذا جازت الخيلاء في الحرب، وجاز لباس الحرير في الحرب، وكل شيء يغيظ الكفار فإن الإنسان له فيه أجر، ومفسدة الكبر ولبس الحرير يقابلها مصلحة إغاظة الأعداء، قال الله تعالى: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120]، وقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] فدل ذلك على أن إغاظة الكفار مرادة لله ـ عزّ وجل ـ وأن فيها أجراً. إذاً، أغيظ الكفار لأمرين: أولاً: لموافقة مراد الله. ثانياً: العمل الصالح الذي فيه الأجر. ولكن هذا لا يعني ألا ندعوهم إلى الإسلام، بل نفعل ما يغيظهم، وندعوهم إلى الإسلام فنجمع بين الأمرين ونحصل على المصلحتين،

وحلية المنطقة، ونحوه

ولأن في تحلية قبيعة السيف بالفضة، تقوية في الجهاد في سبيل الله، فإن الكفار إذا رأوا سيوف المسلمين بهذه المثابة عظموهم، وقالوا: إن لديهم قوة مالية. وَحِليَةُ المِنْطَقَةِ، وَنَحْوِهِ، .......... قوله: «وحلية المنطقة». والمنطقة ما يشد به الوسط، فالعمال في الحرث، والاحتطاب يتخذون مناطق لتشدهم وتقويهم من وجه، وترفع ثيابهم من وجه آخر، فهذه المنطقة يجوز أن تحلّى بالفضة؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلوا ذلك، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ من أن التحلي بالفضة، الأصل فيه الجواز، ما لم يصل إلى حد الإسراف. وقوله: «ونحوه». أي: نحو ما ذكر. قال في الروض: «كحلية الجوشن، والخوذة، والخف، والران، وحمائل السيف» (¬1)؛ لأن هذا يشبه المنطقة، وإذا جاز ذلك في المنطقة فهذه مثلها، كما أن في ذلك إغاظة للكافرين ومن هنا نأخذ أن قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ليست على إطلاقها، بل يكون ذلك عند التساوي أو رجحان المفاسد، أما إذا رجحت المصالح فإنه تغتفر المفاسد بجانب تلك المصالح، ولهذا أجاز الشرع بعض المسائل الربوية من أجل المصلحة، مثل بيع العرايا. ¬

_ (¬1) «الروض المربع» (3/ 251).

ومن الذهب قبيعة السيف، وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه

مسألة: هل يجوز الشرب والأكل في آنية الفضة؟ الجواب: ورد النص بتحريم الأكل والشرب في آنية الفضة، فلا يجوز للإنسان أن يتخذ ملعقة من فضة يأكل بها، وهذا مما يشترك فيه النساء والرجال بالنسبة لتحريم الذهب والفضة. مسألة: هل يجوز أن يتخذ قلماً فيه فضة؟ الجواب: لا بأس، بشرط ألا يستعمله لباساً، إن قلنا بتحريم اللباس ما عدا المستثنى. أما إذا قلنا: الأصل الحل فلا بأس أن يتخذ قلماً غطاؤه من الفضة أو جرابه كله من الفضة؛ لأن الأصل فيه الحل. وَمِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيفِ، وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ وَنَحْوِهِ ........ قوله: «ومن الذهب قبيعة السيف». أي: يباح للذكر من الذهب قبيعة السيف، وقبيعة السيف هي: رأس مقبض السيف، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه: «اتخذ ذهباً على مقبض السيف» (¬1)؛ ولأنه من آلات الحرب ففي اتخاذ ذلك إغاظة للكفار، لكن يجب الاقتصار في اتخاذ الذهب في آلات الحرب على ما جاء عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من الشيء اليسير كمسمار الذهب ونحوه. وقوله: «وما دعت إليه ضرورة، كأنف». أي: يباح له ما دعت إليه الضرورة كالأنف لو قطع، واحتاج الإنسان أن يزيل التشوه فلا بأس أن يتخذ أنفاً من ذهب. فإذا قال قائل: لماذا لا يتخذ الفضة؟ ¬

_ (¬1) لم نقف عليه.

فالجواب: أن الفضة تنتن، فإن عرفجة بن أسعد ـ رضي الله عنه ـ قطع أنفه، فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن، ثم اتخذ أنفاً من ذهب بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬1). وهل يشترط أن يضطر إلى كونه من الذهب، بمعنى أنه لو أمكن أن يركب غير الذهب حرم عليه الذهب؟ الجواب: قول المؤلف: «ما دعت إليه الضرورة» يقتضي أنه لا بد أن يضطر إلى عين الذهب، لا إلى وضع الأنف، وبناء على ذلك فإنه في وقتنا الحاضر يمكن أن يقوم مقامه شيء آخر فينقلون من بعض أجزاء الجسم شيئاً يضعونه على الأنف، فيكون كالأنف الطبيعي من اللحم، وهذا أحسن من كونه من ذهب، فإن أمكن أن يجعل من مادة أخرى غير الذهب فإنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وإذا رَكَّبَ الإنسان أنفاً من ذهب مع وجود البديل عنه، وكان يتضرر بخلعه، فلا يلزمه ذلك. قوله: «ونحوه» أي: مثل السن والأذن. مثاله: رجل انكسر سنه، واحتاج إلى رباط من الذهب، أو سن من الذهب، فإنه لا بأس به. ولكن إذا كان يمكن أن يجعل له سناً من غير الذهب، كالأسنان المعروفة الآن، فالظاهر أنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ليس بضرورة، ثم إن غير الذهب وهي المادة المصنوعة أقرب إلى السن الطبيعي من سن الذهب، وكذلك إذا اسودّ السن ولم ينكسر ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 23) وأبو داود في الخاتم/ باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب (4232) والنسائي في الزينة/ باب من أصيب أنفه ... (8/ 163) والترمذي في اللباس/ باب ما جاء في شد الأسنان بالذهب (1770) عن عرفجة ـ رضي الله عنه ـ وصححه ابن حبان (5462) وانظر التلخيص (2/ 176).

فإنه لا يجوز تلبيسه بالذهب؛ لأنه لا يعتبر ضرورة ما لم يخش تكسره أو تآكله فإنه يجوز. مسائل: الأولى: هل يجوز أن يلبس الرجل ساعة محلاة بالفضة، أو بالذهب؟ الجواب: على القول الراجح يجوز أن يلبس ساعة محلاة بالفضة؛ لأن الأصل في الفضة الحل. أَمَّا لبس ساعة محلاة بالذهب فإنه لا يجوز؛ لأن الذهب حرام على الرجال. لكن إذا كانت الساعة مطلية بالذهب، والذهب فيها مجرد لون فقط فهي جائزة، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يلبسها لوجهين: الوجه الأول: أنه يُساء به الظن أنه لبس ساعة من ذهب؛ لأن الناس لا يدرون. الوجه الثاني: أنه ربما يُقتدى به، فالناس يقتدي بعضهم ببعض. فنقول للإنسان إذا أتته ساعة مطلية بذهب هدية أو نحو ذلك: الأفضل ألا تلبسها، وإن لبستها فلا حرج. لكن العلماء اشترطوا في المطلية بالذهب ألا يكون للذهب جرم أي: قشرة، بحيث يخرج منه شيء لو حك أو عرض على النار، فأما مجرد اللون فلا بأس. فإن قال قائل: إذا كانت الساعة ليست ذهباً ولا مطلية به، لكن في آلاتها شيء من الذهب هل تجوز؟

الجواب: نعم لا بأس به؛ لأنه إذا كان في الآلات الداخلية، فإنه لا يرى ولا يعلم به، وإن كان في الآلات الخارجية كالعقرب مثلاً؛ فإنه يصير تابعاً فلا يضر. ولكن يبقى النظر، هل يجوز للإنسان أن يشتري ساعة فيها قطع من الذهب؟ الجواب: فيه تفصيل: إذا كان لباس مثله لها يعتبر إسرافاً دخلت في حد الإسراف، وقد قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. وقلنا: هذا ليس لباس مثلك، وإذا كان لا يعد إسرافاً فالأصل الجواز. الثانية: لو وضع الرجل ساعة الذهب في جيبه ولم يلبسها فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يعد هذا لبساً. الثالثة: ساعة الألماس جائزة في ذاتها، لكن قد تحرم من باب الإسراف. الرابعة: القصب الموجود في المشالح، يقولون: إنه محلى بالذهب، وبعض المشالح فيه خيوط بعضها إصبعان وبعضها ثلاثة، وبعضها أربعة من الذهب. فالمذهب: إن كان ذهباً فحرام، ولا يجوز لبسه. ولكن هذه المسألة يعتريها أمران: الأول: أننا لا نسلم أن هذا ذهب، وقد حدثنا شيخنا عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ عن شيخه محمد بن إبراهيم

ـ رحمه الله ـ أنهم اختبروا هذا فوجدوا أنه ليس بذهب، وعلى هذا فالمسألة غير واردة من الأصل. الثاني: لو فرضنا أنها كانت ذهباً، فإن حبر زمانه، وإمام أهل وقته، شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، يقول: يجوز من الذهب التابع ما يجوز من الحرير التابع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم، جعل حكمهما واحداً فقال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها» (¬1). وعلى هذا فالذي يوجد في المشالح لا يصل إلى درجة التحريم؛ لأن المحرم من الحرير هي الثياب الخالصة وما أكثره حرير، وما كان زائداً على أربعة أصابع، أما إذا كان علماً أربعة أصابع فما دون، فلا بأس به من الحرير، وعلى قول الشيخ لا بأس به ولو من الذهب. ولكن إذا قلنا بجواز شيء فهو جائز لذاته، وقد يصير حراماً من وجه آخر فيكون حراماً لغيره. مثال ذلك: لو قدرنا أن رجلاً لبس الذهب الخالص بجعله مرصعاً في بشته لقال الناس: هذا مسرف أو مجنون، فحينئذٍ نقول: يحرم من أجل الإسراف، وهذه قاعدة في كل المباحات «كل مباح إذا اشتمل على محرم صار حراماً». الخامسة: فراش الحرير هل يجوز للنساء؟ الذي يظهر لي عدم جوازه؛ لأنه لا يتعلق بلباسها الذي أبيح لها فيه الحرير، من أجل التجمل. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (113).

ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه

وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، ............. وقوله: «ويباح للنساء من الذهب والفضة» أي؛ يحل، والإباحة بمعنى الحل، والمبيح هو الشارع، والحكمة من إباحة ذلك للنساء دون الرجال أنها محتاجة للتجمل به، والتزين، فأبيح لها ما يكمِّل نقصها، بخلاف الرجال فليسوا بحاجة لذلك، وبهذا يظهر أن إباحة ذلك للمرأة رحمة بها وبزوجها. قوله: «ما جرت عادتهن بلبسه». «ما» اسم موصول في محل رفع نائب فاعل، أي: الذي جرت عادتهن بلبسه على أي وجه كان، سواء كان على الرأس أو في اليد أو في الصدر أو في العنق أو في الأذن أو في الرجل، وسواء كثر أو قل لكن بشرط ألا يخرج عن العادة، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن ما خرج عن العادة إسراف، والإسراف حرام لقول الله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. وقوله: «ما جرت عادتهن» العادة تختلف باختلاف البلدان، والأزمان، والأحوال. فاختلاف البلدان: قد يكون في هذا البلد جرت العادة أن يلبس النساء هذا النوع من الذهب، بخلاف البلد الآخر. واختلاف الأزمان: كأن يكون الناس في زمان الرخاء تكثر الأموال عندهم، فيلبس النساء من الذهب شيئاً كثيراً، أو بالعكس، فيكون الجائز في الزمن الأول غير جائز في الزمن الثاني. وأما اختلاف الأحوال فهذه امرأة فقيرة، وهذه امرأة غنية،

ولو كثر

وهذه امرأة ملك، وهذه امرأة وزير، وهذه امرأة رئيس، فالأحوال تختلف، فامرأة الفقير التي لا تملك إلا دراهم قليلة ليست كامرأة الملك. وَلَوْ كَثُرَ ......... قوله: «ولو كثر»، «لو» إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء قال: يشترط ألا يزيد على ألف مثقال، أو ما أشبه ذلك، وجهه أن ما زاد على ذلك إسراف، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا إذا ربطنا الحكم بالإسراف فقد يحرم ما يزيد على خمسمائة مثقال، وقد يباح ما يزيد على ألف مثقال، وذلك باختلاف الأحوال. وقال آخرون: إنه لا تحديد، بل ما جرت به العادة فهو مباح قلَّ أو كثر، ودليله عموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها» (¬1)، وهو الصواب. مسائل: الأولى: حكم لبس الذهب المحلَّق. ذهب بعض أهل العلم إلى تحريمه، واستدلوا لذلك بأحاديث، وهو قول ضعيف، والصواب أنه جائز، ويكاد أن يكون إجماعاً من أهل العلم، وقد سلكوا في الجواب عن أحاديث القائلين بالتحريم أحد ثلاثة مسالك: 1 ـ أنها ضعيفة السند. 2 ـ أنها شاذة لمخالفتها الأدلة الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز لبس الخواتيم، وهي محلقة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (113).

3 ـ أنها منسوخة فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرم لبس المحلق من الذهب أول الأمر ثم أباحه بعد ذلك، وقد كتب الشيخ عبد العزيز بن باز ردّاً على القول بتحريم الذهب المحلق، وكذلك الشيخ إسماعيل الأنصاري له رسالة في ذلك. الثانية: قال في «الروض»: «ويباح لهما» أي: للذكر والأنثى «تَحَلٍّ بجوهر ونحوه»، مثل: الألماس «وكره تختمهما بحديد وصفر ونحاس ورصاص»، قوله: «ويباح لهما ... ». دليل الإباحة عموم قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] واللام في قوله: «لكم» للتعليل وهو أولى من القول بأنها للإباحة، وإذا كان مخلوقاً من أجلنا فلا بد أن يكون مباحاً لنا؛ لأن التعليل يستفاد منه الإباحة، ويستفاد منه رحمة الله بالخلق وأنه خلق من أجلنا ما في الأرض من المنافع. لكن قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البقرة: 279] هذه اللام للإباحة بلا شك يعني يباح لكم رؤوس أموالكم. وقوله في الروض: «يباح لهما .. تحل بجوهر» هذا مشروط في الذكر بألا يتحلى بما يشبه تحلي المرأة، لتحريم تشبه الرجال بالنساء. وقوله في «الروض»: «وكره تختمهما بحديد» هذا موضع خلاف بين أهل العلم: قال بعض العلماء: مباح؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «التمس ولو خاتماً من حديد» والحديث في الصحيحين (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في النكاح/ باب التزويج على القرآن وبغير صداق (5149)؛ ومسلم في النكاح/ باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد. (1425) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.

وقيل: إنه مكروه؛ لأن رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وعليه خاتم من شَبَه فقال: «مالي أجد فيك ريح الأصنام، فطرحه، ثم جاءه وعليه خاتم من حديد، فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه» (¬1) قال الخطابي: أي: زي الكفار، وهم أهل النار. وأجاب القائلون بالإباحة عن هذا الحديث بأنه ضعيف، وشاذ؛ لأنه مخالف لما هو أوثق منه، والأوثق منه ما في الصحيحين «التمس ولو خاتماً من حديد». وهذا في سنده نظر، وفي متنه نظر، ومعلوم أن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة القادحة، ثم ينبغي إن صححنا الحديث وجعلناه حجة أن نقول: يحرم لباس الحديد، لأنَّ التحلي بحلية أهل النار لا يجوز. لكن لهم أن يجيبوا بأننا لا نجزم بالتحريم، لعدم جزمنا بثبوت الحديث، لكن نقول بالكراهة من باب الاحتياط. وقد ذهب بعض الفقهاء والمحدثين إلى أن الحديث إذا لم يكن مردوداً فإنه يولد شبهة، وإذا ولد شبهة كان في منزلة بين منزلتين، فإن كان أمراً فهو بين الإيجاب وبراءة الذمة فيكون الأمر ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود في الخاتم/ باب ما جاء في خاتم الحديد (4223)؛ والترمذي في اللباس/ باب ما جاء في خاتم الحديد (1785)؛ والنسائي في الزينة/ باب مقدار ما يجعل في الخاتم من الفضة (8/ 172) عن بريدة رضي الله عنه. قال الترمذي: «هذا حديث غريب» وضعفه النووي في المجموع (4/ 465)، ومعنى «شبه» في الحديث: النحاس الأصفر، كما في القاموس.

ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال، أو العارية

للاستحباب، وإن كان نهياً فهو بين التحريم والإباحة فيكون مكروهاً. وهذه قاعدة قد تؤخذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (¬1). والراجح عندي إباحة التحلي بالحديد، وغيره إلا الذهب، وعدم كراهة ذلك. وَلاَ زَكَاةَ فِي حُلَيِّهِمَا المُعَدِّ لِلاسْتِعْمَالِ، أَوِ العَارِيَةِ، ......... قوله: «ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال، أو العارية» (¬2). «حليهما» أي: حلي «الذكر والأنثى»، ولكن لا بد من قيد وهو الإباحة؛ لأن المؤلف قال في آخر الكلام: «أو كان محرماً ففيه الزكاة». فتسقط زكاة الحلي بشرطين: أولاً: أن يكون مباحاً. ثانياً: أن يكون معداً للاستعمال، أو العارية، سواء استعمل وأعير، أو لم يستعمل ولم يعر. أما الشرط الأول وهو الإباحة؛ فلأن سقوط الزكاة عن الحلي من باب الرخصة، ومستعمل المحرم ليس أهلاً للرخصة. مثاله: لو اتخذ الرجل خاتماً من ذهب لوجبت عليه الزكاة في هذا الخاتم إذا بلغ النصاب، أو كان عنده ما يكمل به النصاب؛ لأنه محرم. ¬

_ (¬1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 200) والترمذي في صفة القيامة/ باب منه (2518) والنسائي في الأشربة/ باب الحث على ترك الشبهات (8/ 327) عن الحسن بن علي رضي الله عنهما وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة (2348) وابن حبان (722). (¬2) راجع رسالة شيخنا في زكاة الحلي، وهي مرفقة في آخر كتاب الزكاة.

أو اتخذت امرأة حلياً على شكل ثعبان أو شكل فراشة أو ما أشبه ذلك من صور ذوات الأرواح، فإن عليها فيه الزكاة؛ لأنه محرم؛ إذ يحرم على الإنسان ما فيه صورة حيوان، أو ما صنع على صورة حيوان. وأما الشرط الثاني: وهو كونه معداً للاستعمال، أو العارية، أي: للاستعمال الشخصي، أو العارية، وهي بذل العين لمن ينتفع بها ويردها، وهي إحسان محض. ويخرج بهذا التعريف الإجارة، والرهن، وما أشبه ذلك، ولهذا نقول: إن المستعير لا يملك أن يعير غيره، والمستأجر يملك أن يؤجر غيره بشروط معروفة عند العلماء؛ لأن المستعير مالك للانتفاع، والمستأجر مالك للمنفعة، فمالك المنفعة يتصرف فيها، ومالك الانتفاع لا يتصرف. فالمعد للاستعمال، أو العارية ليس فيه زكاة. واستدلوا بما يلي: 1 ـ أنه يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» (¬1). 2 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء يوم العيد: «تصدقن ولو من حليّكن» (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 107)، وابن الجوزي في التحقيق (1148)؛ وضعفه الدارقطني؛ انظر: «نصب الراية» (2/ 347)، وقال البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (3/ 298): «لا أصل له». (¬2) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب الزكاة على الزوج (1466)؛ ومسلم في الزكاة/ باب فضل النفقة والصدقة ... (1000) عن زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما.

