العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي، محمد الأمين
بسم الله الرحمن الرحيم «هذا الكتابُ مباركٌ، أي: كثيرُ البركاتِ والخيراتِ، فَمَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ به غمرته الخيراتُ في الدنيا والآخرة؛ لأن ما سَمَّاهُ اللَّهُ مُبَارَكًا فهو كثيرُ البركاتِ والخيراتِ قَطْعًا. وكان بعضُ علماءِ التفسيرِ يقول: اشْتَغَلْنَا بالقرآنِ فَغَمَرَتْنَا البركاتُ والخيراتُ في الدنيا، تَصْدِيقًا لقوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] ونرجو أن يكونَ لنا مِثْلُ ذلك في الدنيا. وهذا الكتابُ المباركُ لا يُيَسِّرُ اللَّهُ للعملِ به إلا الناسَ الطَّيِّبِينَ الْمُبَارَكِينَ، فإنه كثيرُ البركاتِ والخيراتِ؛ لأنه كلامُ رَبِّ العالمين؛ إذا قَرَأَهُ الإنسانُ وتدبرَ معانيه ففي كُلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ في القراءةِ، إذا تَدَبَّرَ معانيه عَرَفَ منها العقائدَ التي هي الحقُّ، وعرفَ أصولَ الحلالِ والحرامِ، ومكارمَ الأخلاقِ، وأهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ، وما يصيرُ إليه الإنسانُ بعدَ الموتِ، وما يُسَبِّبُ له النعيمَ الأبديَّ، وما يسببُ له العذابَ الأبديَّ، فكله خيراتٌ وبركاتٌ؛ لأنه نورٌ يُنِيرُ الطريقَ التي تُمَيِّزُ بين الحسنِ من القبيحِ، والنافعِ من الضارِّ، والباطلِ من الحقِّ، فهو كُلُّهُ خيراتٌ وبركاتٌ، مَنْ عَمِلَ به غمرته الخيراتُ والبركاتُ في الدنيا والآخرةِ، وأصلحَ له اللَّهُ الدَّارَيْنِ». محمد الأمين الشنقيطي
تقديم الكتاب بقلم فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الأمين الشنقيطي (ابن الشيخ المفسر رحمه الله)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب تبياناً لكل شيء، والصلاة والسلام على القائل: "ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" (¬1). وعلى صحابته المروي عنهم: (إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه) (¬2) ... الأثر، الموعودين بالحسنى؛ وأتباعهم إلى يوم الدين. أما بعد: فلقد تصفحت ما كتبه فضيلة الشيخ د. خالد بن عثمان السبت (حفظه الله) وقام به من جهد ينبيء عن علو همة ورغبة في الخير، وقد ظهر في الذي وقفت عليه من عمله أمانة علمية، وتجشم للصعاب. وإذا كانت النفوسُ كباراً ... تعبتْ في مرادِهَا الأجسامُ (¬3) ¬
وأخبرني بقيامه بسماع الأشرطة عدة مرات أولاً، ثم عهد بنسخها ثانياً، ثم قام بتوثيق المعلومات ثالثاً. وهي معلومات غزيرة ومتنوعة، مما يتطلب الوقت الكثير والبحث المتواصل، والتأمل والتحري، مما يكلف المرء عناءً هو عند طلبة العلم من أشهى المتع، كما قال الشاعر: وتَمَايُلي طَرَباً لحلٍّ عَوِيْصةٍ ... في الدرسِ أَشْهى من مُدَامَةِ سَاقِ (¬1) وكما قال الشيخ: أَبِيْتُ مُفكراً فيها فَتَضْحَى ... لفَهْمِ الفَدْمِ خَافِضَةَ الجَنَاحِ (¬2) وكان الشيخ (رحمه الله) يوظف جميع معارفه لفهم القرآن. وقد كفاني مؤنة ذلك الشيخ خالد. وقد أخذ القوس باريها. ونحن طلبةَ العلم وتلاميذ الشيخ (رحمه الله)، مَنْ منا يستطيع أن يقوم بخدمة كتبه أو أشرطته أو محاضراته على الوجه الصحيح، فلا ينبغي أن يتوانى في القيام بذلك، والعلم رَحِمٌ بين أهله. رحمة الله على الشيخ، وجزى الله الشيخ خالداً بالخير. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والسلام. عبد الله بن محمد الأمين الشنقيطي 20/ 2/1418 هـ ¬
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ في كل زمانِ فترةٍ من الرسلِ بقايا من أهلِ العلمِ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إلى الهدى، ويصبرونَ منهم على الأَذَى، يُحيُونَ بكتابِ الله الموتى، ويُبَصِّرُون بنورِ اللَّهِ أهلَ العَمَى، فَكَمْ من قتيلٍ لإبليسَ قد أَحْيَوْهُ، وكم من ضَالٍّ تَائِهٍ قد هَدَوْهُ، فما أَحْسَنَ أثرَهم على الناسِ، وأقبحَ أثرَ الناسِ عليهم. يَنْفُونَ عن كتابِ اللَّهِ تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين، الذين عَقَدُوا ألويةَ البدعةِ، وَأَطْلَقُوا عقالَ الفتنةِ، فَهُمْ مختلفونَ في الكتابِ، مُخَالِفُونَ للكتابِ، مُجْمِعون على مُفَارَقَةِ الكتابِ، يقولون على اللَّهِ وفي اللَّهِ وفي كتابِ اللَّهِ بغير علمٍ، يتكلمون بالمتشابهِ من الكلامِ، ويخدعونَ جُهَّالَ الناسِ بما يُشَبِّهُونَ عليهم، فنعوذُ باللَّهِ من فِتَنِ الْمُضِلِّينَ (¬1). ¬
أما بعدُ: فإن القرآنَ العظيمَ هو مَأْدُبَةُ اللَّهِ (عز وجل) (¬1)،فيه نَبَأُ ما قَبْلَنَا، وخبرُ ما بَعْدَنَا، وهو حَبْلُ اللَّهِ المتينُ، والذكرُ الحكيمُ، وهو الفصلُ ليس بالهزلِ، مَنْ تَرَكَهُ من جبارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومن ابْتَغَى الْهُدَى في غيرِه أَضَلَّهُ اللَّهُ، وهو الصراطُ المستقيمُ الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تلتبسُ به الألسنةُ، ولا تَشْبَعُ منه العلماءُ، ولا يَخْلَقُ على كثرةِ الردِّ، ولا تنقضي عجائبُه، مَنْ قال به صَدَقَ، ومن عَمِلَ به أُجِرَ، ومن حَكَمَ به عَدَلَ، ومن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيمٍ (¬2). ولقد بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حروفَ القرآنِ كما بَيَّنَ ما قد يَخْفَى من ¬
معانيه؛ إذ إن بعثتَه تدورُ على ذلك، كما أخبرَ (تعالى) عن هذا المعنى بقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: آية 44]. وإنما المقصودُ من إنزالِ القرآنِ فَهْمُهُ والعملُ به، ولم يُنْزَلْ من أجلِ القراءةِ فَحَسْبَ - مع أنها مطلوبةٌ - كما لا يكفي فَهْمُ معانيه من غيرِ العملِ به، ولا يمكنُ العملُ به من غيرِ فَهْمِ مَعَانِيهِ. وطريقُ فَهْمِ القرآنِ هي تَدَبُّرُ ألفاظِهِ ومعانيه، والتفكرُ فيها، قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيرًا} [النساء: آية 82] وقال (تعالى): {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: آية 24] وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ} [ص: آية 29]. كما أن فَهْمَهُ يحصلُ بِتَطَلُّبِ تفسيرِه من كلامِ العلماءِ الراسخين في هذا البابِ الشريفِ، الشارحين لآياتِ القرآنِ الكريمِ، وَالْمُبَيِّنِينَ لمدلولاتِها، سواءً كان الأخذُ عنهم مشافهةً، أو عن طريقِ مُصَنَّفَاتِهِمْ. وإن من العلماءِ الأفذاذِ الذين بَلَغُوا شَأْوًا عظيمًا في علمِ التفسيرِ، العلامةَ الْمُفَسِّرَ الأصوليَّ محمد الأمين الشنقيطي (رحمه الله)، وهو -وإن كان من المتأخرين- إلا أن سماعَ كلامِه في التفسيرِ يُذَكِّرُ سامعَه بالأئمةِ المتقدمين. ومعلومٌ أن التأخرَ والمعاصرةَ لا يُطَفِّفَانِ حَقَّ العالِم إذا كان مُتَحَقِّقًا في العلمِ. فـ «ليس لقِدَمِ العهد يُفَضَّل القائلُ (¬1)، ولا لحِدْثَانِ ¬
عهدٍ يُهْتَضَم الْمُصِيبُ، ولكن يُعْطَى كلٌّ ما يَسْتَحِقُّ» (¬1). ذلك أن نتائجَ الأفكارِ لا تنقضي لانقضاءِ عصرٍ بِعَيْنِهِ؛ بل لكلِّ عَالِمٍ ومتعلمٍ مِنْ ذلك حظٌّ بحسبِ إخَاذِهِ، وليس ثَمَّةَ ما يمنعُ أن يُدَّخَرَ لبعضِ المتأخرين ما لم يُوهَبْ لبعضِ المتقدمين، وعليه فلا عِبْرَةَ بقولِ بعضِهم: «مَا تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ»!! فإن هذه الكلمةَ بالغةُ الضررِ بالعلمِ؛ لكونها قاطعةً للآمالِ عن تحصيلِه والإضافةِ فيه، كما لا يَخْفَى. ولكن ينبغي أن يقالَ: «كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ». والشيءُ إنما يُسْتَجَادُ ويسترذلُ لِجَوْدَتِه وَرَدَاءَتِهِ لا لِتَقَدُّمِ قائلِه أو تَأَخُّرِهِ (¬2). قال أبو محمد بن قتيبة (رحمه الله) في مقدمةِ (الشعرِ والشعراءِ): «وَلَمْ أَسْلُكْ فيما ذكرتُه من شعرِ كُلِّ شاعرٍ مُخْتَارًا له سبيلَ مَنْ قلَّدَ أو استحسن باستحسانِ غيرِه، ولا نظرتُ إلى المتقدمِ منهم بعينِ الجلالةِ لِتَقَدُّمِهِ، وإلى المتأخرِ منهم بعينِ الاحتقارِ لِتَأَخُّرِهِ، بل نظرتُ بعينِ العدلِ على الفَرِيقَيْنِ، وأعطيتُ كُلاًّ حَظَّهُ، ووفرتُ عليه حَقَّهُ، فإني رأيتُ من علمائنا مَنْ يستجيدُ الشعرَ السخيفَ لتقدمِ قائلِه، ويضعُه في مُتَخَيَّرِهِ، ويُرْذِل الشعرَ الرصينَ، ولا عيبَ له عنده إلا أنه قِيلَ في زمانِه، أو أنه رأى قائلَه، ولم يَقْصُرِ اللَّهُ العلمَ والشعرَ والبلاغةَ على زمنٍ دونَ زمنٍ، ولا خَصَّ به قومًا دونَ قومٍ، بل جعلَ ذلك مُشْتَركًا مَقْسُومًا بين عبادِه في كُلِّ دَهْرٍ، وجعلَ كُلَّ قَدِيمٍ حديثًا ¬
في عصرِه، وَكُلَّ شَرَفٍ خارجيَّةً (¬1) فِي أوَّله، فقد كان جَرِيرٌ، والفرزدقُ، والأخطلُ. . . وأمثالهم يُعَدُّون مُحْدَثِينَ. . .، ثم صار هؤلاء قدماءَ عندنا بِبُعْدِ العهدِ منهم، وكذلك يكونُ مَنْ بعدهم لِمَنْ بَعْدَنَا، فكلُّ مَنْ أتى بحَسَنٍ مِنْ قولٍ أو فِعْلٍ ذكرناه له وَأَثْنَيْنَا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخرُ قائلِه أو فاعلِه، ولا حداثةُ سِنِّهِ؛ كما أن الرديءَ إذا وَرَدَ علينا للمتقدمِ أو الشريفِ لم يَرْفَعْهُ عندنا شرفُ صاحبِه ولا تَقَدُّمُهُ» اهـ (¬2). وقال في مقدمةِ (عُيُونِ الأَخْبَارِ): «وكذلك مَذْهَبُنَا فيما نختاره من كلامِ المتأخرين وأشعارِ الْمُحْدَثِينَ، إذا كان متخيَّرَ اللفظِ، لطيفَ المعنى، لم يُزْرِ به عندنا تَأَخُّرُ قائِله، كما أنه إذا كان بخلافِ ذلك لم يَرْفَعْهُ تقدُّمُه، فكلُّ قديمٍ حديثٌ في عصرِه، وكلُّ شرفٍ فَأَوَّلُهُ خارجيةٌ، وَمِنْ شأنِ عوامِّ الناسِ رفعُ المعدومِ، ووضعُ الموجودِ، ورفضُ المبذولِ، وَحُبُّ الممنوعِ، وتعظيمُ المتقدمِ وغفرانُ زَلَّتِهِ، وبخسُ المتأخرِ والتَّجَنِّي عليه، والعاقلُ منهم ينظرُ بعينِ العدلِ لا بعينِ الرِّضَا، ويزنُ الأمورَ بالقسطاسِ المستقيمِ» اهـ (¬3). وقال ابنُ مالكٍ (رحمه الله) في مقدمةِ التسهيلِ: «وإذا كانتِ العلومُ مِنَحًا إلهيةً، ومواهبَ اختصاصيةً، فغيرُ مُسْتَبْعَدٍ أن يُدَّخَرَ لبعضِ المتأخرين ما عَسُرَ على كثير من المتقدمين» اهـ (¬4). ¬
وقال الزبيدي (رحمه الله) في مُقَدِّمَتِهِ لشرحِ القاموسِ: «وكأني بالعالِم المصنفِ قد اطَّلَعَ عليه فَارْتَضَاهُ، وأَجَالَ فيه نَظْرةَ ذِي عَلَقٍ فَاجْتَبَاهُ، ولم يَلْتَفِتْ إلى حُدوثِ عهدِه وقربِ ميلادِه؛ لأنه إنما يُستجَاد الشيء ويُستَرذل لجودته ورداءتِه في ذاته لا لِقِدَمِه وحُدُوثِهِ، وبالجاهلِ المُشِطِّ قد سَمِعَ به فَسَارَعَ إلى تمزيقِ فروتِه وتوجيهِ المَعَابِ إليه. . . والذي غَرَّهُ أنه عَمَلٌ مُحْدَثٌ ولا عملٌ قديمٌ، وَحَسْبُكَ أن الأشياءَ تُنْتَقَدُ أو تُبَهرجُ؛ لأنها تَليدةٌ أو طَارِفَةٌ» اهـ (¬1). وقد أحسنَ القائلُ (¬2): قُلْ لِمَنْ لاَ يَرَى الْمُعَاصِرَ شَيْئًا ... وَيَرَى لِلأَوَائِلِ التَّقْدِيمَا إِنَّ ذَاكَ الْقَدِيمَ كَانَ حَدِيثًا ... وَسَيُمْسِي هَذَا الْحَدِيثُ قَدِيمَا والشيخُ الأمينُ (رحمه الله) عَالِمٌ متضلعٌ في فنونٍ عِدَّةٍ مِنْ أَبْرَزِهَا التفسيرُ. وسيأتي قولُه في سياقِ ترجمتِه: «لاَ توجدُ آيةٌ في القرآنِ إلاَّ دَرَسْتُهَا عَلَى حِدَةٍ» اهـ. وللشيخِ (رحمه الله) كتابٌ في تفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ يُعَدُّ مِنْ أَحْسَنِ التفاسيرِ وَأَجْوَدِهَا. وإذا كان عِلْمُ التفسيرِ مَعْدُودًا في جملةِ العلومِ الضروريةِ، وكان الشيخُ الأمينُ بهذه المنزلةِ من الرسوخِ فيه، فَحُقَّ على طلبةِ العلمِ أن يُعْنَوْا بما تَرَكَهُ الشيخُ (رحمه الله) في هذا البابِ. وإن من هذه التركةِ النفيسةِ: عشراتٌ من الأشرطةِ الصوتيةِ التي تَحْوِي كثيرًا من دروسِ الشيخِ (رحمه الله) في التفسيرِ. ¬
لمحة عن دروس الشيخ (رحمه الله) في التفسير
وقد كنتُ أَعْجَبُ من إغفالِ كِتَابَتِهَا وإخراجِها للناسِ مقروءةً كي يَعُمَّ الانتفاعُ بها؛ ذلك أن تلكَ الأشرطةَ يَصْعُبُ الانتفاعُ بها بسببِ عدمِ وضوحِها في الغالبِ، سواءً من جهةِ ضَعْفِ التسجيلِ آنذَاك، أو من جهةِ سرعةِ الشيخِ (رحمه الله) في الإلقاءِ. فصحَّ العزمُ على إخراجِ ذلك خدمةً لكتابِ اللَّهِ (تعالى)، ووفاءً للشيخِ الْمُفَسِّرِ (رحمه الله تعالى). ولا يَخْفَى أن مثلَ هذا الأمرِ يتطلبُ جُهْدًا كبيرًا من نَاحِيَتَيْنِ: الناحيةُ الأُولَى: صعوبةُ كتابةِ محتوياتِ الأشرطةِ لِمَا سَبَقَ. الناحيةُ الثانيةُ: صعوبةُ توثيقِ المادةِ العلميةِ التي يُورِدُهَا الشيخُ (رحمه الله)؛ ذلك أن دَرْسَهُ حافلٌ بالمعلوماتِ المختلفةِ من شَتَّى الفنونِ، من تفسيرٍ، ولغةٍ، وإعرابٍ، وسيرةٍ، وتاريخٍ، وأصولٍ، وقراءاتٍ، وغيرِ ذلك. ومما يزيدُ التوثيقَ صعوبةً أن الشيخَ (رحمه الله) لا يُعْنَى بالعَزْوِ إلى كتبِ التفسيرِ أو أعلامِه، الأمرُ الذي قَدْ لا يتميزُ معه بعضُ ما أخذَه من غيرِه مما فَتَحَ اللَّهُ به عليه. لَمْحَةٌ عن دروسِ الشيخِ (رحمه الله) فِي التَّفْسِيرِ (¬1): دَرَّسَ الشيخُ (رحمه الله تعالى) التفسيرَ في أماكنَ متعددةٍ، منها: ¬
1 - المسجدُ النبويُّ، وقد أَتَمَّ فيه تفسيرَ القرآنِ كاملاً، وَتُوُفِّيَ ولم يُتِمَّ الثانيةَ، وهي هذه (¬1). وقد كان هذا الدرسُ يُعْقَدُ في كُلِّ يومٍ على مدارِ العَامِ. كما ذَكَرَ ذلك بعضُ تلامذتِه الذين لاَزَمُوا دَرْسَهُ في التفسيرِ منذ عامِ (1369 هـ). ثم صَارَ الدرسُ مُقْتَصِرًا على الإجازةِ الصيفيةِ منذ سنةِ (1371 هـ) حينَ انتقلَ الشيخُ (رحمه الله) إلى الرياضِ في ذلك العامِ. فكان الشيخُ (رحمه الله) يعودُ إلى المدينةِ المنورةِ - في الإجازةِ - ويواصلُ هذا الدرسَ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد استمرَّ الأمرُ على ذلك إلى أن انتقلَ الشيخُ (رحمه الله) إلى المدينةِ النبويةِ مرةً ثانيةً عامَ (1381 هـ) لِيُدَرِّسَ في الجامعةِ الإسلاميةِ. وفي سنةِ (1385 هـ) صارَ وقتُ الدرسِ مُقْتَصِرًا على شهرِ رمضانَ فقط؛ فكان يتوقفُ سائرَ العامِ، فإذا جاءَ رمضانُ أَكْمَلَ التفسيرَ من حيثُ وَقَفَ في العامِ قَبْلَهُ وهكذا. وقد استمرَّ الأمرُ على هذا الحالِ إلى وفاةِ الشيخِ (رحمه الله) عامَ (1393 هـ). وكان دَرْسُهُ في رمضانَ يَبْدَأُ بَعْدَ صلاةِ العصرِ مباشرةً ويستمرُّ إلى قُرْبِ أذانِ المغربِ، وربما كان وقتُ الدرسِ قصيرًا لِعَارِضٍ، كما وقعَ للشيخِ (رحمه الله) عندَ تفسيرِه لسورةِ الأعرافِ، فبعدَ أن فرغَ من الكلامِ على الآيةِ رَقْمِ (97) منها تَوَقَّفَ مُعْتَذِرًا بقولِه: «وقد نقتصرُ ¬
الآنَ على هذه الكلماتِ القليلةِ؛ لأن البارحةَ أَخَذْنَا دواءً أَثَّرَ علينا، فَمَعِيَ الآنَ بعضُ الأثرِ» اهـ. 2 - دارُ العلومِ بالمدينةِ النبويةِ، وذلك في عَامَيْ (1369 و1370 هـ) إلى أن انتقلَ الشيخُ (رحمه الله) إلى الرياضِ. 3 - المعهدُ العلميُّ، وَكُلِّيَّتَا الشَّرِيعَةِ واللغةِ العربيةِ بالرياضِ. وذلك لَمَّا انتقلَ إليها عامَ (1371 هـ)، وَبَقِيَ على ذلك إلى عامِ (1381 هـ) حينَ انتقلَ إلى المدينةِ النبويةِ. 4 - الجامعةُ الإسلاميةُ. حيث دَرَّسَ فيها التفسيرَ والأصولَ إلى أن تُوُفِّيَ، إضافةً إلى آدابِ البحثِ والمناظرةِ كما سيأتي في ترجمتِه. 5 - في بيتِه في مدينةِ الرياضِ، أو بعدَ انتقالِه إلى المدينةِ النبويةِ (وهي دروسٌ خاصةٌ لبعضِ تلامذتِه). يقول تلميذُه الشيخُ عطيةُ (رحمه الله): «ولم يكن لِي مَعَهُ (رحمه الله) مِنْ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، مع كثرةِ الإخوانِ الدارسينَ عليه الْمُقِيمِينَ معه في بيتِه إلا وقتٌ واحدٌ، هو ما بينَ المغربِ والعشاءِ، لمدةِ سَنَتَيْنِ دراسيتين ونحنُ بالرياضِ، قرأتُ خِلاَلَهُمَا تفسيرَ سورةِ البقرةِ» (¬1) اهـ. ¬
منهج الشيخ (رحمه الله) في تدريس التفسير
مَنْهَجُ الشَّيْخِ (رحمه الله) فِي تَدْرِيسِ التَّفْسِيرِ (¬1): كان لدرسِ الشيخِ (رحمه الله) في التفسيرِ من حيث التوسعُ وعدمُه - كما ذَكَرَ أَحَدُ تَلاَمِذَتِهِ (¬2) - ثلاثةُ أحوالٍ: الأُولَى: الإسهابُ والتوسعُ. وعلى هذه الحالِ كانت دروسُه في المسجدِ النبويِّ. الثانيةُ: التوسطُ بين التوسعِ والاقتضابِ. وهذه حالُ دُرُوسِهِ في الجامعةِ في الأحوالِ العاديةِ. الثالثةُ: الاقتضابُ الشديدُ. وهو المرورُ السريعُ على بعضِ المفرداتِ في الآيةِ، والإشارةُ السريعةُ إلى بعضِ مَعَانِيهَا، وكان يَلْجَأُ إلى ذلك في آخِرِ السنةِ الدراسيةِ عندما يَرَى أنه لا يمكن إِكْمَالُ المنهجِ المقررِ بأسلوبِ الحالةِ الثانيةِ. وسوف أقتصرُ في الكلامِ هنا على الحالةِ الأُولَى؛ لأنها هي التي تتعلقُ بغالبِ المادةِ التي بَيْنَ أَيْدِينَا. لقد كان درسُ الشيخِ (رحمه الله) يمتازُ بتسخيرِ جميعِ علومِ العربيةِ وغيرِها من العلومِ الإسلاميةِ في تفسيرِ كتابِ اللَّهِ (تعالى)، ومحاكمةِ الآراءِ والمعانِي التي تُقَالُ في الكلمةِ أو الآيةِ إلى ما غَلَبَ في القرآنِ نفسِه، ثم تفسيرِه بِالسُّنَّةِ، ثم بما وَرَدَ عن السلفِ، مع التعمقِ في فَهْمِ ذلك بالأساليبِ العربيةِ (¬3). ¬
كانت حلقةُ الدرسِ تُفْتَتَحُ بآيٍ من السورةِ المقصودِ تفسيرُها، يَتْلُوهَا أحدُ التلاميذِ - وهي بمعدلِ خمسِ آياتٍ تقريبًا - فإذا فَرَغَ القارئُ شَرَعَ الشيخُ في التفسيرِ مُبْتَدِئًا بالمناسبةِ بَيْنَ الآيةِ وما قَبْلَهَا في بعضِ الأحيانِ، ثُمَّ يَعْرِضُ للمفرداتِ اللغويةِ بحيثُ يَعْرِضُ معانيها واشتقاقاتِها وَكُلَّ ما يتصلُ بها مِنْ قريبٍ أو بعيدٍ، مُسْتَعِينًا على ذلك بِمَا لا يُحْصَى من شواهدِ اللغةِ (¬1)، وَمِنْ ثَمَّ يتناولُ العلائقَ التركيبيةَ بين المفرداتِ، فيعرضُ لضروبِ القراءاتِ الواردةِ فيها مع عَزْوِهَا وَتَوْجِيهِهَا، كما يَذْكُرُ وجوهَ الإعرابِ وما تُقَرِّرُهُ من المدلولاتِ، فإذا انْتَهَى من ذلك صرفَ الأذهانَ إلى الاستنباطِ الفقهيِّ، مع ذِكْرِ الخلافِ والأدلةِ والترجيحِ، مستعينًا على ذلك بِكُلِّ ما يتطلبُه المقامُ من علومِ اللسانِ، والبيانِ، والأصولِ، والناسخِ والمنسوخِ، وأسبابِ النزولِ، وما يتصلُ بذلك من العمومِ والخصوصِ والإطلاقِ والتقييدِ، ولا يَفُوتُهُ أن يربطَ بعضَ المعانِي ببعضِ الوقائعِ الْمُشَابِهَةِ على صورةٍ تُثْرِي المعرفةَ، وَتُعَمِّقُ أسبابَ الإقناعِ. وإذا كان المضمونُ قَصَصِيًّا عَمَدَ إلى عناصرِ القصةِ فاستخرجَ عِبَرَهَا، وَكَشَفَ نُذُرَهَا، وقاسَ ما فيها من صورِ الماضي على ما يُعَايِشُهُ الناسُ من أحداثِ الحاضرِ (¬2)، فكان كثيرَ الربطِ بين هذا
وهذا، فتجدُه يتحدثُ عن أسبابِ ضَعْفِ المسلمين اليومَ، وعن الموقفِ من الحضارةِ الغربيةِ، ولزومِ الأخذِ بأسبابِ القوةِ، وأسبابِ النصرِ والتمكينِ. . . وغيرِ ذلك مما تَجِدُهُ في مواضعِه من هذه الدروسِ. وهكذا حِينَمَا يعرضُ لغزوةٍ من الغزواتِ فإنه يَسْتَطْرِدُ في ذِكْرِ تفاصيلِها المختلفةِ، وقد قال (رحمه الله) عندَ تفسيرِ الآياتِ المتعلقةِ بغزوةِ حُنَيْنٍ من سورةِ بَرَاءَةٍ: «ونحنُ دائمًا في هذه الدروسِ إذا جاءت غزوةٌ من مَغَازِي رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في الآياتِ القرآنيةِ نُفَصِّلُهَا ونذكرُ تفاصيلَها لتمامِ الفائدةِ، كما أَوْضَحْنَا فيما مَضَى غزوةَ أُحُدٍ في سورةِ آلِ عمرانَ، وغزوةِ بَدْرٍ في سورةِ الأنفالِ، وسيأتي في سورِ القرآنِ العظيمِ أكثرُ مَغَازِيهِ - صلى الله عليه وسلم -» اهـ. وإذا كانت الآيةُ المفسرةُ مما يتعلقُ به بعضُ المبتدعةِ فإنه يُنَبِّهُ على ذلك ثم يَسْتَطْرِدُ فِي الردِّ عليهم، وقد قال عندَ تفسيرِ الآيةِ رقم (107) من سورةِ الأعرافِ حينَ عَرَضَ لشبهةِ الجبرِ والقَدَرِ: «وَنَحْنُ في هذه الدروسِ دائمًا نُبَيِّنُ كيفيةَ رَدِّ هذه الشُّبَهِ» اهـ. وكان (رحمه الله) كثيرًا ما يَعْرِضُ السؤالَ الذي يَتَوَقَّعُ انقداحَه في أذهانِ السامعين ثم يجيبُ عنه، وقد قال عند تفسيرِ الآيةِ رقمِ (37) من سورةِ التوبةِ: «إِنَّ من عادتنا التي نَجْرِي عليها في هذه الدروسِ أن نتعرضَ لِمَا نَظُنُّ أنه يَسْأَلُ عنه طلبةُ العلمِ» اهـ وهذا تجده مبثوثًا في هذا التفسيرِ فيما يَقْرُبُ من سبعين موضعًا. وكثيرًا ما يَقْرِنُ الشيخُ ذلك كُلَّهُ بالوعظِ والتذكيرِ بالاستعدادِ للآخرةِ واستحضارِ المراقبةِ لِلَّهِ (عز وجل).
وقد يَسْتَطْرِدُ في بعضِ الأحيانِ في قضيةٍ واحدةٍ تستغرقُ الدرسَ كُلَّهُ - وهذا قليلٌ فيما وَقَفْتُ عليه - كما فَعَلَ عند الكلامِ على قولِه (تعالى) من سورةِ الأعرافِ: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] حيث أَطَالَ في الردِّ على ابنِ حَزْمٍ في رَدِّهِ القياسَ، كما سَتَقِفُ على ذلك في موضعِه من سورةِ الأعرافِ. وكذلك عند الكلامِ على قوله (تعالى) من السورة نفسها: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 54] حيث بَسَطَ الكلامَ على مسألةِ الصفاتِ. وكذا في تفسيرِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: آية 57] حيث أطالَ النَّفَسَ في الردِّ على أهلِ الفَلَكِ. وربما أَحَالَ إلى بعضِ كُتُبِهِ، كما نرى ذلك عند كلامِه على المجازِ أثناءَ تفسيرِ الآيةِ رَقْمِ (21) من سورةِ بَرَاءَةٍ. ومما يُذْكَرُ في هذا المقامِ مِمَّا يَدُلُّ على غَزَارَةِ تلك الدروسِ بالعلمِ أن الشيخَ (رحمه الله) حينما عُرِضَ عليه درسُه السابقُ المتعلقُ بالردِّ على ابنِ حَزْمٍ في إنكارِ القياسِ - مُفرَّغًا من الشريطِ الْمُسَجَّلِ بعد سنةٍ من إلقائِه - وَسَمِعَهُ الشيخُ بصوتهِ قال: «لِوْلاَ أَنِّي أَسْمَعُ صَوْتِي بِأُذُنِي وأنتَ - يعني تلميذَه الشيخَ عطيةَ - أَتَيْتَنِي بها مكتوبةً؛ ما صدقتُ أن شخصًا يقولُ هذا ارْتِجَالاً» (¬1). ¬
وَلَمَّا رَاجَعَهُ أحدُ تلامذتِه في تخفيفِ مستوى الدرسِ، أَجَابَ بقولِه: «إن اللَّهَ يفتحُ على المرءِ ما لم يكن يتوقعُ، ثم إن المسجدَ يَجْمَعُ عجائبَ من أجناسٍ مختلفةٍ، وَيَكْفِينِي واحدٌ يَحْمِلُ عَنِّي ما بَلَّغْتُ مِمَّا عِنْدِي» (¬1) اهـ. وقد نَبَّهَ الشيخُ (رحمه الله) على ذلك عند الكلامِ على قولِه (تعالى) من سورة براءة: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... } [التوبة: آية 44] لَمَّا تكلمَ على بعضِ النواحِي الإعرابيةِ واللغويةِ المتصلةِ بالآيةِ، فقال بعدَ ذلك: «ونحنُ نذكرُ هذه الأشياءَ العربيةَ، وإن كانَ أكثرُ المستمعين لا يَفْهَمُونَهَا؛ لأَنَّا نريدُ أن تكونَ هذه الدروسُ القرآنيةُ يستفيدُ منها كُلُّ الحاضرين على قَدْرِ استعداداتِهم، وَاللَّهُ يُوَفِّقُ الجميعَ للخيرِ» اهـ. وذكر (رحمه الله) بعضَ التحقيقاتِ اللغويةِ في موضعٍ آخرَ، ثم عَقَّبَ ذلك بقولِه: «فنحنُ - أيها الإخوانُ - نذكرُ هذه المناسباتِ؛ لأَنَّا نعلمُ أن القرآنَ العظيمَ هو مصدرُ العلومِ، وله في كُلِّ عِلْمٍ بيانٌ، فنتطرقُ الآيةَ من وجوهها، وَقَصْدُنَا انتفاعُ طلبةِ العلمِ؛ لأن القرآنَ أصلٌ عظيمٌ تُعْرَفُ به أصولُ التصريفِ، والنحوِ، وأصولِ الفقهِ، والتاريخِ، والأحكامِ، إلى غيرِ ذلك من جميعِ النواحِي، فنحن جَرَتْ عادتُنا بأن نتطرقَ الآيةَ من جميعِ نواحيها بحسبِ الطاقةِ لينتفعَ كُلٌّ بِحَسَبِهِ» (¬2) اهـ. وقال عند تفسيرِ قولِه (تعالى): {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} ... [التوبة: آية 34]: «ونحنُ - عادةً في هذه ¬
الدروسِ - إذا مررنا بآيةٍ من كتابِ اللَّهِ هي أصلُ بابٍ من أبوابِ الفقهِ نتعرضُ إلى مسائلِه الكبارِ، وَنُبَيِّنُ عيونَها ومسائلَها التي لها أهميةٌ» اهـ. ولم يكن الشيخُ (رحمه الله) يتركُ الحديثَ عن الأحكامِ المتعلقةِ بالآيةِ نظرًا لأن موضوعَها قد عُطِّلَ أوكَادَ في هذا العصرِ أَنْ يُعَطَّلَ، فنجدُه عند الكلامِ على قولِه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَيْءٍ} ... [الأنفال: الآية 41] يقول: «وهذه الآيةُ الكريمةُ من سورةِ الأنفالِ قد تَضَمَّنَتْ أحكامًا كثيرةً من أحكامِ الجهادِ، ومن أحكامِ الغنائمِ، وقد يحتاجُ لها المسلمونَ؛ لأنا نَرْجُو اللَّهَ (جل وعلا) أن يرفعَ عَلَمَ الجهادِ وَيُقَوِّيَ كلمةَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأن تَخْفِقَ راياتُ المسلمين في أقطارِ الدنيا فيحتاجون إلى تَعَلُّمِ ما تَضَمَّنَتْهُ هذه الآيةُ الكريمةُ من أحكامِ الجهادِ. وَلَمَّا كانَ القرآنُ العظيمُ هو مصدرُ جميعِ العلومِ؛ لأنه الكتابُ الذي حَوَى جميعَ العلومِ، وكانت أصولُ جميعِ الأشياءِ كُلِّهَا فيه أَرَدْنَا هنا أن نُبَيِّنَ جُمَلاً من الأحكامِ التي أَشَارَتْ إليها هذه الآيةُ الكريمةُ» اهـ. وقد ينسى الشيخُ (رحمه الله) مسألةً يَرْغَبُ في عَرْضِهَا عندَ تفسيرِه للآيةِ فَيَسْتَدْرِكُ ذلك في الدرسِ الذي يَلِيهِ ويتكلمُ عليها قَبْلَ أن يَشْرَعَ في تفسيرِ الآياتِ التي بعدَها، كما وَقَعَ عندَ تفسيرِ الآيةِ رقم (37) من سورةِ براءةٍ. ولربما وقعَ له ذهولٌ عن أحدِ الأقسامِ التي هو بِصَدَدِ الحديثِ عنها فلا يَذْكُرُهُ، ثم يُنَبِّهُ على ذلك في مناسبةٍ أخرى تُمَاثِلُهَا، كما في كلامِه على مادةِ (بَيَنَ) والمعاني التي تأتي لها في حالِ لُزُومِهَا وَتَعَدِّيهَا، فقد تكلمَ عليها في سبعةِ مواضعَ، ثلاثة في الأنعامِ وأربعة في الأعرافِ، وقد قال عندَ كلامِه عليها في الموضعِ
السادسِ، وذلك ضمنَ تفسيرِ الآيةِ رقم (101) من سورةِ الأعرافِ: «وَقَدْ ذَكَرْنَا فيما مَضَى في الكلامِ على قولِه: {قَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ} [الأنعام: آية 157] تصريفَ هذه الكلمةِ وما جاءَ من أمثلتِها في القرآنِ ببعضِ أمثلتِها، وكانَ ذلك الذي ذَكَرْنَا هنالك سَقَطَ منه قِسْمٌ نِسْيَانًا، وكنا نَتَحَرَّى إِنْ جَاءَتْ لها مناسبةٌ أخرى أن نُبَيِّنَ القسمَ الذي سقطَ من كلامنا سَهْوًا لئلا يضيعَ على بعضِ طلبةِ العلمِ الذين يسمعون هذه الدروسَ ... » إلى آخرِ ما ذَكَرَهُ (رحمه الله). ومع هذه الغزارةِ في المعلوماتِ؛ فقد كان الشيخُ (رحمه الله) حين يُلْقِي درسَه كالسيلِ المنحدرِ؛ فهو يُسْرِعُ في الإلقاءِ، وتتواردُ عليه هذه المعلوماتُ المتنوعةُ، التي تَمُدُّهُ بها تلك الذاكرةُ النادرةُ، فيضعُ كُلَّ معلومةٍ في مَوْضِعِهَا، فتأتي متسقةً مترابطةً، كُلُّ ذلك في لغةٍ عاليةٍ، لا لَحْنَ فيها ولا سُوقِيَّة (¬1). ومع هذا الإسراعِ في العرضِ، بالإضافةِ إلى ذلك الكمِّ الهائلِ من المعلوماتِ المتنوعةِ، مع ما في ضِمْنِ ذلك من عَزْوٍ للقراءاتِ إلى قارئيها، والأحاديثِ إلى مُخَرِّجِيهَا، والأقوالِ والمذاهبِ الفقهيةِ لأصحابِها، والأشعارِ والشواهدِ لقائلِيها، إلى غيرِ ذلك مِمَّا عَرَضَ له في هذا التفسيرِ؛ فإنك مع ذلك كُلِّهِ يَنْدُرُ أن تقولَه على غلطٍ مُحَقَّقٍ، وقد تَتَبَّعْتُ كُلَّ ما يذكره في هذا التفسيرِ بُغْيَةَ تَوْثِيقِهِ فَهَالَنِي قوةُ ضَبْطِهِ وحفظِه وإتقانِه. ولعلَّ من الطريفِ أن أذكرَ أن الشيخَ (رحمه الله) عند كلامِه على القراءاتِ في معرضِ تفسيرِه للآيةِ رقم (61) من سورةِ براءة أخطأَ فنسبَ قراءةَ الخفضِ في قولِه ¬
تعالى: {ورحمةٍ} إلى الكسائيِّ، فَتَرَدَّدْتُ في التعليقِ على ذلك لِمَا عهدتُه من ضَبْطِه وحفظِه، ثم وجدتُه بعد أن جاوزَها وتكلمَ على بعضِ المسائلِ يَرْجِعُ ويقول: «وأما على قراءةِ حمزةَ الذي قرأَ {ورحمةٍ} بالخفضِ - هو حمزةُ لا الكسائي - أما على قراءةِ حمزةَ ... » إلى آخرِ ما ذَكَرَ. ولربما عزَا الحديثَ إلى بعضِ المصنفاتِ فَتَطَلَّبْتُهُ فيه مرةً بعد مرةٍ بشتى الطرقِ المعروفةِ في تخريجِ الحديثِ حتى إذا كِدْتُ أن أجزمَ بعدمِ وجودِه فيه وجدتُه بعد ذلك في غيرِ مَظَانِّهِ. هذا وقد جَرَى كثيرٌ من المفسرين على إيرادِ الأدلةِ والتفصيلاتِ المختلفةِ عندَ أولِ مناسبةٍ تَعْرِضُ لهم، ثم إذا تَكَرَّرَ نظائرُ لذلك فإنهم يكتفونَ بالإشارةِ لِمَا حَرَّرُوهُ في الموضعِ المتقدمِ، وهذا أمرٌ يُفِيدُ في اختصارِ حجمِ الكتابِ بلا رَيْبٍ وإن كان يؤثرُ على القارئِ كما لا يَخْفَى، وقد جرى على هذه الطريقةِ الشيخُ نفسُه في كتابِه: "أَضْوَاءِ الْبَيَانِ". وأما الطريقةُ الثانيةُ وهي أن يُبَيِّنَ ما احتاجَ إلى بيانٍ في كُلِّ موضعٍ، وإن كان ذلك متكررا، فهذه الطريقةُ أنفعُ للقارئِ من التي قَبْلَهَا خاصةً في التفسيرِ، يقول الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ سَعْدِي (رحمه الله): «اعْلَمْ أن طريقتي في هذا التفسيرِ أَنِّي أذكرُ عندَ كُلِّ آيةٍ ما يحضرني من معانيها ولا أَكْتَفِي بِذِكْرِي ما تَعَلَّقَ بالمواضعِ السابقةِ عن ذِكْرِ ما تعلقَ بالمواضعِ اللاحقةِ؛ لأن اللَّهَ وَصَفَ هذا الكتابَ أنه: {مَّثَانِيَ} ثَنَّى فيه الأخبارَ والقصصَ والأحكامَ وجميعَ المواضيعِ النافعةِ لِحَكَمٍ عَظِيمَةٍ، وَأَمَرَ بِتَدَبُّرِهِ جميعِه لِمَا في ذلك من زيادةِ العلومِ والمعارفِ وصلاحِ
الظاهرِ والباطنِ وإصلاحِ الأمورِ كُلِّهَا» اهـ (¬1). ثم إن الْحَاجَةَ لذلك تَعْظُمُ إذا كان التفسيرُ دَرْسًا يُلْقَى في سنين متطاولةٍ في مواسمَ معينةٍ مع ما بَيْنَهَا من التباعدِ في المدةِ وما يحصلُ مع ذلك من النسيانِ لَدَى السامعين؛ إضافةً إلى تَجَدُّدِ الكثيرِ من الوجوهِ في كُلِّ مَرَّةٍ؛ ولذا جَرَى الشيخُ (رحمه الله) في هذا التفسيرِ على بيانِ الآيةِ من جميعِ الوجوهِ مع صَرْفِ النظرِ عن كَوْنِ ذلك يقعُ مُتَكَرِّرًا، فنجدُه يُبَيِّنُ أَنَّ: {لَعَلَّ} تأتي لمعنى التعليلِ في جميعِ القرآنِ إلا في موضعٍ واحدٍ؛ يذكر ذلك في أحدَ عشرَ موضعًا، وَيُنَبِّهُ على الفرقِ بين النبأِ والخبرِ في تسعةِ مواضعَ، كما نَجِدُ بعضَ القضايا يُكَرِّرُهَا في ثمانيةِ مواطنَ كبيانِ الفرقِ بينَ الخوفِ والحزنِ، ولزومِ الحملِ على ظاهرِ القرآنِ إلا لدليلٍ، وأن الشيءَ قد يُقْصَرُ على بعضِ أفرادِه؛ لأنهم المنتفعون به، وقضيةُ الحكمِ بغيرِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وأن عِلْمَ الغيبِ يختصُّ بِاللَّهِ (عز وجل)، وهناك بعضُ المسائلِ التي تَكَرَّرَتْ في سبعةِ مواضعَ، كالكلامِ على أطوارِ خلقِ الإنسانِ، وأن الله خَلَقَ الخلقَ ليختبرهم في إحسانِ العملِ، وشرحِ الأُسُسِ الثلاثةِ التي يُبْنَى عليها الاعتقادُ في بابِ الأسماءِ والصفاتِ، والردِّ على القدريةِ القائلين بأن اللَّهَ لم يَشَأِ الكفرَ والمعاصيَ، والمناظرةُ المشهورةُ التي وَقَعَتْ بين أبي إسحاقَ الإسفرائيني والقاضي عبدِ الجبارِ المعتزليِّ في القدرِ، وغير ذلك مما تَكَرَّرَ هذا التَّكَرُّرَ في هذا التفسيرِ، وأما القضايا التي تَكَرَّرَتْ دونَ ذلك فهي كثيرةٌ لا أُطِيلُ بِذِكْرِهَا، عِلْمًا بأن ما بِأَيْدِينَا من هذه الدروسِ إنما يُمَثِّلُ أجزاءً قليلةً من هذا التفسيرِ الْمُبَارَكِ، فكيف لو وُجِدَ كَامِلاً؟ ¬
موقفه من الروايات الإسرائيلية
مَوْقُفُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ: إِنَّ الْمُطَالِعَ لكتبِ التفسيرِ يجدُ أن عَامَّتَهَا لم يَسْلَمْ من دخولِ الرواياتِ الإسرائيليةِ على تفاوتٍ بينها في ذلك، فَمِنْ مُقِلِّ ومن مُسْتَكْثِرٍ، مع أن التفسيرَ في غُنْيَةٍ عنها، إلا أن كثيرًا من المفسرين قد أُولِعُوا بالتتبعِ لتفاصيلَ لا طَائِلَ تحتها ولا فائدةَ في معرفتها، كما نَبَّهَ الشيخُ (رحمه الله) على ذلك عند تفسيرِ الآيةِ رقم (73) من سورةِ البقرةِ؛ ولذا نَرَى الشيخَ في هذه الدروسِ لا يكاد يُورِدُ شيئًا منها إلا ما نَدُرَ، ثم يُنَبِّهُ على ذلك بعدَ إيرادِه أو قَبْلَهُ، كما قال عندَ تفسيرِ الآيةِ (48) من سورةِ الأعرافِ: «وستأتي قصةُ الرجلِ في سورةِ الصافاتِ؛ لأن اللَّهَ ذَكَرَ في الصافاتِ قصةَ رجلٍ وَأَجْمَلَهَا، والمفسرون يَبْسُطُونَهَا وَيَشْرَحُونَهَا؛ إلا أن شَرْحَهُمْ لها وَبَسْطَهَا من القصصِ الإسرائيليةِ التي لا يُعوَّلُ عليها. . .» اهـ ثُمَّ أَوْرَدَ القصةَ، وكما في كلامِه على الآيةِ رقم (168) من سورةِ الأعرافِ حيث يقول: «وَجَرَتْ عادةُ المفسرين أن يَذْكُرُوا قصةً غريبةً عنهم في آيةٍ ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ هذا من سورةِ الأعرافِ - ثم ذَكَرَ الآيةَ والقصةَ المشارَ إليها ثم عَقَّبَ ذلك بقوله - هكذا يقولون، وَتَكْثُرُ هذه القصةُ ... في كلامِ المفسرين عندَ هذه الآيةِ الكريمةِ، وقد أَلْمَحْنَا بالآيةِ ولم نَذْكُرْهَا لأنها لم يَثْبُتْ عندنا فيها شيءٌ» اهـ وهكذا عند كلامِه على الآيةِ رقمِ (175) من سورةِ الأعرافِ حيث ذَكَرَ بعضَ الأقوالِ التي مُعَوَّلُهَا على الإسرائيلياتِ ثم عَقَّبَ ذلك بقولِه: «وَكُلُّ هَذِهِ إِسْرَائِيلِيَّاتٌ» ثم نَقَلَ كلامًا من قبيلِ الإسرائيلياتِ وَعَقَّبَهُ بقولِه: «وهذه إسرائيلياتٌ لا مُعَوَّلَ عليها يَذْكُرُهَا المفسرون» ثم نَقَلَ كلامًا لبعضهم من ذلك القبيلِ وَعَقَّبَهُ بقولِه: «وغير هذا من رواياتٍ كثيرةٍ إسرائيليةٍ يَحْكِيهَا المفسرون في تفسيرِ
القيمة العلمية لهذه الدروس
هذه الآيةِ من سورةِ الأعرافِ لا طائلَ تَحْتَهَا ولا دليلَ على شيءٍ منها» اهـ. وهذا يُعَدُّ مزيةً لهذا التفسيرِ كما لا يَخْفَى. وكان من عادتِه (رحمه الله) أن يَخْتِمَ الدرسَ بدعاءٍ يُؤَمِّنُ عليه مَنْ حَضَرَ، وقد عَلَّلَ ذلك بقوله عند تفسيرِ الآيةِ رقمِ (55) من سورةِ الأعرافِ في الكلامِ على قوله تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}: «ونحنُ -وَإِنْ كُنَّا نعلمُ أن الإخفاءَ في الدعاءِ أفضلُ من [الجهرِ] به وندعو غَالِبًا في هذا المجلسِ دعاءً ظاهرًا، قَصَدْنَا به أن يَسْمَعَنَا إخوانُنا ويُؤَمِّنُونَ لنا فنكونُ مُجْتَمِعِينَ على الدعاءِ في هذا الشهرِ المباركِ، ولو أَسْرَرْنَا الدعاءَ لَمَا سَمِعُوهُ وَلَمَا أَمَّنُوا لنا، والمؤمِّنُ أحدُ الداعِيَيْنِ. . .» إلى آخِرِ ما ذَكَرَ. الْقِيمَةُ الْعِلْمِيَّةُ لِهَذِهِ الدُّرُوسِ: يمكنُ أن ألخصَ الكلامَ على هذه القضيةِ في الأمورِ الآتيةِ: 1 - عُلُوُّ كَعْبِ صاحبِها في العلمِ، ورسوخُه في التفسيرِ، الأمرُ الذي يجعلُ لاختياراتِه وترجيحاتِه قيمةً مُعْتَبَرَةً. 2 - غَزَارَةُ المادةِ العلميةِ التي احْتَوَتْهَا هذه الدروسُ (¬1)؛ فهي - كما ¬
سَبَقَ - تشتملُ على معلوماتٍ كثيرةٍ مستقاةٍ من مُخْتَلَفِ العلومِ الْمُحْتَاجِ إليها في التفسيرِ، منها ما هو موجودٌ في بعضِ كتبِ التفسيرِ، ومنها ما هو مُفَرَّقٌ في كتبٍ تتعلقُ بفنونٍ أخرى كتاريخِ ابنِ جريرٍ، وفتحِ البارِي، وكتبِ اللغةِ وغيرِها، إضافةً إلى بعضِ الفوائدِ والشواهدِ التي تَلَقَّاهَا الشيخُ (رحمه الله) عَمَّنْ أَخَذَ عنهم العلمَ. 3 - تجدُ في هذه الدروسِ كثيرًا من الاستنباطاتِ العلميةِ التي تَوَصَّلَ إليها الشيخُ بعد اطلاعٍ واسعٍ، وَفَهْمٍ ثَاقِبٍ، وَنَظَرٍ صحيحٍ. 4 - من الأمورِ الْجَلِيَّةِ في هذه الدروسِ أن الشيخَ (رحمه الله) حينما يُلْقِيهَا ليس هو مجردَ ناقلٍ يَسْرُدُ ما قَرَأَ فحسب، بل نجدُه ينقلُ كلامَ العلماءِ، ويقارنُ بين تلك المقولاتِ ويناقشُها، ويختارُ منها ما يترجحُ لَدَيْهِ. 5 - في هذه الدروسِ تقفُ على نموذجٍ رفيعٍ من توظيفِ القواعدِ والضوابطِ العلميةِ في الفَهْمِ والاستنباطِ والترجيحِ. وهذا من أنفعِ الأمورِ التي يحتاجُ إليها طالبُ العلمِ. 6 - تَشْتَمِلُ هذه الدروسُ على بيانِ مواطنِ الْعِبَرِ في القرآنِ، وَرَبْطِ ما جَاءَ فيه بحياةِ الناسِ وَوَاقِعِهِمْ؛ فالشيخُ لا يشرحُ الآياتِ على أنها تخاطبُ قومًا ذهبوا وَقَضَوْا، بل يُبَيِّنُهَا بطريقةٍ تجعلُ السامعَ بعيشُ معها كلمةً كلمةً، وآيةً آيةً، حتى يُدْرِكَ أنه مُخَاطَبٌ بها.
وقفة مع تسجيل دروس الشيخ (رحمه الله) في التفسير
7 - يتعرضُ الشيخُ (رحمه الله) في هذه الدروسِ لتحليلِ كُلِّ كلمةٍ في الآيةِ، ويبينُ معناها وما تَدُلُّ عليه، كما يُبَيِّنُ أصلَ مَادَّتِهَا وهكذا. فهو لا يتركُ شاردةً ولا واردةً إلا ويتكلمُ عليها غالبًا. وبهذا تُدْرِكُ فَرْقًا جَلِيًّا بين هذه المادةِ التي بَيْنَ يَدَيْكَ وبينَ ما ذَكَرَهُ الشيخُ (رحمه الله) في كتابِه: (أَضْوَاءِ الْبَيَانِ)؛ إِذْ إنه في (الأضواءِ) لا يتعرضُ لتفسيرِ جميعِ الآياتِ، بل يتكلمُ على بعضِها، كما لا يتطرقُ إلى تفسيرِ جميعِ الألفاظِ في الآيةِ التي يُفَسِّرُهَا؛ ذلك أنه قَصَدَ من تأليفِه أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ - كما صَرَّحَ بذلك في مقدمته (¬1) - هما: 1 - بَيَانُ القُرْآنِ بِالْقُرْآنِ. 2 - بيانُ الأحكامِ الفقهيةِ في جميعِ الآياتِ المُبَيَّنَةِ. وَقْفَةٌ مَعَ تَسْجِيلِ دُرُوسِ الشَّيْخِ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فِي التَّفْسِيرِ: يبدو أن دروسَ الشيخِ (رحمه الله) في الكُلِّيَّةِ لم تكن تُسَجَّلُ صَوْتِيًّا؛ إذ يقولُ أحدُ تلامذتِه في الكليةِ: «ولم نَكُنْ في ذلك الوقتِ نفكرُ في إحضارِ مُسَجِّلٍ للصوتِ لأسبابٍ: منها كِبَرُ حَجْمِ الْمُسَجِّلاَتِ، حيث يَصْعُبُ حَمْلُهَا مع حَمْلِ الْكُتُبِ، ومنها أنها تَحْتَاجُ إلى أشرطةٍ كثيرةٍ قد يَصْعُبُ على الطالبِ شِرَاؤُهَا؛ لِقِلَّةِ النفقةِ» (¬2) اهـ. أما في المسجدِ النبويِّ فقد كانت تلك الدروسُ تُسَجَّلُ صَوْتِيًّا، وبين أيدينا مجموعةٌ منها تُعَدُّ بالعشراتِ. ¬
يقول أحدُ تلامذةِ الشيخِ: «ومرةً من المراتِ أَحْصَيْتُ أربعين مُسَجِّلاً للصوتِ تُسَجِّلُ دُرُوسَهُ» (¬1) اهـ. إلا أن من المؤسفِ أن الْمُتَدَاوَلَ بين أيدينا منها يُعَدُّ ضئيلاً مقارنةً بكثرةِ تلك الدروسِ! والظاهرُ أن جميعَ الدروسِ الْمُسَجَّلَةِ في المسجدِ النبويِّ والمتداولةِ إنما هي من المرةِ الثانيةِ من المرتين اللتين فَسَّرَ فيهما الشيخُ (رحمه الله) القرآنَ، وقد مَاتَ ولم يُتِمَّهَا وقد صَرَّحَ (رحمه الله) بذلك عند تفسيرِ الآيةِ رَقْمِ (99) من سورةِ الأعرافِ. هذا وقد تَطَلَّبْتُ ما سُجِّلَ من تلك الدروسِ العامرةِ فَوَقَعَ لي منها سبعُ نُسَخٍ (¬2)، في كُلِّ نسخةٍ منها زياداتٌ - ولو يسيرةً - قد سَقَطَتْ من النسخِ الأخرى، وبعد استعراضِ محتوياتها والمقارنةِ بينها صَنَعْتُ من مجموعها نسخةً مكمَّلةً تَحْوِي جميعَ التفسيرِ الْمُسَجَّلِ في تلك النسخِ، وبهذا أَمْكَنَ التخلصُ من كثيرٍ من المسحِ والانقطاعِ في التسجيلِ الواقعِ في كُلِّ نسخةٍ مما وَقَفْتُ عليه من تلك الدروسِ المسجلةِ، ثم رَقَّمْتُهَا ترقيمًا خاصًّا وهو ما سَأَذْكُرُهُ قريبًا إن شاءَ اللَّهُ تعالى (¬3). ¬
ذكر محتويات الأشرطة التي أمكن الوقوف عليها
ذِكْرُ مُحْتَوَيَاتِ الأَشْرِطَةِ الَّتِي أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا: إن مجموعَ ما بِأَيْدِينَا من هذهِ الأشرطةِ المتعلقةِ بالتفسيرِ يبلغُ ستةً وسبعينَ شريطًا مُوَزَّعَةً على خمسِ سورٍ من القرآنِ الكريمِ هي: (البقرة، الأنعام، الأعراف، الأنفال، التوبة) وإليك عرضًا لمحتوياتِها تَفْصِيلاً: أَوَّلاً: من سورةِ البقرةِ: وهي ثلاثةُ أشرطةٍ: الشريطُ رقمُ [1] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (45) _ (53). الشريطُ رقمُ [2] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (54) _ (59)، (67) _ (69). الشريطُ رقمُ [3] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (69) _ (79).
وهذه الأشرطةُ ليست ضمنَ سلسلةِ دروسِ الشيخِ (رحمه الله) في المسجدِ النبويِّ؛ وإنما سَجَّلَهَا تلميذُه الشيخُ عطيةُ سالم (رحمه الله) في منزلِ الشيخِ (رحمه الله) حينَ أَقْعَدَهُ المرضُ عن إلقاءِ درسِه في الجامعةِ، فكان هذا التسجيلُ للطلبةِ تعويضًا لهم من انقطاعِ الشيخِ (رحمه الله) عنهم. ثَانِيًا: من سورةِ الأنعامِ: الشريطُ رقمُ [1] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (33) _ (38). الشريطُ رقمُ [2] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (38) _ (42)، نصف الآية (43) قوله: {تَضَرَّعُوا}. الشريطُ رقمُ [3] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (43) _ (48). الشريطُ رقمُ [4] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (49) _ (53). الشريطُ رقمُ [5] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (53) _ (57). الشريطُ رقمُ [6] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (57) _ (59)، (74). الشريطُ رقمُ [7] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (74) _ (82). الشريطُ رقمُ [8] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (83) _ (89). الشريطُ رقمُ [9] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (90) _ (93). الشريطُ رقمُ [10] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (93) _ (97). الشريطُ رقمُ [11] فَسَّرَ فيه الآيتين: (98) _ (99). الشريطُ رقمُ [12] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (100) _ (102). الشريطُ رقمُ [13] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (103) _ (108). الشريطُ رقمُ [14] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (108) _ (111). الشريطُ رقمُ [15] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (112) _ (116). الشريطُ رقمُ [16] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (116) _ (120)، (128).
الشريطُ رقمُ [17] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (128) _ (131). الشريطُ رقمُ [18] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (131) _ (135)، (141) _ (144). الشريطُ رقمُ [19] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (144) _ (146). الشريطُ رقمُ [20] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (146) _ (150). الشريطُ رقمُ [21] فَسَّرَ فيه الآيَتَيْنِ: (150) _ (151). الشريطُ رقمُ [22] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (151) _ (152). بدايةَ (155). الشريطُ رقمُ [23] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (155) _ (158). الشريطُ رقمُ [24] فَسَّرَ فيه الآيَتَيْنِ: (158) _ (159). الشريطُ رقمُ [25] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (159) _ (165). ثَالِثًا: سورةُ الأعرافِ: الشريطُ رقمُ [1] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (1) _ (3). الشريطُ رقمُ [2] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (4) _ (7). الشريطُ رقمُ [3] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (8) _ (11). الشريطُ رقمُ [4] فَسَّرَ فيه الآيةَ: (11). الشريطُ رقمُ [5] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (31) _ (35). الشريطُ رقمُ [6] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (35) _ (38). الشريطُ رقمُ [7] فَسَّرَ فيه الآياتِ، (38) _ (44). الشريطُ رقمُ [8] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (44) _ (52). الشريطُ رقمُ [9] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (52) _ (54). الشريطُ رقمُ [10] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (54) _ (62). الشريطُ رقمُ [11] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (63) _ (72).
الشريطُ رقمُ [12] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (73) _ (81). الشريطُ رقمُ [13] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (81) _ (89). الشريطُ رقمُ [14] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (89) _ (99). الشريطُ رقمُ [15] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (99) _ (101). الشريطُ رقمُ [16] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (101) _ (106)، (115) _ (124). الشريطُ رقمُ [17] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (124) _ (135)، (137). الشريطُ رقمُ [18] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (138) _ (144). الشريطُ رقمُ [19] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (148) _ (155). الشريطُ رقمُ [20] فَسَّرَ فيه الآيَتَيْنِ: (156) _ (157). الشريطُ رقمُ [21] فَسَّرَ فيه الآيَتَيْنِ: (158) _ (159). الشريطُ رقمُ [22] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (159) _ (163). الشريطُ رقمُ [23] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (164) _ (174). الشريطُ رقمُ [24] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (175) _ (181). الشريطُ رقمُ [25] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (182) _ (189). الشريطُ رقمُ [26] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (189) _ (199). الشريطُ رقمُ [27] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (199) _ (206). رَابِعًا: من سورةِ الأنفالِ: الشريطُ رقمُ [1] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (1) _ (7). الشريطُ رقمُ [2] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (7) _ (11). الشريطُ رقمُ [3] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (11) _ (13)، (24) _ (28).
الطريقة المتبعة في إخراج هذا التفسير
الشريطُ رقمُ [4] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (29) _ (41). الشريطُ رقمُ [5] فَسَّرَ فِيهِ الآيَةَ: (41) فقط. الشريطُ رقمُ [6] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (41) _ (44). الشريطُ رقمُ [7] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (45) _ (50). الشريطُ رقمُ [8] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (50) _ (61). الشريطُ رقمُ [9] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (61) _ (69). الشريطُ رقمُ [10] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (70) _ (73). الشريطُ رقمُ [11] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (73) _ (75). خَامِسًا: من سورةِ التوبةِ: الشريطُ رقمُ [1] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (1) _ (7). الشريطُ رقمُ [2] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (7) _ (16). الشريطُ رقمُ [3] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (17) _ (25). الشريطُ رقمُ [4] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (25) _ (28). الشريطُ رقمُ [5] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (28) _ (31). الشريطُ رقمُ [6] فَسَّرَ فيه الآيةَ: (31) _ (35)، (37). الشريطُ رقمُ [7] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (38) _ (40). الشريطُ رقمُ [8] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (40) وبعضَ (41)، ثُمَّ (44) _ (57). الشريطُ رقمُ [9] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (57) _ (63). الشريطُ رقمُ [10] فَسَّرَ فيه الآياتِ: (63) _ (68). الطَّرِيقَةُ الْمُتَّبَعَةُ فِي إِخْرَاجِ هَذَا التَّفْسِيرِ: أَوَّلاً: فيما يتعلقُ بتفريغِ محتوياتِ الأشرطةِ ومراجعتِها:
1 - قمتُ باستخراجِ نسخةٍ مسجلةٍ تحوي جميعَ محتوياتِ النسخِ التي تَوَفَّرَتْ لَدَيَّ. 2 - بعد أن تَمَّ تفريغُ محتوياتِ الأشرطةِ قُمْتُ بمراجعتِها، وذلك بالمقابلةِ بين المكتوبِ على الورقِ وبين التسجيلِ الصوتيِّ، وذلك للتأكدِ من سلامةِ النصِّ الْمُثْبَتِ. وقد الْتَزَمْتُ أن لا تَقِلَّ هذه المقابلةُ عن مرتين في كُلِّ شَرِيطٍ. ثَانِيًا: ما يتعلقُ بالتوثيقِ والعَزْوِ: 1 - قمتُ بترقيمِ الآياتِ القرآنيةِ، وتخريجِ الأحاديثِ والآثارِ من مَصَادِرِهَا، وكذلك الشواهدُ الشعريةُ. 2 - عَمَلْتُ على ذِكْرِ مصادرِ المادةِ العلميةِ التي يذكرُها الشيخُ (رحمه الله) من قراءاتٍ، وتصريفٍ، وبلاغةٍ، وإعرابٍ، وأحكامٍ، وقواعدَ، وغير ذلك مما تجدُه في حاشيةِ الكتابِ. 3 - عَرَّفْتُ ببعضِ المصطلحاتِ القليلةِ التداولِ، وبعضِ الكلماتِ الغامضةِ. ثَالِثًا: ما يتعلقُ بمنهجِ الكتابةِ والتوثيقِ: 1 - إذا كان الحديثُ في الصحيحين أو أحدُهما اكْتَفَيْتُ بِالْعَزْوِ إليهما أو إلى أحدهما في حالِ التفردِ. 2 - عندَ ذِكْرِ مصادرِ القراءاتِ أو الشواهدِ أو القواعدِ أو المسائلِ العلميةِ فإني أَكْتَفِي - غالبًا - بذكرِ مصدرٍ واحدٍ أو اثنين أو ثلاثة دونَ التوسعِ في هذا البابِ.
3 - أَثْبَتُّ كلامَ الشيخِ بِنَصِّهِ من غيرِ تَصَرُّفٍ إلا ما تَقْتَضِيهِ صناعةُ الإعرابِ، وفي هذه الحالاتِ على الوجهِ الصحيحِ من غيرِ إشارةٍ إلى ذلك. وفي حالِ وجودِ انقطاعٍ في التسجيلِ أو مسحٍ في الشريطِ أو لفظةٍ غيرِ واضحةٍ فإني أضعُ مكانَ ذلك ما يُتِمُّ به المعنى من كلامِ الشيخِ في موضعٍ آخَرَ - إن وُجِدَ - وإلا كَمَّلْتُهُ بما يتناسبُ مع السياقِ، وأجعلُ ذلك بين مَعْقُوفَتَيْنِ []، وهكذا فيما يقعُ من سَبْقِ اللسانِ، ثم أُنَبِّهُ إلى ذلك في الحاشيةِ. 4 - في بعضِ الأحيانِ يذكرُ الشيخُ (رحمه الله) كلمةً أو أكثرَ ثم يستدركُ فيذكرُ كلامًا آخَرَ، وفي هذه الحالةِ أَتْرُكُ الكلامَ الذي أَعْرَضَ عنه الشيخُ، وأُثْبِتُ كلامَ الشيخِ بعدَ الاستدراكِ. كما أن الشيخَ (رحمه الله) قد يُكَرِّرُ الجملةَ لِيَفْهَمَ السامعُ مُرَادَهُ أو يعيدها بعد الفراغِ منها تأكيدًا لمضمونها في ذهنِ المستمعِ، وهذا أمرٌ يحتاج إليه الْمُلْقِي، لَكِنْ إن وَقَعَ في المادةِ المكتوبةِ فإنه يُخِلُّ بتتابعِ الكلامِ وَتَرَابُطِ أجزائِه؛ ولذا فإني - غَالِبًا - أحذفُ الجملةَ المكررةَ التي لا تحملُ أَيَّ فائدةٍ زائدةٍ من جهةِ المعنى ولا أُشِيرُ لذلك. 5 - يُوجَدُ في آخِرِ كُلِّ دَرْسٍ من دروسِ سورةِ البقرةِ سؤالاتٌ مُوَجَّهَةٌ من الشيخِ عطيةَ لشيخِه الأمينِ (رحمه الله)، وهي تتصلُ ببعضِ المواضعِ من الآياتِ الْمُفَسَّرَةِ في الدرسِ نفسِه، ثم يجيبُ الشيخُ عنها. وقد قُمْتُ بِوَضْعِهَا في مَوَاطِنِهَا التي تتصلُ بها (في الهامشِ) مع الإحالةِ عند مَوْطِنِهَا من المتنِ على الهامشِ، وقد أَثْبَتُّ جوابَ الشيخِ بِنَصِّهِ، أما السؤالُ فقد
أَخْتَصِرُهُ أو أُعِيدُ صِيَاغَتَهُ. 6 - إذا وقعَ للشيخِ خطأ في الآيةِ القرآنيةِ فإني أُصْلِحُهُ دونَ الإشارةِ لذلك. 7 - الأحاديثُ التي يُورِدُهَا الشيخُ (رحمه الله) أَثْبَتُّهَا كما نَطَقَ بها. مع أنه قد يَذْكُرُهَا بالمعنى في بعضِ الأحيانِ، وإنما اكْتَفَيْتُ بتخريجها. 8 - فيما يتعلقُ بالشواهدِ والأشعارِ التي يُورِدُهَا الشيخُ (رحمه الله)، قد أَجِدُ مغايرةً في بعضِ الألفاظِ فيما بينَ ما نَطَقَ به الشيخُ وما وقفتُ عليه من المصادرِ التي ذُكِرَ البيتُ فيها. فإن وَقَفْتُ في هذه الحالةِ على روايةٍ للبيتِ تُوَافِقُ ما ذَكَرَهُ الشيخُ اكتفيتُ بذلك وَأَثْبَتُّهُ كما قاله. وإلا أَثْبَتُّهُ كما قاله الشيخُ الْمُفَسِّرُ، وأشرتُ في الهامشِ إلى نوعِ المغايرةِ التي وقفتُ عليها. أما إذا كان البيتُ من ألفيةِ ابنِ مَالِكٍ، أو مَرَاقِي السعودِ أو غيرِ ذلك من المنظوماتِ العلميةِ فإني أُثْبِتُهُ كما في الأصلِ الذي أُخِذَ منه. 9 - عندَ بدايةِ كُلِّ وَجْهٍ من تلك الأشرطةِ أضعُ علامةَ (/) مع كتابةِ رقمِ الشريطِ والوجهِ في البياضِ الأيسرِ من الصفحةِ، هكذا (1/أ) أو (1/ب) وَهَلُمَّ جَرَّا. 10 - بَعْدَ كُلِّ درسٍ يختمُ الشيخُ (رحمه الله) بدعاءٍ قَدْرَ نصفِ صفحةٍ، وقد تَرَكْتُ نقلَ ذلك اختصارًا، ولأنه لا تَعَلُّقَ له بموضوعِ التفسيرِ (¬1). ¬
رَابِعًا: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بالفهارسِ: كنتُ قد أَعْدَدْتُ فهارسَ متنوعةً تُقَرِّبُ مادةَ الكتابِ لدَى القُرَّاءِ، ثم عَدَلْتُ عن ذلك لأَمْرَيْنِ: الأَوَّلُ: أن الكتابَ لم يَكْتَمِلْ، ولا زِلْنَا نأملُ الحصولَ على مزيدٍ من الدروسِ الْمُسَجَّلَةِ للشيخِ (رحمه الله)، وهذا يعني أنه بمجردِ حصولِ زيادةٍ في المحتوياتِ يحصلُ إخلالٌ في الفهارسِ من جهةِ أرقامِ الصفحاتِ كما لا يَخْفَى. وهذا السببُ بِعَيْنِهِ هو الذي أَلْجَأَ إلى أن تكونَ الإحالاتُ إلى المواضعِ السابقةِ واللاحقةِ في الحاشيةِ مرتبطةً بأرقامِ الآياتِ في السورِ. الثاني: كنتُ قد عَهِدْتُ لأحدِ الفضلاءِ من طلبةِ العلمِ (¬1) صناعةَ فهارسَ علميةٍ شاملةٍ لجميع ما وَرَّثَهُ الشيخُ (رحمه الله) من العلمِ، سواء كان أصلُ مادتِه مُؤَلَّفًا للشيخِ، أم كان دروسًا مُسَجَّلَةً كُتِبَتْ بعد ذلك، كبعضِ المحاضراتِ، أو هذا التفسيرِ، بالإضافةِ إلى بعضِ الفتاوى الْخَطِّيَّةِ التي كَتَبَهَا الشيخُ (رحمه الله) ولم تُطْبَعْ بَعْدُ، وهذا يغني عن وَضْعِ فهارسَ خاصةٍ لهذا الكتابِ. ولتيسيرِ الوقوفِ على الآيةِ المطلوبِ تفسيرُها قمتُ بترقيمِ الآياتِ بالإضافةِ إلى كتابةِ اسمِ السورةِ ورقمِ الآيةِ المفسَّرةِ في رأسِ كُلِّ صَفْحَةٍ. هذا وقد سَمَّيْتُهُ (الْعَذْب النَّمِير مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ فِي التَّفْسِيرِ). أسألُ اللَّهَ (عز وجل) أن ينفعَ به مَنْ كَتَبَه، أو قَرَأَهُ، وهو حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوكيلُ. ••• ¬
شكر ورجاء
شُكْرٌ وَرَجَاءٌ أشكرُ كُلَّ مَنْ أَعَانَ على إخراجِ هذا العملِ بِرَأْيٍ، أو فائدةٍ، أو مقابلةٍ، أو مراجعةٍ، أو غيرِ ذلك. فأسألُ اللَّهَ أن يجزلَ لهم المثوبةَ وَيُعْظِمَ لهم الأجرَ ويختمَ لهم بالسعادةِ إنه قريبٌ مُجِيبٌ. كما أرجو كُلَّ مَنْ وَقَفَ عليه ورأى فيه نقصًا أو خَلَلاً أن يرشدني إليه وله مني الشكرُ والدعاءُ. ثم مَنْ كان لديه مزيدٌ على ما وقفتُ عليه من دروسِ الشيخِ المسجلةِ - وهي المذكورةُ ضمنَ هذه المقدمةِ - فَلْيُطْلِعْنِي عليه إِتْمَامًا لهذا العملِ، ونشرًا لعلمِ الشيخِ (رحمه الله)، ومشاركةً في بذلِ النفعِ للخلقِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لنا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمانِ، ولا تَجْعَلْ في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وَقِنَا عذابَ النارِ.
وصلى الله وسلم وَبَارَكَ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه. كتبه: خالد بن عثمان السبت
تفسير سورة البقرة
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [1/أ] / {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} [البقرة: الآيات 45 - 47]. يقول الله جل وعلا: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} [البقرة: الآيتان 45 - 46]. {اسْتَعِينُوا} اسْتِفْعَالٌ من العَوْنِ، وياؤه مُبْدَلةٌ من واوٍ، أَصْلُهُ: (اسْتَعْوِنُوا) تَحَرَّكَتِ الوَاوُ بعدَ ساكنٍ صحيحٍ؛ فَوَجَبَ نقلُ حركتِها إلى الساكنِ الصحيحِ (¬1)، على حَدِّ قولِه في الخلاصةِ (¬2): لِسَاكِنٍ صَحَّ انْقُلِ التَّحْرِيكَ مِنْ ... ذِي لِينٍ أَتَى عَيْنَ فِعْلٍ كَأَبِنْ والسينُ والتاءُ للطلبِ، فمعنى {اسْتَعِينُوا} اطْلُبُوا العونَ على أُمُورِكُمُ الدنيويةِ والأخرويةِ. ¬
{بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} الصبرُ: مصدرُ صَبَرَ صَبْرًا، وهذه المادةُ تَتَعَدَّى وَتَلْزَمُ، فمن تعدِّيها في القرآنِ {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآيةَ [الكهف: آية 28]، وَمِنْ لُزُومِهَا في القرآنِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} الآيةَ [آل عمران: آية 200]، {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: آية 43]. وقال بعضُ العلماءِ: هي متعديةٌ دائمًا إلا أنها يَكْثُرُ حذفُ مَفْعُولِهَا، وَمِنْ تَعْدِيَتِهَا في كلامِ العربِ قولُ عنترةَ (¬1)، وقيل أبو ذؤيب: فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ والصبرُ خصلةٌ من خصالِ الخيرِ عظيمةٌ، صَرَّحَ اللَّهُ في سورةِ فُصِّلَتْ أنه لاَ يُعْطِيهَا لكلِّ الناسِ، وإنما يُعْطِيهَا لصاحبِ الحظِّ الأكبرِ، والنصيبِ الأَوْفَرِ، وذلك في قوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: آية 35]. وهذه الخصلةُ التي هي الصبرُ لا يعلمُ جزاءَها إلا اللَّهُ، كما قال جل وعلا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: آية 10]، والصائمون مِنْ خِيَارِ الصابرين؛ وَلِذَا قال صلى الله عليه وسلم فيما يَرْوِيهِ عن رَبِّهِ: «إِلاَّ الصَّوْمَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (¬2). ¬
والصبرُ يتناولُ الصبرَ على طاعةِ اللَّهِ، وإن كنتَ كالقابضِ على الجمرِ، والصبرَ عن معصيةِ اللَّهِ وَإِنِ اشْتَعَلَتْ نارُ الشهواتِ، ويدخلُ في ذلك الصبرُ على المصائبِ (¬1) عندَ الصدمةِ الأُولَى، والصبرُ على الموتِ تحتَ ظلالِ السيوفِ. وقولُه: {وَالصَّلاةِ} أي: وَاسْتَعِينُوا بالصلاةِ؛ لأن الصلاةَ نِعْمَ المعينُ على نوائبِ الدهرِ، وعلى خيرِ الدنيا والآخرةِ؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} الآيةَ [العنكبوت: آية 45]، وقال جل وعلا: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: آية 132]، وكان صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أمرٌ صلى (¬2)، وَرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ (رضي الله عنهما) أنه نُعِيَ له أخوُه قُثَم، فأناخَ راحلتَه وصلى، وتلا: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} (¬3) [البقرة: آية 45]، يستعينُ بالصلاةِ على صبرِ مصيبةِ أَخِيهِ. ولا شَكَّ أن لطالبِ العلمِ هنا سؤالاً وهو أن يقولَ: أما الاستعانةُ بالصبرِ على أمورِ الدنيا والآخرةِ فهي أَمْرٌ واضحٌ لا إشكالَ ¬
فيه؛ لأن مَنْ حَبَسَ نفسَه على مَكْرُوهِهَا في طاعةِ اللَّهِ كان ذلك أكبرَ مُعِينٍ على الطاعةِ، ولكن مَا وَجْهُ الاستعانةِ بالصلاةِ على أمورِ الدنيا والآخرةِ؟ الجوابُ (¬1): أن الصلاةَ هي أكبرُ مُعِينٍ على ذلك؛ لأن العبدَ إذا وَقَفَ بين يَدَيِ رَبِّهِ، يناجي رَبَّهُ ويتلو كتابَه تَذَكَّرَ ما عند اللَّهِ من الثوابِ، وما لديه من العقابِ؛ فَهَانَ في عَيْنِهِ كُلُّ شيءٍ، وهانت عليه مصائبُ الدنيا، وَاسْتَحْقَرَ لَذَّاتِهَا؛ رغبةً فيما عندَ اللَّهِ، ورهبةً مما عند الله. ثم إن اللَّه قال جل وعلا: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: آية 45] للعلماءِ في مرجعِ الضميرِ في {وَإِنَّهَا} أقوالٌ كثيرةٌ (¬2)، منها: أنه راجعٌ إلى الاستعانةِ، المفهومِ من قوله: {وَاسْتَعِينُوا}. ومنها: أنه راجعٌ إلى المذكوراتِ في الآيةِ قبلَ هذا، والتحقيقُ: أنه راجعٌ إلى الصلاةِ، والمعنى: {وَإِنَّهَا} أي: الصلاةُ: {لَكَبِيرَةٌ} أي: عظيمةٌ شَاقَّةٌ على كُلِّ أَحَدٍ: {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، والصبرُ كذلك على المصائبِ وعلى طاعةِ اللَّهِ وعن معاصِي اللَّهِ كبيرٌ جِدًّا إلا على الخاشعين، والظاهرُ أن الضميرَ إنما رَجَعَ لأحدِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ اكتفاءً به عن الآخَرِ؛ لأن مثلَ ذلك يُفْهَمُ في الآخَرِ، وهذا يَكْثُرُ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ (¬3)، فَمِنْهُ في القرآنِ قولُه هنا: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ¬
وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا} [البقرة: آية 45]، ونظيره: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا} الآيةَ [التوبة: آية 34]، وقوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: آية 62]، ولم يَقُلْ: يُرْضُوهُمَا. وقوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ} [الأنفال: آية 20]، ولم يَقُلْ: عَنْهُمَا. ونظيرُه من كلامِ العربِ قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (¬1): إِنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعَرَ الأَسْـ ... ـوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا ولم يقل: «مَا لَمْ يُعَاصَيَا». وقولُ نابغةِ ذُبْيَانَ (¬2): وَقَدْ أَرَانِي وَنُعْمًا لاَهِيَيْنِ بِهَا ... وَالدَّهْرُ وَالْعَيْشُ لَمْ يَهْمِمْ بِإِمْرَارِ وقولُ الأَضْبَطِ بنِ قريع (¬3)، وقيل كعبِ بنِ زُهَيْرٍ: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُومِ سَعَةْ ... والمُسْيُ وَالصُّبْحُ لاَ فَلاَحَ مَعَهْ ولم يقل: «لاَ فَلاَحَ مَعَهُمَا». ¬
والكبيرةُ هنا: وَصْفٌ من (كَبُرَ) بِضَمِّ البَاءِ، (يكبُر) بِضَمِّهَا، إذا عَظُمَ وَشَقَّ وَثَقُلَ، ومنه قولُه: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: آية 13]، وهذا النوعُ في المعانِي مِنْ (كَبُرَ الأَمْرُ) إذا شَقَّ وَثَقُلَ، أو (كَبُرَ) بمعنى (عَظُمَ)، كقوله: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: آية 3] يَكْبُرُ الأمرُ فهو كبيرٌ، مضمومٌ في الماضِي، تقول: كَبُرَ يَكْبُرُ فَهُوَ كَبِيرٌ. كما بَيَّنَّا. أما كِبَرَ السِّنُّ: فَفِعْلُهُ (كَبِرَ) بِكَسْرِ الباءِ (يكبَر) بفتحها على القياسِ، وهو معروفٌ (¬1)، ومن أمثلتِه قولُ قَيْسٍ المجنونِ (¬2): تَعَشَّقْتُ لَيْلَى وَهْيَ ذَاتُ ذَوَائِبٍ ... وَلَمْ يَبْدُ لِلْعَيْنَيْنِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا ... إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ الْبُهْمُ والاستثناءُ في قوله: {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: آية 45]، استثناءٌ مُفَرَّغٌ (¬3)، وأصلُ تقريرِ المعنى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أي: ثَقِيلَةٌ عظيمةٌ شَاقَّةٌ على كُلِّ أحدٍ: {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} والخاشعونَ جَمْعُ: الْخَاشِعِ، وهو الوصفُ من: خَشَعَ. وأصلُ الخشوعِ في لغةِ العربِ: الانخفاضُ في طُمَأْنِينَةٍ، كُلُّ مُنْخَفِضٍ مطمئنٍ تُسَمِّيهِ العربُ: ¬
خَاشِعًا (¬1)، ومنه قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬2): تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لَأْيًا أَبِينُهُ ... وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ أي: منخفضٌ مطمئنٌ، هذا أصلُ الخشوعِ في لغةِ العربِ. وهو في اصطلاحِ الشرعِ (¬3): خشيةٌ تُدَاخِلُ القلوبَ، تَظْهَرُ آثارُها على الجوارحِ، فتنخفضُ وتطمئنُّ خوفًا من خالقِ السماواتِ والأرضِ. والمعنى: ¬
أن الصلاةَ صعبةٌ شَاقَّةٌ على غيرِ مَنْ فِي قُلُوبِهُمُ الخوفُ من الله، ويدلُّ لذلك شدةُ عِظَمِهَا على المنافقين، كما قال جل وعلا: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: آية 142]، وقال جل وعلا: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5)} [الماعون: الآيتان 4، 5]. وقوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: آية 46]، {الَّذِينَ} في مَحَلِّ خفضٍ نعتٌ للخاشعين (¬1) أَيْ: {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ}. والظنُّ هنا معناه اليقينُ، على التحقيقِ (¬2)، خلافًا لمن شَذَّ فزعم أنه الظنُّ المعروفُ، وأن المتعلقَ محذوفٌ، والمعنى: يظنون أنهم مُلاَقُو رَبِّهِمْ بِذُنُوبٍ، فَهُمْ وَجِلُونَ من تلك الذنوبِ. فهذا غيرُ ظاهرٍ، ولا يجوزُ حَمْلُ القرآنِ عليه وإن قال به بعضُ العلماءِ (¬3). والتحقيقُ أن معنى: {يَظُنُّونَ}: يُوقِنُونَ، وقد تَقَرَّرَ في علمِ العربيةِ أن الظنَّ يُطْلَقُ في العربيةِ وفي القرآنِ إِطْلاَقَيْنِ (¬4): يُطْلَقُ الظنُّ بمعنى اليقينِ، ومنه قولُه هنا: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: آية 46]، أي: يُوقِنُونَ، ومنه بهذا المعنى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: آية 20]، أي: أيقنتُ أني ملاقٍ حِسَابِيَهْ، ومنه قولُه تعالى: {وَرَءَا المُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: آية 53]، أي: أَيْقَنُوا أنهم مُوَاقِعُوهَا ... إلى غير ذلك من الآيات. ومن أمثلةِ إطلاقِ العربِ الظنَّ على اليقينِ قولُ دُرَيْدِ بن الصِّمَّةِ (¬5): فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ فقوله: «ظُنُّوا» أي: أَيْقِنُوا. وقول عميرة بن طارق (¬6): بِأَنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وَأَقْعُدُ فِيكُمُ ... وَأَجْعَلُ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا أي: أجعلُ مني اليقينَ غَيْبًا مُرَجَّمًا، فمعنى {يَظُنُّونَ} أي: يُوقِنُونَ. ¬
{أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: آية 46]، و {مُلاَقُو} أصلُه (مُلاقيون) (مُفاعلون) منقوصٌ، والمنقوصُ تُحْذَفُ ياؤُه عندَ التصحيحِ (¬1)، وَحُذِفَتْ نُونُ (مُلاقون) للإضافةِ (¬2)، أي: مُلاَقُو رَبِّهِمْ. والمرادُ بهذه الملاقاةِ: أنهم يُعْرَضُونَ على ربهم يومَ القيامةِ، فيجازيهم على أعمالهم، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: آية 18] وقال (جل وعلا): {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ} الآيةَ [العنكبوت: آية 5]. وقوله: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: آية 46]، أي: يُوقِنُونَ أنهم أيضًا إليه راجعونَ (جل وعلا) يومَ القيامةِ فَمُجَازِيهِمْ على أعمالِهم، وَقَدَّمَ المعمولَ الذي هو الجارُّ والمجرورُ في قوله: {إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} لأَمْرَيْنِ، أحدهما: المحافظةُ على رؤوسِ الآي، والثاني: الحصرُ، وقد تقررَ في فَنِّ الأصولِ في مبحثِ دليلِ الخطابِ - أعني مفهومَ المخالفةِ (¬3) -: أن تقديمَ المعمولِ من أدواتِ الحصرِ، وكذلك تَقَرَّرَ في فَنِّ المعاني في مبحثِ القصرِ (¬4) أن تقديمَ المعمولِ من أدواتِ ¬
الحصرِ، وهذا معنى قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: آية 46]. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: آية 47]. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} معناه: يَا أَوْلاَدَ يعقوبَ، وإسرائيلُ معناه في العبريةِ: عبدُ اللَّهِ، وإسرائيلُ هو يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ (عليهم وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ)، وإنما نَادَاهُمْ بهذا النداءِ: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} وَنَسَبَهُمْ إلى هذا النبيِّ الكريمِ ليبعثهم بذلك على امتثالِ الأمرِ واجتنابِ النهيِ، كما تقولُ العربُ لمن يستحثونَه للأمرِ: يا ابنَ الكِرَامِ افْعَلْ كذا. وقوله: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} المرادُ بالذِّكْرِ هنا: ذِكْرٌ يَحْمِلُ على الشُّكْرِ، وَمِنْ شُكْرِ تلك النعمةِ المأمورِ به: تصديقُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم واتباعُه فيما جاء به. و {نِعْمَتِيَ}: اسمُ جنسٍ مضافٌ إلى معرفةٍ، واسمُ الجنسِ إذا أضيفَ إلى معرفةٍ فهو من صِيَغِ العمومِ كما تَقَرَّرَ في الأصولِ (¬1)، فمعنى نِعْمَتِي: أي: نِعَمِي، كقولِه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل: آية 18] أي: نِعَم اللَّهِ لا تُحْصُوهَا، وكقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية63]، أي: أَوَامِرِهِ، ومن هذه النعمِ التي ذكَّرَهُمْ بِهَا حَمْلاً على شُكْرِهَا: إنجاؤهم من عَدُوِّهِمْ فرعونَ، وإغراقُ عدوهم وهم ينظرون، ومنها: تظليلُ الغمامِ عليهم، ¬
وإنزالُ الْمَنِّ والسَّلْوَى، وتفجيرُ الماءِ من الحَجَرِ ... إلى غيرِ ذلكَ مِمَّا قَصَّ اللَّهُ في كتابِه. وجرت العادةُ في القرآنِ أن اللَّهَ يَمْتَنُّ على الموجودين في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالنعمِ التي أَنْعَمَهَا على أسلافِهم الماضين، وكذلك يَعِيبُهُمْ بالمعائبِ التي صَدَرَتْ من أسلافِهم الماضين؛ لأنهم أمةٌ واحدةٌ؛ ولأنَّ الأبناءَ يتشرفون بفضائلِ الآباءِ، فكأنهم شيءٌ واحدٌ (¬1). ولذلك كان (جل وعلا) يَمْتَنُّ على هؤلاء بِنِعَمِهِ على الأسلافِ، وكذلك يَعِيبُهُمْ بما صَدَرَ من الأسلافِ؛ لأنهم جماعةٌ واحدةٌ. وقوله: {الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي: التي أَنْعَمْتُهَا عليكم، كإنزالِ الْمَنِّ والسَّلْوَى، وتظليلِ الغمامِ، والإنجاءِ من فرعونَ ... إلى غيرِ ذلك. {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} المصدرُ الْمُنْسَبِكُ من (أَنَّ) وَصِلَتِهَا في مَحَلِّ نصبٍ عَطْفًا على {نِعْمَتِيَ} أي: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وَتَفْضِيلِي إياكم على العالمين (¬2). و «العالَمون»: جمعُ عَالَمٍ، وهو يُطْلَقُ على ما سِوَى الله (¬3). والدليلُ على أنه يشملُ أهلَ السماءِ والأرضِ من المخلوقين: قولُه (جل وعلا): {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآيتان 23، 24] ¬
والعالَم: اسمُ جنسٍ يُعرَبُ إعرابَ الجمعِ المذكرِ السالمِ. وقوله هنا: {فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أي: على عالَمِ زمانكم الذي أَنْتُمْ فيه. فلا يُنَافِي أن هذه الأمةَ التي هي أمةُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ منهم (¬1)، كما نَصَّ اللَّهُ على ذلك في قولِه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: آية 110] وفي حديثِ معاويةَ بنِ حَيْدَةَ القشيريِّ (رضي الله عنه) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» (¬2). ومن الآياتِ الْمُبَيِّنَةِ لفضلِ أمةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - على أمةِ موسى أنه قَالَ في أمةِ موسى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: آية 66] فَجَعَلَ أعلى مَرَاتِبِهَمُ الفئةَ المقتصدةَ، بخلافِ أمةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَقَسَّمَهُمْ إلى ثلاثِ طوائفَ، وجعلَ فيهم طائفةً أكملَ من الطائفةِ المقتصدةِ، وذلك في قولِه في فاطر: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: آية 32] فجعل فيهم سابقًا بالخيراتِ، وهو أَعْلَى من المقتصدِ، وَوَعَدَ الجميعَ بِظَالِمِهِمْ ومقتصدهم وسابِقهم بجناتِ عدنٍ في قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ¬
ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: آية 33] وقال بعضُ العلماءِ: حُقَّ لهذه الواوِ أن تُكْتَبَ بماءِ العينين (¬1). يعني: واو {يَدْخُلُونَهَا}؛ لأنه وَعْدٌ من الله صادقٌ، شاملٌ بظاهرِه الظالمَ والمقتصدَ والسابقَ. وفي الآيةِ سؤالٌ معروفٌ وهو أَنْ يقالَ: ما الحكمةُ في تقديمِ الظالمِ لنفسِه في الوعدِ بجناتِ عدنٍ وتأخيرِ السابقِ (¬2)؟ وللعلماءِ عن هذا أجوبةٌ معروفةٌ، منها: أنه قدَّم الظالمَ لِئَلاَّ يَقْنَطَ، وأخَّر السابقَ بالخيراتِ لئلا يُعْجَبَ بعملِه فَيُحْبَطَ. وقال بعضُ العلماءِ: أكثرُ أهلِ الجنةِ الظالمونَ لأنفسهم، فبدأَ بهم لأَكْثَرِيَّتِهِمْ. وَمِمَّا يدلُّ على أفضليةِ أمةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - على بني إسرائيلَ: أن الابتلاءَ الذي يظهرُ به الفضلُ وَعَدَمُهُ إنما يكونُ بخوفٍ أو طَمَعٍ، وقد ابْتَلَى أصحابَ النبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - بخوفٍ، وابتلاهم بطمعٍ، وابتلى بني إسرائيلَ بخوفٍ، وابتلاهم بطمعٍ، أما الخوفُ الذي ابتلى اللَّهُ (جل وعلا) به أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم -: فهو أنهم لما غَزَوْا غزاة بدرٍ، وسَاحَلَ أبو سفيان بِالْعِيرِ، واستنفرَ لهم النفيرَ، وجاءهم الخبرُ بأن العير سَلِمَتْ، وأن الجيشَ أَقْبَلَ إليهم، وأخبرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قال له المقدادُ بنُ عمرٍو (رضي الله عنه): وَاللَّهِ لو سِرْتَ بنا إلى بَرْك الغِمَادِ (¬3) لَجَالَدْنَا مِنْ دُونِهِ معكَ، ولو خُضْتَ بنا هذا البحرَ لَخُضْنَاهُ، ¬
ولا نقول لك كما قال قومُ موسى لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: آية 24]، بل إنا مَعَكَ مُقَاتِلُونَ (¬1). ولما أعاد الكلامَ قال له سعدُ بنُ معاذٍ (رضي الله عنه): كأنكَ تَعْنِينَا معاشرَ الأنصارِ- لأنهم اشترطوا عليه ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه مما يمنعونَ منه نِسَاءَهُمْ وأبناءَهم، بشرطِ أن يكونَ في داخلِ المدينةِ، ولم يَشْتَرِطْ عليهم خارجَ المدينةِ - فأخبرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنه يَعْنِيهِمْ فقال كلامَه المعروفَ المأثورَ، قال: «وَاللَّهِ إِنَّا لقومٌ صُبُرٌ في الحربِ، صُدُقٌ عندَ اللقاءِ، وَاللَّهِ ما نَكْرَهُ أن تَلْقَى بنا عَدُوَّكَ حتى ترى منا ما يُقِرُّ عَيْنَكَ، وَاللَّهِ لقد تَخَلَّفَ عنك أقوامٌ لو علموا أنكَ تلقى كيدًا ما تَخَلَّفَ عنكَ منهم رجلٌ» (¬2). ¬
بخلافِ بني إسرائيلَ لما امْتُحِنُوا بخوفٍ كهذا صدرَ منهم ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في سورةِ المائدةِ قوله: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: آية 22]، وقالوا له: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: آية 24]. كذلك ابْتَلَى بني إسرائيلَ بصيدٍ، وهو صيدُ السَّمَكِ المذكورُ في الأعرافِ، المشارُ له في البقرةِ (¬1): {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} [الأعراف: آية 163]، فَحَدَاهُمُ القَرَمُ (¬2) والطمعُ في أكلِ الحوتِ إلى أن اعْتَدَوْا في السبتِ، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قردةً. وقد امتحنَ اللَّهُ (جل وعلا) أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في عمرةِ الحديبيةِ بالصيدِ وهم مُحْرِمُونَ، فهيَّأَ لهم جميعَ أنواعِ الصيدِ من الوحوشِ والطيرِ، من كبارها وصغارها، ولم يَعْتَدِ رجلٌ منهم، ولم يَصِدْ في الإحرامِ، كما بَيَّنَهُ (جل وعلا) بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة: آية 94]، فما مَدَّ رجلٌ منهم يدَه إلى صَيْدٍ. فظهر بهذا أن كلتا الأُمَّتَيْنِ امتُحِنَتْ بصيدٍ، وأن هؤلاء اعتدوا على ذلك الصيدِ فمُسِخوا قِرَدَةً، وأن أولئك اتقوا الله. كذلك امتُحنوا بخوفٍ من عَدُوٍّ فَصَبَرَ هؤلاء وَثَبَتُوا، وخاف هؤلاء وَجَبُنُوا، فَدَلَّ هذا على أنهم أفضلُ منهم، وهذا مما لا خلافَ فيه، وهذا مما يبينُ أن قولَه: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أن المرادَ: ¬
عَالَمُ زَمَانِهِمْ (¬1). وقال بعضُ العلماءِ: هو نوعٌ من التفضيلِ آخَرُ لا يُعَارِضُ أَشرَفِيَّةَ هذه الأمةِ وأفضليتَها عليهم، وهو كثرةُ الرُّسُلِ فيهم؛ لأن الأنبياءَ أكثرُ فيهم منهم في غيرِهم (¬2)، وكثرةُ الأنبياءِ فيهم لا تجعلُهم أفضلَ من هذه الأمةِ، بل هذه الأمةُ أفضلُ منهم وإن كانت الأنبياءُ فيها إنما جاءها نبيٌّ واحدٌ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا معنى قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)} [البقر ة: الآيتان 48 - 49]. يقول الله (جل وعلا): {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)} [البقرة: آية 48]، معنى الاتقاءِ في اللغةِ العربيةِ هو: أن تجعلَ بينَك وبينَ ما يَضُرُّكَ وقايةً (¬3). وَأَصْلُ مادتِه: (وقى) دَخَلَهَا تَاءُ الافتعالِ، كما تقول في قَرُبَ: اقترب، وفي كسب: اكتسب، وفي وقى: اوتَقَى. والقاعدةُ المقررةُ في التصريفِ: أن تاءَ الافتعالِ إذا دَخَلَ على مادةِ وَاوِهَا فاءٌ وَجَبَ إبدالُ الواوِ تاءً وإدغامُها في تاءِ الافتعالِ (¬4). فمعنى {وَاتَّقُوا}: ¬
اجْعَلُوا بينَكم وبينَ ذلك اليومِ وقايةً تَقِيكُمْ مما يقعُ فيه مِنَ الأهوالِ والأَوْجَالِ. والاتقاءُ: هو جَعْلُ الوقايةِ دونَ ما يَضُرُّ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قول نابغةِ ذبيانَ (¬1): سَقََطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ يعني: اسْتَقْبَلَتْنَا بيدها جاعلةً إياها وقايةً بيننا وبينَ رؤيةِ وَجْهِهَا. والاتقاءُ في اصطلاحِ الشرعِ (¬2): هو جَعْلُ الوقايةِ دونَ سَخَطِ اللَّهِ وعذابِه، تلك الوقايةُ هي امتثالُ أَمْرِهِ، واجتنابُ نَهْيِهِ (جل وعلا). والمرادُ باتقاءِ اليومِ: اتقاءُ ما يكونُ فيه من الأهوالِ والأوجالِ (¬3)؛ لأن القرآنَ بلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، والعربُ تُعبِّرُ بالأيامِ عما يقعُ فيها من الشدائدِ، ومنه: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77]، أي: لِمَا فيه من الشدةِ، وهذا معنى قولِه: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: آية 48]، و (اليوم) مفعولٌ به لـ «اتَّقُوا» (¬4). وقيل: المفعولُ محذوفٌ، واليومُ ظرفٌ. أي: اتَّقُوا العذابَ يومَ لا تَجْزِي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا. وقولُه: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: آية 48]، الجملةُ نعتٌ لليومِ (¬5)، وقد تَقَرَّرَ في العربيةِ: أن ¬
الجُمَلَ تُنْعَتُ بها النكراتُ؛ كما عَقَدَهُ في الخلاصةِ بقولِه (¬1): ونَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنكَّرَا ... فأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا ولطالبِ العلمِ أن يقولَ: أين الرابطُ الذي يَرْبِطُ بين الجملةِ التي هي وَصْفٌ وبينَ المنعوتِ؟ الجوابُ (¬2): أنه اختُلِفَ في تقديرِه على قَوْلَيْنِ: أحدُهما أن العائدَ: (وَاتَّقُوا يومًا لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا) فالعائدُ هو: المجرورُ المحذوفُ هو وحرفُ الْجَرِّ. وقال بعضُ العلماءِ (¬3): حُذِفَ حرفُ الْجَرِّ فَوُصِلَ العاملُ إلى الضميرِ بعدَ حذفِ حرفِ الْجَرِّ ثم حُذِفَ، وعليه فالتقديرُ: (وَاتَّقُوا يومًا لا تجزيه نفسٌ عن نفسٍ شيئا) بحذفِ الهاءِ، وعلى كُلِّ حالٍ فحذفُ الضميرِ الرابطِ للجملةِ التي هي وَصْفٌ للنكرةِ الموصوفةِ موجودٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (¬4): وَمَا أَدْرِي أَغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ ... وَطُولُ الْعَهْدِ أَمْ مَالٌ أَصَابُوا فجملة (أَصَابُوا) نعتٌ للنكرةِ التي هي (مالٌ) والعائدُ محذوفٌ، وتقريرُ المعنى: (أم مَالٌ أَصَابُوهُ). وقوله: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أي: لا تقضي عنها حَقًّا وَجَبَ عليها، ولا تدفعُ عنها عَذَابًا حَقَّ عليها، أما تفسيرُ مَنْ فَسَّرَ: {تَجْزِي} بـ (تُغْنِي) فهو إنما يتمشى على ¬
قراءةِ مَنْ قَرَأَ {تُجْزي} (¬1) بصيغةِ الرُّبَاعِيِّ؛ لأنها هي التي تأتي بمعنى الإغناءِ، وتقريرُ المعنى: (وَاتَّقُوا يومًا لا تَجْزِي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا) أي: لا تَقْضِي نفسٌ عن نفسٍ حَقًّا وَجَبَ عليها، ولا تدفعُ عنها عذابًا حَقَّ عليها، والرابطُ المحذوفُ محذوفٌ من الْجُمَلِ المعطوفةِ على الجملةِ النعتيةِ (¬2)، وتقريرُ المعنى: (لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا ولا يُقْبَلُ فيه شفاعةٌ، ولا يُؤْخَذُ فيه عدلٌ، ولا هم يُنصرون فيه) فالرابطُ محذوفٌ من الْجُمَلِ المعطوفةِ على الجملةِ التي هي وَصْفٌ، وتقريرُ المعنى: (وَاتَّقُوا يومًا لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا)، أي: لا تَقْضِي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا أي: حَقًّا وَجَبَ عليها، ولا تدفعُ عنها عذابًا حَقَّ عليها، وعلى هذا التقريرِ فـ {شَيْئًا} مفعولٌ به لـ {تَجْزِي} (¬3)، وقال بعضُ العلماءِ: {شَيْئًا} في مَحَلِّ المصدرِ، أي: لا تجزي عنها شيئًا، أي: جزاءً قليلاً ولا كثيرًا (¬4). وقولُه: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} فيه قراءتانِ سَبْعِيَّتَانِ (¬5): قَرَأَهُ أكثرُ السبعةِ: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} (¬6) والتذكيرُ في قولِه: {يُقْبَلُ} لأَمْرَيْنِ (¬7): أحدُهما: أن تأنيثَ الشفاعةِ تأنيثٌ غيرٌ حَقِيقِيٍّ. الثاني: ¬
الفصلُ الذي بَيْنَ الفعلِ وفاعلِه، والفصلُ يبيحُ تركَ التاءِ، كما عَقَدَهُ في الخلاصةِ بقوله (¬1): وَقَدْ يُبِيحُ الْفَصْلُ تَرْكَ التَّاءِ فِي ... نَحْوِ أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ والشفاعةُ في الاصطلاحِ (¬2): هي التوسطُ للغيرِ في جَلْبِ مصلحةٍ أو دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وأصلُها من الشفعِ الذي هو ضِدُّ الوَتْرِ؛ لأن صاحبَ الحاجةِ كان فَرْدًا في حاجتِه فلما جاءه الشفيعُ صارَ شَفْعًا، أي: اثنين، صاحبُ الحاجةِ وَمَنْ يتوسطُ له فيها، هذا [أصل] (¬3) معنى الشفاعةِ، والشفاعةُ في الدنيا إذا كانت في حَقٍّ وَاجِبٍ فللشافعِ أَجْرٌ، وإذا كانت في حَرَامٍ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ (¬4)، كما صَرَّحَ تعالى بذلك في قوله: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} (¬5) [النساء: آية 85] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ¬
وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» (¬1). وقد دَلَّ الكتابُ والسنةُ أن نفيَ الشفاعةِ المذكورَ هنا ليس على عُمُومِهِ (¬2)، وأن للشفاعةِ تَفْصِيلاً، منها ما هو ثابتٌ شَرْعًا، ومنها ما هو مَنْفِيٌّ شَرْعًا (¬3). أما المنفيُّ شَرْعًا الذي أَجْمَعَ عليه المسلمون فهو الشفاعةُ للكفارِ؛ لأن الكفارَ لا تنفعهم شفاعةٌ أَلْبَتَّةَ، كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: آية 48]، وقال عنهم: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء: آية 100]، وقال (جل وعلا): {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: آية 28] مع أنه قال في الكافرِ: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: آية 7]، فالشفاعةُ للكفارِ ممنوعةٌ شَرْعًا بإجماعِ المسلمين، ولم يقع في هذا استثناءٌ أَلْبَتَّةَ، إلا شفاعةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ أبي طالبٍ (¬4)، فإنها نَفَعَتْهُ بأن نُقِلَ بسببها من محلٍّ من النارِ إلى محلٍّ أسهلَ منه، كما صَحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ (¬5) مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، لَهُ نَعْلاَنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (¬6). ¬
أما غير هذا من الشفاعةِ للكفارِ فهو ممنوعٌ إجماعًا، وإنما نَفَعَتْ شفاعةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَمَّهُ أبا طَالِبٍ في نقلٍ من محلٍّ من النارِ إلى محلٍّ آخَرَ. الشفاعةُ المنفيةُ الأخرى هي الشفاعةُ بدونِ إِذْنِ رَبِّ السماواتِ والأرضِ (¬1)، فهذه ممنوعةٌ بَتَاتًا بإجماعِ المسلمين، وبدلالةِ القرآنِ العظيمِ، كقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} [البقرة: آية 255]. وادعاءُ هذه الشفاعةِ شِرْكٌ بالله وَكُفْرٌ به، كما قال (جل وعلا): {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: آية 18]. وَوَجْهُ كونِ هذه الشفاعةِ من أنواعِ الشركِ - ولله الْمَثَلُ الأعلى -: أن ملوكَ الدنيا قد يتمكنونَ من مجرمٍ يتقطعونَ عليه غَيْظًا، ويريدونَ أن يُقَطِّعوه عُضْوًا عُضْوًا، فيأتي بعضُ أهلِ الجاهِ والشرفِ ويشفعُ عندهم له، فيضطرون إلى قَبُولِ شفاعتِه؛ لأنهم لو رَدُّوا شفاعتَه لَصَارَ عَدُوًّا لهم، وَتَرَقَّبُوا منه بعضَ الغوائلِ، فيضطرون إلى أن يُشفِّعُوهُ وهم كَارِهُونَ، خَوْفًا من سُوئِهِ، وربُّ السماواتِ والأرضِ لا يخافُ أحدًا، ولاَ يمكن أن يَضُرَّهُ أحدٌ، فلا يمكنُ أن يتجاسرَ أحدٌ عليه بمثلِ هذا، وله المثلُ الأَعْلَى؛ ولذا قال ¬
(جل وعلا): {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} [البقرة: آية 255]. أما الشفاعةُ للمؤمنين بإذنِ رَبِّ السماواتِ والأرضِ فهي جائزةٌ شَرْعًا وواقعةٌ، كما دَلَّتْ عليه نصوصُ الكتابِ وَالسُّنَّةِ (¬1)، كما في قوله: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: آية 28]، وقوله (جل وعلا): {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: آية 23]، ونحو ذلك من الآياتِ والأحاديثِ. والشفاعةُ الكبرى للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كما يأتي إيضاحُه في سورةِ بني إسرائيلَ في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: آية 79]، وقد يُشفِّعُ اللَّهُ مَنْ شَاءَ من خَلْقِهِ من الأنبياءِ والمرسلين والصالحين (¬2). وقد تكونُ الشفاعةُ بإخراجِ مَنْ دَخَلَ النَّارَ، وقد تكونُ الشفاعةُ بأن يشفعَ لمن عليه ذنوبٌ فيُنْقَذُ من النارِ، وقد تكونُ برفعِ الدرجاتِ، والشفاعةُ الكبرى في فَصْلِ القضاءِ بين الْخَلْقِ، فمعنى قوله إذًا: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} هذا إذا كانت كافرةً على الإطلاقِ، ولو كانت مؤمنةً لا تُقْبَلُ شفاعةٌ إلا بإذنِ رَبِّ السماواتِ والأرضِ. [1/ب] وقولُه: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} العَدْلُ: الفداءُ، وإنما سُمِّيَ الفداءُ عَدْلاً؛ لأن فداءَ الشيءِ كأنه قِيمَةٌ مُعادِلَةٌ له ومُماثِلَةٌ له تكونُ عِوَضًا وبدلاً منه. قال بعضُ علماءِ العربيةِ (¬3): ما يُعَادِلُ الشيءَ ويماثلُه إن كان من جِنْسِهِ قيل له (عِدْلٌ) بكسر العين، ومنه (عِدْلاَ ¬
الْبَعِيرِ) أي: عِكْمَاه (¬1)؛ لأنهما مُتَمَاثِلاَنِ. أما إذا كان يماثلُه ويساويه وليس من جِنْسِهِ قيل فيه (عَدْلٌ) بفتحِ العينِ؛ ولذا سُمِّيَ الفداءُ عَدْلاً؛ لأنه شيءٌ مُمَاثِلٌ لِلْمُفْدِي ليس من جِنْسِهِ. ومن هذا المعنى قولُه (جل وعلا): {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: آية 95]؛ لأن ما يُعَادِلُ الإطعامَ من الصيامِ ليس من جنسِه، فإذا كان من جنسه قيل فيه (عِدْلٌ)، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، وقد كَرَّرَهُ مهلهلُ بنُ ربيعةَ في قصيدتِه المشهورةِ في قوله (¬2): عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا طُرِدَ الْيَتِيمُ عَنِ الْجَزُورِ عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا مَا ضِيمَ جِيرَانُ الْمُجِيرِ عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... غَدَاةَ بَلاَبِلِ الأَمْرِ الْكَبِيرِ عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا بَرَزَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدُورِ ¬
عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا رَجَفَ الْعِضَاهُ (¬1) مِنَ الدَّبُورِ (¬2) يعني أن القتلى التي قَتَلَهَا بكليب من بني بكرِ بنِ وائلٍ لا تُماثِلُهُ في الشرفِ ولا تُسَاوِيهِ، وإنما كَسَرَ العينَ لأنهم من جنسٍ واحدٍ. وهذا معنى قوله: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} أصلُ النصرِ في لغةِ العربِ إعانةُ المظلومِ. ومعنى هنا {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} أي: ليس لهم مُعِينٌ يَدْفَعُ عنهم عذابَ اللَّهِ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عربيٌّ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: أَفْرَدَ الضميرَ في قولِه: {وَلَا يُقْبَلُ منهَا} {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} أَفْرَدَهُ مؤنثًا، وَجَمَعَهُ مُذَكَّرًا في قولِه: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} مع أن مَرْجِعَ هذه الضمائرِ واحدٌ؟ (¬3). الجوابُ ظاهرٌ، لأن قولَه: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} نكرةٌ في سياقِ النفيِ، والنكرةُ في سياقِ النفيِ تَعُمُّ (¬4)، وعمُومُها يجعلُها شاملةً لكثيرٍ من أَفْرَادِ النفوسِ، فَأَنَّثَ الضميرَ وَأَفْرَدَهُ في قولِه: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا} {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا} نَظَرًا إلى لفظِ النفسِ، وَجَمَعَ الضميرَ المذكرَ في قولِه: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} نظرًا إلى معنَى النكرةِ في ¬
سياقِ النفيِ، وأنها شاملةٌ لكثيرٍ من الأَنْفُسِ، وهذا معنى قولِه: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}. وقوله (جل وعلا): {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة: آية 49]، أي: وَاذْكُرُوا إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ من آلِ فرعونَ، يعني: من فرعونَ وقومِه القبطِ؛ لأنهم كانوا يُهِينُونَ بني إسرائيلَ. قال بعضُ العلماءِ (¬1): أصلُ (الآل): أهلٌ، بدليلِ تصغيرِه على (أُهَيْلٍ)، وبعضهم صغَّره على (أُوَيْلٍ)، ولا يُطْلَقُ (الآلُ) على الأهلِ إلا إذا كان مُضَافًا لمن له شَرَفٌ وَقَدْرٌ، فلا تقول: آل الْحَجَّامِ، ولا آل الإسكافِ (¬2) (¬3). و (فرعونُ) مَلِكُ مصرَ المعروفُ، وهو يُطْلَقُ على مَنْ مَلَكَ مصرَ. وقال بعضُهم: كُلُّ مَنْ مَلَكَ العمالقةَ يُطْلَقُ عليه (فرعونُ) (¬4). واختُلف في لفظِ (فرعونَ) هل هو عَرَبِيٌّ أو أَعْجَمِيٌّ؟ (¬5) قيل: هو اسمٌ أعجميٌّ، مُنِعَ من الصرفِ للعلميةِ والعُجْمَةِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو عربيٌّ، من تَفَرْعَنَ الرجلُ إذا كان ذا مَكْرٍ وَدَهَاءٍ. والأولُ أظهرُ. وعلى أنه عربيٌّ فَوَزْنُهُ (فِعْلَول) بلامين لا (فعلون) بالنونِ. ¬
وقوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} تقول العربُ: سَامَهُ خَسْفًا، إذا أَوْلاَهُ ظُلْمًا، وأذاقَه عذابًا، ومن هذا المعنى قولُ عمرِو بنِ كلثوم في معلقتِه (¬1): إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ ... خَسْفًا أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا وقوله: {سُوءَ الْعَذَابِ} أي: يُذِيقُونَكُمْ ويولونكم سوءَ العذابِ، أي: أصعبَ العذابِ وَأَشَدَّهُ وأفظعَه؛ لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواعٍ من العذابِ شاقةٍ ذَكَرَ اللَّهُ بعضًا منها هنا حيث قال: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} فالفعلُ المضارعُ الذي هو {يُذَبِّحُونَ} بدلٌ من الفعلِ المضارعِ الذي قَبْلَهُ (¬2) الذي هو {يَسُومُونَكُمْ} على حَدِّ قَوْلِهِ في الخلاصةِ (¬3): وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ ... يَصِلْ إِلينَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ وإنما عُبِّرَ بالتشديدِ في قراءةِ الجمهورِ في قوله: {يُذَبِّحُونَ} دلالةً على الكثرةِ؛ لأنهم ذَبَحُوا كثيرًا من أبنائهم (¬4). {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} أي: الذكورَ {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} أي: بناتِكم الإناثَ، يُبْقُوهُنَّ حَيَّاتٍ، ولم يذبحوهن. والنساءُ على التحقيقِ اسمُ جَمْعٍ (¬5) لا واحدَ له من لَفْظِهِ، واحدتُه امرأةٌ. ¬
وفي هذه الآيةِ سؤالٌ معروفٌ؛ لأن اللَّهَ لَمَّا ذَكَرَ أنهم سَامُوهُمْ سوءَ العذابِ فَسَّرَ قولَه: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} بالبدلِ بعدَه، وَبَيَّنَ أن من ذلك العذابِ العظيمِ السيئِ: تذبيحَ الأبناءِ، واستحياءَ البناتِ. وفي هذا سؤالٌ، وهو أن يقولَ: تذبيحُ الأبناءِ ظاهرٌ أنه من ذلك العذابِ الذي يَسُومُونَهُمْ، أما استحياءُ البناتِ، وهو قولُه: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} فأين وجهُ كونِ هذا من سوءِ العذابِ، مع أن بقاءَ البعضِ قد يظهرُ للناظرِ أنه أحسنُ من تذبيحِ الكُلِّ؟ كما قال الهُذلي (¬1): حَمِدْتُ إِلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا ... خِرَاشٌ وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ الجوابُ عن هذا: أن استحياءَهم للنساءِ استحياءٌ هو من جملةِ العذابِ؛ لأنهم يستحيونهم ليُعَمِّلُوهم في الأعمالِ الشَّاقَّةِ، وليفعلوا بهم ما لا يليقُ من العارِ والشنارِ (¬2)، وبقاءُ البنتِ - وهي عورةٌ - تحتَ يدِ عدوٍّ لا يُشْفِقُ عليها، يفعلُ بها ما لا يليقُ، وَيُكَلِّفُهَا ما لا تُطِيقُ، هذا من سوءِ العذابِ بلا شَكٍّ، وقد قال جل وعلا: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا} [النساء: آية 9] والعربُ كانوا ربما قَتَلُوا بناتِهم شفقةً وخوفًا عليهم مما يلاقونه مما لا يليقُ بعدَ موتِ الآباءِ، وهو كثيرٌ في شِعْرِهِمْ، وقد قال رجلٌ منهم في ابنةٍ له تُسَمَّى مودَّة (¬3): مَوَدَّةُ تَهْوَى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ ... لَهَا الْمَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أَنَّهَا تَدْرِي ¬
يَخَافُ عَلَيْهَا جَفْوَةَ النَّاسِ بَعْدَهُ ... وَلاَ خَتَنٌ يُرْجَى أَوَدُّ مِنَ الْقَبْرِ ولما خُطِبَتْ عندَ عقيلِ بنِ عُلَّفَةَ المري ابنتُه الجرباءُ أنشد (¬1): إِنِّي وَإِنْ سِيقَ إِلَيَّ الْمَهْرُ ... عَبْدٌ وَأَلْفَانِ وَذُودٌ (¬2) عَشْرُ أَحَبُّ أَصْهَارِي إِلَيَّ الْقَبْرُ وقد قال الشاعرُ (¬3): تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقًا ... وَالْمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الْحُرَمِ وهذا هو وجهُ كونِ استحياءِ النساءِ من ذلك العذابِ الذي يَسُومُونَهُمْ. وقال جل وعلا: {وَفِى ذَلِكُم بَلاَءٌ مِن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} في الإشارةِ في قولِه: {ذَلِكُم} وجهانِ لا يُكَذِّبُ أحدُهما الآخرَ مَبْنِيَّانِ على المرادِ بالبلاءِ (¬4)؛ لأن البلاءَ في لغةِ العربِ الاختبارُ (¬5)، والاختبارُ قد يقعُ بالخيرِ وقد يقعُ بالشرِّ، كما قال جل وعلا: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: آية 35] وقال (جل وعلا): ¬
{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: آية 168] وَاللَّهُ ذَكَرَ في الآيةِ الماضيةِ أنه ابْتَلَى بني إسرائيلَ بخيرٍ وَشَرٍّ؛ أما الشرُّ الذي ابتلاهم به فهو ما كان يَسُومُهُمْ فرعونُ من سوءِ العذابِ، وأما الخيرُ الذي ابتلاهم به فهو إنجاؤُه إياهم من ذلك العذابِ. قال بعضُ العلماءِ: {فِى ذَلِكُم} أي: {وَفِى ذَلِكُم} العذاب الذي كان يَسُومُكُمْ فرعونُ، {بَلاَءٌ} بالشرِّ {مِن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}، وقال بعضُ العلماءِ: {وَفِى ذَلِكُم} الإنجاءُ الذي أَنْجَاكُمُ اللَّهُ به من عذابِ فرعونَ {بَلاَءٌ} بالخيرِ {مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}، وكلما كان الشرُّ أكبرَ كان الإنقاذُ منه مُمَاثِلاً له في الكِبَرِ، ولا شَكَّ أن العربَ تُطْلِقُ البلاءَ على الاختبارِ بالشرِّ والاختبارِ بالخيرِ، خلافًا لمن مَنَعَهُ في الاختبارِ بالخيرِ، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه في الخيرِ قولُ زهير (¬1): جَزَى اللَّهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُمْ ... وَأَبْلاهُمَا خَيْرَ الْبَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو وهذا معنى قولِه: {وَفِى ذَلِكُم بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)} [البقرة: الآيات 50 - 53]. ¬
يقول الله (جل وعلا): {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: آية 50] أي: وَاذْكُرُوا إِذْ فَرَقْنَا بكم البحرَ. {فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} أي: فَلَقْنَاهُ، بدليلِ قولِه: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: آية 63] وَأَصْلُ الفِرْقِ: الفصلُ بينَ أجزاءِ الشيءِ (¬1). فمعنى {فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} أي: فَصَلْنَا بينَ بعضِه وبعضٍ حتى كانت بينَه مسالكُ تَسْلُكُونَ فيها. ومن هذا المعنى قولُه: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: آية 25] أي: افْصِلْ بَيْنَنَا وبينَهم، {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} [المرسلات: آية 4] أي: على القولِ بأنها الملائكةُ تنزلُ بالوحيِ الذي يَفْصِلُ بين الحقِّ والباطلِ. وهذا معنى قولِه: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} أي: فَصَلْنَا بعضَ أجزائِه عن بعضٍ حتى كانت بينَه مسالكُ تسلكون فيها من طرقٍ يابسةٍ كما قال جل وعلا: {طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} [طه: آية 77]. و (الباءُ) في قوله: {بِكُمُ} فيها لعلماءِ التفسيرِ أَوْجُهٌ (¬2)، أَظْهَرُهَا أنها سَبَبِيَّةٌ. والمعنى: فَصَلْنَا بعضَ أجزاءِ البحرِ عن بعضٍ، بسببِ دُخُولِكُمْ فيه؛ لِيُمْكِنَكُمُ المرورُ سالكين بين أجزائِه، كما قال تعالى: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: آية 63]. وقال بعضُ العلماءِ: (الباء) بمعنى اللامِ، فمعنى {فَرَقْنَا بِكُمُ} أي: فَرَقْنَا لكم. وهو عائدٌ إلى معنى الأولِ؛ لأن اللامَ للتعليلِ، والباءُ للسببِ، فالمعنى مُتَقَارِبٌ. وقال بعضُ العلماءِ: الجارُّ والمجرورُ في مَحَلِّ حَالٍ، أي: فَرَقْنَا البحرَ في حالِ كونِه مُتَلَبِّسًا بكم. وقال بعضُ العلماءِ: {فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} أي: جَعَلْنَاكُمْ كأنكم حاجزٌ بين بعضِه ¬
وبعضٍ، كما تقول: فَصَلْتُ بينَ أجزاءِ الشيءِ بكذا. و (البحر) معروفٌ، قال بعضُ العلماءِ: اشتقاقُه من الشَّقِّ (¬1)؛ لأنه شَقٌّ في الأرضِ كبيرٌ، ومنه البَحِيرَةُ؛ لأنها مشقوقةُ الأُذُنِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو من البحرِ بمعنى الاتساعِ لاتساعِه. وقوله: {فَأَنْجَيْنَاكُمْ} أي: أَنْجَيْنَاكُمْ من فرعونَ وما كان يسومكم من العذابِ. وأصلُ الإنجاءِ والتنجيةُ أصلُ اشتقاقِه من النَّجْوَةِ، وهي المرتفعُ من الأرضِ (¬2). فكأن الإنسانَ إذا سَلِمَ من هلاكٍ، وَنَجَا من أَمْرٍ خَطِرٍ ارتفعَ عن هوةِ الهلاكِ إلى نجوةِ السلامةِ. وهذا معنى قولِه: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} الهمزةُ في {وَأَغْرَقْنَا} للتعديةِ، وأصلُ الفعلِ الثلاثيِّ قبلَ أن تدخلَ عليه همزةُ التعديةِ: (غَرِقَ يَغْرَقُ غَرَقًا)، ومنه قولُ ذِي الرُّمَّةِ (¬3): وَإِنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الْمَاءُ تَارَةً ... فَيَبْدُو وَتَارَاتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ والعربُ تُعَدِّيهِ بِالْهَمْزَةِ والتضعيفِ فتقول: أَغْرَقَهُ اللَّهُ، وغرَّقه، إذا جَعَلَهُ يغرَق. ومن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (¬4): . . . . . . . . . . . . . . . ... أَلاَ لَيْتَ قَيْسًا غَرَّقَتْهُ القَوَابِلُ ¬
فالهمزةُ في (أَغْرَقَنَا) همزةُ التعديةِ، والمعروفُ أن همزةَ التعديةِ إذا دَخَلَتْ على فعلٍ لازمٍ أَكْسَبَتْهُ مفعولاً، وإذا دَخَلَتْ على فعلٍ مُتَعَدٍّ لمفعولٍ أَكْسَبَتْهُ مفعولين، وإذا دَخَلَتْ على فِعْلٍ مُتَعَدٍّ لمفعولين أَكْسَبَتْهُ ثالثًا، كما قال في الخلاصةِ (¬1): إِلَى ثَلاَثَةْ رَأَى وَعَلِمَا ... عَدَّوْا إِذَا صَارَا أَرَى وَأَعْلَمَا و {آلَ فِرْعَوْنَ} (¬2) قَدَّمْنَا معناه. وقوله: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} جملةٌ حَالِيَّةٌ (¬3)، والظاهرُ أنه نَظَرٌ بالأبصارِ (¬4)؛ لأن اللَّهَ أَرَاهُمْ ما أَحَلَّ بفرعونَ وقومِه من الغرقِ في البحرِ، وهو البحرُ الأحمرُ؛ ليكونَ ذلك أَقَرَّ لأعينهم؛ لأن هلاكَ الْعَدُوِّ وَعَدُوُّهُ ينظر إليه أَقَرُّ لعينِه. وهذا معنى قولِه: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. وقوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: آية 51] (إذ) منصوبٌ بـ (اذْكُرْ) مُقَدَّرًا على أحدِ الأقوالِ (¬5)، وهو معطوفٌ على المذكوراتِ قَبْلَهُ (¬6)، وقرأَ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ ما عدا الْبَصْرِيَّ ¬
أبَا عمرٍو: {وَاعَدْنَا} بصيغةِ الْمُفَاعَلَةِ، وقرأه أبو عمرٍو وَحْدَهُ من السبعةِ: {وإِذْ وَعَدْنَا} (¬1) ثُلاَثِيًّا مُجَرَّدًا من الوعدِ. أَمَّا على قراءةِ أبي عمرٍو فلا إشكالَ: صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ. واللَّهُ وَعَدَ نَبِيَّهُ موسى أن يُنْزِلَ عليه كتابًا فيه الحلالُ والحرامُ، وكل ما يحتاجون إليه بعدَ أربعين ليلةً. أما على قراءةِ الجمهورِ {وَإِذْ وَاعَدْنَا} بصيغةِ المُفَاعَلَةِ، فالمقررُ في فَنِّ التصريفِ: أن المُفَاعَلَةَ تقتضي الطرفين. أعني اشتراكَ الفعلِ بينَ فَاعِلَيْنِ؛ ولذا استشكلَ بعضُ العلماءِ التعبيرَ بالمواعدةِ هنا، قال: إن الله يَعِدُ وحدَه، ولا يَعِدُهُ غيرُه، والجوابُ عن هذا (¬2): أن المُفَاعَلَةَ باعتبارِ أن اللَّهَ وعدَ موسى بوحيٍ يُبَيِّنُ له فيه الأمورَ، وموسى وَعَدَ رَبَّهُ بالإتيانِ للميقاتِ المُعيَّنِ لتلقِّي ذلك الوحيِ، ومن هنا صارت المفَاعَلَةُ معقولةً. وقوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} قال بعضُ العلماءِ: هو على حَذْفِ مضافٍ، أي: تَمَامِ أربعينَ ليلةً (¬3). وقد بيَّن تعالى في سورةِ الأعرافِ أن الوعدَ بهذه الأربعين كان مُفَرَّقًا بأن وَعَدَ ثلاثين أَوَّلاً ثم أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ (¬4)، وذلك في قولِه: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: آية 142] قال بعضُ العلماءِ: هذه الأربعونَ ليلةً هي شهرُ ذِي القعدةِ وعشرٌ من ذِي ¬
الحجةِ (¬1)، واليومُ الذي أَغْرَقَ اللَّهُ فيه فرعونَ وَأَنْجَى فيه بني إسرائيلَ هو يومُ عاشوراءَ، وقد ثَبَتَ في الصحيحِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عباسٍ (رضي الله عنهما) أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قَدِمَ المدينةَ وَجَدَ اليهودَ يَصُومُونَ يومَ عاشوراءَ، فسألهم فَأَخْبَرُوهُ بأنه اليومُ الذي أَنْجَى اللَّهُ فيه موسى وقومَه، وَأَهْلَكَ فيه فرعونَ وقومَه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ». فكان يصومُه حتى نزلَ صيامُ رمضانَ (¬2) (¬3). ¬
وَثَبَتَ في الصحيحِ عن عائشةَ (رضي الله عنها) أن قريشًا كانوا يصومون (¬1) يومَ عاشوراءَ في الجاهليةِ، وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصومُه (¬2). ولا تَعَارُضَ بين الأحاديثِ؛ لأنه لا مانعَ من أن يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصومُه لأن قريشًا في الجاهليةِ كانوا يَصُومُونَهُ. وَلَمَّا جاء تمادى على صومِه، ووجدَ اليهودَ يصومونَه، ولا مانعَ مِنْ كونِ الفعلِ الواحدِ أو النصِّ الواحدِ له سَبَبَانِ فأكثرَ (¬3). وعلى كُلِّ حالٍ فَصَوْمُ يومِ عاشوراءَ وُجُوبُهُ منسوخٌ بإجماعِ العلماءِ (¬4). وقوله جل وعلا: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} عَبَّرَ بالليالي لأنها قبلَ الأيامِ (¬5) والمقررُ في فَنِّ العربيةِ أن التاريخَ بالليالي لأنها قبلَ الأيامِ (¬6). فَلَمَّا ¬
انتهى هذا الميعادُ أَنْزَلَ اللَّهُ (جل وعلا) عليه التوراةَ، وَكَتَبَهَا له في الألواحِ، كما يأتي تفصيلُه في سورةِ الأعرافِ. وقولُه: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ} قرأه بعضُ السبعةِ: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ} وقرأه بعضُهم: {ثم اتخذتم العجل من بعده} بالإدغام (¬1). وأصلُ (الاتخاذِ) على التحقيقِ عندَ علماءِ العربيةِ: افتعالٌ من الأخذِ، أصلُه (اأتخاذ) (¬2)، وإبدالُ الهمزةِ تاءً يُحْفَظُ ولا يقاسُ عليه، وإنما المقيسُ إبدالُ فاءِ المثالِ، أعني واويَّ الفاءِ، أو يائيَّ الفاءِ، كالاتجاهِ، والاتسارِ، إبدالُ الواوِ فيه تاءً، أما إبدالُ الهمزةِ تاءً فهو شاذٌّ يُحْفَظُ ولا يقاسُ عليه، كَاتَّكَلَ، وَاتَّزَرَ، وَاتَّخَذَ، بناءً على الصحيحِ أنها (افْتَعَل) من الأخذِ. وأصلُ العِجْلِ: وَلَدُ البقرةِ، وَيُجْمَعُ على (عَجَاجِيلَ، عَجَاجِلَ) على غيرِ قياسٍ، كما عَقَدَ مثلَه في الخلاصةِ بقولِه (¬3): وَحَائِدٌ عَنِ الْقِيَاسِ كُلُّ مَا ... خَالَفَ فِي الْبَابَيْنِ حُكْمًا رُسِمَا وهذا العِجْلُ هو العجلُ الذي صَاغَهُ لهم السامريُّ من حُلِيِّ القبطِ المذكورِ في قولِه: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} [الأعراف: آية 148]، وبيَّنَهُ في سورةِ طه بقولِه: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي ¬
نَفْسِي} [طه: آية 96] وَحَذَفَ مفعولَ الاتخاذِ الثانيَّ، وهو محذوفٌ في جميعِ القرآنِ، وتقريرُ المعنى: ثم اتخذتم العجلَ من بعده، أي: من بعدِ موسى لَمَّا ذَهَبَ إلى الميقاتِ، أي: اتخذتم العجلَ إِلَهًا. وهذا المفعولُ الثاني محذوفٌ في جميعِ القرآنِ {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: آية 54] أي: إِلَهًا. {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا} [الأعراف: آية 54]، أي: إلها. فهذا المفعولُ الثاني الذي تقديرُه (إلهًا) محذوفٌ في جميعِ القرآنِ (¬1). قال بعضُ العلماءِ: النكتةُ في حذفِه التنبيهُ على أنه لا ينبغي لعاقلٍ أن يتلفظَ بأن عِجْلاً مُصْطَنَعًا من حُلِيٍّ أنه إِلَهٌ (¬2). وقولُه: {وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} جملةٌ حاليةٌ (¬3)، يعني: اتَّخَذْتُمُ العجلَ والحالُ أنتم ظالمونَ باتخاذكم العجلَ إِلَهًا. وأصلُ الظلمِ في لغةِ العربِ: هو وضعُ الشيءِ في غيرِ محله، فَكُلُّ مَنْ وَضَعَ شيئًا في غير محله فقد ظَلَمَ في لغةِ العربِ (¬4). وأكبرُ أنواعِ الظلمِ - أي وضع الشيءِ في غيرِ محله - وضعُ العبادةِ في غيرِ مَنْ خَلَقَ، فَمَنْ عَبَدَ غيرَ خالقِ السماواتِ والأرضِ فقد وَضَعَ العبادةَ في غيرِ مَوْضِعِهَا؛ ولذا هو ظالمٌ لغةً؛ ولأجلِ هذا البيانِ فإن القرآنَ يُكْثِرُ اللَّهُ جل وعلا فيه إطلاقَ الظلمِ على الشركِ، كما قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ ¬
الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254]، وقال: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: آية 106] وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه فَسَّرَ قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: آية 82]، أي: بِشِرْكٍ (¬1). وقال جل وعلا عن العبدِ الصالحِ لقمانَ الحكيمِ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13]. هذا معنَى الظلمِ في لغةِ العربِ، ومنه قِيلَ لمن يضربُ لَبَنَهُ قبل أن يروبَ: ظالمٌ؛ لأنه وَضَعَ الضربَ في غيرِ موضعِه؛ لأن ضَرْبَهُ قبل أن يروبَ يُضَيِّعُ زُبْدَهُ. وفي لُغَزِ الحريريِّ: هَلْ تجوزُ شهادةُ الظالمِ؟ قال: نعم، إذا كان عَالِمًا (¬2). يعني بالظالمِ: الذي يضربُ لَبَنَهُ قبلَ أن يروبَ. ومن هذا المعنى قول الشاعر (¬3): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظُلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ يعني بصاحبِ الصدقِ الذي لم تَرِبْهُ شَكَاتُه في ظلمِه إياه: سقاء له، ضَرَبَهُ قبلَ أن يروبَ. ومن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (¬4): وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى الْعَكَدِ الظَّلِيمُ ¬
فقولها: (ظلمتُ لكم سِقائي) أي: سقيتُكم منه قبلَ أن يروبَ؛ ولأجل هذا قيل للأرضِ التي حُفِرَ فيها ولم تُحْفَرْ قَطُّ، إذا لم تكن محلا للحفرِ: مظلومةٌ؛ لأن الحفرَ وقعَ في غيرِ موضعِه. ومن هذا المعنى على التحقيقِ قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬1): إِلاَّ الأَوَارِيَّ لأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... والنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ خلافًا لمن زَعَمَ أن (المظلومةَ) التي أَبْطَأَ عنها المطرُ. ومن هنا قيل للقبرِ (ظليمٌ)؛ لأنه حَفْرٌ في محل لم يُحْفَرْ قبلَ ذلك. ومنه بهذا المعنى قولُ الشاعرِ (¬2): فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ ... عَلَى الْعَيْشِ مَرْدُودٍ عَلَيْهَا ظَلِيمُهَا هذا أصلُ معنى الظلمِ في لغةِ العربِ، وشواهدِه العربيةِ، وهو يُطْلَقُ في القرآنِ إِطْلاَقَيْنِ: يُطْلَقُ بمعناه الأعظمِ، وهو وضعُ العبادةِ في غيرِ مَنْ خَلَقَ، وهذا أكبرُ أنواعِ الظلمِ، ومنه بهذا المعنى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254]، {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: آية 106]، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13]. وقد يُطْلَقُ الظلمُ في القرآنِ أيضًا على ظُلْمِ الإنسانِ نفسَه ببعضِ المعاصي التي لا تَبْلُغُ به الكفرَ، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} الآية [فاطر: آية 32]، بدليلِ قولِه في ¬
الجميعِ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} الآية [فاطر: آية 33]، لأن هذا أَطَاعَ الشيطانَ وعصى رَبَّهُ فقد وَضَعَ الطاعةَ في غيرِ مَوْضِعِهَا، كما قال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50]. وقوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: آية 52] (عَفَوْنَا) أصلُه من (العفو)، من عَفَت الريحُ الأَثَرَ، إذا طَمَسَتْهُ. فالعفوُ - مثلاً - هو: طَمْسُ اللَّهِ أثرَ الذنبِ بِتَجَاوُزِهِ حتى لا يبقى له أثرٌ يتضررُ به العبدُ (¬1). والإشارةُ في قولِه: {ذَلِكَ} إلى اتخاذِهم العجلَ إِلَهًا، وهو ذلك الذنبُ العظيمُ، وأشار إليه إشارةَ البعيدِ؛ لأن مثلَ ذلك الفعلِ يجبُ أن يُتَبَاعَدَ منه تَبَاعُدًا كُلِّيًّا. وقولُه: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قال بعضُ العلماءِ: يغلبُ إتيانِ (لعلَّ) في القرآنِ مُشَمَّةً معنى التعليلِ، إلا التي في الشعراءِ: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} (¬2) [الشعراء: آية 129] وإتيانُ (لَعَلَّ) حرفَ تعليلٍ مسموعٌ في كلامِ العربِ، ومن إتيانِ (لَعَلَّ) للتعليلِ قولُ الشاعرِ (¬3): وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَشِبْهِ سَرَابٍ بِالْمَلاَ مُتَأَلِّقِ ¬
فهذه لَيْسَتْ لِلتَّرَجِّي بَتَاتًا؛ لأنه قال: «ووثقتم لنا كُلَّ موثق». وقوله: «ووثقتم لنا كل موثق» دَلَّ على أن المرادَ: فقلتُم لنا كفُّوا الحروبَ لأجلِ أن نَكُفَّ، ووثقتم لنا كُلَّ مَوْثِقِ في وعدكم بالكفِّ المعلَّل بِكَفِّنَا. هذا هو التحقيقُ. وقال بعضُ العلماءِ (¬1): المرادُ بـ (لعل) يعني: افْعَلُوا ما أَمَرْنَاكُمْ به مُتَرَجِّينَ أن يقعَ ما بعدَ لَعَلَّ، وتقريرُه في هذا المعنى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}. وذلك العفوُ ينبغي - مثلاً - أن تَتَرَجَّوْا، وذلك العفوُ الذي عَفَوْنَا عنكم يُرْجَى من مثلكم فيه أن تشكروا ذلك العفوَ. فتكونُ لِلتَّرَجِّي على بَابِهَا. والأولُ لا يُنَافِي الثاني؛ لأنا لو قلنا: إنها للتعليلِ، فَالْمُعَلَّلُ مَرْجُوُّ الحصولِ عندَ وجودِ عِلَّتِهِ. وأصلُ (الشكرِ) في لغةِ العربِ: الظهورُ، ومنه (الشَّكِيرُ) وهو العُسْلُوجُ الذي يَظْهَرُ في جذعِ الشجرةِ التي قُطِعَتْ إذا أصابها الماءُ فظهرَ فيها عُسْلُوجٌ يُسَمَّى شَكِيرًا؛ لأنه ظَهَرَ بعدَ أن لم يكن، ومنه: (نَاقَةٌ شَكُورٌ) يظهرُ عليها أَثَرُ السِّمَنِ (¬2). والشكرُ يطلقُ في القرآنِ من اللَّهِ لِعَبْدِهِ، ومن العبدِ لِرَبِّهِ، فَمِنْ إطلاقِ شكرِ الربِّ لعبدِه قولُه جل وعلا: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: آية 34] {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: آية 158]. ¬
ومعنى شُكْرِ الرَّبِّ لعبدِه: هو إثابتُه له الثوابَ الجزيلَ من عَمَلِهِ القليلِ. وَيُطْلَقُ الشكرُ من العبدِ، كما في قولِه هنا: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ومعنى شُكْرِ العبدِ لِرَبِّهِ: هو أن يستعملَ نِعَمَهُ في طَاعَاتِهِ؛ فهذه العينُ الباصرةُ التي أَنْعَمَ عليه بها شُكْرُهَا أن لا ينظرَ بها إلا إلى ما يُرْضِي اللَّهَ، وهذه اليدُ الباطشةُ التي أَنْعَمَ عليه بها شُكْرُ نِعْمَتِهَا أن لا يبطشَ بها إلا فيما يُرْضِي اللَّهَ، وهذا اللسانُ الذي يُبِينُ به وَيُفْصِحُ عما في ضميرِه شُكْرُهُ أن لا ينطقَ به إلا فيما يُرْضِي اللَّهَ، وهكذا في جميعِ سائرِ النِّعَمِ والْمِنَحِ البدنيةِ والماليةِ إلى غيرِ ذلك. وهذا معنى قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمِ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وقوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: آية 53] (إِذْ) معطوفٌ على ما قَبْلَهُ، وأكثرُ العلماءِ على أنه منصوبٌ بـ (اذْكُرْ) مُقَدَّرًا (¬1). وقد بَيَّنَّا مِرَارًا أن الدليلَ على عملِ هذا العاملِ الذي هو (اذْكُرْ) في (إِذْ) أنه مفهومٌ من استقراءِ القرآنِ؛ لكثرةِ إعمالِ (اذْكُرْ) في (إذ) نحو: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: آية 21]، {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: آية 26]، {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: آية 86] وهكذا. و {ءَاتَيْنَا} معناه أَعْطَيْنَا، والأَلِفُ فيه مُبْدَلَةٌ من همزةِ فاءِ الفعلِ، فَوَزْنُهُ: (أَفْعَلْنَا) والأصلُ (أَأْتَيْنَا) فَأُبْدِلَتْ همزةُ فاءِ الفعلِ مَدًّا مُجَانِسًا لحركةِ همزةِ (أَفْعَل) (¬2) على القاعدةِ التصريفيةِ الْمُجْمَعِ عليها ¬
المشهورةِ التي عَقَدَهَا ابنُ مَالِكٍ في الخلاصةِ بقولِه (¬1): وَمَدَّاً ابْدِلْ ثَانِيَ الْهَمْزَينِ مِنْ ... كِلْمَةٍ انْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ وصيغةُ الجمعِ للتعظيمِ. ومعنى (آتَيْنَا): أعطينا، وهي تَطْلُبُ مفعولين، والمفعولُ الأولُ هو موسى، والثاني الكتابُ، وهذه من بابِ: (كَسَا) لا من (ظَنَّ). ومعلومٌ عندَ علماءِ العربيةِ أن الفرقَ الواضحَ الموضِّحَ بين بابِ (ظَنَّ) وبابِ: (كَسَا) (¬2) - مع أن كُلاًّ منهما تَنْصِبُ مفعولين - هو: أن تحذفَ الفعلَ من كِلاَ الْبَابَيْنِ، ثم تجعلُ المفعولين مبتدأً وخبرًا، فإن صَدَقَتِ القضيةُ فهي من بابِ (ظَنَّ)، وإن كَذَبَتْ فهي من بابِ (كَسَا)، وهذا ضابطٌ مُطَّرِدٌ مفيدٌ لطالبِ العلمِ، فلو قُلْتَ مثلاً: «ظَنَنْتُ زَيْدًا قَائِمًا». فحذفتَ الفعلَ الذي هو (ظننتُ) وجعلتَ المفعولين مبتدأً وَخَبَرًا، فقلتَ: «زَيْدٌ قَائِمٌ» كان كلامًا مستقيمًا. فهذا من بابِ (ظَنَّ)، بخلافِ «كَسَوْتُ زَيْدًا ثَوْبًا» و «سَقَيْتُ عَمْرًا ماءً». و {آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} لو حذفتَ الفعلَ منها وقلتَ: «زيدٌ ثوبٌ»، «عمرٌو ماءٌ»، «موسى الكتابُ»، فهذه القضيةُ كاذبةٌ، فدلَّ على أنها من بابِ (كَسَا). والمرادُ بالكتابِ التوراةُ، بإجماعِ العلماءِ (¬3). والتحقيقُ أن المرادَ بالفرقانِ هو التوراةُ أَيْضًا (¬4)، وقد تقرر في فَنِّ العربيةِ أن الشيءَ الواحدَ إذا وُصِفَ بصفاتٍ مختلفةٍ يجوزُ عَطْفُهُ ¬
على نفسِه نظرًا إلى اختلافِ صفاتِه، وتنزيلاً لتغايرِ الصفاتِ منزلةَ تغايرِ الذواتِ (¬1). ومن أمثلتِه في القرآنِ قولُه جل وعلا: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4)} [الأعلى: الآيات 1 - 4]، فَالْمُتَعَاطِفَاتُ بالواوِ مدلولُها واحدٌ، إلا أنها عُطِفَتْ بحسبِ تغايرِ الصفاتِ، ونظيرُ هذا من كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (¬2): إِلَى الْمَلَكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ فَعَطَفَ هذه بعضَها على بعضٍ، مع أن الموصوفَ بها واحدٌ، نظرًا إلى تغايرِ الصفاتِ. والدليلُ على أن (الفرقانَ) كتابُ موسى، وأن مَنْ زَعَمَ أن المعنى: آتَيْنَا مُوسَى الكتابَ، ومحمدًا - صلى الله عليه وسلم - الفرقانَ، أنه قولٌ باطلٌ، بدليل قولِه (¬3) (جل وعلا) في الأنبياءِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: آية 48]. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: لأَجْلِ أن تهتدوا كما بَيَّنَّا. أو على أن إنزالَ هذا الكتابِ يُرْجَى منه أن تَهْتَدُوا؛ لأنه مَظِنَّةٌ لذلك، ومحلٌّ للرجاءِ في هُدَاكُمْ بهذا الكتابِ العظيمِ السماويِّ. و {تَهْتَدُونَ} معناه: تَسْلُكُونَ طريقَ الْهُدَى، من طاعةِ اللَّهِ جل وعلا، بامتثالِ أوامرِه واجتنابِ نَهْيِهِ. ¬
[2/أ] / {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: الآيات 54 - 56]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)} [البقرة: آية 54] أي: وَاذْكُرُوا {وَإِذْ قَالَ مُوسَى} حِينَ قال موسى {لِقَوْمِهِ} أي: بَنِي إِسْرَائِيلَ {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أصلُه: (يَا قَوْمِي) منادى مضافٌ إلى ياءِ المتكلمِ، وَحُذِفَتْ ياءُ المتكلمِ اكتفاءً عنها بالكسرةِ (¬1). وفي المنادى المضافِ إلى ياءِ المتكلمِ إن كان صحيحَ الآخِرِ خمسُ لغاتٍ (¬2)، كلها صَحِيحَةٌ، أكثرُها حَذْفُ ياءِ المتكلمِ كما في هذه الآيةِ. وتلك اللغاتُ عَقَدَهَا في الخلاصةِ بقولِه (¬3): واجْعَلْ مُنَادَىً صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا ... كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا أصلُه: يا قَوْمِي. {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} قَدَّمْنَا معنى الظُّلْمِ (¬4) بشواهدِه العربيةِ، ومعناه في القرآنِ، وقد جاء في القرآنِ في موضعٍ ¬
واحدٍ مرادًا به النقصُ في قوله: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: آية 33] أي: ولم تَنْقُصْ منه شيئًا (¬1). وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن مَنْ خَالَفَ أمرَ اللَّهِ أنه إنما ظَلَمَ بذلك نفسَه حيث عَرَّضَهَا لسخطِ اللَّهِ وعذابِه، فضررُ فِعْلِهِ عائدٌ إليه وحدَه، وذلك أكبرُ باعثٍ على الانزجارِ والكفِّ، لأن الإنسانَ لا يُحِبُّ أن يَضُرَّ نفسَه، ولا أن يَجْنِيَ عليها، فإذا عَرَفَ الإنسانُ أن ضررَ فِعْلِهِ إنما هو عائدٌ إليه حَاسَبَ. والباءُ في قولِه: {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} سَبَبِيَّةٌ (¬2)، يعني أن اتخاذَهم العجلَ هو السببُ الذي ظَلَمُوا به أنفسَهم. وقد قَدَّمْنَا (¬3) أن (الاتخاذَ) مصدرُ اتَّخَذَ، وأن الظاهرَ أن أصلَه (افتعال) من (الأخذ)، إلا أن الهمزةَ التي هي في محلِّ فاءِ الكلمةِ أُبْدِلَتْ تاءً وأُدْغِمَتْ في تاءِ الافتعالِ، وهذا يُحْفَظُ ولا يُقَاسُ عليه، كما عَقَدَهُ في الخلاصةِ بقولِه (¬4): ذُو اللِّينِ فَا تَا فِي افْتِعَالٍ أُبْدِلاَ ... وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ ائْتَكَلاَ و {بِاتِّخَاذِكُمُ} مصدرٌ مِنْ فِعْلٍ يَطْلُبُ مفعولين، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى فَاعِلِهِ (¬5). والمفعولُ الأولُ الْعِجْلُ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ دائمًا في القرآنِ، وتقريرُ المعنى: باتخاذكم العجلَ إِلَهًا. ¬
وقد قَدَّمْنَا (¬1) أن هذا المفعولَ الثانيَ في (اتخاذهم العجلَ إِلَهًا) محذوفٌ في جميعِ القرآنِ، وأن بعضَ العلماءِ قال: النكتةُ في حذفِه دائمًا هي التنبيهُ على أنه لا ينبغي أن يُتَلَفَّظَ بأن عِجْلاً مُصْطَنَعًا من حُلِيٍّ إِلَهٌ. وقال جل وعلا: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} الفاءُ سببيةٌ، وقد تقررَ في فَنِّ الأصولِ في مسلكِ (الإيماءِ والتنبيهِ) (¬2) أن الفاءَ من حروفِ التعليلِ، وأن ما قَبْلَهَا علَّة لِمَا بَعْدَهَا، كقولهم: «سَهَا فَسَجَدَ»، أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، و «سرق فقُطِعَتْ يدُه» أي: لعلةِ سرقتِه، {ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا} أي: لعلةِ ظُلْمِكُمْ. {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} قد قدَّمنا معنى التوبةِ واشتقاقَها في أولِ هذه السورةِ الكريمةِ. وقولُه: {إِلَى بَارِئِكُمْ} أي: خَالِقُكُمْ وَمُبْرِزُكُمْ من العدمِ إلى الوجودِ. وقد ذَكَرَ (جل وعلا) الخالقَ البارئَ من صفاتِه كما قال في أخرياتِ الحشرِ: {الخَالِقُ البَارِئُ} [الحشر: آية 24]، و (الخالقُ) اسمُ فاعلِ الخلقِ، والخلقُ في اللغةِ: التقديرُ. و (البارئُ) هو الذي يَفْرِي ما خَلَقَ؛ فمعنى خَلَقَ: قَدَّرَ، ومعنى بَرَأَ: أنفذَ ما قَدَّرَ، وأبرز من العدمِ إلى الوجودِ، والعربُ تُسَمِّي التقديرَ خَلْقًا، ومنه قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلْمَى (¬3): وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَعْـ ... ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْرِي ¬
وكثيرًا ما يُطْلَقُ اسمُ الخلقِ على الإبرازِ من العدمِ إلى الوجودِ. وعلى كُلِّ حالٍ فمعنى (البارئِ): المبدِعُ الذي يَبْرَأُ الأشياءَ، أي: يُبْرِزُهَا من العدمِ إلى الوجودِ. وفي الآيةِ سِرٌّ لطيفٌ (¬1)، وهو أن مَنْ أَبْرَزَ من العدمِ إلى الوجودِ هو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ، ويُتابَ إليه من الذنوبِ؛ لأن عنوانَ استحقاقِ العبادةِ إنما هو الخلقُ، فَمَنْ يخلقُ ويُبْرِزُ من العدمِ إلى الوجودِ فهو المعبودُ الذي يُعْبَدُ وحدَه، ويُتَنَصَّل إليه من الذنوبِ، وَمَنْ لا يخلقُ فهو مربوبٌ محتاجٌ إلى خالقٍ يخلقُه؛ ولذا كَثُرَ في القرآنِ الإشارةُ إلى أن ضابطَ مَنْ يَسْتَحِقُّ العبادةَ هو الخالقُ الذي يُبْرِزُ من العدمِ إلى الوجودِ، كما تَقَدَّمَ في قولِه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: آية 21]، وكما في قولِه: {أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: آية 16]، وخالقُ كُلِّ شيءٍ هو المعبودُ وحدَه. وقال جل وعلا: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: آية 17]، الجوابُ: لاَ. وهذا معنى قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}. وقرأَ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} وعن أبي عمرٍو فيه روايتانِ عنه: قراءةُ: {إِلَى بَارِئْكُمْ} بإسكانِ الهمزةِ، وعنه قراءةٌ أُخْرَى رَوَاهَا عنه الدُّورِيُّ باختلاسِ الهمزةِ، واختلاسُ الهمزةِ: هو تخفيفُ حركتِها حتى يأتيَ ببعضِ الحركةِ ولا يأتي بها كَامِلَةً، وهذه الروايةُ الأخيرةُ روايةُ الدُّوريِّ عن أبي عمرٍو هي التي بها الأخذُ، والمشهورةُ عندَ القراءِ (¬2). وما زَعَمَهُ بعضُ علماءِ العربيةِ ¬
من أن الروايةَ الأخرى عن أبي عمرٍو بإسكانِ الهمزةِ في {بارئْكم} أنها لَحْنٌ، وأن حركةَ الإعرابِ لا يجوزُ تَسْكِينُهَا، فهو غَلَطٌ (¬1)، ولا شكَّ أنها لغةٌ صحيحةٌ، وقراءةٌ ثابتةٌ عن أبي عمرٍو، وتخفيفُ الحركةِ بالإسكانِ لغةُ تميمٍ وبني أسدٍ، وَيَكْثُرُ في كلامِ العربِ إسكانُ الحركةِ للتخفيفِ، ولا سيما إذا توالت ثلاثُ حركاتٍ، كما في قراءةِ الجمهورِ {بَارِئِكُمْ} بثلاثِ حركاتٍ. ومن تسكينِ الحركةِ للتخفيفِ قولُ امرئِ القيسِ (¬2): فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبِ ... إِثْمًا مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ وعلى هذا التخفيفِ قراءةُ أبي عمرٍو {أَرْنَا الَّذَيْنِ} (¬3) [فصلت: آية 29]، وقراءةُ حفصٍ: {ويخش الله وَيَتَّقْهِ} (¬4) [النور: آية 52] فإن هذا السكونَ إنما هو تخفيفٌ؛ لأن المحلَّ ليس محلَّ سكونٍ، لأن الأصلَ (يتقيه) و {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} (¬5) [البقرة: آية 128]. ومنه قولُ الشاعرِ (¬6): أَرْنَا إِدَاوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُهَا ... مِنْ مَاءِ زَمزَمَ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا وقولُ الآخَرِ (¬7): ومَنْ يَتَّقْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعْهُ ... وَرِزْقُ اللَّهِ مُؤْتَابٌ وَغَادِ ¬
وقولُ الراجزِ (¬1): قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا ... وَهَاتِ خُبْزَ البُرِّ أَوْ دَقِيقَا وقولُه: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} كأنهم قالوا: بِمَ نتوبُ إلى بارئنا توبةً يقبلها منا؟ قيل لهم: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. أو الفاء للتعقيبِ (¬2)؛ لأن هذا القتلَ عَقِبَ الذنبِ هو الذي حَصَلَتْ به التوبةُ. وأصلُ القتلِ في لغةِ العربِ (¬3): إزهاقُ الروحِ بشرطِ أن يكونَ مِنْ فِعْلِ فاعلٍ، كالطعنِ، والضربِ، والخنقِ، وما جرى مَجْرَى ذلك، أما إزهاقُ الروحِ بلا سببٍ من ضربٍ أو نحوِه فهو موتٌ وهلاكٌ لا قتلٌ. وقال بعضُ العلماءِ: القتلُ إماتةُ الحركةِ. وقد تُطْلِقُ العربُ مادةَ القافِ والتاءِ واللامِ على غيرِ إزهاقِ الروحِ، فَتُطْلِقُهُ على التذليلِ، فالتقتيلُ: التذليلُ، وَتُطْلِقُ القتلَ أيضًا على إضعافِ الشدةِ، فَمِنْ إطلاقِ التقتيلِ على التذليلِ قولُ امرئِ القيسِ (¬4): وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلاَّ لِتَضْرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ ¬
أي: مُذَلَّلِ. وقول زُهَيْرٍ (¬1): كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلةٍ ... مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةَ سُحُقَا أي: مُذَلَّلَة. وكذلك يطلق القتلُ على كسرِ الشِّدةِ، ومنه قتلُ الخمرِ بالماءِ، أي: كسرُ شِدَّتِهَا بالماءِ، كما قال حسانُ (رضي اللَّهُ عنه) (¬2): إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا ... قُتِلَتْ قُتِلَتْ فَهَاتِهَا لَمْ تُقْتَلِ يعني بِقَتْلِهَا: إضعافُ شِدَّتِهَا بمزجها بالماءِ. وقولُه: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} {أَنْفُسَكُمْ} جمعُ قِلَّةٍ؛ لأن (الأَفْعُل) من صيغِ جموعِ القلةِ (¬3). وما يَزْعُمُهُ بعضُ النحويين والمفسرين من أن مثلَ هذه الآيةِ جِيءَ فيه بجمعِ القلةِ موضعَ جمعِ الكثرةِ فهو خلافُ التحقيقِ؛ لأن {أَنْفُسَكُمْ} أُضِيفَ إلى معرفةٍ، واسمُ الجنسِ مُفْرَدًا كان أو جَمْعًا إذا أضيفَ إلى معرفةٍ اكتسبَ العمومَ (¬4). والشيءُ الذي يعمُّ جميعَ الأفرادِ لا يُعْقَلُ أن يقالَ فيه: إنه جَمْعُ قِلَّةٍ؛ لأن جمعَ القلةِ لا يتعدى العشرةَ، وهو بعمومِه يشملُ آلافَ الأفرادِ، فالتحقيقُ ما حَرَّرَهُ علماءُ الأصولِ في مبحثِ التخصيصِ (¬5) من أن جموعَ القلةِ وجموعَ الكثرةِ لا يكونُ الفرقُ بينها ألبتةَ إلا في التنكيرِ، أما في التعريفِ فإن ¬
الأَلِفَ واللامَ تفيدُ العمومَ، والإضافةُ إلى المعارفِ تفيدُ العمومَ (¬1)، وما صار عَامًّا استحالَ أن يقالَ هو جمعُ قِلَّةٍ؛ لأن العمومَ يستغرقُ جميعَ الأفرادِ. هذا هو التحقيقُ. وهذا معنى قولِه: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} في مرجعِ الإشارةِ في قولِه: {ذَلِكُمْ} وجهانِ للعلماءِ لا يُكَذِّبُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ (¬2)، أحدُهما: أنه راجعٌ إلى مصدرِ القتلِ المفهومِ من قولِه: {فَاقْتُلُوا} أي: ذلك القتلُ لأنفسكم خيرٌ لكم عند بارئكم، وقد قَرَّرَ علماءُ العربيةِ أن الفعلَ الصناعيَّ -أعني فعلَ الأمرِ، أو الفعلَ المضارعَ، أو الماضيَ- ينحلُّ عن مصدرٍ وزمنٍ، فالمصدرُ كامنٌ في مفهومِه إجماعًا (¬3). قالَ في الخلاصةِ (¬4): الْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ ونحنُ نرى القرآنَ يلاحظُ المصدرَ تارةً، ويلاحظُ الزمنَ تارةً. فَمِنْ أمثلةِ ملاحظتِه للمصدرِ: {عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ} [المائدة: آية 8] أي: العدل الكامن في مفهومِ {اعْدِلُوا}، وتارةً يُلاَحِظُ الزمنَ، ومن أمثلةِ ملاحظتِه لزمانِ الفعلِ الصناعيِّ قولُه (جل وعلا) في (ق): {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} [ق: آية 20]، فالإشارةُ في قولِه: {ذَلِكَ} لزمنِ النفخِ المفهومِ من بناءِ الفعلِ في قولِه: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ}. ¬
وقال بعضُ العلماءِ (¬1): الإشارةُ في قولِه: {ذَلِكُمْ} راجعةٌ إلى شيئين هُمَا: التوبةُ المفهومةُ من قولِه: {فَتُوبُوَا إِلَى بَارِئِكُمْ}، والقتلُ المفهومُ من قولِه: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}، وعلى هذا القولِ فالمعنى: ذلكم المذكورُ من التوبةِ والقتلِ. ونظيرُ هذا في القرآنِ - أي: بأن يكونَ لفظُ الإشارةِ مُفْرَدًا ومعناه مثنى - قوله (جل وعلا) في هذه السورةِ الكريمةِ: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: آية 68] أي: ذلك المذكور من الفارضِ والبكرِ. وهذا المعنى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ الزِّبَعْرَى (¬2): إِنَّ لِلشَّرِّ وَلِلْخَيْرِ مَدًى ... وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ أي: كلا ذلك المذكورِ. ولما قال رؤبةُ بن العجاجِ في رجزِه المشهورِ (¬3): فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ فقيل له: ما معنى قولك: «كأنه» بالتذكيرِ، إن كنتَ تريدُ الخطوطَ لَزِمَ أن تقولَ: (كأنها)، وإن كنتَ تريدُ السوادَ والبلقَ لزمَ أن تقولَ: (كأنهما) فَلِمَ قلتَ: (كأنَّه)؟ قال: (كأنه) أي: ما ذُكِرَ مِنْ سوادٍ وَبَلَق. ¬
وقوله: {خَيْرٌ لَكُمْ} الظاهرُ أنها هنا صيغةُ تفضيلٍ، وقد تقررَ في فَنِّ العربيةِ أن لفظةَ (خَيْرٍ وَشَرٍّ) حَذَفَتِ العربُ منها الهمزةَ في صيغةِ التفضيلِ لكثرةِ الاستعمالِ في الأغلبِ، كما عقده ابنُ مالكٍ في الكافيةِ بقوله (¬1): وَغَالِبًا أَغْنَاهُمْ خَيْرٌ وَشَرّ ... عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ ووجهُ كونها هنا صيغةَ تفضيلٍ: أن هذا القتلَ بهذه التوبةِ يقطعُ حياتَهم الدنيويةَ، ولكنه يُكْسِبُهُمْ حياةً أخرويةً، وهذه الحياةُ الأخرويةُ خيرٌ من الحياةِ الدنيويةِ (¬2)، وهذا معنى قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} أي: ذلكم المذكورُ من توبتِكم وقتلِكم أنفسَكم خيرٌ لكم عند بارئِكم من عَدَمِهِ، أي: عند خالقكم ومبرزكم من العدمِ إلى الوجودِ. وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} معطوفٌ على محذوفٍ دَلَّ المقامُ عليه، أي: فَامْتَثَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ به، وقدمتم أنفسَكم للقتلِ فتابَ عليكم (¬3). واختلف العلماءُ في كيفيةِ هذا القتلِ الذي أُمِرُوا به (¬4)، قال بعضُ العلماءِ: كيفيةُ هذا القتلِ الذي أُمِرُوا به أن مَنْ لَمْ يَعْبُدِ العجلَ منهم أُمِرَ بأن يقتلَ مَنْ عَبَد العجلَ، وقيل: أُمِرُوا أن يقتلَ بعضُهم بعضًا، مَنْ عَبَدَ العجلَ وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ، وعلى هذا القولِ فَذَنْبُ مَنْ لَمْ يعبدِ العجلَ أنه لم يَنْهَهُمْ، ولم يُغَيِّرِ المنكرَ؛ لأن المنكرَ إذا وَقَعَ ولم يُغَيَّرْ عَمَّ العذابُ. ¬
وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ: أن البريءَ منهم أُمِرَ بقتلِ الذي عبدَ العجلَ. ذكر المفسرون في قصتهم أنهم لَمَّا كان الرجلُ ينظرُ إلى قريبِه وأخيِه لا يقدرُ أن يتجاسرَ على قتلِه، فأنزلَ اللَّهُ ضبابًا حتى صاروا لا يرى بعضُهم بعضًا، فوضعوا فيهم السيفَ حتى قتلوا منهم نحو سبعين أَلْفًا، فدعا موسى وهارونُ رَبَّهُمَا، فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ، ورفعَ القتلَ عن بقيَّتِهم (¬1). هذا معنى قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. قد أَوْضَحْنَا معنى: {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} في قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] بما أَغْنَى عن إعادتِه هنا. وقوله جل وعلا: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: آية 55] أي: وَاذْكُرُوا أيضًا حين قلتُم لنبيِّ اللَّهِ موسى: {يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي: لن نُصَدِّقَكَ فيما ذكرتَ من أن اللَّهَ كَلَّمَكَ به. قال بعضُ العلماءِ (¬2): هم السبعونَ الذين اختارهم موسى، سَمِعُوا اللَّهَ يكلمُ موسى فقالوا: لن نُصَدِّقَكَ في أن هذا كلامُ اللَّهِ حتى نرى اللَّهَ جهرةً. والقاعدةُ باستقراءِ القرآنِ أن لفظَ (الإيمان) إذا عُدِّيَ باللامِ معناه عدمُ التصديقِ (¬3) (¬4) كقولِه: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا ¬
صَادِقِينَ} [يوسف: آية 17] أي: بِمُصَدِّقِنَا، وقوله: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: آية 61] أي: يُصَدِّقُ المؤمنين، فالمعنَى على هذا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} لكَ أي: لن نُصَدِّقَكَ فيما ذَكَرْتَ مِنْ أن اللَّهَ كَلَّمَكَ وَأَمَرَكَ وَنَهَاكَ. وهذا - نَفْيُهُمْ للتصديقِ - غَيَّوْهُ بغايةٍ يتمادى إليها هي: {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} أي: إلى رؤيتنا اللَّهَ جهرةً. وقوله: {جَهْرَةً} فيه وجهانِ من التفسيرِ (¬1)، أحدهما: أنه متعلقٌ بـ {نَرَى} والمعنى: {نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} أي: عِيَانًا، وانتصابُه على أنه مصدرٌ مُؤَكِّدٌ لعامله مزيلٌ توهمَ أنها رؤيةُ منامٍ، أو رؤيةُ عِلْمٍ بالقلبِ، وقال بعضُ العلماءِ: هو يتعلقُ بقولِه: {قُلْتُمْ} أي: قلتُم جِهَارًا - من غيرِ مُوَارَبَةٍ - هذا القولُ العظيمُ الشنيعُ، وعلى هذا فأظهرُ القولين فيها أنه مصدرٌ مُنَكَّرٌ حال، أي قلتُم هذا القولَ جهرةً أي: في حالِ كونِكم جاهرين بهذا الأمرِ العظيمِ. وقوله: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} الفاءُ سببيةٌ دَلَّتْ على أن أخذَ الصاعقةِ إياهم سببُه هذا الاجتراءُ العظيمُ، وامتناعُهم من تصديقِهم نَبِيَّهُمْ حتى يروا اللَّهَ عِيَانًا، كما قال جل وعلا: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: آية 153]. والصاعقةُ تُطْلَقُ إطلاقاتٍ (¬2): تُطْلَقُ على النارِ الْمُحْرِقَةِ، وعلى الصوتِ المزعجِ الْمُهْلِكِ، وأكثرُ إطلاقاتِها عليهما معًا، صوتٌ مزعجٌ مشتملٌ على نارٍ مهلكةٍ، وعلى كُلِّ حالٍ فعلى أنهم السبعون المذكورون في الأعرافِ فقد بَيَّنَ أن هذه الصاعقةَ رَجْفَةٌ، كما في ¬
قوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: آية 155]. على كُلِّ حالٍ فهذه الصاعقةُ سواء قلنا: إنها نارٌ مُحْرِقَةٌ، أو صوتٌ مزعجٌ أَهْلَكَهُمْ، أو هما معًا صوتٌ مزعجٌ أَرْجَفَ بهم الأرضَ، فالتحقيقُ أنهم مَاتُوا، وأنه صَعْقُ موتٍ، كما صرَّحَ اللَّهُ بذلكَ في قولِه: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: آية 56] أنهم ماتوا، أَمَاتَهُمُ اللَّهُ عقابًا لمقالتِهم هذه الشنعاءِ، ثم أحياهم بدعاءِ نَبِيِّهِمْ - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا، خلافًا لِمَنْ زعم أن صَعْقَهُمْ هذا صَعْقُ غشيةٍ قائلاً: إن الصعقَ قد يُطْلَقُ على [غيرِ] (¬1) الموتِ، وذكروا منه قولَ جريرٍ يهجو الفرزدقَ (¬2): وهَلْ كَانَ الْفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ ... أَصَابَتْهُ الصَّوَاعِقُ فَاسْتَدَارَا فقوله: «أَصَابَتْهُ الصَّوَاعِقُ» ليس معناه أنه ماتَ. والتحقيقُ أنه صعقُ موتٍ، لأنه لا أحدَ أصدقُ من اللَّهِ، وَاللَّهُ صَرَّحَ بأنه موتٌ في قولِه: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} البعثُ بعد الموتِ معناه الإحياءُ بعدَ الموتِ، أي: بعدَ أن مُتُّمْ. أحياهم اللَّهُ جل وعلا أحياءً. وعامةُ المفسرين يقولون: إِنَّ الزمنَ الذي مَكَثُوا في هذا الموتِ أو الغشيةِ - على القولِ الباطلِ عند مَنْ يزعمُ أنه صَعْقُ غشيةٍ لا صَعْقَ موتٍ، مدةُ هذا الصعقِ الَّذِي عَلَيْهِ التحقيقُ أنه موتُ - يومٍ وليلةٍ، كما عليه عامةُ الْمُفَسِّرِينَ (¬3) إلا مَنْ شَذَّ. ¬
وقوله: {وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ} جملةٌ حاليةٌ، وأصلُ هذه الجملةِ فيها إشكالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: كيف ينظرونَ، وينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ مع إصابةِ الصاعقةِ إياهم؟ وللعلماءِ عن هذا أجوبةٌ (¬1): أظهرُها أن الصاعقةَ أَصَابَتْهُمْ غيرَ دُفْعَةٍ، بل تصيبُ البعضَ والبعضُ ينظرُ إلى إهلاكِه؛ لأن ظاهرَ القرآنِ يَجِبُ الحملُ عليه إلا بدليلٍ جازمٍ من كتابٍ وَسُنَّةٍ (¬2)، وظاهرُ القرآنِ أن هنالك نَظَرًا لوقوعِ هذه الصاعقةِ، أن الصاعقةَ وَقَعَتْ في حالِ نَظَرِهِمْ، وبهذا قال بعضُ العلماءِ، وهو الأظهرُ؛ لأنه يتمشى مع ظاهرِ القرآنِ، ولا مانعَ من أن تصيبَ الصاعقةُ بعضَهم والبعضُ الآخَرُ ينظرُ إليه، ثم تصيبُ بعضًا والبعضُ الآخَرُ ينظرُ إليه، وكذلك قال بعضُ العلماءِ (¬3): إن اللَّهَ أحياهم مُتَفَرِّقِينَ في غيرِ دفعةٍ واحدةٍ، يحيا بعضَهم، والبعضُ الآخَرُ ينظرُ إليه كيف يُحْيِيهِ اللَّهُ. وهذا معنى قوله: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ}. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قَدْ قَدَّمْنَا معنى (لَعَلَّ) ومعنى (الشُّكْرِ) (¬4). وهذه الآيةُ الكريمةُ فيها دليلٌ جازمٌ على البعثِ؛ لأن بني إسرائيلَ هؤلاء، هذه الطائفةُ منهم التي أَمَاتَهَا اللَّهُ فأحياها دليلٌ قاطعٌ ¬
على أن اللَّهَ (جل وعلا) قادرٌ على إحياءِ الموتى. وقد ذَكَرَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه السورةِ الكريمةِ خمسةَ أمثلةٍ من إحيائِه للموتى في دارِ الدنيا (¬1) هذا أَوَّلُهَا. الموضعُ الثاني: قولُه في قتيلِ بني إسرائيلَ: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة: آية 73] وقولُه: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} بَيَّنَ به أن إحياءَه قتيلَ بني إسرائيلَ في دارِ الدنيا دليلٌ على البعثِ وإحيائِه الموتى، وبعثه إياهم بعدَ أن صَارُوا عِظَامًا. الْمَوْضِعُ الثالثُ: قوله جل وعلا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: آية 243]. الموضعُ الرابعُ: قوله في عُزَيْرٍ وَحِمَارِهِ: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} [البقرة: آية 259]. وفي القراءةِ الأُخْرَى (¬2) {كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. الموضعُ الخامسُ: طيورُ إبراهيمَ المذكورُ في قولِه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ¬
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة ة آية 260] (¬1). ¬
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)} [البقرة: الآيات 57 - 59]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)} [البقرة: آية 57] لَمَّا كان بنو إسرائيلَ في التيهِ، ¬
واشتكوا الحرَّ، دعا نبيُّ اللَّهِ موسى لهم، فَظَلَّلَ اللَّهُ عليهم الغمامَ. والغمامُ: اسمُ جنسٍ واحدُه غمامةٌ، وهو غمامٌ أبيضُ رقيقٌ يُظِلُّهُمْ من الشمسِ (¬1). وفي قصتِهم أنه إذا كان في الليلِ ارتفعَ ليستضيئوا بضوءِ القمرِ. وصيغةُ الجمعِ في قولِه: {وَظَلَّلْنَا} للتعظيمِ. {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} لَمَّا اشتكوا في التيهِ من الجوعِ، دَعَا اللَّهَ نَبِيُّهُمْ، فأنزل اللَّهُ الْمَنَّ والسلوى. وأكثرُ علماءِ التفسيرِ (¬2) على أن الْمَنَّ: التَّرَّنْجَبِينُ، وهو شيءٌ ينزلُ كالندى ثم يجتَمع، أبيضُ، حُلْوٌ، يُشْبِهُ العسلَ الأبيضَ، هذا قولُ أكثرِ المفسرين في المرادِ بِالْمَنِّ. قال بعضُ العلماءِ (¬3): ولا يعارضُ هذا ما ثَبَتَ في الصحيحِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من أنه قال: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (¬4). ¬
قالوا: فمرادُه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «مِنَ الْمَنِّ» أي: من جنسِ ما مَنَّ اللَّهُ به على بني إسرائيلَ، حيث إنه طعامٌ يوجدُ - فضلاً من اللَّهِ - من غيرِ تَعَبٍ، وظاهرُ الحديثِ أن الكمأةَ مِنْ نَفْسِ مَا مَنَّ اللَّهُ به على بني إسرائيلَ في التِّيهِ. [2/ب] / وقوله: {وَالسَّلْوَى} جمهورُ المفسرين، أو عامةُ المفسرين على أن (السلوى): طَيْرٌ (¬1)، قال بعضُهم: هو السُّمَانَى، وقال بعضُهم: طائرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى. وتفسيرُ مَنْ فَسَّرَ السلوى بأنه (العسلُ) غيرُ صوابٍ، وكذلك ادعاءُ أن السلوى لا يُطْلَقُ على العسلِ في لغةِ العربِ غيرُ صوابٍ. والتحقيقُ: أن السلوى يُطْلَقُ في لغةِ العربِ على العسلِ، ومنه قولُ الْهُذَلِيِّ (¬2): وَقَاسَمْتُهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا والشورُ: استخراجُ العسلِ خاصَّة. لكن ليس المرادُ بالسلوى في الآيةِ العسلَ، وإنما المرادُ به طائرٌ، كما عليه عامةُ المفسرين، هو السُّمَانَى أو طائرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى. وقوله: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} مَحْكِيُّ قَوْلٍ محذوفٍ (¬3)، أي: وقلنا لهم: كُلُوا من طيباتِ ما رزقناكم كهذا الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وهما طَيِّبَانِ حِسًّا وَمَعْنًى؛ لِلَذَاذَةِ طعمِهما وَحِلِّيَتِهِمَا شَرْعًا؛ لأنهما مَنٌّ وَفَضْلٌ من اللَّهِ جل وعلا. ¬
{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} هنا محذوفٌ دلَّ المقامُ عليه (¬1)، والمعنى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: أَنْعَمْنَا عليهم هذه النعمَ فقابلوا نِعَمَنَا بعدمِ الشكرِ وارتكابِ المعاصي، {وَمَا ظَلَمُونَا} بتلك المعاصي التي قَابَلُوا بها نِعَمَنَا {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. وقال بعضُ العلماءِ: أُمِرُوا أن لا يدَّخِرُوا من المنِّ والسلوى فخالفوا أَمْرَ اللَّهِ وَادَّخَرُوا، وَمَا ظَلَمُونَا بذلك الادخارِ المنهيِّ عنه ولكن كانوا أنفسَهم يَظْلِمُونَ (¬2). والقولُ الأولُ أَشْمَلُ، وهو الصوابُ. وقوله (جل وعلا) في هذه الآيةِ: {وَمَا ظَلَمُونَا} فيه الدليلُ الواضحُ على أن نَفْيَ الفعلِ لا يستلزمُ إمكانَه (¬3)؛ لأن اللَّهَ نفى عنه أنهم ظَلَمُوهُ، ونفيُه (جل وعلا) عن نفسِه أنهم ظَلَمُوهُ لا يدلُّ على أنه يمكنُ أن يَظْلِمُوهُ، بل نفيُ الفعلِ لا يدلُّ على إمكانِه. وقولُه جل وعلا: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (لكن) واقعةٌ في مَوْقِعِهَا، والمعنى: أن هذا الظلمَ واقعٌ على أنفسِهم حيثُ عَرَّضُوهَا به لسخطِ اللَّهِ (جل وعلا) وعقابِه، فَضَرَرُ فِعْلِهِمْ عائدٌ إليهم، واللَّهُ (جل وعلا) لا تَضُرُّهُ معاصي خَلْقِهِ، ولا تَنْفَعُهُ طاعاتُهم {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: آية 6]. وقد بَيَّنَ القرآنُ في آياتٍ كثيرةٍ أن اللَّهَ (جل وعلا) لا يتضررُ ¬
بمعاصي خَلْقِهِ ولا ينتفعُ بطاعاتِهم، كقولِه: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: آية 8]، وقوله: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: آية 6]، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: آية 15]، وفي صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيما يَرْوِيهِ عن رَبِّه: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» الحديث (¬1). هذا معنى قولِه: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: قَابَلُوا نِعَمَنَا بالمعاصي، وما ظلمونا بذلك ولكن ظَلَمُوا أنفسَهم بذلك. وقوله جل وعلا: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة: آية 58] أي: وَاذْكُرْ {وَإِذْ قُلْنَا} أي: حين قُلْنَا. وصيغةُ الجمعِ للتعظيمِ. {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} الصوابُ الذي عليه أكثرُ الْمُفَسِّرِينَ أن هذه القريةَ هي (بيتُ الْمَقْدِسِ) (¬2). وقال جماعةٌ من العلماءِ: (هي أَرِيحَا) (¬3). وعن الضحاكِ أنها (الرَّمْلَةُ)، و (فلسطينُ)، و (تَدْمُر) ونحو ذلك (¬4). ¬
والتحقيقُ الذي عليه جمهورُ المفسرين أنها (بيتُ المقدسِ)، ويدلُّ عليه قولُه في المائدةِ: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: آية 21] هذه القرية. وَلَمَّا زالَ عنهم التيهُ، ومات موسى وهارونُ، وكان الخليفةُ بعدهما يوشعُ بنُ نون، وجاؤوا وجاهدوهم الجهادَ المعروفَ في التاريخِ (¬1)، الذي رَدَّ اللَّهُ فيه الشمسَ ليوشعَ بنِ نون، وفتحوا البلدَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ (جل وعلا) أن يَشْكُرُوا هذه النعمةَ بقولٍ يقولونه، وَفِعْلٍ يَفْعَلُونَهُ، فَبَدَّلُوا القولَ الذي قيل لهم بقولٍ غيرِه، وَبَدَّلُوا - أيضا- الفعلَ الذي قيل لهم بفعلٍ غيرِه، وتقريرُ المعنى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} فَكُلُوا من هذه القريةِ حيث شئتُم. (حيث) كلمةٌ تَدُلُّ على المكانِ كما تدلُّ (حين) على الزمانِ، رُبَّمَا ضُمِّنَتْ معنى الشرطِ، وهي تَعُمُّ، أي: في أَيِّ مكانٍ من أمكنةِ هذه القريةِ شِئْتُمْ (¬2). وقولُه: {رَغَدًا} نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ (¬3) أي: (أكلاً رَغَدًا) أي: وَاسِعًا لَذِيذًا لا عناءَ فيه ولا تعبَ. وهذا الذي أُبِيحَ لهم هنا الذي يظهرُ أنه يدخلُ فيه ما طَلَبُوهُ - أي: طلبوا نَبِيَّهُمْ موسى أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُعْطِيَهُمْ إياه - الآتي في قوله: {لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: آية 61]، الظاهرُ أن اللَّهَ لَمَّا قال لهم: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} [البقرة: الآية 61] وفتحَ عليهم هذه القريةَ قال لهم: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة: الآية 58] ¬
وأنه يدخل في ذلك ما طلبوه أيامَ التيهِ من البقولِ والفومِ والعدسِ والبصلِ وما ذُكِرَ معها. ثم إن الله (جل وعلا) أمرهم بفعلٍ وقولٍ شكرًا لنعمةِ الفتحِ، وهو قولُه: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} أي: ادْخُلُوهُ في حالِ كونِكم سُجَّدًا. والسُّجَّدُ جمع سَاجِدٍ، و (الفاعلُ) إذا كان وصفًا من جموعِ تكسيرِه المعروفةِ - جموعِ الكثرةِ - أن يُجمعَ على (فُعَّل)، كساجدٍ وسُجَّدٍ، وراكعٍ وَرُكَّعٍ (¬1). قال بعضُ العلماءِ: هو سجودٌ على الجبهةِ، والمعنى: إذا دخلوا البابَ سَجَدُوا. أي: ادْخُلُوهُ في حالِ كونِكم سُجَّدًا، أي: عندما تدخلونَ تتصفونَ بحالةِ السجودِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو سجودُ ركوعٍ وانحناءٍ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وشكرًا على نعمةِ الفتحِ (¬2). وقد يُفْهَمُ من هذا أن نعمةَ الفتحِ ينبغي أن تشكرَ بالسجودِ لِلَّهِ (جل وعلا). وَلَمَّا فتحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مكةَ صلى الضحى ثمان ركعاتٍ (¬3). وكان العلماءُ يَرَوْنَ أنها صلاةُ شكرٍ على ما أَنْعَمَ اللَّهُ عليه به من الفتحِ، واللَّهُ (تعالى) أعلمُ. وهذا معنى قولِه: {ادْخُلُوا الْبَابَ} البابُ: واحدُ الأبوابِ، وَأَلِفُهُ الكائنةُ في موضعِ العينِ مبدلةٌ من واوٍ، بدليلِ تصغيرِه ¬
على (بُوَيْب)، وجمعُه على (أبوابٍ) (¬1). و {سُجَّدًا} حالٌ من الواوِ في {ادْخُلُوا} (¬2)، أي: حالَ كونِكم سُجَّدًا لِلَّهِ شكرًا على نعمةِ الفتحِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو سجودُ انحناءٍ وتواضعٍ. ومنهم مَنْ شَذَّ فَزَعَمَ أنه مطلقُ التواضعِ لِلَّهِ. والسجودُ وإن كان في لغةِ العربِ قد يُطْلَقُ على مطلقِ التواضعِ فليس هو المرادَ في الآيةِ. وقولُه: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} هذا القولُ الذي قيل لهم أيضًا. و {حِطَّةٌ} (فِعْلَةٌ) من (الحطِّ)، و (الحطُّ) معناه الوضعُ، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٌ، ومتعلَّقها محذوفٌ. وتقريرُ المعنى بإيضاح: (وَقُولُوا مَسْأَلَتُنَا لِرَبِّنَا حِطَّةٌ) (¬3) أي: غفرانٌ لذنوبنا وَحَطٌّ، أي: وَضْعٌ لأَوْزَارِنَا عن ظهورِنا، فهو لفظٌ عربيٌّ فصيحٌ. هذا هو القولُ الذي قيل لهم، أَمَرَهُمُ اللَّهُ أن يدخلوا سجودًا متواضعين، وأن يقولوا قولاً هو استغفارٌ وطلبٌ لِحَطِّ الذنوبِ. وهذا معنى قوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. وقوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} فيه ثلاثُ قراءاتٍ سبعيات (¬4): قرأه نافعٌ الْمَدَنِيُّ: {يُغفَر لكم خطاياكم} بالياءِ المضمومةِ وفتحِ (الفاءِ) مَبْنِيًّا للمفعولِ. وإنما جازَ تذكيرُه والإتيانُ بالياءِ؛ لأن تأنيثَ الخطايا غيرُ حَقِيقِيٍّ، ولأنه فَصَلَ بينَه وبينَ الفعلِ فاصلٌ، وهو (لكم)، والفصلُ يُبِيحُ تركَ (التاءِ) (¬5) ¬
كما تَقَدَّمَ (¬1). وقرأه الشاميُّ ابنُ عامرٍ: {تُغفَرْ لكم خطاياكم} بضمِّ (التاءِ) وفتحِ (الفاءِ) مَبْنِيًّا للمفعولِ. {خَطَاياَكُمْ} نائبٌ عن الفاعلِ في كلتا القراءتين. وقرأَه غيرُهما من القراءِ: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} {خَطَاياَكُمْ} في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به، و {نَّغْفِرْ} بكسرِ (الفاءِ) مَبْنِيًّا للفاعلِ. وقراءةُ الجمهورِ أشدُّ انسجامًا بالسياقِ؛ لأن اللَّهَ قال قَبْلَهَا: {قُلْنَا}، {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} وقال بَعْدَهَا: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} بصيغةِ التعظيمِ، فقراءةُ الجمهورِ أشدُّ انسجامًا وملاءمةً مع السياقِ من قراءةِ نافعٍ وقراءةِ ابنِ عامرٍ (¬2). و (الخطايا): جمعُ الخطيئةِ، والخطيئةُ: الذنبُ العظيمُ (¬3) الذي يَسْتَحِقُّ صاحبُه التنكيلَ، أي: نغفر لكم ذنوبَكم العظيمةَ. ثم قال (جل وعلا): {وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ} للعلماءِ في تفسيرِ المحسنين هنا أقوالٌ (¬4)، والحقُّ الذي لا ينبغي العدولُ عنه أن لا يُعْدَلَ في تفسيرِها عن تفسيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو قولُه لَمَّا سَأَلَهُ جبريلُ عن الإحسانِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (¬5). يعني: الذين كانوا أشدَّ مراقبةً لله في أعمالهم سيزيدُهم اللَّهُ ¬
إيمانًا؛ لأن الإنسانَ كُلَّمَا ازدادَ تَقْوَاهُ لله (جل وعلا) زَادَهُ اللَّهُ، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: آية 17] معناه: وسنزيدُ المحسنين منكم، أي: الذين هم أشدُّ مراقبةً لِلَّهِ سنزيدهم من الخيرِ والإيمانِ. وقال بعضُ العلماءِ: سنزيدُ في جزاءِ أعمالِ المحسنين؛ لأن العملَ الذي يُرَاقِبُ صاحبُه اللَّهَ قد يكونُ ثوابُه أكثرَ ممن هو أقلُّ منه مُرَاقَبَةً. ثم قال جل وعلا: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: الآية 59] وفي الكلامِ حذفُ الواوِ وما عَطَفَتْ، وحذف المُتَعَلَّقِ. وتقريرُ المعنى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ بِقَوْلٍ غَيْرِهِ (¬1)، وبدَّلوا فِعْلاً غيرَ الذي قيلَ لهم بفعلٍ غيرِه. والقولُ الذي قيلَ لهم هو (حِطَّةٌ) فَبَدَّلُوهُ بقولٍ غيرِه، وقالوا: (حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ). وقال بعضُ العلماءِ: قالوا: (حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ) وثبتَ في الصحيحِ (¬2) أن القولَ الذي بدَّلوه: (حبةٌ في شعرةٍ). وفي بعضِ رواياتِ الحديثِ (حنطةٌ في شعيرةٍ) (¬3). وعلى كُلِّ حالٍ فقد بدَّلوا هذا القولَ الذي قيل لهم بغيرِه، كما بَدَّلُوا الفعلَ الذي قيل لهم بفعلٍ غيرِه؛ لأن الفعلَ الذي أُمِرُوا به هو دُخُولُهُمُ البابَ سُجَّدًا، فبدلوه بفعلٍ غيرِه، فَدَخَلُوا يزحفونَ على أسْتَاهِهِمْ، وهذا من كُفْرِهِمْ، عياذًا بالله. ¬
وما قاله بعضُ العلماءِ (¬1): مِنْ أن هذه الآيةَ الكريمةَ يُؤْخَذُ منها عدمُ نقلِ الحديثِ بالمعنى؛ لأن اللَّهَ ذَمَّ مَنْ بَدَّلَ قولاً بقولٍ غيرِه، فيلزمُ أن يكونَ القولُ هو نفسُ مَا أُمِرَ به، لا قولاً غيرَه غيرُ صوابٍ. ويجابُ عنه: بأن القولَ المأمورَ به له حَالَتَانِ: إما أن يكونَ مُتَعَبَّدًا بلفظِه كـ (اللَّهُ أَكْبَرُ) في الصلاةِ، وما جرى مجرَى ذلك من العباداتِ القوليةِ، فمثلُ هذا لا يجوزُ تبديلُه، وَمَنْ بَدَّلَهُ يَلْحَقُهُ من الوعيدِ ما لَحِقَهُمْ بقدرِ ما ارْتُكِبَ في قولِه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ولا يجوزُ تبديلُه. أما الذي لم يُتَعَبَّدْ به بلفظِه فلا مانعَ من أن يُبَدَّلَ بلفظٍ يُؤَدِّي معناه إذا لم يكن هناك تفاوتٌ في المعنى. وجماهيرُ العلماءِ من المسلمين قديمًا وحديثًا على جوازِ نقلِ الحديثِ بالمعنى إذا كان ناقلُه بالمعنى عَارِفًا باللسانِ، مُتَبَحِّرًا فيه، لا تَخْفَى عليه النكتُ والتفاوتُ الذي يكونُ بين الألفاظِ، ونَقَلَهُ بحالةٍ ليست أَخْفَى من نصِّ الحديثِ، ولا أظهرَ من نصِّ الحديثِ، فلا يجوزُ نقلُه بلفظٍ أظهرَ منه. قال بعضُ العلماءِ: لأنه قد يعارضُه حديثٌ آخَرُ، والظهورُ من المرجحاتِ بين النصوص المتعارضةِ، فيظن المجتهدُ أن لفظَ الراويِ الظاهرَ الذي بدَّله بلفظٍ هو أقلُّ منه ظهورًا أنه من لفظِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَيُرَجِّحُهُ بهذا الظهورِ على حديثٍ آخَرَ، فيكون استنادُ هذا الترجيحِ مستندًا لتصرفِ الراويِ، وهذا مِمَّا لا ينبغي. وعلى كُلِّ حالٍ فمسألةُ نقلِ الحديثِ بالمعنى مسألةٌ معروفةٌ في الأصولِ (¬2)، وفي علومِ الحديثِ (¬3)، مَنَعَهَا قومٌ واستدلوا ¬
بالحديثِ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما سَمِعَ الرجلَ قال: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». ردَّ عليه وقالَ: «وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (¬1). ولا شَكَّ أن اللفظَ الذي قاله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يقومُ مقامَه اللفظُ الذي تصرَّف فيه الرَّاوِي؛ لأن «وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» واضحٌ بليغٌ لا تكريرَ فيه؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد يكونُ مُرْسَلاً وغيرَ مُرْسَلٍ، والرسولُ مُرْسَلٌ قَطْعًا، فيكون «رَسُولُكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» تكرارٌ - يعني - لأن «الَّذِي أَرْسَلْتَ» معناهُ يُؤَدِّيهِ «رسولك» أما «نَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» فيكونُ كُلٌّ من الكلمتين عمدةً وتأسيسًا لا لغوًا، والحاصلُ أنه معروفٌ أن الجمهورَ من العلماءِ على جوازِ نقلِ الحديثِ بالمعنَى إذا وَثِقَ الراوي أنه لم يَزِدْ في معناهُ ولم يُنْقِصْ، وأن قومًا منعوا ذلك، وأن الآيةَ لا دليلَ فيها لذلك أَلْبتَّةَ؛ لأنهم إنما بَدَّلُوا قولاً مُنَافِيًا للقولِ الذي قيل لهم في المعنى، والتبديلُ إذا كان مُنَافِيًا في المعنى ممنوعٌ بإجماعِ المسلمين، وليس مما فيه الخلافُ، إنما الخلافُ في تبديلِ الألفاظِ مع بقاءِ المعنى، وهم بدَّلُوا اللفظَ بلفظٍ لا يؤدي معناه، أُمِرُوا بأن يقولوا (حِطَّةٌ)، فقالوا: (حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)، أو (حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ)!! فالقولُ الذي بدَّلوا به ليس معناه يؤدي معنى القولِ الذي أُمِرُوا به، فكأنهم رفضوه بَتَاتًا، وَعَصَوُا اللَّهَ، وجاؤوا بما لم يُؤْمَرُوا به، لا لَفْظًا ولا معنًى. والفعلُ الذي بدَّلوا به: أنهم أُمِرُوا ¬
بالسجودِ فدخلوا يزحفونَ على أَسْتَاهِهِمْ. وقولُه: {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} الفاءُ سببيةٌ، وصيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، أي: فبسببُ تبديلِهم القولَ الذي قيلَ لهم بقولٍ غيرِه، والفعلِ الذي قيل لهم بفعلٍ غيرِه أَنْزَلْنَا عليهم، وإنما أظهرَ في محلِّ الإضمارِ قال: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ولم يَقُلْ: (فأنزلنا عليهم) ليُسَجِّلَ عليهم موجبَ هذا العذابِ؛ وأنه الظلمُ؛ ولذا عَدَلَ عن الضميرِ إلى الظاهرِ قال: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} لِيُبَيِّنَ أن هذا الرِّجْزَ مُنَزَّلٌ عليهم بسببِ ظُلْمِهِمْ، والضميرُ لا يُعْطِي هذا، وإن كان معناه يؤدي المعنى في الجملةِ (¬1). وهذا معنى قوله: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: ظَلَمُوا أنفسَهم بتبديلِ القولِ بقولٍ غيرِه، والفعلِ بفعلٍ غيرِه. {رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ} الرجزُ: العذابُ، وهذا العذابُ طاعونٌ أنزله اللَّهُ عليهم. قال العلماءُ: أَهْلَكَ اللَّهُ به منهم سَبْعِينَ أَلْفًا (¬2). وقولُه: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (الباءُ) سببيةٌ، و (ما) مصدريةٌ، أي: بسببِ كونِهم فَاسِقِينَ (¬3). والفسقُ (¬4) في لغةِ العربِ الخروجُ، ومنه قولُه جل وعلا: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي: فخرجَ عن طاعةِ رَبِّهِ، والعربُ تقولُ: (فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ من قِشْرَتِهَا) إذا خَرَجَتْ، و (فَسَقَتِ ¬
الْفَأْرَةُ) إذا خرجت من جُحْرِهَا للإفسادِ. وكونُ الفسقِ يُطْلَقُ على الخروجِ معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ رؤبةَ بنِ العجاجِ (¬1): يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرًا ... فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا فقوله: «فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا» أي: خوارجَ عن طريقِ القصدِ إلى طريقٍ آخَرَ. وقال بعضُ العلماءِ (¬2): إنما كَرَّرَ لفظَ (الظلمِ) في قولِه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} لأن هذا الفعلَ الذي هو ظُلْمُهُمْ ذِكرُهُ له أهميةٌ في السياقِ؛ لأنهم ظَلَمُوا في الوقتِ الذي أَنْعَمَ اللَّهُ عليهم، وَعَصَوْا أمرَ رَبِّهِمْ، ومن عادةِ العربِ إذا كان الأمرُ له أهميةٌ أن تُكَرِّرَهُ، سواء كانت أهميتُه من جهةِ خيرٍ، أو أهميتُه من جهةِ شَرٍّ (¬3)، كما قال الشاعرُ (¬4): لَيْتَ الْغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِمًا (¬5) ... كَانَ الْغُرَابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ لأن الغرابَ لَمَّا نَعَبَ ببينَ أَحِبَّتِهِ صارَ الغرابُ له أهميةٌ عندَه فَكَرَّرَ لفظَه، ومنه قولُ الآخَرِ (¬6): لاَ أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا ¬
لَمَّا كان الموتُ له أهميةٌ في قطعِه الحياةَ كَرَّرَهُ، ونظائرُ هذا كثيرةٌ في كلامِ العربِ، وعلماءُ البلاغةِ يقولون إن إعادةَ قولِه: {ظَلَمُوا} في قوله: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ليُسَجَّلَ عليهم الذنبُ الذي بسببِه أنزلَ عليهم العذابَ (¬1) كما قَدَّمْنَا، والله (تعالى) أعلم. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)} [البقرة: الآيات 67 - 71]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)} [البقرة: الآية 67] قَرَأَ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ: {هُزُؤا} بِضَمِّ الزايِ والهمزةِ، وقرأه حمزةُ: {هُزْءًا} وهي لغةُ تميمٍ، وأسدٍ، وقيسٍ، وقرأه حفصُ عن عاصمٍ {هُزُوًا} بإبدالِ الهمزةِ وَاوًا (¬2). ومعنى قولِه جل وعلا: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} كما ذَكَرَهُ المفسرون (¬3): أنه قُتِلَ في بَنِي إسرائيلَ قتيلٌ كما يأتي في قولِه: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: آية 72]، ¬
يَزْعُمُونَ أن اسمَ القتيلِ (عاميل) (¬1). قال بعضُهم: كان له أقرباءُ فقراءُ، وهو غَنِيٌّ، فقتلوه لِيَرِثُوهُ. وقيل: كانت تحتَه امرأةٌ جميلةٌ فَقَتَلَهُ بعضُ الناسِ ليتزوجها. والأولُ أكثرُ قَائِلاً. وعلى كُلِّ حالٍ فالذين قَتَلُوا القتيلَ ادَّعَوْهُ على غيرِهم، وسألوا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ موسى أن يسألَ اللَّهَ لهم لِيُبَيِّنَ لهم قاتلَ القتيلِ، فأمرهم اللَّهُ (جل وعلا) على لسانِ نَبِيِّهِ أن يذبحوا بقرةً ويضربوا القتيلَ بجزءٍ منها، فيحيا القتيلُ، ويخبرُهم بقاتلِه. وهذا معنى قوله: وَاذْكُرْ {إِذْ قَالَ} أي: حينَ قالَ {مُوسَى لِقَوْمِهِ} لَمَّا ادَّارَؤُوا في القتيلِ وَتَدَافَعُوهُ، كُلٌّ يدفعُ قَتْلَهُ عن نفسِه إلى غيرِه: {إِنَّ اللَّهَ} جل وعلا {يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} أي: وَتَضْرِبُوا القتيلَ ببعضِها فَيَحْيَا، فيخبركم عن قاتلِه. وقرأَ هذا الحرفَ جماهيرُ القراءِ: {يَأْمُرُكُمْ} بضمةٍ مشبعةٍ على القياسِ. وقرأه أبو عمرٍو: {يَأْمُرْكُمْ} بإسكانِ الراءِ، وزادَ عنه الدُّورِيُّ باختلاسِ الضمةِ (¬2)، وقد قَدَّمْنَا وجهَ ذلك في قراءتِه في {فَتُوبُوا إلى بارِئْكُمْ} (¬3). وقوله: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} المصدرُ المنسبكُ من (أن) وَصِلَتِهَا هو متعلَّقُ الأمرِ، وأَصلُ (أَمَرَ) تتعدَّى بالباءِ، والأصلُ: (يَأْمُرُكُمْ بأن تَذْبَحُوا بقرةً) أي: بذبحِ بقرةٍ، وَضَرْبِ القتيلِ بجزءٍ منها، كما عَدَّى الأمرَ بالباءِ في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: آية 90]، فالمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها مجرورٌ بحرفٍ محذوفٍ (¬4)، وحَذْفُ هذا الحرفِ قياسٌ مُطَّرِدٌ كما عَقَدَهُ في الخلاصةِ بقولِه (¬5): ¬
وَعَدَّ لاَزِمًا بِحَرْفِ جَرٍّ ... وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلاً وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ ... مَعَ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا ولطالبِ العلمِ هنا سؤالٌ، وهو أن يقولَ: عرفنا أن المصدرَ المنسبكَ من (أَنْ) وَصِلَتِهَا المجرورَ بالباءِ المحذوفةِ في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} أي: (يأمركم بأن تذبحوا بقرةً) فهذا المصدرُ بعد حذفِ الباءِ هل محلُّه الجرُّ بالباءِ المحذوفةِ، أو محلُّه النصبُ لَمَّا نُزِعَ الخافضُ؟ الجوابُ: أن جماهيرَ النحويين أنه في محلِّ نصبٍ (¬1)، وأنه لو عُطِفَ عليه لَنُصِبَ على اللغةِ الفصحى. وَخَالَفَ في هذا (الأخفشُ) فقال: إن محلَّه الجرُّ. واستدلَّ على أن محله الجرُّ بأنه سُمِعَ عن العربِ خفضُ المعطوفِ عليه في قولِ الشاعرِ (¬2): وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ فَخَفَضَ قولَه: «وَلاَ دَيْنٍ» بالعطفِ على المصدرِ المنسبكِ من (أن) وصلتِها المجرورِ بحرفٍ محذوفٍ. وتقريرُ المعنى: «فَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً» أي: لكونها حبيبةً، ولا لِدَيْنٍ بها أنا طالبه. وأجازَ سيبويه الوجهين، أن محلَّه الكسرُ، والعطفُ عليه بالخفضِ، وأن محله النصبُ، والعطفُ عليه بالنصبِ (¬3). ¬
وأجابَ الجمهورُ عن البيتِ الذي أورده الأخفشُ بأن الخفضَ فيه مِنْ عَطْفِ التوهمِ، وعطفُ التوهمِ يَكْفِي فيه مطلقُ تَوَهُّمِ جوازِ الخفضِ. وعطفُ التوهمِ مسموعٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه قولُ زُهَيْرٍ (¬1): بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... وَلاَ سَابِقٍ شَيْئًا إِذَا كَانَ جَائِيَا فالروايةُ نصبُ «مدْرِك» وخفضُ «سابقٍ»، والمخفوضُ معطوفٌ على المنصوبِ، وهو عطفُ تَوَهُّمٍ. أعني توهمَ (الباء) في خبرِ (ليس)؛ لأن (بَدَا لي أني لستُ مدركَ ما مَضَى) يجوزُ فيه: لستُ بِمُدْرِكٍ وَلاَ سَابِقٍ، كما قال (¬2): وَبَعْدَ (مَا) و (لَيْسَ) جَرَّ (الْبَا) الْخَبَرْ ... . . . . . . . . فَتَوَهَّمُوا (الباءَ) لمطلقِ الجوازِ، وَعَطَفُوا عليه خفضًا عطفَ تَوَهُّمٍ، ونظيرُه قولُ الآخَرِ (¬3): مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إِلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا بخفضِ (نَاعِبٍ) عَطْفًا على (مُصْلِحِينَ)، لِتَوَهُّمِ جوازِ دخولِ الباءِ. قالوا: مِنْ ذَلِكَ: وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ. . . . . . . لِتَوَهُّمِ اللاَّمِ. ¬
وقولُه جل وعلا: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} الذبحُ معروفٌ، و (بقرةً) قال بعضُ العلماءِ: تَاؤُهُ للتأنيثِ، وذَكَرُهُ يُسَمَّى ثَوْرًا (¬1). وقال بعضُ العلماءِ: هي تاءُ الوحدةِ، والبقرُ يُطْلَقُ على ذَكَرِهِ وَأُنْثَاهُ. وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ بظاهرِها على أنهم لو ذَبَحُوا أيَّ بقرةٍ لأَجْزَأَتْ، ولكنهم شَدَّدُوا على أنفسِهم فَشَدَّدَ اللَّهُ عليهم. وقوله جل وعلا: {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أي: قال قومُ موسى لموسى لَمَّا قال لهم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أي: مَهْزُوءًا منا من قِبَلِكَ بأن نقول لكَ: ادْعُ لنا رَبَّكَ يبين لنا قاتلَ القتيلِ، فَتُجِيبَنَا بقولكَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فهذا الجوابُ غيرُ مطابقٍ للسؤالِ، فكأنك تستهزئُ منا، وتسخرُ منا، ولم يفهموا أن المرادَ بذبحِ البقرةِ أنه يُضْرَبُ القتيلُ ببعضٍ منها فَيَحْيَا - بإذنِ الله - ويخبرُهم بقاتلِه، فقال نبيُّ اللَّهِ موسى: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أعتصمُ وأتمنعُ بِرَبِّي أن أكونَ من الجاهلين. الجاهلونَ: جمعُ الجاهلِ، وهو الوصفُ من (جهِل). وأحسنُ تعاريفِ الجهلِ عندَ علماءِ الأصولِ: أنه هو انتفاءُ الْعِلْمِ بما مِنْ شأنِه أن يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ، وللعلماءِ فيه أقوالٌ متعددةٌ مَحَلُّ ذِكْرِهَا في فَنِّ الأُصُولِ (¬2). والمعنى: أن نبيَّ اللَّهِ موسى استعاذَ بربه (جل وعلا) من أن يكونَ معدودًا، وفي عدادِ الجاهلين (¬3). والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ ¬
يستهزئُ من الناسِ أنه جاهلٌ (¬1)؛ لأن نبيَّ اللَّهِ موسى استعاذَ بِاللَّهِ من أن يكونَ اتخذهم هزؤا كما قالوا؛ وَلِذَا قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} فلما عَلِمُوا أن الأمرَ من اللَّهِ جدٌّ، وأن الجوابَ مطابقٌ لسؤالهم، وأن المرادَ بذبحِ البقرةِ أن يُضْرَبَ القتيلُ بجزءٍ منها فَيَحْيَا، فيخبرهم بقاتلِه تَعَنَّتُوا وَأَكْثَرُوا الأسئلةَ فشدَّدُوا على أنفسِهم، فشدَّدَ اللَّهُ عليهم، قالوا مُخَاطِبِينَ نَبِيَّهُمْ: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة: آية 68]، أي: اسْأَلْ لنا رَبَّكَ {يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} المرادُ بقوله: {مَا هِيَ} هنا يَعْنُونَ: ما سِنُّها (¬2)؛ لأن السؤالَ يوضِّحُه الجوابُ، حيثُ قال لهم نبيُّ اللَّهِ موسى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ} {إِنَّهَا} أي: البقرةُ التي سَأَلْتُمْ عن سِنِّهَا {بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} {عَوَانٌ}: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (¬3). والمعنى: لا فارضٌ ولا بكرٌ، هي عوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ. الفارضُ: الْمُسِنَّةُ التي طَعَنَتْ في السَّنِّ، وكلُّ طاعنٍ في السِّنِّ تُسَمِّيهِ العربُ (فارضًا)، وكلُّ قديمٍ تُسَمِّيهِ (فَارِضًا) (¬4)، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ خفاف بن نُدبة السُّلَميِّ ¬
يهجو العباسَ بنَ مِرْدَاس، وقيل: القائلُ علقمةُ بنُ عوفٍ (¬1): لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ جَارَكَ فَارِضًا ... تُسَاقُ إِلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ وَلَمْ تُعْطِهِ بِكْرًا فَيَرْضَى سَمِينَةً ... فَكَيْفَ تُجَازَى بِالْمَوَدَّةِ وَالْفَضْلِ ومن إطلاقِ العربِ الفارضِ على ما تَقَادَمَ عهدُه قولُ الراجزِ (¬2): يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضٍ ... لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ يعني: بالضغنِ الفارضِ: أنه تقادمَ عهدُه وَطَالَتْ سِنُّهُ. قال بعضُ العلماءِ: ومنه قولُ الآخَرِ (¬3): شَيَّبَ أَصْدَاغِي فَرَأْسِي أَبْيَضُ ... مَحَافِلٌ فِيهَا رِجَالٌ فُرَّضُ قال: أي طَاعِنُونَ في السِّنِّ، والأظهرُ أن المرادَ بقولِ هذا الراجزِ «فُرَّضٌ» أي: ضخامُ الأبدانِ؛ لأن العربَ تُطْلِقُ الفارضَ أيضًا على الضخمِ عظيمِ البدنِ. وقوله: {وَلاَ بِكْرٌ} البكرُ: هي التي لم يَفْتَحِلْهَا الفَحْلُ لِصِغَرِهَا (¬4). وقال بعضُ العلماءِ: البكرُ: التي وَلَدَتْ مَرَّةً (¬5)، ولكن ¬
المرادَ هنا التي لم يَفْتَحِلْهَا الفحلُ لِصِغَرِ سِنِّهَا، والمعنى: ليست هذه البقرةُ التي أُمِرْتُمْ بِذَبْحِهَا بطاعنةٍ في السِّنِّ فارضٍ، ولا بصغيرةٍ جِدًّا لم يَفْتَحِلْهَا الفحلُ، بل هي {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} العوانُ: النَّصَفُ، أي: لا طاعنةٌ في السِّنِّ ولا بكرٌ، أي: لا صغيرةٌ جِدًّا بل هي: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} والعوانُ: النَّصَفُ، وأصلُ النَّصفِ: التي انْتَصَفَ عُمُرها (¬1)، وهي وسطٌ في السِّنِّ، ليست بصغيرةٍ جِدًّا، ولا كبيرةٍ جِدًّا، وَكُلُّ متوسطةٍ في السنِّ نَصَفٌ تُسَمِّيهَا العربُ (عَوَانًا)، وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ قال (¬2): حَصَانُ مَوَاضِعِ النَّقَبِ الأَعَالِي ... نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ يعني بالأبكارِ جمعَ بِكْرٍ، الصغيرةُ التي لم تَتَزَوَّجْ. والعُونُ: جمعُ عوانٍ، وهي النَّصَفُ، والنَّصَفُ التي انتصفَ عُمْرُهَا، فهي في وسطِ سِنِّهَا، ليست بكبيرةٍ جِدًّا، ولا بصغيرةٍ جِدًّا، ومنه قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ (¬3): شَدَّ النَّهارُ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ ... قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ وَفَسَّرَ بعضُ الأدباءِ في شعرِه (النَّصَفَ) بالتي انتصفَ عُمْرُهَا، حيث قال (¬4): ¬
وَإِنْ أَتَوْكَ وَقَالُوا إِنَّهَا نَصَفٌ ... فَإِنَّ أَطْيَبَ نِصْفَيْهَا الَّذِي ذَهَبَا وقوله: {بَيْنَ ذَلِكَ} فيه سؤالٌ معروفٌ وهو أن (ذلك) إشارةٌ إلى مفردٍ مُذَكَّرٍ، كما قالَ في الخلاصةِ (¬1): بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ ... . . . . . . . . . . . . و (بين) لا تضافُ للمفردِ إلا إذا أُرِيدَتْ أَجْزَاؤُهُ. والجوابُ (¬2): أن ذلك وإن كان لَفْظُهُ مفردًا فمعناه مثنًى؛ لأن الإشارةَ راجعةٌ إلى ما ذُكِرَ من الفارضِ والبِكرِ، أي بينَ ذلك المذكورِ من فارضٍ وبِكْرٍ؛ لأن العوانَ أصغرُ من الفارضِ وأكبرُ من البِكرِ، ونظيرُ هذا من كلامِ العربِ قولُ ابنِ الزِّبَعْرَى كما تَقَدَّمَ (¬3): إِنَّ لِلشَّرِّ وَلِلْخَيْرِ مَدًى ... وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ أي: وَكِلاَ ذلك المذكورِ من شَرٍّ وخيرٍ؛ لأن (كِلاَ) لا تضافُ إلا لِمُثَنَّى لفظًا أو معنًى، وهذا معنى قولِه: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} الأصلُ (ما تؤمرون به) فحُذِفَ الباء، فَوصل الفعلُ إلى الضميرِ فَحُذِفَ (¬4). وهذا الذي يُؤْمَرُونَ به هو ذبحُ البقرةِ ليضربوا القتيلَ بجزءٍ منها فَيَحْيَا. وهذا معنى قولِه: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} فزادوا تَعَنُّتًا وسؤالاً وتشديدًا فَشَدَّدَ اللَّهُ عليهم أَيْضًا. [3/أ] / قال: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} [البقرة: ¬
الآية 69] {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ} (يبين) في هذه المواضعِ مجزومٌ بجزاءِ الأَمْرِ، والفعلُ المضارعُ المجزومُ في جزاءِ الطلبِ يقولُ الْمُحَقِّقُونَ من علماءِ العربيةِ: إنه مجزومٌ بشرطٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عليه الأَمْرُ (¬1). وتقريرُ المعنى: إِنْ تَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ. {يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} اللونُ هو إحدى الكيفياتِ التي يكونُ عليها الجرمُ، كالسوادِ والبياضِ. يعني ما اللونُ الذي هي مُتَلَوِّنَةٌ به؟ {قَالَ إِنَّهُ} أي: رَبُّكُمْ جل وعلا: {يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ} أي: مُتَّصِفَةٌ بلونِ الصُّفْرَةِ، والتحقيقُ أن المرادَ بالصفرةِ هنا الصفرةُ المعروفةُ، وما ذهبَ إليه بعضُ أهلِ العلمِ من أن المرادَ بالصفرةِ (السوادُ) مردودٌ من وَجْهَيْنِ (¬2): أحدُهما: أنه أَكَّدَ الصفرةَ بقولِه: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} والفقوعُ لا يُوصَفُ به إلا الصُّفرةُ الخالصةُ تَمَامًا. [ثَانِيهِما] (¬3): أن العربَ لا تُطْلِقُ الصفرةَ وتريدُ السوادَ إلا في الإبلِ خاصةً دونَ غيرها، كما يأتي في تفسيرِ قولِه: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33)} [المرسلات: الآيتان 32 - 33] الجمالةُ جمعُ الْجَمَلِ. والمرادُ بـ (الصفر) هناك (السودُ)؛ لأن شَرَرَ نارِ الآخرةِ أسودُ (¬4)، والعربُ إنما تُطْلِقُ الصفرةَ على السوادِ في الإبلِ خاصةً دونَ غيرِها من سائرِ الحيواناتِ، ومن إطلاقِ العربِ الصُّفرةَ ¬
على سوادِ الإبلِ قولُ الأَعْشَى (¬1): تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ يعني بقولِه: (صُفْرٌ): سُودٌ. فالتحقيقُ أن المرادَ بالصفرةِ هنا: هي الصفرةُ المعروفةُ. وقولُه: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} هذا نعتٌ سَبَبِيٌّ. والتحقيقُ في إعرابِ {لَوْنُهَا} أنه فاعلٌ لقولِه: {فَاقِعٌ} وأن {فَاقِعٌ} نعتٌ سَبَبِيٌّ لقولِه: {بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ} و {لَوْنُهَا} فاعلٌ به لقولِه: {فَاقِعٌ}. وقال بعضُ العلماءِ: (لونُها) مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، و (فاقعٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وجملةُ المبتدأِ والخبرُ في محلِّ النعتِ. أي: بقرةٌ صفراءُ لونُها فاقعٌ. أي: صفرتُها خالصةٌ جِدًّا (¬2). وقولُه: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} أي: يَدْخُلُ السرورُ على مَنْ نظرَ إليها لكمالِ حُسْنِهَا. ذكروا في قصتِها أن الشمسَ تتوضحُ في جلدِها لشدةِ حُسْنِهَا (¬3). وعادةً إذا نظرَ الإنسانُ إلى شيءٍ جميلٍ سَرَّهُ النظرُ إلى ذلك الشيءِ الجميلِ؛ ولذا قال جل وعلا: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}. وقولُه: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة: الآية 70]. ¬
فالسؤالُ الأولُ عن سِنِّهَا، وهل هي كبيرةٌ، أو صغيرةٌ، أو متوسطةٌ؟ والسؤالُ الثاني عن لَوْنِهَا، وقد تَقَدَّمَ الجوابُ فيهما. والسؤالُ الثالثُ عن صِفَتِهَا، هل هي مُذَلَّلَةٌ مُرَوَّضَةٌ عَامِلَةٌ، أو هي صعبةٌ غَيْرُ مُرَوَّضَةٍ؟ وهل فيها لونٌ يُخَالِفُ لونَ جِلْدِهَا الآخر؟ ولذا أجابَه بما يأتي: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} يَعْنُونَ [أن] هذه الأوصافَ كثيرةٌ في البقرِ، فَيَكْثُرُ في البقرِ: الصفرةُ، والفقوعُ، والتوسطُ في السِّنِّ، فلم تتميز لنا هذه البقرةُ من غيرِها من البقرِ للاشتراكِ في الصفاتِ. وأفردَ الضميرَ في {تَشَابَهَ} وذلك يَدُلُّ على أن أسماءَ الأجناسِ يجوزُ تذكيرُها وتأنيثُها (¬1). وقراءةُ الجمهورِ هنا {تَشَابَهَ} هو. أي: البقرُ، بصيغةِ الماضي. وتذكيرُ الضميرِ لأن (البقرَ) جنسٌ يجوزُ تذكيرُها وتأنيثُها. وفي بعضِ القراءاتِ: {تَشَّابَهُ علينا} وَأَصْلُهُ: تتشابه هي، أي: البقرُ، وَأَدْغَمَ التاءَ في التاءِ، وهذه قراءةٌ شاذةٌ (¬2). و (البقرُ) يجوزُ تذكيرُه وتأنيثُه، وهو اسمُ جنسٍ يقال فيه: باقر، وبيقور، وفيه لغاتٌ غيرُ ذلك (¬3). ومِن إطلاقِه على (البيقور) قولُ الشاعرِ (¬4): ¬
أَجَاعِلٌ أَنْتَ بَيْقُورًا مُسَلَّعَةً ... ذَرِيعَةً لَكَ بَيْنَ اللَّهِ وَالْمَطَرِ قيل: سُمِّيَ البقرُ بقرًا لأنه يَبْقُرُ الأرضَ، يعني بحيث يَشُقُّهَا للحرثِ (¬1). وهذا معنى قولِه: {إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا}. {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} مفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، وتقريرُ المعنى: وإنا لمهتدونَ إن شاءَ اللَّهُ هِدَايَتَنَا (¬2). فَفَصَلَ بين اسمِ (إن) وخبرِها، وحذف مفعولَ (إن شاء) لدلالةِ المقامِ عليه. وتقريرُ المعنى: وإنا لمهتدون إلى نفسِ البقرةِ المطلوبةِ إن شاءَ اللَّهُ هِدَايَتَنَا إليها. ذُكِرَ عن ابنِ عباسٍ أنه قال: لو لم يَقُولُوا إن شاءَ اللَّهُ لَمَا اهْتَدَوْا إليها أَبَدًا (¬3). {قَالَ إِنَّهُ} أي: رَبُّكُمْ جل وعلا {يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} ¬
[البقرة: الآية 71] الذلولُ: هي التي ذُلِّلَتْ بالرياضةِ حتى صَارَ يُعْمَلُ عليها، يُحْرَثُ عليها وَيُسْتَقَى. تقول العربُ مثلاً: هذه دابةٌ ذلولٌ، بَيِّنَةُ الذِّل (بالكسرِ)، ورجلٌ ذَلِيلٌ، بَيِّنُ الذُّل (بالضم) (¬1). {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} أي: لم تُذَلَّلْ بالرياضةِ، بل هي صعبةٌ مُتَوَحِّشَةٌ. وقولُه: {لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ} يعني لم تُذَلَّلْ، ليست بذلولٍ مُرَوَّضَةٍ، ولا تثيرُ الأرضَ، أي: لا يُحْرَثُ عليها؛ لأن البقرَ تُثَارُ عليها الأرضُ للحرثِ، وهذه البقرةُ لَمْ تُذَلَّلْ بالرياضةِ، ولم تُثِرْ أرضَ الحرثِ لصعوبتِها وَتَوَحُّشِهَا، فليست مُرَوَّضَةً. {تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ} يعني: ليست مِمَّا يُحْرَثُ عليه، ولا يُسْتَنَى عليه لِسَقْيِ الزرعِ؛ لأنها صعبةٌ مُتَوَحِّشَةٌ. وهذا هو التحقيقُ: أن {تُثِيرُ} و {تَسْقِي} كلها معطوفاتٌ على النفيِ فهي منفيةٌ (¬2). والمعنى: {لاَّ ذَلُولٌ} ليست مذللةً مُرَوَّضَةً، وليست {تُثِيرُ الأَرْضَ} للحرثِ و {وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ} أيضًا؛ لأنها صعبةٌ ¬
متوحشةٌ. خلافًا لمن زَعَمَ أن {تُثِيرُ الأَرْضَ} مُؤْتَنَفٌ. والذين قالوا: «تثير الأرض» (¬1) يردُّ قولهم أنه قال: {لاَّ ذَلُولٌ} والمروضةُ للحرثِ ذَلُولٌ. وأجابَ بعضُهم (¬2): أن المرادَ بـ {تُثِيرُ الأَرْضَ} أي: تُثِيرُهَا بشدةِ وطءِ أظلافِها لنشاطِها وقوتِها. وهذا خلافُ الظاهرِ، بل معنى الآيةِ: أن من صفاتِ هذه البقرةِ أنها غيرُ مُرَوَّضَةٍ، وغيرُ مُذَلَّلَةٍ، فليست تثيرُ الأرضَ؛ لأنها لم تُذَلَّلْ لذلك، ولا تَسْقِي الحرثَ، ولا يُسْتَنَى عليها؛ لأنها لم تُرَضْ، ولم تُذَلَّلْ لذلك. وهذا هو معنى الآيةِ. وقولُه: {مُسَلَّمَةٌ} أي: مِنْ جميعِ العيوبِ، ليس فيها عَرَجٌ، ولا عَوَرٌ، ولا كَسْرُ قَرْنٍ، ولا أَيُّ عَيْبٍ. أي: مُسَلَّمَةٌ من جميعِ العيوبِ. وقولُه: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} وَزْنُ الشِيَةِ: (عِلَة)، وأصلُ مَادَّتِهَا: (وَشَى)، ومعروفٌ أن المثالَ - أعني واويَّ الفاءِ - يَطَّرِدُ حذفُ فائِه فى المصدرِ - مثلاً - إذا كان على (عِلَة) (¬3)، وكذلك في المضارعِ والأمرِ، كما عقده في الخلاصةِ بقولِه (¬4): فَا أَمْرٍ اوْ مُضَارِعٍ مِنْ كَوَعَدْ ... احْذِفْ وَفِي كَعِدَةٍ ذَاكَ اطَّرَدْ فأصلُ الشِّيَةِ: (وشْية) مِنَ الوَشْيِ، والوَشْيُ: هو - مثلاً - أن ¬
يكونَ في الشيءِ لونانِ مختلفانِ، فكلُّ - مثلاً - شيءٍ فيه لونانِ مختلفانِ تقولُ العربُ: فيه وَشْيٌ (¬1). واذا كان - مثلاً - حمارُ الوحشِ أو الثورُ فيه خطوطٌ - يعني تُخَالِفُ لونَه في أَرْجُلَهُ - يقولون له: مَوْشِي. أي: فيه وَشْيٌ. ومن هذا المعنى قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬2): كَأَنَّ رَحْلِي وقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي (¬3) الْجَلِيلِ (¬4) عَلَى مُسْتَأْنَسٍ وَحَدِ مِنْ وَحْشِ وجْرَةَ (¬5) مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِي الْمَصِيرِ (¬6) كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرَدِ (مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ) يعني [أن] (¬7) فيها وَشْيًا. أي: خطوطًا تُخَالِفُ لونَه، فمعنى {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي: لا وشيَ من خطوطٍ مخالفةٍ للونها، بل لونُها كُلُّهُ أصفرُ فاقعٌ على وتيرةٍ واحدةٍ، حتى قال بعضُ العلماءِ (¬8): إن أظلافَها وقرونَها صفرٌ. وهذا معنى قوله: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا}. {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} الأَلِفُ واللامُ زائدتانِ لزومًا في {الآنَ} (¬9). وهي يُعَبَّرُ عنها بالوقتِ الحاضرِ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: ¬
هو مَبْنِيٌّ على الفتحِ؛ لأنه خُولِفَتْ به نظائرُه. وعلى كُلِّ حَالٍ فالمرادُ بـ {الآنَ}: الوقتُ الحاضرُ، في هذا الوقتِ الحاضرِ {جِئْتَ} - يعني في صفاتِ هذه البقرةِ المطلوبةِ - {بِالْحَقِّ} ويتعينُ هنا حذفُ الصفةِ؛ لأنه لو لم تُقَدَّرِ الصفةُ لكانوا كُفَّارًا؛ لأنهم لو قالوا: لم يَأْتِ بالحقِّ إلا في هذا الوقتِ، فَقَبْلَ هذا الوقتِ لم يكن آتِيًا بالحقِّ!! كانوا مُكَذِّبِينَ لنبيٍّ كريمٍ، وَمَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا كَرِيمًا فهو كافرٌ؛ ولذلك يتعينُ تقديرُ النعتِ هنا (¬1)، والمعنى: جئتَ بالحقِّ الذي لا يتركُ في هذه البقرةِ لَبْسًا لإيضاحِها بصفاتِها الكاشفةِ تَمَامًا، وقد تقرر في علمِ العربيةِ: أَنَّ حَذْفَ الصفةِ إذا دَلَّ المقامُ عليه موجودٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ (¬2)، فَمِنْ أمثلتِه في القرآنِ {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: آية 79] حُذِفَ نَعْتُهَا، أي: كُلَّ سفينةٍ صحيحةٍ؛ إِذْ لو كان يأخذُ المعيبةَ لَمَا كان في خرقِ الْخَضِرِ للسفينةِ فائدةٌ، ولَمَا قَالَ: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: آية 79]. قال بعضُ العلماءِ (¬3): ومنه {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} [الإسراء: آية 58] قالوا: حُذِفَ وَصْفُهُ. أي: وإن من قريةٍ ظالمةٍ. بدليلِ قولِه: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: آية 59]. وَمِنْ شَوَاهِدِ حذفِ النعتِ في لغةِ العربِ قولُ الشاعرِ، وهو المرقَّشُ الأكبرُ (¬4): ¬
وَرُبَّ أَسِيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لَهَا فَرْعٌ وجِيدُ أي: لها فرعٌ فَاحِمٌ، وجيدٌ طويلٌ. ومن هذا القبيلِ قولُ عبيدِ بنِ الأبرصِ الأسديِّ (¬1): مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ وَمَنْ فِعْلُهُ فِعْلٌ ومَنْ نَائِلُهُ نَائِلُ يعني: مَنْ قولُه قولٌ فَصْلٌ، ومن فِعْلُهُ فِعْلٌ جَمِيلٌ، ومن نائله نائلٌ جزلٌ. فحذفَ النعوتَ لدلالةِ المقامِ عليها، وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ، وإن ذَكَرَ ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ أن حذفَ النعتِ قليلٌ حيث قال (¬2): وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ وهذا معنى قولِه: {قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي: جئتَ في الوقتِ الأخيرِ بالحقِّ الذي لا يتركُ في هذه البقرةِ لَبْسًا، ولا يتركها تَتَشَابَهُ مع غيرِها من البقرِ؛ لأنه مُيِّزَتْ بصفاتِها الكاشفةِ التي تفصلها وتميزها عن غيرها. ويؤخذُ من هذه الآيةِ الكريمةِ جوازُ السَّلَمِ في الحيواناتِ (¬3)، وأنها تنضبط بصفاتِها الكاشفةِ حتى تصيرَ كالمرئيةِ؛ لأن هؤلاء الناسَ لا يوجدُ ناسٌ أَشَدُّ منهم تَعَنُّتًا، فاضطرتهم الصفاتُ الكاشفةُ إلى أن اعترفوا بأن هذه البقرةَ ظَهَرَتْ صفاتُها وَتَمَيَّزَتْ عن غيرِها، ويدلُّ لهذا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ تَصِفُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ ¬
إِلَيْهَا» (¬1). فَبَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - أن الصفاتِ الكاشفةَ تقومُ مقامَ النظرِ؛ لأنها تُعَيِّنُ الموصوفَ. وهذا دليلٌ واضحٌ لِمَا ذَهَبَ إليه جمهورُ العلماءِ من السلفِ في الحيواناتِ إذا بُيِّنَتْ صفاتُها؛ لأن الوصفَ يَجْعَلُهَا كالمرئيةِ ويضبُطها. خلافًا للإمامِ أبي حنيفةَ (رحمه الله) الذي مَنَعَ السَّلَمَ في الحيواناتِ بناءً على أنها لا تنضبطُ صفاتُها (¬2). ومما يؤيد السَّلَمَ فيها - خلافًا للإمامِ أبِي حنيفةَ (رحمه الله): ما ثَبَتَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَرَدَّ رباعيا (¬3)، وكما دَلَّتْ عليه هذه النصوصُ. قال بعضُ العلماءِ: ويؤخذُ من هذه القصةِ أيضًا جوازُ النسخِ قبلَ التمكنِ من الفعلِ؛ لأن قولَه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} نكرةٌ في سياقِ الإثباتِ، والنكرةُ في سياقِ الإثباتِ إطلاقٌ، فلو ذَبَحُوا أَيَّ بقرةٍ كانت لَصَدَقَتْ باسمِ تلك البقرةِ المطلقةِ، وَلأَجْزَأَتْهُمْ، ولَمَّا شَدَّدُوا نَسَخَ اللَّهُ الاكتفاءَ ببقرةٍ مجردةٍ أَيَّةً كانت إلى بقرةٍ موصوفةٍ بصفاتٍ منعوتةٍ بنعوتٍ كثيرةٍ شديدةٍ. ومن هنا قال بعضُ العلماءِ (¬4): هذه من الأدلةِ على النسخِ قبلَ التمكنِ من الفعلِ. وقال بعضُ العلماءِ: هذا لا يصلحُ مِثَالاً للنسخِ قبلَ التمكنِ من الفعلِ؛ لأن هذا ¬
حُكْمٌ زِيدَتْ فيه صفاتٌ، ولم ينسخ ذبحُ البقرةِ بالكليةِ، بل بَقِيَ مُحْكَمًا، وإنما زِيدَتْ في البقرةِ صفاتٌ. وأجابَ القائلون بأنه نسخٌ قالوا: زيادةُ هذه الصفاتِ تَضَمَّنَ نَسْخًا في الجملةِ؛ لأن مضمونَ النصِّ الأولِ يدلُّ على أن كلَّ بقرةٍ ذُبِحَتْ كائنةً ما كانت ولو مجردةً عن تلك الصفاتِ [أَجْزَأَتْ] (¬1)، فَوَصْفُهَا بالصفاتِ الآتيةِ الجديدةِ نَسَخَ الاجْتِزَاءَ بأي بقرةٍ كانت. وعلى كل حالٍ فهذه مسألةٌ أصوليةٌ هي- مثلاً -: هل يجوزُ النسخُ قبلَ التمكنِ من الفعلِ أو لا يجوزُ (¬2)؟ والجماهيرُ من العلماءِ على أنه جائزٌ وواقعٌ، ومن أمثلتِه: نَسْخُ خمسٍ وأربعينَ صلاةً ليلةَ الإسراءِ بعدَ أن فُرِضَتْ خمسين، ونُسِخَ منها خمسٌ [وأربعون] (¬3)، ثم أُقِرَّتْ خَمْسًا. ومن أمثلتِه قولُه (جل وعلا) في إبراهيمَ فى قصةِ ذبحِ إبراهيمَ لولدِه: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: آية 107] لأنه أَمَرَهُ أن يذبحَ ولدَه، ونسخَ عنه هذا الأمرَ قبلَ التمكنِ من الفعلِ. والتحقيقُ أن هذا جائزٌ وواقعٌ. ولا شكَّ أن فيه سؤالاً معروفًا، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: إذا كان الحكمُ يُشْرَعُ وَيُنْسَخُ قبلَ العملِ فما الحكمةُ في تشريعِه الأولِ إذا كان يُنْسَخُ قبلَ أن يُعْمَلَ به؟ الجوابُ: أن التحقيقَ أن حِكْمَةِ التشريعِ منقسمةٌ قسمةً ثنائيةً، ¬
وهي دائرةٌ بين الامتثالِ والابتلاءِ (¬1). فإذا نُسِخَ الحكمُ بعدَ العملِ به فحكمتُه الامتثالُ وقد امْتُثِلَ، وإذا نُسِخَ قبلَ العملِ به فحكمةُ تشريعِه الأولِ الابتلاءُ، وهو اختبارُ الخلقِ هل يتهيؤون للامتثالِ؟ وقد وقعَ الابتلاءُ، وقد نصَّ اللَّهُ (جل وعلا) في قصةِ إبراهيمَ على أن الحكمةَ في أمرِه بذبحِ ولدِه - مع أن اللَّهَ يعلمُ أنه لا يُمكِّنُه من ذلك - هو الابتلاءُ هل يتهيأُ ويطيعُ رَبَّهُ في أن يذبحَ ثمرةَ قلبِه؟ كما قال جل وعلا: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: آية 103]، يعني: تلَّه للجبينِ لينفذَ فيه الذبحَ حتى - مثلا - قَالَ له رَبُّهُ: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: الآيتان 104 - 105] وقال: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: آية 107] ثم إن اللَّهَ نصَّ على أن الحكمةَ الابتلاءُ في قوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ} [الصافات: آية 106]. وقولُه جل وعلا: {فَذَبَحُوهَا} أي: فذبحوا البقرةَ، وضربوه بجزءٍ منها فَحَيِيَ، وأخبرَهم بقاتلِه كما يأتي. وقوله: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} يعني: ما كادُوا يذبحونها إلا بعدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ؛ لِمَا جاؤوا به دونَ ذَبْحِهَا من السؤالاتِ والتعنتاتِ. وقولُ بعضِ العلماءِ: إنَّ (كَادَ) إذا كانت في الإثباتِ دَلَّتْ على النفيِ، وإذا كانت في النفيِ دَلَّتْ على الإثباتِ، وأن هذا يُلْغَزُ به: هو في الواقعِ غيرُ صحيحٍ (¬2)، وَأَنَّ (كَادَ) فعلُ مقاربةٍ تدلُّ على مقاربةِ ¬
حصولِ الخبرِ للمبتدأِ، وإذا نُفيت نُفيت المقاربةُ. يعني: ما قَارَبُوا أن يذبحوا. يعني في زمنِ التعنتِ والأسئلةِ، حتى انقضى زمنُ التعنتِ والأسئلةِ، في آخِرِ الأمرِ ذَبَحُوهَا، والقرينةُ على أن هذا المرادَ: أنه صرَّح بأنهم ذَبَحُوهَا {فَذَبَحُوهَا} يعني: في الآونةِ الأخيرةِ {وَمَا كَادُوا} قبلَ ذلك في الأزمانِ التي قَبْلَهُ {يَفْعَلُونَ} لِتَعَنُّتِهِمْ وكثرةِ سؤالاتهم وعدمِ امتثالِهم. وهذا معنى قولِه: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}. {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)} [البقرة: الآيات 72 - 74]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: آية 72] {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} معطوفٌ على قولِه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} [البقرة ة الآية 67] وقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} هو أولُ القصةِ في الوقوعِ، ولكنه متأخرٌ في النزولِ (¬1) وترتيبِ القرآنِ على الظاهرِ، أي: وَاذْكُرُوا {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} هو القتيلُ المتقدِّمُ، قيل اسمُه: (عاميل) (¬2). والعربُ تعبرُ عن الشخصِ بالنفسِ، تقول: (قَتَلَ ¬
نَفْسًا) أي: شخصًا ذَكَرًا كان أو أنثى، والظاهرُ أن هذا القتيلَ ذَكَرٌ، بدليلِ تذكيرِ الضميرِ العائدِ عليه في قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} [البقرة: الآية 73] أي: القتيل الذي فيه النزاعُ (¬1). وهنا سؤالٌ، وهو أن يقالَ: ما المسوغُ لإسنادِ قَتْلِ هذا القتيلِ إلى جميعِهم في قولِه: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ}؟ الجوابُ (¬2): أن القرآنَ بلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، ومن أساليبِ اللغةِ العربيةِ إسنادُ الأمرِ إلى جميعِ القبيلةِ إذا فَعَلَهُ واحدٌ منها. ونظيرُه في القرآنِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ (¬3): {وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: آية 191]؛ لأنه ليس من المعقولِ أَمْرُ مَنْ قُتِلَ بالفعلِ أن يقتلَ قاتلَه، ولكن: فإن قتلوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الآخَرُ. فأسندَ الفعلَ إلى الجميعِ وهو واقعٌ من البعضِ. وهذا أسلوبٌ معروفٌ في لغةِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬4): فَإِنْ تَقْتُلُونَا عِنْدَ (¬5) حَرَّةِ وَاقِمٍ ... فَلَسْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ يعني: تَقْتُلُوا بَعْضَنَا. وقولُه: أصلُه: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} أصلُه: فَتَدَارَأْتُمْ فِيهَا. وهو (تَفَاعُل) ¬
من الدَّرْءِ، بمعنى الدفعِ، والقاعدةُ المقررةُ في علمِ العربيةِ: أن (تفاعلَ) و (تفعَّلَ) - مثلاً - إذا أريد فيهما الإدغامُ اسْتُجْلِبَتْ همزةُ الوصلِ لِيُمْكِنَ النطقُ بالساكنِ؛ إذ العربُ لا تبتدئُ بساكنٍ. أصلُه: (تدارأتم) فأريدَ إدغامُ تاءِ التفَاعُلِ في الدالِ التي هي فاءُ الكلمةِ فَسُكِّنَ لأَجْلِ الإدغامِ، فاستُجْلِبتْ همزةُ الوصلِ توصُّلاً للنطقِ بالساكنِ (¬1). وهذا كثيرٌ في القرآنِ في (تفاعل) و (تفعَّل) نحو {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: آية 38] أصلُه: تَثَاقَلْتُمْ {قَالُوا اطَّيَّرْنَا} [النمل: آية 47] أصلُه: تَطَيَّرْنَا {وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا} [يونس: آية 24] أصلُه: تَزَيَّنَتْ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ. ونظيرُ هذا الإدغامِ في (تَفَاعَل) ونحوها من كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (¬2): تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا الْتَذَّهَا (¬3) خَصِرَا عَذْبَ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلُ يَعْنِي: إذا ما تَتَابَعَ القُبَلُ. ومعنى {فَادَّارَأْتُمْ}: تدارأتم من الدرءِ، والدرءُ معناه: الدفعُ. والمعنى: تَدَافَعْتُمْ قَتْلَ القتيلِ. أي: كُلٌّ منكم يدفعُ قتلَه عن نفسِه إلى صاحبِه، بأن يقولَ هؤلاء: قَتَلَهُ غَيْرُنَا، أنتم قَتَلْتُمُوهُ، وهؤلاء يقولون: بل أنتم الذين قَتَلْتُمُوهُ، ونحن لم نَقْتُلْهُ. واختلافُ العلماءِ فيه (¬4) - بمعنى قولِ بعضِهم: {فَادَّارَأْتُمْ} أي: تَنَازَعْتُمْ. وقولُ بعضِهم: {فَادَّارَأْتُمْ} اختلفتم - كُلُّهُ عائدٌ إلى مَا ذَكَرْنَا. ¬
وقوله: {فِيهَا} أَنَّثَ الضميرَ، يعني: رَاجِعًا إلى النفسِ. يعني: (فيها) أي: في النفسِ المقتولةِ، كُلُّكُمْ يدفعُ قتلَها عن نفسِه إلى صاحبِه. {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} {مُخْرِجٌ} اسمُ فاعلِ (أَخْرَجَ) أي: مُظْهِرٌ ما كنتم تكتمون. و (ما) موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ؛ لأنه منصوبٌ بفعلٍ، على حَدِّ قولِه في الخلاصةِ (¬1): ........................ وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمُ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ وتقريرُه: (واللَّهُ مخرجٌ الذي كنتم تكتمونَه من أمرِ القتيلِ) وكذلك أَسْنَدَ الكتمَ هنا للجميعِ، والكاتمُ هو القاتلُ. وقال بعضُ العلماءِ: القَتَلَةُ جماعةٌ تَمَالَؤُوا على عَمِّهِمْ فَقَتَلُوهُ لِيَرِثُوهُ. ومعنى قولِه: {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي: مُخْرِجٌ الذي كنتُم تكتمونَه. أَسْنَدَ الكتمَ إلى الكلِّ وأرادَ بعضَهم، سواءً قُلْنَا: إن القاتلَ واحدٌ أو جماعةٌ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عربيٌّ وهو: أن (ما) مفعولٌ به لاسمِ الفاعلِ الذي هو (مُخْرِجٌ)، والقصةُ - التي هي هذه - قصةٌ ماضيةٌ قبلَ نزولِ الآيةِ الكريمةِ؛ لأنها واقعةٌ في زمنِ موسى، فهي في وقتِ نزولِ الآيةِ ماضيةٌ، مَضَتْ لها أزمانٌ كثيرةٌ، والمقررُ في علمِ العربيةِ: أن اسمَ الفاعلِ إذا لم يُحلَّ بالألفِ واللامِ لا يَعْمَلُ إلا إذا كانَ مقترنًا بالحالِ أو المستقبلِ، فلا يعملُ ¬
مُقْتَرِنًا بالماضي (¬1)، وهنا أُعْمِلَ وهو واقعٌ في زمنِ الماضي؟ هذا وجهُ السؤالِ. الجوابُ (¬2): أنه إنما أُعْمِلَ اسمُ الفاعلِ في هذا المفعولِ؛ لأن هذه حكايةُ حالٍ ماضية في وقتِها، فإنما حُكِيَتِ الحالُ في وقتها؛ فكأنها في وقتِها؛ لأن الحكايةَ تُحْكَى فيها الأحوالُ في حالِ وقتِها. ونظيرُ هذا يُجَابُ به عن قولِه جل وعلا: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}؛ لأنها أيضا حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وهي في وقتِها مُطَابِقَةٌ للزمنِ الْحَالِي. والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ فَعَلَ سوءًا وكتمَه أن اللَّهَ يُظْهِرُهُ، غالبًا لا يُسِرُّ الإنسانُ سَريرةً إلا أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا (¬3). وكان بعضُ العلماءِ يقول: لو عَمِلَ الإنسانُ الشرَّ في غايةِ الخفاءِ لا بدَّ أن يُظْهِرَهُ اللَّهُ، كما يُفْهَمُ من قولِه: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}. وقولُه: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} [البقرة: الآية 73] صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، و (الفاء) عاطفةٌ للجملةِ على ما قَبْلَهَا، يعني: تدارأتم في القتيلِ، فقلنا لكم: اضْرِبُوهُ ببعضِ البقرةِ؛ لِيُبَيَّنَ لكم الواقعَ، وتعرفون القاتلَ، وينتهي النزاعُ {فَقُلْنَا} صيغةُ الجمعِ للتعظيمِ، {اضْرِبُوهُ} أي: القتيلَ. فالضميرُ عائدٌ إلى القتيلِ. المفهوم من النفسِ في قولِه: {نَفْسًا}، فَأَنَّثَ الضميرَ باعتبارِ لفظِ النفسِ، وذكَّرَهُ باعتبارِ معناها؛ لأن القتيلَ ذَكَرٌ، وقد يكونُ الذَّكرُ يُعَبَّرُ عنه بلفظٍ ¬
مُؤَنَّثٍ، فيجوزُ التأنيثُ مراعاةً للفظِ، والتذكيرُ مراعاةً لِلْمَعْنَى (¬1). ومنه في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (¬2): أَبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ فَأَنَّثَ (الخليفةَ) وأطلقَ عليه لفظُ (الأُخْرَى) نظرًا إلى تأنيثِ لفظِه، مع أنه يجوزُ تذكيرُه؛ لأنه رجلٌ. فقلنا لهم: اضْرِبُوا القتيلَ ببعضِ هذه البقرةِ، فضربوه ببعضِها فَحَيِيَ. وهذا البعضُ الذي ضربوه به منها اختلفَ فيه المفسرون (¬3)، فمنهم مَنْ يَقُولُ: هو لسانُها. ومنهم من يقول: فَخِذُهَا. ومنهم من يقولُ: عَجْبُ ذَنَبِهَا. ومنهم مَنْ يقولُ: الغضروفُ، غضروفُ الأُذُنِ. والحقُّ أن هذا البعضَ الذي ضَرَبُوهُ به منها لا دليلَ عليه، ولا جَدْوَى في تَعْيِينِهِ. وَكَثِيرًا ما يُولَعُ المفسرون بالتعيينِ في أشياءَ لم يَرِدْ فيها دليلٌ من كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا جَدْوَى تحتَ تَعْيِينِهَا، فَيَتْعَبُونَ بما لا طائلَ تَحْتَهُ، كاختلافِهم في خشبِ سفينةِ نوحٍ من أَيِّ شجرٍ هو؟ وكم كان عرضُ السفينةِ؟ وطولُها؟ وكم فيها من الطبقاتِ؟ وكاختلافِهم في الشجرةِ التي نُهِيَ عنها آدمُ وحواءُ، أَيُّ شجرةٍ هي؟ وكاختلافهم في كلبِ أصحابِ الكهفِ ما لَوْنُهُ، هل هو أسودُ أو أصفرُ؟ وكثير من هذه الأمورِ التي يُولَعُونَ بها ولا طائلَ تَحْتَهَا، ولا دليلَ عليها من كتابٍ وسنةٍ (¬4). غايةُ ما دَلَّ عليه القرآنُ: أنهم ¬
ضربوه ببعضٍ مِنْ تلكَ البقرةِ غيرَ مُعَيَّنٍ {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} أي: فَضَرَبُوهُ ببعضٍ منها فَحَيِيَ بإذنِ اللَّهِ، فأخبرهم بقاتلِه، ثم عادَ مَيِّتًا، ولم يَرثِه قاتلُه الذي قَتَلَهُ. قال بعضُ العلماءِ: ومن ذلك اليومِ لم يَرِثْ قاتلٌ عَمْدًا (¬1). وعامةُ العلماءِ على أن القاتلَ لا يرثُ، سواء كان القتلُ عمدًا أو خطأً، لا من المالِ ولا من الديةِ. وعن مالكِ بنِ أنسٍ (رحمه الله) التفصيل بين الديةِ والمالِ في خصوصِ القتلِ خطأً، قال: إن القاتلَ خطأً يرثُ من المالِ، ولا يرثُ من الديةِ. والجمهورُ على خلافِه، وشذَّ قومٌ فَوَرَّثُوهُ من المالِ والديةِ في القتلِ خطأً (¬2). وقولُه: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} يعني: كما أَحْيَا اللَّهُ هذا القتيلَ وهذا الجمُّ الغفيرُ من الناسِ ينظرون، كذلك الإحياءُ الْمُشَاهَدُ يُحْيِي اللَّهُ الموتى يومَ القيامةِ، فهو دليلٌ قُرْآنِيٌّ على البعثِ؛ لأن مَنْ أَحْيَا نفسًا واحدةً فهو قادرٌ على إحياءِ جميعِ النفوسِ، لأن ما جَازَ على المِثل يجوزُ على مُمَاثِلِهِ، واللَّهُ (جل وعلا) يقولُ: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: آية 28]. وهذه الآيةُ الكريمةُ تُؤْخَذُ منها فوائدُ، من الفوائدِ التي تُؤْخَذُ منها: أن الخالقَ الفاعلَ كيفَ يشاءُ هو رَبُّ السماواتِ والأرضِ. وأن الأسبابَ لا تأثيرَ لها إلا بمشيئةِ اللَّهِ. وأن اللَّهَ يُسبِّبُ ما شاءَ على ما شاءَ من الأسبابِ، ولو لم تكن بين السببِ والمُسَبَّبِ مناسبةٌ، فهذا القتيلُ لو ضُرِبَ بالبقرةِ وهي حَيَّةٌ لقالَ قائلٌ جاهلٌ: اكتسبَ الحياةَ من ¬
حياتِها فَاللَّهُ (جل وعلا) أَمَرَهُمْ أن يذبحوها حتى تكونَ مَيِّتَةً، وأن يأخذُوا قطعةً ميتةً منها لا حياةَ فيها فيضربوا بها هذا القتيلَ فَيَحْيَا. فَضَرْبُهُ بهذه القطعةِ الميتةِ من هذه البقرةِ المذبوحةِ كان سببًا لوجودِ الحياةِ فيه. وهذا السببُ لا مناسبةَ ببنَه وبينَ المُسَبَّبِ (¬1)، فدلَّ على أن خالقَ السماواتِ والأرضِ يفعلُ ما يشاءُ كيف يشاءُ، وَيُرَتِّبُ ما شاءَ من المُسَبَّباتِ على ما شاءَ من الأسبابِ باختيارِه وقدرتِه ومشيئتِه، ولو لم تكن هناك مناسبةٌ بين السببِ ومُسَبَّبِهِ. أَخَذَ مَالِكٌ (رحمه الله) دونَ عامةِ العلماءِ من هذه الآيةِ حُكْمًا، وهو أنه يُثْبِتُ القَسَامةَ (¬2). بقولِ المقتولِ: «دَمِي عِنْدَ فُلاَنٍ» (¬3)؛ لأن هذا القتيلَ لَمَّا حَيِيَ أخبرهم أن قاتلَه فلانٌ، وَعَمِلُوا بقولِه، قال مَالِكٌ: فَعَمَلُهُمْ بقولِه الذي دَلَّ عليه القرآنُ دليلٌ على أن مَنْ قَالَ: ¬
«قَتَلَنِي فُلاَنٌ». أنه يُعْمَلُ بقولِه، ومن هنا جَعِلَ قولُ المقتولِ إذا أُدْرِكَ وبه رمقٌ وقيل له: مَنْ ضَرَبَكَ؟ فقال لهم: «قَتَلَنِي فُلاَنٌ، أو دَمِي عِنْدَ فُلاَنٍ». فهذا لَوْثٌ (¬1) عند مَالِكٍ (¬2) تُحلف معه أيمانُ الْقَسَامَةِ، وَيُسْتَحَقُّ به الدمُ أو الديةُ، على التفصيلِ المعروفِ فيما تُسْتَحَقُّ به القَسَامَةُ من عَمْدٍ أو خَطَأٍ. وخالفَ مَالِكًا في هذا الفرعِ عامَّةُ العلماءِ، وقالوا: قولُ القتيلِ: «دَمِي عِنْدَ فُلاَنٍ» هذا لا يمكنُ أن يُسوِّغَ القَسَامةَ؛ لأنه لو قال: «لِي دِرْهَمٌ عَلَى فُلاَنٍ، أو أُطَالِبُ فُلاَنًا بِكَذَا» لا يَثْبُتُ من ذلك شيءٌ، فكيفَ يَثْبُتُ به القتلُ ودمُ المعصومِ؟ ومالكٌ استدلَّ بهذه القصةِ، واستدلَّ أيضا بأن الإنسانَ إذا كان في آخِرِ عهدٍ من الدنيا زَالَ غَرَضُهُ من الكذبِ، وصارَ منتقلاً إلى دارِ الآخرةِ، وصارت الدَّوَاعِي إلى الكذبِ بعيدةً جِدًّا في حَقِّهِ، فالذي يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنه لا يُخْبِرُ إلا بِوَاقِعٍ. وأجابَ الجمهورُ عن القصةِ قالوا (¬3): هذه القصةُ لا يقاسُ عليها غيرُها؛ لأن هذا قتيلٌ أحياه اللَّهُ معجزةً لنبيٍّ، وأخبرهم - مثلاً - أنه يُحْيِيهِ، وأنه يخبرهم بِمَنْ قَتَلَ، وهذا الإخبارُ مستندٌ إلى دليلٍ قَطْعِيٍّ، فليس كإخبارِ قتيلٍ آخَرَ. ¬
وأجابَ ابنُ العربيِّ في أحكامِه عن هذا قال: المعجزةُ إنما هي في إحياءِ القتيلِ، أما كلامُ القتيلِ، فهو كسائرِ كلامِ الناسِ، يجوزُ في حَقِّهِ أن يكونَ حَقًّا، وأن يكونَ كَذِبًا. وعلى كُلِّ حَالٍ فهذا الفرعُ خَالَفَ فيه مَالِكًا جمهورُ العلماءِ. وقولُه جل وعلا: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} فيه دليلٌ على أن قصةَ إحياءِ هذا القتيلِ من الأدلةِ على البعثِ، وقد بَيَّنَّا فيما مضى خمسةَ أمثلةٍ منها في هذه السورةِ الكريمةِ (¬1). وقوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} {وَيُرِيكُمْ} مضارعُ (أَرَاهُ)، أصلُها يُرئيكم آياتِه. أي. يُبَيِّنُهَا لكم حتى تَرَوْهَا. {آيَاتِهِ} الآية: تُطْلَقُ في اللغةِ إِطْلاَقَيْنِ، وتطلقُ في القرآنِ إطلاقين، وجمهورُ علماءِ العربيةِ أن أصلَ وزنِ الآيةِ (أيَيَة) فهي وزنُها: (فعَلَة) فاؤها همزٌ، وعينها ياءٌ، ولامها ياءٌ، اجتمع فيها مُوجِبَا إِعْلاَلٍ، على القاعدةِ المقررةِ في التصريفِ، التي عَقَدَهَا في الخلاصةِ بقولِه (¬2): مِنْ [وَاوٍ أَوْ يَاءٍ] (¬3) بِتَحْرِيكٍ أُصِلْ ... أَلِفًا ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحٍ مُتَّصِلْ والأصلُ المشهورُ أن يكونَ الإعلالُ في الأخيرِ، فالجاري على القياسِ أن يقالَ: أياة، وتُبْدَلُ الياءُ الأخيرةُ أَلِفًا، إلا أنه أُبْدِلَتْ هنا الياءُ الأُولَى (¬4). وإعلالُ الأولِ من الحرفين اللذَيْنِ اجتمعَ فيهما مُوجِبَا إعلالٍ موجودٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ، كآيةٍ، وغايةٍ. ¬
والآيةُ تُطْلَقُ في لغةِ العربِ إطلاقين (¬1): تطلقُ الآيةُ بمعنى: (العلامةِ). وهذا إطلاقُها المشهورُ. ومنه قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬2): تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ ثم صَرَّحَ بأن مُرادَه بالآياتِ علاماتُ الدارِ في قولِه: رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لَأْيًا أُبِينُهُ وَنُؤْيٌ كَجَذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ ومن هذا المعنى قولُه: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} أي: علامةُ مُلْكِهِ {أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآيةَ ... [البقرة: الآية 248]. وتطلق الآيةُ على: (الجماعةِ)، تقول العربُ: جاء القومُ بآيتِهم، أي: بجماعتِهم، ومنه قولُ بُرج بن مُسهر (¬3): خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا بِآيَتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلاَ أي: بِجَمَاعَتِنَا. والآيةُ تُطْلَق في القرآنِ إطلاقين: آيةٌ كونيةٌ قدريةٌ، كقولِه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الألْبَابِ} [آل عمران: الآية 190] وهذه الآيةُ الكونيةُ القدريةُ من (الآية) بمعنى (العلامةِ) باتفاقٍ، أي: لَعَلاَمَاتٍ على كمالِ قدرةِ مَنْ وَضَعَهَا، وأنه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه. ¬
وَتُطْلَقُ الآيةُ في القرآنِ بمعناها الشرعيِّ الدينيِّ، كقوله: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ} [الطلاق: آية 11] أي: آياتِه الدينيةَ الشرعيةَ. والآيةُ الدينيةُ الشرعيةُ قيل: من (العلامة)، لأنها علاماتٌ على صدقِ مَنْ جَاءَ بها؛ لِمَا فِيهَا من الإعجازِ. أو لأن لها مبادئَ ومقاطعَ علامات على انتهاءِ هذه الآيةِ وابتداءِ الآيةِ الأُخْرَى. وقال بعضُ العلماءِ: هي من (الآية) بمعنى (الجماعةِ)؛ لأن الآيةَ كأنها نبذةٌ وجماعةٌ من كلماتِ القرآنِ، تتضمنُ بعضَ ما في القرآنِ من الإعجازِ والأحكامِ والعقائدِ والحلالِ والحرامِ (¬1). هذا معنى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} يعني: يجعلُكم تَرَوْنَهَا واضحةً. أي: علاماتِه الواضحةَ على كمالِ قدرتِه وإحيائِه للموتى، وأنه يبعثُ الناسَ بعدَ أن يموتوا. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يعني: لأجلِ أن تُدْرِكُوا بعقولِكم أنه (جل وعلا) يُحْيِي الناسَ بعدَ الموتِ، ويبعثُهم من قبورِهم، وأنه قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، وأنه المعبودُ وحدَه، و {تَعْقِلُونَ} معناه: تُدْرِكُونَ بعقولكم. [3/ب] / يقول اللَّهُ جل وعلا: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: الآية 74]. ¬
قال بعضُ العلماءِ (¬1): (ثم) في قولِه: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} للاستبعادِ؛ لأن هذا الذي نظروه من آياتِ اللَّهِ وعِبَرِه وإحيائِه للقتيلِ سببٌ عظيمٌ لِلِينِ القلوبِ، فقسوةُ القلوبِ بعدَ مشاهدتِه من الأمرِ الْمُسْتَبْعَدِ؛ ولذا قال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم} من بعدِ ذلك الأمرِ الذي عَايَنْتُمُوهُ، وهو إحياءُ القتيلِ، الذي هو أعظمُ سببٍ لِلِينِ القلوبِ، فـ (ثم) هنا للاستبعادِ، كما قاله بعضُ العلماءِ. ونظيرُه من إتيانِ (ثم) للاستبعادِ قولُه تعالى في أولِ سورةِ الأنعامِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} [الأنعام: آية 1]؛ لأن مَنْ خَلَق السماواتِ والأرضَ، وجعلَ الظلماتِ والنورَ يُسْتَبْعَدُ جِدًّا أن يُجعل له عديلٌ ونظيرٌ. ونظيرُ (ثمَّ) للاستبعادِ من كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (¬2): وَلاَ يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلاَّ ابْنُ حُرَّةٍ يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا لأن مَنْ رَأَى غمراتِ الموتِ تُسْتَبْعَدُ منه زيارتُها. والإشارةُ في قولِه: {ذَلِكَ} عائدةٌ إلى ما ذُكِرَ من إحياءِ القتيلِ لَمَّا ضُرِبَ بالجزءِ من البقرةِ الميتةِ، ومعنى قسوةِ القلوبِ: شِدَّتُهَا وصلابتُها حتى لا يدخلَ فيها خيرٌ؛ لأن ذا الشيءَ القاسيَ ليس بقابلٍ لدخولِ شيءٍ فيه، فقلوبُهم صلبةٌ شديدةٌ نابيةٌ عن الخيرِ لا يدخلُها وَعْظٌ ولا يَنْجِعُ فيها خيرٌ. والسببُ الذي قَسَتْ به قلوبُهم نَهَى اللَّهُ عن ارتكابِه المسلمين في قولِه: {وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: آية 16]. ¬
وقولُه: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} أي: في شدةِ القسوةِ والصلابةِ، فكما أنكَ لو أردتَ أن تُدْخِلَ ماءً أو دُهْنًا في جوفِ حَجَرٍ صلبٍ أصمَّ لا يمكنُ لكَ ذلك، فلا يمكنُ أن تُدْخِلَ في قلوبِهم خيرًا ولا موعظةً ولا شيئًا ينفعُهم؛ لقساوتها عياذا بالله. وقولُه: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} {أَوْ أَشَدُّ} مرفوعٌ عَطْفًا على الكافِ من قولِه: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} أي: فهي مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً؛ لأن الكافَ في معنى (مثل). وقيل: عُطِفَ على محلِّ الجارِّ والمجرورِ؛ لأنه في محلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ، أي: فهي كالحجارةِ، أو فهي أشدُّ قسوةً (¬1). و {قَسْوَةً} تمييزٌ مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ؛ لأنه بعدَ صيغةِ التفضيلِ، على حَدِّ قولِه في الخلاصةِ (¬2): والفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِأَفْعَلاَ مُفَضَّلاً كَأَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاَ لأَنَّ {قَسْوَةً} تمييزٌ فاعلٌ في المعنى، فَنُصِبَ بأَفْعَل مُفَضلا تمييزًا مُحَوَّلاً عن الفاعلِ. ثم إن اللَّهَ (جل وعلا) بَيَّنَ أن قلوبَهم أشدُّ قسوةً من الحجارةِ، قال: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ} يعني: إن بعضَ الحجارةِ رُبَّمَا [تَفَجَّرَ منه الأنهارُ] (¬3)، وبعضُها ربما لانَ فتشققَ فخرجَ منه ماءٌ، وقلوبُهم لا تلينُ ولا ينفجرُ منها خيرٌ، لا قليلٌ ولا كثيرٌ. ¬
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: ما معنى (أو) في قولِه: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} والْمُخُبِرُ بهذا الكلامِ (جل وعلا) يستحيلُ في حَقِّهِ الشكُّ، فما معنى (أو) في قولِه: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}؟ للعلماءِ عن هذا السؤالِ أجوبةٌ معروفةٌ (¬1)، أظهرُها: أن «أو» للتنويعِ، و «أو» التي هي للتنويعِ تدلُّ على نوعٍ. والمعنى: أن منهم نوعًا قلوبُهم كالحجارةِ، وهنالك نوعٌ آخَرُ دلَّتْ عليه (أو) التنويعية أقسى قلوبًا من هذه (¬2) ( ... ). {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (76) أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)} [البقرة: الآيات: 75 - 79]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على إيمانِ اليهودِ وغيرِهم من ¬
أهلِ الكتابِ؛ لأن عندهم عِلْمًا من الكتبِ السماويةِ المتقدمةِ. ولو آمنوا لكانَ ذلك دَاعِيًا إلى إيمانِ غيرِهم لِمَا عِنْدَهُمْ من العلمِ، فقنَّطَهُ اللَّهُ في هذه الآيةِ الكريمةِ من إيمانِ اليهودِ وَأَنْكَرَ عليه أن يعلقَ طمعَه بشيءٍ لا مطمعَ فيه، قال: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة: الآية 75] يعني: أَتُعَلِّقُونَ الطمعَ بما لاَ طمعَ فيه فتطمعون أن يؤمنوا لكم أي: يتصفوا بالإيمانِ لكم. أي: لأجلِ دَعْوَتِكُمْ وطلبكم منهم الإيمانَ. والعادةُ في القرآنِ أن الإيمانَ إذا كان تصديقًا بالله (جل وعلا) عُدِّيَ بالباءِ، فتقول: «ويؤمنون بالله»، «آمنتُ بالله» (¬1). وإذا كان تصديقًا بِبَشَرٍ عُدِّيَ باللامِ. وهذا معروفٌ من استقراءِ القرآنِ، كقولِه هنا: {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} أي: يصدقوكم ويتبعوكم في هذا الدِّينِ الحنيفِ، ومنه قولُه: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} [يوسف: آية 17] أي: بِمُصَدِّقِنَا في أن يوسفَ أَكَلَهُ الذئبُ {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}، وقولُه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: آية 26]، وجمع المثالين قولُه: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: آية 61] والمعنى: أن اللَّهَ أَنْكَرَ عليهم الطمعَ بإيمانهم؛ لأنهم لا مطمعَ في إيمانهم. ثم بيَّن صعوبةَ الإيمانِ عليهم وَبُعْدَهُمْ منه قال: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يعني: أتطمعونَ بإيمانِ قومٍ وهم بهذه المثابةِ من العنادِ واللجاجِ وعدمِ امتثالِ الأوامرِ، والحالُ: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ} الفريقُ: الطائفةُ من الناسِ، ¬
ويجوزُ انقسامُ الناسِ إلى جماعاتٍ متعددةٍ، ولا يلزمُ أن يكونوا فريقين فقط، بل يجوزُ أن يكونوا فريقين وأكثرَ، ومن هذا المعنى قولُ نُصَيبٍ (¬1): فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ: لاَ، وَفَرِيقُهُمْ نَعَمْ [وَقَالَ فَرِيقٌ] (¬2): وَيْحَكَ مَا نَدْرِي واختلفَ العلماءُ في المرادِ بهذا الفريقِ الذين سمعوا كلامَ اللَّهِ وَحَرَّفُوهُ بعدَ أن عَقَلُوهُ (¬3): قال جماعةٌ من العلماءِ: هذا الفريقُ هم علماؤُهم، ومعنى {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ} يسمعونَ كلامَ اللَّهِ يُتْلَى في كتابِه التوراةِ ويفهمونه {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} من بعد ما أَدْرَكُوهُ بعقولِهم، فيجدونَ فيه صفاتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: (أبيضَ)، فيحرفونها إلى (أسمرَ)، ويجدونَ من صفاتِه: (رَبْعَة)، فيحرفونها إلى أنه طويلٌ مُشَذَّبٌ، ونحو ذلك من تغييرِ الصفاتِ. فعلى هذا الوجهِ فالفريقُ الذين يسمعونَ كلامَ اللَّهِ: العلماءُ يسمعونَ كتابَ اللَّهِ التوراةَ يُتْلَى {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} يعني يُبَدِّلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ، ويجعلونَ فيه ما ليسَ فيه، بأن يُحِلُّوا حرامَه، ويحرموا حلالَه، ويغيروا فيه صفاتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وينكروا بعضَ آياتِه كآيةِ الرجمِ، وما جرى مجرَى ذلك من التحريفِ. ¬
وعلى هذا القولِ فالفريقُ: العلماءُ منهم بالتوراةِ، وتحريفُهم له معروفٌ. فإذا كان خِيَارُهُمْ وعلماؤُهم يعقلونَ عن اللَّهِ كلامَه في كتابِه ثم يُغَيِّرُونَهُ ويحرفونه ويحملونه على غيرِ مَحْمَلِهِ، فما بَالِكُمْ تطمعونَ في أَنَّ مثلَ هؤلاء يؤمنون لكم ويهتدون إلى خيرٍ. الوجهُ الثاني: أن هذا الفريقَ هم السبعونَ الذين اختارهم موسى، المذكورون في سورةِ الأعرافِ في قولِه: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} الآيةَ ... [الأعراف: آية 155] وَمَنْ قالَ هذا القولَ قال: إنهم لَمَّا خرجوا مع موسى إلى الميقاتِ سألوه أن يسألَ اللَّهَ أن يُسْمِعَهُمْ كلامَه. فسأل لهم نَبِيُّهُمْ ذلك. وأن اللَّهَ أمرهم أن يَصُومُوا. وَلَمَّا أرادَ اللَّهُ أن يكلمَ موسى، وألقى عليه الضبابَ سَمِعُوا كلامَ اللَّهِ يأمرُ موسى وينهاهُ، فبعدَ أن سَمِعُوا كَلاَمَ اللَّهِ وعقلوه حَرَّفُوهُ. قالوا: سمعناه يقولُ في آخِرِ الكلامِ: إن شئتُم فَافْعَلُوا، وإن شئتُم لا تَفْعَلُوا. فإذا كانوا يسمعونَ من اللَّهِ كلامَه، هذه السبعونَ المختارةُ منهم تسمعُ كلامَ اللَّهِ وتحرفُه وَتُغَيِّرُهُ، فما بالُكم تطمعونَ في إيمانِ مَنْ هذه صِفَتُهُمْ؟ هذان الوجهانِ في قولِه: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ}. وقد بَيَّنَّا مرارًا أن همزةَ استفهامِ الإنكارِ إذا جاءَ بعدَها حرفُ عطفٍ كالفاءِ، كما في قولِه هنا: {أَفَتَطْمَعُونَ} و (الواو) أو (ثم) أن فيها للعلماءِ وَجْهَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ (¬1): ¬
أحدُهما: أن همزةَ الاستفهامِ تتعلقُ بمحذوفٍ دَلَّ المقامُ عليه، و (الفاءُ) تَعْطِفُ الجملةَ التي بَعْدَهَا على الجملةِ المحذوفةِ التي دَلَّ المقامُ عليها. والمعنى: أتطمعونَ بما لا طَمَعَ فيه، فتطمعونَ أن يُؤْمِنُوا لكم؟ ونحو هذا. أو: أَلاَ تعرفونَ الحقائقَ فتطمعونَ بما لا طمعَ فيه؟ والأحوالُ متقاربةٌ، وإلى هذا الوجهِ مَيْلُ ابنِ مالكٍ في الخلاصةِ في قولِه (¬1): وَحَذْفَ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ وَعَطْفُكَ الفِعْلَ عَلَى الْفِعْلِ يَصِحّ والوجهُ الثاني: أن همزةَ الاستفهامِ مُزَحْلَقَةٌ عن محلِّها، وأنها متأخرةٌ بعد الفاءِ، إلا أنها قُدِّمَتْ عن مَحَلِّهَا؛ لأن للاستفهامِ صدرَ الكلامِ، وعلى هذا فالمعنى: فأتطمعون. فتكونُ الجملةُ معطوفةً بالفاءِ على ما قَبْلَهَا، كأن المعنى: فَأُعْطِفَ على ذلك إنكارُ طَمَعِكُمْ بما لا طمعَ فيه، فيكون المعنى: فأتطمعونَ أن يؤمنوا لكم والحالُ {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ}. التحريفُ: يعني: وضعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِهِ، يَصْدُقُ بأن يُبَدِّلُوهُ بما ليسَ منه وأن يُغَيِّرُوهُ، وأن يَحْمِلُوهُ على غيرِ مَحْمَلِهِ، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ التحريفِ. وقولُه: {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أَيْ أَدْرَكُوهُ بعقولِهم. العربُ تقولُ: عَقَلْتُ الأمرَ أَعْقِلُهُ، إذا أدركتُه بِعَقْلِي. والعقلُ نورٌ رُوحَانِيٌّ تُدْرَكُ به النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ (¬2)، ومحلُّه القلبُ، كما نَصَّ عليه الكتابُ والسنةُ. لا الدماغُ كما يزعمُه الفلاسفةُ. ¬
وبحوثُ العقلِ بحوثٌ فلسفيةٌ لاَ طائلَ تَحْتَهَا. فللفلاسفةِ في بحثِ العقلِ ما يزيدُ على مائةِ طريقٍ، من جهةِ البحثِ في العقلِ هل هو جوهرٌ أو عَرَضٌ؟ والكلامُ على العقولِ العشرةِ، والعقلِ الفياضِ. كله بحثٌ فلسفيٌّ لا طائلَ تَحْتَهُ (¬1). وإنما قال جل وعلا: {تَعْقِلُونَ} أي: تُدْرِكُونَ بعقولِكم؛ لأن العقلَ نورٌ رُوحَانِيٌّ تُدْرِكُ به النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ. وقد دَلَّ القرآنُ على أن محلَّه القلبُ لا الدماغُ؛ لأن الله يقول: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: آية 46] ولم يقل: أَدْمِغَةٌ يَعْقِلُونَ بها. ويقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كاَنَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: آية 37] ولم يَقُلْ: لمن كان له دِمَاغٌ. وفي الحديثِ الصحيحِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (¬2) ولم يقل: ألا وهي الدماغُ. وَجَمَعَ بعضُ العلماءِ بينَ قولِ أهلِ السنةِ وقولِ الفلاسفةِ بأن قالَ: إن أصلَ العقلِ في القلبِ كما في الكتابِ والسنةِ، إِلاَّ أَنَّ نورَه يتصلُ شعاعُه بالدماغِ. واستدلُّوا على هذا بدليلٍ استقرائيٍّ عاديٍّ، قالوا: بالعادةِ المطردةِ والاستقراءِ أنكَ لا تجدُ رجلاً طويلَ العنقِ طُولاً مُفْرِطًا إلا كَانَ فِي عَقْلِهِ بَعْضَ الدَّخَلِ؛ لِبُعْدِ ما بينَ طَرَفَيْ شُعَاعِ نُورِ عَقْلِهِ. ¬
والتحقيقُ: أن العقلَ في القلبِ (¬1) كما دَلَّ عليه الوحيُ (¬2) [والذين قالوا: إن العقلَ في] الدماغِ استدلوا: بأن كُلَّ ما يؤثرُ على الدماغِ يؤثرُ على العقلِ. وهذا لا دليلَ فيه، لإمكانِ أن يكونَ العقلُ في القلبِ - كما هو الحقُّ - وسلامتُه مشروطةٌ بسلامةِ الدماغِ، وهذا لا إشكالَ فيه. والعقلُ الصحيحُ هو الذي يعْقِلُ صاحبَه عن الوقوعِ فيما لا يَنْبَغِي، كما قال (جل وعلا) عن الكفارِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: آية 10] أما العقلُ الذي لا يَزْجُرُ عمَّا لا ينبغي فهو عقلٌ دنيويٌّ يعيشُ به صاحبُه، وليس هو العقلَ بمعنى الكلمةِ. وقولُه جل وعلا: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملةٌ حاليةٌ يعني: أنهم سَمِعُوا كلامَ اللَّهِ فحرَّفُوه بعدَ أن أَدْرَكُوهُ بعقولِهم وَفَهِمُوهُ، والحالُ أنهم يعلمونَ أنهم حَرَّفُوهُ وافتروا على اللَّهِ، فَمَنْ (¬3) [كان] بهذه المثابةِ لا يطمعُ أحدٌ في إِيمانِه. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ (جل وعلا) ذكرَ طائفةً أُخْرَى من اليهودِ هم منافقونَ، ¬
وهذه الطائفةُ المنافقةُ ذَكَرَهَا تعالى بقولِه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (76) أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)} [البقرة: الآيتان 76 - 77] (إذا): ظَرْفٌ فيه معنى الشرطِ، العاملُ فيه دائمًا جزاءُ الشرطِ لا فعلَ الشرطِ، وهو مِنَ الأسماءِ الملازمةِ للإضافةِ إلى جُمَلِ الأفعالِ خاصةً، كما قال في الخلاصةِ (¬1): وَأَلْزَمُوا إِذَا إِضَافَةً إِلَى جُمَلِ الأَفْعَالِ كَهُنْ إِذَا اعْتَلَى و (لَقُوا) أصلُه: لقِيُوا (فَعِلُوا) (¬2)، والقاعدةُ المقررةُ في التصريفِ: أن كُلَّ فعلٍ ناقصٍ - أعني معتلَّ اللامِ - سواء كان واويَّ اللامِ، أو يائيَّ اللامِ، إذا أُسْنِدَ إلى واوِ جماعةٍ، أو ياءٍ مؤنثةٍ مخاطبةٍ وَجَبَ حذفُ لامِه المعتلةِ بقياسٍ مطردٍ. فحُذِفَتْ هذه الياءُ التي هي لامُ الكلمةِ، وَأُبْدِلَتْ كسرةُ القافِ ضمةً لمجانسةِ الواوِ. فأصلُه: (لقِيُوا) على وزنِ (فَعِلُوا)، ووزنُه الحاليُّ {وَإِذَا لَقُوا} (فَعُوا)؛ لأن الياءَ التي في موضعِ اللامِ حُذِفَتْ لإسنادِ الفعلِ الناقصِ إلى واوِ الجماعةِ، كما هو مقررٌ في التصريفِ (¬3). {الَّذِينَ آمَنُوا} في محلِّ نصبٍ مفعولٌ به لـ {لَقُوا} والمعنى: أن هؤلاء الطائفةَ من المنافقين إذا اجتمعوا بالمؤمنين - النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه - {قَالُوا آمَنَّا}. ذَكَرُوا لهم أنهم آمنوا نِفَاقًا، وَبَيَّنُوا لهم أن النبيَّ المنتظرَ الْمُبَشَّرَ به أن صفاتِه الموجودةَ في كُتُبِهِمْ مُتطبِّقةٌ على هذا النبيِّ الكريمِ - صلى الله عليه وسلم -. هذا معنى قولِه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. ¬
{وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} يعني: رَجَعُوا إلى أصحابِهم وكان الموضعُ خَالِيًا من المؤمنين بأن كان الموجودُ فيه هم فيما بينهم. {قَالُوا} يعني: أصحابُهم الذين لم يُنَافِقُوا. قالوا مُنْكِرِينَ على الذين نَافَقُوا وَمُوَبِّخِينَ لهم: {أَتُحَدِّثُونَهُم} أي: أتحدِّثون المؤمنين - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه - {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} يعني: بما فَتَحَ عليكم عِلْمَهُ في التوراةِ من أن هذا هو النبيُّ المنتظرُ، وأن هذه صفاتُه، أنها متطبِّقةٌ، وأنه هو لاَ شَكَّ فيه، وأنكم مؤمنون به لِمَا علمتم من أنه هو النبيُّ الموعودُ به المنتظرُ. {لِيُحَآجُّوكُم} بهذا الإقرارِ {عِندَ رَبِّكُمْ} أَنَّكُمْ أقررتم بأنكم تعرفونَ أنه الحقُّ، وأن صفاتِه متطبقةٌ على صفاتِ النبيِّ المنتظرِ، فإن هذا يُحَاجُّونَكُمْ به يومَ القيامةِ، أنكم عرفتُم الحقَّ وتركتموه. وهذا يدلُّ على أنهم في غايةِ الجهلِ؛ لأنهم لو كَتَمُوهُ أَلَيْسَ اللَّهُ عَالِمًا بما في ضمائرِهم؟ وما الفرقُ بين ما لو أَقَرُّوا بأنهم عرفوا الحقَّ وكتموه، أو كتموه ولم يقولوا؟ ولذا وَبَّخَهُمُ اللَّهُ بقولِه: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: الآية 77] أيقولونَ مثلَ هذا ولا يعلمونَ أن اللَّهَ يعلمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ؟ {يُسِرُّونَ} هو المضارعُ من الإسرارِ، و {يُعْلِنُونَ} المضارعُ من الإعلانِ، والفعلُ إذا كان مَاضِيهِ على وزنِ (أَفْعَل) تُحْذَفُ همزتُه في المضارعِ، واسمِ الفاعلِ، واسمِ المفعولِ، بقياسٍ مُطَّردٍ. فالأصلُ: (يُؤَسْرِرُون) و (يُؤَعْلِنُون) إلا أن حَذْفَ همزةِ (أَفْعَل) يَطَّرِدُ في المضارعِ وفي اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ، كما عَقَدَهُ في
الخلاصةِ بقولِه (¬1): وَحَذْفُ هَمْزِ أَفْعَلَ اسْتَمَرَّ فِي مُضَارِعٍ وَبِنْيَتَيْ مَتَّصِفِ والمعنى: أن إسرارَهم وإعلانَهم عِنْدَ اللَّهِ (جل وعلا) سواءٌ؛ لأن اللَّهَ يعلمُ السرَّ وَأَخْفَى، السرُّ عنده علانيةٌ، يعلمُ ما تخفيه الضمائرُ {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: آية 16]. وعلى هذا الذي قَرَّرْنَا فمعنى: {فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} يعني: عَلَّمَكُمْ إياه وأزالَ عنكم الحجابَ دُونَهُ من العلمِ مما في التوراةِ. وقولُه: {لِيُحَآجُّوكُم} أصلُه (يُحاججوكم) (يُفَاعِلُون) من الْمُحَاجَجَةِ يقتضي الطرفين، والحجةُ: كُلُّ مَا أَدْلَى به الخصمُ باطلاً كان أو حَقًّا (¬2). بدليلِ قولِه: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: آية 16]. وقال بعضُ العلماءِ: المرادُ بالفتحِ في هذه الآيةِ: الحكمُ. وذلك أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ خيبرَ ذَكَرَ لهم اسمَ القِرَدَةِ. قال بعضُهم: ما عَلِمُوا أن أَوَائِلَكُمْ وَقَعَ مَسْخُ بعضِهم قِرَدَةً إلا مِنْكُمْ، بعضُكم أخبرهم بهذا (¬3)!!. وعلى هذا فالمرادُ {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: ما حَكَمَ عليكم به من المسخِ، والعربُ تُطْلِقُ الفتحَ على الْحُكْمِ (¬4)، وقد جاء في القرآنِ العظيمِ، ومنه على التحقيقِ: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ ¬
جَاءكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال: آية 19] يعني: إن تَطْلُبُوا الحكمَ من اللَّهِ على الظالمِ بالهلاكِ فقد جاءكم ذلك، وَهَلَكَ الظَّالِمُ، أبو جهل وأصحابُه، ومن هذا المعنى قولُه (جل وعلا) عن شُعَيْبٍ: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: آية 89] أي: احْكُمْ بيننا بالحقِّ وأنتَ خيرُ الْحَاكِمِينَ، وهذه لغةٌ حميريةٌ، يُسَمُّونَ الحاكمَ: فَتَّاحًا، والحُكمَ فُتَاحَة (¬1)، ومن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (¬2): أَلاَ أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولاً بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ أي: عن حُكْمِكُمْ غَنِيٌّ. هذا قيل به في الآيةِ، ولكنه قولٌ مرجوحٌ غيرُ ظاهرٍ، والتحقيقُ - إن شاء الله - هو الأولُ، ثم إنهم قالوا لهم: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أتقولون قولَ مَنْ لا يَعْقِلُ؟ فلا تعقلونَ أنه لا ينبغي لكم أن تُخْبِرُوهُمْ وتحدثوهم بما فتحَ اللَّهُ عليكم من علمِ التوراةِ مما خَفِيَ عليهم؛ ليكونَ حُجَّةً لهم عليكم عِنْدَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، أنكم أَقْرَرْتُمْ بأنهم على حَقٍّ، وَخَالَفْتُمُوهُمْ ولم تتبعوهم. ثم إن الله ذَكَرَ طائفةً ثالثةً، وهي الطائفةُ الجاهلةُ التي لا تَدْرِي، وإنما تسمعُ كلامًا فتقلِّد فيه تقليدًا أَعْمَى، قال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [البقرة: الآية 78] الأُمِّيُّ: هو الذي لا يقرأُ ولا يكتبُ. أي: طائفةٌ ¬
جاهلةٌ لا يكتبونَ الكتبَ ولا يقرؤون ما في الكتبِ. {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} الذي هو التوراةُ ولا غيرُه من الكتبِ. وقوله: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} في قولِه: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ عندَ العلماءِ (¬1): أحدُهما تُبْعِدُهُ قرينةٌ في نفسِ الآيةِ. أما القولانِ المعروفانِ: أن المرادَ بالأمانيِّ هنا: جمعُ (أُمْنِيَّةٍ) بمعنى (القراءةِ). والعربُ تُطْلِقُ (الأمنيَّةَ) على (القراءةِ) وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، تقولُ العربُ: (تمنَّى) إذا قرأَ، ومنه قولُ حسانَ (¬2): تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رِسْلِ وقولُ كعبِ بنِ مالكٍ أو حسانَ (¬3): تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ وَآخِرَهَالاَقَى حِمَامَ الْمَقَادِرِ فمعنى (تَمَنَّى): قَرَأَ، وعلى هذا فالاستثناءُ متصلٌ. وتقريرُ المعنى: لاَ يعلمونَ من الكتابِ إلا قراءةَ ألفاظٍ ليس معها تَفَهُّمٌ وتدبرٌ لِمَا تَحْوِيهِ الألفاظُ من المعانِي (¬4)، وَمَنْ لم يكن عنده مِنْ عِلْمِ الكتابِ إلا قراءةَ ألفاظٍ لا يفهمُ ما تحتَها من المعانِي فهذا جاهلٌ لا عِلْمَ عندَه. هذا وَجْهٌ في الآيةِ، وهو الذي قُلْنَا: إن في الآيةِ قرينةً تُبْعِدُهُ؛ ¬
لأن هذا يدلُّ على أنهم يقرؤون التوراةَ قراءةَ ألفاظٍ لا يفهمونَ ما تَحْتَهَا من المعانِي والعِبَرِ والحِكَمِ. وقوله في أولِ الآيةِ: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} يدلُّ على أنهم لا يَقْرَؤُونَ. فَكَأَنَّ حملَ الأمانيِّ على القراءةِ فيه شِبْهُ مناقضةٍ مع قولِه: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}. الوجهُ الثاني في الآيةِ الكريمةِ: أن الاستثناءَ منقطعٌ، وأن (الأمانيَّ) جمعُ (أُمْنِيَةٍ) وهي الأمنيةُ المعروفةُ، وهي أن يتمنَّى الإنسانُ حصولَ ما ليس بحاصلٍ. وعلى هذا القولِ فتقريرُ المعنى: لا يعلمونَ الكتابَ، لكن يتمنونَ أمانيَّ باطلةً صادرةً عن جهلٍ لا مبدأَ لها من عِلْمٍ، كأن يقولوا: ما عليه محمدٌ وأصحابُه ليس بِحَقٍّ، و {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: الآية 18]، {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}، {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: الآية 135]، والدليلُ على أن هذا من أمانيهم الباطلةِ وأن خيرَ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ: قولُه تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: الآية 111] فصرحَ (جل وعلا) بأن أمانيهم من هذا القبيلِ، كما قال جل وعلا: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} الآيةَ ... [النساء: آية 123] وهذانِ الوجهانِ في قولِه: {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (إنْ) هي النافيةُ. والمعنى: ما هم إلا يظنونَ، يسمعونَ عندَ علمائِهم قولاً فيقولونه تقليدًا وَظَنًّا وَجَهْلاً. والظنُّ قد قَدَّمْنَا أنه يُطْلَقُ إطلاقين (¬1): يطلقُ على الشكِّ. وهو ¬
المرادُ هنا، وهو المرادُ في قوله: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: آية 36] وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» (¬1). ومنه قولُه عن الكفارِ: {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجائية: آية 32] واصطلاحُ الأُصُولِيِّينَ: أن الظنَّ لا يُطْلَقُ على الشكِّ؛ لأن الشكَّ نصفُ الاعتقادِ. والظنُّ عندهم جُلُّ الاعتقادِ، وما بَقِيَ عن الظنِّ من الاعتقادِ يُسَمُّونَهُ وَهْمًا، هذا اصطلاحٌ أُصُولِيٌّ (¬2). أما أهلُ اللغةِ العربيةِ فإنهم يُطْلِقُونَ اسمَ الظنِّ على الشكِّ. قولُه تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: الآية 79]، (ويلٌ): كلمةُ عذابٍ، وهو مصدرٌ لا فعلَ له من لفظِه، معناه: هلاكٌ عظيمٌ هائلٌ كائنٌ لهم (¬3). وقال بعضُ العلماءِ: (ويلٌ): وَادٍ فِي جهنمَ تَسْتَعِيذُ جَهَنَّمُ مِنْ حَرِّهِ. ولو فَرَضْنَا صحَّةَ هذا القولِ لكانَ راجعًا إلى الأولِ. ¬
ولفظةُ (ويل) تتعدَّى باللامِ؛ وَلِذَا عَدَّاهُ بقولِه: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ} وهو مبتدأٌ خبرُه جملةُ: (للذين)، وإنما سَوَّغ الابتداء بهذه النكرةِ لأنها مُشَمَّةٌ معنى الدعاءِ، وقد تقررَ في علمِ العربيةِ: أن النكرةَ إذا كانت مُشَمَّةً معنى الدعاءِ بخيرٍ أو بِشَرٍّ كان ذلك مُسَوِّغًا للابتداءِ بها (¬1)، ومثالُه في الدعاءِ بالخيرِ: {قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ} [هود: آية 69] (سلامٌ عليكم) مبتدأٌ، سَوَّغَ الابتداءَ به أنه في معرضِ الدعاءِ، والدعاءُ بالشرِّ كقولِه هنا: {فَوَيْلٌ} أي: هلاكٌ عظيمٌ لا خلاصَ منه للذين يكتبونَ الكتابَ بأيديهم ثم يقولونَ هذا من عندِ اللَّهِ، فهؤلاء اليهودُ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - كانوا يأخذونَ أوراقًا وقراطيسَ ينقلونَ فيها من التوراةِ، يقولون مثلاً: في المحلِّ الفلانيِّ من التوراةِ كذا وكذا وكذا، ويكتبونَ أمورًا باطلةً ليست في كتابِ اللَّهِ، كما يأتي في قولِه: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: آية 91] وهذا الذي يكتبونه بأيديهم في هذه القراطيسِ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ على اللَّهِ (جل وعلا). وهذا الاختلاقُ والتحريفُ إنما فَعَلُوهُ ليتعوضوا به عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا؛ ذلك أنهم لو أَخْبَرُوا بالواقعِ لآمَنَ كُلُّ الناسِ، وصارُوا تِبَعًا لا مَتْبُوعِينَ، وَضَاعَتْ عليهم رئاسةُ الدِّينِ، والأموالُ التي يأخذونَها عن طريقِ الرئاسةِ الدينيةِ، فَصَارُوا يكتبونَ أمورًا محرَّفَةً مزورةً، منها تغييرُ صفاتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وغيرُ ذلك. فقال اللَّهُ فيهم: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ} يكتبونَ الكتابَ في تلك القراطيسِ بأيديهم. وقولُه: {بِأَيْدِيهِمْ} هذا نوعٌ من التأكيدِ جَرَى على ألسنةِ ¬
العربِ، فنزلَ به القرآنُ؛ لأنه بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ (¬1). نحو: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: آية 38]، ومعلومٌ أنه لا يطيرُ إلا بِجَنَاحَيْهِ. {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} [آل عمران: آية 167] ومعروفٌ أنهم إنما يقولونَ بِأَفْوَاهِهِمْ. {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (¬2) (ثم) هذه - كمان (¬3) - تدلُّ على الاستبعادِ؛ لأن الكتابَ إذا كان مُخْتَلَقًا على اللَّهِ يبعُد كُلَّ البعدِ أن يقولَ الإنسانُ إنه من عِنْدِ اللَّهِ. ثم بيَّن عِلَّةَ افترائِهم وتزويرِهم ودعواهم أن الكتابَ من عِنْدِ اللَّهِ، وهو ليس من عِنْدِ اللَّهِ، بَيَّنَ عِلَّةَ ذلك وعِلَّتَهُ الغائيةَ المقصودةَ عندهم بقولِه: {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً} الاشتراءُ في لغةِ العربِ: الاستبدالُ، فَكُلُّ شيءٍ اسْتَبْدَلْتَهُ بشيء فقد اشْتَرَيْتَهُ، ومن هذا المعنى قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَةَ التميميِّ (¬4): وَالْحَمْدُ لاَ يُشتَرَى إِلاَّ لَهُ ثَمَنٌ ... مِمَّا تَضِنُّ بِهِ النُّفُوسُ مَعْلُومُ (¬5) ¬
وقولُ الراجزِ (¬1): بَدَّلْتُ (¬2) بِالْجُمَّةِ رَأْسًا أَزْعَرَا وَبِالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا (¬3) .................... (¬4) كَمَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ إِذْ تَنَصَّرَا أي: كما اسْتَبْدَلَ. و (الثمنُ) تُطْلِقُهُ العربُ على كُلِّ عِوَضٍ مبذولٍ في شيءٍ تُسَمِّيهِ العربُ ثَمَنًا، ومنه بيتُ علقمةَ المذكورُ آنِفًا في قولِه: وَالْحَمْدُ لاَ يُشْتَرَى إِلاَّ لَهُ ثَمَنٌ ............................ وقولُ عمرَ بنِ أَبِي ربيعةَ (¬5): إِنْ كُنْتَ حَاوَلْتَ دُنْيَا أَوْ أَقَمْتَ لَهَا مَاذَا أَخَذْتَ بِتَرْكِ الْحَمْدِ مِنْ ثَمَنِ ومعنى الآيةِ الكريمةِ: أنهم يُغَيِّرُونَ كلامَ اللَّهِ، ويكتبونَ على اللَّهِ ما لم يَقُلْ، ويقولونَ: إنه من عِنْدِ اللَّهِ، وما هو من عند اللَّهِ، ويقولون على اللَّهِ الكذبَ وهم يعلمونَ؛ لأجلِ أن يَعْتَاضُوا بذلك ثَمَنًا قليلاً من عرضِ الدنيا، وهو ما يَنَالُونَهُ من المالِ على رئاستِهم الدينيةِ. ¬
ثم إن الله قال: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: هلاكٌ عظيمٌ لا خلاصَ منه كائنٌ لهم، مبدؤُه وسببُه مما كَتَبَتْ أيديهم مُزَوَّرًا على اللَّهِ أنه من عندِ اللَّهِ وليس من عندِ اللَّهِ {وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} أي: من الرُّشا والأموالِ عِوَضًا عن ذلك التزويرِ والافتراءِ على رَبِّ السماواتِ والأرضِ، وهذا غايةُ التهديدِ والوعيدِ العظيمِ حيث قال: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} يعني: وَتَقَوَّلُوهُ على اللَّهِ كَذِبًا {وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} أي: من المالِ عِوَضًا عن ذلك، وهذا معنى قولِه: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ}. •••
تفسير سورة الأنعام
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْعَامِ [1/أ] / {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)} [الأنعام: الآيات 33 - 36]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: آية 33]. قولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ} قرأه عامَّةُ القراءِ، ما عدا نافعًا: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ} مضارعُ حَزَنَه الأمرُ - بالثلاثيِّ - يَحْزُنُهُ، وقرأه نافعٌ وحدَه: {قد نعلم إنه لَيُحْزِنُك} مِنْ أَحْزَنَهُ الأَمْرُ - بصيغةِ الرباعيِّ - يُحْزِنُهُ (بِضَمِّ الياءِ) (¬1). ¬
وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} قرأه عامةُ القراءِ ما عدا نافعًا والكسائيَّ: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} بصيغةِ (التفعيلِ). وقرأه نافعٌ والكسائيُّ من بين القُراءِ {فإنهم لا يُكْذِبُونَك} بصيغةِ (الإفعالِ) لا بصيغةِ (التفعيلِ) (¬1). وَسَبَبُ نزولِ هذه الآيةِ كما ثبتَ عن عَلِيٍّ (رضي الله عنه) أن الكفارَ - كفارَ مكةَ - كَأَبِي جهلٍ ونظرائِه قالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: نحنُ لاَ نُكَذِّبُكَ، ونعلمُ أنك صادقٌ أمينٌ، ولكن هذا الذي جئتَ به هو الذي نُكَذِّبُهُ، فأنزلَ اللَّهُ: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (¬2). ¬
و (قد) في قولِه: {قَدْ نَعْلَمُ} هي للتحقيقِ (¬1)، أي: لتحقيقِ عِلْمِ اللَّهِ جل وعلا. وما جاءَ على ألسنةِ علماءِ العربيةِ (¬2) من أن (قد) إذا دَخَلَتْ على المضارعِ أنها تكونُ للتقليلِ، وأنها تارةً تكونُ للتكثيرِ كـ «رُبَّمَا»، وَاسْتَدَلُّوا بأنها تكونُ تارةً للتكثيرِ بقولِ الشاعرِ (¬3): قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفُرْصَادِ وقول الآخَرِ (¬4): أَخِي ثِقَةٍ لاَ تُتْلِفُ الْخَمْرُ مَالَهُ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُتْلِفُ الْمَالَ نَائِلُهْ قالوا: «قد يُتلفُ المالَ» أي يَكثُر مِنْ نَائِلِهِ إتلافُ المالِ، وكذلك يَكْثُرُ في هذا المفتخرِ بقتلِ الأقرانِ: قتلُ الأقرانِ. كُلُّ هذا خلافُ التحقيقِ في هذه الآيةِ؛ لأن (قد) فيها للتحقيقِ، يُبَيِّنُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ مُحَقِّقًا لهم أن عِلْمَهُ مُحيطٌ بما ذَكَرَ أنه يَعْلَمُهُ، وهو كثيرٌ في ¬
القرآنِ، كقوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} [الأحزاب: آية 18] {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: آية 144] , {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} [الحجر: آية 97] كُلُّ هذه الآياتِ (قد) فيها قَبْلَ الفعلِ المضارعِ للتحقيقِ كما هُنَا. {قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ} الضميرُ في قولِه: «إنه» هو ضميرُ الشَّأْنِ (¬1) {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ} أي الأمرُ والشأنُ، واللَّه {لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ}. وهذا الذي يقولونه، الذي يَحْزُنُهُ، أَشَارَتْ له آياتٌ أُخَرُ، كما بَيَّنَ تعالى أن هذا الذي يقولونَه له يُحْزِنُهُ، وأنه يَضِيقُ به صدرُه كما قال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: آية 97] وَبَيَّنَ في سورةِ هود أن هذا الذي يضيقُ صدرُه مما يقولونَ له إنه مِنْ نوعِ التكذيبِ والتعنتِ كما قال: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ} [هود: آية 12] يعني: ضائقٌ صَدْرُكَ؛ لأَجْلِ أن يقولوا تَكْذِيبًا وَتَعَنُّتًا: {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يُصَدِّقُهُ. وقال بعضُ العلماءِ (¬2): هذا الذي يحزنه من كلامِهم قولُهم له: «أَنْتَ شَاعِرٌ، سَاحِرٌ، كَاهِنٌ، هذا الذي جئتَ به أساطيرُ الأَوَّلِينَ، لا نقبلُ دِينَكَ»، هذا التكذيبُ وَنِسْبَتُهُ إلى أنه ساحرٌ، مجنونٌ، كاهنٌ، هذا الذي يُؤْذِيهِ وَيَضِيقُ به صدرُه، ويحزنه. وقد بَيَّنَ له اللَّهُ (جل وعلا) في آخِرِ سورةِ الْحِجْرِ علاجَ هذا الداءِ من هذا الذي يقولونَ له فَيُحْزِنُهُ، وَبَيَّنَ له أنه إذا أَحْزَنَهُ ذلك القولُ الذي يقولون أنه يُبَادِرُ إلى ¬
الصلاةِ؛ فإن الصلاةَ يُعِينُهُ اللَّهُ بها وَيُذْهِبُ عنه ذلك الحُزنَ، كما قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة: آية 45]. وقال له في آخِرِ سورةِ الْحِجْرِ: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: آية 97] فَرَتَّبَ على ضِيقِ صَدْرِهِ بما يقولون - بالفاءِ - قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: آية 98]. عرفنا أن هذا التسبيحَ والصلاةَ والإنابةَ إلى اللَّهِ هو دواءُ ذلك الحزنِ والأَذَى الذي يَنَالُهُ منهم؛ ولذا كان - صلى الله عليه وسلم - كما في حديثِ نعيمِ بنِ عمارٍ كان - إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ بَادَرَ إلى الصلاةِ (¬1)، صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه، كما دَلَّ على ذلك قولُه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ} [الحجر: الآيتان 97، 98] أي فَدَوَاءُ ذلك هو ما أَمَرَكَ رَبُّكَ به بقولِه: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} وقال هنا: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} هذا الذي يقولونَه لكَ نحن نعلمُ أنه يحزنك، أي: يُورِثُكَ الحزنَ لِمَا يَلْقَوْنَكَ به من التكذيبِ، ونسبتِهم إياك إلى السحرِ والشعرِ والكهانةِ والجنونِ هذا يؤذيه - صلى الله عليه وسلم -، فيضيقُ به صدرُه، وَمِنْ أَشَدِّ ما يؤذيه: امتناعُهم من الإيمانِ؛ لأنه صلواتُ الله وسلامُه عليه مجبولٌ على الشفقةِ، وقد وصفَه اللَّهُ بالرأفةِ والرحمةِ بالمؤمنين في قولِه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: آية 128] فمعنَى {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يعزُّ عليه وَيَعْظُمُ وَيَكْبُرُ عليه كُلُّ ما يصيبكم منه العنت، وهو المشقةُ والأذى (¬2) {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ¬
إلى أن قال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} كان إذا امْتَنَعُوا من الإيمانِ أَسِفَ وَحَزِنَ حُزْنًا شديدًا، كما قال له اللَّهُ: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: آية 3] أي: لأجلِ أن لا يكونوا مؤمنين. و (الباخع) معناه: المهلكُ (¬1)، أي: فلعلك مهلكُ نفسك أَسَفًا لأجلِ أنهم لم يؤمنوا {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: آية 6] أي حُزْنًا شديدًا عليهم {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: آية 8] ونحو ذلك من الآيات (¬2)؛ وَلِذَا قال له اللَّهُ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} {الَّذِي} موصولٌ، وجملةُ الموصولِ {يَقُولُونَ} والضميرُ العائدُ إلى الصلةِ محذوفٌ؛ لأنه منصوبٌ بفعلٍ، وتقديرُه: (قد نعلمُ إنه ليحزنكَ الذي يقولونَه) فالهاءُ المحذوفةُ التي في محلِّ المفعولِ هي الرابطُ بين الصلةِ والموصولِ. ثم إن الله قال لِنَبِيِّهِ: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ}. {فإنهم لاَ يُكْذِبونَكَ} (¬3) قال بعضُ العلماءِ: معنى الْقِرَاءَتَيْنِ واحدٌ (¬4)، والعربُ تُعَدِّي الثلاثيَّ بالتضعيفِ كما تُعَدِّيهِ بالهمزةِ؛ كما يقال: «كثَّرت الشيءَ» و «أَكْثَرْتُهُ». وجماهيرُ العلماءِ على أن بَيْنَهُمَا في المعنى فَرْقًا (¬5)، أن معنَى (كذَّب) ليس معنى (أَكْذَبَ)، والمقررُ في علومِ القراءاتِ: أن القراءتين حُكْمُهُمَا حكمُ الآيتين المختلفتين، فَكُلٌّ ¬
منهما تفيدُ ما تَضَمَّنَتْهُ من الأحكامِ والمعاني (¬1). أما على قراءةِ الجمهورِ: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} فالتحقيقُ أن المعنى: أن الكفارَ لا يُكذبونك. وَاعْلَمْ أنه معروفٌ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ أن الفعلَ يُسْنَدُ إلى المجموعِ والمرادُ بعضُ المجموعِ لا جميعهم (¬2)، وَمِمَّا يوضحُ هذا المعنى غايةَ الإيضاحِ من القرآنِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ (¬3): {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: آية 191] بصيغةِ (القَتْل) في الفعلين؛ لأنه لا يُعْقَلُ أن الذي قُتِلَ بالفعلِ يُؤْمَرُ بقتلِ قاتلِه، وَلَكِنَّ المعنى: فإن قتلوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الذي لم يُقْتَلْ (¬4). وهذا أسلوبٌ معروفٌ في القرآنِ وفي غيرِه. وإذا عرفتَ هذا فَاعْلَمْ أن بعضَ الكفارِ عَلِمُوا صدقَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الباطنِ، وقلوبُهم مُوقِنَةٌ أنه صَادِقٌ (¬5)، كما قال أبو جهل - لَعَنَهُ اللَّهُ - لَمَّا قال له الأخنسُ بنُ شُريق قال له: أنا وأنتَ في خلوةٍ، ليس معنا أحدٌ من قريشٍ، فَأَخْبِرْنِي عن صحةِ ما يقولُه محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه). فقال له أبو جهلٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لأعلمُ أنه صادقٌ، وأنه نَبِيٌّ، وَوَاللَّهِ ما كذبَ محمدٌ قطُّ ولا يكذبُ، ولكن كنا نحن وَبَنُو هاشمٍ فَرَسَيْ رِهَانٍ، طعِموا فَأَطْعَمْنَا، وفعلوا ¬
ففعلنا، واليومَ يقولون: مِنَّا نبيٌّ! فَمَنْ لنا بهذه؟ وَاللَّهِ لا نعترفُ بنبوتِه أبدًا (¬1)!! ولا شكَّ أن هنالك قومًا من الجهلةِ يسمعونَ كلامَ الرؤساءِ فَيَظُنُّونَ أنه كاذبٌ، ويعتقدون كذبَه. إذا عرفتُم هذا فقولُه: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} راجعٌ إلى الذين عَلِمُوا صِدْقَهُ. وكثيرٌ من عقلائِهم عَالِمٌ في قرارةِ نفسِه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَبِيٌّ، وأنه رسولٌ، وهم يَجْحَدُونَ ذلك ظُلْمًا. وعليه فالمعنَى: {لاَ يُكَذِّبُونَكَ} في الحقيقةِ، فيما بينهم وبينَ أنفسهم، ولكن الظالمين يَجْحَدُونَ آياتِ اللَّهِ التي أُنْزِلَتْ عليه، فلم يعترفوا بأنها من اللَّهِ، كما قال له أبو جهلٍ: أنتَ عندنا صادقٌ، ولا نُكَذِّبُكَ، ولكن نُكَذِّبُ هذا الذي جئتَ به (¬2). أما على قراءةِ: {فإنهم لا يُكْذِبُونَك} فـ (أَكْذَبَ) بصيغةِ (الإفعالِ) تفترقُ مع (كذَّب) بمعنيين (¬3): أحدُهما: أن الفرقَ بينَ (كذَّب) و (أَكْذَبَ): أنكَ إذا كَذَّبْتَ إِنْسَانًا، معناه قلتَ له: كَذَبْتَ، وَنَسَبْتَهُ إلى افتراءِ الكذبِ. وإذا قيلَ: أَكْذَبَ إنسانٌ إنسانًا، معناه: أن كلامَه يعتقدُ أنه كَذِبٌ، ولا يُنْسَبُ ذلك الإنسانُ إلى الكذبِ، بل يقولُ: لعله أَخْطَأَ، أو نَسِيَ، أو سَهَا وهو لا يقصدُ الكذبَ أو تَخَيَّلُ له غيرُ الْحَقِّ. فمعنى «أَكْذَبَ» على هذا: أنه لا يتعمدُ الكذبَ، وأنه ¬
لا يُنْسَبُ إلى الاختلاقِ والافتراءِ، ولكن القولَ الذي جاء به غيرُ مُطَابِقٍ لِلْحَقِّ. الوجهُ الثاني في قراءةِ {يُكْذِبُونَك}: - وهو الذي عليه الأكثرُ -: أنه تقررَ في فَنِّ التصريفِ أن من معانِي «أَفْعَلَ» إذا قلتَ: أَفْعَلتُ الرجلَ، إذا وجدتَه كذا، تقول: أَحْمَدتُهُ إذا وجدتَه حَمِيدًا، وأَبْخَلْتُه إذا وجدتَه في نفسِ الأمرِ بَخِيلاً، وأَكْذَبْتُه إذا وجدتَه في نفسِ الأمرِ كَاذِبًا، وعلى هذه القراءةِ: إن ظَنَّتْ نفوسُهم أَنَّكَ كاذبٌ، وَكَذَّبُوكَ، وقالوا: إنك كاذبٌ ساحرٌ كاهنٌ فإنهم لا يصادفونك في نفسِ الأمرِ كاذبًا، فأنتَ على حَقٍّ فيما بينَك وبينَ اللَّهِ، فَهَوِّنْ عليكَ، ولا تَثْقُلْ عَلَيْكَ افْتِرَاءَاتُهُمْ. هذان الوجهانِ من التفسيرِ في قراءةِ {يُكْذِبُونَك} وقد قَدَّمْنَا معنَى {يُكَذِّبُونَكَ}. {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ} قد قَدَّمْنَا معنَى الظلمِ (¬1). {بِآيَاتِ اللَّهِ} أي الشرعيةِ الدينيةِ {يَجْحَدُونَ} أي يَجْحَدُونَهَا وَيُنْكِرُونَ أنها حَقٌّ. {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: آية 34]. هذه الآيةُ تَسْلِيَةٌ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وتهوينٌ عليه؛ لأنكَ إذا وجدتَ إنسانًا وَقَعَ في مصيبةٍ وَبَلِيَّةٍ وقلتَ له: هذه المصيبةُ التي نَزَلَتْ بكَ قد نَزَلَتْ بإخوانٍ لكَ كرامٍ أفاضلَ، وَصَبَرُوا عليها، وكان لهم في عاقبةِ ¬
الأمرِ الظفرُ والنجاحُ والعاقبةُ المحمودةُ؛ فإن هذا يُهَوِّنُ ويُسهِّلُ المصيبةَ على ذلك الْمُبْتَلَى. وقد نَصَّ اللَّهُ في أخرياتِ سورةِ هود على أنه يَقُصُّ على النبيِّ أخبارَ الرسلِ؛ لِيُهَوِّنَ عليه وَيُثَبِّتَ قلبَه، وذلك في قوله: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: آية 120] يقولُ له: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: آية 43] هذا الذي لَقِيَكَ به قومُكَ لقي الرسل من قِبَل قومهم بمثلِه وأشدَّ، فَاصْبِرْ كما صَبَرُوا، فستكونُ لكَ العاقبةُ الحميدةُ كما كانت لهم. وفي هذا أعظمُ بشارةٍ وأكرمُ تسليةٍ له - صلى الله عليه وسلم -. واللامُ في (لقد) موطئةُ قسمٍ محذوفٍ. وَاللَّهِ لقد كُذِّبَتْ رسلٌ من قبلك، هؤلاء الرسلُ الذين كُذبوا من قبلك منهم مَنْ جاءَ مُفَصَّلاً في هذا القرآنِ العظيمِ، كقولِ قومِ نوحٍ لنوحٍ: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود: آية 27] وقولُهم له: {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: آية 32]، وقد سَخِرُوا منه كما قال: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ} [هود: آية 38]، والمفسرون يقولون (¬1): سُخْرِيَتُهُمْ منه التي ذَكَرَهَا اللَّهُ أنه لَمَّا أرادَ أن يصنعَ السفينةَ [وَتَعَلَّمَ] (¬2) النجارةَ صَارُوا يضحكون، ويقولون: بعدَ أن كنتَ نَبِيًّا صِرْتَ [نَجَّارًا، وهكذا عادٌ قالوا لهودٍ، وثمودُ] (¬3) قالوا لصالحٍ!! قالوا لنبيِّ اللَّهِ هود: {يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} [هود: آية 53]، وقالوا لِصَالِحٍ: {يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} [هود: آية 62] يعني: وَأَمَّا إذا ¬
ادَّعَيْتَ النبوةَ، ودعوتَ إلى عبادةِ اللَّهِ فلا رجاءَ لنا فيكَ. وهذا جاءَ مُفَصَّلاً عن الرسلِ في القرآنِ العظيمِ، كتكذيبِهم لنوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ، وتكذيبِ فرعونَ وقومِه لموسى وهارونَ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك، وهنالك رُسُلٌ لم تُقَصَّ عليه أخبارُهم، كما نَصَّ اللَّهُ عليه في سورةِ النساءِ (¬1)، وفي سورةِ المؤمنِ: {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: آية 78]. وإنما قال: {كُذِّبَتْ رُسُلٌ} بتاءِ التأنيثِ لِمَا تقررَ في علمِ العربيةِ: أن ثلاثةً من الجموعِ - أعني الجمعَ المُكَسَّرَ مذكرًا كان أو مؤنثًا، والجمعَ السالمَ المؤنثَ، كُلُّهَا تجري مجرَى الواحدةِ المؤنثةِ مجازيةِ التأنيثِ (¬2)؛ ولذلك أُنِّثَ الفعلُ هنا وقيل فيه: {كُذِّبَتْ} وأُنثت الإشارةُ إليه لهذا كما قال: {تِلْكَ الرُّسُلُ} [البقرة: آية 253] ونحو ذلك {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ} حُذِفَ الفاعلُ هنا وأنابَ المفعولُ به منابَه؛ لأنه يُوَضِّحُهُ. أي كذبهم قومُهم فصبروا على ذلك التكذيبِ والأَذَى. {فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُوا} (ما) هنا مصدريةٌ. فصبروا على التكذيبِ. وقولُه: {وَأُوذُوا} فيما يُعْطَفُ عليه وجهانِ (¬3): أظهرُهما أنه معطوفٌ على: {فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا} أي: فصبروا على التكذيبِ، وعلى الإيذاءِ الذي يَنَالُهُمْ من قومِهم، حتى جاءهم نصرُنا. ¬
وعلى هذا فقولُه: {وَأُوذُوا} معطوفٌ على قوله: {كُذِّبُوا} فصبروا على ما كُذبوا، وصبروا على ما أُوذوا. و (ما) مصدريةٌ، أي: صَبَرُوا على التكذيبِ والإيذاءِ حتى جاءهم نصرُنا، وهنالك قومٌ قالوا: الإيذاءُ لم يتقدم له ذِكْرٌ حتى يكونَ الصبرُ عليه مذكورًا؛ ولذا قالوا: {وَأُوذُوا} عُطِفَ على قولِه: {كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ} يعني: لقد كُذِّبَ الرسلُ وَأُوذُوا فصبروا على ذلك. وقوله: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} يعني: أن اللَّهَ من كلماتِه (جل وعلا) نصرُه لِرُسُلِهِ، وأن العاقبةَ الحميدةَ كائنةٌ لهم (¬1)، كما قال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} [الصافات: الآيات 171 - 173] {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: آية 21] وقوله جل وعلا: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر: آية 51] مثل هذه الكلماتِ من الوعدِ الصادقِ بنصرِ الرسلِ، وأن العاقبةَ لهم، كما قال عن مجموعِ الرسلِ: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم: الآيتان 13، 14] هذه الكلماتُ - وغيرُها من سائرِ كلماتِ اللَّهِ التي لاَ نهايةَ لها كما قال: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: آية 109]- لا مُبَدِّلَ لها. والمعنى قال اللَّهُ: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} [الصافات: الآيات 171 - 173]، فليس يمكنُ لأحدٍ أن يُبَدِّلَ هذا الخبرَ ويجعلَ إيجابَه سَلْبًا، فيجعلَ الرسلَ مَقْهُورِينَ غيرَ منصورين، لا أبدًا، وَقِسْ على ذلك. ¬
وهذا معنى قولِه: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} ومعنى التبديلِ هو إذهابُ هذا والإتيانُ ببدلٍ غيرِها. {لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} وَعْدُهُ رُسُلَهُ بالنصرِ والعاقبةِ المحمودةِ، فتبديلُ هذا أن ينزعَ النصرَ عنهم، ويجعلَ مكانَه غلبتَهم وإذلالَهم. لا أحدَ يستطيعُ هذا التبديلَ لكلماتِ اللَّهِ. ثم قال: {وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} فاعل (جاء) هنا محذوفٌ دَلَّ عليه المقامُ (¬1). و (مِنْ) في قولِه: {مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} تبعيضيةٌ، أي: ولقد جاءَك بعضُ أنباءِ المرسلينَ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {مِنْهُم مَّنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: آية 78]، وفي هذا البعضِ الذي جاءَك مِنْ أنبائهم تسليةٌ لكَ، وتثبيتٌ لكَ، كما قال: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: آية 120]، {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: آية 43]، {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: آية 35]. {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: آية 35]. {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا دَعَا قومَه إلى الإسلامِ، وَعَرَضَ عليهم هذا القرآنَ العظيمَ بما فيه من الآياتِ البيناتِ التي لا تَتْرُكُ في الحقِّ لَبْسًا قَابَلُوهُ بالردِّ القبيحِ والإعراضِ، أي: ¬
التَّوَلِّي والصدودِ عن دينِ اللَّهِ (جل وعلا) وَآذَوْهُ - صلى الله عليه وسلم -، فَبَيَّنَ في هذه الآيةِ أن مِنْ أَسْوَإِ ما يسوؤه، وأحزن ما يحزنه، ويضيقُ به صدرُه إعراضُهم وتوليهم عن الحقِّ؛ لِمَا جُبِلَ عليه من الشفقةِ والرحمةِ؛ وَلِذَا نَهَاهُ اللَّهُ مرارًا عن شدةِ أَسَفِهِ وحزنِه عليهم (¬1)، قال له: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: آية 8] لأجلِ أن لم يؤمنوا فَهَوِّنْ عليكَ، وقال له: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: آية 3] ومعنَى {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} مهلكٌ نَفْسَكَ بالأسفِ والحزنِ؛ لأجلِ عدمِ إيمانِهم. و (الباخعُ) في لغةِ العربِ: الْمُهْلِكُ (¬2)، ومنه قولُ غيلان ذي الرمة (¬3): أَلاَ أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ «الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ» أي: المهلكُ الوجدُ نفسَه. {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: مُهْلِكُهَا. {أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} لأجلِ عدمِ إيمانِهم، فَهَوِّنْ عليكَ، وقال له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: آية 6] وهو شدةُ الحزنِ، أي: لشدةِ الحزنِ عليهم أن لم يؤمنوا، وقال له: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: آية 8] مِنْ شِدَّةِ التأسفِ على عدمِ إيمانِهم، فَهَوِّنْ عليكَ. واللَّهُ يعني بهذا: يعني أنتَ رسولٌ مُهِمَّتُكَ الرسالةُ، وقد بَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ وَأَدَّيْتَ كما ¬
ينبغي، فَهُدَاهُمْ ليسَ عليكَ، وحسابُهم ليسَ عليكَ، فَرَبُّهُمْ أعلمُ بِهِمْ، هو الذي يُشْقِي وَيَهْدِي، وهو الذي إليه مَرْجِعُهُمْ وَحِسَابُهُمْ، فَهَوِّنْ عليكَ، فقد قمتَ بما عليكَ: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}؛ ولذا شَدَّدَ عليه هنا في هذه الآيةِ، قال له: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} أي شَقَّ وَعَظُمَ عليكَ {إِعْرَاضُهُمْ} أي: صُدُودُهُمْ وَتَوَلِّيهِمْ عَمَّا جئتَ به، وقد أَمَرْتُكَ مرارًا أن تتركَ عنكَ هذا الحزنَ، وتعلم أنَّ ما عليك قد أَدَّيْتَهُ، بَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ، وأن هُدَاهُمْ ليس بِيَدِكَ {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: آية 272] {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: آية 41] {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: آية 37] قال له هنا: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} أي: شَقَّ وَعَظُمَ عليكَ وَأَحْزَنَكَ (¬1) {إِعْرَاضُهُمْ} أي: صدودُهم عَمَّا جئتَ به. و (الإعراضُ) مصدرُ أعرضَ يُعْرِضُ إِعْرَاضًا، إذا صدَّ وَتَوَلَّى عن الشيءِ. فكأن اللَّهَ يقولُ له: إن عَظُمَ وَشَقَّ عليكَ وأحزنكَ صدودُهم وتوليهم، وقد نهيتُكَ مرارًا عن هذا الحزنِ، فإن كانت لكَ طاقةٌ أو قدرةٌ فَأْتِ بها، وإن عجزتَ عن ذلك فَاعْلَمْ أن ذلك بِيَدِ اللَّهِ، فَكِلْ الأَمْرَ إليه، وَهَوِّنْ عليكَ؛ ولذا قال: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ} الاستطاعةُ على الشيء: القدرةُ عليه. {أَنْ تَبْتَغِيَ} تَطْلُبَ. {نَفَقًا فِي الأَرْضِ} النفقُ: السَّرَبُ في بطنِ الأرضِ، الذي يكونُ له وجهٌ من جهةٍ أخرى ينفذُ منه الإنسانُ (¬2)، أن تبتغيَ سَرَبًا في الأرضِ ¬
[فَتَغُوصَ] (¬1) به في بطنِ الأرضِ؛ لتُخْرِجَ آيةً تَقْهَرُهُمْ بها، {أَوْ سُلَّمًا} أو مصعدًا تصعدُ به إلى السماءِ (¬2)، حتى تُحَصِّلَ من الأسفلِ أو من الأعلى آيةً تَقْهَرُهُمْ بها؛ إِنْ قدرتَ على هذا فَافْعَلْ. فجوابُ {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ} محذوفٌ، وتقديرُه: فَافْعَلْ. إن قدرتَ على ذلك فَافْعَلْ (¬3)، وإن كنتَ عاجزًا عن ذلك - كما هو الحقُّ - فَهَوِّنْ عليكَ، وَاعْلَمْ أن أمرَهم إلى اللَّهِ، ومصيرَهم إلى اللَّهِ، فَهَوِّنْ عليكَ. وقولُه في صدرِ هذه الآيةِ الكريمةِ: {وَإِن كَانَ كَبُرَ} المعروفُ في فَنِّ العربيةِ: أن مادةَ (الكافِ والباءِ والراءِ) تُسْتَعْمَلُ فِي القرآنِ العظيمِ وفي لغةِ العربِ اسْتِعْمَالَيْنِ، ويتغيرُ شَكْلُهَا بحسبِ الاستعمالين (¬4)، إن كانت (كَبُرَ) معناه: أنه عَظُمَ وكبر، فهي مضمومةُ الباءِ في مُضَارِعِهَا وماضيها، تقول: «كَبُرَ عَلَيْهِ الأَمْرُ»، إذا عَظُمَ وَشَقَّ. ومنه قولُه هنا: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ}، وقولُه: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: آية 5] {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} [الصف: آية 3] ومضارعُ هذه أيضا: (يكبُر) بضمِّ الباءِ على القياسِ، كما في قولِه: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [الإسراء: الآيتان 50، 51] فهذه كبُر يكبُر. أما معناها الآخَرُ، وهو (الكِبَر في السِّنِّ)، بأن تقولَ: «كَبِرَ هذا الغلامُ في سِنِّهِ»، فهي مكسورةُ الباءِ في الماضي، تقول: (كَبِرَ)، بكسرِ الباءِ. ولا تقول: (كَبُرَ)، وتقول في مضارعها: (يَكْبَر) بفتحِ الباءِ، ¬
ولا تقول: (يكبُر)، على القياسِ، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: آية 6] لأنه هنا مضارعُ (كبِر) بكسرِ الباءِ، (يَكْبَر) بفتحِها على القياسِ، ومنه بهذا المعنى الأخيرِ قولُ مجنونِ بَنِي عامر (¬1): تَعَشَّقْتُ لَيْلَى وَهْيَ ذَاتُ ذَوَائِبٍ ... وَلَمْ يَبْدُ لِلْعَيْنَيْنِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا ... إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ الْبُهْمُ هذان معنى (كَبُرَ) و (كَبِرَ)؛ لأنهما معنيانِ مختلفانِ يتغيرُ المعنى بهما. وهذا معنى قولِه: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ} النفقُ: السَّرَبُ في داخلِ الأرضِ (¬2)، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬3): وَلاَ لَكُمَا مَنْجًى مِنَ الأَرْضِ فَابْغِيَا ... بِهَا نَفَقًا أَوْ فِي السَّمَوَاتِ سُلَّمَا وَيُجْمَعُ النفقُ على أنفاقٍ، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (¬4): خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا ... خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبِ ¬
يعني أَخْرَجَهُنَّ من جحورهن؛ لأن جحورَ الحشراتِ تُسَمَّى أَنْفَاقًا، واحدُها نفقٌ. والسُّلَّمُ: هو المصعدُ إلى الشيءِ، معروفٌ في كلامِ العربِ. والسُّلمُ إلى السماءِ: المصعدُ الذي يُصْعَدُ فيه إلى السماءِ (¬1). ومنه قولُ زهيرٍ في معلقتِه (¬2): وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ وَكُلُّ مصعدٍ يصعد فيه الإنسانُ تُسَمِّيهِ العربُ سُلَّمًا، ولو كان مَعْنَوِيًّا، فالشيءُ الذي يُرْتَقَى به إلى الأمرِ - ولو مَعْنَوِيًّا غيرَ محسوسٍ - تقولُ له العربُ: سُلَّمٌ، ومنه قولُ الحطيئةِ (¬3): الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهْ إِذَا ارْتَقَى فِيهِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهْ زَلَّتْ بِهِ إِلَى الْحَضِيضِ قَدَمُهْ وقولُه جل وعلا: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ} هذا الفعلُ المضارعُ منصوبٌ؛ لأنه معطوفٌ على فعلٍ منصوبٍ، والمضارعُ المعطوفُ على منصوبٍ يُنْصَبُ. والأولُ المنصوبُ قولُه: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ} فقوله: {تَبْتَغِيَ} منصوبٌ بـ (أن). وقولُه: {فَتَأْتِيَهُمْ} معطوفٌ عليه، {فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ} قاهرةٍ تقهرهم بها فَافْعَلْ إن قدرتَ، وإن لم تَقْدِرْ على ذلك فَهَوِّنْ عليكَ، وَاعْلَمْ أن أمرَهم بيدِ اللَّهِ، هُدَاهُمْ بيدِه وحسابُهم عليه، فَهَوِّنْ عليكَ. ثم إن اللَّهَ قال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} هذا الْهُدَى الذي يُؤْسِفُكَ أن لم يَهْتَدُوا هو بيدِ اللَّهِ، لو شَاءَ رَبُّكَ {لَجَمَعَهُمْ عَلَى ¬
الْهُدَى} لَفَعَلَ. والقاعدةُ المقررةُ في عِلْمِ العربيةِ: أن فعلَ المشيئةِ إذا قُرِنَ بشرطٍ أنه يُحْذَفُ مفعولُه دائما (¬1)؛ لأن جزاءَ الشرطِ يكفي عنه. والمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: (ولو شاء اللَّهُ جَمْعَهُمْ على الْهُدَى لَجَمَعَهُمْ على الْهُدَى) فغالبًا إذا عُلِّقَ فعلُ المشيئةِ بالشرطِ حُذِفَ مفعولُه لدلالةِ جوابِ الشرطِ عليه، ولم نَجِدْهُ موجودًا في القرآنِ ولا في كلامِ العربِ، إلا إذا كانَ المفعولُ مصدرًا مُنْسَبِكًا من (أن) وَصِلَتِهَا، كقولِه: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ} [الأنبياء: آية 17] {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى} [الزمر: آية 4] لأن الأسلوبَ الشائعَ في القرآنِ هو حذفُ هدا المفعولِ، أن يقولَ: لو أَرَادَ اللَّهُ لاصْطَفَى وَلَدًا، (لو أرادَ لاتَّخَذَ لَهْوًا)، ولكنه هنا أثبتَ المفعولَ، وهو مصدرٌ منسبكٌ من (أن) وَصِلَتِهَا. ونظيرُه في إثباتِ المفعولِ - وهو مصدرٌ منسبكٌ من (أن) وَصِلَتِهَا - قولُ الشاعرِ (¬2): وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ عَلَيْكَ وَلَكِنْ سَاحِةُ الصَّبرِ أَوْسَعُ وقولُه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} (جل وعلا) {لَجَمَعَهُمْ} جميعًا {عَلَى الْهُدَى}، وَالْهُدَى هنا بمعناه الخاصِّ؛ لأنا قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ- في الكلامِ على سورةِ الفاتحةِ- أن الْهُدَى يُطْلَقُ في القرآنِ إطلاقين: يطلق إطلاقًا عامًّا، ويطلقُ إطلاقًا خاصًّا، أما الهدى بمعناه العامِّ: فهو إبانةُ الطريقِ وإيضاحُها وتوضيحُ الخيرِ من الشَّرِّ. ومنه بهذا المعنى في القرآنِ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: آية 17] أي: ¬
أَوْضَحْنَا لهم طريقَ الخيرِ وَالشَّرِّ بَيِّنَةً على لسانِ نَبِيِّنَا صالحٍ. وليس هذا الْهُدَى (هُدَى تَوْفِيقٍ)، وإنما هو (هُدَى بَيَانٍ) فَقَطْ بدليلِ قولِه: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: آية 17] فَتَبَيَّنَ أن قولَه: {فَهَدَيْنَاهُمْ} ليس (هُدَى تَوْفِيقٍ)، وإنما هو (هُدَى بَيَانٍ) وإيضاحٍ للحقِّ من الباطلِ، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى في الإنسانِ: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان: آية 3] لأن معنى قولِه: {هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي بَيَّنَّا له طريقَ الخيرِ والشرِّ، وَأَوْضَحْنَا له ما يُتَّقَى وما يُفْعَلُ، بدليلِ قولِه بعدَه: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: آية 3] لأنه لو كان (هُدَى تَوْفِيقٍ) لَمَا فَصَّلَهُ بقولِه: {وَإِمَّا كَفُورًا} ومن إطلاقِ الْهُدَى بمعناه الخاصِّ قولُه في النَّبِيِّينَ الذين ذَكَرَهُمْ في الأنعامِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90] وهو بمعناه الخاصِّ: التوفيقُ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ. وإذا علمتُم أن للهدى إِطْلاَقَيْنِ: إطلاقًا عَامًّا، وإطلاقًا خَاصًّا (¬1)، وأن إطلاقَه العامَّ معناه الهدى بمعنى البيانِ والإرشادِ وبيانِ الحقِّ وإيضاحِه، وأن معناه الخاصَّ هو تفضُّلُ اللَّهِ بالتوفيقِ على عبدِه، وأن يهديَه إلى طريقِ الخيرِ، كما قال: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} [الأنعام: آية 125] أي: بهذا الهدى الخاصِّ {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}. بهذا التفصيلِ تزولُ عنكم إشكالاتٌ في كتابِ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ مثلا ¬
قال لِنَبِيِّهِ: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: آية 56] وقال له في آيةٍ أُخْرَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: آية 52] فيقعُ فيه لطالبِ العلمِ أن يقولَ: كيف قال له: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: آية 56] وقال له: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: آية 52]؟ والجوابُ عن الآيتين: هو ما بَيَّنَّا الآنَ أن للهدى إِطْلاَقًا عَامًّا، وإطلاقًا خَاصًّا، فالهدى المثبتُ له في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: آية 52] هو الْهُدَى العامُّ، وهو بيانُ الطريق وإيضاحُها. وقد بَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - الطريقَ حتى تَرَكَهَا مَحَجَّةً بيضاءَ، ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هَالِكٌ. أما الْهُدَى المنفيُّ عنه في قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: آية 56] فهو التفضلُ بالتوفيقِ؛ لأن التوفيقَ بِيَدِ اللَّهِ وحدَه {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [المائدة: آية 41]. وقوله: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: آية 37] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُهدَى مَن يُضِلُّ} (¬1) أي: مَنْ يُضِلُّهُ اللَّهُ لا يُهْدَى، لا هاديَ له أبدًا. إذا عرفتُم هذا فقولُه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: آية 35] يعني به الْهُدَى الخاصَّ والتوفيقَ، أما الْهُدَى العامُّ فقد بيَّن لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وَهَدَاهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ إلى طريقِ الخيرِ. ¬
ثم قال لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: آية 35] والجاهلونَ: جمعُ الجاهلِ، فهو اسمُ فاعلِ الجهلِ، وكلامُ العلماءِ في (الجهلِ) وفي تفسيرِه معروفٌ (¬1)، أشهرُ تفسيراتِه: أن الجهلَ عَدَمِيٌّ، وأن المرادَ به عدمُ العلمِ بما مِنْ شَأْنِهِ أن يُعلم. وهذه الآيةُ وأمثالُها في القرآنِ يخاطبُ اللَّهُ بها نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لِيُشَرِّعَ على لسانِه لِخَلْقِهِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُشَرِّعٌ، يخاطبُه اللَّهُ خطابَ السيدِ لعبدِه؛ لِيُشَرِّعَ على لسانِه لِخَلْقِهِ. [1/ب] ثم إن اللَّهَ بَيَّنَ لنبيِه - صلى الله عليه وسلم - أن عدمَ هُدَاهُمْ الذي كان يُحْزِنُهُ وَيُؤْسِفُهُ / أنه لا يهتدي إلا مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ قابلاً لذلك الْهُدَى، لا مَنْ أَضَلُّهُ اللَّهُ وأماتَ قلبَه - والعياذُ بالله - ولذا قال بعدَ هذا: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام: آية 36] أي: لا يُجِيبُكَ إلى ما تطلبُ وتدعو من الْهُدَى، إلا الذين يَسْمَعُونَ، أي: جَعَلَ اللَّهُ لهم سماعَ حقٍّ وَتَفَهُّمٍ يسمعونَ به عن اللَّهِ، أما الذين [أَعْمَى] (¬2) اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ، وَخَتَمَ على آذانِهم فلا يجيبونك أبدًا، فلا تَحْزَنْ عليهم، فليسَ فيهم حِيلَةٌ؛ لأن رَبَّهُمْ قضى عليهم بالشقاءِ الأَزَلِيِّ؛ ولذا قال هنا: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ} أي: يستجيبُ لكَ، وَيُجِيبُكَ فيما تدعوه إليه من الإسلامِ {الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} سماعَ تَفَهُّمٍ بأن وَفّقَهُمُ اللَّهُ، وأعطاهم سماعَ تَفَهُّمٍ يفهمون به ويقبلونَ، أما الذين لم يُعْطِهِمُ اللَّهُ سماعَ تَفَهُّمٍ فهم صُمّ وإن كانوا يسمعونَ، كما قال تعالى في المنافقين: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: آية 18] صرح بأنهم (صُمٌّ) وأنهم (بُكْمٌ) وأنهم (عُمْيٌ)، ومع ذا يقولُ ¬
فيهم: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: آية 19] كيف يَسْلُقُ بألسنةٍ حدادٍ مَنْ هُوَ أَبْكَمُ؟ وقال: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: آية 4] أي: لفصاحتِهم وحلاوةِ ألسنتِهم. ومعنى هذا: أن اللَّهَ أَصَمَّهُمْ عن سماعِ الحقِّ وعن الدينِ، وعمَّا ينفعُهم عندَ رَبِّهِمْ، وإن كانوا يسمعونَ غيرَه، وكذلك جعلَ ألسنتَهم بُكْمًا عن النطقِ بالقولِ فيما يُرْضِي اللَّهَ، وبما ينفعُهم عندَه، وإن نَطَقُوا بِغَيْرِهِ. ومن أساليبِ اللغةِ العربيةِ التي نَزَلَ بها القرآنُ: أن الشيءَ إذا كان قليلَ الْجَدْوَى أُطْلِقَ عليه: لاَ شيءَ (¬1). فَأَسْمَاعُهُمْ لَمَّا لَمْ يَفْهَمُوا بها عن اللَّهِ، وأبصارُهم لَمَّا لم يُبْصِرُوا بها ما يُرْضِي اللَّهَ، وقلوبُهم لَمَّا لم يَعْقِلُوا بها بما يُرْضِي اللَّهَ، صَارَتْ كُلُّهَا كأنها عَدَمٌ؛ وَلِذَا أُطْلِقَ عليهم اسم الصَّمَمِ؛ لأن سمعَهم لم يَنْفَعْهُمْ (¬2)، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [الأحقاف: آية 26] فمعلومٌ في لغةِ العربِ أن السماعَ الذي لا جَدْوَى له تُطْلِقُ العربُ عليه: لا شيءَ، وَتُسَمِّي صاحبَه أَصَمَّ (¬3). وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ قُعْنُبِ ابْنِ أُمِّ صَاحِبٍ (¬4): ¬
صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا فَسَمَّاهُمْ (صُمًّا) وهو يقولُ: (إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا) فأطلقَ عليهم الصممَ مع أنه صَرَّحَ بأنهم يسمعونَ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الآخَرِ (¬1): قُلْ مَا بَدَا لَكَ مِنْ زُوْرٍ وَمِنْ كَذِبٍ حِلْمِي أَصَمُّ وَأُذْنِي غَيْرُ صَمَّاءِ يعني: حِلْمِي لا يُبَالِي بما تقولُ، وإن كانت أُذْنِي تسمعُه؛ ولذا قال هنا: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} لأنهم أحياءُ يسمعونَ عن اللَّهِ سماعَ تَفَهُّمٍ. ثم قال: {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} الموتى جَمْعُ (المَيِّتِ) ومثل (مَيِّتٍ) يُجْمَعُ على (مَوْتَى)، وقد يَطَّرِدُ الجمعُ على (فَعْلَى) في كُلِّ (فَعِيل) إذا كان يُرْثَى له. وكذلك (فَيْعِل) (¬2) و (فَعِل) كـ (مَيِّتٍ ومَوْتَى) و (زَمِنٍ وَزَمْنَى)، هذا على الأَكْثَرِ، أما في (فَعِيل) بمعنَى (مفعول) إذا كان يُرْثَى لصاحبِه فَتَطَّرِدُ فيه: (فَعْلَى). وأطبقَ العلماءُ على أن المرادَ بالموتى هنا: الكفارُ. لا يَكَادُ يختلفُ في هذا اثنانِ من علماءِ التفسيرِ (¬3). كأنه يقولُ: إنما يستجيبُ ¬
الأحياءُ الذين يسمعونَ، كما قال له: {لِتُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس: الآية 70] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {لِّيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} (¬1) أي: الذي له حياةٌ، أما المَيْتُ: الذي أَمَاتَ اللَّهُ قَلْبَهُ. وكثيرًا ما يُطْلِقُ القرآنُ اسمَ (الميتِ) على (الكفرِ)، كقولِه تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: آية 122] وكقولِه: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلاَ الْأَمْوَاتُ} [فاطر: آية 22] يعني بالأحياءِ: المؤمنين، وبالأمواتِ: الكفرةَ؛ لأن الكافرَ - والعياذُ بِاللَّهِ - كأنه ميتٌ؛ لأن حركاتِ حياتِه لم تَكُنْ في شيءٍ ينفعُه عندَ رَبِّهِ - جل وعلا - في حياتِه الأُخْرَى، فصارَ ميتَ القلبِ كأنه ميتٌ بِالْكُلِّيَّةِ؛ وَلِذَا قال: {وَالْمَوْتَى} أي: الكفارُ الذين خَتَمَ اللَّهُ على قلوبِهم، وأماتَ قلوبَهم، لا حيلةَ في إيمانِهم، فلا تَحْزَنْ عليهم، ولكن هَوِّنْ عليكَ، فحسابُهم إلى اللَّهِ، وَهُدَاهُمْ عليه، اللَّهُ هو الذي أَضَلَّهُمْ في الدنيا، ويومَ القيامةِ يَبْعَثُهُمْ، ثم إليه يُرْجَعُونَ، فَيُجَازِيهِمْ على أعمالِهم. فَهُدَاهُمْ بيدِه، وشقاؤُهم بيدِه، وحسابُهم إليه. وأنتَ إنما أنتَ نذيرٌ، وقد بَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ، وأديتَ الأمانةَ، فقمتَ بما عليكَ، وَهَوِّنْ عليكَ؛ ولذا قال: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام: آية 36]. والعربُ تُطْلِقُ (استجاب) بمعنى: (أجاب). وَالْمَعْنَى: {يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} أي: يُجِيبُونَكَ إلى ما تَدْعُوهُمْ إليه. ولا شَكَّ عندَ العلماءِ في إطلاقِ (اسْتَجَابَ) بمعنى ¬
(أَجَابَ) (¬1). ومن الدليلِ عليه أن العربَ الفصحاءَ نَطَقُوا بما يَدُلُّ على ذلك، ومنه قولُ كعبِ بنِ سعدٍ الغَنَوِيِّ (¬2): وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ فجاء بـ (المجيب) اسمَ فاعلٍ (لَمْ يَسْتَجِبْهُ)، فعرفنا أنه أرادَ بـ (لم يستجبه): لَمْ يُجِبْهُ مُجِيبٌ. {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ} الذي يُجِيبُكَ إلى ما تَدْعُو إليه، ويؤمنُ بكَ الإيمانَ الذي تطلبُ {الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} الأحياءُ الذين لهم سَمْعٌ يَفْهَمُونَ به عنكَ {وَالْمَوْتَى} أي: الكفارُ الذين خَتَمَ اللَّهُ على قلوبِهم وأسماعِهم، فإنكَ لاَ يمكنُ أن تُسْمِعَهُمْ؛ لأَنَّهُمْ مَوْتَى، كما قال: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: آية 80] وَلِذَا قال: {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} أي: مِنْ قُبُورِهِمْ يومَ القيامةِ إلى الجزاءِ. {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} قد تَقَرَّرَ في فَنِّ المعانِي في مبحثِ القصرِ، وفي فنِّ الأصولِ في مبحثِ دليلِ الخطابِ - أعني مفهومَ المخالفةِ - أَنَّ مِنَ الصيغِ الدالةِ على الحصرِ: تقديمَ المعمولِ (¬3). وقد قدَّم المعمولَ هنا، وهو الجارُّ والمجرورُ إيذانًا بالحصرِ. ثم يرجعون إليه وحدَه؛ لأنه ليس هناكَ عدةُ ملوكٍ يَرْجِعُ بعضُ الناسِ إلى واحدٍ ليحاسبَه، وبعضٌ إلى واحدٍ لِيُحَاسِبَهُ. بل هو الْمَلِكُ الواحدُ القهارُ، الذي إليه مَرْجِعُ الجميعِ؛ ولذا قَدَّمَ المعمولَ فقال: {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}. ¬
{وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: آية 37]. {وَقَالُوا} يعني الكفار - كفار مكةَ - هم الذين قالوا هذا القولَ (¬1). وقوله: {لَوْلاَ} اعْلَمْ أَوَّلاً: أَنَّ (لَوْلاَ) جاءت في القرآنِ العظيمِ لثلاثةِ مَعَانٍ معروفةٍ في القرآنِ العظيمِ، وفي كلامِ العربِ (¬2): الأَوَّلُ: مِنْ هذه المعانِي الثلاثةِ: (لَوْلاَ) المعروفةُ بأنها تَأْتِي لامتناعٍ لوجودٍ، وهي التي تَدُلُّ على امتناعِ شيءٍ لوجودِ شيءٍ، كقولِه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} انتفى مسيسُ العذابِ العظيمِ لوجودِ فضلِ اللَّهِ ورحمتِه. هذه التي يقال فيها إنها تدلُّ على امتناعٍ لوجودٍ، وخبرُ مبتدئِها محذوفٌ دائمًا في الأغلبِ (¬3). الثانيةُ: هي (لَوْلاَ) التي بمعنَى التحضيضِ (¬4)، وهذه تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ. ومنها كانت (لَوْلاَ) مشتركةً بين ثلاثةِ مَعَانٍ. لَوْلاَ التحضيضيةُ إنما تَدُلُّ على التحضيضِ، والتحضيضُ معناه الطلبُ بِحَثٍّ وَحَضٍّ، ¬
ومنه هذه التي عندنا. (لَوْلاَ) أي: نطلبُ منكَ بِحَضٍّ وَحَثٍّ أن تنزلُ عليكَ آيةٌ مثلُ آيةِ موسى التي جَاءَتْ، صَارَتْ عَصَاهُ ثعبانًا مُبِينًا، وكآيةِ صالحٍ التي خَرَجَتْ له ناقة عشراءَ جوفاءَ وَبْراءَ مِنْ صخرةٍ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك، وكآيةِ عيسى الذي يُبْرِئُ الأكمهَ والأبرصَ وَيُحْيِي الموتَى بإذنِ اللَّهِ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك، وهذا طلبٌ منهم وتحضيضٌ، وهو طلبٌ بِحَثٍّ وَحَضٍّ، إلا أنه طَلَبُ عِنَادٍ وَتَعَنُّتٍ. الثالثُ: من معانِي (لَوْلاَ)، لم نتكلم عليه الآنَ، وهو أن (لَوْلاَ) التحضيضيةَ - ومعنى التحضيضيةِ: أنها دَالَّةٌ على تحضيضٍ، والتحضيضُ: هو طلبُ الفعلِ بِحَثٍّ وَحَضٍّ - لها حالتانِ: تارةً يكونُ فِعْلُهَا المطلوبُ بها مُمْكِنُ الفعلِ لَمْ تَضِعْ فُرْصَتُهُ، فهذه هي التحضيضيةُ، كالتي عِنْدَنَا. وتارةً يكونُ فِعْلُهَا المطلوبُ فيها بأداةِ الطلبِ التي هي حرفُ التحضيضِ - أعني (لَوْلاَ) - فَاتَ وَلَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهُ؛ لأن فرصتَه ضَاعَتْ ولم يُمْكِنْ تداركُه. فإن التحضيضيةَ في هذه الحالةِ يَنْقَلِبُ معنَى تحضيضِها إلى توبيخٍ وتنديمٍ على التفريطِ فيما مَضَى (¬1)، كقولِه: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} [يونس: آية 98] فتلك الْقُرَى الماضيةُ هَلَكَتْ وَمَضَتْ، إلا أن توبيخَ اللَّهِ لها، وتنديمَه لها بعدَ أن مَاتَتْ لِيَعْتَبِرَ به غيرُها، وكما قال: {وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور: آية 16] لأَنَّ الفرصةَ فَاتَتْ عليهم؛ لأنهم تَكَلَّمُوا بما لا يَلِيقُ، فَصَارَتْ (لَوْلاَ) التحضيضيةُ في شَأْنِهِمْ يُرَادُ بها التوبيخُ والتنديمُ على التفريطِ فيما مَضَى. ¬
وقولُه: {لَوْلاَ} أي: هلاَّ {أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ}. وقوله: {مِّن رَّبِّهِ} يَعْنُونَ: يكونُ مبدأُ إنزالِها وابتداؤُه من رَبِّهِ، ينزلُ عليه آيةٌ لا لَبْسَ في الحقِّ مَعَهَا، كَعَصَا مُوسَى، وناقةِ صالحٍ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك. فَاللَّهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ أن يقولَ، قُلْ لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً}. ثم قال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فقولُه: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يَدُلُّ على أن طلبَهم للآيةِ بأداةِ التحضيضِ التي هي {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} أنه نَشَأَ عن جَهْلٍ لاَ عن عِلْمٍ، ولو كانوا عَالِمِينَ لَمَا تَعَنَّتُوا، وَلَمَا اقْتَرَحُوا هذا الاقتراحَ، وذلك مِنْ أَوْجُهٍ (¬1): منها أن اللَّهَ (جل وعلا) أَجْرَى العادةَ بأن القومَ إذا اقْتَرَحُوا آيةً وأنزلها اللَّهُ لهم وَكَفَرُوا بعدَ ذلك أن اللَّهَ يُهْلِكُهُمْ هلاكَ الاستئصالِ، كما يأتي في قولِه: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: آية 59] أي: وهي الآيةُ التي اقْتَرَحُوهَا فَكَفَرُوا بها، فكان ذلك سببَ هلاكٍ مُسْتَأْصِلٍ، وتدميرٍ عَامٍّ أهلكهم اللَّهُ به، وَجَعَلَهُمْ أَثَرًا بعدَ عَيْنٍ. فقد يقترحون آيةً، ويأتيهم اللَّهُ بها، فَيَكْفُرُونَ بها فَيَمْحَقُهُمْ كما مَحَقَ ثَمُودَ، كما أشارَ له بقولِه: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} [الإسراء: آية 59] اقْتَرَحُوهَا عِنَادًا وَتَعَنُّتًا، فلما أُتُوا بها كفروا بها، فكانت سببًا لهلاكٍ مُسْتَأْصِلْ. وقد ذَكَرُوا في بعضِ المواضعِ من القرآنِ أن الكفارَ قالوا للنبيِّ: «سَلْ رَبَّكَ يَجْعَلْ لنا الصَّفَا ذَهَبًا». وتعنتوا بأمورٍ كثيرةٍ، وأنه جاءَه التخييرُ من رَبِّهِ إن شَاءَ فَعَلَ لهم ما اقْتَرَحُوا، وإن كَفَرُوا ¬
أَهْلَكَهُمْ، وإن شاءَ تَرَكَهُمْ، وَهَدَى مَنْ يَهْدِي منهم وَمِنْ أَصْلاَبِهِمْ؛ وَلِذَا قال: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً}. وَاعْلَمُوا أن اللَّهَ تباركَ وتعالى أنزلَ على عبدِه آياتٍ ومعجزاتٍ عظيمةً، لا لَبْسَ في الحقِّ مَعَهَا، فلو كان طَلَبُهُمْ للآيةِ طلبَ مُسْتَرْشِدٍ يريدُ الْهُدَى غير مُتَعَنِّتٍ لأَعْطَاهُمُ الآيةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ من الآياتِ ما لاَ يَبْقَى في الحقِّ معه لَبْسٌ، فَتَرَكُوهُ وسألوا ذلك عِنَادًا. وأعظمُ الآياتِ وأكبرُ المعجزاتِ هو هذا القرآنُ العظيمُ الذي تَحَدَّاهُمُ اللَّهُ به، وكان عَجْزُ الخلقِ عن مُعَارَضَتِهِ أكبرَ آيةٍ عُظْمَى؛ وَلِذَا أنكرَ اللَّهُ على مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بمعجزةِ القرآنِ وَطَلَبَ آيةً غيرَها حيث قال مُنْكِرًا عليه: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: آية 51] فقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} صيغةُ إنكارٍ، يُنْكِرُ اللَّهُ به على مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بهذا القرآنِ، لأنه آيةٌ أعظمُ آيةٍ. وَمِمَّا امْتَازَتْ به عنِ الآياتِ: أن آياتِ الرسلِ ومعجزاتِهم تَنْقَضِي، وتكونُ أخبارًا لا وجودَ لها في العيانِ، وآيتُه - صلى الله عليه وسلم - الكبرى وهي هذا القرآنُ العظيمُ باقيةٌ تَتَرَدَّدُ في آذانِ الناسِ إلى يومِ القيامةِ؛ ولذلك أشارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الصحيحِ [إلى] (¬1) حَصْرِ معجزاتِه في هذا القرآنِ، وإن كانت معجزاتُه كثيرةً لا تُحْصَرُ لكثرتِها، حيث قال في الحديثِ الصحيحِ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلاَّ أُوتِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (¬2) ولذا قال هنا لَمَّا اقترحوا هذه ¬
الآيةَ، اقْتَرَحُوهَا عِنَادًا لا استرشادًا وطلبًا لِلْهُدَى، مع أنهم جاءهم من الآياتِ ما يَكْفِي، والناسُ عَايَنُوا من معجزاتِه - صلى الله عليه وسلم - أشياءَ تُبْهِرُ العقولَ، كَشَقِّ الْقَمَرِ (¬1). وتسبيحِ الحصى في يدِه (¬2)، وكحنينِ الْجِذْعِ في هذا المسجدِ لَمَّا تَحَوَّلَ عنه إلى المنبرِ، سَمِعُوهُ يحنُّ حنينَ العشارِ، ولم يَسْكُتْ حتى جَاءَهُ - صلى الله عليه وسلم - يسكتُه كما تسكتُ الأُمُّ ¬
وَلَدَهَا (¬1). ومعجزاتُه صلواتُ الله وسلامُه عليه كثيرةٌ جِدًّا، وَلَكِنَّ أَعْظَمَهَا القرآنُ؛ ولذا حَصَرَهَا فيه بقوله: «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَلِذَا أنكرَ اللَّهُ على مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بهذا القرآنِ العظيمِ حيث قال: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: آية 51] وقال: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [يونس: آية 37] ولأَجْلِ تَعَنُّتِهِمْ وعدمِ علمِهم بأن الآياتِ إذا أُتِيَ بها مَنِ اقْتَرَحَهَا ثُمَّ كَفَرَ جَاءَهُ العذابُ الْمُسْتَأْصِلُ، كان طلبُهم للآيةِ طلبَ جهلةٍ مُتَعَنِّتِينَ لا يَتَأَمَّلُونَ فِي العواقبِ؛ وَلِذَا قال اللَّهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ومن أكثرِهم الذين لا يعلمونَ هُمُ الذين تَعَنَّتُوا وَاقْتَرَحُوا وَطَلَبُوا هذه الآياتِ؛ لأن عندهم تعنتاتٍ كثيرةً، كما ذكره اللَّهُ عنهم في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه، كقولِه في أخرياتِ سورةِ بني إسرائيلَ: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تُفَجِّرَ لنا} وفي القراءةِ الأُخْرَى (¬2): {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ} [الإسراء: الآيات 90 - 92] يَعْنُونَ قولَه: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ} [سبا: آية 9] {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ ¬
وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّنْ زُخْرُفٍ} يَعْنُونَ بالزخرفِ الذهبَ {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ} [الإسراء: الآيتان 92، 93] هذه تَعَنُّتَاتُهُمْ، ومن هذه التعنتاتِ: اقتراحهم للآياتِ، فأخبرهم أن رَبَّهُ قادرٌ على أن ينزلها، ولكن إنزالَها لا خيرَ لهم فيه، أَوَّلاً هو تعنتٌ لا يُراد به الحقُّ، ولو أنزلها لكفروا فأهلكهم كما أَهْلَكَ مَنْ كَفَرَ قبلَهم، كما أشارَ له بقولِه: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} [الإسراء: آية 59] وقد أَتَاهُمْ من المعجزات بِمَا فيه الكفايةُ، ولا يبقى في الحقِّ معه لَبْسٌ. أما التعنتاتُ فلا داعيَ للإجابةِ فيها؛ وَلِذَا قال: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: آية 37]. [2/أ] / {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)} [الأنعام: الآيات 38 - 41]. يقول الله جل وعلا: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: آية 38]. قولُه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ} أصلُه: وما دَابِّةٌ في الأرضِ. وإنما زِيدَتْ قبلَه (مِنْ) في قولِه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ} لِتَنْقُلَهَا زيادةُ (مِنْ) من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ. فقد تَقَرَّرَ في الأصولِ: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ من صيغِ
العمومِ (¬1). إلا أنها تكونُ ظاهرةً في العمومِ، فإذا زِيدَتْ قبلَ النكرةِ لفظةُ (مِنْ) نَقَلَتْهَا من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ (¬2). فلو قيل: «وما دابةٌ في الأرضِ» كانت الصيغةُ ظاهرةً في العمومِ. وَلَمَّا أكدَ شمولَ النفيِ بـ (من) وقال: {وَمَا مِن دَابَّةٍ} نَقَلَتْهَا زيادةُ (مِنْ) من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ. والمرادُ بالعمومِ: شمولُ النفيِ لكلِّ دابةٍ (¬3). أنه ما دَابَّةٌ في الأرضِ ولا طائر يطيرُ إلا أممٌ أمثالكم. وَاعْلَمْ أن زيادةَ (من) قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ لِتَنْقُلَهَا من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ، تَطَّرِدُ في القرآنِ وفي اللغةِ العربيةِ في ثلاثةِ مَوَاضِعَ (¬4): الأولُ: أَنْ تُزَادَ قبلَ المبتدأِ، كما هنا؛ لأن الأصلَ: وما دَابَّةٌ. و (دابة) مبتدأٌ سَوَّغَ الابتداءَ فيه بالنكرةِ اعتمادُها على النفيِ قَبْلَهُ. الثاني: زيادةُ (مِنْ) قَبْلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ إذا كانت النكرةُ فاعلاً. نحو: {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [القصص: آية 46] أصلُه: (ما أتاهم نذيرٌ) فاعلٌ زِيدَتْ قبلَه (مِنْ). ¬
الثالثُ: أن تُزَادَ قبلَ المفعولِ، نحو: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} [الأنبياء: آية 25] الأصلُ: ما أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رَسُولاً. فزيدت (من) فَتَحَصَّلَ أن (من) إذا زِيدَتْ قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ نَقَلَتْهَا من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ. وأنها تُزَادُ قبلَ النكرةِ بِاطِّرَادٍ في ثلاثةِ مواضعَ: قَبْلَ المبتدأِ، وقبلَ الفاعلِ، وقبلَ المفعولِ. وقولُه: {فِي الأَرْضِ} قال بعضُ العلماءِ: إنما خَصَّ دوابَّ الأرضِ دونَ دوابِّ السماءِ - مع أن في السماءِ دَوَابَّ أيضًا، كما قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: آية 29]- لِتَهْوِينِ أَمْرِهِمْ؛ لأنه أَرَادَ أن يُبَيِّنَ - لَمَّا قالَ الكفارُ: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} - أنه لا يُهْمِلُ شيئًا، وهو قائمٌ بمصالحِ دوابِّ الأرضِ التي هي مِنْ أَحْقَرِ الأشياءِ، فكيف يُهْمِلُ مصالحَ الآدَمِيِّينَ (¬1)!! ولو كان لكم في الآيةِ المقترحةِ فائدةٌ لأَتَاكُمْ بها. وقال بعضُ العلماءِ: عُبِّرَ لهم بما عَرَفُوا في الأرضِ، وَتُرِكَ غيرُه؛ لأنهم لم يَعْرِفُوهُ، فَأُرِيدَ مخاطبتُهم بِمَا عَلِمُوا (¬2). وقولُه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} قال بعضُ العلماءِ: إذا كان الطيرُ نازلاً يَمْشِي في الأرضِ فقد يَصْدُقُ عليه اسمُ (الدابةِ) لِدَبِيبِهِ في الأرضِ، وإذا طارَ في جوِّ السماءِ قابضًا وَصَافًّا لم يَصْدُقْ عليه في ذلك الوصفِ اسمَ الدبيبِ، وإنما يَصْدُقُ عليه أنه يطيرُ بِجَنَاحَيْهِ لاَ يدبُّ بِرِجْلِهِ. ¬
وقولُه: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} في هذه الآيةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: ما الفائدةُ وما الحكمةُ في قولِه: {بِجَنَاحَيْهِ} ومعلومٌ أن الطائرَ لا يطيرُ إلا بِجَنَاحَيْهِ؟ الجوابُ عن هذا السؤالِ عندَ العلماءِ مِنْ أَوْجُهٍ منها (¬1): أن القرآنَ نزلَ بلغةِ العربِ، وَمِنْ عادةِ العربِ هذا النوعُ من التوكيدِ، نحو: (قال لي هذا بِفِيهِ)، و (مَشَى إِلَيَّ بِرِجْلِهِ)، ومنه في القرآنِ: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: آية 79] ومعلومٌ أنهم لا يَكْتُبُونَهُ إلا بأيديهم، وكقولِه: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} [آل عمران: آية 167] {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم} [الفتح: آية 11] ومعلومٌ أن القولَ بالفمِ واللسانِ وما جَرَى مَجْرَى ذلك. القولُ الثاني: أن مادةَ (الطاءِ والياءِ والراءِ) - مادة (الطيرانِ) - قد تُطْلِقُهَا العربُ على الإسراعِ بِالرِّجْلَيْنِ، لا بِالْجَنَاحَيْنِ. وقد تقولُ لِعَبْدِكَ: «طِرْ يَا غُلاَمُ فِي حَاجَتِي» تعني: أَسْرِعْ، وفي الحديثِ في مدحِ المجاهدِ: «إِذْ سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إِلَيْهَا»، أي: أَسْرَعَ إليها (¬2). وفي شعرِ الحماسي، بيتُه المعروفُ (¬3): ¬
................... طَارُوا إِلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ قُعْنُبِ ابْنِ أُمِّ صَاحِبٍ (¬1): صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا إِنْ يَسْمَعُوا سُبَّةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا مِنِّي وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا وَلَمَّا كان يكثرُ في لغةِ العربِ [إطلاقُ] (¬2) الطيرانِ على الإسراعِ بِالرِّجْلَيْنِ، قد يكونُ لقولِه: {بِجَنَاحَيْهِ} فائدةٌ؛ لتُخْرَجَ مِنَ الإسراعِ بغيرِ الجناحين كما ذَكَرْنَا. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: قد يكونُ بعضُ ما يطيرُ يطيرُ بأكثرَ مِنْ جَنَاحَيْنِ، كما قال في الملائكةِ: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: آية 1] قالوا: هنالك من الملائكةِ مَنْ يطيرُ بأربعةِ أجنحةٍ؛ وَلِذَا احتُرزَ عن ذلك بقوله: {بِجَنَاحَيْهِ}. وَأَظْهَرُ الأقوالِ هو ما صَدَّرْنَا به: أن هذا الأسلوبَ معروفٌ في كلامِ العربِ، كقوله: «قَالَهُ لِي بِفِيهِ»، و «مشى إِلَيَّ بِرِجْلِهِ»، و «كتبتُ له بِيَدِي»، و «طارَ الطائرُ بِجَنَاحَيْهِ»، ومنه: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: آية 79] {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} [آل عمران: آية 167] وما جرى مَجْرَى ذلك و {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في قولِه: ¬
{إِلاَّ أُمَمٌ} سؤال، وهو أن يُقال: أَفْرَدَ اللَّهُ هنا الدابةَ، قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ} بلفظِ (دابةٍ) واحدةٍ {وَلاَ طَائِرٍ} بلفظِ (طائرٍ) واحدٍ. فكيف يَجْمَعُهُمْ على أممٍ ويقول: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}؟ والجوابُ (¬1): في هذا واضحٌ؛ لأن قولَه: {مَا مِنْ دَابَّةٍ} وقوله: {وَلاَ طَائِرٍ} كلاهما نكرةٌ في سياقِ النفيِ، تَعُمُّ كُلَّ دابةٍ، كائنة ما كَانَتْ، وَكُلُّ طائرٍ يطيرُ بِجَنَاحَيْهِ كائنًا ما كانَ، فالمعنى عَامٌّ؛ وَلِذَا قال في مثلِ هذا: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: آية 27] أَفْرَدَ اسمَ الضامرِ وقال: {يَأْتِينَ} بصيغةِ الجمعِ؛ لأن {كُلِّ ضَامِرٍ} بمعنى: ضَوَامِرَ كثيرةٍ، وكذلك {مَا مِنْ دَابَّةٍ} بمعنى: دَوَابَّ كثيرةٍ {وَلاَ طَائِرٍ} يَعُمُّ طيرًا كثيرًا؛ ولذا قال: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} اختلف العلماءُ في مِثْلِيَّةِ هذه الأممِ للآدميين على أقوالٍ متعددةٍ (¬2)، بعضها حَقٌّ. وَحَاصِلُ هذا أن اللَّهَ صَرَّحَ بأن الدوابَّ بأنواعها: بأنواعِ الوحوشِ، وأنواعِ السباعِ، وأنواعِ الطيورِ، كُلُّ نوعٍ من هذه الأنواعِ أُمَّةٌ من الأممِ التي خَلََقَ اللَّهُ، أمثال الآدميين؛ لمشابهاتٍ بينها وبينَ الآدميين؛ لأَنَّ كُلاًّ من الجميعِ مخلوقٌ يحتاجُ إلى خالقٍ يَخْلُقُهُ، مرزوق يحتاجُ إلى خالقٍ يرزقُه ويدبرُ شُؤُونَهُ. والكُلُّ مضبوطٌ في كتابٍ: أوصافُ الجميعِ، وآدابُ الجميعِ، وصفاتُ الجميعِ، ومقاديرُهم، وألوانُهم، إلى غيرِ ذلك. ومما يكونُ من تلك المماثلةِ: أن الجميعَ يُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ، كما قال هنا: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} وَنَصَّ على ذلك في التكويرِ في قولِه: {وَإِذَا الْوُحُوشُ ¬
حُشِرَتْ} [التكوير: آية 5] فلما كانوا أُمَمًا وأجناسًا يَعْرِفُ بعضُها بعضًا، وتُسافِدُ ذُكُورُهَا إِنَاثَهَا فَيَتَنَاسَلُونَ، وهذا أبٌ، وهذا أُمٌّ، والكلُّ مرزوقٌ، يرزقُه رازقٌ، يُدَبِّرُ شؤونَه، وَقَدَّر أرزاقَه، وقَدَّر آجالَه، القَدْرُ الذي يرزقُهم اللَّهُ مُحَدَّدٌ، والقَدْرُ الذي يعيشونَ في الدنيا محددٌ، وأوصافُهم وألوانُهم وغيرُ ذلك، وكلُّ هذا في كتابٍ، والآدميونَ كذلك يحتاجونَ إلى رازقٍ يَرْزُقُهُمْ، ويدبرُ شؤونَهم، يضبطُ آجالَهم وأعمالَهم وأرزاقَهم. من هذه الحيثيةِ صارت هذه أُمَمًا أمثالَنا. وقد كان لسفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ (رحمه الله) في هذه الآيةِ تفسيرٌ مشهورٌ (¬1) ارتضاه بعضُ العلماءِ، ولا يظهرُ عندنا كُلَّ الظهورِ، كان ابنُ عُيَيْنَةَ (رحمه الله) يقولُ في هذه الآيةِ الكريمةِ: إن اللَّهَ تباركَ وتعالى جعلَ في الآدميين شَبَهًا من أنواعِ البهائمِ، فَجَعَلَ في بعضِهم جراءةَ الأسدِ، وجعلَ في بعضِهم سرعةَ عَدْوِ الذيبِ، وجعلَ في بعضِهم فخرَ الطاووسِ وزهوَه، وجعلَ في بعضهم شَرَهَ الخنزيرِ، وهكذا، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا مشابهاتٍ من هذا النوعِ. وأكثرُ العلماءِ على أنهم إنما كانوا أُمَمًا أمثالنا؛ لأن كُلَّنَا مخلوقٌ مسكينٌ مرزوقٌ يُدَبِّرُ شؤونَه خالقٌ رازقٌ، وأن ذلك الخالقَ الرازقَ قَدَّرَ الأوقات الذي يُوجِدُنَا فيها، والأوقات التي يُمِيتُنَا فيها، والأرزاقَ التي يَرْزُقُنَا فيها، وَقَدَّرَ لِكُلٍّ منا قَدْرَ حياتِه وَرِزْقِه وَأَجَلِه وَقَدَّرَ صفتَه التي يكونُ عليها، ومقدارَه الذي يكونُ عليه، ونحو ذلك. ¬
وبهذه الآيةِ يتفكرُ المسلمُ ويعتبر، ويعلمُ أنه بالنسبة إلى ضَعْفِهِ وافتقارِه؛ وعظمةِ اللَّهِ (جل وعلا) وجلالِه، أنه كالحيواناتِ والبهائمِ. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} كما أنكم تعرفونَ اللَّهَ، وَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُوَحِّدُونَهُ، فهم أممٌ أمثالُكم كذلك (¬1). ويدلُّ لهذا أن اللَّهَ (جل وعلا) قال: {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: آية 44] وقال جل وعلا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: آية 41]. ومما يقدحُ في هذا القولِ أن هذا النوعَ تستوي فيه الجماداتُ مع البهائمِ؛ [لأنه] (¬2) دلَّ الكتابُ وَالسُّنَّةُ على أن الجماداتِ تشاركُ البهائمَ في هذا، واللَّهُ في آيةِ الأنعامِ هذه خَصَّ الحيواناتِ حيث قال: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} أما ذلك الإدراكُ وتسبيحُ اللَّهِ فالجماداتُ تشاركُ فيه البهائمَ، ويشملها عمومُ قولِه: {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء: آية 44] وقد سَبَّحَ الْحَصَى بيدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬3). وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ في قصةِ الْجِذْعِ - وهي متواترةٌ (¬4) - أن الجذعَ الذي كان يخطبُ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا تَحَوَّلَ عنه إلى المنبرِ فَقَدَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فحَنَّ حنينَ العِشَارِ، والمسجدُ غَاصٌّ ¬
بالناسِ، والصحابةُ يسمعونَ حَنِينَهُ، حتى جاءه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُسَكِّتُهُ كما تُسَكِّتُ الأُمُّ وَلَدَهَا (¬1). وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ بِمَكَّةَ» (¬2). وقد قال اللَّهُ (جل وعلا) في كتابِه: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا} - أي: مِنَ الحجارةِ - {لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: آية 74] لما يُصْعَقُ مِنْ أَعْلَى الجبلِ إلى أسفلِه نازلاً خوفًا من رَبِّ العالمين (جل وعلا)، كما قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: آية 21] وقد قال جل وعلا: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} [ص: آية 18] فصرَّح بتسبيحِ الجبالِ، وقد قال جل وعلا: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: آية 72] والإشفاقُ: الخوفُ. معناه: أن هذه الجماداتِ، من السمواتِ والأرضِ والجبالِ، عندها إدراكٌ يعلمُه اللَّهُ، ونحن لا نعلمُه، حيث أَبَتْ من التزامِ التكليفِ وَأَشْفَقَتْ، وهذه حقائقُ دَلَّ عليها الكتابُ والسنةُ. وَالْمُلْحِدُونَ الذين يقولونَ: «هذه أمثلةٌ وتخييلٌ وتصويرٌ بما ليس بواقعٍ». كل ذلك من صَرْفِ كتابِ اللَّهِ عن ظاهرِه المتبادرِ منه بغيرِ دليلٍ، وذلك لا يجوزُ؛ إذ لا مانعَ عقلاً أن يخلقَ اللَّهُ للجماداتِ إدراكاتٍ يعلمُها هو ونحن لا نعلمُها، كما قال تعالى: {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء: آية 44] وكذلك يخلقُ للبهائمِ إدراكاتٍ، وقد نصَّ القرآنُ على كثيرٍ من ذلك، ¬
نصَّ على قضيةِ النملةِ وَخُطْبَتِهَا العظيمةِ التي قَالَ فيها: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: آية 18] وذكر قصةَ الهدهدِ ومحاجتَه لسليمانَ، ونسبتَه الإحاطةَ لنفسِه ونفيَها عن سليمانَ {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: آية 22] وَبَيَّنَ أنه يَفْهَمُ أن يذهبُ بالكتابِ إلى بلقيسَ وجماعتِها {اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: آية 28]. وقوله (جل وعلا) في هذه الآيةِ الكريمةِ: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: آية 38] في المرادِ بالكتابِ هنا وَجْهَانِ معروفانِ (¬1): أَوَّلاً: الكتاب (فِعال) بمعنى (مفعول)، بمعنى المكتوبِ، قال بعضُ العلماءِ: هو هذا القرآنُ العظيمُ؛ لأنه مكتوبٌ عند الملائكةِ في صُحُفٍ، كما قال تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)} [عبس: الآيات 13 - 15] ومكتوب في اللوحِ المحفوظِ، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)} [البروج: الآيتان 21، 22]. الوجهُ الثاني: أن المرادَ بالكتابِ: اللوحُ المحفوظُ؛ لأنه مكتوبٌ فيه جميعُ وقائعِ ما كانَ وما يكونُ إلى يومِ القيامةِ، وأصلُ مادةِ (الكتابةِ) - مادة (الكافِ والتاءِ والباءِ) (كتب) - معناها في لغةِ العربِ: الضمُّ وَالْجَمْعُ (¬2)، فَكُلُّ شيءٍ ضَمَمْتَ بعضَه إلى بعضٍ ¬
وَجَمَعْتَ بعضَه مع بعضٍ فقد كَتَبْتَهُ؛ ولذا قيلَ للخياطةِ: كتابةٌ. وفي ألغازِ الحريريِّ في مقاماتِه (¬1): وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ ... حَرْفًا وَلاَ قَرَؤُوا مَا خُطَّ فِي الْكُتُبِ يعني بهم: الْخَيَّاطِينَ؛ ولأجلِ أن الخياطةَ تُسَمَّى كتابةً؛ لأنها تضمُّ طَرَفَيِ الثوبِ، وتجمعُ بعضَها إلى بعضٍ، أو طَرَفَيِ الأَدِيمِ، وتضمُّ بعضَها إلى بعضٍ؛ لأجلِ ذلك سَمَّتِ العربُ الرقعةَ التي في السِّقاءِ، سَمَّوْهَا: (كُتْبةً). وَسَمَّوُا الثوبَ الذي تُخَاطُ به الرقعةُ في السِّقاءِ: (كُتْبَةً)، وجمعها: (كُتَب). وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ غيلانَ ذِي الرُّمَّةِ (¬2): مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا الْمَاءُ يَنْسَكِبُ ... كَأَنَّهُ مِنْ كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ وفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا ... مُشَلْشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الكُتَبُ يعني بالكُتَبِ: الثغورُ التي تكونُ في الكُتْبَةِ يسيلُ منها الماءُ. يُشَبِّهُ ذلك الماءَ السائلَ بدمعِه؛ ولأجلِ هذا كانت العربُ تُسَمِّي الخياطةَ: كتابةً. ومنه قولُ عمرِو بنِ دارةَ (¬3) يهجو فَزَارَةَ، يهجوهم وَيُعَيِّرُهُمْ بأنهم يفعلونَ الفاحشةَ مع إناثِ الإبلِ، قال (¬4): ¬
لاَ تَأْمَنَّنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قَلُوصِكَ وَاكتُبْهَا بِأَسْيَارِ يعني: خِطْ فَرْجَهَا بأسيارٍ لئلا يفعلَ بها؛ ولأجلِ هذا المعنى قيلَ للكتيبةِ: (كتيبة)؛ لأنها جماعةٌ من الجندِ يَنْضَمُّ بعضُها إلى البعضِ حتى تكونَ كتلةً مُجتمعةً. وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ (¬1) هذا أصلُ مادةِ (الكافِ والتاءِ والباءِ) في لغةِ العربِ. ومعنى الكتابةِ (¬2): هي مصدرُ سيال، أنكَ تضمُّ نفسَ حرفٍ إلى حرفٍ إلى حرفٍ، حتى يجتمعَ من ذلك نقوشٌ دالةٌ على ألفاظٍ ومعانٍ. و (الكتابُ) في قولِه هنا: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ} أكثرُ الْمُحَقِّقِينَ على أنه اللوحُ المحفوظُ (¬3)، أي ما فَرَّطْنَا فيما كَتَبْنَا في اللوحِ المحفوظِ، ما ضَيَّعْنَا فيه شَيْئًا. و (مِنْ) هنا هي التي تُزَادُ قبلَ النكرةِ التي تَكَلَّمْنَا عليها الآنَ (¬4)، وهي هنا مزيدةٌ قبلَ المفعولِ؛ لأن التفريطَ: التضييعُ. أي: ما ضَيَّعْنَا شيئًا في الكتابِ، بل كَتَبْنَا فيه كُلَّ شيءٍ، ومن ذلك: آجالُ الطيورِ وأعمارُها وأرزاقُها وأقدارُها وألوانُها والوقتُ الذي تُولَدُ فيه، والوقتُ الذي تموتُ، كما فَعَلْنَا ذلك بِبَنِي آدمَ. ¬
الوجهُ الثاني: أن المرادَ بالكتابِ: القرآنُ، والمعنى: ما ضَيَّعْنَا في هذا الكتابِ من شيءٍ، بل جَمَعْنَا فيه كُلَّ شيءٍ يحتاجُ إليه الخلقُ. وقد نَصَّ اللَّهُ على هذا المعنَى صريحًا في سورةِ النحلِ، ليس فيه خلافٌ، وهو قولُه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: آية 89] فهذه في القرآنِ بلا خلافٍ تدلُّ على أنه يُبَيِّنُ كُلَّ شيءٍ؛ لأن في القرآنِ كُلَّ شيءٍ، والناسُ إنما يأخذونَ بقدرِ استعدادِ أَذْهَانِهِمْ، كُلٌّ يَغْرِفُ بحسبِ فَهْمِهِ، وقد ثبتَ في صحيحِ البخاريِّ عن أبي جحيفةَ أنه لَمَّا سألَ عَلِيًّا (رضي الله عنه): «هل خَصَّكُمْ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بشيءٍ؟» قال عَلِيٌّ (رضي الله عنه) فيما ثبتَ عنه في صحيحِ البخاريِّ: «لاَ والذي فَلَقَ الحبَّةَ وبرأَ النسمةَ، إلا فَهْمًا يُعطيه اللَّهُ رجلاً في كتابِ اللَّهِ، وما في هذه الصحيفةِ». قال: «وَمَا فِي هذه الصحيفةِ؟» قال: «العقلُ، وفِكَاكُ الأسيرِ، وألا يُقْتَلَ مسلمٌ بِكَافِرٍ» (¬1) فقولُ عَلِيٍّ (رضي الله عنه) في هذا الحديثِ الصحيحِ جوابًا لـ: «هل خصَّكم رسولُ الله بشيءٍ؟»: «لا، إلا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ ... » يُفهم منه أن مَنْ أعطاه اللَّهُ فهمًا في كتابِ اللَّهِ يُخَصُّ بخصائصَ مِنَ العلومِ لم يُخَصَّ بها غيرُه، وما ذلك إلا أن القرآنَ جَمَعَ كُلَّ شيءٍ، منه ما يَطَّلِعُ عليه كُلُّ الناسِ، ومنه ما يَطَّلِعُ عليه الراسخونَ في العلمِ، ومنه ما يَعْلَمُهُ النبيُّ، ومنه ما لا يَعْلَمُهُ إلا اللَّهُ (جل وعلا). وَكُلُّ ما في السُّنَّةِ جَمِيعًا، فهو في كتابِ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: آية 7]. فَالسُّنَّةُ كُلُّهَا تَشْمَلُهَا كلمةٌ مِنْ بَحْرِ القرآنِ. وهذا معنى قولِه: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} التفريطُ في الشيءِ: هو تَضْيِيعُهُ. ¬
وقولُه تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} الضميرُ عائدٌ إلى الأممِ المذكورةِ {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}. وَيُشكلُ عليه: أنه رَدَّ عليه الضميرَ بصيغةِ ضميرِ العقلاءِ، والطيورُ والدوابُّ ليست من العقلاءِ؟ والجوابُ (¬1): أنه لَمَّا شَبَّهَهُمْ بالعقلاءِ وقال: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} فعندَ هذا التشبيهِ بالعقلاءِ يُسوِّغُ ذلك أن يَبْنِيَ عليهم ضميرَ العقلاءِ. وقد تقررَ في فَنِّ العربيةِ: أن غيرَ العاقلِ كُلَّمَا شُبِّهَ بالعاقلِ جرى عليه في الضمائرِ ونوع الصِّيَغِ ما يجري على العاقلِ (¬2). ونظيرُه في القرآنِ قولُه تعالى في رُؤْيَا يوسفَ: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} قال: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: آية 4] فَجُمِعَ جمعَ المذكرِ السالمِ المختصِّ بالعقلاءِ؛ لأنها لَمَّا اتَّصَفَتْ بالسجودِ أَشْبَهَتِ العقلاءَ من هذه الحيثيةِ، فَجَرَتْ عليها صيغةُ العقلاءِ. وكذلك قولُه: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: آية 11] لأنه لَمَّا خاطبَ السماواتِ والأرضَ خطابَ العقلاءِ، وَصَرَّحَتْ بالإطاعةِ كما يطيعُ العاقلُ، أجرى عليها جمعَ المذكرِ السالمِ المختصِّ بالعاقلِ كما هنا. {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ يومَ القيامةِ أحياء. وقد جاء في حديثٍ عن أبي هريرةَ (¬3)، ¬
وأبي ذَرٍّ (¬1) - وحديثُ أبي هريرةَ صَحَّحَهُ الحاكمُ وغيرُه - أن اللَّهَ يحشرهم هذا الحشرَ، ويعدلُ بينهم، حتى إنه ليقتصُّ لِلْجَمَّاءِ من الْقَرْنَاءِ التي كانت تَنْطَحُهَا في دارِ الدنيا. هكذا جاءَ في حديثٍ صَحَّحَهُ بعضُ العلماءِ، واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. وهذه الآيةُ صَرَّحَتْ بأن الحيواناتِ والطيورَ كُلَّهَا يَحْشُرُهَا اللَّهُ بَعْدَ الموتِ، وظاهرُ هذا أنه حشرُ إحياءٍ بعدَ الموتِ، وتدلُّ عليه آيةُ التكويرِ: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: آية 5] في مَعْرِضِ يومِ القيامةِ. فالقولُ الْمَرْوِيُّ عن ابنِ عباسٍ: أن حشرَ الطيورِ والدوابِّ: مَوْتُهَا. هذا القولُ رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ من ¬
طُرُقٍ (¬1)، والظاهرُ أنه خلافُ الصحيحِ، وأن الصحيحَ ما عليه الجمهورُ، وَدَلَّ عليه ظاهرُ القرآنِ: أنه حَشْرٌ بعدَ الموتِ، كما قال: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: آية 5]. {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: آية 39]. {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} المعنى أن الذين كَذَّبُوا بآياتِ اللَّهِ - كالذين جَحَدُوا هذا الوحيَ الْمُنَزَّلَ (القرآنَ العظيمَ)، وزعموا أنه شِعْرٌ أو سِحْرٌ أو كهانةٌ أو أساطيرُ الأولين، ونحو ذلك - قال اللَّه فيهم: إنهم صُمٌّ بُكْمٌ. الصُّمُّ: جمعُ الأَصَمِّ. وقد تقررَ في فَنِّ التصريفِ: أن صيغةَ (أَفْعَل) إذا كانت صفةً مشبهةً، وكذلك أُنْثَاهَا (فَعْلاء) ينقاسُ جَمْعُ كُلٍّ منهما تفسيرًا على (فُعْل) (¬2)، كالأصمِّ والصُّمِّ، والأعمى والعُمْيِ، والأبكمِ والبُكمِ، والأحمرِ والحُمرِ، إلى غيرِ ذلك. ومعنى صُمٍّ: أنهم صُمٌّ عن سماعِ الحقِّ وإن كانوا يسمعونَ غيرَه. كما بَيَّنَّا أنه قال عن المنافقين: {صُمٌّ وَبُكْمٌ} [البقرة: آية 18] فَحَكَمَ عليهم بالبَكَمِ مع أنه يقولُ فيهم: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: آية 19] ومن أَيْنَ لِلْبُكْمِ أن تكونَ لهم الألسنةُ الحدادُ؟ وقال في المنافقين: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} ¬
[المنافقون: آية 4] أي لِفَصَاحَتِهِمْ وحلاوةِ ألسنتِهم، مع أنه يحكمُ بأنهم بُكْمٌ. وهذا (الصَّمَمُ) وهذا (البَكَمُ) المرادُ به: أنهم صُمٌّ عن سماعِ ما يُقَرِّبُهُمْ إلى اللَّهِ ويدخلُهم الجنةَ، وإن سَمِعُوا غيرَه، بُكْمٌ عن النطقِ بالحقِّ وإن تَكَلَّمُوا بغيرِه. والعادةُ المعروفةُ في العربيةِ: أنهم يطلقونَ على قليلِ الْجَدْوَى اسمَ (لا شيءَ). وأنهم يُطْلِقُونَ على السماعِ الذي لا فائدةَ فيه، اسمَ: (الصَّمَمِ) (¬1). ومنه قولُ قُعْنُبِ ابْنِ أُمِّ صَاحِبٍ (¬2): صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ... وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا ومعنى (أَذِنُوا): أَنْصَتُوا بآذانٍ صاغيةٍ. فهو يقولُ: (صُمٌّ إذا سَمِعُوا) يُصَرِّحُ بأنهم صُمٌّ في الوقتِ الذي يصرحُ بأنهم يسمعونَ، كما في الآياتِ؛ لأن السماعَ الذي لا فائدةَ فيه يُطْلَقُ عليه اسمُ (الصَّمَمِ) وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا سُئِلَ عن الكهانِ، قال في الكهان: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» (¬3). نَفَى عنهم اسمَ (الشيءِ) لِخَسَاسَتِهِمْ وقلةِ فائدتِهم، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ. والذي عليه الجمهورُ: أن هذا الصممَ والعَمَى في الدنيا، كما ¬
قال اللَّهُ: {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: آية 23] وقال: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: آية 7] وقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: آية 23]. وقد قَدَّمْنَا أن هذا الصممَ والعَمَى إنما هو من ذلك الختمِ الذي يضعُ اللَّهُ على قلوبِهم، الذي عُبِّرَ عنه تارةً بـ (الختمِ) في قولِه: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} [البقرة: آية 7] وتارةً بـ (الطبعِ): {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: آية 155] {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} [يونس: آية 74] وعنها تارةً بـ (الرَّانِ): {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: آية 14] ومرةً بـ (الأَكِنَّةِ): {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف: آية 57]. قد بَيَّنَّا وجهَ الجوابِ منه عن حُجَّةِ الجبريةِ (¬1)؛ لأنهم يقولونَ: «إذا كان اللَّهُ جعلَ على قلبِه الختمَ، وعلى عيونِه [الغشاوةَ] (¬2)، وجعلَ عليه الطبعَ والأكنةَ، ومنعَه من الفهمِ والسماعِ إِذَنْ هو مجبورٌ»!! وقد أَجَبْنَا عن هذا: أن الآياتِ القرآنيةَ دَلَّتْ بكثرةٍ: أن ذلك الختمَ والطبعَ إنما يجعلُه اللَّهُ عليهم بعدَ أن بَادَرُوا إلى الكفرِ، وَتَمَرَّدُوا على اللَّهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ وَعَانَدُوا وَلَجُّوا في الباطلِ، فعند هذا يطمسُ اللَّهُ بصائرَهم جزاءً وِفَاقًا، كما قال: ¬
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: آية 5] بِأَنْ خَتَمَ عليها وطبعَ وَمَنَعَهَا من الخيرِ، وقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: آية 155] أي: بسببِ كُفْرِهِمْ، فالباءُ سببيةٌ، بَيَّنَتْ أن سببَ ذلك الطبعِ هو كفرٌ سابقٌ. وقال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام: آية 110] أي: نُقَلِّبُهَا كي لا تسمعَ الحقَّ أو تُبْصِرَهُ {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} لَمَّا سَارَعُوا وَبَادَرُوا إلى الكفرِ طَمَسْنَا على قلوبِهم، كما بَيَّنَهُ في قولِه: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: آية 14] فَبَيَّنَ أن ذلك (الرَّانَ) الذي غَطَّى القلوبَ وَمَنَعَهَا من الفهمِ سببُه ما كانوا يكسبونه من الشَّرِّ والكفرِ والمعاصي - والعياذُ بالله - ولذا قال تعالى هنا: {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} قولُه: {فِي الظُّلُمَاتِ} كأنه يقولُ: (عمي)، (صمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، إلا أنه عبَّر عن عَمَاهُمْ بكونِهم {فِي الظُّلُمَاتِ}؛ لأن الذي هو في الظلماتِ لا يُبْصِرُ شيئًا، و {فِي الظُّلُمَاتِ}: جمع ظُلْمَةٍ. وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مرارًا: أن مِنْ أصعبِ المسائلِ شُبْهَةَ الجبرِ وَالْقَدَرِ (¬1)، هي من أصعبِ المسائلِ، وأن القرآنَ أشارَ إليها في آياتٍ؛ لأن كثيرًا من الْجَهَلَةِ والملحدين يقولون: «إن كان اللَّهُ هو الذي يشاءُ أفعالَ العبدِ، وهو الخالقُ لِكُلِّ شيءٍ - ومنه أفعالُ العبدِ - وأفعالُ العبدِ بِمَشِيئَتِهِ، فكيف يُعَاقَبُ العبدُ المسكينُ على شيءٍ شَاءَهُ اللَّهُ، وَخَلَقَهُ اللَّهُ؟ فالعبدُ إِذَنْ لاَ يُؤَاخَذُ بشيءٍ»!! فَلأَجْلِ هذه الشبهةِ ضَلَّتِ القدريةُ - والعياذُ باللَّهِ - فقالوا: إن العبدَ يستقلُّ بأعمالِ نفسِه. زَاعِمِينَ أن قدرةَ العبدِ مستقلةٌ بأعمالِه بلا تأثيرٍ لقدرةِ اللَّهِ فيها، فَفَرُّوا ¬
من شيءٍ ووقعوا فيما هو أعظمُ منه، والعياذُ بِاللَّهِ. وقد قَدَّمْنَا: أنه لو تَنَاظَرَ جَبْرِيٌّ وَسُنِّيٌّ فقال الجبريُّ مثلاً: هذه الذنوبُ والمعاصي التي صَدَرَتْ من البعيدِ أن اللَّهَ كَتَبَهَا عليه، وَقَدَّرَهَا عليه في الأزلِ، وَطُوِيَتْ الصحفُ، وَجَفَّتِ الصحفُ، وكان ما كان، ولا مبدلَ لِمَا سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ. يقول البعيدُ: لو أردتُ التخلصَ مما سبقَ به العلمُ الأزليُّ لا يُمْكِنُنِي ذلك بحالٍ. فيقولُ البعيدُ: أنا إذًا مَجْبُورٌ، فكيفَ نُعَاقَبُ؟ وهذا فِعْلُ اللَّهِ وتقديرُه في أَزَلِهِ قبلَ أن أُولَدَ، وما سبقَ في العلمِ فهو حتمٌ واقعٌ لاَ مَحَالَةَ!! والصحابةُ سَأَلُوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن هذه المسألةِ، وقالوا: «أَهُوَ أَمْرٌ مُؤْتَنَفٌ، أو كانَ ما كان فيما مَضَى؟» أَخْبَرَهُمْ أنه كانَ مَا كَانَ. فقالوا له: إذًا لِمَ لا نَتْرُكُ وَنَتَّكِلُ على الكتابِ السابقِ، ونتركُ العملَ حيث فُرِغَ مِنْ كُلِّ شيءٍ، وَمَضَى ما مَضَى؟ فَبَيَّنَ لهم بِنُكْتَةٍ من جوامعِ الكلمِ، قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (¬1). فهي كلمةٌ مجملةٌ تَدُلُّ على ¬
معانِي هذا بالتفصيلِ، فالمؤمنُ - مثلاً - إذا نَاظَرَ الجبريَّ يقولُ له: اعْلَمْ يا جَبْرِيُّ أن جميعَ الأسبابِ الذي اهتدى بها المهتدون، وأعطاها اللَّهُ لهم: أعطاكَ مِثْلَهَا: العيونُ التي أَبْصَرُوا بها آياتِ اللَّهِ وغرائبَه وعجائبَه فَآمَنُوا: أَعْطَاكَ عَيْنَيْنِ صحيحتين مثلَها، والقلوبُ التي فَهِمُوا بها عن اللَّهِ: أعطاكَ عَقْلاً صحيحًا مثلَها، والرسولُ النذيرُ الذي أَنْذَرَ الكلَّ وَخَوَّفَهُ وَبَيَّنَ له: أَعْطَاكَ مثلَه، فجميعُ ما أَعْطَاهُمْ أعطاكَ إِيَّاهُ، إلا أن الفرقَ بينَك وبينَهم في شيءٍ واحدٍ هو: أن اللَّهَ تَفَضَّلَ عليهم بالتوفيقِ إلى ما بَيَّنَ لهم وَأَمَرَهُمْ به، وأنتَ لم يَتَفَضَّلْ عليكَ، وتفضُّله بالتوفيقِ مُلْكُهُ الْمَحْضُ، مَنْ تَفَضَّلَ عليه فَفَضْلٌ، ومن مَنَعَهُ من التوفيقِ فَعَدْلٌ، كما قال جل وعلا: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: آية 149] مُلْكُهُ للتوفيقِ بمشيئتِه: حُجَّتُهُ البالغةُ على خَلْقِهِ، مَنْ أَعْطَاهُ فَفَضْلٌ، وَمَنْ مَنَعَهُ فَعَدْلٌ. وقد بَيَّنَّا مناظرةَ عبدِ الجبارِ مع
أَبِي إسحاقَ الإسفراييني في هذه المسألةِ (¬1)؛ لأن أَبَا إِسْحَاقَ فَهِمَ مضمونَ هذه الآيةِ، وحاجَّ به هذا المبتدعَ الْمُفْتَرِي. فجاء عبدُ الجبارِ يتقربُ بمذهبهم الخسيسِ أن السرقةَ والزِّنَى لا تكونُ بمشيئةِ اللَّهِ؛ لأن السرقةَ والزِّنَى من القبائحِ والرذائلِ، وأن اللَّهَ - في زَعْمِهِمْ - أَنْزَهُ وأكرمُ وَأَجَلُّ من أن تكونَ هذه الخسائسُ والقبائحُ بمشيئتِه، فجاءَ عبدُ الجبارِ يتقربُ إلى اللَّهِ ويعبدُه بهذا المذهبِ الباطلِ، فقال: سبحانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشَاءِ!! يعني: أن فُحْشَ السرقةِ والزِّنَى ليس بمشيئةِ اللَّهِ. فقال أبو إسحاقَ: كلمةُ حَقٍّ أُرِيدَ بها باطلٌ!! ثم قال: سبحانَ مَنْ لاَ يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إلا مَا يَشَاءُ. فقالَ عبدُ الجبارِ: أَتَرَاهُ يَشَاؤُهُ وَيُعَاقِبُنِي عليه؟ فَقَالَ أبو إسحاقَ: أتراك تفعلُه جَبْرًا عليهِ؟ أأنتَ الربُّ وهو العبدُ؟ فقال عبدُ الجبارِ: أرأيتَ إن دَعَانِي إلى الْهُدَى، وقضى عَلَيَّ بِالرَّدَى، دَعَانِي وَسَدَّ البابَ دُونِي، أتراه أَحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أَسَاءَ؟ فقال أبو إسحاقَ: أرى أن الذي مَنَعَكَ إن كان حَقًّا واجبًا لكَ عليه فقد ظَلَمَكَ وقد أساءَ، إن كان مُلْكُهُ المحضُّ فإن أعطاكَ فَفَضْلٌ، وإن مَنَعَكَ فَعَدْلٌ. وبُهِتَ عبدُ الجبارِ، وقال الحاضرونَ: واللَّهِ ما لهذا جوابٌ!! ¬
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى القصةَ التي ذَكَرُوهَا عن عمرِو بنِ عُبَيْدٍ - مع أنه من عظمائِهم الأَجِلاَّءِ عندهم - أنه جاءَه ذلك البدويُّ، وقال له إن حِمَارَتَهُ أو دَابَّتَهُ سُرِقَتْ، وأنه [يطلب منه أن] (¬1) يدعوَ اللَّهَ له أن يَرُدَّهَا عليه. فقام يدعو ويتقربُ بهذا المذهبِ الباطلِ: اللَّهُمَّ إِنَّ دَابَّتَهُ سُرِقَتْ ولم تُرِدْ سَرِقَتَهَا؛ لأنك أكرمُ وأنزهُ وأجلُّ من أن تُرِيدَ هذه الرذيلةَ القبيحةَ - يعني السرقةَ -!! فالبدويُّ قال له: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ يا هذا إلا ما كففتَ عَنِّي من دعائِك الخبيثِ، إن كانت سُرِقَتْ ولم يُرِدْ سرقتَها فقد يريدُ ردَّها ولا تُرَدُّ، ولا ثقةَ لي بِرَبٍّ يُفْعَلُ في مُلْكِهِ أشياءُ ليست في مشيئتِه، فهذا ليس بِرَبٍّ، ولا ثقةَ لِي به، فَاكْفُفْ عَنِّي من دعائكَ الخبيثِ (¬2)!! [2/ب] فحقيقةُ هذا الأمرِ أن اللَّهَ (جل وعلا) غَنِيٌّ عن الخلائقِ. / ولكنه خَلَقَ الخلقَ، وَجَبَلَ بعضَهم في الأزلِ على القُبحِ والسوءِ، وجبلَ بعضَهم في الأزلِ على الطيبِ والطهارةِ، وَيَسَّرَ كلاًّ لِمَا خلقَه له، والحكمةُ في ذلك: أن يكونَ فيهم مُطِيعُونَ يظهرُ فيهم مظاهرُ بعضِ أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، يظهرُ فيهم من مظهرِ اسمِه: الرحيمِ، الكريمِ، الغفورِ الجوادِ، إلى غيرِ ذلك من صفاتِ الجودِ، والرحمةِ، والمغفرةِ، والكرمِ، كما أنه شاءَ أن يخذلَ قومًا آخرين، فتكون أعمالُهم غيرَ طَيِّبَةٍ؛ ليظهرَ فيهم أيضًا بعض مظاهرِ أسمائِه وصفاتِه من شدةِ البطشِ وقوةِ الانتقامِ، وعظمةِ النكالِ والعقابِ، إلى غيرِ ذلك. واللَّهُ (جل وعلا) إذا خلقهم وأوجدهم يصرفُ قُدَرَهم وإراداتِهم بقدرتِه وإرادتِه إلى ما سَبَقَ به العلمُ الأَزَلِيُّ، ¬
فيأتونه طائعينَ {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الدهر: آية 30]. وقولُه جل وعلا: {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: آية 39] جمهورُ العلماءِ على أن المرادَ بِصَمَمِهِمْ وَعَمَاهُمْ وكونهم في الظلماتِ: أنه في دارِ الدنيا (¬1)، والمرادُ به عَمَى أبصارِهم عن الحقِّ، وصممُ أسماعِهم عن الحقِّ، وعمى عيونِهم عن الحقِّ؛ لأنها في الظلماتِ - والعياذُ بالله - لا تُبْصِرُ شيئًا، كما في قولِه: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: آية 18] {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأحقاف: آية 26] خلافًا لبعضِ العلماءِ القائلِ: الذين كفروا في دارِ الدنيا {صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} في الآخرةِ؛ لأجلِ تكذيبِهم في الدنيا (¬2)، واستدلَّ بأن اللَّهَ قال: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: آية 97] وذكر بأنهم في الظلماتِ، بدليلِ قولِه: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد: آية 13]. والقولُ الأولُ هو الذي عليه الجمهورُ. ثم قال: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: آية 39]. ¬
قد بَيَّنَّا فيما مَضَى (¬1) أن فِعْلَ المشيئةِ إذا قُرِنَ بأداةِ شرطٍ حُذِفَ مفعولُه باتفاقٍ؛ لأن جزاءَ الشرطِ يكفي عنه. وتقريرُ المعنى: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ إِضْلاَلَهُ يُضْلِلْهُ، ومن يشأ جَعْلَهُ على صراطٍ مستقيمٍ يجعله على صراطٍ مستقيمٍ). وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على رَدِّ مذهبِ القدريةِ رَدًّا واضحًا لا شَكَّ فيه؛ لأنه بَيَّنَ أن الضلالَ بمشيئتِه، والهدى بمشيئتِه، فلا يقعُ في الكونِ تحريكةٌ ولا تسكينةٌ إلا بمشيئتِه جل وعلا {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الدهر: آية 30] يعني مَنْ شاء أن يُضله، أي: يُزيغه عن طريقِ الصوابِ. وقد قَدَّمْنَا فيما مَضَى أن الضلالَ جاء إطلاقُه في القرآنِ وفي لغةِ العربِ على ثلاثةِ أنحاءَ متقاربةٍ (¬2). وبعضُ العلماءِ يحاولُ أن يجعلَ مرجعَها في الأصلِ إلى شيءٍ واحدٍ. أشهرُها: هو الذهابُ عن طريقِ الجنةِ إلى طريقِ النارِ، وعن طريقِ الْهُدَى - التي جاء بها النبيُّ - إلى طريقِ الكفرِ والمعاصِي التي سَنَّهَا الشيطانُ. وهذا الإطلاقُ هو أشهرُ إطلاقِ أنواعِ الضلالِ، ومنه هذه الآيةُ: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ} [الأنعام: آية 39] أي: يُضْلِلْهُ عن طريقِ الحقِّ التي تُدْخِلُهُ الجنةَ إلى طريقِ الضلالِ التي تُدْخِلُهُ النارَ. ¬
الإطلاقُ الثاني من إطلاقاتِ الضلالِ أن معناه: الغيبوبةُ والاضمحلالُ، وكلُّ شيءٍ غابَ وانعدمَ واضمحلَّ تقولُ العربُ: (ضل). تقول العربُ: «ضَلَّ السَّمْنُ فِي الطعامِ» إذا غابَ واضمحلَّ فيه، وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه بهذا المعنى الآيةُ المتقدمةُ: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: آية 24] أي: غَابَ وَاضْمَحَلَّ وَزَالَ، ومنه قولُه: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: آية 10] يَعْنُونَ أنهم اخْتَلَطَتْ عظامُهم بالأرضِ فَأَكَلَتْهَا فَانْعَدَمَتْ وَاضْمَحَلَّتْ فيها كما يضمحلُ السَّمْنُ في الطعامِ. ومن الضلالِ بهذا المعنى قولُ الأَخْطَلِ (¬1): كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الأَتِيُّ بِهِ، فَضَلَّ ضَلاَلاَ وقولُ الآخَرِ (¬2): أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرَكَ الدِّيارُ عَنِ الْحَيِّ الْمُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا فقولُه: «الحيِّ المضللِ» أي: الذي ذَهَبَتْ به الأيامُ، وانقضى ذِكْرُه فغابَ وَاضْمَحَلَّ. الإطلاقُ الثالثُ من إطلاقاتِ الضلالِ: هو الذهابُ عن معرفةِ الشيءِ، لا عن طريقِ الصوابِ، ولا جنةٍ ولا نارٍ، بل كُلُّ شيءٍ ذَهَبَتْ عن حقيقةِ معرفةِ الواقعِ فيه تقولُ العربُ: «ضَلَّ عَنْهُ»، ومنه بهذا ¬
المعنى على أصحِّ التفسيراتِ: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} [الضحى: آية 7] يعني: ذاهبًا عما تعرفُه الآنَ من العلومِ فَهَدَاكَ إلى تلك العلومِ بالوحيِ؛ لأنها علومٌ لاَ تُعْرَفُ بالعقلِ، ولا تعرفُ بالفطرةِ، ومن الضلالِ بهذا المعنى قولُه تعالى في الدَّيْنِ: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} [البقرة: آية 282] أي: تذهب عن معرفةِ المشهودِ به فَتُذَكِّرُهَا الأخرى، ومنه بهذا المعنى {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} [طه: آية 52] أي: لا يذهبُ عنه عِلْمُ شيءٍ، بل جميعُ الأشياءِ يحيطُ بها عِلْمُهُ. ومنه بهذا المعنى قولُ أولادِ يعقوبَ ليعقوبَ: {تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: آية 95] ذهابُك عن معرفةِ حقيقةِ يوسفَ، وما جرى مَجْرَى ذلك، ومن أمثلةِ هذا النوعِ في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (¬1): وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلاً، أُرَاهَا فِي الضَّلاَلِ تَهِيمُ يعني: أنها ظَنَّتْ أنه يبغي بها بَدَلاً، والأمرُ بخلافِ ذلك. ولأجلِ أن الضلالَ يُطْلَقُ على الغَيْبَةِ والاضمحلالِ (من إطلاقِه الثاني): سَمَّتِ العربُ الدفنَ (إضلالاً)، تقول: «ذَهَبُوا بِالْمَيِّتِ فَأَضَلُّوهُ» إذا دَفَنُوهُ في قبرِه، ومن هذا المعنى قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬2): فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وَغُودِرَ بِالْجَوْلاَنِ حَزْمٌ وَنَائِلُ ¬
وهذه الآيةُ الكريمةُ تَرُدُّ مذهبَ المعتزلةِ، وتوضحُ أن الهدى والضلالَ كُلُّ ذلك بمشيئةِ اللَّهِ، يُضِلُّ قومًا وله بذلكَ الحكمةُ البالغةُ، وَيَهْدِي آخَرِينَ وله في ذلك الحكمةُ البالغةُ. اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَمَنْ خلقَه اللَّهُ للخيرِ هَدَاهُ إلى ما يُرْضِيهِ، ومن خلقَه للشرِّ - والعياذُ بالله - بعكسِ ذلك؛ ولذا قال: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الصراط) في لغةِ العربِ: هو الطريقُ الواضحُ (¬1). فَكُلُّ طريقٍ واضحٍ تُسَمِّيهِ العربُ: (صِرَاطًا). و (المستقيم): هو الذي لا اعوجاجَ فيه (¬2). ووزنُه بالميزانِ الصرفيِّ (¬3): (مُسْتَفْعِل) وياؤه مُبْدَلَةٌ من واوٍ، أصلُه: (مُسْتَقْوِم) على وزنِ (مُسْتَفْعِل)؛ لأن مادةَ (الاستقامةِ) واويةُ العينِ، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ؛ وذلك أن دينَ الإسلامِ طريقٌ واضحٌ، مَحَجَّةٌ بيضاءُ، تَرَكَهَا نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - بما أوضحَ به وَبَيَّنَهَا محجةً بيضاءَ، ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هَالِكٌ. وقوله: {مُّسْتَقِيمٍ} طريقُ دِينِ الإسلامِ في غايةِ الاستقامةِ، ليس فيه اعوجاجٌ. ومعنى استقامتِه: أن طَرَفَهُ بِيَدِ المسلمين، وَطَرَفهُ الآخَر فِي الجنةِ، إذا ثَبَتُوا عليه استقامَ بهم إلى الجنةِ، فَأَدْخَلَهُمْ إياها من غيرِ أن يعدلَ بهم عنها يَمِينًا ولا شِمَالاً، وإذا تركوه ذَهَبُوا إلى بُنَيَّاتِ الطرقِ. وقد ضَرَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهذا مثلاً (¬4)، فَخَطَّ ذلك الخطَّ ¬
المستقيمَ، وَخَطَّ حولَه خطوطًا كثيرةً؛ لِيُبَيِّنَ أن دينَ اللَّهِ مستقيمٌ، وأن حولَه بِدَعًا، وبُنَيَّاتِ طُرُقٍ، مَنْ سَلَكَهَا ضَلَّ وَهَلَكَ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ} الآية [الأنعام: آية 153]. {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)} [الأنعام: الآيتان 40، 41]. هذه الآيةُ الكريمةُ عَابَ اللَّهُ فيها الكفارَ بسخافةِ العقولِ (¬1)، وأنهم إذا نَزَلَتْ بهم شِدَّةٌ من عظائمِ الشِّدَدِ أَخْلَصُوا في ذلك الوقتِ الدعاءَ إلى اللَّهِ، وَتَرَكُوا دعاءَ غيرِ اللَّهِ؛ لِعِلْمِهِمْ بأنه لا ينفعُ ولا يضرُّ، فإذا نَجَّاهُمُ اللَّهُ من تلك الكربةِ، وأمِنوا: رَجَعُوا إلى ما كانوا عليهِ من الشركِ بالله. وهذه سخافةُ عقولٍ؛ لأنهم في وقتِ الشدائدِ يُخْلِصُونَ إلى اللَّهِ، ثم إذا كان في غير ذلك الوقتِ رَجَعُوا إلى ما كانوا عليه من الكفرِ!! وهذا ذمٌّ من اللَّهِ للكفارِ، ذَمَّهُمْ به في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه؛ ذلك أن الإنسانَ إذا نَزَلَتْ به عظيمةٌ من عظائمِ الشدةِ - في الدنيا - والأهوالِ فإن الالتجاءَ في ذلك الوقتِ إلى مَنْ يُنْقِذُهُ. هذا من ¬
خصوصِ خالقِ الكونِ (جل وعلا)، هذا أَمْرٌ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ، ليس فيه شركٌ لأحدٍ. فَاللَّهُ (جل وعلا) إذا نَزَلَتْ بالناسِ الشِّدَدُ والبلايا والفظائعُ العظامُ فَمَلْجَؤُهُمْ الذي يلجؤون إليه هو خالقُهم (جل وعلا). وَسَيِّدُهُمْ في ذلك وقائدُهم فيه: هو سيدُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، كان إذا نَزَلَ به المكروهُ والشدائدُ أَخْلَصَ الالتجاءَ في ذلك الوقتِ لِمَنْ له ذلك الحقُّ الخالصُ، كما قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: آية 9]. وهذا المستغيثُ هو محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يَلْتَجِئُ إلى اللَّهِ عندَ الشدةِ لِيُشَرِّعَ ذلك [لأُمَّتِهِ] (¬1)، ويبينَ لهم أن هذا حقُّ رَبِّهِمْ الخالصُ له وَحْدَهُ. وقد أوضحَ اللَّهُ هذا المعنى بالسورةِ الكريمةِ - سورةِ النملِ - حيث قال: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ} [النمل: آية 59] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {أَمَّا يُشْرِكُونَ} (¬2) الجواب: اللَّهُ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ثم (¬3) قال: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل: آية 61] ذَكَرَ في هذه الآياتِ خَلْقَهُ البحرَ والجبالَ وما فَعَلَ من عظائمِ رُبُوبِيَّتِهِ (جل وعلا)، وهذه خصائصُه وحقوقُه الخالصةُ. ثم قال في ¬
الأثناءِ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} [النمل: آية 62] ثم قال: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [النمل: آية 63] وفي القراءة الأخرى: {نُشْرًا بين يدي رحمته} (¬1) ثم قال: {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ} [النمل: آية 64] هذه حقوقُ اللَّهِ الخالصةُ له، فنحن معاشرَ المؤمنين نُخْلِصُهَا لِلَّهِ، إرضاءً لِلَّهِ ولرسولِه - صلى الله عليه وسلم -، واقتداءً برسولِه؛ ولئلا نَتَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، ونصرفَ حقوقَه لغيرِه، والكفارُ يعلمونَ هذا، ويعلمونَ أن هذه حقوقُ اللَّهِ الخالصةُ له، فإذا كان وقتُ الْجِدِّ، ورأوا الشدائدَ (¬2)، كَأَنْ يَهِيجُ عليهم البحرُ بأمواجِه وأهوالِه فيظنوا الموتَ، عند هذا يُخْلِصُونَ العبادةَ والدعاءَ لِلَّهِ وحدَه، فإذا أَنْجَاهُم اللَّهُ رجعوا إلى ما كانوا عليه، كما عَابَهُمْ فيه في آيةِ الأنعامِ هذه - التي نحن بِصَدَدِهَا- وأمثالُها في القرآنِ كثيرةٌ، كقولِه في سورةِ بني إسرائيلَ: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ} [الإسراء: آية 67] يعني: بِمَسِيسِ الضُّرِّ: إِنْ هَاجَتْ عليهم الأمواجُ، وَعَصَفَتِ الريحُ، وكادت السفينةُ تَغْرَقُ بما فيها {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ} أي: غَابَ عنكم كُلُّ ما كُنْتُمْ تدعونَه واضمحلَّ {ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ} وأنقذَكم من ذلك الكربِ في البحرِ ¬
{أَعْرَضْتُمْ} أي: وَرَجَعْتُمْ إلى كُفْرِكُمْ، ثم قال: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)} [الإسراء: الآيات 67 - 69] وقال جل وعلا: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس: الآيتان 22، 23] {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: آية 32] {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: آية 65] وأمثالُ هذا في القرآنِ كثيرةٌ جِدًّا. وكان سببُ إسلامِ عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ - رضي الله عن عكرمةَ وَأَرْضَاهُ -: كان شديدَ العداوةِ للنبيِّ هو وَأَبُوهُ، فَلَمَّا فَتَحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مكةَ في عامِ ثمانٍ من الهجرةِ هربَ عكرمةُ، وركبَ في سفينةٍ من البحرِ الأحمرِ رائحًا إلى الحبشةِ، فلما لَجَجَتْ بهم السفينةُ في البحرِ هاجت عليهم الريحُ، وَأَيْقَنُوا بالهلاكِ، وَطَغَتْ عليهم الأمواجُ، فإذا جميعُ مَنْ فِي السفينةِ يَتَنَادَوْنَ، وينادي بعضُهم بعضًا: احْذَرُوا في هذا الوقتِ أن تدعوا غيرَ اللَّهِ؛ لأنه لا يُخَلِّصُكُمْ من هذا إلا اللَّهُ وحدَه. فلما سَمِعَهُمْ يقولون قال: وَاللَّهِ إن كان لا يُنْجِي مِنْ كرباتِ البحرِ إلا هو فلا يُنْجِي من كرباتِ الْبَرِّ إلا هو، ثم قال: اللَّهُمَّ لكَ عَلَيَّ العهدُ إن أَنْجَيْتَنِي من هذه لأَضَعَنَّ يدي في يدِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَلأَجَدِنَّهُ رؤوفًا رحيمًا، فأنجاهم اللَّهُ، فَرَجَعَ وَأَسْلَمَ، وصارَ من خيارِ أصحابِ
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬1)، فنحن معاشرَ المؤمنين، إذا نَزَلَتْ بنا البلايا، كأن يهيجَ علينا البحرُ في سفينةٍ، أو تقعَ أمورٌ لا يقدرُ على دَفْعِهَا إلا اللَّهُ، فاقتداءً بنبينا، وعملاً بكتابِنا، وتوحيدًا لِرَبِّنَا، نُعْطِي اللَّهَ حَقَّهُ الخالصَ، ولا نفعلُ كما يفعلُ الكفارُ؛ لأن اللَّهَ عابَ الكفارَ؛ لأنهم وقتَ الشدائدِ يُخْلِصُونَ العبادةَ لِمَنْ خَلَقَهُمْ، وفي وقتِ الرخاءِ يرجعون لِشِرْكِهِمْ؛ ولذا قال جل وعلا: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ} [الأنعام: آية 40] هذه الكلمةُ المشهورُ فيها عندَ علماءِ العربيةِ (¬2) وعلماءِ التفسيرِ: أنها كلمةٌ أَطْلَقَتْهَا العربُ بهذه (التاء) مفتوحةً، سواء كان الْمُخَاطَبُ ذَكَرًا أو أُنْثَى، أو جماعةً أو اثنين، إلا أن (الكافَ) بعدَها حرفُ خطابٍ يَتَلَوَّنُ بِتَلَوُّنِ الْمُخَاطَبِينَ، ككافِ الخطابِ في الإشارةِ في (ذلكم)، و (ذلك) و (ذلكن)، ومعناها عندَ الجمهورِ: أَخْبِرْنِي. والتحقيقُ: أن الكافَ فيها لا محلَّ له من الإعرابِ؛ لأنه حرفُ خطابٍ؛ وأنها كلمةٌ وَضَعَتْهَا العربُ بمعنى: أَخْبِرْنِي. {أَرَأَيْتَكُمْ} أَخْبِرُونِي، أَخْبِرُونِي أيها الكفارُ الذين تَعدِلُونَ بِاللَّهِ غيرَه، وتصرفونَ حقوقَه لغيرِه، وتدعون معه غيرَه، أَخْبِرُونِي إن ¬
جَاءَتْكُمْ بَلِيَّةٌ مِنَ البلايا {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} بأن هَاجَ عليكم البحرُ ورأيتم الموتَ عِيَانًا {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} من بلاءٍ عظيمٍ وداهيةٍ عُظْمَى {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}؟؟ أَتَدْعُونَ في ذلك الوقتِ غيرَ اللَّهِ من هذه الأصنامِ التي تَعْبُدُونَ دُونَهُ؟ والمعنى: كَلاَّ لاَ تَدْعُونَ في ذلك الوقتِ إلا إياه وحدَه، كما صَرَّحَ به في قولِه: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: آية 41] وَقَدَّمَ المفعولَ للحصرِ، أي: لا تَدْعُونَ وقتَ الشدائدِ إلا إياه وحدَه؛ لأنكم تعلمونَ أنه هو الذي بِيَدِهِ إزالتُها، وأن غيرَه لا يقدرُ على رفعِ الكرباتِ عَنْكُمْ، ثم قال: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ} اسْتَشْكَلَ بعضُ العلماءِ (إلى) بعدَ (تَدْعُونَ) وقد قال بعضُ الْمُحَقِّقِينَ (¬1): إن [(دَعَا) قد تُضَمَّنُ مادةَ (لَجَأَ) كما قد تَتَعَدَّى بـ] (¬2) (إلى) كما في قوله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ} وكما قال الشاعرُ (¬3): ¬
وَإِنْ دَعَوْتِ إِلَى جُلَّى وَمَكْرُمَةٍ ... يَوْمًا سَرَاةَ كِرَامِ النَّاسِ فَادْعِينَا الشاهدُ: أن (دَعَا) تَعَدَّى بـ (إلى). {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ} هذا الذي تَدْعُونَ اللَّهَ إليه، أي: إلى أن يَكْشِفَهُ عنكم، ويزيلَه عنكم، قد يكشفُه إن شاءَ، وإن شاءَ لم يَكْشِفْهُ، فهذه قُيِّدَتْ بالمشيئةِ. قال بعضُ العلماءِ (¬1): هذه قُيِّدَتْ بالمشيئةِ، وآية البقرةِ أُطْلِقَتْ، لم تُقَيَّدْ، وهي قولُه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: آية 186] ولم يَقُلْ: إن شئتَ، وهنا قُيِّدَ بالمشيئةِ. قال بعضُ العلماءِ: يُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ، ويُقيَّدُ بالمشيئةِ. وأظهرُ القَوْلَيْنِ: ما قاله بعضُ العلماءِ: أن آيةَ البقرةِ مُطْلَقَةٌ، وأن دعاءَ المؤمنِ لا يُرَدُّ إلا إذا كان بإثمٍ أو قطيعةٍ، وما جرى مجرى ذلك، وهذه التي قُيِّدَتْ بالمشيئةِ: في دعاءِ الكفارِ، أما دعاءُ المؤمنين فَلَمْ يُقَيَّدْ بالمشيئةِ. وعلى كُلِّ حالٍ لا شيءَ إلا بمشيئةِ اللَّهِ، إلا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ صادقٌ، وقد وعدَ المؤمنين بالإجابةِ، ولم يُقَيِّدْهُ بشيءٍ، وإنما جاء بقيدِ المشيئةِ في دعاءِ الكفارِ. ثم قال: {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} فيه للعلماءِ وَجْهَانِ (¬2): ¬
أن معنَى {وَتَنْسَوْنَ} تَتْرُكُونَهُ عَمْدًا، تنسونَ الشركاءَ، أي: تَتْرُكُونَ دُعَاءَهَا وقتَ الشدةِ عمدًا؛ لِعِلْمِكُمْ بأن الكرباتِ والشدائدَ لا يكشفُها إلا اللَّهُ (جل وعلا)، فتتركونها عمدًا. والنسيانُ يُطْلَقُ على تركِ الشيءِ عمدًا، كما قال: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: آية 51] معناه: نَتْرُكُهُمْ عَمْدًا كما تَرَكُوا العملَ للقاءِ يومِ القيامةِ عمدًا. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، أنها تُطْلِقُ النسيانَ على تركِ الفعلِ عمدًا، وتطلقُه على تَرْكِهِ نِسْيَانًا. الوجهُ الثاني: أنه من شدةِ الهولِ نَسُوا غيرَ اللَّهِ (جل وعلا)، ولم يَخْطُرْ في أذهانِهم إلا اللَّهُ؛ لأنهم عارفونَ أنه لا يكشفُ الكرباتِ إلا هُوَ؛ ولذا قال: {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}. [3/أ] / {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)} [الأنعام: الآيات 42 - 47]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} [الأنعام: الآيات 42 - 45]. يقول اللَّهُ (جل وعلا) لِنَبِيِّهِ: لستَ أولَّ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قومُه، فقد أَرْسَلْنَا قبلَك رسلاً كِرَامًا، وجاؤوا بالبيناتِ والمعجزاتِ الواضحاتِ، فَكَذَّبَتْهُمْ أممُهم كما كَذَّبَتْكَ أُمَّتُكَ. وَكُلُّ هذا من تسليةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. واللامُ في (لقد) توطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ (وَاللَّهِ لقد أرسلنا) وصيغةُ الجمعِ في {أَرْسَلْنَا} للتعظيمِ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ حَذْفَانِ، كِلاَهُمَا دَلَّ المقامُ عليه (¬1): الحذفُ الأولُ: حذفُ المفعولِ به، وتقديرُه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رسلاً إلى أممٍ من قَبْلِكَ) فَحُذِفَ المفعولُ لدلالةِ المقامِ عليه، وَحَذْفُ الفَضْلَةِ إذا دَلَّ المقامُ عليها سائغٌ مُطَّرِدٌ. الحذفُ الثاني الذي دَلَّ المقامُ عليه: هو حذفُ (الفاءِ) وما عَطَفَتْ. وحَذفُ (الفاء) وما عَطَفَتْ إن دَلَّ المقامُ عليه: فهو مُطَّرِدٌ في لغةِ العربِ، كثيرٌ في القرآنِ، أشارَ له ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقولِه (¬2): وَالْفَاءُ قَدْ تُحْذَفُ مَعْ مَا عَطَفَتْ ............................ وتقديرُه هنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} أي: (أَرْسَلْنَا رُسُلاً) {إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} فَكَذَّبَتْ تلك الأممُ {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} ابتلاءً لَمَّا كَذَّبُوا. هذانِ الحذفانِ. ¬
والأممُ هنا: جمعُ أُمَّةٍ. والصروفُ عند علماءِ العربيةِ: أن لفظَ (الأمةِ) أُطْلِقَ في القرآنِ العظيمِ أربعةَ إطلاقاتٍ مشهورةٍ، ولو قيل إن هنالك إِطْلاَقًا خامسًا لكان غيرَ بعيدٍ. أما إطلاقاتُ لفظِ (الأمةِ) في اللغةِ وفي القرآنِ فَمِنْ أَشْهَرِهَا (¬1): إطلاقُ (الأمةِ) على الطائفةِ المتفقةِ في الدِّينِ. أي: في نِحْلَةٍ كائنة ما كانت. وهذا أكثرُ إطلاقاتِها {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: آية 24] {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس: آية 47] {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ} [الأعراف: آية 38]. الإطلاقُ الثاني: إطلاقُ (الأمةِ) على الرجلِ العظيمِ الْمُقْتَدَى به، وقد أطلقَ اللَّهُ (الأمةَ) بهذا المعنى على نَبِيِّهِ إبراهيمَ في قولِه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: آية 120]. الإطلاقُ الثالثُ: إطلاقُ الأمةِ على البُرْهَةِ والقطعةِ من الزمنِ، ومنه بهذا المعنى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: آية 45] أي: تَذَكَّرَ بعدَ برهةٍ من الزمانِ، ومن هذا الإطلاقِ قولُه تعالى في أولِ سورةِ هود: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ} [هود: آية 8] أي: إلى برهةٍ معينةٍ في عِلْمِنَا من الزمنِ. الإطلاقُ الرابعُ: إطلاقُ الأمةِ على الشريعةِ والدينِ والملةِ. العربُ تقول: «هذه أُمَّتُنَا». أي: دينُنا وشريعتُنا ومِلَّتُنا. ومنه بهذا المعنى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: آية 52] أي: شريعتُكم وطريقتُكم ودينُكم. ¬
ومنه بهذا المعنى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: آية 23] أي: على شَرْعٍ وَمِلَّةٍ ودينٍ. ومنه بهذا المعنى قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬1): حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لنَفْسِكَ رِيبَةً وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوُ طَائِعُ؟ يعني: أن صاحبَ الدِّينِ والشرعِ لا يأثمُ ويخالفُ دينَه وشرعَه وهو طائعٌ. والإطلاقُ الخامسُ: - الذي قُلْنَا إنه لو زَادَهُ إنسانٌ لكان غيرَ بعيدٍ (¬2) - هو ما جاء في الآيةِ الماضيةِ من إطلاقِ (الأمةِ) على الجنسِ من الحيواناتِ والطيورِ، كما قال تعالى: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: آية 38] فقد أطلقَ تعالى على كُلِّ نوعٍ من أجناسِ الدوابِّ والطيورِ اسمَ (الأمةِ). وقولُه هنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ} [الأنعام: آية 42] هذه الأممُ هي أممُ بني آدمَ، كما جاء مفصلاً في بعضِ الآياتِ: أَرْسَلَ نوحًا إلى قومِه، وَبَيَّنَ لنا ما قابلوه به، وكذلك فصَّل لنا سيرَ جماعةٍ منهم، كقضيةِ نوحٍ مع قومِه، وهودٍ مع قومِه، وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ وموسى وهارونَ مع فرعونَ، ونحو ذلك مما بَيَّنَهُ القرآنُ. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} أي: أَرْسَلْنَا رُسُلاً {إِلَى أُمَمٍ مِّنْ قَبْلِكَ} أي: من الناس الذين مَضَوْا من قَبْلِكَ، في الزمنِ الماضي، يعني: فَكَذَّبُوا رُسُلَهُمْ؛ لأن اللَّهَ ما أرسلَ رَسُولاً إلى قومٍ إلا كذبوه وأهلكهم اللَّهُ، ¬
ولم يُسْتَثْنَ من هذا أمةٌ إلا أمةَ يونسَ، كما سيأتي في قوله: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: آية 98] أما غيرُهم من الأممِ فَكُلُّ أمةٍ تُكَذِّبُ رسولَها فيهلكها اللَّهُ، كما قال تعالى في سورةِ قد أفلح المؤمنون: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: آية 44]. وقال هنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [الأنعام: آية 42] أصل (الأخذ) في لغةِ العربِ: هو التناولُ بقوةٍ وشدةٍ (¬1). فَكُلُّ ما تَنَاوَلْتَهُ بقوةٍ وشدةٍ فقد أخذتَه. وأَخْذُ اللَّهِ عظيمٌ، وقد ثَبَتَ في الصحيحين من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ (رضي الله عنه)، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لِمْ يُفْلِتْهُ» ثم تلاَ قولَه تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: آية 102] (¬2) و {الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء} في هذه الآيةِ: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} كلاهما مصدرٌ أُنِّثَ بألفِ التأنيثِ الممدودةِ ¬
تأنيثًا لَفْظِيًّا، وأكثرُ العلماءِ (¬1) على أن (البأساءَ): هي ما كان من جهةِ الفقرِ، والفاقةِ والجوعِ وضياعِ الأموالِ. وأن (الضراءَ): هي ما كان من قبيلِ أمراضِ الجسومِ وآلامِها وما يقعُ فيها. والمعنى: أَنَّا ابتليناهم بالضرِّ في أموالِهم وفي أبدانِهم فَأَفْقَرْنَاهُمْ، وأعدمنا أموالَهم، حتى صَارُوا في جوعٍ وفي فقرٍ وفي فاقةٍ اختبرناهم بهذا لِيُنِيبُوا إلى اللَّهِ ويبتهلوا إليه، فلم يَنْفَعْ فيهم هذا الاختبارُ بالشَّرِّ، فلما لم يَنْجَحْ فيهم هذا الاختبارُ بالشَّرِّ ابتليناهم بالخيرِ، وَبَدَّلْنَا عنهم السيئةَ بالحسنةِ، فجعلنا لهم مكانَ المرضِ صحةً وعافيةً، ومكانَ الفقرِ غِنًى، ومكانَ الجوعِ شِبَعًا، فلم يَنْفَعْ فيهم هذا أيضًا. والله (جل وعلا) يبتلي خلقَه بالشرِّ والخيرِ {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: آية 35] {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: آية 168]. وهذه الآيةُ الكريمةُ - من سورةِ الأنعامِ - بَيَّنَتْ أن اللَّهَ إذا أرسلَ رسولاً إلى قومٍ ابْتَلاَهُمْ أولاً بالشدائدِ، فَسَلَّطَ عليهم الفقرَ والجوعَ والفاقةَ فإذا لم يَنْفَعْ فيهم هذا أزالَ عنهم ذلك وأغناهم وصحَّحهم وأغدقَ عليهم نِعَمَ الدنيا، حتى يُهْلِكَهُمْ وهم في غفلةٍ، فِي أَشَدِّ وَقْتٍ غفلةً وَبَطَرًا - والعياذُ بالله - وقد صَرَّحَ تعالى في سورةِ الأعرافِ أن هذا النوعَ من الابتلاءِ - المبدوءَ بالابتلاءِ بالشرِّ ثم الابتلاءِ بالخيرِ - عَامٌّ في جميعِ الأممِ التي أُرْسِلَتْ إليها الرسلُ، وهنا - في الأنعامِ - لم يأتِ بصيغةٍ عَامَّةٍ، وإنما قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّنْ قَبْلِكَ} [الأنعام: آية 42] وقوله: {أُمَمٍ} جَمْعٌ مُنَكَّرٌ. ¬
والتحقيقُ: أن الجموعَ المنكَّرة إذا كانت في سياقِ الإثباتِ ليست من صيغِ العمومِ (¬1)، [وَمَنْ] (¬2) زَعَمَ مِنْ علماءِ الأصولِ: «أن الجمعَ المُنَكَّرَ من صيغِ العمومِ» فهو قولٌ مردودٌ، كما هو معروفٌ في الأصولِ، أما في الأعرافِ فقد بَيَّنَ أن هذه السُّنَّةَ من سُنَنِ اللَّهِ، أنها عامةٌ حيث قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف: الآيتان 94، 95] يعني: بَدَّلْنَا مكانَ الجوعِ شِبَعًا، ومكانَ الفقرِ غِنًى، ومكانَ المرضِ صحةً وعافيةً؛ {حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} هذه سُنَّةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ، ذَكَرَهَا هنا في الأنعامِ، وَبَيِّنٌ الشمولُ والعمومُ في الأعرافِ. ومعنى الآيةِ الكريمةِ: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (التضرعُ): التذللُ والخضوعُ لِلَّهِ (¬3)، وكثيرًا ما يَظْهَرُ أثرُ ذلك في الدعاءِ بأن يبتهلَ ذلك الذليلُ الخائفُ من الله يبتهلُ مُتَضَرِّعًا يُنَاجِي رَبَّهُ (جل وعلا). و (الضارعُ): هو الذليلُ الخائفُ، و (الضَّرَاعَةُ): الذلُّ والخشوعُ والخوفُ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، مشهورٌ في كلامِهم، ومنه قولُ الشاعرِ (¬4): ¬
لِيُبْكَ يَزِيدٌ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ............................ أي: (ذَلِيل) يبكيه ذليلٌ؛ لأنه ملجأٌ له. وفي هذه الآيةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: المعروفُ في لغةِ العربِ، أن حرفَ (لعل) أنه لِلتَّرَجِّي والتوقعِ، والله عالمٌ محيطٌ عِلْمُهُ بعواقبِ الأمورِ، فكيف يُصرِّحُ بلفظٍ هو يدلُّ على الترجِّي والتوقعِ، وكيف يَصِحُّ في كلامِ اللَّهِ التَّرَجِّي والتوقعُ، وهو القادرُ على كُلِّ شيءٍ، المحيطُ علمُه بعواقبِ الأمورِ؟ هذا وجهُ السؤالِ. وللعلماءِ عن هذا جَوَابَانِ (¬1): أحدُهما: أن (لَعَلَّ) هنا للتعليلِ. والمعنى: أَخَذْنَاهُمْ بالبأساءِ والضراءِ لأجلِ أن يَتَضَرَّعُوا. ولا شكَّ أن (لعلَّ) أنها من حروفِ التعليلِ. وقد سُمِعَ في لغةِ العربِ من كلامِ العربِ الفصحاءِ التعليلُ بـ (لعل). ومن إتيانِ «لعل» للتعليلِ في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (¬2): فَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ كَشِبْهِ سَرَابٍ بِالْمَلاَ مُتَأَلِّقِ فقوله: «كفّوا الحروبَ لعلنا نكف» يعني: كُفُّوا الحروبَ لأجلِ أن نكفَّ عنكم. ومن هنا قال بعضُ العلماءِ: كُلُّ (لعلَّ) في القرآنِ فهي للتعليلِ، إلا التي في سورة الشعراء {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: آية 129] قالوا بمعنى: كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ (¬3). ¬
الوجهُ الثاني: أن (لعل) على بابِها من أنها لِلتَّرَجِّي والتوقعِ، إلا أن معنى الترجي والتوقعِ فيها هو بحسبِ ما يظهرُ للناسِ، أَمَّا اللَّهُ (جل وعلا) فهو عالمٌ بما كان وما يكون. ومما يؤيدُ هذا: أن اللَّهَ عَالِمٌ في أَزَلِهِ بأن فرعونَ شَقِيٌّ يموتُ كافرًا - والعياذُ بالله - وهو يقولُ لموسى وهارونَ: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: آية 44] على تَرَجِّيكُمَا وَتَوَقُّعِكُمَا بحسبِ ما يظهرُ لَكُمَا. أَمَّا عاقبةُ الأمرِ وما يَؤُولُ إليه فهي عندَ اللَّهِ جل وعلا. وهذا معنى قوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: آية 42] لأجلِ أن يَتَضَرَّعُوا. أي: لِتَرَجِّي تَضَرُّعِهِمْ بحسبِ ما يَظْهَرُ للناسِ الجاهلين بعواقبِ الأمورِ. ثم قال: {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: آية 43] قد قَدَّمْنَا (¬1) أن لفظةَ (لولا) أصلُها تأتي في اللغةِ العربيةِ وفي القرآنِ مشتركةً بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، إلا أن أحدَ الْمَعْنَيَيْنِ ينقسمُ إلى قِسْمَيْنِ، فتكون أقسامُ (لولا) ثلاثةً في القرآنِ وفي كلامِ العربِ. (لولا) في القرآنِ إِذَنْ تَرِدُ على ثلاثةِ أقسامٍ، بثلاثةِ معانٍ معروفةٍ: الأولُ: هي (لولا) المعروفةُ عند العلماءِ بأنها حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، والمعنى: أنها تَدُلُّ على امتناعِ شيءٍ لوجودِ شيءٍ نحو: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: آية 21] يعني: أنه هنا انْتَفَى عدمُ الزكاةِ والطهارةِ لوجودِ فضلِ اللَّهِ. وهذا معروفٌ مشهورٌ. ¬
الثاني: هو (لولا) التحضيضيةُ. ومعنى (لولا) التحضيضيةُ: أن (لولا) حرفٌ يَدُلُّ على طلبِ الفعلِ بِحَثٍّ وَحَضٍّ؛ ولذا سُمِّيَتْ حرفَ تحضيضٍ. وهذه هي التي تنقسم قسمين؛ لأن لها حالتين: تارةً يكون الفعلُ المطلوبُ فيها بحرفِ التحضيضِ - الذي هو (لولا) - تارةً يكونُ مُمْكِنًا تَدَارُكُهُ مُمْكِنًا فِعْلُهُ، وتارةً يكونُ ذلك الفعلُ لم يبقَ فعلُه مُمْكِنًا؛ لأن فرصتَه ضَاعَتْ وَمَضَتْ، ولم يمكن تَدَارُكُهُ. وإذا كان فِعْلُهُ مُمْكِنًا فهي المعروفةُ بالتحضيضيةِ نحو: {مِّنْ قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي} [المنافقون: آية 10] (لولا) هنا معناه: أَطْلُبُ مِنْكَ يَا رَبِّ بطلبٍ شديدٍ مُحَضِّض عليه، بِحَثٍّ وَحَضٍّ أن تُؤَخِّرَنِي {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ... } الآيةَ. النوعُ الثاني: - ومنه الآيةُ التي بَيْنَ أَيْدِينَا - هي أن يكونَ الفعلُ المطلوبُ بأداةِ الطلبِ التي هي حرفُ التحضيضِ - أعني (لولا) التحضيضيةَ - يكونُ الفعلُ فاتَ تَدَارُكُهُ ولم يَبْقَ مُمْكِنًا أبدًا. فهي في هذا المعنى ينقلبُ تَحْضِيضُهَا إلى التوبيخِ والتنديمِ، تارةً يُوَبَّخُ بها موجودٌ، كقوله للذين تكلموا في عائشةَ وصفوانَ: {وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: آية 16] هذا العملُ المطلوبُ بـ (لولا) ضَاعَتْ فرصتُه عليهم؛ لأنهم قد تَكَلَّمُوا بما لا يَلِيقُ، فهي في هذا المعنى ينقلبُ تحضيضُها إلى التوبيخِ والتنديمِ. فكأنه يُوَبِّخُهُمْ وَيُنَدِّمُهُمْ على ما فَرَّطَ منهم. وتارةً يكونُ الْمُوَبَّخُ بها قد مَاتَ ولم يكن موجودًا، كقوله في هذه الآيةِ الكريمةِ: {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: آية 43] لأن وقتَ نزولِ الآيةِ هؤلاء الأممُ قد ماتوا وَانْقَضَوْا في أزمانٍ متناهيةٍ، قد مَضَوْا في الزمانِ الماضي، فلا يمكنُ حصولُ الفعلِ
منهم، وليسوا موجودين حتى يسمعوا التوبيخَ. ولكن المقصودَ من توبيخِ هذا الذي غَابَ ومات ليعتبرَ به غيرُه، فيعلم بأن قصصَ القرآنِ إنما قُصَّتْ علينا لنعتبرَ بها {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ} [يوسف: آية 111] ولذا كان من الحسنِ أن يُوَبَّخَ أولئك لنعتبرَ بتوبيخهم فنجتنبَ ذلك الأمرَ الذي استحقوا التوبيخَ مِنْ أَجْلِهِ، هذا معناه؛ ومن هذا المعنى {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ} [هود: آية 16] لأن القرونَ مَضَتْ، فهو توبيخٌ لِغَائِبِينَ، وتنديمٌ لهم؛ ليعتبرَ به الْمُخَاطَبُونَ؛ ولذا قال: {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: آية 43] كان المطلوبُ منهم وقتَ وجودِهم - بِحَثٍّ وَشِدَّةٍ - أن يتضرعوا، واختبرهم اللَّهُ بالبأسِ أن يتضرعوا. ويُفهم من الآيةِ أن المسلمَ إذا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ بمصائبِ الدنيا من أمراضٍ أو مصائبَ في الأموالِ أو جوعٍ أو نحو ذلك: أن عليه أن يتضرعَ إلى رَبِّهِ (جل وعلا) ليزيلَ عنه ذلك؛ لأنه وَبَّخَ هؤلاء وَذَمَّهُمْ على عدمِ التضرعِ إليه عندَ نزولِ الشدائدِ بهم، وهذا معنى قولِه: {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} ثم قال: ولكنهم لَمْ يَتَضَرَّعُوا {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} لأن القلوبَ القاسيةَ تَشْتَدُّ كما تشتدُّ الحجارةُ، فكما أن الحجرَ الصلبَ القويَّ إذا أَرَدْتَ أن تُدْخِلَ في جوفِه ماءً لا يدخلُ، فكذلك قلبُ الكافرِ لصلابتِه وقسوتِه إذا أَرَدْتَ أن تُدْخِلَ فيه الموعظةَ والفهمَ عن اللَّهِ لا يدخلُ؛ لشدةِ قسوةِ القلبِ والعياذُ بِاللَّهِ. وقولُه: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} اعْلَمْ أن الشيطانَ في لغةِ العربِ (¬1) يُطْلَقُ على كُلِّ ¬
عَاتٍ متمردٍ كائنًا ما كان. فَكُلُّ عاتٍ متمردٍ فهو (شيطانٌ) في لغةِ العربِ التي نَزَلَ بها القرآنُ، سواء كان من الإنسِ أو من الجنِّ أو من غيرِهما. إلا أن (الشيطانَ) كان بالحقيقةِ العُرفيةِ يَسْبِقُ إلى إبليسَ وذريةِ إبليسَ. أما في الوضعِ اللغويِّ فَكُلُّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ تُسَمِّيهِ العربُ (شَيْطَانًا)، سواءً كان من الإنسِ أو من الْجِنِّ أو من غيرِهما، ومن إطلاقِ (الشيطانِ) على المتمردِ العاتِي من بني آدمَ قولُه تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: آية 14] أي: عُتَاتِهِمُ المتمردين من رؤساءِ الكفرةِ، وقولُه تعالى: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: آية 112] وقد جاءَ حديثٌ عن أَبِي ذَرٍّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَّ مِنَ الإِنْسِ شَيَاطِينَ» (¬1). وَكُلُّ ¬
عَاتٍ متمردٍ من الإنسِ فهو (شيطانٌ)، كما دَلَّ عليه: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} ومنه بهذا المعنى قولُ جريرٍ - وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ - قال (¬1): أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ وَكُنَّ يَهْوَيْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا ومن إطلاقِ (الشيطانِ) على غيرِ الإنسِ والجنِّ حديثُ: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» (¬2). وما جَرَى مَجْرَى ذلك. هذا إطلاقُ (الشيطانِ) في لغةِ العربِ، وهو حقيقةٌ عُرْفِيَّةٌ في إبليسَ وذريتِه؛ لأن ذريةَ إبليسَ شياطينُ، يفعلون كما يفعلُ، كما يأتي في قولِه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50]. وَاعْلَمْ أن المادةَ التي اشْتُقَّ منها (الشيطانُ) اختلفَ فيها علماءُ العربيةِ على قَوْلَيْنِ (¬3)، أشارَ لكلِّ واحدٍ منهما الشيخُ عمرو - أعني ¬
سِيبَوَيْهِ - في كتابِه (¬1). وباختلافِ القولين يختلفُ وَزْنُ (الشيطانِ) بالميزانِ الصرفيِّ، فجماعةٌ مِنَ العلماءِ - وهو أَصَحُّ القولين - قالوا: إن مادةَ (الشيطانِ) أصلُها من (شَطَنَ)، ففاءُ المادةِ شِينٌ، وعينُها طاءٌ، وَلاَمُهَا نونٌ، (شَطَنَ). ومعنى هذه المادةِ في لغةِ العربِ معناها: البعدُ، فَكُلُّ شيءٍ شَطَنَ فهو بعيدٌ جِدًّا. وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬2): نَأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطُونُ فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا حَزِينُ «نوى شطون» أي: بعيدةٌ. ومما يدلُّ على أن (الشيطانَ) أصلُه من (شطن) قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصلتِ الثقفيِّ - وهو عربيٌّ قُحٌّ - يمدحُ سليمانَ بنَ داودَ (عليهما الصلاةُ والسلامُ وعلى نَبِيِّنَا)، قال في مدحه (¬3): أَيُّمَا شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالأَكْبَالِ عَبَّرَ عن (الشيطانِ) بالشاطنِ، والشاطنُ: اسمُ فاعلِ (شَطَنَ) بلا خلافٍ، وهذا مما يؤيدُ أن مادةَ (الشيطانِ) من (شَطَنَ) بمعنى بَعُدَ. ¬
ومناسبتُها للتسميةِ هي بُعْدُهُ عن رحمةِ اللَّهِ - والعياذُ بالله (جل وعلا) - وعلى هذا القولِ أن (الشيطانَ) من مادةِ (شَطَنَ) فوزنُه بالميزانِ الصرفيِّ (فَيْعَال). القولُ الثاني: أن (الشيطانَ) أصلُه من مادةِ (شَاطَ يَشِيطُ) إذا هَلَكَ، والعربُ تقولُ: (شَاطَ يَشِيطُ) إذا هَلَكَ، وعليه فإنما سُمِّيَ شيطانًا لِهَلاَكِهِ - والعياذُ بالله - لأنه هالكٌ مخلدٌ يومَ القيامةِ في عذابِ اللَّهِ. والعربُ تقولُ: (شاطَ يشيطُ). إذا هَلَكَ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الأَعْشَى ميمونِ بنِ قيسٍ (¬1): قَدْ نَخْضِبُ الْعَيْرَ مِنْ مَكْنُونِ فَائِلِهِ (¬2) وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا الْبَطَلُ يعني بقوله: (يشيطُ) أي: يموتُ ويهلكُ. وعلى هذا فَوَزْنُ (الشيطانِ) بالميزانِ الصرفيِّ: (فَعْلاَن) فَعَلَى أنه من (شَاطَ) فوزنُه: (فَعْلاَن)، وعلى أنه من (شَطَنَ) فوزنُه: (فَيْعَال)، هذا وزنُه بالميزانِ الصرفيِّ، واختلافُ العلماءِ في اشتقاقِه وَمَعْنَاهُ. والمرادُ بالشيطانِ هنا: جنسُ الشيطانِ، وهو إبليسُ وذريتُه، والعياذُ بِاللَّهِ مِنْ تَضْلِيلِهِمْ. {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الشيطانُ يُزَيِّنُ للكفرةِ والعصاةِ أعمالَهم الخبيثةَ، وذلك التزيينُ إنما هو بالوسوسةِ، يوسوسُ لهم، وينفثُ في قلوبِهم ما يُزَيِّنُ لهم به المعاصيَ والكفرَ - والعياذُ بالله - وهذا معنى قولِه: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. ¬
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: آية 44]. {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} النسيانُ هنا معناه: التَّرْكُ عَمْدًا. وقد بَيَّنَّا أن مادةَ (النسيانِ) تُطْلَقُ في القرآنِ وفي اللغةِ العربيةِ إِطْلاَقَيْنِ (¬1): يطلقُ (النسيانُ) على تركِ الفعلِ عمدًا نحو قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: آية 19] وكقولِه: {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} [السجدة: آية 14] والله لاَ يَنْسَى أبدًا النسيانَ الذي هو زوالُ العلمِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى} [طه: آية 52] ويقولُ: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: آية 64] فهذا الاصطلاحُ [معروفٌ] (¬2) تقولُ العربُ: «أمرتُ زيدًا فَنَسِيَ أَمْرِي». يعنونَ تَرَكَهُ عَمْدًا. الثاني: هو (النسيانُ) بمعنى زوالِ العلمِ. كالنسيانِ الاصطلاحيِّ المعروفِ. ومنه قولُه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ} [الكهف: آية 63] وقولُه: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى} [الأنعام: آية 68] {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} [المجادلة: آية 19] هذا (النسيانُ) بمعنَى زوالِ العلمِ، والمرادُ في الآيةِ: النسيانُ بمعنى التركِ عَمْدًا، وهو قولُه: {فَلَمَّا نَسُوا} [الأنعام: آية 44] أي: تَرَكُو عَمْدًا {مَا ذُكِّرُوا بِهِ} ما ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ به من البأساءِ والضراءِ، فلم يتضرعوا في حالةِ الضُّرِّ، ولم يشكروا في حالةِ النعيمِ؛ لأن اللَّهَ بيَّن أن الكافرَ عند حالةِ النعماءِ أنه فَخُورٌ أَشِرٌ بَطِرٌ، وعند حالةِ الضراءِ يَؤُوسٌ قنوطٌ، ¬
لا يدعو اللَّهَ، ولا يضرعُ إليه، كما قال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)} [هود: الآيتان 9 - 10] هو فخورٌ فَرِحٌ أَشِرٌ بَطِرٌ وقتَ العافيةِ، يؤوسٌ قنوطٌ وقتَ الشدةِ. وهذا قد اسْتَثْنَى اللَّهُ منه عبادَه المؤمنين، حيث قال في سورةِ هودٍ، لَمَّا ذكرَ هذه الصفاتِ الذميمةَ عن الإنسانِ، اسْتَثْنَى منها المؤمنين الطيبين، قال: {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: آية 11] وقد بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الصحيحِ أن المؤمنَ الطيبَ مخالفٌ لهذه الصفاتِ الخبيثةِ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لاَ يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلاَّ كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنّ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ» (¬1). المؤمنُ عندما يَأْتِيهِ البأساءُ والضراءُ يَضَّرَّعُ إلى رَبِّ العالمين صابرًا محتسبًا فَيُثِيبُهُ اللَّهُ، وَيُعْظِمُ له الأجورَ، وإذا كان وقت السراءِ وأنعمَ اللَّهُ عليه كان شاكرًا نِعَمَ اللَّهِ، مُرَاعِيًا بذلك حقوقَ اللَّهِ (جل وعلا)، ويكونُ ذلك خيرًا له. وهذا أيضًا خيرٌ له، كما في الحديثِ الصحيحِ. ومعنى قولِه: {فَلَمَّا نَسُوا} أي: تَرَكُوا وَأَعْرَضُوا عما ذُكِّرُوا به من البأساءِ والضراءِ، حَوَّلْنَا لهم البؤسَ إلى نعمةٍ {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} قرأَ هذا الحرفَ عامةُ السبعةِ ما عدا الشاميَّ - أعني ابنَ عامرٍ -: {فَتَحْنَا} بتخفيفِ التاءِ. وقرأه ابنُ عامرٍ من السبعةِ ¬
{فَتَّحْنَا} بتشديدِ التاءِ (¬1). وقولُه: {عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} في هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: كيف قال اللَّهُ: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} وهو أصدقُ مَنْ يقولُ، مع أن كثيرًا من الأشياءِ لم تُفْتَحْ عليهم أبوابُه، لم تفتح عليهم أبوابُ الْهُدَى، ولا أبوابُ التوفيقِ، ولا أبوابُ طاعةِ اللَّهِ، ولا أبوابُ خيراتِ الجنةِ. ويصدقُ عليها اسمُ (الشيءِ)؟ وللعلماءِ عن هذا جَوَابَانِ (¬2): أحدُهما: ما قاله بعضُ العلماءِ أن المعنَى: فَتَحْنَا عليهم أبوابَ كُلِّ شيءٍ مما كُنَّا أَغْلَقْنَاهُ عليهم أيامَ الابتلاءِ بالشرِّ. يعني فتحنا لهم أبوابَ الصحةِ وقد كانت مغلقةً أيامَ المرضِ، وَفَتَحْنَا لهم أبوابَ الغِنَى بعدَ أن كانت مغلقةً أيامَ الامتحانِ بالشرِّ وهكذا. الوجهُ الثاني: أن هذا من العامِّ المخصوصِ، وَجَرَتِ العادةُ في القرآنِ بأن يذكرَ اللَّهُ (كُلَّ شيءٍ) وهو يُرَادُ به أنه عامٌّ مخصوصٌ. كقولِه في بلقيسَ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: آية 23] مع أن بعضَ الأشياءِ لم تُؤْتَه بلقيسُ. وكقوله في مكةَ المكرمةِ حَرَسَهَا اللَّهُ: {حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: آية 57] مع أن بعضَ الثمارِ لا يُجْبَى إليها. فهذا من العامِّ المخصوصِ، وهو أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، وَتَذْكُرُ العربُ مثلَ هذا تقصدُ به الأغلبيةَ. وهذا معنى قولِه: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}. ¬
{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} [الأنعام: آية 44] يعني ولم يَزَلْ ذلك الفتحُ ممتدًا إلى غايةٍ، هي كونُهم فَرِحُوا بما أُوتُوا. {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} أي: ما أُعْطُوا من الصحةِ بدلَ المرضِ، ومن الغِنَى بدلَ الفقرِ، ومن الرِّيِّ والشبعِ بدلَ الجوعِ، فرحوا بهذا فَرَحَ أَشَرٍ وبَطَرٍ، لأنه ما كُلُّ فرحٍ مذمومٌ؛ لأن الفرحَ المذمومَ: هو الفرحُ بالدنيا المحضةِ، والأَشَرُ والبَطَرُ، لا من حيثُ أنها تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ولا تُرْضِيهِ. هذا الفرحُ المذمومُ المصحوبُ بالأَشَرِ والبَطَرِ، وعندما فَعَلُوهُ أهلكهم اللَّهُ. وهذا هو الذي ذَمَّ اللَّهُ به الإنسانَ بقولِه: {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: آية 10] أما الْفَرَحُ بالخيرِ، والفرحُ بالدينِ ومعرفةِ القرآنِ فهذا أمرٌ مطلوبٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، كما نصَّ اللَّهُ على ذلك آمِرًا به بالسورةِ الكريمةِ - سورةِ يونسَ - حيث قال: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: آية 58] وَلاَمُ الأمرِ في قولِه: {فَلْيَفْرَحُوا} تَدُلُّ على أن ذلك النوعَ من الفرحِ مأمورٌ به من اللَّهِ. والأمرُ إِنْ تَجَرَّدَ من القرائنِ اقْتَضَى الوجوبَ، كما هو معروفٌ في فَنِّ الأصولِ (¬1). وقولُه هنا: {فَرِحُواْ بِمَا أُوتُوا} أَيْ: بما أُعْطُوا من الصحةِ والعافيةِ وَالْغِنَى والأموالِ والدَّعةِ والراحةِ فَرَحَ بَطَرٍ وَأَشَرٍ، حتى إذا حَصَلَ فيهم ذلك: {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} قَدَّمْنَا أن (الأخذ) إذا أُسْنِدَ إلى اللَّهِ هو الأخذُ بقوةٍ وَشِدَّةٍ (¬2). كما قال: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ ¬
شَدِيدٌ} [هود: آية 102]. وقولُه: {بَغْتَةً} مصدرٌ مُنَكَّرٌ بمعنى الحالِ (¬1). ومعنى البغتةِ: الفجأةُ. وذلك أَشَدُّ ما يُؤْخَذُ به الإنسانُ؛ لأنه إذا عَلِمَ بالعذابِ قبلَ نُزُولِهِ يكونُ مُتَجَلِّدًا مُسْتَعِدًّا. أما إذا بَغَتَهُ قبلَ استعدادٍ له فهذا أشدُّ وَأَنْكَى؛ ولأجلِ هذا بِعَيْنِهِ أخبرَ اللَّهُ المؤمنين بالبلايا التى تَرِدُ عليهم قبلَ أن تقعَ؛ ليكونوا مُسْتَعِدِّينَ لها، ولئلا تُفَاجِئَهُمْ. حيثُ قال لهم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: آية 155] أَخْبَرَهُمْ بأن الابتلاءَ سيأتيهم؛ لئلا يُبَاغِتَهُمْ، ويكونوا مستعدين له قبل نزولِه، ولذا قال: {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} (الفاء) فاءُ السببيةِ، و (إذا) هي الفجائيةُ (¬2)، و (الْمُبْلِسُونَ): جَمْعُ المُبْلِسِ، والْمُبْلِسُ: اسمُ فاعلِ الإبلاسِ. و (الإبلاسُ) في لغةِ العربِ يُطْلَقُ على معانٍ متقاربةٍ، هو في الحقيقةِ يُرَادِفُ الوجومَ، والوجومُ هو: أن يكونَ الإنسانُ سَاكِتًا منقطعًا لا يقدرُ أن يتكلمَ؛ لشدةِ اليأسِ من الخلاصِ من البلايا والدواهي التي وَقَعَ فيها. ومعنى {مُّبْلِسُونَ}: آيِسُونَ قَانِطُونَ مما وقعوا فيه من عذابِ اللَّهِ - والعياذُ بالله - إياسًا وقنوطًا يمنعهم من أن يتكلموا. فمعناه: ساكتونَ لا يُحِيرُونَ جوابًا من شدةِ اليأسِ والقنوطِ مِمَّا نَزَلَ بهم - والعياذُ بالله - وَكُلُّ مَنْ دَهَاهُ أمرٌ فَتَحَيَّرَ غيرَ قادرٍ أن يتكلمَ لشدةِ الأمرِ الذي دَهَاهُ تقولُ له العربُ: (أَبْلَسَ) (¬3). وهو معنًى معروفٌ في ¬
كلامِ العربِ، ومنه قولُ رؤبةَ بنِ العجاجِ (¬1) في رجزه: يَا صَاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا (¬2) ... قَالَ: نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا أي: تَحَيَّرَ مندهشًا لا يقدرُ أن يتكلمَ. وهذا معنى قولِه: {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}. قال بعضُ العلماءِ: اشتقاقُ (إبليسَ) من (الإبلاسِ) (¬3)، وهو اليأسُ الشديدُ، والقنوطُ من الخيرِ، حتى يَبْقَى صاحبُه ساكتًا لا يُحِيرُ جَوَابًا. ثم قال جل وعلا: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنعام: آية 45] (الدابر): اسمُ فاعلِ دَبَرَ القومَ يَدْبُرُهُمْ، العربُ تقولُ: «دَبَرَهُ يَدْبُرُهُ» إذا كان يمشي خلفَه؛ لأنه يمشي عندَ دُبُرِهِ (¬4). كما تقولُ العربُ: «قَفَّاهُ». إذا كان يمشي عند قَفَاهُ {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} [البقرة: آية 87] وأولادُ الناسِ كأنها دابرٌ لهم يَدْبُرُهُمْ ويتبعهم، كُلَّمَا انْقَضَى قَرنٌ دَبَرَهُ قرنٌ. أي: كان ذلك القرنُ تابعًا له، كأنه يَمْشِي عند دُبُرِه كما يمشي التابعُ عندَ دُبُرِ المتبوعِ، فالدابرُ يُقال للخَلَفِ وآخِرِ القومِ كأولادِهم. ومعنى (قُطِعَ دَابِرُهُمْ): استؤصلوا ولم يَبْقَ منهم تابعٌ؛ لإهلاكِ الأولادِ مع الآباءِ، حتى يَنْقَرِضُوا كُلاًّ - والعياذُ بالله ¬
جل وعلا - وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أميةَ بنِ أبي الصلتِ الثقفيِّ (¬1): فَأُهْلِكُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلاَ انْتَصَرُوا (حَصَّ دَابِرَهُمْ): يعني قَطَعَ دابرَهم، وأهلكَ البقيةَ، فلم يَبْقَ منهم تابعٌ؛ لأن الولدَ كأنه دابرٌ للوالدِ، أي: تابعٌ له يقفوه من بعدِه ويُحيي ذِكْرَه بعد موتِه. ومعنى: (قَطْعُ الدابرِ) أنه هَلَكَ الأولادُ والآباءُ، وانقضى الجميعُ، فلم يَبْقَ منهم تابعٌ. وهذا معنى قولِه: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا}. و (الظلمُ) هنا معناه: الشركُ. كقولِه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13] {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] {وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: آية 106]. ثم قال: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: آية 45] أَثْنَى اللَّهُ (جل وعلا) على نفسِه الكريمةِ بهذا الثناءِ العظيمِ؛ لِيُعَلِّمَ خلقَه أن يحمدوا اللَّهَ (جل وعلا) وَيُثْنُوا عليه عندَ إهلاكِه الظلمةَ الذين ليس فيهم خيرٌ، وليس فيهم إلا الشرُّ للبلادِ والعبادِ، فإراحةُ المسلمين من الظلمةِ الذين ليس فيهم إلا الضررُ، من غيرِ أن يكونَ هنالك نَفْعٌ نعمةٌ من نِعَمِ اللَّهِ، عَلَّمَ اللَّهُ خَلْقَهُ أن يحمدوه عليها. ¬
و (الحمدُ) في لغةِ العربِ (¬1): هو الثناءُ (¬2) باللسانِ على المحمودِ بجميلِ صفاتِه، سواء كان من بابِ الإحسانِ أو من بابِ الاستحقاقِ. وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ. و (الشكرُ) في لغةِ العربِ (¬3): فعلٌ يُنْبِئُ عن تعظيمِ الْمُنْعِمِ بسببِ كونِه مُنْعِمًا. إلا أن الشكرَ اصطلاحًا هو الحمدُ لغةً، والحمدُ لغةً هو الشكرُ اصطلاحًا (¬4). [3/ب] والمعنىَ: كُلُّ ثناءٍ جميلٍ ثابتٌ لخالقِ / السماواتِ والأرضِ. فمعنى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} أنه سيدُ الخلائقِ وَمُدَبِّرُ شؤونِهم الذي لا يَسْتَغْنُونَ عنه طرفةَ عَيْنٍ، وَكُلُّ مَنْ يُدَبِّرُ الأمورَ وَيَسُوسُهَا تقولُ العربُ له (رَبًّا)، و (الرَّبَابَةُ): سياسةُ الأمورِ وتدبيرُها، تقولُ العربُ: «فلانٌ رَبُّ هذا الْحَيِّ». يَعْنُونَ: أنه هو الْمُدَبِّرُ شؤونَه. وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ (¬5)، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَةَ التميميِّ (¬6): ¬
وكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رِبَابَتِي وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوبُ معنى: (رَبَّتْنِي رُبُوبُ) أي: سَاسَتْنِي ساسةٌ، وملكتني ملوكٌ قَبْلَكَ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، تقولُ العربُ: «رَبَّه يربُّه»، إذا سَاسَهُ وَدَبَّرَ شأنَه. وقد عَرَفْتُمْ في السيرةِ أن صفوانَ بنَ أميةَ بنِ خلفٍ طَلَبَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مهلةً ينظرُ في نفسِه، واستعارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منه بعضَ السلاحِ والدروعِ، وحضرَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - غزوةَ حُنَيْنٍ، وكان معه رجلُ آخَرُ، فلما وقعَ بالمسلمين ما وَقَعَ، حيث صَلَّوُا الصبحَ في غلسِ الصبحِ تَبَقَّى بقيةٌ من الظلامِ، وانحدروا في وادي حنين، وَوَجَدُوا مالكَ بنَ عوفٍ النصريَّ ألبدَ لهم هوازنَ في مضيقٍ من مضايقِ وَادِي حنين، وَشَدُّوا عليهم شَدَّةَ رجلٍ واحدٍ وهم في غفلةٍ، حتى كانت الرماحُ والسهامُ كأنها مطرٌ تُزَعْزِعُهُ الريحُ، ووقعَ بالمسلمين ما وَقَعَ حيث قال اللَّهُ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: آية 25] فعندَ هذا قال ذلك الرجلُ الذي مع صفوانَ (¬1): الآنَ بَطَلَ سحرُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. وظنوا أن الهزيمةَ سَتَسْتَمِرُّ، وأن هوازنَ يغلبونَه ويملكونَ. فقال له صفوانُ بنُ أميةَ - وهو عدوٌّ في ذلك الوقتِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال لذلك الرجلِ: اسْكُتْ فُضَّ فُوكَ، لئن يَرُبَّنِي رجلٌ من قريشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن يَرُبَّنِي رجلٌ من ¬
هوازنَ (¬1). قوله: «يَرُبَّنِي» يعني: يَسُودُنِي فَيَسُوسُنِي ويدبرُ شؤوني. هذا أصلُه معنى (الرَّبِّ). والربُّ الحقيقيُّ الذي يُدَبِّرُ خلائقَ الكونِ هو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا)، لا تقعُ في الدنيا تحريكةٌ ولا تسكينةٌ إلا بمشيئتِه وتدبيرِه. و {الْعَالَمِينَ}: يُطْلَقُ على أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ وما بَيْنَهُمَا (¬2)، فَالعَالَمُ اسمٌ لِمَا سِوَى اللَّهِ، وقد دَلَّتْ آيةٌ من سورةِ الشعراءِ أن (العالمين) شاملٌ لأهلِ السماواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُمَا، حيث قال اللَّهُ: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآيتان 23 - 24] وهذا معنَى قولِه: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: آية 46]. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} {أَرَأَيْتُمْ}: معناه: أَخْبِرُونِي. وقد قَدَّمْنَا (¬3) أن العربَ تُطْلِقُ (أَرَأَيْتَ) بمعنى: أَخْبِرْنِي، وتستعملُها اسْتِعْمَالَيْنِ، إذا جعلتَ معها الكافَ، كقولِه: «أَرَأَيْتُكَ» أو: «أَرَأَيْتُكُمْ» لَزِمَتِ التاءُ الفتحَ، وكانت الكافُ تتغيرُ بحسبِ تغيرِ ¬
المخاطَبِ، وإذا حَذَفُوا منها الكافَ كانت التاءُ تتغيرُ بحسبِ تغيرِ المخاطَبِ، وهي معناها: أَخْبِرْنِي. والمحققونَ من علماءِ العربيةِ: أنها مع تحويلِ معناها إلى (أَخْبِرْنِي) أنها تطلبُ مَفْعُولَيْنِ، وهي وَمَفْعُولاَهَا بمعنَى: أَخْبِرْنِي عن كذا. وعليه فقولُه هنا: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ} أَخْبِرُونِي. المفعولُ الأولُ: أرأيتم سَمْعَكُمْ وأبصارَكم إن أَخَذَهَا اللَّهُ مَنْ هُوَ الذي يَأْتِيكُمْ بها؟ فالمفعولُ الأولُ في قولِه: أرأيتُم سَمْعَكُمْ وأبصارَكم إِنْ أَخَذَهَا اللَّهُ، مَنْ هُوَ الذي يَأْتِيكُمْ [بها] (¬1)؟ والمفعولُ الثاني: الجملةُ (¬2). أَوَّلاً: هذه الآيةُ تهديدٌ للخلائقِ، وهو أن اللَّهَ (جل وعلا) أَعْطَاهُمْ هذه العيونَ التي يُبْصِرُونَ بها، وهذه الآذانَ التي يَسْمَعُونَ بها، وهذه القلوبَ المشتملةَ على العقولِ التي يفهمونَ بها، وهذا أَعْطَاهُ لهم لأَجْلِ أن يَعْتَبِرُوا هذه النعمَ فَيَشْكُرُوا لِمَنْ مَنَّ بها فَيُطِيعُوهُ، كما قال: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: آية 78] أي: لأَجْلِ أن تَشْكُرُوا له هذه النعمَ فَتُطِيعُوهُ، كأنه يقولُ لهم هنا: هذه النعمُ الجلائلُ التي أَنْعَمْتُ بها عليكم من هذا البصرِ الذي تُبْصِرُونَ به، والسمعِ الذي تَسْمَعُونَ به، والقلبِ الذي تَفْهَمُونَ به، مَنَحْتُكُمْ إياها لِتَشْكُرُونِي {هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: آية 78] لَمَّا كَفَرْتُمْ نِعَمِي أَخْبِرُونِي إن ¬
أخذتُ نِعَمِي، وَسَلَبْتُهَا مِنْكُمْ، فتركتُكم عُمْيًا بعدَ الإبصارِ، وتركتُكم صُمًّا بعد السماعِ، وتركتُكم لا عقولَ لكم بعدَ الإدراكِ، فصرتُم لا بَصَرَ عندكم تُبْصِرُونَ به، ولا سمعَ تسمعونَ به، ولا عقلَ تفهمونَ به، مَنْ هو الذي يَقْدِرُ أن يَرُدَّ عليكم هذه المنافعَ، ويجعلُكم تسمعونَ وتبصرونَ وتفهمونَ؟! المعنى: لاَ أحدَ يقدرُ أبدًا على ذلك إلا اللَّهُ وحدَه. يعني: لَمَّا كانَ إنعامُ اللَّهِ عليكم بهذه المثابةِ، وقدرتُه على سلبِ إنعامِه عنكم بهذه المثابةِ، ما كان ينبغي لكم أن تَتَمَرَّدُوا وَتَكْفُرُوا وَتَصْرِفُوا نِعَمَهُ (جل وعلا) فيما يُسْخِطُهُ. وهذا في الحقيقةِ أَمْرٌ يَعْرقُ منه الجبينُ، ويخجلُ منه مَنْ لَهُ عقلٌ، أن اللَّهَ مع عظمتِه وجلالِه وكمالِه يَمُنُّ على الواحدِ مِنَّا مع ضَعْفِ المسكينِ وحقارتِه، ويمنُّ عليه بهذه النعمِ، ويفتحُ له هاتين العينين في هذا الوجهِ على هذا الأسلوبِ الجميلِ الغريبِ وَيُعْطِيهِ هذا السماعَ، وَيُعْطِيهِ هذا العقلَ، ثم يصرفُ هذه النعمَ فيما يُسْخِطُ خالَقه (جل وعلا)، فهذا أمرٌ فظيعٌ، يعرقُ منه جبينُ العاقلِ، وَيَسْتَحِي منه مَنْ لَهُ عَقْلٌ. وهذا معنى قولِه: {قُلْ أَرَأَيْتَكُم} أرأيتُم - أَخْبِرُونِي - أيها الناسُ {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ} في أخذِه السمعَ وَجْهَانِ (¬1): أحدُهما: أنه يأخذُ الأُذُنَ بِحَاسَّتِهَا، ولا يتركُ لها أَثَرًا، ويأخذُ العينَ حتى يتركَ الوجهَ مَطْمُوسًا، كما قال: {مِّنْ قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: آية 47]. الوجهُ الثاني: أن المعنَى أنه يأخذُ حَاسَّةَ الإبصارِ والسمعِ والعقلِ وإن كانت الجوارحُ باقيةً؛ لأن صورةَ العينِ إذا نُزِعَ منها ¬
الإبصارُ لا فائدةَ فيها، وجرمُ الأُذُنِ إذا نُزِعَ منه السماعُ لا فائدةَ فيه. هذان الوجهانِ مَعْرُوفَانِ. وقولُه: {مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ} {مَّنْ} مُبْتَدَأٌ، و {إِلَهٌ} خبرُه، و {غَيْرُ اللَّهِ} نعتُ للإِلَهِ. والفعلُ في قولِه: {يَأْتِيكُم بِهِ} في مَحَلِّ النعتِ أيضًا. مَنْ إِلَهٌ غيرُ اللَّهِ يَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ (¬1)؟ في هذه الآيةِ الكريمةِ سُؤَالاَنِ عَرَبِيَّانِ مَعْرُوفَانِ: أحدُهما: أن اللَّهَ هنا أَفْرَدَ السمعَ، وجمعَ الأبصارَ والقلوبَ، حيثُ قَالَ: {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} فَجَمَعَ الأبصارَ، وجمعَ القلوبَ، وأفردَ السمعَ ولم يَجْمَعْهُ، وهكذا في سائرِ القرآنِ، يَجْمَعُ ما ذُكِرَ مع السمعِ، وَيُفْرِدُ السمعَ، ولا يَجْمَعُهُ في القرآنِ؟ السؤالُ الثاني: أن اللَّهَ ذَكَرَ أشياءَ متعددةً في قولِه: {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم} ثُمَّ رَدَّ عليها ضميرَ اسمِه الواحدِ في قوله: {مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} بضميرٍ مذكرٍ مفردٍ؟ هذانِ السؤالانِ العربيانِ في هذه الآيةِ الكريمةِ. والجوابُ عنهما معروفٌ مِنْ لغةِ العربِ. أما الجوابُ عن الأولِ - وهو إفرادُ السمعِ في سائرِ القرآنِ - فلعلماءِ العربيةِ فيه وجهانِ مَعْرُوفَانِ: أحدُهما (¬2): أن أصلَ (السمعِ) مصدرٌ، وأنه مصدرُ: سَمِعَهُ، ¬
يَسْمَعُهُ، سَمْعًا، والعربُ إذا نَعَتَتْ بالمصدرِ أَلْزَمَتْهُ الإفرادَ والتذكيرَ، كما قال ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ (¬1): وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرَا فالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا وقالوا لأجلِ هذا: لم يُجْمَعِ السمعُ في القرآنِ أَبَدًا. الوجهُ الثاني (¬2): هو ما تَقَرَّرَ في علومِ العربيةِ: أن كُلَّ مفردٍ هو اسمُ جنسٍ، فَمِنْ أساليبِ اللغةِ العربيةِ أن يُطْلَقَ مفردُه مُرَادًا به الجمعُ، نظرًا إلى أن أصلَه اسمٌ شاملٌ للجنسِ. وهذا كثيرٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ في حالاتِه الثلاثِ، أعني بِقَوْلِي: «في حالاتِه الثلاثِ» أن يكونَ مُنَكَّرًا، وأن يكونَ مُعَرَّفًا بالأَلِفِ واللامِ، وأن يكونَ مُضَافًا. فمن أمثلتِه في القرآنِ واللفظُ مُنَكَّرٌ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: آية 54] يعني: وأنهارٍ، بدليلِ قولِه: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ} الآية. [محمد: آية 15] وكقولِه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: آية 74] يعني: أئمةً، وكقولِه: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [الحج: آية 5] يعني: أطفالاً، وكقولِه: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا} [المؤمنون: آية 67] يعني: سَامِرِينَ تَهْجُرُونَ، وكقولِه جل وعلا: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: آية 6] ويعني: إن كُنْتُمْ جنبين أو أجنابًا. وقوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: آية 69] أي: رفقاءَ {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا} [النساء: آية 4] ¬
أي: أَنْفُسًا. {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: آية 4] مظاهرون. وهو كثيرٌ جِدًّا. ومن أمثلتِه في القرآنِ واللفظُ مُعَرَّفٌ قولُه جل وعلا: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [آل عمران: آية 119] يعني: بالكتبِ كُلِّهَا، بدليلِ قولِه: {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: آية 285] {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [الشورى: آية 15] وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: آية 22] يعني: الملائكةَ، بدليلِ قولِه: {صَفًّا صَفًّا} لأن الملَك الواحدَ لا يكونُ صفًّا صفًّا، وكما يدل عليه قولُه في البقرةِ: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة: آية 210] وكقولِه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: آية 45] يعني: الأدبارَ، بدليلِ قولِه: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال: آية 15] وكقولِه: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} [الفرقان: آية 75] يعني: الغرفَ، بدليلِ قولِه: {لَهُمْ غُرَفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} [الزمر: آية 20] {هُمُ الْعَدُوُّ} يعني: الأعداءُ. وهو كثيرٌ جِدًّا. ومن أمثلتِه واللفظُ مُضَافٌ قولُه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63] أي: أوامره، وقولُه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [إبراهيم: آية 34] أي: نِعَمَ اللَّهِ، وقولُه: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: آية 61] أي: أَصْدِقَائِكُمْ. وهو كثيرٌ في القرآنِ. والشيخُ سيبويه في كتابِه (¬1) يقولُ: «إِنَّ اسمَ الجنسِ إذا كان مُفْرَدًا: يُوجَدُ قَصْدُ الجمعِ به بِقِلَّةٍ»، ونحن نقولُ: بتتبعِ القرآنِ واللغةِ ¬
العربيةِ فهو بكثرةٍ، عكس ما قاله الشيخُ عمرو سيبويه - رحمه الله - وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ: ما أنشدَه سيبويه في كتابِه من قولِ علقمةَ بنِ عَبَدَةَ التميميِّ (¬1): بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ، وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ يعني: وأما جلودُها فصليبةٌ. وأنشد له أيضا سيبويه قولَ الآخَرِ (¬2): كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمْ تَعُفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ أنشد له هذين البيتين فقط، وهو في كلامِ العربِ كثيرٌ، ومنه قولُ عقيلِ بنِ عُلفةَ المريِّ (¬3): وَكَانَ بَنُو فَزَارَةَ شَرَّ عَمٍّ ... وَكُنْتُ لَهُمْ كَشَرِّ بَنِي الأَخِينَا يعني بقوله: «شَرَّ عَمٍّ» شَرَّ أَعْمَامٍ. ومنه قولُ العباسِ بنِ مرداسٍ السُّلَمِيِّ (¬4): فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ ... وَقَدْ سَلِمَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ يعني: إنَّا إخوانُكم. ومنه قولُ جريرٍ (¬5): إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ الْعِرَابِ ¬
يعني: وأباؤك. ومنه قولُ قُعْنُبِ ابْنِ أُمِّ صَاحِبٍ (¬1): مَا بَالُ قَوْمٍ صَدِيقٍ ثُمَّ لَيْسَ لَهُمْ عَقْلٌ وَلَيْسَ لَهُمْ دِيْنٌ إِذَا ائْتُمِنُوا قال: «ما بال قوم صديق» يعني: أصدقاءَ. ومن هذا المعنى - بنفسِه - قولُ جريرٍ قال (¬2): نَصَبْنَ الْهَوَى ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوبَنَا بِأَعْيُنِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صَدِيقُ يعني: وهن صديقاتٌ. ومن هذا المعنى قولُ الآخَرِ (¬3): يَا عَاذِلاَتِي لاَ تَزِدْنَ مَلاَمَةً إِنَّ الْعَوَاذِلَ لَيْسَ لِي بِأَمِيرِ وهو كثيرٌ جِدًّا. والقصدُ التمثيلُ، وعلى هذا خرَّج بعضُهم [إفرادَ] (¬4) (السمعِ)؛ لأنه اسمُ جنسٍ أُطْلِقَ وأُرِيدَ به الجمعُ، كما بينَّا نظائرَه في القرآنِ، وفي لغةِ العربِ. الجوابُ الثاني: عن رجوعِ ضميرٍ مذكرٍ مفردٍ إلى أشياءَ متعاطفةٍ حيث قال: {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ} يُجابُ عنه بجوابين (¬5): ¬
أحدُهما: أن قولَه: (به) أي: بما ذُكِرَ، أي: بذلك الشيءِ المأخوذِ، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ولما قال رؤبةُ بنُ العجاجِ في رجزيته القَافِيَّةِ المشهورةِ، قال فيها (¬1): فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ فقال له واحدٌ: لِمَ قلتَ: كأنه بالإفرادِ؟ إذا كنتَ تعني (الخطوطَ) لا بد أن تقولَ: «كأنها»، وإذا كنتَ تعني (السوادَ والبلقَ) لا بد أن تقولَ: «كأنهما»، فَمِنْ أين قلتَ «كأنه» بالإفرادِ؟ قال له: (كأنه) أي: ما ذُكِرَ. الوجهُ الثاني: هو ما عُرِفَ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ أنه قد تأتي المتعاطفاتُ سواء كانت متعاطفاتٍ بـ (واو)، أو متعاطفاتٍ بـ (أو)، أو متعاطفاتٍ بـ (فاء)، ويرجعُ الضميرُ على واحدٍ منها، وتكونُ الأُخَرُ مفهومةً من ذلك (¬2)؛ لأنه لَمَّا رَجَعَ على واحدٍ فُهِمَ أن الباقيَ مثلُه، وهذا كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ. فمن أمثلتِه في القرآنِ في العطفِ بـ (أو): {وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: آية 270] وقال جل وعلا: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} [النساء: آية 112] بالإفرادِ، وقال (جل وعلا) في مثلِ هذا: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: آية 11] فَرَدَّهُ إلى التجارةِ دونَ اللهوِ. وفُهِمَ منه أن اللهوَ كذلك انْفَضُّوا إليه أيضا. مع أنه رَبُمَّا رَجَعَ لهما معًا، كقوله: {إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: آية 135] وهو في العطفِ ¬
بـ (الواو) - كما هنا - كثيرٌ جِدًّا، ومنه قولُه: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: آية 35] وقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا} [البقرة: آية 45] وقوله جل وعلا: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: آية 62] وقول جل وعلا: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} [الأنفال: آية 20] وهو كثيرٌ في القرآنِ، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬1): وَقَدْ أَرَانِي وَنُعْمًا لاَهِيَيْنِ بِهَا ... وَالدَّهْرُ وَالْعَيْشُ لَمْ يَهْمِمْ بِإِمْرَارِ ولم يقل: «يَهْمِمَا». وقولُ الآخَرِ (¬2): إِنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ وَالشَّعَرَ الأَسْـ ... ـوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا ولم يقل: (ما لم يُعَاصَيَا). هذا كثيرٌ في كلامِ العربِ. ومن أمثلتِه في المتعاطفاتِ بالفاءِ: قولُ امرئِ القيسِ في معلقتِه (¬3): ¬
فَتُوضِحَ فَالْمِقرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا ............................ فَرَدَّ الضميرَ على أحدِهما، وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ. وَأَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ: الأولُ، أن المعنَى {مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ} أي: بما ذُكِرَ مِمَّا أَخَذَهُ اللَّهُ منكم. كقولِه جل وعلا: {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: آية 68] أي: ذلك المذكور، ولم يقل: «ذَلِكُمَا»، ونظيرُه قولُ ابنِ الزبعرى (¬1): إِنَّ لِلشَّرِّ وَلِلْخَيْرِ مَدًى وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ هذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وهذا معنَى قولِه: {مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ} وهذه الآيةُ الكريمةُ ينبغي لِكُلِّ مسلمٍ أن يعتبرَ بها، فيعلمَ أن اللَّهَ شقَّ له في وجهه عَيْنَيْنِ، وصبغَ له بعضَهما بصبغٍ أسودَ، وبعضَهما بصبغٍ أبيضَ، وأعطاه لهما سِلْكًا من جفونِه، وجعلَ لعينيه شحمًا لئلا يُجَفِّفَهَا الهواءُ، وجعلَ ماءَ عينِه مِلْحًا لئلا تُنْتِنَ الشحمةُ، وجعلَ له عقلاً، وهو هذا العقلُ الذي يُمَيِّزُ به بين الأشياءِ، ويفعلُ (¬2) به هذه الأفعالَ الغريبةَ العجيبةَ، وأعطاه حاسةَ السماعِ، كُلُّ هذا أعطاه له ليبذلَ هذه النعمَ فيما يُرْضِي رَبَّهُ (جل وعلا)، فلا ينبغي منه ولا يَجْمُلُ به أن يستعينَ بِنِعَمِ رَبِّهِ على معصيةِ خالقِه (جل وعلا)، فهذا عملٌ لا يليقُ بعاقلٍ. ثم إنه يُلاَحِظُ قدرةَ اللَّهِ وعظمتَه وجلالَه، وأنه قادرٌ على أن ينزعَ منه السمعَ والبصرَ والعقلَ فيتركَه كالجمادِ لا يسمعُ شيئًا، ولا يبصرُ شيئًا، ولا يعقلُ شيئًا، فلا ملجأَ له غيرُ اللَّهِ يُزِيلُ ذلك عنه؛ وَلِذَا قال: {مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ}. ¬
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عجَّب نَبِيَّهُ من جراءةِ الإنسانِ وجهلِه وإعراضِه عن الحقِّ مع فقرِه وحاجتِه وفاقتِه إلى رَبِّهِ (جل وعلا)، فقال له: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} معنى تصريفِ الآياتِ: هو نقلُها من حالٍ إلى حالٍ بأساليبَ واضحةٍ بينةٍ، تارةً - يعني - بالوعيدِ وتارةً بالوعدِ وتارةً بالابتلاءِ بالسراءِ، وتارةً بالضراءِ بأنواعٍ مختلفةٍ من جهاتٍ مختلفةٍ، ومع هذا {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} بعضُ الْمُحَقِّقِينَ من العلماءِ يقولُ: إن (ثم) في هذا المكانِ (¬1) للاستبعادِ (¬2)، وأن التراخيَ المفهومَ بـ (ثم) أنها للاستبعادِ؛ لأنه يُسْتَبْعَدُ عندَ العقولِ السليمةِ أن يكونَ اللَّهُ مع عظمتِه وجلالِه، ومع ما يُحْسِنُ به إلى الإنسانِ يُصرِّفُ له الآياتِ، ومع هذا هو يصدفُ، أي: يُعْرِضُ. فمعنى قولِه: {يَصْدِفُونَ} أي: يُعْرِضُونَ ويصدون، والعربُ تقولُ: «صَدَفَ عنه، يَصْدِفُ، صَدْفًا وصُدُوفًا»، إذا أَعْرَضَ عنه وَمَالَ (¬3). و (صَدَفَ) تُسْتَعْمَلُ استعمالين (¬4): تستعملُ مُتعديةً للمفعولِ، تقولُ: «صَدَفْتُهُ عن قولِه». أي: صَدَدْتُهُ عنه حتى أعرضَ عنه. وَتُسْتَعْمَلُ لازمةً، صدفَ فلانٌ عن كذا: إذا أَعْرَضَ عنه، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ ابنِ رواحةَ (¬5): ¬
عَجِبْتُ لِلُطْفِ اللَّهِ فِينَا وَقَدْ بَدَا لَهُ صَدْفُنَا عَنْ كُلِّ وَحْيٍ مُنَزَّلِ (صَدْفُنَا) أَيْ: إِعْرَاضُنَا. ومن هذا المعنى قولُ ابنِ الرّقاعِ يمدحُ نسوةُ، قال (¬1): إِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ جمع صادفةٍ، أي: مُعْرِضَاتٍ صاداتٍ عنه، وهذا يُسْتَبْعَدُ؛ لأن (ثُمَّ) هنا للاستبعادِ كما حَقَّقَهُ بعضُ العلماءِ؛ لأنه يُسْتَبْعَدُ مِمَّنْ صَرَّفَ له خالقُه الآياتِ، وبيَّن له هذا من البيانِ، يستبعدُ منه بعدَ هذا: الإعراضَ والصدودَ عن اللَّهِ جل وعلا. وَمِنْ إتيانِ (ثُمَّ) للاستبعادِ قولُ الشاعرِ (¬2): وَلاَ يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلاَّ ابْنُ حُرَّةٍ يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا لأن مَنْ عَايَنَ غمراتِ الموتِ يُسْتَبْعَدُ منه اقتحامُها والوقوعُ فيها. وهذا معنَى قولِه: {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ}. {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: آية 47] {قُلْ} لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: {أَرَأَيْتَكُمْ} أَخْبِرُونِي {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} كان الحسنُ البصريُّ يقولُ: {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} أي: ليلاً أو نهارًا (¬3)، وهذا التفسيرُ ليس كما ينبغي، بل التحقيقُ أن معنَى بغتة: أي: أَتَاكُمُ العذابُ في ¬
حالِ كونِه بَاغِتًا. أي: مُفَاجِئًا (¬1) من أن تعلمونَه بأسبابٍ، ولا عِلْمَ لكم به. وقولُه: {جَهْرَةً} أن يَأْتِيَكُمُ العذابُ بعدَ أن تُعَايِنُوا أسبابَه، وتَرَوْا أَوَائِلَهُ، حتى يقعَ بكم {جَهْرَةً} عيانًا وأنتم تنظرون إليه (¬2). هذا التحقيقُ في الفرقِ بين البغتةِ والجهرةِ هنا. إن أتاكم عذابُ اللَّهِ مفاجئًا من غيرِ أن يتقدمَ لكم به علم، أو جهرةً بأن عَايَنْتُمْ مبادئَه، ورأيتم أولَ نزولِه، حتى وقعَ جهارًا وأنتم تنظرونَ. {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} هذا الاستفهامُ بمعنى النفيِ؛ ولذا جَاءَ مُقَابِلاً بـ (إلا) التي تُقَابِلُ النفيَ (¬3). والمعنى: ما يُهْلَكُ إلا القومُ الظالمونَ الكافرونَ. وفي الآيةِ سؤالٌ معروفٌ: جاء في الأحاديثِ الصحيحةِ (¬4) أن العذابَ إذا نَزَلَ بقومٍ كفارٍ شَمِلَ مَنْ فيهم مِنَ المسلمين، وهذه الآيةُ بَيَّنَتْ أنه لاَ يُهْلَكُ إِلاَّ القومُ الظالمون؟ أُجِيبَ عن هذا: بأن العذابَ لو شَمِلَ وَأَهْلَكَ مَنْ هو معهم، أن هذا الهلاكَ تمحيصٌ له، وأنه يُبْعَثُ يومَ القيامةِ في نعمةٍ من اللَّهِ ورحمةٍ وأجور. وقال بعضُ العلماءِ: لا يتعينُ هذا كما دَلَّتْ عليه قصصُ ¬
الرسلِ؛ لأن الغالبَ أن الكلامَ في الأممِ والرسلِ والقرآنِ قد قَصَّ علينا أن كل أمةٍ عَلِمَ اللَّهُ أن الهلاكَ سيأتيها أمرُ نبيها ومن معه فخرجوا منها وَنَجَوْا، كما ذكر أنه نَجَّى هُودًا بقولِه: {نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: آية 58] {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا} [هود: آية 94] {نَجَّيْنَا صَالِحًا} [هود: آية 66] إلى غيرِ ذلك مما جاء مُفَصَّلاً في الآياتِ، وهذا يبين معنى قولِه: {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: آية 47]. {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)} [الأنعام: الآيات 48 - 52]. يقول الله جل وعلا: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)} [الأنعام: الآيتان 48 - 49]. كان كفارُ مكةَ يُكْثِرُونَ الاقتراحاتِ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬1) وَمِمَّا يقترحونَ عليه أن يقولوا له: سَلْ رَبَّكَ أن ينزلَ علينا كثيرًا من الأرزاقِ من خزائنِ رِزْقِهِ، وأن يُعلمنا بالغيبِ لِنَتَّقِيَ ما يضرُّ ونجتلب ما ينفعُ. ¬
ومما اقترحوا إنزالُ الآياتِ كما في قولِه في هذه الآيةِ السابقةِ: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} وقد بَيَّنَ اللَّهُ بعضَ اقتراحاتِهم في سُورٍ من كتابِه، كقولِه في سورةِ بني إسرائيلَ: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} قال الله له: قل لهم: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً} [الإسراء: الآيات 90 - 93] وَبَيَّنَ في آيةِ الأنعامِ هذه أن اللَّهَ ما أرسلَ المرسلين لتكونَ بيدهم خزائنُ السماواتِ والأرضِ، أو يكونوا ملائكةً، أو يقترحَ عليهم مَنْ شَاءَ كُلَّ ما شاء من التعنتاتِ، لا ليس الأمرُ كذلك: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} لا لأن تكونَ بأيديهم الخزائنُ، ولا ليكونوا ملائكةً، ولا ليقترحَ عليهم كُلُّ متعنتٍ ما شاءَ أن يقترحَ عليهم، لا. {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ} صيغةُ الجمعِ في قولِه: {نُرْسِلُ} للتعظيمِ، والمرسلونَ جمعُ (المُرْسَلِ)، والمرادُ بهم هنا: المرسلونَ مِنْ بَنِي آدمَ، مع أن المرسلين يكونون من الآدميين ومن غيرِهم كالملائكةِ، كما يأتي في قولِه: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: آية 75]. وقولُه: {إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} حالٌ (¬1)، وقوله: {وَمُنْذِرِينَ} حالٌ معطوفةٌ على حال (¬2). والمعنى: ما نُرْسِلُهُمْ إلا في حالِ كونِهم ¬
مبشرين ومنذرين، وقد حُذِف هنا معمولُ البشارةِ ومعمولُ الإنذارِ، وتقديرُه: إلا مبشرين مَنْ أطاعهم بالجنةِ وما عندَ اللَّهِ من الخيرِ، ومنذرين مَنْ عَصَاهُمْ بالنارِ وما عند الله من النكالِ. فَحَذَفَ المفعولَ والمُتَعَلَّقَ لدلالةِ الكلامِ عليهما. وَقَدْ قَدَّمنا غيرَ ما مرةٍ: أن (المُبشِّرَ) اسمُ فاعلِ (التبشيرِ). والتبشيرُ والبشارةُ: هو الإخبارُ بما يَسُرُّ، قال بعضُ العلماءِ: سُمِّيَ الإخبارُ بما يَسُرُّ (بشارةً): لأن الإنسانَ إذا سَمِعَ خبرًا يَسُرُّهُ أَثَّرَ ذلك في دمِه فجرى دمُه جَرَيَانًا من البشارةِ فظهرَ أثرُ ذلك على بشرتِه، ومنها - قالوا - سَمَّوْهَا (بِشَارَةً). والبشارةُ أغلبُ ما تُطْلَقُ على الإخبارِ بما يَسُرُّ خاصةً، وجاءَ في القرآنِ العظيمِ إطلاقُها على الإخبارِ بما يَسُوءُ كقولِه: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: آية 21]. والعلماءُ الذين يقولونَ بالمجازِ في القرآنِ، معلومٌ أنهم يُسَمُّونَ مثلَ قولِه: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} يجعلونَ هذا مِنْ نوعِ (الاستعارةِ العناديةِ)، و (الاستعارةُ العناديةُ) عندَهم يُقَسِّمُونَهَا إلى: تهكميةٍ، وتمليحيةٍ، كما هو معلومٌ في فَنِّ البيانِ (¬1). ومن منعِ المجازِ في القرآنِ من العلماءِ - وهو الذي نَرَى أنه الأصوبُ - يقولُ: هذا أسلوبٌ من أساليبِ اللغةِ العربيةِ، فالعربُ يستعملونَ البشارةَ غالبًا فيما يَسُرُّ، وربما استعملوها فيما يسوءُ، إذا دَلَّتْ على ذلك قرائنُ تُفْهِمُهُ، والكلُّ أسلوبٌ من أساليبِ اللغةِ ¬
العربيةِ (¬1). ومعلومٌ عن العربِ أنهم يُطْلِقُونَ البشارةَ نادرًا على الخبرِ بما يَسُوءُ، ومن إطلاقِ البشارةِ على الخبرِ السَّيِّئِ قولُ الشاعرِ (¬2): وبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي جَفَوْنِي وَقَالُوا الْوُدُّ مَوْعِدُهُ الْحَشْرُ فجفاءُ الأحبةِ أمرٌ يسوءُ، والبشارةُ به بشارةٌ بسوءٍ، ومنه قولُ الآخَرِ (¬3): يُبَشِّرُنِي الْغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ هذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، وعلماءُ البيانِ يُسَمُّونَهُ نوعًا من أنواعِ المجازِ، ونوعًا من أنواعِ الاستعارةِ، يسمونَه (الاستعارةَ العناديةَ)، كما بَيَّنَّا أقسامَها عندهم. والقصرُ في قولِه: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} هو الذي يُسَمِّيهِ البلاغيون: قصرًا إضافيًّا (¬4)؛ لأنه يُرْسِلُهُمْ بأعمالٍ أُخَرَ طيبةٍ من تعليمِ الآدابِ والمكارمِ وغيرِ ذلك مما هو زائدٌ على البشارةِ والإنذارِ. والبشارةُ: الإخبارُ بما يَسُرُّ، والإنذارُ: الإعلامُ المقترنُ بتهديدٍ خاصةً (¬5). والإنذارُ أَخَصُّ من مطلقِ الإعلامِ؛ لأن الإنذارَ لا يُطْلَقُ إلا ¬
على إعلامٍ مقترنٍ بتهديدٍ. فَكُلُّ إنذارٍ إعلامٌ، وليس كُلُّ إعلامٍ إنذارًا، وهذا معنَى قولِه: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} مَنْ أَطَاعَنَا بالجنةِ، {وَمُنْذِرِينَ} مَنْ عَصَانَا بالنارِ، ثم بَيَّنَ مَنْ هُمُ المُبَشَّرونَ وما صفاتُهم، وَمَنْ هُمُ المُنْذَرُون وما صفاتُهم، فقال مُبَيِّنًا صفاتِ المُبَشَّرين على ما يسمونه: (اللفَّ والنشرَ المرتبَ)، فَمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحًا فلهم البشارةُ العُظْمَى؛ بأنهم لا خوفَ عليهم ولا هُمْ يحزنونَ، مع ما ينالونَ من النعيمِ. وقولُه: {فَمَنْ آمَنَ} أصلُ الإيمانِ في لغةِ العربِ: التصديقُ (¬1). وهو في اصطلاحِ الشرعِ: التصديقُ التامُّ، أعني: التصديقَ من الجهاتِ الثلاثِ، وهو تصديقُ القلبِ بالاعتقادِ، واللسانِ بالإقرارِ، والجوارحِ بالعملِ. فالإيمانُ: قولٌ وعملٌ (¬2)، كما عليه مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعةِ، والآياتُ والأحاديثُ الدالةُ عليه لا تكادُ تُحْصَى. في الحديثِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا» (¬3) فَسَمَّى الصومَ: ¬
إيمانًا. «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا» (¬1) فَسَمَّى الصلاةَ: إيمانًا {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: آية 143] أي: صلاتَكم إلى بيتِ المقدسِ قبلَ أن تُنْسَخَ. وفي الحديثِ الصحيحِ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ» وفي بعضِ رواياتِه: «وَسَبْعُونَ بِضْعًا، أَعْلاَهَا شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (¬2) وفي هذا الحديثِ الصحيحِ أن هذا الفعلَ - الذي هو إماطةُ الأَذَى عن الطريقِ - يُسَمَّى: إيمانًا كما هو مَعْرُوفٌ. والعادةُ المقررةُ عندَ العلماءِ: أن الإيمانَ إذا جاء مُطْلَقًا ولم يُعْطَفْ عليه العملُ الصالحُ فهو يشملُ الإيمانَ من الجهاتِ الثلاثِ: يشملُ إيمانَ القلبِ بالاعتقادِ، وإيمانَ اللسانِ بالإقرارِ، وإيمانَ الجوارحِ بالعملِ. وإذا عُطِفَ عليه العملُ الصالحُ، كقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [يونس: آية 9] وقولِه هنا: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} [الأنعام: آية 48] انصرفَ الإيمانُ إلى رُكْنِهِ الأكبرِ، وهو الاعتقادُ القلبيُّ (¬3)، وصارَ الإصلاحُ بعدَه يُرَادُ به الأعمالُ، كما قال تعالى هنا: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} آمَنَ قَلْبُهُ وَأَذْعَنَ واعتقدَ ما يجبُ اعتقادُه إثباتًا ونفيًا، وأصلحَ - مع ذلك الإيمانِ القلبيِّ عَمَلَهُ - بجوارحِه {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} آمَنَ قَلْبُهُ، وأصلحَ عَمَلَ جوارحِه، بِأَنِ ¬
امتثلَ الأوامرَ، واجتنبَ النواهيَ، هذا الْقِسْمُ من الناسِ هم المُبَشَّرونَ الذين فيهم: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} وقال اللَّهُ فيهم: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يعني يومَ القيامةِ: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. و (الخوفُ) في لغةِ العربِ: هو الغَمُّ من أمرٍ مستقبلٍ خاصةً. و (الحزنُ) في لغةِ العربِ: هو الغمُّ من أمرٍ قد فاتَ وَمَضَى. تقولُ: «فلانٌ أُصِيبَ بالأمسِ، فهو اليومَ حزينٌ» وتقولُ: «فلانٌ خائفٌ» أي: يَغْتَمُّ مِنْ أمرٍ مستقبلٍ. هذا أصلُه معنى (الخوفِ) ومعنى (الحزنِ) (¬1) - أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمين منهما - وربما وُضِعَ أحدُهما موضعَ الآخَرِ، وربما أَطْلَقَتِ العربُ (الخوفَ) على غيرِ (الحزنِ)، وَمِنْ إطلاقاتِ العربِ الخوفَ: إطلاقُها الخوفَ على العلم (¬2)، تقولُ العربُ: «إِنِّي أخافُ أن يقعَ كذا» بمعنى: أعلمُ أن يقعَ كذا، وقد بَيَّنَّا هذا المعنَى في سورةِ البقرةِ في الكلامِ على قولِه: {إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: آية 229] قال بعضُ العلماءِ معنَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا} أي: فإن عَلِمْتُمْ ألاَّ يقيما حدودَ اللَّهِ. ومن إطلاقِ (الخوفِ) لاَ بمعنَى (الحزنِ)، بل بمعنَى العلمِ اليقينيِّ: قولُ أبي مِحْجَنٍ الثقفيِّ في بَيْتَيْهِ المشهورين (¬3): إِذَا مُتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظَامِي فِي الْمَمَاتِ عُرُوقُهَا ¬
وَلاَ تَدْفِنَنِّي بِالْفَلاَةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَلاَّ أَذُوقَهَا لأنه هو عَالِمٌ بأنه إذا مَاتَ لاَ يشربُ الخمرَ في قبرِه أبدًا، فقوله: «أخاف» أَطْلَقَ الخوفَ في شيءٍ هو عَالِمٌ به علمًا يقينًا؛ ولذا قال هنا: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يعني: لاَ يَغْتَمُّونَ من أمرٍ مستقبلٍ؛ لأن مستقبلَهم كُلَّهُ طيبٌ، ليس يُترقبُ فيه شيءٌ فيه أَذِيَّةٌ، وإنما فيه الفرحُ والسرورُ، ولا يحزنونَ على شيءٍ فائتٍ؛ لأنهم لم يَفُتْهُمْ شيءٌ إلا وعندهم أضعافُ أضعافِه من أنواعِ النعيمِ، فلا يفوتُهم مطلبٌ يحزنونَ عليهِ، ولا يخافونَ من ضررٍ ولا غَمٍّ مستقبلٍ يخافونَ منه. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ نَحْوِيٌّ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أُهْمِلَتْ (لا) هنا ولم تَعْمَلْ، فَلِمَ لاَ يقولُ: «لاَ خَوْفَ عليهم» كما قال: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} [البقرة: آية 197]؟ والجوابُ عن هذا (¬1): أن (لاَ) لا تعملُ إلا في النكراتِ، سواء قلنا إنها التي لنفيِ الجنسِ، أو قلنا إنها العاملةُ عملَ (ليس)، والجملةُ الأخيرةُ: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} المبتدأُ فيها ضميرٌ، والضمائرُ معارفُ، فلا يجوزُ أن تعملَ فيها (لا) بِكُلِّ حالٍ، فلما مُنِعَ عَمَلُهَا في الجملةِ الثانيةِ لمكانِ الضميرِ وهو مُعَرَّفٌ، وامتنعَ عملُها فيها، أُلغِيَ عملُها في الأُولَى لتنسجمَ الجملتانِ وَتَتَّفِقَا في الإهمالِ دونَ الإعمالِ. [4/أ] / {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأنعام: آية 49]. ¬
هذا هو القِسْمُ الثاني الذي فيه الإنذارُ {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي: جحدوا آياتِ هذا القرآنِ العظيمِ، وزعموا أنه أساطيرُ الأَوَّلِينَ، أو أنه سحرٌ أو شعرٌ أو من كهانةِ الكهانِ. الذين كفروا هذا الكفرَ، وهم أظلمُ الناسِ كما تَقَدَّمَ في قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} [الأنعام: آية 21]. {أُولَئِكَ} هؤلاء الذين هذه صفتُهم {يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} والمسيسُ معناه: وقوعُ الشيءِ على الشيءِ مباشرةً من غيرِ أن يَحُولَ بَيْنَهُمَا حائلٌ. وَعبَّرَ بالمسيسِ ليبينَ أن حَرَّ ذلك العذابِ وَأَلَمَهُ يباشرهم مباشرةً عظيمةً شديدةً من غيرِ حائلٍ، كما يَأْتِي في قولِه: {تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: آية 7] لأنها تُبَاشِرُ الأجسامَ، وتغوصُ فيها حتى تحرقَ سويداءَ القلبِ، وداخلَ جسمِ الإنسانِ؛ ولذا قال: {يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} [الأنعام: آية 49] أي: عذابُ اللَّهِ، وعذابُ اللَّهِ (جل وعلا) لا يماثلُه عذابٌ {فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)} [الفجر: الآيتان 25 - 26]. وقوله: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (الباء) سببيةٌ، و (ما) مصدريةٌ. والمعنى: يَمَسُّهُمُ العذابُ بسببِ كونِهم كانوا فَاسِقِينَ في دارِ الدنيا. و (الفسقُ) في لغةِ العربِ: الخروجُ. وهو في اصطلاحِ الشرعِ: الخروجُ عن طاعةِ اللَّهِ (¬1).والعربُ كُلُّ ما خرجَ إنسان عن شيء سَمَّتْهُ (فاسقًا). ومنه قولُ رؤبةَ بنِ العجاجِ (¬2): يَهْوَيْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا ... فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوائِرَا ¬
لأنه يذكر مراكبَ ضَلَّتْ طريقَها التي كانت تمشي عليها، فقال: «فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا» أي: خوارجَ عن الطريقِ التي كانت تَقْصِدُهَا. هذا أصلُ (الفسقِ) في لغةِ العربِ. وهو في اصطلاحِ الشرعِ: الخروجُ عن طاعةِ اللَّهِ. والخروجُ عن طاعةِ اللَّهِ جنسٌ تحتَه نوعانِ: أحدُهما: الخروجُ الذي هو أكبرُ أنواعِ الخروجِ وأعظمُها، وهو: الخروجُ عن طاعةِ اللَّهِ بالكفرِ الصُّراحِ. هذا أكبرُ أنواعِ الفسقِ. وكثيرًا ما يُطْلَقُ في القرآنِ اسمُ (الفسقِ) على هذا؛ لأنه صَرَّحَ بأنهم كَذَّبُوا بآياتِ اللَّهِ، وهذا أعظمُ الكفرِ، ثم سَمَّى هذا الكفرَ فِسْقًا بقولِه: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} لأنه أعظمُ أنواعِ الخروجِ عن طاعةِ اللَّهِ. ومنه بهذا المعنى قولُه: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: آية 20] هذا الفسقُ بمعنَى الخروجِ الأكبرِ، أي: الخروج عن طاعةِ اللَّهِ بالكفرِ والعياذِ بالله. النوعُ الثاني من أنواعِ الفسقِ: هو خروجٌ دونَ خروجٍ، وفسقٌ دونَ فسقٍ، بأن يخرجَ الإنسانُ عن طاعةِ اللَّهِ إلى المعصيةِ، خروجًا لا ينقلُه من اسمِ الإسلامِ إلى الكفرِ، كارتكابِ الكبيرةِ. ومنه بهذا المعنى قولُه في الْقَاذِفِينَ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: آية 4] فهذا القذفُ خروجٌ عن طاعةِ اللَّهِ، ولم يبلغ بصاحبِه الكفرَ، بدليلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} [النور: آية 11] ولم ينقلهم عن اسمِ المسلمين بسببِ قَذْفِهِمْ. ولا يُقَالُ: إن عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ منهم، وإنه منافقٌ كافرٌ؛ لأَنَّ دينَ الإسلامِ يحكمُ له بشهادةِ أن
لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ في الظاهرِ، فكانَ يحضرُ جُمُعَاتِ المسلمينَ وجماعاتِهم باسمِ الإسلامِ، فاللَّهُ (جل وعلا) يقبلُ من المنافقين كلمةَ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) ظاهرًا، كما أرادوا أن يخدعوه فهو يخدعُهم حيثُ يَقْبَلُهَا منهم ظاهرًا في الدنيا، وهو يُعِدُّ لهم في الآخرةِ الدركَ الأسفلَ من النارِ، كما في قولِه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: آية 142]. ومن هذا النوعِ من الفسقِ الذي لم يُخْرِجْ عن دينِ الإسلامِ: قولُه في قصةِ الوليدِ بنِ عقبةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ لَمَّا كَذَبَ على بَنِي المصطلقِ (¬1): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية ¬
[الحجرات: آية 6]. وهذا معنى قولِه: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأنعام: آية 49] ومسيسُ العذابِ هذا: هو الذي
أَنْذَرَتْهُمُ به الرسلُ في دارِ الدنيا إن لَمْ يُقْلِعُوا عن ذلك التكذيبِ والكفرِ، كما في قولِه هنا: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الأنعام: آية 48]. {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: آية 50]. أولُ الرسلِ الذين أُرْسِلُوا إلى أهلِ الأرضِ بعدَ أن وقعَ فيهم الكفرُ والشركُ بِاللَّهِ: هو نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ، كما قَدَّمْنَا في قولِه: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: آية 163]. فَدَلَّ على أنه أولُ ذلك النوعِ الذي يُرْسَلُ إلى الناسِ بعدَ أن كَفَرُوا، وآخرُهم: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -. فَاللَّهُ قال لأَوَّلِهِمْ في سورةِ هودٍ: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} [هود: آية 31] ومثلُ هذه القصةِ بعينِها كانت فيما أُنْزِلَ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - حيث قَالَ: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} [الأنعام: آية 50] قل لهم يَا نَبِيَّ اللَّهِ: لاَ أَدَّعِي لكم دَعْوى بعيدةً ولا كاذبةً، ولا أَخْرُجُ لكم عن طَوْرِي وَحَقِيقَتِي، لا أقولُ لكم: إن عندي خزائنَ اللَّهِ. والخزائنُ: جمعُ الخزانةِ، وهي المحلُّ الذي تُخْزَنُ فيه الأرزاقُ ونحوُها (¬1)، فخزائنُ الملوكِ مثلاً: المحلُّ الذي يجعلونَ فيه العدةَ من الطعامِ والسلاحِ وما جَرَى مجرَى ذلك. وَكُلُّ شيءٍ عندَ اللَّهِ في خزانةٍ؛ [لأن الأشياءَ كُلَّهَا في خزائنِ اللَّهِ] (¬2) ¬
(جل وعلا)، كما سيأتي في قولِه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: آية 21] لا أقولُ لكم: إِنَّ بِيَدِي الأرزاقُ والآياتُ، وما اقترحتُم من كُلِّ شيءٍ، وخزائنُ الأمورِ ليست بِيَدِي، وإنما هي بيدِ اللَّهِ، وإنما أنا عبدٌ أُرْسِلْتُ إليكم [لأُبَشِّرَ] مَنْ أَطَاعَنِي بالجنةِ، [وَأُنْذِرَ] مَنْ عَصَانِي بالنارِ (¬1)، وأبلغُكم رسالاتِ رَبِّي، وأوضحُ لكم طريقَ الخيرِ والشرِّ، وأقيمُ لكم المعجزاتِ الواضحاتِ التي لا تَتْرُكُ لِمُنْصِفٍ في صِدْقٍ شَيْئًا؛ وَلِذَا قال: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} الجمهورُ مِنَ العلماءِ على أن هذا معطوفٌ على ما قَبْلَهُ (¬2)، وأنه من جملةِ مَا أُمِرَ أن يقولَه. وتقريرُ المعنى: قُلْ لهم أيضًا: لا أَعْلَمُ الغيبَ. كما قال اللَّهُ له: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: آية 188] {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} بل أقولُ لكم: إني رجلٌ ابنُ رجلٍ وابنُ امرأةٍ، أذهبُ إلى السوقِ، وأشتري منه حَاجَتِي. لأنهم قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 7] كيف يُرْسِلُ اللَّهُ مَنْ يَأْكُلُ ويشربُ، ويروحُ إلى السوقِ؟ وَاللَّهُ يقولُ: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 20] {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء: آية 8] هذه سنةُ اللَّهِ في رُسُلِهِ. ¬
وقولُه: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} كان المعتزلةُ يَسْتَدِلُّونَ بظاهرِ هذه الآيةِ على أن الملائكةَ أفضلُ من الآدميين (¬1)؛ لأن هذه كأنها مناصبُ عاليةٌ. لا أقولُ لكم إِنِّي في رتبةٍ إلهيةٍ، بحيثُ تكونُ عندي خزائنُ السماواتِ والأرضِ، وأعلمُ الغيبَ، ولاَ أَدَّعِي لكم الرتبةَ الأُخْرَى الكبيرةَ، التي هي رتبةُ الْمَلَكِ. وأكثرُ العلماءِ على أن خِيارَ الرسلِ من الآدميين أفضلُ مِنَ الملائكةِ (¬2). وهذا النوعُ من الخلافِ والبحثِ مِمَّا فِيهِ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ»؛ لأننا لم نُؤْمَرْ به، ولم نُكَلَّفْ به، والخوضُ فيه لا حاجةَ لنا فيه، ولا لنا من ورائِه نَفْعٌ. وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا: أن أكثرَ العلماءِ على أن أصلَ المادةِ اللغويةِ التي منها (المَلَكُ) (¬3) أنها: (أَلَكَ) ففاءُ الفعلِ همزةٌ، وعينُها لامٌ، ولاَمُهَا كافٌ، (أَلَكَ) وأصلُ هذه المادةِ، مادة (الهمزةِ واللامِ والكافِ) معناها: الرسالةُ. والأَلُوكَةُ: الرسالةُ، وَالْمَالُكَةُ: الرسالةُ. ¬
وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (¬1) والعربُ تقولُ: (أَلِكْنِي إليها): (احْمِلْ إليها مَأْلَكَتِي) أي: رِسَالَتِي فَبَلِّغْهَا عَنِّي، ومنه قولُ أبِي ذؤيبٍ الْهُذَلِيِّ (¬2): أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو لِ، أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ وعلى هذا فأصلُ المَلَكِ: (مَأْلَك) على وزن (مفْعَل) من (الأَلُوكَة) وهي: الرسالةُ. فَدَخَلَهُ القلبُ الصرفيُّ المعروفُ، وهو جعلُ العينِ مكانَ الفاءِ، والفاءِ مكانَ العينِ، فَجُعِلَتِ الهمزةُ التي كانت موضعَ الفاءِ في موضعِ العينِ، فصارَ: (مَلْأَكَ)، ووزنُ (المَلْأَك) بالميزانِ الصرفيِّ: (مَعْفَل) لأن العينَ جاءت في موضعِ الفاءِ، والفاءَ في موضعِ العينِ. وربما نَطَقَتِ العربُ به على هذا القلبِ بلفظِ (مَلأَك)، كقولِ الشاعرِ (¬3): وَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلأَكٍ تَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ فَخُفِّفَتِ همزةُ المَلْأَكِ، وَأُلْقِيَتْ حركتُها على اللامِ، فقيلَ: (مَلَك).كما تسقطُ في قولِه: (سَلْهُمْ). أصلُها: (اسألهم). ومما ¬
يدلُّ على أن أصلَه: (مَأْلَك)، وأن الهمزةَ أَصْلُهَا فيه؛ لأنه يُجْمَعُ على (ملائكةٍ) فتأتي الهمزةُ التي خُفِّفَتْ من الأصلِ. هذا أصلُه عند جمهورِ العلماءِ، وَمَنْ يقولُ: إن أصلَه من (المَلَك) قولٌ ضعيفٌ. وعلى هذا الذي قَرَّرْنَا، فَوَزْنُ (الْمَلَكِ) حَالِيًّا: (مَعَل) لأن الفاءَ المزحلقةَ إلى مكانِ العينِ ساقطةٌ منقولةٌ حَرَكَتُهَا. فوزنُه (مَعَل) بإسقاطِ الفاءِ، قالوا: وَإِنَّمَا سُمِّيَ المَلَك مَلَكًا من (المَأْلُكة) وهي الرسالةُ؛ لأن الملائكةَ عبادُ اللَّهِ الْمُكَرَّمُونَ، الذين يَحْمِلُونَ مَآلِكَ اللَّهِ، أي: رسالاتِه، كما يأتي في قولِه: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: آية 5] فمنهم مَنْ يُرْسَلُ لتكثيرِ الريحِ، ومنهم من يُرْسَلُ لتكثيرِ المطرِ، ومنهم من يُرْسَلُ لقبضِ الأرواحِ، ومنهم مَنْ يُرْسَلُ لحفظِ الأعمالِ، ومنهم مَنْ يُرْسَلُ لحفظِ الآدميين لئلا تتخطفَهم الشياطين، كما يأتي، في أحدِ التفسيراتِ في قولِه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} [الرعد: آية 11]. وقولُه جل وعلا: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} (إِنْ) هنا هي النافيةُ. والمعنى: ما أَتَّبِعُ إلا ما أَوْحَاهُ رَبِّي إِلَيَّ، لا أزيدُ عليه، ولا أَخْرُجُ عن طَوْرِي، فأنا رسولٌ كريمٌ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أن أُنْذِرَكُمْ وَأُبَشِّرَكُمْ، وأنا أتبعُ ما يُوحَى إِلَيَّ، فَمَنْ أطاعَني دخلَ الجنةَ، ومن عَصَانِي دخلَ النارَ. وبهذه الآيةِ وأمثالِها في القرآنِ يتمسكُ الظاهريةُ بأن القياسَ لا يجوزُ في الشرعِ (¬1). قالوا: لأن النبيَّ قال: ما أتبعُ إلا مَا يُوحَى ¬
إِلَيَّ. فحصرَ الاتباعَ في المُوحَى إليه، واللَّهُ يقولُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: آية 21] فَعَلَيْنَا أن لا نتبعَ إلا خُصوصَ الوحيِ، ولا نخرج عنه إلى رَأْيٍ. وأمثالُ هذا من الآياتِ التي يستدلُّ بها الظاهريةُ كثيرةٌ جِدًّا (¬1). ونحن نقولُ: إن الجوابَ: أَنَّا لا نخرجُ عمَّا يُوحَى، إلا أَنَّ مَا يُوحَى منه ما هو منصوصٌ به ظاهرٌ، ومنه ما هو مفهومٌ من حُكْمِ المنصوصِ به، ولا خروجَ في هذا عن حُكْمِ الوحيِ؛ لإجماعِ العقلاءِ على أن نظيرَ الحقِّ حق، ونظيرُ الباطلِ باطلٌ، فالشرعُ قد يَذْكُرُ الشيءَ ويسكتُ عن نظيرِه المماثلِ له في علةِ الحكمِ فَيَفْهَمُ العقلاءُ أنه مثلُه، وهذا الجمودُ الذي يَدَّعِيهِ ابنُ حزمٍ متمسكًا بعشراتِ أو مئاتِ الآياتِ من هذا النوعِ، يقول: كُلُّ ما نَصَّ عليه اللَّهُ فحكمُه ظاهرٌ، وما لم يَأْتِ في نَصٍّ مِنْ كتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ نَبِيِّهِ فهو مسكوتٌ عنه وهو عَفْوٌ، ولا لنا أن نبحثَ عنه، ولا نسألَ عنه؛ لأن اللَّهَ سَكَتَ عنه غيرَ نسيانٍ، بل سَكَتَ عنه رحمةً بنا، فليس لنا أن نبحثَ عنه. هذا الذي يقولُه ابنُ حَزْمٍ، ويستدلُّ عليه بعشراتِ الآياتِ، نحن نقولُ بِمُوجَبِهِ. ومعنى: (نقولُ بمُوجَبِهِ) أننا نقدحُ فيه بالقادحِ المعروفِ في عِلْمِ الأصولِ بـ (القولِ بالمُوجَبِ) (¬2)، وهو أن نقولَ: أنتَ صادقٌ فيما قلتَ، ولكن هذا لا حجةَ لكَ فيه، ولا يقطعُ نزاعَنا معكَ. والمعنَى: نحنُ نُصَدِّقُكَ بأن اللَّهَ أباحَ أشياءَ، وحرَّم أشياءَ، ¬
وسكتَ عن أشياءَ رحمةً بنا لا نِسْيَانًا، والتي سكتَ عنها ليس لنا البحثُ عنها، وهي عَفْوٌ، ولكن هذا الذي تقولُ أنتَ: إن اللَّهَ سكتَ عنه نحنُ نقولُ: أنتَ في هذا لستَ بِمُصِيبٍ، بل اللَّهُ لم يسكت عنه، بل بَيَّنَ حكمَه بذلك الشيءِ الذي نَصَّ عليه، وأمثالُ هذا كثيرةٌ في كتابِ اللَّهِ وفي سُنَّةِ نَبِيِّهِ، فنحن معاشرَ عامَّةِ المسلمين نعلمُ أن اللَّهَ (جل وعلا) لَمَّا قال في الوالدين: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} ابنُ حزمٍ يقولُ: ضَرْبُ الوالدين مسكوتٌ عنه، ولم تَدُلَّ هذه الآيةُ على مَنْعِهِ (¬1)!! ونحنُ نقولُ: هذا غيرُ صحيحٍ، بل آيةُ: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: آية 23] لَيْسَتْ ساكتةً عن ضربِ الوالدين؛ لأن النهيَ عن التأفيفِ يُفْهَمُ منه قطعًا من دلالةِ هذه الآيةِ أنه أَحْرَمُ وَأَحْرَمُ وَأَحْرَمُ؛ لأنه أشدُّ إيذاءً، كذلك حديثُ أبي بكرةَ الثابتُ في الصحيحين، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (¬2). صَرَّحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ الصحيحِ أن القاضيَ في وقتِ الغضبِ لا يجوزُ له أن ينظرَ في قضايا الناسِ؛ لأن الغضبَ أمرٌ مُشَوِّشٌ للفكرِ، لا يتمكنُ معه القاضي من استيفاءِ النظرِ في الحقوقِ، فَلَوْ حَكَمَ في ذلك الوقتِ فهو مظنةٌ لضياعِ حقوقِ الناسِ، وسكتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ الصحيحِ عما لو كان القاضي مُشَوَّشَ الفكرِ تَشْوِيشًا أعظمَ مِنَ الغضبِ، كَأَنْ كانَ في حزنٍ أو سرورٍ مُفْرِطَيْنِ، أو كان في جوعٍ ¬
أو عطشٍ مُفْرِطَيْنِ، أو كان في حقنٍ أو حقب مُفْرِطَيْنِ؛ فإنه ينالُ من شدةِ العطشِ، ومن شدةِ الجوعِ، ومن شدةِ الحزنِ، ومن شدةِ السرورِ، ومن شدةِ الحقنِ (وهو - بالنونِ -: مدافعةُ البولِ. والحَقْب - بالباءِ -: مدافعةُ الغائطِ، إذا كان في هيجانٍ شديدٍ للخروجِ). هذه الأشياءُ تشوشُ فكرَ الإنسانِ حتى لا يبقَى له نظرٌ تشويشًا أشدَّ من الغضبِ. فيقولُ ابنُ حزمٍ: هذه مسكوتٌ عنها، فالحكمُ في وقتِها عَفْوٌ!! ونحن نقولُ: لاَ وَاللَّهِ، ليست مسكوتًا عنها؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا نَبَّهَ على أن القاضيَ في وقتِ الغضبِ لا يجوزُ له أن يحكمَ عَرَفْنَا أن هذا الحديثَ في معنَى: أن كُلَّ مُشَوِّشٍ للفكرِ يَمْنَعُ من استيفاءِ النظرِ، ويؤدي إلى ضياعِ حقوقِ الناسِ أن الحكمَ في وقتِه ممنوعٌ، كذلك صَحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه نَهَى عن البولِ في الماءِ الراكدِ (¬1)، وسكتَ عما لو بالَ في قارورةٍ وَصَبَّهَا في الماءِ من القارورةِ. فَمُقْتَضَى ما يقولُه ابنُ حزمٍ: أنه لو قَطَّرَ فيه قطراتٍ قليلةً من ذَكَرِهِ مباشرةً: هذا منطوقٌ به، ولو صَبَّ فيه مئاتِ الأطنانِ من الأَوَانِي: أن هذا مباحٌ ومسكوتٌ عنه!! وهذا هَوَسٌ لا يقولُه عاقلٌ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما نَهَى عنه لأَنَّ البولَ يُقَذِّرُهُ، وصَبُّهُ فيه من الإناءِ لا فرقَ بينَه وبينَ بولِه فيه مباشرةً. ¬
مثلاً النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى الإنسانَ عن أن يُضَحِّيَ بالشاةِ العوراءِ (¬1)، ¬
وسكتَ عن الشاةِ العمياءِ، فلا نقولُ: إن الشاةَ العمياءَ عفوٌ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُضحِّيَ بها؛ لأنّا نقولُ: إن النصَّ المانعَ من التضحيةِ بالعوراءِ يُعْرَفُ منه حكمُ العمياءِ. وهذا - لو تَتَبَّعْنَا - أمثالُه كثيرةٌ في كتابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وَاسْتَدَلَّ بعضُ العلماءِ - من علماءِ الأصولِ - بآيةِ الأنعامِ هذه على أحدِ قَوْلَيْنِ؛ في مسألةٍ اختلفَ فيها العلماءُ؛ لأنه معلومٌ في علمِ الأصولِ أن العلماءَ مُخْتَلِفُونَ: هل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يمكنُ أن يجتهدَ في شيءٍ، أو لا يجتهدُ في شيءٍ؟ (¬1). ¬
فالذين قالوا: الاجتهادُ ممنوعٌ عليه استدلوا بهذه الآيةِ من سورةِ الأنعامِ، وآيةِ النجمِ وما جرى مَجْرَاهُمَا. قالوا: لأن النبيَّ قال: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: آية 50] فَحَصَرَ ما يُتَّبَعُ في الوحيِ، وهذا يمنعُ الاجتهادَ، وأنه لا سبيلَ إلى الاجتهادِ. وآيةُ النجمِ التي أَشَرْنَا إليها هي قولُه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3 - 4]. فَأَجَابُوا عن هذا قَالُوا: وَقَعَتْ وقائعُ تدلُّ على الاجتهادِ في الجملةِ، كما دَلَّتْ عليه آياتٌ من كتابِ اللَّهِ، كقولِه في سورةِ الأنفالِ: قال له اللَّهُ (جل وعلا) لَمَّا اجتهدَ في أُسَارَى أهلِ بدرٍ ولم يَقْتُلْهُمْ، قال اللَّهُ - كأنه لائمٌ له، مُقَرِّعٌ له -: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [الأنفال: آية 67] فقولُه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} قالوا: دليلٌ على أنه أَسَرَ الأسارى اجتهادًا منه، ولو كان بِوَحْيٍ لَمَا لاَمَه اللَّهُ هذا اللومَ. وكقولِه في براءة: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: آية 43] فلو كان ذلك العفوُ بِوَحْيٍ لَمَا قال له: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} قالوا: هذه النصوصُ وأمثالُها معناه: أنه يفعلُ بعضَ الأمورِ من غيرِ وحيٍ صريحٍ، بل باجتهادٍ منه. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: أَمَّا ما يقولُ: إنه يُوحَى إليه، فلا شَكَّ أنه وَحْيٌ من اللَّهِ، وهو الذي فيه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3 - 4]. وأظهرُ الأقوالِ: أن الشرعَ والتحليلَ والتحريمَ، أنه لا يُحْكَمُ
فيه إلا بالوحيِ، كما جَاءَتْ قصصٌ متعددةٌ أنه إذا جاءَه الأمرُ لا وحيَ فيه: كَفَّ عنه وَأَحْجَمَ، ينتظرُ حكمَ اللَّهِ فيه، حتى يأتيَه الوحيُ فيه، وأن مثلَ الحروبِ كما ذَكَرْنَا في قصةِ بدرٍ، وَمَنْ أُسِرَ منهم هنالكَ، والأمور الدنيوية، أنه ربما يفعلُ فيها الأمرَ، ولا يفعلُه إلا جائزًا؛ لدلالةِ ظواهرِ الشرعِ عليه. إلا أنه رُبَّمَا يكون غيرُه أَوْلَى منه؛ ولهذا يقولُ اللَّهُ: لِمَ فَعَلْتَ كذا؟ من حيثُ إن غيرَه أَوْلَى منه، وإن كان جائزًا. وهذا معنَى قولِه: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}. ثم أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أن يقولَ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الأنعام: آية 50]. الله (تبارك وتعالى) ذَكَرَ طائفتين من الناسِ، طائفةٌ ذَكَرَهَا في قولِه: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: آية 48] وطائفةٌ ذَكَرَهَا بقولِه: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} [الأنعام: آية 49] فهؤلاء الذين عَمُوا عن طريقِ الحقِّ حتى دَخَلُوا النارَ، هؤلاء - والعياذُ بالله - عُمْيٌ، وهؤلاء الذين أَبْصَرُوا فَعَمِلُوا لله حتى دَخَلُوا الجنةَ، فهؤلاء هم الْمُبْصِرُونَ، كما قال تعالى في سورةِ هودٍ يضربُ المثلَ بفريقِ الكفارِ وفريقِ المؤمنين: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} [هود: آية 24] فالأَعْمَى والأَصَمُّ: هو فريقُ الكفارِ، والسميعُ والبصيرُ: هو فريقُ المؤمنين، كما قال هنا: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الأنعام: آية 50] لاَ وَاللَّهِ لا يستويانِ، فالأَعْمَى هو مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بصيرتَه ولم يُنَوِّرْ قلبَه بنورِ الإيمانِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} وَمَنْ أَرَادَ أن يعرفَ معنَى هذه الآيةِ {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: آية 46] فَلْيَنْظُرْ إلى رَجُلَيْنِ يمشيانِ في الطريقِ، أحدُهما: صحيحُ العينين قويُّ البصرِ،
حديدُه جِدًّا، وهو مفقودُ العقلِ. والثاني: أَعْمَى، إلا أنه عَاقِلٌ. فيجدُ ذا العينين الصحيحتين الذي يفقدُ عقلَه، يجدُه يضربُ الجدارَ، ويقعُ على الْحَيَّةِ، ويقعُ على العقربِ، ويسقطُ في البئرِ، ويسقطُ على النارِ، لا يُبْصِرُ شيئًا، ويرى ذلك الكفيفَ الذي عِنْدَهُ عقلُه، عَصَاهُ أَمَامَهُ، يَرُوغُ كَمَا يَرُوغُ الثعلبُ، وَيُحَصِّلُ جميعَ منافعِه، فيعلمُ حقيقةَ قولِه: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. إِذَا أَدْرَكَ الْقَلْبُ الْمُرُوءَةَ وَالتُّقَى فَإِنَّ عَمَى الْعَيْنَيْنِ لَيْسَ يَضِيرُ (¬1) وذكر غيرُ واحدٍ كابنِ عبدِ البرِّ في استيعابِه، وغيرُ واحدٍ من الْمُؤَرِّخِينَ، أن ابنَ عباسٍ (رضي الله عنهما) أخبرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنه سَيَعْمَى في آخِرِ عُمْرِهِ (¬2)، وقال عند ذلك (¬3): إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي عَنْهُمَا نُورُ عَقْلِي ذَكِيٌّ وَقَلْبِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ والحاصلُ أن الأَعْمَى هنا: هو الكافرُ، والبصيرُ: هو المسلمُ المؤمنُ؛ لأن المؤمنَ على نورٍ من رَبِّهِ، وبصيرته يُشِعُّها نورُ الوحيِ. ¬
والكافرُ - والعياذُ بالله - مطموسُ البصيرةِ، واللَّهُ يقولُ: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. ثم قال (جل وعلا): {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} قد قَدَّمْنَا مرارًا (¬1) أن هذه الهمزةَ التي تأتي في القرآنِ كثيرًا قبلَ أداةِ عطفٍ - كالتي تأتِي قبلَ (الفاءِ) و (الواوِ) و (ثم)، وهي كثيرةٌ في القرآنِ، قد قَدَّمْنَا مرارًا أن فيها للعلماءِ وجهين: أحدُهما - واختارَه غيرُ واحدٍ، وإليه جَنَحَ ابنُ مَالِكٍ في ألفيتِه -: أن الهمزةَ تتعلقُ بجملةٍ محذوفةٍ، والفاءَ أو الواوَ تعطفُ الجملةَ التي صُدِّرَتْ بها على الجملةِ المعطوفةِ التي هي مُتَعَلَّقُ الاستفهامِ، ولا بد أن يكونَ في الجملةِ المذكورةِ ما يدلُّ وَتُفْهَمُ منه الجملةُ المقدرةُ، وعليه فتقديرُه هنا: أفلاَ تتفكرونَ؟ أتغفلونَ عن هذه الأشياءِ، فلا تتفكرونَ حتى تَفْهَمُوهَا؟ وما جَرَى مَجْرَى ذلك. وهذا هو الذي اختارَه ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ حيث قال (¬2): وحَذْفَ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ ............................ وهنالك جماعةٌ آخرونَ يقولونَ: إن همزةَ الاستفهامِ هي في الرتبةِ بعدَ حرفِ العطفِ، إلا أنه لَمَّا كان للاستفهامِ صدرُ الكلامِ تَزَحْلَقَتِ الهمزةُ عن محلِّها، وتقدمت على أداةِ العطفِ، وهي بعدَها في الرتبةِ. وعلى هذا فيكونُ المعنَى: (فألا تتفكرون) فتكونُ الفاءُ عاطفةً للجملةِ المُصَدَّرةِ بالاستفهامِ على ما قَبْلَهَا، كأنه يقولُ: فَأَعْطِفُ على ذلك وَأَذْكُرُ بعدَه توبيخَكم وتقريعَكم أنكم لا تتفكرونَ ¬
حتى تفهموا عن اللَّهِ آياتِه. {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: آية 51]. {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ} الخطابُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأصحُّ الأقوالِ في مرجعِ الضميرِ: أنه راجعٌ للقرآنِ (¬1) المُعبَّرِ عنه بقولِه: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} {وَأَنذِرْ بِهِ} أَنْذِرْ بما يُوحَى إليكَ - الذي لا تتبعُ إلا إياه - أَنْذِرْ به الذين يخافونَ. وفي الآيةِ هنا سؤالٌ، وهو: لِمَ قَصَرَ الإنذارَ على الذين يخافونَ أن يُحْشَرُوا في حالِ كونِهم مُتَجَرِّدِينَ من الأولياءِ والشفعاءِ من دونِ اللَّهِ، مع أن القرآنَ إنذارٌ للأَسْوَدِ والأَحْمَرِ {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} عن بكرةِ أَبِيهِمْ {نَذِيرًا} [الفرقان: آية 1] وكقولِه: {أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ} [يونس: آية 2] لِمَ خَصَّ هنا الذين يخافون؟ (¬2). أجابَ بعضُ العلماءِ عن هذا السؤالِ: بأن من أساليبِ القرآنِ العظيمِ، واللغةِ العربيةِ، أن يُقْصَرَ الفعلُ على الذين ينتفعون به؛ لأن غيرَ المنتفعِ به هو في شأنِه كَلاَ شَيْءٍ. ونظيرُ الآيةِ من القرآنِ: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: آية 45] مع أنه تذكيرٌ للأَسْوَدِ والأحمرِ {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس: آية 11] وهو منذرٌ للأسودِ والأحمرِ {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ} [فاطر: آية 18] وهو منذرٌ للأسودِ والأحمرِ. أي: بأنهم هم الْمُنْتَفِعُونَ. ¬
ومعنى: {وَأَنْذِرْ بِهِ} أَعْلِمْهُمْ بما عندَ اللَّهِ في الأوامرِ والنواهِي، مقترنًا ذلك الإعلام بالتهديدِ والتخويفِ من خالقِ السماواتِ والأرضِ إن لم يَمْتَثِلُوا أمرَه وَيَجْتَنِبُوا نَهْيَهُ. وقولُه: {يَخَافُونَ} هو معنَى الخوفِ على بابِه (¬1). {يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} مادة (خاف) تتعدَّى بِنَفْسِهَا، وتتعدَّى بالحرفِ. وهي هنا متعديةٌ بنفسِها، والمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها في قولِه: {أَنْ يُحْشَرُوا} في محلِّ نصبٍ معمولٌ به للخوفِ. والمعنَى: يخافونَ الحشرَ إلى رَبِّهِمْ. والحشرُ معناه: جمعُ الناسِ. وقولُه: {لَيْسَ لَهُم مِّنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} هذه الجملةُ الفعليةُ الْمُصَدَّرَةُ بهذا الفعلِ الناقصِ هي في محلِّ الحالِ (¬2). وهذه الحالُ هي التي يَنْصَبُّ عليها الخوفُ. أي: يخافونَ حشرَ الناسِ في حالِ كونِهم ليس لهم من دونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ولا شفيعٌ. ومعنَى: {وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} الوليُّ في لغةِ العربِ (¬3): هو كُلُّ مَنْ يَنْعَقِدُ بينَك وبينَه سببٌ يجعلكَ تُوَالِيهِ وَيُوَالِيكَ؛ وَلِذَا كان كُلُّ قريبٍ للرجلِ مِنْ عَصَبَتهِ يُسَمَّى (وَلِيًّا)، وكلُّ صديقٍ حميمٍ يُسَمَّى (وَلِيًّا)؛ ولهذا كان اللَّهُ وليَّ المؤمنين، والمؤمنون المتقونَ أولياءَ اللَّهِ؛ لأن الإيمانَ سببٌ منعقدٌ بين العبدِ وَرَبِّهِ، يكونُ بسببِه اللَّهُ يُوَالِي العبدَ بالإحسانِ والرحمةِ والجزاءِ، والعبدُ يُوَالِي اللَّهَ بالطاعاتِ ونحوِ ذلك. والمعنَى: {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ} يُحْشَرُونَ في حالِ كونِهم وقتَ ذلك ¬
الحشرِ ليس لهم {وَلِيٌّ} أحدٌ بينَهم وبينَه سببٌ يَجْعَلُهُ يُوَالِيهِمْ فيكون وَلِيًّا لهم يمنعُهم مِمَّا أرادَ اللَّهُ أن يفعلَ بهم إذا عَصَوْهُ. وقولُه: {مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} (الشفيعُ) في لغةِ العربِ (¬1): فعيلٌ بمعنى فاعلٍ. أصلُه: (شافعٌ). وأصلُ (الشفاعةِ) مشتقَّةٌ من (الشَّفْعِ) و (الشَّفْع) ضِدُّ الوترِ، وإنما قيل للشفيعِ: (شفيعٌ) لأن صاحبَ الحاجةِ كان فردًا في حاجتِه فَلَمَّا جاءَ إلى من يشفعُ له شَفَعَهً فصارا اثنين في حاجتِه، ومنها قيل له: (شفيعٌ)؛ لأنه من (الشَّفْعِ). والشفاعةُ في الاصطلاحِ (¬2): هي التوسطُ للغيرِ في جلبِ [نفع] (¬3) أو دفعِ ضُرٍّ، وهو على قِسْمَيْنِ: شفاعةٌ في الدنيا وشفاعةٌ في الآخرةِ، أما شفاعةُ الدنيا فهي قد تكونُ عندَ الملوكِ، وعندَ غيرِهم من العظماءِ، وهي نَوْعَانِ (¬4): إذا كان الإنسانُ يشفعُ لينقذَ مظلومًا، أو يحققَّ حَقًّا، أو يبطلَ باطلاً، أو يوصلَ إنسانًا إلى حَقِّهِ الممنوعِ منه فهذه الشفاعةُ طيبةٌ، صاحبُها مأجورٌ عليها، وهي التي قال فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الصحيحِ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» (¬5). وتارةً تكونُ الشفاعةُ هي التوسطُ في أمرٍ خبيثٍ لاَ يجوزُ، كأن يتوسطَ رجلٌ لرجلٍ في امرأةٍ لِتُمَكِّنَهُ من نفسِها، أو يتوسط له عند سلطانٍ لينزعَ حقَّ رجلٍ آخَرَ، وما جرى مجرَى ذلك من الشفاعةِ، أو يشفع ليسقطَ حَدًّا من حدودِ اللَّهِ. وهذه الشفاعةُ ¬
خبيثةٌ قبيحةٌ صاحبُها يُؤْزَرُ عليها، وهي من عظائمِ الذنوبِ، وقد أشارَ اللَّهُ إلى هذا التفصيلِ في سورةِ النساءِ في قولِه: {مَّنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} [النساء: آية 85]. أما الشفاعةُ في الآخرةِ فَكُلُّهَا لله جل وعلا {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: آية 44] لا شافعَ ذلك اليومَ إلا بإذنِ اللَّهِ. والشفاعةُ يومَ القيامةِ قِسْمَانِ: شفاعةٌ باطلةٌ مردودةٌ، وهي التي كان يفهمُها الكفارُ، وهي من أنواعِ الكفرِ بِاللَّهِ، وهي: ادعاءُ الكفارِ أن الأصنامَ تشفعُ لهم بلا إذنٍ من اللَّهِ (جل وعلا)، إِذْ من المعلومِ أن الأوثانَ لاَ تشفعُ بإذنِ اللَّهِ كما قال: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: آية 18] وهذا النوعُ من الشفاعةِ سَمَّاهُ اللَّهُ في سورةِ يونسَ: (شِركًا) حيثُ قال: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهذا النوعُ إنما سَمَّاهُ اللَّهُ (شِرْكًا) - وله المثلُ الأعلى - لأن فيه نوعًا من القَدْحِ في عظمةِ الربوبيةِ. وَضَرَبَ العلماءُ لهذا مثلاً قالوا: - وَلِلَّهِ المثلُ الأَعْلَى - ترى أكبرَ جَبَّارٍ طَاغٍ في الدنيا يتقطعُ غَيْظًا على مُجْرِمٍ، ونيتُه أنه يُقَطِّعَ ذلك المجرمَ عضوًا عضوًا، فيمكنُه اللَّهُ من ذلك المجرمِ ويقعُ في قبضتِه، ونيتُه أن يُنَكِّلَهُ أعظمَ نكالٍ، فيأتي واحدٌ من عظماءِ دولتِه - رجلٌ له عظمةٌ وجاهٌ، وله شعبيةٌ عظيمةٌ - ويتجرأُ على ذلك الملكِ رغمَ أَنْفِهِ، ويقولُ لَهُ: باركَ اللَّهُ فيكَ شَفِّعْنِي في هذا المجرمِ!! فينظرُ ذلك الملكُ يقولُ: إذا رَدَدْتُ شفاعةَ هذا العظيمِ قد يكونُ ضِدًّا عَلَيَّ، وحربًا عَلَيَّ، فقد يَأْتِينِي بغائلةٍ!! فيخافُ المسكينُ، ويضطرُّ إلى أن يُشَفِّعَهُ رغمَ أنفِه.