3 ـ أنه قول أنس (¬1)، وجابر (¬2)، وابن عمر (¬3)، وعائشة (¬4)، وأسماء (¬5)، خمسة من الصحابة رضي الله عنهم. 4 ـ أن هذا الحلي معد لحاجة الإنسان الخاصة، ولقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (¬6) وهذا مثل العبد، والفرس، والثياب، وهي لا زكاة فيها. 5 ـ أن هذا الحلي ليس مرصداً للنماء فلا تجب فيه الزكاة كالثوب والعباءة. وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد، ومالك، والشافعي ـ رحمهم الله ـ على خلاف بينهم في بعض المسائل، لكن في الجملة اتفقوا على عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 154)؛ وأبو عبيد في الأموال (1277)؛ والدارقطني (2/ 109)؛ والبيهقي (4/ 138). (¬2) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 155)؛ وعبد الرزاق (7046)؛ والشافعي في «المسند» (629) (ترتيب)؛ وأبو عبيد في الأموال (1275)؛ والبيهقي (4/ 138). (¬3) أخرجه مالك (1/ 250)؛ وابن أبي شيبة (3/ 154)؛ وعبد الرزاق (7047)؛ والشافعي في «المسند» (628)؛ وأبو عبيد في «الأموال» (1276)؛ والدارقطني (2/ 109)؛ والبيهقي (4/ 138). (¬4) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 250)؛ والشافعي في «المسند» (267)؛ وابن أبي شيبة (3/ 154)؛ وعبد الرزاق (7051)؛ وأبو عبيد في الأموال (1278)؛ والبيهقي (4/ 138)؛ وصححه ابن حزم في المحلى (6/ 79). (¬5) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 155)؛ والدارقطني (2/ 109)؛ والبيهقي (4/ 138). (¬6) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب ليس على المسلم في عبده صدقة (1464)؛ ومسلم في الزكاة/ باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه (982) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب أبي حنيفة: أنَّ الزكاة واجبة في الحلي من الذهب والفضة، واستدلوا بما يلي: 1 ـ ما رواه أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (¬1) وهذا عام، والمرأة التي عندها حلي، سواء أكان حلي فضة أو ذهب، صاحبة ذهب أو فضة، وهذا العموم يشمل الحلي وغير الحلي، ومن قال: إن الحلي خارج منه فعليه الدليل. 2 ـ ما رواه أهل السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم» (¬2)، ومن أعلّ رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده بالانقطاع فهو مخطئ، فالأئمة كأحمد، والبخاري، ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (6). (¬2) أخرجه الإمام أحمد (2/ 178)؛ وأبو داود في الزكاة/ باب الكنز ما هو وزكاة الحلي (1563)؛ والترمذي في الزكاة/ باب ما جاء في زكاة الحلي (637)؛ والنسائي في الزكاة/ باب زكاة الحلي (5/ 38)، وصححه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (5/ 366) وقال الحافظ في البلوغ (620): إسناده قوي.

ويحيى بن معين يحتجون به، حتى إنَّ بعض المحدثين قال: إذا صح السند إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهو كمالك عن نافع عن ابن عمر، لكن هذا مبالغة. وهذا الحديث له شاهد في الصحيح، وهو ما ذكرناه أولاً وله شاهد أيضاً في غير الصحيح من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. 3 ـ حديث عائشة رضي الله عنها (¬1). 4 ـ حديث أم سلمة رضي الله عنها (¬2). ولا شك أن هذه الأدلة أقوى مِنْ أدلة مَنْ قال بعدم الوجوب. فإن قال قائل: بماذا نجيب عن أدلة القائلين بعدم الوجوب؟ ¬

_ (¬1) حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله، قال: حسبك من النار». أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب الكنز ما هو، وزكاة الحلي (1565)؛ والدارقطني (2/ 105)؛ والحاكم (1/ 389)، والبيهقي (4/ 139). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ونقل الزيلعي في «نصب الراية» (2/ 371) عن ابن دقيق العيد أنه قال: «الحديث على شرط مسلم». (¬2) حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز». أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي (1564)؛ والحاكم (1/ 390)؛ والدارقطني (2/ 105)؛ والبيهقي (4/ 140). وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

قلنا: نجيب بما يلي: أما الحديث: «ليس في الحلي زكاة» (¬1) فإنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، فضلاً عن أن يعارض عموم الحديث الصحيح. ثم إن المستدلين به لا يقولون بموجبه، فلو أخذنا بموجبه لكان الحلي لا زكاة فيه مطلقاً، وهم لا يقولون بذلك، فيقولون: إن الحلي المعد للإجارة، أو النفقة فيه الزكاة، وهذا معناه أننا أخذنا بالحديث من وجه، وتركناه من وجه آخر، هذا لو صح الحديث. وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء يوم العيد: «تصدقن ولو من حليكن» (¬2) فلا دلالة فيه على عدم وجوب الزكاة في الحلي؛ كما لو قلت لآخر قد أعد مالاً للنفقة، وقد بلغ نصاباً: تصدق ولو من نفقتك، فلا يدل ذلك على عدم وجوب الزكاة في هذا المال. وأما ما روي عن الصحابة الخمسة، فهو لا يقاوم عمومات الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا سيما أن هناك دليلاً خاصاً في الموضوع، وهو حديث المرأة التي معها ابنتها، فإنه نص في الموضوع، ولا عبرة بقول أحد مع قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما أنها معارضة بآثار غيرهم من الصحابة. وأما القياس فهو باطل لوجوه: الأول: أنه في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه يكون فاسد الاعتبار. الثاني: أنه قياس مع الفارق لأن الأصل في الذهب والفضة ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (126). (¬2) سبق تخريجه ص (126).

وجوب الزكاة، وليس الأصل في الفرس، والعبد، والثياب، وجوب الزكاة فكيف نقيس ما أصله الزكاة، على شيء الأصل فيه عدم الزكاة؟! الثالث: أنه متناقض؛ لأنه لو كان له عبد قد أعده للأجرة، فليس فيه زكاة، ولو كان عنده خيل أعدها للأجرة، فليس فيها الزكاة، ولو كان عنده حلي أعده للأجرة، ففيه الزكاة! وأيضاً لو كان عنده حلي أعده للنفقة ففيه الزكاة، ولو كان عنده أثاث ونحوه قد أعده للنفقة كلما احتاج باع منه فليس فيه زكاة. ولو كان عنده ثياب للاستعمال ثم نواها للتجارة فليس فيها زكاة على المذهب بخلاف الحلي. إذاً لا يصح القياس، ومن الغريب أنه على قولهم لا تجب الزكاة في حلي امرأة قد أعدته للتجمل مع كونه من الكماليات وتجب الزكاة في حلي امرأة فقيرة قد أعدته للنفقة، وكان مقتضى الحكمة أن تجب الزكاة على من أعدته للكماليات لا على من أعدته للضروريات. وأما قولهم: إن الحلي غير مرصد للنماء، فالجواب أن الذهب والفضة لا يشترط فيهما الرصد للنماء بدليل أن الإنسان لو كان عنده دراهم أو دنانير قد ادخرها لا يبيع فيها ولا يشتري وإنما يأكل منها، أو أعدها لزواج أو شراء بيت فتجب فيها الزكاة لوجوبها في عينها. إيرادات على أدلة القائلين بالوجوب: أولاً: قالوا: يرد على قولكم: إن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من صاحب

ذهب ولا فضة» (¬1) للعموم، أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «في الرقة ربع العشر» (¬2) والرقة هي الفضة المضروبة؛ لقوله تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} فالرقة هي الدراهم، فيحمل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة» على الفضة المضروبة، والذهب المضروب. فالجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أننا لا نسلم أن المراد بالرقة السكة المضروبة؛ لأن ابن حزم ـ رحمه الله ـ قال: الرقة اسم للفضة مطلقاً، سواء ضربت أم لم تضرب، فإن قلنا: ابن حزم حجة في اللغة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: ليس بحجة، قلنا: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «في الرقة في مائتي درهم ربع العشر» وقال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» (¬3)، فهذا دليل على أن المعتبر مجرد الفضة. الوجه الثاني: أن نقول: لو سلم أن المراد بالورق الفضة المضروبة دراهم، فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يعتبر تخصيصاً. أرأيت لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم محمداً وهو منهم، فهل هذا يخصص العام أو لا؟. الجواب: الثاني، فيكرم الجميع، ويكون لمحمد مزية خاصة في الإكرام. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (6). (¬2) سبق تخريجه ص (31). (¬3) سبق تخريجه ص (67).

ثانياً: قالوا: إن حديث المرأة وابنتها لا يستقيم الاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: أننا لا نعلم هل بلغ النصاب، أم لا؟ وأنتم تقولون: لا تجب الزكاة فيما دون النصاب. الوجه الثاني: كيف يقول: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار» (¬1) وهي ـ جاهلة ـ والجاهل معذور لا يهدد. أجاب عن هذا أهل العلم القائلون بالوجوب بما يلي: أما الوجه الأول: فأجيب عنه بأجوبة هي: الجواب الأول: قال سفيان الثوري: تضمه إلى ما عندها، ومعلوم أن الذهب القليل إذا ضم للكثير بلغ النصاب. الجواب الثاني: قالوا: نحن نوجب الزكاة في الحلي، وسواء بلغ النصاب أم لم يبلغ؛ لظاهر هذا الحديث. الجواب الثالث: أن في بعض ألفاظ الحديث: «مسكتان غليظتان»، والمسكتان الغليظتان تبلغان النصاب، فتحمل الروايات الأخرى على هذه الرواية، من أجل أن يتحقق اشتراط النصاب. وأما عن الوجه الثاني: وهو تهديدها بالعذاب وهي جاهلة فأجابوا عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن المقصود تثبيت الحكم بقطع النظر عن الحكم على هذا المعين، وهذا الجواب عميق جداً، وهو أن من منع زكاة الحلي في السوارين فإنه يسور بهما يوم القيامة بسوارين من نار. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (128).

الثاني: أن التقدير: أيسرك أن يسورك الله بهما بسوارين من نار إن لم تؤدي زكاتهما، فيكون الحديث على تقدير شرط معلوم من الشريعة، وهو أن الوعيد على من لم يؤد الزكاة، أما من أداها فلا وعيد عليه. والجواب الأول: وهو أن المراد إثبات الحكم بغض النظر عن هذا المعين، قاعدة مفيدة، ومن أمثلة هذه القاعدة المفيدة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرَّ على رجلين في البقيع أحدهما يحجم الآخر، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفطر الحاجم والمحجوم» (¬1). يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: إنه أورد على شيخه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قال: كيف نقول: إن الجاهل لا يفطر، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: إن هذا المراد به إثبات الحكم بقطع النظر عن هذين الشخصين المعينين، فإذا ثبت الحكم نظرنا في الشخص المعين، وطبقنا عليه شروط لزوم مقتضى هذا الحكم. وهذا في الحقيقة قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ لأن الشرع ليس شرعاً لزيد وعمرو فقط، بل للأمة جميعاً، ونصوصه لا يصادم بعضها بعضاً. وهذه المسألة؛ أعني زكاة الحلي اختلف الناس فيها كثيراً، وظهر الخلاف في الآونة الأخيرة؛ حيث كان الناس في نجدٍ ¬

_ (¬1) يأتي تخريجه ص (379).

فإن أعد للكرى، أو للنفقة، أو كان محرما ففيه الزكاة

والحجاز لا يعرفون إلا المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ وهو عدم وجوب زكاة الحلي، ثم لما ظهر القول بوجوب الزكاة في الحلي على يد شيخنا: عبد العزيز بن باز وفقه الله، صار الناس يبحثون في هذه المسألة، وكثر القائلون بذلك وشاع القول بها، والحمد لله، وهذا القول مع كونه أظهر دليلاً وأصح تعليلاً هو متقضى الاحتياط. فَإِنْ أُعِدَّ لِلْكِرَى، أَوْ للنَّفَقَةِ، أَوْ كَانَ مُحَرَّماً فَفِيهِ الزَّكاة ............ قوله: «فإن أعد للكرى أو للنفقة، أو كان محرماً ففيه الزكاة» أي: إن أعد الحلي للكرى أي: للأجرة بأن يكون عند المرأة حلي تعده للإيجار، تؤجره النساء في المناسبات ففيه الزكاة؛ لأنه خرج عن الاستعمال الذي أسقط الزكاة، وصار معداً للنماء، وكذلك إذا أعد للنفقة، بأن يكون عند امرأة حلي أعدته للنفقة كلما احتاجت إلى طعام أو شراب أو أجرة بيت، أو غير ذلك، أخذت منه وباعت وأنفقت، ففيه الزكاة؛ لأنه الآن يشبه النقود حيث أعد للبيع أو الشراء، أو نحو ذلك. وقوله: «أو كان محرماً» كما لو كان على صورة حيوان أو فراشة، أو ثعبان أو بلغ حد الإسراف، أو غير ذلك ففيه الزكاة، أو كان ذهباً على رجل ففيه الزكاة؛ لأنه إنما أسقطت الزكاة في الحلي المعد للاستعمال تسهيلاً على المكلف، وتيسيراً عليه وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يستباح بالمعصية. وعلى هذه القاعدة مشى أكثر أهل العلم، فقالوا ـ مثلاً ـ: السفر المحرم لا يبيح الرخص، وقالوا: إن الخف أو الجورب المحرم لا يباح مسحه، وما أشبه ذلك بناءً على أن هذه رخص لا

تنال بالمعاصي، ويقال للعاصي: تب، فإذا تاب عاد الأمر كما كان عليه. مسألة: إذا كان محرماً تجب فيه الزكاة، فهل المعتبر وزنه أو قيمته؟ الجواب: المذهب يعتبر وزنه؛ لأن قيمته مبنية على كونه محرماً، والمحرم لا يجوز أن يقوم شرعاً، فنعتبر وزنه نصاباً وإخراجاً. وبهذا نعرف أن الحلي ثلاثة أقسام: 1 ـ قسم يعتبر بوزنه نصاباً وإخراجاً. 2 ـ قسم يعتبر بقيمته نصاباً وإخراجاً. 3 ـ قسم يعتبر بوزنه نصاباً، وقيمته إخراجاً. أما الأول: وهو الذي يعتبر الوزن نصاباً وإخراجاً فهو الحلي المحرم، ومنه أيضاً الأواني المحرمة من الذهب والفضة. مثال ذلك: رجل عنده كأس من الذهب زنته عشرون مثقالاً، ولكن قيمته عشرون مثقالاً تساوي ألفي ريال، لكن هذا الذهب عندما صنع كأساً من ذهب، أصبحت قيمته ثلاثة آلاف ريال، فهل نعتبر القيمة أو نعتبر الوزن؟ الجواب: نعتبره نصاباً من الذهب غير مصنوع، وقيمته ألفا ريال، وهذا هو المذهب، ويعللون بأن هذه القيمة الزائدة في مقابل صنعة محرمة فلا عبرة بها؛ لأنه يجب عليه أن يغير هذه

الصنعة، وإذا قلنا: يجب إخراج الزكاة معتبرين الصنعة فمعنى ذلك ضمناً إقراره على ذلك. والصحيح في مسألة المحرم أنه ينبغي أن يُعْتَبر بقيمته، مثل الحلي المباح، لكن القيمة الزائدة في مقابل صنعة محرمة تجعل في بيت المال. وأما الثاني: وهو الذي يعتبر بالقيمة نصاباً وإخراجاً، فهو ما أعد للتجارة من العروض. مثال ذلك: رجل يتاجر بالحلي، عنده حلي يبلغ عشرة مثاقيل، فهذه لم تبلغ النصاب من الذهب، ولكن قيمة هذه العشرة أربعمائة درهم فقد بلغ النصاب من الفضة، فتجب فيه الزكاة؛ لأنه بلغ النصاب بالقيمة. وأما الثالث: وهو الذي يعتبر بوزنه نصاباً وبقيمته إخراجاً فهو الحلي المباح. مثال ذلك: امرأة عندها حلي من الذهب يبلغ عشرين مثقالاً ففيه الزكاة، وقيمتها غير مصنوعة ألفا ريال، وقيمتها مصنوعة ثلاثة آلاف ريال، فهي تزكي ثلاثة آلاف ريال؛ لأن هذه صفة مباحة فتقوم شرعاً. مثال آخر: امرأة عندها خمسة عشر مثقالاً قيمتها ثلاثمائة درهم، فإنها لا تزكي منها لأنه لم يبلغ وزنها نصاباً.

باب زكاة العروض

بَابُ زَكَاةِ العُرُوضِ قوله: «العروض» جمعُ عَرَضٍ أو عَرْض بإسكان الراء، وهو المال المعد للتجارة وسمي بذلك؛ لأنه لا يستقر، يعرض، ثم يزول، فإن المتَّجِرَ لا يريد هذه السلعة بعينها، وإنما يريد ربحها؛ لهذا أوجبنا زكاتها في قيمتها لا في عينها. فالعروض إذاً كل ما أعد للتجارة من أي نوع، ومن أي صنف كان. وهو أعم أموال الزكاة وأشملها؛ إذ إنه يدخل في العقارات، وفي الأقمشة، وفي الأواني، وفي الحيوان، وفي كل شيء. والزكاة واجبة في عروض التجارة عند أكثر أهل العلم، وهو القول الصحيح المتعين، والدليل على ذلك: 1 ـ دخولها في عموم قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} [الذاريات: 19]. وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (¬1) فقال: «في أموالهم»، ولا شك أن عروض التجارة مال. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

فإن قال قائل: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (¬1). قلنا: نعم قال ذلك، ولكنه لم يقل: ليس في العروض التي لا تراد لعينها، إنما تراد لقيمتها ليس فيها زكاة. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عبده وفرس» كلمة مضافة للإنسان للاختصاص، يعني الذي جعله خاصاً، يستعمله وينتفع به؛ فالفرس والعبد والثوب والبيت الذي يسكنه، والسيارة التي يستعملها ولو للأجرة، كل هذه ليس فيها زكاة؛ لأن الإنسان اتخذها لنفسه ولم يتخذها ليتجر بها، يشتريها اليوم ويبيعها غداً. وعلى هذا فمن استدل بهذا الحديث على عدم وجوب زكاة العروض فقد أبعد. 2 ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬2) وهذا أقوى دليل عندي، ونحن لو سألنا التاجر ماذا يريد بهذه الأموال، لقال: أريد الذهب والفضة، فإذا اشتريت السلعة اليوم وربحت فيها غداً أو بعد غد بعتها، ليس لي قصد في ذاتها إطلاقاً. 3 ـ وكذلك روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أنه أمر بإخراج الزكاة عما يعد للبيع، ولكن هذا الحديث فيه ضعف (¬3). ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (127). (¬2) سبق تخريجه ص (41). (¬3) أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها زكاة؟ (1562) عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال الحافظ في البلوغ (623): «إسناده لين».

إذا ملكها بفعله، بنية التجارة، وبلغت قيمتها نصابا، زكى قيمتها

4 ـ وكذلك ثبت عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه أمر رجلاً فقال له: «أَدِّ زكاة مالك، فقال: أما لي مال إلا جعاب وأدم، فقال عمر: قومها ثم أدِّ زكاتها» (¬1). وقد استدل أحمد بهذا الأثر. 5 ـ ولأننا لو لم نقل بوجوب الزكاة في عروض التجارة لأصبح كثير من الأغنياء ليس في أموالهم زكاة. فعلى هذا نقول: زكاة العروض واجبة بالنص والنظر. ولكن لوجوب الزكاة في عروض التجارة شروط أشار إليها المؤلف. إِذَا مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ، بِنِيَّةِ التجارة، وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَاباً، زَكَّى قِيمَتَهَا ......... بقوله: «إذا ملكها بفعله بنية التجارة وبلغت قيمتها نصاباً». الشرط الأول: أن يملكها بفعله، أي: باختياره، وشمل هذا التعبير ما إذا ملكها بمعاوضة كالشراء، أو غير معاوضة كالاتهاب وقبول الهدية، وما أشبهه، والمعنى: دخلت في ملكه باختياره. الشرط الثاني: أن يملكها بنية التجارة وذلك بأن تكون نية التجارة مقارنة للتملك، فخرج بذلك ما لو ملكها بغير نية التجارة ثم نواها بعد ذلك فإنها لا تكون عروض تجارة على المشهور من المذهب، وسيأتي الخلاف في ذلك. الشرط الثالث: أن تبلغ قيمتُها نصاباً. وقوله: «وبلغت قيمتها نصاباً» أي: لا عينها، فلو كان عند ¬

_ (¬1) أخرجه الشافعي في «المسند» (633) ترتيب، والدارقطني (2/ 125)؛ والبيهقي (4/ 147)، وقال الدارقطني: «رجاله ثقات» انظر: «إتحاف المهرة» (15256)، و «التلخيص» (2/ 180).

إنسان عشر شياه سائمة قد أعدّها للتجارة قيمتها ألف درهم، فإن الزكاة تجب فيها مع أنها لم تبلغ نصاب السائمة؛ لأن المعتبر القيمة وقد بلغت نصاباً. مثال آخر: إنسان عنده أربعون شاة سائمة أعدها للتجارة قيمتها مائة درهم فلا زكاة فيها؛ لأن القيمة لم تبلغ نصاباً. قوله: «زكى قيمتَها» أي: لا عينها، فلا يجوز إخراج الزكاة من عين ما أعدّ للتجارة؛ لأن العين في عروض التجارة غير ثابتة، فالمعتبر المخرج منه وهو القيمة؛ ولأن القيمة أحب لأهل الزكاة غالباً. فالشروط إذاً ثلاثة، بالإضافة إلى الشروط الخمسة السابقة في باب الزكاة، فهذه شروط خاصة، وما تقدم في كتاب الزكاة في أول الكتاب شروط عامة. وأفادنا المؤلف بقوله: «إذا ملكها» أي: بأي وسيلة ملكها، سواء بالشراء، أو بعوض إجارة، أو باتهاب أو بعوض خلع، أو بصداق، أو بغير ذلك من أنواع التملكات، فهو عام. مثاله: اشترى رجل سيارة ليتكسب فيها، فهذه عروض تجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً ونواها حين الشراء، فإن اشترى سيارة للاستعمال، ثم بدا له أن يبيعها فليس عليه زكاة؛ لأنه حين ملكه إياها لم يقصد التجارة، فلا بد أن يكون ناوياً للتجارة من حين ملكه. ولو اشترى شيئاً للتجارة، ولكن لا يبلغ النصاب، وليس عنده ما يضمه إليه فليس عليه زكاة؛ لأنه من شرط وجوب الزكاة بلوغ النصاب.

فإن ملكها بإرث، أو ملكها بفعله بغير نية التجارة، ثم نواها لم تصر لها

فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَها بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، ثُمَّ نَوَاهَا لَمْ تَصِرْ لَهَا ......... قوله: «فإن ملكها بإرث». «إن ملكها» أي: العروض «بإرث» بأن مات مورثه، وخلف عقارات أو خلف بضائع من أقمشة، أو أوانٍ أو سيارات، أو غيرها ونواها هذا الوارث للتجارة فأبقاها للكسب، فإنها لا تكون للتجارة؛ لأنه ملكها بغير فعله؛ إذ إن الملك بالإرث قهري يدخل ملك الإنسان قهراً عليه، قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]، {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 11]، ولهذا لو قال أحد الورثة: أنا غني لا أريد إرثي من فلان، قلنا له: إرثك ثابت شئت أم أبيت ولا يمكن أن تنفك عنه، ولكن إن أردت أن تتنازل عنه لأحد الورثة أو لغيرهم، فهذا إليك بعد أن دخل ملكك. فإذا ملك إنسان عروض تجارة بإرث، ونواها حين ملكها للتجارة، فإنها لا تكون للتجارة. مثال آخر: وهبه شخص سيارة فقبلها ونوى بها التجارة، فتكون للتجارة لأنه ملكها بفعله باختياره. قوله: «أو ملكها بفعله بغير نية التجارة، ثم نواها لم تصر لها» أي لم تصر للتجارة، فلو باعها بعد أن ورثها ثم اشترى سواها بنية التجارة صارت للتجارة؛ لأنه ملكها بفعله. مثال: لو كان عند إنسان عقارات لا يريد التجارة بها، ولكن لو أُعطي ثمناً كثيراً باعها فإنها لا تكون عروض تجارة؛ لأنه لم ينوها للتجارة، وكل إنسان إذا أتاه ثمن كثير فيما بيده، فالغالب أنه سيبيع ولو بيته، أو سيارته، أو ما أشبه ذلك.

وقول المؤلف: «ملكها بفعله بغير نية التجارة» هذا الذي مشى عليه، وأنه لو نوى التجارة بعد ملكها فإنها لا تكون للتجارة وهذا هو المذهب. والقول الثاني في المسألة: أنها تكون للتجارة بالنية، ولو ملكها بغير فعله، ولو ملكها بغير نية التجارة، لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1)، وهذا الرجل نوى التجارة، فتكون لها. مثال ذلك: لو اشترى سيارة يستعملها في الركوب، ثم بدا له أن يجعلها رأس مال يتجر به فهذا تلزمه الزكاة إذا تم الحول من نيته. فإن كان عنده سيارة يستعملها، ثم بدا له أن يبيعها فلا تكون للتجارة؛ لأن بيعه هنا ليس للتجارة، ولكن لرغبته عنها، ومثله: لو كان عنده أرض اشتراها للبناء عليها، ثم بدا له أن يبيعها ويشتري سواها، وعرضها للبيع فإنها لا تكون للتجارة؛ لأن نية البيع هنا ليست للتكسب بل لرغبته عنها. فهناك فرق بين شخص يجعلها رأس مال يتجر بها، وشخص عدل عن هذا الشيء ورغب عنه، وأراد أن يبيعه، فالصورة الأولى فيها الزكاة على القول الراجح، والثانية لا زكاة فيها. أما على ما مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ فإنه لا زكاة ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (41).

وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق

في المسألتين؛ لأنه اشترط أن تكون نية التجارة مقارنة للتملك. وَتُقَوَّمُ عِنْدَ الحَوْلِ بِالأحَظِّ لِلفُقَرَاءِ مِنْ عَينٍ أوْ وَرِقٍ. قوله: «وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق» تُقَوَّمُ، الضمير يعود على عروض التجارة، ولم يذكر المؤلف من يقومها، فيقومها صاحبها إن كان ذا خبرة بالأثمان، فإن لم يكن ذا خبرة فإنه يطلب من يعرف القيمة من ذوي الخبرة ليقومها. فإن قال قائل: كيف نأمنه إن كان ذا خبرة؟ قلنا: إن هذه عبادة، والإنسان مؤتمن على عبادته، كما لو قال المريض: أنا لا أستطيع أن أستعمل الماء، وأريد أن أتيمم، فلا يشترط أن نأتي بطبيب يفحص هذا الرجل، وهل يقدر أو لا يقدر؟ والزكاة أيضاً مثلها، فإذا قال الرجل: أنا أعرف قيم الأشياء، وكان ذا خبرة، قلنا: قومها أنت، أما إذا قال: أنا لا أعرف، قلنا له: تأتي بمن يقومها لك. وقوله: «عند الحول» أي عند تمام الحول؛ لأنه الوقت الذي تجب فيه الزكاة، فلا يقدم قبله، ولا يؤخر بعده بزمن يتغير فيه السعر؛ لأن في ذلك هضماً للحق إن نزل السعر، أو زيادة عليه إن زاد السعر. ثم التقويم هل يكون باعتبار الجملة أو باعتبار التفريق؛ لأن الثمن يختلف باعتبار الجملة عن التفريق؟ الجواب: إن كان ممن يبيع بالجملة فباعتبار الجملة، وإن كان يبيع بالتفريق فباعتبار التفريق، وإن كان يبيع بهما فيعتبر الأكثر بيعاً.

وقوله: «بالأحظ للفقراء». المراد: بالأحظ لأهل الزكاة؛ لأن أهل الزكاة فقراء، ومساكين، وعاملون عليها، ومؤلفة قلوبهم، فلو عبر المؤلف بقوله: «لأهل الزكاة» لكان أعم، لكن ذكر الفقراء؛ لأن هذا هو الغالب. وقوله: «من عين أو ورق» العين: الدنانير، والورق الدراهم، فإذا قومناها وصارت لا تبلغ النصاب باعتبار الذهب (الدنانير)، وتبلغ النصاب باعتبار الفضة، فنأخذ باعتبار الفضة؛ بمعنى: أن هذه السلعة تساوي مائتي درهم، وخمسة عشر ديناراً. إن اعتبرنا الدينار لم تجب فيها الزكاة، وإن اعتبرنا الدراهم وجبت فيها الزكاة فالأحظ للفقراء أن تقومها بالفضة، والعكس بالعكس، فلو كانت هذه السلعة تساوي عشرين ديناراً أو مائة وخمسين درهماً فنعتبرها بالذهب (بالدنانير)؛ لأن ذلك الأحظ لأهل الزكاة. فإن قال قائل: كيف تعتبرون الأحظ والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاذ رضي الله عنه: «إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم» (¬1). فالجواب: أن بينهما فرقاً، فحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ فيما إذا وجبت الزكاة، فلا تأخذ من أعلى المال، أما هذا فقد وجبت باعتبار أحد النقدين ولم تجب باعتبار الآخر، فاعتبرنا الأحوط وهو ما بلغت فيه النصاب؛ إن كان ذهباً فذهب، وإن كان فضة ففضة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

ولا يعتبر ما اشتريت به وإن اشترى عرضا بنصاب من أثمان، أو عروض بنى على حوله وإن اشتراه بسائمة لم يبن

وَلاَ يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيتْ بِهِ وَإِنِ اشْتَرَى عَرَضاً بِنِصَابٍ مِنْ أَثْمَانٍ، أَوْ عُرُوضٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ وَإِنِ اشْتَراه بِسَائِمَةٍ لَمْ يَبْنِ ........... قوله: «ولا يعتبر ما اشتريت به». أي: لا يعتبر في تقويمها عند تمام الحول ما اشتريت به؛ وذلك لأن قيمتها تختلف ارتفاعاً ونزولاً، ربما يشتري هذه العروض وهي وقت الشراء تبلغ النصاب، وعند تمام الحول لا تبلغ النصاب، فلا زكاة فيها، وربما يشتريها وهي تبلغ نصاباً وعند تمام الحول تبلغ نصابين. فإن قال قائل: ربحها هذا لم يتم عليه الحول؛ لأنها لم ترتفع قيمتها إلا في آخر شهر من السنة؟ فالجواب: قلنا: إن هذا تابع لأصله كنِتَاجِ السائمة، فكما أن نتاج السائمة لا يشترط له تمام الحول، بل يتبع أصله، كذلك أيضاً ربح التجارة يتبع أصله، ولا يشترط له تمام الحول، وقد سبق هذا في أول كتاب الزكاة. وقوله: «ولا يعتبر ما اشتريت به». لو كانت عند الشراء تبلغ النصاب وعند تمام الحول تبلغ النصاب، فهنا يستوي الأمران، ومع ذلك لا نقول: يعتبر ما اشتريت به، حتى في هذه الحال نقول: المعتبر ما كان قيمة لها عند تمام الحول. قوله: «وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمان، أو عروض بنى على حوله». الأثمان: جمع ثمن وسميت بذلك؛ لأنها ثمن الأشياء، وهي الذهب والفضة. فلو اشترى عرضاً بنصاب من أثمان، كرجل عنده مائتا درهم، وفي أثناء الحول اشترى بها عرضاً، فلا يستأنف الحول بل يبني على الأول؛ لأن العروض يبنى الحول فيها على الأول.

مثال آخر: عنده ألف ريال ملكها في رمضان وفي شعبان من السنة الثانية اشترى عرضاً، فجاء رمضان فيزكي العروض؛ لأن العروض تبنى على زكاة الأثمان في الحول. وكذلك أيضاً لو اشترى عرضاً بنصاب من عروض أي عرضاً بدل عرض. مثاله: رجل عنده سيارة، وفي أثناء الحول أبدلها بسيارةٍ أخرى للتجارة فيبني على حول الأولى؛ لأن المقصود القيمة، واختلاف العينين ليس مقصوداً، ولم يشتر السيارة الثانية ليستعملها، ولكن يريدها للتجارة. قوله: «وإن اشتراه بسائمة لم يبن». «اشتراه» أي: العرض بسائمة مثل: الإبل أو البقر أو الغنم، فإنه لا يبني على حول السائمة؛ لاختلافهما في المقاصد والأنصبة وفي الواجب. مثاله: رجل عنده أربعون شاة سائمة ملكها في رمضان، وفي محرم اشترى بها عروضاً كسيارة أرادها للتجارة فيبتدئ الحول من محرم؛ لاختلافهما قصداً ونصاباً وواجباً، فلا يبني أحد النصابين على الآخر من أجل هذا الاختلاف. والعكس كذلك، كما لو كان عنده عروض ملكها في رمضان، ثم اشترى بها سائمة في محرم فلا يبني على حول العروض لما ذكرنا في المسألة الأولى. مثال آخر: عنده دراهم ملكها في رمضان وفي محرم اشترى بها سائمة، فلا يبني على حول الدراهم، فإذا جاء المحرم من

السنة الثانية وجبت عليه الزكاة؛ وذلك للاختلاف كما قال المؤلف. مسألتان: الأولى: إخراج القيمة في الزكاة. يرى أكثر العلماء أنه لا يجوز إخراج القيمة إلا فيما نص عليه الشرع، وهو الجبران في زكاة الإبل «شاتان أو عشرون درهماً»، والصحيح أنه يجوز إذا كان لمصلحة، أو حاجة، سواء في بهيمة الأنعام، أو في الخارج من الأرض. الثانية: زكاة الأسهم: إن كان يبيع ويشتري فيها، فحكمها حكم عروض التجارة، يقومها عند تمام الحول ويزكيها، وإن ساهم يريد الربح والتنمية فالزكاة على النقود، وأما المعدات، وما يتعلق بها فلا زكاة فيها.

باب زكاة الفطر

بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ قوله: «باب: زكاة الفطر» هل الإضافة من إضافة الشيء إلى زمنه أو سببه؟ إذا قلنا: إلى سببه، فمعناه أن الصغار لا فطرةَ عليهم، لأنهم لا يصومون، وإذا قلنا: إلى زمنه وجبت على الصغار ومن لا يستطيع الصوم لكبر ونحوه. وقوله: «الفطر» أي من رمضان، وسميت زكاةً لما فيها من التنمية، تنمية الخُلُق لأنها تجعل الإنسان في عداد الكرماء، وتنمية المال؛ لأن كل شيء بذلته من مالك ابتغاء وجه الله، فهو تنمية له، وتنمية الحسنات لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فِيِّ امرأتك» (¬1) وأخر المؤلف باب زكاة الفطر عن زكاة الأموال؛ لأن زكاة الفطر لا تجب في المال ولا تتعلق به، إذ ليس هناك مال تجب فيه الزكاة، وإنما تجب في الذمة؛ ولأن تعلقها بالذمة أقوى من تعلقها بزكاة الأموال. وأضافها إلى الفطر كما جاء في الحديث، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «زكاة الفطر» (¬2) لأنه سبب وجوبها، فالفطر أي: من رمضان، والحكمة من وجوب زكاة الفطر من رمضان ما ذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم «طهرة للصائم من اللغو والرفث» (¬3) وشكر لله ـ عزّ وجل ـ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ما جاء إن الأعمال بالنيات (56)، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (1628) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. (¬2) - (¬3) حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين». أخرجه أبو داود في الزكاة/ باب زكاة الفطر (1609)؛ وابن ماجه في الزكاة/ باب صدقة الفطر (1827)؛ والدارقطني (2/ 138)؛ والحاكم (1/ 409). وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني: «ليس فيهم مجروح»، وحسنه في الإرواء (3/ 332).

تجب على كل مسلم فضل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية

على إتمام الشهر، وطعمة للمساكين في هذا اليوم الذي هو يوم عيد وفرح وسرور فكان من الحكمة أن يعطوا هذه الزكاة؛ من أجل أن يشاركوا الأغنياء في الفرح والسرور. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «وطهرة للصائم ... » هذا بناء على الأغلب، وإلا فالصغير ونحوه لا يصوم. تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلمٍ فَضَلَ له يَوْمَ العيدِ وليلَتَهُ صاعٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَحَوَائِجِهِ الأصلِيَّةِ، ....... قوله: «تجب على كل مسلم» تجب: الفاعل: يعود على زكاة الفطر. وقوله: «تجب» أي حكمها الوجوب؛ لحديث ابن عمر الآتي، ولحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين». وقوله: «على كل مسلم» خرج به من ليس مسلماً كاليهودي والوثني والنصراني وغيرهم، فلا تجب عليهم زكاة الفطر لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين» (¬1). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب فرض صدقة الفطر (1503)؛ ومسلم في الزكاة/ باب زكاة الفطر على المسلمين ... (984) (16).