فخالقُ السماواتِ والأرضِ لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يُدِلُّ عليه بعظمةٍ ولا جاهٍ، ولا يخافُ من أحدٍ أن يُدَبِّرَ عليه شيئًا؛ وَلِذَا يقولُ مُخَاطِبًا لخلقِه: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: آية 255] الجوابُ: لا أحدَ يمكنُ أن يتجاسرَ على ذلك أبدًا؛ لأن هذا مَلِكُ الملوكِ الذي لا يخافُ من أحدٍ، ولا يمكن أحدا أن يُدَبِّرَ شيئًا ضِدَّهُ؛ وَلِذَا قَالَ: {وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبا: آية 23]. فالحاصلُ أن الشفاعةَ يومَ القيامةِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ مَقْبُولٌ، وقسمٌ مردودٌ، ولقبولِه شَرْطَانِ إذا حَصَلاَ كانت الشفاعةُ شرعيةً واقعةً، وإذا فُقِدَا أو واحدٌ منهما فالشفاعةُ ممنوعةٌ شرعًا. أما هذان الأصلانِ: فأحدُهما: أن يكونَ المشفوعُ له مُسْلِمًا؛ لأن الله (جل وعلا) لا يقبلُ شفاعةً لكافرٍ أَلْبَتَّةَ، كما قَالَ: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: آية 48] {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: آية 28] مع أنه يقولُ: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: آية 7]. الثاني: أن يأذنَ خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا)، فإذا أَذِنَ اللَّهُ في الشفاعةِ، وكان المشفوعُ له مُؤْمِنًا. بهذين الشَّرْطَيْنِ تكونُ شفاعةً مقبولةً واقعةً في الشرعِ، دَلَّ عليها كتابُ اللَّهِ وسنةُ نَبِيِّهِ. ومما يُوَضِّحُ هذا المعنَى: أن سيدَ الخلائقِ على الإطلاقِ - نبيَّنا محمدًا صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه - عِنْدَهُ وعدٌ صادقٌ من اللَّهِ في دارِ الدنيا، كما يأتيكم في تفسيرِ قولِه: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: آية 79] عنده وعدٌ من الله بالشفاعةِ الكبرى، وهو عَالِمٌ أن اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعدَه، فإذا وقعَ الناسُ في مأزقٍ يومَ القيامةِ، وجاؤوا إلى آدمَ، وقال كلامَه المعروفَ، ثم جاؤوا إلى
نوحٍ، ثم إبراهيمَ، ثم موسى، ثم عيسى، حتى إذا بَلَغُوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: «أَنَا لَهَا» (¬1). لأنه عَالِمٌ بالوعدِ الصادقِ من خالقِ السماواتِ والأرضِ، ومع علمِه بالوعدِ، وَعِظَمِ جاهِه، ومكانتِه عندَ اللَّهِ، لم يَتَجَرَّأْ أن يشفعَ من غيرِ إِذْنٍ؛ بل خَرَّ سَاجِدًا، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ (جل وعلا) من المحامدِ ما لم يُلْهِمْهُ لأحدٍ قَبْلَهُ ولاَ بعدَه، ولم يَزَلْ ساجدًا حتى قيلَ له: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّع. هذا مصداقٌ لقولِه: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: آية 55] الجوابُ: لاَ أَحَدَ، فالشفاعةُ للكفارِ ممنوعةٌ بتاتًا، والشفاعةُ بغيرِ إذنِ اللَّهِ ¬
ممنوعةٌ بتاتًا. وقد دَلَّتِ السنةُ الصحيحةُ على أن الشفاعةَ للكفارِ خرج منها فردٌ واحدٌ لاَ نظيرَ له، وهو ما ثَبَتَ في الصحيحين: أن شفاعةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَفَعَتْ أَبَا طَالِبٍ، مع أنه ماتَ كافرًا. إلا أن هذا النفعَ لهذا الكافرِ الذي هو وحيدٌ لم يكن له نَظِيرٌ، إنما كان في نَقْلٍ من موضعٍ من النارِ إلى موضعٍ آخَرَ أَخَفَّ منها؛ وَلِذَا ثَبَتَ في الصحيحين: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، لَهُ نَعْلاَنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (¬1). والعياذُ بالله جل وعلا. فهذه شفاعةٌ خاصةٌ نَفَعَ اللَّهُ بها كافرًا نفعًا مخصوصًا، وهو نقلُه من مَحَلٍّ من النارِ إلى مَحَلٍّ أخفَّ منه من النارِ والعياذُ بالله جل وعلا. وهذا معنى قولِه: {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} الشفيعُ المنفيُّ هنا: هو الشفيعُ الذي يشفعُ لكافرٍ، أو يشفعُ بغيرِ إِذْنِ اللَّهِ (جل وعلا). أما الذي يشفعُ بإذنِ اللَّهِ للمؤمنِ فهذا ثابتٌ كِتَابًا وَسُنَّةً. وأنواعُ الشفاعةِ كثيرةٌ، وليست مخصوصةً بالأنبياءِ، بل يشفعُ الصالحونَ والمؤمنونَ وغيرُهم مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أن يُشَفِّعَهُ فيمن شَاءَ من خَلْقِهِ. قولُه: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} في (لعل) هنا وَجْهَانِ بَيَّنَّاهُمَا: أحدُهما: أنها للتعليلِ (¬2)، وعليه فالمعلل هو الإنذارُ المذكورُ في قولِه: {وَأَنذِرْ بِهِ} أي: أَنْذِرِ الذين يخافونَ، أَنْذِرْهُمْ لأَجْلِ أن يتقوا. أي: لأَجْلِ أَنْ يُؤَثِّرَ فيهم ذلك الإنذارُ ويخوفهم فيتقونَ اللَّهَ جل وعلا. ¬
وأصلُ الاتقاءِ في لغةِ العربِ (¬1): هو اتخاذُ الوقايةِ التي تَقِيكَ من المكروهِ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬2): سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ أي: جَعَلَتْ يَدَهَا وقايةً بيننا وبينها حَيْثُ جَعَلَتْهَا دونَ وجهِها لئلا نَرَاهُ. هذا أصلُ (الاتقاءِ) تقول العربُ: «اتقيتُ السيوفَ بمجنِّي»، و «اتقيتُ الرمضاءَ بنعلي». هذا أصلُ (الاتقاءِ)، وهو في اصطلاحِ الشرعِ (¬3): اتخاذُ العبدِ وقايةً تَقِيهِ مِنْ عذابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ. وهذه الوقايةُ مُرَكَّبَةٌ من شيئين هما: امتثالُ أمرِ اللَّهِ، واجتنابُ نَهْيِ اللَّهِ. ومعلومٌ أن مادةَ (الاتقاءِ) أصلُها مِنْ (وَقَى) ففاءُ المادةِ واوٌ، وعينها قافٌ، ولامُها ياءٌ، فهي مما يُسَمِّيهِ الصَّرْفِيُّونَ: (اللفيفَ المفروقَ). فأصلُ الاتقاءِ من الوقايةِ: (و. ق. ى). إلا أنها دَخَلَهَا (تاءُ) الافتعالِ، كما تقولُ في (قَرب): اقترب، وفي (كسب): اكتسب، وفي (قطع): اقتطع، وفي (وقى): اوْتَقَى. والقاعدةُ المقررةُ في التصريفِ: أن كُلَّ فعلٍ واويِّ الفاءِ إذا دخله (تاءُ) الافْتِعَالِ أُبْدِلَتِ الفاءُ التي هي الواوُ تاءً، وَأُدْغِمَتْ في التاءِ، فقيل فيه: (اتَّقَى). فهذا التشديدُ مُرَكَّبٌ من حرفين: الأولُ منهما أصلُه واوٌ في محلِّ فاءِ الكلمةِ. والثاني: تاءُ الافتعالِ الزائدةُ. هذا أصلُ ¬
المادةِ (¬1). ومعنَى {يَتَّقُونَ}: يجعلونَ وقايةً بينهم وبينَ عذابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ، هذه الوقايةُ هي امتثالُ أَمْرِهِ بإخلاصٍ على الوجهِ الذي شَرَعَ، واجتنابُ نَهْيِهِ (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. [4/ب] / {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: آية 52]. {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ: {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه: {بالغُدوَةِ والعشي} بِضَمِّ الغينِ، والواوِ المفتوحةِ. وهما قراءتانِ صحيحتانِ (¬2)، ولغتانِ فصيحتانِ. وسببُ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ: أن عظماءَ الكفارِ - بعضُ الرواياتِ: كفار قريشٍ (¬3)، وفي بعضِها: عظماءُ غيرِهم من العربِ، كالأقرعِ بنِ حابسٍ مِنْ ساداتِ تميمَ وعيينةَ بنِ حصنٍ من ساداتِ ¬
الفزاريين (¬1). وأشهرُ الرواياتِ وَأَوْلاَهَا بالصوابِ: أن الكفارَ الذين قالوا هذا كفارُ مكةَ؛ لأن الأقرعَ بنَ حابسٍ وعيينةَ بنَ حصنٍ إنما جاؤوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المدينةِ بعدَ الهجرةِ، وهذا مما يُؤَيِّدُ الرواياتِ الواردةَ بأنهم عظماءُ الكفارِ مِنْ أهلِ مكةَ - كانوا يَأْتُونَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيجدون معه ضعفاءَ المسلمين الفقراءَ، كخَبَّابٍ، وَعَمَّارٍ، وصهيبٍ، وبلالٍ، وما جرى مَجْرَى ذلك. وفي بعضِ الرواياتِ الثابتةِ أن مِنَ الذين قالوا فيه ذلك من الفقراءِ: سعدَ بنَ أبي وقاصٍ وجماعةً معه. قالوا للنبيِّ: نحن كبارُ رؤساءِ العربِ، وإن اتبعناكَ اتبعكَ الناسُ، ونحن لاَ نَرْضَى أن نجالسَ هؤلاء الأَعْبُدَ، وَيُؤْذِينَا نَتَنُ جِبَابِهمْ - لأنهم كانوا يَلْبَسُونَ جِبَابًا من الصوفِ ليس لهم غَيْرُهَا، فيكونُ فيها ريحُ العرقِ - اطْرُدْ عَنَّا هؤلاء النَّتْنَى لنجلسَ معكَ وَنُكَلِّمَكَ. وفي بعضِ الرواياتِ أنهم قالوا له: إِنْ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنَّا حتى نقولَ لكَ ما نشاءُ، وإن خَرَجْنَا فإن شئتَ فَاقْعُدْ معهم. وفي بعضِ الرواياتِ: أنه - صلى الله عليه وسلم - همَّ بأن يجعلَ للعظماءِ الرؤساءِ مَجْلِسًا ليس فيه أولئك. وذكروا أنه دَعَا عَلِيًّا (رضي الله عنه)، وأخذَ الصحيفةَ ليكتبَ فيها عَلِيٌّ؛ لأنهم قالوا له: اكْتُبْ لنا ذلك. فجاءَه جبريلُ وأنزل اللَّهُ عليه: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ ألقى الصحيفةَ وامتنعَ مِنْ طَرْدِهِمْ، وكان يجلسُ معهم، فإذا أرادَ القيامَ قامَ عنهم قبلَ أن يقوموا فأنزلَ اللَّهُ عليه: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: ¬
آية 28] فكانوا إذا جاء وقتُ قيامِه يقومونَ لِيُفْسِحُوا له في القيامِ؛ لأنهم يعرفونَ أنهم إن لَمْ يقوموا لا يُمْكِنُهُ أن يقومَ. هذا سببُ نزولِ الآيةِ. والمعنى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الأنعام: آية 52] يعني: لأَجْلِ أن الكفارَ الفجرةَ يُحِبُّونَ ذلك وَيَرْغَبُونَ فيه، كما قال له: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: آية 28]. {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} يدعونه معناه: يَعْبُدُونَه ويتضرعون إليه. وَذَهَبَتْ جماعةٌ من العلماءِ إلى أن المرادَ بالدعاءِ هنا: الصلاةُ (¬1)؛ لأنها أعظمُ العباداتِ، وهي فيها دعاءٌ. يقول المصلي فيه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: آية 6] ثم يقول: آمين. ففيها أعظمُ دعاءٍ، وقد ثَبَتَ في حديثِ مسلمٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيما يَرْوِيهِ عن رَبِّهِ: أن المسلمَ إذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُستَقِيمَ} قال اللَّهُ: «هَذِهِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (¬2). كما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا. وعلى هذا فقولُه: {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} يعني بـ (الغداةِ): صلاةُ الصبحِ، وبـ (العشي): صلاةُ العصرِ. وقال بعضُ العلماءِ: الآيةُ أَعَمُّ من الصلاةِ. وهو الظاهرُ؛ لأنهم يَدْعُونَ اللَّهَ ويعبدونَه بأنواعِ العباداتِ من صلاةٍ وغيرِها، أولَ النهارِ وَآخِرَهُ. ¬
وفي تخصيصِ الغداةِ والعشيِّ للعلماءِ أَوْجُهٌ (¬1): أَحَدُهَا: أن العربَ إذا أَرَادَتِ الدوامَ أَطْلَقَتِ الليلَ والنهارَ والغداةَ والعشيَّ. يَعْنُونَ أنهم دائمونَ على ذلك. القولُ الثاني: أن أولَ النهارِ وآخِرَهُ من أفضلِ الأوقاتِ التي تُنْتَهَزُ فيها فرصةُ العباداتِ. وقولُه: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} إذا جاء في القرآنِ العظيمِ {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} معناه: أن ذلك العملَ بإخلاصٍ لِلَّهِ (جل وعلا)، ليس فيه رياءٌ ولا سُمْعَةٌ، ولا طلب غرضٍ من أغراضِ الدنيا. وصفةُ (الوجهِ) صفةٌ من صفاتِ اللَّهِ (جل وعلا) أَثْبَتَهَا لنفسِه، وَأَثْنَى على هذه الصفةِ ثَنَاءً خاصًّا لم يُثْنَ به على صفةٍ غيرِها حيث قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: آية 27]. ونحن في هذه الدروسِ القرآنيةِ مِرَارًا (¬2) نقولُ لكم: إن الطريقَ السليمةَ - التي إِنْ مُتُّمْ عليها ولقيتُم اللَّهَ عليها في هذا المأزقِ الذي ضَلَّ فيه الآلافُ [فإنكم تَلْقَوْنَ ربَّكم بعقيدةٍ صحيحةٍ في هذا البابِ] (¬3) - أنها مُرَكَّزَةٌ على ثلاثةِ أُسُسٍ، كُلُّ واحدٍ منها في ضوءِ القرآنِ العظيمِ بغايةِ الوضوحِ، مَنْ لَقِيَ اللَّهَ على اعتقادِ هذه الأسسِ الثلاثةِ لَقِيَهُ سَالِمًا، وَمَنْ أَخَلَّ بواحدٍ منها دخلَ في مهواةٍ، قد لا يتخلصُ منها. ¬
أولُ هذه الأسسِ الثلاثةِ هو - أيها الإخوانُ - أن تُلْزِمُوا قلوبَكم بالطهارةِ من أقذارِ التشبيهِ، وتُنَزِّهُوا خالقَ الكونِ (جل وعلا) عن أن يُشْبِهَهُ شيءٌ مِنْ خلقِه في أي صفةٍ من صفاتِه، كائنةً ما كَانَتْ، وَمَنِ الخلقُ حتى يشبهوا خالقَ السماواتِ والأرضِ؟ كيف يشبهونه وهم أثرٌ من آثارِ قدرتِه وإرادتِه؟ فالأثرُ لا يُشَابِهُ مُخْتَرِعَهُ. وهذا الأصلُ هو الأساسُ الأكبرُ فِي معرفةِ اللَّهِ، والحجرُ الأساسيُّ لصلةِ العبدِ بربِّه صلةً صحيحةً على أساسٍ صحيحٍ، وهو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ الخلقِ. وهذا الأساسُ منصوصٌ في قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: آية 4] {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: آية 74] لأنه لا مثيلَ له ولا شبيهَ. وهذا الأصلُ هو الأصلُ الأعظمُ في التوحيدِ، وهو أساسُ الصلةِ الصحيحةِ بَيْنَ العبدِ وَرَبِّهِ، فَمَنْ حَقَّقَ هذا الأصلَ قرب من الخيرِ، ومن لم يُحَقِّقْ هذا الأصلَ جَرَّهُ إلى تشبيهاتٍ وإلى مَعَانٍ لا خلاصَ منها. فإذا حققَ العبدُ هذا الأصلَ، وألزمَ قلبَه بأن يَعْلَمَ أن خالقَ السماواتِ والأرضِ أعظمُ وأكبرُ وأنزهُ وَأَجَلُّ من أن يُشْبِهَهُ شيءٌ مِنْ خَلْقِهِ بأيِّ صفةٍ من صفاتِهم [فإنه يكونُ قد طَهَّرَ قلبَه مِنْ دَنَسِ التعطيلِ وأقذارِ التَّشْبِيهِ] (¬1). والأساسُ الثاني: هو أن يصدقَ الله بما وَصَفَ به نفسَه، ويصدق رسولَه بما وَصَفَ به رَبَّهُ تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ، على غرارِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ¬
[الشورى: 11] فلا يَتَنَطَّعُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وينفي عن اللَّهِ وصفًا مدحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به مَنْ قال في حَقِّهِ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3 - 4] إِذْ لا يصفُ اللَّهَ أعلمُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ: {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: آية 140] ولا يصفُ اللَّهَ بعدَ اللَّهِ أعلمُ باللَّهِ من رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا الأصلُ الثاني عَلَّمَنَاهُ خالقُ الكونِ (جل وعلا) تعليمًا سَمَاوِيًّا أَعْظَمَ، لا يقعُ في الحقِّ بعدَه لَبْسٌ، وذلك قولُه جل وعلا: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فإتيانُه بقولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فيه سرٌّ أعظمُ، وَمَغْزًى أكبرُ، وتعليمُ خالقِ السماواتِ والأرضِ، وإيضاحُه لهذه العقائد إيضاحًا كالشمسِ. والمعنى: لا تَتَنَطَّعْ يا عَبْدِي، يا مسكينُ، اعْرَفْ قَدْرَكَ، ولا تَنْفِ عَنِّي صفةَ سَمْعِي وَبَصَرِي مُدَّعِيًا أنكَ إن أَثْبَتَّ لِي سَمْعِي وَبَصَرِي شَبَّهْتَنِي بالحيواناتِ التي تسمعُ وتبصرُ، لا، ما هكذا الأمرُ. المعنَى: أَثْبِتْ لِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَرَاعِ في ذلك الإثباتِ قولي قبلَه مقترنًا به: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فأولُ الآيةِ تنزيهٌ كاملٌ من غيرِ تعطيلٍ، وآخِرُهَا إيمانٌ بالصفاتِ إيمانًا تَامًّا من غيرِ تشبيهِه ولا تمثيلٍ، فعلينا أن نُنَزِّهُ خالقَنا (جل وعلا) بقولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وأن نُثْبِتَ له ما أَثْبَتَ لنفسِه، ولا نقول إذا أَثْبَتْنَاهُ: كُنَّا مُشَبِّهِينَ؛ لأن الحيواناتِ تتصفُ بهذا!! ولأجلِ هذا وَصَفَ نفسَه بالسمعِ والبصرِ، مع أنهما من حيث هُمَا سمعٌ وبصرٌ يتصفُ بهما جميعُ الحيواناتِ، فَكُلُّ الحيواناتِ تسمعُ وتبصرُ؛ ولذا وصفَ نفسَه بالسمعِ والبصرِ بعدَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يعني: لا تَنْفِ عَنِّي سَمْعِي وَبَصَرِي بدعوى
أنكَ إن أَثْبَتَهُمَا كنتَ مُشَبِّهًا لي بالحيواناتِ التي تسمعُ وتبصرُ، لا. أَثْبِتْ لِي صفةَ سَمْعِي وبصري إثباتًا مُرَاعًى فيه قَوْلِي قَبْلَهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ولأجلِ هذه الحكمةِ قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. فأولُ هذين الأَصْلَيْنِ - الذي هو الأساسُ الأكبرُ للتوحيدِ والصلةِ بِاللَّهِ صلةً صحيحةً -: تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن أن يُشْبِهَ شيئًا مِنْ خَلْقِهِ بِأَيِّ شيءٍ مِنْ صِفَاتِهِمْ. الأساسُ الثاني: هو أن لا تتنطعَ - أيها المسكينُ - وتنفيَ عن اللَّهِ وصفًا مَدَحَ به نفسَه، أو أَثْنَى عليه به رسولُه، بل أَثْبَتَ له هذا الوصفَ مُرَاعِيًا في ذلك أنه (جل وعلا) ليس كمثلِه شيءٌ، كما قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. فعلينا أن نُنَزِّهَ اللَّهَ عن مُشَابَهَةِ الخلقِ، وعلينا أن نُصَدِّقَ اللَّهَ بما وَصَفَ به نفسَه، ونُصَدِّقَ رسولَه بما وَصَفَ بِهِ رَبَّهُ، ولا يخطرُ في عُقُولِنَا التشبيهُ بصفاتِ المخلوقين. ومَنْ المخلوقون حتى تُشْبِهَ صفاتُهم صفاتِ خالقِهم؟ أليسوا أثرًا مِنْ آثارِ قدرتِه وإرادتِه؟ وكيف تُشْبِهُ الصنعةُ صانعَها؟ ولو تَنَطَّعَ مُتَنَطِّعٌ وقال: نحن ما عَرَفْنَا صفةَ سمعٍ ولا بصرٍ مُنَزَّهَةً عن صفةِ الخلقِ، وما عَلِمْنَا صفةَ وجهٍ منزهة عن صفاتِ الخلقِ، وما عَلِمْنَا كيفيةَ صفةِ استواءٍ منزهةً عن استواءاتِ الْخَلْقِ، فَبَيِّنُوا لنا كيفيةَ هذه الصفاتِ حتى نعقلَ كيفيةً منزهةً نَعْتَقِدُهَا. فنقول في هذا: قال مالكُ بنُ أنسٍ: السؤالُ عن هذا
بدعةٌ (¬1). ولكن نَتَنَزَّلُ معه ونقولُ: أيها المتنطعُ: هَلْ عَرَفْتَ كيفيةَ الذاتِ الكريمةِ المقدسةِ المتصفةِ بهذه الصفةِ؟ فلا بد أن يقولَ: لا، فنقولُ: معرفةُ كيفيةِ الاتصافِ بهذه الصفاتِ متوقفةً على معرفةِ كيفيةِ الذاتِ. هذانِ أَصْلاَنِ: الأولُ منهما: تنزيهُ خالقِ السماواتِ عن أن يُشْبِهَ شيئًا مِنْ خَلْقِهِ. الثاني: تصديقُه فيما وَصَفَ به نفسَه، وعدمُ تكذيبِه، وتصديقُ رسولِه بما وَصَفَ به رَبَّهُ تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] فأولُ الآيةِ تنزيهٌ من غيرِ تعطيلٍ، وآخِرُهَا إثباتٌ للصفاتِ من غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، وإن كانت الحيواناتُ تسمعُ وَتُبْصِرُ. الأصلُ الثالثُ: هو أن نقطعَ طَمَعَنَا عن إدراكِ كيفيةِ صفاتِ اللَّهِ (جل وعلا). وَاللَّهُ قد نَصَّ على عجزِ الخلقِ عن الإحاطةِ بإدراكِ كيفياتِه. أَشَارَ إلى ذلك في السورةِ الكريمةِ - سورةِ طه - حيث قَالَ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: آية 110]. هذه الأصولُ الثلاثةُ: الأولُ: تنزيهُ اللَّهِ. ¬
الثاني: الإقرارُ بصفاتِ اللَّهِ مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ على غِرَارِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. الثالثُ: قَطْعُ الطمعِ عن إدراكِ الكيفيةِ. وأنا أُؤَكِّدُ لكم - أيها الإخوانُ - أَنَّا جميعًا سننتقلُ من هذه الدارِ إلى القبورِ، وننتقلُ سريعًا من القبورِ إلى عَرَصَاتِ القيامةِ. ولا شَكَّ أننا هناك نُناقَشُ عَنْ كُلِّ ما قَدَّمْنَا، وما أَسْلَفْنَا من خيرٍ أو شَرٍّ، ومما يسألنا اللَّهُ عنه: هل ما مدحتُ به نفسي وأثنيتُ به على [نفسي] (¬1) أو أَثْبَتَهُ لِي [رَسُولِي يُعَدُّ تَشْبِيهًا؟ لو مُتُّمْ يا إخواني وأنتم على هذا الْمُعْتَقَدِ، أترون اللَّهَ يومَ القيامةِ يقولُ لكم: لِمَ نَزَّهْتُمُونِي عن مشابهةِ الخلقِ؟ ويلومُكم على ذلك؟ لا وكلاَّ، وَاللَّهِ لا يلومُكم على ذلك. أترونَ أنه يلومُكم على أنكم آمَنْتُمْ بصفاتِه، وَصَدَّقْتُمُوهُ فيما أَثْنَى به على نفسِه، ويقولُ لكم: لِمَ آمَنْتُمْ بِمَا أَثْبَتُّ لنفسي .. ] (¬2) ولا بما قد نَصَّ رسولي - صلى الله عليه وسلم - فيما أَثْنَى به عَلَيَّ، تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ. لاَ وكلاَّ، أبدًا، فهو طريقُ سلامةٍ محققةٌ، ولا يقولُ له: لِمَ لاَ تَدَّعِي أن عقلَك المسكينَ القصيرَ محيطٌ بكيفياتِ صِفَاتِي؟ لا أبدًا. فهذه طريقُ سلامةٍ محققةٌ، وهي التي سارَ عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، والسلفُ الصالحُ، والقرونُ المشهودُ لهم بالخيرِ، بيضاءَ ليلُها كنهارِها؛ لأنَّ على العبدِ أن يُنَزِّهَ خالقَه عن مشابهةِ الخلقِ، وأن يؤمنَ ¬
بصفاتِ رَبِّهِ، ولا يُكَذِّبَ رَبَّهُ، ولا نَبِيَّهُ، إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، ويعرف قَدْرَ عقلِه، ويعلمَ أنه عاجزٌ عن الإحاطةِ بكيفياتِ خالقِ السماواتِ والأرضِ. الأصلُ الأولُ بقولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والثاني بقولِ: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعدَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والثالثُ بقولِه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} فَعَلَيْنَا - معاشرَ المؤمنين - أن نُمِرَّ آياتِ الصفاتِ وأحاديثَها، ونصدقَ اللَّهَ بما مَدَحَ به نفسَه، ونعلمَ أنه لا يمدحُ نفسَه بنقصٍ ولا باطلٍ، ولا يُثْنِي على نفسِه إلا بكمالٍ وجلالٍ، ونُنَزِّهَ ربَّنا عن صفاتِ المخلوقين، فبالتنزيهُ نَسْلَمُ من ورطةِ التشبيهِ، وبالإيمانِ والتصديقِ بصفاتِ اللَّهِ نَسْلَمُ من ورطةِ التعطيلِ ونكون مؤمنين موحدين منزهين، لسنا مُرْتَطِمِينَ في تشبيهٍ، ولسنا مرتطمين في تعطيلٍ، هذا هو الوجهُ فيما جاءَ من هذه الصفاتِ؛ وَلِذَا قال اللَّهُ: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ. فالمعنَى: أن ذلك العملَ خالصٌ لِلَّهِ، لا يشوبُه رياءٌ ولا سُمْعَةٌ ولا غَرَضٌ من أغراضِ الدنيا. وهذا معنى قولِه: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. وقولُه: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّنْ شَيْءٍ} [الأنعام: آية 52] هذه الآيةُ والآياتُ التي نَزَلَتْ مثلها في قضيةِ نوحٍ في سورةِ هودٍ (¬1)، وفي سورةِ ¬
الشعراءِ (¬1)، معناها: أن الكفارَ قالوا له: هؤلاء الضعافُ النَّتْنَى الذين مَعَكَ، ليس لهم إيمانٌ، ولا معرفةٌ بالله، ولا التجاءٌ إلى الله، وإنما هم يقولونَ هذا الكلامَ لِتَسْمَعَهُمْ وتعطيَهم شيئًا يأكلونه ويشربونه، فَهُمْ يراؤونَ لأجلِ الطعامِ. اللَّهُ (جل وعلا) بَرَّأَهُمْ من هذه الدعوى، وَبَيَّنَ أنهم مُخْلِصُونَ لِلَّهِ، وقال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ثم قال: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} يعني: عَمَلُهُمْ لهم، صَالِحُهُ لهم وَطَالِحُهُ عليهم، ولستَ مأخوذًا بالتنقيبِ عنهم: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّنْ شَيْءٍ} يعني: لستَ مُحَاسَبًا بما يفعلونَ، وليسوا مُحَاسَبِينَ بما تفعلُ، فعليكَ أن تأخذَ بالظاهرِ من أحوالِهم - الإيمان - مع أن الله نَصَّ له على أن باطنَهم سليمٌ، وأن نِيَّتَهُمْ صحيحةٌ، وأنهم بَرِيئُونَ مما قَالَ الكفارُ حيث قال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. ثم قال: {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} قال بعضُ العلماءِ (¬2): الفاءُ الأُولَى: {فَتَطْرُدَهُمْ} في جوابِ النفيِ، والفاءُ الأُخْرَى من جوابِ النهيِ. والمعنى: لا تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فتكونَ من الظالمين، ما عَلَيْكَ من حسابِهم من شيءٍ فَتَطْرُدَهُمْ. أي: لو كان حسابُهم عليكَ، لو كانوا فَعَلُوا في الباطنِ شيئًا أَمْكَنَ أن تطردَهم؛ لئلا يكونَ فَعَلُوهُ في الباطنِ (¬3). لكن لو فَرَضْنَا أنهم فَعَلُوا في الباطنِ غيرَ طَيِّبٍ فَحِسَابُهُمْ عليهم لا عليكَ، فَأَيُّ موجب تطردُهم ¬
عليه، فعلى كُلِّ حالٍ فقولُه: {فَتَطْرُدَهُمْ} قولاً واحدًا منصوبٌ في جوابِ النفيِ؛ لأنها فاءُ السببيةِ بعدَ النفيِ نحو: {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} (¬1) [فاطر: آية 36] {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ}. وقولُه: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} فيه وَجْهَانِ: أحدُهما: أنه معطوفٌ عليه: {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} بسببِ طَرْدِهِمْ. الثاني: أنه في جوابِ: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} فتكونَ من الظالمين. وأن الجملةَ اعتراضيةٌ بين هذا وهذا. والطردُ: الإبعادُ. والظالمونَ: قَدْ قَدَّمْنَا أن معناهُ وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِهِ (¬2). وَمَنْ طَرَدَ مُسْلِمًا طَيِّبًا كَرِيمًا يستحقُ التقديرَ والإحسانَ على خَاطِرِ خَبِيثٍ خَسِيسٍ - يستحقُّ الطردَ - فقد وَضَعَ الأمرَ في غيرِ مَوْضِعِهِ، حيث طَرَدَ مَنْ يَسْتَحِقُّ القُرْبَ على خاطرِ مَنْ يستحقُّ البُعْدَ؛ ولذا قال: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}. (¬3) وهذه القضيةُ أَجْرَى اللَّهُ العادةَ بأن الرؤساءَ يقولون للأنبياءِ: اطْرُدُوا هؤلاءِ النَّتْنَى الضعافَ، لا نؤمنُ بكم ومعكم هؤلاء. والدليلُ على هذا: أن نُوحًا - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه وعلى نَبِيِّنَا - أولَ الأنبياءِ، قالوا له: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ ¬
هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} [هود: آية 27] وَطَلَبُوا منه أَنْ يَطْرُدَهُمْ؛ ولذا قَالَ: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْما تَجْهَلُونَ} [هود: آية 29] وقال في شَأْنِهِمْ: {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدتُّهُمْ} [هود: آية 30] وقال في هذا في سورةِ الشعراءِ: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: آية 111] وَبَيَّنُوا له أن أعمالَهم رياءٌ - كما قال هؤلاء في أصحابِ النبيِّ - فقال نوحٌ: {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113)} [الشعراء: الآيتان 112 - 113] ليس عَلَيَّ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، ولا عليهم من حِسَابِي مِنْ شَيْءٍ، ثم قال: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء. آية 114] لا أَطْرُدُهُمْ أبدًا. فالقصةُ شبيهةٌ بالقصةِ؛ ولذا قال هنا: {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}. [5/أ] / {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)} [الأنعام: الآيات 53 - 55]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: آية 53]. قولُه: {كَذَلِكَ} أي: وكذلك الفتونُ المتقدمُ الذي فَتَنَ اللَّهُ فيه أغنياءَ العربِ ورؤساءَهم فَتَنَهُمْ بضعفاءِ المسلمين حيث احتقروهم، وَأَبَوْا أن يُجَالِسُوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهم مَعَهُ في المجلسِ، وقالوا له: اطْرُدْهُمْ عَنَّا، فَإِنَّا لاَ نرضى أن نجلسَ معهم. حتى أنزلَ اللَّهُ في ذلك ما أَنْزَلَ. {وَكَذَلِكَ} أي: كما فَتَنَ هؤلاء الأغنياءَ بهؤلاء الفقراءِ، كذلك
فَتَنَّا بعضَهم ببعضٍ، فاللَّهُ يَفْتِنُ بعضَ الناسِ ببعضٍ، يفتنُ الغنيَّ بالفقيرِ، والفقيرَ بِالْغَنِيِّ. وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا أن الفتنةَ أُطْلِقَتْ في القرآنِ ثلاثةَ إطلاقاتٍ، وبعضُهم يقولُ: أربعةُ إطلاقاتٍ (¬1)، أما الإطلاقاتُ الثلاثُ التي لم يُخَالِفْ فيها أَحَدٌ: فمنها إطلاقُ الفتنةِ على (الاختبارِ)، وهو أشهرُها في القرآنِ. ومنها إطلاقُ الفتنةِ على (الإحراقِ بالنارِ)؛ لأن العربَ تقولُ: فَتَنْتُ الذهبَ، إذا سَبَكْتَهُ في النارِ وَأَذَبْتَهُ، أي: لِيَتَبَيَّنَ أخالصٌ هو أم زَائِفٌ. ومن إطلاقِ الفتنةِ على مُطْلَقِ الوضعِ في النارِ قولُه تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: آية 13] أي: يُحْرَقُونَ بالنارِ - والعياذُ بِاللَّهِ - وقولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: آية 10] أي: أَحْرَقُوهُمْ بنارِ الأخدودِ على أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ. وكذلك تُطْلَقُ الفتنةُ على نتيجةِ الاختبارِ إن كانت سيئةً خاصةً، كالمعاصِي والكفرِ، فإن الكفارَ والعصاةَ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بالأوامرِ والنواهِي، فكانت نتيجةُ الاختبارِ فيهم غيرَ محمودةٍ حيث كَفَرُوا وَعَصَوْا؛ وَلِذَا يُطْلَقُ اسمُ (الفتنةِ) على الكفرِ والمعاصِي، ومنه قولُه تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: آية 193] أي: حَتَّى لا يَبْقَى شِرْكٌ. وهذا أَصَحُّ التفسيرين، والدليلُ على صحةِ هذا التفسيرِ: قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» (¬2). ¬
فغايةُ «حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» في هذا الحديثِ الصحيحِ يُفَسِّرُ الغايةَ في قولِه: {حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: لاَ يَبْقَى أحدٌ إلا وهو يشهدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ على أظهرِ التفسيرين، وخيرُ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ بعدَ القرآنِ: السنةُ الصحيحةُ؛ لأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قِيلَ له: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: آية 44] فالسنةُ بيانٌ للقرآنِ. الرابعُ: إطلاقُ الفتنةِ بمعنَى (الحجةِ)، كما قالَه بعضُ العلماءِ في قولِه المتقدمِ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} [الأنعام: آية 23] أي: حُجَّتُهُمْ {إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} على القولِ بذلك. والمرادُ بالفتنةِ في هذه الآيةِ التي نحن بِصَدَدِهَا: الاختبارُ والابتلاءُ. أي: {فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} أَيِ: اخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا بعضَهم
ببعضٍ. فالأغنياءُ يُبْتَلَوْنَ بالفقراءِ، والفقراءُ يُبْتَلَوْنَ بالأغنياءِ، وقد بَيَّنَ اللَّهُ في سورةِ الفرقانِ: أن هذا الابتلاءَ يحتاجُ إلى صبرٍ، وأن لله فيه حكمةً كما قال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: آية 20] غالبًا الأغنياءُ يُبْتَلَوْنَ وَيُفْتَنُونَ بما يُعْطِيهِ اللَّهُ للفقراءِ من الدِّينِ والإيمانِ بِاللَّهِ (جل وعلا)، والفقراءُ غَالِبًا يُبتلون بما يعطيه اللَّهُ للأغنياءِ من الدنيا، فيقولُ الفقراءُ: كيف أُعْطِيَ هؤلاء الغنَى والدنيا، ونحن خيرٌ منهم ولم نُعْطَهَا؟ وَيَحْسُدُونَهُمْ على غِنَاهُمْ، كما أن الأغنياءَ يَقُولُونَ: كيف يكونُ هؤلاء الفقراءُ على حَقٍّ وَدِينٍ ويكونون أفضلَ منا ونحن خيرٌ منهم؟ وهذا النوعُ من الابتلاءِ هو المقصودُ هنا. أي: جَعَلْنَا فقراءَ المسلمين ابتلاءً وامتحانًا لأغنياءِ الكفارِ، حيث قالوا: هؤلاءِ الضعفاءُ كيف يَعْبَأُ اللَّهُ بهم وهم لا جَاهَ لهم ولا مَكَانَةَ؟ وَاللَّهِ لاَ يَعْبَأُ اللَّهُ بهم، ولو كان ما هم عليه فيه خيرٌ لَكُنَّا سابقين إليه؛ لأَنَّا أفضلُ منهم وَأَوْلَى منهم بِكُلِّ خيرٍ. كما قال تعالى عن الكفارِ في هذا الموضوعِ: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: آية 11] وكما قال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: آية 73] أَيُّنَا أحسنُ مجالسَ وأكثرُ غِنًى وأثاثًا؟ يَعْنُونَ: أَنَّا أفضلُ منكم، ولو لم نكن أفضلَ عند اللَّهِ منكم في الآخرةِ لَمَّا فَضَّلَنَا عليكم في الدنيا!! يَقِيسُونَ الدنيا على الآخرةِ، ويحتقرون المسلمين، ويحلفونَ أن هؤلاء الضعفاءَ لا يرحمهم اللَّهُ، ولا يَعْبَأُ بهم لسقوطِ مكانتِهم فيما يَظُنُّونَ. كما يأتي في الأعرافِ في قولِه: {أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: آية 49] وكانوا إذا رَأَوْهُمْ
يحتقرونهم، ويسخرونَ منهم، ويغمزُ بعضُهم بعضًا فيقولون: هؤلاءِ الضعفاءُ الفقراءُ، والأعبُدُ الْمَوَالِي الذين لا يَعْبَأُ بهم أَحَدٌ هم الذين يقولُ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -: إن لهم عندَ اللَّهِ المكانةَ العظيمةَ، وأنهم خيرٌ منا، كما قال اللَّهُ تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: آية 30] أي: يغمزُ بعضُهم بعضًا احتقارًا لضعفاءِ المؤمنين، كانوا يسخرونَ منهم في دارِ الدنيا، ويتغامزونَ عليهم، ثم إنه يومَ القيامةِ يكونُ أولئك الضعفاءُ في أَعْلَى عِلِّيِّينَ، ويسخرونَ في ذلك الوقتِ مِنَ الذين كانوا يَسْخَرُونَ منهم، كما في قولِه: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: آية 212] وقد نَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وتعالى في السورةِ الكريمةِ - سورةِ الصافاتِ - على أن أهلَ الجنةِ يمكنُهم أن ينظروا أهلَ النارِ، وقد يتكلمونَ مع بعضِهم، كما جاءَ في قصةِ ذلك الرجلِ المقصوصِ خبرُه في الصافاتِ، وذلك كما بَيَّنَهُ المفسرون (¬1): أنه كان رَجُلاَنِ شريكين في تجارةٍ كثيرةٍ، ثم اقْتَسَمَا، وَأَخَذَ كُلٌّ منهما نصيبَه، وأحدُهما مؤمنٌ، والثاني كافرٌ، وكان المؤمنُ ينصحُ الكافرَ لِلدِّينِ، والكافرُ يرشدُ المؤمنَ إلى الكفرِ وإنكارِ البعثِ - والعياذُ بالله - فتزوجَ الشريكُ الكافرُ امرأةً حسنةً جميلةً، وأعطاها مالاً طائلاً، فقال شريكُه المؤمنُ: اللَّهُمَّ إن فلانًا تَزَوَّجَ امرأةً جميلةً، وَأَعْطَاهَا كذا وكذا، وإني أَخْطُبُ إليكَ من نساءِ الجنةِ بمثلِ المهرِ الذي تَزَوَّجَ به، وَتَصَدَّقَ بقدرِ ذلك المهرِ. ثم إن فلانًا - الكافرَ - اشترى بساتينَ وَضِيَاعًا، فقال أيضا صاحبُه: اللهم إن فلانًا اشترى كذا وكذا بكذا، وإني ¬
أشتري منكَ في الجنةِ بذلك الثمنِ، فَتَصَدَّقَ بالثمنِ على الفقراءِ والمساكين. حتى افْتَقَرَ ذلك المؤمنُ، وجاء لشريكِه الكافرِ يطلبُ أن يكونَ عندَه أجيرًا، فامتنعَ أن يُشَغِّلَهُ، ولاَمَه وَوَبَّخَهُ، فدخلَ ذلك المؤمنُ الجنةَ وذلك الكافرُ النارَ، وكان ذلك المؤمنُ يتحدثُ [مع] جلسائِه [في] (¬1) الجنةِ، وقال لهم: كان لي في الدنيا صديقٌ صاحِبٌ من أمرِه كيت وكيت، فاطَّلِعوا معي لِنَرَى حالَه وما هو عليه في النارِ، فَأَخْبَرُوهُ أنهم لا يعرفونَه معرفةً سابقةً، ولا حاجةَ لهم فيه، وأنه هو إن شَاءَ يَطَّلِعُ لِيَنْظُرَ إليه، فَاطَّلَعَ فرآه في النارِ، وقال له ذلك الكلامَ الذي ذَكَرَهُ اللَّهُ في الصافاتِ، أشار اللَّهُ إلى هذه القصةِ بقولِه في أهلِ الجنةِ: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52)} إِنْكَارًا للبعثِ {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53)} إِنَّا لَمُجَازَوْنَ؟ لا يكونُ ذلك. إِنْكَارًا منه للبعثِ {قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)} [الصافات: الآيات 48 - 57]. ومعنى قولِه (جل وعلا) هنا: {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: جَعَلْنَا بعضَهم فتنةً لبعضٍ، كما جَعَلَ اللَّهُ فقراءَ المسلمين الضعفاءَ الذين ليس لهم مالٌ ولا جاهٌ في ذلك الوقتِ كبلالٍ وعمارٍ وصهيبٍ وما جرى مَجْرَى ذلك من الفقراءِ الذين لَيْسُوا أصلاً من قريشٍ ولا مالَ عندهم فَتَنَ اللَّهُ بهم أولئك الأغنياءَ. كأن اللَّهَ (جل وعلا) قال: إنه من حكمتِه أن يَفْتِنَهُمْ بهم ليقولوا هذا القولَ مُحْتَقِرِينَ ¬
لهؤلاء، ليسوا عارفينَ بحقيقةِ الأمرِ: {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} لأَجْلِ أن يقولوا. أي: أن يقولَ أولئك الأغنياءُ محتقرين لأولئك الفقراءِ إنكارًا: {أَهَؤُلاَءِ} يَعْنُونَ: أهؤلاءِ المساكينُ الفقراءُ الذين لاَ يُعْبَأُ بهم {مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} فَأَعْطَاهُمُ المنَّة العظمى، وهي التوفيقُ والإيمانُ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ جل وعلا، والفضل برضا اللَّهِ (جل وعلا) عَنْهُمْ، إنكارًا لهم أن اللَّهَ يَمُنُّ على الضعفاءِ في زعمِهم أنهم أَحَقُّ بذلك منهم، وأن الذي هم عليه لو كان حَقًّا لكان أولئك الأغنياءُ سابقين إليه. كما قال عنهم: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: آية 11] وقال الواحدُ منهم: {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: آية 50] {وَلَئِن رُّدِدْتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: آية 36] {لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا} [مريم: آية 77] هذا كُلُّهُ جهلٌ منهم، يظنونَ أن اللَّهَ ما أعطاهم الغنَى والجاهَ في الدنيا إلا لأنهم يستحقونَ ذلك، وأن لهم مكانةً عِنْدَ اللَّهِ وشرفًا استحقوا به ذلك، واللَّهُ (جل وعلا) كَذَّبَهُمْ مِرَارًا في هذه المقالةِ الكاذبةِ، قال: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلَادُكُمْ} يعني: التي تفتخرونَ بها في الدنيا وَتَقِيسُونَ عليها الآخرةَ {بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ: آية 37] وقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ (56)} [المؤمنون: الآيتان 55 - 56] وَبَيَّنَ أن ذلك استدراجٌ من اللَّهِ، كما قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)} [الأعراف: الآيتان 182 - 183] {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: آية 178] وَلِذَا قال هنا: {لِّيَقُولوا} مُحْتَقِرِينَ ضعفاءَ المسلمين {أَهَؤُلاَءِ} الضعفاء الذين لا مكانةَ لهم،
ولا مالَ ولا جاهَ {مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: أَعْطَاهُمُ الْمِنَّةَ العظمى برضاه ودِينِه وَهُدَاهُ {مِّنْ بَيْنِنَا} أي: لم يُعْطِنَا نحن ذلك؟ كما قال قومُ صالحٍ عنه: {أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ} [القمر: آية 24] إلى أن قالوا: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا} [القمر: آية 25] أجاءه الوحيُ من اللَّهِ مِنْ بَيْنِنَا، ولم يكن أَفْضَلَنَا ولا أَغْنَانَا؟ هذا لا يمكنُ أبدًا!! كما قال كفارُ مكةَ: {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: آية 31] صاحبِ مالٍ وجاهٍ؛ لأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ عندَه الغنَى، وقد رَدَّ اللَّهُ عليهم بقولِه: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [الزخرف: آية 32] لاَ وَكَلاَّ؛ ولذا قال هنا: {لِّيَقُولوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} واللامُ هنا (لامُ كَيْ)، وهي للتعليلِ، وَاللَّهُ يبتلي الخلقَ ليقعَ منهم ما يشاء اللَّهُ من خيرٍ وَشَرٍّ، وله في ذلك حكمةٌ، وَبَيَّنَ أنه يبتلي لينجحَ بعضُ الناسِ في ذلك الامتحانِ، ويسقطَ بعضُهم في ذلك الامتحانِ، أوضحَ ذلك في سورةِ المدثرِ، حيث قال (جل وعلا) - لأنه لَمَّا جاء في القرآنِ أن خَزَنَةَ جهنمَ تسعةَ عشرَ مَلَكًا، كان هذا فتنةً للكفارِ، حيث قالوا: كيفَ ونحنُ الآلافُ المؤلفةُ يَقْهَرُنَا تسعةَ عشرَ شخصًا؟ فقال لهم واحدٌ منهم كان قَوِيًّا: أنا أكفيكم منهم كذا وكذا - قدرَ سبعَ عشرةَ - وأنتم تقتلون الباقيَ فَنَحْتَلُّ الجنةَ، وندخلُها قَهْرًا (¬1)!! ولذا قال اللَّهُ -: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} ثم قال: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} ثم بَيَّنَ نتيجةَ هذه الفتنةِ وهذا الاختبارِ، وَصَرَّحَ بأن قومًا ناجحونَ فيه، وقومًا بعكسِ ذلك. قال: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ثم قال في غيرِ الناجحين: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ¬
مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً} كذلك قولُه هنا: {لِّيَقُولوا} محتقرين ضعفاءَ المسلمين: {أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا} لا يمكنُ ذلك؛ [لأنه لو كان ما أعطاهم اللَّهُ خيرًا لأعطانا] (¬1)؛ لأنَّا أَوْلَى منهم وَأَعْظَمُ وأحقُّ بالخيرِ {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: آية 11] رَدَّ اللَّهُ عليهم هنا بقولِه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} هذا النوعُ من الاستفهامِ هو الاستفهامُ الْمُسَمَّى بـ (استفهامِ التقريرِ) والمقصودُ من استفهامِ التقريرِ ليس السؤالَ عن شيءٍ يفهمُه السائلُ، بل المرادُ به: حَمْلُ الْمُخَاطَبِ على أن يُقِرَّ فيقولَ: «بلى»، ولا يكونُ استفهامُ التقريرِ إلا في شيءٍ لاَ يمكنُ أن يُنَازَعَ فيه، وإن كان يمكنُ فيه النزاعُ فَالْمُخَاطَبُ يَعْرِفُ الْمُخَاطِبُ أنه لاَ ينازعُ في ذلك الشيءِ، وأنه مُقِرٌّ به. فمثالُ الذي لا يمكنُ أن يكونَ فيه نزاعٌ قولُه هنا: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الجوابُ: بلى، هو واللَّهِ أَعْلَمُ. ولا يمكن جوابٌ غير هذا لأحدٍ. أما الجوابُ الذي يمكنُ الخلافُ فيه، إلا أن المخاطِبَ يعلمُ أن المخاطَبَ مُقرٌّ به ويكفيه ذلك عن غيرِه: فَكَقَوْلِ جريرٍ يمدح عبدَ الملكِ بنَ مروانَ (¬2): أَلَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ فهو يعلمُ أن الممدوحَ يعتقدُ هكذا، وإن كان غيرُه قد يخالفُ ويقولُ: ليسوا أَنْدَى الناسِ بطونَ راح. وقولُه: {بِالشَّاكِرِينَ} هذه (الباءُ) التي تأتي بعدَ (ليس) وبعدَ (ما) النافيةِ باطرادٍ إنما فائدتُها أنها تدلُّ على توكيدِ النفيِ، فالنفيُ الذي تدخلُ فيه هذه (الباءُ) أَوْكَدُ من غيرِه، فإن هذه (الباءَ) ¬
تُؤَكِّدُ الإسنادَ الخبريَّ في حالةِ السلبِ، كما يُؤَكَّدُ الإسنادُ الخبريُّ بـ (إن) و (اللام) في حالةِ الإثباتِ. {الشَّاكِرِينَ} جمعُ الشاكرِ. و (الشاكرُ): اسمُ فاعلِ الشكرِ، و (الشكرُ) أصلُه في لغةِ العربِ: الظهورُ (¬1). ومنه: ناقةٌ شكورٌ. يظهرُ عليها السِّمَنُ، ومنه سَمَّتِ العربُ (العُسْلُوج) الذي ينبتُ في الشجرةِ التي كانت مقطوعةً إذا ظَهَرَ فيها غصنٌ جديدٌ بعدَ أن لم يَكُنْ، قالوا: (شَكِيرٌ)؛ لأنه يظهرُ بعدَ أن لم يكن ظاهرًا. هذا أصلُه في اللغةِ. وهو في القرآنِ (¬2) يُطْلَقُ من الربِّ لعبدِه، ومن العبدِ لِرَبِّهِ، كما قال في شكرِ الربِّ لعبدِه: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: آية 158] {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: آية 34] وقال في شُكْرِ العبدِ لِرَبِّهِ هنا: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: آية 53] {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14] {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: آية 3]. قال بعضُ العلماءِ: معنى شُكْرِ اللَّهِ لعبدِه: هو إثابتُه الثوابَ الجزيلَ من عَمَلِهِ القليلِ. ومعنى شكرِ العبدِ لِرَبِّهِ: هو أن يصرفَ العبدُ نِعَمَ رَبِّهِ فيما يُرْضِي رَبَّهُ. فعلينا جميعًا أن نصرفَ نِعَمَ رَبِّنَا فيما يُرْضِيهِ، فهذه العيونُ التي فتحَ لنا في أَوْجُهِنَا على هذا الشكلِ الغريبِ شُكْرُهَا عندَ اللَّهِ أن لاَ ننظرَ بها في شيءٍ إلا في شيءٍ يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وَمَنَّ بها (جل وعلا). ¬
وهذه اليدُ التي فَرَّقَ اللَّهُ أصابَعَها، وشدَّ رؤوسها بالأظفارِ، شُكْرُ نعمةِ مَنْ أنعمَ بها أن لاَ نَمُدَّهَا ولا نبطشَ بها إلا في شيءٍ يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وَمَنَّ بِهَا. وهذه الرِّجْلُ التي جَعَلَهَا اللَّهُ للإنسانِ يمشي عليها إلى حيثُ يشاءُ، شُكْرُ نِعْمَتِهَا أن لا يمشيَ بها الإنسانُ إلا إلى شيءٍ يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وَمَنَّ بها. وهكذا، فالجاهُ إذا مَنَّ اللَّهُ على إنسانٍ بجاهٍ وقبولِ كلمةٍ فشُكْرُ هذا أن لا يستغلَّ ذلك الجاهَ والنفوذَ إلا في شيءٍ يُرْضِي مَنْ خَلَقَهُ وَمَنَّ به، وكذلك الأموالُ، شُكْرُ المالِ أن لا يصرفَه العبدُ ولا يفعلَ فيه إلا شيئًا يُرْضِي خَالِقَهُ (جل وعلا) الذي مَنَّ به. وفي (¬1) الحقيقةِ أن الإنسانَ يفعلُ أمورًا يعرقُ منها الجبينُ، ويخجلُ منها العاقلُ؛ لأن هذا الإنسانَ المسكينَ الضعيفَ يمنُّ عليه هذا الخالقُ الجليلُ العظيمُ بهذه النِّعَمِ، ثم يصرفُ هذه النعمَ أمامَ رَبِّهِ فيما يُسْخِطُ رَبَّهُ (جل وعلا) وَيُغْضِبُهُ، فهذا أمرٌ يعرقُ منه الجبينُ، وهو عظيمٌ جِدًّا، فعلى المسلمِ أن يستحييَ من رَبِّهِ الذي خَلَقَهُ وَأَنْعَمَ عليه، ويحترزُ من أن يصرفَ نعمةً من نِعَمِ خالقِه إلا في شيءٍ يُرْضِي خَالِقَهُ (جل وعلا)، وعلى الأقلِّ إلا في شيءٍ لا يُسْخِطُ مَنْ خَلَقَهُ (جل وعلا) وَيُغْضِبُهُ عليه. هذا أصلُ شُكْرِ العبدِ لِرَبِّهِ كما قالَه العلماءُ. وقد قَدَّمْنَا معنى الشكرِ لغةً (¬2). ومادةُ «شَكَرَ» لها حَالَتَانِ (¬3): قد تَتَعَدَّى إلى النعمةِ، وَتَعَدِّيهَا إلى النعمةِ تتعدى إليها بنفسِها بلا حرفٍ بإطباقِ أهلِ اللسانِ العربيِّ، كأن تقولَ: «شكرتُ نعمةَ زيدٍ». ومنه قولُه جل وعلا: ¬
{أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية 19] أما إذا أوقعتَ الشكرَ على نفسِ الْمُنْعِمِ، كأن يُنْعِمَ عليك إنسانٌ فتقول له: «أنا أشكرُ لكَ». فاللغةُ العربيةُ الفصحى هي تَعْدِيَتُهُ باللامِ، ولا تكادُ العربُ تُعَدِّيهِ بنفسِه، تقولُ: «شكرتُ لكَ، وشكرَ اللَّهُ لكَ». ولا تقول: «شَكَرْتُكَ». وتقول: «أَحْمَدُ اللَّهَ وأشكرُ له». ولا تقولُ: «أشكرُه». فاللغةُ الفصحى هي تعديةُ (شَكَرَ) إلى المنعمِ باللامِ لا بالفعلِ بنفسِه. [هذه] (¬1) هي لغةُ القرآنِ، وهي اللغةُ الفصحى بإطباقِ أهلِ اللسانِ العربيِّ، ولم يأتِ في القرآنِ مادةُ (الشكر) مُعَدًّاة إلى المنعمِ إلا باللامِ، نحو قولِه: {أَنِ اشْكُرْ لِي} ولم يقل: «أَنِ اشْكُرْنِي» {وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: آية 14] {وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية 152] ولم يَقُلْ: «واشكروني» فَيُعَدِّيهَا للمفعولِ. وَظَنَّ قومٌ أن تعديةَ (شكر) إلى المنعمِ بالفعلِ نفسِه لاَ بالحرفِ أنها لحنٌ، وقالوا: (أشكره) لحنٌ، و (شكرتُك) لحنٌ. والتحقيقُ: أنه ليس بلحنٍ، وأنه لغةٌ مسموعةٌ في كلامِ العربِ، إلا أن تعديتَه باللامِ أجودُ. ومن إطلاقِ مادةِ (الشكرِ) متعديةً إلى المنعمِ بنفسِها لا باللامِ قولُ أَبِي نُخَيْلَةَ (¬2): شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي فإن هذا الشاعرَ العربيَّ قال: «شكرتُك». ومن هذا المعنَى قولُ جميلِ بنِ معمرٍ الشاعرِ المشهورِ، قال (¬3): ¬
خَلِيْلَيَّ عُوْجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا عَلَى عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي فقولُه: «شكرتُكما» لم يقل: «شكرتُ لَكُمَا» على هذه اللغةِ القليلةِ. وهذا معنى قولِه: {لِّيَقُولوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}. {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: آية 54]. {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} في هذين الْحَرْفَيْنِ (¬1) ثلاثُ قراءاتٍ سبعيات (¬2): قرأه ابنُ عامرٍ وعاصمٌ: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بفتحِ همزةِ الْحَرْفَيْنِ، وَوَافَقَهُمَا نافعٌ في فتحِ الحرفِ الأولِ، وَخَالَفَهُمَا فَكَسَرَ الثانيَ، وباقي السبعةِ يكسرُها في الحرفين {كتب ربكم على نفسه الرحمة إِنَّهُ من عمل منكم} ثم يقرؤون: {فَإِنَّهُ غفور رحيم} وَهُمْ: ابنُ كثيرٍ، ¬
وأبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ, هذه هي قراءةُ السبعةِ في هذين الحرفين. ومعنى الآيةِ الكريمةِ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} جمهورُ المفسرين (¬1) على أن المرادَ بـ {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} هُمُ الفقراءُ، فقراءُ المؤمنين الذين طَلَبَ الكفارُ طَرْدَهُمْ وإبعادَهم وقتَ مُجَالَسَتِهِمْ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فجمعَ اللَّهُ لهم بين ثلاثةِ أشياء تدلُّ على عِظَمِ مكانتِهم، وعِظَمِ منزلتِهم عِنْدَ اللَّهِ (جل وعلا)، وَإِنِ احْتَقَرَهُمُ الكفرةُ الفجرةُ: الأولُ: هو نَهْيُهُ - صلى الله عليه وسلم - عن أن يَطْرُدَهُمْ. وشهادةُ اللَّهِ لهم بالإخلاصِ والعبادةِ حيث قال: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. وَنَهَى النبيُّ عن طردِهم: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ} ثم في سورةِ الكهفِ أَمَرَهُ بالصبرِ معهم، وأن لا يقومَ حتى يقوموا {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} ونهاه أن يطيعَ الكفرةَ فيهم {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: آية 28] ثُمَّ هنا أَمَرَهُ إذا جاؤوا أن يَتَلَقَّاهُمْ، ويُسلِّمَ عليهم، وَيُخْبِرَهُمْ ¬
بسعةِ رحمةِ اللَّهِ (جل وعلا)؛ لتطمئنَ قلوبُهم، وَيُسَرُّوا بذلك. وعلى هذا فالمعنَى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} أي: وهم {الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} إذا جاؤوكَ {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} فَابْتَدَرَهُمْ وَسَلَّمَ عليهم. وقولُه: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ (¬1): أشهرُها: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُمِرَ بأن يُسلمَ عليهم مبتدئًا إياهم بالسلامِ. القولُ الثاني: {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أَيْ مِنْ رَبِّكُمْ. وعلى هذا التفسيرِ فاللَّهُ يُقْرِئُهُمُ السلامَ على لسانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا احتقرهم أعداءُ اللَّهِ. الوجهُ الثالثُ: أن السلامَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنه رَدٌّ لسلامِهم عليه، وهذا لم يَقُمْ ما يدلُّ عليه، فأشهرُها: أن النبيَّ أُمِرَ بالتسليمِ عليهم. ومعنَى: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} {سَلاَمٌ} هنا مبتدأٌ، و {عَلَيْكُمْ} خبرُه، وإنما سَوَّغَ الابتداءَ به وهو نكرةٌ: أنه مُشَمٌّ رائحةَ الدعاءِ (¬2)، وقد تقررَ في فَنِّ العربيةِ: أن النكرةَ إن كان فيها معنَى الدعاءِ بِخَيْرٍ، نحو: (سلام)، أو بِشَرٍّ، نحو: (ويل لهم)، أنها يجوزُ الابتداءُ بها (¬3). و {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} معناه: سَلَّمَكُمُ اللَّهُ من الآفاتِ والمحذورِ. ¬
وهذه تحيةُ الإسلامِ، هي أكملُ تحيةٍ وأفضلُها؛ لأن معنَى (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ): سَلَّمَكُمُ اللَّهُ (جل وعلا) من الآفاتِ ومما يُؤْذِيكُمْ. وهي أحسنُ من تحيةِ الجاهليةِ الذين كانوا يقولونَ: (حَيَّاكَ اللَّهُ) فـ (السلامُ عليكم) أفضلُ من (حَيَّاكَ اللَّهُ)، وإنما كانت أفضلَ منها لأن معنَى (السلام عليكم): سَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ ما يُؤْذِي ومن جميعِ الآفاتِ. ومعنَى (حَيَّاكَ اللَّهُ) لا تزيدُ (حَيَّاكَ اللَّهُ) على معنى أطالَ اللَّهُ حياتَك؛ وهذا الدعاءُ لا يستلزمُ الفائدةَ؛ لأنه كَمْ مِنْ إنسانٍ تكونُ حياتُه ويلاً عليه، وضررًا عليه، ويكونُ يتمنى الموتَ. وما كُلُّ حياةٍ مرغوبة ولا مرغوب فيها، بَلْ رُبَّ حياةٍ الموتُ خيرٌ منها، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وقد سَمِعْتُمْ بعضَ الناسِ من المتأخرين، وإن كان مثلُه يُذْكَرُ للمثالِ لا للاستدلالِ يقولُ (¬1): أَلاَ مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشْتَرِيهِ فَهَذَا الْعَيْشُ مَا لاَ خَيْرَ فِيهِ أَلاَ رَحِمَ الْمُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ تَصَدَّقَ بِالْوَفَاةِ عَلَى أَخِيهِ فهذا الذي يطلبُ مَنْ يَتَصَدَّقُ عليه بالموتِ لا يرغبُ فِي [الحياةِ] (¬2) فلو قلتَ له: «حَيَّاكَ اللَّهُ» لقال لكَ - البعيدُ -: «لاَ حَيَّانِي اللَّهُ»!! لأنه يرغبُ في الموتِ، بخلافِ (السلامُ عليكم) فليسَ هذا معناه، ومن هذا المعنى قولُ الأَعْشَى أو غيرِه في الأبياتِ التي اخْتُلِفَ ¬
في قَائِلِهَا (¬1): الْمَرْءُ يَرْغَبُ فِي الْحَيَا ... ةِ وَطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضُرُّهْ تَفْنَى بَشَاشَتُهُ وَيَبْـ ... ـقَى بَعْدَ حُلْوِ الْعَيْشِ مُرُّهْ وَتَسُوؤُهُ الأَيَّامُ حَتَّـ ... ـى مَا يَرَى شَيْئًا يَسُرُّهْ فَمَنْ كان بهذه المثابةِ لا خيرَ له في الحياةِ. وقولُه في هذه الآيةِ: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ليس يمكنُ لأحدٍ أن يُلْزِمَ اللَّهَ شيئًا، ولكن اللَّهَ يُلْزِمُ نفسَه ما شَاءَ، ومعنى إلزامِه: أن يُخْبِرَ به، ووعدُه (جل وعلا) صادقٌ لا يتخلفُ، فما وَعَدَ اللَّهُ به فهو واجبُ الوقوعِ لازمُه محتومٌ؛ لأن اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الميعادَ، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحِ من حديثِ أبي هريرةَ ما يدلُّ على أن اللَّهَ (جل وعلا): كَتَبَ في كتابٍ فهو عندَه فوقَ عرشِه: «إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (¬2)، وسيأتي في قولِه جل وعلا: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: آية 156] فرحمةُ اللَّهِ (جل وعلا) وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، ولا يَهْلَكُ على اللَّهِ إلا هَالِكٌ. ألا تَرَوْنَ ما يدلُّ على نظائرَ كثيرةٍ من هذا في القرآنِ؟ تعلمونَ أنه لا أحدَ أشنعُ قولاً من الذين قالوا: إن اللَّهَ ثالثُ ثلاثةٍ، ومع هذه الفريةِ ¬
الْعُظْمَى والوقوعِ في جَنَابِ اللَّهِ (جل وعلا) بهذا الأمرِ الهائلِ العظيمِ، فَاللَّهُ مع هذا يستعطفُهم ويتلطفُ بهم للتوبةِ: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: آية 74] ويأمرُ نَبِيَّهُ أن يخاطبَ الكفرةَ الفجرةَ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: آية 38] وَمِنْ أَصْرَحِ ذلك: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} هذا خطابٌ مُوَجَّهٌ بخصوصِ الْمُسْرِفِينَ على أنفسِهم دونَ غيرِهم، يقولُ لهم اللَّهُ: {لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: آية 53] فَأَمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من خالقِ السماوات والأرض أن يُوَجِّهَ هذا الخطابَ العظيمَ لخصوصِ المسرفين يدلُّ على سَعَةِ رحمةِ اللَّهِ جل وعلا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} لم يَقُلْ: «الذين آمنوا»، ولا «الذين أَخْلَصُوا». خَصَّ به المسرفين على أنفسِهم {لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} الآيةَ؛ وَلِذَا قال: {كَتَبَ رَبكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: آية 54] على قراءةِ مَنْ قَرَأَ: {أَنَّهُ} بفتحِ (أنه) هنا، وهي في هذا الحرفِ قراءةُ ابنِ عامرٍ وعاصمٍ ونافعٍ. فالمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها يُعْرَبُ بدلاً من الرحمةِ (¬1). والمعنَى: كَتَبَ رَبُّكُمْ على نفسِه الرحمةَ. معنى هذه الرحمةِ: هي غفرانُه لمن عَمِلَ منكم سوءًا. فقولُه: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا} مُفسِّرٌ لتلك الرحمةِ مُبَيِّنٌ لها، فهو بدلٌ منها، وعلى قراءةِ مَنْ قَرَأَ: {إِنَّهُ من عمل منكم سوءا} فهو على الاستئنافِ قُطِعَ مِمَّا قَبْلَهُ، وكان مُسْتَأْنَفًا، و (إِنَّ) إذا كانت في ابتداءِ الْجُمَلِ الاستئنافيةِ كُسِرَتْ. والضميرُ في (إنه) ضميرُ الشأنِ. ¬
وقولُه: {مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} قال بعضُ العلماءِ: {مِّنْ عَمَلِ} هنا شرطيةٌ، وجوابُها مقترنٌ بالفاءِ. وقال بعضُهم: هي موصولةٌ، والمبتدأُ إذا كان موصولاً اقترنَ خبرُه بالفاءِ، كما قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا. وقولُه: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا} السوءُ: هو كُلُّ ما يسوءُ صاحبَه إذا رآه في صحيفتِه. والأعمالُ قد دَلَّ الكتابُ وَالسُّنَّةُ على أنها أربعةُ أنواعٍ (¬1)، كُلُّهَا إذا عَمِلَهَا الإنسانُ على غيرِ الوجهِ المشروعِ كان عاملاً سوءًا، واللَّهُ (جل وعلا) يقولُ: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: آية 30] أي: لكراهتِها إياه. العملُ على أربعةِ أنواعٍ، هي التي إذا عَمِلَهَا الإنسانُ على غيرِ الوجهِ المشروعِ كان عملُه عملَ سوءٍ: منها: فعلُه - المعروفُ - الزنى والسرقةُ. الثاني: فعلُ اللسانِ، فهو عملٌ، والدليلُ على أن قولَ اللسانِ من الأفعالِ: أن اللَّهَ صَرَّحَ أن قولَ اللسانِ من الأفعالِ في سورةِ [الأنعام] (¬2)، في قولِه جل وعلا: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: آية 112] فأطلقَ على زخرفِ القولِ اسمَ (الفعلِ)، فدلَّ على أن قولَ اللسانِ فِعْلٌ. هذان قِسْمَانِ: الفعلُ - المعروفُ - بأحدِ الجوارحِ، وفعلُ اللسانِ. ¬
الثالثُ: العزمُ المُصَمِّمُ (¬1)؛ لأن عزمَ الإنسانِ المُصَمِّم دَلَّتِ السُّنَّةُ الصحيحةُ على أنه من الأفعالِ السيئةِ التي تُدْخِلُ صاحبَها النارَ، والدليلُ على ذلك: ما ثَبَتَ في الصحيحين من حديثِ أبي بكرةَ (رضي الله عنه): «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ قد عرفنا القاتلَ، فما بالُ المقتولِ؟ قال: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (¬2). فقولُهم: ما بالُ المقتولِ؟ سؤالٌ من الصحابةِ واستفهامٌ عن إبرازِ السببِ الذي دَخَلَ به المقتولُ النارَ، فَبَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جوابًا مُطَابِقًا للسؤالِ أن حرصَه وعزمَه المُصَمِّمَ على قتلِ أخيه هو السببُ الذي أَدْخَلَهُ النارَ. أما الهمُّ الذي لم يكن عزمًا مُصَمِّمًا، فليس من الأفعالِ، كما قال جل وعلا: {إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ} [آل عمران: آية 122] وإتباعُه لذلك بقولِه: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} دَلَّ على أنه هَمٌّ لم يَسْتَقِرَّ، ولم يكن عَزْمًا مُصَمِّمًا حتى يُعَدَّ من الأفعالِ، ومن ذلك الهمِّ - الذي ليس من العزمِ المُصَمِّمِ الذي هو من الأفعالِ - ما في الحديثِ: «وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» (¬3) وإنما كُتِبَتْ له حسنةٌ؛ لأنه تَرَكَهَا لوجهِ اللَّهِ (جل ¬
وعلا)، فكان تركُه إياها امتثالاً لأمرِ اللَّهِ، وكانت بذلك حسنةً، كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} [النازعات: الآيتان 40 - 41]. الرابعُ: هو التركُ، والتركُ من الأفعالِ الحقيقيةِ، فهو فعلٌ على التحقيقِ (¬1)، وإن خَالَفَ فيه مَنْ خَالَفَ، فَمَنْ تركَ الصلاةَ حتى ضاعَ وقتُها فقد عَمِلَ بهذا التركِ عملاً سَيِّئًا يدخلُ به النارَ، وكان ابنُ السبكيِّ في بعضِ تآليفِه في الأصولِ يقولُ: طالعتُ كتابَ اللَّهِ لأجدَ فيه آيةً تدلُّ على أن التركَ فعلٌ فما وجدتُ فيه شَيْئًا يدلُّ على أن التركَ فعلٌ إلا شيئًا يُفْهَمُ من آيةٍ في سورةِ الفرقانِ هي قولُه: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: آية 30] قال: الاتخاذُ أصلُه من الأخذِ، والأخذُ: التناولُ. فقال: تَنَاوَلُوهُ ¬
مهجورًا. فَدَلَّ على أن الهجرَ فِعْلٌ. ونحن نقولُ: إِنَّا باتباعِ كتابِ اللَّهِ وَجَدْنَا آياتٍ صريحةً من كتابِ اللَّهِ تدلُّ بصراحةٍ لا شكَّ فيها على أن التركَ من الأفعالِ، منها: آيتانِ في سورةِ [المائدة] (¬1)، ذَكَرْنَاهُمَا فيما مَضَى، إِحْدَاهُمَا قولُه تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: آية 63] فَسَّمَى عدمَ نهيهِم وتركهِم للأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ سَمَّاهُ: (صُنْعًا)، والصُّنعُ أَخَصُّ من مطلقِ الفعلِ، ومنه قولُه تعالى في المائدةِ أيضًا: {كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} ثم قال: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: آية 79] يعني به تركَهم للتناهِي عن المنكرِ، سَمَّاهُ (فعلاً) وأنشأَ له الذمَّ بقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}. هذه الأقسامُ الأربعةُ هي الأفعالُ، واللغةُ العربيةُ تَدُلُّ على أن التركَ من الأفعالِ، وقد قال بعضُ الصحابةِ لَمَّا أراد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عند أولِ مجيئِه لهذه المدينةِ مُهَاجِرًا عند بنائِه هذا المسجدَ الكريمَ، كانوا يحملون المؤونةَ لِيَبْنُوهُ، وواحدٌ جالسٌ، فرأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يعملُ معهم، فقال رَاجِزًا (¬2): لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ فَسَمَّى تركَهم للعملِ سَمَّاهُ (عَمَلاً مُضَلَّلاً) وبهذا يُعْلَمُ أن قولَه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا} أن عَمَلَ السوءِ قد يكونُ بفعلِ أحدِ الجوارحِ، وقد يكونُ بفعلِ اللسانِ، وقد يكونُ ¬
بالعزمِ المصممِ، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (¬1). وقد يكونُ بتركِ ما أَوْجَبَهُ اللَّهُ جل وعلا. هذه الأعمالُ التي يعملها الإنسانُ سيئةٌ. وقولُه: {مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا} السوءُ: كُلُّ عملٍ يسوءُ صاحبَه إذا رآه في صحيفتِه يومَ القيامةِ. وقولُه: {بِجَهَالَةٍ} الجارُّ والمجرورُ في منزلةِ الحالِ. أي: حال كونِه متصفًا بالجهالةِ. ولا يَعْصِي اللَّهَ أحدٌ إلا هو متصفٌ بجهالةٍ؛ لأن المعاصيَ غالبًا لا تُحْمَلُ عليها إلا أغراضٌ دنيويةٌ عاجلةٌ، وَمَنْ آثَرَ هذا الغرضَ الدنيويَّ العاجلَ على ما عِنْدَ اللَّهِ (جل وعلا) فهو جاهلٌ، وإن كان في الجملةِ يعلمُ أن فعلَه هذا حرامٌ، وأنه عَالِمٌ بما يأتي، فلا بُدَّ أن يكونَ جاهلاً من تلك الحيثيةِ، وَكُلُّ مَنْ وقعَ في أمرٍ لا ينبغي تقول له العربُ: «جاهلٌ» (¬2)، و «وَقَعَ فيه بِجَهْلٍ»، وهو كلامٌ معروفٌ في كلامِ العربِ الذين نزلَ القرآنُ بلغتِهم، ومن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (¬3): عَلَى أَنَّهَا قَالَتْ عَشِيَّةَ زُرْتُهَا جَهِلْتَ عَلَى عَمْدٍ وَلَمْ تَكُ جَاهِلاَ تعني أنه فعلَ ما لا ينبغي أن يفعلَ، وهذا معنى قولِه: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ}. {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ} أَيْ مِنْ بعدِ ذلك العملِ الذي عمل به السوءَ بجهالةٍ {تَابَ وَأَصْلَحَ}. ¬
قولُه: {وَأَصْلَحَ} دليلٌ على أن التوبةَ ليست قولاً باللسانِ مع الرجوعِ للمعاصِي، هذا ليس كما ينبغي، بل يتوبُ توبةً نصوحًا، ثم بعدَ ذلك يُصْلِحُ ولا يرجعُ لِمَا كان يعملُ من السوءِ، وَحَذَفَ مفعولَ (أصلح) لقصدِ التعميمِ، وأصلحَ جميعَ أقوالِه وأفعالِه وَنِيَّاتِهِ وقصدِه، فلم يَفْعَلْ إلا طَيِّبًا. والتوبةُ عندَ العلماءِ تتركزُ على ثلاثةِ أُسُسٍ (¬1)، إذا اجتمعت كُلُّهَا فالتوبةُ نصوحٌ، وإذا اخْتَلَّ واحدٌ منها فليست بتوبةٍ نصوحٍ: أولُها: أن يُقْلِعَ عن الفعلِ إن كان مُتْلَبِسًا به. والثاني: أن يندمَ على الفعلِ الذي صَدَرَ منه ندمًا شديدًا وَيَأْسَفَ. والثالثُ: أن ينويَ أن لا يعودَ إلى الذنبِ حتى يعودَ اللَّبَنُ في الضرعِ. ومعلومٌ أن التوبةَ واجبةٌ بإجماعِ المسلمين من كُلِّ ذنبٍ يَجْتَرِمُهُ الإنسانُ، وتأخيرُها ذنبٌ يحتاجُ إلى توبةٍ، واللَّهُ أَمَرَ بها أمرًا صَارِمًا، قال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: آية 31] وقولُه: {تُوبُوا} صيغةُ أَمْرٍ واجبةٌ، فالتوبةُ واجبةٌ من كُلِّ ذنبٍ بإجماعِ المسلمين. وقد بَيَّنَ (جل وعلا) أنها مظنةٌ لغفرانِ الذنوبِ حيث قال جل وعلا: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} وَأَتْبَعَ ذلك بقولِه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: آية 8] فـ (عَسَى) من الله عظيمةٌ تدلُّ على أن مَنْ تَابَ توبةً نصوحًا كَفَّرَ اللَّهُ عنه سيئاتِه. ¬
وَاعْلَمُوا أن العلماءَ مُطْبِقُونَ على أن التوبةَ تتركزُ على هذه الأشياءِ الثلاثةِ: الإقلاعِ عن الذنبِ إن كان مُتْلَبِسًا به، والندمِ على فعلِ الذنبِ، ونيةِ أن لا يعودَ إلى ذلك الذنبِ. ومعروفٌ أن في أركانِ التوبةِ - هذه - إشكالاتٌ وسؤالاتٌ معروفةٌ عند العلماءِ (¬1)، منها: أن الندمَ ركنٌ من أركانِ التوبةِ بالإجماعِ، والتوبةُ واجبةٌ بالإجماعِ، وَرُكْنُ الواجبِ واجبٌ، فالندمُ على الذنبِ واجبٌ إِجْمَاعًا، وهذا مِمَّا لا خلافَ فيه، وَمَحَلُّ الإشكالِ في هذا الركنِ من أركانِ التوبةِ هو أن يقولَ المُسْتَشْكِلُ: أما الندمُ فإنه ليس من أفعالِ الإنسانِ الاختياريةِ، وإنما هو انفعالٌ وَتَأَثٌّرٌ نفسانيٌّ، والانفعالاتُ والتأثراتُ النفسانيةُ ليست تحتَ قدرةِ البشرِ، وليست من أفعالِ البشرِ، وليست مِنْ عَمَلِ البشرِ باختيارِهم حتى يُطلقَ عليها أنها واجبةٌ، ونحن نشاهدُ هذا، ترى الرجلَ البائعَ المغبونَ إذا باعَ وغُبِنَ في بيعِه غَبْنًا شديدًا تراه في شدةِ الندمِ، وهو يتجلدُ ويحاولُ أن يدفعَ الندمَ عن نفسِه فلا يستطيعُ، فهذا يُبَيِّنُ أن الندمَ ليس من الأفعالِ الاختياريةِ، وإنما هو انفعالٌ، وتأثرٌ نفسانيٌّ، وترى الرجلَ - والعياذُ بالله - إذا كان يعشقُ امرأةً جميلةً بارعةً في الجمالِ، إذا نال منها قُبْلَةً، إذا أراد أن يتندمَ يتخيلُ له خيالُ ذلك الجمالِ فينبسطُ إليه قلبُه، ولا يستطيعُ الندمَ؛ فَلِذَا كُنَّا نعاينُ الرجلَ قد يريدُ أن يندمَ ولا يندمُ، وقد يريدُ أن لا يندمَ فيندمُ، فالندمُ انفعالٌ نفسانيٌّ، وتأثرٌ ليس من الأفعالِ الاختياريةِ، فكيف نقولُ: إنه واجبٌ، وإنه ركنٌ للواجبِ؟ هذا السؤالُ الأولُ. ¬
والجوابُ عن هذا هو ما حَقَّقَهُ بعضُ العلماءِ من أن الندمَ لا يعجزُ عنه الإنسانُ إلا إذا كان مُسْتَرْسِلاً مع النفسِ، مُحَابِيًا لها فيما [لا] ينبغي (¬1)؛ لأن أسبابَ الندمِ قائمةٌ بكثرةٍ، متوفرةٌ كُلَّ التَّوَفُّرِ، وَمَنْ أَخَذَ بالأسبابِ كان في استطاعتِه حصولُ المسببِ (¬2)، ذلك لأن عامةَ العقلاءِ يُطْبِقُونَ على أن الإنسانَ إذا قُدِّمَ إليه شرابٌ في غايةِ الحلاوةِ واللذاذةِ، لا يوجدُ شرابٌ أَحْلَى منه، ولا أَلَذَّ، إلا أن هذا الشرابَ فيه سُمٌّ قَاتِلٌ فَتَّاكٌ، فعامةُ العقلاءِ لاَ يَسْتَحْلُونَ حلاوةَ هذا الشرابِ، ولا يَلْتَذُّونَ بِلَذَّتِهِ؛ لِمَا فيه من السمِّ القاتلِ الفتاكِ، وحلاوةُ المعاصي - أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمين منها - تَنْطَوِي على السمِّ القاتلِ الفتاكِ، وهو سخطُ رَبِّ العالمين وغضبِه (جل وعلا)؛ لأن الإنسانَ لا يدري إذا سَخِطَ عليه رَبُّهُ أن يهلكَه في وقتِه، ثم يجعله في عذابٍ، فإذا عَرَفَ الإنسانُ أن حلاوةَ المعاصِي تنطوي على السمِّ القاتلِ الفتاكِ مِنْ سَخَطِ رَبِّ العالمين، وألزمَ نفسَه بالحقائق، وعرفَ أنه تَعَرَّضَ لسخطِ خالقِ السماواتِ والأرضِ بلذةٍ فانيةٍ، تَنْطَوِي على السمِّ الفتاكِ من سخطِ رَبِّ العالمين، فالعاقلُ إذا أَخَذَ هذه الأسبابَ على حقيقتِها، ولم يُجَامِلْ نفسَه، ولم يُحَابِهَا، لا بد أن يندمَ، فبسببِ كونِ أسبابِ الندمِ متيسرةً، متوفرةً قائمةً، وأن مَنْ أَخَذَ بالأسبابِ غالبًا يُحَصِّلُ المُسَبَّبَ، من هنا قِيلَ: إن الندمَ واجبٌ من هذه الحيثيةِ. الثاني: أن الإنسانَ قد يتوبُ إلى اللَّهِ توبةً نصوحًا، ويحاولُ الإقلاعَ عن الذنبِ، ولكنه يكونُ تمادي فعله الأول متماديا (¬3) لا يقدرُ ¬
على نزعِه، فهل يكون تائبًا؛ لأنه فَعَلَ مَقْدُورَهُ، أو لا يكون تائبًا؛ لأنه لم يُقْلِعْ (¬1)؟ ومن أمثلةِ هذا عند العلماءِ: رجلٌ كان مُبْتَدِعًا، وَبَثَّ بدعتَه في الناسِ، حتى طارَ بها أتباعُه في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، وجنوبِها وشمالِها، وَبَقَوْا على ذلك البدعةِ، ومعلومٌ أن مَنْ سَنَّ سُنةً سيئةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها، وأعمالُ أولئك من ذنوبِه؛ لأنه سَنَّهَا لهم، وَاللَّهُ يقولُ في رؤساءِ الضلالِ الذين يَسُنُّونَ البدعَ والضلالاتِ: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: آية 13] ويقولُ فيهم: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: آية 25] هذا المبتدعُ الذي طارت بدعتُه في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، ففسادُها منتشرٌ، إذا عرفنا أنه كان مبتدعًا وراجعَ التوبةِ، هل نقولُ: هو تائبٌ توبةً مستكملةَ الشروطِ؛ لأنه فَعَلَ قدرَ ما يقدرُ عليه؟ أو نقولُ: ليس بتائبٍ؛ لأنه لم يُقْلِعْ؛ لأن شَرَّ فِعْلِهِ باقٍ مُتَمَادٍ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها؟ ومن هذا المعنى: إذا غَصَبَ الرجلُ أرضًا نحو عشرين كيلاً مُرَبَّعًا، ثم نَدِمَ على الغصبِ وأرادَ أن يخرجَ منها، لو أَدْرَكَهُ الموتُ وهو ماشٍ خَارِجًا منها، هل نقولُ: ماتَ تَائِبًا؛ لأنه فَعَلَ قَدْرَ ما يستطيعُ؟ أو نقولُ: لم يَمُتْ تائبًا؛ لأنه أَخَذَ الأرضَ بغيرِ وجهٍ شَرْعِيٍّ، وماتَ وجرمُه باقٍ فيها: سَالِبٌ أَرْضًا لغيرِه؟ وكذلك الإنسانُ، إذا رَمَى إنسانًا بسهمٍ من بعيدٍ، فَلَمَّا فارقَ السهمُ الرميةَ تابَ وأقلعَ قبلَ أن يصيبَ السهمُ الْمَرْمِيَّ، فلو فَرَضْنَا أن هذا الإنسانَ عندما رَمَى السهمَ، والسهمُ في الهواءِ، وأقلعَ وتابَ إلى اللَّهِ توبةً نصوحًا، فأخذه أحدٌ وَقَطَعَ رأسَه قبلَ أن يصلَ السهمُ إلى المرمي، فنقول: هل ماتَ تائبًا؛ لأنه فَعَلَ ¬
قدرَ ما يَقْدِرُ عليه؟ أو نقول: لم يَتُبْ؛ لأنه لم يُقْلِعْ؛ لأن شَرَّ فِعْلِهِ بَاقٍ مُتَمَادٍ؟ ولهذا نظائرُ كثيرةٌ. للعلماءِ في هذا الأخيرِ وَجْهَانِ، كما هو مقررٌ في الأصولِ، وأظهرُ القولين وَأَجْرَاهُمَا على قواعدِ الشرعِ: أنه تائبٌ، وأن توبتَه كاملةٌ؛ لأنه فَعَلَ قَدْرَ طاقتِه، وما عَجَزَ عنه فهو مَعْفُوٌّ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (¬1). والله يقولُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: آية 16] هذا هو الظاهرُ. وهذا معنَى قولِه: {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} إصلاحُه لعملِه يأتي بثلاثةِ أشياء (¬2)، إذا تَحَصَّلَتْ هذه الأشياءُ كان عَمَلُهُ صالحًا، وإذا اختلتْ أو واحدٌ منها كان العملُ غيرَ صالحٍ. أولُها: أن يكونَ عملُه مطابقًا لِمَا جاءَ به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن اللَّهَ مَلِكٌ لا يقبلُ أن يُتَقَرَّبَ إليه إلا تَقَرُّبًا مُطَابِقًا لِمَا شَرَعَ، وَاللَّهُ يقولُ: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: آية 21] ويقولُ اللَّهُ جل وعلا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: آية 7] {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: آية 80] {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} الآية [آل عمران: آية 31] هذا هو الأولُ من الثلاثةِ. ¬
الثَّانِي: أن يكونَ العبدُ الذي جاءَ بذلك العملِ - مطابقًا لِمَا جَاءَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أن يكونَ - فيما بينَه وبينَ اللَّهِ - في نيتِه التى لا يَطَّلِعُ عليها إلا اللَّهُ. أن يكونَ مُخْلِصًا لِلَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: آية 5] ويقولُ: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: آية 11] فَمَنْ عَبَدَ بغيرِ إخلاصٍ جاءَ بما لم يُؤْمَرْ به؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: آية 5]. الثالثُ: من هذه الأمورِ الثلاثةِ: أن يكونَ ذلك العملُ - الذي وقعَ بإخلاصٍ مُطَابِقًا للشرعِ - أن يكونَ مَبْنِيًّا على أساسِ التوحيدِ والإيمانِ الصحيحِ والعقيدةِ الصحيحةِ؛ لأن العقيدةَ كالأساسِ، والعملَ كالسقفِ، فإذا وَجَدَ السقفُ أساسًا ثَبَتَ عليه، وإن لم يَجِدْ أساسًا انْهَارَ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: آية 124] فجعلَ الإيمانَ قَيْدًا في ذلك العملِ، وَبَيَّنَ مفهومَ قولِه: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أن العاملَ لو كان غيرَ مؤمنٍ فعملُه لا فائدةَ فيه، كما قال في أعمالِ غيرِ المؤمنين: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان: آية 23] {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} [إبراهيم: آية 18] {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} [النور: آية 39] وقولُه جل وعلا: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: آية 16] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ، وهذا معنَى قولِه: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: آية 54] على قراءةِ: {فَإِنَّهُ غفور رحيم} (¬1) فالهمزةُ مكسورةٌ للاستئنافِ. ¬
وعلى قراءةِ: {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وتقريرُ المعنى: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ} أي: فَلَهُ غفرانُ اللَّهِ (جل وعلا)؛ لأن المصدرَ المنسبكَ من (أن) وصلتَها يُسْبَكُ من لفظٍ باسم المُسْتَقِلَيْنِ فيها، أي: الفعل، فمعنى {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فغفرانُ اللَّهِ، أي: فَلَهُ غفرانُ اللَّهِ ورحمتُه (جل وعلا)، وهذا أظهرُ الْوَجْهَيْنِ، واختارَه سيبويه، خلافًا لمن قَدَّرَهُ مبتدأً لخبرٍ محذوفٍ؛ لأن حذفَ المبتدأِ أكثرُ من حذفِ الخبرِ. وَغَلِطَ مَنْ قال: إنه معطوفٌ على (أنه) الأُولَى؛ لأن العطفَ لا يصحُّ هنا؛ لأن بينهما أداةَ شرطٍ، ولو قلنا إن (مَنْ) مَوْصُولَةٌ، وجعلناه معطوفًا، لم يَبْقَ هنالك خبرٌ للمبتدأِ الذي هو (مَنْ)، فكونُه عطفًا على (أن) الأُولَى لا يصحُّ، وإن غَلِطَ فيه جماعةٌ (¬1). ومعنى قولِه: {غَفُورٌ} أي: كثيرُ المغفرةِ لعبادِه {رَّحِيمٌ} يرحمُ عبادَه (جل وعلا)، والرحيمُ: مختصٌّ بالمؤمنين في الآخرةِ، كما بَيَّنَّاهُ في البسملةِ (¬2)، وكما قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: آية 43]. {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: آية 55] في هذا الحرفِ ثلاثُ قراءاتٍ سبعياتٍ (¬3): قرأه مِنَ القراءِ نافعٌ وحدَه: {ولِتَسْتَبينَ سبيلَ المجرمين} بالتاءِ في {وَلِتَسْتَبِينَ} ¬
ونَصْبِ (سبيلَ المجرمين)، وعلى هذه القراءةِ فـ {وَلِتَسْتَبِينَ} تَاؤُهُ تاءُ خطابٍ والفاعلُ محذوفٌ لُزُومًا، تقديرُه: أنتَ. وعليه فالمعنى: ولتستبينَ أنتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ سبيلَ المجرمين. وقرأه حمزةُ والكسائيُّ وشعبةُ عن عاصمٍ: {وليستبينَ سبيلُ المجرمين} بالياءِ وَضَمِّ (السبيلُ)، على أن (السبيلَ) مذكرٌ {وليستبينَ سبيلُ المجرمين} و (السبيلُ) يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (¬1)، وتذكيرُه لغةُ التميميين وغيرِهم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ. وعلى لغةِ التذكيرِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ وشعبةَ عن عاصمٍ في قولِه هنا: {وليستبينَ سبيلُ المجرمين} أي: يظهرُ ويتضحُ طريقُ المجرمين. ومن تذكيرِ (السبيلِ) قولُه في الأعرافِ: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} [الأعراف: آية 146] بتذكيرِ (السبيلِ). وقرأ باقِي السبعةِ وَهُمْ: ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصمٍ، قرأ هؤلاء: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} بالتاءِ في (تستبين) ورفعِ (السبيلُ)، على أن {سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} فاعلُ (تستبين) وَأَنَّ (السبيل) مؤنثةٌ، وتأنيثُ (السبيل) كهذه القراءةِ كقولِه في سورةِ يوسفَ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: آية 108] ولم يَقُلْ: هذا سبيلي. فَتَحَصَّلَ أن قراءةَ التاءِ: {وَلِتَسْتَبِينَ} رَفَعَ بعدَها - غيرَ نافعٍ - (السبيل) فقالوا: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} أي: لتظهرَ وتتضحَ طريقُ الْمُجْرِمِينَ. والتاءُ في قراءةِ هؤلاء: هي تاءُ المؤنثةِ، كما ¬
تقولُ: «تَسْتَبِينُ هِنْد وتقوم فلانةُ». و «تستبين السبيلُ» على أنها مؤنثةٌ. أما على قراءةِ نافعٍ: فالتاءُ في (تستبين) تاءُ خطابٍ ليست تاءَ تأنيثٍ، والفاعلُ غيرُ (السبيل) مضمرٌ، أي: ولتستبين أنتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ سبيلَ المجرمين. و (اسْتَبَانَ) تأتي لازمةً ومتعديةً (¬1)، (اسْتَبَانَ) و (أَبَانَ) و (تَبَيَّنَ) هذه الأفعالُ الثلاثةُ من المزيدِ من (بَانَ) تأتي في لغةِ العربِ لازمةً ومتعديةً، أما (اسْتَبَانَ) فقد جاءت لازمةً على قراءةِ الجمهورِ، مَنْ قَرَؤُوا: {وليستبينَ سبيلُ المجرمين} ومَنْ قرؤوا {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} على قراءتِهم كلهم فـ (تستبين) هنا لازمةٌ، و (سبيل المجرمين) فاعلٌ، ولا مفعولَ للفعلِ، أما على قراءةِ نافعٍ: ففعلُ الاستبانةِ هنا مُتَعَدٍّ إلى المفعولِ؛ لأن المعنَى: ولتستبينَ أَنْتَ سبيلَ الْمُجْرِمِينَ، أي: تَتَبَيَّنَهَا وتعرفَها. فهاتانِ القراءتانِ فيهما مثالٌ للزومِ (استبان) وَلِتَعَدِّيهَا. ونحو (اسْتَبَانَ): (أَبَانَ) و (بَيَّن) فالعربُ أيضا تستعملُ (أبان) لازمةً، تقول: «أبانَ هذا الأمرُ وَاتَّضَحَ». بمعنى: ظَهَرَ. وتستعملها متعديةً للمفعولِ، تقولُ: «أبانَ زيدٌ كَلاَمَهُ، وأبانَ اللَّهُ الأمرَ الفلانيَّ». كما هو معروفٌ، ومن إتيانِ (أبان) لازمةً: يَكْثُرُ في القرآنِ اسمُ فاعلِها {كِتَابٍ مُّبِينٍ} [المائدة: آية 59] و (الكتابُ المبينُ) هو مِنْ (أَبَانَ) اللازمةِ. ومن إتيانِ فاعلِ (أبان) اللازمةِ: قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ في بَانَتْ سُعَادُ (¬2): ¬
قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ (مبين): اسمُ فاعلِ (أبانَ) اللازمةِ، بمعنى: بَيِّنٌ ظَاهِرٌ. ومن إتيانِ (أبان) لازمةً: قولُ عمرَ بنِ أَبِي ربيعةَ المخزوميِّ (¬1): لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي ... جِلْدِهَا لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ يعني: لَظَهَرَ مِنْ آثارِ النملِ حُدُورٌ، أي: ورمٌ. و (أبان) لازمةٌ، وفاعلُها: الحدورُ، ولا مفعولَ لها، ومنه قولُ جريرٍ (¬2): إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ (¬3) مِنَ الْعِرَابِ (¬4) أي: ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ المقرفات من العِرابِ، وكذلك (بَيَّنَ) تأتي لازمةً في كلامِ العربِ، ومنه المثلُ: (قد بَيَّنَ الصبحُ لذي عينين) (¬5) معناه: بَيَّنَ الصبحُ، أي: بَانَ وظهرَ وَتَبَيَّنَ. ومنه بهذا المعنى قولُ قيسِ بنِ ذُريحٍ في روايةِ الجمهورِ (¬6): وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ تَبَيَّنُ بِالْفَتَى ... شُحُوبٌ وَتَعْرَى مِنْ يَدَيْهِ الأَصَابِعُ (¬7) فروايةُ الجمهورِ فيمن رَوَى بيتَ ابنِ ذُريحٍ هذا يَرْوِيهِ: ¬
(شُحوبٌ) بالضمِّ، والمعنى: وللحبِّ آياتٌ تَبَيَّنُ بالفتِى، أي: تَظْهَرُ وتلوحُ بالفتَى. ما هذه الآياتُ؟ شحوبٌ وَتَعْرَى من يديه الأصابعُ. وَرَوَى بيتَ ابنِ ذريحٍ هذا ثعلبٌ، رواه ثعلبٌ: وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ تُبَيِّنُ بِالْفَتَى شُحُوبًا ................ بالنصبِ (¬1) وعلى هذه الروايةِ فلا شاهدَ في البيتِ. ومن إتيانِ (بَيَّنَ) لازمةً قولُ جريرٍ (¬2): رَأَى النَّاسُ الْبَصِيرَةَ فَاسْتَقَامُوا وَبيَّنَتِ الْمِرَاضُ مِنَ الصِّحَاحِ يعني: ظَهَرَتْ وَتَبَيَّنَتْ. وقولُه يهجو الفرزدقَ (¬3): وُجُوهُ مُجَاشِعٍ طُلِيَتْ بِلُؤْمٍ ... يُبَيِّنُ فِي الْمُقَلَّدِ وَالْعِذَارِ ومعنى الآيةِ الكريمةِ: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ} وكذلك التفصيلُ الذي فَصَّلْنَا لكَ فيه آياتِ هذه السورةِ الكريمةِ مِمَّا كُنَّا نُفَصِّلُ، كذلك التفصيلَ والبيانَ الواضحَ نُفَصِّلُ آياتِ القرآنِ في كُلِّ ما يحتاجُ إليه الخلقُ من أمورِ دينِهم وَفِي كُلِّ إبطالِ المقالاتِ الباطلةِ التي يأتي بها الخصومُ: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: آية 33]. وقولُه: {وَلِتَسْتَبِينَ} - على قراءةِ الجمهورِ من (اسْتَبَانَ) اللازمةِ - معناه: ولتظهرَ طريقُ المجرمين. و (المجرمون) جمعُ (المجرمِ)، و (المجرمُ): اسمُ فاعلِ (الإجرامِ)، و (الإجرامُ): ارتكابُ الجريمةِ، و (الجريمةُ): الذنبُ العظيمُ الذي يستحقُّ صاحبُه ¬
النكالَ، تُسْتَعْمَلُ مادتُه رباعيةً وثلاثيةً، تقولُ: «أَجْرَمَ»، كقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} [المطففين: آية 29] وتقول: «جَرَمَ الذَّنْبُ، فَهُوَ جَارِمٌ» ففاعلُ الثلاثيةِ: (جارم) على القياسِ، وفاعلُ الرباعيةِ (مجرمٌ) على القياسِ، ومن إطلاقِه ثلاثيًّا قولً الشاعرِ (¬1): ونَنْصُرُ مَوْلاَنَا وَنَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا النَّاسِ مَجْرومٌ عَلَيْهِ وَجَارِمُ لأن (المجرومَ) و (الجارمَ) اسمُ مفعولٍ، واسمُ فاعلٍ لجرم الثلاثيةِ إذا ارتكبَ الجريمةَ (¬2). وقولُه هنا: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} أي: ولتظهر طريقُ المجرمين، وعلى قراءةِ نافعٍ: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ} لتستبينَ يا نَبِيَّ اللَّهِ طريقَ المجرمين وَتَتَبَيَّنَهَا وتعلمها. والنبيُّ وإن كان عَالِمًا بسبيلِ المجرمين فإنه يُشَرَّعُ على لسانِه لأُمَّتِهِ، فَيُخَاطَبُ ليشرعَ على لسانِه لأُمَّتِهِ كما بَيَّنَّا (¬3). وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالانِ معروفانِ: أحدُهما: في الواوِ، واوِ {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} علامَ عُطِفَ، وَبِمَ يَتَعَلَّقُ (¬4)؟ الثاني: لِمَ خَصَّ سبيلَ المجرمين، ولم يَذْكُرْ سبيلَ المؤمنين (¬5)؟ ¬
الجوابُ عن الأولِ: أن الواوَ في قولِه: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} تتعلقُ بمحذوفٍ، واختلفوا في تقديرِه، قال بعضُهم: هو مُقَدَّرٌ بعدَها، وتقريرُ المعنى: ولأَجْلِ أن تستبينَ سبيلُ المجرمين فَصَّلْنَا لكَ هذا التفصيلَ. أي: ولأَجْلِ استبانتِها فَصَّلْنَا. وقال بعضُ العلماءِ: هو معطوفٌ على عِلَّةٍ محذوفةٍ، فدل المقامُ عليه: وكذلك نفصلُ الآياتِ لنبينَ لكم، ولتستبينَ سبيلُ المجرمين. أما الجوابُ عن السؤالِ الثاني: وهو لِمَ خَصَّ سبيلَ المجرمين؟ فللعلماءِ عَنْهُ جَوَابَانِ: أحدُهما: أن سبيلَ المجرمين إذا عُرِفَتْ عُرِفَتْ منها سبيلُ المسلمين؛ لأن الأشياءَ تُعْرَفُ بأضدادِها، وإذا عَرَفَ الإنسانُ الشرَّ عرفَ أن مُقَابِلَهُ هو الخيرُ، وكان حذيفةُ بنُ اليمانِ (رضي الله عنه) - كما ثَبَتَ عنه في الصحيحين - يسألُ عن الشرِّ لِيَعْرِفَهُ، ومعرفةُ الشرِّ على هذا طَيِّبَةٌ يعلمُها الناسُ لِيَتَجَنَّبُوهَا ويعلموا أن ما سواها هو الخيرُ، كما ثَبَتَ في الصحيحين عن حذيفةَ (رضي الله عنه): كان الناسُ يسألون رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشرِّ مخافةَ أن يُدْرِكَنِي (¬1). قال بعضُ العلماءِ: في الآيةِ هنا حذفُ الواوِ وما عَطَفَتْ، أي: ¬
لتستبينَ سبيلُ المجرمين وسبيلُ المؤمنين. قالوا: ومنه: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: آية 81] أي: والبردَ {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ} [الأنعام: آية 13] أي: [وما تَحَرَّكَ] (¬1)، وحَذْفُ الواوِ وما عَطَفَتْ إن دَلَّ المقامُ عليه معروفٌ في كلامِ العربِ، وإليه أشارَ ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقولِه (¬2): وَالْفَاءُ قَدْ تُحْذَفُ مَعْ مَا عَطَفَتْ وَالْوَاوُ إِذْ لاَ لَبْسَ ..... يعني: وكذلك الواوُ تُحْذَفُ مع ما عَطَفَتْ كالفاءِ إن لم يَكُنْ هنالك لَبْسٌ. {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام: الآيات 56 - 59]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: آية 56]. ¬
كان الكفارُ يقولونَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: اعْبُدْ معنا آلِهَتَنَا مرةً، ونعبدُ معكَ إلهكَ مرةً أُخْرَى!! فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أن يقولَ لهم: إنه لا يعبدُ ما يَدَّعُونَ من دونِ اللَّهِ، قُلْ لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: {إِنِّي نُهِيتُ} أي: نَهَانِي رَبِّي {أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} والمعنَى: نَهَانِي أن أعبدَ الأصنامَ التي تعبدونَها من دونِ اللَّهِ، والمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها في قولِه: {أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} مجرورٌ بحرفٍ محذوفٍ؛ لأن (نهى) تَتَعَدَّى بـ (عن) تقولُ: «نَهَانِي رَبِّي عن كذا». كما تقدمَ في قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: آية 26] لأن (نَهَى) تتعدى بـ (عن)، والمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها يَطَّردُ جَرُّهُ بحرفِ الجرِّ المحذوفِ، كما هو معروفٌ (¬1)، وتقريرُ المعنى: نَهَانِي رَبِّي عن أن أعبدَ الذين. وسَبْكُ المصدرِ: نَهَانِي رَبِّي عن عبادةِ الذين تدعونَ من دونِ اللَّهِ، وهذا نَهْيٌ عظيمٌ، ومعلومٌ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يعبدُ شيئًا من دُونِ اللَّهِ؛ إلا أن اللَّهَ يأمرُه وينهاهُ لِيُشَرِّعَ على لسانِه لأُمَّتِهِ. إذا عَرَفْتُمْ أن المصدرَ المنسبكَ من (أن) وصلتِها في قولِه: {أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ} مجرورٌ بـ (عن) محذوفةٍ، فَاعْلَمُوا أن علماءَ العربيةِ مختلفونَ في المصدرِ المنسبكِ من (أن) وصلتِها المجرورِ بحرفٍ محذوفٍ، هل مَحَلُّهُ الجرُّ أو محلُّه النصبُ (¬2)؟ وفائدةُ هذا الخلافِ تظهرُ فيما لو عَطَفْتَ عليه اسمًا خَالِصًا، فعلى أن محلَّه النصبَ يُنْصَبُ المعطوفُ بعدَه، وعلى أن محلَّه الخفضَ يُخْفَضُ المعطوفُ عليه، وكبراءُ النحويين - منهم الخليلُ والكسائيُّ فمن حاذاهم - يقولون: ¬
إن مَحَلَّهُ النصبُ، وخالفَهم في هذا الأخفشُ الصغيرُ - عَلِيُّ بنُ سليمانَ النحويُّ المشهورُ - قال: مَحَلُّهُ الخفضُ؛ لأنه مخفوضٌ بالحرفِ المحذوفِ. قال: والدليلُ على ذلك أَنَّا وَجَدْنَا في كلامِ العربِ الفصحاءِ خفضَ المعطوفِ عليه، كقولِ الشاعرِ (¬1): وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ فالروايةُ: «ولا دَيْنٍ» بالخفضِ وهو معطوفٌ على مصدرٍ مُنْسَبِكٍ من (أن) وصلتِها، مجرورٌ بحرفٍ محذوفٍ، وهو: «أن تكونَ» في قولِه: «وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً» أي: لكونِها حبيبةً، ولا لِدَيْنٍ. وقد أَجَازَ سيبويه الوجهين، واحتجَّ جماهيرُ النحويين عن هذا البيتِ - الذي أنشده الأخفشُ مُدَّعِيًا به أن المصدرَ المنسبكَ من «أن» وصلتِها المجرورَ بحرفٍ محذوفٍ، أن محلَّه الخفضُ - أجابوا عن ذلك: بأن محلَّه النصبُ، وأن خفضَ «ولاَ دَيْنٍ» - بالجرِّ - أنه من نوعِ العطفِ المعروفِ بعطفِ التوهمِ، وعطفُ التوهمِ معروفٌ عند النحويين، وهو أن تكونَ الكلمةُ منصوبةً أو مرفوعةً، إلا أنها يجوزُ فيها أن تُجَرَّ فيتوهمون أنها مجرورةٌ، يتوهمون الوقوعَ من مطلقِ الجوازِ، ويعطفون عليها بالجرِّ، ومنه قولُ زهيرٍ وهو عربيٌّ قُحٌّ جَاهِلِيٌّ (¬2): بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى وَلاَ سَابِقٍ شَيْئًا إِذَا كَانَ جَائِيَا فإن الروايةَ بنصبِ (مُدْرِكَ)، وخفضِ (سابقٍ)؛ لأن «لستُ مُدْرِكَ مَا مَضَى» يجوزُ جرُّه بالباءِ؛ لأن خبرَ ليس يجوزُ جرُّه بالباءِ، ¬
فَتَوَهَّمُوا أنها مجرورةٌ من جوازِ دخولِ الباءِ عليها، فَعُطِفَ عليها بالجرِّ، ونظيرُه قولُ الآخَرِ (¬1): مَشَائيِمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً وَلاَ نَاعِبٍ إِلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا فعطفَ (ناعب) بالجرِّ على (مصلحين) وهو منصوبٌ لِتَوَهُّمِ دخولِ الباءِ. وقولُه جل وعلا: {نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ} أي: نَهَانِي رَبِّي عن عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ والمعبوداتِ التي تَعْبُدُونَهَا من دونِ اللَّهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ لنبيه في هذا المنوالِ: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي بَلِ اللَّهَ وحدَه {فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: الآيتان 65، 66]. هذا معنى قولِه: {إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ} أي: تعبدونَ من دونِ الله (جل وعلا) من جميعِ أنواعِ العباداتِ، قُلْ لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: {لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} الأهواءُ: جمعُ (هَوًى)، بِفَتْحَتَيْنِ، و (الهوى): مَيْلُ النفسِ، وأكثرُ ما يُطْلَقُ في الشرعِ: إلى مَيْلِهَا إلى ما [لا] (¬2) ينبغي (¬3). و (الهوى): هو مَيْلُ النفسِ إلى ما لا ينبغي هنا. فـ {أَهْوَاءَكُمْ} يعني: مهوياتكم التي تميلُ إليها نفوسُكم باتباعِ الهوى والباطلِ، كما قال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: ¬
آية 23] وهمزةُ (الأهواءِ) مُبْدَلَةٌ من (ياءٍ)، على القياسِ المعروفِ: أن كُلَّ واوٍ أو ياءٍ تَطَرَّفَتْ بعد ألفٍ زائدةٍ وَجَبَ إبدالُها همزةً. وأصلُ الهوى: (هَوَيٌ) بفتحتين (¬1). والمادةُ مما يُسَمِّيهِ علماءُ الصرفِ: اللفيفَ المقرونَ (¬2). عينها واو، ولامها ياء، قُلِبَتِ الياءُ في محلِّ اللامِ أَلِفًا، فقيل لها: «هوى» وَأُبْدِلَتْ عند التكسيرِ همزةً، كما هو معروفٌ في فَنِّ الصرفِ (¬3)، والمعنى: لا أَتَّبِعُ أهواءَكم الباطلةَ في عبادةِ الأصنامِ والإشراكِ بِاللَّهِ (جل وعلا)؛ لأني لا أَتَّبِعُ الهوى، ولا أتبعُ إلا الحقَّ، كما يأتي في كونِه على بينةٍ مِنْ رَبِّهِ. وهذا من جملةِ ما أَمَرَهُ رَبُّهُ أن يقولَ. {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} قُرِئَ بإدغامِ الدالِ في الضادِ {قَد ضَّللتُ إِذًا} وقرأه بعضُ السبعةِ بالإظهارِ (¬4) {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا}. {إِذًا} معناه: إِنِ اتَّبَعْتُ أهواءَكم فقد ضَلَلْتُ ولم أكن من المهتدين. والمعنى: لا أَضِلُّ، ولا أخرجُ عن طريقِ الْهُدَى، ولا أتبعُ أهواءَكم أبدًا. وهذه الآيةُ تدلُّ على أن مَنِ اتَّبَعَ هواه بغيرِ علمٍ ولا دليلٍ أنه ضَالٌّ، وأنه ليس من المهتدين. ¬
[6/أ] / {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: آية 57]. {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نِبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أن يقولَ للكفارِ: إنه لا يعبدُ معبوداتِهم، ولا يتبعُ أهواءَهم، وأنه لو فَعَلَ ذلك كان ضَالاًّ غيرَ مُهْتَدٍ، أَمَرَهُ أن يقولَ لهم: إنه على بينةٍ من أَمْرِهِ {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ} البينةُ: هي البيانُ والدليلُ القاطعُ، الذي لا يتركُ في الحقِّ لَبْسًا (¬1). وأصلُه صفةٌ مشبهةٌ من (بَانَ يَبِينُ)، إذا ظَهَرَ، فهو (بَيِّنٌ). وإنما أُنِّثَتِ (البينةُ) لأنها كأنها تُضَمَّنُ معنَى الحجةِ الواضحةِ التي يُعَضِّدُهَا الدليلُ القاطعُ، الذي لا يتركُ في الحقِّ لَبْسًا {عَلَى بَيِّنَةٍ} أي: بيانٍ وبرهانٍ وعلمٍ ويقينٍ من رَبِّي، وليس لِي في الحقِّ شكٌّ معه، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، كُلُّ أَمْرٍ واضح لا يتركُ في الحقِّ لَبْسًا يسمونه: (بينةً)؛ ولأجلِ هذا أُطْلِقَتِ (البيناتُ) على معجزاتِ الرسلِ {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} [الأعراف: آية 101] أي: بالمعجزاتِ؛ لأنها لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬2): أَبَيِّنَةٌ تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ... وَقَوْلِ سُوَيْدٍ: قَدْ كَفَيْتُكُمُ بِشْرَا يعني: هذا أمرٌ واضحٌ في البيانِ، لا يُحْتَاجُ معه إلى ما يُبَيِّنُ الحقيقةَ. ¬
وقولُه: {وَكَذَّبْتُم بِهِ} ذَكَّرَ الضميرَ مع أن (البينةَ) مؤنثةٌ لفظًا نظرًا إلى المعنى؛ لأن (البينةَ) معناها البيانُ والبرهانُ واليقينُ {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي: ذلك البرهانُ واليقينُ الذي أنا عليه، الْمُعَبَّرُ عنه بالبينةِ، وهذا هو الظاهرُ، خلافًا لمن قال: إن الضميرَ عائدٌ إلى الله، أي: كَذَّبْتُمْ بِاللَّهِ (جل وعلا) أنه المعبودُ وحدَه جل وعلا (¬1). {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} كان الكفارُ يقولون للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: هذا الذي تُهَدِّدُنَا به من عذابِ اللَّهِ، إن كنتَ صادقًا، إن كنتَ نَبِيًّا فَعَجِّلْهُ علينا الآنَ (¬2). كما بَيَّنَ اللَّهُ ذلك عنهم في آياتٍ من كتابِه، كقولِه: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: آية 16] والقِطُّ في لغةِ العربِ: أصلُه كتابُ الجائزةِ الذي يكتبُه الْمَلِكُ (¬3). فالملكُ إذا أرادَ أن يُجِيزَ الوفودَ كَتَبَ لِكُلِّ رئيسٍ جائزةً معينةً في صَكٍّ، وذلك الصكُّ يُسَمَّى: (القِط). وعليه فقولُهم: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} معناه: عَجِّلْ لنا نصيبَنا من مَلِكِ السماواتِ والأرضِ الذي تقولُ إنه نصيبُنا منه، وهو العذابُ في الدنيا والآخرةِ، كما قال الشاعرُ، وهو نابغةُ ذبيانَ (¬4): ¬
وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَانُ حِينَ لَقِيتَهُ عَلَى مُلْكِهِ يُعْطِي الْقُطُوطَ وَيَأْفِقُ ومعنى (يَأْفِقُ) أي: يُفَضِّلُ في العطاءِ بعضَهم على بعضٍ {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: آية 32] {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} [هود: آية 8] أَيُّ شيء يحبسُ العذابَ ويؤخرُه، ولِمَ لا تُعَجِّلُهُ؟ وَاللَّهُ يقولُ: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [العنكبوت: آية 45] {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} [الشورى: آية 18] ونحو ذلك من الآياتِ الدالةِ على استعجالِهم العذابَ (¬1)، وقالوا له: إِنْ كنتَ نَبِيًّا حَقًّا فَعَجِّلْ لنا العذابَ الذي تُهَدِّدُنَا به، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أن يقولَ لهم: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} (ما) وهو الاسمُ المبهمُ الموصولُ واقعةٌ على العذابِ، والمعنَى: ليس بِيَدِي العذابُ الذي تطلبونَ استعجالَه عليكم {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} [ص: آية 16] لَيْسَ بِيَدِي، وإنما هو بِيَدِ اللَّهِ. {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} قرأ هذا الحرفَ قارئُ أهلِ المدينةِ، وقارئُ أهلِ مكةَ - أعني: نافعًا وابنَ كثيرٍ - وقرأ معهما عاصمٌ من الكوفيين، هؤلاء الثلاثةُ من القراءِ السبعةِ - أعني: نافعاً وابنَ كثيرٍ وعاصمًا - قرؤوا: {يَقُصُّ الْحَقَّ} بِضَمِّ القافِ، وصادٍ مهملةٍ مضمومةٍ. وقرأ باقي السبعةِ - وهم: أبو عمرو وابنُ عامرٍ وحمزةُ والكسائيُّ - قرؤوا: {يقْضِ الحق} بسكونِ القافِ والضادِ المكسورةِ (¬2). ¬
وعلى قراءةِ الحَرَمِيَّيْنِ وعاصمٍ - أعني: نافعًا وابنَ كثيرٍ، وعاصم - فمعنَى: {يَقُصُّ الْحَقَّ} أي: يَتْلُو علينا في كتابِه الحقَّ الواضحَ، الذي لاَ لَبْسَ فيه، كما قالَ تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: آية 3] وعلى هذا فإعرابُ (الحقِّ) واضحٌ؛ لأنها مفعولٌ به لـ (يقص). وأما على قراءةِ البصريِّ والشاميِّ والاثنين من الكوفيين (¬1) {يَقضِ الحق} ففي إعرابِ (الحقِّ) إشكالٌ، وبِمَ نُصِبَتْ؟ وفي إعرابِه للعلماءِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ: أحدُها: أنه نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: ما نابَ عن المطلقِ. والمعنى: يَقْضِي القضاءَ الْحَقَّ، الذي لا جَوْرَ فيه ولا حَيْفَ. الثاني: أنه منصوبٌ بنزعِ الخافضِ. أي: يقضي بالحقِّ، فَحُذِفَ حرفُ الجرِّ فَنُصِبَ الاسمُ. ومما يدلُّ على هذا قولُه: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} [غافر: آية 20]. الوجهُ الثالثُ: أن (يقضي) معناه: يصنعُ. أي: يصنعُ الحقَّ؛ لأن كُلَّ أعمالِه التي يَعْمَلُهَا، من تشريعٍ وإثابةٍ وعقابٍ كُلُّهُ حقٌّ واقعٌ موقعَه منه (جل وعلا). والعربُ تُطْلِقُ (القضاءَ) وتريدُ (الصُّنْعَ) وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ (¬2)، ومنه قولُ أبي ذؤيبٍ ¬
الْهُذَلِيِّ (¬1): وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ قضاهما: يعني صَنَعَهُمَا. وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} (إن) هي النافيةُ، والألفُ واللامُ في (الحكمِ) هي للاستغراقِ، والعبرةُ بعمومِ الألفاظِ لا بخصوصِ الأسبابِ (¬2)؛ لأن سببَ نزولِ الآيةِ في الحكمِ الكونيِّ القدريِّ، حيث قالوا له: عَجِّلْ لنا العذابَ، وَأَنْزِلْ علينا الآياتِ. فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أن ذلك الحكمَ الكونيَّ القدريَّ من تعجيلِ العذابِ وإنزالِ الآياتِ إنما هو لِلَّهِ وَحْدَهُ، هو الذي بيدِه ذلك، وعمومُ الآيةِ يقتضي أن الحكمَ من حيث هو: هو لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه، كذلك الحكمُ الشرعيُّ له وحدَه. ويدلُّ على دخولُ الحكمِ الشرعيِّ: أنه قَالَ في الآيةِ: {وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} لأن (الفاصلين) جمعُ (الفاصلِ)، وهو الذي يَفْصِلُ الخصومَ، وينصف بينها، وَيُحَقِّقُ الحقَّ بينها. ولا شَكَّ أن الحكمَ من حيث هو حكمٌ سواء كان شَرْعِيًّا أو قَدَرِيًّا فإنه لِلَّهِ وَحْدَهُ، فالأحكامُ القدريةُ له، لا يقعُ تحريكٌ ولا تسكينٌ، ولا خيرٌ ولا شَرٌّ، ولا شيءٌ كائنٌ ما كان إلا بِحُكْمِهِ (جل وعلا) وقدرتِه ومشيئتِه. وكذلك الأحكامُ الشرعيةُ لا تشريعَ لأحدٍ ولا تحليلَ لأحدٍ إلا لَهُ (جل وعلا) وحدَه، فالحلالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ؛ لأنه من المعلومِ أنه لا تشريعَ إلا للسلطةِ العليا، ¬
والسلطةُ الحاكمةُ على السماواتِ والأرضِ هي التي لَهَا الأمرُ والنهيُ والتشريعُ. فالتشريعُ لِرَبِّ العالمين {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: آية 12] {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [الأنعام: آية 57] {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: آية 26] فالحاكمُ هو اللَّهُ، والتشريعُ تشريعُ اللَّهِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُبَلِّغٌ عن اللَّهِ شَرْعَهُ لخلقِه، والمشرعُ هو الخالقُ جل وعلا. وَيُفْهَمُ من هذا أن مَنْ زَيَّنَ لَهُ الشيطانُ أن يكونَ مُشرِّعًا يُحَلِّلُ وَيُحَرِّمُ، ويضعُ النُّظُمَ والقوانين لِيُحَكِّمَهَا في دماءِ الناسِ وأموالِ الناسِ وأعراضِهم وعقولِهم: أن هذا متمردٌ على نظامِ السماءِ، يُحَاوِلُ أن يجعلَ لنفسِه خصوصيةَ خالقِ السماواتِ والأرضِ، عُتُوًّا وَتَمَرُّدًا على اللَّهِ، فهو كافرٌ، وقد دَلَّ القرآنُ العظيمُ في آياتٍ كثيرةٍ أن مَنْ يَتَّبِعُ نُظُمًا وقوانين وضعيةً شَرَّعَهَا الشيطانُ على ألسنةِ أوليائِه مُدَّعِيًا أن تشريعَ خالقِ السماواتِ والأرضِ لا يصلحُ لتنظيمِ الْعَالَمِ، ولا يُسَايِرُ التطورَ، فمن يرى هذا ويرى نظامَ إبليسَ هو الذي يقومُ بمصالحِ البشرِ، ونظامَ خالقِ السماواتِ والأرضِ - الذي خَلَقَ هذا الكونَ وهو أعلمُ بِمَصَالِحِهِ - أنه لاَ يُسَايِرُ التطورَ، ولا يُنَظِّمُ علاقاتِ الدنيا على الوجهِ الذي ينبغي: فهذا لا شَكَّ بين أهلِ العلمِ في أنه كافرٌ كُفْرًا بواحًا مُخْرِجًا عن دينِ الإسلامِ (¬1)، والآياتُ القرآنيةُ الدالةُ على هذا كثيرةٌ جِدًّا، من ذلك ما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا: أن إبليسَ عليه لعنةُ اللَّهِ لَمَّا جاء تلامذتُه وإخوانُه من أهلِ مكةَ، وأرادَ أن يُهَيِّئَ لهم وحيَ الشياطين ليجادلوا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال لهم: سَلُوا مُحَمَّدًا ¬
عن الشاةِ تُصْبِحُ ميتةً، مَنْ هو الذي قَتَلَهَا؟ فَلَمَّا أخبرَهم أن اللَّهَ هو الذي قَتَلَهَا، قالوا له من وحيِ الشيطانِ: ما ذَبَحْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ - يعنونَ المذكاةَ - تقولونَ: حلالٌ وطاهرٌ وطيبٌ مُسْتَلَذٌّ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ - يَعْنُونَ الميتةَ، أن اللَّهَ قَتَلَهَا - تقولونَ: هو حرامٌ ميتةٌ مُسْتَقْذَرٌ فَأَنْتُمْ إذًا أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ!! وأنزلَ اللَّهُ في وَحْيِ الشياطين جوابًا لِنَبِيِّهِ عنه (¬1) قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] يعنِي الميتةَ، وَإِنْ زَعَمَ أولياءُ الشيطانِ أنها ذبيحةُ اللَّهِ، ثم قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: وإن أَكْلَ الميتةِ لَفِسْقٌ، وخروجٌ عن طاعةِ اللَّهِ، ثم قال - وهو مَحَلُّ الشاهدِ - {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وإن أطعتموهم في تحليلِ الميتةِ إنكم لَمُشْرِكُونَ. اعْلَمْ أن تحليلَ الميتةِ وتحريمَها ليس عقيدةً من العقائدِ، ولا أصلاً من الأصولِ، وإنما هو فرعٌ من الفروعِ. مُضْغَةُ لَحْمٍ شَرَّعَ اللَّهُ على لسانِ نَبِيِّهِ تحريمَها؛ لأنها مَاتَتْ ولم يُذْكَرِ عليها اسمُ اللَّهِ، وَشَرَّعَ إبليسُ على لسانِ أوليائِه تَحْلِيلَهَا، فهذا نظامُ إبليسَ، وهو تحليلُ الميتةِ، وهذا نظامُ خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي شَرَعَهُ على لسانِ نَبِيِّهِ. اللَّهُ يقول: هذه مَاتَتْ حتفَ أَنْفِهَا، وَلَمْ تُذَكَّ ولم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ عليها. والشيطانُ يُشَرِّعُ بفلسفتِه ويقولُ: هذه ذبيحةُ اللَّهِ، وما ذبحَ اللَّهُ أطهرُ وَأَحَلُّ مِمَّا ذَبَحْتُمُوهُ بأيدِيكم، وَاللَّهُ يقولُ بالمقارنةِ بينَ تشريعِ الشيطانِ وتشريعِ اللَّهِ: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} إن أطعتموهم في تحليلِ الميتةِ الذي هو تشريعُ إبليسَ، تَارِكِينَ تحليلَ وتشريعَ اللَّهِ ¬
- وهو تحريمُها - إنكم لَمُشْرِكُونَ. وهذه الآيةُ الكريمةُ من سورةِ الأنعامِ هي عندَ علماءِ العربيةِ (¬1) مثالٌ لِحَذْفِ لامِ توطئةِ القسمِ، قالوا: والأصلُ: (ولئن أطعتموهم) فَحُذِفَتِ اللامُ الموطئةُ للقسمِ. قالوا: والقرينةُ على لامِ القسمِ: أنه لو كان الشرطُ وحدَه ليس مَعَهَ قَسَمٌ لاَقْتَرَنَتِ الجملةُ بالفاءِ، لقال: «وإن أطعتموهم فإنكم لمشركون» فَلَمَّا لم تَقْتَرِنْ بالفاءِ عَلِمْنَا أن عدمَ اقترانِها بالفاءِ لأنها جوابُ القسمِ المقدرِ المحذوفةُ لامُه، لقرينةِ عدمِ الفاءِ؛ ولأن الشرطَ إذا جاء معه القسمُ - يكون القسمُ قَبْلَهُ - ويكونُ الجوابُ والقسمُ، وَيُحْذَفُ جوابُ الشرطِ، كما هو معروفٌ في علمِ النحوِ (¬2). وإذا تَقَرَّرَ هذا فقد أقسمَ اللَّهُ - كما قُلْنَا - في هذه الآيةِ الكريمةِ على أَنَّ مَنْ أطاعَ الشيطانَ وَاتَّبَعَ تحليلَه مُخَالِفًا لتشريعِ اللَّهِ أنه مُشْرِكٌ، وهذا الشركُ شركُ ربوبيةٍ؛ لأن التشريعَ، والأمرَ والنهيَ للربِّ الخالقِ، فالشيطانُ أرادَ أن يشاركَ اللَّهَ في السُلطةِ العليا والأمرِ والنهيِ فَمَنِ اتَّبَعَهُ فكأنه جَعَلَهُ رَبًّا، وهذا الشركُ في قولِه: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} هو شركٌ أكبرُ مُخْرِجٌ عن ملةِ الإسلامِ، وَسَيُوَبِّخُ ¬
اللَّهُ مُرْتَكِبَهُ على رؤوسِ الأشهادِ، كما بَيَّنَهُ اللَّهُ في سورةِ يس في قولِه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60] عبادتُهم للشيطانِ التي عَهِدَ اللَّهُ إليهم في دارِ الدنيا النهيَ عنها ليس معناها أنهم يَسْجُدُونَ للشيطانِ، ولا يركعونَ له ولا يصومونَ ولا يُصَلُّونَ له، وإنما هو اتِّبَاعُهُمْ تشاريعَه وَنُظُمَهُ، تَارِكِينَ تشريعَ اللَّهِ ونظامَه؛ وَلِذَا قال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي} وَاتَّبِعُوا تَشْرِيعِي {هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: الآيتان 60، 61] ثم بَيَّنَ (جل وعلا) كثرةَ مَنِ اتَّبَعَ نظامَ الشيطانِ واختارَ تشريعَه ودينَه عن تشريعِ اللَّهِ، وَبَيَّنَ مصيرَهم، قال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: آية 62] أليست عندكم عقولٌ تعلمونَ أن التشريعَ هو تشريعُ اللَّهِ الذي خَلَقَكُمْ فَتَمْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ، وتجتنبوا نواهيَه، وتتركوا تشريعَ الشيطانِ؛ لأن كُلَّهُ كفرٌ وَمَعَاصٍ - والعياذُ بالله - ثم بَيَّنَ مصيرَ مَنْ كان يتبعُ نظامَ الشيطانِ ويتركُ نظامَ اللَّهِ فقال: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: الآيتان 63 - 65] إلى آخِرِ الآياتِ؛ ولأَجْلِ هذا المعنَى قال نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ الخليلُ الذي قال له اللَّهُ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: آية 124] وَشَهِدَ له في قولِه: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: آية 37] وبقولِه له: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: آية 124] قال لأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم: آية 44] عبادتُه للشيطانِ التي يَنْهَاهُ عنها ليست السجودَ له ولا الركوعَ ولا الصيامَ وإنما هي اتباعُ نظامِه من عبادةِ الأصنامِ
ومعاصِي الله (جل وعلا)؛ وَلِذَا قال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا} [النساء: آية 117] يعني: لا يَعْبُدُونَ إلا الشيطانَ؛ لأن اتباعَهم لتشريعِه ونظامِه وتركَهم تشريعَ اللَّهِ ونظامَه هو عبادتُهم له؛ وَلِذَا سَمَّى اللَّهُ (تبارك وتعالى) في هذه السورةِ - سورةِ الأنعامِ - سَمَّى فيها الذين يُطَاعُونَ في معاصِي اللَّهِ، سَمَّاهُمْ (شركاءَ) حيث قال: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: آية 137] فَسَمَّاهُمْ (شركاءَ) لَمَّا زينوا لهم الحرامَ واتبعوهم فيه. وقد صَحَّ عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ (رضي الله عنه) أنه سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن آيةِ التوبةِ - وكان عَدِيٌّ هذا نَصْرَانِيًّا - قال له: يا نَبِيَّ اللَّهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: آية 31] كيف اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا؟ يعني أنهم لم يَسْجُدُوا ولم يَرْكَعُوا لهم ولم يصوموا لهم. قال له - صلى الله عليه وسلم -: «أَلَمْ يُحِلُّوا لَهَمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، فَاتَّبَعُوهُمْ؟» قال: بَلَى. قال: «بِذَلِكَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا» (¬1). ¬
وهو نَصٌّ في أن مَنْ يتبعُ تشريعَ الشيطانِ تاركًا تشريعَ اللَّهِ أنه اتخذَ الشيطانَ رَبًّا، ومعنى هذا واضحٌ؛ لأن الأمرَ والنهيَ والتحليلَ والتحريمَ لا يكونُ إلا للأعظمِ الذي بيدِه كُلُّ شيءٍ، فإذا جَعَلَهُ لغيرِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْطَى منصبَ الربوبيةِ الكاملَ لغيرِ اللَّهِ (جل وعلا)، وَجَعَلَهُ رَبًّا غيرَ اللَّهِ، وَبَيَّنَ اللَّهُ (تعالى) في سورةِ النساءِ أن الذي يريدُ أن يُحَكِّمَ قوانينَ الشيطانِ دونَ نظامِ اللَّهِ ويَدَّعي مع ذلك أنه مؤمنٌ، أن دَعْوَاهُ هذه كاذبةٌ بعيدةٌ، تستحقُّ أن يُتَعَجَّبَ منها، والآية التي بَيَّنَ اللَّهُ بها هذا هي قولُه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: آية 60] والتحاكمُ إلى الطاغوتِ يشملُ كُلَّ تَحَاكُمٍ إلى غيرِ ما أَنْزَلَهُ اللَّهُ، فقولُه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ} صيغةٌ يُعجِّبُ اللَّهُ بها نَبِيَّهُ، يقولُ: {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا} كيف يزعمونَ الإيمانَ، ومع ذا يُرِيدُونَ التحاكمَ للطاغوتِ، فهذا شيءٌ لا يَجْتَمِعُ!! ولذا عَجَّبَ اللَّهُ مِنْهُ نَبِيَّهُ. ثم خَتَمَ الآيةَ بقولِه: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} فالواقعُ أن خالقَ السماواتِ والأرضِ له الحكمُ كُلُّهُ، له الحكمُ الكونيُّ القدريُّ، وله الحكمُ الشرعيُّ، فهو الذي يفعلُ ما يشاءُ، ولا يكونُ خيرًا ولا قَدَرًا إلا ما شاءه (جل وعلا). وكذلك له الحكمُ الشرعيُّ، فهو الذي يَأْمُرُ، وهو الذي يَنْهَى، وهو الذي يُحَلِّلُ، وهو الذي يُحَرِّمُ، فالحلالُ ما أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، فليس لأحدٍ تحليلٌ ولا تحريمٌ، ولاَ شرعُ دينٍ ولا نظامٍ. وقد بَيَّنَّا أن مَنِ ادَّعَى أنه يَمْلِكُ هذه السلطةَ - وهي سلطةُ التشريعِ - أنه جَعَلَ نفسَه له أن يأخذَ حقوقَ اللَّهِ الخالصةَ له؛ لأجلِ ربوبيتِه فيجعلُها لِنَفْسِهِ.
وهذا الذي ذَكَرْنَا - أن اتباعَ نظامِ إبليسَ، وَتَرْكَ نظامِ خالقِ السماواتِ والأرضِ - أنه كُفْرٌ، قد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا أن النظمَ ليست كُلُّهَا على وتيرةٍ واحدةٍ، بل هي نَوْعَانِ: نظامٌ إداريٌّ، ونظامٌ شَرْعِيٌّ. أما النظامُ الإداريُّ الذي لا يخالف نصوص الشرع، بل قد تشهد أصول الشرع للمصلحة فيه، فهذا ليس أحد يقول: إنه كفر، ولا حرام، والصحابة (رضي الله عنهم) جعلوا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أشياء كثيرة من هذا، ولم يقع بينهم فيها خلافٌ، بَيَّنَّا بَعْضَ أمثلتِها، من ذلك أنه في زمنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وزمنِ أبي بكرٍ لم يَكُنِ الْجُنْدُ مكتوبًا في ديوانٍ، فَمَنْ أرادَ أن يتخلفَ قد يتخلفُ ولاَ يُطَّلَعُ على تَخَلُّفِهِ إلا بعدَ زمنٍ؛ ولأَجْلِ ذلك ثَبَتَ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا تَخَلَّفَ عنه - في غزوةِ تبوكَ - كعبُ بنُ مالكٍ (رضي الله عنه) لم يَتَفَقَّدْ كَعْبًا، ولم يسأل عنه حتى وَصَلَ تَبُوكَ (¬1)، ولم يَدْرِ أهو موجودٌ في الجيشِ أو غيرُ موجودٍ فيه؛ لأنهم لم يَكُنْ عندهم ديوانٌ، وكذلك زَمَنَ أبي بكرٍ، فلما كانت الخلافةُ إلى عمرَ كَتَبَ أسماءَ الْجُنْدِ في ديوانٍ، فَدَوَّنَ جميعَ أسماءِ الْمُقَاتِلِينَ في ديوانٍ (¬2)، فصارَ إذا تَخَلَّفَ واحدٌ عُرِفَ مِنْ وقتِه أنه ¬
تَخَلَّفَ، وَعُرِفَ مُقَاتِلَةُ كُلِّ جهةٍ من الجهاتِ، وَجُعِلَ كُلُّ جهةٍ في جهتِهم يَحْمُونَهَا مما يكون إليهم، وَصَارَتْ كُلُّ جهةٍ أهلُها أَهْلُ ديوانٍ، فكتبَ أسماءَ الجندِ في ديوانٍ. هذا نظامٌ عسكريٌّ لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكرٍ، ولكنها مصلحةٌ محضةٌ لا تُخَالِفُ نَصًّا من كتابِ اللَّهِ ولا سنةِ نَبِيِّهِ، فهي مصلحةٌ عَمِلَهَا عمرُ بنُ الخطابِ، ولم يُخَالِفْ أحدٌ من الصحابةِ مع كثرتِهم وَعِلْمِهِمْ. ومن هذا المعنى: أن زمنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وزمنَ أبي بكرٍ لم يكن عندَ المسلمين سجنٌ يقفون فيه الجُناةَ، ولا يسجنونَ فيه، فَلَمَّا كانت الخلافةُ لعمرَ (رضي الله عنه) اشترى دارَ صفوانَ بنِ أميةَ في مكةَ، وَجَعَلَهَا سجنًا يقفُ فيه الناسُ حتى ينظرَ في أمورِهم، وربما سُجِنَ به بعضُ الْمُذْنِبِينَ (¬1). فهذا السجنُ هو مصلحةٌ إداريةٌ لم تَكُنْ في زمنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أبي بكرٍ، والقصدُ مطلقُ التمثيلِ. فهذا النوعُ من ضبطِ الأمورِ وتنظيمِ الإدارةِ بما لا يخالفُ نَصًّا من كتابِ اللَّهِ ولا سنةِ نَبِيِّهِ، فهذا لا نقولُ: إنه كُفْرٌ، ولا نقول: إنه حَرَامٌ. وهو من المصالحِ المرسلةِ التي عَمِلَ بها الصحابةُ، ولم يُخَالِفْ منهم أَحَدٌ، وكان مالكٌ يجعلُ هذا النوعَ أصلاً من أصولِ مَذْهَبِهِ (¬2)، وهو (الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ) قال: لأن الصحابةَ أَجْمَعُوا عليه؛ لأن أفضلَ الصحابةِ بعدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر، عَمِلَ بالمصلحةِ المرسلةِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ - يعني باحتضارِ الوفاةِ، في ذلك الوقتِ ¬
يتوبُ المجرمُ، وينيبُ الظالمُ، أَحْرَى أبو بكر (رضي الله عنه)، فهذا فرعونُ الذي كان يقولُ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: آية 24] لَمَّا عَايَنَ الغرقَ قال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس: آية 90] {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [غافر: آية 84] أَحْرَى أبو بكر في آخِرِ لحظةٍ من حياتِه - عن عائشةَ (رضي الله عنها) قالت: كَتَبَ أبي وصيتَه في سطرين: هذا ما أَوْصَى ابنُ أَبِي قحافةَ: إني استخلفتُ عليكم عمرَ بنَ الخطابِ، فإن يَعْدِلْ فذلكَ ظَنِّي به، وإن يَجُرْ فلاَ أعلمُ الغيبَ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: آية 222] (¬1). لم تَرِدْ آيةٌ في كتابِ اللَّهِ، ولا نَصٌّ من سنةِ رسولِ اللَّهِ لأَبِي بكرٍ أن ينيبَ عمرَ على الناسِ، ولكن رَأَى المصلحةَ تَقْتَضِي ذلك، فَفَعَلَ هذه المصلحةَ، ولم يُنْكِرْ عليه أحدٌ من الناسِ، فتوليتُه له من المصلحةِ المرسلةِ (¬2)، لا من قياسِ العهدِ على العقدِ، كما قال به بعضُ الناسِ. والحاصلُ أن النظامَ نوعانِ: نظامٌ لا يَتَعَرَّضُ لقواعدِ الشرعِ، وإنما هو تنظيمٌ مَصْلَحِيٌّ لاَ يتعرضُ للقواعدِ، فهذا هو الذي ذَكَرْنَا أنه لاَ بَأْسَ به، وأن الصحابةَ فَعَلُوهُ. والثاني: نظامٌ تَشْرِيعِيٌّ، وهو الذي كُنَّا نتكلمُ عليه وَنُورِدُ فيه الآياتِ، كالذي يقولُ: إن الأُنْثَى تَمُتُّ بالقرابةِ التي يَمُتُّ بها الذَّكَرُ، فتفضيلُه عليها ظلمٌ وَجَوْرٌ. وكالذي يقولُ: إن تعددَ الزوجاتِ يجعلُ الرجلَ دَائِمًا فِي شَغَبٍ، ولو أَخَذَ واحدةً لكانَ معها في خفضٍ وَدَعَةٍ، ¬
وأن الشغبَ دائمٌ لا يزولُ، وأن هذا أمرٌ لا يصلحُ في الاجتماعِ. والذي يقول: إِنَّ قَطْعَ اليدِ عملٌ وَحْشِيٌّ لا ينبغي أن يكونَ في النظمِ التي يُعَامَلُ بها الإنسانُ. وما جرى مَجْرَى ذلك، مع أن كُلَّ هذه الأمورِ حِكْمَتُهُ بالغةٌ، وَسَنُبَيِّنُ - إن شاء الله - حِكَمَ الجميعِ إن مَرَرْنَا على الآياتِ التي هي بِهَا. فهذا النوعُ من النظامِ هو الضلالُ والكفرُ، وقد بَيَّنَ اللَّهُ أن مَنْ يقول: إن الأُنْثَى كالذكرِ في الميراثِ أَنَّهُ ضَالٌّ، كما قال (جل وعلا) في آيةِ الصيفِ، الآية الأخيرة من سورةِ النساءِ: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} ثم أَتْبَعَهُ بقولِه: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: آية 176] يبينُ لكم هذا البيانَ كراهةَ أن تقولوا: هُمَا سواءٌ في الميراثِ فَتَضِلُّوا. وهذا معنَى قولِه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}. {يَقُصُّ الْحَقَّ} [الأنعام: آية 57]: يَقُصُّ الحقَّ كقولِه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: آية 3] و {يَقْضِ الحقَّ} كقولِه: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} [غافر: آية 20] {وَهُوَ} (جل وعلا) {خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} الذين يَفْصِلُونَ بَيْنَ الخصومِ، وسيفصلُ بينَ الخلائقِ يومَ القيامةِ، كما قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [السجدة: آية 25]. {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [الأنعام: آية 58]. هذا أَمْرٌ من اللَّهِ لِنَبِيِّهِ أن يقولَ للكفارِ الذين يستعجلونَ بالعذابِ
ويقولونَ له: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: آية 16] {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: آية 32]، {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} [هود: آية 8] قُلْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لهؤلاء المتمردين الْمُتَعَنِّتِينَ، الذين يستعجلونَ بالعذابِ تَعَنُّتًا وَعِنَادًا: {لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي: العذاب الذي تستعجلونَ به، لو كان بِيَدِي لَعَجَّلْتُهُ عليكم، وَقُضِيَ الأمرُ بيني وبينَكم، وَسَلِمْتُ من ذلك لأَنَّنِي على حَقٍّ، وَأَهْلَكَكُمُ العذابُ هلاكَ استئصالٍ، وَاسْتَرَحْتُ مِنْكُمْ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالانِ لطالبِ الْعِلْمِ أن يسألَ عنهما: أحدُهما نَحْوِيٌّ، والثاني وَحْيِيٌّ (¬1). أما النحويُّ فهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: همزةُ (أن) إذا فُتِحَتْ ¬
دَلَّتْ على مصدرٍ، فهي في مَحَلِّ اسمٍ مُفْرَدٍ؛ لأنها إن فُتِحَتْ سَدَّتْ مَسَدَّ مصدرٍ، وهذا المصدرُ - طَبْعًا - معروفٌ أنه اسمٌ، و (لو) حرفَ شرطٍ، وَحُرُوفُ الشروطِ لا تَتَوَلَّى إلا الجملَ الفعليةَ، فَلِمَ تَوَلَّى حرفُ الشرطِ اسْمًا، وهو هذا المصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها؟ هذا وجهُ السؤالِ. والجوابُ عنه: هو ما حَقَّقَهُ علماءُ العربيةِ: أن المصدرَ المنسبكَ من (أن) وصلتِها فاعلُ فِعْلٍ محذوف، والفعلَ المضمرَ هو الذي يَلِي حرفَ الشرطِ، وتقديرُ المعنى: لو ثَبَتَ كونُ ما ستطلبونَه عندي لَعَجَّلْتُهُ عليكم. ولم يكن بعدَه إلاَّ فِعْلٌ، والمصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها فاعلُ الفعلِ. هكذا يقولون (¬1). {لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ} قضاءُ الأمرِ هنا كنايةٌ عن إنزالِ العذابِ عليهم واستراحتِه منهم. وَمَنْ قَالَ: «إن قضاءَ الأمرِ هنا معناه ذبحُ الموتِ» (¬2). فهو غلطٌ وَوَهْمٌ منه، لأن ذلك الذي معناه ذبحُ الموتِ هو في آيةِ مريمَ، وليس في هذه الآيةِ، وهو قولُه (جل وعلا) في أُخْرَيَاتِ مريمَ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم: آية 39] فقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تفسيرُ آيةِ مريمَ (¬3) هذه: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ ¬
قُضِيَ الْأَمْرُ} قال: إِذْ ذُبِحَ الْمَوْتُ {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أَنْذِرْهُمْ وَهُمْ في غفلةٍ {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} وَذُبِحَ الموتُ. ولا يَصِحُّ في آيةِ الأنعامِ هذه هذا التفسيرُ؛ لأن المعنَى هنا: {لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} لَعَجَّلْتُ لكم العذابَ الذي تطلبونَه فَهَلَكْتُمْ، وَنَفَذَ القضاءُ بَيْنِي وبينَكم. ونفوذُ القضاءِ: هو إهلاكُ الظالمِ وبقاءُ المطيعِ سَالِمًا، وهذا معنَى قولِه: {لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. {وَاللَّهُ} جل وعلا {أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} أي: الْكَافِرِينَ الذين يَتَعَنَّتُونَ ويستعجلونَ، هو أعلمُ بهم، عَالِمٌ مَنْ يَهْدِيهِ اللَّهُ فيتوب، ومن يَخْذُلُهُ فلاَ يتوبُ، وعالمٌ بالوقتِ الذي يَأْتِيهِمْ فيه العذابُ، وعالمٌ بما يستحقونَ من العذابِ، ووقتِ مَجِيئِهِ لهم، وسيكونُ ذلك على حسبِ مَا سَبَقَ في عِلْمِهِ (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ}. قال بعضُ العلماءِ: صيغةُ التفضيلِ هنا لَيْسَتْ على بَابِهَا؛ لأن الْمُقَرَّرَ في عِلْمِ العربيةِ: أن صيغةَ التفضيلِ تَدُلُّ على مشاركةٍ بَيْنَ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عليه، إلا أن المُفَضَّلَ أكثرُ في المصدرِ مِنَ المُفضَّلِ عليه (¬1). و (زَيْدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَمْرٍو) يَدُلُّ على أنهما مشتركانِ ¬
في العلمِ، إلا أن المُفَضَّلَ يَفْضُلُ فيه المُفَضَّلُ عليه. وَالْعِلْمُ بالظالمين: بأحوالِهم وما يَؤُولُونَ إليه، ووقتِ نزولِ العذابِ عليهم، هذا لا يُشَارِكُ اللَّهَ فيه أَحَدٌ، وهذا إنما يعلمُه اللَّهُ وحدَه؛ وَلِذَا يقولونَ: إنَّ صيغةَ (أَفْعَل) هنا بِمَعْنَى (الوصفِ) بِمَعْنَى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، كقولِه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} لأَنَّ هذه لا يُشَارِكُهُ فيها غيرُه، وقد تَقَرَّرَ في علمِ العربيةِ: أن صيغةَ (أَفْعَل) قد تأتي مُرَادًا بها الوصفُ من غيرِ إرادةِ التفضيلِ (¬1) وشواهدُ ذلك كثيرةٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشَّنْفَرَى (¬2): وَإِنْ مُدَّتِ الأَيْدِي إِلَى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ بِأَعْجَلِهِمْ إِذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعْجَلُ يعني بـ (أجشع القوم): هو العَجِلُ منهم، وقولُ الفَرَزْدَقِ (¬3): إِنَّ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ يعني عزيزةً طويلةً. وهذا أسلوبٌ معروفٌ في كلامِ العربِ. يقولُ اللَّهُ جل وعلا: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: آية 59]. ذَكَرَ بعضُ أهلِ العلمِ أن سَبَبَ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءه بَدَوِيٌّ فقال له: إِنِّي تَرَكْتُ امْرَأَتِي حُبْلَى، وتركتُ قَوْمِي في جَدْبٍ، فَأَخْبِرْنِي عَمَّا فِي بَطْنِ امْرَأَتِي: أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى؟ وَأَخْبِرْنِي عن الوقتِ الذي يأتِي فيه الغيثُ لِقَوْمِي فإنهم مُجْدِبُونَ. ثم ¬
قال له: ولقد عرفتُ الوقتَ الذي وُلِدْتُ فيه، فَأَخْبِرْنِي عن الوقتِ الذي أموتُ فيه. فأنزلَ اللَّهُ: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} (¬1). ومفاتحُ الغيبِ المذكورةُ في هذه الآيةِ هي المذكورةُ في أُخْرَيَاتِ سورةِ لقمانَ في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: آية 34]. وتفسيرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمفاتحِ الغيبِ هنا بأنها الخمسُ المذكورةُ في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} إلى آخِرِهَا، ثَبَتَ في الصحيحِ عن [6/ب] أَبِي هريرةَ (¬2) وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ (¬3)، وجاء بأسانيدَ لا بأسَ عليها عن / قومٍ آخَرِينَ من الصحابةِ، منهم بُرَيْدَةُ (¬4)، وابنُ مسعودٍ (¬5)، وابنُ عَبَّاسٍ (¬6)، وصحابيٌّ مِنْ ¬
بَنِي عَامِرٍ (¬1): أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ مفاتحَ الغيبِ المذكورةَ هنا بأنها المذكورةُ في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} (¬2)؛ لأَنَّ هذه الخمسَ أمهاتٌ عظيمةٌ لها أهميتُها من أمهاتِ علمِ الغيبِ، فَفَسَّرَ النبيُّ بها هذه الآيةَ؛ لأن الساعةَ هي أفظعُ أَمْرٍ وَأَهَمُّ أمرٍ يُوجَدُ، لَيْسَ عِلْمُهَا إِلاَّ عند اللَّهِ وحدَه، كما قَالَ: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: آية 187] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44)} [النازعات: الآيات 42 - 44] وَلَمَّا سَأَلَهُ جبريلُ في حديثِه المشهورِ عن الساعةِ. قَالَ لَهُ: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائلِ. وَبَيَّنَ له شيئًا من أَمَارَاتِهَا (¬3). هذه هي مفاتحُ الغيبِ، فالوقتُ الذي تقومُ فيه الساعةُ لا يَعْلَمُهُ إلا اللَّهُ وحدَه (جل وعلا)، لا يعلمُه أحدٌ {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: آية 187] {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الوقتُ الذي يَنْزِلُ فيه المطرُ لاَ يعلمُه إلا اللَّهُ وحدَه {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} الذي هو في رَحِمِ أُمِّهِ لا يَعْلَمُ حقيقتَه إلا اللَّهُ، أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى؟ قبيحٌ أو جميلٌ؟ شَقِيٌّ أو سَعِيدٌ؟ لا يَدْرِي الإنسانُ ماذا يَكْسِبُ غَدًا. والمرادُ بـ (ما يَكْسِبُ غَدًا): من خيرٍ أو شَرٍّ، ما يكسبُ مِنَ الْحَسَنَاتِ التي تُقَرِّبُهُ لِلَّهِ، وما يَكْسِبُ من السيئاتِ التي تُبْعِدُهُ عن اللَّهِ (جل وعلا)، ويدخلُ في ذلك: مَا يَكْسِبُهُ من مالٍ ونحوِه؛ لأَنَّ اللَّهَ قد يُغْنِيهِ من حيثُ لاَ يشعرُ، ¬
وقد يُفْقِرُهُ من حيثُ لاَ يَشْعُرُ؛ لأن اللَّهَ بيدِه كُلُّ شَيْءٍ: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} لا يعرفُ الإنسانُ المحلَّ الذي فيه قَبْرُهُ، وإن كان سَاكِنًا في محلٍّ وإذا كتبَ اللَّهُ أجلَه في محلٍّ لاَ بُدَّ أن تكونَ له حاجةٌ إلى ذلك المحلِّ، فيذهبُ إليه لِيُدْرِكَهُ أَجَلُهُ فيه، وينفذَ قضاءُ اللَّهِ كما سَبَقَ في عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ، وجاء بذلك حديثٌ عن جماعةٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أن اللَّهَ إذا كَتَبَ أن يموتَ رجلٌ في محلٍّ، لا بد أن يجعلَ له حاجةً إلى ذلك المحلِّ حتى يذهبَ إليه ويدركَه أَجَلُهُ فيه (¬1). هذه مفاتحُ الغيبِ الخمسُ التي بَيَّنَ النبيُّ أنها معنَى هذه الآيةِ، وَخَيْرُ التَّفْسِيرِ تَفْسِيرُهُ - صلى الله عليه وسلم -. وقد بَيَّنَ (جل وعلا) في آيةٍ عَامَّةٍ أن الغيبَ كُلَّهُ لاَ يعلمُه إِلاَّ اللَّهُ، كما قال تعالى: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: آية 65] وقد بَيَّنَّا فيما مَضَى أمثلةً لمصداقِ هذه الآياتِ، وَبَيَّنَّا أن أعظمَ الخلقِ: الملائكةُ والرسلُ، والملائكةُ لَمَّا قَالَ لَهُمُ اللَّهُ: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ}؟ أَجَابُوا بِأَنْ قالوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: آية 32] وقولُه: {لاَ عِلْمَ لَنَا} النكرةُ فيه مَبْنِيَّةٌ مع (لا) والنكرةُ لاَ تُبْنَى على الفتحِ مع ¬
(لا) إلا التي هي لنفيِ الجنسِ. فمعنَى الآيةِ: أنهم نَفَوْا جنسَ العلمِ مِنْ أصلِه عن أنفسِهم إلا شَيْئًا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ. وهؤلاء الرسلُ الكرامُ (عليهم صلواتُ اللَّهِ وسلامُه) مع ما أَعْطَاهُمُ اللَّهُ من العلمِ والمكانةِ يقولونَ: إنهم لا يعلمونَ من الغيبِ إِلاَّ مَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ. هذا سَيِّدُهُمْ وَخَاتَمُهُمْ - صلى الله عليه وسلم - قد بَيَّنَّا أن اللَّهَ أَمَرَهُ قال: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: آية 5] وَأَمَرَهُ أيضًا فى سورةِ الأعرافِ أَنْ يقولَ: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: آية 188] وقد قال في أُخْرَيَاتِ أيامِ حياتِه صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» (¬1). كما هو معروفٌ. وقد بَيَّنَّا أن نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا ذَكَرَ اللَّهُ عنه في سورةِ هودٍ: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} [هود: آية 31] وقد بَيَّنَّا أمثلةً من هذا، فهذا سيدُ ولدِ آدمَ على الإطلاقِ، وأفضلُ الرسلِ، وأعلمُ الناسِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، رُمِيَتْ أَحَبُّ أزواجِه بأعظمِ فِرْيَةٍ، أُمُّ المؤمنين عائشةُ لَمَّا رَمَوْهَا ¬
بصفوانَ بنِ المُعَطلِ في غزوةِ بني المُصْطَلقِ، كما قَصَّ اللَّهُ القصةَ مُوضحةً في سورةِ النورِ، كان (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) مع ما آتَاهُ اللَّهُ من العلمِ والمكانةِ العظيمةِ لاَ يَدْرِي أَحَقٌّ ما قالوا عن زوجتِه أَمْ كَذِبٌ، وكان يقولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» وفَقَدَتْ منه العطفَ الذي كَانَتْ تَجِدُهُ إذا مَرِضَتْ، وكان يقولُ لها غيرَ دَارٍ بالحقيقةِ: «يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَتُوبِي، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ». ولم يَعْلَمْ بالحقيقةِ حتى أخبرَه عَالِمُ الغيبِ والشهادةِ {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ} [النور: آية 11] فَسَمَّاهُ: إِفْكًا، ثم قال في آخِرِ الآياتِ: {أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: آية 26] فَلَمْ يَعْلَمِ الحقيقةَ إلا بعد أن عَلَّمَهُ اللَّهُ إياها. وَلَمَّا نَزَلَتْ عليه آياتُ بَرَاءَتِهَا في بيتِ أبي بكرٍ وسُرِّيَ عنه وهو يَتْبَسِمُ، وقال: «أَمَّا أَنْتِ يَا عَائِشَةُ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ». فقالت لها أُمُّهَا أُمُّ رُومَانَ: «قُومِي إليه فَاحْمَدَيْهِ». قالت لها: «وَاللَّهِ لا أحمدُه، ولا أحمدُ اليومَ إلا اللَّهَ؛ لأنه لم يُبَرِّئْنِي، وإنما بَرَّأَنِي اللَّهُ» (¬1). وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ، وهو هو، ذَبَخَ عِجْلَهُ، وتعبَ هو وامرأتُه بإنضاجِ العجلِ وحَمْلِهِ، كما قال اللَّهُ: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: آية 69] ولم يدرِ أن الذين يُنْضِجُ لهم عجلَه أنهم ملائكةٌ كرامٌ لا يأكلونَ! ولأجلِ عدمِ عِلْمِهِ بذلك لَمَّا لم يأكلوا خافَ منهم {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: آية 70] وما هذا إلا لأنه لا يعلمُ بحقيقتِهم، وما دَرَى عن الأمرِ حتى أَخْبَرُوهُ! سألَهم: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ}؟ [الحجر: آية 57] ¬
{قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: آية 70] وَلَمَّا ارتحلوا من عنده وَنَزَلُوا على نَبِيِّ اللَّهِ لوطٍ وكانوا في صفةِ شبابٍ مُرْدٍ حَسَنَةٌ ثيابُهم، حسنةٌ رِيحُهُمْ، خافَ عليهم أن يفعلَ بهم قومُه فاحشةَ اللواطِ، فَحَزِنَ أَشَدَّ الحزنِ؛ وَلِذَا قال تعالى عنه: {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77] وما سببُ مُسَاءَتِهِ بهم وضيقِه ذرعًا بهم - كقولِه: إن ذلك يومٌ عصيبٌ - إلا لعدمِ عِلْمِهِ بحقيقةِ الواقعِ، حتى قال ذاك الكلامَ المؤسفَ المحزنَ: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: آية 80] ولم يَعْلَمْ بحقيقةِ الأمرِ حتى أَخْبَرُوهُ، وقالوا له: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} الآيات [هود: آية 81]. وقال الْمُفَسِّرُونَ (¬1): عند ذلك نَشَرَ جبريلُ أجنحتَه عليه وِشَاحه، وَضَرَبَ أوجهَهم بريشةٍ من جَنَاحِه، فتركها ليس فيها محلُّ العيونِ، لا أثرَ فيها للعيونِ، كأن وجوهَهم لم تكن بها عيونٌ أصلاً!! كما أَشَارَ اللَّهُ إلى ذلك في سورةِ القمرِ بقولِه في قصةِ لوطٍ والملائكةِ وقومِ لوطٍ: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} والعياذُ بِاللَّهِ {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: آية 37]. وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ قال اللَّهُ فيه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: آية 68] مَدَحَهُ اللَّهُ بالعلمِ الذي عَلَّمَهُ، ومع هذا فَوَلَدُهُ يوسفُ كان في مصرَ، ما بينَه وبينَه ثمان مراحلَ، لا يعلمُ عن أمرِه شيئًا {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: آية 84] يقولُ لأولادِه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ} [يوسف: آية 87] يطلبُ من أولادِه التحسسَ لِيَعْثُرُوا له على خَبَرٍ، وهو لا يَدْرِي عنه حقيقةً حتى ¬
جَاءَ البشيرُ بالقميصِ، كما هو مُبَيَّنٌ في سورةِ [يوسفَ] (¬1). وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ، وهو هو، لَمَّا قال له رَبُّهُ: {فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [المؤمنون: آية 27] ظَنَّ أن ولدَه الفاجرَ أنه مِنْ أَهْلِهِ، ولم يَدْرِ أنه ليسَ من أهلِه حتى قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: آية 45] ولم يَعْلَمْ بحقيقةِ الأمرِ حتى قال له عَالِمُ الغيبِ والشهادةِ: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: آية 46] كان جوابُه أن قال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: آية 47]. وهذا نَبِيُّ اللَّهِ سليمانُ أَعْطَاهُ اللَّهُ الريحَ، غُدُوُّهَا شهرٌ، ورواحُها شهرٌ، وَسَخَّرَ له مَرَدَةَ الشياطين مع قدرتِهم على الطيرانِ في آفاقِ الأرضِ، ما كان يَدْرِي عن قصةِ ( ... ) (¬2) بِلْقِيسَ وجماعتِها حتى جاءَه الهدهدُ الضعيفُ المسكينُ، وكان قد خَرَجَ بغيرِ إِذْنٍ، وكان نَبِيُّ اللَّهِ سليمانُ يتهددُه ويتوعدُه على الخروجِ بِلاَ إِذْنٍ، كما قَصَّ اللَّهُ في سورةِ النملِ: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)} [النمل: الآيتان 20، 21] فَعَلِمَ مِنْ تاريخِ اليمنِ، ومن جغرافيةِ اليمنِ، ما لَمْ يَعْلَمْهُ سليمانُ (عليه السلامُ)!! وهذا العلمُ الضيئلُ البسيطُ - علمُ تاريخٍ وجغرافيةٍ - أَعْطَى هذا الضعيفَ قوةً، وكان له سلاحًا، وَقَوَّاهُ على سليمانَ، حيث كان هو يَعْلَمُ شيئًا يجهلُه ¬
سليمانُ؛ ولذا قام غَيْرَ مُبَالٍ بالوعيدِ، مع أن سليمانَ مَلِكٌ نَبِيٌّ، له هيبةُ الملكِ، وهيبةُ النبوةِ، ومع هذا وَقَفَ ذلك الهدهدُ بين يديه وقفةَ البطلِ غيرَ مكترثٍ بالوعيدِ، وإنما قوَّاه أنه عَلِمَ شيئًا من جغرافيةِ اليمنِ وتاريخِهم لم يَعْلَمْهُ سليمانُ، وَنَسَبَ الإحاطةَ إلى نفسِه، وَنَفَاهَا عن سليمانَ، وقال له: إِنِّي {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: آية 22] وهذا النبأُ بَيَّنَ فيه بعضَ تاريخهم، أنهم كفرةٌ يسجدونَ للشمسِ، وأن ملكتَهم امرأةٌ، قال: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: الآيتان 23، 24] وعندَ خَبَرِ الهدهدِ إياه لم يَعْلَمْ أيضا حقيقةَ الأمرِ؛ لأنه [ما كان يعلم صِدْقَ] (¬1) الهدهدِ؛ وَلِذَا قال مُخَاطِبًا له: {سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل: آية 27] ثم أَرْسَلَهُ بكتابٍ كما في هذه الآياتِ من سورةِ النملِ، كُلُّ هذه الأمورِ من [عدمِ] (¬2) علمِ الأنبياءِ الكرامِ والملائكةِ الكرامِ، هذه الأمورُ من الغيبِ كُلُّهُ مصداقٌ لقولِه: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} (¬3) [النمل: آية 65] وقولُه هنا: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: آية 59]. وَاللَّهُ (جل وعلا) يُطْلِعُ رسلَه على ما شَاءَ من غَيْبِهِ، وَيُطْلِعُ ملائكتَه على ما شاءَ من غَيْبِهِ، كما بَيَّنَهُ في آياتٍ من كتابِه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} ¬
[الجن: الآيتان 26، 27]، وكقولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: آية 179] أي: فَيُطْلِعُ مَنِ اجْتَبَى من رسلِه على ما شاءَ من غَيْبِهِ، وقد أَطْلَعَ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - على أمورٍ كثيرةٍ، أَخْبَرَ بكثيرٍ منها، منه ما حَفِظَهُ الناسُ حتى وَقَعَ، ومنه ما نَسُوهُ. وهذه الآيةُ الكريمةُ وأمثالُها في القرآنِ العظيمِ أجمعَ العلماءُ على أنه أكبرُ واعظٍ وأعظمُ زَاجِرٍ نَزَلَ من السماءِ إلى الأرضِ، فهي أعظمُ موعظةٍ تُلْقَى يتعظُ بها الناسُ. إلا أنَّهُ مع الأسفِ تَمُرُّ على آذانِهم ولم تَكُنْ في قلوبِهم!! وهذا أكبرُ وَاعِظٍ؛ لأنه أَطْبَقَ العلماءُ على أن أعظمَ المواعظِ، وأعظمَ الزواجرِ، هو واعظُ المراقبةِ والعلمِ. وَضَرَبَ العلماءُ لهذا مثلاً قالوا (¬1) - ولله المثلُ الأَعْلَى -: لو فَرَضْنَا أن هذا البراحَ من الأرضِ، فيه مَلِكٌ قَتَّالٌ للرجالِ إن انْتُهِكَتْ حرماتُه، سفَّاكٌ للدماءِ إن انتُهكت حرماتُه، ذو قوةٍ وعزةٍ ومَنَعَةٍ، وحولَه جيوشُه، وحولَ هذا الملكِ بناتُه ونساؤُه وجواريه، أَيَخْطُرُ في بالِ أحدٍ أن أولئك الحاضرين مجلسَ هذا الملكِ الجبارِ يقومُ واحدٌ منهم بغمزةِ عَيْنٍ إلى حَرَمِ ذلك الملكِ أَوْ رِيبَةٍ؟ لاَ وَكَلاَّ، كُلُّهُمْ خاضعونَ خاشعةٌ عيونُهم، خاشعةٌ جوارحُهم، غايةُ أمانيهم السلامةُ!! ولا شَكَّ أن خالقَ الكونِ - وله المثلُ الأَعْلَى - أعظمُ بَطْشًا، وأشدُّ نَكَالاً إن انْتُهِكَتْ حرماتُه، وَحِمَاهُ في أرضِه مَحَارِمُهُ. ولو قيل لأهلِ بلدٍ: إن أميرَ ذلك البلدِ يَبِيتُ عَالِمًا بِكُلِّ ما يفعلونَه في الليلِ من الخسائسِ والدسائسِ لَبَاتُوا مُتَأَدِّبِينَ، لا يفعلونَ ¬
إلا شيئًا طَيِّبًا!! وهذا خالقُ السماواتِ والأرضِ، الْمَلِكُ الجبارُ، يُخْبِرُهُمْ في آياتِ كتابِه، لاَ تكادُ تَقْلِبُ ورقةً واحدةً من أوراقِ المصحفِ الكريمِ إلا وجدتَ فيها هذا الواعظَ الأكبرَ والزاجرَ الأعظمَ {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} الآيات [الأنعام: آية 59] {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: آية 16] {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: آية 235] {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: آية 61] فَيَنْبَغِي علينَا جميعًا أن نعتبرَ بهذا الزاجرِ الأكبرِ، والواعظِ الأعظمِ، وأن لا نَتَنَاسَاهُ؛ لئلاَّ نُهْلِكَ أنفسَنا، ونعتقدَ أَنَّا لو كُنَّا في حضرةِ مَلِكٍ جَبَّارٍ من ملوكِ الدنيا يموتُ ويأكلُه الدودُ، أَنَّا بحضرتِه وملاقاتِه لا يُمْكِنُنَا أن نفعلَ إلا شيئًا يَسُرُّهُ وَيُرْضِيهِ، فعلينا أن نعلمَ أننا بينَ يَدَيْ مَلِكِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا)، وأنه أعظمُ بطشًا وأفظعُ نكالاً إِنِ انْتُهِكَتْ حرماتُه، وأنه عَالِمٌ بِكُلِّ ما نُسِرُّ وما نُعْلِنُ، فعلينا أن نعتبرَ هذا لنتعظَ، فقد بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ جبريلَ المشهورِ (¬1) ( ... ) (¬2) أن جبريلَ أَرَادَ أن يُبَيِّنَ هذا الواعظَ الأكبرَ، والزاجرَ الأعظمَ لأصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا لَمْ يَنْتَبِهُوا له. وإيضاحُ ذلك: أن الله بَيَّنَ لنا في آياتٍ من كتابِه أن الحكمةَ التي خَلَقَ من أَجْلِهَا الخلقَ والسماواتِ والأرضَ، وخلقَ مِنْ أَجْلِهَا الموتَ والحياةَ، هي أن يَبْتَلِيَ خَلْقَهُ، أي: يختبرهم بنقطةٍ واحدةٍ، هي نقطةُ العملِ، مَنْ يُحْسِنُ عملَه فيأتِي به حَسَنًا كما يَنْبَغِي، وَمَنْ لاَ يُحْسِنُهُ؛ ¬
وَلِذَا قال في أولِ سورةِ هودٍ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} ثم بَيَّنَ الحكمةَ والعلةَ الغائيةَ قال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية 7] ولم يَقُلْ: أَيُّكُمْ أكثرُ عملاً، وقال في أولِ سورةِ الكهفِ: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} ثم بَيَّنَ الحكمةَ في ذلك قال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: آية 7] وقال في أولِ سورةِ الْمُلْكِ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثُمَّ بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: آية 2] ولم يَقُلْ: أكثرُ عملاً، فَدَلَّتْ هذه الآياتُ القرآنيةُ أَنَّا خُلِقْنَا لِنُخْتَبَرَ وَنُبْتَلَى في شيءٍ هو إحسانُ العملِ، وَلاَ شَكَّ أن العاقلَ يقولُ: إذا كان رَبِّي (جل وعلا) خَلَقَ الخلائقَ والسماواتِ والأرضَ والموتَ والحياةَ؛ لأجلِ الابتلاءِ في إحسانِ العملِ، يا لَيْتَنِي عَرَفْتُ الطريقَ إلى إحسانِ العملِ لأَنْجَحَ بهذا الاختبارِ. وجاء جبريلُ يُبَيِّنُ هذا المغزَى الأكبرَ والمقصدَ الأعظمَ لأصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حيث قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: يَا مُحَمَّدُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ - المعنَى الذي خُلِقَ الخلقُ لأجلِ الاختبارِ فيه - فَبَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنه لا طريقَ إلى الإحسانِ الذي خُلِقْنَا من أجلِه إلا باعتبارِ هذا الزاجرِ الأكبرِ والواعظِ الأعظمِ، وهو مراقبةُ خالقِ السماواتِ والأرضِ، والعلمُ بأنه رَقِيبٌ، عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ولذا قال له: «الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». ولاَ شَكَّ أن مَنْ عَبَدَ اللَّهَ كأنه يَرَى اللَّهَ، وإذا تَنَزَّلَ فقال: لا أَرَى اللَّهَ، فهو عَالِمٌ أن اللَّهَ يَرَاهُ، مُطَّلِعٌ عليه، من كان يعملُ أمامَ الملكِ الجبارِ، وهو مطلعٌ عليه، ناظرٌ إليه، لا يمكنُ أن يسيءَ العملَ، فلا بُدَّ أن يحسنَ العملَ {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا
غَائِبِينَ} [الأعراف: آية 7] في هذه الآياتِ القرآنيةِ زاجرٌ أعظمُ، وواعظٌ أكبرُ. وإذا عَلِمْتُمْ من هذا أن الغيبَ لا يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللَّهُ، كما قال هنا: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: آية 59] وقال: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل: آية 65] فَاعْلَمُوا أن كُلَّ طريقٍ يفعلُها الإنسانُ ليصلَ بها إلى شيءٍ من الغيبِ أنها طريقٌ باطلةٌ، وبعضُها يكونُ كُفْرًا؛ لأن الغيبَ من خصائصِ اللَّهِ التي اخْتَصَّ بِعِلْمِهَا، ولا يعلمُ الناسُ إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ؛ ولأَجْلِ ذلك لا يجوزُ اتخاذُ شيءٍ يَدَّعِي صاحبُه أنه يصلُ به إلى الغيبِ، فَكُلُّ ذلك حرامٌ، كالطَّرْقِ (¬1)، والزَّجْرِ (¬2)، والعِيَافَةِ (¬3)، وما جَرَى مَجْرَى ذلك من الأمورِ التي يُرَادُ بها الاطلاعُ على الغيبِ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (¬4). هذا لفظُ مسلمٍ في ¬
صحيحِه، والمرادُ بِالْعَرَّافِ: هو مَنْ يَدَّعِي أنه يعرفُ موضعَ الضالةِ، وموضعَ الشيءِ المسروقِ وما جَرَى مَجْرَى ذلك، مع أن العَرَّافَ قد يدخلُ فيه الكاهنُ وَالْحَازِي وَالزَّاجِرُ (¬1). وهذه أمورٌ كلها حرامٌ، وهي من أمورِ الشرِّ، فبعضُها يَكُونُ كُفْرًا. وما تجري به العادةُ في هذه البلادِ من أن الواحدَ يأتي للواحدِ هنا ويقولُ: ضَاعَتْ لنا شاةٌ أو جَفْرَةٌ، فَاعْرِفْ لي محلَّها بعرافةٍ أو بشيءٍ!! هذا من كبائرِ الذنوبِ، وصاحبُه لن تُقْبَلَ له صلاةٌ أربعينَ ليلةً على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، كما ثَبَتَ عنه في صحيحِ مسلمٍ. والسائلُ والمسؤولُ كِلاَهُمَا في غايةِ الضلالِ. فهذه أمورٌ لا تجوزُ، وكل هذا يدخلُ في الكهانةِ. فالكهانةُ والطَّرْقُ والزَّجْرُ والعرافةُ وما جَرَى مَجْرَى ذلك، كُلُّ هذا حَرَامٌ (¬2)، ولا يجوزُ منه شيءٌ الزجرُ ولاَ العيافةُ. وَالْمُرَادُ بالعيافةِ: زَجْرُ الطيرِ، وادعاءُ أهلِها الَّذِينَ يَزْجُرُونَهَا أنهم يَعْرِفُونَ الْمُغَيَّبَاتِ، وَيَطَّلِعُونَ على الأمورِ من أحوالِ طيرانِ الطيورِ من أسمائِها وألوانِها وجهاتِها ومواقعِها التي تقعُ عليها. وهذا النوعُ من العيافةِ كان موجودًا عِنْدَ العربِ، ومما اشْتُهِرَ به من قبائلِ العربِ: بَنُو لِهْبٍ، حتى كان الشاعرُ يقولُ فيهم (¬3): خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلاَ تَكُ مُلْغِيًا مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ والطَّرْقُ بعضُ العلماءِ يقولُ: هو الخطُّ الرَّمْلِيُّ الذي يَخُطُّونَهُ، وَيَدَّعُونَ به الاطلاعَ على الغيبِ. وبعضُهم يقولُ: هي حجارةٌ كان ¬
يَرْمِي بها النساءُ، ويزعمونَ أنهم يَطَّلِعُونَ بها على الغيبِ. وقد صَدَقَ لَبِيدٌ حيث قال (¬1): لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى وَلاَ زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ والذي يعملُ هذه العلومَ الشَّرِّيَّةَ ويقولُ: «عرفتُ منها غَيْبًا». فهو ضَالٌّ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: إنه في [مسائلَ منها] (¬2) كافرٌ. قالوا: فَمَنْ قَالَ: «أنا أعلمُ الوقتَ الذي يأتِي فيه المطرُ، وأعلمُ ما في بطنِ هذه المرأةِ هل هو ذَكَرٌ أو أُنْثَى». جَزَمَ ابنُ العربيِّ المالكيُّ في أحكامِ القرآنِ (¬3)، والزجاجُ (¬4) أَنَّ مَنْ يقولُ هذا أنه كَافِرٌ. اللَّهُمَّ إلا إذا ادَّعَى أنه يستندُ لعاداتٍ وَأُمُورٍ، كالذي يقولُ: إذا اسْوَدَّتْ حَلَمَةُ ثَدْيِ المرأةِ الأيمنِ فهو ذَكَرٌ، وإذا اسودت حلمةُ الثديِ الأيسرِ فهو أُنْثَى (¬5) والظاهرُ أن هذه عوائدُ أَجْرَاهَا اللَّهُ بمشيئتِه وَقَدَرِهِ، فهذا قد لاَ يُكَفَّرُ عندَ مَنْ قالوا هذا، ولكنهم يقولونَ: يُنْهَى. وكذلك الذي يقولُ: العادةُ جَرَتْ بأن الحاملَ إن كانت تَرَى جَنْبَهَا الأيمنَ أثقلَ فهو ذَكَرٌ، وإن كانت تَرَى جَنْبَهَا الأيسرَ أثقلَ فهو أُنْثَى (¬6). هذه كُلُّهَا أمورٌ باطلةٌ. وَمَنِ ادَّعَى أن السحابةَ [تُمْطِرُ] (¬7) بِعِلَّةٍ: أن اللَّهَ رَبَطَ بمجارِي ¬
عادتِه أن النوعَ الفلانيَّ يُنْزِلُ اللَّهُ عندَه [المطرَ] (¬1) نَاسِبًا الأمرَ لِلَّهِ، وأنها عاداتٌ رَبَطَهَا اللَّهُ وإن شَاءَ خَرَمَهَا. مِثْلُ هذا لا يُكَفَّرُ صاحبُه، ولكنه يُنْهَى. ولو قال: إن عندَه مقدماتٍ يَعْلَمُهَا هو مِنْ نَفْسِهِ يعلمُ بها أَذَكَرًا هو أَمْ أُنْثَى، ويعلمُ بها أن المطرَ سَيَنْزِلُ. فهذا الذي جَزَمَ ابنُ العربيِّ بِكُفْرِهِ والزجاجُ وغيرُ واحدٍ من العلماءِ، والذين كَفَّرُوهُ قالوا: لأنه كَذَّبَ كلامَ اللَّهِ، وَعَارَضَ كلامَ اللَّهِ الصريحَ: أن هذا لا يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللَّهُ، أما الذين يقولونَ: إن في اليومِ الفلانيِّ سَتُكْسَفُ الشمسُ وَيُخْسَفُ القمرُ. وَعَامَّةُ العلماءِ على أن هؤلاء لا يُكَفَّرُونَ؛ لأن هذا شيءٌ قَدْ يُدْرَكُ بالحسابِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ في قضيةِ القمرِ: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: آية 39] ويقولُ فيه: {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: آية 5] إِلاَّ أن علماءَ المالكيةِ مَنَعُوا على مَنْ عَلِمَ هذا بالحسابِ أن يبوحَ به. قالوا: ولو تَكَلَّمَ به لَوَجَبَ على الإمامِ تعزيرُه وحبسُه. قالوا: لأَنَّهُ يشوشُ على الجهلةِ الذين لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الأمورِ الغيبيةِ، وبينَ ما جَعَلَ اللَّهُ له منها علاماتٍ يُعْرَفُ بها، وما لم يَجْعَلْ له علاماتٍ وَاخْتَصَّ اللَّهُ بِعِلْمِهِ (¬2). وعلى كُلِّ حَالٍ فهذه الأمورُ، قولُ إنسانٍ لإنسانٍ: «فَتِّشْ لِي بعلمِ غيب القراءة على محلِّ الضَّالَّةِ». هذا - والعياذُ بالله - ضلالٌ كبيرٌ، من كبائرِ الذنوبِ. ولو جاءَ واحدٌ وقال لإنسانٍ: «افْعَلْ لِي هذا»، أو سَأَلَهُ عن شيءٍ: «أين ضَالَّتِي؟» أو شيئًا من المسروقِ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صلاةٌ أربعينَ ليلةً، كما صَرَّحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك. هذا السائلُ فكيفَ بالذي يفعلُ ذلك وَيَتَعَاطَاهُ؟ وقد أَجْمَعَ ¬
العلماءُ أن ما يُدْفَعُ للكاهنِ من الحلوانِ وللعرافِ أنه مِمَّا لاَ يجوزُ، كُلُّ تلك المكاسبِ بإجماعِ العلماءِ (¬1) باطلةٌ، كالذي يُعْطَى للكاهنِ لكهانتِه وَيُسَمَّى حلوانًا، والذي يُعْطَى للنائحِ في نياحتِه، والذي يُعْطَى للمُغَنِّي في غِنَائِهِ، والذي يُعْطَى لِكُلِّ مُبْطِلٍ وَلَهْوٍ، والذي يُعْطَى لاطِّلاَعِ الغيبِ، كُلُّ ذلك من المكاسبِ السيئةِ التي هي حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ العلماءِ، لا يجوزُ شيءٌ منها. ومعنى قولِه: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} {وَعِندَهُ} أي: عِنْدَ اللَّهِ وحدَه جل وعلا {مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} في مفردِ المفاتحِ هنا وَجْهَانِ معروفانِ عندَ العلماءِ (¬2): أحدُهما: أن مُفْرَدَ الْمَفَاتِحِ هنا (مَفتح) بفتحِ الميمِ، و (المَفتح) بفتحِ الميمِ هو الخزانةُ. وعلى هذا فالقولُ {وَعِندَهُ} جل وعلا {مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} أي: خزائنُ الغيبِ، يعلمُ كُلَّ ما يغيبُ مِمَّا يَجْهَلُهُ خَلْقُهُ. وهذا مَرْوِيٌّ عن ابنِ عباسٍ، وَجَزَم به السديُّ. القولُ الثاني: أن واحدَ المفاتحِ في هذه الآيةِ أنه (مِفْتَح) بكسرِ الميمِ. و (المِفتحُ) بكسرِ الميمِ هو المفتاحُ. وقد تقررَ في فَنِّ التصريفِ أن (المِفْعَل) وزنٌ قياسيٌّ لآلاتِ الفعلِ، و (المفْتَح): آلةُ الفتحِ، فهو أَمْرٌ قِيَاسِيٌّ، بحسبِ الميزانِ الصرفيِّ (¬3) أن يكونَ على (مِفْعَل) ويأتِي على مفتاح (مِفْعَال) أيضا. ¬
قال بعضُ العلماءِ (¬1): (المِفْتَح) أفصحُ من (المِفتاحِ). والذين قالوا: إن (المفاتح) جمعُ (مفتاح)، وأنها قُصِرَتْ، وأن القياسَ (المفاتيح)؛ لأن المفردَ (مفتاح) إلا أنها قُصِرَتْ، كما قالوا في القطرِ: قَوَاطِر، وقالوا في المحرابِ: محارِب، هذا لا يُحْتَاجُ إليه؛ لأن (المفتاحَ) فيه لغةٌ فصيحةٌ هي (المِفْتَح) بلا أَلِفٍ. وعليها فتكونُ (مفاتح) جَمْعًا لـ (المفتاح) قِيَاسِيًّا. وعلى كُلِّ التَّقْدِيرَيْنِ فالمعنَى: إنما خزائنُ الغيبِ ومفاتُحه التي يُفْتَحُ بها ويظهرُ كُلُّ هذا عند اللَّهِ وحدَه، لا يعلمُها إلا هُوَ وحدَه (جل وعلا)، ولا ينافِي ذلك أن اللَّهَ يُعَلِّمُهَا لِمَنْ شَاءَ. المعنَى أنه ليس عندَ أحدٍ قدرةٌ وَلاَ اكتسابٌ يكتسبُ هذه، ولا مانعَ مِنْ أن يُعَلِّمَ اللَّهُ ما شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، فقد يَعْلَمُ الملاَئِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بالسحابِ الوقتَ الذي تَنْزِلُ فيه السحابُ؛ لأن اللَّهَ يقولُ لهم: احْمِلُوا هذا المطرَ حتى تُنْزِلُوهُ في وقتِ كَذَا، في موضعِ كَذَا، فهم يَعْلَمُونَ هذا بتعليمِ اللَّهِ قبلَ أن يعلمَه غيرُهم، وكذلك الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بالرحمِ، كما ثَبَتَ في حديثِ ابنِ مسعودٍ الصحيحِ (¬2): أنه يقولُ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فيخبرُه اللَّهُ وهو في بطنِ أُمِّهِ قبلَ أن يعلمَ به الآخَرُونَ. وهكذا. وهذا معنَى قولِه: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} ثم ¬
قال: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} يعني يعلمُ ما يختصُّ بِعِلْمِهِ، ويعلمُ كُلَّ شيءٍ، الذي يعلمُه الخلقُ هو يعلمُه، والذي لاَ يعلمُه إلاَّ هو وحدَه فقد اسْتَأْثَرَ بعلمِه جل وعلا. {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ} والتحقيقُ أن البرَّ ضِدُّ البحرِ (¬1)، والمرادُ بـ {مَا فِي الْبَرِّ} أي: جميعُ ما فِي [الْبَرِّ] (¬2). [7/أ] قال اللَّهُ تعالى: / {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [الأنعام: الآيات 74 - 82]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: آية 74]. ¬
قرأ هذا الحرفَ نافعٌ وأبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ (¬1) {إِنِّيَ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وقرأه الباقون من السبعةِ: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وهما قراءتانِ سبعيتانِ، ولغتانِ فصيحتانِ. ووجهُ مناسبةِ هذه الآيةِ الكريمةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا التي كُنَّا نُفَسِّرُهَا: أن الكفارَ قالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه: ارْجِعُوا إلى دِينِنَا، فَاعْبُدُوا معنا معبوداتِنا، وأنزلَ اللَّهُ في ذلك: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} [الأنعام: آية 71] (¬2) لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ أنهم دَعَوْهُمْ إلى عبادةِ الأوثانِ، وأنهم لا يمكنُ أن يَرْجِعُوا إِلَى [الكفرِ] (¬3) بعدَ أن عَلَّمَهُمُ اللَّهُ الدينَ، وَعَلَّمَهُمْ تَوْحِيدَهُ الصحيحَ {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} هذا لا يكونُ، بَيَّنَ اللَّهُ في هذه الآيةِ سفاهةَ عقولِ مُشْرِكِي مكةَ، وهم يقولونَ إن إبراهيمَ جَدُّهُمْ، وإنه على دِينٍ صحيحٍ، وَمِلَّةٍ حنيفيةٍ سَمْحَةٍ!! فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أن يذكرَ لهم قصةَ إبراهيمَ مع أَبِيهِ وقومِه، وتفنيدِه لعبادةِ الأوثانِ، وتحذيرِهم من ذلك؛ لِيَعْلَمُوا أن الذي يَدْعُونَكُمْ إليه أنه كُفْرٌ وَضَلاَلٌ وَسَفَهٌ، وأنه مخالفٌ لِمِلَّةِ إبراهيمَ التي يُقِرُّونَ بأنها حَسَنَةٌ (¬4). ¬
ومعنَى قولِه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} وَاذْكُرْ يا نَبِيَّ اللَّهِ {إِذْ} أي: حِينَ {قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} جَرَتْ عادةُ العلماءِ أَنْ يُقَدِّرُوا الناصبَ لـ (إذْ) يُقَدِّرُوهُ: (اذكر) (¬1). ولطالبِ العلمِ أن يقولَ: أين القرينةُ على أن العاملَ في هذا الظرفِ الذي هو (إِذْ) أنه لفظةُ (اذكر)، أين قرينةُ ذلك؟ الجوابُ: أن العلماءَ فَهِمُوا ذلك مِنَ استقراءِ القرآنِ، وأن اللَّهَ فِي القصصِ يأتِي بلفظةِ (اذْكُرْ) عاملةً فِي (إذْ) هذه ونحوِها، كقولِه: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: آية 21] {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ} [الأنفال: 26] {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: آية 86] ونحو ذلك في القرآنِ، كذلك قولُه هنا: وَاذْكُرْ {إِذْ قَالَ} أي: حينَ قال نَبِيُّ اللَّهِ وخليلُه إبراهيمُ قال: {لأَبِيهِ آزَرَ} التحقيقُ الذي لاَ شَكَّ فيه أن (آزَرَ) بَدَلٌ، أو عطفُ بيانٍ من الأبِ (¬2)، وأنه أَبُوهُ، وإن كان عامةُ المؤرخينَ يقولونَ: إن أَبَا إبراهيمَ اسمُه (تارح). وقد أجابَ عن هذا ابنُ جريرٍ وغيرُه (¬3)، قالوا: لاَ أصدقَ من اللَّهِ، وَذَكَرَ هنا أن أَبَاهُ (آزَرَ)، وقد يكونُ له اسمانِ، أي: اسمٌ ولقبٌ، أحدُهما: (تارح)، والثاني: (آزر). وهذه قراءةُ السبعةِ، وجماهير القراء (¬4)، وهناك قراءاتٌ ¬
شَاذَّةٌ (¬1): منها مَنْ قَرَأَ: {وَإِذْ قال إبراهيم لأَبِيهِ آزرُ} بضمِّ الراءِ. وعلى هذا فالمعنى: يا آزرُ أَتَتَّخِذُ أصنامًا آلهةً. ومنهم من يقولُ: إن (آزرَ) ليس اسمَ أَبِيهِ، إنما هو اسمُ صنمٍ (¬2). والذين قالوا: هو اسمُ صنمٍ، قالوا: كَثُرَتْ عبادتُه لذلك الصنمِ، وملازمتُه إياه حتى نُبِزَ به، كما قيلَ في ابنِ قيسِ الرُّقَيَّاتِ (¬3)؛ لأنه تَشَبَّبَ بنساءٍ متعددات، كُلُّهُنَّ تُسَمَّى (رقيةَ)، فنبزوه بها. وفيه قراءاتٌ شاذةٌ غيرُ هذا، وأقوالٌ أُخَرُ لاَ مُعَوَّلَ عليها. وَاعْلَمُوا أن قصةَ أَبِي إبراهيمَ هذه ذَكَرَهَا اللَّهُ مِرَارًا كثيرةً في سورٍ متعددةٍ من كتابِه، وَكُلُّهَا صريحٌ في أنه أَبُوهُ لاَ عمَّه، ولم يَرِدْ في كتابِ اللَّهِ ولا في سنةِ رسولِ اللَّهِ حرفٌ واحدٌ يدلُّ على أنه عمُّه، إلا أن أهلَ السِّيَرِ أُولِعُوا بأن قالوا: أَبُوهُ: عمُّه. والذي يَجِبُ علينا جميعًا هو تصديقُ اللَّهِ، وأن لاَ نُحَرِّفَ كلامَ اللَّهِ، ولا نفسرَه بغيرِ معناه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه مِنْ كتابٍ أو سُنَّةٍ، فاحترامُ اللَّهِ واجبٌ، واحترامُ كتابِه واجبٌ، وَمَنْ أَوْجَبِ احترامِه: أَنْ لاَ نُحَرِّفَهُ، ولا ننقلَ لَفْظًا (¬4) منه عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه، لاَ سيما وَاللَّهُ في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه جَاءَ بالقصةِ بعباراتٍ مختلفةٍ، منها ما هو في الخطابِ، ومنها ما هو في غيرِه، كُلُّهَا صريحةٌ فِي أنه أَبُوهُ لاَ عمَّه. ¬
والأبُ إِذَا أَطْلَقَتْهُ العربُ انْصَرَفَ إلى أَبِ الرجلِ الذي وَلَدَهُ، ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ على أنه عَمُّهُ إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه، لا سيما لو كَثُرَ ذِكْرُهُ في القرآنِ بعباراتٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، على أنحاءَ مختلفةٍ، كُلُّهَا صريحٌ في أنه أَبُوهُ، فَنَقَلَهَا إلى عَمِّهِ من غيرِ دليلٍ من كتابٍ وَلاَ سُنَّةٍ تَجَرُّؤٌ على اللَّهِ وعلى كتابِه بما لا يجوزُ. وَأَهَمُّ شيءٍ في التعظيمِ والاحترامِ: كلامُ خالقِ السماواتِ والأرضِ، والحذرُ مِنْ أَنْ يُبَدَّلَ أو يُحَرَّفَ، اللَّهُ قال هنا: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: آية 74] وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ في سورةِ الأنبياءِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)} [الأنبياء: الآيتان 51، 52] وقال في الشعراءِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)} [الشعراء: الآيتانِ 69، 70] وقال في سورةِ مريمَ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} إلى آخِرِ الآياتِ. [مريم: الآيات 41 - 43]. وقال في براءة: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [براءة: آية 114] وهذا كثيرٌ في القرآنِ، وكذلك قال نفس إبراهيم: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: آية 86] فجاءَ مِرَارًا كثيرةً بكلامِ خالقِ السماواتِ والأرضِ، وليس لنا أَنْ نُحَرِّفَ كلامَ اللَّهِ، ولا أن نَحْمِلَهُ على غيرِ معناهُ إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه من كتابٍ وَسُنَّةٍ، وكونُه أَبَاهُ لو كان فيه منقصةٌ أو مَضَرَّةٌ على إبراهيمَ لَمَا كان إبراهيمُ يقولُ: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: آية 86] {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: آية 114] فَشَرَفُ إبراهيمَ
وجلالتُه ومكانتُه هِيَ هِيَ، لا يُنْقِصُهَا شيءٌ من ذلك، وعلى كُلِّ حالٍ فَعَلَيْنَا أن نُصَدِّقَ اللَّهَ، ولاَ نُحَرِّفَ كلامَه، ونحملَه على غيرِ معناهُ افتراءً على اللَّهِ من غيرِ برهانٍ من كتابٍ وَلاَ سُنَّةٍ. ومعنَى قولِه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} وَاذْكُرْ {إِذْ قَالَ} نَبِيُّ اللَّهِ {إِبْرَاهِيمُ} وخليلُه {لأبِيهِ آزَرَ} وكان في قومٍ يعبدونَ الكواكبَ السَّيَّارَةَ السبعةَ، ويعبدونَ تماثيلَ أصنامٍ أرضيةٍ، فَلَهُمْ معبوداتٌ أرضيةٌ، ومعبوداتٌ سماويةٌ، معبوداتُهم الأرضيةُ: أصنامٌ وتماثيلُ يزعمونَ أنهم يجعلونَ صُوَرَهَا وأشكالَها على هيئةِ الملائكةِ، وَيَعْبُدُونَهَا لِتَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وكذلك يعبدونَ الكواكبَ السيارةَ التي هي الشمسُ، والقمرُ وزحلُ والمشتري والزهرةُ وعطاردُ والمريخُ كما هي معروفةٌ. قال لَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ مُوَبِّخًا لهم مُسَفِّهًا أحلامَهم: قال لأَبِيهِ (آزَرَ) مُنْكِرًا عليه بهمزةِ الإنكارِ: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} المعنَى: أَتَتَّخِذُ تماثيلَ مصورةً من حجارةٍ، أو من غيرِها من الأجسامِ، تتخذُها آلهةً تعبدُها من دونِ اللَّهِ، وتصرفُ لها حقوقَ اللَّهِ، مع أنها لا تنفعُ ولا تَضُرُّ؟ هذا مِمَّا لا يليقُ!! كما قال له: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: آية 42] وقد أَفْحَمَهُمْ بالحجةِ في سورةِ الأنبياءِ، ذلك كما قَصَّهُ اللَّهُ في الأنبياءِ (¬1)، والصافاتِ (¬2)، أنه ما كان يجدُ فرصةً يَكْسِرُ أصنامَهم فيها؛ لأنه إِنْ كسرهم وهم ينظرونَ أَهَانُوهُ وَآذَوْهُ، وكان يرتقبُ فرصةً يكسرهم فيها، حتى جاءَ يومُ عيدِهم، فَجَاؤُوا بطعامِهم وشرابِهم ¬
وَوَضَعُوهُ عندَ الأصنامِ، وقالوا للأصنامِ: اجْعَلُوا لنا البركاتِ والخيراتِ في هذا الطعامِ والشرابِ حتى نرجعَ مِنْ عِيدِنَا، وقالوا لإبراهيمَ: اخْرُجْ مَعَنَا إلى عِيدِنَا. {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}. يريدُ أن يتخلصَ منهم ليكسرَ الأصنامَ، فَلَمَّا خَرَجُوا جاءَ إلى الأصنامِ وبيدِه الفأسُ، فوجدَ الطعامَ عندَهم {فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} مُسْتَهْزِئًا بهم، لِمَ لا تَأْكُلُونَ من الطعامِ؟ كما قالَ في الصافاتِ: {فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} [الصافات: آية 91] {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: آية 93] يَضْرِبُهُمْ ويُكَسِّرُهُمْ بيمينِه بالفأسِ، فَلَمَّا كَسَّرَهُمْ تركَ كَبِيرَهُمْ، وهو أعظمُ صنمٍ عندَهم، يقولونَ: إنه مُرَصَّعٌ بالجواهرِ، وأن عليه ياقوتتين. علق الفأسَ في عنقِه (¬1)، فلما جَاؤُوا من عيدِهم وَجَدُوا الأصنامَ مُكَسَّرَةً، والفأسَ مُعَلَّقًا في عُنُقِ الكبيرِ، فقالوا: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنَا؟ فَدُلُّوا على إبراهيمَ، كما فَصَّلَهُ اللَّهُ في سورةِ الأنبياءِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (54)} [الأنبياء: الآيات 51 - 54] وكما قال هنا في الأنعامِ: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: آية 74] فَأَجَابُوا: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ} [الأنبياء: آية 55] فَأَجَابَهُمْ أنه جَاءَ بالحقِّ: {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: آية 56] ثم قَالَ: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم} يعني بِكَيْدِهَا: أن يكسرَها من حيثُ لا يحضر أحدٌ يَرَاهُ {بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} وفي القراءةِ الأُخْرَى: ¬
{جِذاَذًا} (¬1) أي: كَسَّرَهُمْ {إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} فَلَمَّا رجعوا {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} يَعِيبُهُمْ ويقولُ: إنه يكيدُهم {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)} يشهدونَ عليه أنه الذي فَعَلَ هذا، فَاسْتَنْطَقُوهُ وقالوا: {أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}؟ {هَذَا} يعني: جَعْلهم جذاذًا، قال إبراهيمُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: الآيات 57 - 63] إلى أَنْ قَالُوا لَهُ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: آية 65] أَنْتَ تعرفُ أن هؤلاءِ جَمَادٌ، ما عِنْدَهُمْ نُطْقٌ، ولا يتكلمونَ. وكان هذا هو قَصْدُهُ، فقال: {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: آية 67] فَلَمَّا أَفْحَمَهُمْ بالحجةِ والبرهانِ والدليلِ لَجَؤُوا إلى القوةِ {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ (70)} [الأنبياء: الآيات 68 - 70] هذه القصةُ مكررةٌ في القرآنِ، ومما بَسَطَهَا اللَّهُ فيه: سورةُ الأنبياءِ، وذلك معنَى قوله هنا في الأنعامِ: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: آية 74] أي: في ذَهَابٍ عن طريقِ الحقِّ بَيِّن واضح لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ، كيف تتركونَ عبادةَ الخالقِ الرازقِ النافعِ الضَّارِّ الْمُحْيِي المميتِ وتعبدونَ جماداتٍ لا تنفعُ وَلاَ تَضُرُّ، ولاَ تسمعُ ولاَ تُبْصِرُ؟!! هذا هو الضلالُ المبينُ الواضحُ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ. ¬
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: آية 75] الإشارةُ في قولِه: {كَذَلِكَ} كَمَا بصَّرنا إبراهيمَ العقيدةَ الصحيحةَ، وَعَرَّفْنَاهُ إخلاصَ العبادةِ لِلَّهِ، حيثُ وَبَّخَ المشركينَ، وَبَيَّنَ لهم أنهم في الضلالِ المبينِ، كذلك التبصيرُ والتعريفُ بالدينِ الصحيحِ، وإخلاصُ العبادةِ لِلَّهِ، كذلك التعريفُ والتبصيرُ نُرِيهِ - أيضا - ملكوتَ السمواتِ والأرضِ؛ ليكونَ من الْمُوقِنِينَ في عقيدتِه وَدِينِهِ (¬1)، و (الملكوتُ): أصلُه مصدرُ الملكِ، إلا أنه تُزَادُ فيه الواوُ والتاءُ، كالرَّهَبُوتِ، والرَّحَمُوتِ والرَّغَبُوتِ في: الرحمةِ والرهبةِ والرغبةِ وهي مصادرُ مسموعةٌ في كلامِ العربِ، نَزَلَ بها القرآنُ العظيمُ (¬2). {نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: مُلْكَ السمواتِ والأرضِ، وما أَبْدَعَ اللَّهُ في مُلْكِهِ في السماواتِ والأرضِ من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه؛ ليكونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. وفي {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} في هذه الآيةِ الكريمةِ وَجْهَانِ لعلماءِ التفسيرِ مَعْرُوفَانِ (¬3): قالت جماعةٌ كثيرةٌ من العلماءِ: إن اللَّهَ فتحَ له السماواتِ فَنَظَرَ كُلَّ ذلك، حتى إلى العرشِ، وأنه شقَّ له الأَرَضِينَ، وَأَطْلَعَهُ حتى الأرض السفلى. وهذا قال به جمعٌ كثيرٌ من العلماءِ، ولكن التحقيقَ في الآيةِ: أَنَّ {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} التي أَرَاهُ ليكونَ بها من الْمُوقِنِينَ هو الظاهرُ من غرائبِ صنعِ اللَّهِ ¬
وعجائبِه، مِمَّا أَبْدَعَ فِي أرضِه وسمائِه حيث جَعَلَ السماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا، تَمُرُّ عليه آلافُ السنينَ لا يَتَفَطَّرُ ولا يَتَشَقَّقُ، ولا يحتاجُ إلى ترميمٍ، مرفوعًا على غيرِ عَمَدٍ: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)} [الملك: الآيتان 3، 4] أي: ذَلِيلاً مِنْ عِظَمِ ما رَأَى، وجلالةِ ذلك الصُّنْعِ، وكذلك الأرضُ بما أَوْدَعَ اللَّهُ فيها من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه مِنْ أنواعِ الثمارِ والجبالِ وألوانِها والحيواناتِ والناسِ واختلافِ ألسنتِهم، وما أَوْدَعَ فيها من المنافعِ والمعادنِ والثمارِ مِمَّا هو آياتٌ تُبْهِرُ العقولَ، كما قَالَ: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} مُخَاطِبًا لِكُلِّ الناسِ الذين لم يَشُقَّ لهم السماواتِ ولا الأرضَ {وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: آية 185] وَقَالَ: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: آية 101] {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: آية 105] {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً} [ق: الآيات 6 - 8] هذه (التبصرةُ) المذكورةُ هنا هي (الإيقانُ) المذكورُ في قولِه: {نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: آية 75] هذا هو القولُ الصحيحُ الذي دَلَّ عليه استقراءُ القرآنِ (¬1)، لا ما زَعَمُوا مِنْ أَنَّهُ شُقَّتْ له السماواتُ إلى العرشِ، وأنه شُقَّتْ له الأرضونَ إلى السُّفْلَى، وأن اللَّهَ (جل وعلا) رفعَه حتى اطَّلَعَ على أعمالِ بَنِي آدَمَ، وَكُلَّمَا رَأَى ¬
إنسانًا على فاحشةٍ دَعَا عليه فَهَلَكَ، وأن اللَّهَ نَهَاهُ عن ذلك، وأخبرَه أن مِنْ أَسْمَائِهِ الصبورَ. كُلُّ هذه مقالاتٌ ذَكَرَهَا كثيرٌ من علماءِ السلفِ من أكابرِ الْمُفَسِّرِينَ (¬1). والظاهرُ أن التحقيقَ خلافُ ذلك كُلِّهِ، وهو ما ذَكَرْنَا، وهو أن ملكوتَ السماواتِ والأرضِ: ما أَوْدَعَ اللَّهُ فيهما من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِها مِمَّا يدلُّ العقلاءَ على أَنَّ مَنْ صَنَعَهَا هو العظيمُ القادرُ على كُلِّ شيءٍ، وأنه المعبودُ وحدَه، كما قال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الألْبَابِ} [آل عمران: آية 190] وأمثالُ ذلك من الآياتِ. هذا معنَى قولِه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ} الظاهرُ أن {نُرِي} هنا من (رَأَى) البصريةِ. وقال بعضُ العلماءِ: مِنْ (رَأَى) الْعِلْمِيَّةِ. و {نُرِي} عُدِّيَ، أصلُه مضارعُ (أَرَيْنَا) بهمزةِ التعديةِ؛ وَلِذَا كانت (رَأَى) بَصَرِيَّةً، فَعَدَّتْهَا إلى المفعولين (¬2). وقولُه جل وعلا: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} فيه الوجهانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا في قولِه: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (¬3) [الأنعام: آية 55] أحدُهما: وليكونَ من الْمُوقِنِينَ أَرَيْنَاهُ ذلك. والمعنَى: ولأَجْلِ أن يكونَ من الْمُوقِنِينَ أَرَيْنَاهُ ملكوتَ السماواتِ والأرضِ. وَقَالَ بعضُ العلماءِ: نُرِي إبراهيمَ ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليُحَاجِجَ قومَه، وليكونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. والمعنَى مُتَقَارِبٌ. ¬
و (الْمُوقِنُونَ) جَمْعُ (الْمُوقِنِ)، و (الْمُوقِنُ) اسمُ فاعلِ (الإيقانِ)، وَوَاوُهُ مبدلةٌ من ياءٍ، أصلُه (مُيْقِن) (مُفْعِل) من (اليقينِ) (¬1). و (اليقينُ) هو العلمُ الذي لا تَتَطَرَّقُهُ الشكوكُ ولا الأوهامُ، لا يقبلُ التغيرَ بحالٍ (¬2). وهذا معنَى قولِه: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: آية 76]. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} العربُ تقولُ: «جَنَّ عليه الليلُ، وجنَّه الليلُ، وأَجَنَّ عليه الليلُ، وأَجَنَّهُ الليلُ». فإذا قالت: «أَجَنَّ» رباعيةً كان قولُها: «أَجَنَّهُ الليلُ» أَفْصَحُ من «أَجَنَّ عليه الليلُ». وإذا قالت: «جَنَّ عليه الليلُ» فهو أَفْصَحُ من «جَنَّهُ الليلُ» والكلُّ معروفٌ في لغةِ العربِ (¬3). ومن تعديةِ (جَنَّ) - ثلاثيةً - قَوْلُ الْهُذَلِيِّ (¬4): وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الْكَرَى وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأَدْهَمُ وَأَصْلُ مادةِ (الجيمِ، والنونِ، والنونِ) (جَنَنَ) أصلُ هذه المادةِ في جميعِ تصرفاتِها معناها: الاستتارُ ¬
والتغطيةُ (¬1)، ومنه (الجِنَّةُ) وهم - مثلاً - إبليسُ وَجُنْدُهُ؛ لأَنَّا لا نَرَاهُمْ. ومنه: (الجنينُ)؛ لأنه مُسْتَتِرٌ في بطنِ أُمِّهِ، ومنه: (الجُنَّةُ) للدَّرَقَةِ؛ لأنها تَسْتُرُ صاحبَها وتغطيهِ عن السهامِ، ومنه: (جَنَانُ الليلِ). أي: ظلامُه وادْلِهْمَامُهُ. وهذا معروفٌ، كما قال الشاعرُ دُريدُ بنُ الصُّمَّةِ (¬2): وَلَوْلاَ جَنَانُ اللَّيْلِ أَدْرَكَ رَكْضَنَا بِذِي الرَّمْثِ وَالأَرْطَى عِيَاضَ بْنُ نَاشِبِ هذا أصلُ المادةِ، ومعنَى {جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} أَظْلَمَ عليه الليلُ، وَأَرْخَى سدولَه، حتى غَطَّى الأجرامَ بسوادِه؛ لأنه عندَ ذلك الوقتِ تظهرُ الكواكبُ نَيِّرَةً؛ لأنه قبلَ ادْلِهْمَامِ الليلِ وظلامِه لَمْ تُنِرِ الكواكبُ. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} أَظْلَمَ وَادْلَهَمَّ وَغَطَّى الأجرامَ بظلامِه. {رَأَى كَوْكَبًا} {رَأَى} معناه: أَبْصَرَ بِعَيْنِهِ {كَوْكَبًا} والكوكبُ: النجمُ الكبيرُ، وعلماءُ التفسيرِ يقولون: إن ذلك الكوكبَ الذي رَآهُ هو الكوكبُ الْمُسَمَّى بالزُهرةِ (¬3). وهو من الإسرائيلياتِ، وغايةُ ما دَلَّ عليه القرآنُ أنه رَأَى نَجْمًا كبيرًا، وهو مُرادُهُ بقولِه: {كَوْكَبًا} وكان ¬
أَبُوهُ وقومُه يعبدونَ معبوداتٍ أرضيةً ومعبوداتٍ سماويةً، منها الكواكبُ السبعةُ (¬1). قال: {هَذَا رَبِّي}، قولُ إبراهيمَ: {هَذَا رَبِّي} في رؤيتِه للكوكبِ ورؤيتِه للقمرِ ورؤيتِه للشمسِ أصلُه فيه بحثٌ معروفٌ للعلماءِ، غَلِطَ جماعةٌ في هذا المقامِ من العلماءِ، منهم العالمُ الكبيرُ ابْنُ جريرٍ الطبريُّ، فَزَعَمَ أن إبراهيمَ قال هذا ناظرًا لاَ مُنَاظِرًا، وأنه قال هذا قبل أن يتيقنَ الدليلَ، يَظُنُّ أن الكوكبَ رَبُّهُ. هذا قاله (¬2) ونقلَه عن ابنِ عباسٍ (¬3)، واستدلَّ عليه بقولِه: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: آية 77] قال: فَقَوْلُهُ: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} هذا يدلُّ على أنه قَالَ هذا قبلَ أن يتيقنَ الحقيقةَ، وقبلَ أن يتمَّ له النظرُ، فبعدَ أن تَمَّ نظرُه وعلم الحقَّ، قال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا} [الأنعام: الآيتان 78، 79]. والتحقيقُ بدلالةِ القرآنِ والسنةِ: أن هذا القولَ لهذه الطائفةِ من العلماءِ، منهم كبيرُ الْمُفَسِّرِينَ ابنُ جريرٍ الطبريُّ، وَرَوَاهُ عن ابنِ عباسٍ، أن هذا القولَ غلطٌ لا شَكَّ فيه، وأن إبراهيمَ لَمْ يَظُنَّ يومًا في ربوبيةِ كوكبٍ، ولم يشكَّ يومًا واحدًا في ربوبيةِ اللَّهِ، هذا التحقيقُ الواجبُ اعتمادُه، الذي دَلَّ عليه كتابُ اللَّهِ وسنةُ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - (¬4)، أما ¬
القرآنُ: فقد دَلَّ على هذا في مواضعَ كثيرةٍ: منها: أنه أَوَّلاً قال رافعًا لهذا الاحتمالِ: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: آية 75] فلما أَثْبَتَ له اليقينَ قال بَعْدَ ذلك مرتِّبًا عليه بالفاءِ: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76]. والثانيةُ: أن اللَّهَ ذَكَرَ أنه قال هذا في سبيلِ المناظرةِ وَالْمُحَاجَّةِ، لا في سبيلِ النظرِ بنفسِه، حيثُ قال: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: آية 80]، وقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} [الأنعام: آية 83] وَمِنْ أَصْرَحِ الأدلةِ في هذا: أن اللَّهَ نَفَى عن إبراهيمَ كونَ الشركِ في مَاضِي الزمنِ مُطْلَقًا، حيث قال في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: آية 123] ونَفْيُ الكونِ الماضِي يستغرقُ الكونَ في جميعِ الزمنِ كائنًا مَا كَانَ، وكذلك قولُه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: آية 67] هذا جاءَ في آياتٍ كثيرةٍ، ونفيُ الإشراكِ عنه في الكونِ الماضِي يَدُلُّ بدلالةِ القرآنِ - دلالةِ المطابقةِ - على أَنَّهُ لم يَتَقَدَّمْ له كونُ إشراكٍ أَلْبَتَّةَ. واللَّهُ يقولُ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ} [الأنبياء: آية 51] فَعِلْمُ اللَّهِ به وبصلاحِه يدلُّ على ذلك، هذا هو الحقُّ الذي لا شَكَّ فيه. ولطالبِ العلمِ أن يقولَ: قَرَّرْتُمْ لنا أن إبراهيمَ لا يعتقدُ ربوبيةَ الكوكبِ، وأن القرآنَ دَلَّ على ذلك، ومن السنةِ الصحيحةِ الدالةِ عليه: ما ثَبَتَ في الصحيحين من حديثِ أَبِي هريرةَ (رضي الله عنه) عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَّ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ، اثْنَتَيْنِ مِنْهَا فِي
ذَاتِ اللَّهِ .. » الحديثَ (¬1). وهذا حديثٌ صحيحٌ متفقٌ عليه، وهذه الكذباتُ الثلاثُ التي قالها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يعني أنها في الصورةِ كصورةِ الكذبِ، وهي في نفسِ الأمرِ لَيْسَتْ من حقيقةِ الكذبِ (¬2)، بدليلِ أنه قال: «اثْنَتَيْنِ مِنْهَا فِي ذَاتِ اللَّهِ» وكيفَ يكونُ الكذبُ في ذاتِ اللَّهِ؟ فالذي يأتِي في ذاتِ اللَّهِ هو أَحَقُّ الْحَقِّ، وأصدقُ الصدقِ. والكذباتُ الثلاثُ التي يَعْنِيهَا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أَبِي هريرةَ المتفقِ عليه: أحدُها: قولُه لقومِه لَمَّا أرادوا أن يخرجَ معهم إلى عِيدِهِمْ، وهو يريدُ أن يتخلفَ عنهم لِيَتَسَنَّى له تكسيرُ الأصنامِ: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)} [الصافات: الآيات 88 - 93] فقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} - وهو صحيحٌ - قال بعضُ العلماءِ (¬3): يريدُ أَنِّي سقيمٌ عليكم، سقيمُ القلبِ لخساسةِ عقولِكم، وأنكم تَعْبُدُونَ مع اللَّهِ جماداتٍ، وأنكم ذَاهِبُونَ بفعلِكم إلى النارِ. أو: إِنِّي سقيمٌ في المستقبلِ؛ لأن الإنسانَ لاَ بُدَّ أن يمرضَ فَيَأْتِيهِ الموتُ. وفِي الْمَعَارِيضِ مَنَادِحُ كثيرةٌ عن الكذبِ. ¬
الثانيةُ: هي قولُه: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: آية 63] وبعضُ العلماءِ يقولُ: إنه قَالَ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} قَصَدَهُ لِيُلْجِئَهُمْ إلى الإقرارِ؛ لأن كبيرَهم لا يفعلُ، وأنه جَمَادٌ لاَ يفعلُ شيئًا، فكأنه يُعْرِضُ ويقول: أنتم تَعْبُدُونَ ما لاَ ينفعُ ولا يَضُرُّ، إلى غيرِ ذلك من الأجوبةِ (¬1). أما الثالثةُ: فهي أنه لَمَّا هَاجَرَ من بلادِ قومِه، لَمَّا أَنْجَاهُ اللَّهُ من النارِ مَرَّ على ذلك الْجَبَّارِ فِي القصةِ المشهورةِ الثابِتِ فِي الصحيحين (¬2)، وكانت امرأتُه - سارةُ - من أجملِ النساءِ، فَعَلِمَ بها ذَاكَ الجبارُ فَطَلَبَهَا، وَلَمَّا قال له: مَا هِيَ مِنْكَ؟ قال: هِيَ أُخْتِي. ولم يَقُلْ: هِيَ زَوْجَتِي. خوفَ أن يغارَ عليه فَيَلْحَقَهُ منه بَأْسٌ، وَجَاءَهَا وقال لها: يا سارةُ، إني قلتُ لهذا الجبارِ: إِنَّكِ أُخْتِي، وأنتِ أُخْتِي في الدِّينِ، ليس هُنَا مَنْ يَدِينُ بِدِينِ الإِسْلاَمِ إلا أَنَا وَأَنْتِ، فأنتِ أُخْتِي فِي الإِسْلاَمِ، فلاَ تُكَذِّبِينِي. في القصةِ المشهورةِ الثابت في الصحيحِ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عليه وَأَرَادَ أن يتناولَها بسوءٍ أُخِذَ، فقال لَهَا: ادعِي اللَّهَ لِي ولاَ أعودُ، فَدَعَتْ له فَبَرِئَ، فَهَمَّ أن يعودَ فَأُخِذَ أشدَّ من الأولِ، فقال لِخَدَمِهِ: ما أَتَيْتُمُونِي بإنسانٍ، وإنما أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ!! وأَخْدَمَهَا هاجرَ التي أَعْطَتْهَا لإبراهيمَ، فتسرَّاها وَكانتْ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ. ويذكرونَ في التاريخِ - وقد دَلَّ عليه بعضُ الأحاديثِ - أن هاجرَ أَصْلُهَا بِنْتُ مَلِكِ القبطِ - مَلِكِ مصرَ - أَخَذَهَا منه هذا الملكُ الجبارُ (¬3). ¬
هذه الثلاثُ محلُّ الشاهدِ من هذا الحديثِ الصحيحِ: [ولو كان المعنى: أن إبراهيم كان يعتقد] (¬1) أن الكوكبَ رَبٌّ، وأن القمرَ رَبٌّ، وأن الشمسَ رَبٌّ لكان هذا أعظمَ فِرْيَةٍ، وأعظمَ كَذِبٍ. فلم يَقُلِ النبيُّ: إنه لم يَكْذِبْ إلا هذه الكذباتِ، وإن كانت في نفسِ الأمرِ ليست بكذباتٍ، إلا أن صورتَها كأنها صورةُ الكذبِ، وهي في الحقيقةِ بعيدةٌ من الكذبِ، لطالبِ العلمِ أن يقولَ: قد قَرَّرْتُمْ لنا أن قولَ إبراهيمَ: {هَذَا رَبِّي} في الكوكبِ وفي القمرِ وفي الشمسِ ليس يُظَنُّ أن الكوكبَ رَبٌّ، ولا يَشُكُّ في ذلك، ولكن إذًا فَمَا معنَى قولِه: {هَذَا رَبِّي}؟ وأينَ نَصْرِفُ هذا اللفظَ عن الاعترافِ بربوبيةِ الكوكبِ، والقمرِ والشمسِ؟ الجوابُ: أن العلماءَ خَرَّجُوا هذا على وَجْهَيْنِ (¬2)، كِلاَهُمَا قد يُغْنِي عن الآخَرِ: الأولُ: الذي عليه الجمهورُ: أن الْمُنَاظِرَ إذا أرادَ أن يُفْحِمَ خَصْمَهُ سلَّم له مقدمةً تسليمًا جَدَلِيًّا لِيُمْكِنَهُ أن يَفْحَمَهُ؛ لأنه إذا نَفَى المقدمةَ لا يُمْكِنُ أن يفحمَه. فالمعروفُ في فنونِ الجدلِ: أنه لا بُدَّ للخصمين من أن يَتَّفِقَا على قاعدةٍ، وإن اختلفا مِنَ الأول لا يمكن أن يفحمه. وعليه فالمعنَى: {هَذَا رَبِّي} على التسليمِ الْجَدَلِيِّ، وفي زَعْمِكُمُ الكافرِ الفاسدِ كما قال اللَّهُ جل وعلا: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: آية 27] فَنَسَبَ إلى نفسِه الشركاءَ {أَيْنَ شُرَكَائِيَ} وليس له شريكٌ (جل وعلا) لِيُقَرِّعَهُمْ، ¬
وَيُوَبِّخَهُمْ، كأنه يقولُ: هذا رَبِّي على التسليمِ الجدليِّ وَالتَّنَزُّلِ، وفَرْضِ الْمُحَالِ، وتسليمِ الْمُحَالِ، على قولِكم الكاذبِ الفاسدِ، فكيفَ يكونُ الرَّبُّ وهو يأفلُ ويسقطُ؟ فمقصودُه بهذا ليُفْحِمَهُمْ، فلو قال لهم عندَ أولِ وَهْلَةٍ: الكوكبُ مخلوقٌ مُسَخَّرٌ، لاَ يمكنُ أن يكونَ رَبًّا. لقالوا له: أنتَ كَذَّابٌ، الكوكبُ رَبٌّ لاَ محالةَ. فَلَمَّا تَنَزَّلَ معهم، وَسَلَّمَ لهم الكذبَ والمحالَ أَمْكَنَهُ أن يُفْحِمَهُمْ، وعلى هذا فمعنَى قولِه: {هَذَا رَبِّي} أي: في زَعْمِكُمْ الكافرِ الفاسدِ. فَمِنْ أينَ يكونُ الربُّ وهو يَأْفُلُ؟ أي يَسْقُطُ. الوجهُ الثاني: هو ما قَالَهُ بعضُ العلماءِ: مِنْ أن المقررَ في علومِ العربيةِ أن الجملةَ إذا صُدِّرَتْ بهمزةِ استفهامٍ أو همزةِ تسويةٍ، وكان المقامُ يَدُلُّ عليها، أن حذفَها جائزٌ، وعليه فالمعنَى: أَهَذَا رَبِّي؟! إنكارًا لهم. وحَذَفَ همزةَ الاستفهامِ. قالوا: وحَذْفُ همزةِ الاستفهامِ إذا دَلَّ المقامُ عليه ذَهَبَ غيرُ واحدٍ من علماءِ العربيةِ إلى أنه جائزٌ، وقال بِاطِّرَادِهِ جماعةٌ من النحويين، منهم: الأخفشُ، واعتمدَه ابنُ مالكٍ في شرحِ الكافيةِ، وقال به غيرُ وَاحِدٍ (¬1). وإذا نَظَرْتَ كلامَ الربِّ وَجَدْتَهُ كَثِيرًا فيه، فائضًا فيه، كثرةً تُعْرَفُ منها أنه جَائِزٌ. وهو يُوجَدُ في كلامِ العربِ على ثلاثة أنحاءَ - أَعْنِي حذفَ همزةِ الاستفهامِ إذا دَلَّ المقامُ عليها -: يوجدُ بدونِ (أَمْ)، وبدونِ ¬
ذِكْرِ الجوابِ، ويوجدُ بدونِ (أَمْ) مع ذِكْرِ الجوابِ. وهو مع (أَمْ) كثيرٌ مُطَّردٌ شائعٌ. فمثالُ وجودِه دونَ (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ: قولُ أَبِي خراشٍ الْهُذَلِيِّ - وَاسْمُهُ خويلدُ (¬1) -: رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ يعني: أَهُمُ هُمُ؟ فحذفَ همزةَ الاستفهامِ، وَمِنْ هَذَا المعنَى قولُ الكُمَيْتِ (¬2): طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ وَلاَ لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ؟ يعني: أَوَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ؟! فحذفَ همزةَ الاستفهامِ. ومنه دونَ (أَمْ) مع ذكرِ الجوابِ على التحقيقِ: قولُ عمرَ بنِ أَبِي ربيعةَ المخزوميِّ (¬3): أَبْرَزُوهَا مِثْلَ الْمَهَاةِ تَهَادَى بَيْنَ خَمْسٍ كَوَاعِبٍ أَتْرَابِ ثُمَّ قَالُوا: تُحِبُّهَا؟ قُلْتُ بَهْرًا عَدَدَ النَّجْمِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ فقوله: «تُحِبُّهَا»، يعني: أَتُحِبُّهَا؟؟ وإتيانُه مع (أَمْ) لا تكادُ تُحْصِيهِ في كلامِ العربِ وأشعارِهم، فَمِنْ حَذْفِ همزةِ الاستفهامِ قبلَ ¬
(أَمْ) قولِ عمرَ بنِ أَبِي رَبِيعَةَ (¬1): بَدَا لَِي مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ... وَكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ يَعْنِي: أبسبعٍ أَمْ بِثَمَانِ. ومنه بهذا المعنَى قولُ الأَخْطَلِ (¬2): كَذَبَتْكَ عَينُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلاَمِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاَ يعني: أَكَذَبَتْكَ، بحذفِ الهمزةِ. كما جَوَّزَهُ سيبويه في كتابِه خلافًا للخليلِ (¬3). ومنه بهذا المعنَى قولُ الأسودِ بنِ يعفرَ التميميِّ (¬4): فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... شُعَيثُ بُنْ سَهْمٍ أَمْ شُعيْثُ بْنُ مِنْقَرِ يعني: أَشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ؟ ومنه بهذا المعنَى قولُ أُحيحةَ بنِ الجُلاحِ الأنصاريِّ المشهور (¬5): وَمَا تَدْرِي وَإِنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا ... غَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ يعني: أَلِغَيْرِكَ. ¬
وقولُ الخنساءِ الشاعرةِ (¬1): قَذًى بِعَيْنَيْكَ أَمْ بِالْعَيْنِ عُوَّارُ أَمْ خِلْتَ إِذْ أَقْفَرتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ وقولُ امْرِئِ الْقَيْسِ (¬2): تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَوْ تَبْتَكِرْ وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِرْ؟ وهو كثيرٌ شائعٌ، قالوا: فَعَلَى هذا فيكونُ الْمَعْنَى: أَهَذَا رَبِّي؟ فَحُذِفَتْ أداةُ الاستفهامِ، وعلى هذا القولِ فالقرينةُ على أداةِ الاستفهامِ: إيقانُ إبراهيمَ المذكورُ قبلَه في قولِه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: آية 75] وتصريحُ اللَّهِ بأنه مُحَاجٌّ وَمُنَاظِرٌ لاَ ناظر بقولِه: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: آية 80] وقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} [الأنعام: آية 83] قالوا: وَمِنْ حذفِ الاستفهامِ في القرآنِ قولُه تعالى: {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: آية 74] لأَنَّ المعنَى: أَفَئِنْ مِتَّ أَفَهُمُ الخالدونَ بعدَ موتِكَ؟ في نظائرَ ذَكَرُوهَا. هذانِ الوجهانِ في قولِه: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76]. وقولُه: {فَلَمَّا أَفَلَ} أُفُولُ النجمِ هو سقوطُه وغيبوبتُه، إذا طَلَعَ النجمُ تقولُ العربُ: طَلَعَ، وتقولُ في القمرِ والشمسِ: بَزَغَ. فإذا غابَ تقولُ العربُ: أَفَلَ، فالأُفُولُ: الغيبوبةُ (¬3)، ومنه قولُ العربِ: أينَ أَفَلْتَ عنَّا؟ أَيْنَ غِبْتَ عَنَّا؟ فلمَّا أَفَلَ ذلك النجمُ - أي: غَابَ - ¬
قال إبراهيمُ: {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} يعني بقولِه: {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} لا أحبُّ أن أعبدَ هذا الساقطَ المُتَغَيِّرَ المُسَخَّرَ؛ لأنه لا يمكنُ أن يكونَ هو الْمُدَبِّرَ لشؤونِ هذا الْعَالَمِ، الذي بِيَدِهِ النفعُ والضرُّ، فَمَنْ يتصفُ بصفةِ الأفولِ والغيبوبةِ والسقوطِ لا يحبُّ عبادتَه؛ لأنه ليس مُتَّصِفًا بصفاتِ الربِّ؛ لأن صفاتِ الربِّ: العظمةُ، والقدرةُ الكاملةُ، وهذا متصفٌ بصفةِ نقصٍ وتغيرٍ، لا يصلحُ أن يكونَ رَبًّا. قال بعضُ العلماءِ: ووافقَ هذا أن في مُعْتَقَدِهِمْ أن الكواكبَ التي يَعْبُدُونَهَا أنها وَقْتَ أُفُولِهَا يسقطُ تأثيرُها في ذلك الوقتِ، وأنها تضعفُ حتى ترجعَ طالعةً، فيرجعَ لها ما كان لها من [7/ب] التأثيرِ في زَعْمِهِمْ / فوافقَ هذا أُفُولَهُ؛ ولذا قال لهم: {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ}. فكأنه هنا اسْتَنْتَجَ لهم إنتاجًا واضحًا أن الكوكبَ لاَ يمكنُ [أن يكونَ] (¬1) رَبًّا من مُقَدِّمَتَيْنِ: أحدُهما: أنه آفِلٌ، وكونُه آفلاً يدلُّ على أنه مُسَخَّرٌ، أنه جرمٌ مُسَخَّرٌ بقدرةِ وإرادةِ غَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ: هي أنه لا يُحِبُّ الآفِلِينَ، فكأنه يقول: هذا آفِلٌ، وَكُلُّ آفِلٍ كائنًا ما كَانَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ النقصِ لا يمكنُ أن يكونَ رَبًّا، فهذا لا يمكنُ أن يكونَ رَبًّا. ثم قال جل وعلا: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 77] أَصْلُ البزوغِ: أولُ الطلوعِ، لَمَّا رَآهُ طَالِعًا في أولِ طلوعِه قال: {هَذَا رَبِّي} على ما بَيَّنَّا في غيرِه. ¬
{فَلَمَّا أَفَلَ} أي: غَابَ القمرُ وَذَهَبَ. {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}. العلماءُ قالوا: قولُه: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} فيه وجهانِ من التفسيرِ (¬1): أحدُهما: أنه تَوَاضُعٌ مِنْ إبراهيمَ، كقولِه هو وإسماعيل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: آية 128] يطلبُ اللَّهَ أن يجعلَه مِنْ جُمْلَةِ المسلمين تَوَاضُعًا لِلَّهِ (جل وعلا). وكقولِه: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: آية 35] كُلُّ هَذَا تواضعٌ من الأنبياءِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم)، وإظهارُهم للفقرِ والعجزِ بين يَدَيِ اللَّهِ (جل وعلا)، ولذا قال: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: آية 77]. الثَّانِي: هو ما قَالَ بعضُ العلماءِ: أن هذا تعريضٌ بقومِه، يعنِي مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فإنه ضَالٌّ، فكيفَ تَضِلُّونَ وَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أجرامًا لا تنفعُ ولا تَضُرُّ، وليس بيدِها شيءٌ؟ والمعنَى: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فلاَ هاديَ لَهُ، فهو ضَالٌّ، كأنه تعريضٌ بقومِه على هذا القولِ. ثم لَمَّا رَأَى الشمسَ {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً} أي: طَالِعَةً {قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 78] والمعنَى: هذا الطالعُ المنيرُ رَبِّي، فَعَبَّرَ عنها بالمعنَى، هذا الطالعُ المنيرُ رَبِّي (¬2). قال بعضُ العلماءِ (¬3): وَوَجْهُ تذكيرِه لأنه لاَ ينبغي أن يُطْلَقَ على الرَّبِّ اسمُ أُنْثَى، ولو على لَفْظِهِ؛ وَلِذَا قال: {هَذَا رَبِّي} هذا الطالعُ المنيرُ رَبِّي. ¬
ثم قال: {هَذَا أَكْبَرُ} هذا مِنَ التَّنَزُّلِ كالأولِ، يعني: هذا أكبرُ من الكوكبِ ومن القمرِ، فَحَذَفَ (مِنْ) وما بَعْدَهَا (¬1)، هذا أكبرُ من الكوكبِ ومن القمرِ، ومقصودُه بـ {هَذَا أَكْبَرُ} هو إسقاطُ الشمسِ أيضًا؛ لأن الأكبرَ الأعظمَ إذا كان يتصفُ بصفةِ النقصِ فصفةُ النقصِ أعظمُ في الكبيرِ الجليلِ منها في الصغيرِ الحقيرِ. {فَلَمَّا أَفَلَتْ} أي: غَابَتِ الشمسُ {فَلَمَّا أَفَلَتْ} أَقَامَ عليهم الحجةَ ثلاثَ مراتٍ، فأظهرَ حقيقةَ أمرِه، وقد قَضَى وَطَرَهُ مِنَ التَّنَزُّلِ لهم حتى أَلْقَمَهُمُ الْحَجَرَ، فَصَرَّحَ لهم بعقيدتِه، قال لهم: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} أَبْرَأُ إلى اللَّهِ مِمَّا تعبدونَ مِنْ دُونِهِ. ثم قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} [الأنعام: آية 79] أي: أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي وَقَصْدِي {لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} للقادرِ النافعِ الضارِّ الذي هو الخالقُ الرازقُ. وقولُه: {لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} يُشِيرُ به إلى أن علامةَ استحقاقِ العبادةِ شيءٌ واحدٌ، العلامةُ لِمَنْ يستحقُّ العبادةَ شيءٌ واحدٌ، وهو أنه الذي يَخْلُقُ وَيُبْرِزُ من العدمِ إلى الوجودِ، فَمَنْ يُبْرِزُكَ من العدمِ إلى الوجودِ هذا رَبُّكَ الذي يستحقُّ أن تعبدَه، وَمَنْ لاَ يَقْدِرُ على إبرازِك من العدمِ إلى الوجودِ فهو عبدٌ مربوبٌ محتاجٌ إلى خالقٍ يعبدُه مثلُك؛ وَلِذَا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: آية 21] وقال: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: آية 16] لا وَاللَّهِ {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: آية 16] وخالقُ كُلِّ شيءٍ هو المعبودُ وحدَه. ¬
ومعنَى: {فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأنعام: آية 79] فَطَرَهُمَا يَعْنِي: خَلَقَهُمَا وَاخْتَرَعَهُمَا على غيرِ مثالٍ سابقٍ. فـ (الفَطْرُ) معناه: الاختراعُ والابتداعُ على غيرِ مثالٍ سابقٍ، رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ (رضي الله عنهما) أنه قال: ما كنتُ أتحققُ حقيقةَ معنَى {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأنعام: آية 14] حَتَّى اختصمَ إِلَيَّ أعرابيانِ في بِيرٍ، فقال أحدُهما: إِنَّهَا بِيرِي، وأنا الذي فَطَرْتُهَا (¬1). يعني: اخْتَرَعْتُهَا، وَابْتَدَأْتُ حَفْرَهَا. فعلمتُ أن العربَ تُطْلِقُ هذا على اختراعِ الفعلِ وابتدائِه. وهذا معنَى قوله: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} أي: أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي وَقَصْدِي للذي خَلَقَ السمواتِ والأرضَ. {فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أي: خَلَقَهُمَا وَابْتَدَعَهُمَا بما فيهما. {حَنِيفًا} أي: حالَ كَوْنِي حَنِيفًا، أي: مائلاً عن الدينِ الباطلِ إلى دينِ الحقِّ، أصلُ الحنيفِ: (فَعِيْل) من (الحَنَف) بفتحتين، ¬
و (الحَنَفُ) أصلُه في لغةِ العربِ أن يميلَ مقدمُ الرجلِ اليمنى إلى جهةِ الرِّجْلِ اليُسْرَى، ويميلُ مقدمُ الرجلِ اليُسْرَى إلى جهةِ الرِّجْلِ اليُمْنَى، فيقال للرجلِ: (أحنفُ)، وللمرأةِ: (حَنْفَاء). وقد كان كذلك الأحنفُ بنُ قيسٍ المشهورُ، وقد قالت أُمُّهُ تُرقِّصُهُ وَهُوَ صَغِيرٌ (¬1): وَاللَّهِ لَوْلاَ حَنَفٌ برِجْلِهِ مَا كَانَ فِي فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِ فهذا الميلُ صارَ حقيقةً عُرفيةً في الميلِ عن الدينِ الباطلِ إلى دينِ الحقِّ، فمعنَى {حَنِيفًا}: مائلاً عن كُلِّ دينٍ باطلٍ إلى دينِ اللَّهِ الصحيحِ (¬2). {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: آية 79] يعنِي في قولِه: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76] لستُ أُشْرِكُ بِرَبِّي شيئًا، ولا أعتقدُ رُبُوبِيَّةَ كوكبٍ ولاَ شمسٍ ولاَ قَمَرٍ. هذا هو الظاهرُ في هذه الآياتِ الكريمةِ أن نَبِيَّ اللَّهِ إبراهيمَ مُنَاظِرٌ لا نَاظِرٌ، وأنه يريدُ بهذا التَّنَزُّلِ: التوصلَ إلى إفحامِ خصومِه بدليلِ قولِه: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: آية 80] حَاجَّهُ: أصلُه (حَاجَجَهُ) من (الْمُحَاجَجَةِ)، بأن يُدْلِي كُلٌّ منهما بحجتِه ضِدَّ الآخَرِ، وَكُلُّ كلامٍ يُدْلِي به خصمٌ ضِدَّ آخَرَ يُسَمَّى: (حجةً) ولو كان في غايةِ البطلانِ، كما قال تعالى في قومٍ أَدْلَوْا بكلامٍ باطلٍ: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الشورى: آية 16] فهو يُطْلَقُ على كُلِّ ما أَدْلَى به خصمٌ ضِدَّ آخَرَ، تقولُ له العربُ: (حجة) (¬3)، و (المُفَاعَلَةُ): (حَاجَّ) أصلُها: (حَاجَجَ)، على وزنِ ¬
(فَاعَلَ) أُدْغِمَتْ إحدى الْجِيمَيْنِ في الأُخْرَى. {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} قومُ الرجلِ أصلُهم: جماعتُه، و (القومُ) في وضعِ اللسانِ العربيِّ يُطْلَقُ على الذكورِ خاصةً، وربما دَخَلَ فيهم الإناثُ بِحُكْمِ التَّبَعِ (¬1). فالدليلُ على إِطْلاَقِهِ على الذكورِ خاصةً في الوضعِ العربيِّ قولُه تعالى: {لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} ثم قال: {وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ} [الحجرات: آية 11] فَعَطْفُ النساءِ عليهم يدلُّ على اختصاصِ اسمِ (القومِ) بالذكورِ دونَ الإناثِ، ونظيرُه من كلامِ العربِ قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلْمَى (¬2): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْري أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ والدليلُ على دخولِ النساءِ في اسمِ (القومِ) بحكمِ التبعِ قولُه تعالى في بلقيسَ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: آية 43] دَخَلَتْ بالتبعِ، بدليلِ قرينةِ السياقِ. ومعنى محاجةِ قومِه له: أنهم قالوا له: كَيْفَ تَدَّعِي أن المعبودَ واحدٌ، وأن العَالَمَ كُلَّهُ يُدَبِّرُ شؤونَه ويسمعُ نداءَه معبودٌ واحدٌ؟ هذا لا يمكنُ!! كما قال قومُ نَبِيِّنَا له: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: آية 5] فقالوا له: مَنْ يَعْبُدُ آلهةً متعددةً خيرٌ مِمَّنْ يقتصرُ على واحدٍ؛ لأن هؤلاء المتعددين تَتَكَرَّرُ بهم الشفاعةُ من جهاتٍ، وهذا واحدٌ. ومحاججتُهم له في توحيدِ اللَّهِ؛ وَلِذَا قال: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ} [الأنعام: آية 80] دَلَّ ذلك على أن محاججتَهم فِي ¬
اللَّهِ وَفِي عبادتِه، قال مُنْكِرًا عليهم: {أَتُحَاجُّونِّي} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ، ما عدا نَافِعًا وحدَه، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ، وهشامٌ عن ابنِ عامرٍ - بخلافٍ عنه - قَرَأَهُ كُلُّهُمْ: {أَتُحَاجُّونِّي} بتشديدِ النونِ، وقرأَه نافعٌ بروايةِ ورشٍ وقالونَ وهشامٍ - بخُلف عنه - عن ابنِ عامرٍ كذلك {أَتُحَاجُّونِي} بتخفيفِ النونِ. والياءُ مثبتةٌ عِنْدَ جميعِ القراءِ، فَهُمَا قراءتانِ سَبْعِيَّتَانِ (¬1) {أَتُحَاجُّونِّي} وهذه قراءةُ الجمهورِ، وقراءةُ نافعٍ وهشامٍ - في إحدى الروايتين -: {أَتُحَاجُّونِي} بنونٍ بعدَها ياءٌ، نونٌ مُخَفَّفَةٌ. أما قراءةُ الجمهورِ فلا إشكالَ في الآيةِ عليها، أصلُها تأتي هنا نونانِ، النونُ الأُولَى: نونُ الرفعِ، والثانيةُ: نونُ الوقايةِ، فأُدْغِمَتْ إحدى النُّونَيْنِ في الأُخْرَى، وهذا لا إشكالَ فيه (¬2). أما على قراءةِ نافعٍ: {أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ} وقرأ بها هشامٌ عن ابنِ عامرٍ - في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ - {أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ} فقد اسْتَشْكَلَهَا بعضُ العلماءِ، وذُكِرَ عن بعضِ علماءِ العربيةِ أنه قال: قراءةُ نافعٍ في هذا لَحْنٌ (¬3)!! وهذا خطأٌ، بل هي قراءةٌ فصيحةٌ، ولغةٌ عربيةٌ فُصْحَى، قرأ بها نافعٌ في حروفٍ كثيرةٍ من القرآنِ، في قولِه هنا في الأنعامِ: {أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ} وفي قولِه في الزمرِ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: آية 64] وفي قولِه في النحلِ: {أَيْنَ ¬
شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: آية 27] وفي قولِه في الحجرِ: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: آية 54] بكسرِ النونِ. كُلُّ هذه الحروفِ قَرَأَهَا نافعٌ على هذه الوتيرةِ. والتحقيقُ في هذا: أن هذه لغةٌ فُصْحَى، كما جَزَمَ به سيبويه (¬1) أن من عادةِ العربِ إذا اجتمعَ مِثْلاَنِ أن يُخَفِّفُوا وَيَحْذِفُوا أحدَ الْمِثْلَيْنِ، وأنشدَ له سيبويه قولَ عمرِو بنِ مَعْدِي كَرِبَ الزبيديِّ (¬2): تَرَاهُ كَالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الْفَالِيَاتِ إِذَا فَلَيْنِ قال: الأصلُ: فَلَيْنَني. فَلَمَّا اجتمعَ نونانِ حُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا (¬3). والتحقيقُ المقررُ في علومِ العربيةِ: أن نونَ الرفعِ المعروفةَ في الأفعالِ الخمسةِ أنها لها حالاتٌ متعددةٌ - لها تقريبًا خمسُ حالاتٍ - في ثلاثِ حالاتٍ يجبُ حذفُها بقياسٍ مُطَّرِدٍ، وهذه الثلاثُ التي يجبُ فيها حذفُ نونِ الرفعِ (¬4): أَوَّلُهَا: ما إذا دَخَلَ عليها جَازِمٌ. والثانيةُ: إذا دَخَلَ عليها ناصبٌ. وقد جَمَعَهُمَا قولُه: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: آية 24]. ¬
الثالثةُ (¬1): إذا دَخَلَتْ عليها نونُ التوكيدِ الثقيلةُ نحو: {لَتُبْلَوُنَّ} فإنها يجبُ حَذْفُهَا فِي هذه الأمورِ الثلاثةِ بقياسٍ مُطَّرِدٍ. ما إذا تَقَدَّمَهَا جَازِمٌ، أو تَقَدَّمَهَا ناصبٌ، أو دَخَلَتْ عليها نونُ التوكيدِ الثقيلةُ. فَتُحْذَفُ نونُ الرفعِ باطرادٍ، وبقاؤُها مع الجازمِ أو الناصبِ لغاتٌ قليلةٌ مسموعةٌ، وبقاؤُها مع الجازمِ كقولِ الشاعرِ (¬2): لَوْلاَ فَوَارِسُ مِنْ نُعْمٍ وَأُسْرَتِهِمْ يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لِمْ يُوفُونَ بِالْجَارِ فهذه لغةٌ قليلةٌ تُحْفَظُ وَلاَ يُقَاسُ عليها. وكبقائِها مع الناصبِ، كقولِ الشاعرِ (¬3): أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّي السَّلاَمَ وَأَنْ لاَ تُشْعِرَا أَحَدَا هذا أيضًا كذلك. أما الموضعُ الرابعُ: فهو يجوزُ فيه حذفُها وإبقاؤُها بقياسٍ مُطَّرِدٍ، كأن تجتمعَ نونُ الرفعِ مع نونِ الوقايةِ - كهذه الآياتِ التي ذَكَرْنَا - فإنها يجوزُ إثباتُ نونِ الرفعِ كقراءةِ الجمهورِ، ويجوزُ حذفُها كقراءةِ نافعٍ، وقد غَلِطَ مَنْ ظَنَّ أن النونَ المحذوفةَ أنها نونُ الوقايةِ، فالمحذوفةُ نونُ الرفعِ (¬4). ¬
الْمَوْضِعُ الخامسُ: هو أَنْ تُحْذَفَ نونُ الرفعِ لغيرِ واحدٍ من الأسبابِ الأربعةِ - لأَنْ لاَ يدخلَ عليها نَاصِبٌ وَلاَ جَازِمٌ، ولاَ تكونُ مع نونِ التوكيدِ الثقيلةِ، وَلاَ مَعَ نونِ الوقايةِ - فَحَذْفُهَا في مثلِ هذا شَاذٌّ يُحْفَظُ وَلاَ يُقَاسُ عليه، كقولِ الراجزِ (¬1): أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي فالتحقيقُ أن قراءةَ نافعٍ في هذا الحرفِ وفي غيرِه أنها على لغةٍ عربيةٍ فُصْحَى. ومعنى الآيةِ الكريمةِ: أَتُحَاجُّونَنِي، أَتُجَادِلُونَنِي في اللَّهِ، وأني لا أعبدُه وحدَه، والحالُ قد هَدَانِي رَبِّي، وَشَرَحَ صَدْرِي بما أَوْحَى إِلَيَّ، وبما أَرَانِي من ملكوتِ السمواتِ والأرضِ حتى صرتُ من الْمُوقِنِينَ، أَبَعْدَ هذا من العلمِ واليقينِ الذي أَعْطَانِي اللَّهُ تُحَاجُّونَنِي وَتُجَادِلُونَنِي في اللَّهِ، في أنه المعبودُ وحدَه؟ هذا مما لا يكونُ ولا يصحُّ. ثم إنهم قالوا له على عادةِ الكفارِ: تَرَى أَنَّكَ عِبْتَ آلِهَتَنَا وأصنامَنا، وَعِبْتَهَا وكسرتَها، وقلتَ: إنها لا تنفعُ ولا تَضُرُّ. ترى أنها ستصيبُك ببرصٍ أو جُذَامٍ أو تُخَبِّلُكَ فَتُجَنّنكَ (¬2)!! وهذه عادةُ الكفارِ، يخوفونَ أنبياءَ اللَّهِ من أصنامِهم. فأجابَهم إبراهيمُ قال لهم: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} قال لهم: لا أخافُ ما تشركونَ به؛ لأنه لا ينفعُ ولا يَضُرُّ، ولا يُتَرَقَّبُ منه خوفٌ ولا نفعٌ، فلا أخافُه أَبَدًا. ¬
والتحقيقُ في الاستثناءِ في قولِه: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} أنه استثناءٌ منقطعٌ. هذا هو التحقيقُ (¬1)، والمعنَى: لكن إن شاءَ رَبِّي أمرًا مَخُوفًا أَوْقَعَنِي فيه، أَمَّا أصنامُكم فليس منها خوفٌ، وليس منها نَفْعٌ؛ لأنها جماداتٌ لا تنفعُ ولا تَضُرُّ. وهذا هو التحقيقُ، خلافًا لقومٍ زَعَمُوا أن الاستثناءَ مُتَّصِلٌ، وقالوا: لا أَخَافُ من معبوداتِكم إلا أن يشاءَ اللَّهُ أن يجعلَ لِي منها ضررًا، كأن يُسْقِطَ عَلَيَّ قطعةً من القمرِ الذي تعبدونَ، أو من الشمسِ الذي تعبدونَ، وأن يخلقَ في الحجارة عقولاً وقوةً تبطشُ بِي بها (¬2). هذا كُلُّهُ خلافُ التحقيقِ. والتحقيقُ أن الاستثناءَ منقطعٌ، وأن المعنَى: ولا أخافُ ما تشركونَ به شيئًا، فلا أخافُ ما تشركونَ به، ثم إنه لَمَّا نَفَى الخوفَ عن نفسِه اسْتَثْنَى مشيئةَ اللَّهِ، إلا أن يشاءَ اللَّهُ أن يُخَوِّفَنِي بما شاءَ، فَلَهُ في ذلك ما شَاءَ، والاستثناءُ استثناءٌ منقطعٌ، والتحقيقُ: أن الاستثناءَ المنقطعَ جائزٌ في لغةِ العربِ، وفي كلامِ العربِ، خلافًا للمقررِ في ¬
أصولِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، فالمقررُ في الأصولِ (¬1) عند ثلاثةٍ من الأئمةِ: مالكٍ، والشافعيِّ، وأبِي حنيفةَ، أن الاستثناءَ المنقطعَ صحيحٌ، وأنه جائزٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، خلافًا لِلْمُقَرَّرِ في أصولِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ أن الاستثناءَ المنقطعَ لا يجوزُ؛ لأن غيرَ ما دَخَلَ لا يمكنُ أن يُخْرَجَ بالاستثناءِ، وحجةُ الجمهورِ وُرُودُ الاستثناءِ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، وَمِنْ ورودِ الاستثناءِ المنقطعِ في القرآنِ: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: آية 157] فاتباعُ الظَّنِّ ليس من جنسِ العلمِ، وكقولِه: {وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى (20)} [الليل: الآيتان 19، 20]. فليس من جنسِ نعمةٍ لأحدٍ عندَه، وكقولِه: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا} {إِلاَّ سَلَامًا} [الواقعة: الآيتان 25، 26] فالسلامُ ليس من جنسِ اللغوِ. وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬2): وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلاَنًا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا، وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلاَّ الأَوَارِيَّ لأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ فالأَوَارِيُّ التي هي مرابطُ الخيلِ لَيْسَتْ من جنسِ الأحدِ. وكقولِ الراجزِ (¬3): وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلاَّ الْيَعَافِيرُ وَإِلاَّ الْعِيسُ ¬
وذلك ليس من جنسِ الأنيسِ. وقول الفرزدقِ (¬1): وَبِنْتُ كَرِيمٍ قَدْ نَكَحْنَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا خَاطِبٌ إِلاَّ السِّنَانَ وَعَامِلَهْ فالسنانُ ليس من جنسِ الخاطبِ. وَيَنْبَنِي في الأصولِ على الخلافِ في الاستثناءِ المنقطعِ: ما لو قال رجلٌ في إقرارِه: أُقِرُّ لزيدٍ أن له عَلَيَّ ألفَ دينارٍ إلا ثوبًا. فالذين قالوا بجوازِ الاستثناءِ المنقطعِ قالوا: تسقطُ قيمةُ الثوبِ من الألفِ. وعلى مذهبِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ - المانعُ للاستثناءِ المنقطعِ - لا يسقطُ من الألفِ شيءٌ؛ لأن الثوبَ ليس من جنسِ الدنانيرِ التي أَقَرَّ بها. وعلى هذا فالمعنَى: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} لا أخافُ الأصنامَ التي تُشْرِكُونَهَا بِاللَّهِ (جل وعلا). فالتحقيقُ في الضميرِ في (به) أنه عائدٌ إلى اللَّهِ (¬2). (تشركونها بالله) أي: به (جل وعلا). لا أخافُها لأنها لا تنفعُ ولا تَضُرُّ. ثم استثنَى وقال: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} لكن إن شَاءَ رَبِّي مَخُوفًا أن يوقعَني فيه فَلَهُ (جل وعلا) ما شَاءَ، فالاستثناءُ منقطعٌ، وليس المرادُ أنه اسْتَثْنَى مخافةً من الأصنامِ أبدًا؛ لأنها جمادٌ لا ينفعُ ولا يَضُرُّ، والاستثناءُ منقطعٌ، كما جَزَمَ به غيرُ واحدٍ من الْمُحَقِّقِينَ، وقد غَلِطَ من جعلَه متصلاً، كمن قال: إن اللَّهَ قادرٌ على أن يخلقَ في الأصنامِ عقولاً وبطشًا تضرُّه به، وقادرٌ على أن يُسْقِطَ عليه فلقةً من القمرِ الذي يعبدونَ فتضره!! هذا بعيدٌ من ¬
كلامِ العربِ، والظاهرُ ما ذَكَرْنَا. وهذا معنَى قولِه: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} يُخَوِّفُنِي به فمشيئةُ اللَّهِ نافذةٌ كائنةٌ ما كَانَتْ. {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} {عِلْمًا} تمييزٌ مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ (¬1). والمعنَى: وَسِعَ علمُه كُلَّ شيءٍ، فهو عَالِمٌ بِكُلِّ شيءٍ، وعلمُه المحيطُ بِكُلِّ شيءٍ إذا أحاطَ بأنه يَجْعَلُنِي في مخافةٍ فذلك حقيقٌ، فلما نَفَى الخوفَ من الأصنامِ تداركَ وقال: لا يُمْكِنُنِي أن أنفيَ الخوفَ، بل أُنِيطُهُ بمشيئةِ اللَّهِ، إذا شاءَ أن يُخِيفَنِي أَخَافَنِي، وإلا فَلاَ. هذا معنَى الكلامِ. ثُمَّ قَالَ: {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} أفلاَ تَتَّعِظُونَ وتعلمونَ أَنَّنِي لا ينبغي لي أن أخافَ من جماداتٍ لا تَنْفَعُ مع أنكم لا تَخَافُونَ من شديدِ البطشِ، ملكِ السماواتِ والأرضِ، حيثُ تكفرونَ به، وتصرفونَ حقوقَه لغيرِه؛ وَلِذَا أتبعَه بقولِه: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} [الأنعام: آية 81] في غايةِ الإنكارِ، كيفَ أخافُ هذه الجماداتِ التي أَشْرَكْتُمُوهَا بِاللَّهِ، لا تنفعُ ولا تضرُّ، وأنتم لا تخافونَ جبارَ السماواتِ والأرضِ، حيث تَكْفُرُونَ به، وَتُشْرِكُونَ به غيرَه؟ {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ} (ما) موصولةٌ، وهي في محلِّ المفعولِ لـ: {أَشْرَكْتُمْ} (¬2) أي: أشركتُم بِاللَّهِ الشيءَ الذي لم يُنَزِّلْ به سلطانًا. أي: حُجَّةً. ¬
وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على أن نفيَ الشيءِ لا يدلُّ على إمكانِه؛ لأن نفيَ السلطانِ عن الآلهةِ لا يدلُّ على إمكانِه، كقولِه: {وَمَا ظَلَمُونَا} [البقرة: آية 57] فَنَفْيُهُ ظُلْمَهُمْ عنه لا يدلُّ على إمكانِه (¬1)، فهذا يدلُّ على أن نفيَ الفعلِ لا يدلُّ على إمكانِه، كما قال جل وعلا: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: آية 117] فنفيُ البرهانِ لا يدلُّ على إمكانِ البرهانِ؛ إِذْ لا يقومُ عليه برهانٌ أبدًا. وهذا معنَى قولِه: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} [الأنعام: آية 81] أي: حجةً واضحةً. ثم قال: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ} أَيُّ الفريقين أحقُّ بالأمنِ، أهو الفريقُ الذي يعبدُ اللَّهَ، ويوحدُ اللَّهَ، ويطيعُ اللَّهَ، الذي بيدِه النفعُ والضرُّ، وَيُرْقَبُ وَيُرْجَى مِنْ قِبَلِهِ كلُّ شيءٍ، أو هذا الذي يكفرُ باللَّهِ ويغضُبه ويسخطُه ويصرفُ حقوقَه للجماداتِ؟ أَيُّ هذين الفريقين أَحَقُّ بالأمنِ والسلامةِ من الآخَرِ؟ الجوابُ: أن فريقَ اللَّهِ الذي يعبدُه ويوحدُه ويطيعُه لاَ شَكَّ أنه أَحَقُّ بالأمنِ؛ وَلِذَا قال: {الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنعام: آية 82] وهم إبراهيمُ {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} أي: لم يَخْلِطُوا إيمانَهم بشرك {أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ، في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمةِ أنه لَمَّا نَزَلَ قولُه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقَّ ذلك على أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نفسَه؟ فقال لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ الَّذِي تُرِيدُونَ». ثم تَلاَ قوله: «{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (¬2) ¬
[لقمان: آية 13]» وَبَيَّنَ لهم أن المرادَ بالظلمِ هنا: الشركُ. وكان الزمخشريُّ يقولُ: لاَ يمكنُ أن يُفَسَّرَ الظلمُ هنا بالشركِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} لأن الشركَ لا يختلطُ مع الإيمانِ؛ لأنهما ضِدَّانِ (¬1). وهذا في الحقيقةِ أمرٌ غيرُ صحيحٍ؛ لأن اللَّهَ يقول: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: آية 106] فإنهم يؤمنونَ بربوبيةِ اللَّهِ (جل وعلا)، وَبِأَنَّهُ النافعُ الرازقُ، ويشركونَ معَه غيرَه في عبادتِه، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} وقد جاء في بعضِ الأحاديثِ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ في سفرٍ من أسفارِه من المدينةِ، ثم بعدَ ذلك لَحِقَ بهم بَدَوِيٌّ راكبًا على بعيرٍ، وقد قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إني أتيتُك من بلادِي وَتِلاَدِي، أُرِيدُ أن تعلمنَي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وأدخلَ في دِينِكَ، فَعَلَّمَهُ النبيُّ شرائعَ الإسلامِ، وَآمَنَ على يدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إيمانًا صحيحًا، وفي ذلك الوقتِ سَقَطَتْ يدُ بعيرِه في جُحْرٍ في الليلِ، فانكسرَ عُنُقُهُ فماتَ، فقال لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَذَا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ». لأنه عندمَا آمَنَ إِيمَانًا صَحِيحًا نَقِيًّا أَخَذَهُ اللَّهُ إليه. وفي بعضِ الرواياتِ: فيه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: «إِنَّهُ رَأَى مَلَكًا يَدُسُّ فِي فِيهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ؛ لأَنَّهُ مَاتَ جَائِعًا». جاء هذا في أحاديثَ مرفوعةٍ، اللَّهُ أعلمُ بأسانيدِها (¬2). ¬
وقوله جل وعلا: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي: لم يَخْلِطُوا إيمانَهم بشركٍ {أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} كإبراهيمَ وَمَنْ سَارَ على سَيْرِهِ. {وَهُم مُّهْتَدُونَ} على طريقٍ صحيحةٍ. يُفْهَمُ من مفهومِ مخالفةِ الآيةِ: أن الذين لم يؤمنوا وكانوا يلبسون كُلَّ شيءٍ بِظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وعبادتِهم للأصنامِ لاَ أَمْنَ لهم في الدنيا ولا في الآخرةِ، وليسوا مُهْتَدِينَ. هذا معنَى الآيةِ الكريمةِ. [8/أ] / قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)} [الأنعام: الآيات 83 - 90]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: الآية 83].
في هذا الحرفِ قراءتانِ سبعيتانِ (¬1): قَرَأَهُ أربعةٌ من السبعةِ: نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ: {نَرْفَعُ درجاتِ مَنْ نَشَاءُ} غيرَ مُنَوَّنٍ مُضافًا إلى (مَنْ)، وقرأهُ الكوفيون - عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ - {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء} بتنوينِ درجاتٍ، وإدغامِ نونِ التنوينِ في الميمِ. ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} اختلفَ العلماءُ في المشارِ إليه بقولِه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} فَعَنْ مُجَاهِدٍ: أن الحجةَ الْمُشَارَ إليها بقولِه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} أنها قولُ نبيِّ اللَّهِ إبراهيمَ: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} [الأنعام: آية 81]. قال: لَمَّا خوَّفوه أَصْنَامَهُمْ، وزعموا أنها تُخَبِّلُهُ وتستجلبُ له البرصَ ونحوَه، قال لهم: كيف أخافُ أصنامًا لا تنفعُ ولا تضرُّ، وأنتم تشركونَ مع اللَّهِ غيرَه ولا تخافونَه؟ قال مجاهدٌ وغيرُه: هذه هي حجةُ اللَّهِ التي آتَاهَا إبراهيمَ (¬2). والظاهرُ أن الإشارةَ في قولِه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} راجعةٌ إلى المناظرةِ كُلِّهَا (¬3)، من قولِه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76]. كَمَا جَزَمَ به غيرُ واحدٍ وهو الصوابُ، أما عدمُ الخوفِ من الأصنامِ، فهذا أمر حجته أُعْطِيَتْ لجماعةٍ من الرسلِ، ولم يُخَصَّ بها إبراهيمُ، ألا ترى أن قومَ هودٍ قالوا له: إِنَّ بعضَ آلهتِهم اعْتَرَاهُ بسوءٍ، كما نَصَّ اللَّهُ عليه في قولِه: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: ¬
آية 54]. قولُهم: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} يَعْنُونَ: أنَّ بعضَ معبوداتِهم مَسَّ نَبِيَّ اللَّهِ هودًا بسوءٍ، حتى جَعَلَهُ مجنونًا مُخْتَبَلاً، يقول: اعْبُدُوا اللَّهَ، اعْبُدُوا اللَّهَ، اعْبُدُوا اللَّهَ. كأن هذا عندَهم هذيانٌ وجنونٌ، وأن آلهتَهم خَبَّلَتْهُ، حتى صارَ يقولُ هذا. فأجابَهم نبيُّ اللَّهِ هودٌ: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)} [هود: الآيات 54 - 56] وقد بَيَّنَ اللَّهُ في سورةِ الزمرِ أنهم خَوَّفُوا نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - بآلهتِهم، ثم أَمَرَهُ أن يقولَ: إنها لا تنفعُ ولا تَضُرُّ، لا تكشفُ ضُرًّا ولا تستجلبُ نفعًا. وذلك في قولِه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: آية 36] يعني يُهَدِّدُونَكَ بالأصنامِ أن تَضُرَّكَ كما خَوَّفُوا بها إبراهيمَ وهودًا على الجميعِ صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه. ثُمَّ إن اللَّهَ أمرَ نَبِيَّهُ أن يبينَ أنها لا تنفعُ ولا تضرُّ، في قولِه بعدَ الآيةِ التي ذَكَرْنَا: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} الآية. [الزمر: آية 38]. وهذا مِمَّا يبين أن الحجةَ التي آتَاهَا اللَّهُ نَبِيَّهُ إبراهيمَ هي إفحامُه الخصومَ، ومناظرتُه لهم جميعًا؛ ذلك أنهم كانوا يعبدونَ كواكبَ مسخرةً، ويعبدونَ أصنامًا أرضيةً، وأجرامًا سماويةً، فقال لهم في الأجرامِ الأرضيةِ: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: آية 95] {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: آية 67] {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: الآيتان 72 - 73] {لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: آية 42] هذا في الأجرامِ الأرضيةِ، وهي أصنامُهم،
وقد أَشَارَ له في هذه الآياتِ بقولِه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: آية 74] حيث تعبدونَ ما لاَ ينفعُ ولا يَضُرُّ، وتتركونَ عبادةَ الخالقِ الرازقِ النافعِ الضارِّ. ثم نَاظَرَهُمْ في عبادتِهم الأجرامَ السماويةَ، فَلَمَّا رأى كوكبًا: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: آية 76] فَكَأَنَّهُ يَتَنَزَّلُ لهم في المناظرةِ ويُسلِّمُ لهم مقدمةً باطلةً، هي مقدمة كفر، يُسلِّمُها لهم على زَعْمِهِمُ الفاسدِ الكافرِ (¬1)؛ لِيُمْكِنَهُ إفحامُهم، ويبين لَهُمْ أن الأُفولَ صفةُ نقصٍ محققةٌ، تُنَافِي صفاتِ الربوبيةِ، فاتصافُه بالأفولِ يُنَافِي كونَه رَبًّا، كما بَيَّنَهُ، وكأنها نتيجةٌ تَرَتَّبَتْ على مُقَدِّمَتَيْنِ: إحداهُما: كونُ ذلك المزعومِ معبودًا، كونُه آفِلاً. وهذه في قولِه: {فَلَمَّا أَفَلَ} لأَنَّ أصلَ المعنَى: رَأَى كَوْكَبًا فَأَفَلَ {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} بحذفِ الفاءِ وَمَا عُطِفَتْ عليه. فقولُه {فَلَمَّا أَفَلَ} تَضَمَّنَتْ مقدمةً معناها: هذا الجرمُ آفِلٌ. ثم رَتَّبَ المقدمةَ الأُخْرَى: {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} لاَ أُحِبُّ أَنْ أعبدَ مَنْ يَتَّصِفُ بصفةِ الأُفولِ والغيبوبةِ؛ لأنها صفةُ نقصٍ، تَدُلُّ على النقصِ والتسخيرِ، فَمَنْ كَانَ كذلك لاَ يستحقُّ أن يكونَ رَبًّا. فهذا نَظَرٌ عَقْلِيٌّ صحيحٌ، واستنتاجٌ صحيحٌ، وقد تقررَ عند عامةِ النظارِ أن الاستنتاجَ العقليَّ إذا كان على طَرِيقِهِ الصحيحةِ أنه أَمْرٌ صحيحٌ. وقالوا: نَوَّهَ اللَّهُ بشأنِه حيثُ جَعَلَهُ حجةً أَضَافَهَا لنفسِه، وَآتَاهَا إبراهيمَ ¬
على قَوْمِهِ (¬1)، حيث قَالَ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} [الأنعام: آية 83]. ومعلومٌ أن النظرَ العقليَّ أنه محصورٌ في أربعةِ أنواعٍ؛ لأَنَّ المُسْتَدَلَّ به: إمَّا وجودٌ، وإمَّا عدمٌ. والمُسْتَدَلَّ عليه: إما وجودٌ، وإما عدمٌ. فَتَضْرِبُ حَالَتَيِ الدليلِ في حَالَتَيِ المدلولِ، اثنين باثنين: بأربعةٍ. بَسْطُهَا وتَصْطِيْحُهَا: استنتاجُ وجودٍ من وجودٍ، واستنتاجُ عدمٍ من عدمٍ، استنتاجُ عدمٍ من وجودٍ، واستنتاجُ وجودٍ من عدمٍ. هذا معروفٌ. مثالُ استنتاجِ الوجودِ من الوجودِ: هو استنتاجُ وجودِ خالقِ هذا الكونِ من وجودِ هذا الكونِ على هذه الأساليبِ الغريبةِ العجيبةِ، الدالةِ على أن له خَالِقًا مدبرًا هو الربُّ المعبودُ وحدَه، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الألْبَابِ} [آل عمران: أية 190] فَبَيَّنَ أَنَّ وجودَ هذا الكونِ دليلٌ على وجودِ صانعِه، فهو وجودٌ يَلْزَمُ منه عقلاً وجودُ خالقٍ مُدَبِّرٍ، هو الربُّ المعبودُ. ومثالُ استنتاجِ العدمِ من العدمِ: قولُه تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: آية 22] فَهُنَا: عدمُ فسادِ السماواتِ والأرضِ يستلزمُ عدمَ تعددِ الآلهةِ. فهو عدمٌ يُنْتِجُ عَدَمًا، كما في قولِه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} فعدمُ الفسادِ المشاهَدُ يلزمُه عدمُ تعددِ الآلهةِ. وكذلك رُبَّمَا يُسْتَنْتَجُ عدمٌ من وجودٍ - كما في هذه الآيةِ - فإن ¬
أُفُولَ الكوكبِ صفةٌ وجوديةٌ عَايَنُوهَا بالحسِّ فيه، اسْتَنْتَجَ منها عدمَ الربوبيةِ، حيث قال: {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: آية 76]. وأما استنتاجُ الوجودِ من العدمِ: فهو معروفٌ باستنتاجِ عدمِ النقيضِ من وجودِ نقيضِه، أو مُسَاوِي نقيضِه، كما هو معروفٌ. والشاهدُ أن نَبِيَّ اللَّهِ إبراهيمَ نَاظَرَ قومَه مناظرةً عقليةً، بَيَّنَ لهم فيها أن هذه المعبوداتِ التي يَزْعُمُونَهَا أَرْبَابًا هي آفِلَةٌ، وهذه المقدمةُ - التي كَوْنُ تلك المعبوداتِ آفلةً - مُقَدِّمَةٌ قطعيةٌ؛ لأنها تُدْرَكُ بالحواسِّ، فهم يشاهدونَ أُفُولَهَا بأعينِهم، فهي مقدمةٌ لا يمكنُ إنكارُها. ثم رَتَّبَ لهذه المقدمةِ المحسوسةِ مقدمةً عقليةً ضَمَّهَا معها، أشارَ لها بقوله: {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} هي أن الأُفولَ صفةُ نقصٍ لاَ شَكَّ فيها، تَدُلُّ على حدوثٍ وتسخيرٍ، وهذه تُنَافِي صفاتِ الربوبيةِ، فالآفلُ لا يمكنُ أن يكونَ رَبًّا. ثم قال لهم مثلَ هذا في الشمسِ والقمرِ، حتى أَلْقَمَهُمُ الْحَجَرَ (¬1). ثم بعدَ ذلك بَيَّنَ لهم معتقدَه، وأظهرَ حقيقتَه، وقال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)} [الأنعام: الآيتان 78 - 79] وكان اللَّهُ (جل وعلا) أَعْطَى إبراهيمَ حُسْنَ الْحُجَجِ والمناظرةِ، واللطفَ فيها. من ذلك أنه لَمَّا نَاظَرَ نَمْرُود، وهو الذي بُعِثَ إبراهيمُ في زمنِ ولايتِه، وكان مَلِكًا جَبَّارًا طَاغِيًا، نمرودُ بنُ كنعانَ بنِ سِنْجَارِي بنِ كُوشَ بنِ سامِ بنِ ¬
نوحٍ (¬1)، الفاجرُ المعروفُ، لَمَّا قال له: مَنْ رَبُّكَ الذي تَدْعُونَا إليه؟ {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: آية 258] وكان نمرودُ جاهلاً، فَأَخَذَ رَجُلَيْنِ، أحدُهما كان محكومًا عليه بالقتلِ فأطلقَه، وأخذ آخَرَ بريئًا فَقَتَلَهُ، فقال: هذا كان حَيًّا فأنا أَمَتُّهُ، وهذا كان سيموتُ الآنَ فأنا أَحْيَيْتُهُ (¬2)!! فَلِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ من الحجةِ وحسنِ المناظرةِ لم يَقُلْ له: هذه ليست الحياةَ التي أُرِيدُ، ولا الموتَ الذي أُرِيدُ. بل تَرَكَ له هذا كُلَّهُ، ولم يُجِبْهُ بشيءٍ منه، وقال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} فَزَعَمُوا في قصتِه أنه أَوَّلاً أرادَ أن يكذبَ وأن يقولَ: أنا هو الذي آتِي بها من المشرقِ، فَقُلْ لِرَبِّكَ يأتِي بها من المغربِ!! فَنَظَرَ فإذا في المجلسِ رجالٌ كبارُ السِّنِّ، يعلمونَ الشمسَ تطلعُ من المشرقِ، يُطْلِعُهَا اللَّهُ قبلَ أن يولدَ نمرود، فَخَافَ أن يُكَذِّبُوهُ فيفتضحُ في المجلسِ، فَبُهِتَ الذي كَفَرَ. هذه المناظراتُ التي يُفْحَمُ بها الخصومُ، كما في آيةِ الأنعامِ هذه، هي التي نَوَّهَ اللَّهُ بشأنِها، وأضافَها إلى نفسِه، وقال: إنه آتَاهَا إبراهيمَ، مُعَظِّمًا نفسَه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} تلك الحجةُ التي أَفْحَمَ بها الخصومَ ¬
حُجَّتُنَا، أضافَها اللَّهُ لنفسِه تشريفًا وَإِعْظَامًا. {آتَيْنَاهَا} أي: أَعْطَيْنَاهَا {إِبْرَاهِيمَ}، فَهَّمْنَاهُ إِيَّاهَا، وَأَلْهَمْنَاهُ إِيَّاهَا {عَلَى قَوْمِهِ}، هذه الحجةُ يَحْتَجُّ بها على قومِه الكفرةِ الذين يجادلونَه، كما قال: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: آية 80] حتى يُفْحِمَهُمُ ويلقمَهم الحجرَ. ثم قال: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} [الأنعام: آية 83] هذه الآيةُ تَدُلُّ على أنَّ مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْحُجَجَ، ومناظراتِ الخصومِ التي يُثْبِتُ بها التوحيدَ، ويدفعُ بها شُبَهَ المُبْطِلِينَ، أن هذا رَفْعٌ من اللَّهِ في درجاتِه، حيث أَتْبَعَ قولَه: {حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} أَتْبَعَهُ بقولِه: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} أي: كما رَفَعْنَا درجةَ إبراهيمَ بِمَا آتَيْنَاهُ من تلك الحجةِ التي صَدَعَ بها بالحقِّ، وَقَهَرَ بها الخصومَ. أما على قراءةِ الجمهورِ: {نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ} بالإضافةِ، فالدرجاتُ: مفعولٌ به لـ {نَرفَعُ} و {مَّن نَّشَاءُ} مضافٌ إليه ما قَبْلَهُ. وَمَنْ رُفِعَتْ درجاتُه فَقَدْ رُفِعَ (¬1)، كقولِه: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} وفي الحديثِ: «اللَّهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَتَهُ» (¬2) والدرجةُ: المرتبةُ والمنزلةُ، فَإِنَّ مَنْ رُفِعَتْ درجتُه ومنزلتُه فقد رُفِعَ، وعلى هذا فمعناهُ: نَرْفَع رُتَبَ وَمَنَازِلَ مَنْ نشاءُ أن نرفعَ رتبتَه ومنزلتَه. ¬
أما على قراءةِ الكوفيين - عاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ - (¬1): {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} فـ {مَّن} الموصولةُ هي مفعولٌ {نَرْفَعُ} أي: نرفعُ مَنْ نَشَاءُ رَفْعَهُ، نرفعُه درجاتٍ. وفي إعرابِ {دَرَجَاتٍ} على هذه القراءةِ أَوْجُهٌ معروفةٌ للعلماءِ (¬2): أحدُها: أنها ما نَابَ عن المطلقِ؛ لأن معنَى نرفعُ مَنْ نَشَاءُ درجاتٍ أي: رفعاتٍ عاليةً، فالدرجةُ في معنَى الرفعِ، فَهِيَ في معنَى المفعولِ المطلقِ لاَ بِلَفْظِهِ. وقومٌ قالوا: هي منصوبةٌ بنزعِ الخافضِ. أي: نرفعُه في درجاتٍ. إلى غيرِ ذلك من الأعاريبِ. ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، (نرفعُ درجاتِ مَنْ نَشَاءُ رَفْعَ دَرَجَاتِهِ). أو: (نرفعُ درجاتٍ مَنْ نشاءُ رَفْعَهُ). فعلى الإضافةِ: فالتقديرُ: (نَرْفَعُ درجاتِ مَنْ نَشَاءُ رَفْعَ درجاتِه). وعلى التنوينِ: فالتقديرُ: (نرفعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ رَفْعَهُ). هذا مَعْنَاهُ. {إِنَّ رَبَّكَ} جل وعلا {حَكِيمٌ عَلِيمٌ} الحكيمُ في الاصطلاحِ: هو من يضعُ الأمورَ في مواضعِها، وَيُوقِعُهَا في مواقعِها. فَاللَّهُ (جل وعلا) حكيمٌ لا يضعُ أمرًا إلا في موضعِه، ولا يُوقِعُهُ إلا في موقعِه، ولا يأمرُ إلا بما فيه الخيرُ، ولا يَنْهَى إلا عَمَّا فيه الشرُّ، ولا يعذبُ إلا مَنْ يَسْتَحِقُّ، وهو (جل وعلا) ذو الحكمةِ البالغةِ، له الحجةُ والحكمةُ البالغةُ. وأصلُ (الحكيمِ): هو المتصفُ بالحكمةِ. ¬
وَأَصْلُ (الحكمةِ): (فِعْلة) من الْحُكْمِ. وأصلُ مادةِ (الحُكْمِ) في لغةِ العربِ (¬1): أصلُها معناها (المَنْعُ). تقولُ العربُ: «حَكَمَهُ وأَحْكَمَهُ» إذا مَنَعَهُ. أَبَنِي حَنَيْفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا (¬2) لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا ... وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ (¬3) هذا أصلُ (الحكمِ): المنعُ، وَمِنْهُ: (حَكَمَةُ الدَّابَّةِ). لأنها تمنعُها من الجريِ على غيرِ مرادِ صاحبِها. والحِكْمةُ: (فِعْلة) من (الحُكم) بمعنَى: المنعِ. وأظهرُ تفسيراتِها: أنها العلمُ النافعُ؛ لأن العلمَ النافعَ هو الذي يَحْكُمُ الأقوالَ والأفعالَ. أي: يمنعُها أن يعتريَها الخللُ. فَمَنْ كان عندَه العلمُ الكاملُ كان لا يضعُ الأمرَ إلا في موضعِه، ولا يوقعُه إلا في موقعِه؛ لأن كُلَّ إخلالٍ في الإحكامِ إنما هو من الجهلِ بعاقبةِ الأمورِ، فَتَرَى الرجلَ الحاذقَ القُلَّبَ البصيرَ يفعلُ الأمرَ يظنُّ أنه في غايةِ الإحكامِ، ثم ينكشفُ الغيبُ عن أن فيه هلاكَه، فيندمُ حيث لا ينفعُ الندمُ، ويقولُ: ليتني لَمْ أَفْعَلْ، ولو فَعَلْتُ لكانَ كَذَا!! كما قال الشاعرُ (¬4): أُلاَمُ عَلَى لَوٍّ وَلَوْ كُنْتُ عَالِمًا ... بِأَذْنَابِ لَوٍّ لَمْ تَفُتْنِي أَوَائِلُهْ ¬
يقولونَ لِي: لو فَعَلْتَ كذا لكانَ خَيْرًا!! أنا لو كنتُ عالِمًا بما يصيرُ إليه الأمرُ لفعلتُه من أول. فَرَبُّ السماواتِ والأرضِ وحدَه لاَ يَجْرِي عليه: لَوْ فَعَلْتُ كذا لكانَ أحسنَ؛ لأنه عَالِمٌ بعواقبِ الأمورِ، وما تصيرُ إليه، وَعَالِمٌ بما كانَ وما يكونُ، فلا يضعُ أمرًا إلا في موضعِه، وَمُحَالٌ عن أن ينكشفَ الغيبُ عن أن ذلك الأمرَ على خلافِ الصوابِ؛ لأنه عَالِمٌ بعاقبةِ الأمرِ، وما يؤولُ إليه، كما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا. والعَليمُ: صيغةُ مبالغةٍ؛ لأن عِلْمَ اللَّهِ (جل وعلا) محيطٌ بِكُلِّ شيءٍ، يعلمُ خَطَرَاتِ القلوبِ، وخائنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصدورُ، حتى قَدَّمْنَا أنه من إحاطةِ علمِه: يعلمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في علمِه أنه لا يوجدُ، هو عَالِمٌ أن لو وُجِدَ كيف يكونُ؛ لشدةِ إحاطةِ عِلْمِهِ بالموجوداتِ والمعدوماتِ. وقد بَيَّنَّاهُ في هذه السورةِ الكريمةِ؛ لأَنَّ أهلَ النارِ لَمَّا عَايَنُوا النارَ ورأوا الحقيقةَ وَنَدِمُوا تَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى دارِ الدنيا مرةً أُخْرَى لِيُصَدِّقُوا الرسلَ، ورَدُّهُمْ ذلك الذي تَمَنَّوْهُ: اللَّهُ عَالِمٌ أنه لا يكونُ، وقد صَرَّحَ بأن ذلك الردَّ - الذي هو عَالِمٌ أنه لا يكونُ - صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أن لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، حيث قَالَ: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: آية 27] هذا الردُّ الذي تَمَنَّوْهُ هو عَالِمٌ أنه لَنْ يكونَ، ثم صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أَنْ لَوْ كَانَ كيف يكونُ، حيث قال بعدَه: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] والْمُتَخَلِّفُونَ عن غزوةِ تبوكَ لا يحضرونَها أبدًا؛ لِمَا سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ من تَثْبِيطِهِمْ عَنْهَا، وَاللَّهُ ثَبَّطَهُمْ عنها بإرادتِه لحكمةٍ: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} وَخُرُوجُهُمْ إلى
غزوةِ تبوك، الذي ثَبَّطَهُمْ عنه، وسبقَ في علمِه أنه لا يكونُ، صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أن لو كانَ كيف يكونُ، حيث قَالَ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} الآيةَ [التوبة: الآيتان: 46، 47]. وأمثالُ هذا في القرآنِ كثيرةٌ. اللَّهُ (جل وعل) محيطٌ علمُه بِكُلِّ شيءٍ. وفي اسْمَيْهِ: (الحكيمُ، العليمُ) أكبرُ مدعاةٍ للعبادِ أن يُطِيعُوهُ وَيَتَّبِعُوا تشريعَه؛ لأن بحكمتِه يعلمونَ أنه لاَ يأمرُهم إلاَّ بِمَا فيه الخيرُ، ولا ينهاهُم إلا عَمَّا فيه الشرُّ، فلاَ يُوقِعُ لهم أَمْرًا إلا في موقعِه، ولا يضعُه إلا في موضعِه، وبإحاطةِ علمِه: يعلمونَ أنه ليس هنالك غَلَطٌ في ذلك الفعلِ، ولا عاقبةٌ تنكشفُ عن غيرِ مَا أَرَادَ، بل هُوَ في غايةِ الإحاطةِ والإحكامِ. وإذا كان مَنْ يَأْمُرُكَ عليمٌ لا يَخْفَى عليه شيءٌ، حكيمٌ في غايةِ الإحكامِ، لاَ يأمرُك إلا بما فيه الخيرُ، ولا يَنْهَاكَ إلا عَمَّا فيه الشرُّ، فإنه يَحِقُّ لكَ أن تُطِيعَ وَتَمْتَثِلَ. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام: آية 84]، صيغةُ الجمعِ في قولِه: {وَوَهَبْنَا} للتعظيمِ، ومعنَى {وَهَبْنَا لَهُ}: أَعْطَيْنَاهُ إِيَّاهُمَا. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) أن هبتَه إياه إسحاقَ كانت على كِبَرٍ عَظِيمٍ منه، وعلى كِبَرٍ من امرأتِه، بحيثُ لا يحملُ مِثْلُهَا عادةً، وأن الرسلَ الذين بُعِثُوا إلى قومِ لوطٍ لَمَّا نزلوا عندَه، وذبحَ لهم عِجْلَهُ وَأَنْضَجَهُ ونَكِرَهُم لَمَّا رَأَى أيديَهم لا تَصِلُ إليه وَخَافَ منهم، في ذلك الوقتِ بَشَّروهُ بإسحاقَ، وَمِنْ وراءِ إسحاقَ: يعقوبَ، بَشَّرُوهُ بأن امرأتَه تَلِدُ إسحاقَ، وأنه يُولَدُ له يعقوبُ، حتى تَقَرَّ به أعينُهما وَهُمَا حَيَّانِ، كما نَصَّ اللَّهُ عليه في سورةِ هودٍ: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}
[هود: آية 71] حتى إن امرأتَه لشدةِ تَعَجُّبِهَا مِنْ أنها تَلِدُ وهي عجوزٌ فانيةٌ صَرَخَتْ، وَصَكَّتْ وَجْهَهَا، كما قال تعالى في الذارياتِ: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} [الذاريات: آية 29] يعني: في صَيْحَةٍ وَضَجَّةٍ: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} لاستعجابِها واستغرابِها من هذا الخبرِ، وكذلك قال عنها في سورةِ هودٍ: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: آية 72]. أما إسماعيلُ فقد أَعْطَاهُ اللَّهُ إياه قبلَ ذلك مِنْ سُرِّيتِهِ هَاجَرَ، كما هو مشهورٌ في التاريخِ، ولم يُعْطِهِ إسماعيلَ أيضًا إلا بعدَ أن كَبِرَ وَطَعَنَ في السِّنِّ، كما نَصَّ عليه في سورةِ إبراهيمَ الخليلِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: آية 39]. إِلاَّ أن وقتَ بشارتِه بإسحاقَ كان كبيرًا كِبَرًا شديدًا، وامرأتُه عجوزٌ فانيةٌ، أكبرُ مِنْ زَمَنِ إيتائِه إسماعيلَ، وإن كَانَ كبيرًا عند الْوَقْتَيْنِ. وهذا معنَى قولِه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [الأنعام: آية 84]. وآية هودٍ هذه من النصوصِ الدالةِ على أنَّ الذبيحَ: إسماعيلُ، وليسَ بإسحاقَ؛ لأن ذلك دَلَّ عليه القرآنُ في مَوْضِعَيْنِ، وهو الصحيحُ. إلا أن الإِسْرَائِيلِيِّينَ يَحْكُونُ إسرائيلياتٍ كثيرةً في أنه إسحاقُ، اغْتَرَّ بها بعضٌ من علماءِ المسلمينَ، فَظَنَّ أنه إسحاقُ، وهو غَلَطٌ، والتحقيقُ أن الذبيحَ: إسماعيلُ، وأن آيةَ هودٍ التي ذَكَرْنَا هي دليلٌ قَوِيٌّ على ذلك، كما دَلَّتْ عليه آيةُ الصافاتِ. أما وجهُ دلالةِ آيةِ هودٍ لأَنَّ اللَّهَ قال، وهو أصدقُ مَنْ يقولُ {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: آية 71] أي: وَبَشَّرْنَاهَا بِأَنَّ إسحاقَ - وهو ولدُها - يَلِدُ يعقوبَ، وهو ولدُ وَلَدِهَا، فبعدَ البشارةِ بالوحيِ الصادقِ أن إسحاقَ
لَنْ يموتَ حتى يَلِدَ يعقوبَ فليس من المعقولِ يُؤْمَرُ بذبحِه وهو صغيرٌ!! وهذا مَعْرُوفٌ. أما الآيةُ الأُخْرَى التي هِيَ في الصافاتِ فهي واضحةٌ جِدًّا في ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: آية 102] حتى جَاءَ بقصةِ إسماعيلَ الذبيحِ تَامَّةً، قال بَعْدَهَا لَمَّا أَنْهَاهَا: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ (113)} [الصافات: الآيتان 112، 113]. فَصَارَ صريحُ القرآنِ أَنَّ الذبيحَ غيرُ إسحاقَ، حيثُ قَالَ في ذلك الغلامِ: {بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: الآيتان 101، 102] حَتَّى انْتَهَى من قصتِه، وَجَاءَ بقصةِ إسحاقَ مستقلةً بَعْدَهَا، حيثُ قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} ... [الصافات: الآيتان 112، 113]. وهذه الآيةُ الكريمةُ يُفْهَمُ منها معنًى أَوْضَحَهُ اللَّهُ في سورةِ مريمَ؛ ذلك أنه قال هنا إِنَّ إبراهيمَ سَفَّهَ أَحْلاَمَ قومِه، وَعَادَاهُمْ وَكَفَّرَهُمْ وَضَلَّلَهُمْ، حتى اضطره ذلك إلى الخروجِ عنهم، والهجرةِ إلى بلادِ الشامِ، كما يأتِي في قولِه: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت: آية 26] وَكَانَ فِي قريةٍ بسوادِ العراقِ تُسَمَّى (كوثى) (¬1). لَمَّا هَجَرَ قومَه وخرجَ من الوطنِ في اللَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ عنهم قرةَ عينٍ تُؤْنِسُهُ، وهي الأولادُ الصالحونَ الكرامُ، يَخْلُفُونَ له الوطنَ والأقاربَ؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ قِصَّتَهُ معهم هنا قال بعدَها: {وَوَهَبْنَا لَهُ ¬
إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} [الأنعام: آية 84] فهذا يَدُلُّ على أن إقرارَ عينِه بالذريةِ الصالحين؛ لأنه هَجَرَ الْوَطَنَ، وَخَرَجَ عن القرباءِ والأحباءِ في اللَّهِ، وقد أَوْضَحَ اللَّهُ هذا في سورةِ مريمَ حيث قال: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [مريم: آية 49]. وَيُفْهَمُ من هذه الآياتِ أَنَّ مَنْ هَجَرَ الأوطانَ والأقاربَ لِلَّهِ أَقَرَّ اللَّهُ عينَه مِنْ ظَهْرِهِ بما يُسَلِّيهِ عَنْهُمْ (¬1)؛ وَلِذَا قَالَ هُنَا: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} [الأنعام: آية 84] نونُ التنوينِ عِوَضٌ عن كلمةٍ، أي: كُلُّ واحدٍ منهم هَدَيْنَا، و {كُلاًّ} مفعولٌ به لـ {هَدَيْنَا}. وهذا تمامُ إقرارِ العينِ؛ لأَنَّ الولدَ إذا كان غيرَ صالحٍ لم يَكُنْ قُرَّةَ عَيْنٍ، فَهِبَتُهُ والنعمةُ به إنما تَتِمُّ إذا كان مَهْدِيًّا، لاَ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَهْدِيٍّ؛ وَلِذَا قال: {كُلاًّ هَدَيْنَا}. ثم قال: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} لَمَّا كَانَتْ قصةُ نوحٍ شبيهةً بقصةِ إبراهيمَ ذَكَرَهُ مَعَهُ؛ لأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا نَشَأَ في قومٍ يعبدونَ الأصنامَ، وهو أولُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ لقومٍ يعبدونَ الأصنامَ، وَجَادَلُوهُ جِدًّا في الأوثانِ {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: الآيتان 23، 24] وَكَانَ يُجَادِلُهُمْ فِي عبادةِ الأصنامِ حتى قالوا له: {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: آية 32] وكان إبراهيمُ نَشَأَ في قومٍ يعبدونَ أجرامَ السماءِ وأجرامَ الأرضِ كذلك، وَخَاصَمَهُمْ مثلَ مخاصمةِ نُوحٍ، بَيَّنَ أنه هَدَى نُوحًا مِنْ قَبْلِ إبراهيمَ، كما هَدَى ¬
إِبْرَاهِيمَ، وهذا معنَى قولِه: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: آية 84]. (نوح): يُسَمُّونَهُ (آدمَ الصغيرَ)؛ لأنه ليس على الأرضِ إنسانٌ إِلاَّ وهو مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، كما قال اللَّهُ جل وعلا: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} [الصافات: آية 77] وَنَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ لم يكن بعدَه نَبِيٌّ إلا وهو من ذُرِّيَّتِهِ، فالأنبياءُ الذين ليسوا من ذُرِّيَّتِهِ: إما مَنْ سَبَقَهُ، وَإِمَّا مَنْ كَانَ مُعَاصِرًا له، كلوطٍ ابنِ أَخِيهِ، أما مَنْ بَعْدَهُ فهم جميعُهم مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، فالأنبياءُ مِنْ ذريةِ نوحٍ وإبراهيمَ، فالذي لم يَكُنْ مِنْ ذريةِ إبراهيمَ فهو من ذريةِ نوحٍ، وإبراهيمُ مِنْ ذريةِ نوحٍ، كَمَا قال جل وعلا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد: آية 26] وقال في سورةِ العنكبوتِ في إبرإهيمَ: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} الآيةَ [العنكبوت: آية 27] وَلِذَا قَالَ: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ}، {نُوحًا}: مفعولٌ به لـ {هَدَيْنَا} مُقَدَّمًا عليه. وَأَهْلُ التاريخِ يَزْعُمُونَ أن (نوحًا) أنه: ابنٌ لمك بنِ متوشَلَخَ بنِ خَنُوخَ (¬1). ويزعمونَ أن خنوخَ هو إدريسُ (¬2). هكذا يقولونَ. ويزعمونَ أن إبراهيمَ بنَ تارحَ. هذا المعروفُ في التاريخِ، يقولونَ: إنه ابنُ تارحَ بنِ ناحورَ بنِ أَرْغُو بنِ فالغَ بنِ عابرِ بنِ شالخَ بنِ قينانَ بنِ أرفخشدَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ (¬3). هكذا يقولُ الْمُؤَرِّخُونَ، وهي أمورٌ تُذْكَرُ ¬
في التاريخِ شِبْهَ الإسرائيلياتِ، لَمْ يَقُمْ على ضَبْطِهَا وتحقيقِها دليلٌ. وهذا معنَى قولِه: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ}. قولُه: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} أي: وَهَدَيْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داودَ. فهذا معطوفٌ على معمولِ {هَدَيْنَا}. أي: وَهَدَيْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ. واختلفَ العلماءُ في الضميرِ في قولِه: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} (¬1) قال بعضُهم: هو راجعٌ إلى إبراهيمَ؛ لأنه هو الْمُحَدَّثُ عنه (¬2)، وهذا في حِجَاجِهِ مع قومِه، والآياتُ كُلُّهَا فيه. وقال بعضُ العلماءِ: الضميرُ راجعٌ إلى نوحٍ. والذين قالوا: «يَرْجِعُ إِلَى نُوحٍ» عَضَّدُوهُ بِأَمْرَيْنِ: أحدُهما: أنه هو أقربُ مذكورٍ، والضميرُ يرجعُ لأقربِ مذكورٍ (¬3). الثاني: أن هؤلاء الرسلَ الذين قِيلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ذُكِرَ فيهم لوطٌ، ولوطٌ ليس من ذريةِ إبراهيمَ؛ لأنه ابنُ أَخِيهِ، وَذُكِرَ فيهم يونسُ، وأكثرُ المؤرخين أن يونسَ ليس من ذريةِ إبراهيمَ، وَإِنْ زعمَ قومٌ أنه منه، ¬
ولا يكادُ يختلفُ المؤرخونَ أن لوطًا ليس ابنَ إبراهيمَ، وإنما هو ابنُ أَخِيهِ؛ لأَنَّ لوطَ بنَ هارانَ بنِ تارحَ ابنَ أَخِي إبراهيمَ (¬1). قالوا: لو كان الضميرُ لإبراهيمَ لَمَا ذَكَرَ لُوطًا؛ لأنه ليس من ذُرِّيَّتِهِ. واختارَ أن الضميرَ راجعٌ إلى نوحٍ، اختارَه ابنُ جريرٍ (¬2) لِذِكْرِ لوطٍ. ولأَنَّ نوحًا أقربُ إلى الضميرِ مِنْ إبراهيمَ. وعن ابنِ عباسٍ: أن الضميرَ لإبراهيمَ (¬3)، وأن يونسَ من أنبياءِ بَنِي إسرائيلَ، أو مِنْ ذريةِ إبراهيمَ، خلافَ ما يَزْعُمُهُ أكثرُ الْمُؤَرِّخِينَ، وأن لوطًا جُعِلَ من ذُرِّيَّتِهِ تَغْلِيبًا؛ لأنه ابنُ أَخِيهِ، فَجُعِلَ من ذُرِّيَّتِهِ تَغْلِيبًا؛ كما جُعِلَ إسماعيلُ أَبًا لَهُ تَغْلِيبًا، لما ذُكِرَتْ آبَاؤُهُ، وهو عَمُّهُ. هكذا يقولونَ (¬4). {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} أي: وَهَدَيْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ. أي: إبراهيمَ، أو نوحًا على الخلافِ الذي ذَكَرْنَا. {دَاوُودَ} هو نَبِيُّ اللَّهِ داودُ، وهو أولُ مَنْ جَمَعَ مِنْ أنبياءِ بَنِي إسرائيلَ بَيْنَ الْمُلْكِ والنبوةِ. وهو داودُ بنُ إيشى، يزعمونَ أنه ابنُ إيشى بنِ عوبد. على كُلِّ حالٍ لهم أسماءُ يختلفُ فيها الْمُؤَرِّخُونَ (¬5)، ¬
عجميةٌ، وعلى كُلِّ حَالٍ داودُ يقولونَ: هو داودُ بنُ إيشى بنِ عوبد. يزعمونَ أنه مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا. هكذا يقولونَ: {وَسُلَيْمَانَ} وَلَدُهُ. وقولُه: {وَأَيُّوبَ} أكثرُ المؤرخينَ يقولونَ: إن أيوبَ بنَ موص، وأنه مِنْ ذُرِّيَّةِ عيصَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ. وفيه غيرُ ذلك (¬1). {وَيُوسُفَ}: هو يوسفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابنُ يعقوبَ. {وَمُوسَى وَهَارُوُنَ} معروفانِ، أبناءُ عِمْرَانَ، وَعِمْرَانُ: - يزعمونَ - ابنُ يصهرَ بنِ قاهثَ بنِ لاوي بنِ يعقوبَ (¬2). ويعقوبُ: بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ. كما هُوَ معروفٌ. وهؤلاء الأنبياءُ - كُلُّ هؤلاءِ المذكورين - لهم قِصَصٌ معروفةٌ في القرآنِ، بَيَّنَهَا اللَّهُ جل وعلا. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} كَمَا هَدَيْنَا هؤلاءِ الرسلَ الكرامَ، وَوَفَّقْنَاهُمْ لطريقِ الصوابِ: كذلك الجزاءُ نَجْزِي المحسنين، فَنَهْدِيهِمْ وَنُوَفِّقُهُمْ إِلَى ما يُرْضِينَا. والمحسنونَ: جَمْعُ الْمُحْسِنِ، وهو اسمُ فاعلِ الإحسانِ. والإحسانُ هو: الإتيانُ بالعملِ حَسَنًا. وطريقُ الإتيانِ بالعملِ حسنًا بَيَّنَهَا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قولِه: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ ¬
لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (¬1). والآيةُ تَدُلُّ على أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ العملَ لِلَّهِ زَادَهُ اللَّهُ هُدًى؛ لأَنَّ التشبيهَ في قولِه: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي} عائدٌ إلى الْهُدَى في قولِه: {كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا}. {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} أي: وَهَدَيْنَا مِنْ ذريتِه داودَ. كذلك الْهُدَى والتوفيقُ نَجْزِي ذلك الجزاءَ الحسنَ {نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} مثلَ ذلك الجزاءِ؛ لأَنَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وأحسنَ العملَ زَادَهُ اللَّهُ هدًى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد: آية 17]. {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام: آية 85] يعني: وَهَدَيْنَا أيضًا زَكَرِيَّا وَيَحْيَى. قَرَأَهُ أكثرُ القراءِ: {وزكريآءَ ويحيى} بهمزةٍ. وَقَرَأَهُ بعضُ الكوفيين {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى} بِلاَ همزةٍ. وَهُمَا قراءتانِ سبعيتانِ معروفتانِ (¬2). وأكثرُ المؤرخينَ يقولونَ: إن زَكَرِيَّا بن برخيا (¬3). وهو مِنْ ذريةِ سليمانَ بنِ داودَ (عليهم وعلى نَبِيِّنَا الصلاةُ والسلامُ). قَصَّ اللَّهُ قصصَه ¬
في سورةِ مريمَ (¬1)، وسورةِ آلِ عمرانَ (¬2)، والأنبياءِ (¬3)، وغيرِها. {وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} يَحْيَى: هو ابنُ زَكَرِيَّا، وقصتُه معروفةٌ بَيَّنَّاهَا في آلِ عمرانَ، وستأتِي فِي سورةِ مريمَ. وَعِيسَى: هو عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وذِكْرُ عِيسَى هنا أَخَذَ العلماءُ منه حُكْمًا فِقْهِيًّا معروفًا، وهو أنه إذا قال رجلٌ: «هذا وَقْفٌ على ذُرِّيَّتِي». أو أَوْصَى لِذُرِّيَّتِهِ أَنَّ أولادَ البناتِ يدخلونَ؛ لأَنَّ عيسى ولدُ بنتٍ؛ لأنه لاَ يُدْلِي إلى إبراهيمَ - الذي إليه الضميرُ في قولِه: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} (أو نوحٍ، على القولِ بأن [8/ب] الضميرَ لَهُ) (¬4). لا يُدْلِي بواحدٍ منهما - إلا بِبِنْتِهِ مريمَ؛ لأَنَّهُ لاَ أَبَ لَهُ./ فَاللَّهُ (جل وعلا) أَدْرَجَهُ في اسمِ الذريةِ، وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ أَنَّ أولادَ البناتِ مِنَ الذريةِ، وهذه المسألةُ التي هَدَّدَ الحجاجُ عليها يَحْيَى بنَ يَعْمُرَ، قال له: أَتَقُولُ إن الحسنَ والحسينَ (رضي الله عنهما) من ذُرِّيَّةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نَعَمْ. وأنه قَالَ له: إِنْ لَمْ تَجِئْنِي بدليلٍ من كتابِ اللَّهِ فَعَلْتُ بِكَ وَفَعَلْتُ. قال: أتقرأُ في سورةِ الأنعامِ؟ قال: نَعَمْ، قال: قَالَ اللَّهُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} ثُمَّ إلى أن قَالَ ¬
{وَعِيسَى} وَعِيسَى ابنُ بِنْتٍ (¬1). وهذا صريحٌ في دخولِ ابنِ البنتِ في الذريةِ، وعلى هذا أكثرُ العلماءِ (¬2). على أنه لَوْ أَوْصَى للذريةِ أو وَقَفَ عليهم أن أولادَ البناتِ يدخلونَ لهذه الآيةِ. وَاخْتَلَفُوا في البنينَ والأولادِ (¬3)، لو قال: «هَذَا وَقْفٌ عَلَى بَنِيَّ، أو عَلَى وَلَدِي». قال جماعةٌ: يدخلُ أولادُ البناتِ في لفظِ الأبناءِ؛ لأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ثَبَتَ عنه في الصحيحِ أنه قَالَ في الحسنِ بْنِ عَلِيٍّ (رضي الله عنه): «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي». الحديث المشهور (¬4). قالوا: سَمَّاهُ ابْنًا، وهو ابنُ بِنْتٍ. وقال بعضُ العلماءِ: تسميتُه هنا ابنًا ليست على حقيقتِها؛ لأَنَّ اللَّهَ يقول: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب: آية 40] فَاللَّهُ نَفَى هذه البنوةَ، فَدَلَّ على أنها كقولِ الرجلِ للقريبِ: «يَا بُنَيَّ». وكذلك لو قَالَ: «وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي». أو أَوْصَى لولدِه. أكثرُ العلماءِ على أن أولادَ البناتِ لا يدخلونَ؛ لأن الشاعرَ ¬
يقول (¬1): بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ ولإجماعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ من العلماءِ في قولِه: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: آية 11] أنه لم يَقُلْ أحدٌ إنه يدخلُ فيها أولادُ البناتِ فيكونونَ عَاصِبِينَ كأولادِ الذكورِ. ومن هنا قالوا: لَمَّا قال اللَّهُ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} ولم يَدْخُلْ في الميراثِ أولادُ البناتِ في هذه الآيةِ: عُرِفَ أنه إذا قال: «وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي، أو: أَوْلاَدِي». لَمْ يَدْخُلْ فيه أولادُ البناتِ، كما هو معروفٌ. وقولُه: {عِيسَى} هو عِيسَى ابنُ مريمَ الذي خَلَقَهُ اللَّهُ بقدرتِه مِنْ غَيْرِ أَبٍ {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} [آل عمران: آية 59]. {وَإِسْمَاعِيلَ} إسماعيلُ على التحقيقِ: هو نَبِيُّ اللَّهِ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، جَدُّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقال قومٌ: هو نَبِيٌّ آخَرُ مِنْ بَنِي إسرائيلَ (¬2). والذين قالوا هذا قد غَلِطُوا. والتحقيقُ أنه إسماعيلُ، وأنه رسولٌ كريمٌ، كما قال الله جل وعلا: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا} [مريم: آية 54]. والمؤرخونَ يقولونَ: إنه أُرْسِلَ إلى قبيلةِ جُرْهُمَ مِنَ الْعَرَبِ البائدةِ (¬3). ¬
وقولُه: {وَإِلْيَاسَ} المؤرخونَ يقولونَ إنه: إلياسُ بنُ ياسينَ بنِ فنحاصَ بنِ العيزارِ بنِ هارونَ بنِ عمرانَ أخي مُوسَى (¬1). هكذا يقولونَ، وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. وقد ذَكَرَ اللَّهُ قصتَه في آياتٍ من كتابِه، وَبَيَّنَ أنه رسولٌ كريمٌ، وَبَيَّنَ في سورةِ الصافاتِ محاجتَه لقومِه في قولِه: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الصافات: الآيات 123 - 126] إلى غيرِ مَا ذَكَرَ مِنْ خَبَرِهِ. وقولُه: {كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} يعنِي: {كُلٌّ} مِنْ هؤلاءِ الأنبياءِ الذين هَدَيْنَاهُمْ من ذريةِ إبراهيمَ أو مِنْ ذريةِ نُوحٍ {مِّنَ الصَّالِحِينَ}. والصالحونَ جمعُ الصالحِ، وهو مَنْ كانت أعمالُه ونياتُه صالحةً لِلَّهِ (جل وعلا). والصلاحُ يتفاوتُ تفاوتًا كثيرًا. {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: آية 86] {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا حمزةَ، والكسائيَّ: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ}. وَقَرَأَهُ حمزةُ والكسائيُّ: {وَإِسْمَاعِيلَ واللَّيْسَعَ} بتشديدِ اللامِ وسكونِ الياءِ وَهُمَا قراءتانِ سبعيتانِ معروفتانِ (¬2). أي: وَهَدَيْنَا إسماعيلَ، وَهَدَيْنَا اللَّيْسَعَ، وَهَدَيْنَا الْيَسَعَ. بعضُ العلماءِ يقولُ: اليسعُ هو يوشعُ بنُ نون. وأكثرُ المؤرخين ¬
يقولونَ: إنه اليسعُ بنُ أخطوبَ بنِ العجوزِ (¬1). وَاللَّهُ (جل وعلا) ذَكَرَهُ في مواضعَ من كتابِه في جملةِ الأنبياءِ. وقولُه: {وَيُونُسَ} هو نَبِيُّ اللَّهِ يونسُ بنُ مَتَّى، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إلى مئةِ ألفٍ أو يزيدونَ، في بَلَدِ (نِيْنَوَى) من بلادِ الموصلِ. وقصتُه مشهورةٌ، ذَكَرَهَا اللَّهُ في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه. أرسلَه اللَّهُ إلى مئةِ ألفٍ أو يزيدونَ، ولم يُرْسِلِ اللَّهُ نَبِيًّا لقومٍ إلا كَذَّبُوهُ وَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بعذابٍ مُسْتَأْصِلٍ، وَلَمْ يُسْتَثْنَ من هذا أحدٌ إلا الجماعة الذين أُرْسِلَ إليهم نَبِيُّ اللَّهِ يونسُ بنُ مَتَّى (عليه وعلى نَبِيِّنَا الصلاةُ والسلامُ). سَيَأْتِيكُمْ في مواضعَ في الصافاتِ، وفي القلمِ، وغيرِها: أن نَبِيَّ اللَّهِ يونسَ لَمَّا كَذَّبَهُ قومُه وَعَدَهُمْ بالهلاكِ، وأن العذابَ يَنْزِلُ عليهم، وَخَرَجَ عنهم، وسافرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يأذنَ لَهُ رَبُّهُ، كأنه ضَجِرَ منهم وَعَجِلَ. وذلك الضجرُ والعجلةُ هو الذي نَهَى اللَّهُ عنه نَبِيَّنَا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في سورةِ القلمِ، مُؤَدِّبًا له بِالتَّأَنِّي والحَمْلِ والصبرِ، قَالَ: {وَلاَ تَكُنْ كصَاحِبِ الْحُوتِ} يَعْنِي يونسَ بنَ مَتَّى {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: آية 48] حَيْثُ ضَجِرَ وَعَجِلَ. زَعَمَ بعضُ المفسرين أنه كان شَرْعُهُمْ ونظامُهم أَنْ مَنْ جُرِّبَ عليه الكذبُ أنهم يقتلونَه. هكذا زَعَمُوا، وأن نَبِيَّ اللَّهِ يونسَ وَعَدَهُمْ بالعذابِ، وَاللَّهُ (جل وعلا) جَاءَهُمْ بالعذابِ، فَلَمَّا أَظَلَّهُمْ وَعَايَنُوا أوائلَه خَافُوا خَوْفًا عظيمًا، وَأَنَابُوا إلى اللَّهِ إنابةً صادقةً، وتوبةً عظيمةً، وَضَجُّوا جَمِيعُهُمْ، وَفَرَّقُوا بينَ الأمهاتِ والأولادِ من الآدَمِيِّينَ ¬
والحيواناتِ، وصارَ الجميعُ يَضِجُّ مبتهلين إلى اللَّهِ، فَرَفَعَ اللَّهُ عنهم العذابَ، ولم يُوجَدْ هذا لناسٍ غيرِهم أبدًا، كما نَصَّ اللَّهُ عليه في سورةِ يونسَ: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: آية 98] فقولُه هُنَا: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الظاهرُ أنه ما كَشَفَ عنهم خزيَ العذابِ في الحياةِ الدنيا إلا وهو يكشفُه عنهم في الآخرةِ إِذَا دَامُوا وَلَمْ يَنْكُثُوا (¬1). ويدلُّ عليه الإطلاقُ في الصافاتِ في قولِه: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)} [الصافات: الآيتان 147، 148] فَلَمَّا سَلِمُوا وَلَمْ يأتِهم العذابُ كان نَبِيُّ اللَّهِ يونسُ زَعَمَ أنه إن رَجَعَ إليهم قالوا: قُلْتَ: إِنَّا نُهْلَكُ بالعذابِ وَلَمْ نُهْلَكْ، فقد جَرَّبْنَا عليكَ الكذبَ. فَخَرَجَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، فدخلَ في البحرِ، فَلَمَّا دَخَلَ مَعَهُمْ فِي البحرِ وَقَفَتِ السفينةُ ولم تَمْشِ، فقالوا: لَعَلَّ فيها عَبْدًا آبق على رَبِّهِ، هنا عَبْدٌ آبِقُ عَلَى رَبِّهِ، فَاجْعَلُوا القرعةَ نَقْتَرِعْ، فَإِنْ سَقَطَتِ الْقُرْعَةُ على واحدٍ أَلْقَيْنَاهُ فِي الْبَحْرِ، فهو العبدُ الآبِقُ عَلَى رَبِّهِ. فَصَارُوا كُلَّمَا اقْتَرَعُوا تسقط القرعةُ على يونسَ. فقالوا: هذا العبدُ آبِقٌ على رَبِّهِ؛ لأنه خَرَجَ بغيرِ إِذْنٍ (¬2). كما قال تعالى: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)} [الصافات: الآيتان 140، 141] يعنِي كانَ سهمُه دَاحِضًا؛ لأنه هو الذي تأتِي القرعةُ أنه يُرْمَى في البحرِ. فَرَمَوْهُ في البحرِ {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} [الصافات: الآيات 142 - 144] كما قَصَّ اللَّهُ قصتَه في آياتٍ من كتابِه، وهو نَبِيُّ اللَّهِ ¬
يونسُ بنُ مَتَّى. والمؤرخونَ لاَ يكادونَ يَصِلُونَ له نَسَبًا إلى محلِّه، وهو ابنُ مَتَّى كـ (حَتَّى) أُرْسِلَ لجماعةٍ فِي (نِينَوَى) من بلادِ الموصلِ، هكذا يقولونَ. وقولُه: {وَلُوطًا} هو نَبِيُّ اللَّهِ لوطُ ابنُ أَخِي إبراهيمَ، وقد هَاجَرَ مَعَهُ من بلادِ العراقِ إلى بلادِ الشامِ، مُهَاجَرَ إبراهيمَ، كما قَالَ اللَّهُ جل وعلا: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت: آية 26] بعضُ المؤرخين يقولونَ: هَاجَرَ مَعَهُ (¬1)، وبعضُهم يقولُ: لم يُهَاجِرْ مَعَهُ. وَاسْتَدَلَّ بما ثَبَتَ في الصحيحِ أنَّ إبراهيمَ قال لِسَارَّةَ: ليس على وجهِ الأرضِ مسلمٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ (¬2). وعلى كُلِّ حالٍ: اللَّهُ بَيَّنَ أَنَّ لُوطًا آمَنَ بإبراهيمَ. والمعروفُ في التاريخِ أنه هَاجَرَ معه إلى الشامِ، ثم إن اللَّهَ أرسلَ لوطًا إلى قُرَى (سدوم)، كما هو معروفٌ. {وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} وكلاًّ من أولئك الأنبياءِ فَضَّلْنَا على العالمين، عَالَمَيْ زَمَانِهِمْ (¬3)، فلا يلزمُ من ذلك تفضيلُهم على مَنْ بَعْدَهُمْ كالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أَفْضَلُهُمْ. وكان بعضُ العلماءِ (¬4) يقولُ: آيةُ الأنعامِ هذه مِمَّا اسْتَدَلَّ به العلماءُ على أن الأنبياءَ من الآدميين أفضلُ من الملائكةِ؛ لأَنَّ الملائكةَ يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ: {الْعَالَمِينَ}، بدليلِ قولِه: {قَالَ فِرْعَوْنُ ¬
وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآبتان 23، 24] قالوا: وَاللَّهُ فَضَّلَهُمْ على العالمين، والتفضيلُ بَيْنَ الرُّسُلِ والملائكةِ معروفٌ عِنْدَ العلماءِ (¬1)، ولم يَقُمْ عليه دليلٌ قَاطِعٌ، ولا حاجةَ لنا فيه. لو لَقِيَ الإنسانُ رَبَّهُ وهو لم يَبْحَثْ في التفضيلِ بَيْنَهُمْ لَمْ يَسْأَلْهُ عن ذلك، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ. وهذا معنَى قولِه: {وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}. {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: آية 87] قولُه: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ} معطوفٌ على معمولِ (هَدَيْنَا) أي: وَهَدَيْنَا أيضًا مِنْ آبائِهم وذرياتِهم. وَدَلَّ بـ (مِنْ) على أن مفعولَ (الهدايةِ) البعضُ. أي: وَهَدَيْنَا أيضًا بعضَ ذرياتِهم. {وَإِخْوَانِهِمْ} لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ هؤلاءِ الرسلَ الكرامَ ذَكَرَ أنه هَدَى بعضَ أصولِهم وفروعِهم، وبعضَ حواشِيهم. فبعضُ الأصولِ كآدمَ وإدريسَ، وبعضُ الفروعِ كأولادِهم من الطَّيِّبِينَ، وبعضُ الحواشِي كإخوةِ يوسفَ وَمَنْ جَرَى مَجْرَى ذلك. أي: وَهَدَيْنَا مِنْ آبَائِهِمْ وذرياتِهم وإخوانِهم. {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} أي: اجْتَبَيْنَا هؤلاءِ الرسلَ الْمَذْكُورِينَ. والاجتباءُ: الاصطفاءُ والاختيارُ. أي: اخْتَرْنَاهُمْ وَاصْطَفَيْنَاهُمْ {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أي: وَفَّقْنَاهُمْ وَأَرْشَدْنَاهُمْ إلى صراطٍ مستقيمٍ. والصراطُ في لغةِ العربِ: الطريقُ الواضحُ (¬2). ¬
والمستقيمُ: الذي لاَ اعوجاجَ فيه (¬1) وَمِنْهُ قولُ جريرٍ يمدحُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ (¬2): أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ وهذا الصراطُ المستقيمُ، أي: الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاجَ فيه: طريقُ دينِ الإسلامِ، دينِ الحنيفيةِ السمحةِ، التي بَعَثَ اللَّهُ بها إبراهيمَ، وَحَاصِلُهَا: اعتقادٌ نَافِعٌ، اعتقادٌ بجميعِه لِلَّهِ (جل وعلا) وَمَا يَجِبُ اعتقادُه، مع امتثالِ الأمرِ، واجتنابِ النهيِ بإخلاصٍ، مُطَابِقًا للوجهِ الذي شَرَعَهُ اللَّهُ (جل وعلا). {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: آية 88] ذلك الْهُدَى الذي هَدَى اللَّهُ به هؤلاءِ الأنبياءَ الكرامَ المذكورين فِي سورةِ الأنعامِ هو هُدَى اللَّهِ، ولا هُدًى إلا هُدَى اللَّهِ، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة: آية 120]. {يَهْدِي بِهِ} أي: بِهُدَاهُ مَنْ يَشَاءُ أن يَهْدِيَهُ من عبادِه. ومفهومُ مخالفةِ الآيةِ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَهْدِيَهُ فلاَ هاديَ له؛ لأَنَّ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هاديَ لَهُ. فالهدايةُ والإضلالُ كُلُّهَا بمشيئتِه وحدَه (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} ومفعولُ {يَشَاءُ} محذوفٌ. أي: مَنْ يَشَاءُ هِدَايَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ. ¬
ثم قال: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هؤلاء الرسلُ الكرامُ الذين هَدَاهُمُ اللَّهُ لَوْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ غيرَه، وَعَبَدُوا معَه غيرَه، كما كان أبو إبراهيمَ يُرَاوِدُ إبراهيمَ أن يَرْجِعَ لعبادةِ الأصنامِ، لو أَشْرَكُوا مع اللَّهِ غيرَه لَحَبِطَ عنهم ما كانوا يعملونَ، فَبَطَلَ جميعُ ما عَمِلُوهُ مِنَ الْخَيْرِ؛ لأَنَّ الشركَ كفرٌ يُبْطِلُ جميعَ الحسناتِ، كما قال تعالى مُخَاطِبًا لِنَبِيِّنَا وغيرِه من الأنبياءِ في سورةِ الزمرِ: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: آية 65]، وهذه الآيةُ الكريمةُ تَدُلُّ على أن الشركَ - والعياذُ بالله - مَحْبَطَةٌ للعملِ، وأنه يُبْطِلُ جميعَ أعمالِ الإنسانِ (¬1). وَمِنْ هذه الآيةِ الكريمةِ أَخَذَ الإمامُ مالكُ بنُ أَنَسٍ (رحمه الله) فَرْعًا فِقْهِيًّا، قال: إن الرجلَ إذا ارْتَدَّ بَانَتْ منه زوجتُه (¬2). تارةً يقولُ: بفسخٍ، وتارةً يقول: بطلقةٍ بَائِنَةٍ؛ لأَنَّ ذلك النكاحَ الذي عَمِلَ مِنْ عَمَلِهِ، وَقَدْ أَشْرَكَ، وَإِذَا أَشْرَكَ حَبِطَ جميعُ ما كانَ يعملُ، حتى مُعَاشَرَتُهُ؛ لأنه أَخَذَ تلك المؤمنةَ بكلمةِ اللَّهِ، وبكتابِ اللَّهِ (جل وعلا)، والشركُ يُحْبِطُ ذلك (¬3). وهنا بَحْثٌ أُصُولِيٌّ؛ لأن القاعدةَ المقررةَ في الأصولِ: أنه إذا جاءَ في كتابِ اللَّهِ نَصٌّ مُطْلَقٌ، ثم جَاءَ في موضعٍ آخَرَ مُقَيَّدًا، فالجماهيرُ على أنه يُحْمَلُ المطلقُ على الْمُقَيَّدِ (¬4). وإحباطُ الشركِ ¬
للأعمالِ جاءَ مُطْلَقًا في آياتٍ من كتابِ اللَّهِ، وجاءَ مُقَيَّدًا في آيةٍ أُخْرَى، فَمِنَ الآياتِ المطلقاتِ: قولُه هنا: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقولُه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: آية 65] وقولُه: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: آية 5] هذه الآياتُ تَدُلُّ على أن الكفرَ بِاللَّهِ يُحْبِطُ العملَ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ. وهذا إذا كان مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ. وقد بَيَّنَ في موضعٍ مِنْ سورةِ البقرةِ أَنَّ مَحَلَّ إحباطِ الإشراكِ والرجوعِ للكفرِ بعدَ الإيمانِ، محلُّ إحباطِه للعملِ ما إذا ماتَ على ذلك، حَيْثُ قَالَ: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: آية 217] فَقُيَدَّ بقولِه: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}. وَذَهَبَ مالكٌ في جماعةٍ من العلماءِ إلى أن الآياتِ المطلقةَ هنا على بَابِهَا، قال: إذا ارْتَدَّ الإنسانُ حَبِطَ جميعُ عملِه، وَبَطَلَتْ حَجَّةُ الإسلامِ - إن كان حَجَّهَا - وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ. وإذا رَاجَعَ الإسلامَ ليس عليه قضاءُ فَائِتٍ مِنْ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ؛ لأَنَّ جميعَ أعمالِه حَبَطَتْ. وَذَهَبَتْ جماعةٌ من العلماءِ، منهم محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ (رحمه الله)، إلى أن الكفرَ بعدَ الإيمانِ، والإشراكَ بعدَ الإسلامِ لاَ يُحْبِطُ جميعَ عملِه إلا إذا مَاتَ على الكفرِ (¬1). بدليلِ القيدِ الذي في قولِه: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}. وقولُ الشافعيِّ في هذه المسألةِ أجرى على الأصولِ؛ لأن المقررَ في الأصولِ: أنه إذا جَاءَ نَصٌّ من كتابِ اللَّهِ عَامًّا أو مُطْلَقًا، ¬
وجاء مُقَيَّدًا في موضعٍ آخَرَ، فَلَهُ عِنْدَ العلماءِ حالاتٌ (¬1): تارةً يكونُ الحكمُ والسببُ واحدًا، وتارةً يكونُ الحكمُ واحدًا دونَ السببِ، وتارةً يكونُ السببُ واحدًا دونَ الحكمِ، وتارةً لاَ يَتَّحِدُ حكمٌ وَلاَ سَبَبٌ. فَإِذَا كان الحكمُ والسببُ مُتَّحِدَيْنِ فجمهورُ العلماءِ على أن المطلقَ يُحْمَلُ على الْمُقَيَّدِ، وأنه يُقَيَّدُ بِقَيْدِهِ؛ ولأجلِ هذا فقد جاءت في تحريمِ الدمِ أربعُ آياتٍ من كتابِ اللَّهِ، ثلاثٌ منها مُطْلَقَاتٌ، وواحدةٌ مُقَيَّدَةٌ: أَمَّا المُطْلَقَاتُ: فقولُه في سورةِ النحلِ: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: آية 115] وقولُه في سورةِ البقرةِ: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: آية 173] وقولُه في سورةِ المائدةِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: آية 3] فالدمُ في آيةِ النحلِ، وآيةِ البقرةِ، وآيةِ المائدةِ، مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدٍ. وقد جَاءَ في سورةِ الأنعامِ هذه مُقَيَّدًا بالمسفوحيةِ، في قولِه: {لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: آية 145] وجماهيرُ العلماءِ على ¬
أن القيدَ بالمسفوحيةِ في الأنعامِ يُقَيَّدُ به إطلاقُ الآياتِ في النحلِ والبقرةِ والمائدةِ؛ وَلِذَا أطبقَ مَنْ يُعْتَدُّ به مِنَ العلماءِ على أن الْحُمْرَةَ التي تعلو الْقِدْرَ من أَثَرِ تقطيعِ اللحمِ أنها لا تُنَجِّسُهُ؛ لأن ذلك الدمَ غيرُ مسفوحٍ، خارجٌ بقيدِ المسفوحيةِ في قولِه: {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [البقرة: آية 145] وهذا يدلُّ على أن العلماءَ يحملونَ المطلقَ على المقيدِ، ولو كان المقيدُ هو السابقَ نزولاً؛ لأَنَّ القيدَ في آيةِ الأنعامِ، وهي نازلةٌ قبلَ البقرةِ، وقبلَ المائدةِ، وقبلَ النحلِ. أما نزولُها قبلَ المائدةِ والبقرةِ فهو معروفٌ؛ لأن سورةَ الأنعامِ نازلةٌ قَبْلَ الهجرةِ بِلاَ خلافٍ، إلا آياتٍ معروفةً منها (¬1). والمائدةُ والبقرةُ من القرآنِ الْمَدَنِيٍّ بالإجماعِ، نَزَلَتَا في المدينةِ بعدَ الهجرةِ، والمائدةُ مِنْ آخِرِ ما نَزَلَ، وفيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: آية 3] بَقِيَتِ: النحلُ والأنعامُ، هما مكيتان على التحقيقِ، إلا أن القرآنَ دَلَّ في مَوْضِعَيْنِ على أن سورةَ الأنعامِ نازلةٌ قبلَ سورةِ النحلِ، وهي التي فيها القيدُ، والموضعانِ الذي دَلَّ القرآنُ فيهما على أن الأنعامَ نازلةٌ قبلَ النحلِ: أن اللَّهَ قال في سورةِ النحلِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل: آية 118] وهذا الْمُحَرَّمُ المحالُ، الْمَقْصُوصُ عليه من قبلُ، في سورةِ الأنعامِ بِلاَ خِلاَفٍ في قولِه: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} الآيةَ [الأنعام: آية 146]. الْمَوْضِعُ الثاني: أن اللَّهَ قال في سورةِ الأنعامِ: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: آية 148] فَبَيَّنَ أنهم سَيَقُولُونَ هذا في المستقبلِ، وأنهم لم يَقُولُوهُ فِعْلاً. وَبَيَّنَ في سورةِ ¬
النحلِ أن ذلك القولَ الموعودَ به في المستقبلِ أنه وَقَعَ فعلاً في قولِه: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا} الآية. [النحل: آية 35] فهذا دَلَّ على أن النحلَ بعدَ الأنعامِ. والمائدةَ والبقرةَ بعدَها بِلاَ نِزَاعٍ. فَتَبَيَّنَ أن المطلقَ يُحْمَلُ على المقيدِ، ولو كان المقيدُ سابقًا نُزُولاً. هذا هو المعروفُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. أما إذا اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا واختلفَ سببُهما: فكثيرٌ من العلماءِ - منهم أكثرُ الشافعيةِ والحنابلةِ وجماعةٌ مِنَ المالكيةِ - أن المطلقَ يُحْمَلُ على المقيدِ في هذه. ومثالُ ما اتَّحَدَ حُكْمُهُ واختلفَ سَبَبُهُ: قولُه (جل وعلا) في كفارةِ القتلِ خَطَأً: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: آية 92] فَقَيَّدَ الرقبةَ بالإيمانِ، وَأَطْلَقَهَا عن قيدِ الإيمانِ في كفارةِ اليمينِ، وكفارةُ الظهارِ حيثُ قال في كفارةِ اليمينِ في سورةِ المائدةِ: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: آية 89] وَلَمْ يَقُلْ: مؤمنةٍ. وقال في الظهارِ في سورةِ المجادلةِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّنْ قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: آية 3] ولم يَقُلْ: مؤمنةٍ. فالحكمُ هنا واحدٌ، وهو التكفيرُ بتحريرِ رقبةٍ، والسببُ مختلفٌ؛ لأَنَّ الْمُقَيَّدَ سببُه: القتلُ خَطَأً، والمطلقُ سببُه: إما حِنْثٌ في يمينٍ، وإما ظهارٌ. وأكثرُ العلماءِ من الشافعيةِ والمالكيةِ والحنابلةِ يقولونَ: يُحْمَلُ المطلقُ هنا على المقيدِ، فَيُشْتَرَطُ في كفارةِ الظهارِ وكفارةِ اليمينِ الإيمانُ. خِلاَفًا للإمامِ أَبِي حنيفةَ - رحمةُ اللَّهِ عَلَى الجميعِ - قال في مثلِ هذه: لاَ يُحْمَلُ، ولو أَعْتَقَ الحانثُ في اليمينِ أو المظاهرُ رقبةً غيرَ مؤمنةٍ لأَجْزَأَتْهُ؛ لأن القيدَ في كفارةِ القتلِ خطأً، وهذه مُطْلَقَةٌ.