ولأن الزكاة طهرة والكافر ليس أهلاً للتطهير إلا بالإسلام، فلا يطهره إلا الإسلام. وظاهر كلام المؤلف: حتى ولو كان عبداً لشخص وهو كافر فلا تجب زكاة الفطر في حقه، وهو كذلك. ودخل فيه الذكر والأنثى والصغير والكبير والحر والعبد. قوله: «فضل له يوم العيد وليلته صاع» «فضل له» أي: عنده. قوله: «ليلته» أي: ليلة العيد، ويوم العيد وليلته، منصوبان على الظرفية. قوله: «صاع» فاعل «فَضَلَ» وهو مقدار الزكاة، ويأتي بيان المراد بالصاع، وإنما خص الصاع؛ لأنه الواجب إذ لا يجب على الإنسان أكثر من صاع، ولا يسقط عنه ما دون الصاع إذا لم يجد غيره، بل يخرج ما يقدر عليه. فإذا كان عنده ما يقوته يوم العيد وليلته، وبقي صاع فإنه يجب عليه إخراجه، وكذلك لو بقي نصف صاع فإنه يخرجه لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وكما لو وجد ماء لا يكفي إلا لبعض أعضاء الوضوء فإنه يستعمله ويتيمم لما بقي. قوله: «عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية». «قوته، وقوت عياله» أي: مأكله ومشربه. «وحوائجه الأصلية» هي ما تدعو الحاجة إلى وجوده في

البيت كقدر العشاء، وصحن التمر، والإبريق، وكتب العلم، لكن إذا كان عنده كتاب لا يحتاج إليه إلا في العام مرةً واحدة فليس من الحوائج الأصلية، لأن هناك مكتبات عامة، وكذا إذا كان لهذا الكتاب نسخ أخرى فليس من الحوائج الأصلية؛ لأن ما في البيت إما أن يكون ضرورة أو حاجة أو فضلاً وكمالاً، فالضرورة: ما لا يستغنى عنه. والحاجة: هي ما احتاج البيت إلى وجوده. والفضل والكمال هو: ما لا يحتاج البيت إلى وجوده. فإذا فضل عن حوائجه الأصلية، ومن باب أولى ضروراته هذا الصاع وجبت عليه زكاة الفطر شرعاً. ويستفاد من قول المؤلف: «على كل مسلم فضل له يوم العيد ... إلخ»: أَنَّ زكاة الفطر لا تجب إلا إذا تحقق الشرطان الآتيان: الأول: الإسلام. الثاني: الغنى على الوجه الذي ذكره المؤلف، وهو أن يكون عنده يوم العيد وليلته صاع زائد عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية. والغنى في كل موضع بحسبه. وظاهر كلام المؤلف أنه إذا تم الشرطان، وجبت زكاة الفطر عليه وإن لم يصم لكبر ونحوه. ودليل ذلك قوله في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:

ولا يمنعها الدين إلا بطلبه

«والكبير والصغير» (¬1) فكل مسلم صام أو لم يصم صغيراً كان أو كبيراً، حتى من كان في المهد، وحتى المرأة التي نفست جميع الشهر. وَلاَ يَمْنَعُهَا الدينُ إلا بِطَلَبِهِ ........ قوله: «ولا يمنعها الدين إلا بطلبه» أي: لا يمنع وجوب زكاة الفطر الدين إلا بطلبه خلافاً لزكاة المال، فقد سبق أن الدين يمنع وجوبها على المشهور من المذهب، وعلى هذا فيكون ما ذكره المؤلف هنا من الفروق بين زكاة الفطر وزكاة المال. وإنّما لم يمنعها الدين؛ لأن الدين تعلق بالمال وزكاة الفطر تتعلق بالذمة، وإنما منعها بطلبه من أجل إيفاء الدين للمطالب به لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مطل الغني ظلم» (¬2) فلهذا نقول: إذا كان مطالباً به وقال له صاحبه: أعطني ديني، وليس عنده إلا صاع، فإنه يعطيه هذا الصاع، وتسقط عنه زكاة الفطر. وفي هذه المسألة أقوال ثلاثة: الأول: لا يمنعها مطلقاً سواء طولب به أم لم يطالب به. الثاني: أنه يمنعها مطلقاً سواء طولب به أم لم يطالب به. الثالث: التفصيل الذي ذهب إليه المؤلف، وهو قريب. ولكن، الأقرب منه هو القول الأول أنه لا يمنعها الدَّيْنُ مطلقاً سواء طولب به أو لم يطالب به، كما قلنا في وجوب زكاة ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (150). (¬2) أخرجه البخاري في الحوالات/ باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة؟ (2287)؛ ومسلم في المساقاة/ باب تحريم مطل الغني ... (1564) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فيخرج عن نفسه، وعن مسلم يمونه

الأموال، وأن الدين لا يمنعها إلا أن يكون حالاً قبل وجوبها فإنه يؤدي الدين وتسقط عنه زكاة الفطر. فَيُخْرِجُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ ........ قوله: «فيخرج عن نفسه، وعن مسلم يمونه» أي: يخرج عن نفسه وجوباً؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر على الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، من المسلمين» (¬1). وقوله: «وعن مسلم يمونه» أي: ينفق عليه، مثل الزوجة والأم والأب والابن والبنت، وما أشبههم ممن ينفق عليهم، فيجب عليه الإخراج عنهم لحديث: «أدوا الفطرة عمن تمونون» (¬2) أي: عمن تقومون بمؤنتهم، ولكن هذا الحديث ضعيف ومنقطع فلا يصح الاحتجاج به. ولأثر ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه كان يخرج عن نفسه، وعن أهل بيته، حتى إنه يخرج عن نافع مولاه، وعن أبنائه (¬3)، ولكن هذا الأثر لا يدل على الوجوب. فالصحيح أن زكاة الفطر واجبة على الإنسان بنفسه فتجب ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (150). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 141)؛ والبيهقي (4/ 161) عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقال الدارقطني: «والصواب أنه موقوف». وقال البيهقي: إسناده غير قوي، وانظر «التلخيص» (869). (¬3) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صدقة الفطر على الحر والمملوك (1511) عن نافع ولفظه: «فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بنيَّ»؛ وأخرجه البيهقي (4/ 161)، ولفظه: كان يخرج زكاة الفطر عن كل مملوك له في أرضه وعن كل إنسان يعوله من صغير أو كبير.

على الزوجة بنفسها، وعلى الأب بنفسه، وعلى الابنة بنفسها، وهكذا، ولا تجب على الشخص عمن يمونه من زوجة وأقارب لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى، والحر والعبد، والكبير والصغير من المسلمين». والأصل في الفرض أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره. ولقول الله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ولو وجبت زكاة الفطر على الشخص نفسه وعمن يمونه فإنه سوف تزر وازرة وزر أخرى، لكن لو أخرجها عمن يمونهم وبرضاهم فلا بأس بذلك ولا حرج، كما أنه لو قضى إنسان ديناً عن غيره وهو راض بذلك فلا حرج، ولأنه يجوز دفع الزكاة عن الغير. وينبني على هذا إذا كان هؤلاء لا يجدون زكاة الفطر؛ فإذا قلنا: إنها واجبة عليه أثم، وإذا قلنا بالقول الثاني لم يأثم وهم لا يأثمون؛ لعدم وجود مال عندهم. لكن الأولاد الصغار الذين لا مال لهم قد نقول بوجوبها على آبائهم؛ لأن هذا هو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم. وفهم من كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الزوجة الكافرة، والعبد الكافر لا يخرج عنهما. مسألة: إذا قلنا بوجوب زكاة الفطر عمن يمونه وعنده عمال على كفالته، فهل تجب عليه عنهم؟

ولو شهر رمضان فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه فامرأته، فرقيقه، فأمه فأبيه

الجواب: لا تجب عليه، بل عليهم وهذا هو المذهب؛ إلا إذا كان من ضمن الأجرة كون النفقة عليه، فتجب عليه. أما زكاة الفطر عن العبد فإنها تجب على سيده لما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» (¬1) فيكون هذا الحديث مخصصاً لحديث ابن عمر فيما يتعلق بزكاة الفطر عن العبد، ولأن العبد مملوك للسيد لا يملك فوجب عليه تطهيره؛ لأنه لا يمكن أن يملك. وقال بعض العلماء: تجب على العبد نفسه، ويلزم السيد بتفريغ العبد آخر رمضان ليكتسب ما يؤدي به صدقة الفطر، وهذا ضعيف لما يأتي: أولاً: أنه صح الحديث في استثناء الرقيق. ثانياً: أن من القواعد المقررة أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو غير واجب، فلا يقال للإنسان: اتجر لتجب عليك الزكاة. وَلَو شَهْرَ رَمَضَانَ فَإِنْ عَجِزَ عَن البَعْضِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَامْرَأَتِهِ، فَرَقِيقِهِ، فَأُمِّهِ فَأَبِيهِ ...... قوله: «ولو شهر رمضان» أي؛ لو كان الإنسان يمون رجلاً في شهر رمضان فقط فإنها تجب عليه زكاة الفطر عنه. مثال ذلك: لو نزل بك ضيف من أول يوم من شهر رمضان حتى آخر يوم وجبت عليك له زكاة الفطر فتخرجها عنه؛ لأنك تمونه في هذا الشهر، وهذا القول مبني على ما سبق من أن زكاة الفطر تجب على الذي يمون شخصاً آخر، وتقدم أن الصحيح عدم ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في الزكاة/ باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه (982) (10) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

الوجوب، فيكون الضيف ونحوه من باب أولى ألا تجب زكاة الفطر عليه عنهم. قوله: «فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه فامرأته» «البعض» أي: بعض من يمون، بناء على وجوب الزكاة عليه عنهم، فإن عجز عن فطرة بعض من يمونه فإنه يبدأ بنفسه؛ لأنه مخاطب بذلك عيناً؛ ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأ بنفسك» (¬1)، مثال ذلك رجل ليس عنده إلا صاع فاضلاً عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية فهل يقسم الصاع على نفسه وزوجته وأولاده أم لا؟ الجواب: الفطرة أقلها صاع، فيكون هذا الصاع عن الرجل. «فامرأته»: أي: زوجته، وهي مقدمة على أمه وأبيه؛ لأن الإنفاق عليها إنفاق معاوضة كالبيع، ثمن ومثمن، في حال اليسار والإعسار. أما الإنفاق على الوالدين فإنفاق تبرع، فكانت المرأة أولى بالفطرة من الأم والأب، وعلى ما صححناه لا ترد هذه المسألة. قوله: «فرقيقه، فأمه فأبيه» «فرقيقه» أي: لو كان عنده ثلاثة أصواع فواحد لنفسه، والثاني لامرأته، والثالث لرقيقه مقدماً على أبيه؛ لأن نفقة الرقيق واجبة في الإعسار والإيسار، أما نفقة الوالدين فإنها لا تجب إلا في الإيسار، فكان الرقيق أولى من الوالدين. وعلى ما رجحنا يكون الرقيق مقدماً على الجميع؛ لأن ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الابتداء في النفقة بالنفس ... (997) عن جابر رضي الله عنه.

فولده، فأقرب في ميراث

فطرته واجبة على سيده، لكن إن لم يكن عنده إلا صاع واحد ففي هذه الحال يخرج الصاع عن نفسه دون رقيقه. وقوله: «فأمِّهِ» على كلام المؤلف يكون الصاع الرابع لأمه، وهي مقدمة على أبيه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما سئل من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك، وفي الرابعة قال: أبوك» (¬1)، وعلى هذا تقدم الأم؛ لوجوب تقديمها في البر. وقوله: «فأبيه» فيكون الصاع الخامس لأبيه، وهو مقدم على الأولاد، ولذلك قال: فَوَلَدِهِ، فَأَقْرَبَ فِي مِيرَاثٍ ....... «فولده» ويشمل الذكور والإناث، فلو كان عنده أربعة أولاد ولم يكن عنده إلا ستة آصع فإنه يخرجها على النحو الآتي: صاع لنفسه، والثاني لزوجته، والثالث لرقيقه، والرابع لأمه، والخامس لأبيه، ويبقى صاع فعمن يخرجه من أولاده؟ الجواب: يقرع بينهم، ويخرجه عمن تكون له القرعة منهم؛ لأنهم متساوون، حيث إنه لا مال لهم. وأما على القول الراجح فلا شيء عليه إن أدى عنهم أثيب، وإن لم يؤد عنهم فلا شيء عليه، سوى العبد فإن فطرته واجبة على سيده. قاعدة: إذ تساوت الحقوق نقرع، والقرعة طريقٍ شرعي للمتساويات، وقد وردت في القرآن في موضعين، قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *} [الصافات] وقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الأدب/ باب البر والصلة (5971)؛ ومسلم في البر والصلة/ باب بر الوالدين وأيهما أحق به (2548) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]. وقد وردت في السنة في ستة مواضع؛ منها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (¬1). قوله: «فأقرب في ميراث» أي: إذا أخرج زكاة الفطر عمن سبق ممن يمونهم وكان عنده زيادة، فإنه يخرجها عن الأقرب إليه في الميراث، فإن تساووا في القرابة كأختين شقيقتين فإنه يقرع بينهما، وإن اختلفوا في الميراث كأخ لأم وأخ شقيق وليس عنده إلا صاع، فإن قلنا: يخرج عنهم على حسب النفقة فإنه يكون للأخ للأم السدس، وللأخ الشقيق الباقي؛ لأنهم هكذا يرثونه لو مات عنهم، ولكن إذا أعطينا الأخ لأم السدس، وأعطينا الأخ الشقيق خمسة أسداس فإن الزكاة الواجبة سوق تنقص عن الصاع. ولذلك فإنه يقرع بينهما؛ لأن الزكاة عبادة شرعية، ومقدارها شرعاً صاع، فلو جعلنا لهذا خمسة أسداس لم تتم له، وكذلك إذا جعلنا لهذا سدساً لم تتم له، والاشتراك هنا اشتراك تزاحم، فيقرع بينهما، بخلاف العبد كما سيأتي. وهذا على القول المرجوح، أما على القول الراجح فلا ترد هذه المسألة. وقوله: «فأقرب في ميراث» هذا ليس على إطلاقه، بل يقيد ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الأذان/ باب الاستهام في الأذان (615)؛ ومسلم في الصلاة/ باب تسوية الصفوف وإقامتها ... (437) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

والعبد بين شركاء عليهم صاع، ويستحب عن الجنين

بما إذا كان يجب عليه الإنفاق عليه، أما إذا لم يجب عليه الإنفاق عليه، كالعم الذي له أبناء فلا تجب عليه زكاته؛ لأنه لا يرثه. وَالْعَبدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ عَلَيْهِمْ صَاعٌ، وَيُسْتَحَبُّ عَنِ الجَنِينِ ......... قوله: «والعبد بين شركاء عليهم صاع» أي: إذا كان عبد بين أشخاص هم شركاء، كأن يكون عبد بين ثلاثة لأحدهم نصفه، وللثاني ثلثه، وللثالث سدسه، فهل تجب زكاة الفطر عليهم بحسب رؤوسهم أو بحسب ملكهم؟ الجواب: إن قلنا: تجب بحسب الرؤوس لزم كل واحد ثلث صاع؛ لأنهم ثلاثة. وإن قلنا: تجب بحسب ملكهم، قلنا: على الأول نصف صاع، وعلى الثاني ثلث صاع، وعلى الثالث سدس صاع؛ لأنها مبنية على الشراكة فيكون على حسب ملكهم، وهذا هو الذي ذهب إليه المؤلف وهو الصحيح. ولكن قال بعض العلماء: يجب على كل واحد منهم صاع؛ لأن الفطرة واجب لا يتبعض، فكل إنسان مالك فيجب عليه أن يخرج صاعاً، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الصحيح أن الفطرة بالنسبة للغير فرع بمعنى أنها أصلاً واجبة على كل شخص بعينه، ومن تحملها عنه فهو فرع فتكون غرماً، فإذا كان عندنا فروع ثلاثة وهم الشركاء، وعندنا أصل واحد وهو الرقيق فكيف نجعل الأصل ثلاثة؟ فنعتبر الأصل وهو واحد، ونقول: عليهم صاع بحسب ملكهم، كما لو كان الأمر بالعكس بأن يكون ثلاثة أرقاء عند شخص واحد فعليه لهم ثلاثة أصواع لكل واحد صاع.

قوله: «ويستحب عن الجنين» أي: يستحب إخراج زكاة الفطر عن الجنين. والجنين هو الحمل في بطن الأم، وسمي بذلك لاجتنانه أي: استتاره، وأصل مادة الجيم والنون من الخفاء فالجنين مشتق منه، وكذلك الجن؛ لأنهم مستترون، وأيضاً الجنَّة للبستان الكثير الأشجار؛ لأنه يستر من فيه، ومنه الجُنَّة لأنه يستتر بها عند القتال. وظاهر كلام المؤلف، أنه يستحب الإخراج عن الجنين، سواء نفخت فيه الروح أم لم تنفخ؛ لعموم قوله: «عن الجنين». والإخراج عنه قبل نفخ الروح فيه نظر؛ لأنه ليس إنساناً، قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] فهو ميت لا حياة فيه، فالذي يظهر لي أننا إذا قلنا باستحباب إخراجها عن الجنين فإنما تخرج عمن نفخت فيه الروح، ولا تنفخ الروح إلا بعد أربعة أشهر لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الصادق (¬1) المصدوق (¬2) قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بكتب أربع كلمات، رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (¬3). ولذلك قال العلماء: السقط قبل أربعة أشهر لا يغسل ولا ¬

_ (¬1) الصادق: صادق فيما أخبر به. (¬2) المصدوق: مصدق فيما أخبر عنه. (¬3) أخرجه البخاري في بدء الخلق/ باب ذكر الملائكة (3208)؛ ومسلم في كتاب القدر/ باب كيفية خلق الآدمي ... (2643).

يكفن ولا يصلى عليه، وبعد أربعة أشهر يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين. والدليل على استحباب إخراج زكاة الفطر عن الجنين ما روي عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ «أنه أخرج عن الجنين» (¬1) وإلا فليس فيه سنة عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكن يجب أن نعلم أنّ عثمان ـ رضي الله عنه ـ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، فإن لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة تدفع ما سنه الخلفاء، فسنة الخلفاء شرع متبع، وبهذا نعرف أن الأذان الأول يوم الجمعة سنة بإثبات النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬2) ذلك بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (¬3)، أما من أنكره من المُحدَثين، وقال: إنه بدعة وضلل به عثمان ـ رضي الله عنه ـ فهو الضال المبتدع. لأن عثمان ـ رضي الله عنه ـ سنَّ الأذان الأول بسبب لم يوجد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولو وجد سببه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولم ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 212). وأخرج عبد الله بن أحمد في مسائله (806) عن حميد عن بكر وقتادة: «أن عثمان كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير والحمل». وأخرج ابن أبي شيبة (3/ 173)؛ وعبد الرزاق (5788) عن أبي قلابة قال: «كانوا يعطون صدقة الفطر حتى يعطوا عن الحبل». (¬2) أخرج البخاري في الجمعة/ باب الأذان يوم الجمعة (912) عن السائب بن يزيد قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء». (¬3) أخرجه الإمام أحمد (4/ 126) وأبو داود في السنّة/ باب في لزوم السنّة (4606) والترمذي في العلم/ باب ما جاء في الأخذ بالسنّة (1676) وابن ماجه في المقدمة/ باب اتباع سنّة الخلفاء الراشدين (42) عن العرباض بن سارية، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (5) والحاكم (1/ 96).

ولا تجب لناشز، ومن لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت

يفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم لقلنا: إن ما فعله عثمان ـ رضي الله عنه ـ مردود؛ لأن السبب وجد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يسن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه شيئاً، أما ما لم يوجد في عهد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ السبب الذي من أجله سنَّ عثمان ـ رضي الله عنه ـ الأذان الأول فإن سنتَهُ سنةٌ متبعةٌ، ونحن مأمورون باتباعها. وَلاَ تَجِبُ لِنَاشِزٍ، وَمَنْ لَزِمَتْ غيرَهُ فِطْرَتُهُ فأخرجَ عن نفسِهِ بغيرِ إِذْنِهِ أَجْزَأَتْ ....... قوله: «ولا تجب لناشز» أي: لا تجب زكاة الفطر على الزوج للمرأة الناشز؛ لأنه لا تجب عليه لها النفقة، وهذا بناءً على أنه يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عمن يمونه ومن تلزمه نفقته. والناشز هي التي تترفع على زوجها، وتعصيه فيما يجب عليها طاعته فيه، أو تطيعه ولكن متكرهة متبرمة، فإذا أمرها بأمر فإنها تتمنع وتتأخر عن تنفيذه وما أشبه ذلك؛ لأنه يجب عليها أن تبذل له ما يجب له بانشراح ورضا، كما أنه أيضاً يجب عليه أن يبذل لها ما يجب عليه لها بمثل ذلك. قوله: «ومن لزمت غيرَهُ فطرته» هذا من باب تقديم المفعول على الفاعل، أي: من وجبت فطرته على غيره، مثل الزوجة تلزم زوجها فطرتها، والابن تلزم فطرته أباه، وما أشبه ذلك. قوله: «فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت» أي: أخرج من تَلزَمُ فطرته غيره بغير إذن من تلزمه فطرته فإنها تجزئ عنه. مثال ذلك: الزوجة لو أخرجت عن نفسها بغير إذن زوجها أجزأتها، ومعلوم أن فطرة الزوجة واجبة على زوجها وليست على

نفسها، ـ وذلك على رأي المؤلف ـ؛ لأن الواجب أصلاً عليها هي، والزوج وجبت عليه فطرتها تحملاً، فإذا أخرجت عن نفسها فقد أخرج الأصل عن الفرع، سواء أذن الزوج أو لم يأذن. وهذا تسليم من الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن الإنسان مخاطب بإخراج الزكاة عن نفسه، وقد سبق أن قلنا: إن هذا هو الرأي الراجح الصحيح. وفهم من قوله: «ومن لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت» أن من أخرج عمن لا تلزمه فطرته فإنه لا بد من إذنه. مثال ذلك: لو أن زيداً أخرج عن عمرو بغير إذنه، فإنها لا تجزئ؛ لأن زيداً لا تلزمه فطرة عمرو، والزكاة عبادة فلا بد فيها من نية، إما ممن تجب عليه، أو من وكيله. وهذا مبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء يسمونها: (التصرف الفضولي)، بمعنى أن الإنسان يتصرف لغيره بغير إذنه، فهل يبطل هذا التصرف مطلقاً، أو يتوقف على إذن ورضا الغير؟ هذا المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: والراجح: أنه يجزئ إذا رضي الغير، والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وكّل أبا هريرة رضي الله عنه في حفظ صدقة الفطر فجاء الشيطان ذات ليلة، وأخذ من التمر فأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ فادعى أنه فقير وذو عيال، وأنه لا يأتي بعد هذه الليلة، فلما جاء الصباح أتى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فعل أسيرك البارحة؟» فأخبره أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه أعتقه.

فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنه كذبك وسيعود» كذبك يعني أخبرك بالكذب. يقول أبو هريرة: فترقبته في الليلة الثانية، فعاد وأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وقال له: لأرفعنك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأقسم له أنه لن يعود، فأخبر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم بما حدث في الليلة الثانية فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فعل أسيرك البارحة؟» فأخبره أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه أعتقه، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنه كذبك وسيعود» وفي الليلة الثالثة عاد، وأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ فأقسم له أنه لن يعود، ولكن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ أصر على أن يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: هل أدلك على شيء يحفظك؟ فقال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ بلى، فقال له: اقرأ آية الكرسي كل ليلة فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأخبر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صدقك وهو كذوب» (¬1). وفي هذا الحديث دليل على أن الكذوب قد يصدق، وأن العدو قد ينصح، لكن نصح الشيطان في هذه الحال ليس نصحاً حقيقياً، وإنما نصح خوفاً من أن يرفع أمره إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. والشاهد من ذلك أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجاز هذا التصرف من أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وجعله مجزئاً مع أن ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الوكالة/ باب إذا وكل رجلاً ... (2311) معلقاً بصيغة الجزم.

وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر، فمن أسلم بعده، أو ملك عبدا، أو تزوج، أو ولد له لم تلزمه فطرته

المأخوذ منه زكاة، وأبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ وكيل في الحفظ لا وكيل في التصرف. وقد ذكر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن الإنسان لو ضحّى بأضحية غيره، فإنه تقع عن الغير، وإن لم يأذن له. مثال آخر: ولد يجب على والده إخراج فطرته فأخرج الولد عن نفسه بدون إذن أبيه أجزأه؛ لأنه الأصل فالخطاب موجه إليه، فإذا أخرج الأصل سقط عن الفرع. قوله: «وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر». وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ، أَوْ مَلَكَ عَبْداً، أو تَزَوَّجَ، أَوْ وُلِدَ لَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطرَتُهُ ........ «تجب» أي: زكاة الفطر. «بغروب» الباء للسببية. وقوله: «بغروب الشمس ليلة الفطر» هذا هو وقت الوجوب، أي الوقت الذي يوجه فيه الخطاب إلى الإنسان بإخراجها هو وقت غروب الشمس ليلة الفطر، والدليل حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدقة الفطر من رمضان» (¬1)؛ ولأنها تسمى صدقة الفطر فتضاف إليه، والفطر من رمضان يتحقق بغروب الشمس ليلة عيد الفطر. ولكن كيف يعرف أن الليلة ليلة عيد الفطر؟ الجواب: نعرف أن الليلة ليلة عيد الفطر بأمرين: الأول: إن كنا أتممنا ثلاثين يوماً من رمضان، فغروب الشمس يوم الثلاثين هذا وقت ليلة عيد الفطر قطعاً. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (150).

الثاني: أن نرى الهلال ليلة الثلاثين فتكون تلك ليلة، عيد الفطر، وإن لم نره فإن الليلة من رمضان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (¬1). قوله: «فمن أسلم بعده أو ملك عبداً، أو تزوج، أو ولد له لم تلزمه فطرته». يترتب على قولنا: إنها تجب بغروب الشمس ليلة الفطر ما يأتي: 1 ـ أن من أسلم بعده فلا فطرة عليه؛ لأنه وقت الوجوب لم يكن من أهل الوجوب. 2 ـ كذلك لو أن رجلاً ملك عبداً فإنه لا فطرة للعبد عليه إذا ملكه بعد غروب الشمس، وتكون فطرته على المالك الأول؛ لأنه وقت الوجوب كان ملكاً له. 3 ـ لو أن رجلاً تزوج أي: عقد ليلة الفطر بعد الغروب، ودخل عليها بعد ذلك؛ فلا تجب عليه فطرتها؛ لأنها حين الغروب لم تكن زوجةً له. فإن عقد عليها قبل الغروب ودخل عليها بعد الغروب ففطرتها على الزوج، وهذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن قوله: «تزوج» يعني به عَقَدَ الزَّواج. أما المذهب فلا فطرة عليه لها؛ لأنه لا تجب عليه نفقتها ¬

_ (¬1) سيأتي تخريجه ص (308).

وقبله تلزم، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط

حتى يتسلمها، فما دامت عند أهلها فلا نفقة لها عليه؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة. وعلى هذا لو عقد رجل على امرأة في رمضان، ولم يدخل بها إلا بعد صلاة العشاء ليلة العيد فليس عليه فطرتها؛ لأنه لا يلزمه نفقتها إلا بتسلمها. وعلى القول الراجح لا شيء عليها مطلقاً حتى لو دخل بها في رمضان. 4 ـ كذلك لو ولد للرجل ولد، بعد غروب الشمس ليلة العيد، فإن الفطرة لا تجب عليه، ولكن تسن؛ لأنه جنين، ويستحب الإخراج عنه. وَقَبْلَهُ تَلْزَمُ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ ........... قوله: «وقبله تلزم» أي: إذا وجدت هذه الأشياء قبل الغروب ليلة العيد، فإن الفطرة تلزم من تجب عليه نفقة من سبق ذكرهم، فالذي يسلم قبل الغروب بلحظة تلزمه الفطرة؛ لأنه وقت الوجوب صار من أهل الوجوب، والذي ملك عبداً قبل الغروب ولو بدقيقة فإنه تلزمه فطرته، وكذلك الذي ولد له ولد قبل الغروب فإنه تلزمه فطرته، وأيضاً من عقد قبل الغروب فإنه تلزمه فطرة زوجته حتى لو لم يدخل عليها، وهذا على ظاهر كلام المؤلف. مسألة: لو أُعْطِيَ صباح العيد عدة فطر، فصار عنده ما يزيد على قوت يومه لم تلزمه زكاة الفطر؛ لأن وقت الوجوب غروب الشمس ليلة العيد، ولهذا لو أعطي ذلك في آخر رمضان للزمته. ثم بَيَّنَ المؤلف ـ رحمه الله ـ وقت إخراج زكاة الفطر،

فقال: «ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط». أي: يجوز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيومين فقط، وقبل اليومين لا يجوز. ولكن كيف يجوز ذلك وسبب الوجوب؛ وهو غروب الشمس ليلة العيد لم يحصل بعد، كما أن لدينا قاعدة فقهية تقول: «إن تقديم الشيء على سببه ملغى، وتقديم الشيء على شرطه جائز»؟ مثاله: لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم بدا له أن يلبسه فكفّر، فهنا قدّم التكفير قبل وجود شرطه فهذا جائز، ولو أخرج الكفارة قبل الحلف لم يجزئ لأنه قبل وجود السبب. وهنا سبب الوجوب، وهو غروب الشمس لم يحصل بعد؟ والجواب: نقول: إن جواز هذا من باب الرخصة؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلوا ذلك فقد كانوا يعطونها للذين يقبلونها قبل العيد بيوم أو يومين (¬1)، وما دام أن هذه الرخصة جاءت عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فهم خير القرون وعملهم متبع، فتكون هذه المسألة مستثناة من القاعدة التي أشرنا إليها. وقوله: «بيوم أو يومين» أو للتخيير فيجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، وإن قلنا: للتنويع فالمعنى قبل العيد بيوم إن كان الشهر ناقصاً، وقبله بيومين إن كان تاماً، وعلى هذا تخرج في الثامن والعشرين، لا في السابع والعشرين، وهذا فيه احتمال. ¬

_ (¬1) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه: «وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين». أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صدقة الفطر على الحر والمملوك (1511).

ويوم العيد قبل الصلاة أفضل وتكره في باقيه ويقضيها بعد يومه آثما

وقال بعض العلماء: يجوز إخراجها من أول الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنها لا تسمى صدقة رمضان، وإنما تسمى صدقة الفطر من رمضان. وقوله: «فقط» أي: لا زيادة، وهذه الكلمة ترد كثيراً، وأصلها «قط»، كما جاء في الحديث «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة عليها قدمه فتقول: قط قط» (¬1) أي: حسبي حسبي، فتكون «قط» اسماً بمعنى حسب، ودخلت عليها الفاء لتحسين اللفظ وهي مبنية على السكون. مسألة: لو أخرج زكاة الفطر يوم سبع وعشرين وتم الشهر فهل يجزئ؟ الجواب: لا يجزئ، فهو كمن صلى قبل الوقت ظاناً أن الوقت قد دخل. وَيومَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ أفْضَلُ. وَتُكْرَهُ فِي بَاقِيهِ. وَيَقْضِيهَا بَعْدَ يومِهِ آثِماً .......... قوله: «ويوم العيد قبل الصلاة أفضل» أي: إخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل صلاة العيد أفضل؛ لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (¬2)، ولأن المقصود منها إغناء الفقراء في هذا اليوم عن السؤال من أجل أن يشاركوا الموسرين في الفرح والسرور، هذا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في التفسير/ باب قوله: «وتقول هل من مزيد» (4848)؛ ومسلم في الجنة ونعيمها/ باب النار يدخلها الجبارون ... (2848) عن أنس بن مالك رضي الله عنه. (¬2) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب فرض صدقة الفطر (1503)؛ ومسلم في الزكاة/ باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة (986).

من مقاصدها؛ وإلا فإن الأصل فيها أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث، ومن ثم قال أهل العلم: ينبغي أن يؤخر الإمام صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر، واليوم الشرعي يبدأ من طلوع الفجر. ويجب أن تصل إلى صاحبها قبل الصلاة أو إلى وكيله أي: وكيل الفقير، ويجوز للفقير أن يوكل من تلزمه الفطرة في قبضها. مثال ذلك: أن يقول الفقير لصاحب الصدقة: أنت وكيلي فيما تعطيني من صدقة الفطر، ففي هذه الحال يكيل الرجل زكاة الفطر ويحوزها عنده في مكان حتى يعود الفقير من سفره، إذا كان مسافراً مثلاً أو ما شابه ذلك، وبهذا يكون الرجل قد قبض من نفسه زكاة الفطر لموكله. فإن قال للفقير: عندي لك فطرةٌ، لم يكفِ، حتى يقبضها، أو يجعله وكيلاً في قبضها. قوله: «وتكره في باقيه» أي: ويكره أن تخرج زكاة الفطر في باقي يوم العيد وهذا وقت ثالث لإخراجها؛ وهو من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد، فيكون هذا وقت كراهة؛ وذلك لأن إخراجها بعد الصلاة يفوت بعض المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم، فلا يحصل لهم الغناء إلا بعد الصلاة، والذي يريد أن يعطيهم ليغنيهم فإنه يجب عليه أن يعطيهم إياها قبل الصلاة؛ لأجل أن يشملهم الفرح جميع اليوم. والدليل على الإجزاء، دخولها في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أغنوهم عن

السؤال في هذا اليوم» (¬1) وهذا ضعيف. والصحيح: أن إخراجها في هذا الوقت محرم، وأنها لا تجزئ، والدليل على ذلك حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة» (¬2) فإذا أخرها حتى يخرج الناس من الصلاة فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (¬3). بل إن حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ صريح في هذا حيث قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (¬4) وهذا نص في أنها لا تجزئ، وإذا كانت لا تجزئ فإن الإنسان يكون قد ترك فرضاً عليه بالنص وهو «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر» (¬5) فيكون بذلك آثماً، ولا تقبل على أنها زكاة فطر. فإذا قال قائل: إذا أخرجها بعد الصلاة متعمداً، فهل تجزئ على أنها صدقة؟ الجواب: تجزئ؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ومَنْ أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات». فإن قيل: إنه إذا نوى الفرض بأدائها بعد الصلاة وهي لا تجزئ فهو متلاعب فكيف تجزئ على أنها صدقة؟ ¬

_ (¬1) سيأتي تخريجه ص (181). (¬2) سبق تخريجه ص (170). (¬3) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم في البيوع/ باب النجش ووصله مسلم في الأقضية/ باب الأحكام الباطلة (1718) عن عائشة رضي الله عنها. (¬4) سبق تخريجه ص (150). (¬5) سبق تخريجه ص (150).

فالجواب: أننا نقول ذلك؛ لأن نفعها متعد، والنفع المتعدي يعطى الإنسان أجره على ما انتفع به الناس، كالمزارع التي يزرع فيها شجر، فتأكل منها الطير والسباع، رغم أن صاحبها معه البندقية التي يروع بها الطير؛ لكيلا تأكل إلا نادراً، لكن إذا أكلت منها فله بذلك أجر، فالنفع المتعدي فيه خير حتى لو لم ينو. أرأيت قول الله تعالى: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، وقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. فجعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ الخيرية بهذه الثلاثة مطلقاً، ولو لم ينو الإنسان التقرب إلى الله، وأن الأجر العظيم لمن يتقرب بالفعل إلى الله، فالأشياء التي لها نفع متعدٍ لها حال خاصة. قوله: «ويقضيها بعد يومه آثماً» أي: يقضي زكاة الفطر بعد يوم العيد ويكون آثماً، وذلك إذا كان متعمداً. فعلى هذا يكون وقت إخراج زكاة الفطر على أربعة أقسام: 1 ـ جائز: وهو قبل العيد بيوم أو يومين. 2 ـ مندوب: وهو صباح يوم العيد قبل صلاة العيد. 3 ـ مكروه: وهو بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد. 4 ـ محرم: بعد غروب شمس يوم العيد وتكون قضاء.

وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أخرجها يوم العيد تقع أداء وبعده تقع قضاء. والصواب في هذا والذي تقتضيه الأدلة، أنها لا تقبل زكاته منه إذا أخرها ولم يخرجها إلا بعد الصلاة من يوم العيد، بل تكون صدقة من الصدقات، ويكون بذلك آثماً. وذلك بناءً على القاعدة التي دلت عليها النصوص وهي: «أن كل عبادة مؤقتة إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تقبل»؛ ولهذا قلنا في الذين لا يصلون في أول أعمارهم، ثم منَّ الله عليهم بالهداية: إنهم لا يقضون؛ لأنهم قد تعمدوا أن يخرجوا الصلاة عن وقتها، وهذا إذا لم نحكم بكفرهم. أما إذا حكمنا بكفرهم فلا يقضون؛ لأن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بالقضاء. مسألة: إذا أخرها لعذر، بمعنى لو أن الإنسان وكّل إنساناً في إخراج الزكاة عنه بأن كان مسافراً مثلاً، فلما رجع من السفر تبين أن وكيله لم يفعل، فهذا يقضيها غير آثم، ولو بعد فوات أيام العيد، وذلك قياساً على الصلاة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (¬1). وكذلك أيضاً لو جاء خبر العيد بغتة ولم يتمكن من إيصالها إلى الفقير إلا بعد صلاة العيد فإنه معذور ويقضيها، ولا يكون آثماً. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة/ باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر (597) ومسلم في الصلاة/ باب قضاء الصلاة الفائتة (684) (315) عن أنس رضي الله عنه.

ومن فعل العبادة بعد وقتها الخاص لعذر، فإنها توصف بأنها أداء؛ إذا فعلها بعد زوال العذر مباشرة، وكذلك لو جاء العيد وهو في البر مثلاً، وليس عنده أحد يؤديها إليه ولم يوكل أحداً يخرجها عنه، فهل تسقط عنه لفوات المحل، كالذي قطعت يده يسقط عنه غسلها، أو نقول: إنها تبقى في ذمته؟ الجواب: الأحوط أن تبقى في ذمته ويخرجها ولو بعد أيام العيد، واحتمال أن تسقط في هذه الحال قوي؛ لأن المحل غير موجود. مسألة: زكاة الفطر تخرج في البلد الذي فيه الإنسان، ومن الغلط إخراجها في غيره، وكذلك الأضحية؛ لأنهما من الشعائر الإسلامية التي ينبغي أن تكون في كل بيت، وفي إرسال النقود إلى بلاد بعيدة تعطيل لتلك الشعيرة في ذلك البيت. ثم من الذي يؤمن على اختيار الفطرة والأضحية التي يريدها صاحبها؟! ثم قد تتأخر عن يوم العيد. مسألة: يجوز دفع الزكاة لجمعيات البر المصرح بها من الدولة، وعندها إذن منها وهي نائبة عن الدولة، والدولة نائبة عن الفقراء، وعلى هذا إذا وصلتهم الفطرة في وقتها أجزأت، ولو لم تصرف للفقراء إلا بعد العيد؛ لأنهم قد يرون المصلحة تأخير صرفها.

فصل

فَصْلٌ وَيَجِبُ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ، أو دَقِيقِهِمَا، أوْ سَوِيْقِهِمَا، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أو أقِطٍ ......... قوله: «فصل» بيَّن المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذا الفصل: مقدار الفطرة، ومن أي شيء تخرج. قوله: «ويجب صاع» أي: يجب إخراج صاع، والصاع مكيال معروف، وهو صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض النبي صلّى الله عليه وسلّم صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب ... » (¬1) والأصواع تختلف باختلاف الأزمان والأماكن والناس، ولذلك اتفق العلماء بأن المراد بالصاع في الفطرة والصاع في الغسل، والمد في الوضوء، ونصف الصاع في فدية الأذى، أن المراد بذلك الصاع والمد النبويان. والصاع مكيال يقدر به الحجم، نقل إلى المثقال الذي يقدر به الوزن نظراً؛ لأن الأزمان اختلفت والمكاييل اختلفت، فقال العلماء: ونقلت إلى الوزن من أجل أن تحفظ؛ لأن الوزن يحفظ، واعتبر العلماء ـ رحمهم الله ـ البر الرزين، الذي يعادل العدس وحرروا ذلك تحريراً كاملاً، وقد حررته فبلغ كيلوين وأربعين جراماً من البر الرزين. ومن المعلوم أن الأشياء تختلف خفة وثقلاً، فإذا كان الشيء ثقيلاً فإننا نحتاط ونزيد الوزن، وإذا كان خفيفاً فإننا نقلل، ولا بأس أن نأخذ بالوزن؛ لأن الخفيف يكون جرمه كبيراً، والثقيل يكون جرمه صغيراً. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (150).