ومثالُ عكسِ هذا: وهو ما إذا اتَّحَدَ السببُ واختلفَ الحكمُ، في مِثْلِ هذه يخالفُ الحنابلةَ ويقولونَ: لاَ حَمْلَ في هذه. وَيَبْقَى المالكيةُ والشافعيةُ يقولونَ: فيها الْحَمْلُ. وَمَثَّلَ الحنابلةُ لهذا قالوا: اللَّهُ (جَلَّ وَعَلاَ) في كفارةِ الظهارِ قَيَّدَ بِكَوْنِهَا قبلَ المسيسِ بالعتقِ والصومِ، قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: آية 3] وقال في الصومِ: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: آية 4] وَأَطْلَقَ الإطعامَ عن كونِه قبلَ المسيسِ، معَ أن السببَ في الجميعِ واحدٌ، وهو الحنثُ في الظهارِ، والحكمُ مختلفٌ؛ لأن هذا عِتْقٌ، وهذا إطعامٌ، وهذا صومٌ، فَلاَ يُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ، فيجوزُ أن يُعْطِيَ الطعامَ بعدَ المسيسِ، ولا يشترطُ في الطعامِ أن يُقالَ فيه: مِنْ قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا. وقال غيرُهم: إن هذا يُحْمَلُ فيه المطلقُ على المقيدِ. قالوا: ومثالُه قولُه في سورةِ المائدةِ قال اللَّهُ جل وعلا: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ} [المائدة: آية 89] فَقَيَّدَ الإطعامَ بكونِه مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ، ثم قال: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} وَلَمْ يُقَيِّدِ الكسوةَ بكونِها مِنْ أوسطِ ما تَكْسُونَ أهليكم. قالوا: فَنَحْمِلُ المطلقَ على المقيدِ ونقولُ: إِنَّ الكسوةَ مِنْ أوسطِ ما تَكْسُونَ أهليكم. كما قاله جماعةٌ من العلماءِ. والحكمُ هنا مختلفٌ؛ لأَنَّ الْمُطْلَقَ: كسوةٌ، والمقيدُ: إطعامٌ، إلا أن السببَ واحدٌ، وهو الحنثُ في كفارةِ اليمينِ. وَمَحَلُّ هذه الأقوالِ ما إذا كان المُقَيَّدُ واحدًا، أما إذا كان هناكَ مطلقٌ وهناك مُقَيَّدَانِ بِقَيْدَيْنِ مختلفين، فَلَهُمَا حالتانِ (¬1): إن كان ¬
المُقَيَّدَانِ بِقَيْدَيْنِ مختلفين ليس أحدُهما أقربَ لِلْمُطْلَقِ، فَلاَ يُحْمَلُ على واحدٍ منهما. وإن كان أحدُهما أقربَ للمطلقِ، فَذَهَبَتْ جماعةٌ من العلماءِ إلى أَنَّ المطلقَ يُحْمَلُ إلى أقربِ المُقَيَّدَيْنِ له، وَيُقَيَّدُ بِقَيْدِهِ. مثالُ ما إذا كان أحدُهما أقربَ: أن اللَّهَ (تبارك وتعالى) ذَكَرَ صومَ أيامِ اليمينِ، قال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: آية 89] وأيامُ اليمينِ لَمْ يُقَيِّدْهَا بتتابعٍ ولا بتفريقٍ، مع أنه جَاءَ هنالك صومٌ مُقَيَّدٌ بالتتابعِ، وهو صومُ الظهارِ في قولِه: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: آية 4] وَجَاءَ هناك صومٌ آخَرُ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ، وهو صومُ التمتعِ؛ لأَنَّ اللَّهَ قَيَّدَهُ بالتفريقِ، حيث قال: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: آية 196] فَقَيَّدَ صومَ الظهارِ بالتتابعِ، وَقَيَّدَ صومَ التمتعِ بالتفريقِ، وَأَطْلَقَ صومَ كفارةِ اليمينِ، لَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَتَابُعٍ ولاَ بِتَفْرِيقٍ. وقراءةُ ابنِ مسعودٍ: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات} (¬1) لم تَثْبُتْ قُرْآنًا. وإذا لم يَأْتِ بها إلا على أنها قرآنٌ، وَبَطَلَ كونُها قُرْآنًا بَطَلَ الاحتجاجُ بها عندَ مَنْ يقولُ بذلك، خِلاَفًا لجماعةٍ آخَرِينَ (¬2). قال بعضُ العلماءِ في هذه: نَحْمِلُ الإطلاقَ في كفارةِ اليمينِ على أَقْرَبِهُمَا لَهَا، والظهارُ أقربُ ¬
لليمينِ من التمتعِ؛ لأَنَّ الظهارَ واليمينَ كِلاَهُمَا كفارةٌ، والتمتعُ أبعدُ منهما. ومثالُ ما لم يَكُنْ أقربَ لواحدٍ منهما: أن اللَّهَ قَيَّدَ صومَ الظهارِ بالتتابعِ، وَقيَّدَ صومَ التمتعِ بالتفريقِ، وَأَطْلَقَ قضاءَ رمضانَ، ولم يُقَيِّدْهُ بتتابعٍ ولاَ تفريقٍ قال: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: آية 184] ولم يُقَيِّدْ قضاءَ صومِ رمضانَ الفائتِ بمرضٍ أو سَفَرٍ، لم يُقَيِّدْهُ بتتابعٍ ولا تفريقٍ، حيث قال: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، من غيرِ أن يقولَ: متتابعاتٍ، ولا متفرقاتٍ، مع أن صومَ الظهارِ مقيدٌ بالتتابعِ. وصومَ التمتعِ مُقَيَّدٌ بالتفريقِ. فنقولُ: قضاءُ رمضانَ الذي هو المطلقُ عن قيدِ التتابعِ أو قيدِ التفريقِ ليس أقربَ إلى الظهارِ ولاَ إلى التمتعِ، فليس بأقربَ لهذا وهذا، فلا نُقَيِّدُهُ بقيدِ التفريقِ ولا نُقَيِّدُهُ بقيدِ التتابعِ، فَيَبْقَى مُطْلَقًا، مَنْ شَاءَ تَابَعَهُ، وَمَنْ شَاءَ فَرَّقَهُ، إلا أن جماعةً من العلماءِ قالوا: يُنْدَبُ تَتَابُعُهُ. وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. يقولُ اللَّهُ جل وعلا: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: آية 89] قَرَأَهُ أكثرُ القراءِ {وَالنُّبُوَّةَ} بالإدغامِ، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ: {والنبؤة} بتحقيقِ الهمزةِ (¬1). الإشارةُ في قولِه {أُوْلَئِكَ} إلى الأنبياءِ الكرامِ الْمَذْكُورِينَ في قولِه: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ} ¬
[الأنعام: آية 84] إلى آخِرِ مَنْ عَدَّ منهم. أولئك الرسلُ الكرامُ: نوحٌ وإبراهيمُ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ} أي: أَعْطَيْنَاهُمُ {الْكِتَابَ} أي: جِنْسَ الكتابِ، الصادقَ بصحفِ إبراهيمَ، وتوراةِ موسى، وإنجيلِ عيسى، وزبورِ داودَ، ونحوِ ذلك. وهذا معنَى قولِه {أُولَئِكَ} الرسلُ المذكورونَ {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ} أي: أَعْطَيْنَاهُمُ {الْكِتَابَ} أي: جِنْسَهُ الصادقَ بالكتبِ المنزلةِ عليهم. وقولُه: {وَالْحُكْمَ} قال بعضُ العلماءِ: الحكمُ هو الْفَهْمُ في الدينِ، والفصلُ بَيْنَ الخصومِ. ومعنَى الحكمِ على هذا: هو فَهْمُ الكتابِ، والاطلاعُ على دَقَائِقِهِ (¬1)، والعملُ بما فيه. وقولُه: {وَالنُّبُوَّةَ} هو مصدرٌ مَعْنَوِيٌّ، معناه: أن اللَّهَ جَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ. و (النبوةُ) أصلُها مِنَ (النَّبَأِ)، و (النبأُ) في لغةِ العربِ: الخبرُ الذي له شَأْنٌ وَخَطْبٌ. لا تكادُ العربُ تُطْلِقُ (النبأَ) إِلاَّ على الخبرِ الذي له شَأْنٌ. تقولُ: «جاءنا نبأُ الأميرِ». ولا تقولُ: «جاءنا نَبَأُ حِمَارِ الحجامِ»؛ لأَنَّ هذا لا شأنَ له ولا خَطْبَ. فالنبأُ أخصُّ من الخبرِ؛ لأَنَّ كُلَّ نبأٍ خبرٌ، وليس كُلُّ خَبَرٍ نبأً؛ لاختصاصِ (النبأِ) عادةً بالخبرِ الذي له شَأْنٌ؛ وذلك لأَنَّ الأنبياءَ يُخْبِرُهُمُ اللَّهُ عن طريقِ الوحيِ أخبارًا لها شأنٌ وَأَمْرٌ عظيمٌ، خِلاَفًا لِمَنْ زَعَمَ أن (النبوةَ) و (النبيَّ) أنها من (النَّبْوَةِ) بمعنَى: الارتفاعِ؛ لارتفاعِ شأنِهم بما أَوْحَاهُ اللَّهُ إليهم. وهذا معنَى قولِه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ}. ثم قَالَ: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ} الضميرُ في قولِه: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ} قال بعضُ العلماءِ: عائدٌ إِلَى النبوةِ؛ لأَنَّهَا أقربُ ¬
مَذْكُورٍ (¬1). فَإِنْ يَكْفُرْ بالنبوةِ، كنبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، التي هي مِنْ جِنْسِ نبوتِهم، كما صَرَّحَ به فِي قولِه: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: آية 163] وقال بعضُ العلماءِ: الضميرُ فِي {بِهَا} راجعٌ إلى المذكوراتِ الثلاثِ، وهي: النبوةُ والحكمُ والكتابُ (¬2). {آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ} بالثلاثةِ {هَؤُلاَءِ} يعني: كفارَ مكةَ، الذين كَذَّبُوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ولا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ أعطاهُ النبوةَ، وأعطاهُ الحكمَ، وأعطاهُ الكتابَ. فإن كَفَرُوا بنبوتِه وحكمِه وكتابِه: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي: بالنبوةِ أو بالمذكوراتِ {قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} كأن معنَى الآيةِ: يقولُ اللَّهُ: إِنْ كان هؤلاءِ تَمَرَّدُوا وَكَذَّبُوا رُسُلِي وَكَفَرُوا بِي وَلَمْ يَعْبُدُونِي فَلِي قومٌ آخَرُونَ غيرهم يَعْبُدُونَنِي وَيُوَحِّدُونَنِي كما ينبغي. وقولُه: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي: وَفَّقْنَاهُمْ للإيمانِ بها. أي: بالنبوةِ. أو: النبوةِ والْحُكْمِ والكتابِ. ومعنىَ وَكَّلْنَاهُمْ بها: أي: وَفَّقْنَاهُمْ لَهَا، وَهَيَّأْنَاهُمْ لَهَا، حتى كانوا يقومونَ بها، ويحافظونَ عليها، كما يقومُ الوكيلُ بما أُسْنِدَ إليه. وهذا معنَى قولِه: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} بل هم مؤمنونَ بها بقلوبِهم وألسنتِهم وجوارحِهم. وهؤلاء القومُ المؤمنونَ- الذين هم لَيْسُوا بها بكافرينَ، الذين وَكَّلَهُمُ اللَّهُ بالإيمانِ بها- للعلماءِ فيهم أَوْجُهٌ مِنَ التفسيرِ، لا يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا (¬4). ¬
أظهرُها: أَنَّهُمْ الأنبياءُ المذكورونَ. يعنِي: إِنْ كَفَرَ هؤلاءِ الكفرةُ، وَكَفَرُوا بالنبوةِ فَلَنَا مِنْ صفوةِ خَلْقِنَا أناسٌ طَيِّبُونَ يؤمنونَ كَمَا يَنْبَغِي، وَيُعَظِّمُونَ اللَّهَ كما ينبغي، تظهرُ بإيمانِهم حكمةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ الْخَلْقَ؛ لِيَعْبُدُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ. وعلى هذا فالقومُ في قولِه: {قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} الأنبياءُ المذكورونَ. وَيَدُلُّ عليه: أنه قَالَ بعدَه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90]. وقال بعضُ العلماءِ: المرادُ بهؤلاءِ القومِ الذين وُكِّلُوا بها، وليسوا بها بكافرينَ: المؤمنونَ من المهاجرينَ والأنصارِ، حيث تَلَقَّوْهُ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ. وقال بعضُ العلماءِ: هي تشملُ كُلَّ مُؤْمِنٍ آمَنَ بِاللَّهِ (جل وعلا). وعليه فَالْمَعْنَى: إِنْ كَفَرَ بعضُ خَلْقِي وَتَمَرَّدُوا وَكَذَّبُوا رُسُلِي فَلِي بَعْضٌ آخَرُ من الناسِ الطيبين وَفَّقْتُهُمْ للعملِ والإيمانِ، يحصلُ بهم غرضُ التشريعِ، وَخَلْقُ الْخَلْقِ؛ لأَنَّ الغرضَ الأكبرَ من خلقِ الناسِ: أن يَعْبُدُوا رَبَّهُمْ (جل وعلا)، وَيُحْسِنُوا العملَ له، كما قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: آية 56] فهؤلاءِ الطيبونَ تَحْصُلُ بهم الحكمةُ المرادةُ في قولِه: {لِيَعْبُدُونِ} ويحسنونَ العملَ لِلَّهِ، فيحصلُ بهم المعنَى المرادُ في قولِه: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية 7]، وهذا معنَى قولِه: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}. [9/أ] / {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: آية 90].
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} قَرَأَ هذا الحرفَ حمزةُ والكسائيُّ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِ} في الصلةِ بلا هاءٍ، وَقَرَأَهُ غيرُهما وغيرُ ابنِ عامرٍ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} بهاءِ السَّكْتِ وَصْلاً وَوَقْفًا، وَقَرَأَهُ ابنُ عامرٍ من روايةِ هشامٍ: {اقتدهِ} بكسرةٍ مُخْتَلَسَةٍ، وَقَرَأَهُ ابنُ عامرٍ من روايةِ ابنِ ذَكْوَانَ: {اقْتَدِهي} بكسرةٍ مُشْبَعَةٍ. فَتَحَصَّلَ أن القراءاتِ فيه متعددةٌ (¬1)، قراءةُ الجمهورِ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} بهاءِ السكتِ الساكنةِ وَصْلاً وَوَقْفًا، وقرأه حمزةُ والكسائيُّ: {اقْتَدِ} بِلاَ هاءٍ في حالةِ الوصلِ. {اقْتَدِهْ} بالهاءِ فِي حالةِ الوقفِ، وقرأه ابنُ عامرٍ بهاءٍ مكسورةٍ تُخْتَلَسُ كسرتُها في روايةِ هشامٍ عنه، وتُشْبَعُ كسرتُها في روايةِ ابنِ ذكوانَ عنه. هذه هي القراءاتُ: {اقْتَدِ} وَصْلاً {اقْتَدِهْ} وَقْفًا {اقْتَدِه} وَصْلاً وَوَقْفًا {اقْتَدِهي} وَصْلاً {اقْتَدِهِ} وَصْلاً، هذه قراءاتُ القراءِ السبعِ في هذا الحرفِ. و {اقْتَدِ} معناه: فِعْلُ أَمْرٍ من الاقتداءِ، والاقتداءُ معناه: الائْتِسَاءُ والاتباعُ في العملِ. يقولُ العربُ: «اقْتَدَى بِهِ». إذا ائْتَسَى به وَتَبِعَهُ في عَمَلِهِ. وقال قومٌ: إن قراءةَ ابنِ عامرٍ هنا {اقْتَدِهِي} {اقْتَدِهِ} زَعَمَ قومٌ أنها لَحْنٌ لاَ تجوزُ؛ لأن هاءَ السكتِ لا يجوزُ كَسْرُهُ (¬2). وهذا غَلَطٌ؛ لأن قراءةَ ابنِ عامرٍ قراءةٌ صحيحةٌ متواترةٌ، والعلماءُ خَرَّجُوهَا على أن الهاءَ في قراءةِ ابنِ عامرٍ- في حرفِ هشامٍ وابنِ ذكوانَ - ليست هاءَ ¬
السكتِ؛ لأن هاءَ السكتِ ساكنةٌ على كُلِّ حَالٍ (¬1)، وإنما هي ضميرٌ راجعٌ إلى المصدرِ. ومعنَى {اقْتَدِهِي} أي: الاقتداء فيكونُ بمعنَى اقْتَدِ اقْتِدَاءً بهم. هذا تخريجُ قراءةِ ابنِ عَامِرٍ (¬2). ومعنَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} اقْتَدِ بِهُدَاهُمْ، وَافْعَلْ كَمَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْهُدَى. وهذه الآيةُ الكريمةُ هي التي أَخَذَ منها جماهيرُ العلماءِ - هي وأمثالُها في القرآنِ - أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شرعٌ لَنَا إِنْ ثَبَتَ في شرعِنا إِلاَّ بدليلٍ يدلُّ على أنه ليسَ شَرْعًا لنا. وهذه مسألةٌ معروفةٌ في الأصولِ (¬3). اعْلَمْ أَوَّلاً: أن شرعَ مَنْ قَبْلَنَا له ثلاثُ حالاتٍ: تارةً يكونً شَرْعًا لنا بِلاَ خِلاَفٍ، وتارةً يكونُ غيرَ شرعٍ لَنَا بِلاَ خِلاَفٍ، وتارةً يكونُ مَحَلَّ خِلاَفٍ، هو الذي فيه كلامُ العلماءِ؛ لأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا واسطةٌ وَطَرَفَانِ: طرفٌ هو شَرْعٌ لَنَا إِجْمَاعًا، وطرفٌ لَيْسَ شَرْعًا لنا إِجْمَاعًا، وواسطةٌ هِيَ مَحَلُّ بحثِ العلماءِ وَخِلاَفُهُمْ. أما الطرفُ الذي هو شَرْعٌ لَنَا إِجْمَاعًا: وهو ما وَرَدَ في شرعِنا أنه كان شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، ثُمَّ جَاءَنَا في شرعِنا أنه مشروعٌ لنا - كقتلِ ¬
النفسِ بالنفسِ قِصَاصًا، فإن قتلَ النفسِ بالنفسِ قِصَاصًا كان شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، كما نَصَّ اللَّهُ عليه بقولِه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: آية 45]،. ثُمَّ إن اللَّهَ بَيَّنَ في كتابِنا أنه شرعٌ لنا، حيثُ قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: آية 178]، وقال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: آية 179]، وقال: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: آية 33]، - فمثلُ هذا الطرفِ هو شرعٌ لنا بِإِجْمَاعٍ. الطرفُ الثاني: يكونُ شرعُ مَنْ قَبْلَنَا ليسَ بشرعٍ لنا إجماعًا، وهذا الطرفُ له صُورَتَانِ: إحدَاهُمَا: ألا يُثْبَتَ بشرعِنا أَصْلاً، بِأَنْ لاَ يوجدَ دليلٌ من كتابٍ ولا سُنَّةٍ على أنه كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، وإنما تُلِقِّيَ عن الإسرائيلياتِ. فهذا لا يكونُ شَرْعًا لنا بالإجماعِ، لأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَانَا عَنْ تصديقِ الإسرائيلياتِ وتكذيبِها (¬1) ما لَمْ يَقُمْ دليلٌ على صِدْقِهَا أو كَذِبِهَا. وما ¬
نُهِينَا عَنْ تَصْدِيقِهِ لا يُمْكِنُ أن يكونَ شَرْعًا لنا. الثاني من هذا الطَّرَفِ: هو ما ثَبَتَ في شَرْعِنَا أنه كان شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، إلا أنه نُصَّ لنا في شَرْعِنَا أنه غيرُ مشروعٍ لنا. ومثالُ هذا كالآصَارِ والأغلالِ التي كانت على مَنْ قَبْلَنَا، فإن اللَّهَ بَيَّنَ لنا في كتابِنا أنه رَفَعَهَا عَنَّا، كما قَالَ تَعَالَى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: آية 157] ومن هذه الآصارِ: ما جَاءَ في سورةِ البقرةِ من أَنَّ عَبَدَةَ العجلِ لَمَّا أَرَادُوا أن يَتُوبُوا إلى اللَّهِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ حَتَّى قَدَّمُوا أنفسَهم للقتلِ، كما تَقَدَّمَ في قولِه: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: آية 54]، لأَنَّ اللَّهَ وَضَعَهَا عَنَّا بِنَصِّ قولِه: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: آية 157]، وَالإِصْرُ فِي اللغةِ: الأثقالُ. والمرادُ به: الأثقالُ الشَّاقَّةُ فِي التكاليفِ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ ابنِ عباسٍ وَأَبِي هريرةَ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قَرَأَ: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: آية 286]. أَنَّ اللَّهَ قال: «نَعَمْ». في روايةِ
أَبِي هريرةَ: قال اللَّهُ: «نَعَمْ». وفي روايةِ ابنِ عباسٍ: قال اللَّهُ: «قَدْ فَعَلْتُ» (¬1). وهو حديثٌ صحيحٌ، يُصَرِّحُ بِأَنَّ اللَّهَ وَضَعَ عنا الآصَارَ والأثقالَ التي كانت على مَنْ قَبْلَنَا. بَقِيَتْ واسطةٌ هِيَ مَحَلُّ الخلافِ بَيْنَ العلماءِ، وهي ما ثَبَتَ بِشَرْعِنَا أنه كان شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا، ولم يَثْبُتْ فِي شَرْعِنَا أنه شرعٌ لنا، ولا غيرِ شَرْعٍ لَنَا. هذا محلُّ الخلافِ، وجمهورُ العلماءِ - وهو المشهورُ عن الأئمةِ الثلاثةِ، مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ - أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا الثابتَ بِشَرْعِنَا يكونُ شَرْعًا لَنَا، إلا لدليلٍ يَدُلُّ على أنه منسوخٌ عَنَّا. وعن الشافعيِّ في أَصَحِّ الرواياتِ في أصولِه: أنه لاَ يكونُ شَرْعًا لَنَا إِلاَّ بدليلٍ منفصلٍ. واحتجَّ الشافعيُّ بقولِه تعالى فِي الأنبياءِ والرسلِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: آية 48] قال: لِكُلِّ نَبِيٍّ شِرْعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَمِنْهَاجٌ مُسْتَقِلٌّ. واستدلَّ الجمهورُ على أن شرعَ مَنْ قَبْلَنَا - إِنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا - شَرْعٌ لنا بأدلةٍ كثيرةٍ مِنْ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ (¬2). قَالُوا: اللَّهُ (جل وعلا) لَمَّا ذَكَرَ الأنبياءَ فِي سورةِ الأنعامِ قَالَ لِنَبِيِّنَا وهو قُدْوَتُنَا: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90]، وَأَمْرُ القدوةِ أَمْرٌ لأَتْبَاعِهِ. قالوا: وَاللَّهُ (جل وعلا) بَيَّنَ أنه مَا قَصَّ علينا قصصَهم إلا لنعتبرَ بها، فنتباعدُ عَنْ مُوجبِ الهلاكِ، ونتسارعُ إلى موجبِ النجاةِ، كما قال: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ¬
لِّأُولِي الأَلْبَابِ} [يوسف: آية 111] فَصَرَّحَ بأنه يَقُصُّ قصصَهم للاعتبارِ والعملِ بما تَضَمَّنَتْهُ قصصُهم، وَوَبَّخَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ ذلك، قال في قومِ لوطٍ: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (138)} [الصافات: الآيتان 137، 138]، وبَّخَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عن اللَّهِ وقائعَه في الأممِ الماضيةِ ليعتبرَ بها. وفائدةُ ذلك العملِ وهو أن يَكُفَّ عن أسبابِ الهلاكِ الذي هَلَكَ بها الْهَالِكُونَ، وَيُسَارِعَ إلى أسبابِ النجاةِ. وقال جل وعلا: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: آية 13]، وقال في التوراةِ: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: آية 44] والموجودُ مِنَ النَّبِيِّينَ عِنْدَ نزولِ الآيةِ: مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - وَحْدَهُ. وكان الإمامُ الشافعيُّ (رحمه الله) يقولُ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية90]، المرادُ بِالْهُدَى هنا في قولِه: {فَبِهُدَاهُمُ} والمرادُ بالدينِ في قولِه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} خصوصُ العقائدِ والأصولِ لا الفروعِ العمليةِ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال في الفروعِ العمليةِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: آية 48]. وَنَحْنُ نقولُ: إن هذا الذي يُذْكَرُ عن الإمامِ الشافعيِّ (رحمه الله)، وإن كان هُوَ هُوَ فِي الجلالةِ، إلا أن هذا الكلامَ غيرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِمَا ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ عن مجاهدٍ في تفسيرِ سورةِ (ص) أنه سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي (ص) سَجْدَةٌ؟ يعني: وَمِنْ أَيْنَ أُخِذَتِ السجدةُ فِي (ص)؟ فقال له ابنُ عَبَّاسٍ: أَوَمَا تَقْرَأُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} ثم قَالَ {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وكان دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أن يقتديَ به، فَسَجَدَهَا داودُ، فَسَجَدَهَا رسولُ اللَّهِ
- صلى الله عليه وسلم - (¬1). هذا حديثٌ ثابتٌ في صحيحِ البخاريِّ عن ابنِ عباسٍ، صَرَّحَ فيه ابنُ عباسٍ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اقْتَدَى بِدَاوُدَ في سجدةِ تلاوةٍ، وسجودُ التلاوةِ فرعٌ من الفروعِ كَمَا هو معلومٌ، لا أَصْلٌ مِنَ الأُصُولِ. وكذلك كَانَ الإمامُ الشافعيُّ (رحمه الله) يقولُ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} هذا الأمرُ الخاصُّ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَشْمَلُ الأُمَّةَ. هذا الصحيحُ في مذهبِ الشافعيِّ. قال: الأوامرُ الخاصةُ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ تَشْمَلُ أحكامُها الأمةَ إِلاَّ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. قال: لأَنَّ اللفظَ الخاصَّ بالرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَشْمَلِ الأمةَ بحسبِ الوضعِ وَمُقْتَضَى الصيغةِ، وَإِدْخَالُنَا في كتابِ اللَّهِ شَيْئًا لم يَتَنَاوَلْهُ اللفظُ لا يجوزُ إلا بدليلٍ منفصلٍ. وقد بَيَّنَّا فيما مَضَى أن جماهيرَ العلماءِ على أن الخطاباتِ الخاصةَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنها تشملُ أحكامُها الأُمَّةَ، وإن كان اللفظُ لاَ يتناولُ الأمةَ لأدلةٍ خارجيةٍ عن مادةِ اللفظِ (¬2)، مِنْهَا: أنه هو القدوةُ الْمُشَرِّعُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، وَأَمْرُ القدوةِ أَمْرٌ لأَتْبَاعِهِ، وَاللَّهُ يقولُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: آية 21]، أي: اقتداءٌ كريمٌ. وذلك الاقتداءُ في أفعالِه وأقوالِه وتقريراتِه - صلى الله عليه وسلم -. وَاللَّهُ جل وعلا يقولُ: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: آية 80]، {قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: آية 31]، وَاتِّبَاعُهُ يَقْتَضِي في كُلِّ شيءٍ مِمَّا أُمِرَ به، ¬
ولو بأوامرَ خاصةٍ. وَثَبَتَ عن عائشةَ (رضي الله عنها) أنها رَدَّتْ على مَنْ زَعَمَ أن تخييرَ الزوجةِ طلاقٌ لها: بأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ أزواجَه فَاخْتَرْنَهُ، فلم يَعُدَّ ذلك طَلاَقًا (¬1) مع أن الصيغةَ خاصةٌ به - صلى الله عليه وسلم - في قولِه {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [الأحزاب: الآية 28]. وقد بَيَّنَّا مِرَارًا أن القرآنَ دَلَّ باستقرائِه أَنَّ اللَّهَ يُخَاطِبُ نَبِيَّنَا بصيغةٍ خاصةٍ به - صلى الله عليه وسلم -، ثم يُبَيِّنُ لنا أن مرادَه بالصيغةِ الخاصةِ أن يشملَ حُكْمُهَا الأسودَ والأحمرَ. هذا كثيرٌ في القرآنِ، يُورِدُ اللَّهُ الخطابَ خَاصًّا بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم يُبَيِّنُ أن مرادَه عمومُ حكمِ ذلك الخطابِ الخاصِّ، كقولِه في صدرِ سورةِ الطلاقِ بخطابٍ خَاصٍّ بِهِ - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ثم قَالَ: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ} بصيغةِ الجمعِ الشاملةِ للأَسْوَدِ والأَحْمَرِ، {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: آية1] فلو لَمْ يكن قولُه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} يُقْصَدُ منه شمولُ الحكمِ لجميعِ الأمةِ لأَفْرَدَ الخطاباتِ بَعْدَهُ، وَلَقَالَ: (إذا طَلَّقْتَ النساءَ فَطَلِّقْهُنَّ لعدتهن وَأَحْصِ) (وَاتَّقِ اللَّهَ) (لا تُخرج) فلما جاء بها مجموعةً تَبَيَّنَ أنه أَرَادَ إدخالَ الأمةِ تحتَ خطابِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ونظيرُ هذا أيضًا في سورةِ التحريمِ، في قولِه بخطابٍ خَاصٍّ به - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} [التحريم: آية 1]، ثم بَيَّنَ قصدَ شمولِ الخطابِ للجميعِ حيث قال بعدَه: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: آية 2] بصيغةِ الجمعِ الشاملةِ للأَسْوَدِ والأَحْمَرِ. ونظيرُه أيضًا قولُه في صدرِ سورةِ الأحزابِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ¬
الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ} [الأحزاب: الآيتان 1، 2]. كُلُّ هذه خطاباتٌ خاصةٌ به - صلى الله عليه وسلم -. ثم قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} بصيغةِ الجمعِ الشاملةِ للجميعِ، فَدَلَّ على أن المرادَ شمولَ الجميعِ بـ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} وَمِنْ ظَوَاهِرِ هذا في القرآنِ قولُه في سورةِ يُونُسَ: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ} ثم قال بصيغةِ الجمعِ الشاملةِ للجميعِ: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: آية 61] وقد بَيَّنَّا أن مِنْ أَصْرَحِ الأدلةِ في هذا آيَتَيِ الأحزابِ وآيةَ الرومِ. أما آيَتَا الأحزابِ: فالأُولَى منهما قولُه تعالى في قصةِ زواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - زينبَ بنتَ جَحْشٍ (رضي الله عنها): {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} فكافُ الخطابِ في قولِه: {زَوَّجْنَاكَهَا} خاصةٌ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه هو وحدَه الذي زُوِّجَهَا في ذلك الوقتِ، ثُمَّ بَيَّنَ أن هذا الخطابَ الخاصَّ به - صلى الله عليه وسلم - أنه يُرَادُ تعميمُ حُكْمِهِ للأَسْوَدِ والأَحْمَرِ حيث قال بعدَه: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: آية 37]، وَآيَةُ الأحزابِ الثانيةُ: قولُه تعالى: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا} ثم قال: {خَالِصَةً لَّكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: آية50]. أي: هذا الحكمُ يَخُصُّكَ دونَ أُمَّتِكَ. والخطابُ أَوَّلُهُ: {إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} فلو لم تَكُنِ الأُمَّةُ داخلةً حُكْمًا تحتَ اسمِ (النبي) لَمَا كان لقولِه: {خَالِصَةً لَّكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} فائدةٌ، ولَمَا كانت إليه حَاجَةٌ. وأما آيةُ الرومِ: فقولُه تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ} [الروم: الآيتان 30، 31] فقولُه: {مُنِيبِينَ} حالٌ من ضميرِ الفاعلِ، الْمُخَاطَبُ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي قولِه: {فَأَقِمْ} أنتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ {وَجْهَكَ} في حالِ كَوْنِكُمْ {مُنِيبِينَ} فلو لَمْ تَدْخُلِ الأمةُ تحتَ الخطابِ بقولِه: {فَأَقِمْ} لَقَالَ: مُنِيبًا إليه وَاتَّقِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ} وقد أجمعَ أهلُ اللسانِ العربيِّ على أن الحالَ الحقيقيةَ - أعني الحالَ التي لَمْ تَكُنْ سَبَبِيَّةً (¬1) - تَجِبُ مطابقتُها لصاحبِها في الإفرادِ والجمعِ والتثنيةِ والتأنيثِ والتذكيرِ فلا يقولُ: «جَاءَ زَيْدٌ ضَاحِكِينَ». ولا يجوزُ أن تقولَ: «ادْخُلِ الدارَ قَائِمِينَ». كُلُّ هذا لا يجوزُ (¬2). فَلَمَّا قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} في حالِ كَوْنِكُمْ {مُنِيبِينَ} عَرَفْنَا شمولَ الصيغةِ الخاصةِ به لجميعِ الأُمَّةِ. ومن هنا نعرفُ أن قولَه: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90]، أنه خطابٌ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأن الخطابَ الخاصَّ به يشملُ حُكْمُهُ أُمَّتَهُ، كما دَلَّ عليه استقراءُ القرآنِ. ¬
وهنا مسألةٌ تَخْطُرُ في ذهنِ طالبِ العلمِ، يقولُ: اللَّهُ أَمَرَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآيةِ من سورةِ الأنعامِ أن يقتديَ بهؤلاءِ الرسلِ الكرامِ، وهو سيدُ الرسلِ وخيرُهم وأفضلُهم، فكيف يأمرُ الأفضلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ هو [أَقَلُّ] (¬1) مِنْهُ؟ الجوابُ عن هذا (¬2): أن اقتداءَه بهم أَعْلَى لظهورِ فضيلتِه وأوضحُ لذلك؛ لأنه إِنِ اقْتَدَى بهم شَارَكَهُمْ في كُلِّ ما كانوا عليه من الْهُدَى والخيرِ، وَزَادَ عليهم بأمورٍ عظيمةٍ خَصَّهُ اللَّهُ بها لم تَكُنْ لَدَيْهِمْ. وإذا كان مُشَارِكًا لهم بِمَا عندهم، زَائِدًا عليهم بما ليسَ عندهم ظَهَرَ بذلك الفضلُ، كما هو مَعْرُوفٌ. والحاصلُ أن أكثرَ العلماءِ على أن شرعَ مَنْ قَبْلَنَا شرعٌ لنا، وأن مِنْ أَدِلَّتِهِ: هذه الآيةُ الكريمةُ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال لِنَبِيِّنَا: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90]، وما أَنْزَلَهُ اللَّهُ عليهم كُلُّهُ هُدًى، إلا ما ثَبَتَ نَسْخُهُ، ولم يَزَلِ العلماءُ يَسْتَدِلُّونَ بقصصِ الأممِ الماضيةِ عَمَلاً بهذه الآيةِ وأمثالِها في القرآنِ من جميعِ المذاهبِ وفقهاءِ الأمصارِ؛ وَمِنْ هُنَا كان علماءُ المالكيةِ يقولونَ: إن القرينةَ إذا قَوِيَتْ رُبَّمَا قامت مقامَ البينةِ (¬3)؛ ولأَجْلِ هذا لَمَّا سُئِلَ مالكُ بْنُ أَنَسٍ (رحمه الله) عن رجلٍ استُنْكِهَ فَشُمَّ مِنْ فِيهِ رِيحُ الْخَمْرِ!! أَفْتَى بِجَلْدِهِ؛ ¬
لأَنَّ رِيحَ الْخَمْرِ قرينةٌ جازمةٌ على أنه شَرِبَ الخمرَ؛ إِذْ لو لم يَشْرَبْهَا لَمَا كانت رِيحُهَا في فِيهِ (¬1). قالوا: لأَنَّ اللَّهَ دَلَّ في القصصِ الماضيةِ - بَيْنَ مَا يَدُلُّ - على أن القرائنَ الجازمةَ رُبَّمَا قَامَتْ مقامَ البيناتِ؛ ذلك لأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُوسُفَ لَمَّا بَهَتَتْهُ امرأةُ العزيزِ وَقَالَتْ {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: آية 25]، وَاضْطُرَّ نَبِيُّ اللَّهِ يوسفُ إلى الدفاعِ فقال: {قالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} [يوسف: آية 126] وَلَمْ تَكُنْ هناك بينةٌ ولا شيءٌ يُصَدِّقُهُ أو يُصَدِّقُهَا، فجاءَ ذلك الشاهدُ وقال لَهُمْ: هذا أمرٌ يقومُ مقامَ البينةِ، وهي قرينةٌ تُبَيِّنُ الحقيقةَ تَرْكَنُ إليها النفسُ كما تَرْكَنُ لِلْبَيِّنَةِ. قال: انْظُرُوا إلى قميصِ الرجلِ: فَإِنْ كَانَ مَشْقُوقًا مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ فهو يَرْكُضُ على المرأةِ، والمرأةُ تَدْفَعُهُ عن نفسِها، وإن كان القميصُ مَشْقُوقًا من الوراءِ فهو هاربٌ وَهِيَ تَنْتَاشُهُ من وراء. قال الله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} يعني مِنَ الأَمَامِ {فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)} [يوسف: آية 26،27] وَمَحَلُّ الشاهدِ قولُه: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ} لَمَّا وَجَدُوا القميصَ مَشْقُوقًا مِنْ دُبُرٍ جَزَمُوا بأنها كاذبةٌ وَأَلْزَمُوهَا، وقالوا: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: آية 28]، وَاللَّهُ (جل وعلا) ما ذَكَرَ هذه القصةَ في معرضِ الاستحسانِ والتسليمِ مُبرِّئًا بها ساحةَ نَبِيِّهِ يوسفَ إلا أن مِثْلَ هذا يجوزُ أن يُعْتَمَدَ عليه إذا كانت القرائنُ واضحةً بَيِّنَةً لاَ تَتْرُكُ فِي الْحَقِّ لَبْسًا (¬2). وقد أَخَذَهَا العلماءُ بالإجماعِ ¬
في بعضِ الأفرادِ. أجمعَ العلماءُ في أقطارِ الأرضِ أن الرجلَ يتزوجُ المرأةَ ولم يَرَ وَجْهَهَا قَطُّ ولم يَعْرِفْهَا، وإنما يسمعُ أن عندَ فلانٍ ابنةً فَيَخْطِبُهَا، ويتزوجُها من غيرِ أن يَرَاهَا. ثم إِنَّهَا وقتَ الزفافِ تَزُفُّهَا إليه ولائدُ وإماءٌ لاَ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِنَّ حقيرٌ ولا جليلٌ، فقد أجمعَ العلماءُ على أن لَهُ بِأَنْ يُجَامِعَهَا، وليس عليه أن يتوقفَ حتى تقومَ بينةٌ عدولٌ تشهدُ أن هذه عينُ فلانة ابنةِ فلانٍ التي وَقَعَ عليها العقدُ؛ لأن قرينةَ العقدِ ودَفْعَ الصداقِ والتهيؤَ للزفافِ قرائنُ قامت مقامَ البينةِ في هذا الموضوعِ (¬1). وَالرَّجُلُ ينزلُ عِنْدَ القومِ فيأتيه الولدُ والجاريةُ بطعامِ القومِ، والطعامُ مالٌ معصومٌ محترمٌ، وليس عليه أن يَتَثَبَّتَ حتى تقومَ بَيِّنَةٌ على أَنَّهُمْ أَذِنُوا له في الأَكْلِ؛ لأَنَّ القرينةَ تقومُ مقامَ ذلك (¬2). وقد أَخَذَ علماءُ المالكيةِ وغيرُهم من قصةِ يعقوبَ وأولادِه أن القرينةَ تَبْطُلُهَا قرينةٌ أَقْوَى منها (¬3). وهو أَخْذٌ صحيحٌ من كتابِ اللَّهِ، ذلك أن أولادَ يعقوبَ لَمَّا أَرَادُوا أن يَجْعَلُوا يوسفَ في غيابةِ الْجُبِّ ذَبَحُوا سخلةً، وَلَطَّخُوا قميصَه بدمِ السخلةِ؛ ليكونَ الدمُ قرينةً لهم على صِدْقِهِمْ بأن يوسفَ أَكَلَهُ الذئبُ، وَنَسُوا أَنْ يَشُقُّوا القميصَ!! فلما جَاؤُوا بالليلِ إلى يعقوبَ بالقميصِ عليه الدمُ تَأَمَّلَ فِي القميصِ، فإذا هو ليس فيه شَقٌّ وهو صحيحٌ سَلِيمٌ، فقال: سبحانَ اللَّهِ!! مَتَى كانَ الذئبُ حَلِيمًا كَيِّسًا؟ يقتلُ يوسفَ ولا يَشُقُّ قميصَه؟! فَجَزَمَ بأنهم ¬
كاذبونَ. كما نَصَّ اللَّهُ عنه في قولِه: {وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: آية 18]، وَحَكَى غيرُ واحدٍ إجماعَ العلماءِ (¬1) على أن مستندَ يعقوبَ في قولِه: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} أنه عدمُ شَقِّ القميصِ، وَتَيَقَّنَ أَنَّ الذئبَ لو كَانَ أَكَلَهُ لاَ بُدَّ أَنْ يكونَ في القميصِ شَقٌّ مِنْ نَابِهِ أَوْ ظُفْرِهِ، كما هو مَعْرُوفٌ. وكذلك أخذَ المالكيةُ ضمانَ الغُرْمِ من قولِه في قصةِ يوسفَ وإخوتِه: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوف: آية 72] (¬2). وأخذ بعضُ الشافعيةِ - مع أنهم يقولونَ: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا ليسَ شَرْعًا لَنَا - أَخَذُوا ضمانَ الوجهِ المعروفِ في الاصطلاحِ بـ (الكفالةِ) مِنْ قَوْلِ يعقوبَ لأولادِه: {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} [يوسف: آية 66] (¬3). وَأَخَذَ علماءُ المالكيةِ وغيرُهم أن القاضيَ إذا تَوَجَّهَ حُكْمُهُ إلى أحدِ الْخَصْمَيْنِ لا بُدَّ أن يُعْذِرَ إليه بـ: (أَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ)؟ أُخِذَ هذا من قولِه في قصةِ الهدهدِ: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: آية 21] أي: مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مدْفَعٌ وَعُذْرٌ يَدْفَعُ به عَنْ نَفْسِهِ (¬4). ¬
وَأَخَذَ علماءُ المالكيةِ وغيرُهم أن القاضيَ إذا انْتَهَتِ الآجالُ والتّلَوُّماتُ للخصومِ ينبغي له أن يستظهرَ لِمَنْ تَوَجَّهَ عليه الحكمُ بثلاثةِ أيامٍ، أَخْذًا من قولِه في قصةِ صَالِحٍ: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} [هود: آية 65] (¬1). وَأَخَذَ علماءُ الحنابلةِ جوازَ طولِ مدةِ الإجارةِ من قولِه في مُوسَى وصهرِه شعيبٍ أو غيرِه: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} الآياتِ [القصص: آية 27] (¬2). أما الذين قَالُوا: إِنَّ شرعَ مَنْ قبلَنا ليس شَرْعًا لنا - وهو أَصَحُّ الرواياتِ في الأصولِ عن الإمامِ الشافعيِّ - فَتَمَسَّكُوا بظاهرِ قولِه تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: آية 48]، وَفِي الحديثِ الصحيحِ عن النبيِّ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ» (¬3). وأولادُ الْعَلاَّتِ: هُمْ أولادُ الرجلِ الواحدِ إذا كانت أمهاتُهم شَتَّى مُخْتَلِفَةً. يعني أن العقيدةَ والأصلَ واحدٌ، والفروعُ تختلفُ، أما اختلافُ الفروعِ الذي أَشَارَ إليه النبيُّ بقولِه: (أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ) وَبَيَّنَهُ اللَّهُ بقولِه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} فهو لاَ يُنَافِي ¬
ما ذَكَرْنَا؛ لأَنَّ بعضَ الشرائعِ يكونُ فيها نسخٌ لم يكن فيما قَبْلَهَا، وَيُزَادُ في بعضِ الشرائعِ أحكامٌ لَمْ تَكُنْ موجودةً فيما قَبْلَهَا، وبواسطةِ نسخِ بعضِ الأحكامِ السابقةِ، وزيادةِ بعضِ الأحكامِ التي لَمْ تَكُنْ تَخْتَلِفُ الشرائعُ بهذا الاعتبارِ، ويكونُ لِكُلٍّ شَرِيعَةٌ وَمِنْهَاجٌ؛ لأَنَّهَا لم تَتَّحِدْ في كُلِّ شَيْءٍ. وهذا معنَى قولِه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90]، العائدُ إلى الصلةِ هنا محذوفٌ، والأصلُ: أولئك الذين هَدَاهُمُ اللَّهُ، فَحَذَفَ الضميرَ العائدَ على الصلةِ (¬1) لأنه منصوبٌ بِفِعْلٍ، وإذا كان مَنْصُوبًا بفعلٍ أو وَصْفٍ فَحَذْفُهُ مُطَّرِدٌ، كما هو مَعْرُوفٌ. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: آية 90] قُلْ لهم يَا نَبِيَّ اللَّهِ: {لاَّ أَسْأَلُكُمْ} أَيْ: لاَ أطلبُ منكم {عَلَيْهِ} أي: على هذا التبليغِ الذي بَلَّغْتُكُمْ به ما فيه لكم خيرُ الدنيا والآخرةِ، لاَ أَطْلُبُ منكم في مقابلتِه جُعْلاً، ولا أجرةً أنتفعُ بها في الدنيا، لاَ وَكَلاَّ، إنما أَجْرِي في ذلك على اللَّهِ، وهذه عادةُ كُلِّ الأنبياءِ، يُبَلِّغُونَ العلمَ من غيرِ أن يَأْخُذُوا عليه جُعْلاً {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} [يس: الآيتان 20، 21] {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ: آية 47] وقد ذَكَرَ اللَّهُ قصصَ الأنبياءِ في سورةِ الشعراءِ (¬2)، قصةَ نُوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ، كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية 109] وَذَكَرَ فِي (هودٍ) عَنْ نُوحٍ: {وَيَا قَوْمِ ¬
لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} [هود: آية 29] وهذه عادةُ الرسلِ يُبَلِّغُونَ وَيَبْذُلُونَ العلمَ والنصائحَ والخيرَ مَجَّانًا من غيرِ عِوَضٍ في ذلك، وهذا معنَى قولِه: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} لاَ أَطْلُبُ منكم جُعْلاً في مقابلةِ هذا الذي أَتَيْتُكُمْ به، كما قال تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [القلم: آية 46] وَاللَّهُ (جل وعلا) مَنَعَ على الأنبياءِ أن يأخذوا جُعْلاً في مقابلةِ التبليغِ؛ لأنهم لو أَخَذُوهُ لكانوا يتهمونهم ويقولونَ: يَأْتِي بهذه الدعوى التي جَاءَ بها لأَجْلِ أَنْ يَأْخُذَ؛ ولئلاَّ تثقل الناس من المغارمِ؛ لأَنَّ النفوسَ مَجْبُولَةٌ على بُغْضِ الْمَغْرَمِ، كما قال: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [القلم: آية 46]، {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ: آية 47]، أما قَوْلُهُ: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: آية 23] فالتفسيرُ الصحيحُ الذي عليه جمهورُ الْمُفَسِّرِينَ، وأكثرُ علماءِ السلفِ (¬1): أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - له في كُلِّ فَخِذٍ مِنْ قريشٍ قرابةً. ومعنَى الآيةِ: {لاَّ أَسْأَلُكُمْ} على هذا الذي جِئْتُكُمْ به من الفضلِ {أَجْرًا}، جُعْلاً وَلاَ شَيْئًا {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} إِلاَّ أَنْ تَوَدُّونِي في قَرَابَتِي منكم، وَتُرَاعُوا فِيَّ حَقَّ القرابةِ، فلاَ تُؤْذُونِي. وهذا مضمونٌ للأَسْوَدِ والأَحْمَرِ. وفي الآيةِ أقوالٌ: مِنْهَا ما رُوِيَ عن جماعةٍ مِنْ آلِ البيتِ، وجماعةٍ من العلماءِ، أن المعنَى: إلا أَنْ تُوَدُّونِي في قَرَابَتِي، فَتُرَاعُونِي فِيهِمْ (¬2). هذا الوجهُ الآخَرُ في الآيةِ، والأولُ هو المشهورُ، وبقيةُ الأوجهِ ضعيفةٌ. وإذا كان لا يَطْلُبُ أَجْرًا إلا الشيءَ المبذولَ للأَسْوَدِ والأحمرِ من مودةِ كُلِّ قريبٍ لِقَرِيبِهِ تُبَيِّنُ أنه لا يطلبُ أَجْرًا، ¬
كما قال: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ: آية 47]، وهذا معنَى قولِه: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: آية 90]، يعنِي: {إِلاَّ ذِكْرَى} (ذكرى): اسمُ مصدرٍ بمعنَى التذكيرِ، مُؤَنَّثٌ بألفِ التأنيثِ المقصورةِ تَأْنِيثًا لَفْظِيًّا. فما هو إِلاَّ ذِكْرَى. أي: تَذْكِيرٌ وَعِظَةٌ للعالمين، يتذكرونَ ويتعظونَ بما فيه مِنَ الغرائبِ والعجائبِ والمواعظِ، وما كانَ بهذه المثابةِ لاَ يَحْسُنُ وَلاَ يَجْمُلُ أَنْ يُؤْخَذَ عليه جُعْلٌ أَوْ أَجْرٌ، لاَ وَكَلاَّ (¬1). {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} [الأنعام: آية 91]. {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ذَهَبَتْ جماعةٌ من العلماءِ إلى أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في مالكِ بنِ الصيفِ، وهو حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ اليهودِ، ذَكَرُوا في قصتِه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَاشَدَهُ: «أَوَجَدْتَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ؟» وأنه قال: نَعَمْ. وأنهم قالوا له: أَنْتَ حَبْرٌ سَمِينٌ!! فَغَضِبَ، وقال: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» (¬2). مع أن أَثَرَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ» لَمْ يَثْبُتْ من طريقٍ صحيحٍ، إلا أن هذا ذَكَرَهُ بعضُ العلماءِ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ. والذين قالوا هذا قالوا: هذه آيةٌ مدنيةٌ مِنْ سورةٍ مكيةٍ؛ لأَنَّ سورةَ الأنعامِ مكيةٌ نَزَلَتْ قبلَ الهجرةِ ¬
إلا أن فيها آياتٍ مدنيةً، منهن عندَ بعضِ العلماءِ هذه الآيةُ (¬1). قالوا: نَزَلَتْ في مالكِ بنِ الصيفِ اليهوديِّ، والتي بَعْدَهَا نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ والأسودِ العنسيِّ. أَعْنِي قولَه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: آية 93] وَأَنَّ آخِرَهَا: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: آية 151] أنه مِمَّا نَزَلَ فِي المدينةِ، هكذا قالَ بعضُ العلماءِ. والمعنَى كما ذَكَرَهُ المفسرونَ: أن هذا اليهوديَّ لَمَّا قال: ما أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ من شيءٍ. وقال قومٌ: هذه المقالةُ لكفارِ مكةَ، والآيةُ مكيةٌ من سورةٍ مكيةٍ (¬2). وعلى كُلِّ حالٍ فالذين قالوا هذه المقالةَ سواءً قُلْنَا إنه مالكُ بنُ الصيفِ، أو غيرُه من اليهودِ، أو كفارِ مكةَ الذين قالوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، هؤلاءِ: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} يَعْنِي ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: ما عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ تعظيمِه، ولا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حيث نَفَوْا إنزالَ اللَّهِ الكتبَ السماويةَ على الأنبياءِ. ولطالبِ العلمِ أن يقولَ: إذا نَفَوْا عن الأنبياءِ إنزالَ شيءٍ، فَأَيُّ شيءٍ في هذا من عدمِ تعظيمِ اللَّهِ؟ الجوابُ: أن هذا نَزَّهَ اللَّهُ نفسَه عنه في سورةِ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وَبَيَّنَ أنه لا يَلِيقُ به؛ لأَنَّ الحكيمَ الخبيرَ خَلَقَ هَذَا الْخَلْقَ، وَأَبْدَعَ هذا الكونَ، كيف يفعلُ هذا إِلاَّ لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ؟ وهو أنه يَمْتَحِنُهُمْ وَيُجَازِيهِمْ، ويكلفُهم ويجازيهم. فهذا هو الذي نَزَّهَ اللَّهُ عنه نفسَه؛ إِذْ ¬
لو كان يخلقُ الخلقَ ولا يُكَلِّفُهُمْ ولاَ يُجَازِيهِمْ كَانَ خَلْقُهُ إياهم كأنه مِنَ الْعَبَثِ، وَمَنْ ظَنَّ أن اللَّهَ يفعلُ هذا لاَ لِحِكْمَةٍ فَوَيْلٌ لَهُ مِنَ النَّارِ، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: آية 27] {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الدخان: الآيتان 38، 39] وقال جل وعلا: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: آية 115] ثُمَّ نزَّه نفسَه عن هذا - وهو محلُّ الشاهدِ - فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: آية 116] تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عن أن يخلقَ هذا العالمَ عَبَثًا من غيرِ تكليفٍ ولاَ جزاءٍ، لا يكونُ ذلك أبدًا. وَمِنْ هنا لَمَّا قالوا: لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وليست هنالك كُتُبٌ على ضَوْئِهَا التكاليفُ والجزاءُ، بَيَّنَ اللَّهُ أنهم ما قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وَلاَ عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حيث يتركُ هذا العَالَمَ سُدًى عَبَثًا: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: آية 36] لاَ وَكَلاَّ. ثم قَالَ: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَى} وفي القراءةِ الأُخْرَى: {يُمْنَى} (¬1) {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} [القيامة: الآيات 36 - 38] فهؤلاء الذين نَفَوْا إنزالَ الكتبِ على الرسلِ وتكليفَ الخلائقِ ومجازاتِهم، هؤلاء ظَنُّوا باللَّهِ أنه خَلَقَ الخلقَ عَبَثًا، ولم يَخْلُقْهُ لِلْحِكَمِ البالغةِ، فما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولا عَرَفُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ {إِذْ قَالُوا} حِينَ قَالُوا: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} [الأنعام: آية 91] المعروفُ عندَ جماعةِ المفسرين: أن مالكَ بنَ الصيفِ لَمَّا قال: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} قالوا: إِنَّ قَوْمَهُ قالوا: كيفَ تُنْكِرُ إنزالَ شيءٍ على أحدٍ ¬
من البشرِ وأنتَ تعلمُ أن التوراةَ أُنْزِلَ على مُوسَى (¬1)؟ يَذْكُرُونَ في قصتِه أنه كانَ حَبْرَهُمْ، وأنهم خَرَّجُوهُ بسببِ هذا، وَوَضَعُوا بعدَه كعبَ بنَ الأشرفِ، أو عبدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَا الأعورَ، كما هو مذكورٌ في التاريخِ. والعلماءُ في هذا يقولونَ: إن مناظرةَ هذا اليهوديِّ أو غيرِه أنها متطبقةٌ على المناظرةِ الاصطلاحيةِ تَمَامًا؛ لأَنَّ هذا اليهوديَّ قال: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} فهذه المقدمةُ التي جاء بها هي التي تُسَمَّى في الاصطلاحِ: (كُلِّيَةٌ سَالِبَةٌ). وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ حَذَفَ مقدمةً أُخْرَى، وأنه يَقْصِدُ: أنتَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ جُمْلَةِ البشرِ، والبشرُ جَمِيعُهُمْ - بالعنوانِ الأَعَمِّ الذين أنتَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ - ما أَنْزَلَ اللَّهُ عليهم مِنْ شَيْءٍ. ينتجُ من ذلك: أنتَ لَمْ يُنْزَلْ عليكَ شيءٌ، حيثُ كنتَ داخلاً في جملةِ البشرِ، وحيثُ إن البشرَ بالعنوانِ الأَعَمِّ حُجِبَ عن جميعِهم إنزالُ شيءٍ. ينتظمُ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ: أنتَ لَمْ يُنْزَلْ عليك شَيْءٌ!! وقد تَقَرَّرَ في فنونِ المناظرةِ: أن (السالبةَ الكليةَ) إنما تَنْقُضُهَا (مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ). فَالْخَصْمُ إذا أَرَادَ نقضَ كلامِ خَصْمِهِ؛ إذا كان مَبْنَى كلامِ خَصْمِهِ على (سَالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ)؛ إنما يَنْقُضُهَا بـ (مُوْجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ)، كما هو معروفٌ. قالوا: وَلِذَا قال اللَّهُ: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} أَنْتَ قُلْتَ: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} مَنْ هو الذي أَنْزَلَ الكتابَ الذي هو التوراةُ على مُوسَى؟! فهذا في قوةِ: مُوسَى بَشَرٌ، وأنتم يا يهودُ تُسَلِّمُونَ بشريةَ مُوسَى، مُوسَى أُنْزِلَ عليه الكتابُ، وهو التوراةُ، فَأَنْتُمْ تُسَلِّمُونَ بَشَرِيَّتَهُ، ونزولَ الكتابِ عليه. ينتجُ: ¬
بعضُ البشرِ - وهو مُوسَى - أُنْزِلَ عليه الكتابُ (¬1). إلا أَنَّ هذا في الاصطلاحِ يَتَطَرَّقُهُ سُؤَالٌ، قد يكونُ بعضُ الحاضرينَ لا يَفْهَمُهُ؛ لأنه يُقَالُ: هذا اليهوديُّ بَنَى دَلِيلَهُ على (كُلِّيَّةٍ سَالِبَةٍ) {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} وأن اللَّهَ لَمَّا نَقَضَ عليه، كان النقضُ في قوةِ (مُوْجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ)؛ لأَنَّ معنَى قولِه: {مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [الأنعام: آية 91] هو في قوةِ: مُوسَى بَشَرٌ، مُوسَى أُنْزِلَ عليه كِتَابٌ. ينتجُ: بعضُ البشرِ أُنْزِلَ عليه كِتَابٌ. العارفُ باصطلاحاتِ هذه الفنونِ يقولُ: هذا الميزانُ من الشكلِ المعروفِ بـ: (الشكلِ السالبِ) وأهلُه يشترطونَ فيه كُلِّيَّةِ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَهُمَا هُنَا: شَخْصِيَّتَانِ. والجوابُ عن هذا هو: ما هو مُقَرَّرٌ: أن كُلَّ ما تُنتج فيه الكليةُ تُنتج فيه الشخصيةُ؛ لأَنَّ المرادَ أن لاَ يَبْقَى شيءٌ مِنْ أَفْرَادِ الموضوعِ الداخلةِ تحتَ العنوانِ، سواء حَصَرَهَا سُورٌ أو حَصَرَهَا مُجَرَّدُ الْوَضْعِ (¬2). وعلى كُلِّ حَالٍ فَهَذَا اليهوديُّ أو غيرُه قَالَ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} فَاللَّهُ أَلْزَمَ اليهودَ، وقال لهم: مَنْ هُوَ الذي أَنْزَلَ الكتابَ عَلَى مُوسَى؟ [9/ب] / وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ ببشريةَ مُوسَى، أنه بَشَرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عليهِ الكتابَ، يَلْزَمُ مِنْ ذلك أن بعضَ البشرِ أُنْزِلَ عليه الكتابُ. وهو نقضٌ لِمَقَالَتِهِمْ، وَتَكْذِيبٌ لَهُمْ في قولِهم: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} أي: وهو التوراةُ. ¬
وقولُه: {نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} قولُه: {نُورًا وَهُدًى} كِلاَهُمَا حَالٌ. أي: جَاءَ به مُوسَى في حالِ كونِه نُورًا يكشفُ ظلامَ الجهلِ وَالشَّكِّ والشركِ {وَهُدًى} يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الضَّلاَلِ. الجوابُ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ (جل وعلا)، وَاللَّهُ (جل وعلا) لم يَكِلْ هذا إليهم؛ لأنه قَالَ لِنَبِيِّهِ: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: آية 91] قُلْ لَهُمْ يا نَبِيَّ اللَّهِ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ. وهو محلُّ الشَّاهِدِ. وإذا كان الجوابُ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ على مُوسَى. أَيْ: هذا الكتابُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ على مُوسَى، وهو بَشَرٌ، تَبَيَّنَ كَذِبُ مَقَالَتِهِمْ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} وهذا معنَى قولِه: قُلْ لَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ} مَنْ هُوَ الذي أَنْزَلَ الكتابَ {الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى} في حالِ كونِه {نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} هذا السؤالُ في قولِه: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ}. أمر الله نبيه أن يجيب بقوله: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} {قُلِ اللَّهُ} معناه: قُلْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ جل وعلا {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}. وقولُه جل وعلا: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} فيه قراءتانِ سبعيتانِ (¬1)، قَرَأَهُ أكثرُ السبعةِ: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}. وَقَرَأَهُ بعضُ السبعةِ: {يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا} أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ: {تَجْعَلُونَهُ} فهو خطابٌ لليهودِ (¬2). وسياقُ الكلامِ يُعَيِّنُ أن الآيةَ نَازِلَةٌ في اليهودِ لاَ في مُشْرِكِي مكةَ، كما قَالَهُ بعضُ العلماءِ. ومعنَى: {يَجْعَلُونَهُ} أي: اليهودُ. أو {تَجْعَلُونَهُ} أَنْتُمْ أَيُّهَا اليهودُ. ¬
وقولُه: {قَرَاطِيسَ} (القراطيس) جمعُ (قِرْطَاسٍ)، و (القرطاسُ): الورقةُ. كما هو معروفٌ؛ لأَنَّ نُسْخَةَ التوراةِ الكبيرةَ كُلَّهَا فيها الحقُّ، فإذا أَرَادُوا التحريفَ أَخَذُوا أوراقًا مُفَرَّقَةً، وَكَتَبُوا فيها أشياءَ متعددةً مِمَّا يريدونَ أن يُحَرِّفُوهُ، وَتَرَكُوا نسخةَ الكتابِ الكبيرةَ غيرَ حاضرةٍ، فإذا أَرَادُوا التحريفَ قالوا: هذا القرطاسُ نَقَلْنَا فيه مِنْ محلِّ التوراةِ فِي المحلِّ الفُلاَنِيِّ كذا وكذا، وهذا نَصُّهُ!! وهو مُحَرَّفٌ، وَلَمْ يَأْتُوا بِأَصْلِ الْكِتَابِ؛ لأَنَّهُ لو جَاءَ لَظَهَرَتِ الحقيقةُ فيه. وهذا معنَى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا} أي: القراطيسَ المحرفةَ على أهوائِكم {وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} وَجَعْلُهُ بهذه القراطيسِ لِيَسْتَعِينُوا بها عَلَى إخفاءِ ما يُحِبُّونَ وإبداءَ ما يُحِبُّونَ؛ لأنه لو جَاءَتْ نسخةُ الكتابِ كاملةً لَعُرِفَ الحقيقةُ فيه؛ ولذلك يَكْتُبُونَهَا كُتُبًا مُحَرَّفَةً، كما قال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: آية 79] وقال: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: آية 78] وهذا معنَى قولِه: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا} محرفةً للناسِ {وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} في النسخةِ الكبيرةِ لاَ تُظْهِرُونَهُ. كانوا يُخْفُونَ صفاتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيجدونَه في التوراةِ: (أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ)، فيكتبونَ لونًا غيرَ ذلك. يَجِدُونَ: (رَبْعَةً)، يكتبونَ: (طَوِيلاً مُشَذَّبًا). (جَعْدَ الشَّعَرِ): يكتبونَ: (سَبْطَ الشَّعَرِ) ويغيرونَ الحقائقَ؛ وَلِذَا قال تعالى: {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}. ثم قال جل وعلا: {وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} أَظْهَرُ
الأقوالِ فيها: أَنَّ المرادَ بِهِمُ اليهودُ الذين أُنْزِلَ عليهم التوراةُ، أن الله عَلَّمَهُمْ بواسطةِ القرآنِ من غرائبِ ما في التوراةِ وعجائبِه ما كانوا جَاهِلِينَ به؛ لأَنَّ القرآنَ مُهَيْمِنٌ على الكتبِ، وَكَانَتْ أشياءُ غامضةً عليهم لا يَعْرِفُونَهَا، فَبَيَّنَهَا القرآنُ حتى عَرَفُوهَا، وَعَلِمُوا بِوَاسِطَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَسْرَارِ التوراةِ ما لَمْ يكونوا يَعْلَمُونَهُ، كما قال جل وعلا: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: آية 76] وقال اللَّهُ جل وعلا: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [المائدة: آية 15] إلى غَيْرِ ذلك. وهذا معنَى قولِه: {وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا} أَيْ: وعُلِّمْتُمْ الشيءَ الذي لم تَعْلَمُوهُ أَنْتُمْ وَلاَ آباؤكم من قبلُ، عَلَّمَكُمُ اللَّهُ إياه بواسطةِ القرآنِ العظيمِ؛ لأَنَّهُ مهيمنٌ على الكتبِ يُبَيِّنُ مَا فِيهَا، كما قَالَ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: آية 76] مِمَّا كَانُوا لا يَعْلَمُونَهُ. ثم قال جل وعلا: {قُلِ اللَّهُ} قولُه: {قُلِ اللَّهُ} جوابٌ للاستفهامِ في قولِه: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} قُلْ لَهُمْ: مَنْ هُوَ الذي أَنْزَلَ الكتابَ الذي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى للناسِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بالجوابِ: قُلْ لَهُمْ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ (جل وعلا). ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تُفْحِمَهُمْ {ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} {ذَرْهُمْ} معناه: اتْرُكْهُمْ. وَمَعْنَى: {فِي خَوْضِهِمْ} أي: فِي خَوْضِهِمْ في الباطلِ والكفرِ والتكذيبِ بآياتِ اللَّهِ {يَلْعَبُونَ} يتخذونَ ذلك لَعِبًا واستهزاءً.
وهذا الأمرُ قَالَ بعضُ العلماءِ: هِيَ مُتَارَكَةٌ مَنْسُوخَةٌ (¬1)؛ لأَنَّ أهلَ الكتابِ كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَأْمُورًا بِتَرْكِهِمْ، حيث قال: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: آية 109] ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: آية 29]. {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: آية 92] لَمَّا قَالَ اليهودُ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} وأن اللَّهَ (جل وعلا) كَذَّبَهُمْ تَكْذِيبَتَيْنِ: الأُولَى: قولُه: {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} ثم قَالَ في جوابِ هذا الاستفهامِ: {قُلِ اللَّهُ} اللَّهُ أَنْزَلَهُ. وهذا تكذيبٌ صريحٌ لقولِهم: ما أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ من شيءٍ. ثُمَّ كَذَّبَهُمُ التكذيبةَ الأُخْرَى: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أعظمَ كتابٍ، وهو الكتابُ المباركُ، حيث قال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} وهذا أيضًا كتابٌ آخَرُ غيرُ الذي أُنْزِلَ على مُوسَى، أَنْزَلْنَاهُ عَلَى بَشَرٍ تَكْذِيبًا لِقَوْلِكُمْ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} وصيغةُ الجمعِ في قولِه: {أَنزَلْنَاهُ} للتعظيمِ؛ لأَنَّ مُنْزِلَ هذا الكتابِ عظيمٌ جِدًّا، فَهُوَ جَدِيرٌ بِالتَّعْظِيمِ. وقولُه: {مُبَارَكٌ} أَيْ: كثيرُ البركاتِ والخيراتِ، فهذا القرآنُ كُلُّهُ بركاتٌ وَخَيْرَاتٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال إنه مُبَارَكٌ. والمباركُ: كثيرُ البركاتِ؛ لأَنَّ فيه خيرَ الدنيا والآخرةِ، يعتقدُ الإنسانُ عقائدَه، وَيُحِلُّ حَلاَلَهُ، وَيُحَرِّمُ حَرَامَهُ، ويتأدبُ بِآدَابِهِ، ويعتبرُ بأمثالِه وقصصِه، ¬
فيكونُ على أكملِ حالٍ في الدنيا والآخرةِ. فهو فيه البركاتُ والخيراتُ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ - للعملِ به - (جل وعلا)؛ وَلِذَا بَيَّنَّا مِرَارًا أنه أعظمُ نعمةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ على خَلْقِهِ؛ وَلِذَا عَلَّمَهُمْ أن يَحْمَدُوهُ على هذه النعمةِ والبركاتِ في هذا القرآنِ العظيمِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: آية 1] وَبَيَّنَ أن إِيرَاثَهُ علامةُ الاصطفاءِ، وَبَيَّنَ أن ذلك فضلٌ كبيرٌ من اللَّهِ حيث قَالَ في (فاطر): {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فَبَيَّنَ أن إيراثَ هذا الكتابِ أنه لاَ يكونُ إلا لِمَنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. ثم قال في مَعْرِضِ التنويهِ به: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: آية 32] أي: إِيرَاثُنَا الكتابَ إياهم عن نَبِيِّهِمْ هو الفضلُ مِنَ اللَّهِ الكبيرُ عليهم، كما قال هنا إِنَّهُ: {مُبَارَكٌ}. وقولُه: {مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} مَعْنَاهُ: أن القرآنَ العظيمَ مصدقٌ للكتبِ السماويةِ التي قَبْلَهُ، وتصديقُه لها مِنْ جِهَاتٍ متعددةٍ منها (¬1): أنه لا يُخَالِفُهَا. أن العلاماتِ التي قَامَتْ عن النبيِّ وعن كتابِه الذي يُنَزَّلُ عليه جاءت كُلُّهَا مُطَابِقَةً، وأن ما تَدْعُو إليه الكتبُ السماويةُ من التوحيدِ وطاعةِ اللَّهِ ومكارمِ الأخلاقِ كذلك جاءَ القرآنُ آمِرًا به. وَمِنْ تَصْدِيقِهِ لِلْكُتُبِ السماويةِ: أنه يُهَيْمِنُ عليها ويمنعُها من التحريفِ، كُلَّمَا أَرَادُوا أن يُحَرِّفُوا مَنَعَهُمُ القرآنُ، كما قال: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: آية 48] وَبَيَّنَ اللَّهُ ذلك في مواضعَ من كتابِه حيث قال: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [المائدة: آية 15] وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: آية 160] قال اليهودُ: لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنَا إِلاَّ ما كانَ مُحَرَّمًا من الطعامِ على أَبِينَا إِسْرَائِيلَ. وهو ¬
يعقوبُ. فالقرآنُ كَذَّبَهُمْ وَأَلْقَمَهُمُ الحجرَ حيث قَالَ: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: آية 93] (¬1). وَالْمُفَسِّرُونَ يقولونَ: إن هذا الذي حَرَّمَ على نفسِه هو لبنُ الإبلِ وَلَحْمُهَا. قالوا: إنه أَصَابَهُ مرضُ (عِرقِ النِّسَا) وأنه نَذَرَ لِلَّهِ إن شَفَاهُ اللَّهُ ليُحَرِّمَنَّ لِلَّهِ أَحَبَّ الطعامِ والشرابِ إليه، وأن ذلك كان جائزًا في شَرْعِهِ، فشفاه اللَّهُ، فَحَرَّمَ لبنَ الإبلِ ولحمَها. هكذا يَقُولُونَ (¬2). ومحلُّ الشاهدِ قولُه: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: آية 93] فهذا إلقامُ الحجرِ أنهم كاذبونَ على كتابِ اللَّهِ؛ وَلِذَا قال هنا: {مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}. وقولُه: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى} يقولُ بعضُ العلماءِ (¬3): المُعَلَّلُ محذوفٌ {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} أَنْزَلْنَا إليكَ هذا الكتابَ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: هو معطوفٌ على معنَى مَا قَبْلَهُ. والمعنَى: كتابٌ أَنْزَلْنَاهُ إليكَ لأَجْلِ البركاتِ المشتملِ عليها؛ ولتصديقِ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ؛ ولتنذرَ أُمَّ الْقُرَى. وأكثرُ العلماءِ على أن الْمُعَلَّلَ محذوفٌ، والمعنَى: ولتنذرَ أُمَّ القرى أَنْزَلْنَاهُ إليكَ. و (أُمُّ الْقُرَى) هي مكةُ المكرمةُ حَرَسَهَا اللَّهُ. ومعنَى {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى} لتنذرَ أَهْلَهَا. وقولُه: {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} يعني: وَمَنْ حَوْلَ أُمِّ الْقُرَى. ¬
وبقولِه: {وَمَنْ حَوْلَهَا} تَمَسَّكَ جماعاتٌ من اليهودِ، قالوا: لَمْ يُرْسَلْ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ إِلَى جزيرةِ الْعَرَبِ؛ لأنه قال لَهُ: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} في مَوْضِعَيْنِ (¬1). وقد أَجْمَعَ العلماءُ، وَدَلَّ القرآنُ العظيمُ، وَالسُّنَّةُ الصحيحةُ، وإجماعُ العلماءِ، أن رسالةَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - شاملةٌ عامةٌ للأَسْوَدِ والأَحْمَرِ (¬2). وعليه يقولُ السائلُ: ما الجوابُ عن قولِه: {أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} والاقتصارُ على هذا هنا، وفي قولِه: {لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}؟ للعلماءِ عنه جَوَابَانِ (¬3): أحدُهما: أَنَّ {وَمَنْ حَوْلَهَا} صادقٌ بالدنيا كلها؛ لأن الدنيا عِنْدَ اللَّهِ شيءٌ بسيطٌ كأنها نقطةٌ. وقال بعضُ العلماءِ: غَايَةُ ما في البابِ أن هذه الآيةَ الكريمةَ اقْتَصَرَتْ على إنذارِ أُمِّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، وَسَكَتَتْ عَمَّا سوى ذلك، وَجَاءَتْ آياتٌ أُخَرُ صَرَّحَتْ في الإنذارِ بالتعميمِ، كقولِه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: آية 1] {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: آية 158] وقال جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: آية 28] ¬
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: آية 1]. والآيةُ على هذا الوجهِ الأخيرِ الذي ذَكَرْنَا كقولِه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: آية 214] فليس لنا أن نقولَ: ليس مُرْسَلاً إِلاَّ لعشيرتِه الأَقْرَبِينَ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} لأَنَّهُ في هذه الآيةِ أَمَرَهُ أن ينذرَ عشيرتَه، وَعَمَّمَ الإنذارَ في آياتٍ أُخَرَ، كذلك في هذه الآيةِ: {لِّتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: آية 92] وَعَمَّمَ الإنذارَ في آياتٍ أُخَرَ. ثُمَّ قَالَ: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: آية 92] وفي بعضِ القراءاتِ: {عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (¬1). {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} قد بَيَّنَّا مِرَارًا أن معنَى (الآخرةِ) أنها لاَ دَارَ بَعْدَهَا يُنْتَقَلُ إليها؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ (آخِرَةً). والإنسانُ قَبْلَ أن يصلَ إليها ينتقلُ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ. وقد بَيَّنَّا أن رحلةَ الإنسانِ يجبُ عليه النظرُ فيها؛ لأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بذلك. وأن مبدأَ رحلةِ الإنسانِ أنه ترابٌ بَلَّهُ اللَّهُ بِمَاءٍ، ثم صارَ طِينًا، ثم ذَكَرَ عن هذا الطينِ أطوارًا صَارَ فِيهَا حَمَأً مَسْنُونًا، ثم يُبِّسَ فصارَ صَلْصَالاً كالفخارِ، ثم إن اللَّهَ بقدرتِه خَلَقَ من هذا الطينِ بَشَرًا سَوِيًّا في غايةِ الجمالِ، اسْمُهُ آدَمُ، ثم خَلَقَ مِنْ ضِلْعِهِ امرأةً، ثم كان بَيْنَ هذا الرجلِ والمرأةِ ما يكونُ بينَ الرجلِ والمرأةِ. فَالطَّوْرُ لنا جَمِيعًا: هو ذلك الترابُ، والطَّورُ الثاني: هو تلك النطفةُ الأمشاجُ من ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ. ¬
والطَّورُ الثالثُ: هو الدمُ الجامدُ الْمُعبَّرُ عنه بـ (العَلَقَةِ)، والطَّورُ الذي بَعْدَ ذلك: هو طَورُ (الْمُضْغَةِ)، وهو استحالةُ الدمِ مضغةً، قطعةَ لَحْمٍ، ليس فيها تَخْطِيطٌ وَلاَ تَشْكِيلٌ ولاَ رأسٌ ولاَ يَدٌ ولاَ رِجْلٌ، ثم إن اللَّهَ (تبارك وتعالى) يُقَلِّبُ تلكَ المضغةَ هيكلَ عِظَامٍ، وَاللَّهُ (جل وعلا) يُرَتِّبُ تلك العظامَ بعضَها ببعضٍ على هذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ، في غايةٍ من الإحكامِ، ثم إن اللَّهَ (جل وعلا) بعدَ أن يصنعَ هيكلَ العظامِ يَكْسُوهُ اللَّحْمُ، ويجعلُ فيه العروقَ، فَيُفَصِّلُهُ وَيُخَطِّطُهُ، ويفتحُ فيه الْعَيْنَيْنِ، والأنفَ والفمَ والأُذُنَيْنِ، ويجعلُ فيه الأعضاءَ، ويضعُ كُلَّ عضوٍ في مَحَلِّهِ، ويضعُ الكبدَ في مَحَلِّهِ، والطحالَ وَالْكُلْيَتَيْنِ، إلى غيرِ ذلك، ويجعلُ الإنسانَ على هذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ الهائلِ، الذي لو شُرِّحَ منه عضوٌ واحدٌ لَحَارَتْ عقولُ العقلاءِ بما أَبْدَعَ اللَّهُ فيه من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه، فليس في بدنِ الواحدِ منا مَوْضِعُ إبرةٍ إلا وَاللَّهُ أَوْدَعَ فيه من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ، وَكُلُّ هذا فَعَلَهُ فينا لم يَشُقَّ أُمَّهَاتِنَا، لَمْ يَشُقَّ طَبَقَةَ بَطْنِهَا السُّفْلَى وَلاَ الْوُسْطَى ولا الْعُلْيَا وَلَمْ يَخُطَّهَا، ولم يُبَنِّجْهَا، وَلَمْ يُنَوِّمْهَا في صِحِّيةٍ. يفعلُ في بطنِها هذه الأفعالَ الهائلةَ الغريبةَ العجيبةَ وهي لاهيةٌ تَفْرَحُ وَتَمْرَحُ، لاَ تَدْرِي عَنْ شيءٍ من ذلك، بكمالِ قدرتِه وَصُنْعِهِ. وَاللَّهُ يُلْفِتُ أنظارَنا إلى هذا ونحن نُلْفِتُ أنظارَ إخوانِنا إليه دائمًا؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: آية 6] يعني: بعدَ النطفةِ علقةً، وبعدَ خلقِ العلقةِ مضغةً، وبعدَ خلقِ المضغةِ عظامًا، إلى آخِرِهِ. وهو يقولُ: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} يعنِي: ظلمةَ البطنِ، وظلمةَ الرحمِ، وظلمةَ المشيمةِ التي هي على الولدِ في داخلِ
الرحمِ. لم يَحْتَجْ إلى أن يُزِيحَهَا أو يسلطَ عليها أشعةً كهربائيةً. الْعِلْمُ وَالْبَصَرُ نافذٌ لهذا الصنعِ الغريبِ العجيبِ في بَطْنِ أُمِّهِ {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: آية 6] وَلِذَا لَمَّا قَالَ: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}. قَالَ: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ثُمَّ قَالَ - وهو مَحَلُّ الشَّاهِدِ -: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: آية 6] أَيْنَ تُصْرَفُونَ؟ أين تذهبُ عقولُكم عن هذه الغرائبِ والعجائبِ التي يَفْعَلُهَا فيكم خالقُ السماواتِ والأرضِ؟ ثم إن اللَّهَ (جل وعلا) يُخْرِجُهُ من بطنِ أُمِّهِ، وَيُسَهِّلُ له طريقَ الخروجَ: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: آية 20] ويكونُ في هذه المحطةِ التي نَحْنُ فيها، فَكُلُّ ما قَبْلَهَا جَاوَزْنَاهُ، ثم إنه عَنْ قريبٍ ينتقلُ الجميعُ من هذه المحطةِ إلى محطةِ القبورِ، فَيَمْكُثُونَ فيها ما شَاءَ اللَّهُ، ثم يُنَادِي خَالِقُ السماواتِ والأرضِ أَنْ يَرْحَلُوا من القبورِ {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: آية 25] فَيُجِيبُونَ دَاعِيَ اللَّهِ مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِي، فَيَجْمَعُهُمْ في صعيدٍ واحدٍ، صعيدِ الْمَحْشَرِ، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، ثُمَّ يَمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثم يتفرقونَ كما قَالَ: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} [الزلزلة: آية 6] مُتَشَتِّتِينَ مُتَفَرِّقِينَ، وهذه الأشتاتُ في سورةِ الزلزلةِ أَوْضَحَهَا اللَّهُ في سورةِ الرومِ: {يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)} [الروم: الآيات 14 - 16] فَبَعْدَ ذلك يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، وعندَ ذلك تُلْقَى عَصَى التَّسْيَارِ، وَيُذْبَحُ الْمَوْتُ، ويقولُ:
يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ. وهو معنَى قولِه: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [مريم: آية 39]. بهذا تَعْرِفُونَ حقيقةَ معنَى (الآخرةِ)؛ لأَنَّ الأطوارَ قَبْلَهَا كُلَّهَا ينتقلُ من طورٍ إلى طورٍ، بعدَ الترابِ نطفةً، وبعدَ النطفةِ علقةً، وبعدَ الدنيا قبرٌ، وبعدَ القبرِ بَعْثٌ. أَمَّا فِي الآخرةِ فالدارُ التي يَحِلُّهَا الإنسانُ ليسَ بعدَها انتقالٌ آخَرُ إلى شيءٍ، ومن هنا قِيلَ لَهَا (الآخرةُ)؛ لأَنَّهَا ليس بعدَها شيءٌ، والمنزلُ في ذلك إِمَّا غرفة مِنْ غُرَفِ الجنةِ، وإما سِجْنٌ مِنْ سُجُونِ النارِ. {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الأنعام: آية 92] بهذا القرآنِ العظيمِ. كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ باليومِ الآخِرِ يُؤْمِنُ بهذا القرآنِ العظيمِ، لوضوحِ أَدِلَّتِهِ. أَمَّا الذي لاَ يُؤْمِنُ باليومِ الآخِرِ فَهُوَ لاَ يخافُ مِنْ عِقَابٍ، وَلاَ يَرْجُو ثَوَابًا، فَلاَ يُؤْمِنُ بِشَيْءٍ. ثم خَصَّ الصَّلاَةَ لِعِظَمِ مَكَانَتِهَا (¬1)، قال: {وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}. يقولُ اللَّهُ جل وعلا: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: آية 93]. نَزَلَتْ هذه الآيةُ الكريمةُ من سورةِ الأنعامِ في مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، ¬
وكذابِ صنعاءَ: الأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ (¬1)، كُلٌّ مِنْهُمَا ادَّعَى أنه نَبِيٌّ كَذِبًا وافتراءً على اللَّهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) أنه لاَ أحدَ أظلمَ مِمَّنْ يَفْتَرِي الكذبَ على اللَّهِ، أو يَدَّعِي أن اللَّهَ أَوْحَى إليه وهو لَمْ يُوحَ إليه. وقولُه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} الاستفهامُ إنكاريٌّ. والمعنَى: لاَ أحدَ أظلمُ {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}. وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا: أَنَّ مثلَ هذه الآيةِ فيه سؤالٌ معروفٌ؛ لأَنَّ مَعْنَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} {فَمَنْ أَظْلَمُ} معناهُ: لاَ أحدَ أظلمُ. وإذا كانَ المعنَى في قولِه هنا: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى} لاَ أحدَ أظلمُ مِمَّنِ افْتَرَى على اللَّهِ كَذِبًا. فَإِنَّ هَذَا تُشْكِلُ عليه آيَاتٌ أُخَرُ كقولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: آية 114] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [الكهف: آية 57] إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: لاَ أحدَ أظلمُ مِمَّنِ افْتَرَى، لاَ أَحَدَ أظلمُ مِمَّنْ مَنَعَ مساجدَ اللَّهِ، لاَ أحدَ أظلمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بآياتِ رَبِّهِ فأعرضَ عنها. فَيَنْشَأُ من هذا سؤالٌ، فيقولُ طالبُ العلمِ: كيفَ يقولُ: لاَ أحدَ أظلمُ من هذا، ثُمَّ يقولُ في موضعٍ ¬
آخَرَ: لا أحدَ أظلمُ من هذا، في شَيْءٍ آخَرَ؟ وللعلماءِ عن هذا السؤالِ أجوبةٌ معروفةٌ (¬1)، أشهرُها اثنانِ، فيهما الكفايةُ: أَحَدُهُمَا: أنه لاَ معارضةَ أَلْبَتَّةَ بَيْنَ الآياتِ، وأن هؤلاء المذكورينَ لا يوجدُ أحدٌ أظلمُ منهم، وهم مُتَسَاوُونَ في مرتبةِ الظلمِ، فَلاَ يكونُ هنالكَ تعارضٌ، كما لو قُلْتَ: لاَ أَحَدَ أعلمُ في هذا البلدِ مِنْ زَيْدٍ، ولا أحدَ أعلمُ فيه من عمرٍو. فيكونُ زيدٌ وعمرٌو مُسْتَوِيَيْنِ في العلمِ، ولا يَفُوقُهُمَا أحدٌ فيه، فيكونُ كِلاَ الْمَقَالَيْنِ حَقًّا. الوجهُ الثاني: أن هذه المواضعَ تتخصصُ بِصِلاَتِهَا. ومعنَى (تتخصصُ بِصِلاَتِهَا): أَنَّ كُلَّ واحدٍ منها تُفَسِّرُهُ صلةُ مِوْصُولِهِ، فيكونُ المعنَى هنا: لاَ أحدَ مِنَ الْمُفْتَرِينَ أظلمُ مِمَّنِ افْتَرَى على اللَّهِ كَذِبًا، ولا أحدَ مِنَ الْمَانِعِينَ أظلمُ مِمَّنْ مَنَعَ مساجدَ اللَّهِ، ولاَ أحدَ مِنَ الْمُعْرِضِينَ أظلمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عنها إلى آخِرِهِ. وقولُه: {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} افتراءُ الكذبِ: اختلاقُه. والكذبُ في أَصَحِّ مَعَانِيهِ: هو عدمُ مطابقةِ الخبرِ للواقعِ (¬2)، فالكفارُ كَذَّابُونَ، خَبَرُهُمْ لاَ يُطَابِقُ الْوَاقِعَ، وإن ظَنُّوا في نفسِ الأمرِ أنه خيرٌ وَسَدَادٌ، كما قال جل وعلا: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: آية 30] وقال جل وعلا: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ¬
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} [الكهف: آية 103، 104] فقولُه: {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} كَمَنِ ادَّعَى لِلَّهِ الشركاءَ، أو ادَّعَى له الأولادَ، أو ادَّعَى أنه حَرَّمَ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ، أو أَحَلَّ مَا لَمْ يُحَلِّلْهُ، أو قال: أُوحِيَ إِلَيَّ. هذا دَاخِلٌ في افتراءِ الكذبِ، إلا أنه عَطَفَهُ عليه بـ (أو) لأَنَّهُ من أعظمِ أنواعِ الافتراءِ، كأنه لِعِظَمِهِ صارَ قِسْمًا مُقَابِلاً للافتراءِ وهو من أشنعِ أنواعِ الافتراءِ. {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ} أي: قَالَ: إن اللَّهَ أَوْحَى إليه، كمسيلمةَ الكذابِ (رَحْمَنِ الْيَمَامَةِ)، وكالأسودِ العنسيِّ (صاحبِ صنعاءَ)، وَيَدْخُلُ في حُكْمِهْمْ غيرُهم من الْمُتَنَبِّئِينَ، حيثُ قال كُلُّ مِنْ هَؤُلاَءِ: إنه أُوحِيَ إِلَيَّ. وَذَكَرُوا في تاريخِ مسيلمةَ أنه أرسلَ رسولاً إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُذْكَرُ أنه ابنُ النواحةِ الذي قَتَلَهُ بعد ذلك ابنُ مسعودٍ، أَرْسَلَهُ إليه - بكتابٍ فيه: «مِنْ مسيلمةَ رسولِ اللَّهِ، إلى محمدٍ رسولِ اللَّهِ، إن الأرضَ نِصْفَانِ، نِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لَكَ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قومٌ يَعْتَدُونَ». فأجابَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ مُحَمِّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (¬1). ومعلومٌ أن ما يَدَّعِي أَنَّهُ قرآنٌ بَالِغٌ من التفاهةِ والسقوطِ مَا لاَ يَخْفَى على أَحَدٍ، كقولِه: «والطاحناتِ طحنًا، والعاجناتِ عجنًا، والخابزاتِ خبزًا، فالفارداتِ فردًا، فاللاقماتِ لقمًا». وغير ذلك من التُّرَّهَاتِ والخرافاتِ. ¬
الذين يَدَّعُونَ النبوةَ - كمسيلمةَ والأسودِ العنسيِّ - لا أحدَ أظلمُ منهم، حيث قالوا: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إليهم - ولم يُوحَ إليهم - ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وهذا معنَى قولِه: {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ} والحالُ: {وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}. {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ} (من) في قولِه: {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ} هذا كُلُّهُ معطوفٌ على المجرورِ في قولِه: {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} ولا أحدَ أظلمُ مِمَّنْ قال: أُوحِيَ إِلَيَّ [وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ] (¬1)، ولا أحدَ أظلمُ مِمَّنْ قَالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ. وقولُه: {سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ} هذه نَزَلَتْ في عبدِ اللَّهِ بنِ سعدِ بنِ سَرْحٍ، على قولِ أكثرِ المفسرين (¬2). أسلمَ أَوَّلاً، وكانَ مِنْ كُتَّابِ الْوَحْيِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي سورةِ (قد أفلح المؤمنون): {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: الآيات 12 - 14] عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سعدِ بنِ أَبِي سرحٍ من تفصيلِ اللَّهِ هذا لخلقِ الإنسانِ فقال: «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحسنُ الخالقين» فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» فَشَكَّ فِي كلامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: إِنِّي أُوحِيَ إِلَيَّ مثلَ ما أُوحِيَ إليه، إن كان صادقًا فقد أُوحِيَ إلي مثلَ ما أُوحِيَ إليه، وإن كان كَاذِبًا فقد جئتُ بمثلِ ما جاءَ به. وَارْتَدَّ عن الإسلامِ - والعياذُ بالله (¬3) - وهو مِمَّنْ أَمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقتلِهم يومَ فتحِ مكةَ، ¬
وكانَ أَخًا لعثمانَ بنِ عفانَ (رضي الله عنه) مِنَ الرضاعةِ، فَأَخْفَاهُ عثمانُ عندَه حتى سَكَنَتِ الحركةُ وَاسْتَأْمَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَهْ فَأَمَّنَهُ (¬1)، وحَسُنَ إسلامُه، وكانَ وَالِيًا لعثمانَ على جهةِ مصرَ، وهو الذي فَتَحَ إِفْرِيقِيَّةَ، وقتلَ مَلِكَهَا (جرجير)، والذي تَوَلَّى قتلَه عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ كما هو معروفٌ في التاريخِ (¬2). أَنْزَلَ اللَّهُ فيه عندمَا ارْتَدَّ: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ} [الأنعام: آية 93] ونظيرُه قولُ بعضِ الكفارِ: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ} [الأنفال: آية 31]. ثُمَّ إن اللَّهَ (جل وعلا) لَمَّا بَيَّنَ أنواعَ الكفرةِ الظالمين باجترائِهم على الكذبِ، كادعائِهم لِلَّهِ الأولادَ والشركاءَ، وكقولِ بعضِهم: إِنَّهُ أُوحِيَ إليه، وكقولِ بعضِهم: إنه قادرٌ على أن يُنْزِلَ مثلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ. بَيَّنَ وَعِيدَهُ لهؤلاء الكفرةِ، قال: {وَلَوْ تَرَىَ} يا نَبِيَّ اللَّهِ {إِذِ الظَّالِمُونَ} حِينَ الظالمونَ كالذين يفترونَ على اللَّهِ الكذبَ، ويقولونَ: إنهم أُوحِيَ إليهم. أو يقولونَ: سَنُنْزِلُ مثلَ ما أنزلَ اللَّهُ. لو تَرَى حِينَ الظالمونَ أمثالُ هؤلاءِ حينَ هُمْ: {فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} غمراتُ ¬
الموتِ: سكراتُه وشدائدُه وكرباتُه. وأصلُ (الغَمْرَةِ) هي مَا يَغْمُرُ الشيءَ، كالماءِ الذي يغمرُ الواديَ فَيُغَطِّيهِ، كُلُّ ما غَمَرَ شَيْئًا حتى غَطَّاهُ وَسَتَرَهُ (¬1). المصدرُ من ذلك: (غَمْرًا) والمرادُ بـ (غمراتِ الموتِ): شدائدُه وسكراتُه وكرباتُه، حين هُمْ في سكراتِ الموتِ وشدائدِه وكرباتِه. والحالُ: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} بَاسِطُو أيديهم: يعني بَاسِطُوهَا إليهم بالضربِ الوجيعِ، والأَذَى الفظيعِ. والعربُ تُكَنِّي عن السوءِ بـ (بَسْطِ اليدِ)، كقولِه: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ} [المائدة: آية 28] وكقولِه: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} [الممتحنة: آية 2] والدليلُ على أن بسطَ الملائكةِ أيديَهم إليهم أنه للأَذَى والضربِ الوجيعِ: آياتٌ جَاءَتْ بِذَلِكَ، كقولِه: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: آية 50] فضَرْبُهُمْ هَذَا لِوُجُوهِهِمْ وَأَدْبَارِهِمْ هو الذي بَسَطُوا إليهم أيديَهم بِهِ فِي قولِه: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} هذا هو الأظهرُ (¬2)، خلافًا لِمَنْ قال: إنهم يَمُدُّونَ أيديَهم إليهم ليأخذُوا أنفسَهم وأرواحَهم من أبدانِهم، كما يَمُدُّ الغريمُ يدَه لغريمِه ليأخذَ حَقَّهُ عليه بِشِدَّةٍ وَعُنْفٍ. وقولُه: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ} أَخْرِجُوا أنفسَكم: فيه وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ (¬3): أحدُهما: أن المعنَى: أَخْرِجُوا أيها المُحتضَرونَ أنفسَكم من ¬
هذه الكرباتِ إن كانت لَكُمْ قُدْرَةٌ. والمعنَى: لاَ تَقْدِرُونَ على الخروجِ عَمَّا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يفعلَه فيكم. القولُ الثاني: أن روحَ الكافرِ إذا عَلِمَتْ بما لها عِنْدَ اللَّهِ من العذابِ الشديدِ تَفَرَّقَتْ فِي جسدِه وَامْتَنَعَتْ مِنَ الخروجِ، فَهُمْ يقولونَ: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ} قَدِّمُوا أَرْوَاحَكُمْ وَأَخْرِجُوهَا مِنْ أَبْدَانِكُمْ لِنَأْخُذَهَا. ثم قال: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} الْهُونُ: هو أَشَدُّ الهوانِ، وهو الذُّلُّ والخزيُ - والعياذُ بِاللَّهِ - وإنما أضافَ العذابَ إلى (الهونِ) لأَنَّهُ عذابٌ موصوفٌ بأن صاحبَه يقعُ عليه أعظمُ الهوانِ وأشدُّه، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ سُوءٌ، وَعَذَابٌ هُونٌ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك (¬1). وقولُه: {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} لأَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أن الذين يفترونَ على اللَّهِ الكذبَ لاَ أحدَ أظلمُ منهم في قولِه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}. ثم بَيَّنَ أنهم عندَ الاحتضارِ تَتَوَفَّاهُمُ الملائكةُ، ويبسطونَ أيديَهم إليهم بضربِ الوجوهِ والأدبارِ. ثم بَيَّنَ عِلَّةَ ذلك: {بِمَا كُنْتُمْ} في دارِ الدنيا: {تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} كَادِّعَائِكُمْ لَهُ الأولادَ والشركاءَ، وأنه حَرَّمَ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ، وَأَحَلَّ ما لم يُحَلِّلْهُ، وكقولِ بعضِكم إنه أُوحِيَ إليه ولم يُوحَ إليهِ شيءٌ، وكقولِ بعضِ الكفارِ: إنه سَيُنْزِلُ مثلَ ما أنزلَ اللَّهُ. كُلُّ هذا من افتراءِ الكذبِ على اللَّهِ، الذي بَيَّنَ اللَّهُ أنه سببٌ لعذابِه وضربِ الملائكةِ إِيَّاهُ، حيثُ بَيَّنَ العلةَ بقولِه: {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} مِنَ افْتِرَاءِ الكذبِ بادعاءِ الأولادِ والشركاءِ، وما ¬
جَرَى مَجْرَى ذلك: {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} وَكُنْتُمْ عن آياتِه (جل وعلا) إِذَا تُلِيَتْ عليكم تَسْتَكْبِرُونَ، تتكبرونَ عنها وتأنفونَ مِنَ اتِّبَاعِهَا؛ لأَنَّ قادةَ الكفارِ ورؤساءَهم كانوا إِذَا تُلِيَ عليهم القرآنُ وَدُعُوا إلى الدِّينِ قالوا بِجَهْلِهِمْ: نحنُ الآنَ رؤساءُ مَتْبُوعُونَ، كيف نتنازلُ ونكونُ أتباعًا مأمورينَ مَرْؤُوسِينَ؟ لا يكونُ ذلك!! وَلِذَا أَجْرَى اللَّهُ العادةَ أن مَنْ يُنَاصِبُ الرسلَ بالعداوةِ هو أَشْرَافُ الناسِ والمترفونَ منهم، كما صَرَّحَ اللَّهُ به في آياتٍ من كتابِه: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: آية 34] وفي حديثِ هرقلَ مع أَبِي سفيانَ الثابتِ في الصحيحِ: أن مَلِكَ الرومِ (هرقلَ) لَمَّا سَأَلَ أَبَا سفيانَ: أَأَشْرَافُ الناسِ يَتَّبِعُونَهُ أم ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قالَ: بَلْ ضعفاؤُهم. قال: أولئك أتباعُ الأنبياءِ (¬1). أَجْرَى اللَّهُ العادةَ بذلك، وَمِمَّا يوضحُ هذا أن أولَ الأنبياءِ الذين بُعِثُوا إلى الأرضِ بعدَ أن وَقَعَ الكفرُ والإشراكُ بِاللَّهِ: هو نوحٌ (عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ)، كان أتباعُه مِنْ ضُعَفَاءِ قَوْمِهِ؛ وَلِذَا قال له قومُه: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: آية 111] وقالوا لَهُ: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: آية 27] وَآخِرُهُمْ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم -. كذلك قَدَّمْنَا في هذه السورةِ الكريمةِ العظيمةِ - سورةِ الأنعامِ - أن رؤساءَ الكفرةِ قالوا له: لاَ نُجَالِسُكَ حتى تَطْرُدَ عنا هؤلاء النَّتْنَى، يَعْنُونَ ضعفاءَ المسلمين. وقد مَرَّ معنا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فيهم في قولِه: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ¬
[الأنعام: آية 52] وأنه - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا نُهِيَ عَنْ طَرْدِهِمْ كانَ يجلسُ مَعَهُمْ، فإذا كَانَتْ لَهُ الحاجةُ قَامَ عنهم، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: آية 28] حتى صَارُوا يقولونَ: قُومُوا عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِيُمْكِنَهُ أن يقومَ لحاجتِه. وَلَمَّا أَجْرَى اللَّهُ العادةَ بِأَنَّ أولَ مَنْ يُكَذِّبُ الرسلَ وَيُنَاصِبُهُمْ بالعداوةِ الرؤساءُ المترفونَ قال هُنَا فيهم: {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}. [10/أ] / {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: آية 94]. لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه الآياتِ من سورةِ الأنعامِ أنه لا أحدَ أظلمُ مِمَّنِ افْتَرَى على اللَّهِ كَذِبًا، ولا أحدَ أظلمُ مِمَّنِ ادَّعَى الوحيَ كَذِبًا، ولا أحدَ أظلمُ مِمَّنِ ادَّعَى أنه قادرٌ على إنزالِ مثلِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَبَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) أن هؤلاءِ الظالمينَ الذين قالوا هذه المقالاتِ أنهم إذا حَضَرَتْهُمُ الوفاةُ بَسَطَتِ الملائكةُ أيديَهم إليهم بالعذابِ والنكالِ، وقالوا لهم: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: آية 93] بَيَّنَ حالتَهم التي يُبْعَثُونَ عليها، وشدةَ ضَعْفِهِمْ وعدمَ قُوَّتِهِمْ التي كانت هي سببَ تمردِهم فِي الدنيا. وقولُه في هذه الآياتِ: {سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ} يَدْخُلُ في معناه: مَنِ ادَّعَى أنه يُنَظِّمُ للبشريةِ ما يُغْنِيهَا عَنْ نِظَامِ اللَّهِ (جل وعلا) الذي وَضَعَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ هذا - والعياذُ بِاللَّهِ - فَقَدِ اتَّبَعَ أحدًا لاَ أظلمَ في الدنيا مِنْهُ - والعياذُ بِاللَّهِ - فالذي يُنْزِلُهُ اللَّهُ لاَ يقدرُ أحدٌ على أن ينزلَ مثلَه. وَمَنِ ادَّعَى أنه ينزلُ مثلَه صَرَّحَ اللَّهُ في هذه الآياتِ الكريمةِ أنه لاَ أحدَ أَلْبتَّةَ أَظْلَمُ منه.
وبهذا تعلمونَ أن الذين يَتَنَطَّعُونَ وَيَدَّعُونَ أنهم يُنَظِّمُونَ للبشريةِ نظامًا أحسنَ مِمَّا أنزلَ اللَّهُ، أنهم يدخلونَ في هذه الآيةِ، وَأَنَّ الملائكةَ سَتَضْرِبُهُمْ عِنْدَ الموتِ. ستضربُ وجوهَهم وأدبارَهم، وتقولُ لهم: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: آية 93] ومعلومٌ أنه لا تشريعَ إلا للسلطةِ الْعُلْيَا. فالسلطةُ العليا الحاكمةُ على كُلِّ شيءٍ هي التي لَهَا الأَمْرُ وَالنَّهْيُ. فهؤلاءِ الذين يَتَمَرَّدُونَ على نظامِ السماءِ، ويحاولونَ قَلْبَ الحكمِ السماويِّ لو جاءَ أحدٌ يريدُ أن يَقْلِبَ الحكمَ عليهم ويحكمَ بغيرِ ما شَرَّعُوا لَقَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، مع أنهم يتجاهرونَ بأن نظامَ خالقِ السماواتِ والأرضِ الحكيمِ الخبيرِ، الذي نَظَّمَ فيه علاقاتِ الدنيا، وَأَوْضَحَ فيه طُرُقَ الخيرِ في الدنيا والآخرةِ، وَأَتْبَعَ فيه متطلباتِ الروحِ بالتربيةِ والتهذيبِ، ومتطلباتِ الجسمِ على الوجوهِ الشرعيةِ، يقولونَ: إِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ، ولاَ يُنَظِّمُ الحياةَ، ولا يسايرُ التطورَ الْحَالِيَّ للحياةِ. الذين يقولونَ هذا والذين يَتَّبِعُونَهُمْ، لاَ شَكَّ أنهم دَاخِلُونَ في هذا الوعيدِ في قولِه: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللَّهُ}. لأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ ما أنزلَه اللَّهُ: وَضْعُ النظامِ البشريِّ الذي يَمْشِي عليه البشرُ لِيُؤَاخِيَ بينهم، وينشرَ بينهم العدالةَ والطمأنينةَ والرخاءَ والمساواةَ في الحقوقِ الشرعيةِ. قَدْ قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا كثيرةً (¬1): أَنَّ مَنِ ادَّعَى أن هنالك تَنْظِيمًا ينظمُ الحياةَ البشريةَ في الدنيا مثلَ تنظيمِ اللَّهِ أو أحسنَ من تنظيمِ اللَّهِ، أن هذه الدَّعْوَى كُفْرٌ بَوَاحٌ، لاَ يَشُكُّ فيه مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ، والآياتُ المُصَرِّحةُ بذلك بإيضاحٍ كثيرةٌ في القرآنِ العظيمِ ¬
(¬1)، منها: أن الشيطانَ لَمَّا جاءَ تلامذتُه مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وجاءهم بوحيِ الشياطين، وقال لهم: سَلُوا مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - عن الشاةِ تُصْبِحُ مَيِّتَةً، مَنْ هُوَ الذي قَتَلَهَا؟ فَلَمَّا أَجَابَ وَقَالَ: «اللَّهُ قَتَلَهَا». أَوْحَى إليهم الشيطانُ أن قالوا: مَا ذَبَحْتُمُوهُ بأيديكم - يَعْنُونَ الْمُذَكَّى - تقولونَ: حَلاَلٌ. وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ - يَعْنُونَ الْمَيْتَةَ - تقولونَ: هُوَ حَرَامٌ؟ فَأَنْتُمْ إِذًا أحسنُ مِنَ اللَّهِ؛ حيث كانت ذبيحتُكم أَحَلَّ من ذبيحتِه (¬2)!! فهذه قضيةٌ اخْتَلَفَ الحقُّ والباطلُ فيها في مضغةِ لحمٍ، شاةٌ مَاتَتْ وَلَمْ تُذَكَّ، فجاء تشريعُ الشيطانِ بأنها: حَلاَلٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ هو الذي ذَبَحَهَا، وجاءَ نظامُ الإسلامِ، وتشريعُ السماءِ، على لسانِ سَيِّدِ الخلقِ: أنها حرامٌ؛ لأَنَّهَا لَمْ تُذَكَّ، ولم يُذْكَرْ عليها اسمُ اللَّهِ، فَصَرَّحَ اللَّهُ (جل وعلا) بأن الذين يَتْبَعُونَ قانونَ إبليسَ، ونظامَ الشيطانِ، وَيُحَلِّلُونَ لحمَ الميتةِ الذي حَرَّمَهُ نظامُ السماءِ، أنهم كفرةٌ مُشْرِكُونَ؛ وَلِذَا قال اللَّهُ جل وعلا: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} يعنِي الميتةَ. ثُمَّ قَالَ: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}. ثُمَّ قَالَ: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} يُجَادِلُوهُمْ بوحيِ الشيطانِ: ما ذَبَحْتُمُوهُ حلالٌ وما ذَبَحَهُ اللَّهُ حرامٌ، فَأَنْتُمْ إِذًا أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ. هذا معنَى قولِه: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}. ثُمَّ قَالَ - وهو محلُّ الشاهدِ -: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: آية 121] وإن أَطَعْتُمُوهُمْ في نظامِ إبليسَ في تحريمِ تلك اللحمةِ التي حَلَّلَهَا إبليسُ على لسانِ أَتْبَاعِهِ - بِدَعْوَى شبهةِ أنها ذبيحةُ اللَّهِ، وَحَرَّمَهَا اللَّهُ في تشريعِه السماويِّ على لسانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَرَّحَ اللَّهُ بأن مَنِ اتَّبَعَ نظامَ إبليسَ وَأَحَلَّ تِلْكَ الميتةَ، وَتَرَكَ نظامَ اللَّهِ الذي هو تحريمُها: أنه مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، ¬
كما قال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} لأَنَّ الرَّبَّ هو الذي يُحَلِّلُ وَيُحَرِّمُ، فَمَنِ اتَّبَعْتَ تَحْرِيمَهُ وَتَحْلِيلَهُ فَقَدْ جَعَلْتَهُ رَبَّكَ. وهذا الشركُ: شركُ طاعةٍ ونظامٍ، وقانونٌ في التحريمِ والتحليلِ، وَسَيُوَبِّخُ اللَّهُ مُرْتَكِبِيهِ يومَ القيامةِ على رؤوسِ الأشهادِ، وَيُبَيِّنُ مصيرَهم الفظيعَ الشنيعَ من النارِ؛ وذلك أَنَّ اللَّهَ يقولُ لِمَنْ كانوا يَتَّبِعُونَ نُظُمَ الشيطانِ وقوانينَه التي شَرَعَهَا على ألسنةِ أوليائِه، تَارِكِينَ نظامَ السماءِ الذي أَنْزَلَهُ خالقُ الخلقِ على لسانِ نَبِيِّهِ، يقولُ اللَّهُ لهم: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: الآية 60] يعني: باتباعِ نظامِه وتشريعِه وقانونِه: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا} والجِبِلُّ الكثيرُ الذي أَضَلَّهُ: هم الذين يَتَّبِعُونَ تَزْيِينَهُ فِي المعاصِي وتشريعِه ونظامِه المخالفِ لتشريعِ السماءِ ونظامِ خالقِ الكونِ: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} لا عقولَ لكم حيث تَتَّبِعُونَ نظامَ إبليسَ، وتتركونَ نظامَ خالقِكم (جل وعلا)، ثُمَّ قال: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: الآيات 60 - 65] وَقَالَ اللَّهُ (جل وعلا) عن نَبِيِّهِ إبراهيمَ أنه يقولُ لأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} يعني بقولِه: {لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} لا تَتَّبِعْ نظامَه وتشريعَه بالكفرِ والمعاصِي {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم: آية 44]. وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ (جل وعلا) الذين يُطَاعُونَ في معصيةِ اللَّهِ، سَمَّاهُمْ (شركاءَ) في هذه السورةِ الكريمةِ، سورةِ الأنعامِ، في قولِه جل وعلا: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: آية 137] فَسَمَّاهُمْ (شركاءَ) لَمَّا
أَطَاعُوهُمْ في التحليلِ من قتلِ الأولادِ، وقال جل وعلا: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا} [النساء: آية 117] يعني: مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا. وعبادتُهم له هي: اتباعُ تشريعِه، وقد بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا البيانَ لَمَّا سَأَلَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ (رضي الله عنه) عن قولِه تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة: آية 31] قَالَ عَدِيُّ للنَّبِيِّ: كيفَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا؟ قال: «أَلَمْ يُحِلُّوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَاتَّبَعُوهُمْ؟» قال: بَلَى، قال: «بِذَلِكَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا» (¬1). وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ (جل وعلا) في سورةِ النساءِ أن مَنْ يَدَّعِي الإسلامَ ويزعمُ أنه مؤمنٌ، ثم يريدُ التحاكمَ إلى الطاغوتِ مِنْ تشاريعِ الشيطانِ، أن دَعْوَاهُ للإيمانِ مع ذلك بالغةٌ مِنَ الكذبِ والبطلانِ ما يَسْتَوْجِبُ التعجبَ منها، وذلك في قولِه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: آية 60]. والآياتُ بمثلِ هذا كثيرةٌ، وعلى كُلِّ حالٍ فَعَلَيْنَا جميعًا نحنُ المسلمينَ أن نعرفَ ونعتقدَ أنه لا تشريعَ إلا لخالقِ السماءِ والأرضِ، فالحلالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ، والأمرُ أَمْرُ اللَّهِ، والنهيُ نَهْيُ اللَّهِ، وِالْحَسَنُ مَا حَسَّنَهُ اللَّهُ، والقبيحُ مَا قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَكُلُّ نِظَامٍ وَتَشْرِيعٍ غَيْرِ تَشْرِيعِ السماءِ وبالٌ وويلٌ على صاحبِه - والعياذُ بِاللَّهِ جل وعلا - وَلِذَا أولئك يدخلونَ في قولِه هنا: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: آية 93]. ¬
وقد بَيَّنَ (جل وعلا) في هذه الآيةِ الكريمةِ، أن أولئك الْمُسْتَكْبِرِينَ في دارِ الدنيا، الذين يستكبرونَ عَنْ آياتِه، الذين كان لَهُمْ في الدنيا خَدَمٌ وَحَشَمٌ وَأَتْبَاعٌ، وَأُبَّهَةٌ، أنهم يومَ القيامةِ يُبْعَثُونَ وَيُعْرَضُونَ إلى رَبِّهِمْ لاَ أَتْبَاعَ لَهُمْ، ولاَ حَشَمَ وَلاَ خَدَمَ حتى وَلاَ نِعَالَ وَلاَ ثِيَابَ، كُلُّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: آية 111] {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: آية 94] لأَنَّ الإنسانَ يَخْرُجُ مِنْ بطنِ أُمِّهِ وحيدًا فريدًا، لاَ مالَ لهُ حَافِيًا عَارِيًا لاَ نِعَالَ لَهُ وَلاَ لِبَاسَ، غَيْرُ مَخْتُونٍ، لاَ خدمَ لَهُ، ولاَ حَشَمَ، كذلك يخرجُ مِنْ قَبْرِهِ وحيدًا فريدًا متجردًا مِنَ الأُبَّهَةِ التي كَانَ فِيهَا، ليس معَه خادمٌ، ولا وزيرٌ، ولا مالٌ، ولا نعلٌ، ولا لباسٌ، يُحْشَرُونَ يومَ القيامةِ حفاةً عُراةً غُرْلاً. أي: غَيْرَ مَخْتُونِينَ؛ وَلِذَا يقولُ اللَّهُ لِلَّذِينَ يستكبرونَ ويكفرونَ - كانوا يَجْمَعُونَ في دارِ الدنيا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: التكبرُ، والتعاظمُ، وعدمُ الإذعانِ لآياتِ اللَّهِ والإيمانِ به، ويزعمونَ أن الأصنامَ التي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنَّهَا تشفعُ لهم يومَ القيامةِ، وَتُنَجِّيهِمْ من كرباتِ يومِ القيامةِ، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ هذا التوبيخَ العظيمَ - قال: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} هُوَ مَجِيئُهُمْ يومَ القيامةِ مَحْشُورِينَ مَعْرُوضِينَ على خَالِقِهِمْ (جل وعلا) {فُرَادَى} الفُرَادَى: جَمْعُ فَرْدٍ أو فَرَدٍ. خلافًا لِمَنْ قال: إِنَّ وَاحِدَهُ (الفَرْدَان) كالسكرانِ والسكارى. وَوَاحِدُهُ في الحقيقةِ: الفَرْدُ والفَرَدُ، وتقولُ: هو فَرْدٌ وفَرَدٌ، إذا كان واحدًا (¬1). وَرُبَّمَا قيل فيه: فَرِدٌ، وَيُرْوَى بهما معًا قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬2): ¬
كَأَنَّ رَحْلِي وقَدْ زَالَ النَّهارُ بِنَا بِذِي الْجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنَسٍ وَحَدِ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٌّ أَكَارِعُهُ طَاوِي الْمُصَيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرَدِ وَيُرْوَى: الفَرِدِ (¬1)، وَالْفَرَدُ: هو الوحيدُ الذي لا شيءَ مَعَهُ، {جِئْتُمُونَا فُرَادَى} كُلُّ وَاحِدٍ منكم فَرْدًا بمفردِه، ليس مَعَهُ مالٌ، ولا ولدٌ، ولاَ حشمٌ، ولاَ خَدَمٌ، حتى إنه حَافٍ عَارٍ لَيْسَ بِمَخْتُونٍ (¬2). وهذا معنَى: {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. وفي إعرابِ (الكافِ) من (كَمَا خَلَقْنَا) وجهانِ مِنَ الإِعْرَابِ (¬3): أحدُهما: أنه في مَحَلِّ نصبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ. والمعنَى: جِئْتُمُونَا مجيئًا مُشَابِهًا لِخَلْقِنَا لكم أَوَّلاً في التجردِ عن المالِ والأعوانِ والحشمِ والخدمِ. الثاني: أنه في مَحَلِّ الحالِ. أي: جِئْتُمُونَا فُرَادَى في حالِ كونِكم مُشَابِهِينَ حالتَكم الأُولَى التي وُلِدْتُمْ عليها؛ لأَنَّ الواحدَ منكم يخرجُ من بطنِ أُمِّهِ فَرْدًا لاَ مالَ له، ولا ولدَ، ولا حشمَ ولا خدمَ. وهذا معنَى: {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. {وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} العربُ تقولُ: «خَوَّلَهُ» إذا أَعْطَاهُ وَأَنْعَمَ عليه، {مَّا خَوَّلْنَاكُمْ}: أَيْ: ما أَعْطَيْنَاكُمْ، وَأَنْعَمْنَا عليكم بِهِ مِنَ المالِ والخَوَلِ والخدمِ تَرَكْتُمُوهُ وراءَكم، أي: خَلْفَكُمْ، حيث مُتُّمْ عنه ولم يَأْتِ مَعَكُمْ. ¬
ثُمَّ قَالَ: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} الشفعاءُ الذين كُنْتُمْ تزعمونَ أنهم شركاءُ لنا فيكم، وَأَنَّ نصيبًا لهم مِنْ حُقُوقِنَا، وتعبدونَهم معنا، وتزعمونَ أنهم يشفعونَ لكم، ما نَرَاهُمْ معكم. وهذا توبيخٌ لهم - والعياذُ بِاللَّهِ - كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: آية 18]. وقولُه: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} فيه قِرَاءَتَانِ (¬1): {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}، {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمْ} فَعَلَى قراءةِ: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمْ} فـ (البَيْنُ) من الأضدادِ يُطْلَقُ على البُعْدِ وعلى الوصلِ. والمعنَى: تَقَطَّعَ وَصْلُكُمْ، والوصالاتُ: الاتصالاتُ التي كانت بينَكم، كما قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة: آية 166]، الوصلاتُ التي كانت بينَهم في الدنيا تَنْقَطِعُ يومَ القيامةِ، كما قَالَ اللَّهُ في سورةِ العنكبوتِ: {مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وفي القراءةِ الأُخْرَى: {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا} [العنكبوت: آية 25] (¬2). وعلى قراءةِ: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} فبعضُ العلماءِ يقولُ: فاعلُ الفعلِ هو المصدرُ (لَقَدْ تَقَطَّعَ هُوَ) أي: التقطعُ، أي: وَقَعَ التقطعُ بينَكم، وبعضُ العلماءِ يقولُ: أَصْلُهُ (لقد تقطع ما بينَكم)، وهو في بعضِ القراءاتِ الشاذةِ (¬3). ¬
ومعنَى القراءتين واحدٌ (¬1)؛ ذلك لأَنَّ الْعَابِدِينَ والمعبودين يومَ القيامةِ يَتَعَادَوْنَ غايةَ المعاداةِ (¬2)، كما قال الله جل وعلا: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)} [مريم: الآيتان 81، 82] وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)} [الأحقاف: الآيتان 5، 6] وهذا هو معنَى قولِه هنا: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}. قد بَيَّنَّا مِرَارًا (¬3) أن (الضلالَ) في القرآنِ وفي لغةِ العربِ يُطْلَقُ على معانٍ متعددةٍ، منها: يُطْلَقُ الضلالُ على (الغَيْبُوبَةِ والاضمحلالِ)، كما هنا. فَكُلُّ ما غَابَ واضمحلَّ تقولُ العربُ فيه: (ضَلَّ). ومنه قولُه هنا: {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي: غابَ واضمحلَّ، ولم يُوجَدْ معكم، كما قال: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: آية 10] يَعْنُونَ: أن الأرضَ أَكَلَتْ عظامَهم فَاخْتَلَطَتْ بها، فَذَهَبَتْ بها، وَاضْمَحَلَّتْ فيها، كما تقولُ العربُ: ضَلَّ السَّمْنُ في الطعامِ. وهو معنًى مشهورٌ فِي كلامِ العربِ، ومنه قولُ الأَخْطَلِ (¬4): كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبدٍ ... قَذَفَ الأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلاَلاَ أَيْ غَابَ وَاضْمَحَلَّ، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنهُ تقولُ ¬
العربُ للدفنِ إِضْلاَلاً، تقولُ: أَضَلُّوهُ إِذَا دَفَنُوهُ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬1): وَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالْجَوْلاَنِ حَزْمٌ وَنَائِلُ وقولُه: {وَضَلَّ عَنْكُمْ} أي: غَابَ، وَذَهَبَ وَاضْمَحَلَّ عَنْكُمْ، مَا كُنْتُمْ تفترونَه من أن هذه الأصنامَ أنها تشفعُ لكم، وتنقذُكم من كرباتِ يومِ القيامةِ. وهذا توبيخٌ من اللَّهِ (جل وعلا)، وهذا التوبيخُ وَبَّخَهُمُ اللَّهُ بمثلِه في سورةِ الكهفِ، وَزَادَ توبيخَهم بأنهم كانوا يُنْكِرُونَ هذا البعثَ، كما قال: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا} [الكهف: آية 48]. ثم بَيَّنَ أنه إِذَا جَمَعَهُمْ فُرَادَى يَجِدُونَهُ مَحْصِيًّا عليهم جميعَ أعمالِهم، كما قال بعدَه: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: آية 49] فالناسُ يومَ القيامةِ يُحْشَرُ كُلُّ وَاحِدٍ منهم بمفردِه، لا مالَ معه، ولاَ خدمَ، ولاَ حشمَ، والدليلُ على أَنَّ (الفُرَادَى) وَاحِدُهُ فَرْدٌ أو فَرَدٌ: قولُه في سورةِ مريمَ: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: آية 95]، دَلَّ ذلك على أنه وَاحِدُ قولِهِ هنا: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، والعربُ تقولُ: تَرَكْتُ هذا وراءَ ظَهْرِي. يعني: خَلْفِي. أي: تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْنَاكُمْ خَلْفَكُمْ، أي: وراءَ ظهورِكم حيث ارْتَحَلْتُمْ عنه في الدنيا، فَعَلَى الإنسانِ أن لا يتركَ - أَعْنِي خلفَ ظهرِه - ما خَوَّلَهُ اللَّهُ، وأن ما أعطاهُ اللَّهُ يقدمُه لآخِرَتِهِ بِصَرْفِهِ فِي وُجُوهِ الخيرِ، والاستعانةِ بِهِ على ما يُرْضِي اللَّهَ جل وعلا. ¬
{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)} [الأنعام: الآيات 95 - 97]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)} [الأنعام: الآيتان 95، 96]. بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه الآياتِ عجائبَ صُنْعِهِ الدالةَ على أنه المعبودُ وَحْدَهُ، القادرُ على كُلِّ شَيْءٍ. وهذه مع أنها آياتٌ، فهي نِعَمٌ عِظَامٌ، فهو يُذَكِّرُ الخلقَ بنعمِه العِظَامِ، وآياتِه العظامِ. وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام: آية 95] الفَلْقُ في لغةِ العربِ معناهُ: الشّقُّ (¬1). وفي هذه الآيةِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ معروفة من التفسيرِ (¬2): أَشْهَرُهَا وعليه الجمهورُ، وهو ظاهرُ القرآنِ العظيمِ الذي دَلَّ عليه بعضُ القرائنِ أن معنَى قولِه: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} إن اللَّهَ (جل وعلا) فَالِقُ الْحَبِّ، يفلقُ حَبَّ القمحِ - مثلاً - إذا بُذِرَ في الأرضِ يفلقُه ويشقُّه عن سنبلةٍ فيها مئاتُ الْحَبِّ، ويفلقُ النواةَ. ¬
{وَالنَّوَى} جمعُ نواةٍ، وقيل: هو اسمُ جمعٍ (¬1) للنواةِ (¬2)، كَنَوَى التمرِ وغيرِه، فَكُلُّ ثَمَرٍ في داخلِه عجمٌ يُسَمَّى: نَوًى. فإن الإنسانَ يَبْذُرُ النواةَ فِي الأرضِ - نواةَ النخلةِ مثلاً، وهي صلبةٌ قاسيةٌ - فيشقُّها اللَّهُ، وَيُخْرِجُ منها هذه النخلةَ، هذه الشجرةَ العظيمةَ، ذاتَ الخوصِ، وذاتَ العيدانِ، وَيُنْبِتُ من تلك النخلةِ تَمْرًا أيضًا، فالذي يشقُّ الحبةَ إذا بُذِرَتْ في الأرضِ، ويُخْرِجُ منها سنبلةً، ويشقُّ النواةَ، وَيُخْرِجُ منها نخلةً، أو شجرةً أخرى - إذا كانت نواةً غيرَ نواةِ النخلِ - مَنْ يفعلُ هذه الأفعالَ التي تشاهدونَها فهو العظيمُ القادرُ على كُلِّ شَيْءٍ، وهو الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه (جل وعلا)، فَعَلَى هذا الوجهِ الذي عليه جمهورُ المفسرين يُذَكِّرُنَا اللَّهُ بعظمتِه، وكمالِ قدرتِه، حيث يُنْبِتُ السنبلةَ من الحبةِ، والنخلةَ من النواةِ، فَمَنْ يفعلُ هذا فهو عظيمٌ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، وكأنه يشيرُ إلى أن ذلك السنبلَ الذي يُفْلَقُ عنه الْحَبَّةُ هو معيشتُنا التي لا نَسْتَغْنِي عنها، فكما أنه من باهرِ آياتِه فهو من نِعَمِهِ العُظْمَى علينا، وقد أَوْجَبَ اللَّهُ على كُلِّ إنسانٍ مِنَّا أن ينظرَ في هذا؛ لأَنَّ اللَّهَ قال بصيغةِ أَمْرٍ تقتضي الوجوبَ، في سورةِ عبسَ قال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: آية 24] فأوجبَ على الإنسانِ بصيغةِ الأمرِ النظرَ إلى طعامِه، ومعناه: كأنه يقولُ: أيها الإنسانُ انْظُرْ إلى طعامِك، انْظُرْ إلى الخبزِ الذي تأكلُه، مَنْ هو الذي خَلَقَ الماءَ الذي أَنْبَتَهُ اللَّهُ بسببِه؟ أَيَقْدِرُ أحدٌ غيرُه على أن يخلقَ الماءَ؟! لاَ، هَبْ أن الماءَ خُلِقَ، مَنْ يَقْدِرُ على إنزالِه على هذا ¬
الأسلوبِ العجيبِ رشاشا يَسْقِي الأرضَ من غيرِ أن يَضُرَّ بأحدٍ، لا يقدرُ على هذا إلا اللَّهُ {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ} يعني المطرَ {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور: آية 43] مِنْ فُتُوقِ السحابِ ومخارجِه رشاشًا؛ لأنه لو نَزَلَ مُجْتَمِعًا لأَهْلَكَ ما سَقَطَ عليه. هَبْ أن الماءَ خُلِقَ، وأنه أُنْزِلَ إلى الأرضِ على هذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ حتى شَرِبَتِ الأرضُ وَرَوِيَتْ، مَنْ هو الذي يقدرُ على شَقِّ الحبةِ عن السنبلةِ أَوَّلاً، ثم على شَقِّ الأرضِ وإخراجِ مسمارِ النباتِ منها؟ هَبْ أن مسمارَ النباتِ خُلِقَ؟ مَنْ هو الذي يقدرُ أن يُخْرِجَ منه السنبلةَ؟ هَبْ أن السنبلةَ خَرَجَتْ، مَنْ هو الذي يقدرُ على تنميةِ حَبِّهَا؟ وَنَقْلِهِ من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، حتى يصيرَ صَالِحًا مُدْرِكًا، صَالِحًا للأَكْلِ؟ {انْظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: آية 99] هذا ذَكَرَهُ اللَّهُ بقولِه: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا}. وفي القراءةِ الأُخْرَى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} (¬1) [عبس: الآيتان 24، 25] يعني: فَسَقَيْنَا به الأرضَ، ثم شَقَقْنَا الأرضَ عن النباتِ شَقًّا بعدَ أن شَقَقْنَا الحبةَ عن السنبلةِ، كما قال هنا: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} هذه غرائبُ صنعِ اللَّهِ وعجائبُه يُبَيِّنُهَا لِخَلْقِهِ، ويذكرُهم بنعمتِه ليعلموا عظمةَ من خلقِهم (جل وعلا) فيعبدوه وَيُنِيبُوا إليه. هذا معنَى قولِه: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ} يعني: فالقُ الْحَبِّ عن السنبلِ، وفالقُ النَّوَى عن الشجرِ، كالنخلِ مثلاً. هذا مِنْ غَرَائِبِ صُنْعِهِ وعجائبِ قدرتِه، وَمِنْ نِعَمِهِ الْعُظْمَى عليكم، حيثُ أَنْبَتَ لكم الحبوبَ والثمارَ لِتَأْكُلُوا منها. ¬
وهذا معنَى قولِه: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} هذا التفسيرُ هو الذي عليه جمهورُ المفسرين، وهو المعروفُ عن علماءِ السلفِ والخلفِ، وفي الآيةِ قولانِ آخَرَانِ: أحدُهما: أن معنَى كونِه فالقَ الحبِّ والنَّوَى: أن حبةَ القمحِ مثلاً فيها شِبْهُ شَقٍّ فِي بَعْضِ جَوَانِبِهَا، والنواةُ فيها شَقٌّ في جَانِبِهَا، أنه هو الذي جَعَلَ ذلك الشقَّ في الْحَبِّ، وجعلَه في النَّوَى لِيُرِيَ الناسَ كمالَ قُدْرَتِهِ. الوجهُ الثاني: هو ما ذَكَرَهُ بعضُ أهلِ العلمِ: أن الفلقَ والفطرَ والخلقَ كُلُّهَا مترادفةٌ. فمعنَى: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} أي: خالقُ الْحَبِّ والنوى وغير ذلك. والأولُ هو أَشْهَرُهَا. وقولُه: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} فقولُه: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} كالتفسيرِ لقولِه: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} لأَنَّ الحبةَ اليابسةَ كأنها مَيِّتَةٌ، وَكُلُّ شيءٍ يَنْمُو ويتزايدُ تُسَمِّيهِ العربُ حَيًّا؛ وَلِذَا يُسَمُّونَ النباتَ حَيًّا؛ لأنه ينمو، وَيُسَمُّونَ اليابسَ منه - الذي لاَ يَنْمُو - يُسَمُّونَهُ مَيْتًا. ومن هنا كانوا يقولونَ للأرضِ الجدبةِ القاحلةِ: مَيْتَةً؛ لأَنَّ نَبَاتَهَا يابسٌ لاَ يَنْمُو، فإذا نَبَتَ فيها النباتُ الأخضرُ النَّامِي سَمَّوْهَا: حيةً. كما قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} [يس: الآيات 33 - 35]. وَلِذَا قال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} الْحَيُّ هنا: هو السنبلُ الأخضرُ النَّامِي، والنخلُ والشجرُ الأخضرُ النامي يُخْرِجُهُ اللَّهُ من
ذلك الميتِ اليابسِ الذي لاَ يَنْمُو، وهو الْحَبُّ اليابسُ، أو النَّوَى اليابسُ، وكذلك يُخْرِجُ اللَّهُ النطفةَ - وهي ميتةٌ - يُخْرِجُهَا من الْحَيِّ الذي هو الإنسانُ، والبيضةَ من الدجاجةِ. فقولُه: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} أي يُخْرِجُ الناميَ من النباتِ والحيواناتِ من الميتِ وهو بِذْرُ النباتِ اليابسِ الذي لاَ يَنْمُو بِذَاتِهِ، وكذلك ما يَخْرُجُ من الإنسانِ، كالنطفةِ فإنها لا تَنْمُو بنفسِها إلا أن اللَّهَ (جل وعلا) يُخْرِجُ منها الْحَيَّ، كما قال: {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} المعنَى: أن اللَّهَ (جل وعلا) يُخْرِجُ الْحَيَّ الناميَ كالنخلةِ، والسنبلةَ من الحبةِ، والنَّوَى، ويخرجُ الإنسانَ من النطفةِ، والدجاجةَ من البيضةِ مثلاً، كما أنه يُخْرِجُ الميتَ من الحيِّ، يُخْرِجُ أيضًا ذلك الزرعَ الميتَ من الحيِّ الذي هو النباتُ، ويخرجُ الثمرَ من الشجرِ الذي هو النَّامِي، كما يُخْرِجُ أيضًا النطفةَ والبيضةَ من الحيِّ الذي هو الإنسانُ والدجاجةُ. هذا معنَى قولِه: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} وهذا هو الذي عليه جمهورُ المفسرين، خِلاَفًا لِمَنْ قال: إنه يُخْرِجُ الكافرَ من المؤمنِ، والمؤمنَ مِنَ الكافرِ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك (¬1). القولُ الأولُ هو المشهورُ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عَرَبِيٌّ: وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: قال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} بصيغةِ المضارعِ، وَعَطَفَ عليه قولَه: {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} بصيغةِ اسمِ الفاعلِ، فما النكتةُ العربيةُ في عطفِ اسمِ الفاعلِ هنا على المضارعِ؟ وَلِمَ لاَ يُعطف عليه مضارعا آخر؟ كما فَعَلَ في سورةِ آلِ عمرانَ حيث قال: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ ¬
وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران: آية 27]. عن هذا السؤالِ للعلماءِ وَجْهَانِ (¬1): أحدُهما: أن قولَه: {وَمُخْرِجُ} معطوفٌ على اسمِ الفاعلِ، وعليه فالمعنَى: إِنَّ اللَّهَ فالقُ الْحَبِّ والنوى، ومخرجُ الميتِ من الحيِّ. فهو اسمُ فاعلٍ معطوفٌ على اسمِ فاعلٍ؛ لأَنَّ قولَه: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} كأنه تفسيرٌ لقولِه: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} فجاءَ باسمِ الفاعلِ في {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} وَفَسَّرَهُ بأن معناه: يُخْرِجُ الحيَّ من الميتِ. أي: يخرجُ النخلةَ التي هي ناميةٌ حَيَّةٌ من النواةِ التي هي ميتةٌ، والسنبلةَ التي هي ناميةٌ حَيَّةٌ من الحبةِ التي هي ميتةٌ. وإذا كان قولُه: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} كالتفسيرِ لقولِه: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} يكونُ قولُه: {وَمُخْرِجُ} عطفًا عَلَى {فَالِقُ} فهو اسمُ فاعلٍ معطوفٌ على اسمِ فاعلٍ. وعلى هذا فالتقديرُ: إن اللَّهَ فالقُ الحبِّ وَالنَّوَى. أَيْ: مُخْرِجُ الحيِّ من الميتِ، ومخرجُ الميتِ مِنَ الْحَيِّ. الوجهُ الثاني: هو أن عطفَ اسمَ الفاعلِ على الفعلِ، وعطفَ الفاعلِ على الاسمِ المشتقِّ، كلها أساليبُ معروفةٌ في القرآنِ وَفِي لغةِ العربِ. ومن أمثلةِ عَطْفِ الفعلِ على اسمِ الفاعلِ: قولُه جل وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: آية 19] لَمْ يَقُلْ: وقابضات، وقولُه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} [العاديات: الآيات 1 - 4] وَلَمْ يَقُلْ: ¬
فالمثيرات. وكذلك عَكْسُهُ، وهو: عطفُ الاسمِ على الفعلِ - اسمُ الفاعلِ على الفعلِ - أَمْرٌ معروفٌ موجودٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ (¬1): بَاتَ يُغَشِّيهَا بِعَضْبٍ بَاتِرٍ يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِهَا وَجَائِرُ فقوله: «جائر» معطوف على «يقصد» بمعنَى: قاصدٍ وجائرٍ. وهذا أسلوبٌ معروفٌ في كلامِ العربِ. {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} ثم إِنَّ اللَّهَ لَمَّا نَبَّهَنَا على عظمتِه وكمالِ قدرتِه، وأنكَ أيها الإنسانُ [تشاهدُ أَنَّكَ] (¬2) تبذرُ حبةً في الأرضِ، فيُخرجها لكَ سنبلةً خضراءَ فيها مئاتُ الْحَبِّ، وتبذرُ نواةً في الأرض فيُخرج لكَ منها نخلةً ذاتَ أغصانٍ، وذاتَ خُوصٍ وَجَرِيدٍ، وذاتَ ثَمَرٍ، وهذا من أبدعِ صُنْعِهِ (جل وعلا)، دَالٌّ على أنه الربُّ وحدَه. قال بعدَ هذه الآياتِ: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أَيْنَ تُصْرَفُونَ عن النظرِ في هذا؟ كيف تُشَاهِدُونَ غرائبَ صُنْعِهِ وعجائبِها الدالةِ على كمالِ قدرتِه، وَتُسَوُّونَ به غيرَه، وتعبدونَ معه ما لاَ ينفعُ ولا يَضُرُّ؟ أين تصرفون؟ وأين تذهبُ عقولُكم عن أفعالِ رَبِّكُمُ العظيمةِ الدالةِ على أنه المعبودُ وحدَه؟ و {تُؤْفَكُونَ} مضارعٌ مبنيٌّ للمفعولِ، من (أَفَكَه يَأْفِكُهُ) إذا قَلَبَهُ، العربُ تقولُ: «أَفَكَ الأَمْرُ يَأْفِكُه» إذا قَلَبَهُ، ومنه قِيلَ لِقُرَى قومِ لوطٍ: (المؤتفكات) لأَنَّ جبريلَ أَفَكَهَا، أي: قَلَبَهَا فجعلَ عاليَها سافلَها، ومن هنا قيل للكذبِ: إِفْكٌ؛ لأَنَّ الإفكَ أسوأُ الكذبِ، لأَنَّهُ صَرْفٌ للكلامِ عن وَجْهِهِ الحقيقيِّ إلى وَجْهِهِ الباطلِ. فمعنَى: ¬
{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أين تُصْرَفُونَ وتقلبونَ عن هذه البراهين والآياتِ العظيمةِ الدالةِ على عظمةِ رَبِّكُمْ وجلالِه، وأنه المعبودُ وحدَه جل وعلا. [10/ب] / {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: آية 96]. {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} قرأ هذا الحرفَ القراءُ السبعةُ ما عدا الكوفيين: {وجاعِلُ الليل سكنًا} وَقَرَأَهُ الكوفيون - حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ-: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} بصيغةِ الفعلِ الماضي (¬1). وإعرابُ {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} فيه للعلماءِ ثلاثةُ أوجهٍ لاَ يُكَذِّبُ بعضُها بَعْضًا (¬2): أحدُها: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٌ. أي: هو (جل وعلا) فالقُ الإصباحِ. الثاني: أنه نَعْتٌ لِلرَّبِّ في قولِه: {ذَلِكُمُ اللَّهُ} اللَّهُ فالقُ الإصباحِ. فهو نعتٌ لاسمِ الجلالةِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو خَبَرٌ آخَرُ لقولِه: {إِنَّ} {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} والخبرُ يتعددُ للمبتدإِ، وإذا دَخَلَتْ (إن) على مبتدإٍ متعددِ الخبرِ: تَعَدَّدَتْ الأخبارُ لها، والمعنَى كُلُّهُ على هذه الأعاريبِ الثلاثةِ معنًى وَاحِدٌ. ¬
ومعنَى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} الإصباحُ: أصلُه مصدرُ (أَصْبَحَ يُصْبِحُ إِصْبَاحًا)، إذا جاء ضوءُ النهارِ مِنْ بَعْدِ ظَلاَمِ اللَّيْلِ (¬1). وعامةُ القراءِ السبعةِ قرؤوا: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} بكسرِ الهمزةِ. مصدرُ (أَصْبَحَ، يُصْبِحُ، إِصْبَاحًا). وهو مصدرٌ سُمِّيَ به، [والعربُ] (¬2) تقولُ للصبحِ: إصباحًا، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (¬3): أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِ بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ فَبَيَّنَ أنه يقصدُ بالإصباحِ: الصبحَ، فأصلُه مصدرُ (أَصْبَحَ، يُصْبِحُ، إِصْبَاحًا). وهناك قراءةٌ شاذةٌ قرأ بها الحسنُ وغيرُه: (فالقُ الأصباحِ وجاعلُ الليلِ سكنًا) هذه شاذةٌٌ غيرُ سبعيةٍ, هي معروفةٌ عن الحسنِ وغيرِه (¬4). القراءةُ: (الأصباح) بفتحِ الهمزةِ جَمْعُ (صبح)، والعربُ تقولُ: «أصباحٌ، وأَمْساء». جَمْعُ (صبح، ومساء). و «إصباح وإمساء»، مصدرُ (أصبح، وأمسى) وهو كلامٌ معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ (¬5): ¬
أَرْبَى رَبَاحًا وَبَنِي رَبَاحِ ... تَنَاسُخُ الأَمْسَاءِ وَالأَصْبَاحِ وَيُرْوَى: . . . . . . . . . . . . . . . ... تَنَاسُخُ الإِمْسَاءِ وَالإِصْبَاحِ وعلى قراءةِ الجمهورِ: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} معناها: مُبْدِي ضَوْءِ الصبحِ بعدَ ظلامِ الليلِ. وفي هذا المعنَى سؤالٌ معروفٌ، لطالبِ العلمِ أن يقولَ: اللَّهُ ذَكَرَ هنا أن الإصباحَ هو الذي يفلقُه اللَّهُ. والذي يُفْلِقُ في الحقيقةِ: الظلامُ، هو الذي يُفْلِقُ وَيُشق عن نورِ الصباحِ، أما كونُ نورِ الصباحِ هو الذي يُفلق ويُشقُّ فهذا فيه إشكالٌ، فيه سؤالٌ معروفٌ للعلماءِ. وللعلماءِ عن هذا السؤالِ أَجْوِبَةٌ (¬1): منها قولُ بعضِهم: الكلامُ على حذفِ مُضَافٍ: فالقُ ظلمةِ الإصباحِ. وأنه حَذَفَ المضافَ إليه، ولا يَخْلُو مِنْ بُعْدٍ؛ لأَنَّ هذا المضافَ لَمْ تَحْتَفَّ بِهِ قَرِينَةٌ. وقال بعضُ العلماءِ: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} لأَنَّ الإصباحَ يبدأُ شعاعُ الصبحِ أَوَّلاً وتحتَه ظلامٌ، وَلَمْ يُسْفِرْ إِسْفَارًا تَامًّا يكشفُ الظلامَ كَشْفًا كُلِّيًّا، ثم ينصدعُ ذلك الإصباحُ انصداعًا كُلِّيًّا عن ضوءِ النهارِ كما ينبغي، وهذا معروفٌ ومنه قولُ أَبِي تَمَّامٍ (¬2): وَأَزْرَقُ الْفَجْرِ يَبْدُو قَبْلَ أَبْيَضِهِ وَأَوَّلُ الْغَيْثِ قَطَرٌ ثُمَّ يَنْسَكِبُ ¬
فعلى هذا القولِ: أن الإصباحَ يَبْدُو أَوَّلاً وهو مختلطٌ بِغَلَسِ الظَّلاَمِ، ثم إن اللَّهَ يشقُّ ذلك الإصباحَ الذي بَدَأَتْ أوائلُه مختلطةً بالظلامِ شَقًّا واضحًا عَنْ وَضَحِ النهارِ، وهذا هو المعروفُ، أن الظلامَ سواء كان ظلامًا دَامِسًا، أو ظَلاَمًا مختلطًا ببعضِ ضوءِ الصبحِ، هو الذي يُشقُّ عن الصباحِ كما هو معروفٌ، ومنه قولُ أَبِي نواس (¬1): تَرَدَّتْ بِهِ ثُمَّ انْفَرَى عَنْ أَدِيمِهَا تَفرِّيَ لَيْلٍ عَنْ ضِيَاءِ نَهَارِ هذا هو المعروفُ، وهم إما يُقَدِّرونَ مضافًا فيقولونَ: فَالِقُ ظلمةِ الإصباحِ. أي: شَاقُّهَا بضوءِ الصبحِ، أو {فَالِقُ الإِصْبَاحِ}. أي: أوائلُ الإصباحِ المختلطةِ بغَلَسِ الظلامِ، فَالِقُهَا وَشَاقُّهَا عن النورِ، نورِ النهارِ الحقيقيِّ. وقولُه: {وجاعِلُ الليلِ سكنًا} على قراءةِ: {وجَاعِلُ الليلِ سكنًا} فلاَ إشكالَ، اسمُ فاعلٍ معطوفٌ على اسمِ فاعلٍ. وعلى قراءةِ: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} (¬2) هو مِمَّا كُنَّا نقولُ: إن الاسمَ إذا كان مُشْتَقًّا - كاسمِ الفاعلِ هنا - يُعْطَفُ عليه الفعلُ، وَيُعْطَفُ هو على الفعلِ، كما قال في الخلاصةِ (¬3): وِاعْطِفْ عَلَى اسْمٍ شِبْهِ فِعْلٍ فِعْلاَ ... وَعَكْسًا اسْتَعْمِلْ تَجِدْهُ سَهْلاَ ¬
ومثالُه في القرآنِ: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: آية 19] وقولُه جل وعلا: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1)} - إلى قولِه - {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} [العاديات: الآيات 1 - 4] كما قال هنا: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}. قولُه: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} فيه للعلماءِ وجهانِ (¬1): أحدُهما: أنه جَعَلَهُ سَكَنًا أي: شيئًا يسكنُ الناسُ فيه؛ لأَنَّ الناسَ في النهارِ يَكْدَحُونَ في أعمالِهم، ثم يَرُوحُونَ في تَعَبٍ، فيجدونَ ظلامَ الليلِ مناسبًا للهدوءِ والراحةِ. وعلى هذا فهو من السكونِ الذي هو ضِدُّ الحركةِ. يَسْكُنُونَ فيه وينامونَ لينقطعَ عنهم تعبُ الكدَّ بالنهارِ، كما في قولِه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} [الفرقان: آية 47] من (السَّبْتِ) بمعنَى القطعِ. يعني: يقطعُ عنهم تعبَ الكدِّ في النهارِ، وَمِمَّا يدلُّ على هذا: أن اللَّهَ في سورةِ القصصِ لَمَّا بَيَّنَ أن الليلَ والنهارَ آيتانِ من آياتِ اللَّهِ العظامِ، بَيَّنَ أيضًا أنهما نعمتانِ من نِعَمِ اللَّهِ العظامِ، وَجَعَلَ السُّكْنَى في الليلِ من ذلك الإنعامِ حيث قال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} يعني في الليلِ {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص: الآيات 71 - 73] مِنْ طَلَبِ حوائجِكم وأرزاقِكم بالنهارِ، وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن ¬
السكنَ هنا: أَيْ مَحَلاًّ تسكنونَ فيه مُلاَئِمًا لِلسُّكْنَى؛ لأَنَّ الليلَ ظرفٌ مناسبٌ للسُّكْنَى. وعلى هذا: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} جَعَلَهُ سَاجِيًا مظلمًا مُنَاسِبًا لِلسُّكْنَى، كما قال: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: آية 2] أي: إذا صَارَ سَاجِيًا مُظْلِمًا، صَالِحًا لِلسُّكْنَى، ملائمًا للهدوءِ وعدمِ الحركةِ. وقال بعضُ العلماءِ (¬1): السكنُ في لغةِ العربِ: هو كُلُّ ما ترتاحُ إليه وتحبُّه فتسكنُ إليه؛ وَلِذَا قيل لامرأةِ الرجلِ: (سَكَنُهُ) لأنه يَأْوِي إليها، وَكُلُّ شيءٍ أَوَيْتَ إليه وَارْتَحْتَ إليه فهو سَكَنٌ لَكَ. والمعنَى: شيءٌ يستريحونَ إليه، وَيَأْوُونَ إليه، لمناسبتِه للراحةِ والهدوءِ. وهذا معنَى قولِه: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} {وجاعِلُ الليل سكنًا}. {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} الحُسْبَانُ هنا: هو من (الحِسَابِ) على أشهرِ التفسيراتِ. قال بعضُ العلماءِ (¬2): هو جَمْعُ حِسَابٍ، كشهابٍ وَشُهْبَانٍ، وحِسَاب وحُسْبَان. وقال بعضُ العلماءِ (¬3): هو مصدرُ (حَسَب) بفتحِ السينِ، ¬
(يَحْسِب) [بكسرها] (¬1)، (حِسَابًا وحِسَابَةً وحُسبانًا)، إذا عَدَّ الشيء، والمعنَى: جَعَلَ الشمسَ والقمرَ حُسْبَانًا يعنِي: خَلَقَهُمَا بحُسْبَانٍ، يحسب حركتِهما وَسَيْرِهِمَا بأسلوبٍ مُتْقَنٍ لاَ يتغيرُ في السَّنَةِ؛ لتعلموا بذلك الحسابِ عددَ السنين والأَشْهُرِ والأيامِ. وهذه من نتائجِ الشمسِ والقمرِ التي ذَكَرَهَا اللَّهُ (جل وعلا)؛ لأنهم يعرفونَ بها الشهورَ والأيامَ والأعوامَ، فيعرفونَ من ذلك شهرَ الصومِ، وشهرَ الحجِّ، ويعرفونَ عِدَدَ النساءِ، وآجالَ الديونِ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك، هذه من فوائدِ الشمسِ والقمرِ التي أَكْثَرَ اللَّهُ (جل وعلا) مِنْ ذِكْرِهَا. ومعلومٌ أن أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كما قَدَّمْنَاهُ في هذه الدروسِ في سورةِ البقرةِ - أنهم تَاقَتْ نفوسُهم إلى هيئةِ القمرِ، فقالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما بَالُ الهلالِ يبدُو دَقِيقًا ثُمَّ لم يَزَلْ يكبرُ حتى يستديرَ بَدْرًا (¬2)؟ وهذا سؤالٌ عن هيئةِ القمرِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُرْسِلَ ليبينَ للناسِ ¬
كُلَّ ما لهم فِيهِ فَائِدَةٌ، وما يحتاجونَ إلى بيانِه من آياتِ اللَّهِ وغرائبِه وعجائبِ صُنْعِهِ، فأنزلَ اللَّهُ جوابًا لسؤالهم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: آية 189] فَبَيَّنَ أنها مواقيتُ، وهذه المواقيتُ إنما كانت مَوَاقِيتَ لأَنَّهَا بحسابٍ معينٍ مقدرٍ نَظَّمَهُ العزيزُ العليمُ (جل وعلا). ومشارقُ الشمسِ ومغاربُها معروفةٌ في كُلِّ يومٍ من السَّنَةِ، وكذلك منازلُ القمرِ مَعْرُوفَةٌ، وفي هذه المشارقِ والمغاربِ - التي تُشْرِقُ منها الشمسُ وتغربُ، ومنازلُ القمرِ - يعرفُ الناسُ بها عددَ السنينَ والشهورِ والحسابِ، ويعرفونَ شهرَ صومِهم، وشهرَ حَجِّهِمْ، وعِدَدَ نِسَائِهِمْ، وآجالَ دُيُونِهِمْ، وما جرى مَجْرَى ذلك. أما غيرُ ذلك، فقد بَيَّنَ القرآنُ أنه مِمَّا ليس لهم فيه جَدْوَى ولا فائدةٌ. ومعلومٌ أن القرآنَ العظيمَ يُبَيِّنُ للناسِ كُلَّ ما يحتاجونَ إليه، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ كُلَّ ما يُحْتَاجُ إليه. ونحنُ نقولُ هذا، ونقولُ: إن اللَّهَ (جل وعلا) لم يَجْعَلْ لِخَلْقِهِ في القمرِ أشياءَ غيرَ ما هو مُشَاهَدٌ من عددِ السنينَ والحسابِ، وَمِمَّا جَعَلَ اللَّهُ في الشمسِ والقمرِ بمجارِي عادتِه وقدرتِه من المنافعِ للنباتاتِ والثمارِ والمعادنِ وغيرِ ذلك. نحن نتكلمُ على هذا القرآنِ ولاَ نَرْضَى لأحدٍ أن يُؤَوِّلَهُ بغيرِ
تأويلِه، وَلاَ أَنْ يَعْطِفَهُ على آراءِ الكفرةِ الفجرةِ، في الوقتِ الذي نعلمُ فيه أن دينَ الإسلامِ يأمرُ بالتقدمِ في جميعِ ميادينِ الحياةِ. دِينُ الإسلامِ يَأْمُرُ المجتمعَ بالتقدمِ في جميعِ ميادينِ الحياةِ. والإخلادُ إلى الأرضِ والتواكلُ والكسلُ: مُخَالَفَةٌ للأمرِ السماويِّ الذي يَأْمُرُ به خالقُ السماواتِ والأرضِ، لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: آية 60] فهذا أَمْرٌ. فالمتواكلُ الْمُخْلِدُ إلى العجزِ والاستسلامِ، وَلَمْ يُعِدَّ مَا يُسْتَطَاعُ من قوةٍ، فهو مخالفٌ لأَمْرِ اللَّهِ في قولِه: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} وبهذا يُعْلَمُ أن التقدمَ والكفاحَ والإعدادَ للقوةِ: كُلُّ هذا أوامرُ القرآنِ العظيمِ، ونظامُ السماءِ، وأن العاجزَ المتكاسلَ المخلدَ إلى الأرضِ مُخَالِفٌ لأوامرِ اللَّهِ، واللَّهُ يقولُ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: آية 63] وعلى كُلِّ حَالٍ فَلاَ شَكَّ أَنَّ دِينَ الإسلامِ، وهذا القرآنَ العظيمَ، يُنَظِّمُ للإنسانِ جميعَ ميادينِ الحياةِ في دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، هذا هو الحقُّ. ودينُ الإسلامِ دينُ تَقَدُّمٍ، ودينُ كفاحٍ فِي الميدانِ، ودينُ قوةٍ، وإذا قَرَأْتُمْ آياتٍ من كتابِ اللَّهِ عرفتُم ذلك واضحًا، إذا قَرَأْتُمْ مثلاً آيَتَيْنِ من سورةِ النساءِ يقولُ اللَّهُ فيهما: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: آية 102] هذا وقتُ التحامِ الكفاحِ المسلحِ، والمفروضُ أن الرجالَ تَنْزِلُ رؤوسُهم عن أعناقِهم، والقرآنُ في هذا الوقتِ الضنكِ الْحَرِجِ، تَرَوْنَهُ يُنَظِّمُ الخطةَ العسكريةَ على أحسنِ الوجوهِ وأبدعِها، وأحصنِها
من العدوِّ في الوقت الذي يَأْمُرُ فيه بالاتصالِ (¬1) بخالقِ هذا الكونِ، والتأدبِ بالآدابِ الروحيةِ السماويةِ، التي هي الصلاةُ في الجماعةِ، هكذا أوامرُ القرآنِ، الاتصالُ بالله، وتربيةُ الأرواحِ وتهذيبُها على ضوءِ النورِ السماويِّ، مع القوةِ الجسميةِ الماديةِ في جميعِ مظاهرِها مَهْمَا تَطَوَّرَتْ، وتسمعونَ اللَّهَ يقولُ في سورةِ الأنفالِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: آية 45] قولُه: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} يعنِي: إذا الْتَقَى الصفانِ وقتَ التحامِ الكفاحِ المسلحِ، وقولُه: {فَاثْبُتُوا} هذا تعليمٌ عسكريٌّ سماويٌّ عظيمٌ، معناه: الصمودُ في الخطوطِ الأماميةِ من خطوطِ النارِ، عند التقاءِ الصَّفَّيْنِ، وفي هذا الوقتِ يقولُ اللَّهُ جل وعلا: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} وهذا مِمَّا يَدُلُّ أن دينَ الإسلامِ دينُ كفاحٍ، ودينُ قوةٍ، ودينُ عظمةٍ وَتَقَدُّمٍ في الميدانِ، ودينُ تربيةِ الأرواحِ على ضوءِ تعاليمِ خالقِ هذا الكونِ، والاتصالِ بخالقِ هذا الكونِ (جل وعلا)؛ لأَنَّ الإنسانَ المسكينَ إذا فَقَدَ حَظَّهُ من رَبِّهِ خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَا لَهُ فِي الحياةِ فَائِدَةٌ. فعلينا جميعًا معاشرَ المسلمين أن نعلمَ أن الدينَ - ديننَا - أنه تراثٌ سَمَاوِيٌّ عظيمٌ، وأنه يأمرُ بالتقدمِ والقوةِ في كُلِّ الميادين، وأن الإخلادَ إلى العجزِ والضعفِ خلافُ أوامرِ القرآنِ، وأنه مع هذا يُهَذِّبُ أرواحَنا على ضوءِ تعليمِ السماءِ، ويقربُنا من رَبِّنَا (جل وعلا). وقد بَيَّنَ لنا القرآنُ في مواضعَ منه: أن مَنْ كان متمسكًا بهذا الدينِ كما ينبغي، وكانت صِلَتُهُ بالله قويةً كما ينبغي، ذَا روحٍ مُرَبًّى على ضوءِ ¬
نورِ القرآنِ، أنه ولو بَلَغُوا من القلةِ لاَ يمكنُ أن تقهرَهم قوةٌ، وَلاَ أَنْ يَغْلِبَهُمْ غالبٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ الذي اعْتَمَدُوا إليه، وَصَارُوا من حِزْبِهِ: قَوِيٌّ قاهرٌ، لا يغلبُه شيءٌ. ونضربُ لكم بعضَ الأمثالِ بهذا: أنتم تعلمونَ في التاريخِ، وتاريخِ القرآنِ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه عام غزوةِ الأحزابِ - غزوةِ الخندقِ - لَمَّا حَاصَرَهُ المشركونَ ذلك الحصارَ العسكريَّ التاريخيَّ العظيمَ، الذي نَوَّهَ اللَّهُ به مُعَظِّمًا أَمْرَهُ: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (11)} [الأحزاب: الآيتان 10، 11] هذا لقوةِ ذلك الحصارِ العسكريِّ، وهم في ذلك الوقتِ، جميعُ مَنْ فِي الأرضِ يُقَاطِعُونَهُمْ في السياسةِ، والاقتصادِ، ليس بينَهم رَوَابِطُ سياسيةٌ، ولاَ اقتصاديةٌ مع أحدٍ، وهم في فَقْرٍ وَقِلَّةٍ وجوعٍ، وسيدُ الخلقِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) فِي ذلك الوقتِ يَطْوِي حِزَامَهُ على الحجارةِ من الجوعِ، هُمْ في هذا الوقتِ من الجوعِ وشدةِ الأعداءِ، وقوةِ الحصارِ العسكريِّ، وَكُلُّ مَنْ في الأرضِ أعداءٌ لهم يُقَاطِعُونَهُمْ سِيَاسَةً، واقتصادًا، ما العلاجُ؟ وما قاوموا به هذا الأمرَ العظيمَ، وهذا الحصارَ العسكريَّ؟ الجوابُ: أنه قوةُ الإيمانِ بِاللَّهِ، وصدقُ الالتجاءِ لخالقِ هذا الكونِ، كَمَا نَصَّ اللَّهُ على ذلك في قولِه: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: آية 22] هذا الإيمانُ والتسليمُ لِلَّهِ، وقوةُ الإيمانِ به، والاستسلامُ له (جل وعلا)، كَانَ من نتائجِه ما قَصَّ اللَّهُ علينا في سورةِ الأحزابِ: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى
اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} أي: مِنْ حُصُونِهِمْ {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)} [الأحزاب: الآيات 25 - 27] يعني: إِنْ كُنْتُمْ ضِعَافًا عاجزين فَمَنْ تَوَكَّلْتُمْ عليه وآمَنْتُمْ به وَكُنْتُمْ عبادَه حَقًّا ليس بعاجزٍ، بل هو قَادِرٌ على كُلِّ شيءٍ؛ وَلِذَا ختمَ القصةَ بقولِه: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}. ونظيرُ ذلك ما قَصَّهُ اللَّهُ في سورةِ (الفتحِ) عامَ الحديبيةِ، لَمَّا نَزَلَتْ سورةُ (إنا فتحنا) عامَ ستٍّ من الهجرةِ، رجوعَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من عمرةِ الحديبيةِ، لَمَّا عقدَ الصلحَ مع قريشٍ، وأنزلَ اللَّهُ عليه سورةَ (الفتحِ). كان لَمَّا بَلَغَهُمْ أن قريشًا قتلوا عثمانَ بنَ عفانَ (رضي الله عنه)، وَبَايَعُوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تحتَ سمُرةٍ من شجرِ الحديبيةِ، بَايَعُوهُ بيعةَ الرضوانِ، عندَ هذه البيعةِ عَلِمَ اللَّهُ من قلوبِهم الإخلاصَ، والإيمانَ الكاملَ، والصدقَ كما ينبغي، وَنَوَّهَ بإيمانِهم الذي عَلِمَهُ في قلوبِهم قال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: آية 18] فَنَوَّهَ عن إيمانِهم بالاسمِ الْمُبْهَمِ الموصولِ. أي: ما فِي قلوبِهم من الإيمانِ بِاللَّهِ (جل وعلا) كما يَنْبَغِي، عَدَّدَ نتائجَ هذا الإيمانِ الخالصِ الكاملِ، عَدَّدَ نتائجَه عليهم، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ نَتَائِجِهِ أَنْ قَالَ: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} فَصَرَّحَ بأن إمكانياتِهم العدديةَ والعُدديةَ لَمْ تُقْدِرْهُمْ عليها. ثُمَّ قَالَ: {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} فَأَقْدَرَكُمْ عليها. وقال: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الفتح: آية 21] كما قال في (الأحزاب). يعنِي: إِنْ كُنْتُمْ في ضَعْفٍ فَهُوَ قَوِيٌّ قَادِرٌ.
وعلى هذا تعلمونَ أن دينَ الإسلامِ أَوَّلاً يأمرُ بالقوةِ والتقدمِ في كُلِّ الميادينِ، وَقَهْرِ الكفارِ، والعظمةِ والقوةِ في كُلِّ الميادين، مع أن أهلَه منصورونَ من خالقِ السمواتِ والأرضِ (جل وعلا)، فالإسلامُ هُوَ هُوَ، وصلتُه بِاللَّهِ هِيَ هِيَ، وقوتُه [هِيَ هِيَ, إلا أن أعداءَ الإسلامِ عَمِلُوا على التفريقِ بين هذه العقيدةِ] (¬1) وأهلِها، فَنَجَحُوا في ذلك بعدَ عشراتِ القرونِ، نَجَحُوا فيه عن طريقِ تعليمِ النشءِ، يأخذونَ أولادَ المسلمين ويغرسونَ في قلوبِهم ما شَاؤُوا من الكفرياتِ والإلحادياتِ وتصويرِ الإسلامِ ورجالِ الإسلامِ العظامِ بصورٍ مُشوَّهةٍ مُنَفِّرَةٍ، بعيدةٍ من الحقيقةِ بُعْدَ الشمسِ من اللمسِ. واليومَ نَجَحُوا نجاحًا باهرًا، فصارَ جميعُ شبابِ المسلمين - إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ - ينظرونَ إلى الإسلامِ بعينٍ عوراءَ لا تعرفُ الحقيقةَ، يتصورونَه بصورةٍ مشوهةٍ خسيسةٍ، بعيدةٍ عَنِ الحقائقِ كُلَّ البعدِ - والعياذُ بالله - وبهذا فَصَلُوا المسلمين عن شَرْعِهِمْ وَتُرَاثِهِمْ، حتى صَارُوا يُحَكِّمُونَ قوانينَ إبليسَ، وَفَصَلُوهُمْ عَنْ مَجْدِهِمْ، وعن قُوَّتِهِمْ باللَّهِ جل وعلا. ونحنُ دائمًا نَذْكُرُ أمثالَ هذا لنُوَجِّهَ المسلمين إلى قوةِ الإسلامِ، وقوةِ صلتِه بِاللَّهِ، وأن أعداءَ اللَّهِ إنما تَوَصَّلُوا لإهانتِهم وَتَشْتِيتِهِمْ بعدَ أن حَالُوا بينَهم وبينَ الدِّينِ بِكُلِّ الوسائلِ. فعلى المسلمينَ أن يَعْلَمُوا أن خالقَ السماواتِ والأرضِ هو الذي له التشريعُ، وأن تشريعَه هو التشريعُ الذي يقومُ بالمصالحِ ¬
البشريةِ في الدنيا، يُرَبِّي الأَرْوَاحَ، وَيُعْطِي الأجسامَ حقوقَها، وينيرُ الطريقَ للإنسانِ في جميعِ ميادينِ الحياةِ الدنيا، والحياةِ الأُخْرَوِيَّةِ. والمسلمونَ إذا أَلْهَمَهُمُ اللَّهُ الرجوعَ إلى دينِهم ذَلَّ لهم كُلُّ شيءٍ، وَخَضَعَتْ لهم رقابُ كُلِّ جبارٍ في الدنيا؛ لأَنَّ دينَ الإسلامِ دينٌ لاَ يُغْلَبُ المتمسكُ بِهِ حقيقةً وَلاَ يُقْهَرُ؛ وَلِذَا كان مِنْ عَلاَمَاتِ دينِ الإسلامِ: أن الطائفةَ الضعيفةَ القليلةَ المتمسكةَ به تغلبُ الطائفةَ القويةَ الكثيرةَ التي لَمْ تَتَمَسَّكْ به؛ ولأجلِ هذا سَمَّى اللَّهُ (يومَ بدرٍ) سَمَّاهُ (فُرْقَانًا)، وَسَمَّاهُ (بَيِّنَةً)، وَسَمَّاهُ (آيةً)؛ لأنه برهانٌ فارقٌ بينَ الحقِّ والباطلِ. قال تعالى في سورةِ الأنفالِ: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: آية 41] يعني بقولِه: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ}: يومَ بدرٍ؛ لأنه يومٌ فَرَّقَ اللَّهُ فيه بينَ الحقِّ والباطلِ؛ لأَنَّ الفئةَ الضعيفةَ القليلةَ لا يمكنُ أَنْ تَقْهَرَ الفئةَ القويةَ الكثيرةَ إلا بتوفيقٍ ونصرٍ مِنَ اللَّهِ. وقال (جل وعلا) في يومِ بدرٍ: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: آية 42] وقال في يومِ بدرٍ أيضًا في سورةِ آلِ عمرانَ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} [آل عمران: آية 13] وهذه الآيةُ - التي هي لَهُمْ - والعبرةُ: أن الفئةَ القليلةَ الضعيفةَ غَلَبَتِ الفئةَ القويةَ الكثيرةَ، وهذا لا يكونُ إلا بنصرِ اللَّهِ كما قال الله جل وعلا. {ذَلِكَ} (¬1) المذكورُ مِنْ فَلْقِ الْحَبِّ عن السنبلِ، والنَّوَى عَنِ النخلِ مثلاً، وفَلْقِ الإصباحِ عن ضوءِ النهارِ، وجَعْلِ الليلِ ساجيًا مُظْلِمًا ملائمًا للسكونِ، وَتَسْيِيرِ الشمسِ والقمرِ بحسابٍ مُتْقَنٍ، وليعرفَ الناسُ بها عددَ السنينَ والحسابَ، وغيرَ ذلك من الحِكَمِ، ¬
كُلُّ هذه الغرائبِ والعجائبِ {تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} تقديرُه الذي قَدَّرَ هذا؛ لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عندَه (جل وعلا) بِمِقْدَارٍ. و {الْعَزِيزِ}: معناه الغالبُ الذي لا يَغْلِبُهُ شيءٌ؛ لأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ على هذه الأفعالِ العظيمةِ إِلاَّ الغَالِبُ القاهرُ الذي لاَ يَغْلِبُهُ شيءٌ. والعزَّةُ في لغةِ العربِ: الغَلَبَةُ. ومنه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} أي: الغَلَبَةُ، وفي الذِّكْرِ الحكيمِ: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} أي: ظَلَمَنِي في المخاصمةِ. وَمِنْ أَمْثَالِ العربِ: (مَنْ عَزَّ بَزَّ) (¬1) يَعْنُونَ مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ. ومنه قولُ الخنساءِ الشاعرةِ (¬2): كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى إِذِ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزَّا وَرُبَّمَا أَطْلَقَتِ العربُ نادرًا العزةَ على (قلةِ الوجودِ وصعوبتِه)، فيقولونَ: «الشيءُ الفلانيُّ عزيزٌ». أي: قليلُ الوجودِ وصعبُ المنالِ، إلا أن (العزيزَ) في أسمائِه (جل وعلا) معناه: الغالبُ الذي لاَ يَغْلِبُهُ شيءٌ. وقولُه: {الْعَلِيمِ} المحيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شيءٍ (جل وعلا)؛ لأَنَّ اللَّهَ (جل وعلا) عِلْمُه محيطٌ بِكُلِّ شيءٍ، وَمَنْ أَرَادَ أن يعلمَ عظمةَ عِلْمِ اللَّهِ (جل وعلا) فَلْيَنْظُرْ إلى الحُجَّاجِ يومَ جمرةِ العقبةِ، يَجِدُ هذا الْعَالَمَ على اختلافِ ألوانِه وأشكالِه وَنَوَاحِيهِ وألسنتِه يجده كُلَّهُ مَصْبُوبًا صبةً واحدةً، الأنفُ مجعولٌ هنا، والعينانِ هنا، والفمُ هنا، ومع هذا لم يَضِقِ العلمُ حتى يكونَ اثنانِ مَصْبُوبَيْنِ في قَالَبٍ وَاحِدٍ، كُلُّ واحدٍ منهما مُغايَرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الآخَرِ، لا يلتبسُ منهم اثنانِ، حتى إن آثارَهم ¬
في الأرضِ، وبصماتِهم في الأوراقِ، وأصواتَهم، كُلُّ هذا لا يَشْتَبِهُ منه شَيْءٌ، وكل هذا أحاطَ به العلمُ قبلَ أن يوجدَ!! فعِلْمُ اللَّهِ محيطٌ بهذا قبلَ أن يوجدَ، وكلٌّ يُوضَعُ ويُطْبَعُ وَيُخْلَقُ على ما سبقَ به العلمُ الأَزَلِيُّ، فاللَّهُ (جل وعلا) عِلْمُهُ محيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا: أن اللَّهَ (جل وعلا) يحيطُ علمُه بالشيءِ وغيرِ الشيءِ؛ لأَنَّ (الشيءَ) لا يُطْلَقُ في الاصطلاحِ إلا عَلَى (الموجودِ)، في مذهبِ أهلِ السنةِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: آية 9] فقولُه: {وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} دليلٌ على أن العدمَ ليسَ بشيءٍ (¬1). وقد دَلَّتْ على هذا آياتٌ أُخَرُ، وَاللَّهُ (جل وعلا) يعلمُ المعدومَ الذي هو ليسَ بشيءٍ، وقد بَيَّنَّا في هذه السورةِ الكريمةِ فيما مَضَى أمثلةً كثيرةً من ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ قال في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأنعامِ -: {فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} فالكفارُ إِذَا رَأَوُا العذابَ يومَ القيامةِ وَعَايَنُوا الحقيقةَ نَدِمُوا على تكذيبِ الرسلِ، وَتَمَنَّوُا الردَّ مرةً أُخْرَى إلى الدنيا فقالوا {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} يَعْنُونَ إلى الدنيا: {وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: آية 27] يعني: لَيْتَنَا رُدِدْنَا ونحنُ نصدقُ الرسلَ ولاَ نُكَذِّبَهُمْ كالمرةِ الأُولَى. هذا الردُّ الذي تَمَنَّوْهُ: اللَّهُ (جل وعلا) عَالِمٌ بأنه لاَ يكونُ، ومع عِلْمِهِ بأنه لاَ يكونُ فقد صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أن لو كانَ كيفَ يكونُ، حيث قَالَ: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا: أن المتخلفين عن غزوةِ تبوكَ من المنافقين لَنْ يَحْضُرُوهَا أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها بإرادتِه لحكمةٍ، كما قال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا ¬
لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} [التوبة: آية 46] وَخُرُوجُهُمْ هذا الذي كَرِهَهُ وثبطهم عنه هو عَالِمٌ بأنه لا يكونُ، ومع ذلك صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أَنْ لو كان كيفَ يكونُ، حيثُ قال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: آية 47] إلى آخِرِ الآيَاتِ. والآياتُ القرآنيةُ كثيرةٌ دَالَّةٌ على هذا. فَاللَّهُ يعلمُ الجائزاتِ والواجباتِ والمستحيلاتِ المعدوماتِ والموجوداتِ ويعلمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في علمِه أنه لاَ يكونُ، يعلمُ أن لو كان كيف يكونُ، يعلمُ ما تُخْفِي الضمائرُ، ويعلمُ خطراتِ القلوبِ، وكيفَ يجهلُ خطراتِ القلوبِ خالقُ خطراتِ القلوبِ؟ {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: آية 14] وقال جل وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: آية 16]. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: آية 97] {وَهُوَ} أي: اللَّهُ جل وعلا. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} أي: خَلَقَ لكم النجومَ. {لِتَهْتَدُوا بِهَا} كُلُّ هذا من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه؛ لأَنَّ النجومَ يَهْتَدِي بها الناسُ في ظلماتِ الليلِ، سواءً كانوا في بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، وقد يكونُ الناسُ مُلَجَّجِينَ في البحرِ لا يعرفونَ جهةَ قصدِهم إلا بالنجومِ، وكذلك تَأْتِيهُمُ الظلماتُ في فَيَافِي الأرضِ الواسعةِ فيستدلونَ بالنجومِ، وربما كانوا في مسافةٍ بعيدةٍ إذا جَاءَهُمْ غَيْمٌ هَلَكُوا، فإذا رَأَوُا النجومَ فَرِحُوا كُلَّ الفرحِ؛ لأنهم يَعْرِفُونَ بها الجهاتِ، وَيَسْتَدِلُّونَ
بها على قصدِ الطريقِ، كما قال الشاعرُ (¬1): يُهِلُّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا ... كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرْ يذكرُ فيفاءَ من الأرضِ إذا رأى رُكْبَانُهَا الفرقدَ بعدَ أن غابَ عنهم: أَهَلُّوا يصيحونَ بالفرقدِ فَرَحًا منهم أنهم رَأَوْهُ؛ لأنهم يهتدونَ به، كما قال تعالى: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: آية 16]. وقد بَيَّنَ القرآنُ العظيمُ ثلاثًا مِنْ حِكَمِ خلقِ النجومِ، ثلاثةَ أشياءَ (¬2): منها: أنها يَهْتَدِي بها الضَّالُّونَ فِي ظلماتِ البرِّ والبحرِ، يعني: ظلماتِ الليلِ الكائنةَ بَرًّا أو بَحْرًا كما قاله غيرُ واحدٍ. الثاني: أن اللَّهَ زَيَّنَ بها السماءَ كما قال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك: آية 5]. الثالثُ: أنها تُرْجَمُ بها الشياطينُ كما قال: {رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك: آية 5]. هذه الحِكَمُ الثلاثُ: مِنْ رَجْمِ الشياطين بالنجومِ، وتزيينِ السماءِ الدنيا بها، واهتداءِ الناسِ بها في ظلماتِ البرِّ والبحرِ، هي حِكَمٌ ثلاثٌ ذَكَرَهَا اللَّهُ من حِكَمِ خَلْقِهِ للنجومِ. والنجومُ: هي الكواكبُ التي تُرَى في السماءِ. قِيلَ: سُمِّيَ ¬
النجمُ نَجْمًا لأَنَّهُ يَطْلُعُ، والعربُ تُسَمِّي الطلوعَ نَجْمًا، تقول: «نَجَمَ النَّبَاتُ». إذا طَلَعَ (¬1). وهذا معنَى قولِه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} إنما أَضَافَ الظلماتِ إلى البرِّ والبحرِ لأَنَّ المسافرين قَدْ يكونونَ فِي ظلماتِ الليلِ تارةً فِي بَرٍّ، وتارةً في بَحْرٍ، فأضافَ الظلماتِ إلى مكانِها من بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ للملابسةِ بينهما (¬2). ثم قال تعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} أي: الدلالاتِ الواضحةَ على قُدْرَتِنَا وَكَمَالِنَا، وأنه ليسَ لأحدٍ أن يَعْبُدَ غَيْرَنَا. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وهذه الآياتُ التي فَصَّلَ كما ذَكَرَ من أنه يفلقُ الْحَبَّ عن السنبلِ، وَالنَّوَى عن النخلِ، وأنه (جل وعلا) يأتي بالليلِ بدلَ النهارِ، والنهارَ بدلَ الليلِ، وأنه (جل وعلا) يُسَخِّرُ الشمسَ والقمرَ، وأنه (جل وعلا) خَلَقَ النجومَ، وَبَيَّنَ من حِكَمِهَا: اهتداءَ الخلقِ بها، هذه الآياتُ الباهرةُ القاهرةُ قَدْ فَصَّلْنَاهَا لقومٍ يعلمونَ. وإنما خَصَّ القومَ الذين يعلمونَ لأنهم هُمُ المنتفعونَ بها (¬3)، وَمِنْ أساليبِ القرآنِ العظيمِ: أَنْ يُخَصِّصَ بالكلامِ المُنْتَفِعِ به (¬4)، كقولِه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: آية 45] وهو مُذكِّرٌ ¬
للأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ، وكقولِه: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} [يس: آية 11] وهو مُنْذِرٌ للأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: آية 45] ونحو ذلك. وقد بَينَّا فِيمَا مَضَى (¬1) أن (الآياتِ) جمعُ (آيةٍ)، وأنها عندَ الْمُحَقِّقِينَ من علماءِ العربيةِ، أصلُها: (أَيَيَة) على وزنِ (فَعَلَة). وَقَعَ الإعلالُ بموجبِه الأولِ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ الأُولَى أَلِفًا، فقالوا: (آية). إطلاقين، أَمَّا الإِطْلاَقَانِ في لغةِ العربِ فأشهرُهما: أن العربَ تُطْلِقُ (الآيةَ) على (العلامةِ)، تقولُ: «آيةُ كَذَا»، أي: علامتُه. ومنه قولُه تعالى: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} [البقرة: آية 248] أي: علامةُ أَنَّ اللَّهَ مَلَّكَ طالوتَ عليكم: أن يأتيكَم التابوتُ. وهذا أشهرُ اصطلاحِ الآيةِ. وقد جاءَ في شعرِ نابغةِ ذبيانَ - وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ جَاهِلِيٌّ - تفسيرُ الآيةِ بالعلامةِ، حيث قال (¬2): تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ [ثم بَيَّنَ] (¬3) أن مرادَه بالآياتِ: علاماتُ الدارِ وآثارُها، حيث قال (¬4): رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْيًا أُبِينُهُ ... وَنُؤْيٌ كَجَذْمِ الْحَوْضِ أَثْلمُ خَاشِعُ ¬
المعنَى الثاني من إطلاقِ الآيةِ في اللغةِ: أن العربَ تُطْلِقُ الآيةَ على الجماعةِ، تقولُ: جاءَ القومُ بآيتِهم، أَيْ: بِجَمَاعَتِهِمْ. ومنهُ قولُ بُرْجِ بْنِ مُسْهِرٍ (¬1): خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا ... بِآيَتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلاَ أي: بِجَمَاعَتِنَا. إذا عَرَفْتُمْ أن (الآيةَ) في لغةِ العربِ تُطْلَقُ على (العلامةِ)، وَتُطْلَقُ على (الجماعةِ)، فَاعْلَمُوا أن (الآيةَ) في القرآنِ تُطْلَقُ إِطْلاَقَيْنِ (¬2): أحدُهما: الآيةُ الكونيةُ الْقَدَرِيَّةُ. الثاني: الآيةُ الشرعيةُ الدينيةُ. أما الآيةُ الكونيةُ القدريةُ فَهِيَ العلامةُ التي نَصَبَهَا اللَّهُ كونًا وَقَدَرًا، لِيُبَيِّنَ بها لِخَلْقِهِ أنه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه، كَفَلْقِهِ الحَبَّ عَنِ السُّنْبُلِ، والنَّوَى عن النخلِ، وكإتيانِه بالليلِ بدلَ النهارِ، والنهارِ بدلَ الليلِ، وكتسخيرِه الشمسَ والقمرَ، وكخلقِه النجومَ لِيُهْتَدَى بها، هذه آياتٌ كونيةٌ قَدَرِيَّةٌ، وَضَعَهَا خالقُ هذا الكونِ كَوْنًا وَقَدَرًا، جَعَلَهَا علامةً لِخَلْقِهِ أنه القادرُ على كُلِّ شَيْءٍ، المعبودُ وَحْدَهُ، والآيةُ الكونيةُ القدريةُ في القرآنِ هِيَ مِنَ الآيةِ اللغويةِ التي بمعنَى (العلامةِ) لاَ غير. الثاني مِنْ إِطْلاَقَيِ الآيَةِ فِي القرآنِ: الآيةُ الشرعيةُ الدينيةُ، ¬
كقولِه: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ} [الطلاق: آية 11] أَيْ آياتِه الشرعيةَ الدينيةَ، كآياتِ هذا القرآنِ العظيمِ. أما الآيةُ الشرعيةُ الدينيةُ فقد قال بعضُ العلماءِ: هِيَ مِنَ (العَلاَمَةِ) لغةً أيضا؛ لأَنَّهَا علاماتٌ على صدقِ مَنْ جَاءَ بِهَا لِمَا فيها من الإعجازِ. وقال بعضُ العلماءِ: الآيةُ الشرعيةُ الدينيةُ من الإطلاقِ اللغويِّ الآخَرِ، أي: بمعنَى الجماعةِ؛ لأَنَّ الآيةَ: جماعةٌ مِنْ كَلِمَاتِ القرآنِ اشْتَمَلَتْ على بعضِ ما اشتملَ عليه القرآنُ من الإعجازِ والعقائدِ والحلالِ والحرامِ (¬1). وهذا معنَى قولِه: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. أما القومُ الذين لا يعلمونَ فتفصيلُ هذه الآياتِ لاَ ينفعُ فيهم؛ لأَنَّهُمْ لاَ يفهمونَ عَنِ اللَّهِ شيئًا، فَهُمْ كالأنعامِ؛ لأَنَّ الْحَمِيرَ والبغالَ والبعيرَ لاَ يفهمونَ هذه الآياتِ عن اللَّهِ، وَاللَّهُ (جل وعلا) فَضَّلَ عليهم الأنعامَ، قال: {أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: آية 179] {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ} [الفرقان: آية 44] فالكفارُ - والعياذُ بِاللَّهِ - أَنْزَلُ درجةً من الأنعامِ، وإيضاحُ ذلك: أن البغلَ - مثلاً - والبعيرَ، البغلةُ التي تُعْطِيهَا الشعيرَ وَتُعْلِفُهَا إذا رَأَتْكَ صَهَلَتْ إليكَ، وَظَهَرَ عليها الفرحُ إذا رَأَتْكَ، الكافرُ يُغْدِقُ اللَّهُ عليه نِعَمَهُ، وهو يرتكبُ مَسَاخِطَهُ وَيُنَاصِبُهُ بالعداءِ جل وعلا!! ¬
[11/أ] / {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)} [الأنعام: الآيتان 98، 99]. يقول الله جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)} [الأنعام: آية 98]. هذه الآياتُ من سورةِ الأنعامِ بَيَّنَ اللَّهُ فيها براهينَ العقائدِ العقليةَ الدالةَ على أنه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه، ومن ذلك أنه خَلَقَ جميعَ الآدَمِيِّينَ من نفسٍ واحدةٍ، أَبُوهُمْ رجلٌ واحدٌ، وَأُمُّهُمْ امرأةٌ واحدةٌ، مع اختلافِ أشكالِهم، وألوانِهم وَأَلسنتِهم، وذلك دليلٌ على إبداعٍ عظيمٍ. وَاللَّهُ (جل وعلا) يُنَبِّهُنَا في القرآنِ العظيمِ في آياتٍ كثيرةٍ على ما أَوْدَعَ في أَنْفُسِنَا من غرائبِ صنعِه وعجائبِه الدالةِ على أنه وحدَه هو الربُّ، وهو المعبودُ وحدَه جل وعلا. وقولُه هنا: {وَهُوَ} أي: اللَّهُ الذي أدعوكم إلى توحيدِه وطاعتِه، {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أصلُ الإنشاءِ: الإبرازُ من العدمِ إلى الوجودِ (¬1) والمرادُ بهذه النفسِ الواحدةِ: أَبُونَا آدمُ، كما أَطْبَقَ عليه العلماءُ (¬2). ¬
وإنما قال: {وَاحِدَةٍ} بالتاءِ الفارقةِ بين الذكرِ والأنثى مع أن آدمَ ذَكَرٌ (¬1) لأنه أَطْلَقَ عليه اسمَ النفسِ، فهو تَأْنِيثٌ لفظيٌّ لاَ حقيقيٌّ، كقولِ الشاعرِ (¬2): أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى ... وَأَنْتَ خَلِيْفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ هذه النفسُ الواحدةُ هي: آدمُ. واللَّهُ (جل وعلا) أَرْشَدَنَا في هذه الآيةِ إلى أَنْ نتأملَ وَنَتَعَقَّلَ مِمَّ خُلِقْنَا، وما العنصرُ والأصلُ الذي خُلِقْنَا منه؛ لنعرفَ أقدارَنا، ونعرفَ عظمةَ ربنا، فأولُ مَنْشَئِنَا تُرابٌ بَلَّهُ اللَّهُ (تبارك وتعالى) بماءٍ، هذا الأصلُ الأولُ لنا، كما قال: {إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ} [الحج: آية 5]، أَخَذَ اللَّهُ تُرَابًا فَبَلَّه بماءٍ، فَلَمَّا بُلَّ وَعُجِنَ بالماءِ صارَ طينًا؛ وَلِذَا قال تارةً: {خَلَقَكُم مِّنْ تُرَابٍ} [الروم: آية 20]، وتارةً: {مِّنْ طِينٍ} [الأنعام: آية 2]. ثم إن اللَّهَ (جل وعلا) ذَكَرَ أحوالَ ذلك الطينِ، مرةً قَالَ: {مِّنْ طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: آية 11] يَلْزَقُ باليدِ إذا مَسَّهُ الإنسانُ، بَيَّنَ أنه: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: آية 26]، ثم بَيَّنَ أن ذلك الطينَ يبسَ فصارَ صلصالاً كالفخارِ، تسمعُ له صلصلةً إذا قَرَعَهُ شيءٌ، ثم خَلَقَ من ذلك الطينِ -الذي أصلُه ماءٌ وترابٌ، خَلَقَ منه- بَشَرًا سَوِيًّا، ذا لحمٍ وعظامٍ وَدَمٍ، هو أَبُونَا (آدمُ) المرادُ بقولِه هنا: {أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأنعام: آية 98]، ثم خَلَقَ من آدمَ امرأتَه (حواءَ) أُمَّنَا، خَلَقَهَا من زوجِها آدَمَ، وقد نَصَّ على ذلك في آياتٍ كثيرةٍ (¬3) كقولِه في أولِ سورةِ النساءِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ ¬
وَاحِدَةٍ} هي آدمُ {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: آية 1]، يعني حواءَ، وكقولِه في سورةِ الأعرافِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: آية 189]. وقولِه في سورةِ الزمرِ: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: آية 6] وهذا مِنْ غرائبِ صنعِه وعجائبِه، حيث كان العنصرُ الأولُ: الماءَ والترابَ، وَخَلَقَ منه رَجُلاً جميلاً في غايةِ الحسنِ والجمالِ، ثم خَلَقَ من نفسِ الرجلِ امرأةً أُنْثَى. وهذا أحدُ القسمةِ الرباعيةِ، لأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ نوعَ الإنسانِ على قسمةٍ رباعيةٍ: قِسْمٌ منه خَلَقَهُ من ذَكَرٍ دونَ أُنْثَى، وَقِسْمٌ منه خَلَقَهُ من أنثى دونَ ذَكَرٍ، وقسمٌ منه خَلَقَهُ بلاَ أُنْثَى ولا ذَكَرٍ، وقسمٌ منه خَلَقَهُ من أُنْثَى وَذَكَرٍ. أما الذي خُلِقَ من دونِ الأُنْثَى وَمِنْ دونِ الذكرِ: فهو أَبُونَا آدَمُ؛ لأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ من ترابٍ {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} [آل عمران: آية 59]. والذي خُلِقَ من ذكرٍ دونَ أنثى: هو حواءُ، خلقَها اللَّهُ من آدمَ دونَ أُنْثَى. والذي خُلِقَ من أُنْثَى دونَ ذَكَرٍ: هو نَبِيُّ اللَّهِ عيسى، أَوْجَدَهُ اللَّهُ من أُمِّهِ مريمَ بلا ذَكَرٍ. والذي خُلِقَ من ذكرٍ وأنثى: هو سائرُ جنسِ الإنسانِ. وهذه غرائبُ وعجائبُ تَدُلُّ على كمالِ قدرةِ خالقِ هذا الكونِ، إن شاءَ خَلَقَ دونَ أنثى ودونَ ذَكَرٍ، وإن شاء خلق من ذكرٍ دونَ أُنْثَى، وإن شاءَ خلقَ من أنثى دونَ ذَكَرٍ، وإن شاءَ خلقَ من أنثى وذكرٍ. ثم إن اللَّهَ أشارَ إلى الطَّوْرِ الثاني من أطوارِ الإنسانِ؛ لأن الطورَ
الأولَ من أطوارِ الإنسانِ: الماءُ والترابُ، والطورَ الثاني: هو النُّطفةُ. أشار الله إلى بعضِ تلك الأطوارِ بقولِه: {أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ثم أَتْبَعَهُ بقولِه: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} على قراءةِ: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} (¬1) وبعضُهم قَرَأَ: {فَمُسْتَقِرٌّ} بكسرِ القافِ، أما: {وَمُسْتَوْدَعٌ} فجميعُ السبعةِ قرؤوها بفتحِ الدالِ، وأما: {مُسْتَقَرٌّ} ففيها قراءتانِ سبعيتانِ: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} {فَمُسْتَقِرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} (¬2). أما على قراءةِ: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} (¬3) فالأظهرُ أنهما اسْمَا مكانٍ. أي: مكانُ استقرارٍ، ومكانُ استيداعٍ. وقيل: هما مصدرانِ مِيمِيَّانِ. أي: فاستقرارٌ واستيداعٌ. أما على قراءةِ: {فَمُسْتَقِرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} {فَمُسْتَقِرٌّ}: اسمُ فاعلٍ، و {وَمُسْتَوْدَعٌ} اسمُ مفعولٍ. كما يأتي شرحُه. وقد تَقَرَّرَ في فَنِّ العربيةِ: أن الفعلَ إذا زادَ ماضيه على ثلاثةِ أحرفٍ فإن اسمَ مكانهِ، واسمَ زمانِه، ومصدرَه الميميَّ كلها بصيغةِ وزنِ اسمِ المفعولِ، كما هو معروفٌ في فَنِّ الصَّرْفِ (¬4). وأكثرُ علماءِ التفسيرِ أن المرادَ بـ: (المُستَقَرّ): المُسْتَقَرُّ في ¬
الأرحامِ، والمرادَ بـ (المُسْتَوْدَع): المُستَقَر في الأصلابِ. يعني أولَ نَشْأَتِكُمْ من نفسٍ واحدة، ثم صار بعد ذلك النُطف يُقِرُّهَا اللَّهُ في الأصلابِ، ثم ينقلها فتستقرُّ في الأرحامِ، فَيُخْرِج منها بشرًا سَوِيًّا، وهذا عليه أكثرُ المفسرين، أن (المُستَقَر): هو استقرارُ الجنينِ في الرحمِ، و (المُسْتَوْدَع): هو استيداعُ اللَّهِ للنطفةِ الذي خُلِقَ منها في أَبِيهِ (¬1). وكان بعضُ العلماءِ يختارُ: أن (المُسْتَقَر): الاستقرارُ على وجهِ الأرضِ أيامَ الحياةِ، وأن (المُسْتَوْدَعَ): الاستيداعُ في بَطْنِ الأرضِ في القبورِ (¬2). وبعضُ العلماءِ يقولُ: المُسْتَقَر في الأصلابِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرحامِ (¬3). عكس ما ذَكَرْنَا. والذي عليه أكثرُ المفسرين: أنها تُشِيرُ إلى بعضِ أطوارِ الإنسانِ؛ لأن اللَّهَ (تبارك وتعالى) نَبَّهَ الإنسانَ على أنه نَقَلَهُ من حالٍ إلى حالٍ، وَجَعَلَ خلقَه طورًا بعد طورٍ كقولِه: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} [نوح: الآيتان 13، 14]، أي: خلقكم على طَورٍ ثم نقلكم من ذلك الطورِ إلى طَورٍ آخَرَ. وقال جل وعلا: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: آية 6]، بعد أن كُنْتُمْ نُطَفًا تصيرونَ عَلَقًا، ثم مُضغًا، ثم عِظَامًا. وقد بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) هذه المراتبَ بيانًا شافيًا في آياتٍ كثيرةٍ مِنْ أَوْضَحِهَا آيةُ: ¬
{قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُوْنَ} لأَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ فيها الأطوارَ التي مَرَّ بالإنسان عليها إلى حالتِه هذه؛ حيث قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} [المؤمنون: الآيات 12 - 16]. وعلى هذا: فالمُستقَر: هو القرارُ المكينُ الذي يَجْعَلُ اللَّهُ فيه الإنسانَ في رحمِ أُمِّهِ بعدَ أن خَلَقَ آدمَ من ترابٍ، كما قال في آيةِ (قد أفلح) هذه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13)} يعني: رَحِمَ أُمِّهِ. وهذا نبهنا الله عليه، وَحَذَّرَنَا أن ننصرفَ عن هذا، وأن نغفلَ عنه؛ لأنكم كُلَّكُمْ تعلمونَ أن الواحدَ منا لم يدخل رحمَ أمه مُخَطَّطًا، وليس فيه يَدٌ ولا رِجْلٌ ولا رأس ولا عَيْنٌ، بل يدخل رحمَ أمه وهو نطفةٌ من مَنِيٍّ، ثم إن الخالقَ (جل وعلا) ينقلُ بقدرتِه تلك النطفةَ فيجعلُها دَمًا جَامِدًا، وهو الْمُعَبَّرُ عنه بـ (العلقةِ)، ثم يقلبُ ذلك الدمَ مضغةَ لَحْمٍ ليس فيها تخطيطٌ، ولا رِجْلٍ ولا يَدٍ، ثم إنه يقلبُ تلك المضغةَ هيكلَ عظامٍ، ويرتبُ هذه العظامَ بعضَها ببعضٍ هذا الترتيبَ المُحْكَمَ المتقنَ الذي يجدُه الواحدُ منكم، فيرتبُ السُّلاَمِيَّاتِ في السُّلامياتِ، والمفاصلَ بالمفاصلِ، وَفَقَارَى الظَّهْرِ بِفَقَارَى الظَّهْرِ، ويجعلُ هذه العظامَ على أُمِّ الدماغِ، فيجعلُ له دماغَه في هذا الغلافِ الذي هو أُمُّ الدماغِ، ويفتحُ في وجهِه العينين، ويصبغُ بعضَهما بصبغٍ أسودَ وبعضهما بصبغٍ أبيضَ، ويزينها بِشَعْرِ الحواجبِ والجفونِ، ويجعلُ فيهما حاسةَ البصرِ، ويفتحُ له الأنفَ، ويجعل فيه حاسةَ الشَّمِّ، ويفتحُ له الفمَ، ويجعلُ فيه
اللسانَ لِيَرُدَّ به شاردَ الطعامِ على أضراسِه عند المضغِ، وَيُبِينُ به الكلامَ، حتى يقضيَ حاجتَه من بَنِي الإِنْسَانِ، ثم إنه (جل وعلا) يضعُ الكبدَ في مَحَلِّهِ، وَالْكُلْيَتَيْنِ في محلهما، وكلُّ موضعٍ في محله، وَيُوَكِّلُهُ بوظيفتِه في تدبيرِ الجسمِ، ويفتحُ الشرايينَ ليدورَ الدمُ، ويفتحُ مجاريَ البولِ والغائطِ. ولو شُرِّحَ عضوٌ واحدٌ من أعضاءِ الإنسانِ تَشْرِيحًا حَقِيقيًّا لَبَهَرَ العقولَ ما أَوْدَعَ اللَّهُ (جل وعلا) فيه من غرائبِ صنعِه وعجائبِه، فليس في الواحدِ مِنَّا مَوْضِعُ رأسِ إبرةٍ إِلاَّ وفيه من غرائبِ صنعِ خالقِه وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ لو فَكَّرَ (¬1). وأنا أُؤَكِّدُ لكم أن هذه العملياتِ الهائلةَ التي تُفْعَلُ في الواحدِ منا، العليمُ القديرُ الذي فَعَلَهَا لم يَحْتَجْ إلى أن يَشُقَّ بطنَ أُمِّ الواحدِ مِنَّا، وَلَمْ يُبَنِّجْهَا، ولم يُنَوِّمْهَا في صحية، بل فعل فيها هذه الأعمالَ الهائلةَ العجيبةَ الغريبةَ من حيثُ لاَ تشعرُ، وهي لاهيةٌ تَفْرَحُ وتمرحُ، لا تَدْرِي عَمَّا يُفْعَلُ في بطنِها من غرائبِ الصُّنعِ وعجائبِه، مع أن الجنينَ الذي يُفْعَلُ فيه هذا من الغرائبِ والعجائبِ هو مندرجٌ في ثلاثِ ظلماتٍ: ظلمةِ بطنِ أُمِّهِ، وظلمةِ رَحِمِهَا داخلَ البطنِ، وظلمةِ المشيمةِ التي على الولدِ؛ لأنه في داخلِ الرحمِ يكونُ عليه المشيمةُ، والسَّلاَ يُغَطِّيهِ، فالله (جل وعلا) عِلْمُهُ نَافِذٌ، وبصرُه نافذٌ، لا يحتاجُ إلى كهرباء، ولا إلى نورٍ يكشفُ به تلك الظلماتِ، بل علمُه وقدرتُه نافذةٌ، فيفعل في الإِنْسَانِ هذه الأفعالَ الغريبةَ العجيبةَ، ويرتبُ بعضَه مع بعضٍ، ويخلقُه هذا الخلقَ العجيبَ. ¬
ونحن دائمًا نذكر هذا لأَنَّ الله يُنَبِّهُنَا عليه، وينكرُ علينا أن نغفلَ عنه؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ في السورةِ الكريمةِ- سورةِ الزمرِ: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} ثم قال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ثم قال: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)} [الزمر: آية 6]، أينَ تُصْرَفُونَ وتروحُ عقولُكم عن فِعْلِ خالقِكم فيكم؟ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عَمَّا يفعلُ اللَّهُ (جل وعلا) فيكم؟ هذه غرائبُ صُنْعِ رَبِّنَا وعجائبُه، حتى إنه من شدةِ لطفهِ وحكمتِه: أن ما يحتاجُ الِإنسانُ إلى تقصيرِه دائمًا، كشعرِه وأظفارِه: نَزَعَ منه روحَ الحياةِ، إِذْ لو جعلَ الحياةَ في الشعرِ والظفرِ لَمْ يَحْلِقِ الإِنْسَانُ، ولم يُقَصِّرْ، ولم يُقَلِّمْ أظفارَه إلا وهو مُنَوَّمٌ في صحية بعمليةٍ. هذا من غرائبِ صُنعِه وعجائبِه (جل وعلا) ولطفِه بخلقِه؛ ولذا نَبَّهَنَا على هذا حيث قال: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} كما قال جل وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: الآيتان 20، 21] وقال هنا: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} فلكم بعدَ إنشاءِ تلك النفسِ، وإنشاءِ زَوْجِهَا منها، لكم بعدَ ذلك {فَمُسْتَقَرٌّ} في الأرحامِ، تُنْقَلُونَ فيها من طَوْرِ النطفةِ إلى طَورِ العَلَقَةِ، وَمِنْ طَورِ العَلَقَةِ إلى طَوْرِ المُضْغَةِ إلى آخِرِ الأطوارِ. {وَمُسْتَوْدَعٌ}: نُطَفًا في أصلابِ الآباءِ. هذا قولُ أكثرِ المفسرين. وبعضُ العلماءِ عَكَسَ، قال: الاستيداعُ في بطنِ الأمهاتِ، والاستقرارُ في أصلابِ الرجالِ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: مُسْتَقَرٌّ على ظَهْرِ الأرضِ، ومُسْتَودَعٌ في
بطنِها في القبورِ وأنتم أمواتٌ، كما قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)} [المرسلات: الآيتان 25، 26]، الكِفَاتُ هنا: مَحَلُّ الكَفْتِ. والكَفْتُ في اللغةِ: معناه الضَّمُّ (¬1). أي: محلاًّ يضمُهم أحياء على ظَهْرِهَا، ويضمُهم أمواتًا في بطنِها. وهذا معنَى قولِه: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)} وَلِذَا قال: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} ثُمَّ قَالَ: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} التفصيلُ: البيانُ والإيضاحُ وإزالةُ الإجمالِ. والمرادُ بالآياتِ: آياتُ هذا القرآنِ العظيمِ مع ما تَضَمَّنَتْهُ من آياتِه الكونيةِ (جل وعلا)، الدالةِ على كمالِ قُدْرَتِهِ. وفي هذه الآيةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: قال في الآيةِ الأُولَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ثم قال: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)} [الأنعام: آية 97]، وهنا قال: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)} [الأنعام: آية 98]، فما الحكمةُ في تلوينِ الكلامِ، والتعبيرِ في الأولِ بـ (قوم يعلمون) وفي الثاني بـ (قوم يفقهون) (¬2)؟ قال بعضُ العلماءِ: إنما قال بعدَ ذِكْرِهِ الاهتداءَ بالنجومِ: {قَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لأَنَّ ذلك أمرٌ يَعْلَمُهُ جُلُّ الناسِ. وقال هنا: {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} لأَنَّ أسرارَ نقلِ الإنسانِ من هذه الأطوارِ وإيجادِه الأولِ لاَ يُدْرِكُ حقائقَها وما انْطَوَتْ عليها من الغرائبِ والعجائبِ إلا الذين يفقهونَ. أي: لهم فِقْهٌ وَفَهْمٌ دقيقٌ في الأمورِ. ¬
وهذا معنَى قولِه: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)}. وهذه الآياتُ الكريمةُ قد بَيَّنَّا مِرَارًا أنها تشيرُ إلى براهينِ البعثِ الثلاثةِ الكثيرةِ في القرآنِ؛ لأَنَّ الله تَبَارَكَ وتعالى أَجْرَى العادةَ بأنه يُكْثِرُ في القرآنِ العظيمِ من ثلاثةِ براهينَ على البعثِ، ذَكَرَهَا كُلَّهَا في هذه الآياتِ من سورةِ الأنعامِ. وهذه البراهينُ الثلاثُ: منها: إِيجَادُنَا أولاً؛ لأن مَنْ خَلَقَنَا أولاً من ترابٍ، ثم من نفسٍ واحدةٍ، ثم خَلَقَ من تلك النفسِ زَوْجَهَا، ثم صَارَ يجعلُ نُطَفَنَا مستودعةً في أصلابِ آبائِنا، ثم ينقلُ منها ويجعلُ لنا قَرَارًا في أرحامِ أُمَّهَاتِنَا، وينقلُنا في تلك الأطوارِ إلى أن نكونَ بَشَرًا ننتشرُ في الأرضِ، مَنْ قَدَرَ على هذا الإيجادِ الأولِ فلا شَكَّ أنه قادرٌ على البعثِ مرةً أخرى بعدَ الموتِ؛ لأن عامةَ العقلاءِ مُتَّفِقُونَ على أن إعادةَ الفعلِ أسهلُ من ابتدائِه، وَاللَّهُ (جل وعلا) كُلُّ شَيْءٍ عندَه سَهْلٌ. والآياتُ الدالةُ على أن الإيجادَ الأولَ برهانٌ عقليٌّ قاطعٌ على الإيجادِ الثاني - الذي هو البعثُ - كثيرةٌ جِدًّا في هذا القرآنِ العظيمِ، كقولِه جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: آية 27]، وكقولِه: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: آية 104]، وكقولِه: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ (62)} [الواقعة: آية 62]، وتتعظونَ بأن مَنْ أَنْشَأَ أولاً قادرٌ على أن يُنْشِئَ ثانيًا، وكقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج: آية 5]، إلى أن قال في آخِرِ آياتِ الحجِّ هذه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)} [الحج: الآيتان
6، 7]، بهذه الدلائلِ العظيمةِ؛ لأَنَّ البعثَ والإيجادَ بعدَ عدمٍ لاَ يمكنُ أن يكونَ أعظمَ من الإيجادِ الأولِ من الترابِ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ} [الحج: آية 5]، فَعَيْنُ المقدمةِ التي تُنْكِرُونَ: هي المقدمةُ التي أنتم موجودونَ بها، مُقِرُّونَ بها، وكقولِه: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الآيتان 78، 79]، وكقولِه جل وعلا: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَى} (¬1) وفي القراءةِ الأُخْرَى: {مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)} [القيامة: الآيات 37 - 40] بَلَى وَاللَّهِ هو قادرٌ على ذلك. وهذا كثيرٌ في القرآنِ؟ ولأَجْلِ هذا قال الله جل وعلاَ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)} [الآيات 1 - 4]، ثم بَيَّنَ أن مرادَه بالقَسَمِ على أنه خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ ليقيمَ بذلك البرهانَ القاطعَ على البعثِ بعد الموتِ. وَلِذَا أَتْبَعَهُ بقولِه: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)} [التين: آية 7]، أَيُّ شيءٍ يَحْمِلُكَ على التكذيبِ بالبعثِ والجزاءِ، وقد علمتَ أني أَوْجَدْتُكَ أولاً، وليس الإيجادُ الأخيرُ بأصعبَ من الإيجادِ الأولِ؟ ولأجلِ هذا بَيَّنَ اللَّهُ تعالى أنه لا يُنْكِرُ الإيجادَ الثانيَ - الذي هو البعثُ بعدَ الموتِ - إلا مَنْ نَسِيَ الإيجادَ الأولَ حيث قال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس: آية 78]؛ إذ لو تَذَكَّر خَلْقَهُ الأولَ لَمَا أَمْكَنَهُ أن ينكرَ خلقَه الثانيَ. وكما قال تعالى: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ ¬
لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلاَ يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} [مريم: الآيات 66 - 68]، وهذا كثيرٌ. وهذا البرهانُ القطعيُّ على البعثِ أشارَ له بقولِه هنا: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: آية 98]. البرهانُ الثاني: خلقُه السماواتِ، وَتَزْيِينُهَا بالنجومِ، وخلقُه الأرضَ، وأشار له هنا بقولِه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا} [الأنعام: آية 97]، والنجومُ زُيِّنَتْ بها السماءُ. وَمَنْ خَلَقَ هذا العالمَ العلويَّ والسفليَّ فهو قادرٌ على بعثِ الإنسانِ الصغيرِ المسكينِ؛ لأَنَّ مَنْ خلقَ الأكبرَ الأعظمَ فهو قادرٌ على خلقِ الأصغرِ من بابِ أَوْلَى؛ ولأَجْلِ هذا كَثُرَ في القرآنِ العظيمِ الاستدلالُ على البعثِ بإيجادِ السماواتِ والأرضِ المشارِ لها بإيجادِ النجومِ والاهتداءِ بها في العالَم العلويِّ، كقولِه تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: آية 57]، أي: وَمَنْ قَدَرَ على خلقِ الأكبرِ فهو قَادِرٌ على خلقِ الناسِ الذين هم أَصْغَرُ. وكقولِه تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى} [الأحقاف: آية 33]، وكقولِه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [الإسراء: آية 99]، وكقولِه جل وعلا: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32)} [النازعات: الآيات 27 - 32]، والجوابُ: السماءُ أشدُّ خَلْقًا مِنَّا، أي: فَمَنْ قَدَرَ على خلقِ الأَشَدِّ فهو قادرٌ على خلقِ الأضعفِ الأصغرِ. والآياتُ في مثلِ هذا كثيرةٌ. البرهانُ الثالثُ: إحياءُ الأرضِ بعدَ موتِها، المشارُ إليه بقولِه
هنا: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: آية 99]، لأَنَّ مَنْ يُحْيِي الأرضَ، ويُخرجُ النباتَ بعد الانعدامِ قَادِرٌ - بِلاَ شَكٍّ - على أن يُحْيِيَ الأنفسَ الإنسانيةَ بعدَ العدمِ؛ لأَنَّ الكلَّ من بابٍ واحدٍ، كُلُّهُ جرمٌ خَلَقَهُ اللَّهُ أولاً وانقرضَ وَانْمَحَى. وقد عَايَنَّا أنه يُعيدُ النباتاتِ، فتجدُ الأرضَ بِحُلِيِّهَا وَحُلَلِهَا من أنواعِ النباتِ، ثم يَيْبَسُ، وَتَذْرُوهُ الريحُ، ويصيرُ هَشِيمًا، ثم إن الله يُوجِدُ في الأرضِ شَيْئًا كثيرًا بعد فنائِه. فَمَنْ أَحْيَا الأرضَ وأنبتَ النباتَ بعدَ أَنِ انْعَدَمَ: فلا شَكَّ أنه قادرٌ على خلقِ الإنسانِ، وإنباتِ الآدميين بعدَ أن أَكَلَتْهُمُ الأرضُ. والآياتُ الدالةُ على هذا البرهانِ كثيرةٌ، كقولِه تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} [فصلت: آية 39]، وكقولِه جل وعلا: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)} [الأعراف: آية 57]، أي: فَإِخْرَاجُنَا للنباتِ بعدَ الانعدامِ كذلك إِخْرَاجُنَا لِلْمَوْتَى بعدَ أن أَكَلَتْهُمُ الأرضُ. وكقولِه جل وعلا: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)} [الروم: آية 50] وكقولِه تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19)} [الروم: الآيات 17 - 19]، أي: مِنْ قبورِكم أحياءً بعد الموتِ، وكقولِه تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ
بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)} [ق: الآيات 9 - 11] أي: كخروجِ النباتِ الذي تُشَاهِدُونَ: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} أي: خروجُكم من قبورِكم أحياءً بعدَ الموتِ. والآياتُ الدالةُ على هذا كثيرةٌ جِدًّا كما قال جل وعلا: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} [الأعراف: آية 57]، كذلك الإخراجُ نُخْرِجُ الْمَوْتَى؛ وَلِذَا قال (جل وعلا) هنا: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الأنعام: آية 99]، الله (جل وعلا) يُنْزِلُ الماءَ من السماءِ؛ لأَنَّ إنزالَ الماءِ من السماءِ فيه غرائبُ وعجائبُ، يجبُ على الإنسانِ تَأَمُّلُهَا؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} [عبس: آية 24]، وقوله: {فَلْيَنظُرِ} صيغةُ أمرٍ تَدُلُّ على الوجوبِ، فإذا لم يَنْظُرِ الإنسانُ إلى طعامِه كان مُخَالِفًا للأمرِ السماويِّ من خالقِ السماواتِ والأرضِ. وما يُدْرِيهِ أن اللَّهَ يقولُ له كما قال لإبليسَ: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12]، ما مَنَعَكَ ألا تنظرَ إلى طعامِك إِذْ أَمَرْتُكَ؟ وهذا النظرُ المأمورُ به إلى الطعامِ كأن اللَّهَ يقولُ لكَ: انْظُرْ يا عَبْدِي لتعلمَ عَظَمَتِي وَقُدْرَتِي، وتعرفَ قَدْرَكَ، وَضَعْفَكَ وَعَجْزَكَ، انْظُرْ إلى الخبزِ الذي تَأْكُلُهُ، وتُقِيمُ به أَوَدَكَ، مَنْ هو الذي خَلَقَ الماءَ الذي نَبَتَ بِسَبِبِهِ؟ أيقدرُ أحدٌ غير اللَّهِ أن يخلقَ هذا الجرمَ اللطيفَ الذي يُحْيِي به اللَّهُ الأجسامَ، وينبتُ به النباتاتِ؟ لاَ وَاللَّهِ لاَ يَقْدِرُ على خَلْقِهِ إِلاَّ اللَّهُ. هَبْ أَنَّ الماءَ خُلِقَ، فَمَنْ يَقْدِرُ على إنزالِه، وَسَقْيِ الأرضِ به مع سعةِ رقعتِها؟ مَنْ يَقْدِرُ على إنزالِه على هذا الأسلوبِ الغريبِ
العجيبِ الذي ينزلُ رَشَاشًا؟ فلو كَانَ مُنْزِلُهُ أخْرَقَ لأَنْزَلَهُ قطعةً واحدةً مُتَّصِلاً بعضُه ببعضٍ. ولو نَزَلَ المطرُ الغزيرُ قطعةً واحدةً لأَهْلَكَ كُلَّ مَنْ سَقَطَ عليه، وَتَرَكَ الخلقَ أَثَرًا بعدَ عَيْنٍ؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى بَيَّنَ كيفيةَ إنزالِه إياه، وما في ذلك مِنَ الغرائبِ والعجائبِ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور: آية 43]، الوَدْقُ: المطرُ يخرجُ من خلالِ السحابِ، أي: مِنْ فتوقِ الْمُزْنِ وثقوبِه التي جَعَلَهَا اللَّهُ فيه، وهو إنما يأتي به قَادِرٌ يُصَرِّفُهُ كيفَ شَاءَ. ولكن اللَّهَ بَيَّنَ في السورةِ الكريمةِ - سورةِ الفرقانِ - أنه يُنْزِلُ الماءَ هذا الإنزالَ الهائلَ الغريبَ العجيبَ، وأن كَثِيرًا من الناسِ يَأْبَى في هذه الغرائبِ والآياتِ إِلاَّ الْكُفْرَ - والعياذُ بالله -؛ لأَنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان: الآيات 48 - 50]، يعني: صَرَّفْنَا الماءَ بينَ الناسِ، تارةً نُغْدِقُ المطرَ على قومٍ لِتُخْصِبَ أرضَهم، وَتُنْبِتَ زُرُوعَهُمْ، ويكثر خيرُ مواشيهم، اختبارًا لهم وابتلاءً هل يشكرونَ نِعَمَنَا؟ ونَصْرِفُهُ عن قومٍ كانوا في خِصْبٍ حتى يُجْدِِبوا؛ لنختبرهم بذلك الجدبِ والفقرِ وهلاكِ المواشي والزروعِ: أيتعظون، وَيُنِيبُونَ إلينا؟ وَلَمَّا قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} قال: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} [الفرقان: آية 50]، وَمِنَ الناسِ الذين أَبَوْا إِلاَّ كُفُورًا: الكفرةُ وأذنابُ الكفرةِ الذين يزعمونَ أن السحابَ لَمْ يُنْزِلُهُ مَلَكٌ مُقْتَدِرٌ، وإنما هي طبائعُ، وأن الماءَ تَتَفَاوَتُ عليه درجاتُ الشمسِ، أو احتكاكُ الهواءِ حتى يتبخرَ وتتصاعدَ أبخرتُه، فتتجمعُ ثم تُلاَقِي هواءً حارًّا، ثم تُزَعْزِعُهَا الريحُ فَتُفَرِّقُهَا، وأن هذا ليس فعلَ فاعلٍ!! هؤلاء الذين يقولُ اللَّهُ فيهم:
{فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تلك السحابةِ - التي أَنْزَلَهَا اللَّهُ ليلاً - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَسَمِعْتُمْ مَا قَالَ رَبُّكُمُ الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَهَذَا مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (¬1). ومثلُه الذي يقولُ: مُطِرْنَا ببخارِ كذا!! لأن السحابَ يُنْزِلُهُ مَلَكٌ مُقْتَدِرٌ، يخلق ماءَه أَوَّلاً. وَبين خلقَه قال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} أي: يَسُوقُهُ: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} يَضُمُّ بعضَه إلى بعضٍ {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} مُتَرَاكِبًا يَعْلُو بعضُه فوقَ بعضٍ {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور: آية 43]، جَمْعُ خَلَلٍ، أي: مِنْ ثُقُوبِ الْمُزْنِ وفروجِه: ينزل منها؛ لأنه يجعلُ وعاءَه كالغرابيلِ؛ ينزلُ منها المطرُ، على قَدْرِ ما يشاءُ اللَّهُ جل وعلا: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (50)} [الفرقان: آية 50]. هَبْ أن الماءَ خُلِقَ، وأن المطرَ أُنْزِلَ على هذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ، مَنْ هو الذي يَقْدِرُ أن يشقَّ الأرضَ وَيُخْرِجَ منها مسمارَ النباتِ؟ هَبْ أَنَّ مسمارَ النباتِ خَرَجَ، مَنْ هُوَ الذي يَقْدِرُ أن يشقَّه ويخرجَ منه السنبلةَ؟ ¬
هَبْ أن السنبلةَ وُجِدَتْ، مَنْ هو الذي يَقْدِرُ أن يخرجَ حَبَّهَا وَيُنَمِّيَهُ، وينقلَه من طَورٍ إلى طَورٍ حتى يصيرَ صَالِحًا مُدْرِكًا نافعًا للأَكْلِ؟ كما يُنَبِّهُنَا اللَّهُ على هذا في هذه الآيةِ التي نَحْنُ عندَها في قولِه: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)} [الأنعام: آية 99]، انْظُرُوا الثمرَ عندما يَبْدُو، وَانْظُرُوهُ عندما يُدْرِكُ نَاضِجًا صَالِحًا للأكلِ، تعلمونَ أن الذي نَقَلَهُ منذ تلك الحالِ الأُولَى إلى حالةِ الانتفاعِ هذه، أنه رَبٌّ قادرٌ عظيمٌ، هو الخالقُ وحدَه، المعبودُ وحدَه (جل وعلا)؛ وَلِذَا قال جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: آية 99]، الباءُ: سَبَبِيَّةٌ، واللَّهُ (جل وعلا) يُسَبِّبُ ما شاء على ما شاءَ من الأسبابِ، ولو شاءَ أن تنخرمَ الأسبابُ لاَنْخَرَمَتْ، فهو (جل وعلا) يفعلُ كيفَ يشاءُ، ويسببُ ما شَاءَ مِنَ المُسَبَّباتِ، على ما شاء من الأسبابِ، ويبينُ لنا في كتابِه غرائبَ وعجائبَ وَعِبَرًا نعلمُ بها أنه لاَ تأثيرَ إلا لِلَّهِ وحدَه، وأنه لو شاءَ أن لا تؤثرَ الأسبابُ لَمْ تُؤَثِّرْ، ومن ذلك ما قَصَّ علينا في سورةِ الأنبياءِ وغيرِها من سورِ القرآنِ أنه أُلْقِيَ إبراهيمُ في نارِ نمرودَ وقومِه، أُلْقِيَ إبراهيمُ في نارٍ تَضْطَرِمُ، تأكلُ الحطبَ حتى تتركَه رَمَادًا، أُلْقِيَ فيها إبراهيمُ والحطبُ، فَأَكَلَتِ الحطبُ بحرارتِها فَتَرَكَتْهُ رَمَادًا، وصارت بَرْدًا على إبراهيمَ. ولو لم يَقُلِ اللَّهُ: {كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا} [الأنبياء: آية 69]، لو لم يَقُلْ: {وَسَلاَمًا} لأَهَلْكَهُ بردُها، والنارُ لا عَقْلَ لها ولا إدراكَ تحرقُ به الحطبَ وتتركُ إبراهيمَ. وذلك يُبَيِّنُ أن الفاعلَ هو الخالقُ (جل وعلا)، وأنه يسببُ ما شاءَ على ما شاءَ مِنَ الْمُسَبَّباتِ. ويوضحُ لنا هذا: أن السببَ تَارَةً يكونُ مُنَاقِضًا للمُسبَّبِ وينتجُ الشيء من نقيضِه، كما قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ في
قصةِ قتيلِ بَنِي إسرائيلَ (¬1)؛ لأنه لَمَّا أرادَ اللَّهُ أن يُحْيِيَهُ قال لهم: اذْبَحُوا بَقَرَةً، فَذُبِحَتِ البقرةُ، وصارت ميتةً، وَقُطِعَتْ منها وصلةٌ وهي ميتةٌ، قطعةٌ مِنْ بقرةٍ [11/ب] ميتةٍ، ليس فيها من الحياةِ شيءٌ، فضربوه بها فَحَيِيَ، / وأخبرَهم بقاتلِه!! لو ضَرَبُوهُ بالبقرةِ حيةً لربما قال جاهلٌ: قَدِ اسْتَفَادَ الحياةَ منها، وَسَرَتْ حياتُها فيه!! أما هو فقد أَمَرَهُمْ أن يُمِيتُوهَا وَيَذْبَحُوهَا ويضربوه بقطعةٍ منها فَحَيِيَ!! فَمِنْ أَيْنَ وُجِدَتْ هذه الحياةُ من هذا الضربِ بقطعةٍ من بقرةٍ ميتةٍ؟ وذلك برهانٌ قاطعٌ على أن اللَّهَ يسببُ ما شاءَ على ما شاءَ من الأسبابِ؛ وَلأَجْلِ هذا قال: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي: بِسَبَبِهِ {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}. قولُه: {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي: جميعَ أصنافِ النباتاتِ مِمَّا يأكلُه الناسُ والأنعامُ، كما قال جل وعلا: {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه: آية 54]، فَيُنْبِتُ للناسِ أنواعَ النباتِ مما هو قوتٌ كالقمحِ والشعيرِ ونحوِهما، وَمِمَّا هو فاكهةٌ، وينبتُ لهم المرعى لحيواناتهم؛ لأن الحيواناتِ إذا أَكَلَتِ المرعى المليءَ كَثُرَتْ ألبانُها وأزبادُها وأسمانُها ولحومُها وَكَثُرَتْ جُلُودُهَا وأصوافُها وأوبارُها وأشعارُها، إلى غيرِ ذلك من منافعِها بسببِ الماءِ؛ ولذا قال: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} أي: من نباتِ كُلِّ شَيْءٍ. {خَضِرًا} الخَضِرُ: هو صفةٌ مشبهةٌ من (خَضِرَ) فهو (خَضِرٌ وأَخضَرُ). والمرادُ بالخَضِرِ هنا: الذي يَنْبُتُ أخضرَ كالبقولِ ¬
ونحوِها (¬1)؛ لأن القمحَ والشعيرَ وما جَرَى مجراهما ينبتُ أولاً نبات البقولِ. ثم قال: {نُّخْرِجُ مِنْهُ} أي: من ذلك الخَضِرِ النابتِ. {حَبًّا مُّتَرَاكِبًا} يَعْلُو بعضُه بَعْضًا كالسنبلِ، فإنكَ تجدُ السنبلةَ يتراكبُ فيها الْحَبُّ ويعلو بعضُه بعضًا (¬2). وهذا معنى قولِه: {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا}. وقولُه: {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} قراءةُ الجمهورِ (¬3) {النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ} بالنصبِ؛ لأَنَّ الكسرةَ علامةٌ هنا للنصبِ. وقولُه: {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} النخلُ: من جنسِ المُنْبَتِ بهذا الماءِ، إلا أن اللَّهَ قَطَعَهُ، وجاء به في صيغةِ جُمْلَةٍ مُسْتَأنَفَةٍ من مبتدأٍ وخبرٍ تَنْوِيهًا بشأنِ النخلِ (¬4) لأن النخلَ كُلَّهُ مَنَافِعُ. وَجَرَتِ العادةُ في القرآنِ: أنه إِذَا ذَكَرَ الإنعامَ بالتمرِ ذَكَرَهُ باسمِ شجرتِه التي هي النخلةُ، وإذا ذَكَرَ الإنعامَ باسمِ العنبِ ذَكَرَهُ باسمِ الثمرةِ التي هي العنبُ. هذه قاعدةٌ مطردةٌ في القرآنِ. قال بعضُ العلماءِ: إنما ذَكَرَ شجرةَ التمرِ التي هي النخلةُ؛ لأن النخلةَ كُلَّهَا منافعُ، فتمرها بعضُ منافِعها (¬5). فلو عَبَّرَ بالتمرِ لأَهْمَلَ ¬
منافعَ النخلِ الكثيرةِ؛ لأن النخلَ كُلَّهَا منافعُ؛ لأن خُوصَهَا تُصْنَعُ منه القفاصُ، وجريدَها تُصْنَعُ منه الحُصر، وتصنعُ منها الحبالُ، ولبَّها يؤكلُ، وجذعَها يُسقف به، وكُرْنَافَها يوقدُ به، فجميعُ ما فيها منافعُ. أما شجرةُ العنبِ: فليس في نفسِ الشجرةِ من المنافعِ ما في النخلةِ (¬1)، فأعظمُ منافعِها في ثَمْرَتِهَا. وقولُه: {وَمِنَ النَّخْلِ} النخلُ: جمعُ نخلةٍ. وقيل: هو جنسٌ أو اسمُ جَمْعٍ (¬2). وهو يُذَكَّرُ ويُؤنثُ؛ لأَنَّ اللَّهَ ذَكََّرَهُ في قولِه: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعِرٍ (20)} [القمر: آية 20]، ولم يَقُلْ: منقعرةٍ. وَأَنَّثَهُ في قولِه: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)} [الحاقة: آية 7]، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، أَنَّ أسماءَ الأجناسِ تُذَكَّرُ وتُؤنَّثُ. قال بعضُ العلماءِ: فإن قيلَ له: (نخيلٌ) لَمْ يَجُزْ تَأْنِيثُهُ. وقولُه: {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا} يُطْلَقُ (الطلعُ) على أولِ ما يخرجُ من النخلةِ؛ لأنه يخرجُ أَوَّلاً قبلَ أن يَنْفَتِحَ يسمى (كِمًّا)، ثم ينفتحُ على النَّوْرِ المسمَّى بـ (الإغْرِيض). وهذا هو المرادُ بقولِه: {مِنْ طَلْعِهَا}. وَرُبَّمَا يُطْلَقُ الطلعُ على ثَانِي الحالِ؛ لأنه يكونُ أَوَّلاً طَلْعًا ¬
نَوْرًا أبيضَ، ثم يُنْقَلُ من طَورٍ إلى طَورٍ حتى يكونَ بُسْرًا ورُطَبًا وَتَمْرًا يَابِسًا. وقولُه: {مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ} المرادُ بالطلعِ هنا: حالُه الأخيرةُ، إلا أن ذلك يُوجَدُ من الطلعِ، وهو النَّوْرُ الذي ينفتحُ عنه الكِمُّ أَوَّلاً (¬1). وقولُه: {قِنْوَانٌ} القِنْوَانُ: جمعُ القِنْوِ، كالصِّنْوَانِ وَالصِّنْوِ. وفيه قراءة: {قِنْوَانٌ} و {قُنْوَانٌ} أما قراءةُ {قَنْوَانٌ} بفتحِ القافِ فليست سَبْعِيَّةً (¬2). والقِنْوَانُ: جمعُ القِنْوِ. والقِنْوُ: هو عِذْقُ النخلةِ الذي فيه الثمرُ (¬3). وقولُه: {دَانِيَةٌ} أي: قريبةُ المُتَنَاوَلِ؛ لأن النخلَ إذا كان صِغَارًا قد يُثْمِرُ الثمرةَ الجيدةَ، مع أنها دانيةٌ قريبةٌ سهلةُ المُتَنَاوَلِ، لا يحتاجُ صاحبُها إلى طلوعٍ، ولاَ إلى صعودٍ. ومعنَى قولِه: {دَانِيَةٌ} أي: قريبةُ الْمُجتَنَى، ينالُها الإنسانُ من غيرِ تَعَبٍ. قال بعضُ العلماءِ: ذَكَرَ دانيةَ الثمرِ ولم يَذْكُرِ السَّحُوقَ - التي ¬
هي النخلةُ الطويلةُ - قال بعضُ العلماءِ: ذَكَرَ الدانيةَ لأَنَّ النعمةَ بها أَتَمُّ؛ لأن ثمرَها يوجدُ بلا تعبٍ ولا كُلْفَةٍ. بخلافِ السَّحُوقِ فإنها لابد مِنْ أن يُصْعَدَ عليها (¬1). وقال بعضُ العلماءِ: هنا حَذَفَ الواوَ وما عَطَفَتْ عليه: وَمِنَ النخلِ مِنْ طَلْعِهَا قنوانٌ دانيةٌ وسَحُوق (¬2). أي: نَخْلٌ طوَالٌ. وقولُه: {قِنْوَانٌ} مبتدأٌ، خبرُه الجارُّ والمجرورُ قَبْلَهُ (¬3). وقولُه: {مِنْ طَلْعِهَا} بدلٌ من قولِه: {وَمِنَ النَّخْلِ} (¬4). و {قِنْوَانٌ} في مَحَلِّ مبتدأٍ، و {دَانِيَةٌ} نعتٌ له. والخبرُ قولُه: {وَمِنَ النَّخْلِ} (¬5). وقولُه: {مِنْ طَلْعِهَا} جارُّ ومجرورٌ مُبْدَلٌ من الجارِّ والمجرورِ قَبْلَهُ، وهذا معروفٌ. وقولُه: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} جماهيرُ القراءِ قَرَؤُوا: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} (¬6) هو معطوفٌ على قولِه: {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} مِنْ عَطْفِ الخاصِّ على العَامِّ (¬7). أي: فَأَخْرَجْنَا به نباتَ كُلِّ شيءٍ، وَأَخْرَجْنَا به ¬
جناتٍ من نخيلٍ وأعنابٍ. ولم يَقُلْ: وجناتٌ من أعنابٍ؛ لأن جناتِ الأعنابِ ليست من قِنْوَانِ النخيلِ. ولو رُفِعَ في قولِه: «وجناتٌ من أعنابٍ» لَصَارَ المعنَى: من النخلِ قِنْوَانٌ دانيةٌ، ومن النخل جناتٌ من أعنابٍ. وهذا لا يَصِحُّ. وعلى بعضِ القراءاتِ: {وَجَنَّاتٌ} بالرفعِ، قالوا: يُقَدَّرُ له محذوفٌ. أي: ولهم من نِعَمِهِ - جل وعلا - جَنَّاتٌ من أَعْنَابٍ (¬1). (الجنات) جمع الجنةِ، والجنةُ في لغةِ العربِ: البستانُ (¬2). ومنه قولُه تعالى: {أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا} [القلم: آية 17]، هو بستانٌ معروفٌ وَقَعَتْ فيه هذه القضيةُ. أصلُ الجنةِ: البستانُ. والعربُ تُسَمِّي كُلَّ بستانٍ (جنةً). وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قَوْلُ زُهَيْرٍ (¬3): كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقتَّلَةٍ ... مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقَا يعني: بستان نخلٍ نخلُه طِوَالٌ؛ لأَنَّ السُّحُقَ: جمع سَحُوقٍ، وهو النخلةُ الطويلةُ. هذا أصلُ الجنة في لغةِ العربِ. وهي في اصطلاحِ الشرعِ: دارُ الكرامةِ التي أَعَدَّ اللَّهُ لعبادِه المؤمنين، فيها ما لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة: آية 17]. ¬
{وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} الأعنابُ: جمعُ العنبِ، وهو الثمرُ المعروفُ. وفي العنبِ غرائبُ وعجائبُ؛ لأنها ثمرةٌ كأن جُلَّهَا يُمْسِكُهُ اللَّهُ جل وعلا (¬1). {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} أما قولُه: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} فلم يَقْرَأْهُ أحدٌ كائنًا ما كان إلا بالنصبِ. أما {وَجَنَّاتٍ} فقراءةُ الجمهورِ: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} وفي بعضِ القراءاتِ {وَجَنَّاتٌ} بالرفعِ. أما {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} فَقَرَأَهُ عامةُ القراءِ بالنصبِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ أَحَدٌ. الزيتونُ: هو الشجرُ المعروفُ، وهو الذي وَصَفَهُ اللَّهُ بالبركةِ في قولِه: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} [النور: آية 35] لأن منافعَ الزيتونِ كثيرةٌ؛ لأنه وَقُودٌ وَدُهْنٌ وِإِدَامٌ، إلى غيرِ ذلك مِنْ مَنَافِعِهِ (¬2). يذكرونَ أنه: أولُ شجرةٍ نَبَتَتْ في الأرضِ شجرةُ الزيتونِ، وأولُ شجرةٍ نبتت بعد الطوفانِ يزعمونَ أنها شجرةُ الزيتونِ، ويزعمونَ أن شجرةَ الزيتونِ هي أطولُ الشجرِ عُمْرًا، وأنها تَمْكُثُ في الأرضِ مَا لاَ تَمْكُثُهُ شجرةٌ غيرُها. {وَالرُّمَّانَ} مَعْرُوفٌ. {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} كان بعضُ العلماءِ يقولُ: في الكلامِ حَذْفٌ دَلَّ المقامُ عليه، أي: والزيتونَ مشتَبِهًا وغيرَ ¬
متشابهٍ، والرمانَ مشتَبِهًا وغيرَ مُتَشَابِهٍ (¬1). أنها راجعةٌ لِكِلَيْهِمَا. وَحُذِفَ أحدُهما لدلالةِ المقامِ عليه، ونظيرُ هذا التفسيرِ من كلامِ العربِ قولُ عمرِو بنِ أحمرَ الباهليِّ (¬2): رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي يَعْنِي كنتُ منه بَرِيئًا، وكان وَالِدِي بَرِيئًا. ومنه قَوْلُ ضَابِئ بنِ الحارثِ الْبَرْجَمِيِّ (¬3): فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وقَيَّارًا بِهَا لَغَرِيبُ وَهُوَ أسلوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. ومعنَى كونِ الزيتونِ مُشْتَبِهًا وغيرَ مُتَشابهٍ: أن شجرَه يتشابهُ ورقُه في القَدْرِ، ويتشابَه في نباتِه في جميعِ الغصنِ، وغيرُ متشابهٍ لأَنَّهُ أنواعٌ تختلفُ طُعُومُها. الذي يعرفُه يَجِدُ في اختلافِ طعمِه فُرُوقًا يستدلُّ بها على كمالِ قدرةِ مَنْ صَنَعَهُ، وأن صَانِعَهُ ليس بطبيعةٍ؛ لأَنَّ الطبيعةَ معنًى واحدٌ لاَ يَنْقَسِمُ، وكذلك الرمانُ: تجدُه متشابهًا بالمنظرِ، أغصانُه وورقُه مُتَشَابِهٌ، وقد تجدُ طعمَه مُتَبَايِنًا أَيْضًا كما هو مَعْرُوفٌ (¬4). ¬
كونُه يتشابهُ من جهةٍ، ويختلفُ من جهةٍ، هذا دليلٌ على كمالِ قدرةِ مَنْ خَلَقَهُ، وأن خالقَه ليس بطبيعةٍ؛ لأن الطبيعةَ عند مَنْ يَزْعُمُونَهَا معنًى واحدٌ، جوهرٌ لا يَتَقَسَّمُ، ولا يقبلُ الانقسامَ. يستحيلُ أن تؤثرَ الطبيعةُ في مطبوعين مختلفين. فالنارُ لَوْ فَرَضْنَا - كما يقولونَ - «إنها بطبيعتِها تَحْرِقُ» فلا يمكنُ أن يكونَ من طبيعتِها الإبرادُ، وكذلك السكينُ، وقلنا: «طبيعتُها القطعُ» فلاَ يكونُ من طبيعتِها الوصلُ، وهكذا. فلا يمكن أن تكونَ الطبيعةُ الواحدةُ تنتجُ أشياءَ مختلفةً. واختلافُ هذه الأشياءِ دليلٌ على أن فاعلَ ذلك صانعٌ مختارٌ يفعلُ ما يشاءُ، كما نَبَّهَنَا على ذلك في أولِ سورةِ الرعدِ؛ لأن الله (جل وعلا) في أولِ سورةِ الرعدِ لَمَّا بَيَّنَ غرائبَ صنعِه وعجائبَه، نَبَّهَ خلقَه أن ما يزعمُه الكفرةُ الفجرةُ الكلابُ أبناءُ الكلابِ، مِنْ أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ (جل وعلا) في هذا الكونِ من غرائبِه وعجائبِه، أنه فِعْلُ طَبِيعَةٍ، أَلْقَمَهُمُ الحجرَ في أولِ سورةِ الرعدِ، ذلك أن اللَّهَ لَمَّا قال: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} ثم نَوَّهَ بشأنِ هذا القرآنِ: {وَالَّذِيَ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1)} ذَكَرَ صفاتِ خالقِ هذا الكونِ: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)} ثم قال - هو مَحَلُّ الشاهدِ-: {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ} وفي قراءةٍ أُخْرَى (¬1): {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} وفي ¬
القراءةِ الأُخْرَى (¬1): {تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} [الرعد: الآيات 1 - 4]، وفي القراءةِ الأُخْرَى: {فِي الأُكْلِ} (3) (4) يعني تجدُ هذا البستانَ أرضُه أرضٌ واحدةٌ، وقِطَعٌ يجاورُ بعضُها بعضًا، والماءُ الذي يُسْقَى به ماءٌ واحدٌ، والأرضُ بقعةٌ واحدةٌ لا اختلافَ في مَائِهَا، ولاَ فِي أرضِها، ثم ترى ذلك البستانَ تَخْرُجُ منه ثِمَارٌ مختلفةٌ ألوانُها وأشكالُها ومقاديرُها وطعومُها ومنافعُها. فهذا لا يمكنُ أن يكونَ من طبيعةٍ؛ إِذْ لو كانت طبيعةَ الماءِ لَمَا اختلفت إلى هذا الاختلافِ، ولو كانت طبيعةِ الأرضِ لَمَا اخْتَلَفَتْ إلى هذا الاختلافِ؛ لأَنَّ الماءَ واحدٌ، والبقعةَ واحدةٌ، فَدَلَّ اختلافُ هذه الثمارِ في أصنافِها وألوانِها وأشكالِها ومقاديرِها وطعومِها ومنافِعِها: على أن خالقَها هو القادرُ وحدَه، الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه، الذي له السلطانُ على هذا الكونِ، وأَمْرُهُ (جل وعلا) هو الأمرُ، وَنَهْيُهُ هو النهيُ، وشرعُه هو الشرعُ، ودينُه هو الدِّينُ؛ ولذا قال (جل وعلا) في هذه الآيةِ الكريمةِ: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}. ثم قال: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ} هذا إلفاتُ خالقِ الكونِ نظرَ خَلْقِهِ إلى غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه، انظر مثلاً إلى النخلةِ، إلى (الكُمّ) عندما يطلعُ كاللسانِ غير مفتوحٍ، ثم انْظُرْهُ عندما ينفتحُ عن ذلك النَّوْرِ الأبيضِ اللَّيِّنِ، ثم بعد ذلك، بعد أن يصيرَ تَمْرًا يابسًا مُدْرِكًا، انظر ¬
حالتَه الأُولَى عندما نَبَتَ، وحالتَه الثانيةَ عندما طَابَ وَأَدْرَكَ تَعْرِفْ أن الذي نقلَه من ذلك الطَّورِ إلى هذا الطَّورِ أنه مَلِكٌ قَادِرٌ، هو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، ومعبودُ كُلِّ شَيْءٍ جل وعلا. ولذا قال: {انْظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)} [الأنعام: آية 99]، {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ} الذي يَلْفِتُ ربكم نظرَكم إليه {لآيَاتٍ} أي: دلالاتٍ واضحاتٍ {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)} أي: يُصَدِّقُونَ، يعرفونَ بذلك من غرائبِ صنعِ رَبِّهِمْ وعجائبِه أنه هو الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه جل وعلا. وإنما خَصَّ المؤمنين في قولِه: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)} لأَنَّ الكفرةَ لاَ يتعظونَ بالآياتِ، ولا يفهمونَ عَنِ اللَّهِ غرائبَه وعجائبَه؛ لأَنَّ اللَّهَ أَعْمَى بَصَائِرَهُمْ والعياذ بالله. ومن عادةِ القرآنِ أنه غالبًا يخصُّ بالفعلِ الْمُنْتَفَعِ به، وإن كان الفعلُ في أصلِه عامًّا (¬1)، كقولِه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)} [ق: آية 45] وهو مُذَكَّرٌ به الأَسْوَدُ والأَحْمَرُ، وكقولِه: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [يس: آية 11]، وهو مُنْذِرٌ الأَسْوَدَ والأَحْمَرَ، وكقولِه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45)} [النازعات: آية 45]، {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ} [فاطر: آية 18] وأمثالُ ذلك، مع أنه منذرٌ للجميعِ، كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان: آية 1]. هذه غرائبُ صنعِ اللَّهِ وعجائبُه يُبَيِّنُهَا لخلقِه (جل وعلا) ليعرفَهم بِرَبِّهِمْ (جل وعلا) بما يرونَ في هذا الكونِ من باهرِ صنعِه وعظيمِ ¬
قدرتِه (جل وعلا)؛ ولذا قال: {إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}. {ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} معناه: عندما يَبْدُو وَيَطْلُعُ. والينعُ: تقول العربُ: «يَنَعَ الثمرُ، يَيْنَعُ، ويَينِعُ يَنْعًا، فهو يَانِعٌ» إذا نَضِجَ وأدركَ وصارَ صَالِحًا للأَكْلِ (¬1). معناه: انْظُرُوهُ عندَ حالتِه الأُولَى، وانظروه عندَ يَنْعِهِ. أي: طِيبِهِ، وَنُضْجِهِ، وإدراكِه صَالِحًا للأكل، تعرفونَ بذلك أن الذي نقلَه من الطَّوْرِ الأولِ عندما يثمر إلى الحالةِ التي أَيْنَعَ فيها وصارَ صَالِحًا للأكل تعلمونَ أن ذلك فِعْلُ عَلِيمٍ قديرٍ عظيمٍ، هو رَبُّ كُلِّ شيءٍ، ومعبودُ كُلِّ شَيْءٍ؛ ولذا قال: {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. [12/أ] / {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104)} [الأنعام: الآيات 100 - 104]. يقول الله جل وعلا: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)}. [الأنعام: آية 100]. قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا نافعًا: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ} بتخفيفِ الراءِ. وقرأه نافعٌ وحدَه: {وَخَرَّقُوا} بتشديدِ ¬
الراءِ (¬1). أما على قراءةِ عبدِ اللَّهِ ابنِ مسعودٍ: (وحرَّفوا له بنين وبنات) فهذه قراءةٌ شاذةٌ (¬2). ومعنى هذه الآيةِ الكريمةِ: أن الله (جل وعلا) لَمَّا بَيَّنَ غرائبَ صنعِه وعجائبَه الدالةَ على أنه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه، كما في الآياتِ الماضيةِ، كقولِه: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [الأنعام: آية 95]، وكقولِه: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: آية 98]، وكقولِه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا} [الأنعام: آية 97] وقولِه: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا} [الأنعام: آية 99] إلى آخرِ الآياتِ، بين الله فيها كمالَ قدرتِه وغرائبَ صنعِه وعجائبَه الدالةَ على أنه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه، فقال في هذه الآيةِ كأنه يقول: مع ما أَبْدَيْتُ لِخَلْقِي من آياتي الدالةِ على عَظَمَتِي وَجَلاَلِي، وأني الربُّ المعبودُ، ¬
مع هذا أَشْرَكُوا بِيَ الْجِنَّ، وعبدوا معي المعبوداتِ التي لا تنفعُ ولا تَضُرُّ (¬1). وقولُه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} في إعرابِ قوله: {الْجِنَّ} أَوْجُهٌ: أشهرُها (¬2): أنه أحدُ مَفْعُولَيْ {جَعَلُوا}. والمعنَى: جعلوا الجنَّ شركاءَ لله. فهو المفعولُ الأولُ، أُخِّرَ لأَمْنِ اللَّبْسِ. و (جعل) هنا ذهب كثيرٌ من العلماءِ إلى أنها التي بمعنَى (صيَّر) (¬3) وهو غلطٌ. وإن قاله كثيرٌ من أَجِلاَّءِ العلماءِ. والتحقيقُ: أن (جَعَلَ) هنا بمعنى ( ... ) (¬4). ( ... ) منافعها من ألبانٍ وأصوافٍ وأوبارٍ وأشعارٍ وأسمانٍ إلى غيرِ ذلك، وكذلك خَلَقَ السماءَ ورفعَها وأبعدَ سَمْكها وَزَيَّنَهَا بالنجومِ، وجعلَها سَقْفًا محفوظًا تَمُرُّ عليه آلافُ السنين لاَ يتفطرُ، ولا يتصدعُ، ولا يتشققُ، ولا يحتاجُ إلى إصلاحٍ وترميمٍ: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)} ¬
[الملك: الآيتان 3، 4]، أي: مِنْ عِظَمِ مَا رَأَى؛ ولذا قال هنا: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأنعام: آية 101]، أي خالقُ السماواتِ والأرضِ، ومخترعُهما وَمَنْ فِيهِمَا. {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} وهذه الآيةِ يُفهم منها أن الْمُلْكَ والوَلَدِيةَ لا يمكنُ أن يَجْتَمِعَا؛ لأنهم لَمَّا ذَكَرُوا له الولدَ كان من رَدِّهِ عليهم: أنه مخترعُ الأرضِ والسماءِ. أي: وَمَنْ فِيهِمَا، وصانعُ الشيءِ هو مَالِكُهُ، والولدُ لا يكونُ مَمْلُوكًا أبدًا (¬1). وَجَرَتِ العادةُ في القرآنِ: بأن اللَّهَ يَرُدُّ على الكفرةِ في ادعاءِ الولدِ بأنه مَالِكُ كُلِّ شيءٍ، وأن الخلقَ عَبِيدُهُ، كما قال: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26)} لأن العبدَ لا يمكنُ أن يكونَ وَلَدًا. ومن هذه الآياتِ القرآنيةِ أَخَذَ العلماءُ أن الإنسانَ إذا مَلَكَ ولدَه - بأن تزوجَ أمةً لغيرِه، وكان ولدُه رقيقًا وَاشْتَرَاهُ - أنه يَعْتِقُ عليه بنفسِ الْمِلْكِ، ولا يمكنُ أن يملكه؛ لأن الملكيةَ والولديةَ مُتَنَافِيَانِ (¬2)؛ ولذا قال هنا: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ}. {أَنَّى} هنا: هذا استفهامٌ للاستبعادِ والإنكارِ والنفيِ. لا يمكنُ أن يكونَ له وَلَدٌ؛ لأن كُلَّ ما في السماواتِ والأرضِ إنما هو خلقُه وَمِلْكُهُ، فكيفَ سيكونُ له وَلَدٌ من صُنْعِهِ ومُلْكِهِ الذي خَلَقَهُ وَأَبْرَزَهُ من العدمِ إلى الوجودِ. {وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ} أي: امرأةٌ. لأنه يَتَنَزَّهُ (جل وعلا) عن ¬
ذلك؛ وَلِذَا قال: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} وجميعُ الكائناتِ خَلْقُهُ، فلا يمكنُ أن يكونَ شيءٌ مِنْ خَلْقِهِ ولدًا له بحالٍ؛ لأن الولدَ كالجزءِ من الوالدِ، والخلقُ صنعُ الوالدِ، والجزءُ والصنعةُ مُتَبَايِنَانِ لاَ يمكنُ أن يجتمعا في شيءٍ؛ ولذا قال جل وعلا: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ} - جل وعلا - {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)} لاَ تَخْفَى عليه خافيةٌ، فهو (جل وعلا) يعلمُ كُلَّ شيءٍ، ويعلمُ غيرَ الشيءِ، لأَنَّ (الشيء) عندَ أهلِ السنةِ والجماعةِ لا يُطْلَقُ إلا على الموجودِ، واللَّهُ يعلمُ الموجودَ الذي هو شَيْءٌ، ويعلمُ المعدومَ الذي هو ليس بشيءٍ، فهو عَالِمٌ بالموجوداتِ والمعدوماتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ حتى إنه من إحاطةِ عِلْمِهِ لَيَعْلَمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في علمِه أنه لاَ يوجدُ، يعلمُ أن لو كان كيف يكونُ؟ كما قد بَيَّنَّا نَصَّهُ تعالى على ذلك في هذه السورةِ - سورةِ الأنعامِ - فَقَدْ بَيَّنَّاهُ مُفَسَّرًا في قولِه: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] (1) لأَنَّ الكفارَ إذا عَايَنُوا النارَ نَدِمُوا على تكذيبِ الرسلِ، وَتَمَنُّوا الردَّ للدنيا مرةً أخرى لِيُصَدِّقُوا الرسلَ. وَلِذَا قالوا: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: آية 27] على إحدى القراءاتِ (2)، والله (جل وعلا) عَالِمٌ أن هذا الردَّ الذي تَمَنَّوْهُ عَالِمٌ أنه لا يكونُ، وقد صَرَّحَ (جل وعلا) أنه عَالِمٌ أن لو كان كيفَ يكونُ؟ كما قال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28]، والمتخلفونَ عن غزوةِ تبوك لا يَحْضُرُونَهَا أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها لإرادتِه لحكمةٍ يعلمها {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ
عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)} [التوبة: آية 46]، وخروجُهم هذا الذي ثَبَّطَهُمْ عنه، وَسَبَقَ في علمِه أنه لا يكونُ، هو عَالِمٌ أَنْ لو كان كيفَ يكونُ، كما صَرَّحَ به في قولِه: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} الآية [التوبة: آية 47]. وكقولِه: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)} [المؤمنون: آية 75] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ. ولذا قال هنا: {وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: آية 101] فَمَنْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شيءٍ فكيفَ يكونُ جنسًا له - كالولدِ - من لاَ يعلمُ شيئًا إلا ما عَلَّمَهُ اللَّهُ؟ يعني: فالذي تَدَّعُونَ من الأولادِ لله لا يعلمونَ شيئًا إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، فكيفَ يكونونَ كالجزءِ والجنسِ لِمَنْ لاَ يَخْفَى عليه شَيْءٌ؟ وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا (¬1): أن العلمَ المحيطَ لِلَّهِ وحدَه، وأن المخلوقين يعلمونَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ فقط، وَبَيَّنَّا أمثلةً كثيرةً لذلك، منها: أن أَعْلَمَ الخلائقِ - الملائكةُ والرسلُ - الملائكةُ قد قَدَّمْنَا في سورةِ البقرةِ أن اللَّهَ لَمَّا قال لهم: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: الآيتان 31، 32]، فقولُه: {لاَ عِلْمَ لَنَا} النكرةُ إذا بُنِيَتْ على الفتحِ مع (لا) فـ (لا) التي مَعَهَا هي (لا) التي لِنَفْيِ الجنسِ (¬2). والمعنَى: أنهم نَفَوْا جنسَ العلمِ من أصلِه عن أنفسِهم، إلا شيئًا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه. ¬
والرسلُ (صلواتُ الله وسلامُه عليهم) - مع ما أَعْطَاهُمُ اللَّهُ من الفضلِ والمكانةِ والعلمِ - دَلَّتْ آياتٌ كثيرةٌ أنهم لا يعلمونَ إلا ما عَلَّمَهُمْ خالقُهم جل وعلا. هذا سيدُ الخلقِ (صلواتُ الله وسلامُه عليه)، الذي فَضَّلَهُ اللَّهُ في الأرضِ والسماءِ على جميعِ الخلقِ - نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنكم تعرفونَ في قصةِ الإسراءِ والمعراجِ الثابتةِ بالأحاديثِ الصحيحةِ التي لا كلامَ فيها، أنه لَمَّا ارْتَفَعَ (صلواتُ الله وسلامُه [عليه]) (¬1) إلى السماءِ، واخترقَ السبعَ الطباقَ، بَلَغَ مَبْلَغًا لم يَبْلُغْهُ رسولٌ من الأنبياءِ، فظهرت مكانتُه على الجميعِ في العالمِ العلويِّ. وَلَمَّا نَزَلَ إلى الأرضِ (صلواتُ الله وسلامُه عليه) صَلَّى بهم، فكان هو الإمامَ الأعظمَ، بإشارةٍ من جبريلَ (صلواتُ اللَّهِ على الجميعِ) - قد رُمِيَتْ أَحَبُّ زوجاتِه إليه بأعظمِ فريةٍ، رَمَوْهَا بالفاحشةِ مع صفوانَ بنِ المعطلِ، وهو (صلواتُ الله وسلامُه عليه) يَغْدُو الْمَلَكُ ويروحُ عليه بالوحيِ، فَلَمَّا رَمَوْهَا كان (صلواتُ الله وسلامُه عليه) لا يَدْرِي أَحَقٌّ ما قالوا عنها أَمْ لاَ؟؟ حتى هَجَوْهَا، وكان يقولُ: «كَيْفَ تِيْكُمْ؟» قالت: فقدتُ من رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - العطفَ الذي كنتُ أَجِدُهُ منه إذا مَرِضْتُ. وكان يقولُ لها: «يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ». لا يدري عن الحقيقة حتى أخبرَه المحيطُ عِلْمُهُ بكلِّ شيءٍ - رَبُّ السماواتِ والأرضِ - وقال له: {أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)} [النور: آية 26] وَصَرَّحَ بأن المقالةَ التي قِيلَتْ عليهم إفكٌ وَزُورٌ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ ¬
عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النور: آية 11]. وَلَمَّا قالت لها أُمُّهَا - لَمَّا نَزَلَتْ براءتُها في بيتِ أبي بكرٍ -: قُومِي إليه فَاحْمَدَيْهِ. قالت (رضي الله عنها): وَاللَّهِ لاَ أحمدُه اليومَ، ولا أحمدُ اليومَ إِلاَّ اللَّهَ؛ لأنه هو الذي بَرَّأَنِي، فهو (صلواتُ الله وسلامُه عليه) لَمْ يُبَرِّئْنِي (¬1). وَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ - وهو هو - مع ما أعطاه اللَّهُ من المكانةِ {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: آية 124]، وَشَهِدَ له اللَّهُ الشهاداتِ العظيمةَ {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: آية 37]، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: آية 124] وَقِيلَ للنبيِّ - وهو هو - (صلواتُ الله وسلامُه عليه): {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: آية 123] ذَبَحَ عِجْلَهُ، وَتَعِبَ هو وامرأتُه في إنضاجِ العجلِ، ولم يَدْرِ أن ضيفَه ملائكةٌ حتى قدَّم العجلَ المُنْضَجَ إلى الملائكةِ، وَلَمَّا رآهم لا يَمُدُّونَ إليه أيديَهم نَكِرَهمْ وَخَافَ منهم، كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: آية 70]، وصرَّح لهم في سورةِ الْحِجْرِ بأنه خائفٌ منهم {فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52)} [الحجر: آية 52] أي: خائفونَ منكم، ولم يَدْرِ حقيقةَ الأمرِ حتى سألهم: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (58)} (¬2) [الحجر: الآيتان 57، 58] ( ... ) (¬3). ¬
وهذا نَرَاهُ مُشَاهَدًا اليومَ، كُلُّ كُفْرٍ وإلحادٍ، وكل خساسةٍ في الخُلُقِ ارتكبوها، دخلوا معهم كُلَّ جُحْرٍ، حتى إنه وُجِدَ واحدٌ إفرنجيٌّ نَبَتَتْ قرحةٌ تحتَ أنفِه، فلم يَقْدِرْ على حلقِ شعراتِ الشاربِ، صاروا يتركون من ذلك شَيْئًا، دخولاً في ذلك الجحرِ، وَاتِّبَاعًا لتلك القرحةِ، فحلقوا لِحَاهُمْ، وتركوا دينَهم، ودخلوا مع الإفرنجِ في كُلِّ جُحْرٍ دَخَلُوهُ!! وهذا من غرائبِ معجزاتِه (¬1) (صلواتُ الله وسلامُه عليه)، حيث أَقْسَمَ على هذا، وَتَحَقَّقَ بعدَ عشراتِ القرونِ، والغيوبُ التي أخبر بها كثيرةٌ جِدًّا، كثيرٌ منها شَاهَدَهُ الناسُ، والباقي منها سيشاهدونه. وهذا معنى قولِه (جل وعلا): {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)} [الأنعام: آية 101]. ثم إن الله (جل وعلا) لَمَّا بَيَّنَ غرائبَ وعجائبَ صنعِه وكمالَ قدرتِه، وَبَيَّنَ لنا هذا في آياتٍ كثيرةٍ: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [الأنعام: آية 95]، وَبَيَّنَ (جل وعلا) أنه الذي أَنْشَأَنَا وَخَلَقَنَا: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: آية 98] وَبَيَّنَ أنه خلق لنا أرزاقَنا على ذلك الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ {وَهُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا} [الأنعام: آية 99] وَبَيَّنَ أنه الواحدُ الذي لاَ مثيلَ له ولا نظيرَ، المتنزهُ عن الأولادِ والصاحباتِ، وأنه خالقُ كُلِّ شيءٍ، وأنه العليمُ بِكُلِّ شيءٍ، أشار لنا وقال: {ذَلِكُمُ} الذي سمعتُم صفاتِه وغرائبَ فعلِه وعجائبَه هو {اللَّهُ} خالقُ هذا الكونِ الذي يأمركم وينهاكم على لسانِ نَبِيِّهِ: ¬
{لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: آية 102]، لاَ معبودَ يُعْبَدُ بالحقِّ إلا هو وحدَه، وكلُّ معبودٍ من دونه - كالجنِّ الذي عَبَدَهَا أولئك الكفرةُ - هو وَعَابِدُوهُ في النارِ {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} [الأنبياء: آية 98]. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: آية 102] (جل وعلا) لأنه (جل وعلا) خالقُ كُلِّ شيءٍ، فإذا نظرَ الإنسانُ في أصنافِ المخلوقاتِ بَهَرَ عقلَه قدرةُ اللَّهِ (جل وعلا)، فإذا نظرتُم إلينا معاشرَ الآدميين تجدونَ خالقَ السماواتِ والأرضِ أَوْدَعَ في الواحدِ مِنَّا من غرائبِ صنعِه وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ وَيُفَتِّتُ الكُبودَ. مِنْ أظهرِ ذلك: أنه صَبَّنَا صَبَّةً واحدةً، فجعل الأنفَ هنا، والعينينَ هنا، والفمَ هنا، ولم يَتَّفِقْ مِنَّا اثْنَانِ، لا يمكنُ أن يتفقَ اثنانِ، حتى لا يُعْرَفَ [فرقٌ] (¬1) بينهما، ولو جاءت الآلافُ والملايينُ، مَضْرُوبًا في الآلافِ والملايين: لم يَضِقُ العلمُ أن يجعلَ لكلِّ واحدٍ صورةً وهيئةً مخالفةً لصورةِ الآخَرِ وهيئتِه، حتى إن الأصواتَ وآثارَ الأقدامِ وبصماتِ الأصابعِ في الأوراقِ، كُلُّ هذا لم يَشْتَبِهْ منه شيءٌ. وهذا من غرائبِ صنعِ هذا الخالقِ وعجائبِه جل وعلا. وَأَبْدَعَ في كُلِّ واحدٍ منا، لو شُرِّحَ عضوٌ واحدٌ تَشْرِيحًا صحيحًا لَبَهَرَ العقولَ ما أودع اللَّهُ فينا من غرائبِ صنعِه وعجائبِه. إذا نظرتَ في العينين تَجِدْ في العينين من غرائبِ صنعِ اللَّهِ ¬
ما يُبْهِرُ العقولَ، كيف جعل هذا النورَ الذي يَشِعُّ لهذا الِإنسانِ يجتلب عليه جميعَ مصالحِه، ومن ذلك - من الظاهرِ الواضحِ - أنه جَعَلَ للعينِ شحمةً لئلا يُجَفِّفَهَا الهواءُ والريحُ، وجعل ماءَ العينِ مِلحًا لئلاَّ تُنْتِنَ الشحمةُ، لأن الملحَ يزيلُ النتنَ، وَصَبَغَ له بعضَها بصبغٍ أسودَ، وبعضَها بصبغٍ أبيضَ، وفتحَ له فَمًا، وجعل له عينًا عذبةً من الريقِ يأكلُ بها الطعامَ، لو جَفَّ رِيقُهُ لَمَا قَدَرَ أن يبتلعَ الزبدَ الذائبَ، ومن كمالِ قدرةِ اللَّهِ أن الريقَ إذا كان يأكلُ به يبُل به الطعامَ ويبتلعُه ويجم له الريق، وإذا كان غيرَ وقتِ الحاجةِ ينقطعُ عنه الجَمُّ؛ لئلا يُتْعِبَهُ التفلُ. فلو جَعَلَ له عَيْنَيْهِ في قدميه لَمَا رَأَى بهما شيئًا، ولو جعلَه عمودًا واحدًا كالخشبةِ من غيرِ مفاصلَ لَتَعِبَ، رَتَّبَ بعضَ مفاصلِه ببعضٍ لِيَنْثَنِيَ، وَرَتَّبَ فقراتِ الظهرِ بعضَها ببعضٍ، وفرَّق له أصابعَ يديه، لو جَعَلَ يدَه ملتصقةً كيدِ البعيرِ لَمْ يَحُلَّ شيئًا ولم يَعْقِدْ شيئًا، وَشَدَّ له رؤوسَ أصابعِه بالأظفارِ، وأودعَ فيه من الغرائبِ والعجائبِ شيئًا يُبْهِرُ العقولَ. ونحن نلفتُ أنظارَ إخوانِنا دائمًا لِمَا لفتَ اللَّهُ أنظارَنا إليه، بِأَنَّ كُلَّ هذه العملياتِ - أيها الِإخوانُ - عَمِلَهَا ربُّنا فينا من غيرِ أن يشقَّ بطنَ أمهاتِنا، ولا أن يخيطَها، كُلُّ هذه العملياتِ الهائلةِ والأُمُّ بطنُها لم يُشَقَّ، ولم يَحْتَجْ إلى أن تُبنج، ولا أن تنومَ في صحيّة، يعملُه خالقُ الكونِ وهي لا تدري: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)} [آل عمران: آية 6]. وهذا نُنَبِّهُ الناسَ إليه دائمًا؛ لأَنَّ اللَّهَ يُعجِّبُ خلقَه منهم كيفَ ينصرفونَ عن هذا؟!! حيث قال في السورةِ الكريمةِ سورةِ الزمرِ: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: آية 6].
أنتم كُلاّ تعلمونَ أن الواحدَ منكم يدخلُ رَحِمَ أُمِّهِ ليس مُخَطَّطًا مفصلاً، ليس فيه رأسٌ ولا يدٌ ولا رجلٌ ولا عظمٌ، نطفةُ ماءٍ من مَنِيٍّ، ثم الله (جل وعلا) يخلقُ هذا الْمَنِيَّ دَمًا، ثم يخلقُ الدمَ علقةً، ثم يخلقُ الدمَ مضغةً، ثم المضغةَ عظامًا، إلى آخِرِ ما ذَكَرَ. ويخططُكم هذا التخطيطَ، ويفصلكم هذا التفصيلَ، ويفتحُ لكم العيونَ، والأفواهَ والآنافَ والأسماعَ، ويجعلُ في العينِ حاسةَ البصرِ، وفي اللسانِ حاسةَ الذوقِ، وفي [الأُذُنِ] حاسةَ [السمعِ] (¬1) إلى غيرِ ذلك. ويُرَتِّبُ - أيها الإخوانُ - هذه العظامَ والسُّلامياتِ هذا الترتيبَ الغريبَ العجيبَ {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} [الإنسان: آية 28] الأَسْرُ: معناه شَدُّ الشيءِ بالشيءِ وإلصاقُه به؛ إِذْ لو كان الذي ألصقَ هذه العظامَ والسُّلاميات بعضَها ببعضٍ، بل ولو لم يَجْعَلْهُ قَوِيًّا مشدودًا لقالوا: سَقَطَتْ يدُ فلانٍ البارحةَ، وَسَقَطَتْ رِجْلُهُ، وطاحَ فَخِذُهُ؛ لأنه لم يكن مَشْدُودًا!! لا، شَدَّهُ خالقُ السماواتِ والأرضِ، وألصقَ العظامَ بعضَها ببعضٍ، والغضارفَ بالعظامِ واللحمِ، وشدَّ هذا شَدًّا مُحْكَمًا: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)} [الإنسان: آية 28]. الشاهدُ أن الله نَبّهَنَا على فِعْلِهِ فينا: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات: آية 21]، وَبَيَّنَ لنا أنَّا ندخلُ بطونَ أمهاتِنا نُطَفَ ماءٍ؛ وَلِذَا قال: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: آية 6] ينقلكم من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} [نوح: الآيتان 13، 14] وهذا كُلُّهُ والواحدُ في ظلماتٍ ثلاثٍ: ¬
{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزمر: آية 6] ظلمةِ البطنِ، وظلمةِ الرَّحِمِ، وظلمةِ المشيمةِ، لم يَحْتَجْ خالقُ السماواتِ إلى أن يشقَّ البطنَ، ويشقَّ الرحمَ، ويزيلَ المشيمةَ التي على الولدِ، حتى يتمكنَ بصرُه، لا، بَصَرُهُ (جل وعلا) وعلمُه نافذٌ، يفعلُ هذه الأفعالَ الغريبةَ العجيبةَ، ولم تَمْنَعْهُ من ذلك الظلماتُ الثلاثُ، ثم قال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو} ثم قال - وهو محلُّ الشاهدِ -: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)} [الزمر: آية 6]. {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)} أين تُصْرَفُ عقولُكم، وتذهبُ عن فعلِ خالقِكم جل وعلا فيكم؟! ولذا قال (جل وعلا): {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: آية 16] وقد بَيَّنَ غرائبَ صنعِه وعجائبَه، أشارَ لِخَلْقِهِ للِإنسانِ كما كُنَّا نقولُ: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: آية 6] وهذا الخلقُ بعدَ الخلقِ، والطَّوْرُ بعدَ الطَّوْرِ، المذكورُ في قولِه: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} [نوح: آية 14]، بَيَّنَهُ (جل وعلا) في سورةِ (قد أفلح المؤمنون) قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} [المؤمنون: الآيات 12 - 14] هذه أفعالُ اللَّهِ جل وعلا فِينَا الدالةُ على أنه الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه (جل وعلا) (¬1)؛ وَلِذَا قال: {وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} يعني: أَنَّ مَنْ فَعَلَ هذه ¬
الأفعالَ، وكانت قدرتُه بهذه المثابةِ من العظمةِ هو المعبودُ وحدَه جل وعلا. {وهُوَ} - جل وعلا - {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)} [الأنعام: الآية 102] أصلُ الوكيلِ: هو الذي تُفَوَّضُ إليه الأمورُ وتُسْنَدُ؛ ليجلبَ المصالحَ فيها، ويدفعَ المضارَّ، وهو (جل وعلا) هو الوكيلُ بكلِّ شيءٍ، الذي كُلُّ شيءٍ بيدِه، تُفَوَّضُ أمورُ كُلِّ شيءٍ إليه، يفعلُ فيها ما يشاءُ (جل وعلا). هذا الذي هذه صفاتُه هو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ جل وعلا. [13/أ] /قال تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام: آية 103]. استدلَّ المعتزلةُ بهذه الآيةِ الكريمةِ على أن اللَّهَ لاَ يُرى بالأبصارِ. واستدلالُهم بهذه الآية على ذلك بَاطِلٌ (¬1). وَاعْلَمُوا أَوَّلاً: أن التحقيقَ في رؤيةِ اللَّهِ بعينِ الرأسِ أنها يُنْظَرُ إليها بِنَظَرَيْنِ: أحدُهما: النظرُ إليها بالحكمِ العقليِّ. والثاني: النظرُ إليها بالحكمِ الشرعيِّ. أما رؤيةُ اللَّهِ بالنظرِ إلى حكمِ العقلِ: فَهِيَ جائزةٌ في الدنيا، وجائزةٌ في الآخرةِ. ¬
فالدليلُ على جوازِها عَقْلاً في دارِ الدنيا: أن نَبِيَّ اللَّهِ موسى - وهو هو - قال: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: آية 143] فلو كانت رؤيةُ اللَّهِ مستحيلةً عَقْلاً في الدنيا لَمَا خَفِيَ ذلك على نَبِيِّهِ موسى؛ لأنه لا يجهلُ المستحيلَ في حَقِّ اللَّهِ. أما بالنظرِ إلى الحكمِ الشرعيِّ: فهي جائزةٌ وواقعةٌ في الآخرةِ قَطْعًا، ممتنعةٌ في الدنيا. وهذا هو التحقيقُ، فَعُلِمَ من هذا التحقيقِ: أن رؤيةَ اللَّهِ بالأبصارِ وعيونِ الرؤوسِ جائزةٌ عَقْلاً في الدنيا والآخرةِ، جائزةٌ وواقعةٌ شَرْعًا في الآخرةِ، ممتنعةٌ شَرْعًا في الدنيا (¬1). فَاللَّهُ جل وعلا في دارِ الدنيا لاَ يُرَى بالأبصارِ فِعْلاً، وإن كان ذلك يجوزُ عَقْلاً، ولكنه في الآخرةِ يراه المؤمنونَ (جل وعلا)، هذا هو التحقيقُ. ومذهبُ أهلِ السنةِ والجماعةِ الذي دَلَّتْ عليه آياتُ القرآنِ والأحاديثُ الصحيحةُ المتواترةُ أن رؤيةَ اللَّهِ واقعةٌ شَرْعًا، يراه المؤمنونَ يومَ القيامةِ بأبصارِهم، كَمَا جَاءَ عن حوالي عشرين صَحَابِيًّا في أحاديثَ متواترةٍ (¬2): أن المؤمنين يرونَ رَبَّهُمْ يومَ القيامةِ. وقد نَصَّ اللَّهُ على ذلك في آياتٍ من كتابِه (3)، كقولِه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: الآيتان 22، 23]، وكقولِه (جل وعلا) في الكفارِ: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: آية 15] ¬
يُفْهَمُ من مفهومِ مخالفتِه: أن المؤمنين غيرُ مَحْجُوبِينَ عن رَبِّهِمْ، بل يَرَوْنَهُ (4)، وهو كذلك. وثبتَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه فَسَّرَ قولَه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: «الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ» (5). هذا هو التحقيقُ في رؤيةِ اللَّهِ، أنها جائزةٌ في حكمِ العقلِ في الدنيا والآخرةِ، ممتنعةٌ في حكمِ الشرعِ في دارِ الدنيا، واقعةٌ في الآخرةِ. ولطالبِ العلمِ هنا سؤالٌ، وهو أن يقولَ: إذا كانت جائزةً عَقْلاً في الدنيا فَمَا وَجْهُ مَنْعِهَا وعدمِ إمكانِها شَرْعًا؟ أجابَ بعضُ العلماءِ عن هذا السؤالِ: بأن الناسَ في دارِ الدنيا رُكِّبُوا تَرْكِيبًا ضَعِيفًا مُعَرَّضًا للتغيرِ والفناءِ والزوالِ، وهذا التركيبُ الضعيفُ المُعَرَّضُ للفناءِ والتغيرِ والزوالِ لا يَقْدِرُ ولا يستطيعُ ولا يَقْوَى على رؤيةِ خالقِ السماواتِ والأرضِ، والدليلُ على ذلك: أنه لَمَّا تَجَلَّى للجبلِ صارَ الجبلُ دَكًّا لِعِظَمِ رُؤْيَةِ اللَّهِ (جل وعلا)، كما يأتي في الأعرافِ في قولِه: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} [الأعراف: آية 143] فما يَدُكُّ الجبالَ
لا يقدرُ عليه بَنُو آدمَ، ولا يَقْوَوْنَ عليه (¬1). أما في الآخرةِ فإن اللَّهَ يُرَكِّبُهُمْ تَرْكِيبًا جَدِيدًا قَوِيًّا ليس قَابِلاً للتغيرِ ولا للفناءِ، فَيَقْوَوْنَ بتلك القوةِ على رؤيةِ اللَّهِ جل وعلا. فَتَبَيَّنَ بهذا أنها جائزةٌ عَقْلاً في الدنيا، إلا أن البشرَ يعجزون ولا يَقْوَوْنَ عليها، وأنها واقعةٌ شَرْعًا. لأنهم في ذلك الوقتِ يُطِيقُونَهَا لتركيبِهم الجديدِ الدائمِ. هذا مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعةِ، وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا في هذه الدروسِ (¬2): أن الواجبَ على كُلِّ المسلمين في آياتِ الصفاتِ: أن يعتقدوا ثلاثةَ أُسُسٍ كُلُّهَا في ضوءِ القرآنِ العظيمِ، فَمَنِ اعتقدَ الأسسَ الثلاثةَ كُلَّهَا لَقِيَ رَبَّهُ سَالِمًا على محجةٍ بيضاءَ، وَمَنْ أَخَلَّ بواحدٍ منها وَقَعَ في مهواةٍ قد لاَ يتخلصُ منها، هذه الأسسُ الثلاثُ: أولُها: - وهو الأساسُ الأكبرُ للتوحيدِ، وهو الحجرُ الأساسيُّ لمعرفةِ اللَّهِ الصحيحةِ، والصلةِ بِاللَّهِ على أساسٍ صحيحٍ وَثِيقٍ. هذا الأصلُ العظيمُ الذي هو أساسُ التوحيدِ، والحجرُ الأساسيُّ لمعرفةِ اللَّهِ معرفةً صحيحةً وثيقةً -: هو اعتقادُ أن خالقَ السماواتِ والأرضِ مُنَزَّهٌ غايةَ التنزيهِ عن أن يُشْبِهَ شيئًا من صفاتِ خَلْقِهِ أو ذَوَاتِهِمْ أو أفعالِهم. فهو (جل وعلا) العظيمُ الأَعْلَى الذي لا يُشْبِهُ شيئًا من خَلْقِهِ، ومَنِ الْخَلْقُ حتى يُشْبِهُوا مَنْ خَلَقَهُمْ؟ أليسوا أَثَرًا من آثارِ قدرتِه وإرادتِه؟ كيفَ تُشْبِهُ الصنعةُ صانعَها؟ لا. ¬
وهذا الأساسُ العظيمُ، الذي هو أساسُ التوحيدِ، والحجرُ الأساسيُّ لمعرفةِ اللَّهِ معرفةً صحيحةً، الذي هو تَنْزِيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ الخلقِ، بَيَّنَهُ اللَّهُ في آياتٍ من كتابِه، كقولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11]، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: آية 4]، {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: آية 74]، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)} [مريم: آية 65] هذا أساسُ التوحيدِ الأكبرُ، فإذا نظَّفَ الِإنسانُ ضميرَه من نجاسةِ وتقذيرِ التشبيهِ كان سَهْلاً عليه أن يؤمنَ بما وَصَفَ اللَّهُ به نفسَه، وما وَصَفَهُ به رسولُه - صلى الله عليه وسلم - إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ؛ لأن كُلَّ البلايا مَنْشَؤُهَا من أقذارِ القلوبِ بنجاساتِ التشبيهِ، فَمَنْ طَهَّرَ قلبَه عن أقذارِ التشبيهِ ونجاساتِها، وَعَلِمَ أن صفاتِ اللَّهِ بالغةٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقطعُ علائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَها وبينَ صفاتِ المخلوقينَ: سَهُلَ عليه أن يؤمنَ بالصفاتِ؛ لأنه يعتقدُ في معانِيها التنزيهَ الكاملَ عن مشابهةِ الخلقِ. وهذانِ الأصلانِ اللذانِ بَيَّنَّاهُمَا الآنَ - اللذان هما: تنزيهُ اللَّهِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ، والإيمانُ بِمَا وصفَ به نفسَه، أو وَصَفَهُ به رسولُه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، وعدم مشابهةِ الخلقِ - لم نَقُلْهُ من تلقاءِ أَنْفُسِنَا، وإنما قُلْنَاهُ في ضوءِ تعليمِ خالقِ السماواتِ والأرضِ في ضوءِ الْمُحْكَمِ المنزلِ؛ لأَنَّ اللَّهَ لَمَّا قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أَتْبَعَ ذلك بقولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)} [الشورى: آية 11] فَإِتْيَانُهُ بقولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)} بعدَ قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فيه تعليمٌ أعظمُ، وَمَغْزًى أكبرُ، وسِرٌّ سماويٌّ لا يَخْفَى، لا يَبْقَى معه في الحقِّ لَبْسٌ؛ لأنه قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)} بعد قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} مع أن السمعَ والبصرَ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى -
من حيثُ هُمَا سمعٌ وبصرٌ يتصفُ بهما جميعُ الحيواناتِ - ولله المثل الأعلى - فكأَنَّ اللَّهَ يقولُ: لا تَتَنَطَّعْ يا عَبْدِي يا مسكينُ فتنفي عَنِّي صفةَ سَمْعِي وبصري، مُدَّعِيًا أن المخلوقاتِ تسمعُ وتبصرُ. وأنك إن أَثْبَتَّ لِي سَمْعِي وبصري كُنْتَ مُشَبِّهًا لي بالمخلوقاتِ التي تسمعُ وتبصرُ. لا، وكَلاَّ!! أَثْبِتْ لِي سمعي وبصري، مُرَاعِيًا في ذلك الإثباتِ: تَنْزِيهِي، وقولِي قبلَه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فجميعُ الصفاتِ من هذا البابِ الواحدِ. فأولُ الآيةِ - أعني: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يدلُّ على التنزيهِ الكاملِ عن مشابهةِ المخلوقين من غيرِ تعطيلٍ، وقولُه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)} يَدُلُّ على الإيمانِ بالصفاتِ إيمانًا حَقًّا على أساسِ التنزيهِ، من غيرِ تشبيهٍ ولا تَمْثِيلٍ. فالأساسُ الأولُ من هذه الأُسُسِ الثلاثةِ: هي تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ المخلوقين في صفاتِهم وذواتِهم وأفعالِهم. الأساسُ الثاني: هو أن لاَ تُكَذِّبَ اللَّهَ فيما أَثْنَى به على نفسِه؛ لأنه لا يَصِفُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ: {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: آية 140] ولاَ يصفُ اللَّهَ بعدَ اللَّهِ أَعْلَمُ بالله من رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الذي قال في حَقِّهِ: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4]. فَعَلَيْنَا أَوَّلاً أن نُطَهِّرَ قلوبَنا من أقذارِ التشبيهِ، وأن نُنَزِّهَ خالقَ السماواتِ والأرضِ عن أن تُشْبِهَ صفتُه صفةَ خلقِه، ثم إذا طَهَّرْنَا القلوبَ من أقذارِ التشبيهِ، ونَزَّهْنَا خالقَ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ الخلقِ، سَهُلَ علينا الإيمانُ بصفاتِه - صفاتِ الكمالِ والجلالِ - إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ وعدمِ المماثلةِ، على غِرَارِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)} [الشورى: آية 11]. الأساسُ الثالثُ من هذه الأسسِ: هو قَطْعُ الطمعِ عن إدراكِ الكيفياتِ؛ لأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ كيفيةَ الشيءِ فقد أَحَاطَ به، وَاللَّهُ يقولُ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: آية 110]. فهذه الأُسُسُ الثلاثةُ التي هي: تنزيهُ اللَّهِ عن مشابهةِ خلقِه، والإيمانُ بصفاتِه الثابتةِ في كتابِه وسنةِ رسولِه، إِيمَانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، وقَطْعُ الطمعِ عن إدراكِ الكيفيةِ. هذا معتقدُ السلفِ الذي كان عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤُه الراشدونَ. لاَ يُفَسِّرُونَ صفاتِ اللَّهِ إلا بدليلٍ جليلٍ لائقٍ مُنَزَّهٍ عن الأقذارِ ومشابهةِ الخلقِ، ولاَ يَنْفُونَ عن الله ما أَثْبَتَهُ لنفسِه، بل يثبتونَه له على أساسِ التنزيهِ، على غِرَارِ:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)} [الشورى: آية 11]. وأنا أُؤَكِّدُ لكم: أننا في هذه الدارِ - دارِ الدنيا - وسنرتحلُ جميعًا منها إلى القبورِ، ثم ننتقلُ من القبورِ إلى عَرَصَاتِ القيامةِ، إلى محلِّ المناقشةِ والسؤالِ عن الحقيرِ والجليلِ، فإذا جِئْتُمُ اللَّهَ وأنتم معتقدونَ هذه الأسسَ الثلاثةَ، أُؤَكِّدُ لكم أنه لا تأتيكم بَلِيَّةٌ ولاَ وَيْلَةٌ ولا مشكلةٌ ولا لومٌ ولا توبيخٌ من واحدٍ من هذه الأسسِ التي بَيَّنْتُ لكم على ضوءِ القرآنِ العظيمِ. فلا يقولُ اللَّهُ لواحدٍ منكم: لِمَ تُنَزِّهْنِي عن مشابهةِ المخلوقاتِ؟ لا، وكَلاَّ. هذا التنزيهُ طريقُ سلامةٍ مُحَقَّقَةٍ. ولا يقولُ اللَّهُ لأحدٍ منكم: لِمَ أثْبتَّ لِي ما أثْبَتُّه لِنَفْسِي، أو أثبَتَهُ لِي رَسُولِي؟ ولِمَ تُصَدِّقْنِي فيما أثنيتُ به على نفسي؟ لا، وكَلاَّ. فتصديقُ اللَّهِ والإيمانُ بما قال على أساسِ التنزيهِ طريقُ سلامةٍ محققةٌ لا شَكَّ فيها. ولا يقولُ اللَّهُ لواحدٍ منكم: لِمَ لاَ تَدَّعِي
أن عقلَك الضعيفَ المسكينَ محيطٌ بِكُلِّ صِفَاتِي وكيفياتِها؟ لا، وكَلاَّ. فهذه الأسسُ الثلاثةُ في ضوءِ القرآنِ العظيمِ طريقُ سلامةٍ محققةٌ؛ ولذا ما ثَبَتَ من رؤيةِ اللَّهِ بالأبصارِ نُمِرُّهُ كما جاءَ، ونعتقدُ أنه حَقٌّ على الوجهِ اللائقِ بكمالِه وجلالِه، المنزهِ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقينَ من جميعِ النَّوَاحِي. إذا عرفتُم هذا: فَاعْلَمْ أن العلماءَ أجابوا عن استدلالِ المعتزلةِ بهذه الآيةِ الكريمةِ على مذهبِهم الباطلِ بأجوبةٍ متعددةٍ: منها: أن معنَى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: آية 103] كما جَاءَ عن ابنِ عباسٍ وجماعةٍ من السلفِ: أن الإدراكَ المنفيَّ هنا هو الإحاطةُ (¬1). والمعنى: لا تُحِيطُ بِهِ الأبصارُ. والإدراكُ قد يُطْلَقُ على الإحاطةِ كثيرًا (¬2)، كقولِه: {أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} [يونس: آية 90]، أي: أحاطَ به مِنْ جميعِ جهاتِه. {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)} [الشعراء: آية61]. أي: مُحَاطٌ بِنَا. وعلى هذا فمعنَى: {لاَّ تُدْرِكُهُ} أي: لاَ تُحِيطُ به الأبصارُ، وإن كانت تَرَاهُ في الجملةِ، فالإدراكُ المنفيُّ هو الإحاطةُ. والإحاطةُ لاَ يستلزمُ نَفْيُهَا نفيَ مُطْلَقِ الرؤيةِ الثابتِ في الأحاديثِ المتواترةِ والآياتِ القرآنيةِ (¬3). الوجهُ الثاني: أن معنَى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: ¬
آية 103] أي: لاَ تُدْرِكُهُ في دارِ الدنيا (¬1)، بدليلِ قولِه: في الآخرةِ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: الآيتان 22، 23]. فلما قَيَّدَ نظرَها إلى رَبِّهَا بقولِه: {يَوْمَئِذٍ} أي: يومَ القيامةِ، عَرَفْنَا أن ذلك النظرَ مقيدٌ بالقيامةِ، وأَنَّ: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} أي: في دارِ الدنيا. وقال بعضُ العلماءِ: لو سَلَّمْنَا ما يقولُه المعتزلةُ من أن الإدراكَ: الرؤيةُ، وأن الآيةَ عامةٌ: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} فعمومُها تُخَصِّصُهُ آياتٌ أُخَرُ بيومِ القيامةِ (¬2): {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: الآيتان 22، 23] وقولُه: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: آية 15] أي: بخلافِ المؤمنين فليسوا بمحجوبينَ عن رَبِّهِمْ. وقد تَقَرَّرَ في الأصولِ أن المفهومَ يُخَصِّصُ العَامَّ (¬3)، سواءً كان مفهومَ موافقةٍ، أو مفهومَ مخالفةٍ. فمثالُ تخصيصِ العامِّ بمفهومِ الموافقةِ (¬4): قولُه - صلى الله عليه وسلم - «لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (¬5) ¬
ومعنَى قولِه: «لَيُّ الْوَاجِدِ» يعني: ظلمُ الْغَنِيِّ يُحِلُّ عقوبتَه. يعني: بالحبسِ. وعِرْضَهُ: بأن يقولَ: ظَلَمَنِي، وَمَطَلَنِي. وظاهرُ هذا العمومِ يشملُ الوالدَ إذا مَطَلَ دَيْنَ وَلَدِهِ؛ لأَنَّ لَفْظَةَ «الواجدِ» يصدقُ بكل غريمٍ مُوسِرٍ، فيدخلُ فيه الأبُ، إلا أن مفهومَ الموافقةِ في قولِه: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: آية 23] يُفْهَمُ منه: أن حَبْسَهُ في دَيْنِهِ من بابِ أَوْلَى لاَ يجوزُ. فَخُصِّصَ الحديثُ بمفهومِ الموافقةِ في الآيةِ. ومثالُه في مفهومِ المخالفةِ: قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (¬1). ظاهرُ عمومِه: سواءً كانت سائمةً أو معلوفةً، فَلَمَّا قال في ¬
الحديثِ الآخَرِ: «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» (¬1) خُصِّصَ عمومُ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» بمفهومِ المخالفةِ في قولِه: «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ». أي: فمفهومُه: أن غيرَ السائمةِ لا زكاةَ فيها. فيُخَصَّصُ بهذا المفهومِ عمومُ: «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَلِذَا يُخَصَّصُ عمومُ: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: آية 103] بمفهومِ: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: آية 15] أي: بخلافِ المؤمنين فليسوا مَحْجُوبِينَ عَنْ رَبِّهِمْ. وقد نَصَّ اللَّهُ على ذلك في قولِه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: الآيتان 22، 23] وقولُه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: آية 26] ولاَ شَكَّ أن القرآنَ تُخَصِّصُهُ السُّنَّةُ، وأن السُّنَّةَ تخصصُ القرآنَ. فلو قُلْنَا: إن عمومَ: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} عمومٌ عَامٌّ، بمعنَى: لا تَرَاهُ الأبصارُ. فإنه تُخَصِّصُهُ الأحاديثُ المتواترةُ عن النبيِّ أن المؤمنين يَرَوْنَهُ يومَ القيامةِ بأبصارِهم، وَدَلَّتْ عليه الآيةُ المذكورةُ كما هو مَعْرُوفٌ. وتخصيصُ الكتابِ بالكتابِ والسنةِ مَعْرُوفٌ (¬2). فمثالُ تخصيصِ القرآنِ بالقرآنِ: تخصيصُ قولِه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ ¬
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: آية 228]، في قولِه جل وعلا: {وَأُوْلاَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: آية 4]، فالمطلقةُ الحاملُ تُخَصَّصُ من القروءِ بوضعِ الحملِ، وكما خَصَّصَ منه المطلقةَ قبل الدخولِ بقولِه: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: آية 49] ومعلومٌ أَنَّ تخصيصَ الكتابِ بالسنةِ كثيرةٌ؛ وَلِذَا خُصِّصَ قولُه تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: آية 24] بقولِه: «لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ... » الحديثَ (¬1). وخُصِّصَ قولُه: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} [النساء: آية 11] بأولادِ الأنبياءِ فلاَ يَرِثُونَ، والولدِ الكافرِ فَلاَ يَرِثُ، والولدِ الرقيقِ فلاَ يَرِثُ. كُلُّ ذلك بالسُّنَّةِ، وهذا معروفٌ (¬2). فمعنَى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: آية 103] أو: لا تُحِيطُ بِهِ الأبصارُ، أو: لا تدركُه الأبصارُ في الدنيا، ولكنها تَرَاهُ فِي الآخرةِ. واختارَ غيرُ واحدٍ: أن الإدراكَ هنا المنفيَّ معناه: الإحاطةُ. أي: لاَ تُحِيطُ به الأبصارُ، ولا يُنَافِي أنها تَرَاهُ، ولكن لا تُحِيطُ به؛ لأنه لا يُحِيطُ به شيءٌ، وهو محيطٌ بِكُلِّ شيءٍ، وفي الحديثِ: «لاَ ¬
أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (¬1) فكما أن المؤمنين يعلمونَ صفاتِ رَبِّهِمْ - صفاتِ الكمالِ والجلالِ - ولاَ يُحِيطُونَ بكيفيةِ كُنْهِهَا فكذلكَ يرونَه يومَ القيامةِ بعيونِهم ولا تُحِيطُ به أبصارُهم. والحاصلُ هو ما قَدَّمْنَاهُ: أن التحقيقَ في رؤيةِ اللَّهِ بعيونِ الرؤوسِ بالأبصارِ أنها جائزةٌ عَقْلاً في الدنيا والآخرةِ، ممتنعةٌ شَرْعًا في الدنيا، جائزةٌ [نَقْلاً وَعَقْلاً] (¬2) وواقعةٌ في الآخرةِ بالأحاديثِ المتواترةِ والآياتِ القرآنيةِ كَمَا بَيَّنَّا. وقولُه: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} الأبصارُ: جمعُ بَصَرٍ، ولعلماءِ اللغةِ حدودٌ متقاربةٌ في معنَى البصرِ (¬3): قال بعضُهم: البصرُ: العينُ، إلا أنه مُذَكَّرٌ. وقال بعضُهم: البصرُ: حاسةُ الرؤيةِ. وقال بعضُهم: البصرُ: حِسُّ العينِ. أي: إحساسُها الذي تُدْرِكُ به المرئياتِ. وقال بعضُهم: البصرُ: هو الجوهرُ اللطيفُ الذي رَكَّبَهُ اللَّهُ في حاسةِ الرؤيةِ تُرَى به المُبْصَراتُ. معناه: أن هذا البصرَ الذي في العينِ - المعنَى القائمَ فيها، الذي تُدْرِكُ به الْمُبْصَرَاتِ - لا يحيطُ بخالقِ السماواتِ والأرضِ وإن كانوا يرونَه، كما جاءَ في الآياتِ القرآنيةِ. ¬
{وهُوَ} جل وعلا {يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: آية 103]، أي: يُحِيطُ بها عِلْمًا وَبَصَرًا. وهذه الآيةُ تدلُّ على أن الخلقَ لاَ يُحِيطُونَ بكيفيةِ البصرِ، ولا يعلمونَ كيفيةَ هذا النورِ، وحقيقةَ هذا النورِ الذي جَعَلَهُ اللَّهُ في العينِ تُبْصِرُ به المرئياتِ. لاَ يُبْصِرُ الِإنسانُ بيدِه ولاَ بأنفِه ولاَ بِجَبْهَتِهِ ولاَ بِرِجْلِهِ، وإنما يُبْصِرُ بخصوصِ عَيْنِهِ. فهذا المعنَى الذي أَوْدَعَهُ اللَّهُ في العينِ لاَ تحيطُ الناسُ بكُنْهِ كيفيتِه ولاَ حقيقتِه، واللَّهُ (جل وعلا) يُدْرِكُهُ، أي: يحيطُ به ويراه ويعلمُ حقيقتَه (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}. {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} أصلُ (اللطيفِ): (فَعِيل) من اللُّطْفِ. واللُّطْفُ أصلُه في لغةِ العربِ: هو إيصالُ النفعِ والإكرامِ والبِرِّ بالطرقِ الخفيةِ (¬1). فَكُلُّ ما يُوصِلُ إليكَ النفعَ والْبِرَّ والإحسانَ فإنه لطيفٌ بِكَ. والعربُ تقولُ: صَدِيقٌ مُلاطِفٌ. إذا كان يلاطفُك بالبرِّ والإحسانِ والإكرامِ. وَسُئِلَ بعضُ علماءِ العربيةِ عن: (صديقِك المُلاطِفِ) ما معنَى كونِه مُلاَطِفًا لَكَ؟ أَجَابَ: بأن الصديقَ الْمُلاَطِفَ ينطبقُ عليه قولُ الراجزِ (¬2): إِنَّ أَخَاكَ الْحَقَّ مَنْ يَسْعَى مَعَكْ ... وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكْ ¬
وَمَنْ إِذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَعَكْ ... شَتَّتَ فِيكَ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَكْ فعلى كُلِّ حالٍ اللطفُ: إيصالُ البرِّ والإكرامِ والإحسانِ. وكثيرًا ما يُطْلَقُ على إيصالِه بالطرقِ الخفيةِ التي لا يَعْلَمُهَا كُلُّ الناسِ. وَاللَّهُ (جل وعلا) لطيفٌ بخلقِه، مُحْسِنٌ إليهم، يدركُ حقائقَهم، ولا يَخْفَى عليه منهم شيءٌ، لطيفٌ إليهم، مُحْسِنٌ بَرٌّ بهم، يُوصِلُ لهم طرقَ الإكرامِ والبرِّ والإحسانِ من حيثُ لا يشعرونَ. وقولُه: {الْخَبِيرُ (1)} (فَعِيل) من الخُبرِ. و (الخبيرُ) في لغةِ العربِ لا يكادُ يُطْلَقُ إلا على العالِمِ بما مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْفَى، فلا يُطْلَقُ (الخبير) على العالِم بالظاهرِ غَالِبًا، وإنما يُطْلَقُ (الخبير) على مَنْ عَلِمَ شَيْئًا من شأنِه أن يَخْفَى، ومنه قولُ العربِ: «عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ» (¬1) {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} [فاطر: آية 14]. فلو قُلْتَ مثلاً: «أَنَا خبيرٌ بهذا الأمرِ». وهو أَمْرٌ معنويٌّ يَخْفَى، كان كَلاَمًا عَرَبِيًّا. ولو قلتَ: «أنا خبيرٌ بأن الواحدَ نصفُ الاثنينِ» لم يكن هذا من لغةِ العربِ؛ لأن كونَ الواحدِ نصفَ الاثنين ليسَ من شأنِه أن يَخْفَى حتى يُعبَّرَ عنه بلفظِ (الخبيرِ). هذا هو معنَى قولِه: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)}. وكان بعضُ المتأخرينَ من العلماءِ يقولُ (¬2): {وَهُوَ اللَّطِيفُ} في استخراجِ الأشياءِ لقدرتِه عليها {الْخَبِيرُ (103)} بمكانِها، لا يَخْفَى عليه شيءٌ. والأولُ هو التفسيرُ المعروفُ، وهو المعروفُ في كلامِ العربِ. وهذا معنَى قولِه: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)}. {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا ¬
عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104)} [الأنعام: آية 104]. {قَدْ}: هُنَا حَرْفُ تَحْقِيقٍ. و {جَاءَكُمْ بَصَائِرُ} إنما ذَكَّرَ الفاعلَ ولم يَقُلْ: «جاءتكم بصائرُ»؛ لأن الجمعَ المُكَسَّرَ يَجْرِي مَجْرَى الواحدةِ المؤنثةِ المجازيةِ التأنيثِ (¬1)، فيجوزُ التجريدُ من التاءِ. وَحَسَّنَهُ هنا الفصلُ بالمفعولِ - أعني: {جَاءَكُمْ} - فإن الفصلَ يُبِيحُ وَيَجُوزُ به تركُ التاءِ في المؤنثةِ الحقيقيةِ، أحرى غيرُها (¬2). وقولُه: {بَصَائِرُ} البصائرُ: جمعُ البصيرةِ (فَعِيْلَة) مجموعةٌ على (فَعَائِل) على القياسِ. والبصيرةُ أشهرُ معانِيها في لغةِ العربِ أنها تُطْلَقُ إِطْلاَقَيْنِ يرجعُ إليهما غالبُ استعمالِ البصيرةِ في القرآنِ، وفي لغةِ العربِ (¬3): أحدُهما: أن البصيرةَ هي الحُجَّةُ والدليلُ القاطعُ. ومعنَى (البصائرِ): الْحُجَجُ والأدلةُ القاطعةُ، وإنما قيل للدليلِ القاطعِ والحجةِ والبرهانِ: (بصيرةٌ) لأنه يُنَوِّرُ البصيرةَ التي هي نورُ العقلِ، يُنَوِّرُهَا حتى ترى الحقَّ حقًّا، والباطلَ باطلاً، والنافعَ نافعًا، والضارَّ ضارًّا، والحَسَنَ حَسَنًا، والقبيحَ قَبِيحًا. وعلى هذا فمعنَى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ} أي: قد جَاءَتْكُمْ حُجَجٌ قاطعاتٌ، وأدلةٌ واضحاتٌ في هذا القرآنِ العظيمِ، بَيَّنَ اللَّهُ لكم بها توحيدَه، وأدلةَ براهينِه القاطعةَ، كقولِه: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [الأنعام: آية 95] إلى آخِرِ ¬
ما تُقَدِّمُ من آياتِ البراهينِ، والحججِ القاطعةِ في هذه السورةِ الكريمةِ. ومن إطلاقِ البصيرةِ على الدليلِ القاطعِ: قولُه جل وعلا: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: آية 108]، أي: على عِلْمٍ ودليلٍ واضحٍ وبرهانٍ قاطعٍ لاَ يَتْرُكُ فِي الحقِّ لَبْسًا. ومنه بهذا المعنَى: قولُه تعالى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} [القيامة: الآيتان 14، 15] معناه: أن الإنسانَ حجةٌ على نفسِه. {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} قولُه: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ (¬1): أحدُهما: أنه لو اعْتَذَرَ كُلَّ الأعذارِ، كما قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: آية 23] فنفسُه حجةٌ عليه؛ لأن جِلْدَهُ وجوارحَه تَنْطِقُ بما فَعَلَ، كما يأتي في قولِه: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: آية 22] وكقولِه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} [يس: آية65] فكلامُ أيدِيهم وشهادةُ أَرْجُلِهِمْ هو كونُ الإنسانِ بصيرةً وحجةً على نفسِه، حيث يشهدُ عليه جِلْدُه وأعضاؤُه {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [فصلت: آية 21] فعلى هذا: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} لو أتى بالأعذارِ الكاذبةِ كقولِهم: {حِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: آية 22] {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} [النحل: آية 28] {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: آية 23] فنفسُه منها حجةٌ قاطعةٌ ¬
عليه، وهي شهادةُ أعضائِه وجلدِه على أنه فَعَلَ كذا يومَ كذا، في وقتِ كذا، في مكانِ كذا. الوجهُ الثاني: أن (المِعْذَار) يُطْلَقُ في لغةِ بعضِ العربِ من اليمانيين وغيرِهم على (السِّترِ)، فيقولونَ: «أَرْخَى مِعْذَارَهُ» أي: سِتْرَهُ. والمعنَى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)} تقومُ حجةٌ منه بما فَعَلَ على نفسِه بشهادةِ جوارحِه: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} أي: ولو أَرْخَى سُتُورَهُ وقتَ الذنبِ بحيثُ لاَ يطلعُ عليه أحدٌ، فجوارحُه تُخْبِرُ بما فَعَلَ. هذا هو معنَى البصيرةِ، ومعانيها راجعةٌ إلى هذا. والظاهرُ أن تسميةَ العربِ الدمَ الذي يخرجُ من البكرِ عندَ افتضاضِها - فقطعةُ الدمِ التي تخرجُ من البكرِ عندَ افتضاضِها - تسميها العربُ: (بصيرةً) لأنها حجةٌ على أن الزوجَ وَجَدَهَا بِكْرًا غيرَ ثَيِّبٍ (1). ومن هنا قيل لدمِ القتيلِ الذي يكونُ عندَ أولادِه - يأخذونَ دَمَهُ - تقولُ العربُ لِدَمِهِ: (بصيرةٌ)؛ لأنه حجَّةٌ على القاتلِ بأنه قَتَلَهُ. وهو معنًى معروفٌ، (2) ومنه قولُ الأشعرِ الجعفيِّ (3): رَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ ... وبَصِيرَتِي يَعْدو بِهَا عَتَدٌ وَأَى فمعنى قولِه: {قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ} أي: قد جاءتكم في هذه السورةِ الكريمةِ حُجَجٌ وبراهينُ قاطعاتٌ على كمالِ قدرتِه (جل وعلا)
وآياتهِ الباهرةِ الدالةِ على أنه رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وأنه المعبودُ وَحْدَهُ. {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي: بعينِ قَلْبِهِ؛ لأَنَّ الإِبْصَارَ إنما هو بالبصيرةِ، وهو المعنَى الثاني للبصيرةِ، وهو الاستبصارُ والعلمُ بالقلبِ بحقائقِ الأشياءِ {فَمَنْ أَبْصَرَ} يعني: ببصيرةِ قَلْبِهِ، لأَنَّ الإبصارَ النافعَ هو الإبصارُ ببصيرةِ القلبِ كما يأتي في قولِه: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} [الحج: آية 46]. وَمَنْ أَرَادَ أن يقرب عنده معنَى هذه الآيةِ الكريمةِ: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} فَلْيَنْظُرْ إلى رَجُلَيْنِ في وسطِ الشارعِ، أحدُهما صحيحُ العينين، تَامُّ البصرِ جِدًّا، إلا أنه مفقودُ العقلِ بَتَاتًا. والثاني أَعْمَى، مكفوفٌ لاَ يُبْصِرُ شيئًا، إلا أنه كاملُ العقلِ تَامُّهُ. فتجدُ صحيحَ العينين قويُّ النظرِ حديدُه، الذي يَفْقِدُ العقلَ يضربُ رأسَه في الجدارِ، ويسقطُ في البئرِ، ويسقطُ في النارِ، ويسقطُ على الْحَيَّةِ، فهو لا يَرَى شيئًا، وبصرُه الحديدُ لا ينتفعُ به، وتجدُ ذلك الأَعْمَى وعصاه أمامَه، يروغُ من هنا ومن هنا، كأنه يرى كُلَّ ما يَضُرُّهُ وما ينفعُه، بهذا تَعْلَمُوا مَدَى قولِه: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} (¬1). إِذَا أَبْصَرَ الْقَلْبُ الْمُرُوءَةَ وَالتُّقَى ... فَإِنَّ عَمَى الْعَيْنَيْنِ لَيْسَ يَضِيرُ (¬2) ومعنَى قولِه: {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي: ببصيرةِ قلبِه وَأَدْرَكَ عظمةَ اللَّهِ، وَفَهِمَ عن اللَّهِ آياتِه التي جاءت بها رسلُه فَآمَنَ بِاللَّهِ، وَصَدَّقَ رُسُلَهُ، وامتثلَ أمرَ اللَّهِ، وَاجْتَنَبَ نَهْيَهُ. ¬
{فَلِنَفْسِهِ} أي: فَقَدْ أَبْصَرَ لنفسِه؛ لأن فائدةَ ذلك الإبصارِ راجعةٌ عليه في الدنيا والآخرةِ {وَمَنْ عَمِيَ} أي: عَمِيَ قَلْبُهُ، ولم يَفْهَمْ عن الله - والعياذُ بالله - فلم يَفْهَمْ عَنِ اللَّهِ آياتِه، ولم يَفْهَمْ هذه البصائرَ والحُججَ والأدلةَ القاطعةَ، لَمْ يَفْهَمْهَا ولكن عَمِيَ قلبُه عنها - والعياذُ بالله - فَعَلَى نفسِه، فَعَمَاهُ على نفسِه، نفسه عَمِيَ عَلَيْهَا، وَإياها أَضَرُّ. وهذه الآياتُ تدلُّ الإنسانَ على أنه إن أَبْصَرَ عن اللَّهِ فإنما ينفعُ نفسَه، وإن عَمِيَ عن الحقِّ فإنما يضرُّ نفسَه - والعياذُ بالله - فعلى المسلمِ أن يجتهدَ فيما يبصرُ به من إخلاصِ النيةِ وطاعةِ اللَّهِ (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} وهذا الكلامُ كَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يقولَه، ولذا قال في آخرِه: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104)} الحفيظُ: (فَعِيْل) بمعنَى (فَاعِل) أي: بحافظٍ عليكم أعمالَكم (¬1)، أُوَفِّقُكُمْ إلى خيرٍ، وأوفقكم لتركِ الشرِّ، وإلى فعلِ الخيرِ، وأحسبُ أعمالَكم، وأضبطُها عليكم، لا، وكَلاَّ، ليس مِنْ شَأْنِي حفظُ أعمالِكم وتوفيقِكم، ولا إحصاءُ أعمالِكم عليكم، ولا مجازاتكم عليها، إنما أنا رسولٌ مُبلِّغٌ، إنما عليَّ البلاغُ، وقد بلَّغْتُ، وحِفْظُ أعمالِكم وتوفيقكم إلى الخيرِ والشرِّ ومجازاتُكم على ذلك كُلِّهِ بيدِ اللَّهِ وحدَه، كما قال جل وعلا: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)} [الرعد: آية 40] {فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} أي: وهو التبليغُ {وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ} [النور: آية 54] أي: وهو الطاعةُ. ¬
وهذا معنَى قولِه: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104)} [الأنعام: آية 104] {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} [الأنعام: آية 105]. في هذه الآيةِ الكريمةِ ثلاثُ قراءاتٍ سبعياتٍ (¬1): قَرَأَه من السبعةِ نافعٌ وعاصمُ وحمزةُ والكسائيُّ: {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} على وزنِ (فَعَلْتَ) (الدالُ) غيرُ ممدودةٍ بألفٍ، و (التاءُ) مفتوحةٌ - تاءُ المخاطَبِ - {دَرَسْتَ} بعدمِ مدِّ الدالِ، وفتحِ التاءِ. هذه قراءةُ نافعٍ وعاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ. وقرأه مِنَ السبعةِ أبو عمرو وابنُ كثيرٍ: {وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} على وزنِ (فَاعَلْتَ) بتاءِ المُخاطَبِ المفتوحةِ. وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه من السبعةِ: {وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} على وزنِ (فَعَلَتْ) بتاءِ التأنيثِ الساكنةِ. اعْلَمْ أولاً أن معنَى الآيةِ: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} أي: وكذلك التصريفُ الواضحُ الذي تُصَرِّفُ عليه الآياتِ على أنحاءَ مختلفةٍ من إقامةِ البراهينِ العقليةِ، وإفحامِ الخصومِ والوعدِ والوعيدِ، وبيانِ المَحَجَّةِ، كذلك التصريفُ الذي نُصَرِّفُ به الآياتِ في هذه السورةِ: نصرِّفها بغيرِها من جميعِ القرآنِ مما يحتاجُ له البشرُ على أنحاءَ مختلفةٍ من العقائدِ والحلالِ والحرامِ والآدابِ والمكارمِ والأمثالِ والوعدِ والوعيدِ، كذلك التصريفُ الواضحُ على الأنحاءِ المختلفةِ، نُصَرِّفُ الآياتِ. وتصريفُ القرآنِ بهذه ¬
الأساليبِ العظيمةِ لحكمةٍ مفترقةٍ إلى شيئين: أي: لِيُؤْمِنَ بِهِ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ، وليُكذب به مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ فيقول: دَرَسْتَ هذا القرآنَ على غَيْرِكَ، وأخذتَه من غيرك (¬1)، كما قالوا: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5)} [الفرقان: آية 5] {إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: آية 4] والمعنَى: نُصرِّفُ آياتِ القرآنِ على أنحاءَ مختلفةٍ، في أكملِ بيانٍ وأوضحِه؛ لنخذلَ قومًا، ونوفقَ آخرين؛ لأن اللَّهَ أنزلَ هذا القرآنَ، وَصَدَقَ في عِلْمِهِ أنه يؤمنُ به قومٌ فيُدخلهم الجنةَ، ويكفرُ به آخرونَ فيدخلُهم النارَ؛ لأن هذا القرآنَ مُنْذُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ لا يدخلُ أحدٌ الجنةَ إلا عن طريقِ العملِ به، ولا النارَ إلا عن طريقِ الإعراضِ عنه، فالعملُ به مفتاحُ الجنةِ، والإعراضُ عنه مفتاحُ النارِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} [هود: آية 17] وَاللَّهُ (جل وعلا) يَبْتَلِي بابتلاءاتِه فَيُضِل قومًا ويهدي آخَرِينَ، وله في ذلك الحكمةُ البالغةُ؟ ولأَجْلِ هذا جَعَلَ القرآنَ هدًى لقومٍ وَفَّقَهُمْ للعملِ به، وجعلَه هلاكًا على آخَرِينَ، وحجةً عليهم، خَذَلَهُمْ فأعرضوا عنه، كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (82)} [الإسراء: آية 82] {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: آية 44] والعياذُ بالله {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} [التوبة: الآيتان 124، 125] هذا معنَى قولِه: ¬
{وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} ولأجلِ أن ينقسموا إلى أشقياءَ وسعداءَ: صَرَّفْنَا هذا القرآنَ على هذا التصريفِ. {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} أي: وليقولَ الكفارُ الذين خَذَلَهُمُ اللَّهُ ولم يُوَفِّقْهُمْ للعملِ به: {دَرَسْتَ} يَعْنُونَ درستَ هذا القرآنَ على غَيْرِكَ، وأخذتَه عن بعضِ البشرِ (¬1)، كما يأتي في قولِه: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: آية 103] وقولِه: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ} إلى أن قال: {إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي: يَرْوِيهِ محمدٌ عن غيرِه {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)} [المدثر: الآيات 18 - 26]، وكقولِه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: آية 4] وكقولِهم: {اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: آية 5] أي: ليقولَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ: دَرَسْتَ هذا القرآنَ، وأَخَذْتَهُ عن غيرِك مِنَ الْبَشَرِ، وتعلمتَه منه، كما قالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: آية 103] أي: لأَجْلِ أن يخذلَ اللَّهُ مَنْ خَذَلَهُمْ فيكذبوا بكتابِ اللَّهِ، وينكروا أنه منزلٌ من الله، ويزعموا أنه درسَه على غيره، وَأَخَذَهُ من بَشَرٍ. هذا على قراءةِ نافعٍ وعاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ (¬2). أما على قراءةِ ابنِ كثيرٍ وَأَبِي عمرٍو: {وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ} فمعناه رَاجِعٌ إلى الأولِ، والمعنَى: دَارَسْتَ غيرَك من البشرِ، دَارَسْتَهُمْ فَدَارَسُوكَ، وقرأتَ عليهم وقرؤوا عليكَ، فَاسْتَعَنْتَ بهم حتى ¬
حَصَّلْتَ هذا الكلامَ الذي جئتَ به مِنْ عِنْدِهِمْ. أما على قراءةِ ابنِ عامرٍ: {وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ} فأصلُها قراءةٌ معناها مُشْكِلٌ، وأظهرُ أقوالِ العلماءِ فيها وَجْهَانِ (¬1): أحدُهما: وليقولَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ وأشقاه ولم يُوَفِّقْهُ للقرآنِ: دَرَسَتْ هذه الآياتِ التي تأتي بها؛ لأنها متقادمٌ عَهْدُهَا؛ لأنها من أساطيرِ الأولينَ أخذتَها عنهم؛ فهو ليس بشيءٍ جديدٍ أُنْزِلَ عليكَ، وإنما هي دارسةٌ قديمةٌ، كانت عندَ الأولين من أساطيرِهم، أخذتَها عنهم، وعلى هذا فالمعنَى يرجعُ إلى قولِه: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الفرقان: آية 5] {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [النحل: آية 24] لأَنَّ أساطيرَ الأولينَ أساطيرُ قديمةٌ دارسةٌ أخذتَها عنهم، ليست بأمرٍ جديدٍ مُنَزَّلٍ عليك. وهذا مِنْ أَبْيَنِ الوجوهِ في قراءةِ ابنِ عامرٍ: {وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ}. الوجهُ الثاني: أي: وليقولَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ وأشقاه ولم يُوَفِّقْهُ للعملِ بالقرآنِ: دَرَسَتْ هذه [13/ب] الآياتُ، طالَ علينا العهدُ بها وَانْمَحَتْ، فينبغي لكَ أن تأتيَ بغيرِها / وَتُبَدِّلَهَا بجديدٍ، فإن هذه الأُولَى دَرَسَتْ ولم تَنْفَعْ، كما قال: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: آية 15]. والأَوَّلُ أظهرُ. {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} [الأنعام: آية 105] هذه الحكمَةُ، أي: ليقولَ مَنْ خَذَلَهُمُ اللَّهُ وَأَشْقَاهُمْ: دَرَسْتَ هذا القرآنَ وأخذتَهُ عن بَشَرٍ، فهو أساطيرُ الأولين وليس بكلامِ اللَّهِ؛ ولأَجْلِ أَنْ نُبَيِّنَهُ لِمَنْ وَفَّقْنَاهُمْ، فيكون عمًى على هؤلاء وهدًى لهؤلاء، كما قال: ¬
{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: آية 44] فقوله: {هُدًى وَشِفَاءٌ} كقولِه: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، وقوله: {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} [الأنعام: آية 105] كقولِه: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: آية 44] وكقولِه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: آية 82] أي: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} لهم عقولٌ وَعِلْمٌ يُظْهِرُ لهم ما ضَمَّنَّا في هذا القرآنِ من تَصْرِيفِنَا الآياتِ من غرائبِنا وعجائبِنا وبصائرِنا، أي: أَدِلَّتِنَا القاطعةِ الواضحةِ التي لا تَتْرُكُ في الحقِّ لَبْسًا. وهذا معنَى قولِه: {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)}. {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107)} [الأنعام: الآيتان 106، 107]. {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) أنه أنزلَ علينا على لسانِ نَبِيِّنَا بصائرَ حيث قال: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ} والمعنَى: جاءتكم مِنْ قِبَلِنَا على لسانِ نبينا بصائرُ، أي: حُجَجٌ قاطعاتٌ، وأدلةٌ واضحاتٌ، لا تتركُ فِي الْحَقِّ لَبْسًا. فهذه البصائرُ التي جَاءَتْكُمْ يلزمُكم اتِّبَاعُهَا، وعدمُ الْمَيْلِ والحَيْدةِ عنها؛ ولذا أَتَّبِعُ قولَه: {قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ} [الأنعام: آية 104] بقولِه: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الأنعام: آية 106] وهو تلكَ البصائرُ والبيناتُ والحُجَجُ القاطعاتُ التي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عليكَ، وهذه البصائرُ: هي هذا القرآنُ العظيمُ، وهو المأمورُ بِاتِّبَاعِهِ في قولِه: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الأنعام: آية 106] وهذا القرآنُ العظيمُ يجبُ علينا جَمِيعًا أن نَتَّبِعَهُ، ونتأدبَ بآدابِه، ونتخلقَ بما فيه من مكارمِ الأخلاقِ، وَنُحِلَّ حلالَه،
ونُحَرِّمَ حرامَه، ونعتقدَ عقائدَه، وَنَنْزَجِرَ [بوعيده]، وننبسطَ [لِوَعْدِهِ] (¬1)، وَنَتَأَسَّى بأمثالِه، إلى غيرِ ذلك من العملِ به. وَاعْلَمُوا أن هذا القرآنَ العظيمَ هو أعظمُ نعمةٍ أَعْطَاهَا اللَّهُ لهذا الخلقِ الذي أَنْزَلَهُ عليه، وقد بَيَّنَ (جل وعلا) أن إيراثَ هذا القرآنِ العظيم هو العلامةُ الوحيدةُ في الاصطفاءِ، فَاللَّهُ لا يُورِثُ هذا الكتابَ إلا مَنْ اصْطَفَاهُ من خَلْقِهِ، حيث قال تعالى بعد أن نوَّه بالقرآنِ والعملِ به: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا} إلى أن قال: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّنْ تَبُورَ (29)} ثم قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فَبَيَّنَ أن إيراثَ هذا الكتابِ علامةٌ للاصطفاءِ؛ ولذا قال: {أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} والجمهورُ من العلماءِ على أن الذينَ أُورِثُوا الكتابَ الذين اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ بإيراثِ هذا الكتابِ لاَ يَخْتَصُّونَ بحَمَلَةِ القرآنِ الذين يَحْفَظُونَهُ، بل يشملُ جميعَ الأمةِ الذين يعملونَ به، فَيُحِلُّونَ حَلاَلَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، ويعتقدونَ عقائدَه إلى غيرِ ذلك، وإن لم يكونوا يَحْفَظُونَهُ (¬2)، وسواء وَقَعَ منهم تقصيرٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ لَمَّا بَيَّنَ إيراثَه للكتابِ، وأن إيراثَه الكتابَ علامةُ الاصطفاءِ، قَسَّمَ هذه الأمةَ التي أَوْرَثَهَا هذا الكتابَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، قال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} ثم نَوَّهَ بالقرآنِ العظيمِ فقال: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} أي: {ذَلِكَ} إِيرَاثُنَا الكتابَ إياهم عن نَبِيِّهِمْ {هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} مِنَ اللَّهِ عليهم. فَصَرَّحَتِ الآيةُ بِأَنَّ إنزالَ القرآنِ وإيراثَنا إياه أعظمُ فضلٍ وأكبرُه علينا؛ وَلِذَا عَلَّمَنَا اللَّهُ أن نحمدَه على هذه النعمةِ الكبرى ¬
والفضلِ الأعظمِ، حيث قال في أولِ سورةِ الكهفِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)} [الكهف: آية 1] يعنِي لَمْ يجعل فيه اعوجاجًا من جهةِ الألفاظِ ولا المعانِي، فألفاظُه بليغةٌ مستقيمةٌ، [ومعانيه] (¬1) كريمةٌ جليلةٌ، أخبارُه صدقٌ، وأحكامُه عدلٌ {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام: آية 115] يعنِي: صِدْقًا في الأخبارِ، وَعَدْلاً في الأحكامِ. ثم قال (جل وعلا) وهو محلُّ الشاهدِ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} يعني جميعَ الذين أُورِثُوا الكتابَ، هذا القرآنَ العظيمَ، وعلى رأسهم الظالمُ لنفسه؛ لأنه أولُ مَنْ ذُكِرَ، حيث قال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} ثم قال عن الجميعِ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)} وَلَمْ يبقَ غير الذين أُورثوا الكتابَ بظالِمهم ومقتصدِهم وسابقِهم إلا الكفرةَ الفجرةَ؛ ولذا قال بعدها: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} [فاطر: الآيات 29 - 36] وكان بعضُ العلماءِ يقول: حُقَّ لهذه (الواو) أن تُكْتَبَ بماءِ الْعَيْنَيْنِ (¬2). يعني واوَ {يَدْخُلُونَهَا} لأنها حَكَمَتْ بدخولِ الجميعِ في الجنةِ، وعلى رأسهم الظالمُ لنفسه. وأصحُّ التفسيراتِ في (الظالمِ)، و (المقتصدِ)، و (السابقِ) (¬3): ¬
أن الظَّالِمَ: هو الذي يطيعُ مرةً ويعصي أُخْرَى، من الذين قال اللَّهُ فيهم: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: آية 102]. والمقتصدُ: هو الذي يأتِي بالواجباتِ، ويتركُ المحرماتِ، ولا يتقربُ بالنوافلِ. والسابقُ بالخيراتِ: هو الذي يأتِي بالواجباتِ، وَيَتَّقِي الْمُحَرَّمَاتِ، ويتقربُ إلى اللَّهِ بالنوافلِ، تَقَرُّبًا إليه بغيرِ الواجباتِ. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: ما الحكمةُ في تقديمِ الظالمِ في آيةِ (فاطر) هذه، والظالمُ إذا كان في هذا الوعدِ الكريمِ بدخولِ الجنةِ {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} أين له أن يُقَدَّمَ فيقدمه اللَّهُ بالذكرِ على المقتصدِ والسابقِ؟ للعلماءِ عن هذا أجوبةٌ معروفةٌ (¬1): منها: أن بعضَهم قال: هذا المقامُ أظهرَ اللَّهُ فيه كرمَه وتعظيمَ هذا القرآنِ العظيمِ، وقوَّةَ آثارِه على مَنْ أَوْرَثَهُمْ إياه بدخولِ الجنةِ؛ ولذا بدأ بالظالمِ لئلا يقنطَ، وأخَّر السابقَ بالخيراتِ لئلا يعجبَ بعملِه فيحبط. وقال بعضُ العلماءِ: أكثرُ أهلِ الجنةِ الظالمونَ لأَنْفُسِهِمْ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: آية 24] وَلَمَّا كان أكثرُ أهلِ الجنةِ الظالمين لأنفسهم بدأَ بهم لشأنِ الكثرةِ. ¬
كذا قالوا واللَّهُ - تعالى - أعلمُ؛ ولذا لِمَا نَوَّهَ بهذه البصائرِ التي هي النعمةُ العظيمةُ: {قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ} [الأنعام: آية 104] أَمَرَ بِاتِّبَاعِهَا وقال: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الأنعام: آية 106] وهذا الذي أُوحِيَ إليك من ربكَ هو تلك البصائرُ، أي: الْحُجَجُ القاطعاتُ، والأدلةُ الساطعاتُ الواضحاتُ، التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا، التي صَرَّفَهَا اللَّهُ في هذا القرآنِ العظيمِ {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} [الأنعام: آية 105] كما قال جل وعلا: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الإسراء: آية 89] وهذا معنَى قولِه: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الأنعام: آية 106]. وهذه الآيةُ نَصَّ بأن الذي يجبُ اتِّبَاعُهُ هو الوحيُ، وهو القرآنُ العظيمُ، فلا يجوزُ اتباعُ غيرِه، فَمَنِ اتبعَ تَشْرِيعًا غيرَه فَرَبُّهُ من اتبع تشريعَه، كما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا (¬1)، وكما سيأتِي إيضاحُه مِرَارًا في هذه السورةِ الكريمةِ سورةِ الأنعامِ (¬2)؛ لأن التشريعَ إنما هو لخالقِ السماواتِ والأرضِ، كما أنه لاَ شريكَ له في عبادتِه: كذلك لا شريكَ له في حُكْمِهِ؛ ولذا قال تعالى في العبادةِ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} [الكهف: آية 110] وقال في حُكْمِهِ: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)} [الكهف: آية 26] وفي قراءةِ ابنِ عامرٍ: {وَلاَ تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} (¬3) فالحكمُ لِلَّهِ وحدَه، كما أن العبادةَ له وحدَه، فهو المعبودُ وحدَه (جل وعلا)، ¬
فيجبُ توحيدُه في العبادةِ، وهو الحاكمُ وحدَه (جل وعلا)، فالحكمُ له وحدَه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [الأنعام: آية 57] لأَنَّ الحكمَ لاَ يكونُ إلا لِمَنْ هو أَعْلَى مِنْ كُلِّ شيءٍ، وأكبرُ من كُلِّ شيءٍ، وأعظمُ من كل شيء، كما قال تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)} [غافر: آية 12] لأن العليَّ الكبيرَ الذي هو متصفٌ بغايةِ العلوِّ والكبرِ والعظمِ هو الذي له أن يأمرَ وينهى، فالحلالُ ما أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وليس لأحدٍ ألبتةَ تشريعٌ مع اللَّهِ، فكلُّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعًا وَضْعِيًّا سواء سَمَّاهُ نِظَامًا أو قانونًا أو دستورًا من التشاريعِ الوضعيةِ التي وَضَعَهَا إبليسُ على ألسنةِ أوليائِه من الكفرةِ: فَرَبُّهُ ذلك الذي اتَّبَعَ تشريعَه، وهو كافرٌ بالله كُفْرًا بواحًا مُخْرِجًا عن الملةِ. وَاللَّهُ بَيَّنَ هذا في آياتٍ كثيرةٍ؛ لأَنَّ التشريعَ لا يمكنُ إلا أن يكونَ للسلطةِ العليا الحاكمةِ، التي لا يمكنُ أن تكونَ فوقَها سلطةٌ، وهي سلطةُ خالقِ السماواتِ والأرضِ، فهو الآمِرُ الناهي، فالأمرُ أمرُه، والنهيُ نَهْيُهُ، والدينُ ما شَرَعَ، والحلالُ ما أَحَلَّ، والحرامُ ما حَرَّمَ، وَمَنْ أَرَادَ أن يتبعَ تَحْلِيلاً وَتَشْرِيعًا لغيرِه فقد اتَّخَذَ غيرَه رَبًّا، وهو مشركٌ بخالقِ السماواتِ والأرضِ؛ لأَنَّ الشركَ به في حكمِه كالشركِ به في عبادتِه؛ ولذا سيأتيكم في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأنعامِ - براهينَ قاطعةً من هذه البصائرِ التي قال اللَّهُ: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: آية 104] مُوَضِّحًا أن مَنِ اتَّبَعَ تشريعَ الشيطانِ فقد اتَّخَذَ الشيطانَ رَبًّا، وهو مشركٌ بالله شِرْكًا أكبرَ مُخْرِجًا عن دينِ الإسلامِ (¬1)؛ ذلك أن إبليسَ اللعينَ لَمَّا قال لتلامذتِه ¬
من كفارِ مكةَ: سَلُوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عن الشاةِ تصبحُ ميتةً، مَنْ هو الذي قَتَلَهَا؟ قال لهم: اللَّهُ قَتَلَهَا. قالوا: إذًا هي ذبيحةُ اللَّهِ، وأنتم تقولونَ: هي ميتةٌ نجسةٌ، فما ذَبَحْتُمُوهُ بأيديكم - يَعْنُونَ الْمُذَكَّى - تقولون: حلالٌ طيبٌ مستلذٌّ!! وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ تقولونَ: حرامٌ ميتةٌ نجسٌ، فأنتم إذًا أحسنُ مِنَ اللَّهِ!! فأنزلَ اللَّهُ - بإطباقِ العلماءِ (¬1) - فيهم قولُه تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] يعني: الميتةَ. أي: وإن زَعَمُوا أنها ذبيحةُ اللَّهِ، ثم قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} {وَإِنَّهُ} يعني: الأكلَ من الميتةِ {لَفِسْقٌ} وخروجٌ عن طاعةِ اللَّهِ. ثم قال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أي: وإن أطعتموهم في أن الميتةَ حلالٌ في تشريعِ الشيطانِ؛ لأن الصحابةَ والكفارَ اختلفوا في لحمِ الميتةِ، فقال الصحابةُ: حرامٌ بتشريعِ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة: آية 173] وقال أتباعُ الشيطانِ في تشريعِ الشيطانِ: الميتةُ حلالٌ، لأنها ذبيحةُ اللَّهِ، فما ذَبَحَهُ اللَّهُ أحسنُ مما ذَبَحَهُ البشرُ. فهي قطعةُ لحمٍ اختلف فيها شرعُ اللَّهِ مع قانونِ الشيطانِ، فقال اللَّهُ: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] يعني: إن أَطَعْتُمُ الكفارَ، بأكلِ الميتةِ الذي أباحَه قانونُ إبليسَ، ونظامُ الشيطانِ: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} بالله حيثُ أشركتُم به في حكمِه، وهو يقولُ: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)} [الكهف: آية 26]. وهذا الشركُ الذي حَكَمَ اللَّهُ به في سورةِ الأنعامِ على مَنِ اتَّبَعَ قانونَ الشيطانِ، ونظامَ إبليسَ، هو الذي يُوَبِّخُ اللَّهُ مُرْتَكِبِيهِ يومَ القيامةِ ¬
- في سورةِ (يس) - على رؤوسِ الأشهادِ، ويبينُ مصيرَهم النهائيَّ، وذلك في قولِه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: آية 60] وَقَدْ أَجْمَعَ العلماءُ أن عبادتَهم للشيطانِ التي نَهَاهُمْ عنها وَعَهِدَ إليهم ألا يفعلوها إنما هي اتباعُ نِظَامِهِ وتشريعِه وقانونِه في سَنِّ المعاصي والكفرياتِ والمنكراتِ. ثم قال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا} حيث عَبَدُوهُ واتخذوا تشريعَه: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)} ثُمَّ بَيَّنَ المصيرَ النهائيَّ لعَبَدةِ الشيطانِ، وَمُتَّبِعِي نظامِ إبليسَ: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: الآيات 60 - 65] ولأَجْلِ هذا سَمَّى اللَّهُ تعالى الذين يُطَاعُونَ في المعصيةِ: (شركاءَ) حيث قال: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} [الأنعام: آية 137]. وَلَمَّا سألَ عَدِيُّ بنُ حاتمٍ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن قولِه تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة: آية 31] كيف اتَّخَذُوهُمْ أربابًا؟ قال: أَلَمْ يحلوا لهم ما حَرَّمَ اللَّهُ؟ ويحرموا عليهم ما أَحَلَّ اللَّهُ فاتبعوهم؟ قال: بَلَى. قال: بذلك اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا (¬1). فَكُلُّ مَنْ يتبعُ نظامَ إبليسَ وقانونَ الشيطانِ فهو مشركٌ بِاللَّهِ في حُكْمِهِ، وَاللَّهُ يقولُ: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)} [الكهف: ¬
آية 26] {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [الأنعام: آية 57] {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: آية 10] {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)} [غافر: آية 12]، الحكمُ للعليِّ الكبيرِ وحدَه (جل وعلا)؛ وَلِذَا قال: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: آية 106] يعني: لا معبودَ بالحقِّ يُعْبَدُ إلاَّ هُوَ، فلا يجوزُ أن يُشْرَكَ بعبادتِه أحدٌ، ولا أَنْ يُشرك في حكمِه أحدٌ، سبحانَه (جل وعلا) أن يكونَ له شَرِيكٌ في عبادتِه، أو شريكٌ في حكمِه، سبحانَه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. وقولُه: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)} [الأنعام: آية 106] بعضُ العلماءِ يقولُ: هذا الإعراضُ المأمورُ به عن المشركين في سورةِ الأنعامِ في مكةَ قبلَ الهجرةِ منسوخٌ بآيةِ السيفِ (¬1). لأَنَّ الإعراضَ زمنَ مكةَ، وَلَمَّا جَاءَ إلى المدينةِ أُذِنَ له في القتالِ أَوَّلاً بقولِه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: آية 39] ثم أُمِرَ بقتالِ مَنْ قاتلهم دونَ مَنْ لَمْ يقاتلهم: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: آية 190] ثُمَّ أُمِرُوا بالقتالِ العامِّ في قولِه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} [التوبة: آية 5]. وبعضُ العلماءِ يقولُ: هذه الآيةُ ليست منسوخةً (¬2)؛ لأن المرادَ بالإعراضِ عن المشركينَ عدمُ الكلامِ مَعَهُمْ، وعدمُ سِبَابِهِمْ، وهذا أمرٌ قد يكونُ غيرَ منسوخٍ. وهذا معنَى قولِه: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)} [الأنعام: آية 106]. ¬
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)} [الأنعام: الآيات 107 - 110]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107)} [الأنعام: آية 107] لَمَّا قال اللَّهُ (جل وعلا) لِنَبِيِّهِ: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)} [الأنعام: آية 106] لَمَّا أمرَه بالإعراضِ عن المشركين بَيَّنَ أَنَّ إشراكَهم بِاللَّهِ واقعٌ بمشيئةِ اللَّهِ (جل وعلا)، وَأَتْبَعَهُ بقولِه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} قد تقررَ في فَنِّ الْمَعَانِي: أن فعلَ المشيئةِ إذا رُبِطَ بأداةِ شرطِ يُحْذَفُ مفعولُه دائمًا (¬1)، فمفعولُ المشيئةِ هنا مَحْذُوفٌ (¬2)، وتقديرُه: ولو شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشراكِهم ما أَشْرَكُوا. وهذه الآيةُ الكريمةُ تُبَيِّنُ أنه لا يقعُ شيءٌ إلا بمشيئةِ اللَّهِ، وأنه لو شَاءَ عدمَ إشراكِ الكفارِ لم يُشْرِكُوا. وقد دَلَّتْ على هذا آيَاتٌ كثيرةٌ كقولِه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: آية 35] {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: آية 13] وهذه الآياتُ تَرُدُّ على الْقَدَرِيَّةِ الزاعمينِ أن الكفرَ والمعاصِيَ بمشيئةِ العبدِ لا بمشيئةِ اللَّهِ، فمذهبُهم باطلٌ، فَرُّوا مِنْ شَيْءٌ فَوَقَعُوا فيما هو أشنعُ وأكبرُ منه، ¬
فهم يريدونَ التقربَ لِلَّهِ، بِأَنْ يَزْعُمُوا أن الخسائسَ كالسرقةِ والزنا والشركِ أنها بمشيئةِ العبادِ لا بمشيئةِ اللَّهِ، زاعمينَ أن الله أنزهُ وأعظمُ وَأَجَلُّ من أن تكونَ هذه الرذائلُ بمشيئتِه. وهذه الشبهةُ - التي هي شبهةُ الجبرِ والقدرِ - هي أعظمُ الشُّبَهِ التي في دِينِ الإسلامِ، وَكَثِيرٌ من ضعفاءِ العلمِ يصعبُ عليهم أن يَنْفَكُّوا عنها وَيَتَخَلَّصُوا منها، ونحنُ في هذه الدروسِ دائمًا نُبَيِّنُ كيفيةَ رَدِّ هذه الشُّبَهِ (¬1)، وخلوصُ مذهبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ بَيْنَ مذهبِ القدريةِ والجبريةِ كخلوصِ اللبنِ مِنْ بَيْنِ الفرثِ والدمِ سَائِغًا خَالِصًا لِلشَّارِبِينَ. ونقولُ مثلاً: لو أَرَادَ سُنِّيٌّ أن يُنَاظِرَ جَبْرِيًّا وقدريًّا متمسِّكينَ بمذهبِ القدريةِ والجبريةِ القدريِ [يزعم] (¬2) أن أفعالَ العبدِ القبيحةَ بمشيئةِ العبدِ لا بمشيئةِ اللَّهِ، ويزعمُ الجبريُّ أن الأفعالَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ، فليسَ للعبدِ فِعْلٌ. فلو قَالَ جَبْرِيٌّ مثلاً: هذه الأفعالُ الصادرةُ من الإنسانِ؛ كالإشراكِ والزنا والسرقةِ وما جَرَى مَجْرَى ذلك من الرذائلِ، هي مكتوبةٌ عليه قبلَ أن يولدَ، قَدَّرَهَا اللَّهُ وَكَتَبَهَا في الأزلِ، وما قَدَّرَهُ اللَّهُ وكتبَه لا يمكنُ أن يتغيرَ!! يقولُ الْجَبْرِيُّ مثلاً: ما سَبَقَ في علمِ اللَّهِ من أن المشركَ يشركُ، وأن الزانيَ يَزْنِي، وأن السارقَ يسرقُ سَبَقَ به العلمُ الأَزَلِيُّ، فلا يمكنُ أن يتغيرَ؛ لأن ما سَبَقَ في علمِ اللَّهِ لا يمكنُ أن يتغيرَ!! فَإِذَنْ يقولُ هذا الجاهلُ: إنه مجبورٌ ما دامَ الفعلُ كُتِبَ عليه قبلَ أن يولدَ، وَجَفَّتِ الأقلامُ وَطُوِيَتِ الصحفُ، فالواقعُ واقعٌ لاَ محالةَ، فيقولُ: هو مجبورٌ!! ¬
فيجيبُ السُّنِّيُّ مثلاً فيقولُ: كُلُّ الأسبابِ التي هَدَى اللَّهُ بها المهتدين أَعْطَاكَهَا، فالأبصارُ التي أَبْصَرُوا بها آياتِ الله أَعْطَاكَ بَصَرًا مثلَها، والأسماعُ التي سَمِعُوا بِهَا آياتِ اللَّهِ فاهتدوا أَعْطَاكَ سَمْعًا مثلَها، والقلوبُ التي فَهِمُوا بها عِظَمَ اللَّهِ وأدلتَه وبراهينَه فَاهْتَدَوْا أَعْطَاكَ عَقْلاً مثلَها، والرسلُ التي نَصَحَتْهُمْ وَبَيَّنَتْ لهم، وَاهْتَدَوْا بهديها أَرْسَلَهَا إليكَ كما أَرْسَلَهَا لهم، فجميعُ الأسبابِ التي اهْتَدَى بها المهتدونَ أَعْطَاكَهَا، ولم يَبْقَ فرقٌ بَيْنَكَ أيها الضالُّ وبينَ الْمُهْتَدِي إلا أَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عليه بتوفيقِه، ولم يَتَفَضَّلْ عليكَ بتوفيقِه، وَيُوَضِّحُ هذا المقامَ: مناظرةُ أَبِي إسحاقَ الإسفرائينيِّ وعبدِ الجبارِ الْمُعْتَزِلِيِّ (¬1). وذلك أن عبدَ الجبارِ جاءَ إلى أبي إسحاقَ مُتَقَرِّبًا بمذهبِ القدريةِ فقال: سبحانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفحشاءِ!! يعنِي أن السرقةَ والزنا والإشراكَ لَيْسَتْ بمشيئتِه، وأنه يتنزهُ عن أن يشاءَ هذا. فقال أبو إسحاقَ: كلمةُ حَقٍّ أُرِيدَ بها بَاطِلٌ!! ثم قال: سبحانَ مَنْ لاَ يَقَعُ في مُلْكِهِ إِلاَّ ما يَشَاءُ. فقال عبدُ الجبارِ: أَتُرَاهُ يشاؤُه وَيُعَاقِبُنِي عليه؟ فقال أبو إسحاقَ: أَتُرَاكَ تشاؤُه جَبْرًا عليه، أأنتَ الربُّ وهو العبدُ؟ فقال عبدُ الجبارِ: أرأيتَ إن دَعَانِي إلى الْهُدَى وَسَدِّ البابِ دُونِي، دَعَانِي ولم يُسَهِّلْ لِي طريقَ الخروجِ، تراه أَحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أَسَاءَ؟ ¬
فقال أبو إسحاقَ: إن كان هذا الذي مَنَعَكَ حَقًّا وَاجِبًا لكَ عليه فقد ظَلَمَكَ وقد أساءَ - سبحانَه عن ذلك - وإن كان مُلْكُهُ الْمَحْضُ فإن أعطاكَ فَفَضْلٌ، وإن مَنَعَكَ فَعَدْلٌ. فَبُهِتَ عبدُ الجبارِ، وقال الحاضرونَ: واللَّهِ ما لهذا جوابٌ. وهذا مفهومٌ من قولِه في هذه السورةِ الكريمةِ: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} [الأنعام: آية 149] مُلْكُهُ التوفيقُ يتفضلُ به على مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُهُ مِمَّنْ يشاءُ. هو حجتُه البالغةُ على خَلْقِهِ؛ لأَنَّ المالكَ إذا تَفَضَّلَ فَأَعْطَى فَفَضْلٌ منه، وإذا مَنَعَ فَعَدْلٌ منه؛ وَلِذَا قال: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)}. وَذَكَرُوا عن عمرِو بنِ عبيدٍ، كبيرِ المعتزلةِ مع قوتِه وذكائِه ومعرفتِه أنه جَاءَهُ بَدَوِيٌّ وقال له: كُنْتُ أعملُ على دَابَّتِي فسرقها اللصوصُ، فَادْعُ اللَّهَ أن يَرُدَّهَا عَلَيَّ. فقام عمرُو بنُ عبيدٍ يتقربُ بهذا المذهبِ الباطلِ، فقال: اللَّهُمَّ إِنَّهَا سُرِقَتْ وَلَمْ تُرِدْ سَرِقَتَهَا؛ لأنكَ أكرمُ وأجلُّ وأنزهُ من أن تريدَ السرقةَ. فقال له ذلك البدويُّ: نَاشَدْتُك اللَّهَ يَا هذا إلا ما كَفَفْتَ عني من دعائِك الخبيثِ. إن كانت قد سُرِقَتْ وَلَمْ يُرِدْ سَرِقَتَهَا فَقَدْ يُرِيدُ رَدَّهَا وَلاَ تُرَدُّ (¬1). فالحاصلُ أنه لا يقعُ في الكونِ شَيْءٌ كائنًا ما كانَ إلا بمشيئةِ خالقِ السماواتِ والأرضِ، وأنه لا جَبْرَ ولا قَدَرَ. وأن اللَّهَ تباركَ وتعالى قَدَّرَ في سابقِ أَزَلِهِ أن يخلقَ قَوْمًا مَجْبُولِينَ على الخيرِ والفضلِ، ويوفقهم إلى ما يُرْضِيهِ؛ لتظهرَ فيهم أسرارُ أسمائِه ¬
وصفاتِه، مَنِ اسْمُهُ الكريمُ واللطيفُ وغيرُ ذلك من أسماءِ الكرمِ والجودِ، وقَدَّرَ في أَزَلِهِ أن يخلقَ آخَرِينَ مَطْبُوعِينَ على القذارةِ والنجاسةِ؛ ليظهرَ فيهم بعضُ أسرارِ أسمائِه كالقهارِ، يظهرُ فيهم قَهْرُهُ وجبروتُه وعظمتُه وشدةُ عقابِه؛ ليجتمعَ للناسِ الخوفُ والطمعُ؛ لأنه لو كان خَوْفٌ لا طَمَعَ معه فقد يكونُ هنالك بُغْضٌ، وإن كان طَمَعٌ لا خوفَ معه فقد يكونُ هنالك أَمْنٌ يحملُ على الدَّلاَلِ وسوءِ الأدبِ، فَخَلَقَ بعضَ الخلقِ وقَدَّرَ لهم الشقاءَ الأَزَلِيَّ، لِمَا جَبَلَهُمْ عليه من الْخُبْثِ، ليظهرَ فيهم بعضُ أسرارِ أسمائِه وصفاتِه مِنْ قَهْرِهِ وَمُلْكِهِ وقوةِ بطشِه وإنصافِه، وقَدَّر لقومٍ آخَرِينَ الْهُدَى لِيُظْهِرَ فيهم بعضَ أسرارِ أسمائِه وصفاتِه من رحمتِه وفضلِه ولطفِه وكرمِه. ولكنَّ قدرةَ الله وإرادتَه صَرَفَتْ قُدرَ الخلقِ وإراداتِهم إلى ما شاءَه اللَّهُ وقَدَّره في أَزَلِهِ، فَأَتَوْهُ طَائِعِينَ. فَاللَّهُ (جل وعلا) بقدرتِه وإرادتِه يصرفُ قدرةَ العبدِ وإرادتَه إلى ما سَبَقَ به الكتابُ في علمِه الأَزَلِيِّ، فَيَأْتِيهِ طَائِعًا: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: آية 30]. هذا هو أصلُ هذه المسألةِ. فَاللَّهُ يشاءُ وَيُقَدِّرُ ويصرفُ قُدَرَ العبادِ وإراداتِهم إلى ما سَبَقَ به العلمُ الأزليُّ، فيأتوه طَائِعِينَ. وله المثلُ الأَعْلَى، والحكمةُ البالغةُ في كُلِّ مَا يُقَدِّرُ. ولاَ يَخْفَى أن الْجَبْرِيِّينَ الذين يقولونَ: إن العبدَ لا فِعْلَ له، وإنما هذا فعلُ اللَّهِ!! لو جئتَ إلى جَبْرِيٍّ وَفَقَأْتَ عينَه، أو قَتَلَتْ وَلَدَهُ، أو أتلفتَ مالَه، وقلتَ له: أنا مسكينٌ لاَ فِعْلَ لِي؛ لأَنَّ هذا فعلُ اللَّهِ!! لا يقبلُ مِنْكَ هذا العذرَ، ويقولُ: أنتَ الذي فعلتَ وفعلتَ. وينتقمُ منكَ غايةَ الانتقامِ، وَلَكِنَّهُ بالنسبةِ إلى التكاليفِ يتعللُ هذا التعللَ الباطلَ. فَكُلُّ شيءٍ في الكونِ لاَ يقعُ في العالمِ تَحْرِيكُهُ
ولاَ تسكينُه من خيرٍ أو شَرٍّ إلا بمشيئةِ خالقِ السماواتِ والأرضِ. وهو يُوَجِّهُ قُدَرَ الخلقِ وإراداتِهم إلى ما سَبَقَ به العلمُ الأَزَلِيُّ، فيأتوه طَائِعِينَ، فَرِيقٌ في الجنةِ وَفَرِيقٌ في السعيرِ؛ لِيُظْهِرَ فيهم أسرارَ أسمائِه وصفاتِه. وبهذا يتضحُ أن القائلين بالجبرِ مُفْتَرُونَ، وأن النافينَ للقدرِ أنهم كذلك مَجُوسُ هذه الأمةِ. فَاللَّهُ يُقَدِّرُ الأشياءَ في أَزَلِهِ، ويكتبُ كُلَّ شيءٍ، ثم يصرفُ بقدرتِه وإرادتِه إراداتِ الْخَلْقِ وقُدَرَهُمْ، فيأتونَ ما سَبَقَ به الْعِلْمُ الأَزَلِيُّ طَائِعِينَ. وهذه المسألةُ قد سَأَلَ أصحابُ النبيِّ عنها النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فسألوه: هل هذا الذي نعملُ له شيءٌ مُؤتَنَفٌ، أو أَمْرٌ قد قُضِيَ في السابقِ وانتهى وَفُرِغَ منه؟ فَبَيَّنَ لهم - صلى الله عليه وسلم - أنه أَمْرٌ قُضِيَ وَفُرِغَ منه. فقالوا له: لِمَ لاَ نتركُ العملَ وَنَتَّكِلُ على ما سَبَقَ به الكتابُ في العلمِ الأَزَلِيِّ؟ فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أجابَهم فقال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (¬1). فمعنى هذا الحديثِ: أن اللَّهَ يخلقُ الخلقَ ويجبلُهم على ما شَاءَ مِنْ خُبْثٍ وَمِنْ خَيْرٍ وَمِنْ شَرٍّ ثم يُسَهِّلُ كُلَّ واحدٍ منهم وَيُيَسِّرُ له ما خُلِقَ له، فييسرُ للسعيدِ عملَ الخيرِ، وللشقيِّ عملَ الشرِّ، يصرفُ قُدَرَهُمْ وإراداتِهم بقدرتِه وإرادتِه، فيأتوه طَائِعِينَ؛ وَلِذَا قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: آية 107] أي: لَوْ شَاءَ عَدَمَ إشراكِهم بِاللَّهِ ما أَشْرَكُوا. وقولُه: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا جَبَلَهُ اللَّهُ عليه من الرأفةِ والرحمةِ يُحْزِنُهُ عدمُ إيمانِهم، فاللَّهُ يقولُ له: أنا ¬
مَا جعلتُك حفيظًا عليهم، حافظًا تَحْفَظُهُمْ من الوقوعِ في الشرِّ، وَتُيَسِّرُهُمْ إلى الخيرِ، ولا جَعَلْتُكَ وكيلاً عليهم تحاسبُهم بأعمالِهم وَتُجَازِيهِمْ، بل أنا الذي أُوَفِّقُ مَنْ شئتُ، وَأُضِلُّ مَنْ شِئْتُ، وَأُحْصِي عليهم أعمالَهم فَأُجَازِيهِمْ عليها، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)} [الغاشية: الآيتان 21، 22] وكقولِه: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: آية 40]. والمعنَى: كأنه يقولُ له: لستَ مُوَكَّلاً بأعمالِهم، ولا حَافِظًا لهم تُوَفِّقُهُمْ، حِفْظُهُمْ وَمُحَاسَبَتُهُمْ على اللَّهِ، وإنما أنتَ نذيرٌ، وقد قمتَ بوظيفتِك، وَبَلَّغْتَ، فَأَرِحْ نفسَك ولاَ تَحْزَنْ، كما قال له: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127)} [النحل: آية 127]. وقد تَقَدَّمَ في هذه السورةِ الكريمةِ قولُه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} إلى أن قال: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} أي: فتقهرهم بها على الإيمانِ فَافْعَلْ. ثم قال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)} [الأنعام: الآيات 33 - 35]. وقال له: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)} [الشعراء: آية 3] {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)} [الكهف: آية 6] ومعنَى {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: مُهْلِكُهَا من الحزنِ عليهم؛ ولذا قال له هنا: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)} [الأنعام: آية 107]. {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)} [الأنعام: آية 108]. {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} لَمَّا
أنزلَ اللَّهُ قولَه تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} [الأنبياء: آية 98] اجتمعَ رؤساءُ قريشٍ من كفارِ مكةَ إلى أَبِي طالبٍ في آخِرِ أيامِ حياتِه وقالوا له: إن ابنَ أخيكَ يعيبُ آلهتَنا ويذمها. والله لَتَنْهَيَنَّ ابنَ أخيكَ عن سبِّ آلهتِنا أو لَنَهْجُوَنَّ إِلَهَهُ الذي أَمَرَهُ بهذا. فأنزلَ اللَّهُ: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (¬1). وَقَالَ بعضُ العلماءِ: كانَ المؤمنونَ يَسُبُّون الأصنامَ بأنها أجرامٌ لاَ تنفعُ ولاَ تَضُرُّ ولاَ تسمعُ ولا تُبْصِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ نهيَهم عن ذلك لئلاَّ يتذرعَ به المشركونَ فينتقمونَ منهم فَيَسُبُّونَ رَبَّهُمْ؛ وَلِذَا قال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} السبُّ معناه: الذمُّ والثَّلبُ بذكرِ المساوئِ التي لا تَلِيقُ. والعربُ تقولُ: سَبَّهُ يَسُبُّهُ، وَتَسَابَّا ¬
سِبَابًا. إذا هَجَا كُلُّ واحدٍ منهما الآخَرَ وقال فيه قولاً قَبِيحًا. والسِّبابُ: المهاجاةُ والمشاتمةُ. وسِبُّ الرجلِ هو الذي يُكَافِئُهُ فيردُّ عليه إذا سَبَّهُ (¬1). ومنه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (رضي الله عنه) (¬2): لاَ تَسُبَّنِّني فَلَسْتَ بِسِبِّي ... إِنَّ سِبِّي مِنَ الرِّجَالِ الكريمُ والمعنَى: لاَ تَهْجُوا أصنامَهم وتقولوا ما هي متصفةٌ به من الخساسةِ، فيتسببُ عن ذلك أن يَسُبُّوا اللَّهَ (جل وعلا). وإذا سَبُّوا اللَّهَ معناه: أنهم قالوا فيه ما ليسَ بواقعٍ؛ لأَنَّ اللَّهَ ليس مُتَّصِفًا إلا بالكمالِ والجلالِ، فليس فيه نَقْصٌ حتى يكونَ مَوْضِعًا للسبِّ. ولكن الكفرةَ الفجرةَ يكذبونَ. فمعنَى: {فَيَسُبُّوا اللَّهَ} يتكلمونَ فيه بما لاَ يليقُ بكمالِه وجلالِه (جل وعلا). وقولُه: {عَدْوًا} العَدْوُ معناه: الظلمُ والعدوانُ. أي: فَيَسُبُّوهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وهو خالقُهم ورازقُهم المحسنُ إليهم (¬3). وإعرابُ قولِه: {عَدْوًا} فيه أَوْجُهٌ من الإعرابِ معروفةٌ (¬4): أحدُها: أنه مَصْدَرٌ منكَّرٌ بمعنَى الحالِ، أي: فيسبوه في حالِ كونِهم مُعْتَدِينَ ظَالِمِينَ. ¬
الثاني: أنه ما نَابَ عن المطلقِ من «يسبوا»؛ لأن سَبَّ اللَّهِ عُدْوَانٌ {فَيَسُبُّوا اللَّهَ} معناه: يَعْتَدُوا بِسَبِّ اللَّهِ {عَدْوًا}، أي: عُدْوَانًا. وعليه فهو ما نَابَ عَنِ الْمُطْلَقِ. والإعرابُ الثالثُ فيه: أنه مَفْعُولٌ من أَجْلِهِ، أي: فَيَسُبُّوا اللَّهَ لأجلِ عُدْوَانِهِمْ وطغيانِهم وظلمِهم. وقولُه: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} الظاهرُ أن الجارَّ والمجرورَ في محلِّ حَالٍ ثَانِيَةٍ (¬1)، أي: حالَ كونِهم معتدينَ جاهلينَ، لاَ علمَ لهم بما يَنْبَغِي أن يقالَ في اللَّهِ، حيث يَسُبُّوا اللَّهَ (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}. وهذه الآيةُ الكريمةُ - من آياتِ الأحكامِ - أَخَذَ العلماءُ منها أصلَ (سَدِّ الذرائعِ) (¬2)؛ لأَنَّ سَبَّ الأصنامِ بالنسبةِ إلى ذاتِه جَائِزٌ مطلوبٌ، ولكن لَمَّا كان هذا الأمرُ المحمودُ الطيبُ - وهو سَبُّ الأصنامِ وتقبيحُها - قد يُؤَدِّي إلى أمرٍ آخرَ لا يجوزُ، وهو سَبُّ اللَّهِ، مُنِعَ هذا الشيءُ الطيبُ سدًّا للذريعةِ التي [14/أ] ... وذريعةُ الشيءِ /أَصْلُهَا طريقُه الموصلةُ إليه (¬3). ومعروفٌ عِنْدَ علماءِ الأصولِ أن الذرائعَ ثلاثةُ أقسامٍ (¬4): قِسْمٌ منها يَجْبُ سَدُّهُ إجماعًا، كما دَلَّتْ عليه هذه الآيةُ الكريمةُ ¬
من سورةِ الأنعامِ، وَدَلَّ الحديثُ الصحيحُ المتفقُ عليه (¬1). وهذا القسمُ هو أن يكونَ هذا الأمرُ جائزًا أو مطلوبًا، وليس في نفسِه فسادٌ في ذاتِه، أو فيه خَيْرٌ، إلا أنه يُؤَدِّي إلى شَرٍّ عظيمٍ، كَسَبِّ الأصنامِ، فإنه في ذاتِه طَيِّبٌ مَطْلُوبٌ، إلا أنه لَمَّا كانَ يكونُ سَبَبًا لِسَبِّ اللَّهِ كان مُحَرَّمًا. ومن هذا النوعِ، وهي الذريعةُ التي يجبُ سَدُّهَا إجماعًا: حفرُ الآبارِ في طُرُقِ المسلمينَ، فلو جاءَ رجلٌ إلى طريقِ المسلمين وَحَفَرَ فيها بِئْرًا لَيْلاً، وَغَطَّى فَمَ البئرِ بشيءٍ خفيفٍ، فَمَنْ جاء مع الطريقِ وَتَرَدَّى في البئرِ فَفِعْلُهُ وحفرُه البئرَ ليس نفسَ إهلاكٍ لنفسٍ ولا مَالٍ، ولكنه ذريعةٌ لذلك يجبُ سَدُّهَا وَمَنْعُهَا بالإجماعِ. ومن هذا النوعِ: إلقاءُ السُّمِّ في مياهِ المسلمين وأطعمتِهم. فإلقاءُ السمِّ في مياهِ المسلمينَ التي يشربونَ، وإلقاؤُه في أطعمتِهم ذريعةٌ للفسادِ يجبُ سَدُّهَا بإجماعِ المسلمين. هذا إحدى أنواعِ الذرائعِ الثلاثِ؛ لأَنَّ نَوْعًا منها يجبُ سَدُّهُ بإجماعِ المسلمين كما مَثَّلْنَا له وَدَلَّتْ عليه هذه الآيةُ الكريمةُ من سورةِ الأنعامِ: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} وفي الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: «إِنَّ مِنَ ¬
الْعُقُوقِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ». قالوا: يا رسولَ اللَّهِ وهل يشتمُ الرجلُ وَالِدَيْهِ؟ قال: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» (¬1)، هذا الحديثُ الصحيحُ سَمَّى [به] النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (¬2) ذريعةَ السبِّ: (سَبًّا) وهو كالآيةِ يدلُّ على أن ذريعةَ الحرامِ حَرَامٌ. النوعُ الثاني من أنواعِ الذرائعِ الثلاثِ: نوعٌ لاَ يَجِبُ سَدُّهُ بإجماعِ المسلمين، فهو ذريعةٌ يَجِبُ إهدارُها وإلغاؤُها، ولا يجبُ سَدُّهَا بإجماعِ المسلمين. وهذا النوعُ من الذرائعِ نَوْعَانِ: أحدُهما: أن يكونَ الفسادُ بَعِيدًا فيه، والمصلحةُ أرجحَ من الفسادِ فيه. ومثالُ هذا النوعِ: غَرْسُ شجرِ العنبِ. فَإِنَّ غرسَ شجرِ العنبِ ذريعةٌ إلى عصرِ الخمرِ التي هي أُمُّ الخبائثِ، قَبَّحَهَا اللَّهُ، وَقَبَّحَ شَارِبَهَا، إلا أن الذين يعصرونَ الخمرَ من المجتمعِ ويشربونَه قِلَّةٌ في أقطارِ الدنيا، فمنفعةُ انتشارِ العنبِ والزبيبِ في أقطارِ الدنيا مصلحةٌ عُظْمَى أُلْغِيَ من أجلِ هذه المصلحةِ المفسدةُ التي قد تكونُ من شجرِ العنبِ بعصرِ الخمرِ منه؛ لأَنَّ الذي يَعْصِرُهَا أفرادٌ قليلونَ ويشربونها، ولو ضَاعَتْ عقولُهم بسببِ شُرْبِهَا فمصلحةُ العالمِ الْعَامَّةُ بوجودِ العنبِ والزبيبِ في أقطارِ الدنيا أعظمُ من هذه المفسدةِ الجزئيةِ، فأُلْغِيَتْ هذه الذريعةُ وَأُهْدِرَتْ. ¬
ومن هذا النوعِ: إجماعُ العلماءِ من زمنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليومِ في أقطارِ الدنيا أنه يجوزُ في البلدِ الواحدِ أن يكونَ - يَسْكُنُ - فيه الرجالُ والنساءُ. في هذا البيتِ رجالٌ ونساء، وفي هذا رجالٌ ونساءٌ، مع هذا بناتُه وأزواجُه وأخواتُه وهكذا، مع أن اجتماعَ الرجالِ والنساءِ في البلدِ الواحدِ قد يكونُ ذريعةً للزنى - أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمين منه - من بعضِ الأفرادِ؛ لأنه قد يشيرُ إليها من غرفةٍ أو سَطْحٍ كما هو معروفٌ، وكما قال نَصْرُ بْنُ حَجَّاجٍ (¬1): لَيْتَنِي فِي الْمُؤَذِّنِينَ نَهَارًا ... إِنَّهُمْ يَنْظُرُونَ مَنْ فِي السُّطُوحِ ... فَيُشِيرُونَ أَوْ يُشَارُ إِلَيْهِمُ ... حَبَّذَا كُلُّ ذَاتِ دَلٍّ مَلِيْحِ أو تُلْقِيَ إليه ورقةً، أو يلقيها إليها في موعدٍ يجتمعانِ فيه على القبيحِ الخسيسِ قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ يَفْعَلُهُ، فاجتماعُ الرجالِ والنساءِ في البلدِ الواحدِ لا شَكَّ أنه ذريعةٌ لِفِعْلِ بعضِ الفواحشِ، ولم يَقُلْ أحدٌ من المسلمين بِسَدِّ هذه الذريعةِ، فَلَمْ يَقُلْ أحدٌ من العلماءِ: إنه يجبُ أن يُجْعَلَ جميعُ النساءِ في البلدِ على حِدَةٍ، ويُجعل عليهن حِصْنٌ من حديدٍ قَوِيٍّ، وأن يكونَ البابُ قَوِيًّا من حديدٍ، والمفتاحُ عِنْدَ رَجُلٍ تَقِيٍّ وَرِعٍ مأمونٍ ذي شيبةٍ وذي أزواجٍ، لم يقل أحدٌ هذا من الناسِ!! لأن وقوعَ الفاحشةِ ولو وَقَعَتْ من بعضِ الأخساءِ أمرٌ نادرٌ بالنسبةِ إلى مصالحِ المجتمعِ، ومعاونةُ الرجالِ والنساءِ على المجتمعِ الإنسانيِّ في مَصَالِحِهِ الدنيويةِ والأخرويةِ، فهذه الذريعةُ أُلْغِيَتْ لِعِظَمِ هذه المفسدةِ. ¬
والحاصلُ أن المفسدةَ إذا عَارَضَتْهَا مصلحةٌ فلذلك ثلاثُ حالاتٍ: إما أن تكونَ المصلحةُ أعظمَ وأرجحَ، والمفسدةُ أَقَلَّ وهي مَرْجُوحَةٌ. وإما أن تكونَ المفسدةُ أعظمَ. وإما أَنْ يَسْتَوِيَا. فإن كانت المصلحةُ أعظمَ - كما مَثَّلْنَا - أُلْغِيَتِ الذريعةُ وَأُهْدِرَتْ. وإن كانت المفسدةُ أعظمَ أَوِ اسْتَوَيَا فإنه يجبُ سَدُّ الذريعةِ فيهما. ومثالُهما معًا: ما لو كان من المسلمين أُسَارَى عند الكفارِ في الجهادِ مع الكفارِ، فَأَسَرَ الْعَدُوُّ من الكفارِ أَسْرَى من المسلمين، وَطَلَبَ إمامُ المسلمين فداءَ الأَسْرَى المسلمين من أيدِي الكفارِ، فقال الكفارُ: لا نَقْبَلُ فداءَهم إلا بسلاحٍ، وكان هذا السلاحُ يُقْدِرُهُمْ على الفتكِ بالمسلمين، فإن كان بقدرِ الظنِّ والتخمينِ أنهم يقتلونَ من المسلمين بذلك السلاحِ قدرَ الأُسَارَى أو أكثرَ منهم، فمصلحةُ فداءِ الأُسَارَى تُعَارِضُهَا مفسدةُ قتلِ عددِهم من المسلمين أو أكثرَ، فيجبُ سَدُّ هذه الذريعةِ، ولاَ يُفْدَى أولئك الأُسَارَى. أما إذا كان السلاحُ لا يَقْدِرُ به الكفارُ على أن يقتلوا المسلمين، فإن هذه المفسدةَ تكونُ مرجوحةً، ويجوزُ فداؤُهم. هذانِ نوعانِ من أنواعِ سَدِّ الذرائعِ، الأولُ مُجْمَعٌ على سَدِّهِ، والثاني مُجْمَعٌ على
[عدمِ] (¬1) سَدِّهِ، وَهُمَا طَرَفَانِ وواسطةٌ، طرفٌ من الذرائعِ يجبُ سَدُّهُ إِجْمَاعًا، مَثَّلْنَا له بِسَبِّ الأصنامِ إن كان عَبَدَتُهَا يَسُبُّونَ اللَّهَ، وكحفرِ الآبارِ في طرقِ المسلمينَ، وإلقاءِ السمِّ في مشاربِهم وَمَآكِلِهِمْ. هذا النوعُ يجبُ سَدُّهُ إجماعًا، ونوعٌ لا يجبُ سَدُّهُ إجماعًا، كما مَثَّلْنَا له بغرسِ شجرِ العنبِ، وَمُسَاكَنَةِ الرجالِ والنساءِ في البلدِ الواحدِ. وواسطة هي مَحَلُّ الخلافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. ومثالُ هذه الواسطةِ التي هي مَحَلُّ الخلافِ بينَ العلماءِ: البيوعُ المعروفةُ بالفقهِ المالكيِّ ببيوعِ الآجالِ التي يُسَمِّيهَا الحنابلةُ والشافعيةُ: بيوعِ الْعِينَةِ، فهذه ذريعةٌ لِمُحَرَّمٍ، والعلماءُ مُخْتَلِفُونَ فيها، كما لو بَاعَ إِنْسَانٌ سلعةً إلى أَجَلٍ معينٍ بعشرةِ دراهمَ مثلاً، ثم اشْتَرَاهَا بثمنٍ أكثرَ لأبعدَ من الأولِ، أو بثمنٍ أقلَّ من الثمنِ الأولِ بدونِ الأَجَلِ، فإن ظاهرَ هاتين الْبَيْعَتَيْنِ أن كلاًّ منهما بيعةٌ لسلعةٍ بثمنٍ إلى أَجَلٍ، وهي في ظاهرِها جائزةٌ، إلا أنها يمكنُ أن تكونَ ذريعةً إلى رِبًا مُحَرَّمٍ؛ لأن السلعةَ الخارجةَ من اليدِ، العائدةَ إليها مُلْغَاةٌ، فَيَؤُولُ الأمرُ إلى أنه أخذَ أولاً خمسةَ دراهمَ، ثم أَخَذَ عنها في الأجلِ الثاني عشرةَ دراهمَ، وأَخْذُ عشرةٍ مؤجلةٍ بدلَ خمسةٍ هُوَ رِبَا الجاهليةِ بِعَيْنِهِ. فهذه الذريعةُ الْوُسْطَى ذَهَبَتْ جماعةٌ من العلماءِ إلى وجوبِ سَدِّهَا، وهو مذهبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وأصحابِه، وهو مذهبُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وأصحابِه، وهو مذهبُ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ (رَضِيَ اللَّهُ عنها). ¬
وَخَالَفَ في هذا النوعِ من الذرائعِ الإمامُ الشافعيُّ، وزيدُ بنُ أرقمَ (رضي الله عنه) (¬1). قال الإمامُ الشافعيُّ: هما بَيْعَتَانِ، كُلُّ واحدةٍ منهما بيعُ سلعةٍ بثمنٍ معلومٍ، إلى أَجَلٍ معلومٍ، وهذا لا شيءَ فيه. وقد قالت أُمُّ المؤمنين عائشةُ (رضي الله عنها) لامرأةِ زيدِ بنِ أرقمَ: قُولِي لزيدٍ: إِنْ لَمْ يَرْجِعْ عن هذا فإنه يَبْطُلُ جهادُه مع رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (¬2). ومرادُ عائشةَ (رضي الله عنها): أن هذا النوعَ من الذريعةِ ذريعةٌ لِلرِّبَا؛ لأن السلعةَ الخارجةَ من اليدِ العائدةَ إليها مُلْغَاةٌ، فَيَؤُلُ الأمرُ إلى أنه عندَ الأجلِ الأولِ دَفَعَ خمسةَ دراهمَ مثلاً، وأخَذَ عِنْدَ الأجلِ الثاني عشرةَ دراهمَ، وهذا رِبَا الجاهليةِ، وإنما قالت عائشةُ لامرأةِ زَيْدٍ: إنه إن لَمْ يرجع عن هذا أَبْطَلَ جِهَادَهُ؛ لأن هذا ¬
رِبًا، وَآكِلُ الرِّبَا محاربُ اللَّهِ؛ لأَنَّ أكلَ الربا هو محاربةُ اللَّهِ، ومن أعظمِ الدَّوَاعِي للغَلَبَةِ في الجهادِ أَكْلُ الرِّبَا؛ لأَنَّ آكِلَ الربا محاربُ اللَّهِ، ومحاربُ اللَّهِ لا يُفْلِحُ ولا ينجحُ، وَاللَّهُ يقولُ في مُحْكَمِ كتابِه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: الآيتانِ 278 - 279] فلما كان آكِلُ الرِّبَا حَرْبًا لِلَّهِ ولرسولِه، لا يمكنُ أن يكونَ مُجَاهِدًا من حزبِ اللَّهِ ورسولِه؛ لأن الضِّدَّيْنِ لاَ يجتمعانِ. وهذا هو مرادُ عائشةَ (رضي الله عنها)؛ لأنه إن لم يَرْجِعْ عن هذا أَبْطَلَ جِهَادَهُ. وهذا معنَى قولِه: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: آية 108] في هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عربيٌّ معروفٌ، وهو أن لفظَ {الَّذِينَ} ولفظَ {يَدْعُونَ} مِنْ خَوَاصِّ العقلاءِ، ومعبوداتُهُمْ أصنامٌ وحجارةٌ لاَ تعقلُ، فكيف يُعَبَّرُ عنها بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ} التي هي صفةُ العقلاءِ الذكورِ؟ والجوابُ عن هذا: أن القاعدةَ المقررةَ في علمِ العربيةِ أَنَّ كُلَّ شيءٍ غيرِ عاقلٍ إذا نَزَّلَهُ بعضُ الناسِ منزلةَ العاقلِ، أو وَصَفَهُ ببعضِ صفاتِ العاقلِ أنه يُجْرَى مَجْرَى العاقلِ (¬1)؛ ولذا قال تعالى في رُؤْيَا يوسفَ: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)} [يوسف: آية 4]، فجاءَ بـ {سَاجِدِينَ} الذي هو جمعُ مذكرٍ سالمٍ يختصُّ بالعقلاءِ، للكواكبِ والشمسِ والقمرِ؛ لأنه وَصَفَهُمْ بالسجودِ، والسجودُ مِنْ خَوَاصِّ العقلاءِ؛ ولهذا المعنَى قال تعالى عن السماواتِ والأرضِ: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)} [فصلت: آية 11] لأَنَّ السماواتِ ¬
سَبْعٌ والأرضين سَبْعٌ، فصارت أربعةَ عشرةَ جُزْءًا؛ وَلِذَا قال: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} لأنه لَمَّا أَمَرَهَا وَخَاطَبَتْهُ صَارَتْ متصفةً بصفاتِ العقلاءِ. وهذا أَمْرٌ عَامٌّ معروفٌ، ومن شواهدِه في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ في هذا المقامِ (¬1): إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا ... تَرَى مِنَّا الأُيُورَ إِذَا رَأَوْهَا ... قِيَامًا رَاكِعِينَ وَسَاجِدِينَا (¬2) فَوَصْفُ «سَاجِدِينَ» و «رَاكِعِينَ» وصَفَ بها ذلك الجزءَ من الإنسانِ الذي لا يعقلُ لَمَّا وصفَه بصفةِ العاقلِ، وهذا أسلوبٌ عَرَبِيٌّ معروفٌ، والكفارُ وَصَفُوا الأصنامَ بصفاتِ العاقلِ حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: آية 3] {هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: آية 18] فلما وَصَفُوهُمْ هذه الصفاتِ أُجْرِيَ عليهم ذلك اللفظُ وإن كانوا في الحقيقةِ أخسَّ شيءٍ. وهذا معنَى قولِه: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: آية 108]. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: آية 108] كما زَيَّنَّا لهؤلاءِ الكفرةِ الكفرَ. وهذا التزيينُ معناه - والعياذُ بالله -: صَرْفُ قُدَرِهِمْ وإراداتِهم إلى ما سَبَقَ عليهم به الكتابُ الأَزَلِيُّ - كما كنَّا نُبَيِّنُ - لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأممِ عملَهم؛ إِنْ خَيْرًا فخيرٌ وإن شَرًّا فَشَرٌّ. ¬
ولفظُ (الأمةِ) في قولِه هنا: {لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} أُطْلِقَ في القرآنِ العظيمِ أربعةَ إطلاقاتٍ، كُلُّهَا لغةٌ صحيحةٌ جَاءَ بِهَا القرآنِ (¬1): أُطْلِقَتِ الأَمَةُ على الطائفةِ من الناسِ المتفقةِ في دِينٍ أو نِحْلَةٍ. وهذا أغلبُ استعمالاتِها، ومنه قولُه هنا: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ} أَيْ: لِكُلِّ طائفةٍ من الناسِ متفقةٍ في دِينٍ أو نِحْلَةٍ. ومنه بهذا المعنى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس: آية 47] {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: آية 213]. الإطلاقُ الثاني في القرآنِ للأُمَّةِ: إطلاقُ الأمةِ على الرجلِ العظيمِ الْمُقْتَدَى به، ومنه بهذا المعنى قولُه تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: آية 120] أي: إِمَامًا مُقْتَدًى به، كما قال اللَّهُ له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقر ة: آية 124]. المعنى الثالثُ: هو إطلاقُ الأُمَّةِ على الْبُرْهَةِ من الزمنِ، القطعةُ من الدهرِ، والبرهةُ من الزمنِ تُسَمَّى: أمةً، ومنه في القرآنِ: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: آية 45] أي: تَذَكَّرَ بَعْدَ بُرْهَةٍ من الزمنِ، ومنه بهذا المعنَى قولُه في أولِ هُودٍ: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: آية 8] أَيْ: إلى قطعةٍ من الزمنِ مُعَيَّنَةٍ. الإطلاقُ الرابعُ: إطلاقُ الأُمَّةِ على الشريعةِ والدينِ؛ لأَنَّ العربَ تُسَمِّي الأمةَ شريعةً وَدِينًا (¬2)، ومنه بهذا المعنَى قولُه: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: آية 22] أي: على شريعةٍ وملةٍ وَدِينٍ، ¬
ومنه بهذا المعنَى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: آية 92] أي: شريعتُكم وطريقتُكم شريعةً واحدةً. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ نابغةِ ذُبْيَانَ (¬1): حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ يَعْنِي: أن مَنْ كان له دِينٌ لا يُخَالِفُ دينَه، فَيَأْثَمُ وهو طَائِعٌ، هذا لا يمكن. هذه معانِي (الأُمَّةِ) في القرآنِ؛ وَلِذَا قال تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: آية 108] والعملُ هو ما يفعلُه الإنسانُ يُجَازَى عليه بالخيرِ والشرِّ. وقد دَلَّ استقراءُ الكتابِ والسنةِ على أن العملَ الذي يُجازَى عليه الإنسانُ بالخيرِ والشرِّ أربعةُ أنواعٍ لاَ خامسَ لها (¬2): الأولُ منها: هو الفعلُ الصريحُ، كالسرقةِ والزِّنَى، والعياذُ بالله. الثاني منها: القولُ؛ لأَنَّ القولَ فعلُ اللسانِ، وقد سَمَّى اللَّهُ في هذه السورةَ الكريمةَ - سورةَ الأنعامِ - سَمَّى فيها القولَ (فِعْلاً)؛ لأنه فعلُ اللسانِ، وذلك في قولِه: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} ثم قال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: آية 112] فَأَطْلَقَ على قولِ اللسانِ (الفعلَ)؛ لأنه فعلُ اللسانِ. هذانِ اثنانِ: القولُ والفعلُ. الثالثُ من هذه الأشياءِ: إنما هو العزمُ المُصمِّمُ؛ لأن العزمَ المُصَمِّمَ على الشيءِ فِعْلٌ له، يدخلُ صاحبُه به النارِ، وقد ثَبَتَ في ¬
الصحيحين من حديثِ أبي بَكْرَةَ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قالوا: يَا رسولَ اللَّهِ قد عَرَفْنَا القاتلَ، فما بالُ المقتولِ؟ يعنِي: بأي ذَنْبٍ دخلَ المقتولُ النارَ، وهو لم يَقْتُلْ أحدًا. فَبَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن العملَ الذي دخلَ به النارَ هو عزمُه المُصَمِّمُ على قتلِ أَخِيهِ؛ ولذا قال مُجِيبًا لقولِهم: فما بالُ المقتولِ؟ قال لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبهِ» (¬1). فهذا الحديثُ المتفقُ عليه يُبَيِّنُ أن العزمَ المُصَمِّمَ الذي لم يَمْنَعْ صَاحِبَهُ منه إلا العجزُ عنه أنه فِعْلُ قلبٍ يُؤْخَذُ به صاحبُه، ويدخلُ به النارَ. ومن هذا النوعِ هَمُّ امرأةِ العزيزِ، أما هَمُّ يوسفَ على القولِ به فهو مَيْلٌ طبيعيٌّ مَزْمُومٌ بالتقوى، فَبَيْنَ هَمِّهِ وهمِّهَا الفرقُ (¬2). ومن هذا الهَمِّ الذي لا يُؤَاخَذُ به: ما ثَبَتَ في الحديثِ الصحيحِ: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ كَامِلَةٌ» (¬3)؛ لأنها خطراتٌ تخطرُ في القلبِ يَزُمُّهَا التقوى. ومن ذلك النوعِ قولُه تعالى في بَنِي سلمةَ ¬
وبني حارثةَ (¬1) يومَ أُحُدٍ: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ} لأن قولَه بعدَه: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران: آية 122] يدل على أن ذلك الهَمَّ خَطْرَةُ قلبٍ (¬2) مزمومةٌ بالتقوى لاَ تُعَدُّ من الذنوبِ. وكان جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ (رضي الله عنهما) من بني سلمةَ، - وبنو سلمةَ وبنو حارثةَ هما الطائفتانِ اللتانِ نَزَلَ فيهما قولُه: {إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} - كان جابرٌ يقول: وَاللَّهِ لا أكرهُ أن اللَّهَ قال فِينَا: {هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ} لأنه قال بعدَها: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} فهذه الأخيرةُ تُدَاوِي الأُولَى (¬3). الرابعُ من الأعمالِ: هو التركُ؛ لأن التركَ هو في الحقيقةِ عملٌ يدخلُ صاحبُه به النارَ، ويدخلُ به الجنةَ؛ لأن التركَ فِعْلٌ للنفسِ وَكَفُّهَا وَزَجْرُهَا؛ ولذا الذي تركَ الصلاةَ يُقْتَلُ ويدخلُ النارَ، وهو لم يَفْعَلْ شيئًا إلا أنه تَرَكَ الصلاةَ. وقد قَدَّمْنَا في سورةِ المائدةِ كلامَ العلماءِ في التركِ هَلْ يُسَمَّى فِعْلاً، أو لاَ يُسَمَّى فِعْلاً؟ وَبَيَّنَّا أن التحقيقَ عندَ العلماءِ الذي دَلَّ عليه القرآنُ ولغةُ العربِ: أن التركَ من الأفعالِ، وأنه عملٌ من الأعمالِ يدخلُ صاحبُه به الجنةَ والنارَ (¬4)، وكان ابنُ السُّبْكِيُّ (¬5) يقولُ في بعضِ ¬
كُتُبِهِ في الأصولِ قال: «طالعتُ كتابَ اللَّهِ (جل وعلا) من أولِه إلى آخرِه هَلْ نجدُ فيه آيةً يُفْهَمُ منها أن التركَ فِعْلٌ؟ وقال: مَا وجدتُ آيةً يُفهم منها ذلك إلا آيةً من سورةِ الفرقانِ، وهي قولُه تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)} [الفرقان: آية 30] لأَنَّ الاتخاذَ معناه: التناولُ. أي: أَخَذُوهُ في حالِ كونِه مَهْجُورًا. قال: يُؤْخَذُ من هذا: أن التركَ فِعْلٌ»، ونحن نقولُ: إنَّا طَالَعْنَا في كتابِ اللَّهِ فَوَجَدْنَا في كتابِ اللَّهِ آياتٍ صريحةً - وإن لم يَطَّلِعْ عليها ابنُ السبكي، هي صريحةٌ - في أن التركَ فِعْلٌ، وقد نَصَّ اللَّهُ على ذلك مَرَّتَيْنِ في سورةِ المائدةِ وحدَها، كما بَيَّنَّاهُ في هذه الدروسِ، أحدُ الموضعين من سورةِ المائدةِ الذي دَلَّ القرآنُ الصريحُ فيه على أن التركَ فعلٌ من الأفعالِ، وَعَمَلٌ من الأعمالِ، وَصُنْعٌ من الصنائعِ: هو قولُه تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} ثم قال: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} [المائدة: آية 63] فَسَمَّى عدمَ أمرِهم بالمعروفِ ونهيِهم عن المنكرِ سَمَّاهُ (صُنْعًا). والصُّنْعُ أَخَصُّ من مطلقِ الفعلِ؛ لأنه لا يُطْلَقُ الصُّنعُ إلا على الفعلِ الذي يَتَكَرَّرُ من صانعِه مِرَارًا. الموضعُ الثاني من الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيَّنَ اللَّهُ فيهما أن التركَ فعلٌ: هو قولُه في المائدةِ أيضًا: {كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [المائدة: آية 79] فهذا الذي كانوا يفعلونَه، الذي قال اللَّهُ فيه: «بِئْسَ» هو عدمُ تَنَاهِيهِمْ فيما بينَهم عن المنكرِ، فهو صريحٌ في أن عدمَ النهيِ عن المنكرِ فعلٌ مذمومٌ، فهاتانِ الآيتانِ صريحتانِ في أن التركَ فِعْلٌ، وهو كذلك في لغةِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ لَمَّا كانَ الصحابةُ يَبْنُونَ هذا المسجدَ
الكريمَ، عندما جاءَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَبَنَى هذا المسجدَ، كان بعضُ الصحابةِ جَالِسًا، والنبيُّ يعملُ معَهم في المسجدِ، فقال ذلك (¬1): لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ الْمُضَلَّلُ فَسَمَّى قعودَهم وتركَهم العملَ سَمَّاهُ: عَمَلاً مُضَلَّلاً. ومن الأحاديثِ الدالةِ على ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (¬2) فسمَّى تركَ الأذيةِ (إسلامًا)، وذلك يدلُّ على أن تركَ الأذيةِ فِعْلٌ؛ لأن الإسلامَ أَعْمَالٌ. ¬
هذه الأشياءُ الأربعةُ هي أنواعُ العملِ، وهي: القولُ والفعلُ والعزمُ المُصَمِّمُ والتركُ، وجميعُها يدخلُ في قولِه: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ}. {مَّرْجِعُهُمْ} هنا: مصدرٌ مِيمِيٌّ، ومعناه: رجوعُهم. والمقررُ في فَنِّ التصريفِ: أن المصدرَ الميميَّ أصلُه (مفْعَل) بفتحِ العينِ، إلا إذا كان من مِثَالٍ. أعني: واويَّ الفاءِ، غيرَ مُعْتَلِّ اللامِ، فالقياسُ أن يقالَ في (المَرْجِعِ) - بمعنَى الرجوعِ - أن يقالَ فيه: (مَرْجَع) لأَنَّ المصدرَ الميميَّ في مثلِ هذا قياسُه: (مَفْعَل) بِفَتْحِ العينِ، إلا إنه كُسِرَ المرجعُ هنا وقيل فيه: (مَفْعِل) سَمَاعًا لا قِيَاسًا، فهو سماعٌ يُحْفَظُ ولاَ يُقَاسُ عليه (¬1)، وهو مصدرٌ ميميٌّ بمعنَى (الرجوعِ). وَقَدَّمَ الجارَّ والمجرورَ على عاملِه الذي هو المصدرُ الميميُّ إِيذَانًا بالحصرِ: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ} لأنه قد تَقَرَّرَ في فَنِّ المعانِي في مبحثِ القصرِ، وفنِّ الأصولِ في مبحثِ دليلِ الخطابِ - أعنِي مفهومَ المخالفةِ - أن مِنْ صِيَغِ الحصرِ: تقديمَ المعمولِ على عَامِلِهِ (¬2)؛ فَقَدَّمَ المعمولَ الذي هو الجارُّ والمجرورُ على عاملِه الذي هو المصدرُ الميميّ إيذانًا بالحصرِ. والمعنَى: رجوعُهم يومَ القيامةِ إلى اللَّهِ وحدَه، فليس هنالكَ معه مَلِكٌ آخَرُ يَرْجِعُ إليه بعضُهم، بل يرجعونَ إليه وحدَه (جل وعلا). وقولُه: {فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)} {يُنَبِّئُهُم} مضارعُ ¬
(فعَّل، ويُفَعِّل) من النبأِ، والنبأُ في لغةِ العربِ: أَخَصُّ من الخبرِ؛ لأَنَّ النبأَ لاَ يُطْلَقُ إلا على الإخبارِ بشيءٍ له شأنٌ وَخَطْبٌ، تقول: جَاءَنَا نبأُ الأميرِ، ونُبِّئْنَا بخبرِ الأميرِ والجيشِ، ولا تقولُ: جاءنا نبأٌ عن حمارِ الحجامِ؛ لأنَّ هذا لا أهميةَ فيه، فتقولُ فيه: (خبرٌ) ولا تقول: (نَبَأٌ) (¬1). فمعنَى {يُنَبِّئُهُم} أي: يُخْبِرُهُمْ خَبَرًا عَظِيمًا عندَهم لَهُ خَطْبٌ وشأنٌ عظيمٌ. {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)} (ما) موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ، والمعنَى: بالذي كانوا يعملونَه في دارِ الدنيا. وليس المرادُ بهذه التنبئةِ والإخبارِ مجردَ التنبئةِ فقط، لا وَكَلاَّ، بل المرادُ به: الجزاءُ؛ لأَنَّ كُلَّ إنسانٍ يومَ القيامةِ يُخْبِرُ بجميعِ ما عَمِلَ من جهاتٍ متعددةٍ: أولاً: تشهدُ على الكافرِ جوارحُه، تشهدُ عليه يدُه ورجلُه وجلدُه، كما يأتي في قولِه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} [يس: آية 65] وكقولِه: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} [فصلت: آية 22] وكقولِه: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} [فصلت: آية 21] وَيُنَبِّئُهُ ويشهدُ عليه المكانُ؛ لأن البقعةَ من الأرضِ الذي عَمِلَ الإنسانُ عليها المعصيةَ تأتي يومَ القيامةِ وتشهدُ عليه عندَ رَبِّهَا، وتقولُ البقعةُ: إن فلانَ بنَ فلانٍ فَعَلَ عَلَيَّ كذا وكذا في ساعةِ كذا، في يومِ كذا، في شهرِ كذا، في سنةِ كذا، كما يَأْتِي في قولِه: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ} ¬
يعنِي الأرض {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4)} بِمَا فُعِلَ عليها {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)} [الزلزلة: الآيات 1 - 5] أَمَرَهَا بذلك أن تَشْهَدَ، ومن ذلك وهو الشيءُ العظيمُ: أن كُلَّ إنسانٍ يجدُ جميعَ ما قَدَّمَ من خيرٍ وشرٍّ مكتوبًا في كتابٍ: {لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: آية 49] ويُقال لِكُلِّ إنسانٍ في ذلك الوقتِ: {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)} [الإسراء: آية 14] وتلك الكتبُ تُعْطَى للناسِ، آخِذٌ كتابَه بِيَمِينِهِ، أو آخذٌ بشمالِه، أو من وراءِ ظهرِه، والعياذُ بالله. وهذه الآياتُ معناها: اعْلَمْ أيها الإنسانُ أن كُلَّ ما عَمِلْتَ من خيرٍ وَشَرٍّ هو محفوظٌ لكَ مدَّخرٌ عليكَ، إن كان خيرًا فإنما تَنْفَعُ به نفسَك، وإن كان شَرًّا فإنما تَضُرُّ به نَفْسَكَ، فعليكَ أن تجتهدَ في دارِ الدنيا وقتَ إمكانِ الفرصةِ، ولا تضيعَ الوقتَ؛ لأنه إذا ضاعَ الوقتُ نَدِمَ الإنسانُ حيث لاَ ينفعُ الندمُ، فعلينا معاشرَ المسلمين أن نعلمَ أن رَبَّنَا يُخْبِرُنَا أن جميعَ ما عَمِلْنَا سنجدُه مَحْفُوظًا لنا أمامَنا على رؤوسِ الأشهادِ، ونُخبر به، وَنُجَازَى به، إِنْ خَيْرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فَشَرٌّ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلك فلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ. فيجبُ على العبدِ المسلمِ في دارِ الدنيا أن يلاحظَ هذا، وأن يخافَ اللَّهَ، ويخشى من أن يَجْعَلَ في صحيفتِه الفضائحَ التي يفتضحُ بها على رؤوسِ الأشهادِ؛ لأن فضيحةَ يومِ القيامةِ ليست كفضيحةِ الدنيا؛ لأَنَّ مَنِ افْتُضِحَ في الدنيا ضَاعَ عِرْضُهُ أمامَ المجتمعِ، وهو صحيحٌ يأكلُ ويشربُ وينامُ وينكحُ ويركبُ!! ولكن مَنْ افْتُضِحَ في الآخرةِ سيُجَرُّ إلى دركاتِ النارِ - والعياذُ بالله (جل وعلا) - ففضيحةُ الآخرةِ على رؤوسِ الأشهادِ أعظمُ. وعلى المسلمِ أن يُحاسِبَ في دارِ
الدنيا وينظرَ فيما يقولُ وفيما يعملُ، ولاَ يُقَدِّمَ لصحيفتِه إِلاَّ شيئًا يعلمُ أنه يَسُرُّهُ يومَ القيامةِ إذا رَآهُ. هذا على العاقلِ أن يعملَ به ويجتهدَ فيه، مَا دَامَتِ الفرصةُ مُمْكِنَةً، وعلى كُلِّ إنسانٍ أَنْ يعلمَ أنه ليسَ مَتْرُوكًا سُدًى، فَكُلُّ إنسانٍ حركاتُه وسكناتُه في الدنيا بجميعِ جوارحِه وقلبِه، كُلُّ هذه الحركاتِ والسكناتِ مُحْصَاةٌ عليه، وَكُلُّهَا بناءُ مسكنِه الذي إليه مصيرُه النهائيُّ، فَإِنْ كانت حركاتُه وسكناتُه فيما يُرْضِي اللَّهَ وَجَدَ تلك الحركاتِ والسكناتِ، بَنَى بها قُصُورًا في غرفِ الجنةِ مع الحورِ والِولدانِ، ومجاورةِ رَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، في نعيمٍ لا ينفدُ، وَمُلْكٍ لاَ يَنْفَدُ: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)} [الإنسان: آية 20]. وإذا كانت حركاتُه على غيرِ الصراطِ المستقيمِ، فإن تلك الحركاتِ والسكناتِ التي يَسْتَعْمِلُهَا في معصيةِ اللَّهِ، هو يَبْنِي بها مصيرَه النهائيَّ، وهو سجنٌ من سجونِ جهنمَ - والعياذُ بالله -، وقد قَالَ بعضُ العلماءِ: إن الكفرةَ يَدْخُلُونَ منازلَهم في جهنمَ لِضِيقِهَا كما يُدْخَلُ الوتدُ في الحائطِ بالقوةِ (¬1). وكما سَيَأْتِي في قولِه: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)} [الفرقان: آية 13] فقولُه: {ضَيِّقًا} أي: شديدَ الضيقِ، وكما هو أحدُ التفسيرين في قولِه: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (9)} [الهمزة الآيتان 8، 9] لأَنَّ بعضَ العلماءِ يقولونَ: «يدخلونَ في أماكنَ منها ضيقةً كما يُدْخَلُ الإنسانُ في العمودِ المنقورِ، فيُدخل في وسطِه والعياذُ بالله (¬2) وهذا معنَى قولِه: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)} [الأنعام: آية 108]. ¬
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ ليُؤمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109)} [الأنعام: آية 109] سببُ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ (¬1): أن كفارَ مكةَ اقْتَرَحُوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - اقتراحاتٍ كثيرةً، قَصْدُهُمْ بها التعنتُ، لا طلبَ الحقِّ، قالوا له: أنتَ تزعمُ لنا أن عيسى بنَ مريمَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وأن سليمانَ كان يركبُ الريحَ، وأن صَالِحًا خَرَجَتْ له ناقةٌ عُشَرَاءُ جَوْفَاءُ وبْرَاءُ من صخرةٍ، فأَحْيِ لنا قُصَيًّا لِنُكَلِّمَهُ ونسألَه عنك، وَائْتِنَا بالملائكةِ لنسألهم: هل أَنْتَ على حَقٍّ؟ واجعل لنا الصَّفَا ذَهَبًا، وباعِدْ عنا جبالَ مكةَ لِنَزْرَعَ بينها، في تعنتاتٍ كثيرةٍ سيأتي كثيرٌ منها في قولِه (¬2): {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّنْ زُخْرُفٍ} يَعْنُونَ: مِنْ ذَهَبٍ: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} [الإسراء: الآيات 90 - 93] هذا من تَعَنُّتَاتِهِمْ، ومنها أنهم قالوا: «اسْأَلْ رَبَّكَ ينزل علينا الملائكةَ» (¬3) {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا (21)} [الفرقان: آية 21]. وَقَدَّمْنَا في هذه السورةِ الكريمةِ (¬4) تفسيرَ قولِه: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ¬
مَلَكٌ} [الأنعام: آية 8] وما جَرَى مَجْرَى ذلك من الاقتراحاتِ، فقالوا له: أَحْيِ لنا قُصيًّا لِنُكَلِّمَهُ، وَائْتِنَا بالملائكةِ، كما يأتي في قولِه: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} كَقُصَيِّ بنِ كلابٍ الذي اقترحوا إحياءَه لِيُكَلِّمُوهُ {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} أي: ولو جِئْنَاهُمْ بالملائكةِ وجميعِ المخلوقاتِ جماعاتٍ جماعاتٍ ويشهدونَ لكَ {مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: آية 111] وَلَمَّا قالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: اسْأَلْ رَبَّكَ أن يجعلَ لنا الصَّفَا ذَهَبًا، وَاللَّهِ لئن جعلَه اللَّهُ لنا ذَهَبًا لَنَتَّبِعَنَّكَ ولنؤمنن بما جئتَ به، فَطَمِعَ قومٌ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في إيمانِهم، فقالوا له: يا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: اسْأَلْ رَبَّكَ أن يجعلَ الصَّفَا ذَهَبًا لأَجْلِ أن يؤمنوا، فَهَمَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوَ اللَّهَ ليجعلَ الصفا ذهبًا، فجاءَه جبريلُ (عليه السلامُ) وخيَّره قال: إن شئتَ جعلَه اللَّهُ لهم ذَهَبًا، ولكن إن كفروا بعدَ تلك الآيةِ التي اقترحوها أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَدَمَّرَهُمْ ولم يُنْظِرْهُمْ، وإن شئتَ تركَ عنهم الآياتِ المقترحةَ، وَأَمْهَلَهُمْ ليتوبَ تائبُهم. فاختارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأخيرةَ (¬1)؛ لأن قومًا إذا اقترحوا آيةً عُظْمَى وجاءتهم ولم يؤمنوا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كما يأتي في قولِه: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} [الإسراء: آية 19] يعني: فَأَهْلَكُهُمُ اللَّهُ وَدَمَّرَهُمْ فأنزلَ اللَّهُ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ} [الأنعام: آية 109] الإقسامُ معناه: الْحَلِفُ (¬2). تقول العربُ: «أَقْسَمَ فلانٌ». إذا حَلَفَ. وأصلُ (القسمِ) الذي هو اليمينُ من (الانقسامِ)؛ لأنه لا يكونُ إلا في طَائِفَتَيْنِ مُنْقَسِمَتَيْنِ، كُلٌّ مِنْهُمَا تُكَذِّبُ الأخرى، ¬
فَيُقْسِمُ أحدُ الطرفين ليقويَ خبرَه ويؤكدَه. ومعنَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ} حَلَفُوا بِاللَّهِ قائلين: وَاللَّهِ لئن جَعَلْتَ لنا الصَّفَا ذَهَبًا لَنُؤْمِنَنَّ بِكَ وَلَنَتَّبِعَنَّكَ. وقولُه: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} معناه: أقسموا جهدَ أيمانهم، أي: غايةَ ما يمكنُهم من تغليظِ اليمينِ وتوكيدِها، و (جَهْدُ اليمينِ) معناه: بُلُوغُ غايةِ ما يمكنُ من تغليظِها وتوكيدِها (¬1). وفي إعرابِ قولِه: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أَوْجُهٌ من الإعرابِ (¬2): أعربها بعضُ العلماءِ مفعولاً مُطْلَقًا بالمعنَى من: {وَأَقْسَمُوا} أي: فَهِيَ ما نابَ عن المطلقِ، كما تقولُ: ضربَه أشدَّ الضربِ، وسارَ أشدَّ السيرِ، وأقسمَ أشدَّ الإقسامِ. فمعنَى: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أَوْكَدُ أقسامِهم وأغلظُها. وعلى هذا فهو مفعولٌ مطلقٌ بالمعنَى، ما نابَ عن المطلقِ من: {وَأَقْسَمُوا} لأَنَّ معنَى {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أَشَدُّ إقساماتِهم وأغلظُها وَأَوْكَدُهَا. الوجهُ الثاني مِنْ أَوْجُهِ الإعرابِ: أنه حالٌ. أي: أَقْسَمُوا بِاللَّهِ في حالِ كونِهم جَاهِدِينَ في تغليظِ أيمانِهم وتوكيدِها. ولاَ يُنَافِي هذا أن الحالَ تكونُ نكرةً، وأن المصدرَ المؤولَ بالحالِ هنا مضافٌ إلى معرفةٍ؛ لأَنَّ الحالَ إِنْ عُرِّفَتْ لَفْظًا فهي مُنَكَّرةٌ معنًى، كما قال في الخلاصةِ (¬3): وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ ... تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ ¬
والأَيْمَانُ: جمعُ اليمينِ، وَأَوْكَدُ الأيمانِ وأغلظُها هو ما كان بِاللَّهِ، وهم كانوا يحلفونَ بِآلِهَتِهِمْ وأصنامِهم، وإذا أَرَادُوا جهدَ اليمينِ وتوكيدَها وإغلاظَها حَلَفُوا بِاللَّهِ (¬1). وقولُه جل وعلا: {لَئِنْ جَاءتْهُمْ آيَةٌ} أَيْ: لئن جاءتهم آيةٌ من الآياتِ التي اقْتَرَحُوهَا، أما الآياتُ التي لم يَقْتَرِحُوهَا فقد جاءتهم بكثرةٍ، وأعظمُ الآياتِ: هذا القرآنُ العظيمُ؛ لأنه آيةٌ عُظْمَى ومعجزةٌ كُبْرَى باقيةٌ تترددُ في آذانِ الناسِ إلى يومِ القيامةِ؛ ولأَجْلِ أنه أعظمُ الآياتِ، وأكبرُ المعجزاتِ، أَنْكَرَ اللَّهُ في سورةِ العنكبوتِ على مَنْ لَمْ يَكْتَفِ به، وطلبَ آيةً غيرَه، حيث قال: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50)} ثم قال مُنْكِرًا عليهم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)} [العنكبوت: الآيتان 50، 51] فإنكارُه على مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بأكبرِ الآياتِ وأعظمِها، وهو هذا القرآنُ العظيمُ دليلٌ على أنه أعظمُ آيةٍ. والآياتُ التي سَأَلُوهَا وَاقْتَرَحُوهَا، إنما اقْتَرَحُوهَا تَعَنُّتًا وَعِنَادًا، لاَ طَلَبًا للحقِّ؛ ولذا قال جل وعلا: {لَئِنْ جَاءتْهُمْ آيَةٌ} هذه صورةُ إقسامِهم حَكَاهَا اللَّهُ من غيرِ حكايةِ لفظِهم؛ لأنه لو حَكَى لفظَهم لقالَ: «لَئِنْ جَاءَتْنَا آيةٌ لَنُؤْمِنَنَّ بِهَا» فَحَكَى القصةَ بالمعنَى لاَ باللفظِ. أَقْسَمُوا جَاهِدِينَ قائلين: لئن جاءتهم آيةٌ من الآياتِ التي اقْتَرَحُوهَا، كَأَنْ يجعلَ اللَّهُ لهم الصَّفَا ذَهَبًا، أو يبعثَ لهم قُصَيًّا لِيُكَلِّمَهُمْ، أو يأتيَهم بالملائكةِ، أو يشقَّ عنهم جبالَ مكةَ ويباعدَها ليزرعوا في ¬
متسعٍ من الأرضِ؛ لأنهم يَزْعُمُونَ أن الجبالَ لاَ تُمَكِّنُهُمْ من الزراعةِ، كما يأتي في قولِه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: آية 31]. [14/ب] / على حَدِّ قولِه (¬1): لَوْ طَارَ ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا ... لَطَارَتْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ وَقَالَ بعضُ العلماءِ: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} لَكَفَرُوا بالرحمنِ؛ لأنهم ما اقترحوا الآياتِ طَلَبًا للحقِّ، وَلَكِنِ اقْتَرَحُوهَا عِنَادًا وَتَعَنُّتًا؛ ولذا قال هنا: {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} أصلُ الآيةِ في لغةِ العربِ - قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (¬2) - أن أصلَ الآيةِ بالميزانِ الصرفيِّ أَنَّ وَزْنَهَا: (فَعَلَة) وأن أصلَها (أَيَيَة) فَاؤُهَا همزةٌ، وعينُها ياءٌ، ولامُها ياءٌ، على وزنِ (فَعَلَة) فكانَ فيها موجبُ الإعلالِ في الْحَرْفَيْنِ، أعنِي: الياءين، والقاعدةُ في التصريفِ: أن الأغلبَ أن يكونَ الإعلالُ في الحرفِ الأخيرِ، فلو كانت على الأغلبِ لَقِيلَ: (أَيَاه) وكان المبدلُ (أَلِفًا): (الياء) الأخرى، ولكنه هنا وقعَ الإعلالُ في الياءِ الأُولَى، فأُبْدِلَتْ (ألفًا)، وهذا يوجدُ في كلامِ العربِ، وجاء به القرآنُ، هذا أصلُها في الميزانِ الصرفيِّ. وهي في لغةِ العربِ (¬3): الآيةُ تُطْلَقُ إِطْلاَقَيْنِ، وفي القرآنِ العظيمِ تُطْلَقُ إِطْلاَقَيْنِ، أما أشهرُ معانِي الآيةِ في لغةِ العربِ: فهو ¬
العلامةُ، العربُ يقولون: «آيةُ كذا». معناه: علامةُ كذا، ومنه قولُه تعالى: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: آية 248] أي: علامةُ مُلْكِهِ، وقد جاءَ في شعرِ نابغةِ ذبيانَ - وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ جاهليٌّ - جاء فيه تفسيرُ الآيةِ بالعلامةِ، حيث قال (¬1): تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مرادَه بالآياتِ: علاماتُ الدارِ، وآثارُ رسومِها حيث قال مُفَسِّرًا للآياتِ (¬2): رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْيًا أُبِينُهُ ... وَنُؤْيٌ كَجَذْمِ الْحَوْضِ أَثْلمُ خَاشِعُ فَأَشْهَرُ مَعْنَيَيِ الآيةِ في اللغةِ: العلامةُ، وقد تُطْلَقُ الآيةُ في لغةِ العربِ على الجماعةِ، يقولونَ: «جَاءَ القومُ بِآيَتِهِمْ» أي: بِجَمَاعَتِهِمْ، ومنه بهذا المعنَى قَوْلُ بُرج بن مُسْهِرٍ (¬3): خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلَنَا ... بِآيَتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلاَ أي: بِجَمَاعَتِنَا. هذانِ المعنيانِ للآيةِ في لغةِ العربِ: الآيةُ بمعنَى (العلامةِ)، الآية بمعنى (الجماعةِ). والآيةُ تُطْلَقُ في القرآنِ العظيمِ إطلاقين (¬4): تطلقُ مُرَادًا بها الآيةُ الكونيةُ القدريةُ. والكونيةُ القدريةُ من الآيةِ بمعنَى (العلامةِ) لغةً قولاً ¬
واحدًا، كقولِه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ (190)} [آل عمران: آية 190] أي: لعلاماتٍ واضحاتٍ لأصحابِ العقولِ على أن خالقَ هذا الكونِ قادرٌ على كُلِّ شَيْءٍ، وأنه رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وأنه المعبودُ وحدَه (جل وعلا)، فهذه الآيةُ الكونيةُ القدريةُ في القرآنِ من معنَى الآيةِ بمعنَى العلامةِ في لغةِ العربِ. الإطلاقُ الثاني للآيةِ في القرآنِ: إطلاقُ الآيةِ بمعنَى الآيةِ الشرعيةِ الدينيةِ، كقولِه: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ} [الطلاق: آية 11] وهذه هي الآياتُ الشرعيةُ الدينيةُ كآياتِ هذا القرآنِ العظيمِ. وهذه من الآيةِ أيضًا بمعنَى العلامةِ؛ لأَنَّهَا علاماتٌ على صدقِ مَنْ جَاءَ بِهَا؛ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ من الإعجازِ، أو بأن لها علاماتٍ تُعْرَفُ بها مبادئُها ومقاطعُها. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: إن الآيةَ بالمعنَى الشرعيِّ الدينيِّ بمعنَى الجماعةِ؛ لأنها جماعةٌ من كلامِ القرآنِ وحروفِه اشْتَمَلَتْ على بعضٍ مِمَّا تَضَمَّنَهُ القرآنُ (¬1). إذا عَرَفْتُمْ هذا فالآيةُ في الآيةِ التي نَحْنُ بِصَدَدِهَا: {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} هي الآيةُ الكونيةُ القدريةُ، الدالةُ على صدقِ مَنْ جاء بها. أي: علامةٌ خارقةٌ للعادةِ أنكَ رسولٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ (جل وعلا)، كأن يجعلَ الصَّفَا ذَهَبًا، وكأن يُحْيِيَ لنا قُصَيًّا لِنُكَلِّمَهُ، وما جرى مَجْرَى ذلك. وهذا معنَى قولِه: {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} اللامُ الأُولَى ¬
موطئةٌ للقسمِ، واللامُ في قولِه: {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} جوابٌ للقسمِ؛ لأَنَّ القسمَ قبلَ الشرطِ، والقاعدةُ المقررةُ في علمِ العربيةِ: أنه إذا اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ فالجزاءُ للسابقِ منهما (¬1). والسابقُ هنا: القَسَمُ. يعنِي: لئن جَاءَتْهُمْ آيةٌ من الآياتِ التي اقْتَرَحُوهَا عليكَ ليؤمنن بها، ويصدقونَ بأنها مِنَ اللَّهِ، وأنها معجزةٌ دالةٌ على أنكَ نَبِيٌّ حَقًّا. فَأَمرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأَمْرَيْنِ: أحدُهما: أن يقولَ لهم: إن الآياتِ عند الله، هو الذي يأتِي بها إن شاء، كما قال جل وعلا: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)} [الشعراء: آية 4]. الأَمْرُ الثاني: أنه يقولُ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109)} فمعنَى قولِه: {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} أي: الآيات التي اقْتَرَحْتُمُوهَا عندَ اللَّهِ وبيدِه، إن شاءَ أَنْزَلَهَا، وإن شاءَ لم يُنْزِلْهَا، إنما أنا نذيرٌ، وقد جِئْتُكُمْ به من المعجزاتِ ما يُوَضِّحُ الحقَّ، وَيَقْطَعُ الشُّبَهَ، ويثبت لكم ثبوتًا ضروريًّا أني نَبِيٌّ كَرِيمٌ. أما التعنتاتُ والآياتُ المقترحاتُ فهي عندَ اللَّهِ، إن شاءَ أَنْزَلَهَا عليكم فَأَهْلَكَكُمْ إن لم تؤمنوا، وإن شاءَ لم يُنْزِلْهَا عليكم. وقولُه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109)} الإشعارُ في لغةِ العربِ: الإعلامُ (¬2)، أي: ما يُعْلِمُكُمْ وَمَا يُدْرِيكُمْ. وقرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا البصريَّ أبا عمرٍو: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} بِضَمِّ الراءِ، وَمَنْ يُرَقِّقُ - كَوَرْشٍ - يُرَقِّقُ، ومن يُفَخِّمُ ¬
يُفَخِّمُ. وقرأَ هذا الحرفَ أبو عمرٍو في روايةِ الدُّورِيِّ وَالسُّوسِيِّ: {وَمَا يُشْعِرْكُمْ} بسكونِ الراءِ وَرَوَى عنه الدُّورِيُّ: ضَمَّ الراءِ مُخْتَلَسَةً. هذه قراءةُ أَبِي عمرٍو (¬1)، أما الاختلاسُ فهو للتخفيفِ قَوْلاً وَاحِدًا، وأما إسكانُ الراءِ في قراءةِ أبي عمرٍو هذه {وَمَا يُشْعِرْكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهو على إسكانِه الراءَ. فالراءُ مُرَقَّقَةٌ؛ لأَنَّ الراءَ الساكنةَ بعد كسرةٍ مُرَقَّقَةٍ بإجماعِ القراءِ وإجماعِ أهلِ اللسانِ العربيِّ، إلا إذا جاء بعدَها حرفُ استعلاءٍ كما هو مَعْرُوفٌ. لطالبِ العلمِ أن يقولَ: ما وجهُ قراءةِ أبِي عمرٍو هذه وجَزْمُ مضارعٍ من غيرِ جازمٍ، وأصلُ المضارعِ إذا لم يَدْخُلْ عليه جازمٌ أو ناصبٌ فحكمةُ الرفعِ كما هو معروفٌ؟ والجوابُ عن هذا: أن إسكانَ بعضِ الحروفِ المحركةِ للتخفيفِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ معروفٌ، جاء ذلك في القرآنِ وفي لغةِ العربِ في حرفِ الإعرابِ، وفي غيرِ حرفِ الإعرابِ (¬2)، ومثالُه في حرفِ الإعرابِ قولُه هنا: {وما يشعرْكم} الأصلُ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} كقراءةِ الجمهورِ، إلا أن الراءَ سُكِّنَتْ للتخفيفِ، ونظيرُه من كلامِ العربِ قولُ امْرِئِ القيسِ (¬3): فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبْ ... إِثْمًا مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ ¬
فَسُكِّنَ المضارعُ تَخْفِيفًا، وكذلك قد تُسَكِّنُ العربُ حَرْفًا مُتَحَرِّكًا غيرَ حرفِ الإعرابِ تَخْفِيفًا، وعليه قراءةُ حمزةَ (¬1): {أَرْنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة: آية 128] وقراءةُ حفصٍ (¬2): {ويخشى الله وَيَتَّقْه فأولئك هم الفائزون} [النور: آية 52] لأن، «أَرْنَا» أصلُه (أَرِنَا) سُكِّنَ في قراءةِ حمزةَ تَخْفِيفًا، وكذلك في لسانِ العربِ، كقولِ الشاعرِ (¬3): أَرْنَا إِدَاوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُهَا ... مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا وكذلك قراءةُ حفصٍ عَنْ عَاصِمٍ: {ويخشى الله ويَتَّقْه} بِسُكُونِ القافِ؛ لأن أصلَها (ويتَّقِه) والقافُ متحركةٌ، سُكِّنَتْ للتخفيفِ، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬4): وَمَنْ يَتَّقْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعْهُ ... وَرِزْقُ اللَّهِ مُؤْتَابٌ وَغَادِ وقولُ الراجزِ (¬5): قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا ... وَهَاتِ خُبْزَ الْبُرِّ أَوْ دَقِيقَا هذا توجيهُ قراءةِ أَبِي عمرٍو: {وما يُشْعِرْكُم}. وفي قولِه: {أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109)} قراءتانِ ¬
سبعيتانِ (¬1): قَرَأَ هذا الحرفَ أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ وشعبةُ عن عاصمٍ في روايةِ: {وما يشعركم إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} بكسرِ {إِنَّها} وياءِ الغيبةِ فِي {يؤمنون}: {وما يشعركم إنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} قراءة أَبِي عمرٍو: {وما يُشعِرْكم إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} وقراءة ابنِ كثيرٍ وشعبةَ عن عاصمٍ في روايةِ: {وما يُشعِرُكُم إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} فاتفقَ ابنُ كثيرٍ وَأَبُو عمرٍو وشعبةُ عن عاصمٍ - في روايةٍ - على كسرِ {إِنَّها} وياءِ الغَيبةِ في قولِه: {يؤمنون}. وقراءةُ أَبِي عمرٍو هذه وابنِ كثيرٍ وروايةِ شعبةَ هي أوضحُ القراءاتِ (¬2)، واضحةٌ لاَ إشكالَ في الآيةِ عليها، فمتعلقُ الإشعارِ محذوفٌ (¬3)، والمعنَى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} ما يُدْرِيكُمْ ماذَا يكونُ. ثُمَّ بَيَّنَ بخبرٍ مؤكدٍ: {إِنَّها إذا جاءت} {إنَّها} أي: الآيةُ المقترحةُ إذا جاءتهم لا يؤمنون. كما قال: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا} وكما قال جل وعلا: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (15)} [الحجر: آية 15] وكقولِه: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: آية 111] ونحو ذلك من الآياتِ فقراءةُ ابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو وَشُعْبَةَ - في روايةٍ - لا إشكال في الآيةِ عليها، قراءة أبي عمرٍو: {وَمَا يُشْعِرْكُمْ ¬
إِنها إذا جاءت لا يؤمنون} وقراءة ابنِ كثيرٍ وشعبةَ عن عاصمٍ - في روايةٍ - {وَمَا يُشْعِرُكم إنها إذا جاءت لا يؤمنون} وهذه أوضحُ القراءاتِ وأظهرُها معنًى. والمعنَى: ما يشعركم، وما يدريكم عن حقيقةِ الأمرِ الذي سيكونُ لو جاءت الآيةُ المقترحةُ؟ ثم بَيَّنَ بخبرٍ بَاتٍّ أنها إذا جاءت لَنْ يؤمنوا؛ ولذا قال: {إنَّها إذا جاءت} أي: الآيةُ المقترحةُ: {لاَ يُؤْمِنُونَ} لأنهم مُتَعَنِّتُونَ مُعَانِدُونَ كَفَرَةٌ. وقرأ هذا الحرفَ نافعٌ والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصمٍ، وشعبةُ عن عاصمٍ - في الروايةِ الأُخْرَى - {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بفتحِ همزةِ: {أَنَّهَا} وياء الغيبةِ في قولِه: {لاَ يُؤْمِنُونَ}. وقرأ هذا الحرفَ ابنُ عامرٍ وحمزةُ: {وَمَا يُشْعِرُكم أَنَّها إذا جاءت لا تؤمنون} بفتحِ همزةِ: {أَنَّهَا} وتاءِ الخطابِ في قولِه: {تؤمنون} فهي ثلاثُ قراءاتٍ سبعيات، وما عَدَاهَا شَاذٌّ: {إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} {أَنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} {أَنَّها إذا جاءت لا تؤمنون}. أما كسرُ الهمزةِ مع تاءِ الخطابِ في {تؤمنون} فَلَمْ يأتِ في قراءةٍ سبعيةٍ وإن ذَكَرَهُ بعضُ القراءِ عن شعبةَ - أبي بكر - من روايةِ الأعشى (¬1)، فهو لم يَثْبُتْ عن عاصمٍ في طريقِ شعبةَ. أما على القراءةِ التي قَدَّمْنَا فمعنَى الآيةِ واضحٌ لا إشكالَ فيه كَمَا بَيَّنَّا. ¬
وأما على قراءةِ نافعٍ والكسائيِّ وحفصٍ عن عاصمٍ وشعبةَ عن عاصمٍ في روايةِ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109)} ففي الآيةِ إشكالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: المتبادرُ إلى الأذهانِ أن المعنَى: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنونَ حتى ترغبوا في إيمانِهم، وتسألوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فـ (لا) في هذا المقامِ كأن المتبادرَ منها أن (لا) النافيةَ هنا تَقْلِبُ المعنَى، وأن الأصلَ: وما يدريكم أنها إذا جاءتهم يؤمنونَ، حتى تطلبوا النبيَّ أن يسألَها. والجوابُ عن هذا الإشكالِ من أَوْجُهٍ متعددةٍ معروفةٍ عندَ العلماءِ (¬1): أحدُها: أن الآيةَ لاَ إشكالَ فيها، والمعنَى: اللَّهُ (جل وعلا) عَلِمَ في سابقِ أَزَلِهِ أنهم لو جَاءَتْهُمُ الآياتُ لا يؤمنون، كما دَلَّتْ عليه قراءةُ أبي عمرٍو وابنِ كثيرٍ التي بَيَّنَّاهَا الآنَ {إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} يعني: اللَّهُ يعلمُ أنهم لا يؤمنونَ لو جَاءَتْهُمْ؛ لأنه يعلمُ عواقبَ الأمورِ وما تَؤُولُ إليه، وأنتم حيث إنكم بشرٌ لا تعلمونَ عواقبَ الأمورِ. والمعنَى: ما يدريكم، ما يشعركم أنها إذا جاءت لاَ يؤمنون؟ يعني: أنا الذي أعلمُ أنها إذا جاءت لا يؤمنون، وأنتم لا تعلمونَ عواقبَ الأمورِ، ولذلك طَمِعْتُمْ في إيمانِهم، فَسَأَلْتُمُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوَ اللَّهَ أن يأتيَهم بالآيةِ المقترحةِ!! وهذا الوجهُ من التفسيرِ واضحٌ لاَ إشكالَ فيه، واختارَه أبو حيانَ في البحرِ (¬2) ¬
والزمخشريُّ في كَشَّافِهِ (¬1)، وهو أيضًا واضحٌ لاَ إشكالَ فيه، وعليه فالمعنَى: اللَّهُ يعلمُ أنهم لا يؤمنونَ، وأنتم أيها البشرُ ما يدريكم بما عَلِمَ اللَّهُ به من غَيْبِهِ قبلَ أن يقعَ. والمعنَى: لا تعلمونَ أنهم لاَ يؤمنونَ، ولو كُنْتُمْ تعلمونَ أنهم لا يؤمنونَ لَمَا قلتُم للنبيِّ: اسْأَلْ رَبَّكَ أن يجعلَ الصفا ذَهَبًا، طَمَعًا في إيمانِهم. هذا وجهٌ أيضًا لا إشكالَ فيه على قراءةِ نافعٍ والكسائيِّ وحفصٍ عن عاصمٍ، وشعبةَ عنه في روايةٍ. وكان بعضُ العلماءِ يقول (¬2): (لا) هُنَا صِلَةٌ. ومعنَى قولِهم «صِلَةً» أن يَتَأَدَّبُوا عن لفظِ (زائدة) (¬3) وَذَكَرَ كثيرٌ من علماءِ العربيةِ أن لفظةَ «لا» قد تُزَادُ في الكلامِ مقصودًا بها توكيدُ الإيجابِ (¬4)، وهي من الأمورِ العكسيةِ؛ لأَنَّ أصلَها النفيُ، وهي ربما أُكِّدَ بها الإيجابُ، كما في قولِه: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)} [البلد: آية 1] فـ (لا) هنا ليست نافيةً؛ لأن اللَّهَ أَقْسَمَ بذلك البلدِ في قولِه: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)} [التين: آية 3] وقالوا: إن (لا) قد تَأْتِي في الكلامِ صِلَةً مُؤَكِّدةً للثبوتِ، وأن هذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، ومنه قولُه: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (95)} [الأنبياء: ¬
آية 95] على أحدِ الوجهين (¬1)، ومنه قولُه عندَهم: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ} [فصلت: آية 34] أي: والسيئةُ، ومنه قولُه عندَهم: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: آية 65] قالوا: الأصلُ: فَوَرَبِّكَ لاَ يؤمنونَ حتى يحكموكَ فيما شَجَرَ بينهم. قالوا: ومنه قولُه: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: آية 12] قالوا: (لا) هنا صِلَةٌ، بدليل قولِه في (ص): {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: آية 75] بحذفِ (لا). وكان الفراءُ يقولُ (¬2): إن حذفَ (لا) في الكلامِ الذي فيه معنَى الجحدِ - أي النفي - هو معروفٌ مطردٌ في كلامِ العربِ، وأن حذفَها في الكلامِ الذي ليس فيه معنَى الجحدِ ليس مَعْرُوفًا مشهورًا في كلامِ العربِ. والحاصلُ أن زيادةَ لفظِ (لا) في الكلامِ الذي فيه معنَى الجحدِ، - أي: النفي - فهذا مِمَّا لاَ خلافَ فيه، كقولِه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: آية 65] وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] لأن المنعَ مُشَمٌّ معنَى رائحةِ النفيِ، وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أَبِي النَّجْمِ (¬3): ¬
وَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَلاَّ تَسْخَراَ ... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا ومنه قولُ الآخَرِ (¬1): مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمْ ... وَالأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ الأصلُ: أبو بكر وعمرُ. وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، والتحقيقُ: أن زيادةَ (لا) لتوكيدِ الكلامِ المُثْبَتِ أسلوبٌ عَرَبِيٌّ مسموعٌ كثيرًا في الكلامِ الذي فيه معنَى الجحدِ، وربما جاء في الكلامِ المُثْبَتِ الذي ليسَ فيه معنَى الجحدِ، ومن شواهدِه فيه قولُ ساعدةَ بنِ جؤيةَ الهذليِّ (¬2): أَفَعَنْكَ لاَ بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ ... غَابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ الأصلُ: أَفَعَنْكَ بَرْقٌ. و (لا) زائدةٌ، والكلامُ مُثْبَتٌ لا نفيَ فيه، ومنه قولُ الآخَرِ، (قالوا عن ابنِ عباسٍ إنه أنشده) (¬3): تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ ... وَكَادَ ضَمِيرُ الْقَلْبِ لاَ يَتَقَطَّعُ قالوا معناه: كادَ يتقطعُ. هذانِ وجهانِ في الآيةِ. الوجهُ الثالثُ: وقالَ به سيبويه (¬4)، واختارَه المفسرُ الكبيرُ ¬
ابنُ جريرٍ (¬1): أن (أن) هنا في هذه الآيةِ معناها (لَعَلَّ) ومعروفٌ في كلامِ العربِ بإطباقِ أهلِ اللسانِ العربيِّ: أن (لعل) يقال فيها: (لأَنَّ) ويقال فيها: (أنَّ) كما هو معروفٌ، ففي (لعل) لغاتٍ عديدةٍ، منها: (لأن) ومنها: (أن) كما هو معروفٌ، وسُمِعَ بالإطباقِ عن العربِ: «اذْهَبْ إلى السوقِ أَنَّكَ تشتري لنا شيئًا». معناه: لَعَلَّكَ تشتري لنا شيئًا. وهذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، ومنه قولُ امرِئِ القيسِ (¬2): عُوْجَا عَلَى الطَّلَلِ الْمُحِيلِ لأَنَّنَا ... نَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابْنُ خَذَامِ وقولُه: «لأننا»: لَعَلَّنَا. قال ابنُ جريرٍ: ومنه قولُ عَدِيِّ بْنِ زيدٍ حيث قال (¬3): أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي ... إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ يعني: ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ مَنِيَّتِي. ومنه قولُ الآخَرِ (¬4): أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَزْلاً لأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ فَقِيرًا مُخَلَّدَا ¬
يعني: لَعَلَّنِي. ومنه قولُ أَبِي النجمِ (¬1): قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ نَعْمَائِهِ ... أَنَّ تُغَذِّي الْقَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ (أَنَّّ) يعني: لَعَلَّ. وعلى هذا القولِ فالمعنَى: وما يشعرُكم، وما يدريكم لَعَلَّهَا إذا جاءت لاَ يؤمنونَ. قالوا: و (لعل) تأتِي بعدَ (ما يدريك) و (ما يشعرك) وَمِنْ إِتْيَانِهَا بعدَ (ما يدريك) {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)} [الشورى: آية 17] {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63)} [الأحزاب: آية 63] {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3)} [عبس: آية 3] فعلَى هذا الوجهِ الذي اختارَه ابنُ كثيرٍ (¬2) وقال به سيبويه (¬3) أن معنَى (أَنَّ) هُنَا: (لَعَلَّ). والمعنَى: وما يشعرُكم ماذا يكونُ، لَعَلَّهَا إذا جاءت لا يؤمنونَ. قالوا: ويؤيدُ هذا المعنَى: ما في مصحفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ لأن في مصحفِ أُبَيٍّ «وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذا جاءت لا يؤمنونَ» (¬4) ومثلُ هذا كالتفسيرِ؛ لأنه ليس بِقُرْآنٍ. هذه الأوجهُ الثلاثةُ في قولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109)} [الأنعام: آية 109]. ¬
وعلى هذا القولِ فالخطابُ بقولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} للمؤمنين (¬1). أما على قراءةِ ابنِ عامرٍ وحمزةَ: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا تؤمنون (109)} فَالأَوْجُهُ في (لا) في هذه القراءةِ كُلُّهَا هي عينُ الأوجهِ التي في قولِه: {لاَ يُؤْمِنُونَ} إلا أن الخطابَ في القراءةِ الأُولَى {وما يشعركم} هو للمسلمينَ، أي: ما يدريكم أيها المسلمونَ أن الكفارَ إذا جاءتهم الآياتُ يؤمنونَ أَوْ لاَ يُؤْمِنُونَ. أما على قراءةِ ابنِ عامرٍ وحمزةَ فالخطابُ للكفارِ (¬2) {وما يشعركم} أيها الكفرةُ الْمُقْتَرِحُونَ للآياتِ الزاعمونَ الْمُقْسِمُونَ جهدَ أيمانِكم أنها إن جَاءَتْكُمْ آمَنْتُمْ، ماذا يدريكم أنها إذا جاءتكم كَفَرْتُمْ ولم تؤمنوا؟ كقولِه جل وعلا: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)} [الأنعام: آية 7]. فعلى قراءةِ: {تؤمنون} فالخطابُ بـ {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} للكفارِ. وعلى قراءةِ {يؤمنون} فالخطابُ بـ {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} للمؤمنين. وبهذا يزولُ النطاحُ والخصامُ المعروفُ بين علماءِ التفسيرِ في الخطابِ في قولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} طائفةٌ تقولُ: هو للمؤمنينَ، وطائفةٌ تقولُ: هو للكافرينَ. والفصلُ في هذا: أنه على قراءةِ {تؤمنون} فالخطابُ للكفارِ. وعلى قراءةِ {يؤمنون} فالخطابُ ¬
للمسلمينَ. وهذا معنَى قولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: آية 109]. {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)} [الأنعام: آية110]. في هذه الآيةِ الكريمةِ كلامٌ كثيرٌ لعلماءِ التفسيرِ، وأقوالٌ كثيرةٌ (¬1)، أظهرُها وَأَوْلاَهَا بالصوابِ، وهو الحقُّ - إن شاء الله - الذي دَلَّتْ عليه آياتٌ كثيرةٌ من كتابِ اللَّهِ، وخيرُ ما يُفسَّرُ به القرآنُ القرآنُ: أن الكفارَ لَمَّا أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جهدَ أيمانِهم لئن جاءهم بعضُ الآياتِ المقترحاتِ ليؤمنن بها، وَبَيَّنَ اللَّهُ أنهم لا يؤمنونَ، كما هو واضحٌ في قراءةِ أبي عمرٍو وابنِ كثيرٍ وشعبةَ في روايةٍ: {إنها إذا جاءت} بِخَبَرٍ مؤكدٍ بـ (إن) بَاتٍّ أنهم لا يؤمنونَ، بَيَّنَ سببَ عدمِ هذا الإيمانِ، كأنه قال: إني قلتُ: إنهم لا يؤمنونَ، والسببُ في ذلك: أنهم أولُ مرةٍ قابلوا رُسُلِي بالكفرِ والعنادِ والتعنتِ فَطَمَسْتُ على قلوبِهم وخذلتُهم وطبعتُ عليها. وهذا معنَى قولِه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} فلاَ تَعْقِلُ حقًّا {وَأَبْصَارَهُمْ} فلا تبصرُ حَقًّا. فقولُه: {كَمَا} هنا تعليليةٌ (¬2): أي: لأنهم لم يؤمنوا بالقرآنِ أولَ مرةٍ؛ فَلأَجْلِ ما سبقَ منهم من العنادِ والتعنتِ طَمَسْنَا على قلوبِهم، وَقَلَّبْنَا أبصارَهم وقلوبَهم، وَاللَّهُ (جل وعلا) مقلبُ القلوبِ، ¬
وَكُلُّ قَلْبٍ بينَ أصبعين من أصابعِ الرحمنِ يُقَلِّبُهَا ويصرفُها كيف شَاءَ، وفي الحديثِ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (¬1). وعلى ¬
هذا فالمعنَى المانعُ الذي يَمْنَعُهُمْ من الإيمانِ لو جاءتهم الآياتُ المقترحاتُ: أنهم بَادَرُوا بتكذيبِ الرسلِ أولَ مرةٍ عندما جاءهم عِنَادًا وَتَعَنُّتًا، وبسببِ ذلك الكفرِ والعنادِ قَلَّبْنَا أبصارَهم فَأَزَغْنَاهَا عن الحقِّ، وَقَلَّبْنَا أفئدتَهم فَأَزَغْنَاهَا عن الحقِّ. والدليلُ على هذا: أن المبادرةَ بالعملِ السيءِ سببٌ لطمسِ البصيرةِ والطبعِ والرانِ على القلوبِ، كما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آياتٍ كثيرةٍ، كقولِه: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: آية 10] وكقوله: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: آية 14] وكقولِه جل وعلا: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: آية 5] فقولُه: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فِي مكانِ {زَاغُوا} في هذه الآيةِ، وقولُه: {أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} في مكانِ قولِه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} لأن المعاصيَ والكفرَ - والعياذُ بالله - من سببِ طمسِ القلوبِ، وذلك يقعُ في المؤمنِ، الإنسانُ المؤمنُ إذا أَذْنَبَ - والعياذُ بالله - ذَنْبًا. نُكِتَ في قلبِه نكتةٌ سوداءُ، فإذا كان عَاقِلاً ذَكِيًّا من الذين قال اللَّهُ فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201)} [الأعراف: آية 201] وأنابَ إلى اللَّهِ وتابَ إليه زالَ ذلك السوادُ، وصارَ قلبُه صَقِيلاً؛ لأن القلبَ كالزجاجةِ، ونورُ الإيمانِ الذي يُبْصَرُ
به الحقُّ والباطلُ في داخلِه كأنه النورُ وسطَ الزجاجةِ، والزجاجةُ إذا تَلَطَّختْ بالأوساخِ انْكَسَفَ النورُ دَاخِلَهَا، وإذا كانت صقيلةً نظيفةً شَعَّ النورُ. أَمَا تَرَى الذُّبَالَ فِي الْمِصْبَاحِ ... إِذَا صَفَا يُرْضِيكَ فِي اسْتِصْبَاحِ ... وَإِنْ يَكُنْ بِوَسَخٍ مُلَطَّخًا ... كُسِفَ نُورُهُ لِذَلِكَ الطَّخَا (¬1) فإذا أَذْنَبَ العبدُ ذَنْبًا صارت وساخةٌ سوداءُ على قَلْبِهِ، فإذا بَادَرَ إلى الإنابةِ والتوبةِ غَسَلَهَا، فَبَقِيَ القلبُ صَقِيلاً نَظِيفًا، فَشَعَّ نورُ الإيمانِ فيه، كالنورِ في الزجاجةِ الصقيلةِ، فإذا كان المسكينُ مُغَفَّلاً جَاهِلاً، وزادَ في الذنوبِ لم يَزَلْ يزيدُ في الذنوبِ، والسوادُ يَزْدَادُ حتى يعلوَ جميعَ القلبِ، فيسودُّ جميعُه، فيبقَى النورُ لاَ أثرَ له، وعلامةُ هذا من طمسِ البصائرِ - والعياذُ بالله - أن تَرَى مَنْ وَقَعَ به هذا الاسودادُ القلبيُّ، والرانُ المستولِي على قلبِه تراه يرتكبُ فظائعَ الذنوبِ وهو يضحكُ فِي فرحٍ وَلَهْوٍ؛ لأَنَّ البصيرةَ والنورَ الذي يرى به شدةَ ضررِ هذا انْطَمَسَ، فَلاَ يَرَى ضَرَرًا، وتراه تفوتُه الصلواتُ والرغائبُ العظامُ في الدِّينِ وهو فَرِحٌ مَسْرُورٌ!! لاَ يرى هذا الحقَّ حَقًّا، ولا هذا الباطلَ بَاطِلاً؛ لأن البصيرةَ التي يرى بها الحقَّ حقًّا والباطلَ باطلاً، والنافعَ نافعًا والضارَّ ضارًّا، إذا اسودت القلوبُ انطمسَ نورُها، فلا يُبْصِرُ بها شَيْئًا، فكما أن الكفار بَادَرُوا إلى تكذيبِ الأنبياءِ، وكانوا قبلَ ذلك قد يكونونَ على فطرةٍ، وقد يكونونَ معذورين اسْوَدَّتْ قلوبُهم فَطَبَعَ اللَّهُ عليها، وختمَ عليها، وَقَلَبَهَا عن الحقِّ - والعياذُ باللَّهِ -،كما قال جل وعلا: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى ¬
سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} [البقرة: آية 7] وكما قال: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف: آية 57] وقال هنا: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام: آية 110] وذلك جزاء وفاق وعدل؛ لأَنَّ المعاصيَ ترينُ على القلوبِ وتطمسُها حتى لا تبصرَ حَقًّا. وهذا هو الأظهرُ في معنَى قولِه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} حتى تزيغَ عن إدراكِ الحقِّ، ونقلبُ {أَبْصَارَهُمْ} حتى تزيغَ عن إداركِ الحقِّ {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا} لأَجْلِ أنهم لم يُؤْمِنُوا بهذا القرآنِ {أَوَّلَ مَرَّةٍ} جاءهم به الرسولُ، فكان كفرُهم وزيغُهم الأولُ سَبَبًا للطبعِ على قلوبِهم، وتقليبُ قلوبِهم وأبصارهم عن الحقِّ. كقولِه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: آية 5] {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: آية 155] فالباءُ سَبَبِيَّةٌ. وكقولِه: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} [التوبة: آية 125] {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)} [المطففين: آية 14] وهذا معنَى قولِه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: آية 110] فـ {كَمَا} من حروفِ التعليلِ، ومعنَى نُقَلِّبُهَا: لأَجْلِ أنهم لم يؤمنوا به أولَ مرةٍ، فذلك الكفرُ يَجُرُّ إلى الخذلانِ وَطَمْسِ البصيرةِ، وتقليبِ القلوبِ والأبصارِ وَلَمَّا زَاغُوا أزاغَ اللَّهُ قلوبَهم. وقولُه: {وَنَذَرُهُمْ} معناه: نَتْرُكُهُمْ. وقولُه: {فِي طُغْيَانِهِمْ}: الطغيانُ في لغةِ العربِ: مجاوزةُ الْحَدِّ (¬1)، ومنه قولُه: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} [الحاقة: آية 11] أي: ¬
جاوزَ الحدودَ التي يبلغُها الماءُ العادي. وطغيانُ الإنسانِ: مجاوزتُه الحدودَ. ومجاوزتُهم الحدودَ ككفرِهم بِرَبِّهِمْ، وَجَعْلِهِمْ له الشركاءَ والأولادَ. وقولُه: {يَعْمَهُونَ (4)} المضارعُ جُمْلَتُهُ حاليةٌ (¬1)، ومعلومٌ أن جملةَ المضارعِ لا تقترنُ بالواوِ، وأن الرابطَ فيها ضميرٌ، هذا معروفٌ (¬2). والْعَمَهُ في لغةِ العربِ (¬3): هو عَمَى القلبِ خاصةً، الْعَمَى: - مقصورٌ بالأَلِفِ - يُطْلَقُ على عَمَى البصرِ، وعلى عَمَى البصيرةِ، كما يأتي في قولِه: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} [الحج: آية 46] أما العَمَهُ - بالهاءِ - فلا يُطْلَقُ إلا على عَمَى البصيرةِ خاصةً، وَمَنْ عَمِيَتْ بصيرتُه لم يَرَ حَقًّا من باطلٍ، ولم يُمَيِّزْ حَسَنًا من قبيحٍ، ولا نَافِعًا من ضَارٍّ والعياذُ بالله جل وعلا. {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)} [الأنعام: آية 111] قد اقْتَرَحُوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُنْزِلَ عليهم الملائكةَ، كما بَيَّنَهُ تعالى في قولِه: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ} [الفرقان: آية 21] وكقولِه عنهم: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92)} [الإسراء: آية 92] {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: آية 8] هذه الآياتُ الدالةُ على اقتراحِهم إتيانَه بالملائكةِ، وقد اقترحوا عليه أن يُحْيِيَ لهم آباءَهم الذين مَاتُوا [لِيَسْأَلُوهُمْ ¬
عنه] (¬1) , كما بَيَّنَهُ تعالى في الجاثيةِ، وأوضحَ كثرةَ قولهم له: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)} [الجاثية: آية 25] أَحْيُوا لنا آباءَنا وأسلافَنا الذين مَاتُوا لنسألَهم عنكم أَنْتُمْ على حَقٍّ أَمْ لاَ، كذلك قالوا له: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} [الإسراء: آية 92] قال الله هنا: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ} كما اقترحوا أو {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} كما اقْتَرَحُوا اقتراحَهم لنزولِ الملائكةِ {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ} [الفرقان: آية 21] {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ} [الإسراء: آية 92] {لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7)} [الفرقان: آية 7] واقتراحُهم لتكليمِ آبائِهم: {فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36)} [الدخان: آية 36] {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)} [الجاثية: آية 25] يعني: لو أَتَيْنَاهُمْ بما اقْتَرَحُوا فَنَزَّلْنَا عليهم الملائكةَ، والملائكةُ لو نَزَلَتْ عليهم لَجَاءَهُمُ العذابُ؛ لأن اللَّهَ لا يُمْهِلُهُمْ بعدَ نزولِ العذابِ، كما يأتِي في قولِه: {مَا تَنَزَّلُ الملائكة إلا بالحق} وفي القراءةِ الأخرى (¬2): {مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنْظَرِينَ (8)} [الحجر: آية 8] أي: لو نزل الملائكة لاَ يُنظرون بعدَ ذلك، وكقولِه: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (22)} [الفرقان: آية 22] أي: حَرَامًا مُحَرَّمًا عليكم أن تُؤْذُونَا كما سيأتي؛ وَلِذَا قال هنا: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ} كما اقْتَرَحُوا، وَأَخْبَرَتْهُمْ بأنكَ نَبِيُّ اللَّهِ: {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} كأن أَحْيَيْنَا لهم قُصَيًّا فسألوه، وأخبرَهم بأنكَ نَبِيُّ اللَّهِ: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} ¬
قَرَأَهُ الجمهورُ {قُبُلاً}. وقرأَه اثنانِ من السبعةِ {قِبَلاً} (¬1). أما على قراءةِ: {قِبَلاً} فهو مِنَ الْمُعَايَنَةِ. معنَى: {وحشرنا عليهم كل شيء قِبَلاً} أي: معاينةً وجهًا لِوَجْهٍ من غيرِ مواراةٍ بِشَيْءٍ (¬2). وعلى قراءةِ {قُبُلاً} ففيهِ وَجْهَانِ (¬3): أحدُهما: أن القُبُلَ جمعُ قبيل، أي: جماعات جماعات. كَأَنْ تَأْتِيَهُمُ الملائكةُ جماعاتٍ. وقال بعضُ العلماءِ (¬4): ظاهرُ قولِه {كُلَّ شَيْءٍ} أن تأتيَهم الملائكةُ قبيلاً، وكلُّ نوعٍ من أنواعِ الحيواناتِ قبيلاً قبيلاً، فأنطقَها اللَّهُ على خرقِ العادةِ، وكَلَّمَتْهُمْ، كُلُّ هذا لو وَقَعَ لَمْ يؤمنوا. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ (¬5): {قُبُلاً} و {قِبَلاً} معناهما واحدٌ؛ لأن القُبلَ: هو ما تستقبله بوجهِكَ وتعاينُه. ومنه قيل لِمَا يستقبلُه الرجلُ من وجهِه: «قُبُل» وَلِمَا خَلْفَهُ «دُبُر» وعلى هذا القولِ فـ {قِبَلاً} و {قُبُلاً} معناهما واحدٌ، وعلى القولِ الثاني: أن (القُبُلَ) جمع قَبِيلٍ، والمعروفُ في فَنِّ التصريفِ أن (الفعيل) إذا كان اسْمًا يُجْمَعُ غالبًا على (فُعُل) كَقَذَال وقُذُل، وسرير وسُرُر وما جرى مَجْرَى ذلك (¬6). والمعنَى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: جَمَعْنَا عليهم {كُلَّ شَيْءٍ} من جميعِ الأشياءِ قبيلاً ¬
قبيلاً، أي: فَوْجًا فَوْجًا، وجماعةً جماعةً، أو: (قِبَلاً) معاينةً، لو فَعَلْنَا لهم كُلَّ هذا {مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} هذه اللامُ هي التي تُسَمَّى (لامَ الجحودِ) والفعلُ المضارعُ منصوبٌ بـ (أن) بعدَها (¬1) والمعنَى: ما كانوا مُرِيدِينَ لأَنْ يؤمنوا، أو: ما كانوا مُسْتَعِدِّينَ لأَنْ يؤمنوا {إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ} التحقيقُ: أن الاستثناءَ متصلٌ، خلافًا لِمَنْ زَعَمَ أنه منفصلٌ (¬2). والمعنَى: ما كانوا ليؤمنوا في حالةٍ من الأحوالِ إلا في حالةِ أن يشاءَ اللَّهُ ذلك؛ لأنهم مُتَعَنِّتُونَ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عربيٌّ معروفٌ، وهو (أنَّ) المفتوحةَ إنما تكونُ لِسَدِّ مصدرٍ، فهي بمعنَى اسمٍ بالتأويلِ، و (لو) حرفُ شرطٍ لا يدخلُ إلا على الجملةِ الفعليةِ، فكيف دخل هنا على الاسمِ الذي هو المصدرُ المنسبكُ من (أنَّ) وصلتِها (¬3)؟ وهذا السؤالُ جوابُه معروفٌ، لأن إتيانَ (أنَّ) بعدَ (لو) كثيرٌ جِدًّا في القرآنِ العظيمِ {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} [لقمان: آية 27] {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [النساء: آية 64] فهو كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، ومنه في كلامِ العربِ قولُ لَبِيدٍ (¬4): ¬
لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكَ الفَلاَحِ ... لَنَالَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ والجوابُ عندَ علماءِ العربيةِ: أن المصدرَ الْمُنْسَبِكَ من (أن) وصلتِها في محلِّ رفعٍ فاعلُ فعلٍ محذوفٍ، قالوا: تقديرُه «ولو ثَبَتَ أننا نَزَّلْنَا إليهم الملائكةَ» أي: لو ثَبَتَ ووقعَ تنزيلُنا الملائكةَ عليهم {مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} إيمانَهم {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} أي: أكثرَ الكفارِ. قال بعضُ العلماءِ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} أي: أكثرَ الكفارِ. وقال بعضُ العلماءِ: {أَكْثَرَهُمْ} أي: أكثرُ الجميعِ مِنَ الكفارِ والمسلمين {يَجْهَلُونَ} أنهم لو أُنْزِلَتْ عليهم الآياتُ التي اقْتَرَحُوا لم يؤمنوا. والقولُ الأولُ أظهرُ؛ لأن التعبيرَ بالمضارعِ فِي: {يَجْهَلُونَ (11)} يدلُّ على أنهم من عادتِهم وشأنِهم الجهلُ وعدمُ المعرفةِ بِاللَّهِ. وهذا أَلْيَقُ بالكفارِ. [15/أ] / {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)} [الأنعام: آية 112]. لَمَّا كان كفارُ مكةَ، أعداءً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَادَوْهُ شدةَ المعاداةِ، حتى اضطر إلى أن يخرجَ مُهَاجِرًا إلى هذه المدينةِ حَرَسَهَا اللَّهُ، عن مسقطِ رأسِه الذي وُلِدَ به؛ لِمَا لَقِيَ مِنْ أَذَاهُمْ وَهَمِّهِمْ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ كما يأتِي في سورةِ الأنفالِ في قولِه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} [الأنفال: آية 30].