وعلى هذا نقول: إن أردت أن تعرف الصاع النبوي، فزن ألفين وأربعين جراماً من البر الرزين أي: البر الجيد، ثم ضعه بعد ذلك في الإناء فما بلغ فهو الصاع النبوي. وقد عُثِرَ على مد نبوي في عنيزة، في إحدى الخربات، وقد اشتريته من صاحبه بثمن غال، وهو من النحاس، وقد كتب عليه: إن هذا المد قدر على مد فلان، عن فلان، إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ إلى مد النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقد وجدناه مقارباً لما قاله العلماء من أن زنته خمسمائة وعشرة جرامات؛ لأن المد النبوي ربع الصاع النبوي، وقد اتخذنا مداً وصاعاً نبوياً قياساً على ذلك. مسألة: إذا وجد نصف صاع من الفطرة هل يلزمه إخراجه؟ المذهب أنه يلزمه، والقول الثاني: لا يلزمه! لأن الفطرة صاع. ولهذا نظائر: إذا وجد ماء لا يكفي إلا بعض أعضائه، فالمذهب يستعمله ويتيمم؛ لقوله تعالى، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وهذا وجد ما يغسل به بعض الأعضاء فيستعمله، ويتيمم؛ لأن بقية الأعضاء لا يستطيع غسلها، وهذا أقوى الأقوال وأحوطها. والقول الثاني: يستعمله ولا يتيمم؛ لأن التيمم فيمن عجز عن الوضوء كاملاً، ولا تتركب طهارة من ماء وتراب، فيستعمل الماء، ويسقط عنه الباقي للعجز. والقول الثالث: لا يستعمله ويتيمم، لأنه لا يجمع في

طهارة واحدة بين التراب والتيمم، وهو عاجز عن الوضوء فليتيمم. مسألة: عندنا الصاع زائد على الصاع النبوي، فالصاع النبوي أقل من الصاع الموجود عندنا بالخمس، وخمس الخمس، فهل يكره إخراج الزكاة به، أو لا يكره ويكون الزائد صدقة؟ الجواب: الصحيح أنه لا يكره ويكون الزائد صدقة، وقد ورد عن الإمام مالك أنه كره ذلك؛ لأن هذه عبادة مقدرة من الشارع، لكن الصحيح أنها عبادة مغلَّبٌ فيها جانب التمول والإطعام فإذا زاد فلا بأس، كما لو وجب عليه أربعون درهماً وأخرج ستين درهماً، لكن الزيادة تحتاج إلى نية لكي تكون صدقة. قوله: «من بر» البر: حب معروف، وهو من أفضل أنواع الحبوب، وكان قليلاً في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكنه كان موجوداً، لحديث عبادة بن الصامت: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح» (¬1). ولقلته وندرته فإنه لم يذكر من الأصناف التي تخرج منها الفطرة كما في حديث أبي سعيد: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» (¬2) وعدم ذكره لا يدل على عدم إجزائه، بل إنه مجزئ بلا شك. قوله: «أو شعير» وهو: حب معروف ومفيد، ولا سيما إذا ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (40). (¬2) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب الصدقة قبل العيد (1510).

كانت فيه قشوره، وقد ذكر فيه الأطباء منافع كثيرة، لكن فائدته أقل من فائدة البر. قوله: «أو دقيقهما» أي: دقيق البر أو دقيق الشعير، فلو أنه دفع صاعاً من دقيق أحدهما فإنه يجزئ، ولكن على أن يكون المعتبر في الدقيق الوزن؛ لأن الحب إذا طحن انتشرت أجزاؤه، فالصاع من الدقيق يكون صاعاً إلا سدساً تقريباً من الحب، والصاع من الحب (البر أو الشعير) يكون صاعاً وزيادة من الدقيق؛ لأن الحب في خلقة الله ـ عزّ وجل ـ له منطبق تماماً وإن كان فيه فرجات ما بين الحبة والأخرى. قوله: «أو سويقهما» أي سويق البر والشعير، والسويق: هو الحب المحموس الذي يحمس على النار ثم يطحن، وبعد ذلك يُلت بالماء، ويكون طعاماً شهياً. قوله: «أو تمر» معناه أنه لا يجوز أن يدفع الرطب في الفطرة، بل لا بد أن يكون تمراً جافاً، والتمر كان يكال على عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو من الأصناف المكيلة، لكنه صار عندنا الآن من الأصناف التي توزن، ولذلك فإنه عند الإخراج يجب على الإنسان أن يلاحظ الخفة والثقل. قوله: «أو زبيب» والزبيب هو يابس العنب، ولكن العنب ليس كله يصلح أن يكون زبيباً، بل يصلح لذلك أنواع معينة منه والزبيب غذاء وقوت كالتمر. قوله: «أو أقط» والأقط نوع من الطعام يعمل من اللبن المخيض، ثم يجفف، وتعمله البادية في الغالب.

فالواجب أن زكاة الفطر تخرج من طعام الآدميين، وإذا كانت هذه الأطعمة متنوعة فإننا نأخذ بالوسط العام، وفي وقتنا الحاضر وجدنا أكثر شيء هو الرز، وعموم كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أن هذه الأنواع تخرج في زكاة الفطر، سواء كانت قوتاً وطعاماً أم لم تكن؛ لأنها جاءت منصوصاً عليها في الحديث، والفقهاء هنا أخذوا بظاهر النص دون معناه؛ وعليه لو أن أحد الناس في هذا الوقت أخرج شعيراً أو زبيباً أو أقطاً، لأجزأه ذلك رغم أنها ليست بقوت. وقول المؤلف: «يجب صاع من بر أو شعير» ظاهرهُ أَنَّهُ لا فرق بين البر وما سواه، وأنه يجب إخراج صاع من البر. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنه يخرج من البر نصف صاع وقال: هذا الذي جرى عليه الناس في عهد معاوية ـ رضي الله عنه ـ، فإن معاوية ـ رضي الله عنه ـ لما قدم المدينة قال: أرى أن مداً من هذه ـ يعني الحنطة ـ يعدل مدين من هذا ـ يعني الشعير ـ فعدل الناس عن الصاع من البر إلى نصف الصاع منه (¬1). وقال شيخ الإسلام: وهو أيضاً قياس بقية الكفارات عند الفقهاء، فإن الفقهاء يقولون: إن الواجب صاع من كذا، أو نصف صاع من البر، أو يقولون: الواجب نصف صاع من كذا أو مد ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صاع من زبيب (1508) ومسلم في الزكاة/ باب زكاة الفطر على المسلمين (985) (18) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ.

من البر فيجعلون البر على النصف من غيره، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الواجب صاع من بر أو غيره. لكن يبقى النظر فيما إذا لم تكن هذه الأنواع أو بعضها قوتاً فهل تجزئ؟ الجواب: الصحيح أنها لا تجزئ ولهذا ورد عن الإمام أحمد: الأقط لا يجزئ إلا إذا كان قوتاً، وإنما نص عليها في الحديث؛ لأنها كانت طعاماً فيكون ذكرها على سبيل التمثيل لا التعيين؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخذري ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنا نخرجها في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والزبيب والشعير والأقط» (¬1). فقوله: «من طعام» فيه إشارة إلى العلة، وهي أنها طعام يؤكل ويطعم. ويرجح هذا ويقويه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» (¬2)، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن يقويه حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ «فرضها أي: زكاة الفطرطهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين» (¬3)، وعلى هذا فإن لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإنها لا تجزئ. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (178). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 152، 153)؛ والبيهقي (4/ 175)؛ وابن عدي (2519) عن ابن عمر رضي الله عنهما وفي إسناده أبو معشر، قال الدارقطني «ضعيف» وقال الحافظ في البلوغ (628): «إسناده ضعيف». (¬3) سبق تخريجه ص (150).

فإن عدم الخمسة أجزأ كل حب وثمر يقتات لا معيب، ولا خبز

فَإِنْ عَدِمَ الخمْسَةَ أجْزَأ كُلُّ حب وَثَمَرٍ يُقْتَاتُ لاَ مَعيبٌ، وَلاَ خُبْزٌ .......... قوله: «فإن عدم الخمسة» أي: عدم البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الأقط في مكانه أو ما يقرب منه عرفاً، ويشق عليه الإتيان بها، فإنه لا يلزمه أن يسافر للحصول عليها. قوله: «أجزأ كل حب وثمر يقتات» أي: إنه يجزئ في زكاة الفطر عند عدم الخمسة كل ما يقتات، ويطعم من الحب والثمر. وعلم من ذلك أنه إذا أخرج من غير الخمسة مع وجودها لم تجزئ، ولو كان ذلك قوتاً، أو كان أفضل عند الناس. والحب: مثل الأرز والذرة وغيرهما. والثمر: مثل التين، فالتين في السابق كان يقتات، ويكنز مثل التمر تماماً، وذلك لما كان كثيراً في الجزيرة العربية. وخلاصة ذلك على كلام المؤلف أنه إن عدم الإنسان أياً من الأصناف الخمسة السابقة أجزأه كل حَبٍّ، بدلاً من الشعير، والبر، أو كل ثمر بدلاً من الزبيب، والتمر. ولكن إذا كان قوت الناس ليس حباً ولا ثمراً، بل لحماً مثلاً، مثل أولئك الذين يقطنون القطب الشمالي، فإن قوتهم وطعامهم في الغالب هو اللحم، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجزئ إخراجه في زكاة الفطر، ولكن الصحيح أنه يجزئ إخراجه، ولا شك في ذلك. ولكن يرد علينا أن صاع اللحم يتعذر كيله، فنقول: إن تعذر الكيل رجعنا إلى الوزن مع أن اللحم إذا يبس يمكن أن يكال. قوله: «لا معيب» معطوف على «كل» أي: لا يجزئ معيب حتى من البر والتمر.

والمعيب هو الذي تغير طعمه، أو أحد أوصافه، أو صار فيه دود، أو سوس، لقوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة: 267]. قوله: «ولا خبز» أي: ولا يجزئ الخبز في زكاة الفطر؛ لأنه لا يكال ولا يقتات مع أنه إذا يبس يمكن أن يكال ويقتات، لكن يقال: إن العلة في عدم إجزائه أن النار أثرت عليه وغيرته. والصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتاً، بأن يُيَبَّس وينتفع الناس به، فلا بأس بإخراجه، أما إذا كان رطباً فلا يصلح أن يقتات، ولكن يرد علينا سؤال، وهو هل تجزئ المكرونة في زكاة الفطر؟ الجواب: من قال: إن الخبز يجزئ فالمكرونة عند صاحب هذا الرأي تجزئ أيضاً. ومن قال: لا يجزئ الخبز؛ لأن الخبز أثرت عليه النار، فإن المكرونة إذا أثرت عليها النار في تصنيعها فإنها لا تجزئ كذلك، ولو أن إلحاق المكرونة بالخبز من كل وجه فيه نظر، ولهذا نرى أن إخراج المكرونة يجزئ ما دامت قوتاً للناس ليست كالخبز من كل وجه، وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز، أما إذا كانت كبيرة فتعتبر بالوزن. والصحيح أن كل ما كان قوتاً من حب وثمر ولحم ونحوها فهو مجزئ سواء عدم الخمسة، أو لم يعدمها لحديث أبي سعيد: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» (¬1). ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (178).

ويجوز أن يعطى الجماعة ما يلزم الواحد، وعكسه

وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الوَاحِدَ، وَعَكْسُهُ ........... قوله: «ويجوز أن يعطَى الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه» هنا يجوز أن نقول: أن يُعْطَى الجماعةُ، ويجوز أن نقول: أن يعطِيَ الجماعةَ. وقوله: «الجماعة» أي: ممن يستحقون زكاة الفطر. وهل مصرف زكاة الفطر مثل مصرف بقية الزكاوات أو أن مصرفها لذوي الحاجة من الفقراء؟ الجواب: هناك قولان لأهل العلم، وهما: الأول: أنها تصرف مصرف بقية الزكوات حتى للمؤلفة قلوبهم والغارمين، وهو ما ذهب إليه المؤلف. الثاني: أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح. وقوله: «يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه» مثال ذلك: إذا كان إنسان عنده عشر فطر، فإنه يجوز أن يعطيها لفقير واحد. وإذا كان إنسان عنده فطرة واحدة فيجوز أن يعطيها عشرة فقراء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدر المعطى، ولم يقدر الآخذ. قال العلماء: إذا أعطى الفطرة لجماعة فيسن ألا ينقص المعطى عن مدٍ. ولكن إذا أعطى دون الصاع فيجب أن ينبه المعطى أنه أعطاه دون الصاع؛ لأنه يخشى أن يخرجها المعطى عن نفسه، وهي أقل من صاع. وعلى هذا التقرير الذي ذكرنا الآن أنه في زكاة الفطر يجوز أن يعطي الجماعةُ ما يلزمهم لفقير واحد، أو يعطي الإنسانُ ما يلزمه لعدة فقراء.

يتبين أن ما يجب بذله في هذه الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي: القسم الأول: ما قدر فيه المدفوع بقطع النظر عن الدافع وعن المدفوع إليه، مثل زكاة الفطر، فالمقدر فيها صاع، سواء أعطيتها واحداً أو جماعة، أو أعطاها جماعة لواحد، أو أعطاها واحد لواحد، أو أعطاها جماعة لجماعة؛ لأنه مقدر فيها ما يجب دفعه، وهذا بالاتفاق فيما أعلم. القسم الثاني: ما قدر فيه المدفوع والمدفوع إليه، كما هي الحال في فدية الأذى، وهي فدية حلق الرأس في الإحرام، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ: «أطعم ستة مساكين، لكن مسكين نصف صاع» (¬1) وعلى هذا فلا بد أن نخرج نصف صاع لكل واحد من الستة المساكين. القسم الثالث: ما قدر فيه الآخذ المعطى دون المدفوع، مثل: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]. وبناء على ذلك نقول للمكفر فيها: أطعم مسكيناً ما شئت حتى ولو كان مداً من بر. ويجوز في هذا القسم أن يغدي المساكين أو يعشيهم؛ لأن الله ذكر الإطعام ولم يذكر مقداره فمتى حصل الإطعام بأي صفة كانت أجزأ. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الحصر/ باب الإطعام في الفدية نصف صاع (1816)، ومسلم في الحج/باب جواز حلق الرأس للمحرم ... (1201) (85) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه.

باب إخراج الزكاة

بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَيَجِبُ عَلَى الفَوْرِ مَعَ إِمْكَانِهِ ......... قوله: «باب إخراج الزكاة» «أل» في الزكاة للعهد الذهني، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يدخل فيها زكاة الفطر، فإن زكاة الفطر قد علمت وبين وقت وجوبها وإخراجها وقدرها، لكن المراد بإخراج الزكاة هنا زكاة المال. وقوله: «إخراج الزكاة» أي: من ملكه إلى مستحقها. وأنواع الأموال هي: الذهب، والفضة، وعروض التجارة، وسائمة بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض. قوله: «ويجب على الفور» أي: المبادرة. قوله: «مع إمكانه» أي: مع إمكان الإخراج، والمراد بهذا وجوب المبادرة بالإخراج، لا وجوب الإخراج فإنه معلوم مما سبق. وقوله: «يجب على الفور» دليله أن الأصل في الأوامر الفورية، والدليل على أن الأصل في الأوامر الفورية ما يلي: 1 ـ قول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] وقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]. 2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أمر الصحابة في حجة الوداع أن يحل من إحرامه من لم يسق الهدي منهم، وتأخروا بعض الشيء رجاء

أن ينسخ الأمر غضب النبي صلّى الله عليه وسلّم غضباً شديداً» (¬1). 3 ـ أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما تأخروا في حلق رؤوسهم في غزوة الحديبية؛ ليتحللوا بذلك، غضب لتأخرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم (¬2) ولو لم يكن الأصل في الأوامر الفورية لم يغضب النبي صلّى الله عليه وسلّم. 4 ـ أن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فهو إذا أخر الواجب يكون مخاطراً، فقد يموت ويبقى الواجب في ذمته، وإبراء الذمة واجب، فهذا دليل نظري أيضاً على أن الواجب يفعل على الفور. 5 ـ أن النظر يوجب إخراجَها على الفور؛ لأن حاجة الفقراء متعلقة بها، وإذا أمهل الناس في إخراجها بقي الفقراء بحاجة. 6 ـ أن تأخير الواجبات يلزم منه تراكمها، وحينئذ يغريه الشيطان بالبخل إذا كان الواجب من المال، أو بالتكاسل إذا كان الواجب من الأعمال البدنية. وقال بعض العلماء: لا يجب الإخراج على الفور؛ لأن الله لم يوقت لها وقتاً، وهذا ضعيف، بل وقت الله لها وقتاً في قوله تعالى، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] إذا قلنا: إن هذا الحق هو الزكاة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في الحج/ باب بيان وجوه الإحرام (1211) (130) عن عائشة رضي الله عنهما. (¬2) أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الجهاد ... (2731)؛ عن المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهما.

إلا لضرر

لكن المؤلف اشترط بقوله: «مع إمكانه» أن يكون الإخراج ممكناً، فإذا لم يمكنه الإخراج فإنه لا يلزمه؛ كما لو كان ماله غائباً؛ وكما لو كان له دين في ذمة موسر أو في ذمة معسر، وقلنا بوجوب زكاة الدين في ذمة الموسر أو المعسر، وهو الآن ليس بيده فلا يلزمه الإخراج لعدم إمكانه. وهل من ذلك إذا وجب على المرأة زكاة الحلي، وليس عندها دراهم لتزكي بها؟ الجواب: ليس من ذلك؛ فيمكن لها أن تزكي على الفور؛ وذلك بأن تبيع من الحلي بمقدار الزكاة وتخرج الزكاة، ما لم يتبرع لها زوجها أو أحد من أقاربها، فإن تبرع فلا بأس. لكن النساء يقلن: إذا أوجبتم علينا أن نبيع من الحلي لإخراج زكاته فإنه سينفد ولن يبقى عندنا منه شيء، وهذا مما نحتاجه بنص القرآن، قال تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *} [الزخرف]. فنقول: إن هذا الإيراد غير وارد؛ لأنه ينقطع الوجوب إذا نقص الحلي عن النصاب، فإذا لم يكن عند إحداهن إلا ثمانون جراماً من الذهب فإنه لا زكاة عليها، ولذلك نقول: إنه لا ينفد؛ لأنك تصبحين عندئذ من الفقيرات، والفقيرات يكفيهن من حلي الذهب ثمانون جراماً. إِلاَّ لِضَرَرٍ ........... قوله: «إلا لضرر» أي: فإذا كان هناك ضرر على الرجل في إخراج الزكاة فور وجوبها فلا حرج عليه أن يؤخرها حتى يزول الضرر، كأن يخشى أن يرجع الساعي إليه مرة أخرى.