أراد اللَّهُ أن يُسَلِّيَ نَبِيَّهُ في هذه الآيةِ الكريمةِ (¬1)، أن هذا الذي جَرَى عليه جرى على إخوانِه وآبائِه من الرسلِ الكرامِ، كإبراهيمَ وإسماعيلَ، يعنِي: {وَكَذَلِكَ} أي: كما جَعَلْنَا لك أعداءً كفرةً من قومِك يُعَادُونَكَ ويهمُّون بِقَتْلِكَ وإخراجِك وحبِسك كما جَعَلْنَا لكَ أعداءً {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ} من الأنبياءِ {عَدُوًّا} أي: أعداء، يعني لم يَبْقَ نَبِيٌّ إلا جَعَلَ اللَّهُ له أعداءً؛ لأَنَّ الحقَّ لا يأتِي به أحدٌ إلا كان خصومُ الحقِّ أعداءً له؛ ولذا تعرفونَ في حديثِ البخاريِّ المشهورِ: أن خديجةَ بنتَ خويلدَ (رضي الله عنها) لَمَّا ذَكَرَتْ أمرَ النبيِّ لورقةَ بنِ نوفلٍ، وقال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: (ليتني جَذَع إِذْ يخرجُك قومُك أكون معكَ، فَأَنْصُرُكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) لما قال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الصحيحِ المشهورِ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟» أجابَه ورقةُ بقولِه: «لَمْ يأت بهذا الدين أحدٌ إلا عُودِيَ» (¬2). لأن الحقَّ لا يأتِي به أحدٌ إلا عَادَاهُ خصومُ الحقِّ، وهم شياطينُ الإنسِ والجنِّ، فهم أعداءٌ للحقِّ، وأعداءٌ لمن قَامَ بالحقِّ، كما قال جل وعلا. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ ¬
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)} [الأنعام: الآيات 112 - 115]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)} [الأنعام: آية 112]. لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأنعامِ - ما لاَقَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من أذَى المشركين ومن عداوتِهم وعدمِ انقيادِهم إليه - كما قَدَّمْنَا في قولِه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} إلى قولِه: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} [الأنعام: الآيات 33 - 35] أي: إن استعطتَ ذلك فَافْعَلْ - بَيَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآيةِ الكريمةِ أنه ما أرسلَ نَبِيًّا من الأنبياءِ إلا جَعَلَ له أعداءً كفرةً فجرةً من شياطينِ الإنسِ والجنِّ، والقصدُ من هذا تسليةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ما لُوقِيَ به من العداوةِ إذا كان قد لاَقَاهُ إخوانُه الكرامُ من الرسلِ الكرامِ هوَّن ذلك الأمر عليه، كما قال له: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: آية 43] {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا} [الأنعام: آية 34] {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: آية 35] ونحو ذلك من الآياتِ. ومعنى الآيةِ الكريمةِ {وَكَذَلِكَ} أي: كما جَعَلْنَا لكَ أعداءً كفرةً من كفارِ قريشٍ يُعَادُونَكَ ويناصبونَك العداوةَ، كذلك الجعل {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ} من الأنبياءِ قَبْلَكَ {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} جعلناهم عَدُوًّا للأنبياءِ، وقد نَصَّ اللَّهُ على هذا في الفرقانِ حيث قال:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان: آية 31]، فَبَيَّنَ أن أعداءَ الأنبياءِ هم المجرمونَ، وهم شياطينُ الإنسِ والجنِّ. وقرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عَدَا نَافِعًا وحدَه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ} بالإدغامِ. وقرأه نافعٌ وحدَه بروايةِ ورشٍ وقالونَ: {جعلنا لكل نبيءٍ عدوًّا} ونافعٌ يقرأُ جميعَ ما في القرآنِ من النبيءِ والأنبئاءِ كُلَّهُ بالهمزةِ في روايةِ ورشٍ، وكله بالهمزةِ في روايةِ قالونَ عن نافعٍ، إلا حَرْفَيْنِ في سورةِ الأحزابِ (¬1) (¬2). أما على قراءةِ نافعٍ: {جعلنا لكل نبيءٍ} فالنبيءُ مشتقٌّ من (النبأ) (¬3)، والنبأُ: الخبرُ الذي له خَطْبٌ وشأنٌ، وإنما قيل للنبيءِ (نبيءٌ) لأنه يُوحَى إليه، والوحيُ: خبرٌ له خَطْبٌ وشأنٌ، فكل نبأٍ خبرٌ، وليس كُلُّ خبرٍ نبأً؛ لأن العربَ لا تُطْلِقُ النبأَ إلا على الخبرِ الذي له شأنٌ وَخَطْبٌ، أما الخبرُ فتطلقُه على الحقيرِ والجليلِ، فلو قلتَ: جاءنا نبأُ الأميرِ، وجاءنا نبأٌ عن الجنودِ، وعن الأمورِ العظامِ. كان هذا من كلامِ العربِ، فلو قلتَ: جاءنا نبأٌ عن حمارِ الحجامِ. لم يكن هذا من كلامِ العربِ؛ لأن قصةَ حمارِ الحجامِ لا خَطْبَ لها ولا شأنَ، فلا يُعبَّرُ عنها بالنبأِ، وإنما يُعَبَّرُ عنها بالخبرِ (¬4). ¬
أما على قراءةِ الجمهورِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ} بالإدغامِ ففيه وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ: أحدُهما: أن أصلَه من (النبأِ)، إلا أن الهمزةَ أُبْدِلَتْ ياءً، وَأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ. وعليه فالقراءةُ بالنبيءِ والنبيِّ كالقراءتين السبعيتين: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: آية 37] {إنما النسيّ زيادة في الكفر} (¬1) وعلى هذا التأويلِ فمعنَى قراءةُ الجمهورِ كمعنَى قراءةِ نافعٍ. الوجهُ الثاني: أن النبيَّ على قراءةِ الجمهورِ ليس اشتقاقُه من (النبأ) بمعنَى الخبرِ، وإنما هو من (النَّبْوَةِ) بمعنَى الارتفاعِ (¬2) لارتفاعِ شأنِ النبيِّ، وعلى هذا التفسيرِ فأصلُ النبيِّ على قراءةِ الجمهورِ ليس بمهموزٍ، والأظهرُ أن أصلَه مهموزٌ، وأن الهمزةَ أُبْدِلَتْ ياءً، بدليلِ قراءةِ نافعٍ بالهمزةِ. وقولُه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا} اختلفَ العلماءُ في إعرابِ قولِه: {عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} فذهبَ بعضُ العلماءِ إلى أن {عَدُوًّا} و {شَيَاطِينَ} هُمَا المفعولانِ لـ {جَعَلْنَا}. أي: جَعَلْنَا {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} أعداءً، أي: صَيَّرْنَاهُمْ أعداءً لكل نبيٍّ. وعلى هذا فتكونُ {شَيَاطِينَ الإِنْسِ} هو المفعولُ الأولُ، وقولُه: {عَدُوًّا} هو المفعولُ الثاني. و (جعل) هنا هي التي بمعنَى: (صيَّر). ¬
الوجهُ الثاني من الإعرابِ: أن أحدَ المفعولين هو الجارُّ والمجرورُ في قولِه: {لِكُلِّ نِبِيٍّ} والمفعولُ الثاني هو قولُه: {عَدُوًّا} وعليه فيكونُ إعرابُ {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} أنه بدلٌ من {عَدُوًّا} هذانِ الإعرابانِ في الآيةِ (¬1) و (جعل) هنا بمعنَى (صَيَّرَ) أي: صَيَّرْنَا شياطين الإنسِ والجنِّ أعداءً لكلِّ نبيٍّ من الأنبياءِ. و (جعل) تأتِي في كلامِ العربِ على أربعةِ أنحاءَ (¬2)، ثلاثةٌ منها في القرآنِ، والرابعُ موجودٌ في لغةِ العربِ وليسَ في القرآنِ: الأولُ من الأقسامِ الأربعةِ: (جعل) التي بمعنَى (اعتقد) وهي تَنْصِبُ المبتدأَ والخبرَ مَفْعُولَيْنِ، وهي بمعنَى (اعتقدَ) ومنه قولُه: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ} [الزخرف: آية 19] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {الذينَ هم عند الرحمنِ إِنَاثًا} (¬3) المعنىَ: اعتقدوا الملائكةَ إناثًا. فـ (جعل) هذه بمعنَى (اعتقد) وهي تنصبُ مَفْعُولَيْنِ أصلُهما مبتدأٌ وخبرٌ. الثاني: (جعل) بمعنَى (صيَّر) كهذه التي عندنا: {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ} [الأنعام: آية 112] أي: صَيَّرْنَا شياطينَ الإنسِ عدوًّا لكلِّ نَبِيٍّ. وهي أيضًا تنصبُ المبتدأَ والخبرَ مفعولين. ¬
الثالث: (جعل) بمعنَى (خَلَقَ) وهي تنصبُ مفعولاً واحدًا، وهي التي تَقَدَّمَتْ في أولِ هذه السورةِ الكريمةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: آية 1] أي: خلقَ الظلماتِ والنورَ. هذه الأقسامُ الثلاثةُ من معانِي (جعل) أعنِي كونَها بمعنَى (اعتقد)، وكونَها بمعنى (صيَّر)، وكونَها بمعنَى (خلق)، كُلُّهَا في القرآنِ العظيمِ. أما معناها الرابعُ فهو في اللغةِ، وليس في القرآنِ، وهو إتيانُ (جعل) بمعنَى شَرَعَ في الأمرِ، كقولِهم: جَعَلَ فلانٌ يفعلُ كذا. أي: شَرَعَ يفعلُه. ومنه بهذا المعنَى قولُ الشاعرِ (¬1): وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي ... ثَوْبي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرِ وهذا معنَى قولِه أي: وكذلك الجعلُ الذي جَعَلْنَا لكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ أعداءً من كفارِ قريشٍ في مكةَ {وَكَذَلِكَ} الجعلُ {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ} قبلكَ من الأنبياءِ {عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ}. في هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يُقالَ: إن المرادَ: أعداءٌ؛ لأنهم شياطينُ الإنسِ والجنِّ، وهم جماعةٌ، وأعداءُ الرسلِ جماعاتٌ لاَ مفردٌ، وهنا قال: {عَدُوًّا} بصيغةِ المفردِ، ولم يَقُلْ: «وكذلك جعلنا لكل نبي أعداءً» بل قال: {عَدُوًّا} وجاءَ في القرآنِ إطلاقُ العدوِّ مُرَادًا به الجمعُ في آياتٍ متعددةٍ كقولِه: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} أي: أعداءٌ لكم. ¬
وكقولِه: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} أي: هم الأعداءُ فَاحْذَرْهُمْ. وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا: أن المقررَ في علومِ العربيةِ: أن المفردَ إذا كان اسمَ جنسٍ جازَ إطلاقُه مفردَ اللفظِ مُرَادًا به الجمعُ إذا دَلَّتْ على ذلك قَرَائِنُ (¬1). وهذا كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ في الحالاتِ الثلاثِ، أعنِي بقولِي «في الحالاتِ الثلاثِ»: أن يكونَ مُنَكَّرًا، وأن يكونَ معرَّفًا بالألفِ واللامِ، وأن يكونَ مُضَافًا. فمثالُ إطلاقِ الجنسِ مُفْرَدًا مرادًا به الجمعُ مُنَكَّرًا في القرآنِ قولُه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54)} [القمر: آية 54] يعني: وَأَنْهَارٍ، بدليلِ قولِه: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} [محمد: آية 15] وقوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [الحج: آية 5] يعني أطفالاً. وقولُه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: آية 74] أي: أئمةً. وقوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا} {النساء: آية 4] أي: أَنْفُسًا. وقولُه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: آية 6] أي: وإن كنتم جنبين أو أجنابًا فَاطَّهَّروا. وقولُه جل وعلا: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)} [المؤمنون: آية 67] أي: سَامِرِينَ. وهو كثيرٌ في القرآنِ. ومن أمثلتِه في القرآنِ واللفظُ معرَّفٌ بالألفِ واللامِ قولُه جل وعلا: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} [الفرقان: آية 75] يعني: الغُرفَ. بدليلِ قولِه: {لَهُمْ غُرَفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} [الزمر: آية 20] {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: آية 37] وقوله: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا} [النور: آية 31] يعني: الأطفال {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)} [القمر: آية 45] أي: الأَدْبَارَ. ¬
وقولُه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: آية 22] أي: والملائكةُ؛ لأن الملكَ الواحدَ لاَ يكونُ صَفًّا صَفًّا، وكما دَلَّ عليه قولُه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة: آية 210] وهذا كثيرٌ في القرآنِ. ومن أمثلتِه واللفظُ مضافٌ: قولُه جل وعلا: {إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي} [الحجر: آية 68]، أي: أَضْيَافِي، وقولُه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63] أي: أَوَامِرِهِ {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: آية 34] أي: نِعَمَ اللَّهِ، وأنشدَ الشيخُ سيبويه في كتابِه لإطلاقِ اسمِ الجنسِ مُفْرَدًا مُرَادًا به الجمعُ، أنشدَ له بيتين، أحدُهما قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَةَ التميميِّ (¬1): بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ يعني: وأما جلودُها فصليبةٌ. وقولُ الآخَرِ (¬2): كلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمْ تَعُفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ يعني: في بعضِ بُطُونِكُمْ. هذانِ البيتانِ أنشدهما سيبويه لهذا المعنَى في كتابِه، وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ. ومنه واللفظُ مُنكَّر في كلامِ العربِ: قولُ عَقِيلِ بْنِ عُلَّفَةَ الْمُرِّيِّ (¬3): وَكَانَ بَنُو فَزَارَةَ شَرَّ عَمٍ ... وَكُنْتُ لَهُمْ كَشَرِّ بَنِي الأَخِينَا يعني: شَرَّ أَعْمَامٍ. ومنه واللفظُ مضافٌ: قولُ العباسِ بنِ مرداسٍ السُّلميِّ (¬4): ¬
فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ ... وَقَدْ سَلِمَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ أي: إِنَّا إِخْوَانُكُمْ. وقولُ جَرِيرٍ (¬1): إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقرِفَات مِنَ الْعِرَابِ وهو كثيرٌ جِدًّا في كلامِ العربِ، ومنه قولُه هنا: {عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} والعدوُّ: هو الذي يُعَادِيكَ، ويتربصُ بكَ الدوائرَ، وَكُلَّمَا وجدَ فرصةً لِضَرَرِكَ ضرَّكَ [وشياطين الإنس والجن يُعَادُونَ الأنبياءَ والرسلَ (عليهم الصلاةُ والسلامُ)] (¬2) وهم أعداءُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقولُه: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} الشياطينُ: جمعُ الشيطانِ، والشيطانُ في لغةِ العربِ: هو كُلُّ عَاتٍ متمردٍ في الطغيانِ. فَكُلُّ مَا زَادَ وَبَرَزَ في جِنْسِهِ بِأَنْ زَادَ طغيانُه وعصيانُه وعُتُوُّه تُسَمِّيهِ العربُ: (شيطانًا)، سواء كان من الإنسِ أو من الجنِّ أو من غيرِهما. فَكُلُّ عَاتٍ متمردٍ فهو شيطانٌ (¬3)، سواء كان من الإنسِ كقولِه هنا: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ} وقولِه: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ} [البقرة: آية 14] أي: عُتَاتِهِمُ المتمردين من رؤساءِ الكفرةِ من الإنسِ. وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ جريرٍ (¬4): أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانَ مِنْ غَزَلٍ ... وَكُنَّ يَهْوَيْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا أَيْ: مُتَمَرِّدًا عاتيًا. هذا أصلُ الشيطانِ في لغةِ العربِ، ومن ¬
إطلاقِ الشيطانِ على المتمردِ العاتِي من غيرِ الإنسِ والجنِّ: حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» (¬1). وقد قَدَّمْنَا في تفسيرِ الاستعاذةِ: أن علماءَ العربيةِ اختلفوا في وزنِ الشيطانِ بالميزانِ الصرفيِّ (¬2)، فَذَهَبَ جماعةٌ - وهو أظهرُ القولين اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا سيبويه، كُلٌّ منها في موضعٍ مِنْ كتابِه - أن أصلَ المادةِ التي منها الشيطانُ: هي (الشين والطاء والنون)، فَحُرُوفُهُ الأصليةُ (شطن) والياءُ والألفُ زَائِدَتَانِ، وعليه فَوَزْنُهُ بالميزانِ الصرفيِّ: (فَيْعَال) فاءُ مادتِه: شينٌ، وَعَيْنُهَا: طاءٌ، ولامُها: نونٌ، أصلُها من (شطن)، ومادةُ (شطن) تستعملُها العربُ في البُعدِ، فَكُلُّ شيءٍ بعيدٍ تُطْلِقُ عليه هذا الاسمَ، تقولُ العربُ: «نوًى شطون». أي: بعيدةٌ. و (بئر شطون). أي: بعيدةُ القعرِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬3): نَأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطُونُ ... فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا حَزِينُ وعلى هذا القولِ فوزنُ الشيطانِ بالميزانِ الصرفيِّ (فَيْعَال) واشتقاقُ مادتِه من: (شطن) بمعنَى: (بَعُدَ) ووجهُ المناسبةِ: هو بُعْدُهُ عن رحمةِ اللَّهِ (جل وعلا) لِمَا سَبَقَ له من الشقاءِ الأزليِّ. مما يؤيدُ هذا - أن الشيطانَ من مادةِ (شطن)، وأن وزنَه (فَيْعَال) - هو ما جاء في شعرِ أُميةَ بنِ أبِي الصلتِ الثقفيِّ (¬4)، وهو عَرَبِيٌّ جاهليٌّ قُحٌّ: أَيُّمَا شَاطِنٍ عَتَاهُ عَكَاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالأَكْبَالِ ¬
فَأَطْلَقَ على الشيطانِ: شاطن. والشاطنُ: اسمُ فاعلِ (شطن) بلاَ خِلاَفٍ. الوجهُ الثاني في وزنِ الشيطانِ بالميزانِ الصرفيِّ - وقد أشارَ له أيضًا سيبويه في كتابِه -: أن أصلَه من (شاط، يشيط). وعلى هذا: فأصلُ مادتِه (شَيَط) فاءُ المادةِ: شينٌ، وَعَيْنُهَا: ياءٌ، ولامُها: طاءٌ. وعلى هذا فوزنُه بالميزانِ الصرفيِّ: (فَعْلان) لا (فَيْعَال)، والعربُ تقولُ: «شاطَ يَشِيطُ» إذا هَلَكَ. ومنه قولُ الأَعْشَى - ميمونِ بنِ قَيْسٍ (¬1): قَدْ نَخْضِبُ الْعَيْرَ مِنْ مَكْنُونِ فَائِلِهِ ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا الْبَطَلُ وعلى هذا القولِ الأخيرِ، أن وزنَه (فَعْلاَن) وأنه مِنْ (شَاطَ يشيط) فمعناهُ: أنه هالكٌ لا محالةَ؛ لِمَا سَبَقَ له من الشقاءِ والعذابِ، وعلى هذا فمعنَى: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} أي: عتاتهم المتمردين في الطغيانِ، الفائقين جنسَهم وأمثالَهم في الكفرِ والمعصيةِ. وقولُه: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} فيه وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ (¬2): أحدُهما: وهو الأظهرُ الصحيحُ، وقد جاءَ في حديثٍ مرفوعٍ عن أَبِي ذَرٍّ (رضي الله عنه) أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «يَا أَبَا ذَرٍّ: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ» فقال أبو ذر: أَوَللإِنْسِ شياطينُ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «نَعَمْ». وفي بعضِ رواياتِه: «أَنَّ شَيَاطِينَ الإِنْسِ شَرٌّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ» (¬3). ¬
وحديثُ أبي ذَرٍّ هذا جاءَ من طُرُقٍ متعددةٍ، لا يَخْلُو بعضُها من مقالٍ، إلا أن مجموعَها يُقَوِّي بعضُها بعضًا، ويدلُّ على أن الحديثَ له قوةٌ وأصلٌ. وعلى هذا القولِ فأعداءُ الرسلِ شياطينُ على نَوْعَيْنِ: شياطينُ من العتاةِ الكفرةِ من الإنسِ، وشياطينُ عتاةٌ كفرةٌ من الجنِّ، كلهم أعداءُ الرسلِ. وهذا القولُ الصحيحُ. وقال بعضُ العلماءِ: المرادُ به أن أعداءَ الرسلِ شياطينُ، إلا أن هؤلاء الشياطينَ منهم شياطينُ يضللونَ الإنسَ، ومنهم شياطينُ يُضَلِّلُونَ الجنَّ. وَرُوِيَ هذا عن جماعةٍ من العلماءِ، وجاء فيه حديثٌ ضعيفٌ. قال بعضُ العلماءِ: إن إبليسَ يُفَرِّقُ الشياطينَ يُضَلِّلُونَ الجنَّ، ويضللونَ الإنسَ، فللإنسِ شياطينُ يضللونهم، وللجنِّ شياطينُ يضللونهم. قالوا: فيجتمعونَ، فيقولُ بعضٌ لبعضٍ: أنا أَضْلَلْتُ صَاحِبي بكذا وكذا فَضَلَّ، فاسْتَعْمِلْ هذا الذي أضللتُ به صاحبي لِتُضِلَّ به صاحبَك. هذا وجهٌ في الآيةِ. والقولُ الأولُ أظهرُ للحديثِ المذكورِ. وقولُه: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} {يُوحِي} مضارعُ (أَوْحَى، يُوحي، إيحاءً)، والوحيُ في لغةِ العربِ: يُطْلَقُ على كل شيء يُلْقَى في سرعةٍ وخفاءٍ (¬1). فَكُلُّ ما ألقيتَه في سرعةٍ وخفاءٍ فقد أوحيتَ به. ومن هنا كان الوحيُ يُطْلَقُ على الإشارةِ، وَيُطْلَقُ على الكتابةِ، وُيطلق على الإلهامِ، ويطلقُ على ما يُلْقِيهِ الإنسانُ لصاحبِه ¬
سِرًّا في خفية. كل هذا يُسَمَّى وحيًا. ومن إطلاقِ الوحيِ على الإشارةِ قولُه في قصةِ زكريا: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)} [مريم: آية 11] أي: أشارَ إليهم على أظهرِ التَّفْسِيرَيْنِ. ويؤيدُه قولُه: {أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} [آل عمران: آية 41] لأَنَّ الرمز: الإشارةُ. فدلَّ على أن الوحيَ في حَقِّهِ: الإشارةُ. وَيُطْلَقُ الوحيُ على الكتابةِ، وإطلاقُ الوحيِ على الكتابةِ كثيرٌ في كلامِ العربِ جِدًّا، ومنه قولُ لبيدٍ في معلقتِه (¬1): فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا ... خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُهَا فـ (الوُحِيَّ): جَمْعُ (وَحْي)، وهو الكتابةُ في الحجارةِ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ بكثرةٍ، ومنه قولُ عنترةَ (¬2): كَوَحْي الصَّحَائفِ مِنْ عَهْدِ كِسْرَى ... فَأَهْدَاهَا لأَعْجَمَ طِمْطِمِي ومنه قولُ غيلانَ ذي الرمةِ (¬3): سِوَى الأَرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّوَاتِي كَأَنَّهَا ... بَقِيَّةُ وَحْيٍ فِي بُطُونِ الصَّحَائِفِ أي: كتابة. وكذلك منه قولُ جريرٍ (¬4): كَأَنَّ أَخَا الْكِتَابِ يَخُطُّ وَحْيًا ... بِكَافٍ فِي مَنَازِلِهَا وَلاَمِ أي: خَطًّا. ¬
وفي إطلاقِه على الإلهامِ: قولُه: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: آية 68] أي: أَلْهَمَهَا. فمعنَى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} أي: يُلْقِيهِ إليه في خفاءٍ وسرعةٍ. ولذلك لَمَّا جاء عن المختارِ بنِ أبي عبيدٍ أنه ادَّعَى النبوةَ، وأنه يُوحَى إليه، وكانت أختُه صفيةُ بنتُ أَبِي عبيدٍ (رضي الله عنها) زوجةَ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ (رضي الله عنهما). فقيلَ لعبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ: إن المختارَ ادَّعَى أنه يُوحَى إليه. قال: صَدَقَ!! قال اللَّهُ: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ} (¬1) [الأنعام: آية 121] فذلك وحيُ الشيطانِ، وهو ما يُلْقِيهِ الشيطانُ إلى قَرِينِهِ من الوساوسِ والزخارفِ لِيُضِلَّ بها الناسَ. ذلك هو وحيُ الشياطينِ. وهذا معنَى قولِه: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: آية 112] ذلك صادقٌ بأن شياطينَ الجنِّ يُوحُونَ إلى شياطينِ الإنسِ، كما يأتي في قولِه جل وعلا: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ} أي: يُلْقُونَ إليهم الوساوسَ والأمورَ. وكذلك يُوحِي بعضُ شياطينِ الإنسِ إلى بعضِ شياطينِ الجنِّ. وهو على ثلاثةِ أنحاءَ؛ لأن شياطينَ الجنِّ يوحونَ إلى شياطينِ الإنسِ، ويوحونَ إلى شياطينِ الجنِّ، كما أن شياطينَ الإنسِ يوحونَ إلى شياطينِ الإنسِ. فهذا وحيُ الشياطينِ بعضِهم لبعضٍ. وعن مالكِ بنِ دينارٍ (رحمه الله) أنه قال: إن شيطانَ الإنسِ أشدُّ عَلَيَّ مِنْ شيطانِ الجنِّ؛ لأن شيطانَ الجنِّ أَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ منه فيذهبُ عَنِّي، ¬
وشيطانُ الإنسِ يجيئني فَيَجُرُّنِي إلى المعصيةِ عيانًا (¬1). وَاعْلَمُوا أن اللَّهَ (جل وعلا) قَدْ بَيَّنَ علاجَ ما يريدُ أن يضرَّك من شياطينِ الإنسِ والجنِّ في ثلاثِ آياتٍ من كتابِه، فَبَيَّنَ (جل وعلا) أن الذينَ يحاولونَ ضُرَّكَ وعداوتَك من شياطينِ الإنسِ لهم علاجٌ سَمَاوِيٌّ، وأن أمثالَهم من شياطينِ الجنِّ لهم علاجٌ سماويٌّ، وبينَ علاجِ هذا وهذا في ثلاثةِ مواضعَ من كتابِه، فَبَيَّنَ (جل وعلا) أن الذي يريدُ أن يَضُرَّكَ من الإنسِ، ويجرُك إلى ما يضرُّك كعملِ الشياطين، يعاديكَ ويترقبُ لكَ الضررَ أَنَّ دواءَه الوحيدَ الذي يُنْجِيكَ منه هو أن لا تَتَّبِعَهُ في شَرٍّ، وأن تعاملَه مكانَ السيئةِ بالحسنةِ، فإذا أساءَ إليكَ سَتَرْتَ إساءَته وقابلتَها بالإحسانِ فيندحرُ وينكسرُ، ويكونُ صَدِيقًا بعدَ أن كان عَدُوًّا، وأما شيطانُ الجنِّ فإنه لا علاجَ له ألبتةَ إلا الاستعاذةَ بالله (جل وعلا) منه؛ لأن المُلاينةَ لا تزيدُه إلا طغيانًا، وأنتَ لا تَرَاهُ لتنتصفَ منه، فلاَ دواءَ له إلا الاستعاذةَ بالله (جل وعلا) من شَرِّهِ. الموضعُ الأولُ من هذه المواضعِ الثلاثةِ: قولُه تعالى في أخرياتِ سورةِ الأعرافِ: في شياطينِ الإنسِ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف: آية 199] أَيْ: عَامِلْهُمْ بالعفوِ واللينِ والإعراضِ عن سيئاتِهم. ثم قال في شيطانِ الجنِّ: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)} [الأعراف: آية 200]. الموضعُ الثاني في سورةِ (قد أفلح المؤمنون) وهو قولُه في الإنسيِّ الْمُعَادِي: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} أي: ادْفَعْ سيئةَ ¬
الإنسيِّ بِالْحُسْنَى {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96)} ثم قال في نظيرِه من شياطينِ الجنِّ: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)} [المؤمنون: الآيات 96 - 98]. الموضعُ الثالثُ: في سورةِ (حم السجدةِ) - سورة فصلت -: وَاللَّهُ (جل وعلا) بَيَّنَ فيها أن هذا العلاجَ السماويَّ لاَ يُعْطِيهِ اللَّهُ لكلِّ أحدٍ، بل لا يُعْطِيهِ إلا لِمَنْ جَعَلَ له البختَ الأعظمَ والنصيبَ الأوفرَ عنده؛ ولذا قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يعني: ادْفَعْ عداوةَ شيطانِ الإنسِ بالتي هي أحسنُ، ثم قال: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)} أي: صديقٌ في غايةِ الصداقةِ، ثم بَيَّنَ أن هذا لاَ يُعْطَى لكلِّ الناسِ، قال: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} ثم قال في شيطانِ الجنِّ: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)} [فصلت: آية 36]. فعلينا معاشرَ المؤمنين أن نقدرَ هذا العلاجَ السماويَّ، ونعاملَ مَنْ عَادَانَا وأرادَ ضُرَّنَا من إخوانِنا المؤمنين بالصفحِ والإحسانِ، ومقابلةِ السَّيِّئِ بالجميلِ، حتى تنكسرَ شوكةُ شُؤْمِهِ، فيرجع خَجِلاً صديقًا حميمًا، ونستعيذُ من الشيطانِ بخالقِ السماواتِ والأرضِ لِيَكْفِيَنَا شَرَّهُ. وهذا الذي نقوله فيمن يُعَادِيكَ من إخوانك المسلمين، وأمثالِهم ممن لهم حرمةٌ، كالكتابيِّ الذي تحتَ ذمةِ الإسلامِ، الذي له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم. أما الكفرةُ الْحَرْبِيُّونَ فلا مُلاَيَنَةَ معهم، وإنما معهم الشدةُ والغلظةُ، كما قال اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: آية 73] ومَدَحَ المؤمنينَ
والنبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بأنهم في غايةِ اللينِ والرحمةِ للمؤمنين، وفي غايةِ الشدةِ والقسوةِ على الكفرةِ: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: آية 29] وقال جل وعلا: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: آية 29] لأن الشدةَ في محلِّ اللينِ هي مِنَ الحُمْقِ والخَرَقِ، واللينُ في محلِّ الشدةِ هو من الضعفِ والْخَوَرِ، والسدادُ والحكمةُ أن تكونَ الشدةُ في محلِّ الشدةِ، واللينُ في محلِّ اللينِ. ومعنَى قولِه جل وعلا: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: آية 112] الزُّخْرُفُ: هو كُلُّ شيءٍ زَيَّنْتَهُ وَزَخْرَفْتَهُ وَمَوَّهْتَهُ فهو زُخْرُفٌ (¬1). وإنما سَمَّاهُ {زُخْرُفَ الْقَوْلِ}؛ لأنهم يُزَيِّنُونَ لهم المعاصيَ، ويحببونَ إليهم الشهواتِ، ويرغبونهم في لذاتِ الدنيا، وتقديمِ [العاجلِ على الآجلِ] (¬2)، يزخرفونَ لهم هذا، ويزينونَه لهم، أما شياطينُ الجنِّ فَهُمْ يزينونَه بالوساوسِ. وأما شياطينُ الإنسِ فقد يُزَيِّنُونَهُ بالكلامِ الصريحِ فَيُزَخْرِفُونَهُ، حتى يوقعوا أصحابَهم فيه والعياذُ بالله. وقولُه: {غُرُورًا} الغرورُ: مصدرُ (غَرَّه، يَغُرُّه، غرورًا) إذا خَدَعَهُ. أي: خديعةٌ - والعياذُ بالله (¬3) -. والخديعةُ: هي أن يُوقِعَ الشخصُ الإنسانَ في الضررِ من حيث يُرِيهِ أنه ينفعُه. وإعرابُ قولِه: {غُرُورًا} فيه ثلاثُ أَوْجُهٍ من الإعرابِ (¬4): ¬
أجودُها وأظهرُها: أنه مفعولٌ لأجلِه، والقرينةُ على ذلك أنه عُطِفَ عليه بلامِ التعليلِ في قولِه: {وَلِتَصْغَى} [الأنعام: آية 113] أي: زخرفَ القولِ لأَجْلِ أن يغروهم؛ ولأجلِ أن تَصْغَى إليه أفئدةُ الذين لا يؤمنونَ بالآخرةِ؛ ولأجلِ أن يُرْضُوهُ؛ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هم مقترفون. فهذا أظهرُ الأعاريبِ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: {غُرُورًا} مصدرٌ منَكَّرٌ وهو حالٌ. أي: يزينون لهم زخرفَ القولِ في حالِ كونِهم غَارِّينَ إياهم. وبعضُهم يقولُ: هو ما نَابَ عن المطلقِ من قولِه: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} لأَنَّ ذلك الإيحاءَ غُرُورٌ. فـ (يوحي) كأنه مُضَمَّنٌ معنَى: يغرونهم غرورًا. وأجودُها: أنه مفعولٌ من أجلِه؛ لأنه عُطِفَ عليه بلامِ التعليلِ، حيث لم تَتَوَفَّرْ شروطُ النصبِ فيما بعدَه لاختلافِ الفاعلِ؛ لأن المفعولَ مِنْ أَجْلِهِ لابدَّ أن يكونَ فاعلُه وفاعلُ عاملِه واحدًا، كما هو معروفٌ في فَنِّ العربيةِ (¬1). وفي هذه الآيةِ ترتيبٌ غريبٌ عجيبٌ، بالغٌ في الْحُسْنِ؛ لأن السببَ الأولَ: هو الغرورُ والخديعةُ، فَتَسَبَّبَ عن الغرورِ والخديعةِ: أن صَغَتْ إليه قلوبُهم وَمَالَتْ، ثم تسببَ عن صوغِ القلوبِ وَمَيْلِهَا: أنهم أَحَبُّوهُ ورضوه، ثم تَسَبَّبَ عن كونِهم أَحَبُّوهُ ورضوه: أن اقترفوه؛ ولذا رَتَّبَهَا على هذا الترتيبِ، قال أولاً: {غُرُورًا} أي: لأجلِ أن يَغُرُّوهُمْ. ثم نتجَ من الغرورِ: صوغُ أفئدتِهم إليه. قال: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} ثم تسببَ عن كونِها صَغَتْ إليه: أنها رَضِيَتْهُ ¬
وَأَحَبَّتْهُ؛ ولذا قال: {وَلِيَرْضَوْهُ} ثم تسببَ عن رِضَاهُمْ ومحبتِهم له أنهم فَعَلُوهُ واقترفوه؛ ولذا جاءَ بعدَها بقولِه: {وَلِيَقْتَرِفُوا}. وقوله: {وَلِتَصْغَى} هو معطوفٌ على {غُرُورًا} والمعنَى: يُوحِي بعضُهم إلى بعضِ زخرفِ القولِ لأجلِ الغرورِ. أي: لأجلِ أن يغروهم؛ ولأجلِ أن تَصْغَى. و (تصغى) معناه: تَمِيلُ. تقولُ العربُ: «صَغَى يَصْغُو»، و «صَغَى يَصْغَى»، و «صَغِيَ يَصْغَى» كلها بمعنَى: مَالَ إليه، و «أَصْغَى يُصْغِي إصغاءً» أيضًا إذا مَالَ (¬1). وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وفي القرآنِ العظيمِ: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: آية 4] أي: مَالَتْ إلى أَمْرٍ تَعْلَمَانِ أن النبيَّ لاَ يحبه. وقولُه هنا: {وَلِتَصْغَى} أي: تميلُ إليه أفئدةُ الذين لا يؤمنونَ بالآخرةِ، ومادةُ (صَغَى) تُسْتَعْمَلُ واويةَ اللامِ ويائيةَ اللامِ. تقولُ العربُ: «صَغَى يَصْغَى»، و «صَغَى يَصْغو»، و «صَغِيَ يَصْغَى»، كلها بمعنَى: مَالَ. وأصغَى الإناءَ: إذا أَمَالَهُ، ومنه: رَجُلٌ مُصْغَى الإناءِ. إذا كان منقوصَ الحظِّ. تقول: «بنو فلانٍ يُصغون إناءَ فلانٍ». إذا كانوا ينقصونه من حَقِّهِ؛ لأن الإناءَ المائلَ لا يحملُ من الملءِ قدرَ ما يحملُه الإناءُ المعتدلُ، فالناسُ إذا وَضَعَتْ أوانيَها لِتُمْلأَ لها فالإناءُ الْمُصْغَى- أعني المائلَ- لا يحملُ كثيرًا، بخلافِ الإناءِ المعتدلِ فإنه يمتلئُ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ (¬2)، ومنه قولُ غسانَ بنِ وعلةَ، ويُروى للنمرِ بنِ ¬
تولب العكليِّ قال (¬1): إِذَا كُنْتَ فِي سَعْدٍ وَأُمُّكَ مِنْهُمُ ... فَقِيرًا فَلاَ يَغْرُرْكَ خَالُكَ مِنْ سَعْدِ ... فَإِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مُصْغًى إِنَاؤُهُ ... إِذَا لَمْ يُزَاحِمْ خَالَهُ بِأَبٍ جَلْدِ معنى «مُصْغًى إناؤُه» أي: مُمَالٌ إِنَاؤُهُ؛ لأن الإناءَ المُمَالَ لا يمتلئُ كما ينبغي، فَحَقُّهُ منقوصٌ. هذا معنَى المادةِ في لغةِ العربِ، والعربُ تقولُ: «أَصْغَى إليه» إذا أمالَ إليه أُذُنَهُ. ومنه قولُهم: «أَصْغَتِ الناقةُ إلى مَنْ يشد الرحلَ عليها». إذا صَارَتْ تميلُ إلى من يشدُّ الرحلَ عليها، كالذي يستمعُ. ومنه قولُ غيلانَ ذي الرمةِ (¬2): تُصْغِي إِذَا شَدَّهَا بِالْكُورِ جَانِحَةً ... حَتَّى إِذَا مَا اسْتَوَى فِي غَرْزِهَا تَثِبُ والعربُ تستعملُه رُبَاعِيًّا، (أصغى إليه إصغاءً) إذا مَالَ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ (¬3): إِنَّ السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مَكْرُمَةٍ ... زَيْغٌ وَفِيهِ إِلَى التَّشْبِيهِ إِصْغَاءُ أي: مَيْلٌ. والمرادُ بالتشبيهِ هنا: التخليطُ. ومعنَى قولِه: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ} أي: لتميلَ إليه، أي: ذلك القولُ المزخرفُ المزينُ الباطلُ، الذي تُوحِيهِ شياطينُ الإنسِ والجنِّ، تميلُ إليه {أَفْئِدَةُ} أي: قلوبُ. الأفئدةُ: جمعُ الفؤادِ، والفؤادُ: القلبُ. ¬
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} مفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، والمعنَى: لو شَاءَ رَبُّكَ عدمَ فعلِهم إياه ما فعلوه، فالضميرُ في: {مَا فَعَلُوهُ} يرجعُ في أظهرِ الأقوالِ إلى: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} الذي يُوحُونَهُ إليهم، فزخرفُ القولِ الذي يوحونَه إليهم لو شاء رَبُّكَ ما فعلوه. والمعنَى: لو شَاءَ اللَّهُ لَكَفَّ شياطينَ الإنسِ والجنِّ عن غرورِ الناسِ وزخرفةِ الأقوالِ لها ليغروها، ولكن له (جل وعلا) في ذلك حكمتُه البالغةُ، يفتنُ خلقَه ليظهرَ المطيعُ من العاصي. وقولُه: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} ذَرْهُمْ: مَعْنَاهُ اتْرُكْهُمْ. وهذا الفعلُ لا يوجدُ منه في اللغةِ العربيةِ إلا الأمرُ والمضارعُ. تقولُ العربُ: «ذَرْ»، وتقول: «يذر». بالمضارعِ والأمرِ. ولاَ يوجدُ من مادتِه فعلٌ ماضٍ ولا مصدرٌ، ولا اسمُ فاعلٍ ولا اسمُ مفعولٍ، فَمَاضِي (ذَرْ) هو قولك: «تَرَكَ». واسمُ فاعلِه: تَارِك، واسمُ مفعولِه: متروكٌ. ومصدرُه: التركُ. ولاَ يُسْتَعْمَلُ منه إلا الأمرُ والمضارعُ (¬1). ومعنَى: {ذَرْهُمْ}: اتْرُكْهُمْ. {وَمَا يَفْتَرُونَ (112)} (ما) منصوبةٌ لأنها مفعولٌ معه. ويحتملُ أن تكونَ مصدريةً (¬2) والمعنَى: ذَرْهُمْ وافتراءَهم. وعلى أنها موصولةٌ فالمعنَى: اتْرُكْهُمْ والذي يفترونَه على اللَّهِ. وصيغةُ الأمرِ هنا إنما هي للتهديدِ، والمعنَى: خَلِّهِمْ وافتراءَهم فسيجدونَ غِبَّ ذلك، ويعلمونَ عاقبتَه الوخيمةَ. وقد تقررَ في فَنِّ الأصولِ في مباحثِ ¬
الأمرِ (¬1)، وفي فَنِّ المعاني في مباحثِ الإنشاءِ (¬2): أن مِنَ المعانِي التي تأتي لها صيغةُ (افْعَلْ) منها: قصدُ التهديدِ والتخويفِ، كقولِه: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)} [الحجر: آية 3] وقولُه: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: آية 8] وقولُه: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: آية 29] كُلُّ هذه صيغٌ مرادٌ بها التهديدُ؛ ولذا قال هنا: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)} والافتراءُ: هو اختلاقُ الكذبِ والعياذُ بالله جل وعلا. وقولُه: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ} [الأنعام: آية 113] أي: ليغروهم ولتميلَ إليه، أي: إلى ذلك القولِ المزخرفِ المزينِ الباطلِ؛ ليكونَ سببًا للضلالِ، تميلُ إليه أفئدة: أي: قلوبُ الذين لا يؤمنونَ بالآخرةِ - والعياذُ بالله - لأَنَّ المؤمنينَ يعرفونَ زخارفَ الشيطانِ ووحيَه، فيتباعدونَ منه ويجتنبونَه؛ ولذا قال: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ}. إذا مَالَتْ قلوبُهم إليه يرضوه ويحبوه، ثم إذا رضوه وقعوا في الكفرِ المزينِ المزخرفِ والعياذُ بالله. {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113)} [الأنعام: آية 113] الاقترافُ في لغةِ العربِ: معناه الاكتسابُ (¬3). والمعنَى: وَلِيَكْتَسِبُوا ما هم مكتسبونَ إياه من الكفرِ والمعاصِي - عياذًا بالله - بسببِ ذلك القولِ المزخرفِ، الذي صَغَتْ إليه قلوبُهم ورضوه وأحبوه، ووقعوا بسببِه بالكفرِ والمعاصِي. والاقترافُ: الاكتسابُ. وتقول: راحَ فلانٌ يقترفُ ¬
لأهلِه، أي: يكتسبُ لهم من الدنيا. والمرادُ بالاقترافِ هنا: اكتسابُ المعاصِي هذا معنَى قولِه: {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}. {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)} [الأنعام: الآية 114]. يقول الله جل وعلا: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)} [الأنعام: الآية 114]. ذكر بعضُ أهلِ العلمِ (¬1) أن بعضَ الكفارِ طلبوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يتحاكَم معهم إلى بعضِ الكهانِ، كما كانت عادةُ العربِ إذا تَنَازَعُوا واختلفوا تَحَاكَمُوا إلى بعضِ الكهنةِ - والعياذُ بِاللَّهِ - فَبَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن رَبَّهُ أمرَه أن ينكرَ كلَّ الإنكارِ على مَنْ يبتغي حَكَمًا غيرَ خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي هو الْحَكَمُ العدلُ اللطيفُ الخبيرُ قُلْ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: آية 114]. قد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (¬2) أن حروفَ العطفِ من (الفاء)، و (الواو)، و (ثم) إذا جاءت بعد همزةِ استفهامٍ أن فيها وَجْهَيْنِ معروفين للعلماءِ: أحدُهما: أن الهمزةَ تتعلقُ بجملةٍ محذوفةٍ، وأن الفاءَ عاطفةٌ على الجملةِ المحذوفةِ، وعلى هذا فالتقديرُ يدلُّ عليه المقامُ في ¬
الجملةِ، وعليه فالتقديرُ هنا: أَأَضِلُّ عن سبيلِ اللَّهِ فأبتغي حَكَمًا غيرَ الله؟ الوجهُ الثاني: أن همزةَ الاستفهامِ مُزحْلَقَةٌ عن مَحَلِّهَا وهي مقدمةٌ على حرفِ العطفِ لفظًا وهي بعدَه في الرتبةِ؛ لأن حرفَ الاستفهامِ له صدارةُ الكلامِ، وعليه فتكونُ الفاءُ عاطفةً للجملةِ المُصَدَّرَةِ بالاستفهامِ على ما قَبْلَهَا، وهذا معروفٌ. والمعنَى: قَلْ لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ - لأن النبيَّ مأمورٌ أن يقولَ هذا - أَأَضِلُّ عن سواءِ الطريقِ فَأَبْتَغِي حَكَمًا غيرَ الله؟ هذا لا يمكنُ أبدًا. والهمزةُ في قولِه: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ} همزةُ إنكارٍ، وهي تدلُّ على إنكارِ الشيءِ وتشنيعِه والتباعدِ منه. والْحَكَمُ: قال بعضُ العلماءِ (¬1): الحَكَمُ عند العربِ أفضلُ من الحاكمِ؛ لأن الحاكمَ هو الذي يُوقِعُ الحُكمَ بين اثنين، قد يكونُ حُكْمَ عدلٍ وقد يكونُ حُكْمَ جَوْرٍ، وأما الحَكَمُ لا تكادُ العربُ تُطْلِقُهُ إلاَّ على الذي يُنْصِفُ في حُكْمه، والمعنَى: لا أطلبُ حَكَمًا غيرَ اللَّهِ؛ لأن اللَّهِ هو الحَكَمُ العدلُ اللطيفُ الخبيرُ الذي هو الحاكمُ وحدَه (جل وعلا). وفي إعرابِ (غير) و (حَكَمًا) أوجهٌ معروفةٌ (1)، قال بعضُ العلماءِ: (غير) مفعولٌ مقدمٌ لـ (أبتغي)، والمعنَى: أبتغي غيرَ الله. وعليه فقولُه: {حَكَمًا} قيل: تمييزٌ، وقيل: إنها حالٌ، أبتغي غيرَ اللَّهِ في حالِ كونِه حَكَمًا. أي: مميزةٌ لـ (غير). ¬
وقال بعضُ العلماءِ: (حَكَمًا) هي مفعولُ (أبتغي)، أبتغي حَكَمًا. و (غير الله) في محلِّ الحالِ. والمعروفُ في العربيةِ أن نعتَ النكرةِ إذا تَقَدَّمَ عليها صارَ حَالاً (2). ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: أن اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ أن ينكرَ غايةَ الإنكارِ ابتغاءَ حَكَمٍ غيرِ اللَّهِ، فلا يُطْلَبُ ولا يُبْتَغَى حَكَمٌ إلاَّ خالقَ السمواتِ والأرضِ. وهذه الآيةُ الكريمةُ تُبَيِّنُ لنا أن الحاكمَ هو خالقُ هذا الكونِ، هو الحكمُ وحدَه (جل وعلا) لا محاكمةَ إلاَّ إليه، فالحلالُ هو ما أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ هو ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينُ هو ما شَرَعَهُ اللَّهُ، لا حَكَمَ إلاَّ اللَّهُ، ولا حُكْمَ إلاَّ لله - كما قد بَيَّنَّا ذلك مِرَارًا (3) - والله (جل وعلا) كما يَتَنَزَّهُ أن يكونَ له ولدٌ، ويتنزه عن أن يكونَ له شريكٌ، كذلك يتنزهُ عن أن يكونَ حاكمٌ معه أو مُشرِّعٌ معه، كما في قولِه في عبادتِه: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: آية 110]، وكما قال في حكمِه: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: آية 26] فَحُكْمُهُ كعبادتِه، العبادةُ له وحدَه، والحكمُ له وحدَه (جل وعلا)؛ لأن اللَّه هو الذي له الحكمُ، وقد بَيَّنَ (جل وعلا) في سورةِ المؤمنِ أن الحكمَ لا يكونُ إلاَّ لِمَنْ هو أعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأكبرُ من كلِّ شيءٍ، فلا يكونُ إلاَّ لمن له سلطةٌ عُلْيَا قاهرةٌ حاكمةٌ على كُلِّ شيءٍ، وقد أَشَارَ اللَّهُ
لهذا في سورةِ المؤمنِ حيث قالَ: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا}، ثم قال: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ} [غافر: آية 12]، فمن لم يكن بهذه المثابةِ مِنَ الْعُلُوِّ والكِبَرِ فهو ضعيفٌ مخلوقٌ محتاجٌ محكومٌ عليه مأمورٌ مَنْهِيٌّ، ليس له الحكمُ، قد بَيَّنَّا ذلك مرارًا، وَعَرَّفْنَا أنه يجبُ على سائرِ الناسِ أن يعرفوا أن الحكمَ لله وحدَه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [الأنعام: آية 57]، {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: آية 26]، وفي قراءةِ ابنِ عامرٍ (¬1): {ولا تُشْركْ في حكمه أحدًا} بصيغةِ النهيِ، فالحكمُ له (جل وعلا) وحدَه، فهو الذي يُحَلِّلُ، وهو الذي يُحَرِّمُ، وهو الذي يُشرِّع، فالحلالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ ما حرمه الله، والدينُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، فليس لأحدٍ تشريعٌ مع اللَّهِ، وقد قَدَّمْنَا مرارًا (¬2) أن الآياتِ القرآنيةَ بكثرةٍ دَلَّتْ دلالةً واضحةً على أن كُلَّ مَنْ يُحَكِّمُ غيرَ حكمِ اللَّهِ ويتحاكم إلى غيرِ شَرْعِ اللَّهِ معتقدًا أن ذلك بمثابةِ حكمِ اللَّهِ أو أنه خيرٌ من حكمِ الله، كالذين يقولونَ: إن القرآنَ لا يَصْلُحُ لهذا الزمنِ، ولا ينظمُ علاقاتِ الدنيا بحسبِ التطورِ الحادثِ!! مَنْ يقولُ هذا وَيَدَّعِيهِ فهو كافرٌ كُفْرًا مُخْرِجًا عن الملةِ بإجماعِ المسلمين وشهادةِ القرآنِ، وَرَبُّهُ الذي جَعَلَهُ ربه هو الذي اتبعَ تشريعَه؛ فإن التشريعَ وَوَضْعَ النظامِ مِنْ حَقِّ الربوبيةِ، وَكُلُّ مَنِ اتبعَ نظامَ أحدٍ فقد جَعَلَهُ رَبًّا، والآياتُ القرآنيةُ الدالةُ على هذا الموضوعِ لا تكادُ أن تُحْصَرَ في المصحفِ، وقد جاءَ مُوَضَّحًا ¬
كثيرًا في هذه السورةِ الكريمةِ؛ سورةِ الأنعامِ - السورةِ العظيمةِ - لأن اللَّهَ بَيَّنَ فيها أن المشركين لَمَّا جاءهم الشيطانُ وأوحى إلى كفرةِ قريشٍ وحيَ الشياطين أن يقولوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: الشاةُ تُصْبِحُ ميتةً مَنْ هو الذي قَتَلَهَا؟ رجلٌ تكون عندَه الغنمُ فتصبحُ منها شاةٌ ميتةٌ، قالوا: مَنْ هو الذي قَتَلَ هذه الشاةَ؟ فقال لهم: اللَّهُ قَتَلَهَا. فقالوا: كيف تقولونَ: إنها ميتةٌ جيفةٌ مستقذرةٌ وهي ذبيحةُ اللَّهِ؟ ما ذَبَحْتُمُوهُ بأيديكم تقولونَ: حلالٌ مستلذٌّ طيبٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ تقولونَ: جيفةٌ ميتةٌ حرامٌ مستقذر!! فأنتم إذًا أحسنُ مِنَ اللَّهِ!! فأنزلَ اللَّهُ (جل وعلا) في ذلك - بإجماعِ المفسرين (¬1) - هذه الآيةُ الآتيةُ عن قُرْبٍ من سورةِ الأنعامِ، وهي قولُه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121]، يعني: لا تَأْكُلُوا الميتةَ وإن زَعَمُوا أنها ذبيحةُ اللَّهِ، وأنه ذَبَحَهَا بيدِه الكريمةِ بسكينٍ مِنْ ذَهَبٍ. ثم قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: وإن أكلَ الميتةِ لَفِسْقٌ، أي: خروجٌ عن طاعةِ اللَّهِ. ثم قال - وهو مَحَلُّ الشاهدِ -: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: آية 121]، إِنْ أَطَعْتُمْ أتباعَ إبليسَ في قانونِ إبليسَ ونظامِ إبليسَ أَنَّ الميتةَ حلالٌ، وأنها ذبيحةُ اللَّهِ، وأن ذبيحةَ اللَّهِ أحسنُ من ذبيحتِكم، إن اتبعتم في هذا النظامَ الإبليسيَّ والقانونَ الشيطانيَّ الذي يُبِيحُ الميتةَ التي حَرَّمَهَا اللَّهُ على لسانِ سيدِ الخلق - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه - إن اتَّبَعْتُمْ في هذا النظامِ الإبليسيِّ والتشريع الشيطاني إنكم لمشركون، فَاللَّهُ صَرَّحَ بأن مَنِ اتبعَ نظامَ إبليسَ في تحليلِ مضغةٍ من لحمٍ هي لحمُ ¬
الميتةِ حَرَّمَهَا اللَّهُ على لسانِ نَبِيِّهِ، صَرَّحَ اللَّهُ بأنه مشركٌ حيث قال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: آية 121] وهذا شِرْكُ ربوبيةٍ حيث اتبعتُم تشريعَ الشيطانِ، والتشريعُ من خصوصِ الربوبيةِ، فقد جعلتُم الشيطانَ هو رَبُّكُمْ - والعياذُ بالله - وهؤلاء الذين يتبعونَ تشريعَ إبليسَ وقانونَ الشيطانِ ونظامَه الذي يشرعُ على ألسنةِ أوليائِه من الكفرةِ الفجرةِ، هم الذين يُوَبِّخُهُمُ اللَّهُ يومَ القيامةِ في السورةِ الكريمةِ سورةِ يس، ويبينُ مصيرَهم كما بَيَّنَهُ في قولِه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} يعنِي: أَلَمْ أُوصِيكُمْ في دارِ الدنيا أن لا تعبدُوا الشيطانَ؟ وعبادةُ الشيطانِ الذي عَهِدَ إليهم فيها: ألاَّ يَتَّبِعُوا نظامَه وقانونَه في تحليلِ المعاصِي والكفرِ، والعياذُ بالله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي} واتبعوا تَشْرِيعِي الذي أنزلتُه على ألسنةِ أنبيائي {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيْمٌ}. ثُمَّ بَيَّنَ للذين اتبعوا طرقَ الشيطانِ ونظامَه وشرعَه فاتبعوا المعاصيَ والكفرَ في تحليلِ الشيطانِ وتزيينِه، قال اللَّهُ فيهم: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} ثم بَيَّنَ المصيرَ النهائيَّ لِمُتَّبِعِي نظامَ الشيطانِ وتشريعَ إبليسَ بقولِه: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُنَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: الآيات 60 - 65]، وَلِذَا قال نَبِيُّ اللَّهُ إبراهيمُ الخليلُ - عليه وعلى نَبِيِّنَا الصلاةُ والسلامُ -: {يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}] مريم: آية 44 [, يعني: لا تعبدِ الشيطانَ, لا تَتَّبِعْ النظامَ الذي يُزَيِّنُهُ لكَ ويزخرفُه من زخرفِ القولِ غُرُورًا, من عبادةِ الأوثانِ,
والكفرِ بالله والمعاصي- والعياذُ بالله - وقد قال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا} [النساء: آية 117] يعني: ما يعبدونَ إلاَّ شيطانًا، وعبادتُهم للشيطانِ هي اتِّبَاعُهُمْ ما يُشَرِّعُ لهم وَيُحَلِّلُ لهم - والعياذُ بالله - وقد سَمَّى اللَّهُ في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأنعامِ - سَمَّى الذين يُطَاعُونَ في معصيةِ اللَّهِ سَمَّاهُمْ شركاءَ لِلَّهِ حيث أُطيعوا في معصيتِه؛ وذلك في قولِه: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: آية 137] فَسَمَّاهُمْ شركاءَ لِمَّا قالوا لهم: اقتلوا أولادكم فقتلوهم. وقد ثَبَتَ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ - رضي الله عنه - أنه سَأَلَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن قولِه تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة: آية 31] قال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كيف اتخذوهم أربابًا؟ قال: «أَلَمْ يُحِلُّوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَيُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَاتَّبَعُوهُمْ؟» قال: بَلَى. قال: «بِذَلِكَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا» (¬1). وقد أوضحَ اللَّهُ (جل وعلا) في السورةِ الكريمةِ - سورةِ النساءِ - أن الذي يَدَّعِي الإيمانَ ويُحكِّمُ شَرْعًا غيرَ شرعِ اللَّهِ أن دَعْوَاهُ الإيمانَ إنها بالغةٌ من الكفرِ والكذبِ والفجورِ ما يمكنُ التعجبُ منها، وذلك في قولِه مُعجِّبًا نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم -: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: آية 60] يضلهم ضلالاً بعيدًا عن طريقِ الصوابِ الذي شرَّعَهَا خالقُ الكونِ على لسانِ سيدِ الخلقِ، يضلهم ضلالاً بعيدًا لِيَتَّبِعُوا تشريعَ ¬
إبليسَ ونظامَ الشيطانِ الذي شَرَّعَهُ على ألسنةِ أوليائِه الكفرةِ الفجرةِ - والعياذُ بالله - فهذهُ الآياتُ وأمثالُها تُعْلِمُنَا أن التشريعَ من خصائصِ الربوبيةِ، وأن الأمرَ والنهيَ والتحليلَ والتحريمَ لا يكونُ إلاَّ لمن له السلطةُ العليا التي هي فوقَ كُلِّ شَيْء، وهي سلطةُ خالقِ هذا الكونِ (جل وعلا) فهذا الكونُ له مُدَبِّرٌ هو الذي رفعَ هذه السماواتِ وَنَصَبَ هذه الأرضَ، ووضعَ هذه الجبالَ، وَصَبَغَهَا بألوانٍ مختلفةٍ، وفتحَ هذه العيونَ في أوجهكم، وصبغَ بعضَ عيونِكم بصبغٍ أسودَ، وبعضَها بصبغٍ أبيضَ، وجعل لكم في أجوافِكم الكبدَ والرئةَ وَالْكُلْيَتَيْنِ والطحالَ، ووضعَ كُلاًّ في موضِعه، ووكَّلَه بوظيفتِه البدنيةِ، ولو شُرِّحَ عضوٌ واحدٌ من أعضاءِ الإنسانِ لاطُّلع في من غرائبِ صنعِ اللَّهِ وعجائبِه على ما يُبْهِرُ العقولَ، وهذا الذي فَعَلَ في كُلِّ واحدٍ مِنْكُمْ فِعْلَهُ فيكم وأنتم في بطونِ أمهاتِكم لم يَحْتَجْ أن يُبَنِّجَ أمهاتِكم، ولا أن يشقَ بطونَها حتى يعملَ هذه العملياتِ فيكم، بل عملها وَبَصَرُهُ نافذٌ، وعلمُه محيطٌ: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: آية 6] هذا الذي رَفَعَ السماواتِ وَدَحَا الأرضين والبحارَ، وخلقَ الآدَمِيِّينَ وَأَوْدَعَ فيهم مِنْ غرائبِ صنعِه وعجائبِه (¬1)، هذا هو الربُّ، هذا هو المعبودُ وهو المشرعُ، ¬
وهو الحاكمُ، فالحلالُ ما أَحَلَّهُ، والحرامُ ما حَرَّمَهُ، والدينُ ما شَرَعَهُ، فمن تَمَرَّدَ على نظامِه وجاءَ بنظامِ الشيطانِ وإبليسُ فهو من الذين قال اللَّهُ فيهم: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [يس: آيتان 63، 64]. قَرَأَ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ ما عَدَا حَفْصًا، وابنَ عامرٍ: {مُنْزَلٌ من ربك بالحق} بصيغة اسم مفعول (أَنْزَل). وقرأه حفصٌ عن عاصمٍ، وابن عامرٍ {مُنَزَّلٌ} بصيغةِ اسمِ المفعولِ من (نَزَّله) مُضَعَّفًا (¬1). كان كفارُ قريشٍ قالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: احْتَكِمْ معنا إلى علماءِ اليهودِ والنصارى، الذين عندهم بقيةُ عِلْمٍ من التوراةِ والإنجيلِ؛ لِيُخْبِرُونَا أَأَنْتَ رسولُ حَقًّا أَمْ لاَ (¬2). وقال بعضُهم (¬3): قالوا له: نحنُ وأنتَ اخْتَلَفْنَا فَلْنَتَحَاكَمْ إلى بعضِ الكهنةِ. فَبَيَّنَ اللَّهُ جل وعلا - أَمَرَ نَبِيَّهُ أن يُبَيِّنَ - أنه لا يَبْتَغِي حَكَمًا غيرَ الحَكَمِ العدلِ، خالقِ السماواتِ والأرضِ، الذي أَنْزَلَ هذا الكتابَ وَفَصَّلَهُ. وأهلُ الكتابِ الذين تريدونَ أن نتحاكمَ معكم إليهم يعلمونَ أن هذا الكتابَ حَقٌّ، وأنه مُنَزَّلٌ من اللَّهِ، وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ¬
رسولٌ حَقًّا. كما أُخِذَ عليهم بذلك العهدِ في كُتُبِهِمْ، كما قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا. {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: آية 146] وقد أَخَذَ اللَّهُ العهدَ على جميعِ الرسلِ، وعلى أُمَمِهِمْ أن مَنْ أَدْرَكَ [منهم] (¬1) النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنَ به ويصدقَه، كما قَدَّمْنَا بَيَانَهُ في سورةِ آلِ عمرانَ في قولِه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (81)} [آل عمران: آية 81] ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: قُلْ لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: أأضلُّ عن سواءِ الطريقِ ضلالاً بعيدًا في الحكومةِ فَأَبْتَغِي حَكَمًا غيرَ اللَّهِ؟! لا يكونُ ذلك مِنِّي أَبَدًا. قال بعضُ العلماءِ: والحَكَمُ: أعظمُ مِنَ الحاكمِ؛ لأَنَّ الحَكَمَ لا تكادُ العربُ تُطْلِقُهُ إلا على مَنْ هو معروفٌ بالإنصافِ والعدالةِ في حكومتِه، أما الحاكمُ فيطلقُ على كُلِّ مَنْ يَحْكُمُ، سواءٌ حَكَمَ بِجَوْرٍ أَمْ بِحَقٍّ (¬2). والهمزةُ للإنكارِ. أي: لا أَبْتَغِي حَكَمًا غيرَ اللَّهِ. وقد قَدَّمْنَا بعضَ الكلامِ على بعضِ هذه الآيةِ وَأَوْضَحْنَا إعرابَ (غير) و (حَكَمًا). وقولُه: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} أي: لاَ يكونُ ذلك؛ لأن الهمزةَ إنكارٌ، بمعنَى النفيِ (¬3). أي: وهو الذي أَنْزَلَ، الْحَكَمُ الذي ¬
لاَ أبتغي حَكَمًا سواه هو اللَّهُ الذي أَنْزَلَ إليكم على لسانِي هذا الكتابَ - القرآنَ العظيمَ - الذي جَمَعَ اللَّهُ فيه ثمراتِ الكتبِ المنزلةِ، وَجَمَعَ فيه علومَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. وقولُه: {مُفَصَّلاً} أي: مُوَضَّحًا مُبَيَّنًا، آياتُه تُوَضَّحُ فيها العقائدُ والحلالُ والحرامُ والأمثالُ والمواعظُ والآدابُ والمكارمُ؛ لأنه في غايةِ الإيضاحِ والتفصيلِ، والذي فَصَّلَهُ هو الحكيمُ الخبيرُ: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} [هود: آية 1]. وقولُه: {مُفَصَّلاً} حالٌ مِنَ {الْكِتَابَ} (¬1) أي: أَنْزَلَهُ إليكم في حالِ كونِه مُفصَّلاً، أي: مُوَضَّحًا مُبَيَّنًا فيه العقائدُ، مُبَيَّنًا فيه الحقُّ من الباطلِ، والنافعُ من الضارِّ، والحسنُ من القبيحِ، بَيَّنَ اللَّهُ فيه العقائدَ، والحلالَ والحرامَ، وما يقرِّب إلى اللَّهِ، وما يُوَصِّلُ إلى جنتِه، وما يُبْعِدُ من اللَّهِ ويسخطُه، ويوصلُ إلى نارِه، وَبَيَّنَ مصيرَ الفريقين، وما أعدَّ لأوليائه، وما أعدَّ لأعدائِه، كُلُّ هذا مُوَضَّحٌ مُفَصَّلٌ في القرآنِ، وإن كان في القرآنِ بعضُ الآياتِ المتشابهاتِ، فإنها تُرَدُّ إلى الْمُحْكَمَاتِ، وَيُعْرَفُ إيضاحُها بِرَدِّهَا إلى المحكماتِ. كَمَا قَدَّمْنَا في سورةِ آلِ عمرانَ في تفسيرِ قولِه: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: آية 7]. يعني: أن المحكماتِ هُنَّ أُمُّ الكتابِ التي يُرَدُّ إليها ما أُشْكِلَ من مُتَشَابِهَاتِهِ. وهذا معنَى قولِه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} [الأنعام: آية 114] التفصيلُ: ضِدُّ الإجمالِ، وهو الإيضاحُ ¬
والبيانُ (¬1). وقولُ مَنْ قال: «{مُفَصَّلاً} أي: بَيْنَهُ فَتَرَاتٌ وفَصْلٌ؛ لأنه يُنَزَّلُ أَنْجُمًا مُنَجَّمًا. هو غيرُ الصوابِ، والتحقيقُ: أن معنَى قولِه: {مُفَصَّلاً}: أنه مُبَيَّنٌ مُوَضَّحٌ، بَيَّنَ اللَّهُ فيه العقائدَ والحلالَ والحرامَ، ومصيرَ أهلِ الجنةِ، ومصيرَ أهلِ النارِ، وَكُلَّ شيءٍ يحتاجُ إليه الخلقُ، كما قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: آية 89] فالقرآنُ فيه تبيانُ كُلِّ شيءٍ، وَلَكِنَّ الناسَ [كل منهم] (¬2) يأخذ منه بِقَدْرِ ما أعطاه اللَّهُ من الفهمِ، فهو بَحْرٌ، وَكُلٌّ يَغْرِفُ منه بِحَسَبِ ما عندَه، كما بَيَّنَهُ حديثُ أميرِ المؤمنين عَلِيِّ بنِ أبِي طالبٍ (رضي الله عنه وأرضاه)، كما ثَبَتَ عنه في صحيحِ البخاريِّ (¬3): أنه لَمَّا سَأَلَهُ أبو جحيفةَ: هَلْ خَصَّكُمْ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بشيءٍ؟ أجاب عَلِيٌّ (رضي الله عنه): لاَ والذي فَلَقَ الحبةَ وبرأَ النسمةَ، إلا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رجلاً في كتابِ الله، وما في هذه الصحيفةِ. قال: وما في هذه الصحيفةِ؟ قال: العقلُ وفكاكُ الأسيرِ، وَأَلاَّ يُقْتَلَ مسلمٌ بكافرٍ. ومحلُّ الشاهدِ من الحديثِ: قولُ عَلِيٍّ (رضي الله عنه): «إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رجلاً في كتابِ اللَّهِ» فهو يدلُّ على أن مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ فَهْمًا في كتابِ اللَّهِ فَهِمَ علومًا خَصَّهُ اللَّهُ بها لم تكن عن أحدٍ؛ لأن القرآنَ يتضمنُ جميعَ الأشياءِ، والناسُ في فَهْمِهِ بحسبِ ما أعطاهم اللَّهُ من المواهبِ؛ ولذا قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً}. وقولُه: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} {آتَيْنَاهُمُ} معناه: أَعْطَيْنَاهُمُ ¬
{الْكِتَابَ} والمرادُ بالكتابِ: جنسُ الكتابِ الصادقِ بالتوراةِ والإنجيلِ، وصيغةُ الجمعِ في قولِه: {آتَيْنَاهُمُ} للتعظيمِ. والمعنَى: والإسرائيليونَ والنصارى الذين أَعْطَيْنَاهُمْ عِلْمًا من علمِ التوراةِ والإنجيلِ يعلمونَ أن هذا القرآنَ {مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} أن اللَّهَ نَزَّلَهُ عليكَ في حالِ كونِه مُتَلَبِّسًا بالحقِّ؛ لأن كُلَّ ما فيه حَقٌّ، لا يأمرُ إلا بخيرٍ، ولا يَنْهَى إلا عن شَرٍّ، ولا يُخْبِرُ إلا بصدقٍ، إلى غيرِ ذلك من أمورِ أحقيتِه. ومعنَى الآيةِ: علماءُ اليهودِ والنصارى الذين تطلبونَ أن نتحاكمَ إليهم هم يعلمونَ أن هذا الكتابَ الذي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيَّ حقٌ، وأني رسولُ اللَّهِ، ولأنهم يعلمونَ أن الكتابَ حَقٌّ [وأنه] (¬1) {مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}. وقوله: {بِالْحَقِّ} كأنه في مَحَلِّ حالٍ. أي: في حالِ كونِه متلبسًا بِالْحَقِّ (¬2)، والحقُّ: ضِدُّ الباطلِ. ومعناه: أن هذا القرآنَ لا باطلَ فيه، كُلُّهُ حَقٌّ، وَكُلُّهُ هُدًى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس: آية 32] كما يأتِي إيضاحُه في قولِه: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام: آية 115] وهذا معنَى قولِه: {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: آية 114] (الفاء) كأنها سببيةٌ. أي: يتسببُ عن كونِ هذا القرآنِ حَقًّا لاَ شَكَّ فيه ألا يمتريَ أَحَدٌ فيه. ¬
وقولُه: {الْمُمْتَرِينَ (94)} هو جمعُ الْمُمْتَرِي. والممتريُ: اسمُ فاعلِ امْتَرَى، يَمْتَرِي، فهو مُمْتَري: إذا كان شَاكًّا (¬1). وأصلُه: (ممتريُ) من المِرْيَة، والمِرْيَةُ: الشكُّ. [ومعلومٌ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ شَاكًّا فيما أَوْحَى اللَّهُ إليه، وإنما هذا كقولِه: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24)} [الإنسان: آية 24] وكقولِه: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14)} [الأنعام: آية 14] وكقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: آية 1] ولاَ يَخْفَى أن رسولَ اللَّهِ صلواتُ اللَّهِ] (¬2) وسلامُه عليه أنه مُتَّقٍ لله وأنه لا يطيعُ منهم آثِمًا ولا كَفُورًا، وأنه لا يشركُ. وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا (¬3) أنه جَرَتَ العادةُ في القرآنِ أن اللَّهَ (جل وعلا) يأمرُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - وَيَنْهَاهُ ليُشرِّعَ ذلك الأمرَ والنهيَ لأُمَّتِهِ على لسانِه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه هو القدوةُ لَهُمْ، المُشَرِّعُ لهم بقولِه وفعلِه وتقريرِه، وَمِنْ أَكْبَرِ الأدلةِ على ذلك: هو ما قَدَّمْنَا في آيةِ بنِي إسرائيلَ، وهي قولُه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: آية 23] هذا خطابٌ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على التحقيقِ؛ لأن كُلَّ الخطاباتِ في الآياتِ له، يقولُ له اللَّهُ: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ} يعني: إِنْ يَبْلُغْ عندَك والداك الكبرَ أو أحدُ وَالِدَيْكَ {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} ومعلومٌ أن وقتَ نُزُولِهَا أن وَالِدَيْهِ قد مَاتَا مِنْ زَمَانٍ؛ لأن أباه مَاتَ وهو حَمْلٌ، وأمُّه مَاتَتْ وهو (صلواتُ الله عليه ¬
وسلامُه) صغيرٌ، فَعُرِفَ أنه أَمَرَهُ بأنه إن بلغَ وَالِدَاهُ أو أحدُهما الْكِبَرَ أن يَبَرَّهُمَا، وهما قد مَاتَا، لا يُمْكِنُ بِرُّهُمَا، عَرَفْنَا من ذلك أنه يأمرُه ليُشرِّعَ للناسِ على لسانِه - صلى الله عليه وسلم -، وقد بَيَّنَّا مِرَارًا أن مِنْ أساليبِ اللغةِ العربيةِ [15/ب] المعروفةِ: / أن الإنسانَ يُخَاطِبُ إنسانًا والمرادُ عندَه بالخطابِ غيرُه (¬1)، وَذَكَرْنَا فيه مرارًا المثلَ المعروفَ: (إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ) (¬2) وَبَيَّنَّا فيما مَضَى أنه مِنْ رَجَزٍ لرجلٍ من بني فزارةَ، يُسَمَّى: سهل بن مالكٍ، نَزَلَ في بيتِ حارثةَ بنِ لأم الطائيِّ، ووجدَه غائبًا، فأكرَمَتْه أُخْتُهُ، وَأُعْجِبَ بِجَمَالِهَا، فَأَرَادَ أن يُعَرِّضَ لها بالخطبةِ فخاطبَ أُخرى غيرَها قائلاً: يَا أُخْتَ خَيْرِ الْبَدْوِ وَالْحَضَارَةْ ... كَيْفَ تَرَيْنَ فِي فَتَى فَزَارَةْ أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَةْ ... إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ فَعَلِمَتْ بنتُ (¬3) حارثةَ بنِ لأم الطائيِّ أن الخطابَ مُوَجَّهٌ إليها وإن كانَ يخاطبُ غيرَها حيث قال: «إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ». فَأَجَابَتْ قَائِلَةً: إِنِّي أَقُولُ يَا فَتَى فَزَارَةْ ... لاَ أَبْتَغِي الزَّوْجَ وَلاَ الدَّعَارَةْ وَلاَ فِرَاقَ أَهْلِ هَاذِي الْحَارَةْ ... فَارْحَلْ إِلَى أَهْلِكَ بِاسْتِحَارَةْ والشاهدُ من هذا الرَّجَزِ قولُه: «إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةْ» ¬
فهو أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، يخاطبُ الإنسانُ إِنْسَانًا لينقلَ الخطابَ بواسطتِه إلى غيرِه، والقرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، ولا سيما أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - هو الْمُشَرِّعُ، فَمَا أُمِرَ بِهِ أو نُهِيَ عنه صارَ مُشَرَّعًا لأُمَّتِهِ (صلواتُ الله وسلامُه عليه) ولذا قال هنا: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: آية 114] وقالت جماعةٌ من أهلِ العلمِ: الخطاباتُ في قولِه: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)} {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: آية 65] كالخطابِ العامِّ الْمُوَجَّهِ لجميعِ الناسِ وإن كان لفظُه مُفْرَدًا (¬1)، كما هو معروفٌ، كقولِ طَرَفَةَ بنِ العبدِ (¬2): سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ... وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ فَإِنَّ هذا الخطابَ لفظُه كأنه مفردٌ، ومعناه عامٌّ مُوجَّهٌ لكلِّ مَنْ يَصِحُّ منه الخطابُ. هذا معنَى قولِه: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)} أي: لا تَكُونَنَّ يا نَبِيَّ اللَّهِ. أي: يا مخاطبُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الخطابُ: {مِنَ الْمُمْتَرِينَ (49)} أي: في الشَّاكِّينَ في أن هذا الكتابَ مُنَزَّلٌ من اللَّهِ. أي: لا تَكُونَنَّ من الممترين في أن الذين آتَيْنَاهُمُ الكتابَ يعلمونَ أنه مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بالحقِّ. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)} [الأنعام: آية 115] {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} قرأ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ ما عدا الكوفيين الثلاثةَ، قرأه من السبعةِ: نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عَامِرٍ كُلُّهُمْ قرؤوا: {وتمت كلماتُ ربك صدقًا وعدلا} بصيغةِ الجمعِ، وقرأه الكوفيونَ، أَعْنِي: عَاصِمًا وحمزةَ والكسائيَّ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} ¬
بالإفرادِ (¬1). ومعنَى القراءتين واحدٌ؛ لأَنَّ (الكلمةَ) أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ فتعمُّ، كقولِه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [إبراهيم: آية 34] أي: نِعَمَ اللَّهِ {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63] أي: أوامره {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي: كلماتُ رَبِّكَ. وقد بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في آياتٍ من كتابِه أن كلماتِه (جل وعلا) لا حصرَ لها ولا نهايةَ، كما قال في قولِه جل وعلا: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: آية 27]، وكقولِه: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)} [الكهف: آية 109] والمرادُ بالتمامِ هنا: الكمالُ التامُّ من جميعِ الجهاتِ، والمعنَى: أن كلماتِ الله - ومنها هذا القرآنُ العظيمُ - أنها بالغةٌ غايةَ الكمالِ والتمامِ. وقولُه: {صِدْقًا وَعَدْلاً} قال بعضُهم (¬2): هما تمييزٌ مُحوَّلٌ عن الفاعلِ. أي: تَمَّ صِدْقُهَا وَعَدْلُهَا. وقال بعضُ العلماءِ (¬3): هما مصدرانِ حالانِ. أي: تَمَّتْ في حالِ كونِها صادقةً عادلةً. وأعربهما بعضُ العلماءِ بأن كِلَيْهِمَا ما نَابَ عن الْمُطْلَقِ؛ لأن التمامَ يتضمنُ معنَى الصدقِ والعدالةِ، أي: تَمَّتْ، أي: صَدَقَتْ وعَدَلَتْ. {صِدْقًا وَعَدْلاً} والمعنَى أنها كاملةٌ صِدْقًا فِي أخبارِها، وَعَدْلاً في أحكامِها. وقولُه: {صِدْقًا} أي: في جميعِ الأخبارِ {وَعَدْلاً} أي: في جميعِ الأحكامِ. فما في القرآنِ من أحكامٍ فهو في ¬
غايةِ العدالةِ والإنصافِ ومراعاةِ مصالحِ البشرِ في دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وما فيه من الأخبارِ فهو صحيحٌ حَقٌّ مُطَابِقٌ للواقعِ، لا يأتيه الباطلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ ولا من خَلْفِهِ. يعنِي أن ما تُخْبِرُونَ فيه من الأخبارِ هو حَقٌّ، وما تُؤْمَرُونَ فيه وما تُنْهَوْنَ عنه فيه من الشرائعِ فهو في غايةِ العدالةِ والكمالِ، وإذا كانت كلماتُ اللَّهِ بهذه المثابةِ من الكمالِ والصدقِ في الأخبارِ والعدالةِ في الأحكامِ فليس لأحدٍ أن يطلبَ عنها غيرَها، فَاللَّهُ (جل وعلا) كلماتُه تامةٌ في عدالتِها، كُلُّ شَرْعِهِ في غايةِ العدالةِ والإنصافِ والإحكامِ، وَكُلُّ أخبارِه في غايةِ الصدقِ؛ وَلِذَا فإن هذا القرآنَ العظيمَ جاء للبشريةِ بخيرِ الدنيا والآخرةِ، أما في دارِ الدنيا: فجاءَ فيه تنظيمُ علاقاتِها، أُمِرَ فيه الفردُ بأن يكونَ لَبِنَةً صالحةً لبناءِ المجتمعِ، بأن يكونَ سَخِيًّا باذلاً لِمَا لَدَيْهِ، وأن يكونَ شُجَاعًا مُضَحِّيًا، وأن يكونَ مُخْلِصًا لأُمَّتِهِ لا يغشها، إلى غيرِ ذلك من مكارمِ الأخلاقِ. وعَلَّمَ الإنسانَ كيفَ يُعَاشِرُ أقربَ الناسِ إليه؛ زوجتَه وأبناءه وَأُسْرَتَهُ الأَدْنَيْنِ، أَمَرَهُ أن يتحفظَ منهم غايةَ التحفظِ لِدِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ لأنهم رُبَّمَا أَوْقَعُوهُ فيما لا يَنْبَغِي، ثم أَمَرَهُ إذا وَجَدَ منهم ما لاَ يحبُ أن يعاملَهم باللينِ والصفحِ والمغفرةِ، كما قال في التغابن: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: آية 14] فَمِنْ شدةِ حكمتِه يُعَلِّمُ الإنسانَ كيف يُعَاشِرُ أسرتَه الأَدْنَيْنِ، وَأَنْ يَحْذَرَ مِنْ شَرِّ امْرَأَتِهِ وأولادِه؛ لئلاَّ يُضَيِّعُوا عليه دِينَهُ أو دُنْيَاهُ، ثم إذا عَثَرَ منهم على ما لاَ ينبغي أَمَرَهُ ألا يعاملهم بالشدةِ والمكروهِ؛ ولذا قال في هذه الآيةِ: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} ثم قال - إذا رأى منهم ما يَكْرَهُ -: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14)} وَعَلَّمَ الإنسانُ
كيف يعاشرُ مجتمعَه، وَبَيَّنَ له ما يعاشرُ به مجتمعَه من الوفاءِ والإخلاصِ والبذلِ والسخاءِ والتضحيةِ، وَأَمَرَ الرؤساءَ أن يَلِينُوا للمرؤوسين، وأن يَسْعَوْا في مصالحِهم وَيُنْصِفُوهُمْ، ويلينوا لهم الجانبَ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: آية 159] {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)} [الحجر: آية 88] وَأَمَرَ المرؤوسين أَنْ يُطِيعُوا الرؤساءَ، ويعاونوهم على الخيرِ والسمعِ والطاعةِ؛ لتتحدَ جهودُ الجميعِ إلى ما فيه مصلحةُ الدنيا والآخرةِ. وَأَحَاطَ الجواهرَ الستَّ التي عليها مدارُ المظالمِ والإنصافاتِ في دارِ الدنيا؛ لأن جميعَ المظالمِ والإنصافاتِ في دارِ الدنيا إذا تَأَمَّلْتَهَا فهي راجعةٌ إلى ستةِ جواهرَ، اعتْنَى دينُ الإسلامِ بالإحاطةِ بها، وهذه الجواهرُ الستُّ - أعنِي بها - الدِّينَ والنفسَ والنسبَ والعقلَ والمالَ والعِرْضَ. هذه الجواهرُ الستُّ التي تدورُ حَوْلَهَا المظالمُ والإنصافاتُ في الدنيا (¬1)، وأعظمُها: دينُ الإنسانِ. فهؤلاء الذين يَأْتُونَ البلادَ متمسكةً بدينٍ، وَيَدُسُّونَ لهم السمومَ والمذاهبَ الهدامةَ والتعاليمَ الخبيثةَ، حتى يُضَيِّعُوا دينَهم، وَيَفْصِلُوا بينَهم وبينَ خالقِهم، هذا أكبرُ عُدْوَانٍ، وأعظمُ جريمةٍ عَرَفَهَا التاريخُ. كذلك الأنفسُ بعدَ ذلك، الذي يَظْلِمُ إنسانًا فيقتلُه ظُلْمًا، ثم بعدَ ذلك تكونُ العقولُ كالذي يضيعُ عقلَ الإنسانِ، أو إنسانٌ يُضَيِّعُ عقلَ نفسِه، كالذي يشربُ الخمرَ. فَاللَّهُ (جل وعلا) حَمَى الدِّينَ، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (¬2) حمايةً للدين. وقال اللَّهُ جل وعلا: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ¬
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: آية 39] وقد حَمَى اللَّهُ الأنفسَ؛ ولذلك شرعَ القصاصَ حياطةً لأنفسِ الناسِ؛ لأَنَّ مِنْ أعظمِ السدِّ دونَ القتلِ وهو شرعيةُ القصاصِ، وَاللَّهُ يقولُ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة: آية 179] هذا من مراعاةِ القرآنِ لمصالحِ البشريةِ في دينِها وَدُنْيَاهَا؛ لأن القاتلَ إذا احترقَ قلبُه من الغضبِ فأخذَ الآلةَ ليقتلَ تَذَكَّرَ إيقافَه للقصاصِ على الخشبةِ للقتلِ فَارْتَعَدَتْ فرائصُه، وَخَافَ من ذلك الموقفِ الهائلِ، فَسَلِمَ هو مِنَ القتلِ، وَسَلِمَ مَنْ كان يريدُ أن يقتلَه، كما قَالَ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: آية 179] وقد جعلَ على العقولِ حِمًى، حيث حَرَّمَ شربَ كُلِّ ما يضرُّ بالعقلِ من مسكرٍ ونحوِه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (¬1) ¬
«مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (¬1). . . . . . . . . . . . . . . ¬
{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ} [المائدة: آية 90] إلى قولِه: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وتحريمُ هذه المسكراتِ كُلِّهَا مُحَافَظَةً من النظامِ السماويِّ على عقولِ الناسِ؛ لأَنَّ مَنْ شَرِبَ فضاعَ عقلُه ارتكبَ كُلَّ فاحشةٍ وكلَّ سوءٍ - والعياذُ بالله - لأَنَّ نورَ العقلِ هو النورُ الذي يميزُ الإنسانَ به بينَ الْحَسَنِ والقبيحِ، والنافعِ والضارِّ، فربما إذا سَكِرَ رُبَّمَا وَقَعَ على ابنتِه، وَرُبَّمَا ضربَ جَارَهُ. وَذَكَرَ بعضُهم في تفسيرِ آيةِ الخمرِ في سورةِ المائدةِ: أنه رَأَى شَائبًا شَارِبًا - والعياذُ بالله - يبولُ في يَدَيْهِ - يتخيلُ للخبيثِ أنه يَتَوَضَّأُ - ويستنشقُ ويتمضمضُ بالبولِ، ويغسلُ وجهَه ولحيتَه بالبولِ، ويقولُ: الحمدُ لله الذي جعلَ الإسلامَ نُورًا، والماءَ طَهُورًا (¬1)!! وهو لا يَدْرِي أنه يغسلُ وجهَه بالبولِ والعياذُ بالله!! فالخمرُ أُمُّ الخبائثِ، ولمحافظةِ دينِ الإسلامِ على العقولِ حَرَّمَ كُلَّ ما يضرُّ بالعقلِ، فَحَرَّمَ شربَ الخمرِ، وأوجبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحدَّ في شربِها، كذلك حافظَ القرآنُ العظيمُ على أنسابِ الناسِ، فَمَنَعَ الزِّنَى صيانةً للأنسابِ، وَتَطْهِيرًا لِلْفُرُشِ من التقذيرِ؛ لئلاَّ تتقذرَ فُرُشُ المجتمعِ، وتختلطَ أنسابُه؛ ولذا قال: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ ¬
فَاحِشَةً} [الإسراء: آية 32] وأوجبَ في الزنا الجلدَ الرادعَ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: آية 2] كُلُّ هذا محافظةً على الأنسابِ ومكارمِ الأخلاقِ؛ لئلاَّ تتقذرَ فُرُشُ المجتمعِ، وتختلطَ أنسابُه. وفي آيةٍ مُحْكَمَةِ الحكمِ منسوخةِ التلاوةِ: أن الزانيَ المحصنَ أنه يُرْجَمُ؛ لأن جريمتَه عُظْمَى، والذي اعتادَ النساءَ لا يصبرُ عَنْهُنَّ، فكانَ الزجرُ في جنبِه أغلظَ؛ لأنه ارتكبَ أخسَّ جريمةً، وتعرضَ لاختلاطِ أنسابِ الناسِ، وتقذيرِ فرشِ المجتمعِ، فَقَتَلَهُ القرآنُ أشدَّ قِتْلَةٍ، في آيةٍ منسوخةِ التلاوةِ باقيةِ الحكمِ: «الشيخُ [والشيخةُ إذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ» فهذا الحدُّ] (¬1) يُطَهَّرُ به البدنُ. ¬
وهذه نُبَذٌ قليلةٌ يَفْهَمُ بها الإنسانُ كيفَ حافظَ دينُ الإسلامِ على مصالحِ البشرِ، وأحاطَ أديانَهم، وأحاطَ أنفسَهم، وَحَفِظَ عقولَهم
وأنسابَهم وأعراضَهم وأموالَهم، كُلُّ هذا تشريعُ رَبِّ العالمينَ، ينظمُ فيه علاقاتِ الدنيا على أكملِ الوجوهِ، ويهذبُ أرواحَها لِتَتَّقِيَ. والقرآنُ العظيمُ اعْتَنَى بالإنسانِ من نَاحِيَتَيْهِ: من ناحيتِه الجسديةِ، وناحيتِه الروحيةِ؛ لأن هذا الحيوانَ المسمَّى بالإنسانِ هو مركبٌ من عُنْصُرَيْنِ مختلفين في الحقيقةِ أشدَّ الاختلافِ، أحدُهما: يُسَمَّى الروحَ. والثاني: يُسَمَّى الجسدَ. ولابدَّ لكلٍّ منهما من متطلباتٍ، فللروحِ متطلباتٌ لاَ تكفي عنها متطلباتُ الجسدِ، وللجسدِ متطلباتٌ لا تكفي عنها متطلباتُ الروحِ. فالقرآنُ العظيمُ جاء للإنسانِ بمتطلباتِه الجسديةِ، ومتطلباتِه الروحيةِ، فَنَظَّمَ له جميعَ العلاقاتِ التي بها تَقَدُّمُهُ وقوتُه في الدنيا في جميعِ الميادينِ من حيثُ إنه جسدٌ حَيَوَانِيٌّ، وَبَيَّنَ له طرقَ الصلةِ بالله لتتهذبَ روحُه على ضوءِ النورِ السماويِّ؛ لأن الروحَ هي التي لها الأهميةُ، والمادةُ إذا طَغَتْ وَقَوِيَتْ وَلَمْ تقدها روحٌ مهذبةٌ كانت ويلةً عُظْمَى على البشريةِ. وَأَنْتُمْ تشاهدونَ هذا في الدنيا، تشاهدونَ الكتلةَ الشرقيةَ والغربيةَ، كِلْتَاهُمَا نَجَحَتْ غايةَ النجاحِ في خدمةِ الإنسانِ من حيث إنه جسدٌ حَيَوَانِيٌّ، وَأَفْلَسَتَا كُلَّ الإفلاسِ في خدمةِ الإنسانِ من ناحيتِه الروحيةِ، وَصَارَتْ هذه المادةُ لم تَقُدْهَا روحٌ مرباةٌ مهذبةٌ على ضوءِ تعليمٍ سماويٍّ، فكانت ويلةً عُظْمَى على البشريةِ، وخطرًا داهمًا يهددُ الإنسانَ، ولذلك تجدونَهم يعقدونَ المؤتمرَ بعدَ المؤتمرِ، والمجلسَ بعدَ المجلسِ لِيُدَمِّرُوا القوةَ التي بذلوا فيها النفسَ والنفيسَ خَوْفًا منها، وَكُلٌّ منهم يبيتُ في قلقٍ وخوفٍ من القوةِ التي بذلوا فيها النفسَ والنفيسَ!!. كُلُّ ذلك إنما جاءَهم من إهمالِهم الناحيةَ الروحيةَ؛ لأَنَّ أرواحَهم لو كانت مرباةً على ضوءِ نورٍ سماويٍّ من تعاليمِ ربِّ
العالمين كان البشرُ في أمنٍ وطمأنينةٍ أن تلك الروحَ المهذبةَ المرباةَ لا تقودُ تلك المادةَ الطاغيةَ والقوةَ الهائلةَ إلا قيادةً طبيعيةً لخيرِ البشريةِ وخيرِ الدنيا والآخرةِ؛ فإهمالُ الناحيةِ الروحيةِ هو مِنْ أعظمُ البلايا والويلاتِ. ونحن دائمًا نُنَبِّهُ أبناءَنا معاشرَ المسلمين؛ لأنا نأسفُ كُلَّ الأسفِ أنهم أَضَلَّتْهُمُ الحضارةُ الغربيةُ، فَانْفَصَلُوا عن تعاليمِ السماءِ، وَقَطَعُوا الصلةَ بينَهم وبينَ مَنْ فَتَحَ أعينَهم، ونحن نبينُ لهم الحقائقَ، ونضربُ لهم الأمثالَ؛ لأن الحضارةَ الغربيةَ بالاستقراءِ التامِّ الذي لا يمكنُ أن يُكَابِرَ فيه إلا مكابرٌ جاحدٌ للمحسوسِ جَمَعَتْ بينَ نافعٍ لا مِثَالَ لنفعِه، وبين ضارِّ لاَ مِثَالَ لضرِّه. أما الذي حصلته من النفعِ: فهو ما حَصَلَتْ عليه من التقدمِ الماديِّ، والتقدمِ التنظيميِّ في جميعِ ميادينِ الحياةِ، فهذا الأمرُ كماءِ الْمُزْنِ، والتواكلُ عنه عَجْزٌ وَضَعْفٌ وَتَمَرُّدٌ على نظامِ السماءِ؛ لأَنَّ نظامَ السماءِ يأمرُ المسلمَ أن يكونَ قَوِيًّا مُتَقَدِّمًا في جميعِ الميادينِ العمليةِ، سَابِحًا في جميعِ الميادينِ العمليةِ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: آية 60] هذا الأمرُ كأنه يقولُ: أَعِدُّوا ما يكونُ في المستطاعِ من القوةِ كَائِنًا ما كَانَ، مَهْمَا تَطَوَّرَتِ القوةُ، ومهما بَلَغَتْ، فالمتواكلونَ العَجَزَةُ الذين لا يُعِدُّونَ القوةَ متمردونَ على نظامِ السماءِ، مخالفونَ لأَمْرِ خالقِ السماواتِ والأرضِ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63] وَمَنْ نَظَرَ في القرآنِ وجدَه جَامِعًا بَيْنَ الأمرين: الأمرِ بالقوةِ والتقدمِ، مع المحافظةِ على الآدابِ الروحيةِ. وَنَحْنُ دَائِمًا نضربُ بعضَ الأمثالِ: اقرؤوا آيَتَيْنِ من سورةِ النساءِ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا} إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ [النساء: الآيتان 102، 103] هذا وقتُ التحامِ الكفاحِ المُسَلَّحِ، والرؤوسُ تنزلُ عن الأعناقِ، وفي هذا الوقتِ الحَرِجِ نظامُ السماءِ والقرآنُ العظيمُ يدبرُ الخطةَ العسكريةَ على أكملِ الوجوهِ، في الوقتِ الذي يُحَافِظُ فيه على الاتصالِ بخالقِ هذا الكونِ، وتربيةِ الروحِ بأدبٍ سَمَاوِيٍّ من آدابِ السماءِ، وهو الصلاةُ في الجماعةِ، واللَّهُ (جل وعلا) يقولُ في سورةِ الأنفالِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: آية 45] وقوله: {فَاثْبُتُوا} تعليمٌ عسكريٌّ سماويٌّ، يأمرُ به خالقُ السماواتِ والأرضِ بالصمودِ في الميدانِ في خطوطِ النارِ الأماميةِ. وفي هذا الوقتِ الضنكِ يقولُ اللَّهُ (جل وعلا): {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} هكذا فَلْيَكُنِ المؤمنُ، قَوِيًّا في جميعِ الميادينِ، مُحَافِظًا على آدابِه الروحيةِ متصلاً بربِّه صلةً روحيةً؛ لأَنَّ الروحَ المهذبةَ على ضوءِ التعليمِ السماويِّ تقودُ المادةَ والقوةَ قيادةً طبيعيةً حكيمةً، ليس بها ويلةٌ على البشرِ. وما أَنْتَجَتْهُ الحضارةُ الغربيةُ من المنافعِ، وما جَنَتْهُ من المضارِّ نضربُ له في المناسباتِ مثلاً يصيرُ به المعقولُ كالمحسوسِ، مثالُ ذلك (¬1): هو أن رَجُلاً بَعِيدًا من العمرانِ، مُنْقَطِعًا في آخِرِ رَمَقٍ من الحياةٍ وَجَدَ ماءً عَذْبًا زُلاَلاً وَسُمًّا قاتلاً فَتَّاكًا، فحالُه مع هذا السمِ القاتلِ والماءِ العذبِ الزلالِ، حالُه لابدَّ أن تكونَ واحدةً من أربعِ حالاتٍ: إما أن يَشْرَبَهُمَا معًا، وإن شربهما معًا لم ينتفع بالماءِ الزلالِ؛ لأن السمَّ الفتاكَ يقتلُه، وإن تَرَكَهُمَا معًا انقطعَ عن الركبِ، ¬
وماتَ في الطريقِ. وإن شَرِبَ السمَّ وتركَ الماءَ فهذا رجلٌ أحمقُ أهوجُ لا يُبَيِّنُ نَافِعًا من ضَارٍّ، وإن كان رجلاً عاقلاً شَرِبَ الماءَ وتركَ السُّمَّ. فالحضارةُ الغربيةُ فيها ماءٌ عذبٌ زُلاَلٌ، وفيها سُمٌّ فَاتِكٌ قَتَّالٌ. أما ما فيها من الماءِ الزلالِ: فهو ما أَنْتَجَتْهُ من القوةِ الماديةِ؛ والقوةِ التنظيميةِ في جميعِ ميادينِ الحياةِ. وأما ما فيها من السمِّ الفاتكِ القتَّالِ: فهو التمردُ على نظامِ السماءِ، والطغيانُ والعصيانُ لخالقِ هذا الكونِ (جل وعلا)، والإفلاسُ الكليُّ في الآدابِ الروحيةِ السماويةِ. فعلينا معاشرَ المؤمنين أن نَتَنَبَّهَ لهذا، ونفرقَ بين السمِّ والماءِ، فنأخذ من الحضارةِ الغربيةِ ما اسْتَطَعْنَا من قوتِها الماديةِ، ونجتنبَ كُلَّ التَّجَنُّبِ، ونتباعد كُلَّ البعدِ عن سُمِّهَا الفتاكِ القتَّالِ، مما جَنَتْهُ من التمردِ على نظامِ السماءِ، ومعصيةُ خالقِ هذا الكونِ، والانحطاطُ الخلقيُّ، وضياعُ الأخلاقِ والقيمِ الروحيةِ الإنسانيةِ. والذي يُؤْسِفُ كُلَّ الأسفِ أن أغلبَ - إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ - مَنْ يُحَرِّكُونَ الدَّفَّاتِ ربما أخذوا منها ضَارَّهَا من الانحطاطِ الخلقيِّ؛ والزهد في الإسلامِ، وقطع الصلةِ بالله، وعدم صلةِ السماءِ بالأرضِ، في الوقتِ الذي هم فيه مفلسونَ كُلَّ الإفلاسِ من مائِها الزلالِ، ومنافعِها الدنيويةِ، فَعَكَسُوا القضيةَ والعياذُ بالله. مَا أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالإِفْلاَسَ بِالرَّجُلِ (¬1) فَعَلَى المسلمِ أن يفرقَ بين ما يَضُرُّ وما ينفعُ، ويفرقُ بين ضارِّ الحضارةِ الغربيةِ ونافعِها، ويستفيدُ من نافعِها من القوةِ الماديةِ ¬
والتنظيميةِ، ويحذرُ كُلَّ الحذرِ من ضارِّها من الانحطاطِ الخلقيِّ، والتمردِ على نظامِ السماءِ، ومعصيةِ خالقِ هذا الكونِ؛ لأنَّ الإنسانَ في هذه الدنيا إذا فَقَدَ صلتَه بخالقِ السماءِ الذي فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وجعلَ له فيها النورَ، وأبدعَه من غرائبِ صنعِه وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ، مَنْ خَسِرَ صلتَه بالله خَسِرَ كُلَّ شيءٍ، ولم يَبْقَ له في الدنيا شيءٌ، فَعَلَى المسلمين أن يحافظوا على تراثِهم الروحيِّ، وآدابِهم السماويةِ من طاعةِ خالقِ هذا الكونِ، في الوقتِ الذي هم فيه ينتفعونَ بالمادةِ والقوةِ. ونحنُ نُبَيِّنُ لإخوانِنا مِرَارًا أن دينَ الإسلامِ يأمرُ بالمحافظةِ على التعاليمِ السماويةِ والآدابِ الروحيةِ، ويأمرُ بالتقدمِ الدنيويِّ في جميعِ الميادينِ، حتى ولو كان ذلك التقدمُ الدنيويُّ العقولُ الذي أَنْتَجَتْهُ: عقولُ كفرةٍ فجرةٍ، وكذلك كان سيدُ البشرِ، مُرَبِّي هذا الْخَلْقِ، ومبينُ الطريقِ له- نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان كذلك يفعلُ (¬1). أنتم تعلمونَ في التاريخِ أنه لَمَّا حاصرَه الأحزابُ في غزوةِ الخندقِ ذلك الحصارَ العسكريَّ التاريخيَّ العظيمَ المنصوصَ في قولِه: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: الآيتان 10، 11] لَمَّا وَقَعَ هذا قال له سلمانُ الفارسيُّ (رضي الله عنه): كُنَّا إذا خِفْنَا خَنْدَقْنَا (¬2). فالخندقُ خطةٌ عسكريةٌ، العقولُ التي ابْتَكَرَتْهَا عقولُ فارسَ، وهم مجوسٌ يعبدونَ النارَ، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُلْ: هذه الخطةُ العسكريةُ نجسةٌ قذرةٌ؛ لأن ¬
العقولَ التي ابْتَكَرَتْهَا عقولُ كفرةٍ. لاَ، بل أخذَ الخطةَ الكافريةَ التي مبدؤها من الكفارِ، واستعانَ بها في دُنْيَاهُ، وهو مُرْضٍ رَبَّهُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ، متمسكٌ بالآدابِ السماويةِ والتصفيةِ الروحيةِ. وكذلك لَمَّا تَكَالَبَتْ عليه قُوَى الشَّرِّ، وَاضْطُرَّ إلى أن يخرجَ من وطنِه مُهَاجِرًا إلى هذه المدينةِ حَرَسَهَا اللَّهُ، والناسُ كُلُّهُمْ حربٌ عليه، واضطر إلى أن يدخلَ هو وصاحبُه الصِّدِّيقُ (رضي الله عنه) إلى أن يدخلاَ في غَارٍ خَوْفًا من المشركين، كما بينه اللَّهُ في سورةِ براءةِ: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ} [التوبة: آية 40] وَجَدَ رجلاً كافرًا يُسَمَّى عبدَ اللَّهِ بنَ الأُريقط الدؤلي (¬1)، ولكنه عندَه خبرةٌ دنيويةٌ، فهو خبيرٌ دنيويٌّ كافرٌ، يعرفُ الطرقَ، والطرقُ المعهودةُ بينَ مكةَ والمدينةِ جعلَ الكفارَ عليها الرَّصَدَ والعيونَ، إذا سَلَكُوهَا أخذوا، فصارَ هذا الخبيرُ الكافرُ- عبدُ اللَّهُ بنُ الأُريقط الدؤليُّ- يعلمُ طُرُقًا غيرَ معهودةٍ. سَاحَلَ به إلى جهةِ البحرِ، وجاء به من طرقٍ غيرِ معهودةٍ، حتى أَوْصَلَهُ المدينةَ بسلامٍ (¬2) [فلم يَمْنَعْهُ كفرُه من الانتفاعِ بخبرتِه الدنيويةِ] (¬3). على حَدِّ قولِهم: (اجْتَنِ الثمارَ، وَأَلْقِ الخشبةَ في النارِ). لم يمنعه من ذلك كونُه كافرًا، وهو فيما بينَه وبينَ رَبِّهِ مُرْضٍ رَبَّهُ، محافظٌ على الآدابِ السماويةِ، والتهذيبِ الروحيِّ على ضوءِ تعليمِ السماءِ. ¬
وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - همَّ أن يمنعَ وطءَ النساءِ إذا كانت تُرْضِعُ أَوْلاَدَهُنَّ؛ لأن العربَ كانوا يظنونَ أن المرأةَ إذا أتاها زوجُها وهي ترضعُ أن ذلك الوطءَ يُضْعِفُ عظمَ ولدِها ويضرُّه، هذا كان مَشْهُورًا عندَ العربِ، وكانوا إذا رَمَى الرجلُ بالسيفِ فَنَبَا سيفُه عن الضريبةِ ولم يَقْطَعْ، قالوا: هذا رَجُلٌ وُطِئَتْ أُمُّهُ وهو يَرْضَعُ، كما قال شاعرُهم (¬1): فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ ... فَتَنْبُو فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ فَارِسُ والرومُ أنهم يفعلونَ ذلك ولا يضرُّ أولادَهم أخذَ هذه الخطةَ الطبيةَ من الكفارِ (¬2). والقصدُ أن نُنَبِّهَ إخوانَنا على أن دينَ الإسلامِ دينُ تَقَدُّمٍ في الميدانِ، ودينُ قوةٍ، ليس دينَ جمودٍ، ولا دينَ إخلادٍ إلى الأرضِ، بل هو دينُ كفاحٍ وقوةٍ وجهادٍ وَتَقَدُّمٍ في الميدانِ، وَقَوْدُ الدنيا وإضاءتُها بالنورِ إلى ما ينفعُها في دنياها ودينها، وقد نَظَّمَ اللَّهُ فيه- في كتابِه- علاقاتِ البشرِ في الدنيا والآخرةِ، وأوضحَ لهم ما يَحْيَوْنَ به في الدنيا حياةً سعيدةً، ويَحْيَوْنَ به الحياةَ الأبديةَ بعدَ الموتِ حياةً سعيدةً، فعلى المسلمِ أن يعلمَ أن دينَ الإسلامِ دينُ كفاحٍ وتقدمٍ في الميدانِ، إلا أنه يجبُ فيه المحافظةُ على طاعةِ خالقِ هذا الكونِ؛ لأَنَّ هذا الكونَ له خالقٌ هو الذي خَلَقَهُ، ومَلِكٌ هو الحكمُ العدلُ فيه، ولم يترك الناسَ سُدًى. أَمَرَهَمُ وَنَهَاهُمْ، فلابد أن تطاعَ أوامرُه، وَتُسْلَكَ طرقُه التي أَمَرَ بها، وكلُّ ذلك ما فيه للإنسانيةِ إلا خيرُ الدنيا ¬
والآخرةِ؛ ولذا قال (جل وعلا) هنا: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام: آية 115] صدقًا في كُلِّ ما تُخْبِرُ به من الأخبارِ، وَعَدْلاً في كُلِّ ما تَحْكُمُ به من الأحكامِ، وكلِّ ما تُشَرِّعُهُ للبشريةِ. وقولُه جل وعلا: {لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} قولُه: {لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} لأن كلماتِ الله (جل وعلا) هي في غايةِ الحقِّ والصدقِ والعدالةِ لا يمكنُ أحدًا أن يبدلَها ويُحوِّلَ عدالتَها جَوْرًا، أو يُحَوِّلَ صِدْقَهَا كَذِبًا، لا يمكنُ أحدًا أن يفعلَ ذلك، فَهِيَ في غايةِ العدالةِ والصدقِ والكمالِ، لا يمكنُ أحدًا أن يغيرَها فيجعلَ عَدْلَهَا جَوْرًا، ولا أن يجعلَ صِدْقَهَا كَذِبًا أبدًا. ثم قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)} هو السميعُ لِكُلِّ ما يقولُه خَلْقُهُ، العليمُ بكلِّ ما يعملُه خلقُه، وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (¬1): أنه جَرَتِ العادةُ في القرآنِ: أن اللَّهَ لا يذكرُ آياتٍ تتضمنُ أوامرَ ونواهيَ إِلاَّ وترى بعدَها الواعظَ أكبرَ، والزاجرَ الأعظمَ؛ لأنه لا خلافَ بَيْنَ العلماءِ أنه لا يوجدُ واعظٌ أكبرُ، ولا زاجرٌ أعظمُ من زاجرِ المراقبةِ والعلمِ. وهو أن يعلمَ هذا الإنسانُ المسكينُ أن خالقَ السماواتِ والأرضِ مطلعٌ عليه، يعلمُ ما يُسِرُّ وما يُعْلِنُ، حتى ما يخطرُ في قلبِه فهو يعلمُه (جل وعلا). إن الله يعلم خطراتِ القلوبِ، وكيف يجهلُ خطراتِ القلوبِ مَنْ هُوَ خالقُ خطراتِ القلوبِ؟ {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك: آية 14]، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)} [ق: آية 16] فاللَّهُ يقولُ لنا في كُلِّ موضعٍ من كتابِه، لا تكادُ تقلبُ ورقةً واحدةً من المصحفِ ¬
الكريمِ إلا وَجَدْتَ فيها هذا الواعظَ الأكبرَ، والزاجرَ الأعظمَ (سميعٌ عليمٌ)، (عليمٌ حكيمٌ)، (سميعٌ بصيرٌ) يَعْلَمُ كذا. لا تكادُ تجدُ ورقةً إلا فيها أن اللَّهَ يعلمُ ما نفعلُ، وهذا أكبرُ واعظٍ، وأعظمُ زاجرٍ، وقد ضَرَبَ العلماءُ لهذا مثلاً قالوا: لو فَرَضْنَا أن في هذا البراحَ من الأرضِ مَلِكًا عَظِيمًا شديدَ البَأْسِ، عظيمَ النكالِ، شديدَ الغضبِ إذا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُهُ، قَتَّالاً للرجالِ، سَفَّاكًا للدماءِ، وحولَه سَيَّافُهُ، والنطعُ مبسوطٌ، والسيفُ يقطرُ دَمًا، وحولَ هذا الْمَلِكِ بناتُه ونساؤُه وجواريه، أيخطرُ في البالِ أن أحدًا من الحاضرين يُطِلُّ بريبةٍ أو غمزةٍ، أو إشارةِ عينٍ؟! لاَ وكَلاَّ، كُلُّهُمْ خَاضِعُ الطرفِ، خاشعُ الجوارحِ، أُمْنِيَتُهُ السلامةُ (¬1). ونحن نؤكدُ لكم أن خالقَ السماواتِ والأرضِ أعظمُ اطِّلاَعًا، وأشدُّ بَطْشًا، وأفظعُ فَتْكًا إذا انْتُهِكَتْ حرماتُه جل وعلا. فعلى الإنسانِ أن يعلمَ أن هذا الواعظَ الأكبرَ، والزاجرَ الأعظمَ، أن رَبَّهُ يسمعُ ما يقولُ، ويعلمُ ما يَنْوِي وما يفعلُ، إذا عَلِمَ الإنسانُ هذا فإنه يُحاسِبُ ويطيعُ رَبَّهُ، فلو عَلِمَ أهلُ بلدٍ من البلادِ أن أميرَ ذلك البلدِ يعلمُ كُلَّ ما يفعلونَه بالليلِ من الخسائسِ والدسائسِ بَاتُوا مُتَأَدِّبِينَ، كَافِّينَ عن كُلِّ ما لا ينبغي. وهذا خالقُ السماواتِ والأرضِ- مع عظمتِه وجلالِه- يُبَيِّنُ لخلقِه أنه مُطَّلِعٌ عليهم، عَالِمٌ بما يفعلونَ، ومع هذا لا يَتَأَدَّبُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ!! فهذه وقاحةٌ عُظْمَى، وجهلٌ كبيرٌ؛ ولأجلِ هذا أَنْتُمْ تعلمونَ في آياتٍ من كتابِ اللَّهِ أن اللَّهَ بَيَّنَ أن الحكمةَ التي خَلَقَ من أجلِها الخلائقَ، والموتَ والحياةَ، والسماواتِ والأرضَ، هي أن يَبْتَلِيَهُمْ على ألسنةِ رُسُلِهِ، أيهم يحسنُ ¬
العملَ مِمَّنْ لاَ يُحْسِنُهُ، كما قال تعالى في أولِ سورةِ هودٍ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية 7] وقال في أولِ سورةِ الكهفِ: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)} [الكهف: آية 7] وقال في أولِ سورةِ الملكِ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: آية 2] وإذا عَرَفَ العاقلُ أن خالقَ السماواتِ والأرضِ خَلَقَهُ ليبلوه ويختبرَه: أهو يُحْسِنُ العملَ أَمْ لاَ يُحْسِنُهُ؟ وربُّنا يقولُ: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ولم يَقُلْ: (أَيُّكُمْ أكثرُ عملاً) فلابدَّ أن يقول الإنسانُ: يا ليتني عرفتُ الطريقَ التي أنجحُ بها في هذا الاختبارِ، ويكون عَمَلِي حَسَنًا؛ ولأجلِ هذه المهمةِ العُظْمَى لَمَّا غَفَلَ عنها أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جاء جبريلُ (عليه السلام) في صفةِ أعرابيٍّ في حديثِه المشهورِ الصحيحِ (¬1)؛ لِيُبَيِّنَ لهم هذه المهمةَ الكبرى، والواعظَ الأكبرَ؛ ولذا قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ضمنِ حديثِه المشهورِ: يا محمدُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ. يعني: والإحسانُ هو الذي خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ أَجْلِ الاختبارِ فيه، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ أن الإحسانَ الذي خُلِقَ الخلقُ للاختبارِ فيه لا يمكنُ أن يحصلَ إلا بهذا الزاجرِ الأعظمِ والواعظِ الأكبرِ ( ... ) (¬2). ¬
{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)} [الأنعام: آية 116 - 120]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)} [الأنعام: آية 116]. أخبرَ اللَّهُ في هذه الآيةِ الكريمةِ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ليبينَ على لسانِه لأُمَّتِهِ أن مَنْ أَطَاعَ أكثرَ الناسِ أَضَلُّوهُ عن سبيلِ اللَّهِ، وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على أن أكثرَ الخلقِ ضَالُّونَ مُضِلُّونَ، وهو كذلك، كما جاء مُبَيَّنًا في أحاديثَ كثيرةٍ صحيحةٍ، وآياتٍ من كتابِ اللَّهِ (¬1)، فَمِنَ الآياتِ الدالةِ على ذلك قولُه: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (17)} [هود: آية 17] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)} [هود: آية 103] {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71)} [الصافات: آية 71] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (8)} [الشعراء: آية 8] وقد ثَبَتَ في الصحيحين عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن نصيبَ الجنةِ من الناسِ وَاحِدٌ من الأَلْفِ، وأن نصيبَ النارِ تسعةٌ وتسعونَ وتسعمائة. هذا ثابتٌ في الصحيحين عن ¬
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفي الصحيحِ: أن الله يقولُ لآدمَ يومَ القيامةِ: يَا آدَمُ. فَيَقُولُ آدَمُ: لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. فَيُقَالُ له: يا آدمُ أَخْرِجْ خلقَ النارِ. فيقولُ: يا رَبِّي، وما خَلْقُ النارِ؟ فيخبرُه رَبُّهُ أنه تسعةٌ وتسعونَ وتسعمائة من كُلِّ أَلْفٍ، وَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا ضَاقَ على الصحابةِ، وَحَزِنُوا من هذا لقلةِ نصيبِ أهلِ الجنةِ، وكثرةِ نصيبِ النارِ، فَبَيَّنَ لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كثرةَ الكفرةِ الفجرةِ، وأن يأجوجَ ومأجوجَ يمكنُ أن يكونَ منهم الألفُ ومنكم الواحدُ (¬1)؛ ولذا قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ} [الأنعام: آية 116] المرادُ بالأرضِ على التحقيقِ: جميعُ أهلِ الدنيا الذين هُمْ في الأرضِ، خِلاَفًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ المرادَ بها أرضُ مكةَ، وأن المرادَ أكثرُ أهلِها مِنْ رؤساءِ الكفرةِ. التحقيقُ هو التعميمُ (¬2). وقولُه: {يُضِلُّوكَ} هو جزاءُ الشرطِ، منصوبٌ بحذفِ النونِ، مضارعُ (أَضَلَّهُ، يُضِلُّهُ) إذا جَعَلَهُ ضَالاًّ، وَتَسَبَّبَ له في الضلالِ عن طريقِ الصوابِ. وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا: أن الضلالَ- أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمينَ منه- يُطْلَقُ في القرآنِ العظيمِ وفي اللغةِ العربيةِ إطلاقاتٍ متعددةً على ثلاثةِ أنحاءَ (¬3): يُطْلَقُ الضلالُ في اللغةِ والقرآنِ على ¬
الذهابِ عن طريقِ الحقِّ إلى طريقِ الباطلِ، كالذي يذهبُ عن طريقِ الْهُدَى إلى طريقِ الكفرِ، وعن طريقِ الجنةِ إلى طريقِ النارِ. وهذا الاسْتِعْمَالُ أكثرُ استعمالاتِ الضلالِ. ومنه قولُه تعالى: {غَيْرِ الْمَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: آية 7] وهذا أكثرُ معناه في القرآنِ. وَيُطْلَقُ الضلالُ في القرآنِ، وفي لغةِ العربِ: على الغيبوبةِ والاضمحلالِ. فَكُلُّ شيءٍ غَابَ وَاضْمَحَلَّ وذهبَ تقولُ العربُ: «ضَلَّ». ومنه قولُ العربِ: «ضَلَّ السَّمْنُ في الطعامِ» إذا طُبِخَ فيه وَغَابَ فيه، ومنه بهذا المعنَى في القرآنِ: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)} [الأنعام: آية 24] أي: غَابَ وَبَطَلَ وَاضْمَحَلَّ، ومنه بهذا المعنَى في القرآنِ: قولُه تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: آية 10] يَعْنُونَ: أن عظامَهم أَكَلَتْهَا الأرضُ، فَاخْتَلَطَتْ بالترابِ، فَذَهَبَتْ وَاضْمَحَلَّتْ فيها كما يضمحلُ السمنُ في الطعامِ؛ وَمِنْ أجلِ هذا المعنَى كانت العربُ تُسَمِّي الدفنَ (إضلالاً)، إذا دَفَنُوا الميتَ في قبرِه تقولُ العربُ: «أَضَلُّوهُ». أي: غَيَّبُوهُ فِي قَبْرِهِ؛ لأن مآلَه إلى أن تَأْكُلَهُ الترابُ، كَمَا قالوا: {أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: آية 10] ومن إطلاقِ العربِ الإضلالَ على الدفنِ كما ذَكَرْنَا قولُ المُخَبَّلِ السعديِّ يَرْثِي قيسَ بنَ عاصمٍ المنقريَّ التميميَّ (¬1): أَضَلَّتْ بَنُو قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَمِيدَهَا ... وَفَارِسَهَا فِي الدَّهْرِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمِ فقولُه: «أَضَلَّتْ» يعنِي: دَفَنَتْ عَمِيدَهَا قيسَ بنَ عاصمٍ لَمَّا مَاتَ. ومنه بهذا المعنَى: قولُ نابغة ذبيانَ يرثِي النعمانَ بنَ ¬
الحارثِ بنِ أبِي شمر الغسانيَّ (¬1): فَإِنْ تَحْيَا لاَ أَمْلِكْ حَيَاتِي، وَإِنْ تَمُتْ ... فَمَا فِي حَيَاتِي بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ ... فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالْجَوْلاَنِ حَزْمٌ ونَائِلُ فقولُه: «آبَ مُضِلُّوه» يعنِي: رَجَعَ دَافِنُوهُ في قَبْرِهِ. (بعينٍ جَلِيَّةٍ) أي: بخبرٍ يقينٍ أنه قد مَاتَ. ومن هذا المعنَى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: آية 10] {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: آية 24] أي: غَابَ وَاضْمَحَلَّ. وقولُ الشاعرِ (¬2): أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيَارُ ... عَنِ الْحَيِّ الْمُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا يعنِي بالحيِّ المضللِ: الذين ذَهَبَتْ بهم الأيامُ والليالِي فَمَاتُوا وَغَابُوا. ويطلقُ الضلالُ أيضًا في القرآنِ، وفي لغةِ العربِ على: الذهابِ عن معرفةِ حقيقةِ الشيءِ، فكلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حقيقةَ شيءٍ تقولُ العربُ: «ضَلَّ». وهذا ليس من الضلالِ في الدينِ، وإنما هو الذهابُ عن علمِ معرفةِ الشيءِ. وهذا الإطلاقُ كثيرٌ في القرآنِ، ومنه على أَصَحِّ التفسيراتِ: قولُه تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7)} [الضحى: آية 7] أي: ذَاهِبًا عما تَعْلَمُهُ الآنَ من العلومِ والأسرارِ، فهداكَ إليه بالوحيِ؛ لأنه لا يُعْلَمُ إلا بالوحيِ. ومنه بهذا المعنَى: قولُ أولادِ يعقوبَ في حَقِّ أَبِيهِمْ: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ (95)} [يوسف: آية 95] {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8)} [يوسف: آية 8] يعنونَ: لَفِي ذهابٍ عن حقيقةِ الأمرِ، حيث فَضَّلَ ابْنَيْنِ على عشرةِ بنينَ، وحيث ¬
رَجَا يوسفَ أنه حَيٌّ وهو قد مَاتَ، فهو ذاهبٌ عن علمِ الحقيقةِ في زَعْمِهِمْ، ومن الضلالِ بهذا المعنَى: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى (52)} [طه: آية 52] أي: لا يَخْفَى عليه عِلْمُ شيءٍ، ولا تذهبُ عليه حقيقةُ شيءٍ، ومنه بهذا المعنَى قولُه تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} [البقرة: آية 282] أي: تذهبُ عن علمِ حقيقةِ المشهودِ به بنسيانٍ ونحوِه {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} وَمِنَ الضلالِ بهذا المعنَى قولُ الشاعرِ (¬1): وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلاً أَرَاهَا فِي الضَّلاَلِ تَهِيمُ يعني بالضلال: عدمَ معرفتِها للحقيقةِ حيث ظَنَّتْ أنه يبغي بها بَدَلاً، وهو لا يبغي بها بدلاً. هذه معانِي الضلالِ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ. وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {يُضِلُّوكَ} هو من المعنَى الأولِ. أي: يُذْهِبُوكَ عن طريقِ الصوابِ إلى طريقِ الباطلِ، عن طريقِ الهدى إلى طريقِ الْجَوْرِ، وعن طريقِ الجنةِ إلى طريقِ النارِ. وهذا معنَى قولِه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: آية 116] السبيلُ في لغةِ العربِ: الطريقُ (¬2). وهي تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، فَمِنْ تَأْنِيثِهَا في القرآنِ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: آية 108] ولم يَقُلْ: «هذا سبيلي». وَمِنْ تذكيرِها في القرآنِ: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} ... [الأعراف: آية 146] فَهِيَ من أسماءِ الأجناسِ التي تُذَكَّرُ ¬
وتؤنثُ (¬1). والسبيلُ: الطريقُ. وسبيلُ [16/أ] اللَّهِ مَعْنَاهُ: طريقُ اللَّهِ. وَأَضَافَ تلك الطريقَ إلى اللَّهِ؛ / لأنه هو الذي شَرَّعَهَا، وَبَيَّنَ مَعَالَمَهَا، وَأَمَرَ بسلوكِها، وَوَعَدَ مَنْ سَلَكَهَا خيرَ الدنيا والآخرةِ (¬2). فسبيلُ اللَّهِ- التي هي الحقُّ، التي أَمَرَ بها، وبعثَ بها أنبياءَه- مَنْ أَطَاعَ أكثرَ مَنْ في الأرضِ أَضَلُّوهُ عنها إلى سبيلِ الشيطانِ وطريقِ الجورِ عن الحقِّ. وهذا معنَى قولِه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. ثم بَيَّنَ (جل وعلا) أن أكثرَ أهلِ الأرضِ الضالينَ المضلينَ لَمْ يكن عندَهم مُسْتَنَدٌ عِلْمِيٌّ في ضلالِهم، وإنما هي ظُنُونٌ وتخميناتٌ، حيث قال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} يعني: ما يَتَّبِعُونَ إلا الظنَّ {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)} [الأنعام: آية 116] (إن) هنا نافيةٌ بمعنَى: (ما) (¬3)، والمعنَى: ما يتبعونَ شَيْئًا إلا الظنَّ، وما هم إلا يَخْرُصُونَ. والخَرْصُ معناه: الكذبُ، وأصلُ الْخَرْصِ: هو الحَزْرُ والتخمينُ (¬4)، ومنه: «خَرَصَ ما على النخلةِ فَحَزَرَهُ». لأَنَّ الكاذبَ لا يتحرى في الأمورِ، بل يُخمِّنُ ويحزُر، ولا يتحرَّى الحقائقَ، ومن هنا قيلَ للكذبِ خرص. ومنه: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)} [الذاريات: آية 10] أي: لُعِنَ الكذابونَ؛ لأَنَّ الخارصَ يظنُّ ويحزُرُ، ولاَ يتحرَّى ويتحققُ. ¬
والظنُّ يُطْلَقُ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ يُطْلَقُ إطلاقين (¬1): أَحَدُهُمَا: يُطْلَقُ (الظنُّ) على الشكِّ المستوي الطرفين. وكونُ الظنِّ جُلُّ الاعتقادِ اصطلاحٌ حادثٌ للأُصُولِيِّينَ والفقهاءِ، أما لغةُ العربِ فتطلِقُ الظنَّ إطلاقين، وهما في القرآنِ: أحدُهما: إطلاقُ الظنِّ بمعنَى الشكِّ، ومنه قولُه هنا: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} [النجم: آية 28] الشكُّ في تقليدِ آبائِهم، وهذا الظنُّ- الذي هو شَكٌّ- هو المرادُ في قولِه: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: آية 28] {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا} [يونس: آية 36]. الثاني من إطلاقِ (الظنِّ) في القرآنِ: هو إطلاقُ الظنِّ مُرَادًا به اليقينُ، وهذا كثيرٌ أيضًا في القرآنِ وفي كلامِ العرب، فَمِنْ إطلاقِ الظنِّ مرادًا به اليقينُ في القرآنِ: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللَّهِ} [البقرة: آية 249] أي: يُوقِنُونَ أنهم ملاقُو اللَّهِ {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: آية 46] {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيهْ (20)} [الحاقة: آية 20] أي: أَيْقَنْتُ ذلك: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا} أي: أَيْقَنُوا {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: آية 53]. ومن إطلاقِ الظنِّ في لغةِ العربِ بمعنَى اليقينِ: قول دُريدِ بنِ الصِّمَّةِ الجُشَميِّ حيث قال (¬2): فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسرَّدِ فقولُه: «ظُنُّوا» أي: أَيْقِنُوا بألفِ فارسٍ مُدَجَّجٍ بالسلاحِ. ومنه بهذا المعنَى قولُ عَمِيرَةَ بنِ طارقٍ (¬3): ¬
بِأَنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وَأَقْعُدَ فِيكُمُ ... وَأَجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا يعني: أجعل مني اليقين غَيْبًا مُرَجَّمًا. ومن إطلاقِ (الظنِّ) في كلامِ العربِ بمعنَى (الشكِّ) قولُ طَرَفَةَ بنِ العبدِ (¬1): وأعْلَمُ عِلْمًا لَيْسَ بِالظَّنِّ أَنَّهُ ... إِذَا ذَلَّ مَوْلَى الْمَرْءِ فَهْوَ ذَلِيلُ فقولُه: «ليس بالظنِّ»: ليس بالشكِّ. هذه إطلاقاتُ (الظنِّ) في القرآنِ وفي لغةِ العربِ، والمرادُ بالظنِّ في الآيةِ: الشكُّ. والمعنَى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} [الأنعام: آية 116] أي: ما يَتَّبِعُونَ إلا الشكَّ حيث قَلَّدُوا آباءَهم في أَمْرِ جهلٍ لا يعلمونَ حقيقتَه: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون؛ لأن الخرصَ الحَزْرُ والتخمينُ من غيرِ معرفةِ الحقيقةِ، ومن هنا أُطْلِقَ على الكذبِ (¬2)، كقولِه: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)} [الذاريات: آية 10] أي: لُعِنَ الكَذَّابون. وقولُه هنا: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: آية 116] أي: مَا هُمْ إلا يكذبونَ في قولِهم: إِنَّ الميتةَ حلالٌ؛ لأنها ذبيحةُ اللَّهِ، وفي ادعائِهم الشركاءَ والأولادَ لِلَّهِ - سبحانَه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا- {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} [يونس: آية 66] أي: لاَ يتبعونَ شركاءَ في نفسِ الأمرِ، ولا في الحقِّ، إن يتبعونَ إلا ظَنًّا. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)} [الأنعام: آية 117] لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ أن أكثرَ أهلِ الأرضِ ضَالُّونَ ¬
مُضِلُّونَ، وأنه إن أَطَاعَهُمْ أَضَلُّوهُ بَيَّنَ أنه (جل وعلا) عَالِمٌ بمن سبقَ له الضلالُ في الأزلِ، وَمَنْ سَبَقَ له الْهُدَى في الأزلِ، فَيُيَسِّرُ كُلاًّ منهما لِمَا خَلَقَهُ له؛ لأن أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا سألوه وقالوا: هذه الأعمالُ التي نَسْعَى لها وجزاؤُها وما نصيرُ إليه، هَلْ هو أمرٌ مُؤتَنَفٌ، أو أمر قُضِيَ وَكُتِبَ وَفُرِغَ منه؟ فَلَمَّا بَيَّنَ لهم أن اللَّهَ قَدَّرَ ما سَيَكُونُ، قالوا: أَفَلاَ نَتَّكِلُ على الكتابِ السابقِ، ونتركُ العملَ؟ فَمَنْ قَدَّر اللَّهُ له الجنةَ لابدَّ أن يدخلَها، وَمَنْ قَدَّرَ له النارَ لابدَّ أن يدخلَها؟ فَأَخْبَرَهُمْ - صلى الله عليه وسلم - أن كُلاًّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له (¬1). فهو يخلقُ الخلقَ وَيَجْبُلُهُمْ على ما يشاءُ، مِنْ خُبْثٍ وطِيبٍ ثم يُيَسِّرُ كلاًّ لِمَا خَلَقَهُ له: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن: آية 2] {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: آية 7] {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: آية 105] فهو (جل وعلا) يخلقُ الناسَ وَيُيَسِّرُ كُلاًّ لِمَا خلقه له من خيرٍ أو شَرٍّ: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: آية 117] الذي سَبَقَ له الْهُدَى في الأزلِ فَيُيَسِّرُهُ لِلْهُدَى. وأعلمُ بالمعتدِي الضالِّ الذي سَبَقَ له الضلالُ في الأزلِ فييسره لِلْعُسْرَى - والعياذُ باللَّهِ- كما قال: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)} [الليل: الآيات 5 - 10] وَلِذَا قال هنا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)} (أعلم) هنا ليست في معنَى صيغةِ التفضيلِ، بل هي هنا بمعنَى الوصفِ (¬2)؛ لأن صيغةَ التفضيلِ لابدَّ أَنْ يشتركَ فيها المُفَضَّلُ والمُفَضَّلُ عليه في نفسِ المصدرِ، ثم يكونُ المُفَضَّلُ أكثرَ فيه من المُفَضَّلِ عليه (¬3)، فإذا قلتَ: «زَيْدٌ أعلمُ ¬
من عمرٍو» معناه: أنهما مشتركانِ في العلمِ إلا أن هذا يفوقُ هذا فيه، ولا يجوزُ أن تقولَ: «زَيْدٌ أعلمُ من الحمارِ»؛ لأن الحمارَ لاَ يشاركُه في العلمِ. وكذلك قولُه هنا: {أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} لا يشاركُ الناسُ رَبَّهُمْ في علمِ عواقبِ الناسِ، وما يؤولون إليه من ضلالٍ وَهُدًى؛ لأن ذلك لا يعلمُه إلا اللَّهُ؛ ولذلك صيغةُ التفضيلِ هنا بمعنَى الوصفِ، وقد تقررَ في علومِ العربيةِ: أن صيغةَ التفضيلِ تأتِي بمعنَى الوصفِ ليس مُرَادًا بها التفضيلُ، كقولِهم (¬1): «الناقصُ والأشجُّ أعدلاَ بَنِي أُمَيَّةَ» (¬2) أي: هما العادلانِ منهم. وهذا موجودٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الفرزدقِ (¬3): إِنَّ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ يعنِي: دعائمُه عزيزةٌ طويلةٌ. وقولُ الشَّنْفَرَى (¬4): وِإِنْ مُدَّتِ الأَيْدِي إِلَى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ ... بِأَعْجَلِهِمْ إِذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعْجَلُ يعنِي: لم أَكُنْ أنا هو العَجِلُ منهم. وكذلك هنا: {أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ} هو الْعَالِمُ مَنْ يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ. واختلفَ علماءُ العربيةِ في إعرابِ (مَنْ) في قولِه هنا: {مَنْ ¬
يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} (¬1) فعلماءُ الكوفةِ يقولونَ: إنها مفعولٌ به لـ (أعلم)؛ لأنهم يُجِيزُونَ عملَ صيغةِ التفضيلِ في نَصْبِهَا للمفعولِ، هذا قولُ الكوفيين. وَخَالَفَهُمْ عامةُ نحاةِ البصرةِ زَاعِمِينَ أن صيغةَ التفضيلِ لا يمكنُ أن تنصبَ المفعولَ؛ ولذا اختلفوا في إعرابِ بيتِ العباسِ بنِ مرداسٍ السُّلميِّ المشهورِ حيث قال (¬2): فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْحَيِّ حَيًّا مُصَبَّحًا ... وَلاَ مِثْلَنَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا فَوَارِسَا ... أَكَرَّ وَأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ... وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ الْقَوَانِسَا فالكوفيونَ يقولون: (القوانس) مفعولٌ به لـ (أَضْرَبَ) التي هي صيغةُ التفضيلِ. والبصريونَ يقولونَ: لا يمكنُ أن تُنْصَبَ بصيغةِ التفضيلِ فهي منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّتْ عليه صيغةُ التفضيلِ، أي: نضربُ القوانسَ. وعلى قولِ البصريينَ فيكونُ قولُه: {مَنْ يَضِلُّ} منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّتْ عليه صيغةُ التفضيلِ، أي: يعلمُ مَنْ ضَلَّ عَنْ سبيلِه. وقال قومٌ: هو منصوبٌ بنزعِ الخافضِ؛ لأن الأصلَ: (هو أعلمُ بِمَنْ ضَلَّ عن سبيلِه) فَحُذِفَ الباء ونُصِبَ بنزعِ الخافضِ، قالوا: ويدلُّ لهذا قولُه: {هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)} فجاءَ بالباءِ في قولِه: {بِالْمُعْتَدِينَ (119)} وقولُه فِي أُخْرَيَاتِ النحلِ: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} [النحل: آية 125] فجاءَ بالباءِ. وهذا الإعرابُ ضَعَّفَهُ الكوفيونَ؛ لأن النصبَ بنزعِ الخافضِ لا يكونُ إلا بعاملٍ يعملُ، وصيغةُ التفضيلِ لا تعملُ فِي المفعولِ ونحوِه. هذا قولُ العلماءِ. ¬
والذي يظهرُ لنا في القواعدِ العربيةِ: أن هذه المسألةَ الصوابُ فيها مع الكوفيين لاَ مع البصريين، وأن صيغةَ التفضيلِ تنصبُ المفعولَ، وأنه لا مانعَ من ذلك؛ لأَنَّ صيغةَ التفضيلِ مُسْتَنِدَةٌ على مصدرٍ، فقولُه: «وَأَضْربَ مِنَّا بالسيوفِ القَوَانِسَا» في معنَى قَوْلِكَ: يَزيدُ ضَرْبُنَا القَوانِسَ على غيرِنا. وهذا لاَ مانعَ من عَمَلِهِ، فالمصدرُ الكامنُ فيها القياسُ أن يعملَ عملَ فِعْلِهِ. وَخَالَفَ البصريونَ في ذلك، وهذا معنَى كلامِ علماءِ العربيةِ في قولِه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: آية 117] عالم بالضالينَ في الأزلِ وهو مُيَسِّرُهُمْ لِمَا خَلَقَهُمْ له، وعالمٌ بالمهتدينَ في الأزلِ وَمُيَسِّرُهُمْ لِمَا خَلَقَهُمْ له، وهو يعلمُ أنكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَكَ من المهتدين، وأن مَنْ خَالَفَكَ مِنَ الضَّالِّينَ المعتدين. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)}. {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)} هذه الآياتُ كُلُّهَا إلى قولِه: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: الآيات 118 - 120] نَزَلَتْ لَمَّا قال الكفارُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: كيفَ تأكلونَ ما قَتَلْتُمُوهُ بأيديكم، ولا تأكلونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ؟ يَعْنُونَ الميتةَ. ذَبِيحَتُكُمُ الني قتلتموها تأكلونَها، وتقولونَ: هي طَيِّبَةٌ حلالٌ مُستَلَذَّةٌ، والتي قَتَلَهَا اللَّهُ تقولونَ: هي ميتةٌ جيفةٌ قذرةٌ حرامٌ، فَأَنْتُمْ إِذَنْ أحسنُ من اللَّهِ!! فجاءت هذه الآياتُ رَدًّا عليهم (¬1). فقال لهم اللَّهُ (جل وعلا): ¬
{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 118] لأَنَّ المسلمينَ إذا أرادوا أن يَذْبَحُوا سَمَّوُا اللَّهَ (جل وعلا) على ذبائحِهم عند الذبحِ، وكذلك إذا أَرَادُوا أن يَعْقِرُوا الوحشَ سَمَّوْا عند ذلك، وإذا أرادوا أن يُرْسِلُوا جَوَارِحَهُمْ كَالكلابِ والصقورِ والبزاةِ أَرْسَلُوهَا وَسَمَّوُا اللَّهَ على الصيدِ عندَ إرسالِها؛ ولذا قال لهم اللَّهُ: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}. قوله: {فَكُلُوا} أصلُه (اؤكلوا) لأنه مضارعُ (أَكَلَ) (¬1) ومعروفٌ في لغةِ العربِ ثلاثةُ أفعالٍ من فعلِ الأمرِ هي الأمرُ من (أَخَذَ)، و (أَمَرَ)، و (أَكَلَ) كُلُّهَا يجوزُ حذفُ الهمزةِ في الأمرِ (¬2)، فتقولُ في (أَخَذَ) في أَمْرِهَا: (خُذْ) (¬3)، وفي أَمْرِ (أَكَلَ): كُلْ، وفي أَمْرِ (أَمَرَ) مُرْ (¬4). أما (أَمَرَ) إذا كان قَبْلَهَا حرفُ عطفٍ فالأجودُ رَدُّهَا إلى الأصلِ (¬5)، كقولِه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ} [طه: آية 132] ¬
وأما إذا كان ليس قَبْلَهَا حرفُ عطفٍ فإن الهمزةَ تُحْذَفُ، كقولِه: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» (¬1)، «مُرُوهُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ لِعَشْرٍ» (¬2). أما (أَخَذَ) و (أكل) فالأجودُ فيهما حذفُ الهمزةِ في الأمرِ، تقولُ: «خُذْ» وَلاَ تقولُ: «أُخذ» وتقول: «كل» ولا تقول: «ءُأْكل» ورَدُّهُما إلى أصلِهما لغةٌ قليلةٌ. ¬
والأمرُ في قولِه هنا: {فَكُلُوا} أمرُ إباحةٍ، وقد تَقَرَّرَ في فَنِّ الأصولِ أن مِنْ صِيَغِ (افْعَل) التي تأتِي لها: الإباحةُ (¬1). يعنِي: فَكُلُوا. والفاءُ هنا مُسَبَّبَةٌ عما قَبْلَهَا، إن زَعَمُوا أن الميتةَ ذبيحةُ اللَّهِ، وأنها خيرٌ من ذبيحتِكم؛ فَكُلُوا مِمَّا ذَكَّيْتُمْ وَذَكَرْتُمُ اسمَ اللَّهِ عليه عندَ الذَّكَاةِ، ولا تأكلوا من الميتةِ، ومما ذَبَحَهُ الكفارُ وذكروا عليه اسمَ الأصنامِ. كما يأتِي في قولِه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] فإنه قَابَلَ بَيْنَ الأمرِ والنهيِ، أَمَرَ بالأكلِ مِمَّا ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليه: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 118] وَنَهَى عن أكلِ ما لم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ عليه في قولِه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}. ومعنَى ذِكْرِ اسمِ اللَّهِ عليه: هو أَنْ يُسمَّى على الذبيحةِ عندَ الذكاةِ، أو على العقيرةِ عندَ الاصطيادِ، أو على الجارحِ إذا أُرْسِلَ إلى الصيدِ، كُلُّ هذا يُسَمَّى اللَّهُ عليه وَيُؤْكَلُ منه، وسيأتِي ذلك في قولِه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وَسَنَتَكَلَّمُ عليه هناكَ، وحاصلُه أن للعلماءِ فيه ثلاثةَ مذاهبَ (¬2): أحدُها: أَنَّ كُلَّ ما ذَبَحَهُ مسلمٌ ولم يَذْكُرِ اسمَ اللَّهِ عليه، أو صَادَهُ ولم يذكر اسمَ اللَّهِ عليه، أو أَرْسَلَ عليه جَارِحَهُ من كَلْبِهِ أو صَقْرِهِ أو بَازِهِ ولم يُسَمِّ اللَّهَ عليه؛ أنه لا يُؤْكَلُ، سواء تركَ التسميةَ عَمْدًا أو نِسْيَانًا. وهذا قالَ به طائفةٌ قليلةٌ في الذبيحةِ، وقال به جماعةٌ في الصيدِ، وهو روايةٌ قويةٌ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ. وجمهورُ العلماءِ ¬
على أنه إِنْ تَرَكَ التسميةَ نِسْيَانًا فالذبيحةُ تُؤْكَلُ؛ لأنه ما تَرَكَهَا إلا نِسْيَانًا، والنسيانُ مَعْفُوٌّ عنه، وإن تَرَكَهَا عَمْدًا فلاَ تُؤْكَلُ عندَ جماهيرِ العلماءِ، خِلاَفًا للإمامِ الشافعيِّ وعامةِ أصحابِه في مشهورِ مذهبِه أنه إِنْ تَرَكَ التسميةَ وهو مسلمٌ أُكِلَتْ ذبيحتُه مُطْلَقًا، سواء تَرَكَهَا عَمْدًا أو نِسْيَانًا؛ لأَنَّ الشافعيَّ يُفَسِّرُ قولَه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} بما أُهِلَّ به لغيرِ اللَّهِ، أما المسلمُ عندَه فذبيحتُه حلالٌ سواء سَمَّى اللَّهَ أو لَمْ يُسَمِّ، سواءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أو نِسْيَانًا. وسيأتِي تفاصيلُ هذا في قولِه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}. وقولُه هنا: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} أي: مِمَّا ذَكَّيْتُمْ وَذَكَرْتُمُ اسمَ اللَّهِ عليه. والآيةُ على التحقيقِ في الذكاةِ، خِلاَفًا لبعضِ العلماءِ القائلِ: هي عَامَّةٌ. أي: كُلُّ طعامٍ: مِنْ خُبْزٍ أو لَحْمٍ أو غيرِه أو فاكهةٍ تُسَمِّي اللَّهَ عليه وأن تأكلَ منه (¬1). وعلى هذا فلاَ ينبغي للإنسانِ أن يأكلَ من شيءٍ كَائِنًا ما كَانَ إِلاَّ إذا سَمَّى اللَّهَ عليه. والتحقيقُ أنها في الذكاةِ كما يَقْتَضِيهِ السياقُ. وهذا معنَى قولِه: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)} هذه (إِنْ) الشرطيةُ هي كثيرةٌ في القرآنِ وفي السنةِ، وفيها إشكالٌ معروفٌ كثيرٌ؛ لأنهم يؤمنونَ قَطْعًا. وقد تَقَرَّرَ في فَنِّ المعانِي: أن تعليقَ فعلِ الشرطِ بجزاءِ الشرطِ بأداةِ الشرطِ التي هي (إِنْ) لا تكونُ إِلاَّ فيما لاَ يُتَحَقَّقُ وقوعُ الشرطِ فيه (¬2)، فلو قُلْتَ لعبدِك وهو عارفٌ باللغةِ العربيةِ: «إِنْ جاءَك زيدٌ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا». هو يعلمُ أن معنَى كلامكَ: أن زَيْدًا قَدْ يَأْتِي وقد لاَ يأتِي؛ لأَنَّ (إِنْ) لا تدلُّ على تحقيقِ وقوعِ الشرطِ، بل قد ¬
يقعُ الشرطُ فيقعُ الجزاءُ، وقد لا يقعُ الشرطُ فلا يقعُ الجزاءُ. وقولُه: {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)} يُفْهَمُ من «إِنْ» الشرطيةِ أنهم قد يكونونَ مؤمنينَ وَقَدْ يكونونَ غيرَ مُؤْمِنِينَ، وَهُمْ مؤمنونَ حَقًّا قَطْعًا، فَمِنْ هذا جاءَ الإشكالُ في (إِنْ) هذه، وهذا كثيرٌ فِي القرآنِ، كقولِه للمؤمنينَ: {إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (91)} وكقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ زيارةِ القبورِ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ» (¬1) وهم لاحقونَ بهم قَطْعًا يَقِينًا. وكقولِه جل وعلا: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: آية 27] وهم دَاخِلُوهُ قَطْعًا بِلاَ شَكٍّ، فما وجهُ التعليقِ بأداةِ الشرطِ التي هي (إِنْ) التي تَدُلُّ على أَنَّ جزاءَ الشرطِ قد يَقَعُ، وقد لا يَقَعُ، مع أنها أمورٌ مُحَقَّقَةٌ؟ هذا وجهُ الإشكالِ. وهذه مسألةٌ عربيةٌ معروفةٌ، وهي من مسائلِ العربيةِ الكبارِ المشهورةِ التي اختلفَ فيها علماءُ البصرةِ وعلماءُ الكوفةِ من النحاةِ (¬2)، فَذَهَبَ عامةُ علماءِ الكوفةِ إلى أَنَّ (إِنْ) في جميعِ هذه الآياتِ بمعنَى (إذْ) التعليليةِ، قالوا: وَتَأْتِي (إنْ) بمعنَى (إِذْ) التعليليةِ، ¬
وعليه: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ} أَيْ: لأَجْلِ كونِكم مؤمنينَ بآياتِي. قال الكوفيونَ: وَمِنْ هذا المعنَى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (9)} [الأعلى: آية 9]، قالوا: مَعْنَاهَا: إِذْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ذَكِّرْ؛ لأَجْلِ أن الذِّكْرَى تنفعُ. قالوا: وهذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ. واستدلوا له من أشعارِ العربِ بقولِ الفرزدقِ- وهو عَرَبِيٌّ فصيحٌ قُحٌّ (¬1) -: أتَغْضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا ... جِهَارًا وَلَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ خَازِمِ قالوا: (إِنْ) هنا بمعنَى (إِذْ)، أَتَغْضَبُ إِذْ حُزَّتْ أُذُنَا قتيبةَ. هذا قولُ البصريين؛ ولذا كُلُّهُ أَجْرَوْهُ على سَنَنٍ واحدٍ. «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قالوا: وإنا لاحقونَ إن شاءَ اللَّهُ ذلك. {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: آية 27] أي: إِنْ شاءَ اللَّهُ ذلك. وهذا قولُ الكوفيين. وأما البصريونَ فَفَصَلُوا بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، قالوا: أما قولُه: {إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (91)} فهي أداةُ شرطٍ جِيءَ بها للتهييجِ والإلهابِ؛ لأن مِنْ عَادَةِ العربِ أن يُهَيِّجُوا المُخَاطَبَ، تقولُ للرجلِ: «إِنْ كنتَ ابنَ الكرامِ، ابنَ فلانٍ وفلانٍ، فَافْعَلْ لِي كَذَا». وليس مقصودُك تعليقَ الشرطِ بالجزاءِ، بل مقصودُك تَهْيِيجَهُ وبعثَه للفعلِ، وهذا أسلوبٌ معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أحدِ أولادِ الخنساءِ الشاعرةِ (¬2): لَسْتُ لِخَنْسَاءَ وَلاَ للأَخْزَمِ ... وَلاَ لِعَمْرِو ذِي السَّنَاءِ الأَقْدَمِ إِنْ لَمْ أَرِدْ فِي الْجَيْشِ جَيْشِ الأَعْجَمِي ... مَاضٍ عَلَى الْهَوْلِ خِضَمٍّ خِضْرِم ¬
يقولُ: لستُ لأَبِي ولاَ لأُمِّي إِنْ لَمْ أَرِدْ في الجيشِ. ليس يعنِي التعليقَ، وإنما يعنِي تحريضَ نفسِه. قالوا: قولُه: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ» وقولُه: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: آية 27] قال علماءُ البصرةِ: المرادُ بالتقييدِ بالمشيئةِ في هذا الأمرِ المُحَقَّقِ: هو تعليمُ الْخَلْقِ ألاَّ يتكلموا عن أمرٍ مستقبلٍ إلا مُعَلِّقِينَ بمشيئةِ اللَّهِ، وإنما جِيءَ بالأمرِ المُحَقَّقِ لتوكيدِ ذلك، وأنه لا يَنْبَغِي للإنسانِ أن يتحدثَ عن مستقبلٍ أنه سيقعُ أو سيفعلُ إلا إذا قُيِّدَ بمشيئةِ اللَّهِ، كما قال اللَّهُ لنبيه: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: الآيتان 23، 24] وهذا معنَى قولِه: {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (128)}. و (الآيات) جمعُ تصحيحٍ مؤنثٌ، مفردُه (آية)، وقد بَيَّنَّا (¬1) أن الآيةَ أَصْلُهَا عندَ الْمُحَقِّقِينَ من علماءِ التصريفِ أن أصلَها (أَيَيَة) اجتمعَ فيها موجبَا إعلالٍ، فوقعَ الإعلالُ في الحرفِ الأولِ، على خلافِ القاعدةِ الكثيرةِ المُطَّرِدةِ، وهو جائزٌ، فلو جَرَى على الأغلبِ لكانَ الإعلالُ في الحرفِ الأخيرِ. وقيل: (أيَاه) ولكنَّ الإعلالَ وقعَ هنا في الحرفِ الأولِ، فصارَ (آية) ووزنُه بالميزانِ الصرفيِّ: (فَعَلَة) وحروفُه: فاؤه همزةٌ، وعينُه ولامُه كِلاَهُمَا ياءٌ. هذا أصلُ وزنِها وصرفِها. وهي في لغةِ العربِ - قد بَيَّنَّا مِرَارًا (¬2) - أن (الآية) في لغةِ العربِ تُطْلَقُ إطلاقين، وَذَكَرْنَا هذا كثيرًا في هذه الدروسِ. ¬
أما الإطلاقُ الأولُ المشهورُ: فهو إطلاقُ الآيةِ بمعنَى (العلامةِ). تقولُ العربُ: «الآيةُ بَيْنِي وبينَك كذا». أي: العلامةُ بَيْنِي وبينَك كذا. ومنه قولُه تعالى: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} [البقرة: آية 248] أي: علامةُ مُلْكِهِ أن يأتيَكم التابوتُ. وقد جاءَ في شعرِ نابغةِ ذبيانَ- وهو عربيٌّ جاهليٌّ- تفسيرُ الآياتِ بالعلاماتِ حيث قال (¬1): تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ ثُمَّ بَيَّنَ أن مرادَه بالآياتِ: (علاماتُ الدارِ) فقال: رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْيًا أُبِينُهُ ... وَنُؤْيٍ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ إطلاقُ الآيةِ الآخَرُ في لغةِ العربِ: تُطْلِقُ العربُ الآيةَ على (الجماعةِ)، وهو إطلاقٌ عربيٌّ مشهورٌ، يقولونَ: «جاء القومُ بآيتِهم»؛ أي: بجماعتِهم، ومنه بهذا المعنَى: قولُ بُرج بن مُسْهِر الطائيِّ (¬2): خَرجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلَنَا ... بِآيَتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ الْمَطَافِلاَ أي: بِجَمَاعَتِنَا. إذا عرفتُم أن (الآيةَ) تُطْلَقُ في لغةِ العربِ إِطْلاَقَيْنِ: تطلقُ بمعنَى (العلامةِ)، وتطلقُ بمعنَى (الجماعةِ)، فَاعْلَمُوا أن (الآيةَ) في القرآنِ تُطْلَقُ أيضًا إطلاقين: تُطْلَقُ على الآيةِ الكونيةِ القدريةِ، وهي: ما نَصَبَهُ اللَّهُ كَوْنًا وَقَدَرًا ¬
دَالاًّ على ربوبيتِه، وأنه المعبودُ وحدَه، وهي بهذا المعنَى من الآيةِ بمعنَى (العلامةِ) قَوْلاً واحدًا، كقولِه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ (190)} [آل عمران: آية 190] أي: علاماتٍ واضحاتٍ لأصحابِ العقولِ على أن لهذا الكونِ مُدَبِّرًا هو رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وهو المعبودُ وحدَه جل وعلا. الإطلاقُ الثانِي في القرآنِ: إطلاقُ الآيةِ بمعنَى الآيةِ الشرعيةِ الدينيةِ، كآياتِ هذا القرآنِ العظيمِ، كقولِه: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ} [الطلاق: آية 11] فهي بهذا من الآيةِ الشرعيةِ الدينيةِ، والآيةُ الشرعيةُ الدينيةُ قِيلَ: من الآيةِ بمعنَى (الجماعة)؛ لأَنَّ الآيةَ جَمَعَتْ كلماتٍ من القرآنِ اشْتَمَلَتْ على بعضِ معانِيه ومقاصدِه. وقال بعضُ العلماءِ: الآيةُ الشرعيةُ الدينيةُ أيضًا من الآيةِ بمعنَى (العلامةِ)؛ لأنها علاماتٌ على صدقِ مَنْ جاء بها؛ لِمَا فيها من الإعجازِ؛ ولأَنَّ لَهَا علاماتٍ: مبادئَ ومقاطعَ تدلُّ على انتهاءِ هذه الآيةِ وابتداءِ هذه. وهذا معنَى قولِه: {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)}. والإيمانُ في لغةِ العربِ: التصديقُ (¬1)، ومنه قولُه: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} [يوسف: آية 17] أي: بِمُصَدِّقٍ لنا في أن يوسفَ أَكَلَهُ الذئبُ {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)} [يوسف: آية 17]. والإيمانُ في اصطلاحِ الشرعِ في مذهبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ: هو التصديقُ الكاملُ من جميعِ الجهاتِ، أَعْنِي: تصديقَ القلبِ بالاعتقادِ، واللسانِ بالإقرارِ، والجوارحِ بالعملِ؛ وَلِذَا ثَبَتَ في ¬
الصحيحِ أن: «الإيمانَ بضعٌ وَسِتُّونَ» وفي بعضِ الرواياتِ: «بضعٌ وسبعونَ شعبةً، أَعْلاَهَا شهادةُ أن لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إماطةُ الأَذَى عن الطريقِ» (¬1) فَسَمَّى إماطةَ الأَذَى عن الطريقِ (إيمانًا). وفي الحديثِ الصحيحِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» (¬2) فَسَمَّى الصومَ (إيمانًا) «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا» (¬3) فَسَمَّى القيامَ (إيمانًا). وقد قَدَّمْنَا في قولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: آية 143] أن معناه: وما كانَ اللَّهُ ليضيعَ صلاتَكم إلى بيتِ المقدسِ قبلَ نسخِ القبلةِ، كما قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا. وهذا معنَى قولِه: {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)}. {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)} [الأنعام: آية 119]. في هذه الآيةِ الكريمةِ قراءاتٌ سبعياتٌ (¬4): قرأ نافعٌ وحفصٌ عن عاصمٍ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} ببناءِ الفعلين للفاعلِ. وقرأ ابنُ عامرٍ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو: {وقد فُصِّل لكم ما حُرِّم عليكم} ببناء الفِعْلَيْنِ للمفعولِ والتركيبِ للنائبِ. وقرأ هذا شعبةُ عن عاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ: (وقد فَصَّل لكم ما حُرِّم عليكم} ببناءِ «فصَّل» للفاعلِ، و «حُرِّم» للمفعولِ. فتحصَّل أنها ثلاثُ قراءاتٍ سبعياتٍ: {فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ} لنافعٍ ¬
وحفصٍ: {فُصِّلَ لكم ما حُرِّم} لابنِ عامرٍ وابنِ كثيرٍ وأبِي عمرٍو: {فَصَّل لكم ما حُرِّم} لحمزةَ والكسائيِّ وشعبةَ عن عاصمٍ. والجمهورُ- غيرُ الكوفيين- قرؤوا: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيَضِلُّونَ} بفتحِ الياءِ. وقرأَ الكوفيونَ الثلاثةُ- أعني: عَاصِمًا، وَحَمْزَةَ، والكسائيَّ- {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ} بضمِّ الياءِ (¬1) {بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} هذه القراءاتُ في الآيةِ. ومعنَى الآيةِ الكريمةِ (¬2) {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (ما) استفهاميةٌ، أَيُّ شيء ثَبَتَ لكم يمنعُكم من أن تأكلوا مِمَّا ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليه؟ والاستفهامُ هنا بمعنَى الإنكارِ (¬3)، أي: لا يوجدُ شيءٌ يمنعُكم من ذلك. وقال بعضُ العلماءِ: هو بمعنَى التقريرِ بأن يقولوا: ليس هنالك شيءٌ يَمْنَعُنَا مِمَّا ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليه. وهذا معنَى قولِه: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} أيُّ شيءٍ ثَبَتَ لكم يمنعُكم من ذلك؟ والمعنَى: لاَ شيءَ يمنعُ من ذلك؛ لأنكم ذَكَّيْتُمُوهُ، وَذَكَرْتُمُ اسْمَ اللَّهِ عليه، وفعلتُم فيه الطريقةَ الشرعيةَ التي أُمِرْتُمْ بها، فأيُّ مانعٍ يَثْبُتُ يمنعُكم من أَكْلِ هذا؟ والمعنَى: لا مانعَ منه، وإنما جاءَ المانعُ في الأكلِ مما لم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ عليه. وهذا معنَى قولِه: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} أي: والحالُ أنه حلالٌ كماءِ المزنِ؛ لأَنَّ اللَّهَ فَصَّلَ لكم ما حَرَّمَ عليكم، أي: أَوْضَحَهُ وَبَيَّنَهُ غايةَ البيانِ والإيضاحِ، ولم يَجْعَلْ مِمَّا حَرَّمَ عليكم ما ذبحتموه وذكيتموه وَسَمَّيْتُمُ اللَّهَ عليه، فإذا كان اللَّهُ فصَّل لكم ما حَرَّمَهُ عليكم ¬
التفصيلَ والبيانَ، ولم يكن منه أنه حَرَّمَ ما ذَكَّيْتُمُوهُ وَذَكَرْتُمُ اسمَ اللَّهِ عليه، فما لكم ألا تَأْكُلُوا منه؟ لا مانعَ من الأكلِ منه. وَاعْلَمْ أن هذه الآيةَ غَلِطَ فيها كثيرٌ من المفسرين (¬1) فقالوا: {فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} فصَّلَهُ بقولِه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: آية 3] وهذا غلطٌ لا شكَّ فيه؛ لأن هذه الآيةَ التي نُفَسِّرُهَا من سورةِ الأنعامِ، وهي من القرآنِ النازلِ بمكةَ بإجماعِ علماء، إلا آياتٍ معروفةً منها (¬2)، كقولِه: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآياتِ [الأنعام: آية 151]، وقوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: آية 91] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: آية 93] فهي آياتٌ معدودةٌ مدنيةٌ في سورةٍ مكيةٍ، أما جُلُّ سورةِ الأنعامِ فهي نازلةٌ في مكةَ قبلَ الهجرةِ بلا خلافٍ بين العلماءِ، وهي نازلةٌ قبلَ النحلِ بلا شكٍّ، والنحلُ من القرآنِ المكيِّ على التحقيقِ، وقد دَلَّ القرآنُ في مَوْضِعَيْنِ أن سورةَ الأنعامِ نَزَلَتْ قبلَ سورةِ النحلِ (¬3): أحدُهما: قولُه في سورةِ النحلِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل: آية 118] فهذا المحرمُ المقصوصُ من قبلُ المُحالُ عليه هو النازلُ في سورةِ الأنعامِ بالإجماعِ في قولِه: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: آية 146]. الثاني: أن اللَّهَ قال في سورةِ الأنعامِ هذه: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ¬
لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: آية 148] فَبَيَّنَ أنهم سيقولونَه في المستقبلِ بدلالةِ حرفِ التنفيسِ الذي هو السينُ، ثم بَيَّنَ في سورةِ النحلِ أن ذلك الموعودَ به في المستقبلِ وَقَعَ وَثَبَتَ في سورةِ النحلِ حيث قال: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: آية 35] فَدَلَّ على أنها بعدَها، وإذا كانت سورةُ الأنعامِ التي فيها: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: آية 119] نازلةً في مكةَ قبلَ الهجرةِ، وقولُه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: آية 3] من سورةِ المائدةِ نَزَلَتْ بعدَ الهجرةِ في المدينةِ في آخِرِ ما نَزَلَ من القرآنِ؛ لأَنَّ المائدةَ من آخِرِ ما نَزَلَ من سورِ القرآنِ، وفيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: آية 3] المُؤْذِنَة بكمالِ الدينِ وَقُرْبِ انقضاءِ الوحيِ، كيف يكونُ هذا التفصيلُ المذكورُ في الأنعامِ في سورةِ المائدةِ، والمائدةُ لَمْ تَنْزِلْ إلا بعدَ ذلك بسنينَ كثيرةٍ؟ والتحقيقُ أن قولَه هنا: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: آية 119] أنه هو التفصيلُ المذكورُ في سورةِ الأنعامِ؛ لأنها نَزَلَتْ جملةً واحدةً، وهذا مِمَّا فَصَّلَهُ في الأنعامِ، وهو قولُه: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: آية 145] فقولُه: {لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام: آية 145] هذا التفصيلُ للحرامِ يدلُّ على أن ما ذَبَحْتُمْ وذكيتموه وذكرتم اسمَ اللَّهِ عليه أنه ليس من المحرمِ الذي فُصِّلَ لكم، وهذا معنَى قولِه: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (ما): موصولةٌ، وهي في محلِّ المفعولِ، والعائدُ إلى الصلةِ محذوفٌ، والتقديرُ: وقد فَصَّلَ لكم ما حَرَّمَهُ
عليكم. وعلى قراءةِ (حُرِّم) فالرابطُ هو ضميرُ النائبِ المحذوف أي: ما حُرِّمَ هو عليكم وهذا معنَى قولِه: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} جَرَتِ العادةُ في القرآنِ أن اللَّهَ إذا ذَكَرَ هذه المحرماتِ الأكلِ، أنه يَسْتَثْنِي منها حالةَ الضرورةِ كما قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} ثم قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: آية 173] وقال في النحلِ: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (115)} [النحل: آية 115]. وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} [المائدة: آية 3] وقال هنا: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} يعني: أن هذا الذي حَرَّمَهُ عليكم وَفَصَّلَ تحريمَه، إذا أَلْجَأَتْكُمُ الضرورةُ إليه فهو حلالٌ عليكم للضرورةِ؛ لأن الضرورةَ تُبِيحُ المحظوراتِ. وَمَنْ يَأْتِ الأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ ... فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارَا (¬1) فالميتةُ حرامٌ بالإجماعِ، ولكنَّ الإنسانَ إذا خَافَ على نفسِه الهلاكَ ولم يَجِدْ إلا الميتةَ أو الخنزيرَ أو ما جرى مجرَى ذلك فإنه يباحُ له ذلك الحرامُ. وقد قَدَّمْنَا في سورةِ البقرةِ كلامَ العلماءِ في الضرورةِ التي تبيحُ الميتةَ، وفي القَدْرِ الذي يُبَاحُ مِنْهَا هل هو ما يَسُدُّ الرمقَ ويمسكُ الحياةَ، أو هو الشبعُ والتزودُ حتى يجدَ غيرَها كما قَدَّمْنَاهُ مُوَضَّحًا (¬2). ¬
وقولُه: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} يدلُّ على أن هذه المحرماتِ التي فَصَّلَهَا اللَّهُ، وَبَيَّنَ أنها حرامٌ إذا اضْطُرَّ الإنسانُ إليها وَأَلْجَأَتْهُ الضرورةُ إليها كانت حلالاً عليه؛ لأَنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ بالحَنِيفِيَّةِ السمحةِ، وسُهِّلَ له فيها كُلَّ التسهيلِ، وَرُفِعَتْ عنا على لسانِه الآصارُ- وهي أثقالُ التكليفِ التي كانت على مَنْ قَبْلَنَا- وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أَبِي هريرةَ وابنِ عباسٍ رضي الله عنهم أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قَرَأَ: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} الآيات [البقرة: آية 286]. أن اللَّهَ قال: «قَدْ فَعَلْتُ» في روايةِ ابنِ عباسٍ عند مسلمٍ، وأن اللَّهَ قال: «نَعَمْ» في روايةِ أبي هريرةَ عندَ مسلم (¬1). وَلِذَا كان من علاماتِ نُبَوَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه يُحِلُّ الطيباتِ وَيُحَرِّمُ الخبائثَ ويضعُ الآصارَ والأغلالَ وأثقالَ التكليفِ التي كَانَتْ على مَنْ قَبْلَنَا؛ لأن ذلك من صفاتِه في الكتبِ المتقدمةِ كما يأتي في سورةِ الأعرافِ في قولِه: {النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: آية 157] والآصارُ والأغلالُ هي: الأثقالُ التي كانت شديدةً في التكليفِ على مَنْ قَبْلَنَا؛ لأن مَنْ قَبْلَنَا ربما إذا أَذْنَبَ الواحدُ منهم ذنبًا لا تُقْبَلُ توبتُه حتى يُقَدِّمَ نفسَه للموتِ والقتلِ، كما قَدَّمْنَاهُ في البقرةِ (¬2) في قولِه: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: آية 54] وما كانوا تصحُّ صلاتُهم إلا في المساجدِ، ولا تصحُّ صلاتُهم إلا بالماءِ، ¬
ولا طهارتُهم من الخبثِ إلا بالماءِ، فهي آصارٌ وتكليفاتٌ وأثقالٌ شديدةٌ رَفَعَهَا اللَّهُ عَنَّا على لسانِ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: آية 78] {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: آية 286] {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: آية 16] {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: آية 185] ونحو ذلك من الآياتِ، ولذا قال هنا: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} والطاءُ في قولِه: {مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أصلُها مبدلةٌ من تاءِ الافتعالِ، وقد تَقَرَّرَ من فَنِّ العربيةِ (¬1): أن تاءَ الافتعالِ إذا جاءَ بعدَ واحدٍ من حروفِ الإطباقِ أنه يُبْدَلُ طاءً، والحقيقةُ: أصلُ مادةِ هذا الفعلِ (ضَرَرَ). ففاء المادةِ: ضادٌ، وعينها: راءٌ، ولامُها: راءٌ. فَدَخَلَهَا تاءُ الافتعالِ، كما تقولُ في قَرُبَ: اقتربَ، وفي كَسَبَ: اكتسبَ، وفي ضررَ: اضترر فأُبدلت تاءُ الافتعالِ طاءً، ثم بُنِيَ الفعلُ للمفعولِ ورُكِّبَ للنائبِ، فقيل: اضْطُرِرْتُمْ (¬2). والمعنَى: أن هذه المحرماتِ التي فَصَّلَهَا اللَّهُ لنا أن محلَّ تحريمِها علينا ما لم تُلْجِئْنَا إليها ضرورةٌ، فَإِنْ أَلْجَأَتْنَا إليها ضرورةٌ فهي حلالٌ لنا. وقد قَدَّمْنَا كلامَ العلماءِ في قولِه: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} فالإنسانُ إذا خاف على نفسِه الهلاكَ جازَ له أَكْلُ الميتةِ إن لم يَجِدْ غيرَها، وجاز له أكلُ الخنزيرِ إن لم يجد غيرَه، وجازَ له ما حُرِّمَ عليه للضرورةِ. وأعظمُ الأشياءِ هو كلمةُ الكفرِ إذا أُلْجِئ الإنسانُ وَأُكْرِهَ ¬
عليها، وقالَها إكراهًا وقلبُه مطمئنٌ بالإيمانِ لا يؤاخذُه اللَّهُ بها؛ لأن اللَّهَ قال كما يأتِي في سورةِ النحلِ: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ} [النحل: آية 106] وهذا معنَى قولِه: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}. وقولُه: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ} قرأه القراءُ (¬1): {وإن كثيرًا ليَضلونَ} وقرأه الكوفيون (¬2): {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ} فعلى قراءةِ {يَضِلُّونَ} فالفعلُ لازمٌ لا مفعولَ له. والمعنَى: أنهم يَضِلُّون ويذهبونَ عن طريقِ الحقِّ. وعلى قراءةِ الكوفيين {يُضلون} فهو متعدٍّ للمفعولِ، والمفعولُ محذوفٌ. والمعنَى: كثيرًا من الناسِ ليُضلون الناسَ عن طريقِ الحقِّ بأهوائهم (¬3). وحَذْفُ المفعولِ إذا دَلَّ المقامُ عليه سائغٌ أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ مشهورٌ. {بِأَهْوَائِهِم} الأهواءُ: جمع الهوَى، وأصلُ الهوى: (هَوَيٌ) بواوٍ وياءٍ، اجتمعَ فيه موجبَا إعلالٍ فوقعَ الإعلالُ في الحرفِ الأخيرِ الذي هو الياءُ على القاعدةِ الأغلبيةِ (¬4). وأصلُ (الهوى) في لغةِ العربِ ميلُ النفسِ. وكثيرًا ما يُطْلَقُ على ميلِها إلى ما لاَ ينبغي (¬5)، وربما أُطْلِقَ نادرًا على مَيْلِهَا لِمَا ينبغي (¬6). ¬
والهمزةُ في قولِه: {بِأَهْوَائِهِمْ} مبدلةٌ من الياءِ؛ لأَنَّ مادةَ (الهوى) مما يسميه الصرفيون «اللفيفَ المقرونَ» (¬1) معتلَ الواوِ واللامِ. والقاعدةُ المقررةُ في التصريفِ: أن كُلَّ واوٍ أو ياءٍ تَطَرَّفَتْ بعد ألفٍ زائدةٍ وَجَبَ إبدالُها همزةً (¬2). فهمزةُ (الأهواءِ) مبدلةٌ من ياءِ الهوى، أصلُها: (هَوَيٌ) بالياءِ؛ لأن لامَ الكلمةِ ياءٌ، فَأُبْدِلَتْ همزةً لتطرفِها في الأخيرِ بعدَ ألفٍ. والمعنَى: أن كثيرًا من الناسِ ليُضلون الناسَ. على قراءةِ حمزةَ والكسائيِّ وعاصمٍ. أو ليَضلون في أنفسِهم فيكونونَ ضالينَ. وذلك الإضلالُ- على قراءةِ الكوفيين- والضلالُ- على قراءةِ غيرهم- إنما هو بسببِ أهوائِهم، أي: ميول أنفسِهم إلى الباطلِ والكفرِ- والعياذُ بالله- وهو ميلُ الهوى واتباعُ النفسِ في الحرامِ والكفرِ، لا إلى الشرعِ، ولا إلى بيانٍ، ولا إلى دِينٍ. وهذا معنَى قولِه: {لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ}. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} لا علمَ لهم بذلك الذي سلكوه وَضَلُّوا به وأضلوا، وإنما اتبعوه جَهْلاً منهم؛ ولذا قال: {بِغَيْرِ عِلْمٍ}. ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)} (أعلم): كـ (أعلم) التي قبلَها. والمعتدونَ: جمعُ المعتدِي، والمعتدِي (مُفْتَعِل) من العُدْوَانِ، وأصلُ العُدوانِ: مجاوزةُ الحدِّ، فَكُلُّ مَنْ جَاوَزَ حدَّه فقد اعتدى. قال بعضُ العلماءِ: أصلُ العدوانِ مشتقٌّ من العُدْوَةِ، والعُدوة: شاطئُ الوادي؛ لأنه كأنه جاوزَ شاطئَ الحلالِ والحقِّ إلى شاطئ الحرامِ والضلالِ، فالعدوانُ: مجاوزةُ ¬
الحدِّ (¬1). وهذا معنَى قولِه: إن الله جل وعلا {أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)} الذي سَبَقَ لهم الضلالُ في أزلِه، وَيَسَّرَهُمْ لِمَا خَلَقَهُمْ له، فهو أعلمُ بهم. وكأن هذا فيه تسليةً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كأنه يقولُ له: رَبُّكَ أعلمُ بالضالين المضلين، ولابد أن يُيَسِّرَهُمْ لِمَا خَلَقَهُمْ له، فلا تَحْزَنْ عليهم إذا لم يؤمنوا وهذا معنَى قولِه: {هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)}. {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)} [الأنعام: آية 120] {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} (ذروا) معناه: اتْرُكُوا. و (ذَرْ) بمعنَى: اتْرُكْ. وهذا الفعلُ- الذي هو (ذَرْ) - لَمْ يُسْتَعْمَلْ منه في لغةِ العربِ إلا الأمرُ والمضارعُ (¬2)، تقول العربُ: (ذَرْ) بمعنى: اتْرُكْ، و (يَذَر) بمعنَى: يترك. ولم يُسْتَعْمَلْ منه ماضٍ، ولا مصدرٌ، ولا اسمُ فاعلٍ، ولا اسمُ مفعولٍ، ولا صيغةُ تفضيلٍ، لم يُسْتَعْمَلْ منه إلا المضارعُ والأمرُ خاصةً. ومعنَى (ذَرْ): اتْرُكْ. ومعنَى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ} اتركوا ظاهرَ الإثمِ. وعلماءُ العربيةِ يقولونَ: إن الحرفَ المحذوفَ في مكانِ الفاءِ إنها واوٌ، وإن أصلَ (ذَرْ) أن أصلَ ماضيه (وَذَرَ) بواوٍ (¬3)، إلا أن هذه الواوَ لم تَثْبُتْ؛ لأن (فَعَل) إذا كانت مفتوحةَ العينِ تُحْذَفُ فاؤها في المضارعِ والأمرِ، وتُحْذَفُ في المصدرِ، وذلك إنما ينقاسُ في (فَعَلَ يَفْعَل) وأما (وَذَر يذَر) فليس مَقِيسًا فيها؛ إلا أن العربَ لم تَنْطِقْ بالواوِ ولم تَنْطِقْ بها إلا في المضارعِ والأمرِ (¬4). وعلى كُلِّ حالٍ فـ (ذَرُوا) معناه: اتْرُكُوا. ¬
وقولُه: {ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} الظاهرُ: كُلُّ ما ظَهَرَ وعلن. والباطنُ: كُلُّ ما خَفِيَ وَاسْتَتَرَ (¬1). والإثمُ: أصلُه ضدُّ الطاعةِ، فكلُّ ما هو خلافُ التقوى والطاعةِ من الوقوعِ في المعاصِي يُسَمَّى: (إثمًا) (¬2). وقد قال الشاعرُ - وَصَدَقَ (¬3) -: إِنِّي رَأَيْتُ الأَمْرَ أَعْجَبُهُ ... تَقْوَى الإِلَهِ وَشَرُّهُ الِإِثْمُ فقابلَ الإثمَ بالتقوى. وَاعْلَمُوا أن ظاهرَ الإثمِ وباطنَه فيهما أقوالٌ [(¬4) وأنها كلَّها ترجع إلى شيءٍ واحدٍ، فقال بعضُهم: الفواحشُ الظاهرةُ هي الزِّنَى مع البغايا ذواتِ الراياتِ، والفواحشُ الباطنةُ هي الزنى مع الخليلاتِ والصديقاتِ التي يُزْنَى بِهِنَّ سِرًّا في البيوتِ. وقال بعضُ العلماءِ: ما ظهر من الفواحشِ: كنكاحِ زوجاتِ الآباءِ، كما تقدَّم في قولِه: {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً (22)} [النساء: آية 22] وأن ما بَطَنَ منها هو الزنى. والتحقيقُ: أَنَّ الآيةَ الكريمةَ تشملُ جميعَ المعاصِي والذنوبِ، لا تفعلوا شيئًا منها ظاهرًا عَلَنًا بين الناسِ، ولا شيئًا باطنًا في خفيةٍ لا يطلعُ عليه أحدٌ، وهو يشملُ جميعَ التفسيراتِ الواردةِ عن الصحابةِ وغيرِهم. ¬
والفواحشُ ظاهرُها وباطنُها تشملُ جميعَ الذنوبِ، إلا أن اللَّهَ عَطَفَ بعضَها على بعضٍ عطفَ خاصٍّ على عَامٍّ. وقد تقررَ في المعانِي: أَنَّ عَطْفَ الخاصِّ على العامِّ، وعطفَ العامِّ على الخاصِّ إن كان في كلٍّ منهما في الخاصِّ أهميةٌ لا تكونُ في غيرِه من أفرادِ العامِّ أنه سائغٌ، وأنه من الإطنابِ المقبولِ لأَجْلِ الخصوصيةِ التي في الخاصِّ. فكأن تميزَه بخصوصيتِه جَعَلَهُ كأنه قِسْمٌ آخَرُ من أقسامِ العامِّ فَحَسُنَ عطفُه عليه (¬1). وهنا عُطِفَ الخاصُّ على العامِّ لأن المعطوفاتِ الآتيةَ كُلَّهَا داخلةٌ في الفواحشِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ. وقولُ مَنْ قال: إن {مَا ظَهَرَ} هو الزنى مع البغايا ذواتِ الراياتِ، و {وَمَا بَطَنَ} الزِّنَى مع الخليلاتِ الصديقاتِ التي يُزْنَى بِهِنَّ سِرًّا. أو: إن {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} هو نكاحُ زوجاتِ الآباءِ، وأن {وَمَا بَطَنَ} هو الزِّنَى إلى غيرِ ذلك من الأقوالِ كُلُّهُ يشملُه التفسيرُ العامُّ الذي هو الصوابُ، وإن اللَّهَ نَهَى عن ارتكابِ جميعِ المحرماتِ سواءً كان ذلك ظَاهِرًا أمامَ الناسِ، أو خفيةً بحيثُ لا يطلعُ عليه الناسُ]. [16/ب] / يقولُ اللَّهُ جل وعلا: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (128)} [الأنعام: آية 128]. ¬
قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا حَفْصًا عن عاصمٍ: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} وقرأه حفصٌ- وحدَه- عن عاصمٍ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} بالياءِ التحتيةِ (¬1). أما قراءةُ الجمهورِ ففاعلُ الفعلِ ضميرٌ محذوفٌ تقديرُه: نحن. أي: نَحْشُرُهُمْ نحنُ. وصيغةُ الجمعِ في (نحشرهم) وفي (نحن) للتعظيمِ، كقولِه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر: آية 9] {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} [يس: آية 12] وهو جل وعلا واحدٌ إلا أنه يُعَبِّرُ عن نفسِه بصيغةِ الجمعِ؛ لأجلِ التعظيمِ والإجلالِ. وعلى قراءةِ حفصٍ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} فالفاعلُ ضميرٌ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ. (يحشرُهم) هو. أي: اللَّهُ. وقولُه هنا: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} قال بعضُ العلماءِ: هو منصوبٌ بـ (اذْكُرْ) مُقَدَّرًا، أي: اذْكُرْ يومَ نحشرُهم. وقال بعضُ العلماءِ: هو منصوبٌ بالقولِ المحذوفِ الذي دَلَّ عليه المقامُ (¬2). والمعنَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} أي: نقولُ: يا معشرَ الجنِّ قد اسْتَكْثَرْتُمْ. نقول ذلك القولَ: {يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا}. والحشرُ في لغةِ العربِ معناه: الجمعُ. وَكُلُّ شيءٍ قد جمعتَه فقد حشرتَه (¬3). ومنه قولُ قومِ فرعونَ لفرعونَ: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)} [الأعراف: آية 111] {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36)} [الشعراء: آية 36] أي: قومًا جامعين، يجمعون السحرة، ويحشرونهم ¬
من أطراف مصر. فالحشر في لغة العرب: الجمع؛ لأن اللَّهَ يومَ القيامةِ يجمعُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، إِنْسَهُمْ وِجِنَّهُمْ، في صعيدٍ واحدٍ، يُسْمِعُهُمُ الداعي وينفذهم البصرُ، كما قال: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} [التغابن: آية 9] {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ} [النساء: آية 87] {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (50)} [الواقعة: الآيتان 49، 50] {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)} [الكهف: آية 47] والمعنَى: يقول اللَّه جل وعلا: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ} [الأنعام: آية 128] يقول ذلك القولَ حين يحشرهم جميعًا. وقد بَيَّنَ اللَّهُ في هذه السورةِ الكريمةِ- سورةِ الأنعامِ- أنه يحشرُ جميعَ المخلوقاتِ مِمَّا يدبُّ على رِجْلَيْنِ، ومما يطيرُ في السماءِ، وسائرِ المخلوقاتِ كما تَقَدَّمَ في قولِه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)} [الأنعام: آية 38] فَبَيَّنَ أنه يَحْشُرُ كُلَّ دابةٍ وكلَّ طيرٍ- جل وعلا- والذي يُجَازَى من هذا إنما هو الثقلانِ: الإنسُ والجنُّ. وقولُه: {نَحْشُرُهُمْ}: نَجْمَعُهُمْ جميعًا يومَ القيامةِ بعدَ أن نُخْرِجَهُمْ من قبورِهم أحياءً يَمْشُونَ بعدَ أن كانوا عِظَامًا رَمِيمًا. وقولُه: {جَمِيعًا} يُعْرَبُ حالاً (¬1)، ومعناه: التوكيدُ، بدليلِ أنك لو حذفتَ التنوينَ وأضفتَه لكانَ توكيدًا مَحْضًا، لو قلتَ: «نحشرهم جميعهم». لكان توكيدًا، فَلَمَّا حُذِفَتِ الإضافةُ أُعْرِبَ حَالاً ¬
ومعناه التوكيدُ. أي: نحشرُهم في حالِ كونِهم مجتمعين فلم يَشِذَّ منهم أحدٌ. {ثُمَّ نَقُولُ} فَسَّرَهُ بعضُ العلماءِ (¬1): (يُقال). قال: لأَنَّ اللَّهَ ليس هو القائلَ؛ لأن كفرةَ الإنسِ لا يكلِّمُهم اللَّهُ، لأن اللَّهَ يقولُ عن الكفارِ: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ}. والتحقيقُ: أن اللَّهَ يكلمُ الكفارَ كلامَ توبيخٍ وتقريعٍ، الذي هو من جنسِ العذابِ، كقولِه لَمَّا قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ (108)} [المؤمنون: الآيتان 107، 108] لأن هذا التكليمَ لهم ليس تكليمَ تشريفٍ، إنما هو تكليمُ توبيخٍ وتقريعٍ، وهو من أنواعِ عذابِه لهم، ولا مانعَ منه. يقولُ اللَّهُ ذلك اليومَ مُخَاطِبًا عُتاةَ الشياطين الذين أَضَلُّوا بَنِي آدمَ حتى أَغْوَوْهُمْ وأدخلوهم النارَ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} المَعْشَرُ في لغةِ العربِ (¬2): الجماعةُ، كُلُّ جماعةٍ تُسَمَّى مَعْشَرًا، وَيُجْمَعُ على: مَعَاشِرَ. كان بعضُهم يقولُ: لأن بعضَهم يُعاشِرُ بعضًا. وقد يُطْلَقُ المَعْشَرُ على الجماعةِ المتفقين في نِحْلَةٍ أو ناحيةٍ وإن لم يُعَاشِرْ بعضُهم بعضًا، كما في الحديثِ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ» (¬3) ¬
والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يدرك منهم أحدًا، ولم يُعَاشِرْ منهم أحدًا. والحاصلُ أن المعْشَرَ: الجماعةُ، أي: يا جماعةَ الجنِّ. وأصلُ (الجنِّ) مشتقٌّ من الاجتنانِ، وكلُّ ما يَخْفَى عنكَ وَيَجْتَنُّ فهو مجنونٌ عَنْكَ، أي: مُغَيَّبٌ. ومنه: جَنَّ عليه الليلُ، وقيل للجنينِ: (جنينٌ) لأن بطنَ أُمِّهِ يُجِنُّهُ، ومنه سُمِّيَ المجنونُ (مجنونًا) لغيبوبةِ عَقْلِهِ (¬1). وبعضُهم قال: تُسَمِّي العربُ الملائكةَ (جِنًّا)؛ لأنهم محجوبونَ عن الأبصارِ، وهو أحدُ التفسيرين في قولِه: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ ¬
وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} (¬1) [الصافات: آية 158] والعربُ تعرفُ ذلك، ومنه قولُ الأَعْشَى يمدحُ سليمانَ (¬2): وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلاَئِكِ تِسْعَةً ... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلاَ أَجْرِ والمرادُ بالجنِّ هنا: عُتَاتُهُمْ وشياطينُهم الذين كانوا يُضِلُّونَ الآدميين ويغوونهم في دارِ الدنيا، يقولُ لهم اللَّهُ يومَ القيامةِ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} أَعْنِي: يا جماعةَ الشياطين {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} والمعنَى: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} أَكْثَرْتُمْ من إغوائِهم وإضلالِهم (¬3) - والعياذُ باللَّهِ- حتى أَضْلَلْتُمْ منهم أعدادًا طائلةً وَجِبِلاًّ كثيرًا ضَخْمًا، كما يأتِي في قولِه: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)} [يس: آية 62]. وهذه الآياتُ يُبَيِّنُهَا اللَّهُ لنا في دارِ الدنيا لنحذرَ من أن تكونَ الشياطينُ تَسْتَهْوِينَا وَتُضِلُّنَا لتدخلنا النارَ، وقد بَيَّنَ القرآنُ أن هذا العددَ الكثيرَ من الإنسِ الذي أَضَلَّتْهُمْ شياطينُ الجنِّ الذين قال اللَّهُ فيهم: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: آية 128] أن منهم الذين يَتْبَعُونَ تشريعَ الشيطانِ، وَيَحِيدُونَ عن تشريعِ اللَّهِ فيتبعونَ ما نَظَّمَهُ الشيطانُ من النُّظُمِ على ألسنةِ أوليائِه، صَرَّحَ القرآنُ بأن هؤلاء داخلونَ في هذا الاستكثارِ وما أكثرَهم؛ لأن اللَّهَ يقولُ في السورةِ الكريمةِ- وَكُلُّ سورةٍ من القرآنِ كريمةٌ- أعنِي سورةَ يس: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: آية 60] ¬
ومعنَى عبادتِهم للشيطانِ ليست أنهم سَجَدُوا للشيطانِ، ولاَ ركعوا للشيطانِ، ولا صَامُوا للشيطانِ، ولا حَجُّوا للشيطانِ، وإنما عبادتُهم للشيطانِ: هي اتِّبَاعُهُمْ ما شَرَعَهُ من النُظُمِ على ألسنةِ أوليائِه، كما قَدَّمْنَا في قولِه: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} ثم قال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121]، فاللَّهُ- مثلاً- يقولُ: إن الميتةَ حرامٌ {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] فالميتةُ حرامٌ {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة: آية 173]، هذا من تشريعِ اللَّهِ الذي شَرَعَهُ على لسانِ نَبِيِّهِ. فيأتي الشيطانُ فَيُشَرِّعُ نظامًا آخرَ غيرَ هذا ويقولُ: ما قَتَلَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ بسكينٍ من ذهبٍ أَحَلُّ وَأَكْرَمُ مما قَتَلَهُ الإنسانُ بيدِه؟ فالميتةُ ذبيحةُ اللَّهِ، وهي أَحَلُّ مِنْ ذبيحةِ الناسِ!! فهذا تشريعُ إبليسَ على ألسنةِ أولياءِ إبليسَ، فَصَرَّحَ اللَّهُ بأن مَنِ اتَّبَعَ تشريعَ إبليسَ وقال: بأن الميتةَ حلالٌ: أنه مشركٌ باللَّهِ، وهو قولُه: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] وهذا الشركُ باللَّهِ هو عبادةُ الشيطانِ التي نَهَى اللَّهُ عنها في (يس) في قولِه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} وليس المرادُ بعبادتِه أنهم يسجدونَ له ويركعونَ، لا؛ وإنما بطاعتِه فيما شَرَعَ، وَاتِّبَاعِهِ في نُظُمِهِ وقوانينِه، ثم بَيَّنَ أن الذين يتبعونَ ذلك من هذا الاستكثارِ المذكورِ في (الأنعام) حيث قال في (يس): {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا} أي: ومنهم الذين عَبَدُوهُ باتباعِ نظامِه وشرعِه وقانونِه: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} فتتركونَ تشريعَ خالقِ السماواتِ والأرضِ إلى عبادةِ الشيطانِ باتباعِ نظامِه وقانونِه، ثم بَيَّنَ مصيرَ هؤلاء فقال: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ
بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: الآيات 60، 62 - 65] هؤلاء عَابِدِي الشيطانِ باتباعِ تشريعِه. ومن هذا المعنَى قولُ خليلِ اللَّهِ إبراهيمَ لأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} [مريم: آية 44] وما كان أبوه يسجدُ للشيطانِ، ولكنه كان يتبعُ نظامَ الشيطانِ وَشَرْعَ الشيطانِ وقانونَ الشيطانِ الذي شَرَعَهُ من عبادةِ الأوثانِ ومعاصاةِ الرسلِ. فَلْيَعْلَمْ كُلُّ إنسانٍ أن للشيطانِ مَذْهَبًا وَقَانُونًا وَشَرْعًا وَضَعَهُ على ألسنةِ أوليائِه من مَرَدَةِ الإنسِ، ولخالقِ السماواتِ والأرضِ نِظَامًا وَشَرْعًا: نُورًا مُنَزَّلاً من السماءِ شَرَعَهُ على ألسنةِ أوليائِه، فالذين يعدلونَ عن نورِ اللَّهِ الذي شَرَعَهُ على ألسنةِ أوليائِه إلى تشريعِ الشيطانِ الذي شَرَعَهُ على ألسنةِ أوليائِه داخلونَ في قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: آية 128] وداخلونَ في قولِه: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)} [يس: آية 62] سواء سَمَّوْا ذلك قانونًا، أو سَمَّوْهُ نِظَامًا، أو تَشْرِيعًا؛ لأن خالقَ السماواتِ والأرضِ لا يقبلُ أن يُعْبَدَ إلا بما شَرَعَ؛ لأنه ملكُ الملوكِ لا يقبلُ غيرَ شرعِه وتشريعِه، كما قال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ} [الشورى: آية 21] {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)} [يونس: آية 59] فالحلالُ ما أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وكل من يتبعُ نظامًا شيطانيًّا وَضَعَهُ الشيطانُ على مردةِ شياطينِ الإنسِ من أوليائِه فإنه يومَ القيامةِ صائرٌ إلى النارِ، داخلٌ في قولِه: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا} [يس: آية 62] وفي قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: آية 128].
والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد بَيَّنَ هذا لعديِّ بنِ حاتمٍ رضي اللَّهُ عنه، فإنه لَمَّا قال له: يا نَبِيَّ اللَّهِ: قولُ اللَّهِ تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة: آية 31] كيف اتَّخَذُوهُمْ أربابًا؟ فقال: ألم يُحِلُّوا لهم ما حرَّم اللَّهُ، ويُحرِّمُوا عليهم ما أحلَّ اللَّهُ فَاتَّبَعُوهُمْ؟ قال: بلى. قال: بذلك اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا (¬1). وذلك هو عبادتُهم إياهم. فَكُلُّ تشريعٍ غيرِ تشريعِ اللَّهِ، وكلُّ نظامٍ غيرِ نظامِ السماءِ الذي يَمْشِي عليه كأنه يقولُ: تشريعُ خالقِ السماواتِ والأرضِ أفضلُ منه تشريعُ غيرِه!! فهو يُنَزِّلُ درجةَ الخالقِ- جل وعلا، سبحانَه عن ذلك وتعالى عُلُوًّا كبيرًا- إلى أن أوضاعًا مُلَفَّقَةً من أذهانِ الكفرةِ الفجرةِ الخنازيرِ أنه أحسنُ من تشريعِ اللَّهِ!! ولذا يعدلونَ عن نورِ القرآنِ والسنةِ النبويةِ الصحيحةِ إلى ما يسمونَه قانونًا ونظامًا وَضَعَهُ أبناءُ الكلابِ القردةُ الخنازيرُ من اجتهاداتهم، تارةً يُحَرِّمُونَ ما أَحَلَّ اللَّهُ صريحًا، ويحللونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ صريحًا، يزعمونَ أن الهدى في هذا!! هذا- والعياذُ بالله- من أشنعِ الكفرِ والطغيانِ على اللَّهِ والتمردِ على نظامِ السماءِ، واحتقارِ الخالقِ -جل وعلا- حيث كان تشريعُه لا ينفعُ، وتشريعُ غيرِه من سَفَلَةِ الخنازيرِ أحسنَ من تشريعِه!! وهذا إنما وَقَعَ- والعياذُ باللَّهِ- بسببِ طمسِ البصيرةِ؛ لأن نورَ البصيرةِ إذا طُمِسَ من قلبِ الإنسانِ صارَ يرى الباطلَ حَقًّا، والحقَّ باطلاً، والحسنَ قَبِيحًا، والقبيحَ حَسَنًا، والذينَ يعدلونَ عن نورِ اللَّهِ يطلبونَ النورَ في تشريعِ المخلوقين هم في الحقيقةِ- بالكلمةِ التي هي بمعنَى الحرفِ الصحيحِ- هم خفافيشُ البصائرِ، أَعْمَاهُمْ ضوءُ القرآنِ فصاروا يطلبونَ الضياءَ في ظلامِ أفكارِ الكفرةِ الفجرةِ. ¬
خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (¬1) مِثْلَ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى ... نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ (¬2) وَاللَّهُ (جل وعلا) يقولُ: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: آية20] وفي بعضِ التفسيراتِ: تكادُ أنوارُ القرآنِ تُعْمِي بقيةَ بصائرِهم، واللَّهُ يقولُ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: آية 44] لأن النورَ الساطعَ الشديدَ يَقْضِي على البصرِ الأَعْشَى الضعيفِ، وقد بَيَّنَ اللَّهُ تعالى في السورةِ الكريمةِ- سورةِ الرعدِ- أن الذي لا يعلمُ أحقيةَ القرآنِ ومنزلتَه وكونَه هو الذي ينبغي أن يُتَّبَعَ أن ذلك إنما جاءَه مِنْ قِبَلِ عَمَاهُ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: آية 19] فَصَرَّحَ بأن الذي مَنَعَهُ من ذلك عَمَاهُ، وعدمُ رؤيةِ الأَعْمَى للشمسِ لا يجعلُ الشمسَ فيها رَيْبٌ. إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ ... فَلاَ غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ (1) والذين عَمُوا عن نورِ القرآنِ ونورِ السنةِ النبويةِ التي نَظَّمَتْ حياةَ البشريةِ على أكملِ الوجوهِ وأبدعِها وَأَنْصَفِهَا، وَمَيَّزَتِ الأوضاعَ على ضوءِ نورِ السماءِ، فَجَمَعَتْ بين خيرِ الدنيا والآخرةِ يرفضونَها وَيَنْصَرِفُونَ عنها ذَاهِبِينَ إلى النظامِ الذي شَرَعَهُ إبليسُ- عليه لعائنُ ¬
اللَّهِ- على ألسنةِ أوليائِه إنما جَرَّهُمْ إلى ذلك أنهم خفافيشُ، والخفاشُ يُعْمِيهِ نورُ الشمسِ، وإذا كان النهارُ وانتشرَ ضوءُ الشمسِ صارَ الخفاشُ أَعْمَى لا يرى شيئًا، ولا يقدرُ أن يقومَ من محلِّه، وإذا جاء الليلُ وأرخَى الظلامُ سدولَه قَامَ الخفاشُ يسرحُ ويمرحُ؛ لأن هذا عندَه ضياءٌ!! فهذا مثلُهم، ولله المثل الأعلى. وعلينا معاشرَ المسلمين أن نعلمَ أن اللَّهَ خَصَّنَا بسيدِ الرسلِ، وسيدِ الخلقِ، وأشرفِ الأنبياءِ، وجعلَ معجزتَه باقيةً، وهي هذا النورُ المنزلُ الذي يترددُ في أسماعِ البشرِ إلى يومِ القيامةِ. وفي الحجِّ تَلْتَقِي ببعضِ الحجاجِ من جميعِ أقطارِ الدنيا، تَرَى الذين يعرفونَ القرآنَ منهم على الحقيقةِ لا يختلفُ اثنانِ منهم في حرفٍ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82)} [النساء: آية 82] {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: آية 9] بَيَّنَ اللَّهُ لنا فيه العقائدَ، وأصولَ الحلالِ والحرامِ، وطريقَ الجنةِ، وطريقَ النارِ، وتهذيبَ النفوسِ وتربيتَها، ومعالِيَ الأمورِ، والتنزهَ عن سَفْسَافِهَا، وَبَيَّنَ لنا فيه كيفَ نستعدُّ لأعدائِنا، وكيف نُوَاجِهُهُمْ في حالةِ الحربِ، وحالةِ الصلحِ والهدنةِ، وقد بَيَّنَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيانًا شافيًا كافيًا، حتى تَرَكَهَا محجةً بيضاءَ، ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ، فعلينا أن نعملَ به، ونتركَ آراءَ الكفرةِ الفجرةِ؛ لأن اتباعَ نظامِ الشيطانِ دَلَّتْ هذه الآياتُ على أنه كُفْرٌ بِاللَّهِ. واعلموا أن الأنظمةَ ليست سواءً، منها نظامٌ إداريٌّ، ومنها نظامٌ شرعيٌّ، والأنظمةُ الإداريةُ التي لا تصادمُ الشرعَ وإنما تَجْرِي على المصالحِ المرسلةِ لضبطِ أمورِ الرعيةِ وأوطانِها، فهذا النوعُ لا بأسَ به، وقد فَعَلَ الصحابةُ كثيرًا منه؛ فإن المسلمينَ لم يكن عندهم ديوانٌ
للجندِ تُكْتَبُ فيه أسماءُ الجندِ في زمنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ، ولَمَّا تَخَلَّفَ كعبُ بنُ مالكٍ (رضي الله عنه) في غزوةِ تبوكَ لم يَعْلَمِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنه تخلفَ حتى بلغَ تبوكَ؛ لأنه لم يكن عنده ديوانٌ يَكْتُبُ فيه أسماءَ الجندِ، وقام عُمَرُ بنُ الخطابِ لِمَّا أَفْضَتِ الخلافةُ إليه، وكتبَ أسماءَ الجندِ في ديوانٍ؛ فصارَ جميعُ الجندِ المقاتلين مكتوبةٌ أسماؤُهم في دواوينَ، إذا تخلفَ واحدٌ عُرِفَ الوقتُ الذي تخلفَ فيه وَوَجَّهَهُمْ إلى الجهادِ، وأعدَّ لكلِّ جهةٍ قَدْرًا مُعَيَّنًا بأسمائِه. فهذا نظامٌ عسكريٌّ لم يفعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبو بكر، ولكنه إداريٌّ لاَ يخالفُ شيئًا من الشرعِ. ولم يكن في زمنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا زمنِ أبي بكرٍ سِجْنٌ يُوقَفُ فيه المجرمونَ حتى يُحَقَّقَ معهم فيعاقبوا فيه، حتى كان في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ (رضي الله عنه) فَاشْتَرَى دارَ صفوانَ بنِ أميةَ في مكةَ وَاتَّخَذَهَا سِجْنًا. ومثلُ هذا من الأنظمةِ الإداريةِ لضبطِ أمورِ الرعيةِ مما لا يخالفُ الشرعَ، هذا أمرٌ كان يفعلُه الصحابةُ، وأجمعَ عليه جميعُ المسلمينَ في قرونِهم الماضيةِ، وليس كلامُنا عليه، وإنما كلامُنا على الذين يتبعونَ نظامَ الشيطانِ في التحليلِ والتحريمِ، ويتركونَ نظامَ اللَّهِ، كالذين يقولونَ: إن المرأةَ أضعفُ من الرجلِ، وَصِلَتُهُمَا بالميتِ واحدةٌ، فلابدَّ أن يكونَا سواءً، وتفضيلُه عليها غلطٌ وَحَيْفٌ عليها!! وكالذين يقولونَ: إن قَطْعَ يدِ السارقِ إنه عملٌ وحشيٌّ، لا ينبغي أن يكونَ في النُّظُمِ الإنسانيةِ!! وكالذين يقولونَ: إن الرجمَ والقتلَ بالحجارةِ عملٌ وحشيٌّ، لا ينبغي أن يكونَ في النُّظُمِ الإنسانيةِ!! ونحو هذا مما يقولُه الكفرةُ وأتباعُ الكفرةِ، حتى تَرَكُوا تشاريعَ
السماءِ لآراءِ الكفرةِ، وَخَفِيَتْ عليهم الْحِكَمُ. أما قطعُ اليدِ مثلاً الذي يقولونَ: إنه عملٌ وحشيٌّ لاَ ينبغي أن يكونَ في نظامٍ سماويٍّ، ولا أن يُعَامَلَ به الإنسانُ. فإنما هو لِجِهْلِهِمْ؛ لأن اليدَ الواحدةَ إذا لم تُعَاقَبْ عقوبةً رادعةً قد تُقَطِّعُ آلافَ الأيادِي بسرقتِها، وإن الله (جل وعلا) خَلَقَ هذه اليدَ وفَرَّقَ أصابعَها، وأبعدَ إبهامها عن أصابعِها؛ لأنه لو جَعَلَ الإبهامَ قريبًا من السبابةِ لَمَا قدرَ صاحبُها أن يحلَّ ولا أن يعقدَ، وشدَّ رؤوسها بالأظفارِ لتكونَ أداةً فَعَّالةً عاملةً في الخيرِ، وفي الإعانةِ على ما يُرْضِي اللَّهَ، على غرارِ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: آية 2] فَلَمَّا مَدَّهَا هذا الخائنُ الخبيثُ الخسيسُ ليأخذَ أموالَ الناسِ على أخسِّ وجهٍ وأدناه وأردئه صارت هذه اليدُ في نظرِ مَنْ خَلَقَهَا وفي شَرْعِهِ صارت كأنها قذرةٌ نجسةٌ، وإن استمرت بالبدنِ قَذَّرَتْ ذلك البدنَ كُلَّهُ وَنَجَّسَتْهُ، فَقَطْعُ عُضْوٍ فَاسِدٍ كعمليةٍ تطهيريةٍ؛ ليصحَّ بها بقيةُ البدنِ من ذلك التنجيسِ وتلك الرذيلةِ، ولتطمئنَ الناسُ على أموالِها؛ ولذا ثبتَ في الصحيحين من حديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ رضي اللَّهُ عنه ما يَدُلُّ على أن الحدودَ كفاراتٌ (¬1)، وأنه إن قُطِعَتْ يدُه الخبيثةُ النجسةُ الفاجرةُ المجرمةُ أنه يطهر بذلك بقيةُ بدنِه (¬2). وقد يحصلُ في ذهنِ طالبِ العلمِ هنا سؤالٌ، وهو أن يقولَ: الْعُدْوَانُ على المالِ ذو وجوهٍ كثيرةٍ؛ لأنه قد يكونُ بِالْغَصْبِ، وقد ¬
يكونُ بالاختلاسِ، وقد يكونُ بالتعدِّي، وقد يكونُ بِالْمَطْلِ، وما جاء القطعُ إلا في نوعٍ واحدٍ منه وهو السرقةُ، فما الحكمةُ في أن يكونَ قطعُ اليدِ في خصوصِ السرقةِ دونَ غيرِها من الاعتداءاتِ الماليةِ (¬1)؟! والجوابُ عن هذا: أن غيرَ السرقةِ من الاعتداءاتِ الماليةِ الغالبُ على حالِه أن صاحبَه لاَبُدَّ أن يرى الشهودَ؛ لأنه لا يكونُ غالبًا في خصوصٍ ومفارقةٍ، وإذا جاء الشهودُ رَفَعَ بهم صاحبُ الحقِّ إلى مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه فاستخرجَ له حَقَّهُ، وعاقبَ الجانيَ بقدرِ ما يستحقُّ. أما السرقةُ: فإن السارقَ يَتَحَرَّى أخفَى الأوقاتِ، وأبعدَها عن اطلاعِ الناسِ بحيثُ لا يشعرُ به أحدٌ، ولا يطلعُ عليه أحدٌ، ولو لم يُعَاقَبْ صاحبُها بعقوبةٍ رادعةٍ لَمَا اطْمَأَنَّ أحدٌ على سبيلٍ مَالِيٍّ؛ لحذقِ اللصوصِ في الحيلِ الخفيةِ التي يسرقونَ بها أموالَ الناسِ، والمالُ شريانُ الحياةِ؛ لأَنَّ المالَ هو أساسُ هذه الحياةِ الدنيا، فهو شريانُها في جميعِ المجالاتِ؛ إِذْ لا عسكريةَ إلا بالمالِ، ولا سياسةَ إلا بالمالِ، ولا اجتماعيةَ إلا بالمالِ، ولا ثقافةَ إلا بالمالِ، فهو شريانُ الحياةِ، واللَّهُ (جل وعلا) جَعَلَ هذه العقوبةَ لأَمْرَيْنِ: أحدُهما: تطهيرُ الجسدِ الذي أَنْجَسَهُ ذلك الجزءُ النجسُ كعمليةٍ تطهيريةٍ بقطعِ عضوٍ فاسدٍ لتصحَّ بقيةُ البدنِ. والثاني: لتطمئنَ الناسُ على مَالِهَا، فإذا قُطِعَتْ يدٌ واحدةٌ طُهِّرَ صاحبُها من تلك الرذيلةِ، وصار إنسانًا طَيِّبًا بعدَ أن صارَ قَذِرًا نَجِسًا، وسَلِمَ المسلمونَ من أَذَاهُ بعدَ ذلك، وَمِنْ أَذَى غيرِه؛ لأن مَنْ عَلِمَ أنه إذا سَرِقَ قُطِعَتْ يدُه كَفَّ عن الناس؛ ولذلك ترى أقلَّ البلادِ أن يوجدَ ¬
فيها حوادثُ السرقةِ هي هذه البلادُ - نرجو اللَّهَ أن يوفقَ ولاتِها إلى ما يُحِبُّهُ - وإنما ذلك بفضلِ اللَّهِ ثم بفضلِ قطعِ يدِ السارقِ، وإن الإحصاءاتِ العالميةَ إذا أُحْصِيَتْ تَجِدْ آلافَ حوادثِ السرقةِ بل ملايينها في كلِّ محلٍّ، وأقلُّ ما يُوجَدُ فيه هذا المحلُّ، الذي يُقَامُ فيه هذا الحدُّ من حدودِ اللَّهِ؛ وذلك مما يُبَيِّنُ أن حكمةَ اللَّهِ في تشريعِه هي الحكمةُ الكفيلةُ للمخاليقِ بجميعِ مصالحهم. ولا يَسَعُنَا في الوقتِ أن نتتبعَ جميعَ هذه التي ينكرونَ فنُظْهِرَ حِكَمَهَا الواضحةَ بفلسفةٍ عقليةٍ لا تَخْفَى على أَحَدٍ، كتعددِ الزوجاتِ، وكتفضيلِ الرجلِ في الميراثِ، وكالرجمِ، وما جرَى مَجْرَى ذلك، فإنها أحكامٌ عادلةٌ في تشريعاتٍ سماويةٍ، وكمسألةِ الرقِّ، إلى غيرِ ذلك من المسائلِ، فهي في الحقيقةِ من أبرزِ المسائلِ وأظهرِها. ومن أشدِّ ما ينكره الفجرةُ على الإسلامِ: مسألةُ الرقِّ، وَهُمْ في الحقيقةِ يرتكبونَ أعظمَ منها!! وَسَنُبَيِّنُ حكمتَها تَنْبِيهًا بها على غيرِها (¬1). وإنما أَوْجَبَ الإسلامُ الرقَّ لأن اللَّهَ خَلَقَ هذا الإنسانَ وأمرَه أن يكونَ إعانةً وعضوًا صَالِحًا في المجتمعِ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: آية 56] وقد وَضَعَ اللَّهُ نظامًا أرادَ به الخيرَ لِخَلْقِهِ، هو نظامُ السماءِ الذي شرعَه على لسانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -، يريدُ للناسِ إذا اتبعته أن يسودَهم العدالةُ والطمأنينةُ والرخاءُ والمساواةُ في الحقوقِ، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ الخيرِ، فقامَ الكافرُ واستعملَ جميعَ نِعَمِ اللَّهِ في كُلِّ ما يُسْخِطُ اللَّهَ، وخرجَ على نظامِ السماءِ ليقلبَ الحكمَ السماويَّ إلى غيرِه!! ومعلومٌ أن كُلَّ دولةٍ من هذه الدولِ التي تُنْكِرُ الرقَّ لو أَغْدَقَتِ النِّعَمَ على رجلٍ منها، ثم تَمَرَّدَ عليها وحاولَ إسقاطَ حُكْمِهَا، وقَلْبَ ¬
نظامِ الحكمِ، ثم تَمَكَّنَتْ منه أن تَقْتُلَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ فالكافرُ تمردَ على نظامِ مَنْ خَلَقَهُ، واستعملَ نِعَمَ اللَّهِ في معصيةِ اللَّهِ، يريدُ بذلك قَلْبَ نظامِ حُكْمِ السماءِ؛ لعدمِ رِضَاهُ بنظامِ السماءِ، فأصحابُ الدولةِ الإسلاميةِ الذين هم وكلاءُ اللَّهِ في أَرْضِهِ، ويستعملُهم في طاعتِه؛ لِيُنَفِّذُوا ما يريدُ من خيرٍ، وَيَنْهَوْنَ عَمَّا يَنْهَى عنه من شرٍّ قَاتَلُوا هذا الكافرَ قِتَالاً مَرِيرًا، فبعدَ أن أَمْسَكُوهُ كان لهم أن يقتلوه؛ لأنه كان عَدُوًّا لهم يريدُ أن يقلبَ نظامَ السماءِ، فأمَرَ مَنْ خَلَقَهُ بِقَتْلِهِ قِتْلَةً دونَ قِتْلَةٍ، وهي أنه طَرَدَهُ عن مرتبةِ الإنسانِ إلى مرتبةٍ تَقْرُبُ من مرتبةِ الحيوانِ، بل هي مرتبةُ الحيوانِ؛ لأنه يُبَاعُ ويُشْرَى ويُوهَبُ، مع أنه لم يَقْتُلْهُ من الدنيا، بخلافِ الدولةِ التي تَنْشُرُ الكفرَ لو تَمَكَّنَتْ من المتمردِ عليها الذي يريدُ قلبَ نظامِها لَشَنَقَتْهُ وَقَتَلَتْهُ شَرَّ قِتلَةٍ!! فاللَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ قِتْلَةً دونَ قِتْلَةٍ، وأنه تُنَزَّلُ منزلتُه عن درجةِ الإنسانِ الكاملِ إلى درجةِ الحيوانِ، ويبينُ حقوقَه كاملةً، فَيَأْمُرُ سيدَه بالإحسانِ إليه، وألا يُكَلِّفَهُ من العملِ إلا ما يطيقُ، وإن كَلَّفه أَعَانَهُ. نعم، هنا يبقى سؤالٌ: وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: ما دامَ كَافِرًا مُتَمَرِّدًا على نظامِ السماءِ فَقَتْلُهُ قِتْلَةً دونَ قِتلَةٍ هذا أمرٌ معقولٌ، ولكن إذا أَسْلَمَ وَصَلَّى أخًا لنا يُصَلِّي معنا في المساجدِ، ويصومُ معنا رمضانَ، ويعبدُ اللَّهَ معنا، فما الحكمةُ إذًا وَمَا المُسَوِّغُ بِأَنَّا نَشْتَرِيهِ، ونبيعُه وقد زالَ الموجبُ المُسَوِّغُ لذلك؟ والجوابُ عن هذا: هي قاعدةٌ معروفةٌ لَدَى جميعِ العقلاءِ، وهي أن الحقَّ الثابتَ لاَ يرفعُه الحقُّ اللاحقُ، فالمجاهدونَ عندما وضعوا عليه أيديَهم وهو كافرٌ ثَبَتَتْ لهم ملكيتُه، فَلَمَّا أَسْلَمَ استحقَّ رفعَ الملكيةِ، وَلَكِنْ كان حقُّه متأخرًا، فَقُدِّمَ عليه الحقُّ السابقُ،
وتقديمُ الحقِّ السابقِ على الحقِّ المتأخرِ أمرٌ يُقِرُّ به جميعُ العقلاءِ، نَعَمْ لطالبِ العلمِ أن يقولَ: إن كان هذا الحقُّ قبلَ هذا الحقِّ، والحقُّ الآخرُ لاَ يرفعُ الحقَّ الأولَ، لكن يجدرُ بالمسلمِ أن يُعْتِقَ أَخَاهُ، وَيُسْقِطَ حَقَّهُ الأولَ لِحَقِّ أَخِيهِ الأَخِيرِ!! فنقولُ: نَعَمْ بهذه جاء القرآنُ، وَرَغَّبَ المؤمنَ بعتقِ أَخِيهِ، وأنه يُعْتَقُ كُلُّ عُضْوٍ منه بعضوٍ منه، وَفَتَحَ الأبوابَ الكثيرةَ للعتقِ: من كفارةِ الأيمانِ والظهارِ وغيرِه إلى غير ذلك، فهذه حِكَمُ اللَّهِ في تشريعِه لا يضلُّ عنها إلا مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ كالخفاشِ. ومعنَى قولِه: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: آية 128] أي: قَدْ أَكْثَرْتُمْ من إغواءِ الإنسِ، وإضلالِهم باتباعهم تشاريعَكم ونُظُمَكم، وقد يُضِلون لو لم تتبع تشريعهم، فيُضِلُّون المسلمَ الذي هو على تشريعِ السماءِ بأن يُزَيِّنُوا له المعاصيَ كالزنا والسرقة وَشُرْبِ الخمرِ ويتبعهم في ذلك، ويغوونه بذلك مع أنه لم يَكْفُرْ، ولم يُقِرَّ بتشريعٍ غيرِ تشريعِ الله؛ لأَنَّ الذي يشربُ الخمرَ ويزني ويسرقُ- والعياذُ بِاللَّهِ- إن كان يعتقدُ أن ذلك حلالٌ فهو كافرٌ متبعٌ نظامَ الشيطانِ داخلٌ في قولِه: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا} [يس: آية 62] أما إذا زَيَّنَ له الشيطانُ الزنى والسرقةَ وهو يعلمُ أنه مرتكبٌ خسيسةً، وأنه فاعلٌ أَمْرًا حَرَامًا، وأن هذا لا يجوزُ فهذا لا يَخْرُحُ عن دينِ الإسلامِ، بل هو مسلمٌ مِنْ عُصَاةِ المسلمين، مرتكبٌ كبيرةً تُرْجَى لهم التوبةُ. والشياطينُ قد يستكثرونَ من الآدميين بِالنَّوْعَيْنِ، يستكثرونَ باتباعِ تشاريعِهم كما هو جَارٍ الآنَ في أقطارِ الدنيا، ويستكثرونَ بتزيينِ الشهواتِ كالزِّنَا والسرقةِ والمعاصِي- والعياذُ بالله- مع أنه مسلمٌ. وهذا معنَى قولِه: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ}
[الأنعام: آية 128] ثم إن أولياءَهم من الإنسِ، والمرادُ بأوليائهم: هم الذين كانوا يتبعونَ تشريعَهم في الدنيا، أو يُطَاوِعُونَهُمْ فيما زَيَّنُوا لهم من المعاصِي كالزنى وشربِ الخمرِ، وما جرى مجرَى ذلك. هؤلاء أولياؤُهم؛ لأنهم يُوَالُونَهُمْ، هؤلاء يُوَالُونَهُمْ في التشريعِ، وهؤلاء يوالونهم في الطاعةِ، والفاجرُ وَلِيُّ الفَاجِرِ، والكافرُ وَلِيُّ الْكَافِرِ، والمؤمنُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِ. {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنْسِ رَبَّنَا} [الأنعام: آية 128] معناه: يا خَالِقَنَا وَمُدَبِّرَ شُؤُونِنَا، {اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: آية 128] الاستمتاعُ: هو التمتعُ، والتمتعُ في لغةِ العربِ: الانتفاعُ، وقد انتفعَ بعضُنا في دارِ الدنيا من بعضٍ. {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعام: آية 128] أما انتفاعُ الإنسِ بالشياطين: فهو أنهم يَدُلُّونَهُمْ على لذاتِ الدنيا الحرامِ، وَيُزَيِّنُونَهَا لهم، فيستمتعونَ بالزنا، والتلذذُ بالنساءِ الجميلاتِ زِنًا، وبشربِ الخمرِ، وبقتلِ الأعداءِ ظُلْمًا، حتى يَتَشَفَّوْا وَيُشْفُوا غيظَهم، ومن جنسِ المظالمِ التي يُزَيِّنُونَهَا لهم ينتفعونَ ويتمتعونَ بها في الدنيا. وأما انتفاعُ الشياطين: فهو أنهم يكونونَ سادةً مُطَاعِينَ؛ لأن لذةَ الطاعةِ والرياسةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، أكثرُ من لذةِ ما ينالُه ذلك. وكان بعضُ العلماءِ (¬1) يقولُ في انتفاعِ الإنسِ بالجنِّ والجنِّ بالإنسِ: إنه كان قبلَ الإسلامِ إذا نَزَلَ الرجلُ بِوَادٍ في الليلِ وخافَ من الجنِّ قال: أعوذُ بسيدِ هذا الحيِّ من سفهاءِ قومِه. فَيُعِيذُهُ ذلك السيدُ، فينتفعُ الإنسيُّ بأن كبيرَ الشياطين مَنَعَهُمْ من الدنوِّ، وينتفخُ كبيرُ الشياطين ¬
وينتفعُ، ويقولُ: نَحْنُ صِرْنَا سادةَ الجنِّ والإنسِ، الإنسُ يعوذونَ بِنَا، والجنَّ سُدْنَاهُمْ، وإلى هذا الإشارةُ بقولِه: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} [الجن: آية 6] ولكن هذا لا تُفَسَّرُ الآيةُ به؛ لأن هذا يقعُ قليلاً؛ واللَّهُ يقولُ: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} فَدَلَّ على أنه كثيرٌ، وأنه اتبعَ تشريعَهم، أو ما زَيَّنُوا من المعاصِي، والشهواتِ- والعياذُ باللَّهِ جل وعلا- هذا معنَى قولِه: {اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعام: آية 128] أظهرُ الأقوالِ أن أَجَلَهُمُ الذي أَجَّلَ لهم: الموتُ؛ لأَنَّ كُلَّ إنسانٍ حياتُه محددةٌ بدقائقِها، لم يَزَالُوا - والعياذُ بالله- في تزيينِهم لَهُمُ المعاصيَ والشهواتِ والكفرَ واتباعَهم إياه - إلى أن- حتى انْتَهَى الأجلُ وماتوا. وقال بعضُ العلماءِ: إن الأجلَ الذي أَجَّلَهُ لهم هو يومُ القيامةِ؛ لأنه هو اليومُ الذي أَجَّلَهُ لمعاقبةِ الجميعِ بما يليقُ بِكُلٍّ منهم (¬1). وهذا معنَى قولِه: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا} قال اللَّهُ مُجَاوِبًا لهم: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ} - والعياذُ بِاللَّهِ - يعني أن عُذْرَكُمْ هذا عذرٌ باردٌ غيرُ مقبولٍ، لا حجةَ لكم فيه، وأنتم وإياهم في النارِ ( ... ) (¬2). و (النارُ) - عِيَاذًا بِاللَّهِ - هي نارُ الآخرةِ. وأَلِفُ النارِ - التي بينَ النونِ والراءِ - مبدلةٌ من واوٍ، أصلُها: (نَوَرَ) بدليلِ تصغيرِها على (نُويرة)، ولو كانت يَائِيَّةَ العينِ لَقِيلَ فيها: (نُييرة) ويقال: «تَنَوَّرْتُ النارَ» إذا نَظَرْتَهَا من بَعِيدٍ. ¬
تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرُعَاتٍ وَأَهْلُهَا ... بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ (¬1) ولو كانت يائيةَ العينِ لَقَالَ: تَنَيَّرْتُهَا بالياءِ، ولم يَقُلْ: «تَنَوَّرْتُهَا»، (¬2) واشتقاقُ النارِ من «نَارَتِ الظبيةُ» إذا ارْتَفَعَتْ جافلةً؛ لأَنَّ عادتَها إذا أُوقِدَتِ الارتفاعُ. ونارُ الآخرةِ- والعياذُ بالله- أَشَدُّ حَرًّا من هذه بِسَبْعِينَ ضِعْفًا. وقولُه: {مَثْوَاكُمْ} الْمَثْوَى: مكانُ الثَّوَاءِ. والثَّوَاءُ: الإقامةُ على الدوامِ. ومنه قولُه: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص: آية 45] أي: مُقِيمًا فيهم (¬3). وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الحارثِ بْنِ حِلِّزَةَ (¬4): آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ فَالْمَثْوَى: مكانُ الثَّوَاءِ. وهو مفتوحُ الواوِ على القياسِ؛ لأَنَّ المقررَ في فَنِّ التصريفِ أن الفعلَ المعتلَّ اللامِ الثلاثيَّ يبقى مصدرُه الميميُّ، واسمُ مكانِه، واسمُ زمانِه على (المَفْعَل) بفتحِ العينِ. وهذا مُطَّرِدٌ (¬5). وَالْمَثْوَى: مكانُ الثَّوَاءِ. وقولُه: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ}، {خَالِدِينَ} حالٌ، ويُشْكِلُ العاملُ في الحالِ؛ لأن المَثْوى اسمُ مكانٍ، والمكانُ لا يعملُ في الحالِ. ¬
قال بعضُهم: العاملُ في الحالِ فعلٌ محذوفٌ، تقديرُه: النارُ مَثْوَاكُمْ تَدْخُلُونَهَا خالدينَ فيها. وقال بعضُ العلماءِ: العاملُ في الحالِ معنَى الإضافةِ (¬1). ومعنَى: {خَالِدِينَ فِيهَا} لاَبِثِينَ فيها على الدَّوَامِ. {إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} هذه الآيةُ ونظيرتاها في القرآنِ هما اللتانِ أَخَذَ منهما بعضُ أهلِ العلمِ أن النارَ تَفْنَى (¬2)، وقد جاءت في القرآنِ ثلاثُ آياتٍ يُفْهَمُ من بعضِ ظاهرِها بعضُ الشيءِ: أولُها: آيةُ الأنعامِ هذه: {خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ}. الثانيةُ: آيةُ هودٍ: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ} [{مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: الآيتان 106 - 107]. الثالثةُ: آيةُ النبأِ: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} [النبأ: الآية 23] (¬3). [17/أ] / ( ... ) (¬4) وجاءَ عن جماعةٍ من الصحابةِ منهم (¬5) عُمَرُ بنُ ¬
الخطابِ (¬1)، وابنُ مسعودٍ (¬2)، وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ (¬3) أنهم ¬
قالوا: «يأتي يومٌ على النارِ- زمانٌ- تَصْفَقُ أبوابُها ليس فيها أَحَدٌ». وهذه النارُ هي في الحقيقةِ يجبُ حَمْلُهَا على الطبقةِ التي كان بها عصاةُ المسلمينَ؛ لأنه ثَبَتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أن النارَ يَدْخُلُهَا بعضُ عصاةِ المسلمين ثم يُخْرَجُونَ منها. هذا ثابتٌ متواترٌ عن النبيِّ لا نزاعَ فيه. والنارُ طبقاتٌ وأبوابٌ: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (44)} [الحجر: آية 44] وبَيَّنَ أنها دركاتٌ، وأن المنافقين في الدركِ الأسفلِ منها، فالطبقةُ التي كان فيها عصاةُ المسلمينَ إذا أُخْرِجُوا منها هي التي تَفْنَى، أما النارُ التي فيها الكفارُ فالتحقيقُ أنها باقيةٌ لا تَفْنَى، وأنه لم يَدُلَّ كتابٌ ولا سُنَّةٌ على أنها تَفْنَى، فهي باقيةُ لا تزولُ أَبَدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بذلك في آياتٍ كثيرةٍ، فَصَرَّحَ بأنها لا تَفْنَى حيث قال: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)} [الإسراء: الآية 97]، ومعلومٌ أن (كلما) تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الفعلِ بَعْدَهَا (¬1). ولو قلتَ لِعَبْدِكَ: كلما جاءكَ زيدٌ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا. وجاءَه زيدٌ عدةَ مراتٍ. فعليهِ في كُلِّ مرةٍ أن يعطيَه درهمًا؛ لأن (كُلَّمَا) تتكررُ دائمًا بتكررِ الفعلِ، فَمَنِ ادَّعَى أن للنارِ خبْوَةً نهائيةً ليس بعدَها زيادةُ سعيرٍ يُرَدُّ عليه بقولِه: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)} وَبَيَّنَ أنهم لاَ يخرجونَ منها بقولِه جل وعلا: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ ¬
أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: الآية 20] {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (37)} [المائدة: الآية 37] وَبَيَّنَ أنهم لاَ يُخَفَّفُ عنهم عَذَابُها قال: {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} [فاطر: الآية 36] {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا (30)} [النبأ: الآية 30] إلى غيرِ ذلك مِنَ الآياتِ (¬1). وهنا سؤالانِ: أحدُهما سؤالٌ على بابِه، سؤالُ إسلامٍ، والثانِي سؤالٌ إلحاديٌّ معروفٌ. أما السؤالُ الإلحاديُّ المعروفُ فهو أن يقولَ الْمُلْحِدُ: أنتم تقولونَ: إن رَبَّكُمْ في غايةِ العدالةِ والإنصافِ- ونحنُ نقولُ: بلى هو في غايةِ الكمالِ والعدالةِ والإنصافِ- والمعاصِي التي فَعَلَهَا (¬2)، والكفرُ الذي كان عليه، كان في أيامٍ معدودةٍ، وجزاءُ النارِ الذي تقولونَ إنه لاَ ينقطعُ في ملايينِ السنينَ، فأينَ العدالةُ والإنصافُ؟ المعصيةُ كان في وقتٍ قليلٍ مُعَيَّنٍ، والجزاءُ بهذا الصنفِ، فأينَ المعادلةُ بينَ العذابِ والذنبِ والجزاءِ، والإنصافُ أن يكونَ العقابُ بقدرِ الفعلِ؟ هذا سؤالٌ إلحاديٌّ معروفٌ، يُدْلِي به هنا كُلُّ مُلْحِدٍ. والجوابُ عن هذا السؤالِ (¬3) أن نقولَ: إن اللَّهَ (جل وعلا) بَيَّنَ أن خبثَهم وكفرَهم الذي جُبِلُوا عليه باقٍ دائمٌ لا يزولُ ولو مَرَّتْ عليه ملايينُ السنينَ، فكان جزاؤُه دائمًا لا يزولُ. ومن الآياتِ الدالةِ على بقائِه أبدًا أنهم لَمَّا عَايَنُوا العذابَ وَرَأَوُا النارَ وَنَدِمُوا على الكفرِ وقالوا: {يا ليتنا نُرَدُّ ولا نكذِّبُ بآياتِ ربنا ونكونُ من المؤمنين} ¬
[الأنعام: الآية 27]، وفي قراءةٍ أُخْرَى (¬1): {وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} الآيةَ. اللَّهُ لَمَّا تَمَنَّوْا أنهم يُرَدُّونَ إلى الدنيا مرةً أُخْرَى ليُصَدِّقُوا الرسلَ بَيَّنَ أنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا مرةً أُخْرَى وَأُمْهِلُوا، وَأُرْسِلَتْ لهم الرسلُ لَبَقَوْا على خُبْثِهِمْ الذي لا يَنْفَكُّ عنهم أَبَدًا، قال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: الآية 28]. وقال في سورةِ الأنفالِ: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: الآيتان22، 23] وقولُه: {خَيْرًا} نكرةٌ في سياقِ الشرطِ فَهِيَ تَعُمُّ (¬2)، فهي تدلُّ على أن اللَّهَ لو يَعْلَمُ فيهم خَيْرًا ما، في وَقْتٍ ما، كائنًا مَا كَانَ، فَهُمْ مَنْفِيٌّ عنهم جميعُ الخيرِ لا يطلبونه أبدًا، والخبثُ باقٍ فيهم أبدًا، فكانَ الجزاءُ دائمًا أبدًا، ومن هنا تَطَابَقَ الجزاءُ والعملُ. أما السؤالُ الثاني: وهو السؤالُ الذي على بابِه، وهو أن يقولَ: إذا قَرَّرْتُمْ أن النارَ باقيةٌ، وأن الكفارَ بَاقُونَ فيها مخلدونَ، عَذَابًا سَرْمَدِيًّا، فما الحكمةُ في الاستثناءِ بقولِه: {إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: الآية 128] وفي قولِه: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: الآية 107] وفي قولِه: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} [النبأ: الآية 23]؟ وفي هذا أوجهٌ كثيرةٌ (¬3)، وبحوثٌ كثيرةٌ نقتصرُ منها على القليلِ، وَسَنُبَيِّنُهَا جميعًا- إن شاءَ اللَّهُ- في سورةِ هودٍ. مِنْ أَحْسَنِ الأجوبةِ: الذي اختارَه ¬
كبيرُ الْمُفَسِّرِينَ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ (¬1)، ونسبَه لقتادةَ والضحاكِ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَأَبِي سِنَانَ: أن (ما) بمعنَى: (مَنْ) وعليه فلا إشكالَ، فَخَالِدِينَ فيها إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ عدمَ خلودِه من العصاةِ الذين أُدْخِلُوا فيها لِتُمَحِّصَهُمْ وتطهرهم من الذنوبِ، وغايةُ ما في البابِ أنه أَطْلَقَ (مَا) وَأَرَادَ (مَنْ) (¬2)، وإطلاقُ (ما) مُرَادًا بِهَا (مَنْ) كثيرٌ فِي القرآنِ، كقولِه: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} [النساء: الآية 3] أي: مَنْ طَابَ لَكُمْ. وقولُه: {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: الآية 6] أي: مَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ. والآياتُ موجودةٌ كثيرةٌ غيرُ هذا. أما آيةُ النبأِ: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} [عم: الآية 23] فالآيةُ التي بعدَها تُبَيِّنُهَا، بقرينةِ آيةٍ فِي سورةِ (ص) فَهِيَ بيانٌ قُرْآنِيٌّ وَاضِحٌ، وخيرُ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ؛ لأَنَّ معنَى: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} أي: لاَبِثِينَ فيها أَحْقَابًا فِي حالِ كونِهم لاَ يذوقونَ فيها بَرْدًا وَشَرَابًا إلا حميمًا (¬3) وغساقًا. [فالآيةُ بَيَّنَتْ] (¬4) أحقابَ الحميمِ والغساقِ [مع كونِهم يُعَذَّبُونَ] (¬5) بأشكالٍ أُخَرَ وأنواعٍ أُخَرَ، غيرِ أنواعِ الحميمِ والغسَّاقِ، وهذا التفسيرُ دَلَّتْ عليه آيةُ (ص) دلالةً واضحةً؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)} ثم قال: ¬
{وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)} [ص: الآيات 55 - 58] وقولُه: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)} المذكورةُ فِي سورةِ (ص) بَيَّنَتْ أن آيةَ: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا (24) إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26)} [عم: الآيات 23 - 26] أنها الأحقابُ المقصورةُ عليها الحميمُ والغساقُ، وأن هنالك أشكالاً وأزواجًا أُخَرَ لا نهايةَ لها، كما قال: {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} قال: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)}. وهذا معنَى قولِه: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ}. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} الحكيمُ: هو الذي يَضَعُ الأمورَ في مواضعِها، وَيُوقِعُهَا في مواقعِها، فَاللَّهُ لا يضعُ أَمْرًا إلا فِي مَوْضِعِهِ، ولا يُوقِعُهُ إلا في موقعِه، فلاَ يُشَرِّعُ شَرْعًا إلا لمصلحةٍ، ولا يَنْهَى عن شيءٍ إلا وهو ضَارٌّ، ولا يعذبُ إلا مَنْ يَسْتَحِقُّ، ولا يُجَازِي بالخيرِ إلا مَنْ مُجَازَاتُهُ له واقعةٌ مَوْقِعَهَا. فأحكامُه كُلُّهَا عدلٌ وأفعالُه وتشريعاتُه وجزاؤُه. لا يضعُ الأمرَ إلا في موضعِه، ولا يُوقِعُهُ إلا في موقعِه؛ لأنه حكيمٌ خبيرٌ، والحكمةُ إنما [تتمُّ وتتحققُ] (¬1) بوصفِ العلمِ، فترى الرجلَ القُلَّبَ الحكيمَ الخبيرَ يفعلُ الأمرَ ويظنُّه سدادًا ثم ينكشفُ الغيبُ عن أن فيه غيرَه، ويقولُ: يَا لَيْتَنِي لم أَفْعَلْ، ولو لم أَفْعَلْ لكانَ خَيْرًا!! كما قال الشاعرُ (¬2): لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّيَ لَيْتٌ ... إِنَّ لَيْتًا وَإِنْ لَوًّا عَنَاءُ ¬
وَنَهَى النبيُّ عن (لو)، وَبَيَّنَ أنها تفتحُ بابَ الشيطانِ، وقال الشاعرُ (¬1): أُلاَمُ عَلَى (لَوٍّ) وَلَوْ كُنْتُ عَالِمًا ... بِأَذْنَابِ (لَوٍّ) لَمْ تَفْتِنِّي أَوَائِلُهُ فَاللَّهُ وحدَه هو الذي لا يَجْرِي عَلَيْهِ: (لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ) أو: (لو فعلتُ كذا لكانَ كذا) لأَنَّهُ عالمٌ بعواقبِ الأمورِ، وما تَؤُولُ إليه، فحكمتُه لا اختلالَ فيها. بخلافِ المخلوقينَ، فقد يفعلُ الإنسانُ بوصفٍ يظنُّه حكمةً لجهلِه بما تنكشفُ عنه الغيوبُ؛ ولذا كان الحكيمُ الحكمةَ التامةَ هو وحدَه جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)} قولُه: {عَلِيمٌ (83)} صيغةُ مبالغةٍ؛ لأَنَّهُ (جل وعلا) يحيطُ علمُه بِكُلِّ شيءٍ. وَاعْلَمُوا أيها الإخوانُ أن وصفَ رَبِّنَا لنفسِه بأنه عليمٌ هو من أكبرِ المواعظِ وأعظمِ الزواجرِ، فَعَلَيْنَا أن نَتَّبِعَهُ، وهو واعظٌ أكبرُ، وزاجرٌ أعظمُ، لا تكادُ تَخْلُو ورقةٌ من المصحفِ منه، كأنه يقولُ: {عَلِيمٌ (128)} اعْلَمُوا يا عباديَ أني حكيمٌ في تشريعِي، وأني ما أَمَرْتُكُمْ إلا بِمَا فيه الخيرُ لكم، وما نهيتُكم إلا عمَّا فيه الشرُّ لكم، وَأَنَّنِي تَقْتَضِي حِكْمَتِي أن أُعَذِّبَ مَنْ عَصَانِي، وَأُدْخِلَ الجنةَ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاعْلَمُوا أني عليمٌ لاَ يَفُوتُنِي شيءٌ مما تفعلونَ وما تقولونَ، وما تحدثونَ به أنفسَكم {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)} [غافر: الآية 19]. وقد قال جل وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)} [ق: الآية 16]. ¬
وقد أطبقَ العلماءُ أنه لم ينزل من السماءِ إلى الأرضِ واعظٌ أكبرُ، ولا زاجرٌ أعظمُ من واعظِ العلمِ والمراقبةِ (¬1)، وقد ضَرَبَ العلماءُ لهذا مَثَلاً- وَلِلَّهِ المثلُ الأَعْلَى- قالوا: لو فَرَضْنَا أن هذا البراحَ من الأرضِ فيه مَلِكٌ قتَّالٌ للرجالِ، سفاكٌ للدماءِ، عظيمُ الغضبِ والنكالِ إذا انْتُهِكَتْ حرماتُه- وَلِلَّهِ المثلُ الأَعْلَى- وحولَ هذا الملكِ زوجاتُه وبناتُه وَجَوَارِيهِ، هل يخطرُ في قلبِ أحدٍ من الحاضرين، يمكنُ أحدًا منهم أن يغمزَ إلى واحدةٍ من تلك النساءِ أو يشيرَ أو يَهُمَّ بِرِيبَةٍ؟ لاَ، وكَلاَّ. كلهم خاضعةٌ أبصارُهم، خائفةٌ جوارُحهم، غايتُهم السلامةُ. ونحن نقولُ- ولله المثلُ الأعلى- إن خالقَ السماواتِ والأرضِ أشدُّ اطلاعًا، وأعظمُ بطشًا في سَخَطَاتِهِ، وأشدُّ فَتْكًا عندَ سخطه؛ لأن حِمَاهُ في أرضِه محارمُه، وأنه لا تَخْفَى عليه خَافِيَةٌ. فَأَهْلُ هذا البلدِ وغيرُهم من البلادِ لو خافوا أن أميرِ البلدِ يعلمُ كُلَّ ما يفعلونَه من الخسائسِ بالليلِ لَبَاتُوا مُتَأَدِّبِينَ هائبين لا يعملونَ إلا خَيْرًا. وهذا مَلِكُ السماواتِ والأرضِ، العظيمُ الجبارُ، يُعْلِمُ خلقَه بأنه مُطَّلعٌ على كُلِّ ما يفعلونَ من الخسائسِ، فهذا أكبرُ واعظٍ، فعليهم أن يعلموا مراقبةَ اللَّهِ، ويعلموا أن اللَّهَ عليمٌ بما يعملونَ، فلا يفعلونَ إلا ما يُرْضِيهِ، وهذا الواعظُ الأكبرُ، والزاجرُ الأعظمُ كان جبريلَ عليه السلامُ يعرفُ قيمتَه حَقَّ المعرفةِ. فجبريلُ يعلمُ أن اللَّهَ خلقَ هذه الخلائقَ لِيَبْتَلِيَهَا في خصوصِ إحسانِ العملِ، حيث قال في أولِ سورةِ هودٍ: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ¬
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} _ ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: الآية 7] وقال في أولِ الكهفِ: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فَقَالَ: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)} [الكهف: الآية 7] ثم قال في المُلْكِ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: الآية 2] فَعَرَفْنَا أنا خُلِقْنَا لِنُبْتَلَى في إحسانِ العملِ، وَمَنْ عرفَ أنه خُلِقَ ليُختبرَ في شيءٍ تَاقَتْ نفسُه إلى أن يعرفَ النجاحَ في ذلك الشيءِ ما هو طريقُه؟ فجاءَ جبريلُ يُبَيِّنُ هذه النقطةَ العظيمةَ للصحابةِ، لَمَّا جاء في صورةِ الأعرابيِّ، في حديثِ جبريلَ المشهورِ فقال: «يَا مُحَمَّدُ- صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ- أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؟» المهمُّ الذي خُلقوا من أجلِ الاختبارِ فيه. فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ له أن الإحسانَ لا يقعُ إلا بملاحظةِ هذا الزاجرِ الأكبرِ والواعظِ الأعظمِ. ففال له: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (¬1). فَعَلَيْنَا جميعًا أن نعرفَ رَبَّنَا في القرآنِ من أن اللَّهَ عليمٌ خبيرٌ، يعلمُ خائنةَ الأعينِ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: الآية 16]. فهذا أكبرُ زاجرٍ وأعظمُ واعظٍ، فَعَلَى المرءِ إذا هَمَّ بشيءٍ أن يراقبَ خالقَ السمواتِ والأرضِ، ويعلمَ أنه حاضرٌ يرى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)} [الأعر اف: الآية 7] ليُحَاسِب. {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) ¬
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِّنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)} [الأنعام: الآيات 129 - 134]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)} [الأنعام: الآية 129]. في هذه الآيةِ الكريمةِ أوجهٌ متقاربةٌ من التفسيرِ معروفةٌ عند العلماءِ، لا يُكَذِّبُ بعضُها بعضًا، بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ. قولُه جل وعلا: {وَكَذَلِكَ} أي: كَمَا سَلَّطْنَا شياطينَ الجنِّ على شياطينِ الإنسِ حتى أَغْوَوْهُمْ واستكثروا منهم فَأَدْخَلُوهُمُ النَّارَ، كما تقدَّم في قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} [الأنعام: الآية 128] {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} في قولِه: {نُوَلِّي} أوجهٌ معروفةٌ (¬1): أحدُها: أن معنَى: نُوَلِّيهِمْ عليهم أي: نُوَلِّيهِمْ ولايةَ تَسْلِيطٍ، أي: نسلطُ بعضَ الظالمينَ على بعضٍ فَيَضُرُّهُ ويؤذيه، ثم ننتقمُ من الجميعِ. وَمَا مِنْ يَدٍ إِلاَّ يَدُ اللَّهِ فَوْقَهَا ... وَلاَ ظَالِمٌ إِلاَّ سَيُبْلَى بِظَالِمِ (¬2) فكما سَلَّطْنَا شياطينَ الجنِّ على شياطينِ الإنسِ فَأَغْوَوْهُمْ وَأَضَرُّوهُمْ حتى أَدْخَلُوهُمُ النارَ، كذلك نُسَلِّطُ بعضَ الظالمينَ على بعضٍ، فَنَنْتَقِمُ من بعضِ الظالمين ببعضِهم، ثم ننتقمُ من الجميعِ. واختارَ أبو جعفر بنُ جريرٍ الطبريُّ أن معنَى: {نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} ¬
أي: نَجْعَلُ بعضَهم أولياءَ بعضٍ، فالكافرُ وَلِيُّ الكافرِ حيثما كَانَ، وَأَيْنَمَا كَانَ (¬1). واستدل له بقولِه: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: الآية 128] وكان قتادةُ يقولُ: {نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ} أي: نُتَابِعُهُمْ طائفةً بعد طائفةٍ في النارِ يومَ القيامةِ (¬2)، كما سيأتِي في قولِه لَمَّا ذَكَرَ الْجِنَّ والإنسَ: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: الآية 38] وكونُه يومَ القيامةِ بالموالاةِ في النارِ ليس بأظهرِها، بل إنما هو تسليطُ بعضِهم على بعضٍ، فيؤذيه انْتِقَامًا من اللَّهِ من بعضِ الظلمةِ ببعضٍ، أو يُوَلِّي بعضَهم لبعضٍ؛ لأن الكافرينَ بعضُهم أولياءُ بعضٍ، كما صَرَّحُوا به لِلَّهِ في قولِه: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: الآية 128] وجاء في حديثٍ أخرجَه ابنُ عساكرَ: «مَنْ سَلَّطَ ظَالِمًا أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» (¬3) وهو من توليةِ بعضِ الظالمينَ على بعضٍ. وَالحديثُ فيه غرابةٌ معروفةٌ (غريبٌ). وَلَمَّا سمعَ عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ بقتلِ عبدِ الملكِ للأشدقِ (¬4) ذَكَرَ هذه الآيةَ: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ¬
الظَّالِمِينَ بَعْضًا} (¬1) يريدُ أن معناها عندَه: أن اللَّه ينتقمُ من بعضِ الظالمين ببعضٍ. هذا جلُّ أقوالِ العلماءِ في معنَى: {نُوَلِّي}. وَأَمَّا (الظالمين) فهو جمعُ تصحيحٍ للظالمِ، والظالمُ: اسمُ فاعلِ الظلمِ، والظلمُ في لغةِ العربِ: هو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، وكلُّ مَنْ وَضَعَ شيئًا في غيرِ موضعِه فهو ظالمٌ في لغةِ العربِ (¬2)، ومنه يقولونَ للذي يضربُ لَبَنَه قبلَ أن يروبَ: هذا ظَالِمٌ؛ لأنه وَضَعَ الضربَ في غيرِ مَوْضِعِهِ؛ لأن ضَرْبهُ قبلَ أن يروبَ يُضَيِّعُ زُبْدَهُ، وفي لُغَزِ الحريريِّ (¬3) في مقاماتِه: هل يجوزُ أن يكونَ القاضِي ظَالِمًا؟ قال: نَعَمْ إذا كان عَالِمًا. يعنِي بِكَوْنِهِ ظَالِمًا: أنه يضربُ لَبَنَهُ قبلَ أن يروبَ. وهذا المعنَى مطروقٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬4): وَقَائِلَةٍ: ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى الْعَكَدِ الظَّلِيمُ؟ (ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي) تعني: أنها ضَرَبَتْهُ لهم فشربوه قبلَ أن يروبَ. وقولُه: «وهل يَخْفَى على العَكَدِ الظليمُ» العَكَدُ: عَصَبُ اللسانِ، لاَ يخفَى عليه اللبنُ المضروبُ قبلَ أن يروبَ من غيرِه. ومنه بهذا المعنَى قولُ الآخَرِ في سقاءٍ له فيه لَبَنٌ (¬5): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظُلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ ¬
يعنِي أنه سَقَى الناسَ به قبلَ أن يروبَ. وفي هذا الضربِ هو يريدُ الأَجْرَ؛ لأنه صدقةٌ منه؛ ولذا قال: وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظُلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ ومن هنا كانت العربُ تُسَمِّي الأرضَ التي لم تُحْفَرْ، وليست مَحلاًّ للحفرِ إذا حُفِرَتْ: (مظلومةٌ) لأَنَّ الحفرَ وُضِعَ في غيرَ موضعِه. ومنه على التحقيقِ قولُ نابغةِ ذبيانَ (¬1): إِلاَّ الأَوَارِيَّ لأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ أَيْ: بالأرضِ التي ليست مَحَلاًّ لأَنْ يُحْفَرَ فيها، وحفر النؤيِ فيها حَفْرٌ فِي غَيْرِ محلِّه؛ لأنها في فلاةٍ من الأرضِ. هذا هو التحقيقُ، دونَ قولِ مَنْ قال: إن الأرضَ المظلومةَ: التي تَأَخَّرَ عنها المطرُ. هذا ليس بالصحيحِ في معنَى البيتِ. ومنه تقولُ العربُ للترابِ الذي يُخْرَجُ من القبرِ إذا حُفِرَ، تقولُ لَهُ: ظليمٌ، (فَعِيل) بمعنَى (مَفْعولٍ) أي: مظلومٌ؛ لأن العادةَ أن القبورَ إنما تُحْفَرُ في المَحَالِّ التي ليس من شأنِها أن يُحْفَرَ فيها سابقًا، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ يذكر ميتًا (¬2): فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ ... مِنَ الْعَيْشِ، مَرْدُودٍ عَلَيْهَا ظَلِيمُهَا يعنِي بـ (غبراءَ): القبر و (مَرْدُود عليها ظَليْمُها) أي: الأرضُ التي أُخْرِجَتْ منها عندَ الحفرِ رُدَّتْ عليها عندَ الدفقِ. هذا أصلُ الظلمِ في لغةِ العربِ، هو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه. وَقَدْ جاءَ في القرآنِ في موضعٍ واحدٍ معناه: النقصُ، وهو قولُه: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ¬
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: الآية 33] أي: ولم تَنْقُصْ منه شَيْئًا. إذا عَرَفْتُمْ أن الظلمَ في لغةِ العربِ هو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، اعلموا أَنَّ وضعَ الشيءِ في غيرِ موضعِه على نَوْعَيْنِ: أحدُهما: أن يكونَ بَالِغًا في غايةِ القباحةِ والشناعةِ. والثاني: أن يكونَ دونَ ذلك. أما وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه البالغ غايةَ الشناعةِ: فهو وضعُ العبادةِ في غيرِ خالقِ السماواتِ والأرضِ، فَمَنْ عَبَدَ غيرَ الذي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ فَقَدْ وضعَ الأمرَ في غيرِ موضعِه، فهو أعظمُ الظالمين، وأخبثُ الواضعين للشيءِ في غيرِ موضعِه؛ ولهذا المعنَى (¬1) كَثُرَ في القرآنِ العظيمِ إطلاقُ الظلمِ مُرَادًا به الكفرُ، وهو أخبثُ أنواعِه، ومنه قولُه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (50)} [الكهف: الآية 50] وقولُه: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} [البقرة: الآية 254] وقولُه: [وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)} [يونس: الآية106] وقال عن العبدِ الحكيمِ لقمانَ: {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} [لقمان: الآية 13] وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه فَسَّرَ قولَه في هذه السورةِ الكريمةِ- سورةِ الأنعامِ-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: الآية 82] قال: معناه: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ (¬2). النوعُ الثاني من أنواعِ الظلمِ: هو وضعُ الطاعةِ في غيرِ ¬
موضعِها، والمعصيةِ في غيرِ معصيتِها (¬1) بما لا يُؤَدِّي إلى الكفرِ، كَأَنْ يُزَيِّنَ لكَ الشيطانُ أن تعملَ عَمَلاً يُخَالِفُ الشرعَ فتطيعُ الشيطانَ، وتعصِي اللَّهَ، وأنتَ عَالِمٌ أَنَّكَ عاصٍ مُجْرِمٌ، وأنكَ فعلتَ قبيحًا، فهذا ظلمٌ دونَ ظلمٍ، ووضعٌ للطاعةِ في غيرِ موضعِها، والمعصيةِ في غيرِ موضعِها، وليسَ بِكُفْرٍ، وهو ظلمٌ دونَ ظلمٍ. ومنه بهذا المعنَى: قولُه تعالى في سورةِ (فاطر) لَمَّا نَوَّهَ بشأنِ القرآنِ العظيمِ، وأنه أعظمُ فضلٍ أُعْطِيهِ الخلق، وأن جميعَ الأمةِ التي أُعْطِيَ لها هي قد اصطفاها اللَّهُ، وأن كُلَّهَا في الجنةِ، قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: الآية 32] وَبَيَّنَ أن هذا النورَ الْمُنَزَّلَ لا يُعْطِيهِ اللَّهُ إلا لِمَنِ اصطفاهُ واختارهُ، وهو النصيبُ الأعظمُ الأكبرُ الذي يُعْطِيهِ اللَّهُ، ثم قال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} وهذا ظلمٌ دونَ ظلمٍ، كالذي يَعْصِي تارةً ويطيعُ أخرى، مِنَ الذين قال اللَّهُ فيهم: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: الآية 102] والعلماءُ يقولونَ: «عسى» مِنَ اللَّهِ واجبةٌ (¬2). {وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} ثم قال: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} أي: إِيرَاثُنَا الكتابَ إياهم عن نَبِيِّهِمْ هو الفضلُ العظيمُ عليهم منا؛ فَلِذَا عَلَّمَنَا اللَّهُ أن نحمدَه على هذا الفضلِ العظيمِ في قولِه في أولِ سورةِ الكهفِ: ¬
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)} [الكهف: الآية 1] أي: لم يَجْعَلْ فيه اعْوِجَاجًا ما، لا في معانيه، ولا في ألفاظِه، ولا في أحكامِه، ولا في أخبارِه. أخبارُه كُلُّهَا حَقٌّ صِدْقٌ، وأحكامُه كُلُّهَا عدلٌ، وهو في غايةِ الاستقامةِ، لم يَجْعَلِ اللَّهُ فيه اعوجاجًا {قَيِّمًا} أي: مُسْتَقِيمًا في غايةِ الاستقامةِ. ثم لَمَّا ذَكَرَ هذه الأصنافَ الثلاثةَ التي انْقَسَمَتْ إليها أمةُ الكتابِ الذي أُورِثَتْ إياه بدأ بالظالمِ لنفسِه في قولِه: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} ثم وَعَدَ الجميعَ بوعدِه الصادقِ الذي لا يُخْلِفُ دخولَ الجنةِ، قال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)} [فاطر: الآيات 33 - 35] فهذا الظالمُ المعدودُ مِمَّنْ أُورِثُوا الكتابَ، الموعود بالجنة، ظُلْمُهُ: ظُلْمٌ دونَ ظُلْمٍ. وَأَصَحُّ التفسيراتِ في (الظالمِ)، و (المقتصدِ)، و (السابقِ) (¬1)، فيما يظهرُ: أن (الظَّالِمَ) هو مَنْ يُطِيعُ الشيطانَ مَرَّةً، ويعصيه أُخْرَى، ويطيعُ اللَّهَ مرةً، وربما عَصَاهُ، من الذين قال اللَّهُ فيهم: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: الآية 102]. والمقتصدُ: هو الذي يَمْتَثِلُ أوامرَ اللَّهِ، ويجتنبُ نواهيَ اللَّهِ، ولكنه لا يتقربُ بزيادةِ الطاعاتِ الغيرِ الواجبةِ. وأما السابقُ بالخيراتِ: فهو الذي يجتنبُ محارمَ اللَّهِ، ويمتثلُ أوامرَ اللَّهِ، ويستكثرُ من القرباتِ والطاعاتِ الغيرِ الواجبةِ مرضاةً لِلَّهِ. ¬
وفي آيةِ فاطر هذه- التي ذَكَرْنَاهَا استطرادًا- فيها سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يُقَالَ: كيف بدأ اللَّهُ بالظالمِ في هذه الآيةِ، وَقَدَّمَهُ على المقتصدِ، وَأَخَّرَ السابقَ بالخيراتِ، مع أنهما خيرٌ من الظالمِ، وخيرُهم السابقُ بالخيراتِ، ثم المقتصدُ، ثم الظالمُ. فَلِمَ قَدَّمَ هذا الذي غيرُه أفضلُ منه (¬1)؟ وللعلماءِ عن هذا التقديمِ أجوبةٌ معروفةٌ، منها: أن هذا إظهارُ كرمٍ من اللَّهِ يستدعيهم بالقرآنِ بفضلِ آثارِه على الأمةِ التي أُورِثَتْ إياه، فبدأ بالظالِمِ لئلاَّ يقنطَ، وَأَخَّرَ السابقَ بالخيراتِ لئلاَّ يعجبَ بعملِه فيحبط. وقال بعضُ العلماءِ: أكثرُ أهلِ الجنةِ الخَطَّاؤون الذين يظلمونَ أنفسَهم، يخالفونَ مرةً وَيُنِيبُونَ إلى اللَّهِ. وأما السابقونَ بالخيرِ فقليلٌ جِدًّا، والمقتصدونَ أَقَلُّ من الظالمين؛ ولذا لَمَّا سُئِلَتْ عائشةُ رضي اللَّهُ عنها عن معنَى هذه الآيةِ قالت: المقتصدُ الذي رُبَّمَا خَالَفَ، مثلي ومثلك (¬2).- جَعَلَتْ نفسَها من الظالمين- فقدَّم الظالمين لأنفسِهم لأنهم أكثرُ أهلِ الجنةِ، والأكثريةُ لها شأنٌ، فَعُلِمَ من هذه الآيةِ أن الظلمَ قد يكونُ ظُلْمًا دونَ ظُلْمٍ، والظلمُ معناه: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، تارةً يَعْظُمُ فيكونُ كُفْرًا، وتارةً يكونُ ظُلْمًا دونَ ظلمٍ فلا يكونُ كُفْرًا. وهذا معنَى قولِه: ¬
{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} أي: نُوَلِّي البعضَ منهم البعضَ الآخرَ، كما بَيَّنَا. {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)} وهذه التوليةُ بينَهم هي: تسليطُ بعضِهم على بعضٍ لِيُؤْذِيَهُ وَيَضُرَّهُ، أو: جعل بعضهم وَلِيًّا للآخَرِ أو قرينًا له، كُلُّهَا بسببِ ما كانوا يعملونَه، فعلى أنها تسليطٌ فهي انتقامٌ منه لعملِه السيئِ، وعلى أنها ولايةُ بعضِهم البعضَ فهي بسببِ اتحادِهم بالعملِ الخبيثِ والعملِ السيئِ؛ لأن الخبيثَ وَلِيُّ الخبيثِ، والكافرُ وَلِيُّ الكافرِ، والناسُ يومَ القيامةِ أزواجٌ، أي: أصنافٌ، كُلُّ خبيثٍ يُحْشَرُ مع من يُطَابِقُهُ من الخبثاءِ. كما سيأتِي في قولِه: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: الآية 22] أي: أَصْنَافَهُمْ وأشكالَهم الْمُلاَئِمِينَ لهم بالخبثِ، والعياذُ بالله. وهذا معنَى قولِه: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)} [الأنعام: الآية 129]. {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)} [الأنعام: الآية 130]. هذا يُقَالُ لهم يومَ القيامةِ، يُقال لأَهْلِ النارِ يومَ القيامةِ من الجنِّ والإنسِ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} يا جماعةَ الجنِّ وجماعةَ الإنسِ، الذين طَغَيْتُمْ وكفرتُم في دارِ الدنيا حتى دخلتُم النارَ، وقيل لكم: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا} [الأنعام: الآية 128] أَلَمْ تَصِلْكُمْ في دارِ الدنيا وقتَ إمكانِ الفرصةِ رُسُلٌ ينذرونكم من هذا اليومِ، ويحذرونَكم من العذابِ الذي أنتم فيه، ويبينونَ لكم طرقَ النجاةِ من هذا قبلَ أن تضيعَ الفرصةُ، فتكونوا قد حذرتم هذا العذابِ، ونجوتُم مع مَنْ
نَجَى؟ وهذا معنَى قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ}. قال بعضُ (¬1) علماءِ التفسيرِ: كُلُّ فعلٍ مضارعٍ في القرآنِ مجزومٍ بـ (لم) إذا تَقَدَّمَتْهُ همزةُ الاستفهامِ؛ فيه وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ في جميعِ القرآنِ: أحدُهما: أن الاستفهامَ استفهامُ تقريرٍ، وهو الظاهرُ في هذه الآيةِ. ومعنى استفهامِ التقريرِ: هو الاستفهامُ الذي لا يريدُ الْمُخَاطِبُ به أن يُفْهِمَ الشيءَ، وإنما يريدُ أن يَحْمِلَ المخاطَب على أن يُقِرَّ ويقولَ: بلى، ويقرَّ بالحقيقةِ، كقولِ جريرٍ لعبدِ الملكِ بنِ مروانِ (¬2): أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ مقصودُ جريرٍ أن يقولَ عبدُ الملكِ: بلى، فيقول: هذه [منزلتُكم] (¬3) ما دمتُم بهذه المثابةِ، هذا قَصْدُهُ. الثاني: أن يَخْتَلِجَ المُضَارَعَةَ مَاضَوِيَّةٌ، وينقلب النفيُ إثباتًا، فيصيرَ المضارعُ المنفيُّ بـ (لم) معناه الماضي المُثْبَت، كقولِه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)} [الانشراح: الآية 1] معناه: شَرَحْنَا لكَ صدركَ، وقولِه: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8)} [البلد: الآية 8] جَعَلْنَا له عينين، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أَتَاكُمْ رسلٌ منكم. وطالبُ العلمِ يعرفُ أن انقلابَ المُضَارَعَةِ ماضَوِيَّةً أنه هنا واضحٌ لا إشكالَ فيه؛ لأن لفظةَ (لم) حرفُ قَلْبٍ، تقلبُ المضارعَ من معنَى الاستقبالِ إلى معنَى ¬
الماضِي. وهذا معروفٌ، كقولِك: «لم يأت زيد». بمعنَى: ما جاء زيدٌ في الماضِي. وهذا معروفٌ، فقلبُ المضارعِ ماضَوِيًّا ظَاهِرٌ، ولكن قلبَ النفيِ إثباتًا هو الذي يُشْكِلُ على طالبِ العلمِ، وإيضاحُه على هذا التفسيرِ: أن همزةَ الاستنكارِ المتقدمةَ على حرفِ (لم) أصلُها حرفُ إنكارٍ، فهو مشتملٌ على معنَى النفيِ، ويتسلطُ النفيُ الكامنُ في الهمزةِ على النفيِ الصريحِ في (لم) فَيَنْفِيهِ، ونفيُ النفيِ إثباتٌ، ويرجعُ النفيُ إلى الإثباتِ، والمُضَارَعَةُ إلى المَاضَوِيَّةِ. ومعنَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ. ومعنى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} يجئُكم في دارِ الدنيا رُسُلٌ منكم. الرُّسُلُ: جمعُ الرسولِ، والرسولُ: (فَعُول) بمعنَى (مُفْعَل) والمرادُ بهم هنا: مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، فالرسولُ- طبعًا- يكونُ من الإنسِ ومن الملائكةِ، كما سيأتِي في قولِه: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: الآية 75] أما الجنُّ فسنذكرُ الخلافَ فيهم- الآنَ- المعروفَ عندَ العلماءِ، فالرسلُ: جمعُ رسولٍ، وهو (فَعُول) بمعنَى (مُفْعَل) أي: مُرْسَلٌ، وأصلُه مصدرٌ، وإتيانُ المصادرِ على (فَعُول) قليلٌ جِدًّا، كالرسولِ، فأصلُه من معنَى الرسالةِ، وكالقبُولِ والوَلُوعِ، وكونُ الرسولِ أصلُه مصدرٌ فيه فوائدُ تفيدُ في التفسيرِ؛ لأن أصلَ الرسولِ مصدرٌ، تقولُ العربُ: «أرسلتُه رسولاً». أي: رسالةً. و «ما أرسلتُه برسولٍ». أي: برسالةٍ: فأصلُه: مصدرٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬1): ¬
لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِقَوْلٍ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ أي: برسالةٍ. والمصدرُ إذا نُعِتَ به- بأن أُجْرِيَ مَجْرَى الوصفِ- جازَ إفرادُه، وربما جازَ جمعُه وتثنيتُه نَظَرًا إلى وصفيتِه العارضةِ (¬1). وتارةً يُنْظَرُ إلى أصلِه وهو المصدرُ، فلا يُجْمَعُ ولاَ يُثَنَّى، وتارةً يُنظر إلى ما عَرَضَ له من الوصفيةِ فَيُجْمَعُ ويُثنى. وبهذا التقريرِ يزولُ الإشكالُ في قولِه عن موسى وهارونَ في (الشعراءِ): {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16)} [الشعراء: الآية 16] وفي (طه): {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} [طه: الآية 47] فَثَنَّى في آيةٍ، وَأَفْرَدَ في أُخْرَى، وهما رَجُلاَنِ: موسَى وهارونُ، فإفرادُ الرسولِ نظرًا إلى أصلِه وهو المصدرُ، وتثنيتُه في قولِهم: {إِنَّا رَسُولاَ} نظرًا إلى الوصفيةِ العارضةِ له؛ ولذلك جَمَعَ الرسلَ هنا في قولِه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ} وفي قولِه: {تِلْكَ الرُّسُلُ} [البقرة: الآية 253] فيجوزُ إطلاقُ الرسولِ مرادًا به الجمعُ أيضا، كما أُرِيدَ به الاثنانِ، لكن إطلاقَ الرسولِ مُرَادًا به الجمعُ ما جاءَ في القرآنِ، وإنما جاءَ في كلامِ العربِ بكثرةٍ، ومنه قولُ أبِي ذؤيبٍ الهذليِّ في رائيتِه المشهورةِ (¬2): أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّ ... سُولِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ فَرَدَّ على الرسولِ ضميرَ الجمعِ؛ لأَنَّ أصلَه مصدرٌ. وقولُه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} ظاهرُ قولِه: {مِنْكُمْ} أن مِنَ الإنسِ رُسُلاً ومن الجنِّ رُسُلاً، هذا هو الْمُتَبَادَرُ من الآيةِ. ولأجلِ هذا ¬
الظاهرِ تَمَسَّكَ قومٌ قليلونَ بأن اللَّهَ بعثَ من الجنِّ رُسُلاً إلى الجنِّ (¬1). وَزَعَمَ بعضُهم أنه ما أَرْسَلَ للجنِّ منهم إلا رَسُولاً واحدًا، وَاسْمُهُ يوسفُ. والذي عليه جماهيرُ العلماءِ، خَلَفًا وَسَلَفًا، أن الرسلَ جميعَهم إنما هُمْ من الإنسِ، وإنما قَالَ: {رُسُلٌ مِّنكُمْ} لِمَجْمُوعِ الإنسِ والجنِّ، نَظَرًا إلى أن العربَ تُطْلِقُ المجموعَ وتريدُ بعضَه. أي: من مجموعِكم الصادقِ بالإنسِ دونَ الجنِّ. وهو كثيرٌ في القرآنِ، وفي كلامِ العربِ (¬2)، فَمِنْهُ في القرآنِ قولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: الآيتان 15، 16]، أي: في مجموعِهن الصادقِ بواحدةٍ منها. وأظهرُ الآياتِ الدالةِ عليه في القرآنِ قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ (¬3): {وَلاَ تَقْتُلُوهُم عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: الآية 191] لأن المرادَ هنا: بأنه لا يصحُّ أن تقولَ: «فإن قَتَلُوكُمْ ومتم وخرجتُم من الدنيا فَاقْتُلُوهُمْ» [وعلى هذا المعنَى يُحْمَلُ قولُ الشاعرِ: فَإِنْ تَقْتُلُونَا عِنْدَ حَرَّةِ وَاقِمِ ... فَلَسْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ] (¬4) هو حَيٌّ يتكلم، ويقولُ: «فَإِنْ تَقْتُلُونَا» يعني: تَقْتُلُوا بَعْضَنَا. هذا هو المعروفُ في كلامِ العربِ، أي: من مجموعِكم الصادقِ بالإنسِ، بناءً على أن الجنَّ لَمْ تُرْسَلْ منهم رُسُلٌ. ¬
وَجَمَعَ بعضُ العلماءِ بينَ الْقَوْلَيْنِ فقالَ: رسلُ الإنسِ هم الذين يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ بواسطةِ الملكِ، ورسلُ الجنِّ هم الذين يُنْذِرُونَ قَوْمَهُمْ بما سَمِعُوا من الأنبياءِ، فَهُمْ رُسُلُ الرُّسُلِ [17/ب] / ولذا أَطْلَقَ عليهم (الرسل) هنا. وَيُطْلَقُ عليهم (النُّذُرُ)، كما يأتي في قولِه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ} [الأحقاف: الآية 29]، فالنُّذرُ كأنهم جاؤوهم منذرينَ مُرْسَلِينَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثَبَتَ في الأحاديثِ - وكما يأتِي في سورةِ الجنِّ - أن الجنَّ جاؤوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وكادوا يكونونَ عليه لِبَدًا، وأنه دَعَاهُمْ إلى الإسلامِ، وَعَلَّمَهُمُ الدينَ، وَأَمَرَهُمْ أن يُبَلِّغُوا قومَهم. ومن هنا قال جمهورُ العلماءِ: الرسلُ من الإنسِ والجنِّ ليسوا بِرُسُلٍ [وإنما يكونُ منهم نُذُرٌ] (¬1) إلى قومِهم، كما قال: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29)}. وقد أجمعَ جميعُ المسلمين أن نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - مرسلٌ إلى الجنِّ والإنسِ مَعًا، وأنه بَلَّغَ الرسالةَ لِمَنِ استطاعَ أن يبلغَه من الجنسين، وَأَمَرَ كُلاًّ منهم أن يبلغَ مَنْ لَقِيَ، وقال: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (¬2)، وقد يأتي صريحًا في سورةِ الرحمنِ لَمَّا قَرَأَ على الجنِّ سورةَ الرحمنِ، وقال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الرحمن: الآية 33] كلما قال: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: الآية 32] والتثنيةُ للجنِّ والإنسِ، والجنُّ ¬
يقولونَ: ولا بشيءٍ من آلاءِ رَبِّنَا نكذبُ (¬1). وَذَكَرَ اللَّهُ كثيرًا من قِصَصِهِمْ في سورةِ الجنِّ، وبَيَّنَ أَنَّهُمْ ما كانوا يظنونَ أن اللَّهَ يُمَكِّنُ أَحَدًا أن يفتريَ عليه، قالوا: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5)} [الجن: الآية 5] وَبَيَّنُوا أن منهم طَيِّبِينَ وخبثاءَ: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)} [الجن: الآية 11] وتحصَّل أن قولَه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} جمهورُ العلماءِ على أن الرسلَ كُلَّهُمْ من الإنسِ، وأنه أُطْلِقَ المجموعُ مُرَادًا بعضُه، لا أن الجنَّ رُسُلٌ أُرْسِلُوا إلى قومِهم. وخالفَ بعضٌ قليلٌ من أهلِ العلمِ وقالوا: أُرْسِلَتْ للجنِّ رسلٌ منهم لظاهرِ هذه الآيةِ الكريمةِ، قالوا: ولأَنَّ كَوْنَ الرسلِ منهم أَدْرَى بأحوالهم، وأقدرُ على تبليغِهم، وذلك ليس بقاطعٍ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما جَاءَهُ جِنُّ نصيبين تَكَلَّمَ معهم، وَخَاطَبُوهُ في كُلِّ ما يفيدُ، وأباحَ لهم ما أباحَ لهم من الزادِ، كما هو معروفٌ في الأحاديثِ الصحيحةِ، وَدَعَاهُمْ إلى الإسلامِ (¬2). وهذا معنَى قولِه: ¬
{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ}. {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} معنَى: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} أي: يقرؤون عليكم آياتِي التي أُنْزِلَتْ، وَيُبَيِّنُونَ لكم ما فيها من العقائدِ، ومن الحلالِ والحرامِ، وَمِمَّا أَمَرْتُ به وَبَيَّنْتُ أنه يُدْخِلُ الجنةَ، ومما بَيَّنْتُ في آياتِي أنه سببٌ لدخولِ النارِ - وهي التي أنتم فيها - وَحَذَّرْتُ جميعَكم على ألسنةِ الرسلِ من ذلك الفعلِ الذي يكونُ سَبَبًا لدخولِها. وقد أجمعَ جميعُ العلماءِ على أن الكفرةَ من الجنِّ في النارِ، هذا لا نِزَاعَ فيه بينِ العلماءِ، والآياتُ الدالةُ عليه كثيرةٌ في القرآنِ العظيمِ، كقولِه جَلَّ وعلا: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ} [الأعراف: الآية 38] فَصَرَّحَ بأن أُمَمًا منهم كثيرةٌ في النارِ في آياتٍ كثيرةٍ، وقالوا لقومِهم: إنهم إن لم يُجِيبُوا داعيَ اللَّهِ يعذبهم: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ} إلى أن قال: {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: الآية 31] فلا خلافَ أن الجنَّ يُعَذَّبُ كافرُهم وعاصيهم، كما يُعَذَّبُ كافرُ الإنسِ وعاصيهم، وإنما
الخلافُ المشهورُ بينَ العلماءِ: هل الجنُّ يدخلونَ الجنةَ أو لا يدخلونَ الجنةَ؟؟ (¬1) وهذا خلافٌ معروفٌ قديمٌ بينَ العلماءِ، وَيُرْوَى عن الإمامِ أَبِي حنيفةَ رحمه اللَّهُ أنه من الطائفةِ الذين يقولونَ: لا يدخلُ الجنُّ الجنةَ، وأن الجنةَ لاَ يدخلُها أحدٌ من الجنِّ. وغالبُ ما استدلَّ به هؤلاءِ: أن اللَّهَ جَعَلَ جزاءَهم هو الإجارةَ من العذابِ فقط، وغفرانَ الذنوبِ فقط، حيث قال: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} [الأحقاف: الآية 31] ولم يَقُلْ: ويدخلكم الجنةَ. بخلافِ الإنسِ، فإنه إذا ذُكِرَ ثوابُ الطاعةِ تُذْكَرُ الجنةُ جزاءً لها، ولم يَذْكُرِ اللَّهُ في القرآنِ جَزَاءً للجنِّ إلا غفرانَ الذنوبِ، والإجارةَ من العذابِ الأليمِ. ومن هنا قال مَنْ قال: إن مُؤْمِنِي الجنِّ لاَ يدخلونَ الجنةَ. والتحقيقُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ: أنهم كما أن كَافِرَهُمْ في النارِ فمؤمنُهم المطيعُ في الجنةِ، وقد دَلَّتْ على هذا بعضُ ظواهرِ آياتٍ، ومنها قولُه تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ (56)} [الرحمن: الآية 56] فَعُلِمَ أن في الجنةِ جَانًّا يطمثونَ النساءَ، ومن أَصْرَحِ الأدلةِ في ذلك: قولُه تعالى مُخَاطِبًا الجنَّ والإنسَ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: الآية 46] ثم قال مُبَيِّنًا دخولَ الجنِّ والإنسِ فيه: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن الآية 47]. فلو لم يكن من الآلاءِ على الجنِّ دخولُهم الجنةَ لَمَا قال فيهم وفي الإنسِ مَعًا: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} بعدَ قولِه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ¬
جَنَّتَانِ} فَدَلَّ قولُه: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الصادقُ على الجنِّ والإنسِ، على أن قولَه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} أي: للجنِّ والإنسِ. وهذا هو الأظهرُ. وهذا معنَى قولِه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}. (ينذرونَ) هو مضارعُ فعلِ الإنذارِ. والإنذارُ في لغةِ العربِ: هو الإعلامُ المقترنُ بتخويفٍ وتهديدٍ، فكلُّ إنذارٍ إعلامٌ، وليس كُلُّ إِعْلاَمٍ إنذارًا، وَكُلُّ إعلامٍ اقترنَ بتخويفٍ وتهديدٍ فهو المسمَّى بالإنذارِ (¬1). ومعنَى: {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} أي: يُعْلِمُونَكُمْ بِمَا في هذا اليومِ من الأهوالِ والأوجالِ وشدَّةِ عذابِ النارِ، في حالِ كونِهم مُهَدِّدِينَ لكم وَمُخَوِّفِينَ من الأعمالِ التي تُؤَدِّي إليه. وهذا [معنى] (¬2) قولِه: {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} وَعَبَّرَ عن اليومِ باللقاءِ لأنهم يُلاَقُونَ ما فيه من الأهوالِ والأوجالِ، وعادةُ العربِ أن تُذَكِّرَ اليومَ ومرادُها ما فيه من البلايا والأوجالِ (¬3)، كقولِ نبيِّ اللَّهِ لوطٍ: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)} [هود: الآية 77] والزمنُ بنفسِه كسائرِ الأزمانِ، وإنما المرادُ ما فيه؛ وَلِذَا قال تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17)} [المزمل: الآية 17] والذي يَجْعَلُ الولدانَ شِيبًا إنما هو ما فيه من الأهوالِ الأوجالِ؛ لأَنَّ نفسَ اليومِ ظرفٌ من الظروفِ كسائرِ غيرِه من الظروفِ. ومنه قولُ الشاعرِ (¬4): ¬
وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ ( ... ) (¬1) هذه عادةُ العربِ، والقرآنُ نَزَلَ بلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. لَمَّا وَبَّخَهُمُ اللَّهُ هذا التوبيخَ، وقرعهم هذا التقريعَ، أَقَرُّوا نَادِمِينَ حيثُ لاَ ينفعُ الندمُ، فَبَيَّنَ (جلَّ وعلا) في سورةِ الملكِ أن ذلك الاعترافَ في الوقتِ الذي لا ينفعُ فيه الاعترافُ والندمُ: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} [الملك: الآية 11]. {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} أَقَرُّوا في ذلك الموضعِ على رؤوسِ الأشهادِ {شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} [الأنعام: الآية 130] أن الرسلَ بَلَّغُونَا وَحَذَّرُونَا وَأَنْذَرُونَا لقاءَ هذا اليومِ، فَحَذَّرُونَا مِمَّا نحنُ فيه من البلايا غايةَ التحذيرِ، لكنهم - والعياذُ بالله - عَصَوْا، وأَبَوْا وَتَمَرَّدُوا، فَأَقَرُّوا بالحقيقةِ كما هي. ثم بَيَّنَ اللَّهُ السببَ الذي كَذَّبُوا به الرسلَ ولم يَعْتَنُوا بالإنذارِ، قال: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} لأَنَّ الدنيا دارُ الغرورِ، تَغُرُّ الجاهلَ فيشتغلُ بشهواتِها ولذاتِها وراحتِها عن موجباتِ الجنةِ؛ لأن ما يُدْخِلُ الجنةَ فيه تكاليفُ شَاقَّةٌ، تَشُقُّ على مَنْ لم يَهْدِهِمُ اللَّهُ، وإن الصلاةَ يقولُ اللَّهُ فيها: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} [البقرة: الآية 45] فالرجلُ يكونُ عزيزًا مُطَاعًا، فإذا دَخَلَ الإسلامَ كان وَاحِدًا من عامةِ الناسِ، مَأْمُورًا مَرْؤُوسًا من غيرِه، فيشقُّ هذا عليه، وكذلك أوقاتُ التكاليفِ يتكاسلونَ عنها ويختارونَ عنها لَذَّاتِ الدنيا، فالذي يصومُ ويجوعُ ويعطشُ يُفَضِّلُ على ذلك أن يأكلَ ويشربَ ويجامعَ إلى غير ذلك من لَذَّاتِ الدنيا، فَلَذَّاتُ الدنيا عاجلةٌ، وتشغلُ الإنسانَ عن مَعَادِهِ، حتى يضيعَ عُمْرُهُ فيما لا يَنْبَغِي، فيدخلُ النارَ، فيندمُ ¬
حيث لا ينفعُ الندمُ. وهذا [معنَى] (¬1) قوله: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} والعياذُ بالله {أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)} في دارِ الدنيا، مع أن الرسلَ أَنْذَرَتْهُمْ وَحَذَّرَتْهُمُ الكفرَ، وقد نَصَّ اللَّهُ على أنهم شَهِدُوا على أنفسِهم بالدنيا بالكفرِ، والظاهرُ أنها شهادةٌ صريحةٌ منهم، وَنَصَّ على شهادتِهم في دارِ الدنيا بالكفرِ أيضًا حيث قال في سورةِ التوبةِ: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: الآية 17] وهذه الشهادةُ قِيلَ: هي شهادةُ لسانِ الحالِ، وقيل أيضًا: شهادةُ مقالٍ (¬2)، ونظيرُه قولُه في العادياتِ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)} [العاديات: الآيتان 6، 7]. بِنَاءً على التحقيقِ من أن الضميرَ عائدٌ إلى الإنسانِ (¬3). وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: اللَّهُ في آيةِ الأنعامِ هذه بَيَّنَ أنهم لَمَّا سُئِلُوا اعترفوا، وهذا جاء في مواضعَ كثيرةٍ - هذا الاعترافُ - كقولِه في سورةِ الزمرِ التي وَصَفَ فيها يومَ القيامةِ كأنك تنظرُ إليه: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} [الزمر: الآية 69] وقال فيه: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} يَعْنُونَ في دارِ الدنيا: {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى} [الزمر: الآية 71] وَلَمَّا قالوا في سورةِ المؤمنِ لخزنةِ النارِ: ¬
{ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ (50)} [غافر: الآيتان 49، 50] وهذه الآياتُ تدلُّ على أنهم أَقَرُّوا بما كانوا فيه. ونظيرُها قولُه في النساءِ: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)} [النساء: الآية 42] بل يُقِرُّونَ بكل ما فَعَلُوا. قد يقولُ طالبُ العلمِ: هذه الآياتُ وأمثالُها تدلُّ على أنهم أَخْبَرُوا بالواقعِ ففي القرآنِ آياتٌ أُخَرُ تدلُّ على إنكارِهم وحلفِهم على الإنكارِ، كقولِه عنهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)} [الأنعام: الآية 23] {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} [النحل: الآية 28] وقولُه جلَّ وعلا: {بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا} [غافر: الآية 74]. فهذه الآياتُ تدلُّ على إنكارِهم لِمَا جاؤوا به من الكفرِ، وهذه تدلُّ على إقرارِهم. وقد سُئِلَ ابنُ عباسٍ رضي اللَّهُ عنهما عن قولِه: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)} [النساء: الآية 42] مع قولِهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)} [الأنعام: الآية 23] فأجابَ ترجمانُ القرآنِ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ قال: إنهم إذا رأوا أهلَ الشركِ لاَ خلاصَ لهم قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)} فعندَ ذلك يختمُ اللَّهُ على ألسنتِهم وتشهدُ أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يكسبونَ (¬1). فهذه الأسرارُ التي يقولُها ويفصحُ عنها إنما هي أَيْدِيهِمْ وألسنتُهم وجلودُهم، كما قال: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22)} [فصلت: الآية 22] وقال: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: الآية 21] {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ ¬
أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: الآية 65] قال ابنُ عباسٍ: فالاثنانِ من جهةِ اللسانِ والإقرارِ والإيضاحِ من جهةِ الجوارحِ والجلودِ والأَرْجُلِ والأَيْدِي. وقال بعضُ العلماءِ: وجهُ الجمعِ بينَ الآياتِ: أن يومَ القيامةِ يومٌ طويلٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال فيه: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)} [المعارج: الآية 4] ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن اليومَ الذي قيلَ فيه خمسينَ ألفَ سنةٍ أنه يومُ القيامةِ (¬1). أما يومُ الألفِ السنةِ في (الحجِّ) ويومُ الألفِ السنةِ في (السجدةِ) ففيهما أقوالٌ غيرُ هذا (¬2)؛ لأن اللَّهَ يقولُ في الحجِّ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47)} [الحج: الآية 47] ويقولُ في السجدةِ: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [السجدة: الآية 5] وقال في سورةِ المعارجِ: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً (5)} [المعارج: الآيتان 4، 5] ويوم الخمسين ألف سنةً: هو يومُ القيامةِ بلاَ خلافٍ (¬3)، إلا أن العلماءَ ذَكَرُوا أنه إنما يطولُ هذا الطولَ على الكافرينَ خاصةً، أَمَّا على المؤمنينَ فهو كنصفِ نهارٍ، وجاءت آيةٌ في سورةِ الفرقانِ تدلُّ على ذلك، وهي قولُه تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: الآية 24] لأنه سَمَّاهُ {مَقِيلاً} والمقيلُ: الاستراحةُ بالقيلولةِ في ¬
وسطِ النهارِ (¬1). وأتبعَ هذه الآيةَ بأنَّ هذا لخصوصِ المؤمنين دونَ الكافرين حيث قالَ بعدَ آيةِ الفرقانِ هذه: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان: الآية 26] وقال: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)} [المدثر: الآيتان 9، 10]. فَيُفْهَمُ منه أنه على المؤمنينَ يسيرٌ. فإذا كان على الكافرينَ مقدارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ فهذه أزمانٌ متطاولةٌ ومواطنُ متعددةٌ، ففي بعضِها ينكرونَ، وفي بعضِها يُقِرُّونَ، ومثلُ هذا الإقرارِ الذي أَقَرُّوا به في بعضِ الْمَوَاطِنِ، والإنكارِ الذي أنكروا به في بعضِ المواطنِ، والكلامُ إذا كانَ في أزمنةٍ مختلفةٍ لا تَنَاقُضَ بينَه أبدًا؛ لأن هذا الإثباتَ في وقتٍ، والنفيَ في وقتٍ آخَرَ، فلا تناقضَ بينَ الآياتِ (¬2). وهذا معنَى قولِه: {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}. قال تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)} [الأنعام: الآيات 131 - 134]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)} [الأنعام: الآية 131]. ¬
اخْتَلَفُوا في موقعِ (ذلك) من الإعرابِ (¬1)، فَعَنْ سِيبَوَيْهِ: أنها تتعلقُ بمحذوفٍ، جملةٌ - مبتدأٌ وَخَبَرٌ - أي: الأمرُ ذلك الذي قَصَصْنَا عليكم. وذهبَ بعضُهم إلى أنها في مَحَلِّ نَصْبٍ، أي: فَعَلْنَا ذلك لأَجْلِ أن لم يَكُنْ رَبُّكَ مهلكَ القُرَى بِظُلْمٍ. و (أَنْ) هنا زَعَمَ بعضُهم أنها المصدريةُ الناصبةُ للمضارعِ. وَزَعَمَ بعضُهم أنها الْمُخَفَّفَةُ من الثقيلةِ. والمعنَى مُتَقَارِبٌ (¬2). ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: ذلك الذي ذَكَرْنَا من أَنَّا أَرْسَلْنَا إلى معاشرِ الجنِّ والإنسِ رُسُلَنَا في دارِ الدنيا لِيُنْذِرُوهُمْ ويحذروهم حتى شَهِدُوا على أنفسِهم أن الرسلَ بَلَّغَتْهُمْ في دارِ الدنيا، وأنهم كانوا كَافِرِينَ، ذلك الإنذارُ والإعذارُ على ألسنةِ الرسلِ في دارِ الدنيا واقعٌ من أجلِ أَنَّ رَبَّكَ لم يَكُنْ لِيُهْلِكَ القرى بظلمٍ، أي: لِيُهْلِكَهَا بظلمِها؛ بِكُفْرِهَا ومعاصِيها. والقولُ الذي يقولُ: «لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِهِ لَهَا قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَهَا» ليسَ على الصحيحِ، وإنما التحقيقُ أن المعنَى: ذلك الإنذارُ والإعذارُ على ألسنةِ الرسلِ في دارِ الدنيا؛ لأَجْلِ أن رَبَّكَ لم يكن لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمِهَا، أي: بِكُفْرِهَا ومعاصيها، والحالُ: هُمْ غَافِلُونَ، لم يُنَبَّهُوا برسولٍ ولا بكتابٍ. بل لابد من إزالةِ الغفلةِ في دارِ الدنيا بإرسالِ الرسولِ والكتابِ (¬3). وهذه الآيةُ الكريمةُ صَرَّحَ اللَّهُ فيها بأنه لم يكن لِيُهْلِكَ القرى ¬
بظلمِها وهي غافلةٌ غيرُ مُنَبَّهَةٍ على ألسنةِ الرسلِ، مُنْذَرَةً مُحَذَّرةً على ألسنةِ الرسلِ. فمعنَى قولِه: {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)} أي: غافلونَ عن حججِ اللَّهِ وتوحيدِه، لم يُنبَّهُوا عليها بإنذارِ الرسلِ، بل لابدَّ من إنذارِ الرسلِ. والنفيُ هنا في قولِه: {لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} مُنْصَبٌّ على الحالِ؛ ولأن المنفيَّ هنا إهلاكُهم في حالِ كونِهم غَافِلِينَ، فالنفيُ مُنْصَبٌّ على الحالِ لاَ على إهلاكِ القرى؛ لأَنَّ القرى أُهلكوا، فالنفيُ مُنْصَبٌّ على الحالِ (¬1)، ونظيرُه: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} [الدخان: الآية 38] فالنفيُ مُنْصَبٌّ على اللعبِ الذي هو الحالُ لا على خلقِ السماواتِ والأرضِ. وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على أن اللَّهَ لن يعذبَ قومًا لا بهلاكٍ مُسْتَأْصِلٍ في الدنيا، ولا بعذابٍ في الآخرةِ، حتى يُنْذِرَهُمْ على ألسنةِ رسلِه في دارِ الدنيا، وَيُكَذِّبُوا. والآياتُ الدالةُ على هذا المعنَى كثيرةٌ، كقولِه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: الآية 15] فَبَيَّنَ (جل وعلا) أن حكمةَ إرسالِ الرسلِ هي قَطْعُ حجةِ البشرِ عن خالقِهم، حيث قال: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: الآية 165]. وهذه الحجةُ التي كانت تكونُ للناسِ على اللَّهِ لو لم يُرْسِلِ الرسلَ أَوْضَحَهَا في أخرياتِ (طه)، وأشارَ لها في (القصص)، قال في (طه): {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ ¬
قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: الآية 134] وقال في (القصص): {وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: الآية 47] فهذه الآياتُ جاءت آياتٌ تُصَدِّقُهَا، أن اللَّهَ ما عَذَّبَ أحدًا بالنارِ إلا بعدَ إنذارِهم في دارِ الدنيا على ألسنةِ الرسلِ، ومن الآياتِ الدالةِ على ذلك قولُه تعالى في سورةِ (الملك): {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9)} [الملك: الآيتان 8، 9]. وقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا} إِنَّ كَلِمَةَ (كلما) تعمُّ أزمنةَ الإلقاءِ كُلَّهَا، فتُعمُّ جميعَ المُلْقَيْنَ من الأفواجِ في النارِ، أنهم جاءهم نذيرٌ في الدنيا. ونظيرُها من الآياتِ أن اللَّهَ لَمَّا قسم أهلَ المحشرِ في سورةِ الزمرِ قال: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} و (الذين) موصولٌ، وقد تَقَرَّرَ في علمِ الأصولِ (¬1) أن الموصولاتِ من صيغِ العمومِ؛ لأنها تَعُمُّ كل ما تشملُه صِلاتُهَا، قال: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وظاهرُ النَّصِّ أنه شاملٌ لكلِّ مَنْ صدق عليه اسمُ الكافرِ. {إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: الآية 71] فمعنَى قولِهم: (بلى) أي: قد جاءَنا نذيرٌ، وَاللَّهُ ذَكَرَهُ عنهم في معرضِ التصديقِ والتسليمِ، ونظيرُه في سورةِ (فاطر) أنه لَمَّا قَسَّمَ الأُمَّةَ إلى مَنْ أُورِثُوا القرآنَ، وَقَسَّمَهُمْ إلى الطوائفِ الثلاثةِ: مقتصدٍ، وسابقٍ بالخيراتِ، وظالمٍ، وَوَعَدَ جميعَهم الجنةَ، لم يَبْقَ إلا الكفارُ، قال في جميعِهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ ¬
يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: الآيتان 36، 37] وقوله: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} راجعٌ لجميعِِ الذين كَفَرُوا المذكورين في قولِه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} ونظيرُها من الآياتِ قولُه تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى} [غافر: الآيتان 49، 50] أي: جَاءَتْنَا رُسُلُنَا بالبيناتِ والآياتِ بنحوِ هذا كثيرة. وهذه الآياتُ تدلُّ على أن أهلَ الفترةِ معذورونَ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)} [الأنعام: الآية 131] ويقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)} [الإسراء: الآية 15] وَتَمَسَّكَ بظاهرِ هذه الآياتِ جماعاتٌ من أهلِ العلمِ. وَذَهَبَ جماعاتٌ آخرونَ، إلى أن الكفرَ وعبادةَ الأوثانِ لا يُعْذَرُ فيه أحدٌ، وأن كلَّ مَنْ ماتَ كافرًا يعبدُ الوثنَ، أنه في النارِ، وإن لم يَأْتِهِ نذيرٌ. واستدلوا بظواهرِ آياتٍ من كتابِ اللَّهِ، وبأحاديثَ جاءت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. والحاصلُ أن هذه المسألةَ مسألةٌ اصْطَدَمَتْ فيها عقولُ الفحولِ، واختلفَ فيها العلماءُ، وجاءَ كُلٌّ منهم بحججٍ وأدلةٍ، وسنذكرُ طَرَفًا من أدلةِ الجميعِ، ومناقشةِ أدلتِهم، ثم نذكرُ ما يُرَجِّحُهُ الدليلُ إن شاء اللَّهُ تعالى (¬1). ¬
أما الذين قالوا: إن مَنْ مَاتَ في الفترةِ معذورٌ، فدلالةُ قولِه: الآياتُ - التي ذَكَرْنَا - القرآنيةُ، كقولِه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: الآية 15] {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: الآية 131] {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: الآية 165] {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: الآية 134] وأن الله بَيَّنَ أنه ما أَدْخَلَ أحدًا النارَ إلا بعدَ الإنذارِ والإعذارِ في دارِ الدنياِ: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ (9)} [الملك: الآيتان 8، 9] إلى آخِرِ ما ذَكَرْنَا من الآياتِ. أما الذين قالوا: إن الكفرَ وعبادةَ الأوثانِ لا يُعْذَرُ فيها أحدٌ، وأن كُلَّ مَنْ ماتَ كَافِرًا يعبدُ الأوثانَ فهو في النارِ - فَاعْلَمُوا أَوَّلاً: أن الفروعَ كالصيامِ والحجِّ والصلاةِ والواجباتِ والمحرماتِ فهذا محلُّ إجماعٍ بين العلماءِ أن اللَّهَ لاَ يُؤَاخِذُ به أَحَدًا إلا بعدَ إبانةِ الرسلِ، وإنما الخلافُ فِي شهادةِ أن لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وعبادةِ الأوثانِ من دُونِ
اللَّهِ. هذا محلُّ خلافِ العلماءِ، الذين قالوا: إِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا بِاللَّهِ يعبدُ الأصنامَ أنه في النارِ، ولو لم يَأْتِهِ نذيرٌ - استدلوا بظواهرِ آياتٍ دَلَّتْ على ذلك وبأحاديثَ، وَنَاقَشَهُمْ فيه خصماؤهم مناقشاتٍ سَنُلِمُّ ببعضِها. قالوا: قال اللَّهُ: {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)} [النساء: الآية 18] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (91)} [آل عمران: الآية 91] {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: الآية 31] {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: الآية 72] {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)} [الأعراف: الآية 50] {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: الآية 48] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ. واستدلوا بأحاديثَ ثابتةٍ في الصحيحِ، صَرَّحَ فيها النبيُّ بتعذيبِ بعضِ مَنْ مَاتَ في الفترةِ، كما ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ (رضي الله عنه) أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَأَلَهُ رجلٌ فقال: أَيْنَ أَبِي؟ قال: «فِي النَّارِ»، فلما ولَّى الرجلُ دعاه، فقال: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» (¬1) فهذا ثابتٌ من لفظِ النبيِّ في صحيحِ مسلمٍ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أَبِي هريرةَ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استأذنَ رَبَّهُ أن يزورَ أُمَّهُ فَأَذِنَ له أن يَزُورَهَا، واستأذنَه أن يستغفرَ لها فلم يُؤْذَنْ له. وفي بعضِ رواياتِه عندَ مسلمٍ: فَزَارَ قَبْرَهَا فَبَكَى وَأَبْكَى، وقال: ¬
«فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (¬1). وأمثالُ هذا من الأحاديثِ الثابتةِ في تعذيبِ بعضِ أهلِ الفترةِ. وهذا القولُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ في الفترةِ على الإشراكِ، وعلى دِينِ الآباءِ، كما قال أبو طالبٍ في آخِرِ كَلاَمِهِ: «إنه على دِينِ الأشياخِ» الذين عَاشُوا في الفترةِ، وأنزلَ اللَّهُ فيه: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: الآية 56] وَلَمَّا استغفرَ له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْ ذَلِكَ) واستغفرَ المسلمون لِمَوْتَاهُمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ في ذلك: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} الآية (¬2) [براءة: الآية 113]. وَلَمَّا قالوا: «لَنَا فِي إبراهيمَ أسوةٌ حسنةٌ، وقد استغفرَ إبراهيمُ لأبيه». أنزلَ اللَّهُ: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)} (¬3) [التوبة: الآية 114] والموعدةُ التي وَعَدَهَا إياه: هي المذكورةُ في سورةِ (مريم): {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي ¬
مَلِيًّا (46) قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)} [مريم: الآيتان 46، 47] ثم إن اللَّهَ في سورةِ الممتحنةِ اسْتَثْنَى الاستغفارَ للمشركين من أسوةِ إبراهيمَ، حيث قال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ} ثم استثنَى من هذه الأسوةِ: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: الآية 4] فلا أسوةَ لكم بإبراهيمَ فيه. وهذا القولُ الذي يقولُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ مشركًا دخلَ النارَ، ولو لم يَأْتِهِ نذيرٌ، جَزَمَ به النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (¬1)، وحكى عليه القرافيُّ الإجماعَ في شرحِ التنقيحِ في الأصولِ (¬2). وأجابَ مَنْ قَالَ بهذا عن الآياتِ التي ذَكَرْنَا من أربعةِ أَوْجُهٍ: قال: قولُه مثلاً: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)} [الإسراء: الآية 15] قالوا: يعنِي عذابَ الدنيا، كما وقعَ لقومِ نوحٍ من الإغراقِ، وقومِ هودٍ من الريحِ العقيمِ، وقومِ لوطٍ من أن اللَّهَ رَفَعَ أرضَهم إلى السماءِ فجعلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا. أما عذابُ الآخرةِ فلم يُقْصَدْ، وحكى القرطبيُّ وأبو حيانَ على هذا أن عليه إجماعَ المفسرين (¬3). ¬
الوجهُ الثاني: قالوا: إن الواضحَ الذي لا يَلْتَبِسُ على أحدٍ، وهو عبادةُ الأوثانِ، لا عذرَ فيها؛ لأن عَابِدِيهَا يعلمونَ في قرارةِ أنفسِهم أنها لا تنفعُ ولا تَضُرُّ، وأنها حجارةٌ، ومثل هذا لا يُعْذَرُ فيه أحدٌ؛ ولذا لَمَّا قال إبراهيمُ لقومِه: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)} [الأنبياء: الآية 63] أجابوه فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ (65)} [الأنبياء: الآية 65] قالوا: والدليلُ على أنهم يعلمونَ أن الأصنامَ لاَ تنفعُ ولاَ تَضُرُّ، وأنها جماداتٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ في عبادتِها: أنهم إذا نَزَلَتْ بهم شدائدُ، أو قامت عليهم كُرباتٌ تَرَكُوا دعاءَ الأصنامِ، وَأَخْلَصُوا الدعاءَ لِلَّهِ وحدَه؛ لأنهم يعرفونَ في أنفسِهم أنه النافعُ الضارُّ، الْمُحْيِي المميتُ، الذي بيدِه الخيرُ والشرُّ، والآياتُ الدالةُ على ذلك كثيرةٌ جِدًّا، كقولِه: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ} أي: وخافوا الهلاكَ في البحرِ {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: الآية 32] وقوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ} أي: وَهَاجَتْ عليهم أمواجُ البحرِ، وَخَافُوا الهلاكَ: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)} [العنكبوت: الآية 65] وقولُه: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ} [الإسراء: الآيات 67 - 69] وقال جل وعلا: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس: الآيتان 22، 23] والآياتُ في مثل هذا كثيرةٌ، ومعلومٌ في التاريخِ أن سببَ إسلامِ عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ رضي الله عنه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا فَتَحَ مكةَ خَرَجَ عكرمةُ بنُ أَبِي جهلٍ لشدةِ عداوتِه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه قَتَلَ أَبَاهُ يومَ بدرٍ. شَرَدَ هاربًا إلى الحبشةِ، فَرَكِبَ في قومٍ سفينةً من البحرِ الأحمرِ إلى الحبشةِ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا دَاخِلَ البحرِ هَاجَتْ عليهم الريحُ، وَاضْطَرَبَتْ أمواجُ البحرِ، ورأوا الهلاكَ، وَظَنُّوا الموتَ، فإذا جميعُ مَنْ في السفينةِ يَتَنَادَوْنَ ويقولونَ من أطرافِ السفينةِ: أَلاَ فَلْيَحْذَرْ كُلُّ أحدٍ منكم أن يدعوَ في هذا الوقتِ غيرَ اللَّهِ؛ فإنه لا يُنْقِذُ من هذه الكرباتِ إلا هو وحدَه، فَفَهِمَهَا عكرمةُ، ثم قال: وَاللَّهِ إن كانَ لا ينقذُ من كرباتِ البحرِ إلا هو، فلاَ ينقذُ من ظلماتِ البرِّ إلا هو. ثم قال: اللَّهُمَّ لكَ عَلَيَّ عَهْدًا إن أنقذتني من هذه لأَضَعَنَّ يدي في يدِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَلأَجِدَنَّهُ رَؤُوفًا رحيمًا. فهدأ البحرُ وسكنوا، فرجعَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَسْلَمَ، وصارَ من فضلاءِ الصحابةِ (¬1). قالوا: كونُ الكفارِ يعلمونَ أن اللَّهَ هو النافعُ الضارُّ، وأن الأصنامَ جماداتٌ لا تنفعُ ولا تضرُّ، وأنهم إذا كان وقتُ الشدائدِ لجؤوا إلى مَنْ بِيَدِهِ الأمرُ والنهيُ، هذا يدلُّ على أنهم غيرُ مَعْذُورِينَ في عبادةِ الأوثانِ. الوجهُ الثالثُ: زعموا أن عندَهم بقيةُ نذارةٍ من إرثِ دينِ إبراهيمَ والرسلِ الذين أُرْسِلُوا قَبْلَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. ¬
الوجهُ الرابعُ: هو ما ذَكَرْنَا من الأحاديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من أنه ذَكَرَ أن بعضَ أهلِ الفترةِ في النارِ. وأجابَ القائلونَ [بِعُذْرِهِمْ بالفترةِ] (¬1) عن هذه الأوجهِ الأربعةِ رَادِّينَ لها، مُجِيبِينَ عن كُلِّ وَاحِدٍ، فقالوا: قولكم: «إِنَّ الْعَذَابَ يَخْتَصُّ بِالدُّنْيَا». فالدليلُ على أنه باطلٌ أَمْرَانِ: أحدُهما: أنه خلافُ ظاهرِ القرآنِ، واللَّهُ لم يُخَصِّصْ بعذابِ الدنيا دونَ عذابِ الآخرةِ. فلم يَقُلْ: وما كنا مُعَذِّبِينَ في الدنيا. حتى تقصروا الظاهرَ عليه، وظاهرُ القرآنِ لا يجوزُ العدولُ عنه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه (¬2)، ولا دليلَ عندكم من ظاهرِ القرآنِ. الوجهُ الثاني قالوا: إِنَّ اللَّهَ صَرَّحَ لنا في كتابِه أن الذين عَذَّبَهُمْ في النارِ أَنْذَرَهُمْ في دارِ الدنيا على ألسنةِ رُسُلِهِ، كقولِه: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى} [الملك: الآيتان 8، 9] إلى آخِرِ الآياتِ التي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا. وَأَجَابُوا عن كونِ الأمرِ الواضحِ لا عُذْرَ فيه بِأَمْرَيْنِ: أحدُهما: أن ظاهرَ القرآنِ لم يُفَرِّقْ بَيْنَ الأمرِ الواضحِ وغيرِه، ولا يجوزُ العدولُ عن ظاهرِه إلا بدليلٍ. الثانِي: أن اللَّهَ صَرَّحَ بأنه ما عَذَّبَ على ذلك الأمرِ الواضحِ أَحَدًا إلا بعدَ إنذارِ الرسلِ في دارِ الدنيا: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى} [الملك: الآيتان 8، 9]. أما قولُ مَنْ قَالَ: إنهم كانت عندهم بقيةُ نَذَارَةٍ مِنْ نَذَارَةِ ¬
إبراهيمَ وغيرِه من الرسلِ الذين كانوا قَبْلَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم -، فهذا الوجهُ جَزَمَ به النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (¬1)، وَمَالَ إليه ابنُ قاسمٍ العباديُّ في الآياتِ البيناتِ (¬2)، وهو قولٌ باطلٌ بشهادةِ القرآنِ، وأنا أستغربُ كيف يقولُه عالمٌ كالعباديِّ والنوويِّ؟! مع أن الآياتِ القرآنيةَ صريحةٌ في بطلانِه غايةَ الإبطالِ؛ لأن معناه أن الأُمَّةَ التي بُعِثَ فيها النبيُّ كان مَنْ مَاتَ منها يُعَذَّبُ بسببِ نَذَارَةِ إبراهيمَ، وَاللَّهُ يصرحُ فِي آياتٍ كثيرةٍ أن الأمةَ التي بَعَثَ فيها مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - لَمْ تَكُنْ عندَها نذارةٌ أَلْبَتَّةَ مِنْ أَحَدٍ، من ذلك قولُه في سورةِ (يس): {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} [يس: الآية 6] و (ما) في قولِه: {مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} نافيةٌ قَطْعًا. وَمَنْ قال: إنها موصولةٌ فهو غالطٌ. والدليلُ على أنها نافيةٌ أنه قال: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)} [يس: الآية 6] ولو كانت موصولةً لَمَا قال: {فَهُمْ غَافِلُونَ (6)}. ومنها قولُه في سورةِ القصصِ: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [القصص: الآية 46] فَصَرَّحَ بأنهم ما أتاهم مِنْ نذيرٍ، وقد تَقَرَّرَ فِي علمِ الأصولِ: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إن زِيدَتْ قبلَها لفظةُ (مِنْ) كانت نَصًّا صريحًا فِي العمومِ (¬3)، وقاله شيخُ النحوِ سيبويه (¬4) إنها إن زِيدَتْ قَبْلَهَا (مِنْ) كانت صَرِيحًا في العمومِ، فهي تَعُمُّ نَفْيَ كُلِّ نَذِيرٍ. ومنه قولُه تعالى فِي سورةِ سبأ: {وَمَا آتَيْنَاهُم مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ (44)} [سبأ: الآية 44] ومنه قولُه في سورةِ ¬
السجدةِ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [السجدة: الآية 3] إِذِ اللَّهُ تعالى يُصَرِّحُ بأنهم لم يَأْتِهِمْ نذيرٌ، فليسَ لأحدٍ أن يقولَ: إن [18/أ] عندهم نَذَارَةٌ باقيةٌ يُعَاقَبُونَ /عليها. ويقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ} [المائدة الآية 19] فَصَرَّحَ بأنها فَتْرَةٌ. أما الوجهُ الرابعُ، وهو ذَكَرَتْهُ بعضُ الأحاديثِ، كحَدِيْثَي مسلمٍ الذي ذَكَرْنَا، وهو محلُّ مناقشةٍ طويلةٍ عريضةٍ بَيْنَ العلماءِ. أجابَ المخالفونَ قالوا: حَدِيثَا مُسْلِمٍ هما خَبَرَا آحَادٍ، فلا يُقَدَّمَانِ على القاطعِ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: الآية 15] دليلٌ قاطعٌ متواترٌ محفوظٌ لا يمكنُ أن يكونَ كَذِبًا بِحَالٍ، وهو صريحُ الدلالةِ ظاهرُها، وحديثُ مسلمٍ وما جَرَى مَجْرَاهُ أخبارُ آحَادٍ، والمتواتراتُ تُقَدَّمُ على الآحادِ. وَأَجَابَ المخالفونَ عن هذا، قالوا: لاَ نُسَلِّمُ هذا؛ لأن حَدِيثَيْ مُسْلِمٍ ونحوِهما أحاديثُ خاصةٌ، والآياتُ التي ذَكَرْتُمْ عامةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ على العامِّ؛ لأن المقررَ في الأصولِ: أنه لاَ يتعارضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ، بل يُقَدَّمُ الخاصُّ على العامِّ، إلا عندَ الإمامِ أبِي حنيفةَ - رحمه الله (¬1) - فإن المقررَ في أصولِه: أن الخاصَّ لاَ يُقَدَّمُ على ¬
العامِّ؛ لأن دلالةَ العمومِ عندَه قطعيةٌ، فيرجحُ بينَهما (¬1)؛ وَلِذَا كانَ جمهورُ العلماءِ، منهم الأئمةُ الثلاثةُ، يخصصونَ عمومَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» (¬2) بخصوصِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (¬3) وكان أبو حنيفةَ يقول: هذا الحديثُ خاصٌّ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» لا أُقَدِّمُهُ على العامِّ الذي هو: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وقد جَهِلْنَا التاريخَ، فلم نَعْرِفْ أيهما المتأخرُ حتى نُقَدِّمَهُ؛ ولذا أَوْجَبَ الزكاةَ في كُلِّ شيءٍ خرج من الأرضِ قليلاً أو كثيرًا، تبرئةً للذمةِ، وعدمِ تقديمٍ للخاصِّ على العامِّ (¬4). وَأَجَابَ المخالفونَ عن هذا بمناقشةٍ أُخْرَى، قالوا: لو سَلَّمْتُمْ هذا الْخَاصَّ، وقلتُم: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ثَبَتَ عنه في بعضِ الأحاديثِ أن اللَّهَ عَذَّبَ أحدَ أهلِ الفترةِ - لو قَدَّمْنَا هذا الخاصَّ - لاَنْتَفَتِ الحكمةُ الَّتِي تَمَدَّحَ اللَّهُ بها، وَأَثْنَى بها على نفسِه؛ لأَنَّ اللَّهَ تَمَدَّحَ وَأَثْنَى على نفسِه بأنه بالغٌ من العدلِ والإِنْصَافِ مَا لَمْ يُعَذِّبْ ¬
[معه] (¬1) أحدًا إلا بعدَ الإنذارِ في دارِ الدنيا، وأنه لو عَذَّبَ أَحَدًا لكانَ بذلك لأحدٍ حجةٌ، حيث قال: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ} [النساء: الآية 165] قالوا: فلو عَذَّبَ إنسانًا واحدًا لاَنْحَرَمَتْ هذه الحكمةُ، وقال له ذلك الإنسانُ: لولاَ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ رسولاً فَأَتَّبِعَ آياتِك قبلَ أن أَذِلَّ أو أَخْزَى، وَصَارَتْ حكمةُ آيةِ (طه) منخرمةً أيضًا، ولاَ يمكنُ هذا. وأجابَ المعارضونَ عن هذا أيضًا، قالوا: كُلُّ ما أَخْرَجَهُ الدليلُ الخاصُّ يخرجُ من العامِّ، ولا يقدحُ في حكمةِ الْعِلَّةِ؛ لأنه قد يكونُ فِي ذلك الإنسانِ خصوصيةٌ يَعْلَمُهَا اللَّهُ، فَأَخْرَجَهُ من العمومِ لأَجْلِهَا. وهذا مَبْنِيٌّ على مبحثٍ أصوليٍّ عظيمٍ: هل عدمُ اطرادِ العلةِ نقضٌ لها؟ أو هو تخصيصٌ لعمومِها (¬2)؟ إلى غيرِ ذلك مِنَ الأبحاثِ. فهذا نموذجٌ قليلٌ من مناظراتِ العلماءِ في هذه المسألةِ. والتحقيقُ في هذه المسألةِ - إن شاءَ اللَّهُ - هو ما حَقَّقَهُ العلامةُ ابنُ كثيرٍ في شرحِ قولِه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: الآية 15] وغيرُه من الْمُحَقِّقِينَ: أن اللَّهَ (جل وعلا) يَعْذُرُ أهلَ الفترةِ في دارِ الدنيا، ثم إنه يومَ القيامةِ يَمْتَحِنُهُمْ بالنارِ، ويقولُ لهم: اقْتَحِمُوا في هذه النارِ، فَمَنِ اقْتَحَمَ فيها دَخَلَ الجنةَ، وهو الذي كان يُطِيعُ الرسلَ لو جَاءَتْهُ، وهو المؤمنُ في عِلْمِ اللَّهِ الداخلُ للجنةِ، وَمَنْ تَمَرَّدَ وَعَصَاهُ، وامتنعَ أن يدخلَها دخلَ النارَ، وهو الذي كان ¬
يَعْصِي الرسلَ لو جَاءَتْهُ ولاَ يُصَدِّقُهَا، وهو الكافرُ في عِلْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بما كَانُوا إليه صَائِرِينَ. وهذا المعنَى جَاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثَ كثيرةٍ، منها أحاديثُ صحاحٌ بشهادةِ أئمةِ الحديثِ الْحُفَّاظِ، ومنها أحاديثُ حِسَانٌ، ومنها أحاديثُ ضعافٌ تَعْتَضِدُ بالصحاحِ وَالْحِسَانِ، وهذه الأحاديثُ الواردةُ بهذا هي نَصٌّ في مَحَلِّ النزاعِ تجتمعُ عليها الأدلةُ. وقد أَنْكَرَهَا ابنُ عبدِ البرِّ - رحمه الله (2) - قال: هذه الأحاديثُ لاَ يمكنُ أن تَصِحَّ؛ لأن القيامةَ دارُ جزاءٍ وليست دارَ عملٍ حتى يُكَلَّفُوا فيها فيدخلوا الجنةَ والنارَ بالتكليفِ فيها؛ لأنها دارُ جزاءٍ لا دارَ عملٍ، وهذا الذي قَالَهُ ابنُ عبدِ البرِّ لاَ تُرَدُّ به النصوصُ الصحيحةُ الثابتةُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد دَلَّ القرآنُ والسنةُ الصحيحةُ أن اللَّهَ يكلفُ خلقَه في عرصاتِ المحشرِ بعضَ التكاليفِ، وقد ثَبَتَ في سورةِ القلمِ أنه يَأْمُرُ جميعَهم بالسجودِ، وأَمْرُهُمْ بالسجودِ تكليفٌ في عرصاتِ المحشرِ، كما سيأتِي فيِ قولِه: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم: الآيتان 42، 43] لأنه قد جاءَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أن اللَّهَ يدعوهم ذلك اليومَ إلى السجودِ، كما دَلَّتْ عليه الآيةُ. فأما المؤمنونَ فيسجدونَ فيرفعونَ مِنَ السجودِ وعلى وجهِهم نضرةُ النعيمِ، وأما الكافرُ فيكونُ ظهرُه كالصفيحةِ فلا يستطيعُ أَنْ يَسْجُدَ، وإذا أراد تَكَلُّفَ السجودِ خَرَّ على
قَفَاهُ (1)؛ لأنه لا يستطيعُ السجودَ، كما قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ (42)}. وقد ثَبَتَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديثِ الصحاحِ في قصةِ الرجلِ المشهورةِ الذي هو آخِرُ أَهْلِ النارِ خُرُوجًا من النارِ أنه يقول: «يَا رَبِّ أَخِّرْنِي عَنِ النَّارِ. يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ أَخَّرْتُكَ لَعَلَّكَ تَطْلُبُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ أَنْ لاَ أَطْلُبَكَ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ يَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: افْعَلْ لِي كَذَا، أَوْ: إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وَيَقُولُ لَهُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ!! فَيُعْطِيهِ مِنَ الْمَوَاعِيدِ وَالْمَوَاثِيقِ أَنَّهُ لاَ يَطْلُبُ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ، حَتَّى يَقُولَ لَهُ: رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ. إِلَى أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» (2). والتكاليفُ إنما هي عهودٌ ومواثيقُ تُؤْخَذُ على الإنسانِ أن يفعلَ أو أن لاَ يفعلَ. فهذا هو الصوابُ في هذه المسألةِ، أنهم معذورونَ في الدنيا بشهادةِ الآياتِ، وأن اللَّهَ يومَ القيامةِ يمتحنُهم بنارٍ يأمرُهم بالدخولِ فيها، فَمَنْ دَخَلَهَا دخلَ الجنةَ (¬1)، وظهرَ فيه عِلْمُ اللَّهِ أنه كان يُطِيعُ الرسلَ لو جاءَته، ¬
وَمَنِ امتنعَ دخلَ النارَ، وظهرَ فيه عِلْمُ اللَّهِ أنه لو جاءته الرسلُ لَكَذَّبَهَا. وقولُ ابنِ عبدِ البرِّ: إن هذا تكليفٌ بِمُحَالٍ، وأن القولَ للرجلِ: «ادْخُلِ النَّارَ» هذا تكليفٌ بما لا يطاقُ!! هذا لا يَرُدُّ - أيضا - الأحاديثَ الصحيحةَ، وقد جاء أمثالُه في الشرعِ، فقد ثَبَتَ في الأحاديثِ الصحاحِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في علامةِ الأعورِ - المسيحِ الدجالِ - أن معه جنةً ونارًا، والنبيُّ يأمرُ المؤمنين أن يقتحموا في نارِه التي معه؛ لأنهم إن اقتحموها وجدوها ماءً عذبًا وَشَرِبُوا منه، وأن ماءَه نارٌ (¬1)، ففي هذه الأحاديثِ الصحيحةِ أَمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - باقتحامِ النارِ التي مع الدجالِ، وقد أَمَرَ اللَّهُ بني إسرائيلَ - قد بَيَّنَّا أنه لا يتوبُ عليهم حتى يقتلوا أنفسَهم، كما قَدَّمْنَاهُ في سورةِ البقرةِ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: الآية 54] فلم يَقْبَلْ توبةَ أحدٍ منهم إلا بعدَ أن يُقدِّمَ نفسَه للموتِ فَيُقْتَل، فمعنَى: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} أي: فَلْيَقْتُلِ الذين لم يَعْبُدُوا العجلَ منكم الذين عَبَدُوهُ، وليس المعنَى: أن ¬
الإنسانَ يقتلُ نفسَه بيدِه. حتى تَابَ اللَّهُ عليهم، وَرَفَعَ القتلَ عن بقيتِهم. وهذا معنَى قولِه: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: الآية 131]. {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: الآية 132]. قرأه عامةُ القراءِ، غير ابنِ عامرٍ: {عَمَّا يَعْمَلُونَ} وقرأه ابنُ عامرٍ: {عما تَعْمَلُونَ} (¬1) والمعنَى واحدٌ. وقولُه (جل وعلا): {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} التنوينُ: تنوينُ عِوَضٍ. أي: ولكلِّ الناسِ من كافرينَ ومؤمنينَ على التحقيقِ. خِلاَفًا لِمَنْ خَصَّهُ بالكافرين (¬2). لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم درجاتٌ. والدرجاتُ: جمعُ الدرجةِ، وهي المرتبةُ والمنزلةُ (¬3). أي: لِكُلِّ عاملٍ مطيعٍ وعاصٍ، لكل واحدٍ من المطيعينَ والعاصينَ درجاتٌ. أي: منازلُ ومراتبُ يَسْتَحِقُّونَهَا بأعمالهم، فمنهم من هو بدرجتِه في أعلى الجنانِ، ومنهم من هو بأعمالِه في دركاتِ النارِ، وقد بَيَّنَ (جل وعلا) أن الآخرةَ يتفاوتُ أهلُها بدرجاتِهم (¬4)، كما في قولِه: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء: الآية 21] وَبَيَّنَ أن أهلَ النارِ يتفاوتونَ في دركاتِهم قال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: الآية 145] وفي ¬
القراءةِ الأُخْرَى: {فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (¬1) فهم يتفاوتونَ، ففي أعمالِ أهلِ الشرِّ تفاوتٌ، تتفاوتُ بها منازلُهم في النارِ. ولأعمالِ أهلِ الخيرِ تفاوتٌ، تتفاوتُ بها منازلُهم في الجنةِ. وهذا معنَى قولِه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا}. والآيةُ فيها موعظةٌ عظيمةٌ، يعني: أيها المخاطبونَ ما دُمْتُمْ في دارِ الدنيا فَاعْلَمُوا أن الدركاتِ في النارِ والدرجاتِ في الآخرةِ إنما تُنَالُ بالأعمالِ في الدنيا، فَرَاقِبُوا اللَّهَ وَاجْتَهِدُوا في أن تكونَ أعمالُكم صالحةً، لأَنْ تكونَ درجاتُكم ومنازلُكم في الجنةِ عاليةً. وكذلك يُحذِّرُ من أن تكونوا في دركاتِ النارِ - والعياذُ بالله - وهذا معنَى قولِه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا}. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} الخطابُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، و (ما) نافيةٌ، والباءُ في قولِه: {بِغَافِلٍ} هي لتوكيدِ النفيِ؛ لأن للإسنادِ الخبريِّ المنفيِّ توكيدًا كما للإيجابيِّ توكيدًا، فلو قلتَ مثلاً: «زيدٌ قائم». فهذا ليس فيه توكيدٌ، ولو قلتَ في الإثباتِ: «إن زيدًا لقائم». فقد أَكَّدْتَ إثباتَ قيامِه بـ (إن) واللامِ. ولو قلتَ: «ما زيدٌ بقائمٍ». فقد أَكَّدْتَ نفيَ قيامِه بـ (الباءِ)، والباءُ في النفيِ تُفِيدُ التوكيدَ الذي تُفِيدُهُ (إنَّ) في حالةِ الإثباتِ. وهي توكيدٌ للنفيِ، والجارُّ والمجرورُ في مثلِ هذا هو مفردٌ، وليس بِشِبْهِ جملةٍ؛ ولذا لا يُقَدَّرُ له الكونُ ولا الاستقرارُ، فلا يجرى على قولِ ابنِ مالكٍ (¬2): وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ ... نَاوِينَ مَعْنَى (كَائِنٍ) أَوْ (اسْتَقَرْ) ¬
فهذا لا يُقدَّر فيه كَوْنٌ ولا استقرارٌ؛ لأنه مفردٌ زِيْدَتْ به (باءٌ) للتوكيدِ، ليس بِشِبْهِ جُمْلَةٍ. والغفلةُ هي: الغفلةُ عن الشيءِ وخروجُه عن الذهنِ للاشتغالِ بغيرِه، فَاللَّهُ لا يغفلُ عما يعملُه الظَّلَمَةُ، فهو (جل وعلا) لا يغفلُ عن شيءٍ، ولكنه يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ. وقد نَهَى اللَّهُ خَلْقَهُ أن يظنوا به هذه الغفلةَ، قال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} [إبراهيم: الآية 42] يعني: على قولِه: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (¬1) [الأنعام: الآية 132] ليس بغافلٍ عما يعملونَه من الكفرِ، فهو مُدَّخِرُهُ لهم، ومجازِيهم عليه، وَمُخَلِّدُهُمْ به بالنارِ. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} ليس اللَّهُ غافلاً عما تعملونَ أيها المسلمونَ من الخيرِ والحسناتِ، فهو مُدَّخِرُهُ لكم ومجازِيكم عليه، فجميعُ الأعمالِ تُحْفَظُ عند اللَّهِ، لا يغفلُ عن شيءٍ منها، يجازِي بها أهلَها يومَ القيامةِ، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، فمن وَجَدَ خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه. وهذا معنَى قولِه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: الآية 132]. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِّنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: الآية 133]. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} قولُه: {وَرَبُّكَ} خطابٌ لرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأضافَ لفظةَ الربِّ إليه إضافةَ تشريفٍ وتكريمٍ. ¬
والربُّ في لغةِ العربِ: يُطْلَقُ على عشرةِ مَعَانٍ (¬1): منها: السيدُ الذي يَسُوسُ الناسَ ويُدَبِّرُ شؤونَها، وكلُّ مَنْ يسوسُ بلدًا ويدبرُ شؤونَه تقولُ العربُ: هذا رَبُّهُ. وتقول العربُ: فلانٌ رَبُّ بَنِي فُلاَنٍ. أي: سيدُهم الذي يَسُوسُهُمْ ويدبرُ شؤونَهم. والعربُ تقولُ: ربَّه يربُّه. إذا أَصْلَحَ شؤونَه وَسَاسَهُ وَأَصْلَحَ أمورَه. فالفاعلُ: رَبٌّ، والمفعولُ: مربوبٌ. وَمِنْ إطلاقِ العربِ الربَّ على الذي يَسُوسُ الأمورَ وَيُدَبِّرُهَا: قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَة التميميِّ، قال لرجلٍ سَادَ قَوْمَهُ (¬2): وكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رِبَابَتِي ... وقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوبُ أي: سَادَتْنِي قبلكَ سادةٌ وساسةٌ وَضَيَّعُونِي، والآنَ أَفْضَتْ إليكَ ربابتي، فَصِرْتَ رَبِّي الذي يُدَبِّرُ شؤوني، فلا تضيعني. وتعرفونَ في السيرةِ، أن صفوانَ بنَ أميةَ بنِ خَلَفٍ كان عَدُوًّا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن النبيَّ قَتَلَ يومَ بدرٍ أباه أُمَيَّةَ بنَ خلفٍ، وقتلَ أخاه عَلِيَّ بْنَ أُمَيَّةَ بنِ خلفٍ يومَ بدرٍ، وَقَتَلَ عَمَّهُ أُبَيَّ بنَ خلفٍ يومَ أُحُدٍ، وهو من أشدِّ الناسِ عداوةً لرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلما فتحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مكةَ وطلبَ منه إعارةَ السلاحِ المشهورةَ الثابتةَ في الحديثِ طَلَبَ صفوانُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعْطِيَهُ مهلةً ينظرُ فيها في أمرِه، فَأَعْطَاهُ النبيُّ مهلةً ينظرُ فيها في أمرِه، ويتدبرُ فيما يفعلُ، وكان في تلك المهلةِ أن غَزَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هوازنَ - غزوةَ حنينٍ - المذكورةَ في القرآنِ، وكانت الرياسةُ في ذلك الوقتِ صَارَتْ من دُرَيْدِ بنِ الصَّمَّةِ ¬
إلى مالكِ بْنِ عوفٍ النصريِّ، وكان دُريد شائبًا أَعْمَى، وكانت فكرتُه: أن هوازنَ يفعلونَ مثلَ ما فَعَلَتْ ثقيفٌ، يَبْقَوْنَ في ديارِهم، وَيُخْرِجُونَ النبالَ والرماحَ من كُوَى الحصونِ، ويحاصرُهم القومُ فيرامونَهم وهم في مَقَرِّهِمْ. وأبى عن هذه الفكرةِ مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ سيدُ هوازنَ في ذلك اليومِ، وقال: إن لم تطيعونِي لأتكئنَّ على سَيْفِي (في قصةِ حنينٍ المشهورةِ). فخرجَ بهوازنَ بنسائِهم وأطفالِهم وأموالِهم، حتى نزلَ بهم في مضيقِ وَادِي حنينٍ، في طريقِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان دريدٌ أَعْمَى، فقال: ما لِي أسمعُ رغاءَ البعيرِ ونهاقَ الحميرِ وبكاءَ الصغيرِ؟ يظنُّ أن الخارجين جيشٌ فقط. فقيل له: خَرَجَ مالكُ بنُ عوفٍ النصري بالمالِ، يقول: إن الرجلَ إذا كان معه أهلُه ومالُه وزوجاتُه لاَ يَفِرُّ. فَحَرَّكَ بشفتيه استهزاءً برأيه، وقال: إن الرجلَ إذا انتفخَ سِحْرُهُ - أي: رِئَتُهُ - من الخوفِ لا يَلْوِي على مالٍ ولا ولدٍ. ونزلوا مضيقَ حنينٍ، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصبحَ في غَلَسٍ من ظلامِ الليلِ، ثم انحدرَ مع وادي حنينٍ هو وأصحابُه، فلم يعلموا بشيءٍ حتى أَتَوْا هوازنَ، وهم أمامَهم في مضيقِ الوادِي، فَصَبُّوا عليهم النبالَ والسهامَ كأنها مطرٌ تُزَعْزِعُهُ الريحُ، فَوَقَعَ ما وَقَعَ، وقصَّه اللَّهُ في سورةِ براءة: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: الآية 25] وفي ذلك الوقتِ لم يَبْقَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلاً، وَنَزَلَ عن بغلتِه (دُلْدُل)، بغلة لا تصلحُ لِكَرٍّ ولا لِفَرٍّ، وهو يقولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»
والشاهدُ: أنه لَمَّا وقعَ ما وقعَ بالمسلمين في أولِ وهلةٍ، وصفوانُ بن أُميةَ حاضرٌ، ومعه رجلٌ يرافقُه، قال ذلك الرجلُ: بَطَلَ الآنَ سحرُ محمدٍ!! يعني: أن هوازنَ غَلَبُوهُ، وأن قومَه انهزموا، وأن ما كان عنده سِحْرٌ، وأنه بَطَلَ. فقال له صفوانُ - وهو محلُّ الشاهدِ -: اسْكُتْ فُضَّ فُوكَ، لئن يَرُبَّنِي رجلٌ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من أن يَرُبَّنِي رجلٌ من هوازنَ (¬1)!! ومعناه: أن يسودَني ويسوسنِي قُرَشِيٌّ، ابنُ عَمِّي، أحبُّ إِلَيَّ من أن يَسُودَنِي واحدٌ من ثقيفٍ، أهلِ الطائفِ. فهذا يُبَيِّنُ أن معنَى (ربّه يَرُبُّهُ) أي: سادَه وساسَه وَدَبَّرَ أمورَه، وهو بالنسبةِ إلى اللَّهِ (جل وعلا): السيدُ الذي يدبرُ شؤونَ الناسِ، ويسوسُ أمورَها، فلا يستغنِي عنه العَالَمُ طرفةَ عَيْنٍ. قولُه: {الْغَنِيُّ} معناه: هو الذي عنده الغِنَى، واللَّهُ (جل وعلا) غَنِيٌّ بذاتِه غِنًى مُطْلَقًا، لا يحتاج إلى خَلْقِهِ، وخلقُه محتاجونَ إليه. والنكتةُ في الآيةِ: أن اللَّهَ بما مَضَى أَمَرَ وَنَهَى، وَبَيَّنَ ما يُدْخِلُ الجنةَ وما يُدْخِلُ النارَ، ثم نَبَّهَ خلقَه، فكأنه يقولُ: يا عبادي: لا تَظُنُّوا أنني آمُرُكُمْ وَأَنْهَاكُمْ لأَجْلِ أن أَجُرَّ بذلك لنفسِي نفعًا أو أصرفَ عنها ضُرًّا، لا، أنا الغنيُّ بذاتِي الغِنَى المطلق، وإنما النفعُ لكم لا لِي، كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: الآية 15] وفي الحديثِ القدسيِّ، الثابتِ في صحيحِ مسلمٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيما يَرْوِيهِ عن رَبِّهِ، أن اللَّهَ (جل وعلا) يقولُ: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ ¬
وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» الحديثَ (¬1). فهو (جل وعلا) لا ينتفعُ بطاعةِ المطيعِ، ولا تضرُّه معصيةُ العاصِي: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: الآية 8] {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: الآية 6] ولذا قال هنا: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} الذي لا تنفعُه طاعةُ مَنْ أَطَاعَ منكم، ولا تضرُّه معصيةُ مَنْ عَصَى منكم، وهو غَنِيٌّ بذاتِه غِنًى مُطْلقًا. {ذُو الرَّحْمَةِ}: هو الرحيمُ الذي يرحمُكم - إن اتبعتُم أوامرَه - يومَ القيامةِ، كما قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: الآية 43] أي: يدعُوكم إلى طاعتِه - وهو رحيمٌ - ليرحمَكم ويدخلَكم جَنَّتَهُ. وقد قَدَّمْنَا أن (الرحمنَ) هو ذو الرحمةِ الشاملةِ لجميعِ الخلائقِ في الدنيا، و (الرحيمُ) هو الذي يَرْحَمُ عبادَه المؤمنين في الآخرةِ (¬2)، ومن رحمانيتِه (جل وعلا): لطفُه بالطيرِ الصافاتِ، كما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ} [الملك: الآية 19] أي: ومن رحمانيتِه: لطفُه بالطيرِ صافاتٍ وقابضاتٍ في جوِّ السماءِ، وإمساكُه لها. وهذا معنَى قولِه: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} يعني: وَمِنْ شدةِ غناهُ عنكم وعن أعمالِكم، وعدمُ حاجتِه إليكم، ¬
ولا إلى طاعتِكم، ولا إلى معصيتِكم، فهو في قدرتِه أن يذهبَكم جميعًا ويجعلَكم أثرًا بعدَ عَيْنٍ، ويأتي بقومٍ آخرِينَ غيركم، كما جاء بكم أَنْتُمْ من ذريةِ قومٍ آخَرِينَ. وهذا معنَى قولِه: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ}. {وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ}: أي: يَجْعَلْ خلفاءَ فِي الأرضِ بعدَكم خَلَفًا منكم {مَّا يَشَاءُ} من خَلْقِهِ. وهذا المعنَى تَكَرَّرَ في القرآنِ، يُبَيِّنُ اللَّهُ للناسِ أنه قادرٌ على أن يزيلَهم عن بكرةِ أبيهم، ويستبدلَ قومًا غيرَهم، وقد يكونُ المستبدلونَ خيرًا منكم أيها المخاطَبونَ، كقولِه في سورةِ النساءِ: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء: الآية 133] وقولُه (جل وعلا): {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} [هود: الآية 57] إذا استخلفَ غيرَكم فما عليه في ذلك مِنْ ضَرَرٍ، وقولُه في سورةِ فاطرٍ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)} [فاطر: الآيات 15 - 17] أي: ليس فيه صعوبةٌ عليه ولا مشقةٌ، بل هو هَيِّنٌ عليه يَسِيرٌ. وقولُه في أُخْرَيَاتِ سورةِ القتالِ - سورةِ محمدٍ - حيث قال فيها: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: الآية 38] وقد قال في الواقعةِ: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} [الواقعة: الآيتان 60، 61] وقد قال في الإنسانِ: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} [الإنسان: الآية 28] يعني: فَذَهَابُكُمْ جميعًا والإتيانُ ببدلٍ منكم، سهلٌ عَلَيَّ، خفيفٌ عندي، لا يضرُّني شيئًا، فأنتم إنما تنتفعونَ بطاعتِكم
وتتضررونَ بمعصيتِكم، وأنا الغنيُّ بذاتِي عنكم، القادرُ على أن أُذْهِبَكُمْ، وآتِي بغيركم، وقولُه: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} المرادُ هنا: الإذهابُ بوقتٍ واحدٍ، بأن يذهبَهم جميعًا، وليس المرادُ أن يذهبَهم تَدْرِيجًا بالموتِ (¬1)، كما هي عادتُه في القرونِ أن يُفْنِيَ قَرْنًا تدريجًا بالموتِ، ثم يأتي بعدَه بقرنٍ آخَرَ تدريجًا بالولادةِ؛ لأن هذا هو الواقعُ، فلو كان هو المرادَ لَمَا قال: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ} لأنه مُذْهِبُهم قَطْعًا وَمُسْتَخْلِفٌ بعدَهم ما يشاءُ على التدريجِ، هذا واقعٌ قَطْعًا. وقولُه: {وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ} عَبَّرَ بـ (ما) هنا للإبهامِ في الشيءِ، وإن كان قد يقعُ على العاقلِ؛ لأن المقررَ في علمِ النحوِ: أن الشيءَ إذا أُبْهِمَتْ صفاتُه - أي: كان المرادُ صفاته مثلا - أنه يُعبَّرُ عنه بـ (ما) (¬2). وهذا معنَى قولِه: {وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِّنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} كما أنه كان في الأرضِ قَبْلَكُمْ ناسٌ غيركم - قال بعضُهم: هم الذين كانوا في سفينةِ نوحٍ، وقال بعضُهم: يَعُمُّ ما قبلَهم من القرونِ. كان قبلَكم ناسٌ أهلُ ثروةٍ وأهلُ غِنًى في الدنيا، وأهلُ تَمَدُّنٍ ومكاناتٍ (¬3) - أَذْهَبْنَاهُمْ جميعًا، وَجِئْنَا بكم، وَجَعَلْنَاكُمْ خلفاءَ في الأرضِ بعدَهم، كما أَذْهَبْنَا أولئك وجعلناكم خَلَفًا بعدهم، فنحن قادرونَ أيضًا على أن نفعلَ بكم مثلَ ذلك، وهذا معنَى قولِه: {وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِّنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}. ¬
يقول اللَّهُ جل وعلا: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام: الآية 134]. (ما) هنا موصولةٌ، وعائدُ الصلةِ محذوفٌ (¬1)، والتقديرُ: إن الذي تُوعَدُونَهُ لآتٍ لا محالةَ. اعْلَمُوا أَوَّلاً: أن {تُوعَدُونَ} هنا يحتملُ أن يكونَ من الوعدِ، ويحتملُ أن يكونَ من الإيعادِ، والوعدُ: هو الوعدُ بالخيرِ، والإيعادُ: هو الوعيدُ بالشرِّ (¬2)، كما قال الشاعرُ (¬3): وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي فقولُه: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ} بناءً على أنه مِنَ الوعدِ، فَاللَّهُ (جل وعلا) لا يُخْلِفُ وعدَه أبدًا؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: الآية 9] أما إخلافُ الوعيدِ ففيه تفصيلٌ غَلِطَ فيه جماعاتٌ من العلماءِ، حتى كان من يقولُ من العلماءِ بفناءِ النارِ، أن اللَّهَ لو صَرَّحَ بأنها [لا] تَفْنَى (¬4) أن ذلك وعيدٌ، وإخلافُ الوعيدِ من المدحِ لا من الذمِّ، إذ إنَّ مَنْ أَوْعَدَكَ بشرٍّ ثم عَفَا عَنْكَ وأعطاكَ الخيرَ فهذا من الجميلِ، وإنما المذمومُ القبيحُ هو إخلافُ الوعدِ بالخيرِ. والتحقيقُ في هذا المقامِ: أن اللَّهَ (جل وعلا) إِنْ وَعَدَ بِخَيْرٍ فإنه ¬
لا يُخْلِفُ وعدَه أبدا؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} وإن أَوْعَدَ بشرٍّ فإيعادُه بالشرِّ له حَالَتَانِ: تَارَةً يكونُ وعيدًا للكفارِ. وهذا لا يُبَدَّلُ بحالٍ، ويدلُّ عليه قولُه هنا: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ}؛ لأن الكلامَ في الكفارِ الذين يهددُهم اللَّهُ. أي: ما يُوعِدُكُمُ اللَّهُ من العذابِ وَاقِعٌ لاَ محالةَ، يدلُّ عليه قولُه: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} كما سَنُفَسِّرُهُ، وقد صَرَّحَ اللَّهُ في آياتٍ من كتابِه أن وعيدَه للكفارِ لاَ يُخْلَفُ حيث قال فِي سورةِ (ق): {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: الآيتان 28، 29] والمرادُ به على التحقيقِ: ما وُعِدَ الكفارُ به من عذابِ النارِ. وقال جل وعلا: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} [ق: الآية 14] حَقَّ: معناه ثَبَتَ وَوَجَبَ، وما قال اللَّهُ فيه: «إِنَّهُ ثَبَتَ وَوَجَبَ» لا يمكنُ أن يتخلفَ، و (الفاءُ) في قولِه: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} من حروفِ التعليلِ، وقد تقررَ في الأصولِ في (مسلكِ النصِّ) وفي (مسلكِ الإيماءِ والتنبيهِ) أن (الفاءَ) من حروفِ التعليلِ (¬1) كما تقولُ: «سَهَا فَسَجَدَ»، أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ. و «سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ» أي: لِعِلَّةِ سرقتِه. و «أَسَاءَ فَأُدِّبَ». أي: لإساءتِه. {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} أي: وَجَبَ الوعيدُ لأجلِ تكذيبِ الرسلِ، ونظيرُه قولُه في (ص): {إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [ص: الآية 14]. أما الوعيدُ الذي يجوزُ أن يُخْلَفَ: هو وعيدُ اللَّهِ لِعُصَاةِ المسلمين، فإن اللَّهَ أَوْعَدَ مُرْتَكِبِي الذنوبِ الكبائرِ بأنه يُعَذِّبُهُمْ، وهذا ¬
الوعيدُ إن شاءَ اللَّهُ أَنْفَذَهُ، وإن شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْ أَهْلِهِ. وَصَرَّحَ اللَّهُ بهذا في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: الآية 48] فَجَعَلَ غيرَ الشركِ من الكبائرِ تحتَ مشيئتِه، إن شاء عَفَا، وإن شَاءَ عَذَّبَ. هذا هو تحقيقُ المقامِ في الوعدِ والوعيدِ (¬1). قولُه هنا: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} أي: ما يُوعَدُ به من ثوابٍ وخيرٍ فهو آتٍ لاَ محالةَ، وما يُوعَدُ به الكفارُ المكذبونَ للرسلِ من العذابِ والتنكيلِ فهو آتٍ لاَ محالةَ. ثم قال: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} المعجزونَ: جمعُ تصحيحٍ للمعجزِ، والمعجزُ: اسمُ فاعلِ الإعجازِ، ومفعولُ اسمِ الفاعلِ هنا محذوفٌ. والمعنَى: وما أنتم بمعجزينَ رَبَّكُمْ. أي: لستُم بِفَائِتِيهِ حتى تُعْجِزُوهُ فيعجزَ عن التمكنِ منكم وتعذيبِكم، بل أنتم في قبضةِ يدِه، وتحتَ قهرِه وسلطانِه، لا تُعْجِزُونَهُ ولا تَفُوتُونَهُ، بل أَمْرُهُ وَاقِعٌ فيكم، نافذٌ فيكم، ليس لكم مَفَرٌّ وَلاَ مَلْجَأٌ، ولا يمكنُ أن تُعجزوا رَبَّكُمْ وتفوتوه حتى لا يُعَذِّبَكُمْ. فَعُرِفَ من هذا أن المفعولَ محذوفٌ، العربُ تقول: «طَلَبَ فلانًا فَأَعْجَزَهُ». أي: فاتَه ولم يَقْدِرْ على إدراكِه، واللَّهُ يقولُ: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} لا تُعْجِزُونَنِي فتسبقونني حتى لا أُنَفِّذَ فيكم ما أَوْعَدْتُكُمْ به، بل أَنْتُمْ تحتَ قَهْرِي وسلطانِي، وفي قبضةِ يدِي، وَسَأُنَفِّذُ فيكم ما أشاءُ من وَعِيدِي الذي قلتُ: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} وهذا معنَى قولِه: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}. ¬
{قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: الآية 135]. قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ، ما عدا شعبةَ عن عاصمٍ: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} بالإفرادِ، وقرأه شعبةُ - وحدَه - عن عاصمٍ: {اعملوا على مكانتكم} بمدّ النونِ جمعِ مكانةٍ. وكذلك قرأَ شعبةُ في جميعِ القرآنِ. وقرأ عامةُ القراءِ أيضًا ما عدا حمزةَ والكسائيَّ: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} بالتاءِ الفوقيةِ في قولِه: {مَنْ تَكُونُ} وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: {فسوف تعلمون من يَكونُ له عاقبةُ الدار} (¬1). ولا إشكالَ في قراءةِ شعبةَ، ولاَ في قراءةِ حمزةَ والكسائيِّ؛ لأن قراءةَ شعبةَ أن كُلَّ واحدٍ له مكانةٌ يَعْمَلُ عليها، فَجُمِعَتِ المكاناتُ اعتبارًا بتعددِ المخاطَبين. وعلى قراءةِ الجمهورِ: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} فالمكانةُ أُضِيفَتْ إلى مُعَرَّفٍ وهي مفردٌ فَعَمَّتْ جميعَ المكاناتِ؛ لأن المقررَ في الأصولِ: أن المفردَ إذا أُضِيفَ إلى مُعَرَّفٍ صَارَ صيغةَ عمومٍ يشملُ جميعَ الأفرادِ (¬2)، كقولِه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ} [النحل: الآية 18] أي: نِعَمَ اللَّهِ. وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: الآية 63] أي: عن أوامرِه {إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي} [الحجر: الآية 68] أي: ضُيُوفِي كما هو معروفٌ. فَكِلْتَا القراءتين ¬
معناهما واحدٌ، وكذلك قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ: {مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} يجوزُ فيه التذكيرُ بأمرين: أحدُهما: أن العاقبةَ تأنيثُها مَجَازِيٌّ، والتأنيثُ المجازيُّ إذا كانت (الفَاعِلَة) تأنيثُها مَجَازِيًّا جَازَ في الفعلِ التذكيرُ والتأنيثُ (¬1). الثاني: أنه فَصَلَ بَيْنَ الفعلِ وفاعلِه فَصْلٌ، وهو قولُه: {مَنْ تَكُونُ لَهُ} والفَصْلُ بَيْنَ الفعلِ وفاعلِه يُسَوِّغُ تذكيرَ الفعلِ، ولو كان فاعلُه مؤنثًا حَقِيقِيًّا، كما هو معروفٌ في علمِ النحوِ (¬2). ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: أن الله (جل وعلا) أَمَرَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أن يهددَ الكفارَ تَهْدِيدًا عظيمًا بأُسلوبٍ لطيفٍ في غايةِ الإنصافِ واللطافةِ، مع اشتمالِه على أعظمِ التهديدِ، وأشنعِ التخويفِ، وهو قولُه: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ}. {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا} أصلُه: (يَا قَوْمِي) حُذِفَتْ ياءُ المتكلمِ، وحَذْفُ ياءِ المتكلمِ اكتفاءً بالكسرةِ لغةٌ فُصْحَى مُطَّرِدَةٌ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ (¬3). وقد قَدَّمْنَا (¬4) أن (القومَ) اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِنْ لَفْظِهِ، وأن معناه في لغةِ العربِ: جماعةُ الرجالِ دونَ النساءِ، وأن النساءَ رُبَّمَا دَخَلْنَ في اسمِ (القومِ) تَبَعًا. أما الدليلُ على أن لفظَ (القومِ) في النطقِ العربيِّ يختصُّ بالرجالِ دونَ النساءِ: فقولُه تعالى في الحجراتِ: {لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} ¬
ثم قَالَ: {وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ} ( ... ) (¬1) [الحجرات: الآية 11]. ( ... ) (¬2) فيها الربا إِجْمَاعًا، التي هي: القمحُ والشعيرُ والتمرُ والزبيبُ، قالوا: كُلُّ واحدةٍ من هذه الأربعِ مُقتاتةٌ مُدَّخَرَةٌ، معناه أنها قوتٌ يَتَقَوَّتُ به الإنسانُ، وأنه يَدَّخِرُهَا أَزْمَانًا فلا تضيعُ، فكل مُقْتَاتٍ مُدَّخَرٍ من الحبوبِ والثمارِ تجبُ فيه الزكاةُ عندَ مالكٍ والشافعيِّ (¬3). وأنهما اتَّفَقَا أيضًا على أن الأشجارَ ليس في ثمارِها شيءٌ مُقتاتٌ مُدَّخَرٌ إلا الزبيبَ والتمرَ خاصةً، ولم يُوجِبْ مالكٌ والشافعيُّ الزكاةَ إلا في التمرِ والزبيبِ خاصةً، أما غيرُهما من ثمارِ الأشجارِ فليست عندَهما مِمَّا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ (¬4)، ولم يُوجِبَا فيها شَيْئًا إلا الزبيبَ والتمرَ. وأما الحبوبُ فإن مَالِكًا والشافعيَّ اتَّفَقَا أيضًا على أن كُلَّ ما يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ من الحبوبِ أنه تَجِبُ فيه الزكاةُ، وهي الْعُشْرُ ونصفُ الْعُشْرِ على ما قَرَّرْنَا، والحبوبُ الْمُقْتَاتَةُ المُدَّخرةُ: كالقمحِ والشعيرِ اللذين - مثلاً - دَلَّ الإجماعُ والنصُّ عليهما، ونحوهما من السُّلْتِ (¬5)، ¬
والعَلَسِ (¬1)، والأرزِ والذرةِ، وأنواعِ القطانيِّ الثمانيةِ (¬2): كالبَسِيلَةِ (¬3)، والجُلُبَانِ (¬4)، والحِمَّصِ، والتُّرْمُسِ (¬5)، والفولِ إلى غيرِ ذلك من أنواعِ القطانيِّ الثمانيةِ؛ لأن القطانيَّ ثمانيةُ أنواعٍ. وضابُطها: ما يَثْبُتُ فيه الربا من الفولِ والحِمَّصِ والتُّرْمُسِ واللوبيا والجُلُبَانِ والْجُلْجُلاَنِ (¬6)، والبَسِيلَةِ. أما الكِرْسِنَّةُ (¬7): فالمشهورُ في مذهبِ مالكٍ أنها لا زكاةَ فيها لأنها عَلَفٌ، خلافًا لأشهبَ من أصحابِ مَالِكٍ، إلا أن مشهورَ مذهبِ مَالِكٍ أن الكِرْسِنَّةَ ¬
من أنواعِ القطانيِّ في بابِ الربا لا في بابِ الزكاةِ (¬1). وَزَعَمَ قومٌ أن الكِرْسِنَّةَ هي البَسِيْلَةُ من أنواعِ القطانيِّ. هذه الحبوبُ هي التِي تُقْتَاتُ وَتُدَّخَرُ، وتجبُ فيها الزكاةُ: القمحُ والشعيرُ والسُّلْتُ والعَلَسُ والذرةُ والأرزُ والدخنُ، وأنواعُ القطانيِّ: كالتُّرْمُسِ والحِمَّصِ والبَسِيلةِ والفولِ والجُلُبَانِ والجُلْجُلانِ وَاللُّوبْيَا إلى غيرِ ذلك، هذه الحبوبُ التي تُقْتَاتُ وَتُدَّخَرُ تجبُ فيها الزكاةُ عندَ مَالِكٍ والشافعيِّ. وإنما اخْتَلَفَا في شيئين: أحدُهما: أن مَالِكًا يقولُ (¬2): إن القطانيَّ يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ في الزكاةِ، وإن القمحَ والشعيرَ والسُّلْتَ يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، فَمَنْ حَصَدَ عند مَالِكٍ وَسْقًا من فولٍ، وَحَصَدَ وَسْقًا من جُلُبَان، وحصد وسقًا من بَسِيلَة، ووسقًا من لوبيا، ووسقًا من حِمَّص فإنه تَجِبُ عليه الزكاةُ؛ لأنها خمسةُ أَوْسُقٍ من جنسٍ واحدٍ. وإن اخْتَلَفَتْ أنواعُها يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ ويُخرج من كلِّ نوعٍ بحسبِه. والشافعيُّ يقولُ (¬3): لا يُضَمُّ شيءٌ منها إلى شيءٍ، فلاَ يُضَمُّ فولٌ إلى لوبيا، ولا تُرْمُسٌ إلى حِمَّصٍ؛ بل كُلٌّ فِي جِرَابِهِ، وإذا حصدَ خمسةَ أوسقٍ من واحدٍ وَجَبَتِ الزكاةُ، وإلا فَلاَ. كما أن الشافعيَّ يقولُ: لاَ يُضَمُّ قَمْحٌ إلى الشعيرِ، ولا الشعيرُ إلى القمحِ، ولا السُّلْتُ إلى واحدٍ منهما. ومالكٌ يقولُ: إنه إذا قَطَعَ وَسْقَيْنِ من قمحٍ، وَوَسْقَيْنِ من شعيرٍ، وَوَسْقًا من سُلْتٍ، أنها تكونُ ¬
خمسةَ أوسقٍ، يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، فتجبُ فيها الزكاةُ، فَيُخْرِجُ عَنْ كُلٍّ بحسبِه. أما العَلَسُ عند مالكٍ فلا يُضَمُّ إلى هذه الثلاثةِ. والحاصلُ أن مَالِكًا لا يُضَمُّ عندَه إلا أنواعُ القطانيِّ الثمانيةُ. يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، وَيُضَمُّ عندَه القمحُ والشعيرُ والسُّلْتُ، هذه الثلاثةُ بعضُها إلى بعضٍ. وأما غيرُ هذا فَلاَ ضَمَّ، فلا يُضَمُّ تمرٌ إلى قمحٍ، ولا سُلْتٌ إلى ذرةٍ، ولا ذرةٌ إلى أُرْزٍ، بل كُلٌّ بِحَسَبِهِ. والشافعيُّ لا يرى ضَمَّ شيءٍ من هذا إلى شيءٍ. هذا حاصلُ مذهبِ مَالِكٍ والشافعيِّ. وقد اخْتَلَفَا في أشياء: منها الزيتونُ هل فيه زكاةٌ أو لا؟ فمشهورُ مذهبِ الإمامِ مَالِكٍ (رحمه الله) أن الزيتونَ تجبُ فيه الزكاةُ إذا بَلَغَ حَبُّهُ خمسةَ أَوْسُقٍ، ولكنه لا يُخْرَجُ إلا مِنْ زَيْتِهِ، فإذا كان حَبُّ الزيتونِ خمسةَ أوسقٍ وَجَبَتْ الزكاةُ فيه، ولكن الإخراجَ من زيتِه، وهو الْعُشْرُ أو نصفُ الْعُشْرِ. فالوجوبُ في الْحَبِّ، والإخراجُ من الزيتِ. هذا مشهورُ مذهبِ مَالِكٍ، ومثلُ الزيتونِ عندَ مَالِكٍ في هذا - من أنه يُنْظَرُ نصابُ الأَوْسُقِ من الْحَبِّ، ثم يُخْرَجُ من الزيتِ مثلُ الزيتونِ عندَه - السمسمُ، وبذرُ الفجلِ الأحمر، والقِرْطمُ. والقِرْطمُ: حَبُّ الْعُصْفِرِ. هذه الأربعةُ التي هي: الزيتونُ والسمسمُ والقِرْطمُ وبذرُ الفجلِ الأحمر خاصةً، هي عند مَالِكٍ إذا كانت حُبُوبُهَا تبلغُ النصابَ وَجَبَتْ فيها الزكاةُ، وَأُخْرِجَ العشرُ أو نصفُه من زَيْتِهَا، هذا مشهورُ مذهبِه (رحمه الله) (¬1)، ولا زكاةَ ¬
عند مَالِكٍ في كتانٍ ولاَ في غيرِه مما ذَكَرْنَا. ومذهبُ الإمامِ الشافعيِّ مختلفٌ - أيضا - في الزيتونِ (¬1)، فقال في القديم: إن الزيتونَ فيه زكاةٌ إِنْ صَحَّ أَثَرُ عُمَرَ الذي وَرَدَ فيه. وقد وَرَدَ عَنْ عُمَرَ (¬2) وَابْنِ عَبَّاسٍ (¬3) أثرانِ أن في الزيتون زكاةً، والأثرانِ ضعيفانِ لاَ تقومُ حجةٌ بواحدٍ منهما؛ وَلِذَا كانَ مذهبُ الشافعيِّ في الجديدِ: أن الزيتونَ لا زكاةَ فيه (¬4). والخلافُ عندَه في القِرْطُمِ (¬5) - أيضا - كالخلافِ في الزيتونِ، فيه الزكاةُ في القديمِ، وفي الجديدِ لا زكاةَ فيه، وهذا معروفٌ عِنْدَهُمْ (¬6). واختلاف العلماء في زكاة العسل معروف، يُذكر في هذا المحل عند الآيات الدالة على هذا، وإن كان العسل ليس في نفسه مما تنبته الأرض، ولكن نَحْله تَرْعَى فيما تنبته الأرض فتُخْرِجه. ¬
وزكاة العسل الخلاف معروف فيها بين العلماء (¬1)، فعند مالك: لا زَكَاةَ في العسل، والخلاف عَنِ الشَّافِعِي؛ في القديم: يُزكَّى العسل، وفي مَذْهَبِهِ الجديد: لا يُزَكَّى، ومذهب الإمام أحمد: زَكَاة العَسَلِ، ومذهب أبي حنيفة أنه إن كان في أرض العُشر زُكِّيَ وإلا فَلَا. وقَدْ وَرَدَتْ في زكاة العسل أحاديث متعددة، كحديث بني شبابة، وهم بطن من بني فهم، أنهم كانوا يؤدون زكاة عَسَلِهِمْ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وقال البخاري وغير واحد من المحدثين: إِنَّ زكاة العسل لم يثبت فيها حديث واحد قائم، ولم يصح فيها شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ¬
وجميع الأحاديث الواردة في زكاة العسل لا يخلو إسناد شيء منها من قادح وكلام (¬1). قالوا: والأصل براءة الذمة، وعَضَّدُوا عدم الزكاة في العسل بالقياس على اللبن، قالوا: إن العسل واللبن كلاهما مائِع خارج من حيوان، واللبن لا زكاة فيه، والعسل كذلك. والحاصِل أن العسل وردت في الزكاة فيه أحاديث متعددة. قال بعضهم: بعضها يشدّ بعضًا. وأخذ بمضمونها الإمام أحمد في طائفة من العلماء، فأوجب الزكاة في العسل، والجمهور: منهم الشافعي في الجديد، ومالك، قالوا: لا زكاة في العسل؛ لأنه لم يثبت فيه شيء، والأصل براءة الذمة، وليس هو مما تنبته الأرض مباشرة حتى يدخل في عموم: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة: الآية 267]. أيضًا كذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الزيتون (¬2)، وروى عنه بعض أصحابه أن فيه الزكاة، وروى بعضهم أنه ليس فيه الزكاة. وليس عند الإمام أحمد زكاة في العُصْفُر، ولا في ¬
الكتان (¬1)، وإنما الزكاة عند أحمد -رحمه الله- بما استوجب ثلاثة أشياء؛ لأن علّة الزكاة عنده مركبة من ثلاثة أوصاف، وهي: أن يكون الشيء مكيلاً، وأن يكون ييبس، لا يبقى مبلولاً دائمًا، وأن يكون يبقى ويجوز ادِّخاره لبقائه، فكل ما جمع هذه الأوصاف الثلاثة، بأن كان يُكال وييبس ويبقى، ففيه الزكاة عند الإمام أحمد (¬2)؛ ولذا قال: إن بعض الأشجار ثمارها تُكال وتَيْبَس وتبقى، ولا يُشترط كونها قوتًا، سواء كانت قوتًا أو غير قوت؛ ولذا أوجب الإمام أحمد الزَّكاة في بعض ثمار الأشجار التي لم يُوجِبْهَا مَالِك والشافعي؛ لأن مالكًا والشافعي اشْتَرَطَا الاقتيات والادِّخَار، وأحمد لم يشترط الاقتيات، قال: إن كان الشيء يُكال وييبس ويبقى وجبت فيه الزكاة؛ ولذا أوجب الزكاة في بعض ثمار الأشجار؛ لأنها تيبس وتبقى، وإن كانت لا يمكن أن تكون قوتًا، فأوجبها في بعض ثمار الأشجار؛ كالفستق، والبندق، وما جرى مجراهما. هذا مذهب الإمام أحمد. وكذلك أوجب الزكاة في كل حبّ ييبس ويَبْقى ويكال، وإن كان لا يُقتات، وتجب الزكاة عنده في الأبازير التي تُصلح الطعام؛ كالكمون بنوعيه: الأحمر والأسود، والكراويا، واليانسون، وما جرى مجرى ذلك. وتجب عنده في كل بذر يزرع، وتجب عنده الزكاة في بذر الكتان، وفي بذر الخيار والقثاء، وكل ما جرى مجرى ذلك؛ لأنها حبوب تيبس وتُكال وتبقى، هذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله (¬3). ¬
وهؤلاء الأئمة الثلاثة لا تجب عندهم الزكاة إلا فيما بلغ الخمسة الأوسق (¬1) -أعني: مالكاً والشافعي والإمام أحمد- لأن عموم: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاء العُشر» (¬2) وعموم: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة: الآية 267] يخصصه عندهم حديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقة» (¬3) فأقل نصاب الحبوب والثمار أن يبلغ خمسة أوسق. والوسْقُ - بالفتح والكسر- ستون صاعاً بإجماع العلماء (¬4). والصاع الشرعي النبوي بالتقريب: ملء اليدين المتوسطتين، لا مقبوضتين ولا مبسوطتين (¬5)، ¬
وهو بالضبط (¬1): وزن رطل وثلث بالبغدادي (¬2)، فوزن الرطل وثُلث الرطل بالبغدادي هو الصاع النبوي (¬3). فعدة الأوساق بالأمداد: ألف مُدّ ومائتا مدّ (¬4)، وبالصيعان: ثلاثمائة صاع، وبالأرطال: ألف وستمائة رطل (¬5)، هذا هو نصاب الحبوب والثمار. والرطل عندهم عندما حققه مالك وأصحابه -وهم أدرى الناس بقدر الصاع والمدّ؛ لأنهم في محل الصاع والمد، قَدْرُه عندهم يعني بالوزن- ألف وستمائة رطل. ووزن الرطل عندهم مائة وثمانية وعشرون درهمًا ¬
مكيًّا (¬1)؛ لأن وزن الذهب والفضة وزن مكة، والكيل كيل أهل المدينة (¬2)، ووزن الرطل: مائة وثمانية وعشرون درهمًا مكيًّا، ووزن الدرهم المكّيّ: خمسون وخمُسا حبة من مطلق الشعير (¬3) وزيادة ابن حزم خمسة أسباع حبة (¬4) ردّها المحققون من علماء المالكية، هذا هو النصاب، وهو خمسة أوسق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَة». والمُزَكَّيَات فيها -عندهم - تفصيل، فيها نوعان يُخرصان قبل إخراج الزكاة بلا نزاع (¬5)، وهما: التمر والزبيب، والزبيب: العنب اليابس، فإنه إذا بدا صلاح التمر وتهيأ العنب للأكل يُخرصان، فيرسِل السلطان إليهما خارصاً حازراً يخرصهما، بشرط أن يكون أمينًا عدلًا، عارفًا بالخرص، صادق الحزر غالباً، فيأتي لهذا البستان ويخرصه نخلة نخلة، فيقول: في هذه النخلة الآن كذا من البلح من الزهو، ثم يكون فيها من الرطب كذا، فإذا يَبِسَتْ وجَفّ رطبها نقص بكذا. فيحصل منها من التمر اليابس قدر كذا وكذا، ثم إذا خرصوا ذلك وحزروا قَدْر ما يحصل منه من التمر اليابس قيَّدُوه على ¬
صاحبه، وقالوا لصاحبه: بينك وبين بُسْتَانِكَ، فَكُلْ ما شِئْتَ، وَبِعْ ما شئت، وتصَرَّفْ فيه كيْفَ شِئْتَ، ولكنه عند الجذاذ أدِّ قدر هذا الخرص تمراً يابساً، أو زبيباً يابساً (¬1). وهذا لم يخالف فيه إلا القليل من العلماء، فجماهير العلماء على الخرص، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تَبُوك لما مرّ بِوَادِي القرى نزل بحائط امرأة، فقال لقومه: اخرصوا كم يخرج منه؟ فخرصوا، وخرصه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الخارصين، وقال لها: في خرصه: «أرى أن تحصُلَ منه عشرةَ أوْسُقٍ من التَّمْرِ اليَابِس، واحْفَظِيهِ حتى نرجِعَ من سَفَرنا» فلما رجعوا من غزوة تبوك سألوا المرأة فقالت: خرج منه عشرة أوسق مطابقة لحزره - صلى الله عليه وسلم - (¬2). مضمون هذا الحديث ثابت في صحيح مسلم والبخاري، وهو يَدُلّ على أن الخرص حَق، وأنه سُنَّة. والظاهر أنهم ما خرصوه إلا ليأخذوا زَكَاتَهُ إذا كانوا قافلين، والأحاديث الكثيرة في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث الخارصين، كعبد الله بن رواحة وغيره إلى يهود خَيْبَر، فيخرص عليهم النخل، ويقول لهم: إن شئتم خذوه بهذا الكيل، وإن شئتم دعوه لنا بهذا الكيل (¬3)، هذا معروف. ¬
وشذّت طائفة من العلماء (¬1)، فقال الشعبي: الخرص بدعة (¬2). وقال سفيان الثوري: لا يجوز الخرص؛ لأنه ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، والظنّ أكْذَب الحديث (¬3). وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله (¬4) - قال: الخرص ظن وتخمين لا يثبت به حكم أبداً، وإنما كان النبي يأمر بخرص النخيل تخويفاً للقائمين عليه من أن يخونوا، فالمقصود به عنده تخويفهم من الخيانة. وقالوا: لا يُعمل بالخرص، ولا يثبت به حكم؛ لأنه ظَنّ وتَخْمِين، والظن لا يُغني من الحق شيئًا. وجمهور العلماء على أن الخرص حق، ولكن اختلفوا: هل هو واجب أو سنة؟ (¬5) فبعضهم يقول: واجب؛ لئلا يُضيَّقَ على أهل النخيل في ثمارهم؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكْلِ مِنْهَا، ولا تضيع حقوق الفقراء؛ إذ لو أكلوها قبل الخرص، ولم يُعلَمْ قدر ما فيها لضاع هؤلاء، والخرص يجمع مصلحة الطرفين، بأن يُخلى بين أهل البساتين وبساتينهم، وتُحفظ للفقراء حقوقهم. ¬
وقال بعض العلماء: الوجوب لا يلزم إلا بدليل جازم، وبعضهم يقول: هو سُنَّة. والدليل على الخَرْص: هو حديث عَتَّاب بن أسيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أن يُخْرَص العنب كما يُخرص النخل، فتُؤدَّى زكاته زبيباً عند الجذاذ، كما تُؤدى زكاة النخل تمراً (¬1). هذا الحديث من مراسيل سعيد بن المسيب، ورواه سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد، وسعيد لم يُدرك عتاب بن أسيد رضي الله عنهما؛ لأن سعيدًا وُلِدَ في خلافة عمر، وعَتَّاب بن أُسيْد توفِّيَ في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر رضي الله عنهما فَلَمْ يُدْرِكْه، إلا أن مراسيل سعيد بن المسيب معروف حكمها في علوم الحديث (¬2). وقد أقرّ علماء الشافعية أن هذا النوع من مرسل سعيد يتفق الشافعية على قبوله؛ [18/ب] /ولأنه شاع عن الشافعي أنه يَقْبَل جميع مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنها تُتُبِّعَتْ كلها فَوُجِدَتْ ¬
مَسَانيد. وقال النووي في شرح المهذب وغيره: إن الشافعي لم يَقُلْ بالعمل بمراسيل سعيد مطلقاً بل بِقَيْدٍ، وهو أن يرِد الحديث مرسلًا من جهة أُخْرَى، أو مسنداً من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة، أو يعمل به أكثر العلماء (¬1). وهذه الشروط موجودة هنا؛ لأن الخرص عمل به بعض الصحابة، وعمل به أكثر العلماء، فمرسل سعيد هذا اتفق الشافعية على قبوله، مع أن المشهور في مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة ومذهب أحمد: الاعتداد بالمرسل مطلقاً، فظهر إجماع الأئمة الأربعة على الاحتجاج بمرسل سعيد هذا في خرص التمر والعنب (¬2). ولا يخرص غير التمر والعنب من الأشجار، ولا من الحبوب على التحقيق الذي عليه جمهور العلماء؛ لأن النص إنما ورد بخرص التمر والعنب فقط، ولم يرد في خرص شيء غيرهما. والثاني: أن خرص التمر ممكن لأن أعذاقه تجتمع في رأس النخلة في محل متقارب، فيمكن خارصها أن ينظر جميعها حتى يحزر ما فيها، وكذلك العنب تجتمع عناقيده وتَتَمَيَّز ويمكن خرصها، أما غير ذلك من الأشجار فإن ثِمَارَهُ تَتَفَرَّق في كل الشجرة وتختلط بأوراقها، والحب مستتر في سُنْبُلِهِ، فلا يمكن الخرص فيه (¬3). ¬
وكأن الأئمة الثلاثة: مالكًا والشافعي وأحمد، اتفقوا على أن التين لا زكاة فيه (¬1) وهذا من الغَرِيب؛ لأن التين ييبس ويُقْتَات ويُدخر. وكان ابن عبد البر يقول: أظن أن مالكًا رحمه الله ما كان يعرف التين، ولا يظن أنه ييبس ويُقتات ويُدَّخَر، ولو كان يظن ذلك لجعله كالزبيب ولم يعُدّه مع الفواكه. أما الفواكه؛ كالرُّمَّان، والتّفّاح، والفِرْسِك - وهو الخوخ - والإجَّاص (¬2)، والكمثرى، وما جرى مجرى ذلك، والخَضْراوات: كالقثاء والخيار وأنواع البقول المعروفة من: كَرَفْسٍ ونعناع وما جرى مجرى ذلك، فهذا لا زكاة فيه عند الأئمة الثلاثة (¬3)، وقد جاء بعض الآثار وبعض الأحاديث في وجوب الزكاة في الخَضْراوات ولم يصح فيها شيء (¬4). ودليل الجمهور أن الفواكه جميعها، والخَضْراوات جميعها لا زكاة فيها: أنه لم يؤخذ عن أحد من المسلمين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ في المدينة شيئًا من زكاة الخَضْراوات ولم يتعرض لها أبدًا، ولمَّا ¬
فَتَحوا الطائف كانت الفواكه فيه بكثرة من غيرها؛ مِنْ رُمَّان وفِرْسِك وغير ذلك، ولم يُنْقَل عن النبي ولا عن أحد من أصحابه أن أحداً منهم تَعَرَّضَ لِلْفَوَاكِهِ أو الخَضْراوات وأخذ منها شيئًا. ومعلوم أن أبا حنيفة يوجب الزكاة في الجميع نظراً للآية التي ذكرنا (¬1). فبهذا تعلمون أن مالكاً والشافِعِيَّ يُوجِبَان الزكاة في كلِّ مُقتات مُدَّخر، وليس مُقتاتاً عندها من الأشجار إلا التمر والزَّبِيب، وأن الإمام أحمد يوجب الزكاة في كل ما ييبس ويُكالُ ويَبْقَى. وكان داود بن علي الظاهري يقول: ما تُنْبِتُهُ الأرض إن كان مكيلاً فلا يُزَكَّى حتى يبلغ الخمسة أوسق، وإنْ كَانَ غير مكيل وَجَبَتِ الزكاة في قليلِهِ وكَثِيرِهِ (¬2). والحق أن هذا المذهب لولا أنه عُورض بما هو أقوى منه كان أقرب المذاهب إلى ظاهر النصوص؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (¬3) يدل على أن الزكاة تَخْتَصُّ بما هو موسّق، والوسق يختص بالْكَيْلِ بإجماع العلماء؛ لأن الوسق معيار كيلي بلا نزاع؛ لأنه ستون صاعاً، والصاع معيار كيلي، وهذا معروف، وإن كان ليس مكيلًا يدخل في عموم: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة: الآية 267] إلا أن مذهب داود هذا مع اتجاهه وجَمْعِهِ ¬
للنصوص يَرِدُ عليه ما ذكرناه الآن من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَتَعَرَّضْ هو ولا أحَدٌ من أصحابه إلى أخْذِ الزكاة من الفَوَاكِهِ والخَضْراوات، ولا شيء من ذلك. وهذا الذي ذكرنا يُعلم منه أن أبا حنيفة (رحمه الله) لا يَشْتَرِطُ النِّصَاب، ولا خمسة أوسق، ولا كون النابت في الأرض قوتًا أو غير قوت، ييبس أو لا ييبس، مدخراً أو لا، وأن الأئمة الثلاثة اشترطوا كما ذكرنا. وهذا معنى قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: الآية 141] على أن المراد بها الزكاة. وهذا الذي ذكرنا يعرف به الإنسان مذاهب العلماء في كل ما يخرج من الأرض، وقد بَيَّنَّا خلافهم في عين ما تجب فيه الزكاة، وبَيَّنَّا أنه عند الشافعي ومالك: كل ما يُقتات ويُدَّخَر، وأنه عند أحمد: كل ما يَيْبَس ويُكَالُ ويبقى، وأنه عند أبي حنيفة: لا يُشْتَرَطُ فيه شيء، هذا عين الذي تجب فيه الزكاة، وقد بينا أنها عند الجميع القدر الذي تجب فيه هو: خمسة أوسق فصاعدًا، وأن أبا حنيفة يوجبها في القليل والكثير، وأن القدر اللازم إخراجه هو العُشر فيما لا يُسقى بِكُلْفَة، ونصف العُشر فيما سُقي بهذا (¬1). هذا هو حاصل كلام العلماء في هذه المسائل الثلاثة. وإذا عرفت عين ما تجب فيه الزكاة، وقدر النصاب الذي تجب فيه، وقدر الزكاة التي تخرج منه، فقد عرفت المسألة. وقوله: {يَوْمَ حَصَادِهِ} فيه للعلماء إشكال -على أنه ¬
الزكاة (¬1) - لأنه يوم الحصاد لم يكن تمراً يابساً، ولم يكن زبيباً يابساً، والزكاة إنما تُخرج منه بعد أن يكون تمراً يابساً، أو زبيباً يابساً. قالوا: المراد بيوم الحصاد: أن المراد به عند حصاده، ويراد: أن زمن الحصاد قد يطول إلى أن يصح يُبْسه من زبيب وتمر، ونحو ذلك، وهذا يوجد في كلام العرب، يقول: افعله عند كذا، ويريد به الاتساع في الوقت، كما تقول: لقيت زيداً سنة كذا، وتقول: لقيته في يوم أول منها، ويكون جميع السنة بعده لم تلقه فيه، هذا يمكن في كلام العرب، وهذا معنى قوله -على هذا القول-: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (¬2). قرأه أبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: {يَوْمَ حَصَادِهِ} وفَتْح الحاء في (الحصاد) هي لغة التميميين وغيرهم من قبائل نجد. وقرأ الآخرون: {يَوْمَ حِصَادِهِ} بكسر الحاء. وهي لغة الحجازيين، وهما لغتان معروفتان، وقراءتان مشهورتان (¬3): كالحَصاد والحِصاد، والجَذاذ والجِذاذ، والقَطاف والقِطاف (¬4). وقوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ} في هذه الآية أوجه معروفة متقاربة من التفسير (¬5): ¬
أحدها: كلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه، ولا تسرفوا في الإعطاء حتى تتركوا عائلتكم وأولادكم فقراء ليس عندهم شيء يأكلونه. والذين قالوا هذا قالوا: نزلت هذه الآية في المدينة في ثابت بن قيس بن شَمَّاس، كان عنده خمسمائة نخلة فجذَّها، وقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فلم يزل يُطعم الناس حتى راح وليس عنده ثمر، فنزل: {وَآتُواْ حَقَّهُ} (¬1). {وَلاَ تُسْرِفُواْ} في الإيتاء حتى لا تتركوا لأنفسكم ولعيالكم ما يأكلون، وهذا التفسير كقوله: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: الآية 29]، وقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: الآية 67]. وقال بعض العلماء: لا تسرفوا في شيء من الأعمال؛ لأن الإسراف كله مذموم. وقال بعض العلماء: إنه راجع إلى قوله: {وكُلُواْ} أي: كلوا من ثمره ولا تسرفوا في الأكل، كما قال: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} [الأعراف: الآية 31] وهذا أظهرها؛ لأن الإسراف في الأكل معروف معهود النهي عنه في الكتاب والسنة. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} المسرفون: جمع المُسرف، اسم فاعل الإسراف، وأصل الإسراف: مجاوزة الحَدّ. تقول: أسْرَفَ فِي الشَّيْءِ: إِذَا جَاوَزَ بِهِ حَدَّهُ، وهو مُسْرِفٌ على نفسه: إذا كان يَتَعَدَّى ¬
حدود الله إلى ما حَرَّمَه الله (جل وعلا) (¬1). وهذا معنى قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ}. وهذه الآية كأنّا ذكرنا عندها نوعاً من أنواع الزكاة، وهو ما تنبته الأرض، وسيأتي في سورة براءة زكاة النقود: الذهب والفضة، وما جرى مجراهما من التجارات والمعادن والحُلي المباح، وغير ذلك، وسنذكره - إن شاء الله - عند محله (¬2)، وسيأتي في بعض المواضع في آيات الزكاة المطلقة ما تدخل فيه زكاة الحيوانات، وسنتكلم عليه - إن شاء الله - في موضعه. أما هذه الآية فهي خاصة بما تنبته الأرض، وقد تكلمنا على زكاة ما تنبته الأرض عند الأئمة الأربعة، ومع كل واحد منهم موافقون من فقهاء الأمصار، والله (جل وعلا) نسأل أن يوفقنا جميعاً إلى ما يرضيه. يقول الله جل وعلا: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأنعام: الآية 142]. قوله: {حَمُولَةً} معطوف على {جَنَّاتٍ} مما قبله (¬3). وتقرير المعنى: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا، فهو منصوب بالعطف على منصوب؛ أي: وهو الذي أنشأ جنات معروشات، وأنشأ حمولة وفرشاً من الأنعام، ¬
والمعنى: هو الذي رزقكم أنواع النباتات والحبوب، وأنواع الأنعام، فما كان لكم أن تقولوا: {هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} ولا أن تجعلوا لشركائه من الأنعام والزروع شيئًا. أي: وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشًا. التحقيق أن الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم بأصنافها الثلاثة (¬1)، والحمولة: هي ما يُحمل عليه الأثْقَال، ويُسَافَرُ عليها -بها- من بلد إلى بلد (¬2)، كما قال: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل: الآية 7] {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: الآية 72] ومن نقل عن ابن عباس أن الحمولة: الإبل، والبغال، والخيل، وكل ما يُحمل عليه من الدواب (¬3)؛ فهو قول لا يصح؛ لأن الأنعام لا تطلق إلا على الإبل، والبقر، ونوعي الغنم، فلا تطلق على الخيل، ولا على البغال؛ ولذا فسَّر الله الأنعام في هذه السورة بقوله: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الأنعام: الآية 143] كما يأتي إيضاحه؛ أي: وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة؛ أي: مراكب تحملون عليها أمْتِعَتِكُم، وتركبون عليها، كالإبل. قال بعض العلماء: وكالبقر في بعض البلاد، وهو صادق؛ لأنَّا شاهدنا بعض الأقطار يحملون الأحمال الثقيلة على ذكور البقر من بلاد بعيدة إلى ¬
بلاد بعيدة، وقد يكون عندهم ذكور البقر يحمل الواحد منهم فوق ما يحمله البعير (¬1)، ويسافرون عليها من بلاد إلى بلاد، وإن كان بعض علماء المالكية أفتى بأن البقر لا يجوز ركوبه، ولا الحمل عليه، ظنًّا منه أن ركوبه والحَمْلَ عليه من تَكْلِيفِهِ ما لا يطيقه (¬2)، ونحن شاهدنا ذي الأيام في بعض الأقطار ذكور البقر تكون معروضة تحمل الأثقال العظيمة من بلاد إلى بلاد رَأْيَ العين، وبذلك نعلم أنها داخلة في قوله: {حَمُولَةً} أي: ما يحملون عليه أثقالهم كالإبل، وربما دخل البقر في بعض الأقطار. وقوله: {وَفَرْشاً} الفرش هنا فيه أقوال متقاربة للعلماء (¬3): حكى الفراء إجماع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل، وهي الفصلان (¬4). وقال بعض العلماء: الفرش: الغنم. والتحقيق: أن الآية تشمل كل ذلك، وأن الأنعام منها ركوبة كالإبل، ومنها فرش، وهو ما يؤكل، ويُشرب مِنْ لَبَنِهِ، مع أنه ليس صالحًا لِلرّكُوبِ، فيدخل في الفرش: الغنم، وفِصال الإبل، وعَجَاجِيل البقر؛ لأن ولد البقرة يُقال له: عِجل. ويُجمع على: ¬
عجاجيل، على غير قياس (¬1)، فالغنم، وفِصَال الإبل، وعجاجيل البقر كلها يدخل في الفرش. قيل: وإنما سُميت هذه الصغار: (فرشاً) لقربها من الفراش والمهاد الذي هو التراب؛ لأنها صغيرة قصار قريبة من الأرض. هكذا قالوا، والله أعلم (¬2). وعلى كل حال فجميع الأقوال راجعة إلى أن الله أنشأ الأنعام، وجعل فيها منَّة الركوب والأكل. أما قول من قال: (فرشاً) فإنه لا يتناول إلا ما يُصنع منه الفِرَاش، كالضأن الذي يُصنع من صوفها الفراش، والمعز الذي يصنع من بعض شعرها الفراش ونحو ذلك، وأن الفرش هو ما يستمده الخلق من جلود الأنعام، وأصوافها، وأشعارها، وأوبارها (¬3) - كما يأتي في سورة النحل - فهذا قول غير متجه؛ لأن المنة تكون بمجرد الأصواف، والأوبار، والأشعار، والجلود، لا بنفس الأنعام، والمعروف في القرآن - وإنْ ذَكَر المِنَّة بالأصواف، والأوبار، والأشعار، والجلود في قوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: الآية 80] وفي قوله: {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} الآية [النحل: الآية 80] إلا أن المراد هنا: - الامتنان بها جميعًا، وأعظم أنواعه: الأكل منها، وهذا المعروف في القرآن، كقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ ¬
أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72)} [يس: الآيتان 71، 72] {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: الآية 5] {اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [غافر: الآية 79] إلى غير ذلك من الآيات، فتبيّن أن المنة في الركوب، وغيره من الأكل، وغير ذلك من النعم، يعني: هذا الذي أنشأ لكم الأنعام -حمولتها وفرشها- هو الله جل وعلا. ثم قال: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} أي: هذا الذي خلقته لكم، وهي: الأنعام، والفرش، كلوا من الذي رزقكم الله من الأنعام، والفرش، والزروع، المعطوف عليها في قوله: {أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام: الآية 141] فهذا رزق الله كلوا منه، ولا تُحرِّموا منه شيئاً على أنفسكم افتراء على الله، ولا تجعلوا منه شيئًا للأوثان، كما قال: {وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} يعني: كلوا من رزقي ونعمتي، ولا تتبعوا في نعمتي ورزقي تشاريع الشيطان وقوانينه، بأن تُحلّوا هذه وتُحرموا هذه، فتُحرموا البَحِيرة والسائبة، والوصيلة، والحام، وتقولوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وتقولوا: هذه أنعام وحرث حجر، كل هذا اتباع خطوات الشيطان. والآية نص صريح في أن مَنْ مشى على تشريع جَعَلَه الشيطان، يُحل فيه ما لا يُحله الله، ويحرم فيه ما لا يحرمه الله، أنه اتبع خطوات الشيطان.
والخُطوة - بضم الخاء - هي ما بين قَدَمَيِ المَاشِي (¬1)، فكما بين قدمي الماشي من المسافة: (خُطوة)، والمرّة من خَطْوِهِ تُسمى (خَطْوَه) بالفتح، وفيه قراءتان سبعيتان: قرأه ابن عامر، والكسائي، وقُنبل عن ابن كثير، وحفص عن عاصم: {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} بضم الطاء إِتباعاً للخاء، وقرأه باقي السبعة: نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والبَزِّي عن ابن كثير، وشعبة عن عاصم: {خُطْوات الشيطان} بسكون الطاء (¬2). والشيطان - قبحه الله - معروف، وهو هنا: الشيطان الذي سنّ المعاصي، وقد قدمنا مرارًا (¬3) أن كل مُتَمَرِّدٍ عاتٍ شَيْطان، وذكرنا أن الشيطان فيه قولان للعلماء: هل اشتقاقه من (شَطَنَ الشيء) بمعنى بعُد، أو اشتقاقه من (شَاطَ الشيء) إذا هَلَكَ؟ قال بعض العلماء: الشيطان من (شَطَن) تقول العرب: «شَطَنَ، يشطن، فهو شطين»، أي: بعيد، ومنه قول الشاعر (¬4): نَأَتْ بِسُعَادَ عنكَ نَوى شَطُون ... فَبَانَت والفُؤادُ بِهَا حَزِينُ وهذا القول جاء في شعر العرب ما يدل عليه، فقد قال أُمية بن أبي الصلت الثقفي - وهو عربي قُح - يمدح سليمان (¬5): أيما شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ ... ثم يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ ¬
فقوله: «أيما شَاطِن»: يعني: أيما شيطان، والشَّاطِن: اسم فاعل من (شَطَنَ) بلا نزاع، فدل هذا البيت على أن أصله من (شَطَن) فالعرب تقول: شَطَنَ قَعْرُ البير: إذا بعدت مسافة عمقها. وعلى هذا القول فاشتقاق الشيطان من (شَطَنَ) بمعنى (بعُد) أي: لشدة بُعده عن رحمة الله -والعياذ بالله- وعلى هذا القول: فوزن الشيطان بالميزان الصرفي: (فَيْعَال) والياء زائدة، والنون أصلية، بناء على أنه من (شَطَنَ) بمعنى (بعُد) ذكر هذا سيبويه في موضع من كتابه، ثم ذكر القول الآخر في موضع آخر من كتابه، أن أصل الشيطان من (شَاطَ يشيطُ) إذا هلك، تقول العرب: شَاطَ الفارسُ يَشِيطُ: إذا هلك (¬1). وهو معنىً معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (¬2): قد نَخْضِبُ العيرَ من مكْنُونِ فَائِلِه ... وَقَدْ يَشِيطُ على أرْمَاحِنَا البَطَلُ أي: يهلك عليها. وعلى أنه من (شَاطَ يَشِيطُ) فوزنه بالميزان الصرفي (فَعْلان) لأن الألف والنون زائدتان؛ لأن أصل حروفه الأصلية على هذا: (شَيَط) فاؤها شين، وعينها ياء، وطاؤها لام، والألف والنون زائدتان، فعلى القول الأول فوزنه: (فَيْعَال) وعلى الثاني فوزنه (فَعْلاَن) وكل متمرد عات شيطان، سواء كان من الإنس أو الجن أو غيرهما، ومن شعر جرير (¬3): ¬
أَيَامَ يَدْعُونَني الشَّيْطَان مِنْ غَزَلٍ ... وَكنَّ يَهْوَيْنَني إذْ كُنْتُ شيطاناً ثم قال: {إِنَّهُ} أي: الشيطان {لَكُمْ} يا بني آدم {عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن العداوة ظاهرها؛ لأن الشيطان هو عدو بني آدم؛ لأن زَعْمَ الخبيث أن سبب شقائه هو آدم، حيث امتنع من السجود له، وقال: ما دام آدم هو سبب شقاء البعيد فسيبذل كل مجهود حتى يُشقي أولاد آدم، وقد أظهر العداوة لله لبني آدم مجاهرًا بها، ولم يكتمها، ولم يوارِ حيث قال: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)} [الأعراف: الآيتان 16، 17] {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} الأظهر في تفسيرها أن معنى: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} [الإسراء: الآية 62] لأقودنهم إلى المهالك بتزييني، من قول العرب: احْتَنَكَ الرجل البعير: إذا جعل الحَبْلَ على حَنَكَيْهِ فَقَادَهُ بِالحَبْلِ على حنكيه حيث شاء، وقال هذا مرارًا: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: الآية 39] {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ} [النساء: الآية 119] فقد أظهر العداوة، فربنا يقول: كونوا عقلاء، واعرفوا عدوكم من صديقكم، واعرفوا أن الشيطان عدوكم، فلا تتبعوا خطوات الشيطان {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: الآية 6] {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: الآية 50] وهذا قد قاله للأب والأم الكبيرين، ولكن الله لم يشأ أن ينفعهما بذلك، حيث قال لآدم: {يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ
الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: الآية 117] بين له عداوته، وحذره منها، ولكن قضاء الله غالب، وقدره نافذ، فعلينا معاشر المسلمين أن نعلم أن الشيطان عدونا فنعاديه، ولا ننجرّ معه إلى ما يريد أن يجرَّنَا إليه من المعاصي والهلكات؛ لأنه عَدُوٌّ طَالِبُ ثَأْرٍ، يريد أن ينتقم منا، فالمسلم الفاهم إذا قَرَأَ آية في سورة سبأ - إن كان يَفْهَم عن الله - عرق جبينه من الخَجَل إن كان يتبع الشيطان؛ لأن الشيطان احتقرنا معاشر الآدميين احتقاراً عظيماً لا مثيل له، حيث إنه عدونا، واعتقد فينا أن عندنا من سَذَاجة العقول، وعدم الفهم، وعدم عمق العقل أنه إذا أراد أن يجرنا إلى المَهْلَكة بوساوس، وتزيينات وزخارف فاضية أننا نبلغ من سذاجة العقول وعدم التفكير وسوء النظر أننا ننجَرُّ معه حتَّى يُدْخِلَنَا في المهلكة، ويشفي غَيْظَهُ مِنّا، وينتقم منا، ظن هذا في بني آدم اعتقاداً منه سوء عُقُولهِم، وعدم نظرهم، إلا القليل منهم؛ لأن قوله: {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ظَنٌّ منه؛ ولذا قال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ} [الحجر: الآيتان 39، 40] زعموا أنه خاف أن يَظْهَرَ عليه الكذب. ومن هنا قال بعض العلماء: لا خصلة أقبح مِنَ الكَذِب؛ لأن الشيطان تحرَّزَ عنها حيث قال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ} وما قال هذا إلا ظنّاً ببني آدم ضَعْفَ العقول، وضَعْفَ النظر، وعدم التفكير، ومع هذا يقول الله في سورة سبأ، وهي الآية التي تُحزن المؤمن المتبع للشيطان: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ} [سبأ: الآية 20] هذه الآية إذا تَأَمَّلَها المسلم الذي يعلم من نفسه أنه يتبع الشيطان عرق جبينه من الخجل، حيث يكون الشيطان يعتقد فيه من السذاجة وضعف العقل، وعدم النظر والتفكير أن عدوه إذا أراد أن يقوده حتى يوقعه
في مَهْلَكَة ويشفي غيظه منه ويأخذ بثأره وينتقم انقاد معه، قال هذا ظنًّا، ومع هذا يصدق هذا الظن!! فهذا شيء يُحْزِن المؤمن، وينبغي التنبّه له: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} وفي القراءة الأخرى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً} (¬1) هم الذين قال فيهم: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ} [الحجر: الآية 40]. وكان حُذّاق العلماء يقولون: علينا معاشر الآدميين أن نعتقد أن الشيطان عدونا، وأنه سبانا من دار الكرامة التي كان فيها الأبوان: الجنة، التي قيل لآدم فيها: {إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119)} [طه: الآيتان 118، 119] فأخرجنا الشيطان من دار الكرامة، فنحن سبي الشيطان، أخرجنا من تلك الدار إلى هذه الدار، التي هي دار الشقاء والمصائب والأحزان والبلابل، لا يكاد إنسان يسلم يوماً ولا ليلة من أذيّة من أذاياها، وكان العلاّمة ابن القيم (رحمه الله) يقول في هذا الموضوع (¬2): ولكنَّنَا سَبيُ العدوِّ فهل تُرَى ... نُرَدُّ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ فعلينا أن نجاهد العدو ونعاديه، حتى يمكننا الرجوع إلى الوطن الأول؛ لأنه لما وقعت الزلة من الأبوين - آدم وحواء - حكم الله أنه لا يُدخل أحداً من ذريتهما جنته إلا بعد الامتحان في الأوامر والنواهي، وهذا معنى قوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فلا تتبعوا خطواته. ¬
والمبين: اسم فاعل (أبان) و (أبان) تأتي في العربية على لُغَتَيْنِ: أحدهما (¬1): (أبان) اللازمة، تقول العرب: أبان الشيءُ يُبين، فهو مُبين: إذا كان بيناً ظاهراً لازماً غير متعد للمفعول، وهذه لغة فصحى معروفة في كلام العرب، وفي القرآن العظيم، ومن إطلاقها في كلام العرب قول جرير (¬2): إذا آباؤُنَا وأبوكَ عُدُّوا ... أبَانَ المُقْرِفَات من العِرَابِ أبان: أي: ظهر المُقْرِفَات من العِرَاب. وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (¬3): لو دبَّ ذرّ فوقَ ضاحي جلدِهَا ... لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدورُ يعني: لظهر من آثار دبيب النمل ورم لشدة رقة بشرة الجِلْد. فـ (أبان) هنا لازمة لا مفعول لها. ومن إتيان (المُبين) لازماً من اسم فاعل (أبان) اللازمة: قول كعب بن زهير في (بانت سعاد) (¬4): قَنْوَاء في حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبينٌ وَفِي الخَدَّينِ تَسْهيلُ عِتْقٌ مُبِيْن؛ أي: كرم ظاهر. وعلى أن (مبيناً) هنا من (أبان) اللازمة، والمعنى: إن الشيطان لكم عدو مبين؛ أي: بَيِّنٌ العَدَاوَةِ ظاهرها واضحها، من أبان يُبِينُ، فهو مبين، لازماً، وقد يحتمل أن يكون من (أبان) المتعدية، ¬
والمفعول محْذُوف، أي: مُبِين عداوته ومظهرها، حيث صرح بذلك في قوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ} [الأعراف: الآية 16] {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} [الإسراء: الآية 62] {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: الآية 39] فهنا أبان عداوته. وعلى أنه من (أبان) المتعدية: فالمفعول محذوف، وحَذْفُ المفعول إذا دل المقام عليه جائز كما هو معروف في كلام العرب. في قوله: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الأنعام: الآية 143] أوجه معروفة من الإعراب (¬1): أظهرها وأصحها: أنها بدل من قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشاً} [الأنعام: الآية 142] أي: أنزل لكم من الأنعام حمولة وفرشاً، ثم بيّن الحُمُولة والفرش ما هي؟ فبينها بالإبدال منها فقال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}. والمراد بالأزواج هنا: الأصناف، وكل شيء يحتاج إلى أن يجتمع مع واحد من جنسه تُسميه العرب: زوجًا (¬2)؛ كالخُفّ فإنه يحتاج إلى خُفٍّ آخر فهو زَوْجُه، وكأحد مصراعي الباب فإنه يحتاج إلى مِصْرَاعٍ آخَرَ فَهو زَوْجُه، وكالذَّكَر فإنه يحتاج إلى الأنثى فهي زَوْجُه؛ لأنهما مُزْدَوْجَان. {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} الضَّأْن معروف، وهو نوع الغنم الذي فيه الصوف، ومُقَابِله: المعز، وقرأه عامة القراء: {مِّنَ الضَّأْنِ} بتحقيق الهمزة، وأبدلها السوسي عن أبي عمرو: ¬
{مِّنَ الضَّاَنِ اثْنَيْنِ} (¬1). وقوله: {وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ} قرأه نافع والكوفيون الثلاثة -وهم: عاصم، وحمزة، والكسائي، قرؤوا:- {وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ} بسكون عين المعْزِ، وقرأه الباقون - وهم: ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو - {وَمِنَ المَعَزِ اثْنَيْنِ} بفتح عين المعز (¬2). وهما لغتان في (المَعَز، والمَعْز)، وكذلك (الضأَن، والضأْن) (¬3) ولكن (الضأَن) لم يُقرأ بها، إنما قرأوا بـ (الضأْن) بالسكون، وأبدلها السوسي عن أبي عمرو، وأظهر اللغتين: (المَعْز) بالسكون؛ لأن (الفَعْل) قد يُجمع على (فَعِيل) والمعز يجمع على مَعِيز، كالعبد، والعبيد، والمعز، والمعيز، ومِنْ جَمْعِه على (المَعِيز) قول امرئ القيس (¬4): أَبَعْدَ الحَارِثِ المَلِكِ ابْنِ عَمْرٍو ... لَهُ مُلْكُ الْعِرَاقِ إِلَى عُمَانِ وَيَمْنَعُها بنُو شَمَجَى بْنِ جَرْمٍ ... مَعِيْزَهمُ حَنَانَكَ ذَا الحَنَانِ ¬
{مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} أي: زوجان، ذكر الضأن وأُنثاه، وهما: الكبش والنعجة {وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ} ذكره وأنثاه، وهو: التَّيْس والمعزة. ويقال لها: المعزى والعنز. والمعزى تطلق على جنس المعز أيضًا، ومنه قول امرئ القيس (¬1): أَلاَ إلَّا تكُنْ إبلٌ فمِعْزَى ... كَأَنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا الْعِصِيُّ فهذه أربعة أصناف من الغنم، وهي: الكبش، والنعجة، والتيس، والمعزة - التي هي العنز - هذه أربعة في الغنم من الأزواج الثمانية. ثم قال بعد هذا: {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ} وهما: الجمل والناقة. {وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} ذكر البقر وأنثاه، البقرة والثور. فهذه هي الأصناف الثمانية، التي هي الأنعام، التي يُباح أكلها من الحيوانات، كما سيأتي في قوله: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: الآية 6] وهي هذه الثمانية. وهذا معنى قوله: {مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} {ءَآلذَّكَرَيْنِ} الهمزة الأولى همزة استفهام، والثانية همزة الوصل. والقاعدة: أن همزة الوصل إذا كانت همزة (أل) وجاءت قبلها همزة الاستفهام، أن همزة الوصل تُبدل مدّاً بهمزة الاستفهام (¬2)، ويجوز تسهيلها بين بين، وبعضهم ¬
يُجيز إبدالها هاء. وزعم بعض علماء القراءات أن الذين مدّوها هنا قالوا: {ءَآلذَّكَرَيْنِ} أنهم جاءت عنهم قراءات بتسهيلها بين بين {ءَآلذَّكَرَيْنِ} وعلى تسهيلها لم يكن بينهما أَلِف الإدخال؛ لأن الأَلِف في التسهيل بين بين إنما يأتي بالهُمَز المحققة. ومن تسهيل العرب لهمزة الوصل بعد همزة الاستفهام قول الشاعر (¬1): أَيَا ظَبيةَ الوَعْساء بين جُلاجلٍ ... وبين النقا آأنتِ أَمْ أُمُّ سالمِ هي تمدها العرب وتسهلها، فشاهد مدها - كقوله هنا {قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ} - قول الشاعر: أَيَا ظَبيةَ الوَعْساء بين جُلاجلٍ ... وبين النقا آأنتِ أَمْ أُمُّ سالمِ الأصل: (ءأنت) ولكنها هنا ليست همزة وصل، بل همزة أُخرى، وتسهيلها وهي همزة وصل شاهده قول الشاعر (¬2): أَأَلْحَقُّ إنْ دارُ الرَّبابِ تباعَدَتْ ... أو انْبَتَّ حبْلٌ أنَّ قَلْبَكَ طائِر قوله: {قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ}، {ءَآلذَّكَرَيْنِ}: مفعول {حَرَّمَ} مقدم عليه. والمعنى: أحرم الله الذكرين، ذكر المعز والضأن {أَمِ الأُنثَيَيْنِ} أم حرم أُنثيي الضأن والمعز {أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} حرم الذكور والإناث كُلاًّ، كأنه يقول: تفريقكم بين بعض الذكور وبعض الإناث، وبعض ما في بطون الأنعام بأن تُحِلُّوا بعض هذا، وتُحرموا بعضه، إن كانت العلة في تحريم الذكر الذكورة، فكان ¬
اللازم أن يحرم كل ذكر لاطراد العلّة، وإن كانت الأنوثة لزم أن تحرم كل أنثى لاطراد العلّة، وإن كان كونه في البطون - مشتملة عليه الرحم - لزم أن يحرم كل مولود من ذكر وأنثى، وكل لبن؛ لأن الكُلّ اشتملت عليه الرحم!! فكأنه يقول: تفريقكم هذا باطل؛ لأنه لو كانت العلة الذكورة لحرم ذكر الضأن والمعز معًا وأنثاهما كُلاًّ، ولو كانت التخلق في الرحم لحرم ما اشتملت عليه الرحم مطلقًا، فَلِمَ حَرَّمْتُم بعض هذا، وحللتم بعض هذا؟ وما الفارق بين ما حللتم وحرمتم؟ ثم قال: {وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ} الجمل والناقة، {وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} البقرة والثور، ثم أعاد القضية {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} عجّزهم في الأول، فقال: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} أخْبِرُونِي عن هذا الذي حَرَّمْتُمْ، وهذا الذي حللتم، ما وجه تحريمكم لهذا وتحليلكم لهذا مع استواء الجميع؟! وقال في الثاني: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ}؟ وآية الأنعام هذه مثال معروف لِعُلَمَاءِ الجَدَلِ للدليل الذي يسميه الجدليون: (الترديد والتقسيم) (¬1)، ويسميه المنطقيون: (الشَّرْطي المُنْفَصل) (¬2) ويسميه الأصوليون: (السبر والتقسيم) (¬3)، ¬
فكأنه يقول: حرمتم بعض هذه الإناث، وحللتم بعضها، وحرمتم بعض الذكور، وحللتم بعضها، وفرقتم بين ما في بطون الأنعام فقلتم: إنه خالص للذكور، محرم على الأزواج، فرقتم بين هذه الأحكام، فلا يخلو تفريقكم بينها من أحد أمرين في التقسيم الصحيح: إما أن يكون مُعَلّلاً بعلة معقولة، وإما أن يكون تعبديًّا. وهذا الحصر هو المُعَبَّر عنه بالتقسيم في اصْطِلَاح الأصوليين والجَدَلِيين، والمُعَبَّر عنه بالشرطي المنْفَصِل في اصطلاح المنطقيين، فكأنه يقول: لا يخلو الحال من أمرين: إما أن يكون مُعَللاً، وإما أن يكون تعبديّاً. ثم قال - مثلًا - بناءً على أنه مُعلل: إما أن تكون العلة في الذكور: الذكورة، وفي [الإناث] (¬1): الأنوثة، أو التخلق في الرحم، فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر، ولم يحرم الحَامَ دون غيره من الذكور، ولو كانت العلة الأنوثة لحرمت كل أنثى، ولم يختص بالبحيرة والسائبة والوصيلة، ولو كانت العلة اشتمال الرحم، لحرم الجميع، وحرم اللبن أيضًا الذي فَرَّقْتُمْ فيه، فحرم الجميع. ثم قال بناء على أنه تعبُّدِيٌّ أبطله بقوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ} أم كنتم حاضرين حتى قال لكم الله: هذا حلال وهذا حرام؟ فهذا باطل أيضًا، فبين أن جميع دعاويهم أنها باطلة كلها بهذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم، وقد بَيَّنَّا أن هذا الدليل من أمهات الجدل العظام، ¬
حيث حصر جميع الأوصاف، ثم أبطلها كلها، ولا يكون بهذا المعنى إلا عند الجدليين؛ لأنه عند الأصوليين لا يكون إلا في مسالك العلّة، ولا بد أن يبقى وصف صحيح هو العلّة. كأن تقول: العلّة في تحريم البر: إما أن تكون الطَّعْم، أو الكيل، أو الاقتيات والادخار، فلا بد أن تُبطل بعض الأوصاف، وتترك وصفاً صالحاً في زَعْمِكَ، تقول: إنه علّة. وقد ذكرنا في كثير من المناسبات (¬1) وفي بعض ما كتبنا في الكتب (¬2) أشياء كثيرة عن هذا الدليل، وذكرنا له آثاراً تاريخية في العقائد، وآثاراً تاريخية في الآداب، وذكرنا له أمثلة قرآنية. فمن أمثلته القرآنية: هذه الآية، ومن أمثلته القرآنية قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: الآية 35] فكأنه يقول: لا يخلو حالهم من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكونوا خَلَقُوا أنفسهم، أو خُلقوا من غير خالق، أو خَلَقَهم خالق، فهذه ثلاثة أقسام، اثنان منها باطلان بلا نزاع، وهو كونهم خلقوا أنفسهم، أو خُلقوا من غير خالق، فتغلب القسم الثالث أن لهم خالقًا هو رب السماوات والأرض، تجب عليهم طاعته وعبادته، ولا نطيل من أمثلته في القرآن، ونقتصر على أن نذكُر له أثراً تاريخيّاً في العقائد، وأثراً تاريخيّاً في الآداب. ¬
أما أثره التاريخي في العقائد، فما جاء عن بعض المؤرخين من أن هذا الدليل هو أول مصدر لكبح المحنة العظمى التي قُتل فيها العلماء وعُذّب فيها أفاضلهم وقُتلوا، وهي محنة القول بِخَلْقِ القُرْآن؛ لأن محنة القول بخلق القرآن نشأت في الدولة العباسية أيام المأمون، واستحكمت أيام المأمون وأيام المعتصم وأيام الواثق، فهؤلاء الخلفاء الثلاثة العباسيون مضت مدتهم ومحنة القول بالقرآن قائمة على ساق وقدم، يُمتحن العلماء، فمنهم من قُتل، ومنهم من عُذّب، ومنهم من وافق مداهنة خوفاً على نفسه من الموت، وكان القائم بهذه الدعوة: الخبيث أحمد بن أبي دؤاد الإيادي المشهور، الذي يقدسه العباسيون، وهو العالم الوحيد في نَظَرِهِمْ، وهي التي ضُرب فيها سيد المسلمين في زمانه: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل - غمده الله برحمته الواسعة، وجزاه خيراً - لأنه هو الذي بقي وحده صامداً، وضُرب في أيام المعتصم ضربًا مُبَرِّحاً، حتى يُرفع من محل الضرب لا يدري ليلاً من نهار، وكلما أفاق وقالوا له: قل القرآن مخلوق!! يقول: لا، القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى جاء المتوكل على الله بعد الواثق، فأزال الله هذه المحنة على يديه -جزاه الله عن هذه الحسنة خيراً- وأظهر السنة (¬1). ومقصودنا ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه، وذكره غير واحد (¬2)، وإن كانت القصة ذكر ابن كثير في تاريخه أن في إسنادها ¬
عند الخطيب بعض من لا يُعرف (¬1)، فهي قصة مشهورة، تلقاها العلماء بالقبول في أقطار الدنيا، وهي مشهورة، والاستدلال بها صحيح بلا شك، وهو بهذا الدليل، وذلك أنه في أيام الواثق جيء بشيخ من أهل السنة من الشام (¬2)، مقيد بالحديد، يُمتحن في القول بخلق القرآن، وَرَدَ الامتحان على أنه عُزم على قتله. روى هذه القصة محمد المهدي ولد الواثق، قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلاً أحضرني، فلما أراد قتل هذا الشيخ الشَّامِي أحْضَرَنِي، وقال: ائذنوا لأبي عبد الله. يعني: أحمد بن أبي دؤاد، فجاء، فقال الشيخ الشامي المُكَبَّل بالحديد، السني: السلام عليك يا أمير المؤمنين!! فقال له الواثق بالله - وهو غضبان -: لا حَيَّاكَ الله، ولا سَلَّمَك!! فقال له: بئس ما أدَّبَكَ مُؤَدِّبُك يا أمير المؤمنين! الله يقول: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: الآية 86] والله ما حييتني بأحسن منها ولا رددتها!! قال له ابن أبي دؤاد: الرجل متكلم!! فقال الواثق: ناظره، وفي بعض روايات القصة: أن الشيخ ¬
الشامي قال: هو أحقر من أن يُناظرني!! فازداد غضب الواثق عليه، ثم إن ابن أبي دؤاد قال للشيخ الشامي: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ الشامي: ما أنصفتني!! يعني: ولي السؤال، إن المقيد الذين يريدون أن يقدموه للموت أولى بالسؤال! فقال: سل! فقال: ما تقول أنت يا ابن أبي دؤاد في القرآن؟ فقال: مخلوق. قال: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، ويقتل الخلفاءُ العلماءَ بسبب دعوتك إليها، هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الرَّاشِدُون، وأبو بكر وعمر وعلي وعثمان عالمين بها أو لا؟ قال ابن أبي دؤاد: لم يكونوا عالمين بها. فقال الشيخ الشامي: سبحان الله! جَهِلَهَا رسول الله، وعلمها أحمد بن أبي دؤاد! فقال ابن أبي دؤاد: أَقِلْني، والمناظرة على بابها. فقال له: لك الإقالة. ثم قال: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. قال: هل كان رسول الله وخلفاؤه الراشدون عالمين بدعوتك هذه التي تدعو الناس إليها أو جاهلين؟ قال: كانوا عالمين بها، ولكن لم يدعوا الناس إليها.