مثال ذلك: وجبت على شخص زكاة الماشية في محرم، ويخشى أن يأتي الساعي في صفر ويقول له: أخرج زكاتك، ولا يصدقه إذا قال له هذا الشخص: لقد أخرجتها، فإن له أن يؤخرها إلى أن ييأس من قدوم الساعي. والواجب أن يصدق صاحب الزكاة في دفع زكاته؛ لأنها عبادة، وهو مؤتمن عليها. ومن الضرر أيضاً أن يخشى على نفسه أو ماله إذا أخرج الزكاة، وذلك بأن يكون بين قوم من الفقراء لصوص، ولو أخرج الزكاة لقالوا: إنه ذو مال، فيسطون على بيته، ويسرقونه أو يقتلونه، وهذا ضرر يحل له أن يؤخر الزكاة حتى ييسر الله له. ومثل ذلك إذا كان ماله غائباً، فلا يجب عليه الإخراج عنه، ولو كان عنده مال. فإن قال قائل: هل يجوز أن يؤخرها لمصلحة وليس لضرر؟ الجواب: نعم يجوز، فمثلاً عندنا في رمضان يكثر إخراج الزكاة ويغتني الفقراء أو أكثرهم، لكن في أيام الشتاء التي لا توافق رمضان يكونون أشد حاجة، ويقل من يخرج الزكاة، فهنا يجوز تأخيرها؛ لأن في ذلك مصلحة لمن يستحقها، لكن بشرط أن يفرزها عن ماله، أو أن يكتب وثيقة يقول فيها: إن زكاته تحل في رمضان، ولكنه أخرها إلى الشتاء من أجل مصلحة الفقراء، حتى يكون ورثته على علم بذلك، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة

عنده» (¬1) والزكاة مما يوصى فيه؛ لأنه حق واجب. وأيضاً يجوز له أن يؤخر الزكاة من أجل أن يتحرى من يستحقها؛ لأن الأمانة ضاعت في وقتنا الحاضر، وحب المال ازداد فتأخير الزكاة حتى يتحرى من يستحقها جائز؛ لأن في ذلك مصلحة المستحق، والله أعلم بالنيات، فقد يتعلل بعض الناس بهذا، وهو يريد أن ينتفع بماله قبل إخراج زكاته، لكن إذا كان في نيته أن يؤخرها؛ من أجل تحري من يستحق فإن هذا لا بأس به. والمؤلف ـ رحمه الله ـ لم يذكر جواز تأخير الزكاة لمصلحة المستحق، وإنما ذكرها صاحب الروض، وغيره من العلماء، ويجوز التأخير كذلك، إذا تعذر الإخراج لقوله: «مع إمكانه»، كما سبق. فصار التأخير يجوز في الحالات الآتية: 1 ـ عند تعذر الإخراج. 2 ـ عند حصول الضرر عليه بالإخراج. 3 ـ عند وجود حاجة، أو مصلحة في التأخير. مسألة: لو أخر الزكاة عن موعدها ثم زاد ماله؛ فإن المعتبر وقت وجوبها عند تمام الحول. فلو كانت تجب في رمضان وماله عشرة آلاف، فأخرها إلى ذي الحجة فبلغ ماله عشرين ألفاً، فلا زكاة عليه إلا في العشرة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الوصايا/ باب الوصايا (2738)؛ ومسلم في الوصية/ باب وصية الرجل مكتوبة عنده (1627) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

فإن منعها جحدا لوجوبها كفر عارف بالحكم

فَإِنْ مَنَعَهَا جَحْداً لِوُجُوبِهَا كَفَرَ عَارِفٌ بالحُكْمِ ......... قوله: «فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارف بالحكم». أي: إن منع إخراج الزكاة، والفاعل يعود على صاحب المال الزكوي، والهاء مفعول به تعود على الزكاة. وقوله: «كفر» هذا الكفر كفر اعتقاد لا كفر عمل؛ لأنه اعتقد خلاف ما دل عليه الشرع، وكذب الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فإذا انضم إلى الجحد منع، صار أشد وأعظم لأنه كفر بالاعتقاد، وفسق بالعمل. علة ذلك ـ أي: الحكم بكفره ـ ليس لمنعها، وإنما لجحد كونها فريضة، وأما إذا منعها بخلاً، أو تهاوناً، فسيأتي في كلام المصنف، وعلى هذا فيكون قول المؤلف: «إِنْ مَنَعَهَا جَحْداً لِوُجُوبِها» تصويراً لا تأصيلاً؛ فليس من شرط القول بكفر جاحدها أن يمنعها بل الشرط جحد وجوبها؛ فلو أدّاها وهو جاحد وجوبها فإنه يكفر. وقوله: «جحداً» مفعول لأجله وهو سابق على الفعل؛ لأن المفعول لأجله إما أن يكون سابقاً للفعل، أو مقارناً له، أو يكون لاَحِقاً له، فهذا الجحد سابق للفعل أو مقارن له، ومعنى سابق أن يقول: ليس علي زكاة، وهي غير مفروضة، ومعنى مقارن أن يجحد الزكاة حين المنع، فإن منعها على هذا الوجه «كفر عارف بالحكم» أي: أنه يكفر إذا جحد الزكاة وهو يعلم أنها واجبة، وذلك لأن وجوب الزكاة مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، فكل مسلم يعلم أن الزكاة واجبة، فإذا جحد ذلك كفر. وهنا قيد المؤلف ـ رحمه الله ـ الكفر بأن يكون عارفاً

بالحكم، فعلم من كلامه أنه لو جحد وجوبها جاهلاً فإنه لا يكفر؛ لأن الجهل عذر بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين في الجملة؛ أي: ليس في كل الصور. وذلك لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} ... } إلى قوله: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 163 ـ 165] فدل هذا على أنه لو لم يرسل رسلاً إلى الخلق فلهم حجة على الله؛ لأنهم معذورون، وقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ *} [القصص]، وقال الله تعالى عن قريش: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى *} [طه]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (¬1)، والنصوص الدالة على أن الجهل عذر كثيرة جداً. ولكن هل تقبل دعوى الجهل من كل أحد؟ الجواب؛ لا، فإن من عاش بين المسلمين، وجحد الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، وقال: لا أعلم، فلا ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه في الطلاق/ باب طلاق المكره والناسي (2043) عن أبي ذر رضي الله عنه، وأخرجه عن ابن عباس (2045) بلفظ وضع، وصححه ابن حبان (7219).

يقبل قوله؛ لأن هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ إذ يعرفه العالم والعامي، لكن لو كان حديث عهد بالإسلام، أو كان ناشئاً ببادية بعيدة عن القرى والمدن، فيقبل منه دعوى الجهل ولا يكفر، ولكن نعلمه فإذا أصر بعد التَّبيين حكمنا بكفره، وهذه المسألة ـ أعني مسألة العذر بالجهل ـ مسألة عظيمة شائكة، وهي من أعظم المسائل تحقيقاً وتصويراً. فمن الناس من أطلق وقال: لا يعذر بالجهل في أصول الدين كالتوحيد، فلو وجدنا مسلماً في بعض القرى أو البوادي النائية يعبد قبراً أو ولياً، ويقول: إنه مسلم، وإنه وجد آباءه على هذا ولم يعلم بأنه شرك فلا يعذر. والصحيح أنه لا يكفر؛ لأن أول شيء جاءت به الرسل هو التوحيد، ومع ذلك قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] فلا بد أن يكون الإنسان ظالماً، وإلا فلا يستحق العذاب. على أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع أنكره شيخ الإسلام، وهذا التقسيم لم يحدث إلا بعد القرون المفضلة في آخر القرن الثالث، وقال شيخ الإسلام: كيف نقول: إن الصلاة من الفروع؟! ـ لأن الذين يقسمون الدين إلى أصول وفروع يجعلون الصلاة من الفروع ـ وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وكذا الزكاة، والصوم، والحج، كيف يقال: إنها من الفروع؟! ولكن قد لا يعذر الإنسان بالجهل، وذلك إذا كان بإمكانه

أن يتعلم ولم يفعل، مع قيام الشبهة عنده، كرجل قيل له: هذا محرم، وكان يعتقد الحل، فسوف تكون عنده شبهة على الأقل، فعندئذٍ يلزمه أن يتعلم ليصل إلى الحكم بيقين. فهذا ربما لا نعذره بجهله؛ لأنه فرط في التعليم، والتفريط يسقط العذر، لكن من كان جاهلاً، ولم يكن عنده أي شبهة، ويعتقد أن ما هو عليه حق، أو يقول هذا على أنه الحق، فهذا لا شك أنه لا يريد المخالفة ولم يرد المعصية والكفر، فلا يمكن أن نكفره حتى ولو كان جاهلاً بأصل من أصول الدين، فالإيمان بالزكاة وفرضيتها أصل من أصول الدين، ومع ذلك لا يكفر الجاهل. وبناءً على هذا يتبين حال كثير من المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية الذين يستغيثون بالأموات، وهم لا يعلمون أن هذا حرام، بل قد لُبِّس عليهم أن هذا مِمَّا يقرب إلى الله، وأن هذا وليٌّ لله وما أشبه ذلك، وهم معتنقون للإسلام، وغيورون عليه، ويعتقدون أن ما يفعلونه من الإسلام، ولم يأت أحد ينبههم، فهؤلاء معذورون، لا يؤاخذون مؤاخذة المعاند الذي قال له العلماء: هذا شرك، فيقول: هذا ما وجدت عليه آبائي وأجدادي، فإن حكم هذا الأخير حكم من قال الله تعالى فيهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]. فإن قيل: كيف يعذر هؤلاء ولم يعذر أهل الفترة، فقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أبي وأبوك في النار» (¬1)؟ فيقال: أهل الفترة ليس لنا ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في الإيمان/ باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (203) عن أنس رضي الله عنه.

أن نتجاوز ما جاءت به النصوص، ولولا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: إن أباه في النار، لكان مقتضى القاعدة الشرعية أنه لا يعذب، وأن يكون أمره إلى الله، كسائر أصحاب الفترة، فإن القول الراجح أن أصحاب الفترة يمتحنون يوم القيامة بما شاء الله، أما هؤلاء فإنهم يعتقدون أنهم على الإسلام ولم يأتهم من يعلمهم، بل قد يكون عندهم من علماء الضلالة من يقول: إنَّ ما هم عليه هو الحق. إذاً لا بد أن يكون الجاحد لوجوب الزكاة عارفاً بالحكم، فإن جحدها وهو عارف بالحكم صار كافراً، وإن كان جاهلاً وعلمناه وبينا له النصوص وأصر على ما هو عليه، فحينئذٍ يكون كافراً؛ لأنه عالم بالحكم. وعلى هذا يتبين لنا أنه لا يشترط الإقرار بالحكم، فإذا بلغه الحكم على وجه واضح بين، فقد قامت عليه الحجة سواء أقر أم أنكر، حتى ولو أنكر فإن ذلك لا ينفعه، ولا يرفع عنه الحكم؛ وإلا لكان فرعون ـ الذي أنكر رسالة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع إقراره بها في باطن نفسه ـ مؤمناً محقاً، ولكنه ليس كذلك، فالشرط هو بلوغ الحجة على وجه يتبين به الأمر، فإذا بلغ الإنسان ذلك، فإن إقراره بها ليس بشرط، فيحكم بكفره ولو لم يقر بها. وإذا أخبرناه فأصر على أنها ليست واجبة، ولكنه يخرجها على أنها تطوع، فإنه يكفر وعلى هذا فإن قول المؤلف: «ومن منعها جحداً لوجوبها» ليس قيداً في الحكم؛ لأن المدار على الجحود، فإذا جحد الوجوب وهو عارف بالحكم، كفر سواء أخرجها أم لم يخرجها.

وأخذت منه وقتل

وقد قيل للإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: إن فلاناً يقول في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *}: «إن ذلك فيمن استحل قتل المؤمن»، فتبسم الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وقال: «إذا استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتله، أم لم يقتله»!! فتبقى الآية لا فائدة منها؛ لأن الآية علقت الحكم على وصف دون هذا الوصف الذي ذكره هذا القائل وهو الجحود. والذين قالوا: إن النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة محمولة على من تركها جحداً لوجوبها، نقول لهم: إن الذي جحد وجوب الصلاة كافر ولو صلى، فلم تعتبرون وصفاً لم يشر إليه الدليل، وتتركون وصفاً علق عليه الحكم؟ فهذه جناية على النص من وجهين هما: الأول: إلغاء ما اعتبره الشرع وصفاً موجباً للحكم. الثاني: استحداث وصف لم يكن في النص. وهذا البلاء يأتي كثيراً من العلماء؛ لأنهم اعتقدوا قبل أن يستدلوا فحاولوا ليَّ أعناق النصوص إلى ما يعتقدون، أو يكون المستدل قد استعظم الأمر كيف يكفر تارك الصلاة، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويؤمن باليوم الآخر، فيحاول أن يُحَرِّفَ النصوصَ من أجل استعظامه أن يكفر. وَأُخِذَتْ منه وقُتِلَ ......... قوله: «وأخذت منه وقتل» أي: من منع الزكاة جحداً لوجوبها فإنها تؤخذ منه، وتعطى لأهلها، ويقتل؛ لردته. وهنا يرد سؤال وهو كيف تؤخذ منه، وقد حكمنا بكفره،

وهي لا تقبل منه؛ لقول الله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ} [التوبة: 54]، وأيضاً هل يكون ماله لبيت المال؟ الجواب: تؤخذ منه؛ لأنها وجبت عليه، وتعلق بها حق الغير، وهم أهل الزكاة. ولا تدخل الزكاة بيت المال؛ لأن الأخص وهو مال الزكاة، لا يدخل في الأعم وهو بيت المال؛ لأنها ربما تصرف في المصالح العامة، مثل: بناء المساجد، وإصلاح الطرق، وهذا لا يصح أن تصرف الزكاة فيه، ويكون باقي ماله في بيت المال؛ لأن المرتد لا يورث. قوله: «وقتل» أي: قتل لردته فلا يصلى عليه، وإذا تاب قبلت توبته ولم يقتل، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» (¬1). وظاهر كلام المؤلف أنه يقتل ولا يستتاب، وهذا الظاهر قد يكون مراداً، وقد يكون غير مراد، وأن المراد بيان الحكم بقطع النظر عن شروطه. واختلف العلماء هل كل كفر يستتاب منه أم لا؟ وهل الاستتابة واجبة أو راجعة للإمام؟ والصواب أنها ليست واجبة، وأنها راجعة للإمام، ووجود مصلحة في استتابته، ككون المرتد زعيماً في قومه، ولو أنه عاد ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في استتابة المرتدين/ باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (6922) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أو بخلا أخذت منه وعزر

إلى الإسلام لنفع الله به، فهذا يجب أن يستتيبه الإمام، ولو رأى الإمام أن قتله خير من بقائه لنفسه ولغيره؛ لأن طول عمر الكافر زيادة في إثمه، قال الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *} [آل عمران: 178] فهذا لا يحتاج إلى استتابته؛ بل يقتله بدونها. والقول الراجح أن التوبة مقبولة من كل ذنب حتى من سب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن من سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم تقبل توبته ويقتل، ومن سب الله تقبل توبته لو تاب ولا يقتل؛ لأن حق الله لله، وقد بين سبحانه أنه يغفر الذنوب جميعاً، أما سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم فحق له، وقتل الساب حق لآدمي، ولا ندري هل يعفو الرسول صلّى الله عليه وسلّم عمن سبه أم لا؟ ولكن إذا تاب وقتلناه فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدعى له بالمغفرة، ويدفن في مقابر المسلمين؛ لأنَّ قتله حصل به أداء الحق إلى أهله وقد تاب إلى الله. أو بُخْلاً أخِذَتْ مِنهُ وَعُزِّرَ ............ قوله: «أو بخلاً» أي منع الزكاة بخلاً، والبخل منع ما يجب، والشح الطمع فيما ليس عنده. فالبخيل ممسك، والشحيح مقتطع، يريد أن تكون أموال الناس جميعاً عنده. قوله: «أخذت منه وعزر» أي: أخذت الزكاة ممن منعها بخلاً، وأدِّبَ. وقوله: «أخذت» فعل مبني للمجهول والآخذ هو من له حق الأخذ، وهو الذي يلزم الناس بالشرع، والسلطان هو الذي له الحق، ولذلك فإنه يأخذها من البخيل قهراً ويعزره.

والتعزير يطلق على معان عدة، منها: التوقير، والنصرة؛ لقوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]. ومنها التأديب كما هو مراد المؤلف، وسمي التأديب تعزيراً مع أن أصل التعزير النصرة، لأن فيه نصرة للإنسان على نفسه؛ لأنه إذا أدب استقام وانتصر على نفسه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تمنعه من الظلم فذاك نصره» (¬1) فهذا الذي أدبناه يكون تعزيره نصراً في الواقع، لأننا نصرناه على نفسه؛ إذ إن هذا سيردعه عما كان عليه. مسألة: هل إذا أخذت الزكاة من البخيل تبرأ بها ذمته؟ الجواب: أما ظاهراً فإنها تبرأ بها ذمته فلا نطالبه بها مرة ثانية، وأما باطناً فإنها لا تبرأ ذمته، ولا تجزئه؛ لأنه لم ينو بها التقرب إلى الله، وإبراء ذمته من حق الله، ولذلك فإنه يعاقب على ذلك معاقبة من لم تؤخذ منه؛ لأنها أخرجت بغير اختيار منه، فإذا تاب من ذلك فإن من توبته أن يخرجها مرة ثانية. ولم يبين المؤلف كيف يعزر؟ بالضرب أم بالحبس أم بالتوبيخ أمام الناس، أم بغير ذلك من وسائل التأديب؟ فقيل: المقصود بالتعزير التأديب، فما يحصل به التأديب هو الواجب، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فمنهم من يعزر بالمال وهو البخيل، ومنهم من يعزر بالضرب، ومنهم من يعزر بالتوبيخ ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في الإكراه/ باب يمين الرجل لصاحبه ... (6952) عن أنس رضي الله عنه.

أمام الناس، أو بالفصل من الوظيفة، ولذلك فإن التعزير لا يرتبط بعقوبة معينة؛ لأن المراد منه الإصلاح والتأديب، وهذا يختلف باختلاف الناس، ولهذا أطلق المؤلف التعزير، فقد يقترف رجلان ذنباً واحداً، أحدهما نعزره بالمال، والآخر بالضرب. والصحيح أنه يعزر بما ورد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فيمن منعها: «إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» (¬1). ولا شك أن الشرع إذا عين نوعاً من العقوبة، ولو بالتعزير فهي خير مما يفرضه السلطان، فنأخذها وشطر ماله. وشطر المال أي: نصفه. ولكن هل هو شطر ماله عموماً أو شطر ماله الذي منع منه زكاته؟ الجواب: في هذا قولان للعلماء: الأول: أننا نأخذ الزكاة ونصف ماله الذي منع زكاته. الثاني: أننا نأخذ الزكاة ونصف ماله كله. مثال ذلك: إذا كان عند رجل مائة من الإبل ومائة من الغنم، ومنع زكاة الغنم. فعلى القول الأول: نأخذ منه خمسين من الغنم، وزكاة الغنم. وعلى القول الثاني: نأخذ منه خمسين من الغنم، وخمسين ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (5/ 2، 4) وأبو داود في الزكاة/باب زكاة السائمة (1575)؛ والنسائي في الزكاة/ باب عقوبة مانع الزكاة (5/ 17)، وصححه ابن خزيمة (2266) والحاكم (1/ 397، 398).

وتجب في مال صبي ومجنون

من الإبل وزكاة الغنم؛ لأن المراد المال كله، والنص محتمل. فإذا كان محتملاً، فالظاهر أننا نأخذ بأيسر الاحتمالين؛ لأن ما زاد على الأيسر فمشكوك فيه، والأصل احترام مال المسلم. ولكن إذا انهمك الناس وتمردوا في ذلك ومنعوا الزكاة، ورأى ولي الأمر أن يأخذ بالاحتمال الآخر فيأخذ الزكاة ونصف المال كله فله ذلك. ودليل ذلك تضعيف عمر ـ رضي الله عنه ـ عقوبة شارب الخمر حيث زاد فيها إلى أخف الحدود، وهو ثمانون جلدة (¬1). وَتَجِبُ فِي مَالِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ........ قوله: «وتجب في مال صبي ومجنون». تجب: الضمير يعود على الزكاة. وقوله: «في مال صبي ومجنون» سبقت الإشارة إليه حيث ذكرنا في شروط وجوب الزكاة الإسلام، ولم نشترط البلوغ والعقل، وذلك لأنها واجبة في المال. فهي من جهة كونها عبادة تكليفية يرجح فيها جانب السقوط، ولذلك قال بعض العلماء: إنها لا تجب في مال الصبي والمجنون؛ لأنهما غير مكلفين، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رفع القلم عن ثلاثة منهم: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق» (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في الحدود/ باب حد الخمر (1706) عن أنس رضي الله عنه وأخرجه البخاري في الحدود/ باب الضرب بالجريد والنعال (6779) عن السائب بن يزيد رضي الله عنه بمعناه. (¬2) أخرجه أبو داود في الحدود/ باب في المجنون يسرق ... (4398)، والنسائي في الطلاق/ باب من لا يقع طلاقه ... (6/ 156)؛ والترمذي في أبواب الحدود/ باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد (1423) عن علي رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة (1003) وابن حبان (143).