فقال له الشيخ الشامي: يا ابن أبي دؤاد، ألم يسعك في أمة رسول الله ما وسع رسول الله؟ ولم يسعك في أمة رسول الله ما وسع خلفاءه الراشدين؟! ففهم الواثق الحقيقة، وقام من مجلسه، واضطجع في محل خلوته واستلقى، وجعل رِجْلَه على رجْلِه ثم قال: جهلها رسول الله وعلمتها أنت يا ابن أبي دؤاد؟! ثم قال: علمها رسول الله وخلفاؤه الراشدون ولم يدعُوا الناس إليها، ألم يسع ابن أبي دؤاد في أمة محمد ما وسع رسول الله وخلفاءه الراشدين؟! وعلم أن ابن أبي دؤاد مُبْطِلٌ. قالوا: فَمِنْ ذَلِكَ اليوم لم يَمْتَحِن أحداً بَعْدَهَا، ولم يُقَدَّم عالم ليُمْتَحَن في القول بخلق القرآن. وذكر الخطيب: أن الواثِقَ مَاتَ بعد أن تاب منها (¬1) بسبب قصة هذا الشيخ. وهذا الشيخ إنما استدل بهذا السبر والتقسيم، كأنه يقول: مقالتك هذه لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي وخلفاؤه عالمين أو جاهلين؟ فلا قِسْم إلاَّ هذان القسمان، ثم نرجع إلى القسمين فنسبرهما ونختبرهما، ونظنك يا ابن أبي دؤاد ضالّاً على كل [19/أ] تقدير، إذا كان عالماً ولم يَدْع الناس إليها فقد يسعك ما وسعه،/وإن كان غير عالم بها وأنت عالم بها فهذا لا يمكن أن يُقال! فأنت ضال مبطل على كل تقدير. ومن آثار هذا الدليل الأدبية: ما ذكره المؤرخون: أن عبد الله بن همام السلولي وشى به واشٍ إلى عبيد الله بن زياد ¬
المعروف -زياد ابن أبيه، الذي يقولون له: زياد بن أبي سفيان؛ لأنه استلحقه معاوية بعد موت أبي سفيان، وهو معروف- قال لعبيد الله بن زياد واشٍ من الوشاة: إن ابن همام السلولي يعيبك ويقول فيك كذا وكذا، فأحضر ابنُ زياد الواشي، وجعله في غرفة قريبةٍ، وأحضر السلولي، وقال: لِمَ تعيبني وتقول فيَّ كذا وكذا؟ قال: أصلح الله الأمير، ما قلت شيئاً من ذلك! ففتح وأخرج الواشي، وقال: هذا أخبرني أنك قلت كذا وكذا! فسكت ابن همام هُنيهة ثم قال يخاطب الواشي: وَأَنْتَ امْرُؤٌ إِمَّا ائْتَمَنْتُكَ خَالِيًا ... فَخُنْتَ، وَإِمَّا قُلْتَ قَوْلًا بِلَا عِلْمِ ... فَأَنْتَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا ... بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الخِيَانَةِ وَالْإِثْمِ (¬1) فكأنه يقول: لا يخلو الحال بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن أكون قلت لك سرّاً واستَكْتَمْتُكَ إيَّاهُ، أو قلتَ عليَّ بهتاناً وكذباً، ثم نرجع إلى القسمين فنجدك - أيها الواشي - مُبْطِلاً على كليهما! إن كنتُ أفشيت لك سرّاً وطلبت منك الستر فما سترتني، فأنت خسيس خائن، وإن كنتَ قُلتَه عليّ افتراءً فهذا أظهر وأظهر! ففهمها ابن زياد، وقال للواشي: اخرج عنّي. ولم يتعرَّض لابن همام السلولي بسوء. وهذا هو الذي ذكره الله هنا، بأن حصر الأوصاف بالذكورة والأنوثة، والتخلق في الرحم، وبيَّن بطلان كلها؛ إذ لو كانت الذكورة لحرم كل ذكر، ولو كانت الأنوثة لحرَّم كل أنثى، ولو كانت التَّخَلُّق ¬
في الرحم لحرّم الجميع، فتبين كذبهم وبطلانهم، ثم أتبع هذا بقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ}؛ لأنهم لما أعيتهم الحجة، ذكر المؤرخون أن رئيسهم الذي ناظر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا مالك بن عوف الجُشَمي الهوازني، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إذا كنتم تحرمون الذكور فَلِمَ فرقتم بين ذَكَرٍ وذَكَرٍ؟ وإذا كنتم تحرِّمون الإناث فما العِلَّة التي فَرَّقْتُمْ بِهَا بَيْنَ أنْثَى وأُنْثَى، أو الله أمَرَكُمْ بهذا؟» {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا} [الأنعام: الآية 144] فَبُهِتَ وسكت (¬1). وكانوا إذا عجزوا وغُلِبُوا بالدليل قالوا: وجدنا عليها آباءَنَا والله أمرنا بها، فقطع الله دابر ذلك أيضًا فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} وقال: إنه أمره بالباطل {قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} [الأعراف: الآية 28] لأجل أن يضل الناس بغير علم، أي: بتشريع جاهلي بغير علم {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وهذه الآية يدخل فيها كُلّ مَنْ قَال بأمورٍ لا توافق الشرع، ودعا خلقاً يتبعونه إليها فإنه يدخل في عمومها. وقوله: {لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فيه سؤال معروف؛ لأن ¬
الله ربما هدى بعض الظالمين، كَمْ مِنْ كافرٍ ظالمٍ يهديه الله؟ وللعلماء عنها جوابان (¬1): أحدهما: أنها في خصوص الظالمين الذين سبق لهم في الأزل الشقاء، الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} [يونس: الآيتان 96، 97]. القول الثاني: لا يهدي الظالمين ما داموا مصرّين على ظلمهم، فإن رزقهم الله التوبة والإنابة زال اسم الظلم عنهم، ولم يدخلوا في عداد الظالمين، فصار لا إشكال في هدايتهم، وهذا معنى الآية الكريمة. يقول الله جل وعلا: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)} [الأنعام: الآية 145]. تكلمنا بعض الكلام على هذه الآية (¬2)، وذكرنا حُكْمَ الميتات البرية والبحرية، وذكرنا بعض ما زادَتْهُ النصوص من المحرَّمَات على هذه المحرمات الأربع، وذكرنا خلاف بعض العلماء في أشياء منه، وسنتَكَلّم - إن شاء الله - الآن بعض الكلام على بقية الآية. ¬
والمعنى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان المشركون في زمانه يحرمون بعض ما أحلّ الله، وأقام عليهم الحجج الواضحة، وأفحمهم بالمناظرة في قوله: {قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} [الأنعام: الآية 143] كما بينا وجه إفحامهم بالسبر والتقسيم في الآية، أخبرهم أنه لا تحريم إلا بالوحي، لا بالاجتهاد والهوى، فإنما الذي يحرم: الله، والطريق التي يُعرف بها تحريم الله وتحليله هي الوحي، لا اتباع الهوى، أُمِرَ أن يقول: {لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} شيئاً من هذه المحرمات التي تزعمون أنها حرام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكما في بطون تلك الأنعام التي قلتم هو محرَّم، وما حرمتم من الحروث والزروع والأنعام كل هذا لا أجده حراماً علينا فيما أوحى الله إلينا، وإنما أجد فيما أُوحي تحريمه: هذه الأربعة. {لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} لطالب العلم أن يقول: لمَّا قال: {عَلَى طَاعِمٍ} لِمَ لا تكفي عنه قوله: {يَطْعَمُهُ}؟ وهو أسلوب عربي معروف تذكره العرب في لغتها، وهو كثير في القرآن، كقوله: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: الآية 38] ومعلوم أنه لا يطير إلا بهما. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: الآية 79] ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم (¬1). {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} قدمنا فيه أوجه القراءات (¬2)، وأحكام أنواع الميتة (¬3). ¬
وقوله: {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} عطف على قوله: {مَيْتَةً}. أما على قراءة الجمهور (¬1) فهو منصوب معطوف على منصوب {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً}، فهو معطوف على {مَيْتَةً} (¬2) المنصوب على أنه خبر كان. وأما على قراءة ابن عامر {لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن تَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} فَعَطْفُ المنصوب على المرفوع قد يُشكل على طالب العلم، والجواب (¬3): أن قوله: {أَوْ دَماً} بالنصب في قراءة ابن عامر معطوف على المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في قوله: {إِلَّا أَن يَكُونَ} إلا كونه ميتة أو دمًا، هكذا قاله بعض المُعْرِبين. والدم المسفوح: المسفوح اسم مفعول (سَفَحَه يَسْفَحه) إذا صبّه (¬4)، وتقول العرب: سفح الماءُ فهو سافح، وسَفَحَه بولُه يَسْفَحه فهو سافح، والمفعول: مسفوح. وقد يستعمل متعدياً ولازماً؛ فمن استعماله متعدياً قوله هنا: {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} لأن المسفوح اسم مفعول (سَفَحَه يَسْفَحه) فالفاعل سافِح، والمفعول مسفوح: إذا أراقه وصبّه، ومن إتيان (السافح) اسم فاعل (سَفَحَ) اللازمة قول ذي الرمة ¬
غيلان بن عقبة (¬1): أَمِنْ دِمْنَةٍ جَرَّتْ بِهَا ذَيْلَهَا الصَّبَا ... لِصَيْدَاءَ - مَهْلاً - مَاءُ عَيْنِك سَافِحُ أي: جارٍ مُنْصَبّ. وهو هنا من (سَفَحَ) اللازمة. والدم المسفوح: هو المَصْبُوبُ مِنْ شَيْء حَيٍّ، كما كان يفعله العرب، أو يكون خارجاً من أجْلِ الذَّكَاةِ أو العقر. كانت عادة العرب إذا جاعوا أن يفصد الواحد منهم عِرْقاً من جَمَله، ثم يجعل تحت الدم إناء، حتى يجتمع من عِرْق الجمل دمٌ في الإناء، ثم يطبخه بالأبازير ويأكلونه، فحرم الله عليهم أكْلَ الدَّمِ، وهو حرام، والانتفاع به حرام. وأصل الدم: أصله (دَمَيٌ) بالياء على التحقيق، فلامه المحذوفة ياء، وغلط من علماء العربية من زعم أن لامه المحذوفة واو (¬2) ووزنه بالميزان ( .... ) (¬3). فتكون بالعين (يَدْمَى) والألف مبدلة من الياء، أصله (يَدْمَي) كما هو معروف. فَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدَّمَا (¬4) هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيْتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ (¬5) ¬
هذا أصل الدم، وهو من الكلمات التي حذفت العرب لامها ولم تُعَوِّض عنها شيئاً، وأعربتها على العين كدمٍ، وغدٍ، ويدٍ، وثدٍ، كما هو معروف (¬1)، فلامه محذوفة لم يُعَوَّض عنها شيء. والدم المسفوح: هو الذي صُبَّ من شيءٍ حي، كفصد عرق الدابة، أو جرحها فيسيل منها دَمٌ، أو هو الذي يَسِيلُ عِنْدَ التَّذْكِيَةِ، كأن تُذْبَح فَيَسِيل من عروقها، أو عند العقر كأن يرميها بالنبل فيسيل الدم، هذا هو الدم المسفوح. واعلموا أن الدم نزلت في تحريمِهِ أرْبَعُ آيَاتٍ من كتاب الله، ثلاث منها مطلقة لا قيد فيها، وهي قوله في النحل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} [النحل: الآية 115]، وقوله في سورة البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} [البقرة: الآية 173] وقوله في المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: الآية 3] فقد أُطلق الدم عن قيد المسفوحية في النحل والبقرة والمائدة، وجاء مقيداً في الأنعام بكونه مسفوحاً، وجماهير العلماء على أن المطلق يحمل على المقيد، ولا سيما إن اتَّحَد سَبَبُهما وحكمهما كما هنا (¬2)، سواءً كان المقيد هو الأول في النزول، أو هو الآخر؛ ¬
لأن المقيد هنا هو المتقدم في النزول؛ لأن سورة الأنعام نازلة قبل السور الأُخر الثلاث التي حرم فيها الدم، التي هي النحل، والبقرة، والمائدة (¬1). أما كون الأنعام قبل البقرة والمائدة فهو واضحٌ لا يخفى؛ لأن الأنعام مكية بالإجماع، والبقرة والمائدة مدنيتان بالإجماع، فهذه قبل الهجرة، وهاتان بعدها، فكونهما بعدها لا إشكال فيه، أما النحل فالتحقيق أنَّهَا مكية، وزعم بعضهم أنها مدنيَّة، وهو غلط ممن زعمه، والذي سبَّب هذا الغلط: أن خواتيم سورة النحل نزلت في المدينة في شهداء أُحد لما مثَّل المشركون بحمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - وعبد الله بن جحش وغيره من شهداء أُحد، فقد قطّعوا آنافهم وآذانهم، وأخذت هند بنت عتبة بن ربيعة - وهي يوم أُحد كافرة - نظمت قلادة من آذان الصحابة وآنافهم، كما هو معروف في السيرة، وتقلدتها، وأخذت قلادتها وجعلتها في عنق الوحشي عبد جبير بن مطعم بن نوفل بن عدي النوفلي؛ لأنه هو الذي قتل حمزة، ثم رقيت على صخرة من صخرات أُحُدٍ وبَكَتْ؛ لأنهم كانوا اشترطوا يوم بدر ألَّا يبكي أَحدٌ منهم على قتيله حتى يقتصوه، فلما قُتل حمزة وعبد الله بن جحش، هذا عم النبي وهذا ابن عمته، وقتل شماس بن عثمان من المهاجرين، ومن الأنصار سبعون من خيارهم، رقيت على صخرة من صخرات أُحدٍ وبكت تقول: نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرِ ... وَالحَرْبُ بَعْدَ الحَرْبِ ذَاتُ سُعْرِ مَا كَانَ عَنْ عُتْبَةَ لِي مِنْ صَبْرِ ... وَلَا أَخِي وَعَمِّهِ وبِكْرِي شَفَيْتُ نَفْسِي وقَضَيْتُ نَذْرِي ... شَفَيْتَ وَحْشِيٌّ غَلِيلَ صَدْرِي ¬
فَشُكرُ وَحْشِيٍّ عَلَيَّ عُمْرِي ... حَتَّى تَرُمَّ أَعْظُمِي فِي قَبْرِي (¬1) يذكرون في سبب نزولها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقف على عمه حمزة -رضي الله عنه- قتيلًا وقَدْ مُثِّل به، أنه قال: لئن أظفرني الله بقريشٍ لأُمَثِّلَنَّ بكذا وكذا رجلاً منهم، وأن الله أنزل في ذلك خواتيم سورة النحل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: الآية 126] هكذا ذكره بعض العلماء (¬2)، ¬
والمشهور عند المفسرين في أسباب النزول أن خواتيم (النحل) هذه مدنية، أما نفس سورة النحل فهي مكية. وقد نزلت سورة النحل في مكة بعد سورة الأنعام، ودلّ القرآن في موضعين على أن النحل نازلة بعد الأنعام، أحد الموضعين: أن الله قال في النحل: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} [النحل: الآية 118]، والمحرم المُحال عليه المَقْصُوص من قبل هو المذكور في الأنْعَامِ إِجْمَاعاً في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} الآية [الأنعام: الآية 146]. الموضع الثاني من الموضعين الدَّالين على نزول الأنعام قبل النحل: أن الله قال في سورة الأنعام: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: الآية 148] فبيَّنَ أنهم سيقولونها في المستقبل، فَعُلم أنهم لم يقولوها فعلاً في ذلك الوقت، وبَيَّنَ في سورة النحل أن ذلك القول الذي كان موعوداً بأنه يُقال: أنه قيل ووقع في سورة النحل، حيث قال في النحل: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: الآية 35]، فدلّ هذا على أن النَّحْلَ بَعْدَ الأنْعَامِ (¬1)، وأن السور الثلاث -أعني النحل، والبقرة، والمائدة- جاء فيها تحريم الدم مطلقًا من غير قَيْدٍ، وجاء في السورة النازلة أولاً وهي الأنعام تقييده بكونه مسفوحاً بقوله هنا: {أَوْ دَماً مَسْفُوحاً}. فجماهير العلماء من الصحابة وفقهاء الأمصار على أن تلك الآيات المطلقة في النحل والمائدة والبقرة تُقَيَّد بقيد (الأنعام) ¬
هذه (¬1)، فلا يحرم الدم غير المسفوح؛ ولذا أطبق العلماء على أن الحُمْرة التي تَعْلُو القِدْر مِنْ أَثَرِ تقطيع اللحم وهي من الدم أنها مَعْفُوٌّ عنها وليست بنجس؛ لأنها ليست من الدم المسفوح. ويدخل في غير المسفوح: الكبد والطِّحال (¬2). والحاصل أن الذي يظهر من الدم عند تَقْطِيعِ اللحْم وفصل الأعضاء بعضها عن بعض أن جمهور العلماء على أنه ليس بحرام، وليس من المسفوح، وأن الخارج عند الذَّكَاة، أو المُخْرَج من شيءٍ حي، أو عند العقر أنه هو الدم المسفوح. واختلف العلماء في الدم الذي يَتَجَمَّد في القلب عند ذبح الشاة، والذي ينقع في جوفها خلاف معروف، ومنهم من يقول: هما حلالان، ومنهم من يقول: هما مسفوحان، وفَصَّل علماء المالكية قالوا: الذي يَتَجَمَّد في القلب طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح، والذي ينقع في الجوف مَسْفُوح؛ لأنه منعكس إليه من العُرُوقِ التي سُفِحَ منها وقت الذبح، وهذا أظهر، والله تعالى أعلم. هذا معنى قوله: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} جميع هذه الآيات إنما صرحت بتحريم لحم الخنزير، والخنزير حيوانٌ معروف خسيس قَبَّحَهُ الله. ولم تَتَعَرّض آية من كتاب الله إلى حكم شحم الخنزير، والعلماء مُجْمِعُونَ على أنَّ شَحْمَ الخنزير حكمه حكم لحم الخنزير (¬3). ¬
واستُدِلَّ بهَذَا على بطلان دَعْوَى ابن حزم أنه لا يحرم شيءٌ إلا ما نَصّ الله على تحريمه؛ لأن ابن حزم تَوَسَّع توسعاً شنيعاً اجتنى به على الشرع، مع عِلْمِه وقوة ذهنه، وزعم أن كل ما [لم ينص] (¬1) الله على أنه حرام أنه لا يمكن أن يكون حرامًا، ومن هنا حمل على الأئمة - رضي الله عنهم وأرضاهم- مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم من فقهاء الأمصار، وتكلم عليهم كلاماً شديداً شنيعاً غير لائق، وزعم أنهم مشرعون، يشرعون من تلقاء أنفسهم، ولما احتُج عليه بإجماع العلماء على أن شحم الخنزير حرام، والله لم يذكره في كتابه قياساً على لحْمِهِ الذي نُصَّ على تَحْرِيمِهِ، أجاب ابن حزم عن هذا بأن قال: الضمير في قوله: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} عائد على الخنزير، فيدخل فيه شحمه ولحمه (¬2). وخالف في هذا القاعدة العربية المعروفة؛ لأن الضمائر في الأصل إنما تَرْجِعُ للمضاف لا المضاف إليه؛ لأن المضاف هو المُحَدَّث عنه (¬3)، فلو قلت: جاءني غلامُ زيدٍ فأكْرَمْتُه، يتبادر أن المُكْرَم هو الغلام لا نفس زيد، وكذلك قوله: {لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ} أي: لحم الخنزير؛ لأنه هو المُحَدَّث عنه. وربما رجع الضمير على المضاف إليه نادراً (¬4)، وجاء في ¬
القرآن رجوع الضمير إلى المضاف إليه لكن مع قرائن تدل على ذلك، كقوله: {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ} [غافر: الآيتان 36، 37] أي: موسى، وهو المضاف إليه هنا، فهذا قد يقع، وجاء في القرآن قليلاً، إلا أن القرينة تُعَيِّنُه، أما الأصل اللغوي العَرَبِي فهو رجوع الضمائر والإشارات إلى المُضَاف لا المضاف إليه، وإتيان الأحوال من المضاف لا المضاف إليه، إلا إذا كان عاملاً فيه، أو جزءاً منه، أو كجزءٍ منه، كما هو معروف في النحو. والحاصل أن القرآن سكت عن شحم الخنزير وحَرَّمَ لحْمَهُ، وأجمع العلماء على تحريم شَحْمِهِ قياساً على لحمه، وفيه أمور كثيرة يغلط فيها ابن حزم ومن وافقه من المتشددين؛ لأنه في الآونة الأخيرة صار يطلع طلبة علم صغار قليلة بضاعتهم من العلم، ينظرون شيئاً قليلاً من الحديث، ويطعنون في الأئمة -رضي الله عنهم وأرضاهم- ويقولون: قال في الحديث الفلاني، وشرعوا من أنفسهم اعتماداً على كتب ابن حزم، وكل هَذَا غَلَطٌ، وكثير من الأشياء يَدَّعِي ابْنُ حَزْمٍ أنَّ اللهَ سَكَت عنها، وأن الوحي لم يَتَعَرَّضْ لها، ويستدل بحديث: «إن اللهَ أبَاحَ أشْيَاء، وحَرَّمَ أشْيَاء، وسَكَتَ عَنْ أشْيَاء لا نِسْيَاناً، فَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عفْوٌ» (¬1) فيدعي أنه سكت ¬
عنه (¬1)، وهو قد يكون لم يسكت عنه. وسَلَفُهُ الذي هو داود بن عَلِيّ الظاهري ما كان يبالغ هذه المبالغة، ولا يغلو هذا الغلو. والحاصل أن ما يسميه علماء الأصول: (الإلغاء بنفي الفارق)، ويسمونه نوعاً من تنقيح المناط، وهو المعروف عند الشافعي في كتبه القديمة بـ (القياس في معنى الأصل) (¬2) أجمع جميع العلماء على أن المسكوت عنه فيه يلحق بالمنصوص؛ لأنه لا فرق بينهما يؤثر، وما كان داود ينكر هذا. ومعروف أنه عند علماء الأصول ينقسم إلى أربعة أقسام (¬3)؛ لأن المسكوت عنه: إما أن يكون أولى بالحكم من المنطوق به، وإما ¬
أن يكون مساوياً له، وبكل منهما إما أن يكون وجه الفرق بينهما مُحَقَّقاً يقيناً، وإما أن يكون مظنوناً ظنّاً غالباً مزاحماً لليقين، فالمجموع أربعة، من ضرب اثنين في اثنين: الأول: ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ونفي الفارق بينهما في الحكم مُحَقَّق لا شك فيه. ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: الآية 23]، فالمنصوص عنه هنا النهي عن التأفيف أمام الوالدين، والمسكوت عنه ضرب الوالدين، وهذا المسكوت عنه- الذي هو الضرب- أولى بالحكم الذي هو التحريم من هذا المنطوق به الذي هو التأفيف؛ لأن الضرب أشد أذيةً من التأفيف، فابن حزم يقول هنا: إن الضرب مسكوت عنه، ولم يؤخذ حكمه من هذه الآية (¬1). ونحن نقول: لا، الضرب ليس مسكوتاً عنه في هذه الآية، بل هو مفهوم من باب أولى من النهي عن [التأفيف] (¬2). ونظيره قوله تعالى في الرجعة والطلاق: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: الآية 2] فالمنطوق: شهادة العَدْلَيْنِ، والمسْكُوتُ عَنْهُ: شَهَادَةُ أرْبَعة عدول، فلو أشهد رجل أربعة عدول على رجعته أو طلاقه فلا شك أن ذلك نافذ، ولا نقول: إن المنصوص عليه الاثنين، والأربعة غير منصوصة؛ لأن هذا المسكوت عنه الذي هو الأربعة أولى بالحكم من هذا المنطوق به الذي هو الاثنان، ونفي الفارق هنا مُحَقَّق لا شك فيه. ومن أمثلته في القرآن: قوله تعالى في الزلزلة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)} [الزلزلة: الآيتان 7، 8]، ¬
فالمنطوق به المجَازَاةُ بمثقال ذرة، والمسكوت عنه المجازاة بمثقال الجَبَل، ولا شك أن هذا المسكوت عنه أولى بالحكم -الذي هو المجازاة- من المنطوق به، ونفي الفارق مُحَقَّق. الثاني: أن يكون المسْكُوتُ عَنْهُ مُسَاوِياً للمنطوق به في الحكم، ونفي الفارق بينهما مُحقَّق؛ كالتنصيص على لحم الخنزير، والسكوت عن شحمه، ولا فرق بين لحمه وشحمه؛ لأنه كله رجس، وحكم شحمه حكم لحمه. ومن أمثلته في القرآن: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: الآية 10] فالمنطوق به أكل مال اليتيم، والمسكوت عنه إغراقه في البحر، وإحراقه بالنار، ولا شك أن إحراق مال اليتيم، وإغراقه أنه حرام، لا فارق بينه وبين أكله، ونفي الفارق هنا مُحَقَّق. وكقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} [النور: الآية 23] فإن الآية إنما نَصَّتْ عَلَى أن يكون القاذِفُونَ ذكوراً، والمقذوفات إناثاً؛ لأنه قال: {الَّذِينَ يَرْمُونَ} بصيغة الذكور، ثم قال: {المُحْصَنَاتِ} بصيغة الإناث، فمنطوق الآية: أن يكون القاذف ذكراً، والمقذوف أنثى، وقد أجمع العلماء على أنه لا فرق في ذلك بين قذف الذكر للذكر، وقذف الأنثى للأنثى، وقذف الأنثى للذكر، وقذف الذكر للأنثى، فهذا المسكوت مُلْحَقٌ بهذا المنطوق به إجماعاً، ومحاولة ابن حزم أن يجيب عن هذه الآية، قال: قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} [النور: الآية 23]، أي: يرمون الفروج المحصنات، فشمل فروج الرجال والنساء، فلم يكن فيه إلحاق، مردودٌ؛ لأن المحصنات في لغة القرآن لم تطلق على الفروج قط، وإنما تطلق على النساء، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ} [النور: الآية 23] فهل يمكن قائلاً
أن يقول: إن الفروج مؤمنات غافلات؟ هذا مما لا يقوله أحد. ومن هذا: أن الله تبارك وتعالى نَصَّ في سورة البقرة على أن الرَّجُلَ إِنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثلاثاً، ثم تزوجت زوجاً بعده -وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتراط أن يجامعها ذلك الزوج- ثم طَلَّقَهَا هذا الزوج الثاني بعد أن جَامَعَهَا حَلَّت على الأول، وإنما نصَّ على الطلاق وحده، ولم يتكلم على ما لو مات عنها إذا كانت مطلقة ثلاثاً، ثم تزوجت زوجاً جامعها وأحلَّها، ثم مات الزوج الأخير ولم يطلقها، فإن الله لم يقل: إنه إذا مات تحل للأول، ولكن قال: {فَإِن طَلَّقَهَا} يعني: الزوج الثاني بعد أن جامعها {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: الآية 230] أي: على المرأة المبتوتة التي كانت حراماً، والزوج الأول الذي بَتَّهَا أن يَتَرَاجَعَا؛ لأنها حلت لوطء الثاني، وطلقها الثاني، ولم يتكلم هنا على ما إذا مات عنها الزوج الثاني بعد أن جامعها، وقد أجمع العلماء أن موته عنها كطلاقه، وأمثال هذا كثيرة. الوجه الثالث: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ولكن نفي الفارق بينهما مظنون ظنّاً قويّاً مزاحماً لليقين، ومن أمثلته في السنة: ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن التضحية بالعوراء (¬1)، فالمنطوق به هنا منع التضحية بالعَوْرَاءِ، والمسكوت عنه مَنْع التضحية بالعمياء التي هي عمياء العينين؛ لأنها أولى بالحكم من المنطوق بها؛ لأن العوراء عميت لها عين واحدة، والعمياء عميت عيناها معاً، فالعمياء مسكوت عنها في الحديث، وهي أولى بالحكم من المنطوق به التي هي العوراء، ونفي الفارق هنا مظنون ظنّاً قويّاً مزاحماً لليقين، وقد يظهر لطالب العلم أن نفي ¬
الفارق هنا قطعي، ونحن نقول: ذكر غير واحدٍ من علماء الأصول أن نفي الفارق هنا ظَنِّيٌّ، وإنما قالوا: إنه ظني؛ لأنَّ الغالب على الظن غَلبةَ مُزَاحمَةً لليقين أَنَّ عِلَّة منع التضحية بالعوراء أن العَوَرَ عَيْب ناقصٌ لثمنها وقيمتها وذاتها، وهذه العلة موجودة في العَمْيَاءِ بِلَا خِلَاف فهي مثلها، ولكنْ هُنَالِكَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ مَرْجُوحٌ هو الذي مَنَعَنَا مِنْ أَنْ نَجْزِمَ باليقين أن علة مَنْعِ التَّضْحِيَةِ بالعوراء أن العور مظنة الهزال؛ لأن العوراء لا تَرَى مِنَ المَرْعَى إلا ما يقابل عينها المُبْصِرة، وما يقابل عينها العوراء لا تراه، فناقصة البصر ناقصة الرَّعْي، ونقص الرعي مَظِنة لنقص السّمَن، وعلى أن العلة هذه فلا تشاركها العمياء؛ لأن العمياء يعلفها ذو عينين فيختار لها أحسن العلف وأجوده، فهي مظنة السِّمَن، فلا تكون كالعوراء، إلا أن هذا الاحتمال ضعيف. الرابع: أن يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق في الحكم، ولكنه مظنون ظنّاً قويّاً مزاحماً لليقين، ومثاله في السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَبْدٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ ... » الحديث المشهور (¬1). أي: إن النبي نصَّ في سراية العتق هنا على العبد الذكر، وسكت عن الأمَة الأنْثَى، ولم يقل: من أعتق شِرْكاً له في أَمَة، فالأَمَة مسكوتٌ عنها هنا، وعامة العلماء على أن العِتق يسري في الأَمَة كما يسري في الذكَر، إلحاقاً للمسكوت عنه بالمنطوق به، ونَفْي الفارق هنا مظنون ظنّاً قويّاً مزاحماً لليقين؛ لأن الذكورة والأنوثة في باب العتق أوصاف طردية، أعني لا يُفرق بينهما ¬
في الأحكام، ولا يُعَلَّلُ بهما أحكام مختلطة في باب العتق، مع أن هنالك احتمالاً ضعيفاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصَّ على العَبْدِ، وجعل سراية العتق فيه دون الأَمَةِ؛ لأن عتق الذكور يحصل به مِنَ الْفَوَائِدِ ما لا يحصل في عتق الإناث؛ لأن الذَّكَرَ إذا عُتِقَ فَهُوَ شهادته شهادة عدل عند من لا يَقْبَل شهادة العبيد، وصار يُزَاوِلُ مَنَاصِبَ الرِّجَالِ؛ كالإمامة، والجهاد، وغير ذلك مما يَخْتَصّ بِمَنَاصِبِ الرِّجَالِ التي لا تَصْلح لها الإناث، ولكن هذا يَبْقَى احْتِمَالاً ضَعِيفاً. فمثل هذه الأشياء يزعم ابن حزم أن الوَحْيَ سَكَتَ عنها، ونحن نقول: لا، لم يسكت الوحي عنها، ولكنه دل عليها، وكذلك ما ثَبَتَ في الصحيحين من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» (¬1) هذا حديث صحيح ثابت في الصحيحين، نهى به النبي - صلى الله عليه وسلم - القاضي أن يحكم بين الخَصْمَيْنِ في حالة غضبه؛ لأن الغضب يُشَوِّش فِكْرَهُ، فيمنعه من أن يَسْتَوْفي النظر في دعاوي الخصوم، وفي الأحكام المترتبة على دعاويهم، وقد أجمع العلماء على أن كل مشوش للفكر كتَشْويش الغضب أو أشد غير مسكوت عنه، فلا يجوز للقاضي أن يحكم بين الخصمين في حالة العطش والجوع المُفْرِطَين، ولا في حالة الحزن والسرور المُفْرِطَين، ولا في حالة الحَقن والحَقب المُفْرِطَين، والحَقْن: مدافعة البول، والحَقْب: مدافعة الغائط، فكل هذه الأمور التي تُشوِّش فِكْرَهُ لا نقول هي مسكوت عنها، بل هي منطوقة؛ ولأجل هذا كان العلماء أجمعوا على إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به إذا تحقَّقْنَا وغلب على ظننا أنه لا فرق بينَهُما. ¬
فعُلِمَ أنَّ دَعْوَى ابْنِ حزم على العلماء أنهم حرموا هذا مِنْ تِلْقَاءِ أنفسهم وشرعوه من غير دليل أنه ليس بصحيح، وأن الأئمة -رضي الله عنهم- ما فعلوا إلا شيئاً واقعاً في موقعه؛ لأن هذا المنطوق به والمسكوت عنه لا فرق بينهما البَتَّةَ. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ربما نَبَّهَنَا بِالنَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ، وقد أجمع العلماء على أن نَظِيرَ الحق حق، ونظير الباطل باطل، فإِلحَاقُ النَّظِيرِ بالنَّظِير من الحق الذي شهد له القرآن والسنة والعقل الصحيح، وقد نبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث مُتَعَدِّدَة على أن إلحاق النظير بنظيره من الحق لا مِنَ البَاطِلِ؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن سأله رجل، وثبت في الصحيحين أنه سألته امرأة عن حج كان على أبيها أو أمها هل تقضيه عنها؟ قالت: أمي ماتت وعليها حج أفأقضيه عنها؟ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟» قالت: نعم. قال: «فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أَنْ يُقْضَى» والحديث ثابت في الصحيح في رجل، وثابت في الصحيح في امرأة (¬1)، وهي قصص متعددة لا اضطراب في الحديث؛ لأنه ثابت في الصحيحين، فنبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بإلحاق دَيْن الله بدَيْن الآدميين بجامع أن الكل دَيْن ينفع صاحبه قضاؤه ¬
عنه ويؤدى بدفعه لمستحقه، وهو تنبيه بأن النظير له حكم النظير، وقد ثبت في الصحيحين أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل، هذا الرجل كان أبيض، وكانت امرأته بيضاء، فولدت له غلاماً أسود، ففزع من سواد الغلام، واعتقد أن امرأته زنت بأسود، وجاءت بهذا الغلام، فجاء للنبي فَزِعاً، والظاهر أنه كان يريد اللعان لِيَنْفِي عنه هذا الولد الأسود، فأخبر النبي أن امرأته ولدت أسود!! فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهذا الرجل: «أَلَكَ إِبِلٌ؟» قال: نعم. قال: «مَا أَلْوَانُهَا؟» قال: حمر، قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَق؟» قال: نعم -والأوْرَق: الذي لونه الوُرْقة، وأشبه شيء بلون الوُرْقَة هو لوْنُ حَمَامِ الحرَمِ هَذَا؛ ولذاكم تسمى الواحدة منه بالوَرْقَاء، ويسمى جمعه بالوُرْق، أي: أخضر اللون- قال: نعم، إن فيها لَوُرْقاً، قال: «مِنْ أَيْنَ جاءَتْها تلك الوُرْقَة والسَّواد؟» مع أن أباها أحمر وأمها حمراء، قال: لعل عِرْقاً نَزَعَها. يعني جَدّاً بعيداً كان أسود نزعها، قال له: «وهَذَا الغُلَامُ لعَلَّ عِرْقاً نزَعَهُ» (¬1). لَعَلَّ أحَدَ أَبَوَيْهِ كان عِنْده جد أسود من بعيد فنزَعَهُ، فاقتنع الأعرابي لما جعل له النبي -قاس له- النظير بالنظير، فَكَمَا أن أولاد الإبل تنزعها عروق فتصير بها سوداً، فكذلك أولاد الآدميين قد تنزعها عروق بعيدة، وهو إلحاق النظير بالنظير. ومن هذا المعنى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصائم يُقَبِّل امرأته؟! فقال له: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضَ؟» وهذا الحديث في سنن أبي داود بسندٍ أقل درجاته ¬
القبول (¬1). فقال له: «أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضَ؟». فكأن النبي يشير إلى أن التقبيل إذا لم يُنْزِل منه صاحبه، ولم يخرج منه شيء أنه كالمَضْمَضَة، بجامع أن كلًّا منهما مقدمة الإفطار، وليس في واحدٍ منهما إفطار؛ لأن المضمضة مقدمة الشرب، والتقبيل مقدمة للجماع، فألحق النظير بنظيره، وأمثال هذا كثيرة جدّاً. ومن هنا نعلم أن قَوْلَ ابْنِ حَزْمٍ: إن الضمير في قوله: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} عائدٌ إلى الخنزير كله -ليكون الشحم داخلاً في النص، لا مسكوتاً عنه ملحقاً بالمنطوق به- أنه غير صحيح، وأن الضمير راجع إلى لحم الخنزير الذي هو المُحدَّث عنه، وأن الشحم مسكوت عنه، ولكنه أُلحق به، والشحم هو واللحم قد يفترقان في الأحكام، كما سيأتي فيما حُرِّمَ على اليهود: أنه قد يُحْرَمُ عَلَيْهِمْ هذا دون هذا. [19/ب] وقد يُجاب في خصوص آية لحم الخنزير هذه جواب آخر،/هو معروفٌ عند العلماء، لكن ابن حزم لم يهتد للاحتجاج به، أن اللحم أعم من الشحم، فإن العرب تقول: اكْتَل لي لحم هذه الشاة. وقد يكون لحمها معه شحم كثير وهو داخل فيه، فهذا ¬
الجواب لو أجاب به ابن حزم لكان مقبولًا (¬1)، وهو مذهب مالك -أن [اللحم] أعم من [الشحم] (¬2) - ولذا لو حلف في مذهب مالك لا يأكل اليوم لحماً فأكل شحماً فإنه يحنث، بخلاف ما لو حلف لا يأكل شحماً وأكل لحماً أحمر غير شحم فإنه لا يحنث (¬3)؛ لأن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، كما هو معروف (¬4). والحاصل أن العلماء مُجْمِعُونَ على إلحاق النَّظِير المسكوت عنه بالنظير المنطوق به، وأنه من الحق، وأنه غير مسكوت عنه، بل النص يدل عليه، فمن قال لك: لا تقل لوالديك أف. فكأنه قال لك من باب أولى: لا تضربهما. ومن قال -مثلاً- لك: لا تُضَحِّ بِعَوْرَاء، فكأنه قال لك: لا تُضَحِّ بالعَمْيَاءِ مِنْ بَابٍ أوْلَى، وهكذا، وهذا معنى قوله: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ}. الله (جل وعلا) حرم هذه الأشياء التي هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير. ومعروف أن الله لا يحرم شيئاً إلا لحِكمَة، ولا يحرم شيئاً إلا للضرر، فقد يهتدي بعض الناس إلى حِكْمَة ذلك الشيء، وقد يعجز البشر عن إدراكها، فالله (جل وعلا) محيط علمه بكل شيء، ولا يُحَرِّمُ إلَّا لحِكْمَةٍ، لا يحرِّم شيئاً إلا وهو متضمِّنٌ أضْرَاراً عظيمة، وهذه الأضرار قد يتحَصَّلها البشر، وقد يعجز عنها إدراك البشر؛ لأن علم الخالق (جل ¬
وعلا) محيطٌ بكل شيء، يَعْلَمُ أَشْيَاءَ يَتَقَاصَرُ عنها فَهْمُ الْبَشَرِ. وَتَحْرِيم هذه الأشياء بعضهم يقول: إنه يفهم علته، وقال بعض العلماء: تحريم الميتة من جهة الطب (¬1)؛ لأن الدم الذي يسيل عنها بالذكاة يطيِّب لحْمَهَا ويُصَحِّحُهُ، فإذا ماتَتْ فَسَدَ ذلك الدَّمُ واخْتَلَطَ في اللحم، بدليل أنَّكَ لو فصدت عِرْقاً مِنَ الميتة لا يقطر منه دم، فذلك الدم قد يختلط بذلك اللحم، واختلاطه به فيه نوع من السلب له، يسبب بعض الأمراض، ولذا لم يُبِحْهُ الله إلا للمضْطَرِّ، قالوا: لأن شدة حرارة الجوع وألمه وشِدَّتِهِ قد يُقَاوِمُ تلك الأضرار فلا تهْلكه، ولم يبحه إلا عند الضرورة التي يخاف صاحبها الموت. وزعموا (¬2) أن تحريم الدم؛ لأنه لا فائدة فيه ألبتة، لا يستفيد الإنسان من أكل الدم في جوفه شيئاً؛ لأنه إما أن [يستقر] (¬3) في المعدة فيضرها، ولا يَتَسَرَّب في العروق، ولا يستفيد صاحبه منه شيئاً عن طريق الفم. قالوا: وتحريم الخنزير (¬4)؛ لأن الخنزير قد تكون فيه مضار جدِّية، قالوا: ومن نتائج أكله أن صاحبه يصير ديوثاً غالباً، تُنزع منه غيرة الرجال، وغيرة الإنسانية التي تكون في الرجال، وهذا كالمشاهد، فإن الذين يأكلون لحم الخنزير لا تكاد تجد فيهم غيرة الرجال المعروفة، كالشهامة المعروفة عند العرب، فتجد زوجة ¬
الرجل تمشي من عنده مع الذكور، وتنفرد معهم!! هكذا قاله بعضهم، والله تعالى أعلم. والله (جل وعلا) كأنه علَّله، قال: {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} وقَدْ تَقَرَّر في الأصول، في مَسْلَكِ النص وفي مسلك الإيماء والتنبيه: أن الفاء من حروف العلة (¬1)، كقولهم: «سَهَا فسجد» أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، «سرق فقُطعت يده» أي: لعلة سَرِقَتِهِ، «حُرِّم لحم الخنزير فإنه رجس» أي: حرم لكونه رجساً. والرجس في لغة العرب: النجس القَذِر الذي تَعَافُهُ النُّفُوس، الذي هو بالغٌ في غايَةِ الاستقذار الغاية القصوى (¬2). وقال بعض العلماء: أصله من (الرِّكْس) والعرب ربما بادلت بين الحروف، و (الرِّكس) بالكاف في لغة العرب: عَذرة الناس وفضلاتهم -أكرمكم الله (¬3) - هذا معنى قوله: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}. وقوله: {أَوْ فِسْقاً} أو فسقاً: منصوب قبله مرفوع، إلا أنه عَطْفٌ على المنصوبات قبله. {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً}. فهو معطوف على قوله: {مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا} (¬4). والمراد بهذا الفسق: هو ما ذبح لغير الله، وسماه الله (فسقاً) جعله كأنه بعينه هو عين الفسق؛ لتَوَغُّلِه في الفسق الذي هو: الخروج ¬
عن طاعة الله؛ لأن النَّحْرَ وإِرَاقَةَ الدم من أعظم القربات التي يُتَقَرّب بها إلى الله (جل وعلا)، وهي من الحِكَم التي نادى فيها للحج: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج: الآية 27] ثم بين الحِكَم فقال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: الآية 28]، ذكرها عند التذكية تقَرُّباً بها إلى الله، وقَدْ بَيَّنَ الله (جل وعلا) أَنَّ مَنْ تَقَرَّبَ بالدِّمَاءِ يريد وَجْهَ اللهِ أن ذلك من التَّقْوَى الذي يرضي الله: {لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: الآية 37] ولذا كان الشيء إذا ذُبِحَ لِغَيْرِ الله كان ذلك من أكْبَرِ الكُفْرِ، وكانت تلك الذَّبِيحَةُ مِنْ أخْبَثِ الخبث، وذلك الفعل من أفْسَقِ الفِسْقِ؛ ولذا سَمَّاهُ اللهُ فِسْقاً. وأصل الإهلال في لغة العرب هو رفع الصوت (¬1)، تقول: اسْتَهَلَّ المولُودُ صارخاً: إذا رَفَعَ صَوْتَهُ عند الولادة، وإنما سُمِّيَ الشهر (هلالاً) لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته، وإنما قيل له: {أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} لأنهم كانوا إذا ذبحوا لغير الله رفعوا أصواتهم باسم الأصنام، فصار يُطلق على كل ما ذُبِحَ لغير الله: (أهل لغير الله به). ثم بَيَّنَ (جَلَّ وَعَلَا) أن هذه المحرمات الأربع، التي هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، أن مَحَلَّ تَحْرِيمِهَا ما لم تَدْعُ الضرورة الفَاحِشَةُ إلَيْهَا، أما إن دَعَتِ الضرورة إليها فإنَّها تُبَاحُ لِلضَّرُورَاتِ؛ لأن هذا النبي الكريم -سيد الرسل، ¬
الذي اختاره الله لهذه الأمة، وجعلها به خير أمةٍ أخرجت للناس- بُعث بالحنيفية السمحة، ورُفعت عنه التكاليف والآصار والأثْقَال التي كانت على مَنْ قَبْلَهُ، فَجَاءَ بها سهلة حنيفيَّةً سَمْحَة، إذا اضطر الإنسان إلى هذا الحَرَامِ رُخِّصَ له فيه، كَمَا قَدَّمْنَا إيضَاحَهُ، وأنَّهُ عام في كل ما دعت الضرورة الملْجِئَة إليه في قوله في هذه السورة الكريمة: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: الآية 119]. قرأَهُ بَعْضُ السبعة في جميع القرآن: {فَمَنِ اضْطُرَّ} بكسر النون، كما قرأه عاصم وأبو عمرو وغيرهما، وأكثر القراء: {فمنُ اضْطُرَّ} وهذا في كل ساكنين بعدهما ثالث مضموم، فإنه في جميع القرآن يُقْرَأ بالْكَسْر، على عادة التخلص من التقاء الساكنين بكسر الأول، والضم إتْبَاعاً للضَّمَّة بضمة الطاء في قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} (¬1). والطاء في قوله: {اضْطُرَّ} أصلها مُبدَلَة مِنْ تَاء الافتعال، وأصل حروف الكلمة الأصلية: (ضَرَرَ). ففاؤها ضاد، وعينها راء، ولامها راء: (ضَرَرَ)، فدخل عليها تاء الافتعال، كما تقول في قرب: اقترب. وفي كسب: اكتسب، وفي ضرر: اضْترر (¬2)، والمُقَرَّر في علم النَّحْوِ: أن تاء الافْتِعَال إذا جاءت بعد حرف من حروف الإطباق؛ كالصاد، والطاء، والضاد أنها تُبْدل طاءً (¬3)، فأبدلت تاء الافتعال ¬
طاءً، وبُني الفعل للمفعول، فقيل: {فَمَنِ اضْطُرَّ} أي: فمن أُلجِئَ. ولم يُبَيِّنْ هنا هذه الضرورة المُلْجِئَة، وقد بين في موضع آخر أنَّهَا الجوع، كما قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} [المائدة: الآية 3] والمَخْمَصَة: الجوع (¬1). والقرآن يُبَيِّنُ بَعْضُهُ بَعْضاً، يعني: فَمَنْ أَلجَأَتْه الضرورة إلى أكل الميتة، أو ما أُهِلَّ به لغير الله، أو لحْمِ الخنزير، فإن ذلك يُبَاحُ. والضرورات المُلْجئة عند العلماء هي: أن يخاف على نفسه الموت، أو يظن ذلك ظنّاً قويّاً (¬2). وقد قدمنا في سورة البقرة مسائل متعددة من الاضطرار إلى الميتة، منها: إذا اضطر إلى الميتة بأن خاف على نفسه الهَلَاك إن لم يأكل، هل يجوز له أن يشبع؟ أو لا يأكل إلا قدر ما يَسُد الرَّمَق ويُمْسِك الحياة؟ (¬3) فذهب جماعة من العلماء إلى أن له أن يشبع ويتزود، وهو المشهور المعروف من مذهب مالك (¬4). أما قول خليل في مختصره: «وللضَّرُورَةِ ما يَسُدّ» فذلك مشهور مذهب مالك، ولَيْسَ هو المَرْوِي عن مالك، وإنما هو قول لبعض أصحابه، فَمَذْهَب مالك المعروف، أنه يأكل ويشبع ويَتَزَوَّد، فإن ¬
وجد عنها غِنىً طرحها، ووجه هذا القول: أنه لما اضطر إليها صارت حلالاً بالنسبة إليه، والحلال يشبع صاحبه ويَتَزَوَّد. وقالت جماعة أخرى من أهل العلم من الأئمة الأربعة وفقهاء الأمصار (¬1): لا يجوز له أن يأكل إلا قَدْرَ ما يَسُدّ الرَّمَق ويُمسِك الحياة؛ لأنه إذا أكل ما يسد الرَّمق ويُمسك الحياة فقد زال الضَّرَر الذي هو خوف الموت، والميتة إنما أبيحت لخوف الهلاك، وقد زال بِأَكْلِ ما يسد الرَّمَق، فلا يشبع ولا يتزود، وهي أقوالٌ معروفةٌ في فروع المذاهب. ومن هذا: إذا تَيَسَّرَتْ لك ميتَةٌ ومالُ غَيْرٍ وأنْتَ مضطر، فهل تتعدى وتأكل مال الغير أو تُقَدِّم الميتة؟ اختلف العلماء في هذا (¬2)؛ فذهب جماعة إلى أنه يقدم مال الغير، وهو مذهب مالك إذا كان يَأْمَن من أن يجعله سارقاً ويقطع يده، أما إذا كان يخاف أن يجعله سارقاً وتُقطع يده فإنه يأكل الميتة، فإن أَمِنَ أن يجعله سارقاً قدم مال الغير على الميتة، وكثير من العلماء يقدمون الميتة على مال الغير [ونظير] (¬3) هذه المسألة ما إذا كان مُحْرِماً، واضطر إلى الميتة، وخاف الهلاك من الجوع، ووجد صيداً وهو مُحرِم: هل يصطاد الصيد ويقدمه على الميتة؟ أو يأكل الميتة؟ في هذا خلاف ¬
معروف (¬1). وأكثر أهل العلم على أنه يقدم الميتة على الصيد؛ لأنه إن قَتَل الصيد وهو مُحْرِم صار ميتة، ورجعت المسألة في حافرتها (¬2)، واجتمع عليه أنه قاتل صيد وآكل ميتة، أما إن أكل الميتة فقد أكل الميتة ولم يقتل صيداً، وفي قولٍ عن الشافعية: أنه يقدم الصيد، بناءً على أن المضطر إذا قتل صيداً لم يكن ميتة، والأكثر على خلافه، وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة في الكلام على قوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} [البقرة: الآية 173]. وقوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} دل القرآن في موضع على أن الاضطرار هنا: الجوع، وأن الباغي والعادي هما المائلان لإثم يخالف الشرع، وذلك في قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} [المائدة: الآية 3] أي: غير مائل للحرام، وهكذا قَدْرُ بيان القرآن. واختلف العلماء في ذلك الإثم الذي يُتجانف إليه الذي استُثني بقوله هنا: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} (¬3) فذهبت جماعة من أهل العلم -وهو القول المشهور عند الفقهاء والمفسرين- أن معنى الباغي: الخارج عن طاعة إمام المسلمين، والعادي: الذي يعدو على الناس ¬
فيقطع عليهم الطريق، ويخيفها عليهم، وعلى هذا القول فالبَاغِي: الخارج عن طاعة الإمام، والعادي: الذي يخيف الطريق، ويقطع الطريق على الناس، لا يباح لهم أكل الميتة؛ لأن هؤلاء غالباً هم الذين يضطرون إلى الميتات؛ لأنهم لا يقدرون أن يخالطوا الناس فيشتروا منهم زاداً ولا طعاماً، فيضطرون غالباً إلى الميتات، وعلى هذا فمن كان خارجاً عن طاعة إمام المسلمين، أو قاطعاً طريق المسلمين، مخيفاً لها، لا يجوز له الأكل من الميتة إلا أن يتوب، فإن لم يتب فلا يجوز له الأكل ولو مات، فلو قيل: كيف تبيحون له ترك الأكل ولو مات؟ قالوا: لأنه قادر على أن يبيح ذلك بالتوبة، وهو الذي أصرَّ وامتنع أن يتوب إلى الله، فلو تاب إلى الله أجاز له ذلك. وأجاز الإمام مالك وأصحابُهُ أكْلَ الميتة للمضْطَرِّ، ولو كان قاطع طريق، أو خارجاً على الإمام، لأنهم فسَّرُوا الباغي والعادي بتفسير غير هذا، قالوا: {غَيْرَ بَاغٍ} أي: غير باغٍ: مُتَشَهٍّ لأكل الميتة وهو قد يجد غِنىً عنها، {وَلاَ عَادٍ} أي: جاوز إلى الحرام، وهو في غِنىً عنه بالأكل بالحلال، وعلى هذا التفسير فهي كالتكميل لقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} والقول الأول أولى؛ لأن التأسيس مقدم على التأكيد (¬1). وقال بعض العلماء: {غَيْرَ بَاغٍ} أي: باغٍ مُتَشَهٍّ في نيل الحرام {وَلاَ عَادٍ} أي: مجاوز قَدْر سَدِّ الرَّمَقِ إلى الشبع، إلى آخر الأقوال التي قَدَّمْنَاهَا في البقرة. هذا معنى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}. ¬
قال بعض العلماء: يَلْحَقُ بِالبَاغِي والعَادِي كل مسافر سَفَراً حراماً، فإنه لا يترخص في أكْلِ الميتة، كالذي يُسَافِرُ لقطيعة الرَّحِم، أو يسافر ليقتل رجلاً مُعَيَّناً مسلماً، ونحو ذلك من السفر الحرام، فإنه لا يباح له أكل الميتة وإن ألجَأَهُ الجوع (¬1). والذين يقولون هذا يقولون: كذلك لا يترخص بِقَصْرِ الصلاة، فَعَلَيْهِ أن يصليها رباعية؛ لأن الرخصة وُجِدَت من باب التسهيل فكأنه إعانة له على ظُلْمِهِ، والله (جل وعلا) يقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: الآية 2] فكأن إباحة الميتة له والتسهيل له بقصر الصلاة إعانَة له على ظُلْمِهِ، وهذا معنى قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} {فَإِنَّ رَبَّكَ} أي: خالقك وسيدك {غَفُورٌ} ومن مغفرته أنه يبيح له الأكل عند الضرورات {رَّحِيمٌ} بِعِبَادِهِ، ومِنْ رَحْمَتِهِ: أنه أباح لهم ما اضطروا إليه، وألجأتهم إليه الضرورات، وهذا معنى قَوْلِهِ جل وعلا: {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. يقول الله جل وعلا: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)} [الأنعام: الآية 146]. لما بيَّن الله (جل وعلا) أشياء حَرَّمَها على هذه الأمة على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وكان حرمها عليهم لمصالح مَعْلُومة عنده (جل وعلا)، بيّن أنَّهُ حَرَّمَ على اليهود بعض الأشياء مؤاخذة لهم وجزاءً لهم باجترامهم ¬
السيئات، قال: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ} المراد بالذين هادوا هنا: اليهود، والعرب تقول: «هاد يهود» إذا تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ ورجع إلى الصواب، وهذا معروفٌ في كلام العرب، ومنه قول الله في الأعراف عن نبيه موسى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: الآية 156] أي: تبنا ورجَعْنَا منيبِين إليك. فمعنى (هاد، يهود): إذا رجع تائباً إلى الحق، مُتَنَصِّلاً مِنْ ذَنْبِه (¬1)، واسم فاعله: (هائد)، ويُجمع على (هُوْد)، ومنه: {كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [البقرة: الآية 135] وجَمْعُ (الفاعل) على (فُعْل) مسموعٌ في أوزانٍ قليلة، كهائدٍ وهُود، وحائلٍ وحُول، وعَائِذٍ وعُوْذ، وبَازِلٍ وبُزْل (¬2). وقد قال بعض الأدباء (¬3): يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ هُدْ هُدْ ... وَاسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُدْ فقوله أولاً: «هُدْ، هُدْ» معناه: تُبْ، تُبْ. «واسجد كأنك هُدْهُدْ» وهو الطائر المعروف. يعني: وإنما قيل لليهود: {الَّذِينَ هَادُواْ} لأنه في تاريخهم توبة عظيمة سَجَّلَهَا لهم القرآن، وهي توبتهم من عبادة العِجْلِ، لما رَجَعَ موسى مِنَ المِيقَاتِ من الطور، ووجدهم يعبدون العجل، جاء الوحي بأنَّ اللهَ لا يقبل توبة أحدٍ منهم ¬
حتى يُقَدِّمَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ، كما قدمنا إيضاحه (¬1) في البقرة في قوله: {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: الآية 54] أي: فَقَدَّمْتُمْ أنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، هذه التوبة التي تجر الإنسان إلى أن يقدم نفسه صابراً محتسباً على الموت توبة عظيمة سَجَّلَها لهم القرآن؛ ولذلك ربما أُطلق عليهم اسم: (الذين هادوا): تابوا؛ أي: بتلك التوبة المعروفة، وإن كانت هذه حسنة فخسائسهم المذكورة في القرآن لا تكاد أن تُحْصَر. {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} معناه: أن كل حيوانٍ له إصبع فيها ظفر حرام على اليهود، ومن ذلك: الإبل، والنعام، والإوَز، والبط، وما جرى مجرى ذلك؛ لأن كل هذه من ذوات الظفر، فكل حيوانٍ ذي ظفر كان محرَّماً على اليهود جِميعه؛ شحمه ولحمه، كالنعام، وكالإبل، وكالبط، والإوَزّ، وما جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ (¬2). وقول بعض العلماء: الظّفُر: الحافر، فإنه يحرم عليهم كل ذوات حافر (¬3)، غير صحيح؛ لأنهم يعدّون أظلاف البقر والغنم من ذوات الحوافر، ولحومهما مباحة لهم كما سيأتي. وقول بعضهم: المراد بذات الظفر هي: ذات المخالب، أو ذات السباع من الطير (¬4). لا يُسَاعِدُهُ لَفْظُ الْقُرْآنِ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ مَا ¬
كالبعير، وما كَالنَّعَامَةِ، وما كالْبَطِّ، وما كالإوَز، وما جرى مجْرَى ذلك. وقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} أي: حَرَّمْنا عليهم شحوم البقر والغنم لا لحومهما. والتحقيق: أن الشحوم المحرمة عليهم من البقر والغنم مقصورة على الثروب، وشحم الكليتين (¬1). والثُّرُوب: جمع ثَرْب؛ وهو الغِطَاءُ -الغِشَاءُ- من الشَّحْمِ الرَّقِيقِ الذي يغطي الجوف فيكون على الكَرِشِ والمصَارِين (¬2)، هذا وشحم الكُلَى هو الحرام عليهم، أما غيره فيدخل في الاسْتِثْنَاءَاتِ الآتية؛ ولذا قال: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} قرأ بعض السبعة: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} بإظهار التاء، وقرأ بعضهم: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} بالإدغام -الإدغام الصغير (¬3) - يعني: أن ما عَلق بظهر البقر والغنم من الشحوم، كالشرائح التي تكون على الظهر من الشحم، فإنها مباحة لهم (¬4). وقوله: {أَوِ الْحَوَايَا} التحقيق أن {أَوِ الْحَوَايَا} في محلِّ رَفْعِ مَعْطُوفٍ عَلَى الظهور (¬5)، يعني: إلا ما حملت ظهورُهُمَا أو ما ¬
حملته الحَوَايا، فهو مستثنى بالتَّحْرِيمِ، خلافاً لمَنْ زَعَمَ أنَّ الحَوَايَا يعني منصوباً معطوفاً على شحومهما، حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا، فهي محرَّمَة، فهذا القول ضعيف مرجوح (¬1)، والمعنى: أن ما حملته الظهور من الشحوم حلالٌ لهم، وما حملته الحوايا. والحوايا: تختلف فيها عبارات المفسرين بألفاظٍ متقاربة، معناها راجعٌ إلى شيء واحد (¬2)، منهم من يقول: هي المبَاعِر؛ أي: المَحَال التي يجتمع فيها البَعْر والزّبل. ومنهم من يقول: هي بنات اللَّبن، ويسمونها بأسماء، والتحقيق: أنها كل ما كان مُدَوَّراً في البطن مما يُسَمَّى: الدُّوارَة، والمصارين، ومحل البعر الذي يخرج منه، ما تَعَلَّق بذلك الجوف من الشحوم غير الثُّرُوب التي هي غشاء فوق الجوف، كل ما تعلق بذلك فهو حلال لهم، وهذا معنى: {أَوِ الْحَوَايَا} وهو جمع (حاوية)، كقَاصِعَة وقَاصِعَاء (¬3). وقيل: جمع (حويَّة) كـ: (فَعِيْلَةٍ) و (فَاعِلَة) (¬4) وهي ما احْتَوَتْ عَلَيه البطن من الأمْعَاءِ، وما جرى مجراها من الدُّوَّارَة والمَبَاعِر، ونحو ذلك، فالمتعلق بهذا من الشَّحْمِ لا يَحرم عليهم، وإنما يحرم عليهم الثُّرُوب، وهي الغشاء الذي فوق الكرش والأمعاء من الشحم، وشحم الكُلَى. وهذا معنى قوله: {أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}. ¬
والتحقيق أن: {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} معطوف على المستثنى الحلال (¬1)، أي: فما اختلط بالعظم فهو حلالٌ لهم، فكل شحم مختلط بعظم كالشحم الذي يكون في عظام البقرة والشاة فكله حلَالٌ لهم. ويدخل فيه الذَّنَبُ الكبير السمين الذي يسمى الألية فإنه مختلط بعظم؛ لأنه مختلط بعظم العصعص، وهو عجب الذنب المعروف، ويدخل في {مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}: شحم العينين، وشحم الأذنين، وكل شحم اختلط بعظم فإنه حلالٌ لهم، وهذه الاستثناءات تبين أن الحرام عليهم إنما هو الثُّروب، وشحم الكُلَى فقط، وهذا معنى قوله: {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}. ثم بيَّن الله أنه حرَّم عَلَيْهِمْ بعض هذه المحرمات بسبب ظلمهم، فضَيَّقَ عليهم بالتحريم لمخالفتهم واجترامهم، كما بَيَّنَهُ في النساء بقوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: الآيتان 160، 161] أي: وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم للكتب، كل هذه الذنوب حُرِّمَ عليهم بسببها بعض الطيبات؛ ولذا كان نَبِيُّ الله عيسى ابن مريم (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) بُعث بأن يكون جميع عَمَلُهُ وأحكامه في الغالب عملاً بالتوراة، ولا يزيد إلا أن يُحلل لهم بعض ما حُرِّمَ عليهم بسبب ذنوبهم، كما سيأتي في قوله عن عيسى ابن مريم: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: الآية 50] فجاء تخفيف وتحليل على لسان عيسى ابن مريم، ولكنهم -قبحهم الله- لعداوته ¬
لم يقبلوا منه شيئاً، وزعموا أنه ابن زانية!! وقد يُشْكِلُ على كثير من الناس أنَّ مَنْ يزعمون أنهم على دين النصرانية دائماً يَفْصِلُون الدين من السياسة، ويزعمون أن الدين مقتصر على الكنيسة، وأنه لا دخل له في تنظيم العلاقات البشرية والأعمال الدنيوية!! وسبب ذلك: أن النصارى يزعمون أنهم على دين عيسى ابن مريم، ودين عيسى ابن مريم جُلّ شريعته التي فيها الحلال، والحرام، والحدود، وإقامة صلاح المجتمع إنما هو بالكتاب الذي هو التوراة، وفي الإنجيل زيادات ليس فيها شرعٌ قائمٌ مستقل، فالنصارى لشدة بغضهم لموسى كذبوا بكتابه، ولم يأخذوا من شريعة عيسى إلا ما اختص به الإنجيل، وتركوا ما في التوراة مما بُعث عيسى بالعمل به، وصارت ليس في الإنجيل شريعة كاملة وافية يُفَصَّل فيها الحلال والحرام وأحكام علاقات الدنيا، فاضطروا إلى أن يجعلوا تشريعاً سموه (الأمانة الكبرى) وهي الخيانة العظمى!! كما هو معروف في تاريخهم (¬1). أما التوراة فهو كتابٌ فيه شرعٌ واضح تُبيَّنُ فيه العقائد، والحلال والحرام، وكل شيء، كما قال الله (جل وعلا) عن التوراة: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: الآية 145] مع أن الإنجيل جاء به بعض الأحكام: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ} [المائدة: الآية 47]. وكثيرٌ من أحكام الإنجيل يُحال فيها على ما أنزل الله على موسى في التوراة، كما قال الله في التوراة: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} [المائدة: الآية 44]، وهذا معنى قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ ¬
هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}. {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم} ذلك التحريم والتضييق جزيناهم بسبب بغيهم، أي: كفرهم وظُلْمِهم وعُدْوانِهِمْ، كما بَيَّنَهُ بقوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: الآيتان 156، 157]، وقوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: الآيتان 160، 161] وكقوله: {وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ} [النساء: الآية 155]، وقوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: الآية 21] هذا الظلم والبغي حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بسببه بعض ما كان حلالاً عليهم، كما قال هنا: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ}. وفي إعراب (ذلك) وجهان معروفان (¬1): أحدهما: أنها في محل رفع، الأمر ذلك الذي قصصنا عليك جَزَيْنَاهُمْ ذلك الجزاء ببغيهم. الثاني: أنها في مَحلِّ نَصْبٍ بِمَصْدَرٍ، أي: جزيناهم ذلك الجزاء، وهذا الإعراب اختاره غير واحدٍ، ولكن ابن مالك قال: إن اسم الإشارة لا يكون منصوباً على المصدر إلا إذا ذُكر بعده المصدر، كأن تقول: قمت هذا القيام، وقعدت ذلك القعود. أما لو لم تَذكر بعده المصدر كأن قلت: قمت هذا، تعني: القيام، أو جلست هذا، ¬
تعني: الجلوس، يزعم ابن مالك أن هذا لا يجوز (¬1). وقال بعض العلماء: هي مفعول أول لـ (جزيناهم)؛ لأن (جزى) تتعدى لمفعولين، تقول: جزيت عمراً خَيْراً، وجزيته شرّاً، فتكون (ذلك) أحد مفعولي (جزى)، أي: جَزَيْنَاهُمْ ذلك الجزاء بِبَغْيهِمْ، فتكون مفعولاً به مقدَّماً، وعليه فلا إشكال. والبغي: أصله الإرادة (¬2)، وكثيراً ما يستعمل في إرادة الظّلم. وقوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} صيغة الجمع للتعظيم، والله يقول: إني لصادق. معظماً نفسه، ومعلوم أن الله صادق على كل حال {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} [النساء: الآية 122]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً} [النساء: الآية 87]. والسبب في هذا أن اليهُودَ زعَمُوا أن هذا الذي حُرِّمَ عليهم لم يكن جزاءً ولا عُقُوبَة، بل إنما كان حَرَاماً على إسرائيل، حَرّمَه إسرائيل على نفسه فاقتدوا به (¬3)، وقد تقدم أن الله أكذبهم في هذه الدعوى وألقمهم فيها حجراً في سورة آل عمران، في قوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93)} [آل عمران: الآية 93] فلما أفحمهم وقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} خجلوا ولم يأتوا بالتوراة، وعلموا أن القرآن مهيمنٌ على الكتب، كما قال: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة: الآية 48] ولذا قال هنا: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فِيما ذَكَرْنَا مِنْ أنَّا حَرَّمْنَا عليهم ذلك لظلمهم، لا أنه حَرَّمَهُ إسْرَائِيل على نفْسِه، ¬
والذي حَرَّمَهُ إسرائيل على نفسه قد قدمنا في سورة آل عمران أن المفسرين يذكرون أن نَبِيَّ الله يعقوب أصابه المرض المسمَّى بعرق النسا وآلمه جِدّاً، فنذر لله إن شفاه الله ليُحَرِّمن على نفسه أحب الطعام والشراب إليه، وكان هذا النذر سائغاً في شرعهم إذ ذاك، فشَفَاهُ الله، فإذا أحب الشراب إليه لبن الإبل، وأحب الطعام إليه لحم الإبل، فَحَرَّمَهما على نفسه لذلك النذر (¬1)، وأن هذا معنى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: الآية 93] أي: وهو لبن الإبل ولحمها، وقد قدمنا في تفسير البقرة أن سيد اليهود المسلمين عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- أنه لمَّا أسلم فحَسُن إسلامه كان يتقي [أكل] لحم الإبل (¬2) لِمَا كان متمرناً عليه من تحريمِهِ، فنزل فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} (¬3) [البقرة: الآية 208]. أي: ادخلوا في فُرُوعِ الإسلام وأحكامه بجميعها، لا تحرِّمُوا شيئاً أحَلَّهُ الإِسْلَام، ولا تَمْتَنِعُوا مِنْ أكْلِ شيء أحله الإسلام، وإن كان محرَّماً في شرع قَبْلَهُ، وهذا معنى قوله: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ}. ومن أعظم بغيهم: افتراؤهم على مَرْيَم البتول، ودعواهم عليها أنها زانية؛ حيث قالوا لها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً (28)} [مريم: الآية 28] يعنون: لم يكن أبوكِ فاحِشاً زانِياً، ولم تكن أمك بَغِيّاً زانية، فمِنْ أَيْنَ أتَيْتِ بهذا الغلام؟! يعنون رميها ¬
بالفاحشة، كما بَيَّنَهُ الله بقوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (156)} [النساء: الآية 156] ومِنْ أعْظَمِ بَغْيِهِمْ -قَبَّحَهُمُ الله! - زَعْمُهُمْ أنَّهُمْ قَتَلوا المسيح ابن مريم، وأنهم صلبوه، وتصْدِيق الجَهَلَةِ النَّصَارى لهم في ذلك؛ ولذا كان شِعَارُهُمْ الصَّليب، يزعمون أنَّها الخشبة التي صلب عليها عيسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- والله -هو أصدق من يقول- يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: الآية 157]. واعلموا أن كثيراً مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ مِنَ المسلمين استحْوَذَتْ عليهم آراء الإفرنج، فزَعموا أن عيسى مات، وأن اليهود قَتَلُوه، وأنه ليس حيّاً الآن، وأنه لا يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وكل هذه أكاذيب إنما حمل عليها ضعافَ طلبة العلم اغترارُهم بآراء الكفرة، وظواهر بعض النصوص، والحق الذي لا شَكَّ فِيهِ أن الأخبار متواترة (¬1) عن الصادق المصدوق -صلوات الله وسَلَامُهُ عليه- أنَّ اللهَ رَفَعَ عِيسى إليه حيّاً، وأنه حَيٌّ عند الله، وأنه يَنْزِل في هذه الأمة في آخر الزمان، وأن الله ينسخ على لسانه بعض الأحكام التي كانت مشروعة على لسان النبي، وهو أنه لا يقبل الجزية من أحد، فلا يبقى في زمنه إلا السيف أو الإسلام، ويقتل جميع الخنازير، ويضع الجزية، والتحقيق أن القرآن دلَّ على أنه حيٌّ، وأنه سينزل، وأن أهل الكتاب يؤمنون به؛ لأن الضمير في قوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} ¬
[النساء: الآية 159] التحقيق أنه عيسى، والمعنى: أنهم يؤمنون بعيسى قبل موت عيسى بعد نزوله، هذا التفسير هو الصحيح، وسياق القرآن يدل عليه، والأحاديث المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تَدُلّ عليه، والدليل على أنه سياق القرآن: أن الله قال: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ} أي: عيسى {وَمَا صَلَبُوهُ} أي: عيسى {وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي: عيسى {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي: عيسى {بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} أي: عيسى {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: الآيات 156 - 159] أي: عيسى، لتكون الضمائر على نسقٍ واحد (¬1). أما الرواية الأخرى التي جاءت عن ابن عباس أن المعنى: لا أحَدَ مِنْ أهْلِ الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل مَوْتِ أحَد أهل الكتاب، لا قبل موت عيسى، وأنهم قالوا لابن عباس: إذا قُطع رأسه غفلة فأين له أن يؤمن به قبل موته؟ وأنهم زعموا أنه قال: ينطق لسانه بعد أن فارق رأسُهُ جُثَّتَه بالإيمان بعيسى (¬2). هذا لا يخفى ضعفه وبطلانه، وعدم مساعدته على سياق القرآن، وكم من كِتَابِيٍّ يموت فجأة لا يؤمن بعيسى؟! فالتحقيق هو الأول، وقد دلت عليه الأحاديث المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ¬
[20/أ] نعم يبقى لطالب العلم هنا سؤال معروف وهو أن يقول:/ إن الله قال: {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: الآية 55] فيقول: إن الله قال: إنه مُتَوَفِّيك، وقال بعد ذلك: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} فهذا دليل على أنه توفاه، وقوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: الآية 117]. أما قوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} فلا يستدل به إلا جاهل؛ لأن هذا من كلام عيسى يوم القيامة، ومعلوم أنه لا يأتي يوم القيامة إلا وقد مات عيسى، وإن كان حيّاً إلى آخر هذه الأمة؛ لأن ذلك يوم القيامة، يقول الله له: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} إلى أن قال: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: الآيتان 116، 117] كل هذا قوله يوم القيامة، ومعلوم أنه يوم القيامة لا بد أن يكون تَوَفَّاهُ الله، بَل آية المائدة هذه تدل على أنّ توفيه الذي توفاه به ليس قبض روح؛ لأنه لم يقابله بالحياة؛ لأنه قال: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} ولم يقل ما دمت حيًّا، وقابل ديمومته فيهم بقوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} فَعَلِمْنَا أنها وفاة جسد وروح لا وفاة روح فقط، إذ لو كانت وفاة روح لما قابلها بقوله: {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} ولقابلها بقوله: «ما دمت حيًّا»؛ لأن الذي يُقابل بوفاة الروح إنما هو الحياة كما قال: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: الآية 31] ولم يقل: ما دمت فيهم. والجواب عن قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: الآية 55] من أوجه متعددة (¬1): ¬
أولها: أنه أجمع أهل اللسان العربي الذي نزل به القرآن أن العرب تقول: «توفَّاه، يتوفاه» إذا قَبَضَه إليه كاملاً تامّاً، كما تقول العرب: توفيتُ دَيْني من فلان؛ أي: قبضته، ولكن إطلاق التوفي على خصوص قبض الروح دون البدن اصطلاح عُرْفِيّ لا لغوي، فالاصطلاح اللغوي: يطلق على التوفي وقبض الشيء ببدنه ورُوحِهِ جميعاً (¬1)، وإطلاقه على الروح دون البدن إطلاق عُرْفِيّ لا لُغَوِي، ومع أن المعروف في الأصل عند أكثر العلماء أن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللّغَوية (¬2)، وأن الله إذا قال: توفى الله فلاناً. أن الأغلب الذي يسبق إلى الذهن أنها الروح دون الجسم؛ لأن هذا هو العُرْف، والعُرف ينسخ الحقيقة اللّغَوِيَّة، ولكن الحقيقة اللغوية هنا التي هي: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}؛ أي: قابِضك إليَّ كاملاً، ورافعك إليَّ بروحك وجسمك، هذه الحقيقة اللغوية وإن كانت تقدم عليها العُرْفِيَّة التي هي (قبض الروح دون البدن) إلا أنها اعتضدت بأحاديث صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصارت حقيقة لغوية معتضدة بأحاديث متواترة، ولا إشكال في ذلك. الثاني: أن الله لما أراد قَبْضَ عِيسَى إِلَيْهِ ألْقَى عليه النوم لئلا يزعجه الارتفاع إلى العالم العلوي، فقال: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أي: مُنِيمُكَ وقابِضُكَ في نَوْمَه، والعرب تطلق الوفاة على النوم، وجاء في القرآن إطلاق الوفاة على النَّوْمِ في مَوْضِعَيْنِ: ¬
أحدهما: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} أي: يعني في النوم {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} [الأنعام: الآية 60]. الثاني: قوله في الزمر: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: الآية 42]. الجواب الثالث: أن الله نعم قال: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: الآية 55]، وهو متوفيه قطعاً يوماً ما، ولكنه لم يبين وقت ذلك التوفّي هل هو فيما مضى أو سيأتي بعد آلاف السنين؟ والتَّحَكُّم على الله بأنه أوقعه تَحَكُّم بلا دليل، والله متوفيه قطعاً وليس بمخلده، ولكن لم يُعَيِّن ذلك التوفي. فإن قال قائل: هذا التوفي قبل الرفع؛ لأنه قال بعده: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}. فالجواب: أن جماهير علماء العربية أن الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي التشريك (¬1) فيجوز بإجماع أهل اللسان العربي أن يكون المعطوف بها سابقاً على المعطوف عليه، تقول: «جاء زيدٌ وعمرو» ويكون عمرو هو الأول؛ لأن الواو إنما تقتضي التشريك فقط؛ ولذا قال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} [الأحزاب: الآية 7] فقدم النَّبِي، وعطف عليه نوحاً بالواو، ونوح قبل النبي، وهذا لا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ العلماء. ¬
فإن قال قائل: قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث يدل على أن الواو تقتضي الترتيب، وهو تفسيره للواو في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ} [البقرة: الآية 158] فبدأ بالصفا، وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» (¬1) وفي بعض رواياته: «ابدَؤُوْا بما بدأ الله به» (¬2). فالجواب عن هذا هو ما أجاب به غير واحد من علماء العربية: أن الواو من حيث وضعها العربي لا تقتضي تقديماً ولا تأخيراً، وإنما تقتضي مطلق التشريك، سواء كان المعطوف بها هو الأول أو هو الآخر، أو كانا مجتمعين في وقت واحد، كقوله: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت: الآية 15] لأن إنجاءهما في وقت واحد، إلا أنه إذا دلّ دليل خارجي على أنها يراد بها الترتيب فلا مانع، ولكن الترتيب بذلك الدليل الخارجي لا لأصل الواو في نفسها، ومنه قول حسّان، على من رواه بالواو (¬3): هَجَوْتَ مُحمداً فأجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ لأن الإجابة إنما هي بعد الهجاء لا مانع من أن تقتضي الترتيب إذا دل عليه دليل خارجي، وهنا لم يدل عليه دليل خارجي، وجماهير المفسرين - كما قاله كبير المفسرين أبو جعفر الطبري- أن معنى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أي: قابضك إليّ كاملاً وافياً بِجَسَدِكِ وروحك، ¬
وإنما كانت الحقيقة اللغوية هنا مقدمة على العُرْفِيَّة -التي هي قبض الروح-[لأمرين] (¬1): أحدهما: أن الله قد ثبت أنه رفع جسم عيسى إليه، والأحاديث الدالة المتواترة عن النبي أن الله رفع عيسى. وعلى كل حال فالمعروف عن الذين قتلوه أنهم قتلوه بأن صلبوه، والله نفى هذا الصلب نفياً باتّاً، قال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: الآيتان 157، 158] فنفى أنهم قتلوه نفياً يقيناً، وهم معذورون؛ لأنهم ظنوا أنهم قتلوه، والله بَيَّنَ السبب الذي جاءهم منه الكذب والغلط؛ لأنه قال: {وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: الآية 157] لأن الله ألقى شبهه على رجل فصار مَنْ نظر إلى ذلك الرجل يجزم بأنه عيسى؛ لأن الله ألقى شبه عيسى عليه، فصار الناظر إليه لا يشك في أنه عيسى، فقتلوا ذلك الرجل وصلبوه، واعتقدوا أنه عيسى، فبَيَّنَ الله سَبَبَ كَذِبِهِم، وعُذْرهم في غلطهم فقال: {وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أما هو نفسه فَقَدْ رَفَعَهُ اللهُ إليه، وهو عند الله (جل وعلا)، وسينزل في هذه الأمة آخر الزمان، ويقتل الدَّجَّال، وهذا ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتاً لا مطعن فيه، وإن أحْيَا الله مَنْ أدْرَكَهُ من هذه الأمة سيجد أخبار الصادق المصدوق حقّاً، وسيجد خرافات الكذابين من أتْبَاعِ الإفرنج باطلاً؛ لأن الله أصدق من يقول، وهو يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} ويقول: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: الآيتان 157، 158]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} [النساء: الآية 122] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً} [النساء: الآية 87] الله أصدق من يقول. ¬
{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمِينَ (147)} [الأنعام: الآية 147]. الواو في قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ} قال بعض العلماء (¬1): راجعة إلى اليهود؛ لأنهم أقرب مَنْ ذُكر في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} فإن كذبوك وقالوا: لم تُحرم علينا هذه الأشياء جزاءً ببغينا، بل ما كان حراماً علينا إلا ما حَرَّمَهُ إسرائيل على نفسه {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}. الوجه الثاني: أنه راجع إلى كفار مكة الذين أُرسل إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبَيَّنَ لَهُم أن شركهم بالله باطل، وأن تشريعهم الحلال والحرام بالكذب باطل، فإن كذبوك وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، والبَحِيْرَة حق، والسائبة حق، وما جرى مجرى ذلك، فقل: ربكم ذو رحمة واسعة. وقال بعض العلماء: يرجع إلى الجميع، فإن كذبك الكفرة المعادون المعاندون من مشركين ويهود فقل لهم: ربكم الذي أنشأكم وأوجدكم ذو رحمة واسعة، إلا أن هذه الرحمة الواسعة ذكر الله في سورة الأعراف أنها مخصوصة بالمتقين حيث قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: الآية 156] لا لكل كافر وفاجر. وقد قَدَّمْنَا فِي تَفْسِير (البسملة) و (الفاتحة) أن (الرَّحْمَةَ) صفة من صفات الله، اشتق لنفسه منها اسم (الرحمن) و (الرحيم)، وأن ¬
(الرحمن) هو: ذو الرحمة الشاملة في الدنيا لجميع المخلوقين [في الدنيا، و (الرحيم): هو الذي يرحم عباده المؤمنين في الآخرة] ( .... ) (¬1). {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: الآية 144] {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ} [التوبة: الآية 6] ووصف بعض خلقه بالكلام فقال: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: الآية 54] وقال: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ} [يس: الآية 65] ولا شك أن لله كلاماً لائقاً بكماله وجلاله، وللمخلوقين كلام مناسب لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة كما بَيْنَ ذات الخالق والمخلوق. هذه صفات المعاني السبع (¬2) التي أقرّ بها من جحد كثيراً من الصفات. ¬
كذلك الصفات التي يسمونها السَّلْبية، والصفة السَّلْبِية في اصطلاح المتكلمين: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودِيٍّ، وإنما تدل على سَلْبِ ما لا يليق بالله عن الله، وهي عند المتكلمين خمس صفات (¬1)، وهي: البقاء، والقِدَم، والغِنَى المطلق- الذي يسمونه: القيام بالنفس، يعنون به: الاستغناء عن المحل والمُخَصَّص- والمخالفة للخلق، والوحدانية. أما القِدَم والبقاء: فالمتكلمون أثبتوهما لله، وقد قال بعض العلماء: إنه ورد في مثل ذلك حديث، وبعضهم ينفي صِحَّتَهُ، والمتكلمون يقصدون بهما معنىً صحيحاً؛ لأن القِدَمَ عِنْدَهُمْ: هو سَلْبُ الْعَدَمِ السَّابِقِ، والبقاء: هو سَلْب العدم اللاحق، زَاعِمِينَ أن الله أثبتهما لِنَفْسِهِ في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: الآية 3] أي: الأول الذي لا ابتداء لأوَّلِيَّتِهِ، والآخِر الذي لا انتهاء لآخِرِيَّتِه. قالوا: هذا معنى القِدَمِ والْبَقَاءِ. فنقول: القِدَم وَصفَ الله به المخلوقين، قال: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: الآية 39] {إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: الآية 95] {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)} [الشعراء: الآية 76] والبقاء وَصَفَ به الحادث؛ حيث قال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: الآية 77] {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} [النحل: الآية 96] والوحدانية وَصفَ بها نفسه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: الآية 163] ووصف بعض المخلوقين بها قال: {يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ} [الرعد: الآية 4] والغِنَى وَصَفَ به نفسه: {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: الآية 8]، ¬
{وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: الآية 6] وقال في بعض المخلوقين: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: الآية 6] {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ} [النور: الآية 32]. ولا شك أن ما وُصِفَ به الله من هذه الصفات مخالف لما وُصف به المخلوق، كمخالفة ذات الله لذات المخلوق، فلا مناسبة بين الذات والذات، ولا بين الصفة والصفة، فالله حق، وصفاته حق، والمخلوقون حق، وصفاتهم حق، إلا أن صفة كل بِحَسبِه، فصفة الله بالغة من الكمال والتَّنْزِيهِ ما تَتَعَاظَمُ أن تُشْبِه صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق تَتَعَاظَمُ أن تشبه ذوات المخلوقين. وهذه الصفات الجامعة (¬1)؛ كالعُلُوِّ، والكِبَر، والعِظَمِ، والمُلك، والجَبَرُوتِ، كل هذا جاء في القرآن العظيم وَصْفُ الخالق والمخلوق به، فقَدْ وَصَفَ تعالى نفسه بالعلو والكِبَر والعِظَم، قال في وصف نفسه بالعلو والعِظَم: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: الآية 255]. وقال في وصف نفسه بالعلو والكِبَر: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} [النساء: الآية 34] {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ المُتَعَالِ (9)} [الرعد: الآية 9] ( ... ) (¬2) فإن كذبوك وتمرَّدوا وكفروا فقل لهم، رغِّبْهُمْ ورهِّبْهُمْ، واجمع لهم بين الوعد ¬
والوعيد، فأخْبِرْهُمْ أن ربك واسع الرحمة لمن أطَاعَهُ، يرحمه ويدخله جنته، شديد العقاب والنكال لمن عصاه؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين: هما جلب النفع ودفع الضر، ومن أمثال العرب: (سَوْط وتمرة) (¬1) ليكون الخوف والرجاء جناحين يطير بهما الإنسان إلى امتثال أمر الله، هذا الملك الجبار الذي أدعوكم إليه رحيم عظيم الرحمة الواسعة لمن أطاعه، شديد النكال والبأس لمن عصاه، فعليكم أن تخافوا بأسه ونكَالَهُ، وتَطْمَعُوا فِي رَحْمَتِهِ فتطيعُوهُ. قال بعض العلماء: ومن معاني قوله: {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الأنعام: الآية 147] حيث أمهلكم، وأغدق عليكم نعمه، وأعطاكم العافية والإمهال، وأنتم تكذبون رسله، وترتكبون مساخطه، وتتمردون عليه، فما أرحمه! وما أعظم لطفه (جل وعلا)! إلا أنه قال: {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمِينَ} إذا أراد بطشاً بقوم مجرمين لا يُرد بأسه عنهم، {بَأْسُهُ} أي: عذابه ونكَاله، لا يقدر أحد أن يَرُدَّهُ، لا بقوة ولا بشفاعة، ولا بغير ذلك، كبأس غيره من مُلُوكِ الدُّنْيَا الذي يُرَدّ بأسه بالقوة، ويُردّ بالشفاعة مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فهو إذا أراد بقوم سوءاً فلا مردّ له. وكثيراً في القرآن أن يجمع اللهُ بَيْنَ الْوَعْدِ والوَعِيدِ، يَجْمَعُ بَيْنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ، كقوله هنا: {ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمِينَ} وقوله في آخر هذه السورة: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: الآية 165]، {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50)} [الحجر: الآيتان 49، 50] ¬
{تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: الآيتان 2، 3] وقوله جل وعلا: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: الآية 6] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً أن لفظ (القوم) قال بعض العلماء: إنما سُمِّي قوم الرجل (قوماً) لأنه يرجع إليهم فيكونون قواماً له؛ لأنه لا يستغني الإنسان عن جماعة يستند إليهم فيُسَاعِدُوه في أمورِهِ. وقد قدمنا مراراً (¬1) أن القوم في الوضع العربي مُختص بالذكور، وأنه ربما دخل فيه الإناث بحكم التَّبَع، وبيَّنَّا أن الدليل على اختصاص القوم بالذكور: قول الله في الحجرات: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} [الحجرات: الآية 11] فعطفه النساء على القوم يدل على المُغايرة، ونظيره قول زهير (¬2): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ والدليل على دخول النساء في القوم بحكم التبع: قوله في بلقيس ملكة اليمن: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: الآية 43]. وقوله: {بَأْسُهُ} أي: عذابه ونكاله. وقوله: {المُجْرِمِينَ} هو جمع تصحيح للمجرم، والمجرم: اسم فاعل الإجرام، والإجرام: ارتكاب الجريمة، ¬
والجريمة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه العذاب (¬1) كالذين كفروا بالله وجعلوا له الشركاء وسَاوُوا به شركاءه، وحَرَّموا ما رزقهم افتراء عليه، وحرَّموا وحلَّلوا بالباطل، وفعلوا الفواحش، وقالوا: الله أمرنا بها، هؤلاء كلهم من القوم المجرمين. {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)} [الأنعام: الآية 148]. هذه الآية الكريمة من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر فيها عن أمر غيب، ثم تحقق ذلك الغيب طبقاً لما ذكر، قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ} ذكر أنهم سيقولونه في المستقبل، وهو أمر غيب، ثم بَيَّنَ الله أن إخباره عن ذلك الغيب وقع كما قال، بيّنه في (النحل) و (الزخرف)، حيث قال في (النحل): {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} [النحل: الآية 35] وقال في (الزخرف): {وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} [الزخرف: الآية 20] فتحقق ما قال: إنهم سيقولونه (¬2). وهذه شبهة جاء بها الكفار -عليهم لعائن الله- وتمسّك بها المعتزلة، فهذه الآية محطّ رِحَال عند المعتزلة في أن العَبْدَ يخلق عمل نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها (¬3) -سبحانه وتعالى عن قولهم وافترائهم- وكلام الزمخشري في هذه الآية في غاية الخبث والقبح؛ ¬
لأنه يزعم أن هذه الآية تُبَرِّئ الله وتنَزِّهُهُ من أن يكون شيء من الشرّ بإرادته أبداً، وأن جميع الشرّ بإرادة العباد، في كلام قبيح خبيث (¬1). ولما أفْحَم القرآن الكفار في تحريم ما حَرَّمُوه بالأدلة والمناظرات، حيث قال: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} [الأنعام: الآية 143] وأفحمهم بالحجة في أنه لم يحرِّمْ هذا، وأفحمهم أنه ليس له شركاء، قال: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام: الآية 141] وهو الخالق الصانع المدبر الذي لا حرام إلا ما حَرَّمَهُ، ولا حلال إلا ما أحَلَّهُ، ولا مَعْبُودَ إلا هو، لما أفحمتهم الأدلة، وألْقَمَتْهُمُ البراهينُ الحجر [قالوا كلمة] (¬2) حق أرادوا بها باطلاً، قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا الكفر والتحريم، وتحريم البحائر والسوائب، وهذه الأنعام والحرث التي قلنا: إنها حِجْر، وهذا جَعْل النصيب لغير الله، هذا الكفر وهذا التحريم كله بمشيئة الله؛ لأن الله لو شاء أن يَمْنَعَنَا منه فهو قادر؛ لأنه قوي ونحن ضعفاء، فهو قادر جدّاً على أن يَمْنَعَنَا، فلما كان قادراً على مَنْعِنَا ولم يمنعنا عرفنا أنه راضٍ بفعلنا؛ لأنه إنْ رَآك تفعل شيئاً قبيحاً وهو قادر على أن يمنعك وتركك تفعله ولم يمنعك منه معناه أنه راضٍ بفعلك، وأنه حَسَنٌ عِنْدَهُ! هذا مقصودهم -قَبَّحَهُمُ الله! - كما أنهم لما قيل لهم: تصدقوا على المساكين! قالوا: الرِّزْق أكثر عند الله، وهو الذي خَلَقَهُ، والطعام أكثر عنده، فلو كان يُحِبّ أحداً أن يطعمه لأطعمه هو! كما يأتي في (يس) في قوله: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يس: الآية 47] فقد ¬
احتجوا بهذه الحجة الباطلة، والكلام الذي هو من جهة حق أُريد به الباطل {لَوْ شَاء اللهُ} قالوا: نعم، إنّ شِرْكَنَا كُفْرٌ، وأنه مودي للنار، وإن ما حرمنا تحريمٌ افتراءٌ على الله، وأنَّا ندخل به النار، هذا الذي فعلنا بمشيئة الله، لو شاء الله عدم إشراكنا ما أشْرَكْنَا، ولو شاء أنْ لم نُحَرِّمْ شيئاً ما حرَّمْنَا شيئاً، فلما كان قادراً على مَنْعِنَا ولم يمنعنا دلّ ذلك على أنه راضٍ بفعلنا؛ ولذا قالوا: {لَوْ شَاء اللهُ} عدم إشراكنا {مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} يعني: ولا أشرك آباؤنا، وإنَّمَا سَوَّغَ العطف هنا على ضمير الرفع المنفصل: الفصلُ بين العطف والمعطوف بـ (لا)، وهو مذهب الكوفيين، وهو صحيح؛ لأن القرآن جاء بمذهب الكوفيين هُنَا، وفي مذهب البصريين في (النحل)؛ لأن مذهب البصريين: أنَّ ضَمِيرَ الرفع المتصل لا يُعطف عليه إلا في الإتيان بضمير رفع منفصل كـ (نحن) في قوله في (النحل): {لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا} [النحل: الآية 35] والكوفيون يقولون: يكفي أي فاصل (¬1) و (لا) هنا فاصلة، فهي تكفي، وهو الحق؛ لأن القرآن نزل به. {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: الآية 148] يعني هذا التحريم الذي فعلنا، والشرك الذي فعلنا هو بمشيئته، ولو شاء لمنَعَنَا، فلما لم يمنعنا عرفنا أنه راضٍ بفعلنا، وهذه الجُمل، قولهم منها: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام صحيح لا شك فيه، ولكنه كلام حق أُريد به باطل؛ لأنهم يزعمون أنه لما كان قادراً على منعهم ولم يمنعهم أن ذلك رضاً منه، والله يقول: ¬
{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: الآية 7] فهو لا يَرْضَى بذلك الفِعْلِ، فهو أنْذَرَكُمْ وحَرَّمَهُ عَلَيْكُمْ، وإن ارْتَكَبْتُمُوه فلا يَرْضَى بذلك الفعل، بل يدخلكم به النار، وحاصل هذا: أن الكفَّارَ احْتَجّوا بأن الله قادر على أن يمنعَهم [من الوقوع فيما وقعوا فيه] (¬1) من الشرك وتحريم ما حَرّموا، دلَّ ذلك على أنه راضٍ بذلك، فالله كَذَّبَهُمْ فِي هذه وقال: إن عدم منعه لهم مع قدرته على ذلك لا يدل على رضاه؛ لأن الله (جل وعلا) يأمر خَلْقَهُ جميعاً بالدعوة، ويُوَفِّقُ مَنْ شَاءَ، وَيَخْذِلُ مَنْ شَاءَ، فالذي وفّقَه للخير يرضى بفعله، والذي لم يُوَفِّقْه للخير لم يرض الله (جل وعلا) بالكفر، والإرادة الكونية القدرية لا تستلزم الرضا (¬2)، فالله (جل وعلا) قد أراد كوناً وقدراً كُفْرَ الكَافِرِين؛ لأن الله يقول: {وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ} [الأنعام: الآية 107] {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: الآية 13] {وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: الآية 35] وهذا الكفر بمشيئته ولكنه ليس يرضاه، والإرادة الكونية القدرية لا تستلزم الرضا، وإنما يستلزم الرضا: الإرادة الشرعية الدينية، فما أحَبَّهُ الله شرعاً ورضيه ديناً وأراده ديناً هذا هو الذي يلازم الرِّضَا، أمَّا الإرَادَة الكونية القدرية فإنها لا تَسْتَلْزِم الرضا، فقد يريد الله كوناً وقدراً ما يَرْضَاهُ؛ كإيمان المؤمنين، وقد يريد كوناً وقدراً ما لا يرضاه ككفر الكافرين، وقد بَيَّنَّا احتجاج المعتزلة بهذا، وذكرنا بعض المناظرات التي توضح هذا (¬3)، والحاصل أن الله تبارك وتعالى ¬
خلق خلقه، وسبق في سابق أزله أنَّ قَوْماً صائرون إلى الجنة، وقوماً صائرون إلى النار، ثم إن الله صرف بقدرته وإرادته قُدَرَهُم وإراداتهم إلى ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ الأزَلِيُّ، فأتَوْهُ طَائِعِينَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (¬1). وقَدْ بَيَّنَّا أنَّ عَبْدَ الجَبَّارِ المعتزلي لما جاء يَتَقَرَّب بهذا المذهب ويقول: «سبحان من تنزه عن الفحْشَاء!» يعني: أن الله لا يشاء السرقة والزنا؛ لأنهم يزعمون -في زَعْمِهِمُ البَاطِل- أن الله أكرم وأنْزَه وأجَلّ من أن تكون هذه القبائح بمشيئته؛ ولذا قال مُعَبِّراً عن هذا: «سبحان مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشَاءِ!». فناظره أبو إسحاق الإسفراييني فقال: «سُبْحَان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء!». فقال عبد الجبار: «أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟». فقال أبو إسحاق: «أتراك تفعله جبراً عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟». فقال عبد الجبار: «أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى عليَّ بالرَّدَى، دعاني إلى الخير، وأوضح لي طريق الخير، ولكن سدّ بابه دوني، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟!». قال: «إن كان الذي منعك حقّاً واجباً لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، وإن كان مُلكه المحض فإن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل» فَبُهِتَ عَبْدُ الجَبَّارِ. وقال الحاضرون: «والله ما لهذا جواب» (¬2). ¬
وهذه المَسْأَلة بعينها هي التي ذكرنا أن البَدَوِيَّ الجاهل أسكت بها كبير المعتزلة عَمْرو بن عبيد المشهور الذي رثاه أبو جعفر المنصور؛ لأنه لما سُرقت له دَابَّة كان يعمل عليها، فجاء لعمرو بن عبيد فقال: ادع الله أن يردّها لي. قالوا: إنه قَامَ يَتَقَرَّبُ بهذا المذهب فقال: اللهُمَّ إِنَّها سُرقت، ولم تُرد سَرِقَتَها؛ لأنك أكْرَم وأجلّ وأَنْزه من أن تريد هذه الخسيسة القَبِيحَةَ! فالبدوي الجاهل قال له: نَاشَدْتُكَ الله يا هذا إلا ما كَفَفْتَ عني من دعائك الخبيث، إن كانت سُرقت ولم يُرِدْ سَرِقَتَها فقد يريد ردّها ولا تُرَدّ (¬1)! فهم حاولوا أن يُنَزِّهُوا الله عن أن تكون القبائح بمشيئته فَقَدَحُوا في قُدْرَتِهِ وإرَادَتِهِ، وجعلوا الخلق يفعلون شيئاً بلا قدرة الله ولا إرادته، أرادوا أن يُنَزِّهُوه فَقَدَحُوا في ربوبيته -والعياذ بالله- فمن كان منهم حسن الظن فقد وقع في أمر عظيم، ومن كان سيِّئَ الظن فهو سيِّئُ الظن، والإنسان قد يُحسن الظن ويريد البرّ ويقع في آثام عظيمة كبيرة، وقد قال الشافعي رحمه الله (¬2): رَامَ نفعاً فَضَرَّ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ ... وَمِنَ البِرِّ ما يكُونُ عُقُوقاً والحاصل أن الله (تبارك وتعالى) أعْلَمُ بخلقه، فخلق خلقه، وقدّر مقادير الكائنات قبل أن يخلقها، ثم إِنَّهُ خَلَقَ قَوْماً جَبَلَهُمْ على القبح والخساسة والخُبْثِ -عياذاً بالله! - وخلق قوماً جبلهم على الطهارة، ويسر كُلًّا لما خَلَقَهُ لهُ، فصَرَفَ الطَّيِّبينَ -صرف قدرتهم وإرادتهم- بقدرته وإرادته إلى ما شاء مِنْ خَيْر، فأتوه طائعين، فأدخلهم جَنَّتَهُ، وصرف قدرة قوم آخرين وإرادتهم بمشيئته وقدرته ¬
إلى ما سبق به علمه فأتَوْهُ طائعين فدخلوا النار {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: الآية30] فالله (جل وعلا) يَصْرِفُ قُدر الخلق وإراداتهم حتى يأتوا ما سبق به العلم الأزلي، يأتوه طائعين؛ ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (¬1). ولا شك أن الجاهل يقول هنا: ما الحكمة عند الله وهو الرءُوفُ الرَّحِيم الكريم أن يخلق قوماً ويجبلهم على الخبث، ويصرف إراداتهم إلى ما يستوجبون به العذاب الأليم مع أنه الرّحْمَن الرحيم؟! هذا سؤال إلحادي قد يقع في قلوب كثير من الملاحدة. والجواب عن هذا: أن خالق السماوات والأرض الجبار (جل وعلا) غَنِيٌّ عن جميع الخلائق، غَنِيٌّ بذاته الغِنَى المطلق {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: الآية 8] وإنما خلق الخلق ليُظهر فِيهِمْ بَعضَ أسرار عظمته، وأسرار أسمائه وصفاته، فلو لم يخلق إلا المُطِيعينَ، ولم يكن -أبداً- إلا الثواب كان ذلك إدلالاً عليه، وسبباً للجراءة على الجناب الكريم؛ لأن الذي لا يخاف يدل بمحبته، وقد يقع في الجناب الأعظم بما لا يليق، ولما خلق قوماً أشقياء ظهر فيهم ما عنده من الإنصاف والحكمة البالغة، وظهر فيهم بعض أسرار أسمائه كالجبار، والقهار، وظهر فيهم عظمته وقوته وشدة عقابه ونكاله؛ ليحصل الخوف من جانب، وخلق قوماً آخرين ووفقهم إلى الخير؛ ليظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته؛ من الرأفة، والرحمة، والحلم، والكرم، والجود؛ ليجمع بين المَحَبَّةِ ¬
والخَوْفِ، فلو كانت محبَّة لا خوف فيها لكان لا عظمة في القلوب، ولوقع الناس في الجناب الإلهي؛ لأنهم لا يخافون من شيء، ولو كان خوفاً محضاً لا مَحَبَّةَ معه ولا رحمة لكان الكل يمقتون الله ويكرهونه، وكان ذلك غير لائق، فاقتضت الحكمة أن يقسم الخلق إلى صنفين؛ ليظهر في هؤلاء بعض أسرار أسمائه وصفاته؛ من الرَّأْفَة والرَّحمة والكرم والجود، وجبل قوماً آخَرِين على خلاف ذلك؛ ليُظهر فيهم بعض أسرار صفاته وأسمائه؛ من القوة والبطش والقهر والعظمة والجلال -سبحانه وتعالى- وله الحكمة البالغة في ذلك، وقد خلق خلقاً، وقال: هؤلاء للنار ولا أُبالي، وخلق قوماً وقال: هؤلاء للجنة ولا أُبالي. يقول الله جل وعلا: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148)} [الأنعام: الآية 148]. قد ذكرنا أن الكفار- قبحهم الله- لما أفحمتهم براهين القرآن وحججه في إشراكهم بالله، وتحريمهم ما أحل الله، وأفحمتهم براهين القرآن التجَؤوا إلى شبهة كافرة ضالة مُلْحِدَة، وقالوا: هذا الإشراك الذي تَنْهَانَا عنه يا نَبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا التحريم الذي نحرِّمُه؛ كالبحيرة والسائبة، الذي تنهانا عنه، وتُقيم الحجج أنه حرام، نحن ما فعلناه إلا بمشيئة ربنا، فهو قادر على أن يمنعنا منه، لو شاء لمنعنا، ولمَّا تركنا عليه وهو قادر على مَنْعِنَا عرفنا أنه راضٍ عنَّا، وأن هذا الذي نفعل يرضيه؛ إذ لو كان لا يرضيه لمنَعَنَا منه؛ لأنه قادر على منعنا منه؛ إما مَنْعَ قَهْر، وإما منع لطف وتوفيق،
فيلطف بنا ويوفقنا! فصارت هذه المقالة شبهة فيها كلام حَقٍّ أُريد به باطل، فقولهم: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام حق لا شك فيه؛ لأنه لا يقع في الكون خير ولا شر، ولا تحريكة ولا تَسْكينة إلا بمشيئة الله {وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: الآية 35]، {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: الآية 13]، {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: الآية 149]، فقول الذين أشركوا: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام صدق وحق لا شَكَّ فِيه. فَلِطَالِبِ العِلْمِ أنْ يَقُولَ: ما دام كلامهم حقّاً، وهم صادقون في قولهم: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} -أي: ولا أشرك آباؤنا- {وَلاَ حَرَّمْنَا} أي: نحن ولا آباؤنا شَيْئاً لم يحرمه الله؛ كالبحيرة والسائبة، وهذا الكلام الذي ذكر هنا أن الكفار سيقولونه في المستقبل صرح بأنهم قالوه في (النحل) و (الزخرف)، هو بالنظر إلى ذاته كلام حق لا شك فيه؛ لأن الله لو شاء ألا يشركوا ما أشركوا، ولو شاء ألا يحرموا شيئًا ما حرموا شيئًا. لطالب العلم أن يقول: إذا كان كلامهم هذا حقّاً، فَلِمَ قال: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} وفي بعض القراءات -وقد تَمَسَّكَ بها المعتزلة لمذهبهم- قال: (كذلك كَذَبَ الذين من قَبْلِهِمْ) بالتخفيف (¬1)، فما وجه هذا التكذيب؟ وما قالوا إلا حقّاً. الجواب: أنَّهَا كَلِمَة حق أُريد بها باطل؛ لأنهم قالوا ذلك يستدلون به على أن الله راضٍ عنهم بفعلهم هذا، وهذه المقالة الكاذبة الكافرة هي التي أرادوها بكلامهم، فصار التكذيب مُنْصَبّاً عليها. ¬
المعنى عندهم: لو شاء الله أن لا نشرك ما أشركنا، فلما تَرَك بيننا وبين الشرك دلّ على رضاه به عنَّا! فادِّعَاؤُهُمْ أنَّ ذلك دال على الرضا هو محل الكَذِبِ، وهو الباطل الذي أرادوه بهذا الحق، وهو الذي يَنْصَبّ عليه التكذيب؛ ولذا قال لما قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ} قدمنا أن هذه من المعجزات؛ لأنه أخبر عن غيب أنه سيقع قبل أن يقع جازماً بذلك ثم وقع كما قال، فتبين أنه لو لم يكن عالماً أنه وحي من الله لما تجرأ أن يقول: إنه سيقع، خوفاً من أن لا يقع فيقولون: كذاب، فلما أخبر بأنه سيقع جازماً بذلك غير مُحجم، ووقع فعلاً دَلَّ ذلك على أنه نبي صحيح، وأن الله أوحى إليه أن هذا الأمر سيكون فكان، وبَيَّنَ أنه كان بالفِعْلِ في سورة النحل في قوله عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا} الآية [النحل: الآية 35] وقال في (الزخرف): {وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} [الزخرف: الآية 20] فبيّنَ أن ذلك الذي ذكر أنه سيقع أنه وقع بالفعل. وحاصل الآيات أن الكفار استدلوا بأن كفرهم واقع بمشيئة الله على أنه راضٍ به منهم (¬1)، وهذا الاستدلال باطل، وكونه واقعاً بمشيئته حق، وكون ذلك يدل على رضاه به هو مَحَل الكفر، فالله لا يرضى الكفر، كما قال: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: الآية 7]، والله قد يريد بإرادته الكونية القدرية ما لا يرضى؛ لأنه لا يُرْضِيهِ إلا العمل الصالح، مع أنه خلق الخلق أزَلًا، وقدّر عليهم أعمالهم التي هم سيعملونها {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: الآية 63] ثم يسّر كُلاًّ لما خلقه له، فَصَرَفَت قُدْرَتُهُ وإرادتُه أَهَلَ الجنة- صَرَفَت قُدَرَهُم وإراداتهم- إلى فعل ¬
الخير، طبقاً لما سبق به العلم الأزلي، وصَرَفَت إرادات وقُدر غيرهم إلى ما سبق به العلم الأزلي، فوجّهت قدرةُ الله وإرادتُه كلَّ مخلوق لما سبق له به العلم الأزلي، فأتاه طائعاً {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: الآية 30]. [20/ب] /ومن هنا يظهر سقوط استدلال المعتزلة بهذه الآية (¬1)؛ لأن هذه الآية عندهم هي محل خصب عظيم لدعواهم أن الإشراك ليس بمشيئة الله؛ لأنهم زعموا أن الكفار لما قالوا: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} كذبهم الله في أن الشرك بمشيئته وقال: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} ولم يتفطنوا؛ لأن المنفي في الحقيقة هو استلزام تلك المشيئة بالرضا، هذا هو المنفي حقّاً، وقد قدمنا حل هذه الشبهة مراراً، فالمعتزلة -قبحهم الله- أرادوا أن يُنَزِّهُوا الله عن شيء فقدحوا في ربوبيته (جل وعلا)، فوقعوا في أعظم مِمَّا فَرُّوا مِنْه، أرادوا أن يجعلوا القبائح؛ كالشرك، والردة، والزنا، والسرقة أنها ليست بمشيئة الله وأنها بمشيئة العبد، يزعمون أنهم ينزهون الله عن غير اللائق، فَقَدَحُوا في ربوبية الله، وجَعَلُوا خَلْقه وكونه يقع فيه شيء من غير مشيئته، فوقعوا في أعظم مما فرُّوا مِنْهُ بِأَضْعَاف. والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يمكن أن يقع في العالم تَحْرِيكَة ولا تَسْكِينَةٌ، ولا خير ولا شر إلا بمشيئة الله (جل وعلا)، وادِّعَاء المعتزلة أن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لِقُدْرَةِ اللهِ فيها لا يخفى أنه قدح في ربوبية الله؛ إذ لا شيء أعْظَم مِنْ أن يكون خالق الكون يقع في ملكه شيء ليس بمشيئته، هذا أعظم الكفر والقدح بالله ¬
-عياذاً بالله- ففروا من شيء فَوَقَعُوا في أعظم مما فَرّوا مِنْهُ، والله (جل وعلا) يقدر الأشياء ويخلقها، وتضاف لمكتسبيها، فالسرقة والزنا لا تكون إلا بمشيئة الله، وكل شر لا يكون إلا بمشيئة الله {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2)} [الفلق: الآيتان 1، 2] لأن كل ذلك الشر إنما خَلَقَهُ الله، فالله (جل وعلا) خالق، والعبد كاسب وفاعل، فلا تُضَافُ السَّرِقَةُ إلى الله، فلا يجوز أن تقول في حقه: سارق -سبحانه جل وعلا عن ذلك علوّاً كبيراً! - وإنما السارق مَنْ أَوْجَدَ الله منه الفعل وقَدَّره عليه، فالله (جل وعلا) يُوَجِّهُ إرادات المخلوقين وقدرتهم إلى مَا سَبَقَ به علمه الأزلي مما هم صائرون إليه، فيَتَوَجَّهون إليه بمشيئة الله طائعين فيعملونه {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: الآية 30] وهذه المسألة قد سأل عنها الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما أنهم سألوه: هذا العمل الذي نعمل أنعمله لأمر مُؤْتَنَف، ونُحْدِث به سعادة لم تكن سابقة، أو شقاوة لم تكن سابقة؟ فأخبرهم بأن الأمر ليس بأُنف، وأنه مفروغ منه، وأن القَلَمَ جَرَى بما هو كائن، وأن السَّعِيدَ مَنْ كُتِبَ عِنْدَ الله سعيداً، والشقي من كُتب شقيّاً، فسألوه: لِمَ لا يَتَّكِلُونَ على الكتاب الذي كَتَبَهُ الله، ويتركون الأعمال، فمن كُتبت له الجنة فهو داخلها، ومن كتبت له النار فهو داخلها؟ فبين لهم - صلى الله عليه وسلم - أن كلاًّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له، فالذين سبقت لهم السعادة يستعملهم الله بقدرته وإرادته في فعل الخَيْرات، ويوجه قدرتهم ومشيئتهم إلى الخير بقدرته وإرادته، والعكس بالعكس (¬1) {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: الآية 30]. ¬
وقد بَيَّنَّا مِرَاراً (¬1) القصص والمناظرات التي تدل على إفحام المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الأعمال السيئة بمشيئة العبد لا بمشيئة الله، وهذا تلزم عليه محاذير عظيمة: أحدها: القدح في علم الله؛ لأن الله (جل وعلا) عالم بما سيفعله خلْقُهُ، وما هم عاملون إلى يوم القيامة، مقدِّر ذلك في أزَلِهِ، فلو فرضنا -والعياذ بالله- قول مجوس هذه الأمة -المعتزلة- أن العبد يستقل بِعَمَل فعله، فلو كان سبق علم الله أن هذا العبد لا يزني يوم كذا وكذا، وأراد العبد بمشيئته أن يخترع ذلك الزنا، فإذا فعله بدون مشيئة الله فقد انقلب علم الله جهلاً -سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً- بل هو المحيط علمه بكل شيء، المقَدِّر كل شيء في الأزَلِ، الذي يقضي الأمور في أوقاتها التي قَدَّرها لها {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50)} [القمر: الآيتان 49، 50]. فالمُجبِرَة ضُلاَّل؛ حيث ينفون عن العبد أن له فعلاً، والقدرية ضُلَّال؛ حيث ينفون أن هذا بمشيئة الله، ومذهب أهل السنة والجماعة خارج مِنْ بين المذهبين خروج اللبن من بين الدم والفرث لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، فهو لا كما تقوله الجبرية، ولا كما تقوله المعتزلة، فكل شيء بمشيئة الله، والله يصرف مشيئات الخلق إلى ما سبق به علمه الأزلي، فيأتونه طائعين {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: الآية 30] والمعتزلة يقولون: إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح، وإذا فَعَلَ لِلْعَبْدِ غير الأصلح فقد أَخَلَّ بالْوَاجِبِ عَلَيْهِ؛ ولذا عندهم لا يفعل للعبد إلا الأصلح، وسبب ترك أبي الحسن الأشعري لمذهبهم؛ لأنه كان على مذهب المعتزلة زمناً طويلاً، وألّف فيه مئات الكراريس، ينصر مذهب المعتزلة، ¬
وكان شيخه الجبائي كبيرَ المعتزلة؛ لأنه كان زوج أمه، والأشعري ربيب الجبائي، وكان يوماً معه يُقَرِّر أن الله يجب عليه فعل الأصلح، فقال الأشعري للجبائي: إذا كان يجب عليه فعل الأصلح فَلِمَ قَتَلَ الغلام صغيراً؟ ولِمَ لا تركه يكبر حتى يعمل كثيراً من عمل الخير فينال الدرجات العالية في الجنة؟ فقال له الجبائي: يقول له الله: قد سبق في علمي أني لو تركتك تكبر كنت كافراً فمت على الكفر، فكان الأصلح لك أن قتلتك صغيراً. فقال له الأشعري: إذاً يحتج عليه الكافر الكبير الذي مات، ويقول له: يا رب لمّا سبق علمك أن البعيد سيموت كافراً لِمَ لا تفعل له الأصلح فتقتله صغيراً قبل أن يكتب عليه، كما فعلت الأصلح لذلك الصغير؟ فانقطع الجبائي، وقال للأشعري: أبِكَ جُنون؟ قال: لا، ولكن وَقَف حمار الشيخ في العَقَبَة. ثم ترك مذهب المعتزلة، ورجع إلى مذهب أهل السنة (¬1)، وهذا من مذاهب المعتزلة الباطلة. وقد قَدَّمْنَا مراراً، وكرَّرْنَا بعض المناظرات الدالة على إدحاض مذهبهم، كمناظرات الإسفراييني لعبد الجبار، كررناها مراراً (¬2)؛ لأن العاقل إن نظر فيها يعلم أن أبا إسحاق الإسفراييني اهْتَدَى إلى مذهب أهل الحق فأفْحَم به مذهب أهل الباطل على لسان عبد الجبار مِنْ كِبَارِ المعتزلة المشهورين، جاء يَتَقَرَّب بهذا المذهب كما يقوله الزمخشري هنا: إن الله قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} يعني: أن شركهم بمشيئته، وأنه كذَّبَهُمْ في هذا وقال: ¬
{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} وقال- ولا سيما القراءة الأخرى (¬1) -: (كذلك كَذب الذين من قبلهم) فجعل أن مَنْ قال: إن الشرك بمشيئة الله أنه كاذب عند الله، وأن الله نص على كذبه!! وهذا تحريف في آيات الله، وقَدْح في ربوبية خالق السماوات والأرض سبحانه أن يقع في ملكه شيء دون مشيئته (جل وعلا)؛ لأن من يقع في ملكه شيء بغير مشيئته صار ليس برب، ناقص القدرة الكاملة، والله يَتَعَالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلما جاء عبد الجبار يَتَقَرَّب بهذا المذهب في مجلس الإسفراييني أبي إسحاق الشافعي المعروف، فقال عبد الجبار: سبحان مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفحشاء! يعني أن السرقة والزنا والشرك ليست بمشيئته. فقال أبو إسحاق: كلمة حق أُرِيدَ بها باطل. ثم قال: سُبْحَان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء! فقال عبد الجبار: «أتراه يشاؤه ويعاقبني أنا عليه؟». فقال له أبو إسحاق: «أتراك تفعله جبراً عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟». فقال عبد الجبار: «أرأيْتَ إنْ دَعَانِي إلى الهدى وقضى عليَّ بالرَّدَى، بَيَّن لي الخير ودعاني إليه، وسد الباب دوني، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟!». قال: أرى أن الذي منعك إن كان حقّاً واجباً لك عليه، فقد ظلمك وقد أساء، وإن كان مُلْكه المحض، فإن منعك فَعَدْل وإن منَحَكَ فَفَضْلٌ. فبُهِتَ عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب! ¬
وذكرنا مراراً أن رئيسهم الكبير عَمْرو بن عبيد -الذي يطريه الزمخشري غاية الإطراء، والذي رثاه أبو جعفر المنصور؛ لأنه توفي في خلافته، وهو من رؤساء وكبراء المعتزلة المشهورين- أفحمه بدوي جاهل، لا يعرف شيئاً؛ لأن الكبير العالم من أهل الإلحاد والضلال قد يُفْحِمُه العامِّي من أهل الحق، لظهور دلالة الحق؛ ذلك لأنه لما سُرقت دابته، وجاءه يسأل منه الدعاء أن يَرُدَّها الله عليه، وأراد التقرب بهذا المذهب، وقال: اللهم إنها سُرقت ولم تُرِدْ سَرِقتها، ولم تكن سَرِقَتُهَا بمشيئتك؛ لأنك أنزه وأعْظَم وأكْرَم وأجَلّ من أن تكون هذه الخسيسة بمشيئتك، ففهم البدوي الجاهل، وقال له: ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دعائك الخبيث، إن كانت قد سُرقت ولم يُرد سرقتها فقد يُريد رَدَّها ولا تُرَدّ! فإن كان أول الأمر ليس بمشيئته فَلَسْتُ بواثق منه في آخر الأمر؛ لأن الرَّبَّ لا بد أن يكون كل شيء بمشيئته أولًا وآخراً، فأَفْحَمَه وألْقَمَهُ الحَجَرَ (¬1). والحاصل أن هذه الآية الكريمة من سورة الأنعام أخْبَرَ الله فيها أن الكفار سيقولون: إن كُفْرَهُمْ وتَحْرِيمَهُم للحلال بمشيئة الله، وأن وقوعه بمشيئة الله دليل على رضاه به! فكذّبهم القرآن، والتكذيب مُنْصَبٌّ على أن كون ذلك بمشيئته لا يدل على رضاه، فلا يقع شيء إلا بمشيئته، ولا يرضيه إلا ما كان طاعة له، كما قال: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: الآية 7] لأنه صرف قُدَر الخلق وإراداتهم إلى ما سبق به العلم الأزلي، فأتوه طائعين، فما كان إيماناً وطاعة فهو مرضي عند الله، وما كان كفراً وعصياناً فهو غير مرضي عند الله، وإن ¬
كان كل شيء من خير أو شر بإرادته الكونية القدرية، فالله (جل وعلا) يعم جميع الخلق بدعوتهم إلى الدين، ثم يخصص من شاء للتَّوْفِيق، فالدعوة إلى الخير عامة، والتوفيق خاص {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: الآية 25]. وهذا معنى قوله: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} يعني: ولا أشرك آباؤنا من قبْلِنَا، والذي سوَّغ العطف هنا على الفاعل الذي هو ضمير الرفع المتصل: الفصل بلفظة (لا) وكل فاصل مسوِّغ، وهو مذهب الكوفيين، وهو الصواب، خلافاً لمذهب البصريين القائلين: لا بد من ضمير منفصل مُسَوِّغ للعطف، كما في آية النحل (¬1). وهذا معنى قوله: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} أي: ولا أشرك آباؤنا من قبلنا، ولا حرمنا من شيء؛ أي: لا مِنْ بَحِيرَة، ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حام، ولا من أنعام، ولا من حرث، إلى غير ذلك. وقوله: {مِن شَيْءٍ} أصله مفعول (حرّمنا) وقد تقرر في علم الأصول أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة (مِنْ) نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم (¬2)، وذكره الشيخ سيبويه في كتابه. والنكرة في سياق النفي قد تُزاد قبلها لفظة (مِنْ) فتنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم، ويكون ذلك قياساً مطرداً في ثلاثة مواضع لا رابع لها (¬3): ¬
أحدهما: أن تُزاد لفظة (مِنْ) قبل النكرة التي هي فاعل، كقوله: {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [القصص: الآية 46] الأصل: ما أتاهم نذير. أو أن تكون قبل المفعول، كقوله هنا: {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: الآية 148] الأصل: «ما حرمنا شيئاً». {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} [الأنبياء: الآية 25] أي: ما أرسلنا قبلك رسولاً. الثالث: أن تُزاد قبل المبتدأ، نحو: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: الآية 73] الأصل: وما إله إلا إله واحد، فزِيدَتْ قبلها (مِنْ) لتنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم. قوله: {مِن شَيْءٍ} الشيء يطلق في اصطلاح الشرع على كل موجود حتى الله (جل وعلا) قد يطلق عليه اسم الشيء (¬1)، كما قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: الآية 88]، وقال: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ} [الأنعام: الآية 19] والمعتزلة يَزْعُمُون أن الشيء يطلق على المعدوم، ومناقشاتهم في هذا لأهل السنة معروفة (¬2)، والدليل على أن المعدوم ليس الشيء، ولا يطلق عليه اسم الشيء: آيات قرآنية كثيرة، كقوله: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: الآية 9] فنفى عن العدم أن يكون شيئاً، وكقوله: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} [مريم: الآية 67] فنفى ¬
عنه في حال عدمه اسم الشيء، والمعتزلة يزعمون أن الشيء يطلق على المعدوم، وبعضهم يقول: المعدوم قسمان: معدوم ممكن، كإيمان أبي لهب، فإن إيمان أبي لهب معدوم قطعاً؛ لأن الله يقول: {سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: الآية 3] مع أن هذا المعدوم يمكن عقلاً؛ لأن إيمانه يجوز عقلاً؛ إذ لو كان مستحيلاً عَقْلاً لكان تكليفه بالإيمان تكليفاً بالمحال، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها. الثاني: أن يكون الشيء المعدوم مستحيلاً عقلاً، كشريك الله جل وعلا سبحانه عن ذلك وتعالى علوّاً كبيراً. وبعضهم يقول: إن الشيء يطلق على المعدوم مطلقاً. وبعضهم [يقول] (¬1): يُطلق على المعدوم الممكن دون المعدوم المستحيل. واستدلوا بأدلة لا تنهض، منها: قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ} [يس: الآية 82] قالوا: فسمَّاهُ (شيئاً) قبل أن يقول له: (كن)، وهو إذ ذاك معدوم، فدل على تسمية المعدوم (شيئاً). وهذا يناقضه قوله: {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: الآية 9] وإنما أطلق عليه اسم الشيء نظراً إلى عادة العرب أنهم ينزلون الواقع المتحقق وقوعه كالواقع بالفعل، كما قال: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} [النحل: الآية 1] ذكر أنه أتى فعلاً وهو لم يأت بالفعل؛ لأن تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، وهذا كثير في القرآن -فقد ذكر الله منه في سورة الزمر- جدّاً: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} معناه: سيكون ذلك يوم القيامة {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} أي: يوم القيامة {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء ¬
وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ} {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ} {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} [الزمر: الآيات 69 - 73] كل هذه الأفعال الماضية إنما هي بمعنى المستقبلات التي ستقع يوم القيامة؛ لأن تَحَقُّقَ وقوعها نزّلها منزلة الواقع فعلاً، كما هو معروف في فن المعاني (¬1). وهذا معنى قوله: {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ}. ثم قال الله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} كما كذب هؤلاء الكفرة الفجرة رسولي محمداً - صلى الله عليه وسلم - في أن الله واحد لا شريك له، وأنه لا حرام إلا ما حرمه الله، كما كذبوه وادّعوا أن وقوع ذلك بمشيئة الله دليل على رضاه، كما كذبوه بهذه الشُّبَه الكافرة الملحدة {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} الرسل، {كَذَلِكَ} التكذيب، ولم يزالوا مكذبين {حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} [الأنعام: الآية 148] أي: ذاقوا أليم عقابنا وشديد نكالنا، وقد يكون ذلك بهم في الدنيا كما وقع لقوم نوح حيث استأصلهم الطوفان بالغرق، ووقع لقوم هود حين أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، قال الله فيهم: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} أي: قتلى أمواتاً {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (8)} [الحاقة: الآيتان 7، 8] وكما فعلنا بقوم صالح حيث أُرسلت عليهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وكما أحرق قوم شعيب بالظلة، وكما رفع الأرض بقوم لوط وجعل عاليها سافلها، وكما أغْرَق فرعون وقومه في البحر، هذا من نكال العذاب الدنيوي، ويتلوه العذاب ¬
الأخروي -والعياذ بالله- كما قال تعالى في التنكيل بالمشركين يوم بدر مع اتصال العذاب الأخروي على ما ذكره بعض أهل العلم: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} [السجدة: الآية 21]. ومعنى: {حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} لم يزالوا مُصِرِّين على تكذيب الرسل معاندين {حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} أي: ذاقوا طَعْمَ ألم العذاب والنّكال الكائن مما في الدنيا، المتصل بعذاب الآخرة -والعياذ بالله- قل لهم يا نبي الله: {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} دعواكم أن كل ما وقع بمشيئة الله هو راضٍ به حسن عنده؟ هل عندكم من علم بهذا أن الكفر الواقع بمشيئته أنه لما كان بمشيئته كان برضاه، وكان حسناً عنده؟ هل عندكم على هذه الدعوى الفاجرة من علم فتخرجوه لنا؟ أي: تبرزوه لنا، الفعل هنا منصوب، وأصله: (تخرجونه) إلا أن المقرر في علم النحو أن فَاءَ السَّبَبِيَّة إذا [جاءت] بعد طلب أو نفي محضين [فإن الفعل بعدها] ينصب بـ (أن) مضمرة (¬1)، والطلب هنا محض؛ لأنه استفهام {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام: الآية 148]، ولو كان استفهام التقريع يقتضي النفي، فالنفي أيضاً مَحْض، فعلى كل حال فهو منصوب، كقوله: {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا} [الأعراف: الآية 53]. هَل مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فأَشْرَبَهَا ... أَمْ هَلْ سَبِيلٌ إلى نَصْر بْنِ حَجَّاجِ (¬2) وما جرى مجرى ذلك. ¬
وقوله: {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} أصله مبتدأ جاءت قبله (مِنْ) والأصل: (هل عندكم علم)، فالعلم: مبتدأ استند على الظرف قبله، وهو خبره (¬1)، ويجب تقديم المبتدأ هنا؛ لأن الذي سوَّغ الابتداء به: النكرة التي كانت خبراً (¬2)، إلا أنَّا ذكرنا -الآن- أن زيادة لفظة (مِنْ) قبل النكرة في سياق النفي -الذي ينقلها من الظهور في العموم- إلى التنصيص الصريح في العموم مطرد في ثلاثة مواضع (¬3): تُزاد قبل الفاعل، وتزاد قبل المفعول، وقبل المبتدأ كما هنا، والأصل: هل عندكم علم فتخرجوه لنا؟ ولو قال: (هل عندكم علم) لأن الاستفهام هنا استفهام إنكار مشتمل على معنى النفي. {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} أي: فتُبْرِزُوهُ لنا وتظهروه لنا، وهذا -مَثَلاً- إعجاز؛ لأن الله يعلم أنهم ليس عندهم علم، وإنما قالوه تخرُّصاً وكذباً. ثم قال: {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} والمعنى: لا علم عندكم ألبتة. {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} ما تتبعون في هذه الأمور إلا الظن، وأصل الظن في الاصطلاح: جُل الاعتقاد، والعرب تطلقه على الشك (¬4)، وجدتُم آباءكم يقولون شيئاً فاعتقدتموه، باطلاً وتقليداً أعمى من غير دليل. ¬
{وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} معناه: وما أنتم إلا تكذبون. الخرص هنا معناه: الكذب، ومنه: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)} [الذاريات: الآية 10] لُعن الكذابون، وأصل اشتقاقه من الخَرْص الذي هو الحزر؛ لأن الكذاب لا يَتَحَرَّى حَتَّى يَتَحَقَّق وإنما يقول حَزراً وتخمينًا، ومن هُنَا أُطلق الكذب على الخرص (¬1)، وقوله: {وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} معناه: وما أنتم إلا تكذبون، كَذَبَة فَجَرَة؛ حيث زعمتم أن شرككم وإن كان واقعاً بمشيئة الله أن الله راضٍ به، وأنه حسنٌ عنده، كلا! لا دليل ولا علم بذلك، وإنما هو افتراء وكذب وتخرّص على الله، وهذا معنى قوله: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} أي: والظنّ لا يغني من الحق شيئاً، كما قال تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [يونس: الآية 36] وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» (¬2)، وهذا في الظن فيما يُطلب فيه اليقين، كعبادة الله (جل وعلا) وحده، فإن هذه أمور يقينية لا تختلجها ظنون. وتمسك ابن حزم بظاهر هذه الآيات أن كل اجتهاد باطل، وأن كل اجتهاد ظن، وأن الظن لا يغني من الحق شيئاً (¬3)، فهذا ليس على بابه؛ لأن الأمور العملية إنما يُعمل فيها بالظنون، وقد يكون الظاهر قطعيّاً لا شك فيه وباطن الأمر مظنون لا ندري أحق هو أم كذب؟ وقد دلَّ القرآن في بعض المواضع أن الظاهر يكون قطعيّاً لا شك فيه، والباطن باطن (¬4) لا شك فيه، وهذا الشرع الكريم لا يأمر في نفس الواقع ¬
بمعرفة الواقع، فنحن جميعاً هؤلاء موجودون، كل واحد منا يُقال له فلان بن فلان، يُنسب إلى أبيه، وتكون أخوات أبيه عماته، ويرث في أبيه، ونحن لا نجزم قطعاً بأن كل واحد منا مخلوق من ماء أبيه، فقد تكون بعض النساء فاجرة، وتدخل لزوجها ولداً من غيره، وهذا الظن يُحكم له بالقطع، والله أمرنا بالبيِّنَة، قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: الآية 2] فنحن نُشهد العَدْلَيْنِ، ونقتل المسلم بشهادة عَدْلَيْنِ، ولو سُئلنا: هل أنتم جازمون في نفس الأمر أنهما صادقان؟ لقلنا: لا والله، لا نجزم؛ لأنهما غير مَعْصُومَيْنِ، ويجوز في حقهما الكذب، ولكننا نظن ظنّاً غالباً لعدالتهما أنهما صادقان، فإن كانا صادقين فذلك، وإن كانا كاذبين فعليهما، ونحن نبْرَأُ من ذلك. ومن هذا المعنى ثَبَتَ في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أم سلمة أم المؤمنين -رضي الله عنها- هند بنت أمية، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً، فَكَأَنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» (¬1) هذا حديث ثابت في الصحيحين، بَيَّنَ فِيهِ النَّبِيّ أنه ليس على يقين أن ما يقضي به مطابق للواقع في نفس الأمر، بل هو يقضي على نحو ما يسمع من ظواهر الدعاوي والبيِّنَات، وقد يكون الأمر مخالفاً في باطن الأمر؛ ولذا قال: «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً، فَكَأَنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ». ¬
وقَدْ بَيَّنَ الله في سورة النور أن هذا التشريع الذي يُراعَى فِيهِ الظَّاهِر -ولو كان الظاهر باطلاً- أن الله إنما قَبِلَه رَأْفَةً بِهَذِهِ الأمة، وتسهيلاً عليها، أوضح ذلك في آية اللعان؛ لأنه لمَا جاء هلال بن أُمية (¬1)، وعويمر العجلاني (¬2)، ورمى كلّ منهما زوجته بالزنا لرجل، وقال هلال: رَأَتْ عَيْنِي وسمعت أذُنِي، وأنزل الله آية اللعان، قام الرجل فحلف أَيْمَانَه، وخمَّس باللعنة، يقول في الأَيْمَان الأربعة: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتُهَا به من الزنا، ثم خمَّس في الخامسة باللَّعْنَةِ، لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، ثم قامت المرأة فحلفت أَيْمَانَها، وخمَّست بغضب. تقول: أشهد بالله إنه لكاذب عليَّ فيما رماني به من الزنا، ثم قالت في الخامسة: غَضِبَ الله عليها إن كان صادقاً فيما رماها من الزنا. فلما انتهت الأَيْمَان قال لهما الشرع الكريم: أنت مُصَدَّق، وأنتِ مُصَدَّقَة، ليس عليكَ أنْتَ قَذْفُ مُحْصَنَة، وليس عليكِ أنتِ حد الزنا، فصارت المرأة لا شيء عليها، والرجل لا شيء عليه، ونحن نَتَيَقَّن يقيناً جازماً أن باطن هذه القضية خراب!! لأنه لا بد أن واحداً منهما كاذب، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهُ أَعْلَمُ إِنَّ أَحَدَكُمَا ¬
لَكَاذِبٌ» ولو لم يقلها - صلى الله عليه وسلم - فنحن نَعْرِفُهَا كل المعرفة، ونجزم كل الجزم أن الكاذب منهما في ظَهْرِهِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللهِ، فإن كانت كاذبة فعليها حد الزنا، وإن كان كاذباً فعليه حد القذف، هذا لا محيص منه. وهذا الحكم السماوي الذي أنزله خالق السماوات والأرض فيه هذا الحكم لهذه الأمة، صدّق الرجل، وصَدَّق المرأة، وذهبا مُصَدَّقَين، لم يثبت على أحدهما شيء. ونحن نعلم أن واحداً منهما خائن كاذب، ومحل الشاهد: أن الله لما فَصَّل هذا في آية اللعان أتبعه بقوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)} [النور: الآية 10] أي: لولا فضله عليكم، ورحمته بكم، وتوبته عليكم، وحكمته في تخفيف التشريع عليكم. وحذف جواب (لولا)، أي: لَمَا قَبِلَ منكم هذا، أو: لَفَضَح الكاذب على رؤوس الأشهاد، فهذا تسهيل، وهذا مما يدل على أنَّا في الشرائع العملية، لسنا مُكَلَّفِين بمعرفة الباطن في نفس الأمر، فالباطن عند الله، فعلينا أن نعمل بما ظهر من الظنون الغالبة على الظن، وإن كنا لا نجزم بالواقع في نفس الأمر، فتبين أن قوله: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [يونس: الآية 36] فيما يُطلب فيه اليقين، كعبادة الله (جل وعلا) وحده، وتنزيهه عن الأولاد والشركاء، وأنه لا حرام إلا ما حَرّمَهُ، ولا حلال إلا ما أحَلَّه مما يجب فيه القطع والجزم اليقيني، أما المسائل العملية فما في باطن الأمر لا نجزم به، وكذا بأنّا نعمل بأخبار الآحاد بإجماع من يُعتد به من العلماء، ولو سُئلنا عنهم: أيجوز في حقهم الكذب؟ لقلنا: نعم؛ لأنهم غير معصومين!! وهذا معنى قوله: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: الآية 148].
{قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: الآية 149] إن احْتَجَجْتُمْ بأمور باطلة وشُبَه كاذبة فلِلَّه الحجة البالغة على خَلْقِهِ، وليس لأحد حجة على الله. والبالغة معناه: هي التي يبلغ بها صاحِبُهَا غَرَضَه لإِفْحَامِ خَصْمِه، وإظهار الحق. والعلماء يقولون: هذه الحجة البالغة هي إرسال الرسل، وإقامة المعجزات، وبيان أنه (جل وعلا) واحد لا شريك له. وظاهر القرآن يدل على أن هذه الحجة البالغة على مذهب الجبرية هي قوله جل وعلا: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فهذا داخل فيها دخولاً أوليّاً؛ لأن مُلْك التوفيق حجة بالغة على الخلق، وهذه الآية هي التي احتج بضمنها أبو إسحاق على عبد الجبار؛ لأنه كأنه قال له: مُلكه تعالى للتوفيق حجة بالغة على خلقه، فتمام الحجة البالغة أنك إذا قارنت بين سُنِّي- مثلاً- وجبري، فقال الجبري: إن كفره -والعياذ بالله- ومعاصيه كُتِبَ عليه في الأزل قبل أن يُولد، وإن الأقلام جفت، والصحف طُويت، وما كان فقد كان، ولم يبق شيء حادث إلا وقد سبق في الأزل، فيقول هذا الجبري الكافر: إن كفر البعيد قد كتبه الله عليه أزلاً، وإنه لو شاء أن يتخلص من ذلك المكتوب أزلاً لما كانت له القدرة؛ لأن علم الله الأزلي لا يَتَغَيَّر، فيقول البعيد: هو مقهور، وإذاً هو مجبور!! فله حجة في زَعْمِهِ على ربه، فكأن ربه يقول: جميع الأسباب التي اهتدى بها المهتدون أعطيتك إيَّاهَا، فالأعين التي أبصروا بها سمائي وأرضي وجبالي وبحاري وحدائقي وحيواناتي حتى عرفوا بها قدرتي، وأني رب كل شيء، وأني المعبود وحده، أعطيتك عيوناً مثلها، والآذان التي سمعوا بها مواعظي وآياتي وكتبي عن الرسل أعطيتك مثلها،
والقلوب التي عقلوا بها عن الله، وعرفوا مخالفة الخالق للمخلوق، وعرفوا بها عظمة جبار السماوات والأرض، وأنه جدير بأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى أعطيتك قلباً مثل قلوبهم، فكل ما أعطيت المهتدين من أسباب الهداية أعطيتك مثل ما أعطيتهم، إلا خصوصية التوفيق، فقد تفضلت به على قوم ولم أتفضل به على آخرين، فمن تفضلت به فهو فضل مني، ومن لم أتفضل به فهو عدل مني، كما قال أبو إسحاق: «إن كان الذي منعك حقّاً واجباً لك عليه فقد ظلمك، وإن كان مُلكه المحض فإن منعك فَعَدْل، وإن مَنَحَك ففضل» (¬1). ولذا قال هنا: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} على خلقه، وهي ما أنذرهم به من الإنذار، وما أرسل لهم من الرسل، وما أعطاهم من العقول والأسماع والأبصار {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} [النحل: الآية 78] {فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: الآية 149] لأنه قطع عُذر عبده بأن أعطاه كل ما أعطى المهتدين: إلا خصوص التوفيق، فهذا الذي منعه، وبملكه للتوفيق قامت حجته البالغة؛ ولذا أَتْبَعَه بقوله: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فلو شاء لمَنَحَكُمْ التوفيق كُلاًّ، ولكنه تفضل به على بعض، ولم يتفضل به على الآخرين، فَمَنْ تَفَضَّل به عليهم فهو فضل، ومن منعهم إياه فهو عَدْلٌ لا ظُلْمَ فيه؛ ولذا قال: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} ومفعول المشيئة محذوف، وقد ذكرنا مِرَاراً أن فعل المشيئة إن كان معلقاً بشرط فإنه يكفي عن مفعوله جزاء الشرط (¬2). والأصل: فلو شاء ¬
هدايتكم أجمعين لهداكم أجمعين، ولكنه لم يشأ، كما قال: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: الآية 13] وهذا معنى قوله: {فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: الآية 149]. وهذه تقضي على مذهب المعتزلة؛ لأن الله صرح بأنه لو شاء لهداهم أجمعين، فعُرف بأن شركهم بمشيئته، وأنه لو شاء أن لا يُشركوا ما أشركوا {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: الآية 13] {وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ} [الأنعام: الآية 107] ونحو ذلك من الآيات. {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)} [الأنعام: الآية 150]. {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا} قل يا نبي الله لهؤلاء الذين حرموا السائبة والبحيرة والوصيلة والحام {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: الآية 139] {وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} [الأنعام: الآية 138] أي: حرام. قل للمُحرِّمين هذه الأشياء، الزاعمين أن الله أمرهم بتحريمها، كما صرح به في (الأعراف) في قوله: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: الآية 28] قل لهم يا نبي الله: هذا الذي ادَّعَيْتُمْ على الله من أنه حَرَّم هذا وأمركم بتحريمه هَلُمَّ شهداءكم الذين يَشْهَدُون لكم على الله أنه حَرَّم هذا. و (هَلُمَّ) معناه: أحْضِرُوا وقَرِّبُوا. وهذه الكلمة -كلمة
(هَلُمَّ) - فيها خلاف، هل هي مفردة، أو مركبة؟ لا يعنينا بحثه الآن. وهي فيها لغتان (¬1): لغة الحجازيين التي نزل بها القرآن: أن لفظة (هَلُمَّ) اسم فعل لا فعل أمر؛ ولذا إذا خاطبوا الأنثى قالوا لها: «هَلُمَّ يا فلانة». ولم يقولوا: «هَلُمِّي» بياء المؤنثة. فيقول الحجازيون للذَّكر الواحد: «هَلُمَّ» وللذَّكَرين: «هَلُمَّ». وللذكور: «هَلُمَّ». وللإناث: «هَلُمَّ» فهي اسم فعل، وهي لغة القرآن؛ لأن المخاطب هنا جماعة، والأصل لو مشى على لغة التميميين من النجديين لقال: «هَلُمُّوا شهداءكم». أما لغة التميميين، وبعض القبائل النجديين: فـ (هَلُمَّ) فعل أمر لا اسم فعل؛ لأنهم يقولون للجماعة: «هَلُمُّوا» وللاثنين: «هَلُمَّا» وللأنثى: «هَلُمِّي» فإذا قالوا لها: «هَلُمِّي» دخلتها ياء المؤنثة المخاطبة، وهي من علامات الأفعال، كما قال في الخلاصة (¬2): (بتَا فَعَلْتَ، وَأَتَتْ، وَيَا افْعَلِي) ... ............................. فهي في لغة الحجازيين اسم فعل، وفي لغة التميميين وبعض القبائل النجديين فعل أمر، ويظهر الفرق في كونها اسم فعل، وبين كونها فعل أمر: أنها إن كانت فعل أمر اتصلت بها ضمائر المخاطبين، نحو: (هلموا) للرجال و (هَلُمُمْنَ) للنساء، و (هَلُمَّا) للاثنين، و (هَلُمِّي) للواحدة، والقرآن جاء فيها على لغة الحجازيين، أنها اسم فعل لا فعل أمر. ¬
وتأتي متعدية ولازمة، فمن إتيانها متعدية قوله هنا: {هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ} [الأنعام: الآية 150] أي: أَحْضِرُوا شهداءكم وقَرِّبُوهم، ومن إتيانها لازمة قوله في الأحزاب: {وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: الآية 18] أي: اقربوا قريباً منا، ولم تكن هناك متعدية، والمعنى: أَحْضِرُوا شهداءكم الذين يشهدون لكم أن الله حرم هذا الذي ادعيتم أنه حرام. ثم قال لِنَبِيِّه: فإن تجرءوا على الشهادة الكاذبة الباطلة -شهادة الزور على الله- فلا تشهد معهم؛ لأنهم كلهم كَذَبَة فَجَرَة مُتَعَاضِدُون على الكذب، يُصَدِّق بعضهم بعضاً في {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ}. ثم قال: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} فالخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم أن النبي لا يتبع أهواء الذين كذبوا بآيات الله، هذا أمر لا شك فيه، كقوله: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} [الإنسان: الآية 24]. ومعلوم أنه لا يطيع آثماً ولا كفوراً، هذا معروف، فالله (جل وعلا) يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - مخاطبة السيد لعبده، ومراده بخطابه -في أشياء لا تقع منه - صلى الله عليه وسلم - أبداً- ليشرع على لسانه لأمته، كما بيناه مراراً (¬1). ومن أمثال العرب: (إياكِ أعني واسمعي يا جارة) (¬2) معناها: إياكِ أعْنِي، والمقصود عندي هي جارتك الأخرى، وهذا مَثَل مَعْرُوفٌ، وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروس مراراً أن أصل هذا المثل من أبيات رَجَز لرجل من بني فزارة يُسمَّى: سهل بن مالك الفزاري، نزل في بيت حارثة بن لأْم الطائي المشهور فوجده غائباً، ¬
فأنزلته أخت حارثة وأكرمته، وأُعجب بجمالها، فخاطب داية (¬1) من داياتها لا أهمية فيها؛ لأنها من خَدَمِها، وقال لهذه التي هي من الدايات والخدم قال لها: يَا أُخْتَ خَيْرِ الْبَدْوِ وَالحَضَارَهْ ... كَيْفَ تَرينَ فِي فَتَى فَزَارَهْ ... أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَهْ ... إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَهْ ففهمت الطائية أنه يريد خِطَابها، فأجابته جوابها المعروف: إِنِّي أَقُولُ يَا فَتَى فزَارَهْ ... لَا أَبْتَغِي الزَّوْجَ وَلَا الدّعَارَهْ ... وَلَا فِرَاقَ أَهْلِ هَذِي الحَارَهْ ... فَارْحَلْ إِلَى أَهْلِكَ بِاسْتِحَارَهْ ومن هنا صار بيت الرجز هذا مثلاً عند العرب (إياكِ أعني واسمعي يا جارة) (¬2). [21/أ] والمعنى: إنك تخاطب واحداً ومقصودك/أن تُفْهِم ذلك الآخر. فالله يخاطب النبي ومقصوده إسماع أمته والتشريع لهم، والدليل القاطع على هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات أبواه وهو صغير؛ لأن أباه مات وهو حَمْل في بطن أمه، وأمه ماتت وهو صغير، ومعلوم أنهما وقت نزول سورة بني إسرائيل ماتا منذ سنين كثيرة، والله يقول للنبي مخاطباً له ببر الوالدين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} ثم قال مخاطباً للرسول: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: الآيتان ¬
23، 24] كل هذا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبواه قد ماتا من زمان، فدل على أن قوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ} أي: يبلغ عندك الكبر أحد والِدَيْكَ فبرّهما وقل لهما قولاً كريماً، أي: المراد خطابه ليُشرع لأمته، ومَنْ زَعَمَ من الناس أن هذا الخطاب -أي: قوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} - أنه يخاطب به مطلق الإنسان المُخَاطَب وليس النبي؛ فهذا غلط محض؛ لأن كل هذه الخطابات للنبي - صلى الله عليه وسلم - {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ} {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ} [الإسراء: آية 28] والدليل عليه أنه قال: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء: آية 39]، فدل أن الخطاب للمُوحَى إليه لا إلى مطلق الواحد من الناس. وآية الإسراء هذه نص صريح في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُخاطَب بالخطاب ليس هو المراد به، بل المراد التشريع لأمته؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو المشرِّع لهم بأقواله وأفعاله، وهذا معنى قوله: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} ككفار قريش الذين كذبوا بآيات الله، لا تتبع أهواءهم في الشرك، ولا في تحريم ما أحل الله. {وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} ظاهر العطف أنهما طائفتان، والتحقيق: أنهما طائفة واحدة (¬1)، إلا أن المعروف في علم العربية أن الشيء يُعطف على نفسه بألفاظ مختلفة إذا كانت الصفات مختلفة، نزَّلوا تَغَايُر الصفات منزلة تغاير الألفاظ، فعطَفوه على نفسه؛ نظراً إلى تَغَايُر الصفات (¬2)؛ لأن صفة التكذيب بآياتنا، وصفة عدم الإيمان بالآخرة متغايرتان، فصار الموصوف كأنه متغاير لتغاير ¬
الصفات، ومن أمثلة هذا في كلام العرب: قول الشاعر (¬1): إِلَى السَّيِّدِ القَرْمِِ وِابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ وهو واحد. ومن أمثلته الواضحة في القرآن -غير هذا الموضع- قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمرْعَى (4)} [الأعلى: الآيات 1 - 4] وهو واحد (جل وعلا)، وإنما عطف بعضها على بعض لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ، وهذا هو التحقيق، أنهما طائفة واحدة، تغايرت صفاتها فعُطفت على نفسها نظراً لتغاير الصفات، كما قَرَّرْنَا. والأهواء: جمع (هوًى) بفتحتين، وألفه مبدلة من (ياء)؛ لأن أصله (هَوَيٌ) على وزن (فَعَل) والياء المتطرفة بعد ألف زائدة يجوز إبدالها همزة، كما هو معروف في فن التصريف (¬2). والهوى: ميل النفس، وأكثر ما يُستعمل في ميلها إلى ما لا ينبغي (¬3)، وهو المُراد هنا؛ أي: لا تتبع مهوياتهم الزائغة؛ من الإشراك بالله، وتحريم ما أحل الله، وجَعْل بعض الأرزاق التي خلقها الله للأصنام، لا تتبع مهوياتهم في شيء من ذلك. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} فهم جامعون بين التكذيب بالقرآن والتكذيب بالبعث والآخرة -عياذاً بالله- وقد صرح (جل وعلا) بأن المكذب بالبعث أنه من أهل النار الذين يُجَرُّون بالسلاسل في أعناقهم في غير ما آية، مِنْ أصْرَحِهَا آية ¬
الرعد؛ لأن الله (جل وعلا) لما بَيَّنَ في سورة الرعد -في أولها- عظمته، وبراهين كماله وقدرته، وأنه المعبود وحده، وأبطل فيها أدلة الطبائعيين إبطالاً كليّاً لا شبهة فيه، حيث قال في السورة- في أولها: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ} -وفي القراءة الأخرى-: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} (¬1) {صِنْوَانٍ وَغَيْرِ صِنْوَانٍ} - وفي الأخرى: {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} (¬2) {تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} - وفي الأخرى -: {يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} (¬3) {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أتبع هذا بقوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} -في البعث-: {أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} هذا تعجُّب منكري البعث من البعث الذي هو خلق جديد، ثم قال مُخْبِراً عن هؤلاء الذين شَكّوا في البعث وأنكروه: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} [الرعد: الآيات 1 - 5]، والعياذ بالله، فهؤلاء جمعوا بين التكذيب بالقرآن والتكذيب بالبعث. ثم قال جل وعلا: {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ¬
العرب تقول: عدل به، يَعْدِل به: إذا جعل الشيء عديلاً ونظيراً له يُمَاثِلُهُ ويُعَادِلُهُ، وهم يعدلون بالله؛ أي: يجعلون له العَدِيلَ والنَّظِيرَ والمثيل؛ حيث قالوا: {هَذَا لِلهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا} [الأنعام: الآية 136] فجعلوا له النظراء والعديلين بِسَبَبِ عبادتهم له مثله، وجَعْلهم له مثل ما جعلوا. والعرب تقول: أعَدَلْتَ بفلان فلاناً: إذا جَعَلْتَه عِدلاً ونظيراً له، وهو مشهور في كلام العرب، ومنه قول جرير (¬1): أَثَعْلَبَةَ الفَوَارِسَ أَمْ رِيَاحاً ... عَدَلْتَ بِهِمْ طُهيَّةَ والخِشَابَا أي: جعلتهم نظراء وأمثالاً لهم وليسوا كذلك. {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا ¬
بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} [الأنعام: الآيات 151 - 153]. يقول الله جل وعلا: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: آية 151] كان بعض السلف يقولون: من سرّه أن ينظر إلى وصيّة محمد - صلى الله عليه وسلم - عليها خاتمها لم يُفك فليقرأ هذه الآيات الثلاث من سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (¬1) وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن هذه الآيات الثلاث من سورة الأنعام هي المحكمات المذكورات في آل عمران {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} (¬2) [آل عمران: آية 7] لم ينسخ الله حكماً من أحكامها في شريعة من الشرائع قط، بل أحكامها مثبتة في جميع التشاريع السماوية منذ خلق الله الدنيا، فهي محكمات؛ ولذا قال ابن عباس: إنها المذكورة في قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} كما قدمنا في آل عمران. ¬
وهذه الآيات تضمنت أصول الشرائع من عقائد ومعاملات واجتماعيات، كما سيأتي إيضاحه في محله. قل لهم يا نبيّ الله، الظاهر أنه خطاب لجميع الخلق، وإن كان الكلام السابق مع المشركين، قل لجميع البشر الذين أُرسلت إليهم: {تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} (تعال) التحقيق أن (تعال، وهات) فعلا أمر، وغلط فيهما جماعة من علماء العربية [فزعموا] (¬1) أنهما اسما فعل (¬2)، والدليل على أن (هات) و (تعال) فعلا أمر: أنهما تلحقهما ياء المؤنثة المخاطبة، وياء المؤنثة المخاطبة من علامات الأفعال، ولا تلحق أسماء الأفعال، فالعرب تقول للأنثى: «تعَالَيْ يا فلانة» بياء المؤنثة المخاطبة، ومنه قول نابغة ذبيان (¬3): فَقُلْتُ: تَعَالَيْ نَجْعَلِ اللهَ بَيْنَنَا ... عَلَى مَا لَنَا، أَوْ تُنْجِزِي ليَ آخِرَهْ وكذلك (هات) فالعرب تقول للذكر: (هاتِ) بلا ياء، وللأنثى: (هاتي) بياء المؤنثة المخاطبة، فدلَّ أيضاً على أن (هات) كـ: (تعال) فعل أمر لا اسم فعل، خلافاً لمن زعم ذلك، ومن دخول ياء المؤنثة المخاطبة على (هات) قول امرئ القيس (¬4): إِذَا قُلْتُ هَاتِي نَوِّليني تَمَايَلَتْ ... عَلَيَّ هَضِيم الْكَشْحِ ريَّا المُخَلْخَلِ وهذه الكلمة أصلها خاص، ثم صار استعمالها عامّاً؛ لأن أصل (تعال) يقولها الذي هو مرتفع إلى من هو أسفل منه، فيقول له: ¬
تعال؛ أي: ارتفع حتى تحضر عندي، هذا أصلها، إلا أن العرب توسعت فيها فصارت تطلق (تعال) على: احضر عندي. ولو كان الآمر أسفل والمأمور أعلى، فيقول الرجل في الأرض لمن على السطح: تعال عندي، وهو في الحقيقة: تَسَافَلْ إليّ، إلا أن العرب صارت تطلق (تعال) بمعنى: احضر، من غير نظر إلى أصل العلو والسفل (¬1). فمعنى {قُلْ تَعَالَوْاْ} احضروا عندي، وادنوا مني، واقربوا مني {أَتْلُ} عليكم {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}. {أَتْلُ} معناه: أقْرَأُ وأَقُصّ، والمضارع مجزوم في جواب الأمر، وعلماء العربية يقولون: إن المضارع المجزوم في جواب الأمر أنه في الحقيقة مجزوم بشرط مقدر دَلَّ عليه الأمر، وتقديره: إن تَتَعالوا (¬2)، أي: إن تحضروا عندي أتل عليكم ما حَرَّم ربكم. و (أتل) معناه: أقرأ وأقص. وأصل (التلاوة) من (تلاه يتلوه) إذا تَبِعَهُ؛ لأن (التلاوة) مصدر سيال لا تحصل إلا من حرف يتلوه حرف، يتلوه حرف، يتلوه حرف، وهكذا. فأصلها من: (تلاه يتلوه) إذا تَبِعَهُ، والعرب تسمي التابع: تالياً، والمتبوع: متلوّاً. والتِّبَاعَةَ تلاوة، ومنه سموا الجمل: تالياً؛ لأنه يتبع النوق فيشمها ليعرف منها المستعدة للقاح واللاقح كما هو معروف (¬3). ومنه قول غيلان ذي الرمة (¬4): إِذَا الجَافِرُ التَّالِي تَنَاسَيْنَ عَهْدَهُ ... وَعَارَضْنَ أَنْفَاسَ الرِّيَاحِ الجَنَائِبِ ¬
أصل (التلاوة) مصدر سيال؛ لأنها من مقاطع حروف يتلو بعضها بعضاً. والمصادر قسمان: مصدر سيال، ومصدر غير سيال. فالمصدر الذي ليس بسيال هو الذي يحصل بأدنى مرة؛ كالضرب، فإنك لو ضربت شيئاً بشيء مرة واحدة حَصَلَتْ ماهية الضرب، فالضرب مصدر غير سيال، بخلاف التلاوة والكلام، فلو نطقت بحرف واحد لم تحصل التلاوة؛ لأنها مصدر سيال لا بد مِنْ بَعْض يتبع بعضاً حتى يتم معنى المصدر. قوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} (ما) هنا: موصولة، وهي على التحقيق في محَلّ المفعول مفعول (أتل)، معناه: أقرأ وأقص عليكم الذي حَرَّمَهُ ربكم عليكم، وقيل: إنها استفهامية مُعَلَّقة للفعل، وهو ضعيف؛ لأن المعروف في علم العربية أن الاستفهام إنما يعلق أفعال القلوب، والتلاوة ليست من أفعال القلوب، فالتحقيق أن (ما) موصولة، وأنها في محل المفعول؛ أي: تعالوا أقرأ وأقص عليكم الذي حَرَّمَ رَبّكم عليكم (¬1). والتحريم في لغة العرب معناه: المنع، وهو يطلق في الشرع وفي اللغة؛ يطلق في الشرع على ما حرمه الله؛ أي: منعه على لسان نبيه، وتوعد مرتكبه بالعقاب (¬2)، ويطلق في اللغة على مَنْعِ الشيء، فكل شيء منعته بالقوة ¬
فقد حرمته (¬1)، ومن إطلاقه بمعناه الشرعي: قوله هنا: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} فهو تحريم شَرْعِيٌّ، ومن إطلاق التحريم بمعناه اللغوي في القرآن: قوله في بني إسرائيل وهم في التِّيْه، قال: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [المائدة: آية 26] فإنه تحريم كوني قَدَري؛ لأن الله منعهم إياه، لا تحريم شَرْعِيّ على التحقيق، ومن إطلاق العرب التحريم على التحريم بمعنى المنع لا بمعنى الشرع: قول امرئ القيس (¬2): جَالَتْ لتَصْرَعُنِي فقُلتُ لهَا اقْصُرِي ... إِنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُ أي: لا تَقْدِرينَ عَلَيْه، ومنه: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)} [الأنبياء: الآية 95] فهو من التحريم الكوني القدري لا الشرعي، ومنه قول الشاعر (¬3): حَرَامٌ عَلَى عَيْنَيَّ أَنْ تَطْعَمَا الكَرَى ... وَأَنْ تُرْقَآ حَتَّى أُلَاقِيْكِ يَا هِنْدُ والتحريم هنا (¬4) شرعي. {عَلَيْكُمْ} في قوله: {عَلَيْكُمْ} وجهان (¬5): ¬
أحدهما: أنه يتعلق بـ {حَرَّمَ}، (حرمه عليكم) أو يتعلق بـ {أَتْلُ} أتلو عليكم ما حرم ربكم. والثاني: سيأتي في الجواب عن الأشكال الذي في لفظة (لا) من قوله: {أَلَّا تُشْرِكُواْ}. و {رَبُّكُمْ} معناه: سيدكم وخالقكم المدبر لشؤونكم. وقوله: {أَلَّا تُشْرِكُواْ} بدأ هذه الوصية بعدم الإشراك بالله؛ لأن إخلاص العبادة لله وعدم الإشراك به هذا رأس الأمر، وهو الذي بعث الله جميع الرسل من أجله، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل والأمم، والله قد أوضح في كتابه ذلك إجمالاً وتفصيلاً، قال على سبيل الإجمال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} بِمَ بعثنا؟ {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: آية 36]، وقوله: {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ} هو حظ الإثبات من (لا إله إلا الله)، {وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} هو حظ النفي من (لا إله إلا الله)، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا يُوْحى إِلَيْهِ}، وفي القراءة الأخرى: {إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} (¬1) {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: آية 25]، وقوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} [الزخرف: آية 45] هذه الآيات الإجمالية ونظائرها في القرآن. أما التفصيل: فإنَّا إذا نظرنا إلى دعاوى الرسل وقصصهم مع أممهم وجدنا هذا هو دعوة كل نبي (¬2)، فأول من بُعث بعد الكفر في الأرض: نوح، يقول الله فيه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} ماذا قال ¬
نوح؟ {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 59] ثم قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا، ماذا جاءهم به؟ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ} [الأعراف: آية 65]، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} ماذا قال؟ {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 73] {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} ماذا قال؟ {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 85]، وهكذا على سبيل التفصيل. فالسماوات والأرض إنما قامت على أشرف كلمة، هي كلمة (لا إله إلا الله) هي التي خُلقت من أجلها الجنة والنار، وامتُحن الخلق فيها، ودخل من دخل الجنة بالعمل بها، ودخل من دخل النار بعدم العَمَلِ بها، وهي مركبة من جُزْأَين: نَفْي وإِثْبَات. فمعنى نفيها: خَلْعُ جميع أنواع المعبودات في جميع أنواع العبادات غير خالق السماوات والأرض (جل وعلا). ومعنى إثباتها: إفراده (جل وعلا) وحده بالعبادة التي هي التقرُّبُ إلى الله بما أمر أن يُتَقَرَّبَ إليه به على وجه الذل والخضوع والمحبة، فلا يكفي الذل والخضوع عن المحبة، ولا المحبة عن الذل والخضوع، وضابط هذا: من أراد أن يخلص هذه الكلمة لله فلينظر إلى كل شيء أمر الله أن يتقرب إليه به، وأن يتعبد به خلقه، وليخلص في هذا لله، فإنه يلقى الله مسلماً موحِّداً، وليحذر كل الحذر من أن يصرف شيئاً من حقوق الخالق للمخلوق؛ لأن مَنْ لَقِيَ الله لا يُشْرِك به شيئاً دَخَلَ الجنة، والأحاديث في ذلك في حكم المتواترة لكثرتها.
من أشهرها: حديث أبي ذر الثابت في الصحيحين: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ»، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». حتى قال في الثالثة: «وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ»، وكان أبو ذر إذا حدَّث بالحديث يقول: «وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ» (¬1). والعبد إذا لقي ربه بقراب الأرض ذنوباً ولم يشرك به شيئاً لقيه بقرابها مغفرة. وهو يقول في محكم كتابه: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: آية 48]، وفي بعض الروايات عن سبب إسلام الوحشي -وإن زعم قوم أنها غير ثابتة، إلا أنها ذكرها بعض العلماء- أن الوحشي عبد جبير بن مطعم لما قال له: إن قتلت عم محمد - صلى الله عليه وسلم - يعني حمزة- بعمي طُعَيْمَة بن عدي الذي قتله يوم بدر فأنت حر، وحضر الوحشي -وأصله عبد حبشي مملوك لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف- أُحداً لا يريد إلا حمزة؛ لأجل أن يُعْتِقَهُ سَيِّدُهُ، فأخذ حربة حبشية ذات حدَّين، وكمن في صَخْرَة من صخرات سَفْح جبل أُحد، حتى رأى حمزة، فرماه فأصابه في ثُنَّتِه تحت السرة فخر صريعاً (رضي الله عنه وأرضاه)، بعد أن قتل حمزة لم يف له سيده بوعده بالعتق، فغاضب سيده، وهَمَّ أن يأتي النبي ويُسْلم، زعموا في هذه ¬
القصة أنه كاتَبَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- إني أردت الدخول في دينك فمَنَعَتْنِي آية مما أُنزل عليك، قَنَّطَتني من رحمة الله، وهي قول ربك: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69)} [الفرقان: الآيتان 68،69] قال: ربك صادق لا يكذب، وقد قال: إن من فعل هذه الثلاث إنه يلقى العذاب ويخلد فيه مهاناً، فإذاً لا فائدة لي في الإسلام، ولا طمع لي في الخير بعد أن فعلت الثلاثة -يعني نفسه البعيد- قالوا: فأنزل الله: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: آية 70] زعموا أن النبي بعث بها إليه، وأنه لما نظرها رد إليه الجواب وقال: ربك يقول: {وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} فهذه علي شَرْط قوي، ومن يقدر على العمل الصالح؟ فقد لا أقوم بهذا الشرط، فأنزل الله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: آية 48] فأرسل إليه بها، فلما تأملها قال: هو يعلق على مشيئته، يقول: {لِمَن يَشَاءُ} ومن هو الضامن والكفيل لي أنه يشاء؟ فأرسل بها إليه، فأنزل الله {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)} [الزمر: آية 53] قالوا: فتأملها، فقال: أما هذه فنعم، وأسلم (¬1). ¬
هكذا قاله بعض العلماء، مَعَ أن غيره يقول: لم يثبت ترتيب النزول على هذا الوضع. والحاصل أن هذه الآية من أعظم الآيات التي خاطب الله بها هذه الأمة؛ لأن الخطاب بها لخصوص المسرفين على أنفسهم، لم يقل: «يا عبادي الذين آمنوا» بل قال: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} وهذا يستثنى منه الشرك، فإن الله لا يغفره، كما صرح به في قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: آية 48] فحقه في العبادة لا مسامحة فيه ولا مُهَاوَدة، ولا يقبل إشراك أحد معه فيه، وغير ذلك من الذّنُوب إنْ شَاءَ عفَاهُ عن صاحبه، وإن شاء أخذه به، كما هو معلوم. فعلينا أن نتأمل هذه الآيات، ونَحْذَر كل الحذر مِنْ أنْ نَصْرِفَ شَيْئاً من حقوق الله لأحد مِنْ خَلْقِهِ، بل نفرق بين حقوق الخالق وحقوق المخلوق، ونُفْرِد الخالق بحقوقه، ونُعطي المخلوقين حقوقهم، ومن حقوق الله التي غَلِطَ فيها كثير من عوام المسلمين فصرفها لغير مستحقها ودخل بذلك أمراً هائلاً عظيماً: هو أنه قَرَّرَ الله في كتابه في آيات واضحة: أن الإنسان إذا أنزل الله به الكروب والشدائد التي لا يقدر على رَفْعِهَا
إلا الله فالالتجاء في هذا الوقت [إلى الله يُعَدّ] (¬1) من خصائص الربوبية، وحقوق خالق السماء الخالصة. فنحن علينا معاشر المسلمين -ونسأل الله العافية- إذا نزل بأحدنا كرب أو مكروه أو داهية، أن يعلم أنَّ الِالْتِجَاءَ في ذلك الوقت من خصائص الربوبية، كخلق السماوات والأرض، وقد أوضح الله هذا في آيات كثيرة، ومِنْ أَصْرَحِ الآيات التي أوضح فيها أن الالتجاء وقت نزول الكروب والشدائد التي لا يقدر على كشفها إلا الله: آيات في سورة النمل؛ لأن الله بَيَّنَ ما يختص به، وما يلزم لربوبيته من الحقوق فقال: {قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ (59)} وفي قراءة أخرى: {أَمَّا يُشْرِكُونَ} (¬2) ثم قال: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)} ثم قال وهو محل الشاهد: {أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ} ثم قال: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ} يستحق هذه الحقوق؟ ثم قال: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64)} [النمل: الآيات 59 - 64]، فهذه حقوقه الخالصة، وسيد الخلق -صلوات الله وسلامه عليه- لعلمه ¬
بالوحي ونور بصيرته بالقرآن، كان إذا نزلت به الشدائد والكروب عرف مَنْ صاحب هذا الحق، وصَرَفَ هَذا الحق لمن هو له؛ ولذلك لما نَزَلَتْ به أعظم كُرْبَةٍ يَوْم بدر، وكانت معه طائفة قليلة من المسلمين، كما قال الله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: آية 123] ولو قُتلت تلك الطائفة لم يُعْبَدِ الله في الأرض قَطّ، كما صَرَّحَ به النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الصحيحة: «اللهُمَّ إن تَهْلِك هذه الطَّائِفة فإنك لن تُعْبَدَ في الأرْضِ» (¬1) والمشركون في قوة عَدَدِهِمْ وعُددهم، وهذا أعظم الكرب، ولا يَقْدِر على كشفه إلا الله، وهو - صلى الله عليه وسلم - على وَعْدٍ من الله أن يُعْطِيَهُ إحدى الطائفتين {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: آية 7] وهو يَتَضَرَّع إلى الله: «رَبّ أنجِزْ مَا وعَدْتَنِي، رب أنجِزْ مَا وعدْتَنِي» حتى يسقط رداؤه عن ظهره، فيأتي أبو بكر رضي الله عنه، ويجعل الرداء على ظهره ويقول: حسبك، فإن ربك لن يخلفك، وأنزل الله في هذا -كَما ثبت في الصحيح-: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} (¬2) [الأنفال: آية 9]. فعلينا -معاشر المؤمنين- أن نعلم حقوق خالقنا، وأن نكون لمحبة رسولنا وتعظيمه - صلى الله عليه وسلم - واتباعه نقر عينه بإفراد خالق السماوات والأرض بحقوقه (جل وعلا)؛ فإن الشيطان يدخل لبني آدم من طرق خَفِيَّةٍ، فإذا قيل للجهلة: هذا حق خالص لله كخلقه ¬
للسماوات والأرض وخلقه للبحار، وسيد الخلق كان يصرف هذا الحق لله، فنحن -اتباعاً له - صلى الله عليه وسلم - ومحبَّةً وتَعْظِيماً- نَصْرِفُ هذَا الحق لمن هو له، كما كان - صلى الله عليه وسلم - يصرفه فالشيطان يُردِيْه هذا الإخلاص لله، ويعلم أنه إقرار لعين الرسول، ومرضاة لله، وتعظيم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومحبة له واتباع، وهذا يغيظ الشيطان ويبغضه، فيقول: من يقول لك هذا فهو من الذين لا يعظمون الرسول ولا الصالحين، ويمنعونك من أن تصرف لهم هذه الحقوق، هذه فلسفة شيطانية، والقرآن يبيّن أن هذا الحق من خصوص الربوبية حق خالص لله، والرسل يصرفونه لله، فنحن إنما علينا -لمحبة الرسل وتعظيمهم- الاقتداء بهم، وأن نُخْلِصَ لله حَقَّهُ كما كانوا يخلصونه له، والكفار -مع جهلهم- صرحت عنهم الآيات التي لا تكاد تُحْصَى في المصحف أنهم كانوا يعرفون هذا، فإذا نَزَلَتْ بهم الكروب والشدائد العظام صَرَفُوا الحق في ذلك الوقت لمستحقِّه تَماماً، فإذا أمِنوا رجعوا يصرفونه لغيره! والآيات في المصحف الدالَّة على هذا لا تكاد أن تحصيها {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} يعني: إذا ركبوا في السفن، واضطربت عليهم أمواج البحر ورَأوُا الكروب وخافوا الموت دعوا الله مخلصين له الدين {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: آية 65]، ويصرفون الحَقَّ لغير من هو له {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: آية 32]، {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً (67) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى
فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً (69)} [الإسراء: الآيات 67 - 69] {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: يصرفون الحق لغير صاحبه، {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} [يونس: الآيتان 22، 23]، والآيات بمثل هذا لا تحصى في المصحف، وقد قَدَّمْنَا مراراً (¬1) أن المعروف في التاريخ أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل (رضي الله عنه) أنه كان شديد العداوة في الجاهلية للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو مِنَ الجماعة الذين جاءوا من وراء الصحابة يوم أُحد -لما تركوا المركز في سفح الجبل، وبقي أميرهم عبد الله بن جبير وطائفة حتى قُتِلُوا- هو وصفوان بن أمية في الجماعة الذين جاءوا من وراء ظهور المسلمين حتى دارت رَحَى الحرب على المسلمين، وجرح النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشُجَّ حتى غاصت فيه حِلَق المغفر، وكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ، وشُقَّت شفته، ومُثِّل بعمه وابن عمته، وقُتل سبعون من خيار الأنصار، وكذلك هو يوم فتح مكة من أشد الناس [حماسة] للقتال (¬2)؛ ولذلك قال حِمَاس بن قيس الذي كان يقول لامرأته: سأجعل لك خدماً من نساء محمد، وإذا جئتك هارباً فأَغْلِقِي الباب دوني، فجاء هارباً يوم فتح مكة! فقالت له: أين ما كنت تقول؟ فقال رجزه المشهور (¬3): ¬
إِنَّكِ لَوْ شَهَدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ ... إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وفَرَّ عِكْرمهْ ... وأَبو يزيدَ قائمٌ كالمُؤْتِمَهْ ... وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَهْ ... لَهمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ ... يَقطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وجُمْجُمَهْ ... ضَرْباً فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ ... لَمْ تَنْطِقِي بِاللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ كان عكرمة بالغاً هذا من معاداة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، وعرف عكرمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اسْتَتَبَّ لَهُ الأمر في مكة، فرَّ هارباً إلى الحبشة بغضاً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فَرَكِبَ في سفينة في البحر الأحمر ذاهباً إلى الحبشة، فلمَّا تَوَسَّطَتْ بهم بطن البحر الأحمر هاجت عليهم عواصف الريح، وهاجت عليهم الأمواج، وأيقنوا بالهلاك، فإذا جميع من في السفينة ينادي بعضهم بعضاً من أطراف السفينة؛ احذروا في هذا الوقت أن تدعوا غير الله لئلا تهلكوا؛ لأنه لا ينقذ من هذه الكروب والأهوال إلا هو وحده (جل وعلا)، فجاءت في رأس عكرمة، ثم قال: والله إن كان لا ينجي من ظلمات البحر إلا هو فلا ينجي في كربات البر إلا هو، ثم قال: اللهم لَكَ عليَّ عهد إن أنْقَذْتَنِي من هذه فلأضَعَنَّ يَدِي في يد محمد - صلى الله عليه وسلم - فلأجدنَّه رؤوفاً رحيماً. وعلى كل حال فإِخْلَاص حقوق الله لله مرضاة لله، ومرضاة للرسول، وإقرار لعين الرسول، واتباع له وتعظيم، وعمل بالعلم والقرآن. وهذا مما ننصح به أنفسنا وإخواننا على ضوء كتاب الله تعالى.
وقوله جل وعلا: {أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} هذه الآية الكريمة من سورة الأنعام فيها إشكال معروف مشهور، وأجوبة العلماء عنه معروفة مذكورة مشهورة. اعلموا أولاً: أن قوله هنا: {شَيْئاً} فيه وجهان من الإعراب (¬1): أحدهما: أنه ما ناب عن المصدر فهو مفعول مطلق في المعنى؛ أي: لا تشركوا بالله شيئًا من الإشراك، أي: لا إشراكاً صغيراً كالرياء، ولا إشراكاً كبيراً، فعليه يكون اسم (الشيء) واقعاً على الإشراك/ فيكون في معنى المصدر، [21/ب] ويُعرب ما ناب عن المطلق؛ أي: لا تشركوا بالله شيئاً؛ أي: لا تشركوا به إشراكاً؛ أي: شيئاً من الإشراك، قليلاً أو كثيراً. الثاني: أنه مفعول به بـ {أَلَّا تُشْرِكُواْ} أي: لا تشركوا به شيئاً من الشركاء؛ لأن حقوقه الخالِصَة لا يُشْرَكُ معه فيها أحد كائناً ذلك الأحد من كان، سواء كان نبيّاً أو مَلَكاً أو غيرهما، وأكره ما يكره الأنبياء والملائكة أن يُشْرَكَ بالله غيره؛ كما قال تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ المَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: آية 80] وقد أمر الله سيد الخلق أن يصدع بذلك الأمر المؤسف العظيم (¬2) في آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ¬
[آل عمران: آية 64] أي: مخلصون لله العبادة وحده، لا نتخذ غيره ربّاً، ولا نشرك به غيره. أما محل السؤال والإشكال في الآية: فهو في لفظة (لا) لأنه يقول: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} فمعناه: أن هذا الذي يتلوه مُحَرَّم، وقوله: {أَلَّا تُشْرِكُواْ} عدم الشرك ليس بمحرم بل هو واجب حَتم {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} بر الوالدين ليس بمحرم، بل هو واجب حتم، فصار الإشكال في لفظة (لا) وهو إشكال معروف عند العلماء. وللعلماء عنه أجوبة كثيرة (¬1): منها ما ذَكَرَهُ جماعة من العلماء أن مِنْ أسَالِيبِ اللغة العربية زيادة لفظ (لا) لتوكيد الكلام وتقويته إذا كانت القرينة تدل على أنها لا يُقصد بها نفي (¬2)، وزيادة لفظة (لا) لتوكيد الكلام وتقويته أجمعَ عليها جميع علماء العربية في الكلام الذي فيه معنى الجحد -أعني الكلام المُشم برائحة النفي- لا خلاف في هذا بين العلماء، وهو كثير في القرآن، ومنه قوله: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ} [طه: الآيتان 92، 93] يعني: ما منعك أن تتبعني، وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: آية 12] أي: ما منعك أن تسجد. على أصح التفسيرين (¬3)، بدليل قوله في (ص): {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: آية 75]، {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: آية 29] أي: ليعلم أهل الكتاب، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: آية 65] أي: فوربك ¬
لا يؤمنون {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} [فصلت: آية 34] أي: ولا تستوي الحسنة والسيئة {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: آية 109] على أحد التفسيرين (¬1)، وهو كثير في كلام العرب معروف، ومن أمثلته في كلام العرب قول أبي النجم (¬2): وَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَلَّا تَسْخَرَا ... لمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا وقول الآخر، وأنشده ابن هشام لهذا المعنى في المغني (¬3): وتَلْحَيْنَنَي في اللَّهْوِ أَنْ لَا أُحِبَّهُ ... وَلِلَّهوِ دَاعٍ دَائِبٍ غَيْرِ غَافِلِ ( .... ) (¬4) وأنشد الفراء لزيادة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر (¬5): مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ دِينَهُمُ ... وَالْأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ يعني: والأطيبان أبو بكر وعمر. وأنشد الجوهري لزيادة (لا) في الكلام الذي ليس فيه معنى الجحد قول الراجز (¬6): فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ ... بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ جَشَرْ ¬
لأن الحور هو الهلكة معنى، والمقصود: في بير هلكة وقع، و (لا) زائدة، والكلام هنا ليس فيه معنى الجحد. وأنشد الأصمعي لزيادة (لا) لتقوية الكلام في الكلام الذي ليس فيه معنى الجحد قول ساعدة بن جؤية الهذلي (¬1): أَفَعَنْكَ لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ ... غَابٌ تَسَنَّمَهُ قِرَابٌ مُثْقَبُ يعني: أَفَعَنْكَ بَرْقٌ، كما هو معروف. وأنْشَدَ بعضهم له قول الآخر (¬2): تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ ... وَكَادَ صَميمُ الْقَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ أي: كاد يتقطع. قالوا: هذا أُسلوب معروف، و (لا) هنا صلة دل المقام عليها، وهي تفيد تقوية الكلام، والنهي عن الشرك. هذا قول بعض العلماء. وقال بعض العلماء: (أنْ) هنا تفسيرية. وهو التحقيق، وهي مُفَسَّرَةٌ لـ {حَرَّمَ} (¬3)، وإذا فسرنا التحريم كان {أَلَّا تُشْرِكُواْ} هو معنى التحريم؛ لأن {أَلَّا تُشْرِكُواْ} هو معنى تحريم الشرك. وضابط (أنْ) التفسيرية عند علماء العربية: أن تتقدمها جملة فيها معنى القول وليس فيها حروف القول (¬4)، فتكون (أَنْ) مفسرة للتحريم، وما بعدها هو تفسير التحريم؛ لأن النهي عن الشرك هو معنى تحريم الشرك بعينه، ¬
وعلى هذا فلا إشكال، فـ (أَنْ) يُفَسِّر ما بعدها ما قبلها، وهي (أَنْ) التفسيرية كما هو معروف. وقال بعض العلماء: قوله تعالى: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} انتهى الكلام. وقوله: {عَلَيْكُمْ} ابتداء كلام، و {عَلَيْكُمْ} اسم فعل، كما قال في الخلاصة (¬1): والفعل من أَسْمَائِه عَلَيْكَا ... والمعنى: عليكم ألا تشركوا بالله. {عَلَيْكُمْ}: الزموا واحتزموا، وعليكم ألا تشركوا بالله، وعليكم أن تُحسنوا بالوالدين إحساناً، وعليكم ألا تقتلوا أولادكم من إملاق ... إلى آخره. وقال بعض العلماء -وهو ليس بوجيه-: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} أتلوه عليكم لئلا تشركوا بالله شيئاً. وأظهر الأوجه وأحسنها: هو ما دل عليه القرآن؛ لأن خير ما يُفَسَّر به القرآن: القرآن أن معنى قوله: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} أي: ما حَرَّمَهُ عليكم فعلاً وتركاً، وأن التحريم فعلاً وتركاً هنا مُضَمَّن معنى: {وَصَّاكُمْ بِهِ} (¬2) فكأنه يقول: أتلو ما وصاكم ربكم به تحريماً وإباحة، والدليل على هذا: أن الله لما علم أن في الآية شِبْه إجمال أوضحه في آخرها فقال: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فعرفنا أن ذلك التحريم هو معنى الوصية، فيكون معنى: {حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} أي: حرم عليكم فعلاً وتركاً؛ أي: وصاكم ¬
بأن تفعلوه أو تتركوه، كما فسره بقوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ونظيره في كلام العرب قول الراجز (¬1): حَجَّ وأوْصَى بِسُلَيْمَى الْأَعْبُدا ... أَنْ لا تَرَى ولا تُكَلِّم أَحَدَا وَلاَ يَزَلْ شَرَابُها مُبرَّدا وهذا معنى قوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، جرت العادة في القرآن أن الله يقرن بِرَّ الوالدين بتوحيده (جل وعلا) في عباداته كقوله هنا: {أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء: آية 23] {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14] إلى غير ذلك من الآيات، ولا شك أن الله لم يجعل بِرَّ الوالدين مقروناً بتوحيده دائماً إلا لعظمة بر الوالدين، فإن بر الوالدين من أعظم الحسنات والقُرُبَاتِ عند الله، وعقوق الوالدين من أخْبَثِ الخبائث وأكبر الذنوب، فعلينا معاشر المسلمين أنَّ مَنْ كَانَ عنده إما والد أو والدة أن يتحمل أذاه ويبره ويحسن إليه، ويسارع في مرضاته الأيام القليلة من الدنيا، حتى يموت وهو عنه راض. واعلموا أن من أعطاه الله شائباً أو شائبة أباً أو أمّاً، فكأنه أعطاه وسيلة الجنة سهلة، ومن قَصَّر فيها فهو مُفَرِّط مُضَيِّع، مع أن عقوق الوالدين مع ما فيه من إسخاط الله وإغضاب خالق السماوات والأرض وسبب دخول النار، وفيه أيضاً القُبْح وعدم الإنسانية وخساسة فاعله. فعلينا معاشر المسلمين أن نفهم هذا، وأن نعلم أن ربنا يجعل ¬
بر الوالدين دائماً مع توحيده ومن كان منا عنده والد أو والدة فَلْيَسْعَ كل السعي في أن يبره، ولْيَعْلَم أن الكبير لا يتحمل على أذاه إلا من عنده تقوى؛ لأنه إذا شاب وكبرت سنه كان لا يُتَحَمَّل؛ لأنه يكثر سؤاله عن الأشياء التي لا تعنيه، وتكثر أغراضه فيما لا تعنيه، وهذا يستلزم صبراً، فعلى الولد أن يَتَحَمَّلَ، ويُثَابِر على أن يفتيه في كل ما سأل مما لا يعنيه، ويصبر على جميع أذاه، ويحسن إليه، ويبرّه حتى يَمُوت وهو عنه راضٍ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءت عنه الأحاديث التي لا تُحْصَى في الترغيب في بر الوالدين واسْتِجْلَابِهِ الجنة، والترهيب من عقوق الوالدين، وما فيه من العقوبات، ونحن لا نحتاج أن نُنَوِّه بشيء من هذا بعد أن نرى خالق السماوات والأرض يجعل بر الوالدين مقروناً بتوحيده في عبادته جل وعلا. فعلينا جميعاً معاشر المسلمين أن نعتبر بهذا، وأن نبر أمهاتنا وآباءنا، ونصبر على أذاهما، ولا نُغلظ لهما القول، ولا نمنعهما من شيء يحبانه، بل نسارع في مرضاتهما بحسب الإمكان، ويكفيكم على هذا دليلاً هو نص القرآن العظيم على أن الوالد يبره ولده وإن كان الوالد كافراً؛ لأن آية العنكبوت نزلت في أُميمة والدة سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه وأرضاه) (¬1)، فإنه لما أسلم حلفت أمه أُميمة أن لا تأكل، ولا تشرب، ولا تدخل الظل حتى يرجع عن دين الإسلام، فَمَكَثَتْ في الشمس ما شاء الله حتى خَرَّت مغشيّاً عليها، وجاءوه وقالوا له: أمك ستموت! فجاءها ثم قال لها: والله لو كانت ¬
لك مائة نفس ومتِّ مائة موتة بكل نفس من تلك الأنفس فإني لا أرجع عن دين الإسلام أبداً، إن شئت فكُلي وإن شئت فموتي! فأنزل الله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت: آية 8] ثم قال (¬1): {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} (¬2) [لقمان: آية 15] فأمره بأن يصاحبهما بالمعروف وهما كافران، فما بالك بالمُؤمِنَين؟! وقد جاء عن بعض العلماء أن سبب نزول الآية التي في سورة الممتحنة: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة: آية 8] أن أسماءَ بنت أبي بكر (رضي الله عنها) ليست شقيقة عائشة وعبد الرحمن؛ لأن عائشة وعبد الرحمن شقيقان، أمهما أم رومان الفراسية من بني فراس، من بطون كنانة، وأسماء أمها امرأة أُخرى تسمى: قَيْلَة، وقد جاءت إلى المدينة زائرة ابنتها أسماء، والأم كافرة، فما رضيت أسماء أن تُنزل أمها حتى تستشير النبي - صلى الله عليه وسلم -، مع أنها جاءت زائرة! ومعها هدايا من هدايا البادية، فأمرها النبي أن تنزلها وتحسن إليها (¬3). قال بعض العلماء: ¬
وفيها نزلت: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} (¬1). فالحاصل أن على المسلم أن يبر والديه ولا يعقهما، فبِرّ الوالدين من أعْظَمِ الذّخَائر عند الله، ومن أعظم أسباب دخول الجنة، وعقوق الوالدين من كِبَائِرِ الذنوب الموجبة لسخط الله ولدخول النار مع قُبْحِهَا في الدّنيا. وقوله: {إِحْسَاناً} مصدر، قال بعض العلماء: منصوب بفعل محذوف {أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً (¬2). وقوله جل وعلا: {وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} [الأنعام: آية 151] قال هنا في سورة الأنعام: {وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} وقال في سورة بني إسرائيل- وهي سورة الإسراء-: {وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: آية 31] قال بعض العلماء (¬3): بين الآيتين فَرْق؛ لأن آية الأنعام تدل على أن الرجل يكون فقيراً في هذا الوقت ويقتل ولده للفقر الحاضر، وهو معنى قوله: {وَلا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} أي: من أجل الإملاق، وهو الفقر الحاضر. الثانية: أن يكون غير فقير، ولكنه يخاف الفقر في المستقبل، ¬
فيقتله لئلا يفتقر في المستقبل، وهي قوله: {وَلا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}. وجماهير علماء العربية على أن (الإملاق) أصله مصدر: (أملق الرجل، يُملِق، إملاقاً) إذا كان فقيراً، قال بعض العلماء: واشتقاقه من (المَلَقَات) (¬1)، و (المَلَقات): الحجارة الضخام (¬2)، وهو معروف [في كلام] (¬3) العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي (¬4): أُتيْحَ لَهَا أُقَيْدِر ذُو حَشِيفٍ ... إِذَا سَامَتْ عَلَى المَلَقَاتِ سَامَا فكما يقولون: تَرِبَتْ يداه: لم يَبْقَ عنده إلا التراب، يقولون: أملق: لم يبق تحت يده إلا الجبال والصخور العظام التي لا يقدر أن يحصل منها شيئاً. وقال بعض العلماء: كانت لغة لخم من قبائل قحطان أنهم يطلقون (الإملاق) على الجوع (¬5). وقال بعض العلماء: الإملاق يطلق على الإنفاق، تقول العرب: «أملق ماله». إذا أنفقه (¬6)، قالوا: ومنه: (التَّمَلُّق) في ¬
الكلام؛ لأن الإنسان يعطي باللسان ما ليس عنده في قلبه في الحقيقة. والمشهور الذي عليه جمهور المفسرين وعلماء اللغة: أن (الإملاق) هنا هو الفقر (¬1)، وكان العرب يئدون بناتهم خوف أن يفتقروا فتجوع بناتهم؛ لأن جوع بناتهم قد يسبب لهن أن يزوجوهن من غير الأكفاء، وأن يقعن في معرات لا تليق، وقد يخافون عليهن من السبي، فكانوا يقتلوهن لهذا السبب!! يقولون: إذا جاعت ابنته اضطرت إلى أن تتزوج غير كفء، وكانوا يتشددون في مصاهرة غير الأكفاء، ويقتلون البنات خوفاً من هذا، وإذا خاف الرجل أن يفتقر وتبقى ابنته في جوع وبؤس، فإنها إذا كانت في جوع وبؤس قد تضطر إلى أن تتزوج غنيّاً ليس بكفء لها فيئدونهن. وقد ذكرنا مراراً أن عقيل بن عُلَّفة المري لما خُطِبَت عنده ابنته الجرباء أنشد رجزه المشهور (¬2): إنِّي وَإِنْ سِيقَ إلَيَّ المَهْرُ ... عَبْدٌ وَأَلْفَانِ وَذَوْدٌ عَشْرُ أَحَبُّ أَصْهَارِي إِليَّ الْقَبْرُ وكانوا يقولون: إِنَّ الزَّوْجَ الذي يسترها ويكفي عارها تماماً إنما هو القبر، كما قال الشاعر وعنده ابنة تُسمى مودة (¬3): مودَّةُ تهوى عُمْرَ شيخٍ يسرُّه ... لها الموتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لوْ أنَّها تَدْرِي ¬
يَخَافُ عليْهَا جَفْوَةَ النَّاسِ بَعْدَهُ ... وَلَا خَتَن يُرْجَى أَوَدّ مِنَ الْقَبْرِ والخَتَن في اللغة: زوج البنت (¬1). يعني: لا زوج للبنت يُرجى أرجى من القبر؛ لأنه يستر عارها، ويمنعها من تزويج غير الأكفاء، ومن الإهانات على زعمهم الفاسد. ولما كان صخر أخو الخنساء كل عام يُقاسم الخنساء ماله، ويجعله شطرين، ويعطيها الشطر الأوفى، وقالت له امرأته: تقاسم مالك كل سنة مع الخنساء وزوجها مِتْلاَف سفيه يُضيع مالك، أنشد راجزاً (¬2): وَكَيْفَ لَا أَمْنَحُهَا خِيَارَهَا ... وَهْيَ حَصَانٌ قَدْ كَفَتْنِي عَارَهَا ... ولو هلكتُ لَبِسَتْ إزارها فعندهم الشهامة العربية والغيرة الكاملة على الحريم، إلا أن كل شيء إذا زاد عن قدره صار بلاء وخسيساً، فالأمور ينبغي أن لا تُزَادَ وَلَا تنقص عن حدودها. فلا تَغْلُ في شيء من الأمر واقتصِد ... كِلاَ طَرفي قَصْدِ الأمورِ ذميم (¬3) فالغلو في الغيرة جرَّهُم إلى أن دفنوا بناتهم خوف أن يجوعوا وتجوع البنات فَيَضْطَرِرْنَ بذلك إلى الوقوع فيما لا ينبغي، أو إلى ¬
الزواج من غير الأكفاء، هكذا زعمهم الفاسد! وقد صح عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ» قيل: ثم أي؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قال: ثم أي؟ قال: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» (¬1). وهذا مأخوذ من قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} فالحديث كأنه مطابق لآية الفرقان، ثم إن الله قال هنا: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} كأنه يقول لهم: يا سفهاء العقول، يا مجانين، تقتلون أفلاذ أكبادكم خوفاً من الفقر؟! فرزقهم علينا، نحن نرزقكم ونرزقهم، ورزق الجميع علينا، قال هنا: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لأنهم فقراء في الحين حيث قال: {مِّنْ إمْلاَقٍ} أي: من فقر واقع، وقال هناك لما أرادوا أن يقتلوهم من خشية فقر مستقبل: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ} بدأ بالأولاد {وَإِيَّاكُم} [الإسراء: الآية 31]. وهذه الآيات تدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يستثقل كثرة أولاده خوفاً من الجوع والفقر؛ لأن خالق السماوات والأرض يرزق الجميع، وهذه من أوضح الآيات على أن ما يَتَلَاعَب به الشيطان على المتسمين باسم الإسلام مما يسمونه (تحديد النسل) وأن يمتنعوا من أن تكثر أولادهم، أن هذا جهل واقتفاء -في الجملة- للجاهلية ¬
الذين يقتلونهم؛ وذلك لأنهم مشتركون في العلة، والعلة قد تُعَمَّم معلولها؛ لأن الله صرح بأن الجاهلية إنما قتلوهم من خشية الإملاق، وهؤلاء يريدون من تقليل عددهم من خشية الإملاق، فالعلة هي العلة، وكأن قوله: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لم يطرق أسماعهم -أبداً- ضمان خالق السماوات والأرض لأرزاق الجميع، كأنهم لم يسمعوه، وكأنهم في جاهلية جهلاء، وظُلمة ظلْمَاء؛ لأن الله ضامن رزق الجميع، وكلما كثر النسل، وكثرت الأيدي العاملة كثر الإنتاج، وكثرت خيرات الله وأرزاقه؛ لأن الله ينزل رزقه بعدد خلقه، وصرح بهذا وهو لا يخلف الميعاد {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} فهذه الآيات تدل على أن القائلين بتحديد النسل أنهم شاركوا الكفار في العلة، وإن لم يشاركوهم في الحكم، والعلة تكون واحدة وتكون لها أحكام متعددة، كما تقرر في الأصول (¬1)، فالسرقة علة واحدة، وقد تتعدد أحكامها؛ لأن من أحكامها ما هو قطع اليد، ومن أحكامها ما هو غُرْم المال -عند من يقول بِغُرْم المال- فعلة الجميع واحدة، وهي خوف الفقر وضيق المعاش، هذه هي علة الكفار التي قَتَلُوا مِنْ أجْلِهَا أوْلَادَهُمْ، وعلة التابعين لأذناب الإفرنج في تقليلهم عددهم وعُددهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (¬2) ¬
والكثرة خَيْرٌ مِنَ القلة، والله (جل وعلا) بارئ لكل ذي نسمة شق فاها بارئ لها رزقها كما صَرَّحَ بقوله: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: آية 6] فهؤلاء شاركوهم في العلة وخالفوهم في الحكم، مع أن هناك بعض المقاربة. فعلينا معاشر المؤمنين أن نعلم أولًا أن كُلَّ ما أراد الله أن يخلقه من النسمات لا بد أن يخلقه، ولو حاول الخلق ما حاول من تقليل النسل، ثم إن كل نَسَمَة خلقها الله فهو رازِقُها إلى أن تموت، وإلى أن تستكمل رزقها، وأن دَعْوَى تَحْدِيد النسل خوف الفقر أنها أذهان الكفار وأقوال الكفار وعقول الكفار التي لم تستضئ بضوء القرآن العظيم؛ لأن الله يقول يفند هذا الرأي: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: آية 151] {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} [الإسراء: آية 31]، فلا تضق أذهانكم يعني من الرزق، فالرزق عندنا كثير، ونحن سنرزق الجميع من خزائن رزقنا، ولذا لما أراد المنافقون أن يحاصروا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حصاراً اقتصاديّاً وقالوا: {لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا} قال الله: {وَلِلهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [المنافقون: آية 7] أي: ومن كانت عنده خزائن السماوات والأرض لا يُضَيِّقُ رزق أحد شاء أن يرزقه، وهذا معنى قوله: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}.
والرزق عند الجمهور: هو ما رزقه الله للإنسان، سواء كان حلالاً أو حراماً (¬1). فالله يرزق الإنسان بالحلال الطيب الهنيء، ويرزقه بالحرام، ثم يؤاخذه عليه، خلافاً للمعتزلة القائلين: إِنَّ الرزق من الله إنما هو الحلال، وإن الحرام لا يُسمى رزقاً؛ لأن العبد أخذه بمشيئته لا بمشيئة الله، كما كنا نقرر ونوضح، وبَحْثُ المتكلمين في الرزق هل يختص بالحلال أو الحلال والحرام معروف ومن يخصه بالحلال فهو مبني على مذهب الاعتزال؛ لأن الله (تبارك وتعالى) كما يشاء من العباد أن يقعوا في المعاصي وتذهب إرادتهم ومشيئتهم إلى المعاصي، كذلك إلى أن يرتزقوا بالحرام فذلك بمشيئته وجّه قدرتهم ومشيئتهم إليه، وهو مؤاخذهم عليه بأعمالهم، وكل مُيَسَّر لما خُلق له. وهذا معنى قوله: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. {وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} هذا من وصية محمد - صلى الله عليه وسلم - التي لم يُفك عنها خاتمه هي هي كما أُنزلت مما أوصى به - صلى الله عليه وسلم - مبلغاً تلك الوصية عن الله نهي جميع الخلائق عن أن يقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَلاَ تَقْرَبُواْ} فيه سر عظيم، وتعليم كبير؛ لأنه لم يقل: وَلَا تفعلوا الفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ لم ينه عن فعلها فحسب، بل نهى عن قربانها؛ لأن من قرب من الشيء قد يقع فيه، والراتع حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه، فبيَّن في هذه الآية أن الفواحش -وسَنُبَيِّن معناها- أن الإنسان مَنْهِيٌّ عن أن يقربها؛ لأن ¬
القرب منها مظنة للوقوع فيها، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه (¬1)، وهذه الآية الكريمة من الأدلة القرآنية على وجوب سَدِّ الذَّرَائِعِ؛ لأن القرب من الشيء ذريعة للوقوع فيه، فإذا نُهي عن القرب منه كان ذلك سَدّاً لذريعة الوقوع فيه، وقد أجمع العلماء على وجوب سَدِّ الذَّرَائِعِ في الجملة، ودل عليه في الجملة الكتاب، والسنة، والإجماع (¬2). وتفصيل ذلك: أن الذرائع عند علماء الأصول ثلاثة أقسام: قسم يجب سَدُّه بِإِجْمَاعِ المُسْلِمين، وقسم لا يجب سده بإجماع المسلمين، وواسطة هي محل الخلاف، هي المعروفة عند أهل الأصول بـ (الذريعة الوسطى) التي لم تبلغ درجة المُجْمَع على سَدِّهِ ولم تتنازل إلى درجة المُجْمَع على عدم سده، أما المُجمَع على وجوب سَدِّهِ فهو الذي يكون ذريعة إلى الحرام، ويكون ارْتِكَابُهُ مظنة للوقوع في الحرام، وهذا ممنوع بإجماع العلماء، ومن أمثلة هذا القسم المجمع على سده: سب الأصنام إذا غلب على ظن مَنْ سَبَّهَا أن عَبَدَتَها يسبون الله، وقد قدمنا هذا في هذه السورة في قوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: آية 108] فسب الأصنام بالنظر إلى ذاته طيب حلال كماء المزن، إلا أنه إن كان ذريعة لِأَنْ يَسُبَّ عبدتُها اللهَ كان حراماً؛ لأنه ذريعة إلى أن يُسَبَّ الله، والذريعة إلى هذا المنكر الأكبر يجب سدها، ومِنْ هذا القسم: أن يشتم الرجل أبَا رَجُل أو أمه، وهو عالم أن ذلك الرجل يَنْتَقِم منه فيسب أباه -انتقاماً- وأمه؛ لأن هذه ذريعة إلى أن يتسبب الرجل في أن يُذم أبوه أو أن تُذم أمه، والواجب عليه برهما ¬
لا عقوقهما بالتسبب في ذمِّهِما، وقد ثبت في الحديث المتفق عليه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ مِنَ العقوق شَتْمَ الرجل والِدَيْهِ». قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم، يَسُبّ أبَا الرَّجُلِ فيسبّ أبَاهُ، ويسبّ أمه فيسُبّ أمَّهُ» (¬1) فهذا حديث صحيح لا مطعن فيه، صرح فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ذريعة السب: الشتم، وسب الوالدين حرام، فالذريعة إليه حرام، ومن أمثلة هذا النوع من الذريعة التي يجب سدها بالإجماع: أن يحفر الرجل بئراً في طريق المسلمين ويغطي وجهه بغطاء ليتردى فيه المار، فنفس حفر البئر ليس هلاكاً لمسلم ولا لماله، ولكنه ذريعة للترَدِّي الذي فيه الإهلاك. فهذا النوع من الذريعة يجب سَدّه بإِجْمَاع المسلمين؛ لأنه يؤدي إلى محذور تأْدِيَة معلومة أو غالبة على الظن، فهذا يجب سَدّه؛ لأن الراتع حول الحمى يُوشِكُ أن يقع فيه، ومنه: القرب من أسباب الذنوب، فإنه يكون ذريعة للوقوع فيها. أما الذريعة التي أجمع العلماء على أنها لا يجب سدها، وأنها تُلغى وتُهدر: هي أن تكون الذريعة إلى المفسدة تُعارضها مصلحة عظمى أكبر منها، فإن المصالح العظام الكبار تُقدم على المفاسد الصغيرة، وتحرير هذا المقام: أنه إن تعارضت مفسدة أو مصلحة، فإن كانت المفسدة أكبر حُرِّم الفعل إجماعاً؛ لأن مفسدة سب الله أكبر من مصلحة سب الأصنام، وإن كانتا متساويتين وجب إلغاء المصلحة إجماعاً، أما إن كانت المصلحة راجِحَة هي أكبر وأرجح، والمفسدة صغيرة مرجوحة، ففي هذا تُلغى المفسدة، ويُلغَى سَدّ الذَّرِيعَة إليها؛ ¬
تقديماً لِلْمَصْلَحَةِ الكبرى، ومِنْ أمْثِلَةِ هذا النوع الذي لا يجب سده؛ لأن المصلحة فيه أعظم من المفسدة: غَرْسُ أشجار العِنَبِ، فإن غرس شَجَرِ العِنَب ذريعة إلى عصر الخمر منه، وهي أم الخبائث -قبحها الله- إلا أن هذه المفسدة أرجح منها عموم جميع الخلق بالزَّبِيب والعنب في أقطار الدنيا. وانظر تَدلِّي دوَالي العِنَبِ ... فِي كُلِّ مَشْرِقٍ وَكُلِّ مَغْرِبِ (¬1) لأن العنب والزبيب منفعتان ينتفع بهما جميع الناس، وعصر الخمر من العنب إنما يفعله أفراد قليلة، فذلك الضرر القليل يُلغَى في جنب تلك المصلحة العامة العظمى، ومن أمثلة هذا النوع مِنَ الذَّرَائِعِ الذي أجمع العلماء على أن سَدَّهُ لا يجب؛ لأن المصلحة أرْجَحُ من المفسدة: مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد؛ لأن مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد بأن تكون هذه الدُّور متجاورة، هذه الدار فيها هذا الرجل وبناته وزوجاته وأخواته، وجاره الذي بجنبه معه أيضاً بناته وزوجاته وأخواته؛ لأن المعاونة بين الرجال والنساء مصلحة عامة لا يستغني عنها العالم، فإن المرأة تقوم بشؤون خدمات البيت في خدرها وبيتها، فترضع الرضيع من الأولاد، وتحنو على الفطيم، وتُؤَانِسُ المَرِيضَ، وتقوم على شؤون البيت، وتكنس، وتعجن، وتخبز، فيأتي الرجل من عمله، أو من جهاده فيجد قرينه الآخر الكريم -الذي هو امرأته- قام له بجميع مصالح الدنيا، فهم محتاجون إلى هذا التعاون والاجتماع، مع أن اجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد قد يكون ذريعة إلى وقوع الزنا من بعض الأفراد؛ ¬
لأن الرجل يمر من الطريق فتلقي إليه المرأة من الطاقة ورقة فيها موعد يجتمعان فيه، أو يعلو إلى السطح وهي على سطح فيتسايران، كما قال نصر بن حجاج السلمي (¬1): لَيْتَني في المُؤَذِّنِينَ نَهَارَا ... إِنَّهُمْ يَنْظُرُونَ مَنْ فِي السُّطُوحِِ ... فَيُشِيرُونَ أَوْ يُشَارُ إِلَيْهِمْ ... حَبَّذَا كُلُّ ذَاتِ دَلٍّ مَلِيحِ فهذا قد يقع منه الوصول إلى الزنا من بعض الأفراد، إلا أن هذه المفسدة التي تنشأ من اجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد قد تنشأ من أفراد قليلة، وهي مغمورة في المصلحة العامة بمعاونة الجنسين التعاون الكريم كما بَيَّنَّا؛ ولهذا لم يَقُلْ أحَدٌ من العلماء في جميع الدَّهْرِ: إنه يجب سد هذه الذريعة، فَيَجِبُ أن يُعْزَل جميع الإناث من القرية، وأن يُعْزَلَ جميع الذكور إلى جهة، وأن يكون جميع الإناث في حصن من الحديد عليه أبواب حديد قوية وأسلاك شائكة، لا يستطيع أحد خَرْقَهَا، وتكون المفاتيح في يد رجل شائب ذي زوجات معروف بالتقى والعفاف، لم يقل هذا أحد من العلماء! فهذه الذريعة أُلْغِيَتْ لهذه المصلحة التي هي أعظم منها. أما الذَّرِيعة الوسطى التي اختلف فيها العلماء: فَكَبيوع الآجال المعْرُوفَة في عرف أصحاب مذهب مالك ببيوع الآجال، ويسميها الشافعيون والحنبليون: (بيوع العينة) فإن العلماء اختلفوا فيها (¬2)، كأَنْ تَبِيعَ سلعة بعينها لرجل إلى أجل -كأن تبيع له السلعة بأجل إلى شَوَّال- ويكون الثمن عشرة مثلاً، ثم تشتري عين السلعة من ذلك ¬
الرجل بدين وأجل مسمى إلى جمادى مثلاً، فإن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة، فالسلعة رجعت ليد صاحبها، فكأنه آل الأمر أنه يأخذ عشرة في شوال، فإذا كان جمادى أخذ عشرين عن العشرة التي أخذ في شوال (¬1)، فهذا بالنظر إلى ما يؤول إليه عين الربا، وهو عشرة بعشرين مؤجلة، أما بالنظر إلى ذات العقدين فالعقد الأول عقد على سِلْعَة بِأَجَل دَيْن إلى أَجل مسمى، والعقد الثاني عقد أيضاً على سلعة بأجل إلى أجل مسمى، وكان الشافعي (رحمه الله) يجيز مثل هذا ويقول: إن هذا مباح؛ لأن كلا العقدين مباح في ذاته، وكان غيره يحرمه؛ سدّاً للذريعة؛ لئلا يقصد ببيع السلعة وشرائها أن تكون السلعة أداة لأن يأخذ عشرة ويأخذ بعدها عشرين، وكانت عائشة ترى أن هذا حرامًا، وكان زيد بن أرقم (رضي الله عنه) من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى -رأي الشافعي في هذا- أنه حلال، قالت عائشة لامرأته: قولي لزيد: إن لم يرجع عن هذا الربا فإنه يبطل جهاده مع رسول الله (¬2)، وكان الشافعي (رضي الله عنه) يقول: اختلف زيد وعائشة، والقياس يؤيد قول زيد؛ لأن كلا العقدين سلعة بيعت بثمن إلى أجل معين. وغيرهم من العلماء -وهم الأكثر- يقولون: هذا قد يكون ذريعة إلى الربا فيجب سدها؛ لأن بيع السلعة ¬
بعشرة إلى شوال، ثم شراءها بعشرين إلى جمادى، فترجع السلعة إلى موضعها، فكأنها لم تخرج، فيؤول الحال إلى أن يستلم عشرة في شوال، ثم يأخذ عوضاً عنها عشرين في جمادى، فهذا ذريعة إلى الربا يجب أن تسد، فهذه هي الواسطة المُختَلَف فيها، فالشافعي وأصحابه وزيد بن أرقم من الصحابة يرون جواز مثل هذا، وأن هذه ذريعة لا يجب سدها، ومالك وأحمد وعائشة وطوائف من العلماء يرون وُجُوب سد هذه الذريعة، فهذا هو الكلام باختصار على أنواع الذرائع، وما يجب سده منها بالإجماع، وما لا يجب بالإجماع، وما اختُلف فيه. ومن الأدلة على سد الذريعة في الجملة: هذه الآية الكريمة؛ لأن الله لما قال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ} ولم يقل: لا تفعلوا الفواحش. علمنا أنه أراد سد الطريق إليها بعدم القرب منها؛ لأن القرب من الشيء ذريعة إلى الوقوع فيه، [22/أ] /والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والخطاب لعامة الناس. والفواحش: جمع فاحشة، وقد تقرر في علم النحو أن (الفَاعِلَة) تُجمع جمع كثرة -جمع تكسير- على (فَوَاعِل) بقياس مطرد (¬1)، والواو في (الفواحش) مُبْدَلَة من الألف التي في مفرد الفاحشة (¬2). فـ (الفَاعِلَة) تُجمع على (فَوَاعِل) بقياس مطرد. ومعنى الفاحشة: أصل الفُحْش في لغة العرب: هو كل شيء ¬
بلغ نهايته تسميه فاحشة (¬1). والفاحشة في اصطلاح الشرع: الخصْلَة المُتَنَاهِيَة في القُبْحِ (¬2)، فكل خصلة تناهت وبلغت غايتها في القبح [تُسميها] (¬3) العرب فاحشة، ومن قال: إن أكثر إطلاقها في القرآن على الزنا ودلالة اللسان (¬4)، فهو خلاف التحقيق؛ لأن الفاحشة تطلق على كل خصْلَةٍ رديئة بالغة في القُبح والفحش، هذه هي الفاحشة، وكل بالغ غايته في الشيء فهو فاحش، وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته (¬5): أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِي ... عَقِيلَةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدِّدِ يعني بقوله: (الفاحش) البالغ غاية الحرص على ماله، و (الفواحش) هنا: هي السيئات العظام المتناهية في القبح، نهى الله خلقه عن أن يقربوا من كل خصلة سوء قبيحة يحرمها الشرع ويحذر الله منها، ثُمَّ عَمَّمَ هذا تعميماً عظيماً فقال: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: آية 151] فقوله: {مَا} بدل من (الفواحش) و {وَمَا بَطَنَ} عطف عليه، والمعنى: احذروا كل الحذر، وتجنبوا كل التجنب جميع الفواحش، سواء في ذلك ما هو ظاهر ¬
منها، وما هو باطن منها، كما قدمنا في قوله: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: آية 120]. اعلموا أن في {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسيرات خاصة لبعض السلف، ليس المراد بها الحَصْر، وإنما المراد بها التمثيل للظاهر والباطن (¬1)، كقول بعض العلماء: إن العرب كانوا على قسمين فيهم أراذل أنذال يزنون بالنساء في الحواري، من غير محافظة من مرأى الناس، وفيهم ناس لهم نخوة، يجتنبون الزنا بمرأى من الناس، فيتخذون الصديقات والخدينات، ويزنون بهن سرّاً من غير أن يطّلع الناس، فنهى الله عن باطن الزنا وعن ظاهره، وكقول بعض السلف: إن {مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: هو ما تفعله الجوارح؛ مِنْ سَرِقَة وزنا وغصب وغير ذلك، و {وَمَا بَطَنَ} هو ما يحتوي عليه القلب من الكبائر القلبية؛ كالعُجْب والرياء والكبر والحسد، وما جرى مجرى ذلك من أمراض القلوب كل هذا من الأمثلة. والتحقيق: أن الآية الكريمة عامة، والخطاب بها عام، فيجب على كل مُكَلَّف أن يَتَباعَدَ من كل معصية خسِيسَةٍ، سواء كان ذلك ظاهراً بمرأى الناس، كالذي يزني والناس ينظرون، أو يقتل والناس ينظرون، أو يرتكب محرَّماً ظاهراً علناً يراه الناس، وكالذي يفعل الفواحش سرّاً من غير اطلاع الناس، سواء الذي يزني من غير أن يراه الناس، والذي يسرق خفية من غير أن يراه الناس، وهذا لا يفعله إلا مَنْ هو في غاية الجهل؛ لأنه إذا خاف أن يطّلع الناس عليه، وترقّب للفاحشة أن تكون باطنة لا يراها الناس، أليس هو يعلم أن خالقه ¬
يَرَاهُ؟ وأن الحفظة الملائكة الكرام حاضرون معه، يُسَجِّلُون عليه ما فعل؟! فَعَلَى المسلم إذا خلا بالأمر، وسَوّلَ له الشيطان أن يفعل تلك الفاحشة؛ لأن الناس لا يرونه، وأنه لا يطّلع عليه أحد، كالذي يخلو بامرأة في محل مقفول، يأمن عيون الناس فيه، فيُخَوِّل له الشيطان الريبة معها، عليه أن ينظر أن الله رقيب عليه، وأن الملائكة الكرام معه {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: آية 7]، وعلى الشخص أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)} [الانفطار: الآيات 10 - 12] فالذي يستحيي من البشر الضعاف الذين لا يقدرون أن يضروه، ولا يستحيي من خالق السماوات والأرض، فهو مجنون جاهل. واعلموا أولاً أنَّا نذكر أشياء في ضوء آيات القرآن عامَّة، على سبيل النصيحة والإرشاد لعموم إخواننا المسلمين، في ضوء القرآن العظيم، من غير أن نقصد التعريض بشخص معين، ولا بجهة معينة. وإذاً فإنَّا نعلم أن من الفواحش الباطنة أكل الرُّشَا، فهذا الإنسان الخسيس الذي يخاف أعين الناس، ثم يأخذ الرّشوة بحيث لا يراه أحد ظلماً وعدواناً، خيانة لولي أمر المسلمين، الذي ولاه المركز على أنه يكون ناصحاً في غاية النصح والنزاهة والأمانة، وخيانة لربه المطّلع عليه، حيث يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله! وعلى هذا فاعلموا أن الرشوة أقسام: منها ما يُرادُ بِهِ إبطال حق أو إحقاق باطل، كالذي يَدْفَعُ مالاً لمسئول بيده الأمر، ولّاه إياه ولي أمر المسلمين، ليُبطل له حقّاً أو يُحق له باطلاً، فهذا النوع من أخبث الرُّشَا وأخسّها، وصاحبه من أهل النار؛ لأنه أخذ هذا الأخذ الخسيس
الخبيث الخائن، وهذه الفاحشة الباطنة، يريد أن يحقق بها ما أبطله الله، ويبطل بها ما أحَقَّهُ الله، فعَلَيْنَا جميعاً أن نعلم أن مثل هذه الأفعال بالغة من الخساسة والانحطاط ما ينبغي لمن كان له [عقل] (¬1) حتى ولو لم يكن له دين وله نخوة وإنسانية وضمير أن يتباعد عن هذا الخلُق الخسيس المنحطّ؛ لأن أكبر نعمة في الدنيا يراها الإنسان أن يكون إذا راجع نفسه فيجد نفسه مرضياً ضميره، لم يرتكب خسيسة، ولا شيئاً يفضحه، هذه أكبر نعمة، وأخس الأشياء: الذي يرتكب الخسائس والفواحش الباطنة مسْتَخْفِياً بها من الناس ولم يستخف بها من الله، يتجرأ على خالق السماوات والأرض، ويستخفي من الناس [وكان الواجب عليه أن يراقب ربه، ويجتهد في أن يُقدم للناس] (¬2) خدمة نزيهة إنسانية، يلقى بها ثوابه عند الله، ويرضي بها ضميره، ويرضي بها الحَفَظَة الملازمين له، مع أنه يتقاضى من بيت مال المسلمين على ذلك شيئاً يسد أَوَدَه وخَلَّتَه، لئلا يضطر إلى ما لا ينبغي، فعلى هذا المسلم أن يُنَزِّهَ ضَمِيره، ويكرم ربه، ويكرم الملائكة الذين مَعَهُ، وأن يُكْرِمَ وَلِيَّ أمر المسلمين الذي حَطّه في ذلك الموضع، ولا يخون؛ لأن الإنسان إذا كان يَجِيئه مِسْكين ضعيف، له حق ثابت له شرعاً، سواء كان إداريّاً أو قضائيّاً، ثم إنه يُسوِّفه ويقول له: بعد بُكرَة، ثم بعد بُكْرَة، ثم بعد أسبوعين!! وهو حقه جاهز لا شيء دونه ولا عقبة، ولم ينقصه إلا ¬
التوقيع، يريد بذلك أن يضطر المسكين إلى أن يعتصر منه فلوساً ظلماً بسطوة الحكومة وسلطتها، خيانة ومكراً وغدراً!! فهذا الشيء الذي يعرق منه الجبين، فعلى الإنسان أن يتجنبه كل التجنب؛ لأنه مما بَطَنَ من الفواحش، ومع شدة حرمته عند الله، وخساسته من جميع الوجوه، وأن صاحبه لم يتق الله، بل خاف الناس، ولم يفعله أمام الناس خوفاً من الناس، ولم يتق خالقه الذي شق عينيه، وفتح فمه وأنفه، ولم يتق الحَفَظَة الكاتبين معه، فهذه أمور فظيعة شنيعة، نرجو الله أن ينقذنا وإخواننا المسلمين من الوقوع في أمثالها من السفالات التي تربأ الحمير عنها بأنفسها؛ لأن هذا أمْرٌ قَبيح، والأمر إذا كان جامعاً بين شدة القبح وشدة التحريم عند الله فلا ينبغي للعاقل أن يرتكبه. إِنَّ لِلْعَارِ فَاخْشَهَا مُوبِقَاتٍ ... تُتَّقَى مِثْلَ مُوبِقَاتِ الذُّنُوبِ (¬1) وعلى كل حال فهذه الآية الكريمة -من سورة الأنعام- نهى الله فيها جميع خلقه عن أن يقربوا من خصلة خسيسة محرمة، أن يقربوا منها فضلاً عن أن يرتكبوها، سواء كان في الظهور والعلن بحيث يراه الناس، أو في الباطن بحيث لا يطلع عليه إلا الله والحفظة الكرام الكاتبون معه، والله (جل وعلا) يقول: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق: آية 18] {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)} [ق: آية 16] فعلى كل مسلم إذا قام بخدمة لأمته أن يخدم أمته بشرف وكرامة ونزاهة؛ ليرضي بذلك الله، ويرضى عنه الحفظة الذين معه، ولا يرفعوا عنه في ليله ونهاره إلى ¬
السماء إلا عملاً يبيض وجهه، ويرضي الله، ثم يكون مُرضياً ضميره، أما الذي يُلغي هذه الأوامر، ويتنازل إلى هذه الخسة لينال عرضاً قليلاً من الدنيا فهذا ساقط المروءة والدين، وهو عند الله في شرّ مكانة -والعياذ بالله- ألا ترون أن عنترة بن شداد كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولم يأته نذير، بل هو جاهلي، إلا أن عنده ضميراً حيّاً وشيمة عربية، يقول في معلقته (¬1): وَلَقَدْ أَبِيتُ عَلَى الطَّوَى وَأَظَلُّهُ ... حَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ المَأْكَلِ فالذي يكون غير محتاج، وهو يقع في هذه المآثم الخسيسة، هذا لا ينبغي، فنحن نُحَذِّرُ منه إخواننا، ونرجو الله لنا وللجميع أن يوفقهم إلى ما يرضيه من نزاهة تليق، ومعاملة سليمة، والقيام بالخدمة على الوجه اللائق الذي يرضي الله، ويرضي الضمير الإنساني، ويُرْضِي وَلِيَّ الأمْرِ الذي جعل الشخص ممثلاً له في ذلك المحل، والآية عامَّة. هذا معنى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ} [الأنعام: آية 151] لا شك أن قتل النفس التي حرم الله أنه داخل في (الفواحش) إن فعله علناً أمام الناس فهو داخل فيما ظهر، وإن قتله غيلة من حيث لا يراه الناس فهو داخل فيما بطن؛ لأن قتل النفس من الفواحش، والله (جل وعلا) خصّه مع أنه داخل في العموم، وفي ذلك حكمتان (¬2): أحدهما: تفظيع القتل وتهويل أمره؛ لأن الله يقول: {وَمَن ¬
يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93)} [النساء: آية 93]. النكتة الثانية: أن القتل منه ما هو بحق، فلا بد أن يُستثنى بقوله: {وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: آية 151] والاستثناء الذي هو {إِلَّا بِالْحَقِّ} لا يمكن حتى يُخرج القتل من عموم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وقوله: {وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ} أي: التي حرم الله قتلها بأن جعلها معصومة، والنفس المعصومة: هي المعصومة بـ (لا إله إلا الله) من أنفس المسلمين. والمعصومة بأداء الجزية كالذميّين الذين يُؤَدُّون الجزية عن يد وهم صاغرون، فَعِصْمَة دمائهم وأموالهم كالمسلمين، وكذلك المعاهدون الذين يعطيهم الإمام أو غيره من المسلمين عهداً؛ لأن المسلمين يقوم أدناهم -يعني- بعهدهم، فلو أعطى الإمام عهداً لمعاهد يدخل ( ... ) (¬1) فهو إذاً من النفس المحرمة. وجاء في قتله أحاديث مشددة أن صاحبه لا يشم ريح الجنة. فالنفس التي حرم الله: إما بالإسلام، وإما بالذمة، وإما بالمُعَاهَدَة. فقوله: {إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: لا تَقْتُلوهَا إلا بالطريق الحَقِّ الموجبة لقتلها (¬2) شرعاً عند الله، وهذه الطريق حصرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود المتَّفَقِ عليه في ثلاث حيث قال: «لَا يَحِلُّ دَمِ ¬
امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (¬1) يعني: المرتد؛ لأن في الحديث الصحيح: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (¬2) هذا الحديث الصحيح حَصَرَ قتل النفس بالحق في ثلاثة أشياء، وزاد العلماء على هذه الثلاثة أشياء أخرى دَلَّتْ عليها نصوص (¬3)، منها ما هو مختلف فيه. زاد بعضهم على هذا: المحاربين، على قول مالك ومن وافقه أن آية المحاربين لم تتنزل على أحوال؛ لأن مالكاً لا يقول {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ} [المائدة: آية 33] أي: إذا قتلوا {أَوْ يُصَلَّبُواْ} إذا قتلوا وأخذوا المال {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ} إذا أخافوا الطريق ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً. التنزيل على هذه الأحوال، يقول مالك وجماعة من فقهاء الأمصار (¬4): إن هذا ليس بصحيح، وإن القرآن العظيم لا يجوز أن تُزاد فيه قيود لم يدل عليها كتاب ولا سنة. وهذه القيود التي عليها جماهير من العلماء لم يأتِ بها نص صحيح، وإنما جاء فيها حديث ¬
عن أنس ضعيف، لم يقل أحد بصلاحيته للاحتجاج (¬1). فقولٌ عند مالك ومن وافقه في التخيير يقولون: إن الإمام مُخيَّر بين هذه الثلاثة، إن شاء قتلهم وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً، وإن شاء قطع أيديهم وأرجُلَهم من خلاف وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً، وإن شاء نفاهم من الأرض، وعلى هذا القول فقتل النفس بالحرابة جائز على الثلاثة. ومما يزداد على الثلاثة ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا» (¬2) هذا نص من النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن الناس إن بايعت خليفة، ثم جاء واحد آخر فبويع له فإنه يُوجب شق العصا وإراقة دماء المسلمين، فيُقتل الأخير ليستتب الأمن، وتتفق كلمة المسلمين على الأول الذي بايعوه. وفي صحيح مسلم من حديث عرفجة (رضي الله عنه): «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ وَاحِدٌ، عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ شَقَّ عَصَاكُمْ وَتَفْرِيقَ جَمَاعَتِكُمْ فَاقْتُلُوهُ» وفي رواية: «فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (¬3)، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «مَنْ بَايَعَ إِمَاماً وَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرٌ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ ¬
الْآخَرِ» (¬1)، هذه أحاديث ثابتة عن صحابة بِقَتْل هذه النفس، زيادة على الثلاث المذكورة. وزَاد جمهور العلماء عليها: تارك الصلاة (¬2)، فإن جمهور العلماء -منهم مالك، والشافعي، وأحمد- على أنَّ تَارِكَ الصلاة يُقْتَل، واستدلوا على قتله بمفاهيم كثيرة من أحاديث كثيرة وآيات، كقوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: آية 5] وكقصة الرجل الثابتة في الصحيح، الذي تكلم في النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: قِسْمَة ما أُريد به وجْه الله!! فقال بعض الصحابة: دَعْنِي أضرب عنقه. قال: «أَلَيْسَ يُصَلِّي»؟! قال: يُصلي ولا صلاة له!! قال: «أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِهِمْ» (¬3) يعني: المصَلِّين، فدل ¬
بمفهومه على أن الذي لا يُصلي أنه يُقتل، وفي الحديث المشهور في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر أئمة السوء، وأنه سيلي عليكم قوم تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا له: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» (¬1)، فدل على أن المانع من قتلهم إقامة الصلاة. والأحاديث في مثل هذا كثيرة، ولذا كان ثلاثة من الأئمة على أن تارك الصلاة يُقتل، ومشهور مذهب مالك ومذهب الشافعي أنه يقتل حدّاً لا كفراً، بناء على حديث عبادة بن الصامت الذي يقول فيه: «إِنَّهَا خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ» -إلى أن قال في آخر الحديث-: «وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ ¬
غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» (¬1)، وكان الإمام أحمد في أصَحِّ الروايتين يرى أنَّ تَارِكَ الصلاة يُقْتَلُ كُفْراً (¬2)، وقَدْ دلَّت على ذلك أحاديث كثيرة: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ»، «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (¬3) في أحاديث تُصَرِّحُ بأنه كافر، وأكثر العلماء على أنَّ قَتْلَهُ حد، وأصرح الأدلة تدل على أنه كافر، وهي أكثر وأشْهَر من حديث ¬
عبادة بن الصامت، إلا أن الجمهور الذين قالوا: إن قتله ليس بكفر، قالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سَمَّاهُ كُفْراً، ولَكِنَّهُ قد يجيء في الشرع تسمية أشياء بالكفر وليست بمُخْرِجَة عن الإسلام، كقوله: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (¬1) والمراد: أنه ليس بكفر حقيقي، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي رَأَيْتُ النَّارَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء». قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بِكُفْرِهِنَّ» هذا ثابت في الصحيح. فلما استُفسر عن كفرهن، قال: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ» (¬2) واسْتَدَلوا بعموم الآيات، ¬
كقوله: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: آية 48] فالحاصل أن جمهور العلماء وفقهاء الأمصار -منهم الأئمة الثلاثة- على أن تارك الصلاة يُقْتَل؛ لأن الله يقول: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: آية 5]. أما مانع الزكاة فإنه يقاتل، يُقال له: أخرج الزكاة، فإن أبَى أُخرجت قسراً عليه، فإن مَنَعَها قُوتل دونها (¬1)، والقتال غير القَتْل، وهو الذي فعله أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) مع مانعي الزَّكَاة، قاتلهم، فالذي يُفعل بمانع الزكاة قِتال لا قتل؛ لأنه يُؤْمَر بإِخْرَاجِهَا، فإن أبَى أُخِذَت منه قَهْراً، فإن جاء دونها قُوتل حتى يُقْتَل، هذا هو المعروف. وفي كون تارك الصلاة يُقْتَل عند الجمهور، عند من يقول إنه يُقْتَل كُفْراً، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، وهو رواية عن مالك، ودلت عليه أحاديث صريحة صحيحة في صحيح مسلم وغيره أنه كافر، وعلى قول مالك والشافعي: أنه يُقتل حدّاً، قالوا: لم يُعْرَف عن السلف أن الذي كان لا يصلي أنهم لا يَرِثُون بعده، ويجعلونه كالكافر المُرْتَدّ الذي يُرد نصف ماله إلى بيت مال المسلمين، هكذا قالوا، والخلاف مشهور، فبهذا نعلم أن تارك الصلاة: الشرع يقتله، وأن الحياة التي يعيش بها ليست حياة شرعية، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حسّاً، فمثال تارك الصلاة عند أرْبَابِ العُقُولِ مثال الميتة، الإنسان الميت الذي هو منتن في ريحه، فيمشي بين الناس يأكل ¬
ويشرب؛ لأن حياته التي يَعيشُ بها ليست حَيَاةً شَرْعِيَّة، وإنما هي حياة غير شرعية، والمعْدُوم شرعاً كالمعدوم حسّاً. وخالف في هذا أبُو حَنِيفَةَ الجمهور، فقال: لا يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ (¬1)، واستدل بحديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حصر القتل في ثلاث: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ»، قال أبو حنيفة: هذا حصر من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث، ولم يذكر فيها تارك الصلاة، فلا يمكن أن نخرق هذا الحصر، مع أن قتل تارك الصلاة أغلب أدِلَّتِهِ مفاهيم الأحاديث، وظواهر من آيات لا تكون مثل الصريح في قوله: «لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» (¬2) هذا مذهب أبي حنيفة ووجهة نظره. وزاد بعض العلماء أشياء أُخَر، منها: الساحر، فإنه يُقْتَل عند العلماء (¬3)، وجاء في بعض روايات البخاري من حديث بَجَالَة: «اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ» (¬4) وثبت عن ثلاثة مِنَ الصَّحَابَةِ قتل ¬
الساحر؛ عن عمر بن الخطاب (¬1)، وحفصة أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب (¬2)، وجندب (رضي الله عنه) في قتلته المشهورة للساحر الذي كان عند الوليد بن عقبة بن أبي معيط في أيام عثمان بن عفان (رضي الله عنه) (¬3). وزاد بعض العلماء: مَنْ زنى ببهيمة من البهائم، فإن بعض العلماء يقول: من وَقَعَ على بهيمة من البهائم قُتِلَ هو وقُتِلَتْ هي. وهذا ورد فيه حديث أخرجه أبو يعلى وابن ماجه، قال صاحب مجمع الزوائد في السند الذي أخرجه به أبو يعلى: فيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رواته ثقات، فهو صالح للاحتجاج (¬4)، ¬
أما حديث ابن ماجه، وهو من رواية داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس (¬1). وبعض علماء الحديث يقولون: داود بن الحصين ثقة في غير عكرمة، كما هو معروف في محله (¬2). ففي ظاهر حديث ابن عباس هذا الذي أقلّ درجاته الحُسْن أخذ بعض العلماء، فقال: يُقتل الزاني بالبهيمة، وتُقتل البهيمة معه. ومن العلماء من يقول: لا يُؤكل لحمها، ومنهم من يقول: يُؤكل لحمها، كما هو معروف في الفروع (¬3)، وأكْثَر العلماء يقولون: مَنْ زَنَى بِبَهِيمَةٍ لا يُقْتَل؛ لأن حديث ابن مسعود الذي حصر أكْثَر القتل في ثلاث لا يُنقَض حصْرُهُ بهذا الحديث الذي سَنَدُهُ أضْعَف منه (¬4). ¬
وزادوا أيضاً: فاعل فاحشة اللواط، فإنه جاء حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ» (¬1) وهذا الحديث أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي والحاكم وغيرهم، وصحَّحه بعض الحفاظ، وبه عمِل جماعة من العلماء، قالوا: إن من فعل فاحشة قوم لوط إنه يُقتل الفاعل والمفعول معاً، ففي هذا الحديث زيادة على الثلاثة، فهذه أشْيَاء دَلَّتْ عَلَيْهَا نصوص أُخَر اختلف فيها العلماء، فمن يقول: إن صاحبها يُقتل. يقول: ¬
هي داخلة في قوله: {إِلَّا بِالْحَقِّ}. ومن يقول: إن صاحبها لا يُقتل. يقول: لم تدخل في قوله: {إِلَّا بِالْحَقِّ} لأنها عارضها ما هو أقوى منها، وهو حديث ابن مسعود المتفق عليه: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ... » الحديث (¬1)، وهذا معنى قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}. ثم قال جل وعلا: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: آية 151]. الإشارة مفردة، والمُشار إليه كثير؛ لأن هذا شامل لـ {أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَادَكُم مِّنْ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} هذه الآية الأولى من هذه الآيات المحكمات تضمنت خمسة أحكام شرعها الله في جميع الأديان، ولم يَنْسَخ شيئاً منها في لسان نبي، والمعنى: ذلكم المذكور؛ لأن (ذا) إشارة إلى مفرد، والمشار إليه جماعة، وهذا معروف في كلام العرب أن يُشيروا إلى التثنية أو الجمع بإشارة المفرد؛ لأن المقصود: (ذلكم المذكور) وقد أوضحنا هذا في البقرة (¬2)، في الكلام على قوله: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: آية 68] أي بين ذلك المذكور من الفارض والبكر فرجع المفرد على الاثنين، ونظيره من كلام العرب: قول عبد الله بن الزّبَعْرى (¬3): إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلَا ذَلِكَ لَهُ وَجْهٌ وَقَبَلْ ¬
فأشار بـ (ذلك) إلى اثنين. ولمّا سُئل رؤبة بن العَجاج في رَجَزِيَّتِه القَافِيَّة المشهورة، قال فيها (¬1): فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وبَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِي اللَّيْلِ تَوْليعُ البَهَقْ فقال له قائل: لِم قلت: «كأنه» بإفراد الضمير المذكر، إن كنت تعني الخطوط كان اللازم أن تقول: «كأنها» وإن كنت تعني السواد والبلق كان اللازم أن تقول: «كأنهما» فمن أين جئت بقوله: «كأنه»؟ قال: أعني (كأنه) أي: جميع ما ذُكر، ولذلك قوله: {ذَلِكُمْ} أي: جميع ما ذُكر من الأحكام الخمسة وصى به الله. وهذه الآية الكريمة فيها سرّ لطيف؛ لأن الذي يوصيك كأنه يعتني بك، ويجعل الأمر إليك. والوصية في لغة العرب: هي الأمر المؤكد (¬2). تقول: أوصيتُ فلاناً على كذا: أمَرْتُهُ بِهِ أَمْراً مُؤَكَّداً. {ذَلِكُمْ} المذكور {وَصَّاكُمْ} الله {بِهِ} على لسان نبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم -، أمركم به ... {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (لعل) في القرآن فيها أقوال معروفة للعلماء (¬3)، أقربها وأشهرها قولان: أحدها: أنها على بابها من التَّرَجِّي، والمعنى: ذلكم وصاكم به على رجاء أنكم تعقلونه عن الله، وهذا الرجاء مُنْصَرِف إلى الآدميين الذين لا يعرفون عواقب الأمور، أما هو (جل وعلا) فهو عالم عاقبة الأمور، وما يجري عليه معنى (لعل)، ولذا قال لموسى وهارون في ¬
فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه: آية 44] أي: على رجائكما أنه يتذكر، والله يعلم أنه لا يذكر ولا يخشى. القول الثاني: هو ما قالته جماعة من علماء التفسير: أن كل (لعل) في جميع القرآن معناها التعليل إلا التي في الشعراء: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: آية 129] زعموا أنها بمعنى: (كأنكم). والتحقيق: أن (لعل) تكون حرف تعليل، هذا لا شك فيه، وعليه فالمعنى: وَصَّاكُمْ به لأجل أن تعقلوا هذه الوصية عنه، فتمتثلوا أمره، وقال تعالى: {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} [النحل: آية 78] أي: جعل لكم هذه الأسباب والنعم لأجل أن تشكروه، ومن إتيان (لعل) في كلام العرب بمعنى التعليل قول الشاعر (¬1): فَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُروبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِق فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكْمِ ... كَشِبْهِ سَرَابٍ بِالمَلَا مُتَأَلِّق فقوله: (كفوا الحروب لعلنا نكف) أي: كفُّوا عنّا لأجل أن نكف عنكم. هذا معروف في كلام العرب. وقوله: {تَعْقِلُونَ} معناه: تدركون بعقولكم؛ لأن العقل هو الذي فيه الإدراك، والعقل: نور روحاني تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية، وقد ذكرنا فيما مضى أن مركزه القلب لا الدماغ (¬2)، كما صرح به الله، وصرح به نبيُّه - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك أن مَنْ ¬
خَلَق العقل وأبْرَزَهُ مِنَ العدم إلى الوجود، أنه أعلم بموضعه من كَفَرَةِ الفَلَاسِفَة الذين يَتَحَكَّمُون على الله ويخالفونه من غير دليل ولا برهان، وهؤلاء الذين ينفون هذا؛ لأنهم يقولون -زعموا- أن بعض الناس صار يُجعل له قلبُ واحدٍ آخر، ولو أن هذا -لو فرضنا- صح، وأنه يدل على أن العقل ليس في القلب، فهذا لا دليل فيه؛ لأن العقل أصله نور روحاني -آلة للنفس- تُدْرِكُ بِهِ النَّفْسُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّة والنظرية، ومحله القلب الذي في الصدر، كما قال: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: آية 46] فَلَوْ فرضنا أن الله خرق العادة وأزال القلب، ولم يمت الإنسان، لم يمنع أن يكون العقل باقياً في محله الذي كان فيه، وقد زالت الأداة الذي كان فيها. وكذلك لو جُعل قلب آخر، فقد دل القرآن في سورة النور أن القلب كأنه زجاجة، ونور الإيمان فيها الذي يُضاء به كأنه نور، وإذا انكسرت الزجاجة فلا مانع من أن تأتي زجاجة أخرى ويكون فيها النور الذي كان في الزجاجة التي قبلها، وعلى كل حال فلا أحَدَ أصْدَق من الله ولا مِنْ رَسُول الله {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ} [البقرة: آية 140] والله يقول في نبيه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4] وقد صرح الله ونبيه أن العقل محله القلب، ومن خلق العقل أعلم بمحل العقل، ونحن نعرف أن جميع ما يُؤثِّر على الدماغ يُؤثِّر على العقل، وهذا لا يقتضي أن يكون محل العقل الدماغ؛ لأنه كَمْ مِنْ مَوْضِع من الجسد إذا اخْتَلَّتْ خَانَة من خانات الدماغ اختل ذلك الموضع، وليس يلزم أن ذلك الموضع المختل كان محلُّه في الدماغ، بل هو خارج عن الدِّمَاغ، مشروط بسلامة الدماغ، فالعقل محلّه القلب، ولكن سلامته مشروطة بسلامة
الدماغ، وقد ذكرنا ما ذكره بعضهم جمعاً بين القولين: أن مركزه في القلب، كما قال الله ورسوله، وأن شعاع نوره متصل بالدماغ، فمن قال: إنه في الدماغ قد يكون هذا سائغاً على هذا القول؛ بناء على أن شعَاعَ نُورِهِ متصل بالدماغ، ولكن هذا القول قد قدمنا أنهم لم يستدلوا عليه إلا بدليل استقرائي غير مُقْنِع، والدليل الاسْتِقْرَائِيّ: هو تتبُّع الأفراد، وهو حجة عند الأصوليين، قالوا: قد اسْتَقْرَيْنا نوع البشر، ووجدنا كل رجل أو امرأة إذا كان طويل العنق طولاً مُفْرِطاً خارجاً عن عادة أعناق الناس، لا بد أن يكون في عقله دَخَل. قالوا: وذلك لتباعد ما بين طرفي العقل؛ لأنه إذا بعُد طرف نوره الأعلى من طرفه الأسفل قد يَتَغَشَّى النور الروحاني المعلوم الذي به الإدراك وينقص الإدراك. هكذا زعموا، ولا دليل عليه، والله أصدق من يقول. يقول الله (جل وعلا): {وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: آية 152]. قوله (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة: {وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} كانت عادة العرب أن يأخذوا من اليتيم ماله الذي ترك أبوه، ويظلموه في حقه، ويظلموا المرأة، ويقولون: إن الذي يستحق المال هو من يحمي الذمار، ويُدافع عن الحريم، وهم الرجال الذين يستعينون بالمال على الدفاع، أما اليتيم والمرأة فإعطاء المال لهما ضياع له، وإذا كانوا يدفعون اليتيم عن حقه ويظلمونه كما في قوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1)
فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)} [الماعون: الآيتان 1، 2] والدَّعُّ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ؛ أي: يدفعه بقوة عن حَقِّهِ ويَظْلِمُه (¬1)، والله (جل وعلا) أرسل هذا النبي الكريم (صلوات الله وسلامه عليه) بكمال الإنصاف، ومكارم الأخلاق، والمحافظة على حقوق الضعيف الذي لا يقدر على الدفاع عن نفسه؛ ولذا نهى عن قُربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ونهى عن ظلم المرأة، وبيَّن أنَّ مَنْ ظَلَمَ المَرْأَةَ تعرض إلى بطش ملك جبار عظيم، حيث قال في سورة النساء: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} [النساء: آية 34] أي: لا تظلموهن إن أطعنكم وكُنَّ غير ظالمات، ثم أتبع ذلك بقوله: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} يعني: من يحافظ على حقوقهن وينتقم لمن ظلمهن عليَّ كبيرٌ عظيمٌ، يُرْهَب منه وتُخافُ سطْوَته. كذلك قال هنا: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ} تكلمنا على الحكمة في النهي عن قُرب الشيء، وأن المراد بها سدّ الذريعة والتباعد منه بالكلية، ومال اليتيم: هو ماله الذي هو ملك له، سواء ورثه من أبيه، أو حصل له بطريق أُخرى، واليتيم (فَعِيْل) من اليُتم، واليُتم في لغة العرب معناه: الانفراد، تقول العرب: هذه يتيمة عصماء، يعنون: ياقوتة منفردة لا نظير لها، وإنما قيل لليتيم (يتيم) لانفراده عن وَلِيِّهِ الذي من شأنه أن يَقُومَ بِأَمْرِهِ وهو أبوه (¬2). واليتيم في بني آدم: هو مَنْ مَاتَ أبوه وإن كانت أمه حيّة، ولا يُتم بعد بلوغ بإجماع العلماء (¬3)، فالبالغ لا يُسمَّى يتيماً بإجماع العلماء. واليتيم: هو ¬
الصغير الذي لم يبلغ إذا كان أبوه قد مات، ولو كانت أمه حيّة، هذا هو اليتيم، ويُجمع على (يتامى)، ويستوي في الجمع ذكره وأُنثاه، تقول في جمع اليتيمة: يتامى، وفي جمع اليتيم: يتامى، كما تقدم في قوله: {فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [النساء: آية 127] والمعنى: إذا مات والد الإنسان، وبقي الطفل صغيراً مسكيناً لا يقدر على الدفاع عن نفسه، ولا يقدر على حفظ ماله، فلا تأخذوا ماله وتظلموه لِضَعْفِهِ، بل لا تقربوا مَالَهُ إلا بالتي هي أحسن؛ أي: إلا بالخصلة التي هي أحسن الخصال وأنفعها لليتيم، وذلك بالمحافظة عليه وتَنْمِيته وتثميره بالتجارة في مواقع النَّظَرِ والسَّدَادِ، كما قالت عائشة: «اتجروا في [22/ب] أموالِ الْيَتَامَى لا تأكلها/ الزكاة» (¬1)، ¬
فالتي هي أحسن: المحافظة عليه من الضياع، والتثمير: هو تنميته بالرِّبْح بالوجوه المأمونة، التي يغلب على الظن -بحسب العادة- أن فيها سلامة وربحاً لا ضياعاً، ومن التي هي أحسن: أن القائم على مال اليتيم -وإن اشتغل في حفظه والتجارة فيه- إن كان له مال لنفسه يأكل من مال نفسه، ويثمّر لليتيم ماله مجاناً (¬1)، كما تقدم في قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ} [النساء: آية 6] وهذه من الدلالات على أن هذا الشرع الكريم شرع سَمَاوِي، يراعي حقوق الضعيف، ويحافظ على مكارم الأخلاق. وقوله: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (حتى) حرف غاية بمعنى (إلى)، والمُغيَّا بها: النهي عَنْ قُرْبِ مَالِ اليتيم بغير التي هي أحسن، والمضارع بعد (حتى)، منصوب بـ (أن) محذوفة، وهو في محل جر بـ (حتّى) والمعني بـ (حتى): إلى، إلى أن يبلغ أشده؛ أي: إلى بلوغ أشُده. وظاهر هذه الغاية ليس مراداً بإجماع العلماء (¬2)؛ إذ ليس ¬
المعنى: لا [تقربوا] (¬1) ماله إلا بالتي هي أحسن، حتى يبلغ أشده، فإن بلغ أشده فاقربوه بغير التي هي أحسن، ليس هذا مراداً بإجماع العلماء، وإنما الغاية تتعلق بمحذوف دل المقام عليه، أي: فحتى يبلغ أشده، فإن بلغ أشده وآنستم منه رشداً فادفعوا إليه ماله. وإنما كانت الغاية: لأنه إذا كان بالغاً أشده مستكملاً قوته وعقله، لا يقدر أحد على أن يغتصب منه ماله، فهو كسائر الرجال. والأشُد هنا: التحقيق الذي لا شك فيه أنه بلوغ الحُلم مع إيناس الرشد (¬2)؛ لأن خير ما يفسر به القرآن القرآن، وقد قال الله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: آية 6] فدلت آية النساء على أن الأشد في الغاية هنا: أنه أن يبلغ الحلم، ويُؤنس منه الرشد؛ لأن ببلوغ الحلم يتقوى بدنه ويكون في قوة الرجال، وبإيناس الرشد يتقوى عَقْلُهُ ونَظَرُهُ، فاجتمع أشده بدناً وفكراً ونظراً، فعند ذلك يُعطى ماله، وخير ما يُفَسَّرُ به القرآن القرآن. أما الأشُد من حيث هو: فهو يطلق على خمس وعشرين، وعلى ثلاثين سنة، وعلى أربعين، وعلى ستين، وعلى خمسين (¬3). ومن إطلاقه على الخمسين قول سحيم بن وثيل الرياحي (¬4): ¬
أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي ... وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشّؤُونِ فهذه الأقوال المرْوِيَّة عن العلماء في الأشُد -من خمس وعشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، إلى ستين- لا ينبغي أن تُذْكَرَ في هذا الموضع؛ لأن بلوغ اليتيم أَشُدَّه صرح القرآن بأنه بُلُوغُ الحُلُمِ مَعَ إيناس الرّشد، كما أوضحته آية النساء {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} [النساء: آية 6] أما أقوال العلماء في (الأَشُد) فينبغي أن تكون عند آية قوله: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: آية 15] لأن بلوغ الإنسان الأَشُد بالنسبة إلى غير دفع ماله إليه هو الذي ينبغي أن تكون فيه الأقوال المعروفة (¬1). وكلام أهل اللغة في الأشُدّ معروف (¬2)، قال بعضهم: الأشُد واحد لا مفرد له من لفظه، وإتيان المفرد على وزن (أفْعُل) نادر جدّاً، ومنه قولهم: (آنُك) و (الآنُك) هو الرصاص، وهو مفرد على وزن (أفْعُل)، وقال سيبويه: الأشُد جمع (شِدَّة)، كنعمة وأَنْعُم، وشِدّة وأشْدُد، أصله: (أَشدُد)، وعلماء العربية يقولون: إن قول الشيخ سيبويه من قبيل اللغة معروف؛ لأن العرب يقولون: بلغ الغلام شِدته: إذا قَوِيَ واشْتَدَّ، إلا أن جمع (فِعْلة) على (أفْعُل) لم يُعرف في كلام العرب. أما قول سيبويه: إن النعمة تجمع على أنْعُم. فقد قالوا: ليس ذلك كذلك، وإنما الأنْعُم جمع نُعْم، كما تقول العرب: نُعْمٌ وأنْعُم، وبُؤْس وأَبْؤُس، و (الفُعْل) قد يُجْمَع على (أفْعُل)، وقال ¬
بعض العلماء: الأَشْدُ جمع (شَدّ) -بالفتح- ككلب وأكلُب، وشَدّ وأشدُد. والأشدّ: أصله (أشْدُد) حصل فيه الإدغام. وقال بعضهم: مفرده (شِدّ) بالكسر، كذئبِ وأَذؤُب، وهذه أقوال العلماء فيه، والمعنى صائر إلى شيء واحد. والأَشُد هنا لا شك أنه بلوغ الحلم مع إيناس الرشد. ومعنى (بلوغ النكاح) وهو بلوغ الحلم، وللبلوغ علامات معروفة عند العلماء (¬1)، منها السّن، وأكثر العلماء على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة (¬2)؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته ردّ أبناء أربع عشرة سنة، وأذِن في الغزو لأبناء خمس عشرة سنة (¬3)، فدل ذلك أنهم صاروا رجالاً، وعن مالك: أن أقله بالسن ثمان عشرة سنة، وعن أبي حنيفة: تفريق بين الذكور والإناث معروف في فروع المذاهب، وليس فيه تحديد بنص من النصوص، وإنما هي اجتهادات في تحقيق المناط، كل يقول: إذا بلغ هذه السن فقد بلغ مبلغ الرجال، وكان بعض العلماء واللغويين يرى أنه إذا كان خمسة أشبار أنه بلغ مبلغ الرجال (¬4)، وهذا القول يُروى عن علي بن أبي طالب، ¬
واعتمده الفرزدق في شعره حيث قال (¬1): ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يداهُ إِزَارَهُ ... فَسَما فأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَار ... يُدْنِي خَوافِقَ مِنْ خَوافِقَ تَلْتَقي ... في ظِلِّ مُعْتَبطِ الْغُبَارِ مُثَارِ فقوله ببلوغه: (خمسة الأشبار) يعني أنه بلغ مبلغ الرجال، وأسباب البلوغ كثيرة معروفة في الفروع، منها: إنبات العانة، وليس المراد به إنبات الشعر؛ لأن الشعر ينبت عليها من الطفل، وإنما المراد خشونة وغلوظة تعرض للمحل عند البلوغ، والعلماء يذكرون له أسباباً كثيرة، ومنها بلوغ الحلم، كما قال: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ} [النور: آية 59]؛ أي: صاروا بالغين مبلغ الرجال {فَلْيَسْتَأْذِنُوا} ومعنى (بلوغ الحُلُم): أن الصَّبِيَّ إذا رأى في نَوْمِهِ أنه يجامع لا ينزل منه مني، بخلاف البالغ، إذا رأى في النوم أنه يجامع، فإنه ينزل منه المنيّ، وذلك معنى بلوغه الحلم؛ أي: إنزال المني بسبب ما يَرَاه في حلم النائم، وهذا معنى قوله: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي: فإن بلغ أشده فادفعوا إليه ماله إن آنَسْتُمْ مِنْهُ رشداً، كما تقدم في سورة النساء. وهذه الآية الكريمة تدل على أن ظلم اليتيم حرام، ولما أنْزَلَ الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: آية 10] خاف الصحابة الذين عندهم أيتام، وعزلوا مال الأيتام عن مالهم، وطعامهم عن طعامهم، حتى صار ما فضل عن اليتيم من طعامه يبقى ولا يجد مَنْ يأكله؛ خوفاً منه، وربما فسد، ¬
فشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله آية البقرة المعروفة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ} (¬1) [البقرة: آية 220] {لأعْنَتَكُمْ} أي: لحملكم العنت والمشَقَّة بحفظ أموالهم وطعامِهم معزولاً عن طعامكم؛ لأن ذلك فيه حرج ومشقة، إلا أنه خَوَّفَهُمْ بقوله: {وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} فمن خالط اليتيم، وخلط ماله بماله يريد مصلحة اليتيم والتوفير له، فالله يعلم نيته ويُثيبه، ومن كان يريد بمخالطة مال اليتيم وطعامه لطعامه أن يأكل مال اليتيم خديعة في غضون ذلك، فالله يعلم نيته، ويجازيه على ذلك، وهذا معنى قوله: {وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} وقال هنا: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: إلا بالخصلة التي هي أحسن الخصال، وأتمها وأحوطها وأحفظها لمال اليتيم، بالمحافظة عليه وتثميره وتنميته بالطرق المأمونة، التي يغلب على الظن أنها لا خسار فيها ولا ضياع، وهذا معنى قوله: {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} ¬
أي: يبلغ الحلم، وُيؤنَس منه رُشد، فادفعوا إليه ماله، وأشهدوا عليه إذا دَفَعْتُمُوه إليه. ثم قال: {وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} هذه أوامر اجتماعية عظيمة، تدل على كمال تشريع الإسلام، ورعاية دين الإسلام لمصالح البشر، كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها. والمكيال والميزان هما الآلتان التي جعلهما الله (جل وعلا) لتُضبط بهما المبيعات، وهذا من فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ بخلقه؛ لأن الله خلق الإنسان محتاجاً للغذاء، ومُفْتَقِراً للنِّسَاء، وخلق له ما في الأرض جميعاً، ولم يَتْرُكْه سدًى، فَأَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى طَعَامِ أخيك، وأخوك محتاج إلى طعامٍ آخر عندك، فلو لم يجعل الله المقادير بمكيال وميزان تَعْرِف به قدر ما تدفع وقدر ما تأكل لتَهَارَشْتُمْ على ذلك تَهَارُشَ الحُمُر والكلاب، فالميزان والمكيال آلات جعلها الله (جل وعلا) لِخَلْقِهِ ليأخذ كل واحد منهم غرضه من أخيه طيبة نفسه، عارفاً قدر ما أَخَذَ، وقدر ما أُخذ منه، طيب النفس بذلك، بحيث ينتفع كلٌّ من أخيه، وتتبادل المصالح عن طيب نفس وسماحة وسخاء، ولذا قال: {وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} قال بعض العلماء: الكيل هنا معناه المكيال، وإيفاء الكيل وإيفاء المكيال راجعان إلى شيء واحد (¬1)، وكذلك إيفاء الميزان وإيفاء الوزن معناهما واحد، والله (جل وعلا) يعلم أن بعض الأخِسَّاء من الذين يتولّون الكيل والوزن عندهم حيل دقيقة، ينقصون بها حقوق الناس إذا كانوا يكيلون ¬
للناس، ويزيدون حقوقهم إذا كانوا يكيلون لأنفسهم، فحَذَّرَهُم الله من هذا الفِعْل الخسيس، وعظّم شأنه، وتوعد عليه التوعد العظيم الهائل بالويل؛ وذلك لأن المال هو شريان الحياة، والطعام الموزون المكيل هو الذي به حياة الدنيا وقوامها {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء: آية 8] فالآلات التي نُصبت عدلاً لذلك ينبغي الاحتياط الكامل في إقامتها على وجهها، وعدم الغش والخديعة فيها؛ ولذا كثر في القرآن العظيم الإيصاء بإيفاء الكيل والوزن، كما قال جل وعلا: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ (182)} [الشعراء: الآيتان 181، 182] وذكر الله عن نبيه شعيب مواضع متعددة من ذلك {وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)} [هود: آية 85] وفي آية أخرى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} (¬1) [الأعراف: آية 85]، والله جل وعلا يقول: {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)} [الرحمن: الآيات 7 - 9] ومن عصى هذه الأوامر ولم يتتبعها فيا ويله! ويا ويله! لأن خالق السماوات والأرض يقول في الذين يُخسرون الكيل والميزان: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1)} ويكفيك من التهديد والوعيد لفظة (ويل) المتوجهة من الله إلى من يفعل هذا الفعل الخسيس الدنيء الرذيل، ثم فسَّر المطففين بأنهم {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [المطففين: الآيتان 1، 2] يعني: إذا كان الكيل لهم من الناس كالوا كيلاً وافياً، وإذا كالوا من متاعهم للناس أو وزنوا للناس يخسرون؛ أي: ينقصون ¬
بالحيل الخفية؛ لأن مَنْ تَمَرّن على الكيل والوزن يعلم حيلاً لا يعلمها غيره، يحسب الناظر أن المكيال تام، وأن الميزان بتمام، وهناك نقص خَفِيّ يعرفه أصحاب الصنعة بحيلهم الدقيقة، هذا معروف، فحذرهم الله من هذا، وهذا يدل على أن كل مَنْ تَوَلَّى مصلحة اجتماعية عليه أن ينصح إخوانه المسلمين فيها، فالقرآن يُذكر منه الآيات ليُنَبَّه بها على غيرها. فهذه مصلحة اجتماعية عامة؛ لأن كل الناس يحتاج إلى طعام يكيله، أو إلى حاجة يزنها، وهذا به قوام الناس في حاجاتهم ومصالحهم المتبادلة، فالذي يغش فيه وينقص ويُخسر خسيس من أخبث خلق الله، ويكفيه خبثًا ورداءة أن خالق السماوات والأرض يهدده بالويل، وأي شيء أعظم من تهديد الله للعبد بالويل؟! {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)} ثم قال: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: الآيات 1 - 6] ويُفهم من فحوى الآيات: أنهم إذا بُعثوا إلى ذلك اليوم العظيم وقام الناس لرب العالمين واجتمع الخلائق الأولون والآخرون في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويُسمعهم الداعي، أن ذلك الخائن الناقص في الكيل والوزن يُنادى به على رؤوس الأشهاد، ويفتضح على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وفضيحة القيامة ليست كفضيحة الدنيا؛ لأن الإنسان يفتضح في الدنيا ويضيع عرضه ويبقى صحيح البدن سالماً يأكل ويشرب غير متألم، وإذا كان رذيلاً دنيّاً لا يُؤْلمُه ضياع العرض، إنما يتألم مِنْ ضياعِ الأعراض أصْحَابُ الشّؤون والهيئات والشرف، وقد ذكر العلماء أنَّ أعْظَمَ ما يصاب فيه الإنسان بعد نفسه إنما هو
-مثلاً- قُرباؤُه: كأولاده أو ماله أو عرضه أو دينه، فإذا أصيب في دينه فتلافيه سهل؛ لأنه إذا أناب إلى الله قد يتوب الله عليه، وقد يكون انكسار التوبة يبلغ به مرتبة عند الله أحسن مما كان قبل فِعْلِ الذَّنْبِ؛ لأن الإنابة إلى الله والتوبة والتذلل والخضوع والانكسار من الذنوب قد يكسب العبد درجة أعظم من درجته قبل أن يواقع الذنب، والمال قد يخلفه شيء بسيط، فصفقة واحدة قد يربح منها أضعاف ما خسر، والأنفس قد تُعَوَّض بالولادة، فيموت له ولد فيولد له عشرة أولاد، قالوا: أما العِرْض فإذا ضاع من الإنسان فلا شيء يخلفه؛ لأنه إذا ضاع عرضه، وعُرفت الفضيحة أمام الناس لم يمكن أن يداوي ذلك، ولو رجع إلى مكارم الأخلاق، فتلك الفضيحة بقيت فيه، لكن فضيحة الدنيا وإن كانت من أعظم المصائب، ففضيحة الآخرة أعظم وأطَمّ؛ لأن المفتضح في الآخرة إنما يُفْضَح بذنوب تؤديه إلى العذاب والنكال يوم القيامة -والعياذ بالله- فَعَلَى مَنْ وَلَّاه الله الكيل أو الوزن أن يَحْذَرَ من الله، ويخاف من فضيحة الآخرة، ويوفي الكيل إيفاءً تامّاً، ويوفي الميزان، ولا يغش وينصب فيستوفي لنفسه وينقص للناس، وهذا معنى قوله: {وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [الأنعام: آية 152] القِسْط في لغة العرب معناه: العدل، والقَسط -بالفتح- الجور (¬1)، فالمقسطون من أهل الجنة، والقاسطون من أهل النار، كما قال تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15)} [الجن: آية 15] لأن القاسط اسم فاعل القَسْط -بالفتح- من قَسَط الثلاثية، وهو الجائر الحائد عن الهدى، والمُقْسِط: من القِسْط، وهو العدل. ¬
ومعنى كونه بالقسط؛ أي: بالعدل التام، بحيث لا يزيد ولا يَنْقُص، فلا يطلب المشتري زيادة على حَقِّهِ، ولا ينقص البائع المشتري عن حَقِّهِ، فليكن الحق كاملاً وافياً من غير [زيادة] (¬1) ولا نقصان، وهذا معنى إيفائه بالقسط. ولما كان الإنسان قد يبالغ جهده في أن يوفي المكيل، وقد يتفاوت ذلك؛ فبعض المكاييل يبني عليه المكيل، ويرتفع بعضه فوق بعض، حتى يكون وافياً، وبعض الناس يجتهد في أن يفعل ذلك، ويختل عليه شيء من غير قصد منه، إذا كان الله يعلم صلاح نيته وقصده للإيفاء، إلا أنه وقع تقصير أو نقص من غير قصده، فهذا معفوّ عنه، بدليل قوله: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: آية 152] فهذا الإيفاء في الكيل والوزن الذي كَلَّفْنَاكُمْ بِهِ إنما نعني به حسب ما تستطيعون، فمَنْ بَذَلَ مجهودَهُ في إيفاء الكيل والوزن ثم وقع نقص من غير قصده فهو معفوّ عنه؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، هذا سبب نزول الآية (¬2)، وهي عامة؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، أي: طاقتها، وهو الشيء الذي في طاقتها وقدرتها لا تعجز عنه، ولا يشق عليها مشقة عظيمة، وهذا من التسهيل على هذه الأمة، لا يكلفها الله ما أخطأت فيه وما نسيت، وقد جاء في الذكر المحكم: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: آية 5] وثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ من خواتيم سورة البقرة {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: آية 286] قال الله: نعم قد فعلت. ¬
(نعم) في رواية أبي هريرة، و (قد فعلت) في رواية ابن عباس، وكلتاهما ثابتة في صحيح مسلم (¬1)، والله (جل وعلا) يقول: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: آية 5] فالخطأ والنسيان وما لا يقصده الإنسان مَعْفُوٌّ عنه؛ ولذا قال: {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}. ثم قال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: آية 152] وهذه الآية عظيمة جدّاً، وهي من الآداب الاجتماعية العامة، البالغة في العظمة، وهي تشمل أشياء كثيرة، إذا كنت تشهد بحق فلا تشهد عند القاضي إلا بعدل، واخش شهادة الزور لأجل قريب، أو رشوة أو غير ذلك، وإذا كنت قاضياً فلا تقل إلا الحق، واحذر أن تميل لقرابة أو لغرض أو رشوة {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء: آية 58] وإذا كلمت أخاك المسلم فلا تقل إلا عدلاً، ولا تقل له شيئاً يُؤْذِيه، ولا تكذب عليه، وإذا حدثت عن قصة ماضية فلا تقل إلا عدلاً ولا تكذب، وإذا حدّثت عن الله فلا تقل في صفاته إلا اللائق الكريم، وإذا قلت في كل قول فلا تقل إلا أمراً كريماً عدلاً. ومن حفظ لسانه وكان لسانه معتدلاً لا يقول إلا ما يرضي الله فإن هذا من أحكم الآداب الاجتماعية التي يُطفَأُ بها الشرر العظيم المتفشِّي في المجتمع؛ لأن أكثر الأضْرَار الاجتماعية هي جنايات اللسان، وعدم اعتداله في قوله، فيقول على هذا ما لم يفعل، ويلمز هذا بما يؤذيه، ويشهد على هذا بالزور، ويحكم على هذا بالباطل، ¬
فإذا كان يزن قوله بميزان الشرع ولا يقول إلا عدلاً، كان هذا من أعظم الآداب الاجتماعية، وأكثر المنافع للمجتمع وأعظمها تفادياً لكثرة الأضرار الناشئة عن عدم العدل في القول؛ ولذا قال جل وعلا: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} يعني: لا تحملك قرابة أحد على أن لا تعدل في القول فتشهد له بباطل لِقَرَابَتِهِ، أو تشهد على خصمه بما يُؤْذِيه، أو تشهد على الشاهد لِخَصْمِهِ إن جرحه، أو نحو ذلك، فلا تحملنَّك القرابة أن تقول إلا عدلاً، ولا يصدر منك كلام إلا على الحق والعدل المطابق لما يرضي الله (¬1)، كما قدمنا في قوله: {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ} [المائدة: آية 8] وفي الآية الأخرى: {كونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلهِ وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: آية 135] أي: ولا يحملك أيضًا أن هذا فقير وهذا غني، فتشهد على الغني رحمة بالفقير، أو تكتم الشهادة على الفقير رحمة به للغني لا تفعل هذا، فَقُل الحق على بابه كائناً من كان على القريب وعلى الفقير وعلى الغني. وآية النساء هذه: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} وما بعدها فيه سرّ أعظم وتعليم أكبر؛ لأن الله يعلم أنه سيأتي في آخر الزمان مذاهب هَدَّامة، تتصل إلى سلب حقوق الناس أموالهم بدعوى أن هذا فقير وأن هذا غني، وأن هذا الغني ابْتَزَّ ثروات الفقراء، وأنه ينبغي أن يُنْزَع مال الغنيّ ليستوي هو والفقير باسم العدالة الاجتماعية! فالله (جل وعلا) علم أن هذا سيقع، وبَيَّن حكمه قبل أن يقع، فقال: لا تتخذوا من كون هذا غنيّاً وكون هذا فقيراً طريقاً ¬
تتصلون بها إلى ظلم الناس، وأخذ أموال الناس؛ اتباعاً للهوى {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ} [النساء: آية 135] وتتخذوا من ذلك طريقاً تأخذون بها أموال الناس من غير رضاهم {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فعلى المسلم أن يعمل بقوله: {وَإذَا قُلْتُم فَاعْدِلوُا} فإذا أراد أن يَتَكَلَّم تأمل في الكلام الذي يقوله، فإذا كان حقّاً صواباً مرضياً لله فليقدم عليه، وإذا كان جوراً غير حق فليُحْجِمْ عَنْه، كأن يعيب الإنسان، أو يشهد بشهادة الزور أو يحكم بباطل، أو يقول عن إنسان ما ليس فيه، أو يحكي قصة فيحرِّفها، إلى غير ذلك، وهذا من المصالح العامة التي تدل على أن هذا الدين سماوي، وأن هذا كلام خَالِق الخَلْق {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: آية 152] أي: ولو كان المقول عليه من شهادة أو حكم أو أنه ظالم {ذَا قُرْبَى} أي: صاحب قرابة، حتى ولو كان على نفسك، كما بيّنته آية النساء. ثم قال: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ} هذه أيضاً من الآيات العظام الشاملة للمسائل الاجتماعية والإلهية، فهي من غرائب التشريع؛ لأنها شملت أحكام دين الإسلام؛ لأن العهد المضاف إلى الله هنا هو على التحقيق يشمل أمرين: أحدهما: عهد بين المخلوق والخالق، كالنذور التي ينذرها طاعة لله، والله يقول: {وَليُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: آية 29] وقد مدح أهل الجنة بذلك حيث قال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7)} [الإنسان: آية 7] وقد يكون عهد الله فيما بين عبيده؛ لأن العهد فيما بينك وبين أخيك هو عهد لله؛ لأنه أخذ على كل منكما العهد أن يفي لأخيه بما عاهده عليه، وأن لا يفعل معه إلا
خيراً، ومن عهود الله التي يجب الوفاء بها: وَصَايَاه التي أوْصَانَا بها في هذه الآيات المحكمات، وجميع أوامره ونواهيه، وامتثال أمر الله واجتناب نهيه، كل هذه عهود الله على خَلْقِهِ في جميع التشريع يجب الوفاء بها، وكذلك عهدك على أخيك، كأن تقول له: لك عَلَيَّ كذا، أو أشترط عليك كذا، أو أعْهَدُ إليك بكذا، فإنه يجب الوفاء في ذلك. وفي هذه الآية تعليم عظيم؛ لأن كثيراً من الفقهاء غلطوا غلطاً فاحشاً في حديث، يرفع ذلك الغلط آيات من كتاب الله، منها هذه الآيات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء عنه في حديث أنه قال: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (¬1)، فكان ابن حزم (¬2) ومَنْ غَرَّهُ كَلَامُه وكثير من الفقهاء الذين لم يتدبروا معاني القرآن يَظُنّون أن كل شرط لم ينص القرآن على عينه أنه باطل؛ ولذا أبطل بعض العلماء كثيراً من الشروط، كأن تَشْتَرِطَ عَلَى أخِيكَ كَذَا في البيع من أمر مباح، أو تشترط المرأة على الزوج في عقد النكاح أمراً مباحاً، ويقولون: هذه الشروط ليست في كتاب الله، فهي باطلة. والتحقيق: أن كل شرط لا يُحل حراماً، ولا يحرِّم حلالاً فهو في كتاب الله؛ لأن الله أمر بالوفاء بالعهد أمراً عامّاً، كقوله هنا: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا} وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: آية 1] فكل شرط اشترطه مسلم على ¬
مسلم، ولم يكن هذا الشرط يبيح حراماً حرّمه الله، أو يحرم حلالاً أحلّه الله، بل كان مشترطاً أمراً جائزاً، فهذا الشرط في كتاب الله؛ لأن الله أمر المسلمين بالوفاء بالعهود في آيات كثيرة، وهي شروط عامة، كقوله هنا: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ} يعني: أن عهد الله هنا يشمل جميع الأمانات؛ من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، ويدخل فيه الوفاء بالنذور، ويدخل فيه عهود المسلمين بعضهم على بعض، وشروط بعضهم على بعض؛ لأن المسلمين عند شروطهم، فكل شرط اشترطه مسلم على مسلم، وكان ذلك الشرط لا يحل حراماً حرَّمه الله، ولا يحرم حلالاً أحله الله، فهو في كتاب الله؛ لعموم الأدلة على وجوب الوفاء بالعهود، والشروط من أوكد العهود التي أمر الله بالوفاء فيها، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه أنه قال: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (¬1) فما تشترطه المرأة على زوجها بالعقد إن كان لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً. أما الشرط الذي أحل حراماً أو حَرَّمَ حلالاً فهو ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن كان مئة شرط، وهذا معنى قوله: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا}. ثم أعاد الله (جل وعلا) الوصية وكَرَّرَهَا علينا، ثم قال: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} ذلكم المذكور في هذه الآية من التباعد من أكل مال اليتيم، ومن بخس المكيال والميزان، ومن عدم العدل في القول، ومن الإيفاء بالعهد، هذه الأمور التي أمَرَكم الله بها، وحذركم عن ¬
أضدادها وصاكم بها؛ أي: أمركم بها أمْراً مُؤَكَّداً، فعليكم أن تحتزموا بها، فلا تَقْربوا مال اليتيم بغير الأحسن، وَلَا تقولوا إلا ما هو عدل، ولا تنقضوا العهود، إلى غير ما جاء في الآيات. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قرأه هنا حفص عن عاصم، وحمزة والكسائي: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بتاء واحدة وذال مخففة، وأصله (تَتَذَكَّرُونَ) فحذفت إحدى التاءين، وقَرَأَهُ الجمهور، وهم الباقون: {لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ} بتشديد الذال وإدغام إحدى التاءَيْنِ في الذال، وعلى قراءة حفص وحمزة والكسائي: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (¬1) فقد حُذفت إحدى التاءين، والمضارع المبدوء بتاءين يجوز حذف إحداهما بقياس مطرد: وَمَا بِتَاءَيْن ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ ... فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ العِبَرْ (¬2) وعلماء العربية مختلفون اختلافاً لا طائل تحته ولا دليل عليه في التاء المحذوفة من التاءين هل هي تاء المضارعة أو التاء الأخرى؟ (¬3) هذا الخلاف لا طائل تحته، ولا دليل عليه، والمدار على أن إحدى التاءين محذوفة، وهذا معنى قوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: آية 152]. كان بعض العلماء يورد في هذه الآيات سؤالاً، وهو أن يقول: عبّر في الآية الأولى بـ {وَلَا تَقْتُلُواْ اْلنَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالحَقِ ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)} [الأنعام: آية 151] وفي هذه الثانية ¬
بـ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، وأجابوا عن ذلك بأجوبة -الله أعلم بها- (¬1) منها: أن قالوا: إن المذكورات في الآية الأولى واضحة لا خفاء فيها؛ لأنها هي عدم الإشراك بالله، وعدم قتل الأولاد، والبر بالوالدين، وعدم قتل النفس التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، وهذه أمور ظاهرة؛ ولذا قال لما كانت ظاهرة لا تحتاج إلى تفكر وتذكّر؛ لظهورها ووضوحها، قال: قلت لكم هذا لتُدْرِكُوهُ عنّي بِعُقُولِكُمْ؛ لأنه أمر واضح، وأن المذكورات في الآية الأخيرة تحتاج إلى تأمُّلٍ وإلى تفكّر، كإيفاء الكيل والميزان، وعدم بخس الناس أشياءهم، وكالتحرِّي في الأقوال لِيُعْلَمَ العدْل منها مِنْ غَيْرِ العدل، والوفاء بالعهود أن هذه أمور فيها خفاء، فعبّر بعدها بالتذكر؛ لأنها تحتاج إلى تذكر، هكذا يقولون، والله تعالى أعلم. يقول الله جل وعلا: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)} [الأنعام: آية 155] ذكرنا أنه جرت العادة أن الله ينوّه بالتوراة والقرآن معاً؛ [23/أ] لأنهما أعظم الكتب المنَزَّلة؛ لأنه قبل/ نزول القرآن كانت التوراة أعظم الكتب المنزلة وأجمعها للأحكام، كما قال الله فيه: {وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء} [الأنعام: آية 154]، فلما نزل القرآن كان أشمل كتاب وأعظمه؛ لأنه جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وزاد فيه أشياء لم تنزل على غيره؛ ولذا لما نزلت التوراة في قوله: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ} [الأنعام: آية 154] نوّه ¬
بالقرآن العظيم بعده فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: آية 155] ومثل هذا يَتَكَرر في القرآن، كقوله في التوراة: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: آية 91] ثم قال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: آية 92] فأتبع التنويه بالتوراة التنويه بالقرآن، كقوله: {وَمِن قَبله كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحمَةً وَهَذَا} يعني: القرآن {كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [هود: آية 17] وكقوله: {قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: آية 48] وفي القراءة الأخرى (¬1): {سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا} [والجن] (¬2) الذين استمعوا القرآن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأحقاف: آية 30]. ومعنى الآية الكريمة: وهذا الذي تُتْلَى عليكم آياته كهذه الآيات المحكمات: {تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... } إلى آخر الآيات [الأنعام: آية 151]، {وَهَذَا} الذي تُتلى عليكم آياته جامعة هذا من الأحكام والتشاريع، {كِتَابٌ} هو كتاب الله (جل وعلا) الذي هو آخر كتاب نَزَلَ من السماء، وهو أعظم كتاب سماوي على أعظم رسول أرْسَلَهُ الله في الأرض، فهو آخر الكتب السماوية، ونازلٌ على آخر الرسل وخاتمهم - صلى الله عليه وسلم -، جمع الله فيه علوم الكتب السابقة، ولذا صار القرآن مهيمناً على الكتب السابقة، كما قدّمناه في سورة المائدة في قوله: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة: آية 48] ¬
ولذا ما حَرَّفَهُ اليهود بيَّن القرآنُ أنه محرَّف، وكان اليهود يختلفون في أشياء لا تعلم علماؤهم حقائقها من غوامض التوراة، فبيّنها لهم القرآن وأوضحها لهم، لهيمنته على الكتب قبله {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)} [النمل: آية 76] أي: ويوضحه لهم، ولمّا أنزل الله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: آية 160] قال اليهود: ما حُرِّم علينا شيء بسبب ذنب، وإنما حُرِّم علينا ما كان محرَّمًا على أبينا إسرائيل من الأطعمة. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. فلمَّا زعموا أن الله لم يحرم عليهم إلا ما كان محرَّماً من الطعام على إسرائيل كذّبهم القرآن، وألْقَمَهُم الحجر، فقال: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93)} [آل عمران: آية 93] فلما قال لهم: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} خافوا وخجلوا ولم يأتوا بها (1). كذلك قصة اليهوديين الزانيين المشهورة (2)، بأنه زنى يهوديان
من يهود خيبر أو ما يقرب منها، فأرسلوا ليهود المدينة: سلوا لنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عن حكم الزاني المحصن، فإن أتاكم بجَلد أو شيء غير القتل فاقبلوا حكمه، ونخرج من العُهدة أمام الله بأنهما حَكَمَ فيهما نبيٌّ كريم؛ لأنهم يعلمون أنه نبي كريم - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في قوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ} [المائدة: آية 41] يعنون: إن أعطاكم الحكم السهل من عدم رَجْمِ الزانيين فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا! وعلى كل حال ثبت في الصحيحين في قصة الزانيين المشهورة أنهما أتوا بهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحَكَّمه فيهم (¬1)، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سَأَحْكُمُ فِيهِمْ بِالحُكْمِ الذي أنْزَلَ اللهُ في التَّوْرَاة» وهو الرَّجْم. وكان رئيسهم الديني في ذلك الوقت: عبد الله بن صُورِيَّا الأعور، فقال له: ليس في التوراة الرجم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بَلَى، إن في التوراةِ لآيَة تدلّ على الرجم، فأتوا بالتَّورَاة». فجاءوا بالتوراة، فقرأ ابن صوريا ما قبل آية الرجم وما بعدها، وجعل يده على آية الرجم يخفيها إخفاءً للحق، فجاء عبد الله بن سلام (رضي الله عنه وأرضاه) وهو يهودي أصلاً من يهود بني قينقاع، وهو من خيار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأفاضل الصحابة الكرام، فهو الذي أنزل الله فيه في الأحقاف: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن ¬
بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} (¬1) [الأحقاف: آية 10] هذا الشاهد: هو عبد الله بن سلام، وكان أعلمهم بالتوراة، فقال لابن صوريا: ارفع يدك!! وقرأ آية الرجم، فحكم النبي عليهما بالرجم، ورجمهما الصحابة. وفي الصحيحين: أن بعض الصحابة رأى الرجل يجنؤ على المرأة؛ أي: ينحني عليها ليقيها الحجارة، فَرُجِمَا وقُتِلَا (¬2)، وهذا من هَيْمَنَةِ القرآن على الكتب، وإنما سُمِّيَ هذا القرآن كتاباً؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)} [البروج: الآيتان 21، 22] ومكتوب في صحف عند الملائكة لما جُمع كله في بيت العزة في السماء الدنيا، كما في قوله: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14)} [عبس: الآيات 11 - 14] ولأنه مكتوب أيضاً عند المسلمين، كما قال: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)} [البينة: الآيات 1 - 3]. ¬
فلما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ، وفي الصحف عند الملائكة، وبالصحف بأيدي المسلمين قيل له: (كتاب) وأصل الكتاب: (فِعَال) بمعنى (مفعول) وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفْعُول) مسموع في لغة العرب في كلمات غير كثيرة، ككتاب بمعنى مكتوب، ولباس بمعنى ملبوس، وإله بمعنى مَأْلُوه، أي: معبود، ونحو ذلك في أوزان غير كثيرة. وأصل مادة الكتابة، مادة (الكاف، والتاء، والباء) (كتب) معناها في لغة العرب التي نزل بها القرآن: الضَّمّ والجمع، فكل شيء ضممت بعضه إلى بعض وجمعت بعضه إلى بعض فقد كَتَبْتَهُ، ومِنْ هنا قيل للخِيَاطة كتابة، وفي لُغَز الحريري (¬1): وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ ... حَرْفاً وَلَا قَرَؤُوا مَا خُطَّ في الْكُتُبِ يعني بالكاتبين: الخيَّاطين. ومنه قول عمرو بن دارة يهجو بني فزارة من قبائل غطفان كانت العرب تعيّرهم بالفاحشة مع إناث الإبل، يزعمون أنهم يزنون بالنوق، تعييراً لهم، فَعَيَّرهم هذا الشاعر فقال (¬2): لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بَأَسْيَارِ يعني: خِط فرجها بأسيار لئلا يزني بها، وهذا معنى معروف في كلام العرب. ومنه قيل للرقعة التي تكون في السقاء، وقيل لها: كُتْبَة، وقيل للسَّيُر الذي تُخاط به الرقعة أيضاً: (كُتْبة)؛ لأنَّه يضم الرقعة إلى ¬
السقاء، ومنه قول غيلان ذي الرمة (¬1): مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ ... كَأَنَّهُ مِنْ كُلًى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ ... وَفْرَاءَ غَرفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزَهَا ... مُشَلْشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الْكُتُبُ يعني: بـ (الكُتب): قيل: السيور التي تُخاط بها الرقع، أي: مَسْك الرقع، يُشَبَّه كثرة دموعه بماء السقاء إذا اتسع موضع السير الذي خيطت به؛ لأنها جماعة ينضمّ بعضها إلى بعض، ويتشكل مع بعض، فسُميت الخياطة كتابة؛ لأن الخيّاط يضم طرفي الثوب أو الأديم، ويجمع بعضها إلى بعضٍ بالخياطة، كذلك قيل للكتابة (كتابة) لأن الكاتب يضمُّ نقوشاً بعضها مع بعض، يضع حرفاً منقوشاً ثم حرفاً ثم حرفاً، حتى يتكون من ذلك كلام يدل على المعاني؛ فلأجل هذا فالكتابة مصدر سيّال. أي: وهذا قرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف عند الملائكة، وفي صحف مطهرة بأيدي المسلمين. {أَنْزَلْنَاهُ} يعني: هذا الكتاب أنزلناه من عندنا ومن كلامنا، وصيغة الجمع للتعظيم، وجملة الفعل وفاعله في {أَنْزَلْنَاهُ} في محل النعت للكتاب (¬2)؛ لأن النكرات تُنعت بالجُمل، كما هو معروف (¬3)، و (مبارك) نعت آخر (¬4)، والأصل أن يُقدم النعت بالمفرد ثُمَّ بشبه الجملة ثم بنفس الجملة كما في قوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ ¬
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: آية 28] فبدأ بالنعت بقوله: {مُّؤْمِنٌ} لأنه مفرد، ثم أتبعه بشبه الجملة، وهي: {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ثم أتبعه بالجملة {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} هذا هو الأصل المُقَرَّر في المعاني، ورُبَّما قُدِّم النعت بغير الجملة، وربما قُدم النعت بغير المفرد على النعت بالمفرد، فمثال تقديمه بشبه الجملة: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ} فالجار والمجرور نعت قُدِّم على النعت المفرد في قوله: {عَظِيمٍ} [الزخرف: آية 31] ومثال تقديم الجملة على المفرد قوله هنا: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} فجملة {أَنزَلْنَاهُ} نعت قُدِّم على النعت بالمفرد، ونظيره من كلام العرب قول طرفة بن العبد (¬1): وَفِي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ ... مُظَاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ فإن قوله: (شادن ومظاهر) مفردان، قدّم قبلهما النعت بالجملة في قوله: (ينفض المرد) وهذا معروف (¬2). وقوله: {مُبَارَكٌ} معناه: أن هذا الكتاب مبارك، أي: كثير البركات، والخيرات، فمن تَعَلَّمَهُ وعمل به غمرته الخيرات في الدنيا والآخرة؛ لأن مَا سَمَّاهُ الله مباركاً فهو كثير البركات والخيرات قطعاً، وكان بعض علماء التفسير يقول: اشتغلنا بالقرآن فغمرتنا البركات والخيرات في الدنيا؛ تصديقًا لقوله: {كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ مُبَارَكٌ} ونرجو أن يكون لنا مثل ذلك في الدنيا، وهذا الكتاب المبارك لا ييسر الله للعمل به إلا الناس الطيبين المباركين، فإنه كثير البركات والخيرات؛ ¬
لأنه كلام رب العالمين، إذا قرأه الإنسان وتدبَّر معانيه ففي كل حرف عشر حسنات في القراءة، وإذا تدَبَّر معانيه عرف منها العقائد التي هي الحق، وعرف أصول الحلال والحرام، ومكارم الأخلاق، وأهل الجنة وأهل النار، وما يصير إليه الإنسان بعد الموت، وما يسبب له النعيم الأبدي، وما يسبب له العذاب الأبدي، فكله خيرات وبركات؛ لأنه نور ينير الطريق التي تميز بين الحسن من القبيح، والنافع من الضار، والباطل من الحق، فهو كله خيرات وبركات، من عمل به غمرته الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة، وأصلح له الله الدارين. ومن غرائب الأشياء وعجائبها أن أكثر أهل المعمورة ممن يؤمنون بأنه كلام الله الذي أنزله على رسوله يطلبون الهدى في غيره، ويطلبون التشاريع والتحليلات والتحريمات من غيره! فهذا من الغرائب! إذ كيف يعدل عاقل عن كلام خالق السماوات والأرض؟ فهو النور المبين، والحبل المتين الذي بينه سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - بسنته الصحيحة، يعدل عن هذا زاعمًا أنه ليس بصالح لهذا الوقت، وأن الحياة تطورت بعد نزوله تطوراً لا يلائم هذا القرآن! ومن أنزل القرآن عالمٌ بما يحدث من التطورات، وما يكون، فجعل القرآن ديناً خالداً لا ينسخه دين، باقٍ إلى يوم القيامة، وهو عالم بما ينزل وما يحدث في الدنيا، بل لو عملت الدنيا أجمعها بهذا الكتاب الكريم لأزال جميع مشاكلها، وأزال عنها كل ضرر، ونظّم علاقات حياتها على الوجوه الكاملة، وأراها الطريق الواضحة التي تحصل بها على خير الدنيا والآخرة، وهو دائماً يحث على التقدم والرُّقِيّ في جميع ميادين الحياة؛ لأنه كلام ربِ العالمين.
القرآن يحث الإنسان على أن يُعْطِي جسده حظه، وأن يعطي روحه حظها (¬1). وإذا قرأ الإنسان القرآن فهم كيف يدعو الإنسانَ إلى الجَدِّ والكَدْحِ في هذه الحياة الدنيا، وإلى طاعة خالق هذا الكون، ونَحْنُ نُقَرِّرُ في المناسبات وفي الدروس دائماً أن هذا الحيوان الذي هو الإنسان، أنه حيوان مركب من جوهرين مختلفين بالذات اختلافاً جَذْرِيّاً حقيقيّاً، وأَصْلَاه اللَّذان تَرَكَّبَ منهما متنافيان كل التنافي -أعني بهما روحه وجسده- فحقيقة الروح من العالم العلوي، والجسد من العالم السفلي، وبين الروح والجسد تَبَايُن وتنافٍ تام بالجوهر والعنصر وجميع الصفات، والله رَكَّبَ الإنسان منهما، فالروح وَحْدَه ليس بإنسان، والجسد وحده ليس بإنسان، وإنما هو حيوان مركب منهما، ومعلوم أن الروحَ له متطلبات لا تكفي عنها متطلبات الجسم، وأن الجسم له متطلبات لا تكفي عنها متطلبات الروح، فللجسم متطلبات لا بد منها، كالقوة الجسمية، والله (جلّ وعلا) يحث على هذا كل الحث؛ لأن من أعظم أنواع تربية القوة الجسمية هو إعداد القوة الكافية، والوحدة حولها وحدةٌ حقيقية صحيحة، والله يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: آية 60] فهذه الآية الكريمة بظاهرها تساير التطور مهما بلغ التطور من أنواع القوة؛ لأن الله يأمر بإعداد كل ما يدخل في طاقة الإنسان من إعداد القوة لِيَتَقَوَّى بها المسلمون، ويردوا بها الهجوم المسلّح، ويحافظوا بها على بيضة الإسلام، فهذا مِنْ أَعْظَمِ الأمر بأسباب القوة، وكذلك يأمر بالاجتماع؛ لأن البلايا كلها من المخايلات وعدم اتحاد القلوب، واختلاف القلوب وتباغضها، وهذا هو السبب ¬
الأكبر للضعف، وهو السبب الذي يدخل منه العدو فيضرب بعضهم ببعض، ويبقون -مثلًا- لأن المختلفين لا ينجحون؛ ولهذا يقول الله في محكم كتابه: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: آية 46] ويقول (جل وعلا): {وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: آية 103] ويحض على الاجتماع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة، وقد بيّنَ القرآن في سورة الحشر أن اختلاف القلوب ومعاداة البعض للبعض منشؤه إنما يكون من ضعف العقول، كما قال في قوم: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: آية 14] ثم كأن قائلاً قال: ما الموجب الذي صيّر قلوبهم شتى وهم أمة واحدة متفقة في الأهداف والأغراض، ما الموجب الذي صيّر قلوبهم شتى؛ أي: مختلفة متنافرة؟! فبيّن العِلة فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} وليس المراد هنا نفي العقل من أصله، والمعنى: (أنهم لا يعقلون) نفي كمال العقل، يعني: أن عقولهم ليست ناضجة كما ينبغي، أمّا هم في الحقيقة فمن جملة العقلاء، وهذا يدل على أن هذه الفِرَق -التي تدّعي الإسلام- المختلفة، التي يبغض بعضها بعضاً، وإن تجاملت في ظاهر الأمر، أن سبب ذلك إنما هو ضعف العقول في بعضها، وقد يكون المختلفان أحدهما عنده عقل كامل، يدعو إلى الطريق المستقيم بعقله المستقيم، والآخر ضعيف العقل، يَفِرّ من تلك الطريق ويخالف، فهذا من ضعف العقل، وقد بيّنَّا في هذه السورة الكريمة أن ضعفَ العقول وموتها علاجه القرآن؛ لأنه يصير به الميت حيّاً، ويصير به الذي كان في الظلام في النور {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: آية 122] فبيّن أن اتباع القرآن حياة بعد الموت، ونور بعد الظلام؛ لأن تشريع خالق
السماوات والأرض ينوّر الأفكار ويضيء الطريق، ويدل الخلق على ما هم عاجزون عليه من مصالحهم، ولا شك أن هؤلاء الذين يعدلون عن القرآن، والله يقول: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: آية 153] ويسميه النور الذي يضيء، فيرى في ضوئه كل حق وكل باطل وكل حسن وكل قبيح وكل نافع وكل ضار؛ ولذا كثيراً ما يطلق على القرآن اسم النور، كما قال: {وَاتَّبِعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ} [الأعراف: آية 157]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً (174)} [النساء: آية 174] {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا} [التغابن: آية 8] {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء} [الشورى: آية 52]، فالآيات المصرحة بأن هذا الكتاب نور، والنور هو الذي يُرى في ضوئه الحق حقّاً والباطل باطلاً والنافع نافعاً، إلى آخره، فالذين يعدلون عن هذا النور -الذي هو كلام رب العالمين، المبيّن بسنة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - زاعماً أن هذا لا هدى فيه، ويطلب الهدى في نُظُمٍ وَضْعِيَّة ألَّفَهَا خُبَثاء كفرة فجرة خنازير أبناء خنازير، أن هذا من طمس البصائر الذي يُؤسَف له ويُبكي العيون -والعياذ بالله- والحق الذي لا شك فيه أن الذي سَبَّبَ هَذَا إنَّمَا هو طمس البصائر؛ لأن البصيرة إذا ضعفت جدّاً كانت لا تتحمل النور العظيم، والنور العظيم يقضي على ذي البصر الضعيف {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: آية 20] فالذين يعدلون عن كتاب الله إلى نظم وضعية زَاعِمين أنها أحسن منه، وأبلغ في تنظيم الحياة في جميع ميادينها، فهم في الحقيقة بالحرف الواحد والكلام المطابق: خفافيش البصائر، أعماهم نور القرآن كما تعمي الشمس الخفافيش:
خَفَافيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (¬1) مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى ... نُوراً وَيُعْمِي أَعْيُنَ الخُفَّاشِ (¬2) والدليل على هذا أن الله بيّن أن الذي لا يعلم أحقية القرآن، أن الذي منعه من ذلك عَمَاه، مع وضوح دلالة القرآن، قال: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: آية 19] فبيّن أن الذي منعه أن يعلم أنه الحق إنما منعه عَمَاه (¬3). إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ ... فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ فلو حاولت أن تُري الشمس للأعمى لا تستطيع، فنور القرآن أعظم من نور الشموس، والذين يطلبون الهدى في غيره أضعف بصائر من الخفافيش، فمن هذا جاءت البلية، فعلينا جميعاً أن نعرف أن القرآن نور الله المبين وحبله المتين، المعتصم به ظافر؛ والمحتج به غالب، لا يخذل من تمسك به أبداً؛ لأنه كلام الله، ولذا قال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: آية 155] أي: ولا تتبعوا غيره من السبل الزائغة الضالة. ومعنى {فَاتَّبِعُوهُ}: أحِلوا حلاله، وحرموا حرامه، واعتقدوا عقائده، واعتبروا بأمثاله، وعاملوا أعداءكم بما فيه من الحِكَم؛ لأن القرآن يوضح جميع المرافق الحيوية من جميع مرافقها، وقد بيّناه مراراً، وسنضرب لذلك مثلاً بسيطاً؛ لأنه معروف أن جميع المصالح في الكتب السماوية، أنها تدور حول ثلاث، هي: دفع الضرر، ¬
المعروف بدرء المفاسد، الذي يُقال له في الأصول: (الضروريَّات)، وجلب المصالح، المسمى في الأصول بـ (الحاجيات)، والجري على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات. فجميع الشرائع السماوية إنما تدور حول هذه المصالح الثلاث؛ إمّا أن يتضمن التشريع نفي ضرر وإبعاد مفسدة، أو جلب مصلحة، أو جرياً على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات. وإذا نظرنا في كتاب الله وجدنا فيه العَجَبَ العُجَابَ الذي يبهر العقول من المحافظة على هذه المصالح، ولو تكلمنا على هذا لما وسع الوقت شيئاً قليلًا منه، ولكن نضرب بعض الأمثال فنقول مثلاً: أطبق عامة العقلاء أن المظالم التي تتظالم بها الناس في دار الدنيا، ويكون بعضهم ظالماً بعضاً ومعتدياً على حق بعض، أنها هي السِّتُّ المعروفة بالضروريَّات: ستة أشياء (¬1)، وهي: أولها: الدين: والعدوان على الدين مِنْ أعْظَم الجَنَايات وأكبرها، ومن ذلك أن تكون أولاد المسلمين على الفطرة الصحيحة، وهم في غاية الاستعداد لقبول ما كان عليه آباؤهم من الدين والصلاح، فيأتيهم قوم فيجعلون لهم مدارس يعلمونهم فيها العقائد الزائفة والإلحاد والفِكَر الهدامة، فيضيّعون دينهم، فهذا ظلم وعدوان على الدين، وهو من أعظم المظالم وأشنعها. هذا واحد من الستة: الدين. الثاني: النفس: وهو الإنسان الذي يعدو على الإنسان فيقتله ويُذهِبَ نفسه. الثالث: العقل: ومن يعدو على الإنسان فيضيّع عقله. ¬
الرابع: النسب: وهو من يتجرأ على المجتمع فيضيّع بعض أنسابه. الخامس: المال. السادس: العِرض. فإن جميع المظالم في دار الدنيا تدور حول هذه الأشياء، وهي العدوان على دين الإنسان، أو العدوان على نفسه، أو العدوان على عقله، أو العدوان على نسبه، أو العدوان على ماله، أو العدوان على عرضه، فهذه الجواهر الستة التي تدور حولها المظالم في دار الدنيا لا تجد نظاماً أحوط لها وأحصن لها، وأشد محافظة عليها من نظام السماء، الذي تضمنه هذا الكتاب المبارك، المنزّل مِنْ رَبِّ العَالَمين، فتراه يحافظ على الدين أشد المحافظة، فيقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: آية 193] أي: حتى لا يبقى في الدنيا شرك ولا فساد دين، ويقول: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (¬1) ويقول: {يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: آية 217] يحثهم على أنهم يجاهدون كل المجاهدة من أراد أن يغيّر دينهم ويردهم عنه. وأما النفس فقد جعل القرآن دونها حائطاً من حديد، وهو القصاص؛ لأن أعظم صيانة للنفوس ومحافظة عليها: شرع القصاص؛ لأن الله يقول: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: آية 179] ومعنى أن كون القصاص لنا به الحياة: أن الرجل ينزغ فيه الشيطان فيغضب فينوي أن يقتل الذي أغضبه، فيأخذ الخنجر أو السكين، أو آلة القتل، ثم يذهب مصمماً على أن يقتله، فيتذكر أنه ¬
إن قتله يتذكر صَلْبَه على الخشبة مقدماً لوليّ المقتول ليقتله أمام الناس، فإذا تذكر ذلك الموقف الذي يصير إليه أمره خاف، وارتعدت فرائصه، وهاب القتل، فحيي المقتول وحيي هو، وقَتْل نفس واحدةٍ قصاصاً يُحيي الله به ملايين الأنفس، وهذه حكمة القرآن وشرعه. وهؤلاء الكفرة الذين تشبعوا بالآراء الإفرنجية، الذين يقولون إن القصاص من السفاهات، أن هذا الرجل قتل رجلاً ونقص به عدد المجتمع، فكيف نضايف بأن ننقص عدد المجتمع برجل آخر؟!! هذه فلسفة شيطانية، أصحابها لا يعرفون الحقائق، فإن الرجل الذي قَتَلْنَا أحيينا بقتله آلاف النفوس؛ لأن الشيطان ينزغ بين الناس، ويُغضِب السفهاء حتى يُقدموا على القتل، ولا يردعهم إلا القصاص، فإذا أراد أن يقتل تَذَكَّرَ مَوْقِفَهُ أمَامَ الناس مصلوباً على خشبة، أو ممسوكاً مجعولاً على عينيه غطاء ليقتله ولي الدم، فإذا تذكر موقفه أمام الناس ليُقتل خاف وحاسب، فحيي هو وحيي المقتول، ونحن نقول مثلاً -وقصدنا بيان دين الإسلام ومحاسنه وصيانته للحقائق، لا إطراء زيد ولا عمرو- أن هذه البلاد لمّا كانت تحكم بالقصاص، وتقطع يد السارق- نرجو الله أن يُسدد الحاكمين عليها للخير، ويديمهم على الحكم بحكم الإسلام- إذا وُجدت الإحصاءات العالمية في جنايات القتل أو السرقة تجد هذه البلاد أقل من جميع البلاد المتحضِّرَة المترقية حوادث وجنايات، فكل ذلك بفضل الله ثم بفضل هذا النظام السماوي، الذي وضعه خالق السماوات والأرض؛ حياطة للنفوس وحياطة للأموال. ثم إنا إذا وجدنا الأنساب، نجد الشرع الكريم حافظ على
أنساب المجتمع غاية المحافظة؛ ولذا حرم الزنا خَوْفَ أن يختلط ماء رجل بماء امرأة، وخَوفَ أن تحمل النساء من رجال غير معروفين، فتبقى الأولاد لا آباء لهم، فتضيع أنسابهم؛ ولأجل محافظته على الأنساب أوجب العدة، عندما يحصل فراق بموت أو طلاق يجب على المرأة العِدة، بأن تمكث عدة معينة {وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: آية 228] وقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: آية 4] بالغ في الصيانة حتى ألزم العدة للتي لا تحيض؛ مبالغةً في الصيانة جدّاً، حتى إنه من شدة محافظته على [الأنساب] (¬1) منع سقي الزرع بماء غيره؛ ولذا منع تزويج المرأة الحامل؛ لأن الرجل إذا تزوج امرأةً حاملاً كان يسقي بوطئه لها -كان ماؤه يسقي- ذلك الزرع الذي كان في بطنها قبله، فسقي الزرع بماء الغير كأن الولد يكون فيه حظ لهذا وحظ لهذا، فمنع سقي الزرع بماء الغير؛ حياطةً للأنساب، كما قال: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: آية 4]. وإذا نظرنا العقول فلا نجد نظامًا يحافظ على العقل مثل نظام القرآن العظيم؛ ولذا حرّم شرب كل مُسكِر، كل شيء يضيع العقل حرَّم تعاطيه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: آية 90] وأوجب الحد في شرب الخمر محافظةً على عقول المجتمع. وكذلك الأعراض، منع القرآن وقوع المسلم في عرض أخيه، ¬
قال: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} [الحجرات: آية 12] {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: آية 11] إلى غير ذلك من الآيات، ثم بيّن للإنسان خبث عرض أخيه وقال له: كأنك إن أكلت عرض أخيك فأكلت لحمه، ووقعت في عرضه كأنك أكلته ميتاً بعد أن أنتن، وصار فيه الدود، وصرت تبتلع لحمه، في قوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: آية 12] وهذا غاية التقبيح من الوقوع في أعراض الناس، والكلام فيهم بالغيبة، ثم إن الله جعل حدّ القذف ثمانين جلدة، حفاظاً على أعراض الناس {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: الآيتان 4، 5] كل هذا محافَظَةً على أعْرَاضِ النَّاس. وأوْجَبَ حَدَّ السَّرِقَةِ؛ محافظة على أموال المجتمع. ونحن نذكر مرارًا (¬1) أن الذين طمس الله بصائرهم، ونظروا إلى التشريع السماوي بنظرة غير صحيحة، وصوّره لهم أعداء الدين بصورة مشوهة غير حقيقية، يزعمون أن قطع اليد أنه عمل وحشي، وأنه لا ينبغي أن يكون في النظم التي يُعامل بها الإنسان، وهو عمل عدالة اجتماعية من أحسن الأعمال في العدالات الاجتماعية، ومن أحسن الأعمال في الآداب الروحية أيضاً، فهو عمل جامع بين الجسم والبدن؛ ذلك أن الله خلق هذه اليد وفرق أصابعها وأبعد إبهامها من سبابتها، فلو كان الإبهام موضوعاً بقرب السبابة كقرب الوسطى منها لما قدر أن يعقد شيئاً ولا أن يحل شيئاً. وشدّ له رؤوس أصابعه ¬
بالأظفار؛ لتكون هذه اليد خير أداة عاملة لبناء المجتمع، والمعاونة على الخير {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: آية 2] فلمّا مدت أناملها الخائنة الخسيسة الخائسة لتأخذ مال الغير على أقبح وجه وأردئِه وأخسه كانت هذه اليد في نظر الشارع الذي خلقها كأنها نجسة، فنجست هذا العضو بقذارتها وقذارة خستها وفعلها، فأمر الشارع بإزالتها كعملية تطهيرية، كعضو فاسد يفسد جميع البدن وينتنه، فهي عملية تطهيرية لإزالة عضو منتن فاسد؛ ليصح بقية البدن ويطهر؛ ولذا ثبت في حديث عبادة بن الصامت الثابت في الصحيحين (¬1) ما يؤيد أنه إن أُقيم عليه الحد وقُطعت يده أن ذلك يطهِّره من تلك الخسيسة، فتطهر بقية البدن، مع أن المال هو شريان الحياة الذي به إقامة كل شيء؛ إذ لا عسكرية إلا بالمال، ولا اجتماع إلا بالمال، ولا ثقافة إلا بالمال، فهو شريان الحياة وأساس حجرها الأساسي الذي يَتَرَكَّز عليه كل شيء من مرافق الحياة. والسرقة أخذه على وجه خبيث خسيس يعسر التحرز منه؛ لأن السارق ينظر الغفلاتِ، وأوقات الخلوات التي لا يُطَّلع عليه فيها غالبًا، فلو تركناه ولم نردعه ردعاً بالغاً لأمكن لليد السارقة الواحدة أن تبطل ملايين الأيدي، فتترك ملايين الأيدي عاطلة! فكيف نترك يداً واحدة تعيث وتفسد آلاف الملايين من الأيادي؟! فبقطعها يطهر بقية البدن، فيغفر الله للإنسان تلك الخسيسة، فيطهر من ذلك التنجيس والتقذير المعنوي، ثم إنه بعد ذلك ينزجر السفهاء عن سرقة أموال الناس، فتكون عدالةً اجتماعية، وتطهيراً سماويّاً من ذنب الخبيث، وهذه حكمة بالغة. فمعروف أن قطع السرقة فيه سؤال معروف، وهو أن ¬
الجنايات على المال أنواعها كثيرة، كأن يغصبه من إنسان أو يختطفه أو يتعدى عليه بعدوان غير السرقة، والله ما جعل القطع بِنَوْعٍ مِنَ العُدْوَان على المال إلّا في النوع الواحد الذي هو السرقة، فَمَنْ غَصَبَ مَالَ إِنْسَان مكابرة لا تُقطع يده، والعلماء أجابوا عن هذا (¬1): بأن العدوان على المال بالأوجه غير السرقة أنه غالباً يكون ظاهراً لا يخلو من أن يجد عليه بيّنة تشهد له عند ولي الأمر، فيردع وليُّ الأمر الظالم، ويرد للمظلوم حقه. أما السرقة فلا تكاد توجد عليها البَيِّنَة؛ لأن السارق يتحرى أوقات الغَفَلَات، وأوقات الخفاء الذي لا يطلِع عليها أحد، ولا توجد عليها بيّنة، فجعل الشارع الحد فيها أقوى وأجدى وأغلظ، لتبقى للمسلمين أموالهم، وليطهّر السارق أيضاً من رذيلته، وأمثال هذا كثيرة، فهذا هَدْيُ القرآن ومحافظته على الحقوق، ومساواته بين الناس في الحقوق، إذا قتل أكبرُ رجل أصغر رجل يُقتل به، وهو يساوي بين الناس في حقوقهم؛ فاتباع نظام السماء إذا اتبعوه انتشرت بينهم المؤاخاة والمحبة الصادقة، والعدالة الاجتماعية بمعناها الصحيح، والموادّة والمحبة والإنصاف، وإذا اعتدى بعضهم على بعض فالعمل السماوي النازل من عند الله (جل وعلا) في الردع عن ذلك الفعل هو أعظم الأشياء وأوقعها موقعها، ولكن من أعماه الله فلا مبصِّر له، من يُضِله الله فلا هادي له. وعلى كل حال فالهدى كل الهدى في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، والقرآن كفيل بتنظيم الحياة بجميع أنواعها، بتنظيم حياة الرجل في نفسه، وما يأمره أن يكون عليه من الصفات الكريمة؛ من عدم الغش ¬
وعدم الخيانة، ومن السخاء والتضحية والمعاونة والشجاعة والصبر والشكر ... إلى غير ذلك من أوصاف النفوس الحميدة، والنهي عن الأوصاف الخبيثة؛ كالعجب والرياء والحسد والكبر، وما جرى مجرى ذلك، فيأمره كيف يعامل زَوْجَهُ وأوْلَادَهُ أكمل معاملة، وَمِنْ أَوْضَحِ ذَلِكَ أنه يحذره أولاً من ضرِّهم؛ لأن أولاده وزوجته قد يضيعون دينه، والله يقول: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} [المنافقون: آية 9] فإن الأولاد قد يحملون الرجل على بعض المخالفات، والمرأة قد يحمله خاطرها على بعض المخالفات، والله يقول: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: آية 14] فيأمرهم بالحذر أولاً من أن يوقعوهم فيما لا ينبغي، ثم إن الله يعلم أنه لا بد أن يقع منهم شيء يسوء الرجل، فبعد ذلك يأمره بالصفح والعفو عنهم، ويحذره أولاً منهم، ثم يأمره بعد الوقوع بالمعاملة الحسنة معهم: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. [23/ب] / أي: وإن وجدتم ما لا يليق فقابلوهم بالصفح والعفو والرحمة، يأمر أولاً بالحذر خوفاً منهم، وثانياً بمعاملتهم بالإحسان إذا وقع منهم بعض الشيء. ويأمرنا بما نعامل به الأعداء، وما نعامل به الإخوان، يقول: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: آية 29] فالمسلم رحيم بالمسلم، شديد على عدو المسلم، وقال (جل وعلا): {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: آية 54] فيبيّن أن صفات المسلم أن يكون ليناً هيّناً على أخيه المسلم، وأن يكون غليظاً فظّاً على أعدائه؛ ولذا يقول للنبي
في حق المسلمين: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: آية 88]، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ (215)} [الشعراء: آية 215] {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [الأعراف: آية 159] ويقول في غير المؤمنين: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: آية 73] {قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: آية 123]. وجميع ما في القرآن والسنة هو الهدي الصحيح الذي ينير معالم الطريق للإنسان في جميع المصالح الدنيوية والأخروية، ويجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، وإذا قَرَأْتُمْ آيتين من سورة النساء فيهما صلاة الخوف: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} [النساء: آية 102] إلى آخر الآيتين. هذا وقت التحام الكفاح المسلَّح، والمفروض أن الرجال يموتون، والقرآن في هذا الوقت يعلّم المسلمين وَجْه الخطة العسكرية، وكيف يكونون؛ ليمكنهم بذلك أن يؤدوا لله (جل وعلا) طاعة من طاعاته، وأدباً روحيّاً من آداب السماء، وهو الصلاة في الجماعة. فهكذا يكفل القرآن المحافظة والقوة في الدنيا، والاتصال بخالق هذا الكون، وتهذيب الروح على ضوء تعاليمه، والاتصال به. ويقول في سورة الأنفال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ} [الأنفال: آية 45] فقوله: {فَاثْبُتُواْ} هذا تعليم سماوي عسكري، ومعنى: {فَاثْبُتُواْ} هو أمر العسكريين بالصمود في خطوط النار الأمامية في وجه العدو في الميدان، وهذا تعليم
عسكري قوي، وفي هذا الوقت بعينه يقول: {وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} فعاملوا الأعداء في الدنيا بالقوة والغلظة بجميع أنواعها، ولا تقطعوا صلتكم بمن خلقكم لتأكيد حظ أجسادكم وحظ أرواحكم، ومَنْ أَخَلَّ بِأَحَدِ الطرفين ظهر فيه ما ظهر، الآن (¬1) الكفرة كالكتلة الشرقية والغربية نجحوا في خدمة الإنسان من حيث كونه حيواناً جسديّاً، وأنتجوا من القوة المادية والتنظيمية ما كان لا يدخل في حسبان أحد حتى في النوم، ولكنهم أفلسوا كل الإفلاس في الناحية الرّوحية؛ لأن أرواحهم خبيثة كأرواح البهائم والسباع، ليست مُرَبَّاةً على ضوء نورٍ سماوي، ولا تعليم إلهي، فصارت هذه القوة الطاغية كأنها في يَدِ سَفِيهٍ جَاهِل لا يدري ماذا يفعل بها؛ ولذا تجد العالم كله في قلق مِنْ أَنْ تَنْفَجِرَ هَذِهِ القوة وتُفني كثيراً من الدنيا، وتراهم يعقدون المؤتمر بعد المؤتمر، والمجلس بعد المجلس ليتخلصوا من تلك القوة التي بذلوا فيها النفس والنفيس. وأنا أؤكد لكم تماماً أنه لو كان أحد الطرفين يعلم أنه لو بادر فَدَمَّرَ ما عنده من القوة الفَتَّاكَة لفعل الثاني كما فعل، إنهم يبادرون ليتخلصوا من شَرها وخوفها والقلق بها، ولكن الكل يخاف إن بدأ بإتلاف ما عنده أن يحتفظ الثاني بالقوة التي عنده ويهلكه بها، في الوقت الذي ليس عنده قوة تدافعها، كل هذا إنما جاءهم من أنهم أهملوا ناحية الروح، واعتنوا بناحية الجسد. والاهتمام بناحية الجسد لا ينفع ولا يصلح إلا إذا كان مزدوجاً مع الاهتمام بالروح، فلو كانت الأيادي التي صنعت هذه القوة مُرَبَّاة تربية سماوية على ضوء نور إلهي لكانت في غاية العدالة، وكان الناس في أمن تام أنهم لا يبطشون بها ¬
إلا في أمر يرضي الله ويكون في مصلحة العَالَمِ البَشَرِي؛ ولذا فهم كأنياب الأسد وأظفاره، أنياب الأسد وأظفاره قوة حيوانية بهيمية فتاكة، ولكن النفس التي تديرها نفس بهيمية طبيعتها الافتراس والابتزاز والهدم، فلا مصلحة بها لبني الدنيا؛ لأن الذي يديرها يوجهها توجيهاً لا فائدة فيه، كذلك المسلمون عندهم تراث عظيم روحي، ضيعوا هذا التراث! وكان الواجب على المسلمين أن يفهموا أن ما أنتجته الحضارة الغربية من خدمة جسم الإنسان أن فيه أشياء نافعة عظيمة يجب أخذها، وهو ما أنتجته من القوة من الناحية المادية والتنظيم، وأن فيها أضراراً عظيمة وسموماً قاتلة، وهي ما أحدثته من الإفلاس الخُلُقي والتمرد على نظام السماء، والكفر الصريح، والانْحِطَاط الخلقي في جميع ميادين الأخلاق والقيم الإنسانية الرّوحية، فهم مُفْلِسون في هذه الناحية، أغنياء في هذه الناحية، فكان على المسلم أن يعلم أن الحضارة الغربية أنتجت ماءً زلالاً نافعاً، وسمّاً فتاكاً قاتلاً، فيأخذ الماء الزلال، ويحذر من السمّ القاتل، فينتفع بتعلم ما أحدثته من القوة في سائر الميادين، وفي ذلك يأمر القرآن، ويحذر مما جَنَتْهُ من التمرد على نظام السماء، حتى إن بعض الكاتبين منهم لينفون خالق السماوات! وبعض طرقهم الهدامة مبناها على أنه لا خالق لهذا الكون ولا دين والعياذ بالله. والمؤسف كل الأسف أن أغلب من يديرون الدفة -إلا من شاء الله- غالباً يعكسون الأمر فيأخذون من الحضارة سُمّها الفتاك، وهي الانحطاط الخلقي، والتمرد على نظام السماء، ورمي القرآن وراء ظهورهم، في الوقت الذي لا يستفيدون فيه قوة.
مَا أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالْإِفْلَاسَ بِالرَّجُلِ (¬1) فعلينا أن نعلم أنه لا يكفي نصيب الروح دون نصيب الجَسد، ولا نصيب الجسد دون نصيب الروح، فلو بقي المسلمون في المساجد يصومون النهار، ويقومون الليل، ويتلون القرآن، ويعبدون الله، ولم يزاولوا شيئاً من القوة التي يردون بها الكفاح المسلح عن أوطانهم، كانوا لم يأتوا بمدلول القرآن ولم يطيعوا الله؛ لأن التكاسل والضعف وعدم إعداد القوة مخالفة للشرع السماوي، وتمرّد على نظام السماء، وكذلك الذين أعدوا جميع القوة، وخالفوا أوامر خالق السماء، فالكل من هؤلاء وهؤلاء ليس على هدى، والهدى ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهو إعداد القوة الكاملة في جميع الميادين، مع المحافظة على إرضاء خالق هذا الكون، والعمل بما شرّعه من تحليل وتحريم وآداب ونحو ذلك؛ ولذا قال الله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} يعني: اتبعوا ما فيه [من الهدى والرشاد، فإنكم لو فعلتم ذلك ... ] (¬2) لَكَفَاكُمْ شَرَّ الدنيا وشر الآخرة، ولكنتم خير أمة وفقتم جميع البَشَر، وغلبتم جميع مَنْ فِي الدنيا؛ لأن من أطاع الله صار حِزْبَ الله، وحزب الله لا يُغلب، وطاعة الله والتمسك بكتابه هي جند لا يُغلب، فالله (جل وعلا) يأمر المؤمنين بالاستعداد، مع أن إيمانهم بالله قوة لا يغلبها شَيْء. فنحن نعطيكم أمثلة قرآنية تدلكم على ذلك: ألا تعلمون غزوة الأحزاب، المعروفة بغزوة الخندق، التي قَصَّها الله في سورة الأحزاب، أن المسلمين كانوا في قلة عدد وفي جوع وفي ضيق ¬
اقتصاد، وجميع مَنْ في الأرض من الناس يقاطعهم في السياسة والاقتصاد، لا روابط بينهم وبين أحد لا سياسية ولا اقتصادية، وجاءتهم تلك الجيوش جيوش الأحزاب ومعها اليهود وقريش، وجاءوا بعشرة آلاف مقاتل، وحاصروا المدينة ذلك الحصار العسكري التاريخي المشهور، الذي نوّه الله بشأنه، ووصف شدته البالغة في سورة الأحزاب بقوله: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)} [الأحزاب: الآيتان 10، 11] {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} من الله أمر عظيم فظيع! هذا الحصار العسكري، المسلمون في ضعف من العَدَد والعُدَد والعتاد والمال، وجميع الناس يقاطعونهم، فما هذا السلاح الذي قابلوا به هذا الحصار العسكري، والقوة العسكرية الشيطانية؟! الجواب: هو سلاح الإيمان بالله (جل وعلا)، كما نص الله عليه بقوله: {وَلمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22)} [الأحزاب: آية 22] هذا الإيمان الثابت الراسخ بالله والتسليم لله، كان هو السلاح القاضي على هذه الأعداء، صرّح الله بنتيجته بقوله: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً (25)} [الأحزاب: آية 25] يعني: إن كنتم ضعافاً أذلاء فهو قوي عزيز لا يذل من التجأ إليه، ولا من أخْلَصَ لَهُ حَقًّا. ثم قال: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: من حصونهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا} ثم ختم وقال: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب: الآيتان 26، 27] إن
كانت قدرتكم ضعيفة فقدرته ليست بضعيفة، فهو قويّ قادر لا يُغْلَب، ولا يُغلب من كان حزبه حقّاً. ولما علم الله مِنَ الذين بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة الحديبية عَلِمَ مِنْ قلوبهم الإخلاص والإيمان الكامل، وَنَوَّه به بالاسم المبهم -الذي هو الموصول- بقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: آية 18] يعني: إخلاصاً وإيماناً كما ينبغي، فكان من نتائج ذلك الإخلاص والإيمان التام بالله أن قال: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} فصرّح بأن إمكانياتهم العَدَدية والعُددية لا تقدرهم عليها، قال: {لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا}؛ لأنه القادر، فأقدركم عليها بقدرته {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الفتح: آية 21]، فالمسلمون إذا استمسكوا بالدين غلبوا الأعداء، وهذا الذي ذكر الله يوم الخندق شيء ما كان في حسبانهم، وما كانوا يظنونه، فهو أمر إلهي من الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: آية 9] فالمسلمون إذا تمسكوا بالدين كما ينبغي، فالقرآن يأمرهم بإعداد القوة الكاملة، ولو باغتهم العدو قبل أن يستعدوا العدة الكاملة و ( ... ) (¬1) للكفاح، فالنصر يأتي من السماء من حيث لا يَدْرُون، فَقَدْ يُسَلِّطُ الله على العدو الطاعون فيهلكه، وقد يسلط عليه عدوّاً آخر فيهلكه، وقد يخالف قلوب بعضه فيضرب بعضه بعضاً، والنصر يأتي من الله من الوجوه التي لا يعرفونها. فالحاصل: أن القرآن لا يأمر بالتكاسُلِ والتواكل، بل إنما يأمر ¬
بالقوة والاستعداد لكل هجوم، والمتمسك به أيضاً لو بُوغِتَ قبل أن يستعد، أو في حالة ضعف فإن الله يُقَوِّيهِ ويَنْصُره على عدوه بالطرق التي يعلمها هو وحده، وإن لم تكن في حسبان المسلمين، كما نصر أهلَ الأحزاب -النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه- بالريح وبجنود لم تَرَوْهَا نصرهم بالريح، كلما نصبوا خِباءً في البر نسفته الريح، وكلما وضعوا قدراً ليطبخوا فيه نسفته الريح، فبقوا مثلاً لا قرار لهم، لا كِنَّ يكنهم، ولا طعام يأكلونه، فاضطروا للفرار، حتى قال رئيسهم أبو سفيان بن حرب: ارتحلوا وأنا أول مرتحل. وكان حذيفة بن اليمان العبسي (رضي الله عنه) معهم في ذلك الوقت عيناً من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ذكروا عنه في السيرة أن أبا سفيان ركب على بعيره وهو معقول، قال: وأنا الذي فتحت عقال البعير، ولو لم يأمرني النبيّ بأني لا أُحْدِث شَيْئاً لكنْتُ قَتَلْتُ أَبَا سُفْيَان في ذلك الوقت (¬1). هذا دين الإسلام، وهذا شأن المتمَسِّكِينَ به، أما الذين ينصرفون عنه ويَتْرَكونه محتقرين إياه، زاعمين أنه لا ينظِّم الحياة، وأن الحياة تطورت، وأن تنظيم علاقات الدنيا يحتاج إلى أمور جديدة، كما يرتبه الكفرة الفجرة، هؤلاء عُمي البصائر، خفافيش البصائر، وإن سموا أنفسهم مسلمين، فالنصر لا يأتيهم من عند الله؛ ¬
لأن الله ميّز الذين وعدهم بالنصر، ميّزهم بصفاتهم الكاشفة، قال في الذين وعدهم بالنصر، ميّزهم في سورة الحشر تمييزاً كاشفاً: {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} من هم الذين وعدهم الله بالنصر؟ {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج: الآيتان 40، 41] أما الذين إذا مكن لهم في الأرض غيروا معالم الدين، وضيّعوا الشرع، ووضعوا المذاهب الهَدَّامَة، وأضاعوا ما في الإسلام من أخلاق، وغَيَّرُوا مَعَالم الدين، وجاءوا بالفساد والطرق الملحدة المستوردة، هؤلاء ليس عندهم وعد من الله بنصير ألبتّة، ومثالهم مثال العامل الذي عاقده رَجُل ليعمل له فامتنع مِنْ أَنْ يَعْمَل، ثم لما جاء الوقت جاء لصاحب العمل، وقال: أعطني أجرتي. قال: كيف تطلب مني أجرتك وأنت لم تعمل شيئاً؟ أنت رجل مجنون!! فهؤلاء مثل هذا يعصون الله ويناصبونه بالعداء، ويغيِّرُون مَعَالِمَ دِينِهِ، ويتحاكمون إلى الطاغوت، ثم يقولون: نحن مؤمنون ينصرنا الله!! هذا جنون وهَوَسٌ وقلب للحقائق، فالمؤمنون الذين ينصرهم الله هم الذين إن مكنهم الله في الأرض أقاموا دينه وشرعه، وعملوا بنور كتابه، كما قال هنا: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ} قال بعض العلماء: اتقوا تحريفه وحمله على غير معانيه، وقال بعض العلماء: اتقوا الله واجعلوا وقاية بينكم وبين سخطه وعذابه باتباع هذا القرآن العظيم (¬1)، وعلى كل حال فمتبع القرآن مُتَّقٍ، فقوله: {وَاتَّقُواْ} كالعطف المؤكد لقوله: {فَاتَّبِعُوهُ}، وقوله: {لَعَلَّكُمْ ¬
تُرْحَمُونَ} اتبعوه لأجل أن يرحمكم الله، أي: اتبعوه راجين أن يرحمكم الله. ثم إن كفار قريش كانت لهم حجة قَطَعَهَا الله تبارك وتعالى خصوصاً لكفار قريش: {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} [الأنعام: الآيتان 156، 157] هذا قطع لحجة كفار مكة، وإلقام لهم الحجر، يعني: هذا كتاب مبارك أنزلناه بلغتكم الواضحة الفصحى. أنزلناه {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ} (أن) هنا: اختلف البصريون والكوفيون في المقدر قبلها (¬1)، فكان البصريون يُقدرونه مضافاً، يعني: أنزلنا عليكم هذا الكتاب بلغتكم كراهة أن تحتجوا حجة باطلة و {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} وكراهة أن تقولوا: {لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ}، والكوفيون يقولون: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ} لئلا تقولوا كذا أو تقولوا كذا. فهو متعلق بـ {أَنزَلْنَاهُ} فـ (أن) متعلقة بـ {أَنزَلْنَا}، بعضهم يُقدِّر: (أنزلناه كراهة أن تقولوا كذا) وبعضهم يقول: (أنزلناه لئلا تقولوا كذا)، وهذا جارٍ في كل ما يماثله في القرآن، نحو {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: آية 176] أي: لئلا تضلّوا، أو كراهة أن تضلوا {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: آية 6]، كراهة أن تصيبوا، أو: لئلا تصيبوا، وهو كثير في القرآن، وبعض العلماء يقول: {أَنزَلْنَاهُ}: العامل فيه محذوف؛ لأن {أَنزَلْنَا} ¬
المذكورة حالَ بينها وبين المعمول أجنبيّ، والمعنى متقارب، والمعنى: كأنه يقول: يا كفار مكة: أنزلنا هذا الكتاب المبارك بلغتكم وبلسانكم كراهة أن تتعللوا بعلل فاسدة، وأن تقولوا: {إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ} وهم: اليهود والنصارى، وكتاب اليهود: التوراة، وكتاب النصارى: الإنجيل. {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ} لأن الطائفتين كلاهما جماعة وخلق (¬1)، فقال: {عَن دِرَاسَتِهِمْ} ولم يقل: عن دراستهما. {غَافِلِينَ} وإنما غفلنا عنها؛ لأن لسان هؤلاء أعجمي، ولساننا عربي، ولا نفهم كلامهم، ولا يفهمون كلامنا، فلو أردنا أن نعرف منه أوامر الله ما قدرنا؛ لأنه ليس بلغتنا ولا بلساننا، ولا نفهم ما يقول أهله، ولا يفهمون ما نقول، يعني: كراهة أن تقولوا هذه الدعوى، وتعتلوا هذا الاعتلال أنزلنا عليكم كتاباً سماويّاً واضحاً بلغتكم، لنقطع هذا العذر؛ أي: أنزلناه لئلا تقولوا، أو: كراهة أن تقولوا: {إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} اليهود، وهو: التوراة، والنصارى، وهو: الإنجيل. {وَإِن كُنَّا} (إن) هي المخففة من الثقيلة (¬2)، وهي هنا مهملة لا عمل لها. واللام في قوله: {لَغَافِلِينَ} لام الفرق، الفارقة بين (إنْ) المخففة من الثقيلة، و (إن) النافية (¬3)، وكونهم غافلين عنها ¬
لا يفهمونها؛ لأنها ليست بلغتهم، ولا يعرفون معانيها؛ لأنها ليست بلغتهم، يعني: فقد قطعنا هذا العذر، وأنزلنا إليكم كتاباً بلسانكم، أو تقولون: لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل التوراة على اليهود، أو كتاب كما أُنزل الإنجيل على النصارى، لعملنا بذلك الكتاب، وكنا أهدى منهم، ولكنا لنا عذر، وهو أنهم أنزل عليهم كتاب، ونحن لم ينزل علينا كتاب، هذا العذر، {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} فكأن الله يقول: إن ادعيتم هذه الدعاوي، واعتللتم بهذه العلل، فقد جاءكم كتاب منزل بلسانكم ولغتكم، تعرفون معناه فسمى القرآن (بيّنة) لأن البيّنة هي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وسُمي الشهود (بيّنة) لأنهم يبيّنون الحق بشهادتهم. {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} هدى إرشاد للجميع، وهدى توفيق لمن اتبعه، ورحمة يرحم الله به مَنْ عَمِلَ بِهِ مِنْ عِبَادِهِ المؤمنين ووفَّقَه لذلك. ثم إن الله قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ} أي: لا أحد أظلم {مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ} وهم كفار قريش، بعد أن نزل عليهم الكتاب، وقطع به عذرهم، {كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ} وقال: هي سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين. {وَصَدَفَ عَنْهَا} صَدَفَ تُسْتَعْمَل استعمالين (¬1): صدف تستعمل ¬
بمعنى: أعْرَضَ، تقول: صدفت عن الأمر أصدف عنه، بمعنى: أعرضت عنه، ومنه قول الشاعر (¬1): إِذَا ذَكَرْنَ كَلَاماً قُلْنَ أَحْسَنَهُ ... وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ أي: عن كل سوء معرضات، ومنه قول عبد الله بن رواحة أو غيره (¬2): عَجِبْتُ لِلُطْفِ اللهِ فِينَا وَقَدْ بَدَا ... لَهُ صَدْفُنَا عَنْ كُلِّ وَحْيٍ مُنزَّلِ أي: إعراضنا، وعليه فـ (صَدَفَ) لازمة، بمعنى: أعرض، وتستعمل (صدف) متعدية، تقول: صدف زيدٌ عمراً؛ أي: صدّه عن طريقه، وجعله معرضاً عنها. واختلف العلماء في (صدف) هنا، هل هي متعدية محذوفة المفعول؟ وهو قول السُدّي (¬3)، وهو الظاهر؛ لأنه يكون جامعاً بين الضلال والإضلال. {كَذَّبَ بِآيَاتِ} أي: كفر هو بنفسه، وصدف الناس؛ أي: صدَّ الناس عن الإيمان بها، فهو جامع بين الضَّلَالِ والإِضْلَالِ، وعَلَى هذا القول لو قلنا: إن (صدف) لازمة، تتكرر مع قوله: {كَذَّبَ بِآيَاتِ} لأن المكذب بآيات الله صادف عنها، فيكون تكراراً، وروي عن ابن عباس أن (صدف) هنا لازمة (¬4)، أي: كذب بآياتنا وأعرض عنها، ووجهه: أنه كذب بها بلسانه وأعرض عنها ¬
بجوارحه، كقوله: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)} [القيامة: آية 31] أي: لا صدق بلسانه ولا صَلَّى بِجَوَارِحِه. وقوله: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ} سنجازي الذين يصدفون؛ أي: يصدون الناس {عَنْ آيَاتِنَا} بناءً على أنَّ صَدَفَ مُتَعَدِّيَة، أو سنجزي الذين يُعْرِضُونَ {عَنْ آيَاتِنَا} بناءً على أنها لازمة. {سُوءَ الْعَذَابِ} من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: سنجزيهم العذاب السيئ، وهذا يدل على أنها متعدية؛ لأن {سُوءَ الْعَذَابِ} عذاب مضاعف لِضَلَالِهم وإضلالهم، كما قال: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: كفروا في أنفسهم، وصدوا الناس عن سبيل الله {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: آية 88] أي: لإضلالهم وضلالهم. {بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} وفي هذه الآية بعض الأسئلة المعروفة اللغوية: أحدها: أنه قال: {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ} فأفرد الكتاب، ثم بيّن بقوله {عَلَى طَآئِفَتَيْنِ} أنهما كتابان، كيف يفرد الكتاب، وهما كتابان: التوراة والإنجيل؟ هذا سؤال وارد معروف. والجواب عنه معروف، وهو أن المفرد إذا كان اسم جنس جاز استعماله مفرداً مراداً به الجمع أو التثنية؛ لأن المراد به الجنس في حالاته الثلاث، ونعني بحالاته الثلاث: أن يكون مُنَكَّراً، أو مُعَرَّفاً بالألف واللام، أو مضافاً، ونحو هذا كثير في القرآن (¬1). ¬
فمن أمثلته معرَّفًا قوله هنا: {إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ} وليس بكتاب واحد، وقوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [آل عمران: آية 119] أي: بالكتبَ كلها، {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)} [القمر: آية 45] أي: الأدبار. {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} [الفرقان: آية 75] أي: الغرف، بدليل: {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} [الزمر: آية 20]، وقوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالمَلَكُ} أي: والملائكة، بدليل قوله: {صَفّاً صَفّاً} [الفجر: آية 22] لأن المَلَكَ الواحد لا يكون صفّاً صفّاً، {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا} [النور: آية 31] أي: الأطفال، وهو كثير. ومثاله واللفظ مُنَكَّر: {إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54)} [القمر: آية 54] يعني: وأنهار، بدليل: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} [محمد: آية 15] {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [الحج: آية 5]؛ أي: أطفالًا. {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً} [المؤمنون: آية 67] أي: سامرين. {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} [المائدة: آية 6] أي: أجناباً أو جنبين. {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} [النساء: آية 4] أي: أنفساً. {وَالمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: آية 4] أي: مظاهرون، وهو كثير في القرآن. ومن أمثلته واللفظ مضاف: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ} [النحل: آية 18] أي: نعم الله. {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63] أي: عن أوامره. {إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي} [الحجر: آية 68] أي: أضيافي، وكان سيبويه (رحمه الله) في كتابه أَلَمَّ بهذا الموضع (¬1)، ¬
وقال: إن إطلاق المفرد إذا كان اسم جنس مراداً به الجمع أنه يوجد في كلام العرب بغير كثرة، بقلة. ونحن نرى باستقراء اللغة العربية أنه كثير، وأنشد له سيبويه في كتابه بيتين: أحدهما قول علقمة بن عَبَدَة التميمي (¬1): بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ، وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ أي: وأما جلودها فصليبة. والثاني قول الآخر (¬2): كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعُفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَكُم زمنٌ خَمِيصُ أي: بعض بطونكم، ونحن نراه في كلام العرب وأشعارها بكثرة، فمنه قول عقيل بن علّفة المرّي (¬3): وَكَانَ بَنُو فزَارَةَ شَرَّ عَمٍّ [أي: أعمام] ... وَكُنْتُ لهُمْ كَشَرِّ بَنِي الْأَخينَا وقول عباس بن مرداس السُلمي (¬4): فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنَّا أخُوكُمْ ... وَقَدْ سَلِمتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ أي: إخوانكم. وقول جرير (¬5): إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ المقْرِفَاتِ مِنَ الْعِرَابِ أي: وآباؤك، وهو كثير في كلام العرب كما بيّنَّا. ¬
فبهذا يعلم أن إطلاق الكتاب مراداً به جنس الكتاب الصادق بالتوراة والإنجيل واضح لا إشكال فيه، وهذا معنى قوله: {إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} وقوله: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} بيّن أنهم كذبوا في هذه حيث قال: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ} [فاطر: الآيتان 42، 43] وقوله: {وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ} إلى أن قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلاً} وفي الأخرى: {قُبُلاً} {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الأنعام: الآيات 109 - 111]، وبهاتين الآيتين قطع الله حجة كفار قريش. يقول الله جل وعلا: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيهُمُ المَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158)} [الأنعام: آية 158]، هذا استفهام معناه النفي، والمعنى: أن هؤلاء الكفار، والذين يكذبون بآيات الله ويصدفون عنها، يكذبون بها ويصدفون الناس عنها، ويحملونهم على الإعراض عنها، ما ينظرون، أي: ما ينتظرون؛ لأن معنى قوله هنا: {هَلْ يَنظُرُونَ} هل ينتظرون، والعرب تطلق (نظر) بمعنى: انتظر، والدليل عليه هنا أنه بيّنه في آخر الآية فقال: {قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} ونظيره من كلام العرب، من إطلاق (نظر) وإرادة: (انتظر) قول امرئ القيس (1):
خَليليَّ مُرَّا بي عَلَى أُمِّ جُنْدَبٍ ... لتُقْضَى لُبانَاتُ الفُؤَادِ المُعذَّبِ ... فَإِنَّكُمَا إِنْ تَنْظُرَانِي سَاعَةً ... مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعُنِي لَدَى أُمِّ جُنْدَبِ وقوله: «تنظراني» أي: تنتظراني، يعني: ما ينظر هؤلاء المكذبون إلّا إحدى الدواهي العِظام الآتية: {إِلَّا أَن تَأْتِيهُمُ المَلآئِكَةُ} جمهور المفسرين على أن المراد بإتيان الملائكة: إتيان الملائكة لقبض أرواحهم (1)؛ لأن ملك الموت الذي يقبض أرواح الناس له أعوان كثيرة يقبضون الروح. قال بعض العلماء: حتى يبلغوها الحلقوم فيأخذها ملك الموت (2). وقد قال جل وعلا: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: آية 61] فدل على أنها رسل متعددة أعوان ملك الموت؛ ولذا أسند التوفي لرسل متعددة {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} وأسنده مرة لملك الموت {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: آية 11] وأسنده مرة لنفسه {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: آية 42] وإسناده لنفسه واضح؛ لأن كل شيء واقع بمشيئته، وإسناده لملك الموت؛ لأنه الملك الموكل بقبض الأرواح، وإسناده لرسل متعددة؛ لأن لملك الموت أعواناً كثيرة من الملائكة يقبضون معه الأرواح. قال بعض العلماء: ينزعونها إلى الحلقوم فيأخذها هو؛ أي: ملك الموت (3). والمعنى: ما ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة فتقبض أرواحهم على الشقاء والكفر، فيخلدون في النار تخليداً مؤبَّداً.
{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} أي: يأتيهم الله لفصل الخطاب يوم القيامة، فيعذبهم العذاب الأكبر عندما يأتي ليحاسب الناس على أعمالهم، وإتيان الرب هنا هو معنى قوله جل وعلا (4): {وَجَاء رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)} [الفجر: آية 22] وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ} [البقرة: آية 210]. وهذه الآيات ونحوها من الآيات، كمجيء الرب في هذه الآيات، الذي أخبر به عن نفسه، كنزوله إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر يقول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيب لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِر لَهُ» (1)، كل هذه من آيات الصفات وأحاديثها أشكلت على آلاف الخلق، وضل فيها ملايين الناس من حذاق النظار، الفحول العلماء؛ لأن التوفيق بيد الله. ونحن نُحَرِّرُ لكم هذا المقام تحريراً شافياً واضحاً على ضوء نور القرآن العظيم، بحيث يَتَيَقَّن العاقل أنَّ مَنْ مَاتَ عليه لقي الله سالماً، اعلموا أيها الإخوان أنا نوصيكم وأنفسنا بهذا الذي نقوله لكم في الخروج من هذا المأزق الأكبر، ومزلة الأقدام التي زلت فيها أقدام الآلاف ممن ينتمي للعلم، في آيات الصفات، فمن مُعَطِّلٍ نافٍ لها، ومن مُشَبِّه مُجَسِّم، ومن مغير لها آت بغيرها، والحق الفصل في هذا: هو أن البيان بالقرآن، والله أوضح هذه المسألة إيضاحاً شافياً
لا لبس في الحق معه، ولكن الله يهدي من يشاء، أما الذين يؤولون صفات الله، ويقولون: لها ظاهر غير مراد؛ لأنه ظاهر يُفهم غير اللائق بالله! فيصرفونها ويأتون بشيء بدل ذلك من عند أنفسهم! فهم كما قال الشافعي (رحمه الله) -لأنهم يقصدون الخير، ولكنهم غلطوا ووقعوا في شرٍّ مما فرّوا منه، وقول الشافعي المذكور- بيته المشهور (2): رَامَ نَفْعاً فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ... وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقاً والمخرج من هذا المأزق: هو الاعتماد على ثلاثة أصول كلها من كتاب الله، فمن لقي الله معتقداً لها ومات عليها لقي الله سالماً على المحجة البيضاء التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ومن أخل بواحدٍ منها دخل في مهواة وبلايا قد لا يتخلص منها، فأوصيكم بهذه الأصول الثلاثة القرآنية؛ لأنها هي المخرج الإلهي القرآني من هذا المأزق العظيم (¬1). الأول من هذه الأصول الثلاثة: هو أساس التوحيد، والحجر الأساسي لمعرفة الله معرفة على الوجه الصحيح، وهو تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة شيء من خَلْقِهِ، هذا هو الأصل الأكبر، والحجر الأساسي لمعرفة الله على الوجه الصحيح اللائق، تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة شيء من خلقه في صفاتهم، أو ذواتهم، أو أفعالهم. ومن هم الخلق يا إخوان؟ من هم الخلق؟! أليسوا أثراً من آثار قدرته وإرادته، وصنعة من صنائعه؟ ¬
وكيف يخطر في ذهن العاقل أن الصنعة تشبه صانعها؟ لا، وكلا!! فمن رزقه الله علم هذا الأساس، وهذا الأصل الأكبر، وأساس العقيدة الصحيحة الذي هو تنزيه خالق السماوات والأرض عن أن يشبه شيئاً من خلقه في شيء من صفاتهم، أو ذواتهم، أو أفعالهم فقد رزقه الله أساس التوحيد، وحجره الأساسي، وهذا إذا امْتَلَأَ منه قلب المؤمنِ، وعرف أن صفة الله عندما تُسند إلى خالق السماوات والأرض تمتلئ القلوب من الإجلال والإعظام والإكبار، وتنزيه صفة الله عن أن تشبه شيئاً من صفات خلقه، هذا هو الأصل الأول وهو في ضوء قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: آية 4] {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلهِ الأَمْثَالَ} [النحل: آية 74] {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: آية 65] أي: مسامياً يساميه في المكانة والقوة والفضل. إذا استحكم هذا الأساس في قلب العبد، وكان قلبه طاهراً من أقْذار تنجيس التشبيه منزِّهًا لله، عالماً أن وَصْفَ الله أجَلُّ وأعْظَمُ وأكبر وأنْزَهُ من أن يُشْبِهَ صِفَة المخلوق/ فإذا استحكم هذا الأصل في قلبه ... ... [24/أ] فالأصل الثاني: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، إيماناً مبنيّاً على أساس هذا التنزيه؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ} [البقرة: آية 140] ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله، الذي قال فيه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4] فهذا الذي قلت لكم في هذين الأصلين - أن الأول: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة الخلق، والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به نبيه إيماناً مبنيّاً على أساس ذلك التنزيه- ما قلته لكم من تلقاء
نفسي، ولا رواية عن زيد ولا عمرو، بل في ضوء نور المحكم المنزل، الذي هو آخر الكتب السماوية عهداً بالله، وهذا تعليم رب العالمين، وذلك الإيضاح السماوي في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11]، فاعلموا أيها الإخوان أن الإتيان بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فيه سرّ أعظم، ومغزى أكبر، وتعليم سماوي، لا يترك في الحق لبساً؛ لأن السمع والبصر صفتان هما أشد الصفات توغّلاً في التشبيه، فجميع الحيوانات تسمع وتبصر؛ ولذا جاء بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يعني: لا تتنطع يا عبدي، وتشبِّه صفتي بصفة مخلوقي، وتنفي عني سمعي وبصري، بدعوى أنك إن أثْبَتَّ لِي السمع والبصر شَبَّهْتَنِي بالحَمِير والآدميين وغيرهم من الحيوانات التي تبصر!! لا يا عبدي، أثبت لي سمعي وبصري، ولكن لَاحِظْ في ذلك الإثبات قولي قبله متصلاً به: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] فإثبات السمع والبصر على أساس نفي المماثلة. فأول الآية الكريمة فيه النفي التام للتشبيه والتمثيل، وآخرها فيه الإيمان بالصفات من غير تكييف ولا تعطيل على أساس التنزيه عن التشبيه والتمثيل. فعلينا أن نعمل بأول الآية، فننزه ربنا، وذلك هو الأساس، فإذا نزهناه عن مشابهة خلقه وحملنا أوصافه في القرآن والسنة على الأوجه الكريمة اللائقة، كان من السهل علينا أن نؤمن بالصفات؛ لأننا نؤمن بها على أساس التنزيه عن مشابهة الخلق.
فالأصل الأول: وهو أساس التوحيد: تنزيه الله عن مشابهة شيء من خلقه بشيء من صفاتهم، أو ذواتهم، أو أفعالهم. والأصل الثاني: عدم جحد شيء مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، بل يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله إيماناً مبنيّاً على أساس ذلك التنزيه، على غرار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11]. الأصل الثالث: هو أن نعْلَمَ أنَّ العقول مخلوقة واقفة عند حدِّها، لا تحيط علماً بخالقها، فهي عاجزة عن إدراك كيفية الاتِّصَاف بالصِّفَات، والله يقول: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110)} [طه: آية 110]. فمعلوم أن المتكلمين الذين نفوا كثيراً من صفات الله بالأدلة العقلية المفرغة في قوالب أقيسة منطقية قسموا الصفات قسمة سداسية، قالوا: منها صفة نفسية، ومنها صفة معنى، ومنها صفة معنوية، ومنها صفة فعل، ومنها صفة جامعة، كتقسيمهم المعروف (1). ونحن نبيّن لكم أن كل هذه الصفات جاءت الآيات القرآنية بوصف الخالق بها، وبوصف المخلوق بها، والكل من ذلك حق، فالخالق حق، وصفاته حق، والمخلوق حق، وصفاته حق، ولكن صفة المخلوق ملائمة لذات المخلوق، وصفة الخالق لائقة بذات الخالق، وبين صفة الخالق والمخلوق من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، لا مناسبة ألبتة بين الذات والذات، ولا بين الصِّفَةِ والصِّفَةِ.
هذه صفات المعاني السبعة، الذي يقر بها من ينكر أكثر الصفات الوجودية غيرها، وهي عندهم: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. جاءت في القرآن. هذا السمع والبصر يقول الله فيه عن نفسه: {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: آية 75] في وَصْف نفسه وَصَف نفسه بأنه سميعٌ بصير، ووَصَف بعض خلقه أيضاً بالسمع والبصر، قال: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: آية 38] وقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2)} [الإنسان: آية 2] ولا شك أن لله سمعاً وبصراً حقيقيين لائقين بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر حقيقيان مناسبان لعجزه وفنائه وافتقاره، وبين سمع الخالق وبصره وسمع المخلوق وبصره من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق. وقال (جل وعلا) في وصف نفسه بالحياة: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: آية 255]، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: آية 58]، {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [غافر: آية 65]. ووصف بعض خلقه بالحياة، قال: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (15)} [مريم: آية 15]، {وَجَعَلْنَا مِنَ المَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: آية 30]، {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ} [يونس: آية 31]. فنحن نقطع أن لله حياة عظيمة حقيقية لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوقين حياة مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وبين الصفة والصفة من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات.
ووصف نفسه بالعلم، قال: {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: آية 282]، {لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: آية 166]، {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: آية 7]. ووصف بعض خلقه بالعلم، قال: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: آية 28]، {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: آية 68]، {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)} [الانفطار: آية 12]. ولا شك أن لله علماً حقيقيّاً لائقاً بكماله وجلاله، وللمخلوق علماً مناسباً لعجزه وفنائه وافتقاره، فصفة الله حق، وصفة المخلوق حق، وكل بحسبه؛ فصفة الله لائقة بذاته، وصفة المخلوق مناسبة لذاته، وبين صفة الخالق والمخلوق من المنافاة كما بين ذات الخالق والمخلوق. ووصف نفسه بالإرادة، فقال: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: آية 16]، {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [النساء: آية 28]. ووصف بعض خلقه بالإرادة: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: آية 67]، {إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} [الأحزاب: آية 13]. ولا شك أن لله إرادة حقيقية لائقَةٌ بكَمالِهِ وجلاله، وللمخلوق إرادة حقيقية مناسبة لحاله وعجزه وافتقاره وفنائه، فبين الإرادة والإرادة من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات. ووصف نفسه بأنه متكلم: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء: آية 164]، {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: آية 144]، {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: آية 6].
ووصف بعض خلقه بالكلام فقال: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: آية 54]، وقال: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ} [يس: آية 65]. ولا شك أن لله كلاماً لائقاً بكماله وجلاله، وللمخلوقين كلام مناسب لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة كما بين ذات الخالق والمخلوق. هذه صفات المعاني السبع التي أقَرَّ بها مَنْ جَحَدَ كثيراً من الصفات، كذلك الصفات التي يسمونها السلبية، والصفة السلبية في اصطلاح المتكلمين: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله. وهي عند المتكلمين خمس صفات: وهي البقاء، والقدم، والغنى المطلق، الذي يُسمونه: القيام بالنفس، يعنون به الاستغناء عن المحل والمُخَصّص، والمخالفة للخلق، والوحدانية (¬1). أما القِدَم والبقاء: فالمتكلمون أثبتوهما لله، وقد قال بعض العلماء: إنه ورد بمثل ذلك حديث، وبعضهم ينفي صحته، والمتكلمون يقصدون بهما معنىً صحيحاً؛ لأن القِدَم عندهم: هو سلب العدم السابق، والبقاء: هو سلب العدم اللاحق، زاعمين أن الله أثبتهما لنفسه بقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: آية 3] أي: الأول الذي لا ابتداء لأوليَّتِهِ، والآخر الذي لا انتهاء لآخرِيَّتِهِ. قالوا: هذا معنى القِدَم والبَقَاء. فنقول: القِدم وصف الله به المخلوقين قال: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ ¬
الْقَدِيمِ} [يس: آية 39]، {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: آية 95]، {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)} [الشعراء: آية 76]، والبقاء وَصَف به الحادث حيث قال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: آية 77]، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} [النحل: آية 96]. والوحدانية وصف بها نفسه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: آية 163]. ووصف بعض المخلوقين بها قال: {يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ} [الرعد: آية 4]. والغنى وصف به نفسه: {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: آية 8]، {وَاللَهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: آية 6]. وقال في بعض المخلوقين: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: آية 16]، {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ} [النور: آية 32]. ولا شك أن ما وُصف به الله من هذه الصفات مخالف لما وُصف به المخلوق كمخالفة ذات الله لذات المخلوق، فلا مناسبة بين الذات والذات، ولا بين الصفة والصفة، فالله حق، وصفاته حق، والمخلوقون حق، وصفاتهم حق، إلا أن صفة كل بحسبه، فصفة الله بالِغة من الكمال والتنزيه ما تتعاظم أن تشبهه صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق تتعاظم أن تشبه ذوات المخلوقين. وهذه الصفات الجامعة (¬1) كالعلو، والكِبَر، والعظم، والملك، ¬
والجبروت، كل هذا جاء في القرآن العظيم وَصْف الخالق والمخلوق به، فقد وصف تعالى نفسه بالعلو، والكِبَر، والعظم، قال في وصف نفسه بالعلو والعظم: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: آية 255]. وقال في وصف نفسه بالعلو والكِبَر: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} [النساء: آية 34]، {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ المُتَعَالِ (9)} [الرعد: آية 9]. ووصف المخلوقين بالعظم، والكِبَر، والعلو، فقال في وصف المخلوق بالعظم: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: آية 63]، {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} [الإسراء: آية 40] {وَلَهاَ عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: آية 23]، {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: آية 129]. وقال في وصف المخلوق بالكِبَر: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: آية 31] {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: آية 11]، {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: آية 63]. وقال في وصف المخلوق بالعلو: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} [مريم: آية 50]، {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً (57)} [مريم: آية 57]. وقال في وصف نفسه بالملك: {يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ المَلِكِ الْقُدُّوسِ} [الجمعة: آية1]، {هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر: آية 23]. ووصف بعض خلقه بالملك فقال: {وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ}
[يوسف: آية 50]، {وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف: آية 43]، {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} [الكهف: آية 79]، {تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاء} [آل عمران: آية 26]. ولا شك أن ما وُصف الله به من العلو، والكِبَر، والعظم، والملك مخالف لما وُصف به الخلق من العظم، والكِبَر، والعلو، والملك، فصفة المخلوق لائقة بعجزه وفنائه وافتقاره، وصفة الخالق لائقة بجلاله وكماله، فصفة كلٍّ بحسبه. ووصف نفسه بأنه متكبِّر جبَّار، قال: {هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} إلى أن قال: {الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: آية 23]. ووصف بعض خلقه بالجبار والمتكبر كما قال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: آية 60] {وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)} [الشعراء: آية 130] {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: آية 35]. ووصف نفسه بأنه يغفر، قال: {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: آية 173]، {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} [آل عمران: آية 129]، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: آية 6]. ووصف بعض خلقه بالمغفرة، قال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)} [الشورى: آية 43]، {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللهِ} [الجاثية: آية 14]، {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة: آية 263].
ووصف نفسه بأنه حليم، قال: {وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: آية 59]. ووصف بعض خلقه بأنه حليم: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: آية 114]، {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [الصافات: آية 101]. ووصف نفسه (جل وعلا) بالعزة، قال: {يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ المَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)} [الجمعة: آية 1]. ووصف بعض خلقه بالعزة قال: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} [يوسف: آية 51]، {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: آية 23]. ووصف نفسه بالقوة فقال: {إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ (58)} [الذاريات: آية 58]. ووصف بعض خلقه بالقوة، وجمع المثالين قوله: {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: آية 15]، {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} [الروم: آية 54]، {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: آية 52]. ووصف نفسه بأنه رؤوف رحيم، قال: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: آية 7]. ووصف بعض خلقه -وهو سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى قوله: {بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: آية 128]. وإذا نظرنا إلى صفات الأفعال فنجده (جل وعلا) يصف نفسه بالفعل، ويصف عباده بالفعل، وجميع ما وصف الله به نفسه لائق
بكماله وجلاله، وجميع ما وصف به خلقه مناسب لحال خلقه وفقرهم وعجزهم وفنائهم، وبين الصفة والصفة من المنافاة كما بين الذات والذات. فمن صفات الأفعال: أن الله وصف نفسه بأنه يفعل رزْق عباده، قال: {إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ (58)} [الذاريات: آية 58]، وقال: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: آية 39]، {خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: آية 11]. ووصف بعض خلقه بأنه يفعل الرّزق أيضًا، قال: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} [النساء: آية 8]، وقال: {وَعلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: آية 233]. ورَزْق الله لخلقه ليس كَرَزْق الناس بعضهم لبعض، فبين الفعل والفعل من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات. ووصف نفسه بأنه يعمل، قال جل وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً} [يس: آية 71]. ووصف نفسه بالفعل الذي هو العمل. ووصف خلقه بالعمل، قال: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: آية 17]. ووصف نفسه بأنه يُعلِّم خلقه: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)} [الرحمن: الآيات 1 - 4]، {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الكهف: آية 65].
ووصف خلقه بأنهم مُعَلّمُون، كقوله: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: آية 129]، وجمع المثالين قوله: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ} [المائدة: آية 4]. ووصف نفسه بأن يُنبئ، ووصف بعض خلقه بأنه يُنبئ، قال: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: آية 3]. وأمثال هذا في القرآن لا تكاد تحصى، وقصدنا أن نُمثّل بجميع الصفات أن الله وصف بها نفسه، ووصف بها خلقه، وأن لله صفات حق، وللمخلوقين صفات حق، وصفة الخالق لائقة بجلاله وكماله، وصفة المخلوق مناسبة لحاله وعجزه وفنائه وافتقاره. وكذلك وصف نفسه بالاستواء على العرش بسبع آيات من كتابه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: آية 54]، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: آية 5]. ووصف بعض خلقه بالاستواء على مخلوق كقوله: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: آية 13]، {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: آية 44]. واستواء الخالق ليس كاسْتِوَاء المَخْلُوق، فبينهما من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، وهكذا في جميع صفات الله، إذا وصف نفسه بإتيان أو مجيء فإتيانه أو مجيئه لائق بكماله وجلاله، كسمعه وبصره، وقدرته وإرادته، منزه عن مشابهة إتيان الحوادث ومجيئهم، فكلّ ما يخطر في المعاني من إتيان الخلائق ومجيئهم، فصفة الخالق (جل وعلا) منزهة عنه كسائر صفاته.
فعلينا أولاً أن نُنَزِّهَ الله، ثم نثبت لَهُ مَا أثْبَتَ لنفسه على أساس التنزيه، ثم نقطع طمعنا عن إدراك الكيفية. ونحن نقول لكم: إن هذه الأيام والليالي سائرة بنا بسرعة إلى القبور، ثم إلى عَرَصَاتِ القيامة، فعن قريب ونحن أمام الله في عرصات القيامة، والله يقول: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف: آية 6]، {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: الآيتان 92، 93] ومما يوشك أن يسألنا عنه: ماذا كنتم تقولون في صفاتي التي مدحت بها نفسي؟ هل كنتم تنفونها وتكذبونني وتدّعون عليَّ أني أمدح نفسي بشيء لا يليق؟ أو كنتم تنزهونني وتثبتون لي صفاتي، وتعلمون أني لا أمدح نفسي إلا بوصف كمال وجلال، وأن صفتي لا تشابه صفة خلقي؟ فهذه الأسس الثلاثة من مات عليها مات على دين محقَّق وعقيدة سلفية صحيحة، وأنا أضْمَن له أنه لا تأتيه بليّة من واحدة من هذه الأصول الثلاث، ولا يأتيه من قِبلها لَوْم ولا توبيخ ولا عذاب بهذه الأسس الثلاث، فلا يقول الله له: لِمَ تُنَزِّهني عن مشابهة خَلْقِي في صفاتهم وأفعالهم وذَوَاتِهِمْ؟ لا، وكلا، هذه طريق سلامة محقَّقَةٍ. ولا يقول له ربه: لِمَ تصدقني فيما أثنيت به على نفسي، وتصدق نبيي فيما أثنى عَلَيَّ به تصديقاً مبنيّاً على أساس التنزيه؟ لا، وكلا، هذه طريق سلامة محققة. ولا يقول له: لِمَ لا تَدَّعِي أن عقلك محيط بي؟ فلا يقول له ذلك أبداً، فكل هذه الأسس الثلاث طريق سلامة محققة في ضوء
القرآن، وكل البلايا وكل الشر من أن يسبق في الذهن تفسير الصفة بما لا يليق، فإذا سبق في الذهن تفسير الصفة بتفسير قذر نجس فيه تشبيه اضطر الإنسان المسكين إلى أن ينفيها، فإذا وضعتم مثلاً مقارنة بين مذهب السلف الذي كان عليه السلف الصالح، من الإيمان بالصفات إيماناً مبنيّاً على أساس التنزيه، والتصديق بها، كما قال الإمام مالك لما قال له الرجل: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف اسْتَوَى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأمر أن يُخرج عنه (¬1). فالسلف الصالح رضي الله عنهم من القرون المشهود لهم بالخير، قبل أن يظهر في الوجود الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، ما كان في الدنيا ولا في العلماء أحد ينفي شيئاً من صفات الله، ولا يفسرها بمعنى غير لائق، بل جميع الأمة إذا سمعوا الوصف مسنداً إلى الله امتلأت قلوبهم من الإجْلَالِ والإعْظَامِ، وعَلِمُوا أَنَّ ذلك الوصف لا يُشْبِه شيئاً من صفات المخلوقين، وأنه بالغ من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فَهَانَ عليهم الإيمان به؛ لأن إثبات الأوصاف الكريمة لله هَيِّنٌ على كل مسلم. أما إذا فسر الصفة بتفسير خبيث يرمي إلى التشبيه، ويُدَّعَى أن ظاهره التشبيه، فمن هنا تأتي البلايا وتأتي الويلات، ويقع الإنسان في مَشَاكل؛ لأنه إذا تنجس القلب بِقَذَرِ التشبيه اضطر إلى أن ينفي الصفة. ونضع -مثلاً- مقارنة: الله تعالى- مثلاً- قال: ¬
{عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: آية 5]، وقال: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: آية 158]، وقال: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: آية 284]، فالسَّلَفي يقول: هذه القدرة منزهة عن قُدر المخلوقين وشبهها، وهذا الاستواء منزه عن استواء المخلوقين، لا يشبهه في شيء من المشابهة، وهذا الإتيان إتيان لائق بكمال الله وجلاله، مُنَزَّه عن كل ما يخطر في العقول من إتيان البشر، فإذا كان قلبه ممتلئًا من الإعظام والإجلال، وحمل هذه المعاني على المعاني اللائقة الكريمة الجليلة اللائقة بالله، المنزهة عن كل ما لا يليق، كان أولاً: مُنَزِّهًا، وكان ثانيًا: مؤمناً غير جاحد ولا مُعَطّل. مثلاً كان السلف الصالح إذا سمعوا {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: آية 5]، يقول: هذا الاستواء بالغ من غايات الكمال والجلال والعظمة واللياقة بالله ما يقطع جميع أوهام علائق المشابهة بَيْنَهُ وبَيْنَ صفات المخلوقين، ومن هم المخلوقون حتى يُشبه استواء الله باستوائهم؟ وهم أثر من آثار قدرته، وصنعة من صنعته، والصنعة لا تشبه صانعها! فإذا حملوا الاستواء على المعنى العظيم اللائق بجلال الله المُنَزَّه عن كل استواء للمخلوقين يخطر في ذِهْن الإنسان، كان الإيمان بذلك الاستواء سهلًا عليهم؛ لأنهم يحملونه على معنى شريف كريم لائق بجلال الله، وإذا سُئل أدنى الناس عقلاً، سُئل مُطْلَق عاقلٍ، وقيل له: يا إنسان، إذا وصف الله نفسه بوصف يمدح به نفسه فما الظاهر المتبادر من ذلك الوصف؟ أظاهره المتبادر منه أنه في غاية الكمال والجلال والتنزيه واللياقة بالله حتى نقرّه على ظاهره الكريم إيماناً وتنزيهاً؟ أو ظاهره أنه يشبه صفات الخلق، وأنه قذر نجس حتى نحتج إلى أن ننفيه بالتأويلات، ونثبت
شيئاً بدله؟! فلا شك أن أطرف مؤمن يقول: كل وصف أُسند لله فهو بالغ من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين. والأعراب البدو في زمن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا إذا سمعوا صفة من هذه الصفات، كالاستواء والنزول، وكصفة اليد ونحوها لا يخطر في أذهانهم صفة المخلوق؛ لأنهم يعرفون أن مخالفة الرازق للمرزوق، ومخالفة الخالق للمخلوق، ومخالفة المُحيي للمُحْيَا، ومخالفة المُميت للمُمات تجعل بين صفاتهم مخالفات هائلة لا يعلمها إلا الله، فلا يفهمون من صفة هذا أنها تميل إلى شيء من صفة ذلك؛ إذ لا مناسبة بين الخلق وخالقه، وهم أثر من آثار قدرته وإرادته. إذاً فنعرف أن مذهب السلف هو المذهب الصحيح؛ لأن صاحبه أولاً: كان قلبه ممتلئاً من تعظيم الله وإجلال الله، سالماً من أقذار التشبيه، يحمل استواء الله، ونزول الله وإتيان الله على أكمل المعاني وأجْمَلِهَا وألْيَقِهَا وأنْزَهِهَا عن مشابهة المخلوقين، ثم إنه يؤمن بها على أساس هذا التنزيه، على غرار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11]، ويكون أولاً: منزّهاً، وثانيًا: مؤمناً مصدقاً، ثم يقطع طمعه عن إدراك الكيفية؛ لأن الله يقول: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110)} [طه: آية 110]. فلو تنطع متنطع وقال: نحن لا نعقل نزولاً، ولا مجيئاً، ولا استواء، ولا قدرة إلا يشابه صفات المخلوقين، فبيّنوا لنا كيْفِيَّةً مُنَزَّهة لنعقلها! فنقول: فلا نقول كما قال مالك (¬1): السؤال عن هذا بدعة، ¬
بل نتنَزَّل معه ونقول له: يا مسكين، أعرفت كيفية الذات الكريمة المقدَّسة، المتصفة بهذه الصفات؟! فلا بد أن يقول: لا، فنقول: معرفة كيفية الاتصاف متوقفة على معرفة كيفية الذات! فسبحان من تَعَاظَمَ وتَكَبَّرَ وتنَزَّه عن كل ما لا يليق، وعن كل مشابهة الحوادث من جميع وجوهها، وهو (جل وعلا) متصف بصفات الكمال والجلال. أما الذي يسمونه مذهب الخلف مثلاً -ويزعم كثير أنه أعلم وأحكم- فإنه إذا خطر في قلب الواحد: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: آية 5] قال: هذا الاستواء ظاهره تشبيه الخلق، كاستوائي على هذا السرير، فيكون أولاً: قد ظلم نصوص القرآن، وحملها على محامل غير شريفة وغير لائقة بالله؛ لأن كون النص ظاهره التشبيه فهذا معنى بالنسبة إلى الله معنى قذر نجس وسخ؛ لأن خالق السماوات والأرض لا يشبه شيئاً من خلقه، فكان هذا أول الضرر وأول السوء. وهو الفهم من النصوص أنها تدل على معانٍ غير لائقة، ثم إذَا تَقَرَّرَ في ذِهْنِهِ أن ظاهر هذا النص أنه كاستواء المخلوق، اضطر المسكين إلى أن يَنْفِيَهُ؛ لأنه لا أحد يقول: (لا إله إلا الله) يرضى أن يَثْبُتَ لله وصف غير لائق، فينفي الاستواء عن نفسه، فيكون الوصف الذي مدح الله به نفسه قد ظلم هذا الإنسان القرآنَ، وجعل أن ظاهره قذر وسخ نجس، وهو مشابهة المخلوقين، ثم يجرّه شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي الاستواء، ويقول: الاستواء ممنوع، ولا يمكن أن يكون؛ لأن فيه نقصاً لله، ومشابهة للمخلوقين! فيكون قد ظلم أولاً القرآن، وحمل ما مدح الله به نفسه على الذم، وهذا لا يليق بالله، بل الاستواء الذي مدح الله به نفسه في غاية الكمال والجلال، والبعد عن مشابهة المخلوقين، والنزاهة
الكاملة عن أي تشبيه كائناً ما كان، ثم إنه إذا نفى الاستواء يريد أن يأتي ببدل من تلْقَاء نفسه، فيقول: معناه: (استولى). فنقول له: يا مسكين، أولاً: ظلمت الوحي، وادَّعَيْتَ على نصوص الوحي أن ظاهرها التشبيه، والله يعلم أنها بريئة من ذلك، بل ظاهرها التنزيه، ثم نفيتها من تلقاء نفسك بلا دليل من كتاب وسنة، ثم جئت بمعنى من عند نفسك وهو (استولى)، فنقول لك يا مسكين: قد شبهت الله باستيلاء خلقه؛ لأنك إذا وصَفْتَهُ بالاستيلاء فقد شبهته باستيلاء العرفجي على حماره، وباستيلاء الأمير على جيشه، وباستيلاء بِشْرٍ على العراق، الذي أنشدوا له البيت (¬1): قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ فنقول: قد ماثلْتَ استواء الله باستواء بِشْر! فرجعت إلى التمثيل! فإذا قال: استواء الله منزه عن استواء بِشْر، فنقول: كذلك يا مسكين كان ينبغي أن تقوله في الأول، وتعلم أن نفس الاستواء الذي مدح الله به نفسه أنه بالغ من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين. فعلينا معاشر المؤمنين أن نعرف الحق، ونعرف من ضوء القرآن عقيدة السلف، ونعلم أن الله لا يمدح نفسه إلا بوصف كريم، وأن الاستواء الذي مدح به نفسه بالغ من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فهو في غاية النزاهة والكمال وعدم المشابهة، فنقرّه على ظاهره مِنَ الْكَمَال واللياقة بالله، ونعلم أن وصف الله لا يمكن أن يُشبه وصف مخلوق، ¬
وأن الله لا يمدح نفسه بوصف فيه تشبيه ولا فيه محذور، ولا يلزم منه مشابهة مخلوق، بل هو استواء لائق بالله، كقدرته وإرادته وعلمه وسمعه وبصره، مخالف لاستواء المخلوقين كمخالفة ذات الله لذوات المخلوقين، فنكون أولاً عَدَلْنَا وأقْسَطْنَا مع النصوص، فحملناها على معانيها الكريمة الشريفة اللائقة بالله، وآمنا بذلك التَّنْزِيه. أما هؤلاء الذين يقولون: ظاهر الاستواء أنه كاستواء المخلوقين، فقد ابتدؤوا أولاً بظلم النصوص، وحملوها على معانٍ خبيثة غير لائقة، لا يمدح الله بها نفسه، ثم جرهم هذا التشبيه إلى أن نفوها وجاؤوا ببدلها. وهذا الذي جاؤوا به فيه من التشبيه أكثر مما فرّوا منه أولاً، فالذي يقول: الاستواء ظاهره كاستواء المخلوق ثم ينفيه بهذا الظاهر المحذوف، ويؤوله بالاستيلاء، وأن معناه (استولى). فنقول له: رجعت النتيجة في حافرتها، أن استواء بِشْر معناه: استيلاء بِشر على العراق. فنقول: قد شبهت استيلاء الله على عرشه باستيلاء بِشْر على العراق، والاستيلاء كذلك صفة من صفات الخلق، فالعرفجي يستولي على حماره، والأمير يستولي على الجيش، والمالك يستولي على دابته، فالاستيلاء الذي فسرت به الاستواء هو أوغل في التشبيه من الاستواء. فإذا قال: هذا الاستيلاء الذي فسرت به الاستواء استيلاء مُنَزَّه عن استيلاء المخلوقين، قلنا له: كان مِنْ حَقِّكَ أن تقول هذا من أوَّلٍ، قبل أن تقع فيما وقعت فيه، وتقول: استواء الله مُنَزَّه عن مشابهة استواء المخلوقين.
فعلينا جميعًا أن نعلم أن الاعتقاد الذي كان عليه السلف الصالح قبل ظهور الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، هو على هذه الأسس الثلاث: أولها: وهو الحجر الأساسي العظيم: تنزيه خالق السماوات والأرض عن أن يُشْبِهَ شيئاً من خَلْقِهِ بشيء من ذَوَاتِهِمْ وصفاتهم وأفعالهم، وحمل معاني القرآن والسنة على المعاني الشريفة اللائقة بالله كل اللياقة، المناسبة لعظمته وجلاله وكبريائه، ثم نؤمن بها إيماناً مبنيّاً على أساس التنزيه، وكل هذا التعليم حصره الله لنا في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] فإنا لا نعلم في الدنيا سمعاً ولا بصراً إلا هما حادثان خسيسان، يموت صاحبهما ويأكلهما الدود! فإذا كنا نذهب بكل شيء فلقائل أن يقول: السمع والبصر ظاهره التشبيه بسمع الحمار وبصره، وسمع الإنسان وبصره، فَلْنَنفِه ونثبت غيره، ولا فرق بين الصفات. والحاصل أن الله حق وصفاته حق، وأن المخلوقين حق وصفاتهم حق، وأن صفة الخالق لائقة بذات الخالق، وصفة المخلوق مناسبة لذات المخلوق، وبين صفة الخالق والمخلوق من المنافاة كَمِثْلِ ما بين ذات الخالق والمخلوق، فنحن نثبت الصفات لله مُصَدِّقِينَ رَبَّنَا، ومصدقين نبينا [- صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به، مراعين في ذلك الإثبات ما بيّنه الله (تعالى) في كتابه، ذلك البيان الأوضح] (¬1) والتعليم الأكبر، والمغزى الأعظم حيث جاء بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] فإن ¬
{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} السمع والبصر صفتان هما أشد الصفات توغلاً في التشبيهِ بالمخلوقات، فالله مدح بهما نفسه بعد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يعني: أثبِت لي صفاتي، وما مدحت به نفسي، ولكن راع في ذلك الإثبات قولي قبله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} واعلم أنه إثبات مُنَزَّه لا يُشابه إثبات المخلوقين، فلا يذهب قلبك إلى صفات المخلوقين. فأساس الخير كله في هذا المقام هو أن يكون القلب أولاً مستولياً عليه تعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة خلقه، فهذا أساس الخير، وهو معنى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فمن رزقه الله هذا العلم بمدلول {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وعرف قداسة الله وعظمته، وعظمة أسمائه وصفاته، ونزاهتها عن مشابهة المخلوق، حمل ما مدح الله به نفسه على أكمل الوجوه وأتمها وأشرفها، وأبعدها مشابهة للخلق، وآمن بها على أساس ذلك التنزيه، أما الذي يزيغ به الشيطان إلى أن يحمل النصوص على أنها يُراد بها -ظاهرها- صفات المخلوقين، فمن أين للمخلوقين أن يُشَبِّهوا صفات خالقهم؟ وأين تُذكر صفة المخلوق عند صفة الخالق، وهو أثر مِنْ آثارِ قُدْرَتِهِ وإرادته وصنعة من صنائعه؟ وأنا أؤكد لكم كل التوكيد أن الواحد منا إذا مات على هذه الأسس الثلاثة: أولًا: اعتقاده تعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة خلقه. والثاني: الإيمان، وتصديق الله بما مدح به نفسه، أو مدحه به رسوله، إيماناً وتصديقاً مبنيّاً على أساس التنزيه عن مشابهة الخلق، على غرار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقطع الطمع عن إدراك الكيفيات،
أنه يلقى الله سالماً من هذه الورطات والبلايا، أما الذي يَدَّعِي على الله أنه مدح نفسه بالاستواء في قوله: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: آية 5] أن ظاهر هذا القرآن المتبادر منه التشبيه، وقذر ونجاسة لا تليق بالله، ثم يَتَجَرَّأ فينفيه، ثم يأتي بـ (استولى) فإن هذا لا يليق بكمال الله، والذين فعلوا هذا هم في الحقيقة أكثرهم مقصدهم حسن، لا يقصدون إلا تنزيه الله، إلا أنهم غلطوا أولاً في تفسير معاني الكتاب والسنة، وحملوا مداليل الآيات والأحاديث على أن ظاهرها التشبيه، فاضطروا إلى أن يَنْفوا، ولو فهموا منها أولاً معانيها الصحيحة الكريمة اللائقة المنزهة لما وقعوا في شيء من هذه المحاذير، فهم كما قال الشافعي رحمه الله (¬1): رَامَ نَفْعاً فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ... وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقَا وطريق الحق واضحة لا شك فيها: وَالحَقُّ أَبْلَجُ لَا تَزِيغُ سَبِيلُهُ ... وَالحَقُّ يَعْرِفُهُ أُولُو الْأَلْبَابِ (¬2) لأن مَنْ نَزَّهَ اللهَ كل التنزيه عن مشابهة الخلق، ثم صَدَّقَهُ فيما وصف به نفسه تصديقاً مبنيّاً على أساس التَّنْزِيهِ، ووقف عند حدِّه فَعَرَفَ أن عَقْلَهُ لا يدرك كُنْه الكيفيات، فهو مؤمن مَاشٍ في ضوء القرآن، لم يَتَكَلَّفْ شيئاً، لم يحمل مَعْنًى من معاني نصوص الكتاب والسنة محملاً خبيثاً، ولم يَنْفِ عَنِ الله شيئًا أثْبَتَهُ لنفسه، ولم يأتِ من نفسه ببدل، مع أن مَنْ أوَّلَ لا بد أن يَرْجِعَ إلى ما هو أوْغَل في ¬
التشبيه، فالذين فَسَّرُوا الاستواء بالاستيلاء، وقالوا: الاستواء ظاهره كاستواء المخلوقين فيجب صَرْفُهُ عن ظاهره، ويقال فيه: «اسْتَوْلَى» فقد وقعوا في ثلاثة محاذير: الأول: أنهم قالوا على الله: إن ظاهر ما مدح به نفسه أنه غير لائق، وهذا افتراء على الله وعلى كتابه وعلى نبيّه؛ لأن الله لا يصف نفسه إلا بأكرم المعاني وأشرفها وأنزهها وأجلها، فما هنالك إلا المعنى الشريف اللائق بكمال الله، المنزه عن مشابهة المخلوقين. المحذور الثاني: أنه اضطروا أن ينفوا ما وصف الله به نفسه فنفوا الاستواء، والله يثبته في سبع آيات من كتابه، ثم جاءوا بدله بالاستيلاء! قالوا: معنى استوى: استولى، فنقول: التشبيه الذي فَرَرْتُمْ منه في {اسْتَوَى} جئتم بأضعافه في قولكم: «استولى» لأن (استولى) أوغل في التشبيه، فالعرفجي يستولي على حماره، والمالك يستولي على ملكه، والرجل يستولي على امرأته، وبِشْر يستولي على العراق، وهذه الاستيلاءات خسيسة، قد شبهتم بها صفة الله! فإن اضطُر في الآخر أن يقول: هذا الاستيلاء مُنَزَّه عن استيلاء المخلوقين، قلنا له: الاستواء الذي وصف الله به نفسه لائق كريم جليل منزه عن أن يُشبه شيئاً من استواء المخلوقين. هذه هي طريقة السلف، وهذا العلم القرآني هو المنَجِّي من هذا المأزق الذي ضلت فيه أقدام الآلاف من فحول الرجال، فعلى المسلم أن يستضيء بضوء القرآن، وأن يَتَنَبَّه لكتاب الله؛ لأن فيه حلّ كل معضلة، والمخرج من كل ويلة وبليّة، والله علمنا أولاً أن ننزهه عن كل ما لا يليق: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وأن نثبت له صفاته، وإن كانت المخلوقات يتصفون باسمها؛ ولذا قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ
البَصِيرُ} بعد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ونعرف قدر عقولنا أنها لا تحيط بكيفيات صفات خالق الكون، كما نصّ عليه في طه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110)} [طه: آية 110] فوالله لو مات الواحد منا وحُشِرَ، وجاءه السؤال يوم القيامة، لا تأتيه بليّة، ولا لوم، ولا توبيخ، ولا عذاب من واحد من هذه الأسس الثلاثة، والله لا يلومه الله ويقول له: لِمَ تنزهني يا عبدي عن صفات خلقي؟ ولمَ تحمل المعاني التي مدحت بها نفسي على المعاني الشريفة الجليلة الكريمة؟ لا والله أبداً؛ فهذه طريق سلامة محققة، ولا يقول له الله موبخاً له: لِمَ تصدقني فيما أثْنَيْتُ به على نفسي، وتثبت لي ما أثبتُّه لنفسي على أساس التنزيه؟! لا والله؛ فهذه طريقة محققة السلامة، ولا يقول له الله: لِمَ لا تدَّعي أن عقلك المسكين المخلوق محيط بإدراك كيفيات صفاتي؟ لا والله {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110)}. فعلينا معاشر المسلمين أن نأخذ قُلُوبنا أولاً بتعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة خلقه، فإذا اسْتَوْلَى التنزيه والتعظيم والإجلال على القلوب كان سهلاً عليها أن تؤمن بصفات الله إيماناً مبنيّاً على أساس التنزيه، ثم تقطع الطمع عن إدراك الكيفية، فتسلم من جميع الورطات، فتكون ما حملت معنى القرآن إلا على المعنى الكريم اللائق، ولا نفيتَ شيئًا أثبته الله، ولا جئتَ بشيء من تلقاء نفسك، هذا المذهب الذي كان عليه السلف الصالح، ودرج عليه عامة المسلمين، ومن نظر في كتب فقهاء الأمصار، كالأئمة رحمهم الله، وأمثالهم من فقهاء الأمصار؛ كالسفيانَيْن، والليث، ووكيع، ومن جرى مجراهم، يجدهم كلهم على هذه العقيدة، يُنَزِّهُون الله عن
مشابهة خلقه، ويؤمنون بما وصف الله به نفسه إيماناً مبنيّاً على أساس التنزيه، ولا يشبهونه بخلقه، ولا ينفون شيئًا أثبته (جل وعلا) لنفسِه. هذا هو الذي ينبغي أن يُعتقد في صفات الله: أولًا: تنزيه، ثم إيمان مبني على أساس التنزيه، ثم قطع الطمع عن إدراك الكيفيات {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110)} [طه: 110] هذا الذي نعتقده ونوصي إخواننا به؛ لأنه طريق سلامة محققة؛ لأنه سالم من تشبيه الله بخلقه، وسالم مِنْ نَفْيِ صِفَاتِ الله، وتكذيب الله فيما أثْبَتَهُ لنفسه، وسالم من كل سوء، طريق سلامة محققة. ولم يبقَ إلا لو قال القائل: هذه الصفات التِي تَزْعُمون أنها منزهة ما فهمنا كيفيتها، فما نَفْهَم كيفية إتيان مُنَزه عن إتيان المخلوقين، ولا كيفية مجيء منزه عن مجيء المخلوقين، ولا كيفية استواء منزه عن استواء [24/ب] المخلوقين، فبينوا لنا الكيفية؟ فنقول له:/ يا مسكين أعرفت كيفية الذات المقدسة التي اتصفت بهذه الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بهذه الصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات، والله يجيء كما قال على الوجه اللائق بكماله وجلاله، على أشرف الوُجُوه وأليقها وأتمها كما قال، مع أن جميع الكائنات بيده (جل وعلا) أصغر مِنْ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، فنحن نُقرّ بما جاء عن الله، ونؤمن بما قال الله، وننزه الله تعالى أكمل التنزيه وأتمّه عن مشابهة شيء من خَلْقِه، على ضوء القرآن، وعلى غِرَار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11]. يقول الله جل وعلا: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيهُمُ المَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ
مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158)} [الأنعام: آية 158]. تكلمنا على أول هذه الآية، ونبدأ الكلام الآن من قوله: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الكفار إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، أو يأتيهم خالق السماوات والأرض لفصل الخطاب، عندما تشرق الأرض بنور ربّها {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: آية 69]، {وَجَاء رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)} [البقرة: آية 22] {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: آية 210] وقد تكلمنا على ما دل عليه القرآن في آيات الصفات وأحاديثها. وقوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} أي: يأتيهم بعض آيات ربك، والمراد بذلك البعض: البعض الذي إذا جاء لا يُقبل من كافر إيمان، ولا من مذنب توبة. فهذه تخاويف وتهديدات عظيمة، تهديد بمجيء الملائكة لقبض الأرواح، وبإتيان خالق السماوات والأرض لفصل القضاء، وبإتيان الآيات التي يمتنع عند مجيئها إيمان الكافر، وتوبة العاصي {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} هذا البعض هنا كأنه مبهم، أبهمه هنا ثم فصّله بأنه البعض الذي إذا جاء لا يقبل من كافر إيمان، ولا يقبل من عاص توبة، بل يغلق باب التوبة بمصراعيه، حتى كأنه لم يكن بينهما فتح قط، وتختم الأعمال على ما كان، وتضع الحفظة أقلامها، ويبقى الناس إلى ذلك الوقت على ما قَدّموا، وهذا معنى قوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}.
وهذا البعض الذي هُدِّدُوا بإتيانه قال فيه: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} أي: بعض علاماته العظام الكبرى، فالآية هنا من معنى العلامة. {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} إذا أرَادَتْ أنْ تُجَدِّدَ الإيمان بعد إتيان بعض تلك الآيات لا ينفع منها ذلك الإيمان، وجماهير علماء التفسير، والأحاديث الصحيحة دلت على أن المراد ببعض الآيات التي إذا جاءت لا يُقبل إيمان من كافر، ولا توبة من عاص، أن المُراد به طلوع الشمس من مغربها (¬1)؛ لأن الشمس ستطلع يوماً من مغربها يقيناً، كما تواترت به الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ثابت في الصحاح، في الصحيحين وغيرهما، وفي صحيح البخاري: أنها إذا طلعت من مغربها فرآها الناس آمن جميع مَنْ عَلَى وَجْهِ الأرض، ولم يكن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت (¬2). وهذا فيه إشكالات معروفة؛ لأن الأحاديث الصحيحة هنا فيها إشكالات معروفة، ونحن في الحقيقة لم نر مَنْ حَرَّرَ المقام فيها تحريراً شافيًا (¬3)؛ لأن كون الآية التي إذا أتت هي طلوع الشمس مِنْ مَغْرِبِهَا، هذا ثابت في الصحيحين وفي غيرهما، وهو يدل على أن طلوع الشمس من مغربها ليس أول الآيات، وأن مجيء الدجال يُقْبَل بعده إيمان الكافر وتوبة العاصي، ونزول عيسى يُقبل بعده إيمان ¬
الكافر كما قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: آية 159]، وهذا يدل على أن طلوع الشمس من مغربها ليس أول الآيات. ويُشكل عليه حديثان ثابتان في صحيح مسلم وغيره، فإنه في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ أَوَّلَ الآياتِ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (¬1) وفي صحيح مسلم أنه قيل له (¬2): إن مروان بن الحكم يقول: إن أول الآيات خروج الدجال. فقال: ما قال مروان شيئاً، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (¬3) وهذا الحديث مُشْكِلٌ، إِذَا كان طلوع الشمس من مغربها قبل الدجال، والعلماء مجمعون على أنه لا إيمان يُقبل من كافر بعد طلوع الشمس مِنْ مَغْرِبِهَا، إذاً يكون زمن الدجال وعيسى ابن مريم لا تنفع فيه الأعمال، وهذا مخالف لِظَوَاهِرِ النصوص الكثيرة، ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا أعظم إشكال. ومن الأحاديث المشكلة أيضاً: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ»، ثُمَّ ذَكَرَ الثَّلاث: «الدَّجَّالُ، والدَّابَّةُ، وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (¬4) وهذا يدل على أنه لا تَوْبَةَ تُقبل بعد مجيء الدجال، وهذا خلاف الظاهر المعروف من النصوص، فَحَدِيثَا مُسْلِمٍ هذان ¬
مشكلان جدّاً على قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} وعلى ما عليه جمهور العلماء من أنه طلوع الشمس، والإشكال في هذه الأحاديث لم نجد من حرَّر المقام فيه تحريراً شافياً يجب الرجوع إليه. والذي يظهر لنا: أن الآيات العظام نوعان: فَقَدْ ثَبَتَ في صحيح مسلم أن الآيات الكبار عشر، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أُسيد الغفاري (رضي الله عنه) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ» (¬1) وهذه الآيات العشر عند العلماء هي العلامات الكبار، ثم عَدَّهَا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عنه مسلم من حديث حذيفة بن أُسيد الغفاري رضي الله عنه، وعدّ منها ثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج دابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان. وهذا الدخان الذي ذكره مسلم في صحيحه هنا قال بعض العلماء: إنه هو المذكور في سورة الدخان، وأنه لم يأتِ إلى الآن، وأنه هو في قوله: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10)} [الدخان: آية 10] قالوا: وهو دخان يمكث أياماً يأخذ بنفس الكافر، ويأخذ المؤمن منه شبه الزكام، وأنه من العلامات التي ستأتي ولم يأتِ إلى الآن (¬2)، وكان عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) يقول: إن الدخان المذكور قد مضى، وهو ما أصاب ربيعة ومضر من الجوع لما دعا ¬
النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم وقال: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» (¬1) وأنهم جاءهم من الجوع ما أكلوا معه العِلْهِز، والعِلْهِز: شيء كانوا يصنعونه مِنَ الوَبَرِ والدَّمِ، يأكلونه عند شدة الحاجة، كأن الإنسان لشدة الجوع يُخيَّل له أن أمام عينيه شبه الدخان، وأن ذلك الذي يُخيل لعينيه مما يشبه الدخان من شدة الجوع أنه هو معنى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ} أي: فيما تظنه أعينهم لشدة القَحْطِ والجُوع، هذا تفسير عبد الله بن مسعود وطائفة من العلماء للدخان (¬2). وفسّره جماعة آخرون بالدخان الذي عدّه مسلم في الآيات العشر العظام التي هي: الدخان، والدابة، والدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم وفي بعض الروايات بدل نزول عيسى ابن مريم: ريح تلقيهم في البحر، وخسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخرها: نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو ترحل الناس إلى المحشر (¬3)، هذه الآيات العشر. ¬
أما الأحاديث الصحيحة الثابتة في أنه تخرج نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى (¬1)، فهذه قد مضت بلا نزاع، وهي النار التي اشتعلت في الحرّة، واشتعالها وتأريخ اشتعالها معروف (¬2)، فقد فاتت، وهي من معجزاته. - صلى الله عليه وسلم - وكان الشيخ ابن الجوزي يقول: إن الخسوف الثلاثة قد مضت، وأنه وقع في عراق العجم خسف عظيم، هو خسف المشرق، هلك فيه خلق عظيم، وأنه وقع كذلك في المغرب، ويزعم أنه وقع في جزيرة العرب (¬3)، فعلى كل حال هذه الآيات العشر هي التي ذكرها مسلم في صحيحه أنها الآيات العظام، العلامات الكبرى للقيامة، وقد بَيَّنَّا أن جلّ علماء التفسير، والأحاديث الصحيحة تبين أن بعض الآيات التي إذا أتى لا ينفع نفساً إيمانها: أنه طلوع الشمس من مغربها، وستطلع من مغربها يقيناً بلا شك؛ لأن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - بيّن أنها ستطلع من مغربها بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وهو الصادق المصدوق، لا يقول إلا الحق، وطلوعها من مغربها أكبر دليل على تخريف وخرق أصحاب الهيئة الكذابين الذين ¬
يقولون: إن حالة الشمس والقمر دائبة لا تتغير ولا يعروها تغير، فسيرى الحاضرون منهم لذلك الوقت أنها تتغير، وأنها تطلع صباحاً من مغربها كما كانت تطلع مِنْ مَشْرقها، ويعلمون أن لها صانعاً حكيماً مُدَبِّراً، هو الذي يجريها كيف يشاء، على النحو الذي يشاء. ووجه إشكال حديث مسلم: أن حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (¬1) وطلوع الشمس من مغربها لا خلاف بين العلماء أنه من بعض الآيات التي إذا جاءت لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمَنَتْ مِنْ قبل، فيلزم على هذا الحديث الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه لا إيمان ولا توبة أيام الدجال وعيسى، وهذا خلاف التحقيق، فالحديث مشكل. والحديث الثاني: هو مَا ثَبَتَ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً» وذكر الثلاث فقال: «الدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» (¬2). فعلى مقتضى هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم أن العمل لا يقبل أيضاً بعد الدجال، وهو خلاف الظاهر والتحقيق، وقد ذكرنا أنا لَمْ نَرَ مِمَّنْ تكلموا على أحاديث مسلم من شفى الغليل في هذا شفاء واضحاً تتفق به الأحاديث مع الواقع، والذي يظهر لنا -والله تعالى أعلم- أن الآيات العظام الكبار على نوعين (¬3): ¬
أحدهما: آياتٌ أرْضِيَّة تَدُلّ على حدوث أمور عظام هائلة في العالم السُّفْلِي والأرض، وأول هذه: الدجال، كما كان يقولونه؛ لأن الدجال ينزل قبل نزول عيسى ابن مريم؛ لأن [عيسى ابن مريم] يدرك [الدجال] (¬1) فيقتله، وبعض العلماء يقول: إن عيسى ابن مريم ينزل قبل الدجال، ويصلي في إمام المسلمين المهدي، الذي ثبتت الأحاديث الصحاح به (¬2)، وعقد له أبو داود كتاباً باسم (المهدي) (¬3) وهو أيضاً آت لا محالة، وإن أنكره من أنكره؛ لأن الأحاديث الصحيحة ثابتة بمجيئه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتاً لا مَطْعَنَ فيه، فأول الآيات الأرْضِية العظام نزول الدجال؛ لأن الدجال أكبر حادث يقع في الأرض، وأعظم فتنة تقع في الأرض، وقد صرحت الأحاديث: أنه منذ خلق الله الدنيا لم تقع في الأرض فتنة أعظم من الدجال؛ لأن معه ناراً ونهراً، وناره ماء، ونهره نار؛ ولأنه يأتي القوم فيصدقونه، فيقول للسماء: أمطري، وللأرض: أنبتي، فتطيعه في ذلك، فتروح سارحتهم أعظم ما كانت ضروعاً، وأمَدّه خواصر، ويُحْيي للرجل أبَاه وأمَّه، ويشق الرجل نصفين حتى يروه نصفين، ثم يجمع بين نصفيه، فيرون أنه يحييه، وهو أعظم فتنة في الأرض (¬4). كأن -مثلًا- من قال: إن أول الآيات خُرُوجاً ¬
الدَّجَّال، يعني: أول الأحداث الأرضية، التي تكون في الأرض، تؤذن بأمور عظام، وقرب انقضاء الدنيا، وأن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات التي هِيَ مِنَ العالم العلوي، المؤذنة بزوال العالم العلوي وانقضائه. فيكون كون الشمس أول الآيات يعني باعتبار ما هو من جِنْسِهَا، كتَغْيِير العالم العلوي، ويكون الدجال أول الآيات باعتبار العالم الأرضي. وعلى كل حال فالشمس إذا طلعت من مَغْرِبها أُغلِق باب التوبة، وطلوع الشمس والدابة مترادفان بينهما قليل، جاء في بعض الأحاديث أن الشمس إذا طلعت مِنْ مَغْرِبِهَا خرجت الدابة ضحى (¬1)، والدابة هي التي يأتي ذكرها في النمل، في قوله: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ إنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)} وفي القراءة الأخرى: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا} الآية (¬2) [النمل: آية 82]، قال بعض العلماء (¬3): والحكمة في إتيان الدابة بعد الشمس: أن الشمس إذا طلعت من مغربها خُتِم على الأعمال، ولم يقبل من كافر إيمان، ولم يقبل من عاص توبة، وانقطع تجديد إيمان جديد، أو توبة جديدة، فيرسل الله بعد ذلك الدابة، فتكتب على جبهة كل إنسان: (سعيد) أو (شقي) يعرفه من يراه، لتبين حال الناس عند انقطاع أعمالهم، من هو الكافر منهم ومن هو السعيد؟ والحاصل: أن أكثر أهل العلم، والأحاديث الصحيحة دَلَّتْ على أن الآية التي إذا جاءت لا يُقبل من أحد إيمان: هو طلوع الشمس من ¬
مَغْرِبها (¬1)، وفيها أحاديث كثيرة، وفيها حديث أبي ذر المشهور: أنها تسير كل يوم، فتسْجُد لمستقر لها تحت العرش، ثم تستأذن فيؤذن لها فترجع، فإذا كان اليوم الذي يريد الله طلوعها من مغربها تستأذن فلا يُؤذن لها (¬2). ويقول المفسرون وبعض المحدثين (¬3): إن تلك الليلة تطول جدّاً، وينتظر الناس الصباح، فيطول عليهم الليل، فتستأذن الشمس فيقال لها: اطلعي من مغربك، فتصبح طالعة للناس من مغربهم، فإذا رَأَوْهَا آمن جميع مَنْ فِي الأرض، وعلموا أن للكون خالقاً حقّاً، ولم يبق أحد منهم إلا وهو مؤمن، وذلك الوقت {لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} وذهب بعض العلماء، ونصره أبو عبد الله القرطبي (¬4): أنها بعد طلوعها من مغربها سترجع إلى عادتها وتطلع من مشرقها، وترجع الدنيا إلى حالها، وأنه إذا تَقَادَمَ عَهْدها، وصار الناس يسمعون بِخَبَرِهَا، أنه حينئذ تقبل توبة الكافر إذا تَابَ، والعاصي إذا تاب، وهذا قال به بعض العلماء، ولكنه خلاف التحقيق؛ لأن ظاهر الأحاديث الكثيرة، والآية الكريمة، أنه بعد إتيان الآية لا ينفع نفساً إيمانها، وهو نفي مطلق إلى يوم القيامة. وقال بعض ¬
العلماء (¬1): تؤمر الحفظة بطي الصحف، وطرح الأقلام، ولا ينفع أحداً عمل، ويُخْتَم على كُلٍّ بِعَمَلِهِ. وقوله: {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} يفهم منه أن النفس التي طلعت عليها الشمس من مغربها وهي مؤمنة من قبل أنها في خير، وعلى خير، وأن إيمانها نافع لها. وقوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} يُفهم منه أن النفس المؤمنة التي كانت تعمل الخير أنها في خير وعلى خير، وأما النفس التي كانت مؤمنة ولم تَعْمَلْ في إيمانها الخير، بأن كانت ترتكب المعاصي وتخالف الله، ثم أرادت عند طلوع الشمس أن تتدارك ذلك بالتوبة فلا يُقبل ذلك منها؛ لقوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} وكان بعض العلماء يقول: من طلعت عليه الشمس من مغربها وهو على الاستقامة وطاعة الله كُتب له ما كان يفعل دائماً (¬2). وهذا القول وإن كان ظاهر الآية لا يساعد عليه، إلا أنه غير بعيد؛ لأنه دلت نصوص أخر على أن الإنسان المواظب على الخير إذا عَاقَه عنه عائق كمرض أو سفر أنه يُكتب له ما كان يواظب عليه من الخير إذا عاقه عنه مرض، وهو أحد التفسيرين (¬3) في قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)} [التين: الآيتان 5، 6] فعلى أحد التفسيرين في الآية: أن الإنسان إذا رُدّ أسفل سافلين إلى أرذل العمر، وكان هرماً لا يعقل، أنه يُردّ إلى أسفل ¬
السافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم من الأجر ما كان يُكتب لهم، هذا وجه في الآية، ولكن الوجه الصحيح فيها عند المفسرين: أن معنى: {رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أي: جعلناه إلى دركات النار {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)} وهو الجنة، وهذا معنى قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا}، {نَفْساً} لم تكن آمنت من قبل لا ينفعها إيمان جديد بعد طلوع الشمس من مغربها، وقد ثبت في الصحيح أنها إذا طلعت مِنْ مَغْرِبِهَا آمن كل مَنْ عَلَى وجه الأرض مِنَ البشر بالله (جلّ وعلا) (¬1)، ولكنه إيمان غير مقبول؛ لأنهم ما آمنوا حتى فات الوقت وانتهت المدة، وانقضت الفرصة {لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ}، ولا ينفع نفساً عاملة للخير لم تكن عملت في إيمانها السابق خيراً، فالذي ينفع: الإيمان السابق، وعمل الخير السابق في الإيمان، أما العمل الذي يُجَدّد بعد الطلوع، والإيمان الذي يُجَدّد بعد الطلوع فلا ينفع، واستثنى بعض العلماء من هذا مَنْ طَلَعت عليه الشمس وهو مستقيم على اجتناب نواهي الله، وامتثال أوامره، أنه يكتب له ما كان يعمل، وقال بعضهم (¬2): إن المؤمن تُقبل توبته لإيمانه السابق، وظاهر الآية خلاف ذلك، وأنها إذا جاءت خُتم لكل بما كان يعمل، وانقضى العمل، فمَنْ جَاءَتْه وهو على الإسلام والخير فهو إلى الجنة، ومن جاءته على الشَّرِّ والكفر -عياذاً بالله- فهو إلى النار، ولا تقال لأحد عثرة، ولا تقبل منه توبة بعد نزول الآيات، وهذا معنى قوله: {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}. ¬
ثم إن الله لما قال للكفار المكذبين لرسوله: ما تنتظرون إلا بلايا تأتيكم، إما أن تأتيكم الملائكة لقبض أرواحكم، أو يأتي خالق السماوات والأرض لفصل الخطاب فيحكم بتعذيبكم، أو يأتيكم بعض الآيات المانعة من قبول العثرة والتوبة، إذا كان يهددهم هذا التهديد، فقد أتبعه بقوله: {قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} فإنكم تنتظرون السوء ونحن ننتظر الخير؛ لأنا إذا جَاءَتْنَا الملائكة فقبضت أرواحنا ونحن على الاستقامة كان فيه أعظم البشارة لنا، وأحسن العُقبى، وإذا أتَانَا ربنا لفصل القضاء حكم لنا بأحسن الحكم وأكرم النعيم لطاعتنا واستقامتنا، وإذا جاء بعض الآيات المانعة مِنَ التوبة وجدتنا على هدى وتوبة وإنابة، فلم يضرنا مجيئها؛ ولذا قال: {قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} كقوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ} [التوبة: آية 52]. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159)} [الأنعام: آية 159]. [قرأ الجمهور] (¬1) غير حمزة والكسائي: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} بتشديد الراء، وعدم ألف بعد الفاء، وقرأه حمزة والكسائي: {إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} (¬2) أما على قراءة حمزة والكسائي: {فَارَقُوا دِينَهُمْ} فالمعنى واضح؛ لأنهم ارتدوا -والعياذ بالله- عن الدين وفارقوه، وصاروا طوائف كافِرَة، كل طائفة مُلْحِدَة كافرة غير ¬
الأخرى، وأما على قراءة الجمهور: {فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} فالمراد بتفريقهم الدين: أن كل طائفة تنتحل نحلة تزعم أنها هي الدين (¬1)، فهي في أهل الأهواء والبدع والضلالات، ويدخل فيهم اليهود والنصارى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} [البقرة: آية 113] فقد فرقوا دينهم، ومعناه: أن كل طائفة وفِرْقَة انْتَحَلَتْ نِحْلَةً تَزْعُمُ أنها هي الدين الحق، وأن ما سواه باطل، والجميع كله ضلال وبدع وأهواء، كما ذكرنا في الحديث: أن النبي بين هذا التفريق، وأن اليهود افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة، وهذه الإحدى والسبعين فرقت دينها، وجعلته إحدى وسبعين فرقة، كل واحدة تَدّعِي أنَّهَا عَلَى الحَقِّ، وأَنَّ غيرها ضال، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، كل فرقة تزعم أنها على الحق، وأن غيرها ضال، وستَفْتَرِق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، تَزْعُمُ كل واحدة أنها على الحق، وجَمِيعُ الفِرَقِ في النار إلا فِرْقَة واحدة (¬2). ¬
وعلامة هذه الفرقة الواحدة: هي الخالية مِنَ البِدَعِ والأهواء والمبتدعات بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - المخالفة لشرعه، بل هي التي تمشي على الجَادَّةِ والمحَجَّةِ البيضاء التي كان عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، هذه الفرقة هي الناجية: وهي المسماة بأهل السنة والجماعة، وإن كانوا قليلاً؛ لأن أكثر الأرض على الضلال، أكثر من في الأرض ضلال في النار، والذين هم على الهدى وأهل الجنة قلة جدّاً، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نصيب الجنة من الألف واحد، ونصيب النار من الألف تسع وتسعون وتسعمائة، وهذا ثابت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -، ولما شقّ هذا على أصحابه أخبرهم بكثرة المشركين، وأن هناك قَبِيلَتَيْنِ قد تكون الألف منهم والواحد منكم: يأجوج ومأجوج (¬1)، ويأجوج ومأجوج من العلامات العشر التي ذكرها مسلم لم نذكرها، وهذه الفِرَقُ كلها في النار، ونصيب الجنة واحد من الألف لكثرة الكفار، والله يقول: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [الأنعام: آية 116] {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: آية 8]، {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71)} [الصافات: آية 71] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)} [يوسف: ¬
آية 103] فالأكثرية أهل النار، وهي التي منها هذه البدع والأهواء والفِرَق الضَّالَّة الزائغة عن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، والهدى لا يخفى: الَحقُّ أَبْلَجُ لَا تَزِيغُ سَبِيلُهُ ... وَالَحقُّ يَعْرِفُهُ أُولُو الْأَلْبَابِ (¬1) لأن من هو على هدي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ؛ لأنه خال من الابتداع، والدعاوى الكاذبة، والتضليلات، والتخريفات، والتَّهْرِيجات الزائفة، بل هو على صراط مستقيم، عامِل بهدي رسول الله، عارف أوَامِرَ القرآن ونَوَاهيه، عالم بسنة رسول الله وبأحكامها، متبع ما جاء عن الله، مؤتمر بأوامر الله، مُنْزَجِر عما زجر الله عنه، على المحَجَّةِ البَيْضَاءِ، سالم من الدَّعَاوى الخرافية، والضلالات المبتدعة التي لم يعرف لها عهد في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فالفرقة الناجية: هي التي كانت على ما عليه النبي وأصحابه من العقيدة الصحيحة، وامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه على الوجه الصحيح الكامل، فالصحابة (رضي الله عنهم) لم يدّعوا شيئاً مما يَدَّعِيهِ المضلِّلُون من أنهم يرون النبي يقظة ويجتمعون به دائما! لم يقولوا شيئاً من ذلك لصدقهم وعدالتهم، هذا أمير المسلمين في زمانه: عثمان بن عفان أعَزّ فتى في قريش، وهو أمير المؤمنين، والإسلام في شدة قوته، ولما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب أن يذهب بالهدايا إلى مكة لما حاصروهم في الحديبية قال له: أنا لا أستطيع؛ لأن بني عدي لا يمكن أن يمنعوني مِنْ قُرَيْشٍ، ولَكِن أدلك على رجل أعز مني، وهو عثمان بن عفان، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعزته ومكانته في قريش، وأرسل معه الهدايا وتلقاه بنو ¬
عمه يقولون: أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَلَا تَخَفْ أَحَداً ... بَنُو سَعِيدٍ أَعِزَّةُ الحَرَمِ (¬1) وهو بهذه العزة في قريش، وهو أمير المؤمنين، وصهر رسول الله على ابنتيه، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ذُبح في داره ظلماً، والحجرة النبوية بجنبه، لم يأته النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يحُل لهم المشكلة. وهذه عائشة (رضي الله عنها) ذهبت إلى العراق، ووقعت قصة الجمل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - معها في الحجرة، لم تستطع أن تلقاه، ولم تأخذ رأيه: هل تفعل؟ بل قد ندمت كل الندم على ما صدر منها. ولما نزلت مسألة العول: ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها في خلافة عمر بن الخطاب، فقال عمر: إن أعطيت الزوج النصف لم يبق ثلثان، وإن أعطيت الأختين الثلثين لم يبق نصف، فماذا أفعل؟ وأسفوا كل الأسف على أنهم لم يسألوا النبي (¬2) - صلى الله عليه وسلم -، فما قال أحد منهم: إنهم يسألونه؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه أرسله الله لمهمة وقد بلّغها على أكمل الوجوه وأتمها وأحسنها وأنصحها، ثم تركها محَجَّة بيضاء ليلها كنهارها، ثم اختاره الله إلى ما عنده من الكرامة، ونقله إلى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه. والشاهد أن الذين هم على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه سالمون من الدعاوى الكاذبة والخرافات المُضَلِّلَة، بل هم على صراط مستقيم، وهدي واضح لا دعاوى فيه ولا تضليل ولا تهريج، يقتفون ¬
آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمل بكتابه وسنته، ومجالسهم كأن على رؤوسهم الطير فيها، فمن كان على هديه - صلى الله عليه وسلم - في الأعمال والأقوال والأفعال والسمت والعقيدة فهو الفرقة الناجية، وغيره هي الفرق الضالة المضلة التي فرقت دينها وجعلته شيعاً. وقوله: {وَكَانُوا شِيَعاً} الشيع جمع شِيعَة، وكل قوم تشيعوا واجتمعوا على نصرة رجل، أو على نحلة ينتحلونها فهم شيعة، سواء كانت في الخير أو في الشر (¬1)، ومنه قوله في نوح: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83)} [الصافات: آية 83] أي: من جماعته الذين هم على دينه وهديه، ومنه قول الكُمَيْت (¬2)، وهو من الشيعة الذين يَتَشَيَّعُون لِآلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: وَمَا لِيَ إِلَّا آلَ أَحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَمَا لِيَ إِلَّا مَذْهَبَ الحقِّ مَذْهَبُ {شِيَعاً} أي: فرقاً مختلفة، كل فرقة تَنْصُر صاحب بدعة مثلاً، أو رأس ضلالة يشيعونه وينصرونه. {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} معناه: أنت بريء منهم، وهم بُرَءَاء منك، لست على دينهم وليسوا على دينك، والعرب إذا كان الإنسان بريئاً من الإنسان يقولون: لستُ منك ولستَ مني، ومنه قول نابغة ذبيان (¬3): إِذَا مَا رُمْتَ فِي أَسَدٍ فُجُوراً ... فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي ¬
يعني: أَنَا بريء منك، وأنت بريء مني. ثم قال: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ} إنما أمرهم ومصيرهم إلى رَبِّهِمْ، فالله هو الذي حَكَمَ عَلَيْهِمْ في دار الدنيا بذلك الشقاء والخذلان وطمس البصيرة، وهو الذي يجازيهم يوم القيامة على ما كان منهم، وذلك معنى قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ}. {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم} يوم القيامة؛ أي: يخبرهم إذا جاءُوه بالذي كانوا يعملونه في الدنيا، فيجدون كل ما عملوه في كتاب لا يُغَادِرُ صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويقال للإنسان: {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)} [الإسراء: آية 14]، فيجد الإنسان كُلَّ مَا قَدَّمَ وَأَخَّر {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: آية 30] وهذا معنى قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} والمراد بالتنبئة هنا ليس مجرد الإخبار، ينبئهم ليقرّوا ويعترفوا فيعلمون أنه إنما عاقبهم على عدل وليس بظلم، والنبأ في لغة العرب أخص من مُطْلَقِ الخَبَر؛ لأن كل نبأ خبر، وليس كل خبر نبأ؛ لأن العرب لا تطلق النبأ إلا على الخبر الذي له شأن وخطب، فيقولون: جاءنا نبأ الجيوش، ونبأ الأمير، وخبر الجيوش، وخبر الأمير. أما لو قال قائل: تلقّينا اليوم نبأً عن حمار الحجام، فإن هذا لا يكون من كلام [25/أ] العرب (¬1)؛ لأن/ حمار الحجام لا أهمية له، وإطلاق النبأ عليه وضع للنبأ في غير موضعه، فاللائق أن يقول: خبر حمار الحجام؛ لأن النبأ لا يُطلق إلا على ما له شأن (¬2)، وكون التنبئة هنا لها شأن لعظمة الله ¬
بإحصائِه إياها، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرَّة، ولِعَظَمَةِ الخَطْبِ عَلَيْهِمْ، كما قالوا: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: آية 49]. يقول الله جل وعلا: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (160)} [الأنعام: آية160]. لما أمر الله الخلق بسلوك صراطه المستقيم، ونهاهم عن اتباع السبل لئلا تتفرق بهم عن سبيله، ثم بَيَّنَ أن بعضاً منهم لم يمتثلوا ذلك، بل اتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيله في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} [الأنعام: آية 159] بيّن أنه (جل وعلا) بالنسبة إلى من عصاه فاتبع تلك السبل الضالة، وبالنسبة إلى من أطاعه فاتبع ذلك الصراط المستقيم، أن معاملته للمحسنين في غاية الإكرام والتمام والكمال، وللمسيئين في غاية الإنصاف والعدالة، فقال: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ} يعني: من جاء يوم القيامة بالخصلة الحسنة التي كان يعملها في دار الدنيا، فقول بعض أهل العلم هي: «لا إله إلا الله» كالتمثيل؛ لأن المراد بالحسنة: كل خصلة تُرضي الله (جل وعلا)، سواء كانت (لا إله إلا الله) أو غيرها من العقائد وأفعال الجوارح وأعمال القلوب (¬1)، كل مَنْ جَاءَ إلى الله يوم القيامة بالخصلة الحسنة من طاعة الله من [كل] (¬2) خصلة ترضي الله (جل وعلا)، فالله (جل وعلا) يُضاعفه على أقل التقديرات عشر أمثالها، أي: فله عشر حسنات، كل حسنة مثلها، فأقل المضاعفة للمحسنين ¬
عشرة. ثم إنه بيّن في بعض المواضع أنه يضاعف إلى سبعمائة، وفي بعضها أنه يضاعف حسب مشيئته بحيث لا يعلمه إلا هو حيث قال في المضاعفة إلى سبعمائة: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} فجاءت الحبة بسبعمائة حبة، وهي مضاعفة الحسنة بسبعمائة. ثم قال: {وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} [البقرة: آية 261] أي: يضاعف لمن يشاء من الأضعاف ما شاء، فأقَلّ المضاعفة عشر حسنات، إلى سَبْعِمِائة، إلى ما شاء الله. فتوضع الحسنة في الميزان بعشر حسنات. ثم قال: {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ} أي: بالخصلة السيئة التي تسوء صاحبها إذا رآها في صحيفته يوم القيامة {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} فجزاء السيئة سيئة واحدة مثلها، وجزاء الحسنة على أقل التقديرات عشرة أمثال، فمن غلبت آحاده عشراته فلا خير فيه، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ لأن هذه الحنيفيَّة السمحة التي جاء بها سيد ولد آدم (عليه الصلاة والسلام) هَيَّأَ الله فيها طريق الجنة ويَسَّرَها تيسيراً عجيباً، رفع فيها الأثقال والآصَار والتَّكَالِيفَ، من شقّ عليه السفر فليفطر، وليقصر الصلاة (¬1)، ومن لم يقدر على الصلاة قائماً صلى قاعداً، وهكذا في أنواع التخفيف، فمع هذا فالحسنة تكتب له بعشر حسنات كل حسنة مثلها، والسيئة إنما تكتب عليه سيئة واحدة مثلها، ومن هَمّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، بل قد تكون حسنة، إن كان تركه لها ¬
لأجل ابتغاء مرضاة الله، فهذه الآيات من أعظم المبشرات للمسلمين؛ لأن جميع حسناتهم عند الوزن الذي قال الله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: آية 8] إذا كانت حسنتك تضاعف عشر مرات، وسيئتك إنما تُجازى بسيئة واحدة مثلها، ففي هذا أعظم البشارة للمسلمين، وعليهم أن يكثروا من الحسنات. ومن الحِكَم العظيمة وجوامع الكلم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» (¬1) يعني: إن صدرت منك سيئة فأتبعها بحسنة؛ لأن السيئة تُجعل في كفة الميزان سيئة واحدة؛ وتجعل الحسنة في الكفة الأخرى عشر حسنات فيثقل وزنها عليها، وهذا معنى قوله: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: آية 160] أصل الحسنة: هي الصفة المشبهة من حسُن يحسن، فهو حسَن، والأنثى حسنة، وقد جَرَتْ عادة العرب بأن يجعلوا لفظ الحسنة والصالحة كأنهما اسما جنس للخصلة الطيبة والفعلة الكريمة، حتى كادوا يتناسون الوصفية فيهما، ومنه هنا: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ} أي: بالخصلة الحسنة، فَحُسْنها هو كونها تُرضي الله (جل وعلا)، وتطابق ما أمر به ونهى عنه، وقد وعد الثواب عليها، وكذلك قال: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [البقرة: آية 25] فالصالحة كالحسنة؛ أي: هي الخصلة التي هي صالحة؛ لأن الله أمر بها، ووعد فاعلها الخير، وهذا معروف في كلام العرب، أما في الحسنة فمشهور، وأما ¬
في الصالحة فمعروف في كلام العرب، ومنه قول الحطيئة (¬1): كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحةٌ ... مِنْ آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ تَأْتِينِي أي: خصلة طيبة. وقول أبي العاص بن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2): بِنْتُ الْأَمِينِ جَزَاهَا اللهُ صَالحةً ... وَكُلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِالَّذِي عَلِمَا وسُئل أعرابي عن الحب ما هو؟ فقال (¬3): الحُبُّ مَشْغَلَةٌ عَنْ كُلِّ صَالِحَةٍ ... وَسَكْرَةُ الحُبِّ تَنْفِي سَكْرَةَ الْوَسَنِ فالصالحة، والحسنة، والسيئة كأنها أسماء أجناس، ثنتان للخصلة الطيبة، وواحدة للخصلة الخبيثة. وأصل السيئة (¬4): (سيوِئَة) ووزنها بالميزان الصرفي: (فَيعِلَة) فـ (ياء) (الفَيعِلَة) زائدة، اجتمعت هي والواو التي في مكان العين؛ لأن أصلها من (سَوَأ) فمادة الكلمة: فاؤها سين، وعينها واو، ولامها همز (سَوَأ)، فقيل في السيئة: (سيوِئة) على وزن (فَيْعِلة) اجتمعت ياء (الفَيعِلة) الزائدة، والواو التي في محل العين سكنت إحداهما قبل الأخرى سكوناً غير عارض، فأُبدلت الواو ياء على القاعدة التصريفية المشهورة، فقيل: (سيئة) فالياء الأولى زائدة، والثانية مُبْدَلة من الواو التي في محل عَيْنِ الكَلِمَة (¬5). ¬
والسيئة: هي الخصلة التي تسوء صاحبها إذا رآها في صحيفته يوم القيامة (¬1). {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً} [آل عمران: آية 30]. {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} ومن هنا تعرفون أن ما يجري على ألسنة العامة: أن السيئات تضاعف في مكة كما تضاعف الحسنات، أن ذلك الإطلاق لا يجوز؛ لأن مضاعفة السيئات ممنوعة قطعًا؛ لأن الله يقول: {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} وهو نص صريح قرآني في أن السيئات لا تُضَاعَف، ولكن السيئة في حرم مكة مثلا تعظم؛ لأن السيئة تعظم بحسب عظم الزمان والمكان، فإذا عظمت السيئة عظم جزاؤها؛ لأن الجزاء بحسب الذنب، إذا عظم الذنب عظم الجزاء، وإذا صَغُرَ الذنب صغر الجزاء، فهو من عظم الذنب، وعظم الجزاء تبعاً لعظم الذنب، لا من المضاعفة؛ لأن السيئات لا تضاعف، ولكنها تعظم وتكون أكبر في زمان من زمان، وفي محل من محل؛ ولذا قال في حرم مكة: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: آية 25] وقال في الأشهر الحرم: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ثم قال: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: آية 36] مع أن ظلم النفس في غيرهن حرام (¬2). وهذا معنى قوله: {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي: والجميع لا يظلمون، فلا يُزاد في سيئات المسيئ، ولا يُنقص من حسنات المحسن، بل حسنات المحسن تُزاد، وسيئات ¬
المسيئ إما أن يُعفى عنها أو يُتجاوز، وإن عُومل بها عُومِلَ بِوِزْرِهَا فَقَطْ عَدْلاً وإِنْصَافاً. {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ (161)} [الأنعام: آية 161]. {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي} قرأه الجمهور: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وفتح اثنان من السبعة منهما نافع: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (¬1) {دِيناً قِيَماً} قرأ أربعة من السبعة، وهم الكوفيون الثلاث: عاصم، وحمزة، والكسائي، والشامي- وهو ابن عامر-: {دِيناً قِيَماً} بكسر القاف وفتح الياء مخففة. وقرأ الحرميان، أعني: نافعًا وابن كثير، والبصري-وهو أبو عمرو- قرؤوا: {دِيناً قَيِّماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} (¬2). وقرأ جمهور القراء ما عدا هشاماً عن ابن عامر: {إِبْرَاهِيمَ} بكسر الهاء ممدودة بياء، وقرأ هشام عن ابن عامر: {إبراهام حنيفًا} بفتح الهاء ومدها بألف، وهما لغتان في إبراهيم صحيحتان، وقراءتان سبعيتان صحيحتان (¬3). لما بيّن الله انقسام الخلق إلى مُهْتَدٍ وضَالّ، ومفرقين دينهم شيعاً ومهتدين، أمر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يُصَرِّحَ عَلَى رؤوس الأشهاد أنه لم يتبع السبل الزائغة، ولا الطرق الضالة، وأنه على الهدى المستقيم، والمحجَّة البيضاء التي هداه إليها ربه، قل يا نبي الله: ¬
{إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي} أي: أرْشَدَنِي ودَلَّنِي ووَفَّقَنِي لِلْعَمَلِ {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. الصراط في لغة العرب: الطريق الواضح (¬1)، ومنه قول جرير (¬2): أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه، طرفه بيد المسلمين، وطرفه الآخر في الجنة. وقوله: {دِيناً} أعربوه أعاريب مختلفة (¬3)، أجودها: أنه بدل محل من قوله: {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لأنه مجرور في محل نصب، والأصل: (هداني ربي صراطًا مستقيماً) لأن (هدى) تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها دون حرف الجر، كقوله: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (118)} [الصافات: آية 118] {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)} [الفاتحة: آية 6] {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: آية 20] وقد يتعدى بـ (إلى) كقوله هنا: {هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وقد يتعدى بـ (اللام) إلى المفعول الثاني، كقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: آية 9] فهو وإن جُر بـ (اللام) أو بـ (إلى) فهو في محل نصب؛ لأن الفعل يتعدى إليه بنفسه، ومعروف أن مراعاة المحل في الإعراب أمر معروف: ¬
وَجُرَّ ما يَتْبَعُ مَا جُرَّ وَمَنْ ... رَاعَى في الاتْبَاعِ المَحَلَّ فَحَسَنْ (¬1) كما قاله ابن مالك في الخلاصة، فقوله: {هَدَانِي رَبِّيَ إِلَى صِرَاطٍ} مجرور في محل نصب، إذ (هداني) تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها، فكأنه قال: (هداني صراطاً مستقيماً ديناً قيماً) فـ (الدين) بدل من (الصراط المستقيم) وهو بدل محل؛ لأنه منصوب أُبدل من مجرور، لكن المجرور في محل نصب. وأعربه بعضهم حالاً من (الصراط) أي: إلى صراط مستقيم في حال كون ذلك الصراط المستقيم ديناً قيماً، والنكرة إذا نُعِتَت أو خُصصت جاز مجيء الحال متأخرة منها. وبعضهم قال: هو منصوب بـ (هداني) بتضمينها معنى (عرفني)، ولا يخلو من بعد، وفيه أعاريب غير هذا أظهرها ما ذكرنا. {هَدَانِي رَبِّيَ} أي: أرشدني وَوَفَّقَنِي إلى طريق واضح لا اعْوِجَاجَ فِيهِ. {دينًا قيّماً} على قراءة: {قيّماً} فهو الصفة المشبهة من: قَامَ، يقوم، فهو قَيّم، بمعنى: اسْتَقَامَ، يَسْتَقِيم، فهو مستقيم، والعرب تطلق (قام) وتريد: استقام، ومنه: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} أي: مستقيمة على دين الحق {يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ} [آل عمران: آية 113]، فالقَيِّم هو الصِّفَة المشبهة من: قام، يقوم، بمعنى: استقام، يستقيم، فهو كالتوكيد لما قبله. وقال بعضهم: هذا الدين (قيّم) معناه: أن اتِّبَاعه يقوم بشؤون الدين، وينظم علاقاتها ومصالحها في الدنيا والآخرة، من ¬
قولهم: فلان قَيِّم على أهله، أي: قائم بمصالحهم وشؤونهم، ودين الإسلام جامع بين الوَصْفَيْنِ، هو قيِّم يعني بأحوال الدنيا والآخرة؛ لأن مُتَّبِعَه يصلح له جميع أموره من جميع الجهات في دنياه وأخراه. وعلى أنه (فَيْعِل) من قام بمعنى: استقام، فهو أيضًا في غاية الاستقامة، وهو كالتوكيد لما قبله. أما على قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر: {دِيناً قيّماً} فالقِيَمُ هنا مصدر قليل، كقولهم: كبُر كِبراً، وعَظُم عِظَمًا، وشَبعَ شِبَعاً، وقام قِيَماً، فهو مصدر بمعنى (القيام) نُعت به، و (قام) التي مصدرها (قِيَماً) هنا من (قام) التي بمعنى (استقام)، فهو راجع في المعنى إلى الأول، إلا أنَّه من النعت بالمصدر، والعرب إذا نعتت بالمصدر كقولهم: رجل كَرَم، وفلان عَدْل؛ لأن العدل مصدر، إذا نعتت بالمصدر فقيل: هو على حذف مضاف؛ أي: ذو قِيَم؛ أي: استقامة، زيد كَرَم؛ أي: ذو كَرَم، أو كأنهم بالغوا فيه حتى جعلوه عين القِيَم، بمعنى الاستقامة، وكأنهم بالغوا في كرم زيد حتى جعلوه عَيْنَ الْكَرَمِ. الثاني: أن المصدر المُنَكَّرَ يؤول بالوصف، فيرجع معنى المصدر إلى معنى (قيِّماً)، الذي هو الصفة المشبهة من (قام)، فيرجع معنى الأقوال إلى شيء واحد؛ لأن النعت بالمصدر معناه: ذو قِيَم؛ أي: استقامة، أو هو استقامة بعينه، كأنه لشدة استقامته سُمِّيَ (استقامة) لشدة استقامته، أو لأنه مصدر أُريد به الوصف، فيكون (قِيماً) بمعنى: قيِّماً. هذه الأقوال الثلاثة معروفة في النعت
بالمصدر، كما قال في الخلاصة (¬1): ونَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيراً ... فَالْتَزَمُوا الْإِفَرَادَ وَالتَّذْكِيرَا فعلى قراءة (قِيَماً) فهو من النعت بالمصدر، فالقِيَم: مصدر كالشِّبَعِ، والصِّغَرِ، والكِبَر، وعلى قراءة من قرأ {قَيِّماً} فالأمر واضح (¬2). وقوله: {مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} هذه بدل من الدين (¬3)؛ لأن الدين القيم هو ملة إبراهيم، والملة: الشريعة والطريقة، قال بعض العلماء: اشتقاقها من (الإملال)، و (الإملال) بلامين، وهو ما يسمونه الإملاء -بالهمزة- أن تلقي على الكاتب جملة فيكتبها، ثم تُملي عليه جملة أخرى فيكتبها، ومنه قوله: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: آية 282] {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة: آية 282] معنى أنه يملل، أي: يُلقي على الكاتب جمل عقد المداينة حتى يكتبها، أبدلوا اللام الأخيرة همزة، فجعلوه إملاء، وأصله (إملال) قالوا: لأن الملة -وهي الشريعة- تنزل جُمَلاً جُمَلاً جُمَلاً حتى تتم (¬4) كما وقع في ديننا، فُرِضَتِ الصَّلَاةُ أَوَّلاً قبل الهجرة، ثم فُرِضَتِ الزَّكَاةُ والصيام في عام اثنين من الهِجْرَة، وفُرِضَ الحَجّ في عام تسع على أصَحِّ الأقْوَال، شيئاً بعد شيء حتى تَتِمَّ. ¬
وقوله: {إِبْرَاهِيمَ} هو نبي الله إبراهيم، الذي جعله الله للناس إماماً، وشهد له شهادته بالوفاء {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: آية 37] {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: آية 124] وقيل لنبيّنا: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيم} [النحل: آية 123] وقيل له هنا: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مِلَّة إبراهيم. وهنا سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم: دلت هذه الآيات على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمر أن يتبع ملة إبراهيم، والمتبوع أفْضَل مِنَ التابع، فإذاً قد يكون إبراهيم أفضل من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، حيث أمر باتباعه (¬1)؟ والتحقيق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الخلق، وأفضل البشر، وأفضل من خلق الله، وأفضل من إبراهيم، ومن عامة الرسل، وسيظهر فضله على الرسل يوم القيامة، وقد ظهر ذلك فيما مضى؛ لأنه (صلوات الله وسلامه عليه) ليلة الإسراء لما اجتمع بالرسل -أرْوَاحُهُمْ مُجَسَّدَة بصور أجسادهم- وخاطبوه وكَلَّمَهُمْ، ارْتَفَعَ حَتَّى بَلَغَ مقاماً أعلى من مقاماتهم، ولما نزل إلى الأرض في بيت المقدس، في محل مبعث الرسل وديارهم صار إماماً للجميع بإشارة من جبريل (¬2)، ¬
فتبين أنه سيدهم في السماوات والملأ الأعلى، وسيدهم في الأرض (صلوات الله وسلامُه عليه). والجواب عن هذا: أن أمره باتباع إبراهيم مما يدل على أفضليته عليه؛ لأن كل ما كان عند إبراهيم من الشرائع التي وَفَّاهَا وحَازَ بِهَا الفَضْل يُؤمر هو باتباعها، فيساويه فيها، ثم يُزَاد بِتَشَارِيع وأمور عظيمة لم تنزل على إبراهيم ولم تَكُنْ فِي شَرْعِهِ، فيأخذ ما عنده ثم يزيد عليه، ومن هنا يتبين الفضل، وأن أمره باتباع الرسل في هذه السورة الكريمة سورة الأنعام الذي قدمناه في قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90] أنه يقتدى بما عندهم من الهدى، ثم يُزاد مِنْ أنْوَاع الهدى أشياء عِظاماً لم تكن عندهم ولم يُعْطوها، فيظهر فضله على الجميع (صلوات الله وسلامه عليه).
وقوله جل وعلا: {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} {حَنِيفاً} هنا حال من إبراهيم (¬1)، والمعروف أن الحال لا تكون من المضاف إليه إلا إذا كان المضاف هو عامل الحال، أو كان المضاف كأنه جزء من المضاف إليه كما هنا، أو شبه الجزء (¬2)، بدليل أنه لو حُذف لمَا ضَرَّ، لو قلت مثلاً: ديناً قيّماً مِلَّة إبراهيم، لو قلت: اتبعوا إبراهيم، لكفى عن: اتبعوا ملة إبراهيم. والحنيف في لغة العرب: أصله الذي به حَنَف، وأصل الحَنَف في لغة العرب: هو أن يميل القدم الأيمن إلى جهة القدم الأيسر، والقدم الأيسر إلى جهة القدم الأيمن، فيكون في كلتا الرجلين اعْوِجَاجٌ، كل منهما تَعْوَج إلى الأخرى (¬3)، فيقال للرجل: أحْنَف، وللمَرْأة: حَنْفَاء، وكان الأحنف بن قيس سيد تميم كذلك، وفيه سُمِّي الأحْنَف، وكانت أمه تُرقصُه وهو صبي، وهي تقول (¬4): واللهِ لَوْلَا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ... مَا كَانَ فِي فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِ هذا أصل الحَنَف، وصار أكثر ما يُستعمل الحَنَف في الميل عن الأديان الباطلة إلى الدين المستقيم (¬5)، فالحَنِيفُ: المَائِل عن كل دين بَاطِل لا يُرضي الله إِلَى الدين المستقيم الذي يرضي الله، فهذا معنى كون إبراهيم {حَنِيفاً} أي: مائلاً صَادّاً عن جميع الأديان الباطلة إلى ¬
الدين المستقيم الذي يُرْضِي اللهَ جَلَّ وَعَلَا. {ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} نفي هذا الكون الماضي، بأن الله نفى عن إبراهيم الشرك في الكون الماضي، معناه: أنه لم يقع منه كَوْنُ الشِّرْكِ فيما مضى أبداً، وهذا حق لا شَكَّ فيه، والآيات الدالة عليه كثيرة، كقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ (123)} [النحل: آية 123] وهذا يكثر في القرآن -نفي كون الشرك الماضي عن إبراهيم- وبهذه الآيات وأمثالها في القرآن من تَبْرِئَةِ إبراهيم من شرك ماض أبداً، وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} [الأنبياء: آية 51] تعلمون أنه غَلِطَ كِبَارٌ مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ، منهم كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري، والروايات المرْوِيَّة عن ابن عباس وغيره من أجلاء علماء التَّابِعِين، أنها كلها غلط لا شَكَّ فِيهِ؛ وذلك لأنهم زَعَمُوا أَنَّ قَوْلَ إبراهيم المتقدم في الأنعام: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76] زَعَمُوا أنه كان يظن أنه ربه وقت قوله ذلك، ولو كان يَظُن ربوبية الكوكب لكان من أشد المشركين شركاً، والله ينفي عنه الشرك في الكون الماضي، فدَلَّ قَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} في آيات كثيرة، وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء: آية 51] أن قوله في الكوكب: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي} أنه ما كان يظن ربوبية الكوكب أبداً، إذ لو كان يظنها لكان سبق عليه شرك ماض، وظَنُّ ربوبيَّة غير الله هو أكبر أنواع الشرك وأكفرها، والله يقول: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: آية 66] فقول ابن جرير: إن إبراهيم كان يظن رُبُوبِيَّة الكوكب أولاً، وروايته لهذا عن ابن عباس وجماعة
غلط فاحش لا شك فيه (¬1)؛ لأن الله يقول عن إبراهيم: {وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} ونفي الشرك في الكون الماضي يدل على الاستغراق؛ لأنه من المعروف عند العلماء أن الفعل قسمان: فعل حقيقي، وفعل صناعي. أما الفعل الحقيقي فهو الذي يسميه علماء النحو بالمصدر، وهو الحدث المتجدِّد، كالضرب والكلام والقعود، والفعل الصناعي: هو المعروف في صناعة النحو بالفعل، مما يسمونه: ماضياً، أو مضارعاً، أو فعل أمر، وهذا الفعل الصناعي عند عامة النحويين ينْحَلّ عن مصدر وزمن (¬2)، وبيَّنه في الخلاصة بقوله (¬3): المَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ وعند المحققين من علماء البلاغة كما حَرَّرُوه في مبحث الاستعارة التبعية: أن الفعل الصناعي يَنْحلّ عن مصدر، وزمن، ونسبة، فالمصدر كامن في جوفه إجماعاً (¬4). وقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} (كان) فعل صناعي، فعل ماض ناقص يكمن في جوفه مصدره قطعاً، ففيه نَفْيُ كَوْنِ الشِّرْكِ المَاضِي قطعاً، نفياً باتّاً من الله، فلم يكن من إبراهيم شرك ألبتة، كما صرح به الله في قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} في آيات كثيرة. ولا شك أن طالب العلم يخطر في ذهنه الآن أن يقول: برَّأْتُمْ ¬
إبْرَاهِيمَ من كل شرك ماض؛ لأن الله نَفَى كَوْنَ الشرك الماضي عنه، وهو يستغرق ماضي الزمن إلى الأزل، ولكن ماذا تقولون في قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76]؟ والجواب: قَرَّرْنَاهُ في محلِّهِ مِنْ هَذِهِ السورة (¬1)، وسنُلم بنموذج قليل منه، منه: أن هذا إنما قاله نبي الله إبراهيم على سبيل التنازل الجدلي، ليمكنه إفحام خصمه؛ لأن من أمهات الجدل أن تُسلم الكذب المحض لخصمك ليمكنك إفحامه؛ لأن إبراهيم لو قال أولاً: الكوكب لا يمكن أن يكون ربّاً. لقالوا: أنت رجل جاهل كذاب، الكوكب رب، ولم يحصل شيء، فكأنه قال: سلمنا على زعمكم الكافر الكاذب الباطل، هذا ربي! أي: على زعمكم الكافر الملحد الفاجر، فَلِمَ يأفل؟ وكيف يأفل الرب ويسقط؟! ولذا قال: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} فلو لم يتنازل ويُسلمهم التسليم الجدلي ويقل لهم: هذا ربي؛ أي: فرضاً على كُفْرِكُمْ وقَوْلِكُم البَاطِل، لو لم يتنازل هذا التنازل لما أمكنه إفحامهم كما يقول الله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: آية 22] {لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَّابْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} [الإسراء: آية 42] أي: لو كان ربًّا لما كان آفلًا! ولو لم يُظهر لهم بعض الموافقة للكذب الباطل لما أمْكَنَهُ إفْحَامُهُم. والوجه الثاني: أن همزة (¬2) الاستفهام الإنكاري محذوفة دل المقام عليها، والأصل: أهذا ربي؟! وهمزة الاستفهام إذا دل المقام ¬
عليها جاز حذفها. والدليل عليها وعلى أن إبراهيم ما كان ظانّاً ربوبية الكوكب هو عظم إبراهيم، وشهادة الله له في القرآن أنه لم يكن مشركاً قط، وفي نفس الآية قرائن واضحة قاطعة على أنه ما كان يظن الكوكب ربّاً؛ لأن الله قال في أول الآيات: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ (75)} [الأنعام: آية 75] فلما حكم له بأنه من الموقنين الذين لا يخالج يقينهم شك رتب على ذلك بالفاء قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76] فكيف يظن أنه ربه والله يقول: {نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ} فرتب على كونه من الموقنين قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} وهمزة الاستفهام حذفها مطرد إذا كان مع (أم) لا نزاع فيه. وزعم الأخفش الصغير -أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش الصغير- أن حذف همزة الاستفهام إذا دل عليه قرينة أنه مطرد في اللغة العربية قياسي لا يحتاج إلى سماع، ومن أمثلته في القرآن: {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: آية 34] والمعنى: أفإن مِتَّ أفهم الخالدون؛ لأن محل استفهام الإنكار في قوله: «أفَهُمُ الخالِدُونَ» وهو كثير في كلام العرب دون (أم)، ودون ذكر الجواب، ومع (أم)، ومع ذكر الجواب (¬1). فمن أمثلته دون (أم) ودون ذكر الجواب قول الكميت (¬2): طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ ... وَلَا لَعِباً مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ ¬
يعني: أوَذو الشيب يلعب؟ فحذف همزة استفهام الإنكار. ونظيره قول الآخر واسمه خويلد (¬1): رَفوني وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ يعني: أهُم هُم؟ فحذف همزة الاستفهام على التحقيق، وكما جزم به غير واحد. ومن أمثلته دون (أم) مع ذكر الجواب: قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (¬2): ثُمَّ قَالُوا: تُحِبُّهَا، قُلْتُ بَهْراً ... عَدَدَ النَّجْمِ والحَصَى وَالتُّرَابِ فقوله: «ثم قالوا: تحبها» يعني: أتحبها؟ فحذف همزة الاستفهام. أما هو مع (أم) فهو مُطَّرِد لا يخالف فيه أحد، وأنشد له سيبويه قول ابن يعفر التميمي (¬3): لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِياً ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ يعني: أشعيث بن سهم؟ ومنه في كلام العرب قول ابن أبي ربيعة المخزومي (¬4): بَدَا لِي مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ... وَكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ ¬
يعني: أبسبع رميت الجمر أم بثمان؟ ومنه قول الخنساء السُلمية الشاعرة، الخنساء بنت عمرو بن الشريد المشهورة (¬1): قَذًى بِعَيْنَيْكَ أَمْ بِالْعَيْنِ عُوَّارُ ... أَمْ خِلْتَ إِذْ أَقْفَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ تعني: أقذى بعينك؟ ومنه قول أُحيحة بن الجُلاح الأنصاري (¬2): وَمَا تَدْرِي وَإِنْ ذَمَّرْتَ سَقْباً ... لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ يعني: ألغيرك؟ وقول امرئ القيس (¬3): تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَوْ تَبتَكِرْ ... وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِرْ وهو كثير في كلام العرب. والحاصل أن قوله هنا: {وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} يدل على نفي الشرك عن نبي الله إبراهيم في الزمن الماضي كله أبداً، وهذا معنى قوله: {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ}. {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: الآيتان 162، 163]. قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ (163)} بفتح ياء {وَمَحْيَايَ} وسكون ياء {وَمَمَاتِي}، وقصر ألف {وَأَنَا} وعدم مدّها. وقرأ نافع وحده دون عامة القراء: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي ¬
وَمَحْيَايْ} بخلاف عن ورش فيه، واتفاق عن قالون: {وَمَمَاتِيَ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} بفتح ياء {وَمَمَاتِي} (¬1)، وقرأ -مثلًا-: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} وهي لغة تميم مدّ لفظة {وَأَنَاْ} وقرأه عامة القراء غير نافع: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} بلا مدّ {وَأَنَاْ} (¬2). والمعنى: قل لهم يا نبي الله، إن جميع عباداتي مُنْصَرِفَة إلى مَنْ خَلَقَنِي لا أشرك فيها غيره معه، فأنا مُوَحِّد صِرْفاً، مخْلِص لِرَبِّي في عِبَادَتِي {إِنَّ صَلاَتِي} إذا صليت {وَنُسُكِي} أكثر العلماء على أن النسك هنا معناه: النحر في الضحايا والهدايا، ونحري إذا نَحَرْت {لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، كقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر: آية 2] وعلى هذا فالنسك خاص بالذبح (¬3). والمعنى: أنه لا يُنْحَر لِغَيْرِ اللهِ، ولا يُذْكَر عَلَى الذَّبِيحَة اسم غير الله، كَمَا لا يُصَلَّى لِغَيْرِ اللهِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ في قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ}. وقال بعض العلماء: {وَنُسُكِي} معناه: جميع عباداتي؛ لأن التنسك: التعبد، و (النسك) يطلق على جميع العبادات، ويدخل فيه دخولاً أَوَّلِيّاً: النحر والتقرُّب بالدم؛ لأن التقرب بالدماء في الضحايا والهدايا من أعظم القُرَب إلى الله، وصرفه لِغَيْرِ الله صَرْف لحقوق الخالق إلى المخلوق، وذلك معروف ما فيه، فعلى أن (النسك) خصوص الذبح فالآية كقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} ¬
فخص هاتين العبادتين وغيرهما من العبادة مثلهما، وعلى أن النسك جميع العبادة فقد شمل الذبح وغيره (¬1). وهذا معنى قوله: {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي}. {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} اختلف العلماء في معنى قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} قال بعض العلماء: إن الذي يستحق مني أن أخصه بصلاتي وبنحري وبجميع عباداتي هو الذي بيده روحي، يملك مَوْتِي ويَمْلِكُ حَيَاتِي، إن شاء أمَاتَنِي وإن شاء أحْيَاني، فالذي يملك إحيائي وإِمَاتَتِي هو رَبِّي ومَعْبُودِي الذي يَحِقّ لي أن أُخْلِصَ له حقه في عبادته. وقال بعض العلماء: {وَمَحْيَايَ} هو ما قَدَّمْتُ في حياتي مِنْ جَمِيعِ الأعمال الصالحة مخلصاً فيه لله وحده (¬2). {وَمَمَاتِي} قيل: هو ما أَوْصَيْتُ أَنْ يُفعل بعد مماتي من إجراء قُرُبَاتٍ وَصَدَقَاتٍ تجري عَلَيَّ، كل ذلك مخلص فيه لله. أو {وَمَمَاتِي} أي: ما جَاءَنِي عليه الموت من الأعمال الصالحات التي أدْرَكَنِي المَوْتُ وأَنَا مُقِيمٌ عَلَيْهَا، كما قال نبي الله يعقوب: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: آية 132] كل ذلك مخلص فيه لله (جل وعلا) وحده لا أشرك معه غيره (¬3). [25/ب] وهذا تعليم لنا أننا نخلص [عبادة] (¬4) / خالقنا له (جل وعلا) ولا نشرك معه فيه غيره؛ لأنه أغْنَى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل ¬
من أحد أشرك معه غيره، وكل شيء يغفره إن شاء إلا الإشراك به {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: آية 48] وهذا معنى قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ} في شيء من ذلك، لا شريك يُصلى له غيره، ولا شريك يُنحر ويتقرب إليه بالنحر غيره، ولا شريك يُميت ويُحيي غيره، ولا شريك يقام على الأعمال لرضاه مخلصاً له في الحياة غيره، ولا شريك يُوصَى بالأعمال الصالحة بعد الممات يُراد بها رِضَا شريك غيره، بل هو وحده الذي له الإخلاص في جميع ذلك كله، ثم قال: {وَبِذَلِكَ} الذي ذكرت لكم من إخلاص العبادة لله طول أيام الحياة، وما يُوصى به بعد الممات، وما يموت عليه الإنسان من الأعمال، إخلاص التوحيد والقُرَب لله في ذلك وحده {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} هكذا أمرني ربي، وأنا عبد مأمور، وقد أمرني بالإخلاص له في جميع عباداتي. فعلينا أن نعلم أن هذا الذي أُمر به سيدنا - صلى الله عليه وسلم - من تحقيق العبودية لله، وإخلاص حقوق الله لله، وتحقيق معنى (لا إله إلا الله) علينا أن نتبع فيه نبينا - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ}، قوله: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} أي: أول المسلمين من هذه الأمة؛ لأنه هو الذي دَعَاها إلى الإسلام، فهو أول مَنْ أسْلَمَ؛ لأنه نزل عليه الوحي فآمَنَ به ثم قام يدعو الناس إليه، أي: من هذه الأمة لا مِنْ جَمِيع الناس. أما المسلمون قبله من الأمم الأخرى فهم كثير جدّاً، وكل الأنبياء قبله مسلمون، وهذا نبي الله إبراهيم يقول الله فيه: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)} [البقرة: آية 131] وهذا نبي الله نوح
يقول: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ (72)} [يونس: آية 72] وهذا نبي الله يوسف يقول: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)} [يوسف: آية 101] والله يقول: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ} [المائدة: آية 44] وأمثال هذا في القرآن كثيرة، فالمسلمون قبله كثير، ودين الإسلام قبله منتشر في شرائع الرسل. ومعنى {وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} أي: من هذه الأمة التي بعثني الله بشيراً ونذيراً إليها. {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)} [الأنعام: آية 164]. {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} يقول علماء التفسير: إن سبب نزول هذه الآية الكريمة من سورة الأنعام: أن المشركين قالوا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -: اعبد معنا آلهتنا مرة ونعبد معك إلهك مرات أُخرى، فأمره الله أن يُنكر عليهم هذا القول، ويقول لهم: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً} والمعنى: أأبغي ربّاً غير الله حتى أعْبُدَ صنماً وأتخذه ربّاً؟ لا يمكن أن يكون هذا مِنّي، {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} يعني: لا أبْغِي ربّاً غير الرب الذي هو الرب الحقيقي، الذي هو رب كل شيء، أي: خالق كل شيء، ومدبر شؤون كل شيء، إليه المرجع والمآبُ، هو وحْدَهُ الَّذِي هو رَبّي؛ لأن غيْرَهُ مخْلوق مربوب مملوك له (جل وعلا)، وهذا معنى قوله: {أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} وإنما قدم المفعول؛ لأن محلّ الإنكار مُنْصَبٌّ على غيريّة الله، واتخاذ الربوبية إنكاره منصب على غيريّة الله؛ ولذا قَدَّم غير الله؛ لأنه محل مصب الإنكار، والحال
هو -أي: الله- {رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} فالذين تدعونني أن أعبدهم هم مخلوقون لله، ومربوبون له، فهو رب كل شيء، ومعبود كل شيء، فهو المعبود وَحْدَهُ، فلا أعبد غيره، ولا أتَّخِذُ غَيْرَهُ رَبّاً. ثم قال: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} والمعنى: لا تَكْسِبُ كل نفس ذنباً إلا عليها. {كُلُّ نَفْسٍ} يعني لا تكسب ذنباً إلا على نفسها، وأنا إن عبدتم أنتم الأصنام فضَرَرُ ذَلِكَ عليكم، وإنما يضرّنِي لو كنت وافقتكم؛ ولذا قال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} العرب تقول: وَزَرَ الذنب: إذا تحمّلَهُ، أي: ولا تحمل نفس وازرة، أي: مُذْنِبَة متحمّلة للآثام، لا تحمل وِزْرَ ذَنْبِ نفس أخرى، بل كل نفس عليها ذنبها، وهذا كالتأكيد لقوله: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} وهذا بَيِّن، ولو كانت أقرب الأنفس إلى النفس لا تحمل عنها من وِزْرِهَا شيئاً، كما يأتي في قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: آية 18] وكان بعض العلماء يقول: سبب نزول هذه الآيات: أنهم لما دعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يعبد معهم آلهتهم مرة ويعبدون معه إلهه مرات، وقنّطهم من ذلك، وأمره الله أن يقول: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} قالوا له: أنت وأصحابك اتبعوا سبيلنا واعبدوا معبوداتنا ونحن نتحمل عنكم جميع الآثام، ونضمن لكم خير الدنيا والآخرة، فكل ما يهمّكم في ذِممنا وعلينا، كما قال: إنهم قالوا: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: الآيتان 12، 13] أي: أثقال ضلالهم، وأثقال إضلالهم؛ ولذا قال هنا: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} فكسبنا وآثامنا لا تكون عليكم، ولا يمكن أن تتحملوها لو أطعناكم
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: لا تحمل نفس مذنبة -يعني- ذنب نفس أخرى، بل كل وعمله، والله لا يأخذ أحداً بعمل غيره، فالكل مؤاخذ بما عمل. وهذه الآيات فيها موعظة عظيمة وسؤال؛ أما الموعظة العظيمة: فهي أن يعلم الإنسان أن حركاته في الدنيا وسكناته أن ما فيها من نفع فهو عائد إلى خصوص نفسه، وما فيها من ضرّ فهو عائد إلى خصوص نفسه، فليجتهد الإنسان وقت إمكان الفرصة أن يُسَلِّم نفسه من البلايا، وأن يُكسبها الخيرات، فحركات الإنسان في دار الدنيا إنما يبني بها بيته الذي إليه مصيره الأخير، وهو إما غرفة من غرف الجنة أو سجن من سجون النار، فعلى كل مكلف أن يتأمل في نور القرآن في الحياة الدنيا في صحته وفراغه، ويعلم أن حركاته من أقواله وأفعاله ونيّاته وقصوده إنما يبني بها مقرَّه الأخير النهائي: إما غرفة من غرف الجنة، وإما سجن من سجون النار. الثاني: أن يُقال: في هذه الآية سؤال: لأن الله نص فيها أنه لا يؤاخذ أحداً بفعل أحد آخر، وقد جاءت مسألتان وقعت فيهما المؤاخذة بفعل الغير: إحداهما: تحمّل العاقلة للديّة، فقد يقتل رجل إنساناً خطأ فتُجعل الديّة على عاقلة ذلك الرجل، فيُكلفون بغرم لا ناقة لهم فيه ولا جمل، فهذه الأنفس قد أُخذت بذنب نفس أُخرى وهي لا ذنب لها فيه. الثاني: ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر (رضي الله
عنهما) أنه قال: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (¬1) وهذا كأنه عُذب بفعل غيره، والحديث ثابت في الصحيح، وتكذيب عائشة لابن عمر في هذا الحديث -توهيمها له، وأنه غَلِطَ نظراً لهذه الآيات- غلَطٌ منها هي (رضي الله عنها)، والصواب مع ابن عمر؛ لأنه حافظ سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - غير شاك ولا متوهم (¬2). فهذان سؤالان: لِمَ وجبت الدية على العاقلة وهي من فعل غيرها؟ ولِمَ عُذِّب الميت ببكاء أهله وهو من فعل غيرِهِ؟ والعلماء أجابوا عن هذا بأجوبة، قالوا (¬3): أما العاقلة: فإن الإنسان القاتل خطأ لا ذنب عليه؛ لأنه لا يقصد شيئاً ولا مؤاخذة عليه عند الله إجماعاً؛ لأن الله يقول: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: آية 5] ويقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَئاً} [النساء: آية 92] والكفارة التي وجبت عليه قال بعض العلماء: إنما هي مؤاخذة لعدم شدة التحفظ والتحرز أولاً والتسبب في عدم وقوع الخطأ، أما بعد وقوع ¬
الخطأ فلا إثم فيه قطعاً. قالوا: هذا رجل مسلم لزمته دية، وهو لم يقصد سوءاً، ولم يقصد بها ذنباً ولا جريمة، فالله (جل وعلا) أمر عاقلته من أهل ديوانه -ممن يقول بالديوان- أو من عصبته- ممن يقصرها على العصبة- أمرهم أن يساعدوه، وخالق السماوات والأرض يُدبِّرُ على البعض من البعض، ويأمر البعض بمساعدة البعض؛ إكراماً وجرياً على مكارِمِ الأخلاق، كما أمر بأن تؤخذ الزكاة من أغنيائنا وتُرَدّ على فُقَرَائِنَا، فهذه إعانة محض، ومكارم أخلاق جاء القرآن بها معاونة لذلك الإنسان، كما أوْجَبَ الزَّكَاة؛ مساعدةً لِلْفَقِير، وما جرى مجرى ذلك. أما حديث ابن عمر فَلِلْعُلَمَاءِ عنه أجوبة كثيرة (¬1)، منها: أنهم حملوه على الميت الذي أوصاهم أن يبكوا عليه؛ أي: عرف أنهم إذا مات يبكون عليه ولم ينههم، وكانت هذه عادة العرب، ويوضحه قول طرفة بن العبد في مُعَلَّقَتِهِ (¬2): فَإِنْ مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ فهذا إذا شقّت عليه الجيب وبكت عليه فلا إشكال في تعذيبه ببكائها؛ لأنه أمره بها في الدنيا وهو من فعله، وكذلك من علم أنه إذا مات يفعلونه ولم ينههم، فهو مُتَسَبِّب بِعَدَمِ نَهْيِهِمْ. وقال بعض العلماء: تعذيبه ببكاء أهله أن أهله إذا بكوا عليه أن الله يُطلعه على ذلك ويأسف ويحزن من حزن أهله، إلى غير ذلك من الأقوال، وأظهرها الأول، وهذا معنى قوله: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ¬
إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ} المرجع هنا: مصدر ميمي، بمعنى: الرجوع، والمصدر الميمي إذا لم يكن من مادة واوية الفاء يكون قياسه (مفعَل) بفتح العين (¬1)، فالقياس أن يكون (المرجَع) بفتح الجيم، ولكن هذا سماع مانع للقياس، فهو مصدر ميمي على (مفعِل) سماعاً لا قياساً، ومعناه: إليه رجوعكم يوم القيامة {فَيُنَبِّئُكُم} أي: يخبركم إخبار مجازاة {بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} بالذي كنتم تختلفون فيه، يعني: أهؤلاء الذين كانوا شيعاً وفرقوا دينهم واتبعوا الأهواء والضلالات، وهؤلاء الذين كانوا على الصراط المستقيم، مرجعهم جميعاً إلى الله، فيخبرهم بالحقيقة، ويبيِّن لهم الضَّال من المُهْتدِ، ويعاملهم بحسب ما كانوا عليه من هدى وضلال، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165)} [الأنعام: آية 165]. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} قال بعض العلماء: هذه منّة تخص أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - {وَهُوَ} أي: الله {الَّذِي جَعَلَكُمْ} يا أمة محمد خلفاء الأرض؛ لأنه لا يأتي نبي بعد نبيكم، ولا شرع بعد شرعكم، فيكون الحكم في الأرض تبعاً لشرعه، بل شرعكم ودينكم هو الباقي الخالد في الأرض، المُحَكَّم في جميع مَنْ في الأرض؛ في دمائهم وأموالهم وأديانهم وأعراضهم وفروجهم فأنتم خير الأمم، وأنتم ¬
خلفاء الأرض، لا يأتي شرع ينسخ شرعكم، ولا نبي بعد نبيكم، فأنتم خلفاء الأرض إلى يوم القيامة، وإن شرعكم باق، ونبيكم لا نبي بعده، ودينكم باق إلى يوم القيامة، وعلى هذا فالمنّة على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهذا الامتنان يقتضي أن تعطوا الخلافة في الأرض حقها، وتقتفوا آثار الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتخلِّفُوه خلافة حقّاً، فتُرضوا الله بأن تنفذوا أوامره في أرضه، وتضعوا العدالة في أرضه، وتجعلوا المحكّم في الدنيا نظامه الذي شرع، وتجعلوا كلمته هي العليا، وتستعدوا بكل قوة حتى تجعلوا كلمة الذين كفروا السفلى، فعلى هذا القول فهو منّة على هذه الأمة. وقال بعض العلماء: ( ... (¬1)). ••• ¬
سورة الأعراف
سورة الأعراف قوله تعالى: {المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)} [الأعراف: 1 - 3] قد تَكَلَّمنا فيما مضى مراراً على الحروف المقطعة في أوائل السور، وذكرنا كلام العلماء فيها، وسَنُلِمُّ هنا ببعض قليل منه. رُوي عن ابن عباس وغيره أن قوله: {المص (1)}: أنا الله أَفْصِل (¬1). كما روى عنه: «أنا الله أعلم» (¬2) في {الم}. ورُوي عن جماعة أن الألف واللام والميم والصاد أنها من أول اسمه المُصوِّر (¬3)؛ لأن اسمه المُصوِّر تحته غرائب وعجائب تُبْهِر ¬
العقول، إذا رأيتم الناس يوم جمرة العقبة مجتمعة من أقطار الدنيا وجدتموها على صَبَّة واحدة: الأنف ها هنا، والعينان ها هنا، والفم ها هنا، على نمط وأسلوب واحد، مع أنه لم تشتبه صورة رجل بصورة رجل حتى لا يُفرَق بينهما، ولا صورة امرأة بصورة امرأة، فكل منهم له صورة يُطبع عليها، سابق علم الله بها، مُنفَّذ في تصويره بها. وهذا مما يدل على كمال وعظمة خالق السماوات والأرض. ولكن تفسير الحروف المقطعة بأنها تدل على حروف من أسماء الله، هذا التفسير وإن قال به بعض أهل العلم، وإن كان له أصل في الجملة في اللغة العربية؛ لأن من أساليبها: وضع الحرف مراداً به الكلمة، كما قال الراجز (¬1): قُلْتُ لهَا: قِفِي فَقَالَتْ لِي: قَافْ ... لاَ تَحْسَبِي أنَّا نَسِينَا الإِيجافْ يعني بقوله: «قاف» وقفت. ومنه قول الآخر (¬2): بِالخَيْرِ خَيْرَاتٌ وَإِنْ شَرّاً فَا ... وَلاَ أُرِيدُ الشَّرَّ إِلاَّ أَنْ تَا يعني: وإن شرّاً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فجاءوا بالحرف واستغنوا عن الكلمة. لكن هذا التفسير لم يقم عليه دليل، ولا يجب الرجوع إليه. وقد يفتح باب هذا التفسير للباطنية الزنادقة حيث يفسرون الكلام برموز وألغاز غير مرادة. ¬
وقال بعض العلماء (¬1): إن معنى قوله: {المص (1)} أنه اسم لهذه السورة. وبعضهم يقول (¬2): اسم من أسماء الله. وبعضهم يقول (¬3): هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وأظهر أقوال العلماء فيها -مع كثرتها وانتشارها أظهرها- قول واحد؛ لأنه دل عليه استقراء القرآن في الجملة، وما دل عليه استقراء القرآن فهو أقرب من غيره. والقول الذي دل عليه استقراء القرآن هو قول بعض العلماء: إن المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور: إظهار إعجاز القرآن، فكأن الله يقول للبشر: {المص (1)} هذه حروف من الحروف المتداولة بين أيديكم تركبون منها كلامكم، فلو كان هذا الكلام من عند غير الله وهو مُؤلَّف من حروفكم المتداولة بين أيديكم لكنتم تقدرون على تأليف مثله، فَلِما عَجَزْتُم عن تأْلِيف مثله وهو من الحروف المعْرُوفة لَدَيْكُمْ مركب منها، عرفنا بذلك أنه تنزيل من حكيم حميد لا مِنَ البَشَرِ. ووجه الاستقراء الذي دل على هذا القول: أن الله في جميع القرآن في جميع السور المبدوءة بحروف مقطعة لم تُذكر منها سورة واحدة إلا وجاء بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من شأنه، فدل هذا على هذا، ولم يخلُ من هذا في سائر القرآن إلا سورتان: سورة مريم، وسورة القلم، أما غير ذلك فلا تُذكر الحروف المقطعة إلا ذُكر بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من أمرهِ. قال في البقرة: {الم (1)} فأتبعه بقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى ¬
لِّلْمُتَّقِين (2)} [البقرة: الآيتان 1، 2] وقال في آل عمران: {الم (1) الله لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)} فأتبعه بقوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} الآية، [آل عمران: الآيات 1 - 3] وقال هنا في الأعراف: {المص (1)} ثم أتبعه بقوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [الأعراف: الآيتان 1، 2] وقال في سورة يونس: {الر} ثم أتبعه بقوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: آية 1] وقال في سورة يوسف: {الر} ثم قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين} [يوسف: آية 1] وقال في الرعد: {المر} ثم قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ} الآية [الرعد: آية 1]، وقال في سورة الخليل: {الَر} ثم قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: آية 1]، وقال في سورة الحجر: {الَر} ثم قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: آية 1] وهكذا في سائر القرآن إلا في سورة مريم والقلم؛ حيث أتبع الحروف المقطعة في سورة مريم في قوله: {كهيعص (1)} بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)} [مريم: الآيتان 1، 2] وقال في القلم: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)} [القلم: آية 1] مع أن هذه يُحتمل أن المراد بـ {وَمَا يَسْطُرُونَ} هو هذا القرآن العظيم؛ لأنه أعظم ما يُسطر، فيكون في مريم فقط. وقوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [لأعراف: الآية 2] أكثر العلماء على أن الكتاب خبر مبتدأ محذوف (¬1)، وحذف المسند إليه إذا دل المقام عليه نوع من الإيجاز معروف مقبول في النحو وفي المعاني، لا اختلاف فيه، وهذا هو الأظهر، أن قوله: {كِتابٌ} خبر مبتدأ ¬
محذوف: هذا كتاب أُنزل إليك. خلافاً لمن زعم أن {المص (1)} اسم لهذه السورة، وأنه في محل مبتدأ، وأن {كِتَابٌ} خبره (¬1)، والمعنى: السورة المسماة {المص (1)} كتاب أُنزل إليك. والقرآن يطلق على كل سورة منه أنها كتاب وأنه كتب عديدة؛ لأنه مكتوب في صحف كثيرة، كما بينه تعالى في سورة البينة حيث قال: {رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)} [البينة: الآيتان 2، 3] فعبر عن القرآن بأنه كتب قيمة. ولكن الأظهر هو ما عليه الجمهور: أن قوله: {كِتَابٌ} خبر مبتدأ محذوف: هذا كتاب. والكتاب (فِعال) بمعنى: (مفعول) والمعنى: كلام الله مكتوب، فالكتاب بمعنى المكتوب. وإنما قيل له كتاب: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال الله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)} [البروج: الآيتان 21، 22] ومكتوب في صحف بأيدي الملائكة، كما قال تعالى: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)} [عبس: الآيتان 13 - 15] وكون الكتاب بمعنى المكتوب هو (فِعَال) بمعنى (مفعول). والقرآن وإن كان مكتوباً في اللوح المحفوظ فنزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ليس أن جبريل ينظر في اللوح المحفوظ (¬2)، بل الله (جل وعلا) يكلم جبريل بما يريد إنزاله من أنجم القرآن، فيسمعه جبريل من كلام الله على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله. وإذا تكلم الله ¬
بوحيه صعق أهل السماوات من عظمة كلام رب العالمين (جل وعلا) كما جاء مبيناً في الأحاديث الصحيحة (¬1)، وأول من يرفع رأسه منهم جبريل، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعه جبريل من كلام رب العالمين، يتكلم به الله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، المخالف لكلام خلقه من جميع الجهات، ثم يأتي جبريل فيكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم. وأنواع الوحي بَيَّنَهَا النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث بكثرة. ولما كان هذا القرآن مكتوباً في اللوح المحفوظ، وفي الكتب عند الملائكة سُمِّي الكِتَاب. وقال الله فيه هنا: {كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيكَ} والكتاب (فِعَال) بمعنى (مفعول)، أي: مكتوب، وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفعول) مسموع في كلام العرب وليس قياساً مُطَّرِداً، وتوجد في العربية منه أوزان معروفة، ككتاب بمعنى: مكتوب، وإله بمعنى: مألوه، أي: معبود، ولباس بمعنى: ملبوس، وإمام بمعنى: مؤتم به. فكلها (فِعَال) بمعنى اسم المفعول. وأصل مادة الكاف والتاء والباء (كتب) في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناها الضم والجمع (¬2)، فكل شيء ضممت بعض أجزائه إلى بعض فقد كَتَبْتَهُ، ومنه قيل للكبكبة من الجيش: (كتيبة) لأنها طائفة من الجيش جُمع بعض أطرافها إلى ¬
بعض، كما قال نابغة ذبيان (¬1): وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ ولذلك قيل للخياطين: (كاتبين) فالعرب تسمي الخائط كاتباً، وتسمي الخياطة كتابة؛ لأن الخياط يضم أطراف الثوب بعضها إلى بعض، وكذلك الخَرَّاز تسميه العرب كاتباً؛ لأنه يضم بعض أطراف الجلد إلى بعض ويخرزها فيجمعها بالسير، فقيل له: كاتب؛ لأنه ضم بعض الأجزاء إلى بعض. وفي لُغَز الحريري في مقاماته (¬2): وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ ... حَرْفاً وَلاَ قَرَءُوا مَا خُطَّ فِي الْكُتُبِ يعني بهم الخياطين؛ ولذا تسمي العرب الخُرْزَة الذي يجمع السير وجهيها تسميها (كُتبة) وتسمي السير أيضاً الذي يجمعها (كُتبة) (فُعلة) من الكَتْب بمعنى الضم والجمع، ومن هذا المعنى وهو تسمية الخُرْزَة التي يجمع السير طرف وجهيها في خياطة الجلود أنها تسمى (كُتْبة) وتجمع على (كُتَب) بضم الكاف وفتح التاء، ومن هذا المعنى: قول غيلان ذي الرمة (¬3): مَا بَالُ عَيْنَيْكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ ... كَأَنَّهُ مِنْ كُلى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ ... وَفْرَاءَ غَرْفيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزهَا ... مُشَلْشَلٌ ضيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الكُتَبُ يعني أن دمعه يسيل بِكَثْرَةٍ؛ كما أن الخُرَز إذا اتَّسَعَتْ عَنِ السَّير وصارت فيها فجوات انْصَبَّ الماءُ مِنْهَا من السّقاء بكثرة؛ ولذا كانت العرب تقول: «اكْتُب بغْلتك، واكْتُب ناقتك» يعنون: أن يجمع طرفي ¬
فرجها بحلقة لئلا يُنْزَى عليها الذكر فتحمل، وكان يقول الشاعر يهجو بني فزارة من قبائل ذبيان من قيس عيلان بن مضر، كانت العرب تعيرهم بأنهم كانوا يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل، وكان الشاعر يقول (¬1): لاَ تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ يعني: خِط فرجها بأسيار لئلا يزني بها إن خلا بها، وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة؛ لأن معاني لغة العرب يُسْتَفَاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مُفْرَغاً في معاني خسيسة تافهة فنَحْنُ نَقْصِدُ مُطْلَق اللّغَة لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها. إذا عرفتم هذا فالْكِتَابة مصدر سيال، سُميت كتابة؛ لأن الكاتب يضم حرفاً إلى حرف، ويجمع حرفاً مع آخر، وحرفاً مع آخر، حتى تحصل من هذا نقوش وحروف تدل على معاني الكلام؛ ولهذا سُمِّيَ الكتاب كتاباً. وقوله: {أُنُزِلَ إِليْكَ} الجملة الفعلية في قوله: {أُنزِلَ إِليْكَ} في محل النعت لقوله: {كِتابٌ} لأن (¬2) النكرات تُنعت بالجمل، ويربط بينها وبين النكرة بالضمير كما هو معروف. وفاعل الإنزال محذوف، والأصل: أنزله الله إليك، وإنما حذف الفاعل اختصاراً؛ لأن من المعلوم أن هذا القرآن العظيم المُعجز الجامع لكل خير، الشامل لعلوم الأولين والآخرين ليس هناك من يقدر على إنزاله إلا خالق السماوات والأرض. ولما كان المُنْزِل معلوماً كان هذا ¬
الاختصار والإيجاز واقعاً موقعه؛ لأن الفاعل معروف، فلو حُذف لما ضر حذفه؛ ولذا قال: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ} أي: أنزله الله إليك. وقد أنزله الله إليه أنجماً، منجماً في حوالي ثلاث وعشرين سنة. وقوله: {فَلاَ يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} يعني: هذا الكتاب أنزله الله إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فاللام في قوله: {لِتُنذِرَ} - الآتي- يتعلق بقوله: {أُنزِلَ} (¬1) يعني: أُنزل إليك لأجل أن تُنذر به وأن تُذكر به، فلا تعجز عن ذلك الإنذار، ولا يضق صدرك عنه. {فَلاَ يَكُن في صَدرٍكَ حَرَجٌ مِنْهُ} صدر الإنسان معروف، وإذا جاء على الإنسان أمر يثقل عليه أو يشق عليه أورثه ضيقاً في صدره، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يشق عليه ويضيق بصدره التبليغ من حيث إن الكفار يكذبونه ويقولون له: أنت كذاب، أنت ساحر، أنت شاعر، أنت كاهن، هذه أساطير الأولين عَلَّمَكَها بشر، فتكذيبهم له وأذيتهم له يشق عليه، كما قال الله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97)} [الحجر: آية 97] وقال: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيُحْزِنُكَ} [الأنعام: آية 33] وفي القراءة الأخرى: {لَيَحزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} (¬2) أي: {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} أي: ضيق. يعني: أَوْسِع صدرك، وتحمل الأذى، وشُقَّ الطريق في تبليغ هذا القرآن العظيم، والإنذار به، والتذكير به، لا تضعف، ولا تجبن، ولا تخف من الأذى، ولا يضق صدرك به. والحرج في كلام العرب أصله: الضيق (¬3)، وقد يُسمون الشجر ¬
الملتف الذي لا تصل إليه راعية يسمونه: (حَرَجَة) لضيق مكانه، وقد كانوا يقولون في قصة غزوة بدر: «فإذا أبو جهل كالحَرَجَة» -يعني لشدة ازدحام قريش عليه وصيانتهم له- يقولون: أبو الحكم لا يُخلص إليه (¬1) كالشجرة الملتف عليها الشجر لا يمكن أن يُوصل لها، هذا أصل (الحرج) في لغة العرب الضيق، وقد بَيَّنَّاه في قوله: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام: آية 125]، ومنه قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: آية 78] أي: ما جعل عليكم من ضيق، وأحرجه: أوْقَعَهُ في الحَرَج؛ ولذا سُميت الطلقات الثلاث (المُحَرِّجَات) لأنها تُضَيِّق على صاحبها وتمنعه مِنْ رَجْعَةِ امْرَأته، واليمين قد تكون مُحَرِّجة؛ لأنها تمنع من المحلوف عليه، وهذه المعاني معروفة في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل بن معمر، على الخلاف المعروف في الشعر المشهور (¬2): قَالَتْ: وَعَيْشِ أَبِي وَحُرْمَةِ إِخْوَتِي ... لأُنَبِّهَنَّ الحَيَّ إِنْ لَمْ تَخْرُجِي فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِهَا فَتَبَسَّمَتْ ... فَعَلِمْتُ أَنَّ يَمِينَهَا لَمْ تُحْرَجِ أنها يمين ليست مضَيّقة، وأنها كلا شيء. وكذلك قول العَرْجِي بن عمر بن عثمان (¬3): ¬
عُوجِي عَلَيْنَا رَبَّةَ الهَوْدَجِ ... إِنَّكِ إِلاَّ تَفْعَلِي تُحْرَجِي يرويه كثير ممن رواه: (إنك إلاَّ تفعلي تَحْرجي) أي: تقعي في الحرج الذي هو الإثم والضيق بالذنوب، والأظهر أن أصله (تُحْرِجِي) أي: توقعي صاحبك في حرج وضيق، حيث هجرتِهِ، هذا أصل الحرج في لغة العرب. وعليه فالآية كقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُك أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} [هود: آية 12] وكقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6)} [الكهف: آية 6] وروي هنا عن جماعة من كبار المفسرين أن الحرج في هذه الآية: الشك (¬1) أي: فلا يكن في صدرك شك منه أنه مُنَزَّلٌ من الله (جل وعلا). وعلى هذا فالآية كقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: آية 147] أي: من الشاكين، وقوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: آية 94]. وتفسير الحرج في آية الأعراف بالشك في هذا الموضع قال به جماعة من أجلاء المفسرين. وعلماء العربية يقولون: إنه -مع أنه رُوي عن بعض أجلاء أهل التفسير أنه- سائغ في اللغة العربية؛ لأن الشاك قلق صدره ضَيِّق لا يميل إلى طرف الإثبات ولا إلى طرف النفي، وِمما يؤيد هذا: أن الريب في جميع القرآن معناه: الشك. كقوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: آية 2] أي: لا شك فيه. مع أن أصل الريب في لغة العرب: مصدر رابه، يريبه، ريباً إذا أزعجه وأقلقه. وفي حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم رأى ظبياً حاقفاً (¬2) ¬
فقال: «لاَ يَرِيبُهُ أَحَدٌ» (¬1) يعني: لا تزعجوه، ولا تُقْلِقُوه، ولا تنفروه؛ لأنَّكم مُحْرِمُون لا يجوز لكم إزعاج الصيد. ومن هذا المعنى قول توبة بن الحُمَيِّر (¬2): وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تَبرقَعَت ... فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها رابني: يعني أزعجني وأقلقني؛ لأن أهلها كانوا شَكَوه إلى الوالي فأهدر دَمَهُ إنْ زارها، وكان إذا جاءها لبست برقعها عنه، فأنذروها وأنها إن أعلمته فعلوا بها وفعلوا، فلما زارها سفرت وكشفت عن وجهها، فشرد توبة بن الحُميِّر هارباً وقال: وكنتُ إذا ما جئت ليلى تَبرقَعَت ... فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها فعلم أنها ما كشفت عن وجهها إلا لأن النار تحت الرماد. والشاهد أن قوله: (فقد رابني منها) أزعجني وأقلقني، وأن الريب أصله الإزعاج والإقلاق، وهو في القرآن يطلق على الشك؛ لأن نفس الشاك غير مطمئِنَّة، بل هي قلقة مضطربة لا تدري أتميل إلى طرف النفي أو إلى طرف الثبوت. وهذا معنى قوله: {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَج مِّنْهُ}. وقوله: {لِتُنذِرَ بِهِ} التحقيق أنها لام كي المعروفة بلام التعليل، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، وهي تتعلق بقوله: {أُنزِلَ} (¬3) يعني: أُنزل إليك هذا الكتاب لأي حكمة أُنزل إليك؟ ¬
{لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِين (2)}. وقوله: {لِتُنذِرَ} أصله مضارع أنذره ينذره إنذاراً، والإنذار في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو خصوص الإعلام المقترن بتهديد خاصة وتخويف، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً؛ لأن الإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد خاصة (¬1). وأصل ماضي هذا الفعل: (أنذر) بالهمزة، وكان لو جرى على الأصل لقيل: «لِتُؤَنْذِرَ به» لكن (¬2) القاعدة المقررة في فن التصريف أن كل فعل بُني ماضيه على (أَفْعَل) أن همزة (أَفْعَل) تحذف وجوباً بقياس مطرد في مضارعه، واسم فاعله، واسم مفعوله. ومفعول الإنذار هنا محذوف، وقد دل عليه التفصيل؛ أي: لتنذر به الكفار المتمرِّدين العاتين، وتذكر به المؤمنين (¬3). فالقرآن إنذار لقوم تمرّدوا وعتوا، وتذكرة وبشرى لقوم آخرين كقوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً (97)} [مريم: آية 97] والمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتخوف به الخلق الذين كذّبوه ولم يتبعوه. وفي هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات زواجر عظيمة ينبغي لنا أن نعتبرها؛ لأن خالقنا (جل وعلا) بَيَّن لنا في أول هذه السورة الكريمة -سورة الأعراف من هذا المحكم المنزل الذي هو آخر كتاب نزل من السماء على آخر نبي بعثه الله في أرضه (صلوات الله وسلامه عليه) - قال: إنه أنزل عليه هذا الكتاب ليخوف به الخلق من عقوبات خالق السماوات والأرض وسخطه، فإنه الجبار الأعظم الذي ¬
إذا سخط عاقب العقوبة المهلكة المستأصلة. فبهذا يجب علينا أن نتأمل في معاني القرآن، ونعرف أوامر ربنا التي أمرنا بها فيه، ونواهيه التي نهانا عنها، ونخاف من هذا الإنذار والتهديد الذي أُنزل هذا القرآن على الرسول ليفعله بمن لم يعمل بهذا القرآن العظيم. فالإنسان يجب عليه أن يتدبّر هذا القرآن العظيم، وينظر أوامره، وينظر نواهيه، ويعمل بما فيه من الحلال والحرام، فالحلال ما أحله الله في هذا القرآن وبينته السنة الكريمة، والدين ما شرعه الله؛ لأنه لا حكم إلا لله، فكل الأحكام هي لله، والتشريع لله، والتحليل والتحريم لله، وقد أنزل علينا هذا الكتاب ليخوفنا إذا لم نعمل بما فيه من العبر والآيات، فَنُحل حلاله، ونُحرِّم حَرَامَه، ونعتقد عقائده، ونعمل بمحْكَمه، ونؤمن بمتشابهه، ونعتبر بما فيه من الأمثال، وتلين قلوبنا لما فيه من المواعظ وضروب الأمثال. فهذا الإنذار لا ينبغي للمسلم أن يهمله ويعرض عنه صفحاً. وقوله: {وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِينَ (2)} الذكرى هنا مصدر مؤنَّث تأنيثاً لفظيّاً بألف التأنيث المقصورة، وأصله بمعنى: التذكير، أي: لأجل الإنذار لمن عَتَى وتمرد، وللتذكير للمؤمنين العاملين به. والذكرى: هي الاتِّعَاظ؛ لأن المؤمنين يذكرهم فتنفعهم الذكرى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)} [الذاريات: آية 55]. وقوله: {وَذِكْرَى} في محل إعرابه ثلاثة أوجه معروفة (¬1): أظهرها: أنه في محل خفض معطوف على {لِيُندرَ بِهِ} أي: للإنذار وللتذكير، ويجوز أن يكون منصوباً عطفاً على محل {لِيُندرَ بِهِ} لأنه ¬
وإن جُرَّ فهو في معنى مفعول لأجله، ويجوز أن يكون مبتدأ، ويكون -أي: يجوز- معطوفاً على قوله: {كِتَابٌ} كتاب أنزلناه إليك، وذكرى للمؤمنين أنزلناها إليك. والأول هو الأظهر. والمؤمنون: عباد الله المصدقون بقلوبهم تصديقاً تساعده جوارحهم، فيكون القلب مصدقاً وتظهر آثار ذلك التصديق على الجوارح، بأن تطيع الله، وتمتثل أمره، وتجتنب نهيه. فالإيمان في لغة العرب يطلق على التصديق (¬1)، ومنه {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي: بمصدقنا في أن يوسف أكله الذئب {وَلَو كُنَّا صَادقِين (17)} [يوسف: آية 17]. وهو في اصطلاح الشرع (¬2): التصديق من جهاته الثلاث: وهو تصديق القلب بالاعتقاد، وتصديق اللسان بالإقرار، وتصديق الجوارح بالعمل. فالإيمان قول وعمل، ينقص ويزيد بحسب الأعمال الصالحة وعدمها على مذهب أهل السنة والجماعة الذي دلت عليه نصوص الوحي في القرآن والأحاديث الصحيحة بكثرة، كقوله: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح آية 4] {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: آية 2] وما جرى مجرى ذلك من النصوص، وفي الحديث الصحيح: «إن الإيمانَ بِضْعٌ وسَبْعونَ -وفي بعضها: وَسِتُّونَ- شُعْبَةً أعْلاهَا: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عن الطَّريق» (¬3) وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إماطة الأذى عن الطريق إيماناً، وقد سمى الصلاة إيماناً في قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: آية 143] أي: صلاتكم إلى بيت ¬
المقدس قبل نسْخ القبلة إليه. وهذا معنى قوله: {وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِينَ}. ولما بيَّن (جل وعلا) أنه أنزل هذا الكتاب العظيم على هذا النبي الكريم، وأنه أنزله عليه لينذر به ويُذَكِّر، وأنه يجب على أمته أن تَأْتَسِي به في الإنذار بالقُرْآنِ والتذكير به، أَمَر من ذُكِّروا وأنذروا -أمرهم- بما ينبغي أن يفعلوا حول ذلك الإنذار والتذكير الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] هذا الأمر للوجوب بإجماع العلماء، وصيغة (افعل) وإن اختلف فيها علماء الأصول هل هي تقتضي الوجوب، أو تقتضي الندب، أو تقتضي مطلق الطلب الصادق بالندب والوجوب، أو إن كانت في القرآن اقْتَضَتِ الوجوب، وإن كانت في السنة اقتضت الندب، هذه الأقوال وإن ذكرها علماء الأصول (¬1) فالصحيح المعروف الذي دَلَّ عليه الشرع الكريم واللغة التي نزل بها القرآن: أن صيغة (افعل) إذا جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانت مقتضية لوجوب الامتثال، إلا أن يدل دليل آخر صارف عن ذلك الوجوب، ويكون ذلك الدليل يجب الرجوع إليه، والأدلة على هذا كثيرة: منها أن الله لما قال للملائكة: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [البقرة: آية 34] كانت لفظة {اسْجُدُواْ} صيغة أمر، وهي لفظة (افعل) ومعروف أن المقرَّرَ في المعاني وفي أصول الفقه: أن الصيغ الدالة على الأمر التي تقتضي الوجوب أنها أربع صيغ لا خامسة لها (¬2): ¬
الأولى منها: فعل الأمر الصريح، نحو: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} [الإسراء: آية 78] وقوله هنا: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3]. والثاني: اسم فعل الأمر، نحو: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ} [المائدة: آية 105]. والثالث: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63]، {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} [الحج: آية 29]. والرابعة: هي المعروفة عند النحويين بالمصدر النائب عن فعله، نحو قوله: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: آية 4] يعني: فاضربوا رقابهم. وكقول هند بنت عتبة يوم أُحد لما انهزم المشركون هزيمتهم الأولى، وقُتل حَمَلَة اللواء من بني عبد الدار، وبقي لواء قريش طريحاً حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية التي يقول فيها حسان (¬1): وَلَوْلاَ لِوَاءُ الحَارِثِيَّةِ أصْبَحُوا ... يُباعونَ في الأسْوَاقِ بَيْعَ الجَلائِبِ عند ذلك قالت هند بنت عتبة بن ربيعة العَبْشَمِيَّة: صَبراً بني عَبْدِ الدَّار صَبْراً حُمَاةَ الأدْبَار ضَرْباً بكُلِّ بتَّار (¬2) ¬
فكل هذه المصادر مصادر نابت عن أفعالها، ففيها معنى الأمر. تعني: اصبروا يا بني عبد الدار، واضربوا بكل بتَّار. هذه هي صيغ الأمر. وقد دل القرآن والسنة ولغة العرب على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب، فمن الدليل على ذلك: أن الله لما قال للملائكة: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [البقرة: آية 34] كانت {اسْجُدُواْ} صيغة (افعل) فلما امتنع إبليس وبَّخه وحكم عليه بالعصيان، وقال: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} موبِّخاً له، فَدَلَّ على أن عدم امتثال صيغة الأمر أنه معصية، ويؤيِّدُ ذلك أن نَبِيَّ الله موسى قال لأخيه هارون لما أراد السفَر إلى الميقات، قال لأخيه هارون: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} [الأعراف: الآية 142] وهذه صيغة أمر، فلما ظن أنه لم يتبعها قال: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)} [طه: آية 93] فصرح بأن مخالفة صيغة (افعل) معصية، ومن الأدلة على ذلك أن الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} [النور: آية 63]، وقد قال جل وعلا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب: آية 36] وفي القراءة الأخرى: {أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (¬1)، ومن قضائه للأمر هو أن يقول: (افعل كذا) فدلت آية الأحزاب هذه على أن أمره تعالى قاطع للاختيار، موجب للامتثال، والأدلة في هذا كثيرة. ووجه دلالة اللغة العربية على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب: أن السيد المالك لعبد لو قال لعبده: (اسقني ماءً) فامتنع ¬
العبد ولم يسق سيده فأدَّبَه وضربه أن عامة أهل اللسان يقولون: إن هذا العتاب واقع موقعه، فلو قال العبد للسيد: أنت ظلمتني بعقابي هذا؛ لأن قولك (اسقني) صيغة (افعل) وهذه لا تُوجب ولا تلزم شيئاً!! لقال له أهل اللسان العربي: كذبت يا عبد، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك امتنعت، فلسيدك أن يعاقبك. هذا وجه دلالة اللغة العربية على ما ذكرنا. وعلى كل حال فقوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} هذا الأمر واجب بإجماع العلماء، فيجب على كل مسلم أن يتبع ما أنزله الله في هذا القرآن الكريم على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. والسنة جميعها إنما هي قطرة من بحر القرآن العظيم؛ لأن القرآن بحر لا ساحل له، والسنة قطرة من بحره؛ لأن جميع ما جاء في سنة رسول الله يدخل في قوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: آية 7] والعمل بما جاء عن رسول الله عمل بالقرآن العظيم، وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه جاءته امرأة تسأله عن ابنتها يريدها زوجها أن تُزف إليه، وقد تمعَّط شعرها، يعني: سقط شعرها، والشعر جمال المرأة، فهي تريد أن تصل شعر رأسها بشيء تجملها به لزوجها، فذكر ابن مسعود أن الواصلة شعرها بشعر غيرها ملعونة في كتاب الله، فجاءته المرأة بعد ذلك وقالت له: لقد قرأت ما بين اللوحتين أو ما بين الدفتين فلم أجد لعن الواصلة في كتاب الله!! فقال لها: إن كنت قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وجدتيه، أوَمَا قَرَأْتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}؟ قالت: بلى. قال: هو صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة (¬1). وهذا مما يدل على أن كل ما في سنة رسول الله فالعمل ¬
به عمل بكتاب الله. {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} فعلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يعملوا بهذه الأوامر السماوية المنزَّلة من خالق السماوات والأرض، الذي فتح أعينهم في وجوههم، وصبغ لهم بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفتح لهم آنافهم وأفواههم، وأعطاهم الألسنة، وأنبت لهم الأسنان، وشق لهم المحل
الذي ينزل عنهم منه البول والغائط، وفتح لهم العروق والشرايين ليجري فيها الدم، فهذا لو لم يثقبه رب العالمين ويفتحه لما قدر أحد على أن يثقبه!! هذا الذي هذه عظمته، وهذا سلطانه وقدرته عليكم يأمركم بوحيه المنزل من فوق سبع سماوات أن تتبعوا أوامره ونواهيه التي أنزلها على رسله، ولا تتبعوا أولياء غيره (جل وعلا)، ولا تشريعات غير شرعه (جل وعلا)، فيجب على جميع المسلمين أن يعلموا أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حَرَّمَه الله، والدين هو ما شرعه الله، والمُتَّبَعُ هو نظام الله الذي أنزله في هذا القرآن على سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه). فالذين يتمردون على هذا الأمر ويسمعون في القرآن: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ويقولون: لا، لا يمكن أن نتبع ما أُنزل إلينا من ربنا بل نتبع قانون نابليون، أو قانون فلان، أو فلان من القوانين الوضعية المستوردة المتمردة على نظام خالق السماوات والأرض!! هذا أمر لا يليق، وصاحبه ليس من الإيمان في شيء؛ لأن هذا الكون ليس فوضى، وإنما له خالق جبار ملك عظيم قهار خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، ولا يقبل أبداً ولا يرضى أبداً أن يُتبع شيء إلا الشيء الذي أنزل هو (جل وعلا) على رسوله الكريم لينذر به ويذكر به المؤمنين، فهذا هو الذي ينبغي أن يُتبع، وهو نظام السماء الذي يحفظ لبني آدم في دار الدنيا أديانهم أتم الحفظ، ويحفظ لهم أنفسهم، ويحفظ لهم عقولهم، ويحفظ لهم أنسابهم، ويحفظ لهم أموالهم، ويحفظ لهم أعراضهم، إلى غير ذلك من مقوماتهم الدينية والدنيوية، فيجب اتباعه وعدم العدول عنه إلى غيره.
وبهذا تعلمون أن من يقوم ويعلن في وقاحة أمام جميع الدنيا أنه لا يتبع ما أنزله الله إلى سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه)، والله يأمر باتباع ما أنزل وتَرْكِ اتباع غيره، وهو يعلن إذا كان رئيساً لقوم باسم الذين يزعم أنه مُمَثِّلهم أنه لا يحكم بما أنزل الله، ولا يتبع ما أنزل الله، بل يحكم بقانون آخر وَضْعِي وضَعَه زنادقة كَفَرَة فجرة مُظْلِمَةٌ قلوبهم، هم في أصل وضعه عالة على علماء المسلمين، زنادقة كفرة فجرة، يرْغَب عن تَنْزِيل رب العالمين المأمور باتباعه فيذهب إلى وضع الخنازير الكفرة الفجرة، يعتقد أنه هو الذي ينظم علاقات الحياة، زاعماً أن القرآن تقاليد قديمة، وأنَّ رَكْبَ الحضَارَة تَطَوَّرَ عنها، وأن الدنيا تطورت في أحوالها الراهنة تطوراً بعد نزول القرآن لا يمكن أن ينظمها القرآن!! فهذا كلام الفَرَاعنة الجهلة المتمردين على نظام السماء، ولا يوجد في الدنيا نظام يضبط علاقات الخلق وينشر الطمأنينة والرخاء والعدالة مثل نظام السماء الذي وضعه خالق السماوات والأرض (جل وعلا). والقرآن بَيَّنَ لنا في آيات كثيرة أن الذي يَتَمَرَّد على هذا الأمر في آية سورة الأعراف: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ولم يتبع ما أُنزل إليه مِنْ رَبِّه، واتبع القوانين والنُّظم الوضعية بين لنا في غير ما آية أنه كافر، وأن ربه الشيطان، وأن مصيره إلى النار خالداً مخلداً. [1/ب] / [والآيات القُرْآنية الدَّالة على هذا كثيرة جدّاً، من ذلك ما بَيَّنَّاهُ مراراً أن إبليس عليه لعنة الله، لما جاء تلامذته وإخوانه من أهل مكة، وأراد أن يُهيئ لهم وحي الشياطين ليجادلوا به النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم: سلوا محمداً عن الشاة تُصْبِح ميتة، من هو الذي قتلها؟ فلما أخبرهم أن الله هو الذي قتلها، قالوا له من وحي الشيطان: ما
ذبحتموه بأيديكم -يعنون المذكاة - تقولون: حَلاَل وطاهر وطيب مستلذ، وما ذبحه الله بيده الكريمة -يعنون الميتة، أن الله قتلها- تقولون: هو حرام ميتة مستقذر، فأنتم إذاً أحسن من الله!! وأنزل الله في وحي الشياطين جواباً لنبيه عنه قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] يعني: الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان أنها ذبيحة الله، ثم قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: وإن أكل الميتة لفسق، وخروج عن طاعة الله، ثم قال -وهو محل الشاهد-: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وإن أطعتموهم في تحليل الميتة إنكم لمشركون. اعلم أن تحليل الميتة وتحريمها ليس عقيدة من العقائد، ولا أصلاً من الأصول، وإنما هو فرع من الفروع، مضغة لحم شرّع الله على لسان نبيه تحريمها؛ لأنها ماتت ولم يُذكر عليها اسم الله، وشرّع إبليس على لسان أوليائه تحليلها، فهذا نظام إبليس، وهو تحليل الميتة، وهذا نظام خالق السماوات والأرض الذي شرعه على لسان نبيه. فالله يقول: هذه ماتت حتف أنفها، ولم تُذَك ولم يُذكر اسم الله عليها. والشيطان يُشرّع بفلسفته ويقول:] (¬1) الحلال ما قتله الله، وهو ذبيحة الله، وأن المذكاة التي سُمي عليها الله أنها ليست أحل من الجيفة؛ لأنكم أنتم الذين قتلتموها، وقَتْل الله أحل من قتلكم!! هذا وحي الشيطان، وفلسفة الشيطان، يريد أن يحلل لحم الميتة!! ونظام السماء يحرم لحم الميتة على لسان الرسول مأموراً بقوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ومنه تحريم الميتة، أنزل الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ ¬
يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] يعني: الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان وأتباعه الذي يوحي إليهم أنه ذبيحة الله بسكين من ذهب، وأنه أحل من ذبيحة المسلمين. قال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} ثم قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: خروج عن طاعة خالقكم. ثم قال: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} يُعنى بـ (وحي الشيطان): قوله: ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذاً أحسن من الله!! ثم قال -وهو محل الشاهد-: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] هذا فَصْل الله (جل وعلا) بين المتحاكمين إلى قانون الشيطان والمتحاكمين إلى قانون الرحمن، فقد اختصم أتباع الشيطان وأتباع رسل الرحمن في مضغة من لحم: هي لحم الميتة، فقال أتباع الشيطان: إنه حلال. واستدلوا على ذلك بوحي الشياطين: أنها إنما قتلها الله، وما قتله الله ذبيحة الله، وذبيحة الله أحَلّ [من] (¬1) كلِّ شيء. هذا وحي الشيطان وتشريع الشيطان وإلقاء الشيطان إلى أتباع الشيطان. ثم إن الذي أنزل الرحمن على رسل الرحمن أن الميتة التي ماتت ولم تُذَكَّ ولم يذكر اسم الله عليها أنها ميتة يحرم أكلها {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة: آية 173] {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] فهذه طائفة الشيطان تتبع قانونه ونظامه: أن هذا اللحم حلال!! وهذه طائفة أتباع رسل الرحمن تحكم بأن هذا اللحم حرام بتشريع خالق السماوات والأرض، ثم هذا فَصْلُ الله وحكمه بين الطائفتين، قال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] وإن أطعتموهم في تشريع إبليس، واتباع قانونه ونظامه في تحليل الميتة إنكم لمشركون بخالق السماوات والأرض؛ لأن التحريم والتحليل لا يكون إلا ¬
للسلطة العليا التي لا يمكن أن تكون فوقها سلطة، وحكم الله هو كعبادته، فكما أنه يجب إفراده في عبادته يجب إفراده في حكمه؛ ولذا قال: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: آية 110] وقال: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (110)} [الكهف: آية 26] فجعل الحكم كالعبادة. وفي قراءة ابن عامر -كبير القراء، قارئ أهل الشام-: {ولا تُشْرِكْ في حكمه أحدًا} (¬1) أي: لا تشرك أيها العبد في حكم ربك أحداً، فالحكم لله؛ لأن الحكم لا يمكن أن يكون إلا للأعظم الأكبر الأجل الذي ليس فوقه ولا أجلَّ منه شيء، كما قال تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)} [غافر: آية 12] فقوله: {الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} هي مُمَيِّزة لمن يستحق أن يكون الحكم له، فإن كان الطواغيت الذين يتبع الخفافيشُ تعليمهم وأحكامهم هم العَلِيُّون الأكبرون فليتقدموا، وإن كانوا هم الأصاغر الأخسون الأذلون فليعلموا أن الحكم ليس إليهم وإنما هو للعلي الكبير خالق السماوات والأرض جل وعلا. وقوله في هذه الآية: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] هذا الشرك هو شرك أكبر مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، فمن زعم أن الميتة حلال، وأنها ذبيحة الله، وأن وحي الشيطان حق، وأن نظامه أحق أن يُتبع، فإنه كافر بإجماع المسلمين، كما صرح الله بقوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} وهذا الشرك هو شرك أكبر مخرج عن الملة. وهؤلاء المشركون المتبعون قانون الشيطان ونظام إبليس، هم الذين يوبخهم الله في سورة يس يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَ تَعْبُدُوا ¬
الشَّيْطَانَ} معنى عبادتهم للشيطان ليس معناها: أنهم سجدوا له ولا صاموا ولا صلوا، وإنما معناها: أنهم اتبعوا ما شرع لهم من وحي الشياطين، وأخذوا بقانونه ونظامه في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، قال الله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61)} ثم قال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً} والله لقد أضل الشيطان منكم جمعاً وخلائق كثيراً، ويدخل فيها الدخول الأولي: هؤلاء الذين اتبعوا قانونه ونظامه وأعرضوا عن نظام الله المذكور في قوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} ثم قال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً}، ثم وبخهم لخساسة عقولهم ودناءتها فقال: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)} أليست عندكم عقول تعلمون أن من يطاع ويتبع تشريعه، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه هو خالق السماوات والأرض لا إبليس؟! ثم بين مصيرهم النهائي: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: الآيات 60 - 65] وفي التنزيل: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً (117)} [النساء: آية 117] يعني: ما يعبدون إلا الشيطان؛ لأنهم اتبعوا نظامه وقانونه، وتركوا نظام الله الذي شرعه على ألسنة رسله. والذين يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله، ويزعمون الإيمان، بَيَّن الله في سورة النساء أن دعواهم هذه كاذبة يُتعجب من كذبها، وكيف تجرءوا على قولها، حيث قال لنبيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ
ضَلاَلاً بَعِيداً (60)} [النساء: آية 60] فَعَجَّب نبيه كيف ادّعوا الإيمان وهم يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل!! والكفار -مع أنهم كفرة فجرة يعبدون الأصنام- إذا غيروا تشاريع الله، واتبعوا تشريع الشيطان مخالفاً لشيء شرعه الله كان ذلك كفراً جديداً زائداً على كفرهم الأول، كما صرح الله بهذا في سورة التوبة في قوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: آية 37] والمراد بالنسيء: تأخير الشهر الحرام؛ لأن النَّسْءَ في اللغة: التأخير. وربا النسأ: ربا التأخير. ونسأ الله في أجله: أخَّره وطول حياته. كانت ثلاثة من الشهور الحُرُم متوالية، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا تطول عليهم ثلاثة أشهر متوالية لا يأكل بعضهم بعضاً، ولا يغير بعضهم على بعض، فكانوا يقولون: إنما نُنسئ الشهر الحرام ونؤخره!! فيحلون المحرم فيقاتلون فيه، ويؤخرونه إلى صفر، قال جل وعلا: {إِنَّمَا النَّسِيءُ} أي: تأخير الشهر الحرام، إحلاله وتحريم شهر آخر كان حلالاً تحليل لما حرمه الله، وتحريم لما أحله الله، قال في هذا: {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله} ولإحلالهم ما حرم الله ازدادوا كفراً إلى كفرهم (¬1). وأول من نسأ من العرب: بنو فُقِيم من كنانة (¬2)، وكان شاعرهم يقول في شعره المشهور (¬3): أَلسْنا النَّاسئين على مَعَدٍّ ... شُهُورَ الحِلِّ نجعلُها حَرَاما ¬
فَجَعْلُهم شهور الحل حراماً هو النسيء الذي كان زيادة في كفرهم إلى كفر آخر، فإذا كان الكافر الذي يسجد للصنم إذا غيَّر حكم الله، وحرَّم ما أحل الله، وأحل ما حرمه الله كفر كفراً جديداً زيادة إلى كفره الأول، فما بالكم بالمؤمن الذي يدَّعي أنه مسلم إذا غيَّر منار الإسلام، وحرَّم ما أحله الله، وحلل ما حرمه الله مدعياً أن تحليل الله وتحريمه تطورت عنه الدنيا، وأن نظام السماء كان لائقاً في ذلك الوقت، وأن ركب الحضارة تقدم عن ذلك، وأنه يحتاج إلى شيء جديد يُلائم التطور الجديد!! هذا كلام المتزندقين الجهلة الذين يزعمون أنهم تقدُّمِيُّون!! وهم أشد الناس تأخُّراً، وأخس الناس عقولاً؛ حيث تنكروا لخالقهم، وسيُقِرُّون يوم القيامة أنهم لا عقول لهم؛ حيث يقولون في جملة إخوانهم: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)} [الملك: آية 10]. فالتقدم كل التقدم -التقدم الحقيقي- هو طاعة خالق السماوات والأرض، وامتثال أوامره، واتباع ما أُنزل إلى النبي الكريم، مع أن هذا الذي أمرنا الله أن نتبعه في قوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] يأمرنا بالتقدم في جميع الميادين الحيوية غاية التقدم، ودين (¬1) الإسلام يأمر الإنسان بأن يكون متقدماً قويّاً في جميع ميادين الحياة، وأن يكون مُتَّصِلاً بربِّه، مُربياً روحه على ضوء تعليم السماء، مُنَوِّراً بصيرته بنور القرآن السماوي، فيكون علمه وعمله مزدوجاً معطياً للجسم نصيبه، معطياً للروح نصيبها، هذا تعليم السماء وأمره الحق الذي لا شك فيه. ¬
ومن تدبر آيات القرآن وَجَدَ القرآن العظيم يدعو إلى كل تقدم حيوي في جميع ميادين الحياة، إلا أنه يدعو الخلق إلى أن يطيعوا خالقهم، ويسترشدوا بإرشاد خالق السماوات والأرض، ليدلهم على ما يصلحهم في دينهم ودنياهم، ومعاشهم، ومعادهم، سبحانه (جل وعلا) ما أحكمه! وما أجهل من خالف تعاليمه! إلا أن الذي يذهب عن نور القرآن هو في الحقيقة كالخفاش، وأنتم تعلمون أن الخفاش لا يكاد ينتفع بنور الشمس؛ لأن نور الشمس لا ينتفع به إلا من أعطاه الله بصيرة، أما الخفافيش الذين سلب الله بصائرهم لا يكادون ينتفعون بنور الشمس، فإذا انتشرت أنوار الشمس، وانتشر العالم في ضوء سبيل لا ينفق الإنسان فيه على كهرباء، ولا على زيت، ولا فتيلة، فنور رب العالمين سبيل مبذول للأسود والأحمر، فالخفاش في ذلك الوقت لا ينتفع بهذا النور، فإذا كان الظلام خرج من محله يطير ويفرح ويمرح؛ لأن الظلام هو الذي يلائمه!! فالقرآن العظيم إنما يلائم البصائر النيرة، والأرواح الكريمة، أما الأرواح الخنازيرية الخسيسة البهيمية فهي خفافيش البصائر، لا يلائمها إلا الظلام والنتن، كما أن الجُعَل لا يلائمه إلا النتن، وكما أن الخفاش لا يلائمه إلا الظلام. خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... فَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (¬1) {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: آية 20] لأن القرآن أعظم نور، والخفافيش البصائرية يقضي عليها ويعميها زيادة {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: آية 44] والعياذ بالله جل وعلا. ¬
والحاصل أن خالق السماوات والأرض يقول في كتابه المحفوظ الذي تولى حفظه بنفسه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: آية 9] يقول مخاطباً لجميع الخلائق {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] يعني: اتبعوا ما أنزله الله على لسان هذا النبي الكريم سيد الخلق -صلوات الله وسلامه عليه- وخاتم الأنبياء، الذي جاء بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} الأولياء في لغة العرب: جمع ولي، وقد تقرر في فن التصريف: أن (الفعيل) إذا كان وصفاً اطرد جمعه جمع تكسير على (فُعَلاءْ) إلا إذا كان معتل اللام أو مُضَعَّفاً فإنه يَطَّرِد جمعه جمع تكسير على (أَفْعِلاء) كتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء، وسخي وأسخياء، وولي وأولياء، كما هنا (¬1). والولي في لغة العرب: هو كل مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَك وبَيْنَهُ سَبَبٌ يجعلك تواليه ويواليك (¬2)؛ ولذا كان الله ولي المؤمنين، والمؤمنون أولياء الله {الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: آية 257] {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس: آية 62] لأنهم يوالونه بالطاعة، وهو يواليهم بالنصرة والثواب الجزيل، وإصلاح الدنيا والآخرة. وهؤلاء الذين يتخذون أولياء كالذين يتخذون الشياطين أولياء فيتبعون قانون الشيطان وتشريع الشيطان، وكالذين يتخذون بعض رؤساء الكفرة الضُلاَّل أولياء فيتبعون تشاريعهم، ويحلون حلالهم، ¬
ويحرمون حرامهم، فهؤلاء كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، وقد ثبت في الحديث عن عدي بن حاتم (رضي الله عنه) أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: آية 31] كيف اتخذوهم أرباباً؟! - وكان عدي في الجاهلية نصرانيّاً - قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألمْ يُحِلُّوا لهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ؟» قال: بلى. قال: «بِذَلِكَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَاباً» (¬1). فمن اتبع تشريع ولي تَوَلاهُ من شيطان، أو طاغية، أو كافر، أو صاحب قانون، أو بدعة فاتبع ما أحل من الحرام، وما حرم من الحلال فقد اتَّخَذَ ذلك رَبّاً، وخرج عن قانون نظام السماء الذي وَضَعَهُ خَالِقُ السماوات والأرض -جل وعلا - على لسان سيد الخلق، وهذا معنى قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ} أي: غيره {أَوْلِيَاء}. ثم قال: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)} في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّات (¬2): قرأه ابن عامر وحده: {قليلاً ما يتذكرون (3)} بزيادة ياء، وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} بتاء واحدة مع تخفيف الذال على حذف إحدى التاءين، وإذا كان أول الفعل مبدوءاً بتاءين جاز حذف إحداهما تخفيفاً بقياس مطرد، وقرأه بقية القراء السبعة، وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر - وهو شعبة - عن عاصم، قرءوا: {قليلاً ما تذّكرون} بتشديد الذال. فعلى قراءة: {تَذَكَّرُونَ} أصله: (تتذكرون) حُذفت إحدى التاءين. وعلى قراءة: {تذّكرون} فقد أُدغمت إحدى التاءين في ¬
الذال، وعلى قراءة ابن عامر: {يتذكرون} فهو من الغَيْبة لا مِنَ الخِطَاب، فالفعل للغائبين لا للمخاطبين (¬1). وقوله: {قَلِيلاً} يعربونه مصدراً (¬2)، والمعنى: تتذكرون تَذَكّراً قليلاً؛ لأن الكفار ربما تذكروا تذكراً قليلاً فآمنوا، ولكنهم يراجعهم شركهم وكفرهم كما قال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)} [يوسف: آية 106] وزعمت جماعة من علماء العربية أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يطلقون القِلَّة ويريدون بها العَدَمَ المحْضَ (¬3)، يقولون: مررت بأرض قليل بها الكرَّاث والبصل. يعنون: لا كُرَّاثَ فيها ولا بصل. وهذا أسلوب معروف، ومنه قول غيلان ذي الرمة (¬4): أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدة فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيلاً بهَا الأَصْوَاتُ إلا بُغَامُهَا يعني: لا صوت فيها البتة إلا بُغام ناقته. ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حكيم يمدح يزيد بن المُهلب (¬5): أَشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوَادِي ... قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَهْ ¬
يعني: لا مثلبة فيه ولا قادحة البتة، وهذا معروف، ومنه في كلام العرب قوله (¬1): فَمَا بَأْسَ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنَا تَحِيَّةً ... قَلِيلاً لَدَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ عَابُهَا يعني لا عيب فيها البتة عِنْدَ مَنْ يَعْرِف الحق، وظاهر القرآن هو الأول، أنهم يتذكرون تذكُّراً قليلاً لا يُجْدِي، ولو تذكروا وآمنوا بالبعض لا ينفعهم ذلك كما قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية [البقرة: آية 85] وهذا معنى قوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: آية 3]. والحاصل أن هذه الآية الكريمة يجب على كل مسلم أن يتدبرها، ويعلم أن النظام المتبع هو نظام الله لا نظام إبليس، ولا قانون الشيطان؛ لأن قانون الشيطان صرح الله بأن من اتبعه مشرك في قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] وآية الأنعام هذه: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} هي عند علماء العربية مثال لحذف لام التوطئة، قالوا: الأصل: (ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون) فحُذفت لام توطئة القسم، قالوا: وهذه الآية دليل على ذلك، والقرينة على أن هناك لام التوطئة محذوفة أنه لو كان شرطاً محضاً خالياً من قَسَم لقال: وإن أطعتموهم فإنكم لمشركون؛ لأن جواب الشرط إذا كان ليس يصلح فعلاً للشرط وجب اقترانه بالفاء كما هو معروف في علم العربية، فلو لم يكن هنالك قسم مقدر لقال: ¬
وإن أطَعْتُموهم فإنكم لمشركون. والتحقيق أن القرآن ليس فيه حذف الفاء في جملة جزاء الشرط إذا كانت جملة اسمية أو طلبية، أو غير ذلك من الجمل التي لا تصلح أن تكون فعلاً للشرط (¬1)، وما زعموا من أن قراءة نافع في سورة الشورى (¬2): {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [الشورى: آية 30] فإن المصحف الكبير الذي بقي في المدينة عند عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فيه: {وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم} بلا فاء، والمصاحف التي أُرسلت للعراق وغيره فيها الفاء: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ (30)} قالوا: (ما) هنا شرطية، والفاء لم تأت في قراءة نافع وابن عامر: {وما أصابكم من مصيبة بما كسبت} بلا فاء. والحق أن آية الشورى هذه لا حجة فيها؛ لأن لفظة (ما) على قراءة نافع وابن عامر: موصولة لا شرطية (¬3). والمعنى: والذي أصابكم من مصيبة هو كائن بما كسبت أيديكم. فلا شرط فيه أصلاً على قراءة نافع وابن [عامر] (¬4)، والمقرر في علم القراءات وعلوم القرآن: أن القراءتين كالآيتين، تكون هذه القراءة لها معنى، وهذه لها معنى (¬5). فلا مانع من أن تكون (ما) على قراءة الجمهور شرطية، فجيء بالفاء، وعلى قراءة نافع ¬
وابن [عامر] (¬1) موصولة، فلم يُحتج إلى الفاء. وهذا معنى قوله جل وعلا: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)}. والرب: هو السيد المدبر للشؤون، وربنا: هو خالقنا وسيدنا والمدبر لشؤوننا، الذي لا نستغني عنه، وكل من يدبر الشؤون ويدبر الأمور ويسوسها تسميه العرب (ربّاً) فيقولون: مَنْ رَبُّ هذا البلد؟ يعني: من هو السيد الذي يسوس أموره ويدَبِّرها، وهذا معروف في كلام العرب (¬2)، ومنه قول عَلْقَمَة بْن عَبَدة التميمي، وهو عربي قُح جاهلي (¬3): وكُنْتَ امرأً أفْضَتْ إليكَ ربَابَتي ... وقَبْلكَ رَبَّتني فَضِعْتُ رُبُوبُ فسمى الساسة الذين كانوا يسوسونه: (ربوباً) جمع (رب) وأصله من: (ربَّه يربُّه) إذا أصلحه وساس شؤونه، ومنه بهذا المعنى: (الربيبة) وهي بنت امرأة الرجل؛ لأن زوج أُمها في الغالب يسوسها ويدبر شؤونها، وقد يكون بعضكم قرأ في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حُنَيْن لما صَلَّى الصبح وانْحَدَر في وادي حنين في غَلَس ظلام الصبح بعد الصلاة، وكان مالك بن عوف النَّصْرِي جمع له هوازن في مضيق وادي حنين، فدخل المسلمون فيهم في غَلَس ظلام الصبح، فشدوا عليهم شَدَّة رجل واحد، فصارت الرِّمَاح والنِّبَال كأنها مطر تزعزعه الريح، ووقع بالمسلمين ما ذكر الله في قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ ¬
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: آية 25] وكان صفوان بن أمية من أعْدَى خلق الله لِرَسُولِ الله؛ لأن النبي قتل يوم بدر أبَاه أميّة، وأخاه علي بن أمية، وقتل يوم أُحد عَمَّه أُبيّ بن خلف، فهو من أشد الناس عداوة لرسول الله، وهو الذي استعار منه النبي سلاحاً لغزوة حنين، وأمهله مدة ينظر فيها في أمره، وكان حاضراً لِمَا وقع للمسلمين، فقال رجل معه (ابن أخيه من الأم، أو قريب له): «الآن بطل سحر محمد» فعند ذلك قال صفوان: «اسكت فُضَّ فُوك، والله لأن يربني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يربني رجل من هوازن» (¬1) وهو محل الشاهد؛ لأنه لو كانت غلبت هوازن النبي -لا قدر الله- لكانت السيادة لهم فحكموا قريشاً، فهو يقول: أن يربني ابن عمي محمد صلى الله عليه وسلم يسودني فيسوسني أحب إلى من أن يسودني رجل من هوازن، والشاهد: أن قوله: «لأن يربني» لأن يسودني فيسوسني ويدبر أمري، هذا أصل معنى الرب، ورب السماوات والأرض: هو خالق هذا الكون وسيده ومدبر شؤونه الذي لا يستغنى عنه طرفة عين. [2/أ] / قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: الآيات 4 - 7]. لما أمر الله (جل وعلا) جميع خَلْقِهِ أن يتبعوا ما أُنْزِلَ إليهم من ¬
ربهم في قوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: الآية 3] ونهاهم أن يتبعوا أولياء من دونه -سواءً كانوا من أولياء الشياطين المضلين، أو من أولياء الإنس المضلين- في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} ثم سفَّه من اتبع أولياء من دونه فقال: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} لما أمر باتباع ما أنزل الله، ونهى عن اتباع غيره حذر هذا التحذير العظيم من اتباع غير ما أنزل الله، وبيَّن أن قبلكم أمماً كثيرةً اتبعت غير ما أنزل الله، وامتنعت من اتباع ما أنزل الله، فأهلكها الله وَدَمَّرَها تدميراً مستأصلاً، وعَذَّبَهَا في الدنيا عذاباً نكراً متصلاً بعذاب الآخرة، يحذر خلقه أن يتبعوا غير ما أنزل لئلا يوقع بهم ما أوقع بمن قبلهم؛ ولذا قال بعد قوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} قال بعد ذلك مهدداً ومخوفاً لمن اتبع غير ما أنزل، وامتنع من اتباع ما أنزل: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)} [الأعراف: الآيتان 4، 5]. قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ} (كم) في اللغة العربية هنا معناها الإخبار بعدد كثير، ومميزها هو المجرور بـ (من) معناه: وكثير من القرى أهلكناه ودمرناه؛ لأنهم اتبعوا غير ما أنزلنا، وتركوا اتباع ما أنزلنا. فـ (كم) هنا هي الخبرية، والمراد بها: الإخبار بعدد كثير. والمعنى: وكثير من نوع القرية أهلكناه ودمرناه. وإنما أَنَّث الضمير في {أَهْلَكْنَاهَا} لأنه عائد إلى القرية، إلا أن هذه القرية عددها كثير كما دل عليه قوله: (كم) لأنه يخبر بعدد ضخم من القرى الظالمة أهلكها الله ودمرها؛ لأنها لم تتبع ما أنزل. فمعنى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ} كثير من نوع القرية أهلكناه. و (كم) هنا في موضع رفع على أنها مبتدأ،
وجملة {أَهْلَكْنَاهَا} خبره، على أجود الإعرابين. ويجوز أن تكون منصوبة على الاشتغال، منصوبة بـ (أهلكنا) مضمرة دلت عليها {أَهْلَكْنَاهَا} (¬1) على حد قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} [القمر: آية 49] إلا أن الرفع هنا على الابتداء أجود؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير (¬2). والقرية تطلق في اللغة العربية إطلاقين (¬3): تطلق على مطلق الأبنية من الحجارة والطين والأُسس والسقوف، وتطلق على أهل القرية التي هي عامرة بهم، دل القرآن على إطلاقها هذين الإطلاقين. والتخويف بإهلاك أهلها وإن كان نفس القرى والأبنية يدمره الله ويهلكه، إلا أن التخويف الشديد إنما هو بإهلاك أهلها، والمراد بالإهلاك: إهلاك أهلها؛ لأن الله قال بأن المراد الأهل، قال: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)} فقوله: {هُمْ قَآئِلُونَ} يدل على أن المراد هو السكان؛ لأن نفس الأبنية لا يقال فيها: {هُمْ قَآئِلُونَ} فلا بد هنا من تقدير: (أهل القرية) على كل حال (¬4)؛ لأن الله قال: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)} فقال بعضهم: يقدر في قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي: أهلكنا أهلها {فَجَاءهَا} أي: القرية، والمراد: أهلها {بَأْسُنَا بَيَاتاً} بدليل قوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}. وقال بعض العلماء: لا حاجة إلى تقدير (الأهل) في الأول: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي: دمرنا أبنيتها وجعلناها خاوية ¬
على عروشها لما سخطنا على أهلها {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} في حال كون أهلها بائتين، أو في حال كونهم قائلين، أي: مستريحين وقت القيلولة. وفي هذه الآية الكريمة حذف النعت، وحذف النعت يقول بعض علماء العربية: إنه قليل، كما قال ابن مالك في الخلاصة (¬1): وَمَا مِنَ المَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ... يَجُوزُ حَذْفُه وفِي النَّعْتِ يَقِل ولكنه بِتَتَبّع اللغة العربية يُعلم أن حذف النعت كثير. والنعت المحذوف هنا هو قوله: «وكم من قرية ظالمة عاصية غير متبعة ما أُنزل إليها». والدليل على هذا النعت المحذوف: أن الله لا يهلك قرية إلا قرية ظالمة، كما صرح به في قوله: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)} [القصص: آية 59] فدلت هذه الآيات على أن القرية يُحذف نعتها هنا. أي: «وكم من قرية ظالمة عاصية ممتنعة من اتباع ما أنزلنا، متبعة للأولياء المضلين غير ما أنزلنا، كم من قرية بهذه المثابة أهلكناها». وحَذفُ النعت (¬2) مشهور في كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79)} [الكهف: آية 79] لأن المراد كل سفينة صحيحة صالحة؛ إذ لو كان يأخذ المعِيبَة المَخْرُوقَة لما كان في خرق الخضر للسفينة فائدة؛ لأنه لما خرقها خرقها ليعيبها لتسلم بذلك العيب من أخذ الملك الغاصب لها؛ لأن عيبها بالخرق يزهده في أخذها؛ ولذا قال: {أَمَّا السَّفِينَةُ ¬
فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: آية 79] أي: لئلا يأخذها الملك الغاصب، فدل كون الملك لا يأخذ السفينة المعيبة على حذف النعت في قوله: {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} أي: صحيحة صالحة غير معيبة ولا مخروقة. وحذف النعت معروف في كلام العرب، ومن أمثلته في كلام العرب قول المُرقَّش الأكبر (¬1): وَرُبَّ أَسِيلَةِ الخَدَّينِ بِكْرٍ ... مُهَفْهَفَةٍ لها فَرْعٌ وَجِيْدُ يعني: لها فرع فاحم، وجيد طويل، فحذف النعت لدلالة المقام عليه، ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي يمدح رجلاً (¬2): مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ وَمَنْ فِعْلُهُ ... فِعْلٌ وَمَنْ نَائِلُهُ نائِلُ يعني: من قوله قولٌ فصلٌ، وفعله فعلٌ جميل، ونائله نائلٌ جَزْل، فحذف النعوت لدلالة المقام عليها، والمعنى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ} أي: وكثير من نوع القرية الظالمة العاصية المتبعة غير ما أنزل الله أهلكناها بسخطنا عليها فدمرناها تدميراً مستأصلاً؛ لأنها لم تتبع ما أنزلنا واتبعت غير ما أنزلنا. وهذه القرى بينها الله بكثرة إجمالاً وتفصيلاً (¬3)، كقوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (9)} ثم بين عذابهم الأخروي فقال: {أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً} الآية [الطلاق: الآيات 8 - 10] وكقوله: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ ¬
مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45)} [الحج: آية 45] والمعنى: أن آبارها تعطلت لم يبق من يستقي عليها لهلاك أهلها وفنائهم عن آخرهم. وكقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ (15)} [الأنبياء: الآيات 11 - 15] والآيات بمثل هذا كثيرة. ومن هذه القرى التي أهلكها الله قرى قوم لوط (سدوم) وغيرها، رفعها إلى السماء وقلبها فجعل عاليها سافلها، وأرسل عليها حجارة السجيل؛ ولأجل أنه قلبها وجعل عاليها سافلها سُميت القرى: (المؤتفكات) وسُميت عاصمتها: (المؤتفكة) لأن جبريل أَفَكَها، أي: قلبها فجعل عاليها سافلها. والإفك: قلب الشيء، ومنه قيل لأسوأ الكذب (إفك) لأنه قلب للحقائق عن ظواهرها. ومن تلك القرى: قوم مدين (أصحاب شعيب) الذين أهلكتهم الظُّلة، وقوم صالح الذين واعدهم ثلاثة أيام وعداً غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ومنهم قوم هود أرسل الله عليهم الريح العقيم فَدَمَّرهُم، ومنهم قوم نوح أرسل الله عليهم الطوفان فدَمَّرَهم، كما جاء مفصلاً في الآيات القرآنية. وكل هؤلاء القرى التي دمَّرها الله إنما دَمَّرَهَا لأنه أنزل إليها وحياً وتشريعاً على لسان نبي كريم وقال لها: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ولا تتبعوا غيره. فتمردوا، ولم يتبعوا ما أنزل الله، واتبعوا غيره فَدَمَّرَهُم اللهُ تدميراً مستأصلاً؛ ولذا يُحذر هذه الأمة على لسان نَبِيِّها أن لا تتَّبِعَ غير ما أنزل الله، لئلا يهلكها بهلاك مُسْتَأْصِل.
وهذه الآيات فيها تخويف عظيم، وتهديد كبير من رب السماوات والأرض؛ لأنهم إذا تركوا العمل بما أنزل الله، وذهبوا يعملون بغير ما أنزل الله، فقد استحقوا العقوبة والهلاك، فهم مستحقون للعقوبة والهلاك، فعليهم أن يتبعوا ما أنزل الله، ويتركوا اتباع غير ما أنزل الله؛ ليسلموا بذلك من استحقاق عقوبات الله وإهلاكه العظيم؛ ولذا قال: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي: إهلاكاً مستأصلاً لم يبق منها داع ولا مجيب {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} أي: عذابنا وهلاكنا المستأصل. والبأس يطلق على كل نكال شديد (¬1)، والمراد به هنا: إهلاكهم وتدميرهم عن آخرهم. وقوله: {بَيَاتاً} مصدر مُنكّر في موضع الحال (¬2)، أي: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} أي: جاء أهلَها بأسُنا في حال كونهم بائتين، أي: نائمين في الليل في بيوتهم، أو جاءهم بأسنا في حال كونهم وهم قائلون. والتحقيق: أن الجملة الحالية إذا عُطفت بأداة عطف حُذف منها واو العطف لاستثقال تكرر أدوات العطف (¬3)، هذا هو التحقيق، ومناقشات النحويين في عدم حذفه كلها ساقطة. والحق الذي لا شك فيه أن الجملة الحالية إذا عُطفت على حَال بأداة عطف تُحذف منها واو الحال؛ لأن واو الحال تشبه أداة العطف، فَيُسْتَثْقَل إثباتها مع حرف العطف، ويكون الربط بالضمير؛ لأن ربط الجملة الحالية بالضمير يكفي عن ربطها بالواو. ¬
والبيات: أصله مَصْدر بَاتَ الرجل يبيت بيتُوتة، وبياتاً (¬1)، وسُمِّيَ البيت بَيْتاً؛ لأنه يُبَاتُ فيه، وهو مصدر مُنكَّر في مَوْضِع الحال، والمصادر المُنكَّرة تقع أحوالاً بكثرة. أي: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} أي: جاء أهْلها بأسُنا في حال كونهم بائتين نائمين في غفلة. أو جاءها بأسنا في حال كونهم وهم قائلون. والقائلون: جمع القائل، وهمزته منقلبة عن ياء؛ لأن الفاعل من الأجوف تُبدل عينه همزة، سواء كانت واواً أو ياء، فإن قلت: قال زيد، يقول، فهو قائل، الهمزة مبدلة من واو؛ لأن أصل الأجوف واوي العين من (القول). وإن قلت: قال زيد، يقيل. معناه: استراح في وقت النهار، يعني من العمل، سواء كانت القيلولة استراحاً مع نوم أو غير نوم. تقول: قال، يقيل، فهو قائل، كـ: (باع، يبيع، فهو بائع) فالهمزة مبدلة من ياء؛ لأن (قال، يقيل) من (القيلولة) أجوف يائي العين، و (قال، يقول) من (القول) أجوف واوي العين، والهمزة تُبدل من الواو والياء، وهي هنا مبدلة من ياء؛ لأن (القائلين) هنا جمع (قائل) وهو اسم فاعل (قال، يقيل) كـ (باع، يبيع) من (القيلولة) وهي الاستراحة في نصف النهار وقت شدة الحر، سواء كانت مع نوم أو مع غير نوم (¬2). وهذان الوقتان وقت راحة ودعة واستراحة، فإتيان العذاب والإهلاك فيها أفظع، وقد أهلك الله قوم شعيب في وقت القائلة؛ حيث أرسل عليهم الظُّلة في شدة النهار وأحرقتهم، وأهلك قوم لوط قبل ¬
أن يستيقظوا مِنْ نوْمِهِمْ عند انصداع الفجر، كما قال: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)} [هود: آية 81] والله (جل وعلا) يخوف الظالمين المتبعين لغير ما أنزل بأن يهلكهم وقت البيات، أو وقت القيلولة، أو أن يهلكهم في أوقات أُخر كما قال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)} [الأعراف: الآيات 97 - 99]، وقال جل وعلا: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: الآيات 45 - 47] إلى آخر الآيات التي يخوف الله بها خلقه من معاصيه. وعلينا جميعاً أن نعرف أن خالق السماوات والأرض هو الجبار العظيم، شديد البطش والنكال {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)} [البروج: آية 12] وهو يخوف خلقه أن يعملوا بمعصيته، وأن يتبعوا غير ما أنزل، فيجب على كل مسلم أن يخاف من عقوبات الله وسخطه وإهلاكه، وأن يحذر كل الحذر من أن يتبع غير ما أنزل الله، فيجب على كل أحد أن يتبع ما أنزل الله ويدع غيره. واستدلال ابن حزم وغيره من الظاهرية بهذه الآية على منع القياس سنبسط الكلام عليه في قصة إبليس - عليه لعائن الله - الآتية في الآيات القادمة قريباً إن شاء الله. وقوله جل وعلا: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} [الأعراف: الآيتان 4، 5] يعني: لما أهلك الله القرى بظلمها ودمرها تدميراً مستأصلاً لم يكن عندها عذر ولا حجة مقبولة؛
لأن الله (جل وعلا) هو العدل الذي لا يأخذ ظلماً: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: آية 40] فلا يأخذ أحداً بعذاب إلا وهو مستحق كل الاستحقاق لذلك العذاب؛ ولذا القرى التي دَمَّرَها لم تكن عندها دعوى ولا معذرة تقول: يا ربنا إنك ظلمتنا؛ أو عاقبتنا ولم تنذرنا!! لأنه لا يعذب أحداً حتى يقطع حجته ويُعذر إليه من جميع الجهات، كما قال جل وعلا: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: آية 165] فلو كان عذبهم قبل أن ينذرهم لاعتذروا وقالوا: أنت لم تُنْذِرْنَا ونحن جاهلون معذورون، ولكن الله يقول: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وهذه الحجة التي أشار لها في سورة النساء أوضحها في سورة طه، وأشار لها في سورة القصص، حيث قال في طه: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى (134)} [طه: آية 134] وقال في القصص: {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)} [القصص: آية 47] فلما قطع عذرهم بالرسل والآيات والمعجزات لما جاءهم الهلاك لم تكن عندهم دعوى يعتذرون بها، ولا حجة يبدونها إلا الإقرار والاعتراف بأنهم الخبثاء الظالمون؛ ولذا قال: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)} [الأعراف: آية 5] لم يكن عندهم عذر ولا دعوى؛ ولذا قالوا: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. فقوله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} قال بعض العلماء: فما كان قولهم؛ لأنهم لا حجة لهم ولا دعوى.
وقال بعض العلماء: لم يكن عندهم ادعاء ولا معذرة إلا قولهم: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. وقال بعض العلماء: الدعوى هنا بمعنى الدعاء، لم يكن عندهم دعاء ولا تضرع إلا الاعتراف بالذنب حين لا ينفع الاعتراف، والندم حيث لا ينفع الندم. والدعوى تطلق على القول، وعلى الادعاء، وعلى الدعاء (¬1). أي: فما كان قولهم ومعذرتهم حين جاءهم العذاب إلا الاعتراف {إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. وأظهر القولين هنا (¬2) أن {دَعْوَاهُمْ} في محل رفع اسم لكان، وأن قوله: {إِلاَّ أَن قَالُواْ} المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل نصب خبراً لكان؛ لأنه إذا كان الفاعل والمفعول أو الاسم والخبر معرفتين كان الأُولى منها يستحق أن يكون هو الفاعل أو الاسم إلا بدليل يدل عليه. وقول بعض العلماء: إن {دَعْوَاهُمْ} هنا منصوب بدليل قوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا} [النمل: آية 56] فجعل {إِلاَّ أَن قَالُوا} هو المرفوع، و {جَوَابَ} هو المنصوب، كذلك {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ} فيه فرق؛ لأن {جَوَابَ} يظهر فيه النصب فيتعين الاسم من الخبر، وقوله: {دَعْوَاهُمْ} لا يتعين فيه الاسم من الخبر؛ لأنه لا يظهر عليه النصب، فالأَولى أن يكون الأول هو المرفوع، والثاني هو المنصوب إلا بقرينة تدل عليه. والمعنى فما كان دعواهم وادعاؤهم إلا قولهم: ¬
{إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} يعني: إنا كنا ظالمين فيما كنا عليه من اتباع غير ما أنزل الله، وترك اتباع ما أنزل الله. والظالمين جمع تصحيح للظالم، وهو خبر كان منصوب، والظالم: اسم فاعل الظلم، وقد قدمنا مراراً (¬1) أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن أنه وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم. وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير الخالق (جل وعلا)؛ ولذا كان الشرك بالله وعبادة غيره هو النوع الأكبر من أنواع الظلم، كما قال العبد الحكيم لقمان: {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} [لقمان: آية 13] وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: آية 82] قال: بِشِرْك. ثم تلا قول لقمان: {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13] (¬2) ونظيره في القرآن: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] وقوله: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)} [يونس: آية 106] هذا أصل الظلم في لغة العرب. أعظم أنواعه: وضع الشيء في غير موضعه، وضع العبادة في غير مَنْ خلق، وهي الكفر بالله. ومن أنواع الظلم وضع الطاعة في غير موضعها بأن يطيع عدوه إبليس ويعصي خالقه (جل وعلا)، فمن أطاع إبليس واتبع تشريعه، ¬
وعصى الله ولم يتبع ما أنزل فهو ظالم؛ لأنه وضع الطاعة في غير موضعها، والمعصية في غير موضعها، والله يقول: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50] وكل مَنْ وَضَعَ شيئاً في غير موضعه تسميه العرب (ظالماً) ومن ذلك قولهم للذي يضرب لبنه قبل أن يروب: هو ظالم؛ لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، وإضاعة زبده وضع للضرب في غير موضعه، ومنه سُمي الذي يضرب لبنه قبل أن يروب (ظالماً) وفي لُغَز الحريري في مقاماته (¬1): هل يجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم إذا كان عالماً. يعني بقوله: «ظالماً» أنه يضرب لبنه قبل أن يروب ويسقيه الناس. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬2): وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكَدِ الظَّلِيمُ قولها: (ظلمت لكم سقائي) يعني سقيتكم إياه قبل أن يروب ويؤخذ زبده. وقوله: (وهل يخفى على العَكَد الظليم) العَكد: عصب مؤخر اللسان؛ لأن اللسان يذوق فيعرف ما نُزع زبده من اللبن وما لم ينزع. ومنه بهذا المعنى قول الآخر (¬3): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ يعني: أنه صبَّ سقاءه فسقاه الناس قبل أن يروب، ويقول: ظلمي لهذا السقاء ظلم أُريد به الأجر عند الله، ولذا قال (¬4): ¬
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ ورواية البيت: (ظَلمي) بفتح الظاء، من (ظَلَمَه، يَظْلِمُه، ظَلْماً) لأن (الفَعْل) بالفتح والسكون، هو قياس مصدر الثلاثي المعدّى. أما الظُلم -بضم الظاء- فهو اسم مصدر الظَلم المعروف. والرواية في البيت: وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ ومنه قيل للأرض التي حُفر فيها وليست موضعاً للحفر قيل: مظلومة؛ لأن الحفر وُضِعَ في غير موضعه، ومنه على التحقيق قول نابغة ذبيان (¬1): وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالاً أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جواباً وَمَا بِالرّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلاَّ الأَوَاريَّ لأْياً مَا أبَيِّنُها ... والنُّؤي كالحوضِ بالمظْلُومَةِ الجَلَدِ النؤي هنا: يريد به ما يحفره الأعراب -البدو- حول خيامهم لِئَلا يجترفها السيل، فيحفرون حولها حفيراً يذهب معه الماء عن الخيمة، وإنما قال: إن هذه الأرض مظلومة؛ لأنها فلاة ليست محلاّ للحفر سابقاً؛ ولذا قيل للتراب المحفور من القبر (ظليم) أي: مظلوم؛ لأن العادة أنه لا يُحفر قبر في محل هو محل لحفر سابقاً؛ ومنه بهذا المعنى قول الشاعر يصف رجلاً جُعل في قبره (¬2): فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ ... مِنَ العَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْهَا ظَلِيمُهَا وأمثال هذا في لغة العرب كثيرة، أصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ¬
وهو في اصطلاح الشرع (¬1): وضع العبادة في غير موضعها، وهو الشرك بالله. أو وضع الطاعة في غير موضعها، كطاعة إبليس، ومعصية الله. وقد جاء الظلم في القرآن في موضع واحد يُراد به النقص (¬2) وهو قوله تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً} [الكهف: آية 33] يعني أي: ولم تنقص منه شيئاً. وهذا معنى قوله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)} [الأعراف: آية 5] أي: واضعين الشيء في غير موضعه حيث كنا نضع الاتباع في غير موضعه، فنتبع قانون الشيطان ونترك اتباع ما أنزل الله، ونطيع الشيطان ونعصي (¬3) أمر الله. فهم متبعون ما لا ينبغي أن يُتبع، وتاركون ما ينبغي أن يُتبع، فقد وضعوا الأمر في غير موضعه، وأوقعوه في غير موقعه، وذلك معنى الظلم في لغة العرب. ولذا قال: {قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)}. وفي الآية التي ذكرنا إشكال معروف وسؤال مشهور عند العلماء، وهو الفاء في قوله: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} (¬4)؛ لأن المعروف في لغة العرب: أن الفاء حرف تعقيب، وأن ما بعدها آتٍ بعد ما قبلها؛ لأنك لو قلت: جاء زيد فعمرو. معناه: أن عَمْراً جاء بعد مجيء زيد، عقبه. والقرآن هنا قال: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا} فجعل مجيء البأس كأنه واقع عقب الإهلاك، ومجيء البأس ليس واقعاً عقب الإهلاك، بل مجيء البأس هو عين الإهلاك، فالتعقيب بالفاء ¬
هنا فيه إشكالاً معروفًا وسؤلاً مشهورًا عند العلماء؛ لأن طالب العلم يقول: كيف يقول: {أَهْلَكْنَاهَا} ثم يقول عقبه {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} فكأن البأس لم يأتها إلا بعد أن أُهلكت، والواقع خلافه؛ لأن البأس جاءها وهو إهلاكها. فهذا وجه السؤال. والجواب عنه للعلماء من أوجه معروفة مشهورة في التفسير: أحدها: أن الكلام على حذف الإرادة. أي: أردنا إهلاكها بإرادتنا المُصَمِّمَة الأزلية، فنفذنا ذلك، فجاءها بأسنا، وحَذْفُ فعل الإرادة كثير في القرآن جدّاً، كقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} أي: أردت أن تقرأ القرآن {فَاسْتَعِذْ بِالله} [النحل: آية 98] {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: آية 6] أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا. وحَذْفُ فعل الإرادة معروف في القرآن وفي كلام العرب. الثاني: أن المراد بقوله: {أَهْلَكْنَاهَا} يعني: حكمنا بإهلاكها. يعني: في سابق أزلنا؛ أي: حكمنا عليها بالإهلاك، وجعلناه قدراً مقدوراً محكوماً به، فجاءها تنفيذاً لذلك القدر {بَأْسُنَا}. وهو قريب من الأول. [الثالث] (¬1): أن معنى {أَهْلَكْنَاهَا} أن الإهلاك -والعياذ بالله- هو الخذلان؛ أي: خذلناها وأضْلَلْنَاهَا فلم تتبع ما أنزل الله، ومن خذله الله ولم يوفِّقْهُ فهو الهالك، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور إنه ترك أمَّتَهُ على المحَجَّةِ الْبَيْضَاء، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِك (¬2). فسمى الزائغ عن الطريق: هالكاً، فمعنى: ¬
{أَهْلَكْنَاهَا} خذلناها حتى زاغت عن الطريق، وكفرت، وعتت عن أمر ربها، فجاءها بأسنا نتيجة لذلك الإهلاك الذي هو الضلال الذي خذلها الله فأضلها. وقال بعض العلماء: جرت عادة العرب في لغتهم أن كل فعلين معناهما واحد يرتبون ما شاءوا منهما بالفاء على الآخر. وعليه فالفاء تفسيرية؛ لأن الفاء قد تكون [تفسيرية، نحو: توضأ فغسل وجهه] (¬1) ويديه ورجليه. فقوله: «فغسل» هنا: الفاء تفسير لتوضَّأ، فهي تفسيرية؛ ولذا {أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: آية 4] فيكون مجيء البأس تفسيراً للإهلاك. والعرب تقول: إن كل فعلين معناهما واحد يُرتب كل منهما على الآخر بالفاء والواو كالتفسير، كأن تقول: شتمني فأساء إلي، وأساء إلي فشتمني. ونحو ذلك وهذا مستفيض ¬
في كلام العرب. وهذه أوجه الجواب عن هذا الإشكال. ومعنى قوله: {إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: آية 5] ثم إن الله (جل وعلا) علم بأنه أنزل هذا الكتاب الأعظم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والإنذار به، ثم أمر باتباعه، ونهى عن اتباع غيره، ثم بيَّن أن من لم يتبع ما أنزل الله يهلكه الله ويدمره، وأنه إذا جاءه الإهلاك والتدمير ليس عنده إلا الإقرار، بيَّن أنه يوم القيامة سيسأل جميع الخلائق من مرسلين ومرسل إليهم ماذا كان موقفهم من هذا القرآن العظيم الذي أمرهم باتباعه في دار الدنيا، فيسأل المرسلين: هل بلغتم كتابي؟ وماذا أجابوكم؟ ويسأل المُرسل إليهم: هل بلغكم رسالاتي؟ وماذا أجبتم به المرسلين؟ ومما يفسر الآية: قوله جل وعلا: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: آية 109] يعني: ماذا أجابتكم به الأمم لما أمرتموهم باتباع ما أنزلت، ونهيتموهم عن اتباع غيره؟ ثم قال في الأمم: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء} وفي قراءة: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلَونَ} [القصص: الآيتان 65، 66] (¬1) فالله (جل وعلا) في ذلك الوقت يسأل جميع الخلائق ويقول للمرسلين: هل بلَّغتم رسالاتي؟ ويقول لهم أيضاً: ماذا أجابتكم به أممكم؟ هل قبلت منكم ما جئتم به أو ردته عليكم؟ ويقول للذين أُرسل إليهم: هل بَلَّغَتْكُم الرسلَ رسالاتي، وماذا أجبتم رُسُلي؟ فالذي عرف أن الله أقسم في هذه الآية أنه يسأل الرسل، ويسأل المُرسل إليهم، يلزم عليه في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة أن يكون من المُصدقين للرسل، المتبعين ما أنزل الله لئلا يقع في الويلة العظمى والهلاك الأكبر عند ¬
هذا السؤال الهائل المخيف. وهذا معنى قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} يعني: بماذا أجابوا الرسل، وهل بلغتهم الرسل؟ {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: آية 6] هل بلغوا الأمم؟ وماذا أجابتهم الأمم (¬1)؟ كقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)} [القصص: آية 65] {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: آية 109] فعلى المؤمن أن يكون متبعاً لما أنزل الله ليكون جوابه عند هذا السؤال جواباً سديداً. وقد قدمنا أن الأمم الكافرة إذا سُئل الرسل وقالوا: (قد بلغناهم) ينكر الأمم ويقولون: ما بلغونا ولا شيئاً، ولو بلغونا لأطعنا ربنا!! فيقول الرسل: والله لقد بلغناهم أكمل تبليغ وأتمه. فيقول الله للرسل - هو يسأل الجميع، وهو أعلم - ليُظهر براءة الرسل ونزاهتهم وأمانتهم، ويُظهر خيانة الكفرة وعنادهم وكفرهم، فيكون فضلاً لهؤلاء ونكالاً لهؤلاء، فإذا أنكر الكفار أن الرسل بلغوهم، وقيل للرسل: هل عندكم من شهداء؟ فيقولون: نعم، أمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد لنا، فيُدعى بنا -معاشر هذه الأمة الكريمة- فنشهد في ذلك الموقف العظيم للرسل الكرام بأنهم بلغوا ونصحوا وتحمَّلُوا الأذى، وبلغوا الدعوة على أكمل وجوه التبليغ، مع تحمّل الأذى على أكمل الوجوه، وأن الأمم الكافرة هي التي آذتهم وأهانتهم وطغت وتجَبَّرَتْ وتَكَبَّرَت عن قبول رسالات ربها. فيقول الأمم: يا ربنا كيف تقبل علينا شهادة أمة محمد وهم وقت إرسال الرسل إلينا لم يبرزوا للوجود، فهم في ذلك الوقت معدومون؛ لأنهم آخر الأمم، وكيف يشهدون على شيء وقع قبل أن يكونوا في الوجود؟! فنُسأل عن ذلك، ¬
فنقول: نعم، نحن في ذلك الوقت كنا معدومين، ولكنا بعد وجودنا حصل لنا اليقين الجازم، ومدار الشهادة على اليقين الجازم، فما شهدنا إلا بيقين جازم لا تختلجه الشكوك ولا الأوهام؛ لأنك يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً كريماً هو خير الرسل وأصدقهم وأعظمهم أمانة، وأنزلت عليه كتاباً محفوظاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فما جاءنا في ذلك الكتاب، وأخبرنا به ذلك النبي الكريم، فنحن نقطع به ونجزم به أشد قطعاً وجزماً مما عايناه بأعْيُنِنَا وسمعناه بآذاننا، وهؤلاء قد قصصت علينا أخبارهم في آياتك المحكمات قصصاً لا يختلجه شك، فهو قطع مجزوم به، فهؤلاء الكفرة قوم نوح قصصت علينا قضيتهم وأذاهم له، وما تحمل من أذاهم، وما نصح لهم من النصح، وما مكث فيهم من الزمن يبلغهم {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت: آية 14] وأنه قال: {إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7)} [نوح: الآيات 5 - 7] وهؤلاء قوم هود قصصت علينا قصصهم في آيات كثيرة، كقولهم له: {يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: آية 53] وهؤلاء قوم صالح قصصت علينا أخبارهم في آيات كثيرة، كقولهم له: {يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} إلى آخر الآيات [الأعراف: آية 77]، وقد قدمنا أن هذا معنى قوله: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: آية 143] ومن هذا ( ... ) (¬1). ¬
[2/ب] / {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: آية 78] وقال: {لاَ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} [الرحمن: آية 39] فنفى سؤال الناس عن ذنوبهم، وأنه لا يُسأل أحد عن ذنبه مع أن قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} [الحجر: الآيتان 92، 93] من جملة ما كانوا يعملون: ذنوبهم، فإنهم يُسألون عنها (¬1). ووجه الجواب: أشهر أجوبة العلماء عن هذا جوابان: أحدهما: أن السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع، وهو من جنس التعذيب، وسؤال استخبار واستعلام واستكشاف، فالمنفي في الآيات: سؤال الاستخبار والاستعلام والاستكشاف؛ لأن الله هو العالم المحيط علمه بكل شيء، فليس كقضاة الدنيا الذين يَسْألون عن الحقيقة ليستفيدوا منها علماً، فهو عالم بما صنعوا، مُسَجِّل له عليهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فلا يقال للواحد منهم: هل فعلت الذنب الفلاني؟ سؤال استعلام واستكشاف، بل هو مسجل عليه ذنبه، محقق عليه، لا يُسأل عنه بهذا المعنى أبداً، وإنما ¬
يُسال عن ذنبه سؤال توبيخ وتقريع، ويُقال له: لِمَ فعلت هذا؟! ألم أنهك يا خبيث عن هذا؟! وإذا وَجَدْتَ أسئلة الكفار في القرآن وجدتَها كلها أسئلة توبيخ وتقريع، كما قال لهم: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} [الزمر: آية 71] {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} [الصافات: آية 25] {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} [الطور: آية 15] كل الأسئلة أسئلة توبيخ وتقريع، وأما سؤال المرسلين فليس سؤال توبيخ ولا تقريع، والمراد به أن المرسلين إذا سُئلوا وقالوا: (بلَّغنا ونصحنا) رجع اللوم والتقريع على الأمم. ومن ذلك القبيل: سؤال الموءودة، وهي البنت التي كانوا يدفنونها حية، كما في قوله: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: الآيتان 8، 9] لأن سؤال الموءودة ليس توبيخاً ولا تقريعاً للموءودة؛ لأنها لا ذنب لها، وإنما تقول: قُتِلْتُ ودُفنت حية في غير ذنب؛ ليتوجه العتاب الشديد واللوم العظيم على من فعل ذلك بها، فسؤال المرسلين وسؤال الموءودة إنما يُراد به: شدة توبيخ الكفار الذين كذبوا المرسلين، ووأدوا الموءودة. هذا معنى الآيات، وهذا معنى قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف: الآية 6] والدليل على أن سؤال الله للكفار سؤال توبيخ وتقريع، وأن سؤاله للمرسلين ليجيبوا بأنهم بلَّغوا فيتوجه التوبيخ والتقريع على الكفار زيادة على زيادة. الدليل على هذا -أنه لا يسألهم سؤال استعلام واستخبار واستكشاف- أنه أتبعه بقوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: آية 7] يعني: لا نسألهم لنستفيد منهم شيئاً لم نعلمه، بل نحن نقص عليهم جميع ما عملوا بعلم حقيقي أزلي محيط بكل شيء، وما كنا في دار الدنيا غائبين عن شيء فعلوه، فلا نسألهم
سؤال استعلام واستكشاف، وإنما نسألهم سؤال توبيخ وتقريع، أما في الكفار فبالمباشرة، وفي المرسلين فليبرءوا أنفسهم بأنهم بَلَّغوا، فيتوجه التقريع العظيم على الكفار الذين كذبوهم {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} فوالله لنقصن عليهم بعلم. ومعنى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} نذكر لهم أعمالهم فذلك قصة، قصة، قصة، فيقول الله للعبد: يا فلان بن فلان ألم تعلم أنك فعلت في اليوم الفلاني، في الوقت الفلاني، في الساعة الفلانية، من الشهر الفلاني، في البقعة الفلانية، عملت كذا وكذا، وكذا وكذا؟ ثم يسرد عليه أعماله قصة قصة، وقعة بعد وقعة، حتى يأتي على جميع ما فعل، وكذلك تشهد عليهم بقاع الأرض؛ لأن الإنسان إذا عصى الله في بقعة من بقاع الأرض يومئذ ينطقها الله، وتشهد عليه البقعة، وتقول: أشهد على فلان بن فلان أنه في ساعة كذا في يوم كذا في شهر كذا فعل عليَّ كذا وكذا. كما يأتي إيضاح هذا في سورة الزلزلة في قوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1)} إلى قوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)} [الزلزلة: الآيات 1 - 5] تُحدث الأرض أخبارها فتخبر بما فعل الناس عليها، كما أنهم في ذلك الوقت تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم وجلودهم، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: آية 65] ولما لاموا جلودهم في الشهادة عليهم {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: آية 21] والله (جل وعلا) يخبر أنهم في دار الدنيا ما كانوا يتسترون على أعضائهم خوف أن تشهد عليهم، لا يظنون أنها تشهد عليهم {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ
وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: الآيتان 22، 23] يعني: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم} [الأعراف: آية 7] على الأنبياء والأمم ما فَعَلَهُ كلّ إِنْسان على رؤوس الأشهاد، فَعَلْتَ كذا وكذا، مع أنه يجد كل ما فعل من حين يخط عليه القلم إلى أن يموت مكتوباً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ وإذا وضع الكتاب خاف أهل الذنوب خوفاً هائلاً شديداً؛ ولذا قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} مشفقين: أي خائفين خوفاً عظيماً يتخلَّلُه الإشفاق على أنفسهم من الهلاك {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: آية 49] وفي ذلك الوقت يُعطى كل إنسان كتابه على رؤوس الأشهاد، ويؤمر بأن يقرأه هو بنفسه، كما قال جل وعلا: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)} [الإسراء: الآيتان 13، 14] فإذا عرف (¬1) الإنسان أن جميع ما يقول في دار الدنيا سيُلقى على رؤوس الأشهاد ويُقص عليه أمام الخلائق في الآخرة: فعلتَ كذا وكذا، في يوم كذا، في تاريخ كذا، وأنه يُلَقَّاه في كتاب منشور على رؤوس الأشهاد، إذا كان المسلم يعرف هذا وعنده مسكة من عقل يجب عليه في دار الدنيا -وقت إمكان الفرصة - أن لا يخزي نفسه ويخجلها على رؤوس الأشهاد خزياً وخجلاً يجره إلى النار، فيُحاسِبُ، وينظر إلى الملكين المصاحبين له، وأن لا يقول ولا يفعل إلا شيئاً إذا رآه مسجلاً عليه يوم القيامة، أو قيل له: أنت فعلت، كان يُبَيِّضُ وجهه، ولا يُسَوِّده، ولا يخزيه، ولا يفضحه. وعلى كل ¬
واحد منا أن يعلم الحقائق القرآنية، وأسرار الوحي، ولا يبقى كالبهيمة التي تأكل النهار وتنام الليل، هذا لا ينبغي؛ لأن الرحيل قريب والقضاء قريب، والمحاسبة حق، وكل ما فعله الإنسان مُسَجَّل عَلَيْهِ، وسيُقرأ على رؤوس الأشهاد، وسيجده في كتاب منشور، فعلينا معاشر الإخوان أن لا نفضح أنفسنا يوم القيامة، وأن لا نُفوِّت الفرصة وقت الإمكان ونضيعها في قال وقيل حتى يضيع العمر المحدد، ويُجر الإنسان إلى القبر وهو صفر الكفين، فقير ليس عنده حسنات، لا ينشر عنه يوم القيامة إلا ما يفضحه ويخزيه، وفضيحة الآخرة وخزيها ليست كفضيحة الدنيا، فالذي يُفضح في الدنيا يكون خسيس العرض وهو في أشد الفضيحة وهو يفرح ويمرح، ويأكل ويشرب، صحيح الجسم، لا أثر عليه، أما فضيحة الآخرة فإنها يتبعها العذاب المخلد، والجر بالنواصي والأقدام إلى النار. فعلينا كُلاًّ أن ننتهِز الفرصة قبل أن يضيع الوقت، وأن لا نُفرِّط لئلا نندم حيث لا ينفع الندم، لأن الله (جل وعلا) مسجل علينا كل ما فعلنا؛ ولذا قال: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)}. وقد أجمع جميع العلماء أن مثل هذه الآيات لم ينزل الله من [السماء إلى الأرض] (¬1) واعظاً أكبر، ولا زاجراً أعظم من هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، الذي لا تكاد تقلب ورقة واحدة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم؛ لأن جبار السماوات والأرض، خالق الخلق يقول لكم: يا عبادي الأذلاء الضعفاء المساكين: اعلموا أني مطلع على كل ما تفعلون من الخسائس والخبائث، أُسجله عليكم بعلم حقيقي أَزَلِيّ ¬
إلهي، ولست غائباً عن شيء تفعلونه، بل كل ما تفعلون بمرأى مني ومسمع، فاحذروا أن تنتهكوا حُرماتي، وأن تستوجبوا سخطي وعذابي يوم القيامة. وضرب بعض العلماء (¬1) لهذا مثلاً -ولله المثل الأعلى- وقد كررناه في هذه الدروس تكراراً كثيراً لكثرة تكرار القرآن له في جميع الآيات، لو فرضنا أن هذا البراح من الأرض فيه ملك - ولله المثل الأعلى - إذا انتُهكت حُرماته يغضب غضباً شديداً، ويُنكِّل بمن أغضبه أشد النكال وأعظمه، وحول هذا الملك نساؤه وبناته وجواريه، أترون أن الحاضرين يخطر في بال أحد منهم أن يشير إلى جارية من جواريه، أو إحدى بناته؟ لا، بل كل منهم خاشع الطرف، خاضع الأعضاء، غايته السلامة، لا يتحرك، ولا يفعل أي شيء يُغضب ذلك الملك وهو ينظر إليه. هذا - ولله المثل الأعلى - في ملك من الآدميين، يموت ويأكله التراب والدود، فكيف - ولله المثل الأعلى - بخالق السماوات والأرض، وهو أشد بطشاً وأعظم نكالاً، وهو مطلع عليكم، يقول لكم: اعلموا أن كل ما تفعلون أني مطلع عليه. فلو علم أهل بلدة من البلاد أن أمير ذلك البلد يطلع على كل ما يفعلونه من الخبائث والخسائس في الليل، وأنه يراه، لباتوا متأدبين لا يفعلون إلا شيئاً حسناً خوفاً من عقابه، مع ضعف عقاب ملوك الدنيا - ولله المثل الأعلى - فالله يقول: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: آية 61] ولأجل أن هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، هو أعظم أسباب طاعة الله؛ لأن من ¬
راقب الله، ولاحظ أن الله مطلع عليه - إن كان عاقلاً - استحيا من الله، ولم يرتكب ما يسخط الله، ولا يفضحه هو ويخزيه يوم القيامة. أراد جبريل عليه السلام أن يُعَلِّم الصحابة (رضي الله عنهم) هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، فجاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم في قصة حديث جبريل المشهورة، وقال له: «يا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أخبرني عن الإحسان» والإحسان: هو أن تأتي بالعمل حسناً على الوجه اللائق عند الله (جل وعلا)، والإحسان هو الذي خُلقنا من أجله؛ لأن الله يقول في أول سورة هود: {خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} ثم بين الحكمة في خلقه الخلائق فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية 7] ولم يقل: أكثر عملاً. وقال في أول سورة الكهف: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} ثم بين الحكمة في خلق الأرض وزينتها قال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: آية 7] وقال في أول سورة الملك: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثم بين الحكمة فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: آية 2] فهذه الآيات دلت على أنه خلق الخلق ليمتحنهم، وهذا لا ينافي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: آية 56] أي: إلا لآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي عَلَى ألسنة رسلي، وأمتحنهم فيظهر المحسن منهم وغير المحسن، فلما كان الإحسان هو الذي خُلقنا من أجله، أراد جبريل أن ينبه الصحابة على الطريق إليه فقال: «يا محمد أخبرني عن الإحسان» صلى الله عليه وسلم، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن طريق الإحسان محصورة في هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، وهو أن يعلم العبد الضعيف الذليل المسكين أن جبار السماوات والأرض مطلع عليه، حاضر لا يغيب عن شيء من فعله، يعلم كل ما يفعل؛ ولذا
قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (¬1)، فجميع الخَلائق الله (جل وعلا) مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أعمالهم؛ ولذا قال: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: آية 7]. وآية الأعراف هذه وغيرها من الآيات تدل على بطلان مذهب المعتزلة النافين للصفات (¬2)، فيقولون: إن الله عالم لا بعلم قام بذاته، قادر لا بقدرة قامت بذاته ... إلى آخرها. ويقولون: إن العلم لو كان ثابتاً لكان موجوداً أزليّاً قديماً، والقديم لا يتعدد. وهذا من سخافة عقولهم، والله أثبت لنفسه أنه عالم بعلم فقال: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} وأثبت لنفسه صفة العلم ونظيرها قوله: {لَكِنِ الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: آية 166] وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم له صفة العلم والقدرة في دعاء الاستخارة المشهور المأثور: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» (¬3) فأثبت له صفة العلم وصفة القدرة. فهذه النصوص القرآنية النبوية من الآيات والأحاديث تدل على بطلان سخافة المعتزلة في نفيهم لصفات المعاني وإثباتهم أحكامها؛ ولذا قال جل وعلا: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ}. {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} [الأعراف: آية 7] صيغة الجمع في ¬
قوله: {وَمَا كُنَّا} للتعظيم، وقد جاء عن ابن عباس (رضي الله عنه) أن السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيهما في يد الله (جل وعلا) أصغر من حبة خردل في يد أحدنا (¬1)، وله المثل الأعلى فهو العلي الأعظم، الكبير الأكبر، الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء، فعلينا جميعاً أن نعلم أن كل ما نفعل أن ربنا مطلع عليه، ومُدَّخره لنا فمجازينا عليه، وليعلم كل واحد منا أن حركاته في دار الدنيا هي بيته الذي يبنيه، والذي يصير مصيره الأبدي إليه، فإن كانت حركاته طيبة كلها طاعة لله فإنه يبني بها غرفة من غرف الجنة، ينال فيها الحور العين، والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، وإن كانت حركاته في دار الدنيا حركات سيئة مخالفة (¬2) لما أنزل الله فإن تلك الحركات إنما يبني بها منزله ومصيره الأخير، وهو سجن من سجون جهنم؛ لأنه لا مسكن في الآخرة إلا غرف الجنة أو سجون جهنم، وقد يُدخل الواحد من أهل جهنم في سجنه ومقره كما يُدخل الوتد في الحائط لشدة ضيق مكانه عليه، كما قال جل وعلا: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً (13)} [الفرقان: آية 13] فعلى كل مسلم أن لا يضيع الفرصة، وأن يعلم أنها ليست فوضى، وأنه عبد مملوك مربوب، عليه رقابة إلهية عظمى تُسجل عليه ما يفعل من خير وشر، فليتحرَّ، وأن لا يفعل إلا ما يرضي ربه، ولا يخزيه ولا يفضحه يوم القيامة على رؤوس ¬
الأشهاد؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك جاءه الموت من حيث لا يشعر، وقد يأتيه بغتة فتضيع عليه الفرصة ويندم حيث لا يفيد الندم. {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ (9)} [الأعراف: الآيتان 8، 9] (¬1). [3/أ] / بيّن الله (جل وعلا) في أول هذه السورة الكريمة - سورة الأعراف - أنه كتاب أنزله، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر بهذا الكتاب المنزل إليه، وأن لا يكون في صدره حرج، ثم أمر عامة الناس باتباع ما أنزل، ونهاهم عن اتباع غيره، ثم بين لهم أنه أهلك كثيراً من القرى لما أعرضوا عن اتباع ما أنزل واتبعوا غيره. بين في هذه الآية الكريمة أن هذا الكتاب الذي أنزل إليكم والسنة المفسرة المبينة له التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمركم الله بالعمل بكل ما أنزل في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بين لكم أن المفرط والممتثل منكم ليس واحد منهما يُترك فوضى سُدى، بل لا بد أن يُحصى على كل إنسان ما عمل من يوم تكليفه إلى يوم يموت، وأن جميع ما قدم من خير أو شر يوزن يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فتوزن حَسَنَاتُهُ وسيئاته بميزان عدل، لا ينقص شعيرة قال: {وَالْوَزْنُ} أي: وزن أعمال الإنسان ممَّا قَدَّمَ في دار الدُّنْيَا من حسنات وسيئات. {يَوْمَئِذٍ} تقرر في علم العربية أن تنوين (يومئذ) أنه تنوين عوض عن جملة (¬2)، والجملة التي تُعوض عنها نون التنوين تكون ¬
مذكورة سابقاً في أول الكلام والمعنى، فنون التنوين في {يَوْمَئِذٍ} عوض عن قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: الآيتان 6، 7] أي: ووزن الأعمال يومئذ نسأل الذين أُرسل إليهم ونسأل المرسلين. وزن أعمال الخلائق يومئذ، أي: يوم ذلك السؤال المتقدم وهو يوم القيامة. {الْحَقُّ} قوله: {وَالْوَزْنُ} مبتدأ بلا خلاف. واختلف المعربون من علماء العربية في خبره (¬1)، وقال بعضهم: خبره {يَوْمَئِذٍ}، والمعنى: والوزن الحق كائن يومئذ، يوم سؤال الرسل والمرسلين، وعليه فالخبر هو الظرف الذي هو (يومئذ) يُقدر له الكون والاستقرار، والوزن كائن يومئذ، أي: يوم ذلك السؤال المذكور. وقال بعض العلماء: خبر المبتدأ هو (الحق) أي: والوزن في ذلك اليوم الحق. فـ (الوزن) مبتدأ، و (الحق) خبره. وعلى القول الأول فهو يدل على أن الذين أجازوه من علماء العربية -وهم جماعة كثيرة من علماء العربية والمفسرين- يدل على أنهم يرون أن المبتدأ إذا كان منعوتاً لا تمتنع الحيلولة بينه وبين نعته بالخبر. هكذا ظاهر صنيعهم وإعرابهم، أن (يومئذ) خبر، و (الحق) نعت للوزن. وأظهر الإعرابين: أن (الحق) هي خبر (الوزن)، و (يومئذ) ظرف، أي: والوزن في ذلك اليوم الحق العدل. ¬
وأصل الحق: الثابت الذي لا يضمَحِلّ، والمراد بالحق فيه أنه عدل ثابت لا جور فيه ولا حيف، فلا يُزاد في سيئات مسيئ، ولا يُنقص من حسنات مُحْسِن، فهو وزن في غاية الحق، وفي كمال العدالة والإنصاف، لا يُظلم صاحبه شيئاً (¬1)، ولكن قد يُزاد المحسن حسنات إلى حسناته: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا} [النساء: آية 40] وفي القراءة الأخرى (¬2): {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}. وهذا الوزن فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر، يعني: يا عبادي ما دمتم في دار الدنيا فانتهزوا الفرصة، ولا يضع عليكم الوقت، واعلموا أن كل ما تقدمون وما تقولون وما تفعلون من خير سيوزن بميزان عدل حق قسط على رؤوس الأشهاد، لا يخيس شعيرة، فمن ثقلت موازينه بالحسنات فهو المفلح، ومن خفت موازينه بكثرة سيئاته وقلة حسناته فلا يلومن إلا نفسه. واعلموا أن جماهير العلماء من عامة المسلمين، سلفهم وخلفهم، على أن هذا الوزن وزن حقيقي، وأنه يقع بميزان له لسان وكفتان (¬3)، توضع السيئات في كفة، والحسنات في كفة، فيثقل الله ما شاء منهما، فإن كانت حسناته أكثر ثقلت كفة الحسنات فصار إلى الجنة، وإن كانت سيئاته أكثر خفت موازينه لِقِلَّةِ حسناته وكثرة سيئاته، وحُقَّ لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحُقَّ لميزان ¬
توضع فيه السيئات أن يخف، والحق إنما كان ثقيلاً في الميزان يوم القيامة؛ لأنه ثقيل على النفوس في دار الدنيا، والباطل إنما كان خفيفاً في الميزان يوم القيامة لخِفَّتِه على النفوس في دار الدنيا، وهذا الوزن التحقيق الذي عليه السلف أنه وزن حقيقي، بميزان حقيقي، له لسان وكفتان، ينظر إليه جميع الخلائق، توضع أعمال العبد في كفة، الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، فإن ثقلت كفة الحسنات صار إلى الجنة، وإن خفت كفة الحسنات صار إلى النار. واختلفوا في كيفية هذا الوزن على ثلاثة أقوال لا يكذب بعضها بعضاً (¬1)، وقال بعض العلماء: لا مانع من أن يقع جميعها فذهب أكثر المفسرين إلى أن الموزون هو صحائف الأعمال؛ لأن كل إنسان له كتاب وصحائف فيها عمله، كما قدمنا في قوله: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ} [الإسراء: الآيتان 13، 14] فهذا الكتاب متضمن جميع صحف عمله، وأن هذه الصحف يوضع ما كُتب منها فيه الحسنات في كفة، وما كتب فيه السيئات في كفة، وعلى هذا القول الأكثر، واستدلوا له بحديث البطاقة المشهور الذي أخرجه الترمذي وغيره (¬2) وصححه ¬
بعض أهل العلم أن رجلاً يوم القيامة يُجاء له بتسع وتسعين سجلاً كلها مملوءة من السيئات، كل سجل منها مدّ البصر، ثم يقول له ربه: هل تنكر شيئاً من هذا؟ فيقول: لا. هل ظلمتك رسلي؟! لا .. ثم يُؤتى ببطاقة -والبطاقة: القطعة الصغيرة قدر الأنملة- مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً -صلى الله عليه وسلم- رسول الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة؟! فيقال له: إنك لا تُظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة؛ لأن اسم الله (جل وعلا) لا يعادله شيء. استدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس (¬1): أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يُحوِّل الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله (جل وعلا) قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسماً، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران أنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو فرقان من طير ¬
صواف (¬1)، وكما جاء في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث (¬2)، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره (¬3)، وأمثال هذا كثيرة جدّاً، وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجساماً، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صور نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله. وقال بعض أهل العلم: إن ما يوزن أصحاب الأعمال، واستدلوا بالحديث المعروف المشهور: أن الرجل السمين -الأكول الشروب- يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة (¬4)، وفي مناقب عبد الله بن مسعود: أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم صلى الله عليه وسلم: ¬
«إنها فِي المِيزانِ أَثْقَل مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ» (¬1). وما قاله ابن فورك وغيره من المتكلمين: إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون جسماً (¬2)!! لا يُعوَّل عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يشأ أيضاً، فهو قادر على هداية أبي بكر وأبي لهب، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب. فهذه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الموزون صحف الأعمال. والثاني: أن الموزون الأعمال، تُقلب أجساماً في صور موزونة. الثالث: أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري -كبير المفسرين - يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وأن الكفة الأخرى فيها سيئاته (¬3)، هكذا يقوله العلماء، وعلى كل حال فالتحقيق أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين. ¬
وظاهر القرآن تعدّد هذه الموازين؛ لأنه قال في سورة الأنبياء: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} وفي القراءة الأخرى (¬1): {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: آية 47] وقال في القارعة: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)} [القارعة: الآيات 4 - 11] وقال في سورة (قد أفلح المؤمنون): {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ (101) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)} [المؤمنون: الآيات 101 - 104] فهذه الآيات تعبر بالجمع في الميزان، وظاهرها التعدد. وذهبت جماعة من العلماء إلى أن الميزان واحد، وأنه أُطلق عليه اسم الجمع لكثرة ما يُوزن فيه من أنواع الأعمال، وكثرة الأشخاص العاملين الموزونة أعمالهم (¬2). وعلى كل حال فكل ما قدمت أيها الإنسان في دار الدنيا سيوضع لك في كفة، وما قدمت من شر سيوضع في كفة، فإن رجح خيرك على شرك ذهبت إلى الجنة فرحاً مسروراً، وإن رجح شرّك ¬
على خيرك فلا تلومن إلا نفسك، وربنا (جل وعلا) يذكرنا بهذا ويعظنا به في دار الدنيا، في وقت إمكان الفرصة؛ لئلا تضيع علينا الفرصة، فعلينا أن نكثر من الحسنات، ونُجانب السيئات؛ ليكون ما في موازيننا يثقل عند الله فنفرح به ونُسر وندخل الجنة، فالسَّفِيهُ كل السَّفِيه والمتأخِّر حق المتأخر هو الذي لا يُراعي أوامر الله، وإنما يجمع في الدنيا من السيئات ليثقل بها كفة السيئات وتطيش كفة الحسنات، فيفضح على رؤوس الأشهاد ويجر إلى النار. هذا الخبيث المغفّل وإن سَمَّوه في الظروف الراهنة متقدماً متنوراً مسايراً ركب الحضارة!! فهو الحمار المغفل الذي لا يفهم ما أمامه، وهو أشد الناس تأخراً، وسيعلم أنه الأرذل المتأخر إذا مات وفارقت روحه جسده، ووجد ما عند الله من العدل والإنصاف، ووجده لم يقدم إلا السيئات والخبائث والتمرد على مَنْ خَلَقَهُ، فإذا وزنت سيئاته، وكانت كثيرة جدّاً، ولم توجد له حسنات فعند ذلك سيعلم هل هو كان متقدماً أم لا؟! وهل كان عاقلاً فطناً أم لا؟! بل يعلم أنه هو المتأخر الفدم (¬1) البليد الحمار الذي لا يفهم عن الله شيئاً! وعما قليل ستنكشف الحقائق {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: آية 38] فسيقع ما سيقع، فعلى المؤمن أن يكون عاقلاً فطناً، وأن لا يهلك نفسه بيده، وأن يلاحظ أنه يوم القيامة ستوزن سيئاته وحسناته على رؤوس الأشهاد، فإن كانت سيئاته أرجح جُرَّ مخزياً مفضوحاً إلى النار، وإن كانت حسناته أرجح جاء مسروراً كريماً إلى الجنة، فعلى الإنسان أن لا يُهلك نفسه في دار الدنيا باتباع الشهوات واتباع ¬
المضللين، وأن لا تَطَّبِهِ الشعارات الزائفة المضللة التي تصرفه عن طاعة مَنْ خلَقَهُ إلى طاعة الشيطان فيخيب يوم القيامة ويخسأ عند الوزن. فعلى كل أحد أن يُعد لهذا الوزن عدته يوم القيامة. وقد قدمنا أن جمهور علماء المسلمين أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين. وهنا سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم: ما اعتل به الضالون المعتزلة النافون للميزان، القائلون: إنه ليس هناك ميزان حقيقي. يقولون: إن الله عالم بأعمال خلقه فما حاجته إلى أن يزنها، فهو عالم كُلاًّ منها غاية العلم، محيط بقدر حسناته وبقدر سيئاته، فأي حاجة إلى وزن الأعمال والرب (جل وعلا) عالم بحقيقتها بعلمه المحيط بكل شيء، عالم أيها الراجح؟! (¬1). والجواب: أن الله (جل وعلا) يزن أعمال خلقه يوم القيامة ليُري خلقه كمال عدالته وإنصافه، وإن كان ذلك لا يحتاج، كما يكتب عليهم ذلك في كتب ويُسجِّله عليهم ويقول للواحد: {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)} [الإسراء: آية 14] هذا خزياً له وتسجيلاً على رؤوس الأشهاد، وكذلك يُشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، وجلودهم، وهو غني عن كل ذلك، كل هذا لإظهار إنصافه وعدالته، ولتوبيخ أولئك الخبثاء الأخساء على رؤوس الأشهاد. ¬
أمَّا المعتزلة فقد قالوا: إن الميزان لا حقيقة له، وإنما المراد بالوزن: العدالة في الجزاء، قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، يقولون: هذا الكلام يوازن هذا الكلام، وهذا الرجل يوازن هذا الرجل. والميزان معناه: القسط التام والعدالة، وأن لا يُظلم إنسان شيئاً. قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬1): قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا قُوَّةٍ ... عِنْدِي لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيزَانُهْ أي: ما يوازن كلامه وحجته. ومع الأسف قد سبق المعتزلة لهذا القول مجاهد، والضحاك، والأعمش (¬2)!! وهو قول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة كما ذكرنا. وإن كان الوزن يطلق على العدل، إلا أن الأحاديث النبوية، وظواهر القرآن العظيمة، وسائر المسلمين -إلا من شذّ- كلها متفقة على أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان كما ذكرنا، والأحاديث بمثله كثيرة لا ينكرها إلا مكابر، وهو الحق الصحيح إن شاء الله، وهذا معنى قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: آية 8]. متعلَّق (الوزن) هنا محذوف، و (الوزن) مصدر (وَزَنَ، يَزنُ، زِنَةً، ووزناً)، كوعد، يَعِدُ، عِدَةً، ووَعْداً، ووَصَلَ، يَصِل، صِلَةً، ¬
ووصْلاً، ومتعلَّق المصدر محذوف، والوزن للأعمال في الموازين كائن يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} العدل الذي لا جور فيه، فلا يُزاد في سيئات مسيء، ولا ينقص من حسنات محسن. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي: بكثرة حسناته. جَمَعَ الموازين لأن (من) هنا بمعنى جماعة كثيرة، سواء قلنا: إنها شرطية، أو موصولة فإنها تعم، وهي لجماعة كثيرة، بدليل قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ولم يقل: (فذلك هو المفلح) بالإفراد، فإفراد الضمير في قوله: {مَوَازِينُهُ} والجمع في الإشارة والضمير في قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأول بالنظر إلى لفظ (من). والثاني: بالنظر إلى معناها (¬1). وقد قدمنا أن ظاهر الآيات تعدد الموازين، وأن كثيراً من العلماء قالوا: إنه ميزان واحد، وأُطلق عليه اسم الجمع تفخيماً له، والعرب تطلق الجمع وتريد المفرد كعكسه، كما يقولون: سار فلان إلى البصرة بالسفن، وهو في سفينة واحدة، وراح إلى الشام على البغال وهو راكب بغلة واحدة. وقال بعض العلماء: الموازين جمع موزون، والموزون هو الحسنات والسيئات. وجمع (الموزون) على موازين جمع قياسي مُطَّرِد، وعلى هذا فلا سؤال ولا إشكال (¬2). وعلى أنه جمع (ميزان) فظاهر القرآن التعدد، كقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: آية 47] أو أنه لفظ جمع أُطلق وأُريد المفرد نظراً لكثرة ما يُوزن فيه من الأعمال. ¬
{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: آية 8] أي: كانت حسناته أكثر، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ لأن الحسنة الواحدة توضع في الميزان بعشر حسنات، والسيئة توضع في الكفة الأخرى سيئة واحدة وإن شاء الله غفرها، فمن غلبت آحاده عشراته فلا خير فيه!! وربما كانت الحسنة توضع بسبعمائة حسنة، فدرهم الإنفاق يوضع بالميزان حسنته بسبعمائة ضعف، كما قال جل وعلا: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} ثم بين أن المضاعفة قد تزيد قال: {وَالله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} [البقرة: آية 261] وقوله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: آية 245] فالأضعاف الكثيرة أكثر من عشرة، فالله (جل وعلا) كريم لا يهلك عليه إلا هالك، فالحسنة أقل درجاتها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، والسيئة إما أن يغفرها، وإن لم يغفرها وُضعت في الميزان سيئة واحدة [فعلينا أن نُحاسِب] (¬1) وأن نكثر من الحسنات، ونتجافى عن السيئات، ونخشى من خالق السماوات والأرض، فمن أكثر السيئات في دار الدنيا، وأقل الحسنات فإنما يهلك نفسه بيده؛ لأنه إذا حضر الوزن، ورأى كثرة السيئات، وقلة الحسنات، والفضيحة، والجرّ بالنواصي والأقدام إلى النار ندم في ذلك الوقت حيث لا ينفع الندم، فعلينا جميعاً أيها الإخوان المسلمون أن ننتهز الفرصة وقت الإمكان، وأن لا نُضيعها لئلا نندم حيث لا ينفع الندم؛ لأن الفرصة إذا فاتت بالموت انتهى كل شيء، والله يقول: {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ} كيف يتناولون ¬
العمل الصالح وقد مضى أوانه بالموت، وهذا معنى قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي: ثقلت كفة الحسنات بكثرة الحسنات، وطاشت كفة السيئات؛ لأنها صارت أرجح منها كفة الحسنات. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الجمع في قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ} نظراً إلى معنى (من) (¬1)، وإفراد الضمير في (موازينه) عائد إلى لفظ (من)، ولفظها مفرد ومعناها جمع. و (المفلحون) جمع تصحيح للمفلح، والمفلح: هو اسم فاعل أفلح يُفلح فهو مُفلح. وأصل الفلاح في لغة العرب: اسم مصدر بمعنى الإفلاح؛ لأن مصدر (أفلح) القياسي أن يقال: إفلاحاً؛ لأن (أفْعَل) إذا كانت صحيحة العين ينقاس مصدرها على (الإفعال) بقياس مطرد. فالفلاح اسم مصدر نائب عن (الإفعال). والفلاح في لغة العرب يُطلق إطلاقين مشهورين، وكل منهما يدخل في الآية الكريمة (¬2): الأول من إطلاقي الفلاح: أن العرب تقول: (أفلح فلان) إذا فاز بمطلوبه الأكبر، فكل إنسان كان يحاول مطلوباً أعظم ثم ظفر به وفاز بما كان يرجو فهذا قد أفلح، ومنه قول لبيد بن ربيعة (¬3): اعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلي ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ ¬
يعني: أن مَنْ رَزَقَهُ اللهُ نُورَ العقل فَقَدْ فَازَ بالمطلوب الأكْبَر الذي يطلبه كل إنسان؛ لأن العقل يعقل صاحبه عن كل ما لا ينبغي، ويحجزه عن كل ما يَشِين، ومنه بهذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: آية 1] فهو محتمل للمعنيين أيضاً، والفلاح في جميع القرآن محتمل للمعنيين المذكورين: الأول: هو ما ذكرنا: أنه الفوز بالمطلوب الأكبر. الثاني: أن المراد بالفلاح: الدوام والبقاء السَّرْمَدِي في النعيم، فكل من كان له دوام وبقاء في النعيم تقول العرب: نَالَ الفَلاحَ. وهذا المعْنَى معروف في كلامهم. ومنه قول الأضبط بن قريع، أو كعب بن زهير على أحد القولين (¬1): لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ... وَالمُسْيُ وَالصُّبْحُ لاَ فَلاَحَ مَعَهْ يعني: أن تعاقب الليل والنهار لا بقاء للإنسان في دار الدنيا معه، ومنه بهذا المعنى قول لبيد بن ربيعة في رجزه (¬2): لَوْ أَنَّ حَيّاً مُدْرِكَ الْفَلاَحِ ... لنَالَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ يعني: لو كان إنسان خالداً لا يموت لنال الخلود ملاعب الرماح، يعني: عمه أبا براء عامر بن مالك، المعروف، أحد بني أم البنين الأربعة. وبهذين المعنيين فُسر حديث الإقامة والأذان (حي على الفلاح) قال بعض العلماء: حيّ: بمعنى هَلُمَّ وتعالوا إلى الفوز بالمطلوب الأكبر، وهو الجنة والسعادة ورضا الله؛ لأن أكبر أسباب ذلك الصلاة. ¬
القول الثاني: (حي على الفلاح) هَلُمَّ إلى البقاء السرمدي في جنات النعيم؛ لأن أكبر أسباب ذلك: الصلاة؛ لأن الصلوات الخمس هي أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين. وهذا معنى قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} الخِفَّةُ معناها: الطيش وعدم الرّجْحَان، ومن طاشت موازينه سواء قلنا إنها الكفة التي فيها السيئات، أو نفس السيئات عند من يقول: أي: خفت كفة الميزان لقلة ما فيها من الحسنات؛ لأن الحسنات إن كانت قليلة كان الميزان خفيفاً؛ لأن المعتبر في الحقيقة ثِقَلُهُ: الحَسَنَات، فإن كَثُرَتْ ثَقُل الميزان، وإن قلت خَفَّ الميزان [وثقلت] (¬1) الكفة الأخرى التي فيها السيئات، ومعنى: {خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} كثرت سيئاته -والعياذ بالله- على حسناته. {فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} فأولئك الذين خفت موازينهم لقلة حسناتهم وكثرة سيئاتهم {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم}، والله (جل وعلا) قال هنا إنهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم قد رُزِئُوا في أنفسهم، وأكبر الأدلة على خسرانهم أنفسهم: أنهم إن صاروا إلى النار أكبر مُنْيةٍ يتمنونها، وأكبر غرض يطلبونه: هو أن يموتوا وتعدم أنفسهم فتصير لا شيء؛ ولذلك يقولون: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77)} [الزخرف: آية 77] ولكن أمنيتهم العُظْمَى الَّتِي هِيَ الموت لا يحصلونها أبداً؛ لأن الله يقول: {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: آية 36] ويقول (جل وعلا) في الكافر: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم: آية 17] {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيى} [طه: آية 74] فمن كانت أمنيته الموت، وغايته الكبرى أن يستريح من نفسه من ¬
وجودها إلى العدم فمعلوم أنه خسرها؛ ولذا قال: {خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} [الأعراف: آية 9] وأصل الخسران في لغة العرب: هو نقصان مال التاجر، سواء كان نقصاً في ربح المال، أو نقصاً في رأس المال (¬1). والخسران في اصطلاح الشرع: هو غبن الإنسان في حظوظه من ربه (جل وعلا)؛ لأن الإنسان إذا غُبن في حظوظه من ربه (جل وعلا) فقد خَسِرَ الخُسْرَان المبين، وقد أقسم الله (جل وعلا) - وهو أصدق من يقول - في سورة كريمة من كتابه - وكل سورة منه كريمة- ألا وهي (سورة العصر) أن الخسران لا ينجو منه إنسان كائناً ما كان إلا بأعمال معينة مبينة، وذلك في قوله: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} {إِنَّ الْإِنسَانَ} معناه: إن كل إنسان كائناً من كان {لَفِي خُسْرٍ} {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: الآيات 1 - 3] فهذا الخسران لا يُنجي منه شيء أبداً كما أقسم عليه رب السماوات والأرض إلا الإيمان والأعمال الصالحات، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، هذا الذي يُنجي من الخسران. وقَدْ بَيَّنَّا في هذه الدروس مِرَاراً أن العلماء ضَرَبوا لهذا الخسران مثلين: أحد ذينك المثلين: أن كل إنسان كائناً من كان أعطاه الله في دار الدنيا رأس مال، ورأس مال الإنسان هو جواهر نفيسة، وأعلاق عظيمة لا يماثلها شيء من الدنيا، فهي أعظم من كل اليواقيت، وأعظم من كل الجواهر، ولا يماثلها شيء في الدنيا أبداً. هذه ¬
الجواهر التي هي رأس ماله هي ساعات عمره، أيام عمره وشُهُوره ولياليه وأعوامه، فهذا رأس مال الإنسان. فاعلم أيها الإنسان أن عمرك هو رأس مالك (¬1): إِذَا كَانَ رَأْسُ المَالِ عُمْرَكَ فَاحْتَرِزْ ... عَلَيْهِ مِنَ الإنْفَاقِ في غَيْرِ وَاجِبِ فإن كان صاحب رأس هذا المال رجلاً متقدماً حقيقة لَبِقاً عارفاً حاذقاً اتَّجَرَ مَعَ رَبِّه برأس هذا المال، فنظر ساعات العمر، فكل وقت منها يتوجه فيه أمر من خالق السماوات والأرض، كأوقات الصلوات، وأوقات الصوم، والعبادات المؤقتة، يبادر إلى مرضاة خالقه، فيتَّجر مع خالقه (جل وعلا) ويُحرِّك رأس المال مع خَيْر من يتجر معه، وهو رب السماوات والأرض (جل وعلا) ويكثر من طاعات رَبِّه ومرضاة رَبِّهِ، وينظر كل شيء حَرَّمَهُ خالقه أو نهى عنه فيجتنبه ويتباعد منه، وهذا هو تحريكه رأس المال وتجارته مع رب العالمين؛ ولذا سمى الله هذا العمل الصالح وإنفاق العمر فيما يُرضي الله، سماه في آية: تجارة، وفي آية: بيعاً، وفي آية: شراء، وفي آية: قرضاً، والكل بمعنى واحد. قال: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: آية 245] فسمى العمل الصالح قرضاً. وقال: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)} ثم بين عوض هذا التاجر: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} إلى آخر الآيات [الصف: الآيات 10 - 12]، وقد سماه بيعاً وشراءً في قوله: {إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: آية 111] وقال: {فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: آية 111] ¬
فالإنسان اللبق الحاذق لا يضيع هذه الجواهر النفيسة، والأعلاق العظيمة، التي هي ساعات عمره ودقائقه وثوانيه، بل يحرك رأس هذا المال، ويتجر به مع خير من يُتجر معه، وهو خالق السماوات والأرض، إن جئت بحسنة جاءك بعشر حسنات إلى سبعمائة إلى ما لا يعلمه إلا الله، إن جاءه عبده يمشي أتاه ربه هرولة، وإن تقرب إليه باعاً تَقَرَّبَ (جَلَّ وَعَلا) إليه ذراعاً، سبحانه ما أعظمه وما أكرمه! فالإنسان العاقل يَتَّجِرُ بِرَأْسِ هذا المال مع رَبِّ العالمين، فلا تضيع عليه هذه النفائس والأعلاق الثمينة، فيصرف أوقاته فيما يُرْضِي اللهَ، وإذا كان معه تَعَبٌ فليكف عما لا يُرْضِي رَبَّهُ، فيكون عمله إما أن يكون خيراً يستجلبه، وإما أن يكون سلامة من الشرور، فيكون على خير، فيربح من هذه التجارة: الحور، والولدان، وغُرف الجنان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، ومُلك لا ينفد {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)} [الإنسان: آية 20]. وإذا كان صاحب رأس هذا المال مغفلاً أحْمَقَ، قليل الفهم عن الله، ليس عارفاً بحقائق الأمور، لا يدري الفرق بين التقدم والتأخر، ولا بين التَّنَوُّر وغير التَّنَوُّر، فإنك تراه يتلاعب بهذه الجواهر النفيسة التي أعطاه الله، وهي أيَّام عمره، ولا يُقدرها، ويُمضيها في قيل وقال، وربما أمْضَى أكْثَرَهَا في مساخط الله، وما يستوجب غضب الله، من الوقوع في محارمه، والتمرد على نظامه، واتباع كل ناعق من شياطين الإنس والجن الذين يدعون إلى النار، وإلى سخط الله (جل وعلا)، حتى ينقضي الوقت المحدد من أيام عمره، فيؤخذ روحه من بدنه فيموت فيضيع عليه رأس المال، فيُجر إلى القبر وهو
مُفْلِس فقير، والآخرة يا إخوان دار لا تصلح للفقراء المفاليس؛ لأنها ليس فيها سلف ولا بيع، ولا إرفاق، وإنما فيها ما قدم الإنسان من عمل في دار الدنيا (¬1): لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوْتِ يَسْكُنُهَا ... إِلاَّ التِّي كَانَ قَبْلَ المَوْتِ يَبْنِيهَا ... فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ ... وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا والآخرة ليس فيها منزل إلا غرفة من غرف الجنة، أو سجن من سجون النار -والعياذ بالله- وسنتكلم -إن شاء الله- في أثناء هذه السورة الكريمة على أصحاب الأعراف، وما قصتهم، وما الذي جعلهم على الأعراف، ونذكر كلام العلماء فيه، فعلينا جميعاً أن لا نضيع رأس هذا المال، فَمَنْ ضَيَّعَ رَأْسَ ماله وأفنى عمره فيما لا يرضي ربه ضاع رأس المال، وإذا ضاع رأس المال فالربح أضيع وأضيع، فيصير إلى سجن من سجون جهنم -والعياذ بالله- هذا أحد مثلي الخسران الذي ضرب العلماء له. المثل الثاني: هو ما جاء به حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (¬2)، وحسنه بعض العلماء، ولا بأس به -إن شاء الله- أن كل إنسان كائناً من كان له منزل في الجنة ومنزل في النار، فالله يجعل منزلاً في الجنة ¬
باسم كل إنسان، ومنزلاً في النار باسم كل إنسان. فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على منازلهم في النار لو أنهم كفروا بالله وعصوه لتزداد غبطتهم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقولون: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: آية 43] ثم إنه يُري أهل النار منازلهم في الجنة لو أنهم أطاعوا الله وآمنوا واتقوا لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: {لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: آية 57] ثم إن الله يحكم بمنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، وبمنازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومن كانت صفقته بيع منزله في الجنة بمنزل غيره في النار فصفقته خاسرة، وهو من الخاسرين بلا شك. هكذا قال بعض العلماء وهذا معنى قوله: {فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} [الأعراف: آية 9]. (ما) هنا مصدرية، والباء سببية. يعني: خسروا أنفسهم بسبب كونهم ظالمين بآياتنا. قال بعض العلماء (¬1): إنما عدّى الظلم هنا بالباء لأنه مُضمّن معنى الكفر والجحود، والجحود يُعدّى بالباء كقوله: {وَجَحَدُوا بِهَا} وقد جاء في القرآن تسمية الجحود في الآيات (ظلماً) كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً} [النمل: آية 14]. وقوله: {بِآيَاتِنَا} قد قدمنا في هذه الدروس (¬2) أن الآيات ¬
جمع آية، وأن أكثر علماء الصرف على أن وزنها (فَعَلَة)، وأن أصلها (أَيَيَة) فاؤها همزة، وعينها ياء، ولامها ياء، بعدها هاء تأنيث لفظية. وقد اجتمع فيها موجبَا إعلال؛ لأن فيها حرفي لين كل منهما متحرك بِحَرَكَةٍ أصلِيَّةٍ بعد فتح، فالياءان كل منهما تستوجب إعلالاً، والمقرر في علوم العربية: أنه إذا اجتمع موجِبَا إعلال كان الحرف [الأخير هو الذي وقع فيها الإعلال، ولكنه وقع هنا في الحرف الأول على خلاف القاعدة الكثيرة المطردة، وهو جائز. وقيل: أصلها: (أَيَاه) ولكن الإعلال وقع هنا في الحرف الأول فصار (آية)، ولها في اللغة معنيان: المعنى الأول: بمعنى (العَلامة)، تقول العرب: الآية بيني وبينك كذا؛ أي: العلامة بيني وبينك كذا. ومنه قوله تعالى:] (¬1). [3/ب] / {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} أي: علامة ملك طالوت عليكم {أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآية [البقرة: آية 248] وهذا معروف في كلام العرب، وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو جاهلي عربي قُح- تفسير الآية بالعلامة حيث قال (¬2): تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامِ سَابِعُ ثم بيَّن أن مراده بالآيات: علامات الدار؛ حيث قال بعده: رَمَاد كَكُحْلِ العينِ لأْياً أُبينُهُ ... وَنُؤْيٌ كَجِذمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ ¬
هذا هو المعنى المشهور للآية، أن معناها العلامة، فآية كذا: علامة كذا. المعنى الثاني: أن العَرَبَ تطلق الآية وتريد الجماعة، تقول: جاء القوم بآيتهم؛ أي: بجماعتهم، ومنه بهذا المعنى قول بُرج بن مُسْهِر الطائي (¬1): خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا ... بِآيَتنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلاَ يعني: بجماعتنا، فإذا علمتم أن الآية في اللغة تطلق على العلامة، وعلى الجماعة، فهي في القرآن العظيم باستقراء القرآن العظيم تطلق إطلاقين: أحدهما: الآية الْكَوْنِيَّة القَدَرِيَّة، وهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد الأعظم الصمد المستحق لأَنْ يُعْبَدَ وَحْدَه كقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} [البقرة: آية 164] أي: لعلامات واضحة جِازِمَة قاطعة بأن مَنْ خَلَقَهَا هُوَ رَبُّ هَذَا الْكَوْنِ، وهو المعبود وحده (جل وعلا) سبحانه عما يشركون، وهذا كثير. وتطلق الآية في القرآن إطلاقاً آخر، ومعناها: الآية الشَّرْعِيَّة الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: {بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} [الأعراف: آية 9] لأنه قال: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن ¬
رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] وذلك الذي أُنزل إليهم من ربهم أعظمه الآيات السماوية القرآنية التي تُتلى، وآيات الكتب، فلما ظَلَمُوا بها وجحدوا بها كانوا ظالمين ودخلوا النار. ومن الآية الشرعية الدينية قوله تعالى: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله} [الطلاق: آية 11] {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: آية 2] فالآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة بلا نزاع، والآية الشرعية الدينية قيل هي من الآية بمعنى الجَمَاعة؛ لأن كل آية اشتملت على جماعة وجملة من حروف القرآن وألفاظه متضمنة لبعض ما فيه من الإعجاز والعقائد والحلال والحرام. وقيل أيضاً: إنها من العلامة؛ لأنها علامات على صِدْقِ مَنْ جَاءَ بِهَا؛ ولأن لها مبادئ ومقاطع هي علامات على انتهاء هذه الآية وابتداء الأخرى. وهذا معنى قوله: {بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} [الأعراف: آية 9]. {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} [الأعراف: الآيات 10 - 13]. لما أمر الله (جل وعلا) خلقه في أول هذه السورة الكريمة فقال لهم: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} [الأعراف: آية 3] ثم إنه وعظهم وأخبرهم أنه يسألهم، وأنه يقصُّ عليهم أعمالهم بعلم، وأنه لم يكن غائباً عن شيء عملوه في دار الدنيا، وأنه يزن أعمالهم بميزان فلا يخيس شعيرة، بيّن لهم أنه أنعم عليهم في دار
الدنيا من أنواع الإنعام إنعاماً عظيماً ينبغي لهم أن يشكروا له ذلك الإنعام، وأن لا يستعينوا بإنعامه على معصيته، فإن من أعظم أنواع اللؤم والخساسة أن ينعم علينا رب السماوات والأرض العظيم الأعظم بنعمه الكثيرة ثم نستعين بها على معصيته وما لا يرضيه!! هذا مِنْ أَقْبَحِ القبيح، وأشنع الشنيع الذي لا ينبغي لأحد أن يفعله. وقد نَبَّهَنَا في هذه الآيات على بعض الإنعام الذي أنعم علينا قال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 10] والله لقد مكناكم في الأرض؛ أي: جعلناكم متمَكِّنِينَ فيها، مُتَصَرِّفِين قادرين على استجلاب المعايش والرفاهية والراحة بما هيأنا لكم من الأسباب، جعلنا لكم الأرض ساكنة قابلة؛ لأن تبنوا عليها، وتبنوا منها البيوت التي هي هنيّة لذيذة للمقام، ثم جعلناها قابلة لأنواع الازدراع لتزرعوا فيها ما تأكلون وما تلبسون، ثم خلقنا لكم الأنعام، وذللناها لكم، فمنها ركوبكم ومنها تأكلون، أنبتنا لكم فيها الأصواف والأوبار والأشعار لتلبسوا منها، وجعلنا لكم لحومها لتأكلوا منها، وأسمانها، وألبانها، وأزبادها، وجعلنا لكم الحديد لتستعينوا به على أمور دنياكم وفلاحتكم، إلى غير ذلك من سائر الأسباب والتمكين الذي مكنه لنا في الدنيا. وقال بعض العلماء: (مكناكم فيها) أي: جعلنا لكم فيها أمكنة تسكنون بها في الدنيا ذاهبين وراجعين. والله جعل لنا الأرض تضمُّنَا على ظهرها أحياء، وفي بطنها أمواتاً كما يأتي في قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً (25) أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً (26)} [المرسلات: الآيتان 25، 26] {كِفَاتاً} أي: محلاً لكفتكم. أي: ضمكم. والكَفْت في لغة
العرب: الضَّمُّ. أي: تضمكم على ظهرها في دار الدنيا أحياء متنعمين بما فيها من المنافع والمعايش، وتضمكم في بطنها أمواتاً إذا متم (¬1). ولذا قال هنا: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} والله (جل وعلا) مكَّن لعباده في الأرض، هيأ لهم الأرزاق، وأنزل لهم المطر، وأنبت لهم النبات، وخلق لهم الحيوانات وجميع المرافق التي تُعِينُهُمْ على دنياهم. وقوله: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: آية 10] قرأه عامة القراء بالياء (¬2) {مَعَايِشَ} بكسر الياء غير مهموز، وما رواه خارجة بن مصعب عن نافع من أنه قرأها: {معائِش} بالهمز لا أصل له، والرواية ضعيفة جدّاً، ومخالفة للقانون العربي، وكذلك ما رُوي عن ابن عامر من السبعة كله ضعيف لم يثبت، وهو مخالف للعربية، وقد زعم قوم أن همز {مَعَايِشَ} رُوي عن علي بن زيد والأعمش (¬3). والتحقيق أن القراءة التي عليها عامة المسلمين، منهم السبعة والعشرة وحفاظ من روى عنهم، وعامة القراء إلا من أشرنا إليه قرءوا: {مَعَايِشَ} بالياء المكسورة من غير همز. والقاعِدَة المقررة في فنِّ التصريف: أن المَدَّة الثالثة إذا كانت زائدة وجب إبدالها همزة، كـ (صحيفة) فإن الياء زائدة؛ لأن الصحيفة أصلها من (صَحَفَ) بصاد، فحاء، ففاء، والياء زائدة. فهذه المَدَّة الزائدة تُقْلَب في جمع التكسير [هَمْزاً] (¬4)، فتقول في جمع (الصحيفة): صحائف. ¬
وفي جمع (المدينة) مدائن، وكذلك الواو والألف كلها إذا كانت زوائد أُبدلت من مَدَّتها في جمع التكسير المتناهي: هَمْزاً، فتقول في (السحابة): سحائب. فتبدل الهمزة من الألف، وفي (القلادة): قلائد، وفي (العجوز) ... -بالواو- عجائز، فالهمزة مبدلة من الواو؛ لأن المَدَّة الثالثة زائدة. أما (معيشة) فالياء التي بعد العين فأصلها من الكلمة، أصلها: مَعْيِشَة (مفعِلة) -بكسر العين- وقيل: مَعْيَشَة (مَفْعَلة) -بفتح العين- والأول أظهر، نُقلت حركة العين المعتلة للساكن الصحيح، وسكونه إليها، فصارت (معيشة) فالياء أصلية (¬1). فيجب أن تُجمع على معايش بكسر الياء. وكذلك غيرها من الواويات يجب تصحيح الواو إذا كانت المَدَّة أصلية، فتقول في (المَقَام): مَقَاوِم، وفي (المَعُونة): مَعَاوِن، وتقول في كل ما هو أصلي بالواو كمَخَافَة، ومَخاوِف، ومَلامَة، ومَلاوِم؛ لأن المَدَّة فيها أصلية، كمعيشة، ومعايش. ومن تصحيح ما أصله واو قول الشاعر (¬2): وَإِنِّي لَقَوّامٌ مَقَاوِمَ لمْ يَكُنْ ... جَرِيرٌ وَلاَ مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا صحح واو (مَقَاوِم) ولم يقل: مقائم؛ لأن الألف في المقام أصلية في محل العين، ومنه قول الآخر (¬3): وَمَا هِيَ إِلاَّ بِنْتُ خَمْسٍ وَأَرْبَعٍ ... مَغَاوِر هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمِ فصحح الواو، وهو جمع (مُغار) من: أغار القوم على القوم، ¬
يغيرون إغارة، ومُغاراً، وألِفُ المُغار أصلية. والحاصل أن المَدَّة الأصلية تُصَحَّح في جمع التكسير، سواء كانت ياء، أو واواً، والمَدَّة الزائدة تُبدل همزة، سواء كانت ألفاً، أو ياء، أو واواً (¬1). فالقراءة الصحيحة التي عليها العشرة وجمهور القراء الموافقة لقاعدة اللغة العربية: {مَعَايِشَ} بكسر الياء. والمعايش: جمع معيشة، والمراد: ما يعيشون به في دار الدنيا، مما سبَّبَ لهم من أسباب المعيشة، مما جعل لهم من الثمار، والزروع، والدواب، وجعل لهم في الدواب من الألبان، والأسمان، والأزباد، واللحوم إلى غير ذلك مما هيأه لهم في دار الدنيا إكراماً منه عليهم يعيشون به في دار الدنيا. وهذا معنى قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: آية 10]. ثم إن الله عابهم فقال: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 10] فـ {قَلِيلاً} نعت لمصدر محذوف، و (ما) توكيد للقلة. والمعنى: {تَشْكُرُونَ} شكراً قليلاً ما؛ لأنه لا يخلو إنسان من شكر في الجملة. وأصل الشكر في لغة العرب (¬2): أصل مادته تميل إلى معنى الظهور، والعرب تقول: ناقة شكور: إذا كان يظهر عليها السِّمن، والشكر يُطلق في القرآن من الرب لعبده، ومن العبد لربه، فمن إطلاق شكر العبد لربه قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: ¬
آية 14] {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية 19] ومن شكر الرب لعبده قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)} [البقرة: آية 158] وقوله: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: آية 34] فمعنى شُكر العبد لربه: هو معناه في الاصطلاح. وأصل الشكر في لغة العرب: فعل يُنبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه مُنْعِماً. والحمد في لغة العرب (¬1): هو الثناء بالثناء الجميل باللسان على المحمود بجميل صفاته، سواءً كان من باب الإحسان أو من باب الاستحقاق. والحمد لغة: يطلق على الشكر اصطلاحاً، والشكر اصطلاحاً يطلق على الحمد لغة، فبينهما تَعَاوُرٌ وتعاقُبٌ. والمراد بشكر العبد لربه: هو أن تظهر نِعْمَة ربه عليه، فَيُظهر تلك النعمة، ويستعمل جميع ما أنعم الله عليه في طاعة مَنْ خَلَقَهُ (جَلَّ وَعَلا) (¬2). فهذه العيونُ التي تبصرون بها نِعَمٌ عظيمة أنعم الله عليكم بها، فشكر من خَلَقها عليها أن لا تنظروا بها إلا في شيء يُرْضِي من خَلَقها، فلا تَنْظُرْ أيها العبد بعينيك اللتين أنعم الله بهما عليك في شيء حَرَّمَهُ الله عَلَيْك، فتكون مستعيناً بنعمته على معصيته!! هذا فعل لا يليق، فعل خبيث، فعل يدل على لؤم صاحبه وحمقه وقلة عقله، وشكر هذه اليد التي أعطاك الله إياها، وفرّق لك ¬
أصابعها، وأبعد إبهامها من سبابتها ليُمكنك العقد والحلّ بها - فلو جعل الإبهام مقترناً بالسبابة لما حللت شيئاً ولا عقدت شيئاً - شكر هذه اليد أن لا تبطش بها في شيء إلا شيئاً يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا (جل وعلا)، فلا تكتب بها ما لا يرضي الله، ولا تضرب بها ضرباً لا يرضي الله، ولا تفعل بها فعلاً لا يرضي الله. وهَذِهِ القَدَمُ الّتي أنْعَمَ الله عليك بها، تمْشِي بها، شُكْرُهَا: أن لا تسعى بها لشيء إلا لشيء يرضي مَنْ خَلَقَها، وهكذا. فالمال الذي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ به شُكْرُهُ: أن لا تَسْتَعيِن به إلا في شيء يُرْضِي مَنْ أَعْطَاكَ إِيَّاهُ، وكذلك الجاه، إذا أعطاك اللهُ جَاهاً ومَنْزِلَة ومكانة يمكنك التصرُّف فيها وتسهيل الأمور فلا تَسْتَعِنْ بِتِلْكَ النعمة إلا على شيء يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا، لا لنفسك ولا لغيرك، فلا تشفع بِجَاهِكَ في وصول إنسان إلى محرَّم، أو ظلم إنسان لإنسان، فكل ذلك من كُفْرِ النِّعْمَةِ وعَدَمِ شُكْرِهَا. فعَلَيْنَا جميعاً أن نشكر خالِقَنَا، وأن نستعين بِنِعَمِهِ على ما يُرْضِيهِ؛ لأنَّ العَبْدَ إذا عرف قَدْرَ ذُلِّه وضعفه ومهانته، وعرف قَدْرَ عِظَمِ رَبِّه وجَلالة شَأْنِهِ، وعرف ما أنعم عليه ربه به من النِّعَمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ صرف تلك النِّعَم فيما يُسْخِط اللهَ ويُغْضِبه ولا يرضيه، واستعان بِنِعَمِهِ على ما يَكْرَهُهُ فإن هذا أشد اللؤم وأعظم الوقاحة، ولا يَنْبَغِي أَنْ يُقدم عليه عاقل! فعلينا جميعاً أن نُلاحِظ نِعَمَ اللهِ عَلَيْنَا، وأن لا نَسْتَعْمِلَهَا في شيء لا يرضيه؛ لأن استِعَانَتَنَا بنعمه على ما يسخطه أمر قبيح منا، ولؤم شنيع لا ينبغي لعاقل أن يُقْدِمَ عَلَيْهِ. أما شكر الرب لعبده فقد قال بعض العلماء: هو أن يُثيبَهُ
الثواب الجزيل من عمله القليل، كما بيَّن أن العبد يَعْمَلُ حَسَنة واحدة فيجعلها الله عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله. ومادة الشكر تتعدَّى بنفسها إلى المفعول إذا كان المفعول هو النعمة، وتتعدّى باللام في اللغة الفصحى إذا كان المفعول هو المُنْعِم، فهنا فرق دقيق في العربية لا يلاحظه كثير من طلبة العلم، فالفعل الذي هو (شكر) إن كان مفعوله النعمة تعدّى إلى النعمة بنفسه لا بحرف تَعَدٍّ، كقوله: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية 19] فـ {نِعْمَتَكَ} مفعول به لـ {أَشْكُرَ}. أما إذا كان الشكر للمنعم فاللغة الفصحى التي لم يأتِ في القرآن غيرها أنه لا يتعدى الشكر إلى المنعم إلا باللام، فتقول: شكراً لك، وأنا أشكر لك، وأحمد الله وأشكر له. ولا تقول: وأشكره؛ ولذا يقول الله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14] {وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية 152] ولم يأتِ في القرآن تعدية الشكر إلى المنعم إلاَّ بحرف الجر الذي هو اللام، فهذه هي اللغة الفصحى بلا نزاع بين من يحمل القلم العربي، أما لو قال: «وأشكره» من غير لام فقد أفرط قوم وقالوا: هذا لحن لا يجوز في العربية، والتحقيق: أن تعدية الشكر إلى المنعم بدون لام أنها لغة مسموعة جائزة، إلا أنها ليست هي اللغة الفصحى المشهورة، ومن شواهد هذه اللغة قول أبي نُخيلة (¬1): شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى ... وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي ¬
فقد قال: (شكرتُك) ولم يقل: شكرت لك، ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر في شعره المشهور (¬1): خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا ... عَلَى عَذبَةِ الأنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ ... فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً ... شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي فقد قال: (شكرتكما) فتحصَّل من هذا الكلام أن الشكر يقع على النعمة بلا حرف جر إجماعاً، وأن شُكْر المنعم يتعدى باللام في اللغة المشهورة، وربما تعدّى بنفسه (¬2). وقوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 10] نعت لمصدر، أي: تشكرون شكراً قليلاً. و (ما) تأكيد للقلة، ولفظة (ما) تأتي لتأكيد النكرة في قلتها وحقارتها. قال بعض العلماء: لا يخلو أحد مِنْ شُكْرٍ في الجملة إلا أنه شكر قليل، والشكر القليل لا يفيد؛ لأن من عمل ببعض الكتاب وترك أكثره كَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، كما قال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: آية 85] وقد قدمنا فيما مضى أن بعض علماء التفسير يقولون: إن القرآن تُطلق فيه القلَّة ويُراد العدم (¬3). والمراد لا تشكرون النعمة أصلاً؛ لأن المفرِّط المستعمل أغلب نعم الله فيما يسخط الله لا يُعد من الشاكرين، وهذا التفسير مخالف لظاهر القرآن؛ لأن القرآن دل على أن هناك شكراً قليلاً، وهو مخالف لظاهر القرآن؛ ولا تجوز مخالفة ظاهر القرآن إلا لدليل (¬4) يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة، أما اسْتِعْمَال القِلَّة في ¬
العَدَمِ فهو استعمال صحيح في لغة العرب مَعْرُوف لا شَكَّ فِيهِ بين العلماء، وقد ذكرنا في الدروس السابقة له أمثلة كثيرة، كقول غيلان ذي الرمة (¬1): أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيلٍ بِهَا الأَصْوَاتُ إِلا بُغامُها لأن مراده بالقلة: العدم المحض. يعني: لا صوت بتلك الفلاة ألبتة إلا بُغام ناقته. ومنه بهذا المعنى قول الطِّرِمَّاح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب (¬2): أَشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوَادِي ... قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَهْ يعني: لا مَثْلَبَةَ فِيهِ ولا قَادِحَةَ، وتقول العرب: مَرَرْتُ بأرض قليل فيها البَصَل والكُرَّاثُ. يعنون: لا بَصَلَ ولا كُرَّاثَ فِيهَا ألْبَتَّةَ، ومنه قول الشاعر -وهو شاهد على أن (ما) تأتي موضع (لا) التي لنفي الجنس- في قوله (¬3): فَمَا بَأْسَ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنَا تَحِيَّةً ... قَلِيلاً لَدَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ عَابُهَا ولكن هذا الإطلاق وإن كان صحيحاً في لغة العرب فظاهر القرآن يخالفه ويدل على أنه لا يخلو إنسان من شكر في الجملة، إلا أن الشكر القليل مع الكفر الكثير لا ينفع، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)} [يوسف: آية 106] وهذا معنى قوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 10]. ¬
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)} [الأعراف: آية 11]. في هذه الآية الكريمة إشكال معروف؛ لأن الله قال بصيغة الجمع: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} وهذا يتبادر منه أن المخاطبين في قوله: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} ذرية آدم، إلا أنه رتّب عليه قوله: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} و (ثم) تقتضي الترتيب والمهلة، فيكون الله بعد أن خلق ذرية آدم وصورها قال للملائكة: اسجدوا لآدم، وهذا خلاف الواقع؛ لأنه أمرهم بالسجود له عندما نفخ فيه الروح قبل أن يولد له شيء، كما دلّ عليه قوله في سورة الحجر: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29)} [الحجر: الآيتان 28، 29] وقوله في سورة ص: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} [ص: الآيتان 71، 72] فيخطر في ذهن طالب العلم إشكال، وهو الترتيب بـ (ثم) فيقول: كيف يقول: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ} [الأعراف: آية 11] بعد تصوير ذرية آدم، وخلقها؟! وهذا خلاف الواقع، فهذا إشكال معروف في الآية، مشهور عند علماء التفسير، وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة (¬1): أحدها: وهو الذي اختاره كبير المفسرين -محمد بن جرير الطبري وغيره- أن المراد بالجمع في {خَلَقْنَاكُمْ} و {صَوَّرْنَاكُمْ} آدم وحده، وإنما أُطلق عليه صورة الجمع لأنه لما كان أبا البشر ¬
ووجوده أصلٌ في وجوده كان خلقه وتصويره كأنه خلق وتصوير للجميع. ونحو هذا الأسلوب معروف في القرآن؛ لأن الله يخاطب اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: آية 57] والذين ظُلل عليهم الغمام وأُنزل عليهم المن والسلوى أجداد أجداد أجدادهم، قبلهم بعشرات القرون، فَدَلَّ على أن أصْلَ الإنسان الذي هو منه قَدْ يُخَاطَب الإنسان والمراد به ذلك الأصل، وهذا كثير في القرآن، كقوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ} [البقرة: آية 61] {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} [البقرة: آية 55] المخاطب به الموجودون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والقائلون أجدادهم الموجودون قبلهم بقرون. وعلى هذا فلا إشكال في قوله: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] لأن (ثم) على بابها من الترتيب والمهلة، غاية ما في الباب أنه أطلق الأصل وأراد شموله لفروعه، ونظائره في القرآن كثيرة كما مثلنا. القول الثاني: هو ما قاله بعض العلماء: معنى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أيها الخلق في أصلاب آبائكم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} هذه الصور العظيمة في بطون أمهاتكم. وهذا من غرائب صنعه وعجائبه؛ لأن تصويره لنا في بطون أمهاتنا فيه من غرائب صنعه ما يبهر العقول، والله في كتابه يُعجّب خلقه كيف ينصرفون عن تصويره لهم في الأرحام، أولاً قال في ذلك: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)} [آل عمران: آية 6] ثم بيّن تصويره لنا في الأرحام بحالة تبهر العقول، ثم عجّب خلقه كيف ينصرفون عن التدبر في هذا!! لأنكم كلكم أيها الحاضرون تعلمون أنه ليس واحد
منكم يدخل بطن أمه في أول دخوله له وفيه يد ولا رجل ولا عين ولا أنف ولا فم، بل يدخلها نطفة من ماء مهين مستوية الأجزاء، ليست مفصلة ولا مُخَلَّقَة، ثم إِنَّ رَبَّ العالمين بقدرته العظيمة ينقله من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ينقله من النطفة إلى علقة -وهي الدم الجامد الذي إذا صُبَّ عليه الماء الحار لم يذب- ثُمَّ يَنْقِل العَلَقَة مُضْغَة، ويُصيّر المضغة عظاماً، فيركِّب هذه العظام بعضها في بعض هذا التركيب الدقيق المحكم الهائل، لو نظرت تركيب الأنملة بالأنملة، وفقرة الظهر بفقرة الظهر، والمفصل بالمفصل، وتركيب عظام الرأس بعضها إلى بعض، وخياطة بعضها مع بعض على ذلك الوجه العظيم الهائل، ونظرت في الإنسان - لأن الإنسان إذا نظر في موضع رأس إبرة من جسده وجد من عجائب صنع الله وغرائبه ما يبهر العقول- بعد أن دخل بطن أمه نطفة من مَنيّ فإذا هو مصور هذا التصوير العظيم، مخلوق منه هذا الهيكل العظيم، العظام شُدّ بعضها ببعض على أحْكَمِ وَجْهٍ وأَتْقَنِهِ وأَبْدَعِهِ، ومنه قوله: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)} [الإنسان: آية 28] الأسر: أصله شدّ الشيء بالإسار، والإسار في لغة العرب (¬1): القِدّ، وهو الجلد الذي لم يُدبغ؛ لأن الجلد الذي لم يُدبغ إذا أخذت سيوره وشددت بها شيئاً وهي مبلولة يبست فاستحكم الشدّ غاية الاستحكام {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} المعنى: شددنا بعض عظامهم إلى بعض كما يُشد الشيء إلى الشيء بالإسار، وهو الجلد غير المدبوغ، ومنه قيل للأسير: (أسير) لأنه يُشَدُّ بالإسار غالباً، فلو كان الذي شدّ يدك بمعصمك، ومعصمك بمرفقك، ومرفقك بمنكبك، لو كان غير ¬
متقن لتحرك الإنسان فسقطت يده!! وقيل: مع الأسف كان شدّ يده بمعصمه غير وثيق فطاحت يده، أو سقط منكبه، أو سقطت فخذه، أو سقط رأسه عن رقبته، لا، كل هذا مشدود بشد محكم، والعظام بعضها ملصق ببعض على أبدع أسلوب وأحكمه، ثم إن الله فتح في الوجه هاتين العينين، وصبغ بعضهما بصبغ أسود، وبعضهما بصبغ أبيض، ثم جعل فيهما نور البصر، ثم فتح فمه، ثم جعل فيه اللسان ليُعبِّر به عن ضميره، ويردّ به شاذ الطعام على الأضراس ليمكنها طحنه ليمكن المعدة هضمه، ثم إنه فتح هذا الأنف وجعله مثقوباً من جهتين، وجعل فيه حاسة الشم، وزين الفم بالفك الأعلى، والفك الأسفل، ثم إنه جعل ماء العين مِلْحاً لئلا تنتن شحمتها، وجعل له شحمة لئلا يجففها الهواء، ثم أنبع عيناً عذباً في فم الإنسان وهي ريقه يبتلع بها الطعام؛ لأن الله لو أخذ ريق الواحد منكم لا يمكن أن يبتلع شيئاً ولو زبداً ذائباً، فجعل له الريق ليبل به الطعام فيسهل بلعه، وإذا أكل كثيراً يأتيه من مدد الريق ما يبلُّ له الطعام الكثير العظيم الهائل، وإذا لم يحتج إليه في الأكل أمسك عنه جمّ الريق وكثرته لئلا يُتعبه التفل، ثم إنه وضع العينين في الرأس ولم يضعهما في الرجلين، وركب فقار الظهر بعضها مع بعض، وجعل مخها داخلها، وجعل الدماغ في مخلاة حصينة، ثم جعل عليها العظام وحصنها بها، وخاط العظام خياطة هائلة محكمة، ثم خلق الكبد ووضعها في موضعها اللائق بها، ووكّلها بوظيفتها البدنية، وفعل كذلك بالكليتين والطحال والمرارة، ثم ثقب الأمعاء ليخرج منها الثُّفْل، ثم ثقب الدُبر ليخرج منه الغائط، ثم ثقب محل البول، ثم ثقب العروق والشرايين ليدور معها الدم، ولو فكرنا وشرحنا عضواً واحداً من أعضاء الإنسان
لرأينا من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول ويعتقد به الإنسان أن خالقه ذو القدرة العظيم، الذي لا يُعبد إلا هو وحده، ولا يطاع إلا هو وحده؛ ولذا من لُطْفِهِ بالإنسان: كل شيء يحتاج إلى قَطْعِه كشعره وأظفاره نَزَعَ منه روح الحياة؛ ليسهل عليه قص الأظافر وحلق الشعر، وتقصيره؛ إذ لو جعل في الأظافر الحياة كما جعلها في سائر البدن، وجعلها في الشعر لا يمكن قصُّ ظُفر إلا بعملية، ولا حلق شعر إلا بعملية! ثم إن القفا -الذي لم يجعل عنده عينين- جعله عظماً قوياً لو ضربه شيء عليه لم يضره. والأشياء الضعيفة كالكبد والطحال التي إذا مسه شيء عليها أثر عليه - وهي جهة البطن - جعل عليها الحارسَين وهما العينان، يحرسانها مِنْ أَنْ يضرَّهَا شَيْء. وهذه قطرة من بحر من غرائب صنع الله وعجائبه، والله (جل وعلا) فعل هذا من العمليات بكل واحد منا، وأنا أؤكد لكم أنه لم يحتج أن يأخذ لأمه غرفة في صِحِّيّة (¬1)، وأن يُبنجها ويُنومها ويُشق طبقة بطنها العليا، ثم طبقة بطنها السُّفلى، ثم ينزع المشيمة التي على الولد، ثم يسلط الأشعة الكهربائية لينظر ماذا يفعل؟! فأطباء جميع الدنيا لو اجتمعوا عن بكرة أبيهم من مشارق الأرض ومغاربها وأرادوا أن يعملوا عملية في جنين في رحم امرأة فيستحيل أن يقدروا على أن يعملوا شيئاً حتى يشقوا طبقات بطنها الثلاث، ثم يسلطوا الأشعة الكهربائية وينزعوا المشيمة عن الولد، ثم يعملون العملية، فقد يموت وهو الأغلب، وقد لا يموت، فخالق السماوات والأرض يفعل في العبد مئات العمليات، وهو لم يشق بطن أمه، ولم يحتج إلى أشعة كهربائية، بل العلم والبصر والقدرة نافذ تمام النفوذ، يفعل كيف يشاء {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: ¬
آية 6] وإنما قصصنا عليكم هذا النموذج من قدرة الله، وصنعه فيكم، وعدم شقّه لبطون أمهاتكم؛ لأن الله أمركم أن تنتبهوا إليه، وأن لا تُصرفوا عنه. وذلك في السورة الكريمة، سورة الزمر -وكل سورة من القرآن كريمة- أعني قوله في الزمر: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة؛ لأن المشيمة تكون منطوية على الولد لا يراه إلا من قشعها عنه {ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ثم قال وهو محل الشاهد: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: آية 6] يا ناس!! فأنى تصرفون؟! أين تروح عقولكم عن قدرة خالق السماوات والأرض الجبار الأعظم ولا تنظرون فعله فيكم وأنتم في بطون أمهاتكم {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: آية 6] {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8)} [الانفطار الآيات: 6 - 8] وهذا التصوير فيه من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول؛ لأنكم كلكم أيها الحاضرون طُبعتم على طابع واحد، وصُببتم صبّة واحدة، فالأنف من جميعكم في محل الأنف، والعينان في محل العين، والفم في محل الفم، والأذن في محل الأذن، ولم يشتبه منكم اثنان حتى لا يُعرف أحدهما من الآخر، كل من رآكم يعرف أن هذه صورة فلان، وهذه صورة فلان، ولو جاء من الخلق أعداد ملايين الحصى لم يضق علم خالق السماوات والأرض حتى يعلم لكل واحد منهم صورة فيطبعه عليها لا تشابه صورة الآخر، ولم تتشابه أصواتكم ولا آثاركم في الأرض، ولا بصماتكم في الورق، كل واحد طُبع على طابع مستقل، لم يشاركه فيه غيره، ولم يشابهه غيره، وهذا يدل على كمال العلم
والقدرة الباهرة العظيمة التي يجب على الإنسان أن يعلم عظمة المتصف بها ويطيعه ولا يتمرد عليه، وهذا معنى قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: آية 11]. وعلى هذا القول -أن المراد بخلق بني آدم في الأصلاب، وتصويرهم في أرحام الأمهات- يكون قوله: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ} تكون (ثم) هنا للترتيب الإخباري، أي: ثم أخبرناكم بعد ذلك أنّا قلنا للملائكة: {اسْجُدُواْ لآدَمَ}. ولفظة (ثم) قد تأتي في القرآن للترتيب في الذكر لا لترتيب الحقيقة الواقعة في زمنها، وهذا الأسلوب وإن كان غير ظاهر فهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى في الأنعام -يعني شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو آخر الأنبياء: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} ثم قال: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الأنعام: الآيتان 153، 154] وإتيان موسى الكتاب قبل نزول هذا على النبي صلى الله عليه وسلم بقرون، فدّل على أن (ثم) هناك ليست للترتيب الزماني وإنما هي للترتيب الذكري، ونظير ذلك في القرآن قوله في سورة البلد: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)} [البلد: الآيات 11 - 17] لأنه ليس المراد أنه مثلاً يقتحم العقبة، وأنه يطعم ذا المسغبة، ويفعل كذا وكذا، ثم بعد ذلك يكون من الذين آمنوا، لا، ليس هذا هو المراد، وإنما هي للترتيب الذكري، لا للترتيب الزماني المعروف، ومن إتيان ذلك في كلام العرب قول الشاعر (¬1): ¬
سَأَلْتُ رَبِيعَةَ مَنْ خَيْرُهَا ... أَباً ثُمَّ أُمّاً فَقَالُوا: لِمَهْ؟ لأن قوله: (من خيرها أباً ثم أمّاً) المعنى: من خيرها أباً وأمّاً؟ ولا ترتيب هنالك، وقول الآخر (¬1): إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ لأن سيادة الأب وسيادة الجد قبل سيادة الابن، وقد عُطفت عليها بـ (ثم)، فتبين أن الترتيب في الذكر لا في الزمان. هكذا قال بعضهم، والأول أظهر. وهذا معنى قوله: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ} [الأعراف: آية 11]. هذا القول قاله الله معلَّقاً أولاً - بلا نزاع - قبل أن يخلق آدم؛ لأنا ذكرنا في سورة «ص» وسورة «الحجر» التصريح بذلك حيث قال في سورة الحجر: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29)} [الحجر: الآيتان 28، 29] وقال في ص {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ} [ص: آية 71]. [4/أ] أمرهم بالسجود له، وهذا السجود / تعظيم لله (جل وعلا)؛ لأنه امتثال أمره، لا عبادة لآدم، ولا سجود إلا لأمر الله (جل وعلا)، والأمر إن كان ممتثلاً به أمر الله فالمطاع فيه الله، ونظيره أن ملَكَ الموت يقال له: اقبض روح محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء. فأي جريمة في الدنيا أعظم من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ونزع روحه، وقتل الأنبياء والأولياء؟ لكن ملك الموت مأمور من الله، فهو مطيع في ذلك الفعل؛ لأنه إنما فعله بأمر الله. ¬
{اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] قال بعض العلماء: إن الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم لمَّا عظَّموا أنفسهم وحقروا بني آدم لما قال لهم الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} [البقرة: آية 30] ثم أثنوا على أنفسهم وقالوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: آية 30] امتحنهم الله وعلم آدم الأسماء كلها، ثم قال لهم: {أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء} [البقرة: آية 31] فعجزوا وقالوا: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: آية 32] ثم قال لآدم: تعال أنت فبين هذا العلم الذي عجزوا عنه وجهلوه. فقام آدم وبيّنها تماماً؛ ولذا قال: {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)} [البقرة: آية 33] إن هذا الذي حقرتم يعلم ما لا تعلمون، وعنده من الخصال ما ليس لديكم. وكلام العلماء في تفضيل الملائكة والآدميين لا يعنينا؛ لأن أكثر الناس مختلفون فيه، وكلٌّ يَحْتَجُّ بِظَوَاهِر من كتاب الله، ولا دليل جازماً يجب الجزم واليقين به، ولا حاجة تدعو إليه، واختلاف العلماء فيه معروف (¬1)، وعلى كل حال فالله أظهر فضل آدم هنا حيث علمه ما جهله كل الملائكة وأمَرَهم بالسجود. قال بعض العلماء: أمرهم بالسجود لمَّا عَلِم ما لم يعلموا، ويرشد له قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: آية 30] {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)} [البقرة: آية 31] وبعد ذلك قال: ¬
{قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ... } الآية [البقرة: آية 33]. وعلى هذا القول فالملائكة لما أُمروا أن يسجدوا لآدم، أُمر جميع الملائكة، كما دل عليه قوله: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ} [الحجر: آية 30] واستثنى في جميع السور التي ذكر فيها سجود الملائكة بجميعها كالبقرة، والأعراف، وطه، والحجر، وص، كلها بيّن فيها سجود الملائكة إلا إبليس {اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} [الأعراف: آية 11] أي: فسجدوا كلهم أجمعون، بدليل قوله: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: آية 30]. إبليس: هو الشيطان اللعين عليه لعائن الله، ومَنْعُه من الصرف لأنه اسم عجمي عَلَم، والعُجْمَة والعلمية يمنعان الصرف. وقال بعض العلماء: أصل (إبليس) عربي؛ لأنه (إفعيل) من الإبلاس، والإبلاس: القنوط واليأس من رحمة الله، حتى يبقى اليائس من شدة يأسه ساكتاً لا يحير كلاماً، ومنه قوله: {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: آية 44] ولكنه يشكل على قولهم أنه لو كان عجميّاً؛ لأن العَلَم إذا وُضع على (إفعيل) كان منصرفاً؛ لأنه ليس فيه علتان مانعتان من الصرف. وأجاب من قال هذا: بأن (إبليس) أصله من (الإبلاس) وهو القنوط واليأس من رحمة الله، ومُنع من الصرف للعلمية وشبه العجمية؛ لأن هذا اللفظ يشبه الألفاظ العجمية، هكذا يقولون، والأول أظهر (¬1). ¬
وقوله: {لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: آية 11] لم يسجد مع الملائكة، ثم إن الله (جل وعلا) سأله سؤال توبيخ وتقريع قال: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] في (لا) هنا وجهان (¬1): أحدهما: أن {مَا مَنَعَكَ} مضمّنة معنى فِعل و (لا) في بابها ليست زائدة، أي: ما ألجأك وأحوجك إلى أن لا تسجد؟ ما المانع الذي ألجأك وأحوجك إلى أن لا تسجد؟! وتضمين الفعل معنى فعل معروف، قال به عامة علماء النحو من البصريين (¬2). وأظهر القولين في هذا: أن (لا) هنا جيء بها لتأكيد النفي؛ لأن (منعك) في معنى الجحود والنفي، وإتيان (لا) زائدة في الكلام الذي فيه معنى الجحد مطّرد (¬3)، ذكر الفراء وغيره من علماء العربية أنه مطرد (¬4). والدليل على هذا أن خير ما يُفسر به القرآن القرآن، وقد قال تعالى في هذه القصة بعينها في سورة «ص»: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: آية 75] ولم يأت بلفظة (لا)، وخير ما يُفسر به القرآن القرآن، فعلمنا أن لفظة (لا) لتوكيد النفي. واعلموا أن علماء العربية مطبقون على أن لفظة (لا) تُزاد لتأكيد المعنى وتقويته، أما في الكلام الذي فيه معنى الجحد فلا خلاف بينهم في ذلك، وشواهده في القرآن وأمثلته كثيرة، فمن أمثلته في ¬
القرآن: {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: آية 29] والمعنى: ليعلم أهل الكتاب. فقد جيء بـ (لا) لتوكيد المقام، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: آية 65] فوربك لا يؤمنون، {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} [طه: الآيتان 92 - 93] أي: أن تتبعني، {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ} [فصلت: آية 34] أي: والسيئة، على أشهر التفسيرين، وقوله جل وعلا: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (95)} [الأنبياء: آية 95] على أحد القولين، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: آية 109] على أحد التفسيرين، {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ} [الأنعام: آية 151] على أحد التفسيرات التي قدمنا في الآية (¬1). وهذا كثير في كلام العرب، ومنه في كلام العرب قول أبي النجم في رجزه (¬2): فَمَا أَلُومُ البِيْضَ أَلاَّ تَسْخَرَا ... لمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرا يعني: لا ألوم البيض أن تسخر. أي: لا ألومها على سخريتها. وأنشد الفراء لزيادة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر (¬3): مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ دِينَهُمُ ... وَالأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ يعني: وعمر، و (لا) زيدت لتوكيد معنى الجحد، وأنْشَدَ الجَوْهَرِيّ لزيادة (لا) في الكلام الذي ليس فيه معنى جحد قول ¬
رؤبة بن العَجَّاج، أو قول العَجَّاج (¬1): فِي بِئْر لاَ حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ ... بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ شَجَرْ يعني: (في بئر حور) أي: هلكة، و (لاَ) زائدة. وأنشد الأصمعي لزيادتها في الكلام الذي ليس فيه معنى الجحد (¬2) قول ساعدة بن جُؤَيَّةَ الهذلي (¬3): أَفعنك لاَ بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ ... غَابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ والتحقيق أن (لا) زائدة، لا عاطفة على جملة محذُوفَة كما زَعَمَهُ بعضهم، ومن شواهد ذلك قول الشاعر (¬4): تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابةٌ ... وكَادَ ضَمِيرُ الْقَلْبِ لاَ يَتَقَطَّعُ أي: كاد يتقطع، و (لا) مزيدة في هذا، وهي كذلك في قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)} [البلد: آية 1] لأن المعنى: أقسم بهذا البلد، كما قال: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (3)} [التين: آية 3] على أحد الأوجه المعروفة، ومثل هذا كثير في كلام العرب، فقوله: (لا) على وجهين: أحدهما: أن تكون صلة لتوكيد الكلام، ومن أساليب اللغة العربية زيادة لفظ (لا) لتوكيد الكلام كما بيَّنا الآيات الدالة عليه {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: آية 29] أي: ليعلم أهل الكتاب، {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} [طه: آية 92] ما منعك أن ¬
تتبعني، {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ} [فصلت: آية 34] لا تستوي الحسنة والسيئة. إلى غير ما ذكرنا من الآيات، وأبيات العرب التي ذكرنا، ويدل أنها هنا صلة لتوكيد الكلام: أن الله حذفها في (ص) حيث قال: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: آية 75]. واختار بعض العلماء - وهو اختيار ابن كثير (¬1)، وابن جرير (¬2) - أن الفعل مُضَمَّن كما يذهب إليه علماء البصرة، وأن (لا) على بابها. والكلام في معنى: ما أحوجك وألجأك إلى أن لا تسجد. وهذا معنى قوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] أي: حين أمرتك. وهذه الآية الكريمة من أدلة العلماء على أن صيغة (افعل) تأتي للوجوب؛ لأنه قال: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] فلما لم يمتثل إبليس وبَّخَه على ذلك، وقال: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] فدل على أن صيغة الأمر لا يجوز خلافها، ولما قال نبي الله موسى لأخيه: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} [الأعراف: آية 142] بعد ذلك لما ظن أنه خَالَفه قال: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: آية 93] فسمى مخالفة صيغة (افعل) معصية، فدل على أنه يراها للوجوب كما ذكرنا أدلته مراراً (¬3)، وهذا معنى قوله: {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: آية 11]. واعلم أن العلماء (رضي الله عنهم) اختلفوا في إبليس هل هو من الملائكة أو أصله ليس من الملائكة (¬4)؟ ¬
فذهبت جماعة كثيرة من السلف إلى أن أصله كان من الملائكة، وأن الله نسخه من ديوان الملائكة فصيّره شيطاناً. قالوا: ويدل على هذا: استثناؤه من الملائكة في جميع السور التي فيها قصة إبليس وآدم، والأصل في الاستثناء الاتصال، ولا يجوز أن يُحمل على الانفصال إلا لدليل يدل عليه. وقال بعض [أهل] (¬1) العلم: أصل إبليس لم يكن من الملائكة، ولكنه جنّي خلقه الله من مارج من نار، كان يتعبد مع الملائكة ويعمل بأعمالهم فنُسب إليهم، كالرجل الحليف في القبيلة الذي ليس منها يُنسب إليها وهو ليس في الحقيقة منها. ورجحوا هذا القول بمرجحين: أحدهما: شهادة الله للملائكة بالعصمة حيث قال: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: آية 26] {لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم: الآية 6] وإبليس اللعين عصى الله ما أمره. فدلّ على أنه ليس من العباد المكرمين الذين هم الملائكة، وقال: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)} [الأنبياء: آية 27] وهذا اللعين لم يعمل بأمره، فدلّ هذا أنه ليس من الملائكة. الدليل الثاني: أن الله صرح بأنه من الجن في سورة الكهف حيث قال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: آية 50] فصرح أنه كان من الجن، وكونه من الجن هو السبب الذي جعله لم يفعل كما فعل الملائكة؛ إذ لو كان من عنصر ¬
الملائكة وجنس الملائكة لفعل كما فعل الملائكة، فلما بيّن أنه أبى وعصى وتمرد وبين قوله إنه: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: آية 50] تبين أنه من غير الملائكة، ولم يأت في الوحي دليل أظهر في محل النزاع من آية الكهف هذه حيث صرحت بأن إبليس من الجن، ونفته من الملائكة؛ لأنه لو كان من الملائكة لفعل كما فعل الملائكة. والذين قالوا: إن جمهور العلماء على أن أصله كان ملكاً، وأنه كان يسمى: عزازيل، وأنه كان قائماً بأمر السماء الدنيا، يقولون: إن الجن قبيلة من الملائكة خُلقوا من النار من بين سائر الملائكة، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وإن كانت العرب تُسمي الملائكة جنّاً فتسمية الملائكة جنّاً معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى يمدح سليمان (¬1): وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أَجْرِ فقال: (من جن الملائك). وقال بعض المفسرين: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} [الصافات: آية 158] قالوا: يعني بالجِنَّة: الملائكة؛ لأنهم يُجنُّون عن العيون فلا تراهم كما لا ترى الجن، وزعموا أن معنى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} [الصافات: آية 158] هو قولهم: الملائكة بنات الله، هكذا قاله بعض العلماء، وهذا خلافٌ مشهور، وأظهر شيء في محل النزاع آية الكهف هذه التي قالت: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: آية 50] ثم رتب على كونه من الجن بالفاء {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: آية 50] فدل بمسلك الإيماء ¬
والتنبيه أن علّة فسقه عن ربه كونه من أصل الجن لا مِنْ أصْلِ الملائكة، هذا أظهر شيء في محل النزاع. وقد دلّ القرآن على أن إبليس له ذرية، ودَلَّتِ الأحاديث الصحيحة على أنه يرسلها للتضليل، وقد قال جل وعلا: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50] وجاء في صحيح مسلم (¬1) أن الشيطان الذي يوسوس للإنسان في صلاته حتى يُشغله عنها اسمه (خِنْزَب) فهو من أولاد إبليس. واختلف العلماء في الكيفية التي بها كان نسل إبليس، وسُئل الشعبي (رحمه الله) قيل له: هل تزوج إبليس؟ فقال: ذلك عرس ما حضرناه (¬2). وزعموا أنه بعد ذلك لما قرأ: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} [الكهف: آية 50] قال: نعم يمكن أن يكون تزوج، وهذا لا يدل على أنه تزوج، ولم يقم دليل من كتاب ولا سنة على ذريته كيف تناسلت. وكيف جاءت منه ذرية، هل هي من زوجة أو كما يقول بعضهم إن له آلة امرأة وآلة رجل، يُدخل هذا في هذا فتخرج منه بيضات، فتنفلق البيضات عن الشياطين فتنتشر. هكذا يقولونه من شِبْه الإسرائيليات ولم يقم دليل عليه (¬3)، والذي دلّ عليه القرآن: أن له ذرية، كما قال: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50] وهذا معنى قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: آية 11]. ¬
ثم إنه (جل وعلا) سأله: ما المانع له من السجود؟ قال: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}؟ فأجاب إبليس بقوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: آية 12] وجواب إبليس هذا يحتمل كلاماً كثيراً لا تسعه بقية هذا الوقت، فنرجو الله (جل وعلا) أن يحفظنا من مكايد إبليس، وأن يؤيسه، ويخيبه منا، اللهم لا تضلنا بإبليس، اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، ونعوذ بالله من همزات الشياطين، ونعوذ بالله أن يحضرنا الشياطين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... يقول الله جل وعلا: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} [الأعراف: الآيتان 12، 13]. تكلّمنا على قوله: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} وقوله (جل وعلا) حكاية عن إبليس: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} كأن الله لما سأل إبليس -وهو عالم؛ لأنه (جل وعلا) أعلم بالمُوجِب الذي بسببه امتنع إبليس من السجود- قال له: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}؟ وهو أعلم، فأجاب إبليس -عليه لعائن الله- بما كان يضمره من الكِبْرِ، وكأنه اعْتَرَضَ على رَبِّهِ، وواجه ربه (جل وعلا) بأن تكليفَهُ إياه أمر لا ينبغي ولا يصلح!! فخطَّأ ربه (جل وعلا) سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً!! وجعل ذلك ذريعة له ومبرراً في زعمه الباطل لعدم السجود، قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} كيف تأمرني أن أسجد لآدم؟ وأنا أفضل من آدم، والفاضل ليس من المعقول أن يُؤمر بالسجود للمفضول، فهذا التكليف ليس واقعاً موقعه!! فهذا قول اللعين لعنه الله!!
{أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} (خير) تُستعمل استعمالين (¬1): تستعمل اسماً للخير الذي هو ضد الشر، وكثيراً ما تُستعمل في المال، كقوله: {إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة: آية 180] أي: مالاً. وتستعمل صيغة تفضيل، وهو المراد هنا. فقوله: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} أصله: أنا أَخْيَر منه. أي: أكثر خيراً منه لفضل عُنصري على عُنصره. ولفظة (خير) و (شر) جعلتهما العرب صيغتي تفضيل، وحذفت همزتهما لكثرة الاستعمال، كما قال ابن مالك في الكافية (¬2): وغَالِباً أَغنَاهُم (خَيرٌ) و (شَرّ) ... عَنْ قَوْلِهم (أخْيَر منه) و (أَشَرّ) قال إبليس اللعين: أنا خير من آدم، والذي هو الفاضل، والذي هو أكثر فضلاً وخيراً لا ينبغي أن يُهْضَم ويؤمر بالسجود لمن هو دونه، فهذا التكليف ليس واقعاً مَوْقِعَهُ؛ ولذا لا أمتثله!! فتَكَبَّر وتجبَّر، وجَعَلَ تَكْلِيفَ رَبِّه له واقعاً غير موقعه -عليه لعائن الله- فباء بالخيبة والخسران -نعوذ بالله (جل وعلا) - قال إبليس: أنا خير من آدم. ثم بيَّن سبب الخيريَّة فقال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} [الأعراف: آية 12] يعني: أن عنصري أشرف من عنصره؛ لأن النار -في زعمه- أشرف من الطّين؛ لأن النار مضيئة نيرة، طبيعتها الارتفاع، خفيفة غير كثيفة، وأن الطين منسفل كثيف مظلم ليس بمرتفع!! هذا قوله في زَعْمِهِ، وزعم أن الفرع تابع لعنصره في الفضل، فقاس نفسه على عنصره الذي هو النار، وقاس آدم على عنصره الذي هو الطين، ¬
واستَنْتَجَ من ذلك أنه خير من آدم؛ لأن عنصره في زعمه خير من عنصره [ورتَّبَ على ذلك معصية الأمر] (¬1) الذي هو: اسجدوا لآدم -على إبليس لعنة الله- وأول من قاس قياساً فاسداً وردّ به نصوص الله وأوامره ونواهيه هو إبليس اللعين -عليه لعائن الله- فكل من ردّ نصوص الشرع الواضحة بالقياسات الباطلة عناداً وتكبراً فإمامه إبليس؛ لأنه أول مَنْ رَدَّ النصوص الصريحة بالمقاييس الكاذبة عليه لعنة الله. وقياس إبليس هذا باطل من جهات عديدة (¬2): الأول منها: أنه مخالف لِنَصِّ أمْرِ رَبِّ العالمين؛ لأن الله يقول: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] وكل قياس خَالَفَ أمر الله الصريح فهو قياس باطل باطل باطل، وقد تَقَرَّرَ في علم الأصول (¬3): أن كل قياس خالف نَصّاً مِنْ كِتَابٍ أو سنة فهو باطل، ويُقدح فيه بالقادح المسمى (فساد الاعتبار) ومخالفة القياس للنص تُسمى (فساد الاعتبار) وتدُلّ على بطلان القياس، فهذا وَجْهٌ مِنْ أوْجُهِ بطلانه؛ لأنه مخالف للنص الصريح، ولا إلحاق ولا قياس مع وجود النصوص الصريحة. الثاني: أن إبليس كاذب في أن النار خَيْرٌ مِنَ الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعة الطين: الرزانة، والتُؤدة، والإصلاح، ¬
والجمع، تُودِعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة، وإذا نظرت إلى البساتين المغروسة في طين طيب ووجدت ما فيها من أنواع الثمار الجنية، والروائح، والأزهار، والثمار عرفت قيمة الطين، أما النار فطبيعتها الطيش، والخفة، والتفريق، والإفساد، فكلما وضعت شيئاً فيها فرَّقته وفسَّدته، وطبيعتها الطيش والخفة، يطير الشرر من هنا فيحرق ما هناك، ثم يطير الشرر من هناك فيحرق ما وراءه، والذي طبيعته الطيش والخِفَّة والإفساد والتفريق لا يكون خيراً من الذي طبيعته التؤدة والرزانة والجمع والإصلاح، تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة!! فالطين خير من النار بأضعاف؛ ولذا غلب على إبليس عنصره وهو الطيش والخفة، فطاش وتمرد على ربه، وخسر الخسران الأبدي، وغلب على آدم عنصره الطيني فلما وقع في الزلة رجع إلى السكينة والتؤدة والتواضع والاستغفار لربه حتى غفر له. الثالث: أنَّا لو سلمنا تسليماً جَدَلِيّاً أن النار خير من الطين، فَشَرَفُ الأصل لا يدل على شرف الفَرْعِ، فكم من أصل شريف وفرعه وضيع، وكم من أصْلٍ وَضِيع وفَرْعُهُ رَفِيع. لَئِنْ فَخِرْتَ بَآبَاءٍ لهُمْ شَرَفٌ ... قُلْنَا صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا (¬1) فكم من أصل رفيع وفرعه وضيع!! واعلم أن العلماء في هذا المحل يعيبون القياس، ويذمون الرأي، ويقولون: إنَّ مَنْ قَاسَ فقد اتبع إبليس؛ لأنه أول مَنْ رَدّ ¬
النصوص بالقياس. وعن ابن سيرين رحمه الله: ما عُبدت الشمس إلا بالقياس (¬1). ويكثر في كلام السلف ذَمّ الرَّأْيِ والقِيَاسِ. ومن أشنع من يحمل على المجتهدين في القياس: الظاهرية، وبالأخص أبو محمد بن حزم -عفا الله عنا وعنه- فإنه حمل على أئمة الهدى -رحمهم الله- وشنع عليهم تشنيعاً عظيماً، وسَخِرَ منهم سخرية لا تليق به ولا بهم، وجزم بأن كل من اجتهد بشيء لم يكن منصوصاً في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه ضال، وأنه مُشَرِّع!! وحمل على الأئمة وسَخِرَ من قياساتهم، وجاء بقياسات كثيرة للأئمة وسَفَّهَهَا وسخر من أهلها، فتارة يسخر من أبي حنيفة - رحمه الله - وتارة من مالك، وتارة من أحمد، وتارة مِنَ الشَّافِعِي، لم يسلم منه أحد منهم في قياساتهم!! ومن عرف الحق عرف أن الأئمة -رحمهم الله- أنهم أولى بالصواب من ابن حزم، وأن ما شنع عليهم فهم أولى بالصواب منه، وأنه هو حمل عليهم وهم أوْلَى بالخير منه، وأعلم بالدين منه، وأعمق فهماً بنصوص الكتاب والسنة منه، وهذا باب كثير، فابن حزم يقول: لا يجوز اجتهادٌ كائناً ما كان، ولا يجوز أن يُتكلم في حكم إلا تبعاً لنص من كتاب أو سنة، أما من جاء بشيء لم يكن منصوصاً في الكتاب ولا السنة فهو مُشَرِّع ضال، ويزعم أن ما ألحَقَهُ الأئمة من الأحكام المسكوت عنها واستنبطوها من المنطوقات أن كل ذلك ضلال، ويستدل بعشرات الآيات، إن لم تكن مئات الآيات فلا أقل من عشرات الآيات (¬2). يقول: الله قال: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} [الأعراف: آية 3] والمقاييس لم تنزل علينا ¬
من ربنا!! ويقول: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: آية 50] فجعل الهدى بخصوص الوحي لا بخصوص المقاييس. ويقول: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله} [المائدة: آية 49] والمقاييس لم تكن مما أنزل الله. ويقول: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: الآيات 44، 45، 47] والقياس لم يكن مما أنزل الله، ويأتي بنحوها الآيات من هذا بشيء كثير جدّاً، ويقول: إن القياس لا يفيد إلا الظن، والله يقول: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [يونس: آية 36] وفي الحديث: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» (¬1). ويقول: إن كل ما لم يأتِ بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه [لأنه عفو] (¬2). ومن ذلك: أن الله حرم أشياء، وأحَلَّ أشْيَاءَ، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاء لا نسياناً رحمة بكم فلا تسألوا عنها (¬3)، وفي حديث: «مَا سَكَتَ اللهُ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» (¬4). ويقول: إن ما لم يأتِ في كتاب ولا سنة فالبحث ¬
عنه حرام، وهو مَعْفُوٌّ لا مؤاخذة به (¬1). وهو غالط من جهات كثيرة، منها: أن ما سكت عنه الوحي منه ما يمكن أن يكون عفواً كما قال، فنحن مثلاً أُوجِبَ علينا صوم شهر واحد من السنة وهو رمضان، وسكت الوحي عن إيجاب شهر آخر، فلم يجب علينا إلا هذا؛ لأن ما سُكِتَ عنْه فهو عفو، وأُوجبت علينا الصلوات وغيرها لم يكن علينا، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ضمام بن ثعلبة قال: «لا» لمّا قال له الأعرابي ضمام: هل عليّ غيرها؟ قال: «لاَ، إِلاّ أَنْ تَطوّعَ» (¬2). أما إنها توجد أشياء لا يمكن أن تكون عَفْواً ولا بد من ¬
النظر فيها والاجتهاد، وَمَنْ نَظَر إلى جمود ابن حزم علم أنه على غير هدى، وأن الهدى مع الأئمة رحمهم الله. والذي يجب اعتقاده في الأئمة -رحمهم الله- كالإمام مالك، وأبي حنيفة، والإمام أحمد، والشافعي -رحمة الله على الجميع- أن ما اجتهدوا فيه أكثره أصابوا فيه، فلهم أجر اجتهادهم وأجر إصابتهم، وأنه لا يخلو أحدٌ من خطأ، فلا بد أن يكون بعضهم أخطأ فيما اجتهد فيه، فما أخطئوا فيه فَهُمْ مَأْجُورُونَ لاجتهادهم، معذورون في خطئهم -رحمهم الله- والصحابة كانوا يجتهدون كما كان يجتهد الأئمة -رحمهم الله- وسنلمُّ بأطراف من هذا؛ لأن هذا باب واسع لو تَتَبَّعْنَاهُ لمكثنا فيه زمناً طويلاً! ولكن نُلم إلمامات بقدر الكفاية: أولاً: ليعلم السامعون أن ما كل ما سكت عنه الوحي يمكن أن يكون عفواً، بل الوحي يسكت عن أشياء لا بد ألبتة من حَلِّها. ومن أمثلة ذلك: مسألة العَوْل، فكما قال الفَرَضِيُّون: إن أول عَوْل نزل في أيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه (¬1) - ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها، فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال الزوج: يا أمير المؤمنين: هذه تركة زوجتي، ولم تترك ولداً، والله يقول في محكم كتابه: ¬
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: آية 12] فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد، فَلِي نِصْف ميراثها بهذه الآية، ولا أتَنَازَل عن نصف ميراثي بدانق. فقامت الأختان فقالتا: يا أمير المؤمنين هذه تركة أختنا، ونحن اثنتان، والله يقول: {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: آية 176] والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق. فقال عمر -رضي الله عنه-: ويلك يا عمر، والله إن أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وإن أعطيت الثلثين للأختين لم يبق للزوج نصف!! فنقول: يا ابن حزم كيف نسكت عن هذا؟ وكيف يكون هذا عفوًا؟! والوحي سكت عن هذا ولم يبين أيَّ النَّصَّيْنِ ماذا نفعل فيهما؟! فهذا لا يمكن أن يكون عفواً، ولا بد من حلّه!! فلا نقول لهم: تهارشوا على التّركة تهارش الحمُر، أو ننزعها من واحد إلى الآخر، فلا بد من إلحاقٍ للمسكوت عنه بالمنطوق به، وحل معقول بالاجتهاد. فجمع عمر -رضي الله عنه- الصحابة، وأسف كل الأسف أنه لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العول بمثل هذا، وقال له العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه-: يا أمير المؤمنين، أرأيت هذه المرأة لو كانت تُطَالَب بسبعة دنانير دَيْناً، وتركت ستة دنانير فقط، ماذا كنت فاعلاً؟! قال: أجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء، وأُعطي لكل واحد من أصحاب الدنانير نصيباً من الستة. قال: كذلك فافعل، أصل فريضتها من ستة؛ لأن فيها نصف الزوج يخرج من اثنين. وثُلثا الأختين يخرجان من ثلاثة، ومخرج الثلث ومخرج النصف متباينان، فنضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم اجْعَل نَصْفَة زائدة هي المسماة بالعَوْل، فهي فريضة عائلة بسدسها إلى سبعة، فجعل تركة المرأة سبعة أنصباء، وقال للزوج:
لك نصف الستة -وهي ثلاثة- فخذ الثلاثة من سبعة، فبقي من السبعة أربعة، فقال للأختين: لكما الثلثان من الستة -وهما أربعة- فخذاها من سبعة. فصار النقص على كل واحد من الوارثين، ولم يُضِع نصّاً من نصوص القرآن. وكان ابن حزم في هذه المسالة يُخطِّيء جميع الصحابة ويقول: إن العباس وعامة الصحابة على غلط، وأن هذا الفعل الذي فعلوا لا يجوز، وأن الحق مع ابن عباس وَحْدَه الذي خالف عامة الصحابة في العَوْل، وقال: الذي أحصى رمل عالج لم يجعل في شيء واحد نصفاً وثلثين (¬1). فرأي ابن عباس أن يُنظر في الورثة، إذا كان أحدهما أقْوَى نُقَدِّمُه، ونكمل له نصيبه، ونجعل النقص على الأضعف، فابن عباس في مثل هذا يقول: إن الزوج يُعطى نصفه كاملاً؛ لأن الزوج لا يحجبه الأبوان، ولا يحجبه الأولاد، بخلاف الأختين فهما أضعف سبباً منه؛ لأنهما يحجبهما الأولاد ويحجبهما الأب. قال: وُيعطي للأختين نصفاً، وهذا تلاعب بكتاب الله!! الله يقول: {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ} [النساء: آية 176] وهو يقول: فلهما النصف. فهذا عمل بما يناقض القرآن. مع أن ابن حزم ورأي ابن عباس تقضي عليه وتبطله المسألة المعروفة عند الفرضيين بالمنبرية، وإنما سُميت بالمنبرية؛ لأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وأرضاه) أفتى بها وهو على المنبر في أثناء خطبته؛ لأنه ابتدأ خطبته على المنبر فقال: الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآب والرُّجعى. فسمع قائلاً يقول: ما تقولون فيمن هلك عن زوجة ¬
وأبوين وابنتين؟ فقال علي (رضي الله عنه): «صار ثُمْنُها تُسعاً» ومر في خطبته (¬1). وقوله: «صارت ثُمْنُها تُسعاً» لأن هذه الفريضة فيها ابنتان وأبوان وزوجة، الابنتان لهما الثلثان، والأبوان لكل واحد منهما السدس، فذلك يستغرق جميع التركة؛ لأن السدسين ثلث، وتبقى الزوجة، تعول الفريضة، وأصلها من أربعة وعشرين. والأربعة والعشرون ثُمُنُها: ثلاثة، فيُعالُ بها في ثُمن الزوجة. والثمن من أربعة وعشرين: ثلاثة. وإذا ضُم الثمن الذي عالت به الفريضة إلى أصل الفريضة ضمَّت ثلاثة العول وهو الثمن الذي عيل به للزوجة إلى الأربعة والعشرين التي هي أصل الفريضة، صارت: سبعة وعشرين، والثلاثة من السبعة والعشرين تُسعها، ومن الأربعة والعشرين ثمنها. فهذه لو قلنا لابن حزم: أيهما يحجب؟ هل البنتان تحجبان؟ لا والله. هل الأب والأم يحجبان؟ لا والله. هل الزوجة تحجب؟ لا والله. ليس فيهم من يحجبه أحد، وكلاهما أهل فروض منصوصة في كتاب الله، ولا يُحجب أحد منهم أبداً!! فبهذا يبطل قوله: إن مَنْ هُوَ أضْعَف سبباً بأنه يُحْجَب يُقدَّم علَيْهِ غيْرُهُ. ثم لتعلموا أن الحقيقة الفاصلة في هذا أنه ورد عن السلف مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ بَعْدَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الآثَارِ المستفيضة في ذَمِّ الرَّأْيِ ¬
والقِيَاسِ، وأجْمَعَ الصَّحَابَةُ والتَّابِعُونَ على العمل بالقياس واستنباط ما سُكت عنه مما نطق به الوحي. هذا أمر لا نزاع فيه، فمن جمد على النصوص ولم يُلحق المسكوت عنه بالمنطوق به فَقَدْ ضَلَّ وأَضَلَّ. ومن هذا النوع: ما أجمع عليه جميع المسلمين حتى سلف ابن حزم -وهو داود بن علي الظاهري- كان لا ينكر القياس المعروف الذي يسميه الإمام الشافعي: «القياس في معنى الأصل» ويقول له: «القياس الجلي» وهو المعروف عند الفقهاء بـ «مفهوم الموافقة» و «وإلغاء الفارق» ويسمى: «نفي الفارق» وهو نوع من تنقيح المناط (¬1). فقد أجمع جميع المسلمين على أن المسكوت عنه فيه يُلحق بالمنطوق، وأن قول ابن حزم: «إنه مسكوت عنه، لم يُتعرض له» أنه كذب محض، وافتراء على الشرع، وأن الشرع لم يَسْكُتْ عَنْه، فقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: آية 23] يقول ابن حزم (¬2): إن هذه الآية ناطقة بالنهي عن التأفيف، ولكنها ساكتة عن حكم الضرب!! ونحن نقول: لا والله، لما نهى عن التأفيف الذي هو أخَفّ الأذى فَقَدْ دَلَّتْ هَذِه الآية مِنْ بَابٍ أَوْلَى عَلَى أنَّ ضَرْبَ الوالدين أشد حُرْمَة، وأشد حُرمة، وأن الآية غير ساكتة عنها بل نَبَّهَت على الأكبر بما هو أصغر منه، فلما نهت عن التأفيف وهو أقل أذيّة من الضرب لم تسكت عن الضرب. ونقول إن قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)} [الزلزلة: الآيتان 7، 8] أن هذه الآية ليست ساكتة ¬
عمن عمل مثقال جبل أُحد، فلا نقول: نصّ على الذّرة، وما فوق الذرة -وهو أثقل منها- لا يؤخذ من الآية، فهي ساكتة عنه. بل نقول: إن الآية غير ساكتة عنه، وإن ذلك المسكوت يُلحق بهذا المنطوق. وكذلك قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: آية ?] لو جاء بأربعة عدول فلا نقول: أربعة عدول مسكوت عنها. بل نقول: إن الآية التي نصّت على قبول شهادة العَدْلَيْنِ دَالّة على قبول شهادة أربعة عدول. ونقول: إن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} [النساء: آية 10] لا نقول كما يقول ابن حزم: إنها ساكتة عن إحراق مال اليتيم وإغراقه؛ لأنها نَصَّتْ عَلَى حُرْمَةِ أكْلِهِ فَقَطْ. بل نقول: إن الآية التي نهَتْ عَنْ أَكْلِهِ دلت على حرمة إِغْرَاقِهِ وإحراقِهِ بِالنَّارِ؛ لأن الجميع إتلاف. ومما يدل على أن ما يقوله ابن حزم لا يقول به عاقل: أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن البول في الماء الراكد (¬1) يقول ابن حزم: لو بال في قارورة وصبها في الماء لم يكن هذا من المكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَ عن هذا، وإنما قال: «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». ولم يقل: لا يبولن أحدكم في إناء ثم يصبه في الماء الراكد. فهذا لا يعقل!! أيعقل أحد أن الشرع الكريم ينهى عن أن يبول إنسان بقطرات قليلة أقل من ربع وزن الكِيْل ثم إنه يجوز له أن يملأ عشرات التنكات من البول بعدد مئات الكيلوات ثم يصبها في الماء؟ وأن هذا جائز (¬2)!! [وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان»، لأن الغضب من ¬
مشوشات الفكر، فيدخل في حكمه ما لو كان في .. ]. حزن مُفْرِط يذهل عقله، أو فرح شديد مُفْرِط يدهش عقله، أو في عطش شديد مُفْرِط يدهش عقله، أو في جوع شديد مُفْرِط يدهش عقله، ونحو ذلك من [4/ب] مشوشات الفكر التي هي أعظم من الغضب/ فليس في المسلمين من يعقل أنه يقال للقاضي: احكم بين الناس وأنت في غاية تشويش الفكر بالجوع والعطش المُفْرِطَين، أو الحزن والسرور المُفْرِطَين، أو الحَقْن والحَقْب المُفْرِطَين، أو الحزن، والحقن: مدافعة البول، والحقب: مدافعة الغائط؛ لأن الإنسان إذا كان يدافع البول أو الغائط مدافعة شديدة كان مَشَوَّش الفكر، مشغول الخاطر، لا يمكن أن يَتَعَقَّل حججَ الخصوم؛ فمثل هذا إذا قال العلماء: إن القاضي لا يجوز له أن يحكم وهو مُشَوَّش الفكر. فنعلم أن قول ابن حزم أنهم إنما جاءوا بتشريع جديد أنه كَذِبٌ، وأن حديث: «لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» (¬1) يدل على أن من كان فكره متشوشاً تشويشاً أشد من الغضب أولى بالمنع من هذا الحكم. وكذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالشاة العوراء (¬2) لا نقول: إن العلماء ما نهوا عن التضحية بالشاة العمياء أن العمياء مسكوت عنها، وما سكت الله عنه فهو عفو، فله أن يضحي بالعمياء. هذا مما لا يقوله عاقل!! وكذلك قال الله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: آية 4] ولم يصرح في الآية إلا بأن يكون القاذف ذكراً والمقذوفة أُنثى، فلو قذفت ¬
أنثى ذكراً، أو قذف ذكر ذكراً، أو قذفت أُنثى أُنثى، كيف نقول إن هذا عفو، وإن هذا القذف لا مؤاخذة فيه؛ لأن الله إنما نص على قذف الذكور للإناث، حيث قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: آية 4] ولما أراد ابن حزم هنا أن يدخل الجميع في عموم المحصنات فقال: المحصنات نعت للفروج (والذين يرمون الفروج المحصنات) فيشمل الذكور والإناث (¬1)، يُرد عليه: أن المحصنات في القرآن لم تأتِ قط للفروج، وإنما جاءت للنساء، وكيف يجري ذلك في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: آية 23] وهل يمكن أن تكون الفروج غافلات مؤمنات؟! هذا مما لا يعقل. وكذلك نص الله (جل وعلا) على أن المبتوتة إذا طلقها الأول ثلاث طلقات فصارت مبتوتة حراماً عليه إلا بعد زوج، ثم تزوجها زوج فدخل بها ثم طلقها هذا الزوج الأخير فإنه يجوز للأول أن ينكحها؛ لأنها حلت بنكاح الثاني. والله إنما صرح في هذه السورة بنص واحد، وهو أن يكون الزوج الذي حل لها إنما طلقها لأنه قال في تطليق الأول: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلآ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: آية 230] ثم قال في تطليق الزوج الذي حللها: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلآ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي: على الزوجة التي كانت حراماً؛ والزوج الذي كانت حراماً عليه {أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} [البقرة: آية 230] فنص على طلاق المحلل خاصة. {فَإِن طَلَّقَهَا} أرأيتم لو حللها وجامعها مئة مرة حتى حلّت، وكانت كماء المزن، ثم مات قبل أن يطلقها، أو فسخ حاكم عقدهما بموجب آخر بالإعسار بنفقة أو غير ¬
ذلك من أسباب الفسخ، أيقول مسلم: إن هذه لا تحل للأول؛ لأن الله ما نص إلا على قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} ولو مات لم تحل؛ لأن الموت ليس بطلاق!! هذا مما لا يقوله عاقل!! وأمثال هذا كثيرة جدّاً. فنحن نقول: إن هذا الذي يقول ابن حزم: «إن الوحي سكت عنه» الوحي لم يسكت عنه، وإنما أشار إليه لتنبيهه لبعضه على بعضه، فالغضب يدل على كل تشويش فكر. والمحصنات لا فرق بين المحصنات والمحصنين. وقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} [البقرة: آية 230] لا فرق بين ما لو طلقها أو مات عنها، فَبَعْدَ أنْ جَامَعَهَا وفارَقَهَا تَحِلّ للأَوَّلِ سواء كان الفراق بالطلاق المنصوص في القرآن، أو بسبب آخر كالموت والفَسْخِ. وهذا مما لا ينازع فيه عاقل، وإن نازع فيه ابن حزم. ثم إن ابن حزم يسخر من الإمام أبي حنيفة (رحمه الله)؛ لأن الإمام أبا حنيفة (رحمه الله) يقول: إن التشهد الأخير يخرج الإنسان به من الصلاة بكل مناف للصلاة. ورُوي عنه: حتى أنه لو انتقض وضُوؤُه فضرط أنه خرج من الصلاة؛ لأن الضراط مناف لها. وكان ابن حزم يسخر عليه من هذا فيقول: ألا ترون قياس الضراط على (السلام عليكم) الوارد في النصوص!! إن لم يكن قياس الضراط على (السلام عليكم) قياساً فاسداً فليس في الدنيا قياس فاسد!! ويسخر من الإمام مالك في مسائل كثيرة ويقول: إنه يقيس قياسات الألغاز؛ لأن مالكاً (رحمه الله) جعل أقل الصداق رُبْعَ دِينار، أو ثلاثة دراهم خالصة. قال: قياساً على السرقة بجامع أن كلّاً منهما فيه استباحة عضو في الجملة؛ لأن النكاح فيه استباحة الفرج بالوطء، والقطع فيه استباحة اليد بالقطع، فابن حزم يسخر من مالك ويقول:
هذه ألغاز ومحاجاة بعيدة من الشرع، وتشريعات باطلة. وأمثال هذا منه كثيرة (¬1). ونحن نضرب مثلاً: فإنه من أشد ما حمل فيه على الأئمة -رحمهم الله- مسألة حديث تحريم رِبَا الفَضْلِ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثَبَتَ عنه في الأحاديث الصحيحة أنه قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلاً بمِثْل، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (¬2) ابن حزم يقول: ليس في الدنيا ما يحرم فيه ربا الفضل إلا هذا. ويقول: الدليل على أنهم مُشَرِّعون، وأن أقوالهم كلها كاذبة؛ لأن بعضهم كالشافعي يقول: علة الربا في البر: الطعم، فيقيس كل مطعوم على البر فيقول: إن المطعومات كالفواكه كالتفاح وغيره من الفواكه يحرم فيه الربا قياساً على البر بجامع الطعم. وأبو حنيفة وأحمد يقولان: العلة: الكيل، فيقولان: كل مكيل يحرم فيه الربا قياساً على البر. فيحرمان الربا في النُّورة والأشنان وكل مكيل. فيقول ابن حزم: هذا يقول: «العلة الطعم» ويُلحق أشياء، وهذا يقول: «العلة الكيل» ويُلحق أشياء أخرى، وكل منهم يُكَذِّب الآخر (¬3)!! فهذه القياسات ¬
المتناقضة، والأقوال المتكاذبة، والأحكام التي ينفي بعضها بعضاً لا يشك عاقل في أنها ليست من عند الله. وأمثال هذا كثيرة. ونحن نضرب مثلاً بهذه المسألة فنقول: إن الأئمة (رضي الله عنهم)، أبا حنيفة، وأحمد، والشافعي - رحمهم الله - الذين سخر ابن حزم من قياساتهم هم أولى بظواهر النصوص من نفس ابن حزم. ونقول لابن حزم مثلاً: أنت قلت: إنك مع الظاهر، وقلت: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنِّي ظَاهِرِيّ وَأَنَّنِي ... عَلَى مَا بَدَا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ (¬1) فهذا الإمام الشافعي الذي قال: «إن علة الربا في البر: الطعم». استدل بحديث ثابت في صحيح مسلم، وهو حديث معمر بن عبد الله (رضي الله عنه)، الثابت في صحيح مسلم، قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ ... » الحديث (¬2) فالشافعي فيما سخر منه ابن حزم أقرب لظاهر نصوص الوحي من ابن حزم. وكذلك الإمام أبو حنيفة وأحمد بن حنبل -رحمهما الله تعالى- اللذان قالا: «إن علة الربا في البر: الكيل» استدلاَّ بالحديث الثابت في الصحيح: «وَكَذَلِكَ المِيزان»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر المكيلات وبين أن الربا حرام فيها قال: «وكذلِكَ المِيزان». والتحقيق: أن الموزونات مثل المكيلات، فجعل معرفة القدر علة للربا. وقوله: «وكذلك الميزان» ثابت في الصحيحين (¬3). ¬
وفي حديث حيان بن عبيد الله الذي أخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن أبي سعيد الخدري لما ذكر الستة التي يحرم فيها الربا قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَكَذلِك كُلّ ما يُكَال أو يُوزَن» (¬1). وهذا الحديث حاول ابن حزم تضعيفه من ثلاث جهات، وقد ناقشناه في الكتاب الذي كتبنا على القرآن مناقشة وافية (¬2). والتحقيق: أن حيان بن عبيد الله ليس بمجروح، وأن زعمه أن أبا مجلز الذي روى عنه الحديث لم يلق ابن عباس أنه كذب، وأنه أدرك ابن عباس وأبا سعيد الخدري (رحمهم الله)، وأن الحديث لا يقل عن درجة القبول بوجه من الوجوه عند المناقشة الصحيحة كما بَيَّنَّاهُ في الكتاب الذي كَتَبْنَا في القرآن، وهذا الحديث قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «وكذلك كل ما يُكَالُ أو يُوزَن». وهذا أقرب لظاهر نص النبي صلى الله عليه وسلم من ابن حزم الذي يسخر من أبي حنيفة والإمام أحمد -رحمهما الله- وليس قصدُنا في هذا الكلام أن نتكلم على ابن حزم؛ لأنه رجل من علماء المسلمين، وفحل من فحول العلماء، إلا أن له زلات، ولا يخلو أحد من خطأ، ومقصودنا أن نبين لمن نظر كتب ابن حزم فقط أن حملاته على الأئمة ¬
أن الغلط معه فيها لا معهم، وأنهم أقرب للصواب، وأولى به منه، وأعلم منه، وأكثر علماً وورعاً منه، فهم لا يحملون على أحد، ولا يعيبون أحداً. والحاصل أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق أمر لا شك فيه، وأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، والله (جل وعلا) قد بين نظائر في القرآن كثيرة يُعلم بها إلحاق النظير بالنظير. والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى ذلك في أحاديث كثيرة (¬1)، فمن ذلك: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القُبْلة للصائم، فقال له: «أرَأَيْتَ لو تمَضْمَضْت» (¬2)؟! فهذا إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قياس المضمضة على القُبْلة بجامع أن القُبْلة مقدمة الجماع، وأن المضمضة مقدمة الشرب، فكل منهما مقدمة الإفطار وليست بإفطار. فمحل كون القُبْلة كالمضمضة: إذا كان صاحبها لا يخرج منه شيء، أما إذا كانت القبلة تخرج منه شيء فهو كالذي إذا تمَضْمَضَ ابتلع شيئاً من الماء، فحكمه حكمه، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة ثابتة في الصحيحين: أنه سأله رجل مرة، وامرأة مرة، عن دَين يقضيانه على ميت لهما، مرة تقول: أبي، ومرة تقول: أمي. وكذلك الرجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتِ لو كان على أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟» قالت: نعم. قال: «فدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (¬3). هو تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على قياس دَين الله على دَين الآدمي. بجامع أن الكل حق يطالب به الإنسان، وأنه يقضى عنه بدفعه ¬
لمستحقه. وأمثال هذا كثيرة. ومن أصرحها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل، كان الرجل أبيض، وامرأته بيضاء، وولدت له غلاماً أسود، فأصاب الرجل جَزَعٌ مِنْ سَوَادِ الغُلامِ، وظن أنها زَنَتْ بِرَجُلٍ أسْوَد وجاءت منه بهذا الولد، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم مُنْزَعِجاً وأَخْبَرَهُ أنها جاءت بولد أسْوَدَ، وكان يريد أن يلاعنها وينفي عنه الولد باللّعَانِ زَعْماً أن هذا الولد مِنْ زَانٍ أسود، وأنه ليس ولده؛ لأنه هو أبيض وزوجته بيضاء. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم. قال: «مَا أَلْوَانُهَا؟» قال: حمر الألوان. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَق؟» (والأورق المتصف بلون الوُرْقة، والوُرْقة لون كلون حمام الحرم، يعني: سواد يعلوه بياض يكون في الإبل) قال الرجل: إن فيها لوُرْقاً؟ قال: «وَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْهَا تِلْك الوُرقة؟» آباؤها حمر وأمهاتها حمر، فمن أين جاءتها الوُرقة؟ قال: لعل عرقاً نزعها! قال له: «وهَذَا الوَلَدُ لَعَلَّ عِرْقاً نَزَعَهُ» (¬1). فاقتنع الأعرابي. وهذا إلحاق نظير بنظير، وبالجملة فنظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، وهذا مما لا يُشك فيه، وأن القياس منه قياس صحيح لا شك فيه كالأمثلة التي ذكرنا، ومنه قياس فاسد، والقرآن ذكر بعض الأقيسة الفاسدة، وبعض الأقيسة الصحيحة، فمن الأقيسة الصحيحة في القرآن قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)} [آل عمران: آية 59] كما اليهود قالوا: إن عيسى لا يمكن أن تَلِدَهُ مَرْيم إلا مِنْ رَجُلٍ زَنَى بها، وقالوا لها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً (28)} [مريم: آية 28] وهذا الولد لا بد أن يكون له والد، وهذا الوالد رجل فَجَرْتِ معه وزنيتِ به. فالله (جل وعلا) ¬
قاس لهم هذا الولد على آدم بجامع أن آدم وُلِدَ ولم يكن له أم ولا أب، خُلق ولم يكن له أم ولا أب، فالذي خَلَقَ آدَمَ ولمْ يَكُنْ له أب ولا أم فهو قادِرٌ على أن يخلق عيسى من أُمٍّ ولم يكن له أب، كما خلق حواء من ضلع رجل. فالله (جل وعلا) جعل خلق الإنسان قسمة رباعية: بعضٌ خلقه لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم، وبعض خلقه من أنثى دون ذكر وهو عيسى ابن مريم، وبعض خلقه من ذكر دون أنثى وهي حواء؛ لأن الله يقول: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: آية 1] والقسم الرابع: خلقه من ذكر وأنثى فقاس عيسى على آدم بجامع أن الذي أوجد آدم بقدرته يوجد عيسى بقدرته. وأمثال هذا كثيرة. وكذلك قاس الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم الماضية، وقال لهم: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} ثم بين إلحاق النظير بالنظير فقال: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: آية 10] فكأن الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فرع، والكفار المتقدمون أصل، والحكم الذي عمهم المهدد به: العذاب والهلاك، والعلة الجامعة: تكذيب الرسل، والتمرد على رب العالمين. وأمثال هذا في القرآن كثيرة. وكذلك ما يسمونه: (قياس العلة) - وهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة (¬1) - يكثر في القرآن جدّاً، كقوله جل وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [فصلت: آية 39] فقاس إحياء الموتى الذي ينكره منكرو البعث على إحياء الأرض المشاهد؛ لأن كلاًّ منهما إحياء. ¬
وهذا الإحياء للموجود يدل على قدرة قادر كاملة باهرة يقدر بها من اتصف بها على إحياء الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها، وكما استدل (جل وعلا) بقياس الأولى على الأدنى، واستدل بأن من خلق السماوات والأرض لا يعجز عن خلق الإنسان الصغير الحقير بعد الموت، كما قال: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29)} الآية [النازعات: الآيات 27 - 29] وقال: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: آية 57]، ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر، وقال جل وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى} [الأحقاف: آية 33] وقاس النشأة الأخرى على النشأة الأولى فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} [الواقعة: آية 62] والإيجاد الأول، فهلا قستم عليه النشأة الأخرى والإيجاد الأخير، وعلمتم أن مَنْ قَدَر على الأول قادر على الثاني، كما قال: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: آية 79] وأمثال هذا كثيرة جدّاً. أما القياس الفاسد الذي بُني مخالفاً للنصوص كقياس إبليس لعنه الله، وكالأقيسة المخالفة للنصوص، وكأقيسة الشَّبَه المبنية على الفساد (¬1)، فإن الكفار جاءوا بقياس الشبه كثيراً باطلاً - ومِثْلُه باطل - كما قالوا في يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: آية 77] فأثبتوا السرقة على أخي يوسف؛ لأن يوسف قد سرقَ قَبْلَهُ، قالوا: الأخ يشابه الأخ، فيلزم من مشابهتهما أن يكونا متشابهين في الأفعال، وأن هذا ¬
سرق كما سرق ذلك!! وهذا قياس شَبَهٍ باطل. وهذا النوع من القياس كقياسات إبليس الباطلة؛ والكفار - لعنهم الله - كذبوا جميع الرسل بقياسات شَبَهٍ باطلة؛ لأنه ما جاء رسول إلى قوم إلا قالوا له: أنت بشر، وكونك بشر يجعلك تشبه سائر البشر، ولا نقبل أن تكون رسولاً من رب العالمين وأنت تأكل كما نأكل، وتشرب مما نشرب، وتمشي في الأسواق كما نمشي فيها!! ونص الله على أن هذا مَنَعَ كل أمة، قال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَّسُولاً (94)} [الإسراء: آية 94] فشبهوا البشر بالبشر قياس شبه، واستنتجوا من ذلك أنه لا تكون له أفضلية على البشر، والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - ردوا عليهم هذا القياس، ورده الله عليهم في آيات لما قالوا للرسل: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [إبراهيم: آية 10] أجابهم الرسل قالوا: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: آية 11] فمشابهتنا في البشرية لا تستلزم [عدم] (¬1) تفاوتنا في فضل الله، كما قال جل وعلا: {فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن: آية 6] {وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ (34)} [المؤمنون: آية 34] وقالوا فيه: {يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: آية 33] {أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} [القمر: آية 24] وهذا كثير في القرآن، وهذه الأقيسة الفاسدة. والحاصل أن القياس منه صحيح ومنه فاسد، فالصحيح هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون وعامة المسلمين. وأحكام الصحابة في القياس لا يكاد أحد يحصيها، فقد جاء في صحيح ¬
البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن المجتهدين يختلفون في اجتهادهم، وكلهم لا إثم عليه ولا ضَيْر عليه؛ لأنه قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَان سَامِعاً مطيعاً فلا يُصَلِّينَّ العصْرَ إلا في بَنِي قُرَيْظَة» (¬1). هذا نص صريح صحيح سمعه الصحابة بآذانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم راحوا من المدينة إلى ديار بني قريظة وأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فاختلفوا في فهم هذا الحديث، وكُلٌّ اجْتَهَدَ بحسب ما أدى إليه فهمه، فجماعة قالوا: ليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن نؤخر صلاة العصر عن وقتها، ولكن مراده الإسراع إلى بني قريظة، فلنصلِّ ونسرع، فصلوا العصر وأسرعوا، وجماعة قالوا: العصر وجبت علينا على لسانه صلى الله عليه وسلم، فلو قال لنا: اتركوها إلى يوم القيامة تركناها إلى يوم القيامة، ولو قال: اتركوها إلى قريظة تركناها إلى قريظة، وجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصلوا، واجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وهم في خلاف بين مُشَرِّق ومُغَرِّب؛ لأن من صلى ومن لم يصل مختلفان، فهو صلى الله عليه وسلم قررهم جميعاً ولم يُخَطِّئ أحداً منهم، ولو كان واحد منهم فعل غير صواب وأمراً حراماً لما أقره الرسول عليه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقر على باطل، ولا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وثبت في صحيح البخاري عن الحسن البصري ¬
(رحمه الله) ما مضمونه ومعناه: أنه كان يقول: لولا آية من كتاب الله أشفقت على المجتهدين، وهي قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ... } الآية [الأنبياء: آية 78] (¬1)؛ لأن الله (جل وعلا) صَرَّحَ بأنهما حَكَمَا حيث قال: {إِذْ يَحْكُمَانِ} بألف الاثنين الواقعة على داود وسليمان ثم قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} ولم يذكر شيئاً عن داود، فَعَلِمْنَا أن داود لم يفهمها؛ لأنها لو فهمها الأب لما اقتصر على الابن، ولَمَا كان للاقتصار على سليمان فائدة مع أنهما فهماها، ولو كان هذا وحياً من الله لما فهمه أحدهما دون الآخر؛ لأن الوحي أمر لازم للجميع، فدل على أنهما اجتهدا، وأن داود لم يُصِبْ في اجتهاده، وأن سليمان أصاب في اجتهاده، فالله أثنى على كل منهما، ولم يؤنب داود، بل قال بعدها: {وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} (¬2) [الأنبياء: آية 79] وقد ثبت في الصحيحين ما يُستأنس به لهذا؛ لأنه قد ثبت في الصحيحين أن داود (عليه السلام) في زمنه جاءته امرأتان نُفستا، وجاء الذئب فاختطف ابن واحدة منهما، وكانت التي اختطف ولدها هي الكبرى، وبقي ولد الصغرى فقالت الكبرى: هذا ولدي، وتنازعتا، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى اجتهاداً منه، لأمارات ظهرت له، أو لشيء في شرعه يقتضي ظاهره ذلك الاجتهاد. فرجعتا إلى سليمان، فلما رجعتا إلى سليمان قال: كل واحدة منكما تدعيه!! هاتوا بالسكين أشقه بينهما نصفين، فأُعطي نصفه لهذه ونصفه لهذه. وكان أبو هريرة يقول: ما سمعت بالسكين إلا ذلك اليوم، ما كنا نقول لها إلا المُدْيَة. فلما قال إنه ¬
يشقه جزعت أمه التي هي الصغرى، وأدركتها الرأفة على الولد فقالت له: لا، يرحمك الله، هو ابنها وأنا لا حق لي فيه. وكانت الكبرى راضية بأن يُشق لتساويها أختها في المصيبة، فعلم سليمان أن الولد للصغرى، فقضى به للصغرى (¬1). وذكر ابن عساكر في تاريخه ما يشبه هَذِهِ القِصَّةَ عَنْ دَاوُد وسليمان، إلا أَنَّهُ فِي تاريخ ابن عساكر -والله أعلم بصحة القصة وعدم صحتها- إلا أن هذا الذي ذكرنا الآن اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة. والقصة التي ذَكَرَها ابن عساكر في تاريخه: أنه كان أربعة من أشراف بني إسرائيل راودوا امرأة جميلة من بني إسرائيل عن نفسها، وكانت بارعة الجمال، [فمنعتهم وحاولوا أن يصلوا] (¬2) إليها فامتنعت، فاتفقوا على أن يحتالوا عليها حيلة فيقتلونها، فجاءوا وشهدوا عند داود أن عندها كلباً علمته الزنا، وأنها تزني بكلبها، وكان مثل هذا عند داود يقتضي حكم الرجم، فدعا داود بالشهود فشهد الأربعة على أنها تزني بكلبها فرجمها داود. قالوا: وكان سليمان إذ ذاك صغيراً، فجمع سليمان الصبيان وجعل منهم شُرَطاً، قال: فلان وفلان جعلهم كالشرطيين، وأخذ قوماً وجعلهم شهوداً، وجاءوا يشهدون، وجعل رجلاً كأنه المرأة، وقالوا: نشهد أن هذه زنت بكلبها، ثم قال سليمان للصبيان الذين جعلهم كالشُّرط: خذوا كل واحد منهم وفرقوهم وأتوني بهم واحداً واحداً. فجاءوه بالأول فقال: ما تقول في شهادتك؟ قال: ¬
أقول إنها زنت بكلبها. قال له: وما لون الكلب؟! قال: كان كلبها أحمر، ثم دعا بالثاني فقال: وما لون الكلب؟ قال: كان كلبها أسود، ثم دعا الآخر فقال: أغبر، فاختلفت أقوالهم في لون الكلب، فعلم أنهم كَذَبَة، فقال: اقتلوهم؛ لأنهم قتلوها. فسمع داود الخبر، فأرسل بالشهود حالاً وفرقهم، وجاءوه واحداً واحداً فسألهم فاختلفوا في لون الكلب، فعلم أنهم شهدوا عليها شهادة زور ليقتلوها حيلة، فقتلهم قصاصاً، هكذا قال، والله أعلم (¬1). وعلى كل حال فالقياس هو قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد. فما جاء به الظاهرية -من ذم القياس- والسلف هو ينطبق على القياس الفاسد، والصحابة كانوا مجمعين على القياس الصحيح (¬2). وقد جاء عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن جاءه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، كلهم يقول: هو ابني. فقال: اقترعوا على الغلام، فوقعت القرعة لواحد [منهم] (¬3) فقال للذي جاء الغلام في نصيبه: خذ الغلام وادفع لكل واحد منهما ثلث الدية -ثلث دية الغلام- قالوا: فلما بلغ قضاؤه النبي صلى الله عليه وسلم ضحك من قَضَاءِ عَلِيٍّ هذا حتى بدت نواجذه (¬4). ¬
ومن ذلك حديث معاذ الذي قال له: «بِمَ تَقْضِي؟» قال: بكتاب الله. قال: «فإنْ لَمْ تَجِدْ؟» فبسنة رسول الله. قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: أجْتَهِدُ رَأْيِي. فقال: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (¬1). وهذا الحديث يقول ابن حزم: إنه باطل (¬2) لا أصل له؛ لأنه رواه الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة، عن ناس من حمص مجهولين، هو رواية مجهول عن مجاهيل، وأن الاستدلال به ضلال. وقد قال ابن كثير في مقدمة تفسيره: إنه رواه أصحاب السنن بإسناد جيد (¬3) وذكر بعض العلماء أنه جاء من طريق عبادة بن نُسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل. وهذا الإسناد من هنا صحيح لا شك في صحته؛ لأن رجاله معروفون، إلا أن البلية مما قبل عبادة بن نُسي، والظاهر أن الذي رواه عن عبادة بن نسي هو محمد بن حسان (¬4) المصلوب، الذي صلبه أبو جعفر المنصور في ¬
الزندقة، وهو كذاب لا يُحتج به. فالحاصل أن حديث معاذ لا طريق له إلا طريق السنن التي فيها الحارث بن عمرو، عن قوم من أصحاب معاذ من أهل حمص. والذين قالوا: إن الحديث صحيح، وإنه يجوز العمل به، استدلوا بأمرين: أحدهما: أن الحارث بن عمرو المذكور وَثّقَهُ ابْنُ حبان، وإن كان ابن حبان له تساهل في التوثيق فالحديث له شواهد قَوِيَّة يَعْتَضِدُ بِهَا، كحديث الصحيحين: «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» (¬1). قالوا: أصحاب معاذ بن جبل ليس فيهم مجروح، بل كلهم عدول. وإذا كان الحارث موثقاً، وأصحاب معاذ كلهم عدول فالحديث مقبول. وكذلك قالوا: إن علماء المسلمين تَلَقَّوْا هَذَا الحديث خلفاً عن سَلف، وتَلَقِّي العُلَمَاءِ للحديث بالْقَبُولِ يَكْفِيهِ عَنِ الإِسْنَادِ، وَكَمْ من حديث اكتُفي بصحته عن الإسناد، واكتُفي بعمل العلماء به في أقطار الدنيا؛ لأن هذه الأمة إذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلاً، واكتفي بذلك عن الإسناد. وعلى كل حال فالقياس الباطل هو المذموم، والقياس الصحيح -وهو إلحاق النظير بالنظير على الوجه الصحيح- لا شك في ¬
صحته، وأن الصحابة كذلك كانوا يفعلون، يُلحقون المسكوت عنه بالمنطوق به، وهذا كثير، وقد مثلنا له بأمثلة كثيرة. [5/أ] / يقول الله جل وعلا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} [الأعراف: آية 31] قَدْ تَقَرَّر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو معروف في مصطلح الحديث (¬1). وإذا علمتم ذلك فاعلموا أن مسلم بن الحجاج (رحمه الله) في آخر صحيحه أخرج عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير أنَّ هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف نزلت فيما كان يفعله المشركون من أنهم يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله النهي عن ذلك (¬2)، والتجمل بلباس الزينة، وستر العورة للطواف وللصلاة في جميع المساجد، فالسبب خاص واللفظ عام، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب (¬3) كما سنوضحه إن شاء الله. والمعروف في مختلقات (¬4) العرب التي كانوا يفعلون: أنَّ غير الحُمس، والحُمس: جميع قريش (¬5)؛ لأنَّ من قريش أهل بطاح ¬
وأهل ظواهر، وجميعهم هم وحلفاؤهم يُسمّون: «الحُمس» وأهل البطاح منهم: أولاد كعب فما دونه، وما فوق كعب وهم بنو عامر بن لؤي، وبنو الحارث بن فِهْر، وبنو محارب بن فِهْر من قبائل قريش، هؤلاء كانوا ليسوا ببطاح مكة بل بالظواهر، فهؤلاء أهل ظواهر، وهؤلاء الأبطحيون في نفس بطحاء مكة، والجميع يسمون: «الحُمسْ» هم قريش بجميعها أهل بطاحها وأهل ظواهرها، كانت عادة العرب في الجاهلية أن الإنسان إذا جاء يريد الطواف ببيت الله الحرام إن كان له صديق من الحُمس أعطاه ثوباً يطوف فيه، وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية -قبل البعثة- كان له صديق من بني تميم هو عياض بن حمار الذي كان بعد ذلك صحابيّاً كريماً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد عياض بن حمار أن يطوف أعاره ثوبه ليطوف فيه كما هو معروف في التاريخ (¬1). فإن أعاره أحد الحُمس ثوبه طاف فيه، وإن لم يجد من يعيره من الحُمس ثوباً فإن كان ثوبه جديداً -لم يلبسه قبل ذلك- طاف فيه، ولكنه عندما يطوف فيه يلقيه من حاله ويذهب عرياناً؛ لأنهم يقولون: لا نطوف بيت الله بثياب عصينا الله فيها، أو يتفاءلون أنهم يخرجون من الذنوب ويتعرَّوْن منها كما تعروا من الثياب (¬2). وهذه تشريعات الشيطان. والإنسان منهم إذا طاف في ثوبه لا بد أن يلقيه، وإن لم يُلْقه ضربوه حتى يلقيه وسمى ذلك الثوب (لَقَى) وهو معروف في التاريخ؛ لأن (اللَّقى) هذا الثوب الذي يلقيه من طاف فيه يبقى طريحاً تدوسه أقدام الناس في المطاف (¬3). ¬
وبعضهم قالوا: يُلقون (اللَّقى) في منى، ومنه قول الشاعر (¬1): كَفَى حَزَناً كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ ... لَقىَ بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ يعني أخاً له ميتاً تدوسه أقدام الناس وهو ميت كأنه هذا الثوب اللَّقَى الذي طَرَحَهُ من طاف به، فإن لم يجد من يعيره، وكان الثوب قديماً -في زعمهم قد عصى الله فيه- طرح الثوب وجاء عرياناً، وطاف عرياناً -والعياذ بالله- وتطوف المرأة عريانة!! وبعضهم يقول: كانت النساء تطوف بالليل ليس عليهن ثياب، والرِّجال يطوفون بالنهار (¬2). والبيت الذي تقوله الطائفة (¬3): الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ هو في صحيح مسلم في حديث ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً (¬4)، وأنه تفسير صحابي لهذه الآية متعلق بسبب النزول فَلَهُ حُكْم الرَّفْعِ، فكأنه حديث صحيح في حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: إن معنى الآية: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} [الأعراف: آية 31] يعني: خذوا زينة اللباس واستروا بها عوراتكم عند الطواف بالبيت والصلاة. والآية وإن كان سبب نزولها في طوافهم بالبيت عراة فلفظها عام لكل مسجد. والمقرر في الأصول: أن اللفظ إن كان عامّاً ¬
والسبب كان خاصّاً فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، هذا هو الحق الذي عليه جماهير العلماء، وعليه عامة الأصوليين إلا مَنْ شَذَّ (¬1). والدلالة على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب تفهم من نصوص الوحي، ومن اللغة العربية (¬2). أما نصوص الوحي فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة تدل على أن العِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يدل عليه استقراء القرآن، وتدل عليه اللغة العربية أيضاً. فمن الأحاديث الدالة على ذلك: قصة الأنصاري المشهورة التي ذكرها الله في سورة هود، وسيأتي إيضاحها، وضابطها: أن أنصاريّاً كان تمَّاراً فجاءته امرأة تريد أن تبتاع منه تمراً فأُعجب بجمالها فقال لها: إن في البيت تمراً أجود من هذا، فلما دخلت في البيت تظن أنه يبيعها التمر الأجود كان بينه وبينها ما لا ينبغي أن يكون بين رجل وغير زوجته، إلا أنه لم يقع بينهما ما يستوجب الحد، فكان شيء مثل التقبيل والضم ونحوه، ثم بعد ذلك ندم ذلك الأعرابي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ فيه آية مدنية في سورة مكية، وهي قوله تعالى في سورة هود: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ} يعني كالصلوات الخمس التي يقيمها في الجماعات {يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: آية 114] أي: يغفر الله بهن تلك الذنوب، كتقبيل تلك الأجنبية، ثم إن ذلك الرجل لما نزلت فيه الآية وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم سأل ذلك الأنصاريُّ وقال له: يا رسول الله ألي هذا خاصة؟ وسؤال الأنصاري - هذا - مقتضاه: أيختص حكم هذه الآية بي لأنني سبب نزولها، أم العبرة بعموم لفظ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ ¬
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلْ لأُمَّتِي كُلّهِمْ» (¬1). وسؤال الأنصاري هذا وجواب النبي صلى الله عليه وسلم له ثابت في صحيح البخاري في تفسير سورة هود، وهو نص صريح في أَنَّ العِبْرَةَ بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. ومن النصوص الدالة على ذلك: ما ثبت في الصحيح ثبوتاً لا مطعن فيه، من أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عليّاً وفاطمة (رضي الله عنهما وأرضاهما) وهما نائمان، وأيقظهما ليصليا من الليل، فقال له علي (رضي الله عنه): إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا. فولى صلى الله عليه وسلم كالمغضب يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (¬2) [الكهف: آية 54] مع أن آية: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} نزلت على التحقيق في الكفار المشركين الذين يجادلون في القرآن، فيقول بعضهم: شعر. ويقول بعضهم: سحر. ويقول بعضهم: كَهانة. إلى غير ذلك. ويدل على أنها في الكفار: أول الآية، وهو قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ} أي المكذِّب بالقرآن الذي لم يَعْتَبِر بأمثاله {أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} ¬
[الكهف: آية 54] وخصومةً في التكذيب بالقرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أنها وإن نزلت في الكفار أن عموم لفظها شامل لقول علي (رضي الله عنه): إن أرواحنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا. ومما يدل على هذا من اللغة العربية: أن الرجل مثلاً لو كان له أربع زوجات فآذته واحدة منهن وشتمته وأطلقت لسانها فيه حَتَّى أغْضَبَتْهُ، وهي واحدة، والثلاث الأُخر ساكتات لا يفعلن إلا ما يرضي زوجهن. فقال الزوج بسبب إغضاب التي أغضبته: أنتن كلكن طوالق. فإن الطلاق لا يختص بذات السبب التي أغضبته وآذته بل يطلق الجميع نظراً إلى عموم اللفظ، ويلغى سبب اللفظ الذي حمل عليه، كما هو معلوم عند أهل اللسان العربي. وقوله (جل وعلا) في هذه الآية: {يَا بَنِي آدَمَ} [الأعراف: آية 31] كأنه يذكرهم بقضية إبليس. لا يَدُم إبليس على النكاية فيكم بنزع ثيابكم عنكم كما فعل بِأَبَوَيْكُمْ. {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأصل: أؤْخذوا بالهمزة؛ لأنه مضارع (أخذ) بالهمزة، إلا أن ثلاثة أفعال مهموزة الفاء وهي: (أخذ)، و (أمر)، و (أكل) يجوز حذف همزتها في الأمر كما بيناه مراراً (¬1). {خُذُواْ زِينَتَكُمْ} أي: لباسكم الذي تسترون به عوراتكم وتتجملون به. {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} سواءً كان المسجد الحرام للطواف أو غيره من المساجد للصلاة. وكون الزينة هنا لبس اللباس للطواف والصلاة ¬
يكاد يجمع عليه المفسرون (¬1)، وقد دل عليه حديث ابن عباس المذكور الذي قدمنا أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأخذ العلماء من ظاهر عموم الآية أنَّهُ يَنْبَغِي للرجل إذا أراد أن يخرج إلى المسجد ليحضر جماعات المسلمين ويصلي أن يلبس من الثياب أحْسَنَها (¬2). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الثناء على لَوْنِ البَيَاض في حديث: «إِنَّ مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَالْبَسُوا الْبَيَاضَ وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ، وَإِنَّ مِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ الإِثْمِدَ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ» (¬3) وهو حديث مشهور أخرجه بعض أصحاب السنن وغيرهم؛ ولذا كانوا يتطيبون ويستاكون ويقولون: إن الطيب والسواك مِنْ كَمَالِ ¬
الزِّينَةِ التي يتناولها ظاهر الآية الكريمة (¬1). مع القطع بأنها نازلة في عدم العُرْيِ وستر العورات عند الطواف والصلوات. وهي دليل واضح على أن الطواف لا يَصِحّ مِنَ العُرْيَان كما عليه جمهور العلماء، وأن الصلاة أيضاً لا تَصِحُّ مَعَ كشْفِ العَوْرَةِ خلافاً للإمام أبي حنيفة - رحمه الله - في الطواف (¬2). ويؤيد معنى ما دلت عليه الآية قوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسل عليًّا ينادي به: «وَأَلاّ يحج بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وألا يطُوفَ بالبيْتِ عُرْيَانٌ» (¬3). وهذا معنى قوله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: آية 31] أي: لا تأتوا الطواف مكشوفة عوراتكم، ولا تأتوا مساجد المسلمين مكشوفة عوراتكم كما كان يفعله المشركون في مسجد مكة؛ لأنا ذكرنا عن ابن عباسٍ من طريق سعيد بن جبير كما أخرجه مسلم في صحيحه (¬4) أن هذه الآية نزلت في أن المشركين كانوا يطوفون عراة، حتى إن المرأة لتقول: اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كُله ... فما بدا منه فلا أُحلُّه ¬
وهذا الحديث الذي له حكم الرفع الثابت في صحيح مسلم؛ لأنه تفسير من ابن عباس يتعلق بسبب النزول، فكأن ابن عباس يفسِّر الزينة بأنها لبس الثياب عند الطواف والصلوات، وتفسير الصحابي إن كان له تعلق بسبب النزول كان له حكم الرفع كما هو مقرَّر في علوم الحديث. وهذا يدل على أن قائلة البيت من اللاتي كنَّ يطفن بالبيت وهن عريانات يتقربن بذلك إلى الله، مع أنه ذكرت جماعة من المؤرخين للبيت المذكور قصة غير ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس، والظاهر أنَّ ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس أثبت، فقد ذكر غير واحد ممن تكلم على الصحابة في ترجمة ضباعة بنت عامر بن لقيط بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (¬1) - هي من بني قشير الذين منهم مسلم بن الحجاج القشيري - وكانت امرأة ذات جمال، وأنها تزوجها عبد الله بن جدعان التيمي، الجواد المشهور، وجاء بها إلى مكة، وكان من أعظم فتيان مكة في ذلك الزمن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، والد أبي جهل، فأعجبه جمال ضباعة بنت عامر، التي هي زوجة ابن جدعان، فصار يأتيها ويقول لها إن هذا الشيخ الكبير الذي ليس له جمال لا يناسب جمالك وكمالك فتطلقي منه لأتزوجك، يُخَبِّبها عليه، فَخَبَّبها عليه، فطلبت من ابن جدعان الطلاق، فلما طلبت منه الطلاق قال: نعم، بشرط أن تنحري كذا وكذا جزوراً -مئة من الإبل أو أكثر- وتغزلي غزلاً يمتد من هنا إلى جبل كذا، وأن تطوفي ببيت الله وأنت عريانة، فقالت له: اصبر حتى أفكر في شأني، فجاءها هشام، وكان هشام من ¬
عظام فتيان مكة، وقد قال فيه الشاعر لما مات (¬1): فَأَصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةُ مُقشعِرّاً ... كأنَّ الأرضَ ليس بها هِشَامُ فلما جاءها هشام بن المغيرة والد أبي جهل، وقصَّت عليه القصة، قال لها: التزمي له كل ما اشترط عليك، فأنا أعطيك مئة جزور، وما شئت من الإبل تنحرينه، وآمر نساء بني المغيرة أن يغزلن لك الغزل الذي فعل (¬2)، وأطلب من قريش أن يُخْلُوا لك البيت حتى تطوفي به وحدك وأنت عريانة، وأنه وفَّى بما فعل، أعطاها الإبل فنحرتها، وغزل لها الغزل، وطلب من قريش فأخلوا لها البيت. والذين يذكرون القصة من كتب الصحابة -كما في الإصابة والاستيعاب وغيرهما (¬3) من كتب الصحابة ممن ذكروا هذه القصة- زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت طفل صغير وَلِدَته (¬4) معه المطلب بن وداعة السهمي، وأنهم بقوا لصغرهم، وأنهم رأوها تنزع ثوباً ثوباً حتى بقيت ليس عليها شيء وصارت تقول: اليومَ يَبْدُو بعضُه أوكُلُّه ... فما بَدَا منه فلا أُحِلُّهُ قالوا: ولما كشفت عنها جميع الثياب نشرت شعرها حتى تدلَّى عليها وستر عورتها، وأنها هي التي قالت هذا البيت؛ ولذلك قال ¬
عياض في شرح مسلم في الكلام على البيت في مسلم (¬1): إن قائلته ضباعة هذه، ولكنه تلفيق لقصة بقصة أخرى، وزعم من ذكر هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خطبها عند ابنها. والظاهر أنه ابنها سلمة بن هشام؛ لأنها ولدت منه ابنها سلمة الذي كانت ترقصه وهو صغير وتقول (¬2): اللَّهُمَّ ربَّ الكَعْبَةِ المُحَرَّمَهْ ... أَظْهِرْ عَلَى كُلِّ عَدُوٍّ سَلَمَهْ وأنه قال: حتى أستأذنها، فذهب ليستأذنها، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن جمالها الذي عهده تغيَّر، وأنها سقطت أسنانها وذَهَبَ جَمَالها، فلما جاء يستأذنها غضبت عليه وقالت: أتستأذنني في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فلما رجع إليه أعرض عنها النبي صلى الله عليه وسلم (¬3). هكذا ذكروه في هذه القصة والله أعلم بصحتها. أما كونه نزلت في المرأة التي كانت تطوف بالبيت عريانة فقد أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس (¬4)، والظاهر أنه أثبت من هذا، والله تعالى أعلم. ومعنى الآية الكريمة: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ} [الأعراف: آية 31] أي: ثيابكم التي تسترون بها عوراتكم وتتجمَّلون بها عند كل مسجد لإقامة ¬
الصلوات وخصوصاً المسجد الحرام للطواف والصلاة فيه خلاف ما كان يفعله المشركون. {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} نزل قوله: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} في بعض العرب، قال بعض العرب: كان بنو عامر بن صعصعة إذا أحرموا بالحج لا يأكلون الودك، ولا يشربون من ألبان الغنم، ولا مما خرج من لحومِهَا، فحرَّموا على أنفسهم بعض الطيبات من الدسم كالودك، وبعضهم يحرم شرب اللبن واللحم، فأُمروا أيضاً أن لا يحرِّموا هذه الطيبات التي أحلَّ الله، كما قال لهم: البسوا الثياب، ولا تتجرَّدوا في الإحرام، فكذلك كلوا طيبات الرزق ولا تحرموها على أنفسكم؛ أي: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} حتى ولو كان من الودك، ولو كان من اللبن مما يحرمه الجاهلية؛ لأن الجاهلية كانوا في الموسم بعضهم يحرم على نفسه الدسم، وبعضهم يُحَرِّم شرب اللبن واللحوم، ويزعمون أن هذا أتم لحجهم، وأنه أرضى لله (¬1)، فقال الله فيهم: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} ولا تحرموا شيئاً من طيبات الله؛ لأن ذلك تشريع الشيطان ككشف العورات. وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يحرِّم شيئاً حلله الله كما قدمنا في سورة المائدة في قوله: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلا تَعْتَدُواْ} [المائدة: آية 87] وعليه فليس للإنسان أن يقول: هذا الطعام أو هذا الشراب حرامٌ عليَّ، فإن حرَّم على نفسه حلالاً كطعام أو شراب فإنه لا يحرم عليه، وبعض العلماء يقول: تلزمه في تحريم ¬
الحلال كفارة يمين. ومالك وأصحابه قالوا: إن لم يكن الذي حَرَّمَه حلالاً غير الزوجة والأمة لا تلزمه يمين ولا يلزمه شيء. وحجة من قال: إنه تلزمه يمين: أن الله لمَّا قال لنبينا صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا صلوات الله وسلامه عليه: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} [التحريم: آية 1] وأصح الروايات أنه العسل، وإن جاء في روايات أخرى أنه جاريته (¬1). قال الله له بعد تحريم هذا الحلال: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: آية 2] فعُلم أن في تحريم الحلال كفارة يمين؛ لأن تحلة اليمين هي كفارته، وذلك يدل على أنَّ فيه كفارة يمين، خلافاً لمالك وأصحابه (¬2). أما إذا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ بأن قال: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام، أو علَّق تحريمها على شيءٍ ووقع. فللعلماء فيه اختلافات واضطربات كثيرة تزيد على ثلاثة عشر مذهباً معروفة في كلام العلماء (¬3)، أجراها عندي على القياس هو قول مَنْ قَال: إنه تلزمه كفَّارَة ظِهَار، هذا القول هو أقْرَبُهَا للقياس وظاهر القرآن العظيم؛ لأن الله نص في محكم كتابه في سورة المجادلة في امرأة أوس بن الصامت التي قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي - (أنت عليَّ كظهر أمِّي) معناه بالحرف الواحد: أنْتِ حَرَامٌ- وقد جاء القرآن بأن في هذا اللفظ كفارة ظهار حيث قال: {والذين يظَّهَّرونَ من نسائهم} ¬
وفي القراءة الأخرى: {يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: آية 3] (¬1) إلى آخر خصال كفارة الظهار المعروفة في سورة المجادلة، فهذا القول أقيس الأقوال وأجراها على القياس، وأقربها لظاهر القرآن. وكذلك قول مَنْ قَالَ: إنه يلزمه الاسْتِغْفَار وكفارة يمين، فيدل عليه ظاهر آية التحريم بناءً على أن الذي حرم صلى الله عليه وسلم: جاريته؛ لأن في بعض الأحاديث في قوله: {لِمَ تُحَرِّمُ} [التحريم: آية 1] أنَّ حفصة أم المؤمنين (رضي الله عنها) استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أهلها يومها فأذن لها، ثم دعا بجاريته في بيت حفصة؛ لأنه ذلك اليوم عندها وهو في بيتها، وكان بينه وبين الجارية ما يكون بين الرجل وامرأته، فرجعت حفصة ففطنت لما وقع، فغضبت وقالت: ليست لي حرمة، أفي بيتي وفي يومي يُفعل هذا؟! وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم الجارية إرضاءً لها (¬2). ¬
فعلى هذا القول أنه في تحريم الجارية فالله قال بعده: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)} [التحريم: آية 2] فدل على أن في تحريم الرجل امرأته كفارة يمين والاستغفار وهذان القولان داخلان في مذهب مالك، وكل منهما قال به جماعة من العلماء، وروى مالك في الموطأ عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه إن قال لها: أنت حرام، كانت بينونة كبرى، تعد ثلاث طلقات (¬1). وكان ابن عباس يفتي بكفارة اليمين (¬2)، ويقول: ¬
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: آية 21]. وأجراها على القياس وأقربها لظاهر القرآن أن فيها كفارة الظهار. وتَتَبُّع طُرُق أقوال العلماء فيها وما استدل به كل منهم يطول علينا جدّاً، ويخرجنا إخراجاً بعيداً عن المقصود. وقوله جلَّ وعلا: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} [الأعراف: آية 31] أي: ولا تحرموا ما لم يحرمه الله في الحج من أكل اللحوم والودك وشرب الألبان. {وَلا تُسْرِفُواْ} [الأعراف: آية 31] أصل الإسراف في لغة العرب: هو مجاوزة الحد (¬1). والإسراف المنهي عنه هنا فيه للعلماء وجهان (¬2): أحدهما: أن المعنى لا تسرفوا في الأكل والشرب فتأكلوا فوق الحاجة، وتشربوا فوق الحاجة؛ لأن الإسراف في الأكل والشرب يثقل البدن، ويعوق صاحبه عن طاعة الله، والقيام بالليل، فيجعل صاحبه كلما كانت بطنه ملأى من الأكل والشرب كان ثقيل الجسم، لا ينهض لطاعة الله، فنهاهم الله عن الإسراف في الأكل، وكذلك يسبب الأمراض. وجرت عادة المفسرين أنهم يذكرون هنا في تفسير هذه الآية من سورة الأعراف قصة، ويذكرون فيها حديثاً الظاهر أنه لا أصل له ولا أساس له، إلا أن الكثير ممن تكلموا على القرآن لا يميزون بين ¬
سقيم الحديث وصحيحه، فيَكْتُبُون مِنْهُ كلّ ما رأوا من غير تمييز بين صحيحه وسقيمه. والقصة المعروفة (¬1): زعموا أنه كان عند هارون الرشيد طبيب نصراني، وأن الطبيب النصراني قال: ليس في كتابكم شيء من الطب، وأصل العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان. وأنه كان عند هارون الرشيد علي بن الحسين بن واقد، فقال له: جَمَع كتابُنَا الطِّبَّ في نِصْفِ آية، هي {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} لأن من المعلوم أن الطب نوعان: طب حِمْيَة، وهو تَوَقٍّ للداء قبل أن ينزل الداء. والثاني: طب علاج ومداواة بعد أن ينزل الداء. وأن من أعظم طب الحمية هو ما قال: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} لأن مَنْ خَفَّفَ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ كما قال صلى الله عليه وسلم: «بِحَسْبِ امْرِئٍ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلاَ بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» (¬2)، فتخفيف الأكل يستوجب صِحَّةَ البَدَنِ، وأنه قال له: جمع الطب كله في نصف آية؛ لأن خير الطب طب الحمية. وهذه الآية جاءت على أعظم طب الحمية. وأنه قال له: وهل يُؤْثَرُ عَنْ نبيِّكم شيء من الطب؟ قال: نعم. وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المَعِدَةُ رَأْسُ الدَّاءِ، والحِمْيَةُ أَصْلُ الدَّوَاءِ، وَعَوِّدُوا كُلَّ جِسْمْ مَا ¬
اعْتَادَ» (¬1)، ويقولون هذا ويسكتون، وهذا نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليست بصحيحة، ولم يثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا أساس له على الصواب إن شاء الله تعالى. وعلى هذا القول فالإسراف المنهي عنه في الأكل بما يسبب من التكاسل عن طاعات الله، وما يسبب من الأمراض وغير ذلك. الوجه الثاني؛ أن معنى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ} أي: لا تجاوزوا حدود الله، فتحرِّمُوا ما أحلّ الله كالودك للمُحْرِم، وكاللباس للطَّائِف، فهذه أمورٌ لم يحرمها الله، ولا تسرفوا في التحريم والتحليل بأن تحرموا ما أحلَّ الله، وتحللوا ما حرَّم الله، وكلا الإسرافين إسراف. ولا مانع من أن تشمل الآية الجميع. فلا يجوز الإسراف بتحريم ما أحلَّ الله، وتحليل ما حرَّم الله، كما لا يجوز الإسراف الكثير بملء البطن مِلْئاً شديداً من الأكل والشرب حتى يتكاسل الإنسان ولا يتنشط لطاعة الله، وتأتيه الأمْرَاض؛ لأنه ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً مِنْ بَطْنِهِ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَثِيرَ الأكْلِ والشُّرْبِ لا تراه يقوم الليل، ولا يتنشط للعبادات، ولا ينشط لسانه لذكر الله، فهو كسول ملول، وكذلك ربما نشأت له الأمراض. وهذا معنى قوله: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ} جلَّ وعلا {لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: آية 31] المُجَاوِزِينَ الحدود بتحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرّم الله. ويدخل فيه المسرفون بكثرة الأكل والشرب الشاغلة عن طاعة الله، المثبطة عن القيام بِمَا يُرْضِي اللهَ (جل وعلا) ونحو ذلك، وهذا معنى قَوْلِهِ: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. ¬
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)} [الأعراف: آية 32] قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعاً قارئ أهل المدينة: {خَالِصَةً} بنصب التاء. وقرأه نافع وحده: {خَالِصَةٌ} بضم التاء (¬1). ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار لمّا حرَّموا على أنفسهم لبس الثياب في الطواف، وطافوا بالبيت عُرَاةً، وحرَّمُوا على أنفسهم أيام الموسم أكل الودك، والسمن، وشرب اللبن، وأكل اللحوم، قال الله (جلَّ وعلا) موبِّخاً مقرعاً للذين يَتَعَدَّون عليه ويحرمون ما لم يحرم: {قُلْ} يا نبي الله لهؤلاء الكفرة الجهلة الذين حَرَّمُوا لبس الزينة عند الطواف، وحرموا أكل المذكورات وشربها في الموسم حال التلبُّس بالإحرام، (من) هو الذي {حَرَّمَ زِينَةَ الله} وهي اللباس الذي يستر العورة؛ لأنه لا حالة أقبح مِنْ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَان بادِي الفرج، عاري العورة، فهذا في غاية القبح. أما إن أعطاهُ الله ثياباً فجمل بها ظاهره، وستر بها قبحه وعَوَرَه فهذه زينة الله التي أخرجها لخلقه. من هو الذي حرَّم زينة الله كلبس اللباس الذي يجمع بين ستر العورة والتجمُّل عند الطواف وفي غيره؟! {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} أخرجها: أي أظهرها وأبرزها من العدم إلى الوجود بأن خلقها ويسَّر أسباب تناولها حتى صارت في متناولهم، وحرَّم الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، الطيبات التي أحلها الله وطَيَّبَها؛ كالودك حالة الإحرام، واللبن واللحم ونحو ذلك. ¬
من هو الذي حرم عليكم هذه المحرمات والطيبات من الرزق؟ والله (جلَّ وعلا) يشدد النكير على من حرم ما لم يحرمه. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: آية 150] {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (59)} [يونس: آية 59] {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116)} [النحل: آية 116] والآيات بمثل هذا كثيرة جدّاً. فلما قال الله لنبيه: قل لهم يا نبي الله، لهؤلاء المُحَرِّمِين ما أحل الله، من هو الذي حَرَّمَ هذا؟ وعلم أنه لا جواب لهم، أمره بالجواب الصحيح، وهو قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} قل لهم يا نبي الله: هي ليست بحرامٍ أبداً، وليست بمحرمات ألبتة. هي للذين آمنوا حلال مباحة. وقوله: {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} غير خالصة {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: غير مختصين بها بل يشاركهم فيها الكفار، ونصيب الكفار فيها كثير، كما قال تعالى: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وفي القراءة الأخرى {لَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (¬1) الآية [الزخرف: الآيات 33 - 35]. قال بعض العلماء: بَيَّنَتْ هَذِهِ الآية أن سَبَبَ خَلْقِ الزِّينَة والطيبات من الرِّزْقِ أن الله خَلَقَهَا في الدنيا لخصوص المؤمنين، إلا أنه رَزَقَ مِنْهَا الكفار تبعاً للمؤمنين؛ لأن الدُّنْيَا متاع ¬
يأكل منه البرُ والفاجر، فتلك الزينة وطيبات الرزق في الدنيا يشترك فيها البر والفاجر، ويأكل منها المسلم والكافر، لكنها يوم القيامة تبقى خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها كافر أبداً؛ ولذا قال: {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: ويشترك معهم فيها الكفار، في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها أحد؛ لأن يوم القيامة لا يجد الزينة ولا الرزق الطيب إلا المؤمنون خاصة، أما الكفار فلا زينة لهم ولا رزق طيب (¬1). وعلى قراءة الجمهور فـ {خالصةً} حال، وعلى قراءة نافع {خالصةٌ} بالرفع فهي خبر بعد خبر (¬2) {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} [الأعراف: آية 32] الجار والمجرور في {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} خبر، و {خالصةٌ} خبر آخر. وعلى قراءة الجمهور فـ {خالصةً} حال، وعامله الكون والاستقرار الذي يتعلق بالجار والمجرور {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} كائنة مستقرة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم وَحْدَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ. وهذا التفسير هو الصحيح الذي عليه الجمهور (¬3). ومعناه: أن الزينة والطيبات من الرزق في دار الدنيا يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن والكافر، وأنها في الآخرة تكون خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد؛ إذ لا يجد الزينة والرزق الطيب في القيامة إلا المؤمنون خاصة؛ ولذا لم يذكر خلوصها لهم في الدنيا لاشتراك الكفار معهم، وصرّح بكونها خالصة لهم في خصوص الآخرة. ¬
وهنالك تفسيرٌ غير ظاهر قال به جماعات من علماء التفسير: أن معنى كونها خالصة للمؤمنين أنَّ الله ينعِّمهم بها في الدنيا، وينعِّمهم في الآخرة أيضاً، ولم يحسبها عليهم، ولم ينقص أجورهم بتلك اللذات والطيبات من الرزق التي أكلوها في الدنيا (¬1)، وهذا مستبعد، والقول الأول هو الذي عليه الجمهور وهو معنى الآية إن شاء الله. وهذا معنى قوله: {هِيَ} أي: الطيبات من الرزق والزينة {لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي ويشاركهم فيها غيرهم من الكفار، لكنها يوم القيامة خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد، ويوضح هذا أن نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما قال الله له: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} فلما قال الله له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} طلب الإمامة لذريته {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} فبين له الله أن الظالمين من ذريته غير المستقيمين المطيعين لا يعهد الله لهم بالإمامة، لأنهم لا يستحقونها حيث قال مجيباً له: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: آية 124] فعرف إبراهيم أَنَّ ربَّه كأنه لامه في الجملة حيث طلب الإمامة لناس منهم من لا يصلح لها، كما قال الله لإبراهيم وإسحاق: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: آية 113] ثم بعد ذلك لما أراد إبراهيم طلب الرزق خصه بالمؤمنين خوف أن يلام كالملامة الأولى وقال: {اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} ثم قيَّد وقال: {مَنْءَامَنَ مِنْهُم بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فربه قال له: هذه في الدنيا لا تحتاج إلى القيد {قَالَ وَمَن كَفَرَ} فيأكل من الدنيا أيضاً مع المؤمن {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: آية 126] وهذا معنى قوله: ¬
{خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: آية 32] يوم القيامة إنما سُمِّي يوم القيامة؛ لأنه يوم يقوم فيه جميع الخلائق بين [يدي] (¬1) جبار السماوات والأرض للحساب، كما قال جلَّ وعلا: {ألاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: الآيات 4 - 6] فقوله: {يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} هو الذي سمي به يوم القيامة؛ لأنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين. ثم قال جلَّ وعلا: {كَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ} [الأعراف: آية 32] كهذا التفصيل الذي فصلنا لكم به الحلال والحرام، وبينا لكم به حرمة كشف العورات ولزوم سترها، وأخذ الزينة، وأنه لا يُحرِّم أحد ما أحَلَّهُ الله، كهذا البيان الواضح لهذه الأحكام نبيِّنُ الآيات دائماً في هذا القرآن {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} والبيان عام، ولكنه خَصَّ به القوم الذين يعلمون لأن أهل العلم الذين يعلمون هم الذين يفهمون عن الله هذا البيان، أما الجهلة فلا يفهمون شيئاً، ومن لا ينتفع بالشيء فكأنه لم يتوجه إليه. ونظير هذا كثير في القرآن يخص الله به الحكم المُنْتَفِع به مع أن الحكم أصله عام (¬2) كقوله: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45)} [النازعات: آية 45] مع أنه في الحقيقة منذر الأسود والأحمر {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} [يس: آية 11] وهو منذر للأسود والأحمر {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: آية 45] لأن الذي يخاف الوعيد هو المنتفع به مع أن التذكير بالقرآن عام. وهذا كثير في القرآن أن يخص الحكم بالمنتفع به دون غيره، وذلك هو معنى قوله: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. ¬
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف: آية 33]. {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قرأ هذا الحرف حمزة وحده: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} وقرأ بقية القراء: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (¬1) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحدهما دون غيرهما: {ما لم يُنْزِلْ به سلطاناً} بضم الياء وكسر الزاي. وقرأ الجمهور: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} بفتح النون وتشديد الزاي، مضارع (نزَّل). قل لهم يا نبي الله: هذا الذي تحرمونه ليس هو الذي حرّمه الله، الذي حرمه ربي إنما حرَّمه ربي على الحقيقة، والحرام هو ما حرمه الله، والحلال هو ما أحله الله. {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} الفواحش جمع فاحشة، وهو جمع قياسي؛ لأن (الفاعِلَة) مطلقاً و (الفَاعِل) إن كان اسماً أو صفة لما لا يعقل كله ينقاس جمع تكسيره على (فواعل) (¬2) والفاحشة: هي كل خصلة تناهت في القبح حتى صارت قبيحة بالغة نهاية القبح من الذنوب والمعاصي (¬3). {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: آية 33] قد قدمنا أقوال العلماء على هذا في الأنعام في قوله: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: آية 120] وأنها كلها ترجع إلى شيءٍ واحد، فقال بعضهم: الفواحش الظاهرة هي الزنا مع البغايا ذوات الرايات، ¬
والفواحش الباطنة هي الزنا مع الخليلات والصديقات التي يُزنى بهن سرّاً في البيوت. وقال بعض العلماء: ما ظهر من الفواحش: كنكاح زوجات الآباء، كما تقدَّم في قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً (22)} [النساء: آية 22] وأن ما بطن منها هو الزنا. والتحقيق: أنّ الآية الكريمة تشمل جميع المعاصي والذنوب، لا تفعلوا شيئاً منها ظاهراً علناً بين الناس، ولا شيئاً باطناً في خفية لا يطلع عليه أحد، وهو يشمل جميع التفسيرات الواردة عن الصحابة وغيرهم. والفواحش ظاهرها وباطنها تشمل جميع الذنوب؛ إلا أن الله عطف بعضها على بعض عطف خاصٍّ على عام. وقد تقرر في المعاني: أن عطف الخاص على العام، وعطف العام على الخاص، إن كان في كل منهما في الخاص أهمية لا تكون في غَيْرِهِ من أفراد العام أنه سائغ، وأنه من الإطناب المقبول لأجل الخصوصية التي في الخاص، فكأن تميزه بخصوصيته جعله كأنه قسم آخر غير أقسام العام فحسن عطفه عليه (¬1). وهنا عطف الخاص على العام لأن المعطوفات الآتية كلها داخلة في الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وقول من قال: إن {مَا ظَهَرَ} هو الزنا مع البغايا ذوات الرايات، و {وَمَا بَطَنَ} الزنا مع الخليلات الصديقات التي يُزنى بهن سرّاً. أو أن {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} هو نكاح زوجات الآباء، وأن {وَمَا بَطَنَ} هو الزنا، إلى غير ذلك من الأقوال كله يشمله التفسير العام الذي هو الصواب، وأن الله نهى عن ارتكاب جميع ¬
المحرّمات سواء كان ذلك ظاهراً أمام الناس، أو خفية بحيث لا يطلع عليه الناس. وهذا معنى قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. وعطف على ذلك {وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ} قال بعض العلماء: الإثم: هو كل معصية تقتصر على نفس الإنسان، والبغي: هو كل معصية يظلم بها غيره (¬1). وقوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} لا يكون بغي بحق أبداً، فكل بغي بغير حق لا شك، كما قال تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} ومعلوم أن النبيين لا يُقتلون بحق أبداً، فهو كالتوكيد (¬2)، كقوله: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: آية 38] {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: آية 79]. وقال بعض العلماء: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: آية 33] كقوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: آية 40] لأن من بُغي عليه ثم انتقم قد يسمى هذا بغياً، كقوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} وكما سمّى الانتقام اعتداءً في قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: آية 194] سمى جزاء الاعتداء: اعتداءً، وجزاء السيئة: سيئة وإن كان الانتقام ليس سيئة وليس اعتداء. وقوله: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله} أي: وحرَّم عليكم {أن تشركوا بِالله ما لم يُنْزِل به سلطاناً} على قراءة ابن كثير وأبي عمرو. {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} على قراءة الجمهور (¬3). والسلطان: الحجة الواضحة. ¬
ومعلوم أن الإشراك بالله لا ينزل به سلطان ألبتة، كقوله: {وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهاًءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: آية 117] فمعلوم أن الإله الثاني لا يكون به برهان ألبتة، وقد تقرَّر في علم الأصول (¬1) أن النص من الكتاب والسنة إذا جاء مبيناً للحقيقة الواقعة لا يكون له مفهوم مخالفة، والواقع أنهم يشركون بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً، فجاءت الآية مبينة للحقيقة الواقعة ليكون النهي واقعاً على بيان الحقيقة الواقعة، وكذلك قوله: {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}. {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} المصدران المنسبكان في قوله: {وَأَن تُشْرِكُوا} و {وَأَن تَقُولُواْ} في محل نصب عطف على {الفَوَاحِشَ} من عطف الخاص على العام (¬2). {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} بدل من الفواحش، أي: وحرّم الإثم والبغي بغير الحق، وحرم الشرك بالله، وحرّم القول على الله بلا علم. وكان بعض العلماء يقول: هذا التكرار وعطف ما دخل فيما قبله عليه لحكمة، وهذه الحكمة بيانها وتفصيلها: أن مظالم الناس وتعدي بعضهم على بعض في دار الدنيا راجع إلى ستة أقسام، وهي أن يتعدى عليه في دينه، أو أن يتعدى على نسبه، أو أن يتعدى على عرضه، أو أن يتعدى على نفسه، أو أن يتعدى على ماله، فهي (¬3) ستة جواهر: الدين والنفس والنسب والعقل والمال والعرض. فهذه ¬
الجواهر الستة هي التي تدور حولها المظالم. قال من قال هذا: الآية جاءت ناهية عن التعدي في جميع هذه الجواهر الست؛ لأن قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} هذا تَعَدٍّ على الأنساب؛ لأن الزنا سواءً كان ظاهراً أو باطناً تعدٍّ على أنساب الناس وتقذير لفرش الناس؛ لأنه إذا كثر الزنالم يدر هذا مَنْ أبوه، ولم تدر أم هذا مَنْ أبوه، فضاعت الصبيان، ولم يعرف لهذا أب، فاختلطت الأنساب، وتقذرت الفرش، وضاعت أخلاق المجتمع. وأن النهي عن الفاحشة هو ذَبٌّ عن الأنساب. وهذا معنى قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: آية 33]. وأن قوله: {وَالْبَغْيَ} المراد به: العدوان والظلم، سواءً كأن عدوت على نفسه فقتلته، أو عدوت على ماله فأخذته، أو عدوت على عرضه فتناولت منه وقذفته. قالوا: والمراد بالإثم هنا: الخمر؛ لأنها هي التي تعدو على العقول. وقال الحسن: الإثم: الخمر (¬1). وكثير من علماء العربية يسمون الخمر إثماً. ولهم في ذلك شواهد كثيرة، وأشعار معروفة، منها قول الشاعر (¬2): شربت الإثمَ حتى ضلَّ عقلي ... كذاكَ الإثمُ تذهبُ بالعقولِ يعني: الخمر. وقال بعض العلماء: هدا البيت مصنوع. وبعضهم يقول: هو بيت عربي شاهد، ومنه قول الآخر (¬3): نَشْرَبُ الإِثْمَ بِالصواعِ جِهَارا ... وَتَرَى المِسْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا ¬
وهذا كثير في كلام العرب - تسمية الخمر إثماً - ومنه قول الآخر (¬1): نهانَا رَسُولُ الله أَنْ نَقْرَبَ الخَنَا ... وَأَنْ نَشْرَبَ الإِثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرَا وقول الآخر (¬2): وَرُحْتُ حَزِيناً ذَاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهُمْ ... كَأَنِّي شَرِبْتُ الإِثْمَ أَوْ مَسَّني خَبَلُ قالوا: فقوله: {الإِثْمَ} هو تحريم للخمر؛ لأنها هي التي تذهب العقول، فهو زجر عن إذهاب العقول ومحافظة على العقول. بقي الدين وحده؛ لأن الأنساب جاءت في النهي عن الزنا، والأنفس والأعراض والأموال جاءت في النهي عن البغي؛ لأنه ظلم على الإنسان في ماله أو نفسه أو عرضه. والمحافظة على العقول جاءت في تحريم الإثم وهو الخمر. على هذا القول بقي الدين والمراد بقوله: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} [الأعراف: آية 33] لأن أعظم إفساد الدين الإشراك بالله، والقول في دين الله بلا علم، فهذا أعظم فساد الدين، قالوا: فعلى هذا تكون الآية الكريمة إنما تداخلت عطوفها وتكرَّرَتْ ليكون فيها الزَّجْرُ عن الأنفس، والزجر عن الأموال، والزجر عن الأعراض، والزجر عن الأنساب، والزجر عن العقول، والزجر عن الأديان. وقد علمنا من استقراء الكتاب والسنة أن الله (جل وعلا) في هذا التشريع الكريم الذي أنْزَلَهُ عَلَى هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالغ في المُحَافَظَةِ على هذه الجواهر الست، بالغ على حفظ الدين كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (¬3)؛ محافظة على ¬
الدين لئلا يغيَّر ويبدَّل، وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: آية 193، الأنفال: آية 39] أي: حتى لا يبقى شرك، بدليل قوله: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ» (¬1)، وحافظ على الأنساب فَحَرَّمَ الزِّنا، واختلاط ماء الرجل بماء الرجل وتقذير الفرش؛ لتبقى الأنساب مستقيمة واضحة ناصعة، قال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: آية 32] وأوجب جلد الزاني محافظة على أنساب المجتمع {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: آية 2] وفي الآية المنسوخة التلاوة الباقية الحكم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم» (¬2). ومن شدة محافظته على الأنساب أوجب العدة على المرأة إذا فارقها زوجها بموت أو طلاق -أوجب عليها التربص زمناً ليعلم أن رحمها صفت من ماء الرجل الأوَّل - لئلا يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم امرأة واحدة {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} الآية [البقرة: آية 228]. [5/ب] / ومن أجل محافظته على الأنساب منع سقي زرع الرجل بماء غيره؛ ولذا منع تزويج الحامل، فالمرأة إذا مات عنها زوجها أو طلقها وهي حامل لا يجوز أن تتزوَّج زوجاً آخر حتى تضع حملها؛ لأنه إن تزوجها وجامَعَهَا سَقَى ذلك الحمل وهو زرع لغيره بمَائِهِ فمنع سقي الزرع بماء الغير محافظة على الأنساب فقال: {وَأُوْلاَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: آية 4] وحافظ الشرع الكريم على الأعراض فنهى عن انتهاك الأعراض {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} [الحجرات: آية 12] {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} ¬
[الحجرات: آية 11] {لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} [الحجرات: آية 11] ثم إنه أوجب حد القذف ثمانين جلدة؛ زجراً ومحافظة على أعراض الناس، وهو قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: آية 4] ثم جاء بالمحافظة على العقول فَحَرَّم شرب المسكر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: آية 90] وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (¬1) «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (¬2) وأوجب حد شارب الخمر محافظة على العقول وصيانةً لها. وكذلك منع من انتهاك المال، واحترام الملكية الفردية حيث قال: {لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: آية 29] وفي الحديث «لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» (¬3). ¬
وقد بيَّن القرآن في سورة النساء ما يدل على أنه سيأتي قوم في آخر الزمان يتخذون وسيلة إلى ظلم الناس في أموالهم من قولهم: هذا فقير، وهذا غني، فنأخذ من الغني لنرده على الفقير!! كما هو مشاهد في المذاهب الهدامة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى} [النساء: آية 135] بأن تقولوا: هذا غني فنأخذه للفقير، أو نكتم الشهادة عليه للفقير {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} ولذا جعل حدَّ السرقة لمن أخذ المال في قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)} [المائدة: آية 38] فأوجب قطع يد السارق محافظةً على أموال المجتمع. والكفار الفجرة يرون أن قطع يد السارق أنه عمل وحشي لا ينبغي أن يكون في النُّظم الإنسانية؛ لجهلهم وطمس بصائرهم وعدم علمهم بالحِكَم السماوية التي يُشرِّعها خالق السماوات والأرض؛ لأن الله
(جلَّ وعلا) خلق هذه اليد، وفرّق أصابعها، وشدَّ رؤوسها بالأظافر، وجعلها مستعدة غاية الاستعداد للمعاونة الكريمة في بناء المجتمع في دنياه وآخرته، فمدت أناملها الخبيثة الخسيسة الخائنة لتأخذ المال على أخس وجه وأرذله وأردئه، فصارت كأنها عضو نجس قذر يريد أن يُقَذِّر جميع البدن، فأمر الله بإزالته كإزالة عضو إزالة تطهيرية لئلا يُضيع جميع البدن. ومعلوم أن العضو إذا فسد وخيف منه أن يُفسد جميع البدن أن إزالته ليصح جميع البدن أنه عمل تطهيري معقول عند كل الناس؛ ولذا ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) (¬1) ما يدل على أنه إن قطعت يده طهر من تلك الرذيلة وصار طاهراً، وبقي جسمه الآخر نزيهاً طاهراً؛ لأن العضو الفاسد الذي كان يُقَذِّر جميع الجسم أُزيل بالعملية التطهيرية. ومن غرائب القرآن أنه لو لم تُقطع يد السارق فاليد الواحدة السارقة الفاجرة قد تفقر آلاف الأيدي، فقد يكون السارق الواحد إذا لم يخف من الردع بقطع اليد يُفْقِر آلاف الأيدي، فيسرق جميع قوت آلاف الناس، فيتركهم عالة يتكففون الناس، وربما ماتوا من الجوع!! فاليد الواحدة قد تُفقر آلاف الأيدي وملايين الأيدي؛ ولذا قطعها الشارع لحكمتين: ليطهِّر صاحبها من هذه الرذيلة الدنية الخبيثة، وكذلك ليردع الناس عن أموال الناس؛ لأن المال هو شريان الحياة، وبه قوام شئون الدنيا في دينها وآخرتها، لا يصلح دونه شيء؛ لأنه هو الذي يُصلَح به كل شيء من مرافق الدنيا والآخرة، فهو أساس الدنيا، وأساس هذه الدنيا وعمل الآخرة كله على المال. وإذا كانت هذه اليد بارية قد تُفقِر آلاف الأيدي، فأمر الشارع بقطعها لأنها عضو نجس قذر يريد أن ¬
يلطخ جميع الجسد، كعملية تطهيرية، وليرتدع أمثاله من الفجرة عن أموال الناس. وهذا تشريع سماوي، حكمته معروفة، يتوب الله على السارق ويطهره، ويزيل عنه الخبث الذي ارتكبه، والنجاسة التي تلطخ بها، ويحفظ أموال المجتمع؛ لأن المال شريان الحياة، إذا سُرِق قوت الرجل - جعل جميع ما عنده في صندوق، فجاءه سارق فسرقه - يصبح ذلك المسكين وأولاده الصغار وزوجته في جوع، إما أن يذهب فيتكفف الناس، وقد يفضل الشريف الموت على تكفف الناس. فهذا قد تفعله اليد الواحدة لآلاف الأيدي، وقد يُفقر عشرات الناس، ويضُرُّهُم. فَقَطْعُ هذا العضو النجس الخائن الخبيث ليطهر به بقية البدن، وينكف الناس، ويرتدع الفجرة تشريعٌ سماوي معقول. ومن المُشَاهَد: أن هذه البلاد -نرجو الله أن يعصمها، ويحفظ القائمين عليها، ويوفقهم للخير، ويرزقهم بطانة الخير، ويذهب عنهم بطانة السوء - لما كانوا يقطعون يد السارق، ويقيمون حدود الله، كل الإحصائيات العالمية في جميع أقطار الدنيا لا توجد بلاد، أقل فيها ارتكاب الجرائم من السرقات ونحوها من أنواع الفجور مثل هذه البلاد، وكل ذلك بفضل الله (جلَّ وعلا) ثم بفضل تحكيم ذلك التشريع السماوي، فأمريكا -مثلاً- مع حضارتها لا يمكن أن تعدّ فيها جنايات السرقات، وجرائم الأخلاق وغيرها مما يزعمون أنهم في حضارة وتمدُّن، لما أهملوا تشاريع رب السماوات والأرض كثر فيهم الخبث، وكثرت الجنايات، وكثر ارتكاب الجرائم بحد لا يتصوَّر، ومن خرج من هذه البلاد يرى ذلك، ويعلم أنه ليس بآمن على نفسه ولا على ماله؛ لأنه لم تكن هنالك زواجر وروادع من رب العالمين -تعالى- تضع العدالة في الأرض، وتنشر الطمأنينة،
ولكن البلاد التي تحكم بما أنزل الله، وتقطع يد السارق، وترجم الزاني المحصن، وتجلد الزاني تراها دائماً لأجل ذلك التشريع السماوي تقل فيها الجرائم الأخلاقية. ومعلوم أن هذه البلاد - التي هي وحدها التي بقيت في الدنيا تعلن أنها تحكم بما أنزل الله على ما كان منها - أنها أقل البلاد في الإحصائيات العامة جرائم وفضائح وعظائم ذنوب؛ لأجل التشريع السماوي. فتشريع رب العالمين هو التشريع الصحيح الذي يصون الأنفس، ويصون الأموال، ويصون الأعراض، ويصون العقول، ويصون الأنساب، إلى غير ذلك من المقومات الإنسانية. ومعلوم أنه ليس قصدنا أن نثني على أحدٍ كائناً ما كان، كل الناس يعرف ذلك، وإنما قصدنا أن نثني على دين الإسلام، ونبين محاسنه، وأن تشريع رب العالمين لا يدانيه غيره، ولا يماثله غيره، وأنَّ مَنْ حَكَّمَ شَرْعَ اللهِ كانت العدالة في بلاده أكثر، وكانت الطمأنينة أكثر، وكان الرخاء أكثر. وهذه البلاد عليها - على ما كان منها - أن تحْمد نعم الله، فهي في رفاهية، وطمأنينة على الأنفس والأموال والأعراض لا تكاد توجد في بلد من بلاد الله، يعلم ذلك كل من سافر وذهب إلى البلاد الخارجية، وكل ذلك ليس إلا لأجل أنها تقطع يد السارق، وترجم الزاني، وتحكم بحدود الله. قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
كَافِرِينَ (37)} [الأعراف: الآيات 34 - 37]. يقول جلَّ وعلا: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34)} [الأعراف: آية 34] لمّا أمر الله (جلَّ وعلا) ونهى هدد الأمة التي بعث بها نبيه صلى الله عليه وسلم أن كل أمة لها وقت محدد وأجل معين، إذا انتهى ذلك الأجل جاء أمر الله. وهذا تهديد لكفار قريش الذين كذَّبوه صلى الله عليه وسلم، والموعظة بالحكم عامة. ويجب على كل إنسان أن يعلم أنَّ كل إنسان من أفراد كل أمة؛ وأن كل أمة - الجميع محدود له أجل معين لا يتقدمه بلحظة ولا يتأخر عنه بلحظة، كما ذكره هنا في الأمم، وبينه أيضاً في الأشخاص في آيات متعددة، كقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: آية 14] أي: شيئاً مكتوباً محدداً بأجل معين ووقت محتوم لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر، وإذا كان عمر الإنسان محدَّداً عند الله بوقت معين لا يتقدَّم عنه ولا يَتَأَخَّر، وهو لا يدري أذلك الوقت قريب أو بعيد أو متوسط، قد يمكن أن يكون موته قريباً وهو لاهٍ يضحك، أكفانه تنسج - وهي حاضرة موجودة - وهو لاهٍ يضحك ويلعب ويعصي الله!! فعلى كل عاقل أن يبادر بغتة الموت، وأن يخاف أن يكون الوقت المحدد لعمره قد انتهى أو قارب الانتهاء، فيحمله ذلك على أن يشتغل بما يرضي ربه لتكون خواتيم عمله طيبة، فعلى كل إنسان أن يعتبر أن له أجلاً محدداً ووقتاً معيناً لا يتقدم عنه ولا يتأخَّر، وإذا كان لا يدري هل ذلك الوقت قريب جدّاً فعليه أن يعمل بعمل من هو عالم أنه يموت قريباً لئلا يعاجله الموت وهو مقيم على معاصي الله وما يسخط ربه، فيموت شر ميتة، فيجر إلى القبر مغضوباً عليه من
ربه -والعياذ بالله- فعلى كل مسلم أن يلاحظ هذا، ويحسن عمله خوفاً من أن يكون الأجل المحدد له أوشك على الانتهاء. وهذه موعظة يجب على كل مسلم أن يعتبر بها، والأمم منهم من يكون أجلها المضروب لها واحداً، كالأمَّة التي يأتيها الهلاك في وقت واحدٍ، كقوم نوح الذين اجترفهم الطوفان في وقت واحد، وكقوم هود الذين أهلكتهم الريح العقيم في وقتٍ واحدٍ، وكقوم صالح الذين أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، إلى غير ذلك من القصص المبينة في القرآن، وقد يموت من الأمة أفراد، وأفراد، وأفراد من غير استئصال في وقت واحد. والأمة المهلكة في وقت واحد، والأفراد التي تموت، كلّ منها بأجل محدد له، ووقت معلوم عند الله، لا يتقدمه ولا يتأخَّر عنه، فمن قتل فقد مات بأجله الذي قدره الله عليه، خلافاً للمعتزلة القدرية الذين يزعمون أن أعمال العباد لا مشيئة فيها لله، فيقولون: عمره كان أكثر من هذا، ولكن القاتل نقص عمره فقتله قبل أجله! فهذا جَهْلٌ بالله، وقدح في علم الله؛ لأن الله عالم بكل ما كان وما سيكون، وعالم بكل وقت يموت فيه الإنسان، فلا بد أن يموت في الوقت المعين الذي سبق علم الله أنه يموت فيه، فمن مات فقد انقضى أجله المحدد له عند الله، الذي كان الله يعلم سابقاً أنه عند انقضائه سيموت كما هو مذهب أهل السنة والجماعة (¬1). والأمة أُطلقت في القرآن العظيم أربعة إطلاقات، كلها عربية فصحى (¬2): وهي معنى آيات من كتاب الله. ¬
أُطلقت الأمة في القرآن على الطائفة المجتمعة في دين أو نِحْلَة. وهذا أكثر إطلاقاتها، نحو: {كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} [المؤمنون: آية 44] {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: آية 213] {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [الأعراف: آية 34]. وأُطلقت الأمة في آية من كتاب الله على الرجل المُقْتَدى به الذي هو إمام؛ لأن إبراهيم قال الله له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: آية 124] ولذا سمَّاه أمة في قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لله}. وأُطلقت الأمة في القرآن على البُرهة من الزمن، والقطعة من الدهر. ومنه بهذا المعنى قوله في أوّل سورة هود: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: آية 8] إلى مدة معينة من الدهر. وقوله في سورة يوسف: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: آية 45] أي: تذكَّر بعد برهة من الزمن. وأُطلقت الأمة في القرآن - وهو كثير في كلام العرب - على نفس الشريعة والملة. وإطلاق الأمة على الدين والطريقة الذي هو الشريعة والملة متعدد جدّاً في القرآن، ومنه قوله تعالى عن الكفار: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: آية 23] أي: على مِلَّةٍ وشَرِيعَة ودين {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: آية 92] أي: دينكم وشريعتكم وملتكم طريقة واحدة، وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان (¬1): حَلَفْتُ فلم أتْرك لنَفْسِكَ رِيْبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمنْ ذُو أمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ؟ ¬
يقول: وهل يأثمن صاحب دين فيرتكب ما يخالف دينه وهو طائع؟ يقول هذا وهو كافر. وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم {أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} أي: جاء الوقت المعين المحدد لإهلاكهم هلكوا. كقوم نوح لمّا جاء الوقت المحدد لهم - المشار إليه بقوله: {وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: آية 40]- أُهلكوا، وقوم هود لمّا جاء الوقت المحدد لإهلاكهم أرسل الله عليهم الرِّيحَ العقيم {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)} [الذاريات: آية 42] {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: آية 6] وكذلك قوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه، كل أمة من الأمم جاء الوقت المحدد لها وأراد الله إهلاكها أهلكها عند الوقت المعين؛ لأن قريشاً استعجلوا بالعذاب فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: {مَا يَحْبِسُهُ} [هود: آية 8] ما يحبس العذاب؟ {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: آية 16] وأصل (القِط) في لغة العرب: هو الصك الذي يكتب به الملك الجوائز للزائرين، لأنه يكتب أوراقاً كل واحدة فيها عطاء فلان، فتلك الورقة المكتوب فيها جائزة كل إنسان ممن زار الملك هي قِطُّه، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: وَلاَ المَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيْتَهُ ... عَلَى مُلْكِه يُعْطِي القُطُوطَ وَيأْفِقُ (¬1) ومعنى (يأفق): يفضل بعضاً على بعض في العطاء، فقوله: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} أي: نصيبنا من العذاب الذي تزعم، فاستعجلوا بالعذاب، والله يقول {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج: آية 47] وقد ¬
جاء استعجالهم به في آيات كثيرة، فبين لهم في هذه الآية من سورة الأعراف أن الله إن أراد إهلاك أمة أو عذابها فلذلك وقت معين محدَّد عنده لا يتقدَّمه ولا يتأخره {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} المعين لإهلاكهم والقضاء عليهم {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عن ذلك الأجل {سَاعَةً} بل يهلكون عند وقت مجيء الأجل ولا يتقدمون عنه، ولا يمكن أن يهلكوا قبله ولا أن يتأخروا عنه؛ لأنها مواقيت معينة لا يسبقها ما عُيِّن لها ولا يتأخر عنها. وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} قرأ هذا الحرف ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُم} بتحقيق الهمزتين، وقرأه أبو عمرو، وقالون عن نافع، والبزِّي عن ابن كثير: {فإذا جا أجلهم} بإسقاط إحدى الهمزتين. والقرّاء مختلفون: هل الهمزة الساقطة هي الأولى أو الثانية؟ وقرأه ورش عن نافع، وقنبل عن ابن كثير: {فإذا جاآجلهم} [الأعراف: آية 34] بإبدال الهمزة الثانية مدّاً للأولى (¬1). وقوله: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} قرأه عامة القراء: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} بتحقيق الهمزة، إلا أن ورشاً قرأه عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو: {لا يستاخرون} بإبدال الهمزة ألفاً (¬2)، والكل قراءات صحيحة، ولغات عربية فصيحة. ومعنى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه، أي: عن ذلك الأجل {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي: لا يتقدمون عنه. ¬
وإنما ذكر الساعة مع أنهم لا يتقدمون عنه بلحظة ولا يتأخرون؛ لأن عادة العرب أن يطلقوا الساعة في أقل الأوقات، مع أنهم لا يتأخرون لحظة ولا دقيقة {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} عن الوقت المضروب لذلك الإهلاك. {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (35)} [الأعراف: آية 35] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو {يا بني آدم إما يأتينكم رُسُلٌ منكم} بضم السين والراء، وقرأه أبو عمرو: {يا بني آدم إِما يأتينكم رُسْلٌ منكم} بسكون السين. وتخفيف (الفُعُل) بإسكان العين قراءة معروفة ولغة مشهورة، كما تقول العرب: كُتُب وكُتْب، ورُسُل ورُسْل (¬1). لما أخرج الله آدم من الجنة بَيَّنَ لذريته أن الجنة بعد أن أُخرج منها آدم وحواء لا يمكن أن يدخلها أحد إلا بعد تكاليف ومشاق، وأخبرهم أنه سيرسل لهم الرسل بالأوامر والنواهي، فمن أطاع أمره واجتنب نهيه واتبع رسله أدخله جنته وَرَدَّهُ إلى الوَطَنِ الأوَّل، ومَنْ كَفَرَ وعصى وتمرَّد أدْخَلَهُ النَّار وأخْلَدَهُ فيها والعياذ بالله. {يَا بَنِي آدَمَ} يا أولاد آدم، والنون فيه محذوفة للإضافة، وأصل (البنين) من الملحق بالجموع المذكرة السالمة؛ لأنه ليس من الوصف ولا من العَلَم، ولا ينقاس جمع المذكر السالم إلا في الأوصاف والأعلام، فهذا من الملحقات به. {يَا بَنِي آدَمَ} معناه: يا أولاد آدم الذي استزَلَّه الشيطان بوساوسه وغروره من الجنة إلى دار ¬
الأكدار والبلايا. {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} (إنْ) هنا هي (إنْ) الشرطية التي زيدت بعدها (ما) لتوكيد الشرط. فقوله {إمَّا} [الأعراف: آية 35] أصله: إن يأتكم رسل منكم (¬1). فزيدت (ما) لتوكيد الشرط، وزيادة (ما) بعد (إن) الشرطية لتوكيد الشرط أسلوبٌ عربي معروف. وإن زيدت (ما) [بعد] (¬2) (إن) الشرطية في الفعل المضارع، قال بعض علماء العربية: يجب حينئذٍ توكيده بنون التوكيد، وهو لغة القرآن، فما جاء في القرآن (إمّا) قبل فعل مضارع إلاَّ وأُكِّد ذلك المضارع بنون التوكيد في جميع القرآن من غير استثناء حرف واحد، كقوله: {وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ} [فصلت: آية 36] {فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ} [الزخرف: آية 41] {فإمَّا تثْقَفَنَّهُمْ فِى الحَرب} [الأنفال: آية 57] {وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} [الرعد: آية 40] وهكذا. ومن هنا زعمت جماعة من علماء العربية أن توكيد المضارع بنون التوكيد بعد (إما) أنه لازم؛ لأنه جاء به القرآن في جميع الحروف القرآنية التي فيها (إما) قبل المضارع وممن قال بلزوم النون: الزجّاج (¬3) والمبرّد (¬4). وخالف جماعة آخرون فقالوا: توكيده بالنون بعد (إمّا) حسنٌ طيبٌ، إلا أنه ليس بواجب ولا بلازم، وممن قال بأنه غير لازم: سيبويه (¬5) والفارسي. واستدلّوا على عدم لزومه بكثرة سقوط النون ¬
في أشعار العرب، وسقوط نون التوكيد من الفعل المضارع بعد (إما) لا تكاد تحصيه في أشعار العرب، وهو كثير جدّاً في كلامهم، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (¬1): فإمّا تَرَيني ولي لمَّةٌ ... فإنَّ الحَوَادِثَ أوْدَى بِهَا فلم يأت بالنون في قوله: (تريني) وهو بعد (إما)، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري (¬2): فَإِمَّا تَرَيْنِي يَوْمَ أَصْبَحْتُ سِالِماً ... وَلَسْتُ بِأَحْظَى مِنْ كِلاَبٍ وَجَعْفَرِ ومنه قول الشنفرى (¬3): فَإِمَّا تَرَيْنِي كَابْنَةِ الرَّمْل ضَاحِياً ... عَلَى رِقِّةٍ أَحْفَى وَلا أَتَنَعَّلُ ومنه أيضاً قول الأفوه الأودي (¬4): إِمَّا تَرَيْ رَأْسِيَ أَزْرَى بِِهِ ... مَاسُ زَمانٍ ذِي انْتِكَاسٍ مَؤُوس ومنه قول الآخر وهو حماسي (¬5): زَعَمَتْ تَمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدُ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خلّتِي ¬
وقول الآخر (¬1): يَا صاح إمَّا تَجدْني غَيرَ ذي جِدَةٍ ... فما التَّخَلِّيَ عَن الخِلاّن مِنْ شِيَمِي وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب، فاستدل سيبويه والفارسي ومن وافقهما بهذه الشواهد على أن [توكيد المضارع بنون التوكيد بعد (إما) غير لازم. [6/أ] كما دلت الآية على أن الرسل الذين يُبعثون إلى الناس أنهم] (¬2) / آدميون مثلهم؛ لأنهم لو أُرسل لهم ملك لما تمكنوا من الأخذ منه؛ لأن الملائكة لا يُجَانِسُونَ بَنِي آدَمَ؛ ولذا كان جبريل إذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب الأحوال يتمثَّل له في صورة رجل هو دحْيَة بن خليفة الكلبي كما هو معروف (¬3)، وقد قدَّمنا إيضاح هذا في ¬
سورة الأنعام في الكلام على قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)} [الأنعام: آية 9] فَكَوْن الرُّسُل إلى بني آدم من جنسهم ومن نوعهم يسهِّل عليهم الأخذ منه، وتسهل عليهم معاشرتهم وصحبتهم والاهتداء بهديهم هو مِنْ نِعَمِ اللهِ -تعالى- عليهم، مع أنّ كون الرسل منهم هي شبهة أضلهم الله بها. كل قوم إذا جاءهم رسول منهم يقولون: كيف تكون رسولاً وأنت من جلدتنا، وتشرب كما نشرب، وتأكل كما نأكل، وتروح للسوق تشتري حاجتك، مثل هذا لا يكون له فضل علينا، وهذا كثيرٌ في القرآن، وبيّن الله في سورة بني إسرائيل أنه سبب مانع من إيمانهم جميعاً حيث قال في سورة بني إسرائيل: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: آية 94] فجعلوا بعثة البشر من المحال، وقالوا: {أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} [القمر: آية 24] {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: آية 15] {وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} [المؤمنون: آية 34] {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 7] وقد بيّن لهم الله أن جميع الرسل من جنس الناس الذين يرسلون إليهم، كقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} [الرعد: آية 38] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: آية 109] وهذه من نعم الله علينا.
وقوله: {مِنكُمْ} [الأعراف: آية 35] يدل على أنه قد يوجد رسل آخرون ليسوا منا، وهو كذلك؛ لأن من الملائكة رسلاً، والملائكة ليسوا من جنسنا، كما قال الله: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: آية 75] وقال: {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ} الآية [فاطر: آية 1]، {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي: إن يجئكم من تلقائي ومن عندي رسل من جنسكم ونوعكم أرسلتهم إليكم، كما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في أول سورة يونس: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ} [يونس: آية 2] لا عجب في هذا {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} [الأعراف: آية 63] لا عجب في هذا. {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} {يَقُصُّونَ} معناه: يقرءون ويتلون عليكم آياتي في كتبي التي نزلتها على رسلي لينذروكم بها، ويبينوا لكم فيها العقائد، والحلال، والحرام، والأمثال، والجنة، والنار، وخبر الدنيا والآخرة، وما يستوجب به العبد رضا الله، وما يستوجب به سخطه، {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأعراف: آية 35] فاعلموا أن من اتبع رسلي وأطاعني صار إلى أحسن ما يكون، ومن كذب رسلي واستكبر عن آياتي وعصاني فسيصير إلى أسوأ ما يكون؛ ولذا قال: {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} {فَمَنِ اتَّقَى} أي: اتقى الله بأن صدّق رسله وامتثل أوامره التي جاءت بها الرسل، واجتنب نواهيه التي جاء نهي عنها على ألسنة الرسل، وأطاع الله فيما جاءت به رسله، وأصلح عمله بطاعة الله (جلّ وعلا)،
وجريان عمله على الوجه الذي يرضي الله الذي شرعه الله على ألسنة رسله، فهؤلاء الصنف الذين صدّقوا رسلي، وآمنوا بي، وأطاعوني، أصلحوا أعمالهم باتباع الرسل، واتقوا ربهم بامتثال أمره واجتناب نهيه، فهؤلاء يوم القيامة عندما يكون الفزع الأكبر آمنون، لا يخافون ولا يحزنون. فقوله: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} الخوف في لغة العرب -أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه- هو غم من أمر مستقبل في غالب الأحوال، فإذا كان إنسان يغتم من أمرٍ مستقبل يتوقع وقوعه عليه فهذا هو الخوف. أما الحزن: فهو الغم من أمر فائت، كأن تصيبه مصيبة أو بلية وتقع فيبقى مغموماً مما وقع، فهذا حزين. وربما وضعت العرب الخوف مكان الحزن، والحزن مكان الخوف قليلاً (¬1)، وربما أطلقت العرب الخوف وأرادت به (العِلْم) إطلاقاً غير كثير. قال بعض العلماء: منه في القرآن: {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} [البقرة: آية 229] أي: إلا أن يعلما، فإن علمتم. ومن إطلاق الخوف على (العلم) كما ذكرنا قول أبي محجن الثقفي (¬2): إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُروِّي عِظَامِي في المَمَاتِ عُرُوقُهَا وَلاَ تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إذا مَا مِتُّ أَلاَّ أَذُوقَهَا ¬
فإن قوله هنا (أخاف): أعلم وأتيقَّن؛ لأنه عالم أنه إذا مات لا يشرب الخمر بعد موته كما لا يخفى. وقوله هنا: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} المعروف في علم العربية أن (لا) التي هي لنفي الجنس إذا تكررت بأن عُطفت عليها أخرى لا يلزم إعمالها بل يجوز إعمالها وإهمالها، والذي سوَّغ إهمالها (¬1) في قوله: {لاَ خَوْفٌ} لأن المعطوفة عليها وهي: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: آية 35] جاءت بعدها معرفة وهي لا تعمل إلا في النكرات (¬2). فَلَمَّا اسْتَحَالَ عَمَلُ الثَّانِيَة أُهملت الأولى لتَجَانُس الحرفين في عدم العمل، هكذا قاله بعض العلماء، وله وجهٌ من النظر. وقوله: {اتَّقَى} أصل مادة (الاتقاء) هي من (الوقاية)، أصل (اتقى) من (وقى) ففاء الكلمة واو، وعينها قاف، ولامها ياء، أصلها (وقى) كما تقول: (ونى، وودى، ووشى، ووقى) دخلها تاء الافتعال، كما تقول في (قرب): اقترب، وفي (كسب): اكتسب، وفي (وقى): اوتقى. والقاعدة المقررة في التصريف: أن تاء الافتعال إذا دخلت على كلمةٍ فاؤها واو وجب إبدال الواو تاءً، ثم تدغم التاء المبدلة من الواو في تاء الافتعال الزائدة فيصير معناه: اتقى (¬3). ¬
وأصل الاتقاء في لغة العرب (¬1): معناه أن تجعل بينك وبين الشيء وقاية تمنعك منه. تقول العرب: اتقيت السيوف بِمِجَنِّي، واتقيت الرمضاء بنعلي. فكل ما جعلت بينك وبينه شيئاً يقيك منه فقد اتقيته. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان (¬2): سَقَطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاولَتْهُ واتَّقَتْنَا بِالْيَدِ أي: جعلت يدها وقاية دون وجهها لئلا نراه. هذا أصل الاتقاء في لغة العرب. وهو في اصطلاح الشرع: أن يجعل العبد في دار الدنيا وقاية تقيه من سخط الله وعذابه وعقابه، هذه الوقاية التي تَقِي سخط الله وعذابه، هي امتثال أوامر الله، واجتناب نهي الله. فمن امتثل أمر خالقه واجتنب نهيه فقد اتخذ وقاية تقيه سخطه وعذابه؛ ولذا سمي: الاتقاء. وهو مراتب كثيرة: منها اتقاء الشرك، واتقاء المحرمات، واتقاء الشبهات خوفاً من الوقوع في الحرام كما هو معروف. وربما اعتدَّت العرب بأصل (الواو) مبدلاً من (تاء) من غير زيادة شيء، كما قالوا: (تَقَاهُ يتْقيه) والأصل: (وقاه يقيه) فأبدلوه ¬
تاء من غير إدغام. وهذا موجود في كلام العرب نادر، ومنه قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: آية 28] لأن (تُقَاة) أصله (وُقَاة) من غير إدغام، ومنه بهذا المعنى قولهم: «تقى الله يَتْقيه» بمعنى: اتقاه يتَّقيه. والأصل: (وقاه يقيه) ولا موجب للإبدال هنا يستوجبه، إلا أنهم راعوا فيه المشدد الذي فيه موجب الإبدال. ومن (تَقَاه يتْقيه) بالتخفيف قول الإمام الشعبي -رحمه الله- الذي قال بعضهم فيه: إنه شاعر العلماء -رحمه الله- مع علمه وجلالة قدره (¬1): يقولُ لِيَ المُفْتي وهُنَّ عَشِيَّةً ... بمكةَ يَسْحَبْنَ المُهَذَّبَة السُّحْلا تَقِِ اللهَ لا تَنْظُرْ إِلَيْهِنَّ يَا فَتًى ... وما خِلْتني في الحج مُلْتَمِساً وصلا ووالله لا أنْسَى وَإنْ شطَّتِ النَّوى ... عَرَانِينَهُنّ الشُّمَّ والأعْيُنَ النُّجْلا وَلا المِسْكَ مِنْ أَعْرَافِهِنَّ وَلا البُرَا ... جَوَاعِل في أوْسَاطِهَا قَصَباً خَذْلا وَوَالله لَوْلا اللهُ مَا قُلْتُ مَرْحَباً ... لأَوَّلِ شَيْبَاتٍ طَلَعْنَ وَلا أهْلا والشاهد في قوله: تق الله لا تنظر إليهن يا فتى ... . . . . . . . . . . . . . . . لأن أصله: «اتق الله» إلا أنه خُفِّف، وأُبدلت التاء من الواو مع التحقيق، وهي لغة. ¬
وقوله: {وَأَصْلَحَ} حَذَفَ المفعولين هنا، وقد تقرر في علم النحو أن حَذْفَ المفعول إذا دل المقام عليه جائز: وحَذْفَ فَضلَةٍ أَجِزْ إنْ لَم يَضُرِ (¬1) ... ................................. وتقرير المعنى: {فَمَن ِاتَّقَى} الله بامتثال أوامره واجتناب نهيه، {وَأَصْلَحَ} عمله باتباع الرسل ومراعاة الله (جلّ وعلا) فيما يأمر به وما ينهى عنه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: آية 35] أي: ليس أمامهم شيء يغتمون منه؛ لأنه لم يكن أمامهم إلا الخير الدائم، والنعيم السرمدي {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على شيءٍ فائت؛ لأنهم كلما طلبوا أُعطوا، فلا يحزنون على فائت؛ لأن جميع رغباتهم حاضرة موجودة. وإذا كانت أُمنيات الإنسان كلها حاضرة موجودة فإنه لا يأسف على شيء فائت؛ لأنه لم يفته شيء، وهذا معنى قوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 36] يعني: إن جاءتكم رُسُلِي فالذين أطاعوا رسلي واتقوني فهم آمنون لا يلحقهم خوف ولا حزن، وهم في جنات النعيم، وأمَّا الذين عصوني وعصوا رسلي، ولم يطيعوني، ولم يمتثلوا أمري، وأمّا {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} فقالوا للرسل: هذا الذي جئتم به كذب، بل هو سحر، أو شعر، أو كهانة، أو أساطير الأولين، هذا تَلَقَّيْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِكُمْ {وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} أي: ¬
تَكَبَّرُوا عن العمل بها كأبي جهل وأبي لهب وأمثالهم من هذه الأمة والأمم السابقة {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} [الأعراف: آية 36]. {أُوْلَئِكَ} أشار لهم إشارة البعيد؛ لأنهم بُعداء بُغضاء ينبغي أن يتباعد منهم، ومن الاقتداء بهم، ومن الاتصاف بصفاتهم. وسمّاهم {أَصْحَابُ النَّارِ} لأن العرب كثيراً ما تطلق المصاحبة على الاجتماع الطويل. والمراد بالنار - والعياذ بالله - نار الآخرة، وهي أَحَرُّ من نار الدنيا بسبعين ضعفاً - نعوذ بالله - تَنْمَاع من حرِّها الجبال، وحرُّها لا يُقَادَر قدره. وأصل الألف التي بين النون والراء أصلها واو. أصل النار (نَوَر) بدليل أن التضعيف الذي يردُّ العين إلى أصلها يبين ذلك، تقول: (تنَوَّرتُ) إذا نظرت النار من بعيد، فلو كانت يائية العين لقيل فيها: (تَنَيَّرْتُ) فلما قالوا: (تنورت) علمنا أن أصل الألف التي في محل العين واو، ومنه تصغير العرب لها على (نُويرة) فلو كانت يائية العين لقالوا: «نُييرة» (¬1) ومما يدلُّ عليه قوله (¬2): تَنَوَّرتُهَا مِنْ أَذْرعَاتٍ وَأَهْلِهَا ... بِيَثْرِبَ أَدْنى دَارِهَا نَظَرٌ عِالي ¬
فَتَنَوَّرْتُ نَارُهَا مِنْ بَعِيدٍ ... بخزَازَى، هيهات منك الصَّلاءُ (¬1) قال بعض العلماء: والنار من قولهم: (نَارَت الظبية): إذا ارْتَفعت جافلة؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والارتفاع أعاذنا الله والمسلمين منها (¬2). {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أصل الخلود في لغة العرب: المكث زماناً طويلاً، ومنه قول لبيد (¬3): ............................ ... صُمّاً خَوَالِدُ مَا يُبِينُ كَلامُهَا يعني: أثافي القدر، أنها مكثت في محله من الديار زمناً طويلاً. والمراد بالخلود هنا على التحقيق: الخلود السرمدي الأبدي الذي لا انقضاء له أبداً. فأهل النار الكفار خالدون فيها أبداً. وما روي عن بعض السلف من الصحابة فمن بعدهم أن النار تفنى، وتخفق أبوابها ليس فيها أحد، وأنها ينبت في محلها الجرجير (¬4) فإن ذلك يجب حمله كما جزم به الشيخ البغوي ... - وهو صادق - على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين (¬5)، لأن عصاة ¬
المسلمين الذين ماتوا مرتكبي الكبائر يدخل بعضهم النار ويُخرجون منها حتى لا يبقى فيها أحدٌ ممن في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولهم طبقة؛ لأن للنار سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، فإذا خرج الموحدون منها فلا مانع من فناء الطبقة التي كانوا فيها، أما الكفَّار فقد دلت نصوص الوحي العظيمة على أنهم خالدون فيها أبداً خلوداً سرمديّاً لا انقضاء له أبداً. وفي خلودهم الأبدي سؤالات معروفة: أحدهما أن الله قيده بالمشيئة في سورة الأنعام، وفي سورة هود، حيث قال في سورة الأنعام: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} [الأنعام: آية 128] وقال في سورة هود: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود: الآيتان 106، 107]. السؤال الثاني: أن الظرف في سورة النبأ -الظرف المُنَكَّر- يدل على المفهوم، وهو قوله: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23)} [النبأ: آية 23] فالأحقاب: أزمنة مُنكَّرة يدل على أن لها انقضاء. السؤال الآخر: سؤال فلسفي بارد، يستدل به الفجرة الملاحدة، يقولون: العقل لا يدرك أن يخلدوا فيها أبداً؛ لأن الله أحكم الحاكمين، وهو ذو عدلٍ وإنصافٍ بالغ، هو الحَكَم العدل (جلّ وعلا)، وهم إنما ارتكبوا المعاصي في الدنيا في أيام محدودة قليلة، فكيف يكون زمن المعصية محدوداً قليلاً وزمن الجزاء لا انقطاع له أبداً؟! قال الملحدون في هذا: لا مناسبة إذاً بين العمل والجزاء، فالعمل في مدةٍ وجيزة، والجزاء لا انقضاء له. فيقول
الملحد: هذا لا يظهر فيه كمال الإنصاف؛ لأنه ينبغي أن يكون الجزاء بحسب العمل، والعمل قليل في أيامٍ معدودة فكيف يكون الجزاء لا نهاية له؟! والجواب عن الآيات لو تتبعنا جميع الأجوبة فيه لطال جدّاً، ولكننا نلمُّ بطرف منه باختصار، فنقول: إن الله (جلّ وعلا) ذكر خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، واستثنى في كل واحدٍ منهما بمشيئته، قال في خلود أهل النار: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود: آية 107] {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء الله} [الأنعام: آية 128] وقيّد خلود أهل الجنة بالمشيئة أيضاً قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ} [هود: آية 108] وفي القراءة الأخرى (¬1): {وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} فالقيد بالمشيئة في خلود الطائفتين - خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، وهذه المشيئة - قد بينت الآيات في كل من الفريقين أن خلود كل واحدٍ منهما لا انقطاع له أبداً، قال تعالى في خلود أهل الجنة: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: خلوداً في النعيم غير مقطوع {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (54)} [ص: آية 54] أي: لا انقطاع له أبداً {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ} [النحل: آية 96] أي: لا انقطاع له أبداً من نعيم الجنة. [أما النار التي فيها الكفار فالتحقيق أنها باقية لا تفنى؛ لأن الله صرح بذلك في آيات كثيرة، فصرح بأنها لا تفنى حيث قال: ¬
{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} ومعلوم أن {كُلَّمَا} تتكرر] (¬1) بتكرر الفعل الذي قيّد به، والله يقول: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: آية 97] وهو صريح في أنه ليس للنار خبوة نهائية ليس بعدها زيادة سعير، فمن قال: إن لها خبوة نهائية، وفناء ليس بعدها سعير، نقول: يكذبك القرآن في نص قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: آية 97] فهو نص صريح في أنه لم تكن هناك خبوة إلا بعدها زيادة سعير إلى ما لا نهاية. والآيات الدالة على الدوام الأبدي كثيرة {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان: آية 65] {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)} [الزخرف: آية 75] إلى آيات كثيرة. أما آية النبأ، وهي قوله: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23)} [النبأ: آية 23] فقد بينتها غاية البيان آية سورة ص، وإيضاح ذلك أن المعنى: {لاَبِثِينَ فِيهَا} أي: في النار {أَحْقَاباً} في حال كونهم في تلك الأحقاب {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً (24) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25)} [النبأ: الآيتان 24، 25] فإذا انقضت أحقاب الحميم والغسَّاق عُذِّبوا بأنواع أُخر وأشكال لا نهاية لها. والدليل على أن هذه الأحقاب مختصة بأحقاب الحميم والغساق، وأن لهم أشكالاً من العذاب غير هذا صرّح الله به في سورة ص، وخير ما يُبَيَّنُ به القرآنُ بالقرآن، حيث قال تعالى: {هَذَا ¬
وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)} [ص: الآيات 55 - 58] فبيَّنَ أَنَّ هنالِكَ أشْكَالاً وأنواعاً من العَذَاب، غير أحقاب الحميم والغسَّاق، فدل على عدم الانتهاء. أما الشبهة الباردة الفلسفِيَّةُ التي يقولون فيها: إن العَبْدَ في دار الدنيا عمل المعاصي في مُدَّة وَجِيزَة، وهي مدة عمره القليلة، فكيف يكون عمل المعاصي في زمن قليل وجزاؤها دائم لا يزول؟! فجواب هذه الشبهة الباردة الملحدة: أن الخبث والكفر الذي انطوت عليه قلوبهم وتمرَّدُوا بِسَبَبِه على الله منطوية عليه قلوبهم أبداً، لا يزول منها أبداً، فكان العذاب أَبَدِيّاً سرمديّاً؛ لأن سبب ارتكابه كان في القلب، أبدي سرمدي، والآيات الدالة على هذا كثيرة؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى عنهم أنهم لما عاينوا النار، ورأوا عذاب الله وعظمة النار، وهول ذلك الموقف، وتمنَّوا الرجوع إلى دار الدنيا مرة أخرى ليطيعوا الرسل، ويعودوا إلى رضا الله، وتمنوا ذلك فقالوا: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: آية 27] وفي القراءة الأخرى (¬1): {وَلاَ نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بيّن الله أن ذلك الخبث الذي كان في قلوبهم في دار الدنيا لم يَزُل أبداً حتى بعد الموت، ومعاينة النار ومعاينة العذاب، قال وهو أصدق من يقول: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] فهو يبين أنهم كلما ردوا إلى الدنيا رجعوا إلى الكفر، وأن أصل ¬
ذلك الكفر كامن في قلوبهم لا يزول، ومما يوضحه قوله في الأنفال {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لاَّسْمَعَهُمْ} (خيراً) نكرة في سياق الشرط، فهي تعم. معناه: أنّ الله لا يعلم في قلوبهم خيراً أبداً في وقتٍ من الأوقات كائناً ما كان، ولا زمن من الأزمان. ثم قال على الفرض: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: آية 23]. فتبين أن ذلك الشر الذي عصوا به الرسل وتمردوا به على الله دائم لا يزول، فكان جزاؤه دائماً لا يزول، فتطابق الجزاء والعمل؛ ولذا قال تعالى: {جَزَآءً وِفَاقًا (26)} [النبأ: آية 26] أي: جزاءً موافقاً لأعمالهم. وهذا معنى قوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 36] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها. فعلينا جميعاً في دار الدنيا أن نعمل العمل الذي يجنبنا النار، ونستعيذ بالله منها؛ لأنه لا قدرة لأحد على حر النار. وهذه النار التي هي كَلاَ شَيْءٍ بالنسبة إلى حَرِّ تِلْكَ النَّارِ إذا مسَّك منها لهب شديد، أو وقعت يدك على نارٍ عرفت شدة حرها، وأنك لا تطيق النار العظمى أبداً، كما قال تعالى في نار الدنيا: {نَحنُ جَعَلْناهَا تَذْكِرَةً} [الواقعة: آية 73] فمن صَلِيَ بِحَرِّهَا تَذَكَّرَ نَارَ الآخرة، وعلم أنه لا يطيقها، فعليه أن يتحرَّز منها، ويتباعد عن أسبابها التي تُقرِّب إليها في دار الدنيا ما دامت الفرصة ممكنة. أما الذي يعلم بالنار، وبِحَرِّ النار، وهو في دار الدنيا يعمل عمل النار الذي يؤدي إليها فهذا كالفراشة التي تسقط في النار وتحرق نفسها، لا عقل له ولا تذكُّر. فعلى المسلم أن يعتبر بحرِّ النار وبشدة النار، ويضع يده قريباً من حر
النار الموجودة حتى يعلم أنه لا قدرة له على حرِّها، وأن حرّها أليم شديد، وأن تلك أحر منها بسبعين ضعفاً، وأنه يعمل على أن يتجنَّبَها ولا يصلاها؛ لأنه إذا عمل الأعمال التي تُورِدُهُ النار فهو ذاهِب العقل مضيع نفسه، موردها المهالك؛ إذ لا قدرة لأحد على حَرِّ النَّارِ، فاعلموا أيها الإخوان أنه لا قدرة لأجسامكم على النار، فاتقوا النار وأطيعوا الله، وأطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم واعملوا بما يرضيه، واحذروا من المعاصي والمنكرات التي تجركم إلى النار؛ لأنكم لا قدرة لكم على النار. وإذا أردتم أن تعلموا أنه لا قدرة لكم على النار فليأت منكم أحد إلى كير شديد الوقود ثم يضع رجله أو يده فيه، هل له على ذلك طاقة {نَحْنُ جَعَلنَاهَا تَذكِرَةً} فاحذروا من النار، والحذر منها إنما هو ممكن في هذه الأيام التي أنتم فيها، فإذا انقضى الأجل المحدد ضاعت الفرصة، وأسفه الناس وأقلهم حلماً، وأرذلهم عقلاً هو من لا يَتَسَبَّب في أن يجانب حر النار ويقدم على النار، والذين يتجرءون قال الله فيهم: {فَمَآ أَصبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: آية 175] لارتكابهم أسبابها -والعياذ بالله- فعلى المسلم العاقل أن يجتهد في إنقاذ نفسه من حر النار، وأن يعلم أنه لا طاقة له على النار فينظر في أوامر ربه فيمتثلها، وفي نواهيه فيجتنبها، ولا يغتر بالأساليب والشعارات الزَّائِفَة مِنْ تَقَدُّمٍ وحَضَارَة!! الذين يسمون أنفسهم (تقدميين) إذا ماتوا ووجدوا قبورهم تضطرم ناراً وخُلِّدوا في نار جهنم عرفوا في ذلك الوقت هل هم تقدميون أو متأخرون؟! بل هم والله متأخرون غاية التأخُّر، فالمتأخر هو الذي يهلك [نفسه] (¬1)، ولا يكون عنده ذهن ثاقب ¬
يعلم أوامر ربه، وعظمة من خلقه، ويطيع خالقه، ويمتثل أمره، ويجتنب نهيه، ويعمل في أن يُجنب نفسه حرّ جهنم، أعاذنا الله والمسلمين منها. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37)} [الأعراف: آية 37] والعياذ بالله. قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ} استفهام إنكار معناه النفي؛ أي: لا أحد أظلم. وفي هذه الآية سؤال معروف (¬1)، وهو أن معنى: {فَمَنْ أَظْلَمُ} لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً. وهذه تدل على أن المفتري على الله الكذب، والمكذِّب بآياته هو أعظم الناس ظلماً؛ لأن (أظلم) صيغة تفضيل، وأنه يفوق غيره ويفضله في الظلم، وقد جاءت آيات أخرى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى الله وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: آية 32] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله} [البقرة: آية 114] قال بعضهم: يظهر لطالب العلم في هذا شبه تعارض؛ لأنه قال: لا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة، أشهرها اثنان: أحدهما، وَجَزَمَ بِهِ أبُو حَيَّان في كتابه البحر المحيط: أنه لا تعارض أصلاً بين الآيات، وإنما دَلَّتِ الآيات على أن كل من ذُكر في قوله: {فَمَنْ أَظلَمُ} لا يمكن أن يفوقه أحد من أهل الدنيا في ¬
الظلم، إلا أنهم جميعاً متساوون لا يفوق بعضهم بعضاً، وهم يفوقون غيرهم في الظلم، كما لو قلت: ليس في هذا البلد أعلم من زيد، وليس فيه أعلم من عمرو. وزيد وعمرو مستويان في العلم، فتكون صادقاً، ولا معارضة بين قوليك. وهذا وجه ظاهر لا إشكال فيه، وهو كما قال أبو حيان. الوجه الثاني: أنها تتخصص بِصِلاَتِها، وعليه فيكون المعنى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى} [الأعراف: آية 37] لا أحد من جنس المفترين أظلم ممن افترى على الله كذباً، ولا أحد من جنس المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من جنس المكذّبين أظلم ممن كذب على الله وكذَّب بالصدق، وهكذا. والظلم قد قدمنا معناه -مراراً- بشواهده العربية (¬1). {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً} الافتراء: الاختلاق، والقول بغير الواقع. والكذب: الأصح في أقواله أنه الإخبار بخلاف الواقع (¬2). وأقوال البيانيين فيه معروفة، والمراد هنا: الإخبار بغير الواقع، كقولهم إن مع الله شريكاً، وإن له ولداً، وإنه أمرهم بالفاحشة كطوافهم عراة، إلى غير ذلك من افتراءاتهم على الله. {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} التي جاءت بها رسله، فقال: إن هذا القرآن ليس بحق، إنه شعر، أو سحر، أو كهانة، أو أساطير الأولين. لا أحد أظلم ممن افترى هذا الكذب على الله بادعاء الشركاء والأولاد، وأنه حرم كذا وهو لم يحرمه، ولا أحد أظلم ممن كذَّب ¬
بآيات الله فجحد بها وقال: إنها من السِّحر، أو من الشعر، أو من كلام الكهنة، أو من أساطير الأوّلين، أو أنها عَلَّمَهَا له بَشَرٌ. لا أحد أظلم من هذا وهذا. ثم قال: {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} في قوله: {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} المراد بهذا النصيب الذي ينالهم من الكتاب فيه أقوالٌ متقاربة لعلماء التفسير لا يكذِّب بعضها بعضاً (¬1)، أرجحها: ما دلت عليه القرينة القرآنية، قال بعض العلماء: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} يرجعون إلى ما هم صائرون إليه مما كُتب لهم أزلاً، فمن كُتب له أن يموت على ذلك الشقاء مات عليه، ومن كُتب له أن يتوب تاب. والتحقيق في معنى هذه الآية: أنَّ معنى {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} أنهم ينالهم ما كتب الله لهم في الدنيا مما ينالونه من الخير ومن الشر، من الصحة، والعافية، والرفاهية، والأمراض، والأحزان، والأموال، والرزق، والآجال، حتى يستكملوا في دار الدنيا ما سبق في علم الله أنهم ينالونه من الأرزاق، والنعمة، والعافية، والأولاد، والآجال، وما يصيبهم من الخيرات، والخِصْب، والأموال، وكذلك ما يلاقونه أيضاً من البأساء، والأمراض، والفقر، وتحديد الآجال، حتى إذا انتهى نصيبهم في هذه الدنيا مما كُتب لهم من خير أو شر، ورزق ومال وأجل لا يزالون كذلك {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا} [الأعراف: آية 37] وعليه فـ (حتى) هذه غائية. ¬
وقال بعضهم: هي حتى الابتدائية التي تكون قبل ابتداء الجمل (¬1). حتى إذا جاءت الواحد منهم بعد أن نال نصيبه المكتوب له في الدنيا من جميع الأنواع المكتوبة له من الأرزاق، والآجال، والأولاد، والعافية، والرزق، والأمراض، والهموم، ونحو ذلك. {حَتَّى إذَا جَاءَتهُمْ رُسُلُنَا} المراد بالرسل هنا: جمع رسول. وهذه الرسل هي: ملك الموت وأعوانه، يقبضون أرواحهم. واعلموا أن الله أسند قبض الروح في آية إلى نفسه -جلّ وعلا- حيث قال عن نفسه: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: آية 42] وأسنده في آية لِمَلَك واحد، وهي قوله في السجدة: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: آية 11] وأسنده في آيات كثيرة لملائكة كثيرة مرسلين لذلك، كقوله هنا: {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} [الأعراف: آية 37] وكقوله: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: آية 61] وكقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: آية 97] ولا إشكال في الآيات (¬2)؛ لأن إسناد التوفي إلى الله؛ لأن كل شيء بمشيئته وقضائه وقدره، فلا تقع وفاة أحد إلا بمشيئته - جلّ وعلا - كما صرّح به في قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: آية 145] وإسناده لملك الموت لأنه هو الرئيس الموظَّف بقبض ¬
الأرواح. وإسناده لملائكة كثيرين؛ لأن لملك الموت أعواناً كثيرين يقبضون معه أرواح الناس بأمره. قال بعض أهل العلم: يقبض أعوانه الروح حتى تبلغ الحلقوم فيأخذها ملك الموت (¬1). والآيات دلت على أن له أعواناً كثيرة من الملائكة يقبضون معه الأرواح، كقوله هنا: {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} وكقوله: {تَوَفَّتهُ رُسُلنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَ} {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ} {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: آية 50] عياذاً بالله جلَّ وعلا. {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ} [الأعراف: آية 37] أي: ذلك الإنسان الذي استكمل في دار الدنيا نصيبه من الكتاب، بأن أكل جميع ما كُتب له من الرزق، ونال ما كُتب له من الشهوات واللذات والأجل، ونال ما قَدَّر الله عليه من الشرور في الدنيا، حتى إذا انقضى أجله، وجاء الوقت المحدد لموته جاءته {رُسُلُنا} أي: ملك الموت وأعوانه ليقبضوا روحه وينزعوها من بدنه، وسنذكر كيفية ذلك في قوله: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} [الأعراف: آية 40] في الآيات القريبة. {جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} في هذه الآية وجهان من التفسير (¬2): التحقيق أنها الوفاة بقبض الأرواح في دار الدنيا، وأنهم إذا جاءهم [الملائكة] (¬3) يقبضون أرواحهم في دار الدنيا يوبخونهم ويقرعونهم عند أخذ الروح، ويقولون لهم: أين ¬
شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ أيْنَ مَنْ كنْتُمْ تعبدون مع الله؟ نادوهم فلينقذوكم منا ويخلصوكم منِ هذا الموت وما بعده من العذاب. وعلى هذا القول فقوله: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يعني: بقبض الأرواح. وفيه قولٌ آخر، وهو ضعيف، إلا أنه ذكره جماعة من علماء التفسير (¬1)، أن هذا يوم القيامة إذا حشر الخلق جاءت رسل الله، وهم الملائكة الموكلون بالنار يتوفونهم، أي: يأخذون أهل النّار وافين؛ لأن جميع أهل النار مكتوبون في ديوان، مُعَيَّنة به أسماؤهم، وأسماء آبائهم، وأنسابهم، وقبائلهم، والملائكة الموكلون عندهم السجلات يأخذونهم واحداً واحداً حتى يستوفوا العدد المكتوب. هذا قول في الآية. والأوّل هو الصحيح. وعلى هذا القول فقوله: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يأخذون عددهم وافياً. والقول الأوّل: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} بقبض الأرواح. {قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} يقوله لهم الملائكة عند قبض الروح توبيخاً وتقريعاً، ويضربونهم أيضاً مع ذلك، كما قال جلّ وعلا: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: آية 50] والعياذ بالله. {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} (أين) هنا هي الاستفهامية. و (ما) موصولة. أين الذين كنتم {تَدْعُونَ}؟ أي: تعبدون {مِن دُونِ الله}، أي: مع الله (جلّ وعلا) وتجعلونهم شركاء معه؟ أين هم؟ نادوهم فليحضروا فليخلصوكم وينقذوكم!! وهذا من التوبيخ والتقريع والتعذيب. ¬
وهذه الآية أُطلقت فيها الوفاة على معناها العُرْفِيّ. واعلموا أن معنى (توفاه) تطلق في اللغة العربية إطلاقين (¬1): إطلاقا لغويّاً، وإطلاقا عرفيّاً. أما إطلاقها اللغوي: فهو أخذ الشيء كاملاً بجميعه وافياً. تقول العرب: توفيت دَيْني: إذا أخذته وافياً كاملاً لا ينقص منه شيء. فكل شيء أخذته وافياً بتمامه فقد توفيته، وهذا معناها في اللغة العربية. ومعناها في العرف: تقول العرب: توفاه الله. إذا قبض روحه وحدها دون جسمه. هذا معناها العرفي، وذلك معناها اللغوي. والقاعدة المقررة عند جمهور الأصوليين: أن الحقيقة العرفية تُقدم على الحقيقة اللغوية ما لم يقم دليل يرجح الحقيقة اللغوية (¬2). وذكر بعض علماء الأصول عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه لا يقدم العرفية على الحقيقة اللغوية؛ لأن العرفية وإن ترجحت في الاستعمال فالحقيقية قد ترجحت بأصل الوضع (¬3). وهذا تترتب عليه مسألة غلط فيها كثير من الناس، وأضل الملحدون فيها كثيراً من الناس، وهي قضية عيسى ابن مريم (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)؛ لأن الله عبر عنه بالوفاة [6/ب] في قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: آية 55] أما قوله (جلَّ وعلا) عنه:/ {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: آية 117] من كلام عيسى يوم القيامة، ولا يأتي يوم القيامة إلا وعيسى قد مات قطعاً، لا نزاع في موته قبل يوم القيامة؛ لأن {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} من كلام عيسى يوم القيامة إذا قال له ¬
ربه: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: آية 116] هذا كلامه يوم القيامة {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} إلى أن قال: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} أي: قبضتني إليك ورفعتني إلى السماء {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} وقول عيسى هذا يوم القيامة لا حجة فيه على أنه قد مات، أما آية قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: آية 55] فهي قول في دار الدنيا لا في الآخرة. واحتج به بعض الملاحدة الذين يزعمون أن عيسى قد مات!! وهذه فكرة إلحادية. والتحقيق الذي دلت عليه السنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن العظيم -الوحي المنزّل- أن عيسى لم يمت إلى الآن، وأنه حي في السماء، وأنه سينزل في هذه الأمة في آخر الزمان ليقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويقتل المسيح الدجَّال، وهو نازل لا محالة، دلَّ على ذلك السنة المتواترة عن رسول الله، والقرآن العظيم (¬1). أما القرآن العظيم فقد دل عليه دلالة صريحة - وإن قيل فيها قول يخالفها؛ لأن القول المخالف باطل وإن نسبوه لابن عباس؛ لأنه باطل؛ لأن ظاهر القرآن خلافه، والعقل لا يقبله أيضاً - ذلك أن الله قال عن عيسى ابن مريم: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: الآيتان 157، 158] ثم قال (¬2): {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: آية 157] بيَّن أن السبب ¬
الذي ادعى اليهود به أنهم قتلوه: أن الله ألقى شبهه على رجلٍ آخر، فظنوه إياه، فقتلوه، وظنوا أنهم قتلوه، والله يقول: {لَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ} إلى أن قال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} ثم قال: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: آية 159] أي: بعيسى ابن مريم في آخر هذا الزمان {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى ابن مريم. وهذا هو التحقيق في معنى الآية والذي دلّ عليه ظاهر القرآن، وبينته السنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما قول بعضهم الذي يزعمونه عن ابن عباس أن معنى: {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت ذلك الكتابي (¬1). فهو أمر غير معقول؛ لأن من أهل الكتاب من يموت في نومه، ومن يموت فجأة، ومن تأخذه سكتة قلبية، ومن يُقطع رأسه فجأة. فهذا لا يمكن أن يؤمن به قبل موته، أي: قبل موت الكتابي كما لا يخفى على أحد. أما الأحاديث بأن عيسى حي، وأنه ينزل، فهي متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطعن فيها إلا ملحد (¬2). أما قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} فيجاب عنه بأجوبة: أحدها: أن المراد بها هنا: التوفي اللغوي، كما ذكرنا. أي: قابضك إليَّ وافياً بجسمك وبدنك، وغاية ما في الباب أنه قُدِّمت هنا الحقيقة اللغوية على الحقيقة العرفية التي هي إطلاق الوفاة على قبض الروح خاصة؛ لأن الحقيقة اللغوية هنا اعتضدت بظاهر القرآن وبالسنة المتواترة، والحقيقة اللغوية إذا قامت عليها مرجحات ¬
رجحت على الحقيقة العرفية كما هو معروف في الأصول. الثاني: أن نقول: إن الله قال: إنه متوفيه، ولا شك أنه متوفيه، ولكن لم يقل: إن تلك الوفاة أنها وقعت، ولا عيّن وقتها، غاية ما في الباب أنه قال: إنه متوفيه، وهو صادق، وهو متوفيه، ولكن أين أنه توفاه بالفعل؟ فإن قالوا: عطف عليه قوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: آية 55] فذكر الوفاة قبل الرفع. قلنا: العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك (¬1)، وقد يكون المعطوف بالواو هو الأول، كما في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} [الأحزاب: آية 7] وهو صلى الله عليه وسلم بعد نوح بأزمان. وأجمع أهل اللسان العربي أنه يجوز أن تقول: جاء زيد وعمرو. ويكون المعطوف بالواو هو الأوَّل؛ لأن الواو لا تقتضي إلا مطلق التشريك. فإن قال قائل: دل الحديث على أن الواو قد تقتضي الترتيب، كقوله صلى الله عليه وسلم لما رقي على الصفا: «أبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» (¬2) والترتيب بين الصفا والمروة بالواو في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله} [البقرة: آية 158] وفي رواية: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» وهنا واو، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الواو كأنها تقتضي الترتيب وتقتضي بدء ما بدأ الله به. فالجواب ما أجاب به جماعة من قدماء علماء العربية من أنّ الواو كما أنها لا تقتضي الترتيب فإنها لا تمنع من أن يراد بها الترتيب إذا دلّ على ذلك دليل جازم خارج عن أصل الوضع، أما إذا تجردت ¬
من الأدلة فإنها لا تقتضي ترتيباً وإنما عرف الترتيب بها هنا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي دل على الترتيب دليل خارج، لا نفس أصل الواو. ومنه بهذا المعنى قول حَسّان (على رواية الواو) (¬1): هَجَوتَ محمَّداً فأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الجَزَاءُ لأن الواو هنا بـ «وأجبت عنه» الجواب بعد الهجاء. وهذا إذا دلت عليه قرينة ودليل خارج لا مانع من أن تكون الواو للترتيب، لكنها عند الإطلاق لا تكون للترتيب. الثالث: قال بعض العلماء: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: آية 55] أي: منيمك؛ لأن الله -قالوا- لما أراد رفعه ألقى عليه النوم. أي: منيمك {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} في تلك النومة لئلا تنزعج من الرَّفْعِ إلى السَّمَاءِ، والله قد يطلق الوفاة على النوم، وأطلق الوفاة على النوم في موضعين من كتابه: أحدهما: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} [الأنعام: آية 60] أي ينيمكم في الليل {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}. الثاني: قوله {الله يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر: آية 42] فالحاصل أن هذه الآيات ليس فيها ما يدل على موت عيسى ابن مريم، وأن القرآن دلّ على أنه حي؛ لأن الله قال: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: آية 159] والضمير عائد إلى عيسى على التحقيق لا إلى الكتابي كما بينا. وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الفائضة - وهو الصادق ¬
المصدوق - مصرحة بذلك، وهو الحق الذي لا شك فيه، فادعاء أنه مات هو من الفِكَر الإلحادية، كادعاء القاديانية أنه رُفع إلى السماء ثم نزل ومرض ومات مريضاً بكشمير!! وغير ذلك من الخرافات التي لا أساس لها (¬1). ومن المؤسف أن بعض المنتسبين للعلم يَتَشَبَّعُون بالفِكَر الإفرنجية ويُقْدمون على هذا الإلحاد، ويقولون: إنَّ عيسى قد مات. مع أن الأحاديث النبوية الصريحة الصحيحة مستفيضة بأنه حي، وأنه سينزل في هذه الدنيا، وأن الله نص على ذلك في قوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، ودلَّ عليه ظاهر القرآن، لا (موته) أي: الكتابي؛ لأنه من المُشَاهَد أن من أهل الكتاب من يموت قبل أن يؤمن بعيسى، كالذي ينام فيموت نائماً، وكالذي تأتيه سكتة قلبية فيموت من حينه، وكالذي يُقْطع رأسه فجأة ولا تكون له فرصة ليؤمن بعيسى. وهذا معنى قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} [الأعراف: آية 37] أي: تعبدون من دونه من المعبودات والأصنام والأوثان. {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} [الأعراف: آية 37] أي: غابوا واضمحلوا. وقد بيّنا أن الغيبوبة والاضمحلال من أنواع إطلاقات الضلال في القرآن (¬2). {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} والعياذ بالله؛ لأن الكفار إذا عاينوا الحقيقة شهدوا على أنفسهم، وأقروا حيث ¬
لا ينفع الإقرار ولا ينفع الندم. كما قال تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} [تبارك: آية 11] والعياذ بالله جلَّ وعلا، كما أنهم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، وتشهد عليهم جلودهم {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا الله الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: آية 21]. {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: الآيات 38 - 43]. يقول الله جلَّ وعلا: {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38)} [الأعراف: آية 38]. لما اعترف الكفار بكفرهم، وندموا حيث لا ينفع الندم، وقال الله عنهم: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأعراف: آية 37]
لما شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا في دار الدنيا كافرين حتى ماتوا على ذلك بيّن جزاءهم فقال إن الله يقول لهم يوم القيامة ما قصَّ هنا، قال الله لهم، أو قالها لهم خازن النار بأمر من الله (جل وعلا). والظاهر أن القائل هو الله؛ لأنه إذا لم يقيد بما يدل على أنه المَلك انصرف إلى أن الله هو الذي أمر بإدخالهم النار؛ لأنهم لا يدخلونها إلا بأمره -جلّ وعلا- قال الله لأولئك الكفار: {ادخُلُواْ} في النار {فِي أُمَمٍ} في جملة أمم، والأمم: هي أجيال الناس المتقدمة مِنَ الكَفَرَةِ. ادخلوا في زمرة أمم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} مضت من قبلكم وماتوا وهم كافرون فدخلوا النار، ادخلوا في زمرتهم في النار -والعياذ بالله- وقوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} أي: قد مضت من قبلكم، ومضى زمانها قبل زمانكم. والمعنى: أنه كانت قبلكم في الوجود أمم كافرة فأدخلتها النار، فادخلوا في جملتهم في النار والعياذ بالله. وقوله: {فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ} قال بعض العلماء (¬1): {فِي النَّارِ} بدل من قوله: {فِى أُمَمٍ} والظاهر أن الصواب أنها ليست بدلاً منها، وأن المعنى: ادخلوا في جملة أجناسكم من الكفرة، ادخلوا أنتم وهم في النار. وقوله: {مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ} [الأعراف: آية 38] هذه الأمم التي أدخلت النار بعضها من الجن وبعضها من الإنس، وهذه الآية نص صريح في أن كفرة الجن في النار مع كفرة الإنس كما قدمناه مراراً (¬2). وكون كافر الجن في النار لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما ¬
اختلف العلماء في المؤمنين من الجن هل هم في الجنة أو ليسوا فيها؟ فذهب جماعة أن جزاء المؤمنين من الجن أنهم لا يدخلون النار ولا يدخلون الجنة، بل كان جزاؤهم الإجارة من النار فقط دون التنعم بالجنة. واغتر من قال بهذا القول بظاهر آية الأحقاف؛ لأن الجن لما قال نذيرهم: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ} [الأحقاف: آية 31] رتبوا على ذلك قولهم: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ولم يقولوا: ويدخلكم الجنة. فاغتروا بهذا الظاهر. والخلاف في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو يجارون من النار ولا يدخلون الجنة؟ وبعضهم يقول: يكونون رابضين عند أبواب الجنة، خلافٌ معلوم مشهور، والظاهر أن الصواب أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كما دخل الكافرون منهم النار، وقد دلّ على هذا بعض الآيات: من أصرح الآيات دليلاً عليه قوله تعالى في سورة الرحمن مخاطباً للإنس والجن: {ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّه جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن: آية 46] ثم بين أن هذا الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه للإنس والجن حيث أتبعه بقوله: {فَبِأَيِّ آلاَء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} [الرحمن: آية 47] والتثنية في قوله: {فَبِأَيِّ آلاَء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} للإنس والجن بلا نزاع بين العلماء. فدل ظاهر هذه الآية أن مؤمن الجن في الجنة، ويستأنس له بظاهر قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ} [الرحمن: آية 74] فيفهم منه أن في الجنة جنًّا يطمثون النساء، ولكنهم لم يسبقوا هؤلاء أزواجهم في الجنة. وهذا الأخير أظهر. وقوله جلّ وعلا: {ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النّار} والعياذ بالله {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ} من هذه الأمم {لَّعَنَتْ
أُخْتَهَا} إنما كانت أختها لأنها أختها في الديانة والملة والكفر بالله، وتكذيب الرسل، وكل شيئين متشابهين، أو متصاحبين تنسب العرب لهما الأخوة ومنه: {وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزخرف: آية 48] فالمتشابهان تسميهما العرب (إخوان) وكذلك المتصاحبان تسميهما (إخوان) وإنما كانت الأمة أخت الأمة لمشابهتها لها في الكفر والطغيان وتكذيب الرسل حتى مات الجميع على ذلك ... - والعياذ بالله - كما قال الله: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: آية 27] وهو معنى معروف في كلام العرب، وكل أمة كافرة أخت للكافرة، كما أنَّ الأمة المؤمنة أخت للأمة المؤمنة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: آية 10] وإنما لعنتها لأن بعض هذه الأمم يسن الضلال والكفر حتى يقتدي به الذين جاءوا من بعدهم -والعياذ بالله- فيلعنوهم لأنهم تَسَبَّبَ لهم بِالاقْتِدَاءِ بهم دخولُ النار، كما قال الله (جل وعلا) عن نبيه إبراهيم إنه قال لهم: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: آية 25] وقال تعالى عنهم: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا} [البقرة: الآيتان 166، 167] فهم يوم القيامة أعداء يلعن بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، وهذا معنى قوله: {كُلّمَا دَخَلَتْ أُمّةٌ} [الأعراف: آية 38] في النار {لَعَنَت أُخْتَهَا} أي: صاحبتها المماثلة لها في الضلال والكفر، وتكذيب الرسل؛ لأن بعض الأمم تبقى سننهم في الضلال والكفر فيقتدي بها من جاء بعدهم من الأمم -والعياذ بالله- فيلعنونهم لذلك.
ثم قال جلَّ وعلا: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} {ادَّارَكُواْ} أصله: تداركوا. والمعروف في علم العربية أن (تفاعل) و (تفعَّل) يكثر فيهما الإدغام واستجلاب همزة الوصل عند الإدغام (¬1). فقوله: {ادَّارَكُواْ} أصله (تداركوا) {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: آية 38] أصله (تثاقلتم) {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: آية 72] أصله (فتدارءتم). وكذلك في (تفعَّل) كقوله: {وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا} [يونس: آية 24] أصله (تزينت) {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} [النمل: آية 47] أصله: (تطيرنا) وهذا الإدغام معروف في كلام العرب، ومثله في (تفاعل) كما هنا قول الشاعر (¬2): تُولي الضَّجِيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرَا ... عذبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ يعني: إذا ما تتابع القُبَلُ. {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي: تلاحقوا وأدرك الآخِرُ الأول واجتمعوا في النار جميعاً - والعياذ بالله، أعاذنا الله منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل - شكا عند ذلك الوقت الأتباع الضعفاءُ رؤساءهم المتبوعين وقالوا لهم- أي لأجلهم؛ لأنهم يخاطبون الله ولا يخاطبون الرؤساء المتبوعين، قالوا يشكونهم لله (جلَّ وعلا)، ويطلبونه أن يزيد عليهم العذاب لإضلالهم إياهم-: {رَبَّنَا} معناه: يا ربنا، يا خالقنا وسيدنا ومدبر أمورنا، {هَؤُلاَءِ} الرؤساء من قادة الكفرة {أَضَلُّونَا} هم الذين أضلونا عن طريق الصَّواب، ومنعونا من اتباع الرسل ومن طاعتك وامتثال أمرك، فقد ¬
أطعناهم وزينوا لنا وقالوا لنا: أطيعونا نهدكم، واتبعونا نذهب بكم إلى الخير، ومكروا بنا حتى أضلونا عن طريقك فاتبعناهم فأهلكونا {أَضَلُّونَا فَئاتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ} [الأعراف: آية 38] {فَآتِهِمْ} أعطهم عذاباً مضاعفاً، بأن تعذب الواحد منهم كعذاب اثنين، ويكون هذا العذاب المضاعف من النار، كما قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)} [الأحزاب: آية 68] وفي القراءة الأخرى: {والعنهم لعناً كَثِيراً} (¬1) فسألوا الله أن يزيد عليهم العذاب، وأن يلعنهم، وشكوه بأنهم أضلوهم. ومحاججتهم مذكورة في آياتٍ كثيرة (¬2)، كما قال تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)} [ص: آية 64] وبسطَها الله في سورة سبأ في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} [سبأ: الآيات 31 - 33] الآيات. فيوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، ويسأل الأتباع أن يزيد الله الرؤساء المتبوعين عذاباً فوق عذابهم، كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: آية 88] فعند ذلك الوقت يتمنون الرجعة إلى دار الدنيا ليتبرؤوا منهم، وأن لا يدخلوهم النار {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ ¬
اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166)} [البقرة: آية 166] فلما تبرأ المتبوعون من الأتباع تمنى عند ذلك الأتباع الرجعة إلى الدنيا {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} (لو) هنا تمنياً، يا ليت لنا كرة. أي: رجعة ثانية إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} لما شكا الأتباعُ المتبوعين وقالوا لربهم: هؤلاء أضلونا فضاعف لهم العذاب عذاباً على الضلال وعذاباً على الإضلال. قال الله مجيباً لهم: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعراف: آية 39] لكل منكم ومنهم ضِعْف، أما ضعف المتبوعين الرؤساء فلا إشكال في مضاعفة العذاب عليهم؛ لأن ضِعْفاً على ضلالهم، وضِعفاً على إضلالهم؛ لأنهم هم الذين سنوا لهم الضلال «ومَنْ سنَّ سُنة سيئة فعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوْمِ القِيَامة لا ينقص ذلك مِنْ أوزَارِهِم شَيْئاً» (¬1) وقد بيّن الله أن رؤساء الضلالة المتبوعين عليهم وزر ضلالهم ووزر إضلالهم في آيات كثيرة كقوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: آية 13] وكقوله جل وعلا: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (25)} [النحل: آية 25]. ومضاعفة العذاب على الرؤساء قادة الضلالة لا إشكال فيه {الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني في أنفسهم {وَصَدُّواْ} غيرهم {عَن سَبِيلِ الله ¬
زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ} عذاباً بكفرهم، وعذاباً بصدهم الناس عن سبيل الله {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [النحل: آية 88]. أما مضاعفة العذاب للضعفاء الأتباع ففيها إشكال، وكثير من المفسرين لا يتعرضون لهذا الإشكال؛ لأن الله يقول: {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} [الأنعام: آية 160] وهم لم يُضِلُّوا. وهذا إشكال معروف في هذه الآية. وهو مضاعفة العذاب للأتباع (¬1). فقال بعضهم: إنهم وإن كانوا أتباعاً فلا بد لهؤلاء الأتباع من ضعفاء أُخر، فالواحد يكون تبعاً لرئيسه في الضلالة، ولكنه يُضِلُّ امرأته وأولاده وبعض أقاربه، فمعهم هم أيضاً رئاسة في الضلال قليلة كل بحسبه، ويضاعف العذاب لكل بحسبه. وقال بعض العلماء: مضاعفة العذاب للرؤساء بإضلالهم وضلالهم، ومضاعفته للأتباع بتقليدهم الأعمى، وتعصبهم للكفر، وعدم نظرهم في المعجزات البينات، والأدلة الواضحات التي جاءت بها الرسل، مع الكفر، فقد جمعوا بين التقليد الأعمى والإعراض عن سماع الحق، مع الكفر الذي ارتكبوه. هكذا قاله بعض العلماء. وقوله: {وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية 38] قرأ هذا الحرف عامة القراء ماعدا شعبة عن عاصم: {وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} بتاء الخطاب (¬2). والمعنى: أن لكل من أهل النار ضِعفاً بحسب عمله ¬
ولكنكم لا تعلمون قدر ما ينالونه من العذاب المهين وشدته وهوله وألمه. وفي قراءة شعبة عن عاصم: {ولكن لا يعلمونَ} ولكن لا يعلم الجميع أن لكل منهم ضِعْفاً من العذاب، كانوا لا يعلمون ذلك، ويوم القيامة سيعلمونه: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: آية 47]. وهذه الآيات الكريمة تدل على أن المتبوعين في الضلالة، والأتباع في الضلالة، كلهم - والعياذ بالله - يضاعف لهم العذاب في النار، وهؤلاء الأتباع الذين يدعون على الرؤساء بقولهم: {آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: آية 68] وقوله هنا عنهم: {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ} لو ضاعف الله العذاب على الرؤساء ما كان ذلك ينفع الأتباع بشيء {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)} [الزخرف: آية 39] عذاب هؤلاء لا ينفع هؤلاء (¬1). وإذا كنتم أيها الناس تعلمون أن القرآن العظيم مصرِّح في آيات كثيرة بالخصومة بين أهل النار، بين الرؤساء والمرؤوسين - الأتباع والمتبوعين - وأنَّ مصير الجميع إلى النار، فاحذروا - رحمكم الله - أن تكونوا من رؤساء الضلالة والقادة إلى النار، واحذروا أن تكونوا من الأتباع الذين يتبعون الناعقين الداعين إلى الضلالة والنار، لئلا تكونوا من الفريقين. والمؤسف - والعياذ بالله - أن كفرة الإفرنج في هذا الزمن قادة وسادة في الضلال، يدعون الناس إلى الكفر والإلحاد في آيات الله، والطعن في الدين بأنه تقاليد قديمة لا فائدة فيها ولا تساير ركب الحضارة، ولا يمكن أن تنظم علاقات العالم بحسب تطورات الدنيا الراهنة. وكثير من الخفافيش الذين ليس ¬
عندهم نور العقل يتبعونهم - والعياذ بالله - ويقلدونهم في كل شيء، فيوم القيامة إذا ماتوا تبرأ أولئك الرؤساء الكفرة المُتَّبَوعُون من أولئك الأتباع الضعفاء المساكين العمي الذين يقلدونهم في كل ما يجرهم إلى النار، فعلى المسلمين أن يعلموا أن ما يسميه الإفرنج اليوم بالحضارة الغربية والتقدّم هو حقيقته الدعاء إلى الكفر بالله، والإلحاد في آياته، والطعن في كتابه وفي رسوله صلى الله عليه وسلم فهم قادة النار، وسادة أهل جهنم الذين يتبعهم كثيرٌ من الرعاع الذين لا عقول لهم، ولم تتنور بصائرهم بنور الوحي، فهم أتباع لأولئك في طريق جهنَّم، وعن قريب يقف الجميع أمام الله وهؤلاء متبوعون سادة في الكفر، وهؤلاء أتباع مساكين مغرورون خدعهم أولئك حتى جروهم إلى الكفر بالله، والطعن في رسله وكتبه، والإلحاد في آياته، وزينوا لهم أن الدين مسخرة لا فائدة فيه، وبعضهم يقول لهم: إنه أفْيُون الشعوب. فيلحذر المسلم أن يكون من أتباع الكفرة إلى نار جهنَّم. واعلموا أن هذا الذي يطلقون عليه اسم الحضارة والتقدُّم أنه شعار يحمل في داخله حقيقة الكفر والإلحاد بالله، والتمردُ على نظام السماء، والطعن في الدين، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم، والازدراء بالإيمان، والاستخفاف بأوامر الله ونواهيه، فهذا الشباب المنتشر في أقطار الدنيا الذي يقلد أولئك في كل ما يقولون ويفعلون ويعتقدون، مع أنهم يتسمون باسم المسلمين، هم أتباع، وأولئك متبوعون، ويوم القيامة قد علمتم مصير المتبوعين الداعين إلى النار، ومصير الأتباع الذين يتبعونهم، فعلى المسلم في دار الدنيا قبل أن تضيع عليه الفرصة أن لا يغتر باسم الحضارة واسم التمدن واسم التقدم، وأن ينظر في الوحي السماوي، وما هي أوامر رب العالمين الذي خلق
السماوات والأرض، وما هي نواهيه، فيخضع لأوامر ربه، ويمتثل أمر الله، ويجتنب نهيه، ويقتدي بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لئلا يكون تبعاً لكفرة فجرة يتبرؤون منه يوم القيامة ويندم، ويصير الجميع إلى النار. ودين الإسلام الذي نتكلم باسمه - الذي هو تشريع رب العالمين جلّ وعلا - لا يمكن أن يكون صخرة تعثر في طريق التقدُّم، بل هو دين كل تقدم في كل ميادين الحياة، فدين الإسلام يدعو إلى التقدم والقوة في جميع ميادين الحياة، فما يخيله الكفرة الإفرنج مِنْ أنَّهُ دين ركود وجمود ودعةٍ وإخلاد إلى الأرض، وأن المتمسك به لا يمكن أن ينهض، ولا يساير ركب الحضارة، كلها فلسفات شيطانية لا أساس لها، تروّج على ضعاف العقول. أما دين الإسلام فهو في حقيقة ذاته دين التقدُّم في جميع الميادين الحيوية، فيدعو إلى كل تقدم في جميع الميادين الحيوية، إلا أنه يُعَلِّمُ الناس أن هذه الدنيا ليست فوضى، وأن عليها ربّاً حكماً عدلاً هو خالق كل شيء، ومدبِّر كل شيء، ومنه كل شيء، وإليه مصير كل شيء، هو الذي خلق هذه الأرض والبحار، ونصب هذه الجبال ورفع السماوات، وخلق هذا الخلق، وشق أعينهم، وصبغ بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفعل بهم ما هو معروف، هذا الرب هو الذي له السلطان الأكبر، والكلمة العليا، فلا يُصدَر إلا عن أمره، فهو (جلّ وعلا) الحقيق بأن يطاع فلا يُعْصى، وأن يذكر فلا يُنْسَى، وهو (جل وعلا) أنزل كتاباً مبيناً محفوظاً من كلامه (جل وعلا)، وسنة نبوية على نبي كريم، بيَّن فيها معالم الحياة، وأقام فيها أُسس الدنيا التي إذا مشت عليها قامت بالعدالة التي لا نظير لها،
والأمن والطمأنينة والرفاهية، وانتظمت علاقاتها على أكمل وجه، مع إرضاء خالق السماوات والأرض، والعمل لدار الكرامة والخلود في الجنة في الدار الأخرى. وإذا نظرتم في القرآن فإنه لا يدعو إلى الإخلاد والضعف والعجز، لا وكلاَّ، بل إنه يدعو إلى التقدُّم والقوة في جميع ميادين الحياة، اقرءوا آية: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: آية 61] فتجدوا نص هذه الآية الكريمة يأمر بإعداد القوة، وهو مساير للتطور مهما بلغ التطور، ولو مما لا يتصوره الإنسان، فالمتكاسل الذي لا يُعد القوة لرد الكفاح المسلح، وقمع أعداء الله، هو مخالف لنظام القرآن، غير ممتثل أمر الله؛ لأن الله يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}. وإذا نظرتم في القرآن تجدونه يبين معالم السياسة، ومعالم الاجتماع، ومعالم الاقتصاد على أبدع الوجوه وأكملها في جميع مرافق الحياة. فالسياسة الخارجية مثلاً يعرف العاقلون بالاستقراء أنها تتركز على أصلين: أحدهما: إعداد القوة الكافية لرد الكفاح المسلَّح، وقمع الطغاة أعداء الإسلام. وفي هذا الأساس يقول الله: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: آية 61]. الثاني: اجتماع الكلمة اجتماعاً صحيحاً حقّاً حول كلمة لا إله إلا الله، لا تتخلله عداوات، ولا مباغضات، ولا مداهنة بالكلام جوفاء مع العداوات الباطنة. والله يقول في هذا: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُم} [الأنفال: آية 46] {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ
تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: آية 103] فمن عمل بهذين الأصلين فأعد القوة الكافية، وكانت كلمة المسلمين حول تلك القوة كلمة واحدة، وصفّاً واحداً لا يتخلله خلل ولا فشل، كانت قوتهم وافية، وكلمتهم عالية؛ وعدوهم يهابهم، ولا يستطيع أن ينتهكهم. وبيانه للسياسة الداخلية من المحافظة على الأموال، والأعراض، والأنفس، والعقول، والأديان حتى يكون المجتمع في طمأنينة، ورَفَاهَةٍ، ورخاء، قد أشرنا إليه مراراً (¬1). فدين الإسلام دين التقدُّم في جميع الميادين، لا دين إخلاد إلى الأرض وضعفٍ وركود، بل هو دين تقدُّم في الميادين. وخذوا أمثلة في القرآن في ذلك: اقرءوا إن شئتم آيتين من سورة النساء في صلاة الخوف، يقول الله فيهما: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: آية 102] وفي هاتين الآيتين: هذا وقت التحام الكفاح المسلَّح، والمفروض أن الرجال تنزل رؤوسهم عن أعناقهم!! وكتاب الله وقرآنه العظيم في هذا الوقت يُعلِّم تدبير الخطة العسكرية على أكمل الوجوه وأبدعها ليتسنى للمسلمين في ذلك الوقت الحَرِج، وذلك الامتحان العسكري أن يتصلوا بخالق السماوات والأرض، ويأتوا بأدب من آداب السماء، وتتصل أرواحهم بالله، وهو الصلاة في الجماعة في هذا الوقت الحَرِج. ¬
واقرءوا من سورة الأنفال قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا .... (¬1) [الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ} فقوله: {فَاثْبُتُواْ} تعليم عسكري سماوي، يأمر به خالق السماوات والأرض بالصمود في الميدان في خطوط النار الأمامية. وفي هذا الوقت الضنك يقول الله (جل وعلا): {وَاذْكُرُواْ الله كَثِيراً} [الأنفال: الآية 45] هكذا فليكن المؤمن قويّاً في جميع الميادين، محافظاً على آدابه الروحية، متصلاً بربه صلة روحية؛ لأن الروح المهذبة على ضوء التعليم السماوي تقود المادة والقوة قيادة طبيعية حكيمة ليس بها ويلة على البشر. [17/أ] ثم أنتم تعلمون في التاريخ أنه]، / لمّا حاصرهم الأحزاب في غزوة الخندق ذلك الحصار العسكري التاريخي العظيم، الذي نوَّه الله بشأنه، وذكر هوله وشدته في سورة الأحزاب في قوله: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي من الخوف {وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)} [الأحزاب: الآيتان 10، 11] هذا ليس زلزال أرض، ولا أن المدينة تزلزلت أرضها وجبالها، ولكنه زلزال خوف وشدة هول من كثرة العدو وإحاطته وقوته، لما جاءهم هذا الأمر العظيم ماذا قابلوا به هذا الأمر العظيم؟! وهم في ذلك الوقت ضعاف في العَدد والعُدد، يقاطعهم جميع أهل الأرض في السياسة والاقتصاد، ليست بينهم روابط سياسية مع أحدٍ من أهل الدنيا في ذلك الحين، ولا روابط اقتصادية، وهو الوقت الذي رؤي فيه صلى الله عليه وسلم يشدُّ حزامه على الحجارة من الجوع كما ذكره الأخباريون وأصحاب السير. في هذا ¬
الوقت العظيم لم يكن عندهم في ذلك الوقت من الأصدقاء إلا بنو قريظة من اليهود، كان بينهم وبينهم عهد، فعندما أحاط بهم الأحزاب نقضوا العهد وصاروا مع العدو عليهم كما هو معروف، فصار جميع أهل الدنيا أعداءً لهم، والقوة العسكرية محاصرة لهم، وهم في قلة من العَدَد والعُدد والجوع، ضعيف عسكرهم، ضعيف اقتصادهم، إلا أن قوتهم بالله قوة عظيمة هائلة، فما هو الدواء والعلاج الذي قابلوا به هذا الحصار العسكري التاريخي الهائل العظيم؟! هو الإيمان بالله، وصدق اللجوء إليه (جلّ وعلا)، كما قال الله: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22)} [الأحزاب: آية 22] ما زادهم قوة العدوّ، وإحاطته بهم، وكون الدنيا كُلاًّ أعداءهم إلا إيماناً بالله، وتسليماً لله، فنتيجة قوة هذا الإيمان وهذا التسليم عند هذه الشدائد العظيمة والكروب كان من نتائج ذلك الإيمان والتسليم ما قصه الله في محكم كتابه في قوله: {وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً (25) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا} وختمها بقوله {وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب: الآيات 25 - 27] يعني إن كنتم ضعافاً فهو جلّ وعلا ليس بضعيف بل هو قدير على كل شيء، لا يخذل أولياءه الذين يُسَلِّمُون له، ويؤمنون به إيماناً قويّاً. ومما يدّل على هذا المعنى أنه لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية - معتمراً عام ست في ذي القعدة، قيل له: إن عثمان بن عفان قُتل - لما أرسله بالهدايا إلى البيت - ثم بايعه أصحابه بيعة الرضوان تحث
شجرة الحديبية البيعة المشهورة، وكانوا وقت بيعتهم تحت الشجرة علم الله من قلوبهم الإيمان الكامل، والإخلاص التامّ الذي ينبغي، كما شهد الله لهم به في قوله: {لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: آية 18] فَنَوَّه عما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص بالاسم المُبْهم الذي هو الموصول، لمَّا علم من قلوبهم الإيمان والإخلاص لله كما ينبغي كان من نتائج ذلك الإخلاص والإيمان الذي علمه في قلوبهم ما قصه علينا في قوله: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} [الفتح: آية 21] فصرح أن إمكانياتهم العَدَدية والعُددية لم تُقْدِرْهُم عليها، ثم قال: {قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا} أي: فأقدركم عليها وجعلها غنيمة لكم. ثم ختمها فقال: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} إن كنتم ضِعَافاً فالله ليس بضعيف، وإن كنتم غير قادرين فالله (جلّ وعلا) قادر، والمتمسك بدين الإسلام لا يُغلب {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: آية 249] والقرآن لا يدعو إلى الإخلاد، ولا الخمول، ولا التأخر، وإنما يدعو إلى القوة والكفاح، والتقدم في جميع الميادين. فالذين يأخذون من الإفرنج قشور حضارتهم من الكفر والإلحاد والانحطاط الخُلقي، والتمرّد على نظام السماء، ولا يأخذون من القوة التي عندهم شيئاً، ويضعون على الإسلام أنه دين ركود، ولا يساير التطور، ويمنع التقدم، كلها فلسفات شيطانية لا أساس لها، بل دين الإسلام يأمر بالتقدم والقوة في جميع الميادين، ويأذن بأن تأخذ دنياك التي تحتاج إليها من كل برّ وفاجر، فلا مانع عند دين الإسلام من أن تأخذ حاجتك الدنيوية المحضة التي لا تمت إلى
الدين بصلة أن تأخذها من الكافر الخنزير الخسيس. وقد بيّنا مراراً (¬1) أننا نذكر ثلاثة أمثلة لهذا لنبين للناس مرانة دين الإسلام، وأنه ليس بدين خمول ولا دين تأخر، بل هو دين كفاح، ودين قوة، ودين تقدم في جميع الميادين، والنصر يأتي فيه من السماء لأن أهله يربون أرواحهم على ضوء تعليم الله (جلّ وعلا)، ويتصلون بخالقهم، فهم حزبه، وهم جيشه، وهو ناصرهم (جلَّ وعلا) على عدوهم، ومما يدل على أن دين الإسلام لم يمنع أخذ الأمور الدنيوية حتى ولو من الكفرة الفجرة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم -وهو القدوة لنا صلوات الله وسلامه عليه- لما تعاونت عليه قوى الشر، واجتمع عليه جميع قريش، ودبّروا خطتهم أن يأتيه -مثلاً- رجل من كل قبيلة، فيضربوه ضربة واحدة، فيتفرق دمه في قبائل قريش، فيقبل أولياؤه الدية. ودبّروا هذه الخطة، واضطر صلى الله عليه وسلم للخروج مهاجراً، ودخل هو وصاحبه في غار، كما قصه الله في تاريخ القرآن في سورة براءة {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: آية 40] وجد في ذلك الوقت خبيراً كافراً عنده خبرة دنيوية، ولكنه هو كافر، وهذا الخبير يسمى عبد الله بن الأريقط الدؤلي، من بني دؤل من كنانة، عنده خبرة دنيوية وهو كافر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لمرانته وقوته وعلمه بمصالح الدنيا والآخرة لم يمتنع من الانتفاع بخبرته الكافرة بسبب كفره، بل أعطاه الركائب -مراكبه هو ومن معه- وقال: في الوقت الفلاني تعال عندنا واسلك بنا طريقاً غير معهودة؛ لأن الطرق المعهودة عليها العيون والرصد من كفار قريش، وقد جعلوا الجعائل لمن يأتيهم ¬
به صلى الله عليه وسلم، فجاءه ابن الأريقط، وصار مع كفره أميناً في المعاملة، وجاءهم بمراكبهم في الوقت المعيّن، وذهب بهم في طريق غير مسلوك إلى جهة الساحل، حتى أوصلهم المدينة بسلام (¬1)، وحاشا بهم الطرق المعروفة التي عليها العيون والرصد، فهذا انتفاع من النبي صلى الله عليه وسلم بخبرة خبير كافر، ولم يمنعه كفره من أن ينتفع في دنياه بتلك الخبرة على حدّ قولهم: (اجتنِ الثمار وألْقِ الخشبة في النار) (¬2). وكذلك لما حاصرهم المشركون ذلك الحصار العسكري المنوَّه عنه آنفاً في الأحزاب - كما ذكر أصحاب السير، وأصحاب الأخبار (¬3) - أن سلمان الفارسي قال له: كنا يا رسول الله إذا خفنا خندقنا. فالخندق أشار إليه سلمان، وبيّن أنه خطة عسكرية ابتكرتها أذهان الفرس، وهم إذ ذلك مجوس يعبدون النار، فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الانتفاع بتلك الخطة العسكرية أن الأذهان التي ابتكرتها أذهان كفرة فجرة يعبدون النار وهم الفرس، بل جعل ذلك الخندق واستعان به على القوم، فهذه خطة عسكرية أصلها للكفار، وانتفع بها النبي صلى الله عليه وسلم في دنياه وهو مرضٍ ربه. وكذلك قد ثبت في صحيح مسلم (¬4) أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن الرجل إذا أتى امرأته وهي ترضع ولدها أن غشيانه أم الولد وهي ترضعه أن ذلك ¬
يضعف عظمه، ويترك فيه ضعفاً قويّاً وكان الرجل إذا ضرب بالسيف ونبا السيف عن الضريبة ولم يقطع قالوا: هذا من الغِيْلَة!! يعنون أنه وُطِئَت أمه وهي ترضعه!! كانوا يذمون هذا، وكان شاعرهم يقول (¬1): فَوَارسُ لم يغالُوا في رضَاعٍ ... فتَنْبُو في أكُفِّهمُ السُّيوفُ فأخبرته فارس والروم بأنهم يفعلون هذا ولا يضرُّ أولادهم، فأخذ به صلى الله عليه وسلم. فتراه أخذ بخبر خبيرٍ كافر، وأخذ بخطة عسكرية كافرية، وأخذ بخطة طبية كافرية، لم يمنعه من الانتفاع بالدنيا أن أصل هذا من الكفار، وهذا من مرانة دين الإسلام، وكونه ليس دين خمول ولا دين ضعف، بل هو دين تقدم في جميع ميادين الحياة. والشاهد أن ما يوسوس به الشيطان ويفلسف به أعداء الإسلام أن الإسلام ليس دين تقدم، وأنه لا يساير ركب الحضارة، كله فلسفات شيطانية يروّجونها على ضعاف العقول لينسلخوا من الدين. أما دين الإسلام فهو في حدّ ذاته دين التقدم، ودين القوة، ودين التقدم في جميع الميادين، ودين الكفاح، ودين قمع أعداء الله بالقوة حتى يذلوا ويصغروا وتكون كلمة الله هي العليا. هذا دين الإسلام. والذين يتخذون دين الإسلام هزؤاً، وأنه تقاليد قديمة لا تنفع الآن، ولا تساير ركب الحضارة، فقادته ورؤساؤه في ذلك كفرة الإفرنج، وسيحشر الجميع يوم القيامة أتباعاً ومتبوعين يقع فيهم ما ذكر الله في هذه السورة الكريمة في رؤساء الكفر وأتباعهم والعياذ بالله جلّ وعلا. ¬
فعلى كل مسلم ألا يغتر بالشعارات الزائفة، والكلمات المضلة التي تحمل في وسطها الكفر والإلحاد، والتمرد على الله من اسم الحضارة، واسم التمدُّن، واسم التقدم، فإن هذه شعارات هي في حقيقتها المقصودة عند أهلها الذين جاءوا بها تحمل الطعن في الدين، والإلحاد في آيات الله، والكفر بالله، وتحمل كل شر وطغيان فيها والعياذ بالله. فعلى شباب المسلمين أن لا يغتروا بها، ولا يجعلوا الكفرة الفجرة الخنازير سلفهم ومتبوعيهم؛ لئلا يقع بهم ما يقع بالأتباع والمتبوعين من دعاة النار والعياذ بالله، وهذا معنى قوله: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية 38]. {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39)}. لما شكا الأتباع من المتبوعين، وقالوا لربهم: {هَؤُلاء أَضَلُّونَا} قرأ {هؤلاء يضلونا} بإبدال الهمزة الأخيرة ياءً نافِعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو، وقرأ الباقون: {هَؤُلاء أَضَلُّونَا} بتحقيق الهمزتين (¬1). لما قال الأتباع هذا، وشكوا المتبوعين، وسألوا الله أن يضاعف عليهم العذاب، وهم المراد بقوله: {أُخْرَاهُمْ} لأن الأتباع يدخلون النار متأخرين؛ لأن الرؤساء أعظم منهم ذنباً فـ {أُخْرَاهُمْ} في دخول النار، أو {أُخْرَاهُمْ} درجة في الكفر هم الأتباع، و {أُولاَهُمْ} دخولاً في النار، وفي مرتبة الكفر: هم ¬
الرؤساء المتبوعون (¬1). أجاب الرؤساء المتبوعون: {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ} أي: أولى الأمم، الرؤساء المتبوعون، وهم سادة الكفر العظام الذين دخلوا النار أولاً {لأُخْرَاهُمْ} قالوا: {لأُخْرَاهُمْ} اللام: لام التبليغ؛ أي: للأتباع الذين شكوهم وطلبوا أن يزيد الله مضاعفة العذاب عليهم {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْل} الظاهر أن الفاء هي التي يقولون لها: (الفصيحة). إن شكوتمونا وسألتم لنا ضِعْف العذاب فما لكم علينا من فضل، أنتم في النار عملتم في الدنيا بالكفر كما عملنا وستخلدون في النار كما خلدنا -والعياذ بالله- وهذا معنى: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْل} فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكسبون في دار الدنيا، كما قال الله عنهم إنهم قالوا: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ} [سبأ: آية 32] يعنون: الرسل جاءتكم بآيات واضحات، ومعجزات، وكتب سماوية، ونحن ما جئناكم بشيء، فَلِمَ تتبعونا وتتركون الحق واضحاً فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم {فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} بسبب الذي كنتم تكسبونه في دار الدنيا. ثم قال (جلّ وعلا) بعد أن ذكر ما للكفار - أتباعهم ومتبوعيهم - من عذاب النار، ومضاعفة العذاب -والعياذ بالله- قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} [الأعراف: آية 40] من الأتباع والمتبوعين الكفرة {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} قرأ هذا الحرف أبو عمرو: {لاَ تُفْتَحُ لهم أبواب السماء} بالتاء الفوقية مع التخفيف. وقرأه حمزة والكسائي: {لاَ يُفْتَح لهم أبواب السماء} وقرأه الباقون وهم ¬
(نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم): {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} ففي الكلمة الكريمة ثلاث قراءات سبعيات (¬1): {لا يُفْتَح لهم أبواب السماء} وهي قراءة حمزة، والكسائي. {لا تُفْتَحُ لهم أبواب السماء} وهي قراءة أبي عمرو. {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} وهي قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر. هذه القراءات الثلاث معناها واحد. {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} وجحدوا أنها من عند الله، وتكبروا عن العمل بها من الكفار أتباعهم ومتبوعيهم قبحهم الله {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء}. في عدم فتح أبواب السماء لهم أقوال متقاربة معروفة، لا يكذب بعضها بعضاً، وهي كلها حق (¬2)، قال بعض العلماء: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} فيرفع لهم منها عملٌ صالح؛ لأن أعمالهم مردودة إلى الله، كما قال الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: آية 10] والكفار ليس عندهم عملٌ صالح يرفع كَلِمَهم، وليس عندهم كَلِمٌ طيب، قالوا: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} لترفع أعمالهم الصالحة إلى الله. وقال بعض العلماء: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} لاستجابة دعواتهم؛ لأن دعواتهم مردودة {وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [الرعد: آية 14] وقال بعض العلماء: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} أي: لا تنزل إليهم البركات والرحمات من الله (جل وعلا) نازلة مفتحة لها أبواب السماء لكفرهم. وكل هذه الأقوال حق. وذهب جماهير من المفسرين أن معنى: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ} لأرواحهم عند الموت {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} والآية تشمل هذا كله. لا تفتح لأعمالهم أبواب السماء فترفع، ¬
ولا تفتح لدعواتهم أبواب السماء لأنها غير مستجابة، ولا تفتح لهم أبواب السماء بالبركات، ولا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا. وحديث البراء المشهور المعروف عند العلماء يستدل به المفسرون على دخول القول الأخير في الآية؛ لأن حديث البراء المذكور أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وغير واحد عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خرجوا معه في جنازة أنصاري، وجلس صلى الله عليه وسلم قبل أن يُلحد الأنصاري، وأمرهم أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، ثم ذكر لهم حال الميت المسلم والميت الكافر، فقال صلى الله عليه وسلم ما حاصله وملخَّصه: إن الإنسان المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، عندهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتسيل نفسه كما تسيل القطرة من فمِ السِّقاء، فإذا سالت أخذها فلم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، فتخرج منها ريح كأحسن ما يكون من نفحة مسك على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء، كلما مروا بملأ من الملائكة قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ قالوا: هذا فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا. حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله (جل وعلا): اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فَترد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله. فيقولان: وما دينك؟
فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان: وما علّمك هذا؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة يأتيه رَوْحُها ونعيمها. ثم إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح - والمسوح: جمع مِسْح وهو الثوب الخلق البالي الخبيث الخشن السيئ والعياذ بالله- فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول: أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط وغضب من الله (جل وعلا). فتتفرّق روحه في جسده، فينزعها من جسده كما يُنزع السفود من الصوف المبلول، فإذا أخرجها لم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها ريح كأنتن جيفة وُجدت على وجه الأرض؛ ثم يصعدون بها إلى السماء كلّما مرت على ملأ من الملائكة قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ قالوا: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء فيستفتحوا له فلا يؤذن له -والعياذ بالله- وتطرح روحه طرحاً، وفي حديث البراء المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: آية 40] وأنه عند طرح روحه قرأ: {وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [الحج: آية 31] وفي القراءة الأخرى (¬1) {فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} ثم ترد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويسألانه ويقولان: من ¬
ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار. وفي بعض روايات الحديث: أنه يُسلط عليه أعمى أبكم، عنده مرزبة من حديد لو ضَرب بها جبلاً لبقي تراباً. يضربونه فيصرخ صرخة يسمعها كل الناس إلا الثقلين والعياذ بالله جل وعلا (¬1). وحديث البراء هذا جاءت بمثله أحاديث تدل على أن السماوات ( ... ) (¬2). {وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} التحقيق أن المراد بالجمل هنا هو البعير زوج الناقة المعروف. وعن ابن مسعود أنه سأله رجل عن الجمل هنا فاستهجن سؤاله وقال له: الجمل هو زوج الناقة (¬3). كأنه يستهجن سؤاله، وأن هذا لا ينبغي أن يُسأل عنه. والمراد بـ (السَّم) هو الثقب. و (الخِيَاط): الإبرة، والمعنى: أن الجمل -وهو البعير الضخم الكبير- لا يمكن أن تُدخله من ثقب إبرة الخياطة هذه، لا يمكن أن تدخل من وسطها جملاً بعِظَمِه وتفرّق قوائمه. فالجمل لا يدخل في ثقب إبرة أبداً، فهم لا يدخلون الجنة أبداً. فهذا أسلوب عربي معروف، يعلقون الشيء على ما لا يكون، فيدل على أنه لا يكون، فيقولون: لا يقع كذا حتى يقع كذا. فيكون ¬
وقوع الشيء محالاً، وهو أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬1): إذا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أهْلِي ... وَصَارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ القار: الزفت، وهو لا يَبْيَضُّ أبداً، والغراب لا يشيب أبداً. ومنه قول بشر بن أبي خازم (¬2): فرَجِّي الخَيْرَ وانْتَظِرِي إِيابِي ... إِذَا مَا القَارِظُ العَنَزِيُّ آبَا والقارظان العَنَزِيَّان لا يؤوبان أبداً. وهذا أسلوب عربي معروف. والتحقيق أن المراد بالجمل هنا هو الجمل المعروف من الإبل، وأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يضربون [المَثَل] (¬3) في العظم بالجمل كما قال الشاعر (¬4): ............................ جِسْمُ الجمال وأحلامُ العصافيرِ وقال (جلَّ وعلا) في شرر النار: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْر (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)} [المرسلات: الآيتان 32، 33] وفي القراءة الأخرى (¬5): {كأنه جِمالات صفر} هذا هو التحقيق، وأن المعنى: أنهم لا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل -البعير- الضخم الكبير ¬
مع عظمه وتفرُّق قوائمه حتى يدخل من ثقب إبرة الخياطة، وهذا لا يكون أبداً!! فدخولهم الجنة لا يكون أبداً. وهذا أسلوب عربي معروف. وهذا هو التحقيق. والقراءات الكثيرة التي تروى هنا عن السلف: {حتى يلج الجُمَّل} {حتى يلج الجُمَل} {حَتَّى يَلِجَ الجُمْلُ} وغيرها من القراءات كلها قراءات شاذة. ومعانيها لا يعتمد عليها (¬1)؛ لأنهم رووا عن ابن عباس أنه قرأ: {حَتَّى يَلِجَ الجُمَّل فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} وزعموا أن المراد بالجُمَّل هو الحبال الغليظة التي تجر بها السفينة، وأن هذه لا تدخل في عين الإبرة. فكل القراءات التي تشير إلى الجُمَّل، أو إلى الجُمَل، أو إلى الجَمْل، أو إلى الجُمْل، وغير ذلك من أنها حبال غليظة لا يمكن أن تدخل في الإبرة، كلها لا معوّل عليها، لأنها قراءات شاذة، ومعانيها غير صحيحة. والتحقيق هو قراءة الجمهور التي عليها السبعة بل والعشرة {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ} [الأعراف: آية 40] أي: حتى يدخل البعير الضخم العظيم في ثقب الإبرة. وهذا لا يكون أبداً، فدخولهم لا يكون أبداً. كقول الشاعر (¬2): إذا شَابَ الغرابُ أتيت أهلي ... وصار القارُ كاللّبن الحَليِبِ فالغراب لا يشيب أبداً، والقار -وهو الزفت- لا يَبْيَضُّ أبداً، فلا آتي أبداً. ¬
وهذا هو معنى قوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} كذلك العذاب -والعياذ بالله- وإدخال النار، وتحريم الجنة {نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} المجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو فاعل الإجرام، والإجرام: ارتكاب الجريمة، والجريمة في لغة العرب (¬1): الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال، ومادته تكون رباعية وثلاثية، تقول: (أجرم) إذا ارتكب الجريمة. وتقول العرب: (جَرَمَ) ثلاثيّاً، والثلاثي لم يرد في القرآن، ولم يرد في القرآن إلا بصيغة الرباعي {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} [المطففين: آية 29] {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هود: آية 35] {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} كله بصيغة الإجرام بالرباعي. أمّا (جرم) الثلاثي فهو مسموع في اللغة وغير موجود في القرآن. ومن أمثلته في اللغة قول الشاعر (¬2): وننصُرُ مولانَا ونعلم أنَّهُ ... كما الناسُ مجرومٌ عليهِ وجارمُ لأن (المجروم) مفعول و (الجارم) فاعل، والمفعول والفاعل لا يأتيان إلا من الثلاثي كما هو معروف في فنِّ التصريف. وهذا معنى قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ}. ثم قال: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ} أي: من النّار {مِهَادٌ} المهاد: الفراش. فراشهم من النار {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} الغواشي: جمع غاشية، والغاشية: هي اللحاف الذي يتغطى به الإنسان. معناها: لُحُفُهم التي تغطيهم من النار، وفرشهم التي تحتهم من النار والعياذ ¬
بالله (¬1). وهذا معنى قوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: آية 41] ثم قال: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} الواضعين العبادة في غير موضعها، كالمشركين والعياذ بالله. قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)} [الأعراف: الآيات 42 - 46]. يقول الله جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: الآيتان 42، 43]. لما بيَّن (جلّ وعلا) ما أعدَّ للكفار من العذاب الأليم، وأنه يدخلهم جميعهم النار، وأنهم يلعن بعضهم بعضاً -والعياذ بالله- ويطلب الأتباع زيادة مضاعفة العذاب للمتبوعين، لما بين -والعياذ بالله- ما يناله أصحاب النار من العذاب، وهم الكفرة العتاة ¬
المتمردون، والذين يجاهرون بمعاصي الله -جلّ وعلا- لما بيَّن ما للعصاة والكفار من الوعيد، بين ما للمطيعين المؤمنين من الوعد الكريم، وجرت العادة في القرآن أن الله يجمع بين الوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين هما: اجتلاب النفع، واجتناب الضر. فبين ما للمتقين من النفع يوم القيامة، وما للذين لم يتقوا من العذاب والنكال، ليكون الخوف والطمع حافزين للإنسان في دار الدنيا على طاعة الله. ومن أمثال العرب: (سوط وتمرة) (¬1) يعنون بالسوط: الشيء المؤلم الذي يُخاف. وبالتمرة: الشيء الحلو الذي يرغِّب، وهذا كثيرٌ في القرآن -الجمع بين الوعد والوعيد- كقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (50)} [الحجر: الآيتان 49، 50] وكقوله: {حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)} [غافر: الآيات 1 - 3] وكقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: آية 6] والآيات بمثل ذلك كثيرة. {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [الأعراف: آية 42] القاعدة المعروفة عند العلماء أن الإيمان إذا لم يعطف عليه العمل الصالح يشمل جميع خصال الدين من اعتقاديات وعمليات. فالإيمان على مذهب أهل السنة والجماعة قول وعمل، وإذا أُفرد الإيمان شمل جميع مسائل دين الإسلام من الاعتقاد والعمل (¬2). وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الإيمان «بِضْعٌ -في بعض ¬
الروايات: وسَبْعُونَ شُعْبَةً، وفي بعضها:- وسِتُّونَ شُعْبَةً، أعْلاهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (¬1) فسمى إماطة الأذى عن الطريق إيماناً، وهو من الأعمال. وفي الحديث: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيماناً ... » الحديث (¬2). فسمى الصوم إيماناً «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسَاباً ... » (¬3) الحديث، فسمى صلاة ليلة القدر إيماناً {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: آية 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. وأمثال هذا كثيرة جدّاً. أما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله هنا: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [الأعراف: آية 42] فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى رُكْنِهِ الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكل ما يجب الإيمان به مما بينته السنة الصحيحة والقرآن العظيم؛ لأن العمل هنا نُصَّ عليه في قوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} ولو لم يُنص على العمل لدخل في الإيمان؛ لأن القلب إذا آمن إيماناً صحيحاً تبعه جميع -سائر- الأعضاء؛ لأن القلب أمير البدن، إذا تَوَجَّهَ إلى جِهَة وجَّه إليها البدن، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (¬4). ¬
وقوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} أي: آمنت قلوبهم، وظهرت آثار ذلك الإيمان في القلوب على الجوارح، فعملت الجوارح بطاعة الله جل وعلا. وقوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} معناها: عملوا الفعلات الصالحات. والعمل الصالح ضابطه عند العلماء: هو (¬1) ما استكمل ثلاثة أمور، فكل عمل استكملت فيه هذه الأمور الثلاثة فهو صالح، وكل عمل اختل فيه واحدٌ منها أو أكثر، فهو عمل غير صالح: الأول من هذه الأمور الثلاثة: أن يكون ذلك العمل مطابقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله لا يقبل التقرُّب إليه بغير ما شرع، فكل مَنْ تَقَرَّبَ إلى الله بعمل لم يشرعه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فعَمَلُهُ مَرْدُود عليه، وذلك التقرُّب لا يزيد من الله إلا بُعْداً. فلو قال جاهل مثلاً: إن صلاة الصبح ركعتان، فهي قليلة، فأنا أريد أن أزيد بركعة تقرباً لله، فيجعلها ثلاثاً كالمغرب، فإنها تبطل وتُرد عليه، ويضرب بها وجهه؛ لأنه جاء بها على غير الوجه الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يزيد ولا ينقص، فالزيادات على ما شرعه الله بدعوى التقرب هي باطلة. مثالها عند العلماء كالورم، فهو زيادة في العين بأن يكون العضو كبيراً وهو في الحقيقة نقصان؛ لأنه ألمٌ وفَسَادٌ، فالذي ينبغي هو اتباع سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم -كما ينبغي طبق الأصل- من غير أن يزيد وأن لا ينقص. فهذا هو الأول من الأمور الثلاثة، أن يكون مطابقاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ¬
فَانتَهُوا} [الحشر: آية 7] ويقول: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} [النساء: آية 80] ويقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله} [آل عمران: آية 31]. الثاني: أن يكون ذلك العمل فيما بين العَبْدِ وَرَبِّهِ؛ أي: في نية العبد الباطنة التي لا يطلع عليها إلا الله: أن يكون مخلصاً ذلك العمل لله لا يشرك معه فيه غيره. فإن كان ذلك العمل -في نية العبد وباطنه الذي لا يعلمه إلا الله- غير خالص لله فليس بعمل صالح، وإنما هو عمل طالح؛ لأن الله يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: آية 5] فالذي عَبَد الله بغير الإخلاص له جاء بما لم يؤمر به، والله يقول: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ (11)} [الزمر: آية 11] وفي الآية الأخرى: {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ} [الزمر: آية 15]. فالأول: مطابقة الشرع في الظاهر. والثاني: الإخلاص من العبد فيما بينه وبين الله في السر الذي لا يعلمه إلا الله. والثالث: أن يكون ذلك العمل مبنيّاً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العقيدة الصحيحة كالأساس، والعمل كالسقف، فإذا وجد السقف أساساً ثبت عليه، وإن لم يجد أساساً انهار، فالذي ليس عنده عقيدة صحيحة لو عمل الأعمال المطابقة، وأخلص فيها لله لا تنفعه في الآخرة؛ لأنها لم تُبْنَ على أساس؛ ولهذا يقول الله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: آية 124] فيشترط الإيمان بالعقيدة
الصحيحة. ويقول في عمل غير المؤمن: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (23)} [الفرقان: آية 23] ويقول في أعمال غير المؤمنين: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} [إبراهيم: آية 18] وفي آية: {كَسَرابٍ} [النور: آية 39] فأعمالهم باطلة -والعياذ بالله- فالكفار الذين لا عقيدة لهم ولا إيمان بالعقيدة الصحيحة قد يعملون أعمالاً صالحة يريدون بها وجه الله، كأن يبرّ الواحد والديه، وينفس عن المكروب، ويقري الضيف ويعين المظلوم، فهذه أعمال صالحة أخلص فيها لله ولكنها لا تنفعه يوم القيامة؛ لأنها لم تبُنَ على أساس عقيدة صحيحة، وإيمان بما يجب الإيمان به في الكتاب والسنة، لكن أعمال الكفار إن وقعت في الدنيا صالحة مطابقة للشرع مخلصون فيها يثيبهم الله بها في دار الدنيا؛ لأن الله لا يضيع عنده شيء، كما قال جل وعلا: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [وَهُمْ فِيَها لاَ يُبْخَسُونَ (15)] [7/ب] /أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16)} [هود: الآيتان 15، 16] وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس (¬1) أن الله (جلَّ وعلا) يطعم الكافر بحسناته في الدنيا حتى يرد على الله يوم القيامة ولا جزاء له. وهو أحد التفسيرين في قوله (جل وعلا): {وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور: آية 39] فأحد التفسيرين: فوفاه حسابه في دار الدنيا، يعني: عمل الكافر بالعافية والمال والرزق والتنعم في الدنيا على أحد القولين كما سيأتي. ¬
فحيث اجتمعت هذه الأمور الثلاثة - بأن كان العمل مطابقاً للشرع، وصاحبه مخلص فيه فيما بينه وبين الله، وكان صاحبه بانيه على عقيدة صحيحة - فهذا عمل صالح ينفعه يوم القيامة، وهو الذي وعد الله أهله بالجنة في هذه الآية التي نحن بصددها وغيرها من الآيات، وحيث اختل أحد تلك الأمور الثلاثة لم يكن عملاً صالحاً كما بَيَّنَّا. وقوله: {الصَّالِحَات} [الأعراف: آية 42] أصله يستشكل طالب العلم: ما مفرد الصالحات؟ لأن العمل الصالح لا يجمع على صالحات. وإذاً فما مفرد الصالحات؟ والتحقيق أن مفرد الصالحات: صالحة؛ لأن العرب تسمي الخصلة (¬1) الطيبة: حسنة، وتسميها: صالحة. وهذا معروف في كلامهم، تقول مثلاً: فعل فلان حسنة، وفعل صالحة. كما قال تعالى: {مَن جَاءَ بالحَسَنَةِ} [االأنعام: آية 160] أي: بالخصلة الحسنة، وكذلك من فعل الصالحة كالحسنة، أي: هي الخصلة الطيبة التي ترضي الله. وهذا معروف في كلام العرب. ومن إطلاق الصالحة على الخصلة الطيبة: قَوْلُ أبي العاص بنِ الرَّبِيع في زَوْجِهِ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبياته المشهورة (¬2): ذَكَرْتُ زَيْنَبَ بَالأَجْزَاعِ مِنْ إِضَما ... فَقُلْتُ سَقْياً لِشَخْصٍ يَسْكُنُ الحَرَمَا بِنْتُ الأَمِينِ جَزَاكِ اللهُ صَالِحَةً ... وَكُلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِالَّذِي عَلِمَا ¬
فقوله: «صالحة» أي: خصلة حسنة. ومنه بهذا المعنى قول الحطيئة (¬1): كيفَ الهجاءُ ولا تنفكُّ صالحة ... من آل لأْمٍ بظهرِ الغَيبِ تَأْتِينِي يمدح بني لأم من الطائيين يقول: كيفَ الهجاءُ ولا تنفكُّ صالحة ... ................................. أي: فعلة صالحة طيبة. ........................... ... من آلِ لأْمٍ بظهرِ الغيبِ تأتيني وسُئِل أعرابي فقيل له: ما الحب؟ فقال (¬2): الحُبُّ مَشْغَلةٌ عَنْ كُلِّ صَالحةٍ ... وسَكْرَةُ الحُبِّ تَنْفِي سَكْرَةَ الوَسَنِ وقوله: «عن كل صالحة» أي: كل خصلة طيبة. فمعنى {وَعمِلُوا الصَّالحَاتِ} [الأعراف: آية 42] فعلوا في دار الدنيا الفعلات - الخصلات - الطيبات من كونها مطابقة للشرع، وكون فاعلها مخلصاً فيها لله، مبنية على عقيدة صحيحة، وإيمان صحيح بالله وبِرُسُله، وبكل ما يجب الإيمان به. وقوله: {لاَ نُكَلّفُ نَفساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأعراف: آية 42] جملة اعتراضية بين المبتدأ وخبره، واعتراضها هنا من ألطف شيء؛ لأن الله لمَّا بين أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلون الجنة كأنه قال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة، هم فيها خالدون. فكأن الإنسان يخطر في ذهنه أولاً: الجنةُ مع عظمها وما ¬
فيها من الملاذ والكرامات لا يمكن أن يستحقها أحد إلا بعد تعب هائل، وعناء شديد عظيم طويل، فبين الله أنه في هذه الشريعة السمحة التي جاء بها هذا النبي الكريم، أن الجنة تنال -مع عظم قدرها، وما فيها من اللذات والكرامة، وجميع الخيرات- بعملٍ سهل، لا مشقة فيه، ولا عناء ولا تعباً شديداً فيه؛ ولذا قال قبل أن يأتي بالخبر الذي هو: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: آية 42] قال: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} اعلموا أن جنتي التي بَينت لكم ما فيها من الخير، وما فيها من النعيم، والحور، والولدان، والجنان، والأشجار المثمرة، والغرف العالية، وأنهار العسل، والماء، واللبن، والنساء الحسان، وغير ذلك من اللذات والمكارم ونضرة النعيم والخلود الذي لا يزول، الذي لا يداخله سقم ألبتة، ولا هرم ولا مرض. اعلموا أن هذه الجنة التي هي بهذه المثابة من العظَم، وعلو الأمر، وارتفاع الشأن، أني أدخلكم إياها على عمل ليس بالصعب، ولا بالشديد، لا يستلزم المشقة الفادحة، ولا العناء العظيم، بل هو سهل خفيف، لا نكلف أحداً فيه إلا ما يطيقه، فمن عجز عن أن يصوم لسفر أو مرض أفطر ثم صام عدة من أيام أُخر، ومن لم يستطع الصلاة قائماً فليصل قاعداً، وهكذا، كما قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: آية 119] فإنه عند الضرورات يبيح لكم ما كان محرَّماً، ويخفف عليكم عند المشقات، والتخفيف عند المشقات إحدى القواعد الخمس التي بني عليها الفقه الإسلامي، وهي معروفة في الأصول (¬1): ¬
الأولى منها: الضرر يزال. الثانية: المشقة تجلب التيسير. وهو هذه. الثالثة: لا يرتفع يقين بشك. الرابعة: أن أعمال الناس ومعاملاتهم تبعٌ لأعرافهم وعوائدهم وما يعرفون. الخامسة: الأمور بحسب مقاصدها. والشاهد أن منها: المشقة تجلب التيسير {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأعراف: آية 42] أي: طاقتها. فالوسع: الطاقة. أي: لا نكلف أحداً ما يعجز عنه أو يشق عليه مشقة عظيمة، فالوسع: الطاقة التي يكون صاحبها في اتساع، ولا يرهقه ضيق عظيم هائل. وهذا مما يبين أنَّ الله يسَّر الوصول إلى هذه الدار الكريمة، وهي الجنة، على لسان هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. فقد وضع في شريعته وعلى لسانه الآصار والأثقال، وأغلال التكاليف الشاقة التي كانت على مَنْ قَبْلَنَا، وجاء بها حنيفيَّةً سَمْحَةً هيِّنَةً لا ضيق فيها {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: آية 78] {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: آية 185] ولهذه الحكمة جاءت الجملة الاعتراضية بين المبتدأ والخبر {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: طاقتها وما تفعله في سعة لا يرهقها فيه ضيق وعناء شديد. ثم جاء بالخبر: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: آية 42] {أُولَئِكَ} مبتدأ و {أَصْحَابُ} خبره، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو الموصول في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} خلوداً أبديّاً {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} [الكهف:
آية 108] {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: آية 108] {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (54)} [ص: آية 54] لا يمرضون، ولا يشيبون، ولا يزول عنهم النعيم، بل هم في سرور ونعيم دائم، يتمتعون بأنواع المآكل، والمشارب، والمفارش، والمناكح، إلى غير ذلك ممَّا بَيَّنَهُ الله في آيات كثيرة. وقد قدمنا (¬1) أن الجنة في لغة العرب: البستان؛ لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه. وجاء في القرآن إطلاق الجنة على البستان كقوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: آية 17] وهي قصة بستان معروف في أطراف اليمن، كما يأتي في تفسير سورة القلم إن شاء الله. وكقوله جلّ وعلا: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [الكهف: آية 35] إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق العرب الجنة على البستان كما قدمنا قول زهير (¬2): كَأَنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَي مُقَتَّلَةٍ ... من النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا يعني بقوله: «جنة»: بستان نخل. وقوله: «سُحُقا» جمع سَحُوق، والسَّحوق: النخلة الطويلة. أما الجنة في اصطلاح الشرع: فهي دار الكرامة التي أعد الله لعباده المؤمنين، وهي شجرة مثمرة، ونهر مطَّرد، وغرفة عالية، وزوجة حسناء، ورضى لا سخط بعده، والمؤمنون فيها ينظرون إلى وجه الله الكريم، كما جاء في آيات وأحاديث صحيحة، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. وهذا معنى قوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 42] ومن أعظم السرور: الخلود؛ ¬
لأن أكبر ما يُنكد اللَّذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فترى الإنسان في سرور متمتعاً بنسائه الحسان، وماله، ونعيمه، ولذاته في الدنيا، فإذا خطر على قلبه أنه يموت، وتنكح نساؤه بعده، وتقسم أمواله، تكدرت عليه تلك اللذائذ وبقي مهموماً؛ ولذا كان الخلود الأبدي وعدم الانقطاع هو ما تتم به اللذة في [الآخرة] (¬1)؛ ولذا قال الله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يزولون عنها أبداً، فلا تورث ديارهم من بعدهم، ولا تُنكح نساؤهم من بعدهم، ولا يصير ما عندهم من النعيم لأحدٍ بعدهم، هم خالدون في ذلك النعيم، وقد صدق من قال (¬2): أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالا فالسرور إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار عليه غمّاً. وقد أوضح هذا بعض الشعراء فقال (¬3): أُحِبُّ لَيَالي الهَجْرِ لاَ فَرَحاً بِهَا ... عَسَى الدَّهْرُ يَأْتِي بَعْدَهَا بِوِصَالِ ... وَأُبْغِضُ أَيَّامَ الْوِصَالِ لأَنَّنِي ... أَرَى كُلَّ وَصْلٍ مُعْقَباً بِزَوَالِ فالفكرة بالزوال تُكَدِّرُ اللَّذَّات الحاضِرَة؛ ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات؛ لأن مَنْ تَذَكَّرَهُ ضَاعَتْ عليه لذته التي هو فيها؛ لأنه يقطعها؛ ولذا قال: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 42] لا يزول عنهم ذلك النعيم حتى تتكدر غبطتهم به بزواله. ¬
قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: آية 43]. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: آية 43] لما كان أهل الدنيا على مصادقتهم والقرابات بينهم يكون بينهم الغل، والغش، والبغضاء، والحسد، بيّن الله أن أهل الجنة سالمون من هذا الداء الذي يصاب به أهل الدنيا. {وَنَزَعْنَا} صيغة الجمع للتعظيم، والله (جلَّ وعلا) هو الذي نزع {مَا فِي صُدُورِهِم} أي: صدور عبادنا المؤمنين الذين هم أصحاب الجنة، نزعنا جميع ما في صدورهم من غلّ. واختلفت عبارات العلماء في الغلّ إلى معاني متقاربة (¬1)، والظاهر أنه يشملها كلها، فبعضهم يقول: الغلّ: الحقد الكامن، وبعضهم يقول: هو البغض، وبعضهم يقول: هو الحسد والكراهية. وهو يشمل ذلك كله؛ لأن الإنسان قد يكون في قلبه للآخر حقد كامن، وحسد، وبغض، يكون هذا بين الآدميين، فالله (جلّ وعلا) يوم القيامة ينزع من صدور المؤمنين في الجنة جميع الأحقاد، فلا يكون هنالك أحدٌ يضمر حقداً لأخيه، ولا بغضاً، ولا حسداً، ولا غشّاً، بل ليس بينهم إلا التوادّ الكامل، والتعاطف والتناصح، يحب بعضهم بعضاً، ومن آثار ذلك أن منازلهم متفاوتة ينظر بعضهم منازل بعضٍ فوقه كما ننظر النجم في السماء، ومع ذا لا يحسده على ارتفاع منزلته عليه، بل هو يحبه ¬
ولا يضمر له في ذلك حسداً ولا غِلاً، وذكر غير واحد عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه قال: «أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}» ذَكَرَهُ عَنْ عَلِيٍّ (رضي الله عنه) غير واحد؛ قتادة وغيره، وكثير من طُرُقِهِ فيها انقطاع، والله أعلم بصحته إليه، ولكنه مشهور فائض على ألسنة المفسرين والعلماء والله أعلم بصحته عنه (¬1)، ولا شك أنهم إن كان بينهم في الدنيا شيء؛ لأن طلحة والزبير ممّن قاتل عليّاً (رضي الله عنه) يوم الجمل، وبعضهم يزعم أنه كان بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشيء، مع أن الذي يظهر أن عليّاً وعثمان لم يكن أحدهما يضمر للآخر إلا الطَّيِّب، وكان تسليم الحسن بن علي رضي الله عنه الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عن الجميع) فيها أعظم منقبة لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)؛ لأن كثيراً من الناس كانوا يتهمون عليّاً (رضي الله عنه) بما هو بريء منه، أن له ضلعاً في قتل عثمان، وأنه كان يقول له الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان من أمّه، يعرّض بعلي (¬2): ¬
بَنِي هَاشِمٍ رُدّوا سِلاحَ ابْنِ أُخْتِكُمْ ... وَلاَ تنهبُوه لاَ تَحِلُّ مَنَاهبُهْ ... بَنِي هَاشِمٍ كيْفَ التَّعَاقُدُ بَيْنَنَا ... وَعِنْدَ عَلِيٍّ سَيْفُه وحَرَائِبُهْ وكانوا يظنون بأمير المؤمنين علي (رضي الله عنه وأرضاه) أنه مقصِّر في القَوَد من قَتَلَة عثمان، وأنه قادر على أن يقتلهم، وأنه مقصّر، فلما سلّم الحسن (رضي الله عنه) الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان -مصداقاً لحديث جدّه: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي» (¬1) - فصار الأمر كله إلى معاوية، وهو وليّ الدم الذي كان يطالب به في أهل الشام، وكان امتناعه من بيعة عليّ لا يعلله بعلّة إلا أنه يُمَكِّن من قَتَلَة عثمان فيقتلهم قصاصاً، ثم يبايع عليّاً، فلما خلصت الخلافة لمعاوية ولم يبق له منازعٌ أبداً، واجتمعت عليه كلمة المسلمين، وصار والياً على جميع المسلمين لا منازع له، لما سلّمه الحسن الخلافة -رضي الله عنه- لم يستطع معاوية أن يقتل واحداً كائناً ما كان ممن قتلوا عثمان -رضي الله عنه (¬2) - فتبينت بذلك براءة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه وأرضاه- مما كانوا يتهمونه به، فصار في تسليم الحسن الخلافة لمعاوية أعظم منقبة لعلي -رضي الله عنه- وأعظم براءة مما كان يُتَّهمُ به مِمَّن لا يعلم ولا يقدّر فضله رضي الله عنه. وقوله جلّ وعلا: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: آية 43] قال بعض العلماء: الله ينزعه من صدورهم بعد أن يدخلوا الجنة. ¬
وقال بعض العلماء: ينشئهم النشأة الجديدة على فطرة سليمة خالية من الأحقاد. فظاهر الآية أنَّهُمْ يَوْمَ القيامة يبعثون وهو موجود فيهم، إلا أن الله يسله وينزعه منهم (¬1)، بدليل قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: آية 43] وقد قال في سورة الحجر {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47)} [الحجر: آية 47] وهذا من أعظم كمال اللذات حيث يكون الإنسان خالداً مخلداً، وحيث يكون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم ليس بين اثنين منهم شحناء، ولا عداوة، ولا حقد، ولا حسد، ولا مخاصمة، وكل هذا من كمال النعيم. وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} [الأعراف: آية 43] أعربه بعضهم حالاً، وبعضهم منع إتيان الحال هنا لأنه قال: {وَنَزَعنَا} فاعلها لا دخل له في الجملة فلا يمكن أن تكون حالاً، وبعضهم يقول: يصح أن تكون حالاً. فعلى أن الجملة حالية فلا إشكال، وعلى امتناع الحالية فيها -كما زعمه بعض علماء العربية- فهي كلام آخر مستأنف مما يعطيهم الله (¬2). {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} أي: من تحت قصورهم وغرفهم العالية {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} سائلة. يقول بعض العلماء: أنهار الجنة تجري في غير أخدود (¬3). ويذكرون أن المؤمن في غرفته العالية قد يشير إلى النهر تحته فيصعد إليه حتى يقضي منه حاجته. كما يأتي في تفسير قوله: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)} [الإنسان: آية 6] ¬
ولا غرابة في ارتفاع الماء إلى ولي الله في غرفته من الأرض؛ لأنه يشاهد في الدنيا ما هو أعظم من هذا وأغرب؛ لأنك أيام البلح تأخذ بلحة من نخلة طويلة سحوق، فإذا ضغطت على البلحة بضرسك طار منها الماء!! وهذا الماء إنما أَخَذَتْهُ من عروقها، فصعد من ثرى الأرض ومن عروق النخلة وطلع مع هذا الجذع القوي الخشن، طلع معه الماء ورفعه الله من هذا البعد العالي بقدرته، فمن فعل هذا فلا يصعب عليه أن يرفع الماء إلى غرف المؤمنين العالية. وهذه الأنهار مختلفة الألوان والأشكال، كما قال تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد: آية 15]. وهذا معنى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ}. {فِي جَنَّاتِ النَّعِيم} (¬1) [يونس: آية 9] تارة يفرد الجنة نظراً إلى أنها اسم جنس، وتارة يجمعها. وإضافتها إلى النعيم لأنهم يتنعمون فيها بجميع اللذائذ، وتظهر على وجوههم نضرة النعيم، فهم في غاية النعيم، والنعيم ضدّ البؤس، فهم في نعمة دائمة ظاهرة آثارها على أبدانهم، في نضرة وجمال وسرور وغبطة، لا يشيبون ولا يهرمون ولا يمرضون؛ ولذا قال: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس: آية 9]. {وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: آية 43] بين الله ¬
أنه لما أدخل أهل الجنة الجنة حمدوا الله على نعمه، وذلك ذكره عنهم في مواضع كثيرة كقوله عنهم أنهم قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)} [فاطر: الآيتان 34، 35] وقال عنهم هنا أنهم حمدوه أيضاً فقالوا: {الحَمْدُ لله} الحمد (¬1): معناه كل ثناءٍ جميل ثابت لله (جل وعلا)؛ لأنه يستحقه لذاته؛ ولأنه يستحقه علينا بما أنعم علينا حيث أدخلنا هذا النعيم الخالد الذي لا يزول. {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أي: وفقنا للطريق التي ينال بها هذا الثواب العظيم وهو الجنة. نحمد الله على أن وفقنا في دار الدنيا، وهدانا إلى الإيمان به واتباع رسله حتى نِلْنَا بذلك العَمَلَ الصَّالِحَ هذا الجزاء المقيم، والنعيم العظيم. {الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} ثم قالوا: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} [الأعراف: آية 43] هذه اللام هي التي تسمى في النحو بلام الجحود، وهي تؤكد النفي، تؤكد نفي هدايتهم لولا أن الله هداهم، وتسمى لام الجحود ولا تكون إلا بعد كونٍ منفي، نحو: ما كان، ولم يكن، والفعل منصوب بعدها بـ (أن) مضمرة (¬2). {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} إلى الطريق التي هذا ثوابها وجزاؤها {لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: آية 43] المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل رفع؛ لأن ما بعد (لولا) مبتدأ خبره محذوف غالباً. ¬
والمعنى: لولا هداية الله موجودة لما نلنا هذا الجزاء، ولما هُدينا إلى هذا العمل الذي هذا جزاؤه. وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا الشامي، أعني ابن عامر: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} وقرأه ابن عامر وحده: {ما كنا لنهتدي} بلا واو (¬1). والمصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو، وإنما فيها: {ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} بلا واو، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان؛ ولأجل هذا الاختلاف بزيادة حرفٍ في بعض القراءات الصحيحة وحذفه من القراءات الأخرى كان ذلك سبب تعدد نسخ المصحف العثماني، تعدد نسخه لتكون نسخة فيها الواو ونسخة لا واو فيها، فبعض المصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو وإنما فيها: {ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} بلا واو، وهي قراءة الشامي، وهو ابن عامر. وهذا معنى قوله: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله}. ثم قالوا على سبيل الفرح والغبطة والسرور: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية 43] والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق؛ لأن العمل الصالح الذي أَمَرَتْنَا به، والجزاء الذي وَعَدَتْنَا أن نناله هذا هو قد تحقق لنا، ودخلنا الجنة التي كانوا يعدوننا في دار الدنيا على الأعمال الصالحة. والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق الثابت الذي لا شك فيه فما كذبونا ولا دلسوا لنا، وإنما جاءونا بالحق. وقالوا هذا على وجه السرور والغبطة؛ لأن من دخل في غبطة وسرور يتكلم بهذا الكلام تلذذاً لا يقصد غير ذلك. ¬
ولما قالوا هذا الكلام: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} قالوا هذا {وَنُودُواْ} [الأعراف: آية 43] أي: نودوا من قِبَل الله، ناداهم الله أو ملك من الملائكة بأمر الله {أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ} [الأعراف: آية 43] (أن) هذه فيها وجهان (¬1): زعم بعضهم أنها المخففة من الثقيلة. و (أنْ) إذا خففت من الثقيلة - (أن) المفتوحة - لم يبطل عملها، ويكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها. وأظهر القولين أنها هنا هي التفسيرية. ومعنى التفسيرية أن ما بعدها يفسر ما قبلها، فنفس النداء الذي نودوا به هو قوله: {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: آية 43] وضابط أَنْ التفسيرية: التي يكون ما بعدها تفسيراً لما قبلها هي أن يتقدمها ما فيه معنى القول وليس فيه حروف القول (¬2)، أعني: (القاف، والواو، واللام) وقد تقدمها ما فيه معنى القول؛ لأن النداء فيه معنى القول، وليس فيه حروف القول، فيظهر أنها تفسيرية، خلافاً لمن زعم أنها مخففة من الثقيلة. {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ} (تلك) إشارة إلى الجنة، نظراً إلى أنها اسم جنس. وقوله: «كُم» هو حرف خطاب للمخاطبين؛ لأنهم جمعٌ كثير {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} معناه: أعطيتموها. فإيراث الجنة: إعطاؤها وليس المراد به أنها مأخوذة من أموات كميراث الميت، كما يزعمه بعضهم، بل المراد بإيراثها: أن الله أعطاهم إياها، وأدخلهم إياها، وأباحها لهم، خلافاً لمن زعم أن معنى إيراثهم لها أن الله جعل لكل نفس منفوسة مسكناً في الجنة ومسكناً في النار، فإذا أدخل أهل الجنة ¬
الجنة، وأهل النار النار اطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار -لو أنهم كفروا بالله وعصوه- لتزداد غبطتهم وسرورهم، وعند ذلك يقولون: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: آية 43] ثم إنه يطلع الكفار على منازلهم في الجنة -لو أنهم آمنوا وأطاعوا الله - لتزداد ندامتهم وحَسْرَتُهُمْ، وعند ذلك يقول الواحد منهم: {لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: آية 57] قالوا: ثم إن الله يُعْطِي مَنَازِلَ أهْلِ النَّارِ في الجنة لأهل الجنة، وكأَنَّ أهل النار أموات؛ لأن من في العذاب الذي هم فيه ميت؛ لأنهم يتمنون الموت فلا يجدونها (¬1)، فكأنهم ورثوها عنهم. وهذا وإن جاء به حديث فلا يصلح لتفسير الآية؛ لأن الله قال: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: آية 43] ولم يقل: «أورثتموها من أهل النار». فصرح أنه أورثهم إياها بما كانوا يعملون، أي: بسبب ما كنتم تعملون في دار الدنيا من طاعة الله. وتمسك المعتزلة بظاهر هذه الآية وأمثالها من الآيات فقالوا: إن العبد هو الذي خلق فعل نفسه في الطاعات، واستحق به الجنة لا بفضلٍ من الله -جل وعلا- أعاذنا الله من مقالتهم. وهنا يشنع الزمخشري في تفسير هذه الآية (¬2) -لأنه معتزلي- على من يقول: إنهم دخلوا الجنة بفضل الله ورحمته فيقول: قال المبطلة: إنهم دخلوها بفضل الله، والله يقول: إنهم دخلوها بأعمالهم. وهذا جهل من المعتزلة وعدم علم بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في الحديث الصحيح ¬
أنه قال: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (¬1) وهذا الحديث الصحيح أصله فيه إشكال بينه وبين هذه الآيات التي يستدل بها المعتزلة، كقوله هنا: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً (63)} [مريم: آية 63] وأمثال ذلك. وللعلماء أجوبة كثيرة عن الإشكال بين الحديث وبين هذه الآيات وما جرى مجراها من الآيات (¬2)، وأظهر أوجه التوفيق عندنا: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا تَقَبَّلَهُ الله منه، ولا يَعْمَلُ عَمَلاً صالحاً إلا إِذا وفَّقَه الله إليه وأعانَهُ عليه. فلما كان العمل الصالح الذي ¬
هو سَبَب دخول الجنة لا ينفع إلا إذا تَقَبَّلَه الله، ولو شاء لم يَتَقَبَّلْهُ، ولا ينفع إلا إذا وفَّقَ الله إليه ولو شاء لم يوَفِّق إليه، صار كل شي بفضله ورحمته -جلّ وعلا- كما هو الحق وهو الصواب. وهذا معنى قوله: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: آية 43] أي: في دار الدنيا من طاعات الله، ودخلتموها بفضل الله ورحمته حيث تقبل منكم تلك الأعمال الصالحة، ووفقكم إلى فعلها في دار الدنيا، وأعانكم عليها برحمته وفضله، وتقبلها منكم، فلو لم يوفقكم لها ويعنكم عليها لما قدرتم على فعلها، ولو لم يَتَقَبَّلْهَا منكم لما نفعتكم أبداً، وكل هذا بفضله ورحمته جلّ وعلا. {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ (44)} [الأعراف: آية 44] بين (جلّ وعلا) أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وبيّن ما يقوله أهل النار في النار من التخاصم، ولَعن بعضهم لبعض: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} وسؤال بعضهم مضاعفة العذاب لبعض، وما يقوله أهل الجنة من حمد الله، والثناء عليه للتوفيق، والغبطة بالخلود، ونزع الأحقاد والغلال (¬1) التي كانت بينهم، لما بيّن هذا كله بيَّن أن أهل الجنة ينادون أهل النار كالموبخين على نوع من التوبيخ والشماتة بهم؛ لأنهم كانوا يكذبون في الدنيا بالنار والجنة. {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} وهذا النداء للعلماء فيه سؤالات: هل نادى جميع أهل الجنة جميع أهل النار؟ أو نادى بعضهم بعضاً؟ وظاهر القرآن أنه نداءٌ عام. وقال بعض العلماء: كل ¬
ناسٍ من المؤمنين ينادون من كانوا يعرفونهم في الدنيا من الكفار: يا أصحاب النار هل وجدتم ما وعد ربكم حقّاً؟ فنحن وجدنا ما وعدنا من النعيم حقّاً، فهل وجدتم ما كان يقال لكم من الوعيد بالعذاب حقّاً (¬1)؟ {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا} (أَنْ) هذه كالتي قبلها في القول بأنها تفسيرية أو مخففة من الثقيلة. وقد ذكرنا الكلام عليها آنفاً (¬2). {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} من الجنة، والنعيم المقيم، والخلود الأبديّ في نعمِ الله، وجدناه حقّاً من الله، وصَدَقَنا وعده {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء} [الزمر: آية 74] فوجدنا وعد الله بالنعيم، والخلود الأبدي في الجنة على ألسنة الرسل، وجدناه حقّاً، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من العذاب، والنكال، ودخول النار، هل وجدتموه حقّاً؟ وهذا سؤال توبيخ وتقريع وشماتة، والعياذ بالله. قالوا في ذلك الوقت معترفين حيث لا ينفع الاعتراف، نادمين حيث لا ينفع الندم: {قَالُواْ نَعَمْ} [الأعراف: آية 44] وجدنا ما وعده الله من العذاب والنكال على ألسنة الرسل حقّاً، ووجدنا أن تكذيبنا به في دار الدنيا سفاهة منا وجناية على أنفسنا. وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا عليّاً الكسائي {قَالُواْ نَعَمْ} بفتح النون والعين. وقرأه الكسائي وحده: {قالوا نَعِم} (¬3) و (نَعَم) ¬
و (نَعِم) لغتان كلاهما تأتي بمعنى الأخرى على الصواب. و (نَعَم) لا تكون جواباً إلا لاستفهام مُثْبَت، ولا تكون جواباً لاستفهام منفي، فلو كانت الآية: «ألم تجدوا ما وعدكم ربكم حقاً؟» بالنفي لما جاز أن يجاب بـ (نعم) وإنما يجاب بـ (بلى) هذا هو المعروف؛ لأن المكان الذي تصلح به (بلى) لا تصلح به (نعم) والمكان الذي تصلح به (نعم) لا تصلح به (بلى). و (بلى) تأتي في اللغة العربية وفي القرآن العظيم لمعنيين لا ثالث لهما: أحدهما: أن (بلى) تأتي لنفي النفي، فهي نقيضه (لا) لأن (لا) لنفي الإثبات، و (بلى) لنقيض النفي، فإذا جاء نفي في القرآن ثم جاءت بعده (بلى) فإن (لا) تنفي ذلك النفي، ونفي النفي إثبات. فيصير ما بعد (بلى) إثبات؛ لأنها نفت النفي الذي قبلها، ونفي النفي إثبات. وهذا كثيرٌ في القرآن، كقوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا} نفوا البعث بأداة النفي التي هي (لن) {قُلْ بَلَى} فنفى الله نفيهم للبعث، فثبت البعث؛ ولذا قال: {وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: آية 7] وكقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ} [سبأ: آية 3] نفوا إتيان الساعة بحرف النفي الذي هو (لا)، قال الله: {بَلَى} [سبأ: آية 3] فنفت نفيهم، وأثبتت إتيان الساعة؛ ولذا قال بعده: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: آية 3] وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب. المعنى الثاني: أن تأتي (بلى) جواباً لاستفهام مقترن بالنفي خاصة، لا لاستفهام إيجابي، كقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: آية 172] {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى} [يس: آية 81] وهكذا. ولا يجوز أن يقال في هذا: نعم. أما إن كان السؤال بالإثبات فالجواب بـ (نعم) لا بـ (بلى) فلو
قلت: هل جاء زيد؟ فالجواب: نعم قد جاء زيد. وقلت: أليس زيد قد جاء؟ فالجواب: بلى. لا بـ (نعم) (¬1). وما سُمع من كلام العرب في إتيان (نعم) بعد الاستفهام المقترن بالنفي الذي هو موضع (بلى) فإنه شاذّ يُحفظ ولا يُقاس عليه. وقد سُمع في كلام العرب إتيان لفظة (نعم) في محل (بلى) في الاستفهام المقترن بالنفي، ومن شواهده قول الشاعر (¬2): أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ... وَإِيَّانَا؟ فَذَاكَ لنَا تَدَانِ ... نَعَمْ، وَتَرَى الهِلالَ كَمَا أَرَاهُ ... وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلانِي فالمحل هنا (بلى) لا لـ (نعم) لأن الاستفهام مقترن بنفي، وإنما يُحفظ مثل هذا ولا يقاس عليه. وقوله: {قَالُواْ نَعَمْ} [الأعراف: آية 44] هو حرف إثبات، جوابٌ لاستفهام إثبات. معناه: وجدنا ما وعدنا ربنا من العذاب الأليم والنكال وجدناه حقّاً. {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: آية 44] التأذين في لغة العرب: الإعلام. تقول العرب: أذّن الرجل: إذا أَعْلَم. ومنه الأذَان لِلصَّلاةِ؛ لأنه الإعلام بدخول وقتها، ودعاء الناس {فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء} [الأنبياء: آية 109] أعلمتكم، وآذَنَهُ: إذا أعْلَمَهُ (¬3). ومنه ¬
قول الحارث بن حِلِّزة (¬1): آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي: نادَى مُنَادٍ بِصَوْتٍ عَالٍ، وأعلم مُعلم {بَيْنَهُمْ} قرأ هذا الحرف عامة القراء إلا ورشاً عن نافع: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} بهمزة محققة. وقرأه ورش وحده عن نافع: {فَأَذَّنَ مُوَذِّنٌ} بإبدال الهمزة واواً. انفرد بهذه القراءة ورش عن نافع عن جميع القراء (¬2). {بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: آية 44] قرأ هذا الحرف نافع، وعاصم، وقنبل عن ابن كثير، وأبو عمرو، قرأوا كلهم: {أَن لَّعْنَةُ الله} بتخفيف (أن) وضم [8/ أ] تاء (لعنة). وقرأه الباقون وهم حمزة، والكسائي، وابن عامرٍ، والبزي عن ابن كثير:/ {أنّ لعنة الله} (¬3). بتشديد (أَنَّ) ونصب (تاء) {لَعْنَةَ}. واللعنة في لغة العرب (¬4): الإبعاد والطرد. فالرجل إذا كان ذا جرائم، وذا جرائر، يطلبه هؤلاء بدم، وهؤلاء بدم، ثم إن قومه تبرءوا منه وطردوه لئلا تقاتلهم القبائل التي يطالبونه بالدم، إذا نفوه وطردوه يُسمى رجلاً لعيناً، ومنه قول الشماخ أو غيره (¬5): ذَعَرْتُ به القَطَا، ونَفَيْتُ عنه ... مَقامَ الذئبِ، كالرجُل اللَّعينِ ¬
فـ (لعنة الله) معناها: طرده وإبعاده. {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: آية 44] أي: نادى مناد وأعلم مُعلم. {أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم في دار الدنيا وكانوا يضعون العبادة في غير موضعها -والعياذ بالله- وهم الكفرة. وهذا من النكال بالكافرين لما اعترفوا بأن الوعيد حق عليهم نادى مناد يدعو عليهم باللعنة -والعياذ بالله- ويصفهم بالظلم الذي استحقوا به عذاب الله ونكاله. ثم قال: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} [الأعراف: آية 45] {الَّذِينَ} في محل خفض لأنه نعت للظالمين. {يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} العرب تستعمل (صد) استعمالين (¬1): تستعملها متعدية إلى المفعول، تقول: صد زيد عَمْراً يصُده، ومصدر هذه (الصد) لا غير. ومنه: {وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله} [النساء: آية 160] صده يصُده صدّاً، على القياس؛ لأن كل فعل ثلاثي متعدٍّ إلى المفعول ينقاس مصدره إلى (فَعْل) بفتح فسكون، فصده صدّاً؛ لأن مصدرها: (الصد) على القياس. وهذه مضمومة الصاد، وليس فيها إلا الضم. تقول: صده يصُدُّه صدّاً، لا غير. الثانية: يستعملون (صدَّ) لازمة غير متعدية إلى المفعول، تقول: كان زيد ذاهباً إلى الشام فَصَدَّ عنه إلى العراق. أي: مال عنه إلى العراق، لازماً، ومصدر هذه: (الصدود) على القياس أو الغلبة. وفي مضارعها ضم الصاد وكسرها. تقول: صد زيد عن الأمر يصِد ¬
ويصُد. وعليه القراءتان السبعيتان (¬1): {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} {إذا قومك منه يصُدون} [الزخرف: آية 57] و (صد): هنا في هذه الآية هي (صد) المتعدية للمفعول. {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} أي: يصدون الناس عن سبيل الله. و (السبيل): الطريق. وإنما أُضيفت الطريق إلى الله؛ لأنها السبيل التي أمر بسلوكها، وَوَعَدَ بالثَّوَاب مَنْ سَلَكَهَا، ونَهَى عن عدم سلوكها، ووعَدَ بالْعِقَابِ مَنْ لم يَسْلُكْهَا. والسبيل في لغة العرب وفي القرآن تُذَكَّر وتؤنث (¬2)، فمن تأنيثها في القرآن: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله} [يوسف: آية 108] وقوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: آية 55] على من قرأ {سبيلُ} بالرفع: تستبين هي أي: سبيل المجرمين (¬3). وقد يذكَّر السبيل كقوله: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} [الأعراف: آية 146]. وسبيل الله: هي دين الإسلام وطاعة الله التي جاءت بها رسله. {وَيَبْغُونَهَا} أي: يطلبونها، وهي السبيل، أَنَّثها في هذه الآية. يطلبونها {عِوَجَا} هذا مصدر بمعنى الوصف، أي: في حال كونها معوجة، يبغونها معوجة زائغة مائلة، فيها عبادة الأوثان، والشركاء، والأولاد لله. يطلبون هذه السبيل العوجاء التي ليس فيها استقامة. أما القرآن العظيمِ فسبيله ليس فيها عوج، بل هي مستقيمة، كما ¬
قال تعالى: {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: آية 28] وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)} [الكهف: آية 1] فسبيل الله ليس فيها عوج. والسبيل التي يبغيها الكفار {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} [الأعراف: آية 45] أي: معوجة ذات عوج، عوجاء غير مستقيمة لما تدعو إليه من الكفر بالله، وادعاء الشركاء والأولاد له. وهذا معنى: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}. {وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: آية 45] وهم مع ذلك كافرون بالآخرة، جاحدون بها. {بِالآخِرَةِ}: هي الدار الآخرة، وقد بينا مراراً (¬1) أنها إنما سُميت آخرة لأنها ليس بعدها مرحلة أخرى. ويجب على كل إنسان أن ينظر في مراحله، وتاريخ مراحله، حتى يفهم الآخرة؛ لأن الله أمره بذلك حيث قال: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6)} [الطارق: الآيتان 5، 6] فاعلم أيها المسكين - الذي هو الإنسان - أن أول مراحلك تراب بلَّه الله (تبارك وتعالى) بماء فصار ذلك التراب طيناً، ثم بعد أن صار طيناً ونقله الله من طَور إلى طور خُمِّر حتى [صار] (¬2) طيناً لازباً، وتغيرت ريحه حتى صار حمأ، ثم إنه يَبِسَ حَتَّى صَارَ صلصالاً، ثم إن الله نفخ فيه الروح، وجعله بشراً سَوِيّاً خلق منه آدم، جعله ذا جسد ودم ولحم، ثم إنه خلق من ضلعِه امْرَأَتَهُ حَوَّاء، كما قال: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال في الأعراف: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ¬
[الأعراف: آية 189] وقال في أول النساء: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وقال في الزمر: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: آية 6] وقد خلق حواء من آدم بلا نزاع كما نصت عليه هذه الآيات القرآنية، ثم بعد ذلك كانت طريق التناسل أيها الإنسان أن تكون أولاً نطفة من مني حقيرة مهينة، من ماء الرجل وماء المرأة في رحم المرأة، ثم تمكث ما شاء الله وأنت نطفة، ثم يقلب الله هذه النطفة علقة، أي: دماً جامداً إذا صُب عليه الماء الحار لم يذب، ثم إن الله يقلب هذا الدم مضغة، أي: قطعة لحم كما يقطعه آكل اللحم ليمضغه، ثم إن الله يقلب هذه اللحمة هيكل عظام يركب بعضها ببعض، يركب فيه المفاصل بعضها ببعض، والسُّلاميات بعضها ببعض، والفقار بعضها ببعض {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)} [الإنسان: آية 28] ثم إنه (جل وعلا) يكسو هيكل هذا العظام اللحم، ويجعل فيه العروق، ويفتح فيه العيون، والأفواه، والآناف، ويجعل الكبد في محلها، والكليتين في محلهما، والطحال في محله، إلى غير ذلك، ثم ييسر لك طريق الخروج من بطن أمك، وهو مكان ضيق، كما قال: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)} [عبس: آية 20] ثم يخرجك إلى الدنيا. وقد جاوزنا جميع هذه المراحل ونحن في مرحلة الخروج إلى الدنيا، وهذه المرحلة المحطة التي نحن فيها منا من يسافر منها بسرعة، ومنا من يمكث فيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: آية 5] ويقال لنا: اعلموا أن السفر طويل، وأن الشقة فادحة، وأنه لا محطة يؤخذ منها الزاد إلا هذه المحطة، فمن لم يتزود من هذه المحطة هلك وانقطع عن القافلة، وبقي في بلاء وويل لا ينقطع.