فيخرجها وليهما، ولا يجوز إخراجها إلا بنية

ولكن القول الصحيح والراجح أنها واجبة في المال، وأنها تجب في مال الصبي والمجنون، كما يجب عليهما ضمان ما أتلفاه؛ لأنه حق آدمي، ولو أفسدا عبادة فإنه لا يجب عليهما شيء؛ لأنها حق الله تعالى. والزكاة فيها شائبة كونها تجب لحق الآدمي لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] وفيها أيضاً شائبة أنها تجب في المال؛ لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *} [المعارج]، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ رضي الله عنه: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (¬1). فَيُخْرِجُهَا وَلِيُّهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِلاَّ بِنِيَّةٍ ........... قوله: «فيخرجها وليهما» أي يخرج الزكاة الواجبة في مال الصبي والمجنون ولي كل منهما، فلا ينتظر بلوغ الصغير، وعقل المجنون، أما كونه لا ينتظر المجنون فهذا ظاهر؛ لأننا لا ندري متى يزول جنونه، وأما الصغير فلأن إخراج الزكاة على الفور. وقال بعض العلماء: لا يخرجها، بل يكتبها، فإذا بلغ الصبي وعقل المجنون أو مات، وانتقل المال إلى وارثه وأخبرهم بعدم الإخراج فقد برئت ذمته، لأنه لا يأمن التبعة. وقال بعض أهل العلم، وهو رواية عن أحمد: إن خاف من التبعة أخرج الزكاة، وإلا فلا، مثال التبعة أن يخاف أن يطالبه اليتيم بأكثر مما أخرج. والصحيح أنه يخرج الزكاة كما قال المؤلف، لوجوب ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

إخراجها على الفور، وأما مسألة التبعة فإذا طولب الولي، فالقول قوله؛ لأنه أمين. ووليهما هو من يتولى شأنهما في المال خاصة، وهو الأب، أو وصيه إن كان ميتاً، أو وكيله إن كان حياً، وأما الأخ والأم فإنه لا ولاية لهما في مال الصبي والمجنون، على المشهور من المذهب، إلا أنهم قالوا: إذا لم يوص لأحد، فالأمر للحاكم، يولي من يشاء. والصحيح أن وليهما من يتولى أمرهما من الأقربين من أب، أو أم، أو أخ، أو أخت، أو عم، أو خال، أو غيرهم؛ لأن هذا مقتضى الولاية، فقد يكون أبوه ميتاً ولم يوص أحداً. قوله: «ولا يجوز إخراجها إلا بنية» أي: ولا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية ممن تجب عليه. والدليل على ذلك أثري ونظري. أما الأثر فقوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} [الروم: 39]، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1). وأما النظر؛ فلأن إخراج المال يكون للزكاة الواجبة، والصدقة المستحبة، ويكون هدية، ويكون ضماناً لمتلف، ولا يحدد نوع الإخراج إلا النية؛ فلا بد من النية عند إخراج الزكاة، فينوي إخراجها من ماله المعين، فإذا كانت عروض تجارة نواها عروض تجارة، وإن كانت نقدية نواها نقدية، وهكذا. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (41).

وبناء على هذا لو أخرج رجل الزكاة عن آخر بدون توكيل فإنها لا تجزئ؛ لعدم وجود النية ممن تجب عليه. وظاهر كلام المؤلف أنها لا تجزئ، وإن أجاز ذلك من تجب عليه الزكاة وهذا هو القول الأول. ودليله أن النية إنما تكون ممن خوطب بها، والدافع قبل أن يُوَكَّلَ ليس أصلاً ولا فرعاً، ولذلك فإنها لا تجزئ؛ لأن النية لا بد أن تقارن الفعل. والقول الثاني: أنه إذا أجاز ذلك من تجب عليه الزكاة، فإنها تجزئ. ودليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أجاز لأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الدفع لمن جاء إليه، وقال: إنه فقير (¬1)، مع أن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ كان وكيلاً في الحفظ فقط، وليس في الإعطاء، فأجازه النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأن منع التصرف لحق الغير، فإذا أجازه ورضي فما المانع من قبوله لكن تبقى مشكلة النية، فيقال: بأن النائب قد نوى، وهذا النائب لو أذن له المالك قبل التصرف صح، فكذا إذا أذن له بعد التصرف كان صحيحاً، وهذا هو الأقرب، ولكن القول الأول هو الأحوط. وإنما نص المصنف على النية لئلا يقول قائل: إنها كالدين لا تجب النية فيه، فلو كان عليك دين لإنسان عشرة دراهم، ثم أعطيته الدراهم، ولم تنو شيئاً كان وفاء. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (165).

والأفضل أن يفرقها بنفسه

مسألة: هل يشترط التعيين، أي: عن المال الفلاني؟ مثال ذلك عندي ألف درهم، ومائة دينار، وعروض تجارة فأخرجت عشرة دراهم بنية الزكاة، ولم أعين، ومثال آخر عندي خمس من الإبل، وأربعون شاةً فأخرجت شاة بنية الزكاة، ولم أنوها للإبل أو الغنم، فالفقهاء قالوا بالإجزاء، مع أنهم يقولون: تجب في عين المال، لكن لها تعلق بالذمة. مسألة: لو قال قائل: إن الله تعالى يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وإذا دفعها شخص عن آخر ليرجع بها لم تؤخذ الزكاة من مال صاحبها؟ فالجواب: أن يقال: إن المقصودَ إخراجُ ما يجب، وأما قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} فهو لبيان أن الزكاة فيما يملكه الإنسان. وَالأَْفْضَلُ أَنْ يُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ ......... قوله: «والأفضل أن يفرقها بنفسه» أي: الأفضل أن يفرق من تجب الزكاة عليه زكاة ماله بنفسه أي: يباشر ذلك، وذلك لثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن ينال أجر التعب؛ لأن تفريقها عبادة. الوجه الثاني: أن يبرئ ذمته بيقين، فإن الوكيل قد يتهاون بعض الشيء في إعطائها من لا يستحق أو في المبادرة بصرفها، أو يتهاون فتتلف عنده، أو غير ذلك. الوجه الثالث: أن يدفع عنه المذمة، لا سيما إذا كان غنياً مشهوراً، ولا يعرف الناس له وكيلاً فيذمونه، ويقولون: إن فلاناً لا يزكي.

وقوله: «الأفضل» يُعلم منه أنه يجوز أن يوكل من يخرجها عنه سواء دفعها الوكيل من ماله، أو أعطاها من تجب عليه الزكاة ليخرجها. فمثال الصورة الأولى: أن يقول من تجب عليه الزكاة لوكيله: عليّ مائة ريال مقدار زكاتي فأخرجها. ومثال الصورة الثانية: أن يقول من تجب عليه الزكاة لوكيله: خذ هذه المائة مقدار زكاتي فأخرجها عني. مسألة: ويجوز دفعها للساعي الذي يأتي من قبل الحكومة بشرط أن نثق أنها تصرف في مصارفها، فإن لم نثق فلا ندفعها، إلا أن نخاف رجوعهم علينا وطلبها إذا لم ندفعها لهم، فندفعها وإن غلب على ظننا أنها لا تصرف في مصارفها. ويكون الإثم في هذه الحالة على الساعي؛ لأنه لم يصرفها في مصرفها. وقوله: «يفرقها بنفسه» يتفرع عليه مسألتان هما: المسألة الأولى: هل الأفضل أن يفرقها سراً أو علانية؟ الصحيح أن ينظر للمصلحة، فإذا كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وإذا كانت في الأسرار أسر. وإن كانت المصلحة في أن يعلن عن زكاة بعض ماله حتى يقتدي الناس به، ثم يسر في زكاة باقي ماله فليفعل؛ لأن الأصل في إخراج المال سواء كانت زكاة أو صدقة الإسرار، حتى لا يقع الإنسان في الرياء، وأنه بذلها ليقال: فلان كريم، وعليه فالمراتب ثلاث:

الأولى: أن يترجح الإظهار كما إذا كان المقام عاماً كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم لما جاءه جماعة من مضر، فجعل الناس يتصدقون علناً وأثنى النبي صلّى الله عليه وسلّم على من ابتدأ بالصدقة، بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (¬1) ولما فيه من تشجيع الأمة على فعل الخير. الثانية: أن يترجح الأسرار. الثالثة: ألا يترجح هذا ولا هذا، فالإسرار أفضل لأمرين: 1 ـ أنه أبعد عن الرياء. 2 ـ أنه أستر لحال المعطى والدليل على هذا أن الله أثنى على المتصدقين الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية. المسألة الثانية: هل يُعلم المزكي الآخذَ أن هذه زكاة أم لا يعلمه؟ الجواب: فيه تفصيل إذا كان الآخذ معروفاً أنه من أهل الزكاة فلا يخبره؛ لأن في ذلك نوعاً من الإذلال، والتخجيل له. وإن كان الآخذ لا يُعلَمُ أنه من أهل الزكاة فليخبره المزكي بأن هذا المال زكاة، فإذا كان ذلك الفقير لا يقبل الزكاة لأن بعض الناس عنده عفة لا يقبل الزكاة، فهنا نقول له: هذه زكاة لأنه إذا كان لا يقبلها فإنها لا تدخل ملكه؛ لأنه من شرط التملك القبول وهذا لا يقبل، ونقول لمن يريد نفع هذا الفقير العفيف: ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الحث على الصدقة ... (1017) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.

ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد

أعطه صدقة تطوع وأنت مأجور، أما أَنْ تدخل ملكه ما لا يريده فهذا لا يجوز. وَيَقُولُ عِنْدَ دَفْعِهَا هُوَ وآخِذُهَا مَا وَرَدَ ......... قوله: «ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد» يحتمل أن تكون «ويقول» منصوبة بالفتحة عطفاً على «يفرق»، ويحتمل الرفع على الاستئناف، أي: يقول المزكي عند دفع زكاته، ومستحق الزكاة عند أخذ الزكاة ـ هو وآخذها ـ فيقول المزكي ما ورد من الآثار والأدعية؛ ومن ذلك: «اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم». وقيل: يقول: «اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً» (¬1) وهذا الحديث ضعيف. أما الآخذ فيقول: «اللهم صل عليك» (¬2) أو يدعو بما يراه مناسباً؛ وذلك لأن الله تعالى قال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [براءة: 103] أي: ادع لهم، ثم علل الله سبحانه وتعالى الصلاة بقوله: {إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} أي تسكن قلوبهم ويطمئنون ويرضون. ¬

_ (¬1) لما روى أبو هريرة مرفوعاً: «إذا أعطيتم الزكاة، فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً» أخرجه ابن ماجه في الزكاة/ باب ما يقال عند إخراج الزكاة (1797). وقال البوصيري: «هذا إسناد ضعيف، البختري متفق على تضعيفه، والوليد مدلس». (¬2) لما روى ابن أبي أوفى قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صلِّ على أبي أوفى». أخرجه البخاري في الزكاة/ باب صلاة الإمام ... (1497)؛ ومسلم في الزكاة/ باب الدعاء لمن أتى بصدقة (1078).

والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة

وَالأَْفْضَلُ إخْرَاجُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ وَلاَ يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ .......... قوله: «والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده» وذلك لوجوه: أولاً: أنه أيسر للمكلف؛ لأن في نقلها من بلد إلى آخر مشقة وكلفة. ثانياً: أنه أكثر أماناً؛ لأن في السفر عرضة لتلفها. ثالثاً: أن أهل البلد أقرب الناس إليك، والقريب له حق، الأقربون أولى بالمعروف. رابعاً: أن فقراء بلدك تتعلق أطماعهم بما عندك من المال، بخلاف الأبعدين، فربما لا يعرفون عنك شيئاً. خامساً: أنك إذا أعطيت أهل بلدك، يغرس بينك وبينهم بذرة المودة والمحبة، وهذا له أثر كبير للتعاون فيما بين أهل البلد. وقوله: «في فقراء بلده» ليس على سبيل التعيين بل وغيرهم من المستحقين للزكاة. وقوله: «الأفضل» يدل على أنَّ إخراجها في غير فقراء بلده جائز، ولكنه مفضول. وهنا يجب أن تعلم أنه إذا كان الفقراء خارج بلدك أحوج، أو كانوا أقارب فهم أولى، لكن يجب أن تعلم أيضاً أن هذا إذا كان البلد قريباً لا يسمى السَّيْرُ إليه سفراً، أما إذا كان بعيداً فقد قال فيه المؤلف: «ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة» أي: لا يجوز أن

تنقلها إلى بلد بينه وبينك مسافة قصر، وهي على المذهب ثلاثة وثمانون كيلو متراً تقريباً، فالبلد الذي بينك وبينه هذه المسافة لا يجوز أن تنقل زكاة مالك إليه، ولو كان الفقراء فيه أشد حاجة ما دام في بلدك من يستحق الزكاة. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو لمصلحة، أو شدة ضرورة، أو ما أشبه ذلك. فتبين بذلك أن هناك ثلاثة مواضع: أولاً: بلدك، وهذا هو الأصل، وهو الأفضل بالنسبة لإخراج الزكاة. ثانياً: البلد القريب من بلدك، وهذا جائز، لكنه مفضول ما لم يترجح لمصلحة أخرى. ثالثاً: البلد البعيد الذي فوق مسافة القصر، فهذا لا يجوز. وهذا الأخير ليس فيه دليل واضح فإنهم استدلوا بحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ حين بعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن وقال له: «أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (¬1) والإضافة تقتضي التخصيص؛ أي: فقراء أهل اليمن؛ ولأن الأطماع تتعلق بهذا المال. وقال بعض العلماء: يجوز نقلها إلى البلد البعيد والقريب للحاجة أو للمصلحة. فالحاجة مثل ما لو كان البلد البعيد أهله أشدُّ فقراً. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه ص (15).

والمصلحة مثل أن يكون لصاحب الزكاة أقارب فقراء في بلد بعيد يساوون فقراء بلده في الحاجة، فإن دفعها إلى أقاربه حصلت المصلحة وهي صدقة وصلة رحم. أو يكون ـ مثلاً ـ في بلد بعيد طلاب علم حاجتهم مساوية لحاجة فقراء بلده. وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه العمل؛ لعموم الدليل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] أي: للفقراء والمساكين في كل مكان. أما إضافة الضمير «هم» في حديث معاذ فيحتمل أن تكون للجنس؛ أي: فقراء المسلمين، كما هي في قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} ... } إلى أن قال: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور: 31]، ويحتمل أن تكون للتعيين والتخصيص، لكن نظراً لأن نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة ـ مثلاً ـ فيه شيء من الصعوبة والمشقة فصار توزيعها في اليمن أرفق وأنفع، وأيضاً ما الدليل على التفريق بين مسافة القصر وغيرها، ما دمت نقلتها عن بلد تتعلق فيها الأطماع؟ فإن قالوا: إن ما دون مسافة القصر في حكم الحاضر، فيقال: هذا في حكم الصلاة. مسألة: حكم زكاة الفطر حكم زكاة المال بالنسبة للنقل إذا كان هناك حاجة أو مصلحة. مسألة: قبض عمال الإمام للزكاة من أهلها ونقلهم لها إلى بلد آخر، لا بأس به؛ لأنها قبضت في بلد المزكي، والإمام نائب عن الفقراء.

فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه

فَإِنْ فَعَلَ أجزَأت، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لاَ فُقَرَاءَ فِيهِ فَيُفَرِّقُهَا فِي أقْرَبِ البِلاد إِليهِ ........ قوله: «فإن فعل أجزأت» أي: إن نقلها إلى مسافة القصر فأكثر أجزأت، ولكنه يأثم. فإذا قال قائل: القاعدة عندنا أن المحرم لا يجزئ. فنقول: التحريم هنا ليس عائداً على الدفع، بل عائد على النقل وإلا فقد دفعت إلى أهلها فتجزئ، ويكون آثماً للنقل. والتحريم الذي يقتضي الفساد هو ما عاد على عين الشيء مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بعد العصر» (¬1) فإن صلى فلا تصح صلاته إلا ما استثني، فهناك فرق بين أن يتعلق التحريم بنفس العبادة، وأن يتعلق بأمر خارج عنها. قوله: «إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه» هذا مستثنى من قوله: «ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة». والضمير في قوله: «إلا أن يكون» يعود إلى «المال» بدليل قوله: «والأفضل إخراج زكاة كل مال»، يعني إلا أن يكون المال في بلد لا فقراء فيه. وقوله: «لا فقراء» هذا مبني على الأغلب، والعبارة العامة أن يقول: إلا أن يكون في بلد لا مستحق للزكاة فيه، من أجل أن يشمل جميع الأصناف؛ لأنه قد لا يكون فيه فقراء، ويكون فيه مستحق بغير الفقر. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة/ باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس (586) ومسلم في الصلاة/ باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (827) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وقوله: «فيفرقها»: بالرفع؛ لأن الفاء هنا استئنافية، وليست عاطفة، والمراد به من عليه الزكاة. وقوله: «في أقرب البلاد إليه»: وجه ذلك أنه عدم المستحق في الموضع الذي يجب فيه دفع الزكاة فسقط الوجوب فيه، فيفرقها في أقرب البلاد إليه؛ لأن الأقربين أحق من الأباعد، وكما لو قطعت الكف فإنه يسقط السجود عليه في حال الصلاة؛ لأن المحل الذي يجب السجود عليه قد زال، ويحتمل أن نقول: يجب عليه أن يضع طرف الذراع على الأرض؛ لأن المقصود هو الخضوع لله عزّ وجل. وظاهر قول المؤلف: «يفرقها في أقرب البلاد إليه» وجوب ذلك، وهذا الذي مشى عليه الأصحاب. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تعذر في بلده فإنه يفرقها حيث شاء؛ لأنه سقط الأصل، وإذا سقط الأصل لم يتعين شيء، ولأن أهل البلد أغنياء لا تتعلق أطماعهم بالمال، وغير أهل البلد لا يعلمون عنه شيئاً، ونظير ذلك أن المرأة المحد يلزمها البقاء في بيتها، فإذا جاز لها الانتقال عن البيت لضرورة فإنها تعتد حيث شاءت، ولا يلزمها أن تعتد في أقرب بيت إلى بيتها الأول. وقال بعضهم: تكون في أقرب بيت إلى بيتها الأول، كالزكاة إذا تعذر المكان الأصلي صرفت في أقرب بلد. والمذهب يفرقون بين المسألتين فالحاد تعتد حيث شاءت، وفي مسألة الزكاة إذا لم يكن في البلد فقراء تفرق في أقرب البلاد، وسبق أن قلنا: إن الراجح في هذه المسألة أنه يجوز نقلها للحاجة أو للمصلحة.

فإن كان في بلد، وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في بلد هو فيه، ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل

وعلم من قوله: «فيفرقها» أن مؤونة النقل على صاحب المال، لا من الزكاة، فإذا قدر أن الزكاة لا تحمل إلى هذا البلد الذي فيه الفقراء إلا بمؤونة، فلا تخصم المؤونة من الزكاة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد وجب عليه إخراج الزكاة فيجب أن يوصلها إلى مستح