فعلينا أن نتزود من هذه المحطة التي هي محل الزاد {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: آية 197] فنأخذ من الأعمال الصالحات، والشقة أمامنا طويلة، والسفر بعيد، والسفر لم ينته. ثم بعد هذه المحطة ننتقل جميعاً إلى محطة القبور، وهي محطة من رحلة الإنسان. وسمع بدوي رجلاً يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)} [التكاثر: آية 1] قال: انصرفوا والله من المقابر إلى دار أُخرى؛ لأن الزائر منصرف لا محالة. ثم إن القبر محطة ومرحلة من هذه المراحل يخرجنا الله منه جميعاً أحياء نُساق إلى المحشر {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: الآية 25] فنُساق جميعاً من محطة القبر إلى محطة المحشر في عرصات القيامة، ويلقى الناس فيها ما يلاقون من الأهوال والأوجال ودنُوّ الشمس منهم، وإلجام العرق إياهم كما هو معروف، ثم يشفع النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق الشفاعة الكبرى، فإذا جاء الناس، واعتذر لهم آدم، واعتذر لهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وجاءوا إليه صلوات الله وسلامه عليهم، وقال لهم: «أنا لها». يعني: أن الله وعده بذلك في دار الدنيا حيث قال له: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: آية 79] ولكنه (صلوات الله وسلامه عليه) لشدة علمه بالله، وتعظيمه لله، يعلم أنه لا شفاعة إلا بإذن الله {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: آية 255] {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: آية 3] فلا يتجرأ على الشفاعة فلتة بسرعة، وإنما يسجد ويلهمه ربه من المحامد ما لم يلهمه أحداً قبله ولا بعده، ولم يزل كذلك حتى يقول له ربه: يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تُشَفَّعْ. فشفع صلى الله عليه وسلم
الشفاعة الكبرى (¬1)، ويظهر في ذلك الوقت فضله - صلوات الله وسلامه عليه - على جميع مَنْ في المحْشَرِ من الأنبياء والمرسلين، كما ظَهَرَ فَضْلُهُ عليهم في دار الدنيا لما عُرِج به مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سماوات، واجتمع بهم في بيت المقدس، وصلى بجميعهم بأمر من جبريل كما هو معروف في الأحاديث (¬2)، فهو سيدهم في الدنيا وسيدهم في الآخرة -صلوات الله وسلامه عليه- ثم إذا أذن الله في الحساب حاسب الناس، ثم إذا انتهى حسابهم تفرقوا في ذلك الوقت فراقاً لا اجتماع بعده، وهو قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً} [الزلزلة: آية 6] وقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14)} [الروم: آية 14] وهذا التفرق مذهوب به ذات اليمين إلى الجنة، ومذهوب به ذات الشمال إلى النار، وقد أوضح الله هذه الأشتات في سورة الروم حيث قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)} [الروم: الآيتان 15، 16] فيُذهب بأهل الجنة إلى الجنة، وبأهل النار إلى النار، وُيذبح الموت، ويُقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. فحينئذ تنقطع الرحلة، وتُلقى عصا التسيار، وتكون تلك هي المحطة الأخيرة التي لا انتقال منها أبداً إلى محطة أخرى. فأهل الجنة في نعيم دائم، وأهل النار في عذاب دائم، لن ينتقل هؤلاء إلى منزل آخر، ولا هؤلاء إلى منزل آخر، ولهذا سُميت الآخرة؛ ¬
لأن ليس بعدها محطة أخرى يُنتقل إليها. وهذا إيضاح معنى (الآخرة). وقوله: {كَافِرُونَ} أي: جاحدون. أصل الكفر في لغة العرب هو: الستر والتغطية، وكل شيء سترته وغطيته فقد كفرته. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قيل للزراع: كُفَّار؛ لأنهم يكفرون البذر في بطن الأرض، يسترونه ويغطونه. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد في معلقته (¬1): يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا يعني: سترها وغطاها غمامُها. ومن هنا قيل للَّيل: كافر؛ لأنه يكفر الأجرام ويغطيها بظلامِهِ ومنه قول لبيد في معلقته (¬2): حتى إذا ألقتْ يداً في كافرٍ ... وأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثغُورِ ظَلامُها كما هو معروف، وإنما سُمي الكافر كافراً لأنه يجحد نعم الله، ويجحد آياته، ويريد أن يغطيها بالجحود والكفر والعياذ بالله. وهذا معنى قوله: {وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: آية 45]. قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالُواْ ¬
إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)} [الأعراف: الآيات 46 - 51]. يقول الله جل وعلا: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)}. قوله جل وعلا: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي: بين أهل الجنة وأهل النار، وقيل: بين الجنة وبين النار حجاب، والحجاب هو: الحاجز الساتر بين الشيئين (¬1)، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الأحزاب: آية 53]. وهذا الحجاب الذي بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الجنة والنار هو السُّور المذكور في سورة الحديد في قوله جل وعلا: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: آية 13] وهذا الحجاب الذي هو هذا السُّور المبين في سورة الحديد لا يمنع من كون النار في أسفل السافلين، والجنة في أعلى؛ لأن الجنة فوق السماوات والنار منسفلة تحت الأرضين، وهذا لا يمنع من أن الله يجعل سوراً ساتراً بين أهل الجنة وأهل النار كما صرح به في قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} وقوله مبيناً لهذا الحجاب: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: آية 13]. وضَرْبُ ذلك الحجاب يبيِّن أن أهل الجنة لا ينالهم شيء من ¬
عذاب النار لا من حرّها ولا من نتنها ولا من أذاها، كما أن أهل النار لا ينالهم شيء مما في الجنة من النعيم، لا من بردها، ولا من نسيم روائحها الشذية، وهذا معنى قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}. {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} الأعراف في اللغة: جمع عُرْف، والفُعْل يُجمع على أفعال. والعُرْف في لغة العرب هو كل مكان من الأرض مرتفع تسميه العرب عُرْفاً (¬1)، فالجبل المرتفع والرمل المرتفع تسميه العرب عُرْفاً، ومن ذلك عرف الديك لارتفاعه على سائر بدنه، وعُرْف الفرس لارتفاعه على سائر بدنها، فكل مرتفع تسميه العرب عُرْفاً، وتجمعه على أعراف، وربما قالوا للعُرْف عُرُف بضمتين، ومنه قول الكُميت (¬2): أبْكَاكَ بِالعُرُفِ المَنْزِلُ ... وما أَنْتَ والطَّلَلُ المُحْوِلُ وهذه الأعراف معناها بإطباق المفسرين: أماكن مرتفعة عالية، وأكثر المفسرين على أنها هي أعاليها، والسور وشرفاته؛ لأن هذا الحجاب المضروب بين أهل الجنة والنار، والسور الذي له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب له شرفات -أي: أعاليه له شرفات- مرتفعة في أعلاه هي الأعراف التي عليها هؤلاء الرجال المذكورون. وعلى هذا القول أكثر المفسرين، خلافاً لمن زعم أن الأعراف مرتفعات فوق الصراط عليها رجال على هذه المرتفعات ¬
فوق الصراط، محبوسون عن الجنة، مُزَحْزَحُونَ عَنِ النَّارِ. والأكثر أن المراد بالأعراف: أعالي ذلك السور وشرفاته المرتفعة عليها رجال. الرجال: جمع الرجل، واختُلف في المراد بهؤلاء الرجال الذين هم على الأعراف المذكورة على نحو من اثني عشر قولاً مدارها على قَوْلَيْنِ كل منهما تَتَفَرَّعُ مِنْهُ أقْوَالٌ (¬1): أحدهما: أن الرجال الذين هم على الأعراف رجال قَلَّت حسناتهم عن سائر أهل الجنة فاستوت حسناتهم وسيئاتهم؛ لأنه إذا وُزن أعمال الجميع بالميزان المتقدم في قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)} [الأعراف: آية 8] من ثقلت حسناته على سيئاته بقدر صُؤابة -وهي بيضة القملة- دخل الجنة، وكذلك من ثقلت سيئاته على حسناته فخفت كفة حسناته بقدر ذلك دخل النار، ومن اعتدلت سيئاته وحسناته فلم ترجح كفة السيئات، ولم ترجح كفة الحسنات؛ لأن آحاده قابلت عشراته فلم يكن هنالك رجحان لهذه ولا هذه فهؤلاء هم أصحاب الأعراف على قول جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم. وممن صرح بهذا: عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس (¬2) رضي الله عنهم. فعلى هذا مدار هذه الأقوال راجع إلى هذا القول، سواء قلنا ما قاله بعضهم من أنهم رجال جاهدوا في سبيل الله، فنهاهم آباؤهم، فعصوا آباءهم وعقوهم بالخروج، وقتلوا في سبيل الله، فمنعهم القتل في ¬
سبيل الله من دخول النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة فكانوا على الأعراف. وكذلك قول من قال: إنهم بروا آباءهم وعقوا أمهاتهم، أو بالعكس، فمنعهم بر الأمهات من النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة. إلى نحو هذا من الأقوال فمداره راجع إلى شيء واحد، كما رُوي مصرحاً به عن عبد الله بن مسعود (¬1) أنه الوزن، وأن من ثقلت موازينه دخل الجنة، ومن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ دخل النار، ومن اعتدلت موازينه فلم ترجح إحدى الكفتين على الأخرى كان على الأعراف. أقوال العلماء تدور على هذا. وعلى هذا القول فأصحاب الأعراف أقل عَمَلاً من غيرهم من أهل الجنة؛ لأن لهم سيئات ثبطتهم عن دخول الجنة، ولهم حسنات منعتهم من دخول النار. وعلى هذا فهم أقل مرتبة من أهل الجنة الذين دخلوها. وقال بعض العلماء: كما سيأتي في أنهم إذا دخلوا الجنة تبقى في كل واحد منهم شامة بيضاء يُعرف بها. وقال بعضهم: يقال لهم مساكين أهل الجنة؛ لأنهم آخر الداخلين فيها، سواء قلنا: إن الأعراف هو أعالي السور المذكور وشرفاته، أو أنه مرتفعات فوق الصراط كما قاله بعض العلماء. وعلى هذ القول فأصحاب الأعراف أقل درجة من أهل الجنة. وذهب قوم إلى أن أصحاب الأعراف من أعظم درجات أهل الجنة، فزعم بعضهم أنهم ملائكة، وزعم بعضهم أنهم الشهداء، وزعم بعضهم أنهم خيار أهل الجنة من العلماء العاملين، والأتقياء ¬
الكرام، أنهم جاءوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الله أجلسهم على هذا المكان المرتفع ليشرفوا على أهل النار وأهل الجنة على سبيل النزهة والتمتع بمعرفة أخبار الجميع، وما صار إليه أهل النار وأهل الجنة. والذين قالوا هذا القول اختلفوا فيهم اختلافاً كثيراً، بعضهم يقول: ملائكة. وهذا لا يساعده ظاهر قوله: {رِجَالٌ} لأن الملائكة لا يُسَمَّوْن رجالاً. واحتجوا بقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} [الأنعام: آية 9] أنهم في صفة الرجال، أو أنهم أنبياء، أو أنهم الشهداء، إلى غير ذلك. وزعم بعضهم أنهم مؤمنو الجن. كما ذكرنا أن العلماء اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة (¬1)؟ فزعم بعضهم أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وإنما جزاؤهم الإجارة من العذاب الأليم كما صرحوا به في قوله تعالى عنهم في سورة الأحقاف عن الجن حيث قالوا: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} [الأحقاف: آية 31] ولم يقولوا: يدخلكم الجنة. قالوا: فعلموا أنهم إن أجابوا داعي الله وأطاعوه كان جزاؤهم غفران الذنوب، والإجارة من العذاب الأليم، قالوا: وربما سمى الله الجن رجالاً أيضاً كقوله: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ} [الجن: آية 6] وقد قدمنا أن التحقيق أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كالمؤمنين من الإنس، وأنه دل عليه بعض الآيات، كقوله مخاطباً للجن والإنس معاً: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} ¬
[الرحمن: آية 46] ثم بين شمول الوعد بهاتين الجنتين للإنس والجن معاً فقال بعده: {فَبِأَيِّ آلاَء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: آية 47] وهو خطاب للإنس والجن بالإجماع كما بَيَّنَّا. وقول من قال: إن أصحاب الأعراف من أعظم أهل الجنة رتباً، أو أنهم ملائكة لا يتجه كل الاتجاه؛ لأنه يشير إلى عدم اتجاهه قوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: آية 46] على التحقيق من أنها في أصحاب الأعراف؛ لأن الملائكة وخيار أهل الجنة لا يناسب أن يقال فيهم: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} وإن احتج من قال هذا بأن العرب قد تطلق الطمع على اليقين، إلا أنه ليس بالإطلاق المعروف المشهور الذي يجب حمل القرآن عليه. وأقوال العلماء في هذا كثيرة، أظهرها الذي عليه الجمهور من الصحابة فَمَنْ بَعْدَهم أن أصحاب الأعراف رجال منعتهم حسناتهم من دخول النار، ومنعتهم سيئاتهم من دخول الجنة، ولم يكن هنالك رجحان للحسنات على السيئات، ولا للسيئات على الحسنات. وظاهر القرآن أنهم كلهم ذكور؛ لأنه قال: {رِجَالٌ} ولم يقل (نساء). والمقرر في الأصول: أن لفظة (الرجال) لا يدخل فيها النساء (¬1). وقال بعض العلماء: إذا ذكر الرجال فلا مانع من دخول النساء بحكم التبع. واستأنسوا لهذا بأن العرب تسمي المرأة (رجلة)، وتسمية المرأة (رجلة) لغة صحيحة معروفة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬2): ¬
كُلُّ جَارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطاً ... غَيْرَ جِيرَانِ بَنِي جَبَلَهْ ... مَزَّقُوا ثَوْبَ فَتَاتِهُم ... لمْ يُراعُوا حُرْمَةَ الرّجُلَهْ يعني: المرأة. وقوله: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف: آية 46] جملة حالية. {يَعْرِفُونَ كُلاًّ} [الأعراف: آية 46] التنوين تنوين عوض {كُلاًّ} من أهل الجنة وأهل النار. {بِسِيمَاهُمْ} السيما في اللغة: العلامة التي يُميَّز بها الشيء عن غيره (¬1). فسيما أهل الجنة: ابيضاض الوجوه، ونضرة النعيم، والحُسن، وسيما أهل النار: اسْوِدَاد الوجوه، والقبح، والتشويه الخلقي بأكل النار لهم والعياذ بالله {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: آية 46]. ثم بين الله أن أصحاب الأعراف ربما نظروا تارة إلى الجنة، وربما أُجبروا على النظر إلى أهل النار؛ لأن منظر النار فظيع جدّاً، لا ينظر إليه أحد باختياره، ولذا قال: {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: آية 46] إذا نظروا إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم حيوهم تحية كريمة، نادوهم من مكانهم: {أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: آية 46] ومعنى: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} سلمتم من جميع الآفات، وصرتم في مأمن من كل ما يؤذي. وهذه (¬2) تحية الإسلام: (السلام عليكم) لأن (السلام) معناه السلامة من كل الآفات (عليكم)، وهي أحسن تحية يُحيَّا بها، تحية الإسلام أحسن من تحيات الجاهلية وتَحَايا الملوك. ¬
فأحسن تحية هي تحية الإسلام. (السلام عليكم) معناه: سلمكم الله من جميع الآفات، ومن كل شيء يؤذيكم. وكان الجاهلية يُحيُّون فيقولون: حياك الله، و (حياك الله): أطال الله حياتك. ومن ذلك قيل للسلام: تحية؛ لأن التحية مصدر: حَيَّاه يحيِّيه تحية. أصلها: (تَحْيِيَة) لأن المُقَرَّرَ في فن التصريف أن (فعَّل) مُضعَّفة العين إذا كانت معتلة اللامَ ينقاس مصدرها على (التَّفْعِلة) كزكاه تزكية، ونَمَّاهُ تنمية، وحيَّاه تَحْييَة، إلا أن الياء أُدغمت في الياء فقيل: (تحية) (¬1). ومعنى: (حيَّاك الله): أطال الله حياتك. ومطلق الدعاء بطول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأن الإنسان قد تكون حياته تعسة نَكِدَة يتمنى أن يستريح منها بالموت، فرب حياة يفضل صاحبها عليها الموت، كما قال بعض المتأخرين (¬2): أَلاَ مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشْتَرِيهِ ... فَهَذَا العَيْشُ مَا لاَ خَيْرَ فِيهِ أَلاَ رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ ... تَصَدَّقَ بِالوَفَاةِ عَلَى أَخِيهِ فهذا يريد من يتصدق عليه بالموت تفضيلاً لها على حياته. ومنه الأبيات المعروفة، قيل إنها للأعشى ميمون بن قيس، وقيل لغيره (¬3): المَرْءُ يَرْغَبُ فِي الحَيَا ... ةِ وَطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضُرُّهْ تَفْنَى بَشَاشَتُهُ وَيَبْـ ... قَى بَعْدَ حُلْوِ العَيْشِ مُرُّهْ وَتَسُوؤُهُ الأَيَّامُ حَـ ... ـتَى مَا يَرَى شَيْئاً يَسُرُّهْ كَمْ شَامِتٍ بِي إِذْ هَلَكْـ ... تُ وَقَائِلٍ للهِ دَرُّهْ ¬
فالشاهد أن (حياك الله) أي: أطال الله حياتك. طول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأنه ربما يكون في حياة مزعجة قَلِقَةٍ يَتَمَنَّى أنْ يَمُوتَ، فالموت خير منها، كما جاءت الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أنه في آخر الزمان يأتي الرجل قبر أخيه فيتمَنَّى كل المُنى أن يكون مكانه ميتاً؛ قَلَقاً من حياته، وإيثاراً للراحة منها من كثرة الفتن، والعياذ بالله (¬1). هذا معنى {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي: سلمكم الله سلاماً. فالسلام اسم مصدر (سلَّم) وقد تقرر في علم العربية (¬2) أن (فَعَّل) مُضعَّفة العين قياس مصدرها (التفعيل) إلا إذا كانت معتلة اللام أو مهموزته فالقياس في مصدرها (التَّفْعِلة) ويكثر إتيان (الفَعَال) بدلاً من (التفعيل) اسم مصدر، كما تقول: سلَّم عليه سلاماً؛ أي: تسليماً. وكلَّمَهُ كلاماً؛ أي: تكليماً. وبين له الأمر بياناً؛ أي: تبييناً. وطلّق امرأته طلاقاً؛ أي: تطليقاً. ومنه (السلام) لأنه مصدر (سلَّم) فمعنى (سلام عليكم) سلمكم الله من جميع الآفات، وهذه تحية عظيمة، وإنما ساغ الابتداء بالنكرة هنا لأنها في معرض الدعاء. {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الأعر اف: آية 46]. (أنْ) هذه كاللواتي قبلها التي ذكرنا احتمال كونها مخففة من الثقيلة، أو أنها تفسيرية. فعلى أنها مخففة من الثقيلة فاسمها ضمير الشأن المستكن، وخبرها جملة المبتدأ والخبر. وعلى أنها تفسيرية ¬
فهي بمعنى (أي) وما بعدها يفسر ما قبلها. وضابط (أن) التفسيرية: هي أن يتقدمها معنى القول وليس فيه حروف القول (¬1). والمناداة التي تقدمتها فيها معنى القول وليس فيها حروف القول. هذا {أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}. {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أظهر التفسيرين في قوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أنه واقع على أصحاب الأعراف، ولا محل للجملة من الإعراب على أصح القولين. فكأن سائلاً سأل قال: ما شأن أصحاب الأعراف هؤلاء الذين يُحيُّون أهل الجنة ويخاطبون أهل النار، ما قصتهم، وما شأنهم؟ فأجيب بقوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} لم يدخلوا الجنة بالفعل {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} في دخولها في ثاني حال طمعاً منهم في رحمة ربهم وفضله جل وعلا، وهذا هو أصح التفسيرين، خلافاً لمن قال إن الأعراف أنها شرفات عالية فوق الصراط مرتفعات في الصراط، عليها هؤلاء الرجال، تمر بهم زُمَرُ الجنة، وزُمَرُ أهل النار، فإذا رأوا زُمَر أهل الجنة عرفوهم بسيماهم، وحيوهم، وقالوا لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا} أي: أهل الجنة الذين هم مارون بأهل الأعراف {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} في دخولها لأنهم ذاهبون إليها. هذا القول قال به جماعة من علماء التفسير، والأول أظهر منه. ومعنى {يَطْمَعُونَ} الطمع: هو تعلق النفس وأملها في الحصول على الشيء. وهذا معنى قوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} والأول أظهر من الثاني. ¬
ثم قال تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: آية 47] {صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} معناه قلبت عيونهم {تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ}، إلى جهة أصحاب النار ومقابلتهم حتى يروهم. والعبارة بقوله: {صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} تدل على أن الله هو الذي صرف أبصارهم إليهم، وأنهم ما كانوا يحبون النظر إليهم اختياراً لشدة الهول وفظاعة الأمر - والعياذ بالله - {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} أي: قُلبت أبصارهم تجاه أهل النار ونظروا ما هم فيه من العذاب - والعياذ بالله - وما هم فيه من سوء الحال، واسوداد الوجوه، وتغيير الخلقة، وإحراق النار لهم، تَعَوَّذوا بالله من النار ومن شَرِّهَا، وتضرعوا ملتجئين إلى الله أن لا يجعلهم من أهل النار، قالوا: {رَبَّنَا} يا خالقنا وسيدنا ومدبر شؤوننا أعذنا من النار و {لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: آية 47] أي: لا تصيرنا مع القوم الظالمين. يعنون: أصحاب النار. وقد قدمنا أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، يطلق بأصل الوضع العربي على خصوص الذكور، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع (¬1) والدليل على إطلاقه بالأصالة على الذكور دون الإناث قوله تعالى: {لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} [الحجرات: آية 11] فعطفه النساء على القوم يدل على أنهن لم يدخلن فيهم بحسب الوضع. ومن ذلك قول زهير (¬2): وما أدري وسوفَ إِخَالُ أَدري ... أَقَومٌ آل حصنٍ أم نساءُ ¬
فجعل النساء غير القوم. والدليل على دخول النساء في القوم بحكم التبع قوله تعالى في ملكة سبأ (بلقيس): {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: آية 43] فصرح أنها من قوم. دخلت في اسم القوم بحكم التبع. ومعنى: {الظَّالِمِينَ} قد قدمنا أن الظلم يطلق على الكفر، وهو أعظم أنواعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه (¬1)، وأنه يطلق على ظلم دون ظلم، كظلم المسلم لنفسه. والظاهر أنهم يعنون الكفار، والكفار هم رؤساء الظالمين، كما قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] وقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13] وقال جل وعلا: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)} [يونس: آية 106] وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّر قوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: آية 82] قال: بشرك (¬2). وقد قدمنا أن كل من وضع شيئاً في غير موضعه فقد ظلم، وأن أكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير الخالق؛ لأن أكل الإنسان رزقه ونعمه وتقلبه في فضله وهو يعبد غيره وضع للعبادة في غير موضعها. وذلك معروف في كلام العرب، فكل من وضع شيئاً في غير موضعه تقول له العرب: ظالماً، وقد ذكرنا مراراً أنهم يسمون الذي يضرب لبنه قبل أن يروب (ظالماً) لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، فهو ضرب في غير موضعه، فهو ظلم (¬3). ¬
وهذا معروف في كلامهم. وفي لُغَز الحريري في مقاماته: «هل يجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم إذا كان عالماً» (¬1) يريد أن القاضي إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من أن يُستقضى إذا كان من أهل العلم، وهو معروف كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬2): وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكَدِ الظَّلِيمِ والعَكَد: عَصَب اللسان. ويُروى: «على العكَد الظليم» ومنه قول الآخر في سقاء له من اللبن صبَّه وسقاه قومه قبل أن يروب (¬3): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ ومنه قيل للأرض التي حُفرت وليست محل حفر: (مظلومة)، وقيل للتراب الذي يستخرج من حفر القبر: (ظليم) لأنه حَفرٌ في غير محل الحفر، لم يحفر قبل هذا، ولم يكن معهوداً لأن يحفر لاستخراج ماء ونحوه. ومِنْ إِطْلاقِهِ عَلَى الأرض التي حُفِرَتْ ولَيْسَتْ محلاًّ للحَفْرِ قَوْل نابغة ذبيان (¬4): إلا الأوَاريَّ لأْياً ما أُبَيِّنُها ... والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ أي: بالأرض المظلومة المحفور فيها وهي ليست محلاًّ للحفر؛ لأن الحفر وُضع في غير موضعه. وهذا هو المعنى الصحيح، خلافاً لمن زعم أن المظلومة هي التي تأخر عنها المطر، ومنه قيل ¬
لتراب القبر (ظليم) لأن حَفْرَه ليس في محل الحَفْر عادة قبل ذلك. ومنه قول الشاعر يصف ميتاً مدفوناً في قبره مردوداً عليه تراب القبر (¬1): فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ ... مِنَ الْعَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْها ظَليمُها وهذا معنى معروف في كلام العرب: فأكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير موضعها وهو الكفر بالله {وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] وفيه ظلم دون ظلم، كالذي يطيع الشيطان ويعصي الله معتقداً أنه فاعل معصية، وأنه مرتكب قبيحة؛ لأن هذا من عصاة المسلمين الذين إن شاء الله غفر لهم، وقد ذكرنا أن الظالم لنفسه من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة؛ لأنه يخلط العمل الصالح والعمل السيئ، فقد يتوب الله عليه. ومعنى قوله: {لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: لا تَصَيِّرْنَا مع أهل النار في ذلك العذاب الشديد والإهانة العظيمة -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: آية 47] في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّات (¬2): قرأه قالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير، وأبو عمرو في جميع الروايات: {تلقَا أصحاب النار} [الأعراف؛ آية 47] بحذف إحدى الهمزتين مع المد بناءً على أن المحذوفة الأخيرة، ومع عدم المد بناء على أن المحذوفة الأولى. ¬
وقرأه ورش عن نافع، وقنبل عن ابن كثير: {تِلْقَآء أصْحَاب النار} بمد الثانية همزاً للأولى، ومدها نظراً للساكن بعدها. وقرأه بقية القراء السبعة، وهم حمزة، والكسائي، وعاصم، وابن عامر: {تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} بتحقيق الهمزتين. والتلقاء: مصدر، معناه أن يكون الشيء جهة الشيء الذي يُتلقى منها. ولم يأت مصدر على (التِّفعَال) بكسر العين إلا (التلقاء، والتبيان) أما غير ذلك من المصادر فهو بالفتح في كل شيء، كالتَّسْيَار، والتَّذكار، والتَّطواف (¬1). أما الأسماء فهي تأتي كثيراً على (تِفْعال) كتِقصار، وما جرى مجراه، كما هو معروف في علم العربية. {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: آية 47]. ثم بين (جل وعلا) أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أهل النار ويوبخونهم، وظاهر القرآن أنهم يعرفونهم في الدنيا، ويعرفونهم في النار بسيماهم فينادونهم ويوبخونهم {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً} [الأعراف: آية 48] يعني من أهل النار {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} [الأعراف: آية 48] وبخُوهم وقالوا لهم: {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} [الأعراف: آية 48] ماذا نفعكم به؟ العرب تقول: أغنى عنه الشيء يغني: إذا نفعه. والاسم من هذا يُسمى (غَناء) لأن العرب تسمي النفع (غَناء) وتسمي المطرب الخبيث (غِناء) وتسمي الإقامة (غَنىً). فالمادة موجودة منها خمس لغات (¬2)، وهي: (الغِناء) بالكسر والمد، ¬
و (الغَناء) بالفتح والمد، و (الغِنى) بالكسر والقصر، و (الغَنى) بالفتح والقصر، و (الغُنى) بالضم والقصر، كلها موجودة في اللغة، ولم يوجد منها (الغُناء) بالضم فالمد، هذا ليس بموجود في العربية. أما (الغِنَى) بالكسر والقصر فهو ضد الفقر. وأما (الغِنَاء) بالكسر والمد فالمراد به المطرب قبحه الله. وأما (الغَنَاء) بالفتح والمد كسحاب فهو النفع، ومنه قول الشاعر (¬1): قَلَّ الغَنَاءُ إِذَا لاَقَى الفَتَى تَلَفاً ... قَوْل الأَحبَّةِ: لا تَبْعدْ وقدْ بعدَا وقول هبيرة بن أبي وهب على إحدى روايتي بيته (¬2): لَعَمْرُكَ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّداً ... وَأَصْحَابَهُ جُبْناً وَلاَ خِيفَةَ الْقَتْلِ ... وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ ... لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلاَ نَبْلِي أي: نفعاً. ويروى (مساغاً) فالغَنَاء: النفع. ومن الغَنَاء بمعنى النَّفْعِ قولهم: فلان لا يُغني شيئاً؛ أي: لا ينفع بِشَيْءٍ. و {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} أي: ما نفعكم بشيء. هذا (¬3) من هذه المادة. أما (الغُنى) بالضم والقصر فهو جمع غُنية، والغُنية ما يَقْتَنِيه الإنسان فيستغني به عن الناس. وأما (الغَنى) بالفتح والقصر فهو مصدر غَنِيَ بالمكان يَغنَى به غَنىً على القياس إذا أقَامَ به. ومنه قوله: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس: آية 124] أي: كان لم تقِم بالأمس. هذا معنى هذه المادة وتصاريفها في لغة العرب. والمعنى: {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} نفعكم بشيء، ولا دفع عنكم شيئاً. ¬
وقوله: {جَمْعُكُمْ} هو ما كنتم تجمعون في دار الدنيا من الأموال، وما كنتم تتخذونه من الجمع المُؤَيِّد من الأولاد والأعوان، كل ما كنتم تجمعونه في الدنيا من الأموال، وتتخذون من الأعوان والأولاد، كل ذلك لم يُغْن عنكم شيئاً، لم ينفعكم بشيء، ولم يدفع عنكم شيئاً؛ إذ أنتم في دركات النار والعياذ بالله. {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} (ما) مصدرية. أي: ولم يغن عنكم كونكم مستكبرين في الدنيا متكبرين متعاظمين، لم يغن عنكم ذلك الاستكبار والتعاظم شيئاً؛ لأنكم صِرْتُمْ إلى دركات النار. وبعض المفسرين يزعم أنهم ينادون الرؤساء بأسمائِهِمْ فيقولون: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا فلان بن فلان، يا عتبة بن ربيعة، يا فلان بن فلان {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} توبيخاً وتقريعاً لهم والعياذ بالله. وظاهر القرآن أن هذا التوبيخ والتقريع من أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين هم في النار، وأصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة وأهل النار، ولا مانع من أن الله يُطْلِع مَنْ فِي الجَنَّة على مَنْ في النار كما سيأتي في قوله: {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} [الأعراف: آية 50] وستأتي قصة الرجل في سورة الصافات (¬1)؛ لأن الله ذكر في الصافات قصة رجل وأجملها، والمفسرون يبسطونها ويشرحونها، إلا أن شرحهم لها وبسطها من القصص الإسرائيلية التي لا يعوَّل عليها، إلا أن القرآن جاء بقدر منها كاف. زعموا أنه كان رجلان في دار الدنيا شريكين ولهما مال عظيم، فاقتسما المال، وكان أحدهما مسلماً ¬
والآخر كافراً، فكان المسلم يقول للكافر: يا أخي تصدق من مالك واتق الله، وذلك يقول له: أنت مفقود العقل كيف نحيا بعد الموت؟ هذا أمر لا يكون وأنت لا عقل لك!! ثم إن الكافر اشترى بساتين جميلة، ثم سأل ذلك عن الثمن فقيل: اشتراها بكذا، فقال: اللهم إن فلاناً اشترى كذا وكذا من البساتين بكذا وكذا من المال، اللهم إني أشتري إليك من بساتين الجنة بمثل ما اشترى، ثم أخذ قدر الثمن وتصدق به. ثم إن الكافر تزوج امرأة جميلة بارعة في الجمال، وبذل لها مهراً عظيماً. فقال المؤمن: اللهم إن فلاناً تزوج فلانة، وبذل لها من المال كذا، اللهم إني أخطب إليك بقدر ذلك المال من الحور العين، ثم تصدق به على الفقراء. وهكذا إلى أن نفد ما عنده. فجاء لصاحبه الكافر يريد أن يعمل أجيراً عنده فطرده ومنعه، وكان يراوده على الرجوع إلى الكفر، فدخل ذلك المؤمن الجنة وذلك الكافر النار، فبعض الأوقات كان ذلك المؤمن يتحدث مع إخوانه في نعيم الجنة، فأخبرهم أنه كان له صاحب في دار الدنيا من أمره كيت وكيت، وقال لهم: انظروا معي في النار لنعلم ما صار إليه، وننظر ماذا كان مصيره. فقالوا له: لا حاجة لنا فيه، ولا معرفة لنا به، وأنت إن شئت فانظر. فنظر في النار فرآه يتقلب في دركات الجحيم، وهذا الذي ذكرنا الآن تفاصيله إسرائيليات تُحكى ولا يعول عليها. والصحيح الثابت هو ما نص عليه القرآن في سورة الصافات، وهو قوله: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)} يعني في دار الدنيا {يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (52)} وفي القراءة الأخرى (¬1): ¬
{يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ (52)} {لمن المُصَّدِقين} (¬1) {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (54)} أي: مطلعون معي لننظر مصيره {فَاطَّلَعَ} أي: فاطلع هو، أي: صاحبه المؤمن من الجنة إلى النار {فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)} [الصافات: الآيات 48 - 57]. وقصة هذا الرجل التي ذكرناها استطراداً تدل على المباعدة من قرين السوء؛ لأن هذا الرجل المؤمن الكريم حلف بالله وهو في الجنة أن قرينه قرين السوء كاد أن يهلكه ويلقيه في النار حيث قال: {قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)} أي: معك في النار؛ ولذا قال جل وعلا: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} [الأعراف: الآيتان 48، 49]. واختُلف في قائل هذا القول (¬2)، فظاهر القرآن أنه من بقية كلام أصحاب الأعراف، يوبخون رؤساء أهل النار، ويقولون لهم: أهؤلاء الضعفاء المساكين الذين كنتم تسخرون منهم في الدنيا، وتستهزئون بهم، وتضحكون منهم، وتقولون: الله أعظم من أن يعبأ بهؤلاء، والله لا يدخلهم جنة، ولا يدخلهم نعيماً أبداً {أَهَؤُلاء} الضعفاء المساكين الذين كنتم تستهزئون بهم في الدنيا وتسخرون منهم وتُقسمون - تحلفون بالله - {لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} ماذا قال لهم الله؟ قال لهم: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: ¬
آية 49] وعلى هذا فيكون أصحاب الأعراف قد وبَّخوا رؤساء الكفر والقادة بأنهم لم يغن عنهم تكبرهم في الدنيا وجمعهم، وأن الضعفاء المساكين الذين كانوا يسخرون منهم أحلّهم الله دار كرامته، ونفى عنهم الخوف والحزن أبداً. وقال بعض العلماء: {أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} هي من كلام الله يوبخ بها الكفار، أو من كلام بعض الملائكة أمره بذلك، وأن قوله: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ} راجعه إلى أصحاب الأعراف، أن أصحاب الأعراف بعد أن وبَّخوا أهل النار وهم بين الجنة والنار يطمعون أنه بعد ذلك يرحمهم الله فيتفضل عليهم، ويقول لأصحاب الأعراف: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} وهذا الوجه الأخير ذكره جماعة كثيرة من المفسرين، والأول أظهر، وإن كان القائل بهذا الأخير كثيراً جدّاً من علماء التفسير. والجنة هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه. {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ} قد بيَّنَّا (¬1) أنَّ الخوف في لغة العرب هو: الغم من أمر مستقبل ... - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه - وأن الحَزَن - يُسمى (حَزَناً) ويسمى (حُزْناً) وفعله يأتي على (حَزَنَ وحَزِن) ومضارعه يأتي على (يَحزِن) و (يَحْزُن) - أنه والعياذ بالله - غم من أمر فائت. تقول: فلان حزين، إذا أصابته مصيبة وكان حزيناً من أمر قد مضى ووقع. وتقول: فلان خائف: إذا كان مغموماً من أمر يتوقعه ولم يأت بعد. هذا أصل الخوف والحزن في لغة العرب -أعاذنا الله منهما- وربما وضعت العرب أحدهما في موضع الآخر فعبرت ¬
بالخوف عن غم من أمر فائت. وربما عبّروا بالحزن عن الغم من أمر مستقبل، ربما وضعت أحدهما في موضع الآخر. وهذا معنى قوله: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالُواْ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: آية 50] بين (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة أن الكفار في دركات النار - والعياذ بالله - إذا أحرقتهم النار وأضر بهم الجوع الشديد والعطش الشديد مع إحراق النار سألوا أهل الجنة، وفي قصتهم أنهم يقولون لله: إن لنا قرابات في الجنة فَأْذَن لنا أن نراهم ونقابلهم ونكلمهم، وأنهم إذا قابلوهم يدعو الواحد أخاه، والواحد أباه، والواحد ابنه، والواحد يدعو ابن عمه؛ لأنه -والعياذ بالله- يكون أَخَوَان أحدهما في الجنة، والثاني في النار، ويكون أَخَوَان، الابن في الجنة، والأب في النار والعكس، فيقولون -لهم يستغيثون بقراباتهم- إنهم في إحراق وجوع وعطش، ويطلبون منهم أن يفيضوا عليهم من الماء ليتبردوا من شدة الحريق الذي هم فيه وشدة العطش، فيجيبوهم: بأن الله حرم ما في الجنة على الكفار - أعاذنا الله من الكفر- وهذا معنى قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} [الأعراف: آية 50] (أن) هي كالمذكورات قبلها في القولين اللذَين بينَّا. {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} إفاضة الماء: صبه بكثرة وسعة. {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} [لأعراف: آية 50] (أو) هنا مانعة خلو مُجوِّزة جمع، يجوز أن يكون الماء وحده، أو ما رزقهم الله، أو الجميع.
{أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} بعضهم يقول: مما رزقكم الله من الأنواع التي تشبه الماء كالألبان وكالخمر؛ لأن الإفاضة يظنون أنها تختص بالسائلات، وعلى هذا قدروا في قوله: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} أو ألقُوا إلينا مما رزقكم الله. وهذا وإن كان سائغاً في اللغة العربية - أن يُحذف فعل يدل [عليه] (¬1) المقام، وهذا موجود كثيراً في اللغة العربية - إلا أنه لا يُحتاج إليه في هذه الآية الكريمة، وهو معروف في كلام العرب، كقول الراجز (¬2): عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ... حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا لأن الماء البارد لا يُعلف. يعني: علفتها تبناً وسقيتها ماءً، ومنه قول الآخر (¬3): إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وَزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا لأن العيون لا تُزجج. والمعنى: وأكحلن العيون. وقول الآخر (¬4): وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الْوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً لأن الرمح لا يُتقلد. أي: وحاملاً رمحاً. وهذا كثير في المنصوبات. ومن أمثلته في المرفوعات قوله جل وعلا - على أحد التفسيرين - {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)} لأن الجلود لا تصهر. أي: لا تُذاب. معناه: وتحرق الجلود. ونظيره في ¬
المرفوعات من كلام العرب قول لبيد بن ربيعة في معلقته (¬1): فَعَلا فُرُوعُ الأَيْهُقَانِ وأَطْفلَت ... بالجَلْهَتين ظِباؤُها ونَعَامُها لأن النعام لا يُطْفِل، وإنما هو يبيض حتى بعد ذلك ينفلق البيض عن الأطفال. هكذا قال بعضهم، والتحقيق أن إفاضة الشيء وإلقاءه بكثرة قد يكون في المائعات وغير المائعات، وقد أطلقه الله على الآدميين المفيضين من عرفات وهم ليسوا من المائعات، كما قال: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: آية 199] {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: آية 198] والعرب تقول: «أفاض علينا من طعامه، وأفاض علينا من رزقه». إذا أكثر، كما هو معروف. فلا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذهب إليه كثير من المفسرين. {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} من مآكل الجنة ومشاربها، يطلبونهم ويستجدونهم. قال بعض العلماء: يسألون مع اليأس. وقال بعضهم: لهم طمع لشدة ما هم فيه. فأجابهم المؤمنون في الجنة، فقالوا: {إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا} أي: الشيئين اللذين [سألتم] (¬2)، وهما: الماء وما رزقنا الله من نعيمه غير الماء. {حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: آية 50] والتحريم هنا تحريم كوني قدري، أي: منعهما من الكافرين؛ لأن التحريم يُطلق ¬
في القرآن وفي لغة العرب على التحريم الشرعي، وعلى التحريم بمعنى المنع. وليس المراد هنا أنهما شرعاً محرمات، ولكنه تحريم قدري، وأن الله منع منهما الكافرين منعاً باتّاً بقدره وقضائه، ونظيره من التحريم بالمعنى القدري لا بالمعنى الشرعي قوله: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [المائدة: آية 26] وقوله جل وعلا: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: آية 12]؛ لأن الرضيع لا يؤاخذ بالتحريم الشرعي حتى يكون عليه حرام أو حلال. والمعنى: منعناه منهما. {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (95)} [الأنبياء: آية 50] هو من التحريم بمعنى المنع كوناً وقدراً. والتحريم بمعنى المنع معروف في كلام العرب، مشهور في لغتهم التي نزل بها القرآن، ومنه قول الشاعر (¬1): حَرَامٌ عَلَى عَيْنَيَّ أَنْ تَطْعَمَ الْكَرَى ... وَأَنْ تَرْقَآ حَتَّى أُلاَقِيكِ يَا هِنْدُ فمعنى «حرام على عيني أن تطعم الكرى»: ممنوعتان من ذوق النعاس والنوم. ونظيره قول امرىء القيس لِفَرَسِهِ (¬2): جَالتْ لِتَصْرَعنِي فَقُلْتُ لهَا اقْصُرِي ... إِنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُ أي: لا تقدرين عليه. فمعنى: {إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} حكم بمنعهم منهما حكماً باتّاً، كما قال (جل وعلا) عن عيسى ابن مريم: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّة وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: آية 72] وكذلك الكفار كما أن الجنة حرام عليهم فما فيها من الماء والرزق والنعيم حرام عليهم لا يذوقونه أبداً. وهذا ¬
معنى قوله: {إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}. ثم أخذوا يوبخونهم بصفاتهم الخسيسة التي كانوا يرتكبونها في دار الدنيا فقال: {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} [الأعراف: آية 51] إنما أضاف الدين إليهم مع أنهم ليس لهم دين - قبحهم الله - لأن الدين أمرهم الله به، وأرسل إليهم نبيه يدعوهم إليه، فكان من حقهم أن يعتنقوه، وأن يطيعوا الله، فلم يكن لهم دين إلا هذا اللهو واللعب، واللهو واللعب متقاربان (¬1)، قال بعض العلماء: اللهو: هو صرف النفس عما ينفع ويفيد إلى ما لا ينفع ولا يفيد. واللعب: هو أن يطلب الإنسان لنفسه الفرح والسرور بما لا ينبغي أن يفرح به، ولا أن يُسَرَّ به. وهما متقاربان. ومعنى اتخاذهم الدينَ لهْواً ولَعِباً: أنهم يسخرون من القرآن، ويسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ضعفاء المسلمين، يستهزئون بالدين وبأهل الدين. وبذلك اتخذوا الدين [8 / ب] لهواً ولعباً كما قال (جل وعلا) أنهم إذا مر بهم ضعفاء المسلمين:/ {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (31)} [المطففين: الآيتان 30، 31] ويسخرون منهم ويستهزئون كما قال (جل وعلا) عنهم إنهم يقولون: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} [البقرة: الآيتان 14، 15] ويسخرون من المؤمنين كما سخروا من نبي الله نوح، وقالوا له: بعد أن كنت نبيّاً صرت نجاراً. وقال لهم: {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ ¬
عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)} [هود: الآيتان 38، 39] وهذا معنى اتخاذهم الدين لهواً ولعباً. {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: آية 51] أي: خدعتهم الدنيا بِلَذَائِذِهَا ونعيمها، وظنوا أنها غير زائلة، وأنها لا جزاء بعدها، فألهتهم لذاتها -والعياذ بالله- والانهماك فيها حتى ماتوا وهم كفار. وهذه الآيات ينبغي للمسلم أن يعتبر بها، ويأخذ منها عظات كريمة، فيعلم أن يوم القيامة إنما هو بحسب الأعمال، هنالك قوم قصرت بهم أعمالهم تقصيراً شديداً فأُدخلوا دركات النار، وقوم قصرت بهم أعمالهم تقصيراً غير شديد فحُبسوا عن الجنة، وقوم لم تُقصر بهم أعمالهم فأُدخلوا الجنة، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه، كما ثبت عن النبي (¬1) صلى الله عليه وسلم. والمراد من قصص هذه الأخبار أن نعتبر في دار الدنيا، ونعلم أن الأمور بحسب الأعمال، وأن من قصّر به عمله كان في دركات النار، ومن قصر به عمله تقصيراً أخف من ذلك حُبس عن الجنة إلى ما شاء الله. فعلينا أن نحذر من التقصير في طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن التقصير قد يجر إلى دركات النار، وقد يجر أيضاً إلى الحبس عن الجنة. فعلى المسلم أن يحذر من هذا ومن هذا، وأن يطيع الله ويبالغ في مرضاة الله بامتثال أوامر الله واجتناب نواهي الله بحيث لا يتخلف عن أمرٍ أمره الله به، ولا يوجد عند أمر نهاه الله عنه؛ ليدخل الجنة، ولا يدخل النار، ولا يُحبس عن الجنة بسيئاته. ¬
هذا يلزم، كذلك لا يتخذ الدين هُزُؤاً ولعباً؛ لأن الذين يتخذون الدين هُزُؤًا ولعباً سيجدون غِبَّ ذلك. وأتباع هؤلاء كثروا في هذا الزمان والعياذ بالله؛ لأن كل نزعة كفرية تتجدد لها أغصان بعروقها القديمة، وهذه النزعة متجددة الآن تجدداً كثيراً؛ لأنك تجد كثيراً من الشباب في جميع أقطار المعمورة ممن ينتسبون إلى الإسلام يتخذون الدين هزؤاً ولعباً، ويتمسخرون من الذي يصلي، ومن الذي يتسم بسمت الأنبياء، فيعفي ذقنه ولا يحلقه، وربما قلدوا عليه التيس استهزاءً واستحقاراً، فهؤلاء ينالهم من وعيد الذين اتخذوا دينهم هزؤاً ولعباً بقدر ما ارتكبوا، فيجب على كل مسلم شابّاً كان أو غيره أن لا يتخذ الدين هزواً ولعباً، وألا يتخذ الدين لهواً ولعباً، فلا يسخر من الدين، ولا يسخر من أهله، ولا يسخر من حملة الدين، ولا من العلماء، ولا من هيئاتهم. مع أن الذين يسخرون ذوقهم معكوس، وضمائرهم منطمسة؛ لأن هذا الذي يسخرون منه هو الشيء الذي ينبغي، وهم في الحالة التي يُسخر منها، كما في أمثال العرب: (رمتني بدائها وانسَلَّت) الآن إذا رأيتَ رجلاً ذقنه مثل ذقني، له لحية بيضاء موفورة لم تقطع منها شعرة، إذا سافر ورآه صبيان المسلمين وشبابهم في الخارج ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار، كأنه في أعينهم تيس، لا يفهم عن الدنيا، ولا يساير ركب الحضارة، مع أنه في الواقع أن الرجل المعفي ذقنه المتسم بسمة الأنبياء هو الرجل العاقل الآخذ بالسمت الكريم؛ لأن هذه اللحية هي أعظم ما يتميز به الذكر عن الأنثى، فحلقها والفرار منها فرار من كرم الرجولة وشرف الذكورة إلى أنوثة الخنوثة، يريد أن يتشبه بالأنثى!! وهذا شرف وكرم وجمال في وجهه، وميزة لفحولته وذكورته عن خنوثة الأنثى
وضعفها. والرجال الكرام الذين أخذوا كنوز قيصر وكسرى لم يكن واحد منهم يحلق شيئاً من ذقنه، وكذلك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان أجمل الناس، وأحسن الناس وجهاً، وأكثر الرجال نساءً، ولحيته كثة معفاة، هي في غاية الجمال والكمال، فيجب على كل شاب وعلى كل مسلم أن لا يتمسخر من الإسلام، وأن لا يتخذ الإسلام لهواً ولعباً وأن لا يسخر من حملة الدين، ولا من هيئات العلماء، وليعلم أن هيئات العلماء هي السمت الذي كان عليه السلف الصالح، والصحابة الكرام، والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو سمت الأنبياء الكرام في ماضي الزمان. هذا هارون - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- من أنبياء سورة الأنعام الذين قال الله فيهم: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ} [الأنعام: آية 84] وقال الله لنبينا: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90] وثبت في صحيح البخاري (¬1) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص؟ قال: أوَمَا تقرأ؟! قال: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} [إلى أن قال:] (¬2) {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وهارون من الأنبياء الذين أمر نبينا أن يقتدي بهم، ومن الاقتداء بهم: الاقتداء في سمتهم الكريم - لما غضب عليه أخوه وَجَدَه كث اللحية معفاها، فقال له: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: آية 94] ومرادنا بهذا الكلام أن اتخاذ دين الله هزواً ولعباً ولهواً ولعباً انتشر في أقطار الدنيا، ولا سيما من الشباب الذين يَتَسَمَّون باسم المسلمين إذا رأوا رجلاً ¬
يذهب إلى الصلاة يصلي سخروا منه وهَزَؤُوا به! يظنون أن الكرة رياضة خير من الصلاة، وإذا رأوا رجلاً متسماً بسمت الإسلام، أو عليه سمت الإسلام، أو ينادي باسم الدين يقولون: هذا رجعي، هذا رجل لا يفهم، هذا لا يساير ركب الحضارة!! ويتخذون العلماء، وحملة الدين، والنور السماوي، وتعاليم الدين يسخرون منها، ويضحكون ويستهزئون فليحذروا من الاستهزاء بدين الله، ومن اتخاذ آيات الله هزواً ولعباً؛ لأن ذلك أمر عظيم عند الله. ولما ضحك بعض المنافقين، وقالوا: النبي صلى الله عليه وسلم - لما ضلت راحلته في غزوة تبوك - هو يَدَّعى أنه يأتيه علم الغيب من السماء وهو لا يدري أين ذهبت راحلته!! وسخروا من النبي صلى الله عليه وسلم وهزئوا به، فنزل القرآن فيهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: آية 65] يعني: كنا نسخر ونضحك بهزل غير جد. أجابهم الله {قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن يُعْفَ عن طائفة منكم تُعَذَّبْ طائفةٌ يأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: الآيتان 65، 66] وفي قراءة عاصم وحده: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} (¬1) وفيها قال ابن المرحَّل (¬2): لِعَاصِمٍ قِرَاءَهْ ... لِغَيْرِهَا مُخَالِفَهْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ ... مِنْكُمْ نُعذِّبْ طَائِفَهْ ¬
والشاهد عندنا أن نُحَذِّر إخواننا المسلمين من أن يتخذوا دين الله وآيات الله هزواً ولعباً، لئلا يلحقهم ما لحق الكفار الذين اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، فليحذر المؤمن كل الحذر أن يسخر من دين الله، وأن يستهزئ بآيات الله، وأن يسخر من حملة العلم ومن رجال الدين، وأن يتخذهم مسخرة ومضحكة، هذا لا ينبغي ولا يليق، ومن فعله سيناله من الوعيد بقدر ما قال الله في أهل النار: {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: آية 51] فعلى المسلم أن يحترم الدين، ويعظم الدين، ويعظم كل ما جاء من ربه من الأوامر والنواهي، ويعظم العلماء وحملة العلم، والمتَّسِمِين بسمات العلم، ولا يحتقرهم، ولا يتخذهم هزواً. وإنما بينا هذا لكثرة ما نشاهد من شباب المسلمين في أقطار الدنيا، يتخذون الدين مسخرة وملعبة ومضحكة، يضحكون ممن يصلي، ويستهزئون به، ويسخرون منه، ويتخذونه لهواً ولعباً كأنه مضحكة مسخرة!! هذا أمر خطير وعاقبته وخيمة. وقصدنا أن نحذر أنفسنا وإخواننا المسلمين منه، فعلينا أن نعظم آيات الله، ونحترم دين الله، ونحترم حملة الدين والعلماء المتصفين بحمل الدين، ولا نتخذهم لهواً ولعباً، ولا نسخر منهم، ولا نقلد عليهم التيوس إذا رأيناهم يعفون لحاهم، بل نعظمهم ونحترمهم؛ لئلا يلحقنا من الوعيد بقدر ما فعلنا من ذلك، كما قال الله في الكفار: {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} لأنهم كانوا يسخرون من ضعاف المسلمين إذا رأوهم يصلون ويعبدون الله يتغامزون ويضحكون {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30)} [المطففين: آية 30] ويقولون: {أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} [الأنعام: آية 53] {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: الآية 11] انظروا دين محمد
يقول: إن هؤلاء البؤساء النتْنَى الفقراء أنهم ينالون الكرامة!! فيسخرون منهم ويضحكون من دينهم. هذا أمر لا ينبغي، بل يجب على المسلم أن يكون محترماً للدين، معظماً لما جاء من الله، معظماً لرجال العلم، محترماً لرجال الدين، غير مستهزئ بالدين، ولا بحملة الدين، ولا متخذهم مسخرة، هذا هو اللازم. وهذا معنى قوله: {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي: خدعتهم. والدنيا: تأنيث الأدنى، وإنما سُميت (دنيا) لدنوها. أي: قربها، أو لدناءتها بالنسبة إلى الآخرة. ثم قال الله: {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ} [الأعراف: آية 51] المراد بالنسيان هنا: الترك مع العلم التام؛ لأن الله لا ينسى، كما قال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} [طه: آية 52] والعرب تُطلق النسيان على ذهاب الشيء عن علم الإنسان بعد أن كان يعلمه، وهذا المعنى مستحيل على الله، وتطلق النسيان على الترك عمداً (¬1). وهو المقصود هنا وهو في آيات كثيرة {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ} [الأعراف: آية 51] أي: نتركهم عن إرادة وقصد يتقلبون في دركات النار، وأنواع العذاب. {كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: آية 51] أي: نسياناً كنسيانهم لقاء يومهم هذا؛ لأن هذا اليوم لم ينسوه، وإنما تركوا العمل له عمداً وقصداً وعناداً للرسل {كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا}. {وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: آية 51] في قوله: {وَمَا} {وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} وجهان من ¬
التفسير (¬1)، الصحيح منهما: أنها مصدرية، والمعنى: كنسيانهم لقاء يومهم هذا، وككونهم جاحدين بآياتنا في دار الدنيا، فـ (ما) مصدرية، وغلط قوم من علماء التفسير فقالوا: إنها نافية، والمعنى: {وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} ما كانوا يجحدون بها في قرارة أنفسهم، بل يعلمون أنها حق، ولكنهم كانوا يعاندون، كما قال: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ} [الأنعام: آية 33] والتحقيق أنها مصدرية، والمعنى: نتركهم في النار، وننساهم تاركين إياهم في النار عمداً وقصداً معذبين في النار خالدين فيها {كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا} كما تركوا العمل للقاء هذا اليوم، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: كنسيانهم لهذا اليوم، وكجحودهم لآياتنا، وتكذيبهم رسلنا. قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: الآيات 52 - 54]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ¬
الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)} [الأعراف: الآيتان 52، 53]. لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) مصيرَ أهلِ الجنةِ ومصيرَ أهلِ النارِ، وما يقولُه كُلٌّ من أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ للآخرين، وما يقولُه أصحابُ الأعرافِ لِلطَّرَفَيْنِ بَيَّنَ أن الذين هلكوا واستحقوا النارَ وخلدوا في النارِ ما جاءهم ذلك إلا عن الإعراضِ عن هذا الكتابِ الأعظمِ والنورِ المبين الذي أنزله رَبُّ السماواتِ والأرضِ، وَفَصَّل فيه العقائدَ، والحلالَ والحرامَ، وَبَيَّنَ فيه الأمثالَ، وما يُوصِلُ إلى الجنةِ، وما يُوصِلُ إلى النارِ، وأوضحَ فيه كُلَّ خيرٍ، وَحَذَّرَ فيه من كُلِّ شَرٍّ، وَبَشَّرَ فيه وَأَنْذَرَ، فَمَنْ أعرضَ عن هذا القرآنِ هُمُ الذين صاروا إلى النارِ، وَمَنْ عمل بهذا القرآنِ هم الذين صاروا إلى الجنةِ. ومنذ أنزلَ اللَّهُ هذا الكتابَ - الذي هو أعظمُ كتابٍ نزلَ من السماءِ إلى الأرضِ، وَجَمَعَ اللَّهُ فيه علومَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ - استحالَ شرعًا أن يدخلَ أحدٌ النارَ إلا عن طريقِ الإعراضِ عنه أو يدخلَ أحدٌ الجنةَ إلا عن طريقِ العملِ به، فالعملُ به مفتاحُ الجنةِ، والإعراضُ عنه مفتاحُ النارِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} الآية [هود: آية 17] ولأَجْلِ ذلك جَعَلَهُ اللَّهُ رحمةً لقومٍ وَفَّقَهُمْ للعملِ به، وحجةً ووبالاً على قومٍ خَذَلَهُمْ فَلَمْ يعملوا به: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: آية 44] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (82)} [الإسراء: آية 82] {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: آية 64] {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ
آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} ولذا قال هنا: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ} أي: الخلائق الذين كنا نَقُصُّ خبرَهم؛ لأن بعضَهم في الجنةِ وبعضَهم في النارِ. فَعَلَى هذا القولِ فـ (الكتاب) جنسُ الكتبِ السماويةِ. والأظهرُ أن الْمُخَاطَبِينَ به المرادين به أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأن الكتابَ هو هذا القرآنُ العظيمُ. {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم} أي: جئنا هذه الأمةَ التي دخل بعضُها الجنةَ وبعضُها النارَ. {بِكِتَابٍ} أَنْزَلْنَاهُ على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقراءةُ الجمهورِ من السبعةِ بل والعشرةِ: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} أما قراءةُ: {ولقد جئناهم بكتاب فَضَّلْنَاهُ} أي: على سائرِ الكتبِ، فليست من القراءاتِ السبعيةِ، وقرأ بها ابنُ محيصن وغيرُه (¬1). وهي -وإن كانت شاذةً- فمعناها صحيحٌ؛ لأنه مُفَضَّلٌ على سائرِ الكتبِ. وقراءةُ الجميعِ: اللامُ موطئةٌ للقَسَمِ، وَاللَّهِ ما تركناهم سُدًى ولا في غفلةٍ، وَاللَّهِ لقد جئناهم بكتابٍ. يعني: أَتَيْنَاهُمْ بكتابٍ. قدمنا أنه قيل له (الكتاب) لأنه مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ، كما قال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)} [البروج: الآيتان 21، 22] وفي صحفٍ عِنْدَ الملائكةِ، كما في قولِه: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14)} [عبس: الآيتان 13، 14] وكذلك هو مكتوبٌ عندَ المسلمين في مصاحفِهم يقرؤونه. {بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} صِيغَةُ الجمعِ للتعظيمِ، وَاللَّهُ هو الآتِي بهذا ¬
الكتابِ وحدَه، المُفصِّلُ له وحدَه. وصيغةُ الجمعِ في (جئنا) وفي (فصلنا) إنما هي للتعظيمِ، والمعنَى: {فَصَّلْنَاهُ} التفصيلُ ضِدُّ الإجمالِ. ومعنَى تفصيلِ هذا الكتابِ: جَعَلْنَاهُ مُفَصَّلاً مُوَضَّحًا بَيِّنًا، فيه العقائدُ بتفصيلٍ وإيضاحٍ، والحلالُ والحرامُ والأمثالُ والمواعظُ، وما يُدْخِلُ الجنةَ، وما يُدْخِلُ النارَ، وما يُرْضِي اللَّهَ، وما يُسْخِطُ اللَّهَ، وما تصلح به أحوالُ الإنسانِ في دنياه وآخرتِه، وما تَفْسُدُ به، فقد فصَّل اللَّهُ فيه كُلَّ شيءٍ، وَبَيَّنَ فيه أصولَ كُلِّ شيءٍ، فأوضحَ فيه العقائدَ، ومكارمَ الأخلاقِ، والخروجَ من الشبهاتِ، وَرَفَعَ فيه الْهِمَمَ، وَبَيَّنَ أصولَ الحلالِ والحرامِ، وأصولَ المواعظِ وجميعَ الأشياءِ. والغريبُ كُل الغريبِ الذي لاَ يقضي الإنسانُ عجبَه منه أن أمةً ينزلُ عليها هذا الكتابُ الذي يقول اللَّهُ فيه: إنه فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه، بَيَّنَهُ مُفَصَّلاً بعلمِ اللَّهِ (جل وعلا) المحيطِ بِكُلِّ شيءٍ، وضمَّنه جميعَ المصالحِ ودرءَ جميعِ المفاسدِ وخيرَ الدنيا والآخرةِ، وهذا كُلُّهُ من رَبِّ العالمين المحيطِ علمُه بِكُلِّ شيءٍ، وهذا كلامُه الذي فصَّله على علمٍ منه وَأَوْضَحَهُ، وَبَيَّنَ فيه معالمَ الخيرِ ومعالمَ الشرِّ، وما يُصْلِحُ دنيا الإنسانِ وآخرتَه، وما يكونُ به على خيرٍ في كِلْتَا الدَّارَيْنِ، وهو تنزيلُ رَبِّ العالمين، وتفصيلُ خالقِ السماواتِ والأرضِ، ومع هذا كُلِّهِ يُرْغَبُ عن هذا الكتابِ ولا يُبَالِي به، ويذهبُ يطلبُ الخيرَ والحقَّ في آراءِ قومٍ كفرةٍ فجرةٍ كلابٍ خنازيرَ!! فهذا من غرائبِ الدهرِ وعجائبِه!! كيف تُصْرَفُ هذه الأمةُ عن هذا الكتابِ المنزلِ الذي هو كلامُ ربِّ العالمين، وما فيه من المعانِي، وما فيه من العقائدِ والحلالِ والحرامِ والمعاملاتِ والمواعظِ ومكارمِ الأخلاقِ، وإيضاحِ علاقاتِ المجتمعِ فيما بينَه، وإيضاحِ حالةِ الإنسانِ في نفسِه، وما ينبغي أن
يكونَ عليه، وما ينبغي أن يكونَ عليه مع مجتمعِه الخاصِّ، ومع مجتمعِه العامِّ، وما يكون عليه مع أعدائه، كُلُّ هذا فَصَّلَهُ رَبُّ العالمين، وَأَوْضَحَهُ وزاده بيانًا رسولٌ كريمٌ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4] فَتَرَكَهَا محجةً بيضاءَ ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هَالِكٌ. مَنْ سَلَكَ هذا القرآنَ العظيمَ، وعمل به، وبالسنةِ المبينةِ له نَالَ خيرَ الدنيا وخيرَ الآخرةِ، وكان أعظمَ الناسِ هيبةً، وَأَقْوَاهُمْ شوكةً، وَأَعَزَّهُمْ مَنَعَةً، ومع هذا كُلِّهِ فالأمةُ التي نَزَلَ القرآنُ على أسلافِها تَخَلَّتْ عن هذا الكتابِ المحكمِ الذي هو كتابُ رَبِّ العالمين، الذي قال فيه: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: آية 52] المُفصِّلُ له هو اللَّهُ على علمٍ من الله المحيطِ علمُه بِكُلِّ شيءٍ، ومع هذا يتركونَه ولا ينظرونَ إليه، وينبذونَه وراءَ ظهورِهم، ويذهبونَ يطلبونَ الرشدَ ومصالحَ أمرِهم في قوانينَ وَنُظُمٍ رَتَّبَهَا كفرةٌ فجرةٌ جهلةٌ مُظْلِمَةٌ قلوبُهم، هم كالأنعامِ أو أضلُّ سبيلاً!! فهذا من أغربِ ما يشاهده الإنسانُ! ولو أننا لم نَرَهُ عيانًا لَمَا كُنَّا نصدق أن عاقلاً يذهب عن كلامِ رَبِّ العالمين الذي بَيَّنَ فيه الرشادَ وخيرَ الدنيا وخيرَ الآخِرَةِ، وأوضحَ فيه كُلَّ شيءٍ يتركه عمدًا زاعمًا أنه لا يُنَظِّمُ علاقاتِ الحياةِ، ولا يسايرُ رَكْبَ الحضارةِ، ثم يذهبُ إلى نُظُمٍ وَضْعِيَّةٍ، وقوانينَ إفرنجيةٍ وَضَعَهَا ملاحدةٌ لاَ يعلمونَ عن الله شيئًا، لاَ يعلمونَ إِلاَّ ظاهرًا من الحياةِ الدنيا وهم عن الآخرةِ هم غافلونَ. فهذا من أغربِ ما وقع في التاريخِ!! نسألُ اللَّهَ أن يُبَصِّرَنَا بهداه ولا يُضِلَّنَا، ولكنا بَيَّنَّا مرارًا أن الذين يَنْصَرِفُونَ عن أنوارِ القرآنِ وَهُدَى القرآنِ يطلبونَ الرشادَ في نظمٍ كفريةٍ قانونيةٍ، مخالفةٍ لهدى اللَّهِ وكتابِه الذي فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه هُدًى وَرَحْمَةً، أن
الذي جَرَّهُمْ إلى ذلك أنَّ القرآنَ أعظمُ نُورٍ، وَاللَّهُ يُسَمِّيهِ النورَ في آياتٍ كثيرةٍ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174)} [النساء: آية 174] {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: آية 8] على عَبْدِنَا {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: آية 52] فهو نورٌ أعظمُ نورٍ، وهؤلاء الذين ينصرفونَ عنه إلى النُّظُمِ الوضعيةِ الكافريةِ في الحقيقةِ هم خفافيشُ البصائرِ، والخفاشُ لا يُلاَمُ إذا كان لا يمكنُ أن يَرَى ضوءَ الشمسِ؛ لأن بصيرتَه ليس لها استعدادٌ ولا قوةٌ على مقابلةِ الشمسِ. مِثْلَ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى ... نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ (¬1) ... خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (¬2) كَمَا أشارَ اللَّهُ لهذا بقولِه: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: آية 20] وَبَيَّنَ (جل وعلا) في سورةِ الرعدِ أن هذا القرآنَ لا ينصرفُ عنه ويجهلُ أحقيتَه وأمرَه إلا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصيرتَه بالكليةِ، والأعمى إذا كان لا يبصرُ الشمسَ فما في تَبْصِيرِهِ لها حيلةٌ وذلك في قولِه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: آية 19] فَصَرَّحَ بأن الذي لا يعلمُ أنه الحقُّ أن الذي مَنَعَهُ من ذلك هو عَمَاهُ، وعدمُ رؤيةِ الأَعْمَى للشمسِ لا يجعلُ في الشمسِ لَبْسًا ولا شَكًّا ولا ريبًا: إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ ... فَلاَ غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ (¬3) ¬
ولم يَكْفِ هؤلاء المساكين الخفافيشَ، لم يَكْفِهِمُ الإعراضُ عن القرآنِ، وتركُه وراءَ ظهورهم، وتفضيلُ آراءِ الكفرةِ الفجرةِ عليه، لم يَكْفِهِمْ ذلك أن طَعَنُوا فيه، وَزَعَمُوا أن بعضَ تشاريعِه التي نَظَّمَهَا اللَّهُ وَشَرَّعَهَا أنها ليست عادلةً - والعياذُ بالله - وَمَنْ زَعَمَ هذا فقد طَعَنَ في حكمةِ اللَّهِ، وَكَفَرَ بالله كُفْرًا بوَاحًا. ترى الجهلةَ الملاحدةَ الذين صَبَغَهُمُ الإفرنجُ كما يشاؤون يقولونَ: كيفَ يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ ميراثَ المرأةِ أقلَّ من ميراثِ الرجلِ وعينُ القرابةِ التي يُدْلِي بها الرجلُ هي عينُ القرابةِ التي تُدْلِي بها المرأةُ، فكيف يكونُ نَفْسُ ما يُدْلِي به الرجلُ هو ما تُدْلِي به المرأةُ ثم يُفَضِّلُهُ عليها؟ (¬1). وَاللَّهُ (جل وعلا) يعلمُ أن هذا سَيَضِلُّ به قومٌ، وأن مَنْ زعم أن تفضيلَ الرجلِ على المرأةِ في الميراثِ ليس بحكمةٍ ولا صوابٍ أنه ضَالٌّ؛ وَلِذَا بَيَّنَ هذا من غرائبِ القرآنِ حيث قال بعدَ قولِه: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: آية 176] أَتْبَعَهُ بقولِه: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: آية 176] فَبَيَّنَ أن مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هذا التشريعَ وَطَعَنَ فيه أنه ضَالٌّ، وهو كما قال الله. ثم يقولونَ: كيف يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ الطلاقَ بيدِ الرجلِ من غيرِ إِذْنِ المرأةِ، مع أن عقدَ النكاحِ أَوَّلاً لم يكن إلا بإذنِ المرأةِ وَرِضَاهَا، فهي عقدةٌ اجْتَمَعَا عليها، فكيف يَجْعَلُ الاستقالةَ منها للرجلِ وحدَه دونَ إِذْنِ المرأةِ؟ ثم يقولونَ بالفلسفاتِ الشيطانيةِ: ربما أَفْنَى الرجلُ جمالَها وشبابَها حتى صارت لاَ يَرْغَبُ فيها غيرُه ثم يُلْقِيهَا وَيُطَلِّقُهَا فتبقَى ضائعةً، وهذا ظُلْمٌ. وَيُلَفِّقُونَ نحوَ هذا من الفلسفاتِ ¬
الشيطانيةِ التي يأتِي بها قومٌ أَعْمَى اللَّهُ بصائرَهم عن أنوارِ القرآنِ وَحِكَمِ رَبِّ العالمين الباهرةِ (¬1). ونحن نذكرُ هنا (إن شاء الله) بعضَ الأشياءِ التي طَعَنُوا بها في التشريعِ الإسلاميِّ، وَنُبَيِّنُ أن الذي جَرَّهُمْ إلى ذلك هو سُوءُ فَهْمِهِمْ، وعدمُ معرفتِهم، وطمسُ بصائرِهم، وضلالُ قلوبِهم: وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ (¬2) أما تفضيلُ اللَّهِ للرجلِ على المرأةِ فِي الميراثِ فقد أشارَ لحكمتِه بقولِه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: آية 34] وتقريبُ هذا للأذهانِ: أن الميراثَ ما تَعِبَ فيه الرجلُ الوارثُ ولاَ المرأةُ الوارثةُ، ولا مَسَحَا في تَحْصِيلِهِ عَرَقًا، وإنما هو مالٌ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إياه تفَضُّلاً منه مُلكًا جَبْرِيًّا من غيرِ أن يَتَسَبَّبَا فيه بعملٍ ولا بكدٍ ولا بكدحٍ، فَاللَّهُ ملَّكهما إياه، وقد أَجْرَى اللَّهُ عادتَه بحكمتِه أنه لَمَّا قَسَّمَ الإنسانَ إلى ذَكَرٍ وأنثى جعلَ الذكورةَ بقوةِ حَالِهَا وطبيعتِها قوةً وكمالاً. فالذكورةُ قوةٌ وكمالٌ، والأنوثةُ ضَعْفٌ خِلْقِيٌّ جِبِلِّيٌّ، ونقصٌ خِلْقِيٌّ جَبَلَ اللَّهُ هذا النوعَ من الإنسانِ عليه. وعامةُ العقلاءِ لا يكادونَ يختلفونَ في هذا إلا المكابرين بالفلسفاتِ الشيطانيةِ. والدليلُ على ذلك ما أشارَ له اللَّهُ في سورةِ الزخرفِ في قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)} (¬3) [الزخرف: آية 18] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {أومن يَنْشَأُ ¬
في الحلية وهو في الخصام غير مبين} يعني: أيجعلونَ لِلَّهِ البناتِ، يجعلونَ له الولدَ، ثم يجعلونَ له أضعفَ الْوَلَدَيْنِ جِبلَّةً وأنقصَهما خِلقَةً وهو الأُنْثَى؛ ولذلك منذ تُولَدُ الأُنْثَى وهي تُجْعَلُ لها الزيناتُ، وربما ثُقِبَتْ آذانُها وجُعلت فيها الأقراطُ والشنوفُ، ثم تُجْعَلُ في جيدِها القلائدُ - من أنواعِ الْحُلِيِّ - وفي مَعَاصِمِهَا، وفي خَلاَخِلِهَا، وَتُكْسَى الحليَّ والحللَ منذ تُولَدُ إلى أن تموتَ، كل ذلك التزيينِ هو جبرٌ لذلك النقصِ الخلقيِّ الذي خَلَقَهَا اللَّهُ عليه وَجَبَلَهَا عليه. وَمَا الْحَلْيُ إِلاَّ زِينَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ ... يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إِذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا (¬1) ... وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفَّرًا ... كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوَّرا أما الذَّكَرُ فجمالُ ذُكُورَتِهِ وكمالُ فحولتِه هو جمالٌ وكمالٌ طَبِيعِيٌّ، ولذا لا تجدُ الدنيا على مرورِ الأزمنةِ والقرونِ تخرقُ آذانَ الذكورِ وتجملهم بالأقراطِ والشنوفِ، ولا تجعلُ لهم قلائدَ الحلي والخلاخيلِ والأساورِ، وإنما تُجْعَلُ ذلك للأنثى. والإفرنجُ الذين يحاولونَ أنهما سواء يُحَمِّرونَ فَمَ الأُنْثَى ولا يُحَمِّرونَ فَمَ الذَّكَرِ، وَكُلُّ ذلك يشيرُ إلى الفرقِ الجبليِّ الطبيعيِّ بينَهما الذي جَبَلَهُمَا اللَّهُ عليه. فلما كان اللَّهُ (جل وعلا) جَعَلَ الأنوثةَ في أصلِ طبيعتِها وَخِلْقَتِهَا ضَعْفًا خلقيًّا ونقصًا جبليًّا، وجعلَ الذكورةَ ¬
في أصلِ خلقتِها كمالاً طبيعيًّا وقوةً جِبِلِّيَّةً، اقتضت حكمةُ العليمِ الخبيرِ أن يجعلَ ذلك القويَّ بطبعه، الكاملَ بجبلته قَيِّمًا على ذلك الضعيفِ بقوتِه، الناقصِ بجبلته؛ ليستجلبَ له ما يعجزُ عنه من الخيرِ، ويدفعُ عنه ما يعجزُ عنه من الشَّرِّ، ولذلك كان الرجلُ يترقبُ النقصَ في حياتِه دائما؛ فإنه يبذلُ دائمًا النفقاتِ في صَدُقَاتِ الزوجاتِ، والإنفاقِ عليهن، وفي مُؤَنِ الجهادِ، وفي نوائبِ الدهرِ، فهو غارمٌ باذلٌ دائمًا، والمرأةُ تترقبُ طولَ حياتِها الزيادةَ، وأن يُمْلأَ كِيسُهَا، تترقبُ رجلاً يدفعُ لها مالاً كثيرًا في صَدَاقِهَا، ويقومُ بجميعِ مُؤَنِهَا ولوازِمها في الدنيا، فهي تترقبُ الزيادةَ دائمًا، والرجلُ يترقبُ النقصَ دائمًا. فلما كان الحكيمُ الخبيرُ أرادَ أن يُقَسِّمَ عليهما الميراثَ آثَرَ مترقبَ النقصِ دائمًا على مترقبِ الزيادةِ دائما جَبْرًا لبعضِ نقصِه المترقبِ؛ ولذا تَجِدُ الرجلَ وأختَه، تجدُ أختَه تُدفع لها الأموالُ الكثيرةُ في صَدَاقِهَا، ويقومُ غيرُه بنفقاتِها وَكُلِّ ما يَلْزَمُ لها، والرجلُ أخوها الآخَرُ هو الذي يَبْذُلُ ما عندَه في نفقاتِ زوجاتِه ومهورهن، ونوائبِ الدهرِ، ومعوناتِ الجهادِ، وغيرِ ذلك. وإذا وجدنا مَنْ يَقْسِمُ على اثْنَيْنِ أحدهما يترقبُ النقصَ دائمًا، والثاني يترقبُ الزيادةَ دائمًا، فآثر مترقبَ النقصِ دائمًا على مترقبِ الزيادةِ دائمًا جَبْرًا لبعضِ نقصِه المُترقب لقلنا له: إن إِيثَارَكَ لهذا وزيادتَك لهذا عن هذا واقعةٌ مَوْقِعَهَا عن حكمةٍ بالغةٍ، ووضع أَمْرٍ في موضعِه، وإيقاعِه في موقعِه، ولهذا كان (جل وعلا) يُفَضِّلُ في الميراثِ الذكرَ على الأنثى؛ لأن الذكرَ باذلٌ يبذلُ في مهورِ الأزواجِ وفي نفقاتِهن وفي نفقاتِ الأولادِ، وفي مُؤَنِ الجهادِ وغيرِ ذلك من وُجُوهِ الْبِرِّ. والمرأةُ دائمًا تترقبُ
رجلاً يبذلُ لها مالاً كثيرًا يُسَمَّى الصداق، ويقومُ بشؤونها من إنفاقٍ وملبسٍ ومأكلٍ ومشربٍ وكلِّ ما تحتاجُ إليه. فإيثارُ مترقبِ النقصِ على مترقبِ الزيادةِ حكمةٌ بالغةٌ، وأمرٌ واضحٌ واقعٌ موقعَه كما لا يَخْفَى إلا على مطموسِ البصيرةِ، وإنما جَعَلَ اللَّهُ الرجالَ قَوَّامِينَ على النساءِ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ في الذكورةِ بِجِبِلَّتِهَا وخلقتها من القوةِ والكمالِ، وقصورِ الأنوثةِ عن ذلك؛ ولذلك كان الولدُ يُنْسَبُ إلى الرجلِ، والمرأةُ راضيةٌ، نفسُ المرأةِ تقولُ لولدِها الذي نُفِسَتْ به وخرج من قُبُلها: «هذا ابنُ فلان». تعني [زوجها] (¬1)، تنسبُه لأبيه وَفْقًا لقولِه تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: آية 5] وجعل الله الرجلَ هو المسؤولَ عن المرأةِ، يُقَوِّمُ أخلاقَها، وَيَقُومُ بشؤونِها، وهو مترقبٌ النقصَ والبذلَ دائمًا، وهي مترقبةٌ الزيادةَ دائمًا. وجَعْلُ اللَّهِ النساءَ يُنْفَقُ عليهن، وَيُكْفَيْنَ المؤنةَ ليسَ لإهانةٍ لهن، ولا لهضمٍ لحقوقهن، ولكنما هو إكرامٌ لهن بحسبِ طبيعتِهن وخلْقَتِهن التي جَبَلَهُنَّ عليها خالقُ السماواتِ والأرضِ؛ لأَنَّ المرأةَ تتعرضُ لأعينِ الخونةِ؛ لأن المرأةَ كُلَّهَا هي متعةٌ وتلذذٌ أَبَتْ أم كَرِهَتْ؛ لأن عينَ الإنسانِ إذا نظرت إلى جمالِها الْتَذَّتْ منها واستغلت جَمَالَهَا كرهًا، فاقتضت حكمةُ الشرعِ أن تُصَانَ، وَتُجْعَلُ كالدرةِ المصونةِ، وتُكفى مؤنَ الدهرِ ولوازمَه ونوائبَه؛ لئلا تضطرَ إلى الابتذالِ وما لا يليقُ بِشَرَفِهَا. فهذه تعاليمُ الإسلامِ، وصيانتُه للمرأةِ وإكرامُها وبذلُها لحقوقِها الكاملةِ، مع أنَّا بَيَّنَّا مِرَارًا أنها تُسَاعِدُ في بناءِ المجتمعِ، وتربيةِ الأسرةِ داخلَ بيتِها مساعدةً أعظمَ مما يعملُه الرجلُ خارجًا، لَكِنَّ تلك المساعدةَ في عفافٍ وسترٍ وكرمٍ. وهذا واضحٌ مَنْ نَظَرَهُ ¬
يعلمُ أن تفضيلَ الرجلِ في الميراثِ عن المرأةِ لحكمةٍ بالغةٍ واضحةٍ لاَ يجهلُها إلا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بصيرتَه. كذلك جَعْلُ الطلاقِ بيدِ الرجلِ حكمتُه بالغةٌ واضحةٌ لاَ إشكالَ فيها؛ لأن القرآنَ بَيَّنَ أن النساءَ وإن كُنَّ في غايةِ الكرامةِ على أزواجهن وعلى أُسَرِهِنَّ، وهن بالمنزلة العليا التي جَعَلَهَا اللَّهُ لهن من أنهن يُكْفَيْنَ جميعَ الحقوقِ، ويُكفينَ جميعَ المؤناتِ، ويُصَنَّ أكرمَ الصيانةِ وأعزَّها، وأن لا يُبْذَلْنَ لضياعِ شَرَفِهِنَّ، ولا مروءتهن وَهُنَّ مع ذلك مَزَارِعُ تُزْرَعُ فيها النطفُ حتى تُسْتَحْصَدَ ويأخذها صاحبُها فتثمرُ النطفةُ في رَحِمِ المرأةِ، ثم تَلِدُهَا فيأخذها صاحبُها الذي زَرَعَهَا وهو الرجلُ، ويقال: هذا ابنُ فلانٍ. وَاللَّهُ يقولُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: آية 223] وإنما سَمَّى النساءَ حَرْثًا لأن طبيعةَ الحالِ والأمرَ الواقعَ هو يقتضي ذلك بِلاَ شَكٍّ ولا رَيْبٍ؛ لأن آلةَ التناسلِ والازدراعِ هي مع الرجلِ، فلو أَرَادَتِ المرأةُ أن تأخذَ حَمْلاً من الرجلِ، وأن تجامعَه فتحمل منه وهو كارهٌ فإن ذَكَرَهُ لاَ ينتشرُ إليها، ولا تَقْدِرُ أن تأخذَ منه شيئًا، بخلافِ الرجلِ فعنده آلةُ النسلِ وآلةُ الازدراعِ، فهو فاعلٌ بطبيعةِ حالِه، وهي مفعولٌ بطبيعةِ الوضعِ الذي خَلَقَهَا اللَّهُ وَجَبَلَهَا عليه. فالرجلُ قد يُجَامِعُهَا راغمةً مكرهةً وَتَلِدُ ولدًا يكونُ هو خيرُ الدنيا والآخرةِ عليها وإن حملت به كرهًا وإرغامًا غيرَ راضيةٍ، أما الرجلُ فلا تكادُ المرأةُ أن تحصلَ منه على حملٍ وهو كارهٌ أبدًا؛ لأنه إذا كان غيرَ راغبٍ في ذلك لا ينتشرُ ذَكَرُهُ ولا يقومُ إليها، ولا تقدرُ منه على شيء. فتبين أنه فاعلٌ بطبيعةِ الحالِ والجبلةِ الخلقيةِ، وأنها مفعولٌ به بالطبيعةِ التي خَلَقَهَا اللَّهُ وجبلها عليها، كما قال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}
لأنه يُحْبِلُهَا وهي كارهةٌ، كما قال أبو كبير الهذليُّ في ربيبه تأبط شرًّا (¬1): مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ ... حُبُكَ النِّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهبَّلِ يعني حبلت به أُمُّهُ وهي عاقدةٌ حُبُكَ نطاقِها، شادةٌ إِزَارَهَا، ممتنعةٌ من أن تحل الإزارَ، فقد أُكْرِهَتْ على ذلك الجماعِ الذي حبلت منه. ولأَجْلِ هذا إذا كان الرجلُ فاعلاً والمرأةُ مُزْدَرَعٌ ليس من العقلِ ولا من الحكمةِ أن نقولَ لإنسانٍ لا رغبةَ له في الأولادِ في حقلٍ: لا بد أن نُرْغِمَكَ على هذا الحقلِ والبقاءِ معه وأنتَ لا رغبةَ لكَ فيه. والرجلُ لم يُفْنِ من جمالِ المرأةِ شيئًا، إنما أَفْنَى جمالَها الليالي والأيامُ. أَفْنَاهُ قيل اللَّهِ لِلشَّمْسِ: اطْلُعِي (¬2) ... .......................... فالرجل لم يُنْقِصْ من جمالِها شيئًا، وإنما نَقَصَهُ اللَّهُ بطولِ عُمْرِهَا. والمدةُ التي مَكَثَ معها هو قائمٌ بجميعِ شؤونها، وليس مُلْزَمًا بالبقاءِ دائمًا عندَ حقلٍ لاَ خيرَ له فيه، فلو أُرْغِمَ على البقاءِ معها دائمًا وهو كارهٌ لم تَسْتَفِدْ منه شيئًا، ولم تَقْدِرْ أن تأتيَ منه بولدٍ، ولا أن تحصلَ منه على شيءٍ، بخلافِ الرجلِ. وكذلك يزعمونَ أن تعددَ الزوجاتِ من التشريعِ الذي ليس بِطَيِّبٍ. وكلُّ هذا قصورٌ منهم - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - لأن تعددَ الزوجاتِ فيه مصلحةُ المرأةِ، ومصلحةُ الرجلِ، ومصلحةُ المجتمعِ، فهو تشريعٌ سماويٌّ يشملُ جميعَ المصالحِ، وهم يقولونَ: إن تعددَ الزوجاتِ أمرٌ ¬
لاَ ينبغي؛ لأَنَّ الرجلَ إذا كانت امرأتُه واحدةً أمكنه أن يأخذَ بِخَاطِرِهَا، وأن يعيشَ معها في عيشٍ مستقيمٍ لذيذٍ، كُلٌّ منهما قريرُ العينِ بصاحبِه، أما إن جَمَعَ معها أخرى فإنه إن أَرْضَى هذه سَخِطَتْ هذه، وإن أَرْضَى هذه سخطت هذه، فهو بَيْنَ سخطتين دائمًا، وفي نزاعٍ دائمٍ، وأن الإتيانَ بالضرةِ الأخرى يُؤْلِمُ قلبَ الزوجةِ الأُولَى، وأن هذا التشريعَ ليس بطيبٍ. وكلُّ هذا جهالةٌ منهم قَبَّحَهُمُ اللَّهُ؛ لأن المشاغبةَ أمرٌ طبيعيٌّ بينَ الناسِ، فالرجلُ تقعُ المشاغبةُ بينَه وبينَ أُمِّهِ، وبينَه وبينَ أبيه وأخيه، وبينَه وبينَ زوجتِه الواحدةِ، فهي أمرٌ طبيعيٌّ بالنسبةِ إلى الناسِ يتخاصمونَ مرةً ويكونُ بينَهم بعضُ الشنآنِ والشرِّ ثم يرجعُ كلٌّ منهم إلى رضا الآخَرِ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ من ضرورياتِ الحياةِ. والمرأةُ الواحدةُ قد تَمْرَضُ، وقد تُنفس، وقد تحيضُ، فتبقى منافعُ الرجلِ معطلةً، والمرأةُ غيرُ صالحةٍ في ذلك الوقتِ - لِنِفَاسِهَا أو حيضها أو مرضها، غير صالحة في ذلك الوقتِ - لأخصِّ لوازمِ الزوجيةِ، فتبقى مواهبُ الرجلِ معطلةً، وهذا لا يَنْبَغِي. ثم إن اللَّهَ أجرى العادةَ بأن النساءَ أكثرُ من الذكورِ في جميعِ أقطارِ الدنيا، وكذلك تُثْبِتُهُ الإحصاءاتُ العالميةُ؛ لأن الذكورَ أكثرُ تعرضًا لأسبابِ الموتِ من النساءِ [فهم] (¬1) أكثرُ خروجًا للقتالِ، وأكثرُ مزاولةً في ميادينِ الحياةِ، فالموتُ يَكْثُرُ [فيهم] (¬2) غالبًا، فالنساءُ أكثرُ في جميعِ أقطارِ الدنيا، فلو قُصر كُلُّ رجلٍ على امرأةٍ واحدةٍ لبقي عددٌ ضخمٌ ورقمٌ عالٍ عظيمٌ من النساءِ لا أزواجَ لهن فَيُضْطُرِرْنَ إلى الرذيلةِ، وإلى الزنى، وإلى تفشيِ الرذيلةِ وضياعِ الخُلقِ ومكارمِ الأخلاقِ. مع أنه لو جَمَعَ الرجل اثنتين أو ثلاثًا كما قال الله فلا ضررَ على المرأةِ ¬
لا تجدُ ضررًا من عدمِ الحظِّ الإنسانيِّ؛ لأن الرجلَ يأتيها في ليالٍ قليلةٍ، وتجدُ مَنْ يقومُ بشؤونها؛ ولذا البلادُ التي تمنعُ تعددَ الزوجاتِ تجدُها تمنعُ أمرًا حلالاً فيه صالحُ الرجلِ وصالحُ المرأةِ وصالحُ المجتمعِ بكثرةِ الأولادِ، وهم مع ذلك فيهم كثيرٌ من النساءِ هُمل لا أزواجَ لهن، لا حرفةَ لهن إلا الزنى، وكلُّ واحدٍ - والعياذُ بالله - له صدائقُ وخليلاتٌ يُزاني بهن - والعياذُ بالله - فتنتشرُ الرذيلةُ، وتضيعُ الأخلاقُ، وتضيعُ المروءةُ، فالنساءُ أكثرُ من الرجالِ، وكذلك النساءُ مستعداتٌ كُلُّهُنَّ للزواجِ؛ لأن كُلَّ امرأةٍ بلغت مبلغَ الزواجِ فهي مستعدةٌ للزواجِ، وما كل الرجالِ مستعدًّا للزواجِ؛ لأنه قد يعوقُه الفقرُ عن القيامِ باللازمِ ونحوِ ذلك. فلو قُصِرَ الواحدُ على الواحدةِ لَبَقِيَ عددٌ ضخمٌ خالٍ من أزواجٍ، وكانت حرفتُه الزنى - والعياذُ بالله - فضاعت أخلاقُه، وضاعت مروءتُه، وضاع شَرَفُهُ. هذا هو تشريعُ خالقِ السماواتِ والأرضِ. والمرأةُ -وإن كان في الضرةِ عليها بعضُ أَذًى في قلبها- إلا أن هذا الأَذَى الخفيفَ أنه يُغْتَفَرُ لأجلِ هذه المصالحِ العظامِ، وهي مصلحةُ الرجلِ حيثُ لا تُعَطَّلُ منافعُه وقتَ حيضِ المرأةِ أو نفاسِها أو مرضِها، وفيه مصلحةٌ للمرأةِ حيث لا يَبْقَى عددٌ ضخمٌ من النساءِ لا أزواجَ لهن؛ لأن الرجالَ أقلُّ منهن، وفيه مصلحةٌ للأمةِ بكثرةِ النسلِ؛ لأنه إذا تَعَدَّدَتِ الزوجاتُ كَثُرَ النسلُ، وفي الحديثِ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمرُنا بالتزويجِ، وأنه يُكَاثِرُ بنا الأممَ (¬1)، فتعددُ الزوجاتِ مصلحةٌ لنفسِ المرأةِ؛ لئلا تبقى لا زوجَ لها فتحترفُ حرفةَ الزنى وتضيعُ، ومصلحةٌ للرجلِ؛ لئلا تُعَطَّلَ منافعُه وقتَ حيضِ المرأةِ أو نفاسِها أو مرضها، وفيه مصلحةٌ للأمةِ بكثرةِ ¬
الرجالِ؛ لأن الكثرةَ لها شأنٌ، وَتَقْدِرُ الأمةُ على أن تكافحَ بها عدوَّ الإسلامِ وتردَّ بها الكفاحَ الداهمَ لبلادها. فهذه مصالحُ الإسلامِ، وهي واضحةٌ لا شَكَّ فيها. وكذلك ما يزينُه إبليسُ من أنه لابدَّ أن تكونَ النساءُ كالرجالِ في جميعِ الميادين، فهذا أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَّا أيضًا أن الحقَّ فيه مع القرآنِ كما لا يَخْفَى، وأن الفلسفاتِ الشيطانيةَ إنما أَضَاعَتْ أخلاقَ الناسِ، وابتذلت النساءَ وضيعتهن من حيث لا يَشْعُرْنَ؛ لأن الشيطانَ يسوؤه لعداوتِه للإنسانِ ما جاءَ به الإسلامُ من معاونةِ الرجلِ وامرأتِه على بناءِ أولادِهما وأسرتِهما، والمساعدةِ في مجتمعِهما بأن يخرجَ الرجلُ؛ لأَنَّ فحولتَه وذكورتَه مناسبةٌ للخروجِ، عظامُه قويةٌ وعضلاتُه قويةٌ، وعيونُه محمرةٌ قويةٌ لاَ يتلذذُ به من رَآهُ، وليس مُتَعَرِّضًا للفتنةِ، يقومُ في كدحِ الحياةِ لتحصيلِ شؤونِ الحياةِ، وفي الجهادِ لِرَدِّ الكفاحِ المسلحِ وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ، ويتركُ قرينَه الآخَرَ الكريمَ وهو امرأتُه الكريمةُ العفيفةُ الصَّيِّنَةُ المطيعةُ لِلَّهِ (جل وعلا)، الْمُحَافِظَةُ على شَرَفِهَا ودينِها وكرمِها، المُبَيِّضة وجهَ نفسِها ووجهَ أسرتِها، يتركُها في بيتِه في صيانةٍ وسترٍ وعفافٍ فيجدُها قائمةً أحسنَ قيامٍ، تَحْنُو على الرضيعِ فترضعُه، وعلى الفطيمِ فترحمُه، وعلى المريضِ فَتُعَالِجُهُ، وعلى شؤونِ البيتِ فتقومُ بجميعِ مصالِحها، فإذا جاء الرجلُ مِنْ عَمَلِهِ وَجَدَ قرينَه الآخَرَ الكريمَ قائمًا بأكبرِ مساعدةٍ وأعظمِ معونةٍ وأعظمِ تربيةٍ للأولادِ الصغارِ، من تعليمِهم الأدبَ ومبادئَ الدينِ والإصلاحِ البيتيِّ، فيجدُ قرينَه الآخَرَ الكريمَ قائمًا له بأعظمِ مساعدةٍ على بناءِ الأسرةِ الخاصِّ وبناءِ المجتمعِ العامِّ؛ لأنه مُتَرَكِّبٌ من الأُسَرِ الخاصةِ، إلا أن الشيطانَ لعداوتِه لِبَنِي آدمَ يغيظُه هذا التعاونُ الكريمُ الشريفُ
النزيهُ، وبناءُ المجتمعِ من الطرفين على أكملِ الوجوهِ وَأَتَمِّهَا وأليقها بالشرفِ والمروءةِ، فيأتِي لأوليائِه ويهمسُ في آذانهم وأذنِ المرأةِ ويقولُ: الرجلُ يخرجُ ويختلطُ بالدنيا وَتَبْقَيْنَ أنتِ محبوسةً كالدجاجةِ، فأنتِ لستِ بدجاجةٍ، أنتِ إنسانٌ ينبغي أن تخرجي كما يخرجُ الرجلُ، وَتُزَاوِلِي ما يزاولُه الرجلُ، فإذا خَرَجَا معًا اضطرا لأن يُؤَجِّرَا إنسانًا يجلسُ في البيتِ ليحافظَ على الأولادِ وشؤونِ البيتِ الداخليةِ، فيصيرُ ذلك الأجيرُ المسكينُ هو الضحيةَ، وهو الدجاجةُ المحبوسةُ في البيتِ لتتمكنَ المرأةُ من الخروجِ، ويكونُ جَمَالُهَا وَقْفًا على الخونةِ كما أَوْضَحْنَاهُ مرارًا؛ لأنها إذا خرجت كانت كُلُّ عينٍ فاجرةٍ تنظرُ إليها وتتمتعُ بجمالِها كما شاءت، والرجلُ ربما نَزَلَ منه المنيُّ بالنظرةِ إلى جمالِ المرأةِ الجميلةِ كما هو معروفٌ، فيُستغل جمالَها مَجَّانًا بلا ثمنٍ، غدرًا وخيانةً ومكرًا وجنايةً على شرفِ المسكينةِ وعلى مروءتها وعلى فَضْلِهَا وعلى أُسْرَتِهَا، باسمِ فلسفةٍ شيطانيةٍ فاضيةٍ جوفاءَ باسمِ التقدمِ، باسم الحضارةِ، باسمِ التمدنِ!! وكلُّ ذلك ضلالٌ وإضلالٌ، وضياعٌ للأخلاقِ والمروءةِ والشرفِ تحتَ شعاراتٍ براقةٍ زائفةٍ كاذبةٍ، يُضَيِّعُ الشيطانُ تحتَها كُلَّ فضيلةٍ وكلَّ شرفٍ وكلَّ مروءةٍ، وهذا مُشَاهَدٌ في الأقطارِ التي أَطْلَقَتْ لنسائِها الحريةَ، وَصِرْنَ يَخْرُجْنَ عارياتٍ، يُزَاوِلْنَ ما يزاوله الرجالُ من الأعمالِ، فَتَرَاهُنَّ ذَهَبَ مِنْ جميعهن الحياءُ والشرفُ النسويُّ، وصارت أولادُ الزنى تُؤْخَذُ من الشوارعِ تُعَدُّ بالآلافِ والملايين!! وَمَنْ نَظَرَ في إحصائياتِ أولادِ الزنى في العالمِ المتمدنِ يعلم أن نتيجةَ فلسفاتِ الشيطانِ هي الزنى والانحطاطُ الخلقيُّ، وضياعُ الشرفِ وذهابُ المروءةِ والكرمِ. ومع هذا يسمونه التقدمَ والحضارةَ
والتمدنَ، والذوقَ السليمَ!! والتشريعَ السماويَّ - الذي يقولُ اللَّهُ فيه: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)} [الأعراف: آية 52] الذي طَعَنُوا فيه وَنَبَذُوهُ وراءَ ظهورِهم وتقوَّلوا عليه كما تَقَوَّلَ الكفارُ أنه لا يُسَايِرُ ركبَ الحضارةِ، وليس بصالحٍ لكلِّ زمانٍ - هو الذي يأمرُهم بالعفافِ والكرمِ والمحافظةِ على الأخلاقِ والشرفِ مع العملِ الحثيثِ في الدنيا. وربما تضطر بعضُ النساءِ إلى مزاولةِ الأعمالِ كالتي لا زوجَ لها ولا وَلِيَّ لها يقومُ بشؤونِها، فنحنُ لاَ نقولُ: إنها تَبْقَى عالةً لاَ تعملُ، بل تذهبُ وتعملُ في بعضِ مرافقِ الحياةِ لتسدَّ خَلَّتَها وماءَ وجهِها عن تكففِ الناسِ، ولكنها تعملُ في عفافٍ وسترٍ وصيانةٍ وكرمٍ، وعدمِ مخالطةٍ للأجانبِ، وعدمِ إهدارٍ للفضيلةِ وارتكابٍ للرذيلةِ، فَرُبَّ امرأةٍ عملت عملاً من أعمالِ الحياةِ الدنيا سَدَّتْ به خَلَّتها، وَقَوَّمَتْ به شَأْنَهَا، وهي في غايةِ العفافِ والتسترِ، والأخذِ بمكارمِ الأخلاقِ. والحاصلُ أن اللَّهَ (جل وعلا) يقولُ: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} هذا الكتابُ فَصَّلَهُ خالقُ السمواتِ والأرضِ حالَ كونِ ذلك التفصيلِ على علمٍ منه (جل وعلا)، وعلمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ لاَ يَخْفَى عليه شيءٌ، فهو عَالِمٌ بما كان وما يكونُ وما لو كان كيفَ يكونُ؛ لأنا بَيَّنَّا مِرَارًا أن العلمَ الكاملَ لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه، فهو المحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ، يعلمُ ما كان وما يكونُ حتى إنه من إحاطةِ عِلْمِهِ لَيَعْلَمُ ما سبقَ في علمِه أنه لا يكونُ أن لو كانَ كيفَ يكونُ. ومن إحاطةِ علمِ اللَّهِ: أن جميعَ الخلائقِ لا يعلمونَ إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ من علمِه، فالعلمُ المحيطُ لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه، ولا يعلمُ أحدٌ شيئًا إلا ما عَلِمَهُ العليمُ الخبيرُ جل وعلا.
ومما يُوَضِّحُ هذا أن أَعْلَمَ الخلائقِ (¬1): الملائكةُ والرسلُ الكرامُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم)، فالملائكةُ لَمَّا قال لهم خالقُهم جل وعلا: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: آية 31] ماذا قال الملائكةُ؟ {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: آية 32] فقولُه: {لاَ عِلْمَ لَنَا} هي (لاَ) التي تُسَمَّى (لا) النافيةَ للجنسِ، فهي لنفيِ جنسِ العلمِ، فَنَفَوْا جنسَ العلمِ عنهم أصلاً إلا شيئًا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه. [9/ أ] / وهؤلاءِ الرسلُ الكرامُ الذين هم صفوةُ اللَّهِ من خلقِه، وأعلمُ الخلقِ بِاللَّهِ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - هذا سيدُهم وخاتُمهم وأفضلُهم على الإطلاقِ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم رُمِيَتْ زوجتُه أُمُّ المؤمنينَ عائشةُ بنتُ الصِّدِّيقِ (رضي الله عنها) في غزوةِ المريسيعِ بأعظمِ فريةٍ وأكبرِ شنيعةٍ، وهو صلى اللَّهُ عليه وسلم مع ما أَعْطَاهُ اللَّهُ من النبوةِ والعلمِ العظيمِ ما كان يَدْرِي أَحَقٌّ ما قيل عنها أم كَذِبٌ، وكان يقول لها: «كَيْفَ تِيكُمْ»؟ لا يدري عن حقيقة الأمر، ويقول لها: «يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَتُوبِي، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّؤُكِ». ولم يعلم حقيقةَ الأمرِ حتى أَعْلَمَهُ الحكيمُ الخبيرُ فقال له: {أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: آية 26] وَلَمَّا نزلَ الوحيُ ببراءتِها وقالت لها أُمُّهَا: قُومِي إلى رسولِ اللَّهِ فَاحْمَدِيهِ. قالت: لاَ وَاللَّهِ لا أحمدُه ولا أحمدُ اليومَ إلا اللَّهَ، فإن اللَّهَ هو الذي بَرَّأَنِي وهو لم يُبَرِّئْنِي (¬2). وقد أُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقولَ: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: ¬
آية 50] وقد قيل له أن يقولَ: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} [الأعراف: آية 188]. وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ - وَهُوَ هُوَ - قال اللَّهُ له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: آية 124] ذَبَحَ عجلَه وَتَعِبَ هو وامرأتُه في إنضاجِ العجلِ يظنُّ أن الضيفَ الذين عنده يأكلونَ، ولم يعلم أنهم جبريلُ والملائكةُ معه! {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: آية 70]، وَبَيَّنَ لهم أنه خائفٌ منهم: {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: آية 52] ولم يعلم أنهم ملائكةٌ - رسلُ اللَّهِ - حتى أخبروه. قال لهم: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (58)} [الحجر: الآيتان 57 - 58] وَلَمَّا نزلوا بنبيِّ اللَّهِ لوطٍ - وهو هو -: {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77] يظن أنهم فتيانٌ حِسَانُ الوجوهِ، حسانُ الثيابِ، حسانُ الروائحِ، وأن قومَه يفعلونَ بهم فاحشةَ اللواطِ، حتى قال كلامَه المحزنَ: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: آية 80] ولم يعلم أنهم ملائكةٌ حتى قال له جبريلُ: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] وهؤلاء الذين كانوا يدفعونَ البابَ ليكسروه يريدونَ أن يفعلوا فاحشةَ اللواطِ بجبريلَ والملائكةِ معه لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لجبريلَ فيهم مَسَحَ وجوهَهم بريشةٍ من جناحِه فبقيت أعينُهم كأنها لم تكن أصلاً، كما يأتي في قولِه عنهم: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} [القمر: آية 37]. وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ - وهو هو - (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) ما كان يظنُّ أن ابنَه كافرٌ، وكان يقولُ: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: آية 45] أي: وقد قلتَ لي: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [هود: آية 40] ولم يَدْرِ ما حقيقةُ ولدِه حتى أَعْلَمَهُ الحكيمُ الخبيرُ فقال له: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: آية 46] فما كان من نوحٍ إلا أن قال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: آية 47]. وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ الذي قال اللَّهُ فيه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: آية 68] ابْيَضَّتْ عيناه من الحزنِ فهو كظيمٌ، ولم يَدْرِ عن ولده يوسفَ في مصرَ، ما بينَه وبينَه إلا مراحلُ قليلةٌ حتى جاءه البشيرُ بِخَبَرِهِ. وهذا سليمانُ أعطاه اللَّهُ الريحَ غُدُوُّهَا شهرٌ وَرَوَاحُهَا شهرٌ، وَسَخَّرَ له الجنَّ والطيرَ، ما كان يدري عن ملكةِ سبأٍ، ولا عن مَأْرِبٍ، ولا ما جَرَى فيها حتى أخبرَه الهدهدُ المسكينُ الضعيفُ. وكان سليمانُ (عليه السلام) متوعدًا للهدهدِ لأنه خرجَ بلاَ إِذْنٍ {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21)} [النمل: الآيتان 20 - 21] فَلَمَّا علم الهدهدُ من قضيةِ اليمنِ بعضَ علمِ التأريخِ وَعِلْمِ الجغرافيا - من ملكةِ سبأٍ وقومِها - وكان سليمانُ يجهلُه أعطاه هذا العلمُ قوةً وصمودًا أمامَ سليمانَ، ووقفَ أمامَ النبوةِ وَالْمُلْكِ وقفةَ الرجلِ الصامدِ، ونسبَ الإحاطةَ لنفسِه ونفاها عن سليمانَ، وقال: إني: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: آية 22] وهكذا. أما اللَّهُ (جل وعلا) فهو المحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ، ولكنه يُطْلِعُ
رسلَه على ما شاءَ من غَيْبِهِ، وقد أَطْلَعَ نَبِيَّنَا صلى اللَّهُ عليه وسلم على أمورٍ من الغيبِ لاَ يعلمُ كثرتَها إلا اللَّهُ، فما تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم حتى لم يكن طائرٌ يُحَرِّكُ جناحه إلا أعطى لأصحابِه عنه عِلْمًا، وَبَيَّنَ لأصحابِه جميعَ الفتنِ، وجميعَ ما يقعُ في آخِرِ الزمانِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ من الغيوبِ - ولكنهم نَسُوهُ - ولكنه لا يَعْلَمُ من ذلك إلا ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، كما قال جل وعلا: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} الآيةَ [الجن: الآيتان 26، 27] أما اللَّهُ (جل وعلا) فَعِلْمُهُ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، يعلمُ ما كان، ويعلمُ ما لم يكن، وما سيكونُ كيف يكونُ ويعلمُ ما سبقَ في علمِه أنه لا يكونُ، يعلمُ أن لو كان كيف يكونُ، فهو يعلمُ أن أبا لهبٍ لَنْ يؤمنَ، ويعلمُ لو آمَنَ أبو لهبٍ أيكونُ إيمانُه تَامًّا أو ناقصًا. والآياتُ الشاهدةُ بهذا في القرآنِ كثيرةٌ، فإن الكفارَ يومَ القيامةِ إذا عَايَنُوا العذابَ وَرَأَوْا حقيقةَ الآخرةِ نَدِمُوا وَتَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا مرةً أخرى لِيُصَدِّقُوا الرسلَ ويؤمنوا: {فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: آية 27] وفي القراءةِ الأُخْرَى (¬1): {وَلاَ نُكذِّبُ بآيات ربنا ونَكُونُ من المؤمنين} وَاللَّهُ يعلمُ أن هذا الردَّ الذي تَمَنَّوْهُ لا يكونُ، ومع ذلك فهو عَالِمٌ أَنْ لو كانَ كيفَ يكونُ؛ وَلِذَا قال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] والمتخلفونَ عن غزوةِ تبوكَ عَلِمَ اللَّهُ في سَابِقِ أَزَلِهِ أنهم لن يحضروها أبدًا؛ لأنه هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها لحكمةٍ، كما قال: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: آية 46] وخروجُهم الذي سَبَقَ في علمِه أنه لا يكونُ هو عالمٌ أن لو كانَ كيفَ يكونُ، كما صَرَّحَ به في قولِه: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا ¬
زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: آية 47] وهذا في القرآنِ كثيرٌ (¬1)، كقولِه: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)} [المؤمنون: آية 75] فعلمه تعالى محيط بكل شيء، فإذا كان هذا العلم المحيط بكل شيء علم الله (جل وعلا) وهو الذي فصل هذا الكتاب بهذا العلم المحيط علمنا أنه ضمنه استجلاب كل خير، والتحذير من كل شر، ورتب فيه جميع المصالح ودرأ جميع المفاسد، ودعا فيه إلى جميع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ورفع الهمم وكل شيء صالح للدنيا والآخرة في شؤونِ الفردِ وشؤونِ المجتمعِ كما يعرفُه مَنْ تَأَمَّلَ آياتِ القرآنِ وَتَدَبَّرَهَا. وهذا معنَى قولِه: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: آية 52]. {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: آية 52] في قولِه: {هُدًى وَرَحْمَةً} وجهانِ من الإعراب (¬2): أحدهما: أنهما مَصْدَرَانِ مُنَكَّرانِ حالانِ. والمصدرُ المُنَكَّرُ يقعُ حالاً بكثرةٍ. جئناهم بكتابٍ في حالِ كونِه هاديًا وَذَا رَحْمَةٍ. وقال بعضُ العلماءِ: هما مفعولانِ من أَجْلِهِ. والمعنَى: جئناهم بكتابٍ فصلناه لأَجْلِ هُدَى الناسِ؛ ولأَجْلِ أن نرحمَ بِاتِّبَاعِهِ الناسَ. وكلا الإِعْرَابَيْنِ له وجهٌ من النظرِ. ومعنَى {هُدًى} هذا القرآنُ فَصَّلْنَاهُ حالَ كونِه هاديًا، أو لأَجْلِ كونِه هُدًى يهدي الناسَ إلى ما فيه صلاحُهم من خيرِ الدنيا والآخرةِ، ¬
فَيُبَيِّنُ لهم الخيرَ في الدنيا والآخرةِ، ويأمرُهم بِاتِّبَاعِهِ، وَيُبَيِّنُ لهم الشرَّ في الدنيا والآخرةِ، ويأمرُهم باجتنابِه. {وَرَحْمَةً} يعنِي: وَمَنْ سَلَكَهُ وَاتَّبَعَهُ يرحمه اللَّهُ (جل وعلا) ويصلحُ له دينَه ودنياه. وقولُه: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خَصَّ القومَ المؤمنيِن لأنهم هم المنتفعونَ به كما بَيَّنَّا الآياتِ الدالةَ عليه (¬1) في قولِه: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وقولِه: {هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: آية 44] وقولُه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: آية 82]. ثم لَمَّا بَيَّنَ أن هذا القرآنَ العظيمَ هو الذي أَنْزَلَهُ، وهو الذي فَصَّلَهُ وَبَيَّنَ حلالَه وحرامَه وعقائدَه ومواعظَه وأمثالَه وآدابَه ومكارمَه، وأنه بَيَّنَ هذا بعلمِه المحيطِ بكلِّ شيءٍ، هَدَّدَ الكفارَ الذين لم يَعْمَلُوا به فقال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: آية 53] التأويلُ: يُطْلَقُ ثلاثةَ إِطْلاَقَاتٍ (¬2): أما التأويلُ في لغةِ القرآنِ فهو ما يَؤُولُ إليه الأمرُ وتصيرُ إليه الحقيقةُ في ثانِي حالٍ. وعلى هذا فتأويلُ القرآنِ هو ما يَؤُولُ إليه أَمْرُهُ في ثانِي حقيقةٍ، وتقعُ عليه الحقيقةُ، وهو صِدْقُ ما وَعَدَ به بأن يُدْخِلَ مَنْ آمَنَ به الجنةَ وَيُخَلَّدَ في نعيمها، وَيُدْخِلَ مَنْ كَفَرَ به النارَ ويخلد في جحيمها، فهذا تَأْوِيلُهُ، أي: ما تُؤَوَّلُ إليه حقيقةُ ما كان يَعِدُ به وينطقُ به في دارِ الدنيا. وهذا هو التأويلُ في لغةِ القرآنِ. ¬
وَيُطْلَقُ التأويلُ أيضًا على التفسيرِ، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم في ابنِ عباسٍ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (¬1). وقولُهم: فلانٌ يعلمُ تأويلَ القرآنِ. أي: تفسيرَه. والإطلاقُ الثالثُ - إطلاقٌ حادثٌ هو اصطلاحُ الأصوليين لم يَكُنْ معروفًا في الزمنِ الأولِ - وهو أن التأويلَ: حَمْلُ اللفظِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى محتملٍ مرجوحٍ بدليلٍ يدلُّ عليه. هذا اصطلاحٌ حادثٌ، وهو المعروفُ عندَ الأصوليين باسمِ التأويلِ. وهو ثلاثةُ أنواعٍ: تأويلٌ صحيحٌ، وتأويلٌ فاسدٌ، وَلَعِبٌ. فإذا كان التأويلُ: صَرْفَ الكلامِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى معنًى مرجوحٍ ليس هو الظاهرَ من الكلامِ بدليلٍ صحيحٍ يدلُّ عليه حقًّا في نفسِ الأمرِ، فهو التأويلُ الصحيحُ الْمُسَمَّى بالتأويلِ القريبِ. ومثالُه: قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتُ في صحيحِ البخاريِّ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» (¬2) فإن ظاهرَ هذا الحديثِ الثابتِ في صحيحِ البخاريِّ أن الشفعةَ ثابتةٌ لِلْجَارِ؛ لأَنَّ الصقبَ والسقبَ هو ما يُلاَصِقُ الجارَ من أرضِ جارِه. إلا أنه حُمِلَ على محتملٍ مرجوحٍ، وهو أن المرادَ بالجارِ هنا: خصوصُ الشريكِ المُقاسِمِ. وهذا احتمالٌ مرجوحٌ، إلا إنه دَلَّ عليه نصٌّ صحيحٌ، فَحُمِلَ اللفظُ عليه لدلالةِ ذلك النصِّ، وهو قولُه صلى الله عليه وسلم في حديثِ جابرٍ: «فَإِذَا صُرِفَتِ الطُّرُقُ، وَضُرِبَتِ الْحُدُودُ ¬
فَلاَ شُفْعَةَ» (¬1). فَعُلِمَ أنه لم تكن هناك شفعةٌ إلا مع الاشتراكِ في الأرضِ أو في الطريقِ كما هو معروفٌ. ومثالُ التأويلِ البعيدِ يمثلُ له بعضُ أهلِ الأصولِ ... - بعضُهم يجيءُ بما يُخَالِفُهُ به الآخَرُ - والمعروفُ عندَ علماءِ الأصولِ: أن الأصوليَّ يكونُ مَالِكِيًّا مثلاً فيمثلُ بشيءٍ ضِدَّ مذهبِه، وقصدُه فَهْمُ القاعدةِ. ويكون شَافِعِيًّا مثلا ويمثلُ بمثالٍ مخالفٍ لمذهبِه لِتُفْهَمَ القاعدةُ. وقصدنا بكلامهم هنا المثالُ لا مناقشة أدلةِ الأقوالِ. والشافعيةُ والمالكيةُ والحنبليةُ يمثلونَ للتأويلِ البعيدِ بِحَمْلِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ) المرأةَ في حديثِ عائشةَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» (¬2) قالوا: حَمْلُ أَبِي حنيفةَ للمرأةِ على المُكاتَبَةِ تأويلٌ بعيدٌ؛ لأنه بعيدٌ من ظاهرِ النصِّ، ولم يَقُمْ دليلٌ جازمٌ عليه؛ لأن (أي) صيغةُ عمومٍ، والعمومُ أُكِّدَ بلفظةِ (ما) فَلاَ يَحْسُنُ حَمْلُهُ على صورةٍ نادرةٍ قد لا تَخْطُرُ في الذهنِ وهو الْمُكَاتَبَةُ. قالوا: وكقولِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ): {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: آية 4] ¬
حَمَلَ المسكينَ على المُد، وأجازَ أن يُعْطَى إطعامُ الستينَ لمسكينٍ واحدٍ. وقالوا: حَمْلُ (المسكين) على (المُدِّ) من التأويلِ البعيدِ. هكذا يمثلونَ، وَقَصْدُنَا المثالُ لاَ مناقشة أدلةِ أقوالِ العلماءِ هنا. أما إذا كان صُرِفَ الكلامُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه لاَ لدليلٍ في نفسِ الأمرِ ولاَ لدليلٍ [خارجيٍّ صحيحٍ فإن ذلك لاَ يُعَدُّ من التأويلِ المقبولِ] (¬1) بل هو تَلاَعُبٌ بنصوصِ القرآنِ، وكقولِهم: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الرحمن: آية 19] البحرين: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} [الرحمن: آية 20] الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. فهذا ليس من التأويلِ، وإنما هذا من اللعبِ والتلاعبِ بكتابِ اللَّهِ. ويكثرُ مثلُ هذا في تفسيرِ الْبَاطِنِيِّينَ وغلاةِ الروافضِ، ولا يُسَمَّى تأويلاً وإنما هو لَعِبٌ. أما التأويلُ في القرآنِ فمعناه: ما تَؤُولُ إليه حقيقةُ الأمرِ. فقولُه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي: ما تَؤُولُ إليه حقيقتُه من دخولِ أهلِ الجنةِ الجنةَ، ودخولِ أهلِ النارِ النارَ. ثم قال: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: آية 53] أي: يومَ يأتِي الوقتُ الذي تُحَقَّقُ فيه مواعيدُ القرآنِ، وتحقق الوعد للمؤمنِ والوعيد للكافرِ. {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: آية 53] أي: تَرَكُوهُ وَتَنَاسَوُا العملَ به في دارِ الدنيا. {قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية 53] هذا القرآنُ ونحوُه من الكتبِ كان حَقًّا، والذي أَمَرَ بأن يَدْخُلَ مَنِ امْتَثَلَهُ الجنةَ، ونحن - والعياذُ بالله - لَمَّا لم نَمْتَثِلْ ¬
ذلك الأمرَ فَمَصِيرُنَا إلى النارِ. وهذا معنَى قولِهم: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية 53] وَتَمَنَّوُا الشفاعةَ حيثُ لاَ شفاعةَ. ثم قالوا: {فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ} [الأعراف: آية 53] جمعُ شفيعٍ و (هل) هنا لِلتَّمَنِّي، يتمنونَ الشفعاءَ: {فَيَشْفَعُوا لَنَا} [الأعراف: آية 53] وَيُخْرِجُونَا مِمَّا نحن فيه: {أَوْ نُرَدُّ} [الأعراف: آية 53] أو هل لنا أن نُرَدَّ إلى دارِ الدنيا لنبدلَ تكذيبَ الرسلِ بالتصديقِ، ونبدلَ المعاصيَ بالطاعاتِ؟ وهو معنَى قولِهم: {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف: آية 53] بَيَّنَ اللَّهُ أنهم لاَ يجدونَ الشفعاءَ وَلاَ يُرَدُّونَ وقال: {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف: آية 53] خَسِرُوا أنفسَهم - والعياذُ بالله - لأنهم غُبِنُوا في أنفسِهم وَرُزِئُوا فيها. والدليلُ على خُسْرَانِهِمْ أنفسَهم: أن غايةَ أمنيتِهم أن تعدمَ أنفسُهم ويموتوا ولكن لا يجدونَ: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77)} [الزخرف: آية 77] وهذا معنَى خسرانهم أنفسَهم لأنهم رُزِئُوا في أنفسِهم فَبَاعُوهَا - والعياذُ بالله - بعرضٍ من الدنيا، وَصَارَتْ إلى العذابِ المخلدِ إلى يومِ القيامةِ. وقولُه: {وَضَلَّ عَنْهُم} [الأعراف: آية 53] غَابَ وَاضْمَحَلَّ ما كان يفترونَه في دارِ الدنيا من أن الأصنامَ تشفعُ لهم، كقولِهم: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: آية 18] {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: آية 3] ومعنَى: {يَفْتَرُونَ} يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْكَذِبِ. قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)} [الأعراف: الآيات 54 - 57]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: آية 54]. لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - جل وعلا - وَنَهَى في هذه السورةِ الكريمةِ، وَبَيَّنَ فيها أحوالَ أهلِ الجنةِ وأحوالَ أهلِ النارِ، وَأَوْضَحَ عواقبَ طاعتِه وعواقبَ معصيتِه، وَبَيَّنَ أنه أَرْسَلَ إلى الدنيا كتابًا فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه بَيَّنَ أن الذي قال هذه الأشياءَ وَأَخْبَرَ بها أنه هو رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وخالقُ كُلِّ شيءٍ، المعبودُ وحدَه، المستحقُّ لأَنْ يُعْبَدَ وحدَه، ولأن يطاعَ فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فَلاَ يُنْسَى فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ} إن ربكم الله، كُلُّ الناسِ يعلمونَ أن اللَّهَ رَبُّهُمْ، ولم يُكَابِرْ في هذا إلا مُكَابِرٌ، أو أحدٌ كالبهائمِ، لا عقلَ له؛ لأنه جُبِلَتْ فِطَرُ العقلاءِ على معرفةِ أن اللَّهَ هو الربُّ الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والكفارُ الذين يعبدونَ الأصنامَ مُقِرُّونَ بهذا عَالِمُونَ به، والآياتُ القرآنيةُ الدالةُ على ذلك كثيرةٌ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: آية 87] {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس: آية 31] وإنكارُ فرعونَ لمعرفتِه ربوبيةَ اللَّهِ
حيث قال اللَّهُ عنه إنه قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية 23] وقال: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: آية 29] وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: آية 24] فإن فرعونَ مُكَابِرٌ عالمٌ أنه عبدٌ مربوبٌ، وأن اللَّهَ رَبُّهُ وَرَبُّ كُلِّ شيءٍ، كما أَوْضَحَهُ اللَّهُ في إقسامِ موسى على ذلك، قال: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: آية 102] وَاللَّهِ لقد علمتَ يا فرعونُ ما أنزلَ هؤلاء الآياتِ إلا رَبُّ السماواتِ والأرضِ. أي: وَمَنْ فيهن. وكقولِه: {وَجَحَدُوا بِهَا} [النمل: آية 14] يعني: فرعونَ وقومَه {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: آية 14] فهو جاحدٌ مُكَابِرٌ ليستخفَّ قلوبَ قومِه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: آية 54]. والذين ينفونَ ربوبيةَ اللَّهِ هم بهائمُ كالبغالِ والحميرِ لاَ عقولَ لهم: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الفرقان: آية 44] أما عَامَّةُ العقلاءِ الذين ارْتَفَعَ إدراكُهم عن إدراكِ الحيواناتِ فَهُمْ يعلمونَ أن اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شيءٍ وخالقُ كُلِّ شيءٍ. {إِنَّ رَبَّكُمُ} [الأعراف: آية 54] أي: إن سيدَكم وخالقَكم ومدبرَ شؤونِكم {الله} - جل وعلا - {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأعراف: آية 54] أي: وما بينَهما {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: آية 54] هذه الأيامُ الستةُ بَيَّنَ اللَّهُ تفصيلَ خَلْقِهِ الخلائقَ فيها في سورةِ فصلت - السجدة (¬1) - حيث قال: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9)} قال: {خَلَقَ الْأَرْضَ ¬
فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت: الآيتان 9، 10] أي: بإضافةِ يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ لليومين الأولين فصارت أربعًا، ثم قال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: الآيتان 11، 12] تضافُ إلى الأربعةِ السابقةِ فتكونُ ستةً. والعلماءُ يقولونَ: إن هذه الأيامَ المرادُ بها أوقاتُها؛ لأنه في ذلك الوقتِ لم يكن هنالك يومٌ؛ لأن اليومَ من طلوعِ الشمسِ إلى غروبِها، وإن لم يكن هنالك شمسٌ لاَ يُعْرَفُ اليومُ. إلا أن اللَّهَ قبلَ أن يخلقَ الشمسَ والقمرَ يعلمُ زمنَ الأيامِ قبلَ وجودِ الشمسِ. وهذه الأيامُ قد جاءَ في رواياتٍ كثيرةٍ أن أَوَّلَهَا الأحدُ وَآخِرَهَا الجمعةُ (¬1). والقرآنُ بَيَّنَ أنه خلقَ الأرضَ في يومين ثم خلقَ فيها الجبالَ والأقواتَ والأرزاقَ في يومين، ثم خلقَ السماواتِ في يومين، فهي ستةُ أيامٍ. ويومُ السبتِ ليس منها. وما جاء في صحيحِ مسلمٍ من حديتِ أَبِي هريرةَ أن اللَّهَ خلقَ التربةَ يومَ السبتِ (¬2)، ¬
وجعلَ في كُلٍّ من أيامِ الأسبوعِ بعضَ الخلقِ، وإن كان في صحيحِ مسلمٍ فهو غَلَطٌ، غَلِطَ بعضُ الرواةِ في رَفْعِهِ، والظاهرُ أنه أَخَذَهُ أبو هريرةَ عن كعبِ الأحبارِ أو نحوِه من الإسرائيلياتِ (¬1)؛ لأنه خلافُ القرآنِ - الصحيحُ - أن السبتَ لم يكن من الأيامِ التي خُلِقَ فيها شيءٌ، وأن السماواتِ والأرضَ وما بينَهما خُلِقَتْ في ستةِ أيامٍ من الأسبوعِ، أولها يومُ الأحدِ، وآخرُها يومُ الجمعةِ، خَلَقَ اللَّهُ فيه آدمَ بعدَ صلاةِ العصرِ. وهذه الأيامُ قال بعضُ العلماءِ (¬2): إنها كأيامِ الدنيا. وقال بعضُهم: اليومُ منها هو المذكورُ في قولِه: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: آية 47]. وَاللَّهُ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ وما بينَهما في ستةِ أيامٍ، مع أنه قادرٌ على أن يخلقَ الجميعَ في لحظةٍ واحدةٍ كلمحِ البصرِ لحكمتِه (جل وعلا)، قال بعضُ العلماءِ: أَرَادَ أن يُعَلِّمَ خَلْقَهُ التمهلَ في الأمورِ، والتدرجَ فيها لِيَقْدِرُوا عليها، وهو قادرٌ على خلقِ ما شَاءَ في لحظةٍ واحدةٍ: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50)} [القمر: آية 50] ¬
فهو يقولُ للشيءِ كُنْ فَيَكُونُ (¬1). هذا معنَى قولِه: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: آية 54]. قال بعضُ العلماءِ: الستةُ أَصْلُهَا (سِدْسَة) أُبْدِلَتِ الدالُ تاءً وَأُدْغِمَتْ في التاءِ (¬2). قالوا: وَتُصَغَّرُ الستةُ على (سُدَيْسَة) ردًّا لها لأصلها. وعلى كُلِّ حالٍ فالستةُ العددُ المعروفُ، وهو الثلاثةُ مرتين كما هو معروفٌ. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: آية 54] العرشُ يُطْلَقُ في اللغةِ إطلاقاتٍ متعددةً (¬3) مِنْ أَشْهَرِهَا في القرآنِ: سريرُ الْمُلْكِ (¬4). فالعرشُ سريرُ المُلْكِ، سريرُ المَلِك الذي يُعَدُّ له تسميه العربُ عَرْشًا، ومنه سريرُ ملكةِ سبأٍ في قولِه: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وقولُه: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: آية 42]. وقولُه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {ثُمَّ اسْتَوَى} جل وعلا: {عَلَى الْعَرْشِ} وهذه صفةُ الاستواءِ ونحوها من آياتِ الصفاتِ ارْتَبَكَ فيه ¬
عقولُ كثيرٍ من الناسِ، وَضَلَّ فيه من الخلقِ المنتسبين للعلمِ، بل والذين عندَهم علمٌ وعقولٌ ما لاَ يُحْصِيهِ كثرةً إِلاَّ اللَّهُ (جل وعلا). ونحنُ نوضحُ لكم المقامَ في عقيدةِ السلفِ الصحيحةِ التي كان عليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه والسلفُ الصالحُ، وهي العقيدةُ الكريمةُ الصافيةُ من شوائبِ التشبيهِ والتعطيلِ، لا تشوبُها شائبةُ تشبيهٍ ولا تشوبُها شائبةُ تعطيلٍ، ونحنُ نوضحُ هذا في ضوءِ القرآنِ العظيمِ. وإيضاحُ ذلك أن تَعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن اللَّهَ (تَبَارَكَ وتعالى) أَوْضَحَ في كتابِه هذا القرآنِ العظيمِ الذي هو أصلُ الْهُدَى، ومنبعُ اليقينِ، ونورُ المعرفةِ والعلمِ، بَيَّنَ فيه أن الْمُعْتَقَدَ المُنجي في آياتِ الصفاتِ الذي يأتي صاحبُه يومَ القيامةِ سَالِمًا من بلايا التشبيهِ وبلايا التعطيلِ هو مُركَّزٌ على ثلاثةِ أُسس (¬1)، نُوصِيكُمْ وأنفسَنا بتقوى اللَّهِ، وأن تعتقدوا هذه الأسسَ الثلاثةَ الكبارَ، فتنجيكم أمامَ اللَّهِ من بلايا هذا المأزقِ الذي ضَلَّ فيه من الخلقِ ما لاَ يُحصى. هي ثلاثةُ أُسُسٍ عظام مَنْ جَاءَ بها ولقي اللَّهَ عليها لَقِيَهُ سَالِمًا على بصيرةٍ مِنْ رَبِّهِ، عاملاً بنورِ القرآنِ العظيمِ، وَمَنْ أَخَلَّ بواحدٍ منها فَقَدْ أَدْخَلَ نفسَه في مهواةٍ. وهذه الأسسُ الثلاثةُ نُوَضِّحُهَا لكم في ضوءِ القرآنِ العظيمِ: الأولُ منها، وهو أساسُ العقيدةِ، والحجرُ الأساسيُّ لمعرفةِ اللَّهِ معرفةً صحيحةً، وللعقيدةِ التي هي على أساسٍ سماويٍّ صحيحٍ. هذا الأساسُ المذكورُ هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ - جل وعلا - عن أن يشبهه شيءٌ من خَلْقِهِ؛ لا فِي ذواتِهم ولا في صفاتِهم، ¬
ولا أفعالِهم. وكيف يخطرُ في ذهنِ العاقلِ أن الخالقَ - جل وعلا - يُشْبِهُهُ شيءٌ من خَلْقِهِ في الذاتِ أو الصفاتِ أو الأفعالِ؟ لأن جميعَ الخلائقِ صَنْعَةٌ من صُنْعِه - جل وعلا - {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: آية 88] والصنعةُ لاَ يمكنُ أن تُشْبِهَ صانعَها بحالٍ؛ لأنه هو الذي أَبْرَزَهَا من [العدمِ إلى الوجودِ] (¬1)، واخترعَها بعدَ أن لم تكن شيئًا. فكيف يخطرُ في ذهنِ عاقلٍ أن تكونَ تُشْبِهُهُ؟ هذا مما لا يخطرُ في الأذهانِ السليمةِ، وَأَحْرَى الأذهان الممتلئة بنورِ الوحيِ؛ فأساسُ التوحيدِ الأكبرُ، وأساسُه الأعظمُ، هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ - جل وعلا - عن مشابهةِ خَلْقِهِ؛ لأَنَّ الخلقَ صنعةٌ من صنائعِه، والصنعةُ لاَ تُشْبِهُ صانعَها. فعلينا أولاً أن نطهرَ قلوبَنا من أقذارِ التشبيهِ، وأنجاسِ التشبيهِ، وأدرانِ التشبيهِ، ونجزمَ جَزْمًا بَاتًّا قاطعًا أن الوصفَ إذا أُسْنِدَ إلى الله، وَوُصِفَ به اللَّهُ في كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ فإن ذلك الوصفَ بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقضي على جميعِ الوساوسِ، ويقطعُ علائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، وتجزمُ قلوبُنا بأن الخلقَ صَنْعَةٌ والخالقَ صانعٌ، ولا مناسبةَ بين الصنعةِ وصانعِها، لا في الذاتِ، ولاَ في الصفاتِ، ولاَ في الأفعالِ. وهذا الأساسُ الأكبرُ للعقيدةِ التي هي عقيدةُ السلفِ في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها الذي هو التنزيهُ الكاملُ، وتقديسُ صفاتِ خالقِ السماواتِ والأرضِ وتعظيمُها وإكبارُها وإجلالُها عن أن تُشْبِهَ شيئًا من صفاتِ المخلوقين أو ذواتِهم أو أفعالِهم، سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. هذا الأَسَاسُ الأعظمُ في ضوءِ قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] ¬
{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: آية 4] {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: آية 56] {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: آية 74] فإذا رَزَقَ اللَّهُ العبدَ فَهْمَ هذا الأساسِ الأكبرِ، والحجرِ الأساسيِّ للعقيدةِ الصحيحةِ، وكان قلبُه قلبًا طاهرًا من أقذارِ التشبيهِ، مُنَزِّهًا لخالقِ السماواتِ والأرضِ كما ينبغي، جازمًا بأن الخلقَ صَنْعَتُهُ، وأن الصنعةَ لاَ تُشْبِهُ صانعَها بحالٍ، فإذا كان قلبُ المؤمنِ طاهرًا واعتقدَ اعتقادًا جازمًا باتًّا بأن صفةَ اللَّهِ منزَّهة عن مشابهةِ صفاتِ خَلْقِهِ كتنزيهِه ذاتَه عن مشابهةِ ذواتِ خَلْقِهِ - إذا استحكم هذا الأساسُ العظيمُ في قلبِ المؤمنِ - فالأساسُ الثاني: هو أَنَّا كُلاًّ علينا أن نصدقَ اللَّهَ فيما أَثْنَى به على نفسه، ونصدقَ سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أَثْنَى به على رَبِّهِ؛ لأن اللَّهَ أصدقُ مَنْ يقولُ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [النساء: آية 122] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: آية 87] {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: آية 140] فإذا مَدَحَ اللَّهُ نفسَه بوصفٍ كريمٍ في كتابِه، أو مَدَحَهُ رسولُه الصادقُ الأمينُ الذي قال في حَقِّهِ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4] فعلينا أن لا نُكذِّبَ اللَّهَ، ولا نُكذِّبَ رسولَه، ولا نَنْفِيَ ما أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه، ولا ننفيَ ما أثبتَه الصادقُ الأمينُ صلى الله عليه وسلم لِرَبِّهِ، ولكن علينا أن نؤمنَ بذلك الوصفِ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به الصادقُ الأمينُ صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ ذلك الإيمانَ إيمانٌ مبنيٌّ على أساسِ التنزيهِ وعدمِ مشابهةِ الخلقِ؛ لأَنَّ الخلقَ لا يمكنُ أن يُشْبِهُوا خالقَهم. وهذا التعليمُ العظيمُ الذي هو تنزيهُ اللَّهِ - جل وعلا - عن مشابهةِ الخلقِ. ثم إذا طَهُرَتِ القلوبُ من أقذارِ التشبيهِ يتبعُ ذلك الإيمانُ بالصفاتِ الثابتةِ بالقرآنِ العظيمِ والسنةِ الصحيحةِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ.
هذا لم نَقُلْهُ لكم من تلقاءِ أنفسِنا وإنما هو تعليمُ خالقِ السماواتِ والأرضِ في المحكمِ المنزلِ؛ لأَنَّ اللَّهَ أَوْضَحَ هذين الأَسَاسَيْنِ غايةَ الإيضاحِ، وَبَيَّنَهُمَا غايةَ البيانِ حيث قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] وأتبع ذلك بقولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] ففي قولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في ذلك سِرٌّ أعظمُ، وتعليمٌ أكبرُ، ومغزًى عظيمٌ. وإيضاحُه أن السمعَ والبصرَ من حيث هما سَمْعٌ وبصرٌ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى - يتصفُ بهما جميعُ الحيواناتِ، فكلُّ الحيواناتِ تسمعُ وَتُبْصِرُ، فَكَأَنَّ اللَّهَ يقولُ في الآيةِ الكريمةِ: يا عبدي اعْرِفْ قَدْرَكَ ولاَ تَتَنَطَّعْ، ولا تَنْفِ عَنِّي صفاتي، ولا تَذْهَبْ بصفاتِي إلى صفاتِ المخلوقين حتى تقولَ: هذا وصَفٌ غيرُ لائقٍ، هذا وصفٌ يجبُ صَرْفُهُ عن ظاهرِه إجماعًا. لا، لا يا عبدي، أَثْبِتْ لي سمعي وبصري، ولكن لاَحِظْ قولي قبلَ ذلك: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فيكونُ إِثْبَاتُكَ للسمعِ والبصرِ إثباتَ تنزيهٍ عن مشابهةِ أسماعِ الخلائقِ وأبصارِهم، نَظَرًا لقولي قبلَه مقترنًا به: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فأولُ الآيةِ الكريمةِ وهو قولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تنزيهٌ تَامٌّ عن مماثلةِ صفاتِ المخلوقين من غيرِ أن يفضيَ ذلك التنزيهُ إلى تعطيلٍ. وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} إيمانٌ بالصفاتِ على الحقيقةِ إيمانًا تَامًّا من غيرِ أن يفضيَ ذلك الإيمانُ إلى تشبيهٍ ولاَ إلى تعطيلٍ. فَعَلَيْنَا أن نعتقدَ جميعًا ما دَلَّ عليه أولُ الآيةِ من تنزيهِ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ، وأن نعتقدَ أيضًا ما دَلَّ عليه آخِرُهَا من إثباتِ الصفاتِ الثابتةِ في الوحيِ الصحيحِ على أساسِ ذلك
التنزيهِ، لاَ على أساسِ مشابهةِ الخلقِ - سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا - وَلِذَا قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعدَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والصفاتُ كُلُّهَا من بابٍ واحدٍ؛ لأنك لا تجدُ صفةً يَكْثُرُ اتصافُ المخلوقاتِ بها أعظمَ من السمعِ والبصرِ فليست هناك صفةُ مجيءٍ، ولا صفةُ نزولٍ، ولا صفةُ وَجْهٍ، ولا صفةُ يَدٍ، ولا غيرُ ذلك من الصفاتِ أشدَّ اتصافًا للمخلوقاتِ بها من السمعِ والبصرِ، فَضَرَبَ لكَ السمعَ والبصرَ مثلاً على أن تُثْبِتَهُمَا لِلَّهِ وتلاحظَ في ذلك الإثباتِ قولَه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هو حلٌّ وإيضاحٌ برهانيٌّ في جميعِ الصفاتِ الثابتةِ في كتابِ اللَّهِ وسنةِ رسولِه صلى اللَّهُ عليه وسلم أن تُنَزِّهَ اللَّهَ أولاً حتى تُطَهِّرَ قلبَك من أقذارِ التشبيهِ وأدرانِه وأنجاسِه، ثم إذا طَهَّرْتَ أرضَ قلبكَ من أقذارِ التشبيهِ، وأنجاسِ التشبيهِ، وأدرانِ التشبيهِ يجبُ عليكَ أن تؤمنَ بما وصفَ اللَّهُ به نفسَه، أو وَصَفَهُ به رسولُه صلى الله عليه وسلم إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كما بَنَى: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} على قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فليس لكَ أن تقولَ: الحيوانُ يسمعُ ويبصرُ، الإنسانُ يسمعُ ويبصرُ، والبعيرُ يسمعُ ويبصرُ، والحمارُ يسمعُ ويبصرُ، وكلُّ حيوانٍ يسمعُ ويبصرُ، فإذا أَثْبَتُّ السمعَ والبصرَ لِلَّهِ كُنْتُ مُشَبِّهًا له بالحيواناتِ!! لاَ وَكَلاَّ يا عَبْدِي، بل أَثْبِتْ لي سَمْعِي وبصري إثباتًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، وَانْظُرْ أني قلتُ قبلَ: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} قلتُ قبلَها: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ليكونَ الإيمانُ بإثباتِ سمعي وبصري مَبْنِيًّا على تنزيهي وعدمِ مماثلتي لِخَلْقِي، فبأولُ الآيةِ يحصلُ للمؤمنِ التنزيهُ التامُّ ويذهبُ عنه جميعُ أنواعِ التشبيهاتِ، وبآخِرِ الآيةِ يؤمنُ العبدُ بما ثَبَتَ عن ربه أو عن رسولِه صلى الله عليه وسلم إيمانًا كريمًا طاهرًا مُقَدَّسًا عن مشابهةِ صفاتِ
الخلقِ، مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ. فهذانِ أساسانِ أعظمانِ: الأولُ منهما: تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ صفاتِ خَلْقِهِ في ذواتِهم أو أفعالِهم أو صفاتِهم. الثاني: هو الإيمانُ بما ثَبَتَ عن اللَّهِ مما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ، والتباعدِ كُلَّ البعدِ عن مشابهةِ الخلقِ. وكذلك ما أَثْبَتَهُ عليه به رسولُه صلى الله عليه وسلم فبتنزيهك أيها المؤمنُ رَبَّكَ من مشابهةِ الخلقِ تكونُ عَامِلاً بقولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: آية 4] {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: آية 74] {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: آية 6] وَبِتَصْدِيقِكَ رَبَّكَ وتصديقِك رسولَك فيما أَثْنَى الربُّ به على نفسِه أو أثنى عليه به رسولُه تكونُ مُؤْمِنًا بالصفاتِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، فتسلمُ من ورطةِ التشبيهِ، وتسلمُ من ورطةِ التعطيلِ، وتأتي رَبَّكَ يومَ القيامةِ وقلبُك سليمٌ طاهرٌ من أقذارِ التشبيهِ، وأقذارِ التعطيلِ، وجحودِ آياتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نَفْسَهُ. فهذانِ الأساسانِ بَيَّنَهُمَا اللَّهُ لنا في هذا الْمُحْكَمِ الْمُنَزَّلِ في قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11]. والأساسُ الثالثُ: أن تعلمَ أيها العبدُ أن عقلَك المسكينَ الضعيفَ وَاقِفٌ عندَ حَدِّهِ، وَرَبُّ السماواتِ والأرضِ أعظمُ وأكبرُ وأجلُّ شأنًا من أن تحيطَ به علمًا، أو أن تعلمَ كُنْهَ كيفيةِ اتصافِه بصفاتِه - جل وعلا -؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: آية 110] فَنَفَى إحاطةَ العلمِ البشريِّ به - جل وعلا - نفيًا قُرْآنِيًّا بَاتًّا.
ونحن الآنَ أيها المسلمونَ تسيرُ بنا الأيامُ والليالي لحظاتُها ودقائقُها وثوانيها إلى القبورِ، وعن قليلٍ نُنْشَرُ من القبورِ إلى عرصاتِ القيامةِ، وَاللَّهُ سَائِلُنَا جميعًا كما قال: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف: آية 6] {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92)} [الحجر: آية 92] واعلموا أيها الإخوانُ أنه لا يُؤْمَنُ أن يسألَنا خالقُنا: ماذا كُنْتُمْ تقولونَ في صفاتِي التي مَدَحْتُ بها نَفْسِي، كاستوائِي على عَرْشِي؟ فإني مدحتُ نفسي في سبعِ آياتٍ من كتابِي بأني استويتُ على عَرْشِي، ماذا كنتُم تقولونَ فيما مدحتُ به نفسي؟ كنتُم تقولونَ: إن ظاهرَه خبيثٌ، وأنه قذرٌ نَجِسٌ تشبيهٌ وتنفونَه وتحرفونَ كلامي، تجيئون بقولٍ لَمْ أَقُلْهُ، كالذين قال اللَّهُ فيهم: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: آية 59] أَمْ كنتُم تُنَزِّهُونَنِي، وتعلمونَ أني لا أُثْنِي على نفسِي إلا بصفةِ كمالٍ وجلالٍ لائقةٍ مقدسةٍ معظمةٍ منزهة، وتثبتونَ لِي ما أَثْبَتُّ لنفسي إثباتًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. وأنا أؤكدُ لكم بمعرفةِ القرآنِ العظيمِ ونحنُ في دارِ الدنيا أَنَّ مَنْ مات منكم وَحُشِرَ وَنُشِرَ وَلَقِيَ اللَّهَ - جل وعلا - على هذه العقيدةِ السلفيةِ التي نلقنكم في دارِ الدنيا أنه يأتِي آمِنًا من كل توبيخٍ وتقريعٍ يأتِيه مِنْ قِبَلِ واحدٍ من هذه الأُسسِ الثلاثةِ. أما الأساسُ الأولُ - الذي هو تنزيهُ اللَّهِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ - فَوَاللَّهِ لاَ يأتِي واحدًا منكم بسببِه بَلِيَّةٌ ولا تقريعٌ ولاَ عذابٌ أبدًا، فلا يقولُ اللَّهُ لأحدكم مُوَبِّخًا له مُقَرِّعًا: لِمَ كُنْتَ في دارِ الدنيا تُنَزِّهُنِي عن مشابهةِ خَلْقِي؟ لاَ وَاللَّهِ. هذا أساسٌ هو طريقُ سلامةٍ محققةٍ لا يشكُّ فيها عاقلٌ،
وكذلك الأساسُ الثاني: وهو الإيمانُ بصفاتِ اللَّهِ، وتصديقُ اللَّهِ في كتابِه، وتصديقُ رسولِه في سُنَّتِهِ الصحيحةِ بما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه أو مَدَحَهُ به رسولُه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، فلاَ يقولُ اللَّهُ لِوَاحِدٍ منكم يومَ القيامةِ مُوَبِّخًا له مُقَرِّعًا له: لِمَ كنتَ تصدقني فيما أَثْنَيْتُ به على نفسي، وتؤمنُ بالصفاتِ التي مدحتُ بها نفسي إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ؟ لا والله، لا تأتِي أحدًا منكم بَلِيَّةٌ من هذا الأساسِ، ولا يقولُ اللَّهُ لكم: لِمَ كنتُم في دارِ الدنيا تقولونَ: إن العقولَ البشريةَ لا تحيطُ بِاللَّهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: الآية 110] فهذه عقيدةُ السلفِ الصحيحةُ، الصافيةُ من كُلِّ شائبةِ تشبيهٍ، وَمِنْ كُلِّ شائبةِ تعطيلٍ، فهي طريقُ سلامةٍ محققةٍ، كُلُّهَا عملٌ بنورِ القرآنِ العظيمِ لاَ تَخْتَلِجُهَا شكوكٌ، ولا تَتَطَرَّقُهَا أوهامٌ؛ لأن أولَ أساسِها تنزيهُ خالقِ (¬1) [السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ المخلوقين، فهي مبنيةٌ] على ثلاثةِ أُسُسٍ كُلُّهَا واضحٌ من نورِ القرآنِ العظيمِ، أولها: تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ. وثانيها: الإيمانُ بما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ، وكذلك ما مَدَحَهُ به رسولُه صلى الله عليه وسلم. والثالثُ: العجزُ عن الإحاطةِ بِالكَيْفِ وَالْكُنْهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: الآية 110] فالسلفيُّ بتنزيهِه طاهرُ القلبِ مِنْ أقذارِ التشبيهِ، وإيمانُه بالصفاتِ على أساسِ التنزيهِ طاهرُ القلبِ من أقذارِ التعطيلِ، وباعترافِه بعجزِه عن إدراكِ الكُنْهِ والإحاطةِ واقفٌ عِنْدَ حَدِّهِ، غيرُ مُتَكَلِّفٍ علمَ ما لم ¬
يَعْلَمْ، فطريقُه طريقُ سلامةٍ محققةٍ، فإذا سَمِعَ السلفيُّ قولَه تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: الآية 54] كما في آيةِ الأعرافِ هذه فيقولُ: هذا الاستواءُ على العرشِ الذي مَدَحَ خالقُ السماواتِ والأرضِ نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه هو صفةُ كمالٍ وجلالٍ بالغةٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقضي على جميعِ الوساوسِ ويقطعُ علائقَ أوهامِ التشبيهِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، فَيَمْتَلِئُ قلبُه لهذه الصفةِ من الإجلالِ والإعظامِ والإكبارِ والتقديسِ والتنزيهِ، فتكونُ أرضُ قلبِه طاهرةً بهذا التنزيهِ الكريمِ فيؤمنُ بالاستواءِ على أساسِ هذا التنزيهِ والإكبارِ والإجلالِ والإعظامِ والتقديسِ عن مشابهةِ صفاتِ الْخَلْقِ بوجهٍ من الوجوهِ؛ لأَنَّ الخلقَ مَنْ هُمُ الْخَلْقُ؟ أليسوا صنعةً من صَنَائِعِهِ وَأَثَرًا من آثارِ قدرتِه وإرادتِه؟ فكيفَ يخطرُ في ذهنِ العاقلِ أن يُشَبِّهُوهُ؟ فالسلفيُّ إذا سَمِعَ مثلَ هذه الآيةِ الكريمةِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَدَحَ نفسَه بهذا الاستواءِ الأعظمِ امتلأَ قلبُه من الإجلالِ والإعظامِ والإكبارِ والتقديسِ والتنزيهِ لهذه الصفةِ العظيمةِ فَأَثْبَتَهَا لِلَّهِ (جل وعلا) إِثْبَاتًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] وليسَ الاستواءُ بأكثرَ في المخلوقين من السمعِ والبصرِ، بل استواءُ المخلوقين كسائرِ ذواتِهم وصفاتِهم، واستواءُ اللَّهِ وَسَمْعُهُ وبصرُه لائقانِ بذاتِه كسائرِ صفاتِه (جل وعلا) فالمخلوقُ حَقٌّ، وصفاتُه حَقٌّ، والخالقُ حَقٌّ، وصفاتُه حَقٌّ، إلا أن صفاتِ المخلوقِ مُنَاسِبَةٌ لذاتِ المخلوقِ، مُنْحَطَّةٌ كانحطاطِ ذاتِ المخلوقِ، وصفاتُ الخالقِ لائقةٌ بذاتِ الخالقِ، مُتَعَاظِمَةٌ كعظمةِ ذاتِ الخالقِ (جل وعلا) وَبَيْنَ صفةِ هذا وهذا مثلُ ما بينَ ذاتِ هذا
وهذا كما هو معروفٌ. فإذا سَمِعَ السلفيُّ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} تَلَقَّى هذا الاستواءَ بالإعظامِ والإجلالِ والتقديسِ والتنزيهِ فكان قلبُه طَاهِرًا من أقذارِ التشبيهِ، ثم آمَنَ به على أساسِ ذلك التنزيهِ مع العجزِ عن إدراكِ الكيفيةِ، فهو في أولِ أَمْرِهِ مُنَزَّهٌ، وفي ثانِي أمرِه مؤمنٌ بالصفةِ، مُصَدِّقٌ رَبَّهُ على أساسِ التنزيهِ، عالمٌ بأنه عاجزٌ عن إدراكِ الكيفيةِ، فمذهبُه طريقُ سلامةٍ محققةٍ لا شَكَّ فيها، ليس فيها شائبةُ تَشْبِيهٍ، ولا شائبةُ تعطيلٍ، ولا تكلف بعلمِ ما لم يَعْلَمْ. أما الخلفيُّ إذا سَمِعَ قولَه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فإنه يَدْخُلُ في ثلاثِ بلايا عِظَامٍ، كُلُّ بَلِيَّةٍ أكبرُ من أُخْتِهَا، وليس من المظنونِ أن يتخلصَ منها يومَ القيامةِ إن لم يَعْذُرْهُ اللَّهُ بجهلِه: أَوَّلُهَا: أنه إذا سَمِعَ قولَه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [طه: الآية 4] قال: هذا الاستواءُ أولُ ما يَتَبَادَرُ منه للأذهانِ - ظاهرُه المتبادرُ منه للأذهانِ - أنه مُشَابِهٌ لاستواءِ المخلوقين، فكأنه يقولُ لِلَّهِ: هذا الوصفُ العظيمُ الكريمُ الذي مَدَحْتَ به نفسَك ظاهرُه قذرٌ نَجِسٌ؛ لأنه لا كلامَ أقذر ظاهرًا ولاَ أنجسَ ظاهرًا ولا أخبثَ ظاهرًا ولا أَنْتَنَ ظاهرًا من كلامٍ ظاهرُه تشبيهُ اللَّهِ بخلقِه، فهذا الظاهرُ هو أَنْتَنُ ظاهرٍ يُوجَدُ في الكلامِ وأقبحُه وأقذرُه وأنجسُه، فكأنه يقولُ لِلَّهِ: ظاهرُ ما مدحتَ به نفسَك المتبادر منه قذرٌ نجسٌ خبيثٌ لا يَلِيقُ، وهو مشابهةُ الخلقِ، فأولُ ما يسبقُ في قلبِه تشبيهُ صفةِ الخالقِ بخلقِه، فيكونُ هذا أولَ بذرٍ للشرِّ في قلبِ هذا المسكينِ من حيثُ لا يشعرُ، ثم إذا اسْتَحْكَمَ في قلبِه أن ظاهرَ هذا الاستواءِ المتبادر منه هو مشابهةُ الخلقِ اضطر إلى أن ينفيَه من أصلِه، وقال: هذا الذي مدحتَ به نفسَك لا يليقُ ظاهرُه!! ثم نفاه من أصلِه، نفى صفةَ الاستواءِ من أصلِها!! وهذه
هي الْبَلِيَّةُ الثانيةُ الْعُظْمَى؛ لأن مَنْ يدعي على صفاتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه بها مَنِ ادَّعَى عليها أن ظاهرَها قذرٌ، وأنه نَجِسٌ، وأنه خبيثٌ؛ لأنه مشابهةُ الخلقِ، هذه هي البليةُ الأُولَى من البلايا اللازمةِ لمذهبِ الخلفِ. والبليةُ الثانيةُ: هو أنه إذا اسْتَحْكَمَ هذا التشبيهُ في قلبِه اضطر إلى أن ينفيَ الصفةَ، فيقولُ: هذا الاستواءُ ظاهرُه مشابهةُ المخلوقين فيلزمُ أن نَنْفِيَهُ ونصرفَه عن ظاهرِه إجماعًا؛ لأنه أَوْهَمَ غيرَ اللائقِ، فينفي الوصفَ الذي مدحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه، والوصفُ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه مَنْ نَفَاهُ فهو أَجْرَؤُ من خَاصِي الأسدِ بأضعافٍ، وهو واقعٌ في بليةٍ عُظْمَى، وجنايةٌ كبرى بلا شَكٍّ. ثم إذا ادَّعَى على الصفةِ أن ظاهرَها لا يليقُ ثم نَفَاهَا بسببِ هذه الدعوى جاءَ بصفةٍ أُخْرَى من كِيسِهِ الخاصِّ، من غيرِ اعتمادٍ إلى كتابٍ، ولا إلى سُنَّةٍ، يَظُنُّ أنها هي الكمالُ، فيقولُ: إذًا معنَى (استوى): اسْتَوْلَى، ثم يضربُ لذلك مثلاً ببيتِ الراجزِ المشهورِ (¬1): قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ فيقولُ: «قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ» معناه: قَدِ اسْتَوْلَى بشرٌ، وإذًا فمعنَى قولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ثم اسْتَوْلَى على العرشِ. وهذه هي البليةُ الثالثةُ من البلايا العظامِ، فَاللَّهُ قَالَ: {اسْتَوَى} وهذا قال: «اسْتَوْلَى» فَصَدَقَ عليه قولُه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)} [البقرة: الآية 59] ثم نقولُ: أيها المسكينُ الخَلَفِيُّ الجاهلُ بالله وبعظمةِ اللَّهِ ¬
المحرفُ آياتِ اللَّهِ: قولُك: إن (استوى) بمعنَى: (اسْتَوْلَى) وبيت الرجز الذي جئتَ به أَلَمْ تَخْشَ اللَّهَ في هذا؟ أَلَمْ تَسْتَحِ من اللَّهِ استحياءً يمنعُك أن تُشَبِّهَ استيلاءَ اللَّهِ على عَرْشِهِ الذي زعمتَ باستيلاءِ بِشْرِ بْنِ مَروَانَ على العراقِ؟! وهل يُعلم - أيها الإخوانُ - تشبيهٌ في الدنيا أشنعُ ولا أفظعُ ولا أقبحُ من تشبيهِ استيلاءِ خالقِ السماواتِ والأرضِ على عرشِه المزعومِ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ وهل يَرْضَى عاقلٌ أن يُشَبِّهَ العراقَ بالعرشِ، وأن يشبَه اللَّهَ (جل وعلا) ببشرِ بنِ مروانَ باستيلائِه على العراقِ؟ هل تعقلونَ في الدنيا تَشْبِيهًا أخسَّ من هذا، وأشنعَ من هذا، وأفظعَ من هذا؟! فنقول: أيها الخَلَفيُّ المستدلُّ بهذا البيتِ، أَلَمْ تَعْلَمْ أنكَ بدعواكَ واستدلالكَ بالبيتِ على استواءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ أنكَ أنتَ أكثرُ المُشَبِّهين في الدنيا نصيبًا في التشبيهِ حيث شَبَّهْتَ العرشَ بالعراقِ، وشَبَّهْتَ خالقَ السماواتِ والأرضِ في استيلائِه على عرشِه باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ ثم لِتَعْلَمْ أن الاستيلاءَ الذي جئتَ به وبدلتَ به لفظَ القرآنِ أنه هو أشدُّ الصفاتِ تَوَغُّلاً في التشبيهِ؛ لأنك لَمَّا قُلْتَ: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} معناه: (استولى) صرتَ مُشَبِّهًا لِلَّهِ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مَخْلُوقًا فغلبَه فاستولى عليه، والمخلوقاتُ التي تَقْهَرُ المخلوقاتِ فتغلبُها فتستولي عليها تُعَدُّ بالملايين، فالاستيلاءُ أكثرُ الصفاتِ تَوَغُّلاً في التشبيهِ، فصاحبُه يُشَبِّهُ اللَّهَ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مخلوقًا فغلبَه فاستولى عليه، وهذا الاستيلاءُ تحتَه مِنَ التشبيهِ بحورٌ لاَ سواحلَ لها تُعَدُّ بالملايين والآلافِ، ولاَ شَكَّ أن هذا المسكينَ المغرورَ سيضطرُّ ويقولُ: الاستيلاءُ الذي فَسَّرْتَ به الاستواءَ واستشهدتَ له ببيتِ الرجزِ استيلاءٌ مُنَزَّهٌ عن
استيلاءِ المخلوقين. فنقول له: نناشدكَ اللَّهَ أَنْصِفْ في الجوابِ ولا تُعْمِيكَ الأهواءُ والتعصباتُ، أيهما أحقُّ بالتنزيهِ، الأحقُّ بالتنزيهِ الاستواءُ الذي هو من كلامِ رَبِّ العالمين، ولفظ القرآنِ العظيمِ، نَزَلَ به الروحُ الأمينُ من فوقِ سبعِ سماواتٍ على سيدِ الخلقِ صلى الله عليه وسلم قُرْآنًا يُتْلَى، الحرفُ منه بعشرِ حسناتٍ يُقْرَأُ به في الصلواتِ، وَمَنْ أَنْكَرَ أنه من كلامِ رَبِّ العالمين كَفَرَ بإجماعِ العلماءِ، فهذا هو الأحقُّ بالتنزيهِ أَمِ الأحقُّ بالتنزيهِ لفظةُ الاستيلاءِ الذي جاء به ناسٌ مِنْ قِبَلِ أنفسِهم من غيرِ اعتمادٍ على دليلٍ من كتابٍ وَلاَ سُنَّةٍ ولا عقلٍ ولا لغةٍ ولا شيءٍ؟ ولا شكَّ أنه إن لم يكن مُكَابِرًا سيضطر إلى أن يقولَ: كلامُ رَبِّ العالمين أَحَقُّ بالتنزيهِ والإجلالِ والتقديسِ من كلامٍ جاءَ به ناسٌ من غيرِ اعتمادٍ على كتابٍ ولا سُنَّةٍ؛ فَلِذَا مذهبُ الخلفِ تحتَه ثلاثُ بَلاَيَا: أولُها: أنهم يَدَّعُونَ على آياتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نفسَه أن ظاهرَها خبيثٌ قذرٌ، فكأنَّهم يقولونَ لله: هذا الذي مدحتَ به نفسَك، وأثنيتَ به على نفسكَ، وعلَّمتَ خلقَك أن يمدحوك به في كتابِك هذا قذرٌ نجسٌ لاَ يليقُ، ونحن نأتيك بالكمالِ من عندِ أنفسنا، ويأتوا بكمالٍ من عندِ أنفسِهم مزعومٍ!! هذا هوسٌ وجنونٌ لاَ يقولُ به عاقلٌ. فَالْبَلِيَّةُ الأُولَى: هي الادعاءُ على النصوصِ أن ظاهرَها لاَ يليقُ بِاللَّهِ. والبليةُ الثانيةُ: هي نفيُ الصفاتِ التي مَدَحَ اللَّهُ بها نفسَه. والبليةُ الثالثةُ: هي الأمرُ الذي يجيئونَ به من عندِ أنفسِهم الذي هو أعظمُ الأمورِ تَشْبِيهًا، وأوغلُها في التشبيهِ، فبأيِّ عقلٍ وبأيِّ نقلٍ، وبأيِّ كتابٍ أو سُنَّةٍ يسوغُ للخلفيِّ أن يُشَبِّهَ استيلاءَ اللَّهِ على عرشِه
الذي زَعَمَ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ فهذا أَخَسُّ التشبيهِ وأشنعُ التشبيهِ، ولو كان عَالِمًا بما يعلمُ به السلفُ الصالحُ لَعَلِمَ أن الاستواءَ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقطعُ علائقَ الوساوسِ وأوهامَ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ، فَيُثْبِتُهُ لِلَّهِ كما أَثْبَتَهُ على نفسِه إثباتًا مُنَزَّهًا عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، مُقَدَّسًا مكَبَّرًا مُعَظَّمًا مُنَزَّهًا عن مشابهةِ المخلوقين على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11]. وهنا شُبَهٌ نتعرضُ لها وربما خَطَرَ في ذهنِ الإنسانِ أن يقولَ: ذكرتُم لنا أن كُلَّ وصفٍ أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه يجبُ أن نعتقدَ أن ذلك الوصفَ بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والتقديسِ والتنزيهِ والإعظامِ والإجلالِ والإكبارِ ما يقطعُ الوساوسَ وعلائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ، ومن ذلك صفةُ الاستواءِ، وصفةُ الوجهِ، وصفةُ اليدِ، ونحو ذلك مما ثَبَتَ مِمَّا مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في كتابِه أو مَدَحَهُ بها رسولُه صلى الله عليه وسلم. فإن قالوا: نحنُ لاَ نعلمُ كيفيةَ استواءٍ منزهةً عن كيفيةِ استواءِ المخلوقين، فَلَمْ تُدْرِكْ عقولُنا إلا هذا الاستواءَ الذي هو انتصابٌ مُشَابِهٌ لصفاتِ المخلوقين فَبَيِّنُوا لنا كيفيةَ استواءٍ منزهةً معقولةً لنعتقدَ كيفيةً منزهةً. فالجوابُ على هذه الشبهةِ من وجهين: أحدُهما: أن نقولَ أَوَّلاً: هل عرفتُم - أيها المتنطعونَ - كيفيةَ الذاتِ الكريمةِ المقدسةِ المتصفةِ بهذا الاستواءِ؟ فلا بُدَّ أن يقولوا: لاَ، فنقولُ: معرفةُ كيفيةِ الاتصافِ بالصفاتِ متوقفةٌ على معرفةِ كيفيةِ الذاتِ؛ لأن كُلَّ صفةٍ هي بحسبِ موصوفاتِها، والصفاتُ تتباينُ
باختلافِ موصوفاتِها، ونضربُ لذلك مثلاً - ولله المثلُ الأعلى - ألا ترونَ - أيها الإخوانُ - أن لفظةَ (رأس) راء، وهمزة، وسين (رأس) إذا أضفتَه إلى الإنسانِ فقلتَ: «رأسُ الإنسانِ» وأضفتَه إلى الجبلِ فقلتَ: «رأسُ الجبلِ» وأضفتَه إلى الوادي فقلتَ: «رأسُ الوادي» وأضفتَه إلى المالِ فقلتَ: «رأسُ المالِ» أَلَمْ تَكُنْ هذه الحقائقُ متباينةً مختلفةً اختلافًا تامًّا ليست بمتشابهةٍ ألبتةَ مع أن لفظةَ «الرأس» واحدةٌ، وإنما تَبَايَنَتْ حقائقُ هذه الكلمةِ بحسبِ اختلافِ إضافاتِها، وهذا باختلافِ الإضافاتِ إلى مخلوقاتٍ حقيرةٍ، فما بَالُكُمْ - أيها الإخوانُ - بما أُضِيفَ إلى الخالقِ وما أُضِيفَ إلى خَلْقِهِ الذي هو صنعةٌ من صنائعِه؟ فالفرقُ بَيْنَ هذا وهذا كالفرقِ بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ. شُبْهَةٌ أُخْرَى: إذا قال مُعَطِّلٌ مُتَنَطِّعٌ: القرآنُ نَزَلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ، والعربُ لا تعرفُ في لغتِها للاستواءِ إلا هذا المُشَاهَدَ في المخلوقين، فيكونُ إثباتُه تشبيهًا بحسبِ ما دَلَّ عليه الوضعُ العربيُّ الذي نَزَلَ به القرآنُ. فالجوابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أيضًا: فنقولُ: العربُ الذين نَزَلَ القرآنُ بلغتِهم يعرفونَ كُلَّ المعرفةِ مِنْ وَضْعِ لغتِهم ومعانيها أن بينَ الخالقِ والمخلوقِ، والرازقِ والمرزوقِ، والمُحْيِي والمُحْيَا والمميتِ والمُماتِ، يعلمونَ أن بينَهما فوارقَ عظيمةً هائلةً لا يُقادَر قدرها مستلزمة كُلَّ الالتزامِ لِتَبَايُنِ صفاتِهم، وأن تكونَ صفاتُ هذا متعاليةً متعاظمةً إلى اللياقةِ بذاتِه، وأن تكونَ صفاتُ هذا منحطةً منخفضةً متواضعةً إلى قَدْرِ ذاتِه، فانحطاطُ صفةِ المخلوقِ عن صفةِ الخالقِ كانحطاطِ ذاتِ المخلوقِ عن عظمةِ ذاتِ الخالقِ (جل وعلا) فهذا
يعرفُه أهلُ اللسانِ من لغتِهم؛ وَلِذَا لم يكن الأعرابُ البدوُ يلتبسُ عليهم هذا، فيعلمونَ أن الفوارقَ التي بين الخالقِ وخلقِه، والرازقِ وَمَنْ رَزَقَهُ، والمُميتِ وَمَنْ يُمِيتُهُ، والمُحيي ومن يُحييه، يعلمونَ أن بينهما فوارقَ عظيمةً هائلةً يلزمُها تباينُ الصفاتِ، وأن صفاتِ هذا لا تُشْبِهُ صفاتِ هذا، وأن صفاتِ هذا كذاته لائقةٌ بذاتِه، وأن صفاتِ هذا لائقةٌ بذاتِه، وبينَ صفاتِ هذا وصفاتِ هذا من الاختلافِ كما بَيْنَ ذاتِ هذا وذاتِ هذا. الجوابُ الثاني: أن نقولَ: القرآنُ نزلَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وقد أقررتُم بأن اللَّهَ سميعٌ بصيرٌ، والعربُ لا تَعْرِفُ في لغتِها معنًى للسمعِ والبصرِ لا يُدْرِكُونَ معنًى للسمعِ والبصرِ إلا هذا الْمُشَاهَدَ بالجارحةِ في الحيواناتِ، هل يعلمونَ كيفيةً له غيرَ هذا؟ لا، أبدًا. فإن قالوا: لا نعلمُ للسمعِ والبصرِ كيفيةً إلا المشاهدَ في الحيواناتِ، لكنا نعلمُ أن سمعَ اللَّهِ وبصرَه مُنَزَّهَانِ عن مشابهةِ أسماعِ الخلقِ وأبصارِهم لتنزيهِ ذاتِه عن ذواتِهم وصفاتِه عن صفاتِهم. قلنا: وكذلك نقولُ في الاستواءِ وسائرِ جميعِ الصفاتِ. فعلينا معًا أن نعلمَ أن الطريقَ الوحيدَ الأسلمَ الذي كان عليه السلفُ الصالحُ أولُه أن نُنَزِّهَ خالقَنا (جل وعلا) عن مشابهةِ الخلقِ، ونعلمَ أن الخلقَ صنعةٌ مِنْ صنعائِه، ثم لا ننكرُ وصفًا أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه، ولا نجحدُ مَدْحًا مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في كتابِه وَعَلَّمَ خلقَه أن يمدحوه، ولا نكذب رسولَنا صلى الله عليه وسلم وننفي مَدْحًا مَدَحَ به رَبَّهُ، فَاللَّهُ أعلمُ بنفسِه منا: {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: الآية 140] ولا يصفُ اللَّهَ بعدَ اللَّهِ أعلمُ بِاللَّهِ مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَعَلَيْنَا أن نعتقدَ أولاً التنزيهَ وأن الخلقَ صَنْعَةٌ، والصَّنْعَةُ لاَ تُشْبِهُ صانعَها .. ثم نؤمنُ بما ثبتَ عن اللَّهِ،
وما ثبتَ عن رسولِ اللَّهِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] فنكونُ بتنزيهِنا طاهرةً قلوبُنا من أقذارِ التشبيهِ، وبإيمانِنا بالصفاتِ على أساسِ التنزيهِ طاهرة قلوبُنا من أقذارِ التعطيلِ، فَنَلْقَى اللَّهَ سَالِمِينَ غيرَ مشبهين ولا مُعَطِّلِينَ. وأما هذا المذهبُ الخلفيُّ أولُ ما يبدأ به الادعاءُ على آياتِ اللَّهِ أن ظاهرَها قَذِرٌ، وأنه نَجِسٌ، ثم بعد ذلك نَفْيُهَا، ثم الإتيانُ بشيءٍ آخَرَ من تلقاءِ أنفسِهم لم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّةٌ. وكلُّ هذه بليةٌ عُظْمَى من ثلاثِ بلايا لا يُؤْمَنُ أن يقعَ صاحبُها في مَهْوَاةٍ؛ لأن الادعاءَ على اللَّهِ أن ما مَدَحَ به نفسَه ظاهرُه خبيثٌ لاَ يليقُ، هذه جنايةٌ كُبْرَى، ونفيُ ما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه جنايةٌ أُخرى، وإتيانُ الإنسانِ بوصفٍ من تلقاءِ نفسِه ليثبتَه لِلَّهِ لم يُثْبِتْهُ اللَّهُ لنفسِه كالاستيلاءِ الذي لم يُثْبِتْهُ الرسولُ ولم يُثْبِتْهُ اللَّهُ هو الجنايةُ الثالثةُ. ولو هَدَاهُ اللَّهُ إلى ما هَدَى إليه السلفَ الصالحَ [لأَثْبَتَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه على ما يليقُ بجلالِ اللَّهِ وعظمتِه] (¬1) لأن الوصفَ عندما يُسْنَدُ إلى اللَّهِ يعلمُ المؤمنُ أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والعلوِّ والشرفِ والرفعةِ واللياقةِ بِاللَّهِ ما يَقْضِي على جميعِ الوساوسِ وأوهامِ علائقِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، فيؤمنُ بالوصفِ على أساسِ التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} لَكَانَ سَالِمًا من بليةِ التشبيهِ، وَسَالِمًا من بليةِ التعطيلِ. ومن المعلومِ أن علماءَ الكلامِ الذين خَاضُوا في هذه الأمورِ، ¬
وَنَفَوْا بعضَ الصفاتِ بأقيسةٍ منطقيةٍ اسْتَنْتَجُوا نفيَ بعضِ الملزوماتِ من نفيِ اللوازمِ - في زعمِهم - أن ذلك غلطٌ منهم ( ... ) (¬1) زعموا أن هنالك صفةً نفسيةً، وصفةً سلبيةً، وصفةَ معنًى، وصفةً معنويةً، وصفةَ فِعْلٍ، وصفةً جامعةً. وَمَثَّلُوا لكلٍّ مِنْ هذا، وسنذكرُ لكم نَمُوذَجًا في أن كُلاًّ من الصفاتِ التي ذَكَرُوهَا جاء في القرآنِ العظيمِ وصفُ الخالقِ بها، وجاءَ فيه وصفُ المخلوقِ بها علينا أن نعتقدَ أن وصفَ اللَّهِ حَقٌّ، وأن وصفَ المخلوقِ حَقٌّ، وَلَكِنَّ وَصْفَ اللَّهِ لائقٌ بِاللَّهِ، مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ صفةِ المخلوقِ، ووصفُ المخلوقِ لائقٌ بالمخلوقِ ولا يليقُ بالله (جل وعلا) وبينَ وصفِ الخالقِ والمخلوقِ من المنافاةِ كما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ، فبعضُهم لا يُقِرُّ من صفاتِ المعانِي الثابتةِ إلا بسبعٍ، وهي القدرةُ والإرادةُ والعلمُ والحياةُ والسمعُ والبصرُ والكلامُ، وينفي غيرَ هذه السبعِ من المعانِي الثابتةِ في كتابِ اللَّهِ بدعوى أن ظاهرَها خبيثٌ لاَ يليقُ ويؤولونَها بأمورٍ أُخَرَ كما ذَكَرْنَا، وَيُثْبِتُونَ هذه السبعَ المعانيَ. والمعتزلةُ ينفونَ هذه المعانيَ السبعةَ ويثبتونَ أحكامَها فيقولونَ: هو قادرٌ بذاتِه لاَ بقدرةٍ قامت بالذاتِ، سميعٌ بذاتِه لاَ بسمعٍ قائمٍ بالذاتِ. ومذهبُهم يعلمُ كُلُّ عاقلٍ أنه مذهبٌ متناقضٌ باطلٌ لا يَشُكُّ فيه أَدْنَى عَاقِلٍ. فنقولُ: القدرةُ التي ذَكَرُوهَا من صفاتِ المعانِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ لنفسِه في غيرِ آيةٍ من كتابِه فقالَ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: الآية 109] وأثبتَها لبعضِ المخلوقين فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ ¬
أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: الآية 34] فيعلمونَ أن قدرةَ اللَّهِ حَقٌّ، وأن للمخلوقِ قدرةً، وأنه لاَ مناسبةَ بينَ قدرةِ الخالقِ وقدرةِ المخلوقِ، فقدرةُ المخلوقِ مُنَاسِبَةٌ لحالِه، وقدرةُ الخالقِ لائقةٌ به (جل وعلا) وبينَ القدرةِ والقدرةِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. وكذلك الإرادةُ وَصَفَ اللَّهُ نفسَه بأنه يريدُ قال: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: الآية 16]، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: الآية 185] {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} [يس: الآية 82]. وَوَصَفَ بعضَ خلقِه بالإرادةِ فقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 32]، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ} [الصف: الآية 8] {إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا} [الأحزاب: الآية 13] ونحنُ نعلمُ أن لله إرادةً حَقَّةً لائقةً بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ إرادةٌ مُنْسَفِلَةٌ إلى قدرِ المخلوقِ واللياقةِ بذاتِ المخلوقِ، وبينَ الإرادةِ والإرادةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ مع المنافاةِ. وكذلك وَصَفَ نفسَه بالحياةِ قال: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: الآية 255] {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} [الفرقان: الآية 58] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحياةِ فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: الآية 19] {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: الآية 30] {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} [مريم: الآية 15] فيجزمُ بأن لله حياةً حقيقيةً تليقُ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ حياةٌ مناسبةٌ لحالِه، وبينَ حياةِ المخلوقِ وحياةِ الخالقِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. ووصفَ اللَّهُ نفسَه بالسمعِ والبصرِ قال: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: الآية 28] {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: الآية 61] {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] ووصفَ بعضَ خلقِه بالسمعِ والبصرِ قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} [الإنسان: الآية 2] {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: الآية 38] فلله سمعٌ وبصرٌ حقيقيانِ لائقانِ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ سمعٌ وبصرٌ لائقانِ بحالِه، وبينَ سمعِ الخالقِ وبصرِه ومسمعِ المخلوقِ وبصرِه من المنافاةِ كمثلِ مَا بَيْنَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. ووصفَ نفسَه ( ... ) (¬1). وبينَ كلامِ الخالقِ والمخلوقِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. هذه صفاتُ المعانِي السبعُ. وكذلك المعنوياتُ التي هي كونُه قادرًا مُرِيدًا حَيًّا سميعًا بصيرًا، إنما يُثْبِتُونَهَا صفاتٍ على ما يسمونَه (الحال) وهم يزعمونَ أن الحالَ المعنويةَ أمرٌ ثُبُوتِيٌّ غيرُ موجودٍ ولا معدومٍ!! وهو من خيالاتِ المتكلمين التي لا أساسَ لها؛ لأن عامةَ العقلاءِ يعلمونَ أنه لا واسطةَ بينَ النقيضين، وأن كُلَّ ما ليس بموجودٍ فهو معدومٌ، وما ليس بمعدومٍ فهو موجودٌ، وهذا مما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ. وزعمُهم أن الحالَ واسطةٌ ثبوتيةٌ، لا هي معدومةٌ على الحقيقةِ، ولا هي موجودةٌ على الحقيقةِ من الخيالاتِ الوهميةِ التي لاَ أساسَ لها، بل كونُه قادرًا مُرِيدًا حَيًّا متكلمًا سميعًا بصيرًا هو معنَى كيفيةِ الاتصافِ بالقدرةِ والإرادةِ والعلمِ. ¬
والصفاتُ التي يسمونَها (سلبيةً)، معناها عندهم: هي الصفةُ التي لم تَدُلَّ على معنًى وجوديٍّ بالوضعِ، فالصفةُ عندهم إما أن تدلَّ على معنًى وجوديٍّ بدلالةِ المطابقةِ فهذه صفةُ معنًى كالقدرةِ؛ لأنها صفةٌ تدلُّ على معنًى، وهي المعنَى القائمُ بالذاتِ التي يَتَأَتَّى به إيجادُ الممكناتِ وإعدامُها على وَفْقِ الإرادة. أما إذا كانت الصفةُ لا تدلُّ بدلالةِ المطابقةِ على معنًى وجوديٍّ وإنما تدلُّ على عَدَمٍ مَحْضٍ وهو عدمُ مَا لاَ يليقُ بِاللَّهِ عن اللَّهِ هذه التي يسمونَها السلبيةَ وهم يقسمونَها إلى خمسِ صفاتٍ: القِدَم والبقاءِ والمخالفةِ للخلقِ والوحدانيةِ والغِنَى المطلقِ الذي يسمونَه (القيامَ بالنفسِ) وهو الاستغناءُ عندَهم عن المحلِّ والمُخَصَّصِ، كما هو معروفٌ في فَنِّ الكلامِ. فنقولُ: إن القِدَمَ والبقاءَ الذين وَصَفَ بهما المتكلمونَ اللَّهَ زاعمينَ أن اللَّهَ وصفَ بهما نفسَه في قولِه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: الآية 3] جاء وصفُ المخلوقِ بهما، قال اللَّهُ في وصفِ المخلوقِ بالقِدَمِ: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: الآية 39] {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: الآية 95] {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)} [الشعراء: الآية 76] وقال في وصفِ الحادثِ بالبقاءِ: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: الآية 77] {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: الآية 96] فلو قَدَّرْنَا أن القِدَمَ يجوزُ إطلاقُه لِلَّهِ كما ذهبَ إليه جماعةٌ من العلماءِ، ويدلُّ عليه حديثُ أبِي داودَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (¬1) لأن القِدَمَ يُطْلَقُ في اللغةِ: على ما له زمنٌ كثيرٌ وإن كان مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ، وهو في اصطلاحِ المتكلمينَ لاَ يُطْلَقُ إلا على سَلْبِ ¬
العدمِ السابقِ. والقِدَمُ عندَ المتكلمين أَخَصُّ من الأزلِ؛ لأَنَّ القِدَمَ والأزلَ كلاهما في اصطلاحِ أهلِ الكلامِ عبارةٌ عن ما لاَ أولَ له ولا افتتاحَ له، لكن الْقِدَمَ عبارةٌ عن ما لاَ افتتاحَ له بشرطِ أن يكونَ وجوديًّا، والأزلُ عبارةٌ عن ما لاَ افتتاحَ له ولا أولَ له، سواء كان وجوديًّا أو عدميًّا. فمثالُ ما اجتمعَ فيه الأزليُّ والقديمُ في اصطلاحِ المتكلمين: ذاتُ اللَّهِ وصفاتُه؛ لأنها لا أولَ لوجودِها وهي موجودةٌ. ومثالُ ما هو أَزَلِيٌّ وليس بقديمٍ: أَعْدَامُنَا سوى اللَّهِ فإنها أزليةٌ فإنا قبلَ أن نوجدَ كنا معدومين، وعدمُنا الأولُ لا أوليةَ له ولا افتتاحَ له، فهو أزليٌّ ولاَ يُسَمَّى قَدِيمًا؛ لأنه غيرُ موجودٍ، كذلك الأوليةُ والآخريَّةُ المنصوصتانِ في الآيةِ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: الآية 3] جاءَ وصفُ المخلوقِ بها أيضًا، قال في وصفِ المخلوقِ بِهِمَا: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17)} [المرسلات: الآيتان 16 - 17] فَلِلَّهِ (جل وعلا) أوليةٌ وآخريةٌ لائقتانِ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ أوليةٌ وآخريةٌ لائقتانِ بحالِه، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كما
بينَ الذاتِ والذاتِ. كذلك صفاتُ الأفعالِ، فاللَّهُ (جل وعلا) وَصَفَ بها نفسَه، ووصفَ بها خَلْقَهُ، فوصفَ نفسَه بصفةِ الفعلِ التي هي الرِّزْقُ، وأنه يرزقُ الناسَ، قال: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: الآية 6] {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} [الذاريات: الآية 58] فهذه صفةُ فِعْلٍ، ووصفَ بعضَ خلقِه بها فقال: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: الآية 233] {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} [النساء: الآية 8] فَرزْقُ اللَّهِ لائقٌ بكمالِه وجلالِه، ورِزقُ بعضِ المخلوقين لبعضٍ لائقٌ بحالِهم، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. كذلك وَصَفَ نفسَه بالفعلِ الذي هو العملُ، قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا (71)} [يس: الآية 71] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعملِ فقال: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة: الآية 17] وبينَ العملِ والعملِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يعلُّم خلقَه قال: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3)} [الرحمن: الآيات 1 - 3]. ووصفَ بعضَ خلقِه بالتعليمِ قال: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: الآية 164] وَجَمَعَ المثالين في قولِه: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ} [المائدة: الآية 4] فالتعليمُ والتعليمُ بينَهما من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يُنَبِّئُ، ووصفَ بعضَ خلقِه بالفعلِ الذي هو التَّنْبِئَةُ، وجمعَ المثالين في قولِه: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: الآية 3] ووصفَ نفسَه بأنه يُؤْتِي، ووصفَ بعضَ خلقِه بأنه يُؤْتِي، فالفعلُ الذي هو الإيتاءُ أسندَه لنفسِه مرةً ولخلقِه مرةً، قال عن نفسِه: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: الآية 269] {مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: الآية 26] {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: الآية 258] إلى غيرِ ذلك. ووصفَ بعضَ المخلوقين بالإيتاءِ قال: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: الآية 20] {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: الآية 2] وليس الإيتاءُ كالإيتاءِ، فالفرقُ بينَهما كالفرقِ بينَ الذاتِ والذاتِ. وكذلك الصفاتُ الجامعةُ كالكِبَرِ وَالْعُلُوِّ والعِظَمِ والجبروتِ والمُلكِ والتكبرِ، كلها وَصَفَ به نفسَه في كتابِه،
ووصفَ به بعضَ خلقِه، قال في وصفِ نفسِه بالعلوِّ والعِظَمِ والكِبَرِ: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: الآية 255] وفي الكِبَرِ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: الآية 34] {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)} [الرعد: الآية 9] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعِظَمِ فقال: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: الآية 63] {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} [الإسراء: الآية 40] ووصفَ بعضَ خلقِه بِالْكِبَرِ فقال: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: الآية 143] {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ} [الإسراء: الآية 31] {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [تبارك: الآية 12] إلى غيرِ ذلك. ووصفَ بعضَ خلقِه بالعلوِّ فقال: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [مريم: الآية 57] {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} [الإسراء: الآية 40] فليسَ العِظَمُ كالعِظَمِ، ولا العلوُّ كالعلوِّ، ولاَ الكِبَرُ كالكِبَرِ. ووصفَ نفسَه بالملكِ فقال: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ} [الجمعة: الآية 1] وقال جل وعلا: {عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: الآية 55] ووصفَ بعضَ المخلوقين بالملكِ في قوله جل وعلا: {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: الآية 79] {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف: الآية 43] فليس المُلكُ كالمُلكِ، فَمُلْكُهُ (جل وعلا) لائقٌ بذاتِه، وملكُ المخلوقين لائقٌ بحالِهم، وبينَ جميعِ هذه الصفاتِ من التنافِي كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه جَبَّارٌ متكبرٌ، قال: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: الآية 23] وصف نفسَه بأنه جبارٌ متكبرٌ، ووصفَ بعضَ الخلقِ بذلك قال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ
مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: الآية 35] {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)} [الشعراء: الآية 130] {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: الآية 60] فليس التكبرُ كالتكبرِ، ولا الجبرُ كالجبرِ، فبينَ الصفاتِ والصفاتِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه رؤوفٌ رحيمٌ قال: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: الآية 7] ووصفَ بعضَ الخلقِ بذلك كقولِه في نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: الآية 128] ووصفَ نفسَه بالحلمِ فقال: {لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)} [الحج: الآية 59] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحلمِ فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: الآية 114] {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ (101)} [الصافات: الآية 101] ووصفَ نفسَه بالعزةِ فقال: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: الآية 220] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعزةِ: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} [يوسف: الآية 51] {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: الآية 23] فليست العزةُ كالعزةِ، ولا الحلمُ كالحلمِ، ولا شيءٌ من صفاتِ اللَّهِ كشيءٍ من صفاتِ المخلوقين، فسائرُ صفاتِ اللَّهِ حقٌّ، وسائرُ صفاتِ المخلوقين حَقٌّ. ولو تَتَبَّعْنَا مثلَ هذا لَجِئْنَا منه بمئاتِ الآلافِ، ولكنَّ هذه الأمثلةَ كافيةٌ، والمقصودُ عندَنا أن يعلمَ إخوانُنا المؤمنونَ أن اللَّهَ حَقٌّ، وأن صفاته حَقٌّ، وأن المخلوقين حَقٌّ، وأن صفاتَه حقٌّ، وأن صفاتِ اللَّهِ بسائرِها الثابتة في الكتابِ والسنةِ منزهةٌ عن صفاتِ المخلوقين كتنزيهِ ذاتِه عن ذواتِهم، فصفاتُ المخلوقين لائقةٌ بذواتِهم، وصفاتُ الخالقِ لائقةٌ بذاتِه، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ هذا الواجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعتقدَه.
وبهذا التقريرِ الذي قَرَّرْنَا تعلمونَ أن قولَهم: «مَذْهَبُ السَّلَفِ أَسْلَمُ» أنه مع ذلك أحكمُ وأعلمُ؛ لأنه طريقُ سلامةٍ محققةٍ، ليس فيه شائبةُ تشبيهٍ، وليس فيه شائبةُ تعطيلٍ، ولا جحودٌ بآياتِ اللَّهِ، كُلُّهُ طرقُ سلامةٍ محققةٍ في ضوءِ القرآنِ، وحيث حادَ عنه الإنسانُ دَخَلَ في بلايا، ونحنُ نقولُ لكم هذا وَنُقَرِّرُ لكم مذهبَ السلفِ على ضوءِ القرآنِ العظيمِ مع أنَّا ما دَرَسْنَا دراسةً شديدةً مثلَ علومِ الكلامِ والمنطقِ، وما تنفي به كُلُّ طائفةٍ بعضًا من صفاتِ اللَّهِ، ونحن مطلعونَ على جميعِ الأدلةِ وعلى تركيبِها التي نُفِيَ بها بعضُ الصفاتِ، عارفونَ كيف جاء البُطْلاَنُ، ومن الوجهِ الذي جاءَ البُطْلاَنُ، واسمُ الدليلِ الذي تُرَدُّ به، ولكن ذلك لا يليقُ في هذا المجلسِ الحافلِ؛ لأنه لاَ يعرفُه إلا خواصُّ الناسِ، فبعدَ النظرِ العامِّ الطويلِ في علمِ الكلامِ وما يستدلُّ به طوائفُ المتكلمين وما تَرُدُّ به كُلُّ طائفةٍ على الأخرى، والأقيسةُُ المنطقيةُ التي رَتَّبُوهَا وَنَفَوْا بها بعضَ الصفاتِ، ومعرفتُنا من الوحيِ ومن نفسِ الكلامِ والبحوثِ والمناظراتِ كيف يُبْطِلُ ذلك الدليلَ، ومن أين جاء الخطأُ، وَتَحَقَّقْنَا من هذا كُلِّهِ، بعد ذلك كله تَحَقَّقْنَا كُلَّ التحققِ أن السلامةَ كُلَّ السلامةِ، والخيرَ كُلَّ الخيرِ في اتباعِ نورِ هذا القرآنِ العظيمِ، والاهتداء بِهَدْيِ هذا النبيِّ الكريمِ، فما أثبتَه اللَّهُ لنفسِه نُثْبِتُهُ مع غاياتِ التنزيهِ، وما نَفَاهُ عن نفسِه نَنْفِيهِ مع غاياتِ التنزيهِ، وما أَثْبَتَهُ سيدُ الخلقِ صلى الله عليه وسلم لِرَبِّهِ نثبتُه مع كمالِ التنزيهِ، وما نَفَاهُ نَنْفِيهِ مع كمالِ التنزيهِ، وما سَكَتَ عنه الوحيُ لم يتعرض له بالكليةِ فإن اللَّهَ لم يُكَلِّفْنَا من صفاتِه إلا بِمَا عَلِمْنَا عن طريقِ كتابِه أو سُنَّةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم. وفي الختامِ نسألُ اللَّهَ جميعًا أن يُوَفِّقَنَا وإخوانَنا المسلمينَ لِمَا يرضيه،
ونوصي أنفسَنا وإخوانَنا بتقوى اللَّهِ، وأن لاَ يُشَبِّهُوا اللَّهَ بصفاتِ خلقِه، وأن لاَ يجحدوا وينفوا ما أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه وَمَدَحَ به نفسَه، وأن لاَ يُكَلِّفُوا عقولَهم الإحاطةَ بشيءٍ عاجزة عنه. قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)} [الأعراف: الآيات 54 - 57]. يقول اللَّهُ جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)}. تَكَلَّمْنَا على أولِ هذه الآيةِ الكريمةِ وَشَرَحْنَا مذهبَ السلفِ في الاستواءِ وما جَرَى مجراه من آياتِ الصفاتِ وأحاديثِ الصفاتِ، وَبَيَّنَّا أن المعتقدَ الْمُنَجِّي في ذلك عندَ اللَّهِ يَنْبَنِي على ثلاثةِ أُسُسٍ: أوَّلُها: - وهو أساسُ توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ الأعظم - هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) عن مشابهةِ خَلْقِهِ، وكيفَ يخطرُ في ذهنِ المسلمِ العاقلِ مشابهةُ الخلقِ بخالقِهم وهو صَنْعَةٌ مِنْ صُنْعِهِ: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: الآية 88] والصَّنْعَةُ
لا يمكنُ أن تشبهَ صانعَها بحالٍ، فالأساسُ الأعظمُ الأولُ هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) عن أن يُشْبِهَهُ شيءٌ من خلقِه في صفاتِهم أو ذواتِهم أو أفعالِهم. والأساسُ الثاني: هو تصديقُ اللَّهِ، وعدمُ تكذيبه، وعدمُ جحودِ ما مدحَ به نفسَه، بل تصديقُ اللَّهِ بما مَدَحَ به نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه به والإيمان بذلك إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ كما عَلَّمَنَا اللَّهُ ذلك في قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] فَبَيَّنَ لنا أنه يجبُ علينا أن ننزهَه أولاً عن مماثلةِ الخلقِ بقولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وأن نؤمنَ بما وصفَ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ حيث قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعدَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. والأساسُ الثالثُ: هو أن نعلمَ أن إحاطةَ العلمِ البشريِّ منفيةٌ عن اللَّهِ نَفْيًا قرآنيًّا بَاتًّا في قولِه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} فإذا ماتَ العبدُ على هذه العقيدةِ الصحيحةِ جاء آمِنًا يومَ القيامةِ من توبيخٍ يلحقُه من واحدٍ من هذه الأُسسِ الثلاثةِ، فَلاَ تَأْتِيهِ بليةٌ من قِبَلِ تنزيهِه لربه عن مشابهةِ خلقِه، ولا تأتيه بليةٌ من تصديقِه رَبَّهُ فيما مَدَحَ به نفسَه، أو تصديقه رسولَه فيما أَثْنَى به على رَبِّهِ تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كنحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. وَلاَ تأتيه بليةٌ من كونِه مُقِرًّا بأن علمَه لاَ يحيطُ بِاللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: الآية 110] وقد شَرَحْنَا تقسيمَ المتكلمين للصفاتِ، وَبَيَّنَّا ما جاء في القرآنِ من وصفِ الخالقِ ووصفِ المخلوقِ بها، وأن وصفَ الخالقِ حَقٌّ، وأن وصفَ المخلوقِ حَقٌّ إلا أن وصفَ الخالقِ مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ وصفِ
المخلوقِ، لائق بالخالقِ، ووصفُ المخلوقِ حقٌّ إلا أنه ملائمٌ مناسبٌ للمخلوقِ لاَ يجوزُ في حَقِّ الخالقِ (جل وعلا) وَضَرَبْنَا لذلك أمثلةً كثيرةً ونُورِدُ هنا نُقْطَتَيْنِ: إحداهما: أن اللَّهَ (جل وعلا) وَصَفَ نفسَه بالاستواءِ، وَوَصَفَ بعضَ المخلوقين بالاستواءِ، كما وَصَفَ نفسَه بالسمعِ والبصرِ والقدرةِ والحياةِ ونحوِ ذلك، فَاللَّهُ وصفَ نفسَه بأنه سميعٌ بصيرٌ قال: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: الآية 28] ووصفَ المخلوقَ بالسمعِ والبصرِ، قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} [الإنسان: الآية 2] ووصفَ نفسَه بالحياةِ، قال: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: الآية 255] {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} [الفرقان: الآية 58] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحياةِ قال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: الآية 19] {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: الآية 30] {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} [مريم: الآية 15] إلى آخِرِ ما ذَكَرْنَاهُ، فَاللَّهُ (جل وعلا) له قدرةٌ حقيقيةٌ وحياةٌ وسمعٌ وبصرٌ، والمخلوقونَ لهم سمعٌ وبصرٌ وقدرةٌ وحياةٌ، إلا أن صفاتِ المخلوقين مُنَاسِبَةٌ لذواتِهم لاَ تليقُ بِاللَّهِ ولاَ تُشْبِهُ صفاتِ اللَّهِ، وصفاتُ الله من جميعِ ذلك لائقةٌ بِاللَّهِ، منزهةٌ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين كما أَوْضَحْنَا أمثلتَه بكثرةٍ. كذلك وَصَفَ نفسَه بالاستواءِ على العرشِ في سبعِ آياتٍ من كتابِه، ولم يذكر صفةَ الاستواءِ في أحدِ تلك المواضعِ السبعةِ إلا مقرونةً بشيءٍ من صفاتِ الكمالِ والجلالِ يُبْهِرُ العقولَ ويقضي بأنه العظيمُ الأعظمُ التي لا يماثلُه شيءٌ في شيءٍ من صفاتِه، ولاَ في
ذاتِه، ولا أفعالِه، وأن جميعَ تلك الصفاتِ بما فيها الاستواءُ لا يجوزُ جَحْدُ شيءٍ منها ولا إنكارُه. الموضعُ الأولُ من المواضعِ السبعةِ بحسبِ ترتيبِ المصحفِ الكريمِ: هو قولُه هنا في سورةِ الأعرافِ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: الآية 54] فَانْظُرُوا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكن أن يُحَرَّف شيءٌ منه، أو يُجحد شيءٌ منه؟ لا وَكَلاَّ. والموضعُ الثاني: قولُه تعالى في سورةِ يونسَ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)} [يونس: الآيات 3 - 6] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يُكذب بشيءٍ منه؟ لاَ وَكَلاَّ. الموضعُ الثالثُ: قولُه تعالى في أولِ سورةِ الرعدِ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} وفي القراءة الأخرى (¬1): {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}. {تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} وفي القراءةِ الأخرى (¬2): {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ}. {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكْلِ} وفي القراءةِ الأخرى (¬3): {الأُكُلِ} {نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: الآية 4] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه أو يُكَذَّبَ بشيءٍ منه؟ لاَ وَكَلاَّ. الموضعُ الرابعُ: قولُه تعالى في سورةِ طه: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى (3) تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} [طه: الآيات 1 - 8] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يُكذب بشيءٍ منه؟ لاَ وَكَلاَّ. والموضعُ الخامسُ: في سورةِ الفرقانِ في قولِه تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)} [الفرقان: الآيتان 58 - 59] فَانْظُرُوا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُكذبَ بشيءٍ منه، أو يُجحدَ شيءٌ منه؟ لاَ وَكَلاَّ. ¬
الموضعُ السادسُ: في سورةِ (ألم السجدة) في قولِه تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (9)} [السجدة: الآيات 3 - 9] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ المذكورِ في جميعِ هذه الآياتِ مع صفةِ الاستواءِ هل يمكنُ أن يُكْفَرَ بشيءٍ منه، أو يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يقال: إن شيئًا منه ليس لاَئِقًا بالله؟ لاَ وَكَلاَّ. الموضعُ السابعُ: وهو آخِرُهَا في سورةِ الحديدِ في قولِه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى آخِرِ الآياتِ [الحديد: الآيات 3 - 5] فهل يمكنُ أن يُنكر شيءٌ من هذا من الكمالِ والجلالِ الذي أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه؟ فَكُلُّهُ كمالٌ وجلالٌ يجبُ تقديسُه وتنزيهُه بما فيه الاستواءُ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، والإيمان بجميعِ تلك الصفاتِ على أساسِ ذلك التنزيهِ على غرارِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 28] كذلك - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى - وَصَفَ بعضَ خلقِه
بالاستواءِ فقال في بعضِ المخلوقين: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: الآية 13] {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} الآية [النحل: الآية 28] {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: الآية 44] فَاللَّهُ (جل وعلا) كما وَصَفَ نفسَه بالقدرةِ والسمعِ والبصرِ والكلامِ والحياةِ إلى غيرِ ذلك، وَوَصَفَ نفسَه بالاستواءِ، كذلك وَصَفَ بعضَ المخلوقين بالسمعِ والبصرِ والقدرةِ والإرادةِ والحياةِ والاستواءِ، فَسَمْعُ اللَّهِ وبصرُه وقدرتُه وإرادتُه واستواؤُه وذاتُه جميعُ ذلك مُنزَّهٌ غايةَ التنزيهِ عن مشابهةِ شيءٍ من المخلوقين في الذواتِ والصفاتِ والأفعالِ، وَسَمْعُ المخلوقينَ وأبصارُهم وحياتُهم وقدرتُهم وإرادتُهم واستواؤهم كُلُّ ذلك لائقٌ بحالهم وبينَ صفاتِ اللَّهِ من جميعِ ذلك وصفاتِ المخلوقين من جميعِ ذلك كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ لاَ مناسبةَ ألبتةَ؛ لأن الخلقَ صَنْعَةٌ من صَنَائعِه أَبْرَزَهُمْ من العدمِ إلى الوجودِ بقدرتِه وإرادتِه، فلا يخطرُ في العقلِ السليمِ أن يُمْكِنَ أن يُشْبِهُوهُ في شيءٍ من ذواتِهم أو صفاتِهم أو أفعالِهم، وهل تُشْبِهُ الصنعةُ صانعَها؟ لا وكلا - سبحانه وتعالى عما يقولُ الظالمونَ عُلُوًّا كبيرًا - وهذا هو الذي أَرَدْنَا أن نوضحَه لكم - أيها الإخوانُ - من مذهبِ السلفِ الذي هو طريقُ سلامةٍ محققةٍ مبنيٌّ على أساسِ تنزيهِ اللَّهِ عن مشابهةِ خلقِه، وعلى أساسِ تصديقِ اللَّهِ ورسولِه فيما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به رسولُه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، مع وقوفِ العقلِ البشريِّ عند حَدِّهِ، وعدم إدراكه بكنهيةِ كيفيةِ الاتصافِ. وقد بَيَّنَّا أن هذا طريقُ سلامةٍ محققةٍ لاَ شكَّ فيها، لا تستلزمُ تَبِعَةً ولا محذورًا ولا خوفًا ولا قلقًا؛ لأنه أمرٌ واضحٌ في نورِ القرآنِ العظيمِ تنزيهُ ربِّ
العالمين، وتصديقُ ربِّ العالمين، وتصديقُ رسولِه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، والبعدِ عن مشابهةِ الخلقِ، ووقوفِ العقلِ عند حَدِّهِ، وعدمِ تَعَدِّيهِ لطورِه، فهذا طريقِ سلامةٍ محققةٍ لاَ يشكُّ فيها عاقلٌ أبدًا، وَبَيَّنَّا أن ما يسمونَه مذهبَ [الخلفِ] (¬1) يستلزمُ بلايا أَوْضَحْنَاهَا فَأَغْنَى ذلك عن إعادتِها اليومَ، ولا يأمنُ معتقدُها أن تأتيَه منها بلايا يومَ القيامةِ قد لا يتخلصُ منها. فالذي نُوصِي به أنفسَنا وإخوانَنا المسلمين تقوى اللَّهِ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا على صفاتِ اللَّهِ بِأَنَّ ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه ظاهرٌ خبيثٌ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا بِنَفْيِهَا، بل ينزهونَ خالقَهم أولاً ثم يصدقونَه فيما مَدَحَ به نفسَه، فيؤمنونَ بما أثبتَ لنفسِه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ويعلمونَ أن عقولَهم المسكينةَ المخلوقةَ عاجزةٌ عن إدراكِ الإحاطةِ وكيفيةِ الكُنْهِ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: الآية 110] وإنما أَكْثَرْنَا من تكرارِ هذه المسألةِ لشدةِ الحاجةِ إليها؛ ولأن كثيرًا من الناسِ يدَّعي على صفاتِ اللَّهِ أن ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه خبيثٌ، ثم ينفيها ويأتي ببدلِها من تلقاءِ نفسِه، وهذه أمورٌ قد لاَ تُخْرِجُ صاحبَها عِنْدَ اللَّهِ، قد لا يتخارجُ منها لأنه كأنه يقولُ لِلَّهِ: هذا الذي مَدَحْتَ به نفسَك في كتابك مُعَلِّمًا خلقَك أن يمدحوك به، ظاهرُه خبيثٌ نجسٌ لا يليقُ، ثم ينفيه، ثم يأتي بتأويلٍ آخَرَ من تلقاءِ نفسِه، هذه الطريقُ شائكةٌ غيرُ مأمونةٍ، ولاسيما إذا وجدَ الناسُ مَنْ يُبَيِّنُ لهم ما تحتَها من المخاطرِ، وَيُبَيِّنُوا لهم المعتقدَ السلفيَّ الصحيحَ الواضحَ الذي لاَ إشكالَ فيه ولا لبسَ، ولا خطرَ ¬
ولا مخطورَ، وهذا معنَى قولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. ثم بَيَّنَ (جل وعلا) من صفاتِ كمالِه وجلالِه أنه استوى على العرشِ، وأنه كما أنه اسْتَوَى على عرشِه استواءً لائقًا بجلالِه وكمالِه كما قال مع ذلك هو يُدَبِّرُ شؤونَ الدنيا ويدبرُ السمواتِ والأرضَ وَمَنْ فيهما. {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} قرأَ هذا الحرفَ حمزةُ والكسائيُّ وشعبةُ عن عاصمٍ: {يُغشِّي الليل النهار} مضارعُ غَشَّاهُ يُغَشِّيه. وقرأه بقيةُ القراءِ السبعة (¬1): {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف: آية 54] مضارعُ أغشاه يُغْشيه. وأغشى وغَشَّى بالهمزةِ والتضعيفِ معناهما واحدٌ، ويأتي كُلٌّ منهما في القرآنِ بمعنَى الآخرِ، وتكونُ في كل منهما قراءتانِ (يُغشي) و (يُغَشِّي). أما في قولِه: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)} [النجم: آية 54] فقد أَجْمَعَ القراءُ كلُّهُمْ على التضعيفِ. وقولُه: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس: آية 9] أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ على الهمزةِ وعدمِ التشديدِ. ومعنَى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} العربُ تقولُ: أَغْشَاهُ الشيءُ يغشيه. إذا جعلَه غشاءً له وساترًا ومغطيًا له. معناه: يجعلُ الليلَ مُغْشِيًا للنهارِ، أي: مُغَطِّيًا ضوءَ النهارِ بظلامِه، يذهبُ بضوءِ النهارِ ويغطي ضوءَه بظلامِ الليلِ. وهذا من غرائبِ صنعِه وعجائبِ آياتِه. وفي الآيةِ محذوفٌ دَلَّ المقامُ عليه، أي: وَيُغْشِي النهارُ الليلَ أيضًا، فيأتِي ضوءُ النهارِ وَيغْشَى ظلامَ الليلِ فَيُذْهِبُهُ ويحل محلَّه، كما قال: {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي ¬
لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)} [يس: الآيتان 37، 38] فالإتيانُ بالليلِ بدلَ النهارِ والإتيانُ بالنهارِ بدلَ الليلِ من أعظمِ آياتِ اللَّهِ - جل وعلا - الدالة على أنه المعبودُ وحدَه، وأنه الربُّ وحدَه، ومع كونِ الليلِ والنهارِ آيتين فَهُمَا أيضًا نعمتانِ عظيمتانِ من أعظمِ نِعَمِ اللَّهِ على خَلْقِهِ، فهما جامعانِ بينَ كونِهما آيتين وكونهما نعمتين، وَبيَّنَ أنهما آيتانِ بقولِه: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} [فصلت: آية 27] وَبَيَّنَ أنهما نعمتانِ وآيتانِ في مواضعَ كثيرةٍ من أصرحِها سورةُ القصصِ حيث قال فيها: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (72)} [القصص: الآيتان 71، 72] ثم بَيَّنَ أنهما نعمتانِ بعدَ بيانِ أنهما آيتانِ قال: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [القصص: آية 73] يعنِي النهار. فجعل الليلَ مُظْلِمًا مُنَاسِبًا للسكونِ والهدوءِ وعدمِ الحركةِ ليستريحَ الناسُ من كَدِّ الأعمالِ والتعبِ في النهارِ، ثم يجعلُ النهارَ مُضِيئًا مُنِيرًا مُنَاسِبًا لِبَثِّ الناسِ في حوائجِهم واكتسابِ معايشهم في نورٍ ساطعٍ من غيرِ فتيلةٍ ولاَ زيتٍ ولاَ حاجةٍ إلى مؤنة، بل هو ضوءُ السراجِ الذي خَلَقَهُ اللَّهُ وجعلَ نورَه سبيلاً للأسودِ وللأحمرِ بلاَ ثَمَنٍ، يسعونَ فيه إلى معايشهم، وهذا مِنْ عظائمِ قدرتِه ومن عجائبِ مِنَنِهِ وإنعامِه - جل وعلا - على خَلْقِهِ؛ ولذا قال: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ}. {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: آية 54] الحثيثُ: أصلُ الحثِّ في
لغةِ العربِ: الإسراعُ والاستعجالُ (¬1). أي: يطلبُه طَلَبًا حَثِيثًا مسرعًا غايةَ الإسراعِ فلاَ يُمْهِلُهُ دقيقةً، عندما ينتهي وقتُ النهارِ فإذا الليلُ يطلبُه طلبًا مسرعًا فيحلُّ محلَّه في أسرعِ ما يكونُ، وليس بينَهما واسطةٌ بحيث تكونُ ليست من النهارِ ولاَ من الليلِ. فـ (حثيثًا) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: طلبًا حثيثًا، أي: مُسْرِعًا. أو بمعنَى الحالِ، أي: حالَ كونِه حاثًّا، أي: مُسْرِعًا شديدَ الإسراع لا يمهلُه ساعةً (¬2). وَاللَّهُ - جل وعلا - ذَكَرَ أن الليلَ - هنا - يطلبُ النهارَ طلبًا حثيثًا، والمفسرونَ [يقولون] (¬3): يتبعُه تبعَ الطالبِ. والعادةُ المقررةُ عندَ العلماءِ: أن ظاهرَ القرآنِ لاَ يجوزُ العدولُ عنه إلا لدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه (¬4). فلا مانعَ من أن اللَّهَ - جل وعلا - يخلقُ في الليلِ إدراكًا يكونُ يطلبُ به النهارَ؛ لأنه يخلقُ الإدراكَ في الجماداتِ والأشياءِ التي لاَ إدراكَ لها، كما قال جل وعلا: {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: آية 44] وكما قال - جل وعلا - في الحجارةِ: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: آية 74] فَصَرَّحَ أن الحجرَ وهو جمادٌ يهبطُ من أعلى الجبلِ من خشيةِ اللَّهِ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ في القصةِ المشهورةِ الصحيحةِ أن الجذعَ الذي كان يخطبُ عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا تَحَوَّلَ عنه إلى المنبرِ ¬
وافتقدَ الجذعُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ حنينَ العشارِ، والصحابةُ يسمعونَ، حتى جاءَه صلى الله عليه وسلم يُسْكِتُهُ كما تُسْكِتُ الأُمُّ وَلَدَهَا (¬1). وذلك الحنينُ بإدراكٍ خَلَقَهُ اللَّهُ في ذلك الجذعِ لاَ نعلمُه. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال وهو الصادقُ المصدوقُ: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا فِي مَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ» (¬2) وأمثالُ هذا كثيرةٌ في الكتابِ وَالسُّنَّةِ، كقولِه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: آية 72] والإشفاقُ: الخوفُ. فنسبَ الخوفَ والإشفاقَ للسماواتِ والأرضِ والجبالِ وهي جماداتٌ، وصرَّح بأنه يعلمُ مِنَ الجماداتِ ما لا يعلمُه خلقُه حيث قال: {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: آية 44] فلا مانعَ عَقْلاً من أن يجعلَ اللَّهُ للظلامِ المعبَّرِ عنه بالليلِ إدراكًا يطلبُ به النهارَ، لاَ مانعَ عَقْلاً من ذلك، ولا ينبغي أن يُصْرَفَ القرآنُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه. وعامةُ المفسرين يقولونَ: إن معنَى {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: آية 54] أي: يُسْرِعُ تَابِعًا له، كما يفعلُه الطالبُ. مع زعمِهم أن الليلَ ليس عندَه إدراكٌ يطلبُ به؛ لأنه ظلامٌ، ومعروفٌ أن الليلَ ظلامٌ، ولكن اللَّهَ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ. وهذا معنى قوله: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا}. وكذلك النهارُ يطلبُ الليلَ حثيثًا، أي: طلبًا بإسراعٍ جِدًّا. وبعضُ المفسرينَ يذكرُ هنا مسائلَ الأفلاكِ وحركاتِها، وحركةَ الفلكِ ¬
الأعظمِ، وَكُلُّ ذلك من علومِ الهيئةِ التي لا ينبغي أن تُدْخَلَ في القرآنِ. وعلومُ الهيئةِ قد أشارَ القرآنُ العظيمُ إلى أنها ليست تحتَها فوائدُ لها طائلٌ؛ لأن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سألوه - وَالْمَلَكُ يَغْدُو وينزلُ، والوحيُ يأتي - عن هيئةِ القمرِ، قالوا له: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا ثم لم يَزَلْ يكبرُ حتى يستديرَ بَدْرًا (¬1)؟ وهذا سؤالٌ عن هيئةِ القمرِ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يجوزُ في حقِّه تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ فيما للأمةِ فيه حاجةٌ. فلم يُبَيِّنْ لهم شيئًا مما يَزْعُمُهُ أصحابُ الهيئة؛ لأن أصحابَ الهيئةِ يزعمونَ أن القمرَ جرمٌ ظلمانيٌّ لا نورَ - أصلاً - فيه، إلا أنه جرمٌ صقيلٌ، والجرمُ الصقيلُ يقبل سطوعَ النورِ فيه كالمرآةِ إذا قَابَلَهَا شعاعُ الشمسِ يسطعُ فيها. ويقولون: إن القمرَ تشرعُ الشمسُ في البعدِ منه حتى يتمَّ البعدُ، فإذا تم البعدُ تَكَامَلَ شعاعُ الشمسِ؛ لأن شعاعَ الشمسِ عندهم يتسربُ من وراءِ التكورِ الأرضيِّ فيقابلُه القمرُ فيسطعُ فيه كما يسطعُ نورُ الشمسِ في المرآةِ، فيظهرُ ذلك النورُ للناسِ. يقولونَ: إن البعدَ يتمُّ ليلةَ أربعَ عشرةَ، وعند ذلك يتسربُ نورُ الشمسِ من وراءِ التكورِ الأرضيِّ إلى وجهِ القمرِ الذي يلي أهلَ الأرضِ فيتمُّ نورُه تمامًا، ثم يبدأ القمرُ من القربِ إلى الشمسِ في ليلةِ خمسةَ عشرةَ من الشهرِ، فعندَ ذلك يبدأ نورُ الشمسِ يتسربُ من وجهِ القمرِ الذي يلي الأرضَ إلى وجهِه الأعلى الذي يلي ما فوقَه من السماءِ فيكونُ ليلةَ خمسةَ عشر وجهُه الأعلى كَلَيْلَةِ الهلالِ، يطلعُ قليلٌ من النورِ إلى وجهِه الأعلى ثم يزدادُ القربُ ليلةَ السادس عشر فينتقلُ نورُ الشمسِ من وجهِه الأعلى، حتى تكونَ ليلةُ الهلالِ فيتمُّ القربُ فيكونُ ¬
جميع نورِ الشمسِ في طرفِ القمرِ الأعلى، ولا يظهرُ منه إلا قليلٌ في خفافِ القمرِ هو الهلالُ، والقمرُ هنالك مُسْتَتِرٌ مظلمٌ لاَ يُرى منه إلا الشمسُ الذي نزلَ إليه الضوءُ من أعلاه وهو ما يرونه الهلالَ. هكذا يقولون من هذه المقالات، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم جاءه القرآنُ بالإعراضِ عن جميعِ هذه المقالاتِ كُلِّهَا وعدمِ الالتفاتِ إليها، فأجابَ قولَهم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: آية 189] فَبَيَّنَ المقصودَ منها وفائدتَها الدنيويةَ، وَتَرَكَ ما لاَ فائدةَ فيه؛ لأن المُشَرِّعَ كالطبيبِ يأتِي بما فيه الفائدةُ ويدعُ ما لا فائدةَ فيه. ومن هنا عُرِفَ أن الهيئةَ لاَ فائدةَ فيها، وما يزعمُه بعضُ الأفدامِ الذين لاَ عقولَ لهم ولا حياءَ من أن المانعَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أن يعلمَهم الهيئةَ الجغرافيةَ القمريةَ وَيُبَيِّن لهم الهيئةَ العلويةَ أن عقولَهم عاجزةٌ قاصرةٌ وأن الإفرنجَ وأذنابَ الإفرنجِ هم الذين كانت لهم عقولٌ عَرَفُوا بها هذا، فهذا من الهوسِ والجنونِ؛ لأَنَّ أكملَ الناسِ عقولاً وأثقبَهم أذهانًا أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهُ يمدُّهم بنورِ الوحيِ الذي ينزلُ به الْمَلَكُ من السماءِ؛ ولذلك بَيَّنَ القرآنُ أن النظرَ في الهيئةِ العليا ليس تحتَه نتيجةٌ ولا طائلٌ، ومن غرائبِ القرآنِ أن [9/ ب] هذا البابَ الذي قَفَلَهُ القرآنُ / فتحَه الإفرنجُ بعد عشراتِ القرونِ ففتحوه عن كفرياتٍ وتكذيباتٍ للوحيِ السماويِّ وخيمة ليس تحتَها طائلٌ، لاَ يُسْتَفَادُ منها في أمورِ الدنيا، وإنما تُسْتَفَادُ منها عقلياتٌ كافراتٌ كاذبةٌ. والفلاسفةُ من اليونانيين من أرسطاطاليسَ وأصحابِه لَمَّا قسَّموا علومَ الفلسفةِ إلى قسمةٍ سداسيةٍ، وَقَسَّمُوهَا إلى فلسفةٍ رياضيةٍ،
وفلسفةٍ منطقيةٍ، وفلسفةٍ إلهيةٍ، وفلسفةٍ طبيعيةٍ، وفلسفةٍ نفسيةٍ، وفلسفةٍ تشريعيةٍ (¬1) قَسَّمُوهَا هذه القسمةَ السداسيةَ، وَبَحَثُوا في كُلِّ قِسْمٍ منها. قَسَّمُوا القسمَ الرياضيَّ منها - وهو الفلسفةُ الرياضيةُ منقسمةٌ - إلى ثلاثةِ أقسامٍ: وهي الهندسةُ، والحسابُ، والهيئةُ. أما الهندسةُ والحسابُ: فَكِلاَهُمَا مَبْنِيٌّ على مقدماتٍ عقليةٍ يقينيةٍ، وقواعدَ حقيقيةٍ مُنْطَبِقَةٍ لاَ يَشُكُّ فيها عاقلٌ، فهي علومٌ مبنيةٌ على مقدماتٍ عقليةٍ وأساسٍ يقينيٍّ؛ ولذلك لا يتطرقُها خطأٌ إلا من جهةِ الناظرِ فيها؛ وَلِذَا لا تجدُ فيلسوفًا يأتِي ويقولُ: فكرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في الحسابِ خاطئةٌ. أو فكرتُه في الهندسةِ خاطئةٌ؛ لأن الحسابَ والهندسةَ من الفلسفةِ الرياضيةِ كِلاَهُمَا مركبٌ في مقدماتٍ عقليةٍ صحيحةٍ لاَ خطأَ فيها. أما النوعُ الثالثُ من الفلسفةِ الرياضيةِ - وهو الهيئةُ - فقد أَطْبَقَ أهلُه على أنه لم يكن مَبْنِيًّا على مقدماتٍ عقليةٍ، ولا قواعدَ يقينيةٍ، وإنما مَبْنَاهُ تخميناتٌ، وظنونٌ أكثرُ ما تكونُ كاذبةً، وربما صَدَقَتْ؛ ولذا تجدُ الفيلسوفَ يقولُ: نظرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في كذا - في الشمسِ، أو في القمرِ، أو في طبقاتِ الجوِّ، أو في كذا - نظرةٌ خاطئةٌ، بل الحقُّ كذا وكذا؛ لأنها لم تُبْنَ على مقدماتٍ يقينيةٍ، ولا قوانينَ عقليةٍ، بل مَبْنَاهَا ظنونٌ وتخميناتٌ. وهذه الظنونُ والتخميناتُ أَضَلَّتْ كثيرًا من الرعاعِ الْمُتَسَمِّينَ باسمِ المسلمين، يُكَذِّبُونَ نصوصَ القرآنِ ونصوصَ السنةِ نَظَرًا إلى أقوالِ كفرةٍ فجرةٍ في شيءٍ لاَ أساسَ لهم فيه، فقضيةُ الفلسفةِ الهيئيةِ من الفلسفةِ الرياضيةِ ¬
كُلُّ دَلِيلِهَا ما يُسَمُّونَهُ في المنطقِ: شَرْطِيَّةً متصلةً لزوميةً يستثنونَ فيها نقيضَ التالِي فينتجونَ نقيضَ المُقدَّمِ أو عينَ المقدمِ، فينتجونَ عينَ التالِي في زَعْمِهِمْ، والربطُ بَيْنَ اللازمِ والملزومِ؛ أَعْنِي المُقدمَ والتالِيَ قد يكونُ رَبْطًا منفكًا، فيقولونَ: لو لم تكن الشمسُ تدورُ حولَ نفسِها لكان كذا وكذا، لو لم يكن الكوكبُ الفلانيُّ بمسافةِ كذا وعلى قَدْرِ كذا لكانَ كذا وكذا، أَوَلَمْ يكن كذا وكذا. وهي أمورٌ لا طائلَ تحتَها. وعلينا جميعًا أن نلتزمَ هذا الأساسَ: كُلُّ ما خَالَفَ كتابَ اللَّهِ مخالفةً صريحةً فيجبُ علينا أن نجزمَ بأن مَنْ قَالَهُ كاذبٌ كافرٌ ملعونٌ، كالذي يقولُ: إن الشمسَ ساكنةٌ وأنها لا تتحركُ، وينفِي عنها اسمَ الجريانِ ويقولُ: لا تَجْرِي، فهذا كافرٌ ملحدٌ مُكَذِّبٌ نصوصَ القرآنِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي} [يس: آية 38] فالذي ينفِي عنها الجريانَ الذي أَثْبَتَهُ اللَّهُ مُحَادٌّ لِلَّهِ، مناقضٌ لكلامِ اللَّهِ، علينا أن نُكَفِّرَهُ ونكذبه. وكذلك مَنْ يقولُ: إن القمرَ لاَ يجري؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [لقمان: آية 29] فَمَا نَاقَضَ القرآنَ مناقضةً صريحةً فيجبُ علينا أن نكذبَه، وما وافقَ القرآنَ أو السُّنَّةَ الصحيحةَ علينا أن نتقبلَه، وما لم يناقض القرآنَ ولا السنةَ الصحيحةَ مناقضةً صريحةً فيجبُ علينا أن لاَ نقدمَ على تكذيبِه وأن لا نتجرأَ على أنه كَذِبٌ خَوْفَ أن يكونَ حَقًّا، وإذا كان حَقًّا ظَنَّ القائلونَ به المتمسكونَ به أن القرآنَ كَذِبٌ؛ لأنه قيل لهم: إنه يخالفُ القرآنَ. والقرآنُ في نفسِ الأمرِ لا يخالفُ نظريةً صحيحةً أبدًا؛ لأنه كلامُ اللَّهِ الحقُّ المقطوعُ بأنه حَقٌّ، والحقُّ لا يُخَالِفُ حَقًّا أبدًا، فعلينا أن نَتَثَبَّتَ، وأن لاَ نتسرعَ في الشيءِ الذي لا يكونُ القرآنُ صريحًا في
نَفْيِهِ، ولا نَنْفِيهِ إلا بتثبتٍ تَامٍّ ويقينٍ؛ لئلاَّ نجنيَ على القرآنِ ونشككَ الناسَ في أنه حَقٌّ، ونقول: ظاهرُ القرآنِ كذا، والذي يتبادرُ لنا كذا، وإن وقع خلافُه فهو من قصورِ فَهْمِنَا، والقرآنُ بَرِيءٌ من كُلِّ ما لَيْسَ بِحَقٍّ، فَكُلُّهُ حَقٌّ، ولا يناقضُ حَقًّا. ومن ذلك أن الأولين من أصحابِ الهيئةِ كانوا يظنونَ أن الجرمَ الواحدَ يستحيلُ أن يكونَ كُرَةً وَسَطْحًا، ويزعمونَ أن كُلَّ جسمٍ كرويٍّ يستحيلُ أن يكونَ سَطْحًا، ويقولونَ: إن الأرضَ كرويةٌ. والذين يقولونَ: إن الكرويَّ لاَ يكونُ سَطْحًا نقولُ له: زعمُك الكرويةَ أنتَ فيه كافرٌ كَذَّابٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} [الغاشية: آية 20] فالأرضُ سطحٌ لاَ شَكَّ فيه؛ لأن الله - جل وعلا - صَرَّحَ بأنها سَطْحٌ. أما حُذَّاقُهُمُ المتأخرونَ الذين يقولونَ: لاَ تَنَافِيَ بينَ الكرةِ والسطحِ؛ لأن الجسمَ الكبيرَ قد يكونُ ارتفاعُه الكرويُّ مُدَرَّجًا تدريجًا دقيقًا دقيقًا دقيقًا حتى يكونَ سطحًا، ولا يظهرُ الارتفاعُ الكرويُّ إلا في جميعِ المجموعةِ العظيمةِ مع كِبَرِهَا. فهذا نقولُ له: لا مانعَ من ذِكْرِكَ أنها كرةٌ؛ لأنك تقولُ بأنها سطحٌ، وَتُصَدِّقُ رَبَّنَا في أنها سطحٌ. والحذاقُ من المسلمين الذين نَظَرُوا في حقيقةِ الأرضِ كُلُّهُمْ زعموا أنها كرةٌ، وكذلك الذي يَقْتَضِيهِ الدليلُ العقليُّ أن الأرضَ كرويةٌ، إلا أنها سطحٌ يَقِينًا كما قاله رَبُّ العالمين؛ لأن الارتفاعَ الكرويَّ في الأرضِ مدرجٌ تدريجًا دقيقًا دقيقًا بَالِغٌ من غايةِ الدقةِ ما لا يُنَافِي السطحيةَ، وتكونُ الأرضُ معه سَطْحًا، ولا يظهرُ الارتفاعُ إلا في المجموعةِ الكبيرةِ. والحاصلُ أن كُلَّ ما نَاقَضَ صريحَ القرآنِ فهو كَذِبٌ باطلٌ يجبُ
علينا تكذيبُه وتكفيرُ صاحبِه إن أُنْذِرَ ولم يَتُبْ، وما لم يُنَاقِضِ القرآنَ مناقضةً صريحةً فعلينا أن لا نَعْجَلَ ولا نَتَجَرَّأَ ولاَ نقول على طول: هذا كَذِبٌ لأنه يناقضُ القرآنَ!! بل نَتَثَبَّتُ ولا نحكمُ على نظريةٍ أنها تناقضُ القرآنَ إلا بتحقيقٍ ويقينٍ وكونِ القرآنِ صريحًا في ذلك. وغير ذلك نقول: الذي يظهرُ لنا من ظاهرِ القرآنِ كذا، وهذا الذي نفهمُه، فإن كان فَهْمُنَا صحيحًا فالأمرُ كما فَهِمْنَا، وإن كان غيرَ ذلك فالقصورُ مِنَّا وَمِنْ فَهْمِنَا، وكتابُ اللَّهِ حَقٌّ لاَ يأتيه الباطلُ من بَيْنِ يديه وَلاَ من خلفِه، لا يخالفُ نظريةً صحيحةً. وقولُه جل وعلا: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف: آية 54] قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} بنصبِ الأسماءِ الأربعةِ؛ فقولُه: {الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} معطوفاتٌ على قولِه: {السَّمَاوَاتِ} {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} وخلقَ الشمسَ والقمرَ، وخلقَ النجومَ في حالِ كونِ المذكوراتِ مسخراتٍ بِأَمْرِهِ. وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه: {والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ بأمره} (¬1) فعلى قراءةِ ابنِ عامرٍ بالرفعِ: (الشمسُ) مبتدأٌ، وما بعدَه معطوفٌ عليه، وخبرُ المبتدأِ: {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} (¬2). والتسخيرُ: التذليلُ. فقد سَخَّرَ الشمسَ لمنافعِ هذا الْخَلْقِ؛ ولأنها آيةٌ عُظْمَى كما قال: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)} [النبأ: آية 13] ¬
يُطْلِعُهَا في كُلِّ يومٍ، ويسيرها بحسابٍ معلومٍ طرقها وسيرها بتسخيرِ رَبِّ العالمينَ دائبة. وكذلك سَخَّرَ القمرَ على سَيْرِهِ المعتادِ، وحسابِه المعروفِ، نعرفُ بهما عددَ السنين والشهورِ والحسابَ، وكذلك سَخَّرَ النجومَ ليهتديَ بها خَلْقُهُ، وليزينَ بها السماءَ، ويطردَ بها الشياطينَ. فهذه المخلوقاتُ العظامُ العلويةُ سَخَّرَهَا خالقُ السماواتِ والأرضِ للاعتبارِ بها، ولمنافعِ خَلْقِهِ منها؛ لأَنَّ اللَّهَ جعلَ في الشمسِ والقمرِ منافعَ عظيمةً في الثمارِ والمعادنِ والنباتاتِ والحيواناتِ وغيرِ ذلك بحكمتِه - جل وعلا - وَعَدْلِهِ، حتى إنك لترى النخلةَ التي في الظلِّ دائمًا بين النخلِ لا يُصِيبُهَا شعاعُ الشمسِ تَرَاهَا رديئةَ الحملِ جِدًّا، كما يأتي إيضاحُه في قولِه: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} [النور: آية 35] وهذا معنَى قولِه: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ}. {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (ألا) حرفُ استفتاحٍ وتنبيهٍ. (له) أي: لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه {الْخَلْقُ} لأنه خالقُ كُلِّ شيءٍ. وأصلُ الخلقِ في لغةِ العربِ (¬1): التقديرُ، فَكُلُّ شيءٍ قَدَّرْتَهُ فقد خَلَقْتَهُ. فإذا رأيتَ الْحَذَّاءَ - صاحبَ النعالِ - أكرمكم اللَّهُ - يأخذُ بسوادٍ كَفَحْمٍ أو غيرِه ليقيسَ قدرَ ما يقطعُ من النعلِ يُسَمِّى ذلك (خَلْقًا) فإذا قطعَه يقال: (فَرَاهُ) ومن هذا قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلمى (¬2): وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ... وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْرِي ¬
يعني: تُقَدِّرُ الأمرَ ثم تُنْفِذُهُ، وبعضُ الناسِ يقدرُه ثم يعجزُ عن تنفيذِه. وَاللَّهُ - جل وعلا - يُقَدِّرُ الأشياءَ قبلَ أن يُوقِعَهَا ثم يَفْرِيهَا ويبرؤها مُطَابِقًا لِمَا قدر سابقًا، وتنفيذًا لِمَا سَبَقَ في عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ. فهذا معنَى (الخلقِ) {لَهُ الْخَلْقُ} كما قال: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر: آية 24] يعنِي: يَخْلُقُهَا وَيُقَدِّرُهَا ثم يبرؤها وَيَفْرِيهَا وينجزها. {وَالأَمْرُ} لأَنَّ اللَّهَ خالقُ كُلِّ شيءٍ، وله الأمرُ، هو الذي وحدَه له الأمرُ، يأمر بما شاءَ بأوامرِه الكونيةِ وأوامرِه الشرعيةِ، فلاَ أَمْرَ كونيًّا قدريًّا إلا له، ولا أمر شرعيًّا دينيًّا إلا له. وكان سفيانُ بنُ عيينةَ (رحمه الله) وجماعةٌ من السلفِ يستدلونَ بهذه الآيةِ من سورةِ الأعرافِ على أن القرآنَ ليس بمخلوقٍ (¬1)؛ لأن الأمرَ في القرآنِ كقولِه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ} [يس: آية 82] {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ} [النحل: آية 40] فالقرآنُ فيه الأوامرُ الكونيةُ القدريةُ، وفيه الأوامرُ الشرعيةُ، وَاللَّهُ - جل وعلا - جَعَلَ الأمرَ وحدَه والخلقَ وحدَه، فَتَبَيَّنَ أن القرآنَ ليس دَاخِلاً في جملةِ المخلوقِ. وهذا الاحتجاجُ معروفٌ عندَ أهلِ السنةِ. ومناقشاتُ القائلين بخلقِ القرآنِ فِي الاستدلالِ بهذه الآيةِ كثيرةٌ طويلةٌ يَضِيعُ علينا الوقتُ بِتَتَبُّعِهَا من غيرِ طائلٍ. والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أن القرآنَ غيرُ مَخْلُوقٍ، وأنه كلامُ اللَّهِ منه بَدَأَ وإليه يعودُ، فكلامُ اللَّهِ ليس بمخلوقٍ. وإنما نَشَأَتْ محنةُ القولِ بخلقِ القرآنِ في أيامِ المأمونِ، ¬
ولم تَزَلْ مستحكمةً مستفحلةً أيامَ المأمونِ، وأيامَ المعتصمِ، وأيامَ الواثقِ بِاللَّهِ، ثم أَزَالَ اللَّهُ المحنةَ على يدِ المتوكلِ على اللَّهِ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. وقد ذَكَرْنَا مرارًا (¬1) أن أولَ مصدرٍ لكبحِ هذه الفتنةِ وَجِمَاحِهَا في أيامِ الواثقِ قضيةُ الشيخِ الشاميِّ، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الأذرميُّ في قصتِه المشهورةِ؛ لأن العلماءَ عُذِّبُوا في القولِ بِخَلْقِ القرآنِ، وَامْتُحِنُوا غايةَ الامتحانِ. وكانوا وقتَ المناظراتِ مِمَّا يستدلونَ به آيةُ الأعرافِ هذه، فيقولونَ: اللَّهُ جعلَ الخلقَ على حِدَةٍ والأمرَ على حِدَةٍ، والأمرَ في القرآن؛ لأن أمرَه بكلامِه فكلامُه غيرُ داخلٍ في خَلْقِهِ. وهم صَادِقُونَ، ومناقشاتُ الذين يُجَادِلُونَهُمْ معروفةٌ. وكان حاملُ رايةِ تلكَ المحنةِ: أحمدَ بنَ أَبِي دؤاد الإياديَّ جَازَاهُ اللَّهُ بما هو أَهْلُهُ. وقد قُتِلَ فيها كثيرٌ من العلماءِ، وَامْتُحِنَ خَلْقٌ من العلماءِ، وَدَاهَنَ كثيرٌ منهم، وَضُرِبَ أيامَ المعتصمِ بالله في محنةِ القولِ بالقرآنِ سيدُ المسلمين في زمانِه: الإمامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ برحمته، وَجَزَاهُ عن الإسلامِ والمسلمين خَيْرًا - ضُرب أيام الواثق، لم يزل يُضْرَب حتى يُرْفَعَ من محلِّ الضربِ لا يدري ليلاً من نهارٍ، غائبَ العقلِ من شدةِ الضربِ المبرحِ الأليمِ!! وإذا أَفَاقَ يقولونَ له: قُلِ القرآنُ مخلوقٌ. يقول: لاَ وَاللَّهِ، القرآنُ كلامُ اللَّهِ غيرُ مخلوقٍ، صفةُ اللَّهِ، منه بَدَأَ وإليه يعودُ، لا أقولُ مخلوقٌ. وذكروا أن ذلك الشيخَ الشاميَّ هو أولُ مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ على يديه خمودَ القولِ بمحنةِ القرآنِ، وأن الواثقَ بالله لم يَمْتَحِنْ بعدَه أحدًا. وقد ذَكَرَ الخطيبُ في ¬
تاريخِ بغدادَ وغيرِه روايتَه، وذكر ابنُ كثيرٍ في تاريخِه أن السندَ الذي ذَكَرَهَا به الخطيبُ فيه مَنْ لاَ يُعرف (¬1). إلا أن القصةَ مشهورةٌ معروفةٌ، لم يَزَلِ العلماءُ يستدلونَ بها قديمًا وحديثًا، والاستدلالُ بها صحيحٌ لاَ شَكَّ فيه، ودليلُها الصحيحُ الذي اسْتَدَلَّ به هو المعروفُ في الأصولِ بـ (السَّبْرِ والتقسيمِ) وفي علومِ الجدلِ بـ (التقسيمِ والترديدِ) وفي علومِ المنطقِ بـ (الشرطيِّ المنفصلِ) وحاصلُه أن القصةَ التي ذَكَرَهَا الخطيبُ في تاريخِ بغدادَ ذَكَرَهَا من طريقِ محمدِ بنِ الواثقِ قال: كان أبي إذا أَرَادَ أن يقتلَ أحدًا أَحْضَرَنِي، وَجِيءَ بشيخٍ من الشامِ مكبَّلاً بالحديدِ، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الأَذْرَميُّ - رحمه الله - شيخُ أبي داودَ والنسائيِّ، جِيءَ به مُكَبَّلاً بالحديدِ يريدونَ أن يقتلوه إن لم يَقُلْ إن القرآنَ مخلوقٌ. قال محمدُ بنُ الواثقِ: فأحضرني أبي فَجِيءَ بذلك الشيخِ مُكَبَّلاً بالحديدِ، فقال للواثقِ: السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنين. فقال له الواثقُ بالله: لاَ سَلَّمَكَ اللَّهُ. فقال الشيخُ: بِئْسَ مَا أَدَّبَكَ مُؤَدِّبُكَ يا أميرَ المؤمنين!! اللَّهُ يقولُ: {وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: آية 86] وَاللَّهِ مَا حَيَّيْتَ بأحسنَ منها ولا رَدَدْتَهَا. فقال الواثقُ: ائذنوا لأبي عبدِ اللَّهِ. يعني أحمدَ بنَ أبِي دؤادَ - جازاه اللَّهُ بما هو أهلُه - فحضر ابنُ أبي دؤاد، فقال له الواثقُ: نَاظِرْ هذا الرجلَ (في بعضِ رواياتِ القصةِ أن ذلك الشيخَ الشاميَّ المكبلَ بالحديدِ قال: ابنُ أَبِي دؤاد أحقرُ وأصغرُ من أن يُنَاظِرَنِي). ¬
فقال ابنُ أبِي دؤاد لذلك الشيخِ: ما تقولُ في القرآنِ؟ قال: مَا أَنْصَفْتَنِي. يعنِي: وَلِي السؤالُ. فقال له ابنُ أبي دؤاد: سَلْ. فقال الشيخُ الشاميُّ لابنِ أبِي دؤاد: ما تقولُ في القرآنِ؟ قال: مخلوقٌ. قال: أَسْأَلُكَ: هَلْ مَقَالَتُكَ هذه التي تدعو الناسَ إليها وَتُغْرِي [أميرَ] (¬1) المؤمنين بتقتيلِ العلماءِ وتعذيبِهم وامتحانِهم في شأنِها هَلْ كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَالِمًا بها؟ وهل كان خلفاؤُه الراشدونُ عَالِمِينَ بها؟ وهل كان عَالِمًا بها أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وَعَلِيٌّ، أو كانوا جَاهِلِينَ بها؟! فقال ابنُ أبي دؤاد: كانوا جَاهِلِينَ بها. فقال الشيخُ الشاميُّ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ما شاء الله، جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أبِي دؤادٍ!! فقال ابنُ أبِي دؤادٍ: أَقِلْنِي، والمناظرةُ على بَابِهَا. فقال له الشيخُ الشاميُّ: هو كذلك. ثم قال له: ما تقولُ في القرآنِ؟ قال: مخلوق. قال: مقالتُك هذه - أنه مخلوقٌ - التي تدعو الناسَ إليها هل كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤُه الراشدونُ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي عَالِمِينَ بها أو جَاهِلِينَ؟ ¬
قال: كانوا عَالِمِينَ بها ولم يدعوا الناسَ إليها. فقال الشيخُ الشاميُّ: أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أَبِي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ في أُمَّتِهِ؟ أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أبي دؤادٍ ما وسع الخلفاءَ الراشدين في رعاياهم من المسلمين؟ فقام الواثقُ من مَوْضِعِهِ، وسقطَ من عينِه ابنُ أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدَها أحدًا في خَلْقِ القرآنِ. وَذَكَرَ عنه الخطيبُ أنه تابَ من القولِ بخلقِ القرآنِ، إلا أنه لم يُظْهِرْهُ، وإنما أظهرَ السنةَ المتوكلُ على اللَّهِ. وفي القصةِ: أن الواثقَ خَرَجَ إلى مَحَلِّ خلوتِه واضطجعَ على قفاه ووضعَ رجلَه على ركبتِه ثم قال: جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أَبِي دؤادٍ!! ما شاء الله، جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أبِي دؤادٍ!! ثم قال: علمها رسول الله وخلفاؤه ولم يَدْعُوا الناسَ إليها، أَلَمْ يَسَعِ ابنَ أبي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ وخلفاءَه الراشدينَ؟ وسقط من عينه، ثم أمر بالحدادِ فَفَكَّ الحديدَ عن الشيخِ الشاميِّ، وأعطاه أربعمائة دينارٍ، وقال له: ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ رَاشِدًا. هكذا يقولونَ. والشاهدُ: أن مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُمتحنون في القولِ بخلقِ القرآنِ آيةُ الأعرافِ هذه يقولونَ: إن الأمرَ إنما هو بكلامِه، وقد جَعَلَهُ على حِدَةٍ عن الخلقِ حيث قال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: آية 54] فَدَلَّ على أن الأمرَ ليس من الخلقِ، وأن كلامَ اللَّهِ الذي هو أمرُه ليس بمخلوقٍ. هكذا يستدلونَ. واستدلَّ به قبلَ المحنةِ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ وغيرُه. ومناقشاتُ القائلين بخلقِ القرآنِ في الاستدلالِ في هذه الآيةِ كثيرةٌ معروفةٌ. وهذا معنَى قولِه: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}. {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 54] (تبارك)
معناه: تَعَاظَمَ وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ - جل وعلا- وأصلُ تَبَارَكَ: (تفاعل) إذا كَثُرَتْ بركاتُه وخيراتُه. وَاللَّهُ - جل وعلا - هو المتعالِي المتنزهُ عن كُلِّ شيءٍ، المتقدسُ الأعظمُ، الذي يُفِيضُ الخيرَ على خَلْقِهِ. وقولُه: {رَبُّ الْعَالَمِينَ} العَالَمُونَ: جمعُ العَالَمِ (¬1)، وهو من الملحقاتِ بالجمعِ المذكرِ السالمِ؛ لأنه ليس بوصفٍ ولا عَلَمٍ، فهو ملحقٌ بالجمعِ المذكرِ السالمِ، لا جمعَ مذكرٍ سَالِمًا. وقد بَيَّنَ اللَّهُ في سورةِ الشعراءِ أن العالمينَ يشملُ السماواتِ والأرضَ وما بينَهما وَمَنْ فيهما، كما قال: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآيتان 23، 24]. {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: آية 55] لَمَّا بَيَّنَ - جل وعلا - أنه العظيمُ الأعظمُ، خالقُ السماواتِ والأرضِ وخالقُ الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وَمُسَخِّرُ الجميعِ، وَبَيَّنَ عظمتَه وجلاَلَه، أَمَرَ خَلْقَهُ الضعافَ المساكينَ أن يسألوه ويدعوه ليأتيَهم بما يطلبونَ، ويكشفَ عنهم من الضرِّ ما يسألونَ كَشْفَهُ، والمرادُ بذلك: كأنه يقولُ: أنا العظيمُ الأعظمُ الجبارُ، الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والكواكبَ العظامَ، وأنا خالقُ كُلِّ شيءٍ، وأنتم عبادي الفقراءُ الضعافُ فَادْعُونِي؛ لأَنَّ الدعاءَ يستشعرُ به الدَّاعِي ذُلَّهُ وفقرَه وضعفَه وحاجتَه، ويستشعرُ به عظمةَ مَنْ يدعو، وأنه عَالِمٌ بكل شيءٍ، لا يَخْفَى عليه دعاؤُه ¬
ولو كان في أَخْفَى الخفاءِ، وأنه عظيمٌ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، قادرٌ على أن يُذْهِبَ عنه بالضرِّ ويأتيه بالخيرِ، فالدعاءُ مُخُّ العبادةِ، وهو مِنْ أعظمِ العباداتِ إذا كان مُخْلَصًا فيه لِلَّهِ؛ ولذا أَمَرَ اللَّهُ خَلْقَهُ به في هذه الآية: {ادْعُوا رَبَّكُمْ} أَيْ: خالقَكم وسيدَكم ومدبرَ شؤونكم، ادعوه: {تَضَرُّعًا} تَضَرُّعًا: مصدرٌ مُنَكَّرٌ حالٌ. أي: في حالِ كونِكم متضرعين. والتضرعُ: (التفَعُّل) من الضراعةِ. والعربُ تقولُ: ضَرَعَ فلانٌ لفلانٍ. إذا ذَلَّ له وَخَشِعَ (¬1). أي: ادْعُوهُ تَضَرُّعًا، أي: في حالِ كونِكم متضرعينَ أذلاَّءَ خاشعينَ له - جل وعلا - مستشعرينَ ذُلَّكُمْ وفقرَكم وحاجتَكم، وعظمةَ ربكم وكبرياءَه، وشدةَ فقرِكم إليه، وشدةَ غِنَاهُ عنكم. وَكُلُّ ذليلٍ خاشعٍ تُسَمِّيهِ العربُ: (ضارعًا)، وهو معروفٌ في كلامهم، ومنه قولُ الشاعرِ (¬2): ليُبْكَ يَزِيدٌ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ وقولُه: {وَخُفْيَةً} قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدَا شعبةَ عن عَاصِمٍ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} بضمِّ الخاءِ، وهو (فُعْلَة) من الخفاءِ الذي هو ضِدُّ العلانيةِ والجهرِ. وقرأه شعبةُ وحدَه عن عاصمٍ: {ادعوا ربكم تضرعًا وخِفْية} بكسرِ الخاءِ (¬3). وَالْخُفْيَةُ والخِفيةُ لغتانِ. فهي (فُعلة) و (فِعلة) من الخفاءِ. لغتانِ فصيحتانِ، وقراءتانِ سبعيتانِ. ومعنَى ادعوه خُفْيَةً: أي لِيَكُنْ دعاؤكم في خفاءٍ. وكان السلفُ الصالحُ (رضي الله عنهم) من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم يجتهدونَ في الدعاءِ ولاَ يُسْمَعُ لهم شيءٌ، إنما هو هَمْسٌ خَفِيٌّ فيما بينَهم وبينَ ¬
ربهم؛ لأن إخفاءَ الدعاءِ أبعدُ من الرياءِ، ولأنه يدلُّ على ثقةِ العبدِ بأن رَبَّهُ عَالِمٌ بِمَا خَفِيَ وما ظَهَرَ لاَ يَخْفَى عليه شيءٌ. فالدعاءُ الخفيُّ أفضلُ وأعظمُ من الدعاءِ الذي هو [جهرًا] (¬1) وعلانيةً، وقد أَثْنَى اللَّهُ بخفاءِ الدعاءِ على عبدِه زكريا في قولِه: {كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)} [مريم: الآيات 1 - 3] فتعليمُ رَبِّ العالمين أن اللَّهَ يأمرُك أن تدعوه في جميعِ حوائجِك إذا اضْطُرِرْتَ إلى شيءٍ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ يُيَسِّرْهُ لكَ، وإذا نَابَكَ أمرٌ، أو حَزَبَكَ مكروهٌ، أو دَهَمَتْكَ خطوبٌ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ، وَتَضَرَّعْ إليه بِذُلٍّ واستكانةٍ في دعاءٍ خَفِيٍّ لاَ يسمعُه أحدٌ؛ لأن اللَّهَ - جل وعلا - السرُّ عندَه علانيةٌ، إذا أسررتَ به يعلمُه ولا يَخْفَى عليه، ولو هَمَسْتَ به في نفسِك كما قال تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: آية 7]. ومن هذه الآيةِ الكريمةِ أَخَذَ الإمامُ أبو حَنِيفَةَ وأصحابُه حُكْمًا فِقْهِيًّا وهو عدمُ رفعِ الصوتِ بـ (آمين) إذا قال الإمامُ: {وَلاَ الضَّالِّينَ} قالوا: إن (آمين) دعاءٌ؛ لأن معناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ. وَاللَّهُ - جل وعلا - يقولُ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: آية 55] قالوا: الأمرُ بإخفاءِ الدعاءِ نصٌّ صريحٌ في القرآنِ المتواترِ المعصومِ، فلاَ تُعَارِضُهُ الأحاديثُ التي وَرَدَتْ بإظهارِ التأمينِ (¬2)؛ لأنه جاءَ بعضُ الأحاديثِ أن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان إِذَا قَرَأَ: {وَلاَ الضَّالِّينَ} رَفَعُوا أصواتَهم بآمين حتى تَرْتَجَّ ¬
الجدرانُ (¬1). والقاعدةُ المقررةُ في أصولِ أبِي حنيفةَ رحمه اللَّهُ: أنه لا يُقَدِّمُ الخاصَّ على العامِّ؛ لأن دلالةَ العامِّ عندَه على أفرادِه قطعيةٌ (¬2)، فَكُلُّ فردٍ داخلٌ في العامِّ كأنه نُصَّ عليه بِنَصٍّ خَاصٍّ، ولا يُقَدَّمُ الخاصُّ على العامِّ بل يُنْظَرُ في الخاصِّ والعامِّ إذا عَرَفَ المتأخر منهما نَسَخَ به الأولَ، وإذا لم يَعْرِفِ المتأخرَ منهما احْتَاطَ (¬3)؛ ولأجلِ هذه القاعدةِ المقررةِ في أصولِ أبي حنيفةَ (رحمه الله) كان يقولُ بوجوبِ الزكاةِ في كُلِّ ما خَرَجَ من الأرضِ ولم يَبْلُغْ خمسةَ أَوْسُقٍ، ولا نصفَ وسقٍ، ولا ربعَ وسقٍ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (¬4) قال أيضًا: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» (¬5) وكان أبو حنيفةَ لا يَرَى تقديمَ الخاصِّ على العامِّ. قال: يتعارضُ هذا العامُّ وهو قولُه: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» مع الخاصِّ الذي هو قولُه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» لأن العامَّ عند أبي حنيفةَ قَطْعِيُّ الشمولِ لأفرادِه إلا ما أخرجَه دليلٌ، فَكَأَنَّ كُلَّ فردٍ من أفرادِ العامِّ عندَه دَلَّ عليه نَصٌّ مُسْتَقِلٌّ. فنظر أبو حنيفةَ في التاريخِ فلم يَعْرِفْ تاريخهما أيهما السابقُ، هل الأولُ الذي قال النبي: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» أو قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»؟ فلما جَهِلَ التاريخَ احتاطَ لوجوبِ ¬
الزكاةِ احتياطًا لبراءةِ الذمةِ والخروجِ من عهدةِ التكليفِ بالزكاةِ. وكذلك في هذه الآيةِ قال: إن الأحاديثَ التي جاءت برفعِ الصوتِ في التأمينِ أخبارُ آحَادٍ. ولو فَرَضْنَا أنها متأخرةٌ؛ لأن الظاهرَ أنها متأخرةٌ؛ لأن هذه السورةَ - سورةَ الأعرافِ - من القرآنِ النازلِ بمكةَ إلاَّ ثمان آياتٍ منها تأتِي في قولِه: {واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} الآياتِ. أما غيرُها في سورةِ الأعرافِ فهي من القرآنِ النازلِ بمكةَ قبلَ الهجرةِ. وأحاديثُ التأمينِ بالصلاةِ هي في المدينةِ متأخرةٌ عنها، إلا أن القاعدةَ المقررةَ فِي أصولِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ - رحمه الله - أنه لاَ تُنْسَخُ المتواتراتُ بأخبارِ الآحَادِ، والأحاديثُ أخبارُ آحادٍ، والإسرارُ بالدعاءِ متواترٌ؛ لأن قولَه هنا في سورةِ الأعرافِ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} نَصٌّ متواترٌ ظاهرُ الدلالةِ يدلُّ على إخفاءِ الدعاءِ، و (آمين) هي مِنَ الدعاءِ؛ لأن معناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ. وَهُنَالِكَ قولٌ ضعيفٌ شَاذٌّ يقولُ: إن (آمين) من أسماءِ اللَّهِ تعالى (¬1). وعلى هذا القولِ قال بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ: لو قَدَّرْنَا أن (آمين) من أسمائِه تعالى فَاللَّهُ يقولُ: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: آية 205] كذا يقولونَ! والعلماءُ الذين يقولونَ: إن القضاءَ بالمتأخرِ، يقولونَ: إن هذا عَامٌّ، ورفعُ الأصواتِ بالتأمينِ خاصٌّ، ولاَ يتعارضُ عامٌّ وخاصٌّ. وهذا مذهبُ الجمهورِ المقررُ في أصولِ الشافعيةِ والحنبليةِ والمالكيةِ أن الخاصَّ يَقْضِي على العامِّ ويقدم عليه، وكذلك المقيدُ على المطلقِ سواء تقدمَ أو تأخرَ عنه كما هو معروفٌ في الأصولِ. وهذا معنَى قولِه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}. ¬
{إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} {إِنَّهُ} جل وعلا: {لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: آية 55] في الدعاءِ ولاَ في غيرِه. وقد جاء حديثٌ في ابنِ ماجه وغيرِه أن النبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال: «إِنَّهُ يَكُونُ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» (¬1). والاعتداءُ فِي الدعاءِ على أنواعٍ كثيرةٍ (¬2): منها: الذي يَصِيحُ بالدعاءِ صِيَاحًا مُزْعِجًا، ومنها: الذي يَسْأَلُ اللَّهَ أن يعطيَه مَرْتَبَةَ النبيين في الجنةِ، أو فوقَ مرتبةِ النبيين، فهذا اعتداءٌ في الدعاءِ، وقد جاءَ عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مغفلٍ (رضي اللَّهُ عنه) أنه سَمِعَ ابنًا له يقولُ: «اللهم إني أسألك القصرَ الأبيضَ الذي عن يمينِ الجنةِ إذا أدخلتني الجنةَ» (¬3) ¬
فهذا من الاعتداءِ في الدعاءِ. وعن بعضِ الصحابةِ أنه سَمِعَ ولدَه يقولُ: «اللهم إني أسالكَ الجنةَ وحورَها ونعيمَها وكذا وكذا، وأعوذُ بكَ من النارِ وسلاسلِها وأغلالِها وكذا وكذا وكذا. قال: هذا من الاعتداءِ في الدعاءِ، يَكْفِيكَ أن تقولَ: اللهم إني أسالكَ الجنةَ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، وأعوذُ بكَ من النارِ وما قَرَّبَ إليها مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» (¬1). فَاللَّهُ جل وعلا: {لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الْمُجَاوِزِينَ في الحدودِ، سواء كان في الدعاءِ أو في غيرِ الدعاءِ من مجاوزةِ ما ينبغي إلى ما لا ينبغي كما هو عامٌّ، وهي وإن نَزَلَتْ في الدعاءِ فالعبرةُ بعمومِ الألفاظِ لا بخصوصِ الأسبابِ. ونحن وإن كنا نعلمُ أن الإخفاءَ في الدعاءِ أفضلُ من [الجهرِ] (¬2) به وندعو غالبًا في هذا المجلسِ دعاءً ظاهرًا قَصْدُنَا به أن يَسْمَعَنَا إخوانُنا ويُؤَمِّنُّونَ لنا فنكونَ مجتمعين على الدعاءِ في هذا الشهرِ المباركِ، ولو أَسْرَرْنَا الدعاءَ لَمَا سَمِعُوهُ وَلَمَا أَمَّنُوا لنا، والمُؤَمِّنُ أحدُ الدَّاعِيَيْنِ، وقد نَصَّ على ذلك القرآنُ؛ لأن اللَّهَ في سورةِ يونسَ قال عن نَبِيِّهِ موسى: {وَقَالَ مُوسَى} ذَكَرَ موسى وحدَه: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا ¬
عَنْ سَبِيلِكَ} [يونس: آية 88] وفي القراءةِ الأخرى (¬1): {لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} ثم قال: {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} [يونس: آية 89] فجعل الداعيَ اثنين، والداعي في الآيةِ واحدٌ، وهو {قَالَ مُوسَى} قالوا: لأن هارونَ أَمَّنَ، والمُؤمِّنُ أَحَدُ الدَّاعِيَيْنِ. ومن هنا أخذ بعضُ العلماءِ أن قراءةَ الإمامِ إذا قال المأمومُ (آمين) تَكْفِي المأمومَ؛ لأن اللَّهَ سَمَّى المُؤَمِّنَ داعيًا، كما ذَكَرَهُ بعضُ العلماءِ (¬2). {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُنَ (58)}. [الأعراف: الآيات 56 _ 58] يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} [الأعراف: آية 56] لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) عظمتَه، وأنه خالقُ كُلِّ شيءٍ المستحقُّ لأَنْ يُطَاعَ فلاَ يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُعْبَدَ وحدَه نَهَى عن الفسادِ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها، وَأَمَرَ بأن يدعوه عبادُه خوفًا وطمعًا قال: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} المرادُ بالإفسادِ في الأرضِ يشملُ الشركَ بالله وسائرَ المعاصي؛ لأن مِنْ أعظمِ الفسادِ في الأرضِ الشركَ بِاللَّهِ. والشركُ بالله ومعاصيه قد يَحْبِسُ اللَّهُ بسببِها المطرَ فتموت الْحُبَارَى في وَكْرِهَا، وَالْجُعَلُ في جُحْرِهِ، بسببِ ذنوبِ بنِي آدمَ. ¬
وقولُ الضحاكِ وغيرِه: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} ولاَ تُغَوِّروا الأنهارَ، وَتَدْفِنُوا المياهَ الجاريةَ، وتقطعوا الأشجارَ المثمرةَ (¬1). كُلُّ ذلك داخلٌ في هذا، وربما كان قَطْعُ الشجرِ مصلحةً للمسلمين إذا كان فيه حصارٌ للكفرةِ ومضرةٌ عليهم (¬2)، كما يأتي فيما وَقَعَ في بني النضيرِ في قولِه: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ} أي: من نخلةٍ {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: آية 5] ومن الفسادِ في الأرضِ: قطعُ الدنانيرِ، وإفسادُ السكةِ، وَكُلُّ معصيةٍ لله وضرر على المسلمين وشرك بالله، جميعُ هذا من الفسادِ في الأرضِ الذي نَهَى اللَّهُ عنه؛ لأَنَّ طاعةَ اللَّهِ كُلَّهَا صلاحٌ يستوجبُ المطيعون بها رحمةَ اللَّهِ ونعيمَه وعافيتَه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: آية 2 - 3] {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: آية 4] فطاعةُ اللَّهِ وتقواه سببٌ لإدرارِ الأرزاقِ والعافيةِ كما قال تعالى عن نَبِيِّهِ نوحٍ: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)} [نوح: الآيات 10 - 12] وقال عن نَبِيِّهِ هودٍ أنه قال لقومِه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} إلى قولِه: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: آية 52] وهذا متكررٌ في القرآنِ. والمعاصِي والشركُ كُلُّهَا إفسادٌ في الأرضِ، وطاعةُ اللَّهِ واتباعُ أوامرِه كُلُّهَا إصلاحٌ في الأرضِ. ومعنَى: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 56] أي: بالشركِ والمعاصِي وجميعِ أنواعِ الفسادِ. ¬
{بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بعدَ أن أَصْلَحَهَا اللَّهُ بأن بَعَثَ فيها الرسلَ الكرامَ، وعلَّموا أوامرَ اللَّهِ ونواهيَه، وما به صلاحُ الدنيا والآخرةِ، فإن مَبْعَثَ الرُّسُلِ تستقيمُ به أمورُ الدنيا، ويصلحُ به جميعُ الشؤونِ مما يُصْلِحُ الدنيا والآخرةَ، فَمَنْ جاءَ لأمورِ الناسِ وهي صالحةٌ قائمةٌ على أوامرِ اللَّهِ وشرعِه الذي جاءت به رُسُلُهُ وغيَّر في ذلك وَأَفْسَدَ وأشركَ وعصى فقد أَفْسَدَ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها. وهذا هو الأظهرُ في معنَى الآيةِ. وقولُه جل وعلا: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: آية 56] قال بعضُهم: {وَادْعُوهُ} معناه: اعْبُدُوهُ. وقال بعضُهم: هو الدعاءُ بمعنَى المسألةِ والطلبِ لجلبِ الخيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ. والدعاءُ من أعظمِ أنواعِ العبادةِ. وَبَيَّنَ (جل وعلا) أن الداعيَ ينبغي له إذا دَعَا رَبَّهُ أو عبدَ رَبَّهُ يستشعرُ الخوفَ من اللَّهِ والطمعَ فيه، فيكونُ طامعًا في ثوابِ اللَّهِ ورحمتِه واستجابةِ دعائِه لِمَا يعلمُ من فضلِ اللَّهِ وكرمِه ورحمتِه ورأفتِه بعبادِه. فَعَلَى الداعِي أن يكونَ خائفًا طامعًا. وبهذا يُعْلَمُ أن ما يقولُه بعضُ مَنْ غَلاَ: أن مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لأجلِ الخوفِ من الله، أو لأجلِ الطمعِ فيه أن عبادتَه ناقصةٌ!! لأنه مُتَاجِرٌ بعبادتِه ليدفعَ عنه الخوفَ، أو يستجلبَ له الطمعَ، وأن الأكملَ أن يكونَ عَبَدَ اللَّهَ لعظمةِ اللَّهِ وإجلالِه. هكذا يقول بعضُهم! وخيرُ الْهَدْيِ هَدْيُ كتابِ (¬1) اللَّهِ، وقد أَمَرَنَا في دعائِه أن ندعوه خائفين من عذابِه وعقابِه وَنَكَالِهِ، طَامِعِينَ في فضلِه ورحمتِه ورأفتِه وَجُودِهِ وما عندَه من الخيرِ؛ لأن مطامعَ العقلاءِ محصورةٌ في أَمْرَيْنِ هما: جلبُ النفعِ، ودفعُ الضُّرِّ. وإذا كان ¬
من يَعْبُدُ اللَّهَ أو من يدعو اللَّهَ مستشعرًا الخوفَ من الله والطمعَ في ثوابِه وما عندَه من الخير كان الخوفُ والطمعُ جَنَاحَيْنِ يطيرُ بهما إلى الاستقامةِ وإلى ما ينبغي. وهذا يُعْلَمُ منه أنه ينبغي للمسلمِ أن يكونَ في جميعِ أحوالِه إذا دعا اللَّهَ أو عَبَدَ اللَّهَ أن يكونَ جامعًا بين الخوفِ من الله والطمعِ فيما عندَ اللَّهِ (جل وعلا)، فَلاَ يَتْرُكِ الرجاءَ لئلاَّ يكونَ من القَانِطِينَ {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: آية 87] ولا يَتْرُكِ الخوفَ فيأمن مَكْرَ اللَّهِ؛ لأنه لا يأمنُ مكرَ اللَّهِ إلا القومُ الخاسرونَ فيكونُ خائفًا من اللَّهِ، طامعًا راجيًا في فضلِ اللَّهِ. والعلماءُ يقولونَ (¬1): ينبغي للإنسانِ وهو في أيامِ صحتِه أن يُغلِّبَ الخوفَ دائمًا على الرجاءِ، وأن يكونَ خوفُه أغلبَ من رجائِه، فإذا حضره الموتُ غَلَّبَ الرجاءَ في ذلك الوقتِ على الخوفِ. فلا ينبغي لمؤمنٍ أن يموتَ إلا وهو يُحْسِنُ ظَنَّهُ بالله (جل وعلا)؛ لأن رَبَّهُ رؤوفٌ رحيمٌ كما جاء بذلك الحديثُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم (¬2). فالمؤمنُ إذا احتضرَ وَعَلِمَ أن الموتَ قد حضره، وأن أيامَ حياتِه ذاهبةٌ مُدْبِرَةٌ، فهو في ذلك الوقتِ ينبغي له أن يحسنَ ظَنَّهُ بالله، وأن يعلمَ أنه قادمٌ إلى عَفُوٍّ كريمٍ رؤوفٍ رحيمٍ، واللَّهُ عندَ ظَنِّ عبدِه به. أما في أيامِ صحتِه فيُغلِّبُ الخوفَ من اللَّهِ لئلا يحملَه حُسْنُ الظنِّ على أَمْنِ مكرِ اللَّهِ والتلاعبِ بأوامرِه ونواهيِه. هكذا قال بعضُ أهلِ ¬
العلمِ. وقد دَلَّ الحديثُ على أن الإنسانَ لاَ ينبغي له أن يموتَ إلا وهو يُحْسِنُ الظنَّ بالله (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: آية 56]. ثم قال: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: آية 56] الرحمةُ صفةٌ من صفاتِ اللَّهِ اشْتَقَّ لنفسِه منها اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) وهي صفةٌ كريمةٌ من صفاتِ اللَّهِ تظهرُ آثارُها فيمن شاء أن يرحمَه مِنْ خَلْقِهِ، اشتق من هذه الصفةِ لنفسِه اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) ونحنُ نُثْبِتُ لله ما أثبتَه لنفسِه على أكملِ الوجوهِ وأنزهِها وأقدسِها وأليقِها بالله، وأبعدِها عن مُشَابَهَةِ صفاتِ المخلوقين. وقولُه: {قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} المحسنونَ جمعُ تصحيحٍ للمحسنِ، والمحسنُ: اسمُ فاعلِ الإحسانِ، والإحسانُ مصدرُ أَحْسَنَ العملَ يُحْسِنُهُ إحسانًا، إذا جاء به حَسَنًا. والإحسانُ هو الذي خَلَقَ اللَّهُ الخلائقَ من أجلِ الاختبارِ فيه (¬1). إحسانُ العمل كما قال (جل وعلا) في أولِ سورةِ هودٍ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية 7] فَبَيَّنَ أن الحكمةَ في الخلقِ: ابتلاؤُه الخلقَ أيهم أحسنُ عملاً، ولم يَقُلْ: أيهم أكثرُ عملاً. وقال في أولِ سورةِ الكهفِ: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: آية 7] وقال في أولِ سورةِ الملكِ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ ¬
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: آية 2] والإحسانُ الذي خُلِقْنَا من أَجْلِ الابتلاءِ فيه قد أَرَادَ جبريلُ عليه السلام أن يُنَبِّهَ المسلمين إلى الطريقِ التي يَصِحُّ بها الإحسانُ الذي خُلِقُوا من أَجْلِهِ فجاءَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في حديثِ جبريلَ المشهورِ (¬1) في صفةِ أَعْرَابِيٍّ، وسأله عن الإيمانِ والإسلامِ، وقال له: يَا مُحَمَّدُ ... - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه - أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ؟ أي: وهو الذي خُلِقْتُمْ من أجلِ الاختبارِ فيه. فَبَيَّنَ له النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن إحسانَ العملِ لا يكونُ إلا بالواعظِ الأكبرِ والزاجرِ الأعظمِ وهو مراقبةُ الله، وعلم العبد أنه كأنه ينظر إلى الله (جل وعلا)، وأنه إن كان لم يَرَ اللَّهَ فَاللَّهُ (جل وعلا) يراه. فَمَنْ عَلِمَ أنه بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ السماواتِ والأرضِ الجبارِ العظيمِ الأعظمِ، وأن اللَّهَ يراه: أَحْسَنَ عَمَلَهُ؛ لأن الإنسانَ - وَلِلَّهِ المثلُ الأعلى - إذا كان أمامَ مَلِكٍ جبارٍ من ملوكِ الدنيا شديدِ البطشِ على مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ، وَأَمَرَهُ بعملٍ، وهو حاضرٌ ينظرُ إليه، لابد أن يَجِدَّ ويحسنَ ذلك العملَ على أكملِ الوجوهِ. فعلى المؤمنِ أن يستشعرَ أنه بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ، وأن اللَّهَ يراه، وأنه ليس بغائبٍ عنه. فإذا لاَحَظَ هذا ملاحظةً صحيحةً أَحْسَنَ العملَ؛ ولذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم مجيبًا لجبريلَ في قولِه: أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ. قال صلى الله عليه وسلم: «الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». لأن مَنْ لاَحَظَ هذه الموعظةَ وهذه المراقبةَ أَحْسَنَ عَمَلَهُ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ سؤالٌ عربيٌّ مشهورٌ ¬
عند علماءِ التفسيرِ، وهو أنه قال: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ} ثم قال: {قَرِيبٌ} بصيغةِ التذكيرِ ولم يَقُلْ: قريبةٌ. يقولونَ: الرحمةُ لَفْظُهَا مؤنثٌ فَلِمَ لم يَقُلْ: إن رحمةَ الله قريبةٌ من المحسنين، بل قال: قريبٌ. وللعلماءِ عن هذا السؤالِ العربيِّ أجوبةٌ تزيدُ على العشرةِ (¬1)، كما هي معروفةٌ في علومِ التفسيرِ وبعضِ علومِ العربيةِ، نذكر منها بعضًا فيه كفايةٌ: منها: أن الرحمةَ مصدرٌ بمعنَى (الرُّحم) والمصدر مذكرُ المعنَى، فمعنَى {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ} أي: إن رُحْمَه بعبدِه قريبٌ. فذكَّره نظرًا لمعنَى الرحمةِ؛ لأن معناها المصدرُ بمعنَى (الرُّحم). وقال بعضُ العلماءِ: (رحمة الله) هنا يعني أنه يرحمُ العبدَ بالثوابِ، فيكونُ المعنَى: إن ثوابَ اللَّهِ النَّاشِئَ عن رحمتِه بعبدِه قريبٌ من المحسنين. الوجهُ الثالثُ: هو ما قَرَّرَهُ بعضُ علماءِ العربيةِ: أن القربَ نوعانِ: قربٌ في النَّسَبِ، وقربٌ في المسافةِ المكانيةِ أو الزمانيةِ، أما قربُ النسبِ فالمؤنثةُ فيه يلزمُها التاءُ بلا خلافٍ بينَ علماءِ العربيةِ، فتقولُ: هذه المرأةُ قريبتي. تعنِي في النسبِ. ولا يجوزُ أن تقولَ: قَرِيبِي بلا تاءٍ. فالقرابةُ في النسبِ يلزمُ فيها تاءُ الفرقِ بين الذكرِ والأنثى، فلا يجوزُ - قولاً واحدًا - أن تقول: هذه المرأةُ قريبٌ مِنِّي في النسبِ، بل يلزمُ أن تقولَ: قريبةٌ مني في النسبِ بالتاءِ. أما إن كان القربُ قربَ مكانٍ أو زمانٍ فيجوزُ في المؤنثةِ التأنيثُ والتذكيرُ، ¬
فتقول: هذه المرأةُ قريبٌ مني. تعني في المسافةِ لاَ في النسبِ. ودارُها قريبٌ من دَارِي. وإن شئتَ قلتَ: قريبةٌ من داري. والكلُّ مسموعٌ في كلامِ العربِ، فتقول: دارُ زيدٍ قريبٌ من دارِ عمرٍو، ودارُ زيدٍ قريبةٌ من دارِ عمرٍو، وهذه المرأةُ الفلانيةُ قريبٌ من فلانٍ. تعنِي في المسافةِ وقريبةٌ منه تعنِي في المسافة، والكلُّ مسموعٌ موجودٌ في كلامِ العربِ، فَمِنْ إدخالِ التاءِ على قرابةِ المسافةِ قولُ عروةَ بنِ حزامٍ (¬1): عَشِيَّةَ لاَ عَفْرَاءُ مِنِّي قَرِيبَةٌ ... فَتَدْنُو، وَلاَ عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ فقال: «قريبةٌ» بالتاءِ، وهو قربُ مسافةٍ. ومن تجريدِ (القريبةِ) من التاءِ في المسافةِ قولُ امرئِ القيسِ (¬2): لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلاَ أُمَّ هَاشِمٍ ... قَرِيبٌ وَلاَ البَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا فقال: «أم هاشم قريب». يعنِي في المسافةِ. ومن هذا المعنَى قولُه تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: آية 17] أي: في الزمانِ، ولم يقل قَرِيبَةٌ. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: آية 63]. قال بعضُ أهلِ العلمِ: وجهُ تذكيرِ الرحمةِ: إضافتُها إلى اللَّهِ جل وعلا. وقال بعضُهم: وَجْهُ تذكيرِها لأنها نَعْتٌ لموصوفٍ محذوفٍ: إن رحمةَ اللَّهِ شيءٌ قريبٌ من المحسنين. ¬
والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ هي رحمتُه لعبدِه في الآخرةِ، يقولونَ: إن الإنسانَ كُلَّ يوم يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما أَمَامَكَ قريبٌ وما وراءَك بعيدٌ، كما قال الحطيئةُ أو غيرُه (¬1): لَعَمْرُكَ مَا السَّعَادَةُ جَمْعَ مَالٍ ... وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ ... وَمَا لاَ بُدَّ أَنْ يَأْتِي قَرِيبٌ ... وَلَكِنَّ الَّذِي يَمْضِي بَعِيدُ فَكَأَنَّ الإنسانَ كُلَّ يومٍ يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما يستقبلُه الإنسانُ يتقربُ إليه دائمًا، وما يَسْتَدْبِرُهُ يتباعدُ منه دائمًا، والآخرةُ قريبٌ جِدًّا، كما قال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} وهذا معنى قوله: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}. والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ قريبةٌ من عبادِه المحسنين بحصولِها لهم في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه في الدنيا يرحمُهم بالتوفيقِ إلى الأعمالِ الصالحةِ وبالعملِ بما يرضيه، كما قال جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: آية 7] {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: آية 43] فَبَيَّنَ أنه بالمؤمنين رحيمٌ، يرحمهم بالدنيا بما يُيَسِّرُ لهم من التوفيقِ إلى ما يُرْضِيهِ، ويرحمُهم في الآخرةِ بالإدخالِ في دارِ كرامتِه. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}. {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)} ¬
{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} [الأعراف: آية 57] قرأه أكثرُ السبعةِ: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} بالجمعِ، وقرأه بعضُ السبعةِ: {يرسل الريح} بالإفرادِ. وعلى قراءةِ الإفرادِ فالمرادُ الجنسُ، فلا تُنَافِي قراءةُ الإفرادِ قراءةَ الجمعِ (¬1). وقولُه: {بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: آية 57] فيه قراءاتٌ كثيرةٌ (¬2)، السبعياتُ منها أربعٌ: {نُشُرًا بين يدي رحمته} {نُشْرًا بين يدي رحمته} {نَشْرًا بين يدي رحمته} {بُشْرًا بين يدي رحمته} هذه القراءاتُ الأربعُ هي السبعياتُ من القراءاتِ التي في هذه الكلمةِ. فقرأ بعضُهم: {نُشُرًا} بِضَمِّ النونِ والشينِ. وهي قراءةُ نافعٍ وابنِ كثيرٍ وأبي عمرو. وقرأ بعضُهم: {نُشْرًا} بِضَمِّ النونِ وسكونِ الشينِ. وقرأ بها من السبعةِ: ابنُ عامرٍ وحدَه. وقرأ بعضُهم: {نَشْرًا} بفتحِ النونِ وسكونِ الشينِ. وهي قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ. وقرأ عاصمٌ وحدَه: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} هذه القراءاتُ السبعيةُ، على أن بعضَ السبعةِ قرأَ (الرياح) وبعضُهم قَرَأَ (الريح). ومعنى قراءةِ (الريح): جنسُ الرياحِ، فلا تُنَافِي قراءةُ الإفرادِ قراءةَ الجمعِ. ¬
أما مَنْ قَرَأَ: {نُشُرًا} فنشرًا جمعُ ناشرةٍ، أو جمعُ نَشُورٍ، وفيها مَعْنَيَانِ (¬1): أحدُهما: أنها تنتشرُ أمامَ المطرِ من ها هنا وها هنا، أو أنها تُلَقِّحُ المطرَ الذي به إحياءُ الأرضِ الميتةِ فكأنها تَنْشُرُهُ. والإنشارُ والنشورُ: النشورُ: الحياةُ بعدَ الموتِ، وَأَنْشَرَهُ: أحياه بعدَ الموتِ. وأكثرُهم على أن نُشُرًا جمع نَشُورٍ، أو جمع ناشرةٍ كما قال بعضُهم، كشاهدٍ وشُهُدٍ. ونُشُر هي التي تنتشرُ أمامَ المطرِ فتأتِي منتشرةً من ها هنا ومن ها هنا. وعلى هذا القولِ فهو من الانتشارِ؛ لأَنَّ الريحَ كأنها كانت راكدةً كالشيءِ المطويِّ، فإذا كانت أمامَ المطرِ نُشِرَتْ كما يُنْشَرُ الثوبُ، فجاءت منتشرةً أمامَ المطرِ من ها هنا ومن ها هنا. وقراءةُ ابنِ عامرٍ: {نُشْرًا بين يدي رحمته} كقراءةِ نافعٍ وابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو إلا أن ابنَ عامرٍ خَفَّفَ الشينَ فسكَّن ضمتَها. كما تقولُ: رسُل ورُسْل، وكتُب وكُتْب، ونُشُر ونشْر. فمعنى قراءةِ ابنِ عامرٍ كالقراءةِ التي قَبْلَهَا، وهو أن اللَّهُ يُرْسِلُ الرياحَ في حالِ كونِها منتشرةً من ها هنا وها هنا أمامَ السحابِ. وهذا من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه جل وعلا. وعلى قراءةِ حمزةَ والكسائيِّ {نَشْرًا} ففيه من الإعرابِ وجهانِ: أحدُهما: أنه ما نَابَ عن المطلقِ من {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} لأَنَّ معنَى (يرسلها) في قوةِ: ينشرُ الرياحَ بين يدي المطرِ نَشْرًا. فتكونُ مفعولاً مُطْلَقًا بالمعنَى من (يرسل). أو أنها مصدرٌ مُنكَّرٌ حَالٌ، أي: يرسلُ الريحَ في حالِ كونِها منتشرةً أمامَ المطرِ، أو ناشرةً كَمَا ذَكَرْنَا. ¬
وعلى قراءةِ حفصٍ: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} فالبُشرُ هنا جمعُ البشيرِ؛ لأن الريحَ تُبَشِّرُ بإتيانِ المطرِ بعدها فهي بشيرُ المطرِ، كما يدلُّ عليه قولُه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: آية 46] فإجراءُ الريحِ وانتشارُها من ههنا وهاهنا أمامَ المطرِ مبشرةً به من غرائبِ صنعِه وعجائبِه، ومن عظائمِ نِعَمِهِ على خَلْقِهِ، وهو معطوفٌ على قولِه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} هذا الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، وأغشى الليلَ النهارَ كذلك هو الذي يُرسل الرياحَ بشرًا بين يدي رحمته. [10 / أ] / ومعنَى: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} المرادُ بالرحمةِ هنا: المطرُ؛ لأن المطرَ رحمةُ اللَّهِ يرحمُ بها عبادَه في الدنيا فيكونونَ في جَدْبٍ وفي فَقْرٍ، ومواشيهم على وشكِ الهلاكِ، فيغيثُهم اللَّهُ بالمطرِ، فتنبت زروعُهم وثمارُهم وتنعمُ مواشيهم فتكثر عندَهم اللحومُ والأسمانُ والأزبادُ، وتتوفرُ عندهم الأشعارُ والأصوافُ والأوبارُ، ينسجونَ منها اللباسَ وغيرَه من الفُرُشِ والخيامِ وما جرى مَجْرَى ذلك. فهذا من غرائبِ آياتِه وعظائمِ نِعَمِهِ. ومعنَى (بَيْنَ يَدَيِ الْمَطَرِ) يعنَي: أمامَ المطرِ قدامَه منتشرةً قدامَه مُبَشِّرَةً به. وهذا من غرائبِ صُنْعِهِ وكبائرِ نِعَمِهِ. والريحُ اختلفَ الفلاسفةُ في حَدِّهَا، وربما عجزوا عنه. وبعضُهم يقولُ: الريحُ: هواءٌ يتحركُ. والريحُ هي هذا الشيءُ الذي تشاهدونَه وتحسونَه. أما تعريفُهم فقد عسر على مَنْ أَرَادَهُ. وَعَرَّفَهُ بعضُهم بأنه: هواءٌ يتحركُ. وقد سَلَّطَهَا اللَّهُ على قومِ عَادٍ فأهلكتهم عن آخرهم. وهذا معنَى قولِه: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}
يعني أمامَ المطرِ. فقد سَمَّى المطرَ (رحمةً) لأن اللَّهَ يرحم به عبادَه فتخصبُ بلادُهم وتنمو زروعُهم ومواشيهم وثمارهم، وهو أصلُ النعمِ الدنيويةِ على الْخَلْقِ؛ ولذا سَمَّاهُ (رحمةً) هنا، وفي قولِه بالرومِ: {فَانْظُرْ إِلَى أَثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: آية50] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ}. {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً} [الأعراف: آية 57] من فوائدِ الريحِ: كما أن الله ينشرها مُبَشِّرَةً بالمطرِ منتشرةً أمامَه كذلك يحملُ عليها المطرَ؛ لأن السحابَ هو غيرُ المطرِ بإجماعِ أهلِ اللسانِ، فالسحابُ: الوعاءُ الذي فيه المطرُ. والمطرُ: هو نفسُ الماءِ، وهو نفسُ الوَدْقِ. وهذه الآيةُ من سورةِ الأعرافِ تُبَيِّنُ أن الماءَ أنه في وعاءٍ، وأن ذلك الوعاءَ ثقيلٌ جِدًّا ثقلاً عظيمًا، وأن اللَّهَ يحملُه - مع ثقلِه - على متنِ الريحِ، ثم إن الريحَ تَذْهَبُ به إلى حيثُ شاءَ اللَّهُ (جل وعلا)، فيسيلُ ذلك المطرُ من الثقوبِ والخلالِ التي في ذلك السحابِ الذي هو الوعاءُ، وقد بيَّن اللَّهُ كيفيةَ هذا في سورةِ النورِ في قولِه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} أي: يسوقُ سحابًا: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} أي: مُتَرَاكمًا بعضَه فوقَ بعضٍ {فَتَرَى الْوَدْقَ} وهو نفسُ المطرِ الذي هو الماءُ {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور: آية 43] أي: من ثقوبِ السحابِ. وخلالُ الشيءِ: ثقوبُه وفروجُه. فهو يتقاطرُ من الثقوبِ والفروجِ التي جَعَلَهَا اللَّهُ في الوعاءِ الذي يحملُ فيه المطر. وَبَيَّنَ أن ذلك الوعاءَ ثقيلٌ جِدًّا في قولِه: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} [الأعراف: آية 57] أَقَلَّتْ: أي حَمَلَتْ. والعربُ تقولُ. أَقَلَّتْهُ ناقتُه. أي: حَمَلَتْهُ. والمرادُ: أَقَلَّتِ الريحَ، أي:
حَمَلَتِ الريحَ {سَحَابًا} جمعُ سحابةٍ، وهي الوعاءُ الذي فيه الماءُ، وهي المزنةُ. {ثِقَالاً} جمعُ ثقيلةٍ، أي: سحابةٌ ثقيلةٌ. وسحابٌ - بالجمعِ - ثقال. وَاللَّهُ صَرَّحَ بأنها ثقالٌ، أي: شديدةُ الثقلِ لِمَا هي موقرة به - مملوءةٌ به - من الماءِ (¬1). وهذا نَصٌّ صريحٌ من رَبِّ العالمين الذي هو أصدقُ مَنْ يقولُ أن اللَّهَ يجعلُ ماءَ المطرِ في وعاءٍ، وأنه يحملُ تلك الأوعيةَ الثقيلةَ جِدًّا على متنِ الريحِ، ثم إنه إذا أرادَ نزولَ المطرِ إلى مَحَلٍّ أخرجَ الماءَ من الثقوبِ والفروجِ والخللِ الذي في تلك الوعاءِ الذي فيه الماءُ، كما قال: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور: آية 43] وهذا الماءُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ (جل وعلا) من حيثُ شاءَ، وهو قادرٌ على أن ينزلَه من نَهْرٍ تحتَ العرشِ، وعلى أن يجعلَه من بخارِ البحرِ ثم يرفعُه فيجعلُه ماءً صافيًا ويجعله في الْمُزْنِ، وهو قادرٌ على كُلِّ ذلك. وأكثرُ السلفِ على أن الماءَ ينزلُ في السحابِ من نهرٍ تحتَ العرشِ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: لاَ مانعَ من أن يرتفعَ من بخارِ البحرِ ماءٌ صَافٍ عذبٌ تتحلل منه الأجرامُ الملحةُ ثم يجعلُه اللَّهُ في وعاءِ الْمُزْنِ، ثم يحملُه على الريحِ، ثم يُلْقِيهِ حيث شاءَ. كما قال مسلم الجاهلية زيدُ بنُ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ (¬2): وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالاً ¬
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا ... جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالاَ وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلاَلاَ إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ ... أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالاَ وبهذا تعلمونَ أن المطرَ إنما يَنْزِلُ بأمرِ اللَّهِ وقدرتِه وإرادتِه، يعلم قَدْرَهُ ويجعلُه في أوعيةِ السحابِ، ويحملُه على مَتْنِ الريحِ، ثم يُخْرِجُهُ من الثقوبِ والخلالِ التي في الوعاءِ الذي هو فيه وهو السحابُ، كما قال وهو أصدقُ مَنْ يقولُ: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور: آية 43] والعربُ كانوا يزعمونَ أن بعضَ الْمُزْنِ يمتلئُ من البحرِ، وهو معروفٌ في أشعارهم، ومنه قولُ أبي ذؤيبٍ الهذليِّ (¬1): سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ... حَنَاتِمُ غُرٌّ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ يعني: لُجَجَ البحرِ. ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ (¬2): لاَ تَلُمْنِي إِنَّهَا مِنْ نِسْوَةٍ ... رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقَالِيتٍ نُزُرْ كَبَنَاتِ الْبَحْرِ يَمْأَدْنَ كَمَا إِذَا ... أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخُضَرْ ¬
والشاهدُ: أن المطرَ لا تنزلُ قطرةٌ منه إلا بمشيئةِ خالقِ السماواتِ والأرضِ وبتدبيرِه. وقد بَيَّنَ لنا كيفَ يُنْزِلُهُ: أن اللَّهَ يسوقُ سحابًا وهو المزنُ الذي هو وعاءُ الماءِ، ثم يجمع بعضَه إلى بعضٍ حتى يجعلَه متراكمًا بعضَه فوقَ بعضٍ، ثم يُخْرِجُ الماءَ من تلك الثقوبِ والفروجِ التي هي خلالُ ذلك السحابِ. وهذا صريحُ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} [النور: آية 43] أي: ترى ماءَ المطرِ يخرجُ من الخلالِ، جمع (خَلَل) وهي الثقوبُ والفروجُ التي في ذلك السحابِ الذي هو وعاءُ الماءِ. فهذا بفعلِ ملكٍ مقتدرٍ يُنْزِلُ المطرَ حيث شَاءَ، ويحملُ السحابَ الموقرةَ الثقيلةَ بالماءِ على مَتْنِ الريحِ، ثم يأمرُها بأن تَصُبَّهَا بالمكانِ الذي شَاءَ بتصريفٍ مِنْ عَالِمٍ قديرٍ، عالمٍ بقدرِ المطرِ الذي ينزلُه وبقدرِ الرشاشِ الذي ينزله. وقد بَيَّنَ تعالى أن كثيرًا من الخلقِ سيكفرونَ بهذا، كالذين يزعمونَ أن المطرَ لم يَنْزِلْهُ خالقٌ، وإنما هو أمرٌ طبيعيٌّ، كما يزعمُه الكفرةُ الإفرنجُ وأتباعُ الإفرنجِ، لاَ يعترفونَ بأن المطرَ ينزلُه حكيمٌ خبيرٌ، بل يذهبونَ إلى فكرةٍ كافرةٍ ملحدةٍ يُقَرِّرُهَا كثيرٌ ممن لا يَفْهَمُ، ثم يطمسُها وَيذُرُّ في عيونِ الناسِ أن يقولَ: «بمشيئةِ اللَّهِ» مجاملةً. وهو يعتقدُ الطبيعيةَ كما يعتقدُها الكفرةُ الإفرنجُ الذين قَرَّرُوا هذا!! فَهُمْ - والعياذُ بالله - كالأنعامِ بل هم أَضَلُّ، لا يعترفونَ بخالقٍ حكيمٍ مُدَبِّرٍ ينزلُ المطرَ، فيزعمونَ أن نزولَ المطرِ أمرٌ طبيعيٌّ، وأن حرارةَ الشمسِ إذا تَتَابَعَتْ على البحرِ حتى بلغت مئةَ درجةٍ تَبَخَّرَ ماءُ البحرِ، وكذلك احتكاكُ الماءِ بالريحِ يُبَخِّرُهُ، فيتصاعدُ بخارُ الماءِ وتتحللُ منه الأجرامُ الملحيةُ، ثم يتكاثفُ البخارُ بعضُه فوقَ بعضٍ، ثم إذا اجتمعَ وَلاَقَى هواءً بصفةِ كذا جاءته
ريحٌ وَفَرَّقَتْهُ، وصارَ هو الرشاشُ بطبيعتِه وطبيعةِ المطرِ من غيرِ فاعلٍ مختارٍ!! وهذا كُفْرٌ بالله، وإلحادٌ سَافِرٌ، ونفيٌ للخالقِ الذي لا يكونُ شيءٌ إلا بأمره وقضائِه. وَاللَّهُ قد بَيَّنَ أن كثيرًا من الناسِ سيَؤُولُونَ إِلى هذا الكفرِ والإلحادِ؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ المطرَ في سورةِ الفرقانِ قال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} {أَنزَلْنَا} نسبَ الإنزالَ لنفسِه بصيغةِ التعظيمِ قال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} [الفرقان: الآيات 48 - 51] يعني: لقد صَرَّفْنَا الماءَ بَيْنَ بني آدمَ فَأَكْثَرْنَا المطرَ في عامٍ على بعضِ الجهاتِ فَأَخْصَبَتْ لنختبرَ أهلَها هل يشكرونَنا على ذلك الإنعامِ؟ وَصَرَّفْنَا الماءَ في بعضِ السنينَ عن بعضِ البقاعِ حتى تمحلَ وتجدبَ لنختبرَ أهلَها هل يصبرونَ؟ وهل يُنِيبُونَ إلينا ويتضرعونَ لنكشفَ عنهم الضراءَ؟ فهو تصريفُ حكيمٍ خبيرٍ يُصَرِّفُ الماءَ بحكمتِه وإرادتِه، وينزلُه بمشيئتِه على هذا الوجهِ الأعظمِ الكريمِ الذي يَنْزِلُ رشاشًا. والله لَمَّا قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} لأَجْلِ أن يتذكرَ مَنْ جاءهم الماءُ فأخصبوا فيشكروا نعمةَ اللَّهِ ويتذكر مَنْ صُرِفَ عنهم الماءُ فأجدبوا؛ لِيُنِيبُوا إلى اللَّهِ، ويتوبوا إلى اللَّهِ ثم قال: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} [الفرقان: آية 50] فَأَبَى أكثرُ الناسِ إلا كفورًا بالله - جل وعلا - وَمِنْ أعظمِ الكفورِ الذي أَبَوْا إلا إياه: قولُهم: إن الماءَ يُنْزِلُهُ بخارُ كذا وكذا، وطبيعةُ كذا وكذا، فقد صَدَقَ اللَّهُ - جل وعلا - ولا تأتِي بليةٌ ولا إلحادٌ يتجددُ في الزمانِ إلا وهو مُشَارٌ إليه في القرآنِ. فقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} وَإِتْبَاعُهُ لذلك بقولِه: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} [الفرقان: آية 50]
من غرائبِ هذا القرآنِ وعجائبِه. وتطبيقُه الآن على أكثرِ مَنْ في المعمورةِ، ينفونَ أن المطرَ نازلٌ بحكمةِ خبيرٍ عليمٍ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فينطبقُ عليهم قولُه: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَلَّمَهُمْ صبيحةَ ليلةٍ كان فيها مطرٌ، وقال لهم: «هَلْ سَمِعْتُمْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ الْبَارِحَةَ؟» قالوا: ماذا قال؟ قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. أَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا. فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (¬1). وَأَكْفَرُ منه بالله مَنْ قال: مُطِرْنَا ببخارِ كذا وكذا لا بفعلِ اللَّهِ وإرادتِه. فعلى المؤمنِ أن يعتقدَ أن المطرَ أَنْزَلَهُ حكيمٌ خبيرٌ، وأنه ماءٌ يُنْزِلُهُ مِنْ حيث شاء، إما من السماءِ أو من حيث شَاءَ اللَّهُ (جل وعلا) فيجعلُه في أوعيةِ السحابِ، فتمتلئُ حتى تكونَ ثقيلةً جِدًّا، كما قال هنا: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً} [الأعراف: آية 57]. والثقالُ: جمعُ ثقيلةٍ، وإنما كانت ثقيلةً لكثرةِ ملئها من الماءِ. وَصَرَّحَ بأن الريحَ تُقِلُّهَا، وأنه يحملُها على ظهرِ الريحِ حتى تمطرَ في الموضعِ الذي شَاءَ اللَّهُ، وصرح بأنه هو الذي يصرفُ المطرَ بإرادتِه ومشيئتِه، فينزلُه على قومٍ فيخصبوا ليُختبروا هل يَشْكُرُونَ؟ ويرفعُه عن ¬
قومٍ فيجدبوا ليختبروا هل يُنِيبُونَ إلى الله ويتوبونَ؟ وهذا من غرائبِ صُنْعِ الله وعجائبِه. واللَّهُ (جل وعلا) أَمَرَ خلقَه أن ينظروا في هذا وتوابعِه حيث قال: {فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} [عبس: آية 24] لاَمُ الأَمْرِ هنا صيغةُ أمرٍ تقتضي الوجوبَ، معناه: يجبُ على كُلِّ إنسانٍ أن ينظرَ إلى طعامِه. يعني: يا أيها الإنسانُ المسكينُ الضعيفُ انْظُرْ إلى طعامِك، انظر إلى الخبزِ الذي تأكلُ ولاَ تستغنِي عنه، مَنْ هو الذي خَلَقَ الماءَ الذي شَرِبَتْ به أرضُه حتى نَبَتَ بإذن اللهِ؟ أيقدرُ أحدٌ غيرُ اللهِ أن يخلقَ الماءَ ويبرزَ جرمَه من [العدمِ إلى الوجودِ] (¬1)؟ هَبْ أن الماءَ خُلِقَ وصارَ موجودًا مَنْ هو الذي يَقْدِرُ على إنزالِه بهذه الطريقِ الحكيمةِ وإخراجِه من خلالِ السحابِ رشاشًا لا يضرُّ بأحدٍ، فلو أَرْسَلَ اللهُ المطرَ كلَّه قطعةً واحدةً مجتمعةً لأَغْرَقَتِ الدنيا ودمرت البلادَ والعبادَ، فهو يُنْزِلُهُ رشاشًا من خلالِ السحابِ لئلا يضرَّ بالناسِ، وينزلُه بِقَدَرٍ معلومٍ بحيث يكونُ فيه الحاجةُ، ولا يجعلُه طوفانًا يغمرُ الأرضَ لئلاَّ يُهْلِكَ مَنْ عليها كما وَقَعَ لقومِ نوحٍ. هَبْ أن اللهَ أَنْزَلَ الماءَ بهذه الطريقةِ العظيمةِ الحكيمةِ هل يقدرُ أحدٌ غيرُ اللهِ أن يشقَّ الأرضَ عن مسمارِ النباتِ الذي يكونُ منه الْحَبُّ الذي تأكلون؟ الجوابُ: لاَ. هَبْ أن مسمارَ النباتِ خَرَجَ، مَنْ هو الذي يقدرُ على أن يُرَبِّيَهُ وينميه؟ هَبْ أنه نَمَا وكبر، مَنْ ذَا الذي يقدرُ أن يشقَّه ويخرجَ منه السنبلةَ؟ هَبْ أن السنبلةَ خَرَجَتْ، من هو الذي يقدرُ أن يربيها وينقلَها من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حتى تكونَ حَبًّا صالحًا للأكلِ؟ {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: آية 99]. ¬
هذه غرائبُ صنعِ اللهِ وعجائبُه، والكفرةُ الملاعينُ الذين يزعمونَ أن إنزالَ اللهِ للمطرِ بهذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ المُبيَّنِ في سورةِ النورِ وغيرِها - الذي صَرَّحَ اللهُ بأنه هو الذي أَنْزَلَهُ، وهو الذي يُصَرِّفُهُ بين خَلْقِهِ كما يشاءُ - يزعمونَ أن كُلَّ هذا كَذِبٌ، وأنه لاَ خالقَ ولا فاعلَ مختار، وإنما هي أمورٌ طبيعيةٌ، فطبيعةُ الماءِ أن يتبخرَ بطبيعتِه إما بدرجاتِ حرارةِ الشمسِ؛ لأن الماءَ إذا بلغَ درجةَ مائةٍ من درجاتِ الحرارةِ يستحيلُ بُخَارًا، أو باحتكاكِه بالريحِ، فاحتكاكُ الريحِ بالماءِ قد يجعلُه بخارًا، ثم إن البخارَ يتصاعدُ بطبيعةِ حالِه، ثم يجتمعُ بعضُه إلى بعضٍ، فيلاقي هواءً آخَرَ بصفةِ كذا، فتفرقُه الريحُ، وأن هذا أمرٌ طبيعيٌّ لاَ فاعلَ له. هذا كُفْرٌ بالله، وإنكارٌ لخالقِ السماواتِ والأرضِ، وجحودٌ له (جل وعلا). واللهُ بَيَّنَ أن أكثرَ الخلقِ سيصيرونَ إلى ذلك في سورةِ الفرقانِ كما أَوْضَحَهُ بقولِه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (50)} [الفرقان: الآيات 48 - 50] ولاَ شَكَّ أن مِنَ الناسِ الذين أَبَوْا إلا كفورًا: الذين زَعَمُوا أنه نَزَلَ بطبيعةِ بخارِ كذا وكذا عليهم لعائنُ اللهِ، وإذا ماتوا فسيعلمونَ هل هناك رَبٌّ مُدَبِّرٌ ملكُ السماواتِ والأرضِ هو المنزلُ للمطرِ، الخالقُ لكلِّ شيءٍ أو لاَ؟ وهذا معنَى قولِه: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} {حَتَّى} هنا هي الابتدائيةُ التي تُذْكَرُ قبلَ الْجُمَلِ. و (أقلت) معناه: حَمَلَتْ «حتى إذا أقلت الرياح» أي: حَمَلَتْ: {سَحَابًا} أي: مُزْنًا مملوءةً بالماءِ. {ثِقَالاً} السحابُ: جمعُ سحابةٍ أو اسمُ جمعٍ للسحابةِ.
والثقالُ: جمعُ ثقيلةٍ، لثقلها بالماءِ الذي هي موقرةٌ منه، يحملُها اللهُ على مَتْنِ الريحِ. {سُقْنَاهُ} أي: سُقْنَا ذلك السحابَ المُوقَرَ بالماءِ. {إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ} قَرَأَهُ بعضُ السبعةِ: {مَيِّتٌ} بالتشديدِ. وقرأه بعضُهم: {مَيْت} بالتخفيفِ، وهما قراءتانِ سبعيتانِ مشهورتانِ (¬1) ولغتانِ صحيحتانِ معروفتانِ. ومعنَى كونِ البلدِ مَيِّتًا أنه غبارٌ لاَ نباتَ فيه ولا شجرَ. ميتٌ جَدْبٌ ليس فيه نباتٌ ولا شجرٌ نابتٌ. {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي: بذلك البلدِ. وعليه فالباءُ ظرفيةٌ، أي: فَأَنْزَلْنَا فيه، أي: في ذلك البلدِ: {الْمَاءَ} أو {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي: بذلك السحابِ {الْمَاءَ} في ذلك البلدِ، وَصَرَّفْنَاهُ إلى ما شئنا من البلادِ وَصَرَفْنَاهُ عمن شئنا من البلادِ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} [الفرقان: آية 50] وهذا معنَى قولِه: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي: بسببِ ذلك الماءِ: {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى} هذا من براهينِ البعثِ، كما أَخْرَجْنَا النباتَ بعدَ أن لم يكن شيئًا، وأخرجناه بعدَ أن انعدمَ، كذلك نُخْرِجُكُمْ من قبورِكم أحياءً بعدَ أن كنتُم معدومين؛ لأن الكلَّ إخراجٌ بعدَ عَدَمٍ، وإعادةٌ بعدَ فناءٍ، وحكمُ الكلِّ واحدٌ. ومعنَى: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (¬2) [الروم: آية 19، الزخرف: ¬
آية 11] أي: تُخْرَجُونَ من قبورِكم أحياءً بَعْدَ الموتِ عندَ النفخةِ الثانيةِ، كما قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: آية 68] وقال جل وعلا: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)} [النازعات: آية 13 - 14] أي: على وجهِ الأرضِ أحياءً يمشونَ. وهذا معروفٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ (جل وعلا) يبعثُ الخلائقَ كُلَّهُمْ يومَ القيامةِ. وإحياءُ الأرضِ بعدَ موتِها دليلٌ على بعثِ الخلائقِ. وهذا معنَى قولِه: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} [الأعراف: آية 57]. وقولُه: {سُقْنَاهُ} بصيغةِ التعظيمِ دليلٌ قاطعٌ على أن الموضعَ الذي يَأْتِيهِ المطرُ أن ما يأتيه بإرادةِ اللهِ - جل وعلا - وأنه هو الذي سَاقَ ذلك المطرَ محمولاً على الريحِ إلى ذلك البلدِ الْمُعَيَّنِ بحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه، لاَ بطبيعةِ الريحِ، ولا بطبيعةِ البخارِ، ولا بطبيعةِ الهواءِ؛ لأن اللهَ (جل وعلا) هو الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والطبائعُ لا يؤثرُ منها إلا ما شاء اللهُ أن يؤثرَ. وقد أجمعَ أهلُ الحقِّ وأهلُ الباطلِ جميعًا - عن بكرةِ أبيهم - أن المؤثرَ من حيث هو مؤثرٌ لا يَعْدُو عن ثلاثةِ أشياء: مؤثرٌ بالاختيارِ، ومؤثرٌ بالطبيعةِ، ومؤثرٌ بالعلةِ (¬1). والحقُّ من هذه المؤثراتِ واحدٌ، وهو المؤثرُ بالاختيارِ، وهو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) سبحانَه وحدَه، لاَ يمكنُ أن يقعَ تأثيرٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا تسكينةٌ ولا تحريكةٌ إلا بمشيئتِه وقدرتِه (جل وعلا) فالتأثيرُ بالاختيارِ هو التأثيرُ الحقُّ، وهو تأثيرُ خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي لا يمكنُ أن تقعَ تحريكةٌ ولا تسكينةٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا أَيِّ شيءٍ كائنًا ما كان إلا عن قدرتِه وإرادتِه ¬
ومشيئتِه - جل وعلا - وإنما قَسَّمُوا المؤثرَ - أهلَ الحقِّ وأهلَ الباطلِ - إلى مؤثرٍ بالاختيارِ، ومؤثرٍ بالطبيعةِ في زعمِ الطَّبَائِعِيِّينَ، ومؤثرٍ بالعلةِ في زعمِ الفلاسفةِ المعللين بِالْعِلَلِ؛ لأنهم يقولونَ: المؤثرُ من حيث هو مؤثرٌ إما أن يصحَّ منه التركُ، وإما أن لاَ. فهذانِ قِسْمَانِ لاَ ثالثَ لهما، وهو تقسيمٌ عَقْلِيٌّ؛ لأن حَصْرَ المُقَسَّمِ في الشيءِ ونقيضِه حصرٌ عَقْلِيٌّ كما هو معروفٌ في فنونِ البحوثِ والمناظراتِ؛ لأنهم يقولونَ: إما أن يصحَّ من المؤثرِ التركُ، وإما أن لا، فإن كان يصحُّ منه التركُ فهو المؤثرُ بالاختيارِ. وهذا واضحٌ؛ لأنه لَمَّا صَحَّ له أن يتركَ، وصحَّ له أن يفعلَ وقد أَثَّرَ وهو قادرٌ على تركِ التأثيرِ عَلِمْنَا أنه اختارَ أحدَ المقدورين على الآخَرِ، وهذا هو التأثيرُ الحقُّ، وهو تأثيرُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا)، ولا تأثيرَ ألبتةَ في الحقيقةِ إلا هذا التأثيرَ بالاختيارِ من خالقِ السماواتِ والأرضِ. أما النوعانِ الباطلانِ من المؤثراتِ وهما: التأثيرُ بالطبيعةِ، والتأثيرُ بالعلةِ فإنهم يقولونَ: إن كان المؤثرُ لا يصحُّ منه التركُ فله حالتانِ: إما أن يتوقفَ تأثيرُه على وجودِ شرطٍ وانتفاءِ مانعٍ، وإما أن لا، فإن توقفَ تأثيرُه على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ فهو الذي يُسَمِّيهِ الطبائعيونَ: (المؤثرَ بالطبيعةِ) وضابطُ تأثيرِ الطبيعةِ عندَهم: هو المؤثرُ الذي لاَ يصحُّ منه التركُ مع أن تأثيرَه يتوقفُ على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ. ومثالُه عندَهم: تأثيرُ النارِ بالإحراقِ، فهو تأثيرٌ بطبيعتِها؛ لأنَّ النارَ لاَ يصحُّ منها التركُ، وتأثيرُها قد يتوقفُ على وجودِ الشرطِ، وهو إبرازُ النارِ من كُمُونِهَا الأصليِّ في الزنادِ ونحوِه، وانتفاءُ المانعِ وهو أن لاَ يكونَ المانعُ الملاقِي للنارِ في أَوَّلِهَا مُنَافيًا
للإحراقِ، كأن يكونَ أول ما يلاقي الشهابَ الخارجَ من الزندِ الواري ماء، فإن الماءَ لاَ يؤثرُ فيه، أو يكونَ أول ما يلاقيه صخر لا يؤثرُ فيه. فهذا توقفٌ على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ، وهو الذي يسمونَه: (المؤثرَ بالطبيعةِ) مع أنه لا يصحُّ منه التركُ. أما إن كان لا يصحُّ منه التركُ ولا يتوقفُ تأثيرُه على وجودِ الشرطِ ولا على انتفاءِ المانعِ فهو الذي يسمونَه: (المؤثرَ بالعلةِ). ومثالُه عندَهم -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ-: تأثيرُ حركةِ الأصبُعِ في حركةِ الخاتمِ؛ لأن الأصبُعَ إن كان فيه خاتمٌ فماذا تَحَرَّكَ الأصبعُ لا بد أن يتحركَ الخاتمُ. والفلاسفةُ يقولونَ: إن تأثيرَ وجودِ اللهِ في وجودِ المخلوقاتِ تأثيرٌ بالعلةِ، ومن هنا زعموا قدمَ هيولى العالَم؛ لأن المؤثرَ لا ينفكُّ عن أثرِه. ومذاهبُهم - قَبَّحَهُمُ اللهُ - باطلةٌ كُلُّهَا كفرياتٌ وإلحادياتٌ. ونعطيكم نماذجَ وأمثلةً على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو اللهُ، وأن اللهَ يسببُ ما شاءَ من المُسبَباتِ على ما شاء من الأسبابِ، ولو شاءَ انخرامَ السببِ لاَنْخَرَمَ. ألا تسمعونَ في تاريخِ القرآنِ أن نبيَّ اللهِ إبراهيمَ أُلْقِيَ في النارِ هو والحطبُ، والحطبُ شيءٌ صلبٌ شديدٌ قويٌّ، وجسمُ إبراهيمَ لطيفٌ لَيِّنٌ، والنارُ لا عقلَ عندَها تُمَيِّزُ به بينَ إبراهيمَ وبينَ الحطبِ، فَأَكَلَتْ بحرارتِها الحطبَ حتى جَعَلَتْهُ رمادًا، في عينِ الوقتِ الذي هي فيه بردٌ على إبراهيمَ، والطبيعةُ معنًى واحدٌ لاَ يتجزأُ أو لاَ ينقسمُ، فالطبيعةُ من المعانِي الأفرادِ التي لا يمكنُ أن تتجزأَ، ولاَ أن تنقسمَ، فالنارُ لو كان التأثيرُ بطبيعتِها لاَسْتَحَالَ أن تكونَ بَرْدًا على إبراهيمَ وَحَرًّا على الحطبِ حتى يصيرَ رمادًا، مع أنها معنًى واحدٌ وطبيعةٌ واحدةٌ. وذلك يدلُّ على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو
خالقُ السماواتِ والأرضِ لَمَّا قال للنارِ: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا} [الأنبياء: آية 69] وخصصَ وقال: {عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: آية 69] ولم يَقُلْ: «على الحطبِ» كانت على إبراهيمَ بَرْدًا إطاعةً لِمَالِكِ السماواتِ والأرضِ. والحطبُ الذي لم يُقَلْ لها أن تكونَ بردًا عليه كانت حَرًّا عليه فَأَحْرَقَتْهُ حتى كان رَمَادًا، وهو طبيعةٌ واحدةٌ، والطبائعُ لاَ تتجزأُ لأنها معنًى واحدٌ لاَ ينقسمُ، فَدَلَّ هذا على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا). وزعمَ المفسرونَ أن اللَّهَ لو لم يَقُلْ: {وَسَلاَمًا} [الأنبياء: آية 69] لأهلكه البردُ من شدةِ بردِ النارِ عليه في الوقتِ الذي هي فيه حَرٌّ على الحطبِ تحرقُه حتى يكونَ رمادًا. فاللهُ يُسَبِّبُ ما شاءَ من الأسبابِ، على ما شاءَ من المُسَبِّباتِ، وهو المريدُ لكلِّ ذلك، الذي كُلُّ شيءٍ بمشيئتِه، لا يصدرُ أمرٌ إلا عن قُدْرَتِهِ وإرادتِه، وربما جعلَ السببَ مُضَادًّا للمسبِّبِ، وجعلَه سببًا في وجودِه، كما بَيَّنَّاهُ في سورةِ البقرةِ (¬1) لَمَّا أرادَ إحياءَ قتيلِ بَنِي إسرائيلَ أَمَرَهُمْ أن يذبحوا بقرةً حتى صارت بقرةً ميتةً، وأمرَ بقطعِ قطعةٍ منها وهي ميتةٌ فَضُرِبَ الميتُ بها فَحَيِيَ!! فمن أين للميتِ الحياةُ من قطعةِ لحمٍ ميتةٍ من بقرةٍ ميتةٍ؟ فهذا لا سببَ فيه يعقلُ، فلو كانت البقرةُ حَيَّةً لقالوا: سَرَتْ للميتِ الحياةُ من حياتِها. فهي قطعةٌ ميتةٌ، فَمِنْ أَيْنَ جاءت هذه الحياةُ من الضربِ بهذه القطعةِ الميتةِ؟ ومثلُ هذا يُبَيِّنُ اللهُ به أنه هو الذي يَرْبِطُ بينَ الأسبابِ ومسبباتِها، فالأسبابُ حَقٌّ، والربطُ بينَها وبينَ مسبباتِها حَقٌّ، وإنكارُه تلاعبٌ بِالدِّينِ، وجعلُها مستقلةً ¬
بشيءٍ كُفْرٌ باللهِ (جل وعلا) وإلحادٌ في شَرْعِهِ، بل الحقُّ أن اللهَ هو خالقُ كُلِّ شيءٍ، ومسببُ ما شاءَ من [المسببات] (¬1) على ما شاءَ من الأسبابِ، هو الذي جَعَلَ تأثيرَ الإحراقِ في النارِ، وجعلَ تأثيرَ الريِّ في الماءِ، وجعلَ تأثيرَ الشبعِ في الخبزِ، وجعلَ تأثيرَ القطعِ في السكينِ. وهكذا فهو الخالقُ لكلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ بمشيئتِه وقدرتِه (جل وعلا)؛ وَلِذَا قال: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى} [الأعراف: آية 57] كذلك الإخراجُ الذي أَخْرَجْنَا به النباتَ بعدَ الانعدامِ نخرجُ الموتَى من قبورِهم أحياءً للبعثِ. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: آية 57] (لعل) تأتِي في القرآنِ بِمَعْنَيَيْنِ (¬2)، قال بعضُ العلماءِ: هي على التَّرَجِّي، ولكن الترجِّي بحسبِ ما يظهرُ للناسِ، أما اللهُ فهو عَالِمٌ بما كان فلا يَصْدُقُ عليه الترجِّي، كقولِه لموسى وهارونَ: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه: آية 44] أي: على رجائِكما وَعِلْمِ بَنِي آدمَ القاصرِ، أما اللهُ فهو عالمٌ أنه لا يذَّكر ولا يَخْشَى. الثاني: ما قاله بعضُ العلماءِ: إن كلَّ العللِ في القرآنِ مشمَّةٌ معنَى التعليلِ بمعنَى: لأَجْلِ. وعليه فـ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لأَجْلِ أن تتذكروا وتتعظوا بآيتِنا وغرائبِ صُنْعِنَا وعجائِبِنا. و (لعل) تأتِي في لغةِ العربِ بمعنَى التعليلِ، وهو معروفٌ في كلامِهم، ومنهُ قولُ الشاعرِ (¬3): ¬
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوثَقِ ... فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَشِبْهِ سَرَابٍ فِي الْمَلاَ مُتَأَلِّقِ وهذا معنَى قولِه: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قَرَأَهُ بعضُ السبعةِ: {تَذَكَّرُونَ} بحذفِ إحدى التَّائَيْنِ. والباقونَ: {تَذَكَّرُونَ} بإدغامِ التاءِ في التاءِ. ومعنَى: {تَذَكَّرُونَ} تتعظونَ بما أريناكم من غرائبِ صنعِنا وعجائبِه. {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)}. يقول اللهُ جل وعلا: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)} [الأعراف: آية 58] لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - جل وعلا - وَنَهَى في هذه الآيةِ الكريمةِ، وَبَيَّنَ عظائمَ آياتِه وبرهانَ عبادتِه وربوبيتِه أنه الربُّ وحدَه، والمعبودُ وحدَه، وَبَيَّنَ أنه أَنْزَلَ إلى هذه الخلائقِ كِتَابًا فصَّله على عِلْمٍ هدًى ورحمةً، بَيَّنَ هنا أن الناسَ الذين أُنْزِلَ عليهم هذا الكتابُ لهم شَبَهٌ بعنصرهم الأولِ وهو الأرضُ، وشبَّه الوحيَ الذي أنزلَه على نبينا صلى الله عليه وسلم بالمطرِ، فالوحيُ كثيرًا ما يُشبَّهُ بالمطرِ كما أَوْضَحْنَاهُ في سورةِ البقرةِ في الكلامِ على قولِه: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} الآياتِ [البقرة: آية 19] فَكَمَا أن المطرَ يُحْيِي اللهُ به الأرضَ بعدَ موتِها وينبتُ به النباتاتِ والزروعَ والثمارَ، وَيُنْعِشُ به الحيواناتِ، وَيُهَيِّئ به لِبَنِي آدمَ مصالَحهم الدنيويةَ، فكذلك القرآنُ هو مطرُ أرضِ القلوبِ، إذا نزلَ مطرُ القرآنِ على أرضِ القلوبِ أَثْمَرَتِ
القلوبُ ثمراتِها الرائعةَ اليانعةَ من الإيمانِ باللهِ والتقوى والخشيةِ والإنابةِ والإيثارِ وطاعةِ اللهِ (جل وعلا) والخوفِ منه والانقيادِ لأوامرِه، والتباعدِ لنواهيه، فالقرآنُ مطرُ القلوبِ، والأرضُ كأنها المطرُ الذي يُثْمِرُ فيه القرآنُ، كما أن الأرضَ هي مطرُ السحابِ التي يُثْمِرُ فيها. فَضَرَبَ اللهُ المثلَ هنا لقلوبِ بَنِي آدمَ بِأَنَّ بَيْنَهُمْ شَبَهًا وبينَ الأرضِ؛ لأنها أصلُهم وعنصرُهم الذي خُلقوا منه، فإذا نزل المطرُ من السماءِ وأصابَ أرضًا طيبةً أَثَّرَ فيها أثرًا شَدِيدًا فأنبتتِ الزروعَ والحبوبَ والثمارَ والعشبَ والكلأَ الكثيرَ، وصارت تَرْفُلُ في حُلَلِ زِينَتِهَا من أنواعِ النباتاتِ. وإذا نزلَ المطرُ على أرضٍ سَبِخَةٍ خبيثةٍ لاَ تقبلُ النباتَ كلما ازدادَ نزولُ المطرِ عليها ازدادت خُبْثًا، لا تمسكُ ماءً عذبًا يُشْرَبُ منه، ولا تُنْبِتُ مرعًى يُرْتَعُ فيه، ولا ثمارًا ولا زروعًا تُؤْكَلُ، فهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لقلبِ المؤمنِ وقلبِ الكافرِ، وضربَ المثلَ للقرآنِ بأنه مطرُ القلوبِ المثمرِ فيها، كما أن مطرَ السحابِ هو مطرُ الأرضِ المثمرُ فيها، قال: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ} [الأعراف: آية 58] أصلُ البلدِ الطيبِ من الأرضِ إذا صادفَه المطرُ الكثيرُ يخرجُ نباتُه بإذنِ رَبِّهِ أَحْسَنَ ما يكونُ، يخرجُ نباتُه نباتًا حسنًا فيه الزروعُ والثمارُ والأعشابُ والكلأُ وكلُّ ما ينتفع به الناسُ في أمورِ معاشِهم، هذا هو البلدُ الطيبُ، كذلك القلبُ الطيبُ إذا نَزَلَتْ عليه أمطارُ القرآنِ: زواجرُه ونواهيه ومواعظُه وحلالُه وحرامُه أثمرَ ذلك القرآنُ في ذلك القلبِ ثمراتٍ أحسنَ من ثمراتِ الأرضِ الطيبةِ إذا نزلَ عليها المطرُ، فأثمرَ الإيمانَ باللهِ، والتطهرَ من أدناسِ المعاصِي والكفرِ، وامتثالَ أَمْرِ اللهِ واجتنابَ نواهيه. وكلُّ خصلةٍ حسنةٍ يُثْمِرُهَا مطرُ القرآنِ في قلبِ المؤمنِ؛ كالخشيةِ من اللهِ، والتوبةِ عندَ الزلاتِ، والإنابةِ إليه،
والسخاءِ والشجاعةِ والرضا بقضاءِ اللهِ، والإيثارِ وعدمِ الشُّحِّ، إلى غيرِ ذلك من خصالِ الإسلامِ الكريمةِ الجميلةِ. {وَالَّذِي خَبُثَ} أي: والبلدُ الذي خَبُثَ كالبلدِ الذي يكونُ سَبِخًا خبيثًا لاَ يخرجُ نباتُه ولو تَتَالَتْ عليه الأمطارُ: {إِلاَّ نَكِدًا} إلا في حالِ كونِه نَكِدًا عسيرَ الخروجِ لاَ خيرَ فيه ولا منفعةَ فيه ألبتةَ، يخرجُ بِعُسْرٍ غايةَ العسرِ، ويخرجُ مَسْلُوبًا من الخيرِ والنفعِ. وأصلُ النَّكِدِ في لغةِ العربِ: العسيرُ، لا يخرجُ إلا في حالِ كونِه نَكِدًا، أي: عسيرَ الخروجِ، مسلوبَ الفائدةِ، لاَ يُنْتَفَعُ به في أَكْلِ الناسِ، ولاَ أَكْلِ الأنعامِ؛ إِذْ لاَ فائدةَ فيه، فكذلك قلبُ الكافرِ لاَ يُثْمِرُ إلاَّ نكدًا عسيرًا، ثمرةً لاَ فائدةَ فيها، كالأرضِ السبخةِ إذا كَثُرَتْ عليها الأمطارُ لاَ يُثْمِرُ شيئًا فيه فائدةٌ. وهذا المثلُ بَيَّنَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديثِ أبِي موسى الأشعريِّ المتفقِ عليه بيانًا واضحًا، وفيه: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى كَمَثَلِ غَيْثٍ كَثِيرٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءُ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُنْبِتُ كَلأً وَلاَ تُمْسِكُ مَاءً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي الدِّينِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (¬1). والنبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ الصحيحِ الذي اتفقَ عليه مسلمٌ والبخاريُّ من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ (رضي الله عنه) بَيَّنَ أن ¬
قلوبَ البشرِ بالنسبةِ إلى أمطارِ القرآنِ ثلاثةُ أنواعٍ: قلبٌ كالأرضِ الطيبةِ إذا نزلت عليه أمطارُ القرآنِ أَنْبَتَ العشبَ والكلأَ الكثيرَ، معناه: أنه يثمرُ فيه القرآنُ ومواعظُه فيجمعُ بينَ العلمِ به والعملِ، فيتعلمُ معانيه، ويفهمُ حِكمَه، ويعملُ بها، وَيُعَلِّمُهَا غيرَه. وفي حديثِ البخاريِّ من حديثِ عثمانَ بنِ عفانَ (رضي الله عنه): «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» وفي روايةٍ في صحيحِ البخاريِّ: «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (¬1) فهذه هي الطائفةُ الأُولَى من الطوائفِ الثلاثةِ التي شَبَّهَهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه - بالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للماءِ الْمُنْبِتَةِ للكلأِ والعشبِ الكثيرِ، فكذلك القلوبُ الطيبةُ تُثْمِرُ فيها مواعظُ القرآنِ الثمراتِ الكثيرةَ الطيبةَ، فترى صاحبَها خائفًا من اللهِ، طَامِعًا في فَضْلِ اللهِ، مُطِيعًا لِلَّهِ، مُتَبَاعِدًا عن معاصِي اللهِ، مُمْتَثِلاً جميعَ الأوامرِ، مُتَبَاعِدًا عن انتهاكِ شيءٍ من النواهِي، فهذه الطائفةُ الأُولَى. الطائفةُ الثانيةُ: ضَرَبَ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه مَثَلاً بأنها كأنها أجادبُ ليس فيها مَرْعًى ولكن فيها منافعُ تمسكُ الماءَ فيسيلُ الماءُ ويحبسُ فيها فتكونُ مجتمعةً فيها مياهٌ كثيرةٌ، ثم هذه المياهُ ينفعُ اللَّهُ بها خلقَه: منهم مَنْ يأتي فيشربُ، ومنهم مَنْ يسقِي مواشيَه من هذا الماءِ، ومنهم مَنْ يُسَلِّطُهُ على زروعِه وبساتينِه فينتفعُ بهذا الماءِ. وهذه الطائفةُ هي التي حَفِظَتْ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العلمَ الذي جاء به من القرآنِ والحديثِ الصحيحِ، ولم يكن عندهم من قوةِ الفهمِ ما يتفهمونَ في معانيه ويطلعونَ على أسرارِه وَحِكَمِهِ، ¬
فَهُمْ كهذا المستنقعِ الذي أَمْسَكَ هذا الماءَ حتى انتفعَ به آخرونَ، فهم يحفظونَ ذلك العلمَ فيرويه عنهم فَطَاحِلُ علماء يقفونَ على أسرارِه ويفهمونَ معانيه ويستنبطونَ منه، فكذلك هذا الماءُ الذي أَمْسَكَتْهُ هذه الأجادبُ لم يُنبت هو فيه نفسه، ولكن الله نَفَعَ به الناسَ حيث شربوا منه وَسَقَوْا مواشيَهم وزروعَهم، كذلك هؤلاء يحفظونَ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما أَنْزَلَ اللهُ عليه، ولم تكن أفهامُهم بالغةً أفهامَ فطاحلِ العلماءِ، إلا أن العلماءَ يَرْوُونَهُ عنهم روايةً صحيحةً ثابتةً عنه صلى الله عليه وسلم، فيتفهمونَ في معانيه، ويقفونَ على أسرارِه، ويستنبطونَ منه وَيُبَيِّنُونَهُ للناسِ. هذه الطائفةُ الثانيةُ: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» (¬1) فَتَرَى بعضَ الأئمةِ العظامِ يروي حديثًا صحيحًا وبعضُ رواتِه ليس من أهلِ العلمِ، وليسَ من أهلِ الاستنباطِ والخوضِ في معانِي الكتابِ ¬
وَالسُّنَّةِ، فيحفظُ عنه ذلك الفحلُ من فحولِ الأئمةِ ذلك الحديثَ مثلاً فيستنبطُ منه الأحكامَ، وَيُبَيِّنُ فيه الأسرارَ المشتملةَ عليه. الطائفةُ الثالثةُ: هي التي ضَرَبَ لها مثلاً بالأرضِ السبخةِ التي لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كلأً، وهذه مضروبةٌ لقلوبِ الكفارِ والمنافقين، كلما تَتَابَعَتْ عليهم المواعظُ وَسَمِعُوا آياتِ القرآنِ تُتْلَى وَأُسْمِعُوا مواعظَه وزواجرَه كان يَمُرُّ على قلوبِهم من غيرِ أن يستفيدوا شيئًا، كما أن تلك الأرضَ السبخةَ كُلَّمَا تَتَابَعَ عليها المطرُ لم تَزْدَدْ إلا خبثًا، لم تُمْسِكْ ماءً عذبًا يُشْرَبُ منه، ولم تُنْبِتْ للناسِ كلأً ولاَ عُشْبًا. فقلوبُ هؤلاءِ لم تَحْفَظْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم عِلْمًا يُرْوَى عنهم حتى ينتفعَ به غيرُهم، ولم ينتفعوا بأنفسِهم مما سَمِعُوا منه صلى الله عليه وسلم، فَهُمْ كالسباخِ التي لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأً. وهذا مَثَلٌ عظيمٌ ضَرَبَهُ اللهُ، وَجَرَتِ العادةُ أن الكتبَ السماويةَ تَكْثُرُ فيها ضروبُ الأمثالِ؛ لأن المثلَ يُصيِّر المعقولَ كالمحسوسِ؛ ولذا قال اللهُ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: آية 21] وَبَيَّنَ أن الأمثالَ لاَ يفهمها عن اللهِ إلا أهلُ العلمِ حيث قال في العنكبوتِ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: آية 43] وَبَيَّنَ (جل وعلا) أنه لا يَسْتَحْيِي أن يضربَ مثلاً ما، كائنًا ما كان، وأن الأمثالَ التي يَضْرِب يهدي اللهُ بها قومًا أرادَ هداهم، وتكونُ سببًا لضلالِ آخَرِينَ أرادَ اللهُ إضلالَهم، فهي من فتنةِ اللهِ التي يُضِلُّ بها مَنْ يشاءُ ويهدي من يشاءُ، وذلك في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً} ثم قال:
{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: آية 26] هذه أمثالُ القرآنِ يهدي اللَّهُ بها من يريد هُدَاهُ، وما يضلُّ بها إلا الفاسقينَ. ولما سمعَ الكفارُ أن اللهَ يضربُ المثلَ بالكلبِ في قولِه: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: آية 176] ويضرب المثلَ بالحمارِ في قولِه: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: آية 5] ويضربُ المثلَ بالذبابِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج: آية 73] وسمعوه يضربُ المثلَ بهذه الأشياءِ قالوا: اللهُ أعظمُ وأكبرُ وَأَنْزَهُ من أن يذكرَ الحمارَ والكلبَ والذبابَ والعنكبوتَ! فهذا الكلامُ الذي فيه هذه الحقيراتُ ليس من كلامِ اللهِ؛ لأن اللهَ أعظمُ من هذا. فَبَيَّنَ اللهُ أنه يضربُ الأمثالَ وَيُبَيِّنُ العلومَ العظيمةَ الجليلةَ في ضَرْبِ الأمثالِ في أمورٍ حقيرةٍ؛ وَلِذَا قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} فترى الذبابَ من أحقرِ الأشياءِ ولكن المثلَ المضروبَ فيه من أعظمِ العلومِ؛ يُبَيِّنُ للناسِ أن المعبوداتِ من دونِ اللهِ بالغةٌ من التفاهةِ وعدمِ الفائدةِ ما يجعلُها لاَ تقدرُ على خلقِ ذُبَابٍ، وَلَوْ تَسَلَّطَ الذبابُ عليها فانتزعَ منها شيئًا ما قَدَرَتْ على أن تنتصفَ منه. وهذا من التحقيرِ والتصغيرِ للمعبودِ من دونِ اللهِ يقتضي عِلْمًا عظيمًا له قَدْرُهُ ومكانتُه، وهو إفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وإدراكُ أن ما سواه لا يُغْنِي شيئًا. وكذلك ضربُه المثلَ في العنكبوتِ لأنه يُبَيِّنُ أن بيتَ العنكبوتِ الذي تنسجه من خيوطِ رِيقِهَا لا يُغْنِي شيئًا عن أحدٍ، فكذلك المعبوداتُ من دونِ اللهِ. فالشيءُ في نفسِه حقيرٌ، والعلمُ المبينُ في ضربِ المثلِ فيه علمٌ عظيمٌ كريمٌ له مكانتُه وَقَدْرُهُ؛ ولذا قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا}. وبهذه الآياتِ وهذه الأمثالِ التي ذَكَرْنَا يجبُ على المسلمِ أن يخافَ من سَخَطِ اللَّهِ وأن يكونَ قلبُه كالأرضِ السبخةِ التي لاَ تنتفعَ بمواعظِ القرآنِ ولاَ بزواجرِه، ويسألُ اللهَ أن يجعلَ أرضَ قلبِه طيبةً قابلةً لمواعظِ القرآنِ وزواجرِه وأوامرِه ونواهيه؛ فإن مَنْ كانت أرضُ قلبِه طيبةً انتفعَ بمواعظِ هذا القرآنِ، وَنَفَعَتْهُ أوامرُه فَامْتَثَلَهَا، وزواجرُه فَاجْتَنَبَهَا، وأمثاله فَاعْتَبَرَ بها، وقصصَه فاعتبر بها. فَعَلَيْنَا جميعًا أن نسألَ اللهَ أن لا يجعلَ قلوبَنا كالأرضِ السبخةِ التي لا تنتفعُ بما ينزلُ عليها من أمطارِ الوحيِ، وأن يجعلَ أرضَ قلوبِنا كالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للإثمارِ وإنباتِ العشبِ والكلأِ الكثيرِ والتأثرِ بآياتِ اللهِ (جل وعلا) لتثمرَ الخيرَ كُلَّهُ من الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وامتثالِ أَمْرِهِ واجتنابِ نَهْيِهِ. وهذا معنَى قولِه: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} [الأعراف: آية 58]. {كَذَلِكَ} التصريفُ. التصريفُ: قَلْبُ الشيءِ من حالٍ إلى حالٍ. واللهُ يبينُ لنا المواعظَ موعظةً بعدَ موعظةٍ، والآياتِ آيةً بعدَ آيةٍ في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ. كذلك التصريفُ الذي صَرَّفْنَا لكم فيه هذه الآياتِ، وَبَيَّنَّا لكم ما يلزمُ، وَبَيَّنَّا لكم عِظَمَ قدرتِنا، وأدلةَ رُبُوبِيَّتِنَا وألوهيتِنا، وَضَرَبْنَا لكمُ الأمثالَ في مَنْ ينفعُ فيه ذلك وَمَنْ لاَ ينفعُ فيه، كذلك التصريفُ الموضحُ للآياتِ جملةً بعدَ جملةٍ، وآيةً بعدَ آيةٍ، كذلك التصريفُ {نُصَرِّفُ الآيَاتِ} نأتِي بها على أنحاء مختلفةٍ، في أساليبَ مختلفةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يهدي بذلك مَنْ يشاءُ. وقولُه: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 58] خَصَّ القومَ الذين يشكرونَ لأنهم هم المنتفعونَ بالآياتِ. كقولِه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ
مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: آية 45] لأَنَّ مَنْ يخافُ الوعيدَ هو المنتفعُ به، كقولِه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45)} [النازعات: آية 45] {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس: آية 11] {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ} [فاطر: آية 18] وما جَرَى مَجْرَى ذلك (¬1). وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا (¬2) أن لفظةَ (القومِ) أنه اسمُ جمعٍ لاَ واحدَ له من لَفْظِهِ، وأنه يُطْلَقُ على خصوصِ الذكورِ بالوضعِ العربيِّ، وربما دَخَلَتْ فيه الإناثُ بحكمِ التبعِ، وَبَيَّنَّا أن الدليلَ على اختصاصِ لفظِ (القومِ) بالذكورِ قولُه تعالى في الحجراتِ: {لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} [الحجرات: آية 11] ثم عطفَ النساءَ على القومِ فقالَ: {وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات: آية 11] فَدَلَّ على عدمِ دخولِ النساءِ في القومِ بحسبِ الوضعِ العربيِّ، وَدَلَّ عليه أيضًا قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سلمى (¬3): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ فَعَطَفَ النساءَ على القومِ، فَدَلَّ على أنهن غيرُ داخلاتٍ في اسمِ القومِ وَضْعًا؛ لأَنَّ الأصلَ عدمُ التكرارِ، وعدمُ عطفِ الشيءِ على ما هو أعمُّ منه أو أخصُّ إلا بدليلٍ. والدليلُ على دخولِ الإناثِ في القومِ بِحُكْمِ التبعِ قولُه تعالى في بلقيسَ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: آية 43] فَصَرَّحَ بأنها من قومٍ كَافِرِينَ. أَدْخَلَهَا في اسمِ القومِ تَبَعًا. ¬
وقولُه: {يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 58] مفعولُه محذوفٌ، أي: يشكرونَ لله نِعَمَهُ. وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن مِنْ أعظمِ إنعامِ اللهِ هو هذا القرآنُ العظيمُ وتصريفُ الآياتِ فيه وَبَيَانُهَا للناسِ؛ لأن أعظمَ النعمِ هو إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ وبيانُ ما فيه من الآياتِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ، ومما يستجلبُ المعاطبَ والمخاوفَ، ومما يستجلبُ السلامةَ؛ وَلِذَا بَيَّنَ اللَّهُ أن إنزالَه فضلٌ كبيرٌ على الخلقِ لَمَّا قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وقسَّمهم فقال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} وَبَيَّنَ أن إنزالَ القرآنِ العظيمِ أكبرُ فَضْلٍ، قال: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: آية 32] أي: الفضلُ الكبيرُ من اللهِ عليهم حيثُ أَنْزَلَ لهم كتابَه يُتْلَى، مَحْفُوظًا، يُبَيِّنُ لهم ما يُقَرِّبُهُمْ إلى رَبِّهِمْ، وما يُبْعِدُهُمْ من النارِ، وما يهذبُ نفوسَهم ويربِّي أرواحَهم، ويرفعُ أخلاقَهم، وَيُبَيِّنُ لهم مكارمَ الأخلاقِ، إلى غيرِ ذلك؛ وَلِذَا قال هنا: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} فَبَيَّنَ أن تفصيلَ الآياتِ لإيضاحِها في هذا القرآنِ نعمةٌ عُظْمَى من اللَّهِ يستحقُّ أن يُشْكَرَ عليها؛ وَلِذَا عَلَّمَ خَلْقَهُ أن يحمدوه على هذه النعمةِ العظمى التي هي إنزالُ القرآنِ، قال في أولِ الكهفِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)} [الكهف: آية 1] فقولُه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن يحمدوه أعظمَ الحمدِ على هذه النعمةِ العظمى الكبرى التي هي إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ، وأشارَ لذلك بقولِه هنا: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}. وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا (¬1) أن أصلَ الشكرِ في لغةِ العربِ رُبَّمَا يُرَادُ به: الظهورُ، وَلِذَا تُسَمِّي العربُ الغصنَ الذي يَنْبُتُ ¬
في الجذعِ الذي كان مقطوعًا تُسَمِّيه (شكيرًا) لأنه ظَهَرَ [10/ ب] بعدَ أن لم يكن هناك شيءٌ ظاهرٌ، وتقول العربُ: ناقةٌ شكورٌ. إذا كان / يظهرُ عليها آثارُ السِّمَنِ. والمرادُ به في اللغةِ: أن يكونَ أثرُ نِعَمِ اللَّهِ ظاهرًا على عَبْدِهِ، فلاَ يجحدُه ولا يكفرُ به، ولاَ يجحدُ نِعَمَهُ، ولا يستعينُ بها على ما لا يُرْضِيهِ. وقد بَيَّنَّا أن القرآنَ جاء فيه شكرُ الربِّ لعبدِه وشكرُ العبدِ لِرَبِّهِ (¬1). جاء شكرُ الربِّ لعبدِه في قولِه: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: آية 158] {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: آية 34] وشكرُ العبدِ لربه كقولِه: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14] وقولِه هنا: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} {وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية 152] وَبَيَّنَّا أن بعضَ العلماءِ يقولُ: إن شكرَ الربِّ لعبدِه هو أن يثيبَه الثوابَ الجزيلَ من عملِه القليلِ. وشكرُ العبدِ لربِّه: هو أن يستعملَ نِعَمَهُ في مرضاةِ رَبِّهِ، فنعمةُ العينِ: أن لا ينظرَ بها إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وامتنَّ بها، وشكرُ نعمةِ اليدِ أن لا يبطشَ بها إلا فيما يُرْضِي مَنْ خلقها وَامْتَنَّ بها، وشكرُ نعمةِ الرِّجْلِ: أن لاَ يمشيَ بها إلا إلى ما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وَامْتَنَّ بها، وشكرُ المالِ: أن لاَ يستعينَ به ويصرفَه إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهُ وَامْتَنَّ به، وهكذا. وَبَيَّنَّا أن العبدَ الذي يستعينُ بِنِعَمِ اللَّهِ على معاصِي اللهِ أنه بالغٌ من اللؤمِ والوقاحةِ شيئًا لا يقادر قدره، فَمِنْ أعظمِ الناسِ لؤمًا، وأشدِّهم وقاحةً، وأقلهم حياءً هو مَنْ يستعملُ نِعَمَ خالقِ السماواتِ والأرضِ التي أَنْعَمَهَا عليه يستعملُها ويستخدمُها في معصيتِه وفيما يسخطه. فهذا الإنسانُ ليس في وجهِه ماءٌ يستحي به، ¬
فهو من أقلِّ الناسِ حياءً وَأَلأَمِهِمْ وَأَخَسِّهِمْ، وكيف يجملُ بعبدٍ مسكينٍ ضعيفٍ أن يُنْعِمَ عليه خالقُ السماواتِ والأرضِ نِعَمَهُ الكثيرةَ بفضلِه ورحمتِه ثم يستعينُ بِنِعَمِ خالقِه على معصيةِ خالقِه وما يُسْخِطُ خالقَه، فهذا أقبحُ اللؤمِ وأخسُّه، وصاحبُه أقلُّ الناسِ حياءً وأشدُّهم وقاحةً. وَبَيَّنَّا أن (¬1) مادةَ (شكر) في لغةِ العربِ أنها تتعدى إلى النعمةِ بنفسِها بدونِ حرفِ الجرِّ. تقولُ: شكرتُ نعمةَ اللهِ. وهذا أمرٌ لا خلافَ فيه. ومنه قولُه: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية 19] فإذا كان الشكرُ شكرَ نعمةٍ تَعَدَّى إليه الفعلُ بنفسِه بِلاَ خلافٍ. أما شكرُ المنعمِ فاللغةُ الفصحى التي نَزَلَ به القرآنُ أن يُعَدَّى الشكرُ إلى المنعمِ باللامِ فتقولُ: «شُكْرًا لك». وتقولُ: «أنا أشكرُ لَكَ» ولاَ تقول: «أنا أَشْكُرُكَ». وتقول: «نحمدُ اللهَ ونشكرُ له» ولا تقول: «ونشكره». وهذه هي اللغةُ الفصحى، تعديتُه باللامِ هي اللغةُ الفصحى التي لا شكَّ في أنها أفصحُ، وهي لغةُ القرآنِ؛ لأنه ما جاء في القرآنِ مُعَدًّى إلى المنعمِ إلا باللامِ، كقولِه: {أَنِ اشْكُرْ لِي} [لقمان: آية 14] {وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية 152] {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14] ولم يَقُلْ في آيةٍ واحدةٍ: اشكرني. بتعديةِ الفعلِ إلى المفعولِ دونَ اللامِ. ومن هنا شَذَّ قومٌ من علماءِ العربيةِ فقالوا: (أحمدُه وأشكرُه) لَحْنٌ، ولا يجوزُ (وأشكره) وإنما يجوزُ: (وأشكر له) ولكنهم غلطوا؛ لأن اللغةَ الفصحى هي (وأشكر له) ولكن (وأشكره) بتعديةِ الفعلِ إلى المنعمِ بلاَ واسطةِ حرفِ جرٍّ لغةٌ معروفةٌ مسموعةٌ في كلامِ العربِ، وقد بَيَّنَّا فيما مضى ¬
شواهدَها. ومن شواهدِها قولُ أبي نخيلةَ (¬1): شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى ... وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي فهذا الشاعرُ الفصيحُ. قال: «شكرتُك» بالكافِ ولم يَقُلْ: «شكرتُ لك» ومنه قولُ جميلِ بنِ معمرٍ في شعرِه المشهورِ (¬2): خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا ... عَلَى عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ ... فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً ... شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي فقال: «شكرتُكما» ولم يَقُلْ: «شكرتُ لكما» فَتَبَيَّنَ من هذا أن مادةَ (شكر) تَتَعَدَّى إلى النعمةِ مفعولاً بنفسها، وإلى المنعمِ باللامِ في اللغةِ الفصحى، وربما تَعَدَّتْ إلى المنعمِ بنفسِها بدونِ حرفِ جَرٍّ. وهذا معنَى قولِه: {نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 158]. والتفصيلُ ضِدُّ الإجمالِ (¬3)، أي: نَأْتِي بها مفصلةً مفصلةً، آيةً بعدَ آيةٍ، وموعظةً بعدَ موعظةٍ، في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} نِعَمَنَا في ذلك البيانِ؛ لأَنَّ بيانَ اللهِ فيما ينفعُ وما يضرُّ من أعظمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ على خَلْقِهِ. وهذا معنَى قولِه: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ¬
الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62)}. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)} [الأعراف: آية 59] قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا الكسائيَّ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهِ} وَقَرَأَ الكسائيُّ من السبعةِ: {ما لكم من إلهٍ غَيْرهِ} (¬1). وقرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو: {إنيَ أخاف عليكم} بفتحِ ياءِ المتكلمِ. وقرأَ الباقونَ: ... {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} بإسكانِ الياءِ (¬2). والجميعُ لغةٌ. أما قراءةُ الكسائيِّ: {ما لكم من إله غَيْرِه} فـ (غَيْرِه) نعتٌ للإلهِ وهو مجرورٌ بـ (من). وأما على قراءةِ الجمهورِ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} فالنعتُ راجعٌ للمحلِّ؛ لأَنَّ الأصلَ: (ما لكم إله غيره) فَجُرَّ المبتدأُ بـ (من) لتوكيدِ النفيِ، فهو مخفوضٌ لفظًا مرفوعٌ مَحَلاًّ، والتابعُ للمخفوضِ لفظًا المرفوعُ محلاًّ يجوزُ رفعُه نظرًا إلى المحلِّ، وخفضُه نَظَرًا إلى اللفظِ كما هو معروفٌ في علمِ العربيةِ (¬3). واللامُ في قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} هي جوابُ قسمٍ محذوفٍ: واللهِ لقد أرسلنا. وهذه اللامُ الموطئةُ للقسمِ إذا جاءت مع الفعلِ الماضِي لا تكادُ العربُ تُجَرِّدُهَا من (قد)، تأتِي معها بـ (قد) التحقيقيةِ دائمًا، حتى زَعَمَ بعضُ العلماءِ أن (قد) واجبةٌ معها إن كانت بعدَ اللامِ ¬
الموطئةِ للقسمِ قبلَ فعلٍ مَاضٍ. والتحقيقُ أنه لغةٌ فصحى كثيرةٌ ربما نَطَقَتِ العربُ بغيرِها فجاءت باللامِ والماضي دونَ (قد)، وهو مسموعٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ امرئِ القيس (¬1): حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حَلفْةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلاَ صَالِي ولم يقل: لقد ناموا. واللهِ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} {نُوحًا} هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ. والمؤرخونَ يقولونَ: إنه ابن لمك بن متوشَلَخ بن خنوخ، ويزعمونَ أن خنوخَ هو إدريسُ، وأن نوحًا من ذريةِ إدريسَ. هكذا ذَكَرَهُ غيرُ واحدٍ من المفسرين (¬2). وأن إدريسَ قَبْلَ نوحٍ، وجاء في بعضِ رواياتِ حديثِ الإسراءِ ما يدلُّ على أن نوحًا ليس من ذريةِ إدريسَ، لأنه إذا سَلَّمَ على أجدادِه كإبراهيمَ ونوحٍ وَمَنْ جرى مجرَاهم يقولونَ: مَرْحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الكريمِ. وإدريسُ لم يَقُلْ مرحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ، وإنما قال: والأخِ. كما جاءَ في بعضِ رواياتِ حديثِ المعراجِ (¬3) كما هو معروفٌ، وأكثرُ المؤرخين على هذا. ونوحٌ هو أولُ نَبِيٍّ بعثَه اللهُ في الأرضِ بعدَ أن صارَ الكفرُ في الأرضِ، وَعُبِدَتْ فيها الأصنامُ، وَعُبِدَ فيها غيرُ اللهِ. فأولُ رسولٍ أُرْسِلَ بمنعِ عبادةِ الأصنامِ وتوحيدِ اللهِ بعبادتِه هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ، وقد ثَبَتَ في أحاديثِ الشفاعةِ التي تكادُ ¬
أن تكونَ متواترةً أن آدمَ يقولُ لهم: اذهبوا إلى نوحٍ فإنه أولُ نبيٍّ بعثَه اللهُ في الأرضِ (¬1). وَذَكَرَ المؤرخونَ وأصحابُ الأخبارِ أن بَيْنَ نوحٍ وآدمَ عشرةُ قرونٍ كُلُّهَا كانت على دينِ الإسلامِ، وكان في قومِ نوحٍ رجالٌ صالحونَ من أفاضلِ الناسِ في العبادةِ والزهدِ وطاعةِ اللهِ، وهم: وَدّ، ويغوث، ونَسْر، ويعوق (¬2)، فلما ماتوا صَوَّرَ قومُهم صورَهم وَبَنَوْا عليهم مساجدَ، وصاروا إذا نظروا إلى صُوَرِ أولئك الصالحين بَكَوْا بكاءً شديدًا ونشطوا في العبادةِ لِمَا يعلمونَ من صلاحِ أولئك القومِ وما كانوا عليه من العبادةِ، فَتَطَاوَلَ بهم الزمانُ حتى مات أهلُ العلمِ وَبَقِيَ الجهالُ فجاءهم الشيطانُ فقال لهم: إنما كانوا يعبدونَ هؤلاء وَيُسْقَوْنَ بها. فعبدوهم، وذلك أولُ كفرٍ وقعَ في الأرضِ. وَعُلِمَ بذلك أن أولَ كفرٍ وقع في الأرضِ إنما جاءَ عن طريقِ التصويرِ، فكثيرٌ من الناسِ الذين لا يفهمونَ يقولونَ: هؤلاء الْمُنْتَسِبُونَ للعلمِ يُشَدِّدُونَ النكيرَ في التصاويرِ وَيُحَرِّمُونَ التصويرَ، والتصويرُ ليس فيه جنايةٌ على مالٍ، ولا على نَفْسٍ، ولا على عِرْضٍ، فَأَيُّ ذنبٍ عظيمٍ في التصويرِ، وَأَيُّ بأسٍ فيه؟ ويظنونَ لجهلهم أن أمرَه خفيفٌ. والتصويرُ له أثرُه البالغُ في إفسادِ الدنيا وإفسادِ الدينِ أَوَّلاً وَآخِرًا، أما أولاً: فالتصويرُ هو سببُ أولِ كفرٍ وَقَعَ في الأرضِ تحتَ السماءِ، أولُه تصويرُ صورِ أُولئك القومِ الصالحين الذين صَوَّرُوهُمْ بقصدٍ حَسَنٍ، وكانوا إذا رأوا صورَهم بَكَوْا وأنابوا إلى اللهِ، وجَدُّوا ¬
في العبادةِ بما كانوا يعلمونَ من صلاحِ أولئك القومِ الذين صَوَّرُوا صُوَرَهُمْ، ثم تطاولَ بهم الزمانُ إلى أن كَانَتْ تلك الصورُ أوثانًا تُعْبَدُ من دونِ اللهِ؛ ولذا عَارَضُوا نبيَّ اللهِ نوحًا في عبادتهم أشدَّ المعارضةِ: {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: الآيتان 23، 24] فَعُلِمَ أن التصويرَ كان أولَ جنايةٍ شركيةٍ وَقَعَتْ في الدنيا. وهذا الأثرُ السيئُ التاريخيُّ يدلُّ على عِظَمِ شَرِّهِ قَبَّحَهُ اللهُ. وكذلك في الآخِرِ كان من أعظمِ الأسبابِ التي ضَيَّعَتْ أخلاقَ المسلمين وَذَهَبَتْ بعقولهم ومكارمهم؛ لأن الذين يريدونَ ضياعَ الإسلامِ يَسْعَوْنَ كُلَّ السعيِ في أن يُصوروا النساءَ عارياتِ الفروجِ، ويطبعونَ صُوَرَهَا في الصحفِ والمجلاتِ، ويرسلونَها لأقطارِ الدنيا. فإذا رأى الشابُّ الغِرُّ المسكينُ صورةَ فرجِ الخبيثةِ بَادِيًا تَحَرَّكَتْ غريزتُه، وقامت شهوتُه، وَسَافَرَ إلى البلادِ التي تُمْكِنُهُ فيها الحريةَ وإشباعَ رغبتِه الغريزيةِ التي لم يُقَيِّدْهَا تقوى، ولم يَزُمَّهَا إيمانٌ ولا ورعٌ ولا مروءةٌ. فصارَ التصويرُ في الأحوالِ الراهنةِ له أيضًا أثرُه البالغُ في ضياعِ الأخلاقِ، وانتشارِ الرذيلةِ، والقضاءِ على مكارمِ الأخلاقِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - ويكفيه أن الله (جل وعلا) له الأسماءُ الحسنى، والصفاتُ العلى، ومن أسمائِه العظيمةِ التي تَحْتَهَا غرائبُ وعجائبُ تُفَتِّتُ الأكبادَ: اسمُه (المصورُ) جل وعلا، فهو جل وعلا من أسمائِه الأزليةِ التي سَمَّى بها نفسَه (المصور) واسمُه (المصور) تحتَه من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِ قدرتِه ما يُبْهِرُ العقولَ لِمَنْ كان له عقلٌ أو أَلْقَى السمعَ وهو شهيدٌ، ومما يوضحُ عظمةَ هذا الاسمِ وما يشيرُ إليه من كمالِ قدرةِ اللَّهِ وَعِظَمِ عِلْمِهِ وإحاطتِه بكلِّ شيءٍ أن ينظرَ
الواحدُ منكم إلى الحجيجِ يومَ جمرةِ العقبةِ فيجدُ الناسَ بهذه الكثرةِ العظيمةِ مع اختلافِ ألوانِهم وأشكالِهم وبلادِهم وهيئاتِهم، ويجد الجميعَ مَصْبُوبِينَ صَبَّةً واحدةً، الأنفُ موضوعٌ في مَحلِّهِ، والعينانِ في محلهما، والأُذُنَانِ في محلِّهما، والفمُ في محلِّه، وكلُّ عضوٍ موضوعٌ في موضعِه من الجميعِ. واللهُ يصورُ كلَّ واحدٍ منهم صورةً مستقلةً يطبعه عليها بعلمِه وقدرتِه لا يشاركُه فيها أحدٌ ألبتةَ، فلا يَشْتَبِهُ منهم اثنانِ، وكلُّ صورةٍ طُبِعَ عليها واحدٌ منهم فهي كانت في عِلْمِهِ الأزليِّ قبلَ أن يقعَ ذلك الإنسانُ، فلما وقعَ وقعَ مُصَوَّرًا بالصورةِ التي كانت مهيأةً له في العلمِ السابقِ، ولو جاءَ ملايينُ أضعافَ الحصى من البشرِ لم يَضِقْ علمُ اللَّهِ عن أن يخترعَ لكلِّ واحدٍ منهم صورةً تَخُصُّهُ لاَ يشاركُه فيه غيرُه، حتى إن أصواتَهم لم تتشابه، وآثارَهم في الأرضِ لا يختلطُ بعضُها ببعضٍ، وبصماتُ أصابعِهم في الأوراقِ لاَ يُشَابِهُ بعضُها بعضًا عندَ مَنْ يعرفُ ذلك، فاللهُ سَمَّى نفسَه (المصورَ) لِمَا تحتَه من هذه الأسرارِ العظامِ والعجائبِ والغرائبِ التي تُبْهِرُ العقولَ، فيأتي هذا الإنسانُ الضعيفُ المسكينُ لِيُنْزِلَ نفسَه منزلةَ العظيمِ الجبارِ المصورِ ويفعلُ كفعلِه؛ ولذا جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تشديدِ عذابِ الْمُصَوِّرِينَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أنهم أشدُّ الناسِ عذابًا، وأن ما صَوَّرُوهُ في الدنيا يُؤْمَرُونَ بأن يُحْيُوهُ وَيُعَذَّبُونَ عليه عذابًا شديدًا. والحاصلُ أن التصويرَ هو سببُ أولِ شركٍ وَقَعَ في الدنيا، وله أثرُه الفعَّال الآنَ في فسادِ الأخلاقِ، وضياعِ شبابِ المجتمعِ كما هو معروفٌ؛ لأَنَّ مِنْ أعظمِ أسبابِ الفسادِ وتغييرِ فِطَرِ شبابِ المسلمين أن يَرَوْا في أوراقِ الصحائفِ والمجلاتِ فروجَ النساءِ - صورها - عارياتٍ، فإذا رأى صورةَ المرأةِ على هيئتِها متجردةً من كُلِّ شيءٍ،
باديةَ الفرجِ، فلا شكَّ أن الشبابَّ الذي ليس عقلُه مَزْمُومًا بإيمانٍ كاملٍ، وورعٍ ومروءةٍ تَامَّةٍ أن ذلك يُحَرِّكُ غريزتَه ويهيجُ طبيعتَه، فتراهم كثيرًا يسافرونَ باسمِ العلاجِ، وباسمِ كذا وكذا من الأعذارِ الكاذبةِ، وإنما مقصدُهم في الحقيقةِ هو أن يُشْبِعُوا رغباتِهم الغريزيةَ مما عَايَنُوا مُنْتَشِرًا من الفسادِ في قعرِ بلادِهم نعوذُ بالله من ذلك، وهذا معنَى قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59]. ذَكَرَ بعضُ العلماءِ أن قومَ نوحٍ كانوا خَلْقًا كثيرًا مُنْتَشِرِينَ في أقطارِ الدنيا. وبعضُهم يقولُ: إنهم كانوا في بعضِ الأرضِ دونَ بعضِها. ولم يَقُمْ دليلٌ صحيحٌ على عددِهم وكثرتِهم، وهل كانوا يشغلونَ جميعَ نواحِي المعمورةِ أو بعضًا منها؟ ولم يَأْتِ مَنْ هُمْ. واللهُ في القرآنِ لم يُسَمِّهِمْ إلا بقومِ نوحٍ. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} يعنِي: بعدَ أن عَبَدُوا الأصنامَ، وَعَبَدُوا صورَ أولئك الصالحينَ: وَدًّا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، وبعدَ أن فَعَلُوا ذلك أَرْسَلَ اللهُ إليهم نبيَّه نوحًا ليتركوا عبادةَ الأصنامِ ويعبدُوا اللهَ وحدَه، فقال لهم نوحٌ: {يَا قَوْمِ} [الأعراف: آية 59] حَذَفَ ياءَ المتكلمِ، والأصلُ: (يا قومي) والمنادَى المضافُ إلى ياءِ المتكلمِ أصلُه فيه الخمسُ اللغاتِ المعروفةِ (¬1) منها حذفُ ياءِ المتكلمِ. {اعْبُدُوا اللَّهَ} [الأعراف: آية 59] أصلُ العبادةِ في لغةِ العربِ (¬2): الذلُّ والخضوعُ، فكلُّ خاضعٍ ذليلٍ تُسَمِّيهِ (عابدًا) وَكُلُّ ما خُضِّعَ وَذُلِّلَ فَقَدْ عُبِّدَ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في مُعَلَّقَتِهِ (¬3): ¬
تُبَارِي عِتاقَ النَّاجِيَاتِ وَأَتْبَعَتْ ... وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ أَيْ: فوقَ طريقٍ مُذَلَّلٍ بأقدامِ المشاةِ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ. والعبادةُ في اصطلاحِ الشرعِ (¬1): هي التقربُ إلى اللهِ (جل وعلا) وإفرادُه بذلك التقربِ والعبادةِ في جميعِ ما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به على سبيلِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ، فلا يكفي الذلُّ والخضوعُ دونَ المحبةِ، ولا تكفي المحبةُ دونَ الذلِّ والخضوعِ، فلا بد من الجمعِ بينَ الأَمْرَيْنِ. فإن كان الذلُّ والخضوعُ دونَ محبةٍ فالذليلُ الخاضعُ قد يكونُ مُبْغِضًا كَارِهًا لِمَنْ أَذَلَّهُ وأخضعَه، وَمَنْ أَبْغَضَ رَبَّهُ وَكَرِهَهُ فهو في دركاتِ النارِ. والمحبةُ وحدَها إذا لم يكن معها خوفٌ قد يتجرأُ صاحبُها ويكونُ ذَا دلالٍ فيتجرأُ على المقامِ الأقدسِ بما لا يَنْبَغِي. فلا بدَّ أن تكونَ هناكَ محبةٌ، وأن يكونَ هناك خوفٌ وَذُلٌّ وخضوعٌ لله. وضابطُها: هي التقربُ إلى اللهِ بما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به بإخلاصٍ، على النحوِ الذي شَرَعَ، فلا يرضى اللهُ أن يعبدَ بغيرِ ما شَرَعَ. فلا بد أن تكونَ بما شَرَعَ مطابقة للشرعِ، مُخلَصًا فيها لله وحدَه (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 59] ليس لكم من إِلَهٍ غيره. قولُه هنا: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ} [الأعراف: آية 59] أصلُه مبتدأٌ زِيدَتْ قَبْلَهُ (من) والمقررُ في فَنِّ الأصولِ: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ ظاهرةٌ في العمومِ، أما إذا دَخَلَتْ عليها (مِنْ) الْمَزِيدَةِ لتوكيدِ النفيِ ¬
فإنها تنقلُها من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ (¬1). فلو قيل: «ما لكم إلهٌ غيره» كان ظاهرًا في العمومِ. فإن قيل: «ما لكم من إله غيره». كان نصًّا صريحًا في العمومِ، وقد تُزَادُ (مِنْ) قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ لتنقلَه من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ، تَطَّرِدُ زِيَادَتُهَا هكذا بهذا المعنَى في اللغةِ العربيةِ في ثلاثةِ مواضعَ لاَ رابعَ لها (¬2): الأولُ: أن تُزَادَ قبلَ المبتدأِ كما هنا، كقولِه: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أصلُه: (ما لكم إلهٌ غيره). الثانِي: أن تزادَ قبلَ الفاعلِ، نحو: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} [المائدة: آية 19]، الأصلُ: (ما جاءنا بشير) فالمجرورُ بها فاعلٌ أصلاً. الثالثُ: أن تزادَ قبلَ المفعولِ به، نحو: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} [الأنبياء: آية 25] الأصلُ: (وما أرسلنا من قبلك رسولاً). {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 59] على قراءةِ الجمهورِ فِي {غَيْرُهُ} نعتٌ لِمَحَلِّ الإلهِ؛ لأن أصلَه مرفوعٌ. وعلى قراءةِ الكسائيِّ فهو نعتٌ للفظِ الإلهِ؛ لأنه مجرورٌ بـ (مِنْ) (¬3) وقد قَدَّمْنَا أن (الإلهَ). (فِعَال) بمعنَى (مفعولٍ) أي: معبودٌ، فالإِلَهَةُ في اللغةِ: العبادةُ. والإلهُ: المعبودُ. وفي قراءةِ ابنِ عباسٍ: ¬
أي: وعبادتك. فالإلهُ معناه المعبودُ الذي يعبدُه خَلْقُهُ بِذُلٍّ وخضوعٍ ومحبةٍ إليه (جل وعلا). وقد قَدَّمْنَا أن إتيانَ (الفِعَالِ) بمعنَى (المفعولِ) مسموعٌ في اللغةِ وليس بِمُطَّرِدٍ، ومنه: (إله) بمعنَى: مألوه، و (كتاب) بمعنَى: مكتوبٍ، و (لباس) بمعنَى: ملبوس، و (إمام) بمعنَى: مُؤْتَمٍّ به، في أوزانٍ معروفةٍ، وهذا معنَى: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (¬1). {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن لم تُفْرِدُوا رَبَّكُمْ بالعبادةِ وَتُخْلِصُوا له بالعبادةِ وتتركوا عبادةَ الأوثانِ: {أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن متم على ذلك {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو [يومُ القيامةِ، يعنى] (¬2) أن مَنْ مات يعبدُ غيرَ اللهِ لَقِيَهُ العذابُ العظيمُ. والعظيمُ هنا نعتٌ لليومِ، خِلاَفًا لِمَنْ زَعَمَ أنه نعتٌ للعذابِ جُرَّ بالمجاورةِ؛ لأن مِنْ عَادَةِ العربِ أن تُنَوِّهَ بالأيامِ وتُشنِّعَهَا مع أنها ظروفٌ وأزمانٌ نَظَرًا لِمَا يَقَعُ فيها. يقولونَ: يومٌ ذُو كواكبَ، يومٌ أشنعُ، يومٌ عصيبٌ. ومنه قولُ نَبِيِّ اللهِ لوطٍ: {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77] ونظيرُه قولُ الشاعرِ (¬3): وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وقَدْ سَلَكوُكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ ومنه قولُه تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: آية 17 - 18] فاليومُ (¬4) تُذَكِّرُهُ العربُ وتُهوِّلُ شأنَه نَظَرًا لِمَا يقعُ ¬
فيه، أما نفسُ اليومِ في حَدِّ ذاتِه فهو ظرفٌ من الظروفِ، وإنما المرادُ تهويلُه بما يقعُ فيه. وهذا معنَى: {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] والآيةُ لها صُورَتَانِ: إن كان مقصودُه أنه يخافُ عليهم عذابَ يومٍ عظيمٍ في دارِ الدنيا وقتَ طَمَعِهِ في إيمانِهم فلاَ إشكالَ في الآيةِ. ومعنَى خوفِه عليهم: أنه يخافُ ألا يتوبوا فيموتوا كافرين. فيكونُ الخوفُ في موقعِه، وهو أنهم في دارِ الدنيا يحتملُ أن يؤمنوا فلا يُعذبوا، ويُخاف أن يتمادوا على الكفرِ حتى يَمُوتُوا فيعذبوا. فيكونُ الخوفُ في موقعِه. وعلى قولِ مَنْ يقول: أخافُ عليكم العذابَ إن متم على الكفرِ فيتعينُ أن تُحمل (أخافُ) بمعنَى أعلمُ؛ لأن نوحًا عَالِمٌ كُلَّ العلمِ بأنهم إن ماتوا كُفَّارًا عُذِّبوا عذابًا عظيمًا لاَ شَكَّ فيه. والعربُ تُطْلِقُ الخوفَ وتريدُ به العلمَ كما هو معروفٌ في لغتِها. وقال بعضُ العلماءِ: منه قولُه: {إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: آية 229] قالوا: معناه: إلا أن يَعْلَمَا {فَإِنْ خِفْتُمْ}: فإن عَلِمْتُمْ. وقد ذَكَرْنَا مرارًا أن مِنْ شَوَاهِدِ إتيانِ الخوفِ بمعنَى العلمِ قولُ أبي مِحْجَنٍ الثقفيِّ في أبياتِه المشهورةِ (¬1): إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمةٍ ... تُروِّي عِظَامِي بِالْمَمَاتِ عُرُوقُهَا ... وَلاَ تَدْفِنَنِّي بِالْفَلاَةِ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إِذَا مَا مُتُّ أَلاَّ أَذُوقَهَا وهو يعلمُ عِلْمًا يقينًا أنه إذا ماتَ ليس شاربًا للخمرِ بعدَ موتِه كما لاَ يَخْفَى. وهذا معنَى قولِه: {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. ¬
فأجابه قومُه شَرَّ جوابٍ وَأَخَسَّهُ وأقبحَه: {قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 60] الملأُ: أشرافُ الجماعةِ وَذُكُورُهَا الذين ليس فيهم امرأةٌ. قيل سُمُّوا (ملأً) لأنهم يملؤون صدورَ المجالسِ بقامتِهم الوافيةِ، أو يملؤونَ صدورَ الناظرِ لأُبَّهَتِهِمْ وَجَمَالِهِمْ، أو أنهم يَتَمَالَؤُونَ على العقدِ والحلِّ فيتفقونَ عليه. أي: قال أشرافُ جماعتِه ورؤساؤُهم وأهلُ الحلِّ والعقدِ منهم: {قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ} لَنَعْتَقِدُكَ يا نوحُ {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] أي: في ذَهَابٍ عن طريقِ الحقِّ بَيِّنٍ واضحٍ حيث جِئْتَنَا لِتَصْرِفَنَا عما كانَ يعبدُ آباؤُنا، فهذا التوحيدُ الذي جِئْتَنَا به وإفرادُ اللهِ بالعبادةِ نَرَاكَ في ضلالٍ وَذَهَابٍ عن الحقِّ مبينٍ واضحٍ. وقد قَدَّمْنَا (¬1) أن (المُبِيْن) هو اسمُ فاعلِ (أَبَانَ) وأن العربَ تستعملُه استعمالين كِلاَهُمَا في القرآنِ. تقولُ العربُ: أَبَانَ الأَمْرُ يَبِينُ. من (أبان) اللازمةِ. فهو بَيِّنٌ ومُبِينٌ. وعلى هذا فالمُبِينُ صفةٌ مشبهةٌ من (أبان) اللازمةِ بمعنَى (بَيَّنَ) وعليه: في ضلالٍ بَيِّنٍ. أَي: واضحٍ لاَ إشكالَ فيه. وهذا المعنَى كثيرٌ في كلامِ العربِ - إطلاقُ (أبانَ) لازمةً - ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ (¬2): قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ قولُه: «عتق مبين» أي: كَرَمٌ ظَاهِرٌ. ومن (أبان) لازمة بِمَعْنَى: (بان) قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ المخزوميِّ (¬3): ¬
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا ... لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ يعنِي: لَظَهَرَ من آثارِ النملِ على جِلْدِهَا ورمٌ لرقةِ بَشْرَتِهَا. ومنه قولُ جريرٍ (¬1): إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ الْعِرَابِ أَيْ: ظهرَ المقرفات من العراب. الوجهُ الثاني: تستعملُ (أبان) اسم فاعلِ (أبان) المتعدية، أبانَه يُبِينُهُ. فاسمُ الفاعلِ (مبين) واسمُ المفعولِ (مُبان) كما هو معروفٌ. والظاهرُ أن هذه هنا من اللازمةِ. ومعنَى: {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: في ضلالٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ، من (أبان) اللازمةِ. قال نوحٌ مُجِيبًا لهم: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ} [الأعراف: آية 61] هم قالوا: إنه في ضلالٍ كثيرٍ. وهو نَفَى أن تكونَ معَه ضلالةٌ فردٌ واحد، وإذا انتفى عنه فردٌ واحدٌ من أفرادِ الضلالةِ فانتفاءُ غيرِه أَنْفَى وَأَنْفَى: {لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ} ولا حَيْدُودَةٌ عن طريقِ الحقِّ، بل أنا على حقٍّ وعلى طريقٍ مستقيمٍ، ولكنِّي غيرُ ضَالٍّ. {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 61] أُرْسِلْتُ إليكم مِنْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما ومدبرِ شؤونِ الجميعِ. وقد بَيَّنَ في الشعراءِ أن (العالمين) يشملُ السماءَ والأرضَ وَمَنْ فيهما وما بينَهما في قولِه: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآيتان 23، 24]. ¬
{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا أبا عمرٍو: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} [الأعراف: آية 62] بفتحِ الباءِ وتشديدِ اللامِ. وقرأَه أبو عمرو وحدَه: {أُبْلِغُكُمْ رسالات ربي} (¬1) الأُولَى: من التبليغِ، والثانية من الإبلاغِ (¬2). وَسَمَّى رسالاتِه رسالات؛ لأنها في نواحٍ متعددةٍ (¬3). {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ} العربُ تقولُ: نَصَحَهُ وَنَصَحَ له، و (نصح له) أكثرُ. ومعناه: {أَنْصَحُ لَكُمْ} أَبْغِي لكم النصيحةَ خالصةً من شوائبِ الغشِّ جميعِه، بل إنما أُعْطِيكُمُ النصيحةَ صافيةً خالصةً من شائبةِ الغشِّ، أدعوكم إلى اللَّهِ: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية 62] أعلمُ من رَبِّي ما لا تعلمونَه، ومن جملةِ ذلك أنكم إن عصيتموني، وَمُتُّمْ على كفرِكم أنكم تَلْقَوْنَ العذابَ العظيمَ والإهانةَ الكبرى والخلودَ في دركاتِ النارِ، وأنكم إن أطعتموني دخلتُم الجنةَ وخلدتُم في نعيمِ اللهِ، وهذا معنَى قولِه: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: بوحيٍّ من الله جل وعلا. ¬
[11/ أ] / قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)} [الأعراف: الآيتان 63 - 64]. يقول اللهُ جل وعلا: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)} [الأعراف: الآيتان 63، 64]. هذا مما قَصَّ اللهُ علينا من قصصِ أنبيائِه مع أُمَمِهِمْ. لَمَّا قال نوحٌ لقومِه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] وَرَدُّوا عليه ذلك الردَّ القبيحَ الشنيعَ، وقالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] وقابل سفاهتَهم وَجَهْلَهُمْ وَقُبْحَ رَدِّهِمْ بالكلامِ اللطيفِ، والجوابِ الكريمِ الخالِي من بذاءةِ اللسانِ، اللَّيِّنِ كما هي عادةُ الرسلِ في مخاطباتِهم مع الكفرةِ الجهلةِ: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62)} [الأعراف: الآيتان 61، 62] قال أيضًا لقومِه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ} [الأعراف: آية 63] أَجْرَى اللهُ العادةَ بأن الأممَ إذا بُعِثَ فيهم رُسُلٌ منهم يقولونَ: لو كان اللَّهُ مُرْسِلاً رسولاً لَمَا جَعَلَهُ بَشَرًا يأكلُ الطعامَ، ويشربُ كما نشربُ، ويروحُ إلى السوقِ ليقضيَ حاجتَه، ويتزوجُ، ويولدُ له! لو كان مُرْسِلاً رسولاً لأَرْسَلَ الملائكةَ؛ لأَنَّ لهم هيبةً ليست عندَ الآدَمِيِّينَ، وعلاماتٍ تميزهم عن الآدميين. ويقولونَ للرسلِ: أنتم بشرٌ مثلُنا، تأكلونَ كما نأكلُ، وتشربونَ كما نشربُ، وتذهبونَ إلى
الأسواقِ لقضاءِ حاجاتِكم كما نفعلُ، وتتزوجونَ كما نتزوجُ، ويولدُ لكم كما يُولَدُ لنا، فأنتم بشرٌ مثلُنا لا يمكنُ أن نكونَ لكم تَبَعًا، وأن تكونوا أفضلَ منا بحيثُ تكونونَ آمِرِينَ نَاهِينَ علينا!! هذه عادةٌ أَجْرَاهَا اللهُ كما قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً (94)} [الإسراء: آية 94] كيف يبعثُ اللهُ بشرًا يأكلُ ويشربُ، ويذهبُ إلى السوقِ؟ وهذا كثيرٌ في القرآنِ (¬1) {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ} [القمر: آية 24] لا يمكن هذا {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ} [التغابن: آية 6] {مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: آية 15] {مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34)} [المؤمنون: الآيتان 33، 34] فيعجبونَ من أن الله يبعثُ الرسلَ من البشرِ، ويستنكرونَ هذا الأمرَ. والرسلُ تُبَيِّنُ لهم أن هذا لا عجبَ فيه؛ لأن اللهَ ما أرسلَ إلى الأممِ إلا رُسُلاً منهم، كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} [يوسف: آية 109] لم نُرْسِلْ قَبْلُ ملائكةً. وقال (جل وعلا) لَمَّا قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 7] قال الله: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 20] إلى غير ذلك. ومن هذا القبيلِ قال نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ لقومِه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ} [الأعراف: آية 63] هذه الهمزةُ التي تأتِي بعدَها أداةُ عطفٍ كالواوِ والفاءِ وَثُمَّ، الأكثرونَ من علماءِ العربيةِ على أن الهمزةَ تتعلقُ بجملةٍ محذوفةٍ، وأن الواوَ إنما فُتِحَتْ لأنها عاطفةٌ على الجملةِ المحذوفةِ الذي دَلَّ عليه ¬
المقامُ (¬1). وهذا هو الوجهُ المختارُ من الوَجْهَيْنِ، واعتمدَه ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقولِه (¬2): وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ ... .................................... وتقديرُ المحذوفِ: أكفرتُم وَكَذَّبْتُمُونِي وعجبتُم أيضًا من أن جاءَكم ذِكْرٌ من ربكم، أي: أكفرتُم وعجبتُم؟ إنكارٌ لكفرِهم، وإنكارٌ لعجبهم المعطوفِ عليه؛ لأن كل هذا ليس محلَّ استنكارٍ. والعَجَبُ معروفٌ، وهو أن يستغربَ الإنسانُ الشيءَ ويستبعدَه كأنه ليس من المألوفِ وجودُ نظيرِه: {أَوَعَجِبْتُمْ} [الأعراف: آية 63] أي: أَكَفَرْتُمْ وعجبتُم؟ أي: تعجبتُم واستغربتُم من {أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 63] أي: جاءكم ذِكْرٌ. أي: موعظةٌ. المرادُ بِالذِّكْرِ هنا: موعظةُ اللهِ التي أَنْزَلَهَا على نَبِيِّهِ نوحٍ من توحيدِ اللهِ الخالصِ وعبادتِه وحدَه (جل وعلا)، والوعظِ الذي يُلَيِّنُ القلوبَ، والزجرِ عن عبادةِ غيرِ اللهِ، فهذا الذكرُ الذي جاءَهم، (ذكر) أي: وعظٌ نازلٌ من الله. {عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} [الأعراف: آية 63] على لسانِ رجلٍ منكم بَعَثَهُ اللهُ فيكم نَبِيًّا، بعثَه اللهُ بهذا الوعظِ لأَجْلِ أن ينذرَكم. وقد قَدَّمْنَا أن (¬3) (الإنذارَ) أنه الإعلامُ المقترنُ بتهديدٍ خاصةً. فكلُّ [إنذارٍ إعلامٌ وليس كُلُّ إعلامٍ إنذارًا] (¬4)، أي: لينذركم. أي ليخبرَكم برسالاتِ اللهِ، مبلغكم أوامرَه ونواهيَه، مُبَيِّنًا لكم أنكم إن لم تتقوه وتطيعوا ¬
رسولَه أنكم سَتَلْقَوْنَ العذابَ الأليمَ والنكالَ الشديدَ. وكونُ الإخبارِ مُقْتَرِنًا بهذا التهديدِ والتخويفِ من عذابِ اللهِ ونكالِه هو معنَى الإنذارِ. أي: (لينذركم) لأجلِ أن ينذرَكم، يخوفكم عقابَ اللهِ وشدةَ نكالِه وبأسِه إن تماديتُم على كفركم. {وَلِتَتَّقُوا} [الأعراف: آية 63] علةٌ أُخْرَى. أي: جاءكم ذِكْرٌ من ربكم على لسانِ رَجُلٍ منكم لأَجْلِ أن تتقوا اللهَ وتجعلوا بينَكم وبين سَخَطِهِ وعذابِه وقايةً، هي امتثالُ أمرِ اللهِ واجتنابُ نهيِ اللهِ؛ ولأَجْلِ أن تُرْحَمُوا. (لَعَلَّ) هنا الظاهرُ فيها أنها تعليليةٌ؛ لأنها معطوفةٌ على مَوْضِعَيْنِ من لامِ كَيْ؛ لأن قولَه: {لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا} كِلْتَاهُمَا لاَمُ كَيْ، فَعَطْفُ (لعل) عليهما يدلُّ على أنها للتعليلِ. وقد قال بعضُ علماءِ التفسيرِ (¬1): كل (لَعَلَّ) في القرآنِ فَفِيهَا معنَى التعليلِ إلا التي في سورةِ الشعراءِ: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)} [الشعراء: آية 129] قالوا: هي بمعنَى: كأنكم تَخْلُدُونَ. هكذا قالوا واللَّهُ أعلمُ. ولا شكَّ أن (لعلَّ) تأتِي في القرآنِ للتعليلِ، وكذلك تأتِي في كلامِ العربِ، فَمِنْ إتيانِها في القرآنِ ظاهرةً في التعليلِ واضحةً فيه: {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: آية78] أي: أَنْعَمَ عليكم بنعمةِ الأبصارِ والأفئدةِ لأَجْلِ أن تشكروا نعمَه فتؤمنوا به. وَمِنْ إتيانِ (لعل) في كلامِ العربِ بمعنَى التعليلِ قولُ الشاعرِ (¬2): فَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ ¬
فقولُه: (كُفُّوا الحروبَ لعلنا) أي: كُفُّوا الحروبَ لأَجْلِ أن نَكُفَّ. وهذا معنَى قولِه: {وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} هذا الذِّكْرُ الذي أَنْزَلَهُ اللهُ عليكم على لسانِ رجلٍ منكم لا عجبَ فيه وإنما أنزل اللهُ هذا الذي تعجبتُم منه لصلاحِكم: أولاً: لأَجْلِ أن تتقوا اللهَ بإنذارِ هذا النبيِّ الكريمِ الذي هو مِنْكُمْ. الثاني: {لِيُنذِرَكُمْ} يخوفكم عقابَ اللهِ، وتتقوا اللهَ، ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ برحمتِه الواسعةِ إذا أقلعتُم عن الكفرِ واتقيتُم اللهَ؛ لأن رحمةَ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ، ولكن الله بَيَّنَ من يكتب لهم رحمتَه في قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: الآيتان 156، 157] هؤلاء هم الذين يكتب اللهُ لهم رحمتَه؛ ولذا قال نبيُّ اللهِ نوحٌ لقومِه: لا تعجبوا فهذا ليس مَحَلَّ عَجَبٍ، وهذا أمرٌ لا يُعْجَبُ منه؛ لأن اللهَ أَنْزَلَ عليكم ذِكْرًا على لسانِ رَجُلٍ منكم ليخوفَكم من اللهِ، من عبادةِ غيرِه؛ ولأجلِ أن تتقوا رَبَّكُمْ بما يعلمكم ويبلغكم عن الله؛ ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ إن أنتم فعلتُم ذلك. وهذا معنَى قوله: {لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ثم أعادَ الكلامَ فقال: {فَكَذَّبُوهُ} لأنه ذَكَرَ أولاً أنهم كَذَّبُوهُ تكذيبًا شنيعًا حيث قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] فَلَمَّا أعادَ عليهم الكلامَ، وَبَيَّنَ لهم أن بعثَه إليهم لا يُسْتَعْجَبُ منه، وأنه لصلاحِهم ليخوفَهم من معاصِي اللهِ، وليتقوا اللهَ فيرحمهم اللهُ عادوا إلى التكذيبِ. وقال اللهُ هنا: {فَكَذَّبُوهُ} عادوا إلى تكذيبِهم الأولِ. والظاهرُ أنه قال: {فَكَذَّبُوهُ} ولم يَذْكُرْ شناعةَ قولهم لأنهم تَمَادَوْا على مثلِ قولِهم الأولِ من التكذيبِ: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}
يعني لَمَّا كَذَّبُوهُ - في الكلامِ اختصارٌ - صبر على أَذَاهُمْ، ومكثَ تسعمائة وخمسين سنةً وهو يدعوهم إلى الإسلامِ صابرًا على ما يَلْقَى منهم من الأذى، حتى إن رَبَّهُ تعالى قنَّطَه منهم وَبَيَّنَ له أنه لا يؤمنُ منهم أحدٌ أبدًا كما قال: ... {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: آية 36] فَتَيَقَّنَ نوحٌ أنه لم يَبْقَ يُرْجَى منهم خَيْرٌ، وإنما فيهم الشرُّ، وتعذيبُ نوحٍ وإهانتُه بما ينال منهم من السوءِ، وأنهم كلهم شرٌّ لاَ يُرْجَى منهم خيرٌ أبدًا، ولا من نَسْلِهِمْ بعدَ أن مَكَثَ فيهم هذا الزمنَ الطويلَ الذي بَيَّنَهُ اللَّهُ في العنكبوتِ فِي قولِه: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: آية 14] لَمَّا أعلمَه اللهُ أنهم لا يُرجى لهم صلاحٌ، ولا يُرجى لهم خيرٌ، وأنه لا يؤمنُ منهم ولا من ذرياتهم أحدٌ، لما حَصَلَ هذا اليأسُ عند ذلك دَعَا عليهم في قولِه: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: آية 26] دَيَّارًا: أي: داخل دَارٍ، أو عامر بيتٍ، فأهْلِكْهُمْ كُلَّهُمْ. ثم قال: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا (27)} [نوح: آية 27] وإنما قال نوحٌ: {وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا} لأن رَبَّهُ أخبرَه بأنهم لا يؤمنُ منهم أحدٌ في قولِه في سورةِ هودٍ: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: آية 36] فَلَمَّا دعا عليهم نوحٌ وَبَيَّنَ اللهُ دعاءَه عليهم فيٍ آياتٍ كثيرةٍ: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)} [القمر: آية 10] {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ} [الأنبياء: الآيتان 76، 77]. لَمَّا مَكَثَ فيهم هذا الزمنَ الطويلَ وهم يكذبونَه ويؤذونَه، وكانت امرأتُه خبيثةً تَدُلُّهُمْ على مَنْ أَسْلَمَ من القليلين الذين أَسْلَمُوا
معه فيعذبونَهم ويهينونَهم أهلكها اللهُ معهم، وصارت مع الكافرين، ودخلتِ النارَ والعياذُ بالله، وَضَرَبَهَا اللهُ مثلاً مع امرأةِ لوطٍ لِمَنْ يكونُ في صحبةِ أفاضلِ الناسِ وخيارِ الأنبياءِ ولا يكونُ في نفسِه طَيِّبًا فلا ينتفعُ بتلك الصحبةِ الكريمةِ لِخُبْثِ نفسِه، قال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)} [التحريم: آية 10] ومعنَى (خانتاهما) أي: بالكفرِ وإطلاعِ الكفارِ على أسرارِهما، وليس المرادُ أنهما خَانَتَا خيانةَ زِنًى كما تَوَهَّمَهُ بعضُ الناسِ، وأن امرأةَ نوحٍ خَانَتْهُ فَزَنَتْ! واستدلوا بأن اللهَ لَمَّا قال نوحٌ: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} قال: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: الآيتانِ 45، 46] فهذا غلطٌ، بل غلطٌ عظيمٌ فاحشٌ. والمحققونَ من أهلِ العلمِ أن اللهَ كرم مناصبَ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، وَطَهَّرَ فُرُشَهُمْ فلم تَزْنِ امرأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، والولدُ الكافرُ الذي أُغْرِقَ هو ابنُ نوحٍ لا شكَّ فيه؛ لأن اللهَ - وهو أصدقُ مَنْ يقولُ - صَرَّحَ بأنه ابنُه حيث قال: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} [هود: آية 42] وقولُ اللهِ له: {مِنْ أَهْلِكَ} يعنِي بحذفِ الصفةِ، من أهلِك الموعودِ بنجاتِهم وإركابِهم في السفينةِ في قولِه: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: آية 33] لأنه فَارَقَ دينَكم وَكَانَ كافرًا. فَلَمَّا تَطَاوَلَ الزمنُ على نوحٍ وهو يدعوهم، ولا يزيدُهم دعاؤُه إلا فرارًا وَبُعْدًا عن الحقِّ؛ دعا عليهم فأجابَ اللهُ دعوتَه، فأرسلَ
السماءَ مِدْرَارًا، وَفَجَّرَ عيونَ الأرضِ، فَالْتَقَى الماءُ من أعلى وأسفلَ، حتى صارَ طُوفَانًا غَطَّى على الجبالِ. والدليلُ على أنه غَمَرَ الجبالَ: أن نوحًا لَمَّا قال لولدِه: {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} وقال الولدُ: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} أجابَه نوحٌ فقال: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} [هود: الآيتان 42، 43] فَدَلَّ على أنه ليسَ هناك معتصمٌ في الجبالِ؛ وَلِذَا قال تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)} [القمر: الآيات 10 - 12] فصارَ طوفانًا جارفًا أَهْلَكَ جميعَ مَنْ على وجهِ الأرضِ، مِنْ كُلِّ ما هو حَيٌّ إلا مَنْ كان في تلك السفينةِ، كما قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت: آية 15] وأمر اللهُ نَبِيَّهُ نوحًا بأن يجعلَ تلك السفينةَ - ويجعلَها بالنجارةِ - وكان ينجرها والأرضُ يبَس، وهم يضحكونَ منه ويسخرونَ ويقولونَ: كنتَ نَبِيًّا فصرتَ نَجَّارًا! وهو يقولُ لهم: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود: الآيتان 38، 39] فَلَمَّا قَرُبَ الوعدُ المحددُ لإهلاكِهم قيلَ لنوحٍ: ارْكَبْ في السفينةِ وَاحْمِلْ فيها أهلكَ ومن آمَنَ مَعَكَ، ثم قال: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: آية 40] وَأَمَرَ أن يأخذَ من كُلِّ شيءٍ من جميعِ الحيواناتِ زَوْجَيْنِ. أي: ذَكَرًا وَأُنْثَى؛ لأن جميعَ مَنْ على وجهِ الأرضِ سيهلكه الطوفانُ، ولن يبقى إلا مَنْ فِي تلك السفينةِ، فيكونُ كُلُّ جنسٍ من أنواعِ الحيواناتِ موجود معه منه ذَكَرٌ وأنثى ليتناسلَ ذلك الذكرُ بتلك الأنثى وينشأَ منهما ذلك النوعُ من أنواعِ الحيواناتِ كما يأتي في قولِه: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: آية 40] وفي القراءةِ
الأخرى (¬1): {مِنْ كُلِّ زوجين اثنين} أي: ذَكَرًا وَأُنْثَى ليقعَ منهما التناسلُ وينتشرَ منهما ذلك النوعُ؛ لأن مَنْ على وجهِ الأرضِ سَيُهْلِكُهُ ذلك الطوفانُ. وذلك يُبَيِّنُ أن ذنوبَ بَنِي آدمَ قد يُهْلِكُ اللهُ بها الجميعَ حتى الحيواناتِ. قال بعضُ العلماءِ: قد تهلك الحبارى في وَكْرِهَا، والجُعْل في جُحْره بذنوبِ بَنِي آدمَ، وقد يهلك اللهُ بني آدمَ بذنوبِ بعضِهم. فإذا انتشرَ الفسادُ في الأرضِ وكانَ الناسُ قادرين على أن يَكُفُّوهُ فلم يكفوه نزلَ البلاءُ فَعَمَّ الصالحَ والطالحَ، كما جاء في الأحاديثِ الكثيرةِ وفي قولِه تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: آية 25] وَمِنْ أَوْضَحِ ذلك حديثُ النعمانِ بنِ بشيرٍ الثابتُ في الصحيحِ - المشهور - الذي ضَرَبَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مثلاً للناسِ إن أَخَذَتْ على أيدي السفهاءِ، وَمَنَعَتْهُمْ من معاصِي اللهِ، وَأَمَرَتْ بالمعروفِ، وَنَهَتْ عن المنكرِ، وإن لم تَفْعَلْ ذلك، فضربَ لهم مثلاً بقومٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ، فكان بعضُهم في أسفلِ السفينةِ، وكانوا إذا أَرَادُوا أن يشربوا من الماءِ صَعدُوا فَمَرُّوا على مَنْ فَوْقَهُمْ، فقالوا: لاَ ينبغي لنا أن نصعدَ ونمرَّ على مَنْ فَوْقَنَا بل نَخْرِقُ السفينةَ مما يَلِينَا، ونشربُ مِمَّا يَلِينَا فلاَ نصعد حتى نَمُرَّ على مَنْ بأعلاها. فَبَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنهم إن تركوهم وما أرادوا وخرقوا السفينةَ دخلَ الماءُ فيها فامتلأت فغرقَ الجميعُ، وإن زَجَرُوهُمْ وكفوا أيديَهم نَجَوْا ونجا الجميعُ. نقلنا الحديثَ بالمعنَى، وهو حديثٌ صحيحٌ، ثابتٌ في الصحيحِ (¬2)، مشهورٌ، وهو واضحٌ في أن السفهاءَ ¬
إن لم يُؤْمَرُوا بالمعروفِ وَيُنْهَوْا عن المنكرِ وَيُضْرَبْ على أيديهم أنهم يُهلِكونَ الجميعَ، فيهلك الجميعُ بذنوبهم. وفي الحديثِ الصحيحِ المشهورِ من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ الحكمِ زينبَ بنتِ جحشٍ (رضي الله عنها): أنها لَمَّا سَمِعَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هَكَذَا». وعقدَ التسعينَ مثل هذا. أنها (رضي الله عنها) لَمَّا سَأَلَتْهُ فقالت: أَنَهْلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» (¬1) فإذا انتشرت المعاصي وكثر الخَبَثُ ولم يُضرب على أيدي السفهاءِ أوشكَ اللهُ أن يعمهم بعذابٍ من عندِه؛ ولذا عَمَّ جميعَ مَنْ في الأرضِ بذنوبِ مَنْ كَذَّبُوا نوحًا عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ. وَلَمَّا دعا عليهم نوحٌ قيلَ لنوحٍ: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: آية 40] الذي سَبَقَ عليه القولُ مِنْ أَهْلِهِ: زوجتُه الكافرةُ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وابنُه الكافرُ - والمؤرخونَ يزعمونَ أن اسمَه كَنْعَانُ - فلما رَكِبَ نوحٌ في السفينةِ، وَفَجَّرَ اللهُ عيونَ الأرضِ، وأنزلَ الماءَ من السماءِ فالتقَى الماءُ على أَمْرٍ قد قُدِرَ، أَهْلَكَهُمُ اللهُ بذلك الطوفانِ، ولم يُبْقِ منهم باقيةً. وفي قصتِهم: أن اللَّهَ (تبارك وتعالى) لو كان يرحمُ أحدًا منهم لَرَحِمَ امرأةً منهم في القصةِ؛ لأن عندَها ولدًا صغيرًا تُحِبُّهُ حُبًّا شديدًا، كانت كلما طلع الماءُ ارْتَفَعَتْ بالولدِ إلى الجبلِ، حتى صارت على رأسِ الجبلِ، فَطَمَّ الماءُ على الجبلِ، فكان الماءُ ¬
كُلَّمَا بلغَ شيئًا منها رَفَعَتِ الولدَ، حتى بلغ حلقومَها، رَفَعَتْ يدَها بالولدِ حتى أغرقَ اللهُ الجميعَ (¬1)، وَدَمَّرَ اللهُ الجميعَ. واعتذرَ نبيُّ اللهِ نوحٌ عن دعائِه عليهم - مع أن اللَّهَ أَعْلَمَهُ أنهم خبثاءُ ليس فيهم خيرٌ - قال يقولُ لِرَبِّهِ: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)} إلى آخِرِ ما ذُكِرَ. [نوح: الآيات 5 - 10] فالقصةُ اخْتُصِرَتْ هنا في سورةِ الأعرافِ وَبَسَطَهَا اللهُ في سورٍ أخرى متعددةٍ. ولذا قال: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ} [الأعراف: آية 64] أي: أنجيناه هو والذين معَه في الفلكِ، وهم قليلٌ؛ لأن اللهَ قال: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: آية 40]. وبعضُ المؤرخين يقولونَ: هم أربعونَ رجلاً وأربعونَ امرأةً، هم ثمانونَ نَفْسًا. وبعضُهم يقولُ: هم تسعةُ أَنْفُسٍ. واللهُ تعالى أعلمُ. ولكن اللَّهَ بَيَّنَ أنهم قليلٌ حيث قال: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} وقال: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: آية 36] فصارت تلك السفينةُ تجري بهم تتلاطمُ عليها الأمواجُ كما قال تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} [هود: آية 42] الأمواجُ كأنها الجبالُ، وهذا يدلُّ على عِظَمِ الطوفانِ وارتفاعِه فوقَ الأرضِ حيث شَبَّهَ أمواجَه بالجبالِ كما قال: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} فأهلكهم اللهُ وَدَمَّرَهُمْ، وَاسْتَوَتِ السفينةُ على الْجُودِيِّ ثُمَّ لَمَّا قَضَى اللهُ أَمْرَهُ: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: آية 44] فَلَمَّا أَرْسَلَ اللهُ ¬
الرياحَ وَنَشَفَتِ الأرضُ، ويبست من آثارِ ذلك الطوفانِ نَزَلَ نوحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَنَاسَلَ مَنْ مَعَهُ، وصارَ جميعُ الدنيا من أولادِه الثلاثةِ الذين كانوا مَعَهُ، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: آية 77]. والمؤرخونَ يُسَمُّونَ نوحًا: آدمَ الأصغرَ؛ لأن جميعَ مَنْ بَعْدَهُ من الدنيا من نَسْلِهِ. وأولادُه الذين مَعَهُ: سام وحام ويافث. وبعضُ المؤرخين يقولونَ: إن جميعَ الموجودين في الدنيا راجعٌ إلى تلك الأصنافِ التي هِيَ مِنْ نسلِ هؤلاء الرجالِ، ويزعمونَ أن سَامًا من نسلِه: العربُ والرومُ والفرسُ، وأن حامًا من نسلِه: القبطُ والسوادين والبربرُ، وأن يافث من نسلِه: الصقالبةُ ويأجوجُ ومأجوجُ والتركُ. وأن جميعَ أنواعِ الناسِ يرجعُ في الأصلِ إلى هذه العناصرِ، هكذا يقولونَ، وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ (¬1). وَلِذَا قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: آية 64]. الْفُلْكُ: السفينةُ. وهذه السفينةُ تَمْشِي في البحرِ تحملُ الناسَ، آية من آياتِ الله، كما قال: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)} [يس: آية 41] وفي القراءةِ الأخرى (¬2): {ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)} [يس: الآيات 41 - 44] الفلكُ: السفينةُ، وَيُطْلَقُ على جمعِ السفنِ، فهو يُطْلَقُ على المفردِ وعلى الجمعِ. قال بعضُ علماءِ العربيةِ (¬3): إن أُطْلِقَ على ¬
المفردِ فضمةُ (فُلْك) كضمةِ (قُفْل)، وإن أُطْلِقَ على الجمعِ فضمةُ (فُلُك) كضمةِ (كُتُب) و (رُسُل). هكذا يقولون. وقد يجوزُ تذكيرُه وتأنيثُه، وإذا جاء في القرآنِ مجموعًا كان مؤنثًا دائمًا كقولِه في الفلكِ: {لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} [النحل: آية 14] إلى غيرِ ذلك من التأنيثِ. وربما جَاءَ (الفلك) مذكرًا مفردًا في قولِه: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: آية 41] ولم يَقُلْ: (المشحونة) أي: الموقرِ بالناسِ. أي: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: آية 64] أي: في السفينةِ التي أُمِرَ بِنَجْرِهَا، وأن اللَّهَ وعدَه بأنه سَيُهْلِكُ قومَه بالغرقِ في الطوفانِ. وهذا مِمَّا يدلُّ على أن الآدميين ينبغي لهم معرفةُ الصنائعِ، وأن لاَ يكونوا مُتَوَاكِلِينَ متكاسلين، فالصنائعُ وَالْحِرَفُ الصناعيةُ ينبغي للمجتمعِ أن يَتَعَلَّمُوهَا، ألا يرونَ أن النجارةَ هي من جملةِ الصنائعِ، وكثيرٌ من الناس يأنفُ عن أن يتعاطاها، مع أن مُعَلِّمَهَا الأولَ هو جبريلُ ... - عليه السلامُ - وتلميذها الأول هو نوحٌ - عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ - كما في قولِه: {اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: آية 37] فَمُعَلِّمُهَا الأولُ جبريلُ، وتلميذُها الأولُ نوحٌ، ثم إنها هي السببُ في وجودِ الموجودين من بَنِي آدمَ على ظهرِ الأرضِ؛ لأَنَّ مَنْ لم يكن في تلك السفينةِ المصنوعةِ عن طريقِ النجارةِ لم يَبْقَ منهم أحدٌ، لم تَبْقَ منهم عينٌ تَطْرِفُ، بل ماتوا كلُّهم كما قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت: آية 15] وقال هنا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: آية 64] وهذا يدلُّ على أنَّ الْحِرَفَ الصناعيةَ ينبغي للمجتمعِ الاهتمامُ بها؛ ولذا كان أَوَّلَ نجَّار في الأرضِ نوحٌ، وأول مُعلِّم للنجارةِ جبريل، وأول حدَّاد في الأرض هو
داود - عليه السلام - كمَا قال الله له: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ: الآيتان 10، 11] والله يعلِّمه أصولَ الحدادةِ كقولِه: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: آية 11] لأن قولَه: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} من أعظمِ تعاليمِ أصولِ الحدادةِ؛ لأَنَّ معنَى: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} السردُ في لغةِ العربِ (¬1): نسجُ الدرعِ، تُسَمِّيهِ العربُ سردًا وزردًا، وتسمي ناسجَ الدروعِ: سرَّادًا زَرَّادًا، ودرعٌ مسرودةٌ كما هو معروفٌ، ومنه قولُ أَبِي ذُؤَيْبٍ (¬2): وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ وقولُ الآخَرِ (¬3): نَقْرِيهِمُ لَهْذَمِيَّاتٍ نَقُدُّ بِهَا ... مَا كَانَ خَاطَ عَلَيْهِمْ كُلُّ زَرَّادِ فمعنَى: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: آية 11] أي: اجْعَلِ المساميرَ والحِلَقَ في نسجِ الدروعِ بأقدارٍ متناسبةٍ متلائمةٍ؛ لأن المسمارَ إن كان أكبرَ من الحلقةِ جِدًّا كَسَرَهَا، وإذا كان أصغرَ منها جِدًّا لم يَشُدَّهَا كما ينبغي، فإذا كانت المساميرُ والحِلَقُ بأقدارٍ متناسبةٍ كانت الدروعُ مشدودةً كما ينبغي، تردُّ وقعَ السلاحِ من السيوفِ والسهامِ. وهذا مِمَّا يدلُّ على أن الحِرَفَ الصناعيةَ لاَ ينبغي التكاسلُ فيها ولا عدمُ تعاطيها؛ لأن أولَ مَنْ تعاطاها الرسلُ الكرامُ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - وكانت آثارُها الكريمةُ ظاهرةً في المجتمعِ؛ لأن الموجودين في الدنيا كانوا مَوْجُودِينَ بفضلِ اللَّهِ ثم بسببِ تلك الصناعةِ التي هي ¬
النِّجَارَةُ؛ لأن مَنْ لم يكن في تلك السفينةِ المصنوعةِ عن طريقِ حرفةِ النجارةِ كُلُّهُمْ هلكوا وماتوا من ذلك الطوفانِ، كما قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: آية 64] أي: الكفار الذين كذَّبوا نوحًا أَغْرَقْنَاهُمْ جميعًا بذلك الطوفانِ، كما قال تعالى: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15)} [العنكبوت: الآيتان 14 - 15] ولذا قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64] {إِنَّهُمْ}: أي: الكفار الذين كَذَّبُوا نوحًا الذين أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بالإغراقِ بالطوفانِ: {كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ}. والعَمُونَ جمع الْعَمِيِّ، ووزنُ العميِّ: (فَعِل) أصلُه: (عميٌ) تطرفت الياءُ بعدَ الكسرِ فصارَ ناقصًا (¬1). والعميُّ هو أَعْمَى القلبِ، والعياذُ بالله. وقراءةُ الحجةِ من القراءِ، منهم السبعةُ، بل والعشرةُ: {قَوْمًا عَمِينَ} جمع عَمِي، والعميُّ هو: الذي قَلْبُهُ أعمى لا يعرفُ الحقَّ، ولا يميزُ بينَ الشرِّ والخيرِ، ولا الباطلِ والحقِّ، ولا الحسنِ ولا القبيحِ. أما قراءةُ «قومًا عامِين» على وزنِ (فاعل) فهي من القراءاتِ الشاذةِ (¬2)، فلا تجوزُ القراءةُ بها. وإن كان المقررُ في علومِ العربيةِ أن الصفةَ المشبهةَ سواءً كانت على وزنِ (فَعِل) كما هنا في قولِه: {عَمِينَ} [الأعراف: آية 64] أو وزنِ (فعيل) أو غيرهما إذا أُرِيدَ ¬
بها التجددُ والحدوثُ جاءت على وزنِ (فاعل) (¬1). هذا معنًى معروفٌ مُقَرَّرٌ في علومِ العربيةِ، كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، إلا أنه لا يجوزُ قراءةً هنا وإن كان سائغًا لغةً؛ لأن الصفةَ المشبهةَ إذا أُرِيدَ بها التجددُ والحدوثُ عُبِّرَ عنها بصيغةِ الفاعلِ، سواء كانت من (فَعيل)، أو من (فَعِل)، أو (فَيعِل) أو غيرِهما كما هو معروفٌ. فالعربُ مثلاً تقولُ: ضَاقَ صدرُه يضيقُ فهو ضيِّق. فالضيِّقُ صفةٌ مشبهةٌ من (ضاق) على وزنِ (فَيْعِل) فإذا أُرِيدَ به التجددُ والحدوثُ عُدِلَ عن (ضَيْق) وقيل: ضائق. ومنه قولُه تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: آية 12] لَمْ يَقُلْ: (ضَيِّق) لأنه أَرَادَ تجددَ الضيقِ وحدوثَه، وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ العكلي حيث قال (¬2): بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللَّئِيمُ فَسَامِنٌ ... بِهَا وَكِرَامُ النَّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا سَامِنٌ: أصلُه سَمِينٌ. صفةٌ مشبهةٌ. وَلَمَّا أرادَ به التجددَ والحدوثَ عَبَّرَ عنه بوزنِ (فاعل). ومنه على وزنِ (فعيل) قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ رضي اللَّهُ عنه (¬3): رَأَيْتُ التُّقَى وَالْجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلاَ أصله: ثقيلٌ. صفةٌ مشبهةٌ من (ثَقُل) فهو ثقيلٌ، فلما أرادَ به ¬
التجددَ والحدوثَ قال: ثاقلٌ. ومن هذا المعنَى قولُ قيسِ بنِ الخطيمِ لَمَّا قال (¬1): أَبْلِغْ خِدَاشًا أَنَّنِي مَيِّتٌ ... كُلُّ امْرِئٍ ذِي حَسَبٍ مَائِتُ فلما أراد التجددَ والحدوثَ قال: (مائت). وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ يَكْفِينَا منه ما ذَكَرْنَا الآنَ. والشاهدُ أَنَّ قراءةُ الحجةِ من القراءِ: {قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64] جمعُ تصحيحٍ لِلْعَمِيِّ على وزنِ (فَعِل) صفةٌ مشبهةٌ من عَمِيَ يعمى فهو عَمِيٌّ إذا كان أَعْمَى القلبِ. وأن قراءةَ: (عامين) قراءةٌ شاذةٌ لا تجوزُ القراءةُ بها وإن كان مثلُها يجوزُ لغةً إذا أريدَ التجددُ والحدوثُ، وما كُلُّ ما يجوزُ لغةً يجوزُ قراءةً؛ لأن القراءةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64] والعياذُ بالله؛ لأن اللَّهَ يُعْمِي بصائرَ الكفارِ حتى يهلكوا: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الكهف: آية 57] {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: آية 46] وصرَّح في سورةِ الرعدِ بأن جميعَ الذين يعرفونَ حَقِّيَّةَ هذا القرآنِ أنهم لم يمنعهم من ذلك إلا عَمَى بصائرِهم - والعياذُ بالله - والعينُ العمياءُ لا يمكنُ أن ترى الشمسَ ولو كانت في رابعةِ النهارِ. ........................... ... إِذْ لاَ تَرَى الشَّمْسَ عَيْنٌ تَشْتَكِي الْعَوَرَا (¬2) إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ ... فَلاَ غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ (¬3) ¬
والآيةُ التي بَيَّنَ اللَّهُ بها ذلك من سورةِ الرعدِ هي قولُه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: آية 19] فَصَرَّحَ أن الذي لا يعلم أنه الحقُّ أن ذلك إنما جاءه من قِبَلِ عماه، فالقرآنُ نورٌ أوضحُ من نورِ الشمسِ، والذي لا يرى أحقيتَه إنما جَرَّهُ لذلك عَمَاهُ، والأعمى لا يرى الشمسَ، وعدمُ رؤيتِه للشمسِ لا يجعلُ في الشمسِ لَبْسًا ولا رَيْبًا ولا شَكًّا كما بَيَّنَّا. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64]. {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)} [الأعراف: الآيات 65 - 68]. {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} هذا معطوفٌ على قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ... [الأعراف: آية 59] وتقريرُ المعنَى: واللهِ لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه، وقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. وهذه الأممُ يَقُصُّ اللهُ خبرَها على هذه الأمةِ لتستفيدَ من ذلك فوائدَ عظيمةً: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: آية 111] فيخافُ المكذبونَ للرسلِ الجاحدونَ بآياتِ اللهِ أن ينزلَ بهم مِثْلُ ما نَزَلَ بأولئك من الْمَثُلاَتِ، ومن عذابِ اللهِ المستأصلِ المتصلِ بعذابِ النارِ، وكذلك يُعَلِّمُ الناسَ الآدابَ، وآدابُ الدعاةِ إلى اللهِ في لِينِهِمْ وَعَطْفِهِمْ، وَلِينِ كَلاَمِهِمْ، وكرمِ مخاطبتِهم، وعدمِ بذاءتِهم وكلامِهم بكلامِ الجاهلين؛ هذا نبيُّ اللهِ نوحٌ لَمَّا قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] هو يعلمُ أنهم هم
الضالونَ، وأنه هو المهتدِي، والذي يَعِيبُكَ ويلمزُك بعيبٍ أنتَ تعلمُ أنه فيه هو، وأنك أنتَ بَرِيٌ منه هذا مما يستدِعي الغضبَ، والكلامَ الشديدَ، والردَّ العنيفَ، فَنَبِيُّ اللهِ نوحٌ لم يَقُلْ لهم شيئًا من ذلك، ولم يَرُدَّ عليهم رَدًّا عنيفًا، وإنما رَدَّ بأكرمِ العبارةِ، وألطفِ الردِّ، فقال: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 61] فلم يَقُلْ: أنتم هم الكفرةُ الفجرةُ الضُلاَّلُ، ولم يقذع فيهم بلسانِه، بل بالعباراتِ اللطيفةِ اللينةِ، وهذا تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن الداعيَ المتبعَ لآثارِ الرسلِ إذا قَابَلَهُ الجهلةُ ببذاءةِ اللسانِ وَعَابُوهُ وتكلموا له بالقبيحِ أنه لا يقابلهم إلا بالقولِ اللَّيِّنِ اللطيفِ، والحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، كما هي عادةُ الرسلِ في خطاباتِهم لأُمَمِهِمْ. وقولُه: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] واللهِ لقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. عادٌ قبيلةٌ عظيمةٌ، والمؤرخونَ يقولونَ: إن عادًا ابنُ إرمَ بنِ عوص (¬1)، وهو من ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ بلا خلافٍ بين المؤرخين. ويزعمونَ أن قبيلةَ عادٍ كانوا أعظمَ الناسِ أجسامًا. يزعمُ أهلُ القصصِ والأخبارِ أن أقصرَهم قامتُه ستونَ ذراعًا، وأن الواحدَ ¬
منهم يكونُ مئةَ ذراعٍ. وعلى كُلِّ حالٍ فَهُمْ من أَشَدِّ الناسِ قوةً كما قال اللَّهُ عنهم: {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: آية 25] وهم قبيلةُ إرمَ المذكورةُ في القرآنِ؛ لأن عادَ بن إرم، وقيل: ابنُ عوص بن إرم. فهو من أولادِ إرمَ. و (إرم) اسمُ رجلٍ تُسَمَّى به القبيلةُ، وعادٌ من ذريتِه؛ وَلِذَا قال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6)} ثم أَبْدَلَ منها فقال: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ (8)} [الفجر: الآيات 6 - 8]. قولُه: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} يدلُّ على عظمةِ أبدانِهم وشدةِ طُولِهِمْ وبدانتِهم وقوتِهم كما هو معروفٌ. أرسل اللهُ إلى هذه القبيلةِ العاتيةِ الشديدةِ الْقُوَى والبطشِ أرسلَ إليهم أخاهُم هودًا - عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ - وكان نَبِيُّ اللهِ هود عربيَّ اللسانِ، وإنما مُنِعَ من الصرفِ (¬1) قال بعضُهم: لأنه عربيٌّ، والعجميُّ إذا كان علمًا على ثلاثة حروف وسطها ساكنٌ يكون مصروفًا كما هو معروفٌ، كما صُرِفَ نوحٌ ولوطٌ وهما علمانِ أعجميانِ كما هو معروفٌ (¬2). ويزعمونَ أن هودَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ من ذريةِ إرمَ من سامِ بنِ نوحٍ (¬3).هو من نفسِ القبيلةِ، كما قال: {أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] خِلاَفًا لِمَنْ زَعَمَ أن أصلَه ليس منهم، وأن (أخاهم) صاحبَهم. والتحقيقُ أنه منهم، وأنه أخوهم ومن قبيلتهم كما يأتي في قولِه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ} [الأعراف: آية 69] فَبَيَّنَ أنه منهم؛ وَلِذَا قال هنا: {أَخَاهُمْ هُودًا} بعثَ اللهُ إليهم ¬
نبيَّه هودًا. وَصَرَّحَ اللهُ في سورةِ الأحقافِ بأن منازلَهم في الأحقافِ، والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْف حبلُ الرملِ (¬1). وهم يزعمونَ أنها حبالُ الرملِ التي في أطرافِ اليمنِ أو حضرموتَ، كانوا إلى تلك الجهةِ كما يأتِي في قولِه: {إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: آية 21] والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْفُ: هو الحبلُ الممتدُّ العالِي من الرملِ، فَهُمْ في رمالٍ هناك، كانت منازلُهم في رمالٍ تتخلَّلُها أوديةٌ في نواحِي اليمنِ أو حضرموتَ، كما يأتي في سورةِ الأحقافِ. {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال هودٌ؟ قال دعوةَ الرسلِ التي جاؤوا بها كلهم وهي عبادةُ اللهِ وحدَه، فَهُمْ متفقونَ على وتيرةٍ واحدةٍ وهي الدعاءُ إلى أن يُعْبَدَ اللَّهُ وحدَه، ويُخلص له في توحيدِه، فهذه دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها عامةً، وهي التي فيها المعاركُ بينَهم وبين أُمَمِهِمْ، والقرآنُ بَيَّنَ ذلك جملةً وتفصيلاً، أما بيانُه بالتفصيلِ كقولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ماذا قال نوحٌ؟ {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 59] {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال هودٌ؟ {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 65] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ماذا قال صالحٌ؟ {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 73] وهكذا في جميعِ الرسلِ. ومن الأدلةِ العامةِ الْمُبَيِّنَةِ لذلك: قولُه تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: آية 36] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ} [الأنبياء: آية 25] وفي القراءةِ الأخرى (¬2): {نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا ¬
مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} [الزخرف: آية 45] فإخلاصُ العبادةِ لخالقِ السماواتِ والأرضِ هو دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها كُلُّهُمْ عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُه؛ ولذا أَمَرَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم في سورةِ الأنبياءِ أن يقولَ: إنه لم يُوح إليه شيءٌ إلا عبادة اللهِ وحدَه، وإفرادُه بالعبادةِ في قولِه: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: آية 108] و (إنما) مِنْ صِيَغِ الحصرِ كما هو مقررٌ في المعانِي في مبحثِ القصرِ (¬1)، وفي الأصولِ في مبحثِ العامِّ (¬2)؛ لأن كلمةَ (لا إله إلا الله) هي التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وهي المتضمنةُ توحيدَ العبادةِ بنفيها وإثباتها، فَنَفْيُهَا يتضمنُ: خلعَ جميعِ أنواعِ المعبوداتِ غيرَ اللهِ في جميعِ العباداتِ، وإثباتُها يتضمنُ: إفرادَه - جل وعلا - بالعبادةِ دونَ غيرِه، وهذا معنَى قولِهم: (لاَ إِلَهَ) نَفْيٌ (إِلاَّ اللَّهُ) إِثْبَاتٌ. وهذه الكلمةُ الشريفةُ التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وَخُلِقَتْ من أجلها الجنةُ والنارُ، وهي التي جاء بها جميعُ الرسلِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم - وَلِذَا قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 65] قد بَيَّنَّا معنَى هذه الجملةِ والقراءاتِ فيها في قضيةِ نوحٍ (¬3)، ومعنَى الكلمتين واحدٌ لا فَرْقَ بينَهما. {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} إلا أن نوحًا قال لقومِه: {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] وهودًا قال لقومِه: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف: آية 65] يعني: ¬
أتكفرونَ بالله فلا تَتَّقُونَهُ، فلا تتخذونَ بينَكم وبينَه وقايةً تَقِيكُمْ من سخطِه وعذابِه، هي امتثالُ أمرِه واجتنابُ نَهْيِهِ. وكان رَدُّ الكفارِ مُتَشَابِهًا لِتَشَابُهِ قلوبِهم في الكفرِ، كما قال تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: آية 118] فقومُ نوحٍ قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ} [الأعراف: آية 60] وقوم هود قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف: آية 66] والسفاهةُ: (فَعَالة) من السَّفَهِ، وأصلُ السفهِ في لغةِ العربِ هو: الخفةُ والطيشُ، فكلُّ شيءٍ خفيف طائش تُسَمِّيهِ العربُ سفهًا (¬1). وتقولُ العربُ: تَسَفَّهَتِ الريحُ الريشةَ إذا اسْتَخَفَّتْهَا فطارت بها كُلَّ مَطَارٍ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬2): مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ معنَى (تسفهت أعاليها) أي: اسْتَخَفَّتْهَا فَهَزَّتْهَا. هذا أصلُ معنَى السَّفَهِ في لغةِ العربِ. وهو في الاصطلاحِ المشهورِ: هي خفةُ العقلِ وطيشُ الْحِلْمِ، بحيث يكونُ السفيهُ لا يهتدي إلى مصالِحه، ولا يعرفُ مضارَّه من مصالِحه، لا يميزُ بينَ الضارِّ والنافعِ، ولا الحسنِ ولاَ القبيحِ لِخِفَّةِ عقلِه وطيشِه وعدمِ رجاحتِه (¬3)؛ ولذا كان السفيهُ يجبُ التحجيرُ عليه، وجَعْلُ مالِه تحتَ يَدَيْ وَلِيٍّ يحفظُ له مالَه؛ لأن عقلَه الطائشَ وَحِلْمَهُ الخفيفَ يجعلُه يُضَيِّعُ مالَه. ¬
والعلماءُ مختلفونَ في السفهِ الذي يُحْجَرُ به على الرجلِ البالغِ ويُولَّى عليه في مالِه (¬1)، فكانَ مالكُ بنُ أنسٍ (رحمه الله) وعامةُ أصحابِه وَمَنْ وَافَقَهُ من العلماءِ يَرَوْنَ أن السفهَ الذي يُحْجَرُ به على السفيهِ في مالِه ويولَّى عليه غيرَه إنما هو السفهُ في خصوصِ المالِ، بحيث يكونُ طيشُ عقلِه وخفةُ حِلْمِهِ في نفسِ التصرفِ الماليِّ، بحيث يضيعُ عن المعاملاتِ، ولا يُحْسِنُ حفظَه ولا التصرفَ فيه. فَمَنْ كان عندَ مالكٍ يحسنُ التصرفَ في المالِ ويحفظُه وَلاَ يُخْدَعُ، بل هو عارفٌ بوجوهِ التصرفاتِ وحفظِ المالِ فمالُه يُدْفَعُ إليه عندَ مالكٍ وأصحابِه، ولا يُسَمَّى سَفِيهًا، ولو كان سِكِّيرًا شِرِّيبًا للخمرِ، مُرْتَكِبًا للمعاصي: وَشَارِبُ الْخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَّرا ... لِمَا يَلِي مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحْجَرَا (¬2) هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه. وذهبَ الشافعيُّ في جماعةٍ من العلماءِ إلى أن مَنْ كان يتعاطى المعاصيَ كالشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الذي يشربُ الخمرَ، ويتعاطى المعاصيَ أنه سفيهٌ لاَ يُمكَّنُ من مالِه أبدًا حتى تصلحَ حالُه الدينيةُ مع حالِه الدنيويةِ. قال: لأنه لا أحدَ أخفّ حِلْمًا وأطيشَ عَقْلاً من الذي يتسببُ في أن يحرقَ نفسَه بالنارِ، فهذا خفيفُ الحلمِ طائشُ العقلِ، لاَ يُعطى له مالُه، فهو السفيهُ بمعنَى الكلمةِ. وهذا كلامٌ معروفٌ في فروعِ المذاهبِ مشهورٌ؛ ولذا نَسَبَ قومُ هودٍ هودًا إلى خفةِ العقلِ وطيشِه، قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} ¬
[الأعراف: آية 66] أي: في خفةِ عقلٍ وطيشِ حِلْمٍ؛ لأنك تَدْعُونَا إلى أن نتركَ ديننا ونذهبَ إلى دينٍ آخَرَ جديدٍ ما نعرفُه، فلا عقلَ عندك ولا حِلْمَ، بل أنتَ سفيهٌ خفيفُ العقلِ طائشُ الحلمِ. هذا قولُهم لَعَنَهُمُ اللهُ. {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: آية 66] نَظُنُّكَ كاذبًا؛ لأنك بشرٌ مِثْلُنَا، فلا زيادةَ لك علينا ولا فضلَ لَكَ علينا؛ لأنا من عنصرٍ واحدٍ آدميونَ جميعًا نشربُ ونأكلُ جميعًا، فما نظنُّك إلا كاذبًا، وأنك سفيهٌ خفيفُ العقلِ طائشُه. فقابلهم هودٌ بهذا الردِّ الكريمِ اللطيفِ، وَالتَّأَنِّي الكريمِ، والتؤدةِ العظيمةِ، وقال: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ} [الأعراف: آية 67] ليس بِي شيءٌ من طيشِ العقلِ ولا من خِفَّتِهِ، وإنما أنا راجحُ العقلِ ثابتُه، ثابتُ الْحِلْمِ، لستُ بطائشٍ ولاَ خفيفٍ. {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 67] رسولٌ مُرْسَلٌ إليكم من رَبِّ العالمين. قد بَيَّنَّا فيما مضى (¬1) أن الرسولَ (فَعُول) بمعنَى (مُفْعَل) أي: مُرسَل من رَبِّ العالمين أرسلني إليكم. وأن أصلَ الرسولِ: مصدر سُمِّيَ به، وإتيانُ المصدرِ على وزن (فعول) قليلٌ جِدًّا في العربيةِ، مسموعٌ في أوزانٍ قليلةٍ، كالقَبُولِ، والوَلُوعِ، والرسُولِ. وأصلُ الرسولِ مصدرٌ بمعنَى الرسالةِ، وهو مشهورٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬2): لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمُ ... بِقَوْلٍ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ ¬
يعنِي: ما أرسلتُهم برسالةٍ. وقول الآخَرِ (¬1): أَلاَ أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولاً ... بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ [11/ب] أي: (بني عمرو رسولاً) أي: رسالة. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ/ ومن فوائدِ كونِ الرسولِ أصلُه مصدرٌ تُحل إشكالاتٍ في القرآنِ؛ لأن العربَ إذا نَعَتَتْ بالمصدرِ أَلْزَمَتْهُ الإفرادَ والتذكيرَ (¬2)، وربما تَنَاسَتِ المصدريةَ فيه وعملت بالوصفيةِ العارضةِ فَجَمَعَتْهُ وَثَنَّتْهُ؛ ولذا جاء الرسولُ مُفْرَدًا في القرآنِ والمرادُ به اثنانِ، وجاء مُفْرَدًا في كلامِ العربِ والمرادُ به جمعٌ نَظَرًا إلى أن أصلَه مصدرٌ. فإذا قال لك قائلٌ: اللهُ يقولُ عن موسى وهارونَ في سورةِ طه: {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} [طه: آية 47] بالتثنيةِ، ويقولُ في القصةِ بِعَيْنِهَا في سورةِ الشعراءِ: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية 16] بالإفرادِ، ولم يقل: «رسولا رب العالمين». فالجوابُ: إن الإفرادَ نَظَرًا إلى أصلِ الرسولِ، وأن أصلَه مصدرٌ، والعربُ إذا نَعَتَتْ بمصدرٍ أَلْزَمَتْهُ التذكيرَ، وأن التثنيةَ في قولِه: {رَسُولاَ} والجمعُ في قولِه: {تِلْكَ الرُّسُلُ} [البقرة: آية 253] نظرًا إلى الوصفيةِ العارضةِ؛ لأن العربَ نَقَلَتْهُ من المصدريةِ فَجَعَلَتْهُ وصفًا؛ ولأجلِ كونِ أصلِه مصدرًا تُطْلِقُهُ العربُ مفردًا وتريدُ به الجمعَ على عادةِ النعتِ بالمصادرِ، ومنه قولُ أَبِي ذؤيبٍ الْهُذَلِيِّ (¬3): ¬
أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ فقولُه: «أعلمهم» رَدَّ الجمعَ على الرسولِ مُفْرَدًا نظرًا إلى أن أصلَه مصدرٌ. وهذا معنَى قولِه: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} هي كالقراءاتِ التي قَدَّمْنَا في كلامِ نوحٍ (¬1)، قَرَأَهَا أبو عمرٍو: {أُبلِغْكم رسالات ربي} والباقونَ: {أُبَلِّغُكُمْ} وتفسيرُها كتفسيرِ الذي قَبْلَهَا بلا زيادةٍ. {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} وأنا لكم ناصحٌ فيما أقولُ، لاَ أغشكم ولا أخدعُكم، أمينٌ فيه لا أكذبُ، وأنتم تعلمونَ أني فيما مَضَى في غايةِ النصحِ والأمانةِ؛ لأني رجلٌ منكم قد جَرَّبْتُمُونِي قبلَ الرسالةِ فما جربتم فِيَّ إلا النصحَ والأمانةَ، فأنا لكم ناصحٌ. وكُلُّ خالصٍ لا شائبةَ فيه يُسَمِّيهِ العربُ (ناصحًا) والناصحُ: هو السالمُ من جميعِ الغشِّ والخديعةِ. والأمينُ: هو الذي لا خيانةَ معه. أنا لكم ناصحٌ فيما جئتُكم به، لا غشَّ معي ولا خديعةَ، أمينٌ فيما أقولُ لكم، في غايةِ الصدقِ، ليس فيه كَذِبٌ، هذه حقيقتِي، أما السفاهةُ التي رَمَيْتُمُونِي بها فليست بي سفاهةٌ. ولم يقل لهم: «بل أنتم السفهاء» لكرامةِ رَدِّ الرسلِ، ومعاملتِهم للجهلةِ الْحَمْقَى بالتي هي أحسنُ. وهذا معنَى قولِه: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي} الرسالاتُ جمعُ رسالةٍ، وهي اسمٌ لِمَا يُرسِلُ به المرسِلُ رسولاً إلى غيرِه. ورسالاتُ اللهِ هي ما بَعَثَهُ به إليهم من الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وامتثالِ أمره واجتنابِ نواهيه. ¬
قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71) فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)} [الأعراف: الآيات 69 - 72]. يقول اللهُ جل وعلا: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)} [الأعراف: آية 69]. هذه الآيةُ التي هي قولُه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} فَسَّرْنَاهَا؛ لأنها اتَّفَقَ فيها قولُ نوحٍ وقولُ هودٍ، فَكُلٌّ منهم قالها لقومِه؛ لأن كلاًّ من قومِهما عَجِبُوا من أن يَبْعَثَ اللَّهُ بَشَرًا، وكذلك عادةُ الأممِ أن تعجبَ من بَعْثِ الرسلِ، ويقولونَ: لاَ يمكنُ أن يبعثَ اللهُ رسولاً يأكلُ ويشربُ ويتزوجُ ويُولَدُ له، حتى إن الله (جل وعلا) بَيَّنَ أن هذه الشبهةَ الكاذبةَ كانت هي المانعَ الأكبرَ من إيمانِ الناسِ، حيث قال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً (94)} [الإسراء: آية 94] كأنه قال هنا: ما منعَهم من الإيمانِ إلا استغرابُ بَعْثِ البشرِ واستعجابُهم منه، كما أن الذين بُعِثْ فيهم نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم عَجِبُوا من بَعْثِ البشرِ كما قال تعالى في أولِ سورةِ يونسَ: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ
النَّاسَ} [يونس: آية 2] وقال في أولِ سورةِ ق: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ} [ق: آية 2] والآياتُ بمثلِ ذلك كثيرةٌ. وقد بَيَّنَّا (¬1) أن أظهرَ الوجهين في قولِه: {أَوَعَجِبْتُمْ} أن الهمزةَ تتعلقُ بمحذوفٍ، والواو مفتوحة؛ لأنها عاطفةٌ على ذلك المحذوفِ، وتقديرُه: أكفرتُم وعجبتُم أن يأتيكم ذِكْرٌ من ربكم على رجلٍ منكم؟ وقد فَسَّرْنَا الآيةَ، وبينا أن الذِّكر هو المواعظُ والأوامرُ والنواهي التي تأتيهم بها الرسلُ، وأن قولَه: {عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} على لسانِ رجلٍ منكم، لأن أنبياءَ اللهِ رجالٌ كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} [يوسف: آية 109] فلم يُرْسِلِ اللهُ امرأةً قَطُّ؛ ولذا قال: {عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} كما أوضحناه في مقاولةِ نوحٍ لقومِه. ثم إن نبيَّ اللهِ هودًا قال هنا لقومِه ما لم يَقُلْهُ نوحٌ لقومِه، وهو قولُه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] {وَاذكُرُوا} نِعَمَ اللهِ عليكم: {إِذْ جَعَلَكُمْ} خلفاءَ في الأرضِ، يعني: بأن أَهْلَكَ قومَ نوحٍ واستخلفكم في الأرضِ فجعلكم خلفاءَ في الأرضِ آمِنِينَ فيها، عليكم نعم اللهِ مُسْبَلَةً. والخلفاءُ: جمع خليفةٍ، وهو مَنْ يُستخلف بعدَ مَنْ كان قبلَه. قال بعضُ العلماءِ: إنما قيل لهم (خلفاءَ) لأنهم صاروا خَلَفًا من قومِ نوحٍ حيث أَهْلَكَ اللهُ أولئك وأسكن هؤلاء في الأرض بعدَهم، فكانوا خَلَفًا من بعدهم، وخلفاءَ مِنْ بعدِهم. وقال بعضُهم: إنهم خلفاءُ أي: فيهم ملوكٌ، والعربُ تُسَمِّي الخليفةَ الذي يكونُ مَلِكًا بعدَ مَنْ ¬
قبلَه: خليفةً. ولفظُه مؤنثٌ (¬1) ومعناه مُذَكَّرٌ، فيجوزُ تذكيرُ الضمائرِ الراجعةِ عليه نَظَرًا إلى المعنَى، ويجوزُ تأنيثُها كما قال الشاعرُ (¬2): أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] الخلفاءُ: جمعُ الخليفةِ؛ لأنه جَعَلَهُمْ خَلَفًا منهم يسكنونَ الأرضَ، أو جَعَلَهُمْ ملوكَ الأرضِ. يزعم أصحابُ القصصِ والأخبارِ أنهم كان عددُهم كثيرًا جِدًّا، وأنهم منتشرونَ فيما بينَ حضرموتَ إلى عمانَ (¬3)، وأنهم كانوا يظلمونَ غيرَهم ويقهرونَهم لِمَا أعطاهم اللهُ من القوةِ. ولكن اللَّهَ بَيَّنَ أن منازلَهم كانت في الأحقافِ حيث قال في سورةِ الأحقافِ: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: آية 21] وقد بَيَّنَّا (¬4) أن الأحقافَ جمعُ حِقْفٍ، والحِقفُ في لغةِ العربِ: الحبلُ من الرملِ، الرملُ المرتفعُ تُسَمِّيهِ العربُ حِقفًا، فالأحقافُ: الرمالُ. والمفسرونَ يقولونَ: إنها رمالٌ في جوانبِ اليمنِ وحضرموتَ، وأنهم كانوا في تلك الرمالِ بينَها أوديةٌ يزرعونَ فيها ويعيشون. وسيأتِي في سورةِ الفجرِ قولُ مَنْ قال من العلماءِ: إنهم كانوا رُحَّلاً يذهبونَ بالمواشِي؛ لأنه أحدُ القولين في قولِه: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7)} [الفجر: آية 7] لأن أحدَ القولين في معنىَ: {ذَاتِ الْعِمَادِ} أنهم أصحابُ عمودٍ يرتحلونَ وَيَبْنُونَ خيمهم على العمدِ؛ ولذا قيل لهم: {ذَاتِ الْعِمَادِ} على أحدِ الوجهين. ¬
والوجهُ الثاني: أنهم لقوةِ أجسامِهم وَعِظَمِهَا وَطُولِهَا وبدانتِها قيل فيهم: {ذَاتِ الْعِمَادِ} لشدةِ اعتمادِ أجسامِهم وقوتِها كما يأتي هناك (¬1). وهذا معنَى قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} [الأعراف: آية 69] أي: في الأرضِ في عافيةٍ وطمأنينةٍ ورفاهيةٍ من الدنيا من بعدِ قومِ نوحٍ. والآيةُ تشيرُ إلى تهديدٍ، يعني: كما أن قومَ نوحٍ لَمَّا كذبوا نُوحًا دمَّرهم اللهُ وأهلكهم، وجعلَكم خلفاءَ في الأرض من بعدِهم فاحذروا أن تفعلوا مثلَ فعلهم؛ لئلا يُهْلِكَكُمْ ويجعلَ خلفاءَ الأرض بعدَكم غيرَكم. فيه تهديدٌ وتذكيرٌ بالنعمةِ. وهذا معنَى قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ}. وبعضُ علماءِ العربيةِ (¬2) يقولونَ: (إذ) ها هنا مفعولٌ به لا مفعول فيه. أعني: أنها مفعولٌ وليست ظَرْفًا. والمعنَى: {اذْكُرُوا} تَذَكَّرُوا الوقتَ الذي جَعَلَكُمْ فيه خلفاءَ من بعدِ قومِ نوحٍ تَذَكُّرًا يحملكم على شكرِ نعمةِ اللهِ والخوفِ من نِقَمِه أن يُنْزِلَ بكم مثلَ ما أَنْزَلَ بقومِ نوحٍ. وهذا معنَى قولِه: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] الذين أَهْلَكَهُمُ الطوفانُ إهلاكًا مستأصلاً. {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف: آية 69] في هذا الحرفِ قراءتانِ سبعيتان (¬3): {بصطة} بالصادِ، و {بسطة} بالسينِ. فقولُه: {وزادكم في الخلق بصطة} بالصادِ هي قراءةُ نافعٍ والكسائيِّ، وقراءةُ ابنِ كثيرٍ في روايةِ البزيِّ خاصةً، وقراءةُ عاصمٍ في روايةِ شعبةَ خاصةً، وقراءةُ ابنِ عامرٍ في روايةِ ابنِ ذكوانَ خاصةً. أما حمزةُ ¬
فقرأها عنه خلادٌ بالوجهين: {بصطة} بالصادِ، و {بسطة} بالسينِ. فقد قَرَأَهَا خلادٌ عن حمزةَ بالوجهين، وقرأها نافعٌ، وأبو عمرو، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وشعبةُ عن عاصمٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ، كل هؤلاء قرءوا: {بصطة} بالصادِ. وَقَرَأَهَا الباقونَ بالسينِ، والباقونَ الذين قرءوها بالسينِ هم: أبو عمرو، وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ، وابنُ عامرٍ في روايةِ هشامٍ، وابنُ كثيرٍ في روايةِ قنبل، وحمزةُ في روايةِ خَلَفٍ، كل هؤلاء قرءوا: {بسطة}. وما ذكره الشاطبيُّ (¬1) وغيرُه من أن ابنَ ذكوانَ له عن ابنِ عامرٍ فيها: (السين والصاد) كقراءةِ خلادٍ عن حمزةَ ليس يصحُّ عند الْمُحَقِّقِينَ؛ لأن جميعَ رواياتِ الشاطبيِّ إنما هي من طريقِ أبي عمرٍو الداني، وأبو عمرٍو الداني لم يذكر عن أحدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ عنهم القراءاتِ عن ابنِ ذكوانَ في قراءةِ ابنِ عامرٍ إلا {بصطة} بالصادِ خاصة، ولم يَرْوِ عنه السينَ عن أحدٍ، فهذانِ هما القراءتانِ السبعيتانِ. والبسطةُ والبصطةُ معناهما واحدٌ، وإنما أُبْدِلَتِ السينُ صادًا في قراءةِ مَنْ قَرَأَ: {بصطة} بالصادِ نَظَرًا إلى حرفِ الإطباقِ الذي بعدَ السينِ وهو الطاءُ، ولذلك تُبْدَلُ السينُ صادًا كثيرًا إذا كان بعدَها حرفٌ من حروفِ الإطباقِ، والأصلُ (بسطة) بالسينِ. والبسطُ: أصلُه الزيادةُ. والمعنَى: زَادَكُمْ في خلقِ أجسامِكم بسطةً. أي: زيادةً على خَلْقِ الناسِ في الطولِ وَعِظَمِ الأبدانِ وقوتِها وبدانتِها، كما يأتي في سورةِ فصلت قولُ بعضِ العلماءِ: إنهم - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - زعموا أنه لا يمكنُ أن نقهرَهم قوةً ولو قوةَ اللَّهِ (عز ¬
وجل) - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - كما يأتي قولُ مَنْ قال بذلك في قولِه: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: آية 15] مَنْ هو الذي يكونُ أشدَّ منا قوةً حتى يقهرنا؟ ثم إن اللَّهَ بَيَّنَ أن اللَّهَ الذي خلقهم هو أشدُّ منهم قوةً. وَلَمَّا أرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ علموا أنهم ضعافٌ غايةَ الضعفِ إذا جاءتهم قوةُ رَبِّ العالمين التي يهلكهم بها ويسلطها عليهم، وهذا معنَى قولِه: {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً}. {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} ذكَّرهم نبيُّ اللهِ هودٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ، أمرهم أن يذكروا آلاءَ اللهِ. وآلاَءُ اللهِ: نِعَمُهُ المتواترةُ عليهم، من الصحةِ والعافيةِ وقوةِ الأبدانِ، وما يَسَّرَ لهم من الأرزاقِ والرفاهيةِ في الدنيا. والآلاءُ: النِّعَمُ، واحدُه (إِلى) بكسرِ الهمزةِ وفتحِ اللامِ مقصورًا، كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ. ويقال فيه: (إِلْيٌ) و (ألْوٌ) و (ألآء) وأكثرُها في مفردِ الآلاءِ: (إِلىَ) بكسرٍ فَفَتْحٍ (¬1)، والمرادُ به النعمةُ. والآلاءُ: النِّعَمُ {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} أي: تَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ الكثيرةَ التي لا تُحْصَى، التي أَنْعَمَهَا عليكم ذِكْرًا يحملكم على طاعةِ اللهِ، وتصديقِ رسولِه، وعبادتِه وحدَه، وتركِ عبادةِ الأصنامِ. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ تَذَكَّرَ نِعَمَ اللهِ عليه ذِكْرًا يحملُه على شكر تلك النعمةِ والخضوعِ لله والإنابةِ إليه بطاعتِه أنه يُفْلِحُ؛ ولذا رَتَّبَ على قولِه: {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} قال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فإنكم إن ذَكَرْتُمْ آلاءَ اللهِ يُرْجَى لكم الفلاحُ، بناءً على أن (لعل) على بابِها من التَّرَجِّي بحسبِ ما يظهرُ لهودٍ (عليه الصلاةُ ¬
والسلامُ). وعلى أنها حرفُ تعليلٍ فالمعنَى: اذكروا نعمةَ اللهِ لأَجْلِ أن تُفْلِحُوا. وقد بَيَّنَّا مرارًا (¬1) أن العربَ تقولُ: أَفْلَحَ الرجلُ يُفْلِحُ فلاحًا. والفلاحُ: اسمُ المصدرِ، والقياسُ في مصدرِها: (إفلاحًا)؛ لأن المقررَ في فَنِّ التصريفِ: أن كُلَّ ماضٍ جاء على وزنِ (أَفْعَلَ) فالقياسُ في مصدرِه أن يكونَ (إفعالاً) ما لم يكن مُعْتَلَّ العينِ، فإن كان معتلَّ العينِ سَقَطَتِ العينُ بالاعتلالِ وَعُوِّضَتْ منها التاءُ على الروايةِ الكثيرةِ الفصيحةِ، كما هو معروفٌ في علمِ العربيةِ، مُوَضَّحٌ في فَنِّ التصريفِ. فالفلاحُ اسمُ مَصْدَرٍ. والفلاحُ في لغةِ العربِ: يُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ كما بَيَّنَّاهُ مرارًا، يطلقُ الفلاحُ في لغةِ العربِ على الفوزِ بالمطلوبِ الأكبرِ، تقولُ العربُ: أَفْلَحَ فلانٌ. إذا فَازَ بأعظمِ مطلوبٍ كان يطلبُه. فَمَنْ نالَ رغبتَه وحصَّل مطلوبَه تقولُ له العربُ: أَفْلَحَ. وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ (¬2): فَاعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ يعنِي: مَنْ أعطاه اللَّهُ نورَ العقلِ فَازَ بالمطلوبِ الأكبرِ؛ لأَنَّ العقلَ يعقلُه عما لا ينبغي، ويميزُ به الحسنَ والقبيحَ، والنافعَ والضارَّ، والحقَّ والباطلَ. وَيُطْلَقُ الفلاحُ في لغةِ العربِ أيضًا على البقاءِ السرمديِّ الدائمِ في النعيمِ، تقولُ العربُ: أفلحَ فلانٌ. إذا كان بَاقِيًا في نعيمٍ سَرْمَدِيٍّ. ¬
وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ أيضًا في رجزه (¬1): لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الْفَلاَحِ ... لَنَالَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ وقولُه: «مدركُ الفلاحِ» أي: مدرك البقاء في الدنيا بلا مَوْتٍ. ومنه بهذا المعنَى قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ، أو الأضبطِ بنِ قريعٍ في الشعرِ المشهورِ (¬2): لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُومِ سَعَةْ ... وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لاَ فَلاَحَ مَعَهْ يعنِي أنه لا بقاءَ في الدنيا مع تخالفِ الإمساءِ والإصباحِ. وبهذين الْمَعْنَيَيْنِ اللذين هما البقاءُ السرمديُّ في النعيمِ، والفوزُ بالمطلوبِ الأكبرِ، بكلِّ واحدٍ منهما جاءَ تفسيرُ حديثِ الأذانِ والإقامةِ في قولِه: «حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ» فقال بعضُ العلماءِ: «حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ» هَلُمَّ إلى الفوزِ بالمطلوبِ الأكبرِ وهو الجنةُ وَرِضَى اللهِ؛ لأن أعظمَ أسبابِ ذلك: الصلاةُ. القولُ الثاني: «حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ» هَلُمَّ إلى البقاءِ السرمديِّ في جناتِ النعيمِ؛ لأن أكبرَ أسبابِ ذلك: الصلاةُ كما هو معروفٌ فِي تفسيرِ حديثِ الأذانِ والإقامةِ. وهذا معنَى قولِه: {فَاذْكُرُوا آلاء الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: آية 69] هذه عادةُ الرسلِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم - بِعِظَمِ التذكيرِ، وشدةِ النصحِ، ولطافةِ الأسلوبِ، والاجتهادِ في هُدَى قومهم، ولكن الْهُدَى بيدِ اللهِ: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: آية 41]. ¬
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)} [الأعراف: الآيات 70، 72]. لَمَّا نصحَ نَبِيُّ اللَّهِ هودٌ قومَه هذا النصحَ الكريمَ، وذكَّرهم بآلاءِ اللهِ وَنِعَمَهُ، وأشارَ لهم إلى أن اللهَ أَهْلَكَ مَنْ كان قبلَهم لَمَّا عَصَوْا وتمردوا، وكان قد خَوَّفَهُمْ قبلَ هذا وهددهم بأنهم إن لم يؤمنوا باللهِ أَهْلَكَهُمُ اللهُ وَعَذَّبَهُمْ، قالوا له هذا الجوابَ الخبيثَ الذي هو في غايةِ الخبثِ وبذاءةِ اللسانِ والعتوِّ والتمردِ على اللهِ {قَالُوا} أي: قال: قومُ هودٍ لهودٍ: {أَجِئْتَنَا} يا هودُ بهذه الدعوى التي جئتَ بها، وَالدِّينِ الذي تَزْعُمُ وتدعو إليه لِتَصْرِفَنَا عن آلهتِنا التي كنا نعبدها: {لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} نعبد إِلَهًا واحدًا لا نشرك به شيئًا آخَرَ من الآلهةِ {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الآلهةِ. فقولُه: {وَنَذَرَ} معناه: نتركَ. وهذا الفعلُ لا يوجدُ منه في العربيةِ إلا مضارعُه وَأَمْرُهُ، تقول: «يَذَرُ الأمرَ» بمعنَى: يتركه، و (ذَرْ) بمعنى: اتْرُكْ. ولا يُستعمل منه في العربيةِ إلا الأمرُ والمضارعُ، فماضيه: (تَرَكَ)، واسمُ فاعلِه: (تارك)، واسمُ مفعولِه: (متروكٌ)، ومصدرُه: (التركُ)؛ لأنه لاَ يوجدُ منه إلا الأمرُ والمضارعُ (¬1). فمعنَى {لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} [الأعراف: آية 70] أي: لِنُفْرِدَ خالقَ السماواتِ والأرضِ وحدَه بالعبادةِ: {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ} أي: عبادةَ ما كان يعبدُه ¬
آباؤُنا من قَبْلِنَا من هذه الآلهةِ والأصنامِ. وكانت عندَهم أصنامٌ يسمونها، كما دَلَّ عليه قولُه: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} [الأعراف: آية 71] والمؤرخونَ وأهلُ الأخبارِ يزعمونَ أن منها صَنَمًا يُسَمَّى: صداء أو (صمدا)، وَصَنَمًا يُسَمَّى: (صمودا) وصنمًا يُسَمَّى: (الهباء) (¬1). وهم يعبدونَ هذه الأصنامَ ويسمونَها بهذه الأسماءِ. {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} هذا إنكارٌ منهم، وهم يُنْكِرُونَ أعظمَ الحقِّ وأوضحِ الْحِجَجِ، وهي توحيدُ رَبِّ العالمين. {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} مِنْ قَبْلِنَا. ثم قالوا له: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} نحنُ لا نُصَدِّقُكَ أبدًا ولا نؤمنُ لكَ أبدًا، فالعذابُ الذي تُهَدِّدُنَا به عَجِّلْ به علينا، فإن كان عندكَ شيءٌ أو صِدْقٌ فَأْتِ بالذي تُهَدِّدُنَا به وَتُخَوِّفُنَا به، إن كنتَ صادقًا في ذلك الوعيدِ فهاتِ العذابَ وَعَجِّلْهُ. وهذا أعظمُ طغيانٍ وَتَمَرُّدٍ، كما قال كفارُ مكةَ: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: آية 32] وقالوا: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: آية 16] فَاسْتَعْجَلُوا بالعذابِ وأظهروا التمردَ النهائيَّ، وأنهم لا يَرْتَدِعُونَ ولا ينكفون عن كفرهم. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} أي: بالذي تَعِدُنَا به من العذابِ، وعذابُ اللهِ لنا في زعمكَ ¬
إن كنتَ مِنْ جملةِ الصادقين فهاتِ الذي تُهَدِّدُنَا به، تَمَرُّدًا على اللهِ، وتعجيزًا لرسولِه، واستخفافًا بدعوةِ نَبِيِّهِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فَأُوحِيَ إلى هودٍ في ذلك الوقتِ أن القولَ حَقَّ عليهم، وأن العذابَ وَجَبَ عليهم، وأن اللَّهَ قَضَى أمرَه فيهم فقال - بسببِ ذلك - هودٌ: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: آية 71] جَزَمَ بأنه وقعَ عليهم بالفعلِ؛ لأن [الْمُتَوَقَّعَ كالواقعِ] (¬1)؛ لأن اللهَ حَكَمَ به. ومن أساليبِ اللغةِ العربيةِ: إطلاقُ الفعلِ الماضِي مُرَادًا به المستقبلُ إيذانًا بتحققِ الوقوعِ، وهو كثيرٌ في القرآنِ العظيمِ جِدًّا وفي كلامِ العربِ (¬2)، ومنه في القرآنِ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} يعنِي القيامةَ، بدليلِ: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: آية 1] وَأَكْثَرَ اللَّهُ منه في سورةِ الزمرِ حيث قال: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} إلى قولِه: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} [الزمر: الآيات 69 - 73] كُلُّ هذه الأفعالِ الماضيةِ المذكورةِ في الزمرِ معناها: الاستقبالُ، وإنما عُبِّرَ عنها بالماضِي إيذانًا بتحققِ الوقوعِ. والرِّجْزُ هنا: العذابُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُه من الارتجازِ، وهو الاضطرابُ؛ لأن الْمُعَذَّبَ يبقى في الاضطرابِ. وهو (رجسٌ) بالسينِ هنا. {رِجْسٌ} أي: عذابٌ. وربما يقالُ للرجسِ: (رجزٌ) بالسينِ والزايِ. ومعناه: العذابُ. والمعنَى: وَقَعَ عليكم عذابٌ وغضبٌ كائنٌ من ربِّكم فمعناه أن اللَّهَ غَضِبَ عليكم، وأنه مُعَذِّبُكُمْ عذابًا مستأصلاً لا مَحَالَةَ. ¬
والغضبُ وصْفٌ وَصَفَ اللهُ به نفسَه إذا انْتُهِكَتْ حرماتُه. فنحن معشرَ المسلمين نَمْشِي على ما كان عليه السلفُ الصالحُ نُمِرُّ كُلَّ الصفاتِ كما جاءت، ونصدقُ رَبَّنَا فيما وَصَفَ به نفسَه مع التنزيهِ التامِّ الكاملِ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] كما أوضحناه في آيةِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: آية 54]. ثم قال لهم نَبِيُّ اللهِ هودٌ: {أَتُجَادِلُونَنِي} معناه: تُخَاصِمُونَنِي وَتُنَازِعُونَنِي: {فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} أنا أدعوكم إلى عبادةِ الواحدِ الجبارِ، خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي هو يرزقُكم وَيُمِيتُكم ويحييكم، وأنتم تخاصمونَني وتجادلونَني لتعبدوا أسماءً بلا مسمياتٍ، لا حقيقةَ لها، لا تنفعُ ولا تضرُّ، فهذا أمرٌ جديرٌ بأن يُنْكَرَ. والمجادلةُ: المخاصمةُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُ اشتقاقِها من (الْجِدَالةِ)، والجِدَالةُ: الأرضُ، وجدَّلَه: إذا تَرَكَهُ صريعًا في الأرضِ. قالوا: كأن المتضاربَيْن في الخصامِ كُلٌّ منهما يريدُ أن يُسْقِطَ صاحبَه حتى يُجَدِّله. هكذا قال بعضُهم واللَّهُ أعلمُ (¬1). {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ} أي: في أصنامِكم، وإنما هي أسماءٌ بلا مسمياتٍ؛ لأنكم تزعمونَ أنها آلهةٌ، وأنها معبوداتٌ!! ومعنَى الإلهيةِ واستحقاقِ العبادةِ مَنْفِيٌّ عنها نَفْيًا بَاتًّا، فهي اسمٌ بلا مُسَمًّى؛ شيءٌ اخْتَلَقَتْهُ ألسنتُكم لا حقيقةَ له في نفسِ الأمرِ. تُجَادِلُونَنِي فيها زاعمينَ أنها لا بُدَّ أن تُعْبَدَ مع اللهِ، وأنها شركاءُ له يُصْرَفُ لها من الحقوقِ كما يُصْرَفُ له. ¬
{سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} هم الذين اخترقوا لها هذه الأسماءَ بلا مسمياتٍ، إِذِ الأسماءُ التي وَضَعْتُمْ لها ليس لها أساسٌ من الحقيقةِ ولاَ من الصحةِ. فليست بآلهةٍ ألبتةَ، وليست بمستحقةٍ للعبادةِ ألبتةَ، كما صَرَّحَ اللهُ بذلك في قولِه: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [يونس: آية 66] يعني: هؤلاء الذين يتبعونَهم ليسوا شركاءَ ألبتةَ في الحقيقةِ. ثم قال: {مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} لأن هذه الآلهةَ التي تعبدونَ {مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا} أي: بعبادتِها واستحقاقِها للعبادةِ {مِنْ سُلْطَانٍ} أي: من حُجَّةٍ واضحةٍ أبدًا، بل الذي نزَّله اللهُ من الحججِ القاطعةِ مَنْعَ عبادتِها، وكُفْرَ عابدِها، وخلودِه في النارِ. ثم قال: {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ} انتظرُوا ماذا يحدثُ عليكم من اللهِ وهو الغضبُ والهلاكُ الذي وعدتُكم به أنه وَجَبَ وحقَّ عليكم. {إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ} وسوفَ تعلمونَ عن طريقِ ذلك الانتظارِ هل يقعُ عليكم ما وعدتُكم به أو لا يقعُ. وهو تهديدٌ عظيمٌ. ثم إن اللهَ بَيَّنَ مصيرَ الجميعِ، قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} [الأعراف: آية 72] فَأَنْجَيْنَا هودًا والذين آمنوا معه - وهم طائفةٌ قليلةٌ - أنجيناهم برحمةٍ مِنَّا. وذلك الإنجاءُ من عذابٍ شديدٍ، كما قال تعالى في سورةِ هودٍ: {وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: آية 58].
{وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} قولُه: «قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ» معناه: اسْتَأْصَلَهُمْ عن آخرِهم؛ لأن النسلَ كأنه دابرٌ للآباءِ، فالدابرُ هو الذي يتبعك عند دُبُرِكَ، فكأن الآباءَ أمةٌ سالفةٌ، ونسلَهم شيءٌ تابعٌ أَدْبَارَهُمْ، نَاشِئٌ بعدَهم. فإذًا قَطْعُ الدابرِ معناه: أُهلكوا عن آخرِهم فلم يَبْقَ منهم نسلٌ يَدْبُرهم، أي: يَمْشِي في دبرهم سالكًا الحياةَ بعدَهم. فقَطْع الدابرِ معناه: إهلاكُهم المستأصلُ بحيث لا يَبْقَى لهم نسلٌ في الأرضِ يكونُ حَيًّا عن دبرٍ منهم، بل أهلكهم اللهُ جميعًا، ولم يترك منهم دَاعيًا ولا مُجِيبًا. والمفسرونَ يذكرونَ قِصَّتَهُمْ (¬1) هنا، ويذكرُه الأخباريون (¬2) وبعضُها جاء به بعضُ الأحاديثِ، كما جاء في حديثٍ عن الإمامِ أحمدَ (¬3). والذي يَعْرِفُ التاريخَ معرفةً لا بأسَ بها يظهر له أن كثيرًا مما يزعمُه المؤرخونَ في قصةِ عادٍ أنه ليس من الشيءِ الصحيحِ. ومعلومٌ أن التاريخَ وَالسِّيَرَ كالإسرائيلياتِ، منها ما هو صحيحٌ، ومنها ما ليس بصحيحٍ، فَتُحْكَى لِيُعْتَبَرَ بما فيها من الغرائبِ والعجائبِ، وَيُنْتَفَعَ بما ¬
تشيرُ إليه من اجتلابِ المصالحِ وتجنبِ المضارِّ، ولا يُحْكَمُ بصحةِ شيءٍ منها إلا شيءٌ قام عليه دليلٌ من كتابٍ أو سُنَّةٍ. والمفسرونَ يذكرونَ في قصتِهم أنهم لَمَّا تَمَرَّدُوا هذا التمردَ العظيمَ على نَبِيِّ اللهِ هودٍ، وأراد اللهُ أن يُهلكهم أمسكَ عنهم المطرَ ثلاثَ سِنِينَ، فقحطت أرضُهم وأجدبوا وجاعوا، وأضعفَهم القحطُ وكادَ يُهلكهم. ويزعمونَ أن عادةَ الناسِ في ذلك الزمانِ أن مَنْ أَصَابَهُ كَرْبٌ أو بلاءٌ يُرْسِلُونَ مَنْ يدعو اللهَ لهم عند بيتِه الحرامِ؛ لأنهم يظنونَ أن اللهَ إذا دُعِيَ عند بيتِه الحرامِ لا يَرُدُّ مَنْ دعاه ولا يخيِّبه. فلما وَقَعَ بهم ما وَقَعَ جَهَّزُوا وفدًا منهم، يزعمونَ أنه يقربُ من سبعينَ رجلاً، كبيرُهم: قَيْل بنُ عنز، المشهورُ في التاريخِ، وأرسلوا معه جماعةً من كبرائِهم - يزعمُ المؤرخونَ أن منهم: نعيمَ بنَ هزَّالةَ، ومنهم: مرثدُ بنُ سعدٍ. وكان مرثدُ بنُ سعدٍ فيما يزعمونَ مِمَّنْ آمَنَ بهودٍ، وكان يكتُم إيمانَه - ويزعمونَ أن الذين عند مكةَ في ذلك الوقتِ العمالقةُ، والعمالقةُ: أولادُ عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وأن رئيسَهم في ذلك الزمانِ يُسمَّى: معاويةَ بنَ بكرٍ، وأن أخوالَه عادٌ، وهم أخوالُه وأصهارُه، وأنه كان نازلاً بظاهرِ مكةَ خارجًا عن الْحَرَمِ، وأن الوفدَ الذي أرسلَه عادٌ ليستسقيَ اللهَ لهم عند بيتِ اللهِ الحرامِ نزلوا عندَ معاويةَ بنِ بكرٍ رئيسِ العماليقِ، وكان عادٌ أخوالَه وأصهارَه، وكان عنده قينتان يُغَنِّيَانِ، اسْمُهُمَا: الجرادتانِ، وأن رئيسَ العماليقِ - وهو معاويةُ بنُ بكرٍ - مَكَثَ عندَه الوفدُ العادي شهرًا، يسقيهم الخمرَ، وَيُحْسِنُ إليهم، وتغنيهم الجرادتانِ، حتى نَسُوا ما جاؤوا من أَجْلِهِ. وكان معاويةُ بنُ بكرٍ - فيما يزعمُه المؤرخونَ والمفسرونَ -
رَقَّ لأخوالِه وأصهارِه عادٍ، وَأَسَاءَتْهُ حالةُ وَفْدِهِمْ، ولم يَقْدِرْ أن يُبَيِّنَ لهم شيئًا لئلا يظنوا أنه مُسْتَثْقِلٌ بضيافتِهم، فاستشارَ قينتيه فَقَالَتَا: قُلْ شعرًا تنبههم به ونغنيهم بذلك الشعرِ لينتبهوا، وأن معاويةَ بنَ بكرٍ ابتدعَ الشعرَ المذكورَ المعروفَ الذي نَبَّهُهُمْ به، وأن الجرادتين [غنتاهم] (¬1) بذلك الشعرِ، [وأنهم لما غنتاهم] (¬2) الجرادتان به انتبهوا وذهبوا إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فقام قَيْل يدعو عندَ البيتِ، ويزعمُ المؤرخونَ والمفسرونَ أنه طَلَعَتْ سَحَابَاتٌ، وناداه منادٍ: اخْتَرْ أيها شِئْتَ؟! وأنه اخْتَلَى السوداءَ، وأنه سَمِعَ فيها قائلاً يقولُ: اخْتَرتَ رمادًا رمددًا، لا يترك من عادٍ أحدًا، لا والدًا ولا ولدًا. وأن تلك السحابةَ ذَهَبَتْ إليهم وجاءت مِنْ قِبَلِ وادٍ لهم يسمونَه: المغيثَ، ففرحوا بها وقالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} [الأحقاف: آية 24] ويزعمُ المؤرخونَ أن منهم امرأةً تُسَمَّى: مميد (¬3)، أنها صُعِقَتْ، فلما أَفَاقَتْ قالوا: ما بَالُكِ؟ قالت: رأيتُ في العارضِ الذي تظنونه مطرًا شيئًا كالنارِ مَعَهُ رياحٌ، تَقُودُهُ رجالٌ، وفيه هلاكٌ. فأرسل اللهُ عليهم الريحَ العقيمَ، ما تذرُ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ، كما قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)} [الحاقة: الآيتان 6، 7] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ. والشعرُ الذي اخترعَه معاويةُ بنُ بكرٍ وَنَبَّهَ به وفدَ العاديين هو ¬
قولُه فيما يَذْكُرُ المفسرونَ وأصحابُ السيرِ والأخبارِ، أنه قال (¬1): أَلاَ يَا قَيْلَ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ... لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينَا غَمَامَا ... فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا ... قَدَ امْسَوْا لاَ يُبِينُونَ الْكَلاَمَا ... مِنَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ... بِهِ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَلاَ الْغُلاَمَا ... وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْرٍ ... فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ أَيَامَا ... وَإِنَّ الْوَحْشَ تَأْتِيهِمْ جِهَارًا ... وَلاَ تَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا ... وَأَنْتُمُ هَا هُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ ... نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا ... قَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ ... وَلاَ لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَا هكذا يزعمُه المفسرونَ والمؤرخونَ، ويزعمونَ أَنَّ وقتَ إهلاكِ عادٍ أن الذين على مكةَ أنهم العمالقةُ. والناظرُ في التاريخِ يَسْتَرِيبُ في هذا ولا يُصَدِّقُهُ؛ لأن المعروفَ في التاريخِ أن بيتَ اللهِ الحرامَ لَمَّا انْدَرَسَ من أيام طوفانِ نوحٍ أنه لم يُبْنَ قبل أن بَنَاهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ بِنَاءَهُمَا المشهورَ المذكورَ في القرآنِ العظيمِ، وأنه قَبْلَ ذلك كان مُنْدَرِسًا لا يُعْرَفُ له محلٌّ كما قال اللهُ: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: آية 26] ووجدوه في ذلك الوقتِ كانَ محلَّ مربضٍ لغُنَيْمَةٍ لرجلٍ من جُرْهُمٍ. والمؤرخونَ يذكرونَ أن اللهَ لَمَّا أَنْبَعَ ماءَ زمزمَ لهاجرَ وإسماعيلَ أن أولَ من ساكنَها العمالقُ، وهم أولادُ عمليق. وهم من العربِ البائدةِ؛ لأنَّ العربَ نوعانِ: عربٌ بائدةٌ (¬2): أي: هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ ¬
ولم يَبْقَ لهم نَسْلٌ، وهم قبائلُ معروفةٌ، منهم عادٌ وَجُرْهُمٌ، ومنهم ثمودٌ، ومنهم أُميم وعبيل، وجديس وطسم من العربِ البائدةِ المعروفةِ الذين هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ (¬1). وجاء في بعضِ الأحاديثِ ما يدلُّ على أنَّ أولَ مَنْ سَاكَنَ هاجرَ جُرْهُمٌ (¬2) ويمكن أن يُحْمَلَ على أنهم أولُ مَنْ سَاكَنَهَا بعدَ زوالِ العمالقِ (¬3). والمذكورُ في التاريخِ (¬4) المعروف عند المؤرخين أَنَّ ماءَ زمزمَ لَمَّا نَبَعَ لهاجرَ وإسماعيلَ مَرَّ بهم قومٌ من العماليقِ كانوا مسافرين، وكانت مكةُ في ذلك الوقتِ لاَ يُعْرَفُ بها ماءٌ، فَرَأَوْا طيرَ الماءِ، فجاؤوا فوجدوا هاجرَ وإسماعيلَ واستأذنوهم في المساكنةِ، وَاشْتَرَطَتْ عليهم هاجرُ أَنَّ الماءَ لها، ولم يَزَلِ العمالقُ معهم حتى بَغَوْا وطغوا في الحرمِ، وشبَّ إسماعيلُ، فَسَلَّطَ اللهُ عليهم جرهمًا - وهم من العربِ البائدةِ، من ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ، خلافًا لمن قال من المؤرخين: إن نفس جرهم كان مُسْلِمًا من الذين دخلوا في السفينةِ مع نوحٍ. والصحيحُ الذي عليه جمهورُ المؤرخين: أنه مِنْ ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ - فَسَلَّطَ اللهُ عليهم جرهمًا، وكان رئيسُهم مضاضَ بنَ عمرٍو الجرهميَّ، الذي زوَّج ابنتَه رَحْلَةَ لإسماعيلَ، وهي صاحبةُ القصةِ المشهورةِ الذي قال لها إبراهيمُ: إذا جاء زَوْجُكِ فقولِي له: ¬
لِيُثَبِّتْ عَتَبَةَ بَابِهِ (¬1). ولم تزل جرهمٌ حتى شبَّ فيهم إسماعيلُ، وتزوجَ منهم، وتعلَّم منهم العربيةَ، وكانت سدانةُ البيتِ عندَ أولادِ إسماعيلَ إلى آخرِهم نابتِ بنِ إسماعيلَ، فلما مَاتَ نابت أخذَ الجرهميون مفاتيحَ الكعبةِ، وصارت عندَهم سدانةُ البيتِ، كما قال شاعرُهم لَمَّا أَجْلَتْهُمْ خزاعةُ (¬2): وَكُنَّا وُلاَةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ فَأُرْسِلَ نبيُّ اللهِ إسماعيلُ لجرهم في مكةَ المكرمةِ، ثم مات إسماعيلُ وكبارُ أولادِه، وأخذَ الجرهميون سدانةَ البيتِ، ولم يزل البيتُ عند جرهم، وقد بنوه -جرهمٌ- أيامَ ولايتهم عليه، كما قال زهيرُ بنُ أبي سُلمى في معلقتِه (¬3): فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ ... رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ ولم يزل جرهمٌ هم أهلَ بيتِ اللهِ الحرامِ حتى طَغَوْا وَبَغَوْا. ويزعمُ المؤرخونَ أن رجلاً منهم يُسَمَّى (إسافًا) وامرأةً تُسَمَّى (نائلة) دَخَلاَ جوفَ الكعبةِ فَزَنَى بها في جوفِ الكعبةِ، وأن اللَّهَ مَسَخَهُمَا حَجَرَيْنِ، وأنهما هما الصنمانِ اللَّذَانِ أخذهما الخبيثُ الخسيسُ اللعينُ: عمرُو بنُ لُحَيٍّ- الذي ضيَّع بقايا دينِ إبراهيمَ، وجاء بعبادةِ الأصنامِ، وبحَّرَ البحائرَ والسوائبَ - ووضعَ أحدَهما على الصَّفَا، والثانيَ على المروةِ، وكانوا يسجدونَ لهما في ¬
الْمَسْعَى!! وأشارَ لهما أبو طالبٍ في لاَمِّيَّتِهِ المشهورةِ حيث قال (¬1): وَحَيْثُ يُلْقِي الأَشْعَرُونَ رِحَالَهُمْ ... بِمَلْقَى الرِّفَاقِ مِنْ إِسَافٍ وَنَائِلِ فَلَمَّا بغى جرهمٌ وَطَغَوْا في الأرضِ سَلَّطَ اللهُ عليهم خزاعةَ. وخزاعةُ أصلُهم من العربِ المذبذبةِ، أكثرُ المؤرخين يقولونَ: إنهم من سبأ، وأن اللهَ لَمَّا أرسلَ سيلَ العرمِ على سبأٍ: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} صارت خزاعةُ منهم إلى الحجازِ ونزلوا على جرهمٍ في بيتِ اللهِ الحرامِ (¬2). وبعضُ العلماءِ يزعمُ أنَّ خزاعةَ من أبناءِ قَمَعَةَ الذين منهم عمرُو بنُ لحيِّ بنِ قَمَعَةَ (¬3)، وقمعةُ بنُ إلياسَ. وإلياسُ أولادُه هم الذين يُسَمَّوْنَ: خِنْدَفًا؛ لأن إلياسَ بنَ مضرَ جَدَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يزعمُ أهلُ السيرِ والأخبارِ (¬4) أن امرأتَه تُسَمَّى: ليلى، وهي بنتُ الحارثِ بنِ قضاعةَ (¬5)، وأن إبلَهم ضَاعَتْ فَتَبِعَهَا عمرُو بنُ إلياسَ فأدرك الإبلَ فسُمِّي مدركةَ، وهو جَدُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مدركةُ بنُ إلياسَ. وأن قمعةَ قَمَعَ بالبيت فقام به فسُمِّي قمعة (¬6). وَمِنْ نسلِه عمرُو بنُ لُحَيٍّ ¬
الخبيثُ (¬1). وخزاعةُ على قولِ مَنْ يقول: إنهم خِنْدَفيون لا أنهم من سبأٍ، وأن أحدَ أولادِه (¬2) اصطادَ أَرْنَبًا فطبخه فسُمي طابخة، وهو جدُّ تميمٍ، وأن تميمَ بنَ مر بن أُدِّ بن طابخةَ، وقبائل الرَّباب: بنو تيمٍ، وبنو عدي، وبنو عكل، وضبة وبنو ثور وبنو عجل (¬3) وهم قبائلُ الربابِ الذين تَحَالَفُوا على رُبٍّ (¬4) مع تميمٍ وصاروا يُنْسَبُونَ إليهم وقال فيهم الشاعرُ (¬5): يَعُدُّ النَّاسِبُونَ إِلَى تَمِيمٍ ... بُيُوتَ الْمَجْدِ أَرْبَعَةً كِبَارَا ¬
يَعُدُّونَ الرَّبَابَ وَآلَ سَعْدٍ ... وَعَمْرًا ثُمَّ حَنْظَلَةَ الْخِيَارَا وَيَسْقُطُ بَيْنَهَا الْمرِّيُّ عَفْوًا ... كَمَا أَلْغَيْتَ فِي الدِّيَةِ الْحُوَارَا كذلك بنو مزينةَ الذين منهم زهيرٌ وأولادُه، وهم من أُدّ بنِ طابخةَ. هكذا يقول المفسرونَ. ثم لم يَزَلِ البيتُ عندَ خزاعةَ فَسَلَّطَهُمُ اللهُ على جرهم فطردوهم شَرَّ طردة، وَسَلَّطَ اللهُ الأمراضَ على جرهم، وَلَمَّا طلع الجرهميُّ على أحدِ جبالِ مكةَ ورأى خزاعةَ مُسْتَوْلِينَ على البيتِ ينحرون أباعرَ جرهم قال أبياتَه المشهورةَ المعروفةَ (¬1): كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحُجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُروفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَائِرُ وَكُنَّا وُلاَةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ الأبيات المشهورة، ثم إن قُصَيًّا كان في الطائفِ ومعَه أبو غُبْشَانَ سيدُ خزاعةَ الذي بيدِه مفاتيحُ الكعبةِ، فسقاه خَمْرًا حتى سَكِرَ، واشترى منه البيتَ الحرامَ وسدانتَه، وأخذ مَفَاتِحَهُ وباعه له وهو سكرانُ بِزِقٍّ من خَمْرٍ، وكتب عليه صكَّ البيعِ، ولما استفاقَ ذلك وَصَحَا من سكره نَدِمَ وصار بينَ قريشٍ وخزاعةَ بعضُ حروبٍ على ذلك، وفي الواقعةِ يقولُ الشاعرُ (¬2): بَاعَتْ خُزَاعَةُ بَيْتَ اللَّهِ إِذْ سَكِرَتْ ... بِزِقِّ خَمْرٍ فَبِئْسَتْ صَفْقَةُ الْبَادِي ¬
وَقَعَ بينَهم بعضُ الحروبِ والقتلى فيما يذكره الأخباريون وأهلُ السِّيَرِ، فاستعانَ قُصَيٌّ بأخيه لأُمِّهِ سيدِ قضاعةَ، وكانت القتلى أكثرَ في خزاعةَ، ثم تَحَاكَمُوا إلى يَعْمَرَ الشَدَّاخِ (يعمر الكناني) الذي يقولُ فيه امرئُ القيسِ (¬1): كِنَانِيَّةٌ بَانَتْ وَفِي الصَّدْرِ وُدُّهَا ... مُجَاوِرَةٌ غَسَّانَ وَالْحَيَّ يَعْمَرَا وكان من حكامِ العربِ، فحكم بأن تُشْدَخَ دماءُ خزاعةَ، أي: تُهْدَرَ، وحكم بصحةِ البيعِ، وأن الكعبةَ لِقُصَيٍّ (¬2). فأخذَها قُصَيٌّ، وأخذَ الوظائفَ المشهورةَ، وأعطاها لبني عبدِ الدارِ في خبرٍ يَطُولُ. والمقصودُ عندنا من هذا أن العمالقَ إنما سَكَنُوا مكةَ بعدَ أن نبعَ ماءُ زمزمَ لهاجرَ وإسماعيلَ، وهذا هو المعروفُ في التاريخِ. والمعروفُ أن عادًا هلكوا بأزمنةٍ طويلةٍ قبلَ وجودِ إبراهيمَ، وأن هودًا كان قبل إبراهيمَ، وهذا مما يُشَكِّكُ في أن هذه الأخبارَ السيريةَ ليست بصحيحةٍ كما هو معروفٌ، وَاللَّهُ تعالى أعلمُ. إلا أن المفسرينَ يذكرونَ القصةَ كما ذَكَرْنَا. ومعنَى قولِه: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: آية 71] الرجسُ هنا العذابُ، قال بعضُهم: أصلُه من الارتجاسِ، وهو: الاضطرابُ؛ لأن الْمُعَذَّبَ يضطربُ من شدةِ العذابِ. والغضبُ: هو غضبُ اللهِ الذي حَلَّ بهم. {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} السلطانُ: الحجةُ الواضحةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا. ¬
قال بعضُ العلماءِ: هي من السلطنةِ والقهرِ؛ لأن المتمسكَ بها يقهرُ خصومَه. وقال بعضُ العلماءِ: الأَلِفُ والنونُ فيها زائدتانِ، وأصلُها من السليطِ الذي يُوقَدُ به ضوءُ المصباحِ؛ لأَنَّ الحجةَ الواضحةَ ضوؤها يكشفُ ظلامَ الجهلِ، وهو معروفٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬1): كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا ثم قال: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: آية 71] صيغةُ الأمرِ هنا في قولِه: {فَانْتَظِرُوا} للتهديدِ وقد تَقَرَّر في فَنِّ المعانِي في مبحثِ الإنشاءِ (¬2)، وفي فَنِّ الأصولِ في مبحثِ الأمرِ (¬3): أن مِنَ [المعانِي التي تَرِدُ لها صيغةُ:] (¬4) (افعل) التهديدَ. {فَانْتَظِرُوا} ومعنَى الانتظارِ: هو التربصُ لشيءٍ يأتِي. {إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ} أي: أَنْجَيْنَا هودًا وَأَنْجَيْنَا الذين آمنوا مع هودٍ: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} لأنهم مؤمنونَ بنا {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي: اسْتَأْصَلْنَاهُمْ بالهلاكِ، وذلك الهلاكُ بالريحِ العقيمِ. ويذكرونَ في قصتِهم أن الريحَ تقلعُ الرجلَ من مكانِه فترفعُه إلى السماءِ كأنه ريشةٌ ثم تُلْقِيهِ في الأرضِ مُنَكَّسًا على رأسِه فينكسرُ ¬
رأسُه، وتسقطُ أُمُّ رَأْسِهِ. ويدلُّ على هذه قولُه تعالى: {تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: آية 20] والنخلُ المنقعرُ معناه: المنقلعُ من الأرضِ بعروقِه. وهذا يدلُّ على عِظَمِ أجسامِهم وَطُولِهَا، وأن اللهَ شَبَّهَهُمْ بقولِه: {نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} وإن كان العربُ يُشَبِّهُونَ القتلى مُطْلَقًا بالنخلِ المنقعرِ، ومنه قولُ العباسِ بنِ مرداسٍ السلميِّ (¬1): حَتَّى رَفَعْنَا وَقَتْلاَهُمْ كَأَنَّهُمْ ... نَخْلٌ بِظَاهِرَةِ الْبَطْحَاءِ مُنْقَعِرُ وهذا معنَى قولِه: {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: آية 72] وإنما عُبِّرَ عن الاستئصالِ بقطعِ الدابرِ لأن الدابرَ هو الذي يَمْشِي وراءَك عند دبركَ. تقول: مَشَى زيدٌ فَدبَرَهُ عمرٌو. معناه: كان يمشي في أثرِه عن دبرٍ منه. والأولادُ - النسلُ - كأنه دابرٌ للآباءِ، إذا ماتَ هؤلاءِ بَرَزَ هذا دُبرهم يمشي من بعدِهم حَيًّا خلفَهم. وقطْعُ الدابرِ معناه: إهلاكُ الجميعِ حتى لا يَبْقَى به نَسْلٌ يكونُ خَلفًا من الآباءِ. بل اللهُ دَمَّرَ الجميعَ وأهلَكَهم عن آخرهم. وهذا معنَى قولِه: {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} وهذا يدلُّ على أن التكذيبَ بآياتِ اللهِ مستوجبٌ للهلاكِ الْمُسْتَأْصِلِ. وقولُه: {وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} تأكيدٌ. وما كانوا في عِلْمِ اللَّهِ مؤمنين أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ طَبَعَهُمْ على الشقاوةِ، والعياذُ باللهِ جل وعلا. ويزعم المفسرونَ أن نبيَّ اللهِ هودًا هو وَمَنْ مَعَهُ إنما جاءهم من الرياحِ ريحٌ باردةٌ لَيِّنَةٌ قدرَ ما يكون مُسْتَلَذًّا من الريحِ، ولم يَنَلْهُمْ منها شيءٌ (¬2). ¬
وزعم بعضُهم أن هودًا تُوُفِّيَ هنالك بجنبِ رمالِ حضرموتَ. وعن عَلِيِّ بنِ أبِي طالبٍ (رضي الله عنه) أنه وَصَفَ لرجلٍ من حضرموتَ كَوْمًا من الرملِ فيه أشجارٌ وكذا وكذا حتى عَرَفَهُ الحضرميُّ بالعلاماتِ، فزعم له أن قبرَ هودٍ عِنْدَهُ (¬1). وأكثرُ المؤرخين يقولونَ: إن هودًا لَمَّا أهلكَ اللَّهُ قومَه سارَ هو ومن آمَنَ معه إلى الحجازِ، وماتوا كلهم بِمَكَّةَ، هكذا يقولونَ واللهُ تعالى أعلمُ. وهذا معنَى قولِه: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)}. [12/ أ] / قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)} [الأعراف: الآيات 73 - 75]. يقولُ اللهُ جل وعلا: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)} ¬
[الأعراف: آية 73]. هذه هي القصةُ الثالثةُ من قصصِ الأنبياءِ التي قَصَّ اللَّهُ علينا في هذه السورةِ الكريمةِ ... - سورةِ الأعرافِ - ذَكَرَ لنا قصةَ نوحٍ وماذا قال لقومه، وماذا قالوا له، وماذا كان مصيرُهم [ثم ذَكَرَ لنا قصةَ هودٍ] (¬1) مع عادٍ وماذا قال لهم وقالوا له، وماذا كان مصيرُهم. ثم ذَكَرَ لنا القصةَ الثالثةَ وهي قصةُ صالحٍ مع قومِه ثمود، واللهُ - جل وعلا - يُبَيِّنُ لنا هذه القصصَ ليس المرادُ مطلقَ تاريخٍ فقط، وإنما يُبَيِّنُهَا للاعتبارِ، وليحذر الناس من معاصي الله، والتمردِ على أوامرِه، وتكذيبِ رُسُلِهِ؛ لئلاَّ ينزلَ بهم من الهلاكِ ما نَزَلَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ كما قال نبي اللَّهِ شعيبٌ لقومِه: {وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)} [هود: آية 89]. وقولُه: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} عُطِفَ على قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59] أَيْ: لقد أَرْسَلْنَا نوحًا إلى قومِه {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] أي: وَأَرْسَلْنَا إلى عادٍ أخاهم هودًا {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا}. أي: وَأَرْسَلْنَا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا. ثمودُ: قبيلةٌ من قبائلِ العربِ البائدةِ الذين انقطعَ نَسْلُهُمْ، فَهُمْ من العربِ البائدةِ. والمؤرخونَ يزعمونَ أن ثمودَ أنه ابنُ عابرٍ، وبعضُهم يقولُ: جاثر أو جائر بن إرم بن سام بن نوح (¬2). وَنَبِيُّ اللهِ صالحٌ - من نَسَبِهِمْ - من أَوْسَطِهِمْ نَسَبًا وأكرمِهم بيتًا وحسبًا، بَعَثَهُ ¬
اللَّهُ فيهم، وهو صالحُ بنُ عبيدِ بنِ آسفَ، من ذريةِ أروم من إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ (¬1) من قبيلةِ ثمودَ، وهو من أوسطِهم نَسَبًا كما هي عادةُ الأنبياءِ. وهو نَبِيٌّ عربيٌّ كريمٌ، أرسله اللهُ إلى قبيلةٍ عربيةٍ من العربِ البائدةِ، كانت منازلُهم بَيْنَ الشامِ والحجازِ في وادِي الْقُرَى وما حَوْلَهُ، منازلهم معروفةٌ إلى الآن، وآثارُ نحتِهم للجبالِ باقيةٌ إلى الآن، كما يعرفُه مَنْ يَمُرُّ عليهم في طريقِه إلى الشامِ من الحجازِ، وبلادُهم هي المسماةُ بالْحِجْرِ، وتأتِي في قولِه: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)} [الحجر: الآيات 80 - 83]. لَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ عادًا استخلفَ في الأرضِ بعدَهم قبيلةَ ثمودَ، وأكثرَ اللهُ عليهم الأرزاقَ وَالنِّعَمَ، وَوَسَّعَ لهم في المعاشِ، وعاثوا في الأرضِ وَأَفْسَدُوا فيها، وَعَبَدُوا الأصنامَ، فأرسلَ اللهُ إليهم نَبِيَّهُ صالحًا يُذكِّرهم، والمفسرونَ يقولونَ: لم يَزَلْ يدعوهم إلى الإسلامِ حتى بدأ فيه الشَّمطُ، وهو البياضُ الذي يَبْدُو في اللحيةِ، أو الشيبُ الذي يدخلُ في الرأسِ يخالطُه سوادٌ، وهو يدعوهم إلى اللهِ، وهم ¬
لا يَزْدَادُونَ إلا عُتُوًّا وَتَمَرُّدًا؛ ولذا قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [النمل: آية 45] ثمودُ جَدُّهُمْ. وأجمعَ مَنْ يُعْتَدُّ به من القراءِ في هذا الحرفِ على عدمِ صرفِ ثمودَ، قرؤوا كُلُّهُمْ: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: آية 73] مجرورٌ بالفتحةِ؛ لأنه غيرُ منصرفٍ؛ لأنه عَلَمٌ مؤنثٌ؛ لأَنَّ المرادَ عَلَمُ القبيلةِ، فاجتمعت فيه العلميةُ والتأنيثُ، فمُنِع من الصرفِ. وَمَنْ قَرَأَ: {وإلى ثمودٍ أخاهم صالحًا} فهي قراءةٌ شاذةٌ (¬1)، والقراءاتُ السبعيةُ بعضُها يأتِي فيه صرفُ ثمودَ، [وبعضها] (¬2) يأتي فيه مَنْعُهَا من الصرفِ كما هو معروفٌ. فَمَنْعُهَا من الصرفِ نَظَرًا إلى تأنيثِ القبيلةِ، وأنه عَلَمٌ مؤنثٌ، والعلميةُ والتأنيثُ مَانِعَانِ من الصرفِ، وَمَنْ صَرَفَ ثمودَ فقال: (ثمودًا) بتنوينِ الصرفِ أَرَادَ جَدَّهُمُ الأكبرَ الذَّكَرَ ولم يُرِدِ القبيلةَ فلم تجتمع علامتانِ مانعتانِ من الصرفِ، وهذا هو وجهُ كونِه ينصرفُ في بعضِ المواضعِ ولا ينصرفُ في بعضها (¬3). أرسلنا إليهم: {أَخَاهُمْ صَالِحًا} أخاهم في النسبِ لاَ في الدِّينِ؛ لأن دِينَهُ يخالفُ دينَهم، فلما جاءهم نَبِيُّ اللهِ صالحٌ جاءهم بدعوةِ جميعِ الأنبياءِ وهي عبادةُ اللهِ وحدَه: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ليس لكم معبودٌ يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه سواه، بل هو (جلَّ وعلا) المعبودُ وحدَه، المستحقُّ لأَنْ يُفْرَدَ فِي العبادةِ وَيُخْلَصَ له ¬
الدينُ؛ لأنه الخالقُ الرازقُ الْمُحْيِي المميتُ الذي بيدِه الأمرُ، وإليه يصيرُ كُلُّ شيءٍ، فهو المعبودُ وحدَه. {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} الْبَيِّنَةُ: هي الدليلُ الذي يقومُ على الحقِّ فيتركُه واضحًا لا شبهةَ فيه، ومنه قِيلَ للشهودِ على الحقِّ: (بينة) لأنهم يُثْبِتُونَهُ ويظهرون أنه حَقٌّ حتى يبقَى لاَ لَبْسَ فيه. فَكُلُّ دليلٍ يُظْهِرُ الحقَّ وَيُبَيِّنُهُ حتى لا يبقى فيه لبسٌ تُسَمِّيهِ العربُ: (بَيِّنَةً). وهذه البينةُ جاءتهم من رَبِّهِمْ. (مِن) لابتداءِ الغايةِ. أعنِي: مبدأُ إتيانِها من ربكم. أي: خالقِكم وسيِّدكم ومدبرِ شؤونكم. فكأن قائلاً قال: ما هذه الْبَيِّنَةُ والمعجزةُ الواضحةُ التي لم تَتْرُكْ في الحقِّ لَبْسًا، وَأَنَّ صالحًا رسولٌ من ربِّ العالمين؟ فَسَّرَ البينةَ بقولِه: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: آية 73] يذكرونَ في قصتِهم أن سيدَهم كان رجلاً يُسَمَّى: جندعَ بنَ عمرٍو. وَبَنُو عمرٍو من ساداتِ ثمودَ وبطونِهم الكبارِ العظامِ، فلما أَلَحَّ عليهم صالحٌ في الدعاءِ إلى اللَّهِ زَعَمَ المؤرخونَ (¬1) والمفسرونَ (¬2) أنهم قالوا له: «اذْهَبْ مَعَنَا إلى عِيدِنَا الذي نجتمعُ فيه، فنذهبُ بأصنامِنا وندعو أصنامَنا وتدعُو أنتَ إِلَهَكَ، فإن اسْتُجِيبَ لأصنامِنا اتَّبِعْنَا وإن اسْتَجِيبَ لإِلَهِكَ اتَّبَعْنَاكَ. فقال لهم: نَعَمْ. فخرجَ معهم فَدَعَوْا أصنامَهم فلم يستجيبوا لهم بشيءٍ - كما هو معلومٌ لاَ يَخْفَى- فاقترحَ عليه سَيِّدُهُمْ، أو جماعتُهم - تَعَنُّتًا - قالوا: هذه الصخرةُ - يزعمونَ أنها كانت صخرةً كبيرةً كالهضبةِ، ويزعمونَ أنها ¬
تُسَمَّى (الكاثبةَ) - أَخْرِجْ لنا منها ناقةً مخترجةً. معناه: هي كالبختيةِ، تكونُ جوفاءَ وَبْرَاءَ عُشراء، فان أخرجتَها لنا على هذا الوصفِ اتَّبَعْنَاكَ. فأخذ صَالِحٌ عليهم عهودَ اللهِ ومواثيقَه أنه إن أَخرَجَ لهم اللهُ تلك الناقةَ من تلك الصخرةِ الصَّماءِ اتَّبَعُوهُ، فلما أَخَذَ عليهم المواثيقَ يقولُ المفسرونَ: إنه قام فصلَّى ركعتين وَدَعَا اللهَ تعالى وَهُمْ ينظرونَ، فلما دَعَا اللهَ تَحَرَّكَتِ الصخرةُ وَتَمَخَّضَتْ تمخضَ النَّتُوجِ عن وَلَدِهَا، فانشقت عن تلك الناقةِ، عُشْراءَ، وَبْرَاءَ، جَوْفَاءَ، ضخمةً بالغةً في غايةِ الضخمِ. ثم إنها وَلَدَتْ فصيلاً ضخمًا مثلَها وهم ينظرونَ، فلما عَايَنُوا هذا أسلمَ رئيسُهم جندعُ بنُ عمرٍو وَمَنْ كان معه من الرهطِ الذين يُطِيعُونَهُ، وحاولَ كُبراءُ ثمودَ أن يُسلموا كلُّهم لَمَّا عَايَنُوا من آياتِ اللهِ، فجاءهم خبثاءُ منهم، منهم ذؤابُ بنُ عمرِو بنِ لَبِيدٍ، بعضُهم يقولُ: ابنُ عمرِو بنُ أَسَدٍ، والحُبابُ صَاحِبَا آلهتهم التي يَسْدنُونَهَا، وربابُ بنُ صمعر، وجماعةٌ من رؤسائِهم، فَزَيَّنُوا لهم الارتدادَ، وأن لا يتبعوا صَالِحًا، فَثَبَّتُوهُمْ على الكفرِ والعياذُ بالله. وكان فيهم رجلٌ يُسَمَّى: شهابَ بنَ خليفةَ، ابن عَمِّ سيدِهم جندعَ بنِ عمرٍو، كان من أَعَزِّ الفتيانِ في ثمودَ، ومن أفاضلِهم وأماثلِهم المتَّبعين، فدعاه مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قومِه من بني عمرو ليُسلم فمنعه الخبيثُ ذؤابُ بنُ عمرٍو وربابٌ وَمَنْ معهم من الأعزاءِ من كفرةِ ثمودَ. وكان شاعرُهم المُسلم يقولُ في ذلك (¬1): وَكَانَتْ عُصْبةٌ مِنْ آلِ عَمْرٍو ... إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا عَزِيزَ ثَمُودَ كُلَّهُمُ جَمِيعًا ... فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًا ... وَمَا عَدَلُوا بِصَاحِبِهِمْ ذُؤَابَا ¬
إلى آخِرِ الأبياتِ المعروفةِ. فَأَسْلَمَتْ تلك الطائفةُ القليلةُ مع صالحٍ، وَبَقِيَ أكثرُهم في غايةِ الكفرِ والعتوِّ والتمردِ على اللَّهِ. وَلَمَّا أخرجَ لهم الناقةَ أمرَه اللهُ بأن يقولَ لهم: إن بئرَهم التي يشربونَ منها: نهارٌ منها للناقةِ لاَ يَشْرَبُ منها غيرُها أبدًا، والنهارُ الثاني لجميعهم يَسْقُونَ مواشيَهم وأنفسَهم وَيَدَّخِرُونَ ما شاؤوا من الماءِ، كما قال: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [القمر: آية 28] وقال: {لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الشعراء: آية 155] يَذْكُرُ المؤرخونَ أن يومَ شُرْبِ الناقةِ أنها تأتِي من بَيْنِ الْجَبَلَيْنِ فَتُدْخِلُ رَأْسَهَا في البئرِ ولا تتركُ في البئرِ قطرةً من الماءِ، ثم إنها تُفَرِّجُ فَخِذَيْهَا فيحلبونَ منها كلما شاؤوا فيملؤونَ جميعَ أوعيتِهم، ويدخرونَ من لَبَنِهَا كلما شاؤوا فَيُغْنِيهِمْ ذلك عن الماءِ (¬1)، وَلَبَنُهَا من أصفَى اللبنِ وأعذبِه وأحلاه. فلما طَالَ عليهم ذلك عَقَرُوهَا - والعياذُ بالله - كما جاء في آياتٍ قرآنيةٍ كثيرةٍ، وسببُ عَقْرِهَا يقولُ المفسرونَ والمؤرخونَ (¬2): إنه كانت فيهم عجوزٌ كافرةٌ، هي امرأةُ ذؤابِ بنِ عمرِو بنِ لبيدٍ، أو ابنِ عمرِو بنِ أسدٍ، هي من أقبحِ الناسِ وأشدِّهم كُفْرًا وَعَدَاوَةً لِصَالِحٍ، تُسَمَّى: عُنيزةَ بنتَ غُنْمٍ، وَتُكْنَى: أُمَّ غنم (¬3)، وكانت ذاتَ بناتٍ حِسَانٍ، وهي زوجُ ذؤابِ بنِ عمرٍو - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وأنها جاءت للقبيحِ قُدارِ بنِ سالفٍ - وكان قُدارُ بنُ سالفٍ قصيرًا أَحْمَرَ، أزرقَ العينين عزيزًا في قومِه، وجاء في الحديثِ وَصْفُهُ بأنه ¬
عارمٌ عزيزٌ في قومِه (¬1). والعارمُ: شديدُ الشرِّ - وقالت له: إن أنتَ عقرتَ هذه الناقةَ أعطيتُك أَيَّ بَنَاتِي شِئْتَ. وكان عندها بناتٌ حِسَانٌ، ذواتُ جمالٍ، ويزعمونَ أن امرأةً منهم أخرى تُسَمَّى: صدقةَ أو صدوقَ (¬2) بنتَ الْمُحَيَّا، وكانت ذاتَ جمالٍ بارعٍ، وَكِلْتَا المرأتين لهما أغنامٌ وآبال وأبقارٌ كثيرةٌ، وكانت الناقةُ لِعِظَمِهَا إذا رأتها مواشيهم تَفِرُّ منها خوفًا منها، وكانت الناقةُ زمنَ الصيفِ تخرجُ عن حرِّ الوادي، فإذا رَأَتْهَا مواشيهم نَفَرَتْ منها واضطُرت إلى حرِّ الوادي، وإذا كان في الشتاءِ دَخَلَتِ الناقةُ في الوادي لِتَتَدَفَّأَ به، فنفرت منها مواشيهم، فتضرروا بذلك، وكانوا يتمنونَ عَقْرَهَا. وأكثرُ المفسرين يقولونَ: إن السببَ فيه هاتانِ المرأتانِ، وأنَّ قُدارَ بنَ سالفٍ - لَمَّا أَغْرَتْهُ الخبيثةُ عنيزةُ بنتُ غنمٍ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وَخَيَّرَتْهُ في بناتِها مع جَمَالِهِنَّ إن هو عَقَرَ الناقةَ - انتدبَ واحدًا من قومِه يُسَمُّونَهُ مصدعَ، وأن هذين الرَّجُلَيْنِ اتَّبَعَهُمَا سبعةٌ من قومِهم فصاروا تسعةً، وأنهم هم المذكورونَ في سورةِ النملِ: {وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ (48)} [النمل: أية 48] وأنهم ذهبوا إلى الناقةِ وَكَمِنُوا لها يومَ شُرْبِهَا عندما صَدَرَتْ من الماءِ، والمؤرخونَ يزعمونَ أنها لا يمكنُ أن تصدر من الفجِّ الذي جاءت منه لِعِظَمِهَا (¬3)؛ لأنها يصعب عليها أن تَنْثَنِيَ، فتطلع من فَجٍّ آخَرَ، فكمنوا لها وهي صادرةٌ ¬
من الماءِ. يقولُ المفسرونَ والمؤرخونَ (¬1): إن مصدعَ كَمَنَ لها في أصلِ صرفٍ وَكَمَنَ قدارُ بنُ سالفٍ في صخرةٍ أخرى، فَمَرَّتْ بهما الناقةُ فرماها مصدع فانتظمَ بسهمِه عَضَلَتَهَا، ثم مرت على قدارِ بنِ سالفٍ يزعمونَ أن الخبيثةَ - المرأةَ - كَشَفَتْ له عن بنتِها الجميلةِ وَحَرَّضَتْهُ على عقرِ الناقةِ فضربَ عرقوبَها فَسَقَطَتْ، فضربَ في لُبَّتِهَا فنحرها، وأنهم اقتسموا لَحْمَهَا. واختلفت رواياتُ المؤرخين والمفسرين في الفصيلِ (¬2)، ولا شيءَ في ذلك ثابتٌ، فمنهم مَنْ يقولُ: إن مصدعًا تَبِعَهُ فأخذه وَنَحَرَهُ معها واقتسموا لحمَه مع لَحْمِهَا. ومنهم مَنْ يقول: إنه رَغَا مَرَّاتٍ، وصار فوقَ جبلٍ، وانفتحت له صخرةٌ فدخل فيها، حتى إن قومًا ليزعمونَ أنه هو الدابةُ التي تأتِي في آخِرِ الزمانِ! وَكُلُّ ذلك قصصٌ لاَ مُعَوَّلَ عليها ولا ثبوتَ لها. واللهُ أعلمُ بقصةِ الفصيلِ؛ لأنَ القرآنَ لم يُبَيِّنْ ماذا كان مصيرُه، ولم يُبَيِّنْهُ ولم يثبت خبره بوحيٍ صحيحٍ، وإنما هي رواياتٌ يَحْكِيهَا المؤرخونَ والمفسرونَ. فَلَمَّا عقروا الناقةَ - والعياذُ بالله - والذي تَوَلَّى عقرها قدارُ بنُ سالفٍ - قَبَّحَهُ اللهُ - هو أَشْقَى الأَوَّلِينَ، ويُزعَمُ أن أصلَه ابنُ زَنْيَةٍ، وُلِدَ على فراشِ سالفٍ، وهو خبيثٌ أحمرُ أزرقُ، عزيزٌ في قومِه عَارِمٌ، أنه لَمَّا عقروها -والقرآنُ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ عقرِهم لها- فبيَّن أن عاقرَها واحدٌ، وأسندَ عقرَها للجميعِ حيث قال: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)} [القمر: آية 29] وقال في آياتٍ كثيرةٍ إن الذي عَقَرَهَا الجميعُ كقولِه: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} [الأعراف: ¬
آية 77] وكقولِه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} [الشمس: الآيات 11 - 14] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ (¬1). وأجابَ العلماءُ عن أن اللَّهَ مرةً نَسَبَ العقرَ إلى واحدٍ وهو قولُه: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)} وتارةً نَسَبَ العقرَ إلى الجميعِ، قالوا: لأنهم كُلَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ، وأنه لم يذهب لعقرِها حتى اتَّفَقَ جميعُهم، حتى إنه لَيَسْتَأْذِنُ المرأةَ في خِدْرِهَا فتقولُ: نَعَمْ. فَوَافَقُوا جميعًا على عقرها، والمتمالئون على شيءٍ، المتفقونَ عليه، كأنهم فَعَلُوهُ كُلُّهُمْ، وإن كان المباشرُ واحدًا منهم. هكذا قَالَهُ بعضُ العلماءِ، مع أن عادةَ اللغةِ العربيةِ إسنادُ الفعلِ للناسِ وفاعلُه بعضُهم (¬2)، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، وكثيرٌ في القرآنِ العظيمِ، ومما يُوَضِّحُهُ كناية الإيضاحِ: قراءةُ (¬3) حمزةَ والكسائيِّ {فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} (¬4) [البقرة: آية 191] لأنه لا يَصِحُّ أنه إن قتلوكم ومتم فاقتلوهم بعدَ أن قُتِلْتُمْ ومتم. هذا ليس من المعقول! والمعنَى: فإنا قَتَلُوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الآخَرُ، فَأَطْلَقَ [الكلَّ وأرادَ البعضَ] (¬5). وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ ابنِ مطيعٍ يومَ حرةِ واقمٍ لَمَّا جاءت جيوشُ يزيدَ بنِ معاويةَ يرأسُها (مجرم) الذي يُسَمَّى: مسلمَ بنَ عقبةَ، وفعلوا بالمدينةِ ما فَعَلُوا، وكان الشاعرُ يقولُ (¬6): ¬
فَإِنْ تَقْتُلُونَا عِنْدَ حَرَّةِ وَاقِمٍ ... فَلَسْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ فقولُه: «فإن تَقْتُلُونَا» لو كان هو ميتًا مقتولاً لَمَا كان حَيًّا يُرزَق يقولُ الشعرَ، وإنما المرادُ: فإن تقتلوا بعضَنا. فَلَمَّا عقروا الناقةَ واقتسموا لَحْمَهَا، قيل: وكذلك فصيلها. وقيل: دَخَلَ فصيلُها في الصخرةِ فَانْفَرَجَتْ له. ويزعم بعضُ المؤرخين: أن صَالِحًا لَمَّا عَلِمَ أنهم عقروها قال لهم: أَدْرِكُوا فَصِيلَهَا لعلَّ اللهَ يكشفُ عنكم العذابَ. وأنهم لم يستطيعوا أن يُدْرِكُوهُ، فلما أَخْبَرُوا نَبِيَّهُمْ صالحًا قال لهم ما حَكَى اللهُ عنه: {فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: آية 65] يعنِي: لكم متعةُ ثلاثةِ أيامٍ وبعدَ اليومِ الثالثِ يأتيكم العذابُ الْمُسْتَأْصِلُ. قالوا له: وما علامةُ ذلك؟ يذكرُ المفسرونَ والمؤرخونَ أنه قال لهم: تُصْبِحُونَ في اليومِ الأولِ وألوانُكم مُصْفَرَّةٌ، ثم في اليومِ الثانِي تحمرُّ ألوانُكم، ثم في اليومِ الثالثِ تسودُّ ألوانُكم، ثم في اليومِ الرابعِ يأتيكم عذابُ اللهِ المستأصلُ فيهلككم اللهُ. هكذا يقولونَ. ويزعمُ المفسرونَ والمؤرخونَ: أن عَقْرَ الناقةِ كان يومَ الأربعاءِ - وكانوا يسمونَ الأيامَ بغيرِ هذه الأسماءِ المعروفةِ - فلما كان يومُ الخميسِ أصبحت وجوهُهم مُصْفَرَّةً، وصار بعضُهم يقولُ لبعضٍ: أَلاَ ترى هذه الصفرةَ التي في وَجْهِكَ؟ فعلموا بالهلاكِ، وَأَيْقَنُوا صِدْقَ النبيِّ صالحٍ، فلما كان يومُ الجمعةِ - فيما يزعمونَ - أصبحت ألوانُهم مُحْمَرَّةً، فازدادوا يقينًا بالهلاكِ، فلما كان يومُ السبتِ أصبحت ألوانُهم مُسْوَدَّةً (¬1). وبعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: هو اليومُ الثالثُ ¬
من عَقْرِهَا، فهلاكُهم يومُ السبتِ. وبعضُهم يقولُ: هو صبيحةُ الأحدِ. وَلَمَّا أَيْقَنُوا بالهلاكِ يزعمونَ أنهم تَحَنَّطُوا بالأشياءِ المصبِّرةِ، ولبسوا الأشياءَ التي هي كالأكفانِ مستعدينَ للهلاكِ، فلما ارْتَفَعَتْ شمسُ اليومِ بعدَ اليومِ الثالثِ جاءتهم الصيحةُ، سَمَّاهَا اللهُ في آياتٍ صيحةً، كما قال: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: آية 67] والمرادُ بهم قومُ صالحٍ، وَسَمَّاهَا هنا رجفةً فقال: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)} [الأعراف: آية 78] ولا منافاةَ بَيْنَ تسميتِها صيحةً وتسميتِها رجفةً؛ لأَنَّ الصيحةَ يصيحُ بهم الملكُ من فوقِهم نازلاً من السماءِ، فإذا صَاحَ بهم رَجَفَتْ بهم الأرضُ وَارْتَعَدَتْ من شدةِ صيحةِ الملكِ، فَفَارَقَتْ أرواحُهم أبدانَهم فلم يَبْقَ منهم دل ولا مجيبٌ والعياذُ باللهِ جل وعلا (¬1). وهذا معنَى قولِه: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: آية 73] {آيَةً}: حالٌ مقدَّرةٌ، والعاملُ فيها معنَى الإشارةِ، أُشِيرَ إليها في حالِ كونِها آيةً. أي علامةً واضحةً على أنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ من اللَّهِ جِئْتُكُمْ. والتحقيقُ: أنها إنما كانت آيةً لانْفِلاَقِ الصخرةِ عنها، كما قال تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} ثم قال: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: آية 59] خِلاَفًا لمن زَعَمَ أن كونَها آيةً: عِظَمُهَا، وأنها تشربُ البئرَ كُلَّهَا، ولا توجدُ ناقةٌ من إبلِ الدنيا تشربُ بِئْرًا كُلَّهَا وحدَها في وقتٍ واحدٍ!! وخلافًا لِمَنْ زعم أن كونَها آيةً: كثرةُ ما يُحْلَبُ منها من اللبنِ؛ لأنها يُحْلَبُ بها من اللبنِ ما يَسَعُ خلائقَ كثيرةً، كل هذا قيل به، والأظهرُ هو ما عليه جمهورُ المفسرينَ، ويدلُّ ¬
عليه ظاهرُ القرآنِ أنها معجزةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صالحٍ، وهذا معنَى قولِه: {فَذَرُوهَا تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} [الأعراف: آية 73]. {فَذَرُوهَا} معناه: اتْرُكُوهَا {تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ}؛ لأن الأرضَ التي تأكلُ فيها ليست لكم، والعُشْب الذي تَأْكُلُهُ ليس من إِنْبَاتِكُمْ، بل هي أرضُ رَبِّهَا، والنباتُ الذي أنْبَتَهُ مَنْ خَلَقَهَا، فليست الأرضُ لكم، ولستُم أنتم الذين أَنْبَتُّمْ النباتَ {فَذَرُوهَا تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ} أي: لا تَتَعَرَّضُوا لها بشيءٍ فيه سوءٌ: من عَقْرٍ، ولا نَحْرٍ، ولاَ طَرْدٍ، ولاَ مَنْعِهَا من نصيبِها من الماءِ، إلى غيرِ ذلك. {فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فهذه فاءُ السببيةِ، والمضارعُ منصوبٌ بـ (أن) مضمرةٍ بعدَها يجبُ حَذْفُهَا، والمعنَى: لا تَمَسُّوهَا بسوءٍ فيتسببُ عن ذلك أن يأتيَكم عذابٌ أليمٌ. والأليمُ معناه: الْمُؤْلِمُ. والصحيحُ: أن (الفعيل) في لغةِ العربِ تأتِي بمعنَى (المُفْعِل) وما يذكرُه بعضُ علماءِ العربيةِ عن الأصمعيِّ من إنكارِه إتيانَ (الفَعِيْل) في اللغةِ بمعنَى (المُفْعِل) وَاغْتَرَّ به بعضُ المفسرين فقال: أليمٌ معناه: مُتَأَلَّمٌ منه، فجعلَه بصيغةِ اسمِ المفعولِ. كُلُّ ذلك غيرُ صحيحٍ، بل غَلَطٌ، والتحقيقُ: أن (الفَعِيل) تأتِي في اللغةِ العربيةِ بمعنَى (المُفْعِل) (¬1) كقولِه: {عَذَابٌ أَلِيمٌ} بمعنَى: مُؤْلِمٍ. ومنه قولُ الشاعرِ (¬2): وَنَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاَتٍ ... يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ ¬
أَيْ: وهجٌ مُؤْلِمٌ. ومنه بهذا المعنَى قولُه تعالى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: منذرٌ. فالنذيرُ بمعنَى الْمُنْذِرِ. وقولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ في مطلعِ عَيْنِيَّتِهِ المشهورةِ (¬1): أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعِ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ فقولُه: «السميع» يعنِي: الدَّاعِي الْمُسْمِع. فأطلق على المسمعِ السميعَ. ومنه قولُه فيها أيضا (¬2): وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ وَجِيْعُ أي: ضَرْبٌ مُوجِعٌ. فهذا هو التحقيقُ. {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ} فيتسببُ عن مَسِّكُمْ إياها بالسوءِ أن يأتيكَم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} العذابُ: نكالُ اللهِ (جلَّ وعلا) الذي يأتِي به لِمَنْ يستحقُّه بسببِ ارتكابِ الذنبِ. {عَذَابٌ} من اللهِ {أَلِيمٌ} أي: مُؤْلِمٌ، وهذا معنَى قولِه: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ}. قولُه: {تَأْكُلْ} المضارعُ مجزومٌ بجوابِ الأمرِ، ويجوزُ رَفْعُهُ، إلا أنَّ عَامَّةَ مَنْ يُعْتَدُّ به من القراءِ على الجزمِ، وأكثرُ علماءِ العربيةِ: أن المضارعَ المجزومَ في جوابِ الطلبِ أن أصلَه مجزومٌ بجملةٍ شرطيةٍ محذوفةٍ (¬3) وتقريرُ المعنَى: إن تَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أرضِ اللهِ. وهذا معنَى: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} يعنِي: إن تَتْرُكُوهَا وتذروها تأكلْ في أرضِ اللهِ. ¬
ومعنَى قولِه: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ} أي: بأيِّ أَذًى من أنواعِ الأَذَى، من عَقْرٍ، أو نَحْرٍ، أو ضَرْبٍ، أو تَنْفِيرٍ، أو مَنْعٍ من المرعى، أو مَنْعِ نَصِيبِهَا من الماءِ {فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ثم إن نَبِيَّ اللهِ صالحًا ذكَّر قومَه أيضًا بِنِعَمِ اللهِ قال: {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} [الأعراف: آية 74] أي: نِعَمَ اللهِ {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} يعني: في الأرضِ من بعد عَادٍ، مثلما قال [هود] (¬1) لقومِه: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] وهذا قَرَّرْنَاهُ فيما مَضَى، أي: أَهْلَكَهُمْ وجعلكم مُسْتَخْلَفِينَ في الأرضِ بعدَهم تتمتعونَ فيها. واستدلَّ بعضُ العلماء (¬2) بهذه الآياتِ على أن الكافرَ يصدقُ عليه أنه مُنَعَّمٌ عليه في الدنيا؛ لأن نَبِيَّ اللهِ هودًا - وهو هو - قال لقومِه: {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} فصرَّح بأن لله عليهم نِعَمًا في الدنيا، وكذلك قال نَبِيُّ اللهِ صالحٌ: {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} فَبَيَّنَ كُلٌّ مِنْ هودٍ وصالحٍ أن لله في الدنيا على الكفرةِ آلاء وَنِعَمًا بما أعطاهم من الرزقِ والعافيةِ ورغدِ العيشِ والتمتعِ بلذاتِ الدنيا، هذه الآياتُ دَلَّتْ على هذا. وقال بعضُ العلماءِ: لا نعمةَ على الكافرِ أَصْلاً؛ لأن هذا استدراجٌ، واللهُ يقولُ: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)} [الأعراف: الآيتان 182، 183] فمنزلتُه منزلةُ الطعامِ اللذيذِ الذي فيه السمُّ الفتاكُ القاتلُ، فشربُه ليس بلذيذٍ، والإنعامُ به ليس بإنعامٍ!! وظاهرُ القرآنِ أَوْلَى بالإتباعِ؛ لأَنَّ اللهَ سمَّى ¬
هذه آلاء ونعمًا عليهم على ألسنةِ رسلِه الكرامِ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم)، وهذا معنَى قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ}. {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 74] العربُ تقولُ: (بَوَّأَهُ يُبَوِّئه) إذا جَعَلَ له مباءة. والمباءةُ في لغةِ العربِ: المنزلُ. تقولُ العربُ: (بَوَّأَهُ يُبَوِّئُهُ) أي: اتَّخَذَ له مباءةً، أي: منزلاً. وتَبَوَّأَ الرجلُ يَتَبَوَّأ: اتخذَ مباءةً، أي: منزلاً. والمبوَّأ: هو المنزلُ (¬1). وهذا كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، فَمِنْهُ في القرآنِ: {وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} [الزمر: آية 74] أي: نَتَّخِذُ من مباءاتها ومنازلِها حيث نشاءُ: {لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت: آية 58] أي: لَنَجْعَلَنَّ الغرفَ مباءاتٍ ومنازلَ لهم. وهذا في القرآنِ كثيرٌ {وَلَقَدْ بَوَّأنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: آية 93] أي: أَنْزَلْنَاهُمْ مُنْزَلاً كَرِيمًا طَيِّبًا كما هو معروفٌ، وهذا كثيرٌ في القرآنِ. ومن إطلاقِه في كلامِ العربِ قولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ (¬2): كَمْ مِنْ أَخٍ لِي مَاجِدٍ ... بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدَا أَيْ: جَعَلْتُ اللحدَ مباءةً ومنزلاً له عند موتِه. وهذا معروفٌ، وهذا معنَى قولِه: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 74] أَيْ: جَعَلَ في الأرضِ لكم مباءاتٍ ومنازلَ متنوعةً، منها ما تَتَبَرَّدُونَ به في الصيفِ، ومنها ما تستدفئونَ به في ¬
الشتاءِ، وهذا معنَى قولِه: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} هي بَيْنَ الحجازِ والشامِ من وادِي القُرَى فما حَوْلَهُ، كانت ديارُهم هناك. {تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا} السهولُ: جمعُ سَهْلٍ، وهو المكانُ المنخفضُ المستوي الذي لا وَعْرَ فيه. أي: تتخذونَ من أَمْكِنَتِهَا السهلةِ التي ليست بجبالٍ قصورًا، تَبْنُونَ تلك القصورَ من سَهْلِ الأرضِ مِمَّا توقدونَ عليه من آجُرها وطينِها وتؤسسونها بالحجارةِ، وكانوا في الصيفِ يسكنونَ القصورَ المبنيةَ من الآجُرِّ والطينِ؛ لأنها أشدُّ برودةً. {وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتًا} نحتُ الشيءِ: هو أن تنحته شيئًا فشيئًا، ومنه قيل للمِبْرَدِ: (مِنْحَتٌ) لأنه ينحتُ الشيءَ، ومعنَى نحتهم الجبالَ: أنهم يأخذونَ آلات حديد - وكانت سواعدُهم قويةً جِدًّا - فيحفرونَ في الجبلِ، حتى يجعلوا فيه أُوب البيوتِ، ثم يقطعونَ لها أبوابَها وطاقاتِها من نفسِ الجبلِ، ثم تكونُ تلك الأبوابُ والغرفُ والطاقاتُ كُلُّهَا من الجبالِ، يَنْحِتُونَهَا بالحديدِ بقوةِ أيديهم نَحْتًا، إذا اشتدَّ البردُ زمنَ الشتاءِ دَخَلُوهَا فكانت لشدةِ استدفائِها لا يحسونَ بالبردِ شيئًا، وهذا من نِعَمِ اللَّهِ عليهم. وقرأَ هذا الحرفَ جماهيرُ القراءِ: {وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتًا} بكسرِ باءِ: (بيوت) لِمُجَانَسَةِ الياءِ. وقرأه بضمِّ الباءِ على الأصلِ: {بُيُوتًا} أبو عمرٍو، وحفصٌ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ. لم يَقْرَأْهُ مِنَ القراءِ السبعةِ على الأصلِ: {بُيُوتًا} إلا عاصمٌ في روايةِ حفصٍ خاصةً، ونافعٌ في روايةِ ورشٍ خاصةً، وأبو عمرٍو. وغيرُ ذلك من سائرِ القراءِ قرؤوا: {وتَنْحِتونَ الجبال بِيوتًا} (¬1) أي: تنحتونَ من ¬
الجبالِ بيوتًا ينحتونها في الجبال. وقراءةُ الحسنِ شاذةٌ: {تَنْحَتُونَ من الجِبَال بيوتًا} (¬1) وإن كانت قياسيةً؛ لأن (فَعَل) إذا كانت حلقيةَ العينِ أو اللامِ يقاسُ في مضارعِها الفتحُ (¬2)، إلا أن السماعَ (تَنْحِتُونَ) بالكسرِ، وهي قراءةُ السبعةِ وغيرِهم؛ وقراءةُ الحسنِ: «تَنْحَتونَ» شاذةٌ، وأشذُّ منها قراءةُ مَنْ قَرَأَ: {تَنْحاَتُونَ} بإشباعِ الفتحةِ، فهذه قراءةٌ شاذةٌ جِدًّا، أشذُّ من الأُولَى فـ (تَنْحَتُونَ) بفتحِ الحاءِ شاذةٌ، وإشباعُ الفتحةِ أَلِفًا أَشَذُّ وَأَشَذُّ، وإن كان إشباعُ الفتحةِ بألفٍ يسوغ في كلامِ العربِ، هو مسموعٌ في كلامِ العربِ، إلا أنه لاَ يجوزُ قراءةً، وهو موجودٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ عبدِ يغوثَ بنِ وقاصٍ (¬3): وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا فَأَشْبَعَ الفتحةَ بالأَلِفِ، وأصلُ الفعلِ مجزومٌ، فالأصلُ: «تَرَ» بلا أَلِفٍ، أشبعَ الفتحةَ أَلِفًا. وقول الآخَرِ (¬4): إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ... وَلاَ تَرَضَّاهَا وَلاَ تَمَلَّقِ الأَصْلُ: (ولاَ ترضَّها) فأُشْبِعَتِ الفتحة. ومنه في وسط الكلامِ قولُ عنترةَ في معلقتِه (¬5): ¬
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ... زَيَّافَةٍ مِثْلَ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ فقولُه: (ينباع) أصلُه: (يَنْبَع) يعنِي: أن العرقَ ينبعُ من عَظْمِ ذِفراها، وهو العظمُ الذي خَلْفَ أُذُنِهَا، أصلُه يسيلُ منه العرقُ من الإبلِ إذا سَارَتْ سيرًا شديدًا. وقراءةُ الجمهورِ هي التي يجوزُ القراءةُ بها {تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ} جمع جبلٍ. {بُيُوتًا} جمع بيتٍ. قرأه حفصٌ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ، وأبو عمرٍو: {بُيُوتًا} بضمِّ الباءِ على الأصلِ (¬1): جمعُ بيتٍ، والبيتُ هو ما يُسْكَنُ فيه، سُمِّيَ بيتًا لأَنَّ الساكنَ يبيتُ فيه. {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} أي: نِعَمَ اللَّهِ عليكم حيث جعلكم خلفاءَ في الأرضِ من بعدِ عادٍ ويسَّر لكم القصورَ في سهولِها، وَيَسَّرَ لكم نحتَ الجبالِ في نفسِ الجبالِ لِتَنَالُوا من بردِ السُّكْنَى زمنَ الحرِّ، ومن الاستدفاءِ زمنَ البردِ، وَكُلُّ هذا نعمُ اللَّهِ وآلاؤُه عليكم. وهذا معنَى قولِه: {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ} أي: نِعَمَهُ التي أَنْعَمَهَا عليكم. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ (¬2): هذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على بناءِ القصورِ الشامخاتِ لأَنَّ اللهَ امْتَنَّ عليهم على لسانِ نَبِيِّهِمْ، بأنهم يتخذونَ القصورَ. وقد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يدلُّ في ظواهرَ كثيرةٍ من الشرعِ أنه لا ينبغي للإنسانِ أن يتطاولَ في البنيانِ وَيَبْنِيَ فوقَ حاجتِه وَيُضَيِّعَ المالَ في ذلك، فينبغي للإنسانِ أن يبنيَ قدرَ حاجتِه وألا يضيعَ المالَ فيما يزيدُ على قدرِ حاجتِه من القصورِ الشامخةِ، ولاسيما إن كان ذلك على سبيلِ المباهاةِ والتفاخرِ فلا خيرَ ¬
فيه. وأكثرُ العلماءِ على أنه لا يمنعُ الرجل أن يبنيَ بيتًا ليستغلَّه فيؤجرَه ويأخذَ منه؛ لأنه من أنواعِ التجاراتِ وابتغاءِ فضلِ اللَّهِ - جل وعلا - وكذلك ما يحتاجُ إليه هو وَمَنْ يَعُولُهُ، فهذا من الأمورِ الضروريةِ. وقولُه جل وعلا: {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ... } العِثِيُّ والعثوُّ معناهما: الفسادُ. وهذه الحالُ مؤكدةٌ عاملها؛ لأن معنَى: {وَلاَ تَعْثَوْا} لا تُفْسِدُوا. فـ (مفسدون) حالٌ مؤكدةٌ لعامِلِها، والحالُ قد تؤكدُ عاملَها فيكونُ معناها هو معنَى عاملها، وإلى هذه بعينِها أشارَ ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقوله (¬1): وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا ... فِي نَحْوِ لاَ تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا معناها: لا تُفْسِدُوا في الأرضِ في حالِ كونِكم مُفْسِدِينَ، فالحالُ مؤكدةٌ لعاملِها، والمقصودُ تأكيدُ النهيِ عن الفسادِ في الأرضِ بالإشراكِ بالله وعبادةِ غيرِه معه، وأذيةِ مَنْ أَسْلَمَ من قومِ صالحٍ، وتكذيبِ نَبِيِّ اللهِ صالحٍ، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ الفسادِ. {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: الآيات 75 - 79]. ¬
قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ قارئَ أهلِ الشامِ: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} بلا واوٍ، وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه: {وقال الملأ الذين اسْتَكْبَرُوا} بالواو. وفي المصاحفِ الشاميةِ هذه الواوُ. وهما قراءتانِ سبعيتانِ (¬1)، إحداهما بالواوِ والثانيةُ بلا واوٍ، وكونُ بعضِ الحروفِ الصحيحةِ يزيدُ فيه حرفٌ أو كلمةٌ وينقصُ ذلك الحرفُ أو الكلمةُ في قراءةٍ أخرى لأَجْلِ هذا السببِ بعينه كان عثمانُ بنُ عفانَ (رضي الله عنه وأرضاه) وَمَنْ معه من الصحابةِ في جَمْعَةِ المصحفِ الأخيرةِ التي جَمَعَهَا عثمانُ (رضي الله عنه) عَدَّدُوا نسخَ المصاحفِ العثمانيةِ ليمكن أن تكونَ نسخةٌ فيها هذه الواوُ ونسخةٌ عارية من هذه الواوِ، والجميعُ كأنه نسخةٌ واحدةٌ، إلا أنهم نَوَّعُوهَا وَعَدَّدُوهَا ليمكنَ أن تأتيَ جميعُ القراءاتِ مطابقةً لها. {قَالَ الْمَلأُ} قَدَّمْنَا أن الملأَ أشرافُ الجماعةِ ورؤساؤهم الذكورُ الذين ليس فيهم إناثٌ. {الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} أي: تَكَبَّرُوا وَعَتَوْا ولم يؤمنوا استكبارًا عن الإيمانِ {مِنْ قَوْمِهِ} أي: مِنْ قومِ صالحٍ، وهم ثمودُ قالوا {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وكان جُلُّ مَنْ آمَنَ بصالحٍ ... - قبلَ أن يؤمنَ جندعُ بنُ عمرٍو وَمَنْ آمَنَ معه - كان أغلبُهم ضعافًا؛ لأَنَّ اللهَ أجرى العادةَ بأن أكثرَ أتباعِ الأنبياءِ: الضعفاءُ، وأكثرَ مَنْ عادى الأنبياءَ وأكثرَ أهلِ النارِ: أهلُ الترفِ في الدنيا والمكانةِ والمالِ والجاهِ. والسرُّ في ذلك: أن المساكينَ الضعافَ لا يُحَارِبُونَ عن رئاسةٍ، ولا يستنكفونَ أن يكونوا تَبَعًا، فإذا سَمِعُوا الحقَّ آمَنُوا به، أما الرؤساءُ فإنهم ¬
لا يَرْضَوْنَ أن يكونوا تَبَعًا، وأن يكونوا مرؤوسين غيرَ رؤساءَ، فيجادلوا لتبقَى لهم مكانتُهم ورئاستُهم؛ لأنهم إن أطاعوا الرسلَ كانوا تَبَعًا تحتَ أوامرِ الرسلِ لاَ رئاسةَ لهم ولا سيادةَ؛ ولذا في قصةِ هرقلَ الثابتةِ في الصحيحِ لَمَّا سألَ أبا سفيانَ السؤالاتِ المعروفةَ - المشهورةَ الثابتةَ في الصحيحِ - عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ جُمْلَتِهَا أن قال له: أشرافُ الناسِ يتبعونَه أم ضعفاؤُهم؟ فقال أبو سفيانَ: بل ضعفاؤُهم، قال هرقلُ: أولئك أتباعُ الرسلِ (¬1). كما هو معروفٌ. {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} أي: الرؤساءُ والقادةُ من قبيلةِ ثمودَ الذين تَكَبَّرُوا عن الإيمانِ وإجابةِ نَبِيِّ اللهِ صالحٍ {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} أي: للضعفاءِ المستضعفين. وقولُه: {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} بدلٌ مِنْ قولِه: {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} أي: المستضعفينَ، أعنِي خصوصَ المؤمنين من المستضعفين {أَتَعْلَمُونَ} أَتَتَيَقَّنُونَ وتجزمونَ بأن {صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} وأنه غيرُ كاذبٍ على اللهِ؟ فأجابهم المستضعفونَ أحسنَ جوابٍ وأبلغَه، فلم يقولوا لهم: نَعَمْ نحنُ نجزمُ بأنه مُرْسَلٌ، ولكن جعلوا كونَه مُرْسَلاً أمرًا لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه، ولا أن يكونَ النزاعُ ولا الخلافُ فيه، وقالوا: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} إنا مؤمنونَ بالأمرِ الذي أُرْسِلَ به، الذي لا ينبغي أن يُشَكَّ ولا أن يُخْتَلَفَ في أنه حَقٌّ، ولهذه الحكمةِ عَدَلُوا عن أن يقولوا: نَعَمْ، فأجابهم الملأُ الكفارُ المتكبرونَ فقالوا: {إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ} من رسالةِ صالحٍ {كَافِرُونَ} جاحدونَ والعياذُ بالله، وهذا معنَى قولِه: {إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}. ¬
فَلَمَّا تَمَرَّدُوا وَطَغَوْا {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} العربُ تقولُ: عَقَرَ البعيرَ إما قَطَعَ عرقوبَه. هذا أصلُ العقرِ، إذا قطعَ عرقوبَه. وكانت عادةُ العربِ إذا أرادوا أن يَنْحَرُوا الإبلَ ضربوا عراقيبَها بالسيوفِ حتى تسقطَ فينحروها، وصارَ العقرُ يُطلق على النحرِ، وعلى قطعِ العرقوبِ، وعلى كُلِّ جرحٍ في البعيرِ، حتى أنهم إذا جُرِحَ ظهرُه بدَبَرٍ ونحوِه تقولُ العربُ: عَقَرَهُ، وهو معنًى مشهورٌ في كلامِ العربِ (¬1)، ومنه قولُ امرئِ القيسِ في معلقتِه (¬2): تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا ... عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فَانْزِلِ تَعْنِي أنه أَثَّرَ بالدَّبَرِ في ظهرِه. فمعنَى (عقروها): قَتَلُوهَا. وقد بَيَّنَّا قصتَها فيما فَكَّرْنَا الآنَ أن تَيْنَكَ المرأتين الخبيثتين استنفرَا لها ذينك الرجلين وهما: قدار بن سالف، ومصدع، وأنهما استهويَا سبعةً من قومِهم فكانوا تسعةَ رهطٍ، وهم التسعةُ الرهطُ المذكورونَ في سورةِ النملِ، وأن مصدعًا وقدارًا كَمَنَا لها عندَ صدورِها من الماءِ في أصلِ صخراتٍ، فانتظمَ مصدعٌ عضلتَها بسهمِه، وعقرَها قُدارٌ بسيفِه فقطعَ عرقوبَها فسقطت وَرَغَتْ، ثم طَعَنَ في لُبَّتِهَا فنحرها. وهذا معنَى {فَعَقَرُوهَا} بِمُمَالأَةٍ منهم. {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} هي ناقةُ اللهِ التي أَخْرَجَهَا آيةً لهم: {وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} العتوُّ: التكبرُ والتمردُ، تمردوا وتكبروا عن قَبُولِ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وعقروا الآيةَ التي أجاءهم اللهُ بها معجزةً لِنَبِيِّهِ، ثم قالوا في ¬
غايةِ الكفرِ والعنادِ: {يَا صَالِحُ} سَمَّوْهُ باسمِه وقاحةً منهم واحتقارًا وعدمَ حياءٍ. {يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ: {يَا صَالِحُ ائْتِنَا} بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأه ورشٌ عن نافعٍ وَالسُّوسِيِّ عن أبِي عمرٍو: {وقالوا يا صالحُ اوْتِنَا} (¬1) بإبدالِ الهمزةِ واوًا. أما إذا كان الوقفُ على {يَا صَالِحُ} فجميعُ القراءِ يقرؤونَ: {إيتنا بما تعدنا} بكسرِ الهمزةِ. فالقراءةُ في حالةِ الابتداءِ بـ {إيتنا} متفقٌ عليها إذا وَقَفْتَ فَقُلْتَ: {يَا صَالِحُ} قلتَ: في قراءةِ الجميعِ {إيتنا بما تعدنا} أصلُه {ائتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} أُبْدِلَتِ الهمزةُ الثانيةُ مَدًّا للأُولَى. وَمَدًّا أَبْدِلَ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ ... كِلْمَةٍ إِنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ (¬2) أما في الوصلِ فعامةُ القراءِ يقرؤون: {يَا صَالِحُ ائْتِنَا} بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأَ ورشٌ عن نافعٍ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو: {يَا صَالِحُ اوتِنَا} بإبدالِ الهمزةِ واوًا. هذه قراءةُ السبعةِ في الوصلِ والوقفِ (¬3). ومعنَى: {ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} هذا العذابُ الذي تَعِدُنَا به إن تَعَرَّضْنَا للناقةِ بسوءٍ؛ لأنك قلتَ لنا: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فقد مَسَسْنَاهَا بسوءٍ، وهاتِ العذابَ الأليمَ الذي تَعِدُنَا به إن كُنْتَ من المرسلين، إن كنتَ رسولاً حقًّا فهاتِ العذابَ الذي ¬
وَعَدْتَ به. فلما قالوا ذلك ذَكَرَ المفسرونَ ما ذَكَرْنَاهُ الآنَ، وقد قال اللهُ إنه قال لهم: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: آية 65] فهذا قرآنٌ لا شَكَّ فيه (¬1)، والمفسرونَ يزعمونَ أنهم قالوا له: ما العلامةُ؟ وأنه بَيَّنَ لهم أن العلامةَ اصفرارُ الألوانِ في اليومِ الأولِ، واحمرارُها في الثاني، واسودادُها في الثالثِ، ونزولُ العذابِ صبيحةَ الرابعِ، وكان كما وَقَعَ. وهذا معنَى قولِه: {وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ}. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: آية 78] سَمَّاهَا هنا في الأعرافِ: (رجفةً)، وَسَمَّاهَا في مواضعَ أُخَرَ: (صيحةً)، كقوله في سورةِ هودٍ في قصةِ قومِ صالحٍ: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)} [هود: الآيتان 67، 68] سَمَّاهَا (صيحةً) في مواضعَ، وَسَمَّاهَا هنا (رجفةً)، وهي صيحةٌ في الحقيقةِ ورجفةٌ؛ لأن الْمَلَكَ يصيحُ بهم من السماءِ فترجفُ بهم الأرضُ وتزلزلُ من شدةِ الصيحةِ فتفارقُ أرواحُهم أبدانَهم (¬2). {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} الدارُ هنا معناه: الديارُ، وفي بعضِ الآياتِ: {فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: الآيات 67، 94] بالجمعِ، وفي بعضِها: {فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف الآيات: 78، 91، العنكبوت: آية 37] لأن الدارَ اسمُ جنسٍ، وهو إذا أضيفَ إلى معرفةٍ فهو عَامٌّ. فمعنَى {فِي دَارِهِمْ} و {دِياَرِهِمْ} واحدٌ، والمقررُ في ¬
الأصولِ: أن مِنْ صِيَغِ العمومِ إضافةُ المفردِ إذا كان اسمَ جنسٍ إلى معرفةٍ، فإنه يَعُمُّ، ونظيرُه في القرآنِ: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: آية 34] أي: نِعَمَ اللَّهِ {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63] أي: أوامرَه {إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي} [الحجر: آية 68] أي: أَضْيَافِي، ونحو ذلك كثيرٌ معروفٌ في الأصولِ وفي العربيةِ (¬1). ومعنَى: {جَاثِمِينَ} هو خبرُ أَصْبَحُوا، والجاثمونَ جمعُ تصحيحٍ للجاثمِ، والجاثمُ: المتصفُ بالجثومِ، وأصلُ الجثومِ: هو أن يكونَ الإنسانُ مُنْكَبًّا على وَجْهِهِ، رُكْبَتَاهُ في الأرضِ، ومكانُه يُسَمَّى (المجْثَم) فالذي يفعلُه ولدُ الظبيةِ إذا كان مُنْبَطِحًا مُنْكَبًّا على وجهه يسمى (جثومًا) ومكانُه يسمى (المجْثَم) على القياسِ (¬2)، ومنه قولُ زهيرِ بنِ أبي سلمى في معلقتِه (¬3): بِهَا الْعِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَأَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ فمعنَى {جَاثِمِينَ} مُنْكَبِّينَ على وجوهِهم مَوْتَى، مفارقة أرواحِهم أبدانَهم، ليس منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ، حَلَّتْ بهم نقمةُ اللهِ - جل وعلا - وعذابُه المستأصلُ المتصلُ بعذابِ الآخرةِ (والعياذُ بالله، وهذه النكالاتُ التي وَقَعَتْ في الأممِ يجبُ الاعتبارُ بها، وأن يخافَ الموجودونَ في الدنيا من عصيانِ اللهِ، ومبارزةِ رُسُلِهِ بالمعصيةِ ¬
ومضادةِ ما جاؤوا به لئلا يُهْلِكَهُمُ اللهُ وينزلَ بهم ما أنزلَ بغيرهم، وهذا معنَى قوله: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: آية 78]. {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} [الأعراف: آية 79] فَتَوَلَّى نَبِيُّ اللهِ صالحٌ عنهم، وهذا التولِّي للعلماءِ فيه وَجْهَانِ (¬1): [12/ب] / أحدُهما: أنه تَوَلَّى عنهم لَمَّا تَحَقَّقَ الهلاكَ، وأنه نازلٌ بهم تَوَلَّى راجعًا عنهم وقال لهم: {يَا قَوْمِ} وَاللَّهِ {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} غايةَ النصحِ {لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} فكرهتُم نصيحتِي ورددتموها وستجدونَ غِبَّ ذلك. وبعضُ العلماءَ يقولونَ: إن نَبِيَّ اللهِ صالحًا لم يقل لهم هذا إلا بعدَ أن نزلَ بهم عذابُ اللهِ وصاروا مَوْتَى، وَفَارَقَتْ أرواحُهم أجسادَهم، جاء إلى جثثِهم وَوَبَّخَهُمْ هذا التوبيخَ بعدَ أن ماتوا. وهذا الأخيرُ هو ظاهرُ القرآنِ؛ لأَنَّ قوله: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} مُرَتَّبٌ بالفاءِ على قولِه: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} والفاءُ تَقْتَضِي التعقيبَ، فكونُه قال لهم هذا بعدَ أن ماتوا وَأَصْبَحُوا في دارِهم جاثمينَ هو ظاهرُ القرآنِ، وظاهرُ القرآنِ لا يجوزُ العدولُ عنه إلا لأمرٍ يجبُ الرجوعُ إليه (¬2). وقد وَقَعَ مثلُ هذا من نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فقد ثَبَتَ في الصحيحِ أن كفارَ قريشٍ لَمَّا ماتوا يومَ بدرٍ وَجُعِلُوا في القليبِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - موتَى كُفَّارًا وَقَفَ عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ أمواتٌ بعدَ ثلاثٍ وقال: - نَادَاهُمْ بأسمائهم - يا أَبَا جهل بن هشامٍ، يا عتبة بن ربيعةَ، يا شيبةُ بنَ ربيعةَ، ¬
هل وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. ووبخهم وقرعهم. ولما قال له عمرُ بنُ الخطابِ ما مضمونُه: كيفَ تُكَلِّمُ قومًا قد جَيَّفُوا، هم جِيَفٌ وأمواتٌ؟ قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لاَ يُجِيبُونَ» (¬1). فلا مانعَ من أن يكونَ توبيخُ صالحٍ لقومِه بعدَ الموتِ كتوبيخِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للكفرةِ أصحابِ القليبِ يومَ بدرٍ، وهذا ظاهرُ القرآنِ؛ لأنه رَتَّبَ {فَتَوَلَّى} على قولِه: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} وَاللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالةَ رَبِّي {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} نُصْحًا خالصًا غيرَ مشوبٍ بغشٍّ بحقيقةٍ، حَذَّرْتُكُمْ نقَمَ اللهِ {وَلَكِنْ} ولكنكم والعياذُ باللهِ {لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} بل تكرهونَ مَنْ ينصح لكم وتعصونَ أَمْرَهُ، وإذًا فَقَدْ وجدتُم غِبَّ ذلك ونتيجتَه والعياذُ بالله. يقول جل وعلا: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)} [الأعراف: الآيات 80، 84]. ¬
هذه هي القصةُ الرابعةُ من قِصَصِ الأنبياءِ الذين قَصَّ اللهُ علينا أخبارَهم مع أُمَمِهِمْ في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - لِنَعْتَبِرَ بما فيها {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ ... } [يوسف: آية 111] فَبَيَّنَ لنا أن قومَ نوحٍ كَذَّبُوهُ، وأنه أهلكهم بطوفانٍ أَغْرَقَهُمْ فَبَادُوا عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ هودٍ كَذَّبُوهُ فأرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ فَدَمَّرَتْهُمْ عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ صالحٍ كذبوه فأخذتهم الصيحةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين، ليس فيهم دَاعٍ ولا مُجِيبٌ، كأن اللَّهَ يقولُ: اعْلَمُوا مُعَامَلَتِي لِمَنْ عَصَانِي وَطَغَى وتكبر وعادَى رُسُلِي فإني سأهلُكه الإهلاكَ المستأصلَ، وأجعلُ مصيرَه إلى النارِ. وهم - والعياذُ بالله - مغضوبٌ عليهم في الدنيا، مغضوبٌ عليهم في الآخرةِ، ولأَجْلِ ذلك ثَبَتَ في الصحيحين من غيرِ وَجْهٍ (¬1) أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم في سفرِه في غزوةِ تبوكَ مَرَّ بأرضِ الحِجْرِ - وهي ديارُ ثمودَ - فَلَمَّا مَرَّ بها صلى الله عليه وسلم تَلَثَّمَ وَأَسْرَعَ السيرَ جِدًّا ليجاوزَ أرضَ الغضبِ بسرعةٍ، ونهى أصحابَه أن يشربوا من مياهها، وكان قومٌ منهم قد عَجَنُوا بمائها عجينًا، وقومٌ قد حَاسُوا منه حَيْسًا، فنهاهم أن يأكلوا العجينَ الذي عُجِنَ بماءِ تلك الأرضِ، وَنَهَاهُمْ عن أن يأكلوا الحيسَ الذي بُلَّ بماءِ تلك الأرضِ. وفي بعضِ رواياتِ ¬
الحديثِ أنه أَذِنَ لبعضِهم في أن يُطْعِمُوا ذلك الحيسَ إبلَهم، ونهاهم عن أَكْلِهِ. ومعلومٌ اختلافٌ العلماءِ (¬1): هَلْ يجوزُ الوضوءُ بمياهِ أَرْضِهِمْ؟ وهل يرفعُ الحدثَ؟ وهو تجوزُ الصلاةُ في دَيْرِهِمْ أو لا تجوزُ؟ وإن وقعت فهل هي باطلةٌ أو غيرُ باطلةٍ؟ خلافُ العلماء في هذا معروفٌ. ومما ينبغي أن يُتَنَبَّهَ له الآنَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن مياهِ أولئك القومِ؛ لأنها مياهُ أرضِ غضبٍ، وَبَيَّنَ أن الشربَ منها لا يجوزُ، وإذا كان الشربُ منها لا يجوزُ فالطهارةُ التي هي طاعةُ اللهِ يظهرُ أنها من بابِ أَوْلَى لا تجوزُ. وصَرَّحَتِ الأحاديثُ المتفقُ عليها أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يدخلَ ديارَهم إلا بَاكِيًا، خَوْفًا أن ينزلَ به مثلُ ما نَزَلَ بهم (¬2). فأرضُهم أرضُ غضبٍ. وكذلك جاءَ عن عَلِيٍّ (رضي الله عنه) لَمَّا مَرَّ بأرضِ الخسفِ في بابل من أرضِ العراقِ أنه أَسْرَعَ وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى جَاوَزَهَا (¬3). ¬
ومن ذلك يُعْلَمُ أنه لا تجوزُ السُّكْنَى في مَحَلِّ ديارِهم، ولا الزراعةُ ولا الغرسُ في محلِّ ديارهم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ. لا يجوزُ الانتفاعُ بمياهِ أرضِهم، ولا الازدراعُ فيها، ولا الشربُ منها، ولا غَرْسُ شجرٍ بها، كُلُّ ذلك حرامٌ ممنوعٌ لا يجوزُ، كما دَلَّتْ عليه الأحاديثُ النبويةُ الصحيحةُ. فيجبُ على مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه إذا أرادَ بعضُ الجهلةِ أن يسكنَ في ديارِ قومِ صالحٍ وأن يشربَ من مياهِها ويزرعَ على مياهِها ويغرسَ عليه الأشجارَ أن يمنعَه من ذلك كُلِّهِ اقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو خيرُ قدوةٍ، فقد مَنَعَ أصحابَه من أن يشربوا من مائِها، وَمَنَعَهُمْ أن يأكلوا عَجِينًا عُجِنَ بمائها، وأن يأكلوا حَيْسًا بُلَّ بمائِها، وهو صلى الله عليه وسلم خَيْرُ أُسوةٍ، وكل هذا ثابتٌ في الصحيحين عن ابنِ عمرَ وغيرِه رضي الله عنهم. فنهيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن الشربِ من آبارِ ثمودَ ومنعُه من أَكْلِ العجينِ الذي بُلَّ بمائها، وَمِنْ أَكْلِ الحيسِ الذي بُلَّ بمائها، وَتَلَثُّمُهُ صلى الله عليه وسلم وإسراعُه السيرَ ليجاوزَ واديَهم، وأمرُه أصحابَه أن لا يشربوا إلا من البئرِ التي كانت تشربُ منها الناقةُ يدلُّ على أن بلادَهم أرضُ غضبٍ، وأنها لا يجوزُ السُّكْنَى فيها، ولا يجوزُ دخولُ ديارِهم لأحدٍ إلا وهو يَبْكِي خوفًا من اللَّهِ أن يُنْزِلَ به مثلَ ما أنزل بهم. فالذي يدخلُ بلادَهم ليتفرجَ وينظرَ غيرَ باكٍ ففعلُه حرامٌ لا يجوزُ للأحاديثِ الصحيحةِ النبويةِ الثابتةِ عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوزُ أن يُتْرَكَ أحدٌ يزرعُ في ديارِهم، ويشربَ من مائها، ويأكلَ من الحَبِّ المزروعِ
بمياههم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ؛ لأنها أرضُ غضبٍ ملعونةٌ لا يجوزُ المقامُ فيها ولا الانتفاعُ بمائها. ثم ذَكَرَ تعالى القصةَ الرابعةَ وهي قصةُ لوطٍ، قال: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [الأعراف: آية 80] اختلفَ العلماءُ في وجهِ نصبِ {لُوطًا} في قولِه: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} على وَجْهَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ (¬1): قال بعضُ العلماءِ: هو معطوفٌ على ما قبلَه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59] {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] أي: وَأَرْسَلْنَا هودًا إلى عادٍ {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: آية 73] أي: وَأَرْسَلْنَا صالحًا إلى ثمودَ، وأرسلنا لوطًا أيضًا فقال لقومِه كذا وكذا. وبعضُ العلماءِ يقولُ: هو منصوبٌ بـ «اذْكُرْ» محذوفًا. وَاذْكُرْ لوطًا حينَ قال لقومِه. وعليه يكونُ: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} بدلُ اشتمالٍ من قولِه: {لُوطًا} كما قاله غيرُ واحدٍ. ولوطٌ: هو لوطُ بنُ هارانَ ابنُ أَخِي إبراهيمَ. والمؤرخونَ يزعمونَ أن أبا إبراهيمَ اسمُه (تارح) والقرآنُ صَرَّحَ بأن اسمَ أبيه (آزر) حيث قال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: آية 74] ولا مانعَ من أن يكونَ له اسمانِ، أو اسمٌ وَلَقَبٌ (¬2). وهم يقولونَ: إن نَبِيَّ اللَّهِ لوطًا ابنُ أَخِي إبراهيمَ، وأنه لَمَّا أَنْجَى اللهُ إبراهيمَ من نارِ النمرودِ وسافرَ من سوادِ العراقِ مُهَاجِرًا إلى الشامِ أن لوطًا كان مِمَّنْ هَاجَرَ مع إبراهيمَ {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى ¬
رَبِّي} [العنكبوت: آية 26] فَنَزَلَ إبراهيمُ فلسطينَ، وكانت محلَّ مهاجره، ونزلَ لوطٌ بالأردنِّ - والأُرْدُنُّ بضمِّ الهمزةِ والدالِ وتشديدِ النونِ - يقولونَ: إنه نهرٌ وَكُورَةٌ (¬1) في أعالِي الشامِ، فأرسلَ اللهُ نبيَّ اللهِ لوطًا إلى قومِ لوطٍ، وهم قُرًى، يزعمُ بعضُ المفسرين أنها أربعةٌ، وبعضُهم يقولُ: هي خمسةٌ وعاصمتُها - البلدُ الكبيرُ - تُسَمَّى: (سدومَ) وبعضُ علماءِ العربيةِ يقولونَ: (سذوم) بذال المعجمةِ، وهو قولُ الجوهريِّ (¬2)، وَنَصَرَهُ القاموسُ. وبعضُهم يقولُ: هي (سدوم) بالدالِ المهملةِ (¬3)، وهي أكبرُ قُرَاهُمْ، فأرسلَ اللهُ فيهم نبيَّه لوطًا (عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ)، وجرى لهم معه ما قَصَّهُ اللهُ علينا في آياتٍ متعددةٍ، منها آيةُ الأعرافِ هذه. {وَلُوطًا} أي: وَأَرْسَلْنَا لوطًا، أي: وَاذْكُرْ نَبِيَّ اللهِ لوطَ بنَ هارانَ إِذْ قال لقومِه الذين أُرْسِلَ إليهم وهم بلدُ سدوم والقرى التي حَوْلَهَا، وهي المعروفةُ بالمؤتفكاتِ؛ لأن المؤتفكاتِ قُرَى قومِ لوطٍ، والمؤتفكةُ بالإفرادِ يمكنُ أن يكونَ المرادُ بها جميعُ القُرَى؛ لأن مثلَ ذلك يُطْلَقُ عليه ما يُطْلَقُ على المؤنثةِ المفردةِ المجازيةِ التأنيثِ. وقيل لقرى قومِه: (المؤتفكات) لأن جبريلَ عليه السلام أَفَكَهَا أي: قَلَبَهَا بهم فَاقْتَلَعَهَا من الأرضِ وَرَفَعَهَا إلى السماءِ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، كما قال ¬
تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [هود: آية 82] وجَعْلُ العالِي هو السافلَ هو معنَى القلبِ والأَفْكِ؛ لأن العربَ تقولُ: أَفَكَ الشيءَ يأفكه إذا قَلَبَهُ، ومنه سُمِّيَ أسوأُ الكذبِ (إِفْكًا) لأنه قلبٌ للحقيقةِ عن ظاهرِها الصحيحِ إلى شيءٍ آخَرَ بَاطِلٍ. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: آية 80] {أَتَأْتُونَ} هنا همزةُ إنكارٍ، أَنْكَرَ نَبِيُّ اللهِ لوطٌ عليهم الفاحشةَ، وقد قَدَّمْنَا أن الفاحشةَ (¬1) في لغةِ العربِ أنها كُلُّ خصلةٍ متناهيةٍ في القبحِ تُسَمِّيهَا العربُ فاحشة، وكلُّ شيءٍ بالغٍ نهايتَه تُسَمِّيهِ العربُ فاحشًا، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في معلقتِه (¬2): أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي ... عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ فَسَمَّاهُ فاحشًا لَمَّا بَلَغَ نهايتَه في البخلِ. فالفاحشةُ: الخصلةُ المتناهيةُ في القبحِ والشناعةِ، وهذه الخصلةُ الخسيسةُ القبيحةُ هي فاحشةُ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللَّهُ وقبحَ مرتكبَها - ولذا أَنْكَرَهَا نبيُّ اللهِ لوطٌ عليهم، وَبَيَّنَ أنه مُبْغِضٌ لها غايةَ البغضِ في قولِه: {إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: آية 168] أَيْ: من الْمُبْغِضِينَ الكارهين أَشَدَّ البغضِ والكراهيةِ. {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} أي: الخصلةَ الذميمةَ الخسيسةَ الدنيةَ البالغةَ غايةَ الدناءةِ والخبثِ والفحشِ والقباحةِ، وهي إتيانُ الرجالِ في أَدْبَارِهِمْ، وهي فاحشةُ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللهُ وَقَبَّحَ مُرْتَكِبَهَا - فإنها فاحشةٌ خسيسةٌ قبيحةٌ لم يَسْبِقْ إليها أحدٌ قَوْمَ لُوطٍ، كما قال هنا: {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} الباءُ هذه تأتِي ¬
بعدَ (سبق) كقولِه صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (¬1) وهي للتعدي؛ لأن الفعلَ لاَ يتعدى إلى الضميرِ إلا بها {مَا سَبَقَكُمْ} بهذه الفاحشةِ {مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} (من) الأُولَى أصلُها دخلت على الفاعلِ، والأصلُ: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ بها. إلا أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إن زِيدَتْ قَبْلَهَا (من) نَقَلَتْهَا من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ (¬2). وقولُه: {مِّن الْعَالَمِينَ} تبعيضيةٌ، أي: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ من بعضِ جميعِ العالمينَ إلى هذه الفاحشةِ الْمُنْكَرَةِ والخصلةِ القبيحةِ الخسيسةِ - قَبَّحَهَا اللهُ جل وعلا - ولذا بَيَّنَهَا فقال: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ} [الأعراف: آية 81]. قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا حَفْصًا عن عاصمٍ ونافعًا: {أئنكم لتأتونَ الرجالَ} بهمزةِ استفهامٍ إلا أن أبا عمرٍو وابنَ كثيرٍ سهَّلاَ الهمزةَ الثانيةَ بَيْنَ بَيْنَ، وأبا عمرٍو يُدْخِلُ بينَهما الألفَ المعروفةَ بألفِ الإدخالِ، والباقونَ من القراءِ قرؤوها بتحقيقِ الهمزتين {أئنكم} بهمزتين ولم يُدْخِلْ بَيْنَ الهمزتين المحققتين أَلِفًا من عامةِ القراءِ إلا هشامٌ عن ابنِ عامرٍ، فهشامٌ وحدَه عن ابنِ عامرٍ قرأ: {ءائنكم} بألفٍ بَيْنَ الهمزتين المحققتين، وعامةُ القراءِ غيرُ هشامٍ عن ابنِ عامرٍ الذين حَقَّقُوا الهمزتين لم يُدْخِلُوا بينهما ألفًا، والذين ¬
سَهَّلُوا الهمزةَ الثانيةَ - وَهُمَا: أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ - ابنُ كثيرٍ منهم لم يُدْخِلِ الألفَ، وأبو عمرٍو أَدْخَلَ الألفَ، فَتَحَصَّلَ أن في قولِه: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ثلاثُ قراءاتٍ سبعياتٍ (¬1): قرأه نافعٌ وحفصٌ عن عاصمٍ: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ لاَ على الاستفهامِ، وقرأه أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ: {أَينَّكُمْ} بتسهيلِ الهمزةِ الثانيةِ، إلا أن أَبَا عمرٍو زَادَ ألفَ الإدخالِ، وابنُ كثيرٍ لم يَزِدْهُ. وقرأها الباقونَ بتحقيقِ الهمزتين، ولم يُدْخِلْ أَلِفًا معَ تحقيقِ الهمزتين أحدٌ منهم إلا هشامٌ فِي روايتِه عن ابنِ عَامِرٍ. هذه القراءاتُ في الآيةِ. أما على قراءةِ (¬2): {أئنكم لتأتونَ الرجال} [الأعراف: آية 81] فهو توبيخٌ بعدَ توبيخٍ، وتقريعٌ بعدَ تقريعٍ؛ لأن الاستفهامَ للإنكارِ، وهو يتضمنُ التوبيخَ والتقريعَ، فهو يكررُ لهم التوبيخَ والتقريعَ المرةَ بعدَ المرةِ، والإنكارَ بعدَ الإنكارِ؛ لأَنَّ فِعْلَهُمْ القبيحَ الشنيعَ يستحقُّ ذلك التوبيخَ والتقريعَ والإنكارَ. أما على قراءةِ نافعٍ وحفصٍ عن عاصمٍ {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} فبعضُ العلماءِ يقولُ: إنه خبرٌ لاَ استفهامَ فيه، والأظهرُ أنه فيه استفهامٌ إلا أن الاستفهامَ حُذِفَ لدلالةِ القراءةِ الثانيةِ عليه؛ لأَنَّ المقامَ أليقُ بتكريرِ التوبيخِ والتقريعِ من غيرِ ذلك، وهمزةُ الاستفهامِ إذا دَلَّ الدليلُ عليها جَازَ حَذْفُهَا، وهو قِيَاسِيٌّ عند الأخفشِ، وَسَمَاعِيٌّ عندَ غيرِه. وهو موجودٌ بكثرةٍ في كلامِ العربِ مع (أَمْ) وَدُونَ (أَمْ)، ومع ¬
ذِكْرِ الجوابِ، ودونَ ذكرِ الجوابِ (¬1)، قال بعضُ العلماءِ منه في القرآنِ: {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: آية 34] قالوا: الأصلُ: أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ. فَاكْتَفَى بالاستفهامِ الأولِ عن الثانِي، وزعم بعضُهم أن منه: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} [الشعراء: آية 22]. قالوا: الأصلُ أَوَتِلْكَ نعمةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ؟ وزعم بعضُهم أن منه قولَه: {قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76] أي: أهذا ربي؟ باستفهامِ الإنكارِ. والدلالةُ على حذفِ الهمزةِ هو توحيدُ إبراهيمَ وعدمُ شَكِّهِ في ربوبيةِ الكوكبِ. وأنشدَ سيبويه (رحمه الله) في كتابِه لِحَذْفِ همزةِ الاستفهامِ إذا دَلَّ المقامُ عليها قولَ الشاعرِ (¬2): لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... شُعَيْثُ بْنُ سُهَيْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ وأنشد له سيبويه أيضًا في كتابِه قَوْلَ الأَخْطَلِ (¬3): كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلاَمِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاَ فَبَيْتُ الأخطلِ هذا أَوْرَدَهُ سيبويه في كتابِه مُجَوِّزًا أن تكونَ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً، وأن الأصلَ: أَكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ؟ فَحُذِفَتْ همزةُ الاستفهامِ. وإن كان الشيخُ الخليلُ بنُ أحمدَ يخالفُ سيبويه في معنَى بيتِ الأخطلِ هذا ويقولُ: إنه خَبَرٌ (¬4)، وأن المرادَ به ما يسميه علماءُ البلاغةِ: الرجوعَ، وهو من البديعِ المعنويِّ عندَهم، وهو أن يَأْتِيَ الإنسانُ بأمرٍ ثم ينقضُ ذلك الأمرَ بعينِه ليدلَّ على أنه قاله أولاً، ¬
وهو في غيبةٍ عن رُشْدِهِ من شوقٍ أو وَلَهٍ أو نحوِ ذلك، ثم يراجعُه رُشْدُهُ، وينفِي الأمرَ للأولِ الذي كان كَذِبًا ويأتِي بالحقِّ (¬1)، ويمثلونَ له بقولِ زهيرٍ (¬2): قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ ... بَلَى وَغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ يزعمونَ أن زُهَيْرًا قال: «لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ» لَمَّا رأى دارَ المحبوبِ خَامَرَهُ الشوقُ والحبُّ حتى طاش عقلُه، فَعَبَّرَ بغيرِ الواقعِ، ثم رَاجَعَهُ عقلُه فَرَجَعَ للصوابِ، وأن الخليلَ يقولُ: إن بيتَ الأخطلِ من هذا القبيلِ، وسيبويه (رحمه الله) يقولُ: إنه حُذِفَتْ فيه همزةُ الاستفهامِ. وحذفُ همزةِ الاستفهامِ مع ذِكْرِ الجوابِ، وعدمُ ذِكْرِ الجوابِ، ومع (أَمْ) ودونَ (أَمْ) كثيرٌ في اللغةِ العربيةِ عِنْدَ مَنْ تَتَبَّعَهَا (¬3)، فَمِنْهُ دونَ (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، كقولِ الكميتِ (¬4): طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْربُ ... وَلاَ لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ يعني: أَوَ ذو الشيبِ يلعبُ؟ فَحَذَفَ همزةَ الاستفهامِ، دون (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، ومنه قولُ خويلدٍ الهذليِّ (¬5): رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ... فَقُلْتُ - وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ - هُمُ هُمُ يعنِي: أَهُمْ هُمْ؟ كما هو التحقيقُ. ومنه مع ذِكْرِ الْجَوَابِ قولُ ¬
عمرَ بنِ أبي ربيعةَ المخزوميِّ المعروف المشهور، في شِعْرِهِ المشهورِ (¬1): شَفَّ عَنْهَا مُرَقَّقٌ جَنَدِيٌّ ... فَهْيَ كَالشَّمْسِ مِنْ خِلاَلِ السَّحَابِ أَبْرَزُوهَا مِثْلَ الْمَهَاةِ تَهَادَى ... بَيْنَ خَمْسٍ كَوَاعِبٍ أَتْرَابِ ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا ... عَدَدَ النَّجْمِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ فقولُه: «تُحِبُّهَا» يعنِي: أَتُحِبُّهَا؟ على التحقيقِ، وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ. ومنه مع (أَمْ) قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ هذا (¬2): بَدَا لِيَ مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ... وَكَفٍّ خَضِيبٍ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ يعني: «أبسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمان» ومنه بهذا المعنَى قولُ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلاَحِ الأنصاريِّ (¬3): لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي وَإِنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا ... لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ يعني: أَلِغَيْرِكَ أَمْ يكون لك. وقولُ الخنساءِ الشاعرةِ بنتِ عمرِو بنِ الشريدِ السُلميةِ (¬4): قَذًى بِعَيْنَيْكَ أَمْ بِالْعَيْنِ عُوَّارُ ... أَمْ خِلْتَ إِذْ أَقْفَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ ¬
يعنِي: أَقَذًى بِعَيْنَيْكَ؟ ومنه قولُ امرئِ القيسِ (¬1): تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِرْ يعني: أَتَرُوحُ؟ وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ معروفٌ، وَيَكْفِينَا منه ما ذَكَرْنَا على سبيلِ المثالِ. وعلى هذا فقراءةُ نافعٍ وحفصٍ حُذِفَتْ فيها الهمزةُ لدلالةِ المقامِ عليها، فهي لاَ تَخْلُو أيضًا من إنكارٍ وتوبيخٍ كالتي قَبْلَهَا، وهذا أليقُ بالمقامِ، خِلاَفًا لمن قال: لم تُقَدَّرْ هناك همزةُ استفهامٍ، وإنما الجملةُ خبريةٌ لاَ استفهامَ فيها، فكأنه حَكَمَ عليهم بأنهم يفعلونَ هذا الأمرَ لَمَّا وَبَّخَهُمْ عليه. {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} [الأعراف: آية 81] جَمْعُ رَجُلٍ وهم الذكورُ {شَهْوَةً} شهوةً هنا في إعرابِه أَوْجُهٌ متقاربةٌ (¬2)، بعضُهم يقولُ: مفعولٌ لأَجْلِهِ، أي: تأتونَ الرجالَ لأجلِ شهوتِكم لهم دونَ النساءِ. وبعضُهم يقول: هو مصدرٌ مُنَكَّرٌ حالاً، أي: في حالِ كونِكم مُشْتَهِينَ الرجالَ دونَ النساءِ. وبعضُهم يقولُ: هو ما نَابَ عن المطلقِ من قوله: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} فإنه مُضَمَّنٌ معنَى: تشتهونَ الرجالَ شهوةً. والشهوةُ: هي مَيْلُ النفسِ إلى الشيءِ ورغبتُها فيه. {مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ} لأَنَّ النساءَ هُنَّ أزواجُكم اللاتِي خَلَقَهُنَّ اللَّهُ لكم، لِتَتَمَتَّعُوا بهن تَمَتُّعًا نزيهًا طاهرًا يكونُ عنه النسلُ وبقاءُ الجنسِ الآدميِّ، فَتَرَكْتُمْ هذا الأمرَ الطيبَ الكريمَ وهو إتيانُ النساءِ، وهي الأزواجُ التي خَلَقَهُنَّ اللهُ لكم، كما قال تعالى عنهم: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ ¬
مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)} [الشعراء: الآيتان 165، 166] فَبَيَّنَ اللَّهُ شدةَ قُبْحِ فعلهم هنا حيث أنكر عليهم في قوله: {لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} معناه يأتونَهم في أدبارِهم بفعلِ فاحشةِ اللواطِ قَبَّحَهُمُ اللهُ جل وعلا {مِّن دُونِ النِّسَاءِ} اللاتِي هُنَّ أزواجُكم وَخُلِقْنَ لكم لِتَتَمَتَّعُوا بهن تمتعًا طاهرًا كريمًا لائقًا بالمروءةِ يَتْبَعُهُ النسلُ وبقاءُ الجنسِ الآدميِّ، فتركتُم هذا الأمرَ الطيبَ الذي خلق اللهُ النساءَ له، وذهبتُم إلى هذا الأمرِ الوسخِ القبيحِ النجسِ الذي يقضي بانقطاعِ نَسْلِ الإنسانِ؛ لأَنَّ الرجالَ إذا اكْتَفَوْا بالرجالِ عن النساءِ انقطعَ النسلُ كُلُّهُ وضاعَ جنسُ بَنِي آدمَ؛ ولذا وَبَّخَهُمُ اللَّهُ. وفاحشةُ اللواطِ -قَبَّحَهَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مُرْتَكِبَهَا- أولُ مَنْ فَعَلَهَا من أهلِ الدنيا قومُ لوطٍ، وهي من خسائسِ الذنوبِ الجامعةِ بينَ الخسةِ ودناءةِ صاحبِها ورداءتِه، وشناعتِها وكثرةِ مفاسدِها، فإن لها مفاسدَ عظيمةً، مع أنها لاَ يرتكبُها إلا أخسُّ الناسِ، وأرذلُ الناسِ، وأقبحُ الناسِ دِينًا، ومروءةً وإنسانيةً، الذين يَرْتَكِبُونَهَا أشبهُ شيءٍ بالبهائمِ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَقَبَّحَ فِعْلَهُمْ القبيحَ. ومن خسائسِ هذه الفاحشةِ: أنها إن انْتَشَرَتْ في الناسِ واستغنى الرجالُ بالرجالِ صار ذلك سببًا لانقطاعِ الجنسِ الإنسانيِّ ودمارِ الدنيا، وخصلةٌ إذا تَمَادَى الناسُ فيها كانت خَرَابًا لجميعِ الدنيا، هي من أَخَسِّ الخصالِ. ويزعمُ الناسُ الذين مَارَسُوا أضرارَ هذه الخسيسةِ أن الإنسانَ المفعولَ به إذا نَزَلَ مَنِيُّ اللائطِ فيه أن ذلك الْمَنِيَّ - والعياذُ بالله - يُورِثُهُ أضرارًا قبيحةً: يجعلُه دَيُّوثًا، وَيُضَيِّعُ هِمَّتَهُ، ويخربُ إنسانيتَه وكيانَه، فيبقى القبيحُ الخسيسُ الخنزيرُ كَلاَ
شَيْءٍ، وكذلك اللائطُ - قَبَّحَهُ اللَّهُ وقبح فِعْلَهُ - يذهبُ إلى أنتنِ مَحَلٍّ وأقذرِه ومحلِّ النجاساتِ ليتمتعَ بهذا! فهو من أَخَسِّ الناسِ وأنتنِهم، والمحلُّ الذي يريدُ التمتعَ منه هو أنجسُ شيءٍ وأنتنُه وأقبحُه. وفعلُه الخسيسُ يقتضِي بانقضاءِ النسلِ، وربما أورثَ الخبيثَ الخسيسَ أمراضًا كما هو مُشَاهَدٌ عند مَنْ يعلمُ ذلك ويعلمُ الطِّبَّ؛ لأن اللَّهَ جعلَ في أرحامِ النساءِ خاصيةً لجذبِ مَنِيِّ الرجالِ، إذا هَاجَ مَنِيُّ الرَّجُلِ لينزلَ وهو يُجَامِعُ امرأتَه كان في رَحِمِ امرأتِه خاصيةٌ لجذبِ ماءِ الرَّجُلِ، فتجذبُ رَحِمُهَا مَنِيَّهٌ، فيخلصُ من بقايا الْمَنِيِّ، أما إذا كانت القضيةُ لُوَاطًا - قبح الفاعل فيه والمفعول به فيه، قَبَّحَ اللهُ الجميعَ - فإنه لا يكونُ في دُبُرِ الرجلِ استعدادٌ لجذبِ ماءِ الرجلِ الآخَرِ، فيتهيأُ الماءُ للخروجِ، ويبقَى في المجارِي، فينتنُ ويتعفنُ، ثم تنشأُ منه أمراضٌ وأورامٌ وأسقامٌ عظيمةٌ، قَبَّحَ اللَّهُ الجميعَ. والحاصلُ أنها خصلةٌ من أقبحِ الخصالِ وأخسِّها وأكثرِها ضررًا، صاحبُها في الدنيا تُؤْذِنُ بأنه ساقطُ المروءةِ، ساقطُ الدِّينِ، لا يخافُ اللَّهَ، وَتُدْخِلُهُ يومَ القيامةِ النارَ، وَمَنِ ارْتَكَبَهَا أجمعَ العلماءُ على أنه يُعَاقَبُ في الدنيا عقوبةً زاجرةً. واختلفَ العلماءُ في عقوبةِ اللائطِ (¬1)، المرتكِب هذه الفاحشةَ الخبيثةَ - قَبَّحَهَا اللهُ وَقَبَّحَ مرتكبَها - فذهبَ جماعةٌ من العلماءِ، وحكى عليه غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ، وهو مذهبُ مالكٍ وعامةِ أصحابِه، وروايةً عن الشافعيِّ، وروايةً عن الإمامِ أحمدَ أنهما يُقْتَلاَنِ: ¬
الفاعلُ والمفعولُ به يقتلانُ معًا، إلا أن العلماءَ الذين قالوا يقتلانِ، اختلفوا في كيفيةِ قتلِه، فمنهم مَنْ قال: يُقْتَلُ بالسيفِ، ومنهم مَنْ قال: يُرْجَمُ بالحجارةِ حتى يموتَ، ومنهم مَنْ قال: يُحْرَقُ الخبيثُ بالنارِ حتى يُقْتَلَ تحريقًا، ومنهم مَنْ قال: يُرْفَعُ على شَاهِقٍ ثم يُرْمَى من الشاهقِ وَيُتْبَعُ بالحجارةِ كما فَعَلَ اللهُ بقومِ لوطٍ الذين هم أولُ مَنِ ارتكبَ هذه الفاحشةَ، رَفَعَهُمْ إلى أعلى ثم قَذَفَ [بهم إلى] (¬1) الأرضِ وَأَرْسَلَ عليهم حجارةً مِنْ سِجِّيلٍ. والذين قالوا: يُقْتَلُ اللائطُ والملوطُ استدلوا بالحديثِ الذي رَوَاهُ عكرمةُ عن ابنِ عباسٍ، وأخرجَه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وغيرُهم، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (¬2). وقال ابنُ حَجَرٍ في رجالِ هذا الإسنادِ: إنهم موثقونَ. وَذَكَرَ فيه بعضَ اختلافٍ (¬3). وأكثرُ العلماءِ يُثْبِتُونَ هذا الحديثَ، وكم من واحدٍ قال: إنه حديثٌ ثابتٌ. وما جاء عن يَحْيَى بنِ مَعِينٍ من أن في إسنادَه عمرُو بنُ أبِي عمرٍو مَوْلَى المطلب، وأنه اتَّهَمَهُ في هذا الحديثِ (¬4)، مردودٌ بأن عَمْرًا المذكورَ من الحفاظِ المشهورين، الذين رَوَى لهم مالكٌ والشيخانِ، فلا يقدحُ فيه هذا، فهذا الحديثُ الذي رواه هؤلاء عن ابنِ عباسٍ هو حجةُ مَنْ قال: يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ به، سواء كانا مُحْصَنَيْنِ أو غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ. ¬
والذين قالوا: يُقْتَلاَنِ بالسيفِ؛ لأن النبيَّ قال في الحديثِ: «فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ». والقتلُ إِذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى القتلِ بالسيفِ. والذين قالوا: يُرْجَمَانِ اسْتَدَلُّوا بآثارٍ جاءت في ذلك، جاء عن عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ أنه رَجَمَ لُوطِيًّا (¬1)، جاء عنه من بعضِ الوجوهِ. وَرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أيضًا أن هذه اللوطيةَ الكبرى، أن فيها الرجمَ (¬2). فقد رُوِيَ عن عَلِيٍّ وابنِ عباسٍ وغيرِهم. والذين قالوا: يُحْرَقُ بالنارِ استدلوا بما رواه البيهقيُّ وغيرُه من أن خالدَ بنَ الوليدِ (رضي الله عنه) أرسل إلى أبِي بكرٍ الصديقِ أيامَ خلافتِه أنه وَجَدَ في بعضِ نواحِي بلادِ العربِ رَجُلاً يُنْكَحُ - والعياذُ بالله - كما تُنْكَحُ النساءُ، وأن أبا بكر جَمَعَ الصحابةَ فاستشارهم فكان أشدُّهم في ذلك قولاً عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ (رضي الله عنه)، فقال: يَا أميرَ المؤمنين، إن هذه فاحشةٌ لم تَرْتَكِبْهَا من الأممِ إلا أمةٌ واحدةٌ، وقد فَعَلَ اللَّهُ بها ما علمتُم في كتابِه، فَأَرَى أن يُحَرَّقَ بالنارِ، واتفقَ الصحابةُ على ذلك (¬3). ذكر هذه القصةَ البيهقيُّ وإسنادُه فيها ¬
مرسلٌ، وجاءت مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عن عَلِيٍّ (رضي الله عنه) أنه حَرَّقَ رجلاً وَرَجَمَهُ (¬1). والذين قالوا: يُرْفَعُ من عَالٍ إلى أسفلَ، ثم يُتْبَعُ بالحجارةِ، قالوا: إن اللَّهَ كذلك فَعَلَ بقومِ لُوطٍ. هذا هو القولُ الأولُ - أنه يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ - وهو أقوى الأقوالِ دليلاً، وهو مذهبُ مالكٍ وعامةِ أصحابِه، وَحَكَى عليه غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولٌ عن الشافعيِّ. المذهبُ الثاني في عقوبةِ اللائطِ: أن اللواطَ كَالزِّنَى، إن كان اللائطُ مُحْصَنًا رُجِمَ، وإن كان غيرَ محصن جُلِدَ مائةً وَغُرِّبَ سَنَةً، كما هو معروفٌ. وهذا هو الروايةُ التي رَجَعَ إليها الشافعيُّ في قولِ الربيعِ وغيرِه (¬2)، وهو الروايةُ الأخرى عن الإمامِ أحمدَ، قالوا: إنه كالزِّنَى: واستدلوا بحديثٍ لا يَصِحُّ، وهو أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ، وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» (¬3) وهذا الحديثُ لا يصحُّ إسنادُه، وإن جاء من وَجْهَيْنِ، فلا يصحُّ إسنادُه. واستدلَّ مَنْ قال هذا القولَ بالقياسِ، قَاسُوهُ على الزنى، ¬
قالوا: بِجَامِعِ أن كلاًّ منهما إيلاجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مُشْتَهًى طبعًا. وهذا رواية عن الشافعيِّ، وَرُوِيَ عن أحمدَ، وقال به جماعاتٌ كثيرةٌ من فقهاءِ الأمصارِ، وَمِمَّنْ رُوي عنه هذا من الصحابةِ: ابنُ الزبيرِ وجماعاتٌ من التابعينَ، وفقهاء الأمصارِ، وهذا هو الروايةُ الأخرى عن الإمامِ أحمدَ، والقولُ الآخَرُ عن الشافعيِّ. وعن الربيعِ: أن الشافعيَّ رَجَعَ إلى هذا القولِ. المذهبُ الثالثُ: أنه لا يُقْتَلُ ولا يُحَدُّ حَدَّ الزنى، وإنما يُعَزَّرُ بحسبِ ما يراه الإمامُ مِنْ ضَرْبٍ أو سَجْنٍ. وهذا مذهبُ أبِي حنيفةَ، إلا أن صَاحِبَيْهِ خالفاه فيما ذَكَرَ بعضُهم أنهما في هذا وَافَقَا الشافعيَّ وغيرَه في أنه كالزاني. ومذهبُ أبي حنيفةَ احتجَّ له بأن الصحابةَ اختلفوا فيه، فَدَلَّ على أنه ليس فيه نَصٌّ صريحٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشبهاتِ، وقال: قياسُه على الزنى غيرُ مقبولٍ؛ لأن الزنَى له اسمٌ يَخُصُّهُ، واللواطُ له اسمٌ يَخُصُّهُ، واستدلَّ له بعضُ الحنفيةِ ببيتِ أَبِي نُوَاسٍ (¬1): مِنْ كَفِّ ذَاتِ حِرٍّ فِي زِيِّ ذِي ذَكَرٍ ... لَهَا مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءُ قالوا: الزنى له اسمٌ يَخُصُّهُ، واللواطُ له اسمٌ يَخُصُّهُ، والقياسُ لا يصحُّ مع وجودِ الفارقِ. قالوا: لأن الزنى يُضَيِّعُ الأنسابَ ويورثُ الشبهةَ في الفراشِ، واللواطُ لا يضيعُ نَسَبًا ولا يورثُ شبهةً في فراشٍ؛ لأن اللواطَ لا يقعُ منه ولدٌ، بخلافِ الزنى فقد تَشْتَبِهُ به الفُرُشُ، وتختلطُ به الأنسابُ. قالوا: والداعيةُ في الزنى من الجانبين؛ لأن الزانيَ والزانيةَ كُلٌّ منهما يَتَلَذَّذُ، واللواطُ من جهةٍ ¬
واحدةٍ؛ لأَنَّ المفعولَ به - قَبَّحَهُ اللَّهُ - قد لاَ يتلذذُ - قبح الله الجميعَ - واستدلَّ أبو حنيفةَ أيضًا بتفسيرِ مجاهدٍ في قولِه تعالى: {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء: آية 16] قال: اللَّذَانِ يأتيانها: الرَّجُلاَنِ يفعلانِ فاحشةَ اللواطِ، فَآذُوهُمَا بالسبِّ والضربِ بالنعالِ ونحوِ ذلك (¬1). كما قال به بعضُ العلماءِ في تفسيرِ الآيةِ. هذه مذاهبُ العلماءِ في عقوبةِ الخنزيرِ الخبيثِ اللائطِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَاعْلَمُوا أن أَوْجُهَ التلذذِ المحرمةَ على أنواعٍ: منها: أن يأتيَ الرجلُ الرجلَ، ومنها: أن يأتيَ الرجلُ المرأةَ حرامًا، ومنها: أن تأتيَ المرأةُ المرأةَ، قبح اللهُ الجميعَ ولعنَ مَنْ يفعلُ ذلك. أما إتيانُ الرجلِ الرجلَ فهو فاحشةُ اللواطِ الذي كُنَّا نذكرُه الآنَ. وأما إتيانُ الرجلِ المرأةَ غيرَ زوجِه ولا سريته فهو الزِّنَى، وسيأتِي إيضاحُ الكلامِ عليه - إن شاءَ اللهُ - في سورةِ النورِ، حيث أَوْضَحَهُ اللهُ وَبَيَّنَ ما يترتبُ عليه. وكذلك إتيانُ المرأةِ المرأةَ. وإتيانُ الرجلِ زوجَه في دُبُرِهَا هو من هذه المحرماتِ الخسائسِ (¬2). والعلماءُ يُسَمُّونَهُ: اللوطيةَ الصغرى. فيجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعلمَ أن إتيانَ الرجلِ امرأتَه في دبرِها حرامٌ، وقد قال أبو عبد اللَّهِ القرطبيُّ - رحمه الله - ¬
في تفسيرِه (¬1): إن حرمتَه رواها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم اثْنَا عَشَرَ صحابيًّا من الصحابةِ الكرامِ. وناهيكَ بالتحريمِ شيءٌ يَرْوِي حرمتَه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم اثْنَا عشر صحابيًّا من الصحابةِ الكرامِ (رضي الله عنهم). وأحاديثُهم معروفةٌ موجودةٌ، أخرجَها الإمامُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ، وأصحابُ السننِ، وهي معروفةٌ بكثرةٍ، وفيها الوعيدُ الشديدُ والتهديدُ لِمَنْ يأتِي امرأتَه في دُبُرِهَا. وما رُوِيَ عن بعضِ السلفِ: - كما يذكرونَه عن ابنِ عُمَرَ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وجماعةٍ من الصحابةِ والتابعين - من أنهم رَخَّصُوا للرجلِ أن يأتيَ امرأتَه في دُبُرِهَا، كل ذلك بَيْنَ أَمْرَيْنِ (¬2): إما مكذوبٌ لا أصلَ له، وإما مُحَرَّفٌ عن حقيقتِه، مُصَوَّرٌ بصورةٍ غيرِ حقيقتِه؛ لأن الذين قالوا من السلفِ ذلك، وَجَوَّزُوا إتيانَ النساءِ من الأدبارِ يَعْنُونَ أن يأتيَ الرجلُ امرأتَه من جهةِ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا، وَكَمْ من رجلٍ يجامعُ امرأتَه في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا، وهذا معروفٌ، وتدلُّ على هذا وجوهٌ صحيحةٌ ثابتةٌ، منها: ما ثَبَتَ في الصحيحين وغيرِهما عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ (رضي الله عنه) أن اليهودَ كانوا يقولونَ: إذا جَامَعَ الرجلُ امرأتَه في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا جاءَ ولدُها أحولَ. فأنزل اللهُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (¬3) [البقرة: آية 223] وهذا تفسيرٌ من جابرٍ (رضي الله عنه) للآيةِ الكريمةِ بمعنَى: ¬
{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَيْ: وَأْتُوا نساءَكم في مَحَلِّ الحرثِ وهو القُبُلُ خاصةً، أنى شئتُم، سواء كانتِ المرأةُ باركةً على وَجْهِهَا فلا يكونُ الولدُ أحولَ، أو مستلقيةً على قَفَاهَا، أو على جَنْبٍ. والمقررُ في علومِ الحديثِ: أن تفسيرَ الصحابيِّ إذا كان له تَعَلُّقٌ بسببِ النزولِ فحكمُه حكمُ المرفوعِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم (¬1). وحديثُ جابرٍ هذا له حُكْمُ الرفعِ، وهو حديثٌ ثابتٌ في الصحيحين، يُبَيِّنُ أن المعنَى: إتيانُها في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا. وما اشتهر عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنه أَذِنَ وَرَخَّصَ في ذلك فهو باطلٌ؛ بدليلِ ما رواه الدارميُّ (رحمه الله) في مسندِه بإسنادٍ صحيحٍ أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ (رضي الله عنهما) سأله رجلٌ فقال له: أيُحَمَّضُ لِلْجَوَارِي؟ فقال: وما التحميضُ؟ فَذَكَرَ له الدبرَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: وهل يفعلُ هذا أحدٌ من المسلمين؟! (¬2) هذا إسنادٌ صحيحٌ في مسندِ الدراميِّ (رحمه الله)، يُبَيِّنُ أن ما ذُكِرَ عن ابنِ عمرَ أنه كَذِبٌ، وأنه لا يَقْصِدُ إتيانَ المرأةِ في دُبُرِهَا. وَمَنْ رُوِيَ عنه من السلفِ ما يُوهِمُ ذلك فمرادُه أنه يجوزُ أن يأتِي الرجلُ امرأتَه في قبلِها من جهةِ دبرِها وهذا لا نَهْيَ فيه، وهو الذي نَزَلَتْ فيه آيةُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: آية 223]. وما يستدلُّ به بعضُ مَنْ لاَ يعلمُ معانيَ القرآنِ من أن اللهَ أَذِنَ للرجلِ أن يأتيَ امرأتَه حيثُ شاءَ لأنه قال: {أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيفَ شِئْتُمْ. وقولُه: {أَنَّى شِئْتُمْ} يقتضِي سواء كان ذلك في القبلِ أم في الدبرِ!! فهذا جهلٌ وَعُجْمَةٌ، وعدمُ فَهْمٍ للقرآنِ؛ لأن هذا مُرَتَّبٌ بالفاءِ ¬
على قولِه: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} فَرَتَّبَ على كونِ النساءِ حَرْثًا أي: مَحَلَّ ازدراعِ الأولادِ بقولِه: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ولا حرثَ في الدبرِ ألبتةَ، فلا يدخلُ في الآيةِ ألبتةَ (¬1). ومما استدلَّ به العلماءُ - مع روايةِ اثني عشرَ صَحَابِيًّا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم تحريمُ إتيانِ النساءِ في أدبارِهن، مما استُدلَّ به من غيرِ النصوصِ -: القياسُ، فَمِنْ ذلك أن اللهَ (تعالى) حَرَّمَ على الرجلِ إتيانَ امرأتِه في فَرْجِهَا أيامَ الحيضِ. وَعَلَّلَ ذلك بأن الحيضَ أَذًى يُنَزِّهُ الرجالَ عن أن يتلبسوا بأذَى الحيضِ وقذرِه حيث قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ثم بَيَّنَ علةَ الاعتزالِ بأنه أَذًى فقال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: آية 222] وقولُه: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} هو القبُلُ؛ لأن اللَّهَ قال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} [البقرة: آية 223] والمأمورُ بإتيانِه: محلُّ الحرثِ، ومعلومٌ أن محلَّ حرثِ الأولادِ ليس الدبرَ، وتدلُّ عليه آيةٌ أخرى، وهي قولُه تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة آية 187] لأن معنَى: {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: من الأولادِ على أصحِّ التفسيرين، وعليه جمهورُ العلماءِ، يعنِي: بَاشِرُوهُنَّ وَلْتَكُنْ تلك المباشرةُ في محلِّ ابتغاءِ الأولادِ، ومعلومٌ أن الدبرَ ليس محلَّ ابتغاءِ الأولادِ؛ ولذا كانت المرأةُ أيامَ حيضِها يُمْنَعُ على زوجِها جِمَاعُهَا حَذَرًا من أذَى الحيضِ ونجاستِه، فالدبرُ أنجسُ وأنجسُ من محلِّ الحيضِ؛ لأنه محلُّ الغائطِ، ومحلُّ النتنِ والخبثِ والنجاسةِ الدائمةِ، فهو أنجسُ وأنجسُ والعياذُ بالله. ¬
ومما استدلَّ به بعضُ العلماءِ (¬1): قالوا: إن الرجلَ إذا تَزَوَّجَ امرأةً فَوَجَدَهَا رتقاءَ -والرتقاءُ هي التي فَرْجُهَا مسدودٌ، ليس فيها محلٌّ يمكن أن يُجَامِعَهَا فيه؛ لأن فَرْجَهَا مسدودٌ بالكليةِ- قالوا: إن هذا عيبٌ تُرَدُّ به بإجماعِ العلماءِ، ولو كان الدبرُ مَحَلَّ تلذذٍ لَمَا رُدَّتِ الرتقاءُ؛ لأن عندَه محلاًّ آخَرَ يتمتعُ به غير القُبلِ المسدودِ، وهو دُبُرُهَا. وحكى القرطبيُّ إجماعَ العلماءِ على أن الرتقَ عيبٌ يُرَدُّ به، وأن الرجلَ إذا تزوجَ امرأةً فَوَجَدَهَا مسدودةَ الفرجِ بالكليةِ أنه عَيْبٌ يَرُدُّهَا به، ولا يلزمُه شيءٌ من نصفِ الصداقِ. وقال الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ (رحمه الله) (¬2): إن عامةَ العلماءِ أَجْمَعُوا على أن الرتقَ عَيْبٌ تُرَدُّ به الرتقاءُ، ولم يُعْلَمْ في ذلك خلافٌ، إلا شيءٌ ضعيفٌ لم يَثْبُتْ، رُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (رحمه الله) أنها لاَ تُرَدُّ بالرتقِ. فإن قيل: قد يكونُ الرتقُ عَيْبًا؛ لأن الرَّتْقَاءَ لاَ تَلِدُ، والعقمُ عَيْبٌ. أجاب عنه بعضُ العلماءِ: بأن العقمَ ليس بعيبٍ، وَمَنْ تزوجَ امرأةً فَوَجَدَهَا عقيمًا لا تلدُ، لا يكونُ هذا عَيْبًا يَرُدُّهَا به، وإن طَلَّقَهَا لَزِمَهُ نصفُ الصداقِ إن كان قبلَ الدخولِ؛ لأن العقمَ في النساءِ ليس عَيْبًا يُرَدُّ به. وحكى القرطبيُّ (رحمه الله) في تفسيرِ قولِه: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: آية 223] إجماعَ العلماءِ على أن عُقْمَ المرأةِ ليس من العيوبِ التي يَرُدُّهَا به الرجلُ (¬3)، ويدلُّ على ذلك ظواهرُ آياتٍ: هذا زكريا صلى الله عليه وسلم يقولُ: {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: آية 40] {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} [مريم: آية 5] وهو مقيمٌ معها على ¬
ذلك، وذلك يدلُّ على أن ذلك الأمرَ لو كان مِمَّا لاَ ينبغي البقاءُ عليه لَمَا بَقِيَ هو عليه. ولا ينافِي هذا ورودُ أحاديثَ كثيرةٍ بتزوجِ الولودِ؛ لأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُكَاثِرُ بنا الأممَ، فالولودُ قَطْعًا خيرٌ من العقيمِ، وكثرةُ النسلِ خيرٌ من قِلَّتِهِ كما لاَ يَخْفَى. والحاصلُ أن الوجوهَ المحرمةَ من التلذذِ أن: منها إتيانَ الرجلِ امرأةً غيرَ زوجِه ولا سُرِّيَّتِهِ، وهذا هو الزنا أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمين منه. ومنها إتيانُ الرجلِ الرجلَ، وهذا هو اللواطُ - قبحه الله ولعنَ مرتكبه - وهو الذي كُنَّا نتكلم عليه ومنها: إتيانُ امرأةِ الرجلِ في دُبُرِهَا، فلا يَحِلُّ له أن يأتيَ امرأتَه في دبرها، وذلك يُسَمَّى اللوطيةَ الصغرَى، وهو الذي كنا نُبَيِّنُ روايةَ اثني عشرَ صحابيًّا حرمتَه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتشديدَ فيه. ومن ذلك إتيانُ المرأةِ المرأةَ، المعروفُ بِالْمُسَاحَقَةِ؛ لأن بعضَ النساءِ الخبيثاتِ الخسيساتِ التي لا مروءةَ لَهُنَّ ولاَ خُلُقَ ولا حياءَ يجامعُ بَعْضُهُنَّ بعضًا، فتتلاقَى عوراتُهن، وَتَحُكُّ هذه فرجَها بفرجِ هذه - قبح الله الجميعَ، الخسيساتِ - فإن هذا الفعلَ من أخسِّ الأفعالِ وأقبحِها، وهو من المحرماتِ الخسيسةِ الخبيثةِ التي لا تَرْتَكِبُهَا إلا ساقطةُ مروءةٍ، وساقطةُ دينٍ، خبيثةٌ لا حياءَ لها ولاَ مروءةَ ولا إنسانيةَ، وهذه من أقبحِ الأفعالِ وأحرمِها وأشنعِها، وإذا ثَبَتَتْ على امرأةٍ يجبُ على مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه أن يعزرَها التعزيرَ البالغَ الرادعَ لها ولأمثالِها من الخسيساتِ الخبيثاتِ القبيحاتِ، وهذه المساحقةُ - قَبَّحَهَا اللَّهُ وأخزاها، وقبحَ مَنْ تَرْتَكِبُهَا وأخزاها - هي من قبائحِ الذنوبِ، وخسائسِ الفضائحِ، وربما نَشَأَتْ عنها بلايا عظامٌ، ربما نَشَأَ عنها مثلَ الزاني بعينه؛ لأن المُساحِقَاتِ ربما حَمَلَتْ إحداهن
عن طريقِ المساحقةِ فتيقن الناس أنها زانيةٌ. وذلك أن التي تتخذُ أخدانًا مساحقاتٍ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - قد تكونُ ذاتَ زوجٍ فَيُجَامِعُهَا زوجُها فيستقرُّ ماءُ زوجِها في رَحِمِهَا، ثم تأتِي أخرى خدنتُها التي تساحقُها وماءُ زوجِها مستقرٌّ في رَحِمِهَا فتحكُّ ذلك العضوَ منها بالعضوِ من الأخرى فتتحركُ الشهوةُ منهما، وعندَ تحركِ الشهوةِ ينزلُ ماءُ زوجِها من رَحِمِهَا فيدخلُ في رحمِ الأخرى عندَ ثورانِ شهوتِها فيختلطُ بِمَنِيِّهَا المنعكسِ إلى رَحِمِهَا فينشأُ من ذلك الحملُ، فيقدرُ الناسُ أن الخبيثةَ الكلبةَ زانيةٌ قبحها اللهُ وقبح فِعْلَهَا وقبحَ مَنْ يرتكبُ هذه الخسائسَ الشنائعَ، فإن الإنسانَ حتى ولو كان غيرَ ذِي دِينٍ لا ينبغي له إن كان ذَا إنسانيةٍ أو مروءةٍ أن يرتكبَ هذا، وقد صَدَقَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ حيث قال: إنه لو لم يَسْمَعِ اللواطَ يُذْكَرْ في القرآنِ لَمَا صَدَّقَ أن ذَكَرًا يَنْزُو على ذَكَرٍ؛ لأن النفوسَ الطبيعيةَ والفطرَ السليمةَ تستقذرُ هذا وتستخبثُه كُلَّ الاستخباثِ، حتى ولو ضُرِبَتْ عنقُ الرجلِ السليمِ الفطرةِ أن يفعلَ هذا لَمَا فَعَلَ - قبحَ اللَّهُ مَنْ يَرْتَكِبُ هذه الخسائسَ والخبائثَ - فهذه هي الأمورُ التي لا يجوزُ أن تُفْعَلَ، وهي إتيانُ الرجلِ امرأةً أجنبيةً، وإتيانُه زوجتَه في دُبُرِهَا، وإتيانُ الرجلِ الرجلَ، وإتيانُ المرأةِ المرأةَ، كُلُّ هذا خبيثٌ قَبِيحٌ. [13/ أ] / أما استمناءُ الرجلِ بيدِه - لأن الرجلَ إذا اشتدت غُلْمَتُهُ فيجعلُ مثل صابونٍ أو غاسولٍ في يدِه ويحكُّه على ذَكَرِهِ حتى ينزلَ منه الماءُ - فالتحقيقُ أن هذا الاستمناءَ باليدِ المعروفَ في اصطلاحِ الأدباءِ بجَلْدِ عُمَيرَة (¬1)، وَيُسَمَّى (الخضخضةَ)، فالتحقيقُ الذي لا شَكَّ ¬
فيه أنه فعلٌ قبيحٌ وأنه حَرَامٌ (¬1)، وإن كان الإمامُ أحمدُ - مع جلالتِه وَعِظَمِ قَدْرِهِ في العلم - يُذْكَرُ عنه أنه يُرَخِّصُ في هذا كالترخيصِ بإخراجِ الدمِ بالفصادةِ إذا خِيفَ منه أَذًى (¬2). إلا أن التحقيقَ مع الجمهورِ، وأن الاستمناءَ باليدِ المعروفَ بجلدِ عميرةَ المُسَمَّى بالخضخضةِ - قبحَّه الله - أنه حرامٌ، وظاهرُ القرآنِ يدلُّ على أنه حرامٌ ظهورًا بَيِّنًا، ولم يَرِدْ في كتابِ الله ولا في سنةِ رسولِ اللَّهِ شيءٌ يعارضُ ظاهرَ آيةِ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} الدالةِ على تحريمِ الاستمناءِ باليدِ، وهي قولُه تعالى في: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} و (سَأَلَ سَائِلٌ): {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: الآيتان 5، 6] و [المعارج: الآيتان 29، 30] فلم يَسْتَثْنِ اللهُ إلا نوعين وهو قولُه: {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} ثم جاء بِحُكْمٍ عامٍّ شاملٍ قال: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} [المؤمنون: آية 7] و [المعارج: آية 30] ولا شَكَّ أن الناكحَ يدَه مِمَّنِ ابتغَى وراءَ ذلك فهو داخلٌ في قولِه: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} خِلاَفًا لمن يجيزُ ذلك. والسفهاءُ يفعلونَ هذا كما قال شَاعِرُهُمْ (¬3): إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لاَ أَنِيسَ بِهِ ... فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لاَ عَارٌ وَلاَ حَرَجُ ¬
وهذا من الشيءِ الذي لا ينبغي أن يُختلفَ في تحريمِه، وإن قال به هذا الإمامُ الجليلُ ما قال، وكلُّ كلامٍ فيه مقبولٌ ومردودٌ كما قال إمامُ دارِ الهجرةِ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله. فَفَاحِشَةُ اللواطِ - قبحها الله - وما يتبعُها يجبُ على المسلمين الحذرُ منها، وأظهرُ الأقوالِ دَلِيلاً: أن مرتكبَها يُقْتَلُ، يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ. أما مَنْ يَزْنِي ببهيمةٍ (¬1) فقد جاء فيه حديثٌ أنه يُقْتَلُ هو والبهيمةُ التي زَنَى بها (¬2)، والحديثُ الذي وَرَدَ في ذلك قد يكونُ لا يَقِلُّ عن درجةِ الاحتجاجِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أن مَنْ زَنَى ببهيمةٍ لا يُقْتَلُ هو ولا البهيمةُ؛ واستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ الثابتِ فِي الصحيحين: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ» (¬3). والثلاثُ معروفةٌ ليس منها نكاحُ البهيمةِ. قالوا: هذا الحصرُ القويُّ اليقينيُّ أقوى من الأحاديثِ الواردةِ في قتلِ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً. وبعضُ العلماءِ يقولُ: إذا أَتَاهَا جَازَ أَكْلُهَا. وهو مذهبُ مالكٍ، وبعضُهم يقول: تُقْتَلُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا. وَاللَّهُ (جل وعلا) أَعْلَمُ بذلك. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ} [الأعراف: آية 81] النساءُ: اسمُ جمعٍ لاَ واحدَ له من لَفْظِهِ، واحدتُه امرأةٌ. ¬
{شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} هذا النوعُ من الإضرابِ يُسَمَّى (إضرابًا انْتِقَالِيًّا). {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} والإسرافُ مجاوزةُ الحدِّ؛ لأن اللَّهَ خَلَقَ لهم النساءَ وجعلَ فيهن الجمالَ، وركبَ فيهن الشهوةَ؛ لأن اللَّهَ إنما رَكَّبَ الشهوةَ في الرجالِ والنساءِ، الحكمةُ الكبرى في ذلك أن يقعَ التناسلُ ويبقى نوعُ الإنسانِ؛ لأن المرأةَ إذا كانت لا تَشْتَهِي الجماعَ لا يمكنُ أن تَقْبَلَهُ بحالٍ أبدًا، فلا يمكنُ أن يُرْغِمَهَا على قبولِ جماعِ الرجلِ لها إلا شهوتُها في ذلك الفعلِ، فلو كانت لا تشتهيه ألبتةَ لَمَا قَبِلَتْهُ أبدًا وَلَتَمَنَّعَتِ النساءُ عن ذلك الفعلِ فَانْقَطَعَ نسلُ بَنِي آدمَ، وكذلك الرجلُ إن كان لم يُرَكَّبْ فيه شهوةُ هذا الفعلِ لاَ يقبلُ ذلك الفعلَ أبدًا. فجعلَ اللَّهُ الشهوةَ في الرجالِ إلى النساءِ، وفي النساءِ إلى الرجالِ؛ لتجتمعَ الشهوةُ والشهوةُ فيقعُ بذلك التناسلُ، ويبقَى نوعُ الإنسانِ. فَمَنْ صَرَفَ الشهوةَ إلى غيرِ محلِّها وجعلَها في الذَّكَرِ أَسْرَفَ؛ لأنه جَاوَزَ الحدَّ وَوَضَعَ الأمرَ في غيرِ مَوْضِعِهِ؛ لأنه لو اقْتَصَرَ الرجالُ على الرجالِ وتركوا النساءَ لاَنْقَطَعَ النسلُ وانقطعَ بَنُو آدمَ وخرب الْعَالَمُ كُلُّهُ؛ ولذا قال: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} وَلَمَّا قال لهم لوطٌ هذا الكلامَ قال اللَّهُ: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ} [الأعراف: آية 82] {أَخْرِجُوهُمْ} أي: لوطًا وَمَنْ مَعَهُ، وقد بَيَّنَ القرآنُ أن لُوطًا لم يُؤْمِنْ معه إلا أهلُ بَيْتِهِ فقط، وهم بناتُه. وزوجتُه بَيَّنَ القرآنُ أنها كَافِرَةٌ، وأنها هَلَكَتْ مع الهالكين في آياتٍ كثيرةٍ، والآيةُ التي دَلَّتْ على أنه لم يؤمن معه إلا أهلُ بيتِه هي قولُه في الذارياتِ: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (36)} [الذاريات: الآيتان 35، 36] وهو
بيتُ لوطٍ، هو وَابْنَتَاهُ؛ ولهذا قال: {إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ} أي: لوطًا وأهلَه {مِّنْ قَرْيَتِكُمْ} سدوم {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ} أي: جماعةٌ وناسٌ {يَتَطَهَّرُونَ} يتطهرونَ من أدبارِ الرجالِ، ويتنزهونَ عن إتيانِ الرجالِ في أدبارِهم، فكأنَّهم يعيبونَهم بما ليس بعيبٍ، فهم يعيبونهم بالتطهرِ من أقذارِ أدبارِ الرجالِ، وهذا العيبُ الذي عَابُوهُمْ به هو غايةُ المدحِ والنزاهةِ: وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا (¬1) قال بعضُ العلماءِ: عَابُوهُمْ والله بما ليسَ بعيبٍ، بل هو غايةُ المدحِ. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}. {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الأعراف: آية 83] اخْتُصِرَتِ القصةُ هنا وَبُسِطَتْ في مواضعَ أُخَرَ كثيرةٍ، وذلك أن الرسلَ لَمَّا جاؤوا إلى إبراهيمَ وَبَشَّرُوهُ بغلامٍ عَلِيمٍ، ووقعَ ما وقعَ مِنْ ذَبْحِهِ لهم العجلَ، وَخَوْفِهِ منهم، وسؤالِه لهم: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (33)} [الذاريات: الآيات 31 - 33] وجاءوا لوطًا وَسِيئ بهم لوط {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [هود: الآيتان 77، 78] وَحَاوَرَهُمُ المحاورةَ المعروفةَ المتكررةَ في القرآنِ {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر: آية 70] وجاءوا يكسرونَ البابَ، يظنونَ أن جبريلَ والملائكةَ معه جاؤوا في صفةِ شبابٍ حِسَانِ الوجوهِ، حسانِ الثيابِ، حسانِ الريحِ، فجاءوا يريدونَ ¬
أن يفعلوا بهم فاحشةَ اللواطِ، فلما غَلَبُوا لوطًا على البابِ وكادُوا أن يكسروه، وقال لوطٌ كلامَه المحزنَ: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: آية 78] عندَ ذلك أخبرَه جبريلُ والملائكةُ معه: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] وَأَمَرُوهُ بالإسراءِ بأهلِه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} [هود: آية 81] وقالوا له: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود: آية 81] الخبيثةُ الكافرةُ بَقِيَتْ معهم؛ وَلِذَا قال هنا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الأعراف: آية 83] حيث أَمَرْنَاهُ بأن يَسْرِيَ ليلاً إنا مُهْلُكُوهُمْ مع الصبحِ {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: آية 81] فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ. وقولُه: {إِلاَّ امْرَأَتَكَ} [هود: آية 81] كانت امرأتُه قبيحةً خبيثةً مع الكفارِ كافرةً، وَضَرَبَ اللَّهُ لها مَثَلاً هي وامرأة نوحٍ في قولِه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)} [التحريم: آية 10] قَبَّحَهَا اللَّهُ (¬1). وقراءةُ الجمهورِ ما عدا ابنَ كثيرٍ وأبا عمرٍو لا إشكالَ؛ لأن الجمهورَ قرؤوا: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ} وعلى قراءةِ النصبِ لا إشكالَ في الآيةِ ألبتةَ، وأن المعنَى: فَأَسْرِ بأهلِك بقطعٍ من الليلِ إلا امرأتَك فلا تَسْرِ بها فَاتْرُكْهَا مع الهالكينَ {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود: آية 81] لأنها كافرةٌ منهم. أما على قراءةِ أبي عمرٍو وابنِ كثيرٍ: {إِلاَّ امْرَأَتُكَ} ¬
بالرفعِ (¬1) ففي الآيةِ إشكالٌ متعارضٌ مع قولِه: {إِلاَّ امْرَأَتَكَ} لأن قولَه: {إِلاَّ امْرَأَتَكَ} بالفتحِ يدلُّ على أنه لم يَسْرِ بها، وعلى قراءةِ {إلا امرأتُك} يدلُّ على أنه سَرَى بها، وأنها لم يَلْتَفِتْ أحدٌ إِلاَّ هِيَ. وَجَمَعَ بعضُ العلماءِ بينَ القراءتين بأن اللهَ أَعْلَمَهُ أنها هالكةٌ لا مَحَالَةَ، وأنه لم يَسْرِ بها إسراءً إلى حيثُ النجاةُ، سواء بَقِيَتْ معهم أو ذَهَبَتْ معهم قليلاً فالتفتت فأصابَها حجرٌ فأهلكها كما أَهْلَكَ قومَها، فهي هالكةٌ على كِلاَ القولين سواء أَسْرَى بها فالتفتت فهلكت، أو بقيت معهم، فهي هالكةٌ على كُلِّ حالٍ. وفائدةُ إسرائِه بِمَنْ معه هي النجاةُ، وهي محرومةٌ من هذه الفائدةِ. وإذًا يكونُ معنَى القراءتين كالشيءِ الواحدِ. هكذا قال بعضُ العلماءِ. وهذا معنَى قولِه: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ}. {كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [الأعراف: آية 83] (الغابرين): جمعُ الغابرِ، والغابرُ اسمٌ مشتركٌ من الأضدادِ، يُطْلَقُ على الماضِي وعلى الباقِي، تُقال (الغابر) للماضي، و (الغابر) للباقي. والمرادُ بها هنا: الباقين. {مِنَ الْغَابِرِينَ} أي: من الباقين في الهلاكِ. فَعَلَى القولِ بأنه لم يَسْرِ بها فالكلامُ ظاهرٌ، وعلى القولِ بأنه أَسْرَى بها: عندما خرجَ بها الْتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ، فكأنها بَقِيَتْ معهم، فهي باقيةٌ معهم في الهلاكِ: {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: آية 81] وَاللَّهُ بَيَّنَ هذه القصةَ في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه وأوضحَها؛ لأن الرسلَ لمَّا قالوا لإبراهيمَ: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وَبَيَّنُوا له أنهم سَيُهْلِكُونَ القريةَ قال: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا ¬
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ} [العنكبوت: آية 32] القبيحةَ، فَلَمَّا كان وقتُ الصبحِ الذين جاؤوا يريدونَ كسرَ البابِ وفاحشةَ اللواطِ بجبريلَ والملائكةِ معه لَمَّا قال جبريلُ للوطٍ: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] ذَكَرَ المفسرون أن اللَّهَ أَذِنَ له في النكالِ بهم، فجاءَ في صورتِه، وعليه ما عليه من الوشاحاتِ والأجنحةِ، ثم مَسَحَ أعينَهم بريشةٍ من جَنَاحِهِ، فبقيت وجوهُهم كأنها لم تَكُنْ فيها عيونٌ أصلاً، كما سيأتِي في قولِه في القصةِ بِعَيْنِهَا: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: الآيات 37 - 39] وَيَذْكُرُونَ أن جبريلَ عليه السلامُ اقتلعَ أرضَهم من الأرضِ، وَأَدْخَلَ جناحَه من تحتها، وَاقْتَلَعَهَا من الأرضِ، ورفعَها حتى قَرُبَتْ من السماءِ، ثم أَلْقَاهَا مُنَكِّسًا لها، جاعلاً عاليَها أسفلَها، وأنهم أَتْبَعَتْهُمُ الملائكةُ حجارةَ السجيلِ، كما يأتِي في قولِه: {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ} [هود: آية 82] والتحقيقُ: أن السجيلَ: أنه الطينُ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (33)} [الذاريات: آية 33] وخيرُ ما يُفَسِّرُ القرآنَ القرآنُ (¬1)، إلا أنه طينٌ مشويٌّ بالنارِ، شديدُ الحرارةِ، لا يأتي على شيءٍ إلا خَرَقَهُ. وهذه القصةُ مذكورةٌ في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِ اللَّهِ؛ ولذا قال هنا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا} [الأعراف: الآيتان 83، 84] لم يَذْكُرْ هنا أنه جَعَلَ عَالِيَ أرضِهم سافلَها، وذكرَه في هودٍ حيث قال: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ ¬
مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)} [هود: الآيتان 82 - 83] ذَكَرَ هنا مطرَ الحجارةِ وقال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا} وهذا المطرُ مطرٌ من حجارةِ السجيلِ كما قال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: آية 74] وقال: {الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: آية 40] وهي حجارةُ السجيلِ. وقال في بعضِ الآياتِ: {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} [الشعراء: الآية 173، النمل: الآية 58] وقال هنا: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} انظر يا نَبِيَّ اللَّهِ: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: آية 84]. العاقبةُ: هي ما يَؤُولُ إليه الأمرُ عقبَ الأمرِ الأولِ، وتؤولُ إليه الحقيقةُ في ثانِي حَالٍ. والمجرمونَ جمعُ المجرمِ، والمجرمُ مرتكبُ الجريمةِ، والجريمةُ: الذنبُ الذي يستحقُّ صاحبُه العذابَ والنكالَ (¬1) {فَانْظُرْ كَيْفَ} الحالُ التي يَؤُولُ إليها أمرُ المجرمينَ وعاقبتُهم، وهو الدمارُ والنكالُ، والعذابُ المستأصلُ المتصلُ بعذابِ الآخرةِ. وهذا معنَى قولِه: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} يُخَوِّفُ اللهُ خلقَه أن يقعَ بهم مثلُ ما وقعَ بهؤلاءِ، ومن أعظمِ ما يخوفُ الطغاةَ الفجرةَ من فاحشةِ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللهُ وقبَّح مرتكبَها - أن الله بَيَّنَ في كتابِه أن مرتكبيَها أُرْسِلَ عليهم حجارةُ السجيلِ، ثم بَيَّنَ أن تلك الحجارةَ موجودةٌ، وأنها لم تُعْدَمْ، وأنها ليست ببعيدٍ من الظالمينَ الذين يفعلونَ مثلَ فِعْلِهِمْ حيث قال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)} [هود: ¬
الآيتانِ 82 - 83]. فقولُه: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} على أشهرِ التفسيرين وأصحِّهما فيها أعظمُ تهديدٍ وأكبرُ زجرٍ وتخويفٍ لمن يَرْتَكِبُ الخسيسةَ القبيحةَ وهي فاحشةُ اللواطِ. وهذا معنَى قولِه: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}. قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (85) وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)} [الأعراف: الآيات 85 - 87]. يقول الله جل وعلا: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: آية 85]. قولُه تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} معناه: وَأَرْسَلْنَا إلى مدينَ أخاهُم شعيبًا فهو معطوفٌ على قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59] لأَنَّا في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - تَكَلَّمْنَا فيما مَضَى في الدروسِ السابقةِ على قصةِ نوحٍ، وقصةِ هودٍ، وقصةِ صالحٍ، وقصةِ لوطٍ مع أصحابِهم، وَكُنَّا واقفينَ عندَ قصةِ شعيبٍ مع مَدْيَنَ، وابتداء ما ذكر قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ} ثم قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] أي: وَأَرْسَلْنَا إلى عادٍ أَخَاهُمْ هودًا، ثم قال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: آية 73] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا، إلى أن قال: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} أي: أَرْسَلْنَا إلى مدينَ أخاهُم شعيبًا. أكثرُ المفسرين والمؤرخين يقولونَ: إن (مدينَ) اسمُ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأن هذه الأمةَ التي أُرْسِلَ إليها شعيبٌ أنها من ذريةِ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأن شعيبًا أخاهم في النسبِ، وكانت ديارُ مدينَ بأرضِ مَعَانٍ من أطرافِ الشامِ مما يلي الحجازَ، قريبًا من بحيرةِ قومِ لوطٍ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: (مَدْيَنُ) اسمُ بلدةٍ. واختلفَ المؤرخونَ والمفسرونَ (¬1) في نسبِ شعيبٍ اختلافًا كثيرًا لا يقومُ شيءٌ على دليلٍ قاطعٍ منه، فكثيرٌ من المؤرخينَ يقولونَ: هو شعيبُ بنُ ميكيلَ بنِ يشجرَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيمَ. وبعضُهم يقولُ: هو ابنُ صيفورَ أو ضيفورَ بنِ عيفاءَ أو عنقاءَ. وبعضُهم يقول: هو شعيبٌ من ذريةِ يشجرَ بنِ لاَوِي بنِ يعقوبَ. والأقوالُ في نَسَبِهِ كثيرةٌ جِدًّا، ولم يَقُمْ برهانٌ على شيءٍ منها. وقد جاء في حديثِ أبي ذَرٍّ المشهورِ في الأنبياءِ عندَ ابنِ حبانَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكرَ لأَبِي ذَرِّ أن أربعةً من الأنبياءِ عربٌ قال: «وَهُمْ هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ» (¬2) وكان السلفُ الصالحُ يسمونَ شُعَيْبًا خطيبَ الأنبياءِ (¬3) لحسنِ ¬
مراجعتِه لقومِه، ووضوحِ أدلتِه التي يدعوهم بها إلى الدينِ. وسيأتِي في سورةِ هودٍ كلامُ الناسِ وما يُخْتَارُ منه على قولِهم في تفسيرِ قولِه: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} [هود: آية 91] أنه كان أَعْمَى. وقد يَشْكُلُ على طالبِ العلمِ كونُ شعيبٍ عَرَبِيًّا فَمِنْ أينَ تَعَرَّبَ وَمِنْ أينَ أخذَ العربيةَ عَمَّنْ؟ لأن إبراهيمَ أَعْجَمِيٌّ، وإسماعيلُ أبو العربِ العاربةِ (¬1)، معلومٌ أنه تَعَرَّبَ من العربِ العاربةِ البائدةِ الذين سَاكَنُوهُ عندَ زمزمَ كَجُرْهُمٍ، وقد أُرْسِلَ إلى جرهمٍ وَتَعَلَّمَ منهم اللسانَ العربيَّ على الصحيحِ. ذَكَرَ بعضُ العلماءِ - وممن ذَكَرَهُ حافظُ المغربِ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ، وذكرَه ابنُ حجرٍ في الإصابةِ أيضًا وغيرُهم - ذَكَرُوا في ترجمةِ سلمةَ بنِ سعدٍ - ويقالُ: سلمةُ بنُ سعيدٍ - أنه وَفَدَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وَانْتَسَبَ له وهو عَنَزِيٌّ، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال «نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةَ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ مَنْصُورُونَ، أُولَئِكَ قَوْمُ شُعَيْبٍ، وَأَخْتَانُ مُوسَى». هذا حديثٌ رواه الطبرانيُّ وغيرُه، وذكرَه ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ وغيرِه (¬2). قال بعضُ العلماءِ: لو كان هذا الحديثُ محفوظًا صحيحًا لكانَ دَالاًّ على أن شعيبًا من قبيلةٍ من قبائلِ العربِ البائدةِ تُسَمَّى: عَنَزَةَ، ¬
ولكنه لم يَصِحَّ. وعنزةُ هؤلاء المذكورونَ في هذا الحديثِ ليس المرادُ بهم بنو عنزةَ بنِ أسدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارٍ، المعروفونَ؛ لأَنَّ شعيبًا قبلَهم بكثيرٍ، كما قالَه غيرُ واحدٍ، وعلى كُلِّ حالٍ فالكلامُ في شعيبٍ ونسبِه كثيرٌ، واختلافُ العلماءِ فيه كثيرٌ، وَغَلِطَ بعضُ العلماءِ وبعضُ المؤرخين - كصاحبِ صُبْحِ الأَعْشَى - فَزَعَمَ أن شعيبًا كان بعد مُوسَى (¬1). وهذا لا شَكَّ أنه غَلَطٌ؛ لأن شُعَيْبًا قَبْلَ موسى، وقد دَلَّتْ عليه آياتُ القرآنِ في سورةِ الأعرافِ هذه وغيرِها؛ لأن اللَّهَ في سورةِ الأعرافِ هذه لَمَّا ذكرَ قصةَ نوحٍ وقصةَ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ مع قومِهم قال بعدَ ذلك في الآياتِ الآتيةِ: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا} [الأعراف: آية 103] فَدَلَّ على أن بعثَ موسى بآياتِ اللهِ بعدَ هؤلاءِ الرسلِ وَأُمَمِهِمْ، كما هو نَصُّ القرآنِ العظيمِ. وزعمَ بعضُ العلماءِ أن شعيبًا ابنُ بنتِ لوطٍ. وقال بعضُ العلماءِ: هو مِمَّنْ آمَنَ مع إبراهيمَ لَمَّا نَجَا مِنَ النارِ، وهاجرَ معه (¬2). وَكُلُّهَا أقوالٌ لا دليلَ عليها، وغايةُ ما يفيدُه القرآنُ: أن اللَّهَ بعثَ نبيَّه شعيبًا إلى أهلِ مدينَ. وذكر اللهُ في آياتٍ أُخْرَى متعددةٍ - كما سيأتي في سورةِ «الحجراتِ»، وفي سورةِ «الشعراء»، وفي سورةِ «ص» وغيرِ ذلك - أن شعيبًا أرسلَ أيضًا إلى أصحابِ الأيكةِ، كما سيأتِي في قولِه: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)} [الشعراء: آية 176] والعلماءُ مختلفونَ: هل أصحابُ الأيكةِ هم مَدْيَنُ أنفسُهم فيكون شعيبٌ أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ واحدةٍ، أو مدينُ أمةٌ وأصحابُ الأيكةِ أمةٌ أخرى، فيكون شعيبٌ قد أُرْسِلَ إلى ¬
أُمَّتَيْنِ؟ هذا خلافٌ معروفٌ بَيْنَ العلماءِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنهم أمةٌ واحدةٌ كانوا يعبدونَ أيكةً، أي: شجرًا مُلْتَفًّا، وأن اللَّهَ سماهم مرةً بنسبهم (مدين) ومرةً أضافهم إلى الأيكةِ التي يعبدونَها. وجزمَ بصحةِ هذا ابنُ كثيرٍ في تاريخِه وتفسيرِه (¬1) وَمِمَّنِ اشتهر عنه أنهم أُمَّتَانِ قتادةُ (¬2) وجماعةٌ، وهو خلافٌ معروفٌ. والذين قالوا: إنهما أُمَّتَانِ قالوا: في (مدين) قال: إنه أَخُوهُمْ حيث قال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الأعراف: آية 85] أما أصحابُ الأيكةِ فلم يَقُلْ: إنه أخوهم بل قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الشعراء: الآيتانِ 176، 177] ولم يقل: أخوهم شعيبٌ. وَأُجِيبَ عن هذا بأنه لَمَّا ذَكَرَ مَدْيَنَ ذَكَرَ الجدَّ الذي يشملُ القبيلةَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا شعيبٌ، ذكر أنه أخوهم من النسبِ. أما قولُه: {أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} فمعناه: أنهم يعبدونَها، وَلَمَّا ذَكَرَهُمْ في مقامِ الشركِ وعبادةِ غيرِ اللَّهِ لم يُدْخِلْ معهم شعيبًا في ذلك وهم أمةٌ واحدةٌ. هكذا قاله بعضُهم (¬3) وَاللَّهُ أعلمُ. وعلى كُلِّ حالٍ فشعيبٌ هذا معروفٌ أنه نبيٌّ من الرسلِ الكرامِ، وقد ذَكَرَ اللَّهُ قصتَه مع قومِه مفصلةً في آياتٍ من كِتَابِهِ، ذكرَها هنا، وذكرَها في سورةِ هودٍ، وفي سورٍ أخرى كما سيأتِي إن شاءَ اللَّهُ. هذا معنَى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} أي: وَأَرْسَلْنَا إلى مدينَ ¬
أخاهم شعيبًا، ماذا قال لهم؟ وماذا أُرْسِلَ به إليهم؟ قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 85]. قولُه: {اعْبُدُوا اللَّهَ} هو حظُّ الإثباتِ مِنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللَّهُ. وقولُه: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} حظُّ النفيِ منها. وهذه الكلمةُ التي هي (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) هي التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وَخُلِقَتْ لأجلِ الحسابِ عليها الجنةُ والنارُ وَأُرْسِلَ بها الرسلُ، وهي محلُّ المعاركِ بَيْنَ الرسلِ وَأُمَمِهِمْ، وجميعُ الرسل مَا أُرْسِلَ منهم نبيٌّ إلا بهذه الكلمةِ وما تَتَضَمَّنُهُ من الشرائعِ والأحكامِ. إذا نظرتَ في رسائلِ الرسلِ إجماعًا وتفصيلاً وجدتَ ذلك كما قُلْنَا، ومما يدلُّ عليه تفصيلاً أن كُلَّ رسولٍ إذا أُرْسِلَ إلى قومِه يُبَيِّنُ القرآنَ أن أولَ ما يقولُ لهم هو مضمونُ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) كقولِه في قِصَصِهِمْ في هذه السورةِ الكريمةِ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ماذا قال لهم؟ قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] ثم قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال لهم؟ قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 65] ثم قال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 73] وكذلك قال في شعيبٍ: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 85] وهكذا. وكذلك بالإجمالِ قولُه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: آية 25] وفي القراءةِ الأُخْرَى (¬1): {إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} ¬
وهو حَظُّ الإثباتِ منها، {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النمل: آية 36] وهو حظُّ النفيِ منها {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} [الزخرف: آية 45] وهكذا. وهذا من تاريخِ الأنبياءِ والقصصِ القرآنيةِ يدلُّ على عظمةِ هذه الكلمةِ، وأنها هي رسالةُ اللهِ في أرضِه لِخَلْقِهِ، حتى إنه (جل وعلا) حَصَرَ جميعَ الوحيِ فيها في سورةِ الأنبياءِ في قولِه: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: آية 108] وغيرِ ذلك من الآياتِ و (إنما) أداةُ حصرٍ لشدةِ أهميةِ هذه الكلمةِ. وهي مركبةٌ مِنْ نَفْيٍ وإثباتٍ، إثباتُها قولُه: {اعْبُدُوا اللَّهَ} وهي الأمرُ بعبادتِه وحدَه. أصلُ العبادةِ الذلُّ والخضوعُ، ومنه قِيلَ للعبدِ (عبد) لِذُلِّهِ وخضوعِه بين يَدَيْ سَيِّدِهِ، فكلُّ خاضعٍ ذليلٍ يقال له: عبدٌ وعابدٌ. فالعبادةُ: الذُّلُّ والخضوعُ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ مشهورٌ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في معلقتِه (¬1): تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ ... وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ يعني: فوقَ طريقٍ مُذَلَّلٍ. ومعناها في الاصطلاحِ (¬2): هي الذلُّ والخضوعُ لخالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) بكلِّ ما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به على وجهِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ. فلا تكفِي المحبةُ عن الذلِّ والخضوعِ، ولا الخضوعُ عن الذلِّ والمحبةِ؛ لأن الذليلَ الخاضعَ إذا كان غيرَ مُحِبٍّ لمعبودِه قد يكونُ مُبْغِضًا له، وَمَنْ أَبْغَضَ معبودَه فهو كافرٌ ضَالٌّ. والمحبةُ وحدَها لا تكفي؛ لأن الذي ¬
لاَ يخافُ قد يحملُه التذللُ على أن يسيءَ الأدبَ مع المحبوبِ الذي يُحِبُّهُ، فإذا اجتمعَ الحبُّ والذلُّ والخضوعُ كان الأمرُ كما ينبغي. وهذا معنَى قولِه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 85] (ما) هنا نافيةٌ، والإلهُ (فِعَال) من الإلهةِ وهي العبادةُ. أي: ما لكم من معبودٍ يُعْبَدُ حَقًّا غيرُه (جل وعلا)؛ لأنه هو المعبودُ وحدَه. والإلهُ: قال بعضُ علماءِ العربيةِ: هو (فِعَال) بمعنَى: (مفعولٍ) أي مَأْلُوهٌ، أي: معبودٌ يعبدُه خَلْقُهُ على وجهِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ. وإتيانُ (الفِعَال) بمعنَى (المفعولِ) مسموعٌ في أوزانٍ معروفةٍ في اللغةِ العربيةِ، كالإلهِ بمعنَى المعبودِ، والكتابِ بمعنَى المكتوبِ، واللباسِ بمعنَى الملبوسِ، والإمامِ بمعنَى المؤتمِ به، في أوزانٍ غيرِ كثيرةٍ (¬1). والإلهةُ: العبادةُ، وفي قراءةِ ابنِ عباسٍ - وهي من قراءاتِ الصحابةِ الشاذةِ (¬2) -: (ويذرك وإلاهتك) أي: وعبادتَك. وقد قال رؤبةُ بنُ العجاحِ في رجزِه وهو عربيٌّ قُحٌّ فَصِيحٌ (¬3): لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهْ ... سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي وقولُه: {يَا قَوْمِ} [الأعراف: آية 85] نَادَى شعيبٌ قومَه باسمِ (القوم) وحذفَ ياءَ المتكلمِ، وَحَذْفُ يَاءِ المتكلمِ من المنادَى الصحيحِ الآخِرِ أحدُ اللغاتِ المشهورةِ المعروفةِ فيه. قال بعضُ علماءِ ¬
العربيةِ: القومُ في وضعِ اللسانِ العربيِّ الذي نَزَلَ به القرآنُ: يختصُّ بالذكورِ دونَ الإناثِ، وربما دَخَلَ فيه الإناثُ بحكمِ التبعِ (¬1). قالوا: والدليلُ على اختصاصِ القومِ بأصلِ الوضعِ بالذكورِ دونَ الإناثِ قولُه تعالى: {لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} ثم قال: {وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ} [الحجرات: آية 11] قالوا: لو دَخَلَتِ النساءُ بالوضعِ في القومِ لَكَفَى ذلك عن قولِه: {وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ} ونظيرُ آيةِ الحجراتِ هذه قولُ زهيرِ بنِ أبي سُلمى (¬2): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ والدليلُ على دخولِ النساءِ باسمِ القومِ بحكمِ التبعِ: قولُه تعالى في سورةِ النملِ في ملكةِ سبأٍ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: آية 43]. وقولُه: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ} (إله) هنا: نكرةٌ في سياقِ النفيِ زِيدَتْ قبلَها (من) وقد تَقَرَّرَ في الأصولِ - وَذَكَرَهُ الشيخُ عمرو سيبويه (رحمه الله) -: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إذا زِيدَتْ قبلَها لفظةُ (مِنْ) لتوكيدِ النفيِ انتقلت بذلك من الظهورِ في العمومِ إلى كونِها نَصًّا صريحًا في العمومِ (¬3). فهذا نَصٌّ صريحٌ في عمومِ النفيِ لجميعِ الآلهةِ غيرِه (جل وعلا) وحدَه. وينقاسُ زيادةُ (من) قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ في توكيدِ العمومِ ينقاسُ بقياسٍ مطردٍ في اللغةِ في ثلاثةِ مواضعَ (¬4): ¬
أحدُها: زيادةُ (مِنْ) قَبْلَ النكرةِ التي هي مبتدأٌ، كما في قولِه هنا: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} الأصلُ: (ما لكم إله غيره) مبتدأٌ سَوَّغَ الابتداءَ به النفيُ، وَجَرَّتْهُ (مِنْ) هنا. فدخولُ (من) على النكرةِ التي هي مبتدأٌ لتوكيدِ العمومِ مطردٌ في اللغةِ العربيةِ. الثاني: دخولُ (من) على النكرةِ إن كانت فَاعِلاً، نحو: {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [القصص: آية 46] {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} [المائدة: آية 19]. الثالثُ: زيادتُها قبلَ المفعولِ، نحو: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} [إبراهيم: آية 4] أَيْ: مَا أَرْسَلْنَا رسولاً. وقولُه: {غَيْرُهُ} إنما رُفِعَ (غيرُه) مع أن المنعوتَ مجرورٌ بـ (من) لأَنَّهُ في محلِّ رَفْعٍ، أصلُه مرفوعٌ مبتدأٌ، فَرُوعِيَ في نعتِه محلُّه؛ ولذا قيل: {غَيْرُهُ} مراعاةً للمحلِّ كما هو معروفٌ. أي: ما لكم إله سواه. ثم قال نبيُّ اللهِ شعيبٌ: {قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 85] (قد) هنا حرفُ تحقيقٍ لمجيءِ البينةِ، ولا شكَّ أن المرادَ بالبينةِ في هذه الآيةِ: المعجزةُ التي تُثْبِتُ صدقَ شعيبٍ وَتُوجِبُ الإيمانَ بما جاء به. وَالْبَيِّنَةُ: هي الحجةُ الواضحةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا، وهي هنا: المعجزةُ بلا نزاعٍ إلا مَنْ شَذَّ، فمعنَى: {قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ} أي: جاءتكم معجزةٌ من اللهِ عرفتموها وَعَايَنْتُمُوهَا على أَنِّي رسولُ اللَّهِ. وهذه البينةُ التي جاءهم
بها شعيبٌ وَذَكَرَهَا اللَّهُ هنا على سبيلِ الإجمالِ لم تَأْتِ مفصلةً قي القرآنِ وإنما جاءت مُجْمَلَةً، كما أن أكثرَ معجزاتِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم لم تَأْتِ مفصلةً في القرآنِ بل غالبًا يُنَوِّهُ منها عن القرآنِ حيث إنه معجزةٌ عُظْمَى. وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ أن الله ما أَرْسَلَ رسولاً قَطُّ إلا وأعطاه معجزةً تقومُ الحجةُ بها على الخلقِ؛ لأنه إذا لم يُعْطِهِ برهانًا قاطعًا من المعجزاتِ، تقومُ الحجةُ به على الخلقِ قيامًا لا لبسَ فيه؛ تَزْعُمُ الأُمَّةُ أنه مُدَّعٍ لا دليلَ على دعواه؛ ولذا وَجَبَ أن كُلَّ نبيٍّ جاء بمعجزةٍ، وقد صرح النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديثِ الصحيحِ الذي يقولُ فيه: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلاَّ أُوتِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (¬1) وقد بَيَّنَ تعالى أن رُسُلَهُ مصحوبونَ بالمعجزاتِ في قولِه: {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [التغابن: آية 6] ونحو ذلك من الآياتِ. وأعظمُ البيناتِ، وأكبرُ البيناتِ، وأوضحُ المعجزاتِ: هو هذا القرآنُ العظيمُ الذي نُفَسِّرُهُ ونتكلمُ فيه؛ لأنه معجزةٌ عُظْمَى، وبينةٌ كُبْرَى تترددُ في آذانِ بَنِي آدمَ إلى يومِ القيامةِ. أما غيرُه من المعجزاتِ: فقد ينقضِي مع انقضاءِ وقتِه، كناقةِ صالحٍ، فإنا لا نجدُها الآنَ، وكما تَقَدَّمَ من معجزاتِ الأنبياءِ لم يَبْقَ بعدَهم منه شيءٌ تراه الناسُ بعدَهم، بخلافِ هذا القرآنِ فمعجزتُه الكبرى [باقيةٌ إلى آخِرِ الزمانِ] (¬2) وذلك في قولِه مُنْكِرًا عليهم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً} [العنكبوت: آية 51] الآيةَ. وهذا معنَى قولِه: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} ¬
أي: جاءتكم علي يَدِي معجزةٌ واضحةٌ مبدأُ مجيئِها كائنٌ من ربكم (جل وعلا). وَرَبُّهُمْ: هو اللهُ، وأصلُ الربِّ في لغةِ العربِ التي نَزَلَ بها القرآنُ: مشتركٌ بين عشرةِ معانٍ، منها (¬1): أن العربَ تُطْلِقُ الربَّ على الذي يسوسُ الأمورَ وَيُدَبِّرُهَا، وعلى السيدِ الذي إليه المرجعُ. فاللهُ (جل وعلا) هو السيدُ الذي إليه المرجعُ، وهو الذي يُدَبِّرُ الأمورَ والشؤونَ، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، فالعربُ تقولُ للرجلِ الذي يدبرُ شأنَ البلدةِ: هذا رَبُّهَا، أي: مدبرُ شؤونِها، وهو معروفٌ في كلامِهم، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عبدةَ التميميِّ (¬2): وَكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رِبَابَتِي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي - فَضِعْتُ - رُبُوبُ أي: قبلَك سَاسَتْنِي سادةٌ فضيعوني. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وأنتم تعرفونَ في التاريخِ والسيرةِ في غزوةِ حُنَيْنٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا فتحَ مكةَ وتركَ صفوانَ بنَ أميةَ بنَ خلفٍ ينتظرُ في شأنِه، واقترضَ منه السلاحَ المعروفَ، وذهبَ معه صفوانُ إلى حنينٍ، وكانت هوازنُ في غزوةِ حنينٍ جَمَعَهَا مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ - في مضيقٍ من مضايقِ وادِي حُنَيْنٍ - ودخل النبيُّ وأصحابُه بعد صلاةِ الصبحِ في بقيةِ ظلامِ الغلسِ، وَشَدَّ عليهم هوازنُ شدةَ رجلٍ واحدٍ حتى كأن الرماحَ والنبالَ مطرٌ تزعزعه الريحُ، ووقع ما وقع مما ذَكَرَهُ اللهُ في قولِه: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: آية 25] وفي ذلك الوقتِ قال رجلٌ كان مع صفوانَ بنِ أميةَ: بَطَلَ سِحْرُ محمدٍ. زاعمًا أن الذي عنده سِحْرٌ، وأن هوازنَ غَلَبُوهُ ¬
وهزموا أصحابَه، وأن السِّحْرَ بَطَلَ، فقال له صفوانُ بنُ أميةَ - وكان عدوًّا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قَتَلَ أباه أميةَ بنَ خلفٍ يومَ بدرٍ، وقتلَ معه أَخَا صفوانَ وهو: عَلِيُّ بْنُ أميةَ، وقتلَ عمَّه أُبَيَّ بنَ خلفٍ بيدِه الكريمةِ يومَ أُحُدٍ، فلما قال صاحبُه: بَطَلَ سِحْرُ محمدٍ. قال له صفوانُ وقد أَخَذَتْهُ العصبيةُ والحميةُ النسبيةُ -: اسْكُتْ فُضَّ فُوكَ، وَاللَّهِ لأن يَرُبُّنِي رجلٌ من قريشٍ أحبُّ إِلَيَّ من أن يَرُبَّنِي رجلٌ من هوازنَ (¬1). وهو محلُّ الشاهدِ؛ لأنه أطلقَ (يربني) على معنَى يَسُوسُنِي وَيَسُودُنِي ويدبرُ شؤونِي هذا معناه. {قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 85] رَبُّنَا وسيدُنا وخالقُنا ومدبرُ شؤونِنا هو اللَّهُ (جل وعلا)، وأصلُ (البينةِ) صفةٌ مشبهةٌ من بَانَ يَبِينُ فهو بَيِّنٌ، والأنثى يقال لها: (بَيِّنَةٌ) والتأنيثُ ليس بحقيقيٍّ. ومعنى البينةِ: الحجةُ الواضحةُ التي هي المعجزةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا. وهذه المادةُ التي منها (البينةُ) (الباء، والياء، والنون) جاء استعمالُها في القرآنِ وفي لغةِ العربِ على أربعةِ أَضْرُبٍ (¬2): جاءت في ¬
كُلِّهَا لاَزِمَةً، وفي ثلاثةٍ منها ربما جاءت متعديةً. والرابعُ: لازمٌ على كُلِّ حالٍ، فإن هذه المادةَ جاء فِعْلُهَا الماضِي مُجَرَّدًا وهو قولُهم: (بَانَ يَبِينُ فهو بَيِّنٌ) وهو الذي منه الصفةُ المشبهةُ التي هي (البينةُ) فهي صفةٌ مشبهةٌ من (بان يَبين). وقد تقررَ في علمِ الصرفِ: أن الثلاثيَّ الأجوفَ تكثرُ الصفةُ المشبهةُ منه على وزنِ (فَيْعِل) سواء كان وَاوِيَّ العينِ أو يَائِيَّهَا، كـ (هان) فهو هَيِّنٌ، و (بان) فهو بَيِّنٌ، و (مات) فهو ميِّت، و (ساد) فهو سيِّد، وما جَرَى مَجْرَى ذلك. هذا أحدُها، وهو مجردُها أعني: (بان يَبْيَنُ فهو بَيِّن) ولم يُسمع هذا في اللغةِ العربيةِ إلا لازمًا. أما الأوزانُ الثلاثةُ المزيدةُ من هذه المادةِ فهي قولهم (¬1): (أَبَانَ) وقولُهم: (بَيَّنَ) وقولُهم: (اسْتَبَانَ) يأتِي مزيدُه على: (أَفْعَل) وعلى: (فَعَّل) وعلى: (اسْتَفعَل). وهذه الأوزانُ الثلاثةُ من (بَانَ يَبِينُ) مزيدةٌ تكونُ متعديةً ولازمةً، وقد جاءت كُلُّهَا في القرآنِ، وجاء كلامُ العلماءِ في تَعَدِّيهَا ولزومِها في القرآنِ. أما (أبان) مزيدةً بالهمزةِ على وزنِ (أفعل) فالعربُ تُعَدِّيهِ وتقولُ: «أَبَانَ الأَمْرَ يُبِينُهُ إبانةً» فهي (أَفْعَل) متعديةً للمفعولِ، واسمُ الفاعلِ منه (مُبِينٌ) واسمُ المفعولِ (مُبَانٌ) وقد تأتِي (أبان) لازمةً، ويكثرُ لزومُها في القرآن، تقول العربُ: «أبان الشيءُ يُبِينُ» بمعنَى: بان في نفسِه وَظَهَرَ لازمًا، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه: «كِتَابٌ مُبِينٌ» أي: بَيِّنٌ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ. ¬
ومن إتيانِ (أبان) لازمةً غيرَ متعديةٍ للمفعولِ قولُ جريرٍ وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ (¬1): إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ العِرَابِ أي: ظَهَرَتْ وَاتَّضَحَتْ. من غيرِ تعديةٍ للمفعولِ، ونظيرُه قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ المخزوميِّ، وهو عربيٌّ قُحٌّ أيضا (¬2): لَوْ دَبَّ ذَرٌ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا ... لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ أَيْ: لظهرَ واتضحَ من آثارِهن حدورٌ، أي: وَرَمٌ. هذا مَعْرُوفٌ. الوزنُ الثانِي: (بَيَّنَ) وقد يأتِي لازمًا ومتعديًا، تقول العرب: «بَيَّنْتُ له الأمرَ أُبِينُهُ تبيينًا». متعديًا، وتقولُ العربُ: «بَيَّنَ الأمرُ» بمعنَى: بَانَ وَاتَّضَحَ، ومنه المثلُ المعروفُ (بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ) (¬3) أي: بَانَ وَاتَّضَحَ، ومن شواهدِها المعروفةِ: قولُ قيسِ بنِ ذُرَيْحٍ (¬4): وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ تَبَيَّنُ بِالْفَتَى ... شُحُوبٌ وَتَعْرَى مِنْ يَدَيْهِ الأَصَابِعُ فهذا البيتُ روايتُه المشهورةُ: (شحوبٌ) بضمِّ الباءِ، والمعنَى: وللحب علاماتٌ تَبَيَّنُ أي: تظهرُ وتَبِينُ بالفتى، وهي شحوبٌ إلى آخِرِه. وأنشدَ بيتَ ابنِ ذُريح هذا ثعلبٌ: وِلِلْحُبِّ آيَاتٌ تُبَيِّنُ بِالْفَتَى ... شُحُوبًا. . . . . . . . . . . . . . . ¬
بالنصبِ، وعليه فَلاَ شَاهِدَ في البيتِ. ومن هذا المعنَى قولُ جريرٍ التميميِّ يمدحُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ (¬1): رَأَى النَّاسُ الْبَصِيرَةَ فَاسَتَقَلُّوا ... وَبَيَّنَتِ الْمِرَاضُ مِنَ الصِّحَاحِ أي: ظَهَرَتْ وَاتَّضَحَتْ. الوجهُ الثاني: (اسْتَبَانَ) وقد جاء في القرآنِ، والقراءتانِ في الآيةِ على إحداهما تكونُ (استبان) لازمةً، وعلى الأخرى متعديةً، وهي قولُه: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: آية 55] {ولتستبين سبيل المجرمين} فعلى رفعِ {سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} فـ (استبان) لازمةٌ. أي: تستبين سبيلُ المجرمين: تتضحُ وتظهرُ. وعلى قراءةِ النصبِ: {ولتستبين سبيلَ المجرمين} فـ (تستبين) متعديةٌ و (سبيلَ) مفعولٌ به، لتستبينَ أنتَ يا نبيَّ اللَّهِ سبيلَ المجرمين (¬2). هذا أصلُ هذه المادةِ، وما جاء منها في القرآنِ، وما جاء من لغاتِها. والعادةُ في التفسيرِ أن الكلمةَ التي يَكْثُرُ تَكَرُّرُهَا في القرآنِ يُشْبَعُ الكلامُ عليها في موضعٍ واحدٍ لا يُعَادُ؛ ولذلك تَكَلَّمْنَا عليها هنا. ومعنَى قولِه: {قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 85] أي معجزةٌ واضحةٌ لم تَتْرُكْ لكم عُذْرًا في التكذيبِ. وقولُه: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} كان قومُ شعيبٍ الذين أُرْسِلَ إليهم مِنْ أَخَسِّ الخلقِ معاملةً، كانوا يُطَفِّفُونَ المكيالَ ¬
والميزانَ، ويبخسونَ الناسَ أشياءَهم، ويأخذونَ المكوسَ، ويقطعونَ الطريقَ، وَيَصُدُّونَ مَنْ أَرَادَ الإسلامَ عن الإسلامِ، فبعثَ اللَّهُ إليهم هذا النبيَّ الكريمَ؛ لينهاهم عن هذه المنكراتِ؛ ولذا قال لهم: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} لاَ شَكَّ أن إيفاءَ الكيلِ يستلزمُ إيفاءَ المكيالِ، وإيفاء المكيالِ يستلزمُ إيفاءَ الكيلِ حيث إنه آلَتُهُ، فإذا استوفَى الفعل استوفى كيل الآلةِ، وإذا استوفى مَلْء الآلةِ فقد استوفَى الفعل، فَهُمَا متلازمانِ، كُلٌّ منهما يكفِي عن الآخَرِ؛ ولذا فهو (جل وعلا) تارةً يُعَبِّرُ بالكيلِ كقولِه هنا: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ} وقولُه في الشعراءِ: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181)} [الشعراء: آية 181] وتارةً يُعَبِّرُ بآلةِ الكيلِ التي هي المكيالُ، كقولِه في سورةِ هودٍ: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} [هود: آية 84] [13/ب] / فتعبيرُه تارةً بالمكيالِ وتارةً بالكيلِ يدلُّ على أن الْعِبَارَتَيْنِ متلازمتانِ، وَكُلٌّ منهما تُؤَدِّي معنَى الأخرى، وهو كذلك؛ لأن مَنْ أَوْفَى فِعْلَ الكيلِ لابد أن يملأَ الآلةَ كما ينبغي، وَمَنِ اسْتَوْفَى الآلةَ أي: مَلأَهَا تمامًا فقد استوفَى فِعْلَ الكيلِ، فهما متلازمانِ. {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} [الأعراف: آية 85] عَبَّرَ في أحدِهما بالمصدرِ وفي الثانِي بالميزانِ الذي هو آلةُ الوزنِ، وقال قومٌ: الميزانُ هنا كالكيلِ، اسمُ مصدرٍ كالميعادِ بمعنَى الوعدِ، والميلادُ بمعنَى الولادةِ. والياءُ في الميزانِ منقلبةٌ عن واوٍ، أصلُه: (مِوْزَان) بالواوِ، سَكَنَتِ الواوُ بعد كسرٍ فوجب إبدالُها ياءً على القاعدةِ التصريفيةِ المشهورةِ (¬1). ¬
وَاللَّهُ (جل وعلا) مِنْ حِكَمِهِ البالغةِ، وتشريعاتِه الرائعةِ وَضْعُهُ المقاييسَ كالمكاييلِ والموازين؛ لأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنسانَ مُحْتَاجًا للنساءِ، وَمُفْتَقِرًا للغذاءِ، وخلق له ما في الأرضِ جميعًا، ولم يتركه سُدًى، فهو محتاجٌ للطعامِ الذي عِنْدَ أَخِيهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ المقاديرَ والمقاييسَ؛ ليأخذَ قَدْرًا مُعَيَّنًا معلومًا بدقةٍ ويدفعُ ثمنَه فينتفعُ به، وهو وصاحبُه كُلٌّ منهما طيبُ النفسِ. ولو لم تُجْعَلْ مقاييسُ وموازينُ وأشياءٌ دقيقةٌ يعلم بها كُلُّ ما أخذ وما دفع لكانوا يتهارشون على الحاجاتِ الضروريةِ تهارشَ الكلابِ، وَفَسَدَ نظامُ الدنيا، وهذا من تشريعِ خالقِ السماواتِ والأرضِ. وهذا معنَى قولِه: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} [الأعراف: آية 85] والله (جل وعلا) في كتابِه شَدَّدَ في إيفاءِ الكيلِ والوزنِ تشديدًا بالغًا، وهددَ مَنْ يخونُ تهديدًا بالغًا، كما سيأتيكم في قولِه: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: الآيات 1 - 6] وذلك لأَنَّ الطعامَ المكيلَ عليه أساسُ الدنيا؛ لأن البشرَ لا حياةَ لهم دينيةٌ ولا دنيويةٌ إلا بشيءٍ يأكلونَه، واللَّهُ يقولُ في الأنبياءِ الْكِرَامِ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء: آية 8] فَلَمَّا كانت المكيلاتُ والموزوناتُ غالبًا أساسَ الحياةِ جاءَ الوحيُ المنزلُ والتشريعُ السماويُّ في شريعتِنا وغيرِها على شِدَّةِ المحافظةِ عليها. وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: آية 85] كانوا يَبْخَسُونَ الناسَ جميعَ أشيائِهم. والبخسُ في لغةِ العربِ التي نزل بها القرآنُ: النقصُ، العربُ تقولُ: بَخَسَهُ
حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ منه؛ ولذلك سَمَّوُا المكسَ (بخسًا) لأنه أَخْذٌ من أموالِ الناسِ ونقصٌ لها، ومنه قولُ الشاعرِ (¬1): أَفِي كُلِّ أَسْوَاقِ الْعِرَاقِ إِتَاوَةٌ ... وَفِي كُلِّ مَا بَاعَ امْرِؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ يعنِي: في كُلِّ ما باع امرؤٌ مكس درهم. وكانوا ينقصونَ أشياءَ الناسِ: تارةً يخدعونهم عنها، وتارةً يعيبونَها وَيُزَهِّدُونَهُمْ فيها، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ البخسِ. وهذا معنَى قولِه: {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: آية 85] والأشياءُ: جمعُ شيءٍ، وهو - على التحقيقِ - ممنوعٌ من الصرفِ، وقد قَدَّمْنَا اختلافَ أهلِ العلمِ في الموجبِ الذي مَنَعَ لفظةَ (أشياء) من الصرفِ. وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على أن المسلمَ الإنسانَ لاَ يجوزُ له أن يبخسَ أخاه شيئَه ولاَ ينقصَه، فَيَحْرُمُ عليكَ أيها المسلمُ أن تعيبَ سلعةَ أَخِيكَ، وأن تزهدَه فيها، وأن تخدعَه عنها، كُلُّ ذلك من أفعالِ الكفرةِ - الحرامِ - وهذا يدلُّ على أن أموالَ الناسِ محترمةٌ، وأنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يبخسَ أحدًا شيئًا، ولا أن ينقصَه شيئًا، فأموالُ الناسِ لا يجوزُ أَخْذُهَا. وقد بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في سورةِ النساءِ ما يدلُّ على أن اللَّهَ عَالِمٌ بأنه سيأتِي قومٌ يتخذونَ سبيلاً ووسيلةً من قولِهم: «هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ» إلى أن يظلموا هذا الغنيَّ بادعاءِ أنهم يَرُدُّونَ من مالِه على الفقيرِ للمساواةِ والعدالةِ!! وَاللَّهُ حَذَّرَ من هذا غايةَ التحذيرِ، وَنَهَى ¬
عنه غايةَ النهيِ، وهذا المحكمُ المنزلُ لاَ تأتِي معضلةٌ في الزمانِ ولا يقعُ شَرٌّ إلا هو موجودٌ فيه وموجودٌ فيه دَوَاؤُهُ وَشِفَاؤُهُ، قال اللَّهُ تعالى في سورةِ النساءِ: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: آية 135] فلا تقولوا: هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ، والعدالةُ الإنسانيةُ تستوجبُ أن نَبْتَزَّ غِنَى هذا لندفعَه لهذا لنساويهم!! لاَ. لاَ {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى} فَبَيَّنَ أن أخذَ أموالِ الناسِ وابتزازَ ثرواتِهم بطريقِ: (هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ) اتِّبَاعٌ للهوى {فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} ثم قال: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}. قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ (85) وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [الأعراف: الآيات 85 - 89]. يقول الله جل وعلا: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: آية 86].
هذا من كلامِ نَبِيِّ اللَّهِ شعيبٍ يُذَكِّرُ قومَه بنعمةِ اللَّهِ عليهم كي يشكروا نعمةَ الله فيتوبوا إلى اللهِ ويصدقوا رسولَه ويؤمنوا به. وقولُه: {إِذْ} قال بعضُ العلماءِ: هو مفعولٌ به لا مفعول فيه. أي: اذْكُرُوا الوقتَ الذي كُنْتُمْ فيه قليلين فكثركم اللهُ وَأَنْعَمَ عليكم بالكثرةِ. قال بعضُ العلماءِ: هو مفعولٌ فيه ووقت للذِّكْرِ (¬1). وقولُه جل وعلا: {وَاذْكُرُوا} اذْكُرُوا يا قوم {إِذْ كُنتُمْ} حينَ كنتُم {قَلِيلاً} قليلاً عَدَدُكُمْ {فَكَثَّرَكُمْ} اللَّهُ فجعل عددَكم كثيرًا. والكثرةُ تستلزمُ القوةَ؛ لأن الجمعَ الكثيرَ أقوى عادةً من الجمعِ القليلِ. يقولُ المفسرونَ: إن مَدْيَنَ بنَ إبراهيمَ تَزَوَّجَ إحدى ابْنَتَيْ لوطٍ فولدت له فَرَمَى اللَّهُ في نسلِها البركةَ والنماءَ (¬2)؛ فلذا قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: آية 86] كَثَّرَهُ: أي: جَعَلَهُ كثيرًا بعدَ أن كان قليلاً. والمعروفُ أن الكثرةَ بعدَ القلةِ أنها من نِعَمِ اللَّهِ التي تَسْتَوْجِبُ الشكرَ (¬3)، ومن هنا يعلمُ أن الذين يأتونَ بتشاريعِ الشيطانِ دائمًا يعكسونَ نورَ الوحيِ النازلِ على الأنبياءِ!! فَنَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ يذَكِّرُ قومَه بنعمةِ الكثرةِ بعدَ القلةِ، وأولياءُ الشيطانِ وأنصارُ نظامِ إبليسَ يقولونَ: يجبُ على الأُمَّةِ تحديدُ النسلِ ( ... ) (¬4) ¬
إشفاقًا، كما بَيَّنَّاهُ في قوله: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: آية 85]. وَاعْلَمُوا أن ما قَالَهُ بعضُ المفسرين من أن الكثرةَ لا تستلزمُ العزةَ!! وأن الأقلِّين ربما كانوا أَعَزَّ من الأكثرين!! ويستدلونَ على هذا بشعرٍ للسموألِ بنِ عاديا ( ... ) (¬1) في قولِه (¬2): تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا ... فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيلُ وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ وَجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ وهذا لا حجةَ فيه؛ لأَنَّ هذا الشاهدَ [من قولِ] (¬3) بعضِ الشعراءِ [الذين لا عبرةَ بقولهم] (¬4) والله يقولُ فيهم: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [الشعراء: الآيات 225 - 227] ولا شَكَّ أن الكثرةَ هي مظنةُ العزةِ والقوةِ، ونعمةٌ تستحقُّ الشكرَ، وهو الصحيحُ؛ ولذا قال الأعشى ميمونُ بنُ قيسٍ في مناظرةِ علقمةَ بنِ علاثةَ وعامرِ بنِ الطفيلِ (¬5): عَلْقَمَ، لاَ لَسْتَ إِلَى عَامِرٍ ... النَّاقِضِ الأَوْتَارَ وَالوَاتِرِ ¬
إلى أن قال: ولَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ... وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ فصرَّح بأن الكثرةَ تستلزمُ العزةَ، فهذا أفضلُ من قولِ السموألِ كما هو معروفٌ، وهذا معنَى قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}. {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: آية 86] العاقبةُ: من أسماءِ المصادرِ التي جاءت على وزنِ اسمِ فاعلٍ، فقد تقررَ في علمِ العربيةِ: أن المصدرَ ربما جاء بوزنِ ( ... ) (¬1) كأن يأتِي بوزنِ اسمِ الفاعلِ أو اسمِ المفعولِ، فَمِنَ المصادرِ الآتيةِ على وزنِ (فاعل): (عاقبة) بمعنَى: العُقْبَى. اسمُ مصدرٍ و (الفاعلة) أصلُها وزنُ (اسم فاعل). ومنه (العافيةُ) بمعنَى: المعافاةِ في أوزانٍ قليلةٍ معروفةٍ. ومن إتيانِ المصدرِ بمعنَى اسمِ المفعولِ قولُهم: مأسورٌ ومقتولٌ ومعقولٌ ( ... ) (¬2) كما هو معروفٌ في محلِّه. والعاقبةُ هي ما يؤولُ إليه الأمرُ في حالِه آخِرًا، سُمِّيَتْ (عاقبةً) لأنها تُبَيِّنُ الحقائقَ عقبَ الأمرِ الأولِ ( ... ) (¬3) وما يؤولُ الشيءُ إليه ( ... ) (¬4) كما تقدمَ (¬5). ومعنَى هذا أن نَبِيَّ اللَّهِ شعيبًا ذكَّر قومَه نِعَمَ اللهِ، أن يُنِيبُوا إلى اللهِ ويشكروا له، وَحَذَّرَهُمْ من الإفسادِ في الأرضِ، وَبَيَّنَ لهم عاقبةَ السوءِ كما كانت عاقبةُ قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ ¬
صالحٍ، وقومِ لوطٍ، وكان لوطٌ غيرَ بعيدٍ من أهلِ مدينَ كما تَقَدَّمَ في أحدِ التفسيرين في قولِه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: آية 89] وهذا معنَى قولِه: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}. {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)} [الأعراف: آية 87]. قد آمَنَتْ لشعيبٍ طائفةٌ من قومِه كما يأتي في قولِه عن الكفارِ منهم: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} الآيةَ [الأعراف: آية 88] فهذه الطائفةُ أَقَلُّ الطائفتين، فكانت طائفةٌ آمَنَتْ بشعيبٍ وطائفةٌ كَفَرَتْ به، فكانت تهددُ شعيبًا وقومَه بالإخلاءِ من الوطنِ والنفيِ من البلدِ أو يرجعوا إلى كفرِ الكفارِ فيكونوا معهم في كُفْرِهِمْ كما سيأتِي قريبًا. فقال لهم نبيُّ اللهِ شعيبٌ: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ} لم تدخل تاءُ التأنيثِ هنا في قولِه: (كان) لأن تأنيثَ الطائفةِ تأنيثٌ غيرُ حقيقيٍّ؛ والفعلُ إذا أُسْنِدَ إلى مؤنثٍ تأنيثًا غيرَ حقيقيٍّ جازَ تجريدُه من التاءِ وإلحاقُ التاءِ له، كما هو معروفٌ (¬1). {طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا} رُدَّ الضميرُ في قولِه: {آمَنُوا} ضميرَ جمعٍ على (الطائفة) نظرًا إلى المعنَى؛ لأن الطائفةَ اسمُ جمعٍ تدلُّ على أفرادٍ كثيرةٍ. وهذا معنَى قولِه: {طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ} أي: آمنوا بما ¬
أَرْسَلَنِي اللَّهُ به من إثباتِ التوحيدِ لله، وإيفاءِ المكيالِ والميزانِ، وعدمِ بخسِ الناسِ أشياءَهم، وعدمِ الإفسادِ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها، ونحوِ ذلك. {وَطَائِفَةٌ} أخرى {لَّمْ يُؤْمِنُوا} بي بل كفروا، وصارت الطائفتانِ طائفتين مختلفتين كُلٌّ منهما تقولُ: إننا على الحقِّ والأخرى على الباطلِ {فَاصْبِرُوا} انتظروا قضاءَ اللهِ وحكمَه حتى يحكمَ بيننا وهو خيرُ مَنْ يَحْكُمُ. وفي هذا أعظمُ تهديدٍ، فالكفارُ يَرَوْنَ حكمَ الله سيأتِي بإهلاكِ الظالمِ الكافرِ وإنجاءِ المسلمِ، وقد حَكَمَ اللَّهُ بينهم هذا الحكمَ المنتظرَ في قولِه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا} ثم قال: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)} [هود: الآيتان 94، 95] هذا حكمُ اللهِ جاء مُبَيَّنًا في سورةِ هودٍ، وستأتِي الإشارةُ إليه هنا في سورةِ الأعرافِ (¬1). وهذا معنَى قولِه: {فَاصْبِرُوا} [الأعراف: آية 87] أي: انْتَظِرُوا وَتَرَبَّصُوا. {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} حتى حَرْفُ غايةٍ، والفعلُ المضارعُ بعدَها منصوبٌ بـ (أن) مضمرةً، وهو في محلِّ جرِّ بمعنَى {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} إلى أن يحكمَ اللَّهُ {بَيْنَنَا} إلى أن يأتيَ حكمُ اللَّهِ بَيْنَنَا. فالمقصودُ أن حكمَ اللهِ عاقبتُه لنا فيهلك الكافرُ وينجي المسلمُ كما لا يَخْفَى. {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: آية 87] جل وعلا. (خَيْرٌ) هنا صيغةُ تفضيلٍ؛ لأن مِنَ الناسِ مَنْ يحكم، في الدنيا حُكَّامٌ ¬
يحكمون، ربما حَكَمُوا بعدلٍ وتشريفٍ وَطُهْرٍ، إلا أن اللَّهَ خيرُ مَنْ يَحْكُمُ - جل وعلا - لأنه لاَ يَخْفَى عليه الحقُّ مِنَ الباطلِ، ولا يفعلُ إلا ما هو في غايةِ الصوابِ والسدادِ والحكمةِ؛ ولذا قال: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}. {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)} [الأعراف: آية 88]. لَمَّا قال اللَّهُ (جل وعلا) عن شعيبٍ هذا الكلامَ العظيمَ الذي خَاطَبَ به قومَه أجابَ أشرافُ قومِه بهذا الجوابِ السخيفِ الخسيسِ: {قَالَ الْمَلأُ} الملأُ: أشرافُ الجماعةِ من الذكورِ (¬1)، قال بعضُ العلماءِ: سُمُّوا ملأً لأنهم يملؤون صدورَ المجالسِ بقاماتِهم الوافيةِ، وقال بعضُ العلماءِ: سُمُّوا ملأً لأنهم هم الذين يتمالؤون على العقدِ والحلِّ حيث إنهم أشرفُ رجالِ البلدِ. قولُه: {الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} أي: تَكَبَّرُوا عن أن يكونوا أَتْبَاعًا لشعيبٍ ويُقرُّوا بقولِه. قالوا: لشعيبٍ رَادِّينَ عليه أخسَّ رَدٍّ وأسخفَه: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ} اللامُ موطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ، والمعنَى: وَاللَّهِ لنخرجنك يا شعيبُ {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} قولُه: {وَالَّذِينَ} معطوفٌ على الضميرِ المنصوبِ. ومعلومٌ في علمِ العربيةِ أن الضمائرَ المنصوبةَ يجوزُ العطفُ عليها بلا قَيْدٍ ولا شَرْطٍ، والذي يذكرونَ فيه بعضَ الشروطِ هو العطفُ على الضمائرِ المرفوعةِ المتصلةِ، والضمائرِ المنخفضةِ، كما هو مُقَرَّرٌ في محله. وكان من ¬
سفاهتِهم ووقاحتِهم أن نَادَوْهُ باسمِه مُجَرَّدًا {يَا شُعَيْبُ} كما يُنَادَى أحدُ الناسِ، وهو نَبِيٌّ كَرِيمٌ!! {لَنُخْرِجَنَّكَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} فـ (أو) هذه هي التي يسميها النظارُ: مانعةَ الخلوِّ. وكما أنهم أَقْسَمُوا أن لا يخلُو المقامُ من إحدى حَالَتَيْنِ: إما أن يُخْرِجُوا شعيبًا، وأما أن يعودَ هو وقومُه في ملتِهم، فلا بد من إحدى الاثنتين؛ فهي مانعةُ خلوٍّ. والمعنَى: أن إقسامَهم أن الحالَ لا يَخْلُو من أحدِ أمرين: إما إخراجُ شعيبٍ وَمَنْ آمَنَ به، أو يدخلَ في ملةِ الكفارِ. لا بد من أحدهما. وهذا معنَى قولِه: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ مشهورٌ؛ لأن ظاهرَ القرآنِ هنا أن شعيبًا قد دَخَلَ في ملتهم سابقًا يومًا؛ لأَنَّ قولَهم مخاطبونَ له: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وقول شعيبٍ مُجِيبًا لهم: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف: آية 89] يدلُّ بظاهرِه على أنه قد كان فيها سابقًا يومًا ما. وأكثرُ العلماءِ يقولونَ: إن الأنبياءَ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم) معادنُ وَحْيٍ، ومحلُّ الخيرِ، واللهُ يقول: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: آية 124] وفي القراءةِ الأخرى (¬1): {حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته} فلا يكفرونَ بالله لأَنَّ فِطْرَتَهُمْ التي وُلدوا عليها لا يُبَدِّلُهَا اللَّهُ بالكفرِ لمكانتهم عنده، فبعضُ العلماءِ يقولُ: لو فَرَضْنَا أنهم وقعَ منهم بعضُ الشركِ وأنابوا إلى اللَّهِ [فإنهم يصيرونَ إلى مثلِ حالهم] (¬2) قَبْلَهُ وصارَ كأنه لم يَكُنْ. ¬
وأكثرُ الأصوليين وعلماءِ التفسيرِ أن شعيبًا لم يكن كافرًا يومًا ما. ويجابُ عن ظاهرِ الآيةِ بِجَوَابَيْنِ (¬1): أحدُهما: أن العربَ تطلقُ لفظةَ (عَادَ) تُطلقه إطلاقين: أحدُهما: عَادَ إلى أمرٍ كان فيه سَابِقًا. والثاني: تقولُ العربُ: «عَادَ كذا كذا» بمعنَى (صار) إلى كذا من جَدِيدٍ (¬2)، ومنه [قولُهم: عادَ الطينُ خزفًا، وعادَ الخمرُ خَلاًّ] (¬3) ولا شَكَّ أن هذا الاستعمالَ موجودٌ في (عَادَ) تقولُ العربُ: عَادَ [رجلاً] (¬4) فلان. أي: صارَ إلى [الرجولةِ] (¬5) ولم يتقدمه [وصفٌ مماثلٌ قَبْلَهَا] (¬6) ومنه بهذا المعنَى قولُ الشاعرِ: [وَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا مَا تَرَكْتُهُ ... أَخَا الْقوْمِ وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَسْحِ شَارِبُهْ ... وَبِالْمَحْضِ حَتَّى عَادَ جَعْدًا عَنَطْنَطًا ... إِذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الْفَحْلِ غَارِبُهْ] (¬7) ¬
قالوا: معناه [صار جَعْدًا] (¬1). الوجهُ الثاني: وبه قال غيرُ واحدٍ: أن نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبًا كان معه جماعةٌ من قومِه آمنوا به، فالذين آمنوا به من قومِه كانوا كُفَّارًا على ملةِ قومِهم، وهم عددٌ كثيرٌ، وهو رجلٌ واحدٌ [فعُبِّر] (¬2) باسمِ العددِ الكثيرِ وَغَلَّبُوهُ على ذلك الواحدِ، والتزمَ معهم شعيبٌ في هذا الخطابِ تَغْلِيبًا لقومِه الأكثرين. وظاهرُ كلامِ ابنِ جريرٍ (رحمه الله) في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ ذَاهِبًا أن شعيبًا كان معهم - سابقًا - على مِلَّتِهِمْ، وكذلك قال صَرِيحًا عن إبراهيمَ في قولِه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76] فنقل ابنُ جريرٍ عن ابنِ عباسٍ أن إبراهيمَ كان يظنُّ ربوبيةَ الكوكبِ في ذلك الزمنِ. ونحنُ نقولُ: إن قولَه في الخليلِ إبراهيمَ غَلَطٌ مَحْضٌ لا شَكَّ فيه، وَإِنْ نَسَبَهُ إلى ابنِ عباسٍ؛ لأن الآياتِ القرآنيةَ صَرَّحَتْ بأن إبراهيمَ لم يكن من المشركين، ونفى عنه الشركَ في الكونِ الماضِي، والكونُ الماضِي يستغرقُ كُلَّ الزمنِ، كقولِه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} [آل عمران: آية 67] قولُه: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} نَفَى الشِّرْكَ عن إبراهيمَ في الكونِ الماضِي، والكونُ الماضِي مستغرقٌ. ومنه قولُه تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)} [النحل: آية 120] ونحو ذلك من الآياتِ، فنفيُ هذا عن إبراهيمَ صريحٌ، ونفيُه ¬
عن شعيبٍ لم يَقُمْ دليلٌ عليه في الصراحةِ كإبراهيمَ. وأقوالُ أهلِ العلمِ قد ذَكَرْنَاهَا لكم الآنَ فيه. وهذا معنَى قولِه: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} الملةُ: الشريعةُ والدِّينُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُها مشتقةٌ من الإملالِ، والإملالُ - بِلاَمَيْنِ - هو الإملاءُ، وهو أن تُلْقِيَ على الكاتبِ الجملةَ ليكتبَها ثم تلقيَ عليه جملةً أخرى، قالوا: [وجه كون] (¬1) الشرائعِ كالإملاءِ: أنها تقعُ كذلك مفرقةً شيئًا بعدَ شيءٍ كما تقعُ جملةُ الكتابةِ إملاءً مفرقةً حتى تَتِمَّ. وعلى كُلِّ حالٍ فَالْمِلَّةُ: الشريعةُ والدينُ، وملتهم كافرةٌ، والعياذُ بالله. قال لهم نَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: آية 88] والتحقيقُ من القولين أن همزةَ الاستفهامِ هنا تتعلقُ بمحذوفٍ، والواوُ عاطفةٌ على ذلك المحذوفِ، هذا أظهرُ القولين اللَّذَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا مرارًا في هذه الدروسِ (¬2)، وإليه يَلْمَحُ ابنُ مالكٍ في خلاصتِه بقولِه في بابِ العطفِ: وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ ... .............................. (¬3) كما هو معروفٌ في محلِّه، ويكونُ المعنَى: أتُكرهونا على العَوْدِ في ملتِكم وإن كُنَّا كارهين فَتُخْرِجُونَنَا من مقامِنا قَهْرًا ولو كنا كَارِهِينَ لذلك؟! هذا معنَى قولِه: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} الاستفهامُ هنا للإنكارِ، أنكرَ عليهم هذا القولَ السخيفَ [مع بيانِ كراهتِه له] (¬4). ¬
ثم قال: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأعراف: آية 89] فهذه الجملةُ معلقةٌ على شَرْطٍ، والمعلقُ على الشرطِ لاَ يُعْرَفُ كذبُه ولا صدقُه إلا بوجودِ الشرطِ أو عدمِه، وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، تقولُ: قد وقعَ كذا إن كان كذا. فإن كان الشرطُ مَنْفِيًّا انتفى المشروطُ، والمعنَى: قد افْتَرَيْنَا على اللَّهِ كذبًا إن عُدْنَا في مِلَّتِكُمْ. المعروفُ عند البصريين أن الشرطَ إذا تَقَدَّمَهُ ما يكونُ جزاءً أنه يكونُ دليلاً على الجزاءِ المقدَّر، والكوفيونَ لا يمنعونَ تقدمَ الجزاءِ على الشرطِ. فعلى قولِ الكوفيين لا مانعَ من أن يكونَ المعنَى: إِنْ عُدْنَا في ملتكم فقد افْتَرَيْنَا على اللَّهِ الكذبَ، وأن قولَه: {قَدِ افْتَرَيْنَا} هو جزاءُ الشرطِ قُدِّمَ عليه في قولِه: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ}. والثاني: على مذهبِ البصريين من النحاةِ: أن جزاءَ الشرطِ لا يتقدمُ عليه ولكنه يدلُّ عليه، وعلى قولِهم فجزاءُ الشرطِ مقدرٌ تقديره: إِنْ عُدْنَا في ملتكم فقد افترينا على اللهِ كَذِبًا، والمعنَى: أن ملةَ الكفارِ كُلَّهَا كَذِبٌ وزورٌ وبهتانٌ، يدَّعونَ لِلَّهِ الأولادَ، ويجعلونَ له الأندادَ، ويُكَذِّبونَه ويُكَذِّبونَ رُسُلَهُ، فكلُّها كَذِبٌ وافتراءٌ، والعائدُ إليها عائدٌ إلى أعظمِ الكذبِ والافتراءِ، وهذا معنَى قولِه: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}. الصحيحُ أن الكذبَ هو: عدمُ مطابقةِ الكلامِ للواقعِ في نفسِ الأَمْرِ (¬1)، والأقوالُ فيه معروفةٌ يذكرها البلاغيونَ في فَنِّ المعانِي. {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} أي: رَجَعْنَا إليها، وهذا بالنسبةِ إلى غيرِ شعيبٍ ظاهرٌ أي: أُلْجِئْنَا إليها بالنظرِ إلى شعيبٍ كما ذَكَرْنَاهُ. ¬
{بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف: آية 89] وقولُه: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} قرينةٌ على أنه عودٌ بعدَ ملابسةٍ سابقةٍ لقولِه: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} لأَنَّ الجماعةَ الذين آمنوا لشعيبٍ كانوا كَافِرِينَ، وهذا معنَى قولِه: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} أَنْقَذَنَا اللَّهُ من الكفرِ وعبادةِ الأوثانِ وغيرِ دلك بِأَنْ بَعَثَ إلينا نَبِيًّا كريمًا معه المعجزاتُ الواضحةُ تدلُّ على صِدْقِهِ، كما تَقَدَّمَ في قولِه: {قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ... } الآيةَ [الأعراف: آية 85]. ثم قال: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا} {وَمَا يَكُونُ لَنَا} [الأعراف: آية 89] معناه: ما يَصِحُّ لنا، وما ينبغي مِنَّا، ولا يمكنُ لنا {أَنْ نَّعُودَ فِيهَا} أن نرجعَ إليها، أو أن نصلَ إليها كما قِيلَ، فَنَبِيُّ الله شعيبٌ لمَّا تَبَرَّأَ من الملةِ الكافريةِ، وقال إنهم إن عَادُوا إليها فقد افْتَرَوْا على اللَّهِ كَذِبًا، فَوَّضَ جميعَ أَمْرِهِ إلى اللَّهِ، وَبَيَّنَ أن الأمورَ كُلَّهَا بيدِ الله، فهو الذي بيدِه الهدايةُ وإليه الضلالُ، فإن نَبِيَّ اللَّهِ شعيبًا وإن كان من خيارِ المرسلين لاَ يهديه ويوفقُه إلا رَبُّهُ - جل وعلا - وهذه عادةُ العارفينَ بالله يعلمونَ أنه لاَ توفيقَ إلا بتوفيقِ اللَّهِ {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: آية 41] {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: آية 37] ونحو ذلك من الآياتِ. {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} يريدُ رَبُّنَا بمشيئتِه الكونيةِ القدريةِ شيئًا فلا مَفَرَّ ولاَ مَوْئِلَ عما شَاءَ وَقَدَّرَ. {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} (علمًا) هنا: تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعلِ، أصلُه فاعل (وسع) فَأُعْطِيَ الفعلُ فاعلاً آخَرَ وَحُوِّلَ التمييزُ عن الفاعلِ. معنَى {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} أي: وَسِعَ علمُه كُلَّ شيءٍ، فَاللَّهُ يعلمُ كُلَّ شيءٍ، ويعلمُ ما هو أَعَمُّ من الشيءِ؛ لأن المعدومَ في مذهبِ أهلِ
السنةِ والجماعةِ ليس بشيءٍ (¬1)، وَاللَّهُ يعلمُ المعدومَ الذي ليس بشيءٍ، فهو (جل وعلا) يعلمُ الموجوداتِ والمعدوماتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ، فإنه بإحاطةِ عِلْمِهِ ليعلمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في سابقِ عِلْمِهِ أنه لا يوجدُ، وهو يعلمُ أن ذلك المعدومَ الذي لا يُوجَدُ أن لَوْ وُجِدَ كيف يكونُ، فهو يعلمُ مثلاً: أن أبا لَهَبٍ لَنْ يُؤْمِنَ، ومع ذلك يعلمُ لو آمَنَ أبو لهبٍ أيكونُ إيمانُه تَامًّا أو ناقصًا، كما لا يَخْفَى، وكونُه (جل وعلا) يعلمُ المعدومَ الذي لا يوجدُ أن لو وُجِدَ كيفَ يكونُ، دَلَّتْ عليه آياتٌ كثيرةٌ من كتابِ اللَّهِ، من الآياتِ الدالةِ على ذلك: أن الكفارَ يومَ القيامةِ إذا رَأَوُا النارَ، وَعَايَنُوا صدقَ ما جاءت به الرسلُ، وندموا وقد فَاتَتِ الْفُرْصَةُ نَدِمُوا حيث لا ينفعُ الندمُ، وَتَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا مرةً أخرى ليُصدقوا الرسلَ، واللَّهُ يعلمُ أنه لا يَرُدُّهُمْ إلى الدنيا مرةً ثانيةً، فقد بَيَّنَ في سورةِ الأنعامِ أن هذا الردَّ الذي عَلِمَ أنه لا يكونُ، بَيَّنَ أنه لو كان لَعَلِمَ كيفَ يكونُ؛ وَلِذَا قال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] فهو يعلمُ أنهم لا يُرَدُّونَ ويعلمُ لو رُدُّوا ماذا يكونُ، كما صَرَّحَ بقولِه: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [لأنعام: آية 28] والمتخلفونَ عن غزوةِ تبوكَ لا يَحْضُرُونَهَا أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها بإرادتِه لحكمةٍ، كما بَيَّنَهُ بقولِه: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)} [التوبة: آية 46] وهذا الخروجُ الذي لاَ يكونُ قد عَلِمَ (جل وعلا) أَنْ لو كان كيفَ يكونُ، كما صَرَّحَ به في قولِه: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} ¬
الآيةَ [التوبة: آية 47] وهذا كثيرٌ في كتابِ اللَّهِ كقولِه جل وعلا: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنْ ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)} [المؤمنون: آية 75] هذا هو العلمُ المحيطُ بكلِّ شيءٍ في الجائزاتِ والمعدوماتِ والمستحيلاتِ، والمعدومُ الذي لا يُوجَدُ أن لو وُجِدَ كيف يكونُ، أما الخلقُ فإنهم لا يعلمونَ من العلومِ إلا ما عَلَّمَهُمْ خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا). وسنوضحُ لكم ذلك بأمثلةٍ قرآنيةٍ: فَمِمَّا لا يَخْفَى عليكم أن أَعْلَمَ المخلوقاتِ وأفضلَهم الملائكةُ والرسلُ عليهم جميعًا صلاةُ اللَّهِ وسلامُه، فالملائكةُ جميعًا - مع عِلْمِهِمْ - لَمَّا قال لهم اللَّهُ: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: آية 31] أَطْبَقُوا كلُّهم على جوابٍ واحدٍ: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: آية 32] فقولُهم: {لاَ عِلْمَ لَنَا} بُنِيَتِ النكرةُ مع (لا) وذلك لا يكونُ إلا في لاَ التي لنفيِ الجنسِ، فالملائكةُ نَفَوْا جِنْسَ العلمِ من أصلِه عنهم، ولم يَسْتَثْنُوا إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه. وكذلك وقائعُ الرسلِ القرآنيةِ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - هذا سيدُ الخلقِ، وأعلمُ الناسِ، وأفضلُ الرسلِ، سيدُنا محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، رُمِيَتْ أَحَبُّ أزواجِه إليه - أُمُّ المؤمنينَ عائشةُ - بأعظمِ فريةٍ وأكبرِ مُنْكَرٍ أنها فَعَلَتْهُ مع صفوانَ بنِ معطلٍ السلميِّ، وهو صَلَّى الله عليه وسلم لاَ يعلمُ ما قالوه عنها أَهُوَ حَقٌّ؟!! أم هو كَذِبٌ؟!! ولذا كان يقولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» وقالت (رضي الله عنها) إنها في ذلك المرضِ أيامَ قولِ الناسِ عليها مسألةَ الإفكِ قالت: فَقَدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أعرفُه منه. وهي لا تَدْرِي ما قيلَ عنها.
وكان يقولُ لها: «يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ قَدْ فَعَلْتِ شَيْئًا فَتُوبِي، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْكِ، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ». ولم يَدْرِ عن الحقيقةِ، حتى عَلَّمَهُ الحكيمُ الخبيرُ خالقُ السماواتِ والأرضِ الذي لا تَخْفَى عليه خافيةٌ وقال له: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ... } الآيات العشر إلى قولِه: {أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: آية 26] وَلِذَا لَمَّا قالت لها أُمُّهَا أُمُّ رومانَ: قُومِي إليه فَاحْمَدِيهِ. قالت: واللَّهِ لا أحمدُه، ولا أَحْمَدُ اليومَ إلا اللَّهَ؛ لأنه هو الذي بَرَّأَنِي (¬1). وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ - وهو هو - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه جاء بتاريخِ القرآنِ أنه ذَبَحَ عجلَه للملائكةِ يظنُّ أنهم يأكلونَ، وَتَعِبَ في إنضاجِه، ولم يَدْرِ أن ضيوفَه ملائكةٌ؛ ولذا خَافَ منهم وأخبرَهم بأنه خافَ منهم في سورةِ الحجرِ في قولِه تعالى عنه: {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: آية 52] ولم يَدْرِ عنهم شيئًا حتى أَخْبَرُوهُ. وَلَمَّا جاءوا لنبيِّ اللَّهِ لوطٍ: {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77] فَظَنَّ أنهم شبابٌ يَفْعَلُ فيهم قومُه فاحشةَ اللواطِ، حتى جاءوه يدافعونَه عن البابِ ليدخلوا عليهم فيفعلوا بهم فاحشةَ اللواطِ، حتى قال ذلك الكلامَ المؤثرَ: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: آية 80] حتى أَعْلَمَهُ جبريلُ أنهم ملائكةُ اللَّهِ: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] فعندَ ذلك عَلِمَ. وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ مع جلالتِه وعظمةِ رُتْبَتِهِ في الأنبياءِ مِنْ أُولِي ¬
العزمِ، قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: آية 45] كان يَظُنُّ أن ذلك الابنَ الكافرَ من الأهلِ الموعودِ بنجاتِهم، ولم يَعْلَمِ الحقيقةَ حتى قال له اللَّهُ: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)} [هود: الآيتان 46، 47]. وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ قال الله فيه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: آية 68] {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: آية 84] ولا يَدْرِي عن ولدِه يوسفَ شيئًا حتى كان يقولُ: {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: آية 87]. وهذا سليمانُ سَخَّرَ له اللَّهُ الرياحَ والجنَّ، الريحُ غُدُوُّهَا شهرٌ وَرَوَاحُهَا شهرٌ، ما كان عندَه علمٌ عن مَأْرِبٍ - قريبًا من صنعاءَ باليمنِ - حتى جاءه الهدهدُ وتَمَدَّحَ عليه بما عَلِمَ من عِلْمِ جغرافيةِ وتاريخِ اليمنِ وسليمانُ يَجْهَلُهُ، وكان سليمانُ تَوَعَّدَ الهدهدَ في قولِه: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21)} [النمل: آية 21] فلما جاء الهدهدُ معه بعضُ العلمِ عن تاريخِ مَأْرِبٍ - جماعةِ بلقيسَ من سبأٍ - بعضُ تاريخٍ وجغرافيةٍ عنهم، صَمَدَ أمامَ سليمانَ ولم يَرُعْهُ الوعيدُ الشديدُ من نَبِيٍّ مَلِكٍ، فنسب الإحاطةَ إلى نفسِه، وَنَفَاهَا عن سليمانَ، وقال له: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} الآية [النمل: آية 22] [14 /أ] / كما هو معروفٌ. وإنما أَشَرْنَا إلى هذا لِنُبَيِّنَ أن الْعَالِمَ الحقيقيَّ هو اللَّهُ: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل: آية 65] فالملائكةُ والرسلُ
لا يعلمونَ إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، والله يُعْلِمُ رسلَه وملائكتَه ما شاء من وَحْيِهِ (¬1)، وقد علَّم نَبِيَّنَا (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) عُلُومًا كثيرةً؛ ولو حَفِظَ الناسُ عنه ما أخبرهم به من الغيوبِ لَمَا مَضَى عليهم شيءٌ من البلايا والزعازعِ إلا وقد كان عندَهم خَبَرٌ منه صلى الله عليه وسلم، فهو أَخْبَرَ بكثيرٍ من الأمورِ، بعضُها حُفِظَ، وأكثرُها لم يَحْفَظْهُ الناسُ، صارت تُشَاهَدُ منه اليومَ غرائبُ عديدةٌ؛ لأنه ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ( ... ) (¬2) القلاص فلا يُسْعَى عليها» هذا الحديثُ العظيمُ من غرائبِ وعجائبِ الإخبارِ بالغيبِ؛ لأنه ما كان أحدٌ في الدنيا يُصَدِّقُ أن الإبلَ تتركُ ولا تُقْطَعُ عليها المسافاتِ، فنحن في هذا الزمانِ شَاهَدْنَا صِدْقَ هذا الحديثِ بِأَعْيُنِنَا، نرى [ونشاهدُ] (¬3) الإبلَ محمولةً مع المتاعِ في السياراتِ!! وهذا من غرائبِ وعجائبِ الوحيِ التي أَخْبَرَ بها - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه - ومن ذلك قوله: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ... » الحديثَ المشهورَ (¬4) ألا ترونَ كيف اتَّبَعَ ¬
المسلمونَ النصارى واليهودَ - عياذًا بالله؟! وهذا معنَى قوله: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}. {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: آية 89] هذا كلامُ نَبِيِّ اللِّه شعيبٍ، وتقديمُ المعمولِ الذي هو الجارُّ والمجرورُ يدلُّ على القصرِ (¬1)، أي: لاَ نَتَوَكَّلُ إلا عليه وحدَه جل وعلا. ثم قال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} الفُتاحةُ في لغةِ حميرَ القديمةِ معناها: الحكمُ. كان الحميريونَ وغيرُهم من قبائلِ اليمنِ من قحطانيين يطلقونَ اسمَ الفُتاحةِ على القضاءِ، والفَتَّاح على الحاكمِ، والفتح على الْحُكْمِ، والقرآنُ جاءت فيه لغاتُ العربِ (¬2). ومعنَى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا} [الأعراف: آية 89] أي: احْكُمْ بَيْنَنَا وبين قومِنا بالحقِّ، ومعلومٌ أن اللَّهَ لا يحكمُ إلا بالحقِّ. {وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} أي: الحاكمين. وجاء في القرآنِ إطلاقُ الفتحِ على القضاءِ كثيرًا، كقولِه: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ} [السجدة: آية 29] وقولُه جل وعلا {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: آية 26] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ. {وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90)} [الأعراف: الآية 90]. ¬
قَدَّمْنَا الكلامَ على قولِه: {وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ}. وقولُه: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} ذَكَرَ هنا أَمْرَيْنِ كلاهما يحتاجُ] (¬1) إلى جوابٍ، أحدُهما الْقَسَمُ المدلولُ عليه باللامِ. والثاني: الشرطُ الذي من أدواتِه (إن) والقاعدةُ المقررةُ في علمِ العربيةِ أنه إذا اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشرطٌ جِيءَ بجزاءِ السابقِ منهما، وَحُذِفَ جزاءُ الثاني؛ لدلالةِ جزاءِ الأولِ عليه (¬2). والسابقُ هنا الْقَسَمُ، وإذا كان الجوابُ هنا جوابَ الْقَسَمِ (¬3) لم يُقْرَنْ بالفاءِ كما هو معروفٌ في مَحَلِّهِ، وهو قولُه: {إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} [الأعراف: آية 90] أي: وقال الملأُ الذين كفروا من قومِ شعيبٍ، أي: لِمَنْ دُونَهُمْ: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} وَاللَّهِ لئن اتبعتُم نبيَّ اللَّهِ شعيبًا {إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} التحقيقُ أن التنوينَ في قولِه: {إِذًا} أنه تنوينُ عِوَضٍ، والمعنَى: إن اتبعتموه خَسِرْتُمْ، ومعنَى خسرانِهم هنا: يزعمونَ أنهم عندَ ذلك يشترونَ الضلالةَ بِالْهُدَى زاعمينَ أن الهدى هو الكفرُ الذي كانوا عليه، وأن اتباعَ نَبِيِّ اللَّهِ ضلالٌ كما هو مذكورٌ في إفسادِ الأرضِ بعدَ إصلاحِها، وَمِنْ خُسْرَانِهِمُ المزعومِ: أنهم كانوا ينتفعونَ بأموالِ الناسِ إذا أَضَلُّوهُمْ وَبَخَسُوهُمْ أشياءَهم وَطَفَّفُوا لهم المكيالَ والميزانَ، ونبيُّ اللَّهِ شعيبٌ يُضَيِّقُ عليهم هذه المصالحَ الدنيويةَ ¬
فيخسرونَ ما كانوا يأخذونَه من أموالِ الناس ظُلْمًا. هذا من خسرانِهم المزعومِ. وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن الكافرَ الضالَّ يدّعِي بكفرِه وضلالِه أنه هو عَيْنُ الْهُدَى، وأن الْهُدَى هو الخسرانُ والضلالُ كما كنا نُبَيِّنُهُ في آيةِ: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: آية 85] وهذا معنَى قولِه: {وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90)}. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: آية 91] الفاءُ سببيةٌ، وقد تَقَرَّرَ في علمِ الأصولِ في مبحثِ مسلكِ الإيماءِ والتنبيهِ، وفي مبحثِ النصِّ والظاهرِ (¬1) أن الفاءَ تُذْكَرُ في التعليلِ لدلالتِها على السببيةِ، كقولِه: «سَهَى صلى الله عليه وسلم فَسَجَدَ» أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ. «سَرَقَ السَّارِقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ». أي: لِعِلَّةِ سرقتِه قالوا: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} أي: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} أي: بسببِ كفرِهم وإلحادِهم. وقولُه: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} الرجفةُ: معناه الزلزلةُ القويةُ التي تُؤَدِّي إلى تحريكٍ قَوِيٍّ عنيفٍ، فكلُّ مَا تَحَرَّكَ تحريكًا قويًّا عنيفًا فقد رَجَفَ، فالرجفةُ زلزلةٌ قويةٌ حَرَّكَتِ الأرضَ مِنْ تَحْتِهِمْ حتى اهتزت بهم هَزًّا عنيفًا أَدَّى إلى موتِهم. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه: زلزلةُ القيامةِ لزلزلتِها الأرضَ وتحريكِها إياها تحريكًا عنيفًا {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)} [النازعات: الآيتان 6، 7] فهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ مشهورٌ، ومنه قولُ عنترةَ (¬2): ¬
مَتَى مَا تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرجُفْ ... رَوَانِقُ أَلْيَتَيْكَ وتُسْتَطَارَا وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ مشهورٌ عند العلماءِ وطلبةِ العلمِ، وهو: أن اللهَ في هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ بَيَّنَ أن الذي أَهْلَكَ اللهُ به قومَ شعيبٍ رجفةٌ، حيث قال: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)} [الأعراف: آية 91] جَاثِمِينَ: أي: مَوْتَى، وَكُلُّ واحدٍ منهم مُنْكَبٌّ على وجهِه لا روحَ في جسدِه، والجاثمُ: الذي يلزمُ مَحَلاًّ واحدًا، لَرُبَّمَا كان على وجهِه كما هو معروفٌ، ومنه قولُ زهيرٍ في معلقتِه (¬1): بِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَأَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ المجثمُ: مكانُ الجثومِ، وهو المكانُ الذي كان فيه مُنْكَبًّا على وجهِه غالبًا. وهنا قال إن سببَ إهلاكِهم بالرجفةِ، وصرَّح بسورةِ هودٍ بأن سببَ إهلاكِهم صيحةٌ، حيث قال: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: آية 94] وصرَّح في سورةِ الشعراءِ أن قومَ شعيبٍ أصحابَ الظلةِ كان عذابُهم في ظُلَّةٍ، المذكور فِي قولِه: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: آية 189] تارةً يُعَبِّرُ عن سببِ إهلاكِهم بالرجفةِ، وتارةً بالصيحةِ، وتارةً بالظُّلَّةِ، فهذا هو وجهُ السؤالِ المعروفِ في هذه الآياتِ (¬2). وحاصلُ الجوابِ: أن العلماءَ اختلفوا - كما قَدَّمْنَا - هل شعيبٌ أُرْسِلَ إلى أمةٍ واحدةٍ أو أُرْسِلَ إلى أُمَّتَيْنِ (¬3)؟ وكان قتادةُ ¬
(رحمه الله) في طائفةٍ من العلماءِ يقولونَ: أُرْسِلَ شعيبٌ إلى أُمَّتَيْنِ، أُرْسِلَ إلى مَدْيَنَ فأهلكهم اللَّهُ بالصيحةِ، وأرسلَ إلى أصحابِ الأيكةِ بعدَ أن هَلَكَ أصحابُ مدينَ فأهلكهم اللَّهُ بِالظُّلَّةِ. وهذا القولُ قال به بعضُ العلماءِ، واستدلوا باختلافِ نوعِ العذابِ، وفي أن اللَّهَ قال في أهلِ مَدْيَنَ: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: آية 85] ولم يَقُلْ في أصحابِ الأيكةِ: أخاهم. وأكثرُ العلماءِ على أن أهلَ مَدْيَنَ هم أهلُ الأيكةِ، وأنها أمةٌ واحدةٌ، وأنهم نُسِبُوا إلى جَدِّهِمْ مدينَ بنِ إبراهيمَ وأنه كانت لهم أيكةٌ - غيضةٌ - ملتفةٌ من الشجرِ يعبدونَها، وبعضُ المؤرخين يقولونَ: كانت أيكتُهم من شجرِ الدومِ، واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. الجوابُ عن هذا (¬1): هو ما قال به غيرُ واحدٍ، وممن أَلَمَّ به ابنُ كثيرٍ (رحمه الله) في تفسيرِه: أن كُلَّ ذلك وَقَعَ لقومِ شعيبٍ، وأن أصحابَ مدينَ هم أصحابُ الأيكةِ، والاسمُ مُخْتَلَفٌ فيهما والمسمَّى واحدٌ. قالوا: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أن يُهْلِكَهُمْ صاحَ بهم الْمَلَكُ صيحةً شديدةً؛ ولذا قيل: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: آية 94] فَلَمَّا صَاحَ الْمَلَكُ اهتزت الأرضُ بهم هزًّا عنيفًا، وَرَجَفَتْ بهم رجفةً قويةً، فصارَ هو معنَى قولِه: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: آية 91] ثم إن اللَّهَ أَضْرَمَ عليهم الظلَّةَ نَارًا فاحترقوا، فَاجْتَمَعَتِ لهم الصيحةُ من أَعْلَى، والرجفةُ من أسفلَ، وَأَحْرَقَهُمُ اللَّهُ، واجتمعَ لهم ذلك كُلُّهُ - والعياذُ بالله تعالى - قال بعضُ العلماءِ: وممن ذَكَرَهُ ابنُ كثيرٍ (¬2): أنهم كان لهم كاهنانِ أحدُهما يُسَمَّى: سُميرًا، والثاني يسمى ¬
عِمْرَانَ بنَ شدادٍ، وأن رجلاً منهم يُقال له: عمرُ بنُ جلهاءَ نَظَرَ إلى الأيكةِ وَرَأَى فيها العذابَ فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عليه، وأنه كان يقولُ لهم أبياتِه المعروفةَ، يقولُ لهم (¬1): يَا قَوْمِ، إِنَّ شُعَيْبًا مُرسَلٌ فَذَرُوا ... عَنْكُمْ سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِ ... إِنِّي أَرَى غَبْيَةً يَا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ... تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي ... وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا فِيهَا ضَحَاءَ غَدٍ ... إِلاَّ الرَّقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أَنْجَادِ والرقيمُ: كَلْبُهُمْ. يقولُ: فِي ضُحَى غَدٍ لاَ يُرى إلا الكلبُ وحدَه يمشي. لكونِهم قد أَبَادَهُمُ اللَّهُ. وَزَعَمَ جماعةٌ من المؤرخين (¬2) أن أبا جَاد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت أنها أسماءُ ملوكِ مدينَ الذين أُرْسِلَ إليهم شعيبٌ، وأن وقتَ إهلاكِهم كان في ذلك الوقتِ مَلِكُ مَدْيَنَ المسمَّى (كلمن)، وأنه لَمَّا أهلكَه اللَّهُ قال قالت ابنتُه، وبعضُهم يقول: أختُه تَبْكِيهِ: كلمن قَدْ هَدَّ رُكْنِي ... هُلْكُهُ وَسْطَ الْمَحَلَّةْ سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْـ ... حَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّةْ جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ ... دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّةْ (¬3) وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فقد أهلكهم اللهُ ودمرهم بالرجفةِ والصيحةِ والإحراقِ بعذابِ يومِ الظُلةِ {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهذا معنَى قولِه: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ} [الأعراف: آية 91] الدارُ ¬
هنا: اسمُ جنسٍ مفردٍ، أُضِيفَ إلى مُعَرَّفٍ فهو يَعُمُّ أي: في ديارِهم. وألفُ الياءِ منقلبةٌ عن واوٍ؛ لأن أصلَها (دوَرَ) ولذا تُصَغَّرُ على (دُويرة) لا على دُيَيْرَةٍ (¬1)، والجاثمُ هو المستلقي على وَجْهِهِ، والمرادُ أنهم أصبحوا مُنْكَبِّينَ على وجوهِهم مَوْتَى لا أرواحَ في أجسادِهم، وانتقلوا إلى الشقاءِ الأبديِّ - عياذًا بالله - وهذا معنَى قولِه: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: 91 - 92] فَرَدَّ اللَّهُ على الذين قالوا ما قالوا فِي شعيبٍ: تَوَلَّى اللَّهُ الردَّ عنه عليهم؛ لأنهم قالوا لقومهم: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} [الأعراف: آية 90]. فَرَدَّ اللَّهُ عليهم فقال: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: آية 92] أُهْلِكُوا وكأنهم لم يُقِيمُوا فيها أحياء أبدًا، ثم قال وهو محلُّ الشاهدِ من الردِّ: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} وهو الخسرانُ الحقُّ لاَ الذين اتَّبَعُوهُ. ومعنَى قولِه: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} (الذين) هنا اسم موصول، ومحلُّه من الإعرابِ: مبتدأٌ، وخبرُ المبتدأِ جملةُ: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} و (كَأَنْ) مخففةٌ من الثقيلةِ، وإذا خُفِّفَتْ من الثقيلةِ نُوِيَ اسمُها وقُدِّرَ مَحْذُوفًا كثيرًا، وربما ظَهَرَ كما هو معروفٌ في محلِّه. والمعنَى: كأنهم، أي: كأنه أَي: الأمرُ والشأنُ لم يَغْنَوْا فيها أبدًا. وقولُه: {يَغْنَوْا} هو مصدرُ (غَنِيَ يَغْنَى غَنًى) بفتحتين على القياسِ؛ لأن المقررَ في فَنِّ العربيةِ: أن (فَاعِلَ) مكسورةِ العينِ إذا كانت لازمةً ينقاسُ مصدرُها على (فَعَل) بفتحتين، والعربُ تقولُ: ¬
«غَنِيَ بالمكانِ يَغْنَى به غَنَاءً». إذا أقامَ به في رفاهيةٍ، ومكانُ إقامتِه يُسَمَّى: (المَغْنَى) وَيُجْمَعُ على (المَغَانِي) وهو معروفٌ في لغةِ العربِ كثيرًا (¬1)، ومنه قولُ الشاعرِ (¬2): وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فِي ظِلِّ مَلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ (غَنَوْا) أي: أقامُوا في نعمةٍ ورفاهيةٍ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وقد تقولُ العربُ: «غَنِينَا في كذا» أي: عِشْنَا به مقيمينَ عليه. ومنه قولُ حَاتِمٍ (¬3): غَنِينَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى ... فَكُلاًّ سَقَانَاهُ بِكَأْسَيْهِمَا الدَّهْرُ ... فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَةٍ ... غِنَانَا وَلاَ أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الْفَقْرُ هذا معروفٌ، وهذه المادةُ جاءت منها خمسُ لغاتٍ في اللغةِ العربيةِ (¬4)، جاء منها: (الغَنَى) بالفتحِ والقصرِ، و (الغِنَى) بالكسرِ والقصرِ، و (الغَنَاء) بالفتحِ والمدِّ، و (الغِنَاء) بالكسرِ والمدِّ. و (الغُنى) بالضمِّ والقصرِ، ولم يَأْتِ منها (الغُناءُ) بِضَمٍّ فَمَدٍّ. ¬
أما (الغَنى) بفتحٍ وقصرٍ فهو محلُّ الشاهدِ هنا، وهو مصدرُ غَنِيَ بالمكانِ يغنَى به غَنَاءً إذا أقام به على الدوامِ. أما (الغَنَاءُ) بفتحِ الغينِ مع المدِّ إلى الهمزةِ فهو المَلاَءُ. تقولُ العربُ: «ماله غَنَاء» أي: ماله مَلاَء. ومنه قولُ الشاعرِ (¬1): قَلَّ الْغَنَاءُ إِذَا لاَقَى الْفَتَى تَلَفًا ... قَوْلُ الأَحِبَّةِ: لاَ تَبْعُدْ وَقَدْ بَعُدَا و (الغِنَى) بكسرٍ فقصرٍ هو ضِدُّ الفقرِ، وهو أن يكونَ الإنسانُ غَنِيًّا مُوسِرًا. وأما المطربُ الخسيسُ الخبيثُ - الأصواتُ المطربةُ - فهو (الغِنَاء) بكسرِ الغينِ ومدِّها إلى الهمزةِ. فالغِنَاءُ بالكسرِ والمدِّ هو المطربُ، والغِنَى بالكسرِ والقصرِ ضِدُّ الفقرِ، والغَنَى بالفتحِ والقصرِ هو الإقامةُ، والغَنَاءُ بالفتحِ والمدِّ هو المَلاَءُ، ومنه قولُ الشاعرِ: قَلَّ الْغَنَاءُ إِذَا لاَقَى الْفَتَى تَلَفًا ... قَوْلُ الأَحِبَّةِ: لاَ تَبْعُدْ وَقَدْ بَعُدَا ومنه قولُ هبيرةَ بنِ أبي وَهْبٍ المخزوميِّ - على إحدى الروايتين في بيتِه - يخاطبُ زوجَه أُمَّ هانئٍ بنتَ أبي طالبٍ لَمَّا هَرَبَ يومَ الفتحِ إلى نجرانَ ومات بها كافرًا، أَرْسَلَ لها يُخَاطِبُهَا (¬2): لَعَمْرِيَ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّدًا ... أَصْحَابَهُ جُبْنًا وَلاَ خِيفَةَ الْقَتْلِ وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ ... لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلاَ نَبْلِي يعني: غناء أي: نَفْعًا. ¬
وَقَفْتُ فَلَمَّا خِفْتُ ضَيَعَةَ مَوْقِفِي ... رَجَعْتُ كَضِرْغَامٍ هِزَبْرٍ أَبِي شِبْلِ (¬1) أَمَّا (الغُنَى) بضمِّ الغينِ مع القصرِ فهو جمعُ غُنْيَةٍ، وَالْغُنْيَةُ: ما يقتنيه الرجلُ من المالِ لِيَسُدَّ به خلَّتَه وَفَقْرَهُ. فهذا ما جاء من هذه المادةِ في اللغةِ العربيةِ، ومحلُّ الشاهدِ منه هنا أن العربَ تقولُ: «غَنِيَ بالمكانِ، يَغْنَى به غَنَاءً» على القياسِ، إذا أقامَ به. والمعنَى: الذين كَذَّبُوا شعيبًا دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهلكهم إهلاكًا مستأصلاً حتى كأنهم لم يُقِيمُوا في دارهم يومًا من الدهرِ أبدًا ولم يُوجَدُوا، والذي زَالَ زَوَالاً كُلِّيًّا تقولُ العربُ: كأنه لم يكن يومًا ما، كما قال أحدُ الجرهميين لَمَّا طَرَدَهُمُ الخزاعيونَ من مكةَ (¬2): كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ كأن ذلك لم يُوجَدْ أصلاً. وهذا معنَى قولِه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: آية 92] أي: كأنه. أي: الأمرُ والشأنُ لم يُقِيمُوا في دارهم أبدًا للهلاكِ المستأصلِ الذي دَمَّرَهُمْ. ثم قال: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} فَرَدَّ عليهم كَذِبَهُمْ ردًّا فصيحًا بليغًا، يعني: ليس الخاسرُ مَنِ اتَّبَعَ شُعَيْبًا ولكن مَنْ كَذَّبَ شعيبًا هم الخاسرونَ، وهذا معنَى قولِه: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} والإتيانُ بالضميرِ بعدَ (كان) يدُلُّ على التوكيدِ. ¬
وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا معنَى (الخُسرانِ) وما ضَرَبَ العلماءُ له من الأمثالِ (¬1). فالخاسرونَ: جمعُ الخاسرِ، وأصلُ الخسرانِ في اللغةِ هو: ذهابُ بعضِ مالِ التاجرِ، كان يُرْزَأَ بشيءٍ من مالِه من ربحٍ كان أو رأسِ مالٍ، ولكن الخسرانَ أَقْسَمَ (¬2) اللَّهُ في كتابِه على أنه لا يُنَجَّى منه أحدٌ إلا بأمورٍ معينةٍ بَيَّنَهَا في سورةٍ عظيمةٍ من كتابِه وهي قولُه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} أي: إِنَّ كُلَّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان لَفِي خُسْرٍ {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} فهؤلاء هم الذين يَخْرُجُونَ من هذا الْخُسْرَانِ. وقد ضَرَبَ العلماءُ لهذا الخسرانِ مَثَلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ يعطيانِ موعظةً لطالبِ العلمِ وفكرةً صادقةً. قالوا: أحدُ هذين الْمَثَلَيْنِ: أن اللَّهَ تبارك وتعالى أَعْطَى كُلَّ نفسٍ رأسَ مالٍ، وأمرَها بالتجارةِ معَه فيه - ورأسُ هذا المالِ المذكورِ قد قَدَّمْنَا مرارًا في هذه الدروسِ بيانَه، وَكَرَّرْنَاهُ المرةَ بعدَ المرةِ - قَصْدًا - لِنَعِظَ به إخوانَنا المسلمين ونحاولَ نفعَهم بِلِينِ قلوبِهم على ضوءِ القرآنِ العظيمِ - قالوا: رأسُ المالِ هذا المذكورُ المُنَوَّهُ عنه: هو الجواهرُ النفيسةُ العظيمةُ الذي لا يوجدُ في الدنيا شيءٌ يُمَاثِلُهَا أبدًا، وهذه الجواهرُ النفيسةُ، والأعلاقُ العظيمةُ، هي - أيها الإخوانُ - هي ساعاتُ العمرِ ولحظاتُه، فهذا رأسُ مالِ الإنسانِ، وهو أَنْفَسُ شيءٍ يُعْطَاهُ الإنسانُ، وخالقُ السماواتِ والأرضِ يأمرُنا أن نتجرَ معه في رأسِ هذا المالِ، فَنُحَرِّكَ رأسَ هذا المالِ، وهي هذه اللحظاتُ والدقائقُ من ساعاتِ ¬
العمرِ المعدودةِ، فَنَتَّجِرَ مع خالقِ السماواتِ والأرضِ فيها، فننظرَ ما يتوجهُ إلينا طولَ حياةِ العمرِ ودقائقِه من أوامرِ اللَّهِ ونواهِيه فنبادرَ بإرضاءِ خالقِ السماواتِ والأرضِ بامتثالِ ما أَمَرَ به واجتنابِ ما نَهَى عنه، وربُّنا (جل وعلا) يُعْطِينَا أرباحًا هائلةً بائنةً على هذا: يُسْكِنُنَا الجنةَ، وهي: زوجةٌ حسناءُ، وغرفةٌ عاليةٌ، ونهرٌ مُطَّرِدٌ، وشجرةٌ مثمرةٌ، وَمُلْكٌ لا ينفدُ أبدًا، فنربحُ رِبْحًا لا نفادَ له، وعافيةً لا كَدَرَ فيها، وحياةً لاَ موتَ بعدَها، وصحةً لا يخالطُها مرضٌ أبدًا، فَمَنْ حَرَّكَ رَأْسَ هذا المالِ على الوجهِ الكيِّسِ الصحيحِ مع رَبِّ العالمين رَبِحَ الأرباحَ الهائلةَ، فإنه يربحُ منه مجاورةَ ربِّ العالمين في دارِ كرامتِه، والنظرَ إلى وجهِه الكريمِ. وإن كان صاحبُ رأسِ هذا المالِ - وهو ساعاتُ العمرِ ودقائقُه - كان رَجُلاً غيرَ عاقلٍ - يعنِي أخرقَ لا يَفْهَمُ الحقائقَ ولا يقدِّر قدرَ عمرِه - فإن المسكينَ يضيعُ هذه الأعلاقَ النفيسةَ، وهذه الجواهرَ العظيمةَ في قَالَ وقالوا، ولا يُرَاقِبُ ما يَتَوَجَّهُ إليه مِنْ قِبَلِ خالقِه بالامتثالِ والاجتهادِ فيضيعُها دائمًا، وربما صَرَفَهَا فيما لا يُرْضِي اللَّهَ من المعاصِي والملاهِي - والملائكةُ تكتبُ عليه - حتى ينقضيَ الوقتُ المحددُ فيذهب إلى القبرِ وهو مُفْلِسٌ - والعياذُ بالله - فعندَ ذلك يندمُ حيث لا ينفعُ الندمُ، فعلينا جميعًا، ما دَامَتِ الفرصةُ ممكنةً أن نعتبرَ في رأسِ هذا المالِ، وأن لاَ نُضَيِّعَهُ، ولا نكونَ حَمْقَى جهلاء، بل نعتبرُ به، ونتصرفُ مع اللَّهِ بتجارةٍ مُرْضِيَةٍ؛ لأن طاعتَنا لِلَّهِ وإثابتَه لنا سمَّاهُ في كتابِه: (تجارةً) (بيعًا) (شراءً) إلى غيرِ ذلك، قال: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} إلى آخِرِ الآيَاتِ [الصف: الآيتانِ 10، 11]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
الجَنَّةَ} إلى أن قال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: آية 111] وَسَمَّاهُ (قَرْضًا) في قولِه: {مَّنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: آية 45] إلى غير ذلك. ومقصودُنا - أيها الإخوانُ - أن نُنَبِّهَكُمْ وأنفسَنا إلى مكانةِ العمرِ وَعِظَمِهَا، وأن مَنْ خَسِرَهُ خَسِرَ كُلَّ شيء، وأن مَنْ كان حَازِمًا في تحريكِه والعملِ فيه رَبِحَ كُلَّ شيءٍ كما لا يَخْفَى، فعلى هذا القولِ يكونُ خُسرانُ الإنسانِ في رأسِ مالِه الذي أعطاه اللَّهُ - وهو عمرُه إذا ضَيَّعَهُ، ولم يُبْقِ منه شيئًا - كان أَخْسَرَ الخاسرين، وإذا خَسِرَ هو رأسَ المالِ عُلِمَ أنه ليس هناك رِبْحٌ أبدًا كما هو معروفٌ. وَاعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن العمرَ كما أن اللَّهَ (جل وعلا) جعلَه رأسَ المالِ، وهو التجارةُ الرابحةُ مَنْ خَسِرَهَا خَسِرَ كُلَّ شيءٍ، فإنه مع ذلك جَعَلَهُ حُجَّةً على المعمَّر، فأعمارُكم كما أنها رؤوسُ أموالِكم، وأصلُ فوائدِكم، فكذلك هي حجةٌ عليكم؛ لأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ العمرَ مع الرسولِ لأَنَّ كُلاًّ منهما حُجةٌ على المعمِّر كالمرسلِ إليه، كما قال تعالى في العُمْرِ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: آية 37] فجاء بالعمرِ والرسولِ مُقْتَرِنِينَ؛ لأن الرسولَ يُنْذِرُكَ وَيَعِظُكَ، والعمرُ مهلةٌ تَقْدِرُ فيها أن تتداركَ ما فَاتَ وَتُصْلِحَ الخللَ، وتنيبَ إلى اللَّهِ، وترجعَ مِنْ ما يُسْخِطُهُ إلى ما يرضيه، فهذه الآيةُ العظيمةُ من عظامِ مواعظِ القرآنِ {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} احتجَّ به على أهلِ النارِ الذين لم يُحَرِّكُوا أعمارَهم في خَيْرٍ، ولم يَعْتَبِرُوا بها؛ ولذا قال: {فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر: آية 37] والعياذُ بالله جل وعلا. هذا أَحَدُ الْمَثَلَيْنِ الْمَضْرُوبَيْنِ، الذين جَعَلَهُمَا العلماءُ لهذا الخسرانِ.
الْمَثَلُ الثاني: ما ذَكَرَهُ بعضُ العلماءِ من أن الله (جل وعلا) خلقَ لكلِّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان - جَعَلَ له - مَنْزِلاً في الجنةِ ومنزلاً في النارِ، فكلُّ إنسانٍ له منزلٌ في الجنةِ وله منزلٌ في النارِ، فإذا أَدْخَلَ اللَّهُ أهلَ الجنةِ الجنةَ أَطْلَعَهُمْ على مساكنِهم في النارِ - لو أنهم كَفَرُوا وَعَصَوْا - لِتَزْدَادَ غبطتُهم وسرورُهم وفرحُهم بما هم فيه، فيقولُ الواحدُ منهم عند ذلك: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: آية 43] أي: إنه (جل وعلا) يُطْلِعُ أهلَ النارِ على منازلِهم في الجنةِ لو أنهم آمَنُوا وأطاعُوا لتزدادَ ندامتُهم وحسرتُهم - والعياذُ بالله - وعندَ ذلك يقولُ الواحدُ منهم: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: آية 57] ثم إن الله (جل وعلا) يجعلُ منازلَ أهلِ الجنةِ في النارِ لأهلِ النارِ، ومنازلَ أهلِ النارِ في الجنةِ لأهلِ الجنةِ، وَمَنْ كانت معاملتُه أن استبدلَ منزلَ غيرِه في النارِ بمنزلتِه في الجنةِ فمعلومٌ أن صفقتَه صفقةٌ خاسرةٌ كما لا يَخْفَى، ومضمونُ هذا جاءَ في حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والظاهرُ أن سندَه لا بأسَ به، واللَّهُ تعالى أعلمُ (¬1). هذانِ المثلانِ اللذانِ ضَرَبَهُمَا العلماءُ في الخسرانِ الذي أَقْسَمَ اللَّهُ أنه لا يَنْجُو منه أحدٌ إلا مَنِ اسْتَثْنَى في قولِه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: الآيات 1 - 3] وبهذا تعرفونَ أن هذه السورةَ العظيمةَ؛ سورةَ العصرِ التي قال الإمامُ الشافعيُّ: «إنها لو لم يَنْزِلْ من القرآنِ إلا هي لَكَفَتْ» (¬2)؛ لاشتمالِها على جميعِ تشاريعِ الإسلامِ، بَيَّنَ ¬
اللَّهُ فيها الأسسَ الكبارَ، والأصولَ العظامَ من وجهِ التجارةِ بالعمرِ مع خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي يحصلُ منه الربحُ الأبديُّ الذي لا ينتهي، وأنه تحريكُ العمرِ والتجارةِ فيه معَ اللَّهِ، بقولِه: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: آية 3] فإن الآيةَ شَمِلَتْ إيمانَ القلوبِ وأعمالَ الجوارحِ، وَدَعَتْ إلى النفعِ إلى الغيرِ بالتواصِي بالحقِّ والتواصِي بالصبرِ، فجاء بها كُلُّ شيءٍ، فسبحانَ العليمِ الكريمِ ما أَعْلَمَهُ وما أَعْظَمَ تعليمَه وأوضحَه، وهذا معنَى قولِه: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: آية 92]. {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)} [الأعراف: آية 93]. {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} ضميرُ الفاعلِ المستتر في قولِه: {فَتَوَلَّى} راجعٌ إلى شعيبٍ، {فَتَوَلَّى} هو أي: نَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ رَجَع مُوَلِّيًا عنهم {وَقَالَ يَا قَوْمِ} خَاطَبَهُمْ وقد أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وهذا الخطابُ بعضُ العلماءِ يقولُ (¬1): قاله لهم في آخِرِ حياتِهم لَمَّا أرادَ أن يخرجَ عنهم كما في قولِه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا} [هود: آية 94] وقد أَمَرَهُ اللَّهُ بالخروجِ عندما قَرُبَ نزولُ العذابِ فيهم. وبعضُ العلماءِ يقولُ: قال لهم هذا بعدَ أن هَلَكُوا وَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ رَجَعَ وقالَه لهم. ولا مانعَ من هذا، وقد وَقَعَ مِثْلُهُ؛ لأنه ثَبَتَ في الصحيحين أن النبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم جَمَعَ صناديدَ قريشٍ يومَ بدرٍ - أصحابَ القليبِ - وَوَبَّخَهُمْ وقال لهم: {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ ¬
رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: آية 44] فَوَبَّخَهُمْ (¬1)، وَبَيَّنَّا أنهم يسمعونَ كلامَه، وأنهم الآنَ يعرفونَ الحقيقةَ كما هو مَعْرُوفٌ. {قَالَ يَا قَوْمِ} قد تَكَلَّمْنَا عن القومِ فيما سَبَقَ قريبًا (¬2). {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} [الأعراف: آية 93] اللامُ موطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ (وَاللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالاتِ رَبِّي) وهذا النبيُّ الكريمُ أَقْسَمَ في هذه الآيةِ الكريمةِ على أنه أبلغَ رسالةَ رَبِّهِ؛ لأن الأنبياءَ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) يجبُ عليهم الإبلاغُ على أكملِ الوجوهِ وَأَتَمِّهَا. فَكُلُّ مُشرِّعٍ يأتِي بتشريعٍ ودينٍ لم يأتِ به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فكأنه يَدَّعِي عليه أنه لم يُبَلِّغْ. وهو (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) بَلَّغَ كُلَّ شيءٍ أُمِرَ بتبليغِه، كما أَقْسَمَ شعيبٌ على أنه بَلَّغَ رسالةَ رَبِّهِ، فَثَبَتَ عن عائشةَ (رضي الله عنها) أنها قالت: مَنْ زَعَمَ أن مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم كَتَمَ حَرْفًا مما أُنْزِلَ عليه فقد افْتَرَى على اللَّهِ الكذبَ، واللَّهِ لو كان كَاتِمًا شيئًا لَكَتَمَ قَوْلَهُ تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (¬3) [الأحزاب: آية 37]. وقد شَهِدَ اللَّهُ لنبينا صلى الله عليه وسلم آياتٍ عديدةً أنه بَلَّغَ، كما شهد شعيبٌ لنفسه هنا بقولِه: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} فَمِنَ الآياتِ التي شَهِدَ اللَّهُ فيها لنبيِّنا بالإبلاغِ قولُه: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: آية 3] فلو كان لم يُبَلِّغْ جميعَه على ما ينبغي لَمَا قال: ¬
{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} للنقصِ في الذي لم يُبلغ، وقال له: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54)} [الذاريات: آية 54] ولو كَتَمَ شيئًا لكان مَلُومًا. وقال: {فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: آية 54] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ، فهو (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) لنا بمنزلةِ الوالدِ الشفيقِ يُعَلِّمُنَا، حتى إنه من شدةِ رَأْفَتِهِ ورحمتِه بنا وحرصِه على هُدَانَا يُعَلِّمُنَا، كُلَّ شيءٍ، حتى إنه يُعَلِّمُ الرجلَ إذا رَاحَ إلى بيتِ الماءِ ليقضيَ حاجتَه - أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ - كيفَ يفعلُ؟ وبماذا يستجمرُ؟ وما لا يفعلُ مع القِبْلَةِ، وفي أَيِّ اليدين يستجمرُ، وماذا يتقِي عندَ الاستجمارِ كما هو معروفٌ في محلِّه. وهذه الآياتُ تَدُلُّ على أن أنبياءَ اللَّهِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) نَصَحُوا لأُمَمِهِمْ وَبَلَّغُوا أَكْمَلَ البلاغِ وَأَتَمَّهُ، وَصَبَرُوا على الأَذَى، وعلى أتباعِهم من الْمُنْتَسِبِينَ للعلمِ أن يبلغوا العلمَ على الوجهِ الأكملِ، وأن يصبروا على أَذَى الناسِ؛ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يأمرُ بخيرٍ وَيَنْهَى عن منكرٍ لا بُدَّ أن يلحقَه الأَذَى من الناسِ، وهذا أمرٌ معروفٌ؛ لأن كُلَّ مَنْ يتعرضُ للناسِ في مهوياتِهم وينهاهم عَمَّا يَهْوَوْنَ، ويأمروهم بما لا يهوون يكونونَ أعداءً له؛ ولذا كان لقمانُ الحكيمُ لَمَّا أوصاه ولدُه وقال له: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ} [لقمان: آية 17] أَتْبَعَ ذلك بقولِه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} لأنه يعلمُ أن الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ يستلزمُ اتباعَ إصابةِ الأَذَى من الناسِ كما لا يَخْفَى، فعلى طلبةِ العلمِ أن يعتبروا بأمثالِ هذه الآياتِ، وينصحوا لأمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا يكتموا العلمَ عند الحاجةِ إليه، وَيُبَلِّغُوهُ على الوجهِ الأكملِ بالإيضاحِ والحكمةِ والصبرِ على الأَذَى.
ونحن معاشرَ هذه الأمةِ سَيَثْبُتُ بقولِنا وشهادتِنا على الأممِ فصلُ القضاءِ يومَ القيامةِ (¬1)، يومَ يجمعُ اللَّهُ الأولينَ والآخِرِينَ في صعيدٍ واحدٍ، ينفذُهم البصرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، كما جاء في القرآنِ العظيمِ، وذلك أنه إذا اجْتَمَعَتِ الخلائقُ سأل اللَّهُ الرسلَ والمرسلَ إليهم كما [مَضَى] (¬2) في قولِه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} فالكفارُ الذين كَفَرُوا من الأممِ يقولونَ: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} [المائدة: آية 19] فالرسلُ الذي أُرْسِلَتْ إلينا هم الذين خَانُونَا وَكَتَمُوا عنا رسائلَ رَبِّنَا، ولو جَاءَتْنَا رسالةُ رَبِّنَا لَكُنَّا أطوعَ الناسِ لها وأتبعَها لها!! فيقولُ اللَّهُ - وهو أعلمُ - للرسلِ: هَلْ عِنْدَكُمْ بَيِّنَةٌ على التبليغِ؟ فيقولونَ: نَعَمْ، أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم تشهدُ لنا. فَتُدْعَى هذه الأمةُ الكرامُ الذين قال الله فيهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: آية 110] فيقال لهم: أَتَشْهَدُونَ أن هؤلاء الرسلَ الكرامَ بَلَّغُوا هؤلاءِ الكفرةَ؟ فنقولُ على رؤوسِ الأشهادِ في ذلك اليومِ العظيمِ: نَعَمْ، نحنُ نشهدُ أنهم بَلَّغُوهُمْ أكملَ البلاغِ وأتمه، وأن هؤلاء الكفرةَ آذَوْهُمْ وَتَعَرَّضُوا لهم بكلِّ سوءٍ، وَلَجُّوا في الكفرِ بعدَ أن بَيَّنُوا لهم كُلَّ شيءٍ، وَتَحَمَّلُوا منهم كُلَّ الأَذَى. فيحتجُّ علينا الأممُ فيقولونَ: كيفَ تشهدونَ علينا وأنتم في وقتِ إرسالِ الرسلِ إلينا في ظلماتِ العدمِ لم تُوجَدُوا إِذْ ذَاكَ، كيف تشهدونَ على شيءٍ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقُوا؟ فنقولُ: نَعَمْ إننا نضعُ أداءَ الشهادةِ على حصولِ العلمِ اليقينِ، وقد حَصَلَ لنا العلمُ اليقينُ بما شَهِدْنَا، فما شَهِدْنَا إلا بما عَلِمْنَا؛ لأن ¬
اللَّهَ أَرْسَلَ إلينا نَبِيًّا كَرِيمًا، وأنزلَ إليه أعظمَ الكتبِ، وهو أصدقُ كلامٍ، وَكُلُّ ما في كتابِ اللَّهِ فنحنُ نقطعُ به ونجزمُ به - لأنه كلامُ خَالِقِنَا - أشدَّ مِنْ جَزْمِنَا بما رَأَتْهُ أعينُنا وَسَمِعَتْهُ آذانُنا، فقد قَصَّ اللَّهُ علينا قصصَكم مُفَصَّلَةً ومجملةً، فأنتم يا قومَ نوحٍ قَصَّ اللَّهُ علينا في كتابِه ما جرى منكم معه في دارِ الدنيا وأنه قال: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)} إلى آخِرِ الآياتِ. [نوح: الآيات 7 - 9]. وأنتم يا قومَ هودٍ قَصَّ اللَّهُ علينا من خَبَرِكُمْ كذا وكذا وكذا، وقولكم له: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: آية 54] وما صَبَرَ على أذاكم وما جاءكم به من الإنذارِ العظيمِ. وكذلك قومُ صالحٍ، فنفصَّل ما فُصِّلَ، وَنُجْمِلُ ما أُجْمِلَ، فيثبت الحكمُ عليهم بشهادتِنا كما [مضى] (¬1) في قولِه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: خيارًا عُدُولاً {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: آية 143] فهذه الآيةُ وأمثالُها كقولِه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: آية 110] فيها الدلالةُ القرآنيةُ الواضحةُ على أن هذه الأمةَ هي خيرُ الأممِ وأفضلُها، ويؤيدُ ذلك ويوضحُه ما جاء في السننِ من حديثِ معاويةَ بنِ حيدةَ القشيريِّ (رضي الله عنه) أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في هذه الأمةِ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» (¬2). أما قولُه في بني إسرائيلَ: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: آية 47] فلا يتناولُ هذه الأمةَ؛ لأنها في ذلك الوقتِ لم تُوجَدْ، والمعدومُ ليس بشيءٍ حتى يُفضَّل عليه غيرِه؛ فبعدَ أن وُجِدَتْ واستقرَّ كيانُها صَحَّ تفضيلُها على جميعِ الأممِ، واستقراءُ القرآنِ قد دَلَّ ¬
على ذلك دلالةً واضحةً، وإيضاحُ ذلك (¬1): أن الفضلَ العظيمَ إنما يُعْرَفُ بالاختبارِ، فعندَ الامتحانِ ( ... ). (¬2) [14/ ب] / {فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: آية 93] لَمَّا عَلِمَ نبيُّ اللَّهِ شعيبٌ أن اللَّهَ مُهْلِكٌ قومَه تَوَلَّى رَاجِعًا عنهم، وقال مُخَاطبًا لهم: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ} واللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالاتِ رَبِّي التي لو اتَّبَعْتُمُوهَا لَمَا وقعتُم فيما وقعتُم فيه {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} بَذَلْتُ لكم غايةَ النصحِ، وبينتُ لكم، وأمرتُكم بما فيه لكم الخيرُ، ونهيتُكم عما فيه لكم الشرُّ، ولكن تَمَرَّدْتُمْ حتى أَهْلَكَكُمُ اللَّهُ {فَكَيْفَ آسَى} آسَى: معناها أَحْزَنُ، فالعربُ تقولُ: أَسِيَ الرجلُ يَأْسَى بمعنَى: حَزِنَ يحزنُ، و (آسى) فعلٌ مضارعٌ، والهمزةُ الأُولَى همزةُ المتكلمِ، والألفُ مبدلةٌ من فاءِ الفعلِ، والمعنَى: فكيف أَحْزَنُ أنا. {آسَى} أي: أحزنُ {عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} مُتَمَرِّدِينَ على اللَّهِ؛ أعداءِ للهِ ورسلِه، فهؤلاء لا يُحْزَنُ عليهم، كما قال اللَّهُ لِنَبِيِّنَا: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النمل: آية 127] ونحو ذلك من الآياتِ (¬3). وهذه الآيةُ تَدُلُّ أن قومَ الرجلِ إذا كانوا أعداءً لله فأهلكهم اللَّهُ بذنوبِهم لا ينبغِي له أن يحزنَ عليهم؛ لأنهم ليسوا أَهْلاً للحزنِ عليهم لعداوتِهم لِلَّهِ وَرُسُلِهِ. {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ¬
الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (95)} [الأعراف: الآيتان 94، 95]. {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)} [الأعراف: آية 94] بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه الآيةِ الكريمةِ أنه لم يُرْسِلْ نَبِيًّا قَطُّ من الأنبياءِ إلى أمةٍ إلا كَذَّبَتْ تلك الأمةُ، وبعد تكذيبِها ابْتَلاَهَا اللَّهُ أنواعَ الابتلاءِ، ثم بَيَّنَ مصيرَها النهائيَّ. وهذا العمومُ في (ما) عامٌّ لم يَخْرُجْ منه شيءٌ إلا قوم يونسَ فإن اللَّهَ أَخْرَجَهُمْ من هذا العمومِ في قولِه: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)} [يونس: آية 98] لم يَخْرُجْ من هذا العمومِ إلا قومُ يونسَ فقط كما دَلَّتْ عليه آيةُ يونسَ هذه. ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} المدينةُ تُسَمَّى (قريةً) (¬1) لأن الناسَ يجتمعونَ فيها، من قولِهم: قَرَيْتُ الماءَ. إذا جَمَعْتَهُ في الحوضِ. والأصلُ: ما أَرْسَلْنَا نَبِيًّا. فالمفعولُ نكرةٌ زِيدَتْ قَبْلَهَا لفظةُ (من) لتأكيدِ العمومِ، وَقَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدَا نافعًا {مِّن نَّبِيٍّ} بالتشديدِ، وقرأه نافعٌ وحدَه: {من نبيء} بالهمزةِ (¬2). أما على قراءةِ نافعٍ فالنبيءُ مُشتقٌّ من النبأِ، والنبأُ: الخبرُ الذي له شأنٌ. فَكُلُّ نبأٍ خبرٌ، وليس كُلُّ خبرٍ نبأً؛ لأَنَّ النبأَ اسمٌ للخبرِ الذي له شَأْنٌ، تقولُ: جَاءَنَا نبأُ الجيوشِ، وجاءنا نبأُ الأميرِ. ولا تقولُ: جاءنا نبأُ حمارِ الحجامِ؛ لأنه لا خَطْبَ له. أما على قراءةِ الجمهورِ فقال بعضُ العلماءِ: (النبي) أيضًا من (النبيءِ) أُبْدِلَتِ ¬
الهمزةُ ياءً. وقال بعضُهم: هو مِنَ (النَّبْوَةِ) بمعنَى الارتفاعِ، وهذا معروفٌ {إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا} كُلَّمَا أرسلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلى قومٍ كَذَّبُوهُ وَنَاصَبُوهُ العداءَ ثم أَخَذَهُمُ اللَّهُ أولاً {بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [الأعراف: آية 94] البأساءُ: الفقرُ والجوعُ. الضراءُ: الأمراضُ. يَبْتَلِيهِمْ أولاً بالفقرِ والجوعِ والجدبِ، ثم يبتليهم بالأمراضِ ونحوِها، وإذا لم يَنْفَعْهُمْ هذا الابتلاءُ بالشرِّ ابتلاهم بالخيرِ؛ لأن الابتلاءَ تارةً بالشرِّ وتارةً بالخيرِ فَبَيَّنَ ابتلاءَه لهم بالخيرِ بعدَ ابتلائِه لهم بالشرِّ في قولِه: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف: آية 95] بَدَّلْنَا مكانَ السيئةِ الحسنةَ، (الحسنة) و (مكان) هما مَفْعُولاَ (بَدَّلْنَا) على التحقيقِ؛ خِلاَفًا لِمَنْ زعموا أن (مكان) ظرفٌ، فهما مفعولانِ لِبَدَّلْنَا. ومعنَى: {بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} أي: بَدَّلْنَا لهم الخصبَ مكانَ الجدبِ، والصحةَ والعافيةَ مكانَ الأمراضِ، فَجَعَلْنَا لهم الشيءَ الحسنَ بدلاً من الشيءِ السيئِ؛ لِنَبْتَلِيَهُمْ أخيرًا بالحسنِ بعدَ أن ابْتَلَيْنَاهُمْ أَوَّلاً بالسيئِ. وأصلُ (السيئةِ) أصلُها: (سَيْوِئَة) حروفُها الأصليةُ هي: السينُ وهو فاؤُها، والواوُ وهو عينُها، والهمزةُ وهي لامُها، وياءُ (فَيْعِلَة) زائدةٌ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ الزائدةُ بالواوِ التي هي عَيْنُ الكلمةِ بعدَ إبدالِها ياءً على القاعدةِ التصريفيةِ المشهورةِ المعروفةِ (¬1). و (الحسنةُ) صفةٌ مشبهةٌ من: حَسُنَ الشيءُ فهو حَسَنٌ، وكذلك (السيئةُ) صفةٌ مشبهةٌ من: سَاءَ يَسُوءُ فهو سَيِّءٌ؛ لأن السيئةَ تسوءُ صاحبَها يومَ القيامةِ إذا رَآهَا فِي صَحِيفَتِهِ. ¬
والحسنةُ: أصلُها صفةٌ مشبهةٌ تأنيثُ الحسنِ إلا أنها اشْتُهِرَ استعمالُها حتى اسْتُعْمِلَتْ استعمالَ الأسماءِ الجامدةِ كالصالحةِ والحسنةِ والخصالِ الطيبةِ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ. ومعنَى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف: آية 95] بَدَّلْنَا لهم مكانَ الجدبِ خصبًا ورزقًا، ومكانَ الأمراضِ عافيةً وصحةً؛ لِنَبْتَلِيَهُمْ بذلك أيضًا. وقولُه: {حَتَّى عَفَوا} يعنِي: كَثُرُوا. العربُ تقولُ: «عَفَا الشيءُ» بمعنَى: كَثُرَ، فـ (عفوا) معناه: كَثُرُوا. كَثُرَتْ أنفسُهم - بالعافيةِ والصحةِ - وأموالُهم، حتى نَمَوْا وَنَمَتْ أموالُهم، وَكُلُّ شيءٍ كَثُرَ تقولُ فيه العربُ: (عفا) ومنه: إعفاءُ اللحيةِ، وهو تكثيرُ شَعْرِهَا وتوفيرُه لا حلقه وَقَصّه. فمعنَى: {حَتَّى عَفَوْا} حتى كَثُرُوا، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬1): وَلَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ فَهُوَ معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ. حتى عَفَوْا وكثروا وزالَ عنهم الجوعُ والقحطُ وخصبوا وأنعموا؛ لَمَّا زَالَ عنهم هذا كُلُّهُ ابتليناهم بالحسناتِ، ولم ينفع فيهم الابتلاءُ بالحسناتِ أيضًا، وقالوا: {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} معناه عندَهم: أن هذه حياةُ الدهرِ، تارةً يجيءُ بخيرٍ، وتارةً يجيءُ بشرٍّ، وهو أمرٌ طبيعيٌّ ليس من الابتلاءِ ولا الفتنةِ على الذنوبِ ثم إن اللَّهَ قال إنه بعدَ أن لم يَنْفَعِ ابتلاؤُنا ¬
دَمَّرَهُمْ؛ ولذا قال: {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أَخَذْنَاهُمْ بالعذابِ والهلاكِ بغتةً. أَيْ: في حالِ كَوْنِنَا مباغتين لهم. أي: أخذهم فجأةً. وَالْمُبَاغَتَةُ أشدُّ وأعظمُ {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: لاَ يعلمونَ بذلك فأهلكهم اللَّهُ بغتةً (والعياذُ بالله) وهذا معنَى قولِه: {فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)} [الأعراف: آية 96]. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} (لو): حَرْفُ الشَّرْطِ لاَ تَلِي إلا الْجُمَلَ الفعليةَ و (أنَّ) هنا حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، ليست جملةً فِعْلِيَّةً، إلا أن الفعلَ محذوفٌ، ولو وَقَعَ {أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} لو كان أهلُ القرى الذين دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهلكهم اللَّهُ آمنوا بِاللَّهِ وأطاعوا رُسُلَهُ: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ غيرَ ابنِ عامرٍ: {لَفَتَحْنَا} بالتخفيفِ، وقرأه ابنُ عامرٍ: {لَفَتَّحنَا عليهم} بالتشديدِ (¬1). {بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ} البركاتُ: الخيراتُ، وبركاتُ السماءِ: ما يَنْزِلُ منها من الأمطارِ، وبركاتُ الأرضِ: ما يَخْرُجُ منها من النباتاتِ والزروعِ والحبوبِ ونحوِ ذلك. وهذه الآياتُ تدلُّ على أن الناسَ إِنْ أَطَاعُوا اللَّهَ أَغْدَقَ اللَّهُ عليهم رِزْقَهُ، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ ¬
يَحْتَسِبُ} [الطلاق: الآيتان 2، 3] وقال نوحٌ لقومِه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)} [نوح: الآيات 10 - 12] وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: آية 66] في آياتٍ كثيرةٍ. {وَلَكِنْ كَذَّبُوا} [الأعراف: آية 96] ولكنهم لم يُطِيعُوا اللَّهَ فَكَذَّبُوا {فَأَخَذْنَاهُم} أَهْلَكْنَاهُمْ بسببِ ما كانوا يَكْسِبُونَ من الذنوبِ والكفرِ والمعاصِي. وقد نقتصرُ الآنَ على هذه الكلماتِ القليلةِ؛ لأَنَّ البارحةَ أَخَذْنَا دواءً أَثَّرَ عَلَيْنَا، فَمَعِيَ الآنَ بَعْضُ الأَثَرِ.
{أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)} [الأعراف: الآيات 97 - 101]. يقول الله جل وعلا: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)}. بيّن الله (جل وعلا) هنا إنكاره على أهل القرى الذين كفروا به وكذبوا رسله وعارضوا [شرعه] (¬1) وأمنوا مكره، وبيّن (جل وعلا) تفاهة عقولهم وعدم علمهم، وأنكر عليهم بأداة همزة الإنكار ليفتحوا آذانهم ويخافوا عقاب الله ولا يأمنوا مكره. ولذا قال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} [الأعراف: آية 97] قدمنا مرارًا كثيرة (¬2) كلام العلماء على همزة الاستفهام التي بعدها أداة ¬
عطف كالفاء والواو وثم. والهمزة هنا للإنكار، ومعنى إنكاره على أهل القرى جمعهم بين الكفر به، وتكذيب رسله، وعدم خوفهم من بطشه ونكاله، فهذا يدل على غاية الجهل بالله؛ ولذا قال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} جمع قرية على غير قياس {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} أي: يأتيهم عذابنا ونكالنا وإهلاكنا المستأصل، والبأس: العذاب والنكال من الله (جل وعلا) بسبب كفرهم بنا وتكذيبهم لرسلنا. {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا} [الأعراف: آية 97] قوله: {بَيَاتًا} أي: ليلاً، والحال: {وَهُمْ نَآئِمُونَ} [أي: في غفلة] (¬1) فيأتيهم في تلك الغفلة {بَأْسُنَا} أي: عذابنا فنهلكهم. وهذا معنى قوله: {بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ} أي: ليلاً في حال كونهم نائمين. والليل معروف، وهو الذي تشاهدونه من ظلام. {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} [الأعراف: آية 98] في هذا الحرف قراءتان سبعيتان: قرأه جماهير القراء غير الحرمِيَّيْنِ والشامي: {أَوَ أمن أهل القرى} بفتح الواو، كأنه تكرير للجملة بما يماثلها. وقرأه الحرميان -أعني: نافعًا وابن كثير- والشامي-أعني ابن عامر-: {أَوْ أمن أهل القرى} بـ (أو) العاطفة، وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان (¬2). {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} الضحى: هو وقت ارتفاع النهار. ¬
{وَهُمْ يَلْعَبُونَ} لاهون يشتغلون بما لا يجديهم شيئًا، وكل مشتغل بما لا ينفعه يُسمى لاعبًا كما هو معروف. والمعنى: أن الله (جل وعلا) قادر على إهلاكهم في الليل في حالة نومهم، وإهلاكهم في أول النهار في حالة لهوهم ولعبهم، كيف يأمنون مكره مع الكفر به ... وتكذيب رسله وقدرته على إهلاكهم؟ وهذا معنى قوله: {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)}. ثم كرر الإنكار عليهم فقال: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: آية 99] كان بعض العلماء يقول: إن المكر من الصفات التي لا تطلق إلا على سبيل المشاكلة. وهذه الآية من سورة الأعراف بيّنت أن المكر يُطلق في غير المشاكلة. والمشاكلة: هذا اللفظ من اصطلاحات علوم البلاغيين (¬1)، يذكره علماء البلاغة في (البديع المعنوي) يقولون: منه قسم يُسمى (المشاكلة) وبعضهم يقول: إن ما يُسمى (المشاكلة) هو مما يسمونه: بعض علاقات المجاز المرسل. وهذا الذي يقولون له (المشاكلة) هو: أن يأتي لفظ موضوع في معنى غير معناه، بل موضوع في معنى أجنبي من معناه الأصلي، إلا أنه وُضع فيه لأجل المشاكلة والمقارنة بينه وبين لفظ آخر مذكور معه، ومن أمثلته عندهم قول الشاعر (¬2): قالوا اقترح شيئًا نُجِد لك طبخَه ... قلتُ اطبخوا لي جُبَّةً وقميصَا ¬
فقوله: «اطبخوا لي جبة» يعني: خيطوا لي جبة، فأطلق الطبخ وأراد الخياطة - والطبخ أجنبي من الخياطة - للمشاكلة بينهما. والتحقيق أنه هنا لا مشاكلة، وأن الله ذكر مكره وحده ولم يذكر مكر عبده كما قال هناك: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: آية 30] ذكر مكرهم ومكره، وهنا ذكر مكره وحده. ولذا قال: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)} [الأعراف: آية 99]. والتحقيق أن المكر صفة أطلقها الله على نفسه، ولا يجوز إطلاقها على الله إلا في الموضع الذي يُطلقها هو على نفسه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع جميع العلماء أنه لا يجوز أن يُشتق له منها اسم، فلا تقل: من أسمائه الماكر؛ لأن ذلك لا يجوز إجماعًا. ومعنى (مكر الله) أنه (جل وعلا) يستدرجهم ويغدق عليهم النعم والصحة والعافية حتى يكونوا أغفل ما كانوا، ثم يأخذهم بغتة ويهلكهم في غاية الغفلة، وهذا فعل أحسن ما يكون وأبلغ ما يُتصور، وقد ضربوا مثلاً -ولله المثل الأعلى- قالوا: لو فرضنا أن هنالك رجلاً شديد البلية على الناس، يقتل هذا، ويظلم هذا، وجميع الناس في غاية التأذِّي منه، ثم إن رجلاً صالحًا كريمًا طيبًا احتال عليه بحيلة شريفة، حتى قتله وأراح الناس منه، فكلهم يقول: جزاك الله خيرًا، والله إن قَتْلَك له في صورة خفاءٍ إنه أحسن ما يكون. وعلى كل حال فالله لا يصف نفسه إلا بما هو في غاية الحسن والجمال واللياقة، فوصف نفسه هنا بأنه يهلك الكافرين بمكره، وأن كيده متين كما قال: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)} [الأعراف: آية 183] ونحن قد قدمنا لكم في هذه الدروس مرارًا - وكررناه
مرارًا (¬1) لشدة الحاجة إليه-: أن المذهب المُنجي في صفات الله تبارك وتعالى التي ازدحمت فيها عقول العقلاء، وضلّ آلاف الناس من جهة التعطيل، وضلّ آلاف الناس من جهة التشبيه، والتمثيل، أن المذهب المنجي عند الله -الذي لا شك فيه، وأنه الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وسلف هذه الأمة-: وهو ما يقال له: «مذهب السلف» في اصطلاح الناس، أن انتهاجه هو الصواب، وهو المنجي عند الله، وهو العمل بنور القرآن الذي لا شك فيه، فقد أوضحناه لكم مرارًا سنين متعددة، ولا نزال نوضحه ونكرره لشدة الحاجة إليه، وكثرة من غلط فيه من فحول النظار. اعلموا أيها الإخوان - وفقنا الله وإياكم لما يرضيه - أن العمل بضوء هذا المحكم المنزل الذي لا شك أنه على قدم الصواب أن تُجرى آيات الصفات على ثلاثة أصول، إن لقيتم الله وأنتم على هذه الأصول الثلاثة -لم تُخلّوا بواحد منها- فلا شك أنكم تلقون ربكم وأنتم على عقيدة صحيحة، وصلة بالله متينة، ومذهب حق. وإن أخللتم بشيء منها أدخلتم أنفسكم في بلية. واحذروا من قال وقيل، وعلم الكلام، وغير ذلك. وهذه الأصول الثلاثة: الأول منها: - أيها الإخوان - هو أساس التوحيد الأكبر، وهو الحجر الأساسي للصلة بالله صلة صحيحة. هذا الأساس الأعظم هو تنزيه خالق السماوات والأرض (جل وعلا) عن أن يشبه شيئًا من خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم، وكيف يشبهونه؟! ¬
أليسوا صنعة من صنائعه؟ بلى هم صنعة من صنائعه {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: آية 88]، ومعلوم أن الصنعة لا تشبه صانعها بحال، هذا أصل التوحيد الأعظم في آيات الصفات، وأساسها الأكبر، وهو تنزيه رب العالمين تنزيهًا كاملاً تامًّا لائقًا بكماله وجلاله عن مشابهته لشيء من صفات خلقه أو ذواتهم أو أفعالهم، وهذا الأصل الأعظم نصَّ الله عليه في قوله: ... {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: آية 4] {فَلاَ تَضْرِبُواْ لله الأَمْثَالَ} [النمل: آية 74] ونحو ذلك من الآيات. الأساس الثاني: هو -أيها الإخوان- إذا حققتم هذا الأصل الأعظم الذي هو التنْزيه، فالأصل الثاني: هو الإيمان بما جاء عن الله في كتابه المنزل، والإيمان بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه؛ لأنه لا يصف الله أعلم باللهِ مِنَ اللهِ {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: آية 140] ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4]. هذان الأساسان العظيمان اللذان هما: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة خلقه. والثاني: تصديق الله والإيمان بما مدح به نفسه إيمانًا مبنيًّا على أساس التنزيه. وهذان الأصلان العظيمان أيها الإخوان لم أقلهما لكم من تلقاء نفسي لا، لا، وكلا، وإنما بينتهما لكم على ضوء هذا الوحي
المحكم المنزل الذي هو نور الله وهُدَاه. وإيضاح ذلك: أن الله أوضح هذين الأساسين وارتباط أحدهما بالآخر في غاية الإيضاح في أوْجَزِ عبارة وأتمها وكملها، وذلك بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] فنؤمل -أيها الإخوان- أن تتأملوا في قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وتربطوا أول الآية بآخرها، وآخرها بأولها لتهتدوا كما ينبغي، وإيضاح ذلك: أن السمع والبصر -ولله المثل الأعلى- هما صفتان يتصف بهما -من حيث هما سمع وبصر- سائر الحيوانات، فجميع الحيوانات تسمع وتبصر، والله (جل وعلا) يسمع ويبصر -سبحانه وله المثل الأعلى- ولكن لما أراد أن يبين لنا أنه يسمع ويبصر وضع الأساس الأعظم أولاً فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] لأن الأساس لإثبات الصفات هو التنزيه عن المماثلة وعن التشبيه، فوضع التنزيه هو الأساس الأول فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ثم قال: ... {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} مبنيًّا على أساس: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أي: سمعًا وبصرًا لا يماثلهما سمع مخلوق ولا بصره أبدًا ألبتة في حال من الأحوال. فكان أول هذه الآية الكريمة يدل على التنزيه التام من غير تعطيل، وآخرها يدل على الإيمان بالصفات إيمانًا حقيقيًّا من غير تشبيه ولا تمثيل. فعلينا أن نعتقد أولها: وهو التنزيه. ونعتقد آخرها: وهو إثبات الصفات إثباتًا حقيقيًّا على أساس ذلك التنزيه، فكأن الله يقول لك: يا عبدي، يا عبدي تفهَّم وكن عاقلاً، ولا تذهب بسمعي وبصري إلى سمع المخلوقين وأبصارهم حتى تقول: هذه الصفة تُوهِمُ غَيْرَ اللائِقِ فيجب
تأويلها والإتيان بغيرها!! لا، لا، لا يا عبدي، بل لاحظ أولاً أن صفتي في غاية الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة صفات المخلوقين ليمكنك على ذلك الأساس أن تؤمن بها إيمانًا مبنيًّا على أساس التنزيه، كما بينت لك في قولي: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد قولي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] هذا أيها الإخوان بيان واضح لا لبس فيه. الأساس الثالث: هو أن تعلموا -أيها الإخوان- أن العقول البشرية مخلوقة، وأنها واقفة عند حدها، وأنها متقاصرة عن إدراك الإحاطات والكيفيات بصفاته (جل وعلا)، كما قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: آية 110] فنفى إحاطة العلم البشري نفيًا باتًّا عنه (جل وعلا) لأن الخلق مخلوق، والخالق (جل وعلا) أعظم شأنًا من أن يحيط به خلقه. هذه الأسس الثلاثة -أيها الإخوان- من لقي منكم الله وهو عليها لقيه على هدى ونور من ربه، وعلى عمل بالقرآن. ومن حاد عنها تخَبَّطَ في ظلام لا يدري في أي وقت يخرج منه. وأنا أقول لكم: إن هذه اللحظات من الأيام والليالي سائرة بنا إلى المحشر سيرًا حثيثًا، كصاحب السفينة يكون نائمًا في مُتكئه في البحر يظن أن السفينة واقفة وهي تقطع فيه المسافات العظيمة في الدقائق والثواني!! فنحن تسير بنا الأيام والليالي إلى ربنا (جل وعلا)، وعن قريب سينكشف لكم الغيب، ونكون جميعًا في صعيد واحد أمام رب العالمين (جل وعلا) والله قد يسألكم عن كل شيء كما قال: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف: آية 6] {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} [الحجر:
الآيتان 92، 93] ويوشك أن يسألكم الله عن ماذا كنتم تقولون فيما مدح به نفسه من صفات الكمال، كاستوائه على عرشه، وكصفة اليد والأصابع، وغير ذلك من الصفات التي أثنى الله بها على نفسه، وكالتي في قوله هنا: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)} [الأعراف: آية 99] فإذا قال لكم رب العالمين: ماذا كان موقفكم في دار الدنيا من صفاتي التي مدحت بها نفسي، وأثْنَى عَلَيَّ بِهَا رَسُولي صلى الله عليه وسلم، وبلَّغكم إياها عَنِّي في كتابي وسنة رسولي، هل كنتم تصدقونني، وتؤمنون بي، أو كنتم تنفون صفاتي وتكذبونني وتكذّبون رسولي؟! فلا يخفى على أحد منكم -على طريق الإنصاف- أنه إن كان جوابه لربه في هذا التعليم الذي علمناكم في نور القرآن أنه تعليمٌ صاحبهُ ناج من هذه المشكلات، ولا تأتيه بليّة، بل إنك إن قلت لله: أما أنا فكنت في دار الدنيا أُنَزِّهُ صِفَاتك عن صفات المخلوقين، وأعْتَقِدُ اعْتِقَادًا جازمًا أنَّكَ لا يُمَاثِلُك ولا يشابهك شيء من خلقك، لا في ذاتك، ولا في صفاتك، ولا في أفعالك. فهذا الجواب لا شك أنه لا يُسَبِّبُ لك بَلِيَّة، ولا مشكلة من الله ولا لومًا، ولا تقريعًا، ووالله لا يقول لك الله موبخًا: لم كنت تُنَزِّهني عن مشابهة صفات خلقي؟ لا، لا والله. ثم إنك إذا قلت: أنا كنت أؤمن بصفاتك، وأصدقك بما تمدح به نفسك، وأُصدق رسولك، ولا أكذبك فيما كان يثني به عليك من الصفات، ولكن ذلك الإيمان والتصديق مبني على أساس تنزيهك وتعظيمك وإجلالك عن مشابهة صفات الخلق. والله لا يقول لك الله: لم كنت تصدقني في دار الدنيا، وتصدق رسلي، ولم لا تكذبني وتنفي صفاتي؟ لا، لا. هذا طريق سلامة محقق لا شك فيه.
ولا يقول لك الله في الثالث: لم كنت (¬1) تدعي أن عقلك لا يحيط بصفاتي، ولا بكنهها؟ فهذه طرق حق واضحة، وعمل بنور القرآن، معلوم أنها ليس وراءها تبعة ولا بلايا ولا مشكلة؛ لأنها خروج من مأزق عظيم في ضوء نور كتاب الله (جل وعلا)، وهو المخرج من كل بلية، والمنقذ من جميع أنواع الضلال. واعلموا -أيها الإخوان- أن كثيرًا من أجِلاء المتعلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من النظار -بعد أن نشأ علم الكلام- غلطوا غلطًا شديدًا في هذه المسألة على كثرتهم وقوة علمهم وفهمهم، وهم -كما قال الإمام الشافعي (رحمه الله) - قَصْدُهُمْ حَسَنٌ، ولا يريدون سُوءًا ولا يريدون إلا تعظيم الله وتَنْزِيهَهُ، ولكنهم غلطوا في طريق ذلك، وأخذوا غير الطريق الصواب فغلطوا، فهم كما قال الإمام الشافعي رحمه الله (¬2): رَامَ نَفْعًا فَضَرّ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ ... وَمِنَ البِرِّ مَا يكُونُ عُقُوقَا وسنضرب لكم مثلاً في صفة من الصفات كصفة الاستواء مثلاً، هذه من الصفات التي اشتهر غلط كثير من الطوائف فيها من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من أنواع الطوائف. فمعلوم أن الاستواء هو صفة من صفات الله التي أثنى الله بها على نفسه في سبع آيات من كتابه، وما ذكرها مادحًا بها نفسه إلا مقرونة بأنواع من صفات الكمال والجلال تُبْهِرُ العُقُولَ بعِظَمِهَا، فالسَّلَفِيُّ إذا سَمِعَ اللهَ يَمْدَحُ نَفْسَهُ بقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: آية 2] امتلأ قلبه من الإجلال والتعظيم والإكبار لصفة الاستواء، واعتقد اعتقادًا جازمًا أنها ¬
منزهة كل التَّنْزِيه، مُقَدَّسة كل التقديس عن مشابهة استواء المخلوقين بجميع أنواعه، فكانت أرض قلبه طيبة طاهرة، وعلى أساس هذا التنزيه العظيم وتنزيل صفات الله بما يليق بالله سهُل عليه أن يؤمن بها إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه على غِرار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] لأن الاستواء ليس أوغل في صفات المخلوقين من السمع والبصر، فيكون هذا السلفي أولاً: مُنَزِّهًا صفة الله عن مشابهة صفات المخلوقين. وثانيًا: مؤمنًا بها على أساس ذلك التنزيه في ضوء: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} عالمًا بأنه عاجز عن إدراك الكيفية والإحاطة بالكلّ، فهو مُنَزِّهٌ أولاً، مؤمِنٌ مُصَدِّقٌ ثَانِيًا على أساس التَّنْزِيهِ، واقف عند حَدِّهِ وعِلْمِهِ، فلا يأتيه خطر، ولا يحول حوله غلط. أما من غلط من النُظَّار -مثلاً- فإن بَلِيَّةَ الغَلَطِ جَاءَتْهُ أولاً من تفسير صفات الله بما لا يليق بالله، فصار مبتدئًا بنوع من التشبيه، فجاءته القلاقل والبلابل من التشبيه؛ لأن أقذر قذر عرفه الإنسان: هو تشبيه خالق السماوات والأرض بخلقه -سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- فيقول مثلاً: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: آية 5] الاستواء: معناه الانتصاب المعروف كانتصاب المخلوقين، وهذا مستحيل في حق الله! فجاءته البلية من أنه حمل استواء الله على مشابهة استواء الخلق، وهذا رأس الغلط ومَنْشَأُ البَلِيَّةِ، وليس له فيه حق، كان حقه أن ينزه استواء الله، ويعلم أنه صفة الخالِق، والخَلْق صَنْعَة، فصفة الصانع لا تشبه صفة صنعته، وأنها صفة كمال وجلال منزهة عن جميع أنواع التشبيه. فلما حصل في ذهنه التشبيه أولاً وقع في بلايا لا يقصدها، وشر عظيم لا يريد الوقوع فيه، كما قلنا:
رَامَ نَفْعًا فَضَرّ من غير قَصْدِ ... ومن البرِ ما يكونُ عُقُوقَا (¬1) فيقول أولاً: الاستواء معناه: انتصاب المخلوق هذا الانتصاب المعروف، وهذا لا يليق بالله. فكان مبتدأ قضيته بتشبيه صفة الله التي مَدَحَ بها نفسه بصفة الخلق، وهذا منشأ الغلط وسبب البلية، فلما وقع في ذهنه شيء من أنجاس التشبيه، وأقذار تشبيه الخالق بخلقه سبَّب له بليّة عظمى، ومشكلة كبرى، قال: إذًا لما كان الاستواء غير لائق بالله لا بد أن ننفيه ونؤوله بغيره من صفة لائقة، فقال: إذًا معنى الاستواء: الاستيلاء. والعرب تطلق (استوى) -كما يزعم- وتريد (استولى) ويستدل ببيت الرجز المشهور (¬2): قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مهْراقِ يقول: «قد استوى بشر» معناه: قد استولى، وإذًا: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: آية 2] ثم استولى على العرش. وهذا - أيها الإخوان - غَلَطٌ فاحِشٌ، وإن قال به من قال به، واعتقده من اعتَقَدَهُ، إلا أن المُسْلِمَ يجب عليه الإنصاف والنظر في آيات الله، ولا سيما في صفات خالق السماوات والأرض، فلْيَحْذَرْ مِنَ التعصب. وأنا أوَضِّحُ لكم هذا غاية الإيضاح: فنحن مثلاً لو قلنا لمن قال: استوى معناه: استولى. و «قد استوى بشر على العراق». قلنا له: أيها الإنسان أما تخاف الله؟! أما تستحيي من الله؟ في أي مسوِّغ من كتاب أو سنة، أو أي نقل أو عقل سوَّغت لنفسك أن تُشَبِّه استيلاء الله على عرشه -الذي زعمت- باستيلاء بشر بن مروان على العراق؟! هل يُعْقَل في ¬
الدنيا تشبيه أخس وأنتن وأوضع من تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق؟! هذا أخسّ تشبيه عرفه التاريخ وأدناه [15/أ] / وأسفهه وأسحقه، فمن أين سوَّغت لنفسك تشبيه العرش بالعراق، وتشبيه الله ببشر بن مروان؟! ومَنْ بشر بن مروان حتى تشبِّه استيلاء الله باستيلائه على العراق؟! وما هو العراق حتى تشبهه بالعَرْش؟! فأنت أعظم المشبهين نصيبًا في التشبيه، وأكثرهم تشبيهًا، وهذا الباب الذي فتحت، فتحت فيه عن بحور من أنواع التشبيه لا سواحل لها؛ لأنك كنت مشبهًا استيلاء الله على عرشه -الذي زعمت- بكل مخلوق قهر مخلوقًا فغلبه فاستولى عليه، صرت تشبه استيلاء الله باستيلاء كل مخلوق قهر مخلوقًا فغلبه فاستولى عليه!! وهذا تحته من بحور التشبيه بحور لا سواحل لها، وهذا لا ينبغي أيها الإخوان. ولا شك أن هذا الذي حمل الاستواء على مَحْمَلٍ غير لائق، ثم اضطره ذلك إلى أن نَفَى الاستواء، وجاء بدله بالاستيلاء، هو مضطر أن يُنَزِّهَ أحد اثنين: إما أن ينزه الاستواء الذي نَصَّ اللهُ عَلَيْهِ أوَّلاً، أو ينزه الاستيلاء الذي فَسَّرَهُ به. فنقول: الاستيلاء الذي ذكرت استيلاء منزه عن استيلاء المخلوقين، وكيف ينزه عن استيلاء المخلوقين وأنت تسميه استيلاء بشر بن مروان على العراق؟ أليس بشر بن مروان من المخلوقين؟ واستيلاؤه من استيلاء المخلوقين؟ ولكن نحن نقول: هب أنك تقول: إنك لا بد أن تنزه أحدهما فهو الاستواء الذي نص الله عليه في كتابه، أو الاستيلاء الذي جئت به من قِبَل نفسك؟ ونحن نقول: أيهما أحق بالتنزيه؟ الاستواء الذي نص الله عليه في كتابه، وأنزل به ملكًا من فوق سبع سماوات قرآنًا يُتلى بكل حرف منه عشر حسنات، وهو قرآن يتلى، أهذا أحق بأن ينزه أم
الاستيلاء الذي جاء به قوم غير مستند لآية من كتاب الله، ولا حديث من سنة رسول الله، ولا لغة صحيحة معروفة من لغة العرب؟! الجواب: الاستواء أحق بالتنزيه؛ لأنه كلام رب العالمين، وصفات رب العالمين أحق بالتنزيه كما بيناه في الأساس الأول في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] فعلينا -أيها الإخوان- أن لا نمشي مع مَنْ تَكَلَّمَ فِي آيَاتِ الصفات بما لا يليق بالله، وحَمَلَها على محامل غير طيبة وغير لائقة ثم نفاها على ذلك الأساس، كل هذا لا ينبغي لنا، والذي ينبغي لنا أن نجزم ونعتقد أن الوصف الذي مَدَحَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ أنه بالغ من غايات الكَمَال والجلال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فهو في غاية التنزيه وغاية القداسة والكمال والجلال والتباعد عن شبه صفات الخلق، وعلى هذا الأساس الكريم نؤمن بتلك الصفة على أساس قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} هذا هو الذي ينبغي لنا، ومَنْ مَاتَ مِنَّا عَلَيْهِ مات على طريق واضحة لا لبس فيها ولا إشكال. مات غير مشبِّه ربه بأحد، ولا بقلبه قذر من أنجاس التشبيه، ولا في قلبه تعطيل، ولا جحود بشيء من الصفات، ولا بليّة من البلايا. فنحن في هذه السور الماضية في تفسير آي هذا القرآن -المرة الأولى والثانية التي نحن فيها- بالغنا في بيان هذا جدًّا، ومرارًا نذكر مذاهب المتكلمين في الصفات، وما يسمون به كل صفة منها، وتقاسيمهم لها، ونبين أنها جميعها جاءت في كتاب الله موصوفًا بها الخلق من جهة، وموصوفًا بها الخالق من جهة، وأن صفة الخالق حق، وهي لائقة بالخالق، وصفة المخلوق حق، وهي لائقة
بالمخلوق، وبين صفة الخالق والمخلوق من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، كررنا هذا مرارًا (¬1). وسأضرب لكم منه بعض الأمثال الآن للتذكار والفائدة: لا يخفى عليكم أَنَّ مِنْ تَقَاسِيمِ المتكلمين للصفات -في العلم المعروف بِعِلْمِ الكلام - أنهم يقسمون الصفات إلى صفة معنى، وما يسمونه: صفة معنوية، وما يسمونه: صفة سلب، وما يسمونه: صفة جامعة، وما يسمونه: صفة فعل، كما هو معروف عندهم. فمن صفات المعاني عندهم، وهي الصفات في اصطلاحهم الدالة على معانٍ وجودِيَّة قائمة بالذات زائدة على الذات، وهؤلاء الذين يؤولون الصفات ينكرون جميع المعاني الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله إلا سبعًا منها، وهي: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وينفون غيرها من المعاني الثابتة. وهذا غلط لا شك فيه؛ لأن جميع الصفات من باب واحد، فنحن أولاً نقول في صفات المعاني: إن الله وصف نفسه بالقدرة فقال: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: آية 148]، ووصف بعض خلقه بالقدرة فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: آية 34] ونحن نعلم أن الله في كتابه صادق في وصف نفسه بالقدرة، وصادق في وصف بعض خلقه بالقدرة، وأن لله قدرة حقيقيَّةً لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضًا قدرة مناسبة لحالِهِ وعَجْزِهِ وافْتِقَارِهِ والفناء، وبين القدرة والقدرة من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات، فنثبت قدرة الخالق لائقة بالخالق، منزهة عن مشابهة قدرة المخلوق، ونثبت قدرة ¬
المخلوق منحطّة لائقة بالمخلوق، منحطّة عن مشابهة قدرة الخالق. ووصف (جل وعلا) نفسه بالسمع والبصر فقال: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: آية 1] ووصف بعض خلقه بذلك فقال: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: آية 28] {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} [الإنسان: آية 2] ونحن -أيها الإخوان- لا نشك في أن الله صادق في كتابه أن الله سميع بصير، وأن بعض خلقه سميع بصير، إلا أنا نعلم أن سمع الله وبصره لائقان بكماله وجلاله، منزهان عن مشابهة سمع المخلوق وبصره، وأن سمع المخلوق وبصره ثابتان له حقًّا ثبوتًا لائقًا به، متقهقرًا منحطًّا عن مشابهة صفة الخالق جل وعلا. وقد وصف الله نفسه بالحياة فقال: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: آية 255] {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} [الفرقان: آية 58] ووصف بعض خلقه بالحياة فقال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: آية 30] {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: آية 19] {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} [مريم: آية 15] ونحن لا نشك أن الله صادق في وصفه نفسه بالحياة، وصادق في وصفه خلقه بكتابه بالحياة، ونعتقد أن لله حياة حقيقيَّة لائقة بكماله وجلاله، منزهة عن مشابهة صفات المخلوقين، كما أن للمخلوقين حياة حقيقية لائقة بحالهم، متقهقرة منحطّة عن مشابهة صفة خالق السماوات والأرض (جل وعلا) كانحطاط ذواتهم عن ذاته (جل وعلا). وقد وصف (جل وعلا) نفسه بالعلم فقال: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ} [الأنفال: آية 75] ووصف بعض خلقه بالعلم فقال: {نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: آية 53] {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: آية 68] فنحن لا نشك أن الله صادق في وصفه -في كتابه- نفسه بالعلم، وصادق في وصفه بعض خلقه بالعلم، إلا أن صفة الله لائقة بالله، وصفة المخلوق مناسبة للمخلوق، وبينهما من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق كما لا يخفى. وقد وصف (جل وعلا) نفسه بالكلام قال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: آية 164] {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف: آية 144] {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} [التوبة: آية 6] ووصف بعض خلقه بالكلام فقال: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: آية 54] {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ} [يس: آية 65] إلى غير ذلك، ونحن نجزم بأن لله كلامًا حقًّا لائقًا بكماله وجلاله، وللمخلوق كلام أيضًا مناسب لحاله، وبين هذا وهذا كما بين ذات الخالق وذات المخلوق كما لا يخفى. إلى غير هذا من صفات المعاني. وكذلك ما يسمونه: (صفات السلوب) والسلبية عندهم هي ما يسمونه: القِدم، والبقاء، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق الذي يعبرون عنه بالقيام بالنفس، والوحدانية. هذه هي صفات السلوب المعروفة عندهم. وقد جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها على نحو ما ذكرنا، فما يسمونه: القِدم والبقاء ويزعمون أن الله وصف بهما نفسه في قوله: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: آية 3] قد جاء وصف الله نفسه بهما، وهو أعني الأولية والآخرية حيث قال: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} ووصف المخلوقين بالأولية
والآخرية قال: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ (17)} [المرسلات: الآيتان 16، 17] ووصف الخلائق بالبقاء فقال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: آية 96] فوصف ما عند الله من بعض مخلوقاته بأنه باق وقال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: آية 77] ووصف بعض المخلوقين بالقِدَم في قوله: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: آية 95] {كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: آية 39]. واعلموا أن جماعة من السلف أنكروا وصف الله بالقِدَم وقالوا: إنه من مبتدعات المتكلمين، ولا يجوز وصف الله بالقِدَم؛ لأن القِدَم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو تقادم زمن الشيء قديمًا مع كونه مسبوقًا بعدم. وبعض العلماء خالف في هذا وقال: عُرف في الشرع إطلاق القِدم على ما يُطْلِقُهُ عليه المتكلمون؛ لأن القِدَم في اصطلاح المتكلمين هو عبارة عن كل ما لا أَوَّلَ له بشرط أن يكون وجوديًّا، فالقِدَم عند المتكلمين أخَفُّ ممَّا يسمونه (الأزل)؛ لأن الأزل في اصطلاحهم هو كل شيء لا أَوَّلَ له، سواء كان وجوديًّا كذات الله -جل وعلا- متصفة بصفات الكمال والجلال؛ لأن وجود ذاته الكريمة متصفة بصفاتها الكريمة لا أول له، فهي عندهم يُقال له: (أَزَلِيٌّ) ويُقال له: (قديم) في اصطلاحهم، أما المعدوم فلا يُقَالُ له قَدِيمٌ عِنْدَهُم، وإنما يُقال له: أَزَلِيٌّ، فَكُلُّ مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ من الأعدام فهو أَزَلِيٌّ عندهم، ولا يُسمى قديمًا كأعدام ما سوى الله، فنحن هؤلاء الموجودون هنا قبل أن نولد كنا معدومين، وَعَدَمُنَا السَّابِقُ لا أوَّلَ لَهُ، فأعدامنا أزَلِيَّةٌ؛ لأنها لا أول لها، ولا نقول: إنها قديمة.
والأظهر أنه جاء ببعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن إطلاق المتكلمين للقِدَم على ما لا أول له من الموجود أن له أصلاً، وأنه لا ينبغي أن يُنكر، وقد جاء في سنن أبي داود في دخول المسجد: «أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (¬1) فأطلق اسم القِدَم على سلطان الله، ومعلوم أنه لا يريد بقِدم سلطان الله شيئًا سبقه عدم، فَقَدْ أَخْرَجَ الحاكم في المستدرك في بعض الطرق التي يزعم أنها صحيحة أن القديم من أسمائه (جل وعلا) (¬2) والله (جل وعلا) أعلم (¬3). والحاصل أن جميع أنواع أقسام الصفات التي يذكرها ¬
المتكلمون جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وكل منهما حق، وهذا لائق بموصوفه، وهذا لائق بموصوفه، وبينهما من الفرق كما بينّا. ومن أكبر ذلك: الصفات التي يسمونها: (الصفات الجامعة) التي تدل على العظمة واستلزامها لجميع الصفات، كالكِبَر، والعِظَم، والعلو، والملك، وما جرى مجرى ذلك، فقد وصف (جل وعلا) نفسه بأنه عَلِيٌّ عظيم قال: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: آية 255] ووصف بعض خلقه بالعلو فقال: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [مريم: آية 57] {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم: آية 55] ووصف بعض خلقه بالعِظَم فقال: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: آية 63] {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} [الإسراء: آية 40]. وصف نفسه بالمُلك فقال: {يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ} [الجمعة: آية 1] {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر: آية 23] وقد وصف [بعض خلقه] (¬1) بالملك {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} [يوسف: آية 54] {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء} [آل عمران: آية 26] إلى غير ذلك من الآيات. ووصف (جل وعلا) نفسه بالكِبَر فقال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: آية 34] {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: آية 10] ووصف بعض خلقه بالكِبَر فقال: {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: آية 7] {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: آية 31] ونحو ذلك من الآيات. ¬
وكذلك الصفات التي هي من صفات المعاني على التحقيق، والمؤولون من الكلاميين يزعمون أنها من صفات الأفعال، وهي صفات معنى لا شك فيها، كالرأفة، والرحمة، وما جرى مجرى ذلك. فإن الله وصف بها نفسه قال: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: آية 47] ووصف بها بعض خلقه فقال في صفة نبينا (صلوات الله وسلامه عليه): {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128)} [التوبة: آية 128]. وصف نفسه بالحلم {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: آية 59] ووصف بعض خلقه بالحلم {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ (101)} [الصافات: آية 101] {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: آية 114] ونحو ذلك من الآيات. وكذلك صفات الأفعال وصف نفسه بها ووصف خلقه بها، وصف نفسه بأنه المعلّم قال: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)} [الرحمن: الآيتان 1، 2] ووصف مخلوقه بأنه يعلّم، وجمع الوصفين في قوله: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} [المائدة: آية 4]. ووصف نفسه بأنه المُنبئ قال: {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: آية 3]. ولو تَتَبَّعْنَا هَذَا لأَطَلْنَا فيه الكلام، فحَاصِل هذا أن جميع الصفات التي يذكرها علم الكلام جاء بالقرآن العظيم وصف الخالق بها ووصف المخلوق، فيجب علينا أن نتمشى مع القرآن، ونسلك طريق الحق الواضح الذي لا تبعة فيه، ولا غرر فيه، ولا سخط من
رب السماوات والأرض يستوجبه، فنضع كل شيء في موضعه، فنثبت للخالق صفته على وجه الكمال والجلال وغاية التنزيه عن مشابهة الخلق، ونثبت للمخلوق صفته على الوجه الملائم للمخلوق، المناسب للمخلوق، المتواضع المنحط المتسافل عن صفة الخالق (جل وعلا)، ونعلم أن كلاً حقٌّ في موضعه، وأنه لا مناسبة بين صفة الخالق والمخلوق حتى نشبهها بها، أما الذهاب بصفة الخالق إلى صفة المخلوق فهذا غلط لم يقله أحد من السلف الصالح، وهو غلط حدث من مقالات الكلام؛ لأنه لما دخل علم الكلام وصارت الناس تُحكم العقول، ولو كان كذا لكان كذا، وتُجري العقائد على الأقيسة المنطقية جاءت البلايا؛ لأن كلاً يظن صحة الربط بين هذا اللازم والملزوم فينتج منهما قضية، ويكون الربط بينهما منفكًّا فيأتي الآخر ويبين انفكاك الربط بينهما، وصارت مقالات وطوائف كل منهما تكذّب الأخرى، وتُقيم الدليل والبرهان العقلي في زعمها على أن الحق معها والغلط مع غيرها. ونحن نقول: إن الفصل في كل شيء هو هذا المحكم المنزل، والنور الذي أنزله رب العالمين على لسان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فهو الذي يوضح الحقائق، ويكشف ظلمات الجهل، ويبين الحقيقة ناصعة واضحة على وجهها الأكمل، وقد بين لنا الطريق المثلى، والمعتقد الصَّواب الذي لا شك فيه، وهو أنّا نُنَزِّه ربنا عن مشابهة صفات الخلق، ونؤمن بما وصف به نفسه، ونُصَدِّقه على أساس ذلك التَّنْزِيهِ، ونَقِف عند حَدِّنا، ونعرف قَدْرَنَا وقَدْرَ عقولنا ولا نَتَجَاوز حَدَّنَا. هذه طريق القرآن، وهي طريق مأمونة لا غائلة وراءها ولا عاقبة سيئة، وعلى هذا فقوله جل وعلا: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ
إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)} [الأعراف: آية 99] نقول: هذه صفة مَدَحَ اللهُ بها نَفْسَهُ، وهذا الذي أثْنَى بِهِ على نفسه فهو لا شك أنه في غاية اللياقة والكَمَالِ والجَلالِ، والسلامة من النقص والمباعدة عن مشابهة مكر المخلوقين وصفاتهم، فنثبته ونصدق الله بما وصف به نفسه منزهين ربنا غاية التنزيه، معترفين بالقصور والوقوف عند حدنا كما بين في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: آية 110] وقد بينا أن بعض مكر المخلوقين -ولله المثل الأعلى- قد يكون في غاية الاستحسان عند الناس، كما بَيَّنَّا أنه لو كان الرجل في غاية الشر وعِظَم الأذِيَّة على العامة، يقتلُ هذا، ويسبي هذا، ويأخذ مال هذا، ويظلم هذا، والناس عاجزون عنه، حتى جاءه رجل عظيم معروف بالفضل والمروءة والخير واحتال عليه بطرق خفية حتى قدر على قتله وأراح المسلمين منه، فكل الناس يقولون: إن كيدك هذا لفي غاية الكمال، وفي غاية الحسن، وفي غاية اللياقة والقبول عند عقول المخلوقين. هذا في كيد مخلوق، فما ظنك -ولله المثل الأعلى- بخالق السماوات والأرض جل وعلا. يقول الله جل وعلا: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (100)} [الأعراف: آية 100]. قوله في هذه الآية الكريمة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ} قال جمهور علماء التفسير: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ} معناه: أولم يُبيِّن للذين؟ فـ (هدى) تستعمل في معنى (بيّن) ومنها هذه كما رُوي عن غير واحد
من علماء التفسير من الصحابة فَمَنْ بَعْدَهُمْ، فمن إطلاق (هَدَى) بمعنى (بيّن): قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: آية 17] أي: بيّنا لهم على لسان نبينا صالح، فهو هداية بيان لا هداية توفيق، بدليل قوله بعده: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} الآية. ومن إطلاق (هدى) بمعنى البيان والإرشاد: قوله تعالى في الإنسان: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان: آية 3] أي: بينّا له السبيل، وليست هداية توفيق، بدليل قوله بعده: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} وهذا معنى قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ} [الأعراف: آية 100] أَوَ لَم يُبَيِّن للذين {يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} اعلموا أولاً أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي تشكل على كثير من المنتسبين للعلم، ويتبيَّن معناها ببيان إعرابها وإيضاح موضع الفاعل والمفعول منها، وفي ذلك ثلاثة أوجه معروفة لا يُكذب بعضها بعضًا (¬1): الأول: أن الفاعل لقوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ} ضمير عائد إلى الله {أَوَلَمْ يَهْدِ} هو؛ أي: الله؛ أي: يبين هو، أي: الله {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} وعلى هذا فالمفعول في محل المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في قوله: {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} والمعنى: ألم يبين لهم الله أنه لو شاء إِصَابَتَهُم بذنوبهم لأصابهم بها، وكون الفاعل هنا ضميرًا يعود إلى الله تدل عليه قراءة بعض السلف: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ} بالنون (¬2)، فهي وإن كانت غير سبعية إلا أنها قرأ بها بعض السلف، وهي تفيد في التفسير. وعلى هذا المعنى أن الله بين لهؤلاء الأمم الذين أوْرَثَهُمُ الله في الأرض ¬
بعد أن أهلك أهلها، بيّن لهم بإهلاك الظالمين المكذبين للرسل واستخلافهم بعدهم، بيّن لهم بهذا إصابته لهم بذنوبهم لو شاء أن يصيبهم بها كما أصاب مَنْ قَبْلَهم، وهذا وجه لا إشكال فيه. الوجه الثاني: أن الفاعل في قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ} ضمير عائد على ما كان يُذكر من قصص الأمم الماضية، والمعنى: ألم يبين قصص الأمم الماضية من إهلاك الله لها لما كذبت رسلها ألم يبين ذلك للذين يرثون الأرض أن الله قادر على إهلاكهم بذنوبهم كما أهلك من كان قبلهم لما كفروا وكذبوا رسله؟ وعلى هذين الوجهين فالمصدر المنسبك من (أن) المخففة من الثقيلة وصلتها في محل نصب على المفعول به. الوجه الثالث: أن مفعول (يهد) محذوف، وفاعلها هو المصدر المنسبك من (أن) وصلتها، والمعنى: أولم يبين للذين يرثون الأرض إصابتُنا الأمم الماضية وإهلاكنا إياهم ألم يبين لهم ذلك أنَّا لو شئنا لأهلكناهم؟ أولم يبين لهم ذلك وخامة عاقبة أمر من عصى الله؟ وهذا هو حاصل معنى كلام العلماء في هذه الآية، يدور على أن الله (جل وعلا) أهلك الأمم الماضية التي كذبت الرسل كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وبيّن أن ذلك يدل على أن من أهلكهم بذنوبهم لو شاء لأهلك من جاء بعدهم بذنوبهم كما أهلك الأولين، كما قال تعالى: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)} [المرسلات: الآيات 16 - 18] وهذا معنى قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} [الأعراف:
آية 100] معنى: {يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} يخلفون أهلها الذين هلكوا ويسكنون أرضهم بعدهم؛ لأن هؤلاء الجيل يبيدهم الله فيموتوا فيسكن مواطنهم قوم آخرون، فذلك معنى إيراثهم الأرض بعدهم. فالإرث هنا معناه: انتقال شيء كان عند أحد إلى أحد آخر، ولو لم يكن على سبيل الإرث المعروف؛ لأن العرب تطلق في لغتها الإرث على مجرد الانتقال من ميت إلى حي كما هو معروف. وهذا معنى قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} [الأعراف: آية 100] أي: الذين كانوا يسكنونها ودمرهم الله. {أَن لَّوْ نَشَاء} (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن كما هو معروف في محله، وخبرها جملة: {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} أنه أي: الأمر والشأن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. اعلموا أن المقرر في علوم العربية أن فعل المشيئة إن اقترن بأداة الشرط فإن مفعوله يُحذف لدلالة جزاء الشرط عليه، وتقدير المفعول المحذوف هنا: أن لو نشاء إصابتهم بذنوبهم أصبناهم بذنوبهم. فحذف المفعول لدلالة جزاء الشرط عليه، وربما أُظهر نادرًا كما قال تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ} [الأنبياء: آية 17] الأغلب أن يُقال: لو أردنا لاتخذنا لهوًا، ولكنه هنا ذكر مفعول الإرادة مع جزاء الشرط، وذلك يوجد في كلام العرب في بعض الحِكم، ومنه قول الشاعر (¬1): ¬
وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ ... عَلَيْكَ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ هذا معنى قوله: {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} [الأعراف: آية 100]. قرأ هذا الحرف جماهير القراء غير نافع، وابن كثير، وأبي عمرو: {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} بتحقيق الهمزتين. وقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: {أن لو نشاءُ وَصَبْنَاهُم} بإبدال الهمزة الثانية واوًا (¬1)، وهما قراءتان سَبْعِيَّتَانِ صَحِيحَتَانِ ولُغَتَانِ معْرُوفَتَانِ فصيحتان. وصيغة الجمع في قوله: {نَشَاء} وفي قوله: {أَصَبْنَاهُم} كِلتاهما للتعظيم. وقوله: {أَصَبْنَاهُم} أي: بالعذاب، أصبناهم بالعذاب والإهلاك بسبب ذنوبهم، والذنوب: جمع ذنب، والذنب معروف. أهلكناهم بسبب ذنوبهم ككفرهم ومعاصيهم، وهذا معنى قوله: {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ}. وأقرب الأقوال وأصحها في قوله: {وَنَطْبَعُ} أنها جملة مستأنفة على التحقيق، أي: ونحن نطبع على قلوبهم، والطبع هنا على القلب معناه الختم عليه والاستيثاق منه حتى لا يصل إليه خير ولا يخرج منه شر، فمعنى (طَبْعُ الله على القلوب) أنه -والعياذ بالله- يختم على قلب المجرم ويطبع عليه بحيث لا يخرج منه شر ولا يدخل إليه خير، كالقارورة إذا ختمتها وطبعت عليها لا يخرج شيء مما فيها، ولا يصل إليها شيء آخر. وهذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تُصَحِّحُ عَقِيدَةً مِنْ عَقَائِدِ السَّلَفِ المشهورة التي وقع فيها القيل والقال والخلط الكثير، وذلك ¬
لا يخفاكم -أيها الإخوان- أن هذه المسألة التي هي مسألة (الجبر والاختيار والكسب) أنها هي أصعب مسألة في دين الإسلام، وأعقد تخلصًا على العوام؛ لأن الناس انقسمت فيها إلى ثلاث طوائف: طائفة ضلّت في الإفراط، وطائفة ضلت في التفريط، وطائفة خرج من هضمها حقًّا صافيًا كاللبن يخرج من بين فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهو أفعال العبد؛ لأن أفعال العبد، وقدرة العبد، وإرادته، هي أصعب شبهة وقعت في دين الإسلام وأعسرها تخلصًا، ونحن في بعض المرات نهاب أن نثيرها لئلا يقع منها شيء في قلوب بعض الناس الذين لا يعرفون، فيعسر عليهم التخلص منه، وتارة نستعين بالله ونذكرها ونبينها ليرزق الله الهدى في ذلك وتستنير قلوب من وفقه الله. اعلموا أولاً أن من يَتَسَمَّون باسم المسلمين، مِنْ طَوَائِفِهِم التي هي على الحَقِّ والبَاطِلِ انقسمت في كسب العبد إلى ثلاثة أقسام: فطائفة قالت: إن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها -والعياذ بالله- كالمعتزلة. وهذا المذهب ينصره محمود الزمخشري في تفسيره دائمًا، يزعم أن الله لا يريد الشر ولا يخلق الشر، وأن الله أنْزَه مِنْ أَنْ يُرِيد الشر، وأن الشر بمشيئة العبد وإرادته وقدرته من غير تأثير لقدرة الله فيه. وهذا -والعياذ بالله- مذهب باطل باطل، صاحبه يريد أن يسلب الله قدرته -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا- وهذه الطائفة ضلت في التفريط؛ لأنهم فرطوا في قدرة الله حتى زعموا أنه تقع في ملكه أفعال العبيد من غير قدرته ولا مشيئته!! وهذا تفريط في صفات الخالق (جل وعلا)، فإنه (جل وعلا) لا يمكن أن يقع في خلقه تحريكة ولا تسكينة ولا طرفة عين
إلا بمشيئته وإرادته (جل وعلا) وله الحكمة البالغة في كل ما يشاء. وهذا المذهب الذي يقول: إن العبد يخلُق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها هو الذي ردّت عليه هذه الآية الكريمة الرد الواضح كما ترون؛ لأن الله إذا بيّن أنه هو الذي طبع على قلبه فمنعه من سماع الحق لحكمة كيف يقول الإنسان إن ذلك الشر لم يقع بمشيئته (جل وعلا) فهذه الآية وأمثالها تردّ ردًّا صريحًا على مذهب المعتزلة أقوى رد وأعظمه، فهم ينتحلون شُبهًا وتأويلات كل عاقل يعرف أنها باطلة. المذهب الثاني: هو مذهب الجبرية، وهؤلاء ضلّوا بالإفراط حيث زعموا أن العبد لا تأثير له ولا فعل له، وأن هذا كله فعل الله، وأن الله لا يعذب العبد بذنب؛ لأن الله هو الذي شاءه وقدّره عليه، وهذا من أخطر الباطل كما ترون. المذهب الثالث الذي هو الحق: مذهب المسلمين وسلف هذه الأمة وجماعتها: أن العبد خَلَقَ الله له قدرة وإرادة، وله مشيئة وفعل يختار ويفعل ويقدر، إلا أن قدرة الله وإرادته تصرفان قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به العلم الأزلي فيأتيه طائعًا مختارًا. وهنا سنّة سنتكلم عليها لعل الله ينفع بها، فلنضرب مثلاً: مناظرة للجبريّ ومناظرة للقدري: أما مناظرة الجبري فانقطاعه فيها قريب، وهي واضحة؛ لأن الجبري لو قال: أنا لا فعل لي، وهذا فعل الله، وأنا لا أوخذ بشيء من ذلك؛ لأن الله فعل هذا ولا ذنب لي. فإنك لو فقأت عينه، أو ضربته ضربًا مؤلمًا، أو قتلت ولده لا يجعل لك القدر حجة،
ولا يقول: هذا فعل الله وأنت بريء، لا وكلا، بل يسارع كل المسارعة في ضربك وقذفك والانتقام منك مصرحًا بأن هذا فعلك!! وانقطاعه قريب. وأما المشكلة القوية فهي مشكلة المعتزلة الذين يزعمون أن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثير لقدرة الله فيها. وسنبين لكم إن شاء الله الجواب عنها موضحًا من كتاب الله: اعلموا أولاً أنّا لو فرضنا رجلاً يعتنق هذا المذهب ورجلاً من أهل السنة يتناظران، فقال معتنق هذا المذهب: إن كانت ذنوبي التي أؤاخذ عليها بمشيئة الله، ولست مستقلاً بمشيئتي، فمن أي وجه هو يشاء الذنب فيعذبني أنا عليه؟ وأنا غير مستقل المشيئة، إذ لو كنت مستقل المشيئة لما فعلت إلا ما يرضيه، وقد كتب على البعيد قبل وجوده أنه يرتكب هذا الكفر وهذا الذنب، ولا بد أن يرتكبه؛ لأن علم الله لا يتغير، وما سبق في علمه الأزلي لا بد أن يقع؛ لأن علمه لا يستحيل جهلاً. فيقول: إذا كان الله قدّر عليه - عياذًا بالله - أنه يكفره ويعصيه، ولا قدرة له على التخلص من قدر الله، فبأي ذنب يُؤخذ؟ وأي استقلال له في فعله حتى يؤخذ عليه؟! هذه حجته وأقصى شبهته. فيقول له السُّنّي: جميع الأسباب التي أعطى الله للمهتدين الذين اهتدوا بسببها أعطاكها جميعها، إلا شيئًا واحدًا هو الذي حصل به الفرق، لا حجة لك فيه ألبتة على ربك، فإن هؤلاء الذين اهتدوا، وأطاعوا الله، ودخلوا الجنة، جميع أسباب الهدى التي اهتدوا بها كما أعطاهم الله أعطاك، فالعيون التي أصابوا بها آيات الله، واستدلوا بها على قدرته وعظمته، وأنه الرب المعبود وحده أعطاك عينين مثلها،
وكذلك القلوب التي عقلت عن الله، وأدركت وحي الله، وصارت سببًا للإيمان أعطاك مثلها، فجميع أنواع الأسباب التي أعطاها الله للمهتدين أعطاك مثلها. بقي هنالك شيء واحد هو الذي حصل به التفاوت لم يعطكه وهو تفضله بالتوفيق، فقد تفضّل على هؤلاء بالتوفيق، ولم يتفضل عليك بالتوفيق، فمن هنا حيث إنه تفضّل على هؤلاء ولم يتفضل عليك من هنا حصل الفرق بينكما، وتفضله ليس واجبًا لك عليه حتى تحتج به عليه. ويوضحه بعض المناظرات، فإن المناظرة المشهورة التي دارت بين أبي إسحاق الإسفراييني وعبد الجبار من كبار المعتزلة توضح هذا المعنى، وقد بينّاها في هذه الدروس مرارًا (¬1)، وذلك أن المعتزلي الكبير المشهور عبد الجبار جاء يتقرب بهذا المذهب الباطل، وناظره أبو إسحاق الإسفراييي وقطعه في جمع بهذه الحجة التي أصلها القرآن كما سنبينه، فجاء عبد الجبار وقال: سبحان من تنزّه عن الفحشاء! يعني أنه تَنَزَّهَ عن أن تكون السرقة والزنا بمشيئته، فيزعم أن الله أنْزَهُ وأجَلّ وأعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُون السرقة والزنا والضلالة بمشيئته؟ وقال في هذا: سبحان من تنزّه عن الفحشاء. [15/ب] فقال أبو إسحاق: كلمة حق أُريد بها باطل، ثم قال:/ سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟ ¬
فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى عليَّ بالردى، دعاني وسدّ الباب دوني، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟! فقال أبو إسحاق: أرى أن هذا الذي منعك إن كان حقًّا واجبًا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبُهت عبد الجبار!! وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب (¬1). وهذا الجواب الذي أجاب به أبو إسحاق هو مضمون قوله: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} [الأنعام: آية 149] حجته البالغة على خلقه هي تفضله بالهدى، فمن شاء أن يتفضل عليه بالهدى فهو فضل منه، ومن لم يتفضل عليه فما ظلمه، وقد أنصفه من جميع النواحي، ومن أعطي فضله ففضل، ومن مُنِعَهُ فعدل كما ذكرنا. ومما يوضح هذا ما يذكرون عن عمرو بن عبيد (¬2) - وهو من كبار المعتزلة المشهورين المعروفين بالعبادة والنسك - أنه جاءه بدوي وقال له: يا شيخ ادعُ الله أن يردَّ عليّ دابتي، سرقوها. فقام عمرو بن عبيد يتقرب بهذا المذهب الباطل، وقال: اللهم إنها سُرقت ولم تُرد سرقتها؛ لأنك أكرم وأنزه وأجلّ من أن تريد هذه القذرة القبيحة. فالبدوي أعرابي جاهل، قال له: ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دُعائك الخبيث، إن كانت سُرقت ولم يُرد سرقتها، فقد يُريد ردّها ولا تُرد، فربٌّ يقع في ملكه ما لا يشاء لا ثقة لي به. فألقمه حجرًا!! ¬
والتحقيق في هذا المعنى أن الله خلق للعباد قُدرًا وإرادات يقدرون بها ويريدون، والله (جل وعلا) أقام عليهم الحجة من جميع الوجوه، فتفضّل على بعضهم بالتوفيق، ولم يتفضّل على بعضهم، وتفضُّله فضل منه، وعدم تفضّله بملكه المحض عدل منه، فهو (جل وعلا) يصدُر منه إما فضل وإما عدل، وليس هنالك ظلم لأحد. أما المخلوقون فلا شك أن لهم قُدرًا وإرادات، وعامَّة العقلاء يطبقون على أن هنالك فرقًا بين حركة اليد الاختيارية والحركة الارتعاشية كحركة [المحموم] (¬1) كما لا يخفى على أحد، وأن الله خلق للعبد قدرة وإرادة، وأقدره بتلك القدرة والإرادة على فعل ما يشاء مما هو في مقدوره، إلا أن قدرة الله وإرادته تصرف قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به العلم الأزلي، فيأتيه العبد طائعًا في غاية الطوع، كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: آية 30] فصرح بأن للمخلوقين مشيئة، وأنهم لا يشاءون إلا ما شاءه الله، والله (جل وعلا) قد عَلِمَ في أزَلِهِ ما تَسْتَحِقّه عبيده، فمنهم من هو أهْلٌ لِلْخَيْرِ وفَّقَهُ للخير، ومنهم من هو أهل للشر وفّقه للشر، كما قال صلى الله عليه وسلم لما سأله أصحابه عن هذه الشبهة، قال: «كل ميسر لما خُلق له» (¬2). والمعنى: أن الله خلقهم وأمرهم وسيوفق كُلاً منهم إلى ما سبق له به العلم الأزلي في الكتاب. وهذا كلام موجز عن قضية الكسب، فعلينا أن نَعْلَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ لنا قُدرًا وإرادات نؤاخذ بها، وأنّا نأتي الأفعال طائعين، ولنا قدرة ¬
مخلوقة وإرادة مخلوقة كلتاهما خلقها الله بقدرته وإرادته، فربنا يصرف إراداتنا ومشيئاتنا وقُدرنا إلى ما سبق به علمه الأزلي فنأتيه طائعين. نرجو الله (جل وعلا) أن يوفقنا إلى ما يرضيه منّا، ولا يصرف قلوبنا إلا لما يرضيه. وهذا معنى قوله: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: آية 100]. اعلموا أن السمع في القرآن وفي اللغة يُطلق إطلاقين: يُطلق السمع على ما سمعه الإنسان وسَمِعَتْهُ أُذُنُه فوَعَاهُ قَلْبُهُ. ويُطلق السمع على القبول والاستجابة، ومن إطلاق السمع على القبول والاستجابة: قوله في الصلاة: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أي: لمن أطاعه فاستجاب له. فالعرب تقول: سمعًا وطاعة. أي: إجابة وقبولاً، ومنه هذه الآية. فقوله: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} السمع المنفي هنا هو سمع الطاعة والقبول. أي: إن الله إذا طبع على القلوب فالأسماع تسمع ولكن ذلك السمع لا ينشأ منه طاعة ولا قبول، والله (جل وعلا) بين أنه إذا وقع على القلوب مثل هذا الطبع وما جرى مجراه أنهم لا يستطيعون أن يسمعُوا. ونفي الاستطاعة ذكره في آيات كقوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود: آية 20] فنفى عنهم استطاعة السمع. وكقوله: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: آية 101] وقال (جل وعلا) في الفرقان: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان: آية 9] وهذه الاستطاعة نفيها إنما هو بحسب مشيئة الله من معاقبة الإنسان على ذنب، لأن هذه الآيات فيها سؤال معروف مشهور لطالب العلم أن يسأل عنه ويُجاب عنه، وهو أن يقول طالب العلم: إن الله في غاية الإنصاف والعدالة، فهو (جل وعلا) منصف عدل في
غاية الإنصاف والعدالة؛ وفي هذه الآيات بيَّن أنه طبع على قلب هذا الإنسان، قال في بعض الآيات: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} [البقرة: آية 7] {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [الأعراف: آية 100] {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف: آية 57] ومن جُعل على قلبه الطبع والختم، وجُعل في عينه الغشاوة، وفي أذنه الوقر، فهذا في حكم العاجز، فعلى هذا يكون في هذه الآيات شبهة للجبرية، فنحن نقول: إن القرآن العظيم بيّن أن هذا الطبع وهذا الختم والإزاغة النهائية عن الحق لا يأتي الإنسان إلا بسبب ذنب من ذنوبه، فهو جزاء وفاق على بعض الذنوب، وذلك ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ كثيرة أن الله (جل وعلا) يُسَبِّبُ للإنسان الضَّلالة بِسَبَبِ ارتكاب الذنوب كما يسبب له الهدى بسبب الطاعات، فالعبد إذا سارع إلى الكفر، وتكذيب الرسل، وإلى ما يُسخط الله عاقبه الله بأن زاده ضلالاً فوق ضلاله، وظلامًا على ظلامه، وجاءه هذا الطبع بسبب كفره وبغيه وتمرده على الله. وقد بيّن (جل وعلا) هذا في آيات كثيرة كقوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: آية 155] (الباء) في قوله: {بِكُفْرِهِمْ} سببية، فبيّن أن هذا الطبع بسبب كفرهم الذي سارعوا إليه، وكقوله جل وعلا: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: آية 3] وكقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: آية 5] ما أزاغها بالطبع والختم حتى بادروا إلى الذنوب والكفر فعاقبهم الله وجزاهم جزاء وفاقًا، وكقوله: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: آية 10] وكقوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (125)}
[التوبة: الآيتان 124، 125] والآيات القرآنية كثيرة في هذا، ومن هنالك يُعلم أن الحسنات وطاعة الله أن الله يجعل ذلك سببًا لهدى عبده، كما أن السيئات والمبادرة إلى ما لا يرضيه تكون سببًا للرّين على القلوب والطبع عليها كما قال: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: آية 14] وقال في الهدى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: آية 17] {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: آية 69] وأمثال ذلك من الآيات. قوله جل وعلا: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: آية 100] قوله تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} هنا أن موضع هذا الطبع القلوب، والقلوب: جمع القلب، وهو عضو من الإنسان معروف على هيئة شكل حب الصنوبر وهو معروف، وكون الطبع محله على القلوب يبين أن مركز العقل هو القلب كما أشرنا له مرارًا (¬1)، وإنما بينّا هذا مرارًا لئلا تبقى الناس مصدّقة للكفرة الملاحدة الإفرنج، مكذّبة لله ولرسوله، فالقرآن العظيم في عشرات الآيات، والسنة النبوية في أحاديث صحيحة كلها مطبقة على أن مركز العقل هو قلب الإنسان لا دماغه؛ لأن الله يقول: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: آية 46] فصرح بأن العقل والإدراك بالقلوب لا بالأدمغة، ثم قال: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: آية 46] ولو كان الإدراك ليس في القلب الذي في الصدر لما كان له عمى ولا إبصار، ولم يقل الله يومًا ما: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس، لم يقل هذا أبدًا، وإنما قال: {وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي ¬
الصُّدُورِ} وقال جل وعلا: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} فبين أن الفِقه منفي عن محله الذي يفقه به وهو القلب، والآيات على هذا لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم، أن العقل الذي به الإدراك محلّه في القلب، والآيات الدالة على هذا كثيرة، والأحاديث لا تكاد تحصيها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ» ثم فسرها صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (¬1). ولم يقل: «ألا وهي الدِّمَاغ». هذا أمر معروف، ومعروف أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية طافحة بهذا، والغريب أنك ترى عامّة من ينسبون للإسلام يضربون بهذه النصوص الحائط ويزعمون كلهم بأن مركز العقل الدماغ!! ونحن نعلم أن الله هو الذي خلق العقل، وهو الذي وضعه في محله، ولا شك أن من خلقه وأبرزه من العدم إلى الوجود، ووضعه في محله أنه أعلم بمحله من الملاحدة الذين يبرهنون على ما يزعمون بفلسفات قد لا تكون مَبْنِيَّة على مقدمات يقينية، ولا ينبغي للمسلم أن يضرب بالقرآن عرض الحائط. فالآيات القرآنية لا تكاد في المصحف تحصيها دالة على أن العقل في القلب؛ لأنه دائمًا يذكر القلوب ويجعل الإثم مكانه القلب، والتقوى مكانه القلب فالله، يقول: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: آية 283] [ولم يقل:] (¬2) «إنه آثم دماغه» يومًا ما!! وقال جل وعلا: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)} [الحج: آية 32] ولم يقل: «من ¬
تقوى الأدمغة» يومًا ما. فالقرآن طافح بهذا بكثرة، والسنة النبوية طافحة بهذا بكثرة. أما الذين يقلدون ملاحدة الإفرنج فهم على نوعين: من جاء منهم بطريق لا تُكذب القرآن فما علينا منه، ومقالته لا نتعرض لها؛ لأن كل ما يصعب علينا هو ما يعارض نصوص السماء التي أنزلها خالق السماوات والأرض، فإذا جاء بما يخالفه مخالفة قطعيّة وجب علينا أن نرد عليه ونكذبه، وإن كان لم يكن هناك مخالفة فمَنْ عنده دليل خاص فليُبْرِزه، ومن ليس عنده فليسكت. وهنا تجب مسألة: يجب على المسلمين أن يتحفظوا كل التحفظ من أن يُحَمّلُوا القرآن ما لا يحتمله، فعلينا أن لا نقول: إن الله قال في كتابه هذا إلا بعد اليقين الجازم والتحري العظيم، خوفًا أن يكون ذلك الظاهر الذي نفهمه غير المراد فنقول على الله بغير حق، ويكون الحق عند غيرنا. هذا أمر يجب أن يُتحفظ منه. ولكن الآيات القرآنية الدالة على أن العقل في القلب لا تكاد تحصيها، وهو أمر قطعي لا نزاع فيه. أما الذين قالوا من فلاسفة الملاحدة: إن مركز العقل مثلاً: القلب، ولكن نوره روحاني يمتد نوره فيتصل شعاعه بالدماغ؛ ولذا من قال: إنه في الدماغ لم يكذب لاتصال أحد طرفيه به، من قال هذا وجاء بهذا فما علينا منه، وقد يمكن أن يكون صادقًا، ولم يأتِ بما يخالف نصوص ربنا، فلو قال هذا فهو أهون. أما الذي يقطع علاقة العقل بتاتًا بالقلب، ويقول: كله في الدماغ. فهذا الذي نقول له: كذاب، كذاب، كذاب؛ لأن الله يقول: إنه في القلب.
وهذه الفكرة أن شعاعه يتصل بالدماغ، وأنه بين هذا وهذا، فمن قال في القلب فقد صدق، كما جاء به الوحي، ومن قال في الدماغ بهذا الاعتبار فقد صدق لاتصال نوره به. من قال هذا فقوله أهون، والمسألة على قوله أسهل؛ لأنها لا تستلزم تكذيب الله. ومعلوم أن البحث في العقل بحث فلسفي معروف، وأن الفلاسفة بحثوا في العقول أكثر من مائة نوع من البحوث مختلفة، ومنها بحثهم في محل مركزه، وقدماء الفلاسفة كانوا يستدلون على أن مركز العقل الدماغ، ويستدلون بما إذا نُظر في الاصطلاح إذا هو شرطيّ مركب من شرطية متصلة لزومية، يظنون أنها لزوميّة وهي اتفاقية!! وإيضاح ذلك: أنهم بحسب الاستقراء والتتبع وجدوا كل ما يؤثر على الدماغ من جميع المؤثرات يضر بالعقل، وهذا أمر مُشاهد لا نزاع فيه؛ لأن كل ما يضرّ بالدماغ يؤثر على العقل، فَزَعَمُوا مِنْ هُنَا أنَّ مَرْكَزَهُ الدماغ لتأثره بما يؤثر عليه، فقالوا: في الشرطية المتصلة المذكورة: لو لم يكن محله الدماغ لما تأثر بجميع المؤثرات على الدماغ، لكنه تأثر بها، ينتج: محله في الدماغ. ومتأخروهم يزعمون أن عندهم آلات رصدوه بها حتى رأوا حركة الفكر أنها في الدماغ. وعلى كل حال فهذه النظرات الفلسفية إنما يُنظر فيها إذا لم تخالف نصوص كتاب الله، ومقصودنا أن ننبهكم على أن لا تنجرفوا مع أقوال الكفرة، ضاربين بقول خالق السماوات والأرض الحائط، وأن لا تقبلوا إلا شيئًا يمكن ألا يكون مخالفًا لكتاب الله كما أشرنا إليه، وهذا معنى قوله: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: آية 100].
ثم إن الله قال: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} [الأعراف: آية 101] الإشارة في قوله: {تِلْكَ} إشارة للقرى، ومعلوم أن (القرى) وما جرى مجراها أنه يعامل معاملة المؤنثة المجازية التأنيث. والقرى: جمع قرية على غير مثال، والقرى المشار إليها هي ما تقدم ذكرها في آيات سورة الأعراف الماضية؛ كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب كما تقدم قصصهم مفصلاً (¬1). {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} بعضهم يقول: {تِلْكَ} مبتدأ، و {الْقُرَى} خبره، و {نَقُصُّ} جملة حالية، كقوله: {وَهَذَا بَعْلِي شيخًا} [هود: آية 72] على أن (هذا) مبتدأ، و (بعلي) خبره، و (شيخا) حال، ولهم فيه غير ذلك (¬2). وبعضهم يقول: إن (تلك) مبتدأ و (القرى) نعته. وهذا مبنيٌ على ما يقوله جماعة من النحويين أن أسماء الأجناس الجامدة أنها ربما نُعِت بها ووُصِفَ بها، وبه قال جماعة من علماء النحو كما هو معروف في محله. وقوله: {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} [الأعراف: آية 101] صيغة الجمع للتعظيم، ومعنى: {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} نتلوا عليك أخبارها في هذا الكتاب العظيم. والأنباء: جمع النبأ وهو الخبر، وقد قَدَّمْنَا مرارًا (¬3) أن النبأ أخص من الخبر، فكل نبأ خبر وليس كل خبر نبأ؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على الخبر الخاص، وهو الخبر الذي له خطب وشأن، كما قلنا: إنك لا تقول: جاءني اليوم نبأ عن حمار ¬
الحجام؛ لأن حمار الحجام لا خطب له ولا شأن، فلا يطلق فيه النبأ، وإنما يطلق فيه الخبر. وإنما كانت هذه الأنباء عن هذه القرى أخبار لها خطب وشأن؛ لأنها دَلَّتْ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ الله، وعلى صبر أنبيائه، وعلى شدة بطشه وعدالته وإنصافه، وإهلاكه للظالمين، وأن فيها من التخويف للموجودين من عذاب الله وسخطه ما ينهاهم أن يقع منهم مثل ما وقع من الأوَّلِين، ولذا كان لها شأن وخطب؛ ولذا قال: {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} [الأعراف: آية 101]. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} اللام مُوطئة لقسم محذوف، وقوله: {جَاءتْهُمْ} ضمير جماعة الذكور راجع إلى سكان القرى المعبّر عنهم بقوله: {تِلْكَ الْقُرَى} فأنث في قوله: {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} نظرًا إلى لفظ القرى، وذكَّر في قوله: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ} نظرًا إلى سكانها. وبعض العلماء يقول: القرى تطلق إطلاقين: تطلق على الأبنية، كما تطلق على السكان. وعلى هذا فلا إشكال. {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} قد قدمنا فيما مضى (¬1) أن البينات جمع بينة، وأن البينة هي الحجة القاطعة التي لا تترك في الحق لبسًا، ومنه (البينات في الشهادات)؛ لأنها شهادات قوم عدول لا تترك في الحق لبسًا، فالبينات: الحجج الواضحة البينة التي لا تترك في الحق لبسًا. ومعنى (البينات) هنا على التحقيق: المعجزات؛ لأن الله ما أرسل نبيًّا قط إلا ومعه معجزة تُقارب التحدِّي، يعجز عنها الخلق، فتثبت بها نبوته؛ لأن إثبات الله للمعجزات للرسل هي بمثابة قوله ¬
لهم: أنتم صادقون في خبركم عني. فهي تصديق من الله لهم؛ لأنه ما خرق لهم العادة وقت التحدي وجاء بهذا العلم الخارق الذي لا يقدر عليه غيره إلا ومعناه عنده: أنت صادق يا عبدي فيما تنقل عَنّي. فهو تصديق من الله، ولذا سُمِّيَ مُعْجِزَة؛ لأن المعجزة فعل خارق يحصل عند التحدي لا يقدر عليه البشر (¬1). وقد ذكرنا فيما مضى في الكلام على قوله: {قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ} [الأعراف: آية 73] تصريف هذه الكلمة، وما جاء من أمثلتها في القرآن ببعض أمثلتها (¬2)، وكان ذلك الذي ذكرنا هنالك سقط منه قسم نسيانًا، وكنا نتحرى إن جاءت لها مناسبة أخرى أن نبيّن القسم الذي سقط من كلامنا سهوًا لئلا يضيع على بعض طلبة العلم الذين يسمعون هذه الدروس. ذكرنا فيما مضى أن (البينة) أنها صفة مشبهة من (بان يبين) فهو (بيّن) والأنثى (بينة) بمعنى: وضح. وأنها المعجزة الواضحة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في الحديث الصحيح أن الله ما أرسل رسولاً إلا أتاه بمعجزة كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إِلا أُوتِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (¬3). هذا حديث صحيح صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ما بعث نبيًّا قَطُّ إلا أعْطَاه ما آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، أي: معجزة تفحم الناس وتلزمهم الحق كما هو واضح. ¬
وقد ذكرنا فيما مضى (¬1) أن البينة جاء من تصاريفها في القرآن ولغة العرب أربعة تصاريف، واحد منها مجرد وثلاثة مزيدة -وهذا محل النسيان- لأنها جاءت على خمسة أنواع، أربعة منها مزيدة وواحد مجرد، ومن هنا وقع الغلط، وكنا نريد إذا جئنا بمناسبة كهذه أن نتدارك النسيان السابق لنبين القسم الذي سقط. اعلموا أولاً: أن هذه المادة أعنى مادة (الباء والياء والنون) (ب، ي، ن) جاء منها لفظ (بان) ثلاثيًّا مجردًا، ومنه هذه؛ لأن قوله: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} [الأعراف: آية 101]، البينات: وزنه (فيعلات) وهو من (بان) الثلاثية بلا نزاع عند من يعرف فن الصرف معرفة معروفة، فـ (بان) الثلاثي المجرد دل عليه قوله: {فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ} {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} [الأنعام: آية 157] لأنها (فَيْعِلَة) وهي من (بان) الثلاثية المجردة بلا نزاع عند مَنْ له إلمام بموازين الصرف وأصوله. هذا الوجه المجرد، وهذا لازم في القرآن، وفي اللغة العربية، ولم يُسمع متعديًا بقية الأوزان الأربعة المزيدة التي تُستعمل لازمة ومتعدية. ذكرنا فيما مضى منها ثلاثة، وهي: (أبان) بزيادة الهمزة على وزن (أفعل) ومن هذه المادة قوله في جميع القرآن: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)} [الدخان: آية 2] {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: آية 1] لأن المبين هو الوصف من (أبان) الرباعية بالهمزة بلا نزاع عند من له إلمام بالفن. [وقد قدمنا الكلام على هذه المسألة] (¬2) ¬
فقد بينَّا (¬1) أن (أبان) بالهمزة تكون متعدية وتكون لازمة، وذكرنا شواهد ذلك، وقلنا: إن من إتيانها متعدية: أبان حجته، وأبان للناس ما كان يخفى عنهم، وأنها تأتي لازمة، ومنه: {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} أي: البين الواضح، ومنه لازمًا قول كعب بن زهير (¬2): قَنْواء في حُرتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مبينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ وقد بينا هذا فيما مضى. الثاني من الأوزان المزيدة: (بيَّن) بالتشديد على وزن (فعَّل) بتضعيف العين، وهذه في القرآن كثيرة كما قال: {نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ} [المائدة: آية 75] وهي كثيرة في القرآن العظيم، وهي تأتي في كلام العرب أيضًا متعدية ولازمة، وذكرنا شواهدها لازمة كما في مثل: (قد بيَّنَ الصبحُ لذي عينين) (¬3) إلى آخر ما ذكرنا من شواهدها. الثالث: (استبان) على وزن (استفعل) وقد ذكرنا أنها تأتي متعدية أيضًا ولازمة، وأن تعديها ولزومها جاء مثالهما في القراءتين في قوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: آية 55] لأنه فيه قراءتان سبعيتان (¬4) {ولتستبين سبيلَ المجرمين} {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} فعلى قراءة: {سَبِيلُ} بالرفع، فـ (تستبين) لازمة معناه: تظهر وتتضح، وعلى قراءة: {سبيلَ المجرمين} فـ (تستبين) متعدية للمفعول، تستبين أنت يا نبي الله {سبيلَ المجرمين} أي: ¬
تعلمها وتعرفها حتى تتضح لك، هذه الأوزان التي ذكرنا، والذي نسيناه في ذلك، وهو سبب الرجوع لهذا الكلام: الوزن الرابع من المزيد وهو قوله: (تبيَّن) على وزن (تَفَعَّلَ) بزيادة التضعيف والتاء، وهذا موجود في القرآن بكثرة، وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: آية 114] {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم: آية 45]. (وتبين) أيضًا بزيادة التاء مع التضعيف تأتي في لغة العرب لازمة ومتعدية، مثال إتيانها لازمة: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم: آية 45] {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله} وقد سُمعت في كلام العرب متعدية، ومن سماعها متعدية قول الشاعر (¬1): وَلَمَّا تَزَايَلْنا من الجزعِ وانْتَأَى ... مُشَرِّقُ رَكْبٍ مُصْعِدًا عَنْ مُغَرِّبِ ... تَبَيَّنْتُ أَلاَّ دَارَ مِنْ بَعْدِ عَالجٍ ... تَسُرُّ وَأَلاَّ خُلَّة بَعْدَ زَيْنَبِ فالمصدر المنسبك في قوله: «أن لا دار» في محل المفعول لـ (تبين). فنحن نذكر هذه المناسبات؛ لأننا نعلم أن القرآن العظيم هو مصدر العلوم، وله في كل علم بيان، فنتطرق الآية من وجوهها، وقصدنا انتفاع طلبة العلم؛ لأن القرآن أصل عظيم تُعرف به أصول التصريف والنحو وأصول الفقه والتاريخ والأحكام إلى غير ¬
ذلك من جميع النواحي، فنحن جرت عادتنا بأن نتطرق الآية من جميع نواحيها بحسب الطاقة لينتفع كل بحسبه. [16/أ] /يقول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)} [الأعراف: الآيات 101 - 105] اللام موطئة لقسم محذوف، والله لقد جاءتهم. والضمير في قوله: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ} عائد إلى الأمم المذكورة في قوله: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} والله لقد جاءت تلك القرى التي قصصنا عليك من أنبائها رسلهم بالبينات، فجاء نوح قوم نوح، وهود عادًا، وصالح ثمود، وقوم لوط لوط، وقوم شعيب شعيب. هذه الرسل جاءت هذه الأمم. وهذا معنى قوله: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} والله {لَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ} [الأعراف: آية 101] من عندنا، أي: من عند خالقهم {بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالأدلة الواضحة، وهي المعجزات؛ لأن الله ما أرسل نبيًّا قط إلا ومعه معجزة تثبت قوله وتقوم بها الحجة على من أُرسل إليهم. وقوله: {رُسُلُهُم} الرسل (¬1) جمع رسول، والرسول هو من أُرسل بشيء إلى غيره، وأصل الرسول مصدر، وإتيان المصادر على ¬
(الفَعُول) قليل، كالقبول والولوع والرسول، وإنما قلنا: إن أصل الرسول مصدر لأن ذلك يزول به بعض الإشكالات في القرآن؛ لأن الرسول أصله مصدر بمعنى الرسالة، ومنه قول الشاعر (¬1): لقد كذبَ الواشُونَ ما فُهتُ عندهم ... بقولٍ ولا أَرْسَلتُهم برسولِ أي: ما أرسلتهم برسالة، وإنما قلنا: إنه مصدر لأن كونه مصدرًا يزيل بعض الإشكالات؛ لأن المصادر إذا وُصف بها ونُعت بها جاز إفرادها وتذكيرها من غير جمع؛ ولذلك جاز إفراد الرسول في حالة التثنية والجمع نظرًا إلى أن أصله مصدر، ومن إفراده في التثنية: قوله تعالى في الشعراء: {فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية 16] وقد ثنَّاه في طه في قوله: {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} [طه: آية 47] فإفراده وهو تثنية نظرًا إلى أن أصله مصدر، وتثنيته اعتبارًا بوصفيَّتِهِ الطَّارِئَة وقطعًا للنظر عن مصدريته الأصلية، وسُمع في كلام العرب إطلاق الرسول على الجمع بلفظ المفرد، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي (¬2): أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَواحِي الخَبَرْ إذا علمت أن أصل الرسول مصدر، وأنه وُصف به، فإذا جُمع كقوله: {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم} أو ثُنِّي كقوله: {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ} [طه: آية 47] فذلك للاعتداد بالوصفية العارضة، وإذا أُفرد كقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية 16] فذلك نظرًا إلى المصدرية الأصلية كما لا يخفى. ¬
قوله: {بِالْبَيِّنَاتِ} أي: المعجزات. وقوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} [الأعراف: آية 101] هذه الآية الكريمة فيها أوجه عديدة من التفسير، معروفة عند علماء التفسير (¬1)، لا يرجحون منها شيئًا، وأظهرها عندي واحد لدلالة القرينة القرآنية هنا عليه، وكثرة ما يدل عليه في القرآن، فمن هذه الأوجه المذكورة في تفسير هذه الآية: أن المعنى: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} بعد الموت إذا بُعثوا وردوا {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} في دار الدنيا التي هي وقت الإيمان، وهذا الوجه قال به جماعة من العلماء، واستدلوا له بمطابقته لقوله جل وعلا: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] ومن أوجه التفسير في هذه الآية: ما قاله بعض أهلِ العلم: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} بعد مجيء الرسل بالمعجزات {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} قبل مجيء الرسل بالمعجزات، واستأنس أهل هذا القول بقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: آية 6]. وقال بعض العلماء: هي لقوم لم يؤمنوا طوعًا ليلة أخذ الميثاق التي سيأتي الكلام موضحًا عليها -إن شاء الله- في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} [الأعراف: آية 172] على أحد الوجهين: أن الله أخرجهم من أصلاب آبائهم في صفة الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وأن بعضهم شهد كرهًا لا طوعًا، وهو بطوعه ليس بمؤمن، قالوا: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} [الأعراف: آية 101] بعد ¬
مجيء الرسل بما كذبت أرواحهم ليلة طلب الإيمان منهم كالذر، وهذا قال به جماعة من أهل العلم، ولا يخلو من بُعد، إلى غير ذلك من أوجه التفسير في الآية. والذي يظهر لنا صوابه لدلالة القرينة هنا عليه، والآيات القرآنية عليه: هو أن معنى هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف هو الذي قدمناه موضحًا في سورة الأنعام، وإيضاح ذلك: أن الله إذا أرسل الرسل إلى خلقه قام المُتَنَطِّعون الكفرة فبادروا إلى الكفر وتكذيب الرسل، والمبادرة إلى ذلك التكذيب يكون ذنبًا عظيمًا يمنعهم الله بسببه أن يؤمنوا بعد ذلك، فيزيغ قلوبهم ويطبع عليها ويختم، ويبعدهم عن الخير نتيجة لمسارعتهم إلى ذلك الشر. وإنما قلنا: إن هذا الوجه هو أظهر الأوجه لدلالة القرآن عليه لأمرين: أحدهما: القرينة المقترنة به هنا، وهو أنه قال: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} أي: لأن الله طبع على قلوبهم بسبب تكذيبهم السابق؛ ولذا قال بعده مقترنًا به: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: آية 101] كذلك الطبع الذي منعهم من أن يؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك الطبع يطبع الله على قلوب الكافرين، وقد صرح (جل وعلا) في آيات من كتابه أن هذا الطبع يقع بسبب كفر سابق كما قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: آية 3] فبين أن الطبع بسبب كفر سبقه. وكذلك قال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: آية 155] ومن أوضح ما يوضح هذا المعنى آية الأنعام، وهي قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)} [الأنعام:
آية 110] على أظهر التفسيرات، أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالطبع والختم والغشاوة عليها وإزاغتها عن الحق {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} كما أنهم سارعوا إلى الكفر أول مرة عاقبناهم بعدم الهدى -والعياذ بالله - كقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: آية 5]، {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: آية 10] {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} [التوبة: آية 125] {وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: آية 82] {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: آية 64] وهذا معنى قوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ} [الأعراف: آية 101] أي: كذلك الطبع الذي طبع الله على قلوب هؤلاء الأمم الذين كذبوا رسلهم يطبع الله على قلوب الكافرين طبعًا مانعًا لهم من الإيمان لتكذيبهم السابق ومبادرتهم إلى الكفر والعياذ بالله. {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)} [الأعراف: آية 102]. (ما): نافية. وصيغة الجمع في (وجدنا) للتعظيم، و (وجد) هنا علمية. والمعنى: {وَمَا وَجَدْنَا} ما علمنا. ومعلوم أن (وجد) في اللغة من أخوات (عَلِمَ) وهذا أظهر الأقول فيها هنا (¬1). {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم} أي: لأكثر الأمم السابقة. وقال بعض العلماء: لأكثر الخلق ما وجدنا لهم {مِّنْ عَهْدٍ} (مِنْ) دخلت على المفعول به، فالأصل: ما وجدنا لهم عهدًا. ولكن (من) إذا دخلت على النكرة في ¬
سياق النفي نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم (¬1). والعهد: هو ما تجب المحافظة عليه والوفاء به. والأصل: ما وجدنا لأكثرهم عهدًا. ويُفهم من قوله: {لأَكْثَرِهِم} أن هنالك عددًا قليلاً لهم عهد. وهذا هو ظاهر الآية؛ لأن الذين هم الأكثر لا عهد لهم. ثم قال: {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} (إن) هذه وهذه (اللام) فيها خلاف معروف بين البصريين والكوفيين، المذهب المشهور عند علماء العربية وهو مذهب البصريين أن (إن) مخففة من الثقيلة، وأنها مهملة، وأن (اللام) فارقة بين (إن) المخففة من الثقيلة، وبين (إن) النافية، ولا يكاد هذا يوجد إلا مع الفعل الناسخ كما هنا؛ لأن (وجد) كـ (علم) وغيرها من أفعال القلوب. ومذهب الكوفيين يقولون: إن (إن) نافية، و (اللام) بمعنى (إلا). وهو غريب. والمعنى عندهم: وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين. والناس على ارتضاء مذهب البصريين دون مذهب الكوفيين في هذه (¬2). وقوله: {مَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} [الأعراف: آية 102] بيّن الله في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا عهد لهم - والعياذ بالله - لأن من لا عهد له لا خير فيه؛ لأن كل التكاليف عهود. ومن لا يفي بعهد لا يطيع الله في شيء، وقد جاءت آيات قرآنية كثيرة تبين ¬
أن أكثر الخلق لا خير فيهم كقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [غافر: آية 59] {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: آية 100] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)} [يوسف: آية 103] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (8)} [الشعراء: آية 8] {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71)} [الصافات: آية 71] إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نصيب الجنة مِنَ الألْفِ وَاحِد، وأن نصيب النار من الألف تسع وتسعون وتسعمائة. ولما شق ذلك على أصحابه صلى الله عليه وسلم أخبرهم بكثرة الكفار، وأنه يمكن أن يكون من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهذا يدل على أن أكثر الخلق ضُلال (¬1) {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ} [الأنعام: آية 116] وأهل الهدى قلة، وهذا قضاء الله وقدره في الجميع. وهذا معنى قوله: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} [لأعراف: آية 102]. هذه الآية فيها سؤال معروف: وهو أن يقال: إن أكثر الكفار لهم عهد، ولكن لا يوفون بهذا العهد، والعهد على قسمين: عهد مُوفى به، وعهد يُنقض، والمذموم هو العهد الذي يُنقض به، والممدوح هو الذي يُوفى به، فبعض العلماء يقول (¬2): إن معنى {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} أن الذي ينقض العهد تقول العرب: لا عهد له. فالذي لا وفاء له كأنه لا عهد له؛ ولذا قال: ¬
{وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} وهذا لا يتعين، وقد يظهر للناظر في الآية أن فيها حذف الصفة، وهو في نظري أقرب مما يذكرون، أن فيها حذف الصفة؛ لأن حذف الصفة إذا دل المقام عليها أسلوب معروف واضح في القرآن العظيم وفي غيره لا لبس فيه. وعلى هذا فالمعنى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} [الأعراف: آية 102]. أي: ما وجدنا لهم من عهد مُوفى به. أي: ما وجدنا لهم من عهد يحصل فيه الوفاء خاصة، أما العهد المنقوض فقد يُوجد لكل من الفجرة. وهذا الوجه ظاهر لا خفاء به، ونظيره في القرآن قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: آية 79] والمعنى: يأخذ كل سفينة صحيحة صالحة؛ لأنه لو كان يأخذ السفينة التي خُرقت لما كان خرق الخضر لتلك السفينة فيه فائدة؛ لأن الخضر صرح بأنه خرقها لِتَتَعَيَّب بذلك الخرق، ويكون ذلك سببًا لسلامتها من غصب ذلك الملك لها؛ ولذا قال: {كُلَّ سَفِينَةٍ} وظاهره يعم المخروقة وغيرها، فالصفة محذوفة دلّ المقام عليها. ونظيره قوله: {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} [الإسراء: آية 58] يعني: من قرية ظالمة، بدليل قوله: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: آية 59] وحذف النعت موجود في كلام العرب بكثرة، وإن قال ابن مالك في خلاصته: إنه يقل (¬1). فهو كثير في كلام العرب. ومن أمثلته في كلامهم: قول المرقَّش الأكبر (¬2): ¬
ورُبَّ أسيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ ... مُهَفْهَفَة لها فَرْعٌ وَجِيدُ فقول المرقش الأكبر: (لها فرع وجيد) يعني: لها فرع فاحم وجيد طويل. فحذف الصفة لدلالة المقام عليها. ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي (¬1): مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ، وَمْنْ فِعْلُهُ ... فِعْلٌ، وَمَنْ نائِلُهُ نَائِلُ يعني: من قوله قول فصل، ومن فعله فعل جميل، ومن نائله نائل جزل. فحذف النعوت لدلالة المقام عليها، ومن هذا القبيل قول الآخر (¬2): أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ... وَنَارٍ توقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارًا يعني: كل امرىءٍ تحسبينه امرأً طَيِّبًا له شأن، وكل نار تحسبينها نارًا. يعني: نارًا موقدةً للقِرى. فحذف الأوصاف لدلالة المقام عليها كما هو معلوم في محله. قوله: {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: آية 102] (إن) مخففة من الثقيلة، والتقدير: وإنه، أي: الأمر والشأن وَجَدْنَا أكْثَرَ النَّاسِ لفاسقين. (اللام) هي الفارقة على التحقيق بين المخَفَّفَة من الثقيلة والنافية، كما هو معروف في محله. والفاسقون: جمع تصحيح للفاسق، والفسق في لغة العرب: الخروج، فكل من خرج عن الطريق فقد فسق، ومنه قول الراجز (¬3): ¬
يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غَائِرا ... فَوَاسِقًا عن قَصْدِهَا جَوَائِرا أي: خوارج عن قصدها الذي تَمْشِي عَلَيْهِ. هذا أصل الفسق في لغة العرب (¬1)، ومنه قولهم: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ؛ أيْ: خرجت. وهو في اصطلاحِ الشرع: الخروج عن طاعة الله، كما قال تعالى: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: آية 50] أي: خرج عن طاعة ربه والخروج عن طاعة الله قد يكون أعظم أنواع الخروج وهو الكفر، وقد يكون خروجًا دون خروج وهو المعاصي، ومن هنا أُطلق في القرآن الفسق على الكفر والمعاصي، فمن إطلاقه على الكفر قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: آية 26] ومن إطلاقه على المعاصي دون الكفر: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: آية 6] وهذا معنى قوله: {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: آية 102]. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)} [الأعراف: آية 103]. معلوم أن (ثم) حرف عطف مع الترتيب والانفصال، و {بَعَثْنَا} معناه: أرسلنا. وصيغة الجمع للتعظيم {مِن بَعْدِهِم مُّوسَى} من بعدهم أي: من بعد الرسل المذكورين في هذه السورة، وهم: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، {بَعَثْنَا} من بعد هؤلاء نبينا موسى، بعثناه {بِآيَاتِنَا} وهي الآيات التسع والمعجزات التي جاء بها فرعونَ، كاليد البيضاء، والعصا الآتية في هذه السورة، وبعض الآيات المذكورة في سورة الأعراف كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ¬
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [الأعراف: آية 103] الملأ (¬1): أشراف الجماعة من الذكور. و (فرعون) هو ملك مصر. يقولون: إن كل من ملَكَ مصر يُسمى (فرعون) كما هو معروف من تسمية (كسرى) و (قيصر) لكل من مَلَك ذلك المحل المعروف، وبعض العلماء يقول: (فرعون) لفظ عربي من تَفْرَعَن الرجل إذا كان ذا مكر ودهاء، وعلى تقدير أن (فرعون) لفظ عربي فوزنه: (فِعْلَول) باللام لا (فِعْلَون) بالنون. وبعضهم يقول: هو اسم أعجمي، وهو الأظهر؛ لأنه لو كان عربيًّا لما مُنع من الصرف؛ لأن هذا الوزن إذا كان عربيًّا قد لا يُمنع من الصرف (¬2). وفرعون المذكور هنا هو ملك مصر الذي جاءه موسى وأُرسل إليه، وقصَّ الله من خبره ما قص، والمؤرخون والمفسرون بعضهم يقول: اسمه: (طالوس)، وبعضهم يقول اسمه: الوليد بن مصعب بن الريان كما هو معروف في تاريخه. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: أشراف جماعته {بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} قوله: {بِآيَاتِنَا} [الأعراف: آية 103] أي: بمعجزاتنا التي جاء بها موسى. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (¬3) أن المحققين من علماء العربية يقولون: إن أصل الآية (أَيَيَة) فوزنها (فَعَلَة) وفاؤها همزة، وعينها ولامها كلاهما ياء (أَيَيَة) وقد اجتمع فيها موجبا إعلال؛ لأن العين واللام كلتاهما ياء مفتوحة قبلها فتحة أصلية. فالإعلال تكرر ¬
مُوجبه هنا، وقد عُرف في فن الصرف أن الإعلال إذا تَكَرَّرَ موجبه يكون الإعلال غالبًا في الأخير. وهنا خولف الأغلب، وصار الإعلال في الأول، فأُبدلت الياء الأولى ألفًا، وصُححت الياء الثانية، وفيه أقوال غير هذا ولكن هذا أشهرها عندهم. والآية في لغة العرب: تطلق إطلاقين: أحدهما: تطلق الآية ويراد بها العلامة. وهذا إطلاقها المشهور. تقول: آية كذا. أي: علامة كذا. وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو عربيّ جاهليّ- تفسير الآية بالعَلاَمَة، وذلك في قوله (¬1): تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لِسِتَّةِ أعوامٍ وذا العام سابعُ ثم فسر الآية بأنه يريد بها علامات الدار، وما تشخص من آثارها بقوله: رماد ككُحْلِ العينِ لأْيًا أُبينه ... ونُؤيٌ كجِذْمِ الحوضِ أثلَمُ خاشِعُ الإطلاق الثاني: هو إطلاق الآية على الجماعة؛ لأن العرب تقول: جاء القوم بآيتهم. أي: بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر الطائي أو غيره (¬2): خَرَجْنَا مِنَ النقْبَيْن لا حَيَّ مِثْلِنَا ... بآيتِنَا نُزْجِي اللّقَاحَ المَطَافِلاَ أي: بجماعتنا. والآية هنا بمعنى العلامة؛ لأن المعجزات أفعال خارقة للعادة ¬
هي علامات واضحة قاطعة على أن الله مصدق لمن أعطاه إياها مقارنة للتحدي كما هو معروف (¬1). وقوله: {فَظَلَمُواْ بِهَا} الباء في قوله: (بها) عدَّى به. و (ظلموا) فيه وجهان معروفان لعلماء التفسير (¬2): أحدهما: أن (ظلموا) معناه: كفروا. أي: فكفروا بها، وإذا كان (ظلموا) بمعنى: كفروا فلا إشكال في الباء، والظلم كثيرًا ما يُطلق بمعنى الكفر كقوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13] {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)} [يونس: آية 106] وعلى هذا فالظلم بمعنى الكفر، وتعديته بالباء واضحة، وبعض العلماء يقول: فظلموا بسببها، حصل منهم الظلم الكبير بسببها حيث كذبوا بها ولم تدلهم على الحق وعاندوا. وذلك الظلم قد بين (جل وعلا) أنهم أيقنوا أن الآيات حق، وأنهم ظلموا عدوانًا منهم، كما قال في قوم فرعون لما علموا الحق من آيات موسى في أول سورة النمل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: آية 14] فقوله: {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} في النمل يوضح قوله: ... {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: بسببها، وقد قال تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ} [الإسراء: آية 102] أي: {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعون {مَا أَنزَلَ هَؤُلاء} الآيات {إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ} أي: دلالات قاطعة لا تترك في الحق لبسًا، وهذا معنى: {فَظَلَمُواْ بِهَا}. ¬
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارًا (¬1): أن الظلم في لغة العرب هو: وضع الشيء في غير موضعه فكل من وضع شيئًا في غير موضعه فقد ظلم، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير من خلق، ثم يليه: وضع الطاعة في الشيطان دون الله (جل وعلا)، والعرب كلُّ من وضع شيئًا في غير موضعه تقول له: ظَلَم. ومن هذا المعنى قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب: إنه ظالم؛ لأن الضرب وقع في غير موضعه؛ لأنه يُضيع زُبده؛ ولذا كانوا يُسمّون الذي يضرب [لبنه] (¬2) قبل أن يروب: ظالمًا، ففي لُغَز الحريري يقول: «هل يجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم إذا كان عالمًا» (¬3). فقوله: «ظالمًا» يعني: يضرب لبنه قبل أن يروب، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬4): وقائلةٍ ظلمتُ لكم سِقَائي ... وهل يخفى على العَكدِ الظَّلِيمُ وقول الآخر (¬5): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شَكَاتُه ... ظلمتُ وفي ظَلْمي له عامِدًا أَجْرُ فهذا معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قيل لمن وضع شيئًا في غير موضعه: (ظالم)؛ ولذا سَمّوا الحُفَرَ في الأرض التي ليست محلاً للحفر والماء: (مظلومة)، ومنه قول نابغة ذبيان (¬6): ¬
إلا الأوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها ... والنُّؤيُ كالحوضِ بالمظْلُومةِ الجَلَدِ وسمُّوا تراب القبر: (ظليمًا)؛ لأنه يُحفر وهو ليس محلاً للحفر أصلاً، ومنه قول الشاعر (¬1): فأَصْبَحَ في غَبْراءَ بعد إِشَاحةٍ ... من العيش مردودٍ عليها ظَلِيمُها هذا معروف في كلام العرب، ولم يأت الظلم في القرآن إلاّ بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف: الظلم منه بمعنى النقص، وهو قوله: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ} [الكهف: آية 33] يعني: ولم تنقص {مِنْهُ شيئًا}. إذا عرفتم هذا فَكُلّ مَنْ كَفَرَ بالله فقد وَضَعَ العِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعَها، ومن عصى ربه وأطاع الشيطان فقد وضع الطاعة في غير موضعها، ووضع المعصية في غير موضعها، ومن هنا كان الظلم يُطلق على الكفر وعلى المعاصي، قد قدمنا إطلاق الظلم على الكفر آنفًا في قوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13] {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: آية 106] وقد يطلق الظلم على معصية الله ولو لم تكن كفرًا كقوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: آية 32] {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} إلى قوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: آية 36] لا تعصوا الله فيهن، هذا معنى قوله: {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: بسببها. {فَانظُرْ} يا نبي الله {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} ¬
[الأعراف: آية 103] ماذا يؤول إليه أمر المفسدين من الوبال والدمار والخسار فإن جميع الأمم الماضية كانت عاقبة إفسادها عاقبة وخيمة جدًّا، فأهلك الله قوم نوح بالطوفان، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بالصيحة والرجفة والظّلة، وأهلك قوم موسى -فرعون وقومه- بالغرق كما سيأتي إيضاحه، وهذا معنى قوله: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} أهل الإفساد، وقد قدمنا أنهم الذين يحاولون أن يعملوا في الأرض بغير ما أنزل الله (جل وعلا) على رسله. يقول الله جل وعلا: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)} [الأعراف: الآيتان 104، 105] قرأ هذا الحرف جماهير القراء، منهم السبعة كلهم غير نافع: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} وقرأه نافع وحده من السبعة: {إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ حقيق عَلَيَّ أنْ لا أقول على الله إلا الحق} (¬1)، وقراءة الجمهور فيها إشكال معروف سنُلم به الآن إن شاء الله (¬2). معنى الآية: {وَقَالَ مُوسَى} نبي الله موسى يعلم أن فرعون ينكر رسالته كما بيَّنه تعالى في الشعراء بقوله: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)} [الشعراء: الآيتان 18، 19] من يقول فرعون عنه ¬
هذه الأوصاف لا يصدقه، وموسى يعلم ذلك. فأكد له في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف أنه رسول حقيق الرسالة، ليست رسالته بكذب ولا بزعم باطل، أنها رسالة صحيحة حق لا شك فيها، وأنها كائنة من رب العالمين، وهذا معنى قوله: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ} ناداه باسمه {إِنِّي رَسُولٌ} رسالته مبدؤها {مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (العالَمين) تشمل من في السماوات والأرض وما بينهما كما يأتي في الشعراء في قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآيتان 23، 24] {إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (من) لابتداء الغاية. {حَقِيقٌ} أصل مادة (الحاء والقاف والقاف) في لغة العرب تدل على الثبوت وعدم الاضمحلال. معناه: إني رسول حقيق. أي: رسالتي لا شك فيها، وأني رسول ثابت في ديوان المرسلين، رسالتي حق لا شك فيها، وأني رسول مبدأ رسالته من رب العالمين. أما على قراءة نافع فمعنى الآية واضح، ومعناه: {عَلَيَّ أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ} يلزمني ويجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق، فما أخبرتك يا فرعون إلا بالحق، وأني رسول من رب العالمين، ولو ربيتني وقتلتُ القبطي قتلة متقدمة، كل ذلك لا ينافي أني رسول، وأني صادق في مقالتي، فما قلت على الله إنه أرسلني إليك إلا وأنا قائل عليه بالحق لا كاذب عليه ولا متخرص.
أما على قراءة الجمهور فمعنى الآية الكريمة مشكل؛ لأن معنى {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ} فهذا معناه لم يتبادر إلى الذهن. وللعلماء في تفسير هذه الآية أجوبة معروفة عن هذا الإشكال، أقربها عندي واحد دلت عليه القرينة القرآنية، ولا ينبغي العدول عنه ومع أنه أصوب الأقوال فيما يظهر يَقِل مَنْ يَتَطَرّقه مِنَ العلماء، فأكثر أقوال المفسرين لا يذكرونه فيها، والظاهر أنه الصواب وإن قلَّ من يذكره منهم، وسنذكر الآن أقوال أهل العلم في الآية -على قراءة الجمهور- الكريمة: أن (على) بمعنى (الباء)، وقالوا: إن حروف الجر يخلف بعضها بعضًا، قالوا: و (الباء) تأتي بمعنى (على)، و (على) تأتي بمعنى (الباء). قالوا فمن إتيان الباء بمعنى (على): {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} [الاعراف: الآيه 86] أي: على كل صراط، كما زعموا. ومن إتيان (على) بمعنى (الباء) قالوا: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ} أي: حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي: حقيق أي: جدير وخليق بأن لا أقول على الله إلا الحق. وهذا التفسير تشهد له قراءة أُبيّ بن كعب رضي الله عنه {إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقُ بأَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} (¬1) قرأها أُبيّ هكذا، وهي وإن كانت قراءة شاذة فإنها تفيد بالنسبة إلى التفسير. ومما لا ينافي هذا قراءة بعض الصحابة غير أُبي: {إِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ أَنْ لاَ أقُولَ علَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ}؛ لأن هذه تحتمل تقدير الباء أيضًا، فهذا قول. القول الثاني: هو ما زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ من أن قوله: {حَقِيقٌ} ¬
مُضمّن معنى (حريص) على قراءة الجمهور، قالوا: {حقيق على أن لا أقول} [الأعراف: آية 105] أي: حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، واستشهد لهذا التضمين صاحب الكشاف في كشافه (¬1) بالبيت الذي أَنْشَدَهُ سيبويه في الكتاب (¬2)، قال: ومثله تضمين بيت الكتاب (هيجني) بمعنى: ذكَّرني. والبيت الذي يعني هو البيت المشهور في كتاب سيبويه وهو قول الشاعر (¬3): إِذا تَغَنَّى الحمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ... ولو تَسَلَّيْتُ عنها أُمَّ عَمَّارِ قالوا: (هَيَّجَنِي) معناه: فَكَّرَنِي أمَّ عَمَّار ولو تسلت عنها، وهذا القول من الأقوال التي لا تظهر، فلا يخلو عندي من بعُد، والله أعلم. وقال بعض العلماء (¬4): في الآية الكريمة قلب. وهذا القلب الذي يعنون هنا هو المعروف بالقلب العربي الذي فيه النزاع بين البلاغيين والنحويين كما هو معروف في محله، وهذا القلب أنكره جماعة من العلماء، وقال به جماعة. والحق أن هذا القلب العربي وإن أنكره البلاغيون وقالوا لا يجوز في العربية إلا إذا تضمن اعتبارًا لطيفًا، وسرًّا من أسرار اللغة العربية، وبغير ذلك لا يجوز. والنحويون يجيزه أكثرهم أنه أسلوب عربي إذا دل المقام عليه، وهو موجود في القرآن، وكثير في كلام العرب كما سنُلم به الآن إن شاء الله. ¬
واعلموا أن القلب يُطلق إطلاقين: يطلق في البديع، وهذا ليس من غرضنا؛ لأنه في فن البديع يسمى نوع منه القلب، وهو أن يكون الكلام إذا جئته من آخره قرأته كما جئته من أوله، فيكون الكلام يُقرأ معكوسًا كما يُقرأ مرتبًا (¬1)، كقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} [المدثر: آية 3] وقوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} [الأنبياء: آية 33] وقول الشاعر (¬2): مَوَدَّتهُ تدُومُ لكلِّ هولٍ ... وَهَل كُلّ مودتُه تدومُ فالآيتان والبيت تقرؤهما بالانعكاس كما تقرؤهما بالاطراد، وهذا ليس من غرضنا. النوع الثاني: القلب الذي يُذكر في المعاني، وهو القلب الذي يكون فيه قلب الفاعل مفعولاً مثلاً، وهذا أسلوب عربي معروف إذا دل المقام عليه، وهو موجود في كلام العرب وفي القرآن العظيم، ومن أمثلته في القرآن العظيم: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: آية 76] فالآية تقول: إن المفاتح تنوء بالعصبة، والمقصود القلب العربي؛ لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتح، أي: تنهض بها بمشقة وجهد كما هو واضح، قال بعضهم: ومنه في القرآن: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء} [القصص: آية 66] قالوا: يعني: فعموا عن الأنباء؛ لأن الإنسان هو الذي يعمى والأنباء لا تعمى، في أمثلة قرآنية. وهذا المعنى [16/ب] /إن دلت عليه القرائن، كثير في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير (¬3): ¬
...................... ... وقد تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيل لأن الكلام مقلوب؛ لأن (القُور) وهي الحجارة هي التي تتلفع. أي: تلتحف بالعساقيل، وهو السراب، فهو قال: إن السراب يلتحف بالعساقيل. والكلام مقلوب؛ لأن الحجارة هي التي تتلفع بالسراب، وهذا معنى قوله: ........................... ... وقد تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيل ومنه قول الآخر (¬1): ......................... ... كما طَيَّنتَ بالفِدَنِ السَّيَاعَا يعني: كما طينت الفدن بالسياع. أي: طينت القصر بالطين. وهو معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قول الشاعر (¬2): نزلت بخَيلٍ لا هوادةَ بينها ... وتشقى الرماحُ بالضَّيَاطِرةِ الحُمر يعني: وتشقى الضياطرة بالرماح. وهذا النوع من القلب أنكره علماء البلاغة وقالوا: لا يجوز إلا بما تضمن اعتبارًا وسرًّا لطيفًا كقلب التشبيه. فالتشبيه المقلوب يُقلب فيه المشبه مشبهًا به، والمشبه به مشبهًا. قالوا: إنما جاز هذا لنكتة، وهي إيهام أن الفرع أقوى في وجه الشبه من الأصل كقوله (¬3): ¬
وبَلَدٍ مُغبرةٍ أرجاؤهُ ... كأَنَّ لونَ أرضِهِ سَمَاؤُه والذين قالوا: في الآية قلب قالوا: المعنى: حقيق على أن لا أقول على الله، كأنه جعل نفسه حقيق على أن لا يقول على الله إلا الحق. والمراد: قلب الكلام. أي: يجب عليه، حقيق عليه هو {أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} فكأنه جعله هو الحقيق على القول. والمقصود: أن القول هو الحقيق عليه أن لا يقوله إلا بالحق، وفي الكلام قلب كما ترى، وهذا لا يلزم، وأنكره كثير من علماء العربية. والوجه الذي يظهر أنه أصوب الأوجه ولا ينبغي العدول عنه وإن قلّ من تنبه إليه من علماء التفسير: هو إن معنى الآية الكريمة: {إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ} [الأعراف: الآيتان 104، 105] وأما قوله: {عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ} تتعلق بمعنى الرسالة المشار إليها في الرسول، أي: أُرسلت مشترطًا علي، أُرسلت {عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} أي: أرسلني ربي على شرط ووتيرة معينة، وهي أن لا أقول عليه إلا الحق. وقال بعض العلماء: {عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ} تتعلق بقوله: {رَسُولٌ} {إِنِّي رَسُولٌ} أي: رسول {عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ}. وبعضهم يقول: هذا لا يجوز. والنحويون من البصريين يقولون: إن العامل إذا أخذ نعته -نُعت ووُصف- لا يعمل بعد ذلك. وعلى هذا لا يجوز إعمال (رسول) في قوله: {عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ} لأنه نُعت بقوله: {حَقِيقٌ} ولكن الأصوب في هذا أن يُقدّر عامل من جنس الرسول، فيكون المعنى: إني رسول حقيق من رب العالمين
أُرسلت. أي: أرسلني رب العالمين، أرسلني على أن لا أقول عليه كذبًا، ولا أقول على الله إلا الحق، وهذا الوجه واضح لا إشكال فيه، ليس فيه تعسف ولا تكلف، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره وإن قل من انتبه إليه من علماء التفسير. وهذا معنى قوله: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} [الأعراف: آية 105]. الحق في لغة العرب: الثابت الذي ليس بزائل ولا بمضمحل، وعكسه الباطل. والمراد بالحق هنا: هو الشيء المطابق للحقيقة والصواب والواقع في نفس الأمر. {قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} قد قدمنا أن البينة (¬1) هي الدليل الواضح الذي لا يترك بالحق لبسًا. {بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} (من) لابتداء الغاية، والرب هو السيد الخالق المدبر الذي يدبر أمور الناس، وهو مُشْتَرك بين عشرة معان كما قدمنا (¬2). {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (إسرائيل) هو نبي الله يعقوب (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)، ومعنى: (إسرائيل): عبد الله، و (إسرائيل): هو يعقوب، و (بني إسرائيل): أولاد يعقوب؛ لأنكم عرفتم في القرآن في قصة يوسف أنه لما أرسل إليهم وجاءوه في آخر حياة يعقوب، واجتمعوا به في مصر، سكنوا بعد ذلك في مصر وتناسلوا، وحتى سلط الله عليهم فرعون وأهانهم الإهانة المشهورة المعروفة بالقرآن، وسيأتي بيانها في هذه السورة الكريمة - سورة ¬
الأعراف - وكان الله (جل وعلا) سلط فرعون مصر على الإسرائيليين فكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستعمل الموجودين منهم بالخدمة الشاقة، وأنقذهم الله منه على يد موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام). يزعم بعض المفسرين والمؤرخين أن بين مجيء يعقوب وأولاده ليوسف في مصر وبين مجيء موسى من مدين - لينقذهم من فرعون - يزعمون أن بينهما أربعمائة سنة والله أعلم. ويزعمون أيضًا أن مجيء يعقوب وأولاده أنهم كانوا حول الثمانين، وأن خروج الإسرائيليين الآتي ذكره من مصر عند فلق البحر لهم وإغراق فرعون وقومه أنهم كانوا يزيدون على ستمائة ألف والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله: {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} معنى (أرسل معي بني إسرائيل) ارفع يدك عنهم، ولا تعذبهم، ولا تتعرض لهم بسوء، وخلّهم يذهبون معي إلى حيث يشاءون، هذا معنى قوله: {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: آية 105]. {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ} [الأعراف: آية 106] في هذه السورة الكريمة لم يذكر عن فرعون أنه تعرض لموسى بكلام وإنما أجابه على طبق السؤال؛ لأن موسى قال: {قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} ورتب عليه بالفاء {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: آية 105] قال فرعون مجاوبًا على طبق السؤال: {إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا} يعني إن كنت صادقًا في قولك: {قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} فالبينة (¬1): الدليل الذي لا يترك في الحق لبسًا. والآية: العلامة على الصدق، ¬
وهي المعجزة كما ترى هنا. {فَأْتِ بِهَا} يعني: ائتنا بها وبَيِّن لنا إن كنت من الصادقين {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} جزاء الشرط فيه محذوف دل عليه ما قبله، أي: {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فأت بها. عند البصريين، ولا مانع عند الكوفيين من تقدم جزاء الشرط عليه فيكون قوله: {فَأْتِ بِهَا} جواب شرط {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وهذا عند الكوفيين لا مانع منه. ( ... ) (¬1) تجيب بها إلا كلامًا لا نفي فيه، لا تكاد تجد (نعم) في كلام العرب إلا جوابًا لكلام إثبات لا نفي فيه؛ لأن الكلام إذا كان فيه نفي كان جوابه بـ (بلى) لا بـ (نعم). فلو قلت لك: هل جاء زيد؟ أعندك ذا؟ تقول: نعم. ولو قلت لك: ألم يأت كذا؟ تقول لي: بلى ولا تقول: نعم. وإذا سُمع عن العرب إتيان (نعم) في كلام فيه نفي فإنه يُحفظ ولا يُقاس عليه؛ لأنه لا ينقاس، ولكنه سماع يُحفظ ولا يقاس عليه، وقد سُمع عن العرب إتيان (نعم) جوابًا لسؤال مقترن بنفي. فالمحل إذْ ذاك بـ (بلى) لا بـ (نعم)، إلا أنهم جاءوا بـ (نعم) سماعًا، ومنه قول الشاعر (¬2): أَلَيْسَ الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ ... وإيَّانَا فذاك بنا تَداني ... نَعَم وتَرى الهِلالَ كما أراهُ ... ويعلُوها النهارُ كما عَلاني فالمحل هنا لـ (بلى) لا لـ (نعم)، ولكنه جاء بـ (نعم) هنا، وقد نص علماء العربية أنها لو سمعت عن العرب في مثل هذا حُفظ ¬
ولا ينقاس عليه (¬1). قوله: {وَإنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} أي: ولكم عندي زيادة على الجُعل الذي تطلبون وهو كونكم من المقربين، أي: من أهل المكانة والوجاهة والجاه العظيم عندي، ذلك زيادة لكم على ما سألتم من الجعل. هذا معنى قوله: {قَالَ نَعَمْ وَإنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)} [الأعراف: آية 114]. {قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)} [الأعراف: الآيات 115 - 124]. يقول الله جل وعلا: {قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)} [الأعراف: الآيتان 115، 116]. بين (جل وعلا) في سورة طه أنه عند هذه المناظرة والمغالبة نصح [موسى] (¬2) السحرة وقال لهم: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ¬
فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} وفي القراءة الأخرى (¬1): {فَيَسْحَتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَن افْتَرَى} [طه: آية 61] ثم ذكر عن السحرة ما ذكر في قولة: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)} [طه: الآيات 62 - 64]. لما أجمعوا كيدهم وجاءوا صفًّا قالوا لموسى: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: آية 115] (إما) هذه أداة تقسيم معروفة، والمصدر المنسبك من (أن) وصلتها في إعرابه للعلماء وجهان: أحدهما: أنه في محل نصب بمفعول محذوف. والمعنى: إما أن تختار أن تلقي أولاً، أي: تختار إلقاءك قبلنا، وإما أن تختار كوننا من الملقين؟ ومفعول الإلقاء لم يذكر هنا إلا أنه ذكر قي آيات أُخر، فإلقاء موسى مفعوله العصا، والمعنى: إما أن تلقي عصاك وإما أن نكون نحن الملقين حبالنا وعصينا؛ لأن الذي يلقيه هو: هو عصاه، والذي يلقونه: هو حبالهم وعصيهم كما قال هنا: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [الأعراف: آية 117] فبين أن الذي يلقي هو عصاه، وذكره في طه والشعراء، وبين في سورة الشعراء أن الذي يُلقيه السحرة هو حبالهم وعصيهم كما قال: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)} [الشعراء: آية 44] هذا معنى قوله: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}. الوجه الثاني: أن المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل ¬
رفع مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: إما إلقاؤك أولَ، وإما كوننا نلقي أولَ. وقال بعض العلماء: هو خبر مبتدأ محذوف: إما الأمر إلقاؤنا، وإما الأمر إلقاؤك. والكل متقارب، وهذا معنى قوله: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}. يقول جماعة من علماء التفسير هنا: إن هذا حُسن أدب من السحرة، تأدبوا مع موسى هل يحب أن يكون هو أول من يلقي، أو يلقي هو الآخر. وحتى قال بعضهم (¬1): لما تأدبوا مع نبي الله كان من حكمة الله أن تفضّل عليهم بالهدى والإيمان. والتحقيق الذي يظهر: أن السحرة في ذلك الوقت كفرة فجرة قبل أن يهديهم الله، وأن هذا كأنه إظهار ثقتهم بأنفسهم وسحرهم واعتقادهم أنهم غالبون، يعنون: إن ألقيت قبلنا غلبناك، وإن ألقينا قبلك غلبناك، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر!! هذا هو الأظهر، وهذا معنى قوله: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: آية 115] قال لهم نبي الله موسى: تقدموا أنتم أولاً وألقوا قبلي. ومفعول (ألقوا) محذوف، ألقوا ما أنتم ملقون. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)} [الشعراء: آية 44] فلما قال لهم نبي الله موسى: «ألقوا» يعني: ألقوا ما أنتم ملقون. يزعم بعض المفسرين أنهم نحو من [] (¬2) عند كل واحد منهم عصا ضخمة، وحبل ضخم، وأن كل واحد منهم جعل السحر في عصاه وحبله، حتى كانت الدنيا كأنها حيات كالجبال ¬
يركب بعضها بعضًا، وخاف الخلق جميعًا خوفًا عظيمًا. وذكر الله في سورة طه أن موسى داخله بعض الخوف كما يأتي في قوله: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67)} [طه: آية 67] حيث قال: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67)} [طه: الآيات 65 - 67] وهذا الترتيب بالفاء لأن نبي الله موسى أوجس في نفسه الخيفة من عِظَم سحرهم كما قال هنا: {وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 116]. وبعض المفسرين يقولون: لم يخف نبي الله من سحرهم، وإنما خاف أن يتفارق الناس ويهربوا قبل أن يُقيم حجته أمامهم. هكذا قاله بعضهم والله أعلم، هذا معنى قوله: {قَالَ أَلْقُوْاْ}. وهذه الآية فيها سؤال معروف، وهو أن يُقال: إن نبي الله موسى بن عمران (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) رسول كريم، والرسول لا يأمر بمنكر، وقوله لهؤلاء السحرة: {أَلْقُوْا} أمر بمنكر؛ لأنه أمرهم بأشد المنكر، وهو الإتيان بالأسحار تُعارض بها معجزات الله التي أيَّد بها رسله؟ والجواب عن هذا معروف (¬1): وهو أن نبي الله موسى (صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم) لا يريد أمرهم بإلقاء الحبال والعصي سحرًا خبيثًا تُعارض به آيات الله، وإنما مراده إبطاله؛ لأنه في ذلك الوقت لا طريق إلى إبطاله إلا هذا، وهي أن يبرزوه ثم تأتي آية الله ومعجزة الله التي هي هذه العصا فتبتلع جميع ذلك وتترك ¬
الميدان خواء ليس فيه شيء، ولما كان هذا هو الطريق الوحيد للحق اضطُر إليه (صلوات الله وسلامه عليه)، وهذا معنى قوله: {قَالَ أَلْقُوْا}. وفي الكلام حذف دل المقام عليه، أي: ألقُوا حبالكم وعصيكم فألقَوا، فلما ألقَوا حبالهم وعصيهم {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ} دل قوله: {أَعْيُنَ النَّاسِ} على أن سحرهم من جنس الشعبذات؛ لأنهم جاءوا بسحر أخذ بعيون الناس حتى صارت ترى تخييلات ليست بحقيقية، وترى العصي والحبال تظنها حيات - ثعابين - من أضخم الحيات، بالمئات والآلاف مكدّسة كالجبال، يركب بعضها بعضًا، حتى خاف الخلق منها خوفًا شديدًا، فقوله هنا: {أَعْيُنَ النَّاسِ} يدل على أنه تخييل بالنسبة للعين لا حقيقة. وقد صرح بذلك في طه بقوله: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: آية 66] وزعم بعض المفسرين أن الزئبق كان متوفرًا عندهم، وأنهم ملؤوا داخل العصي والحبال من الزئبق وطرحوها حتى تأثر الزئبق بحرّ الشمس فلما تأثر الزئبق تحركت العُصي والحبال صار بعضها يلتوي على بعض ويركب بعضها بعضًا!! هكذا يقول بعضهم (¬1). ويظهر أنه سحر أخذوا به عيون الناس حتى صار يَتَراءى لهم هذا من الحيات العظام الكبار الضخام يركب بعضها بعضًا. وهذا معنى قوله: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ}. {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} قد تقرر في فن العربية أن تأتي (اسْتَفْعَل) مزيدة بهمزة الوصل والسين والتاء بمعنى (أفْعَل) وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ ¬
رَبُّهُمْ} [آل عمران: آية 195] يعني: أجاب، ومما يدل عليه من كلام العرب قول سعد بن كعب الغنوي (¬1): وداعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى الندى ... فلَم يَسْتجبه عند ذَاكَ مُجيبُ فإنه جاء بـ (مجيب) التي هي اسم فاعل (أجاب) جاء بها فاعلاً لـ (استجاب)، فدل على أنه أطلق (استجاب) وأراد (أجاب) كما هو واضح. معنى: {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} أرهبوهم. والرهب: الخوف. يعني: خوفوا الناس خوفًا شديدًا. قال بعض العلماء: استرهبوهم: استدعوا رهبتهم وخوفهم بهذا السحر العظيم. وفي هذه الآية من سورة الأعراف سؤال معروف: وهو أن يُقال: دلت آية الأعراف هذه على أن سحر سحرة فرعون من نوع الشعبذات والأخذ بالعيون حتى يتراءى للإنسان غير الواقع في الحقيقة؛ لأنه قال: {أَعْيُنَ النَّاسِ} وصرح بما يدل على ذلك في قوله في طه: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: آية 66] وهاتان الآيتان - آية طه وآية الأعراف - كلتاهما تدل على أن سحر سحرة فرعون من نوع الخيالات والشعبذات، ومع هذا وصفه الله بالعِظَم في قوله: {بِسِحْرٍ عَظِيم} هذا هو وجه السؤال؟ وللعلماء عنه جواب (¬2): وهو أنه في الحقيقة تخييل وأخذ بالعيون حتى صار يَتَراءَى لها غير الواقع، وإنما وصفه بالعِظَم قالوا: لكثرة العصي والحبال وضخامتها. فهذا التخييل وإن كان تخييلاً خيل ¬
للناس هذا العدد الضخم الكبير من هذه الحيات العظام الكبار كأنها جبال يركب بعضها بعضًا، فصار بهذا المنظر الهائل مع التخييل وكثرته كأنه عظيم، وصار في نفس الأمر أخذًا بالعيون وتخييلاً، وفي هذا يزول الإشكال بين الآيات، وهذا معنى قوله: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} أي: أخافوهم. والرهب: الخوف. أرهبه: أخافه. والإرهاب: التخويف {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} أرهبوهم، أي: أخافوهم. فجاءوا بسحر عظيم؛ لكثرة تلك الحبال والعصي وضخامتها وكبرها، وكون بعضها يركب بعضًا حتى امتلأ الوادي بالحيات العظام والأفاعي، حتى خاف جميع الناس، وهذا معنى قوله: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 116]. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (119)} [الأعراف: الآيات 117 - 119]. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)}. في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات (¬1): قرأه جمهور القراء غير حفص عن عاصم والبزي عن ابن كثير: {فإذا هي تَلَقَّفُ ما يأفكون} وقرأه البزي وحده عن ابن كثير: {فإذا هي تَّلَقَّفُ ما يأفكون} بتشديد التاء بإدغام إحدى التاءين في الأخرى؛ لأن أصله: (تتلقف) وقرأه حفص عن عاصم: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} مضارع لقِفه بكسر القاف يلقَفه بفتحها. فَتَحَصَّل أن قراءة الجمهور: ¬
{تَلَقَّف ما يأفكون} [الاعراف: آيه 117] وهو مضارع (تَلَقَّفَه يَتَلَقَّفه) إذا ابتلعه بسرعة هائلة. والمعنى: كل من التقم شيئًا بسرعة تقول العرب: «تَلَقَّفَه ولَقِفَه». فقراءة الجمهور حُذف فيها إحدى التاءين، أصلها: فإذا هي تتلقف ما يأفكون، أي: تبتلعه وتلتقمه بسرعة، وعلى قراءة البزي فأصله: فإذا هي تَّلَقَّف ما يأفكون. في الصلة خاصة، فهي واضحة؛ لأن (تفعّل) و (تفاعل) يجوز فيها الإدغام. واستجلاب همزة الوصل، وهو كثير، كاطّيرنا بمعنى: تطير، وازيّنت بمعنى: تزين، وادّارك بمعنى: تدارك، وهو كثير، ومن أمثلته في الماضي في كلام العرب قول الشاعر (¬1): تُولي الضجيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرًا ... عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ يعني: تتابع القُبل. وهذا لا إشكال فيه. أما على قراءة حفص عن عاصم: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} فهو مضارع لقفه يلقفه إذا ابتلعه بسرعة. فمعنى القراءتين واحد. ومعنى: {مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: آية 117] يأفكون: مضارع أفكه يأفكه بالكسر، وأصل المادة الهمز والفاء والكاف (أَفَكَ) معناه: قَلْبُ الشيء وصرفه، فالأَفْك قلب الشيء وصرفه؛ ولذا سُمي الكذب إفكًا لأنه قلب للكلام وصرف له عن حقيقته الواقعة إلى الكذب والباطل، ومن أجل هذا سُميت قرى قوم لوط: (المؤتفكات)، سمَّاها الله: (المؤتفكات) وسماها: (المؤتفكة) في قوله: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53)} [النجم: آية 53] وإنما سماها: (مؤتفكة) لأن جبريل عليه السلام أَفَكَها بإذن الله. أي: قلبها، ومعنى ¬
أَفْكِهِ لها هو قلبها وجعل عاليها سافلها كما صرح الله به في قوله: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجر: آية 74] وما جُعل عاليه سافله فقد أُفك، أي: قُلب حتى صار أعلاه أسفله. هذا أصل الإفك (¬1). ومعنى: (يأفكون) يختلقون ويكذبون ويفترون من أن هذه العصي والحبال أنها حيات حقيقية مثل العصا التي عند موسى. سماه إفكًا لأنه قلب [لحقيقة الأمر] (¬2) وصرف له عن حقيقته الصحيحة إلى الكذب والافتراء. ومعنى الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما جاءوا بذلك السحر العظيم أوحى الله إلى نبيّه موسى أن يلقي عصاه؛ ولذا قال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} وصيغة الجمع للتعظيم؛ يعني: فألقى عصاه بأمر من الله {فَإِذَا هِيَ} فاجأ ذلك من العصا، إذا هي {تَلْقَفُ} أي: تبتلع جميع ما يأفكون. فلما ألقاها موسى من يده، وانقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت بسرعة وقوة هائلة وعناد هائل، قال ابن زيد: كانت مناظرة موسى وسحرة فرعون في الإسكندرية من مصر، وكان ذَنَبُ العصا لما انقلبت حية وراء البحر كما يزعمون، والله أعلم. وعلى كل حال فقد صرّح الله بأنها ابتلعت جميع ما في الميدان من الحبال والعصي. يقولون: انقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت تبتلع ذلك الموجود حبلاً حبلاً، عصًا عصًا، تلتقم ذلك وتبتلعه ولا يظهر في ضخم جثتها ولا يزيد فيها حتى تركت الميدان ¬
ليس فيه حبل وليس فيه عصا!! ويقول المؤرخون والمفسرون (¬1): إن الخلق خافوا خوفًا شديدًا، وأنه مات منهم عدد من الآلاف كثير من شدة الزحام هربًا من خلقها!! ويزعمون أن فرعون كان في مجلس له هو وقومه ينظر، وأنه داخله خوف شديد حتى قال بعضهم: إِنَّهُ سَلَحَ ثلاثمائة سلحة (¬2)!! وقال بعضهم: كان لا يأتي الغائط في أربعين يومًا إلا مرة واحدة وفي ذلك اليوم وقع منه ذلك أربعون مرة كما يقولون!! والله أعلم. وعلى كل حال لما ألقى موسى العصا واستحالت إلى هذا الثعبان العظيم والتقمت جميع ما كانوا يكدّسونه من الحبال والعصي ولم يبق فيهم شيء، وجاء موسى وأخذها بيده فإذا هي عصاه، ولم يوجد أثر ولا عين لتلك الحبال والعصي، عرف السحرة أن هذا أمر من خالق السماوات والأرض فخرّوا ساجدين لله بإيمان صحيح، وإخلاص عظيم رغم فرعون، وقالوا: آمنا بالله رب العالمين، رب موسى وهارون، وداخلتهم بشاشة الإيمان مداخلة هائلة عظيمة، فعبّر الله عن شدة عظم البرهان بقوله: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)} [الأعراف: آية 120] عبر بقوله: {وَأُلْقِيَ} كأن إنسانًا أمسكهم وألقاهم ساجدين بالقوة لقوة البرهان الذي رأوا به الحق، ¬
ومن هنا تعلم أنه قد يكون الشيء الخسيس الحقير وفيه بعض النفع كما قالوا: ( .... ) (¬1) لأن علم السحر -قبَّحه الله- من أخسّ العلوم وأقبحها، وقد صرح الله (جل وعلا) في المحكم المنزل في سورة البقرة أن تعلمه يضر ولا ينفع، فهو ضرر محض لا نفع فيه كما قال تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} ولكن الله قد نفع هؤلاء القوم بهذا العلم الخسيس الخبيث، فتبين أن قوله: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [البقرة: آية 102] من جميع الحيثيات غير هذه الحيثية وهو انتفاعهم به أنهم كانوا عالمين بالسحر عارفين بحدوده التي ينتهي إليها، فلما جاءت العصا والتقمت جميع الحبال والعصي ولم يجدوا حبلاً ولا عصا عرفوا أن هذا من الله؛ لأنهم يعرفون السحر ويعرفون مدى تأثيره، فمعرفتهم بالسحر كانت نفعًا لهم بأن عرفوا أن العصا ليست من جنس السحر، فلو كانوا جاهلين بالسحر لظنوا أن عصا موسى من جنس السحر والشعوذة، وهم لما عرفوا السحر تمامًا عرفوا أن البرهان خارج عن طور السحر، وأنه لا يدخل فيه، وأنه أمر إلهي؛ ولذا ذُكر عنهم أنهم قالوا: لو كانت العصا من جنس السحر لوجدنا حبالنا وعصينا، فما انعدمت حبالنا وعصينا من أصلها إلا ببرهان من السماء. قيل: وقد قالوا لفرعون: إن كان هذا من سحر أهل الأرض فثق بأنا نغلبه، والذي لا طاقة لنا به هو شيء يأتي من السماء، فإن كان عنده شيء يأتي من السماء فلا طاقة لنا به، فلما كان من أمر العصا ما كان علموا أنه من السماء وأنه مِنْ أَمْرِ اللهِ فآمنوا هذا الإيمان العظيم؛ ولذا قال الله عنهم: ¬
{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)} [الأعراف: آية 120]. ومعنى قوله: {فَوَقَعَ الْحَقُّ} لما ابتلَعَتِ العصا كل ما في الميدان مما أفكوه واختلقوه من الحبال والعصِي لما ابتلعت العصا ذلك كله قال تعالى: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (118)} رتب على ذلك وقوع الحق بالفاء، قال بعض العلماء: (وقع الحق) معناه: حصل وانثبت. وجماهير المفسرين يقولون: (وقع الحق) هنا معناه: ظهر واستبان واتَّضَحَ، حيث ظهر الحق واستبان واتضح، وبطل الباطل واضْمَحَلَّ، وعُرفت الحقيقة على بابها. والعرب يطلقون الوقوع على الظهور، قال بعضهم: الوقوع في لغة العرب: ظهور الشيء بوروده منحدرًا إلى مستَقَرِّهِ. وعلى كل حال فأكثر العلماء منهم ابن عباس وغيره يقولون: {فَوَقَعَ الْحَقُّ} أي: ظَهَرَ واسْتَبَان واتَّضَحَ الحق أنه مع نبي الله موسى، وبطل ما ك